الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التفسير الصافي - الفيض الكاشاني ج 4

التفسير الصافي

الفيض الكاشاني ج 4


[ 1 ]

تفسير الصافي (4)

[ 2 ]

(هوية الكتاب) الكتاب: تفسير الصافى المؤلف: فيلسوف الفقهاء المولى محسن الفيض الكاشانى (قدس سره) الطبعة: الثانية العدد: 5000 نسخة القطع: وزيرى عدد الصفحات مجلدات الخمس: 2288 صفحة ليتو غراف: آرمان المطبعة: مؤسسة الهادى - قم المقدسة تاريخ الطبعة: شهر رمضان 1416 قمرية - 1374 شمسية الناشر: مكتبة الصدر - بطهران - شارع ناصر خسرو تليفون 397696 السعر: 850 تومان

[ 3 ]

تفسير الصافي تأليف فيلسوف الفقهاء، وفقيه الفلاسفة، استاذ عصره ووحيد دهره، المولى محسن الملقب به الفيض الكاشاني المتوفى سنة 1091 ه‍ الجزء الرابع

[ 4 ]

سورة الفرقان مكية كلها وقال ابن عباس إلا ثلاث آيات منها نزلت بالمدنية من قوله والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله غفورا رحيما عدد آيها سبع وسبعون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (1) تبارك الذى نزل الفرقان على عبده تكاثر خيره من البركة وهي كثرة الخير وقد سبق تفسير الفرقان في سورة آل عمران ليكون العبد أو الفرقان للعلمين نذيرا للجن والأنس منذرا أو إنذارا كالنكير بمعنى الأنكار (2) الذى له ملك السموت والارض ولم يتخذ ولدا كما زعمه النصارى ولم يكن له شريك في الملك كقول الثنوية وخلق كل شئ فقدره تقديرا القمي عن الرضا عليه السلام قال تدري ما التقدير قيل لا قال هو وضع الحدود من الاجال والأرزاق والبقاء والفناء تدري ما القضاء قيل لا قال هو إقامة العين (3) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون لأن عبدتهم ينحتونهم ويصورونهم ولا يملكون ولا يستطيعون لانفسهم ضرا دفع ضر ولا نفعا ولا جلب نفع ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا ولا يملكون إماتة أحد وإحيائه أولا وبعثه ثانيا ومن كان كذلك فبمعزل عن الالوهية (4) وقال الذين كفروا إن هذا يعنون القرآن إلا إفك كذب مصروف عن وجهه افتريه إختلقه وأعانه عليه قوم آخرون القمي قالوا هذا الذي يقرأه رسول الله صلى الله عليه وآله ويخبرنا به إنما يتعلمه من اليهود ويكتبه من علما آلنصارى ويكتب عن رجل يقال له إبن قبيطة ينقله عنه بالغداة والعشي فحكى سبحانه وتعالى قولهم فرد عليهم

[ 5 ]

وعن الباقر (عليه السلام) الأفك الكذب وقوم آخرون يعنون أبا فكيهة وحبرا وعداسا وعابسا مولى حويطب فقد جاؤوا ظلما وزورا (5) وقالوا أساطير الاولين ما سطره المتقدمون اكتتبها كتبها بنفسه أو إستكتبها فهى تملى عليه بكرة وأصيلا القمي قول النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة (6) قل أنزله الذى يعلم السر في السموت والارض لأنه أعجزكم عن آخركم بفصاحته وتضمن أخبارا عن مغيبات مستقبلة وأشياء مكنونة لا يعلمها إلا عالم الأسرار فكيف تجعلونه أساطير الأولين إنه كان غفورا رحيما فلذلك لا يعجل في عقوبتكم على ما تقولون مع كمال قدرته واستحقاقكم إن يصب عليكم العذاب صبا (7) وقالوا مال هذا الرسول ما لهذا الذي يزعم الرسالة وفيه إستهانة وتهكم يأكل الطعام كما نأكل ويمشى في الاسواق لطلب المعاش كما نمشي والمعنى إن صح دعواه فما باله لم يخالف حاله حالنا وذلك لعمههم وقصور نظرهم على المحسوسات فإن تميز الرسل ممن عداهم ليس بأمور جسمانية وإنما هو بأحوال نفسانية كما أشار إليه بقوله قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى انما إلهكم إله وحد لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا ليعلم صدقه بتصديق الملك (8) أو يلقى إليه كنز فيستظهر به ويستغني عن تحصيل المعاش أو تكون له جنة يأكل منها على سبيل التنزل أي إن لم يلق إليه كنز فلا أقل أن يكون له بستان كما للدهاقين والمياسير فيتعيش بريعه وقرئ نأكل بالنون وقال الظلمون إن تتبعون ما تتبعون إلا رجلا مسحورا سحر فغلب على عقله قيل وضع الظالمون موضع ضميرهم تسجيلا عليهم بالظلم فيما قالوا والقمي عن الباقر عليه السلام نزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله بهذه الاية هكذا وقال الظالمون لال محمد عليهم السلام حقهم إن يتبعون إلا رجلا مسحورا

[ 6 ]

(9) انظر كيف ضربوا لك الامثل قالوا فيك الأقوال الشاذة واخترعوا لك الأحوال النادرة فضلوا عن الطريق الموصل إلى معرفة خواص النبي صلى الله عليه وآله والتميز بينه وبين المتنبي فخبطوا خبط عشواء فلا يستطيعون سبيلا إلى القدح في نبوتك أو إلى الرشد والهدى والقمي عن الباقر عليه السلام إلى ولاية علي عليه السلام وعلي هو السبيل (10) تبارك الذى إن شآء جعل لك في الدنيا خيرا من ذلك مما قالوه ولكن أخره إلى الاخرة لأنه خير وأبقى جنت تجرى من تحتها الانهر ويجعل لك قصورا وقرئ يجعل بالرفع في الأحتجاج وتفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة عند قوله سبحانه أم تريدون أن تسئلوا رسولكم كما سئل موسى من قبل قال الأمام عليه السلام قلت لأبي علي بن محمد عليهما السلام هل كان رسول الله صلى الله عليه وآله يناظر اليهود والمشركين إذا عاتبوه ويحاجهم قال مرارا كثيرة وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة فابتدأ عبد الله بن أبي امية المخزومي فقال يا محمد لقد أدعيت دعوى عظيمة وقلت مقالا هائلا زعمت أنك رسول رب العالمين وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق أجمعين أن يكون مثلك رسوله بشرا مثلنا يأكل كما نأكل ويمشي في الأسواق كما نمشي وهذا ملك الروم وهذا ملك الفارس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال عظيم خطير له قصور ودور وفساطيط وخيام وعبيد وخدام ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم فهم عبيده ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده بل لو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ما أنت يا محمد إلا مسحورا ولست بنبي ثم إقترحوا أشياء كثيرة مضى ذكرها في سورة بني إسرائيل ويأتي ذكر بعضها في سورة الزخرف إن شاء الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اللهم أنت السامع لكل صوت والعالم بكل شئ تعلم ما قاله عبادك فأنزل الله عليه يا محمد وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام إلى قوله قصورا مع آيات اخر قد مضت قال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا عبد الله أما ما ذكرت من إني آكل

[ 7 ]

الطعام كما تأكلون وزعمت أنه لا يجوز لأجل هذه أن أكون لله رسولا فإنما الأمر لله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد وهو محمود وليس لي ولا لأحد الأعتراض بلم وكيف ألا ترى أن الله كيف أفقر بعضا وأغنى بعضا وأعز بعضا وأذل بعضا وأصح بعضا وأسقم بعضا وشرف بعضا ووضع بعضا كلهم ممن يأكل الطعام ثم ليس للفقراء أن يقولوا لم أفقرتنا وأغنيتهم ولا للوضعاء أن يقولوا لم وضعتنا وشرفتهم ولا للزمناء والضعفاء أن يقولوا لم أزمنتنا وأضعفتنا وصححتهم ولا للأذلاء أن يقولوا لم أذللتنا وأعززتهم ولا لقباح الصور أن يقولوا لم أقبحتنا وجملتهم بل إن قالوا ذلك كانوا على ربهم رادين وله في أحكامه منازعين وبه كافرين ولكن جوابه لهم أنا الملك الخافض الرافع المغني المفقر المعز المذل المصحح المسقم وأنتم العبيد ليس لكم إلا التسليم لي والأنقياد لحكمي فإن سلمتم كنتم عبادا مؤمنين وإن أبيتم كنتم بي كافرين وبعقوباتي من الهالكين ثم أنزل الله عليه يا محمد قل إنما أنا بشر مثلكم يعني آكل الطعام يوحى إلى انما إلهكم إله واحد يعني قل لهم أنا في البشرية مثلكم ولكن ربي خصني بالنبوة كما يخص بعض البشر بالغنى والصحة والجمال دون بعض من البشر فلا تنكروا أن يخصني أيضا بالنبوة ثم أجاب عن مقترحاتهم الأخر بما سبق ذكره في سورتي بني إسرائيل والأنعام ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وأما قولك ما أنت إلا رجل مسحور فكيف أكون كذلك وقد تعلمون إني في صحة التميز والعقل فوقكم فهل جربتم علي مذ نشأت إلى أن استكملت أربعين سنة خزية أو ذلة أو كذبة أو خيانة أو خطأ من القول أو سفها من الرأي أتظنون أن رجلا يعتصم طول هذه المدة بحول نفسه وقوتها أو بحول الله وقوته وذلك ما قال الله انظر كيف ضربوا لك الامثل فضلوا فلا يستطيعون سبيلا إلى أن يثبتوا عليك عمى بحجة أكثر دعاويهم الباطلة التي تبين عند التحصيل بطلانها (11) بل كذبوا بالساعة فقصرت أنظارهم على الحطام الدنيوية فظنوا أن الكرامة إنما هي بالمال وطعنوا فيك بفقرك وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا نارا شديدة الأسعار (12) إذا رأتهم إذا كانت بمرئ منهم من مكان بعيد في المجمع عن الصادق عليه السلام والقمي قال من مسيرة سنة سمعوا لها

[ 8 ]

تغيظا وزفيرا صوت تغيظ (13) وإذآ ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين القمي قال مقيدين بعضهم مع بعض دعوا هنالك ثبورا هلاكأ أي يتمنون هلاكأ وينادونه (14) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا اي يقال لهم ذلك وادعوا ثبورا كثيرا لأن عذابكم انواع كثيرة (15) قل اذلك خير ام جنة الخلد التى وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (16) لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا كان ما يشاؤون موعودا حقيقا بأن يسئل ويطلب أو سأله الناس بقولهم ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك أو الملائكة بقولهم وأدخلهم جنت عدن (17) ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله يعم كل معبود سواه فيقول أي للمعبودين وقرئ بالنون فيهما ءأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل لأخلالهم بالنظر الصحيح وإعراضهم عن المرشد النصيح وهو إستفهام تقريع وتبكيت للعبدة (18) قالوا سبحنك تعجبا مما قيل لهم لأنهم إما ملائكة وأنبياء معصومون أو جمادات لا تقدر على شئ أو إشعارا بأنهم الموسومون بتسبيحه وتوحيده فكيف يليق بهم إضلال عبيده أو تنزيها لله عن الأنداد ما كان ينبغى لنآ ما يصح أن نتخذ من دونك من أولياء في المجمع عن الباقر عليه السلام إنه قرأ نتخذ بضم النون وفتح الخاء ولكن متعتهم وآباءهم بأنواع النعم واستغرقوا في الشهوات حتى نسوا الذكر حتى غفلوا عن ذكرك والتذكر لالائك والتدبر في آياتك وكانوا قوما بورا هالكين (19) فقد كذبوكم التفات إلى العبدة بالأحتجاج والألزام على حذف القول والمعنى فقد كذبكم المعبودون بما تقولون في قولكم إنهم آلهة وهؤلاء أضلونا وقرء

[ 9 ]

بالياء أي كذبوكم بقولهم سبحانك ما كان ينبغى لنا فما يستطيعون اي المعبودون وقرء بالتاء على خطاب العابدين صرفا دفعا للعذاب عنكم ولا نصرا فيعينكم عليه ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا وهو النار (20) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا انهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق جواب لقولهم مال لهذا الرسول ياكل الطعام ويمشى في الاسواق في المجمع عن علي عليه السلام انه قرء يمشون بضم الياء وبفتح الشين المشددة اي يمشيهم حوائجهم أو الناس وجعلنا بعضكم ايها الناس لبعض فتنة ابتلاء ومن ذلك ابتلاء الفقراء بالأغنياء والمرسلين بالمرسل إليهم ومناصبتهم لهم العداوة وإيذاؤهم لهم وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وآله على ما قالوه بعد نقضهم اتصبرون علة للجعل اي لنعلم ايكم يصبر وحث على الصبر على ما افتتنوا به وكان ربك بصيرا بمن يصبر وبمن لا يصبر (21) وقال الذين لا يرجون لقاءنا بالخير لكفرهم بالبعث وأصل اللقاء الوصول لولا هلا انزل علينا الملئكة فيخبرونا بصدق محمد أو يكونون رسلا الينا أو نرى ربنا فيأمرنا بتصديقه واتباعه لقد استكبروا في انفسهم في شأنها وعتو وتجاوزوا الحد في الظلم عتوا كبيرا بالغا أقصى مراتبه حيث عاينوا المعجزات القاهرة فأعرضوا عنها واقترحوا لأنفسهم الخبيثة ما سدت دونه مطامح النفوس القدسية (22) يوم يرون الملئكة ملائكة الموت أو العذاب لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا يستعيذون منهم ويطلبون من الله ان يمنع لقاءهم وهي مما كانوا يقولون عند لقاء عدو أو هجوم مكروه (23) وقدمنا الى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال ان كانت اعمالهم لأشد بياضا من القباطي فيقول الله عز وجل له كوني هباء منثورا وذلك انهم كانوا إذا شرع لهم الحرام اخذوه وفي رواية لم يدعوه

[ 10 ]

والقمي عن الباقر عليه السلام قال يبعث الله يوم القيامة قوما بين أيديهم نور كالقباطي ثم يقول له كن هباء منثورا ثم قال اما والله انهم كانوا يصومون ويصلون ولكن كانوا إذا عرض لهم شئ من الحرام اخذوه وإذا ذكر لهم شئ من فضل امير المؤمنين عليه السلام انكروه قال والهباء المنثور هو الذي تراه يدخل البيت في الكوة من شعاع الشمس وفي البصائر عن الصادق عليه السلام انه سئل اعمال من هذه فقال اعمال مبغضينا ومبغضي شيعتنا (24) اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا مكانا يستقر فيه في اكثر الاوقات للتجالس والتحادث واحسن مقيلا مكانا يؤوي إليه للاسترواح قيل تجوز له من مكان القيلولة على التشبيه إذ لا نوم في الجنة وفي الكافي في حديث سؤال القبر عن امير المؤمنين عليه السلام قال ثم يفتحان له بابا الى الجنة ثم يقولان له نم قرير العين نوم الشاب الناعم فان الله يقول اصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا واحسن مقيلا والقمي عن الباقر عليه السلام بلغنا والله اعلم انه إذا استوى اهل النار الى النار لينطلق بهم قبل ان يدخلوا النار فيقال لهم ادخلوا الى ظل ذى ثلث شعب من دخان النار فيحسبون انها الجنة ثم يدخلون النار افواجا وذلك نصف النهار واقبل اهل الجنة فيما اشتهوا من التحف حتى يعطوا منازلهم في الجنة نصف النهار فذلك قول الله عز وجل اصحاب الجنة يومئذ الآية وعن الصادق عليه السلام لا ينتصف ذلك اليوم حتى يقبل اهل الجنة في الجنة واهل النار في النار (25) ويوم تشقق السماء تتشقق وقرئ بتشديد الشين بالغمام بسبب طلوع الغمام منها قيل هو الغمام المذكور في قوله هل ينظرون الا ان ياتيهم الله في ظلل من الغمام والملئكة ونزل الملئكة تنزيلا وقرء وينزل من الانزال ونصب الملائكة قيل

[ 11 ]

اي في ذلك الغمام بصحائف الأعمال والقمي عن الصادق عليه السلام الغمام امير المؤمنين (26) الملك يومئذ الحق للرحمن الثابت له لأن كل ملك يبطل يومئذ ولا يبقي الا ملكه وكان يوما على الكافرين عسيرا شديدا (27) ويوم يعض الظالم على يديه من فرط الحسرة القمي قال الأول يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا القمي عن الباقر عليه السلام عليا وليا (28) يا ويلتا ليتني لم اتخذ فلانا خليلا قال يعني الثاني (29) لقد اضلني عن الذكر بعد إذ جآئني قال يعني الولاية وكان الشيطان قال وهو الثاني للانسان خذولا وفي الكافي عن امير المؤمنين عليه السلام في خطبة الوسيلة قال في مناقب لو ذكرتها لعظم بها الارتفاع وطال لها الاستماع ولئن تقمصها دوني الاشقيان ونازعاني فيما ليس لهما بحق وركباها ضلالة واعتقداها جهالة فليس ما عليه وردها ولبئس ما لأنفسهما مهدا يتلاعنان في دورهما ويتبرء كل منهما من صاحبه يقول لقرينه إذا التقيا يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين فيجيبه الاشقى على وثوبه يا ليتني لم اتخذك خليلا لقد اضللتني عن الذكر بعد إذ جائني وكان الشيطان للانسان خذولا فأنا الذكر الذي عنه ضل والسبيل الذي عنه مال والايمان الذي به كفر والقرآن الذي اياه هجر والدين الذي به كذب والصراط الذي عنه نكب وفي الاحتجاج عنه عليه السلام في احتجاجه على بعض الزنادقة قال ان الله ورى اسماء من اغتروا فتن خلقه وضل واضل وكنى عن اسمائهم في قوله ويوم يعض الظالم على يديه الآيتين (30) وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا بأن تركوه وصدوا عنه

[ 12 ]

(31) وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من المجرمين كما جعلناه لك فاصبر كما صبروا وكفى بربك هاديا ونصيرا لك عليهم وقد سبق في المقدمة السادسة حديث من الإحتجاج فيه بيان لهذه الآية (32) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن اي انزل عليه كخبر بمعنى اخبر لئلا يناقض قوله جملة واحدة دفعة واحدة كالكتب الثلاثة كذلك لنثبت به فؤادك اي كذلك انزلناه مفرقا لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه وفهمه ولأنه إذا نزل به جبرئيل حالا بعد حال يثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا وقرأناه عليك شيئا بعد شئ على تؤدة وتمهل في عشرين سنة (33) ولا ياتونك بمثل سؤال عجيب كأنه مثل في البطلان يريدون به القدح في نبوتك الا جئناك بالحق الدامغ له في جوابه واحسن تفسيرا وبما هو احسن بيانا ومعنى من سؤالهم (34) الذين يحشرون على وجوههم الى جهنم اولئك شر مكانا واضل سبيلا في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله انه سئل كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة قال ان الذي امشاه على رجليه قادر ان يمشيه على وجهه يوم القيامة (35) ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه اخاه هرون وزيرا يؤازره في الدعوة واعلاء الكلمة (36) فقلنا اذهبا الى القوم الذين كذبوا باياتنا يعني فرعون وقومه فدمرناهم تدميرا اي فذهبا إليهم فكذبوهما فدمرناهم وفي المجمع عن امير المؤمنين عليه السلام فدمرانهم على التأكيد بالنون الثقيلة وفي رواية فدمراهم قال وهذا كأنه امر لموسى وهرون ان يدمراهم (37) وقوم نوح لما كذبوا الرسل اغرقناهم بالطوفان وجعلناهم للناس آية عبرة واعتدنا للظالمين عذابا اليما (38) وعادا وثمود وجعلنا عادا وثمود ايضا واصحاب الرس وقرونا واهل

[ 13 ]

اعصار بين ذلك كثيرا لا يعلمها الا الله (39) وكلا ضربنا له الامثال بينا له القصص العجيبة من قصص الأولين اعذارا وانذارا فلما اصروا اهلكوا كما قال وكلا تبرنا تتبيرا فتناه تفتينا ومنه التبر لفتات الذهب والفضة وفي المعاني والقمي عن الصادق عليه السلام يعني كسرنا تكسيرا وزاد القمي قال هي لفظة بالنبطية في العيون والعلل عن الرضا عن ابيه عن ابيه عن ابيه عن ابيه عن ابيه الحسين ابن علي عليه السلام قال اتى علي ابن ابي طالب عليه السلام قبل مقتله بثلاثة ايام رجل من اشراف تميم يقال له عمرو فقال يا امير المؤمنين اخبرني عن اصحاب الرس في اي عصر كانوا واين كانت منازلهم ومن كان ملكهم وهل بعث الله إليهم رسولا ام لا وبما إذا اهلكوا فاني اجد في كتاب الله تعالى ذكرهم ولا اجد خبرهم فقال علي عليه السلام لقد سئلت عن حديث ما سألني عنه احد قبلك ولا يحدثك به احد بعدي الا عني وما في كتاب الله تعالى آية الا وانا اعرفها واعرف تفسيرها وفي اي مكان نزلت من سهل أو جبل وفي اي وقت من ليل أو نهار وان هنا لعلما جما واشار الى صدره ولكن طلابه يسير وعن قليل تندمون لو فقدتموني كان من قصصهم يا اخا تميم انهم كانوا قوما يعبدون شجرة صنوبر يقال له شاه درخت كان يافث بن نوح غرسها على شفيرة عين يقال لها روشاب كانت انبتت لنوح بعد الطوفان وانما سموا اصحاب الرس لأنهم رسوا نبيهم في الارض وذلك بعد سليمان بن داود وكانت لهم اثنتا عشرة قرية على شاطئ نهر يقال له الرس من بلاد المشرق وبهم سمي ذلك النهر ولم يكن يومئذ في الأرض نهر اغزر منه ولا اعذب منه ولا قرى اكثر ولا اعمر منها تسمى احداهن ابان والثانية آذر والثالثة دي والرابعة بهمن والخامسة اسفندار والسادسة فروردين والسابعة اردي بهشت والثامنة خرداد والتاسعة مرداد والعاشرة تير والحادية عشر مهر والثانية عشر شهريور وكانت اعظم مداينهم اسفندار وهي التي ينزلها ملكهم وكان يسمى تركوذ بن غابور بن يارش بن سادن بن نمرود بن كنعان فرعون ابراهيم (عليه السلام) وبها

[ 14 ]

العين والصنوبرة وقد غرسوا في كل قرية منها حبة من طلع تلك الصنوبرة فنبتت الحبة وصارت شجرة عظيمة وحرموا ماء العين والانهار ولا يشربون منها ولا انعامهم ومن فعل ذلك قتلوه ويقولون هو حياة آلهتنا فلا ينبغي لأحد ان ينقص من حياتها ويشربون هم وانعامهم من نهر الرس الذي عليه قراهم وقد جعلوا في كل شهر من السنة في كل قرية عيدا يجتمع إليه اهلها فيضربون على الشجرة التي بها كلة من حرير فيها من انواع الصور ثم يأتون بشاة وبقر فيذبحونهما قربانا للشجرة ويشعلون فيها النيران بالحطب فإذا سطع دخان تلك الذبايح وقتارها في الهواء وحال بينهم وبين النظر الى السماء خروا سجدا للشجرة يبكون ويتضرعون إليها ان ترضى عنهم وكان الشيطان يجئ فيحرك اغصانها ويصيح من ساقها صياح الصبي اني قد رضيت عنكم عبادي فطيبوا نفسا وقروا عينا فيرفعون رؤوسهم عند ذلك ويشربون الخمر ويضربون بالمعازف ويأخذون الدست بند فيكونون على ذلك يومهم وليلتهم ثم ينصرفون وانما سمت العجم شهورها بابان ماه وآذر ماه وغيرهما اشتقاقا من اسماء تلك القرى لقول اهلها بعضهم لبعض هذا عيد شهر كذا وعيد شهر كذا حتى إذا كان عيد قريتهم العظمى اجتمع إليه صغيرهم وكبيرهم فضربوا عند الصنوبرة والعين سرادقا من ديباج عليه انواع الصور له اثنا عشر بابا كل باب لأهل قرية منهم ويسجدون للصنوبرة خارجا من السرادق ويقربون لها الذبايح اضعاف ما قربوا للشجرة التي في قراهم فيجئ ابليس عند ذلك فيحرك الصنوبرة تحريكا شديدا ويتكلم من جوفها كلاما جهوريا ويعدهم ويمنيهم بأكثر مما وعدتهم ومنتهم الشياطين كلها فيرفعون رؤوسهم من السجود وبهم من الفرح والنشاط ما لا يفيقون ولا يتكلمون من الشرب والغرف فيكونون على ذلك اثنى عشر يوما ولياليها بعدد اعيادهم سائر السنة ثم ينصرفون فلما طال كفرهم بالله عز وجل وعبادتهم غيره بعث الله سبحانه إليهم نبيا من بني اسرائيل من ولد يهود بن يعقوب فلبث فيهم زمانا طويلا يدعوهم الى عبادة الله عز وجل ومعرفته وربوبيته فلا يتبعونه فلما رأى شدة تماديهم في الغي والضلال وتركهم قبول ما دعاهم إليه من الرشد والنجاح وحضر عيد قريتهم العظمى قال يا رب ان عبادك ابوا الا تكذيبي والكفر بك وغدوا يعبدون شجرة لا تنفع ولا تضر فأيبس شجرهم اجمع

[ 15 ]

وارهم قدرتك وسلطانك فأصبح القوم وقد يبس شجرهم فهالهم ذلك وقطع بهم وصاروا فرقتين فرقة قالت سحر آلهتكم هذا الرجل الذي يزعم انه رسول اله السماء والارض اليكم ليصرف وجوهكم عن آلهتكم الى الهه وفرقة قالت لا بل غضب آلهتكم حين رأت هذا الرجل يعيبها ويقع فيها ويدعوكم الى عبادة غيرها فحجبت حسنها وبهائها لكي تغضبوا عليه فتضروا منه فأجمع رأيهم على قتله فاتخذوا انابيب طوالا من رصاص واسعة الافواه ثم ارسلوها في قرار العين الى اعلى الماء واحدة فوق الاخرى مثل اليراع ونزحوا ما فيها من الماء ثم حفروا في قرارها بئر ضيقة المدخل عميقة وارسلوا فيها نبيهم والقموا فاها صخرة عظيمة ثم اخرجوا الأنابيب من الماء وقالوا نرجوا الان ان ترضى عنا آلهتنا إذا رأت انا قد قتلنا من كان يقع فيها ويصد عن عبادتها ودفناه تحت كبيرها يتشفى منه فيعود لنا نورها ونضرتها كما كان فبقوا عامة يومهم يسمعون انين نبيهم وهو يقول سيدي قد ترى ضيق مكاني وشدة كربي فارحم ضعف ركني وقلة حيلتي وعجل بقبض روحي ولا تؤخر اجابة دعوتي حتى مات فقال الله تعالى لجبرئيل يا جبرئيل ايظن عبادي هؤلاء الذين غرهم حلمي وامنوا مكري وعبدوا غيري وقتلوا رسولي ان يقوموا لغضبي ويخرجوا من سلطاني كيف وانا المنتقم ممن عصاني ولم يخش عقابي واني حلفت بعزتي لأجعلنهم عبرة ونكالا للعالمين فلم يرعهم وهم في عيدهم ذلك الا بريح عاصفة شديدة الحمرة فتحيروا فيها وذعروا منها وتضام بعضهم الى بعض ثم صارت الارض من تحتهم حجر كبريت تتوقد واظلتهم سحابة سوداء فألقت عليهم كالقبة جمرا يلتهب فذابت ابدانهم كما يذوب الرصاص في النار فنعوذ بالله تعالى ذكره من غضبه ونزول نقمته ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم، والقمي الرس نهر بناحية آذربايجان وفي الكافي عن الصادق عليه السلام انه دخل عليه نسوة فسألته امرأة منهن عن السحق فقال حدها حد الزاني فقالت المرأة ما ذكر الله عز وجل ذلك في القرآن فقال بلى فقالت واين هو قال هن اصحاب الرس والقمي عنه عليه السلام قال دخلت امرأة مع مولاة لها على ابي عبد الله عليه السلام فقالت ما تقول في اللواتي مع اللواتي قال هن في النار إذا كان يوم القيامة اتي

[ 16 ]

بهن فألبسن جلبابا من نار وخفين من نار وقناعا من نار وادخل في اجوافهن وفروجهن اعمدة من نار وقذف بهن في النار فقالت ليس هذا في كتاب الله قال نعم قالت أين هو قال قوله وعادا وثمود واصحاب الرس فهن الرسيات وفي المجمع عنهما عليهما السلام ان سحق النساء كان في اصحاب الرس وبلفظ آخر كان نساؤهم سحاقات (40) ولقد اتوا يعني قريشا مروا مرارا في متاجرهم الى الشام على القرية التي امطرت مطر السوء القمي عن الباقر عليه السلام واما القرية التي امطرت مطر السوء فهي سدوم قرية قوم لوط امطر الله عليهم حجارة من سجيل يقول من طين افلم يكونوا يرونها في مرار مرورهم فيتعظون بما يرون فيها من آثار عذاب الله بل كانوا لا يرجون نشورا بل كانوا كفرة لا يتوقعون نشورا ولا عاقبة فلذلك لم ينظروا ولم يتعظوا فمروا بها كما مرت ركابهم (41) وإذا رأوك ان يتخذونك الا هزوا ما يتخذونك الا موضع هزء اهذا الذي بعث الله رسولا اي يقولون ذلك تهكما واستهزاء (42) ان كاد انه كاد ليضلنا عن آلهتنا ليصرفنا عن عبادتها بفرط اجتهاده في الدعاء الى التوحيد وكثرة ما يورد مما يسبق الى الذهن انها حجج ومعجزات لولا ان صبرنا عليها ثبتنا عليها واستمسكنا بعبادتها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من اضل سبيلا فيه وعيد ودلالة على انه لا يمهلهم وان امهلهم (43) ارايت من اتخذ الهه هواه بأن اطاعه وبنى عليه دينه لا يسمع حجة ولا يتبصر دليلا افانت تكون عليه وكيلا حفيظا تمنعه عن الشرك والمعاصي وحاله هذا فالاستفهام الأول للتقرير والتعجب والثاني للإنكار (44) ام تحسب بل اتحسب ان اكثرهم يسمعون أو يعقلون فتجدي لهم الآيات والحجج فتهتم بشأنهم وتطمع في ايمانهم وهو اشد مذمة مما قبله حتى حق

[ 17 ]

بالإضراب عنه إليه وتخصيص الاكثر لأنه كان منهم من آمن ومنهم من عقل الحق وكابر استكبارا أو خوفا على الرياسة ان هم الا كالانعام في عدم انتفاعهم بقرع الآيات آذانهم وعدم تدبرهم فيما شاهدوا من الدلائل والمعجزات بل هم اضل سبيلا من الانعام لأنها تنقاد من يتعهدها وتميز من يحسن إليها ممن يسئ إليها وتطلب ما ينفعها وتجتنب ما يضرها وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولا يعرفون احسان الرحمن من اساءة الشيطان ولا يطلبون الثواب الذي هو اعظم المنافع ولا يتقون العقاب الذي هو اشد المضار ولأنها لو لم تعتقد حقا ولم تكتسب خيرا لم تعتقد باطلا ولم تكتسب شرا بخلاف هؤلاء ولأن جهالتها لا تضر بأحد وجهالة هؤلاء تؤدي الى هيج الفتن وصد الناس عن الحق ولأنها غير متمكنة من تحصيل الكمال فلا تقصير منها ولا ذم وهؤلاء مقصرون مستحقون اعظم العقاب على تقصيرهم، القمي قال نزلت في قريش وذلك انه ضاق عليهم المعاش فخرجوا من مكة وتفرقوا وكان الرجل إذا رأى شجرة حسنة أو حجرا حسنا هواه فعبده وكانوا ينحرون لها النعم ويلطخونها بالدم ويسمونها سعد صخرة وكان إذا اصابهم داء في ابلهم واغنامهم جاؤوا الى الصخرة فيتمسحون بها الغنم والابل فجاء رجل من العرب بابل له يريد ان يتمسح بالصخرة ابله ويتبارك عليها فنفرت ابله وتفرقت فقال الرجل اتيت الى سعد ليجمع شملنا فشتتنا من سعد فما نحن من سعد وما صخر الا صخرة مستودة من الارض لا تهدي لغي ولا رشد ومر به رجل من العرب والثعلب يبول عليه فقال: ورب يبول الثعلبان برأسه * لقد ذل من بالت عليه الثعالب (45) الم تر الى ربك الم تنظر الى صنعه كيف مد الظل كيف بسطه القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال الظل ما بين طلوع الفجر الى طلوع الشمس قيل وهو اطيب الاحوال فان الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الهواء ويبهر البصر ولذلك وصف به الجنة فقال وظل ممدود ولو شآء لجعله ساكنا ثابتا من السكنى أو غير متقلص من السكون بأن يجعل الشمس مقيمة على وضع واحد ثم جعلنا الشمس عليه دليلا فانه لا يظهر للحس حتى تطلع فيقع ضوؤها على بعض الاجرام فلولاها لما عرف الظل ولا يتفاوت الا بسبب حركتها

[ 18 ]

(46) ثم قبضناه الينا اي ازلناه بايقاع الشعاع موقعه لما عبر عن احداثه بالمد بمعنى التيسير عبر عن ازالته بالقبض الى نفسه الذي هو في معنى الكف قبضا يسيرا قليلا قليلا حسبما ترتفع الشمس لتنتظم بذلك مصالح الكون ويتحصل به ما لا يحصى من منافع الخلق (47) وهو الذي جعل لكم الليل لباسا شبه ظلامه باللباس في ستره والنوم سباتا راحة للابدان بقطع المشاغل واصل السبت القطع وجعل النهار نشورا ذا نشور اي انتشار ينتشر فيه الناس وفيه اشارة الى ان النوم واليقظة انموذج للموت والنشور وفي الحديث النبوي كما تنامون تموتون وكما تستيقظون تبعثون (48) وهو الذي ارسل الرياح بشرا اي ناشرات للسحاب أو مبشرات على اختلاف القراء كما مضى في سورة الاعراف بين يدى رحمته يعني قدام المطر وانزلنا من السماء ماء طهورا مطهرا أو بليغا في الطهارة وصفه به اشعارا بالنعمة فيه وتتميما للمنة فيما بعده فان الماء الطهور أهنأ وانفع مما خالطه ما يزيل طهوريته (49) لنحيي به بلدة ميتا بالنبات وتذكر ميتا لأن البلدة في معنى البلد ونسقيه مما خلقنا انعاما وأناسى كثيرا (50) ولقد صرفناه بينهم قيل صرفنا هذا القول بين الناس في القرآن وساير الكتب أو المطر بينهم في البلدان المختلفة في الأوقات المتغايرة والصفات المتفاوتة من وابل وطل وغيرهما وفي الفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله قال ما اتى على اهل الدنيا يوم واحد منذ خلقها الله عز وجل الا والسماء فيها يمطر فيجعل الله ذلك حيث يشاء ليذكروا ليتفكروا ويعرفوا كمال القدرة وحق النعمة في ذلك ويقوموا بشكره ويعتبروا بالصرف عنهم واليهم فابى اكثر الناس الا كفورا الا كفران النعمة وقلة الاكتراث لها وجحودها بأن يقولوا أمطرنا نبؤ كذا من غير ان يروه من الله ويجعلوا الانوار وسايط مسخرات (51) ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا نبيا ينذر اهلها فيخف عليك اعباء النبوة لكن قصرنا الامر عليك اجلالا لك وتعظيما لشأنك وتفضيلا لك على سائر الرسل فقابل ذلك بالثبات والاجتهاد في الدعوة واظهار الحق

[ 19 ]

(52) فلا تطع الكافرين فيما يريدونك عليه وهو تهييج له وللمؤمنين وجاهدهم به بالقرآن أو تبرك طاعتهم جهادا كبيرا يعني انهم يجتهدون في ابطال حقك فقابلهم بالاجتهاد في مخالفتهم وازاحة باطلهم فان مجاهدة السفهاء بالحجج اكبر من مجاهدة الأعداء بالسيف (53) وهو الذي مرج البحرين خلاهما متجاورين متلاصقين بحيث لا يتمازجان من مرج دابته إذا خلاها هذا عذب فرات بليغ العذوبة وهذا ملح اجاج بليغ الملوحة في الكافي عنهما عليهما السلام ان الله جل وعز عرض ولايتنا على المياه فما قبل ولايتنا عذب وطاب وما جحد ولايتنا جعله الله مرا وملحا اجاجا وجعل بينهما برزخا حاجزا من قدرته وحجرا محجورا قيل تنافرا بليغا أو حدا محدودا وذلك كدجلة تدخل البحر فتشقه فتجري في خلاله فراسخ لا يتغير طعمها، والقمي يقول حراما محرما ان يغير واحد منهما طعم الآخر (54) وهو الذي خلق من الماء بشرا قيل يعني الذي خمر به طينة آدم (ع) ثم جعله جزء من مادة البشر ليجتمع ويسلسل ويقبل الاشكال بسهولة أو النطفة فجعله نسبا وصهرا فقسمه قسمين ذوي نسب أي ذكورا ينسب إليهم وذوات صهر اي اناثا يصاهر بهن وكان ربك قديرا حيث خلق من مادة واحدة بشرا ذا اعضاء مختلفة وطباع متباعدة وجعله قسمين متقابلين في الكافي عن الباقر عليه السلام والقمي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال ان الله تبارك وتعالى خلق آدم من الماء العذب وخلق زوجته من سنخه فبرأها من اسفل أضلاعه فجرى بذلك الضلع بينهما سبب ونسب ثم زوجها اياه فجرى بينهما بسبب ذلك صهر فذلك قوله نسبا وصهرا فالنسب ما كان بسبب الرجال والصهر ما كان بسبب النساء وفي المجمع عن ابن سيرين نزلت في النبي صلى الله عليه وآله وعلي بن ابي طالب عليه السلام زوج فاطمة عليا وهو ابن عمه وزوج ابنته فكانت نسبا وصهرا

[ 20 ]

وفي المعاني عن الباقر عن امير المؤمنين عليهما السلام قال ألا واني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا ان تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم انا الصهر يقول الله عز وجل وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وفي الامالي باسناده الى انس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله قال قلت له يا رسول الله علي اخوك قال نعم علي اخي قلت يا رسول الله صف لي كيف علي اخوك قال ان الله عز وجل خلق ماء تحت العرش قبل ان يخلق آدم بثلاثة آلاف عام واسكنه في لؤلؤة خضراء في غامض علمه الى ان خلق آدم فلما خلق آدم نقل ذلك الماء من اللؤلؤة فأجراه في صلب آدم الى ان قبضه الله تعالى ثم نقله الى صلب شيث فلم يزل ذلك الماء ينقل من ظهر الى ظهر حتى صار في عبد المطلب ثم شقه عز وجل نصفين فصار نصفه في أبي عبد الله بن عبد المطلب ونصفه في أبي طالب فانا من نصف الماء وعلي من النصف الآخر فعلي اخي في الدنيا والآخرة ثم قرء رسول الله صلى الله عليه وآله وهو الذي خلق من الماء بشرا الآية، وفي روضة الواعظين قال رسول الله صلى الله عليه وآله خلق الله عز وجل نطفة بيضاء مكنونة فنقلها من صلب الى صلب حتى نقلت النطفة الى صلب عبد المطلب فجعل نصفين فصار نصفها في عبد الله ونصفها في ابي طالب فأنا من عبد الله وعلي من ابي طالب وذلك قول الله عز وجل وهو الذي خلق الآية (55) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا يظاهر الشيطان في العداوة والشرك في البصائر عن الباقر عليه السلام انه سئل عنها فقال تفسيرها في بطن القرآن علي هو ربه في الولاية والرب هو الخالق الذي لا يوصف اقول: يعني ان الرب على الإطلاق الغير المقيد بالولاية هو الله الخالق جل ذكره والقمي قد يسمى الانسان ربا كقوله تعالى اذكرني عند ربك وكل مالك لشئ يسمى ربه وقوله تعالى وكان الكافر على ربه ظهيرا فقال الكافر الثاني وكان علي امير

[ 21 ]

المؤمنين عليه السلام ظهيرا (56) وما ارسلناك الا مبشرا للمؤمنين ونذيرا للكافرين (57) قل ما اسئلكم عليه على تبليغ الرسالة الذي يدل عليه الا مبشرا ونذيرا من اجر الا من شآء الا فعل من شاء ان يتخذ الى ربه سبيلا ان يتقرب إليه ويطلب الزلفى عنده بالإيمان والطاعة فصور ذلك في صورة الاجر من حيث انه مقصود فعله واستثناء منه قطعا لشبهة الطمع واظهارا لغاية الشفقة (58) وتوكل على الحي الذي لا يموت في استكفائه شرورهم والاغناء من اجورهم فانه الحقيق بأن يتوكل عليه دون الاحياء الذين يموتون فانهم إذا ماتوا ضاع من توكل عليهم وسبح بحمده ونزهه عن صفات النقصان مثنيا عليه بأوصاف الكمال طالبا لمزيد الانعام بالشكر على سوابغه وكفى به بذنوب عباده خبيرا ما ظهر منها وما بطن فلا عليك ان آمنوا أو كفروا (59) الذي خلق السموت والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش قد سبق الكلام فيه في سورة الاعراف ولعل ذكره لزيادة تقرير لكونه حقيقا بأن يتوكل عليه من حيث انه الخالق للكل والمتصرف فيه وتحريص على الثبات والتأني في الأمر فانه تعالى مع كمال قدرته وسرعة نفاذ امره خلق الأشياء على تؤدة وتدرج وقد مضى هذا المعنى في كلامهم عليهم السلام الرحمن خبر للذي ان جعلته مبتدأ ولمحذوف ان جعلته صفة للحي أو بدل من المستكن في استوى فسئل به خبيرا فاسئل عما ذكر من الخلق والاستواء أو عن انه هو الرحمن وفي المجمع روي ان اليهود حكوا عن ابتداء خلق الأشياء بخلاف ما اخبر الله تعالى عنه فقال سبحانه فسئل به خبيرا والسؤال كما يعدي بعن لتضمنه معنى التفتيش يعدي بالباء لتضمنه معنى الاعتناء ويجوز ان يكون صلة خبيرا والخبير هو الله سبحانه أو جبرئيل أو من وجده في الكتب المتقدمة ليصدقك فيه كذا قيل أقول: ويحتمل ان يكون المراد بها الرسل المتقدمة فيكون السؤال في عالم

[ 22 ]

الأرواح كقوله تعالى واسئل من قد ارسلنا قبلك من رسلنا اجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون وقيل الضمير للرحمن والمعنى ان انكروا اطلاقه على الله فسأل عنه من يخبرك من اهل الكتاب لتعرفوا مجئ ما يرادفه في كتبهم (60) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالواو ما الرحمن قيل لأنهم ما كانوا يطلقونه على الله أو لأنهم ظنوا انه اراد به غيره تعالى، القمي قال جوابه الرحمن علم القرآن خلق الانسان علمه البيان انسجد لما تأمرنا وقرء بالياء وزادهم نفورا عن الإيمان يعني الامر بسجود الرحمن (61) تبارك الذي جعل في السماء بروجا يعني البروج الاثني عشر وقد سبق بيانها في سورة الحجر وجعل فيها سراجا يعني الشمس لقوله وجعل الشمس سراجا وقرء سرجا بضمتين فيشمل الكواكب الكبار وفي الجوامع عنهم عليهم السلام لا تقرء سرجا وانما هي سراجا وهي الشمس وقمرا منيرا مضيئا بالليل في الاهليلجة عن الصادق عليه السلام في كلام له وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا يسبحان في فلك يدور بهما دائبين يطلعهما تارة ويؤفلهما اخرى حتى تعرف عدة الايام والشهور والسنين وما يستأنف من الصيف والربيع والشتاء والخريف ازمنة مختلفة باختلاف الليل والنهار (62) وهو الذي جعل اليل والنهار خلفة يخلف كل منهما الآخر بأن يقوم مقامه فيما ينبغي ان يفعل فيه لمن اراد ان يذكر وقرء بالتخفيف أو اراد شكورا في الفقيه عن الصادق عليه السلام كل ما فاتك بالليل فاقضه بالنهار قال الله تبارك وتعالى وتلا هذه الآية ثم قال يعني ان يقضي الرجل ما فاته بالليل بالنهار وما فاته بالنهار بالليل وفي التهذيب والقمي عنه عليه السلام ما يقرب منه، وزاد القمي وهو من سر آل محمد المكنون

[ 23 ]

(63) وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا في المجمع عن الصادق عليه السلام هو الرجل يمشي بسجيته التي جبل عليها لا يتكلف ولا يتبختر والقمي عن الباقر عليه السلام انه قال في هذه الآية الأئمة يمشون على الأرض هونا خوفا من عدوهم وعن الكاظم عليه السلام انه سئل عنه فقال هم الأئمة عليهم السلام يتقون في مشيهم وفي الكافي عن الباقر عليه السلام انه سئل عنه قال هم الاوصياء مخافة من عدوهم وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما تسليما منكم ومتاركة لكم لا خير بيننا ولا شر (64) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما في الصلاة وتخصيص البيتوتة لأن العبادة بالليل احمز وابعد من الرياء (65) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما لازما ومنه الغريم لملازمته القمي عن الباقر عليه السلام يقول ملازما لا يفارق أقول: وهو إيذان بأنهم مع حسن مخالفتهم مع الخلق واجتهادهم في عبادة الحق وجلون من العذاب مبتهلون الى الله في صرفه عنهم لعدم اعتدادهم باعمالهم ولا وثوقهم على استمرار احوالهم (66) انها سآئت مستقرا ومقاما الجملتان يحتملان الحكاية والابتداء من الله (67) والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وقرء بكسر التاء من اقتر وكان بين ذلك قواما القمي الاسراف الانفاق في المعصية في غير حق ولم يقتروا لم يبخلوا عن حق الله عز وجل والقوام العدل والانفاق فيما امر الله به

[ 24 ]

وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله من اعطى في غير حق فقد اسرف ومن منع من حق فقد قتر وعن علي عليه السلام ليس في المأكول والمشروب سرف وان كثر وفي الكافي عن الصادق عليه السلام انما الاسراف فيما افسد المال واضر بالبدن قيل فما الاقتار قال اكل الخبز والملح وانت تقدر على غيره قيل فما القصد قال الخبز واللحم واللبن والخل والسمن مرة هذا ومرة هذا وعنه عليه السلام انه تلا هذه الآية فأخذ قبضة من حصى وقبضها بيده فقال هذا الاقتار الذي ذكره الله في كتابه ثم قبض قبضة اخرى فأرخى كفه كلها ثم قال هذا الاسراف ثم اخذ قبضة اخرى فأرخى بعضها وامسك بعضها وقال هذا القوام (68) والذين لا يدعون مع الله الها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله اي حرمها بمعنى حرم قتلها الا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق اثاما جزاء اثم (69) يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا وقرء يضاعف بالرفع وبحذف الالف والتشديد مرفوعا ومجزوما ويتبعه يخلد في الرفع والجزم القمي اثام واد من اودية جهنم من صفر مذاب قدامها حدة في جهنم يكون فيه من عبد غير الله ومن قتل النفس التي حرم الله ويكون فيه الزناة ويضاعف لهم فيه العذاب (70) الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما في الامالي عن الباقر عليه السلام انه سئل عن قول الله عز وجل فاولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات فقال يؤتى بالمؤمن المذنب يوم القيامة حتى يوقف بموقف الحساب فيكون الله تعالى هو الذي يتولى حسابه لا يطلع على حسابه احدا من الناس فيعرفه ذنوبه حتى إذا اقر بسيئاته قال الله عز وجل للكتبة بدلوها حسنات واظهروها للناس فيقول الناس حينئذ ما كان لهذا العبد سيئة واحدة ثم يأمر الله به الى الجنة فهذا

[ 25 ]

تأويل الآية وهي في المذنبين من شيعتنا خاصة وعن الرضا عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله حبنا اهل البيت يكفر الذنوب ويضاعف الحسنات وان الله ليتحمل من محبينا اهل البيت ما عليهم من مظالم العباد الا ما كان منهم على اضرار وظلم للمؤمنين فيقول للسيئات كوني حسنات وفي العيون عنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا كان يوم القيامة تجلى الله عز وجل لعبده المؤمن فيقفه على ذنوبه ذنبا ذنبا ثم يغفر له لا يطلع الله على ذلك ملكا مقربا ولا نبيا مرسلا ويستر عليه ما يكره ان يقف عليه احد ثم يقول لسيئاته كوني حسنات والقمي عنه عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة اوقف الله عز وجل المؤمن بين يديه وعرض عليه عمله فينظر في صحيفته فأول ما يرى سيئاته فيتغير لذلك لونه وترتعد فرائصه ثم تعرض عليه حسناته فتفرح لذلك نفسه فيقول الله عز وجل بدلوا سيئاته حسنات واظهروها للناس فيبدل الله لهم فيقول الناس اما كان لهؤلاء سيئة واحدة وهو قوله تعالى يبدل الله سيئاتهم حسنات والأخبار في هذا المعنى كثيرة وفي حديث ابي اسحاق الليثي عن الباقر عليه السلام الذي ورد في طينة المؤمن وطينة الكافر ما معناه ان الله سبحانه يأمر يوم القيامة بأن تؤخد حسنات اعدائنا فترد على شيعتنا وتؤخذ سيئات محبينا فترد على مبغضينا قال وهو قول الله تعالى فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات يبدل الله سيئات شيعتنا حسنات ويبدل الله حسنات اعدائنا سيئات وفي روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله ما من جلس قوم يذكرون الله الا نادى لهم مناد من السماء قوموا فقد بدل الله سيئاتكم حسنات (71) ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب الى الله يرجع إليه متابا

[ 26 ]

القمي يقول لا يعود الى شئ من ذلك باخلاص ونية صادقة (72) والذين لا يشهدون الزور في الكافي عن الصادق عليه السلام قال هو الغناء وفي المجمع عنهما عليهما السلام مثله والقمي قال الغناء ومجالس اللهو وإذا مروا باللغو (1) مروا كراما معرضين عنه مكرمين انفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه ومن ذلك الاغضاء عن الفحشاء والصفح عن الذنوب والكناية مما يستهجن التصريح به في المجمع عن الباقر عليه السلام هم الذين إذا ارادوا ذكر الفرج كنوا عنه وفي الكافي عن الصادق عليه السلام انه قال لبعض اصحابه اين نزلتم قالوا على فلان صاحب القيان فقال كونوا كراما ثم قال اما سمعتم قول الله عز وجل في كتابه وإذا مروا باللغو مروا كراما وفي العيون عن محمد بن ابي عباد وكان مشتهرا بالسماع وبشرب النبيذ قال سألت الرضا عليه السلام عن السماع فقال لأهل الحجاز رأي فيه وهو في حيز الباطل واللهو اما سمعت الله عز وجل يقول وإذا مروا باللغو مروا كراما (73) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا لم يقيموا عليها غير واعين لها ولا متبصرين بما فيها كمن لا يسمع ولا يبصر بل اكبوا عليها سامعين بآذان واعية ومبصرين بعيون راعية في الكافي عن الصادق عليه السلام قال مستبصرين ليسوا بشكاك (74) والذين يقولون ربنا هب لنا من ازواجنا وذرياتنا وقرء وذريتنا قرة اعين بتوفيقهم للطاعة وحيازة الفضائل فان المؤمن إذا شاركه اهله في طاعة الله سر به قلبه وقربهم عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة واجعلنا

[ 27 ]

للمتقين اماما في الجوامع عن الصادق عليه السلام ايانا عني وفي رواية هي فينا وفي المناقب عن سعيد بن جبير قال هذه الآية والله خاصة في امير المؤمنين عليه السلام كان اكثر دعائه يقول ربنا هب لنا من ازواجنا يعني فاطمة وذريتنا الحسن والحسين عليهم السلام قرة اعين قال امير المؤمنين عليه السلام والله ما سئلت ربي ولدا نضير الوجه ولا سألت رلدا احسن القامة ولكن سئلت ربي ولدا مطيعين لله خائفين وجلين منه حتى إذا نظرت إليه وهو مطيع لله قرت به عيني قال واجعلنا للمتقين اماما نقتدي بمن قبلنا من المتقين فيقتدي المتقون بنا من بعدنا والقمي عن الصادق عليه السلام قال نحن هم اهل البيت قال وروي ان ازواجنا خديجة وذرياتنا فاطمة وقرة عيننا الحسن والحسين واجعلنا للمتقين اماما علي بن ابي طالب والأئمة عليهم السلام قال وقرء عنده هذه الآية فقال قد سألوا الله عظيما ان يجعلهم للمتقين أئمة فقيل له كيف هذا يا ابن رسول الله قال انما انزل الله واجعل لنا من المتقين اماما وفي الجوامع عنه عليه السلام ما يقرب منه (75) اولئك يجزون الغرفة بما صبروا اعلى مواضع الجنة ويلقون فيها وقرء بفتح الياء والتخفيف تحية وسلاما يحييهم الملائكة ويسلمون عليهم أو يحيي بعضهم بعضا ويسلم عليه (76) خالدين فيها لا يموتون ولا يخرجون حسنت مستقرا ومقاما (77) قل ما يعبؤ بكم ربى القمي عن الباقر عليه السلام يقول ما يفعل ربي بكم لولا دعاؤكم في المجمع عن العياشي عن الباقر عليه السلام انه سئل كثرة القراءة أفضل أو كثرة الدعاء قال كثرة الدعاء افضل وقرء هذه الآية فقد كذبتم بما اخبرتكم به حيث

[ 28 ]

خالفتموه فسوف يكون لزاما يكون جزاء التكذيب لازما يحيق بكم لا محالة في ثواب الاعمال والمجمع عن الكاظم عليه السلام من قرء هذه السورة في كل ليلة لم يعذبه الله ابدا ولم يحاسبه وكان منزله في الفردوس الأعلى اللهم ارزقنا تلاوته

[ 29 ]

سورة الشعراء مكية كلها غير قوله والشعراء يتبعهم الغاوون الآيات الى آخر السورة فإنها نزلت بالمدينة عدد آيها مائتان وسبع وعشرون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) طسم في المجمع عن علي عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله لما انزلت طسم قال الطاء طور سينا والسين اسكندرية والميم مكة وقال الطاء شجرة طوبى والسين سدرة المنتهى والميم محمد المصطفى صلى الله عليه وآله والقمي قال طسم هو من حروف اسم الله الاعظم وفي المعاني عن الصادق عليه السلام واما طسم فمعناه انا الطالب السميع المبدئ المعيد (2) تلك آيات الكتاب المبين (3) لعلك باخع نفسك قاتل نفسك الا يكونوا مؤمنين (4) ان نشأ ننزل عليهم من السماء آية دلالة ملجأة الى الايمان وبلية قاسرة عليه فظلت اعناقهم لها خاضعين منقادين في الكافي عن الصادق عليه السلام ان القائم عليه السلام لا يقوم حتى ينادي مناد من السماء تسمع الفتاة في خدرها ويسمعه اهل المشرق والمغرب وفيه نزلت هذه الآية ان نشأ ننزل الآية والقمي عنه عليه السلام في هذه الآية قال تخضع رقابهم يعني بني امية وهي الصيحة من السماء باسم صاحب الأمر عليه السلام

[ 30 ]

وفي ارشاد المفيد عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال سيفعل الله ذلك بهم قيل من هم قال بنو امية وشيعتهم قيل وما الآية قال ركود الشمس ما بين زوال الشمس الى وقت العصر وخروج صدر ووجه في عين الشمس يعرف بحسبه ونسبه وذلك في زمان السفياني وعندها يكون بواره وبوار قومه وفي الاكمال عن الرضا عليه السلام في حديث يصف فيه القائم عليه السلام قال وهو الذي ينادي مناد من السماء يسمعه جميع اهل الأرض بالدعاء إليه يقول الا ان حجة الله قد ظهرت عند بيت الله فاتبعوه فان الحق معه وفيه وهو قول الله عز وجل ان نشأ ننزل عليهم الآية (5) وما ياتيهم من ذكر من الرحمن بوحيه الى نبيه صلى الله عليه وآله محدث مجدد انزاله الا كانوا عنها معرضين الا جددوا اعراضا واصرارا على ما كانوا عليه (6) فقد كذبوا اي بالذكر بعد اعراضهم وامعنوا في تكذيبه بحيث ادى بهم الى الاستهزاء فسياتيهم انباء ما كانوا به يستهزؤن من انه كان حقا ام باطلا وكان حقيقا بان يصدق ويعظم قدره أو يكذب فيستخف امره (7) اولم يروا الى الارض اولم ينظروا الى عجائبها كم انبتنا فيها من كل زوج صنف كريم محمود كثير المنفعة (8) ان في ذلك لآية على ان منبتها تام القدرة والحكمة سابغ النعمة والرحمة وما كان اكثرهم مؤمنين (9) وان ربك لهو العزيز الغالب القادر على الانتقام من الكفرة الرحيم حيث امهلهم (10) واذ نادى ربك موسى ان ائت القوم الظالمين بالكفر والاستعباد بني اسرائيل وذبح اولادهم (11) قوم فرعون لعل الاقتصار على القوم للعلم بان فرعون اولى بذلك الا يتقون تعجيب من افراطهم في الظلم واجترائهم (12) قال رب انى اخاف ان يكذبون

[ 31 ]

(13) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فارسل الى هرون ليقوى به قلبي وينوب منابي إذا اعتراني الحبسة في اللسان (14) ولهم على ذنب تبعة ذنب وهو قتل القبطي سماه ذنبا على زعمهم فاخاف ان يقتلون به قبل اداء الرسالة (15) قال كلا فاذهبا اجابة له الى الطلبتين يعني ارتدع يا موسى عما تظن فاذهب انت والذي طلبته باياتنا انا معكم يعني موسى وهارون وفرعون مستمعون لما يجري بينكما وبينه فأظهر كما عليه (16) فاتيا فرعون فقولا انا رسول رب العالمين افرد الرسول لأنه مصدر وصف به فانه مشترك بين المرسل والرسالة (17) ان ارسل معنا بنى اسرائيل خلهم يذهبوا معنا الى الشام (18) قال اي فرعون لموسى بعد ان اتياه فقالا له ذلك الم نربك فينا في منازلنا وليدا طفلا ولبثت فينا من عمرك سنين (19) وفعلت فعلتك التى فعلت يعني قتل القبطي وبخه به معظما اياه بعد ما عدد عليه نعمه وانت من الكافرين بنعمتي القمي عن الصادق عليه السلام قال لما بعث الله موسى الى فرعون اتى بابه فاستأذن عليه فلم يأذن له فضرب بعصاه الباب فاصطكت الابواب مفتحة ثم دخل على فرعون فأخبره اني رسول رب العالمين وسأله ان يرسل معه بني اسرائيل فقال له فرعون كما حكى الله ألم نربك الى قوله وفعلت فعلتك التى فعلت يعني قتلت الرجل وانت من الكافرين يعني كفرت نعمتي (20) قال فعلتها إذا وانا من الضالين قيل من الجاهلين وفي العيون عن الرضا عليه السلام انه سئل عن ذلك مع ان الأنبياء معصومون فقال وانا من الضالين عن الطريق بوقوعي الى مدينة من مداينك اقول: لعل المراد انه ورى لفرعون فقصد الضلال عن الطريق وفرعون انما

[ 32 ]

فهم منه الجهل والضلال عن الحق فان الضلال عن الطريق لا يصلح عذرا للقتل (21) ففررت منكم لما خفتكم فوهب لى ربى حكما حكمة وجعلني من المرسلين (22) وتلك نعمة تمنها على ان عبدت بنى اسرئيل اي وتلك التربية نعمة تمنها علي بها ظاهرا وهي في الحقيقة تعبيدك بني اسرائيل وقصدهم بذبح ابنائهم فانه السبب في وقوعي اليك وحصولي في تربيتك ويحتمل تقدير همزة الانكار اي أو تلك نعمة تمنها علي وهي ان عبدت (23) قال فرعون وما رب العالمين لما سمع جواب ما طعن به فيه ورأى انه لم يرعوا بذلك شرع في الاعتراض على دعواه فبدء بالاستفسار عن حقيقة المرسل (24) قال رب السموت والارض وما بينهما عرفه باظهر خواصه وآثاره في الكافي عن امير المؤمنين عليه السلام في خطبة جوامع التوحيد قال الذي سألت الأنبياء عنه فلم تصفه بحد ولا ببعض بل وصفته بفعاله ودلت عليه بآياته ان كنتم موقنين علمتم ذلك (25) قال لمن حوله الا تستمعون جوابه سألته عن حقيقته وهو يذكر افعاله القمي في الحديث السابق قال وانما سأله عن كيفية الله فقال موسى رب السموت والارض وما بينهما ان كنتم موقنين فقال فرعون متعجبا لأصحابه الا تستمعون اسأله عن الكيفية فيجيبني عن الحق أقول: يعني عن الثبوت (26) قال ربكم ورب آبائكم الأولين عدل الى ما لا يشك في افتقاره الى مصور حكيم وخالق عليم ويكون اقرب الى الناظر واوضح عند المتأمل (27) قال ان رسولكم الذى ارسل اليكم لمجنون اسأله عن شئ ويجيبني عن آخر وسماه رسولا على السخرية

[ 33 ]

(28) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما تشاهدون كل يوم انه يأتي بالشمس من المشرق ويذهب به الى المغرب على وجه نافع ينتظم به امور الخلق ان كنتم تعقلون ان كان لكم عقل علمتم ان لا جواب لكم فوق ذلك لا ينهم اولا ثم لما رأى شدة شكيمتهم خاشنهم وعارضهم بمثل مقالتهم (29) قال لئن اتخذت الها غيري لأجعلنك من المسجونين عدل الى التهديد على المحاجة بعد الإنقطاع وهكذا ديدن المعاند المحجوج (30) قال اولو جئتك بشئ مبين اي اتفعل ذلك ولو جئتك بشئ مبين على صدق دعواي يعني المعجزة فانها الجامعة بين الدلالة على وجود الصانع وحكمته والدلالة على صدق مدعي نبوته (31) قال فات به ان كنت من الصادقين (32) فالقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين ظاهر الثعبانية في المجمع عن الباقر عليه السلام فالتقمت الايوان بلحييها فدعاه ان يا موسى اقلني الى غد ثم كان من امره ما كان (33) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين قال قد حال شعاعها بينه وبين وجهه والقمي في الحديث السابق قال فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين فلم يبق احد من جلساء فرعون الا هرب ودخل فرعون من الرعب ما لم يملك نفسه فقال فرعون يا موسى انشدك بالله وبالرضاع الا ما كففتها عني ثم نزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين فلما اخذ موسى العصا رجعت الى فرعون نفسه وهم بتصديقه فقام إليه هامان فقال له بينا انت اله تعبد إذ صرت تابعا تعبد (34) قال للملأ حوله ان هذا لساحر عليم فائق في علم السحر (35) يريد ان يخرجكم من ارضكم بسحره فماذا تامرون بهره سلطان المعجزة حتى حطه عن دعوى الربوبية الى مؤامرة القوم وائتمارهم

[ 34 ]

(36) قالوا ارجه واخاه اخر امرهما وابعث في المدائن حاشرين شرطا يحشرون السحرة (37) ياتوك بكل سحار عليم يفضلون عليه في هذا الفن (38) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم لما وقت به من ساعات يوم معين وهو وقت الضحى يوم الزينة كما سبق في سورة طه (39) وقيل للناس هل انتم مجتمعون فيه استبطاء لهم في الاجتماع حثا على مبادرتهم إليه (40) لعلنا نتبع السحرة ان كانوا هم الغالبين لعلنا نتبعهم في دينهم ان غلبوا كأن مقصودهم الاصلي ان لا يتبعوا موسى لا ان يتبعوا السحرة فساقوا الكلام مساق الكناية (41) فلما جاء السحرة قالوا لفرعون ائن لنا لأجرا إن كنا نحن الغالبين (42) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين التزم لهم الأجر والقربة عنده زيادة عليه ان غلبوا (43) قال لهم موسى القوا ما انتم ملقون اي بعد ما قالوا له اما ان تلقى واما ان نكون نحن الملقين (44) فالقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون انا لنحن الغالبون اقسموا بعزته على ان الغلبة لهم لفرط اعتقادهم في انفسهم واتيانهم بأقصى ما يمكن ان يؤتى به من السحر وهي من اقسام الجاهلية وفي الاسلام لا يصح الحلف الا بالله عز وجل (45) فالقى موسى عصاه فإذا هي تلقف تتبلع وقرء بالتخفيف ما يافكون ما يقلبونه عن وجهه بتمويههم وتزويرهم فيخيلون حبالهم وعصيهم انها حيات تسعى (46) فالقي السحرة ساجدين لعلمهم بأن مثله لا يتأتى بالسحر وانما عبر عن الخرور بالإلقاء ليشاكل ما قبله ويدل على انهم لما رأوا ما رأوا لم يتمالكوا انفسهم

[ 35 ]

وكأنهم اخذوا فطرحوا على وجوههم وانه تعالى القاهم بما خولهم من التوفيق (47) قالوا آمنا برب العالمين (48) رب موسى وهرون ابدال للتوضيح ودفع للتوهم والاشعار على ان الموجب لايمانهم ما اجراه على ايديهما (49) قال آمنتم له وقرء بهمزتين قبل ان آذن لكم انه لكبيركم الذي علمكم السحر فعلمكم شيئا دون شئ ولذلك غلبكم أو فواعدكم ذلك تواطأتم عليه اراد به التلبيس على قومه كي لا يعتقدوا انهم آمنوا على بصيرة وظهور حق فلسوف تعلمون وبال ما فعلتم لأقطعن ايديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم اجمعين (50) قالوا لا ضير لا ضرر علينا في ذلك انا الى ربنا منقلبون بما توعدنا إليه فان الصبر عليه ممحاة للذنوب موجب للثواب والقرب من الله (51) انا نطمع ان يغفر لنا ربنا خطايانا ان كنا اول المؤمنين من اهل المشهد وقرء ان بكسر الهمزة القمي في الحديث السابق قال عليه السلام وكان فرعون وهامان قد تعلما السحر وانما غلبا الناس بالسحر وادعى فرعون الربوبية بالسحر فلما اصبح بعث في المدائن حاشرين مدائن مصر كلها وجمعوا الف ساحر واختاروا من الالف مأة ومن المأة ثمانين فقال السحرة لفرعون قد علمت انه ليس في الدنيا اسحر منا فان غلبنا موسى فما يكون لنا عندك قال انكم إذا لمن المقربين عندي اشارككم في ملكي قالوا فان غلبنا موسى وابطل سحرنا علمنا ان ما جاء به ليس من قبل السحر ولا من قبل الحيلة آمنا به وصدقناه قال فرعون ان غلبكم موسى صدقته انا ايضا معكم ولكن اجمعوا كيدكم اي حيلتكم قال وكان موعدهم يوم عيد لهم فلما ارتفع النهار وجمع فرعون الخلق والسحرة وكانت له قبة طولها في السماء ثمانون ذراعا وقد كانت ألبست الحديد والفولاذ المصقول وكانت إذا وقعت الشمس عليها لم يقدر احد ان ينظر إليها من لمع الحديد ووهج الشمس وجاء فرعون وهامان وقعدا عليها ينظران واقبل

[ 36 ]

موسى ينظر الى السماء فقالت السحرة لفرعون انا نرى رجلا ينظر الى السماء ولم يبلغ سحرنا السماء وضمنت السحرة من في الأرض فقالوا لموسى اما ان تلقى واما ان نكون نحن الملقين قال لهم موسى القوا ما انتم ملقون فالقوا حبالهم وعصيهم فأقبلت تضطرب مثل الحيات فقالوا بعزة فرعون انا لنحن الغالبون فأوجس في نفسه خيفة موسى فنودي لا تخف انك انت الاعلى والق ما في يمينك تلقف ما صنعوا ان ما صنعوا كيد ساحر فألقى موسى العصا فذابت في الارض مثل الرصاص ثم طلع رأسها وفتحت فاها ووضعت شدقها العليا على رأس قبة فرعون ثم دارت وارخت شفتها السفلى والتقمت عصا السحرة وحبالهم وغلبت كلهم وانهزم الناس حين رأوها وعظمها وهولها بما لم تر العين ولا وصف الواصفون مثله فقتل في الهزيمة من وطئ الناس بعضهم بعضا عشرة آلاف رجل وامرأة وصبي ودارت على قبة فرعون قال فأحدث فرعون وهامان في ثيابهما وشاب رأسهما من الفزع ومر موسى في الهزيمة مع الناس فناداه الله عز وجل خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى فرجع موسى ولف على يده عبائه وكانت عليه ثم ادخل يده في فمها فإذا هي عصا كما كانت وكان كما قال الله عز وجل فالقى السحرة سجدين لما رأوا ذلك قالوا آمنا برب العالمين رب موسى وهرون فغضب فرعون عند ذلك غضبا شديدا وقال آمنتم له قبل ان آذن لكم انه لكبيركم يعني موسى الذي علمكم السحر الآية فقالوا له كما حكى الله عز وجل لا ضير الآيتين فحبس فرعون من آمن بموسى في السجن حتى انزل الله عز وجل عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم فأطلق عنهم (52) واوحينا الى موسى ان اسر بعبادي قيل وذلك بعد سنين اقام بين اظهرهم يدعوهم الى الحق ويظهر لهم الآيات فلم يزيدوا الا عتوا وفسادا انكم متبعون يتبعكم فرعون وجنوده (53) فارسل فرعون حين اخبر بسراه في المدائن حاشرين العساكر ليتبعوهم (54) ان هؤلاء لشرذمة قليلون على ارادة القول

[ 37 ]

القمي عن الباقر عليه السلام يقول عصبة قليلة (55) وانهم لنا لغائظون لفاعلون ما يغيظنا (56) وانا لجميع حاذرون وانا لجميع من عادتنا الحذر واستعمال الحزم في الامور وقرء بحذف الالف القمي في الحديث السابق فخرج موسى ببني اسرائيل ليقطع بهم البحر وجمع فرعون اصحابه وبعث في المدائن حاشرين وحشر الناس وقدم مقدمته في ستة مأة الف وركب هو في الف الف وخرج كما حكى الله (57) فاخرجناهم من جنات وعيون (58) وكنوز ومقام كريم يعني المنازل الحسنة والمجالس البهية (59) كذلك مثل ذلك الاخراج واورثناها بنى اسرائيل (60) فاتبعوهم مشرقين داخلين في وقت شروق الشمس (61) فلما تراء الجمعان تقاربا بحيث رأى كل منهما الآخر قال اصحاب موسى انا لمدركون لملحقون (62) قال كلا لن يدركوكم فان الله وعدكم الخلاص منهم ان معى ربي بالحفظ والنصرة سيهدين طريق النجاة منهم (63) فأوحينا الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فانفلق اي ضرب فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم كالجبل المنيف الثابت في مقره فدخلوا في شعابها (64) وازلفنا وقربنا ثم الآخرين فرعون وقومه حتى دخلوا على اثرهم مداخلهم (65) وانجينا موسى ومن معه اجمعين بحفظ البحر على تلك الهيئة حتى عبروا (66) ثم اغرقنا الآخرين باطباقه عليهم

[ 38 ]

(67) ان في ذلك لآية واية آية وما كان اكثرهم مؤمنين وما تنبه عليها اكثرهم إذ لم يؤمن بها احد ممن بقي في مصر من القبط وبنو اسرائيل بعدما نجوا سألوا بقرة يعبدونها واتخذوا العجل وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة (68) وان ربك لهو العزيز المنتقم من اعدائه الرحيم بأوليائه القمي في الحديث السابق فلما قرب موسى (عليه السلام) من البحر وقرب فرعون من موسى قال اصحاب موسى انا لمدركون قال موسى كلا ان معي ربي سيهدين اي سينجين فدنا موسى من البحر فقال له انفرق فقال البحر استكبرت يا موسى ان انفرق لك ولم اعص الله عز وجل طرفة عين وقد كان فيكم العاصي فقال له موسى فاحذر ان تعصي وقد علمت ان آدم اخرج من الجنة بمعصيته وانما لعن ابليس بمعصيته فقال البحر ربي عظيم مطاع امره ولا ينبغي لشئ ان يعصيه فقام يوشع بن نون فقال لموسى يا نبي الله ما امرك ربك قال بعبور البحر فاقحم يوشع فرسه في الماء فأوحى الله عز وجل الى موسى ان اضرب بعصاك البحر فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم اي كالجبل العظيم فضرب له في البحر اثني عشر طريقا فأخذ كل سبط منهم في طريق فكان الماء قد ارتفع وبقيت الأرض يابسة طلعت الشمس فيبست كما حكى الله عز وجل فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى ودخل موسى (ع) واصحابه البحر وكان اصحابه اثني عشر سبطا فضرب الله عز وجل لهم في البحر اثنى عشر طريقا فأخذ كل سبط في طريق وكان الماء قد ارتفع على رؤوسهم مثل الجبال فجزعت الفرقة التي كانت مع موسى في طريقه فقالوا يا موسى اين اخواننا فقال لهم معكم في البحر فلم يصدقوه فأمر الله عز وجل البحر فصار طاقات حتى كان ينظر بعضهم الى بعض ويتحدثون واقبل فرعون وجنوده فلما انتهى الى البحر قال لأصحابه ألا تعلمون اني ربكم الاعلى قد فرج لي البحر فلم يجسر احد ان يدخل البحر وامتنعت الخيل منه لهول الماء فتقدم فرعون حتى جاء الى ساحل البحر فقال له منجمه لا تدخل البحر وعارضه فلم يقبل منه واقبل على فرس حصان فامتنع الحصان ان يدخل الماء فعطف عليه جبرئيل وهو على ماذيانة فتقدمه فدخل فنزل الفرس الى الرمكة فطلبها ودخل البحر واقتحم اصحابه خلفه فلما

[ 39 ]

دخلوا كلهم حتى كان آخر من دخل من اصحابه وآخر من خرج اصحاب موسى امر الله عز وجل الرياح فضربت البحر بعضه ببعض فأقبل الماء يقع عليهم مثل الجبال فقال فرعون عند ذلك آمنت انه لا اله الا الذي آمنت به بنو اسرءيل وانا من المسلمين فأخذ جبرئيل كفا من حماة فدسها في فيه ثم قال الآن وقد عصيت من قبل وكنت من المفسدين وقد مر بعض هذه القصة في سورة يونس وآخر في سورة طه وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال ان قوما ممن آمن بموسى قالوا لو آتينا عسكر فرعون وكنا فيه ونلنا من دنياه فإذا كان الذي ترجوه من ظهور موسى صرنا إليه ففعلوا فلما توجه موسى ومن معه هاربين من فرعون ركبوا دوابهم واسرعوا في السير ليلحقوا بموسى وعسكره فيكونوا معهم فبعث الله عز وجل ملكا فضرب وجوه دوابهم فردهم الى عسكر فرعون فكانوا فيمن غرق مع فرعون (69) واتل عليهم على مشركي العرب نبأ ابرهيم (70) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون سألهم ليريهم ان ما يعبدونه لا يستحق العبادة (71) قالوا نعبد اصناما فنظل لها عاكفين اطالوا جوابهم تحججا وافتخارا (72) قال هل يسمعونكم إذ تدعون يسمعون دعاءكم (73) أو ينفعونكم على عبادتكم لها أو يضرون من اعرض عنها (74) قالوا بل وجدنا آبائنا كذلك يفعلون اضربوا على جوابه والتجؤوا الى التقليد (75) قال افرايتم ما كنتم تعبدون (76) انتم وآباؤكم الاقدمون (77) فانهم عدو لي يريد عدو لكم ولكنه صور الامر في نفسه تعريضا له لأنه انفع في النصح من التصريح والبدئة بنفسه في النصيحة ادعى للقبول الا رب

[ 40 ]

العالمين استثناء منقطع أو متصل على ان الضمير لكل معبود عبدوه وكان من آبائهم من عبد الله (78) الذي خلقني فهو يهدين لأنه يهدي كل مخلوق لما خلق له من امور المعاش والمعاد كما قال الذي احسن كل شئ خلقه ثم هدى هداية مدرجة من مبدء الايجاد الى منتهى اجله (79) والذي هو يطعمني ويسقين (80) وإذا مرضت فهو يشفين انما لم ينسب المرض إليه لأن مقصوده تعديد النعم ولأنه في غالب الامر انما يحدث بتفريط الانسان في مطاعمه ومشاربه وفي اوامر الله ونواهيه كما قال الله سبحانه ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم (81) والذي يميتني عد الموت من جملة النعم واضافه الى الله لأنه لاهل الكمال وصلة الى نيل المحاب التي يستحقر دونها الحياة الدنيوية وخلاص من انواع المحن والبلية ثم يحيين في الآخرة (82) والذى اطمع ان يغفر لى خطيئتي يوم الدين ذكر ذلك هضما لنفسه وتعليما للامة ان يجتنبوا المعاصي ويكونوا على حذر وطلب لأن يغفر لهم ما يفرط منهم واستغفار لما عسى ان يندر منه من خلاف الاولى وحمل الخطيئة على كلماته الثلاث اني سقيم بل فعله كبيرهم وقوله هي اختي لا وجه له لأنها معاريض وليست بخطايا (83) رب هب لى حكما كمالا في العلم والعمل استعد به لخلافة الحق ورياسة الخلق والحقني بالصالحين ووفقني للكمال في العمل لانتظم به في عداد الكاملين في الصلاح (84) واجعل لى لسان صدق في الآخرين جاها وحسن صيت في الدنيا يبقى اثره الى يوم الدين ولذلك ما من امة الا وهم محبون له مثنون عليه في الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام لسان صدق للمرء يجعله الله في الناس خير له من المال يأكله ويورثه أو المراد واجعل صادقا من ذريتي يجدد أصل ديني ويدعو الناس إلى ما كنت أدعوهم إليه

[ 41 ]

وهو محمد وعلي والأئمة عليهم السلام من ذريتهما القمي قال هو امير المؤمنين عليه السلام (85) واجعلني من ورثة جنة النعيم في الآخرة وقد سبق معنى الوراثة فيها في سورة المؤمنين (86) واغفر لأبي بالهداية والتوفيق للايمان انه كان من الضالين طريق الحق وانما دعا له بالمغفرة لما وعده بأنه سيؤمن كما قال الله تعالى وما كان استغفار ابرهيم لأبيه الا عن موعدة وعدها اياه (87) ولا تخزني بمعاتبتي على ما فرطت من الخزي بمعنى الهوان أو من الخزاية بمعنى الحياء يوم يبعثون الضمير للعباد لأنهم معلومون (88) يوم لا ينفع مال ولا بنون (89) الا من اتى الله بقلب سليم اي لا ينفعان احدا الا مخلصا سليم القلب في المجمع عن الصادق عليه السلام قال هو القلب الذي سلم من حب الدنيا وفي الكافي عنه عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال القلب السليم الذي يلقى ربه وليس فيه احد سواه قال وكل قلب فيه شرك أو شك فهو ساقط وانما ارادوا بالزهد في الدنيا لتفرغ قلوبهم للآخرة وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام صاحب النية الصادقة صاحب القلب السليم لأن سلامة القلب من هو اجس المذكورات تخلص النية لله في الامور كلها ثم تلا هذه الآية (90) وازلفت الجنة للمتقين بحيث يرونها من الموقف فيتبجحون بانهم المحشورون إليها (91) وبرزت الجحيم للغاوين فيرونها مكشوفة ويتحسرون على انهم المسوقون إليها وفي اختلاف الفعلين ترجيح لجانب الوعد (92) وقيل لهم اينما كنتم تعبدون

[ 42 ]

(93) من دون الله اين الهتكم الذين تزعمون انهم شفعاؤكم هل ينصرونكم بدفع العذاب عنكم أو ينتصرون بدفعه عن انفسهم لأنهم وآلهتهم يدخلون النار (94) فكبكبوا فيها هم والغاوون اي الآلهة وعبدتهم والكبكبة تكرير الكب . لتكرير معناه كأن من القى في النار ينكب مرة بعد اخرى حتى يستقر في قعرها في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام هم قوم وصفوا عدلا بألسنتهم ثم خالفوه الى غيره القمي وفي خبر آخر هم بنو امية والغاوون بني العباس (95) وجنود ابليس اجمعون في الكافي عن الباقر عليه السلام جنود ابليس ذريته من الشياطين (96) قالوا وهم فيها يختصمون (97) تالله ان كنا أي كنا لفى ضلال مبين (98) إذ نسويكم برب العالمين القمي يقولون لمن تبعوهم اطعناكم كما اطعنا الله فصرتم اربابا (99) وما اضلنا الا المجرمون في الكافي عن الباقر عليه السلام يعني المشركين الذين اقتدوا بهم هؤلاء فاتبعوهم على شركهم وهم قوم محمد صلى الله عليه وآله ليس فيهم من اليهود والنصارى احد وتصديق ذلك قول الله عز وجل كذبت قبلهم قوم نوح كذب اصحاب الايكة كذب قوم لوط ليس هم اليهود الذين قالوا عزير ابن الله ولا النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله سيدخل الله اليهود والنصارى النار ويدخل كل قوم باعمالهم وقولهم وما اضلنا الا المجرمون إذ دعونا الى سبيلهم ذلك قول الله عز وجل فيهم حين جمعهم الى النار قالت اخريهم لاوليهم ربنا هؤلاء اضلونا فاتهم عذابا ضعفا من النار وقوله كلما دخلت امة لعنت اختها حتى إذا اداركوا فيها جميعا برئ بعضهم من بعض

[ 43 ]

ولعن بعضهم بعضا يريد ان بعضهم يحج بعضا رجاء الفلج فيفلتوا من عظم ما نزل بهم وليس بأوان بلوى ولا اختبار ولا قبول معذرة ولا حين نجاة (100) فما لنا من شافعين (101) ولا صديق حميم في المحاسن عن الصادق عليه السلام الشافعون الأئمة عليهم السلام والصديق من المؤمنين والقمي عنهما عليهما السلام والله لنشفعن في المذنبين من شيعتنا حتى يقول اعداؤنا إذا رأوا ذلك فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وفي الكافي عن الباقر عليه السلام ان الشفاعة لمقبولة وما تقبل في ناصب وان المؤمن ليشفع لجاره وماله حسنة فيقول يا رب جاري كان يكف عني الأذى فيشفع فيه فيقول الله تبارك وتعالى انا ربك وانا احق من كافى عنك فيدخله الله الجنة وماله من حسنة وان ادنى المؤمنين شفاعة ليشفع لثلاثين انسانا فعند ذلك يقول اهل النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم وفي المجمع عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ان الرجل يقول في الجنة ما فعل صديقي فلان وصديقه في الجحيم فيقول الله اخرجوا له صديقه الى الجنة فيقول من بقي في النار فما لنا من شافعين ولا صديق حميم (102) فلو ان لنا كرة فنكون من المؤمنين القمي قال من المهتدين قال لأن الايمان قد لزمهم بالاقرار (103) ان في ذلك لآية لحجة وعظة لمن اراد ان يستبصر بها ويعتبر وما كان اكثرهم مؤمنين به (104) وان ربك لهو العزيز القادر على تعجيل الانتقام الرحيم بالامهال لكي يؤمنوا هم أو واحد من ذريتهم (105) كذبت قوم نوح المرسلين قد مر الكلام في تكذيبهم وفي الاكمال عن الباقر عليه السلام انه قدم على قوم مكذبين للأنبياء الذين كانوا بينه وبين آدم (عليه السلام) وذلك قوله تعالى كذبت قوم نوح المرسلين يعني من كان بينه

[ 44 ]

وبين آدم (عليه السلام) (106) إذ قال لهم أخوهم نوح لأنه كان منهم الا تتقون الله فتتركوا عبادة غيره (107) اني لكم رسول امين مشهور بالامانة فيكم (108) فاتقوا الله واطيعون فيما امركم به من التوحيد والطاعة لله (109) وما اسئلكم عليه على ما انا عليه من الدعاء والنصح من اجر ان اجرى الا على رب العالمين (110) فاتقوا الله واطيعون كرره للتأكيد والتنبيه على دلالة كل واحد من امانته وحسم طمعه لوجوب طاعته فيما يدعوهم إليه فكيف إذا اجتمعا (111) قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون القمي قال الفقراء أقول: اشاروا بذلك الى ان اتباعهم ليس عن نظر وبصيرة وانما هو لتوقع مال ورفعة (112) قال وما علمي بما كانوا يعملون انهم عملوه اخلاصا أو طمعا في طعمة وما علي الا الاعتبار الظاهر (113) ان حسابهم الا على ربى فانه المطلع على البواطن لو تشعرون لعلمتم ذلك ولكنكم تجهلون فتقولون ما لا تعلمون (114) وما انا بطارد المؤمنين جواب لما اوهم قولهم من استدعاء طردهم وتوقيف ايمانهم عليه حيث جعلوا اتباعهم المانع عنه (115) ان انا الا نذير مبين لا يليق بي طرد الفقراء لاستتباع الأغنياء (116) قالوا لئن لم تنته يا نوح عما تقول لتكونن من المرجومين من المشتومين أو المضروبين بالحجارة (117) قال رب ان قومي كذبون

[ 45 ]

(118) فافتح بينى وبينهم فتحا فاحكم بيني وبينهم ونجني ومن معي من المؤمنين (119) فانجيناه ومن معه في الفلك المشحون المملو القمي عن الباقر عليه السلام المشحون المجهز الذي قد فرغ منه ولم يبق الا دفعه (120) ثم اغرقنا بعد اي بعد انجائه الباقين من قومه (121) ان في ذلك لآية شاعت وتواترت وما كان اكثرهم مؤمنين (122) وان ربك لهو العزيز الرحيم (123) كذبت عاد قبيلة عاد وهو اسم ابيهم المرسلين (124) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (125) اني لكم رسول أمين (126) فاتقوا الله وطيعون (127) وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الا على رب العالمين (128) اتبنون بكل ريع بكل مكان مرتفع آية قيل اي علما للمارة أو بناء لا تحتاجون إليه تعبثون ببنائه لاستغنائكم عنه بالنجوم للاهتداء أو بمنازلكم للسكنى في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ان كل بناء يبنى وبال على صاحبه يوم القيامة الا ما لا بد منه (129) وتتخذون مصانع قيل مآخذ الماء أو قصورا مشيدة وحصونا لعلكم تخلدون فتحكمون بنيانها (130) وإذا بطشتم بسوط أو سيف بطشتم جبارين متسلطين غاشمين بلا رأفة ولا قصد تأديب ولا نظر في العاقبة القمي قال يقتلون بالغضب من غير استحقاق (131) فاتقوا الله بترك هذه الأشياء واطيعون فيما ادعوكم إليه

[ 46 ]

(132) واتقوا الذى امدكم بما تعلمون كرره مرتبا على امداد الله اياهم بما يعرفونه من انواع النعم تعليلا وتنبيها على الوعد عليه بدوام الامداد والوعيد على تركه بالانقطاع (133) امدكم بانعام وبنين (134) وجنات وعيون (135) انى اخاف عليكم عذاب يوم عظيم (136) قالوا سواء علينا اوعظت ام لم تكن من الوعظين فانا لا نرعوي عما نحن عليه (137) ان هذا الا خلق الاولين اي ما هذا الذي جئت به إلا عادة الأولين كانوا يلفقون مثله أو ما هذا الذي نحن عليه من الدين الا خلق الأولين ونحن بهم مقتدون وقرء بفتح الخاء ما هذا الذي جئنا به الا كذب الأولين أو ما خلقنا هذا الا خلقهم نحيى ونموت مثلهم ولا بعث ولا حساب كذا قيل (138) وما نحن بمعذبين على ما نحن عليه (139) فكذبوه فاهلكناهم بريح صرصر ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين (140) وان ربك لهو العزيز الرحيم (141) كذبت ثمود المرسلين (142) إذ قال لهم اخوهم صالح الا تتقون (143) انى لكم رسول امين (144) فاتقوا الله واطيعون (145) وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الا على رب العالمين

[ 47 ]

(146) اتتركون فيما هيهنا آمنين (147) في جنات وعيون (148) وزروع ونخل طلعها هضيم لطيف لين أو متدلي منكسر من كثرة الحمل (149) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين حاذقين وقرء بحذف الالف اي بطرين (150) فاتقوا الله واطيعون (151) ولا تطيعوا امر المسرفين (152) الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون فيه دلالة على خلوص فسادهم (153) قالوا انما انت من المسحرين قيل اي من الذين سحروا كثيرا حتى غلب على عقلهم أو من ذوي السحر وهي الرية اي من الاناسي القمي يقول اجوف مثل خلق الناس ولو كنت رسولا ما كنت مثلنا (154) ما انت الا بشر مثلنا تأكيد على المعنى الثاني فات بآية ان كنت من الصادقين في دعواك (155) قال هذه ناقة اي بعدما اخرجها الله من الصخرة بدعائه كما اقترحوها على ما سبق حديثه لها شرب نصيب من الماء ولكم شرب يوم معلوم فاقتصروا على شربكم ولا تزاحموها في شربها في المجمع عن امير المؤمنين عليه السلام قال اول عين نبعت في الأرض هي التي فجرها الله لصالح فقال لها شرب ولكم شرب يوم معلوم (156) ولا تمسوها بسوء كضرب وعقر فيأخذكم عذاب يوم عظيم عظم اليوم لعظم ما يحل به وهو ابلغ من تعظيم العذاب

[ 48 ]

(157) فعقروها اسند العقر الى كلهم لأن عاقرها انما عقر برضاهم ولذلك اخذوا جميعا فاصبحوا نادمين على عقرها عند معاينة العذاب (158) فاخذهم العذاب العذاب الموعود في نهج البلاغة انما يجمع الناس الرضا والسخط وانما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمهم الله بالعذاب لما عموه بالرضا فقال سبحانه فعقروها فاصبحوا نادمين فما كان الا ان خارت ارضهم بالخسفة خوار السكة المحماة في الأرض الخوارة إن في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين (159) وان ربك لهو العزيز الرحيم (160) كذبت قوم لوط المرسلين (161) إذ قال لهم اخوهم لوط الا تتقون (162) انى لكم رسول امين (163) فاتقوا الله واطيعون (164) وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الا على رب العالمين (165) اتاتون الذكران من العالمين (166) وتذرون ما خلق لكم ربكم لأجل استمتاعكم من ازوجكم بل انتم قوم عادون متجاوزون عن حد الشهوة أو مفرطون في المعاصي (167) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين من المنفيين من بين اظهرنا (168) قال انى لعملكم من القالين من المبغضين غاية البغض (169) رب نجنى واهلى مما يعملون اي من شؤمه وعذابه (170) فنجيناه واهله اجمعين أهل بيته والمتبعين له على دينه بإخراجهم من

[ 49 ]

بينهم وقت حلول العذاب بهم (171) الا عجوزا هي امرأة لوط في الغابرين مقدرة في الباقين في العذاب (172) ثم دمرنا الآخرين اهلكناهم (173) وامطرنا عليهم مطرا حجارة فسآء مطر المنذرين قد سبق قصتهم في سورة الأعراف (174) ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين (175) وان ربك لهو العزيز الرحيم (176) كذب اصحاب الايكة المرسلين الايكة غيضة تنبت ناعم الشجر (177) إذ قال لهم شعيب الا تتقون في الجوامع في الحديث ان شعيبا اخا مدين ارسل إليهم والى اصحاب الأيكة (178) انى لكم رسول امين (179) فاتقوا الله واطيعون (180) وما اسئلكم عليه من اجر ان اجرى الا على رب العالمين (181) اوفوا الكيل اتموه ولا تكونوا من المخسرين حقوق الناس بالتطفيف (182) وزنوا بالقسطاس المستقيم بالميزان السوي (183) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تنقصوا شيئا من حقوقهم ولا تعثوا في الارض مفسدين بالقتل والغارة وقطع الطريق (184) واتقوا الذى خلقكم والجبلة الاولين وذوي الجبلة الأولين يعني من تقدمهم من الخلائق القمي قال الخلق الأولين

[ 50 ]

(185) قالوا انما انت من المسحرين (186) وما انت الا بشر مثلنا قيل اتوا بالواو للدلالة على انه جامع بين وصفين منافيين للرسالة مبالغة في تكذيبه وان وانه نظنك لمن الكذبين في دعواك (187) فاسقط علينا كسفا من السماء قطعة منها وقرء بفتح السين ان كنت من الصادقين في دعوتك (18 8) قال ربى اعلم بما تعملون وبعذابه منزل عليكم ما اوجبه في وقته المقدر له (189) فكذبوه فاخذهم عذاب يوم الظلة القمي يوم حر وسمايم قال فبلغنا والله اعلم انه اصابهم حر وهم في بيوتهم فخرجوا يلتمسون الروح من قبل السحابة التي بعث الله عز وجل فيها العذاب فلما غشيتهم اخذتهم الصيحة فاصبحوا في دارهم جاثمين وقيل سلط الله عليهم الحر سبعة ايام حتى غلت انهارهم فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا انه كان عذاب يوم عظيم (190) ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين (191) وان ربك لهو العزيز الرحيم (192) وانه لتنزيل رب العالمين (193) نزل به الروح الامين اي جبرئيل فانه امين الله على وحيه وقرء بتشديد الزاي ونصب الروح والإمين (194) على قلبك لتكون من المنذرين في الكافي والبصائر عن الباقر عليه السلام هي الولاية لأمير المؤمنين عليه السلام والقمي عن الصادق عليه السلام الولاية التي نزلت لأمير المؤمنين عليه السلام

[ 51 ]

يوم الغدير (195) بلسان عربي مبين واضح المعنى في الكافي عن احدهما عليهما السلام انه سئل عنه فقال يبين الالسن ولا تبينه الألسن وفي العلل عن الصادق عن ابيه عليهما السلام قال ما انزل الله تبارك وتعالى كتابا ولا وحيا الا بالعربية فكان يقع في مسامع الأنبياء بألسنة قومهم وكان يقع في مسامع نبينا صلى الله عليه وآله بالعربية فإذا كلم به قومه كلمهم بالعربية فيقع في مسامعهم بلسانهم وكان احد لا يخاطب رسول الله صلى الله عليه وآله بأي لسان خاطبه الا وقع في مسامعه بالعربية كل ذلك يترجم جبرئيل عنه تشريفا من الله له (صلى الله عليه وآله وسلم) (196) وانه لفى زبر الاولين وان معناه أو ذكره لفي كتب الأنبياء الأولين (197) اولم يكن لهم آية على صحة القرآن ونبوة محمد صلى الله عليه وآله وقرء تكن بالتاء وآية بالرفع ان يعلمه علماؤ بنى اسرائيل ان يعرفوه بنعته المذكور في كتبهم (198) ولو نزلناه على بعض الاعجمين (199) فقراه عليهم ما كانوا به مؤمنين لفرط عنادهم واستنكافهم من اتباع العجم القمي عن الصادق عليه السلام لو نزلنا القرآن على العجم ما آمنت به العرب وقد نزل على العرب فآمنت به العجم فهذه في فضيلة العجم (20) كذلك سلكناه ادخلنا معانيه في قلوب المجرمين ثم لم يؤمنوا به عنادا (201) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم الملجئ الى الإيمان

[ 52 ]

(202) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون باتيانه (203) فيقولوا هل نحن منظرون تحسرا وتأسفا (204) افبعذابنا يستعجلون فيقولون امطر علينا حجارة من السماء فاتنا بما تعدنا وحالهم عند نزول العذاب طلب النظرة (205) افرايت ان متعناهم سنين (206) ثم جائهم ما كانوا يوعدون (207) ما اغنى عنهم ما كانوا يمتعون لم يغن عنهم تمتعهم المتطاول في دفع العذاب وتخفيفه في الكافي عن الصادق عليه السلام قال أري رسول الله صلى الله عليه وآله في منامه بني امية يصعدون منبره من بعده يضلون الناس عن الصراط القهقري فأصبح كئيبا حزينا فهبط جبرئيل فقال يا رسول الله ما لي اراك كئيبا حزينا قال يا جبرئيل اني رأيت بني امية في ليلتي هذه يصعدون منبري من بعدي يضلون الناس عن الصراط القهقري فقال والذي بعثك بالحق نبيا ان هذا شئ ما اطلعت عليه فعرج إلى السماء فلم يلبث أن نزل عليه بآي من القرآن يؤنسه بها قال أفرأيت ان متعناهم سنين الآيات وانزل عليه انا انزلناه قال جعل الله عز وجل ليلة القدر لنبيه خيرا من ألف شهر ملك بني امية (208) وما اهلكنا من قرية الا لها منذرون انذروا اهلها الزاما للحجة (209) ذكرى تذكرة وما كنا ظالمين فنهلك قبل الإنذار (210) وما تنزلت به الشياطين كما زعم المشركون انه من قبيل ما يلقي به الشياطين على الكهنة (211) وما ينبغى لهم وما يصح لهم ان ينزلوا به وما يستطيعون وما يقدرون (212) انهم عن السمع لكلام الملائكة لمعزولون اي مصروفون عن استماع القرآن من السماء قد حيل بينهم وبين السمع بالملائكة والشهب قيل وذلك لأنه مشروط بمشاركة في صفا الذات وقبول فيضان الحق ونفوسهم خبيثة ظلمانية شريرة

[ 53 ]

(213) فلا تدع مع الله الها آخر فتكون من المعذبين من قبيل اياك اعني واسمعي يا جارة فانه كان منزها عن ان يشرك بالله طرفة عين (214) وانذر عشيرتك الاقربين فان الاهتمام بشأنهم اهم في العيون وفي المجالس عن الرضا عليه السلام وانذر عشيرتك الأقربين ورهطك المخلصين قال هكذا في قراءة ابي بن كعب وهي ثابتة في مصحف عبد الله ابن مسعود قال وهذه منزلة رفيعة وفضل عظيم وشرف عال حين عنى الله عز وجل بذلك الآل فذكره لرسول الله صلى الله عليه وآله وفي المجمع نسب القراءة الى الصادق عليه السلام وابن مسعود والقمي قال نزلت في رهطك منهم المخلصين قال نزلت بمكة فجمع رسول الله صلى الله عليه وآله بني هاشم وهم اربعون رجلا كل واحد منهم يأكل الجذع ويشرب القربة فاتخذ لهم طعاما يسيرا بحسب ما امكن فأكلوا حتى شبعوا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من يكون وصيي ووزيري وخليفتي فقال أبو لهب جزما سحركم محمد صلى الله عليه وآله فتفرقوا فلما كان اليوم الثاني امر رسول الله صلى الله عليه وآله ففعل بهم مثل ذلك ثم سقاهم اللبن حتى رووا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ايكم يكون وصيي ووزيري وخليفتي فقال أبو لهب جزما سحركم محمد فتفرقوا فلما كان اليوم الثالث امر رسول الله صلى الله عليه وآله ففعل بهم مثل ذلك ثم سقاهم اللبن فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله ايكم يكون وصيي ووزيري وينجز عداتي ويقضي ديني فقام علي وكان اصغرهم سنا واخمشهم ساقا واقلهم مالا فقال انا يا رسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله انت هو، وفي المجمع عن طريق العامة ما يقرب منه وزاد في آخره فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب اطع ابنك فقد امره عليك واورده في العلل باختصار مع هذه الزيادة والقمي وقوله ورهطك منهم المخلصون قال علي بن ابي طالب وحمزة وجعفر والحسن والحسين والأئمة من آل محمد صلوات الله عليهم

[ 54 ]

(215) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين لين جانبك لهم مستعار من خفض الطائر جناحه إذا اراد ان ينحط في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام قد امر الله اعز خلقه وسيد بريته محمد صلى الله عليه وآله بالتواضع فقال واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين والتواضع مزرعة الخشوع والخشية والحياء وانهن لا يتبين الا منها وفيها ولا يسلم الشرف التام الحقيقي الا للمتواضع في ذات الله (216) فان عصوك فقل انى برئ مما تعملون القمي فان عصوك يعني من بعدك في ولاية علي عليه السلام والأئمة عليهم السلام قال ومعصية رسول الله صلى الله عليه وآله وهو ميت كمعصيته وهو حي (217) وتوكل على العزيز الرحيم الذى يقدر على قهر اعدائه ونصر أوليائه يكفك شر من يعصيك وقرء فتوكل (218) الذى يراك حين تقوم وتقلبك في الساجدين القمي عن الباقر عليه السلام قال الذي يريك حين تقوم في النبوة وتقلبك في الساجدين قال في اصلاب النبيين وفي المجمع عنهما عليهما السلام قالا في اصلاب النبيين نبي بعد نبي حتى اخرجه من صلب ابيه عن نكاح غير سفاح من لدن آدم عليه السلام وعن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا ترفعوا قبلي ولا تضعوا قبلي فاني اراكم من خلفي كما اراكم من امامي ثم تلا هذه الآية أقول: يعني رؤوسكم في الصلاة (219) انه هو السميع العليم (220) هل انبئكم على من تنزل الشياطين لما بين ان القرآن لا يصح ان يكون مما تنزلت به الشياطين اكد ذلك ببيان من تنزلت عليه (221) تنزل على كل افاك اثيم كذاب شديد الإثم

[ 55 ]

(222) يلقون السمع واكثرهم كاذبون اي الافاكون يلقون السمع الى الشياطين فيتلقون منهم ظنونا وامارات لنقصان علمهم فيضمون إليها على حسب تخيلاتهم اشياء لا يطابق اكثرها في الكافي عن الباقر عليه السلام ليس من يوم ولا ليلة الا وجميع الجن والشياطين تزور أئمة الضلالة ويزور أئمة الهدى عددهم من الملائكة حتى إذا اتت ليلة القدر فهبط فيها من الملائكة الى ولي الأمر خلق الله أو قال قيض الله عز وجل من الشياطين بعددهم ثم زاروا ولي الضلالة فأتوه بالافك والكذب حتى لعله يصبح فيقول رأيت كذا وكذا فلو سأل ولي الامر عن ذلك لقال رأيت شيطانا اخبرك بكذا وكذا حتى يفسر له تفسيراو يعلمه الضلالة التي هو عليها وفي الخصال عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال هم سبعة المغيرة وبنان وصايد وحمزة بن عمارة البربري والحارث الشامي وعبد الله بن الحارث وابو الخطاب (224) والشعراء يتبعهم الغاون وقرء بالتخفيف قيل هو استيناف ابطل به كونه شاعرا كما زعمه المشركون يعني ان اتباع محمد صلى الله عليه وآله ليسوا بغاوين فكيف يكون شاعرا والقمي قال نزلت في الذين غيروا دين الله وخالفوا امر الله عز وجل هل رأيتم شاعرا قط يتبعه احد وانما عنى بذلك الذين وضعوا دينا بآرائهم فيتبعهم الناس على ذلك وفي المعاني عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال هل رأيت شاعرا يتبعه أحد انما هم قوم تفقهوا لغير الله فضلوا وأضلوا وفي المجمع عن العياشي عن الصادق (عليه السلام) هم قوم تعلموا وتفقهوا بغير علم فضلوا وأضلوا وفي الاعتقادات عنه عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال هم القصاص (2) (225) الم تر انهم في كل واد يهيمون قيل وذلك لأن اكثر كلمات الشعراء

[ 56 ]

خيالات لا حقيقة لها القمي يعني يناظرون بالاباطيل ويجادلون بالحجج المضلين وفي كل مذهب يذهبون يعني بهم المغيرين دين الله (22 6) وانهم يقولون ما لا يفعلون قال يعظون الناس ولا يتعظون وينهون عن المنكر ولا ينتهون ويأمرون بالمعروف ولا يعملون قال وهم الذين غصبوا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم (227) الا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا قيل هو استثناء للشعراء المؤمنين الصالحين الذين يكثرون ذكر الله ويكون اكثر اشعارهم في التوحيد والثناء على الله تعالى والحث على طاعته ولو قالوا هجوا ارادوا به الانتصار ممن هجاهم من الكفار ومكافأة هجاة المسلمين كحسان بن ثابت وكعب بن مالك وكعب بن زبير والقمي ثم ذكر آل محمد صلوات الله عليهم وشيعتهم المهتدين فقال الا الذين آمنوا الآية أقول: يمكن التوفيق بين التفسيرين بإرادة كلا المعنيين فان حجج المبطلين من اهل الجدل ايضا اكثرها خيالات شعرية لا حقيقة لها وتمويهات لا طائل تحتها كأقاويل الشعراء وكلا الفريقين سيان في انهم في كل واد يهيمون وانهم يقولون ما لا يفعلون الا ان ذكر اتباع الغاوين انما هو بالنظر الى من له رياسة في الاضلال من اهل المذاهب الباطلة وانكار احد المعنيين في الحديث يرجع الى انكار الحصر فيه ثم ليس المراد بالشعر المذموم الكلام المنظوم باعتبار نظمه كيف وان من الشعر لحكمة يعني من المنظوم وان منه لموعظة وان منه لثناء على الله وعلى اوليائه بل باعتبار التشبيب بالحرام وتمزيق الاعراض ومدح من لا يستحق ونحو ذلك وفي العيون عن الصادق عليه السلام قال من قال فينا بيت شعر بني الله بيتا في الجنة وقال ما قال فينا قائل شعرا حتى يؤيد بروح القدس

[ 57 ]

وفي المجمع عن كعب بن مالك انه قال يا رسول الله ماذا تقول في الشعراء قال ان المؤمن مجاهد بسيفه والذي نفسي بيده لكأنما يرضخونهم بالنبل قال وقال النبي صلى الله عليه وآله لحسان بن ثابت اهجهم أو هاجهم وروح القدس معك وفي الجوامع قال لكعب بن مالك اهجهم فو الذي نفسي بيده لهو اشد عليهم من النبل وفي الكتاب الكشي عن الصادق عليه السلام يا معشر الشيعة علموا اولادكم شعر العبدي فانه على دين الله وفي المعاني عنه عليه السلام إنه سئل عن هذه الآية ما هذا الذكر الكثير قال من سبح بتسبيح فاطمة الزهراء عليها السلام فقد ذكر الله كثيرا وفي الكافي عن امير المؤمنين عليه السلام من ذكر الله عز وجل في السر فقد ذكر الله كثيرا ان المنافقين كانوا بذكرون الله علانية ولا يذكرونه في السر فقال الله تعالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون القمي ثم ذكر اعدائهم ومن ظلمهم فقال جل ذكره وسيعلم الذين ظلموا آل محمد حقهم أي منقلب ينقلبون هكذا والله نزلت وفي الجوامع نسب هذه القراءة الى الصادق عليه السلام في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرء سور الطواسين الثلاث في ليلة الجمعة كان من اولياء الله وفي جواره وكنفه ولم يصبه في الدنيا بؤس ابدا واعطى في الآخرة من الجنة حتى يرضى وفوق رضاه وزوجه الله مأة زوجة من الحور العين وزاد في المجمع واسكنه الله في جنة عدن وسط الجنة مع النبيين والمرسلين والوصيين الراشدين

[ 58 ]

سورة النمل مكية عدد آيها ثلاث وتسمعون آية حجازي اربع بصري شامي ثلاث كوفي واختلافها آيتان وأولو بأس شديد حجازي من قوارير غير الكوفي بسم الله الرحمن الرحيم (1) طس في المعاني عن الصادق عليه السلام واما طس فمعناه انا الطالب السميع تلك آيت القرآن وكتاب مبين (2) هدى وبشرى للمؤمنين (3) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) ان الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم اعمالهم بأن جعلناها مشتهاة لطبايعهم محبوبة لأنفسهم فهم يعمهون عنها لا يدركون ما يتبعها (5) اولئك الذين لهم سوء العذاب كالقتل والاسر يوم بدر وهم في الاخرة هم الأخسرون اشد الناس خسرانا لفوات المثوبة واستحقاق العقوبة (6) وانك لتلقى القرآن لتؤتاه من لدن حكيم عليم أي حكيم وأي عليم (7) إذ قال موسى لأهله انى انست نارا سأتيكم منها بخبر اي عن حال الطريق لأنه قد ضله أو آتيكم منها بشهاب قبس شعلة نار مقبوسة وقرء بتنوينها والعدتان على سبيل الظن ولذلك عبر عنهما في طه بصيغة الترجي والترديد للدلالة على انه ان لم يظفر بهما جميعا ظفر باحدهما بناء على ظاهر الامر وثقة بالله لعلكم تصطلون رجاء ان تستدفؤا بها

[ 59 ]

(8) فلما جائها نودى ان بورك من في النار من في مكان النار وهو البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى نودى من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة ومن حولها ومن حول مكانها وسبحان الله رب العالمين من تمام ما نودي به لئلا يتوهم من سماع كلامه تشبها وللتعجب من عظمة ذلك الأمر (9) يا موسى انه انا الله العزيز الحكيم انا القوي القادر على ما يبعد من الأوهام كقلب العصا حية الفاعل كل ما يفعله بحكمة وتدبير (10) والق عصاك ونودي ان الق عصاك فلما رآها تهتز تتحرك باضطراب كأنها جآن حية خفيفة سريعة ولى مدبرا ولم يعقب ولم يرجع من عقب المقاتل اذكر بعد ما فر يا موسى لا تخف من غير ثقة بي انى لا يخاف لدى المرسلون (11) الا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فانى غفور رحيم قيل فيه تعريض لموسى بوكزه القبطي والإستثناء منقطع أو متصل وثم بدل مستأنف معطوف على محذوف اي من ظلم ثم بدل ذنبه بالتوبة، والقمي معنى الا من ظلم ولا من ظلم فوضع حرف مكان حرف (12) وادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء آفة في المعاني عن الصادق عليه السلام قال من غير برص في تسع آيات في جملتها أو معها على ان التسع هي الفلق والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والطمسة والحدب في بواديهم والنقصان في مزارعهم ولمن عدا العصا واليد من التسع ان يعد الأخيرين واحدا ولا يعد الفلق لأنه لم يبعث به الى فرعون كذا قيل الى فرعون وقومه انهم كانوا قوما فاسقين تعليل للارسال (13) فلما جآئتهم آياتنا بأن جاءهم موسى بها مبصرة بينة اسم فاعل اطلق للمفعول اشعارا بأنها لفرط اجتلائها للابصار بحيث تكاد تبصر نفسها لو كانت مما تبصر وفي المجمع عن السجاد عليه السلام انه قرء مبصرة بفتح الميم والصاد اي

[ 60 ]

مكانا يكثر فيه التبصرة قالوا هذا سحر مبين واضح سحريته (14) وجحدوا بها وكذبوا بها واستيقنتها انفسهم وقد استيقنتها ظلما لأنفسهم وعلوا ترفعا من الإيمان والإنقياد فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وهو الغرق في الدنيا والحرق في الآخرة (15) ولقد آتينا داود وسليمان علما طائفة من العلم أو علما اي علم وقالا الحمد لله فعلا شكرا له ما فعلا وقال الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده المؤمنين يعم من لم يؤت علما أو مثل علمهما وفيه دليل على فضل العلم وشرف اهله حيث شكراه على العلم وجعلاه اساس الفضل ولم يعتبرا دونه وما اوتيا من الملك الذي لم يؤت غيرهما وتحريض للعالم على ان يحمد الله على ما اتاه من فضله وان يتواضع ويعتقد انه وان فضل على كثير فقد فضل عليه كثير (16) وورث سليمان داود الملك والنبوة في الكافي عن الجواد عليه السلام انه قيل له انهم يقولون في حداثة سنك فقال ان الله اوحى الى داود ان يستخلف سليمان عليه السلام وهو صبي يرعى الغنم فأنكر ذلك عباد بني اسرائيل وعلماؤهم فأوحى الله الى داود ان خذ عصا المتكلمين وعصا سليمان واجعلهما في بيت واختم عليها بخواتيم القوم فإذا كان من الغد فمن كانت عصاه اورقت واثمرت فهو الخليفة فأخبرهم داود (عليه السلام) فقالوا قد رضينا وسلمنا وقال يا ايها الناس علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ تشهيرا لنعمة الله وتنويها بها ودعاء للناس الى التصديق بذكر المعجزة في البصائر عن الصادق عليه السلام انه تلا رجل عنده هذه الآية فقال (عليه السلام) ليس فيها من وانما هي واوتينا كل شئ ان هذا لهو الفضل المبين الذي لا يخفى على حد في الجوامع عن الصادق عليه السلام يعني الملك والنبوة والقمي عنه عليه السلام اعطي سليمان بن داود مع علمه معرفة المنطق بكل

[ 61 ]

لسان ومعرفة اللغات ومنطق الطير والبهائم والسباع وكان إذا شاهد الحروب تكلم بالفارسية وإذا قعد لعماله وجنوده وأهل مملكته تكلم بالرومية وإذا خلا بنسائه تكلم بالسريانية والنبطية وإذا قام في محرابه لمناجاة ربه تكلم بالعربية وإذا جلس للوفود والخصماء تكلم بالعبرانية وفي المجمع عنه عن ابيه عليهما السلام قال اعطي سليمان بن داود ملك مشارق الأرض ومغاربها فملك سبعمأة سنة وستة اشهر ملك اهل الدنيا كلهم من الجن والانس والشياطين والدواب والطير والسباع واعطي علم كل شئ ومنطق كل شئ وفي زمانه صنعت للصنايع العجيبة التي سمع بها الناس وذلك قوله علمنا منطق الطير وفي البصائر عنه عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام لابن عباس ان الله علمنا منطق الطير كما علم سليمان بن داود عليه السلام ومنطق كل دابة في بر وبحر وعنه عليه السلام ان سليمان بن داود (عليه السلام) قال علمنا منطق الطير واوتينا من كل شئ وقد والله علمنا منطق الطير وعلم كل شئ وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام قال ان الإمام لا يخفى عليه كلام احد من الناس ولا طير ولا بهيمة ولا شئ فيه الروح ومن لم تكن هذه الخصال فيه فليس هو بإمام وعن الباقر عليه السلام انه وقع عنده زوج ورشان على الحايط فهدلا هديلهما فرد عليهما كلامهما فمكثا ساعة ثم نهضا فلما طارا على الحايط هدل الذكر على الانثى ساعة ثم نهضا فسئل (عليه السلام) ما هذا الطير فقال كل شئ خلقه الله من طير وبهيمة أو شئ فيه روح فهو اسمع لنا واطوع من ابن آدم ان هذا الورشان ظن بامرأته فحلفت له ما فعلت فقالت ترضى بمحمد بن علي (عليه السلام) فرضيا بي فأخبرته انه لها ظالم فصدقها والاخبار في هذا المعنى عنهم عليهم السلام كثيرة

[ 62 ]

(17) وحشر وجمع لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون يحبسون القمي عن الباقر عليه السلام يحبس اولهم على آخرهم يعني ليتلاحقوا (18) حتى إذا اتوا على واد النمل القمي قعد على كرسيه وحملته الريح فمرت به على وادي النمل وهو واد ينبت فيه الذهب والفضة وقد وكل به النمل وهو قول الصادق عليه السلام ان لله واديا ينبت الذهب والفضة وقد حماه الله بأضعف خلقه وهو النمل لو رامته النجاتي ما قدرت عليه قالت نملة يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون انهم يحطمونكم إذ لو شعروا لم يفعلوا (19) فتبسم ضاحكا من قولها في العيون عن الرضا عن ابيه عن آبائه عليهم السلام في قوله عز وجل فتبسم ضاحكا من قولها قال لما قالت النملة يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده حملت الريح صوت النملة الى سليمان وهو مار في الهواء والريح قد حملته فوقف وقال علي بالنملة فلما أتي بها قال سليمان يا ايتها النملة اما علمت اني نبي الله واني لا اظلم احدا قالت النملة بلى قال سليمان فلم تحذرينهم ظلمي وقلت يا ايها النمل ادخلوا مساكنكم قالت النملة خشيت ان ينظروا الى زينتك فيفتتنوا بها فيعبدون غير الله عز وجل ثم قالت النملة انت اكبر ام ابوك داود قال سليمان بل ابي داود قالت النملة فلم زيد في حروف اسمك حرف على حروف اسم ابيك داود عليه السلام قال سليمان ما لي بهذا علم قالت النملة لأن اباك داود (عليه السلام) داوى جرحه بود فسمى داود وانت يا سليمان ارجو ان تلحق بأبيك ثم قالت النملة هل تدري لم سخرت لك الريح من بين ساير المملكة قال سليمان ما لي بهذا علم قالت النملة يعني عز وجل بذلك لو سخرت لك جميع المملكة كما سخرت لك هذه الريح لكان زوالها من بين يديك كزوال الريح تبسم ضاحكا من قولها أقول: ولعل النملة ارادت بقولها لأن اباك داود (عليه السلام) داوى جرحه بود ان اسم

[ 63 ]

ابيك كان ذلك فخفف وانما عبرت عنه بهذه العبارة اشارة الى علة التسمية وعلى هذا يزيد حروف اسم ابيه على اسمه وقال رب اوزعنى ان اشكر نعمتك اجعلني ازع شكر نعمتك عندي اي اكفه وارتبطه بحيث لا ينفلت عني ولا انفك عنه التى انعمت على وعلى ولدى ادرج فيه ذكر والديه تكثيرا للنعمة وان اعمل صالحا ترضيه اتماما للشكر واستدامة للنعمة وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين في عدادهم في الجنة في البصائر عن الصادق عليه السلام كان سليمان عنده اسم الله الأكبر الذي إذا سئل به أعطي وإذا دعي اجاب ولو كان اليوم احتاج الينا (20) وتفقد الطير وتعرف الطير فلم يجد فيها الهدهد فقال مالى لا ارى الهدهد ام كان من الغائبين القمي وكان سليمان إذا قعد على كرسيه جاءت جميع الطير التي سخرها الله له فتظل الكرسي والبساط بجميع من عليه عن حر الشمس فغاب عنه الهدهد من بين الطير فوقع الشمس من موضعه في حجر سليمان فرفع رأسه وقال كما حكى الله عز وجل (21) لأعذبنه عذابا شديدا كنتف ريشه أو جعله مع ضده في قفص أو لأذبحنه ليعتبر به ابناء جنسه أو لياتينى وقرء بنونين اولهما مفتوحة مشددة بسلطان مبين بحجة تبين عذره والحلف في الحقيقة على الأولين بتقدير عدم الثالث في الكافي عن الكاظم عليه السلام وانما غضب عليه لأنه كان يدله على الماء قال فهذا وهو طائر قد اعطي ما لم يعط سليمان وقد كانت الريح والنمل والجن والانس والشياطين المردة له طائعين ولم يكن يعرف الماء تحت الهواء وكان الطير يعرفه وان الله يقول في كتابه ولو ان قرآنا سيرت الجبال أو قطعت به الارض أو كلم به الموتى وقد ورثنا نحن هذا القرآن الذي فيه ما تسير به الجبال ويقطع به البلدان ويحيى به الموتى ونحن نعرف الماء تحت الهواء الحديث (22) فمكث غير بعيد زمانا غير مديد يريد به الدلالة على سرعة رجوعه وقرء بضم الكاف فقال احطت بما لم تحط به يعني حال سبا وفي مخاطبته اياه بذلك تنبيه

[ 64 ]

على انه في ادنى خلق الله من احاط علما بما لم يحط به ليتحاقر إليه نفسه ويتصاغر لديه علمه وجئتك من سبأ بنبأ يقين بخبر محقق وقرء سبأ بفتح الهمزة وبدونها (23) انى وجدت امرئة تملكهم يعني بلقيس بنت شراحيل بن مالك بن ريان اوتيت من كل شئ يحتاج إليه الملوك ولها عرش عظيم (24) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل سبيل الحق والصواب فهم لا يهتدون إليه (25) الا يسجدوا لله فصدهم لأن لا يسجدوا أو زين لهم ان لا يسجدوا أو لا يهتدون الى ان يسجدوا بزيادة لا كقوله ما منعك ان لا تسجد وقرء بالتخفيف على انها للتنبيه ويا للنداء ومناداه محذوف اي الا يا قوم اسجدوا الذى يخرج الخبأ في السموت والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون وصف له بما يوجب اختصاصه باستحقاق السجود من التفرد بكمال القدرة والعلم حثا على سجوده وردا على من يسجد لغيره والخبأ ما خفى في غيره واخراجه اظهاره وهو يعم اشراق الكواكب وانزال الأمطار وانبات النبات بل الإنشاء فانه اخراج ما في الشئ بالقوة الى الفعل والإبداع فانه اخراج ما في العدم الى الوجود ومعلوم انه يختص بالله سبحانه والقمي في السموات المطر وفي الأرض النبات (26) الله لا اله الا هو رب العرش العظيم الشامل للمخلوقات كلها (27) قال سننظر سنتعرف من النظر بمعنى التأمل اصدقت ام كنت من الكاذبين (28) اذهب بكتابي هذا فالقه إليهم ثم تول عنهم ثم تنح عنهم الى مكان قريب تتوارى فيه فانظر ماذا يرجعون ماذا يرجع بعضهم الى بعض من القول، القمي قال الهدهد انها في حصن منيع قال سليمان الق كتابي على قبتها فجاء الهدهد فألقى الكتاب في حجرها فارتاعت من ذلك وجمعت جنودها وقال لهم كما حكى الله عز وجل

[ 65 ]

(29) قالت اي بعد ما القي إليها يا ايها الملأ انى القى الى كتاب كريم القمي اي مختوم وفي الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله قال كرم الكتاب ختمه (30) انه من سليمان استيناف كأنه قيل لها ممن هو وما هو فقالت انه اي الكتاب أو العنوان من سليمان وانه وان المكتوب بسم الله الرحمن الرحيم (31) الا تعلوا على واتونى مسلمين مؤمنين أو منقادبن وهذا الكلام في غاية الوجازة مع كمال الدلالة على المقصود لاشتماله على البسملة الدالة على ذات الصانع وصفاته والنهي عن الترفع الذي هو ام الرذائل والامر بالإسلام الجامع لامهات الفضائل وليس الامر فيه بالإنقياد قبل اقامة الحجة على رسالته حتى يكون استدعاء للتقليد فان القاء الكتاب إليها على تلك الحالة من اعظم الأدلة (3 2) قالت يا ايها الملؤ افتوني في امرى اذكروا ما تستصوبون فيه ما كنت قاطعة امرا حتى تشهدون الا بمحضركم كأنها استعطفتهم بذلك ليمالؤها على الإجابة (33) قالوا نحن اولوا قوة بالأجساد والعدد في الاكمال عن الصادق عليه السلام ما يخرج القائم الا في اولي قوة وما يكون اولو قوة الا عشرة آلاف واولو باس شديد بشدة وشجاعة والامر اليك موكول فانظري ماذا تأمرين من المقاتلة والصلح نطعك ونتبع رأيك (34) قالت ان الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها بنهب الأموال وتخريب الديار وجعلوا اعزة اهلها اذلة بالإهانة والاسر وكذلك يفعلون القمي فقال الله تعالى وكذلك يفعلون (35) وانى مرسلة إليهم بهدية فناظرة منتظرة كذا في الإحتجاج عن امير المؤمنين عليه السلام بم يرجع المرسلون من حاله حتى اعمل بحسب ذلك

[ 66 ]

والقمي قالت ان كان هذا نبيا من عند الله كما يدعي فلا طاقة لنا به فان الله عز وجل لا يغلب ولكن سأبعث إليهم بهدية فان كان ملكا يميل الى الدنيا قبلها وعلمت انه لا يقدر علينا فبعثت حقة فيها جوهرة عظيمة وقالت للرسول قل له يثقب هذه الجوهرة بلا حديد ولا نار فأتاه الرسول بذلك فأمر سليمان بعض جنوده من الديدان فأخذ خيطا في فمه ثم ثقبها واخذ الخيط من الجانب الآخر (3 6) فلما جاء سليمان اي الرسول وما اهدت إليه قال اتمدونن بمال وقرء بنون واحدة مشددة على الإدغام فما اتاني الله من النبوة والملك الذي لا مزيد عليه خير مما اتيكم فلا حاجة لي الى هديتكم ولا وقع لها عندي بل انتم بهديتكم تفرحون لأنكم لا تعلمون الا ظاهرا من الحياة الدنيا (37) ارجع ايها الرسول إليهم الى بلقيس وقومها فلناتينهم بجنود لا قبل لهم بها لا طاقة لهم بمقاومتها ولا قدرة بهم على مقاتلتها ولنخرجنهم منها من سبا اذلة بذهاب ما كانوا فيه من العز وهم صاغرون اسراء مهانون القمي فرجع إليها الرسول فأخبرها بذلك وبقوة سليمان فعلمت انه لا محيص لها فخرجت وارتحلت نحو سليمان (38) قال يا ايها الملؤ ايكم ياتيني بعرشها قبل ان ياتوني مسلمين القمي لما علم سليمان باقبالها نحوه قال ذلك قيل اراد بذلك ان يريها بعض ما خصه الله تعالى به من العجائب الدالة على عظيم القدرة وصدقه في دعوى النبوة ويختبر عقلها بأن ينكر عرشها فنظر اتعرفه ام تنكره (39) قال عفريت خبيث مارد من الجن انا آتيك به قبل ان تقوم من مقامك مجلسك للحكومة قيل وكان يجلس الى نصف النهار وانى عليه على حمله لقوى امين لا اختزل منه شيئا ولا ابدله (40) قال الذى عنده علم من الكتاب انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك القمي قال سليمان يعني بعد مقالة العفريت اريد اسرع من ذلك فقال آصف بن برخيا

[ 67 ]

انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك فدعا الله عز وجل بالاسم الأعظم فخرج السرير من تحت كرسي سليمان وفي روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله انه سئل عن الذي عنده علم من الكتاب قال ذلك وصي اخي سليمان بن داود وفي البصائر والكافي عن الباقر عليه السلام ان اسم الله الأعظم على ثلاثة وسبعين حرفا وانما كان عند اصف منها حرف واحد فتكلم به فخسف بالارض ما بينه وبين سرير بلقيس حتى تناول السرير بيده ثم عادت الأرض كما كانت اسرع من طرفة عين وعندنا نحن من الاسم الأعظم اثنان وسبعون حرفا وحرف عند الله استأثر به في علم الغيب عنده ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم وفي رواية اخرى من البصائر فتكلم به فانخسفت الأرض ما بينه وبين السرير والتقت القطعتان وحول من هذه الى هذه وفي اخرى من الكافي عن الهادي عليه السلام قال فتكلم به فانخرقت له الأرض فيما بينه وبين سبا فتناول عرش بلقيس حتى سيره الى سليمان ثم انبسطت الأرض في اقل من طرفة عين وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال ان الأرض طويت له وعن العياشي عن الهادي عليه السلام قال الذي عنده علم من الكتاب فهو آصف بن برخيا ولم يعجز سليمان عن معرفة ما عرفه اصف لكنه (عليه السلام) احب ان يعرف الجن والانس انه الحجة من بعده وذلك من علم سليمان اودعه اصف بأمر الله ففهمه الله ذلك لئلا يختلف في امامته ودلالته كما فهم سليمان (عليه السلام) في حياة داود (عليه السلام) لتعرف امامته ونبوته من بعده لتأكيد الحجة على الخلق فلما رآه رأى العرش مستقرا عنده حاصلا بين يديه قال تلقيا للنعمة بالشكر على شاكلة المخلصين من عباد الله هذا من فضل ربى تفضل به علي من غير استحقاق ليبلونئ اشكر بأن اراه فضلا من الله بلا حول مني ولا قوة واقوم بحقه ام اكفر بأن اجد نفسي في البين أو اقصر في اداء مواجبه ومن شكر فانما يشكر لنفسه فانه به يستجلب لها دوام النعمة ومزيدها ومن كفر

[ 68 ]

فان ربى غنى عن شكره كريم بالإنعام عليه ثانيا (41) قال نكروا لها عرشها بتغيير هيئته وشكله ننظر اتهتدى ام تكون من الذين لا يهتدون الى معرفته (42) فلما جائت قيل اهكذا عرشك تشبيها عليها زيادة في امتحان عقلها قالت كانه هو ولم تقل هو هو لاحتمال ان يكون مثله وذلك من كمال عقلها واوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين قيل هي من تتمة كلامها كأنها ظنت انه اراد بذلك اختبار عقلها واظهار معجزة لها فقالت واوتينا العلم بكمال قدرة الله وصحة نبوتك قبل هذه الحالة (43) وصدها ما كانت تعبد من دون الله اي وصدها عبادتها الشمس عن التقدم الى الإسلام انها كانت من قوم كافرين وقرء بفتح الهمزة على البدل اي صدها نشوها بين اظهر الكفار أو على التعليل (44) قيل لها ادخلي الصرح القصر وقيل عرصة الدار فلما راته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال انه ان ما تظنيه ماء صرح ممرد مملس من قوارير من الزجاج قالت رب انى ظلمت نفسي بعبادتي للشمس وقيل بظني بسليمان فانها حسبت انه يغرقها في اللجة واسلمت مع سليمان لله رب العالمين فيما امر به عباده روي انه امر قبل قدومها فبنى قصر صحنه من زجاج ابيض واجري من تحته الماء والقى فيه حيوانات البحر ووضع سريره في صدره فجلس عليه فلما ابصرته ظنت ماء راكدا فكشفت عن ساقيها والقمي وكان قد امر ان يتخذ لها بيتا من قوارير ووضعه على الماء ثم قيل لها ادخلي الصرح وظنت انه ماء فرفعت ثوبها وابدت ساقيها فإذا عليهما شعر كثير فقيل لها انه صرح ممرد من قوارير قالت رب انى ظلمت الآية فتزوجها سليمان وهي بلقيس بنت الشراح الحميرية وقال سليمان للشياطين اتخذوا لها شيئا يذهب هذا الشعر عنها فعملوا الحمامات وطبخوا النورة فالحمامات والنورة مما اتخذته الشياطين لبلقيس وكذا الأرحيبة التي تدور على الماء

[ 69 ]

(45) ولقد ارسلنا الى ثمود اخاهم صالحا ان اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون القمي عن الباقر عليه السلام قال يقول مصدق ومكذب قال الكافرون منهم أتشهدون ان صالحا مرسل من ربه قال المؤمنون انا بالذي ارسل به مؤمنون قال الكافرون منهم إنا بالذي آمنتم به كافرون وقالوا يا صالح ائتنا باية ان كنت من الصادقين فجاءهم بناقة فعقروها وكان الذي عقرها ازرق احمر ولد زنا (46) قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة بالعقوبة قبل التوبة فانهم كانوا يقولون ان صدق ايعاده تبنا، القمي انهم سألوه قبل ان تأتيهم الناقة ان يأتيهم بعذاب اليم فأرادوا بذلك امتحانه فقال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة يقول بالعذاب قبل الرحمة لولا تستغفرون الله قبل نزوله لعلكم ترحمون بقبولها فانها لا تقبل حينئذ (47) قالوا اطيرنا بك وبمن معك تشأمنا إذ تتابعت علينا الشدائد واوقع بيننا إفتراق منذ اخترعتم دينكم القمي اصابهم جوع شديد فقالوا هذا من شومك وشؤم الذين معك أصابنا هذا وهي الطيرة قال طائركم عند الله قال يقول خيركم وشركم من عند الله بل انتم قوم تفتنون تختبرون بتعاقب السراء والضراء (48) وكان في المدينة تسعة رهط تسعة نفر يفسدون في الارض ولا يصلحون اي شأنهم الافساد الخالص عن شوب الصلاح القمي كانوا يعملون في الأرض بالمعاصي (49) قالوا قال بعضهم لبعض تقاسموا بالله اي تحالفوا امر مقول أو خبر وقع بدلا لنبيتنه واهله لنباغتن صالحا واهله ليلا ثم لنقولن لوليه لولي دمه وقرء لتبيتنه ولتقولن بالتاء وصيغة الجمع على خطاب بعضهم لبعض ما شهدنا مهلك اهله فضلا ان تولينا اهلاكهم وهو يحتمل المصدر والزمان والمكان وقرء بفتح اللام مع فتح الميم

[ 70 ]

وضمها وانا لصادقون ونحلف انا لصادقون أو والحال انا لصادقون يعنون نوري والقمي يقول لنفعلن (50) ومكروا مكرا بهذه المواضعة ومكرنا مكرا بأن جعلناها سببا لإهلاكهم و هم لا يشعرون بذلك روي انه كان لصالح في الحجر مسجد في شعب يصلي فيه فقالوا زعم انه يفرغ منا الى فنفرغ منه ومن اهله قبل الثلاث فذهبوا الى الشعب ليقتلوه فوقع عليهم صخرة جبالهم فطبقت عليهم فم الشعب فهلكوا ثمة وهلك الباقون في اماكنهم بالصيحة والقمي فأتوا صالحا ليلا ليقتلوه وعند صالح ملائكة يحرسونه فلما اتوه قاتلتهم الملائكة في دارصالح رجما بالحجارة فأصبحوا في داره مقتلين واخذت قومه الرجفة فاصبحوا في دارهم جاثمين (51) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم انا دمرناهم وقرء بفتح الهمزة وقومهم اجمعين (52) فتلك بيوتهم خاوية خالية من خوي البطن إذا خلا أو ساقطة منهدمة من خوي النجم إذا سقط بما ظلموا بسبب ظلمهم ان في ذلك لآية لقوم يعلمون فيتعظون (53) وانجينا الذين آمنوا صالحا ومن معه وكانوا يتقون الكفر والمعاصي فلذلك خصوا بالنجاة (54) ولوطا إذ قال لقومه اتأتون الفاحشة وانتم تبصرون تعلمون خبثها أو يبصرها بعضكم من بعض وكانوا يعلنون (55) ائنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء اللاتي خلقن لذلك بل انتم قوم تجهلون سفهاء (56) فما كان جواب قومه الا ان قالوا اخرجوا آل لوط من قريتكم انهم اناس يتطهرون يتنزهون عن افعالنا

[ 71 ]

(57) فانجيناه واهله الا امراته قدرناها من الغابرين قدرنا كونها من الباقين في العذاب وقرء قدرناها بالتخفيف (58) وامطرنا عليهم مطرا فسآء مطر المنذرين مضى مثله (59) قل الحمد لله وسلم على عباده الذين اصطفى في الجوامع عنهم (عليه السلام) والقمي قال هم آل محمد صلوات الله عليه وعليهم الله خير ام ما تشكرون وقرء بالياء الزام لهم وتهكم به وتسفيه لرأيهم (60) امن بل ام من خلق السموات والارض وانزل لكم من السماء ماء فانبتنا به حدائق ذات بهجة عدل عن الغيبة الى التكلم لتأكيد اختصاص الفعل بذاته كما قال ما كان لكم ان تنبتوا شجرها شجر الحدائق ءاله مع الله اغيره يقرن به ويجعل له شريكا وهو المتفرد بالخلق والتكوين بل هم قوم يعدلون عن الحق وهو التوحيد (61) امن جعل الارض قرارا وجعل خلالها انهارا جارية وجعل لها رواسي جبالا يتكون فيها المعادن وينبع من حضيضها المنابع وجعل بين البحرين العذب والملح حاجزا برزخا وقد مر بيانه في سورة الفرقان ءاله مع الله بل اكثرهم لا يعلمون الحق فيشركون (62) امن يجيب المضطر الذي احوجه شدة ما به الى اللجأ الى الله إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض خلفاء فيها بأن ورثكم سكناها والتصرف فيها ممن كان قبلكم ءاله مع الله الذي متعكم بهذه النعم قليلا ما تذكرون اي تذكرون الاءه تذكرا قليلا وما مزيدة وقرء بتشديد الذال وبالياء معه القمي عن الصادق عليه السلام قال نزلت في القائم من آل محمد صلى الله عليه وآله هو والله المضطر إذا صلى في المقام ركعتين ودعا الله عز وجل فأجابه ويكشف السوء ويجعله خليفة في الأرض وفي رواية فيكون أول من يبايعه جبرئيل ثم الثلاثمأة والثلاثة عشر رجلا وقد سبق كلام آخر في هذه الاية في سورة البقرة عند قوله تعالى اجيب دعوة الداع

[ 72 ]

(63) امن يهديكم في ظلمات البر والبحر بالنجوم وعلامات الأرض ومن يرسل الرياح بشرا بين يدى رحمته يعني المطرءاله مع الله يقدر على شئ من ذلك تعالى الله عما يشركون (64) امن يبدؤ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والارض اي بأسباب سماوية وارضية ءاله مع الله يفعل ذلك قل هاتوا برهانكم على ان غيره يقدر على شئ من ذلك ان كنتم صادقين في اشراككم (65) قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب الا الله في نهج البلاغة ان امير المؤمنين عليه السلام اخبر يوما ببعض الامور التي لم يأت بعد فقيل له اعطيت يا امير المؤمنين علم الغيب فضحك (ع) وقال ليس هو بعلم غيب انما هو تعلم من ذي علم وانما علم الغيب علم الساعة وما عدده الله سبحانه بقوله ان الله عنده علم الساعة الآية فيعلم سبحانه ما في الارحام من ذكر أو انثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون للنار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا فهذا علم الغيب الذي لا يعلمه الا الله وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه فعلمنيه ودعا لي ان يعيه صدري وتضم عليه جوارحي وما يشعرون ايان يبعثون متى ينشرون (66) بل ادارك تتابع حتى استحكم علمهم في الآخرة القمي يقول علموا ما كانوا جهلوا في الدنيا وقرء بدون الالف مع تخفيف الدال وتشديدها بل هم في شك منها في حيرة بل هم منها عمون لاختلال بصيرتهم قيل الاضرابات الثلاث تنزيل لأحوالهم (67) وقال الذين كفروا ءاذا كنا ترابا وآباؤنا ائنا لمخرجون من الاجداث أو من الفناء الى الحياة وتكرير الهمزة للمبالغة في الانكار وقرء بحذف الاولى وبحذفهما واننا بالنونين (68) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل ان هذا الا اساطير الأولين اكاذيبهم التي هي كالاسمار

[ 73 ]

(69) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين تهديد لهم على التكذيب وتخويف بأن ينزل عليهم مثل ما نزل بالمكذبين قبلهم والتعبير عنهم بالمجرمين ليكون لطفا للمجرمين في ترك الجرائم (70) ولا تحزن عليهم على تكذيبهم واعراضهم ولا تكن في ضيق في حرج صدر وقرء بكسر الضاد مما يمكرون من مكرهم فان الله يعصمك من الناس (71) ويقولون متى هذا الوعد العذاب الموعود ان كنتم صادقين (72) قل عسى ان يكون ردف لكم تبعكم ولحقكم والقمي اي قد قرب من خلفكم بعض الذى تستعجلون حلوله قيل هو عذاب يوم بدر (73) وان ربك لذو فضل على الناس بتأخيره عقوبتهم على المعاصي ولكن اكثرهم لا يشكرون لا يعرفون حق النعمة فلا يشكرونه بل يستعجلون بجهلهم وقوعه (74) وان ربك ليعلم ما تكن صدورهم ماتخفيه وما يعلنون من عداوتك فيجازيهم عليه (75) وما من غائبة في السماء والارض خافية فيهما الا في كتاب مبين في الكافي عن الكاظم عليه السلام في حديث وان في كتاب الله لآيات ما يراد بها امر الا ان يأذن الله به مع ما قد يأذن الله مما كتبه الماضون جعله الله لنا في ام الكتاب ان الله يقول وما من غائبة الآية ثم قال ثم اورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فنحن الذين اصطفينا الله واورثنا هذا الذي فيه تبيان كل شئ (76) ان هذا القرآن يقص على بنى اسرائيل اكثر الذى هم فيه يختلفون كالتشبيه والنزيه واحوال الجنة والنار وعزير والمسيح (77) وانه لهدى ورحمة للمؤمنين فانهم المشفعون به (78) ان ربك يقضى بينهم بين بني اسرائيل بحكمه اي بحكمته أو بما يحكم به وهو الحق وهو العزيز فلا يرد قضاءه العليم بحقيقة ما يقضي فيه وحكمته

[ 74 ]

(79) فتوكل على الله ولا تبال بمعاداتهم انك على الحق المبين وصاحب الحق حقيق بالوثوق بحفظ الله ونصره (80) انك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء وقرء بالياء المفتوحة ورفع الصم إذا ولوا مدبرين شبهوا بالموتى والصم لعدم انتفاعهم بما يتلى عليهم (81) وما انت بهادي العمى وقرء تهدى العمى عن ضلالتهم حيث ان الهداية لا تحصل الا بالبصر ان تسمع ما يجدي اسماعك الا من يؤمن بآياتنا من هو في علم الله كذلك فهم مسلمون مخلصون (82) وإذا وقع القول عليهم وهو ما وعدوا به من الرجعة عند قيام المهدي عليه السلام كما يأتي بيانه عن قريب اخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم ان الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون وقرء تكلمهم بالتخفيف من الكلم بمعنى الجرح وفي الجوامع عن الباقر عليه السلام قال كلم الله من قرء تكلمهم ولكن تكلمهم بالتشديد والقمي عن الصادق عليه السلام قال انتهى رسول الله صلى الله عليه وآله الى امير المؤمنين عليه السلام وهو نائم في المسجد قد جمع رملا ووضع رأسه عليه فحركه برجله ثم قال له قم يا دابة الأرض فقال رجل من اصحابه يا رسول الله ايسمى بعضنا بعضا بهذا الإسم فقال لا والله ما هو الا له خاصة وهو الدابة الذي ذكره الله في كتابه فقال عز وجل وإذا وقع القول عليهم الآية ثم قال يا علي إذا كان آخر الزمان اخرجك الله في احسن صورة ومعك ميسم تسم به اعداءك فقال رجل لابي عبد الله عليه السلام ان العامة يقولون ان هذه الدابة انما تكلمهم فقال أبو عبد الله كلمهم الله في نار جهنم انما هو يكلمهم من الكلام وعنه عليه السلام قال قال رجل لعمار بن ياسر يا ابا اليقظان ان آية في كتاب الله قد افسدت قلبي وشككتني فقال واية آية هي قال قوله عز وجل وإذا وقع القول عليهم الآية فأية دابة هذه قال عمار والله ما اجلس ولا آكل ولا اشرب حتى اريكها فجاء عمار مع الرجل الى امير المؤمنين عليه السلام وهو يأكل تمرا وزبدا فقال يا ابا اليقظان هلم فاقبل عمار وجلس يأكل معه فتعجب الرجل منه فلما قام عمار قال الرجل سبحان الله انك حلفت ان لا تأكل ولا

[ 75 ]

تشرب ولا تجلس حتى تريني الدابة قال عمار قد اريتكها ان كنت تعقل وفي المجمع انه روى العياشي هذه القصة بعينها عن ابي ذر ايضا وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال قال امير المؤمنين عليه السلام ولقد اعطيت الست علم المنايا والبلايا والوصايا وفصل الخطاب واني لصاحب الكرات ودولة الدول واني لصاحب العصا والميسم والدابة التي تكلم الناس في الاكمال عن امير المؤمنين عليه السلام في حديث بعد ان ذكر الدجال ومن يقتله قال الا ان بعد ذلك الطامة الكبرى قيل وما ذلك يا امير المؤمنين قال خروج دابة الأرض من عند الصفا ومعها خاتم سليمان (عليه السلام) وعصا موسى (عليه السلام) تضع الخاتم على وجه كل مؤمن فينطبع فيه هذا مؤمن حقا وتضعه على وجه كل كافر فيكتب هذا كافر حقا حتى ان المؤمن لينادي الويل لك حقا يا كافر وان الكافر ينادي طوبى لك يا مؤمن وددت اني كنت مثلك فأفوز فوزا عظيما ثم ترفع الدابة رأسها من بين الخافقين باذن الله جل جلاله وذلك بعد طلوع الشمس من مغربها فعند ذلك ترفع التوبة فلا تقبل توبة ولا ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا ثم قال عليه السلام لا تسألوني عما يكون بعد هذا فانه عهد الي حبيبي رسول الله صلى الله عليه وآله ان لا اخبر به غير عترتي وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال دابة الأرض طولها ستون ذراعا لا يدركها طالب ولا يفوتها هارب فتسم المؤمن بين عينيه ويكتب بين عينيه مؤمن وتسم الكافر بين عينيه ويكتب بين عينيه كافر ومعها عصا موسى (عليه السلام) وخاتم سليمان (عليه السلام) فتجلو وجه المؤمن بالعصا وتخطم انف الكافر بالخاتم حتى يقال يا مؤمن ويا كافر وعن امير المؤمنين عليه السلام انه سئل عن الدابة فقال اما والله ما لها ذنب وان لها للحية (83) ويوم نحشر من كل امة فوجا يعني يوم الرجعة ممن يكذب بآياتنا يعني بالأئمة عليهم السلام فهم يوزعون يحبس اولهم على آخرهم ليتلاحقوا

[ 76 ]

(84) حتى إذا جاؤا الى المحشر قال اكذبتم بآياتى ولم تحيطوا بها علما اماذا كنتم تعملون ام اي شئ كنتم تعملون بعد ذلك وهو للتبكيت إذ لم يفعلوا غير التكذيب (85) ووقع القول عليهم حل بهم العذاب الموعود بما ظلموا بسبب ظلمهم وهو التكذيب بآيات الله فهم لا ينطقون بالاعتذار لشغلهم بالعذاب القمي عن الصادق عليه السلام في الحديث الذي مضى في تفسير الدابة اولا قال والدليل على ان هذا في الرجعة قوله ويوم نحشر من كل امة فوجا الآية قال الآيات امير المؤمنين والأئمة عليهم السلام فقال الرجل ان العامة تزعم ان قوله عز وجل ويوم نحشر من كل امة فوجا عنى في يوم القيامة فقال عليه السلام فيحشر الله عز وجل يوم القيامة من كل امة فوجا ويدع الباقين لا ولكنه في الرجعة واما آية القيامة فهي وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا وعنه عليه السلام ليس احد من المؤمنين قتل الا ويرجع حتى يموت ولا يرجع الا من محض الايمان محضا ومن محض الكفر محضا وفي الكافي عنه عليه السلام في قوله بعثنا عليكم عبادا لنا اولى بأس شديد انهم قوم يبعثهم الله قبل خروج القائم فلا يدعون وترا لآل محمد صلوات الله عليهم الا قتلوه وقد سبق تمام الحديث في سورة بني اسرائيل فلا حاجة بنا الى اعادته قال في المجمع وقد تظاهرت الأخبار عن ائمة الهدى من آل محمد صلوات الله عليهم في ان الله تعالى سيعيد عند قيام المهدي عليه السلام قوما ممن تقدم موتهم من اوليائه وشيعته ليفوزوا بثواب نصرته ومعونته ويتبهجوا بظهور دولته ويعيد ايضا قوما من اعدائه لينتقم منهم وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب في القتل على ايدي شيعته أو الذل والخزي مما يشاهدون من علو كلمته ولا يشك عاقل ان هذا مقدور لله تعالى غير مستحيل في نفسه وقد فعل الله ذلك في الامم الخالية ونطق القرآن بذلك في عدة مواضع مثل قصة عزير وغيره على ما فسرناه في موضعه وصح عن النبي صلى الله عليه وآله قوله سيكون في امتي كل ما كان في بني اسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة حتى لو ان احدهم دخل حجر ضب لدخلتموه أقول: وقد صنف الحسن بن سليمان الحلي طاب ثراه كتابا في فضائل اهل البيت عليهم السلام أورد فيه اخبارا كثيرة في اثبات الرجعة وتفاصيل احوالها وذكر فيه ان الدابة

[ 77 ]

امير المؤمنين عليه السلام في اخبار كثيرة متوافقة المعاني ونقل اكثرها من كتاب سعد بن عبد الله المسمى بمختصر البصائر ولنورد هنا من كتابه حديثا واحدا ومن اراد سائرها فليراجع إليه وهو ما رواه عن الاصبغ بن نباته ان عبد الله الكوا اليشكري قام الى امير المؤمنين عليه السلام فقال يا امير المؤمنين ان اناسا من اصحابك يزعمون انهم يردون بعد الموت فقال امير المؤمنين (عليه السلام) نعم تكلم بما سمعت ولا تزد في الكلام مما قلت لهم قال قلت لا أؤمن بشئ مما قلتم فقال له امير المؤمنين عليه السلام ويلك ان الله عز وجل ابتلى قوما بما كان من ذنوبهم فأماتهم قبل آجالهم التي سميت لهم ثم ردهم الى الدنيا ليسوفوا ارزاقهم ثم اماتهم بعد ذلك قال فكبر على الكوا ولم يهتد له فقال له امير المؤمنين عليه السلام ويلك تعلم ان الله عز وجل قال في كتابه واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فانطلق بهم معه ليشهدوا له إذا رجعوا عند الملأ من بني اسرائيل ان ربي قد كلمني فلو انهم سلموا ذلك وصدقوا به لكان خير لهم ولكنهم قالوا لموسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة قال الله تعالى فاخذتكم الصاعقة يعني الموت وانتم تنظرون ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون افترى يابن الكوا ان هؤلاء قد رجعوا الى منازلهم بعد ما ماتوا فقال ابن الكوا وما ذاك ثم اماتهم مكانهم فقال له امير المؤمنين عليه السلام ويلك أو ليس قد اخبرك في كتابه حيث يقول وظللنا عليكم الغمام وانزلنا عليكم المن والسلوى فهذا بعد الموت إذ بعثهم وايضا مثلهم يا ابن الكوا الملأ من بني اسرائيل حيث يقول الله عز وجل الم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم وقوله عز وجل في عزير حيث اخبر الله فقال أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها فقال انى يحيى هذه الله بعد موتها فاماته الله واخذه بذلك الذنب مأة عام ثم بعثه ورده الى الدنيا فقال كم لبثت فقال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مأة عام فلا تشك يا ابن الكوا في قدرة الله عز وجل (86) الم يروا انا جعلنا الليل ليسكنوا فيه بالنوم والقرار والنهار مبصرا قيل اصله ليبصروا فيه فبولغ فيه بجعل الأبصار حالا من احواله المجبول عليها ان ذلك لآيات لقوم يؤمنون (87) ويوم ينفخ في الصور في القرن روي ان النبي صلى الله عليه وآله سئل عنه

[ 78 ]

فقال قرن من نور التقمه اسرافيل فوصف بالسعة والضيق واختلف في ان اعلاه ضيق واسفله واسع أو بالعكس ولكل وجه وورد ان فيه ثقبا بعدد كل انسان ثقبة فيها روحه ففزع من في السموات ومن في الارض من الهول وعبر عنه بالماضي لتحقق وقوعه الا من شآء الله ان لا يفزع بأن يثبت قلبه وكل اتوه داخرين صاغرين وقرء بقصر الهمزة وفتح التاء (88) وترى الجبال تحسبها جامدة ثابتة في مكانها وهى تمر مر السحاب في السرعة قيل وذلك لأن اجرام الكبار إذا تحركت في سمت واحد لا تكاد تتبين حركتها صنع الله الذى اتقن كل شئ احكم خلقه وسواه على ما ينبغي انه خبير بما يفعلون عالم بظواهر الافعال وبواطنها فيجازيهم عليها وقرء بالتاء (89) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون وقرء بالاضافة (90) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في لنار فكبوا فيها وجوههم هل تجزون الا ما كنتم تعملون على ارادة القول القمي قال الحسنة والله ولاية امير المؤمنين عليه السلام والسيئة والله اتباع اعدائه وفي الكافي عن الصادق عن ابيه عن امير المؤمنين عليه السلام في هذه الآية قال الحسنة معرفة الولاية وحبنا اهل البيت والسيئة انكار الولاية وبغضنا اهل البيت ثم قرء لآية وعن الباقر عليه السلام في قوله تعالى ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا قال من تولى الأوصياء من آل محمد صلوات الله عليهم واتبع آثارهم فذاك يزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الأولين حتى يصل ولايتهم الى آدم (ع) وهو قول الله من جاء بالحسنة فله خير منها ندخله لجنة وفي روضة الواعظين عنه عليه السلام في هذه قال الحسنة ولاية علي وحبه والسيئة عداوته وبغضه ولا يرفع معهما عمل وقد مضى في آخر سورة الانعام حديث في صدر الآيتين (91) انما امرت ان اعبد رب هذه البلدة الذى حرمها القمي يعني مكة شرفها الله تعالى في الكافي عن الصادق عليه السلام ان قريشا لما هدموا الكعبة وجدوا في قواعده حجرا فيه كتاب لم يحسنوا قراءته حتى دعوا رجلا قرأه فإذا فيه انا الله ذو بكة حرمتها يوم خلقت السموات والأرض ووضعتها بين هذين الجبلين وحففتها بسبعة املاك حفا، وعنه عليه السلام لما قدم رسول الله صلى الله عليه وآله مكة يوم افتتحها فتح باب الكعبة فأمر

[ 79 ]

بصور في الكعبة فطمست فأخذ بعضادتي الباب فقال الآ ان الله قد حرم مكة يوم خلق السموات والأرض فهي حرام بحرام الله عز وجل الى يوم القيامة لا ينفر صيدها ولا يعضد شجرها ولا يختلي خلالها ولا تحل لقطتها الا لمنشد فقال العباس يا رسول الله الإذخر فانه للقبر والبيوت فقال رسول الله الا الإذخر وله كل شئ خلقا وملكا وامرت ان اكون من المسلمين المنقادين (92) وان اتلو القرآن وان اواظب على تلاوته لتنكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا فمن اهتدى باتباعه اياي في ذلك فانما يهتدى لنفسه فان منافعه عائدة إليه ومن ضل بمخالفتي فقل انما انا من المنذرين فلا علي من وبال ضلاله شئ إذ ما على الرسول الا البلاغ وقد بلغت (93) وقل الحمد لله على نعمة النبوة وعلى ما علمني ربي ووفقني للعمل به سيريكم آياته إذا رجعتم الى الدنيا ورجعوا فتعرفونها فتعرفون انها آيات الله حين لا تنفعكم المعرفة، القمي قال الآيات امير المؤمنين والأئمة عليهم السلام إذا رجعوا الى الدنيا يعرفهم اعداؤهم إذا رأوهم في الدنيا قال امير المؤمنين عليه السلام والله ما لله آية اكبر مني وما ربك بغافل عما تعملون فلا تحسبوا ان تأخير عذابكم لغفله من اعمالكم وقرء بالياء وقد مضى ثواب قراءة الطواسين الثلاث

[ 80 ]

سورة القصص مكية عدد آيها ثمان وثمانين آية إختلافها آيتان طسم كوفي يسقون غير الكوفي بسم الله الرحمن الرحيم (1) طسم (2) تلك آيات الكتاب المبين (3) نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون بعض نبأهما بالحق محقين لقوم يؤمنون لأنهم المنتفعون به (4) ان فرعون علا في الارض أرض مصر وجعل اهلها شيعا فرقا يشيعون يستضعف طائفة منهم وهم بنو اسرائيل يذبح ابنائهم ويستحيى نسائهم وذلك لأن كاهنا قال له يولد مولود في بني اسرائيل يذهب ملكك على يده وذلك كان من غاية حمقه فانه لو صدق لم يندفع بالقتل وان كذب فما وجهه انه كان من المفسدين فلذلك اجترء على قتل خلق كثير من اولاد الأنبياء لتخيل فاسد (5) ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ان نتفضل عليهم حال من يستضعف أو حكاية حال ماضية ونجعلهم ائمة ونجعلهم الوارثين (6) ونمكن لهم في الارض نسلطهم فيها ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون من ذهاب ملكهم وهلاكهم وقرء ويرى بالياء ورفع الاسماء في الغيبة عن امير المؤمنين عليه السلام قال هم آل محمد صلوات الله عليهم ى بعث الله مهديهم بعد جهدهم فيعزهم ويذل اعداءهم وفي نهج البلاغة قال عليه السلام لتعطفن الدنيا علينا بعد شماسها عطف الضروس على ولدها وتلا عقيب ذلك ونريد ان نمن الآية وفي نظر أبو جعفر عليه السلام الى ابي عبد الله عليه السلام يمشي فقال اترى هذا هذا من الذين قال الله عز وجل ونريد ان نمن على الذين استضعفوا الآية وفي المعاني عن الصادق عليه السلام ان رسول الله صلى الله عليه وآله نظر الى علي والحسن والحسين عليهم السلام فبكى وقال

[ 81 ]

انتم المستضعفون بعدي ان الله عز وجل يقول ونريد الآية فقيل للصادق عليه السلام ما معنى ذلك يا ابن رسول الله قال معناه انكم الأئمة بعدي ان الله عز وجل يقول ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة الآية ثم قال فهذه الآية جارية فينا الى يوم القيامة وفي المجالس عنه عليه السلام في هذه الآية قال هي لنا أو فينا وفي الاكمال والغيبة ان القائم عليه السلام لما تولد نطق بهذه الآية والقمي اخبر الله نبيه صلى الله عليه وآله بما لقي موسى واصحابه من فرعون من القتل والظلم ليكون تعزية له فيما يصيبه في اهل بيته صلوات الله عليهم من امته ثم بشره بعد تعزيته انه يتفضل عليهم بعد ذلك ويجعلهم خلفاء في الأرض وائمة على امته ويردهم الى الدنيا مع اعدائهم حتى ينتصفوا منهم فقال ونريد ان نمن الآية قال ونرى فرعون وهامان وجنودهما يعني الذين غصبوا آل محمد حقهم وقوله منهم أي من آل محمد ما كانوا يحذرون أي من القتل والعذاب قال ولو كانت هذه الآية نزلت في موسى وفرعون لقال ونرى فرعون وهامان وجنودهما منه ما كانوا يحذرون أي من موسى ولم يقل منهم فلما تقدم قوله ونريد ان نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم ائمة علمنا ان المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله وبالجملة حمل الاخبار الواردة في ذلك على تفسير الآية بضرب من التكلف واستشهد له بكلمات لهم (ع) لا دلالة فيها على مطلوبه والصواب ان يحمل الأخبار على التأويل كما في ساير الأخبار الواردة في نظائرهن من الآيات ومعلوم ان الضمير في منهم راجع الى الذين استضعفوا يعني بني اسرائيل كساير الضماير في الجوامع عن السجاد عليه السلام والذي بعث محمدا بالحق بشيرا ونذيرا ان الأبرار منا اهل البيت وشيعتهم بمنزلة موسى وشيعته وان عدونا واشياعهم بمنزلة فرعون واشياعه (7) واوحينا الى ام موسى ان ارضعيه ما امكنك اخفاؤه فإذا خفت عليه الصوت فالقيه في اليم في النيل ولا تخافى عليه ضيعة ولا شدة ولا تحزني لفراقه انا رآدوه اليك عن قريب بحيث تأمنين عليه وجاعلوه من المرسلين (8) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا تعليل لالتقاطهم اياه بما هو عاقبته ومؤداه تشبيها له بالغرض الحامل عليه وقرء بضم الحاء والتسكين ان فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين

[ 82 ]

(9) وقالت إمرأة فرعون اي لفرعون حين اخرجته من التابوت قرة عين لى ولك هو قرة عين لنا في المجمع عن ابن عباس قال فرعون قرة عين لك فاما لي فلا قال رسول الله صلى الله عليه وآله والذي يحلف به لو اقر فرعون بأن يكون له قرة عين كما اقرت امرأته لهداه الله به كما هداها ولكنه ابى للشقاء الذي كتبه الله عليه لا تقتلوه عسى ان ينفعنا فإن فيه مخايل اليمن ودلائل النفع أو نتخذه ولدا ونتبناه فانه اهل له وهم لا يشعرون انه الذي ذهب ملكهم على يديه (10) واصبح فؤاد ام موسى فارغا صفرا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة ان كادت لتبدى به انها كادت لتظهر بأمره وقصته القمي عن الباقر عليه السلام كادت تخبر بخبره أو تموت ثم حفظت نفسها لولا ان ربطنا على قلبها بالصبر والثبات لتكون من المؤمنين من المصدقين بوعد الله أو الواثقين بحفظه في الاكمال عن الباقر عليه السلام في حديث في بيان هذه القصة قال فلما خافت عليه الصوت اوحى الله تعالى إليها ان اعملي التابوت ثم اجعليه فيه ثم اخرجيه ليلا فاطرحيه في نيل مصر فوضعته في التابوت ثم دفعته في اليم فجعل يرجع إليها وجعلت تدفعه في الغمر وان الريح ضربته فانطلقت به فلما رأته قد ذهب به الماء همت ان تصيح فربط الله على قلبها (11) وقالت لاخته قصيه اتبعي اثره وتتبعي خبره فبصرت به عن جنب عن بعد وهم لا يشعرون انها تقص وانها اخته (12) وحرمنا عليه المراضع ومنعناه ان يرتضع من المرضعات من قبل من قبل قصصها اثره فقالت هل ادلكم على اهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون لا يقصرون في ارضاعه وتربيته وفي الجوامع روي انها لما قالت وهم له ناصحون قال هامان انها لتعرفه وتعرف اهله قالت انما ارادت وهم للملك ناصحون

[ 83 ]

(13) فرددناه الى امه كى تقر عينها بولدها ولا تحزن بفراقه ولتعلم ان وعد الله حق علم مشاهدة ولكن اكثرهم لا يعلمون قد سبقت هذه القصة في حديث القمي عن الباقر عليه السلام مفصلة في سورة طه واوردها في الاكمال بأبسط منها (14) ولما بلغ اشده في المعاني عن الصادق عليه السلام ثمان عشرة سنة واستوى التحى اتيناه حكما وعلما وكذلك نجزى المحسنين القمي عن الباقر عليه السلام في حديثه الذي سبق قال فلم يزل موسى عند فرعون في اكرم كرامة حتى بلغ مبلغ الرجال وكان ينكر عليه ما يتكلم به موسى من التوحيد حتى هم به فخرج موسى من عنده وفي الاكمال عن الباقر عليه السلام قال وكانت بنو اسرائيل تطلب وتسأل عنه فعمي عليهم خبره فبلغ فرعون انهم يطلبونه ويسألون عنه فأرسل إليهم وزاد عليهم في العذاب وفرق بينهم ونهاهم عن الاخبار به والسؤال عنه قال فخرجت بنو اسرائيل ذات ليلة مقمرة الى شيخ لهم عنده علم فقالوا كنا نستريح الى الاحاديث فحتى متى نحن في هذا البلاء قال والله انكم لا تزالون فيه حتى يجئ الله بغلام من ولد لاوي بن يعقوب اسمه موسى بن عمران غلام طوال جعد فبيناهم كذلك إذ اقبل موسى يسير على بغلة حتى وقف عليهم فرفع الشيخ رأسه فعرفه بالصفة فقال له ما اسمك قال موسى قال ابن من قال ابن عمران فوثب إليه الشيخ فأخذ بيده فقبلها وثاروا الى رجله فقبلوها فعرفهم وعرفوه واتخذ شيعة فمكث بعد ذلك ما شاء الله ثم خرج (15) ودخل المدينة مدينة من مدائن فرعون كذا في العيون عن الرضا عليه السلام على حين غفلة من اهلها قالوا وذلك بين المغرب والعشاء فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه احدهما ممن شايعه على دينه يعني من بني اسرائيل والآخر من مخالفيه يعني القبط القمي في حديثه السابق قال احدهما يقول بقول موسى والآخر يقول بقول فرعون فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه فسأله ان يغيثه بالإعانة ولذلك عدى بعلى

[ 84 ]

وقرء استعانه في المجمع عن الصادق عليه السلام قال ليهنئكم الاسم قيل وما الاسم قال الشيعة ثم تلا هذه الآية فوكزه موسى فضرب القبطي بجمع كفه فقضى عليه قيل اي فقتله واصله انهى حياته من قوله وقضينا إليه ذلك الأمر وفي العيون سئل الرضا عليه السلام عن هذه الآية مع ان الأنبياء معصومون فقال فقضى عليه اي على العدو بحكم الله تعالى ذكره فوكزه فمات قال هذا من عمل الشيطان انه عدو مضل مبين قال عليه السلام يعني الاقتتال الذي كان وقع بين الرجلين لا ما فعله موسى من قتله (16) قال رب انى ظلمت نفسي قال (عليه السلام) يقول وضعت نفسي غير موضعها بدخول هذه المدينة فاغفر لى قال (عليه السلام) يعني استرني من اعدائك لئلا يظفروا بي فيقتلوني فغفر له انه هو الغفور الرحيم (17) قال رب بما انعمت على قال عليه السلام يعني من القوة حتى قتلت رجلا بوكزة فلن اكون ظهيرا للمجرمين قال (عليه السلام) بل اجاهدهم في سبيلك بهذه القوة حتى ترضى في الاكمال في الحديث السابق قال وكان موسى (عليه السلام) قد اعطي بسطة في الجسم وشدة في البطش قال فذكره الناس وشاع امره وقالوا ان موسى قتل رجلا من آل فرعون (18) فاصبح في المدينة خائفا يترقب يترصد الاستفادة فإذا الذى استنصره بالامس يستصرخه يستغيثه على آخر قال له موسى انك لغوى مبين بين الغواية في حديث العيون قال قال له قاتلت رجلا بالامس وتقاتل هذا اليوم لأوذينك واراد ان يبطش به (19) فلما ان اراد ان يبطش بالذى هو عدو لهما لموسى والاسرائيلي لأنه لم يكن على دينهما ولأن القبط كانوا اعداء لبني اسرائيل قال يا موسى اتريد ان تقتلني كما قتلت نفسا بالامس ان تريد الا ان تكون جبارا في الارض متطاولا على الناس وما تريد ان تكون من المصلحين بينهم في حديث قال قال وهو من شيعته

[ 85 ]

أقول: لعل المراد أن الاسرائيلي قال ذلك وكأنه لما سما غويا ظن انه يبطش به والقمي عن الباقر عليه السلام في حديثه السابق فلما كان من الغد جاء آخر فتشبث بذلك الرجل الذي يقول بقول موسى فاستغاث بموسى فلما نظر صاحبه الى موسى قال له اتريد ان تقتلني فخلى عن صاحبه وهرب (20) وجاء رجل من اقصى المدينة يسعى قال يا موسى ان الملاء ياتمرون بك يتشاورون بسببك وانما سمى التشاور ايتمارا لأن كلا من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر ليقتلوك فاخرج انى لك من الناصحين قيل هو مؤمن آل فرعون وكان ابن عم موسى والقمي في حديثه السابق وكان خازن فرعون مؤمنا بموسى قد كتم ايمانه ستمأة سنة وهو الذي قال الله عز وجل وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم ايمانه قال وبلغ فرعون خبر قتل موسى الرجل فطلبه ليقتله فبعث المؤمن الى موسى ان الملاء ياتمرون بك ليقتلوك الآية (21) فخرج منها خائفا يترقب لحوق طالب قال رب نجنى من القوم الظالمين خلصني منهم واحفظني من لحوقهم القمي في حديثه السابق قال يلتفت يمنة ويسرة ويقول رب نجنى من القوم الظالمين قال ومر نحو مدين وكان بينه وبين مدين مسيرة ثلاثة ايام (22) ولما توجه تلقاء مدين قبالة مدين قرية شعيب قيل سميت باسم مدين بن ابراهيم ولم يكن في سلطان فرعون قال عسى ربى ان يهدينى سواء السبيل في الاكمال في الحديث السابق فخرج من مصر بغير ظهر ولا دابة ولا خادم تخفظه الأرض مرة وترفعه اخرى حتى انتهى الى ارض مدين فانتهى الى اصل شجرة فنزل فإذا تحتها بئر (23) ولما ورد ماء مدين اي البئر وجد عليه امة من الناس جماعة كثيرة مختلفين يسقون مواشيهم ووجد من دونهم في مكان اسفل من مكانهم امراتين تذودان تمنعان اغنامهما عن الماء لئلا تختلط بأغنامهم قال ما خطبكما ما شأنكما تذودان قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعآء يصرف الرعاة مواشيهم عن الماء حذرا عن مزاحمة الرجال وقرء يصدر بفتح الياء وضم الدال اي ينصرف وابونا شيخ كبير كبير السن لا يستطيع ان يخرج للسعي

[ 86 ]

فيرسلنا اضطرارا (24) فسقى لهما مواشيهما رحمة عليهما القمي في حديثه فلما بلغ ماء مدين رأى بئرا يستقي الناس منها لأغنامهم ودوابهم فقعد ناحية ولم يكن اكل منذ ثلاثة ايام شيئا فنظر الى جاريتين في ناحية ومعهما غنيمات لا تدنوان من البئر فقال لهما مالكما لا تستقيان فقالتا كما حكى الله فرحمهما موسى ودنا من البئر فقال لمن على البئر استقى لي دلوا ولكم دلوا وكان الدلو يمده عشرة رجال فاستقى وحده دلوا لمن على البئر ودلوا لبنتي شعيب وسقى اغنامهما في الجوامع روي ان الرعاة كانوا يضعون على رأس البئر حجرا لا يقله الا سبعة رجال وقيل عشرة وقيل اربعون فأقله وحده وسألهم دلوا فأعطوه دلوا لا ينزحها الا عشرة فاستقى بها وحده مرة واحدة فروى غنمهما واصدرهما (1) ثم تولى الى الظل في الاكمال في حديثه الى الشجرة فجلس فيها فقال رب انى لما انزلت الى من خير فقير القمي في حديثه وكان شديد الجوع وفي الكافي والعياشي عن الصادق عليه السلام سأل الطعام وفي نهج البلاغة والله ما سأل الله عز وجل الا خبز يأكله لأنه كان يأكل بقلة الأرض ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه لهزاله وتشذب لحمه وفي الاكمال روي انه قال ذلك وهو محتاج الى شق تمرة (25) فجآئته احديهما تمشى على استحياء قالت ان ابى يدعوك ليجزيك ليكافيك اجر ما سقيت لنا جزاء سقيك لنا القمي في حديثه فلما رجعت ابنتا شعيب (عليه السلام) الى شعيب (عليه السلام) قال لهما اسرعتما الرجوع فأخبرتاه بقصة موسى (عليه السلام) ولم تعرفاه فقال شعيب لواحدة منهن اذهبي إليه فادعيه لنجزيه اجر ما سقى لنا فجاءت إليه كما حكى الله فقام موسى (عليه السلام) معها ومشت امامه فسففتها الرياح فبان عجزها فقال موسى (عليه السلام) تأخري ودليني على الطريق بحصاة تلقينها امامي اتبعها فأنا من قوم لا ينظرون في ادبار النساء فلما جائه وقص

[ 87 ]

عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين يريد فرعون وقومه (26) قالت احديهما يا ابت استاجره لرعي الغنم ان خير من استأجرت القوى الامين القمي في حديثه فقال لها شعيب اما قوته فقد عرفته بأنه يستقي الدلو وحده فبم عرفت امانته فقالت انه لما قال لي تأخري عني ودليني على الطريق فأنا من قوم لا ينظرون في ادبار النساء عرفت انه ليس من الذين ينظرون اعجاز النساء فهذه امانته وفي الفقيه عن الكاظم عليه السلام قال قال لها شعيب يا بنية هذا قوي قد عرفته برفع الصخرة والأمين من اين عرفتيه قالت يا ابت اني مشيت قدامه فقال امشي من خلفي فان ضللت فارشديني الى الطريق فأنا من قوم لا ننظر في ادبار النساء وفي المجمع ما يقرب منه عن امير المؤمنين عليه السلام (27) قال انى اريد ان انكحك احدى ابنتى هتين على ان تأجرني (1) ثمانى حجج فان اتممت عشرا فمن عندك فاتمامه من عندك تفضلا لا من عندي الزاما عليك وما اريد ان اشق عليك بالزام اتمام العشر ستجدني إن شآء الله من الصالحين في حسن المعاملة ولين الجانب والوفاء بالمعاهدة (28) قال ذلك بينى وبينك لا نخرج عنه ايما الاجلين اطولهما واقصرهما قضيت وفيتك اياه فلا عدوان على فلا تعتدي علي بطلب الزيادة والله على ما نقول من المشارطة وكيل شاهد حفيظ في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله انه سئل اي الأجلين قضى قال اوفاهما وابطأهما وفي رواية وان سئلت اية الابنتين تزوج فقل الصغرى منهما وهي التي جاءت وقالت يا ابت استأجره وعن الصادق عليه السلام انه سئل ايتهما التي قالت ان ابي يدعوك قال التي تزوج بها قيل فأي الأجلين قضى قال اوفاهما وابعدهما عشر سنين قيل فدخل بها قبل ان يمضي

[ 88 ]

الشرط أو بعد انقضائه قال قبل ان ينقضي قيل فالرجل يتزوج المرأة ويشترط لأبيها اجارة شهرين ايجوز ذلك قال ان موسى علم انه سيتم له شرطه قيل كيف قال علم انه سيبقى حتى يفي والقمي عنه عليه السلام قال لا يحل النكاح اليوم في الإسلام باجارة بأن يقول اعمل عندك كذا وكذا سنة على ان تزوجني اختك أو ابنتك قال هو حرام لأنه ثمن رقبتها وهي احق بمهرها قال في الفقيه وفي حديث آخر انما كان ذلك لموسى بن عمران لأنه علم من طريق الوحي هل يموت قبل الوفاء ام لا فوفى بأتم الأجلين وفي الاكمال عن النبي صلى الله عليه وآله ان يوشع بن نون وصي موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى فقال انا احق منك بالامر فقاتلها فقتل مقاتليها واحسن اسرها (29) فلما قضى موسى الاجل وسار باهله بامرأته انس من جانب الطور نارا ابصر من الجهة التي تلي الطور القمي في حديثه السابق انه قال لشعيب لابد لي ان ارجع الى وطني وامي واهل بيتي فما لي عندك فقال شعيب (عليه السلام) ما وضعت اغنامي في هذه السنة من غنم بلق فهو لك فعمد موسى عندما اراد ان يرسل الفحل على الغنم الى عصاه فقشر منه بعضه وترك بعضه وغرزه في وسط مربض الغنم والقى عليه كساء ابلق ثم ارسل الفحل على الغنم فلم تضع الغنم في تلك السنة الا بلقا فلما حال عليه الحول حمل موسى امرأته وزوده شعيب من عنده وساق غنمه فلما اراد الخروج قال لشعيب ابغي عصا يكون معي وكانت عصي الأنبياء عنده قد ورثها مجموعة في بيت فقال له شعيب ادخل هذا البيت وخذ عصا من بين العصي فدخل فوثبت إليه عصى نوح وابراهيم وصارت في كفه فأخرجها ونظر إليها شعيب فقال ردها وخذ غيرها فردها ليأخذ غيرها فوثبت إليه تلك بعينها فردها حتى فعل ذلك ثلاث مرات فلما رأى شعيب (عليه السلام) ذلك قال له اذهب فقد خصك الله عز وجل بها فساق غنمه فخرج يريد مصرا فلما صار في مفازة ومعه اهله اصابهم برد شديد وريح وظلمة وجنهم الليل فنظر موسى الى نار قد ظهرت كما قال الله تعالى فلما قضى موسى الاجل الآية قال لأهله امكثوا انى آنست نارا

[ 89 ]

لعلى آتيكم منها بخبر بخبر الطريق في المجمع عن الباقر عليه السلام لما قضى موسى الاجل وسار بأهله نحو بيت المقدس اخطأ الطريق ليلا فرأى نارا قال لأهله امكثوا انى آنست نارا أو جذوة عود غليظ وقرء بالفتح والضم من النار لعلكم تصطلون تستدفؤون بها (30) فلما اتيها نودى من شاطئ الوادي الايمن قيل من الشاطئ الايمن لموسى في البقعة المباركة في التهذيب عن الصادق عليه السلام شاطئ الوادي الأيمن الذي ذكره الله تعالى في القرآن هو الفرات والبقعة المباركة هي كربلاء من الشجرة قيل كانت نابتة على الشاطئ ان يا موسى انى انا الله رب العالمين هذا وان خالف ما في طه والنمل لفظا فلا يخالفه في المعنى (31) وان الق عصاك فلما رآها تهتز اي فألقاها فصارت ثعبانا واهتزت فلما راها تهتز كأنها جان حية في الهيئة والجثة أو في السرعة ولى مدبرا منهزما من الخوف ولم يعقب ولم يرجع يا موسى نودي يا موسى اقبل ولا تخف انك من الامنين من المخاوف فانه لا يخاف لدي المرسلون القمي في الحديث الذي سبق قال فأقبل نحو النار يقتبس فإذا شجرة ونار تلتهب عليها فلما ذهب نحو النار يقتبس منها اهوت إليه ففزع وعدا ورجعت النار الى الشجرة فالتفت إليها وقد رجعت الى الشجرة فرجع الثانية ليقتبس فأهوت نحوه فعدا وتركها ثم التفت وقد رجعت الى الشجرة فرجع إليها الثالثة فأهوت إليه فعدا ولم يعقب اي لم يرجع فناداه الله عز وجل ان يا موسى انى انا الله رب العالمين قال موسى فما الدليل على ذلك قال الله عز وجل ما في يمينك يا موسى قال هي عصاي قال القها يا موسى فالقاها فإذا هي حية تسعى ففزع منها موسى وعدا فناداه الله عز وجل خذها ولا تخف انك من الامنين (32) اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء قال اي من غير علة وذلك ان موسى كان شديد السمرة فأخرج يده من جيبه فأضاءت له الدنيا واضمم اليك جناحك من الرهب وقرء بضم الراء وبفتحتين ولعل ذلك لاخفاء الخوف عن العدو أو لتسكينه بناء على ما يقال ان الخوف يسكن بوضع اليد على الصدر فذانك وقرء بتشديد النون برهانان حجتان

[ 90 ]

من ربك مرسلا بهما الى فرعون وملائه انهم كانوا قوما سوء فاسقين (33) قال رب انى قتلت منهم نفسا فاخاف ان يقتلون بها (34) واخى هرون هو افصح منى لسانا فارسله معى ردءا معينا وقرء بغير همز يصدقني بتخليص الحق وتقرير الحجة وتزييف الشبهة وقرء مجزوما انى اخاف ان يكذبون ولساني لا يطاوعني عند المحاجة (35) قال سنشد عضدك باخيك سنقويك به ونجعل لكما سلطانا غلبة فلا يصلون اليكما باستيلاء بآياتنا انتما ومن اتبعكما الغالبون (36) فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا الا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين (37) وقال وقرء بغير واو موسى ربى اعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار العاقبة المحمودة لدار الدنيا التي هي الجنة لأنها خلقت مجازا الى الاخرة وقرء يكون بالياء انه لا يفلح الظالمون لا يفوزون بالهدى في الدنيا وحسن العاقبة في العقبى (38) وقال فرعون يا ايها الملا ما علمت لكم من اله غيرى نفي علمه بإله غيره دون وجوده كأنه كان شاكا فيه ولذا امر ببناء الصرح قيل في تفسير الكلبي عن ابن عباس ان جبرئيل قال لرسول الله يا محمد لو رأيتني وفرعون يدعو بكلمة الاخلاص آمنت انه لا اله الا الذى آمنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين وانا ادسه في الماء والطين لشدة غضبي عليه مخافة ان يتوب فيتوب الله عز وجل عليه قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وما كان شدة غضبك عليه يا جبرئيل قال لقوله انا ربكم الاعلى وهي كلمته الاخرة منهما وانما قالها حين انتهى الى البحر وكلمته الأولى ما علمت لكم من إله غيرى فكان بين الأولى والاخرة اربعون سنة فاوقد لى يا هامان على الطين فاجعل لى صرحا لعلى اطلع الى اله موسى وانى لأظنه من الكاذبين القمي في حديثه السابق فبنى هامان له في الهواء صرحاحتى بلغ مكانا في الهواء لا يتمكن الانسان ان يقوم عليه من الرياح القائمة في الهواء فقال لفرعون لا نقدر ان نزيد على

[ 91 ]

هذا فبعث الله عز وجل رياحا فرمت به فاتخذ فرعون وهامان عند ذلك التابوت وعمدا الى اربعة انسر فأخذا افراخها وربياها حتى إذا بلغت القوة وكبرت عمد الى جوانب التابوت الأربعة فغرزا في كل جانب منه خشبة وجعلا على رأس كل خشبة لحما وجوعا الانسر وشدا ارجلها بأصل الخشبة فنظرت الانسر الى اللحم فأهوت إليه وصفقت بأجنحتها وارتفعت بهما في الهواء واقبلت تطير يومها فقال فرعون لهامان انظر الى السماء هل بلغناها فنظر هامان فقال ارى السماء كما كنت اراها من الأرض في البعد فقال انظر الى الأرض فقال لا ارى الارض ولكن ارى البحار والماء قال فلم يزل النسر يرتفع حتى غابت الشمس وغابت عنهما البحار والماء فقال فرعون يا هامان انظر الى السماء فنظر الى السماء فقال اراها كما كنت اراها من الارض فلما جنهم الليل نظر هامان الى السماء فقال فرعون هل بلغناها قال ارى الكواكب كما كنت اراها من الارض ولست ارى من الارض الا الظلمة قال ثم حالت الرياح القائمة في الهواء فأقبلت التابوت بهما فلم يزل يهوى بهما حتى وقع على الأرض وكان فرعون اشد ما كان عتوا في ذلك الوقت (39) واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق بغير الاستحقاق قال الله تعالى الكبرياء ردائي والعظمة ازاري فمن نازعني واحدا منهما القيته في النار ولا ابالي وظنوا انهم الينا لا يرجعون بالنشور وقرء بفتح الياء وكسر الجيم (40) فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم كما مر بيانه وفيه فخامة وتعظيم لشأن الآخذ واستحقار للمأخوذين كأنه اخذهم مع كثرتهم في كف وطرحهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين (41) وجعلناهم ائمة قدوة للضلال يدعون الى النار ويوم القيمة لا ينصرون بدفع العذاب عنهم في الكافي عن الصادق عليه السلام ان الأئمة في كتاب الله امامان قال الله تبارك وتعالى وجعلناهم ائمة يهدون بامرنا لا بأمر الناس يقدمون أمر الله قبل أمرهم وحكم الله قبل حكمهم قال وجعلناهم أئمة يدعون الى النار يقدمون أمرهم قبل أمر الله وحكمهم قبل حكم الله ويأخذون بأهوائهم خلاف ما في كتاب الله عز وجل

[ 92 ]

(42) واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة طردا عن الرحمة ويوم القيمة هم من المقبوحين ممن قبح وجوههم (43) ولقد اتينا موسى الكتاب التوراة من بعد ما اهلكنا القرون الاولى اقوام نوح وهود وصالح ولوط في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ما اهلك الله قوما ولا قرنا ولا امة ولا اهل قرية بعذاب من السماء منذ انزل التوراة على وجه الأرض غير اهل القرية التي مسخوا قردة الم تر ان الله تعالى قال ولقد آتينا موسى الكتاب الآية بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (44) وما كنت بجانب الغربي بجانب جبل الطور الغربي حيث كلم الله فيه موسى إذ قضينا اوحينا الى موسى الامر وكلمناه وما كنت من الشاهدين لتكليمه (45) ولكنا انشانا قرونا فتطاول عليهم العمر فحرفت الأخبار وتغيرت الشرايع واندرست العلوم فأوحينا اليك وما كنت ثاويا مقيما في اهل مدين وهم شعيب والمؤمنون به تتلو عليهم قيل يعني فتقرأ على اهل مكة آياتنا التي فيها قصتهم ولكنا كنا مرسلين اياك ومخبرين لك بها (46) وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك ولكن علمناك رحمة لتنذر قوما ما اتيهم من نذير من قبلك لوقوعهم في فترة بينك وبين من تقدمك من الأنبياء لعلهم يتذكرون يتعظون في العيون عن النبي صلى الله عليه وآله لما بعث الله عز وجل موسى بن عمران واصطفاه نجيا وفلق له البحر ونجى بني اسرائيل واعطاه التوراة والالواح رأى مكانه من ربه عز وجل فقال رب لقد اكرمتني بكرامة لم تكرم بها احدا من قبلي فقال الله جل جلاله يا موسى اما علمت ان محمدا افضل عندي من جميع ملائكتي وجميع خلقي قال موسى يا رب فان كان محمد اكرم عندك من جميع خلقك فهل في آل الانبياء اكرم من آلي قال الله جل جلاله يا

[ 93 ]

موسى اما علمت ان فضل آل محمد صلوات الله عليهم على جميع آل النبيين كفضل محمد صلى الله عليه وآله على جميع المرسلين فقال موسى يا رب فان كان آل محمد صلوات الله عليهم كذلك فهل في امم الانبياء افضل عندك من امتي ظللت عليهم الغمام وانزلت عليهم المن والسلوى وفلقت لهم البحر فقال الله عز وجل يا موسى اما علمت ان فضل امة محمد صلى الله عليه وآله على جميع الامم كفضله على جميع خلقي قال موسى (عليه السلام) يا رب ليتني كنت اراهم فأوحى الله عز وجل إليه يا موسى لن تراهم وليس هذا أوان ظهورهم ولكن سوف تراهم في الجنان جنات عدن والفردوس بحضرة محمد صلى الله عليه وآله في نعيمها يتقلبون وفي حيرانها يتبجحون افتحب ان اسمعك كلامهم قال نعم الهي قال الله جل جلاله قم بين يدي واشدد ميزرك قيام العبد الذليل بين يدي الملك الجليل ففعل ذلك موسى فنادى ربنا عز وجل يا امة محمد فأجابوه كلهم وهم في اصلاب آبائهم وارحام امهاتهم لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة والملك لك لا شريك لك قال فجعل الله عز وجل تلك الاجابة شعارا لحاج ثم نادى ربنا عز وجل يا امة محمد ان قضائي عليكم ان رحمتي سبقت غضبي وعفوي قبل عقابي فقد استجبت لكم قبل ان تدعوني وأعطيتكم من قبل أن تسألوني من لقيني بشهادة ان لا إله الا الله وحده لا شريك له وان محمدا عبده ورسوله صادق في اقواله محق في افعاله وان علي بن ابي طالب عليه السلام أخوه ووصيه من بعده ووليه، ويلتزم طاعته كما يلتزم طاعة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وان أوليائه المصطفين الطاهرين المطهرين المثابين العجائب آيات الله ودلائل حجج الله من بعدهما اوليائه ادخله جنتي وان كانت ذنوبه مثل زبد البحر قال فلما بعث الله عز وجل محمدا صلى الله عليه وآله قال يا محمد ما كنت بجانب الطور نادينا امتك بهذه الكرامة ثم قال عز وجل لمحمد صلى الله عليه وآله قل الحمد لله رب العالمين على ما اختصني به من هذه الفضيلة وقال لأمته قولوا الحمد لله رب العالمين على ما اختصنا به من هذه الفضائل (47) ولولا ان تصيبهم مصيبة بما قدمت ايديهم فيقولوا ربنا لولا ارسلت الينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين جوابه محذوف يعني لولا قولهم إذا اصابتهم عقوبة بسبب كفرهم ومعاصيهم ربنا هلا ارسلت الينا رسولا يبلغنا آياتك فنتبعها ونكون من المصدقين ما ارسلناك اي انما ارسلناك قطعا لعذرهم والزاما للحجة عليهم

[ 94 ]

(48) فلما جائهم الحق من عندنا قالوا لولا اوتى مثل ما اوتى موسى من الكتاب جملة واليد والعصا وغيرهما اقتراحا وتعنتا اولم يكفروا بما اوتى موسى من قبل يعني باناء جنسهم في الراي والمذهب وهم كفرة زمان موسى قالوا ساحران قيل يعني موسى (عليه السلام) ومحمد صلى الله عليه وآله والقمي قال موسى وهرون وقرء سحران مبالغة أو يعنون بهما التوراة والقرآن تظاهرا تعاونا بتوافق الكتابين أو باظهار تلك الخوارق وقالوا انا بكل منهما أو بكل من الانبياء كافرون (49) قل فاتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما مما نزل على موسى وعلي اتبعه ان كنتم صادقين (50) فان لم يستجيبوا لك فاعلم انما يتبعون اهوائهم إذ لو اتبعوا حجة لأتوا بها ومن اضل ممن اتبع هواه استفهام بمعنى النفي بغير هدى من الله في الكافي عن الكاظم عليه السلام في هذه الآية قال يعني من اتخذ دينه راية بغير امام من أئمة الهدى وفي البصائر عن الصادق (عليه السلام) مثله ان الله لا يهدى القوم الظالمين الذين ظلموا انفسهم بإنهماكهم في اتباع الهوى (51) ولقد وصلنا لهم القول اتبعنا بعضه بعضا في الانزال ليتصل التذكير أو في النظم لتقرر الدعوة بالحجة والمواعظ بالمواعيد والنصايح بالعبر في الكافي عن الكاظم عليه السلام امام الى امام والقمي عن الصادق عليه السلام اما من بعد امام لعلهم يتذكرون فيطيعون (52) الذين اتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون قيل نزلت في مؤمني اهل الكتاب (53) وإذا يتلى عليهم قالوا امنا به اي بأنه كلام الله انه الحق من ربنا انا كنا من قبله مسلمين لما رأوا ذكره في الكتب المتقدمة

[ 95 ]

(54) اولئك يؤتون اجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة في الكافي عن الصادق عليه السلام قال بما صبروا على التقية وقال الحسنة التقية والسيئة الاذاعة والقمي قال هم الأئمة عليهم السلام قال وقال الصادق عليه السلام نحن صبرو شيعتنا اصبر منا وذلك انا صبرنا على ما نعلم وصبروا على ما لا يعلمون قال وقوله ويدرؤن بالحسنة السيئة اي يدفعون سيئة من اساء إليهم بحسناتهم وروي عن النبي صلى الله عليه وآله اتبع الحسنة السيئة تمحها ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير (55) وإذا سمعوا اللغو اعرضوا عنه تكرما القمي قال اللغو الكذب واللهو والغناء قال وهم الأئمة عليهم السلام يعرضون عن ذلك كله وقالوا للاغين لنا اعمالنا ولكم اعمالكم سلام عليكم متاركة لهم وتوديعا لا نبتغى الجاهلين لا نطلب صحبتهم ولا نريدها (56) انك لا تهدى من احببت ولكن الله يهدى من يشآء وهو اعلم بالمهتدين القمي قال نزلت في ابي طالب كان رسول الله صلى الله عليه وآله يقول يا عم قل لا إله الا الله انفعك بها يوم القيامة فيقول يا ابن اخي انا اعلم بنفسي فلما مات شهد العباس ابن عبد المطلب عند رسول الله صلى الله عليه وآله انه تكلم بها عند الموت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اما انا فلم اسمعها منه وارجو ان انفعه يوم القيامة وقال لو قمت المقام المحمود لشفعت في امي وابي وعمي واخ كان لي مواخيا في الجاهلية وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ان مثل ابي طالب مثل اصحاب الكهف اسروا الايمان واظهروا الشرك فأتاهم الله اجرهم مرتين أقول: انما اسر الايمان واظهر الشرك ليكون اقدر على نصرة النبي صلى الله عليه وآله كما يستفاد من اخبار اخر وعنه عليه السلام قيل له انهم يزعمون ان ابا طالب عليه السلام كان كافرا فقال كذبوا كيف يكون كافرا وهو يقول الم تعلموا انا وجدنا محمدا * نبيا كموسى خط في اول الكتب

[ 96 ]

وفي حديث آخر كيف يكون أبو طالب كافرا وهو يقول لقد علموا ان ابننا لا يكذب: لدينا ولا يعبأ بقول الأباطل * وابيض يستسقي الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل أقول: خط في اول الكتب اي هذا الحكم مثبت في الكتاب الأول اي اللوح المحفوظ والأبيض الرجل النقي العرض والثمال ككتاب الغياث الذي يقوم بأمر قومه والأرملة من لا زوج لها من النساء وعن الكاظم عليه السلام انه سئل اكان رسول الله صلى الله عليه وآله محجوجا بأبي طالب فقال لا ولكنه كان مستودعا للوصايا فدفعها إليه صلى الله عليه وآله قيل فدفع إليه الوصايا على انه محجوج به فقال لو كان محجوجا به ما دفع إليه الوصية قيل فما كان حال ابي طالب قال اقر بالنبي صلى الله عليه وآله وبما جاء به ودفع إليه الوصايا ومات من يومه أقول: معنى محجوجا بابي طالب ان ابا طالب كان حجة عليه قبل ان يبعث واريد بالوصايا وصايا الانبياء عليهم السلام على انه محجوج به يعني على ان يكون النبي صلى الله عليه وآله حجة عليه ويعني بقوله ما دفع إليه الوصية ان الوصية انما تنتقل ممن له التقدم وعن الصادق عليه السلام قال لما توفى أبو طالب نزل جبرئيل على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا محمد اخرج من مكة فليس لك بهاناصر وثارت قريش بالنبي صلى الله عليه وآله فخرج هاربا حتى جاء الى جبل مكة يقال له الحجون فصار إليه وعنه عليه السلام قال قال نزل جبرئيل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله فقال يا محمد ان ربك يقرؤك السلام ويقول اني قد حرمت النار على صلب أنزلك وبطن حملك وحجر كفلك فالصلب صلب أبيك عبد الله بن عبد المطلب والبطن الذي حملك فآمنة بنت وهب وأما حجر كفلك فحجر أبي طالب وزاد في رواية وفاطمة بنت أسد

[ 97 ]

وفي بشارة المصطفى عنه عن آبائه عن امير المؤمنين عليهم السلام قال كان ذات يوم جالسا بالرحبة والناس مجتمعون فقام إليه رجل فقال يا امير المؤمنين انك بالمكان الذي انزلك الله به وابوك يعذب بالنار فقال له مه فض الله فاك والذي بعث محمدا بالحق نبيا لو شفع ابي في كل مذنب على وجه الأرض لشفعه الله تعالى فيهم لابي يعذب بالنار وابنه قسيم النار ثم قال والذي بعث محمدا بالحق ان نور ابي طالب يوم القيامة ليطفي انوار الخلق الا خمسة انوار نور محمد ونوري ونور فاطمة ونوري الحسن والحسين ومن ولده من الأئمة عليهم السلام لأن نوره من نورنا الذي خلقه الله عز وجل من قبل خلق آدم بألفي عام وفي المجمع قد ذكرنا في سورة الانعام ان اهل البيت عليهم السلام قد اجمعوا على ان ابا طالب مات مسلما وتظاهرت الروايات بذلك عنهم عليهم السلام واوردنا هناك طرفا من اشعاره الدالة على تصديقه للنبي صلى الله عليه وآله وتوحيده فان استيفاء جميعه لا يسع له الطوامير وما روي من ذلك في كتب المغازي وغيرها اكثر من ان يحصى يكاشف فيها من كاشف النبي صلى الله عليه وآله ويناضل عنه ويصحح نبوته وقال بعض الثقات قصايده في هذا المعنى التي تنفث في عقد السحر وتغبر في وجه الدهر تبلغ قدر مجلد واكثر من هذا ولا شك في انه لم يختبر تمام مجاهرة الاعداء استصلاحا لهم وحسن تدبير في دفع كيادهم لئلا يجلؤ الرسول الى ما ألجؤه إليه بعد موته (57) وقالوا ان نتبع الهدى معك نتخطف من ارضنا نخرج منها القمي قال نزلت في قريش حين دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله الى الإسلام والهجرة ورواه ابن طاوس عن امير المؤمنين عليه السلام وفي روضة الواعظين عن السجاد عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال والذي نفسي بيده لادعون الى هذا الأمر الأبيض والاسود ومن على رؤوس الجبال ولجج البحار ولادعون إليه فارس والروم فجبرت قريش واستكبرت وقالت لأبي طالب اما تسمع الى ابن اخيك ما يقول والله لو سمعت بهذا فارس والروم لاختطفتنا من

[ 98 ]

ارضنا ولقلعت الكعبة حجرا حجرا فأنزل الله تعالى هذه الآية اولم نمكن لهم حرما آمنا اولم نجعل مكانهم حرما ذا أمن بحرمة البيت يجبى إليه يحمل إليه ويجمع فيه وقرء بالتاء ثمرات كل شئ من كل اوب رزقا من لدنا فإذا كان هذا حالهم وهم عبدة الاصنام فكيف نعرضهم للتخوف وللتخطف إذا كانوا موحدين ولكن اكثرهم لا يعلمون جهلة لا يتفطنون له (58) وكم اهلكنا من قرية بطرت معيشتها وكم من اهل قرية كانت حالهم كحالكم في الامن وخفض العيش حتى اشروا فدمر الله به عليهم وخرب ديارهم فتلك مساكنهم خاوية لم تسكن من بعدهم الا قليلا من شوم معاصيهم وكنا نحن الوارثين (59) وما كان ربك وما كانت عادته مهلك القرى حتى يبعث في امها في اصلها لأن اهله تكون افطن وانبل رسولا يتلو عليهم آياتنا لالزام الحجة وقطع المعذرة وما كنا مهلكي القرى الا واهلها ظالمون بتكذيب الرسل والعتو في الكفر (60) وما اوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها تتمتعون وتتزينون به مدة حياتكم المنقضية وما عند الله وهو ثوابه خير من ذلك لانه لذة خالصة وبهجة كاملة وابقى لأنه ابدي افلا تعقلون فتستبدلون الذي هو ادنى بالذي هو خير وقرء بالتاء (61) افمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحيوة الدنيا وزينتها الذي هو مشوب بالآلآم مكدر بالمتاعب مستعقب للتحسر على الانقطاع ثم هو يوم القيمة من المحضرين للحساب أو العذاب وهذه الآية كالنتيجة للتي قبلها (62) ويوم يناديهم فيقول اين شركآئى الذين كنتم تزعمون تزعمونهم شركائي (63) قال الذين حق عليهم القول اي قوله لاملأن جهنم من الجنة والناس اجمعين وغيره من آيات الوعيد ربنا هؤلاء الذين اغوينا اي هؤلاء هم الذين اغويناهم اغويناهم كما غوينا تبرأنا اليك منهم ومما اختاروهم من الكفر ما كانوا ايانا يعبدون وانما يعبدون اهواءهم

[ 99 ]

(64) وقيل ادعوا شركائكم فدعوهم من فرط الحيرة فلم يستجيبوا لهم لعجزهم عن الاجابة والنصرة وراوا العذاب وانهم كانوا يهتدون لوجه من الحيل يدفعون به العذاب اولو للتمني اي تمنوا انهم كانوا مهتدين (65) ويوم يناديهم فيقول ماذا اجبتم المرسلين (66) فعميت عليهم الانباء يومئذ لا تهتدي إليهم واصله فعموا عن الانباء لكنه عكس مبالغة ودلالة على ان ما يحضر الذهن انما يرد عليه من خارج فإذا اخطأ لم يكن له حيلة الى استحضاره فهم لا يتسائلون لا يسأل بعضهم بعضا عن الجواب (67) فاما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى ان يكون من المفلحين عسى تحقيق على عادة الكرام أو لترجي من التائب بمعنى فليتوقع ان يفلح القمي ان العامة قد رووا ان ذلك يعني النداء في القيامة واما الخاصة فعن الصادق عليه السلام قال ان العبد إذا دخل قبره وفزع منه يسأل عن النبي صلى الله عليه وآله فيقال له ماذا تقول في هذا الرجل الذي كان بين اظهركم فان كان مؤمنا قال اشهد انه رسول الله جاء بالحق فيقال له ارقد رقدة لا حلم فيها ويتنحى عنه الشيطان ويفسح له في قبره سبعة اذرع ويرى مكانه من الجنة وإذا كان كافرا قال ما ادري فيضرب ضربة يسمعها كل من خلق الله الا الإنسان ويسلط عليه الشيطان وله عينان من نحاس أو نار تلمعان كالبرق الخاطف فيقول له انا اخوك ويسلط عليه الحيات والعقارب ويظلم عليه قبره ثم يضغطه ضغطة تختلف اضلاعه عليه ثم قال عليه السلام بأصابعه فشرجها (68) وربك يخلق ما يشآء ويختار ما كان لهم الخيرة اي التخير كالطيرة بمعنى التطير يعني ليس لأحد من خلقه ان يختار عليه أو ليس لأحد ان يختار شيئا الا بقدرته ومشيته واختياره سبحان الله تنزيها له ان ينازعه احد أو يزاحم اختياره وتعالى عما يشركون عن اشراكهم القمي قال يختار الله عز وجل الإمام وليس لهم ان يختاروا

[ 100 ]

وفي الكافي والمجالس عن الرضا عليه السلام في حديث فضل الإمام وصفته قال هل تعرفون قدر الإمامة ومحلها من الامة فيجوز فيها اختيارهم الى ان قال لقد راموا صعبا وقالوا افكا وضلوا ضلالا بعيدا ووقعوا في الحيرة إذ تركوا الإمام عن بصيرة وزين لهم الشيطان اعمالهم فصدهم عن السبيل وما كانوا مستبصرين رغبوا عن اختيار الله واختيار رسول الله الى اختيارهم والقرآن يناديهم وربك يخلق ما يشآء ويختار لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون وقال عز وجل وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان يكون لهم الخيرة من امرهم وفي الاكمال عن القائم عليه السلام انه سئل عن العلة التي تمنع القوم من اختيار الإمام لأنفسهم قال مصلح ام مفسد قيل مصلح قال فهل يجوز ان تقع خيرتهم على المفسد بعد ان لا يعلم احد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد قيل بلى قال فهي العلة واوردها لك ببرهان ينقاد له عقلك ثم قال عليه السلام اخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم الله عز وجل وانزل عليهم الكتاب وايدهم بالوحي والعصمة إذ هم اعلام الامم واهدى الى الإختيار منهم مثل موسى وعيسى هل يجوز مع وفور عقلهم إذ هما بالاختيار ان يقع خيرتهما على المنافق وهما يظنان انهما مؤمن قيل لا قال هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي إليه اختار من اعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربه عز وجل سبعين رجلا ممن لا يشك في ايمانهم واخلاصهم فوقع خيرته على المنافقين قال الله عز وجل واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا الى قوله لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله عز وجل للنبوة واقعا على الافسد دون الأصلح وهو يظن انه الأصلح دون الأفسد علمنا ان الاختيار لا يجوز ان يقع الا ممن يعلم ما تخفي الصدور وتكن الضماير وتنصرف إليه السرائر وان لا خطر لاختيار المهاجرين والانصار بعد وقوع خيرة الانبياء على ذوي الفساد لما ارادوا الصلاح أقول: هذه الأخبار تدل على التفسير الأول للآية ويدل في التفسير الثاني ما روي في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام

[ 101 ]

في كلام له قال وتعلم ان نواصي الخلق بيده فليس لهم نفس ولحظة الا بقدرته ومشيته وهم عاجزون عن اتيان اقل شئ في مملكته الا باذنه وارادته قال الله تعالى وربك يخلق ما يشاء ويختار الآية (69) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون القمي قال ما عزموا عليه من الاختيار أقول: وعلى التفسير الأول يجوز ان يكون المعنى وربك هو الذي يعلم ما تكنه الصدور وتخفيه الضماير دون غيره فله ان يختار للنبوة والامامة وغيرهما دونهم ولعله الى هذا المعنى اشير في اواخر حديث الاكمال بقوله علمنا ان الاختيار لا يجوز ان يقع الا ممن يعلم ما تخفي الصدور وتكن الضماير وتنصرف إليه السرائر (70) وهو الله المستحق للعبادة لا اله الا هو لا احد يستحقها الا هو له الحمد في الاولى والاخرة لأنه المولى للنعم كلها عاجلها وآجلها يحمده المؤمنون في الآخرة كما حمدوه في الدنيا بقولهم الحمد لله الذى اذهب عنا الحزن الحمد لله الذى صدقنا وعده ابتهاجا بفضله والتذاذا بحمده وله الحكم القضاء النافذ في كل شئ واليه ترجعون بالنشور (71) قل ارايتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا الى يوم القيمة من اله غير الله يأتيكم بضياء افلا تسمعون سماع تدبر واستبصار (72) قل ارايتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا الى يوم القيمة من اله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه استراحة عن متاعب الأشغال افلا تبصرون ولعله لم يصف الضياء بما يقابله لأن الضوء نعمة في ذاته مقصود بنفسه ولا كذلك الليل ولأن منافع الضوء اكثر مما يقابله ولذلك قرن به افلا تسمعون وبالليل افلا تبصرون لأن استفادة العقل من السمع اكثر من استفادته من البصر (73) ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه في الليل ولتبتغوا من فضله في النهار بانواع المكاسب ولعلكم تشكرون

[ 102 ]

ولكي تعرفوا نعمة الله في ذلك فتشكروه عليها (74) ويوم يناديهم فيقول اين شركآئى الذين كنتم تزعمون تقريع بعد تقريع للاشعار بانه لا شئ اجلب لغضب الله من الاشراك به ولأن الأول لتقرير فساد رأيهم والثاني لبيان انه لم يكن عن برهان (75) ونزعنا واخرجنا من كل امة شهيدا يشهد عليهم بما كانوا عليه القمي عن الباقر عليه السلام يقول من كل فرقة من هذه الامة امامها فقلنا للامم هاتوا برهانكم على صحة ما تتدينون به فعلموا حينئذ ان الحق لله وضل عنهم وغاب عنهم غيبة الضايع ما كانوا يفترون من الباطل (76) ان قارون كان من قوم موسى قيل كان ابن عمه يصهر بن فاحث بن لاوي وكان ممن آمن به وفي المجمع عن الصادق عليه السلام وهو ابن خالته ولا تنافي بين الخبرين فبغى عليهم فطلب الفضل عليهم فتكبر واتيناه من الكنوز من الاموال المدخرة ما ان مفاتحه مفاتيح صنادقه جمع مفتح بالكسر لتنؤا بالعصبة لثقل الجماعة الكثيرة اولى القوة القمي العصبة ما بين العشرة الى تسعة عشرة قال كان يحمل مفاتيح خزائنه العصبة اولوا القوة إذ قال له قومه لا تفرح لا تبطر ان الله لا يحب الفرحين اي بزخارف، الدنيا في الخصال عن الصادق عن ابيه عليهما السلام اوحى الله تعالى الى موسى عليه السلام لا تفرح بكثرة المال ولا تدع ذكري على كل حال فان كثرة ذكري تنسي الذنوب وترك ذكري يقسي القلوب وفي التوحيد عنه عليه السلام ان كانت العقوبة عن الله تعالى حقا فالفرح لماذا (77) وابتغ فيما اتاك الله من الغنى الدار الآخرة بصرفه فيما يوجبها لك ولا تنس ولا تترك تصيبك من الدنيا

[ 103 ]

في المعاني عنه عن ابيه عن جده عن امير المؤمنين عليهم السلام قال لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك ان تطلب بها الآخرة واحسن الى عباد الله كما احسن الله اليك فيما انعم الله عليك أو احسن الشكر والطاعة كما احسن الله اليك بالانعام ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين في مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام فساد الظاهر من فساد الباطن ومن اصلح سريرته اصلح الله علانيته ومن خان الله في السر هتك الله سره في العلانية واعظم الفساد ان يرضى العبد بالغفلة عن الله تعالى إذ هذا الفساد يتولد من طول الامد والحرص والكبر كما اخبر الله تعالى في قصة قارون في قوله ولا تبغ الفساد في الارض ان الله لا يحب المفسدين وكانت هذه الخصال من صنع قارون واعتقاده واصلها من حب الدنيا وجمعها ومتابعة النفس وهواها واقامة شهواتها وحب المحمدة وموافقة الشيطان واتباع خطراته وكل ذلك مجتمع تحت الغفلة عن الله ونسيان منته (78) قال انما اوتيته على علم عندي القمي يعني ماله وكان يعمل الكيميا اولم يعلم ان الله قد اهلك من قبله من القرون من هو اشد منه قوة واكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون القمي لا يسئل من كان قبلهم عن ذنوب هؤلاء (79) فخرج على قومه في زينته القمي في الثياب المصبغات يجرها بالارض وقيل انه خرج على بغلة شهباء عليه الارجوان وعليها سرج من ذهب ومعه اربعة آلاف على زيه قال الذين يريدون الحيوة الدنيا على ما هو عادة الناس من الرغبة فيها يا ليت لنا مثل ما اوتى قارون تمنوا مثله لا عينه حذرا عن الحسد انه لذو حظ عظيم من الدنيا (80) وقال الذين اوتوا العلم باحوال الآخرة للمتمنين القمي قال لهم الخالص من اصحاب موسى ويلكم ثواب الله خير لمن آمن

[ 104 ]

وعمل صالحا مما اوتي قارون بل من الدنيا وما فيها ولا يلقها اي هذه الكلمة التي تكلم بها العلماء الا الصابرون على الطاعات وعن المعاصي (81) فخسفنا به وبداره الارض في مناهي الفقيه ونهى ان يختال الرجل في مشيه وقال من لبس ثوبا فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنم وكان قرين قارون لأنه اول من اختال فخسف الله به وبداره الارض فما كان له من فئة اعوان ينصرونه من دون الله فيدفعون عنه عذابه وما كان من المنتصرين الممتنعين منه روي ان موسى بأهله بأخيه هرون وبنيه فخسف به وبأهله وماله ومن وازره من قومه والقمي وكان سبب هلاك قارون انه لما اخرج موسى (عليه السلام) بني اسرائيل من مصر وانزلهم البادية انزل الله عليهم المن والسلوى الى ان قال ففرض الله عليهم دخول مصر وحرمها عليهم اربعين سنة وكانوا يقومون من اول الليل ويأخذون في قراءة التوراة والدعاء والبكاء وكان قارون منهم وكان يقرء التوراة ولم يكن فيهم احسن صوتا منه وكان يسمى المنون لحسن قراءته وكان يعمل الكيميا فلما طال الأمر على بني اسرائيل في التيه والتوبة وكان قارون قد امتنع من الدخول معهم في التوبة وكان موسى (عليه السلام) يحبه فدخل عليه موسى فقال له يا قارون قومك في التوبة وانت قاعد ههنا ادخل معهم والا ينزل بك العذاب فاستهان به واستهزء بقوله فخرج موسى من عنده مغتما فجلس في فناء قصره وعليه جبة شعر وفي رجله نعلان من جلد حمار شراكهما من خيوط شعر بيده العصا فأمر قارون ان يصب عليه رماد قد خلط بالماء فصب عليه فغضب موسى (عليه السلام) غضبا شديدا وكان في كتفه شعرات كان إذا غضب خرجت من ثيابه وقطر منها الدم فقال موسى (عليه السلام) يا رب ان لم تغضب لي فلست لك بنبي فأوحى الله عز وجل إليه قد امرت الأرض ان تطيعك فمرها بما شئت وقد كان قارون قد امر ان يغلق باب القصر فأقبل موسى فأومى الى الابواب فانفرجت ودخل عليه فلما نظر إليه قارون علم انه قد اوتي بالعذاب فقال يا موسى اسئلك بالرحم الذي بيني وبينك فقال له موسى يا ابن لاوي لا تزدني من كلامك يا ارض خذيه فدخل القصر بما فيه في الأرض ودخل قارون في الأرض الى ركبتيه فبكى وحلفه بالرحم فقال له موسى يا ابن لاوي لا تزدني من كلامك يا ارض خذيه

[ 105 ]

فابتلعته بقصره وخزائنه وهذا ما قال موسى لقارون يوم اهلكه الله عز وجل فعيره الله عز وجل بما قاله لقارون فعلم موسى (عليه السلام) ان الله تبارك وتعالى قد عيره بذلك فقال يا رب ان قارون دعاني بغيرك ولو دعاني بك لأجبته فقال الله عز وجل يا ابن لاوي ولا تزدني من كلامك فقال موسى يا رب لو علمت ان ذلك لك رضى لأجبته فقال الله يا موسى وعزتي وجلالي وجودي ومجدي وعلو مكاني لو ان قارون كما دعاك دعاني لأجبته ولكنه لما دعاك وكلته اليك يا ابن عمران لا تجزع من الموت فاني كتبت الموت على كل نفس وقد مهدت لك مهادا لو قد وردت عليه لقرت عيناك فخرج موسى (عليه السلام) الى جبل طور سيناء مع وصيه وصعد موسى (عليه السلام) الجبل فنظر الى رجل قد اقبل ومعه مكتل ومسحاة فقال له موسى (عليه السلام) ما تريد قال ان رجلا من اولياء الله قد توفي وانا احفر له قبرا فقال له موسى (عليه السلام) افلا اعينك عليه قال بلى قال فحفر القبر فلما فرغا اراد الرجل ان ينزل الى القبر فقال له موسى ما تريد قال ادخل القبر فانظر كيف مضجعه فقال له موسى انا اكفيك فدخل موسى فاضطجع فيه فقبض ملك الموت روحه وانضم عليه الجبل والقمي في سورة يونس وقد سأل بعض اليهود امير المؤمنين عليه السلام عن سجن طاف اقطار الأرض بصاحبه فقال يا يهودي اما السجن الذي طاف اقطار الأرض بصاحبه فانه الحوت الذي حبس يونس في بطنه فدخل في بحر القلزم ثم خرج الى بحر مصر ثم دخل بحر طبرستان ثم خرج في دجلة الغور قال ثم مرت به تحت الأرض حتى لحقت بقارون وكان قارون هلك في ايام موسى ووكل الله به ملكا يدخله في الأرض كل يوم قامة رجل وكان يونس في بطن الحوت يسبح الله ويستغفره فسمع قارون صوته فقال للملك الموكل به انظرني فاني اسمع كلام آدمي فأوحى الله الى الملك الموكل به انظره فأنظره ثم قال قارون من انت قال يونس انا المذنب الخاطي يونس بن متى قال فما فعل شديد الغضب لله موسى بن عمران قال هيهات هلك قال فما فعل الرؤوف الرحيم على قومه هرون بن عمران قال هلك قال فما فعلت كلثم بنت عمران التي كانت سميت لي قال هيهات ما بقي من آل عمران أحد فقال قارون اسفا على آل عمران فشكر الله تعالى له على ذلك فأمر الموكل به ان يرفع عنه العذاب ايام الدنيا

[ 106 ]

فرفع عنه الحديث ويأتي تمامه في سورة الصافات والعياشي عن الباقر عليه السلام قال ان يونس عليه السلام لما اذاه قومه وساق الحديث الى ان قال فألق نفسه فالتقمه الحوت فطاف به البحار السبعة حتى صار الى البحر المسجور وبه يعذب قارون فسمع قارون دويا فسأل الملك عن ذلك فأخبره انه يونس وان الله حبسه في بطن الحوت فقال له قارون أتأذن لي ان اكلمه فأذن له فسأله عن موسى فأخبره انه مات فبكى ثم سأله عن هرون (عليه السلام) فأخبره انه مات فبكى وجزع جزعا شديدا وسأله عن اخته كلثم وكانت مسماة له فأخبره انها ماتت فبكى وجزع جزعا شديدا قال فأوحى الله الي الملك الموكل به ان ارفع عنه العذاب بقية ايام الدنيا لرقته على قرابته (82) واصبح الذين تمنوا مكانه منزلته بالامس منذ زمان قريب يقولون ويكان الله القمي قال هي لغة سريانية يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر بمقتضى مشيته لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يوجب القبض لولا ان من الله علينا فلم يعطنا ما تمنينا لخسف بنا لتوليده فينا ما ولده فيه فخسف به لأجله وقرء بفتح الاخاء والسين ويكانه لا يفلح الكافرون لنعمة الله (83) تلك الدار الاخرة التي سمعت خبرها وبلغك وصفها نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض غلبة وقهرا ولا فسادا ظلما على الناس في المجمع عن امير المؤمنين عليه السلام انه كان يمشي في الاسواق وهو وال يرشد الضال ويعين الضعيف ويمر بالبياع والبقال فيفتح عليه القرآن ويقرء هذه الآية ويقول نزلت في اهل العدل والتواضع من الولاة واهل القدرة من سائر الناس وعنه عليه السلام قال الرجل ليعجبه شراك نعله فيدخل في هذه الآية وفي رواية ان الرجل ليعجبه ان يكون شراك نعله اجود من شراك نعل صاحبه فيدخل تحتها والقمي عن الصادق عليه السلام العلو الشرف والفساد النباء وعنه عليه السلام انه قال لحفص بن غياث يا حفص ما منزلة الدنيا من نفسي الا بمنزلة الميتة إذا اضطررت إليها اكلت منها يا حفص ان الله تبارك وتعالى علم ما

[ 107 ]

العباد عاملون والى ما هم صايرون فحلم عنهم عند اعمالهم السيئة لعله السابق فيهم فلا يغرنك حسن الطلب ممن لا يخاف الفوت ثم تلا قوله تلك الدار الاخرة الآية وجعل يبكي ويقول ذهبت والله الاماني عند هذه الآية فاز والله الابرار تدري من هم هم الذين لا يؤذون الذر كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا الحديث والعاقبة المحمودة للمتقين من اتقى ما لا يرضاه الله (84) من جاء بالحسنة فله خير منها ذاتا وقدرا ووصفا وقد مضى في هذه الآية حديث في آخر سورة الانعام وفي نظيرها في آخر سورة النمل ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات وضع فيه الظاهر موضع الضمير تهجينا لحالهم بتكرير اسناد السيئة إليهم الا ما كانوا يعملون مثل ما كانوا يعملون حذف المثل مبالغة في المماثلة (85) ان الذى فرض عليك القرآن لرادك الى معاد اي معاد القمي عن السجاد قال يرجع اليكم نبيكم وامير المؤمنين والأئمة عليهم السلام وعن الباقر عليه السلام انه ذكر عنده جابر فقال رحم الله جابرا لقد بلغ من علمه انه كان يعرف تأويل هذه الآية يعني الرجعة قل ربى اعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين يعني به نفسه والمشركين (86) وما كنت ترجو ان يلقى اليك الكتاب الا رحمة من ربك ولكن القاه رحمة منه فلا تكونن ظهيرا للكافرين قيل بمداراتهم والتحمل عنهم والإجابة الى طلبتهم والقمي قال المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى للناس (87) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ انزلت اليك وادع الى ربك الى عبادته وتوحيده ولا تكونن من المشركين (88) ولا تدع مع الله الها آخر

[ 108 ]

القمي المخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى للناس وهو قول الصادق عليه السلام ان الله بعث نبيه باياك اعني واسمعي يا جارة لا اله الا هو كل شئ هالك الا وجهه في الكافي عن الصادق عليه السلام انما عنى بذلك وجه الله الذي يؤتى منه وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام ان الله عز وجل اعظم من ان يوصف بالوجه لكن معناه كل شئ هالك الا دينه والوجه الذي يؤتى منه أقول: يعني بالوجه الذي يؤتى منه الذي يهدي العباد الى الله تعالى والى معرفته من نبي أو وصي أو عقل كامل بذلك وفي فانه وجه الله الذي يؤتى الله منه وذلك لأن الوجه ما يواجه به والله سبحانه انما يواجه به عباده ويخاطبهم بواسطة نبي أو وصي أو عقل كامل وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام قال كل شئ هالك الا من اخذ طريق الحق وعنه عليه السلام من اتى الله بما امره من طاعة محمد والأئمة صلوات الله عليهم من بعده فهو الوجه الذي لا يهلك ثم قرء ومن يطع الرسول فقد اطاع الله وفي الكافي عنه عليه السلام ما في معناه والمراد ان كل مطيع لله ولرسوله متوجه الى الله فهو باق في الجنان ابد الآبدين وهو وجه الله في خلقه به يواجه الله تعالى عباده ومن هو بخلافه فهو في النيران مع الهالكين وقراءة الآية اشارة الى ان طاعته للرسول توجه منه الى الله والى وجهه وتوجه من الله تعالى الى خلقه وهو السبب في تسميته وجه الله واضافته إليه وفي التوحيد عنه عليه السلام نحن وجه الله الذي لا يهلك وعنه عليه السلام الا وجهه قال دينه وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وامير المؤمنين عليه السلام دين الله ووجهه وعينه في عباده ولسانه الذي ينطق به ويده على خلقه ونحن وجه الله الذي يؤتى منه لن نزال في عباده ما دامت لله فيهم رؤية

[ 109 ]

قيل وما الرؤية قال الحاجة فإذا لم يكن لله فيهم حاجة رفعنا إليه وصنع بنا ما احب والقمي عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال فيفنى كل شئ ويبقى وجه الله اعظم من ان يوصف ولكن معناه كل شئ هالك الا دينه ونحن الوجه الذي يؤتى منه لن نزال في عباده اجل واعظم من ذلك وانما وفي الاحتجاج عن امير المؤمنين عليه السلام المراد كل شئ هالك الادينه لأن المحال ان يهلك منه كل شئ ويبقى الوجه هو وذكر مثل ما في التوحيد يهلك من ليس منه الا ترى انه قال كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ففصل بين خلقه ووجهه أقول: وورد في حديث آخر عنهم عليهم السلام ان الضمير في وجهه راجع الى الشئ وعلى هذا فمعناه ان وجه الشئ لا يهلك وهو ما يقابل منه الى الله وهو روحه وحقيقته وملكوته ومحل معرفة الله منه التي تبقى بعد فناء جسمه وشخصه والمعنيان متقاربان وربما يفسر الوجه بالذات وليس بذلك البعيد له الحكم القضاء النافذ في الخلق واليه ترجعون للجزاء بالحق قد سبق ثواب قراءة هذه السورة في آخر سورة الشعراء

[ 110 ]

سورة العنكبوت مكية كلها في قول مدنية في آخر مكية إلا عشر آيات من أولها فإنها مدنية في ثالث عدد آيها تسع وستون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) الم (2) احسب الناس ان يتركوا ان يقولوا آمنا وهم لا يفتنون لا يختبرون في المجمع عن الصادق عليه السلام معنى يفتنون يبتلون في انفسهم واموالهم وعن النبي صلى الله عليه وآله انه لما نزلت هذه الآية قال لا بد من فتنة تبتلى بها الامة بعد نبيها ليتعين الصادق من الكاذب لأن الوحي قد انقطع وبقي السيف وافتراق الكلمة الى يوم القيامة وفي نهج البلاغة قام رجل فقال يا امير المؤمنين اخبرنا عن الفتنة وهل سألت رسول الله عنها فقال علي عليه السلام لما انزل الله سبحانه قوله الم احسب الناس الآية علمت ان الفتنة لا تنزل بنا ورسول الله بين اظهرنا فقلت يا رسول الله ما هذه الفتنة التي أخبرك الله بها فقال يا علي ان امتي سيفتنون من بعدي فقلت يا رسول الله اوليس قد قلت لي يوم احد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وجيزت عني الشهادة فشق ذلك علي فقلت لي ابشر فان الشهادة من ورائك فقال لي ان ذلك كذلك فكيف صبرك اذن فقلت يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر ولكن من مواطن البشرى والشكر فقال يا علي سيفتنون بأموالهم ويمنون بدينهم على ربهم ويتمنون رحمته ويأمنون سطوته ويستحلون حرامه بالشبهات الكاذبة والاهواء الساهية فيستحلون الخمر بالنبيذ والسحت بالهدية والربا بالبيع قلت يا رسول الله

[ 111 ]

فبأي المنازل انزلهم ابمنزلة ردة ام بمنزلة فتنة فقال بمنزلة فتنة والقمي عن الكاظم عليه السلام قال جاء العباس الى امير المؤمنين (عليه السلام) فقال انطلق يبايع لك الناس فقال له امير المؤمنين عليه السلام اوتراهم فاعلين قال نعم قال فأين قوله عز وجل الم احسب الناس الآية وفي الكافي عنه عليه السلام انه قرء هذه الآية ثم قال ما الفتنة قيل الفتنة في الدين فقال يفتنون كما يفتن الذهب ثم قال يخلصون كما يخلص الذهب (3) ولقد فتنا الذين من قبلهم اختبرناهم فان ذلك سنة قديمة جارية في الامم كلها فلا ينبغي ان يتوقع خلافه فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين فليعلمنهم في الوجود ممتحنين بحيث يتميز الذين صدقوا في الايمان والذين كذبوا فيه بعد ما كان يعلمهم قبل ذلك انهم سيوجدون ويمتحنون وفي المجمع عن امير المؤمنين والصادق عليهما السلام انهما قرءا بضم الياء وكسر اللام فيهما من الاعلام اي ليعرفنهم الناس (4) ام حسب الذين يعملون السيئات الكفر والمعاصي ان يسبقونا ان يفوتونا فلا نقدر ان نجازيهم على مساوئهم ساء ما يحكمون (5) من كان يرجوا لقاء الله فان اجل الله لآت القمي قال من احب لقاء الله جاءه الاجل وفي التوحيد عن امير المؤمنين عليه السلام يعني من كان يؤمن بأنه مبعوث فان وعد الله لات من الثواب والعقاب قال فاللقاء ههنا ليس بالرؤية واللقاء هو البعث وهو السميع لاقوال العباد العليم بعقايدهم واعمالهم (6) ومن جاهد القمي قال نفسه عن اللذات والشهوات والمعاصي فانما يجاهد لنفسه لأن منفعته لها ان الله لغني عن العالمين فلا حاجة به الى طاعتهم

[ 112 ]

(7) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم احسن الذى كانوا يعملون احسن جزاء اعمالهم (8) ووصينا الانسان بوالديه حسنا القمي قال هما اللذان ولداه وان جاهداك لتشرك بى ما ليس لك به علم بآلهيته عبر عن نفيها بنفي العلم بها اشعارا بان ما لا يعلم صحته لا يجوز اتباعه وان لم يعلم بطلانه فضلا عما علم بطلانه فلا تطعهما في ذلك فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق الى مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون بالجزاء عليه (9) والذين آمنوا وعملوا الصالحت لندخلنهم في الصالحين في جملتهم (10) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا اوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله القمي قال إذا اذاه انسان أو اصابه ضر وفاقة أو خوف من الظالمين دخل معهم في دينهم فرأى ان ما يفعلونه هو مثل عذاب الله الذي لا ينقطع ولئن جاء نصر من ربك فتح وغنيمة والقمي يعني القائم عليه السلام ليقولن انا كنا معكم في الدين فأشركونا فيه اوليس الله باعلم بما في صدور العالمين من الاخلاص والنفاق (11) وليعلمن الله الذين آمنوا بقلوبهم وليعلمن المنافقين فيجازي الفريقين (12) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم القمي قال كان الكفار يقولون للمؤمنين كونوا معنا فان الذي تخافون انتم ليس بشئ فان كان حقا نتحمل نحن ذنوبكم فيعذبهم الله عز وجل مرتين مرة بذنوبهم ومرة بذنوب غيرهم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ انهم لكاذبون (13) وليحملن اثقالهم اثقال ما اقترفته انفسهم واثقالا مع اثقالهم واثقالا اخر معها لما تسببوا له بالاضلال والحمل على المعصية من غير ان ينقص من اثقال من تبعهم شئ وليسئلن يوم القيمة سؤال تقريع وتبكيت عما كانوا يفترون من

[ 113 ]

الاباطيل الذي اضلوا بها (14) ولقد ارسلنا نوحا الى قومه فلبث فيهم الف سنة الا خمسين عاما في الاكمال عن الباقر عليه السلام لم يشاركه في نبوته احد وفي الكافي عنه عليه السلام يدعوهم سرا وعلانية فلما ابوا وعتوا قال رب اني مغلوب فانتصر فاخذهم الطوفان وهم ظالمون (15) فانجيناه واصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين يتعظون ويستدلون بها (16) وابراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم مما انتم عليه ان كنتم تعلمون (17) انما تعبدون من دون الله اوثانا وتخلقون افكا وتكذبون كذبا في تسميتها آلهة وادعاء شفاعتها عند الله ان الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (18) وان تكذبوا وان تكذبوني قيل هي من جملة قصة ابراهيم (عليه السلام) والقمي انقطع خبر ابراهيم وخاطب الله امة محمد صلى الله عليه وآله فقال وان تكذبوا الى قوله لهم عذاب اليم ثم عطف على خبر ابراهيم (عليه السلام) فقال وما كان جواب قومه فهذا من المنقطع المعطوف أقول: الوجه فيه ان مساق قصة ابراهيم (عليه السلام) لتسلية الرسول والتنفيس عنه بان اباه خليل الله كان ممنوا بنحو ما منى به من شرك القوم وتكذيبهم وتشبيه حاله فيهم بحال ابراهيم (عليه السلام) في قومه ولذلك توسط مخاطبتهم بين طرفي قصته فقد كذب امم من قبلكم الرسل فلم يضرهم تكذيبهم وانما ضر انفسهم فكذا تكذيبهم وما على الرسول الا البلاغ المبين (19) اولم يروا وقرء بالتاء على تقدير القول كيف يبدؤ الله الخلق ثم يعيده ان ذلك على الله يسير إذ لا يفتقر في فعله الى شئ

[ 114 ]

(20) قل سيروا في الارض خطاب لمحمد صلى الله عليه وآله ان كانت هذه الآية معترضة في قصة ابراهيم كما ذكره القمي وحكاية كلام الله البراهيم (عليه السلام) ان كانت من جملة قصته فانظروا كيف بدء الخلق ثم الله ينشئ النشاة الآخرة وقرء بفتح الشين والمد ان الله على كل شئ قدير (21) يعذب من يشآء ويرحم من يشآء واليه تقلبون تردون (22) وما انتم بمعجزين في الارض ربكم عن ادراككم ولا في السماء ان فررتم من قضائه بالتواري في احدايهما وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير يحرسكم عن بلائه (23) والذين كفروا بآيات الله ولقآئه اولئك يئسوا من رحمتى لإنكار هم البعث والجزاء واولئك لهم عذاب اليم بكفرهم (24) فما كان جواب قومه قوم ابراهيم (عليه السلام) له الا ان قالوا اقتلوه أو حرقوه قيل وكان ذلك قول بعضهم لكن لما قال فيهم ورضي به الباقون اسند الى كلهم فانجيه الله من النار اي فقذفوه فيها فأنجاه منها بأن جعلها عليه بردا وسلاما ان في ذلك في انجائه منها لآيات هي حفظه من اذى النار واخمادها مع عظمها في زمان يسير وانشاء روض مكانها لقوم يؤمنون لأنهم المنتفعون بها (25) وقال انما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم وقرء بالاضافة منصوبة ومرفوعة في الحيوة الدنيا اي لتتوادوا بينكم وتتواصلوا لاجتماعكم على عبادتها ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض في الكافي عن الصادق عليه السلام يعني يتبرء بعضكم من بعض وفي التوحيد عن امير المؤمنين عليه السلام الكفر في هذه الآية البراءة يقول فيبرء بعضكم من بعض قال ونظيرها في سورة ابراهيم (عليه السلام) قول الشيطان انى كفرت بما اشركتمون من قبل وقول ابراهيم عليه السلام خليل الرحمن كفرنا بكم اي تبرأنا

[ 115 ]

منكم ويلعن بعضكم بعضا اي يقوم التناكر والتلاعن بينكم أو بينكم وبين الأوثان كقوله ويكونون عليهم ضدا في الكافي عن الصادق عليه السلام ليس قوم ائتموا بامام في الدنيا الا جاء يوم القيامة يلعنهم ويلعنونه الا انتم ومن كان على مثل حالكم وفي المحاسن عنه عليه السلام اما ترضون ان يأتي كل قوم يلعن بعضهم بعضا الا انتم ومن قال بمقالتكم وماويكم النار وما لكم من ناصرين يخلصونكم منها (26) فآمن له لوط وكان ابن خالته كما سبق في قصتهما وقال انى مهاجر الى ربى قيل مهاجر من قومي الى حيث امرني ربي القمي قال المهاجر من هجر السيئات وتاب الى الله انه هو العزيز الذي يمنعني من اعدائي الحكيم الذي لا يأمرني الا بما فيه صلاحي في الاكمال عن الباقر عليه السلام ان ابراهيم عليه السلام كان نبوته بكوثي وهي قرية من قرى السواد يعني به الكوفة قال فيها بدا اول امره ثم هاجر منها وليست بهجرة قتال وذلك قول الله عز وجل اني مهاجر الى ربي سيهدين (27) ووهبنا له اسحق ويعقوب ولدا ونافلة حين أيس عن الولادة من عجوز عاقر ولذلك لم يذكر اسماعيل وجعلنا في ذريته النبوة فكثر منهم الانبياء والكتاب يشمل الكتب الأربعة والصحف وآتيناه اجره في الدنيا باعطاء الولد في غير اوانه والذرية الطيبة التي من جملتهم خاتم الأنبياء وسيد المرسلين وامير المؤمنين عليهم السلام وعترتهما الطيبين واستمرار النبوة فيهم وانتما الملل إليه والصلاة والثناء عليه الى آخر الدهر وانه في الآخرة لمن الصالحين لفي عداد الكاملين في الصلاح (28) ولوطا إذ قال لقومه ءانكم وقرء بحذف همزة الاستفهام على الخبر لتاتون الفاحشة الفعلة البالغة في القبح ما سبقكم بها من احد من العالمين

[ 116 ]

(29) ائنكم لتاتون الرجال وتقطعون السبيل وتتعرضون للسابلة (2) بالفاحشة والفضيحة حتى انقطعت الطرق وتاتون في ناديكم في مجالسكن الغاصة ولا يقال النادي الا لما فيه اهله المنكر في المجمع عن الرضا عليه السلام كانوا يتضارطون في مجالسهم من غير حشمة ولا حياء والقمي قال كان يضرط بعضهم على بعض وفي العوالي عن النبي صلى الله عليه وآله هو الخذف فما كان جواب قومه الا ان قالوا ائتنا بعذاب الله ان كنت من الصادقين (30) قال رب انصرني على القوم المفسدين بابتداع الفاحشة فيمن بعدهم (31) ولما جائت رسلنا ابراهيم بالبشرى بالبشارة بالولد والنافلة قالوا انا مهلكوا اهل هذه القرية قرية سدوم ان اهلها كانوا ظالمين (32) قال ان فيها لوطا قالوا نحن اعلم بمن فيها لننجينه وقرء بالتخفيف واهله الا امراته كانت من الغابرين الباقين في العذاب (33) ولما ان جائت رسلنا لوطا سئ بهم جاءته المساءة والغم بسببهم وضاق بهم ذرعا وضاق بشأنهم وتدبير امرهم ذرعه اي طاقته وقالوا لما رأوا فيه من اثر الضجرة لا تخف ولا تحزن انا منجوك وقرء بالتخفيف واهلك الا امراتك كانت من الغابرين (34) انا منزلون وقرء بالتشديد على اهل هذه القرية رجزا من السماء عذابا منها بما كانوا يفسقون بسبب فسقهم (35) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون هي منزل لوط بقي عبرة للسيارة كما سبق في قصتهم المشروحة في سورة هود (36) والى مدين اخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر

[ 117 ]

وافعلوا ما ترجون به ثوابه وقيل انه من الرجاء بمعنى الخوف ولا تعثوا في الارض مفسدين (37) فكذبوه فاخذتهم الرجفة الزلزلة الشديدة التي فيها الصيحة فاصبحوا في دارهم جاثمين باركين على الركب ميتين (38) وعادا وثمود اي واذكرهما واهلكناهما وقد تبين لكم من مساكنهم بعض مساكنهم إذا نظرتم إليها عند مروركم بها وزين لهم الشيطان اعمالهم من الكفر والمعاصي فصدهم عن السبيل السبيل السوي الذي بين لهم الرسل وكانوا مستبصرين متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا (39) وقارون وفرعون وهامان قدم قارون لشرف نسبه ولقد جائهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين فائتين بل ادركهم امر الله (40) فكلا اخذنا بذنبه فمنهم من ارسلنا عليه حاصبا حصباء كقوم لوط ومنهم من اخذته الصيحة كمدين وثمود ومنهم من خسفنا به الارض كقارون ومنهم من اغرقنا كفرعون وقومه وقوم نوح وما كان الله ليظلمهم فيعاقبهم بغير جرم ولكن كانوا انفسهم يظلمون بالتعريض للعذاب (41) مثل الذين اتخذوا من دون الله اولياء فيما اتخذوه معتمدا ومتكلا كمثل العنكبوت اتخذت بيتا فيما نسجه في الوهن والخور وان اوهن البيوت لبيت العنكبوت لا بيت اوهن واقل وقاية للحر والبرد منه لو كانوا يعلمون يرجعون الى علم لعلموا ان هذا مثلهم (42) ان الله يعلم ما تدعون وقرء بالياء من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم (43) وتلك الامثال يعني هذا المثل ونظائره نضربها للناس تقريبا لما بعد من افهامهم وما يعقلها الا العالمون الذين يتدبرون الاشياء على ما ينبغي القمي يعني آل محمد صلوات الله عليهم

[ 118 ]

وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله انه تلا هذه الآية فقال العالم الذي عقل عن الله فعمل بطاعته واجتنب سخطه (44) خلق الله السموات والارض بالحق ان في ذلك لآية للمؤمنين لأنهم المنتفعون بها (45) اتل ما اوحى إليك من الكتاب تقربا الى الله بقراءته وتحفظا لألفاظه واستكشافا لمعانيه واقم الصلوة ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر القمي قال من لم تنهه الصلاة عن الفحشاء والمنكر لم تزدده من الله عز وجل الا بعدا وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله مثله وروي ان فتى من الانصار كان يصلي الصلوات مع رسول الله صلى الله عليه وآله ويرتكب الفواحش فوصف ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال ان صلاته تنهاه يوما ما فلم يلبث ان تاب وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام قال الصلاة حجزة الله وذلك انها تحجز المصلي عن المعاصي ما دام في صلاته ثم تلا هذه الآية وفي الكافي عن سعد الخفاف عن الباقر عليه السلام انه سأله هل يتكلم القرآن فتبسم ثم قال رحم الله الضعفاء من شيعتنا انهم اهل تسليم ثم قال نعم يا سعد والصلاة تتكلم ولها صورة وخلق تأمر وتنهى قال فتغير لذلك لوني وقلت هذا شئ لا استطيع ان اتكلم به في الناس فقال عليه السلام وهل الناس الا شيعتنا فمن لم يعرف الصلاة فقد انكر حقنا ثم قال يا سعد اسمعك كلام القرآن قال سعد فقلت بلى صلى الله عليك فقال ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله اكبر فالنهي كلام والفحشاء والمنكر رجال ونحن ذكر الله ونحن اكبر أقول: الفحشاء والمنكر الأولان إذ هما صورتهما وخلقهما والصلاة من ينهى عنهما وهو معروف ولذكر الله اكبر القمي عن الباقر عليه السلام يقول ذكر الله لأهل الصلاة اكبر من ذكرهم اياه الا ترى انه يقول اذكروني اذكركم

[ 119 ]

وفي المجمع عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى ولذكر الله اكبر قال ذكر الله عندما احل وحرم والله يعلم ما تصنعون (46) ولا تجادلوا اهل الكتاب الا بالتى هي احسن قد مضى تفسيره في سورة النحل عند قوله تعالى وجادلهم بالتى هي احسن الا الذين ظلموا منهم بالافراط والاعتداء وقولوا آمنا بالذى انزل الينا وانزل اليكم هو من المجادلة بالتي هي احسن وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال لا تصدقوا اهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وبكتبه ورسله فان قالوا باطلا لم تصدقوهم وان قالوا حقا لم تكذبوهم والهنا والهكم واحد ونحن له مسلمون مطيعون له خاصة ولعل فيه تعريضا باتخاذهم احبارهم ورهبانهم اربابا من دون الله (47) وكذلك انزلنا اليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به القمي هم آل محمد صلوات الله عليهم ومن هؤلاء قال يعني اهل الإيمان من اهل القبلة من يؤمن به وما يجحد بآياتنا مع ظهورها الحجة عليها الا الكافرون القمي يعني ما يجحد بأمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام الا الكافرون (48) وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك فان ظهور هذا الكتاب الجامع لأنواع العلوم الشريفة على امي لم يعرف بالقراءة والتعلم خارق للعادة وذكر اليمين زيادة تصوير للمنفى ونفي للتجوز في الاسناد إذا لارتاب المبطلون اي لو كنت ممن تخط وتقرء لقالوا لعله تعلمه أو التقطه من كتب الأقدمين القمي هذه الآية معطوفة على قوله في سورة الفرقان اكتتبها فهى تملى عليه بكرة واصيلا فرد الله عليهم فقال كيف يدعون ان الذي تقرؤه أو تخبر به تكتبه عن غيرك وانت ما كنت تتل من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون اي شكوا وفي العيون عن الرضا عليه السلام في حديث ومن آياته انه كان يتيما فقيرا

[ 120 ]

راعيا اجيرا لم يتعلم كتابا ولم يختلف الى معلم ثم جاء بالقرآن الذي فيه قصص الأنبياء واخبارهم حرفا حرفا واخبار من مضى ومن بقي الى يوم القيامة (49) بل هو القرآن آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم في الكافي عن الباقر عليه السلام انه تلا هذه الآية فأومى بيده الى صدره وعنه عليه السلام انه تلاها فقال ما بين دفتي المصحف قيل من هم قال من عسى ان يكونوا غيرنا وعن الصادق عليه السلام هم الأئمة عليهم السلام وقال نحن وايانا عني في اخبار كثيرة وما يجحد بآياتنا الا الظالمون (50) وقالوا لولا انزل عليه آية من ربه مثل ناقة صالح وعصا موسى (عليه السلام) ومائدة عيسى (عليه السلام) وقرء آيات قل انما الآيات عند الله ينزلها كما يشاء لست املكها فأتيكم بما تقترحونه وانما انا نذير مبين ليس من شأني الا الإنذار بما اعطيت من الآيات (51) اولم يكفهم اية مغنية عما اقترحوه انا انزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم يدوم تلاوته عليهم ان في ذلك اي في ذلك الكتاب والذي هو آية مستمرة وحجة مبينة لرحمة لنعمة عظيمة وذكرى لقوم يؤمنون وتذكرة لمن همه الإيمان دون التعنت روي ان اناسا من المسلمين اتوا رسول الله صلى الله عليه وآله بكتف كتب فيها بعض ما يقوله اليهود قال كفى بها ضلالة قوم ان يرغبوا عما جاء به نبيهم الى ما جاء به غير نبيهم فنزلت (52) قل كفى بالله بينى وبينكم شهيدا بصدقي وقد صدقني بالمعجزات يعلم ما في السموات والارض فلا يخفى عليه حالي وحالكم والذين آمنوا بالباطل وهو ما يعبد من دون الله وكفروا بالله اولئك هم الخاسرون في صفقتهم حيث اشترو الكفر بالإيمان (53) ويستعجلونك بالعذاب بقولهم امطر علينا حجارة من السماء ولولا اجل

[ 121 ]

مسمى لكل عذاب وقوم لجائهم العذاب عاجلا ولياتينهم بغتة فجأة في الدنيا كوقعة بدر أو في الآخرة عند نزول الموت بهم وهم لا يشعرون باتيانه (54) يستعجلونك بالعذاب وان جهنم لمحيطة بالكافرين لاحاطة اسبابها بهم (55) يوم يغشهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم ويقول وقرء بالنون ذوقوا ما كنتم تعملون (56) يا عبادي الذين آمنوا ان ارضى واسعة فاياى فاعبدون اي إذا لم يتيسر لكم العبادة في بلدة فهاجروا الى حيث يتمشى لكم ذلك القمي عن الباقر عليه السلام قال يقول لا تطيعوا اهل الفسق من الملوك فان خفتموهم ان يفتنوكم عن دينكم فان ارضي واسعة وهو يقول فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض فقال الم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إذا عصى الله في ارض انت بها فاخرج منها الى غيرها وفي الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله من فر بدينه من ارض الى ارض وان كان شبرا من الارض استوجب بها الجنة وكان رفيق ابراهيم (عليه السلام) ومحمد صلى الله عليه وآله (57) كل نفس ذائقة الموت تناله لا محالة ثم الينا ترجعون وقرئ بالياء قد مر في سورة آل عمران اخبار في هذه الآية (58) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم لننزلنهم وقرء لنثوينهم بالثاء من الثواء اي لنقيمنهم من الجنة غرفا عوالي تجرى من تحتها الانهار خالدين فيها نعم اجر العاملين (59) الذين صبروا على المحن والمشاق وعلى ربهم يتوكلون ولا يتوكلون الا على الله

[ 122 ]

(60) وكاين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها واياكم القمي قال كانت العرب يقتلون اولادهم مخافة الجوع فقال الله الله يرزقها واياكم وقيل لما امروا بالهجرة قال بعضهم كيف نقدم بلدة ليس لنا فيها معيشة فنزلت وفي المجمع عن ابن عمر قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله الى بعض حيطان الأنصار فأخذ يأكل تمرا وقال هذه صبح رابعة منذ لم اذق طعاما ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ما ملك كسرى وقيصر فكيف بك يابن عمر إذا بقيت مع قوم يخبئون رزق سنتهم لضعف اليقين فوالله ما برحنا حتى نزلت هذه الآية وهو السميع العليم لقولكم وبضميركم (61) ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فانى يؤفكون يصرفون عن توحيده بعد اقرارهم بذلك بالفطرة (62) الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له لمن يبسط على التعاقب أو لمن يشاء لإبهامه ان الله بكل شئ عليم يعلم مصالحهم ومفاسدهم (63) ولئن سئلتهم من نزل من السماء ماء فاحيى به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل اكثرهم لا يعقلون فيتناقضون حيث يقرون بأنه خالق كل شئ ثم انهم يشركون به الاصنام (64) وما هذه الحيوة الدنيا الا لهو ولعب الا كما يلهي ويلعب به الصبيان يجتمعون عليه ويتبهجون به ساعة ثم يتفرقون متعبين وان الدار الآخرة لهى الحيوان لهي دار الحياة الحقيقية لامتناع طريان الموت عليها وفي لفظة الحيوان من المبالغة ما ليست في لفظة الحياة لبناء فعلان على الحركة والاضطراب اللازم للحياة لو كانوا يعلمون لم يؤثروا عليها الدنيا التي حياتها عارضة سريعة الزوال (65) فإذا ركبوا في الفلك على ما هم عليه من الشرك دعوا الله مخلصين له الدين كائنين في صورة من اخلص دينه من المؤمنين حيث لا يذكرون الا الله ولا

[ 123 ]

يدعون سواه لعلمهم بأنه لا يكشف الشدائد الا هو فلما نجاهم الى البر إذا هم (1) يشركون فاجاؤا المعاودة الى الشرك (66) ليكفروا بما اتيناهم لكي يكونوا كافرين بشركهم نعمة النجاة وليتمتعوا باجتماعهم على عبادة الأصنام وتوادهم عليها وقرء بسكون اللام فسوف يعلمون عاقبة ذلك حين يعاقبون (67) اولم يروا يعني اهل مكة انا جعلنا حرما آمنا اي جعلنا بلدهم مصونا عن النهب والتعدي آمنا اهله عن القتل والسبي ويتخطف الناس من حولهم يختلسون قتلا وسبيا إذ كانت العرب حوله في تغاور وتناهب افبالباطل بعد هذه النعمة الظاهرة وغيرها مما لا يقدر عليه الا الله بالصنم أو الشيطان يؤمنون وبنعمة الله يكفرون حيث اشركوا به غيره (68) ومن اظلم ممن افترى على الله كذبا بأن زعم ان له شريكا أو كذب بالحق لما جائه حين جاءه من غير تأمل وتوقف اليس في جهنم مثوى للكافرين (69) والذين جاهدوا فينا في حقنا يشمل جهاد الأعادي الظاهرة والباطنة لنهدينهم سبلنا سبل السير الينا والوصول الى جنابنا وفي الحديث من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم وان الله لمع المحسنين بالنصر والإعانة القمي الذين جاهدوا فينا اي صبروا وجاهدوا مع رسول الله صلى الله عليه وآله لنهدينهم سبلنا اي لنثبتنهم وعن الباقر عليه السلام هذه الآية لآل محمد صلوات الله عليهم واشياعهم وفي المعاني عنه عليه السلام عن امير المؤمنين عليه السلام قال الا واني مخصوص في القرآن بأسماء احذروا ان تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم انا المحسن يقول الله عز وجل ان الله لمع المحسنين

[ 124 ]

في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة العنكبوت والروم في شهر رمضان ليلة ثلاث وعشرين فهو والله من اهل الجنة لا استثني فيه ابدا ولا اخاف ان يكتب الله علي في يميني اثما وان لهاتين السورتين من الله لمكانا

[ 125 ]

سورة الروم مكية الا قوله فسبحان الله حين تمسون عدد آيها ستون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) آلم (2) غلبت الروم غلبتها فارس (3) في ادنى الارض قيل اي ادنى ارض العرب منهم أو ادنى ارضهم من العرب وهم من بعد غلبهم سيغلبون (4) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد قيل من قبل كونهم غالبين وهو وقت كونهم مغلوبين اي له الامر حين غلبوا وحين يغلبون ليس شئ منهما الا بقضائه وفي الخرائج عن الزكي عليه السلام انه سئل عنه عليه السلام فقال له الامر من قبل ان يأمر به وله الامر من بعد ان يأمر به يقضي بما يشاء والقمي عن الباقر عليه السلام لله الامر من قبل ان يأمر ومن بعد ان يقضي بما يشاء ويومئذ ويوم يغلبون يفرح المؤمنون (5) بنصر الله ينصر من يشاء فينصر هؤلاء تارة وهؤلاء اخرى وهو العزيز الرحيم ينتقم من عباده بالنصر عليهم تارة ويتفضل عليهم بنصرهم اخرى قيل غلبت فارس الروم وظهروا عليهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله ففرح بذلك كفار قريش من حيث ان اهل فارس كقريش لم يكونوا اهل كتاب وساء ذلك المسلمين وكان بيت المقدس لأهل الروم كالكعبة للمسلمين

[ 126 ]

فدفعتهم فارس عنه ثم ظهرت الروم على فارس يوم الحديبية وفي الكافي عن الباقر عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال ان لها تأويلا لا يعلمه الا الله والراسخون في العلم من آل محمد صلوات الله عليهم ان رسول الله صلى الله عليه وآله لما هاجر الى المدينة واظهر الإسلام كتب الى ملك الروم كتابا وبعث به مع رسول يدعوه الى الإسلام وكتب الى ملك فارس كتابا يدعوه الى الإسلام وبعثه إليه مع رسوله فاما ملك الروم فعظم كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله واكرم رسوله واما ملك فارس فإنه استخف بكتاب رسول الله صلى الله عليه وآله ومزقه واستخف برسوله وكان ملك فارس يومئذ يقاتل ملك الروم وكان المسلمون يهوون ان يغلب ملك الروم ملك فارس وكانوا لناحية ارجا منهم لملك فارس فلما غلب ملك فارس ملك الروم كره ذلك المسلمون واغتموا به فأنزل الله عز وجل بذلك كتابا الم غلبت الروم في ادنى الارض يعني غلبتها فارس في ادنى الارض وهي الشامات وما حولها وهم يعني فارس من بعد غلبهم الروم سيغلبون يعني يغلبهم المسلمون في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشآء قال فلما غزا المسلمون فارس وافتتحوها فرح المسلمون بنصر الله عز وجل قيل اليس الله يقول في بضع سنين وقد مضى للمؤمنين سنون كثيرة مع رسول الله صلى الله عليه وآله وفي امارة ابي بكر وانما غلب المؤمنون فارس في امارة عمر فقال الم اقل لك ان لهذا تأويلا وتفسيرا وللقرآن ناسخ ومنسوخ اما تسمع لقول الله عز وجل لله الامر من قبل ومن بعد يعني إليه المشية في القول ان يؤخر ما قدم ويقدم ما اخر في القول الى يوم تحتم القضاء بنزول النصر فيه على المؤمنين وذلك قوله عز وجل ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله اي يوم تحتم القضاء بالنصر والقمي عنه عليه السلام مثله الا انه لم يذكر قوله يعني يغلبهم المسلمون ولا قوله فلما غزا المسلمون الى قوله بنصر الله وبناء الروايتين على قراءة سيغلبون بضم الياء مع ضم غلبت وقرئ في الشواذ غلبت بالفتح وسيغلبون بالضم وعليه بناء ما في

[ 127 ]

كتاب الاستغاثة لابن ميثم قال لقد روينا من طريق علماء أهل البيت في اسرارهم وعلومهم التي خرجت منهم الى علماء شيعتهم ان قوما ينسبون الى قريش وليسوا من قريش بحقيقة النسب وهذا مما لا يعرفه الا معدن النبوة وورثة علم الرسالة وذلك مثل بني امية ذكروا انهم ليسوا من قريش وان اصلهم من الروم وفيهم تأويل هذه الآية الم غلبت الروم معناه انهم غلبوا على الملك وسيغلبهم على ذلك بنو العباس (6) وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن اكثر الناس لا يعلمون (7) يعلمون ظهرا من الحيوة الدنيا ما يشاهدون منها وهم عن الاخرة التي هي غايتها والمقصود منها هم غافلون لا تخطر ببالهم القمي قال يرون حاضر الدنيا ويتغافلون عن الاخرة وفي المجمع عن الصادق عليه السلام انه سئل عن قوله تعالى يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا فقال منه الزجر والنجوم (8) اولم يتفكروا في انفسهم اولم يحدثوا التفكر فيها أو اولم يتفكروا في امر انفسهم فانها اقرب إليهم من غيرها ومرآة يجتلى للمستبصر ما يتجلى له في ساير المخلوقات ليتحقق لهم قدرة مبدعها على اعادتها قدرته على ابداعها ما خلق الله السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى تنتهي عنده ولا تبقى بعده وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون جاحدون يحسبون ان الدنيا ابدية وان الاخرة لا تكون (9) اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة. الذين من قبلهم تقرير لسيرهم في اقطار الأرض ونظرهم الى آثار المدمرين قبلهم وفي الخصال عن الصادق عليه السلام ان معناه اولم ينظروا في القرآن كانوا اشد منهم قوة كعاد وثمود واثاروا الارض وقلبوا وجهها لاستنباط المياه واستخراج المعادن وزرع البذور وغيرها وعمروها وعمروا الأرض اكثر مما عمروها من عمارة اهل مكة اياها فانهم اهل واد غير ذي زرع لا تبسط لهم في غيرها وفيه تهكم بهم من

[ 128 ]

حيث انهم مغترون بالدنيا مفتخرون بها وهم اضعف حالا فيها وجاءتهم رسلهم بالبينات بالآيات الواضحات فما كان الله ليظلمهم فيدمرهم من غير جرم ولا تذكير ولكن كانوا انفسهم يظلمون حيث علموا ما ادى الى تدميرهم (10) ثم كان عاقبة الذين اساؤا السواى قيل اي ثم كان عاقبتهم العقوبة وضع الظاهر موضع الضمير للدلالة على ما اقتضى ان يكون تلك عاقبتهم والسوءى تأنيث اسوء وقرئ عاقبة بالنصب ان كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون قيل أن كذبوا اما بدل أو هو خبر كان والسوأ مصدر اساؤا أو مفعوله بمعنى ثم كان عاقبة الذين اقترفوا الخطيئة ان طبع الله على قلوبهم حتى كذبوا الآيات واستهزؤا بها (11) الله يبدؤ الخلق ينشئهم ثم يعيده يبعثهم ثم إليه ترجعون للجزاء وقرئ بالياء (12) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون يسكتون متحيرين آيسين (13) ولم يكن لهم من شركائهم ممن اشركوهم بالله شفعاء يجيرونهم من عذاب الله وكانوا بشركائهم كافرين (14) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون القمي قال الى الجنة والنار (15) فاما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون القمي اي يكرمون واصله السرور (1 6) واما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فاولئك في العذاب محضرون لا يغيبون عنه (17) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (18) وله الحمد في السموات والارض وعشيا وحين تظهرون قيل اخبار في معنى الأمر بتنزيه الله سبحانه وتعالى والثناء عليه في هذه الأوقات التي تظهر فيها قدرته ويتجدد فيها نعمته وقيل الآية جامعة للصلوات الخمس تمسون صلاة المغرب

[ 129 ]

والعشاء وتصبحون صلاة الفجر وعشيا صلاة العصر وتظهرون صلاة الظهر (19) يخرج الحى من الميت ويخرج الميت من الحى القمي قال يخرج المؤمن من الكافر ويخرج الكافر من المؤمن ورواه في المجمع عنهما عليهما السلام كما مر ويحى الارض بعد موتها وكذلك تخرجون من قبوركم وقرئ بفتح التاء في الكافي عن الكاظم عليه السلام في قوله يحيى الارض بعد موتها قال ليس يحييها بالقطر ولكن يبعث الله رجالا فيحيون العدل فتحيي الأرض لاحياء العدل ولاقامة الحد فيه انفع في الأرض من القطر اربعين صباحا (20) ومن آياته ان خلقكم من تراب ثم إذا انتم بشر تنتشرون (21) ومن آياته ان خلق لكم من انفسكم ازوجا لتسكنوا إليها لتميلوا إليها وتألفوا بها فان الجنسية علة للضم والاختلاف سبب للتنافر وجعل بينكم مودة ورحمة بواسطة الزواج ان في ذلك لآيات لقوم يتفكرون فيعلمون ما في ذلك من الحكم (22) ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف السنتكم لغاتكم والوانكم بياض الجلد وسواده وما بينهما ان في ذلك لآيات للعالمين وقرئ بكسر اللام وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال الإمام عليه السلام إذا بصر الرجل عرفه وعرف لونه وان سمع كلامه من خلف حائط عرفه وعرف ما هو ان الله يقول ومن آياته خلق السموات والارض الآية قال وهم العلماء فليس يسمع شيئا من الامر ينطق به الا عرفه ناج أو هالك فلذلك يجيبهم بالذي يجيبهم (23) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله منامكم في الزمانين لاستراحة البدن وطلب معاشكم فيهما أو منامكم بالليل وابتغاؤكم بالنهار فلف وضم بين الزمانين والفعلين بعاطفين اشعارا بأن كلا من الزمانين وان اختص باحدهما فهو

[ 130 ]

صالح للآخر عند الحاجة ويؤيده سائر الآيات الواردة فيه ان في ذلك لآيات لقوم يسمعون سماع تفهم واستبصار فان الحكمة فيه ظاهرة (24) ومن آياته يريكم البرق خوفا من الصاعقة وللمسافر وطمعا في الغيب وللمقيم وينزل من السماء ماء فيحى به الارض بالنبات بعد موتها يبسها ان في ذلك لآيات لقوم يعقلون يستعملون عقولهم في استنباط اسبابها وكيفية تكونها ليظهر لهم كمال قدرة الصانع وحكمته (25) ومن آياته ان تقوم السماء والارض بأمره قيامهما بإقامته لهما وارادته لقيامهما ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون ثم خروجكم من القبور بغتة إذا دعاكم من الأرض دعوة واحدة بلا توقف (26) وله من في السماوات والارض كل له قانتون منقادون لفعله فيهم لا يمتنعون عليه (27) وهو الذى يبدؤا الخلق ثم يعيده بعد هلاكهم وهو اهون عليه والاعادة اسهل عليه من الابداء بالإضافة الى قدركم والقياس على اصولكم والا فهما عليه سواء وله المثل الاعلى الوصف العجيب الشأن الذي ليس لغيره ما يساويه أو يدانيه في التوحيد عن الصادق عليه السلام ولله المثل الاعلى الذى لا يشبهه شئ ولا يوصف ولا يتوهم فذلك المثل الأعلى وفي العيون عن الرضا عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام وانت المثل الأعلى وفي رواية انه قال في آخر خطبته نحن كلمة التقوى وسبيل الهدى والمثل الأعلى وفي الزيارة الجامعة الجوادية (عليه السلام) السلام على أئمة الهدى الى قوله وورثة الأنبياء والمثل الأعلى في السموات والارض يصفه به ما فيهما دلالة ونطقا وهو العزيز القادر الذي لا يعجز عن ابداء واعادة الحكيم الذي يجري الافعال على مقتضى حكمته (28) ضرب لكم مثلا من انفسكم منتزعا من احوالها التي هي اقرب

[ 131 ]

الامور اليكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من مماليككم من شركاء فيما رزقناكم من الاموال وغيرها فانتم فيه سواء فتكونون انتم وهم فيه سواء يتصرفون فيه كتصرفكم مع انهم بشر مثلكم وانها معارة لكم تخافونهم ان تستبدوا بتصرف فيه كخيفتكم انفسكم كما يخاف الأحرار بعضهم من بعض كذلك نفصل الآيات نبينها فان التمثيل مما يكشف المعاني ويوضحها لقوم يعقلون يستعملون عقولهم في تدبر الامثال والقمي كان سبب نزولها ان قريشا والعرب كانوا إذا حجوا يلبون وكانت تلبيتهم لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك ان الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك وهي تلبية ابراهيم والأنبياء فجاءهم ابليس في صورة شيخ وقال لهم ليست هذه تلبية اسلافكم قالوا وما كانت تلبيتهم قال كانوا يقولون لبيك اللهم لبيك لا شريك لك الا شريكا هو لك فتفرق القريش من هذا القول فقال لهم ابليس على رسلكم حتى اتي على آخر كلامه فقالوا ما هو فقال الا شريك هو لك تملكه وما يملكك الا ترون انه يملك الشريك وما ملكه فرضوا بذلك وكانوا يلبون بهذا قريش خاصة فلما بعث الله عز وجل رسوله انكر ذلك عليهم وقال هذا شرك فأنزل الله عز وجل ضرب لكم مثلا من انفسكم هل لكم مما ملكت ايمانكم من شركاء فيما رزقناكم فانتم فيه سوآء اي ترضون انتم فيما تملكون ان يكون لكم فيه شريك وإذا لم ترضوا انتم ان يكون لكم فيما تملكون شريك فكيف ترضون ان تجعلوا الي شريكا فيما املك (29) بل اتبع الذين ظلموا بالإشراك اهوائهم بغير علم جاهلين لا يكفهم شئ فان العالم إذا اتبع هواه ردعه علمه فمن يهدى من اضل الله فمن يقدر على هدايته وما لهم من ناصرين يخلصونهم من الضلالة ويحفظونهم عن آفاتها (30) فاقم وجهك للدين حنيفا القمي اي طاهرا قيل هو تمثيل للاقبال والاستقامة عليه والاهتمام به وفي الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام قال هي الولاية وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام قال امره ان يقيم وجهه للقبلة ليس فيه

[ 132 ]

شئ من عبادة الأوثان والقمي عنه عليه السلام انه سئل عنه قال يقيم للصلاة لا يلتفت يمينا ولا شمالا فطرت الله التى فطر الناس عليها في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عنه عليه السلام ما تلك الفطرة قال هي الاسلام فطرهم الله حين اخذ ميثاقهم على التوحيد قال الست بربكم وفيهم المؤمن والكافر وعنه عليه السلام قال ان الله خلق الناس كلهم على الفطرة التي فطرهم عليها لا يعرفون ايمانا بشريعة ولا كفرا بجحودهم ثم بعث الله الرسل يدعون العباد الى الإيمان به فمنهم من هدى الله ومنهم من لم يهده وفيه وفي التوحيد عنه عليه السلام في اخبار كثيرة قال فطرهم على التوحيد وعن الباقر عليه السلام فطرهم على المعرفة به والقمي عنه عليه السلام قال هو لا اله الا الله محمد رسول الله علي ولي الله الى ههنا التوحيد وفي البصائر والتوحيد عن الصادق عليه السلام قال على التوحيد ومحمد رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي امير المؤمنين عليه السلام وفي التوحيد عن الباقر عليه السلام قال فطرهم على التوحيد عند الميثاق على معرفة انه ربهم قال لولا ذلك لم يعلموا من ربهم ولا من رازقهم لا تبديل لخلق الله لا يقدر احد ان يغيره ذلك الدين القيم المستوى الذي لا عوج فيه ولكن اكثر الناس لا يعلمون استقامته (31) منيبين إليه راجعين إليه مرة بعد اخرى واتقوه واقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين (32) من الذين فرقوا دينهم اختلفوا فيما يعبدونه على اختلاف اهوائهم وقرئ فارقوا اي تركوا وكانوا شيعا فرقا يشايع كل امامها الذي اضل دينها كل حزب بما لديهم فرحون مسرورون ظنا بأنه الحق

[ 133 ]

(33) وإذا مس الناس ضر شدة دعوا ربهم منيبين إليه راجعين إليه من دعاء غيره ثم إذا اذاقهم منه رحمة خلاصا من تلك الشدة إذا فريق منهم بربهم يشركون فاجاؤا الاشراك بربهم الذي عافاهم (34) ليكفروا بما آتيناهم اللام فيه للعاقبة فتمتعوا التفات فسوف تعلمون عاقبة تمتعكم (35) ام انزلنا عليهم سلطانا حجة أو ذا سلطان اي من معه برهان فهو يتكلم بما كانوا به يشركون باشراكهم (36) وإذا اذقنا الناس رحمة نعمة من صحة أو سعة فرحوا بها بطروا بسببها وان تصبهم سيئة شدة بما قدمت ايديهم بشؤم معاصيهم إذا هم يقنطون من رحمته وقرئ بكسر النون (37) اولم يروا ان الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر فما لهم لم يشكروا ولم يحتسبوا في السراء والضراء كالمؤمنين ان في ذلك لآيات لقوم يؤمنون يستدلون بها على كمال القدرة والحكمة (38) فات ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله يقصدون بمعروفهم اياه خالصا واولئك هم المفلحون حيث حصلوا بما بسط لهم النعيم المقيم في المجمع عنهما عليهما السلام انه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه وآله اعطى فاطمة فدكا وسلمه إليها وقد سبق في سورة بني اسرائيل الكلام في هذا المعنى مستوفى (39) وما اتيتم من ربا هدية يتوقع بها مزيد مكافاة وقرء اتيتم بالقصر ليربو في امال الناس ليزيد ويزكو في اموالهم يعني ينمو فيها ثم يرجع إليه وقرئ بالتاء المضمومة وسكون الواو فلا يربوا عند الله فلا يزكو عنده يعني لا يثاب عليه من عند الله

[ 134 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام قال الربا ربائان ربا يؤكل وربا لا يؤكل فأما الذي يؤكل فهديتك الى الرجل تطلب منه الثواب افضل منها فذلك الربا الذي يؤكل وهو قول الله عز وجل وما اتيتم من ربا ليربو في اموال الناس فلا يربو عند الله واما الذي لا يؤكل فهو الذي نهى الله عنه واوعد عليه النار والقمي عنه عليه السلام الربا ربائان احدهما حلال والآخر حرام فأما الحلال فهو ان يقرض الرجل اخاه قرضا طمعا ان يزيده ويعوضه بأكثر مما يأخذه بلا شرط بينهما فان اعطاه اكثر مما اخذه على غير شرط بينهما فهو مباح له وليس له ثواب عند الله فيما اقرضه وهو قوله فلا يربو عند الله واما الحرام فالرجل يقرض قرضا ويشترط ان يرد اكثر مما اخذه فهذا هو الحرام وفي المجمع عن الباقر عليه السلام هو ان يعطي الرجل العطية أو يهدي الهدية ليثاب اكثر منها فليس فيه اجر ولا وزر وما اتيتم من زكوة تريدون وجه الله تبتغون به وجهه خالصا فاولئك هم المضعفون ذووا الاضعاف من الثواب في الاجل والمال في العاجل القمي اي ما بررتم به اخوانكم واقرضتموهم لا طمعا في الزيادة وقال الصادق عليه السلام على باب الجنة مكتوب القرض بثمانية عشر والصدقة بعشرة وفي المجمع عن امير المؤمنين عليه السلام فرض الله الصلاة تنزيها عن الكبر والزكاة تسبيبا للرزق وفي الفقيه عن فاطمة عليها السلام ما يقرب منه (40) الله الذى خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون وقرئ بالتاء في مصباح الشريعة عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله: الحريص محروم ومع حرمانه مذموم في اي شئ كان وكيف لا يكون محروما وقد فر من وثاق الله وخالف قول الله تعالى حيث يقول الله الذى خلقكم ثم رزقكم

[ 135 ]

(4 1) ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت ايدى الناس القمي قال في البر فساد الحيوان إذا لم تمطر وكذلك هلاك دواب البحر بذلك قال الصادق عليه السلام حياة دواب البحر بالمطر فإذا كف المطر ظهر الفساد في البر والبحر وذلك إذا كثرت الذنوب والمعاصي وفي الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام قال ذاك والله حين قالت الانصار منا امير ومنكم امير ليذيقهم بعض الذى عملوا بعض جزائه فان تمامه في الآخرة لعلهم يرجعون عما هم عليه (42) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل لتشاهدوا مصداق ذلك في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الآية فقال عنى بذلك اي انظروا في القرآن فاعلموا كيف كان عاقبة الذين من قبلكم وما اخبركم عنه كان اكثرهم مشركين اي كان سوء عاقبتهم لفشو الشرك فيهم (43) فاقم وجهك للدين القيم البليغ الاستقامة من قبل ان ياتي يوم لا مرد له من الله لتحتم مجيئه يومئذ يصدعون يتصدعون اي يتفرقون فريق في الجنة وفريق في السعير (44) من كفر فعليه كفره اي وباله وهو النار المؤبدة ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون يسوون منازلهم في الجنة في المجمع عن الصادق عليه السلام قال ان العمل الصالح ليسيق صاحبه الى الجنة فيمهد له كما يمهد لاحدكم خادمه فراشه (45) ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله انه لا يحب الكافرين اكتفى عن ذكر جزائهم بالفحوى (46) ومن آياته ان يرسل الرياح رياح الرحمة مبشرات بالمطر وليذيقكم من رحمته المنافع التابعة لها ولتجرى الفلك بامره ولتبتغوا من فضله يعني تجارة البحر

[ 136 ]

ولعلكم تشكرون ولتشكروا نعمة الله فيها (47) ولقد ارسلنا من قبلك رسلا الى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين اجرموا بالتدمير وكان حقا علينا نصر المؤمنين فيه اشعار بأن الانتقام لهم واظهار لكرامتهم حيث جعلهم مستحقين على الله ان ينصرهم في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ما من امرء مسلم يرد عن عرض اخيه الا كان حقا على الله ان يرد عنه نار جهنم يوم القيامة ثم قرأ وكان حقا علينا نصر المؤمنين وفي الفقيه عن الصادق عليه السلام قال حسب المؤمن نصرة ان يرى عدوه يعمل بمعاصي الله (48) الله الذى يرسل الرياح فتثير سحابا القمي اي ترفعه فيبسطه في السماء كيف يشاء سائرا وواقفا مطبقا وغير مطبق من جانب دون جانب الى غير ذلك ويجعله كسفا قيل قطعا اي يبسطه تارة واخرى يجعله قطعا والقمي قال بعضه على بعض فترى الودق المطر يخرج من خلاله وفي المجمع عن علي عليه السلام من خلله فإذا اصاب به من يشاء من عباده يعني بلادهم واراضيهم إذا هم يستبشرون بمجئ الخصب (49) وان كانوا من قبل ان ينزل عليهم المطر من قبله تكرير للتأكيد لمبلسين لابسين (50) فانظر الى آثار رحمة الله أثر الغيث من النبات والاشجار وانواع الثمار وقرئ اثار كيف يحيى الارض بعد موتها ان ذلك يعني الذي قدر على احياء الأرض بعد موتها لمحيى الموتى ليحييهم لا محالة وهو على كل شئ قدير (51) ولئن ارسلنا ريحا فراوه مصفرا قيل فرأوا الأثر والزرع فأنه مدلول عليه بما تقدم وقيل السحاب لأنه إذا كان مصفرا لم يمطر لظلوا من بعده يكفرون قيل هذه الآيات ناعية على الكفار بقلة تثبتهم وعدم تدبرهم وسرعة تزلزلهم لعدم تفكرهم

[ 137 ]

وسوء رأيهم فان النظر السوي يقتضي ان يتوكلوا على الله ويلتجئوا إليه بالاستغفار إذا احتبس القطر عنهم ولم ييئسوا من رحمته وان يبادروا الى الشكر والاستدامة بالطاعة إذا اصابهم برحمته ولم يفرطوا في الاستبشار وان يصبروا على بلائه إذا ضرب زروعهم بالاصفرار ولم يكفروا نعمه (52) فانك لا تسمع الموتى وهم مثلهم لما سدوا عن الحق مشاعرهم ولا تسمع الصم الدعاء وقرئ بالياء مفتوحة ورفع الصم إذا ولوا مدبرين قيل قيد الحكم ليكون اشد استحالة فان الاصم المقبل وان لم يسمع الكلام تفطن منه بواسطة الحركات شيئا (53) وما انت بهادي العمى عن ضلالتهم ان تسمع الا من يؤمن بآياتنا لأنه الذي يتلقى اللفظ ويتدبر المعنى فهم مسلمون لما تأمرهم به (54) الله الذى خلقكم من ضعف ابتدءكم ضعفاء أو خلقكم من اصل ضعيف وهو النطفة ثم جعل من بعد ضعف قوة وهو بلوغكم الاشد ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة إذا اخذ منكم السن يخلق ما يشاء من ضعف وقوة وشيبة وقرئ بفتح الضاد في الجميع وهو العليم القدير (55) ويوم تقوم الساعة القيامة وهي من الاسماء الغالبة يقسم المجرمون ما لبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة استقلوا مدة لبثهم كذلك مثل ذلك التصرف عن الصدق كانوا يؤفكون يصرفون في الدنيا (56) وقال الذين اوتوا العلم والايمان في الكافي والعيون عن الرضا عليه السلام في الحديث الذي يصف فيه الإمامة والإمام قال فقلدها صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام بأمر الله عز وجل على رسم ما فرض الله تعالى فصارت في ذريته الاصفياء الذين اتيهم الله تعالى العلم والإيمان بقوله وقال الذين اوتوا العلم والايمان الآية لقد لبثتم في كتاب الله في علمه وقضائه وما اوجبه لكم وكتبه الى يوم البعث الذي انكرتموه فهذا

[ 138 ]

يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون انه حق لتفريطكم في النظر فقد تبين لكم بطلان انكاركم القمي هذه الآية مقدمة ومؤخرة وانما هو وقال الذين اوتوا العلم والايمان في كتاب الله لقد لبثتم الى يوم البعث (57) فيومئذ لا تنفع الذين ظلموا معذرتهم وقرئ بالياء ولا هم يستعتبون لا يدعون الى ما يقتضي اعتابهم اي ازالة عتبهم من التوبة والطاعة كما دعوا إليه في الدنيا من قولهم استعتبني فلان فأعتبته اي استرضاني فأرضيته (58) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا من فرط عنادهم وقسوة قلوبهم ان انتم يعنون الرسول والمؤمنين الا مبطلون مزورون (59) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (60) فاصبر على اذاهم ان وعد الله بنصرتك واظهار دينك على الدين كله حق لا بد من انجازه ولا يستخفنك الذين لا يوقنون ولا يحملنك على الخفة والقلق بتكذيبهم وايذائهم فانهم شاكون ضالون لا يستبدع منهم ذلك والقمي اي لا يغضبك وثواب قراءة هذه السورة قد سبق ذكره اللهم ارزقنا تلاوته بمحمد وآله عليهم السلام

[ 139 ]

سورة لقمان مكية عن ابن عباس ثلاث آيات نزلن بالمدينة ولو ان ما في الارض الى آخرهن وعدد آيها ثلاث وثلاثون اية حجازي اربع في الباقين بسم الله الرحمن الرحيم (1) الم (2) تلك آيات الكتاب الحكيم ذي الحكمة أو المحكم آياته (3) هدى ورحمة وقرئ بالرفع للمحسنين (4) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون بيان لاحسانهم أو تخصيص لهذه الثلاثة من شعبه لفضل اعتداد بها (5) اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون لاستجماعهم العقيدة الحقة والعمل الصالح (6) ومن الناس من يشترى لهو الحديث ما يلهي عما يعني كالاحاديث التي لا اصل لها والاساطير التي لا اعتبار فيها والمضاحيك وفضول الكلام القمي قال الغناء وشرب الخمر وجميع الملاهي ويأتي تمام القول فيه عن قريب ليضل وقرئ بفتح الياء عن سبيل الله القمي قال يحيدهم عن طريقه بغير علم بحال ما يشتريه ويتخذها وقرء بالنصب هزوا ويتخذ السبيل سخرية اولئك لهم عذاب مهين لاهانتهم الحق بايثار الباطل عليه (7) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا متكبرا لا يعبؤ بها كان لم يسمعها كان في اذنيه وقرا ثقلا لا يقدر ان يسمع فبشره بعذاب اليم اعلمه به وانما ذكر البشارة

[ 140 ]

على التهكم القمي عن الباقر عليه السلام هو النضر بن الحارث بن علقمة بن كلدة من بني عبد الدار بن قصي وكان النضر ذا رواية لاحاديث الناس واشعارهم يقول الله تعالى وإذا تتلى عليه اياتنا الآية وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال هو الطعن في الحق والاستهزاء به وما كان أبو جهل واصحابه يجيؤون به إذ قال يا معاشر قريش الا اطعمكم من الزقوم الذي يخوفكم به صاحبكم ثم ارسل الى زبد وتمر فقال هو الزقوم الذي يخوفكم به قال ومنه الغناء وفي المعاني والكافي عنه عليه السلام قال منه الغناء وفي الكافي عن الباقر عليه السلام الغناء مما اوعد الله عليه النار وتلا هذه الآية وعنه عليه السلام انه سئل عن كسب المغنيات فقال التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى الى الأعراس ليس به بأس وهو قول الله عز وجل ومن الناس الآية (8) ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم اي لهم نعيم جنات فعكس للمبالغة (9) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الذي لا يغلبه شئ فيمنعه عن انجاز وعده ووعيده الحكيم الذي لا يفعل الا ما يستدعيه حكمته (10) خلق السموات بغير عمد ترونها صفة لعمد القمي عن الرضا عليه السلام ثم عمد ولكن لا ترونها والقى في الارض رواسي جبالا شوامخ ان تميد بكم كراهة ان تميل بكم قيل ان بساطة اجزائها تقتضي تبدل احيازها واوضاعها لامتناع اختصاص كل منها لذاته أو لشئ من لوازمه بحيز ووضع معينين وبث فيها من كل دابة وانزلنا من السماء ماء فانبتنا فيها من كل زوج كريم من كل صنف كثير المنفعة (11) هذا خلق الله مخلوقه فارونى ماذا خلق الذين من دونه حتى استحقوا

[ 141 ]

مشاركته في الالوهية بل الظالمون في ضلال مبين اضراب عن تبكيتهم الى التسجيل عليهم بالضلال (12) ولقد اتينا لقمان الحكمة في الكافي عن الكاظم عليه السلام قال الفهم والعقل والقمي عن الصادق عليه السلام قال اوتى معرفة امام زمانه ان اشكر لله ومن يشكر فانما يشكر لنفسه لأن نفعه عائد إليها وهو دوام النعمة واستحقاق مزيدها ومن كفر فان الله غنى لا يحتاج الى الشكر حميد حقيق بالحمد حمد أو لم يحمد أو محمود ينطق بحمده جميع مخلوقاته في الكافي عن الصادق عليه السلام شكر كل نعمة وان عظمت ان يحمد الله عز وجل عليها وفي رواية وان كان فيما انعم عليه حق اداه وفي اخرى عنه عليه السلام من انعم الله عليه بنعمة فعرفها بقلبه فقد ادى شكرها وعنه عليه السلام اوحى الله عز وجل الى موسى (عليه السلام) يا موسى اشكرني حق شكري فقال يا رب وكيف اشكرك حق شكرك وليس من شكر اشكرك به الا وانت انعمت به علي قال يا موسى الآن شكرتني حين علمت ان ذلك مني وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال حقا اقول لم يكن لقمان نبيا ولكن كان عبدا كثير التفكر حسن اليقين احب الله فأحبه ومن عليه بالحكمة كان نائما نصف النهار إذ جاءه نداء يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس بالحق فأجاب الصوت ان خيرني ربي قبلت العافية ولم اقبل البلا وان هو عزم علي فسمعا وطاعة فاني اعلم انه ان فعل بي ذلك اعانني وعصمني فقالت الملائكة بصوت لا يريهم لم يا لقمان قال لأن الحكم اشد المنازل واكدها يغشاه الظلم من كل مكان ان وفى فبالحري ان ينجو وان اخطأ اخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا وفي الآخرة شريفا خير من ان يكون في الدنيا شريفا وفي الآخرة ذليلا

[ 142 ]

ومن تختر الدنيا على الاخرة تفته الدنيا ولا يصيب الآخرة فعجبت الملائكة من حسن منطقة فنام نومة فاعطي الحكمة فانتبه يتكلم بها ثم كان يوازر داود (عليه السلام) بحكمته فقال له داود طوبى لك يا لقمان اعطيت الحكمة وصرفت عنك البلوى والقمي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عز وجل فقال اما والله ما اوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا اهل ولا بسط في جسم ولا جمال ولكنه كان رجلا قويا في امر الله متورعا في الله ساكتا سكيتا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستغن بالعبر لم ينم نهارا قط ولم يتك في مجلس قط ولم يتفل في مجلس قط ولم يعبث بشئ قط ولم يره احد من الناس على بول ولا غائط ولا اغتسال لشدة تستره وعموق نظره وتحفظه في امره ولم يضحك من شئ قط مخافة الاثم في دينه ولم يغضب قط ولم يمازح انسانا قط ولم يفرح بشئ بما اوتيه من الدنيا ان اتاه من امر الدنيا ولا حزن منها على شئ قط وقد نكح من النساء وولد له الأولاد الكثيرة وقدم اكثرهم افراطا فما بكى على موت احد منهم ولم يمر برجلين يختصمان أو يقتتلان الا اصلح بينهما ولم يمض عنهما حتى تحابا ولم يسمع قولا قط من احد استحسنه الا سأله عن تفسيره وعمن اخذه فكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء وكان يغشي القضاة والملوك والسلاطين فيرثي للقضاة مما ابتلوا به ويرحم الملوك والسلاطين لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ويعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ويجاهد به هواه ويحترز به من الشيطان وكان يداوي قلبه بالتفكر ويداوي نفسه بالعبر وكان لا يظعن الا فيما ينفعه ولا ينظر الا فيما يعنيه فبذلك اوتي الحكمة ومنح العصمة وان الله تبارك وتعالى امر طوائف من الملائكة حين انتصف النهار وهدأت العيون بالقائلة فنادوا لقمان حيث يسمع ولا يراهم فقالوا يا لقمان هل لك ان يجعلك الله خليفة في الأرض تحكم بين الناس فقال لقمان ان امرني ربي بذلك فالسمع والطاعة لأنه ان فعل بي ذلك اعانني عليه وعلمني وعصمني وان هو خيرني قبلت العافية فقالت الملائكة يا لقمان لم قلت ذلك قال لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين واكثر فتنا وبلاء ما يخذل ولا يعان ويغشاه الظلم من كل مكان

[ 143 ]

وصاحبه منه بين امرين ان اصاب فيه الحق فبالحري ان يسلم وان اخطأ اخطأ طريق الجنة ومن يكن في الدنيا ذليلا ضعيفا كان اهون عليه في المعاد من ان يكون فيه حكما سريا شريفا ومن اختار الدنيا على الاخرة يخسرهما كلتاهما تزول هذه ولا يدرك تلك قال فعجبت الملائكة من حكمته واستحسن الرحمن منطقه فلما امسى واخذ مضجعه من الليل انزل الله عليه الحكمة فغشاه بها من قرنه الى قدمه وهو نائم وغطاه بالحكمة غطاء فاستيقظ وهو احكم الناس في زمانه وخرج على الناس فنطق بالحكمة ويبثها فيها قال فلما اوتي الحكم بالخلافة ولم يقبلها امر الله عز وجل الملائكة فنادت داود (عليه السلام) بالخلافة فقبلها ولم يشترط فيها بشرط لقمان فأعطاه الله عز وجل الخلافة في الأرض وابتلى فيها غير مرة وكل ذلك يهوى في الخطأ يقبله الله تعالى ويغفر له وكان لقمان يكثر زيارة داود (عليه السلام) ويعظه بمواعظه وحكمته وفضل علمه وكان داود (عليه السلام) يقول له طوبى لك يا لقمان اوتيت الحكمة وصرفت عنك البلية واعطي داود الخلافة وابتلى بالحكم والفتنة (13) واذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بنى تصغير اشفاق وقرئ بكسر الياء وباسكانها لا تشرك بالله ان الشرك لظلم عظيم لأنه تسوية بين من لا نعمة الا منه ومن لا نعمة منه وفي الكافي عن الباقر عليه السلام الظلم ثلاثة ظلم يغفره الله وظلم لا يغفره الله وظلم لا يدعه الله فاما الظلم الذي لا يغفره الله فالشرك واما الظلم الذي يغفره فظلم الرجل نفسه فيما بينه وبين الله واما الظلم الذي لا يدعه الله فالمداينة بين العباد (14) ووصينا الانسان بوالديه حملته امه وهنا على وهن تضعف ضعفا فوق ضعف فانها لا يزال يتضاعف ضعفها وقرئ بفتح الهاء وفصاله في عامين وفطامه في انقضاء عامين وكانت ترضعه في تلك المدة والجملتان اعتراض مؤكد للتوصية في حقها ان اشكر لى ولوالديك الى المصير فاحاسبك على شكرك وكفرك في العيون عن الرضا عليه السلام في حديث وامرنا بالشكر له وللوالدين فمن

[ 144 ]

لم يشكر والديه لم يشكر الله وعنه عليه السلام من لم يشكر المنعم من المخلوقين لم يشكر الله عز وجل (15) وان جاهداك على ان تشرك بى ما ليس لك به علم باستحقاقه الاشتراك تقليدا لهما يعني ما ليس فلا تطعهما في ذلك وصاحبهما في الدنيا معروفا صحابا معروفا يرتضيه الشرع ويقتضيه الكرم في الكافي عن الصادق عليه السلام ان رجلا اتى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله اوصني فقال لا تشرك بالله شيئا وان حرقت بالنار وعذبت الا وقلبك مطمئن بالإيمان ووالديك فأطعهما وبرهما حيين كانا أو ميتين وان امراك ان تخرج من اهلك ومالك فافعل فان ذلك من الإيمان وعنه عليه السلام جاء رجل الى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله من ابر قال امك قال ثم من قال امك قال ثم من قال امك قال ثم من قال اباك وعن الرضا عليه السلام قيل له ادعو لوالدي ان كانا لا يعرفان الحق قال ادع لهما وتصدق عنهما وان كانا حيين لا يعرفان الحق فدارهما فان رسول الله صلى الله عليه وآله قال ان الله بعثني بالرحمة لا بالعقوق وفي العيون عنه عليه السلام وبر الوالدين واجب وان كانا مشركين ولا طاعة لهما في معصية الخالق ولا لغيرهما فانه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام بر الوالدين من حسن معرفة العبد بالله إذ لا عبادة أسرع بلوغا بصاحبها إلى رضاء الله تعالى من حرمة الوالدين المسلمين لوجه الله تعالى لأن حق الوالدين مشتق من حق الله تعالى إذا كانا على منهاج الدين والسنة ولا يكونان يمنعان الولد من طاعة الله إلى معصيته ومن اليقين الى الشك ومن الزهد الى الدنيا ولا يدعوانه الى خلاف ذلك فإذا كانا كذلك فمعصيتهما طاعة وطاعتهما معصية قال الله تعالى وان جاهداك على ان تشرك بى ما ليس لك به علم فلا تطعهما واما في باب العشرة فدارهما وارفق بهما واحتمل اذاهما نحو ما احتملا عنك في حال صغرك ولا

[ 145 ]

تضيق عليهما بما قد وسع الله عليك من المأكول والملبوس ولا تحول بوجهك عنهما ولا ترفع صوتك فوق اصواتهم فان تعظيمهما من الله تعالى وقل لهما بأحسن القول والطفه فان الله لا يضيع اجر المحسنين واتبع سبيل من اناب الى بالتوحيد والاخلاص والطاعة والقمي عن الباقر عليه السلام يقول اتبع سبيل محمد صلى الله عليه وآله ثم الى مرجعكم جميعا فأنبئكم بما كنتم تعملون الآيتان معترضتان في تضاعيف وصية لقمان تأكيدا لما فيها من النهي عن الشرك كأنه قال وقد وصينا بمثل ما وصى به وذكر الوالدين للمبالغة في ذلك فانهما مع انهما تلوا الباري في استحقاق التعظيم والطاعة لا يجوز ان يستحقا في الاشراك فما ظنك بغيرهما (16) يا بنى وقرئ بكسر الياء انها (1) ان تك مثقال حبة من خردل اي الخصلة من الاساءة أو الاحسان تك مثلا في الصغر كحبة الخردل وقرئ مثقال بالرفع فالهاء للقصة والكون تامة فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض في اخفى مكان واحرزه واعلاه واسفله يأت بها الله يحضرها ويحاسب عليها والقمي قال من الرزق يأتيك به الله ان الله لطيف يصل علمه الى كل خفي خبير عالم بكنهه العياشي عن الصادق عليه السلام اتقوا المحقرات من الذنوب فان لها طالبا لا يقولن احدكم اذنب واستغفر الله ان الله يقول ان تك مثقال حبة من خردل الآية رواه في المجمع عنه عليه السلام وفي الكافي عن الباقر عليه السلام مثله (17) يا بنى وقرئ بكسر الياء واسكانها اقم الصلوة وامر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما اصابك من الشدائد في المجمع عن علي عليه السلام من المشقة والاذى في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ان ذلك من عزم الامور قطعه قطع ايجاب والزام ومنه الحديث ان

[ 146 ]

الله يحب ان يؤخذ برخصه كما يحب ان يؤخذ بعزائمه (18) ولا تصعر خدك للناس ولا تمل وجهك من الناس تكبرا ولا تعرض عمن يكلمك استخفافا به كذا في المجمع عن الصادق عليه السلام قيل هو من الصعر وهو داء يعتري البعير فيلوي عنقه والقمي اي لا تذل للناس طمعا فيما عندهم وقرئ لا تصاعر ولا تمش في الارض مرحا فرحا وهو البطر والقمي عن الباقر عليه السلام يقول بالعظمة ان الله لا يحب كل مختال فخور علة النهي في المجالس والفقيه عن النبي صلى الله عليه وآله انه نهى ان يختال الرجل في مشيته وقال من لبس ثوبا فاختال فيه خسف الله به من شفير جهنم وكان قرين قارون لأنه اول من اختال فخسف به وبداره الأرض ومن اختال فقد نازع الله في جبروته (19) واقصد في مشيك توسط فيه بين الدبيب والاسراع والقمي اي لا تعجل وفي الخصال عن الصادق عليه السلام قال سرعة المشي تذهب ببهاء المؤمن واغضض من صوتك اقصر منه والقمي أي لا ترفعه ان انكر الاصوات اوحشها لصوت الحمير في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عنه عليه السلام فقال العطسة القبيحة وفي المجمع عنه عليه السلام قال هي العطسة المرتفعة القبيحة والرجل يرفع صوته بالحديث رفعا قبيحا الا ان يكون داعيا أو يقرء القرآن والقمي عنه عليه السلام في قول الله تعالى واذ قال لقمان لابنه الآيات قال فوعظ لقمان ابنه باثار حتى تفطر وانشق وكان فيما وعظ به ان قال يا بني انك منذ سقطت الى الدنيا استدبرتها واستقبلت الاخرة فدار انت إليها تسير اقرب اليك من دار انت عنها متباعد يا بني

[ 147 ]

جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك ولا تجادلهم فيمنعوك وخذ من الدنيا بلاغا ولا ترفضها فتكون عيالا على الناس ولا تدخل فيها دخولا يضر بآخرتك وصم صوما يقطع شهوتك ولا تصم صياما يمنعك من الصلاة فان الصلاة احب الى الله من الصيام يا بني ان الدنيا بحر عميق قد هلك فيها عالم كثير فاجعل سفينتك فيها الإيمان واجعل شراعها التوكل واجعل زادك فيها تقوى الله فان نجوت فبرحمة الله وان هلكت فبذنوبك يا بني ان تأدبت صغيرا انتفعت به كبيرا ومن عنى بالادب اهتم به ومن اهتم به تكلف علمه ومن تكلف علمه اشتد له طلبه ومن اشتد له طلبه ادرك منفعته فاتخذه عادة فانك تخلف في سلفك وتنفع به من خلفك ويرتجيك فيه راغب ويخشى صولتك راهب واياك والكسل عنه والطلب لغيره فان غلبت على الدنيا فلا تغلبن على الاخرة وإذا فاتك طلب العلم في مظانه فقد غلبت على الاخرة واجعل في ايامك ولياليك وساعاتك لنفسك نصيبا في طلب العلم فانك لن تجد له تضييعا اشد من تركه ولا تمارين فيه لجوجا ولا تجادلن فقيها ولا تعادين سلطانا ولا تماشين ظلوما ولا تصادقنه ولا تواخين فاسقا نطفا ولا تصاحبن متهما واخزن علمك كما تخزن ورقك يا بني خف الله عز وجل خوفا لو اتيت يوم القيامة ببر الثقلين خفت ان يعذبك وارج الله رجاء لو وافيت القيامة باثم الثقلين رجوت ان يغفر الله لك فقال له ابنه يا ابت وكيف اطيق هذا وانما لي قلب واحد فقال له لقمان يا بني لو استخرج قلب المؤمن فشق لوجد فيه نوران نور للخوف ونور للرجاء لو وزنا ما رجح احدهما على الاخر بمثقال ذرة فمن يؤمن بالله يصدق ما قال الله عز وجل ومن يصدق ما قال الله عز وجل يفعل ما أمر الله عز وجل ومن لم يفعل ما أمر الله لم يصدق ما قال الله فان هذه الأخلاق يشهد بعضها لبعض فمن يؤمن بالله ايمانا صادقا يعمل لله خالصا ناصحا فقد آمن بالله صادقا ومن اطاع الله خافه ومن خافه فقد احبه ومن احبه فقد اتبع امره ومن اتبع امره استوجب جنته ومرضاته ومن لم يتبع رضوان الله فقد هان عليه سخط الله نعوذ بالله من سخط الله

[ 148 ]

يا بني لا تركن الى الدنيا ولا تشغل قلبك بها فما خلق الله خلقا هو اهون عليه منها الا ترى انه لم يجعل نعيمها ثواب للمطيعين ولم يجعل بلاءها عقوبة للعاصين (20) الم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات بأن جعله اسبابا لمنافعكم وما في الارض بأن مكنكم من الانتفاع به واسبغ عليكم نعمته ظاهرة وباطنة محسوسة ومعقولة ما تعرفونه وما لا تعرفونه وقرئ نعمه على الجمع والقمي عن الباقر عليه السلام اما النعمة الظاهرة فالنبي صلى الله عليه وآله وما جاء به من معرفة الله وتوحيدة واما النعمة الباطنة فولايتنا اهل البيت وعقد مودتنا وفي الاكمال والمناقب عن الكاظم عليه السلام النعمة الظاهرة الامام الظاهر والباطنة الامام الغائب وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله اما ما ظهر فالاسلام وما سوى الله من خلقك وماافضل عليك من الرزق واما ما بطن فستر مساوي عملك ولم يفضحك به وفي الامالي عن الباقر عليه السلام ان النبي صلى الله عليه وآله قال لعلي عليه السلام قل: ما اول نعمة ابلاك الله عز وجل وانعم عليك بها قال ان خلقني جل ثناؤه ولم اك شيئا مذكورا قال صدقت فما الثانية قال ان احسن بي إذ خلقني فجعلني حيا لا مواتا قال صدقت فما الثالثة قال ان انشأني وله الحمد في احسن صورة واعدل تركيب قال صدقت فما الرابعة قال ان جعلني متفكرا راعيا لا ساهيا قال صدقت فما الخامسة قال ان جعل لي شواعر ادرك ما ابتغيت بها وجعل لي سراجا منيرا قال صدقت فما السادسة قال ان هداني الله لدينه ولم يضلني عن سبيله قال صدقت فما السابعة قال ان جعل لي مردا في حياة لا انقطاع لها قال صدقت فما الثامنة قال ان جعلني ملكا مالكا لا مملوكا قال صدقت فما التاسعة قال ان سخر لي سماءه وارضه وما فيهما وما بينهما من خلقه قال صدقت فما العاشرة قال ان جعلنا سبحانه ذكرانا قواما على حلائلنا لا اناثا قال صدقت فما بعدها قال كثرت نعم الله يا نبي الله فطابت وان تعدوا نعمة الله لا تحصوها فتبسم رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 149 ]

وقال ليهنئك الحكمة ليهنئك العلم يا ابا الحسن فانت وارث علمي والمبين لأمتي ما اختلفت فيه من بعدي الحديث ومن الناس من يجادل في الله في توحيده وصفاته بغير علم مستفاد من برهان ولا هدى راجع الى رسول أو وصي رسول ولا كتاب منير انزله بل تقليد من لا يجوز تقليده (21) وإذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا اولو كان الشيطان يدعوهم الى عذاب السعير القمي عن الباقر عليه السلام هو النضر بن الحارث قال له رسول الله صلى الله عليه وآله اتبع ما انزل اليك من ربك قال بل اتبع ما وجدت عليه آبائي (22) ومن يسلم وجهه الى الله بان فوض امره إليه واقبل بشراشره عليه وهو محسن في عمله فقد استمسك بالعروة الوثقى تعلق بأوثق ما يتعلق به القمي قال بالولاية والى الله عاقبة الامور إذ الكل صائر إليه (23) ومن كفر فلا يحزنك كفره فانه لا يضرك الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا ان الله عليم بذات الصدور (24) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم الى عذاب غليظ (25) ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله لوضوح البرهان بحيث اضطروا الى الاذعان في التوحيد عن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله كل مولود يولد على الفطرة يعني على المعرفة بأن الله عز وجل خالقه فذلك قول الله عز وجل ولئن سئلتهم الآية وعن الجواد عليه السلام انه سئل ما معنى الواحد فقال اجتماع الألسن عليه بالتوحيد كما قال الله عز وجل ولئن سئلتهم الآية قل الحمد لله على الزامهم والجائهم الى الاعتراف بما يوجب بطلان معتقدهم بل اكثرهم لا يعلمون ان ذلك يلزمهم

[ 150 ]

(26) لله ما في السموات والارض لا يستحق العبادة فيهما غيره ان الله هو الغنى عن حمد الحامدين الحميد المستحق للحمد وان لم يحمد (27) ولو ان ما في الارض من شجرة اقلام والبحر يمده من بعده سبعة ابحر والبحر المحيط بسعته مدادا ممدودا بسبعة ابحر فاغنى عن ذكر المداد بمده لأنه من مد الدواة وامدها والبحر بالنصب وفي المجمع عن الصادق عليه السلام انه قرئ والبحر مداده ما نفدت كلمات الله يكتبها بتلك الاقلام المداد إن الله عزيز لا يعجزه شئ حكيم لا يخرج عن علمه وحكمته أمر القمي وذلك ان اليهود سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن الروح فقال الروح من امر ربى وما اوتيتم من العلم الا قليلا قالوا نحن خاصة قال بل الناس عامة قالوا فكيف يجتمع هذا يا محمد اتزعم انك لم تؤت من العلم الا قليلا وقد اوتيت القرآن واوتينا التوراة وقد قرأت ومن يؤت الحكمة وهي التوراة فقد اوتى خيرا كثيرا فأنزل الله تبارك وتعالى ولو ان ما في الارض الآية يقول علم الله اكثر من ذلك وما اوتيتم كثير فيكم قليل عند الله (28) ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة قيل الا كخلقها وبعثها إذ لا يشغله شأن عن شأن القمي عن الباقر عليه السلام بلغنا والله اعلم انهم قالوا يا محمد خلقنا اطوارا نطفا ثم علقا ثم انشأنا خلقا آخر كما تزعم وتزعم انا نبعث في ساعة واحدة فقال الله ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة انما يقول له كن فيكون ان الله سميع بصير لا يشغله سمع عن سمع ولا ابصار عن ابصار (29) الم تر ان الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل القمي يقول ما ينقص من الليل يدخل في النهار وما ينقص من النهار يدخل في الليل وسخر الشمس والقمر كل من النيرين يجرى في فلكه الى اجل مسمى

[ 151 ]

القمي يقول كل واحد منهما يجري الى منتهاه لا يقصر عنه ولا يجاوزه وان الله بما تعملون خبير عالم بكنهه (30) ذلك اشارة الى الذي ذكر من سعة العلم وشمول القدرة وعجائب الصنع واختصاص الباري عز اسمه بها بان الله هو الحق وان ما تدعون من دونه الباطل وقرئ بالياء وان الله هو العلى الكبير المترفع على كل شئ والمتسلط عليه (31) الم تر ان الفلك تجرى في البحر بنعمة الله باحسانه في تهيئة اسبابه القمي قال السفن تجري في البحر بقدرة الله ليريكم من آياته دلائله ان في ذلك لآيات لكل صبار شكور قيل اي لكل من حبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في الآئه والشكر لنعمائه والقمي قال الذي يصبر على الفقر والفاقة ويشكر الله على جميع احواله أقول: ولعله اراد به من لا يركب البحر لطلب الرزق ويعتبر لمن ركبه لذلك وقيل اريد بالصبار الشكور المؤمن وفي الحديث الإيمان نصفان نصف صبر ونصف شكر رواه في المجمع أقول: راكب البحر بين خوف من الغرق ورجاء للخلاص فهو لا يزال بين بلية ونعمة والبلية تطلبه بالصبر والنعمة تطلبه بالشكر فهو صبار شكور (32) وإذا غشيهم علاهم وغطاهم يعني في البحر موج كالظلل كما يظل من جبل أو سحاب أو غيرهما دعوا الله مخلصين له الدين لزوال ما ينازع الفطرة من الهوى والتقليد بما دهاهم من الخوف الشديد فلما نجاهم الى البر فمنهم مقتصد القمي اي صالح وما يجحد بآياتنا الا كل ختار غدار بنقض العهد الفطري وما كان في البحر والختر اشد الغدر والقمي قال الختار الخداع كفور للنعم (33) يا ايها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزى والد عن ولده لا يقضي

[ 152 ]

عنه وقرئ لا يجزي من اجزاء اي لا يغني ولا مولود هو جاز عن والده شيئا ان وعد الله حق بالثواب والعقاب القمي قال ذلك القيامة فلا تغرنكم الحيوة الدنيا بتشويقها في الكافي عن السجاد عليه السلام الدنيا دنياءان دنيا بلاغ ودنيا ملعونة ولا يغرنكم بالله الغرور الشيطان بان يرجيكم التوبة والمغفرة فيجرئكم على المعاصي (34) ان الله عنده علم الساعة علم وقت قيامها وينزل الغيث في انائه المقدرة له والمحل المعين له في علمه وقرئ بالتشديد ويعلم ما في الارحام في نهج البلاغة من ذكر أو انثى وقبيح أو جميل وسخي أو بخيل وشقي أو سعيد ومن يكون للنار حطبا أو في الجنان للنبيين مرافقا وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا من خير أو شر وربما تعزم على شئ فتفعل خلافه وما تدرى نفس باى ارض تموت القمي عن الصادق عليه السلام هذه الخمسة اشياء لم يطلع عليها ملك مقرب ولا نبي مرسل وهي من صفات الله تعالى وفي نهج البلاغة فهذا هو علم الغيب الذي لا يعلمه احد الا الله وفي المجمع جاء في الحديث ان مفاتيح الغيب خمس لا يعلمهن الا الله وقرأ هذه الآية وقد روى عن أئمة الهدى ان هذه الأشياء الخمسة لا يعلمها على التفصيل والتحقيق غيره تعالى أقول: وانما قيل على التفصيل والتحقيق لأنهم عليهم السلام ربما كانوا يخبرون عن بعض هذه على الإجمال وانما كان ذلك تعلما من ذي علم كما قاله امير المؤمنين عليه السلام ان الله عليم يعلم الاشياء كلها خبير يعلم بواطنها كما يعلم ظواهرها في ثواب الأعمال والمجمع عن الباقر عليه السلام من قرأ سورة لقمان في ليلة وكل الله به في ليلته ملائكة يحفظونه من ابليس وجنوده حتى يصبح وإذا قرأها بالنهار لم يزالوا يحفظونه من ابليس عليه اللعنة وجنوده حتى يمسي

[ 153 ]

سورة السجدة مكية الا ثلاث آيات منها فانها نزلت بالمدينة افمن كان مؤمنا الى تمام الآيات عدد آيها تسع وعشرون اية بصري وثلاثون في الباقين بسم الله الرحمن الرحيم (1) الم (2) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (3) ام يقولون افتريه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما اتيهم من نذير من قبلك إذ كانوا اهل الفترة لعلهم يهتدون بانذارك اياهم (4) الله الذى خلق السموات والارض وما بينهما في ستة ايام ثم استوى على العرش سبق تفسيره في سورة الاعراف ما لكم من دونه من ولى ولا شفيع إذا جاوزتم امره افلا تتذكرون بمواعظ الله (5) يدبر الامر من السماء الى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون القمي يعني الامور التي يدبرها والامر والنهي الذي امر به واعمال العباد كل هذا يظهر يوم القيامة فيكون مقدار ذلك اليوم الف سنة من سني الدنيا وقد سبق في سورة الحج اخبار في هذا المعنى (6) ذلك عالم الغيب والشهادة فيدبر امرها على وفق الحكمة العزيز الغالب على امره الرحيم على العباد في تدبيره (7) الذى احسن كل شئ خلقه موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق

[ 154 ]

الحكمة والمصلحة وقرء بفتح اللام وبدء خلق الانسان من طين القمي قال هو آدم (8) ثم جعل نسله ذريته سميت به لأنها تنسل منه أي تنفصل من سلالة القمي نسله اي ولده من سلالة قال هو الصفوة من الطعام والشراب من ماء مهين قال النطفة المني (9) ثم سويه قومه بتصوير اعضائه على ما ينبغي القمي استحاله من نطفة الى علقة ومن علقة الى مضغة حتى نفخ فيه الروح ونفخ فيه من روحه اضافه الى نفسه تشريفا واظهارا بأنه خلق عجيب وان له لشأنا له مناسبة ما الى الحضرة الربوبية ولأجله من عرف نفسه فقد عرف ربه وقد مضى في معنى الروح اخبار في سورة الحجر وجعل لكم السمع والابصار والافئدة خصوصا لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا قليلا ما تشكرون شكرا قليلا (10) وقالوا ائذا ضللنا في الارض اي صرنا ترابا مخلوطا بتراب الأرض لا نتميز عنه أو غبنا فيها وقرء بحذف الهمزة وفي الجوامع عن امير المؤمنين عليه السلام انه قرء بالمهملة وكسر اللام من صل اللحم إذا انتن ائنا لفى خلق جديد يجدد خلقنا وقرئ بحذف الهمزة بل هم بلقاء ربهم كافرون في التوحيد عن امير المؤمنين عليه السلام يعني البعث فسماه الله عز وجل لقائه (11) قل يتوفاكم يستوفي نفوسكم لا يترك منها شيئا ولا يبقى منكم احدا ملك الموت الذى وكل بكم بقبض ارواحكم واحصاء اجالكم ثم الى ربكم ترجعون للحساب والجزاء القمي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي الى السماء رأيت ملكا من الملائكة بيده لوح من نور لا يلتفت يمينا ولا

[ 155 ]

شمالا مقبلا عليه كهيئة الحزين فقلت من هذا يا جبرئيل قال هذا ملك الموت مشغول في قبض الأرواح فقلت ادنني منه يا جبرئيل لأكلمه فأدناني منه فقلت له يا ملك الموت اكل من مات أو هو ميت فيما بعد أنت تقبض روحه قال نعم قلت وتحضرهم بنفسك قال نعم ما الدنيا كلها عندي فيما سخرها الله عز وجل لي ومكنني منها الا كالدرهم في كف الرجل يقلبه كيف شاء وما من دار في الدنيا الا وادخلها في كل يوم خمس مرات واقول إذا بكى اهل البيت على ميتهم لا تبكوا عليه فان لي اليكم عودة وعودة حتى لا يبقى منكم احد فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كفى بالموت طامة يا جبرئيل فقال جبرئيل ما بعد الموت اطم واعظم من الموت (12) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم من الحياء والخزي ربنا قائلين ربنا ابصرنا ما وعدتنا وسمعنا منك تصديق رسلك فارجعنا الى الدنيا نعمل صالحا انا موقنون إذ لم يبق لنا شك بما شاهدنا القمي ابصرنا وسمعنا في الدنيا ولم نعمل به (13) ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ما تهتدي به الى الإيمان والعمل الصالح بالتوفيق له القمي قال لو شئنا ان نجعلهم كلهم معصومين لقدرنا ولكن حق القول منى ثبت قضائي وسبق وعيدي لآملئن جهنم من الجنة والناس اجمعين (14) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا انا نسيناكم القمي اي تركناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون من التكذيب والمعاصي (15) انما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها وعظوا بها خروا سجدا خوفا من عذاب الله وسبحوا بحمد ربهم ونزهوه عما لا يليق به كالعجز عن البعث حامدين له

[ 156 ]

شكرا على ما وفقهم للاسلام واتاهم الهدى وهم لا يستكبرون عن الإيمان والطاعة (16) تتجافى جنوبهم ترتفع وتتنحى عن المضاجع الفرش ومواضع النوم في المجمع عنهما عليهما السلام هم المتهجدون بالليل الذين يقومون عن فرشهم للصلاة يدعون ربهم داعين اياه خوفا من سخطه وطمعا في رحمته ومما رزقناهم ينفقون في وجوه الخير في العلل عن الباقر عليه السلام في هذه الآية قال لعلك ترى ان القوم لم يكونوا ينامون لابد لهذا البدن ان تريحه حتى يخرج نفسه فإذا خرج النفس استراح البدن ورجع الروح قوة على العمل قال نزلت في امير المؤمنين عليه السلام واتباعه من شيعتنا ينامون في اول الليل فإذا ذهب ثلثا الليل أو ما شاء الله فزعوا الى ربهم راغبين مرهبين طامعين فيما عنده فذكرهم الله في كتابه فأخبركم بما اعطاهم انه اسكنهم في جواره وادخلهم جنته وامنهم خوفهم واذهب رعبهم وفي الكافي عنه عليه السلام وفي المجالس عن الصادق عليه السلام وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله الا اخبرك بأبواب الخير قيل نعم قال الصوم جنة من النار والصدقة تكفر الخطيئة وقيام الرجل في جوف الليل يبتغي وجه الله وفي رواية يذكر الله وفي اخرى يناجي ربه ثم قرأ هذه الآية تتجافى جنوبهم وفي الامالي عن الصادق عليه السلام في هذه الآية قال لا ينامون حتى يصلوا العتمة (17) فلا تعلم نفس ما اخفى لهم وقرئ بسكون الياء من قرة اعين مما تقربه عيونهم جزاء بما كانوا يعملون القمي عن الصادق عليه السلام ما من عمل حسن يعمله العبد الا وله ثواب في القرآن الا صلاة الليل فان الله عز وجل لم يبين ثوابها لعظم خطره عنده فقال جل ذكره تتجافى جنوبهم الى قوله يعملون ثم قال ان لله كرامة في عباده المؤمنين في كل يوم جمعة فإذا كان يوم الجمعة بعث الله الى المؤمن ملكا معه حلتان فينتهي الى باب

[ 157 ]

الجنة فيقول استأذنوا لي على فلان فيقال له هذا رسول ربك على الباب فيقول لازواجه اي شئ ترين علي احسن فيقلن يا سيدنا والذي اباحك الجنة ما رأينا عليك شيئا احسن من هذا بعث اليك ربك فيتزر بواحدة ويتعطف بالاخرى فلا يمر بشئ الا اضاء له حتى ينتهي الى الموعد فإذا اجتمعوا تجلى لهم الرب تبارك وتعالى فإذا نظروا إليه خروا سجدا فيقول عبادي ارفعوا رؤوسكم ليس هذا يوم سجود ولا يوم عبادة قد رفعت عنكم المؤنة فيقولون يا رب واي شئ افضل مما اعطيتنا اعطيتنا الجنة فيقول لكم مثل ما في ايديكم سبعين ضعفا فيرجع المؤمن في كل جمعة سبعين ضعفا مثل ما في يديه وهو قوله ولدينا مزيد وهو يوم الجمعة ليلتها ليلة غراء ويومها يوم ازهر فأكثروا فيها من التسبيح والتكبير والتهليل والثناء على الله والصلاة على محمد وآله قال فيمر المؤمن فلا يمر بشئ الا اضاء له فينتهي الى ازواجه فيقلن والذي اباحنا الجنة يا سيدنا ما رأيناك قط احسن منك الساعة فيقول اني قد نظرت الى نور ربي ثم قال ان ازواجه لا يغرن ولا يحضن ولا يصلفن قال الراوي قلت جعلت فداك اني اردت ان اسألك عن شئ استحي منه قال سل قلت في الجنة غناء قال ان في الجنة شجرا يأمر الله رياحها فتهب فتضرب تلك الشجرة بأصوات لم يسمع الخلايق بمثلها حسنا ثم قال هذا عوض لمن ترك السماع للغناء في الدنيا من مخافة الله قال قلت جعلت فداك زدني فقال ان الله خلق جنة بيده ولم ترها عين ولم يطلع عليها مخلوق يفتحها الرب كل صباح فيقول ازدادي ريحا وازدادي طيبا وهو قول الله فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين جزاء بما كانوا يعملون وفي المحاسن عنهما عليهما السلام قالا قال رسول الله صلى الله عليه وآله لما اسري بي رأيت في الجنة نهرا ابيض من اللبن واحلى من العسل واشد استقامة من السهم فيه أباريق عدد النجوم على شاطئه قباب الياقوت الاحمر والدر الأبيض فضرب جبرئيل بجناحيه فإذا هو مسكة ذفرة ثم قال والذي نفس محمد صلى الله عليه وآله بيده ان في الجنة لشجرا يتصفق بالتسبيح بصوت لم يسمع الأولون والاخرون يثمر ثمرا

[ 158 ]

كالرمان يلقي ثمرة الى الرجل فيشقها عن سبعين حلة والمؤمنون على الكراسي وهم الغر المحجلون حيث شاؤا من الجنة فبينا هم كذلك إذ اشرفت عليهم امرأة من فوقه تقول سبحان الله يا عبد الله ما لنا منك دولة فيقول من انت فتقول انا من اللواتي قال الله فلا تعلم نفس ما اخفى لهم من قرة اعين وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله يقول الله تعالى اعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا اذن سمعت ولا خطر على قلب بشر بله ما اطلعتكم عليه اقرؤا ان شئتم فلا تعلم نفس الآية أقول: بله ككتف بمعنى دع أو سوى (18) افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا خارجا عن الإيمان لا يستوون في الشرف والمثوبة (19) اما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات الماوى نزلا النزل ما يعد للنازل من طعام وشراب وصلة بما كانوا يعملون (20) واما الذين فسقوا فماويهم النار كلما ارادوا ان يخرجوا منها اعيدوا فيها عبارة عن خلودهم فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذى كنتم به تكذبون اهانة لهم وزيادة في غيظهم القمي قال ان جهنم إذا دخلوها هووا فيها مسيرة سبعين عاما فإذا بلغوا اسفلها زفرت بهم جهنم فإذا بلغوا اعلاها قمعوا بمقامع الحديد فهذه حالهم (21) ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر أي قبل أن يصلوا الى الاخرة القمي قال العذاب الادنى عذاب الرجعة بالسيف لعلهم يرجعون قال فانهم يرجعون في الرجعة حتى يعذبوا وفي المجمع عن الصادق عليه السلام ان العذاب الأدنى عذاب القبر قال والأكثر في الرواية عن الباقر والصادق عليهما السلام ان العذاب الأدنى الدابة

[ 159 ]

والدجال القمي عن الباقر عليه السلام قال ان علي بن ابي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة تشاجرا فقال الفاسق الوليد بن عقبة انا والله ابسط منك لسانا واحد منك شأنا وامثل جثوا في الكتيبة فقال علي عليه السلام اسكت انما انت فاسق فانزل الله هذه الآيات وفي الاحتجاج عن الحسن المجتبى عليه السلام في حديث له واما انت يا وليد ابن عقبة فوالله ما الومك ان تبغض عليا وقد جلدك في الخمر ثمانين جلدة وقتل اباك صبرا بيده يوم بدر ام كيف تسبه وقد سماه الله مؤمنا في عشر ايات من القرآن وسماك فاسقا وهو قول الله عز وجل افمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستوون أقول: الاخبار مستفيضة من طريق العامة والخاصة بأن هذه الآيات نزلت في علي عليه السلام والوليد (22) ومن اظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم اعرض عنها فلم يتفكر فيها وثم لاستبعاد الاعراض عنها مع فرط وضوحها وارشادها الى اسباب السعادة بعد التذكير بها انا من المجرمين منتقمون فكيف بمن كان اظلم من كل ظالم (23) ولقد اتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه قيل من لقاء موسى عليه السلام ربه في الاخرة كذا عن النبي صلى الله عليه وآله وجعلناه هدى لبنى اسرائيل (24) وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لما صبروا وقرئ بكسر اللام والتخفيف القمي قال كان في علم الله انهم يصبرون على ما يصيبهم فجعلهم ائمة وعن الصادق عليه السلام عن ابيه عن آبائه عليهم السلام قال الأئمة في كتاب الله امامان قال الله تعالى وجعلنا منهم ائمة يهدون بامرنا لا بامر الناس يقدمون امر الله قبل امرهم وحكم الله قبل حكمهم الحديث وكانوا بآياتنا يوقنون لامعانهم فيها النظر

[ 160 ]

(25) ان ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة يقضي فيميز الحق من الباطل بتمييز المحق من المبطل فيما كانوا فيه يختلفون من امر الدين (26) اولم يهد لهم كم اهلكنا من قبلهم من القرون اي كثرة من اهلكناهم يمشون في مساكنهم قيل يعني اهل مكة يمرون في متاجرهم على ديارهم ان في ذلك لآيات افلا يسمعون سماع تدبر واتعاظ (27) اولم يرو انا نسوق الماء الى الارض الجرز التي جرز نباتها اي قطع وازيل القمي قال الأرض الخراب فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم كالتبن والورق وانفسهم كالحب والثمر افلا يبصرون فيستدلون به على كمال قدرته وفضله (28) ويقولون متى هذا الفتح ان كنتم صادقين في الوعد به (29) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا ايمانهم ولا هم ينظرون ولا يمهلون (30) فاعرض عنهم وانتظر انهم منتظرون القمي هو مثل ضربه الله في الرجعة والقائم عليه السلام فلما اخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله بخبر الرجعة قالوا متى هذا الفتح ان كنتم صادقين وهذه معطوفة على قوله ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الأكبر في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة السجدة في كل ليلة جمعة اعطاه الله كتابه بيمينه ولم يحاسبه بما كان منه وكان من رفقاء محمد واهل بيته عليه وآله السلام وفي ثواب الأعمال عنه عليه السلام من اشتاق الى الجنة والى صفتها فليقرأ الواقعة ومن احب ان ينظر الى صفة النار فليقرأ سجدة ولقمان وفي الخصال عنه عليه السلام قال ان العزائم اربع اقرأ باسم ربك الذي خلق والنجم وتنزيل السجدة وحم السجدة والله يعلم

[ 161 ]

سورة الاحزاب مدنية وهي ثلاث وسبعون آية بالاجماع بسم الله الرحمن الرحيم (1) يا ايها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين القمي وهذا هو الذي قال الصادق عليه السلام ان الله بعث نبيه باياك اعني واسمعي يا جارة فالمخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى للناس في المجمع نزلت في ابي سفيان بن حرب وعكرمة بن ابي جهل وابي الأعور السلمي قدموا المدينة ونزلوا على عبد الله بن ابي بعد غزوة احد بأمان من رسول الله صلى الله عليه وآله يكلموه فقاموا وقام معهم عبد الله بن ابي وعبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن ابي بيرق فدخلوا على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا محمد ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومنات وقل ان لها شفاعة لمن عبدها وندعك وربك فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال عمر بن الخطاب ائذن لنا يا رسول الله في قتلهم فقال اني اعطيتهم الامان وامر (ص) فاخرجوا من المدينة ونزلت الآية ولا تطع الكافرين من اهل مكة ابا سفيان وابا الأعور وعكرمة والمنافقين ابن ابي وابن سعد وطعمة ان الله كان عليما بالمصالح والمفاسد حكيما لا يحكم الا بما يقتضيه الحكمة (2) واتبع ما يوحى اليك من ربك ان الله كان بما تعملون خبيرا وقرئ بالياء (3) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (4) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه ما جمع قلبين في جوف رد لما زعمت العرب من ان اللبيب الاريب له قلبان

[ 162 ]

في المجمع نزلت في ابي معمر حميد بن معمر بن حبيب الفهري وكان لبيبا حافظا لما يسمع وكان يقول ان في جوفي لقلبين اعقل بكل واحد منهما افضل من عقل محمد صلى الله عليه وآله وكانت قريش تسميه ذا القلبين فلما كان يوم بدر وهزم المشركون وفيهم أبو معمر يلقاه أبو سفيان بن حرب وهو اخذ بيده احدى نعليه والاخرى في رجله فقال له يا ابا معمر ما حال الناس قال انهزموا قال فما بالك احدى نعليك في يدك والاخرى في رجلك فقال أبو معمر ما شعرت الا انهما في رجلي فعرفوا يومئذ انه لم يكن له الا قلب واحد لما نسي نعله في يده والقمي عن الباقر عليه السلام قال قال علي بن ابي طالب عليه السلام لا يجتمع حبنا وحب عدونا في جوف انسان ان الله لم يجعل لرجل قلبين في جوفه فيحب بهذا ويبغض بهذا فأما محبنا فيخلص الحب لنا كما يخلص الذهب بالنار لا كدر فيه فمن اراد أن يعلم حبنا فليمتحن قلبه فان شارك في حبنا حب عدونا فليس منا ولسنا منه والله عدوهم وجبرئيل وميكائيل والله عدو للكافرين وفي الامالي ما يقرب منه وفي المجمع عن الصادق عليه السلام ما جعل الله لرجل من قلبين يحب بهذا قوما ويحب بهذا اعداءهم وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام فمن كان قلبه متعلقا في صلوته بشئ دون الله فهو قريب من ذلك الشئ بعيد عن حقيقة ما اراد الله منه في صلاته ثم تلا هذه الآية وما جعل ازوجكم اللائى وقرئ بالياء وحده بدون همزة تظاهرون منهن وقرئ بضم التاء وتشديد الظاء وبحذف الالف وتشديد الظاء والهاء امهاتكم (1) وما جمع الزوجية والامومة في امرأة رد لما زعمت العرب ان من قال لزوجته انت علي كظهر امي صارت زوجته كالام له ويأتي تمام الكلام فيه في سورة المجادلة ان شاء الله وما جعل ادعيائكم ابنائكم وما جمع الدعوة والبنوة في رجل رد لما زعمت العرب إن


(1) يقال: ظاهر من امرأته وتظاهر وتظهر: وهو ان يقول لها (انت علي كظهر امي) وكانت العرب تطلق نساءها في الجاهلية بهذا اللفظ فلما جاء الإسلام نهى عنه وأوجب عليه الكفارة. (*)

[ 163 ]

دعي الرجل ابنه ولذلك كانوا يقولون لزيد بن حارثة الكلبي عتيق رسول الله ابن محمد صلى الله عليه وآله القمي عن الصادق عليه السلام قال كان سبب ذلك أن رسول الله لما تزوج خديجة بنت خويلد خرج إلى سوق عكاظ في تجارة لها ورأى زيدا يباع ورآه غلاما كيسا حصيفا فاشتراه فلما نبئ رسول الله صلى الله عليه وآله دعاه إلى الأسلام فأسلم وكان يدعى زيد مولى محمد صلى الله عليه وآله فلما بلغ حارثة بن شراحيل الكلبي خبر ولده زيد قدم مكة وكان رجلا جليلا فأتى أبا طالب فقال يا أبا طالب إن ابني وقع عليه السبي وبلغني أنه صار إلى ابن أخيك نسأله إما أن يبيعه وإما أن يفاديه وإما أن يعتقه فكلم أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هو حر فليذهب حيث شاء فقام حارثة فأخذ بيد زيد فقال له يا بني إلحق بشرفك وحسبك فقال زيد لست افارق رسول الله صلى الله عليه وآله أبدا فقال له أبوه فتدع حسبك ونسبك وتكون عبدا لقريش فقال زيد لست افارق رسول الله ما دمت حيا فغضب أبوه وقال يا معشر قريش اشهدوا إني قد برئت منه وليس هو ابني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله اشهدوا أن زيدا ابني أرثه ويرثني فكان يدعى زيد ابن محمد وكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبه وسماه زيد الحب فلما هاجر رسول الله صلى الله عليه وآله إلى المدينة زوجه زينب بنت جحش وأبطأ عنه يوما فأتى رسول الله صلى الله عليه وآله منزله يسأله عنه فإذا زينب جالسة وسط حجرتها تسحق طيبا بفهر لها فدفع رسول الله صلى الله عليه وآله الباب فنظر إليها وكانت جميلة حسنة فقال سبحان الله خالق النور وتبارك الله أحسن الخالقين ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وآله إلى منزله ووقعت زينب في قلبه موقعا عجيبا وجاء زيد إلى منزله فأخبرته زينب بما قال رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لها زيد هل لك أن اطلقك حتى يتزوجك رسول الله صلى الله عليه وآله فلعلك قد وقعت في قلبه فقالت أخشى أن تطلقني ولا يتزوجني رسول الله صلى الله عليه وآله فجاء زيد إلى رسول الله فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله أخبرتني زينب بكذا وكذا فهل لك أن اطلقها حتى تتزوجها فقال له رسول الله

[ 164 ]

صلى الله عليه وآله لا إذهب واتق الله وأمسك عليك زوجك ثم حكى الله عز وجل فقال أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشيه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها إلى قوله وكان أمر الله مفعولا فزوجه الله تعالى من فوق عرشه فقال المنافقون يحرم علينا نساء أبنائنا ويتزوج إمرأة ابنه زيد فأنزل الله عز وجل في هذا وما جعل أدعياءكم أبناءكم إلى قوله يهدى السبيل أقول وتأتي قصة تزويج زينب من رسول الله صلى الله عليه وآله بنحو آخر في هذه السورة إن شاء الله ذلكم قولكم بأفواهكم لا حقيقة له كقول من يهذي والله يقول الحق ما له وهو يهدى السبيل سبيل الحق (5) ادعوهم لابائهم انسبوهم إليهم هو أقسط عند الله أعدل اريد به مطلق الزيادة لا التفضيل ومعناه البالغ في الصدق فإن لم تعلموا ابائهم لتنسبوهم إليهم فإخونكم في الدين فهم إخوانكم في الدين ومواليكم وأولياؤكم فيه فيقولوا هذا أخي ومولاي بهذا التأويل وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولا إثم عليكم فيما فعلتموه من ذلك مخطئين قبل النهي أو بعده على النسيان أو سبق اللسان ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما يعفو عن المخطي (6) النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم يعني أولى بهم في الامور كلها فإنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف النفس فلذلك أطلق فيجب عليهم أن يكون أحب إليهم من أنفسهم وأمره أنفذ عليهم من أمرها وشفقتهم عليه أتم من شفقتهم عليها في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه لما أراد غزوة تبوك وأمر الناس بالخروج قال قوم نستأذن آبائنا وأمهاتنا فنزلت هذه الاية وعن الباقر والصادق عليهما السلام أنهما قرءا وأزواجه امهاتهم وهو أب لهم

[ 165 ]

والقمي قال نزلت وهو أب لهم أقول: يعني في الدين والدنيا جميعا أما في الدين فإن كل نبي أب لامته من جهة أنه أصل فيما به الحياة الأبدية ولذلك صار المؤمنون إخوة وورد أيضا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال أنا وعلي أبوا هذه الامة كما مر في سورة البقرة وذلك لأنهما في هذا المعنى سواء إلا أن عليا عليه السلام بعد النبي وأما في الدنيا فلألزام الله إياه مؤنتهم وتربية أيتامهم ومن يضيع منهم القمي جعل الله عز وجل المؤمنين أولاد رسول الله صلى الله عليه وآله وجعل رسول الله أباهم لمن لم يقدر أن يصون نفسه ولم يكن له مال وليس له على نفسه ولاية فجعل الله تعالى لنبيه الولاية على المؤمنين وجعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم وهو قول رسول الله صلى الله عليه وآله بغدير خم أيها الناس ألست أولى بكم من أنفسكم قالوا بلى ثم أوجب لأمير المؤمنين عليه السلام ما أوجبه لنفسه عليهم من الولاية فقال ألا من كنت مولاه فعلي مولاه فلما جعل الله النبي صلى الله عليه وآله أبا للمؤمنين ألزمه مؤنتهم وتربية أيتامهم فعند ذلك صعد رسول الله صلى الله عليه وآله المنبر فقال من ترك مالا فلورثته ومن ترك دينا أو ضياعا فعلي والي فألزم الله نبيه للمؤمنين ما يلزم الوالد للولد وألزم المؤمنين من الطاعة له ما يلزم الولد للوالد فكذلك ألزم أمير المؤمنين ما ألزم رسول الله من بعد ذلك وبعده الأئمة واحدا واحدا قال والدليل على أن رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام هما والدان قوله واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسنا فالوالدان رسول الله صلى الله عليه وأمير المؤمنين عليه السلام وقال الصادق عليه السلام فكان اسلام عامة اليهود بهذا السبب لأنهم أمنوا على أنفسهم وعيالاتهم وفي العلل عن الكاظم عليه السلام أنه سئل لم كنى النبي صلى الله عليه وآله

[ 166 ]

بأبي القاسم فقال لأنه كان له ابن يقال له القاسم فكني به فقال السائل يابن رسول الله هل تراني أهلا للزيادة فقال نعم أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال أنا وعلي أبوا هذه الامة قال بلى قال أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله أب لجميع امته وعلي منهم قال بلى قال أما علمت أن عليا عليه السلام قاسم الجنة والنار قال بلى قال فقيل له أبو القاسم لأنه أبو قاسم الجنة والنار قال بلى قال وما معنى ذلك فقال إن شفقة النبي صلى الله عليه وآله على امته كشفقة الاباء على الأولاد وأفضل امته علي عليه السلام ومن بعده شفقة علي عليه السلام عليهم كشفقته لأنه وصيه وخليفته والأمام من بعده فلذلك قال أنا وعلي أبوا هذه الامة وصعد النبي صلى الله عليه وآله المنبر فقال من ترك دينا أو ضياعا فعلي وإلي ومن ترك مالا فلورثته فصار بذلك أولى من آبائهم وامهاتهم وصار أولى بهم من أنفسهم وكذلك أمير المؤمنين عليه السلام بعده جرى ذلك له مثل ما جرى لرسول الله صلى الله عليه وآله وفي الكافي عن سليم بن قيس قال سمعت عبد الله بن جعفر الطيار يقول كنا عند معاوية أنا والحسن والحسين عليهما السلام وعبد الله بن عباس وعمر بن ام سلمة واسامة بن زيد فجرى بيني وبين معاوية كلام فقلت لمعاوية سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم أخي علي بن أبي طالب أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استشهد فالحسن بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ثم ابني الحسين من بعده أولى بالمؤمنين من أنفسهم فإذا استشهد فابنه علي بن الحسين أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا علي ثم ابنه محمد بن علي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وستدركه يا حسين ثم تكمله اثني عشر إماما تسعة من ولد الحسين عليهم السلام قال عبد الله بن جعفر واستشهدت الحسن والحسين وعبد الله بن عباس وعمر ابن ام سلمة واسامة بن زيد فشهدوا لي عند معاوية قال سليم وقد سمعت ذلك من سلمان وأبي ذر والمقداد وذكروا أنه سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 167 ]

وعن الصادق عليه السلام أن النبي صلى الله عليه وآله قال أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وعلي أولى به من بعدي فقيل له ما معنى ذلك فقال قول النبي صلى الله عليه وآله من ترك دينا أو ضياعا فعلى والي ومن ترك مالا فلورثته فالرجل ليست له على نفسه ولاية إذا لم يكن له مال وليس له على عياله أمر ولا نهي إذا لم يجر عليهم النفقة والنبي وأمير المؤمنين ومن بعدهما سلام الله عليهم ألزمهم هذا فمن هناك صاروا أولى بهم من أنفسهم وما كان سبب اسلام عامة اليهود إلا من بعد هذا القول من رسول الله صلى الله عليه وآله وأنهم أمنوا على أنفسهم وعيالاتهم وفي نهج البلاغة في حديث له قال فوالله إني لأولى الناس بالناس وأزوجه أمهاتهم منزلات منزلتهن في التحريم مطلقا وفي استحقاق التعظيم ما دمن على طاعة الله وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في حديث وأزواج رسول الله صلى الله عليه وآله في الحرمة مثل امهاتهم وفي الاكمال عن القائم عليه السلام انه سئل عن معنى الطلاق الذي فوض رسول الله حكمه إلى أمير المؤمنين عليه السلام قال إن الله تقدس اسمه عظم شأن نساء النبي صلى الله عليه وآله فخصهن بشرف الامهات فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا أبا الحسن إن هذا الشرف باق ما دمن على الطاعة فأيتهن عصت الله بعدي بالخروج عليك فأطلقها في الأزواج وأسقطها من تشرف الامهات ومن شرف امومة المؤمنين وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله في حكمه المكتوب القمي قال نزلت في الإمامة وفي الكافي عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فيمن نزلت قال نزلت في الأمرة إن هذه الاية جرت في ولد الحسين عليه السلام من بعده فنحن أولى بالأمر وبرسول الله صلى الله عليه وآله من المهاجرين والأنصار أقول: وقد مضت هذه الاية بعينها في آخر سورة الأنفال وأنها نزلت في نسخ التوارث بالهجرة والنصرة والتوفيق بنزول هذه في الأمرة وتلك في الميراث لا يلايم

[ 168 ]

الاستثناء في هذه الاية ولا ما يأتي في بيانه إلا أن يقال إن الأمرة تأويل كما يستفاد مما يأتي نقلا من العلل عند قوله تعالى إنما يريد الله الاية وبالتعميم في الايتين يرتفع التخالف من المؤمنين والمهاجرين صلة لاولي الأرحام أي أولوا الأرحام بحق القرابة أولى بالأمرة أو بالميراث من المؤمنين بحق الدين والمهاجرين بحق الهجرة وإن حملنا الاية على الميراث احتمل أيضا أن يكون بيانا لاولي الأرحام إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا يعني به الوصية في الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل أي شئ للموالي فقال ليس لهم من الميراث إلا ما قال الله عز وجل إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا أي ما ذكر في الايتين في اللوح ثابت كذا قيل (7) وإذ أخذنا مقدر باذكر من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا القمي قال هذه الواو زيادة في قوله ومنك إنما هو منك ومن نوح فأخذ الله عز وجل الميثاق لنفسه على الأنبياء ثم أخذ لنبيه صلى الله عليه وآله على الأنبياء والأئمة عليهم السلام ثم أخذ للأنبياء على رسوله (8) ليسئل الصادقين عن صدقهم فعلنا ذلك ليسأل الله يوم القيامة الأنبياء الذين صدقوا عهدهم فيظهر صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما كأنه قيل فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين (9) يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمه الله عليكم إذ جائتكم جنود يعني الأحزاب وهم قريش وغطفان ويهود قريظة والنضير فأرسلنا عليهم ريحا ريح الدبور وجنودا لم تروها الملائكة وكان الله بما تعملون بصيرا من حفر الخندق وقرئ بالياء يعني من التحزب والمحاربة (10) إذ جاؤكم من فوقكم من أعلى الوادي ومن أسفل منكم من أسفل الوادي وإذ زاغت الابصار مالت عن مستوى نظرها حيرة وشخوصا وبلغت القلوب الحناجر رعبا فان الرية تنتفخ من شدة الروع فترتفع بارتفاعها إلى رأس الحنجرة وهي منتهى الحلقوم وتظنون بالله الظنونا الأنواع من الظن وقرئ بحذف الألف في

[ 169 ]

الوصل ومطلقا (11) هنالك ابتلى المؤمنون اختبروا فظهر المخلص من المنافق والثابت من المتزلزل وزلزلوا زلزالا شديدا من شدة الفزع (12) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله من الظفر وإعلاء الدين الا غرورا وعدا باطلا (13) وإذ قالت طائفة منهم يا اهل يثرب أهل مدينة لا مقام لكم لا موضع قيام لكم ههنا وقرئ بضم الميم على أنه مكان أو مصدر من الأقامة فارجعوا إلى منازلكم هاربين ويستاذن فريق منهم النبي للرجوع يقولون إن بيوتنا عورة غير حصينة وأصلها الخلل وما هي بعورة في المجمع عن الصادق عليه السلام بل هي رفيعة السمك حصينة والعياشي عن الباقر عليه السلام كان بيوتهم في اطراف البيوت حيث ينفرد الناس فاكذبهم قال وما هي بعورة ان يريدون الا فرارا من القتال (14) ولو دخلت عليهم من أقطارها من جوانبها ثم سئلوا الفتنة الردة ومقاتلة المسلمين لاتوها لأعطوها وقرء بالقصر وما تلبثوا بها بالفتنة أي باعطائها إلا يسيرا (15) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسؤلا عن الوفاء به (16) قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل فإنه لابد لكل أحد من حتف أنف أو قتل في وقت معين سبق به القضاء وجرى عليه القلم وإذا لا تمتعون إلا قليلا أي وإن نفعكم الفرار مثلا فمتعتم بالتأخير لم يكن ذلك التمتيع إلا تمتيعا أو زمانا قليلا (17) قل من ذا الذى يعصمكم من الله إن أراد بكم سوء أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ينفعهم ولا نصيرا يدفع الضرر عنهم

[ 170 ]

(18) قد يعلم الله المعوقين منكم المثبطين عن رسول الله صلى الله عليه وآله وهم المنافقون والقائلين لاخوانهم هلم إلينا قربوا أنفسكم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا ولا يقاتلون إلا قليلا (19) أشحة عليكم قيل بخلاء عليكم بالمعاونة أو النفقة في سبيل الله أو الظفر والغنيمة فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم في أحداقهم كالذى يغشى عليه كنظر المغشي عليه من الموت من معالجة سكرات الموت خوفا ولواذا بك فإذا ذهب الخوف وحيزت الغنايم سلقوكم ضربوكم بألسنة حداد ذربة يطلبون الغنيمة والسلق البسط والقهر باليد أو باللسان أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا إخلاصا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا هينا (20) يحسبون الاحزاب لم يذهبوا أي هؤلاء لجبنهم يظنون أن الأحزاب لم ينهزموا وقد انهزموا وإن يأت الاحزاب كرة ثانية يودوا لو أنهم بادون في الاعراب تمنوا أنهم خارجون إلى البدو وحاصلون بين الأعراب يسئلون كل قادم من جانب المدينة عن أنبائكم عما جرى عليكم ولو كانوا فيكم هذه الكرة ولم يرجعوا إلى المدينة وكان قتال ما قاتلوا إلا قليلا رياء وخوفا عن التعيير القمي نزلت هذه الايات في قصة الأحزاب من قريش والعرب الذين تحزبوا على رسول الله قال وذلك أن قريشا تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا إلى العرب وحلبوا واستفزوهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حين أجلا بني النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حي بن أخطب وهم يهود من بني هرون على نبينا وآله وعليه السلام فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حي بن أخطب إلى قريش بمكة وقال لهم إن محمدا قد وتركم ووترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا وأجلى بني عمنا بني قنيقاع فسيروا في الأرض واجمعوا حلفائكم وغيرهم حتى نسير إليهم فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبع مأة مقاتل وهم بنو قريظة وبينهم وبين محمد عهد وميثاق وأنا أحملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد

[ 171 ]

ويكونون معنا عليهم فتأتون أنتم من فوق وهم من أسفل وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين وهو الموضع الذي يسمى بئر بني المطلب فلم يزل يسير معهم حي بن أخطب في قبايل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والأقرع بن حابس في قومه وعباس بن مرداس في بني سليم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فاستشار أصحابه وكانوا سبعمأة رجل فقال سلمان الفارسي (ره) يا رسول الله إن القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة قال فما نصنع قال نحفر خندقا يكون بينك وبينهم حجابا فيمكنك معهم المطاولة ولا يمكنهم أن يأتونا من كل وجه فإنا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق فتكون الحرب من مواضع معروفة فنزل جبرئيل على رسول الله فقال أشار بصواب فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بمسحه من ناحية احد إلى راتج وجعل على كل عشرين خطوة وثلاثين خطوة قوم من المهاجرين والأنصار يحفرونه فحملت المساحي والمعاول وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وأخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه وأمير المؤمنين عليه السلام ينقل التراب من الحفرة حتى عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وعي وقال لا عيش إلا عيش الاخرة اللهم اغفر للانصار والمهاجرين فلما نظر الناس رسول الله صلى الله عليه وآله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقلوا التراب فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح فبينا المهاجرون والأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه بذلك قال جابر فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلق على قفاه ورداؤه تحت رأسه وقد شد على بطنه حجرا فقلت يا رسول الله أنه قد عرض لنا جبل لا تعمل المعاول فيه فقام مسرعا حتى جاءه ثم دعا بماء في إناء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه ثم شرب ومج من ذلك الماء في فيه ثم صبه على ذلك الحجر ثم أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصورالشام ثم ضرب اخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن ثم ضرب اخرى فبرقت برقة اخرى فنظرنا فيها إلى قصور اليمن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أما إنه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت

[ 172 ]

فيها البرق ثم انهال علينا الجبل كما ينهال الرمل فقال جابر فعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وآله مقوى أي جايع لما رأيت على بطنه الحجر فقلت يا رسول الله هل لك في الغذاء قال ما عندك يا جابر فقلت عناق وصاع من شعير فقال تقدم وأصلح ما عندك قال جابر فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها وأمرتها أن تخبز وتطبخ وتشوي فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت فقام إلى شفير الخندق ثم قال يا معاشر المهاجرين والأنصار أجيبوا جابر قال جابر وكان في الخندق سبعمأة رجل فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والأنصار إلا قال أجيبوا جابر فتقدمت وقلت لأهلي قد والله أتاك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا قبل لك به فقالت أعلمته أنت بما عندنا قال نعم قالت فهو أعلم بما أتى قال جابر فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر في القدر ثم قال اغرفي وأبقي ثم نظر في التنور ثم قال أخرجي وأبقي ثم دعا بصحفة وثرد فيها وغرف فقال يا جابر أدخل علي عشرة عشرة فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال يا جابر علي بالذراع فأتيته بالذراع فأكلوه ثم قال أدخل علي عشرة فأدخلتهم حتى أكلوا ونهلوا وما يرى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال يا جابر على بالذراع فأكلوا وخرجوا ثم قال: أدخل على عشرة فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا وما ترى في القصعة إلا آثار أصابعهم ثم قال علي بالذراع فأتيته فقلت يا رسول الله كم للشاة من الذراع قال ذراعان فقلت والذي بعثك بالحق لقد أتيتك بثلاثة فقال أما لو سكت يا جابر أكل الناس كلهم من الذراع قال جابر فأقبلت أدخل عشرة عشرة فيأكلون حتى أكلوا كلهم وبقي والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما قال وحفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق وجعل له ثمانية أبواب وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه وقدمت قريش وكنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حفر الخندق قبل قدوم قريش بثلاثة أيام وأقبلت قريش ومعهم حى بن أخطب فلما نزلوا العقيق جاء حى بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في احصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فدق باب الحصن فسمع كعب بن أسيد فقال لأهله هذا قرع الباب أخوك قد شأم قومه وجاء الان يشأ منا ويهلكنا ويأمرنا نقض العهد بيننا

[ 173 ]

وبين محمد صلى الله عليه وآله وقد وفى لنا محمد صلى الله عليه وآله وأحسن جوارنا فنزل إليه من غرفته فقال له من أنت قال حى بن أخطب قد جئتك بعز الدهر فقال كعب بل جئتني بذل الدهر فقال كعب هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بني ذبيان ولا يفلت محمد وأصحابه من هذا الجمع أبدا فافتح الباب وانقض العهد الذي بينك وبين محمد صلى الله عليه وآله فقال كعب لست بفاتح لك الباب إرجع من حيث جئت فقال حى ما يمنعك من فتح الباب إلا حشيشتك التي في التنور مخافة أن أشركك فيها فافتح فإنك امن من ذلك فقال له كعب لعنك الله لقد دخلت علي من باب دقيق ثم قال افتحوا له الباب ففتح له فقال ويلك يا كعب انقض العهد الذي بينك وبين محمد صلى الله عليه وآله ولا ترد رأيي فان محمدا لا يفلت من هذا الجمع أبدا فإن فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبدا قال فاجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة بن زيد والزبير بن ياطا فقال لهم كعب ما ترون قالوا أنت سيدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا وعقدنا فان نقضت نقضنا معك وان أقمت أقمنا معك وان خرجت خرجنا معك فقال الزبير بن ياطا وكان شيخا كبيرا مجربا وقد ذهب بصره قد قرأت التوراة التي أنزلها الله تعالى في سفرنا بأنه يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة ومهاجره في هذه البحيرة يركب الحمار العري ويلبس الشملة بالكسيرات يجترني والتميرات وهو الضحوك القتال في عينيه الحمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فان كان هو هذا فلا يهولنه هؤلاء وجمعهم ولو نادى على هذه الجبال الرواسي لغلبها فقال حى ليس هذا ذاك ذلك النبي صلى الله عليه وآله من بني اسرائيل وهذا من العرب من ولد اسماعيل ولا يكونوا بنو اسرائيل أتباعا لولد اسماعيل (عليه السلام) أبدا لأن الله قد فضلهم على الناس جميعا وجعل فيهم النبوة والملك وقد عهد إلينا موسى (عليه السلام) أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار وليس مع محمد آية وانما جمعهم جمعا وسحرهم ويريد أن يغلبهم بذلك فلم يزل يقلبهم على رأيهم حتى أجابوه فقال لهم أخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد

[ 174 ]

صلى الله عليه وآله فأخرجوه فأخذ حى بن أخطب ومزقه وقال قد وقع الأمر فتجهزوا وتهيؤوا للقتال وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فغمه غما شديدا وفزع أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ واسيد بن حصين وكانا من الأوس وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس إئتيا بني قريظة فانظرا ما صنعوا فإن كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلى وقولا عضل القارة فجاء سعد بن معاذ واسيد بن حصين إلى باب الحصن فأشرف عليهم كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله صلى الله عليه وآله فقال له سعد إنما أنت ثعلب في جحر لتولين قريش وليحا صرنك رسول لله صلى الله عليه وآله ثم لينزلنك على الصغر والقماع وليضربن عنقك ثم رجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا له عضل والقارة فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لعلنا نحن أمرناهم بذلك وذلك أنه كان على عهد رسول الله عيون لقريش يتجسسون أخباره وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب دخلا في الأسلام ثم غدرا فكان إذا غدر أحد ضرب بهما المثل فيقال عضل القارة ورجع حى ابن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله ففرحت قريش بذلك فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام فقال يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت إيماني عن الكفرة فإن أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت وإن أمرتني أن أخذل بين اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم فقال رسول الله صلى الله عليه وآله أخذل بين اليهود وبين قريش فإنه أوقع عندي قال فتأذن لي أن أقول فيك ما أريد قال قل ما بدا لك فجاء إلى أبي سفيان فقال له أتعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي أن ينصركم الله على عدوكم وقد بلغني أن محمدا قد وافق اليهود أن يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه بنو النضير وقينقاع فلا أرى أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا به إلى مكة فتأمنوا مكرهم وغدرهم فقال له أبو سفيان وفقك الله وأحسن جزاك مثلك أهدى النصايح ولم يعلم أبو سفيان بإسلام نعيم ولا أحد من اليهود ثم جاء من فوره ذلك إلى بني قريظة

[ 175 ]

فقال له يا كعب تعلم مودتي لكم وقد بلغني أن أبا سفيان قال نخرج بهؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد صلى الله عليه وآله فان ظفروا كان الذكر لنا دونهم وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب فما أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم إنهم إن لم يظفروا بمحمد صلى الله عليه وآله لم يرجعوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد صلى الله عليه وآله وبينكم لأنه إن ولت قريش ولم يظفر بمحمد غزاكم محمد صلى الله عليه وآله فتقتلكم فقالوا أحسنت وأبلغت في النصيحة لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك فقيل لهم هذا من تدبير الفارسي الذي معه فوافى عمرو ابن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد صف أصحابه بين يديه فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق إلى جانب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) فصار أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كلهم خلف وقدموا رسول الله بين أيديهم وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من إخوانه أما ترى هذا الشيطان عمروا أما والله ما يفلت من بين يديه أحد فهلموا ندفع إليه محمد صلى الله عليه وآله ليقتله ونلحق نحن بقومنا فأنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت قد يعلم الله المعوقين منكم إلى قوله تعالى وكان ذلك على الله يسيرا وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض وأقبل يجول جولة ويرتجز ويقول: ولقد بححت من النداء بجمعكم هل من مبارز * ووقفت إذ جبن الشجاع مواقف القرن المناجز إني كذلك لم أزل متسرعا نحو الهزاهز * إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز فقال رسول الله صلى الله عليه وآله من لهذا الكلب فلم يجبه أحد فوثب إليه أمير المؤمنين عليه السلام فقال أنا له يا رسول الله فقال يا علي هذا عمرو بن عبد ود

[ 176 ]

فارس نبيل (5) فقال أنا علي بن أبي طالب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ادن مني فدنا منه فعممه بيده ودفع إليه سيفه ذا الفقار وقال له إذهب وقاتل بهذا وقال اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته فمر أمير المؤمنين عليه السلام يهرول في مشيته وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز * ذو نية وبصيرة والصدق منجي كل فائز إني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز * من ضربة نجلاء يبقى صيتها بعد الهزاهز فقال له عمرو من أنت قال أنا علي بن أبي طالب ابن عم رسول لله صلى الله عليه وآله وختنه فقال والله إن أباك كان لي صديقا ونديما وإني أكره أن أقتلك ما أمن ابن عمك حين بعثك إلى أن أختطفك برمحي هذا فأتركك شائلا بين السماء والأرض لا حي ولا ميت فقال له أمير المؤمنين عليه السلام قد علم ابن عمي أنك إن قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار وإن قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة فقال عمرو وكلتاهما لك يا علي تلك إذا قسمة ضيزى فقال علي عليه السلام دع هذا يا عمرو وإني سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول لا يعرض على أحد في الحرب ثلاث خصال إلا أجبته إلى واحدة منها وأنا أعرض عليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة قال هات يا علي قال تشهد أن لا إله إلا الله محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله قال نح عني هذا فسأل الثانية فقال أن ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله صلى الله عليه وآله فإن يك صادقا فأنتم أعلا به عينا وإن يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره فقال إذا لا تتحدث نساء قريش بذلك ولا تنشد الشعراء في أشعارها أني جبنت ورجعت إلى عقبي من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم فقال له أمير المؤمنين عليه السلام فالثالثة أن تنزل إلى قتالي فإنك فارس وأنا راجل حتى انابذك فوثب عن فرسه وعرقبه وقال * خصلة ما ظننت أن أحدا من العرب يسومني عليها ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين عليه السلام بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين عليه السلام بالدرقة فقطعها وثبت السيف على رأسه فقال له علي عليه السلام أما كفاك أني بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت علي بظهير فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين عليه السلام مسرعا على ساقيه فقطعهما جميعا وارتفعت بينهما عجاجة

[ 177 ]

فقال المنافقون قتل علي بن أبي طالب عليه السلام ثم انكشفت العجاجة ونظروا فإذا أمير المؤمنين عليه السلام على صدره وقد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه ثم أخذ رأسه وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول والرأس بيده أنا ابن عبد المطلب * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي ماكرته قال نعم يا رسول الله الحرب خديعة وبعث رسول الله صلى الله عليه وآله الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلقت هامته وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال له ضرار ويلك يا ابن صهاك أترميني في مبارزة والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة إلا قتلته فانهزم عند ذلك عمر ومر نحوه ضرار وضربه ضرار على رأسه بالقناة ثم قال احفظها يا عمر فإني آليت أن لا أقتل قرشيا ما قدرت عليه فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولى ولاه فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما فقال أبو سفيان لحى بن أخطب ويلك يا يهودي أين قومك فسار حى بن أخطب إليهم فقال ويلكم اخرجوا فقد نابذكم محمد الحرب فلا أنتم مع محمد صلى الله عليه وآله ولا أنتم مع قريش فقال كعب لسنا خارجين حتى تعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا إنهم إن لم يظفروا بمحمد صلى الله عليه وآله لم يبرحوا حتى يرد محمد علينا عهدنا وعقدنا فإنا لا نأمن أن تفر قريش ونبقى نحن في عقر دارنا ويغزونا محمد صلى الله عليه وآله فيقتل رجالنا ويسبي نساءنا وذرارينا وإن لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا فقال له حي بن أخطب تطمع في غير مطمع قد نابذت العرب محمد الحرب فلا أنتم مع محمد صلى الله عليه وآله ولا أنتم مع قريش فقال كعب هذا من شومك إنما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا ويغزونا محمد صلى الله عليه وآله فقال له هل لك عهد الله علي وعهد موسى أنه إن لم تظفر قريش بمحمد صلى الله عليه وآله إني أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك فقال كعب هو الذي قد قلته لك إن أعطتنا قريش أشرافهم رهنا يكونون عندنا وإلا لم نخرج فرجع حى بن

[ 178 ]

أخطب إلى قريش فأخبرهم فلما قال يسألون الرهن قال أبو سفيان هذا والله أول الغدر قد صدق نعيم بن مسعود لا حاجة لنا في إخوان القردة والخنازير فلما طال على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الأمر واشتد عليهم الحصار وكانوا في برد شديد وأصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفا شديدا وتكلم المنافقون بما حكى الله عز وجل عنهم ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إلا نافق إلا القليل وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله أخبر أصحابه أن العرب تتحزب علي ويجيئوننا من فوق وتغدر اليهود وتخافهم من أسفل وأنه يصيبهم جهد شديد ولكن يكون العاقبة لي عليهم فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا يا رسول الله تأذن لنا أن نرجع إلى دورنا فإنها في أطراف المدينة وهي عورة ونخاف اليهود أن يغيروا عليها وقال قوم هلموا فنهرب ونصير في البادية ونستجير بالأعراب فإن الذى كان يعدنا محمد صلى الله عليه وآله كان باطلا كله ورسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه أن يحرسوا المدينة بالليل وكان أمير المؤمنين عليه السلام على العسكر كله بالليل يحرسهم فإن تحرك أحد من قريش نابذهم وكان أمير المؤمنين عليه السلام يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلي فإذا أصبح رجع إلى مركزه ومسجد أمير المؤمنين عليه السلام هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلي فيه وهو من مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة النشاب فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم فدعا الله عز وجل وناجاه فيما وعده وكان مما دعاه أن قال يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم أنت مولاي ووليي وولي آبائى الأولين إكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا واصرف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك فنزل جبرئيل فقال يا محمد إن الله عز وجل قد سمع مقالتك وأجاب دعوتك وأمر الدبور وهي الريح مع الملائكة أن تهزم قريشا والأحزاب وبعث الله عز وجل على قريش الدبور فانهزموا وقلعت أخبيتهم ونزل جبرئيل (عليه السلام) فأخبره بذلك فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة

[ 179 ]

ابن اليمان رضى الله عنه وكان قريبا منه فلم يجبه ثم ناداه ثانيا فلم يجبه ثم ناداه ثالثا فقال لبيك يا رسول الله قال أدعوك فلا تجيبني قال يا رسول الله بأبي أنت وأمي من الخوف والبرد والجوع فقال ادخل في القوم وائتني بأخبارهم ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلي فإن الله عز وجل قد أخبرني أنه قد أرسل الرياح على قريش وهزمهم قال حذيفة فمضيت وأنا أنتفض من البرد فوالله ما كان إلا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في الحمام فقصدت خبأ عظيما فإذا نار تخبو وتوقد وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلى خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد ويقول يا معشر قريش إن كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد صلى الله عليه وآله فلا طاقة لنا بأهل السماء وإن كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم ثم قال لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا قال حذيفة فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني من أنت فقال أنا عمرو بن العاص ثم قلت للذي عن يساري من أنت قال أنا معاوية وإنما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة فلولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لا تحدث حدثا حتى ترجع إلي لقدرت أن أقتله ثم قال أبو سفيان لخالد ابن الوليد يا با سليمان لا بد من أن اقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس ثم قال ارتحلوا إنا مرتحلون ففروا منهزمين فلما أصبح رسول الله (ص) قال لأصحابه لا تبرحوا فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقي رسول الله (ص) في نفر يسير وكان ابن عرقد الكناني رمى سعد بن معاذ بسهم في الخندق فقطع أكحله فنزفه الدم فقبض سعد على أكحله بيده ثم قال اللهم إن كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فأبقني لها فلا أجد أحب إلي من محاربتهم من قوم حاربوا الله ورسوله وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة فأمسك الدم وتورمت يده وضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه فأنزل الله عز وجل يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمه الله عليكم الآيات إلى قوله إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم يعني بني قريظة حين غدروا وخافهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله إذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر إلى قوله إن

[ 180 ]

يريدون إلا فرارا وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فإنها في أطراف المدينة ونخاف اليهود عليها فأنزل الله فيهم إن بيوتنا عورة إلى قوله وكان ذلك على الله يسيرا ونزلت هذه الاية في الثاني لما قال لعبد الرحمان بن عوف هلم ندفع محمد صلى الله عليه وآله إلى قريش فنلحق نحن بقومنا (21) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة في أفعاله وأخلاقه كثباته في الحرب ومقاساته للشدائد وغير ذلك وقرء بضم الهمزة لمن كان يرجوا الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا قرن بالرجاء كثرة الذكر المؤدية إلى ملازمة الطاعة فإن المؤتسي بالرسول من كان كذلك (22) ولما راى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله القمي وصف الله المؤمنين المصدقين بما أخبرهم رسول الله صلى الله عليه وآله ما يصيبهم في الخندق من الجهد وما زادهم قال يعني ذلك البلاء والجهد والخوف إلا إيمانا وتسليما روى أن النبي صلى الله عليه وآله قال سيشتد الأمر باجتماع الأحزاب عليكم والعاقبة لكم عليهم وقال إنهم سائرون اليكم بعد تسع أو عشر (23) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وفوا بعهدهم فمنهم من قضى نحبه نذره والنحب النذر استعير للموت لأنه كنذر لازم في الرقبة ومنهم من ينتظر الشهادة وما بدلوا العهد ولا غيروه تبديلا شيئا من التبديل فيه تعريض لأهل النفاق ومرض القلب بالتبديل القمي عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى رجال صدقوا قواما عاهدوا الله عليه قال الا يفروا أبدا فمنهم من قضى نحبه أي أجله وهو حمزة وجعفر بن أبي طالب ومنهم من ينتظر أجله يعني عليا عليه السلام وفي الخصال عنه عليه السلام عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث له مع

[ 181 ]

يهودي قال ولقد كنت عاهدت الله تعالى ورسوله أنا وعمي حمزة وأخي جعفر وابن عمي عبيدة على أمر وفينا به لله تعالى ولرسوله فتقدمني أصحابي وتخلفت بعدهم لما أراد الله تعالى فأنزل الله تعالى فينا من المؤمنين رجال صدقوا الاية وفي المجمع عن علي عليه السلام قال فينا نزلت رجال صدقوا قال فأنا والله المنتظر وما بدلت تبديلا وفي سعد السعود عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى وكونوا مع الصادقين قال كونوا مع علي بن أبي طالب وآل محمد صلوات الله عليهم قال الله تعالى من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه وهو حمزة بن عبد المطلب ومنهم من ينتظر وهو علي عليه السلام يقول الله وما بدلوا تبديلا وفي المناقب أن أصحاب الحسين عليه السلام بكربلاء كانوا كل من أراد الخروج ودع الحسين عليه السلام وقال السلام عليك يا ابن رسول الله فيجيبه وعليك السلام ونحن خلفك ويقرء فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وفي الكافي عن الصادق عليه السلام المؤمن مؤمنان فمؤمن صدق بعهد الله ووفى بشرطه وذلك قول الله عز وجل رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه وذلك الذي لا يصيبه أهوال الدنيا ولا أهوال الاخرة وذلك ممن يشفع ولا يشفع له ومؤمن كحامة الزرع يعوج أحيانا ويقوم أحيانا فذلك ممن يصيبه أهوال الدنيا وأهوال الاخرة وذلك ممن يشفع له ولا يشفع وعنه عليه السلام لقد ذكركم الله في كتابه فقال من المؤمنين رجال صدقوا الاية إنكم وفيتم بما أخذ الله عليه ميثاقكم من ولايتنا وإنكم لما تبدلون بنا غيرنا وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي من أحبك ثم مات فقد قضى نحبه ومن أحبك ولم يمت فهو ينتظر وما طلعت شمس ولا غربت إلا طلعت عليه برزق وايمان وفي نسخة نور (24) ليجزى الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين المبدلين إن شآء أو يتوب عليهم إن تابوا أو يوفقهم للتوبة إن الله كان غفورا رحيما لمن تاب

[ 182 ]

(25) ورد الله الذين كفروا يعني الأحزاب بغيظهم متغيظين لم ينالوا خيرا غير ظافرين وكفى الله المؤمنين القتال في المجمع عن الصادق عليه السلام بعلى بن أبي طالب عليه السلام وقتله عمرو بن عبد ود فكان ذلك سبب هزيمة القوم وكان الله قويا على إحداث ما يريده عزيزا غالبا على كل شئ (26) وأنزل الذين ظاهروهم ظاهروا الأحزاب القمي نزلت في بني قريظة من أهل الكتاب من صياصيهم من حصونهم وقذف في قلوبهم الرعب الخوف فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (27) وأورثكم أرضهم وديارهم مزارعهم وحصونهم وأموالهم نقودهم ومواشيهم وأثاثهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا، القمي فلما دخل رسول الله صلى الله عليه وآله المدينة واللواء معقود أراد أن يغتسل من الغبار فناداه جبرئيل عذيرك من محارب والله ما وضعت الملائكة لامتها فكيف تضع لامتك إن الله عز وجل يأمرك أن لا تصلي العصر إلا ببني قريظة فإني متقدمك ومزلزل بهم حصنهم إنإ كنا في آثار القوم نزجرهم زجرا حتى بلغوا حمراء الأسد فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فاستقبله حارثة بن نعمان فقال له ما الخبر يا حارثة فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله هذا دحية الكلبي ينادي في الناس ألا لا يصلين العصر احد إلا في بني قريظة فقال ذاك جبرئيل ادعوا عليا عليه السلام فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فقال له ناد في الناس لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فنادى فيهم فخرج الناس فبادروا إلى بني قريظة فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام بين يديه مع الراية العظمى وكان حى بن أخطب لما انهزمت قريش جاء فدخل حصن بني قريظة فجاء أمير المؤمنين عليه السلام فأحاط بحصنهم فأشرف عليهم كعب بن اسيد من الحصن يشتمهم ويشتم رسول الله صلى الله عليه وآله فأقبل رسول الله صلى الله عليه وآله على حمار فاستقبله أمير المؤمنين عليه السلام فقال بأبي أنت وأمي يا رسول الله لا تدن من الحصن فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي لعلهم شتموني إنهم لو رأوني لأذلهم الله ثم دنا رسول الله صلى الله عليه وآله من حصنهم فقال يا إخوة القردة

[ 183 ]

والخنازير وعبدة الطاغوت أتشتموني إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباحهم فأشرف عليهم كعب بن اسيد من الحصن فقال والله يا أبا القاسم ما كنت جهولا فاستحيى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى سقط الرداء من ظهره حياء مما قاله وكان حول الحصن نخل كثير فأشار إليه رسول الله بيده فتباعد عنه وتفرق في المفازة وأنزل رسول الله صلى الله عليه وآله العسكر حول حصنهم فحاصرهم ثلاثة أيام فلم يطلع أحد منهم رأسه فلما كان بعد ثلاثة أيام نزل إليه غزال بن شمول فقال يا محمد تعطينا ما أعطيت إخواننا من بني النضير أحقن دماءنا ونخلي لك البلاد وما فيها ولا نكتمك شيئا فقال لا أو تنزلون على حكمي فرجع وبقوا أياما فبكى النساء والصبيان إليهم وجزعوا جزعا شديدا فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم رسول الله فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بالرجال فكتفوا وكانوا سبعمأة وأمر بالنساء فعزلوا وقامت الأوس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا يا رسول الله حلفاؤنا وموالينا من دون الناس نصرونا على الخروج في المواطن كلها وقد وهبت لعبد الله بن ابي سبعمأة ذارع وثلاث مأة حاسر في صبيحة واحدة وليس نحن بأقل من عبد الله بن ابي فلما أكثروا على رسول الله صلى الله عليه وآله قال لهم أما ترضون أن يكون الحكم فيهم إلى رجل منكم فقالوا بلى ومن هو قال سعد بن معاذ قالوا قد رضينا بحكمه فأتوا به في محفة (1) واجتمعت الأوس حوله يقولون له يا أبا عمرو اتق الله وأحسن في حلفائك ومواليك فقد نصرونا ببغاث والحدائق والمواطن كلها فلما أكثروا عليه قال لقد آن لسعد أن لا يأخذه في الله لومة لائم فقالت الأوس واقوماه ذهبت والله بنو قريظة اخر الدهر وبكى النساء والصبيان إلى سعد فلما سكتوا قال لهم سعد يا معشر اليهود أرضيتم بحكمي فيكم قالوا بلى قد رضينا بحكمك والله قد رجونا نصفك ومعروفك وحسن نظرك فعاد عليهم القول فقالوا بلى يا أبا عمرو فالتفت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله إجلالا له فقال له ما ترى بأبي أنت وأمي يا رسول الله فقال احكم فيهم يا سعد فقد رضيت بحكمك فيهم فقال قد حكمت يا رسول الله أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم وتقسم


(1) المحفة - بالكسر -: مركب للنساء كالهودج إلا أنها لا تقبب. (*)

[ 184 ]

غنائمهم وأموالهم بين المهاجرين والأنصار فقام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال قد حكمت بحكم الله عز وجل فوق سبعة أرقعة ثم انفجر جرح سعد بن معاذ فما زال ينزفه الدم حتى قضى وساقوا الاسارى إلى المدينة فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله باخدود فحفرت بالبقيع فلما أمسى أمر بإخراج رجل رجل فكان يضرب عنقه فقال حى بن أخطب لكعب بن اسيد ما ترى يصنع بهم فقال له ما يسؤك أما ترى الداعي لا يطلع والذي يذهب لا يرجع فعليكم بالصبر والثبات على دينكم فأخرج كعب ابن اسيد مجموعة يده إلى عنقه وكان جميلا وسيما فلما نظر إليه رسول الله صلى الله عليه وآله قال له يا كعب أما نفعك وصية ابن الحواس الحبر الذكي الذي قدم عليكم من الشام فقال تركت الخمر والخمير وجئت إلى البؤس والتمور لنبي يبعث مخرجه بمكة ومهاجره في هذه البحيرة يجتزني بالكسيرات والتميرات ويركب الحمار العري في عينيه حمرة وبين كتفيه خاتم النبوة يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى منكم يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر فقال قد كان ذلك يا محمد ولولا أن اليهود يعيروني أني جزعت عند القتل لامنت بك وصدقتك ولكني على دين اليهود عليه أحيى وعليه أموت فقال رسول الله صلى الله عليه وآله قدموه فاضربوا عنقه فضربت ثم قدم حى بن أخطب فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله يا فاسق كيف رأيت صنع الله بك فقال والله يا محمد ما ألوم نفسي في عداوتك ولقد قلقلت كل مقلقل وجهدت كل الجهد ولكن من يخذله الله يخذل ثم قال حين قدم للقتل لعمري ما لام ابن أخطب نفسه ولكنه من يخذله الله يخذل فقدم وفضربت عنقه فقتلهم رسول الله صلى الله عليه وآله في البردين (1) بالغداة والعشي في ثلاثة أيام وكان يقول اسقوهم العذب وأطعموهم الطيب وأحسنوا اساراهم حتى قتلهم كلهم فأنزل الله عز وجل على رسوله فيهم وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم الاية أي من حصونهم (28) يا ايها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا السعة والتنعم فيها وزينتها وزخارفها فتعالين أمتعكن أعطكن المتعة وأسرحكن سراحا جميلا طلاقا من غير ضرار وبدعة برغبة


(1) الابردان: الغداة والعشي. (*)

[ 185 ]

(29) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما استحقر دونه الدنيا وزينتها القمي كان سبب نزولها أنه لما رجع رسول الله صلى الله عليه وآله من غزوة خيبر وأصاب كنز آل أبي الحقيق قلن أزواجه أعطنا ما أصبت فقال لهن رسول الله صلى الله عليه وآله قسمته بين المسلمين على ما أمر الله عز وجل فغضبن من ذلك قلن لعلك ترى أنك إن طلقتنا أن لا نجد الأكفاء من قومنا يتزوجونا فأنف الله لرسوله فأمره أن يعتزلهن فاعتزلهن رسول الله صلى الله عليه وآله في مشربة أم إبراهيم تسعة وعشرين يوما حتى حضن وطهرن ثم أنزل الله عز وجل هذه الاية وهي آية التخيير فقامت ام سلمة أول من قامت فقالت قد اخترت الله ورسوله فقمن كلهن فعانقنه وقلن مثل ذلك فأنزل الله تعالى ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء الاية قال الصادق عليه السلام من آوى فقد نكح ومن أرجى فقد طلق فقوله عز وجل ترجى من تشاء منهن مع هذه الاية يا ايها النبي قل لازواجك الاية وقد أخرت عنها في التأليف وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في عدة روايات أن زينب بنت جحش قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله لا تعدل وأنت نبي فقال تربت يداك إذا لم أعدل من يعدل قالت دعوت الله يا رسول الله لتقطع يداي فقال لا ولكن لتتربان فقالت إنك إن طلقتنا وجدنا في قومنا أكفاء فاحتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله تسعا وعشرين ليلة قال فأنف الله لرسوله فأنزل الله عز وجل يا ايها النبي قل لازواجك الايتين فاخترن الله ورسوله ولم يكن شئ ولو اخترن أنفسهن لبن وعن الصادق عليه السلام أن زينب قالت لرسول الله صلى الله عليه وآله لا تعدل وأنت رسول الله وقالت حفصة إن طلقتنا وجدنا أكفاءنا من قومنا فاحتبس الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وآله عشرين يوما قال فأنف الله لرسوله فأنزل يا ايها النبي قل لازواجك الايتين قال فاخترن الله ورسوله ولو اخترن انفسهن لبن وإن اخترن

[ 186 ]

الله ورسوله فليس بشئ وعنه عليه السلام أن بعض نساء النبي صلى الله عليه وآله قالت أيرى محمد صلى الله عليه وآله أنه لو طلقنا ان لا نجد الأكفاء من قومنا قال فغضب الله عز وجل له من فوق سبع سموات فأمره فخيرهن حتى انتهى إلى زينب بنت جحش فقامت فقبلته وقالت أختار الله ورسوله وعنه عليه السلام أنه سئل عن رجل خير امرأته فاختارت نفسها بانت قال لا إنما هذا شئ كان لرسول الله صلى الله عليه وآله خاصة امر بذلك ففعل ولو اخترن أنفسهن لطلقهن وهو قول الله تعالى قل لازواجك إن كنتن الاية (30) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة ظاهر قبحها يضاعف لها العذاب ضعفين ضعفي عذاب غيرهن أي مثليه لأن الذنب منهن أقبح وقرء يضعف بتشديد العين وبالنون ونصب العذاب وكان ذلك على الله يسيرا لا يمنعه عن التضعيف كونهن نساء النبي وكيف وهو سببه القمي عن الصادق عليه السلام قال الفاحشة الخروج بالسيف (31) ومن يقنت منكن ومن يدم على الطاعة لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين مرة على الطاعة ومرة على طلبهن رضاء لنبي صلى الله عليه وآله بالقناعة وحسن المعاشرة وغير ذلك وقرء نعمل ونؤتها بالنون فيهما وأعتدنا لها رزقا كريما في الجنة زيادة على أجرها القمي عن الباقر عليه السلام قال كل ذلك في الاخرة حيث يكون الأجر يكون العذاب (32) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن الله فلا تخضعن بالقول قيل فلا تجبن بقولكن خاضعا لينا مثل قول المريبات فيطمع الذى في قلبه مرض فجور وقلن قولا معروفا حسنا بعيدا عن الريبة (33) وقرن في بيوتكن من الوقار أو القرار وقرء بفتح القاف ولا تبرجن تبرج

[ 187 ]

الجاهلية الاولى في الأكمال عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث أن يوشع ابن نون وصي موسى عليه السلام عاش بعد موسى ثلاثين سنة وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى عليه السلام فقالت أنا أحق منك بالأمر فقاتلها فقتل مقاتلتها وأحسن أسرها وأن ابنة أبي بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من امتي فيقاتلها فيقتل مقاتلتها ويأسرها فيحسن أسرها وفيها أنزل الله تعالى وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى يعني صفراء بنت شعيب والقمي عن الصادق عن أبيه عليهما السلام في هذه الاية قال أي سيكون جاهلية اخرى وأقمن الصلوة وآتين الزكوة وأطعن الله ورسوله في سائر ما أمركن به ونهاكن عنه إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا القمي ثم انقطعت مخاطبة نساء النبي صلى الله عليه وآله وخاطب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله فقال إنما يريد الله الاية ثم عطف على نساء النبي صلى الله عليه وآله فقال واذكرن ما يتلى ثم عطف على آل محمد صلوات الله عليهم فقال إن المسلمين الاية وعن الباقر عليه السلام نزلت هذه الاية في رسول الله صلى الله عليه وآله وعلي ابن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام وذلك في بيت ام سلمة زوجة النبي صلى الله عليه وآله فدعا رسول الله صلى الله عليه وآله أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين صلوات الله عليهم ثم ألبسهم كساء له خيبريا ودخل معهم فيه ثم قال اللهم هؤلاء أهل بيتي الذين وعدتني فيهم ما وعدتني اللهم أذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقالت أم سلمة وأنا معهم يا رسول الله قال أبشري يا ام سلمة فإنك على خير وعن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام أن جهالا من الناس يزعمون إنه إنما أراد الله بهذه الاية أزواج النبي صلى الله عليه وآله وقد كذبوا وأثموا وأيمن الله ولو عنى أزواج النبي صلى الله عليه وآله لقال ليذهب عنكن الرجس ويطهركن تطهيرا كان الكلام مؤنثا كما قال واذكرن ما يتلى في بيوتكن ولا تبرجن ولستن كأحد من النساء

[ 188 ]

والعياشي عن الباقر عليه السلام ليس شئ أبعد من عقول الرجال من تفسير القرآن إن الاية ينزل أولها في شئ وأوسطها في شئ وآخرها في شئ ثم قال إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا من ميلاد الجاهلية وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال يعني الأئمة عليهم السلام وولايتهم من دخل فيها دخل في بيت النبي صلى الله عليه وآله وعنه عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في حديث أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي فإني سألت الله عز وجل أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما على الحوض فأعطاني ذلك وقال لا تعلموهم فإنهم أعلم منكم وقال إنهم لن يخرجوكم من باب هدى ولن يدخلوكم في باب ضلالة قال فلو سكت رسول الله صلى الله عليه وآله ولم يبين من أهل بيته لادعاها آل فلان وآل فلان ولكن الله عز وجل أنزل في كتابه لنبيه صلى الله عليه وآله إنما يريد الله الاية وكان علي والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فأدخلهم رسول الله صلى الله عليه وآله تحت الكساء في بيت ام سلمة ثم قال اللهم إن لكل نبي أهلا وثقلا وهؤلاء أهل بيتي وثقلي فقالت أم سلمة ألست من أهلك فقال إنك إلى خير ولكن هؤلاء أهلي وثقلي وقال في آخر الحديث الرجس هو الشك والله لا نشك في ربنا أبدا وفي الخصال في احتجاج علي عليه السلام على أبي بكر قال فأنشدك بالله ألي ولأهلي وولدي آية التطهير من الرجس أم لك ولأهل بيتك قال بل لك ولأهل بيتك قال فأنشدك بالله أنا صاحب دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وأهلي وولدي يوم الكساء اللهم هؤلاء أهلي إليك لا إلى النار أم أنت قال بل أنت وأهل بيتك وفي احتجاجه عليه السلام على الناس يوم الشورى قال أنشدكم بالله هل فيكم أحد أنزل الله فيه آية التطهير على رسوله إنما يريد الله الاية فأخذ رسول الله صلى الله عليه وآله كساء خيبريا فضمني وفيه فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ثم قال يا رب هؤلاء أهل بيتى فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا غيري قالوا اللهم لا وفي الأكمال عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال في جمع من المهاجرين

[ 189 ]

والأنصار في المسجد أيام خلافة عثمان أيها الناس أتعلمون أن الله عز وجل أنزل في كتابه إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فجمعني وفاطمة وابني حسنا وحسينا عليهم السلام وألقى علينا كساه وقال اللهم إن هؤلاء أهل بيتي ولحمتي يؤلمني ما يؤلمهم ويحزنني ما يحزنهم ويخرجني ما يخرجهم فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا فقالت ام سلمة وأنا يا رسول الله فقال أنت أو إنك على خير إنما انزلت في وفي أخي وفي ابنتي وفي ابني وفي تسعة من ولد ابني الحسين عليهم السلام خاصة ليس معنا احد غيرنا فقالوا كلهم نشهد أن ام سلمة حدثتنا بذلك فسألنا رسول الله فحدثنا كما حدثتنا أم سلمة رضى الله عنها وفي العلل عن الصادق عليه السلام نزلت هذه الاية في النبي وأمير المؤمنين والحسن والحسين وفاطمة عليهم السلام فلما قبض الله عز وجل نبيه كان أمير المؤمنين ثم الحسن ثم الحسين عليهم السلام ثم وقع تأويل هذه الاية وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله وكان علي بن الحسين عليهما السلام ثم جرت في الأئمة من ولده الأوصياء عليهم السلام فطاعتهم طاعة الله ومعصيتهم معصية الله عز وجل أقول: الروايات في نزول هذه الاية في شأن الخمسة أصحاب العباء من طريق الخاصة والعامة أكثر من أن يحصى وقد ذكر في المجمع من طريق العامة منها ما ذكر من أراده فليطلبه منه (34) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من ايات الله والحكمة من الكتاب الجامع بين الأمرين إن الله كان لطيفا خبيرا (35) إن المسلمين والمسلمات الداخلين في السلام المنقادين لحكم الله والمؤمنين والمؤمنات المصدقين بما يجب أن يصدق في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله المسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه والمؤمن من أمن جاره بوائقه وما آمن بي من بات شبعان وجاره طاو

[ 190 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إن الأيمان ما وقر في القلوب والأسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء والأيمان يشارك الأسلام والأسلام لا يشارك الأيمان أقول: ويؤيد هذا قول الله سبحانه قالت الاعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم والقانتين والقانتات المداومين على الطاعة والصادقين والصادقات في القول والعمل والصابرين والصابرات على الطاعات وعن المعاصي والخاشعين والخاشعات المتواضعين لله بقلوبهم وجوارحهم والمتصدقين والمتصدقات من أموالهم ابتغاء مرضات الله والصائمين والصائمات لله بنية صادقة والحافظين فروجهم والحافظات عن الحرام والذاكرين الله كثيرا والذاكرت بقلوبهم وألسنتهم أعد الله لهم مغفرة لذنوبهم وأجرا عظيما على طاعتهم وفي المجمع عن مقاتل بن حيان لما رجعت أسماء بنت عميس من الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب دخلت على نساء رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت هل نزل فينا شئ من القرآن قلن لا فأتت رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله إن النساء لفي خيبة وخسار فقال ومم ذلك قالت لأنهن لا يذكرن بخير كما يذكر الرجال فأنزل الله تعالى هذه الاية (36) وما كان ما صح لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون وقرء بالياء لهم الخيرة من أمرهم أن يختاروا من أمرهم شيئا بل يجب أن يجعلوا اختيارهم تبعا لاختيار الله ورسوله والخيرة ما يتخيره وقد مر في هذه الاية حديث في سورة القصص ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا القمي عن الباقر عليه السلام وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله خطب على زيد بن حارثة زينب بنت جحش الأسدية من بني أسد بن خزيمة وهي بنت عمة النبي صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله حتى اوامر نفسي فأنزل الله عز وجل وما كان لمؤمن ولا مؤمنة الاية فقالت يا رسول الله أمري بيدك فزوجها إياه الحديث ويأتي تمامه عن قريب

[ 191 ]

(37) وإذ تقول للذى أنعم الله عليه بالأسلام وأنعمت عليه بالعتق وهو زيد بن حارثة أمسك عليك زوجك زينب واتق الله في أمرها فلا تطلقها وتخفى في نفسك ما الله مبديه وهو أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها وتخشى الناس تعييرهم إياك به والله أحق أن تخشه إن كان فيه ما يخشى في المجمع عن السجاد عليه السلام أن الذي أخفاه في نفسه هو أن الله سبحانه أعلمه أنها ستكون من أزواجه وأن زيدا سيطلقها فلما جاء زيد وقال له اريد أن أطلق زينب قال له أمسك عليك زوجك فقال سبحانه لم قلت أمسك عليك زوجك وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك فلما قضى زيد منها وطرا حاجة بحيث ملها ولم يبق له فيها حاجة وطلقها وانقضت عدتها (1) زوجناكها وقرء في الشواذ زوجتكها وفي الجوامع أنها قراءة أهل البيت عليهم السلام قال: قال الصادق عليه السلام ما قرأتها على أبي إلا كذلك إلى أن قال وما قرء علي عليه السلام على النبي صلى الله عليه وآله إلا كذلك قال وروي أن زينب كانت تقول للنبي صلى الله عليه وآله إني لأدل عليك بثلث ما من نسائك امرأة تدل بهن جدي وجدك واحد وزوجنيك الله والسفير جبرئيل لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا علة لللتزويج وكان أمر الله مفعولا (38) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله تم له وقدر القمي عن الباقر عليه السلام في تمام الحديث السابق قال فزوجها إياه فمكث عند زيد ما شاء الله ثم أنهما تشاجرا في شئ إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فنظر إليها رسول الله صلى الله عليه وآله فأعجبته فقال زيد يا رسول الله أتأذن لي في طلاقها فإن فيها كبرا وإنها لتؤذيني بلسانها فقال رسول الله (ص) اتق الله وأمسك عليك زوجك وأحسن إليها ثم إن زيدا طلقها وانقضت عدتها فأنزل الله عز وجل نكاحها على رسوله قال وروي فيه أيضا غير هذا وقد نقلناه عند قوله تعالى وما جعلنا أدعيائكم أبنائكم في أول هذه السورة


(1) عدتها: ولم يكن في قلبه ميل إليها ولا وحشة من فراقها (*)

[ 192 ]

أقول: قد ذكرنا هناك تلك الرواية وفي العيون عن الرضا عليه السلام في حديث عصمة الأنبياء قال وأما محمد وقول الله عز وجل وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشيه فإن الله تعالى عرف نبيه صلى الله عليه وآله أسماء أزواجه في دار الدنيا وأسماء أزواجه في الاخرة وإنهن امهات المؤمنين واحدى من سمى له زينب بنت جحش وهي يومئذ تحت زيد بن حارثة فأخفى اسمها في نفسه ولم يبده لكيلا يكون أحد من المنافقين يقول أنه قال في إمرأة في بيت رجل أنها إحدى أزواجه من أمهات المؤمنين وخشى قول المنافقين قال الله عز وجل وتخشى الناس والله أحق أن تخشيه يعني في نفسك وأن الله عز وجل ما تولى تزويج أحد من خلقه إلا تزويج حوا من آدم وزينب من رسول الله بقوله عز وجل فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها وفاطمة من علي عليه السلام وعنه عليه السلام في حديث آخر في عصمة الأنبياء أيضا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قصد دار زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي في أمر أراده فرأى إمرأته تغتسل فقال لها سبحان الذي خلقك وإنما أراد بذلك تنزيه الله عن قول من زعم أن الملائكة بنات الله فقال الله عز وجل فأصفيكم ربكم بالبنين واتخذ من الملئكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما فقال النبي صلى الله عليه وآله لما رآها تغتسل سبحان الله الذي خلقك أن يتخذ ولدا يحتاج إلى هذا التطهير والأغتسال فلما عاد إلى منزله أخبرته امرأته بمجئ الرسول وقوله لها سبحان الله الذي خلقك فلم يعلم زيد ما أراد بذلك فظن أنه قال ذلك لما اعجب من حسنها فجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال يا رسول الله إن امرئتي في خلقها سوء وإني أريد طلاقها فقال له النبي (ص) أمسك عليك زوجك واتق الله الاية وقد كان الله عز وجل عرفه عدد أزواجه وأن تلك المرأة منهن فأخفى ذلك في نفسه ولم يبده لزيد وخشى الناس أن يقولوا أن محمدا صلى الله عليه وآله يقول لمولاه أن امرأتك ستكون لي زوجة فيعيبونه بذلك فأنزل الله وإذ تقول للذى أنعم الله عليه يعني بالأسلام وأنعمت عليه يعني بالعتق أمسك عليك زوجك الاية ثم إن زيد بن حارثة طلقها واعتدت منه فزوجها الله تعالى من نبيه صلى الله عليه وآله وأنزل بذلك قرانا فقال عز وجل فلما قضى زيد وطرا الاية ثم علم عز وجل أن

[ 193 ]

المنافقين سيعيبونه بتزويجها فأنزل ما كان على النبي صلى الله عليه وآله من حرج فيما فرض الله له سنة الله سن ذلك سنة في الذين خلوا من قبل من الأنبياء وهي نفي الحرج عنهم فيما أباح لهم وكان أمر الله قدرا مقدورا قضاء مقضيا وحكما قطعيا (39) الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا فينبغي أن لا يخشى إلا منه (40) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم في الحقيقة فيثبت بينه وبينه ما بين الولد وولده من حرمة المصاهرة وغيرها القمي نزلت في زيد بن حارثة قالت قريش يعيرنا محمد بدعي بعضنا بعضا وقد إدعى هو زيدا أقول: لا ينتقض عمومه بكونه أبا للقاسم والطيب والطاهر وإبراهيم لأنهم لم يبلغوا مبلغ الرجال ولو بلغوا كانوا رجاله لا رجالهم وكذلك لا ينتقض بكونه أبا للأئمة المعصومين عليهم السلام لأنهم رجاله ليسوا برجال الناس مع أنهم لا يقاسون بالناس في المجمع قد صح أنه صلى الله عليه وآله قال للحسن إن ابني هذا سيد وقال أيضا للحسن والحسين عليهما السلام ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا أقول: يعني قاما بالأمامة أو قعدا عنها وقال إن كل بني بنت ينسبون إلى أبيهم إلا أولاد فاطمة فإني أنا أبوهم وقد مضى في سورتي النساء والأنعام ما يدل على أنهما ابنا رسول الله صلى الله عليه وآله ولكن رسول الله وكل رسول أبو امته لا مطلقا بل من حيث أنه شفيق ناصح لهم واجب التوقير والطاعة عليهم وزيد منهم وليس بينه وبينه ولادة محرمة للمصاهرة وغيرها وخاتم النبيين وآخرهم الذي ختمهم أو ختموا على اختلاف القراءتين في المناقب عن النبي صلى الله عليه وآله قال أنا خاتم الأنبياء وأنت يا علي خاتم الأولياء وقال أمير المؤمنين عليه السلام ختم محمد صلى الله عليه وآله ألف نبي وإني ختمت ألف وصي وأني كلفت ما لم يكلفوا وكان الله بكل شئ عليما فيعلم

[ 194 ]

من يليق أن يختم به النبوة وكيف ينبغي شأنه (41) يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا يغلب الأوقات ويعم أنواع ما هو أهله من التقديس والتمجيد والتهليل والتحميد (42) وسبحوه بكرة وأصيلا أول النهار وآخره خصوصا لفضلهما على سائر الأوقات لكونهما مشهودين في الكافي عن الصادق عليه السلام قال ما من شئ إلا وله حد ينتهي إليه إلا الذكر فليس له حد ينتهي إليه فرض الله الفرائض فمن أداهن فهو حدهن وشهر رمضان فمن صامه فهو حده والحج فمن حج فهو حده إلا الذكر فإن الله عز وجل لم يرض منه بالقليل ولم يجعل له حدا ينتهي إليه وعنه عليه السلام شيعتنا الذين إذا خلوا ذكروا الله كثيرا وعنه عليه السلام تسبيح فاطمة الزهراء من الذكر الكثير الذي قال الله اذكروا الله ذكرا كثيرا والأخبار في الذكر الكثير أكثر من أن تحصى (43) هو الذى يصلى عليكم بالرحمة وملئكته بالأستغفار لكم والأهتمام بما يصلحكم ليخرجكم من الظلمات إلى النور من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور الأيمان والطاعة وكان بالمؤمنين رحيما حيث اعتنى بصلاح أمرهم وإنافة قدرهم واستعمل في ذلك الملائكته المقربين في الكافي عن الصادق عليه السلام من صلى على محمد وآل محمد عشرا صلى الله عليه وملائكته مأة مرة ومن صلى على محمد وآل محمد مأة مرة صلى الله عليه وملائكته ألفا أما تسمع قول الله هو الذى يصلى عليكم وملائكته الاية وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال صلت الملائكة على وعلى علي عليه السلام سبع سنين وذلك أنه لم يصل فيها أحد غيري وغيره (44) تحيتهم يوم يلقونه سلام قيل هو من إضافة المصدر إلى المفعول أي يحيون يوم لقاءه بالسلامة من كل مكروه وآفة في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام اللقاء هو البعث فافهم جميع ما في كتاب الله من لقاءه فإنه يعني بذلك البعث كذلك قوله يوم يلقونه سلام يعني أنه لا يزول الأيمان عن قلوبهم يوم يبعثون وأعد لهم أجرا كريما هي الجنة (45) يا ايها النبي إنا أرسلناك شاهدا على من بعثت إليهم بتصديقهم

[ 195 ]

وتكذيبهم ونجاتهم وضلالهم ومبشرا ونذيرا (46) وداعيا إلى الله بإذنه وبتيسيره في العلل عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في جواب نفر من اليهود حين سألوه لأي شئ سميت محمد أو أحمد وأبا القاسم وبشيرا ونذيرا وداعيا أما الداعي فإني أدعوا الناس إلى دين ربي عز وجل وأما النذير فاني أنذر بالنار من عصاني وأما البشير فإني ابشر بالجنة من أطاعني وسراجا منيرا يستضاء به عن ظلمات الجهالة ويقتبس من نوره أنوار البصائر (47) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا على سائر الامم أو على أجر أعمالهم (48) ولا تطع الكافرين والمنافقين تهييج له على ما هو عليه من مخالفتهم ودع أذيهم إياك وإيذائك إياهم وتوكل على الله فإنه يكفيكهم وكفى بالله وكيلا موكلا إليه الأمر في الأحوال كلها القمي أنها نزلت بمكة قبل الهجرة بخمس سنين قال فهذا دليل على خلاف التأليف (49) يا ايها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن تجامعوهن فما لكم عليهن من عدة أيام يتربصن فيها بأنفسهن تعتدونها تستوفون عددها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا من غير ضرر ولا منع حق في الكافي عن الصادق عليه السلام في رجل طلق امرأته قبل أن يدخل بها قال عليه نصف المهر إن كان فرض لها شيئا وإن لم يكن فرض لها شيئا فليمتعها على نحو ما يتمتع به مثلها من النساء وفي الفقيه والتهذيب عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال متعوهن أي إحملوهن بما قدرتم عليه من معروف فإنهن يرجعن بكآبة ووحشة وهم عظيم وشماتة من أعدائهن فإن الله كريم يستحي ويحب أهل الحياء إن أكرمكم أشدكم إكراما لحلائلكم وقد مضى تمام الكلام فيه في سورة البقرة

[ 196 ]

(50) يا ايها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتى آتيت أجورهن مهورهن لأن المهر أجر على البضع وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك بالسبي وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتى هاجرن معك وامرئة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبى إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين في الكافي عن الباقر عليه السلام جاءت إمرأة من الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فدخلت عليه وهو في منزل حفصة والمرأة متلبسة متمشطة فدخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله فقالت يا رسول الله إن المرأة لا تخطب الزوج وأنا إمرأة أيم لا زوج لي منذ دهر ولا ولد فهل لك من حاجة فإن تك فقد وهبت نفسي لك إن قبلتني فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله خيرا ودعا لها ثم قال يا اخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا فقد نصرني رجالكم ورغبت في نساؤكم فقالت لها حفصة ما أقل حيائك وأجراك وأنهمك للرجال فقال رسول الله صلى الله عليه وآله كفي عنها يا حفصة فانها خير منك رغبت في رسول الله فلمتها وعيبتها ثم قال للمرأة انصرفي رحمك الله فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك في وتعرضك لمحبتي وسروري وسيأتيك أمري إن شاء الله تعالى فأنزل الله عز وجل وامرأة مؤمنة الاية قال فأحل الله عز وجل هبة المرأة نفسها لرسول الله صلى الله عليه وآله ولا يحل ذلك لغيره والقمي كان سبب نزولها إن امرأة من الأنصار أتت رسول الله صلى الله عليه وآله وقد تهيأت وتزينت فقالت يا رسول الله هل لك في حاجة وقد وهبت نفسي لك فقالت لها عائشة قبحك الله ما أنهمك للرجال فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله مه يا عائشة فإنها رغبت في رسول الله صلى الله عليه وآله إذ زهدتن فيه ثم قال رحمك الله ورحمكم يا معاشر الأنصار ينصرني رجالكم وترغب في نساؤكم إرجعي رحمك الله فإني أنتظر أمر الله عز وجل فأنزل الله تعالى وامرئة مؤمنة الاية فلا تحل الهبة إلا لرسول الله صلى الله عليه وآله وفي المجمع قيل انها لما وهبت نفسها للنبي قالت عائشة ما بال النساء يبذلن أنفسهن بلا مهر فنزلت الاية فقالت عائشة ما أرى الله تعالى إلا يسارع في هواك فقال

[ 197 ]

رسول الله صلى الله عليه وآله وإنك إن أطعت الله سارع في هواك وفي الخصال عن الصادق عليه السلام قال تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله بخمس عشرة امرأة ودخل بثلاث عشرة منهن وقبض عن تسع فأما اللتان لم يدخل بهما فعمرة والسناة واما الثلاث عشرة اللواتي دخل بهن فأولهن خديجة بنت خويلد ثم سودة بنت زمعة ثم ام سلمة واسمها هند بنت أبي امية ثم ام عبد الله ثم عائشة بنت أبي بكر ثم حفصة بنت عمر ثم زينب بنت خزيمة بن الحارث ام المساكين ثم زينب بنت جحش ثم ام حبيب رملة بنت أبي سفيان ثم ميمونة بنت الحارث ثم زينب بنت عميس ثم جويرية بنت الحارث ثم صفية بنت حى بن أخطب واللاتي وهبت نفسها للنبي خولة بنت حكيم السلمي وكان له سريتان يقسم لها مع أزواجه مارية القبطية وريحانة الخندقية والتسع اللواتي قبض عنهن عائشة وحفصة وام سلمة وزينب بنت جحش وميمونة بنت الحارث وام حبيب بنت أبي سفيان وصفية وجويرية وسودة وأفضلهن خديجة بنت خويلد ثم ام سلمة ثم ميمونة قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم من الشرائط والحصر في الأربع وما ملكت أيمانهم والجملة اعتراض لكيلا يكون عليك حرج أي خلص إحلالها لك لمعان تقتضي التوسيع عليك وكان الله غفورا لما يعسر التحرز عنه رحيما بالتوسعة في مظان الحرج (51) ترجى من تشاء منهن تؤخرها ولم تنكحها أو تطلقها وقرء بغير همز وتؤوى إليك من تشاء وتضم اليك وتمسك من تشاء في الكافي عن الصادق عليه السلام وفي المجمع عنهما عليهما السلام من آوى فقد نكح ومن أرجى فلم ينكح وفي رواية القمي ومن أرجى فقد طلق كما مرت ومن ابتغيت طلبت ممن عزلت فلا جناح عليك في شئ من ذلك ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن ذلك التفويض إلى مشيتك أقرب إلى قرة عيونهن وقلة حزنهن ورضاهن جميعا لأنه حكم كلهن فيه سواء ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلا منك وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله فتطمئن نفوسهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما بذات الصدور حليما لا يعجل بالعقوبة

[ 198 ]

فهو حقيق بأن يتقى (52) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج من مزيدة لتأكيد الأستغراق ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا قيل المعنى لا يحل لك النساء من بعد الأجناس المذكورة اللاتي نص على احلالهن لك ولا أن تبدل بهن أزواجا من أجناس اخر وقيل معناه لا يحل لك النساء من بعد نسائك اللاتي خيرتهن فاخترن الله ورسوله وهن التسع مكافأة لهن على إختيارهن الله ورسوله وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال إنما عني به لا يحل لك النساء اللاتي حرم الله عليك في هذه الاية حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم إلى آخرها ولو كان الأمر كما يقولون كان قد أحل لكم ما لم يحل له لأن أحدكم يستبدل كلما أراد ولكن الأمر ليس كما يقولون إن الله عز وجل أحل لنبيه صلى الله عليه وآله أن ينكح من النساء ما أراد إلا ما حرم في هذه الاية في سورة النساء ومثله عن الصادق عليه السلام في عدة روايات وفي بعضها أراكم وأنتم تزعمون أنه يحل لكم ما لم يحل لرسول الله صلى الله عليه وآله وفي بعضها أحاديث آل محمد صلوات الله عليهم خلاف أحاديث الناس القمي لا تحل لك النساء من بعد ما حرم عليه في سورة النساء وقوله ولا أن تبدل بهن من أزواج معطوف على قصة إمرأة زيد ولو أعجبك حسنهن أي لا تحل لك امرأة رجل تتعرض لها حتى يطلقها وتزوجها أنت ولا تفعل هذا الفعل بعد أقول: وهذه الأخبار كما ترى وكذا ما قاله القمي رزقنا الله فهمها وقيل هذه الاية منسوخة بقوله ترجى من تشاء منهن وتؤوى إليك من تشاء فإنه وإن تقدمها قراءة فهو مسبوق بها نزولا (53) يا ايها الذين امنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام تدعون إليه غير ناظرين إناه غير منتظرين وقته أو إدراكه من أنى الطعام إذا أدرك ولكن

[ 199 ]

إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا تفرقوا ولا تمكثوا ولا مستانسين لحديث إن ذلكم كان يؤذى النبي لتضيق المنزل عليه وعلى أهله واشتغاله بما لا يعنيه فيستحيى منكم من إخراجكم والله لا يستحى من الحق فيأمركم بالخروج وإذا سئلتموهن متاعا شيئا ينتفع به فاسئلوهن المتاع من وراء حجاب الستر القمي لما تزوج رسول الله صلى الله عليه وآله بزينب بنت جحش وكان يحبها فأولم ودعا أصحابه وكان أصحابه إذا أكلوا يحبون أن يتحدثوا عند رسول الله صلى الله عليه وآله وكان يحب أن يخلو مع زينب فأنزل الله عز وجل يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم الى قوله من وراء حجاب وذلك أنهم كانوا يدخلون بلا إذن وفي العلل عن الصادق عليه السلام قال كان جبرئيل إذا أتى النبي قعد بين يديه قعدة العبد وكان لا يدخل حتى يستأذنه ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن من الخواطر الشيطانية (1) وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله صلى الله عليه وآله أن تفعلوا ما يكرهه ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا من بعد وفاته أو فراقه إن ذلكم كان عند الله عظيما ذنبا عظيما (54) إن تبدوا شيئا كنكاحهن على ألسنتكم أو تخفوه في صدوركم فإن الله كان بكل شئ عليما فيعلم ذلك فيجازيكم به القمي كان سبب نزولها أنه لما أنزل الله النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم وحرم الله نساء النبي صلى الله عليه وآله على المسلمين غضب طلحة فقال يحرم محمد علينا نساءه ويتزوج هو بنسائنا لئن أمات الله محمدا لنركضن بين خلاخيل نسائه كما ركض بين خلاخيل نسائنا فأنزل الله عز وجل وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله الاية أقول: وهذا الحكم يشمل اللواتي لم يدخل بهن ففي الكافي عن الحسن البصري أن رسول الله صلى الله عليه وآله تزوج إمرأة من بني عامر بن صعصعة يقال لها سناة وكانت من أجمل أهل زمانها فلما نظرت إليها


(1) اي ليس لكم ايذاء رسول الله صلى الله عليه وآله بمخالفة ما أمر به في نسائه ولا في شئ من الأشياء. (*)

[ 200 ]

عائشة وحفصة قالت لتغلبنا هذه على رسول الله صلى الله عليه وآله بجمالها فقالتا لها لا يرى منك رسول الله صلى الله عليه وآله حرصا فلما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله تناولها بيده فقالت أعوذ بالله فانقبضت يد رسول الله صلى الله عليه وآله عنها وفطلقها وألحقها بأهلها وتزوج رسول الله صلى الله عليه وآله امرأة من كندة بنت أبي الجون فلما مات إبراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآله ابن مارية القبطية قالت لو كان نبيا ما مات ابنه فألحقها رسول الله صلى الله عليه وآله بأهلها قبل أن يدخل بها فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وولى الناس أبو بكر أتته العامرية والكندية وقد خطبتا فاجتمع أبو بكر وعمر وقالا لهما اختارا إن شئتما الحجاب وإن شئتما الباه فاختارتا الباه فتزوجتا فجذم أحد الزوجين وجن الاخر وقال الراوي فحدثت بهذا الحديث زرارة والفضيل فرويا عن أبي جعفر عليه السلام أنه قال ما نهى الله عز وجل عن شئ إلا وقد عصي فيه حتى لقد أنكحوا أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله من بعده وذكر هاتين العامرية والكندية ثم قال لو سئلتهم عن رجل تزوج امرأة فطلقها قبل أن يدخل بها أتحل لأبنه لقالوا لا فرسول الله أعظم حرمة من آبائهم وفي المناقب رواية بأن هذا الحكم يجري في الوصي أيضا وفي الكافي مرفوعا إليهم عليهم السلام في قول الله عز وجل وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله قالوا في علي والأئمة عليهم السلام كالذين آذوا موسى عليه السلام فبرأه الله مما قالوا (55) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن استثناء لمن لا يجب الأحتجاب عنهم روي أنه لما نزلت آية الحجاب قال الاباء والأبناء والأقارب يا رسول الله أو نكلمهن أيضا من وراء حجاب فنزلت ولا نسآئهن يعني النساء المؤمنات ولا ما ملكت أيمانهن وقد مضى بيانه في سورة النور واتقين الله فيما أمرتن به إن الله كان على كل شئ شهيد الا يخفى عليه خافية (56) إن الله وملئكته يصلون على النبي يا ايها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما

[ 201 ]

في ثواب الأعمال عن الكاظم عليه السلام أنه سئل ما معنى صلاة الله وصلاة ملائكته وصلاة المؤمن قال صلاة الله رحمة من الله وصلاة الملائكة تزكية منهم له وصلاة المؤمنين دعاء منهم له وفي المعاني عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال الصلاة من الله عز وجل رحمة ومن الملائكة تزكية ومن الناس دعاء وأما قوله عز وجل سلموا تسليما يعني التسليم فيما ورد عنه عليه السلام قيل فكيف نصلي على محمد وآله قال تقولون صلوات الله وصلوات ملائكته وأنبيائه ورسله وجميع خلقه على محمد وآل محمد والسلام عليه وعليهم ورحمة الله وبركاته قيل فما ثواب من صلى على النبي صلى الله عليه وآله بهذه الصلوات قال الخروج من الذنوب والله كهيئة يوم ولدته امه والقمي قال صلوات الله عليه تزكية له وثناء عليه وصلاة الملائكة مدحهم له وصلاة الناس دعاؤهم له والتصديق والأقرار بفضله وقوله وسلموا تسليما يعني سلموا له بالولاية وبما جاء به وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال أثنوا عليه وسلموا له وفي العيون عن الرضا عليه السلام في مجلسه مع المأمون قال وقد علم المعاندون منهم أنه لما نزلت هذه الاية قيل يا رسول الله قد عرفنا التسليم عليك فكيف الصلاة عليك فقال تقولون اللهم صلي على محمد وآل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد فهل بينكم معاشر الناس في هذا خلاف قالوا لا قال المأمون هذا مما لا خلاف فيه أصلا وعليه إجماع الامة فهل عندك في الال شئ أوضح من هذا في القرآن قال نعم أخبروني عن قول الله تعالى يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم فمن عني بقوله يس قالت العلماء يس محمد (ص) لم يشك فيه أحد قال عليه السلام فإن الله أعطى محمدا وآل محمد من ذلك فضلا لا يبلغ أحد كنه وصفه إلا من عقله وذلك أن الله لم يسلم على

[ 202 ]

أحد إلا على الأنبياء فقال تبارك وتعالى سلام على نوح في العالمين وقال سلام على إبراهيم وقال سلام على موسى وهرون ولم يقل سلام على آل نوح ولم يقل سلام على آل إبراهيم ولم يقل سلام على آل موسى وهرون وقال سلام على ال يس يعني آل محمد صلوات الله عليهم فقال قد علمت أن في معدن النبوة شرح هذا وبيانه وعنه عليه السلام فيما كتبه في شرايع الدين والصلاة على النبي صلى الله عليه وآله واجبة في كل موطن وعند العطاس والرياح وغير ذلك وفي الخصال مثله عن الصادق عليه السلام وفي الكافي والفقيه عن الباقر عليه السلام وصل على النبي كلما ذكرته أو ذكره ذاكر عندك في أذان وغيره وفي الكافي عنه عليه السلام قال لما قبض النبي صلى الله عليه وآله صلت عليه الملائكة والمهاجرون والأنصار فوجا فوجا قال: وقال أمير المؤمنين عليه السلام سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول في صحته وسلامته إنما انزلت هذه الاية في الصلاة علي بعد قبض الله لي إن الله وملئكته يصلون الاية وفيه مرفوعا قال إن موسى ناجاه الله تعالى فقال له في مناجاته وقد ذكر محمدا فصل عليه يا ابن عمران فإني أصلي عليه وملائكتي وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام لهذه الاية ظاهر وباطن فالظاهر قوله صلوا عليه والباطن قوله سلموا تسليما أي سلموا لمن وصاه واستخلفه عليكم فضله وما عهد به إليه تسليما قال وهذا مما أخبرتك أنه لا يعلم تأويله إلا من لطف حسه وصفا ذهنه وصح تمييزه (57) إن الذين يؤذون الله ورسوله يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمخالفة لعنهم الله أبعدهم من رحمته في الدنيا والاخرة وأعد لهم عذابا مهينا يهينهم مع الأيلام القمي قال نزلت في من غصب أمير المؤمنين عليه السلام حقه وأخذ حق فاطمة عليها السلام وأذاها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله من آذاها في حياتي

[ 203 ]

كمن اذاها بعد موتي ومن آذاها بعد موتي كمن آذاها في حياتي ومن آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله وهو قول الله عز وجل إن الذين يؤذون الله ورسوله وفي المجمع عن علي عليه السلام أنه قال وهو آخذ بشعره حدثني رسول الله صلى الله عليه وآله وهو آخذ بشعره فقال من آذى شعرة منك فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذى الله فعليه لعنة الله وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام قال أخر رسول الله صلى الله عليه وآله ليلة من الليالي العشاء الاخرة ما شاء الله فجاء عمر فدق الباب فقال يا رسول الله نام النساء نام الصبيان فخرج رسول الله صلى الله عليه وآله فقال ليس لكم أن تؤذوني ولا تأمروني إنما عليكم أن تسمعوا وتطيعوا (58) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا بغير جناية استحقوا بها فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا ظاهر القمي يعني عليا وفاطمة عليهما السلام وهي جارية في الناس كلهم وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد أين المؤذون لأوليائي فيقوم قوم ليس على وجوههم لحم فيقال هؤلاء الذين آذوا المؤمنين ونصبوا لهم وعاندوهم وعنفوهم في دينهم ثم يؤمر بهم إلى جهنم وفي الخصال عن الباقر عليه السلام الناس رجلان مؤمن وجاهل فلا تؤذي المؤمن ولا تجهل على الجاهل فتكون مثله والقمي عن النبي صلى الله عليه وآله من بهت مؤمنا أو مؤمنة أقيم في طينة خبال أو يخرج مما قال وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ما في معناه وفي آخره وسئل وما طينة خبال قال من فروج المومسات (59) يا ايها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن يغطين وجوههن وأبدانهن بملاحفهن إذا برزن لحاجة ومن للتبعيض فإن المرأة ترخي بعض جلبابها وتتلفع ببعض ذلك أدنى أن يعرفن يميزن من الاماء

[ 204 ]

والقينات فلا يؤذين فلا يؤذينهن أهل الريبة بالتعرض لهن وكان الله غفورا لما سلف رحيما بعباده حيث يراعي مصالحهم حتى الجزئيات منها القمي كان سبب نزولها أن النساء كن يخرجن إلى المسجد ويصلين خلف رسول الله صلى الله عليه وآله فإذا كان بالليل وخرجن إلى صلاة المغرب والعشاء الاخرة والغداة يقعد الشباب لهن في طريقهن فيؤذونهن ويتعرضون لهن فأنزل الله يا ايها النبي الاية (60) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض شك والمرجفون في المدينة الذين يرجفون أخبار السوء عن سرايا المسلمين ونحوها وأصله التحريك من الرجفة وهي الزلزلة سمى به الأخبار الكاذبة لكونه متزلزلا غير ثابت لنغرينك بهم لنأمرنك بقتالهم وإجلائهم أو ما يضطرهم إلى طلب الجلاء ثم لا يجاورونك فيها في المدينة إلا قليلا زمانا أو جوازا قليلا القمي نزلت في قوم منافقين كانوا في المدينة يرجفون برسول الله صلى الله عليه وآله إذا خرج في بعض غزواته يقولون قتل واسر فيغتم المسلمون لذلك ويشكون ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله في ذلك لئن لم ينته الاية قال مرض أي شك لنغرينك أي لنأمرنك بإخراجهم من المدينة (61) ملعونين أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا القمي عن الباقر عليه السلام فوجبت عليهم اللعنة يقول الله بعد اللعنة أينما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (62) سنة الله في الذين خلوا من قبل سن الله ذلك في الامم الماضية وهو أن يقتل الذين نافقوا الأنبياء وسعوا في وهنهم بالأرجاف ونحوه أينما ثقفوا ولن تجد لسنة الله تبديلا لأنه لا يبدلها ولا يقدر أحد على تبديلها (63) يسئلك الناس عن الساعة عن وقت قيامها قل إنما علمها عند الله لم يطلع عليها ملكا ولا نبيا وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا شيئا قريبا (64) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا نار شديدة الأيقاد

[ 205 ]

(65) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا يحفظهم ولا نصيرا يدفع العذاب عنهم (66) يوم تقلب وجوههم في النار تصرف عن جهة إلى جهة أو من حال إلى حال يقولون يا ليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا فلن نبتلى بهذا العذاب وقرئ كما في الظنونا وكذلك السبيل في السبيلا (67) وقالوا ربنا إنآ أطعنا سادتنا وقرء ساداتنا وكبرائنا فأضلونا السبيلا (68) ربنا اتهم ضعفين من العذاب مثل ما اتينا منه لأنهم ضلوا وأضلونا والعنهم لعنا كبيرا أي لعنا هو أشد اللعن وأعظمه وقرء كثيرا بالمثلثة أي كثير العدد القمي هي كناية عن الذين غصبوا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم يا ليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا يعني في أمير المؤمنين عليه السلام والسادة والكبراء هما أول من بدء بظلمهم وغصبهم فأضلونا السبيلا أي طريق الجنة والسبيل أمير المؤمنين عليه السلام (69) يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين اذوا موسى فبرأه الله مما قالوا فأظهر براءته من مقولهم وكان عند الله وجيها ذا قربة ووجاهة القمي عن الصادق عليه السلام إن بني اسرائيل كانوا يقولون ليس لموسى ما للرجال وكان موسى إذا أراد الاغتسال ذهب إلى موضع لا يراه فيه أحد من الناس فكان يوما يغتسل على شط نهر وقد وضع ثيابه على صخرة فأمر الله عز وجل الصخرة فتباعدت عنه عليه السلام حتى نظر بنو اسرائيل إليه فعلموا أن ليس كما قالوا فأنزل الله الاية وفي المجالس عنه عليه السلام إن رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط ألم ينسبوا إلى موسى أنه عنين وآذوه حتى برأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها وفي المجمع عن علي عليه السلام أن موسى وهرون عليهما السلام صعدا الجبل فمات هرون عليه السلام فقالت بنو اسرائيل أنت قتلته فأمر الله الملائكة

[ 206 ]

فحملته حتى مروا به على بني اسرائيل وتكلمت الملائكة بموته حتى عرفوا أنه قد مات وبرأه الله من ذلك ومرفوعا أن موسى (عليه السلام) كان حيئيا ستيرا يغتسل وحده فقال ما يتستر منا إلا لعيب بجلده إما برص وإما أدرة فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر فمر الحجر بثوبه فطلبه موسى (عليه السلام) فرآه بنو اسرائيل عريانا كأحسن الرجال خلقا فبرأه الله مما قالوا (70) يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (71) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قال لعباد بن كثير الصوفي البصري ويحك يا عباد غرك أن عف بطنك وفرجك إن الله عز وجل يقول في كتابه يا ايها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح أعمالكم اعلم أنه لا يقبل الله منك شيئا حتى تقول قولا عدلا ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما في الكافي والقمي عن الصادق عليه السلام في قول الله عز وجل ومن يطع الله ورسوله في ولاية علي عليه السلام والأئمة عليهم السلام من بعده فقد فاز فوزا عظيما هكذا نزلت (72) إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا أقول: ما قيل في تفسير هذه الاية في مقام التعميم إن المراد بالأمانة التكليف وبعرضها عليهن النظر إلى استعدادهن وبابائهن الأباء الطبيعي الذي هو عدم اللياقة والأستعداد وبحمل الأنسان قابليته واستعداده لها وكونه ظلوما جهولا لما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب وكل ما ورد في تأويلها في مقام التخصيص يرجع إلى هذا المعنى كما يظهر بالتدبر في العيون والمعاني عن الرضا عليه السلام في هذه الاية قال الأمانة الولاية من إدعاها بغير حق فقد كفر

[ 207 ]

أقول: يعني بالولاية الأمرة والأمام يحتمل إرادة القرب من الله وفي الكافي عن الصادق عليه السلام هي ولاية أمير المؤمنين عليه السلام وفي البصائر عن الباقر عليه السلام هي الولاية أبين أن يحملنها كفرا وحملها الأنسان والأنسان أبو فلان وفي المعاني عن الصادق عليه السلام الأمانة الولاية والأنسان أبو الشرور المنافق وعنه عليه السلام ما ملخصه أن الله عرض أرواح الأئمة على السموات والأرض والجبال فغشيها نورهم وقال في فضلهم ما قال ثم قال فولايتهم أمانة عند خلقي فأيكم يحملها بأثقالها ويدعيها لنفسه فأبت من إدعاء منزلتها وتمني محلها من عظمة ربهم فلما أسكن الله آدم عليه السلام وزوجته الجنة وقال لهما ما قال حملهما الشيطان على تمني منزلتهم فنظر إليهم بعين الحسد فخذلا حتى أكلا من شجرة الحنطة وساق الحديث إلى أن قال فلم يزل أنبياء الله بعد ذلك يحفظون هذه الأمانة ويخبرون بها أوصياءهم والمخلصين من امتهم فيأبون حملها ويشفقون من إدعائها وحملها الأنسان الذي قد عرف بأصل كل ظلم منه إلى يوم القيامة وذلك قول الله عز وجل إنا عرضنا الامانة الاية والقمي الأمانة هي الأمامة والأمر والنهي والدليل على أن الأمانة هي الأمامة قوله عز وجل للأئمة إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها يعني الأمامة فالأمانة هي الأمامة عرضت على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها أن يدعوها أو يغصبوها أهلها وأشفقن منها وحملها الانسان يعني الأول إنه كان ظلوما جهولا أقول: ويدل على أن تخصيص الأمانة بالولاية والأمامة اللتين مرجعهما واحد والأنسان بالأول في هذه الأخبار لا ينافي صحة ارادة عمومها لكل أمانة وتكليف وشمول الأنسان كل مكلف لما عرفت في مقدمات الكتاب من تعميم المعاني وارادة الحقائق وفي نهج البلاغة في جملة وصاياه للمسلمين ثم أداء الأمانة فقد خاب من

[ 208 ]

ليس أهلها إنها عرضت على السموات المبنية والأرض المدحوة والجبال ذات الطول المنصوبة فلا أطول ولا أعرض ولا أعلا ولا أعظم منها ولو امتنع شئ بطول أو عرض أو قوة أو عز لامتنعن ولكن أشفقن من العقوبة وعقلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الأنسان إنه كان ظلوما جهولا وفي الكافي ما يقرب منه وفي العوالي أن عليا عليه السلام إذا حضر وقت الصلاة يتململ ويتزلزل ويتلون فيقال له مالك يا أمير المؤمنين فيقول جاء وقت الصلاة وقت أمانة عرضها الله على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وفي التهذيب عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن الرجل يبعث إلى الرجل يقول له ابتع لي ثوبا فيطلب له في السوق فيكون عنده مثل ما يجد له في السوق فيعطيه من عنده قال لا يقربن هذا ولا يدنس نفسه إن الله عز وجل يقول إنا عرضنا الامانة الاية قال وإن كان عنده خير مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده أقول: لا منافاة بين هذه الأخبار حيث خصصت الأمانة تارة بالولاية والاخرى بما يعم كل أمانة وتكليف لما عرفت في مقدمات الكتاب من جواز تعميم اللفظ بحيث يشمل المعاني المحتملة كلها بإرادة الحقايق تارة والتخصيص بواحد واحد اخرى ثم أقول ما يقال في تأويل هذه الاية في مقام التعميم أن المراد بالأمانة التكليف بالعبودية لله على وجهها والتقرب بها إلى الله سبحانه كما ينبغي لكل عبد بحسب استعداده لها وأعظمها الخلافة الألهية لأهلها ثم تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها وعدم إدعاء منزلتها لنفسه ثم سائر التكاليف والمراد بعرضها على السموات والأرض والجبال النظر إلى استعدادهن لذلك وبابائهن الأباء الطبيعي الذي هو عبارة عن عدم اللياقة لها وبحمل الأنسان إياها تحمله لها من غير استحقاق تكبرا على أهلها ومع تقصيره بحسب وسعه في أدائها وبكونه ظلوما جهولا ما غلب عليه من القوة الغضبية والشهوية وهو وصف للجنس باعتبار الأغلب فهذه حقائق معانيها الكلية وكل ما ورد في تأويلها في مقام التخصيص يرجع إلى هذه الحقايق كما يظهر عند التدبر

[ 209 ]

والتوفيق من الله (73) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات تعليل للحمل من حيث أنه نتيجته وذكر التوبة في الوعد اشعار بأن كونهم ظلوما جهولا في جبلتهم لا يخليهم من فرطات وكان الله غفورا رحيما حيث تاب على فرطاتهم وأثاب بالفوز على طاعتهم في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من كان كثير القراءة لسورة الأحزاب كان يوم القيامة في جوار محمد صلى الله عليه وآله وأزواجه وزاد في ثواب الأعمال ثم قال سورة الأحزاب فضحت نساء قريش من العرب وكانت أطول من سورة البقرة ولكن نقصوها وحرفوها

[ 210 ]

سورة سبأ مكية عدد آيها خمس وخمسون آية شامي أربع في الباقين اختلافها آية عن يمين وشمال بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله الذى له ما في السموات وما في الارض كلمه نعمة من الله فله الحمد في الدنيا وله الحمد في الاخرة لأن نعمها أيضا من الله كلها وهو الحكيم الذي أحكم أمر الدارين الخبير ببواطن الأشياء (2) يعلم ما يلج يدخل في الارض من مطر أو كنز أو ميت وما يخرج منها من ماء أو فلز أو نبات أو حيوان وما ينزل من السماء من مطر وملك أو رزق وما يعرج فيها من عمل أو ملك وهو الرحيم الغفور للمقصرين في شكر نعمه (3) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة إنكار لمجيئها أو استبطاء استهزاء بالوعد به قل بلى وربى رد لكلامهم وإثبات لما تفوه لتأتينكم عالم الغيب تكرير لأيجابه مؤكدا بالقسم مقررا له بوصف المقسم به بصفات تقرر إمكانه وتنفي استبعاده وقرئ علام وبالرفع لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وقرئ لا يعزب بالكسر ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين رفعهما بالأبتداء والجملة مؤكدة لنفي العزوب وقرئ بالفتح على نفي الجنس القمي عن الصادق عليه السلام قال أول ما خلق الله القلم فقال له اكتب فكتب ما كان وما هو كائن إلى يوم القيامة ليجزى الذين آمنوا وعملوا الصالحات علة لأتيانها وبيان لما يقتضيه أولئك لهم مغفرة ورزق كريم لا تعب فيه ولا من عليه (5) والذين سعوا في آياتنا بالأبطال وتزهيد الناس فيها معاجزين مسابقين كي يفوتونا وقرئ معجزين أي مثبطين عن الأيمان من أراده أولئك لهم عذاب من رجز من

[ 211 ]

سئ العذاب أليم مؤلم وقرئ بالرفع (6) ويرى الذين أوتوا (1) العلم الذى أنزل إليك من ربك هو الحق القمي قال هو أمير المؤمنين عليه السلام صدق رسول الله بما أنزل الله عليه وقرئ برفع الحق ويهدى إلى صراط العزيز الحميد الذي هو التوحيد والتدرع بلباس التقوى (7) وقال الذين كفروا قال بعضهم لبعض هل ندلكم على رجل يعنون النبي صلى الله عليه وآله ينبئكم يحدثكم بأعجب الأعاجيب إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفى خلق جديد إنكم تنشئون خلقا جديدا بعد أن تفرق أجسادكم كل تمزيق وتفريق بحيث تصير ترابا (8) أفترى على الله كذبا أم به جنة جنون يوهمه ذلك ويلقيه على لسانه بل الذين لا يؤمنون بالاخرة في العذاب والضلال البعيد رد من الله عليهم ترديدهم (9) افلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم ما أحاط بجوانبهم من السماء والارض مما يدل على كمال قدرة الله وأنهم في سلطانه تجري عليهم قدرته إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء لتكذيبهم الايات بعد ظهور البينات وقرئ بالياء في ثلاثتهن وكسفا بتحريك السين إن في ذلك النظر والفكر فيهما وما يدلان عليه لاية لدلالة لكل عبد منيب راجع إلى ربه فإنه يكون كثير التأمل في أمره (10) ولقد اتينا داود منا فضلا يا جبال أوبى ارجعي معه التسبيح القمي أي سبحي لله والطير أي رجعي أيضا أو أنت والطير وقرئ بالرفع وألنا له الحديد جعلناه في يده كالشمع يصرفه كيف يشاء من غير إحماء وطرق القمي قال كان داود إذا مر بالبراري يقرأ الزبور تسبح الجبال والطير معه


(1) يعني القرآن هو الحق، اي يعلمونه الحق لأنهم يتدبرونه ويتفكرون فيه فيعلمون بالنظر والاستدلال انه ليس من قبل البشر. (*)

[ 212 ]

والوحوش وألان الله له الحديد مثل الشمع حتى كان يتخذ منه ما أحب وقال اعطي داود وسليمان ما لم يعط أحدا من أنبياء الله من الايات علمهما منطق الطير وألان لهما الحديد والصفر من غير نار وجعلت الجبال يسبحن مع داود (11) أن اعمل سابغات دروعا واسعات وقدر في السرد في نسجها بحيث تتناسب حلقها أو في مساميرها في الدقة والغلظة فلا تغلق ولا تحرق في قرب الأسناد عن الرضا عليه السلام قال الحلقة بعد الحلقة والقمي قال المسامير التي في الحلقة واعملوا صالحا إنى بما تعملون بصير (12) ولسليمان الريح وسخرنا له الريح وقرئ بالرفع غدوها شهر ورواحها شهر جريها بالغداة مسيرة شهر وبالعشي كذلك القمي قال كانت الريح تحمل كرسي سليمان فتسير به بالغداة مسيرة شهر وبالعشي مسيرة شهر وأسلنا له عين القطر القمي الصفر وقيل أسال له النحاس المذاب من معدنه فنبع منه نبوع الماء من الينبوع ولذلك سماه عينا وكان ذلك باليمن ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا ومن يعدل منهم عما أمرناه به من طاعة سليمان نذقه من عذاب السعير قيل عذاب الاخرة وقيل عذاب الدنيا (13) يعملون له ما يشآء من محاريب قصور حصينة ومساكن شريفة سميت بها لأنها يذب عنها ويحارب عليها وتماثيل وصورا في الكافي والمجمع عن الصادق عليه السلام والله ما هي تماثيل الرجال والنساء ولكنها الشجر وشبهه وجفان صحاف كالجواب كالحياض الكبار جمع جابية من الجباية وقدور راسيات ثابتات على الأثافي لا تنزل عنها لعظمها اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور المتوفر على أداء الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه أكثر أوقاته ومع ذلك لا يوفي حقه لأن توفيقه للشكر نعمة يستدعي شكرا آخر لا إلى نهاية ولذلك قيل الشكور من يرى عجزه عن الشكر

[ 213 ]

(14) فلما قضينا عليه الموت أي على سليمان ما دلهم على موته إلا دابة الارض أي الأرضة والأرض فعلها اضيفت إليه تأكل منسأته عصاه من نسأه إذاطرده فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين في المجمع وفي الشواذ تبينت الأنس ثم نسبها إلى السجاد والصادق عليهما السلام ويأتي ذكرها في الكافي عن الصادق عليه السلام قال إن الله عز وجل أوحى إلى سليمان بن داود (عليه السلام) أن آية موتك أن شجرة تخرج من بيت المقدس يقال لها الخرنوبة قال فنظر سليمان يوما فإذا الشجرة الخرنوبة قد طلعت من بيت المقدس فقال لها ما اسمك قالت الخرنوبة قال فولى سليمان مدبرا إلى محرابه فقام فيه متكئا على عصاه فقبض روحه من ساعته قال فجعلت الجن والأنس يخدمونه ويسعون في أمره كما كانوا وهم يظنون أنه حي لم يمت يغدون ويروحون وهو قائم ثابت حتى دبت الأرضة من عصاه فأكلت منسأته فانكسرت وخر سليمان إلى الأرض أفلا تسمع لقوله عز وجل فلما خر تبينت الجن الاية وفي العلل عن الباقر عليه السلام قال أمر سليمان بن داود (عليه السلام) الجن فصنعوا له قبة من قوارير فبينا هو متكئ على عصاه في القبة ينظر إلى الجن كيف يعملون وينظرون إليه إذ حانت منه التفاتة فإذا هو برجل معه في القبة ففزع منه فقال له من أنت قال أنا الذي لا أقبل الرشا ولا أهاب الملوك أنا ملك الموت فقبضه وهو متكئ على عصاه في القبة والجن ينظرون إليه قال فمكثوا سنة يدأبون له حتى بعث الله عز وجل الأرضة فأكلت منسأته وهي العصا فلما خر تبينت الجن الاية قال عليه السلام فالجن يشكر الأرضة بما عملت بعصا سليمان فما تكاد تراها في مكان إلا وعندها ماء وطين والقمي قال لما أوحى الله إلى سليمان أنك ميت أمر الشياطين أن تتخذ له بيتا من قوارير ووضعوه في لجة البحر ودخله سليمان فاتكى على عصاه وكان يقرء الزبور والشياطين حوله ينظرون إليه ولا يجسرون أن يبرحوا فبينا هو كذلك إذ حانت منه التفاتة ثم ذكر كالحديث السابق ثم قال فلما خر على وجهه تبينت الأنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين فهكذا نزلت هذه الاية وذلك أن

[ 214 ]

الأنس كانوا يقولون إن الجن يعلمون الغيب فلما سقط سليمان (عليه السلام) على وجهه علموا أن لو يعلم الجن الغيب لم يعملوا سنة لسليمان (عليه السلام) وهو ميت ويتوهمونه حيا وفي العيون والعلل عن الرضا عن أبيه عليهم السلام إن سليمان بن داود (عليه السلام) قال ذات يوم لأصحابه إن الله تعالى وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي سخر لي الريح والجن والانس والطير والوحوش وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شئ ومع جميع ما اوتيت من الملك ما تم لي سرور يوم إلى الليل وقد أحببت أن أدخل قصري في غد فأصعد أعلاه وأنظر إلى ممالكي ولا تأذنوا لأحد علي لئلا يرد علي ما ينقص على يومي قالوا نعم فلما كان من الغد أخذ عصاه بيده وصعد إلى أعلى موضع من قصره ووقف متكئا على عصاه ينظر إلى ممالكه مسرورا بما اوتي فرحا بما اعطي إذ نظر إلى شاب حسن الوجه واللباس قد خرج عليه من بعض زوايا قصره فلما بصر به سليمان (عليه السلام) قال له من أدخلك إلى هذا القصر وقد أردت أن أخلو فيه اليوم فبإذن من دخلت قال الشاب أدخلني هذا القصر ربه وبإذنه دخلت فقال ربه أحق به مني فمن أنت قال أنا ملك الموت قال وفيما جئت قال جئت لأقبض روحك قال امض لما امرت به فهذا يوم سروري وأبى الله عز وجل أن يكون لي سرور دون لقائه فقبض ملك الموت روحه وهو متكئ على عصاه فبقي سليمان متكئا على عصاه وهو ميت ما شاء الله والناس ينظرون إليه وهم يقدرون انه حي فافتتنوا فيه واختلفوا فمنهم من قال قد بقي سليمان (عليه السلام) متكئا على عصاه هذه الايام الكثيرة ولم يتعب ولم ينم ولم يأكل ولم يشرب إنه لربنا الذي يجب علينا أن نعبده وقال قوم إن سليمان ساحر وأنه يرينا أنه واقف متكئ على عصاه يسحر أعيننا وليس كذلك فقال المؤمنون إن سليمان هو عبد الله ونبيه يدبر الله أمره بما يشاء فلما اختلفوا بعث الله عز وجل الأرضة فدبت في عصاه فلما أكلت جوفه انكسرت العصا وخر سليمان من قصره على وجهه فشكرت الجن للأرضة صنيعها فلأجل ذلك لا توجد الأرضة في مكان إلا وعندها ماء وطين وذلك قول الله عز وجل فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته يعني عصاه فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا الاية ثم قال الصادق عليه السلام والله ما نزلت هذه الاية هكذا وإنما نزلت فلما خر

[ 215 ]

تبينت الأنس أن الجن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين وفي الأحتجاج عن الصادق عليه السلام أنه سئل كيف صعدت الشياطين إلى السماء وهم أمثال الناس في الخلقة والكثافة وقد كانوا يبنون لسليمان بن داود (عليه السلام) من البناء ما يعجز عنه ولد آدم قال غلظوا لسليمان كما سخروا وهم خلق رقيق غذاهم التنسم والدليل على ذلك صعودهم إلى السماء لأستراق السمع ولا يقدر الجسم الكثيف على الأرتقاء إليها إلا بسلم أو بسبب في الأكمال عن النبي صلى الله عليه وآله عاش سليمان بن داود سبعمأة سنة واثنتي عشرة سنة (15) لقد كان لسبا لأولاد سبأ بن يشخب بن يعرب بن قحطان (1) في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سئل عن سبأ أرجل هو أم إمرأة فقال هو رجل من العرب ولد له عشرة تيامن منهم ستة وتشام منهم أربعة فأما الذين تيامنوا فالأزد وكندة ومذحج والأشعرون والأنمار وحمير قيل ما أنمار قال الذين منهم خثعم وبجيلة وأما الذين تشأموا فعاملة وجذام ولحم وغسان في مساكنهم موضع سكناهم قيل وهي باليمن يقال لها مأرب بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث وقرئ بالأفراد ثم بفتح الكاف وكسره آية علامة دالة على وجود الصانع المختار وأنه قادر على ما يشاء من الامور العجيبة جنتان جماعتان من البساتين عن يمين وشمال جماعة عن يمين بلدهم وجماعة عن شماله كل واحدة منهما في تقاربها وتضايقها كأنه جنة واحدة كذا قيل كلوا من رزق ربكم واشكروا له على إرادة القول بلدة طيبة ورب غفور وقرئ الكل بالنصب (16) فأعرضوا عن الشكر فأرسلنا عليهم سيل العرم أي العظيم الشديد القمي قال إن بحرا كان في اليمن وكان سليمان (عليه السلام) أمر جنوده أن يجروا لهم خليجا من البحر العذب إلى بلاد الهند ففعلوا ذلك وعقدوا له عقدة عظيمة من


(1) المراد من سبأ هنا القبيلة الذين هم أولاد سبأ بن يشخب. (*)

[ 216 ]

الصخر والكلس حتى يفيض على بلادهم وجعلوا للخليج مجاري فكانوا إذا أرادوا أن يرسلوا منه الماء أرسلوه بقدر ما يحتاجون إليه وكانت لهم جنتان عن يمين وشمال عن مسيرة عشرة أيام فيهايمر المار لا يقع عليه الشمس من التفافها فلما عملوا بالمعاصي وعتوا عن أمر ربهم ونهاهم الصالحون فلم ينتهوا بعث الله عز وجل على ذلك السد الجرذ وهي الفارة الكبيرة فكانت تقلع الصخرة التي لا تستقلها الرجال وترمي بها فلما رآى ذلك قوم منهم هربوا وتركوا البلاد فما زال الجرذ تقلع الحجر حتى خربوا ذلك السد فلم يشعروا حتى غشيهم السيل وخرب بلادهم وقلع أشجارهم وهو قوله تعالى لقد كان لسبإ الاية إلى قوله سيل العرم أي العظيم الشديد وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط مر بشع القمي وهو ام غيلان وأثل وشئ من سدر قليل قيل معطوفان على أكل لا خمط فإن الأثل هو الطرفاء ولا ثمر له ووصف السدر بالقلة لأن جناه وهو النبق مما يطيب أكله ولذلك تغرس في البساتين وتسميته البدل جنتين للمشاكلة والتهكم (17) ذلك جزيناهم بما كفروا بكفرانهم النعمة وهل نجازى إلا الكفور إلا البليغ في الكفران وقرئ بالنون ونصب الكفور (18) وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها بالتوسعة على أهلها قيل هي قرى الشام والقمي قال مكة قرى ظاهرة متواصلة يظهر بعضها لبعض وقدرنا فيها السير بحيث يقيل الغادي في قرية ويبيت في اخرى سيروا فيها على إرادة القول ليالى وأياما متى شئتم من ليل أو نهار آمنين (19) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا أشروا النعمة وملوا العافية فسألوا الله أن يجعل بينهم وبين الشام مفاوز ليتطاولوا فيها على الفقراء بركوب الرواحل وتزود الأزواد فأجابهم الله بتخريب القرى المتوسطة وقرئ بعد وفي المجمع عن الباقر عليه السلام ربنا باعد بلفظ الخبر على أنه شكوى منهم لبعد سفرهم إفراطا منهم في الترفيه وعدم الأعتداد بما أنعم الله عليهم فيه وظلموا أنفسهم حيث بطروا النعمة فجعلناهم أحاديث يتحدث الناس بهم تعجبا وضرب مثل

[ 217 ]

فيقولون تفرقوا أيدي سبأ ومزقناهم كل ممزق وفرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشام وأنمار بيثرب وجذام بتهامة والأزد بعمان إن في ذلك فيما ذكر لايات لكل صبار عن المعاصي شكور على النعم في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال هؤلاء قوم كانت لهم قرى متصلة ينظر بعضهم إلى بعض وأنهار جارية وأموال ظاهرة فكفروا نعم الله عز وجل وغيروا ما بأنفسهم من عافية الله فغير الله ما بهم من نعمة وأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم فأرسل الله عليهم سيل العرم فغرق قراهم وخرب ديارهم وذهب بأموالهم وأبدلهم مكان جنتيهم جنتين ذواتي اكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل وفي الأحتجاج عن الباقر عليه السلام في حديث الحسن البصري في هذه الاية قال عليه السلام بل فينا ضرب الله الأمثال في القرآن فنحن القرى التي بارك الله فيها وذلك قول الله عز وجل فيمن أقر بفضلنا حيث أمرهم أن يأتونا فقال وجعلنا بينهم وبين القرى التى باركنا فيها أي جعلنا بينهم وبين شيعتهم القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة والقرى الظاهرة الرسل والنقلة عنا إلى شيعتنا وفقهاء شيعتنا وقوله سبحانه وقدرنا فيهاالسير والسير مثل للعلم سير به فيها ليالي وأياما مثل لما يسير من العلم في الليالي والأيام عنا إليهم في الحلال والحرام والفرائض والأحكام آمنين فيها إذا أخذوا عن معدنها الذي امروا أن يأخذوا منه آمنين من الشك والضلال والنقلة من الحرام إلى الحلال وعن السجاد عليه السلام إنما عنى بالقرى الرجال ثم تلا آيات في هذا المعنى من القرآن قيل فمن هم قال نحن هم قال أولم تسمع إلى قوله سيروا فيها ليالى وأياما آمنين قال آمنين من الزيغ وفي الأكمال عن القائم عليه السلام في هذه الاية قال نحن والله القرى التي بارك الله فيها وأنتم القرى الظاهرة وفي العلل عن الصادق عليه السلام في حديث أبي حنيفة الذي سبق صدره في

[ 218 ]

آخر المقدمة الثانية سيروا فيها ليالى وأياما آمنين قال مع قائمنا أهل البيت عليهم السلام (20) ولقد (1) صدق عليهم إبليس ظنه صدق في ظنه وهو قوله لاضلنهم ولأغوينهم وقرئ بالتشديد أي حققه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (21) وما كان له عليهم من سلطان تسلط وإستيلاء بوسوسة وإستغواء إلا لنعلم من يؤمن بالاخرة ممن هو منها في شك ليتميز المؤمن من الشاك أراد بحصول العلم حصول متعلقه وربك على كل شئ حفيظ في الكافي عن الباقر عليه السلام قال كان تأويل هذه الاية لما قبض رسول الله صلى الله عليه وآله والظن من إبليس حين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله أنه ينطق عن الهوى فظن بهم إبليس ظنا فصدقوا ظنه والقمي عن الصادق عليه السلام لما أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن ينصب أمير المؤمنين عليه السلام للناس في قوله يا ايها الرسول بلغ مآ أنز ل إليك من ربك في علي بغدير خم فقال من كنت مولاه فعلي مولاه فجاءت الأبالسة إلى إبليس الأكبر وحثوا التراب على رؤوسهم فقال لهم إبليس مالكم قالوا إن هذا الرجل قد عقد اليوم عقدة لا يحلها شئ إلى يوم القيامة فقال لهم إبليس كلا إن الذين حوله قد وعدوني فيه عدة لن يخلفوني فأنزل الله عز وجل على رسوله ولقد صدق عليهم إبليس ظنه الاية (22) قل للمشركين ادعوا الذين زعمتم آلهة من دون الله فيما يهمكم من جلب نفع أو دفع ضر لا يملكون مثقال ذرة من خير أو شر في السموات ولا في الارض في أمرهما وما لهم فيهما من شرك من شركة لا خلقا ولا ملكا وما له منهم من ظهير يعينه على تدبير أمرهما (23) ولا تنفع الشفاعة عنده ولا تنفعهم شفاعة أيضا كما يزعمون إلا لمن أذن


(1) الضمير في عليهم يعود الى اهل سبا وقيل الى الناس كلهم الا من أطاع الله. (*)

[ 219 ]

له أن يشفع وقرئ بضم الهمزة القمي قال لا يشفع أحد من أنبياء الله واولياء الله ورسله يوم القيامة حتى يأذن يوم القيامة والشفاعة له وللأئمة عليهم السلام ثم بعد ذلك للأنبياء وعن الباقر عليه السلام ما من أحد من الأولين والاخرين إلا وهو محتاج إلى شفاعة رسول الله صلى الله عليه وآله يوم القيامة ثم إن لرسول الله صلى الله عليه وآله الشفاعة في امته ولنا الشفاعة في شيعتنا ولشيعتنا الشفاعة في أهاليهم ثم قال وأن المؤمن ليشفع في مثل ربيعة ومضر وأن المؤمن ليشفع حتى لخادمه يقول يا رب حق خدمتي كان يقيني الحر والبرد حتى إذا فزع عن قلوبهم يعني يتربصون فزعين حتى إذا كشف الفزع عن قلوبهم وقرئ على البناء للفاعل قالوا قال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير ذو العلو والكبرياء القمي عن الباقر عليه السلام وذلك أن أهل السموات لم يسمعوا وحيا فيما بين أن بعث عيسى بن مريم (عليه السلام) إلى أن بعث محمد صلى الله عليه وآله فلما بعث الله جبرئيل إلى محمد صلى الله عليه وآله سمع أهل السموات صوت وحي القرآن كوقع الحديد على الصفا فصعق أهل السموات فلما فرغ من الوحي انحدر جبرئيل كلما مر بأهل سماء فزع عن قلوبهم يقول كشف عن قلوبهم فقال بعضهم لبعض ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلى الكبير (24) قل من يرزقكم من السموات والارض تقرير لقوله لا يملكون قل الله إذ لا جواب سواه وفيه إشعار بأنهم إن سكتوا أو تلعثموا في الجواب مخافة الألزام فهم مقرون به بقلوبهم وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين أي وإن أحد الفريقين من الموحدين والمشركين لعلى أحد الأمرين من الهدى والضلال المبين وهو أبلغ من التصريح لأنه في صورة الأنصاف المسكت للخصم المشاغب قيل اختلاف الحرفين لأن الهادي كمن صعد منارا ينظر الأشياء ويطلع عليها أو ركب جوادا يركضه حيث يشاء والضال كأنه منغمس في ظلام مرتبك لا يرى أو محبوس في مطمورة لا

[ 220 ]

يستطيع أن يتفصى منها (25) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون هذا أدخل في الأنصاف وأبلغ في الأخبات حيث أسند الأجرام إلى أنفسهم والعمل إلى المخاطبين (26) قل يجمع بيننا ربنا يوم القيامة ثم يفتح بيننا بالحق يحكم ويفصل بأن يدخل المحقين الجنة والمبطلين النار وهو الفتاح الحاكم الفاصل العليم بما ينبغي أن يقضي به (27) قل أرونى الذين ألحقتم به شركاء لأرى بأي صفة ألحقتموهم بالله في استحقاق العبادة وهو استفسار عن شبهتهم بعد إلزام الحجة عليهم زيادة في تبكيتهم كلا ردع لهم عن المشاركة بعد إبطال المقايسة بل هو الله العزيز الحكيم الموصوف بالغلبة وكمال القدرة والحكمة وهؤلاء الملحقون متسمة بالذلة متأبية عن قبول العلم والقدرة رأسا (28) وما أرسلناك إلا كآفة للناس إلا لرسالة عامة لهم من الكف فإنها إذا عمتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون فيحملهم جهلهم على مخالفتك في الكافي عن الصادق عليه السلام قال إن الله تبارك وتعالى أعطى محمدا صلى الله عليه وآله شرايع نوح وإبراهيم وموسى وعيسى على نبينا وآله وعليهم السلام إلى أن قال وأرسله كافة إلى الأبيض والأسود والجن والأنس وفي روضة الواعظين عن السجاد عليه السلام إن أبا طالب سأل النبي صلى الله عليه وآله يا ابن أخ إلى الناس كافة ارسلت أم إلى قومك خاصة قال لا بل إلى الناس ارسلت كافة الأبيض والأسود والعربي والعجمي (1) والذي نفسي بيده لأدعون إلى هذا الأمر الأبيض والأسود من على رؤوس الجبال ومن في لجج البحار ولأدعون


(1) ويؤيده الحديث المروي عن ابن عباس (ره) عن النبي (ص) قال أعطيت خمسا ولا اقول فخرا: بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت في الارض طهورا ومسجدا واحل لي المغنم ولم يحل لأحد قبلي ونصرت بالرعب فهو يسير أمامي مسيرة شهر واعطيت الشفاعة فادخرتها لأمتي يوم القيامة. (*)

[ 221 ]

السنة فارس والروم والقمي عن الصادق عليه السلام إنه قال لرجل سأله أخبرني عن الرسول كان عاما للناس أليس قد قال الله عز وجل في محكم كتابه وما أرسلناك إلا كافة للناس لأهل الشرق والغرب وأهل السماء والأرض من الجن والأنس هل بلغ رسالته إليهم كلهم قال لا أدري قال إن رسول الله لم يخرج من المدينة فكيف أبلغ أهل الشرق والغرب ثم قال إن الله تعالى أمر جبرئيل (عليه السلام) فاقتلع الأرض بريشة من جناحه ونصبها لرسول الله صلى الله عليه وآله فكانت بين يديه مثل راحته في كفيه ينظر إلى أهل الشرق والغرب ويخاطب كل قوم بألسنتهم ويدعوهم إلى الله عز وجل وإلى نبوته بنفسه فما بقيت قرية ولا مدينة إلا ودعاهم النبي صلى الله عليه وآله بنفسه (29) ويقولون متى هذا الوعد الموعود بقوله يجمع بيننا ربنا إن كنتم صادقين يخاطبون به رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين (30) قل لكم ميعاد يوم لا تستاخرون عنه ساعة ولا تستقدمون إذا فاجأكم وهو جواب تهديد في مقابل تعنتهم وإنكارهم (31) وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذى بين يديه ولا بما تقدمه من الكتب الدالة على البعث ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم في موضع المحاسبة يرجع بعضهم إلى بعض القول يتحاورون ويتراجعون القول يقول الذين استضعفوا لأتباع للذين استكبروا للرؤساء لولا أنتم لولا إضلالكم وصدكم إيانا عن الأيمان لكنا مؤمنين باتباع الرسول (32) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جائكم بل كنتم مجرمين أنكروا أنهم كانوا صادين لهم عن الأيمان وأثبتوا أنهم هم الذين صدوا أنفسهم حيث أعرضوا عن الهدى وآثروا التقليد عليه (33) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إضراب عن إضرابهم أي لم يكن إجرامنا الصاد بل مكركم لنا دائبا ليلا ونهارا حتى أغرتم

[ 222 ]

علينا رأينا إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وأضمر الفريقان الندامة عن الضلالة والأضلال وأخفاها كل عن صاحبه مخافة التعيير القمي قال يسرون الندامة في النار إذا رأوا ولي الله فقيل يا ابن رسول الله وما يغنيهم إسرارهم الندامة وهم في العذاب قال يكرهون شماتة الأعداء وجعلنا الاغلال في أعناق الذين كفروا أي في أعناقهم فجاء بالظاهر تنويها بذمهم وإشعارا بموجب إغلالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون أي لا يفعل بهم ما يفعل إلا جزاء على أعمالهم (34) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون تسلية لرسول الله مما مني به من قومه وتخصيص المتنعمين بالتكذيب لأن الداعي المعظم إلى التكبر والمفاخرة بزخارف الدنيا والأنهماك في الشهوات والأستهانة بمن لم يحظ منها ولذلك ضم المفاخرة والتهكم إلى التكذيب (35) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا فنحن أولى بما تدعونه إن أمكن وما نحن بمعذبين إما لأن العذاب لا يكون أو لأنه اكرمنا بذلك فلا يهيننا بالعذاب (36) قل ردا لحسبانهم إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر يوسع لمن يشاء ويضيق على من يشاء وليس ذلك لكرامة وهو ان ولكن أكثر الناس لا يعلمون إن ذلك كذلك في نهج البلاغة وأما الأغنياء من مترفة الامم فتعصبوا لاثار مواقع النعم فقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين فإن كان لابد من العصبية فليكن تعصبكم لمكارم الخصال ومحامد الأفعال ومحاسن الامور التي تفاضلت فيها المجد والنجد من بيوتات العرب ويعاسيب القبايل بالأخلاق الرغيبة والأحلام العظيمة والأخطار الجليلة والاثار المحمودة (37) وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم عندنا زلفى قربة إلا من آمن وعمل صالحا بانفاق ماله في سبيل الله وتعليم ولده الخير والصلاح فأولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون من المكاره وقرئ بالتوحيد

[ 223 ]

القمي عن الصادق عليه السلام وقد ذكر رجل الأغنياء ووقع فيهم فقال عليه السلام اسكت فإن الغني إذا كان وصولا برحمه بارا بإخوانه أضعف الله له الأجر ضعفين لأن الله يقول وما أموالكم الاية وفي العلل ما يقرب منه (38) والذين يسعون في آياتنا بالرد والطعن معاجزين أولئك في العذاب محضرون (39) قل إن ربى يبسط الرزق لمن يشآء من عباده ويقدر له هذا في شخص واحد باعتبار وقتين وما سبق في شخصين فلا تكرير وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه عوضا إما عاجلا أو آجلا وهو خير الرازقين فإن غيره وسط في إيصال رزقه لا حقيقة لرازقيته القمي عن الصادق عليه السلام قال إن الرب تبارك لثلث الأخير وأمامه ملك ينادي هل من تائب يتاب عليه هل من مستغفر يغفر له هل من سائل فيعطى سؤله اللهم اعط كل منفق خلفا وكل ممسك تلفا إلى أن يطلع الفجر فإذا طلع الفجر عاد أمر الرب إلى عرشه فيقسم الأرزاق بين العباد ثم قال وهو قول الله وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام من بسط يده بالمعروف إذا وجده يخلف الله له ما أنفق في دنياه ويضاعف له في آخرته وعن النبي صلى الله عليه وآله من صدق بالخلف جاد بالعطية وفي رواية من أيقن بالخلف سخت نفسه بالنفقة وقيل للصادق عليه السلام إني أنفق ولا أرى خلفا قال أفترى الله عز وجل أخلف وعده قيل لا قال فمم ذلك قيل لا أدري قال لو أن أحدكم اكتسب المال من حله لم ينفق درهما إلا أخلف عليه وعن الرضا عليه السلام قال لمولى له هل أنفقت اليوم شيئا فقال لا والله فقال

[ 224 ]

عليه السلام فمن أين يخلف الله علينا (40) ويوم نحشرهم جميعا المستكبرين والمستضعفين ثم نقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون تقريعا للمشركين وتبكيتا وإقناطا لهم عما يتوقعون من شفاعتهم وتخصيص الملائكة لأنهم أشرف شركائهم والصالحون للخطاب منهم وقرئ بالياء فيها (41) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم أنت الذي نواليه من دونهم لا موالاة بيننا وبينهم كأنهم بينوا بذلك برأتهم عن الرضا بعبادتهم ثم أضربوا عن ذلك ونفوا أنهم عبدوهم على الحقيقة بقولهم بل كانوا يعبدون الجن أي الشياطين حيث أطاعوهم في عبادة غير الله أكثرهم بهم مؤمنون (42) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا إذ الأمر فيه كله له لأن الدار دار جزاء وهو المجازي وحده ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التى كنتم بها تكذبون (43) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا يعنون به النبي صلى الله عليه وآله إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد ابآؤكم فيستتبعكم بما يستبدعه وقالوا ما هذا يعنون القرآن إلا إفك كذب مفترى على الله وقال الذين كفروا للحق لما جائهم إن هذا إلا سحر مبين (44) وما آتيناهم من كتب يدرسونها تدعوهم إلى ما هم عليه وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير ينذرهم على تركه فمن أين وقع لهم هذه الشبهة (45) وكذب الذين من قبلهم كما كذبوا وما بلغوا معشار ما آتيناهم قيل وما بلغ هؤلاء عشر ما آتينا اولئك من القوة وطول العمر وكثرة المال أو ما بلغ اولئك عشر ما آتينا هؤلاء من البينات والهدى أقول: كأنه اريد على التقديرين أن اولئك كانوا أحرى بتكذيب رسلهم من هؤلاء وعليه يحمل ما رواه القمي مرفوعا قال كذب الذين من قبلهم رسلهم وما بلغ ما

[ 225 ]

اتينا رسلهم معشار ما اتينا محمدا وآل محمد عليهم السلام أو يحمل على أن المراد أن فضائل محمد وآله أحرى بالحسد والتكذيب وإيتاء محمد وآل محمد صلى الله عليه وآله إيتاء لهم فلا ينافي الحديث ظاهر القرآن فكذبوا رسلي لا تكرير فيه لأن الأول مطلق والثاني مقيد فكيف كان نكير أي إنكاري لهم بالتدمير فليحذر هؤلاء من مثله (46) قل إنما أعظكم بواحدة أرشدكم وأنصح لكم بخصلة واحدة (1) أن تقوموا لله معرضين عن المراء والتقليد مثنى وفرادى متفرقين اثنين اثنين أو واحد واحد فإن الأزدحام يشوش الخاطر ويخلط القول ثم تتفكروا في أمري وما جئت به لتعلموا حقيته ما بصاحبكم من جنة فتعلموا ما به من جنون يحمله على ذلك إن هو إلا نذير لكم بين يدى عذاب شديد أي قدامه في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام قال إنما أعظكم بولاية علي عليه السلام هي الواحدة التي قال الله وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث إن الله جل ذكره أنزل عزائم الشرايع وآيات الفرائض في أوقات مختلفة كما خلق السموات والأرض في ستة أيام ولو شاء أن يخلقها في أقل من لمح البصر لخلق ولكنه جعل الأناة والمداراة مثالا لامنائه وإيجابا للحجة على خلقه فكان أول ما قيدهم به الأقرار بالوحدانية والربوبية والشهادة بأن لا إله إلا الله فلما أقروا بذلك تلاه بالأقرار لنبيه بالنبوة والشهادة له بالرسالة فلما انقادوا لذلك فرض عليهم الصلاة ثم الصوم ثم الحج ثم الجهاد ثم الزكاة ثم الصدقات وما يجري مجراها من مال الفئ فقال المنافقون هل بقي لربك علينا بعد الذي فرض علينا شئ آخر يفرضه فتذكره لتسكن أنفسناإلى أنه لم يبق غيره فأنزل الله في ذلك قل إنما أعظكم بواحدة يعني الولاية فأنزل الله إنما وليكم الله ورسوله الاية (47) قل ما سئلتكم من أجر على الرسالة فهو لكم


(1) وقيل بكلمة واحدة وهي كلمة التوحيد وقيل بطاعة الله. (*)

[ 226 ]

القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله سأل قومه أن يودوا أقاربه ولا يؤذوهم وأما قوله فهو لكم يقول ثوابه لكم وفي المجمع عنه عليه السلام معناه إن أجر ما دعوتكم إليه من إجابتي وذخره هو لكم دوني وفي الكافي عنه عليه السلام يقول أجر المودة الذي لم أسألكم غيره فهو لكم تهتدون به وتنجون من عذاب يوم القيامة إن أجرى إلا على الله وهو على كل شئ شهيد مطلع يعلم صدقي وخلوص نيتي (48) قل إن ربى يقذف بالحق يلقيه وينزله على من يجتبيه من عباده علام الغيوب (49) قل جاء الحق الاسلام وما يبدئ الباطل وما يعيد وزهق الباطل أي الشرك بحيث لم يبق له أثر في الأمالي عن الرضا عن أبيه عن آبائه عليهم السلام دخل رسول الله صلى الله عليه وآله مكة وحول البيت ثلاثمائة وستون صنما فجعل يطعنها بعود في يده ويقول جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد وفي المجمع مثله عن ابن مسعود (50) قل إن ضللت عن الحق فإنما أضل على نفسي فإن وبال ضلالي عليها وإن اهتديت فبما يوحى إلى ربى إنه سميع قريب يسمع كل قول ويرى كل فعل وإن كان خفيا (51) ولو ترى إذ فزعوا لرأيت فظيعا فلا فوت فلا يفوتون الله بهرب أو حصن القمي عن الباقر عليه السلام قال إذ فزعوا من الصوت وذلك الصوت من السماء وأخذوا من مكان قريب قال من تحت أقدامهم خسف بهم

[ 227 ]

وعنه عليه السلام لكأني أنظر إلى القائم عليه السلام وقد أسند ظهره إلى الحجر وساق الحديث إلى أن قال فإذا جاء إلى البيداء يخرج إليه جيش السفياني فيأمر الله عز وجل الأرض فتأخذ بأقدامهم وهو قوله عز وجل ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (52) وقالوا آمنا به قال يعني بالقائم من آل محمد وقيل بمحمد صلى الله عليه وآله وأنى لهم التناوش التناول يعني تناول الأيمان من مكان بعيد يعني بعد انقضاء زمان التكليف قال إنهم طلبوا الهدى من حيث لا ينال وقد كان لهم مبذولا من حيث ينال (53) وقد كفروا به من قبل يعني أوان التكليف ويقذفون بالغيب ويرجمون بالظن ويتكلمون بما لم يظهر لهم من مكان بعيد من جانب بعيد من أمره (54) وحيل بينهم وبين ما يشتهون قال يعني أن لا يعذبوا كما فعل بأشياعهم من قبل قال يعني من كان قبلهم من المكذبين هلكوا إنهم كانوا في شك مريب في المجمع عن السجاد والحسن بن الحسن بن علي عليهما السلام في هذه الاية هو جيش البيداء يؤخذون من تحت أقدامهم وعن النبي صلى الله عليه وآله أنه ذكر فتنة تكون بين أهل المشرق والمغرب قال فبينا هم كذلك يخرج عليهم السفياني من الوادي اليابس في فور ذلك حتى ينزل دمشق فيبعث جيشين جيشا إلى المشرق وآخر إلى المدينة حتى ينزلوا بأرض بابل من المدينة الملعونة يعني بغداد فيقتلون فيها أكثر من ثلاثة آلاف ويفضحون أكثر من ماة إمرأة ويقتلون بها ثلاثمأة كبش من بني العباس ثم ينحدرون إلى الكوفة فيخربون ما حولها ثم يخرجون متوجهين إلى الشام فتخرج راية هدى من الكوفة فتلحق ذلك الجيش فيقتلونهم لا يفلت منهم مخبر ويستنقذون ما في أيديهم من السبي والغنائم ويحل الجيش الثاني بالمدينة فينهبونها ثلاثة أيام بلياليها ثم يخرجون متوجهين إلى مكة حتى إذا كانوا بالبيداء بعث الله جبرئيل فيقول يا جبرئيل اذهب فأبدهم فيضربها برجله ضربة يخسف الله بهم عندها ولا يفلت

[ 228 ]

منهم إلا رجلان من جهينة فلذلك جاء القول (وعند جهينة الخبر اليقين) فذلك قوله تعالى ولو ترى إذ فزعوا الاية قال وروى أصحابنا في أحاديث المهدي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام مثله وفي ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ الحمدين جميعا حمد سبأ وحمد فاطر في ليلة لم يزل في ليله في حفظ الله وكلاءته فإن قرأهما في نهاره لم يصبه في نهاره مكروه واعطي من خير الدنيا وخير الاخرة ما لم يخطر على قلبه ولم يبلغ مناه

[ 229 ]

سورة الملائكة مكية قال الحسن إلا آيتين إن الذين يتلون الكتاب الله الاية ثم أورثنا الكتاب الاية عدد آيها خمس واربعون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) الحمد لله فاطر السموات والارض مبدعهما من الفطر بمعنى الشق كأنه شق العدم بإخراجهما منه جاعل الملئكة رسلا وسائط بين الله وبين أنبيائه والصالحين من عباده يبلغون إليهم رسالاته بالوحي والألهام والرؤيا الصادقة أولى أجنحة مثنى وثلث ورباع ذوي أجنحة متعددة ينزلون بها ويعرجون ويسرعون بها نحو ما امروا به في الكافي عن النبي صلى الله عليه وآله الملائكة على ثلاثة أجزاء جزء له جناحان وجزء له ثلاثة أجنحة وجزء له أربعة أجنحة قيل لعله لم يرد خصوصية الأعداد ونفي ما زاد عليها لما روي عنه عليه السلام أنه رأى جبرئيل عليه السلام ليلة المعراج وله ستمأة ألف جناح أقول: ولعله إلى ذلك اشير بقوله تعالى يزيد في الخلق ما يشآء وفي الأكمال عنه عليه السلام إن لله تبارك وتعالى ملكا يقال له دردائيل كان له ستة عشر ألف جناح ما بين الجناح والجناح هواء والهواء كما بين السماء والأرض والقمي عن الصادق عليه السلام قال خلق الله الملائكة مختلفة وقد رأى رسول الله صلى الله عليه وآله جبرئيل وله ستمأة جناح على ساقه الدر مثل القطر على البقل قد ملأ ما بين السماء والأرض وقال إذا أمر الله عز وجل ميكائيل بالهبوط إلى الدنيا صارت رجله اليمنى في السماء السابعة والاخرى في الأرض السابعة وأن لله ملائكة

[ 230 ]

أنصافهم من برد وأنصافهم من نار يقولون يا مؤلفا بين البرد والنار ثبت قلوبنا على طاعتك وقال إن لله ملكا بعد ما بين شحمة اذنه إلى عينه مسيرة خمسمأة عام بخفقان (1) الطير وقال إن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون وإنما يعيشون بنسيم العرش وأن لله عز وجل ملائكة ركعا إلى يوم القيامة وأن لله عز وجل ملائكة سجدا إلى يوم القيامة ثم قال أبو عبد الله عليه السلام قال رسول الله صلى الله عليه وآله ما من شئ مما خلق الله عز وجل أكثر من الملائكة وأنه ليهبط في كل يوم أو في كل ليلة سبعون ألف ملك فيأتون البيت الحرام فيطوفون به ثم يأتون رسول الله صلى الله عليه وآله ثم يأتون أمير المؤمنين عليه السلام فيسلمون عليه ثم يأتون الحسين عليه السلام فيقيمون عنده فإذا كان عند السحر وضع لهم معراج إلى السماء ثم لا يعودون أبدا وقال أبو جعفر عليه السلام إن الله عز وجل خلق إسرافيل وجبرائيل وميكائيل من تسبيحة واحدة وجعل لهم السمع والبصر وجودة العقل وسرعة الفهم وقال أمير المؤمنين عليه السلام في خلقة الملائكة وملائكة خلقتهم وأسكنتهم سمواتك فليس فيهم فترة ولا عندهم غفلة ولا فيهم معصية هم أعلم خلقك بك وأخوف خلقك لك وأقرب خلقك منك وأعملهم بطاعتك لا يغشيهم نوم العيون ولا سهو العقول ولا فترة الأبدان لم يسكنوا الأصلاب ولم يضمهم الأرحام ولم تخلقهم من ماء مهين أنشأتهم إنشاء فأسكنتهم سمواتك وأكرمتهم بجوارك وائتمنتهم على وحيك وجنبتهم الافات ووقيتهم البلبات وطهرتهم من الذنوب ولو لا قوتك لم يقووا ولو لا تثبيتك لم يثبتوا ولو لا رحمتك لم يطيعوا ولو لا أنت لم يكونوا أما إنهم على مكانتهم منك وطاعتهم إياك ومنزلتهم عندك وقلة غفلتهم عن أمرك لو عاينوا ما خفي عنهم منك لاحتقروا أعمالهم ولازرؤا على أنفسهم ولعلموا أنهم لم يعبدوك حق عبادتك سبحانك خالقا ومعبودا ما أحسن بلاءك عند خلقك وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه سئل عن قدرة الله عز وجل فقام خطيبا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال إن لله تبارك وتعالى ملائكة لو أن ملكا منهم هبط


(1) خفق الطائر اي طار واخفق إذا ضرب بجناحيه. (*)

[ 231 ]

إلى الأرض ما وسعته لعظم خلقته وكثرة أجنحته ومنهم من لو كلفت الجن والأنس أن يصفوه ما وصفوه لبعد ما بين مفاصله وحسن تركيب صورته وكيف يوصف من ملائكته من سبع ماة عام ما بين منكبه وشحمة اذنيه ومنهم من يسد الافق بجناح من أجنحته دون عظم بدنه ومنهم من السموات إلى حجزته ومنهم من قدمه على غير قرار في جو الهواء الأسفل والأرضون إلى ركبتيه منهم من لو القي في نقرة إبهامه جميع المياه لوسعتها ومنهم لو القيت السفينة من دموع عينيه لجرت دهر الداهرين فتبارك الله أحسن الخالقين وفي الكافي عن الثمالي قال دخلت على علي بن الحسين عليهما السلام فاحتبست في الدار ساعة ثم دخلت البيت وهو يلتقط شيئا وأدخل يده من وراء الستر فناوله من كان في البيت فقلت جعلت فداك هذا الذي أراك تلتقطه أي شئ هو قال فضلة من زغب الملائكة نجمعه إذا خلونا نجعله سبحا لأولادنا قلت جعلت فداك فإنهم ليأتونكم فقال يا أبا حمزة إنهم ليزاحمونا على تكائنا وفي هذا المعنى أخبار كثيرة فيه وفي البصائر يزيد في الخلق ما يشآء على مقتضى حكمته في التوحيد عن الصادق عليه السلام إن القضاء والقدر خلقان من خلق الله والله يزيد في الخلق ما يشاء وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله هو الوجه الحسن والصوت الحسن والشعر الحسن إن الله على كل شئ قدير (2) ما يفتح الله للناس ما يطلق لهم من رحمة كنعمة وأمن وصحة وعلم ونبوة وولاية والقمي عن الصادق عليه السلام قال والمتعة من ذلك فلا ممسك لها يحبسها وما يمسك فلا مرسل له يطلقه من بعده من بعد إمساكه وهو العزيز الغالب على ما يشاء ليس لأحد أن ينازعه فيه الحكيم لا يفعل إلا بعلم وإتقان (3) يا ايها الناس اذكروا نعمت الله عليكم إحفظوها بمعرفة حقها والأعتراف بها وطاعة منعمها هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون فمن أي وجه تصرفون عن التوحيد إلى إشراك غيره به وقرئ غير مجرورا

[ 232 ]

(4) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك أي فتأس بهم في الصبر على تكذيبهم وإلى الله ترجع الامور فيجازيك وإياهم على الصبر والتكذيب (5) يا ايها الناس إن وعد الله بالحشر والجزاء حق لا خلف فيه فلا تغرنكم الحيوة الدنيا فيذهلكم التمتع بها عن طلب الاخرة والسعي لها ولا يغرنكم بالله الغرور الشيطان بأن يمنيكم المغفرة مع الأصرار على المعصية (6) إن الشيطان لكم عدو عدواة عامة قديمة فاتخذوه عدوا في عقايدكم وأفعالكم وكونوا على حذر منه في مجامع أحوالكم إنما يدعوا حزبه ليكونوا من أصحاب السعير تقرير لعداوته وبيان لغرضه (7) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير وعيد لمن أجاب دعاءه ووعد لمن خالفه (8) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا كمن لم يزين له بل وفق حتى عرف الحق فحذف الجواب لدلالة ما بعده عليه فإن الله يضل من يشآء ويهدى من يشآء في الكافي عن الكاظم عليه السلام أنه سئل عن العجب الذي يفسد العمل فقال للعجب درجات منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه ويحسب أنه يحسن صنعا فلا تذهب نفسك عليهم حسرات فلا تهلك نفسك عليهم للحسرات على غيهم وإصرارهم على التكذيب إن الله عليم بما يصنعون فيجازيهم عليه القمي مرفوعا قال نزلت في زريق وحبتر (9) والله الذى أرسل الرياح وقرئ الريح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بالمطر النازل منه بعد موتها بعد يبسها في الكافي والقمي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه سئل عن السحاب أين يكون قال يكون على شجر على كثيب على شاطئ البحر يأوي إليه فإذا أراد الله عز وجل أن يرسله أرسل ريحا فأثارته فوكل به ملائكة يضربونه بالمخاريق وهو البرق فيرتفع

[ 233 ]

وزاد في الكافي ثم قرأ هذه الاية والله الذى أرسل الرياح الاية قال والملك اسمه الرعد كذلك النشور أي مثل إحياء الموات إحياء الأموات وقد سبق من تفسير الأمام (عليه السلام) في قصة البقرة أن الله عز وجل ينزل بين نفختي الصور بعدما ينفخ النفخة الاولى من دون السماء الدنيا من البحر المسجور الذي قال الله تعالى والبحر المسجور وهو مني كمني الرجال فيمطر ذلك على الأرض فيلقى الماء المني مع الأموات البالية فينبتون من الأرض ويحيون وفي المجالس والقمي عن الصادق عليه السلام إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم (10) من كان يريد العزة الشرف والمنعمة فلله العزة جميعا أي فليطلبها من عنده فإن كلها له في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إن ربكم يقول كل يوم أنا العزيز فمن أراد عز الدارين فليطع العزيز إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه قيل بيان لما يطلب به العزة وهو التوحيد والعمل الصالح والقمي قال كلمة الأخلاص والأقرار بما جاء به محمد صلى الله عليه وآله من عند الله من الفرائض والولاية ترفع العمل الصالح إلى الله وعن الصادق عليه السلام الكلم الطيب قول المؤمن لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله وخليفة رسول الله صلوات الله عليهما قال والعمل الصالح الأعتقاد بالقلب أن هذا هو الحق من عند الله لا شك فيه من رب العالمين وعن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن لكل قول مصداقا من عمل يصدقه أو يكذبه فإذا قال ابن آدم وصدق قوله بعمله رفع قوله بعمله إلى الله وإذا قال وخالف عمله قوله رد قوله على عمله الخبيث وهوى به في النار وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال ولايتنا أهل البيت وأومى بيده إلى صدره فمن لم يتولنا لم يرفع الله له عملا

[ 234 ]

وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام من قال لا إله إلا الله مخلصا طمست ذنوبه كما يطمس الحرف الأسود من الرق الأبيض فإذا قال ثانية لا إله إلا الله مخلصا خرقت أبواب السماء وصفوف الملائكة حتى تقول الملائكة بعضها لبعض اخشعوا لعظمة أمر الله فإذا قال ثالثة مخلصا لا إله إلا الله لم تنته دون العرش فيقول الجليل اسكتي فوعزتي وجلالي لأغفرن لقائلك بما كان فيه ثم تلا هذه الاية إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه يعني إذا كان عمله خالصا ارتفع قوله وكلامه والذين يمكرون السيئات المكرات السيئات قيل يعني مكرات قريش للنبي صلى الله عليه وآله في دار الندوة وتدارئهم (1) الرأي في إحدى ثلاث حبسه وقتله وإجلائه أقول: ويشمل مكرات أصحاب السقيفة في رد وصية النبي صلى الله عليه وآله للوصي وغير ذلك لهم عذاب شديد لا يؤبه دونه بما يمكرون به ومكر أولئك هو يبور يفسد ولا ينفذ وفي العاقبة يحيق بهم (11) والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا ذكرانا واناثا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه إلا معلومة له وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب القمي يعني يكتب في كتاب قال وهو رد على من ينكر البداء وفي الجوامع قيل معناه لا يطول عمر ولا ينقص إلا في كتاب وهو أن يكتب في اللوح لو أطاع الله فلان بقى إلى وقت كذا وإذا عصى نقص من عمره الذي وقت له وإليه أشار رسول الله صلى الله عليه وآله في قوله إن الصدقة وصلة الرحم تعمران الديار وتزيدان في الأعمار وفي الكافي عن الصادق عليه السلام ما نعلم شيئا يزيد في العمر إلا صلة الرحم حتى أن الرجل يكون أجله ثلاث سنين فيكون وصولا للرحم فيزيد الله عز وجل في عمره ثلاثين سنة فيجعلها ثلاثا وثلاثين سنة ويكون أجله ثلاثا وثلاثين سنة فيكون قاطعا للرحم فينقصه الله ثلاثين سنة في عمره ويجعل أجله إلى ثلاث سنين والأخبار في هذا


(1) يتدارؤن الحديث اي يتدافعونه فكل منهم يدفع قول صاحبه بما ينفعه من القول. (*)

[ 235 ]

المعنى كثيرة جدا إن ذلك على الله يسير إشارة إلى الحفظ والزيادة والنقص (12) وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج القمي عن الباقر عليه السلام الاجاج هو المر قيل هو مثل للمؤمن والكافر ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها اللئالي واليواقيت وترى الفلك فيه مواخر (1) تشق الماء بجريها القمي يقول الفلك مقبلة ومدبرة بريح واحدة لتبتغوا من فضله من فضل الله بالنقلة فيها ولعلكم تشكرون على ذلك (13) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير القمي قال الجلدة الرقيقة التي على ظهر النوى (14) إن تدعوهم لا يسمعوا دعآئكم لأنهم جماد ولو سمعوا على سبيل الفرض ما استجابوا لكم لعدم قدرتهم عليها ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير ولا يخبرك بالأمر مخبر مثل خبير به أخبرك وهو الله سبحانه فإنه الخبير به على الحقيقة دون سائر المخبرين والمراد تحقيق ما أخبر به عن حال آلهتهم ونفي ما يدعون لهم (15) يا ايها الناس أنتم الفقراء إلى الله في أنفسكم وأحوالكم والله هو الغنى الحميد المستغني على الأطلاق المنعم على سائر الموجودات حتى استحق عليهم الحمد (16) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد بقوم آخرين أطوع منكم (17) وما ذلك على الله بعزيز بمتعذر أو متعسر (18) ولا تزر وازرة وزر أخرى ولا تحمل نفس آثمة اثم نفس اخرى وأما قوله وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم ففي الضالين المضلين فإنهم يحملون أثقال أضلالهم مع أثقال ضلالهم وكل ذلك أوزارهم ليس فيها شئ من أوزار غيرهم وإن


(1) مواخر: جواري تشق الماء شقا. (*)

[ 236 ]

تدع مثقلة نفس أثقلها الأوزار إلى حملها تحمل بعض أوزارها لا يحمل منه شئ لم تجب بحمل شئ منه نفى أن يحمل عنها ذنبها كما نفى أن يحمل عليها ذنب غيرها ولو كان ذا قربى ولو كان المدعو ذا قرابتها أضمر المدعو لدلالة إن تدع عليه إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة فإنهم المنتفعون بالأنذار لا غير ومن تزكى ومن تطهر عن دنس المعاصي فإنما يتزكى لنفسه إذ نفعه لها وإلى الله المصير فيجازيهم على تزكيتهم وما يستوى الاعمى والبصير الكافر والمؤمن (19) وما يستوى الأعمى والبصير (20) ولا الظلمات ولا النور ولا الباطل ولا الحق (21) ولا الظل ولا الحرور ولا الثواب ولا العقاب ولا لتأكيد نفي الاستواء وتكريرها على الشقين لمزيد التأكيد والحرور من الحر غلب على السموم القمي الظل الناس والحرور البهائم (22) وما يستوي الاحياء ولا الاموات تمثيل آخر للمؤمنين والكافرين ابلغ من الأول ولذلك كرر الفعل وقيل للعلماء والجهلاء إن الله يسمع من يشآء هدايته فيوفقه لفهم آياته والأتعاظ بعظاته وما أنت بمسمع من في القبور المصرين على الكفر (23) إن أنت إلا نذير فما عليك إلا الأنذار وأما الأستماع فلا عليك ولا حيلة لك إليه في المطبوع على قلوبهم (24) إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة أهل عصر إلا خلا مضى فيها نذير من نبي أو وصي نبي القمي قال لكل زمان إمام وفي الكافي عن الباقر عليه السلام لم يمت محمد إلا وله بعيث نذير قال فإن قيل لا فقد ضيع رسول الله صلى الله عليه وآله من في أصلاب الرجال من امته قيل وما يكفيهم القرآن قال بلى إن وجدوا له مفسرا قيل وما فسره رسول الله صلى الله عليه وآله قال بلى قد فسره لرجل واحد وفسر للامة شأن ذلك الرجل وهو علي بن أبي طالب عليه السلام (25) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جآئتهم رسلهم بالبينات بالمعجزات الشاهدة على نبوتهم وبالزبر وبالكتاب المنير كصحف

[ 237 ]

إبراهيم عليه (26) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير أي إنكاري بالعقوبة (27) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد أي ذو جدد أي خطط وطرائق بيض وحمر مختلف ألوانها بالشدة والضعف وغرابيب سود ومنها غرابيب متحدة اللون والغربيب تأكيد للأسود وحقه أن يتبع المؤكد قدم لمزيد التأكيد لما فيه من التأكيد باعتبار الأضمار والأظهار (28) ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك كاختلاف الثمار والجبال إنما يخشى الله من عباده العلماء إذ شرط الخشية معرفة المخشى والعلم بصفاته وأفعاله فمن كان أعلم به كان أخشى منه ولذلك قال النبي صلى الله عليه وآله إني أخشاكم لله أتقاكم له إن الله عزيز غفور تعليل لوجوب الخشية لدلالته على أنه معاقب للمصر على طغيانه غفور للتائب من عصيانه في المجمع عن الصادق عليه السلام يعني بالعلماء من صدق قوله فعله ومن لم يصدق فعله قوله فليس بعالم وفي الحديث أعلمكم بالله أخوفكم لله وفي الكافي عن السجاد عليه السلام وما العلم بالله والعمل إلا إلفان مؤتلفان فمن عرف الله خافه وحثه الخوف على العمل بطاعة الله وأن أرباب العلم وأتباعهم الذين عرفوا الله فعملوا له ورغبوا إليه وقد قال الله إنما يخشى الله من عباده العلماء وعن الصادق عليه السلام إن من العبادة شدة الخوف من الله ثم تلا هذه الاية وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام دليل الخشية التعظيم لله والتمسك بخالص الطاعة وأوامره والخوف والحذر ودليلهما العلم ثم تلا هذه الاية (29) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور لن تكسد ولن تهلك بالخسران والتجارة تحصيل الثواب بالطاعة (30) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله على ما يقابل أعمالهم

[ 238 ]

في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله هو الشفاعة لمن وجب له النار ممن صنع إليه معروفا في الدنيا إنه غفور لفرطاتهم شكور لطاعاتهم أي مجازيهم عليها (31) والذى أوحينا إليك من الكتاب يعني القرآن هو الحق مصدقا لما بين يديه من الكتب السماوية إن الله بعباده لخبير بصير عالم بالبواطن والظواهر (32) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا يعني العترة الطاهرة خاصة فمنهم ظالم لنفسه لا يعرف إمام زمانه ومنهم مقتصد يعرف الأمام ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله هو الأمام في البصائر عن الباقر عليه السلام هي في ولد علي وفاطمة عليهما السلام وفي الكافي عنه عليه السلام قال السابق بالخيرات الأمام والمقتصد العارف للأمام والظالم لنفسه الذي لا يعرف الأمام وعن الصادق عليه السلام إنه قيل له إنها في الفاطميين فقال ليس حيث تذهب ليس يدخل في هذا من أشار بسيفه ودعا الناس إلى ضلال فقيل أي شئ الظالم لنفسه قال الجالس في بيته لا يعرف حق الأمام والمقتصد العارف بحق الأمام والسابق بالخيرات الأمام وعن الكاظم عليه السلام أنه تلا هذه الاية قال فنحن الذين اصطفانا الله تعالى عز وجل وأورثنا هذا الكتاب فيه تبيان كل شئ وعن الرضا عليه السلام إنه سئل عنها قال ولد فاطمة عليها السلام والسابق بالخيرات الأمام والمقتصد العارف بالأمام والظالم لنفسه الذي لا يعرف الأمام وفي العيون عنه عليه السلام أراد الله بذلك العترة الطاهرة ولو أراد الامة لكانت بأجمعها في الجنة لقول الله فمنهم ظالم لنفسه الاية ثم جمعهم كلهم في الجنة فقال جنات عدن يدخلونها الاية فصارت الوراثة للعترة الطاهرة لا لغيرهم وفي الخرائج عن الزكي عليه السلام كلهم من آل محمد صلى الله عليه وآله الظالم لنفسه الذي لا يقر بالأمام عليه السلام والمقتصد العارف بالأمام والسابق

[ 239 ]

بالخيرات الأمام عليه السلام وعن الصادق عليه السلام أن فاطمة عليها السلام لعظمها على الله حرم الله ذريتها على النار وفيهم نزلت ثم أورثنا الكتاب الاية ثم فسر الفرق الثلاث بما مر وفي المجمع عنه عليه السلام الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الأمام والمقتصد منا من يعرف حق الأمام والسابق بالخيرات هو الأمام وهؤلاء كلهم مغفور لهم وفي الأحتجاج عنه عليه السلام أنه سئل عنها وقيل له إنها لولد فاطمة عليها السلام خاصة فقال أما من سل سيفه ودعا الناس إلى نفسه إلى الضلال من ولد فاطمة عليها السلام فليس بداخل في هذه الاية قيل من يدخل فيها قال الظالم لنفسه الذي لا بدعو الناس إلى ضلال ولا هدى والمقتصد منا أهل البيت العارف حق الأمام والسابق بالخيرات الأمام وفي المناقب عنه عليه السلام نزلت في حقنا وحق ذرياتنا وفي رواية عنه وعن أبيه عليهما السلام هي لنا خاصة وإيانا عنى وعن الباقر عليه السلام هم آل محمد صلوات الله عليهم وفي المعاني عنه عليه السلام أنه سئل عنها فقال نزلت فينا أهل البيت فقيل فمن الظالم لنفسه قال من استوت حسناته وسيئاته منا أهل البيت فهو الظالم لنفسه فقيل من المقتصد منكم قال العابد لله في الحالين حتى يأتيه اليقين فقيل فمن السابق منكم بالخيرات قال من دعا والله إلى سبيل ربه وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر ولم يكن للمضلين عضدا ولا للخائنين خصيما ولم يرض بحكم الفاسقين إلا من خاف على نفسه ودينه ولم يجد أعوانا وعن الصادق عليه السلام أنه سئل عنها فقال الظالم يحوم حول نفسه والمقتصد يحوم حول قلبه والسابق يحوم حول ربه عز وجل وفي المجمع عن الباقر عليه السلام أما الظالم لنفسه منا فمن عمل عملا

[ 240 ]

صالحا وآخر سيئا وأما المقتصد فهو المتعبد المجتهد وأما السابق بالخيرات فعلي والحسن والحسين عليهم السلام ومن قتل من آل محمد صلوات الله عليهم شهيدا وفي سعد السعود (1) عنه عليه السلام هي لنا خاصة أما السابق بالخيرات فعلي ابن أبي طالب والحسن والحسين عليهم السلام والشهيد منا وأما المقتصد فصائم بالنهار وقائم بالليل وأما الظالم لنفسه ففيه ما في الناس وهو مغفور له ذلك هو الفضل الكبير إشارة إلى التوريث أو الأصطفاء أو السبق (33) جنات عدن يدخلونها في المعاني عن الصادق عليه السلام يعني المقتصد والسابق وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله في هذه الاية قال وأما السابق فيدخل الجنة بغير حساب وأما المقتصد فيحاسب حسابا يسيرا وأما الظالم لنفسه فيحبس في المقام ثم يدخل الجنة فهم الذين قالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤ وقرئ لؤلؤا بالنصب ولباسهم فيها حرير (34) وقالوا الحمد لله الذى أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور للمذنبين شكور للمطيعين (35) الذى أحلنا دار المقامة دار الأقامة من فضله من إنعامه وتفضله لا يمسنا فيها نصب تعب ولا يمسنا فيها لغوب كلال إذ لا تكليف فيها ولا كد أتبع نفي النصب نفي ما يتبعه مبالغة القمي قال النصب العناء واللغوب الكسل والضجر ودار المقامة دار البقاء في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا دخل المؤمن منازله في الجنة وضع على رأسه تاج الملك والكرامة والبس حلل الذهب والفضة والدر والياقوت منظوما في الأكليل تحت التاج والبس سبعين حلة حرير بألوان مختلفة منسوجة بالذهب والفضة واللؤلؤ والياقوت الأحمر وذلك قوله


(1) من مصنفات الزاهد السيد جمال العارفين ابي القاسم علي بن موسى الطاووس الحسني. (*)

[ 241 ]

تعالى يحلون فها من اساور الاية قال فتخرج عليه زوجته الحوراء من خيمتها تمشي مقبلة وحولها وصفاؤها عليها سبعون حلة منسوجة بالياقوت واللؤلؤ والزبرجد صبغن بالمسك وعنبر وعلى رأسها تاج الكرامة وفي رجلها نعلان من ذهب مكللتان بالياقوت واللؤلؤ شراكهما ياقوت احمر فإذا دنت من ولي الله وهم ان يقوم إليها شوقا تقول له يا ولي الله ليس هذا يوم تعب ولا نصب ولا تقم انا لك وانت لي فيغشيها مقدار خمسمأة عام من اعوام الدنيا لا يملها ولا تمله قال فينظر الى عنقها فإذا عليها قلادة من قصب ياقوت احمر وسطها لوح مكتوب انت يا ولي الله حبيبي وانا الحوراء حبيتك اليك تناهت نفسي والي تناهت نفسك ثم يبعث الله إليه الف ملك يهنونه بالجنة ويزوجونه الحوراء الحديث وقد مر تمامه في سورة الرعد. وفي سعد السعود عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث يذكر فيه ما اعد الله لمحبي علي عليه السلام يوم القيامة قال فإذا دخلوا منازلهم وجدوا الملائكة يهنونهم بكرامة ربهم حتى إذا استقروا قرارهم قيل لهم هل وجدتهم ما وعد ربك حقا قالوا نعم ربنا رضينا فارض عنا قال برضاي عنكم ويحبكم اهل بيت نبيي حللتم داري وصافحتم الملائكة فهنيئا عطاء غير مجذوذ ليس فيه تنغيص قالوا الحمد لله الذي اذهب عنا الحزن الاية. (36) والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم لا يحكم عليهم بموت ثان فيموتوا أو يستريحوا ولا يخفف عنهم من عذابها بل كلما خبت زيدوا سعيرا كذلك نجزي كل كفور وقرئ يجزى على بناء المفعول. (37) وهم يصطرخون فيها يستغيثون بالصراخ ربنا أخر نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل باضمار القول اولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجآئكم النذير جواب من الله وتوبيخ لهم وما يتذكر فيه يتناول كل عمر يمكن فيه من التذكر وفي الفقيه والخصال والمجمع عن الصادق عليه السلام وهو توبيخ لابن ثماني عشرة سنة وفي نهج البلاغة العمر الذي اعذر الله فيه الى ابن آدم ستون سنة. وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله مرفوعا من عمرة الله ستين سنة فقد

[ 242 ]

أعذر عليه فذوقوا فما للظالمين من نصير يدفع العذاب عنهم. (38) إن الله عالم غيب السموات والارض لا يخفي عليه خافية فلا يخفى عليه احوالهم إنه عليم بذات الصدور. (39) هو الذي جعلكم خلائف في الارض القمي اليكم مقاليد التصرف فيها أو جعلكم خلفا بعد خلف فمن كفر فعليه كفره جزاء كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلى مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا بيان له والتكرير للدلالة على ان اقتضاء الكفر لكل واحد من الامرين مستقل باقتضاء قبحة ووجوب التجنب عنه والمراد بالمقت وهو اشد البغض مقت الله والخسار خسار الاخرة. (40) قل أرأيتم شركائكم اخبروني عن هؤلاء الشركاء الذين تدعون من دون الله يعني آلهتهم والاضافة إليهم لانهم جعلوهم شركاء لله أو لانفسهم فيما يملكونه أروني ماذا خلقوا من الارض بدل من أرأيتم أم لهم شرك في السموات شركة مع الله في خلقها فاستحقوا بذلك شركة في الالوهية ذاتية ام اتيناهم اي الشركاء أو المشركين كتابا ينطق على انا اتخذنا شركاء فهم على بينة منه على حجة من ذلك الكتاب بأن لهم شركة جعلية وقرئ على بينات اشارة الى انه لا بد في مثله من تعاضد الدلائل بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا بأنهم شفعاؤهم عند الله يشفعون لهم بالتقرب إليهم. (41) ان الله يمسك السموات والارض ان تزولا ولئن زالتا ان امسكهما من احد من بعده من بعد الله أو من بعد الزوال إنه كان حليما غفورا حيث امسكهما وكانتا جديرتين بأن تهدا هدا كما قال عز وجل تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض. في الكافي عن امير المؤمنين عليه السلام انه سئل عن الله عز وجل يحمل العرش ام العرش يحمله فقال عليه السلام عز وجل حامل العرش والسموات والارض وما فيهما وما بينهما وذلك قول الله تعالى ان الله يمسك السموات والرض ان تزولا الاية.

[ 243 ]

وفي الاكمال عن الرضا عليه السلام في حديث بنا يمسك الله السموات والارض ان تزولا وعنهم عليهم السلام لولا ما في الارض منا لساخت بأهلها (42) واقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جائهم نذير ليكونن اهدي من احدى الامم قيل وذلك ان قريشا لما بلغهم ان أهل الكتاب كذبوا رسولهم قالوا لعن الله اليهود والنصاري لو اتانا رسول لنكونن أهدي من احدى الامم ويأتي في هذا المعنى حديث في سورة ص ان شاء الله فلما جائهم نذير يعني محمد صلى الله عليه وآله ما زادهم اي النذير أو مجئيه الا نفورا تباعدا عن الحق. (43) استكبارا في الارض ومكر السئ ولا يحيق ولا يحيط المكر السئ الا باهله وهو الماكر قيل وقد حاق بهم يوم بدر فهل ينظرون ينتظرون الا سنة الاولين سنة الله فيهم بتعذيب مكذبيهم فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا إذ لا يبدلها بجعل التعذيب غيره ولا يحولها بنقله الى غيرهم. (44) اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم قيل استشهاد عليهم بما يشاهدونه في مسايرهم الى الشام واليمن والعراق من آثار الماضين والقمي قال أولهم ينظروا في القرآن وفي أخبار الامم الهالكة وكانوا اشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ ليسبقه ويفوته في السموات ولا في الرض انه كان عليما بالاشياء كلها قديرا عليها. (45) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا من المعاصي ما ترك على ظهرها ظهر الارض من دابة تدب عليها بشؤم معاصيهم ولكن يؤخرهم الى اجل مسمى فإذا جاء أجلهم فان الله كان بعبادة بصيرا فيجازيهم على اعمالهم قد سبق ثواب قراءتها في آخر سؤرة سبأ.

[ 244 ]

سورة يس مكية عند الجميع قال ابن عباس الا آية منها وهي قوله وإذا قيل لهم انفقوا نزلت بالمدينة عدد آيها ثلاث وثمانون آية كوفي اثنتان في الباقين بسم الله الرحمن الرحيم (1) يس قد مضى نظائره وقيل معناه يا انسان بلغة طي. وفي المعاني عن الصادق عليه السلام واما يس فاسم من اسماء النبي صلى الله عليه وآله ومعناه يا ايها السامع الوحي وفي الخصال عن الباقر عليه السلام قال ان لرسول الله صلى الله عليه وآله عشرة اسماء خمسة في القرآن وخمسة ليست في القرآن فأما التي في القرآن فمحمد واحمد وعبد الله ويس ون. وفي الكافي عنهما عليهما السلام هذا محمد اذن لهم في التسمية به فمن أذن لهم في يس يعني التسمية وهو اسم النبي صلى الله عليه وآله. وفي العيون عن الرضا عليه السلام في حديث له في مجلس المأمون قال أخبروني عن قول الله تعالى يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين على صراط مستقيم من عنى بقوله يس قالت العلماء يس محمد لم يشك فيه احد الحديث وقد سبق تمامه في سورة الاحزاب عند قوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما ويأتي أيضا في سورة الصافات مع حديث آخر من الاحتجاج في ذلك انشاء الله. وفي المجالس عن امير المؤمنين عليه السلام في قوله عز وجل سلام على آل باسين قال يس محمد ونحن آل محمد.

[ 245 ]

(2) والقرآن الحكيم الواو للقسم (3) انك لم المرسلمين. (4) على صراط مستقيم، وهو التوحيد والاستقامة في الامور. والقمي قال الصادق عليه السلام يس اسم رسول الله صلى الله عليه وآله والدليل على ذلك قوله تعالى انك لمن المرسلين على صراط مستقيم قال على الطريق الواضح. (5) تنزيل العزيز الرحيم قال القرآن وقرئ بالرفع (6) لتنذر قوما ما انذر اباؤهم فهم غافلون (1). في الكافي عن الصادق عليه السلام قال لتنذر القوم الذين انت فيهم كما انذر آباؤهم فهم غافلون عن الله وعن رسوله وعن وعيده. (7) لقد حق القول على اكثرهم قال ممن لا يقرون بولاية علي أمير المؤمنين والائمة عليهم السلام من بعده فهم لا يؤمنون قال بإمامة أمير المؤمنين والاوصياء عليهم السلام من بعده فلما لم يقروا كانت عقوبتهم ما ذكر الله. (8) انا جعلنا في اعناقهم اغلالا فهي الى الاذقان فهم مقمون القمي قد رفعوا رؤوسهم. (9) وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا فاغشيناهم فهم لا يبصرون القمي عن الباقر عليه السلام يقول فأعميناهم فهم لا يبصرون الهدي اخذ الله سمعهم وابصارهم وقولوبهم فأعماهم عن الهدى. وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال هذا في الدنيا وفي الاخرة في نار جهنم مقمحون. القمي. القمي نزلت في ابي جهل بن هشام ونفر من اهل بيته وذلك ان النبي صلى الله


(1) عما تضمنه القرآن وعما أنذر الله به من نزول العذاب والغفلة مثل السهور وهو ذهاب المعنى عن النفس. (*)

[ 246 ]

عليه وآله قام يصلي وقد حلف أبو جهل لعنه الله لئن رآه يصلي ليدمغنه فجاءه ومعه حجر والنبي صلى الله عليه وآله قائم يصلي فجعل كلما رفع الحجر ليرميه اثبت الله عز وجل يده الى عنقه ولا يدور الحجر بيده فلما رجع إلى أصحابه سقط الحجر من يده ثم قام رجل آخر وهو من رهطه أيضا فقال: أنا أقتله فلما دنا منه جعل يستمع قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله فأرعب فرجع الى اصحابه فقال حال بيني وبينه كهيئة الفحل يخطر بذنبه فخفت ان اتقدم. (10) وسواء عليهم ءأنذرتهم ام لم تنذرهم لا يؤمنون بالله ولا بولاية على عليه السلام ومن بعده قيل انه جعلنا في اعناقهم اغلالا فهم مقمحون قد رفعوا رؤوسهم وجعلنا من بين ايديهم سدا الايتين تقرير لتصميمهم على الكفر والطبع على قلوبهم بحيث لا تغني الايات والنذر بتمثيلهم بالذين غلت اعناقهم والاغلال واصلة الى اذقانهم فلا يخليهم يطأطئون فهم مقموحون رافعون رؤوسهم غاضون ابصارهم في انهم لا يلتفتون لفت الحق ولا يعطفون اعناقهم نحوه ولا يطأطئون رؤوسهم له وبمن احاط بهم سدان فغطى ابصارهم بحيث لا يبصرون قدامهم ووراءهم في انهم محبوسون في مطمورة الجهالة ممنوعون عن النظر في الايات والدلائل وقرئ سدا بالضم وهو لغة فيه. (11) انما تنذر من اتبع الذكر في الكافي في الحديث السابق يعني امير المؤمنين عليه السلام وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة واجر كريم. (12) انا نحن نحيي الموتي الاموات بالبعث والجهال بالهداية ونكتب ما قدموا ما اسلفوا من الاعمال الصالحة والطالحة واثارهم كعلم علموه وخطوة مشوا بها الى المساجد وكإشاعة باطل وتأسيس ظلم. في المجمع ان بني سلمة كانوا في ناحية من المدينة فشكوا الى رسول الله صلى الله عليه وآله بعد منازلهم من المسجد والصلاة معه فنزلت الاية وكل شئ

[ 247 ]

احصيناه في امام مبين قيل يعني اللوح المحفوظ والقمي يعني في كتاب مبين وعن امير المؤمنين عليه السلام انه قال انا والله الامام المبين ابين الحق من الباطل ورثته من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي المعاني عن الباقر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال لما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله وكل شئ احصيناه في امام مبين قام أبو بكر وعمر من رسول الله صلى الله عليه وآله. وفي المعاني عن الباقر عن ابيه عن جده عليهم السلام قال لما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله وكل شئ احصيناه في امام مبين قام أبو بكر وعمر من مجلسهما وقالا يا رسول الله هو التوراة قال لا قالا فهو الانجيل قالا لا قالا فهو القرآن قال لا قال فأقبل امير المؤمنين عليه السلام فقال رسول الله صلى الله عليه وآله هو هذا انه الامام الذي احصي الله فيه علم كل شئ وفي الاحتجاج عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث قال معاشر الناس ما من علم الا علمنيه ربي وانا علمته عليا وقد احصاه الله في وكل علم علمت فقد احصيته في إمام المتقين وما من علم الا علمته عليا. (13) واضرب لهم مثلا اصحاب القرية قرية انطاكية إذ جائها المرسلون قيل ارسلهم الله أو ارسلهم عيسى على نبينا واله وعليه السلام بأمر الله. (14) إذ ارسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا فقوينا بثالث هو شمعون فقالوا انا اليكم مرسلمون القمي عن الباقر عليه السلام انه سئل عن تفسير هذه الاية فقال بعث الله رجلين الى اهل مدينة انطاكية فجاءاهم بما لا يعرفون فغلظوا عليهما فأخذوهما وحبسوهما في بيت الاصنام فبعث الله الثالث فدخل المدينة فقال ارشدوني الى باب الملك قال فلما وقف على الباب قال انا رجل كنت اتعبد في فلاة من الارض وقد احببت ان اعبد اله الملك فأبلغوا كلامه الملك فقال ادخلوه الى بيت الالهة فأدخلوه فمكث سنة مع صاحببه فقال لهما بهذا ينقل قوم من دين الى دين بالخرق افلا رفقتما ثم قال لهما الا تقران بمعرفتي ثم ادخل على الملك فقال له الملك بلغني انك كنت تعبد الهي فلم ازل وانت اخي فسلني حاجتك فقال ما لي من حاجة ايها الملك ولكن رأيت رجلين في بيت الالهة فما حالهما قال الملك هذان رجلان أتياني ببطلان ديني ويدعواني الى إله سماوي فقال ايها الملك فمناظرة جميلة فان يكن الحق لهما اتبعناهما وان يكن الحق لنا دخلا معنا في ديننا وكان لهما ما لنا وعليهما ما علينا قال فبعث الملك اليهما

[ 248 ]

فلما دخلا إليه قال لهما صاحبهما ما الذي جئتماني به قالا جئنا ندعوه الى عبادة الله الذي خلق السموات والارض ويخلق في الارحام ما يشاء ويصور كيف يشاء وانبت الاشجار والثمار وانزل القطر من السماء قال فقال لهما الهكما هذا الذي تدعوان إليه وإلى عبادته ان جئنا بأعمي أيقدر أن يرده صحيحا قالا ان سألناه أن يفعل فعل ان شاء قال: أيها الملك علي بأعمي لم يبصر شيئا قط قال فاتي به فقال لهما ادعوا الهكما ان يرد بصر هذا فقاما وصليا ركعتين فإذا عيناه مفتوحتان وهو ينظر الى السماء فقال ايها الملك على بأعمي آخر فأتي به قال فسجد سجدة ثم رفع رأسه فإذا الاعمي يبصر فقال ايها الملك حجة بحجة علي بمقعد فاتي به فقال لهما مثل ذلك فصلينا ودعوا الله فإذا المقعد قد اطلقت رجلاه وقام يمشي فقال ايها الملك علي بمقعد آخر فأتى به فصنع به كما صنع اول مرة فاطنلق المقعد فقال ايها الملك قد اتيا بحجتين واتينا بمثلهما ولكن بقي شئ واحد فان كان هما فعلاه دخلت معهما في دينهما ثم قال ايها الملك بلغني انه كان للملك ابن واحد ومات فان احياه الههما دخلت معهما في دينهما فقال له الملك وانا ايضا معك ثم قال لهما قد بقيت هذا الخصلة الواحدة قد مات ابن الملك فادعوا الهلكما ان يحييه قال فخرا ساجدين لله عز وجل وأطالا السجود ثم رفع رؤسهما وقالا للملك ابعث الى قبر ابنك تجده قد قام من قبره ان شاء الله قال فخرج الناس ينظرون فوجدوه قد خرج من قبره ينفض رأسه من التراب قال فاتي به الملك فعرف انه ابنه فقال ما حالك يا بني قال كنت ميتا فرأيت رجلين بين يدي ربي الساعة ساجدتين يسألانه ان يحييني فأحياني قال يا بني تعرفهما إذا رأيتهما قال نعم قال فخرج الناس جملة الى الصحراء فكان يمر عليه رجل رجل فيقول له ابوه انظر فيقول لا ثم مروا عليه بأحدهما بعد جمع كثير فقال هذا احدهما واشار بيده إليه ثم مروا ايضا بقوم كثيرين حتى رأى صاحبه الاخر فقال وهذا الاخر قال فقال النبي عليه السلام صاحب الرجلين اما انا فقد آمنت بالهكما وعلمت ان ما جئتما به هو الحق قال فقال الملك وانا ايضا آمنت بالهكما وآمن اهل مملكته كلهم. وفي المجمع قال وهب بن منبه بعث عيسى هذين الرسلين الى انطاكية فأتياها

[ 249 ]

ولم يصلا الى ملكها وطالت مدة مقامهما فخرج الملك ذات يوم فكبرا وذكرا الله فغضب وامر بحبسهما وجلد كل واحد منهما مأة جلدة فلما كذب الرسولان وضربا بعث عيسى عليه السلام شمعون الصفا رأس الحواريين على اثرهما لينصرهما فدخل شمعون البلدة منكرأ فجعل يعاشر حاشية الملك حتى انسوا به فرفعوا خبره الى الملك فدعاه ورضي عشرته وأنس به واكرمه ثم قال له ذات يوم ايها الملك بلغني انك حبست رجلين في السجن وضربتهما حين دعواك الى غير دينك فهل سمعت قولهما قال الملك حال الغضب بيني وبين ذلك قال فان رأى الملك دعاهما حتى يتطلع ما عندهما فدعاهما الملك فقال لهما شمعون من ارسلكما الى ههنا قالا الله الذي خلق كل شئ لا شريك له قال وما اتاكما قالا ما تتمناه فأمر الملك حتى جاؤوا بغلام مطموس العينين وموضع عينيه كالجبهة فما زالا يدعوان الله حتى انشق موضع البصر فأخذا بندقتين من الطين فوضعاهما في حدقتيه فصارا مقلتين (1) يبصر بهما فتعجب الملك فقال شمعون للملك ليس لي عنك سر ان إلهنا الذي نعبده لا يضر ولا ينفع ثم قال الملك للرسولين ان قدر إلهكما على احياء ميت آمنا به وبمكما قالا إلهنا قادر على كل شئ فقال الملك ان هيهنا ميتا مات منذ سبعة ايام لم ندفنه حتى يرجع ابوه وكان غائبا فجاؤا بالميت وقد تغير وأروح فجعلا يدعوان ربهما علانية وجعل شمعون يدعو ربه سرا فقام الميت وقال لهم اني قد مت منذ سبعة ايام وادخلت في سبعة اودية من النار وانا احذركم ما انتم فيه فآمنوا بالله فتعجب الملك فلما علم شمعون ان قوله اثر في الملك دعاه الى الله فآمن وآمن من اهل مملكته قوم وكفر آخرون وقد روى مثل ذلك العياشي بأسناده عن الثمالي وغيره عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهم السلام الا ان في بعض الروايات بعث الله الرسولين الى انطاكية ثم بعث الثالث وفي بعضها ان عيسى عليه السلام اوحى الله إليه ان يبعثهما ثم بعث وصيه شمعون ليخلصهما وان الميت الذي احياه الله بدعائهما كان ابن الملك وانه قد خرج من قبره ينفض التراب من رأسه فقال له يا بني ما حالك قال كنت ميتا فرأيت رجلين


(1) المقلة شمعة العين التي تجمع السواد والبياض. (*)

[ 250 ]

ساجدين يسألان الله اين يحييني قال يا بني فهما إذا رأيتهما قال نعم فأخرج الناس الى الصحراء فكان يمر عليه رجل بعد رجل فمر احدهما بعد جمع كثير فقال هذا احدهما ثم مر الاخر فعرفهما واشار بيده اليهما فآمن الملك وأهل مملكته الى هنا كلام صاحب المجمع. (15) قالوا ما أنتم الا بشر مثلنا لا مزية لكم علينا تقتضي اختصاصكم بما تدعون وما انزل الرحمن من شئ وحي ورسالته ان أنتم الا تكذبون في دعوى رسالته. (16) قالوا يعلم انا اليكم لمرسلون الاستشهاد بعلم الله يجري مجري القسم. (17) وما علينا الا البلاغ المبنى. (18) قالوا انا تطيرنا بكم تشاءمنا بكم قيل ذلك لاستغرابهم ما ادعوه به وتنفرهم عنه. والقمي تطيرنا بكم قال بأسمائكم لئن لم تنتهو عن مقالتكم هذه نرجمنكم وليمسنكم منا عذاب اليم. (19) قالوا طائركم معكم سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم واعمالكم ائن ذكرتم إئن وعظتم به تطيرتم أو توعدتم بالرجم والتعذيب فحذف الجواب بل انتم قوم مسرفون عادتكم الاسراف. (20) وجاء من اقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين. القمي قال نزلت في حبيب النجار الى قوله وجعلني من المكرمين قيل انه ممن امن بمحمد صلى الله عليه وآله وبينهما ست مأة سنة وقيل كان في غار يعبد الله فلما بلغه خبر الرسل اظهر دينه. وفي المجالس عن النبي صلى الله عليه وآله قال الصديقون ثلاثة حبيب النجار مؤمن آل يس الذي يقول اتبعوا المرسلين الاية وحزقيل مؤمن آل فرعون وعلي بن

[ 251 ]

ابي طالب عليه السلام وهو افضلهم. وفي الجوامع عنع صلى الله عليه وآله قال سباق الامم ثلاثة لم يكفروا بالله طرفة عين علي بن ابي عليه السلام وصاحب يس ومؤمن آل فرعون فهم الصديقون وعلي افضلهم. وفي الخصال عنه عليه السلام قال ثلاثة لم يكفروا بالوحي طرفة عين مؤمن آل يس وعلي بن ابي طالب عليه السلام وآسية امرأة فرعون. (21) اتبعوا من لا يسئلكم اجرا على النصح وتبليغ الرسالة وهم مهتدون الى خير الدارين. (2) وما لي لا اعبد الذي فطرني تلطف في الارشاد بإيراده في معرض. المناصحة لنفسه وامحاض النصح حيث اراد لهم ما اراد لنفسه والمراد تقريعهم على تركهم عبادة خالقهم الى عبادة غيره قال واليه ترجعون مبالغة في التهديد ثم عاد الى المساق الاول فقال. (23) ءاتخذ من دونه الهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا لا تنفعني شفاعتهم ولا ينقذون بالنصر والمظاهرة. (24) اني إذا لفي ضلال مبين بين لا يخفي على عاقل. (25) اني آمنت بربكم الذي خلقكم أو هو خطاب للرسول بعد ما اراد القوم ان يقتلوه فاسمعون فاسمعوا ايماني. (26). قيل ادخل الجنة قيل له ذلك لما قتلوه بشرى بانه من اهل الجنة أو اكراما واذنا له في دخولها قال يا ليت قومي يعلمون. (27) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين في الجوامع ورد في حديث مرفوعا انه نصح قومه حيا وميتا. (28) وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء لاهلاكهم كما ارسلنا

[ 252 ]

يوم بدر والخندق بل كفينا امرهم بصيحة وما كنا منزلين وما صح في حكمتنا ان ننزل إذ قدرنا لكل شئ سببا وجعلنا ذلك سببا لانتصارك من قومك وقيل ما موصولة معطوفة على جند اي وما كنا منزلين على من قبلهم من حجارة وريح وامطار شديدة. (29) ان كانت ما كانت الاخذة الا صيحة واحدة صاح بها جبرئيل عليه السلام فإذا هم خامدون ميتون شبهوا بالنار رمزا الى ان الحي كالنار الساطع والميت كرمادها. (30) يا حسرة على العباد تعالى فهذا أوانك. وفي الجوامع عن السجاد عليه السلام يا حسرة العباد على الاضافة إليهم لاختصاصها بهم من حيث انها موجهة إليهم ما ياتيهم من رسول الا كانوا به يستهزؤن فان المستهزئين بالناصحين المخلصين الموط بنصحهم خير الدارين احقاء بأن يتحسروا ويتحصر عليهم وقد تلهف على حالهم الملائكة والمؤمنون من الثقلين. (31) الم يروا كم اهلكنا قبلهم من القرون انهم إليهم لا يرجعون. (32) وان كل لما جميع لدينا محضرون ان مخففة من الثقيلة وما مزيدة للتأكيد وقرئ لما بالتشديد بمعني الا فيكون ان نافية. (33) وآية لهم الارض الميتة وقرئ بالتشديد احييناها واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون قيل قدم الصلة للدلالة على ان الحب معظم ما يؤكل ويعاش به. (34) وجعلنا فيها جنات من نخيل واعناب وفجرنا فهيا من العيون. (35) ليكلوا من ثمره ثمر ما ذكر وقرئ بضمتين وما عملته ايديهم مما يتخذ منه كالعصير والدبس ونحوهما وقرئ بلا هاء وقيل ما نفية افلا يشكرون. (36) سبحان الذي خلق الازواج كلها الانواع والاصناف مما تنبت الارض من النبات والشجر ومن انفسهم الذكر والانثى ومما لا يعلمون وازواجا مما لايطلعهم الله عليه

[ 253 ]

القمي عن الصادق عليه السلام ان النطفة تقع من السماء الى الارض على النبات والثمر والشجر فيأكل الناس منه والبهائم فيجري فيهم. (3 7) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار نزيله ونكشف عن مكانه مستعار من سلخ الشاة فإذا هم مظلمون داخلون في الظلام. في الكافي عن الباقر عليه السلام يعني قبض محمد صلى الله عليه وآله وظهرت الظلمة فلم يبصروا فضل اهل بيته. (38) والشمس تجري لمستقر لها لحد معين ينتهي إليه دورها. وفي المجمع عنهما عليهما السلام لا مستقر لها بنصب الراء اي لا سكون لها فانها متحركة دائما ذلك تقدير العزيز العليم. (39) والقمر وقرئ بالنصب قدرناه قدرنا مسيرة منازل وهي ثمانية وعشرون منزلا ينزل كل ليلة في واحد منها لا يتخطاه ولا يتقاصر عنه حتى عاد كالعرجون القديم كالشمراخ المعجون العتيق. (40) لا الشمس ينبغي لها يصح لها ويتسهل ان تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون يسيرون فيه بانبساط. القمي عن الباقر عليه السلام يقول الشمس سلطان النهار والقمر سلطان الليل لا ينبغي للشمس ان يكون مع ضوء القمر في الليل ولا يسبق الليل النهار يقول لا يذهب الليل حتى يدركه النهار وكل في فلك يسبحون يقول يجئ وراء الفلك الاستدارة. أقول: يعني يجئ تابعا لسير الفلك على الاستدارة. وفي المجمع عن العياشي عن الرضا عليه السلام ان النهار خلق قبل الليل وفي قول تعالى ولا الليل سابق النهار قال اي سبقه النهار. وفي الاحتجاج عن الصادق عليه السلام خلق النهار قبل الليل والشمس قبل

[ 254 ]

القمر والارض قبل السماء. وزاد في الكافي وخلق النور قبل الظلمة. (41) وآية لهم انا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون الممو أي فلك نوح عليه السلام كما في قوله ذرية من حملنا مع نوح وحمل الله ذريتهمه فيها حمله آبائهم الاقدمين وفي اصلابهم ذرياتهم وتخصيص الذرية لانه ابلغ في الامتنان وادخل في التعجب مع الايجاز. في الخصال عن امير المؤمنين عليه السلام في حديث انه سئل فما التسعون فقال الفلك المشحون اتخذ نوح فيه تسعين بيتا للبهائم وقيل ذريتهم اولادهم الذين يبعثون الى تجاراتهم أو صبيانهم ونسائهم الذين يستصحبونهم فان الذرية تقع عليهم لانهن مزارعها وتخصيصهم لان استقرارهم فيها اشق وتماسكهم فيها اعجب. والقمي قال السفن الممتلية وكأنه ناظر الى المعنى الاخير لتعميمه الفلك. (42) وخلقنا لهم من مثله من مثل الفلك ما يركبون من الانعام والدواب ولا سيما الابل فأنها سفائن البر أو من السفن والزوارق. (43) وان نشأ (1) نغرقهم فلا صريخ لهم فلا مغيث لهم يحرسهم من الغرق ولا هم ينقذون ينجون به من الموت. (44) الا رحمة منا ومتاعا الا لرحمة وليتمتع بالحياة الى حين زمان قدر لاجالهم. (45) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم وما خلفكم في المجمع عن الصادق عليه السلام معناه اتقوا ما بين ايديكم من الذنوب وما خلفكم من العقوبة لعلكم ترحمون لتكونوا راجين رحمة الله وجواب إذا محذوف دل عليه ما بعده كأنه قيل اعرضوا. (46) وما تأتيهم من آية من آيات ربهم الا كانوا عنها معرضين لانهم اعتادوه وتمرنوا عليه. (47) وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله على محاويجكم قال الذين كفروا


(1) أي وان نشأ إذا حملناهم في السفن نغرقهم بتهييج الريحاج والامواج. (*)

[ 255 ]

للذين آمنوا انطعم من لو يشاء الله اطعمه اما تهكم به من اقرارهم بالله وتعليقهم الامور بمشيئة الله واما ايهام بأن الله لما كان قادرا على ان يطعمهم فلم يطعمهم فنحن احق بذلك وهذا من فرطا جهالتهم فان الله يطعم بأسباب منها حث الاغنياء على اطعام الفقراء وتوفيقهم له ان انتم الا في ضلال مبين. (48) ويقولون متى هذا الوعد ان كنتم صادقين يعنو ان وعد البعث. (49). ما ينظرون الا صيحة واحدة هي النفخة الاولى تأخذوهم وهم يخصمون يعني يتخاصمون في متاجرهم ومعاملاتهم لا يخطر ببالهم امرها كقوله فأخذتهم الساعة بغتة. (50) فلا يستطيعون توصية ولا الى اهلهم يرجعون. القمي قال ذلك في آخر الزمان يصاح فيهم صيحة وهم في اسواقهم يتخاصمون فيموتون كلهم في مكانهم لا يرجع اجد الى منزله ولا يوصي بوصية وفي المجمع في الحديث تقوم الساعة والرجلان قد نشرا ثوبهما يتبايعان فيما يطويانه حت يتقوم الساعة والرجل يرفع اكلته الى فيه فما تصل الى فيه حتى تقوم والرجل يليط حوضه ليسقي ماشيته فما يسقيها حتى تقوم. (51) ونفخ في الصور اي مرة ثانية كما يأتي في سورة الزمر فإذا هم من الاجدات من القبور الى ربهم (1) ينسلون يسرعون. (52) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا. في الجوامع عن علي عليه السلام انه قرئ من بعثنا على من الجارة والمصدر هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون. القمي عن الباقر عليه السلام قال فان القوم كانوا في القبور فلما قاموا حسبوا انهم كانوا نياما قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا قالت الملائكة هذا ما وهد الرحمن وصدق المرسلون.


(1) أي إلى الموضع الذي يحكم الله فيه ولا حكم فيه لغيره هناك.

[ 256 ]

(53) ان كانت الا صحية واحدة هي النفخة الاخيرة فإذا هم جميع لدينا محضرون بمجرد الصيحة وفي ذلك تهوين امر البعث والحشر واستغناؤه عن الاسباب التي ينوط بها فيما يشاهدون. في الكافي عن الصادق عليه السلام قال كان ابو ذر رحمه الله يقول في خطبته وما بين الموت والبعث الا كنومة نمتها ثم استيقظت منها الحديث. والقمي عنه عليه السلام قال إذا امامت الله أهل الارض لبث كمثل ما خلق الله الخلق ومثل ما أماتهم واضعاف ذلك ثم أمات أهل سماء الدنيا ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ما أمات اهل الارض وأهل سماء الدنيا واضاف ذلك ثم امات اهل السماء الثانية ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ما امات اهل الارض واهل السماء الدنيا والسماء الثانية واضعاف ذلك ثم أمات أهل السماء الثالثة ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ما أمات أهل الارض وأهل اسماء الدنيا والسماء الثانية والثالثة وأضعاف ذلك في كل سماء مثل ذلك واضعاف ذلك ثم امات ميكائيل ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ذلك كله واضعاف ذلك ثم امات جبرئيل ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ذلك كله واضعاف ذلم ثم امات اسرافيل ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق وثمل ذلك كله واضعاف ذلك ثم امات ملك الموت ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ذلك كله واضعاف ذلك ثم يقول الله عز وجل لمن الملك اليوم فيرد على نفسه لله الواحد القهار اين الجبارون اين الذين ادعوا معي الها آخر اين المتكبرون ونخوتهم ثم يبعث الخلق قال الراوي فقلت ان هذا الامر كائن طول ذلك فقال أرأيت ما كان هل علمت به فقلت لا قال فكذلك هذا. (54) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون الا ما كنتم تعلمون. (55) ان اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون متلذذون في النعمة وابهامه العظيم مات هم فيه. القمي قال في افتضاض العذاري فاكهون قال يفاكهون النساء ويلاعبونهن.

[ 257 ]

وفي المجمع عن الصادق عليه السلام شغلوا بافتضاض العذارى قال وحواجبهن كالأهلة وأشفار أعينهن كقوادم النسور (56) هم وأزواجهم في ظلال على الارائك السرر المزينة متكؤن القمي عن الباقر عليه السلام قال الأرائك السرر عليها الحجال وعنه عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا جلس المؤمن على سريره اهتز سريره فرحا في حديث قد سبق بعضه في أواخر سورة فاطر (57) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون قيل افتعال من الدعاء وقيل أي يتمنون من قولهم ادع علي ما شئت أي تمنه وقيل ما يدعونه في الدنيا من الجنة ودرجاتها (58) سلام قولا من رب رحيم يقال لهم قولا كائنا من جهته يعني أن الله يسلم عليهم القمي قال السلام منه هو الأمان (59) وامتازوا اليوم أيها المجرمون وانفردوا عن المؤمنين وذلك حين يسار بالمؤمنين إلى الجنة كقوله تعالى ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون القمي قال إذا جمع الله الخلق يوم القيامة بقوا قياما على أقدامهم حتى يلجمهم العرق فينادوا يا رب حاسبنا ولو إلى النار قال فيبعث الله عز وجل رياحا فتضرب بينهم وينادي مناد وامتازوا اليوم أيها المجرمون فيميز بينهم فصار المجرمون في النار ومن كان في قلبه الأيمان صار الى الجنة (60) ألم أعهد إليكم يا بنى آدم أن لا تعبدوا الشيطان جعلها عبادة الشيطان لأنه الامر بها المزين لها وقد ثبت أن كل من أطاع المخلوق في معصية الخالق فقد عبده كما قال الله عز وجل اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله حيث أحلوا لهم حراما وحرموا عليهم حلالا فأطاعوهم ومن عبد غير الخالق فقد عبد هواه كما قال الله تعالى أفرأيت من اتخذ إلهه هويه ومن عبد هواه فقد عبد الشيطان

[ 258 ]

في الكافي عن الصادق عليه السلام من أطاع رجلا في معصيته فقد عبده وعن الباقر عليه السلام من أصغى إلى ناطق فقد عبده فإن كان الناطق يروي عن الله فقد عبد الله عز وجل وإن كان الناطق يروي عن الشيطان فقد عبد الشيطان إنه لكم عدو مبين (61) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم إشارة إلى ما عهد إليهم أو إلى عبادة الله (62) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أي خلقا كثيرا وفيه لغات متعددة وقرئ بها أفلم تكونوا تعقلون (63) هذه جهنم التى كنتم توعدون (64) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون ذوقوا حرها اليوم بكفركم في الدنيا (65) اليوم نختم على أفواههم نمنعها عن الكلام وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون القمي قال إذا جمع الله عز وجل الخلق يوم القيامة دفع إلى كل إنسان كتابه فينظرون فيه فينكرون أنهم عملوا من ذلك شيئا فتشهد عليهم الملائكة فيقولون يا رب ملائكتك يشهدون لك ثم يحلفون أنهم لم يعملوا من ذلك شيئا وهو قول الله عز وجل يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم فإذا فعلوا ذلك ختم الله على ألسنتهم وتنطق جوارحهم بما كانوا يكسبون وفي الكافي عن الباقر عليه السلام وليست تشهد الجوارح على مؤمن إنما تشهد على من حقت عليه كلمة العذاب فأما المؤمن فيعطى كتابه بيمينه قال الله عز وجل فأما من أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا (66) ولو نشاء لطمسنا على أعينهم لمسحنا أعينهم حتى تصير ممسوحة فاستبقوا الصراط فاستبقوا إلى الطريق الذي اعتادوا سلوكه فأنى يبصرون الطريق وجهة السلوك فضلا عن غيره

[ 259 ]

(67) ولو نشاء لمسخناهم بتغيير صورهم وإبطال قواهم على مكانتهم مكانهم بحيث يخمدون فيه القمي يعني في الدنيا وقرئ مكاناتهم فما استطاعوا مضيا ذهابا ولا يرجعون ولا رجوعا أو لا يرجعون عن تكذيبهم (68) ومن نعمره نطل عمره ننكسه في الخلق نقلبه فيه فلا يزال يتزايد ضعفه وانتقاص بنيته وقواه عكس ما كان عليه بدو أمره وقرئ بالتخفيف أفلا يعقلون إن من قدر على ذلك قدر على الطمس والمسخ فإنه مشتمل عليهما وزيادة غير أنه على تدرج وقرئ بالتاء (69) وما علمناه الشعر بتعليم القرآن يعني ليس ما أنزلنا عليه من صناعة الشعر في شئ أي مما يتوخاه الشعراء من التخيلات المرغبة والمنفرة ونحوهما مما لا حقيقة له ولا أصل وإنما هو تمويه محض موزونا كان أو غير موزون وما ينبغى له يعني هذه الصناعة القمي قال كانت قريش تقول إن هذا الذي يقوله محمد شعر فرد الله عز وجل عليهم قال ولم يقل رسول الله صلى الله عليه وآله شعرا قط أقول: كأن المراد أنه لم يقل كلاما شعريا لا أنه لم يقل كلاما موزونا فإن الشعر يطلق على المعنيين جميعا ولهذا عدوا القرآن شعرا مع أنه ليس بمقفى ولا موزون وقد ورد في الحديث أن من الشعر لحكمة يعني من الكلام الموزون وقد نقل عنه صلى الله عليه وآله كلمات موزونة كقوله أنا النبي صلى الله عليه وآله لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقوله هل أنت إلا اصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت وغير ذلك وما روته العامة أنه كان يتمثل بالأبيات على غير وجهها لتصير غير موزونة لم يثبت فإن صح فلعله إنما فعل ذلك لئلا يتوهموا أنه شاعر وأن كلامه كلام شعري فإن الوزن والقافية ليسا بنقص في الكلام ولو كانا نقصا ما أتى بهما أمير المؤمنين عليه السلام وقد استفاض عنه الأبيات وكذا عن ساير الأئمة وإنما النقص في الكلام الشعري

[ 260 ]

قال في المجمع وقد صح أنه صلى الله عليه وآله كان يسمع الشعر ويحث عليه وقال لحسان بن ثابت لا تزال يا حسان مؤيدا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك إن هو إلا ذكر عظة وقرآن مبين كتاب سماوي يتلى في المعابد (70) لينذر وقرئ بالتاء من كان حيا في المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام أي عاقلا والقمي يعني مؤمنا حي القلب وفي معناه خبر آخر مر في سورة الأنعام عند قوله أو من كان ميتا فأحييناه والمعنيان متقاربان ويحق القول وتجب كلمة العذاب على الكافرين المصرين على الكفر (71) أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا قيل يعني مما تولينا إحداثه ولم يقدر على إحداثه غيرنا وذكر الأيدي وإسناد العمل إليها إستعارة تفيد مبالغة في الأختصاص والتفرد بالأحداث والقمي أي بقوتنا خلقناها أنعاما خصها بالذكر لما فيها من بدايع الفطرة وكثرة المنافع فهم لها مالكون يتصرفون فيها بتسخيرنا إياها لهم (72) وذللناها لهم فصيرناها منقادة لهم فإن الأبل مع قوتها وعظمتها يسوقها الطفل فمنها ركوبهم مركوبهم ومنها يأكلون أي يأكلون لحمه (73) ولهم فيها منافع بما يكسبون بها ومن الجلود والأصواف والأوبار ومشارب من ألبانها أفلا يشكرون نعم الله في ذلك (74) واتخذوا من دون الله آلهة أشركوهابه في العبادة لعلهم ينصرون رجاء أن ينصروهم (75) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون القمي عن الباقر عليه السلام يقول لايستطيع الالهة لهم نصرا وهم للالهة جند محضرون قيل أي معدون لحفظهم والذب عنهم أومحضرون أثرهم في النار (76) فلا يحزنك قولهم في الله بالشرك والألحاد أو فيك بالتكذيب والتهجين إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون فنجازيهم عليه وكفى بذلك تسلية لك

[ 261 ]

(77) أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين القمي أي ناطق عالم بليغ قيل تسلية ثانية بتهوين ما يقولونه في إنكارهم الحشر (78) وضرب لنا مثلا أمرا عجيبا وهو نفي القدرة على إحياء الموتى ونسى خلقه خلقنا إياه قال من يحيى العظام وهى رميم منكرا إياه مستبعدا له والرميم ما بلى من العظام (79) قل يحييها الذى أنشأها أول مرة فإن قدرته كما كانت وهو بكل خلق عليم يعلم تفاصيل المخلوقات وكيفية خلقها وأجزائها المتفتتة المتبددة أصولها وفصولها ومواقعها وطريق تميزها وضم بعضها إلى بعض العياشي عن الصادق عليه السلام قال جاء أبي بن خلف فأخذ عظما باليا من حائط ففته ثم قال يا محمد إذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون خلقا فنزلت وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام مثله وعن الصادق عليه السلام أن الروح مقيمة في مكانها روح المحسن في ضياء وفسحة وروح المسئ في ضيق وظلمة والبدن يصير ترابا كما منه خلق وما تقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض وبعلم عدد الأشياء ووزنها وأن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور فتربو الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء والزبد من اللبن إذا مخض فتجمع تراب كل قالب إلى قالبه فينتقل بإذن الله القادر إلى حيث الروح فتعود الصور بإذن المصور كهيئتها وتلج الروح فيها فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا (80) الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا قيل بأن يسحق المرخ (1) على العفار وهما خضرا وان يقطر منهما الماء فتنقدح النار القمي وهو المرخ والعفار يكون في ناحية من بلاد العرب فإذا أرادوا أن


(1) المرخ شجر سريع الوري. (*)

[ 262 ]

يستوقدوا أخذوا من ذلك الشجر ثم أخذوا عودا فحركوه فيه فيستوقدون منه النار فإذا أنتم منه توقدون لا تشكون في أنها نار تخرج منه (81) أو ليس الذى خلق السموات والارض مع كبر جرمهما وعظم شأنهما بقادر على أن يخلق مثلهم في الصغر والحقارة وقرئ يقدر بلى جواب من الله وهو الخلاق العليم كثير المخلوقات والمعلومات في الأحتجاج عن الصادق عليه السلام وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله به نبيه صلى الله عليه وآله أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحيائه له فقال حاكيا عنه وضرب لنا مثلا ونسى خلقه الاية فأراد من نبيه أن يجادل المبطل الذي قال كيف يجوز أن يبعث هذه العظام وهي رميم قال قل يحييها الذى أنشأها أول مرة أفيعجز من ابتدأه لا من شئ أن يعيده بعد أن يبلي بل ابتداؤه أصعب عندكم من إعادته ثم قال الذى جعل لكم من الشجر الاخضر نارا أي إذا أكمن النار الحارة في الشجر الأخضر الرطب ثم يستخرجها فعرفكم أنه على إعادة من بلى أقدر ثم قال أو ليس الذى خلق السموات والارض بقادر الاية أي إذا كان خلق السموات والأرض أعظم وأبعد في أوهامكم وقدركم أن تقدروا عليه من إعادة البالي فكيف جوزتم من الله خلق هذا الأعجب عندكم والأصعب لديكم ولم تجوزوا منه ما هو أسهل عندكم من إعادة البالي (82) إنما أمره إنما شأنه إذا أراد شيئا أن يقول له كن تكون فيكون فهو يكون أي يحدث وقرئ بالنصب وهو تمثيل لتأثير قدرته في مراده بأمر المطاع للمطيع في حصول المأمور من غير امتناع وتوقف وافتقار إلى مزاولة عمل واستعمال آلة قطعا لمادة الشبهة في العيون عن الرضا عليه السلام كن منه صنع وما يكون به المصنوع وفي نهج البلاغة إنما كلامه سبحانه فعل منه أنشأه قال يقول ولا يلفظ ويريد ولا يضمر وقال يريد بلا همة وقد سبق أخبار اخر في هذا المعني في سورة البقرة وغيرها

[ 263 ]

والقمي قال خزائنه في الكاف والنون (83) فسبحان الذى بيده ملكوت كل شئ تنزيه له عما ضربوا له وتعجيب عما قالوا فيه وملكوت كل شئ ما يقوم به ذلك الشئ من عالم الأرواح والملائكة وإليه ترجعون وعد ووعيد للمقرين والمنكرين وقرئ بفتح التاء في ثواب الأعمال عن الباقر عليه السلام من قرأ يس في عمره مرة واحدة كتب الله له بكل خلق في الدنيا وبكل خلق في الاخرة وفي السماء بكل واحد ألفي ألف حسنة ومحى عنه مثل ذلك ولم يصبه فقر ولا غرم ولا هدم ولا نصب ولا جنون ولا جذام ولا وسواس ولا داء يضره وخفف الله عنه سكرات الموت وأهواله وولي قبض روحه وكان ممن يضمن الله له السعة في معيشته والفرج عند لقائه والرضا بالثواب في آخرته وقال الله للملائكة أجمعين من في السموات ومن في الأرض قد رضيت عن فلان فاستغفروا له وفيه وفي المجمع عن الصادق عليه السلام أن لكل شئ قلبا وان قلب القرآن يس الحديث وذكر فيه ثوابا كثيرا لقراءتها

[ 264 ]

سورة الصافات مكية عدد آيها ماة وإحدى وثمانون آية بصري وآيتان في الباقي واختلافها آيتان وما كانوا يعبدون غير البصري وكلهم يعدون وإن كانوا ليقولون غير أبي جعفر بسم الله الرحمن الرحيم (1) والصافات صفا القمي قال الملائكة والأنبياء ومن صف لله وعبده (2) فالزاجرات زجرا قال الذين يزجرون الناس (3) فالتاليات ذكرا قال الذين يقرءون الكتاب من الناس قال فهو قسم وجوابه (4) إن إلهكم لواحد (5) رب السموات والارض وما بينهما ورب المشارق مشارق الكواكب أو مشارق الشمس فإن لها كل يوم مشرقا وبحسبها المغارب ولذا إكتفى بذكرها مع أن الشروق أدل على القدرة وأبلغ في النعمة (6) إنا زينا السماء الدنيا القربى منكم بزينة الكواكب وقرئ بتنوين زينة وجر الكواكب ونصبها (7) وحفظا من كل شيطان مارد برمي الشهب القمي قال المارد الخبيث (8) لا يسمعون إلى الملاء الاعلى الملائكة وأشرافهم وقرئ بالتشديد من التسمع وهو تطلب السماع ويقذفون ويرمون القمي يعني الكواكب التي يرمون بها من كل جانب من جوانب السماء إذا قصدوا صعوده (9) دحورا للدحور وهو الطرد ولهم عذاب واصب

[ 265 ]

القمي عن الباقر عليه السلام أي دائم موجع قد وصل إلى قلوبهم (10) إلا من خطف الخطفة اختلس كلام الملائكة مسارقة فأتبعه فتبعه شهاب ثاقب مضئ كأنه يثقب الجو بضوئه والشهاب ما يرى كأن كوكبا انقض القمي وهو ما يرمون به فيحرقون وعن الصادق عليه السلام في حديث المعراج قال فصعد جبرئيل فصعدت معه إلى السماء الدنيا وعليها ملك يقال له إسماعيل وهو صاحب الخطفة التي قال الله إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب وتحته سبعون ألف ملك تحت كل ملك سبعون ألف ملك الحديث وقد مر (11) فاستفتهم فاستخبرهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا (1) من الملائكة والسموات والأرض وما بينهما والمشارق والكواكب والشهب الثواقب إنا خلقناهم من طين لازب القمي يعني يلزق باليد (12) بل عجبت من قدرة الله وانكارهم البعث وقرئ بضم التاء ونسبها في الجوامع إلى علي عليه السلام ويسخرون من تعجبك أو ممن يصفني بالقدرة (13) وإذا ذكروا لا يذكرون وإذا وعظوا بشئ لا يتعظون به أو إذا ذكر لهم ما يدل على صحة الحشر ما ينتفعون به لبلادتهم وقلة فكرهم (14) وإذا رأوا آية معجزة تدل على صدق القائل به يستسخرون يبالغون في السخرية ويقولون إنه سحر أو يستدعي بعضهم من بعض أن يسخر منها (15) وقالوا إن هذا يعنون ما يرونه إلا سحر مبين ظاهر سحريته (16) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون بالغوا في الأنكار ولا سيما في


(1) وقيل من الامم الماضية والقرون السالفة. يريد انهم ليسوا بأحكم خلقا من غيرهم ممن أهلكنا من الامم. (*)

[ 266 ]

هذه الحال وقرئ بطرح الهمزة الاولى تارة والثانية اخرى (17) أو ابآؤنا الاولون وقرئ بسكون الواو في أو (18) قل نعم وأنتم داخرون صاغرون (19) فإنما هي زجرة واحدة فإنما البعثة صيحة واحدة هي النفخة الثانية من زجر الراعي غنمه إذا صاح عليها فإذا هم ينظرون فإذا هم قيام من مراقدهم أحياء يبصرون أو ينتظرون ما يفعل بهم (20) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين يوم الحساب والمجازاة (21) هذا يوم الفصل الذى كنتم به تكذبون جواب الملائكة أو قول بعضهم لبعض والفصل والقضاء والفرق بين المحسن والمسئ (22) احشروا الذين ظلموا القمي قال الذين ظلموا آل محمد صلوات الله عليهم حقهم وأزواجهم وأشباههم وما كانوا يعبدون من (23) دون الله من الأصنام وغيرها زيادة في تحسيرهم وتخجيلهم فاهدوهم إلى صراط الجحيم القمي عن الباقر عليه السلام يقول ادعوهم إلى طريق الجحيم (24) وقفوهم إحبسوهم في الموقف إنهم مسولون قيل عن عقائدهم وأعمالهم والقمي قال عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ومثله في الأمالي والعيون عن النبي صلى الله عليه وآله وفي العلل عنه عليه السلام انه قال في تفسير هذه الاية لا يجاوز قدما عبد حتى يسئل عن أربع عن شبابه فيما أبلاه وعن عمره فيما أفناه وعن ماله من أين جمعه وفيما أنفقه وعن حبنا أهل البيت عليهم السلام

[ 267 ]

(25) ما لكم لا تناصرون لا ينصر بعضكم بعضا بالتخليص وهو توبيخ وتقريع (26) بل هم اليوم مستسلمون منقادون لعجزهم أو متسالمون يسلم بعضهم بعضا ويخذله القمي يعني العذاب (27) وأقبل بعضهم على بعض يتسائلون يسأل بعضهم بعضا للتوبيخ (28) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين قيل يعني عن أقوى الوجوه وأيمنه (29) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (30) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين (31) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون القمي قال العذاب (32) فأغويناكم إنا كنا غاوين (33) فإنهم فإن الأتباع والمتبوعين يومئذ في العذاب مشتركون كما كانوا في الغواية مشتركين (34) إنا كذلك نفعل بالمجرمين بالمشركين (35) إنهم كانوا إذا قيل لهم لاإله إلا الله يستكبرون (36) ويقولون أئنا لتاركوا الهتنا لشاعر مجنون يعنون النبي صلى الله عليه وآله (3 7) بل جاء بالحق وصدق المرسلين رد عليهم بأن ما جاء به من التوحيد حق قام به البرهان وتطابق عليه المرسلون

[ 268 ]

(38) إنكم لذآئقوا العذاب الاليم بالأشراك وتكذيب الرسول (39) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (40) إلا عباد الله المخلصين إستثناء منقطع (41) أولئك لهم رزق معلوم (42) فواكه وهم مكرمون في الكافي عن الباقر عليه السلام عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث يصف فيه أهل الجنة قال وأما قوله أولئك لهم رزق معلوم قال يعلمه الخدام فيأتون به أولياء الله قبل أن يسألوهم إياه وأما قوله فواكه وهم مكرمون قال فإنهم لا يشتهون شيئا في الجنة إلا اكرموا به (43) في جنات النعيم (44) على سرر متقابلين (45) يطاف عليهم بكأس بإناء فيه خمر من معين من شراب معين أو نهر معين أي جار ظاهر للعيون أو خارج من العيون وصف به خمر الجنة لأنها تجري كالماء (46) بيضاء لذة للشاربين قيل وصفها بلذة إما للمبالغة أو لأنها تأنيث لذ بمعنى لذيذ (47) لا فيها غول غائلة وفساد كما في خمر الدنيا كالخمار ولا هم عنها ينزفون قيل أي يسكرون من نزف إذا ذهب عقله والقمي أي لا يطردون منها وقرئ بكسر الزاى (48) وعندهم قاصرات الطرف قصرن أبصارهن على أزواجهن عين عيناء فسرت تارة بواسعات العيون لحسانها واخرى بالشديدة بياض العين الشديدة سوادها

[ 269 ]

(49) كأنهن بيض مكنون شبههن ببيض النعام الذي تكنه بريشها مصونا من الغبار ونحوه في الصفاء والبياض المخلوط بأدنى صفرة فإنه أحسن ألوان الأبدان كذا قيل (50) فأقبل بعضهم على بعض يتسائلون عن المعارف والفضائل وما جرى لهم وعليهم في الدنيا فإنه ألذ اللذات كما قيل وما بقيت من اللذات إلا أحاديث الكرام على المدام (51) قال قائل منهم في مكالمتهم إنى كان لى قرين جليس في الدنيا (52) يقول أئنك لمن المصدقين يوبخني على التصديق بالبعث (53) أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنإ لمدينون لمجزيون من الدين بمعنى الجراء (54) قال أي ذلك القائل لجلسائه هل أنتم مطلعون إلى أهل النار لاريكم ذلك القرين وقيل والقائل هو الله أو بعض الملائكة يقول لهم هل تحبون أن تطلعوا على أهل النار لاريكم ذلك القرين فتعلموا أين منزلتكم من منزلتهم (55) فاطلع عليهم فرآه أي قرينه في سوآء الجحيم القمي عن الباقر عليه السلام يقول في وسط الجحيم (56) قال تالله إن كدت لتردين إن كدت لتهلكني بالأغواء (57) ولو لا نعمة ربى بالهداية والعصمة لكنت من المحضرين معك فيها (58) أفما نحن بميتين عطف على محذوف أي نحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين أي بمن شأنه الموت (59) إلا موتتنا الاولى التي كانت في الدنيا وما نحن بمعذبين كالكفار (60) إن هذا لهو الفوز العظيم

[ 270 ]

(61) لمثل هذا فليعمل العاملون القمي عن الباقر عليه السلام قال إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار جئ بالموت فيذبح كالكبش بين الجنة والنار ثم يقال خلود فلا موت أبدا فيقول أهل الجنة أفما نحن بميتين الايات (62) أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم شجرة ثمرها نزل أهل النار وفيه دلالة على أن ما ذكر من النعيم لأهل الجنة بمنزلة ما يقام للنازل ولهم ما وراء ذلك ما يقصر عنه الأفهام وكذلك الزقوم لأهل النار قيل هو اسم شجرة صغيرة الورق ذفرة مرة تكون بتهامه سميت به الشجرة الموصوفة (63) إنا جعلناها فتنة للظالمين محنة وعذابا لهم في الاخرة أو ابتلاء في الدنيا في المجمع روي أن قريشا لما سمعت هذه الاية إن شجرة الزقوم طعام الاثيم قالت ما نعرف هذه الشجرة قال ابن الزبعرى الزقوم بكلام البربر التمر والزبد وفي رواية بلغة اليمن فقال أبو جهل لجاريته يا جارية زقمينا فأتته الجارية بتمر وزبد فقال لأصحابه تزقموا بهذا الذي يخوفكم به محمد صلى الله عليه وآله فيزعم أن النار تنبت الشجر والنار تحرق الشجر فأنزل الله سبحانه إنا جعلناها فتنة للظالمين (64) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم منبتها في قعر جهنم وأغصانها ترفع إلى دركاتها (65) طلعها حملها مستعار من طلع التمر كأنه رءوس الشياطين في تناهي القبح والهول قيل هو تشبيه بالمتخيل كتشبيه الفائق في الحسن بالملك (66) فإنهم لاكلون منها فمالون منها البطون لغلبة الجوع (67) ثم إن لهم عليها أي بعد ما شبعوا منها وغلبهم العطش وطال

[ 271 ]

إستسقاؤهم لشوبا من حميم لشرابا من غساق أو صديد مشوبا بماء حميم يقطع أمعائهم (68) ثم إن مرجعهم لالى الجحيم فإن الزقوم والحميم نزل يقدم إليهم قبل دخولها وقيل الحميم خارج عنها لقوله تعالى هذه جهنم التى يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن يوردون إليه كما يورد الأبل إلى الماء ثم يردون إلى الجحيم (69) إنهم ألفوا آبآئهم ضآلين (70) فهم على آثارهم يهرعون تعليل لأستحقاقهم تلك الشدائد بتقليد الاباء في الظلال والأهراع الأسراع الشديد كأنهم يزعجون على الأسراع على أثرهم وفيه إشعار بأنهم بادروا إلى ذلك من غير توقف على بحث ونظر (71) ولقد ضل قبلهم قبل قومك أكثر الاولين (72) ولقد أرسلنا فيهم منذرين أنبياء أنذروهم من العواقب (73) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين من الشدة والفظاعة (74) إلا عباد الله المخلصين إلا الذين تنبهوا بإنذارهم فأخلصوا دينهم لله وقرئ بالفتح أي الذين أخلصهم الله لدينه والخطاب مع الرسول صلى الله عليه وآله والمقصود خطاب قومه فإنهم أيضا سمعوا أخبارهم ورأوا آثارهم (75) ولقد نادانا نوح شروع في تفصيل القصص بعد إجمالها أي ولقد دعانا حين أيس من قومه فلنعم المجيبون أي فأجبناه أحسن الأجابة فوالله لنعم المجيبون نحن (76) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم من أذى قومه والغرق (77) وجعلنا ذريته هم الباقين إذ هلك من هلك القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية يقول الحق والنبوة والكتاب

[ 272 ]

والأيمان في عقبه وليس كل من في الأرض من بنى آدم من ولد نوح قال الله عز وجل في كتابه احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ومن آمن وما آمن معه إلا قليل وقال أيضا ذرية من حملنا مع نوح (78) وتركنا عليه في الاخرين من الامم (79) سلام على نوح في العالمين قيل أي تركنا عليه فيهم التحية بهذه الكلمة والدعاء بثبوتها في الملائكة والثقلين وقيل بل هو سلام من الله عليه ومفعول تركنا محذوف مثل الثنا وفي الأكمال عن الصادق عليه السلام في حديث طويل وبشرهم نوح بهود وأمرهم باتباعه وأن يقيموا الوصية كل عام فينظروا فيها ويكون عيدا لهم كما أمرهم آدم فظهرت الجبرية من ولد حام ويافث فاستخفى ولد سام بما عندهم من العلم جرت على سام بعد نوح الدولة لحام ويافث وهو قول الله عز وجل تركنا عليه في الاخرين يقول تركت على نوح دولة الجبارين ويعزي الله محمدا صلى الله عليه وآله بذلك قال وولد لحام السند والهند والحبش وولد لسام العرب والعجم وجرت عليهم الدولة وكانوا يتوارثون الوصية عالم بعد عالم حتى بعث الله عز وجل هودا (80) إنا كذلك نجزى المحسنين يعني إنه مجازاة له على إحسانه (81) إنه من عبادنا المؤمنين (82) ثم أغرقنا الاخرين يعني كفار قومه (83) وإن من شيعته ممن شايعه في الأيمان واصول الشريعة لابرهيم في المجمع والقمي عن الباقر عليه السلام ليهنئكم الاسم قيل وما هو قال الشيعة قيل إن الناس يعيروننا بذلك قال أما تسمع قول الله وإن من شيعته لابرهيم وقوله فاستغاثه الذى من شيعته على الذى من عدوه (84) إذ جاء ربه بقلب سليم من حب الدنيا وقد مضى في معناه أخبار

[ 273 ]

في سورة الشعراء (85) إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون (86) أئفكا آلهة دون الله تريدون آلهة دون الله إفكا فقدم للعناية (87) فما ظنكم برب العالمين بمن هو حقيق بالعبادة حتى أشركتم به غيره وآمنتم من عذابه (88) فنظر نظرة في النجوم فرأى مواقعها وإتصالاتها (89) فقال إنى سقيم قيل أراهم إنه استدل بها على إنه مشارف للسقم لئلا يخرجوه إلى معبدهم لأنهم كانوا منجمين وذلك حين سألوه أن يعيد معهم وكان أغلب أسقامهم الطاعون وكانوا يخافون العدوى وفي الكافي عن الباقر عليه السلام والله ماكان سقيما وما كذب وفي المعاني والقمي عن الصادق عليه السلام مثله وزاد وإنما عنى سقيما في دينه مرتادا قال في المعاني وقد روى أنه عني بقوله إنى سقيم أي سأسقم وكل ميت سقيم وقد قال الله عز وجل لنبيه إنك ميت أي ستموت وفي الكافي عن الصاق عليه السلام في هذه الاية قال انه حسب فرأى ما يحل بالحسين عليه السلام فقال إنى سقيم لما يحل بالحسين والعياشي عنه عليه السلام قال إن الله تبارك وتعالى خلق روح القدس فلم يخلق خلقا أقرب إليه منها وليست بأكرم خلقه إليه فإذا أراد أمر ألقاه إليه فألقاه الى النجوم فجرت به (90) فتولوا عنه مدبرين إلى عيد لهم (91) فراغ إلى آلهتهم فذهب إليها في خفية فقال أي للأصنام إستهزاء ألا تأكلون يعني الطعام الذي كان عندهم

[ 274 ]

(92) ما لكم لا تنطقون بجوابي (1) (93) فراغ عليهم فمال عليهم مستخفيا والتعدية بعلى للأستعلاء وكراهة الميل ضربا باليمين يضربهم ضربا بها (94) فأقبلوا إليه إلى إبراهيم بعدما رجعوا فرأوا أصنامهم مكسرة وبحثوا عن كاسرها فظنوا أنه هو كما شرحه في قوله من فعل هذا بالهتنآ الاية يزفون يسرعون وقرئ على البناء للمفعول أي يحملون على الزفيف (95) قال أتعبدون ما تنحتون ما تنحتونه من الأصنام (96) والله خلقكم وما تعملون وما تعملونه فإن جوهرها بخلقه ونحتها بإقتداره (97) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم في النار الشديدة (98) فأرادوا به كيدا فإنه لما قهرهم بالحجة قصدوا تعذيبه بذلك لئلا يظهر للعامة عجزهم فجعلناهم الاسفلين الأذلين بإبطال كيدهم وجعله برهانا منيرا على علو شأنه حيث جعل النار عليه بردا وسلاما وقد مضت قصته في سورة الأنبياء (99) وقال إنى ذاهب إلى ربى سيهدين في الكافي عن الصادق عليه السلام يعني بيت المقدس وفي التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في جواب من اشتبه عليه من الايات قال ولقد أعلمتك إن رب شئ من كتاب الله تأويله على غير تنزيله ولا يشبه كلام البشر وسأنبئك بطرف منه فيكفي إنشاء الله من ذلك قول إبراهيم إنى ذاهب إلى ربى سيهدين فذهابه إلى ربه توجهه إليه عبادة واجتهادا وقربة إلى الله جل وعز ألا ترى أن تأويله على غير تنزيله (100) رب هب لى من الصالحين بعض الصالحين يعينني على الدعوة


(1) وقيل معناه بالقسم الذى سبق وهو قوله (تالله لأكيدن أصنامكم). (*)

[ 275 ]

والطاعة ويونسني في الغربة يعني الولد لان لفظة الهبة غالبة فيه (101) فبشرناه بغلام حليم قيل ما نعت الله نبيا بالحلم لعزة وجوده غير إبراهيم وابنه (102) فلما بلغ معه السعي أي فلما وجد وبلغ أن يسعى معه في أعماله قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى من الرأي قيل وإنما شاوره وهو حتم ليعلم ما عنده فيما نزل من بلاء الله فيثبت قدمه إن جزع ويأمن عليه إن سلم وليوطن نفسه عليه فيهون ويكتسب المثوبة بالأنقياد له قبل نزوله وقرئ ماذا ترى بضم التاء وكسر الراء قال يا ابت افعل ما تؤمر ما تؤمر به وإنما ذكر بلفظ المضارع لتكرر الرؤيا ستجدني إن شآء الله من الصابرين (103) فلمآ أسلما استسلما لأمر الله أو أسلم الذبيح نفسه وإبراهيم ابنه وفي المجمع عن أمير المؤمنين والصادق عليهما السلام انهما قرءا فلما سلما من التسليم وتله للجبين صرعه على شقه فوقع جبينه على الأرض وهو أحد جانبي الجبهة (104) وناديناه أن يا ابرهيم (105) قد صدقت الرؤيا بالعزم والأتيان بما كان تحت قدرتك من ذلك وجواب لما محذوف تقديره كان ما كان مما ينطق به الحال ولا يحيط به المقال من استبشارهما وشكرهما لله على ما أنعم عليهما من رفع البلاء بعد حلوله والتوفيق لما لم يوفق غيرهما لمثله وإظهار فضلهما به على العالمين مع إحراز الثواب العظيم إلى غير ذلك إنا كذلك نجزى المحسنين (106) إن هذا لهو البلاء المبين الأبتلاء البين الذي يتميز فيه المخلص من غيره أو المحنة البينة الصعوبة فانه لا أصعب منها (107) وفديناه بذبح عظيم بما بدله عظيم القدر أو الجثة سمين

[ 276 ]

العياشي عن الصادق عليه السلام إنه سئل كم كان بين بشارة إبراهيم عليه السلام باسماعيل وبين بشارته بإسحق قال كان بين البشارتين حمس سنين قال الله سبحانه فبشرناه بغلام حليم يعني إسماعيل وهي أول بشارة بشر الله بهإ إبراهيم عليه السلام في الولد ولما ولد لابراهيم إسحق عليهما السلام من سارة وبلغ إسحق ثلاث سنين أقبل إسماعيل إلى اسحق وهو في حجر إبراهيم فنحاه وجلس في مجلسه فبصرت به سارة فقالت يا إبراهيم نحي ابن هاجر ابني من حجرك ويجلس هو مكانه لا والله لا تجاورني هاجر وابنها في بلاد أبدا فنحهما عني وكان إبراهيم عليه السلام مكرما لسارة يعزها ويعرف حقها وذلك لأنها كانت من ولد الأنبياء وبنت خالته فشق ذلك على إبراهيم عليه السلام واغتم لفراق إسماعيل فلما كان في الليل أتى إبراهيم آت من ربه فأراه الرؤيا في ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بموسم مكة فأصبح إبراهيم عليه السلام حزينا للرؤيا التي رآها فلما حضر موسم ذلك العام حمل إبراهيم عليه السلام هاجر وإسماعيل في ذي الحجة من أرض الشام فانطلق بهما إلى مكة ليذبحه في الموسم فبدأ بقواعد البيت الحرام فلما رفع قواعده خرج إلى منى حاجا وقضى نسكه بمنى ثم رجع إلى مكة فطاف بالبيت اسبوعا ثم انطلقا فلما صارا في السعي قال إبراهيم عليه السلام لاسماعيل يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك في الموسم عامي هذا فماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر فلما فرغا من سعيهما انطلق به إبراهيم عليه السلام إلى منى وذلك يوم النحر فلما انتهى إلى الجمرة الوسطى وأضجعه لجنبه الأيسر وأخذ الشفرة ليذبحه نودي أن يا ابراهيم عليه السلام قد صدقت الرؤيا إلى آخره وفدي إسماعيل عليه السلام بكبش عظيم فذبحه وتصدق بلحمه على المساكين وعنه عليه السلام أنه سئل عن صاحب الذبح فقال هو إسماعيل عليه السلام وعن الباقر عليه السلام مثله والقمي عن الصادق عليه السلام مثله وفي الفقيه عنه عليه السلام إنه سئل عن الذبيح من كان فقال إسماعيل عليه السلام لأن الله تعالى ذكرقصته في كتابه ثم قال وبشرناه بإسحاق نبيا من الصالحين

[ 277 ]

قال وقد اختلفت الروايات في الذبيح فمنها ما ورد بأنه إسماعيل عليه السلام ومنها ما ورد بأنه إسحق ولا سبيل إلى رد الأخبار متى صح طرقها وكان الذبيح إسماعيل لكن سحق لما ولد بعد ذلك تمنى أن يكون هو الذي أمر أبوه بذبحه وكان يصبر لأمر الله ويسلم له كصبر أخيه وتسليمه فينال بذلك درجته في الثواب فعلم الله ذلك من قلبه فسماه الله بين الملائكة ذبيحا لتمنيه لذلك قال وقد ذكرت إسناد ذلك في كتاب النبوة متصلا بالصادق عليه السلام أقول: ويؤيد هذا أن البشارة بإسحاق كانت مقرونه بولادة يعقوب فلا يناسب الأمر بذبحه مراهقا وفي الكافي عنهما عليهما السلام يذكران أنه لما كان يوم التروية قال جبرئيل لإبراهيم عليه السلام ترو من الماء فسميت التروية ثم أتى منى فأباته بها ثم غدا به إلى عرفات فضرب خباه بنمرة دون عرفة فبنى مسجدا بأحجار بيض وكان يعرف أثر مسجد إبراهيم عليه السلام حتى أدخل في هذا المسجد الذي بنمرة حيث يصلي الأمام يوم عرفة فصلى بها الظهر والعصر ثم عمد به إلى عرفات فقال هذه عرفات فاعرف بها مناسكك واعترف بذنبك فسمي عرفات ثم أفاض إلى المزدلفة فسميت المزدلفة لأنه إزدلف إليها ثم قام على المشعر الحرام فأمر الله أن يذبح ابنه وقد رأى فيه شمائله وخلائقه وأنس ما كان إليه فلما أصبح أفاض من المشعر إلى منى فقال لامه زوري البيت أنت واحتبس الغلام فقال يا بني هات الحمار والسكين حتى اقرب القربان سئل الراوي ما أراد بالحمار والسكين قال أراد أن يذبحه ثم يحمله فيجهزه ويدفنه قال فجاء الغلام بالحمار والسكين فقال يا أبت أين القربان قال ربك يعلم أين هو يا بني أنت والله هو إن الله قد أمرني بذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين قال فلما عزم على الذبح قال يا أبت خمر وجهي وشد وثاقي قال يا بني الوثاق مع الذبح والله لا أجمعهما عليك اليوم قال الباقر عليه السلام فطرح له قرطان الحمار ثم أضجعه عليه وأخذ المدية فوضعها على حلقه قال فأقبل شيخ فقال ما تريد من هذا الغلام قال أريد أن أذبحه فقال سبحان الله

[ 278 ]

غلام لم يعص الله طرفة عين تذبحه فقال نعم إن الله قد أمرني بذبحه فقال بل ربك ينهاك عن ذبحه وإنما أمرك بهذا الشيطان في منامك قال ويلك الكلام الذي سمعت هو الذي بلغ بي ما ترى لا والله لا اكلمك ثم عزم على الذبح فقال الشيخ يا إبراهيم إنك إمام يقتدى بك فإن ذبحت ولدك ذبح الناس أولادهم فمهلا فأبى أن يكلمه ثم قال عليه السلام فأضجعه عند الجمرة الوسطى ثم أخذ المدية فوضعها على حلقه ثم رفع رأسه إلى السماء ثم انتحى عليه المدية فقلبها جبرئيل عليه السلام عن حلقه فنظر إبراهيم فإذا هي مقلوبة فقلبها إبراهيم عليه السلام على حدها وقلبها جبرئيل عليه السلام على قفاها ففعل ذلك مرارا ثم نودي من ميسرة مسجد الخيف (1) يا ابراهيم (عليه السلام) قد صدقت الرؤيا واجتر الغلام من تحته وتناول جبرئيل الكبش من قلة بثير فوضعه تحته وخرج الشيخ الخبيث حتى لحق بالعجوز حين نظرت إلى البيت والبيت في وسط الوادي فقال ما شيخ رأيته بمنى فنعت نعت إبراهيم عليه السلام قالت ذاك بعلي قال فما وصيف رأيته معه ونعت نعته فقالت ذاك ابني قال فإني رأيته أضجعه وأخذ المدية ليذبحه قالت كلا ما رأيته إبراهيم (عليه السلام) أرحم الناس وكيف رأيته يذبح ابنه قال ورب السماء والأرض ورب هذه البنية لقد رأيته أضجعه وأخذ المدية ليذبحه قالت لم قال زعم أن ربه أمره بذبحه قالت فحق له أن يطيع ربه قال فلما قضت مناسكها فرقت أن يكون قد نزل في ابنها شئ فكأني أنظر إليها مسرعة في الوادي واضعة يدها على رأسها وهي تقول رب لا تؤاخذني بما عملت بام إسماعيل قال فلما جاءت سارة فاخبرت الخبر قامت إلى إبنها تنظر فإذا أثر السكين خدوشا في حلقه ففزعت واشتكت وكان بدو مرضها الذي هلكت فيه قال عليه السلام أراد أن يذبحه في الموضع الذي حملت ام رسول الله صلى الله عليه وآله عند الجمرة الوسطى فلم يزل مضربهم يتوارثون به كابر عن كابر حتى كان آخر من ارتحل منه علي بن الحسين عليهما السلام في شئ كان بين بني هاشم وبين بني امية فارتحل فضرب بالعرين والعياشي والقمي عن الصادق عليه السلام ما يقرب منه بزيادة ونقضان


(1) الخيف ما انحدر عن غلظ الجبل وارتفع عن مسيل الماء ومنه سمي مسجد الخيف بمني. (*)

[ 279 ]

وزاد القمي ونزل الكبش على الجبل الذي عن يمين مسجد منى نزل من السماء وكان يأكل في سواد ويمشي في سواد أقرن قيل ما كان لونه قال كان أملح أغبر وفي العيون عن الرضا عليه السلام قال لما أمر الله تعالى إبراهيم عليه السلام أن يذبح مكان ابنه إسماعيل عليه السلام الكبش الذي أنزل عليه تمنى إبراهيم عليه السلام أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل عليه السلام بيده وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح أعز ولده بيده فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب فأوحى الله عز وجل إليه يا إبراهيم من أحب خلقي إليك قال يا رب ما خلقت خلقا هو أحب إلى من حبيبك محمد صلى الله عليه وآله فأوحى الله عز وجل إليه يا إبراهيم هو أحب إليك أو نفسك قال بل هو أحب إلي من نفسي قال فولده أحب إليك أو ولدك قال بل ولده قال فذبح ولده ظلما على أيدي أعدائه أوجع لقلبك أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي قال يا رب بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي قال يا إبراهيم إن طائفة تزعم أنها من امة محمد صلى الله عليه وآله ستقتل الحسين عليه السلام ابنه من بعده ظلما وعدوانا كما يذبح الكبش ويستوجبون بذلك سخطي فجزع إبراهيم عليه السلام لذلك فتوجع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله تعالى إليه يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل عليه السلام لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين عليه السلام وقتله وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب وذلك قول الله عز وجل وفديناه بذبح عظيم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وسئل عن معنى قول النبي صلى الله عليه وآله أنا ابن الذبيحين قال يعني إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليهما السلام وعبد الله بن عبد المطلب أما إسماعيل فهو الغلام الحليم الذي بشر الله تعالى به إبراهيم (عليه السلام) فلما بلغ معه السعي وهو لما عمل مثل عمله قال يا بنى إنى أرى في المنام أنى أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا ابت افعل ما تؤمر ستجدني إن شآء الله من الصابرين فلما عزم على ذبحه فداه الله بذبح عظيم بكبش أملح يأكل في سواد ويشرب في سواد وينظر في سواد ويمشي في سواد ويبول ويبعر في سواد وكان يرتع قبل ذلك في رياض الجنة أربعين عاما وما خرج من

[ 280 ]

رحم انثى وإنما قال الله تعالى له كن فكان ليفتدي به إسماعيل عليه السلام فكل ما يذبح بمنى فهو فدية لاسماعيل إلى يوم القيامة فهذا أحد الذبيحين ثم ذكر قصة الذبيح الاخر ثم قال والعلة التي من أجلها دفع الله عز وجل الذبح عن إسماعيل عليه السلام هي العلة التي من أجلها دفع الله الذبح عن عبد الله وهي كون النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام في صلبهما فببركة النبي صلى الله عليه وآله والائمة عليهم السلام دفع الذبح عنهما عليهما السلام فلم تجر السنة في الناس بقتل أولادهم ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم وكل ما يتقرب به الناس من أضحية فهو فداء لاسماعيل إلى يوم القيامة وفي الكافي عنه عليه السلام لو خلق الله مضغة هي أطيب من الضأن لفدى بها إسماعيل عليه السلام (108) وتركنا عليه في الاخرين (109) سلام على إبرهيم (ع) سبق بيانه في قصة نوح (ع) (110) كذلك نجزى المحسنين (111) إنه من عبادنا المؤمنين (11 2) وبشرناه بإسحق نبيا من الصالحين (113) وباركنا عليه على إبراهيم (ع) وعلى إسحق أفضنا عليهما بركات الدين والدنيا ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه بالكفر والمعاصي مبين ظاهر ظلمه وفي ذلك تنبيه على أن النسب لا أثر له في الهدى والضلال وأن الظلم في أعقابهما لا يعود عليهما بنقيصه وعيب (114) ولقد مننا على موسى وهرون أنعمنا عليهما بالنبوة وغيرها من المنافع الدينية والدنيوية (115) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم من تغلب الفرعون أو الغرق

[ 281 ]

(116) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين على فرعون وقومه (117) وآتيناهما الكتاب المستبين البليغ في بيانه وهو التوراة (118) وهديناهما الصراط المستقيم الطريق الموصل إلى الحق والصواب (119) وتركنا عليهما في الاخرين (120) سلام على موسى وهرون (121) إنا كذلك نجزى المحسنين (122) إنهما من عبادنا المؤمنين سبق مثل ذلك (123) وإن إلياس لمن المرسلين (124) إذ قال لقومه ألا تتقون (125) أتدعون بعلا أتعبدونه وتطلبون الخير منه القمي قال كان لهم صنم يسمونه بعلا قال وسمي الرب بعلا وتذرون أحسن الخالقين وتتركون عبادته (126) الله ربكم ورب آبآئكم الاولين وقرئ بالنصب (127) فكذبوه فإنهم لمحضرون أي في العذاب (128) إلا عباد الله المخلصين مستثني من الواو لا من المحضرين لفساد المعنى (129) وتركنا عليه في الاخرين (130) سلام على آل ياسين القمي ثم ذكر عز وجل آل محمد صلوات الله عليهم فقال وتركنا عليه في الاخرين سلام على آل ياسين فقال يس محمد وآل محمد الأئمة عليهم السلام وفي المعاني عن الصادق عن أبيه عن آبائه عن علي عليهم السلام في هذه الاية قال يس محمد ونحن آل يس

[ 282 ]

وفي الجوامع عن ابن عباس آل يس آل محمد صلوات الله عليهم ويس اسم من أسمائه وقد مضى في سورة الأحزاب عند قوله تعالى وسلموا تسليما وفي أول سورة يس أخبار في تسمية النبي صلى الله عليه وآله بيس ويؤيد هذه القراءة كونهما مفصولين في مصحف امامهم وقرء ال ياسين فقيل هو لغة في الياس كسينا وسنين وقيل جمع له أريد به هو وأتباعه وفيه أنه لو كان كذلك لكان معرفا وقيل يس اسم أبي إلياس على قراءة آل ياسين ليناسب ما بعده ونظم ساير القصص كما في قراءة الياسين وفي الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال ان الله سمى النبي بهذا الاسم حيث قال يس والقرآن الحكيم إنك لمن المرسلين لعلمه أنهم يسقطون سلام على آل محمد صلوات الله عليهم كما اسقطوا غيره وفيه دلالة على قراءة آل يس وأن المراد بهم آل محمد صلوات الله عليهم (131) إنا كذلك نجزى المحسنين (132) إنه من عبادنا المؤمنين (133) وإن لوطا لمن المرسلين (134) إذ نجيناه وأهله أجمعين (135) إلا عجوزا في الغابرين (136) ثم دمرنا الاخرين وقد مضى تفسيرها (137) وإنكم لتمرون عليهم قيل أي على منازلهم في متاجركم إلى الشام فإن سدوم في طريقه مصبحين داخلين في الصباح (138) وبالليل أفلا تعقلون أفليس فيكم عقل تعتبرون به وفي الكافي عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الاية فقال تمرون عليهم في القرآن إذا قرأتم القرآن تقرؤن ما قص الله عليكم من خبرهم

[ 283 ]

(139) وإن يونس لمن المرسلين (140) إذ أبق هرب وأصل الأباق الهرب من السيد لكن لما كان هربه من قومه بغير إذن ربه حسن اطلاقه عليه إلى الفلك المشحون المملو (141) فساهم فقارع أهله فكان من المدحضين فصار من المغلوبين بالقرعة وأصله المزلق عن مقام الظفر في الفقيه عن الباقر عليه السلام في حديث قال انه لما ركب مع القوم فوقفت السفينة في اللجة واستهموا فوقع السهم على يونس ثلاث مرات قال فمضى يونس إلى صدر السفينة فإذا الحوت فاتح فاه فرمى بنفسه وعن الصادق عليه السلام ما تقارع قوم ففوضوا أمرهم إلى الله عز وجل إلا خرج سهم المحق وقال أي قضية أعدل من القرعة إذا فوضوا الأمر إلى الله أليس الله عز وجل يقول فساهم فكان من المدحضين وفي الكافي عنه عليه السلام ما يقرب منه (142) فالتقمه الحوت وهو مليم داخل في الملامة أو آت بما يلام عليه أو مليم نفسه القمي عن الصادق عليه السلام في قصة يونس وقومه كما سبق ذكر صدرها في سورته قال فغضب يونس ومر على وجهه مغاضبا لله كما حكى الله حتى انتهى إلى ساحل البحر فإذا سفينة قد شحنت وأرادوا أن يدفعوها فسألهم يونس أن يحملوه فحملوه فلما توسطوا البحر بعث الله حوتا عظيما فحبس عليهم السفينة فنظر إليه يونس ففزع منه وصار الى مؤخرة السفينة فدار إليه الحوت ففتح فاه فخرج أهل السفينة فقالوا فينا عاص فتساهموا فخرج يونس وهو قول الله عز وجل فساهم فكان من المدحضين فأخرجوه فألقوه في البحر فالتقمه ومر به في الماء (143) فلو لا أنه كان من المسبحين الذاكرين لله كثيرا بالتسبيح (144) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون

[ 284 ]

(145) فنبذناه بالعراء بالمكان الخالي عما يغطيه من شجر أو نبت وهو سقيم مما ناله (146) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين من شجرة تنبسط على وجه الأرض ولا تقوم على ساق القمي قال الدبا (147) وأرسلناه إلى ماة ألف أو يزيدون وفي المجمع عن الصادق عليه السلام إنه قرأ ويزيدون بالواو وفي الكافي عنه عليه السلام يزيدون ثلاثين ألفا (148) فامنوا فمتعناهم إلى حين إلى أجلهم المقضي القمي عن أمير المؤمنين عليه السلام إن الحوت قد طاف به في أقطار الأرض والبحار ومر بقارون إلى أن قال فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين كما سبق ذكره في سورة القصص قال فاستجاب له وأمر الحوت أن يلفظه فلفظه على ساحل البحر وقد ذهب جلده ولحمه وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهي الدبا فأظلته من الشمس فسكن ثم أمر الله الشجرة فتنحت عنه ووقعت الشمس عليه فجزع فأوحى الله إليه يا يونس لم لم ترحم ماة ألف أو يزيدون وأنت تجزع من ألم ساعة قال يا رب عفوك عفوك فرد الله عليه بدنه ورجع إلى قومه وآمنوا به وعن الباقر عليه السلام قال لبث يونس في بطن الحوت ثلاثة أيام ونادى في الظلمات ظلمة بطن الحوت وظلمة الليل وظلمة البحر أن لا إله إلا أنت سبحانك إنى كنت من الظالمين فاستجاب له ربه فأخرجه الحوت إلى الساحل ثم قذفه فألقاه بالساحل وأنبت الله عليه شجرة من يقطين وهوالقرع فكان يمصه ويستظل به وبورقه وكان تساقط شعره ورق جلده وكان يونس يسبح الله ويذكر الله بالليل والنهار فلما أن قوى واشتد بعث الله دودة فأكلت أسفل القرع فدبلت القرعة ثم يبست فشق ذلك على يونس فظل حزينا فأوحى الله إليه ما لك حزينا يا يونس قال يا رب هذه الشجرة التي كانت تنفعني سلطت عليها دودة فيبست قال يا يونس أحزنت لشجرة لم تزرعها

[ 285 ]

ولم تسقها ولم تعن بها أن يبست حين استغنيت عنها ولم تحزن لأهل نينوى أكثر من ماة ألف ينزل عليهم العذاب إن أهل نينوا قد آمنوا واتقوا فارجع إليهم فانطلق يونس إلى قومه فلما دنى من نينوا إستحيى أن يدخل فقال لراع لقيه إئت أهل نينوى فقل لهم إن هذا يونس قد جاء قال الراعي أتكذب أما تستحيي ويونس قد غرق في البحر وذهب قال له يونس اللهم إن هذه الشاة تشهد لك إني يونس ونطقت الشاة له بأنه يونس فلما أتى الراعى قومه وأخبرهم أخذوه وهموا بضربه فقال إن لي بينة بما أقول قالوا فمن يشهد لك قال هذه الشاة تشهد فشهدت بأنه صادق وأن يونس قد رده الله إليكم فخرجوا يطلبونه فوجدوه فجاؤا به وآمنوا وحسن إيمانهم فمتعهم الله إلى حين وهو الموت وأجارهم من ذلك العذاب (149) فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون القمي قال قالت قريش إن الملائكة هم بنات الله فرد الله عليهم (150) أم خلقنا الملائكة إناثا وهم شاهدون إذ لا يمكن معرفة مثل ذلك إلا بالمشاهدة (151) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (152) ولد الله وإنهم لكاذبون فيما يتدينون به (153) أصطفى البنات على البنين إستفهام إنكار وإستبعاد وقرئ بكسر الهمزة بحذف الهمزة لدلالة أم بعدها عليها أو بإضمار القول أي لكاذبون في قولهم اصطفى (154) ما لكم كيف تحكمون بما لا يرتضيه عقل (155) أفلا تذكرون أنه منزه عن ذلك (156) أم لكم سلطان مبين حجة واضحة نزلت عليكم من السماء بأن الملائكة بناته (157) فأتوا بكتابكم الذي انزل عليكم إن كنتم صادقين في دعواكم (158) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا القمي يعني إنهم قالوا الجن بنات الله وقيل يعني الملائكة سموا بها لاستتارهم

[ 286 ]

وقيل قالوا إن الله صاهر الجن فخرجت الملائكة وقيل قالوا الله والشيطان أخوان تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا ولقد علمت الجنة إنهم إن المشركين لمحضرون القمي يعني إنهم في النار (159) سبحان الله عما يصفون من الولد والنسب (160) إلا عباد الله المخلصين (161) فإنكم وما تعبدون عود إلى خطابهم (162) مآ أنتم عليه على الله بفاتنين مفسدين الناس بالأغواء (163) إلا من هو صال الجحيم إلا من سبق في علمه أنه من أهل النار يصلاها لا محالة (164) وما منآ إلا له مقام معلوم القمي عن الصادق عليه السلام قال نزلت في الائمة والأوصياء من آل محمد صلوات الله عليهم وقيل هي حكاية اعتراف الملائكة بالعبودية للرد على عبدتهم والمعنى وما منا أحد إلا له مقام معلوم في المعرفة والعبادة وإلانتهاء إلى أمر الله في تدبير العالم قيل ويحتمل أن يكون من قوله سبحان الله حكاية قولهم (165) وإنا لنحن الصافون في أداء الطاعة ومنازل الخدمة (166) وإنا لنحن المسبحون المنزهون الله عما لا يليق به ولعل الأول إشارة إلى درجاتهم في الطاعة وهذا في المعرفة في نهج البلاغة في وصف الملائكة صافون لا يتزايلون ومسبحون لا يسأمون والقمي قال جبرئيل يا محمد إنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون وعن الصادق عليه السلام كنا أنوارا صفوفا حول العرش نسبح فيسبح أهل

[ 287 ]

السماء بتسبيحنا إلى أن هبطنا إلى الأرض فسبحنا فسبح أهل الأرض بتسبيحنا وإنا لنحن الصافون وإنا لنحن المسبحون الحديث (167) وإن كانوا ليقولون أي مشركوا قريش (168) لو أن عندنا ذكرا من الاولين كتابا من الكتب التي نزلت عليهم (169) لكنا عباد الله المخلصين أخلصنا العبادة له ولم نخالف مثلهم (170) فكفروا به لما جاءهم الذكر الذي هو أشرف الأذكار والمهيمن عليها القمي عن الباقر عليه السلام هم كفار قريش كانوا يقولون لو ان عندنا ذكرا من الأولين قاتل الله اليهود والنصارى كيف كذبوا أنبيائهم اما والله لو كان عندنا ذكرا من الاولين لكنا عباد الله المخلصين يقول الله عز وجل فكفروا به حين جاءهم به محمد صلى الله عليه وآله فسوف يعلمون عاقبة كفرهم (171) ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين أي وعدنا لهم بالنصر والغلبة وهو قوله (172) إنهم لهم المنصورون (173) وإن جندنا لهم الغالبون (174) فتول عنهم فأعرض عنهم حتى حين هو الموعد لنصرك عليهم قيل هو يوم بدر وقيل يوم الفتح (175) وأبصرهم على ما ينالهم حينئذ والمراد بالأمر الدلالة على أن ذلك كائن قريب كأنه قدامه فسوف يبصرون ما قضينا لك من التأييد والنصرة والثواب في الاخرة وسوف للوعيد لا للتبعيد (1 76) أفبعذابنا يستعجلون روي أنه لما نزل فسوف يبصرون قالوا متى هذا فنزل

[ 288 ]

(177) فإذا نزل بساحتهم فإذا نزل العذاب بفنائهم شبهه بجيش هجمهم فأناخ بفنائهم بغتة فسآء صباح المنذرين صباحهم قيل الصباح مستعار من صباح الجيش المبيت لوقت نزول العذاب ولما كثرت فيهم الهجوم والغارة في الصباح سموا الغارة صباحا وإن وقعت في وقت آخر (178) وتول عنهم حتى حين (179) وأبصر فسوف يبصرون تأكيد إلى تأكيد وإطلاق بعد تقييد للأشعار بأنه يبصر وأنهم يبصرون ما لا يحيط به الذكر من أصناف المسرة وأنواع المساءة أو الأول لعذاب الدنيا والثاني لعذاب الاخرة والقمي فإذا نزل بساحتهم يعني العذاب إذا نزل ببني اميه وأشياعهم في آخر الزمان فسوف يبصرون قال أبصروا حين لا ينفعهم البصر قال فهذه في أهل الشبهات والضلالات من أهل القبلة (180) سبحان ربك رب العزة عما يصفون عما قاله المشركون في التوحيد عن الباقر عليه السلام إن الله علا ذكره كان ولا شئ غيره وكان عزيزا ولا عز كان قبل عزه وذلك قوله سبحانه سبحان ربك رب العزة وفي الكافي عنه عليه السلام ما يقرب منه (181) وسلام على المرسلين تعميم للرسل بالتسليم بعد تخصيص بعضهم (182) والحمد لله رب العالمين على ما أفاض عليهم وعلى من اتبعهم من النعم وحسن العاقبة وفيه تعليم المؤمنين كيف يحمدونه ويسلمون على رسله وفي الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل إذا أراد أن يقوم من مجلسه سبحان ربك الايات الثلات وفي الفقيه والمجمع عنه عليه السلام ما يقرب منه وفي ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة الصافات في كل يوم جمعة لم يزل محفوظا من كل آفة مدفوعا عنه كل بلية في الحياة الدنيا

[ 289 ]

مرزوقا في الدنيا في أوسع ما يكون من الرزق ولم يصبه الله في ماله وولده ولا بدنه بسوء من كل شيطان رجيم ولا من جبار عنيد وإن مات في يومه أو ليلته بعثه الله شهيدا وأدخله الجنة مع الشهداء في درجة من الجنة وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام إنه لم تقرأ عند مكروب من موت قط إلا عجل الله تعالى راحته ان شاء الله

[ 290 ]

سورة ص مكية عدد آيها ثمان وثمانون آية كوفي وست حجازي بصري شامي بسم الله الرحمن الرحيم (1) ص قد سبق تأويله وفي المعاني عن الصادق عليه السلام وأما ص فعين تنبع من تحت العرش وهي التي توضأ منها النبي صلى الله عليه وآله لما عرج به ويدخلها جبرئيل كل يوم دخلة فينغمس فيها ثم يخرج منها فينفض أجنحته فليس من قطرة تقطر من أجنحته إلا خلق الله تبارك وتعالى منها ملكا يسبح الله ويقدسه ويكبره ويحمده إلى يوم القيامة وفي الكافي عنه عليه السلام في حديث المعراج ثم أوحى الله إلي يا محمد ادن من صاد فاغسل مساجدك وطهرها وصل لربك فدنا رسول الله صلى الله عليه وآله من صاد وهو ماء يسيل من ساق العرش الأيمن الحديث وفي العلل عن الكاظم عليه السلام في حديث أنه سئل وما صاد الذي امر أن يغتسل منه يعني النبي صلى الله عليه وآله لما أسرى به فقال عين تتفجر من ركن من أركان العرش يقال لها ماء الحياة وهو ما قال الله عز وجل ص والقرآن ذى الذكر وفي المجمع عن الصادق عليه السلام أنه اسم من أسماء. الله تعالى أقسم به والقرآن ذى الذكر مقسم به عطفا على صاد وجوابه محذوف أي أنه لحق يدل عليه قوله تعالى (2) بل الذين كفروا في عزة وشقاق أي ما كفر به من كفر لخلل وجد فيه بل الذين كفروا في إستكبار عن الحق وخلاف لله ورسوله ولذلك كفروا به

[ 291 ]

والقمي قال هو قسم وجوابه بل الذين كفروا وهو يرجع إلى ما قلناه (3) كم أهلكنا قبلهم من قرن وعيد لهم على كفرهم به إستكبارا وشقاقا فنادوا إستغاثة ولات حين مناص أي ليس الحين حين منجى ومفر زيدت التاء على لا للتأكيد (4) وعجبوا أن جائهم منذر منهم بشر مثلهم وقال الكافرون وضع فيه الظاهر موضع الضمير غضبا عليهم وذما لهم وإشعارا بأن كفرهم جسرهم على هذا القول هذا ساحر فيما يظهره معجزة كذاب فيما يقول على الله (5) أجعل الالهة إلها وحدا إن هذا لشئ عجاب بليغ في العجب فإنه خلاف ما أطبق عليه آباؤنا (6) وانطلق الملؤ منهم أن امشوا قائلين بعضهم لبعض امشوا واصبروا واثبتوا على آلهتكم على عبادتها فلا ينفعكم مكالمته إن هذا لشئ يراد قيل أي إن هذا لشئ من ريب الزمان يراد بنا فلا مرد له وقيل إن هذا الذي يدعيه من الرياسة والترفع على العرب لشئ يريده كل أحد (7) ما سمعنا بهذا بالذي يقوله في الملة الاخرة في الملة التي أدركنا عليها آبائنا إن هذا إلا اختلاق كذب اختلقه القمي قال نزلت بمكة لما أظهر رسول الله صلى الله عليه وآله الدعوة بمكة اجتمعت قريش إلى أبي طالب عليه السلام وقالوا يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سفه أحلامنا وسب آلهتنا وأفسد شباننا وفرق جماعتنا فإن كان الذي يحمله على ذلك العدم جمعنا له مالا حتى يكون أغنى رجل في قريش ونملكه علينا فأخبر أبو طالب رسول الله صلى الله عليه وآله فقال لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري ما أردته ولكن يعطوني كلمة يملكون بها العرب ويدين لهم بها العجم ويكونون ملوكا في الجنة فقال لهم أبو طالب ذلك فقالوا نعم وعشر كلمات فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله يشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا ندع ثلاثمائة وستين إلها ونعبد إلها واحدا فأنزل الله سبحانه بل عجبوا أن جائهم منذر منهم إلى قوله إلا اختلق أي تخليط ءانزل عليه الذكر إلى قوله من الاحزاب

[ 292 ]

وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال أقبل أبو جهل بن هشام ومعه قوم من قريش فدخلوا على أبي طالب فقالوا إن ابن أخيك قد آذانا وآذى آلهتنا فادعه ومره فليكف عن آلهتنا ونكف عن إلهه قال فبعث أبو طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فدعاه فلما دخل النبي صلى الله عليه وآله لم ير في البيت إلا مشركا فقال السلام على من اتبع الهدى ثم جلس فخبره أبو طالب بما جاؤا له فقال أو هل لهم في كلمة خير لهم من هذا يسودون بها العرب ويطأون أعناقهم فقال أبو جهل نعم وما هذه الكلمة قال تقولون لا إله إلا الله قال فوضعوا أصابعهم في آذانهم وخرجوا هرابا وهم يقولون ما سمعنا بهذا في الملة الاخرة إن هذا إلا اختلاق فأنزل الله في قولهم ص والقرآن إلى قوله إلا اختلاق (8) ءانزل عليه الذكر من بيننا انكار لإختصاصه بالوحي وهو مثلهم أو أدون منهم في الشرف والرياسة لقولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم وأمثال ذلك دليل على ان مبدأ تكذيبهم لم يكن إلا الحسد وقصور النظر على الحطام الدنيوي بل هم في شك من ذكرى من القرآن والوحي لميلهم إلى التقليد وإعراضهم عن الدليل بل لما يذوقوا عذاب بل لم يذوقوا عذابي بعد فإذا ذاقوه زال شكهم والمعنى أنهم لا يصدقون به حتى يمسهم العذاب فيلجئهم إلى تصديقه (9) أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب بل أعندهم خزائن رحمته وفي تصرفهم حتى يصيبوا بها من شاؤوا ويصرفوها عمن شاؤوا فيتخيروا للنبوة بعض صناديدهم يعني أن النبوة عطية من الله يتفضل بها على من يشاء من عباده لا مانع له فإنه العزيز الغالب الذي لا يغلب الوهاب الذي له أن يهب كل ما يشاء لمن يشاء (10) أم لهم ملك السموات والارض وما بينهما أم لهم مدخل في هذا العالم الذي هو جزء يسير من خزائنه فليرتقوا في الاسباب أي إن كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التى يتوصل بها إلى العرش حتى يستووا عليه ويدبروا أمر العالم فينزلوا الوحي إلى من يستصوبون وهو غاية التهكم لهم وقيل اريد بالأسباب السموات لأنها أسباب الحوادث السفلية

[ 293 ]

(11) جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب أي هم جند ما من الكفار المتحزبين على الرسل القمي يعني الذين تحزبوا عليك يوم الخندق وقيل مهزوم أي مكسور عما قريب فمن أين لهم التدابير الألهية والتصرف في الامور الربانية أو فلا تكترث لما يقولون وهنا لك إشارة إلى حيث وضعوا فيه أنفسهم من الأبتداء لهذا القول (12) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد في العلل عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن قوله تعالى وفرعون ذو الاوتاد لأي شئ سمي ذا الأوتاد فقال لأنه كان إذا عذب رجلا بسطه على الأرض على وجهه ومد يديه ورجليه فأوتدها بأربعة أوتاد في الأرض وربما بسطه على خشب منبسط فوتد رجليه ويديه بأربعة أوتاد ثم تركه على حاله حتى يموت فسماه الله عز وجل فرعون ذا الاوتاد والقمي عمل الأوتاد التي أراد أن يصعد بها إلى السماء (13) وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة وأصحاب الغيضة وهم قوم شعيب أولئك الاحزاب يعني المتحزبين على الرسل الذى جعل الجند المهزوم منهم (14) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (15) وما ينظر هؤلاء وما ينتظر قومك أو الأحزاب جميعا إلا صيحة واحدة هي النفخة ما لها من فواق قيل أي من توقف مقدار فواق وهو ما بين الحلبتين أو رجوع وترداد فإنه فيه يرجع اللبن إلى الضرع والقمي أي لا يفيقون من العذاب وقرء بضم الفاء وهما لغتان (16) وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قسطنا من العذاب الذي توعدنا به في المعاني عن أمير المؤمنين عليه السلام في معناه قال نصيبهم من العذاب قبل يوم الحساب استعجلوا ذلك استهزاء (17) اصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد في التوحيد عن الباقر عليه السلام اليد في كلام العرب القوة والنعمة ثم تلا هذه الاية إنه أواب قيل أي

[ 294 ]

رجاع إلى مرضاة الله لقوته في الدين والقمي أي دعاء قيل كان يصوم يوما ويفطر يوما ويقوم نصف الليل (18) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن قد سبق تفسيره في سورة الأنبياء وسبأ بالعشى والاشراق حين تشرق الشمس أي تضئ ويصفو شعاعها (19) والطير محشورة إليه من كل جانب كل له أواب كل من الجبال والطير لاجل تسبيحه رجاع التسبيح (20) وشددنا ملكه وقويناه بالهيبة والنصرة وكثرة الجنود وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب قيل هو فصل الخصام يتميز الحق عن الباطل وقيل الكلام المفصول الذي لا يشتبه على السامع وفي العيون عن الرضا عليه السلام إنه معرفة اللغات وفي الجوامع عن علي عليه السلام هو قوله البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه وقد ورد أخبار كثيرة بأن أئمتنا عليهم السلام اعطوا الحكمة وفصل الخطاب (21) وهل أتيك نبؤ الخصم فيه تعجيب وتشويق إلى إستماعه إذ تسوروا المحراب إذ تصعدوا سور الغرفة (22) إذ دخلوا على داود ففزع منهم لأنهم نزلوا عليه من فوق وفي يوم الأحتجاب والحرس على الباب قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ولا تجر في الحكومة واهدنا إلى سوآء الصراط إلى وسطه وهو العدل (23) إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة هي الانثى من الضأن وقد يكنى بها عن المرأة فقال أكفلنيها ملكنيها وأصله واجعلني أكفلها أو اجعلها كفلي أي نصيبي وعزنى في الخطاب وغلبني في مخاطبته إياي

[ 295 ]

(24) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطآء الشركاء الذين خلطوا أموالهم جمع خليط ليبغي ليتعدى بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وهم قليل ما مزيدة للأبهام والتعجب من قلتهم وظن داود أنما فتناه امتحناه بتلك الحكومة هل تنبه بها فاستغفر ربه وخر راكعا ساجدا وأناب ورجع إلى الله بالتوبة (25) فغفرنا له ذلك أي ما استغفر عنه وإن له عندنا لزلفى لقربة بعد المغفرة وحسن ماب مرجع في الجنة (26) يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب قد سبق في سورة لقمان كلام في خلافة داود عليه السلام وفي العيون عن الرضا عليه السلام في حديث عصمة الأنبياء قال وأما داود فما يقول من قبلكم فيه فقيل يقولون إن داود عليه السلام كان يصلي في محرابه إذ تصور له إبليس على صورة طير أحسن ما يكون من الطيور فقطع داود (عليه السلام) صلاته وقام ليأخذ الطير فخرج الطير إلى الدار فخرج في أثره فطار الطير إلى السطح فصعد السطح في طلبه فسقط الطير في دار اوريا بن حيان فاطلع داود (عليه السلام) في أثر الطير فإذا بإمرأة اوريا تغتسل فلما نظر إليها هواها وكان قد أخرج اوريا في بعض غزواته فكتب إلى صاحبه أن قدم اوريا أمام التابوت فقدم فظفر اوريا بالمشركين فصعب ذلك على داود (عليه السلام) فكتب إليه ثانية أن قدمه أمام التابوت فقدم فقتل اوريا فتزوج داود (عليه السلام) بإمرأته قال فضرب الرضا عليه السلام يده على جبهته وقال إنا لله وإنا إليه راجعون لقد نسبتم نبيا من أنبياء الله إلى التهاون بصلاته حتى خرج في أثر الطير ثم بالفاحشة ثم بالقتل فقيل يا ابن رسول الله فما كانت خطيئته فقال ويحك إن داود (عليه السلام) إنما ظن أنه ما خلق الله عز وجل خلقا هو أعلم منه فبعث الله عز وجل إليه الملكين فتسورا المحراب فقالا له خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سوآء الصراط إن هذا أخى له تسع وتسعون نعجة ولى نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزنى في

[ 296 ]

الخطاب فعجل داود (عليه السلام) على المدعى عليه فقال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه ولم يسأل المدعى البينة على ذلك ولم يقبل على المدعى عليه فيقول له ما تقول فكان هذا خطيئته رسم حكم لا ما ذهبتم إليه ألا تسمع الله تعالى يقول يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق إلى آخر الاية فقيل يا ابن رسول الله فما قصته مع اوريا قال الرضا عليه السلام إن المرأة في أيام داود (عليه السلام) كانت إذا مات بعلها أو قتل لا تتزوج بعده أبدا فأول من أباح الله تعالى أن يتزوج بامرأة قتل بعلها داود (عليه السلام) فتزوج بامرأة اوريا لما قتل وانقضت عدتها منه فذلك الذي شق على الناس من قبل اوريا والقمي عن الصادق عليه السلام ما يقرب مما روته العامة وكذبه الرضا عليه السلام كما مر مع زيادات وفيه ما فيه وعن الباقر عليه السلام في قوله وظن داود (عليه السلام) أي علم وأناب أي تاب وذكر أن داود (عليه السلام) كتب إلى صاحبه أن لا تقدم اوريا بين يدي التابوت ورده فقدم اوريا إلى أهله ومكث ثمانية أيام ثم مات وفي المجالس عن الصادق عليه السلام قال ان رضا الناس لا يملك وألسنتهم لا تضبط ألم ينسبوا إلى داود (عليه السلام) أنه تبع الطير حتى نظر إلى إمرأة اوريا فهواها وأنه قدم زوجها أمام التابوت حتى قتل ثم تزوج بها وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال لا أوتي برجل يزعم أن داود (عليه السلام) تزوج إمرأة اوريا إلا جلدته حدين حد للنبوة وحد للأسلام وروي أنه قال من حدث بحديث داود (عليه السلام) على ما يرويه القصاص جلدته ماة وستين (27) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا لا حكمة فيه ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار بسبب هذا الظن (28) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض إنكار للتسوية أم نجعل المتقين كالفجار قيل كأنه أنكر التسوية أو لا بين المؤمنين والكافرين ثم بين المتقين من المؤمنين والمجرمين منهم ويجوز أن يكون تكريرا للأنكار الأول باعتبار وصفين آخرين يمنعان التسوية من الحكيم الرحيم

[ 297 ]

والقمي عن الصادق عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال الذين آمنوا وعملوا الصالحات أمير المؤمنين وأصحابه كالمفسدين في الارض قال حبتر وزيق وأصحابهما ام نجعل المتقين امير المؤمنين كالفجار حبتر وزلام واصحابهما وهذه الألفاظ كنايات عن الثلاثة وفي الكافي عنه عليه السلام قال لا ينبغي لأهل الحق أن ينزلوا أنفسهم منزلة أهل الباطل لأن الله لم يجعل أهل الحق عنده بمنزلة أهل الباطل ألم يعرفوا وجه قول الله في كتابه إذ يقول أم نجعل الذين آمنوا الاية في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها صدق الحديث وأداء الأمانة والوفاء بالعهد وقلة الفخر والتحمل وصلة الأرحام ورحمة الضعفاء وقلة المؤاتاة للنساء وبذل المعروف وحسن الخلق وسعة الحلم واتباع العلم فيما يقرب إلى الله تعالى وفي رواية اخرى عنه عليه السلام قال الفاجر إن ائتمنته خانك وإن صاحبته شأنك وإن وثقت به لم ينصحك (29) كتاب أنزلناه إليك مبارك نفاع ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الالباب الثاقبة القمي عن الصادق عليه السلام ليدبروا آياته أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام فهم أولو الألباب قال وكان أمير المؤمنين عليه السلام يفتخر بها ويقول ما اعطي أحد قبلي ولا بعدي مثل ما اعطيت (30) ووهبنا لداود سليمان نعم العبد أي نعم العبد سليمان إنه أواب كثير الرجوع إلى الله بالتوبة والذكر (31) إذ عرض عليه بالعشى بعد الظهر الصافنات الجياد الصافن الخيل الذي يقوم على طرف سنبك يد أو رجل وهو من الصفات المحمودة في الخيل والجياد قيل جمع جواد أو جود وهو الذي يسرع في جريه وقيل الذي يجود بالركض وقيل جمع جيد

[ 298 ]

(32) فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر ربى قيل أصل أحببت أن يعدى بعلى لأنه بمعنى آثرت لكن لما انيب مناب أنبت عدى تعديته بعن وقيل هو بمعنى تقاعدت وحب الخير مفعول له والخير المال الكثير والمراد به هنا الخيل التي شغلته عن الذكر وفي الحديث الخيل معقود بنواصيها الخير حتى توارت بالحجاب غربت الشمس شبه غروبها بتواري المخباة بحجابها وإضمارها من غير ذكر لدلالة العشي عليه (33) ردوها على الضمير للشمس فطفق مسحا فأخذ يسمح مسحا بالسوق والاعناق في الفقيه عن الصادق عليه السلام قال إن سليمان بن داود (عليه السلام) عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارث الشمس بالحجاب فقال للملائكة ردوا الشمس علي حتى اصلي صلاتي في وقتها فردوها فقام فمسح ساقيه وعنقه وأمر أصحابه الذين فأتتهم الصلاة معه بمثل ذلك وكان ذلك وضوءهم للصلاة ثم قام فصلى فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم وذلك قول الله عز وجل ووهبنا لداود سليمان إلى قوله والاعناق وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام إن هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتى فات وقتها قال وفي روايات أصحابنا أنه فاته أول الوقت وفي الكافي والفقيه عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن قول الله عز وجل إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا قال يعني مفروضا وليس يعني وقت فوتها إذا جاز ذلك الوقت ثم صلاها لم يكن صلاته هذه مؤداة ولو كان ذلك كذلك لهلك سليمان بن داود (عليه السلام) حين صلاها لغير وقتها ولكنه متى ما ذكرها صلاها وفي العلل عنه عليه السلام ما يقرب منه وفي المجمع قال ابن عباس سألت عليا عليه السلام عن هذه الاية فقال ما بلغك فيها يا ابن عباس قلت بلى سمعت كعبا يقول اشتغل سليمان بعرض الأفراس

[ 299 ]

حتى فاتته الصلاة فقال وردها علي يعني الأفراس وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف قتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها فقال علي عليه السلام كذب كعب لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس ردوها علي فردت فصلى العصر في وقتها وأن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم لأنهم معصومون مطهرون والقمي ذكر قريبا مما قاله كعب ثم روى قصة خاتمه عن الصادق عليه السلام وأنه ضل عنه أربعين يوما ما بسبب قتله الخيل سرقه شيطان وجلس مكانه في تلك المدة إلى آخر ما ذكره مما لا يليق بالأنبياء إلا إذا كان مرموزا وأريد به شئ آخر كما سبق مثله في قصة هاروت وماروت (34) ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله أن سليمان قال يوما في مجلسه لأطوفن الليلة على سبعين إمراة تلد كل إمراة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله ولم يقل إن شاء الله فطاف عليهن فلم تحمل منهن إلا إمراة واحدة جاءت بشق ولد قال ثم قال فوالذي نفس محمد صلى الله عليه وآله بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا والجسد الذي كان على كرسيه كان هذا وعن الصادق عليه السلام أن الجن والشياطين لما ولد لسليمان (عليه السلام) ابن قال بعضهم لبعض إن عاش له ولد لنلقين منه ما لقينا من أبيه من البلاء فأشفق منهم عليه فاسترضعه في المزن وهو السحاب فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها على أن الحذر لا ينفع من القدر وإنما عوتب على خوفه من الشياطين وقيل الجسد ذاك الشيطان الذي كان قد جلس مكانه على كرسيه سمي بالجسد الذي لا روح فيه لأنه كان متمثلا بما لم يكن كذلك وهذا قول العامة الراوين لتلك القصة التي فيها ذكر الخاتم إلا أنهم ذكروا في سبب ابتلائه بسلب ملكه أنه كانت إمرأته تعبد في بيته صورة أربعين يوما وهو لم يشعر بذلك (35) قال رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى إنك أنت الوهاب

[ 300 ]

(36) فسخرنا له الريح فذللناها لطاعته اجابة لدعوته تجرى بأمره رخاء لينة لا تزعزع حيث أصاب أراد (37) والشياطين كل بناء وغواص (38) وآخرين مقرنين في الاصفاد قرن بعضهم مع بعض في السلاسل ليكفوا عن الشر كذا قيل والقمي هم الذين عصوا سليمان حين سلبه الله ملكه وقد سبق بعض هذا القصة في سورة سبأ (39) هذا عطاؤنا أي هذا الذي أعطيناك من الملك والبسطة والتسلط على ما لم يسلط به غيرك عطاؤنا فامنن أو أمسك فاعط من شئت وامنع من شئت بغير حساب غير محاسب على منة وإمساكه لتفويض التصرف فيه إليك (40) وإن له عندنا لزلفى في الاخرة مع ماله من الملك العظيم في الدنيا وحسن ماب هو الجنة في العلل عن الكاظم عليه السلام انه سئل أيجوز أن يكون نبي الله بخيلا فقال لا فقيل فقول سليمان (عليه السلام) رب اغفر لى وهب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى ما وجهه وما معناه فقال الملك ملكان ملك مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس وملك مأخوذ من قبل الله تعالى ذكره كملك آل ابراهيم وملك طالوت وذي القرنين فقال سليمان هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى أن يقول أنه مأخوذ بالغلبة والجور وإجبار الناس فسخر الله عز وجل له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب وجعل غدوها شهرا ورواحها شهرا وسخر الله عز وجل له الشياطين كل بناء وغواص وعلم منطو الطير ومكن له في الأرض فعلم الناس في وقته وبعده أن ملكه لا يشبه ملك الملوك الجبارين من الناس والمالكين بالغلبة والجور قيل فقول رسول الله صلى الله عليه وآله رحم الله أخي سليمان بن داود (عليه السلام) ما كان أبخله فقال لقوله وجهان أحدهما ما كان أبخله بعرضه وسوء القول فيه والوجه الاخر يقول ما كان أبخله إن كان أراد ما كان يذهب إليه الجهال

[ 301 ]

وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى هذا عطاؤنا الاية قال اعطي سليمان (عليه السلام) ملكا عظيما ثم جرت هذه الاية في رسول الله صلى الله عليه وآله فكان له أن يعطي من شاء وما شاء ويمنع من شاء ما شاء وأعطاه أفضل مما أعطى سليمان (عليه السلام) لقوله ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وعن الرضا عليه السلام أنه قيل له حقا علينا أن نسألكم قال نعم قيل حقا عليكم أن تجيبونا قال لا ذاك إلينا إن شئنا فعلنا وإن شئنا لم نفعل أما تسمع قول الله تعالى هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (41) واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أنى مسنى الشيطان بنصب وقرئ بفتح النون وبفتحتين وعذاب ألم وهو حكاية لكلامه (42) اركض برجلك حكاية لما اجيب به أي اضرب برجلك الى الأرض هذا مغتسل بارد وشراب أي فضربها فنبعت عين فقيل هذا مغتسل أي تغتسل به وتشرب منه فيبرئ باطنك وظاهرك (43) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم بأن أحييناهم بعد موتهم وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل كيف أوتي مثلهم معهم قال أحيى لهم من ولده الذين كانوا ماتوا قبل ذلك بآجالهم مثل الذين هلكوا يومئذ والقمي عنه عليه السلام قال أحيى الله له أهله الذين كانوا قبل البلية وأحيى له الذين ماتوا وهو في البلية رحمة منا وذكرى لاولى الالباب لينتظروا الفرج بالصبر واللجأ إلى الله فيما يحيق بهم (44) وخذ بيدك ضغثا حزمة صغيرة من خشب فاضرب به ولا تحنث وذلك أنه حلف أن يضرب زوجته في أمر ثم ندم عليه فحل الله يمينه بذلك وهي رخصة باقية في الحدود كما ورد عنهم عليهم السلام إنا وجدناه صابرا فيما أصابه في النفس والأهل والمال نعم العبد أيوب (ع) إنه أواب مقبل بشراشره على الله في العلل عن الصادق عليه السلام قال إنما كانت بلية أيوب (عليه السلام) التي ابتلى بها

[ 302 ]

في الدنيا لنعمة أنعم الله بها عليه فأدى شكرها وكان إبليس في ذلك الزمان لا يحجب دون العرش فلما صعد عمل أيوب (عليه السلام) بأداء شكر النعمة حسده إبليس فقال يا رب إن أيوب (عليه السلام) لم يؤد شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته فلو حلت بينه وبين دنياه ما أدى إليك شكر نعمة فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة فقال قد سلطتك على دنياه فلم يدع له دنيا ولا ولدا إلا أهلك كل ذلك وهو يحمد الله عز وجل ثم رجع إليه فقال يا رب أن أيوب يعلم إنك سترد إليه دنياه التي أخذتها منه فسلطني على بدنه تعلم أنه لا يؤدي شكر نعمة قال عز وجل قد سلطتك على بدنه ما عدا عينيه وقلبه ولسانه وسمعه قال فانقض مبادرا خشية أن تدركه رحمة الله عز وجل فيحول بينه وبينه فنفخ في منخريه من نار السموم فصار جسده نقطا نقطا وعن الكاظم عليه السلام مثله وزاد قلما اشتدت به البلاء وكان في آخر بلية جاء أصحابه فقالوا يا أيوب ما نعلم أحدا ابتلي بمثل هذه البلية إلا لسريرة شر فلعلك أسررت سوء في الذي تبدي لنا قال فعند ذلك ناجى أيوب (عليه السلام) ربه عز وجل فقال رب ابتليتني بهذه البلية وأنت تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط إلا التزمت أخشنهما على بدني ولم آكل أكلة قط إلا وعلى خواني يتيم فلو أن لي منك مقعد الخصم لأدليت بحجتي قال فعرضت له سحابة فنطق فيها ناطق فقال يا أيوب أدل بحجتك قال فشد عليه ميزره وجثا على ركبتيه فقال ابتليتني بهذه البلية وأنت تعلم أنه لم يعرض لي أمران قط إلا إلتزمت أخشنهما على بدني ولم آكل أكلة من طعام إلا وعلى خواني يتيم قال فقيل له يا أيوب من حبب إليك الطاعة قال فأخذ كفا من تراب فوضعه في فيه ثم قال أنت يا رب وعن الصادق عليه السلام إن الله تبارك وتعالى إبتلى أيوب (ع) بلا ذنب فصبر حتى عير وإن الأنبياء لا يصبرون على التعيير وفي الكافي عنه عليه السلام إن الله تعالى يبتلي المؤمن بكل بلية ويميته بكل ميتة ولا يبتليه بذهاب عقله أما ترى أيوب (ع) كيف سلط إبليس على ماله وعلى أهله وعلى كل شئ منه ولم يسلطه على عقله ترك له يوحد الله عز وجل وفي رواية فسلط

[ 303 ]

على أيوب (ع) فشوه خلقه ولم يسلطه على دينه وفي الخصال والعلل عنه عليه السلام ابتلى أيوب سبع سنين بلا ذنب وفي الخصال عنه عن أبيه عليهما السلام قال إن أيوب عليه السلام ابتلي بغير ذنب سبع سنين وأن الأنبياء معصومون لا يذنبون ولا يزيغون ولا يرتكبون ذنبا صغيرا ولا كبيرا وقال إن أيوب مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة ولا قبحت له صورة ولا خرجت منه مدة (1) من دم ولا قيح ولا استقذره أحد رآه ولا استوحش منه أحد شاهده ولا تدود شئ من جسده وهكذا يصنع الله عز وجل بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه وإنما اجتنبه الناس لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بماله عند ربه تعالى ذكره من التأييد والفرج وقد قال النبي صلى الله عليه وآله أعظم الناس بلاء الأنبياء ثم الأولياء ثم الأمثل فالأمثل وإنما ابتلاه الله بالبلاء العظيم الذي يهون معه على جميع الناس لئلا يدعوا له معه الربوبية إذا شاهدوا ما أراد الله تعالى ذكره أن يوصله إليه من عظائم نعمه متى شاهدوه ليستدلوا بذلك على أن الثواب من الله تعالى على ضربين استحقاق وإختصاص ولئلا يحقروا ضعيفا لضعفه ولا فقيرا لفقره ولا مريضا لمرضه وليعلموا أنه يسقم من يشاء متى شاء كيف شاء بأي شئ شاء ويجعل ذلك عبرة لمن يشاء وشقاوة لمن يشاء وسعادة لمن يشاء وهو عز وجل في جميع ذلك عدل في قضائه وحكيم في أفعاله لا يفعل بعباده إلا الأصلح لهم ولا قوة إلا بالله والقمي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن بلية أيوب (ع) التي ابتلي بها في الدنيا لأي علة كانت قال لنعمة أنعم الله عز وجل عليه بها في الدنيا وأدى شكرها وكان في ذلك الزمان لا يحجب ابليس عن دون العرش فلما صعد ورأى شكر نعمة أيوب (ع) حسده ابليس فقال يا رب إن أيوب لم يؤد إليك شكر هذه النعمة إلا بما أعطيته من الدنيا ولو حرمته دنياه ما أدى إليك شكر نعمة أبدا فسلطني على دنياه حتى تعلم أنه لا يؤدي إليك شكر نعمة أبدا فقيل له قد سلطتك على ما له وولده قال فانحدر ابليس فلم يبق له مالا ولا ولدا إلا أعطبه فازداد أيوب


(1) المدة بالكسر وتشديد المهملة: ما يجتمع في الجرح من التقيح الغليظ. (*)

[ 304 ]

لله شكرا وحمدا قال فسلطني على زرعه قال قد فعلت فجمع شياطينه فنفخ فيه فاحترق فازداد أيوب (ع) لله شكرا وحمدا فقال يا رب فسلطني على غنمه فسلطه على غنمه فأهلكها فازداد أيوب (ع) لله شكرا وحمدا فقال يا رب سلطني على بدنه فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه فنفخ فيه ابليس فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه فبقى في ذلك دهرا طويلا يحمد الله ويشكره حتى وقع في بدنه الدود فكانت تخرج من بدنه فيردها فيقول لها ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه ونتن حتى أخرجوه أهل القرية من القرية وألقوه في المزبلة خارج القرية وكانت امرأته رحمة بنت يوسف بن يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم (ع) تتصدق من الناس وتأتيه بما تجده قال فلما طال عليه البلاء ورأى ابليس صبره أتى أصحابا لأيوب (ع) كانوا رهبانا في الجبال وقال لهم مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليته فركبوا بغالا شهباء فجاؤوا فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه فنظر بعضهم إلى بعض ثم مشوا إليه وكان فيهم شاب حدث السن فقعدوا إليه فقالوا يا أيوب لو أخبرتنا بذنبك لعل الله كان يملكنا إذا سألناه وما نرى ابتلائك بهذا البلاء الذي لم يبتل به أحدا إلا من أمر كنت تستره فقال أيوب وعزة ربي أنه ليعلم إني ما أكلت طعاما إلا ويتيم أو ضعيف يأكل معي وما عرض لي أمر ان كلاهما طاعة لله إلا أخذت بأشدهما على بدني فقال الشاب سوءة لكم عيرتم نبي الله حتى أظهر من عبادة ربه ما كان يسترها فقال أيوب يا رب لو جلست مجلس الحكم منك لأدليت بحجتي بعث الله عز وجل إليه غمامة فقال يا أيوب أدل بحجتك فقد أقعدت مقعد الحكم وها أنا ذا قريب ولم أزل فقال يا رب إنك لتعلم أنه لم يعرض لي أمر ان قط كلاهما لك طاعة إلا أخذت بأشدهما على نفسي ألم أحمدك ألم أشكرك ألم اسبحك قال فنودي من الغمامة بعشرة الاف لسان يا أيوب من صيرك تعبد الله والناس عنه غافلون وتحمده وتسبحه وتكبره والناس عنه غافلون أتمن على الله بما لله فيه المنة عليك قال فأخذ التراب فوضعه في فيه ثم قال لك العتبى يا رب أنت فعلت ذلك بي فأنزل الله عليه ملكا فركض برجله فخرج الماء فغسله بذلك الماء فعاد أحسن ما كان وأطرا وأنبت الله عليه روضة خضراء ورد عليه أهله وماله وولده وزرعه وقعد معه الملك يحدثه

[ 305 ]

ويونسه فأقبلت إمراته معها الكسرة فلما إنتهت إلى الموضع إذ الموضع متغير وإذا رجلان جالسان فبكت وصاحت وقالت يا أيوب ما دهاك فناداها أيوب فأقبلت فلما رأته وقد رد الله عليه بدنه ونعمته سجدت لله عز وجل شكرا فرأى ذوابتها مقطوعة وذلك أنها سألت قوما أن يعطوها ما تحمله إلى أيوب من الطعام وكانت حسنة الذوائب فقالوا لها بيعينا ذوابتك هذه حتى نعطيك فقطعتها ودفعتها إليهم وأخذت منهم طعاما لأيوب فلما رآها مقطوعة الشعر غضب وحلف عليها أن يضربها ماة فأخبرته أنه كان سببه كيت وكيت فاغتم أيوب من ذلك فأوحى الله عز وجل إليه خذ بيدك ضغثا فاضربه ولا تحنث فأخذ عذقا مشتملا على ماة شمراخ فضربها ضربة واحدة فخرج من يمينه قال فرد الله عليه أهله الذين ماتوا قبل البلاء ورد عليه أهله الذين ماتوا بعد ما أصابهم البلاء كلهم أحياهم الله له فعاشوا معه وسئل أيوب (ع) بعد ما عافاه الله أي شئ كان أشد عليك مما مر عليك فقال شماتة الأعداء قال فأمطر الله عليه في داره جرادة الذهب وكان يجمعه فكان إذا ذهبت الريح منه بشئ عدا خلفه فرده فقال له جبرئيل أما تشبع يا أيوب قال ومن يشبع من رزق ربه عز وجل أقول: لعل المراد ببدنه الذي قيل في الرواية الاولى أنه لم ينتن رائحته ولم يتدود بدنه الأصلي الذي يرفع من الأنبياء والأوصياء إلى السماء الذي خلق من طينته خلقت منها أرواح المؤمنين وببدنه الذي قيل في هذه الرواية أنه أنتن وتدود بدنه العنصري الذي هو كالغلاف لذلك ولا مبالاة للخواص به فلا تنافي بين الروايتين (45) واذكر عبادنا إبراهيم وإسحق ويعقوب أولى الايدى والابصار القمي عن الباقر عليه السلام قال اولوا القوة في العبادة والبصر فيها (46) إنآ أخلصناهم بخالصة جعلناهم خالصين لنا بخصلة خالصة لا شوب فيها هي ذكرى الدار أي تذكرهم للاخرة دائما فإن خلوصهم في الطاعة بسببها وذلك لأنه كان مطمح نظرهم فيما يأتون ويذرون جوار الله والفوز بلقائه واطلاق الدار للأشعار بأنها الدار الحقيقية والدنيا معبر (47) وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار

[ 306 ]

(48) واذكر إسمعيل واليسع قيل هو ابن أخطوب استخلفه إلياس على بني اسرائيل ثم استنبأ وذا الكفل هو يوشع بن نون كما مر في سورة الأنبياء وكل من الاخيار (49) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن ماب مرجع (50) جنات عدن مفتحة لهم الابواب (51) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب قيل الأقتصار على الفاكهة للأشعار بأن مطاعمهم لمحض التلذذ فإن التغذي للتحلل ولا تحلل ثمة (52) وعندهم قاصرات الطرف لا ينظرن إلى غير أزواجهن أتراب لذات بعضهن لبعض لا عجوز فيهن ولا صبية (53) هذا ما توعدون ليوم الحساب لأجله وقرئ بالياء (54) إن هذا لرزقنا ماله من نفاد انقطاع (55) هذا الأمر هذا وإن للطاغين لشر ماب (56) جهنم يصلونها فبئس المهاد القمي وهم الأول والثاني وبنو امية (57) هذا فليذوقوه حميم وغساق وقرئ بالتخفيف هو ما يغسق أي يسيل من صديد اهل النار والقمي قال الغساق واد في جهنم فيه ثلاثمائة وثلاثون قصرا في كل قصر ثلاثمائة بيت في كل بيت أربعون زاوية في كل زاوية شجاع في كل شجاع ثلاثمائة وثلاثون عقربا في حمة كل عقرب ثلاثمائة وثلاثون قلة من سم لو أن عقربا نضحت سمها على أهل جهنم لوسعهم سمها (58) وآخر وقرئ واخر على الجمع من شكله قيل من مثل المذوق أو العذاب في الشدة أو مثل الذائق أزواج أصناف والقمي وهم بنو العباس (59) هذا فوج مقتحم معكم حكاية ما يقال لرؤساء الطاغين إذا دخلوا النار

[ 307 ]

ودخل معهم فوج تبعهم في الضلال والاقتحام ركوب الشدة والدخول فيها في المجمع والقمي عن النبي صلى الله عليه وآله أن النار تضيق عليهم كضيق الزج بالرمح لا مرحبا بهم دعاء من المتبوعين على اتباعهم إنهم صالوا النار القمي فيقول بنو امية لا مرحبا بهم (60) قالوا أي الأتباع للرؤساء بل أنتم لا مرحبا بكم بل أنتم أحق بما قلتم لضلالكم وإضلالكم أنتم قدمتموه لنا القمي فيقول بنو فلان بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا بدأتم بظلم آل محمد صلوات الله عليهم فبئس القرار فبئس المقر جهنم (61) قالوا القمي ثم يقول بنو امية ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار وذلك أن تزيد على عذابه مثله فيصير ضعفين من العذاب قال يعنون الأول والثاني (62) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار القمي ثم يقول أعداء آل محمد صلوات الله عليهم في النار ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار في الدنيا وهم شيعة أمير المؤمنين عليه السلام (63) أتخذناهم سخريا هزوا صفة اخرى لرجالا وقرئ بالضم وبهمزة الأستفهام على أنه إنكار لأنفسهم وتأنيب لها في الأستسخار منهم أم زاغت عنهم الابصار مالت فلا نريهم وأم معادلة لما لنا لا نرى على أن المراد نفي رؤيتهم لغيبتهم كأنهم قالوا ليسوا ههنا أم زاغت عنهم أبصارنا (64) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار فيما بينهم القمي وذلك قول الصادق عليه السلام إنكم لفي الجنة تحبرون وفي النار نطلبون وزاد في البصائر فلا توجدون وفي الكافي عنه عليه السلام قال لقد ذكركم الله إذ حكى عن عدوكم في النار بقوله وقالوا ما لنا لا نرى الاية قال والله ما عنى الله ولا أراد بهذا غيركم صرتم عند أهل هذا العالم من أشرار الناس وأنتم والله في الجنة تحبرون وفي النار تطلبون

[ 308 ]

وفي رواية أما والله لا يدخل النار منكم اثنان لا والله ولا واحد والله أنكم الذين قال الله تعالى وقالوا ما لنا الاية ثم قال طلبوكم والله في النار فما وجدوا منكم أحدا وفي آخرى إذا استقر أهل النار في النار يتفقدونكم فلا يرون منكم أحدا فيقول بعضهم لبعض ما لنا الاية قال وذلك قول الله تعالى إن ذلك لحق تخاصم أهل النار يتخاصمون فيكم كما كانوا يقولون في الدنيا وفي المجمع والجوامع ما يقرب منه (65) قل يا محمد للمشركين إنما أنا منذر انذركم عذاب الله وما من إله إلا الله الواحد الذي لا شريك له ولا يتبعض القهار لكل شئ (66) رب السموات والارض وما بينهما منه خلقها وإليه أمرها العزيز الذي لا يغلب إذا عاقب الغفار الذي يغفر ما يشاء من الذنوب لمن يشاء وفي هذه الأوصاف تقرير للتوحيد ووعد ووعيد للموحدين والمشركين وتكرير ما يشعر بالوعيد وتقديمه لأن المدعى هو الأنذار (67) قل هو نبا عظيم (68) أنتم عنه معرضون قيل أي ما أنبأكم به وقيل ما بعده من نبأ آدم والقمي يعني أمير المؤمنين عليه السلام وفي البصائر عن الباقر عليه السلام هو والله أمير المؤمنين عليه السلام وعن الصادق عليه السلام النبأ الأمامة (69) ما كان لى من علم بالملاء الاعلى إذ يختصمون إذا لأطلاع على كلام الملائكة وتقاولهم لا يحصل إلا بالوحي (70) إن يوحى إلى إلا انما أنا نذير مبين أي إلا لأنما وقرئ إنما بالكسر على الحكاية القمي عن الباقر عليه السلام في حديث المعراج وقد مر صدره في أول سورة بني اسرائيل (ع) قال فلما انتهى به إلى سدرة المنتهى تخلف عنه جبرئيل

[ 309 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا جبرئيل افي هذا الموضع تخذلني فقال تقدم أمامك فو الله لقد بلغت مبلغا لم يبلغه أحد من خلق الله قبلك فرأيت من نور ربي وحال بيني وبينه السبحة سئل الأمام عليه السلام وما السبحة فأومى بوجهه إلى الأرض وبيده إلى السماء وهو يقول جلال ربي ثلاث مرات قال يا محمد قلت لبيك يا رب قال فيم اختصم الملأ الأعلى قال قلت سبحانك لا علم لي إلا ما علمتني قال فوضع يده أي يد القدرة بين كتفي فوجت بردها بين ثديي قال فلم يسألني عما مضى ولا عما بقى إلا علمته فقال يا محمد فيم اختصم الملأ الأعلى قال قلت في الكفارات والدرجات والحسنات فقال لي يا محمد قد انقطع أكلك وانقضت نبوتك فمن وصيك فقلت يا رب قد بلوت خلقك فلم أر أحدا من خلقك أطوع لي من علي فقال ولي يا محمد فقلت يا رب إني قد بلوت خلقك فلم أر في خلقك أحدا أشد حبا لي من علي بن أبي طالب عليه السلام قال ولي يا محمد فبشره بأنه راية الهدى وإمام أوليائي ونور لمن أطاعني والكلمة التي ألزمتها المتقين من أحبه فقد أحبني ومن أبغضه فقد أبغضني مع ما أني أخصه بما لم أخص به أحدا فقلت يا رب أخي وصاحبي ووزيري ووارثي فقال إنه أمر قد سبق إنه مبتلى ومبتلى به مع ما أني قد نحلته ونحلته ونحلته ونحلته أربعة أشياء عقدها بيده ولا يفصح بها عقدها وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال قال لي ربي أتدري فيم يختصم الملأ الأعلى فقلت لا قال اختصموا في الكفارات والدرجات فأما الكفارات فإسباغ الوضوء في السبرات ونقل الأقدام إلى الجماعات وانتظار الصلاة بعد الصلاة وأما الدرجات فافشاء السلام وإطعام الطعام والصلاة بالليل والناس نيام وفي الخصال بنحو آخر قريب منه (71) إذ قال ربك للملئكة إنى خالق بشرا من طين (72) فإذا سويته عدلت خلقته ونفخت فيه من روحي وأحييته بنفخ الروح فيه وإضافته إلى نفسه لشرفه وطهارته فقعوا له ساجدين فخروا له ساجدين تكرمة وتبجيلا له وقد مر الكلام فيه في سورة البقرة

[ 310 ]

(73) فسجد الملئكة كلهم أجمعون (74) إلا إبليس استكبر تعظم وكان من الكافرين في علم الله (75) قال يا ابليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى في العيون والتوحيد عن الرضا عليه السلام قال يعني بقدرتي وقوتي والقمي عن الصادق عليه السلام لو أن الله تعالى خلق الخلق كلهم بيده لم يحتج في خلق آدم أنه خلقه بيده فيقول ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى أفترى الله يبعث الأشياء بيده أستكبرت أم كنت من العالين تكبرت من غير استحقاق أو كنت ممن علا وإستحق التفوق (76) قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين مر بيانه في سورة الأعراف (77) قال فاخرج منها فإنك رجيم (78) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (79) قال رب فأنظرنى إلى يوم يبعثون (80) قال فإنك من المنظرين (81) إلى يوم الوقت المعلوم مر بيانه في سورة الحجر (82) قال فبعزتك فبسلطانك وقهرك لاغوينهم أجمعين (83) إلا عبادك منهم المخلصين الذين أخلصهم الله أو أخلصوا قلوبهم لله على إختلاف القراءتين (84) قال فالحق والحق أقول أي فاحق الحق وأقوله والقمي فقال الله الحق أي إنك تفعل ذلك والحق أقوله وقرئ برفع الأول على الأبتداء أي الحق يميني أو الخبر أي أنا الحق

[ 311 ]

(85) لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (86) قل مآ أسئلكم عليه من أجر على التبليغ وما أنا من المتكلفين المتصنعين في الكافي عن الباقر عليه السلام قال لأعداء الله أولياء الشيطان أهل التكذيب والأنكار قل مآ أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين يقول متكلفا أن أسألكم ما لستم بأهله فقال المنافقون عند ذلك بعضهم لبعض أما يكفي محمدا صلى الله عليه وآله أن يكون قهرنا عشرين سنة حتى يريد أن يحمل أهل بيته على رقابنا فقالوا ما أنزل الله هذا وما هو إلا شئ يتقوله يريد ان يرفع أهل بيته على رقابنا ولئن قتل محمد صلى الله عليه وآله أو مات لننزعنها من أهل بيته ثم لا نعيدها فيهم أبدا وفي التوحيد عن الرضا عن أمير المؤمنين عليهما السلام إن المسلمين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الأسلام لكثر عددنا وقوينا على عدونا فقال رسول الله صلى الله عليه وآله ما كنت لألقى الله تعالى ببدعة لم يحدث إلي فيها شيئا وما أنا من المتكلفين في الجوامع عن النبي صلى الله عليه وآله قال للمتكلف ثلاث علامات ينازع من فوقه ويتعاطى ما لا ينال ويقول ما لا يعلم وفي الخصال عن الصادق عليه السلام عن لقمان مثله وعنه عليه السلام ومن العلماء من يضع نفسه للفتاوي ويقول سلوني ولعله لا يصيب حرفا واحدا والله لا يحب المتكلفين فذاك في الدرك السادس من النار وفي مصباح الشريعة عنه عليه السلام قال المتكلف مخطئ وإن أصاب المتكلف لا يستجلب في عاقبة أمره إلا الهوان وفي الوقت إلا التعب والعناء والشقاء والمتكلف ظاهره وباطنه نفاق وهما جناحان بهما يطير المتكلف وليس في الجملة من أخلاق الصالحين ولا من اشعار المتقين التكلف في أي باب كان قال

[ 312 ]

الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل مآ أسئلكم من اجر وما انا من المتكلفين (87) إن هو إلا ذكر عظة للعالمين (88) ولتعلمن نبأه من الوعد والوعيد بعد حين في الكافي عن أمير المؤمنين عليه السلام قال عند خروج القائم عليه السلام في ثواب الأعمال والمجمع عن العياشي عن الباقر عليه السلام من قرأ سورة ص في ليلة الجمعة اعطي من خير الدنيا والاخرة ما لم يعط أحدا من الناس إلا نبي مرسل أو ملك مقرب وأدخله الله الجنة وكل من أحب من أهل بيته حتى خادمه الذي يخدمه وإن لم يكن في حد عياله ولا حد من يشفع فيه

[ 313 ]

سورة الزمر وتسمى أيضا سورة الغرف وهي مكية كلها وقيل سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة قل يا عبادي إلى آخرهن وقيل غير آية قل يا عبادي عدد آيها خمس وسبعون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (2) إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين من الشرك والرياء (3) ألا لله الدين الخالص لأنه المتفرد بصفات الالوهية والأطلاع على الأسرار والضمائر والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا يقربونآ إلى الله زلفى بإضمار القول إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون من امور الدين فيعاقب كلا بقدر استحقاقه وقيل بإدخال المحق الجنة والمبطل النار والضمير للكفرة ومقابليهم أولهم ولمعبوديهم فإنهم يرجون شفاعتهم وهم يلعنونهم في الأحتجاج عن النبي صلى الله عليه وآله في حديث ثم أقبل صلى الله عليه وآله على مشركي العرب فقال وأنتم فلم عبدتم الأصنام من دون الله فقالوا نتقرب بذلك إلى الله تعالى فقال أو هي سامعة مطيعة لربها عابدة له حتى تتقربوا بتعظيمها إلى الله قالوا لا قال فأنتم الذين تنحثونها بأيديكم قالوا نعم قال فلأن تعبدكم هي لو كان يجوز منها العبادة أحرى من أن تعبدوها إذا لم يكن أمركم بتعظيمها من هو العارف بمصالحكم وعواقبكم والحكيم فيما يكلفكم وفي قرب الأسناد عن الصادق عن أبيه عليهما السلام إن رسول الله صلى الله عليه وآله قال إن الله تبارك وتعالى يأتي يوم القيامة بكل شئ يعبد من دونه من

[ 314 ]

شمس أو قمر أو غير ذلك ثم يسأل كل إنسان عما كان يعبد فيقول من عبد غيره ربنا إنا كنا نعبدها لتقربنا إليك زلفى قال فيقول الله تبارك وتعالى للملائكة إذهبوا بهم وبما كانوا يعبدون إلى النار ما خلا من استثنيت فإن أولئك عنها مبعدون إن الله لا يهدى لا يوفق للأهتداء إلى الحق من هو كاذب كفار فإنهما فاقدا البصيرة (4) لو أراد الله أن يتخذ ولدا كما زعموا ونسبوا إليه الملائكة والمسيح وعزير لاصطفى لاختار مما يخلق ما يشاء قيل أي ما كان يتخذ الولد باختيارهم حتى يضيفوا إليه من شاؤوا بل كان يختص من خلقه من يشاء لذلك نظيره لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا سبحانه عن الشريك والصاحبة والولد هو الله الواحد القهار ليس له في الأشياء شبيه ولا ينقسم في وجود ولا عقل ولا وهم كذا في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في معنى واحديته تعالى (5) خلق السموات والارض بالحق يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل يغشي كل واحد منهما الاخر كأنه يلف عليه لف اللباس باللابس أو يغيبه به كما يغيب الملفوف باللفافة أو يجعله كارا عليه كرورا متتابعا تتابع أكوار العمامة وسخر الشمس والقمر كل يجرى لاجل مسمى ألا هو العزيز الغالب على كل شئ الغفار حيث لم يعاجل بالعقوبة (6) خلقكم من نفس واحدة ثم جعل منها زوجها قد سبق تفسيره في سورة النساء وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج أهلي ووحشي من البقر والضأن والمعز وبخاتي وعراب من الأبل كما مر بيانه في سورة الأنعام في الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في هذه الاية قال إنزاله ذلك خلقه إياه يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق حيوانا سويا من بعد عظام مكسوة لحما من بعد عظام عارية من بعد مضغة من بعد علقة من بعد نطفة في نهج البلاغة أم هذا الذي أنشأه في ظلمات الأرحام وشغف الاستار نطفة دهاقا وعلقة محاقا وجنينا وراضعا ووليدا ويافعا في ظلمات ثلث

[ 315 ]

في المجمع عن الباقر عليه السلام والقمي قال ظلمة البطن وظلمة الرحم وظلمة المشيمة وفي التوحيد عن الصادق عليه السلام مثله وزاد حيث لا حيلة له في طلب غذاء ولا دفع أذى ولا استجلاب منفعة ولا دفع مضرة فإنه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات فلا يزال ذلك غذاؤه حتى إذا اكمل خلقه واستحكم بدنه وقوى أديمه على مباشرة الهواء وبصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق بامه فأزعجه أشد إزعاج فأعنفه حتى يولد ذلكم الله ربكم الذي هذه أفعاله هو المستحق لعبادتكم والمالك له الملك لا إله إلا هو إذ لا يشاركه في الخلق غيره فأنى تصرفون يعدل بكم عن عبادته إلى الأشراك (7) إن تكفروا فإن الله غنى عنكم عن إيمانكم ولا يرضى لعباده الكفر لأستضرارهم به رحمة عليهم وإن تشكروا يرضه لكم لأنه سبب فلا حكم وقرئ بإسكان الهاء وبإشباع ضمتها القمي فهذا كفر النعم وفي المحاسن مرفوعا قال الكفر ههنا الخلاف والشكر الولاية والمعرفة ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم فينبئكم بما كنتم تعملون بالمحاسبة والمجازاة إنه عليم بذات الصدور فلا يخفى عليه خافية من أعمالكم (8) وإذا مس الانسان ضر دعا ربه منيبا إليه لزوال ما ينازع العقل في الدلالة على أن مبدأ الكل منه سبحانه ثم إذا خوله أعطاه تفضلا فإن التخويل مختص بالتفضل نعمة منه من الله نسى ما كان يدعوا إليه أي الضر الذي كان يدعو الله إلى كشفه من قبل من قبل النعمة وجعل لله أندادا شركاء ليضل عن سبيله وقرئ بفتح الياء قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار أمر تهديد فيه إشعار بأن الكفر نوع تشه لا مستند له واقناط للكافرين من التمتع في الاخرة القمي نزلت في أبي فلان وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية فقال نزلت في أبي الفصيل إنه كان رسول الله صلى الله عليه وآله عنده ساحرا فكان إذا مسه الضر يعني

[ 316 ]

السقم دعا ربه منيبا إليه يعني تائبا إليه من قوله في رسول الله ما يقول ثم إذ خوله نعمة منه يعني العافية نسي ما كان يدعو إليه من قبل يعني نسى التوبة إلى الله تعالى مما كان يقول في رسول الله صلى الله عليه وآله إنه ساحر ولذلك قال الله عز وجل قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار يعني إمرتك على الناس بغير حق من الله عز وجل ومن رسوله قال ثم عطف القول من الله عز وجل في علي عليه السلام يخبر بحاله وفضله عند الله تبارك وتعالى فقال (9) أمن هو قانت آنآء الليل ساجدا وقائما يحذر الاخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوى الذين يعلمون أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وآله والذين لا يعلمون أن محمدا رسول الله أو أنه ساحر كذاب إنما يتذكر أولوا الالباب ثم قال هذا تأويله وفيه وفي العلل عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى آنآء الليل ساجدا أو قائما قال يعني صلاة الليل وفي الكافي عنه عليه السلام إنما نحن الذين يعلمون وعدونا الذين لا يعلمون وشيعتنا أولوا الألباب وعن الصادق عليه السلام لقد ذكرنا الله وشيعتنا وعدونا في آية واحدة من كتابه فقال قل هل يستوى الاية ثم فسرها بما ذكر وعن الحسن المجتبى عليه السلام والقمي اولوا الألباب هم أولو العقول وقرئ أمن هو بتخفيف الميم (10) قل يا عبادي الذين آمنوا اتقوا ربكم بلزوم طاعته للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة الظرف إما متعلق بأحسنوا أو بحسنة وعلى الأول تشمل الحسنة حسنة الدارين وعلى الثاني لا ينافي نيل حسنة الاخرة أيضا والحسنة في الدنيا كالصحة والعافية في الأمالي عن أمير المؤمنين عليه السلام إن المؤمن يعمل لثلث من الثواب إما لخير فإن الله يثيبه بعمله في دنياه ثم تلا هذه الاية ثم قال فمن أعطاهم الله في

[ 317 ]

الدنيا لم يحاسبهم به في الاخرة وأرض الله واسعة فمن تعسر عليه التوفر على الأحسان في وطنه فليهاجر إلى حيث تمكن منه إنما يوفى الصابرون على مشاق الطاعة من إحتمال البلاء ومهاجرة الأوطان لها أجرهم بغير حساب أجرا لا يهتدي إليه حساب الحساب العياشي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إذا نشرت الدواوين ونصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان ثم تلا هذه الاية وفي الكافي عنه عليه السلام إذا كان يوم القيامة يقوم عنق من الناس فيأتون باب الجنة فيضربونه فيقال لهم من أنتم فيقولون نحن أهل الصبر فيقال لهم على ما صبرتم فيقولون كنا نصبر على طاعة الله ونصبر عن معاصي الله فيقول الله عز وجل صدقوا ادخلوهم الجنة وهو قول الله عز وجل إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب (11) قل إنى أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين موحدا له (12) وأمرت لان أكون أول المسلمين مقدمهم في الدنيا والاخرة (13) قل إنى أخاف إن عصيت ربى بترك الاخلاص عذاب يوم عظيم (14) قل الله أعبد مخلصا له دينى امتثالا لأمره (15) فاعبدوا ما شئتم من دونه تهديد وخذلان لهم قل إن الخاسرين الكاملين في الخسران الذين خسروا أنفسهم وأهليهم القمي عن الباقر عليه السلام يقول غبنوا يوم القيمة ألا ذلك هو الخسران المبين (16) لهم من فوقهم ظلل من النار أطباق منها تظلهم ومن تحتهم ظلل أطباق قيل وهي ظلل الاخرين ذلك يخوف الله به عباده ذلك العذاب هو الذي

[ 318 ]

يخوفهم به ليجتنبوا ما يوقعهم فيه يا عباد فاتقون ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي (17) والذين اجتنبوا الطاغوت البالغ غاية الطغيان أن يعبدوها وأنابوا إلى الله وأقبلوا إليه بشر اشرهم غما سواه لهم البشرى بالثواب على ألسنة الرسل وعلى ألسنة الملائكة عند حضور الموت في المجمع عن الصادق عليه السلام قال أنتم هم ومن أطاع جبارا فقد عبده فبشر عباد (18) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يميزون بين الحق والباطل ويؤثرون الأفضل في الكافي عن الكاظم عليه السلام إن الله بشر أهل العقل والفهم في كتابه فقال فبشر وعن الصادق عليه السلام هو الذي يسمع الحديث فيحدث به كما سمعه لا يزيد فيه ولا ينقص منه وفي رواية هم المسلمون لال محمد صلوات الله عليهم الذين إذا سمعوا الحديث لم يزيدوا فيه ولم ينقصوا منه جاؤوا به كما سمعوه أولئك الذين هديهم الله لدينه وأولئك هم أولوا الالباب العقول السليمة عن منازعة الوهم والعادة (19) أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار إنكار وإستبعاد لأنقاذه من حق عليه الكلمة من النار بالسعي في دعائه إلى الأيمان ودلالة على ان من حكم عليه بالعذاب كالواقع فيه لأمتناع الخلف فيه (20) لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف علالي بعضها فوق بعض مبنية بنيت بناء المنازل على الأرض تجرى من تحتها الانهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام سأل علي رسول الله صلوات الله عليهما عن تفسير هذه الاية بماذا بنيت هذه الغرف يا رسول الله فقال يا علي عليه

[ 319 ]

السلام تلك غرف بناها الله لأوليائه بالدر والياقوت والزبرجد سقوفها الذهب محبوكة بالفضة لكل غرفة منها ألف باب من ذهب على كل باب منها ملك موكل به وفيها فرش مرفوعة بعضها فوق بعض من الحرير والديباج بألوان مختلفة وحشوها المسك والعنبر والكافور وذلك قول الله تعالى وفرش مرفوعة الحديث وقد سبق بعضه في سورة الفاطر وبعضه في سورة الرعد (21) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الارض عيونا وركايا ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج يثور عن منبته بالجفاف فتريه مصفرا من يبسه ثم يجعله حطاما فتاتا إن في ذلك لذكرى لتذكير آياته لا بد من صانع حكيم دبره وسواه وبأنه مثل الحياة الدنيا فلا يغتر بها لاولى الالباب إذ لا يتذكر به غيرهم (22) أفمن شرح الله صدره للاسلام حتى تمكن فيه بيسر فهو على نور من ربه في روضة الواعظين عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قرء هذه الاية فقال إن النور إذا وقع في القلب انفسخ له وانشرح قالوا يا رسول الله فهل لذلك علامة يعرف بها قال التجافي عن دار الغرور والأنابة إلى دار الخلود والأستعداد للموت قبل نزوله والقمي قال نزلت في أمير المؤمنين عليه السلام والعامة نزلت في حمزة وعلي وما بعده في أبي لهب وولده فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله من أجل ذكره وهي أشد تأبيا عن قبوله من القاسي عنه بسبب آخر فمن أبلغ هنا من القمي عن الصادق عليه السلام القسوة والرقة من القلب وهو قوله فويل الاية أولئك في ضلال مبين (23) الله نزل أحسن الحديث يعني القرآن كتابا متشابها يشبه بعضه بعضا في الأعجاز وتجاوب النظم وصحة المعنى والدلالة على المنافع العامة كذا قيل مثانى

[ 320 ]

ثنى فيه القول يتكرر كذا ورد في أحد وجوه تسمية فاتحة الكتاب بها وقد مر لها معان اخر في سورة الحجر وإنما وصف الواحد بالجمع لأن الكتاب جملة ذات تفاصيل وإن جعل مثاني تميزا لمتشابها يكون المعنى متشابهة تصاريفه قيل الفائدة في التكرير والتثنية أن النفوس تنفر عن النصيحة والمواعظ فما لم يكرر عليها عودا بعد بدء لم يرسخ فيها أقول: وهو قوله سبحانه ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل لعلهم يتذكرون تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم تنقبض وتشمئز خوفا مما فيه من الوعيد وهو مثل في شدة الخوف في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله تتحات عنه ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله تطمئن إليه بالرحمة وعموم المغفرة ذلك هدى الله يهدى به من يشآء ومن يضلل الله ومن يخذله فما له من هاد يخرجه من الضلال (24) أفمن يتقى بوجهه يجعله درعه يقي به نفسه بأنه يكون مغلولة يداه إلى عنقه فلا يقدر ان يتقي إلا بوجهه سوء العذاب يوم القيمة كمن هو آمن منه فحذف الخبر كما حذف في نظائره وقيل للظالمين أي لهم فوضع الظاهر موضعه تسجيلا عليهم بالظلم وإشعارا بالموجب لما يقال لهم ذوقوا ما كنتم تكسبون أي وباله (25) كذب الذين من قبلهم فأتهم العذاب من حيث لا يشعرون من الجهة التي كانت لا تخطر ببالهم أن الشر يأتيهم منها (26) فأذاقهم الله الخزى الذل في الحيوة الدنيا كالمسخ والخسف والقتل والسبي والأجلاء ولعذاب الاخرة المعد لهم أكبر لشدته ودوامه لو كانوا يعلمون لاعتبروا به واجتنبوا عنه (27) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل يحتاج إليه الناظر في أمر دينه لعلهم يتذكرون يتعظون به

[ 321 ]

(28) قرآنا عربيا غير ذى عوج لا اختلال فيه بوجه ما لعلهم يتقون (29) ضرب الله مثلا للمشرك والموحد رجلا فيه شركاء متشاكسون متنازعون مختلفون ورجلا سلما لرجل خالصا لواحد ليس لغيره عليه سبيل وقرئ سالما قيل مثل للمشرك على ما يقتضيه مذهبه من أن يدعي كل واحد من معبوديه عبوديته ويتنازعون فيه بعبد متشارك فيه جمع يتجاذبونه ويتعاورونه في مهمامهم المختلفة في تحيره وتوزع قلبه والموحد بمن خلص لواحد ليس لغيره عليه سبيل والقمي مثل ضربه الله عز وجل لأمير المؤمنين عليه السلام ولشركائه الذين ظلموه وغصبوه قوله متشاكسون أي متباغضون وقوله ورجلا سلما لرجل أمير المؤمنين سلم لرسول الله صلوات الله عليهما وفي المعاني عن أمير المؤمنين عليه السلام قال ألا وإني مخصوص في القرآن بأسماء إحذروا أن تغلبوا عليها فتضلوا في دينكم أنا السلم لرسول الله صلى الله عليه وآله يقول الله عز وجل ورجلا سلما لرجل في المجمع عنه عليه السلام أنا ذلك الرجل السلم لرسول الله صلى الله عليه وآله والعياشي عن الباقر عليه السلام الرجل السلم لرجل حقا علي وشيعته وفي الكافي عنه عليه السلام أما الذي فيه شركاء متشاكسون فلان الأول يجمع المتفرقون ولايته وهم في ذلك يلعن بعضهم بعضا ويبرء بعضهم من بعض وأما رجل سلم لرجل فلان الأول حقا وشيعته أقول: أراد عليه السلام بفلان الأول في أول ما قال أبا بكر فإنه كان أول الخلفاء باطلا وفيما قاله ثانيا أمير المؤمنين عليه السلام فإنه كان أول الخلفاء حقا وإنما قيد الثاني بقوله حقا ولم يقيد الأول بقوله باطلا لأحتياج الثاني إلى تلك القرينة في فهم المراد منه بخلاف الأول كما لا يخفى فالوجه في تخالف أصحاب أبي بكر أن أبا بكر لم يكن سلما لله ولرسوله لا في أمر الأمارة ولا فيما يتبني عليها من الأحكام

[ 322 ]

وكان أصحابه أصحاب أهواء وآراء وهي مما يجري فيه الاختلاف بخلاف أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته فإنهم كانوا سلما لله ولرسوله وكانوا أصحاب نص من الله ورسوله ولا إختلاف فيه ولذلك أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام اعتقدوه مفترض الطاعة بخلاف أصحاب أبي بكر هل يستويان مثلا الحمد لله لا يشاركه فيه سواه لأنه المنعم بالذات بل أكثرهم لا يعلمون فيشركون به غيره لفرط جهلهم (30) إنك ميت وإنهم ميتون فإن الكل بصدد الموت (31) ثم إنكم يوم القيمة عند ربكم تختصمون القمي يعني أمير المؤمنين عليه السلام ومن غصبه حقه (32) فمن أظلم ممن كذب على الله وكذب بالصدق إذ جائه قال يعني بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله من الحق وولاية أمير المؤمنين عليه السلام أليس في جهنم مثوى مقام للكافرين (33) والذى جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون في المجمع عنهم عليهم السلام والقمي جاء بالصدق محمد وصدق به أمير المؤمنين عليه السلام (34) لهم ما يشآؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (35) ليكفر الله عنهم أسوء الذى عملوا فضلا عن غيره ويجزيهم أجرهم بأحسن الذى كانوا يعملون فيعدلهم محاسن أعمالهم بأحسنها في زيادة الأجر وعظمه لفرط إخلاصهم فيها (36) أليس الله بكاف عبده وقرئ عباده ويخوفونك بالذين من دونه قيل قالت قريش إنا نخاف أن تخبلك آلهتنا لعيبك إياها والقمي يعني يقولون لك يا محمد اعفنا من علي عليه السلام ويخوفونك بأنهم يلحقون بالكفار ومن يضلل الله فما له من هاد

[ 323 ]

(37) ومن يهد الله فما له من مضل إذ لا راد لفعله أليس الله بعزيز غالب منيع ذى انتقام ينتقم من أعدائه (38) ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله لوضوح البرهان على تفرده بالخالقية قل أفرايتم ما تدعون من دون الله إن أرادنى الله بضر هل هن كاشفات ضره أي أرأيتم بعدما تحققتم أن خالق العالم هو الله أن آلهتكم إن أراد الله أن يصيبني ضرا هل يكشفنه أو أرادنى برحمة بنفع هل هن ممسكات رحمته فيمسكنها عني وقرئ بتنوين التاءين ونصب المفعولين قل حسبى الله كافيا في إصابة الخير ورفع الضرر وروي أن النبي صلى الله عليه وآله سألهم فسكتوا فنزلت وفي إيراد الضمائر مؤنثات على ما يصفونها به تنبيه على كمال ضعفها عليه يتوكل المتوكلون لعلمهم بأن الكل منه (39) قل يا قوم اعملوا على مكانتكم على حالكم وقرئ مكاناتكم إنى عامل أي على مكانتي فسوف تعلمون (40) من يأتيه عذاب يخزيه من المغلوب في الدارين فإن خزي أعدائه دليل غلبته وقد أخزاهم الله يوم بدر ويحل عليه عذاب مقيم دائم وهو عذاب النار (41) إنآ أنزلنا عليك الكتاب للناس لمصالحهم في معاشهم ومعادهم بالحق متلبسا به فمن اهتدى فلنفسه نفع به نفسه ومن ضل فإنما يضل عليها فإن وباله لا يتخطاها وما أنت عليهم بوكيل لتجبرهم على الهدى وإنما عليك البلاغ (42) الله يتوفى الانفس حين موتها والتى لم تمت في منامها أي يقبضها عن الأبدان بأن يقطع تعلقها عنها وتصرفها فيها ظاهرا وباطنا وذلك عند الموت أو ظاهرا لا باطنا وهي في النوم فيمسك التى قضى عليها الموت لا يردها إلى البدن ويرسل الاخرى أي النائمة إلى بدنها عند اليقظة إلى أجل مسمى هو الوقت المضروب لموته العياشي عن الباقر عليه السلام قال ما من أحد ينام إلا عرجت نفسه إلى السماء

[ 324 ]

وبقيت روحه في بدنه وصار بينهما سبب كشعاع الشمس فان أذن الله في قبض الأرواح أجابت الروح النفس وإن أذن الله في رد الروح أجابت النفس الروح وهو قوله سبحانه الله يتوفى الانفس حين موتها الاية فما رأت في ملكوت السموات فهو مما له تأويل وما رأت فيما بين السماء والأرض فهو مما يخيله الشيطان ولا تأويل له وقد مضى الوجه في التوفيق بين نسبة التوفي تارة إلى الله واخرى إلى ملك الموت واخرى إلى ملائكة اخر في سورة النساء إن في ذلك لايات على كمال قدرته وحكمته وشمول رحمته لقوم يتفكرون (43) أم اتخذوا بل اتخذ قريش من دون الله شفعاء تشفع لهم عند الله قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون أيشفعون ولو كانوا على هذه الصفة كما تشاهدونهم (44) قل لله الشفاعة جميعا لا يشفع أحد إلا بإذنه له ملك السموات والارض لا يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه ثم إليه ترجعون في القيامة (45) وإذا ذكر الله وحده دون آلهتهم اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة إنقبضت ونفرت وإذا ذكر الذين من دونه قيل يعني الأوثان إذا هم يستبشرون لفرط افتتانهم بها ونسيانهم حق الله سبحانه القمي نزلت في فلان وفلان وفي الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عنها فقال إذا ذكر الله وحده بطاعة من أمر الله بطاعته من آل محمد صلوات الله عليهم اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالاخرة وإذا ذكر الذين لم يأمر الله بطاعتهم إذا هم يستبشرون (46) قل اللهم فاطر السموات والارض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فأنت وحدك تقدر أن تحكم بيني وبينهم فإني تحيرت في كفرهم وعجزت في عنادهم وشدة شكيمتهم (47) ولو أن للذين ظلموا ما في الارض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء

[ 325 ]

العذاب يوم القيمة وعيد شديد وإقناط كلي لهم من الخلاص وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون زيادة مبالغة فيه وهو نظير قوله فلا تعلم نفس مآ أخفى لهم في الوعد (48) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن وأحاط بهم جزاؤه (49) فإذا مس الانسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا أعطيناه إياها تفضلا قال إنما أوتيته على علم على علم مني بوجوه كسبه أو بأني سأعطاه لمالي من استحقاقه كذا قيل بل هي فتنة إمتحان له أيشكر أم يكفر ولكن أكثرهم لا يعلمون ذلك (50) قد قالها الذين من قبلهم يعني هذه الكلمة كقارون وقومه فإنه قاله ورضي به قومه فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون من متاع الدنيا (51) فأصابهم سيئات ما كسبوا والذين ظلموا من هؤلاء المشركين بالعتو سيصيبهم سيئات ما كسبوا كما أصاب اولئك وقد أصابهم بالقحط والقتل وما هم بمعجزين فائتين (52) أولم يعلموا أن الله يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر إن في ذلك لايات لقوم يؤمنون (53) قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم أفرطوا في الجناية عليها بالأسراف في المعاصي لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم والقمي قال نزلت في شيعة على بن أبي طالب عليه السلام خاصة وفي الكافي عن الصادق عليه السلام لقد ذكركم الله في كتابه إذ يقول يا عبادي الاية قال والله ما أراد بهذا غيركم وفي المعاني والقمي عن الباقر عليه السلام قال وفي شيعة ولد فاطمة عليها السلام أنزل الله عز وجل هذه الاية خاصة وفي المحاسن عن الصادق عليه السلام ما على ملة إبراهيم غيركم وما يقبل إلا

[ 326 ]

منكم ولا يغفر الذنوب إلا لكم وعن أمير المؤمنين عليه السلام إنه قال ما في القرآن آية أوسع من يا عبادي الذين أسرفوا الاية وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله إنه قال ما أحب أن لي الدنيا وما فيها بهذه الاية (54) وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تنصرون (55) واتبعوا أحسن مآ أنزل إليكم من ربكم من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون بمجيئه فتداركون به (56) أن تقول نفس كراهة أن تقول يا حسرتى على ما فرطت بما قصرت في جنب الله في حقه وطاعته وقربه في المحاسن عن الباقر عليه السلام إن أشد الناس حسرة يوم القيامة الذين وصفوا العدل ثم خالفوه وهو قوله عز وجل أن تقول نفس الاية وفي الكافي عن الكاظم عليه السلام في هذه الاية قال جنب الله أمير المؤمنين عليه السلام وكذلك من كان بعده من الأوصياء بالمكان الرفيع إلى أن ينتهى الأمر إلى آخرهم وفي الأكمال والعياشي عن الباقر عليه السلام نحن جنب الله وفي المناقب عنه وعن أبيه وابنه عليهم السلام هذه الاية جنب الله علي عليه السلام وهو حجة الله على الخلق يوم القيامة وعن الرضا عليه السلام قال في ولاية علي عليه السلام وعن أمير المؤمنين عليه السلام أنا جنب الله وفي الأحتجاج عنه عليه السلام في حديث وقد زاد جل ذكره في التبيان وإثبات الحجة بقوله في أصفيائه وأوليائه أن

[ 327 ]

تقول نفس يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله تعريفا للخليقة قربهم ألا ترى إنك تقول فلان إلى جنب فلان إذا أردت أن تصف قربه منه إنما جعل الله تبارك وتعالى في كتابه هذه الرموز التي لا يعلمها غيره وغير أنبيائه وحججه في أرضه لعلمه بما يحدثه في كتابه المبدلون من إسقاط أسماء حججه منه وتلبيسهم ذلك على الامة ليعينوهم على باطلهم فأثبت فيه الرموز وأعمى قلوبهم وأبصارهم لما عليهم في تركها وترك غيرها من الخطاب الدال على ما أحدثوه فيه وإن كنت لمن الساخرين المستهزئين بأهله يعني فرطت وأنا ساخر (57) أو تقول لو أن الله هداني بالأرشاد إلى الحق لكنت من المتقين الشرك والمعاصي (58) أو تقول حين ترى العذاب لو أن لى كرة فأكون من المحسنين في العقيدة والعمل ولو للدلالة على أنه لا يخلو من هذه الأقوال تحيرا أو تعللا بما لا طائل تحته (59) بلى قد جآئتك آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت من الكافرين رد من الله عليه لما تضمنه قوله لو أن الله هداني من معنى النفي القمي يعني بالايات الأئمة عليهم السلام (60) ويوم القيمة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة. القمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال من إدعى أنه إمام وليس بإمام قيل وإن كان علويا فاطميا قال وإن كان علويا فاطميا وفي الكافي والعياشي مثله أليس في جهنم مثوى مقام للمتكبرين عن الأيمان والطاعة القمي عنه عليه السلام قال أن في جهنم لواديا للمتكبرين يقال له سقر شكا إلى الله شدة حره وسأله أن يتنفس فأذن له فتنفس فأحرق جهنم (61) وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم بفلاحهم وقرئ بالجمع لا يمسهم

[ 328 ]

السوء ولا هم يحزنون (62) الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل يتولى التصرف فيه (63) له مقاليد السموات والارض مفاتيحها لا يملك أمرها ولا يتمكن من التصرف فيها غيره وهو كناية عن قدرته وحفظه لها والذين كفروا بايات الله أولئك هم الخاسرون (64) قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون في الجوامع روى أنهم قالوا استلم بعض آلهتنا نؤمن بإلهك فنزلت (65) ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك من الرسل لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (66) بل الله فاعبد رد لما أمروه به وكن من الشاكرين أنعامه عليك القمي هذه مخاطبة للنبي صلى الله عليه وآله والمعنى لامته وهو ما قال الصادق عليه السلام إن الله عز وجل بعث نبيه صلى الله عليه وآله بإياك أعني واسمعي يا جارة والدليل على ذلك قوله تعالى بل الله فاعبد وكن من الشاكرين وقد علم أن نبيه صلى الله عليه وآله يعبده ويشكره ولكن استعبد نبيه بالدعاء إليه تأديبا لامته وعن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال تفسيرها لئن أمرت بولاية أحد مع ولاية علي عليه السلام من بعدك ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين وفي الكافي عن الصادق عليه السلام يعني إن أشرك في الولاية غيره قال بل الله فاعبد وكن من الشاكرين يعني بل الله فاعبد بالطاعة وكن من الشاكرين أن عضدتك بأخيك وابن عمك (67) وما (1) قدروا الله حق قدره ما قدروا عظمته في أنفسهم حق تعظيمه حيث وصفوه بما لا يليق به


(1) أي ما عظم الله حق عظمته إذ عبدوا غيره وأمروا نبيه (ص) بعبادة غيره. (*)

[ 329 ]

في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته وكان عز وجل الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن يكون قدروه حق قدره فقال تنزيها بنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعها عن قياس المقدرين له بالحدود من كفرة العباد وما قدروا الله حق قدره الاية فما دلك القرآن عليه من صفته فاتبعه ليتوسل بينك وبين معرفته وأتم به واستضئ بنور هدايته فإنها نعمة وحكمة اوتيتها فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين وما دلك الشيطان عليه مما ليس في القرآن عليك فرضه ولا في سنة الرسول وأئمة الهدى عليهم السلام أثره فكل علمه إلى الله عز وجل فإن ذلك منتهى حق الله عليك وعن الباقر عليه السلام إن الله لا يوصف وكيف يوصف وقد قال في كتابه وما قدروا الله حق قدره فلا يوصف بقدر إلا كان أعظم من ذلك والقمي قال نزلت في الخوارج والارض جميعا قبضته يوم القيمة والسموات مطويات بيمينه تنبيه على عظمته وحقارة المخلوقات العظام التي تتحير فيها الأوهام بالأضافة إلى قدرته ودلالته على أن تخريب العالم أهون شئ عليه كذا قيل والقبضة المرة من القبض اطلقت بمعنى القبضة وهي المقدار المقبوض بالكف في التوحيد عن الصادق عليه السلام قبضته يعني ملكه لا يملكها معه أحد قال اليمين واليد القدرة والقوة مطويات بيمينه يعني بقوته وقدرته سبحانه وتعالى عما يشركون (68) ونفخ في الصور يعني المرة الاولى فصعق من في السموات ومن في الارض خروا ميتين إلا من شآء الله في المجمع روي مرفوعا هم جبرئيل وميكائيل واسرافيل وملك الموت وفي رواية أن النبي صلى الله عليه وآله سأل جبرئيل عن هذه الاية من ذا الذي لم يشأ الله أن يصعقهم قال هم الشهداء متقلدون أسيافهم حول العرش ثم نفخ فيه أخرى نفخة اخرى فإذا هم قيام ينظرون قائمون من قبورهم يقلبون أبصارهم في الجواب

[ 330 ]

القمي عن السجاد عليه السلام أنه سئل عن النفختين كم بينهما قال ما شاء الله قيل فأخبرني يا ابن رسول الله كيف ينفخ فيه فقال أما النفخة الأولى فإن الله عز وجل يأمر إسرافيل فيهبط إلى الدنيا ومعه الصور وللصور رأس واحد وطرفان وبين رأس كل طرف منهما إلى الاخر مثل ما بين السماء والأرض فإذا رأت الملائكة اسرافيل قد هبط إلى الدنيا ومعه الصور قالوا قد أذن الله في موت أهل الأرض وفي موت أهل السماء قال فيهبط إسرافيل بحظيرة بيت المقدس وهو مستقبل الكعبة فإذا رآه أهل الأرض قالوا قد أذن الله تعالى في موت أهل الأرض فينفخ فيه نفخة فيخرج الصوت من الطرف الذي يلي الأرض فلا يبقى في الأرض ذو روح إلا صعق ومات ويخرج الصوت من الطرف الذي يلي السماوات فلا يبقى في السماوات ذو روح إلا صعق ومات إلا اسرافيل قال فيقول الله لأسرافيل يا إسرافيل مت فيموت إسرافيل فيمكثون في ذلك ما شاء الله ثم يأمر السماوات فتمور ويأمر الجبال فتسير وهو قوله تعالى يوم تمور السماء مورا وتسير الجبال سيرا يعني تبسط وتبدل الأرض غير الأرض يعني بأرض لم تكسب عليها الذنوب بارزة ليس عليها جبال ولا نبات كما دحاها أول مرة ويعيد عرشه على الماء كما كان أول مرة مستقلا بعظمته وقدرته قال فعند ذلك ينادي الجبار تبارك وتعالى بصوت من قبله جهوري يسمع أقطار السماوات والأرضين لمن الملك اليوم فلا يجيبه مجيب فعند ذلك يقول الجبار عز وجل مجيبا لنفسه لله الواحد القهار وأنا قهرت الخلائق كلهم وأمتهم إني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي ولا وزير وأنا خلقت خلقي بيدي وأنا أمتهم بمشيئتي وأنا أحييهم بقدرتي قال فينفخ الجبار نفخة اخرى في الصور فيخرج الصوت من إحدى الطرفين الذي يلي السماوات فلا يبقى في السماوات أحد إلا حي وقام كما كان ويعود حملة العرش ويحضر الجنة والنار ويحشر الخلائق للحساب قال الراوي فرأيت علي بن الحسين عليهما السلام يبكي عند ذلك بكاء شديدا وعن الصادق عليه السلام إذا أراد الله أن يبعث الخلق أمطر السماء على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم وقال أتى جبرئيل رسول الله صلى الله عليه وآله فأخذ بيده وأخرجه إلى البقيع فانتهى به إلى قبر فصوت بصاحبه

[ 331 ]

فقال قم بإذن الله فخرج منه رجل أبيض الرأس واللحية يمسح التراب عن رأسه وهو يقول الحمد لله والله أكبر فقال جبرئيل عد بإذن الله تعالى ثم انتهى به إلى قبر آخر فقال قم بإذن الله فخرج منه رجل مسود الوجه وهو يقول يا حسرتاه يا ثبوراه ثم قال له جبرئيل عد إلى ما كنت فيه بإذن الله عز وجل فقال يا محمد هكذا يحشرون يوم القيامة فالمؤمنون يقولون هذا القول وهؤلاء يقولون ما ترى (69) وأشرقت الارض بنور ربها قيل بما أقام فيها من العدل سماه نورا لأنه يزين به البقاع ويظهر الحقوق كما سمي الظلم ظلمة ففي الحديث الظلم ظلمات يوم القيامة والقمي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال رب الأرض إمام الأرض قيل فإذا خرج يكون ماذا قال إذا يستغني الناس عن ضوء الشمس ونور القمر ويجتزؤون بنور الأمام عليه السلام وفي إرشاد المفيد عنه عليه السلام قال إذا قام قائمنا أشرقت الأرض بنور ربها واستغنى العباد عن ضوء الشمس ونور القمر وذهبت الظلمة ووضع الكتاب للحساب وجئ بالنبيين والشهداء القمي الشهداء الأئمة عليهم السلام والدليل على ذلك قوله تعالى في سورة الحج ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا أنتم يا معشر الأئمة شهداء على الناس وقضى بينهم بين العباد بالحق وهم لا يظلمون (70) ووفيت كل نفس ما عملت جزاؤه وهو أعلم بما يفعلون فلا يفوته شئ من أفعالهم (71) وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا أفواجا متفرقة بعضها في أثر بعض على تفاوت أقدامهم في الضلالة والشرارة حتى إذا جآؤها فتحت أبوابها ليدخلوها وقرئ بتخفيف التاء وقال لهم خزنتها تقريعا وتوبيخا ألم يأتكم رسل منكم من جنسكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين كلمة الله بالعذاب علينا وهو الحكم عليهم بالشقاوة وأنهم من أهل النار

[ 332 ]

(72) قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين قد مضى اخبار بيان أبواب جهنم في سورة الحجر (73) وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة إسراعا بهم إلى دار الكرامة ويساقون راكبين كما مر في سورة مريم (ع) زمرا على تفاوت مراتبهم في الشرف وعلو الطبقة حتى إذا جآؤها وفتحت أبوابها قيل حذف جواب إذا للدلالة على أن لهم حينئذ من الكرامة والتعظيم ما لا يحيط به الوصف وأن أبواب الجنة تفتح لهم قبل مجيئهم منتظرين وقال لهم خزنتها سلام عليكم لا يعتريكم بعد مكروه طبتم طهرتم من دنس المعاصي القمي أي طاب مواليدكم لأنه لا يدخل الجنة إلا طيب المولد فادخلوها خالدين في الخصال عن الصادق عن أبيه عن جده عن علي عليهم السلام قال إن للجنة ثمانية أبواب باب يدخل منه النبيون والصديقون وباب يدخل منه الشهداء والصالحون وخمسة أبواب يدخل منها شيعتنا ومحبونا فلا أزال واقفا على الصراط أدعو وأقول رب سلم شيعتي ومحببي وأنصاري وأوليائي ومن تولاني في دار الدنيا فإذا النداء من بطنان العرش قد اجيبت دعوتك وشفعت في شيعتك ويشفع كل رجل من شيعتي ومن تولاني ونصرني وحارب من حاربني بفعل أو قول في سبعين ألفا من جيرانه وأقربائه وباب يدخل منه سائر المسلمين ممن يشهد أن لا إله إلا الله ولم يكن في قلبه مثقال ذرة من بغضنا أهل البيت وعن الباقر عليه السلام أحسنوا الظن بالله واعلموا أن للجنة ثمانية أبواب عرض كل باب منها مسيرة أربعماة سنة (74) وقالوا الحمد لله الذى صدقنا وعده بالبعث والثواب وأورثنا الارض القمي عن الباقر عليه السلام يعني أرض الجنة نتبوء من الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين الجنة

[ 333 ]

(75) وترى الملائكة حافين محدقين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم ذاكرين له بوصفي جلاله وإكرامه تلذذا به وفيه إشعار بأن منتهى درجات العليين وأعلى لذايذهم هو الأستغراق في صفات الحق وقضى بينهم بالحق بين الخلق وقيل الحمد لله رب العالمين أي على ما قضى بيننا بالحق والقائلون هم المؤمنون في ثواب الأعمال عن الصادق عليه السلام من قرأ سورة الزمر إستخفاها من لسانه أعطاه الله من شرف الدنيا والاخره وأعزه بلا مال ولا عشيرة حتى يهابه من يراه وحرم جسده على النار وبنى له في الجنة ألف مدينة في كل مدينة ألف قصر في كل قصر ماة حوراء وله مع هذا عينان تجريان وعينان نضاختان وجنتان مدهامتان وحور مقصورات في الخيام وذواتآ أفنان ومن كل فاكهة زوجان وفي المجمع مثله بدون قوله إستخفاها من لسانه وقوله ذواتا أفنان إلى آخره

[ 334 ]

سورة المؤمن مكية وقال ابن عباس وقتادة إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة إن الذين يجادلون إلى قوله لا يعلمون عدد آيها خمس وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) حم قد سبق تأويله وفي المعاني عن الصادق عليه السلام واما حم فمعناه الحميد المجيد (2) تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم (3) غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذى الطول ذي الفضل بترك العقاب المستحق لا إله إلا هو فيجب الأقبال الكلي على عبادته إليه المصير فيجازي المطيع والعاصي (4) ما يجادل في آيات الله بالطعن فيها وإدحاض الحق إلا الذين كفروا في الأكمال عن النبي صلى الله عليه وآله قال لعن المجادلون في دين الله على لسان سبعين نبيا ومن جادل في آيات الله فقد كفر ثم تلا هذه الاية وروي عنه صلى الله عليه وآله إن جدالا في القرآن كفر وإنما نكر لجواز الجدال لحل عقده واستنباط حقائقه وقطع تشبث أهل الزيغ به ورد مطاعنهم فيه فلا يغررك تقلبهم في البلاد بالتجارات المربحة فإنهم مأخوذون عن قريب بكفرهم أخذ من قبلهم (5) كذبت قبلهم قوم نوح والاحزاب من بعدهم والذين تحزبوا على الرسل وناصبوهم بعد قوم نوح كعاد وثمود وهمت كل أمة من هؤلاء برسولهم ليأخذوه

[ 335 ]

ليتمكنوا من إصابته بما أرادوا من تعذيبه وجادلوا بالباطل بما لا حقيقة له ليدحضوا به الحق ليزيلوه به فأخذتهم بالأهلاك جزاء لهم فكيف كان عقاب فإنكم تمرون على ديارهم وترون أثره أو تتلون قصصهم في القرآن وهو تقرير فيه تعجيب (6) وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار القمي عن الباقر عليه السلام يعني بني امية (7) الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم يذكرون الله بمجامع الثناء من صفات الجلال والأكرام ويؤمنون به أخبر عنهم بالأيمان إظهارا لفضله وتعظيما لأهله ويستغفرون للذين آمنوا في العيون عن الرضا عليه السلام للذين آمنوا بولايتنا في الكافي عن الصادق عليه السلام إن لله ملائكة يسقطون الذنوب عن ظهور شيعتنا كما يسقط الريح الورق في أوان سقوطه وذلك قوله تعالى الذين يحملون العرش الاية قال استغفارهم والله لكم دون هذا الخلق ربنا يقولون ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (8) ربنا وأدخلهم جنات عدن التى وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم ليتم سرورهم إنك أنت العزيز الذي لا يمتنع عليه مقدور الحكيم الذي لا يفعل إلا ما تقتضيه حكمته ومن ذلك الوفاء بالوعد (9) وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم القمي الذين يحملون العرش يعني رسول الله صلى الله عليه وآله والأوصياء عليهم السلام من بعده يحملون علم الله ومن حوله يعني الملائكة الذين آمنوا يعني شيعة آل محمد صلوات الله عليهم للذين تابوا من ولاية فلان وفلان وبني امية واتبعوا سبيلك أي ولاية ولي الله ومن صلح يعني من تولى عليا عليه السلام وذلك صلاحهم فقد رحمته يعني يوم القيامة وذلك هو الفوز العظيم لمن نجاه الله من هؤلاء يعني ولاية فلان وفلان

[ 336 ]

وفي عباده الكافي مرفوعا إن الله عز وجل أعطى التائبين ثلاث خصال لو اعطي خصلة منها جميع أهل السماوات والأرض لنجوا بها ثم تلا هذه الاية (10) إن الذين كفروا ينادون يوم القيامة فيقال لهم لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم أي لمقت الله إياكم أكبر من مقتكم أنفسكم الأمارة بالسوء إذ تدعون إلى الايمان فتكفرون القمي إن الذين كفروا يعني بني امية إلى الايمان يعني إلى ولاية علي عليه السلام (11) قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين القمي عن الصادق عليه السلام ذلك في الرجعة أقول: لعل المراد أن التثنية إنما تتحقق بالرجعة أو يقولون ذلك في الرجعة بسبب الأحياء والأماتة اللتين في القبر للسؤال فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل فهل إلى نوع خروج من العذاب من طريق فنسلكه وذلك إنما يقولونه من فرط قنوطهم تعللا وتحيرا ولذلك اجيبوا بما اجيبوا (12) ذلكم الذي أنتم فيه بأنه بسبب أنه إذا دعى الله وحده كفرتم بالتوحيد وإن يشرك به تؤمنوا بالأشراك القمي عن الصادق عليه السلام يقول إذا ذكر الله وحده بولاية من أمر الله بولايته كفرتم وإن يشرك به من ليست له ولاية تؤمنوا بأن له ولاية وفي الكافي عنه عليه السلام إذا دعي الله وحده وأهل الولاية كفرتم فالحكم لله العلى الكبير من أن يشكر به ويسوى بغيره حيث حكم عليكم بالعذاب السرمد (13) هو الذى يريكم آياته الدالة على التوحيد وسائر ما يجب أن يعلم وينزل لكم من السماء رزقا أسباب رزق وما يتذكر إلا من ينيب يرجع عن الأنكار بالأقبال عليها والتفكر فيها (14) فادعوا الله مخلصين له الدين من الشرك ولو كره الكافرون إخلاصكم وشق عليهم

[ 337 ]

(15) رفيع الدرجات ذو العرش يلقى الروح من أمره على من يشآء من القمي قال روح القدس وهو خاص برسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام لينذر يوم التلاق يوم القيامة في المعاني عن الصادق عليه السلام والقمي قال يوم يلتقي أهل السماء وأهل الأرض (16) يوم هم بارزون خارجون من قبورهم لا يسترهم شئ لا يخفى على الله منهم شئ من أعيانهم وأعمالهم وأحوالهم لمن الملك اليوم لله الواحد القهار حكاية لما يسئل عنه ولما يجاب به بما دل عليه ظاهر الحال فيه من زوال الأسباب وارتفاع الوسايط وأما حقيقة الحال فناطقة بذلك دائما (17) اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب إذ لا يشغله شأن عن شأن في التوحيد عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث تفسير الحروف قال والميم ملك الله يوم لا مالك غيره ويقول الله لمن الملك اليوم ثم تنطق أرواح أنبيائه ورسله وحججه فيقولون لله الواحد القهار فيقول الله جل جلاله اليوم تجزى الاية وفي نهج البلاغة وأنه سبحانه يعود بعد فناء الدنيا وحده لا شئ معه كما كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان عدمت عند ذلك الاجال والأوقات وزالت السنون والساعات فلا شئ إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور بلا قدرة منها كان ابتداء خلقها وبغير امتناع منها كان فناؤها ولو قدرت على الأمتناع لدام بقاؤها وقد مضى حديث آخر في هذا المعنى في أواخر سورة الزمر والقمي عن الصادق عليه السلام في حديث إماتة الله أهل الأرض وأهل السماء والملائكة قال ثم لبث مثل ما خلق الله الخلق ومثل ذلك كله وأضعاف ذلك ثم يقول

[ 338 ]

الله عز وجل لمن الملك اليوم فيرد على نفسه لله الواحد القهار أين الجبارون أين الذين ادعوا معي إلها آخر أين المتكبرون ونخوتهم ثم يبعث الخلق (18) وأنذرهم يوم الازفة أي القيامة سميت بها لأزوفها أي قربها إذ القلوب لدى الحناجر فإنها ترتفع عن أماكنها فتلتصق بحلوقهم فلا تعود فيتروحوا ولا تخرج فيستريحوا كاظمين على الغم القمي قال مغمومين مكروبين ما للظالمين من حميم قريب مشفق ولا شفيع يطاع يشفع في التوحيد عن الباقر عليه السلام ما من مؤمن يرتكب ذنبا إلا ساءه ذلك وندم عليه وقد قال النبي صلى الله عليه وآله كفى بالندم توبة وقال من سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن فإن من لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن ولم تجب له الشفاعة وكان ظالما والله تعالى يقول ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (19) يعلم خائنة الاعين إستراق النظر في المعاني عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن معناها فقال ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشئ وكأنه لا ينظر إليه فذلك خائنة الأعين وفي المجمع في حديث ابن أبي سرح فقال له عباد بن بشير يا رسول الله إن عيني ما زالت في عينك انتظار أن تؤمى إلي فأقتله فقال إن الأنبياء لا يكون لهم خائنة الأعين وما تخفى الصدور من الضمائر (20) والله يقضى بالحق والذين يدعون من دونه وقرئ بالتاء لا يقضون بشئ تهكم بهم إن الله هو السميع البصير تقرير لعلمه بخائنة الأعين وقضائه بالحق ووعيد لهم على ما يقولون ويفعلون وتعريض بحال ما يدعون من دونه (21) أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين كانوا من قبلهم ما لحال الذين كذبوا الرسل قبلهم كعاد وثمود كانوا هم أشد منهم قوة قدرة وتمكنا وقرئ منكم وآثارا في الارض مثل القلاع والمدائن الحصينة فأخذهم بذنوبهم وما كان لهم

[ 339 ]

من الله من واق يمنع العذاب عنهم (22) ذلك الأخذ بأنهم كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فكفروا فأخذهم الله إنه قوى متمكن مما يريده غاية التمكن شديد العقاب لا يؤبه بعقاب دون عقابه (23) ولقد أرسلنا موسى باياتنا بالمعجزات وسلطان مبين وحجة قاهرة ظاهرة (24) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب يعنون موسى عليه السلام (25) فلما جائهم بالحق من عندنا قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه واستحيوا نساءهم أي أعيدوا عليهم ما كنتم تفعلون بهم أو لا كي يصدوا عن مظاهرة موسى وما كيد الكافرين إلا في ضلال في ضياع (26) وقال فرعون ذروني أقتل موسى وليدع ربه قاله تجلدا وعدم مبالاة بدعائه قيل كانوا يكفونه عن قتله ويقولون إنه ليس الذي تخافه بل هو ساحر ولو قتلته ظن أنك عجزت عن معارضته بالحجة وتعلله بذلك مع كونه سفاكا في أهون شئ دليل على أنه تيقن أنه نبي فخاف من قتله أو ظن أنه لو حاوله لم يتيسر له في العلل عن الصادق عليه السلام انه سئل عن هذه الاية ما كان يمنعه قال منعته رشدته ولا يقتل الأنبياء ولا أولاد الأنبياء إلا أولاد الزنا إنى أخاف إن لم أقتله أن يبدل دينكم أن يغير ما أنتم عليه من عبادته وعبادة الأصنام كقوله ويذرك وآلهتك أو أن يظهر في الارض الفساد ما يفسد دنياكم من التحارب والتهارج وقرئ بالواو على معنى الجمع وبفتح الياء والهاء ورفع الفساد (27) وقال موسى أي لقومه لما سمع كلامه إنى عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (28) وقال رجل مؤمن من آل فرعون من أقربائه في العيون عن الرضا عليه السلام كان ابن خاله وفي خبر آخر كان ابن عمه كما

[ 340 ]

يأتي يكتم إيمانه القمي قال كتم إيمانه ست ماة سنة وفي المجمع عن الصادق عليه السلام التقية من ديني ودين آبائي ولا دين لمن لا تقية له والتقية ترس الله في الأرض لأن مؤمن آل فرعون لو أظهر الأسلام لقتل وفي المجالس عن النبي صلى الله عليه وآله الصديقون ثلاثة وعد منهم حزقيل مؤمن آل فرعون وقد مر تمامه أتقتلون رجلا اتقصدون قتله أن يقول لأن يقول ربى الله وحده وقد جائكم بالبينات من ربكم أضافه إليهم بعد ذكر البينات إحتجاجا عليهم وإستدراجا لهم إلى الأعتراف به ثم أخذهم بالأحتجاج من باب الأحتياط وإن يك كاذبا فعليه كذبه لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله وإن يك صادقا يصبكم بعض الذى يعدكم فلا أقل من أن يصيبكم بعضه وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للأنصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذبا إن الله لا يهدى من هو مسرف كذاب قيل احتجاج ثالث ذو وجهين أحدهما أنه لو كان مسرفا كذابا لما هداه الله الى البينات ولما عضده بتلك المعجزات وثانيهما أن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم الثاني لتلين شكيمتهم وعرض به فرعون بأنه مسرف كذاب لا يهديه الله سبيل الصواب (29) يا قوم لكم الملك اليوم ظاهرين غالبين عالين في الارض أرض مصر فمن ينصرنا من بأس الله إن جائنا أي فلا تفسدوا أمركم ولا تتعرضوا لبأس الله بقتله فإنه إن جاءنا لم يمنعنا منه أحد وإنما أدرج نفسه فيه ليريهم أنه معهم ومساهمهم فيما ينصح لهم قال فرعون مآ أريكم ما اشير عليكم إلا مآ أرى واستصوبه من قتله وما أهديكم إلا سبيل الرشاد طريق الصواب (30) وقال الذى آمن يا قوم إنى أخاف عليكم في تكذيبه والتعرض له مثل يوم الاحزاب مثل أيام الامم الماضية المتحزبة على الرسل يعني وقايعهم وجمع الأحزاب مع التفسير أغنى عن جميع اليوم (31) مثل دأب قوم نوح وعاد وثمود مثل سنة الله فيهم حين استأصلهم وأهلكهم جزاء بما كانوا عليه من الكفر وإيذاء الرسول والذين من بعدهم كقوم لوط وما

[ 341 ]

الله يريد ظلما للعباد فلا يعاقبهم بغير ذنب ولا يخلي الظالم منهم بغير انتقام (32) ويا قوم إنى أخاف عليكم يوم التناد يوم ينادي فيه بعضهم بعضا في المعاني عن الصادق عليه السلام يوم التناد يوم ينادي فيه بعضهم بعضا في المعاني عن الصادق عليه السلام يوم التناد يوم ينادي اهل النار اهل الجنة أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله (33) يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم يعصمكم من عذابه ومن يضلل الله فما له من هاد (34) ولقد جائكم يوسف من قبل موسى بالبينات بالمعجزات فما زلتم في شك مما جائكم به من الدين في المجمع عن الباقر عليه السلام في حديث أنه سئل كان يوسف رسولا نبيا فقال نعم أما تسمع قول الله تعالى لقد جائكم يوسف من قبل بالبينات وقد مر تمامه في سورة يوسف (ع) حتى إذا هلك مات قلتم لن يبعث الله من بعده رسولا كذلك يضل الله في العصيان من هو مسرف مرتاب شاك فيما يشهد به البينات لغلبة الوهم والأنهماك في التقليد (35) الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان بغير حجة أتيهم بل إما بتقليد أو شبهة داحضة كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار وقرئ قلب بالتنوين (36) وقال فرعون يا هامان ابن لى صرحا بناء مكشوفا عاليا من صرح الشئ إذا ظهر لعلى أبلغ الاسباب الطريق (37) أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وقرئ بالنصب على جواب الترجي وإنى لاظنه كاذبا في دعوى الرسالة وكذلك زين لفرعون سوء عمله وصد عن السبيل سبيل الرشاد وقرئ وصد على أن فرعون صد الناس عن الهدى بأمثال هذه التمويهات والشبهات وما كيد فرعون إلا في تباب أي خسار

[ 342 ]

(38) وقال الذى آمن يا قوم اتبعون أهدكم بالدلالة سبيل الرشاد (39) يا قوم إنما هذه الحيوة الدنيا متاع تمتع يسير لسرعة زوالها وإن الاخرة هي دار القرار لخلودها (40) من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها عدلا من الله سبحانه ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب بغير تقدير وموازنة بالعمل أضعافا مضاعفة فضلا من الله ورحمة (41) ويا قوم مالى أدعوكم إلى النجوة وتدعونني إلى النار (42) تدعونني لاكفر بالله وأشرك به ما ليس لى به بربوبيته علم والمراد نفي المعلوم والأشعار بأن الالوهية لا بد لها من برهان وإعتقادها لا يصح إلا عن إيقان وأنا أدعوكم إلى العزيز الغفار المستجمع لصفات الالوهية من كمال القدرة والغلبة والتمكن من المجازاة والقدرة على التعذيب والغفران (43) لا جرم لا رد لما دعوه إليه وجرم بمعنى حق أن ما تدعونني إليه ليس له دعوة في الدنيا ولا في الاخرة قيل أي حق عدم دعوة آلهتكم إلى عبادتها أو عدم دعوة مستجابة لها وأن مردنآ إلى الله بالموت وأن المسرفين في الضلالة والطغيان هم أصحاب النار (44) فستذكرون عند معاينة العذاب مآ أقول لكم من النصيحة وأفوض أمرى إلى الله ليعصمني من كل سوء إن الله بصير بالعباد فيحرسهم (45) فوقيه الله سيئات ما مكروا شدائد مكرهم القمي يعني مؤمن آل فرعون وحاق بال فرعون سوء العذاب في الكافي والمحاسن عن الصادق عليه السلام في هذه الاية أما لقد سطوا عليه وقتلوه ولكن أتدرون ما وقاه وقاه أن يفتنوه في دينه والقمي عنه عليه السلام والله لقد قطعوه إربا إربا ولكن وقاه الله أن يفتنوه في دينه

[ 343 ]

وفي الأحتجاج عنه عليه السلام في حديث له قال كان حزقيل يدعوهم إلى توحيد الله ونبوة موسى (ع) وتفضيل محمد على جميع رسل الله وخلقه وتفضيل علي ابن أبي طالب والخيار من الأئمة عليهم السلام على ساير أوصياء النبيين وإلى البراءة من ربوبية فرعون فوشى به الواشون إلى فرعون وقالوا إن حزقيل يدعو إلى مخالفتك ويعين اعداءك على مضادتك فقال لهم فرعون ابن عمي وخليفتي على ملكي وولي عهدي إن فعل ما قلتم فقد استحق العذاب على كفره بنعمتي وإن كنتم عليه كاذبين فقد استحققتم أشد العذاب لأيثاركم الدخول في مساءة فجاء بحزقيل وجاء بهم فكاشفوه وقالوا ءأنت تجحد ربوبية فرعون الملك وتكفر بنعماه فقال حزقيل أيها الملك هل جربت علي كذبا قط قال لا قال فسلهم من ربهم قالوا فرعون هذا قال ومن خالقكم قالوا فرعون هذا قال ومن رازقكم الكافل لمعايشكم والدافع عنكم مكارهكم قالوا فرعون هذا قال حزقيل أيها الملك فاشهدك وكل من حضرك أن ربهم هو ربي وخالقهم هو خالقي ورازقهم هو رازقي ومصلح معايشهم هو مصلح معايشي لا رب لي ولا رازق غير ربهم وخالقهم ورازقهم واشهدك ومن حضرك أن كل رب ورازق وخالق سوى ربهم وخالقهم ورازقهم فأنا برئ منه ومن ربوبيته وكافر بإلهيته يقول حزقيل هذا وهو يعني أن ربهم هو الله ربي ولم يقل إن الذي قالوا أنه ربهم هو ربي وخفي هذا المعنى على فرعون ومن حضره وتوهم وتوهموا أنه يقول فرعون ربي وخالقي ورازقي فقال لهم فرعون يا رجال السوء يا طلاب الفساد في ملكي ومريدي الفتنة بيني وبين ابن عمي وهو عضدي أنتم المستحقون لعذابي لأرادتكم فساد أمري وإهلاك ابن عمي والفت في عضدي ثم أمر بالأوتاد فجعل في ساق كل واحد منهم وتد وفي صدره وتد ومر أصحاب أمشاط الحديد فشقوا بها لحومهم من أبدانهم فذلك ما قال الله تعالى فوقيه الله سيئات ما مكروا به لما وشوا به إلى فرعون ليهلكوه وحاق بال فرعون سوء العذاب وهم الذين وشوا بحزقيل إليه لما أوتد فيهم الأوتاد ومشط عن أبدانهم لحومها بالأمشاط (46) النار يعرضون عليها غدوا وعشيا في المجمع عن الصادق عليه السلام ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة لأن في نار

[ 344 ]

القيامة لا يكون غدو وعشي ثم قال إن كانوا إنما يعذبون في النار غدوا وعشيا فيما بين ذلك هم من السعداء لا ولكن في نار البرزخ قبل يوم القيامة ألم تسمع قوله عز وجل ويوم تقوم الساعة الاية والقمي قال عنى ذلك في الدنيا قبل يوم القيامة وذلك أن في القيامة لا يكون غدو ولا عشاء لأن الغدو والعشاء إنما يكون في الشمس والقمر وليس في جنان الخلد ونيرانها شمس ولا قمر قال وسئل الصادق عليه السلام عن هذه الاية فقال ما يقول الناس فيها فقيل يقولون إنها في نار الخلد وهم لا يعذبون فيما بين ذلك فقال فهم من السعداء ثم قال إنما هذا في الدنيا وأما في نار الخلد فهو قوله ويوم تقوم الساعة الاية وفي الكافي عنه عليه السلام أن أرواح الكفار في نار جهنم يعرضون عليها يقولون ربنا لا تقم لنا الساعة ولا تنجز لنا ما وعدتنا ولا تلحق آخرنا بأولنا وعن الباقر عليه السلام إن لله تعالى نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن يقال له برهوت أشد حرا من نار الدنيا كانوا فيه يتلاقون ويتعارفون فإذا كان المساء عادوا إلى النار فهم كذلك إلى يوم القيامة وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي وإن كان من أهل الجنة فمن الجنة وإن كان من أهل النار فمن النار يقال هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب وقرئ ادخلوا بضمتين (47) وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفواء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار بالدفع أو الحمل في مصباح المتهجد في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام خطب بها يوم الغدير وقرأ فيها هذه الاية ثم أفتدرون الأستكبار ما هو هو ترك الطاعة لمن امروا

[ 345 ]

بطاعته والترفع على من ندبوا إلى متابعته والقرآن ينطق من هذا عن كثير (48) قال الذين استكبروا إنا كل فيها نحن وأنتم فكيف نغني عنكم ولو قدرنا لاغنينا عن أنفسنا إن الله قد حكم بين العباد ولا معقب لحكمه (49) وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (50) قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات أرادوا به إلزامهم الحجة وتوبيخهم على إضاعتهم أوقات الدعاء وتعطيلهم أسباب الأجابة قالوا بلى قالوا فادعوا فإنا لا نجتري فيه إذ لم يؤذن لنا في الدعاء لأمثالكم وفيه إقناط لهم عن الأجابة وما دعاء الكافرين إلا في ضلال في ضياع لا يجاب (51) إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحيوة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد القمي يعني الأئمة عليهم السلام وعن الصادق عليه السلام ذلك والله في الرجعة أما علمت أن أنبياء كثيرة لم ينصروا في الدنيا وقتلوا والأئمة عليهم السلام من بعدهم قتلوا ولم ينصروا وذلك في الرجعة (52) يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم لبطلانها وقرئ بالتاء ولهم اللعنة البعد من الرحمة ولهم سوء الدار جهنم (53) ولقد آتينا موسى الهدى ما يهتدى به في الدين من المعجزات والصحف والشرايع وأورثنا بنى إسرائيل الكتاب وتركنا عليهم بعده من ذلك التوراة هدى وذكرى هداية وتذكرة لاولى الالباب لذوي العقول السليمة (55) فاصبر على أذى المشركين إن وعد الله حق بالنصر واستغفر لذنبك لترك الأولى والأهتمام بأمر العدى وسبح بحمد ربك بالعشى والابكار (56) إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتيهم عام في كل مجادل

[ 346 ]

مبطل وإن نزلت في مشركي مكة أو اليهود على ما قيل إن في صدورهم إلا كبر إلا عظمة وتكبر عن الحق ما هم ببالغيه ببالغي مقتضى تلك العظمة لأن الله مذلهم فاستعذ بالله فالتجئ إليه إنه هو السميع البصير لأقوالكم وأفعالكم (57) لخلق السموات والارض أكبر من خلق الناس فمن قدر على خلقها أولا من غير أصل قدر على خلق الناس ثانيا من أصل كذا قيل ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا ينظرون ولا يتأملون لفرط غفلتهم وإتباعهم أهوائهم (58) وما يستوى الاعمى والبصير الجاهل والمستبصر والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسئ والمحسن والمسئ فينبغي أن يكون لهم حال يظهر فيها التفاوت وهي ما بعد البعث قليلا ما تتذكرون وقرئ بالتاء (59) إن الساعة لاتية لا ريب فيها في مجيئها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون لا يصدقون بها لقصور نظرهم على ظاهر ما يحسون به (60) وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي دعائي سيدخلون جهنم داخرين صاغرين وقرئ سيدخلون بضم الياء وفتح الخاء في الكافي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال هو الدعاء وأفضل العبادة الدعاء وعنه عليه السلام أنه سئل أي العبادة أفضل فقال له ما من شئ أفضل عند الله عز وجل من أن يسئل ويطلب ما عنده وما من أحد أبغض إلى الله عز وجل ممن يستكبر عن عبادته ولا يسئل ما عنده وعن الصادق عليه السلام ادع ولا تقل قد فرغ من الأمر فإن الدعاء هو العبادة إن الله يقول وتلا هذه الاية وفي الصحيفة السجادية بعد ذكر هذه الاية فسميت دعاءك عبادة وتركه إستكبارا وتوعدت على تركه دخول جهنم داخرين وفي الأحتجاج عن الصادق عليه السلام أنه سئل أليس يقول الله ادعوني

[ 347 ]

أستجب لكم وقد نرى المضطر يدعوه ولا يجاب له والمظلوم يستنصره على عدوه فلا ينصره قال ويحك ما يدعوه أحد إلا استجاب له أما الظالم فدعاؤه مردود إلى أن يتوب وأما المحق فإذا دعاه استجاب له وصرف عنه البلاء من حيث لا يعلمه أو ادخر له ثوابا جزيلا ليوم حاجته إليه وإن لم يكن الأمر الذي سئل العبد خيرا له إن أعطاه أمسك عنه والمؤمن العارف بالله ربما غر عليه أن يدعوه فيما لا يدري أصواب ذلك أم خطأ وقد مضت أخبار اخر في هذا المعنى في سورة البقرة عند قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان (61) الله الذى جعل لكم الليل لتسكنوا فيه لتستريحوا فيه بأن خلقه باردا مظلما ليؤدي إلى ضعف المحركات أو هدوء الحواس والنهار مبصرا يبصر فيه أو به وإسناد الأبصار إليه مجاز فيه مبالغة إن الله لذو فضل على الناس فضل لا يوازيه فضل ولكن أكثر الناس لا يشكرون لجهلهم بالمنعم وإغفالهم عن مواقع النعم (62) ذلكم الله ربكم خالق كل شئ لا إله إلا هو فأنى تؤفكون تصرفون عن عبادته إلى عبادة غيره (63) كذلك يؤفك الذين كانوا بايات الله يجحدون (64) الله الذى جعل لكم الارض قرارا والسماء بناءا وصوركم فأحسن صوركم بأن خلقكم منتصب القامة بادي البشرة متناسب الأعضاء والتخطيطات متهيا لمزاولة الصنايع واكتساب الكمالات ورزقكم من الطيبات اللذائذ ذلكم الله ربكم فتبارك الله رب العالمين فإن كل ما سواه مربوب مفتقر بالذات معرض للزوال (65) هو الحى المتفرد بالحيوة الذاتية لا إله إلا هو لا أحد يساويه أو يدانيه في ذاته وصفاته فادعوه فاعبدوه مخلصين له الدين من الشرك والرياء الحمد لله رب العالمين قائلين له القمي عن السجاد عليه السلام إذا قال أحدكم لا إله إلا الله فليقل الحمد لله رب العالمين فإن الله يقول هو الحى الاية

[ 348 ]

(66) قل إنى نهيت ان أعبد الذين تدعون من دون الله لما جائني البينات من ربى وأمرت أن أسلم لرب العالمين أن أنقاد واخلص له ديني (67) هو الذى خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا ثم يبقيكم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل من قبل الشيخوخة أو بلوغ الأشد ولتبلغوا ويفعل ذلك لتبلغوا أجلا مسمى وقت الموت ولعلكم تعقلون ما في ذلك من الحجج والعبر (68) هو الذى يحى ويميت فإذا قضى أمرا فإذا أراده فإنما يقول له كن فيكون من غير عدة وتجشم كلفه بلا صوت ولا حرف والفاء الاولى للدلالة على أن ذلك نتيجة ما سبق (69) ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون عن التصديق بها (70) الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا رسلنا فسوف يعلمون جزاء تكذيبهم (71) إذ الاغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون بها (72) في الحميم ثم في النار يسجرون يحرقون (73) ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون (74) من دون الله قالوا ضلوا عنا ضاعوا عنا فلم نجد ما كنا نتوقع منهم بل لم نكن ندعو من قبل شيئا بل تبين لنا إنا لم نكن نعبد شيئا بعبادتهم في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام فأما النصاب من أهل القبلة فإنهم يخد لهم خدا الى النار التي خلقها الله في المشرق فيدخل عليهم منها اللهب والشرر والدخان وفورة الحميم إلى يوم القيامة ثم مصيرهم إلى الحميم ثم في النار يسجرون ثم قيل لهم أينما كنتم تشركون من دون الله أي أين إمامكم الذي اتخذتموه دون الأمام الذى جعل الله للناس إماما

[ 349 ]

وفي البصاير عنه عليه السلام قال كنت خلف أبي وهو على بغلته فنفرت بغلته فإذا هو شيخ في عنقه سلسلة ورجل يتبعه فقال يا علي بن الحسين اسقني فقال الرجل لا تسقه لا سقاه الله وكان الشيخ معاوية وفي هذا المعنى أخبار اخر كذلك يضل الله الكافرين حتى لأيهتدوا إلى شئ ينفعهم في الاخرة القمي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال فقد سماهم الله كافرين مشركين بأن كذبوا بالكتاب وقد أرسل الله رسله بالكتاب وبتأويله فمن كذب بالكتاب أو كذب بما أرسل الله به رسله من تأويل الكتاب فهو مشرك كافر (75) ذلكم بما كنتم تفرحون في الارض تبطرون وتتكبرون بغير الحق وهو الشرك والطغيان وبما كنتم تمرحون تتوسعون في الفرح (76) ادخلوا أبواب جهنم الأبواب السبعة المقسومة لكم خالدين فيها مقدرين الخلود فبئس مثوى المتكبرين عن الحق جهنم (77) فاصبر إن وعد الله باهلاك الكفار وتعذيبهم حق كائن لا محالة فإما نرينك فإن نرك وما مزيدة لتأكيد الشرطية ولذلك لحقت النون الفعل بعض الذى نعدهم وهو القتل والأسر أو نتوفينك قبل أن تراه فإلينا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم (78) ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك في الخصال عنهم عليهم السلام إن عددهم ماة ألف وأربعة وعشرون ألفا وفي المجمع عن علي بعث الله نبيا أسود لم يقص علينا قصته وما كان لرسول أن يأتي باية إلا بإذن الله فإن المعجزات عطايا قسمها بينهم على ما اقتضت حكمته ليس لهم إختيار في إيثار بعضها والأستبداد بإتيان المقترح بها فإذا جاء أمر الله بالعذاب في الدنيا والاخرة قضى بالحق بانجاء المحق وتعذيب المبطل وخسر هنالك المبطلون المعاندون بإقتراح الايات بعد ظهور ما يغنيهم عنها

[ 350 ]

(79) الله الذى جعل لكم الانعام لتركبوا منها ومنها تأكلون فإن منها ما يؤكل كالغنم ومنها ما يؤكل ويركب كالأبل والبقر (80) ولكم فيها منافع كالألبان والجلود والأوبار ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم بالمسافرة عليها وعليها في البر وعلى الفلك في البحر تحملون (81) ويريكم آياته الدالة على كمال قدرته وفرط رحمته فأى آيات الله تنكرون فإنها لظهورها لا تقبل الأنكار (82) أفلم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أكثر منهم وأشد منهم قوة وآثارا في الارض ما بقي منهم من القصور والمصانع وغير ذلك فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون ما الاولى تحتمل النافية والأستفهامية والثانية الموصولة والمصدرية (83) فلما جآئتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم واستحقروا علم الرسل وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (84) فلما رأوا بأسنا شدة عذابنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين يعنون الأصنام (85) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا لأنه غير مقبول حينئذ سنة الله التى قد خلت في عباده سن الله ذلك سنة ماضية في العباد وخسر هنالك الكافرون أي وقت رؤيتهم البأس استعير اسم المكان للزمان في العيون عن الرضا عليه السلام أنه سئل لأي ذعلة غرق الله تعالى فرعون وقد آمن به وأقر بتوحيده قال لأنه آمن عند رؤية البأس والأيمان عند رؤية البأس غير مقبول وذلك حكم الله تعالى ذكره في السلف والخلف قال الله عز وجل فلما رأوا بأسنا الايتين وفي الكافي قدم إلى المتوكل رجل نصراني فجر بإمرأة مسلمة فأراد أن يقيم عليه الحد فأسلم فقيل قد هدم إيمانه شركه وفعله وقيل يضرب ثلاثة حدود وقيل غير

[ 351 ]

ذلك فأرسل المتوكل إلى الهادي عليه السلام وسأله عن ذلك فكتب عليه السلام يضرب حتى يموت فأنكروا ذلك وقالوا هذا شئ لم ينطق به كتاب ولم تجئ به سنة فسلوه ثانيا البيان فكتب هاتين الايتين بعد البسملة فأمر به المتوكل فضرب حتى مات في ثواب الأعمال والمجمع عن الباقر عليه السلام قال من قرأ حم المؤمن في كل ليلة غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وألزمه كلمة التقوى وجعل الاخرة خيرا له من الدنيا وعن الصادق عليه السلام الحواميم رياحين القرآن

[ 352 ]

سورة حم السجدة مكية عدد آيها ثلاث وخمسون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) حم (2) تنزيل من الرحمن الرحيم (3) كتاب فصلت آياته القمي أي بين حلالها وحرامها وأحكامها وسننها قرآنا عربيا لقوم يعلمون (4) بشيرا ونذيرا القمي يبشر المؤمنين وينذر الظالمين فأعرض أكثرهم عن تدبره وقبوله فهم لا يسمعون سماع تأمل وطاعة (5) وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه في أغطية وفى آذاننا وقر صمم وأصله الثقل ومن بيننا وبينك حجاب يمنعنا عن التواصل القمي أي تدعونا إلى ما لا نفهمه ولا نعقله قيل وهذه تمثيلات لنبو قلوبهم عن إدراك ما يدعوهم إليه واعتقادهم ومج أسماعهم له وامتناع مواصلتهم وموافقتهم للرسول صلى الله عليه وآله فاعمل على دينك إننا عاملون على ديننا (6) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى انما إلهكم إله واحد لست ملكا ولا جنيا لا يمكنكم التلقي منه ولا أدعوكم إلى ما ينبو عنه العقول والأسماع وإنما أدعوكم إلى التوحيد والأستقامة في العمل فاستقيموا في أفعالكم متوجهين إليه واستغفروه

[ 353 ]

مما أنتم عليه وويل للمشركين من فرط جهالتهم وإستخفافهم بالله (7) الذين لا يؤتون الزكوة لبخلهم وعدم اشفاقهم على الخلق وهم بالاخرة هم كافرون القمي عن الصادق عليه السلام أترى أن الله عز وجل طلب من المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به حيث يقول وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالأخرة هم كافرون قيل جعلت فداك فسره لي فقال ويل للمشركين الذين أشركوا بالأمام الأول وهم بالأئمة الاخرين هم كافرون إنما دعا الله العباد إلى الأيمان به فإذا آمنوا بالله وبرسوله إفترض عليهم الفرائض أقول: هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا باقين على الكفر وعن ابن عباس أي لا يطهرون أنفسهم من الشرك بالتوحيد ولعله إنما أول الزكاة بالتطهير لما ذكر (8) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون لا يمن به عليهم (9) قل أئنكم لتكفرون بالذى خلق الارض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (10) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وأكثر خيرها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سوآء للسائلين القمي معنى يومين أي وقتين ابتداء الخلق وإنقضائه قال وبارك فيها وقدر فيها أقواتها أي لا تزول وتبقى في أربعة أيام سوآء يعني في أربعة أوقات وهي التي يخرج الله عز وجل فيها أقوات العالم من الناس والبهائم والطير وحشرات الأرض وما في البر والبحر من الخلق من الثمار والنبات والشجر وما يكون فيه معاش الحيوان كله وهو الربيع والصيف والخريف والشتاء ففي الشتاء يرسل الله الرياح والأمطار والأنداء والطلول من السماء فيلقح الأرض والشجرة وهو وقت بارد ثم يجئ بعد الربيع وهو وقت معتدل حار وبارد فيخرج الثمر من الشجر والأرض نباتها فيكون أخضر ضعيفا ثم يجئ وقت الصيف وهو حار فينضج الثمار ويصلب الحبوب

[ 354 ]

التي هي أقوات العالم وجميع الحيوان ثم يجئ بعد وقت الخريف فيطيبه ويبرده ولو كان الوقت كله شيئا واحدا لم يخرج النبات من الأرض لأنه لو كان الوقت كله ربيعا لما ينضج الثمار ولم يبلغ الحبوب ولو كان كله صيفا لاحترق كل شئ في الأرض ولم يكن للحيوان معاش ولا قوت ولو كان الوقت كله خريفا ولم يتقدمه شئ من هذه الأوقات لم يكن شئ يتقوته العالم فجعل الله هذه الأقوات في أربعة أوقات في الشتاء والربيع والصيف والخريف وقام به العالم واستوى وبقى وسمى الله هذه الأوقات أياما للسائلين يعني المحتاجين لأن كل محتاج سائل وفي العالم من خلق الله من لا يسأل ولا يقدر عليه من الحيوان كثير فهم سائلون وإن لم يسألوا أقول: يعني أنهم سائلون بلسان الحال وهو أفصح وأبلغ من لسان المقال وقد سبق تفسير آخر الاية في سورة الأعراف وقرئ سواء بالجر (11) ثم استوى إلى السماء قيل أي قصد نحوها من قولهم استوى إلى مكان كذا توجه توجها لا يلوي إلى غيره وثم لتفاوت ما بين الخلقين لا للتراخي في المدة إذ لا مدة قبل خلق السماء وهى دخان ظلماني فقال لها وللاءرض ائتيا طوعا أو كرها شئتما ذلك أو أبيتما قالتا أتينا طائعين منقادين بالذات تمثيل لتأثير قدرته فيهما وتأثرهما بالذات عنها بأمر المطاع وإجابة المطيع الطائع كقوله كن فيكون أو هو نوع من الكلام باطنا من دون حرف ولا صوت القمي سئل الرضا عليه السلام عمن كلم الله لا من الجن ولا من الأنس فقال السماوات والأرض في قوله ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (12) فقضهن سبع سموات فخلقهن خلقا إبداعيا في يومين القمي يعني في وقتين إبداء وإنقضاء وأوحى في كل سماء أمرها شأنها وما يتأتى منها بأن حملها عليه إختيار أو طبعا وقيل أوحى إلى أهلها بأوامره والقمي هذا وحي تقدير وتدبير وزينا السماء الدنيا بمصابيح بالنجوم وحفظا من الشيطان المسترق وسائر الافات في الأكمال عن النبي صلى الله عليه وآله النجوم أمان لأهل السماء فإذا ذهبت

[ 355 ]

النجوم ذهب أهل السماء وأهل بيتي أمان لأهل الأرض فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض ذلك تقدير العزيز العليم البالغ في القدرة والعلم (13) فإن أعرضوا عن الأيمان بعد هذا البيان القمي وهم قريش وهو معطوف على قوله فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقه عاد وثمود (14) إذ جآئتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم أي من جميع جوانبهم واجتهدوا بهم من كل جهة أو من جهة الدنيا بالأنذار بما جرى على الكفار فيها ومن جهة الاخرة بالتحذير عما اعد لهم فيها والذين أرسلوا إليهم والذين ارسلوا من قبل ألا تعبدوا إلا الله قالوا لو شآء ربنا إرسال الرسل لانزل ملئكة برسالته فإنا بمآ أرسلتم به على زعمكم كافرون إذ أنتم بشر مثلنا لا فضل لكم علينا (15) فأما عاد فاستكبروا في الارض بغير الحق فتعظموا فيها على أهلها بغير استحقاق وقالوا من أشد منا قوة اغتروا بقوتهم وشوكتهم قيل كان من قوتهم أن الرجل منهم ينزع الصخرة فيقلعها بيده أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة قدرة وكانوا باياتنا يجحدون يعرفون أنها حق وينكرونها (16) فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا القمي عن الباقر عليه السلام الصرصر البارد في أيام نحسات قال مياشيم وقرئ بالسكون لنذيقهم عذاب الخزى في الحيوة الدنيا ولعذاب الاخرة أخزى وهم لا ينصرون بدفع العذاب عنهم (17) وأما ثمود فهديناهم فذللناهم على الحق بنصب الحجج وارسال الرسل فاستحبوا العمى على الهدى فاختاروا الضلالة على الهدى في التوحيد عن الصادق عليه السلام وعرفناهم فاستحبوا العمى على الهدى وهم يعرفون وفي الأعتقادات عنه عليه السلام وجوب الطاعات وتحريم المعاصي وهم

[ 356 ]

يعرفون فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون (18) ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (19) ويوم يحشر أعداء الله إلى النار وقرئ بالنون وضم الشين فهم يوزعون القمي أي يجيئون من كل ناحية وعن الباقر عليه السلام يحبس أولهم على آخرهم يعني ليتلاحقوا (20) حتى إذا ما جآؤها إذا حضروها وما مزيدة لتأكيد اتصال الشهادة بالحضور شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون بأن ينطقها الله (21) وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شئ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون القمي نزلت في يوم تعرض عليهم أعمالهم فينكرونها فيقولون ما عملنا شيئا فتشهد عليهم الملائكة الذين كتبوا عليهم أعمالهم قال الصادق عليه السلام فيقولون لله يا رب هؤلاء ملائكتك يشهدون لك ثم يحلفون بالله ما فعلوا من ذلك شيئا وهو قول الله عز وجل يوم يبعثهم الله عز وجل جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم وهم الذين غصبوا أمير المؤمنين عليه السلام فعند ذلك يختم الله على ألسنتهم وينطق جوارحهم فيشهد السمع بما سمع مما حرم الله ويشهد البصر بما نظر به إلى ما حرم الله عز وجل وتشهد اليدان بما أخذتا وتشهد الرجلان بما سعتا فيما حرم الله عز وجل ويشهد الفرج بما ارتكب مما حرم الله ثم أنطق الله عز وجل ألسنتهم فيقولون هم لجلودهم لم شهدتم علينا الاية (22) وما كنتم تستترون قال أي من الله أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم قال الجلود الفروج وفي الكافي عنه عليه السلام في هذه الاية قال يعني بالجلود الفروج والأفخاذ وفي الفقيه عن أمير المؤمنين عليه السلام فيها قال يعني بالجلود الفروج ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون فلذلك اجترأتم على ما فعلتم وقيل معنى الاية

[ 357 ]

كنتم تستترون الناس عند ارتكاب الفواحش مخافة الفضاحة وما ظننتم أن أعضاءكم تشهد عليكم فما استترتم عليها وقيل بل معناه وما كنتم تتركون المعاصي حذرا يشهد عليكم جوارحكم بها لأنكم ما تظنون ذلك ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون لجهلكم بالله فهان عليكم إرتكاب المعاصي لذلك (23) وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين إذ صار ما منحوا للأستسعاد به في الدارين سببا لشقاء المنزلين القمي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله إن آخر عبد يؤمر به إلى النار فإذا امر به التفت فيقول الجبار جل جلاله ردوه فيردونه فيقول له لم التفت إلي فيقول يا رب لم يكن ظني بك هذا فيقول وما كان ظنك بي فيقول يا رب كان ظني بك أن تغفر لي خطيئتي وتسكنني جنتك قال فيقول الجبار يا ملائكتي لا وعزتي وجلالي وآلائي وعلوي وإرتفاع مكاني ما ظن بي عبدي هذا ساعة من خير قط ولو ظن بي ساعة من خير ما روعته بالنار أجيزوا له كذبه وأدخلوه الجنة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله ليس من عبد يظن بالله عز وجل خيرا إلا كان عند ظنه به وذلك قوله عز وجل وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرديكم فأصبحتم من الخاسرين (24) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم لا خلاص لهم عنها وإن يستعتبوا يسئلوا العتبى وهي الرجوع إلى ما يحبون فما هم من المعتبين أي لا يجابوا إلى ذلك ونظيره قوله تعالى حكاية أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص (25) وقيضنا وقدرنا لهم قرناء القمي يعني الشياطين من الجن والأنس فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا واتباع الشهوات وما خلفهم من أمر الاخرة وإنكاره وحق عليهم القول أي كلمة العذاب في أمم في جملة امم قد خلت من قبلهم من الجن والانس وقد عملوا مثل أعمالهم إنهم كانوا خاسرين (26) وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه وعارضوه بالخرافات القمي وصيروه سخرية ولغوا لعلكم تغلبون تغلبونه على قراءته

[ 358 ]

(27) فلنذيقن الذين كفروا عذابا شديدا ولنجزينهم أسوء الذى كانوا يعملون سيئات أعمالهم وقد سبق مثله (28) ذلك جزاء أعداء الله النار لهم فيها دار الخلد جزاء بما كانوا يجحدون ينكرون الحق (29) وقال الذين كفروا ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والانس شيطاني النوعين الحاملين على الظلالة والعصيان في المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام يعنون إبليس الأبالسه وقابيل ابن آدم أول من أبدع المعصية والقمي قال العالم عليه السلام من الجن ابليس الذي رد عليه قتل رسول الله صلى الله عليه وآله وأضل الناس بالمعاصي وجاء بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أبي بكر فبايعه ومن الأنس فلان وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال هما ثم قال وكان فلان شيطانا أقول: لعل ذلك لأن ولد الزنا يخلق من مائي الزاني والشيطان معا وفي رواية هما والله هما ثلاثا وقرئ أرنا بالتخفيف نجعلهما تحت أقدامنا ندسهما انتقاما منهما ليكونا من الاسفلين ذلا ومكانا (30) إن الذين قالوا ربنا الله إعترافا بربويته وإقرارا بوحدانيته ثم استقاموا على مقتضاه القمي قال على ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ويأتي ما في معناه وفي نهج البلاغة إني متكلم بعدة الله وحجته قال الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا الاية وقد قلتم ربنا الله فاستقيموا على كتابه وعلى منهاج أمره وعلى الطريقة الصالحة من عبادته ثم لا تمرقوا منها ولا تبتدعوا فيها ولا تخالفوا عنها فإن أهل المروق منقطع بهم عند الله يوم القيامة تتنزل عليهم الملئكة في المجمع عن الصادق عليه السلام والقمي قال عند الموت ألا تخافوا

[ 359 ]

تقدمون عليه ولا تحزنوا على ما خلفتم وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون في الدنيا (31) نحن أولياؤكم في الحيوة الدنيا القمي قال كنا نحرسكم من الشياطين وفى الاخرة قال أي عند الموت ولكم فيها ما تشتهى أنفسكم ولكم فيها ما تدعون ما تتمنون من الدعاء بمعنى الطلب (32) نزلا من غفور رحيم في الكافي عن الصادق عليه السلام قال استقاموا على الأئمة واحدا بعد واحد وفي المجمع عن الرضا عليه السلام أنه سئل ما الأستقامة قال هي والله ما أنتم عليه وعن الباقر عليه السلام نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا أي نحرسكم في الدنيا وعند الموت في الاخرة والقمي عن الصادق عليه السلام قال ما يموت موال لنا مبغض لأعدائنا إلا ويحضره رسول الله صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين والحسن والحسين عليهم السلام فيرونه ويبشرونه وإن كان غير موال يراهم بحيث يسوء والدليل على ذلك قول أمير المؤمنين عليه السلام لحارث الهمداني (يا حار همدان من يمت يرني) من مؤمن أو منافق قبلا وفي تفسير الأمام عليه السلام عند قوله تعالى ويظنون أنهم ملاقو ربهم من سورة البقرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله لا يزال المؤمن خائفا من سوء العاقبة ولا يتيقن الوصول إلى رضوان الله حتى يكون وقت نزع روحه وظهور ملك الموت له وذلك أن ملك الموت يرد على المؤمن وهو في شدة علته وعظيم ضيق صدره بما يخلفه من أمواله وبما هو عليه من اضطراب أحواله من معامليه وعياله وقد بقيت في نفسه حسراتها واقتطع دون أمانيه فلم ينلها فيقول له ملك الموت ما لك تتجرع

[ 360 ]

غصصك قال لأضطراب أحوالي واقتطاعك لي دون آمالي فيقول له ملك الموت وهل يحزن عاقل من فقد درهم زايف واعتياض ألف ألف ضعف الدنيا فيقول لا فيقول ملك الموت فانظر فوقك فينظر فيرى درجات الجنان وقصورها التي يقصر دونها الأماني فيقول ملك الموت تلك منازلك ونعمك وأموالك وأهلك وعيالك ومن كان من أهلك ههنا وذريتك صالحا فهم هنالك معك أفترضي بدلا مما ههنا فيقول بلى والله ثم يقول انظر فينظر فيرى محمدا وعليا والطيبين من آلهما عليهم السلام في أعلى عليين فيقول أو تريهم هؤلاء ساداتك وأئمتك هم هناك جلاسك واناسك أفما ترضى بهم بدلا مما تفارق هنا فيقول بلى وربي فذلك ما قال الله عز وجل إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا فما أمامكم من الأهوال فقد كفيتموها ولا تحزنوا على ما تخلفونه من الذراري والعيال فهذا الذي شاهدتموه في الجنان بدلا منهم وأبشروا بالجنة التى كنتم توعدون هؤلاء أولياؤكم وهؤلاء ساداتكم اناسكم وجلاسكم وفي البصائر عن الباقر عليه السلام أنه قيل له يبلغنا أن الملائكة تتنزل عليكم قال أي والله لتنزل علينا فتطأ فرشنا أما تقرأ كتاب الله تعالى إن الذين قالوا ربنا الله الاية وفي الخرايج عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال أما والله لربما وسدنا لهم الوسايد في منزلنا وقال هم ألطف بصبياننا منا بهم وربما التقطنا من زغبها وفي الكافي عنه عن أبيه عن جده عليهما السلام في حديث ليلة القدر قال زعم ابن عباس أنه من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فقلت له هل رأيت الملائكة تخبرك بولايتها لك في الدنيا والاخرة مع الأمن من الخوف والحزن قال فقال إن الله تبارك وتعالى يقول إنما المؤمنون إخوة وقد دخل في هذا جميع الامة فاستضحكت ثم قلت صدقت يا ابن عباس (33) ومن أحسن قولا (1) ممن دعا إلى الله إلى عبادته وعمل صالحا فيما بينه


(1) صورته صورة الاستفهام والمراد به النفي، تقديره وليس أحد أمس قولا ممن دعى إلى طاعة الله. (*)

[ 361 ]

وبين ربه وقال إننى من المسلمين العياشي إنها في علي عليه السلام (34) ولا تستوى الحسنة ولا السيئة في الجزاء وحسن العاقبة ولا الثانية مزيدة لتأكيد النفي ادفع بالتى هي أحسن ادفع السيئة حيث اعترضتك بالتي هي أحسن منها وهي الحسنة على أن المراد بالأحسن الزائد مطلقا أو بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم أي إذا فعلت ذلك صار عدوك المشاق مثل الولي الشفيق القمي قال ادفع سيئة من أساء إليك بحسنتك حتى يكون الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم وفي الكافي عن الصادق عليه السلام في قوله تعالى ولا تستوى الحسنة ولا السيئة قال الحسنة التقية والسيئة الأذاعة وقال التي هي أحسن التقية (35) وما يلقهآ وما يلقى هذه السجية وهي مقابلة الأساءة بالأحسان إلا الذين صبروا فإنها تحبس النفس عن الأنتقام في المجمع عن الصادق عليه السلام إلا الذين صبروا في الدنيا على الأذى وما يلقهآ إلا ذو حظ عظيم من الخير وكمال النفس في المجمع عن الصادق عليه السلام وما يلقيها إلا كل ذي حظ عظيم (36) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ نخس شبه به وسوسته فاستعذ بالله من شره ولا تطعه إنه هو السميع لاستعاذتك العليم بنيتك القمي المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله والمعنى للناس (37) ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر لأنهما مخلوقان مأموران مثلكم واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون فإن السجود أخص العبادات هنا موضع السجود كما رواه (38) في المجمع عنهم عليهم السلام فإن استكبروا عن الأمتثال فالذين عند

[ 362 ]

ربك من الملائكة يسبحون له بالليل والنهار أي دائما وهم لا يسئمون ولا يملون (39) ومن آياته أنك ترى الارض خاشعة يابسة متطامنة مستعار من الخشوع بمعنى التذلل فإذآ أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت انتفخت بالنبات إن الذى أحياها بعد موتها لمحيى الموتى إنه على كل شئ قدير (40) إن الذين يلحدون يميلون عن الأستقامة في آياتنا بالطعن والتحريف والتأويل بالباطل والألغاء فيها لا يخفون علينا فنجازيهم على إلحادهم وقد مضى في هذا كلام في المقدمة السادسة من هذا الكتاب عن أمير المؤمنين عليه السلام أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيمة اعملوا ما شئتم تهديد شديد إنه بما تعملون بصير وعيد بالمجازاة (41) إن الذين كفروا بالذكر لما جائهم بدل من إن الذين يلحدون أو مستأنف وخبر إن محذوف أو خبره اولئك ينادون كذا قيل والقمي عن الباقر عليه السلام بالذكر يعني بالقرآن وإنه لكتاب عزيز (42) لا يأتيه الباطل من بين يديه قال لا يأتيه الباطل من قبل التوراة ولا من قبل الأنجيل والزبور ولا من خلفه أي لا يأتيه مبعده كتاب يبطله وفي المجمع عنهما عليهما السلام ليس في إخباره عما مضى باطل ولا في إخباره عما يكون في المستقبل باطل بل إخباره كلها موافقة لمخبراتها تنزيل من حكيم أي حكيم حميد يحمده كل مخلوق بما ظهر عليه من نعمه (43) ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك إن ربك لذو مغفرة لأنبيائه وذو عقاب أليم لأعدائهم (44) ولو جعلناه قرآنا أعجميا قيل جواب لقولهم هلا نزل هذا القرآن بلغة العجم لقالوا لولا فصلت آياته بينت بلسان نفقهه ءاعجمى وعربى أكلام أعجمي ومخاطب عربي القمي لو كان هذا القرآن أعجميا لقالوا كيف نتعلمه ولساننا عربي

[ 363 ]

وأتانا بقرآن أعجمي فأحب أن ينزل بلسانهم وفيه قال الله وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه والأعجمي يقال للذي لا يفهم كلامه ويقال لكلامه وقرئ أعجمي بفتح العين وتوحيد الهمزة على أن يكون منسوبا إلى العجم قل هو للذين آمنوا هدى إلى الحق وشفاء من الشك والشبهة والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى لتصامهم عن سماعه وتعاميهم من الايات أولئك ينادون من مكان بعيد تمثيل لعدم قبولهم واستماعهم له بمن يصاح به من مسافة بعيدة (45) ولقد آتينا موسى الكتاب فاختلف فيه كما اختلف في القرآن وهو تسلية للنبي صلى الله عليه وآله في الكافي عن الباقر عليه السلام قال اختلفوا كما اختلفت هذه الامة في الكتاب وسيختلفون في الكتاب الذي مع القائم الذي يأتيهم به حتى ينكره ناس كثير فيقدمهم فيضرب أعناقهم ولو لا كلمة سبقت من ربك بالأمهال لقضى بينهم بإستيصال المكذبين وإنهم لفى شك منه من القرآن مريب موجب للأضطراب (46) من عمل صالحا فلنفسه نفعه ومن أساء فعليها ضره وما ربك بظلام للعبيد فيفعل بهم ما ليس له أن يفعله (47) إليه يرد علم الساعة إذا سئل عنها إذ لا يعلمها إلا هو وما تخرج من ثمرة من أكمامها من أوعيتها جمع كم بالكسر وقرئ من ثمرات بالجمع لاختلاف الأنواع وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه إلا مقرونا بعلمه واقعا حسب تعلقه به ويوم يناديهم أين شركآئى بزعمكم القمي يعني ما كانوا يعبدون من دون الله قالوا آذناك أعلمناك ما منا من شهيد من أحد منا يشهد لهم بالشركة إذ تبرأنا منهم لما عاينا الحال والسؤال للتوبيخ أو ما من أحد منا يشاهدهم لأنهم ضلوا عنا (48) وضل عنهم ما كانوا يدعون يعبدون من قبل وظنوا أو أيقنوا ما لهم من محيص مهرب (49) لا يسئم الانسان من دعاء الخير القمي أي لا يمل ولا يعي من أن يدعو

[ 364 ]

لنفسه بالخير وإن مسه الشر فيؤس قنوط قيل أي يائس من روح الله وفرجه (50) ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته بتفريجها عنه ليقولن هذا لى حقي أستحقه لما لي من الفضل والعمل أولي دائما لا يزول وما أظن الساعة قائمة تقوم ولئن رجعت إلى ربى إن لى عنده للحسنى أي ولئن قامت على التوهم كان لي عند الله الحالة الحسنى من الكرامة وذلك لأعتقاده أن ما أصابه من نعم الدنيا فلأستحقاق لا ينفك عنه فلننبئن الذين كفروا بما عملوا فلنجزينهم بحقيقة أعمالهم ولينصرنهم خلاف ما اعتقدوا فيها ولنذيقنهم من عذاب غليظ لا يمكنهم التفصي عنه (51) وإذآ أنعمنا على الانسان أعرض عن الشكر ونا بجانبه وانحرف عنه وذهب بنفسه وتباعد عنه بكليته تكبرا والجانب مجاز عن النفس كالجنب في قوله في جنب الله وإذا مسه الشر كالفقر والمرض والشدة فذو دعاء عريض كثير (52) قل أرايتم أخبروني إن كان من عند الله أي القرآن ثم كفرتم به من غير نظر واتباع دليل من أضل ممن هو في شقاق بعيد من أضل منكم فوضع الموصول موضع الضمير شرحا لحالهم وتعليلا لمزيد ضلالهم (53) سنريهم آياتنا في الافاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق قيل يعني سنريهم حججنا ودلائلنا على ما ندعوهم إليه من التوحيد وما يتبعه في آفاق العالم وأقطار السماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأشجار والدواب وفى أنفسهم وما فيها من لطايف الصنعة وودايع الحكمة حتى يظهر لهم أنه الحق أقول: هؤلاء القوم يستشهدون بالصنايع على الصانع كما هو دأب المتوسطين من الناس الذين لا يرضون بمحض التقليد ويرون أنفسهم فوق ذلك القمي في الافاق الكسوف والزلازل وما يعرض في السماء من الايات وأما في أنفسهم فمرة بالجوع ومرة بالعطش ومرة يشبع ومرة يروى ومرة يمرض ومرة يصح ومرة يستغني ومرة يفتقر ومرة يرضى ومرة يغضب ومرة يخاف ومرة يأمن فهذا من عظم دلالة الله على التوحيد

[ 365 ]

قال الشاعر وفي كل شئ له آية تدل على أنه واحد أقول: وهذا تخصيص للايات ببعضها مما يناسب أفهام العوام وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال نريهم في أنفسهم المسخ ونريهم في الافاق إنتقاض الافاق عليهم فيرون قدرة الله عز وجل في أنفسهم وفي الافاق قيل حتى يتبين لهم أنه الحق قال خروج القائم عليه السلام هو الحق من عند الله عز وجل يراه الخلق لابد منه وفي رواية خسف ومسخ وقذف سئل حتى يتبين قال دع ذا ذاك قيام القائم عليه السلام وفي إرشاد المفيد عن الكاظم عليه السلام قال الفتن في آفاق الأرض والمسخ في أعداء الحق أقول: كأنه عليه السلام أراد أن ذلك إنما يكون في الرجعة وعند ظهور القائم عليه السلام حيث يرون من العجائب والغرائب في الافاق وفي الأنفس ما يتبين لهم به أن الأمامة والولاية وظهور الأمام حق فهذا للجاحدين أو لم يكف بربك أنه على كل شئ شهيد يعني أو لم يكفك شهادة ربك على كل شئ دليلا عليه أقول: هذا للخواص الذين يستشهدون بالله على الله ولهذا خصه به في الخطاب وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام العبودية جوهرة كنهها الربوبية فما فقد من العبودية وجد في الربوبية وما خفى عن الربوبية اصيب في العبودية قال الله تعالى سنريهم آياتنا في الافاق إلى قوله شهيد أي موجود في غيبتك وحضرتك (54) ألا إنهم في مرية شك من لقاء ربهم بالبعث والجزاء ألا إنه بكل شئ محيط عالم به مقتدر عليه لا يفوته شئ وتأويله يستفاد مما في المصباح في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ حم السجدة كانت له نورا يوم القيامة مد بصره وسرورا وعاش في الدنيا محمودا مغبوطا وفي الخصال عنه عليه السلام أن العزائم أربع وعد منها هذه السورة كما مر في آلم السجدة

[ 366 ]

سورة حمعسق وتسمى سورة الشورى وهي مكية عدد آيها ثلاث وخمسون آية كوفي وخمسون في الباقي بسم الله الرحمن الرحيم (1) حم (2) عسق في المعاني عن الصادق عليه السلام معناه الحكيم المثيب العالم السميع القادر القوي والقمي عن الباقر عليه السلام هو حرف من إسم الله الأعظم المقطوع يؤلفه الرسول والأمام عليهما السلام فيكون الأسم الأعظم الذي إذا دعي الله به أجاب وعنه عليه السلام عس عدد سني القائم عليه السلام وقاف جبل محيط بالدنيا من زمردة خضراء فخضرة السماء من ذلك الجبل وعلم كل شئ في عسق (3) كذلك يوحى إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم وقرئ يوحى بفتح الحاء (4) له ما في السموات وما في الارض وهو العلى العظيم (5) تكاد السموات وقرئ بالياء يتفطرن يتشققن من عظمة الله القمي عن الباقر عليه السلام يتصد عن وقرئ ينفطرن من فوقهن من جهتهن الفوقانبة أو من فوق الأرضين والملئكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الارض القمي قال للمؤمنين من الشيعة التوابين خاصة ولفظ الاية عام والمعنى خاص

[ 367 ]

وفي الجوامع عن الصادق عليه السلام ويستغفرون لمن في الأرض من المؤمنين ألا إن الله هو الغفور الرحيم (6) والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم رقيب على أحوالهم وأعمالهم فيجازيهم بها وما أنت يا محمد عليهم بوكيل (7) وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى أهل ام القرى وهي مكة وقد مر وجه تسميتها في سورة الأنعام ومن حولها سائر الأرض وتنذر يوم الجمع يوم القيامة يجمع فيه الخلائق لا ريب فيه إعتراض فريق في الجنة وفريق في السعير في الكافي عن الصادق عليه السلام قال خطب رسول الله صلى الله عليه وآله الناس ثم رفع يده اليمنى قابضا على كفه ثم قال أتدرون أيها الناس ما في كفي قالوا الله ورسوله أعلم فقال فيها أسماء أهل الجنة وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ثم رفع يده الشمال فقال يا أيها الناس أتدرون ما في كفي قالوا الله ورسوله أعلم فقال أسماء أهل النار وأسماء آبائهم وقبائلهم إلى يوم القيامة ثم قال حكم الله وعدل حكم الله وعدل فريق في الجنة وفريق في السعير (8) ولو شآء الله لجعلهم أمة واحدة مهتدين القمي لو شاء أن يجعلهم كلهم معصومين مثل الملائكة بلا طباع لقدر عليه ولكن يدخل من يشآء في رحمته بالهداية والظالمون ما لهم من ولى ولا نصير أي ويدعهم بغير ولي ولا نصير في عذابه (9) أم اتخذوا بل اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولى وهو يحيى الموتى وهو على كل شئ قدير (10) وما اختلفتم فيه من شئ فحكمه إلى الله القمي وما اختلفتم فيه من شئ من المذاهب واخترتم لأنفسكم من الأديان فحكم ذلك كله إلى الله يوم القيامة وقيل وما اختلفتم فيه من تأويل متشابه فارجعوا إلى المحكم من كتاب الله ذلكم الله ربى عليه توكلت في مجامع الامور وإليه أنيب أرجع (11) فاطر السموات والارض وجعل لكم من أنفسكم أزواجا القمي يعني

[ 368 ]

النساء ومن الانعام أزواجا قال يعني ذكرا وانثى يذرؤكم فيه يبثكم ويكثركم القمي يعني النسل الذي يكون من الذكور والاناث ليس كمثله شئ رد الله على من وصف الله قيل الكاف زائدة وقيل بل المراد المبالغة في نفي المثل عنه فإنه إذا نفى عمن يناسبه ويسد مسده كان نفيه عنه أولى في خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام ليس كمثله شئ إذ كان الشئ من مشية فكان لا يشبه مكونه رواها في مصباح المتهجد وهو السميع البصير لكل ما يسمع ويبصر (12) له مقاليد السموات والارض خزائنها يبسط الرزق لمن يشآء ويقدر يوسع ويقتر على وفق مشيته إنه بكل شئ عليم فيفعله على ما ينبغي (13) شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك وما وصينا به إبرهيم وموسى وعيسى أي شرع لكم من الدين دين نوح عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وآله ومن بينهما من أرباب الشرايع وهو الأصل المشترك فيما بينهم القمي مخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وآله وأقيموا الدين قال أي تعلموا الدين يعني التوحيد وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم شهر رمضان وحج البيت والسنن والأحكام التي في الكتب والأقرار بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولا تتفرقوا فيه ولا تختلفوا فيه كبر على المشركين عظم عليهم ما تدعوهم إليه قال من ذكر هذه الشرائع الله يجتبى إليه من يشآء يختار ويجتلب إلى الدين ويهدى إليه بالأرشاد والتوفيق من ينيب من يقبل إليه القمي وهم الأئمة الذين إختارهم واجتباهم وعن الصادق عليه السلام أن أقيموا الدين قال الأمام عليه السلام ولا تتفرقوا فيه كناية عن أمير المؤمنين عليه السلام ما تدعوهم إليه من ولاية علي عليه السلام من يشآء كناية عن علي عليه السلام وفي الكافي عن الرضا عليه السلام نحن الذين شرع الله لنا دينه فقال في كتابه شرع لكم يا آل محمد من الدين ما وصى به نوحا وقد وصينا بما وصى به نوحا والذى أوحينا إليك يا محمد وما وصينا به إبرهيم وموسى وعيسى فقد علمنا وبلغنا علم ما علمنا واستودعنا علمهم نحن ورثة أولي العزم من الرسل أن أقيموا الدين يا آل محمد

[ 369 ]

ولا تتفرقوا فيه وكونوا على جماعة كبر على المشركين من أشرك بولاية علي عليه السلام ما تدعوهم إليه من ولاية علي عليه السلام أن الله يهدى يا محمد يهدي إليه من ينيب من يجيبك إلى ولاية علي عليه السلام وفي البصائر عنه عن السجاد عليهما السلام وفي الكافي عنه عليه السلام في قول الله عز وجل كبر على المشركين بولاية علي عليه السلام ما تدعوهم إليه يا محمد من ولاية علي عليه السلام هكذا في الكتاب مخطوطة وعن الباقر عليه السلام إن الله عز وجل بعث نوحا إلى قومه أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون ثم دعاهم إلى الله وحده وأن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا ثم بعث الأنبياء على ذلك إلى أن قد بلغوا محمدا صلى الله عليه وآله وعليهم فدعاهم إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا وقال شرع لكم من الدين إلى قوله من ينيب فبعث الأنبياء إلى قومهم بشهادة أن لا إله إلا الله والأقرار بما جاء من عند الله فمن آمن مخلصا ومات على ذلك أدخله الله الجنة بذلك وذلك أن الله ليس بظلام للعبيد وذلك أن الله لم يكن يعذب عبدا حتى يغلظ عليه في القتل والمعاصي التي أوجب الله عليه بها النار ولمن عمل بها فلما استجاب له من قومه من المؤمنين جعل لكل نبي منهم شرعة ومنهاجا والشرعة والمنهاج سبيل وسنة (14) وما تفرقوا إلا من بعد ما جائهم العلم بغيا بينهم القمي قال لم يتفرقوا بجهل ولكنهم تفرقوا لما جاءهم وعرفوه فحسد بعضهم بعضا وبغى بعضهم على بعض لما رأوا من تفاضيل أمير المؤمنين عليه السلام بأمر الله فتفرقوا في المذاهب وأخذوا بالاراء والأهواء ولو لا كلمة سبقت من ربك بالأمهال إلى أجل مسمى لقضى بينهم القمي قال لولا أن الله قد قدر ذلك أن يكون في التقدير الأول لقضي بينهم إذا اختلفوا وأهلكهم ولم ينظرهم ولكن أخرهم إلى أجل مسمى المقدر وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفى شك منه مريب قال كناية عن الذين نقضوا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله

[ 370 ]

(15) فلذلك فادع واستقم كمآ أمرت قال يعني لهذه الامور والدين الذي تقدم ذكره وموالاة أمير المؤمنين عليه السلام فادع وعن الصادق عليه السلام يعني إلى ولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولا تتبع أهوآئهم فيه وقل آمنت بمآ أنزل الله من كتاب يعني جميع الكتب المنزلة وأمرت لاعدل بينكم الله ربنا وربكم خالق الكل ومتولي أمره لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم وكل مجازى بعمله لا حجة بيننا وبينكم لا حجاج بمعنى لا خصومة إذ الحق قد ظهر ولم يبق للمحاجة مجال الله يجمع بيننا يوم القيامة وإليه المصير مرجع الكل (16) والذين يحاجون في الله في دينه من بعد ما استجيب له لدينه أو لرسوله حجتهم داحضة عند ربهم القمي أي يحتجون على الله بعد ما شاء الله أن يبعث عليهم الرسل فبعث الله إليهم الرسل والكتب فغيروا وبدلوا ثم يحتجون يوم القيامة فحجتهم على الله داحضة أي باطلة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد بمعاندتهم (17) الله الذى أنزل الكتاب بالحق والميزان القمي قال الميزان أمير المؤمنين عليه السلام وما يدريك لعل الساعة قريب إتيانها (18) يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها إستهزاء والذين آمنوا مشفقون منها خائفون منها مع إعتناء بها لتوقع الثواب ويعلمون أنها الحق الكائن لا محالة ألا إن الذين يمارون في الساعة لفى ضلال بعيد القمي كناية عن القيامة فإنهم كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وآله أقم لنا الساعة وائتنا بما تعدنا ان كنت من الصادقين فقال الله تعالى ألا إن الذين يمارون في الساعة أي يخاصمون (19) الله لطيف بعباده بربهم بصنوف من البر يرزق من يشآء قيل أي يرزقه كما يشاء فيخص كلا من عباده بنوع من البر على ما اقتضته حكمته وهو القوى العزيز

[ 371 ]

المنيع الذي لا يغلب (20) من كان يريد حرث الاخرة ثوابها شبهه بالزرع من حيث أنه فائدة تحصل بعمل الدنيا ولذلك قيل الدنيا مزرعة الاخرة نزد له في حرثه فنعطه بالواحد عشرا إلى سبعماة فما فوقها ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها شيئا منها على ما قسمنا له وما له في الاخرة من نصيب إذا الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى القمي عن الصادق عليه السلام المال والبنون حرث الدنيا والعمل الصالح حرث الاخرة وقد يجمعهما الله لأقوام وفي الكافي عنه عليه السلام من أراد الحديث لمنفعة الدنيا لم يكن له في الاخرة نصيب ومن أراد به خير الاخرة أعطاه الله خير الدنيا والاخرة وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله من كانت نيته الدنيا فرق الله عليه أمره وجعل الفقر بين عينيه ولم يؤته من الدنيا إلا ما كتب له ومن كانت نيته الاخرة جمع الله شمله وجعل غناه في قلبه وأتته الدنيا وهي راغمة وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قيل له الله لطيف بعباده يرزق من يشآء قال ولاية أمير المؤمنين عليه السلام قيل من كان يريد حرث الاخرة قال معرفة أمير المؤمنين والأئمة عليهم السلام قيل نزد له في حرثه قال نزيده منها يستوفي نصيبه من دولتهم ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الاخرة من نصيب قال ليس له في دولة الحق مع الأمام نصيب (21) أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله كالشرك وإنكار البعث والعمل للدنيا ولو لا كلمة الفصل لقضى بينهم في الكافي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال لولا ما تقدم فيهم من الله عز ذكره ما أبقى القائم منهم احدا أقول: يعني قائم كل عصر وإن الظالمين لهم عذاب أليم (22) ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا خائفين مما ارتكبوا وعملوا وهو واقع

[ 372 ]

بهم أي ما يخافونه والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشآؤن (1) عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير (23) ذلك الذى يبشر الله عباده الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقرئ يبشر من أبشره قل لا أسئلكم عليه على ما اتعاطاه من التبليغ أجرا نفعا منكم إلا المودة في القربى أن تؤدوا قرابتي وعترتي وتحفظوني فيهم كذا في المجمع عن السجاد والباقر والصادق عليهم السلام وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال لما رجع رسول الله من حجة الوداع وقدم المدينة أتته الأنصار فقال يا رسول الله إن الله تعالى قد أحسن إلينا وشرفنا بك وبنزولك بين ظهرانينا فقد فرح الله صديقنا وكبت عدونا وقد تأتيك وفود فلا تجد ما تعطيهم فيشمت بك العدو فنحب أن تأخذ ثلث أموالنا حتى إذا قدم عليك وفد مكة وجدت ما تعطيهم فلم يرد رسول الله صلى الله عليه وآله عليهم شيئا وكان ينتظر ما يأتيه من ربه فنزل عليه جبرئيل وقال قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ولم يقبل أموالهم فقال المنافقون ما أنزل الله هذا على محمد صلى الله عليه وآله وما يريد إلا أن يرفع بضبع ابن عمه ويحمل علينا أهل بيته يقول امس من كنت مولاه فعلي مولاه واليوم قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى وفي قرب الأسناد عنه عن آبائه عليهم السلام لما نزلت هذه الاية على رسول الله صلى الله عليه وآله قام رسول الله صلى الله عليه وآله فقال أيها الناس إن الله تبارك وتعالى قد فرض لي عليكم فرضا فهل أنتم مؤدوه قال فلم يجبه أحد منهم فانصرف فلما كان من الغد قام فقال مثل ذلك ثم قام فيهم فقال مثل ذلك في اليوم الثالث فلم يتكلم أحد فقال أيها الناس إنه ليس من ذهب ولا فضة ولا مطعم ولا مشرب قالوا فألقه إذن قال إن الله تبارك وتعالى أنزل علي قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى فقالوا أما هذه فنعم قال الصادق عليه السلام فو الله ما وفى بها إلا سبعة نفر سلمان وأبو ذر وعمار


(1) أي لهم ما يتمنون ويشتهون يوم القيامة. (*)

[ 373 ]

والمقداد بن الأسود الكندي وجابر بن عبد الله الأنصاري ومولى لرسول الله صلى الله عليه وآله يقال له البيت وزيد بن أرقم وفي العيون عن الرضا عليه السلام ما يقرب منه مع بسط وبيان وفي الجوامع روي أن المشركين قالوا فيما بينهم أترون أن محمدا صلى الله عليه وآله يسأل على ما يتعاطاه أجرا فنزلت هذه الاية ويأتي أخبار اخر في هذه الاية عن قريب إنشاء الله وفي المحاسن عن الباقر عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال هي والله فريضة من الله على العباد لمحمد صلى الله عليه وآله في أهل بيته وفي الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قال ما يقول أهل البصرة في هذه الاية قل لا أسئلكم الاية قيل إنهم يقولون إنها لأقارب رسول الله صلى الله عليه وآله قال كذبوا إنما نزلت فينا خاصة في أهل البيت في علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام أصحاب الكساء وفي المجمع عن ابن عباس قال لما نزلت هذه الاية قل لا أسئلكم الاية قالوا يا رسول الله من هؤلاء الذين أمرنا الله بموالاتهم قال علي وفاطمة وولدهما عليهم السلام وعن علي عليه السلام قال فينا في آل حم آية لا يحفظ مودتنا إلا كل مؤمن ثم قرأ هذه الاية وعن النبي صلى الله عليه وآله إن الله خلق الأنبياء من أشجار شتى وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة فأنا أصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين عليهما السلام ثمارها وأشياعنا أوراقها فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا ومن زاغ هوى ولو أن عبدأ عبد الله بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم لم يدرك محبتنا أكبه الله على منخريه ثم تلا قل لا أسئلكم الاية وفي الكافي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عنها فقال هم الأئمة عليهم السلام

[ 374 ]

وفي الخصال عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله من لم يحب عترتي فهو لأحدى ثلاث إما منافق وإما لزنية وإما حملت به امه في غير طهر ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا إن الله غفور شكور في المجمع عن الصادق عليه السلام إنها نزلت فينا أهل البيت أصحاب الكساء عليهم السلام وعن الحسن المجتبى عليه السلام إنه قال في خطبة أنا من أهل بيت الذين افترض الله مودتهم على كل مسلم فقال قل لا أسئلكم إلى قوله حسنا قال فاقتراف الحسنة مودتنا أهل البيت عليهم السلام وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال من توالى الأوصياء من آل محمد صلوات الله عليهم واتبع آثارهم فذاك نزيده ولاية من مضى من النبيين والمؤمنين الأولين حتى يصل ولايتهم إلى آدم عليه السلام وعنه عليه السلام الأقتراف التسليم لنا والصدق علينا وأن لا يكذب علينا (24) أم يقولون افترى على الله كذبا فإن يشإ الله يختم على قلبك بإمساك الوحي وقيل استبعاد للأفتراء عن مثله بالأشعار على أنه إنما يجتري عليه من كان مختوما على قلبه جاهلا بربه فأما من كان ذا بصيرة ومعرفة فلا وكأنه قال إن يشأ الله خذلانك يختم على قلبك لتجتري بالأفتراء عليه ويمحو الله الباطل المفترى ويحق الحق بكلماته إنه عليم بذات الصدور في الكافي عن الباقر عليه السلام يقول لو شئت حبست عنك الوحي فلم تكلم بفضل أهل بيتك ولا بمودتهم وقد قال الله تعالى ويمح الله الباطل ويحق الحق بكلماته يقول يحق لأهل بيتك الولاية إنه عليم بذات الصدور يقول بما ألقوه في صدورهم من العداوة لأهل بيتك والظلم بعدك القمي عنه عليه السلام قال جاءت الأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إنا قد آوينا ونصرنا فخذ طائفة من أموالنا فاستعن بها على ما نابك فأنزل الله عز

[ 375 ]

وجل قل لا أسئلكم عليه أجرا يعني على النبوة إلا المودة في القربى أي في أهل بيته ثم قال ألا ترى أن الرجل يكون له صديق وفي نفس ذلك الرجل شئ على أهل بيته فلا يسلم صدره فأراد الله عز وجل أن لا يكون في نفس رسول الله صلى الله عليه وآله شئ على امته ففرض الله عليهم المودة في القربى فإن أخذوا أخذوا مفروضا وإن تركوا تركوا مفروضا قال فانصرفوا من عنده وبعضهم يقول عرضنا عليه أموالنا فقال لا قاتلوا عن أهل بيتي من بعدي وقالت طائفة ما قال هذا رسول الله صلى الله عليه وآله وحجدوه وقالوا كما حكى الله عز وجل أم يقولون افترى على الله كذبا فقال الله عز وجل فإن يشإ الله يختم على قلبك قال لو افتريت ويمح الله الباطل يعني يبطله ويحق الحق بكلماته يعني بالأ ئمة والقائم من آل محمد صلوات عليهم (25) وهو الذى يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات ويعلم ما تفعلون وقرئ بالياء في العيون عن سيد الشهداء عليه السلام قال اجتمع المهاجرون والأنصار إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالوا إن لك يا رسول الله مؤنة في نفقتك وفيمن يأتيك من الوفود وهذه أموالنا مع دمائنا فاحكم بارا مأجورا اعط ما شئت وأمسك ما شئت من غير حرج قال فأنزل الله عز وجل عليه الروح الأمين فقال قل يا محمد لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى يعني أن تودوا قرابتي من بعدي فخرجوا فقال المنافقون ما حمل رسول الله على ترك ما عرضنا عليه إلا ليحثنا على قرابته من بعده إن هو إلا شئ إفتراه محمد في مجلسه وكان ذلك من قولهم عظيما فأنزل الله تعالى هذه الاية أم يقولون افتره قل إن افتريته فلا تملكون لى من الله شيئا هو أعلم بما تفيضون فيه كفى به شهيدا بينى وبينكم وهو الغفور الرحيم فبعث إليهم النبي صلى الله عليه وآله فقال هل من حدث فقالوا أي والله يا رسول الله لقد قال بعضنا كلاما عظيما كرهناه فتلا عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله الاية فبكوا واشتد بكاؤهم فأنزل الله عز وجل وهو الذى يقبل التوبة الاية (26) ويستجيب الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله

[ 376 ]

والكافرون لهم عذاب شديد في المجمع عن ابن عباس إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين قدم المدينة واستحكم الأسلام قالت الأنصار فيما بينها نأتي رسول الله صلى الله عليه وآله ونقول له إنه يعروك امور هذه أموالنا تحكم فيها غير حرج ولا محظور عليك فأتوه في ذلك فنزلت قل لا أسئلكم الاية فقرأها عليهم وقال تودون قرابتي من بعدي فخرجوا من عنده مسلمين لقوله فقال المنافقون إن هذا الشئ افتراه في مجلسه أراد أن يذللنا لقرابته من بعده فنزلت أم يقولون افترى على الله كذبا فأرسل إليهم فتلاها عليهم فبكوا واشتد عليهم فأنزل الله وهو الذى يقبل التوبة عن عباده الاية فأرسل في أثرهم فبشرهم وقال ويستجيب الذين آمنوا وهم الذين سلموا لقوله وفي الكافي عن الباقر عليه السلام في قوله تعالى ويستجيب الذين آمنوا هو المؤمن يدعو لأخيه بظهر الغيب فيقول له الملك آمين ويقول العزيز الجبار ولك مثل ما سألت وقد اعطيت ما سألت لحبك إياه وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال ويزيدهم من فضله الشفاعة لمن وجبت له النار ممن أحسن إليهم في الدنيا (27) ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الارض لتكبروا وأفسدوا بطرا القمي قال الصادق عليه السلام لو فعل لفعلوا ولكن جعلهم محتاجين بعضهم إلى بعض واستعبدهم بذلك ولو جعلهم كلهم أغنياء لبغوا ولكن ينزل بقدر ما يشآء قال بما يعلم إنه يصلحهم في دينهم ودنياهم إنه بعباده خبير بصير في الحديث القدسي إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى ولو أفقرته لأفسده وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر ولو أغنيته لأفسده وذلك أني ادبر عبادي لعلمي بقلوبهم (28) وهو الذى ينزل الغيث المطر الذي يغيثهم من الجدب ولذلك خص بالنافع وقرئ ينزل بالتشديد من بعد ما قنطوا أيسوا منه وينشر رحمته في كل شئ من السهل والجبل والنبات والحيوان وهو الولى الذي يتولى عباده بإحسانه ونشر رحمته الحميد المستحق للحمد

[ 377 ]

(29) ومن آياته خلق السموات والارض وما بث فيهما من دابة وهو على جمعهم إذا يشآء قدير (30) وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم فبسبب معاصيكم وقرئ بدون الفاء ويعفو عن كثير من الذنوب فلا يعاقب عليها والاية مخصوصة بالمجرمين فإن ما أصاب غيرهم فلزيادة الأجر في الكافي عن الصادق عليه السلام في هذه الاية قال ليس من إلتواء عرق ولا نكبة حجر ولا عثرة قدم ولا خدش عود إلا بذنب ولما يعفو الله أكثر فمن عجل الله عقوبة ذنبه في الدنيا فإن الله أجل وأكرم واعظم من أن يعود في عقوبته في الاخرة وفيه والقمي عنه عليه السلام أنه سئل أرأيت ما أصاب عليا وأهل بيته من هؤلاء من بعده أهو بما كسبت أيديهم وهم أهل بيت طهارة معصومون فقال إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يتوب إلى الله ويستغفره في كل يوم ولية ماة مرة من غير ذنب إن الله يخص أولياؤه بالمصائب ليأجرهم عليها من غير ذنب وفي المجمع عن علي عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله خير آية في كتاب الله هذه الاية يا علي ما من خدش عود ولا نكبة قدم إلا بذنب وما عفا الله عنه في الدنيا فهو أكرم من أن يعود فيه وما عاقب عليه في الدنيا فهو أعدل من أن يثني على عبده (31) وما أنتم بمعجزين في الارض فائتين ما قضى عليكم من المصائب وما لكم من دون الله من ولى يحرسكم عنها ولا نصير يدفعها عنكم (32) ومن آياته الجوار السفن الجارية في البحر كالاعلام كالجبال (33) إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره فيبقين ثوابت على ظهر البحر إن في ذلك لايات لكل صبار شكور لكل من وكل همته وحبس نفسه على النظر في آيات الله والتفكر في الائة أو لكل مؤمن كامل الأيمان فإن الأيمان نصفان نصف صير ونصف شكر كما ورد في الحديث

[ 378 ]

(34) أو يوبقهن أو يهلكهن يعني أهلها بإرسال الرياح العاصفة المغرقة بما كسبوا ويعف عن كثير بإنجائهم (35) ويعلم الذين يجادلون في آياتنا قيل عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم ويعلم وقرئ بالرفع على الأستيناف ما لهم من محيص محيد من العذاب (36) فما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا تمتعون به مدة حياتكم وما عند الله من ثواب الاخرة خير وأبقى لخلوص نفعه ودوامه للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (37) والذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش وقرئ كبير الأثم وقد سبق تفسير الكبائر في سورة النساء وإذا ما غضبوهم يغفرون والقمي عن الباقر عليه السلام قال من كظم غيظا وهو يقدر على إمضائه حشا الله قلبه أمنا وإيمانا يوم القيامة قال ومن ملك نفسه إذا رغب وإذا رهب وإذا غضب حرم الله جسده على النار وفي هذا المعنى في الكافي وغيره أخبار كثيرة (38) والذين استجابوا لربهم قبلوا ما امروا به والقمي قال في إقامة الأمام وأقاموا الصلوة وأمرهم شورى بينهم تشاور بينهم ولا ينفردون برأي حتى يتشاوروا ويجتمعوا عليه وذلك من فرط تيقظهم في الامور والقمي يشاورون الأمام عليه السلام فيما يحتاجون إليه من أمر دينهم كما قال الله ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولى الامر منهم وفي المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله ما من رجل يشاور أحدا إلا هدي إلى الرشد ومما رزقناهم ينفقون في سبيل الخير (39) والذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون على ما جعله الله لهم كراهة التذلل وهو وصفهم بالشجاعة بعد وصفهم بسائر أمهات الفضائل وهو لا ينافي وصفهم بالغفران فإن الغفران ينبئ عن عجز المغفور والأنتصار يشعر عن مقاومة

[ 379 ]

الخصم والحلم عن العاجز محمود وعن المتغلب مذموم لأنه إجراء وإغراء على البغي (40) وجزاء سيئة سيئة مثلها سمي الثانية سيئة للأزدواج أو لأنها تسوء من تنزل به وهذا منع عن التعدي في الأنتصار فمن عفا وأصلح بينه وبين عدوه فأجره على الله عدة مبهمة تدل على عظم الموعود في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله قال إذا كان يوم القيامة نادى مناد من كان أجره على الله فليدخل الجنة فيقال من ذا الذي أجره على الله فيقال العافون عن الناس يدخلون الجنة بغير حساب وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله عليكم بالعفو فان العفو لا يزيد العبد إلا عزا فتعافوا يعزكم الله إنه لا يحب الظالمين المبتدئين بالسيئة والمتجاوزين في الأنتقام (41) ولمن انتصر بعد ظلمه بعد ما ظلم فأولئك ما عليهم من سبيل بالمعاتبة والمعاقبة في الخصال عن السجاد عليه السلام وحق من أساءك أن تعفو عنه وإن علمت أن العفو يضر انتصرت قال الله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك السفلة والزوجة والمملوك (42) إنما السبيل على الذين يظلمون الناس يبتدؤ ونهم بالأضرار ويطلبون ما لا يستحقونه تجبرا عليهم ويبغون في الارض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم على ظلمهم وبغيهم (43) ولمن صبر على الأذى وغفر ولم ينتصر إن ذلك لمن عزم الامور أي إن ذلك منه لمن عزم الامور

[ 380 ]

(44) ومن يضلل الله فما له من ولى من بعده من ناصر يتولاه من بعد خذلان الله اياه وترى الظالمين لما رأوا العذاب حين يرونه يقولون هل إلى مرد من سبيل أي من ذرجعة إلى الدنيا (45) وتريهم يعرضون عليها أي على النار ويدل عليها العذاب خاشعين من الذل متذللين متقاصرين مما يلحقهم من الذل ينظرون من طرف خفى أي يبتدئ نظرهم إلى النار من تحريك لأجفانهم ضعيف كالمصبور ينظر إلى السيف وقال الذين آمنوا إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم بالتعريض للعذاب المخلد يوم القيمة ألا إن الظالمين في عذاب مقيم القمي عن الباقر عليه السلام قال ولمن انتصر بعد ظلمه يعني القائم عليه السلام وأصحابه إذا قام إنتصر من بني امية ومن المكذبين والنصاب هو وأصحابه وهو قول الله تعالى إنما السبيل على الذين يظلمون الناس الاية وترى الظالمين آل محمد صلوات الله عليهم حقهم لما رأوا العذاب وعلي هو العذاب في هذا الوجه يقولون هل إلى مرد من سبيل فنوالي عليا عليه السلام وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل لعلي عليه السلام ينظرون إلى علي عليه السلام من طرف خفي وقال الذين آمنوا يعني آل محمد صلوات الله عليهم وشيعتهم ألا إن الظالمين من آل محمد صلوات الله عليهم حقهم في عذاب مقيم قال والله يعني النصاب الذين نصبوا العداوة لأمير المؤمنين عليه السلام وذريته والمكذبين (46) وما كان لهم من أولياء ينصرونهم من دون الله ومن يضلل الله فما له من سبيل إلى الهدى والنجاة (47) استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله ما لكم من الله من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير إنكار لما اقترفتموه لأنه مثبت في صحائف أعمالكم يشهد عليه جوارحكم (48) فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا رقيبا

[ 381 ]

(49) إن عليك إلا البلاغ وقد بلغت وإنا إذا أذقنا الانسان منا رحمة فرح بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الانسان كفور بليغ الكفران ينسى النعمة رأسا ويذكر البلية ويعظمها ولم يتأمل سببها وإنما صدر الاولى باذا والثانية بإن لأن إذاقة النعمة محققة بخلاف إصابة البلية وإنما أقام علة الجزاء مقامه في الثانية ووضع الظاهر موضع المضمر للدلالة على أن هذا الجنس موسوم بكفران النعمة (50) لله ملك السموات والارض فله أن يقسم النعمة والبلية كيف شاء يخلق ما يشآء يهب لمن يشآء إناثا ويهب لمن يشآء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشآء عقيما إنه عليم قدير القمي عن الباقر عليه السلام يهب لمن يشآء إناثا يعني ليس معهن ذكر ويهب لمن يشآء الذكور يعني ليس معهم انثى أو يزوجهم ذكرانا وإناثا أي يهب لمن يشاء ذكرانا واناثا جميعا يجمع له البنين والبنات أي يهبهم جميعا لواحد (51) وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا بأن يشاهد ملكا فيسمع منه أو يقع في قلبه من غير مشاهدة أحد وأصل الوحي الكلام الخفي الذي يدرك بسرعة أو من وراء حجاب بأن يسمع صوتا من غير مشاهدة أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشآء فيسمع من الرسول القمي قال وحي مشافهة ووحي إلهام وهو الذي يقع في القلب أو من وراء حجاب كما كلم الله نبيه صلى الله عليه وآله وكما كلم الله موسى من النار أو يرسل رسولا فيوحى بإذنه ما يشآء قال وحي مشافهة يعني إلى الناس إنه على عن صفات المخلوقين حكيم يفعل ما يقتضيه حكمته (52) وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا أي أرسلناه إليك بالوحي في الكافي عن الصادق عليه السلام قال خلق من خلق الله عز وجل أعظم من جبرئيل وميكائيل كان مع رسول الله صلى الله عليه وآله يخبره ويسدده وهو مع الأئمة عليهم السلام من بعده وفي رواية منذ أنزل الله ذلك الروح على محمد صلى الله عليه

[ 382 ]

وآله ما صعد إلى السماء وإنه لفينا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان أي قبل الوحي ولكن جعلناه نورا نهدى به من نشاء من عبادنا في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه سئل عن العلم أهو شئ يتعلمه العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه قال الأمر أعظم من ذلك وأوجب أما سمعت قول الله عز وجل وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدرى ما الكتاب ولا الايمان ثم قال أي شئ يقول أصحابكم في هذه الاية أيقرءون أنه كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الأيمان فقلت لا أدري جعلت فداك ما يقولون فقال بلي قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الأيمان حتى بعث الله عز وجل الروح التي ذكر في الكتاب فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم وهي الروح التي يعطيها الله عز وجل من شاء فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم والقمي عن الباقر عليه السلام ولكن جعلناه نورا قال يعني عليا عليه السلام وعلي هو النور هدى به من هدى من خلقه وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم قال يعني إنك لتأمر بولاية علي عليه السلام وتدعو إليها وعلي عليه السلام هو الصراط المستقيم (53) صراط الله الذى له ما في السموات وما في الارض قال يعني عليا عليه السلام إنه جعل خازنه على ما في السموات وما في الأرض من شئ وائتمنه عليه وفي الكافي عن الصادق عليه السلام قال وإنك لتهدى إلى صراط مستقيم يقول تدعو ألا إلى الله تصير الامور بارتفاع الوسايط والتعلقات وفيه وعد ووعيد للمطيعين والمجرمين في الكافي عن الباقر عليه السلام قال وقع مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الاية ألا إلى الله تصير الامور

[ 383 ]

في ثواب الأعمال والمجمع عن الصادق عليه السلام من قرأ حمعسق بعثه الله يوم القيامة ووجهه كالثلج أو كالشمس حتى يقف بين يدي الله عز وجل فيقول عبدي أدمنت قراءة حمعسق ولم تدر ما ثوابها أما لو دريت ما هي وما ثوابها لما مللت قراءتها ولكن ساجزيك جزاءك أدخلوه الجنة وله فيها قصر من ياقوتة حمراء أبوابها وشرفها ودرجها منها يرى ظاهرها من باطنها وباطنها من ظاهرها وله فيها حوران من حور العين وألف جارية وألف غلام من الغلمان المخلدين الذين وصفهم الله تعالى

[ 384 ]

سورة الزخرف مكية عدد آيها تسع وثمانون آية بسم الله الرحمن الرحيم (1) حم (2) والكتاب المبين (3) إنا جعلناه قرانا عربيا أقسم بالقرآن على أنه جعله قرآنا عربيا وهو من البدايع لتناسب القسم والمقسم عليه لعلكم تعقلون لكي تفقهوا معانيه (4) وإنه في أم الكتاب في اللوح المحفوظ فإنه أصل الكتب السماوية وقرئ أم الكتاب بالكسر لدينا لعلى رفيع الشأن حكيم ذو حكمة بالغة كذا قيل وفي المعاني عن الصادق عليه السلام هو أمير المؤمنين عليه السلام في أم الكتاب يعني الفاتحة فإنه مكتوب فيها في قوله تعالى اهدنا الصراط المستقيم قال الصراط المستقيم هو أمير المؤمنين عليه السلام ومعرفته والقمي ما في معناه (5) أفنضرب عنكم الذكر صفحا أنهملكم فنضرب عنكم الذكر أي نذوده ونبعده ونعرض عنكم إعراضا القمي استفهام أي ندعكم مهملين لا نحتج عليكم برسول الله صلى الله عليه وآله أو بإمام أو بحجج أن كنتم قوما مسرفين لأن كنتم وقرئ إن بالكسر إخراجا للمحقق مخرج المشكوك استجهالا لهم (6) وكم أرسلنا من نبى في الاولين (7) وما يأتيهم من نبى إلا كانوا به يستهزؤن تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله عن استهزاء قومه

[ 385 ]

(8) فأهلكنا أشد منهم بطشا أي من القوم المسرفين لأنه صرف الخطاب عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وآله مخبرا عنهم القمي يعني من قريش ومضى مثل الاولين وسلف في القرآن قصتهم العجيبة وفيه وعد للرسول صلى الله عليه وآله ووعيد لهم بمثل ما جرى على الأولين (9) ولئن سئلتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم يعني أقروا بعزي وعلمي وما بعده إستيناف (10) الذى جعل لكم الارض مهدا فتستقرون فيها وجعل لكم فيها سبلا تسلكونها لعلكم تهتدون لكي تهتدوا إلى مقاصدكم أو إلى حكمة الصانع بالنظر في ذلك (11) والذى نزل من السماء ماء بقدر بمقدار ينفع ولا يضر فأنشرنا به بلدة ميتا فأحيينا به أرضا لا نبات فيها كذلك تخرجون تنشرون من قبوركم (12) والذى خلق الازواج كلها أصناف المخلوقات وجعل لكم من الفلك والانعام ما تركبون في البر والبحر (13) لتستوا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه تذكروها بقلوبكم معترفين بها حامدين عليها وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين مطيقين يعني لا طاقة لنا بالأبل ولا بالفلك ولا بالبحر لولا أن الله سخره لنا (14) وإنآ إلى ربنا لمنقلبون أي راجعون وإتصاله بذلك لأن الركوب للتنقل والنقلة العظمى هو الأنقلاب إلى الله عز وجل ولأنه مخطر فينبغي للراكب أن لا يغفل عنه ويستعد للقاء الله في الكافي عن الرضا عليه السلام فان ركبت الظهر فقل الحمد لله الذى سخر لنا هذا الاية وعن أبيه عليهما السلام وإن خرجت برا فقل الذي قال الله عز وجل سبحان الذى سخر لنا الاية فإنه ليس من عبد يقولها عند ركوبه فيقع من بعير أو دابة فيصيبه شئ بإذن الله

[ 386 ]

(15) وجعلوا له من عباده جزء قيل متصل بقوله ولئن سئلتهم أي وجعلوا له بعد ذلك الأعتراف من عباده ولدا فقالوا الملائكة بنات الله سماه جزء لأن الولد بضعة من والده القمي قوله وجعلوا له من عباده جزء قال قالت قريش إن الملائكة هم بنات الله سماه جزء لان الولد بضعة من والده القمي قوله وجعلوا له من عبادة جزء قال قالت قريش ان الملائكة هم بنات الله ان الانسان لكفور مبين ظاهر الكفران (16) ام اتخذ مما يخلق بنات واصفاكم بالبنين معنى الهمزة في ام الانكار والتعجب من شأنهم حيث لم يقنعوا بان جعلوا له جزء حتى جعلوا له من مخلوقاته أجزاء أخص مما اختير لهم وأبغض الأشياء إليهم بحيث إذا بشر بها أحدهم إشتد غمه به كما قال (17) وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا بما جعل لله شبها وذلك أن كل ولد من كل شئ شبهه وجنسه ظل وجهه مسودا صار وجهه أسود في الغاية لما يعتريه من الكآبة وهو كظيم مملوء قلبه من الكرب (18) أو من ينشؤ في الحلية أو يجعلون له من يتربى في الزينة يعني البنات وهو في الخصام في المجادلة غير مبين للحجة يقال قلما تتكلم إمرأة بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها وقرئ ينشؤ بالتشديد أي يربي (19) وجعلوا الملئكة هم عباد الرحمن إناثا كفر آخر تضمنه مقالهم شنع به عليهم وهو جعلهم أكمل العباد وأكرمهم على الله أنقصهم رأيا وأخصهم صنفا وقرئ عند الرحمن على تمثيل زلفاهم أشهدوا خلقهم أحضروا خلق الله إياهم فشاهدوهم إناثا فإن ذلك مما يعلم بالمشاهدة وهو تجهيل وتهكم بهم وقرئ ءاشهدوا خلقهم بهمزة مضمومة بعد همزة الأستفهام ستكتب شهادتهم التي شهدوا بها على الملائكة ويسئلون عنها يوم القيامة (20) وقالوا لو شآء الرحمن ما عبدناهم مالهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (21) أم آتيناهم كتابا من قبله من قبل القرآن ينطق على صحة ما قالوه فهم به مستمسكون

[ 387 ]

(22) بل قالوا إنا وجدنا آبآئنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون أي لا حجة لهم على ذلك من جهة العقل ولا من جهة النظر وإنما جنحوا فيه إلى تقليد آبائهم الجهلة والامة الطريقة التي تؤم (23) وكذلك مآ أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آبآئنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون تسلية لرسول الله صلى الله عليه وآله ودلالة على أن التقليد في نحو ذلك ضلال قديم وفي تخصيص المترفين إشعار بأن التنعم وحب البطالة صرفهم عن النظر إلى التقليد (24) قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آبآئكم يعني أتتبعون آبائكم ولو جئتكم بدين أهدى من دين آبائكم وهو حكاية أمر ماض أوحى إلى النذير أو خطاب لنبينا صلى الله عليه وآله وقرئ قال أي النذير قالوا إنا بمآ أرسلتم به كافرون أي وإن كان أهدى إقناطا للنذير من أن ينظروا أو يتفكروا فيه (25) فانتقمنا منهم بالأستيصال فانظر كيف كان عاقبة المكذبين ولا تكترث بتكذيبهم (26) وإذ قال إبرهيم واذكر وقت قوله هذا ليروا كيف تبرأ عن التقليد وتمسك بالبرهان أو ليقلدوه إن لم يكن لهم بد من التقليد فإنه أشرف آبائهم لابيه وقومه إننى برآء مما تعبدون برئ من عبادتكم أو معبودكم مصدر نعت به (27) إلا الذى فطرني فإنه سيهدين هداية بعد هداية (28) وجعلها أي كلمة التوحيد كلمة باقية في عقبه في ذريته ليكون فيهم أبدا من يوحد الله ويدعو إلى توحيده ويكون إماما وحجة على الخلائق لعلهم يرجعون يرجع من أشرك منهم بدعاء من وحده وفي الأكمال عن السجاد عليه السلام قال فينا نزلت هذه الاية وجعلها كلمة باقية في عقبه والأمامة في عقب الحسين عليه السلام إلى يوم القيامة وفي العلل عن الباقر عليه السلام وفي المعاني والمناقب والمجمع عن الصادق عليه السلام مثله

[ 388 ]

وفي الأحتجاج عن النبي صلى الله عليه وآله في خطبة الغدير معاشر الناس القرآن يعرفكم أن الأئمة عليهم السلام من بعده من ولده وعرفتكم أنهم مني وأنا منهم حيث يقول الله عز وجل وجعلها كلمة باقية في عقبه وقلت لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما وفي المناقب إن النبي صلى الله عليه وآله سئل عن هذه الاية فقال الأمامة في عقب الحسين عليه السلام يخرج من صلبه تسعة من الأئمة منه مهدي هذه الأمة والقمي لعلهم يرجعون يعني الأئمة عليهم السلام يرجعون إلى الدنيا (29) بل متعت هؤلاء وآبآئهم هؤلاء المعاصرين للرسول صلى الله عليه وآله من قريش وآبائهم بالمد في العمر والنعمة فاغتروا بذلك وانهمكوا في الشهوات حتى جائهم الحق ورسول مبين (30) ولما جائهم الحق لينبههم عن غفلتهم قالوا هذا سحر وإنا به كافرون ضموا إلى شركهم معاندة الحق والأستخفاف به (31) وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين من إحدى القريتين بمكة والطائف عظيم بالجاه والمال كالوليد بن مغيرة بمكة وعروة بن مسعود الثقفي بالطائف فإن الرسالة منصب عظيم لا يليق إلا بعظيم ولم يعلموا إنها رتبة روحانية تستدعي عظيم النفس بالتحلي بالفضائل والكمالات القدسية لا التزخرف بالزخارف الدنيوية (32) أهم يقسمون رحمت ربك إنكار فيه تجهيل وتعجيب من تحكمهم والمراد بالرحمة النبوة نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحيوة الدنيا وهم عاجزون عن تدبيرها ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات وأوقعنا بينهم التفاوت في الرزق وغيره ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ليستعمل بعضهم بعضا في حوائجهم فيحصل بينهم تألف وتضامن وينتظم بذلك نظام العالم لا لكمال في الموسع ولا لنقص في المقتر ثم إنه لا اعتراض لهم علينا في ذلك ولا تصرف فكيف يكون فيما هو أعلى من ذلك ورحمة ربك هذه يعني النبوة وما يتبعها خير مما يجمعون مما يجمعه هؤلاء من حطام الدنيا والعظيم من رزق منها لا منه في الأحتجاج وفي تفسير الأمام عليه السلام في سورة البقرة عن أبيه عليهما

[ 389 ]

السلام قال إن رسول الله صلى الله عليه وآله كان قاعدا ذات يوم بفناء الكعبة إذ اجتمع جماعة من رؤساء قريش وساق الحديث كما سبق ذكره في سورة بني اسرائيل إلى أن قال قال له عبد الله بن أبي امية لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث أجل من في ما بيننا مالا وأحسنه حالا فهلا نزل هذا القرآن الذي تزعم أن الله أنزله عليك وابتعثك به رسولا على رجل من القريتين عظيم إما الوليد بن المغيرة بمكة وإما عروة بن مسعود الثقفي بالطائف ثم ذكر شيئا إلى أن قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وأما قولك لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم الوليد بن المغيرة بمكة أو عروة بالطائف فإن الله ليس يستعظم مال الدنيا كما تستعظمه أنت ولا خطر له عنده كما له عندك بل لو كانت الدنيا عنده تعدل جناح بعوضة لما سقى كافرا به مخالفا له شربة ماء وليس قسمة الله إليك بل الله القاسم للرحمات والفاعل لما يشاء في عبيده وإمائه وليس هو عز وجل ممن يخاف أحدا كما تخافه أنت لما له وحاله فعرفته بالنبوة لذلك ولا ممن يطمع في أحد في ماله أو في حاله كما تطمع فيخصه بالنبوة لذلك ولا ممن يحب أحدا محبة الهوى كما تحب أنت فتقدم من لا يستحق التقديم وإنما معاملته بالعدل فلا يؤثر لأفضل مراتب الدين وجلاله إلا الأفضل في طاعته والأجل في خدمته وكذلك لا يؤخر في مراتب الدين وجلاله إلا أشدهم تبطا عن طاعته وإذا كان هذا صفته لم ينظر إلى مال ولا إلى حال بل هذا المال والحال من تفضله وليس لأحد من عباده عليه ضريبة لازب فلا يقال له إذا تفضلت بالمال على عبد فلا بد أن تتفضل عليه بالنبوة أيضا لأنه ليس لأحد إكراهه على خلاف مراده ولا إلزامه تفضلا لأنه تفضل قبله بنعمه ألا ترى يا عبد الله كيف أغنى واحدا وقبح صورته وكيف حسن صورة واحد وأفقره وكيف شرف واحدا وأفقره وكيف أغنى واحدا ووضعه ثم ليس لهذا الغني أن يقول هلا اضيف إلى يساري جمال فلان ولا للجميل أن يقول هلا اضيف إلى جمالي مال فلان ولا للشريف أن يقول هلا اضيف إلى شرفي مال فلان ولا للوضيع أن يقول هلا اضيف إلى ضعتي شرف فلان ولكن الحكم لله يقسم كيف يشاء ويفعل كما يشاء وهو حكيم في أفعاله محمود في أعماله وذلك قوله وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم قال الله تعالى أهم يقسمون رحمه ربك يا محمد نحن قسمنا بينهم

[ 390 ]

معيشتهم في الحيوة الدنيا فأحوجنا بعضا إلى بعض أحوج هذا إلى مال ذلك إلى سلعة هذا وإلى خدمته فترى أجل الملوك وأغنى الأغنياء محتاجا إلى أفقر الفقراء في ضرب من الضروب إما سلعة معه ليست معه وإما خدمة يصلح لها لا يتهيأ لذلك الملك أن يستغني إلا به وإما باب من العلوم والحكم هو فقير إلى أن يستفيدها من ذلك الفقير فهذا الفقير محتاج إلى مال ذلك الملك الغني وذلك الملك يحتاج إلى علم هذا الفقير أو رأيه أو معرفته ثم ليس للملك أن يقول هلا إجتمع إلى مالي علم هذا الفقير ولا للفقير أن يقول هلا إجتمع إلى رأيي وعلمي وما أتصرف فيه من فنون الحكم مال هذا الملك الغني (33) ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لولا أن يرغبوا في الكفر إذا رأوا الكفار في سعة وتنعم لحبهم الدنيا فيجتمعوا عليه لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج ومصاعد عليها يظهرون يعلون السطوح وقرئ سقفا مفردا (34) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكؤن أي أبوابا وسررا من فضة (35) وزخرفا وزينة القمي أمة واحدة أي على مذهب واحد وزخرفا قال البيت المزخرف بالذهب وعن الصادق عليه السلام لو فعل الله ذلك بهم لما آمن أحد ولكنه جعل في المؤمنين أغنياء وفي الكافرين فقراء وجعل في المؤمنين فقراء وفي الكافرين أغنياء ثم امتحنهم بالأمر والنهي والصبر والرضا وفي الكافي والعلل عن السجاد عليه السلام أنه سئل عن هذه الاية فقال عني بذلك امة محمد صلى الله عليه وآله أن يكونوا على دين واحد كفارا كلهم ولو فعل الله ذلك بامة محمد صلى الله عليه وآله لحزن المؤمنون وغمهم ذلك ولم يناكحوهم ولم يوارثوهم وفي العلل عن الصادق عليه السلام قال قال الله عز وجل لولا أن يجد عبدي المؤمن في نفسه لعصبت الكافر بعصابة من ذهب وإن وإنه كل ذلك لما متاع الحيوة

[ 391 ]

الدنيا وقرئ لما بالتشديد بمعنى إلا فتكون إن نافية والاخرة عند ربك للمتقين في الكافي عن الصادق عليه السلام إن الله جل ثناؤه ليعتذر إلى عبده المؤمن المحوج في الدنيا كما يعتذر الأخ إلى أخيه فيقول وعزتي ما أحوجتك في الدنيا من هوان بك علي فارفع هذا السجف فانظر إلى ما عوضتك من الدنيا قال فيرفع فيقول ما ضرني ما منعتني مع ما عوضتني أقول: السجف بالمهملة والجيم الستر وعنه عليه السلام قال قال النبي صلى الله عليه وآله يا معشر المساكين طيبوا نفسا واعطوا الله الرضا من قلوبكم يثيبكم الله عز وجل على فقركم فإن لم تفعلوا فلا ثواب لكم وعنه عليه السلام قال ما كان من ولد آدم عليه السلام مؤمن إلا فقيرا ولا كافر إلا غنيا حتى جاء ابراهيم عليه السلام فقال ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا فصير الله في هؤلاء أموالا وحاجة وفي هؤلاء أموالا وحاجة (36) ومن يعش عن ذكر الرحمن يتعامى ويعرض عنه لفرط اشتغاله بالمحسوسات وانهماكه في الشهوات نقيض نسبب ونقدر له شيطانا فهو له قرين يوسوسه ويغويه دائما وقرئ يقيض بالياء في الخصال عن أمير المؤمنين عليه السلام من تصدى بالأثم أعشى عن ذكر الله تعالى ومن ترك الأخذ عمن أمره الله بطاعته قيض له شيطان فهو له قرين (37) وإنهم ليصدونهم عن السبيل وإن الشياطين ليصدون العاشين عن الطريق الذي من حقه أن يسبل ويحسبون أي العاشون أنهم مهتدون (38) حتى إذا جائنا أي العاشي وقرء جائانا على التثنية أي العاشي والشيطان قال أي العاشي للشيطان يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين بعد المشرق من المغرب فبئس القرين أنت

[ 392 ]

(39) ولن ينفعكم اليوم ما أنتم عليه من التمني إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون القمي عن الباقر عليه السلام نزلت هاتان الايتان هكذا حتى إذا جائانا يعني فلانا وفلانا يقول أحدهما لصاحبه حين يراه يا ليت بينى وبينك بعد المشرقين فبئس القرين فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله قل لفلان وفلان وأتباعهما لن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم آل محمد صلوات الله عليهم حقهم أنكم في العذاب مشتركون (40) أفأنت تسمع الصم أو تهدى العمى إنكار تعجب من أن يكون هو الذي يقدر على هدايتهم بعد تمرنهم على الكفر واستغراقهم في الضلال بحيث صار عشاهم عمى مقرونا بالصمم ومن كان في ضلال مبين عطف على العمى باعتبار تغاير الوصفين وفيه إشعار بأن الموجب لذلك تمكنهم في ضلال لا يخفى (41) فإما نذهبن بك أي فإن قبضناك قبل أن ينصرك بعذابهم وما مزيدة للتأكيد فإنا منهم منتقمون بعدك (42) أو نرينك الذى وعدناهم أو إن أردنا أن نريك ما وعدناهم من العذاب فإنا عليهم مقتدرون لا يفوتوننا في المجمع روى أنه صلى الله عليه وآله اري ما يلقى امته بعده فما زال منقبضا ولم ينبسط ضاحكا حتى لقى الله تعالى قال: وروى جابر بن عبد الله الأنصاري قال إني لأدناهم من رسول الله صلى الله عليه وآله في حجة الوداع بمنى حتى قال لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض وأيم الله لئن فعلتموها لتعرفني في الكتيبة التي تضاربكم ثم التفت إلى خلفه فقال أو علي أو علي ثلاث مرات فرأينا أن جبرئيل غمزه فأنزل الله على أثر ذلك فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون بعلي بن أبي طالب أقول: إنما يكون ذلك في الرجعة والقمي عن الصادق عليه السلام قال فإما نذهبن بك يا محمد من مكة إلى

[ 393 ]

المدينة فإنا رادوك إليها ومنتقمون منهم بعلي بن أبي طالب عليه السلام وقد سبق في هذا المعنى أخبار اخر في سورة المؤمنين (43) فاستمسك بالذى أوحى إليك إنك على صراط مستقيم القمي عن الباقر عليه السلام إنك على ولاية علي عليه السلام وعلي هو الصراط المستقيم (44) وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون في الكافي عن الباقر عليه السلام نحن قومه ونحن المسؤولون وعن الصادق عليه السلام إيانا عني ونحن أهل الذكر ونحن المسؤولون وعنه عليه السلام الذكر القرآن ونحن قومه ونحن المسؤولون وفي البصائر عن الباقر عليه السلام في هذه الاية قال رسول الله صلى الله عليه وآله وأهل بيته أهل الذكر وهم المسؤولون (45) واسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت في ملة من مللهم في الكافي والقمي عن الباقر عليه السلام إنه سئل عن هذه الاية من ذا الذي سأله محمد صلى الله عليه وآله وكان بينه وبين عيسى خمسمأة سنة فتلا هذه الاية سبحان الذى أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذى باركنا حوله لنريه من آياتنآ قال فكان من الايات التي أراها الله محمدا صلى الله عليه وآله حين أسرى به إلى البيت المقدس أن حشر الله له الأولين والاخرين من النبيين والمرسلين ثم أمر جبرئيل فأذن شفعا وأقام شفعا ثم قال في إقامته حي على خير العمل ثم تقدم محمد صلى الله عليه وآله فصلى بالقوم فأنزل الله عليه واسأل من أرسلنا الاية فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وآله على ما تشهدون وما كنتم تعبدون فقالوا نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنك رسول الله (ص) أخذت على ذلك مواثيقنا وعهودنا وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام في حديث وأما قوله واسئل من

[ 394 ]

أرسلنا من قبلك من رسلنا فهذا من براهين نبينا التي أتاه الله إياها وأوجب به الحجة على ساير خلقه لأنه لما ختم به الأنبياء وجعله الله رسولا إلى جميع الأمم وساير الملل خصه بالأرتقاء إلى السماء عند المعراج وجمع له يومئذ الأنبياء فعلم منهم ما ارسلوا به وحملوه من عزائم الله وآياته وبراهينه فأقروا أجمعين بفضله وفضل الأوصياء والحجج في الأرض من بعده وفضل شيعة وصيه من المؤمنين والمؤمنات الذين سلموا لأهل الفضل فضلهم ولم يستكبروا عن أمرهم وعرف من أطاعهم وعصاهم من اممهم وسائر من مضى ومن غبر أو تقدم أو تأخر وقد سبق نظير هذين الخبرين في سورة يونس عليه السلام (46) ولقد أرسلنا موسى باياتنآ إلى فرعون وملئه فقال إنى رسول رب العالمين (47) فلما جائهم باياتنآ إذا هم منها يضحكون إستهزؤا بها أول ما رأوها ولم يتأملوا فيها (48) وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب كالسنين والطوفان والجراد لعلهم يرجعون (49) وقالوا يا ايها الساحر قيل نادوه بذلك في تلك الحال لشدة شكيمتهم وفرط حماقتهم أو لأنهم كانوا يسمون العالم الباهر ساحرا والقمي أي يا أيها العالم ادع لنا ربك بما عهد عندك أن يكشف عنا العذاب إننا لمهتدون (50) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون عهدهم بالأهتداء (51) ونادى فرعون في قومه في مجمعهم وفيما بينهم بعد كشف العذاب عنهم مخافة أن يؤمن بعضهم قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الانهار النيل وكان معظمهم أربعة تجرى من تحتي أفلا تبصرون ذلك (52) أم أنا خير مع هذه المسلكة والبسطة من هذا الذى هو مهين ضعيف حقير لا يستعد للرياسة ولا يكاد يبين الكلام لما به من الرتة (1) فكيف يصلح للرسالة وأم إما منقطعة


(1) الرتة بالضم العجمة. (*)

[ 395 ]

والهمزة فيها للتقرير أو متصلة والمعنى أفلا تبصرون فتعلمون أني خير منه (53) فلولا ألقى عليه أساورة من ذهب أي فهلا القي إليه مقاليد الملك إن كان صادقا إذ كانوا إذ سودوا رجلا سوروه وطوقوه بطوق من ذهب وأساورة جمع أسوار بمعنى السوار وقرئ اسورة أو جاء معه الملئكة مقترنين مقارنين يعينونه أو يصدقونه (54) فاستخف قومه استخف احلامهم أو طلب منهم الخفة في مطاوعته ودعاهم فأطاعوه فيما أمرهم به إنهم كانوا قوما فاسقين اطاعوا ذلك الفاسق في نهج البلاغة ولقد دخل موسى بن عمران ومعه أخوه هرون على فرعون وعليهما مدارع الصوف وبأيديهما العصا فشرطا له إن أسلم فلذلك بقاء ملكه ودوام عزه فقال ألا تعجبون من هذين يشرطان لي دوام العز وبقاء الملك وهما بما ترون من حال الفقر والذل فهلا ألقي عليهما أساور من ذهب إعظاما للذهب وجمعه إحتقارا للصوف ولبسه ولو أراد الله سبحانه لأنبيائه حيث بعثهم أن يفتح لهم كنوز الذهبان ومعادن العقيان ومغارس الجنان وأن يحشر معهم طيور السماء ووحوش الأرضين لفعل ولو فعل لسقط البلاء وبطل الجزاء واضمحل الأنباء ولما وجب للقائلين اجور المبتلين ولا استحق المؤمنون ثواب المحسنين ولا لزمت الأسماء معانيها ولكن الله سبحانه جعل رسله أولي قوه في عزائمهم وضعفة فيما ترى الأعين من حالاتهم مع قناعة تملأ القلوب والعيون غنى وخصاصة تملأ الأبصار والأسماع أذى ولو كانت الأنبياء أهل قوة لا ترام وعزة لا تضام وملك تمد نحوه أعناق الرجال وتشد إليه عقد الرحال لكان ذلك أهون على الخلق في الأعتبار وأبعد لهم من الأستكبار ولامنوا عن رهبة قاهرة لهم أو رغبة مايلة بهم وكانت السيئات مشتركة والحسنات مقتسمة ولكن الله سبحانه أراد أن يكون الأتباع لرسله والتصديق بكتبه والخشوع لوجهه والأستكانة لأمره والأستسلام لطاعته امورا له خاصة لا يشوبها من غيرها شائبة وكلما كانت البلوى والأختبار أعظم كانت المثوبة والجزاء أجزل (55) فلمآ اسفونا أغضبونا بالأفراط في العناد والعصيان انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين في اليم

[ 396 ]

في الكافي والتوحيد عن الصادق عليه السلام إنه قال في هذه الاية إن الله تبارك وتعالى لا يأسف كأسفنا ولكنه خلق أولياء لنفسه يأسفون ويرضون وهم مخلوقون مربوبون فجعل رضاهم رضا نفسه وسخطهم سخط نفسه وذلك لأنه جعلهم الدعاة إليه والأدلاء عليه فلذلك صاروا كذلك وليس أن ذلك يصل إلى الله كما يصل إلى خلقه ولكن هذا معنى ما قال من ذلك وقال أيضا من أهان لي وليا فقد بارزني بالمحاربة ودعاني إليها وقال أيضا من يطع الرسول فقد أطاع الله وقال أيضا إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله وكل هذا وشبه على ما ذكرت لك وهكذا الرضا والغضب وغيرهما من الأشياء مما يشاكل ذلك ولو كان يصل إلى المكون الأسف والضجر وهو الذي أحدثهما وأنشأهما لجاز لقائل أن يقول إن المكون يبيد يوما لأنه إذا دخله الضجر والغضب دخله التغير وإذا دخله التغير لم يؤمن عليه بالأبادة ولو كان ذلك كذلك لم يعرف المكون من المكون ولا القادر من المقدور ولا الخالق من المخلوق تعالى الله عن هذا القول علوا كبيرا هو الخالق للأشياء لا لحاجة فإذا كان لا لحاجة إستحال الحد والكيف فيه فافهم ذلك إنشاء الله (56) فجعلناهم سلفا قدوة لمن بعدهم من الكفار وقرئ سلفا بضمتين ومثلا للاخرين وعظة لهم (57) ولما ضرب ابن مريم مثلا لعلي بن أبي طالب عليه السلام حيث قيل إن فيه شبها منه إذا قومك قريش منه من هذا المثل يصدون قيل أي يضجون فرحا لظنهم أن الرسول صار ملزما به وقرئ بالضم من الصدود أي يصدون عن الحق ويعرضون عنه وقيل هنا لغتان وفي المعاني عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال في هذه الاية الصدود في العربية الضحك (58) وقالوا ءألهتنا خير أم هو وقرئ بإثبات همزة الأستفهام ما ضربوه لك إلا جدلا ما ضربوا هذا المثل إلا لأجل الجدل والخصومة لا لتمييز الحق من عن الباطل بل هم قوم خصمون شداد الخصومة حراص على اللجاج

[ 397 ]

(59) إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل (60) ولو نشاء لجعلنا منكم ملئكة في الارض يخلفون يخلفونكم الأرض يعني أن الله قادر على أعجب من ذلك في الكافي عن أبي بصير قال بينا رسول الله صلى الله عليه وآله ذات يوم جالس إذ أقبل أمير المؤمنين عليه السلام فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله أن فيك شبها من عيسى بن مريم لولا أن تقول فيك طوائف من أمتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم عليه السلام لقلت فيك قولا لا تمر بملأ من الناس إلا أخذوا التراب من تحت قدميك يلتمسون بذلك البركة قال فغضب الأعرابيان والمغيرة بن شعبة وعدة من قريش معهم فقالوا ما رضي أن يضرب لابن عمه مثلا إلا عيسى بن مريم فأنزل الله على ولما ضرب ابن مريم مثلا إلى قوله لجعلنا منكم يعني من بني هاشم ملئكة في الارض يخلفون الحديث وقد مضى تمامه في سورة الأنفال والقمي عن سلمان الفارسي رضى الله عنه قال بينما رسول الله صلى الله عليه وآله جالسا في أصحابه إذ قال أنه يدخل عليكم الساعة شبيه عيسى بن مريم عليه السلام فخرج بعض من كان جالسا مع رسول الله صلى الله عليه وآله ليكون هو الداخل فدخل علي بن أبي طالب عليه السلام فقال الرجل لبعض أصحابه أما رضي محمد أن فضل عليا علينا حتى يشبهه بعيسى بن مريم والله لالهتنا التي كنا نعبدها في الجاهلية أفضل منه فأنزل الله في ذلك المجلس ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يضجون فحرفوها يصدون وقالوا ءألهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون إن علي عليه السلام إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل فنحي اسمه عن هذا الموضع وفي المناقب عن النبي صلى الله عليه وآله قال يدخل من هذا الباب رجل أشبه الخلق بعيسى فدخل علي فضحكوا من هذا القول فنزل ولما ضرب الايات وفي المجمع عن أمير المؤمنين عليه السلام قال جئت إلى النبي صلى الله عليه وآله يوما فوجدته في ملأ من قريش فنظر إلي ثم قال يا علي إنما مثلك في هذه

[ 398 ]

الامة كمثل عيسى بن مريم أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا وأبغضه قوم وأفرطوا في بغضه فهلكوا واقتصد فيه قوم فنجوا فعظم ذلك عليهم وضحكوا وقالوا يشبهه بالأنبياء والرسل فنزلت هذه الاية وفي التهذيب في دعاء يوم الغدير المروى عن الصادق عليه السلام فقد أجبنا داعيك النذير المنذر محمدا عبدك ورسولك إلى علي بن أبي طالب عليه السلام الذي أنعمت عليه وجعلته مثلا لبني اسرائيل أنه أمير المؤمنين عليه السلام ومولاهم ووليهم إلى يوم القيامة يوم الدين فإنك قلت إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل (61) وإنه لعلم للساعة القمي ثم ذكر خطر أمير المؤمنين عليه السلام فقال وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها واتبعون هذا صراط مستقيم قال يعني أمير المؤمنين عليه السلام وقيل يعني نزول عيسى بن مريم عليه السلام من أشراط الساعة يعلم به قربها فلا تمترن بها (62) ولا يصدنكم الشيطان القمي يعني الثاني عن أمير المؤمنين إنه لكم عدو مبين (63) ولما جاء عيسى بالبينات قال قد جئتكم بالحكمة ولابين لكم بعض الذى تختلفون فيه فاتقوا الله وأطيعون فيما ابلغه عنه (64) إن الله هو ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (65) فاختلف الاحزاب الفرق المتحزبة من بينهم فويل للذين ظلموا من المتحزبين من عذاب يوم أليم القيامة (66) هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فجأة وهم لا يشعرون غافلون عنها (67) الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو القمي يعني الأصدقاء يعادي بعضهم بعضا

[ 399 ]

وقال الصادق عليه السلام الأكل خلة كانت في الدنيا في غير الله عز وجل فإتصير عداوة يوم القيامة إلا المتقين فإن خلتهم لما كانت في الله تبقى نافعة أبد الاباد في الكافي عن الصادق عليه السلام إنه قرأ هذه الاية فقال والله ما أراد بهذا غيركم وفي مصباح الشريعة قال الصادق عليه السلام واطلب مؤاخاة الأتقياء ولو في ظلمات الأرض وإن أفنيت عمرك في طلبهم فإن الله عز وجل لم يخلق أفضل منهم على وجه الأرض من بعد النبيين وما أنعم الله تعالى على عبد بمثل ما أنعم به من التوفيق لصحبتهم قال الله تعالى الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين وأظن أن من طلب في زماننا هذا صديقا بلا عيب بقي بلا صديق (68) يا عباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون حكاية لما ينادى به المتقون المتحابون في الله يومئذ (69) الذين آمنوا باياتنا القمي يعني الأئمة عليهم السلام وكانوا مسلمين (70) ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم نساؤكم المؤمنات تحبرون القمي أي تكرمون (71) يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب الصحفة القصعة والكوب كوز لا عروة له وفيها ما تشتهيه الانفس وقرئ ما تشتهي الأنفس وتلذ الاعين بمشاهدته وأنتم فيها خالدون فإن كل نعيم زائل موجب لكلفة الحفظ وخوف الزوال ومستعقب للتحسر في ثاني الحال في الأحتجاج عن القائم عليه السلام إنه سئل عن أهل الجنة هل يتوالدون إذا دخلوها فأجاب عليه السلام إن الجنة لا حمل فيها للنساء ولا ولادة ولا طمث ولا نفاس ولا شقاء بالطفولية وفيها ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين كما قال الله فإذا

[ 400 ]

اشتهى المؤمن ولدا خلقه الله عز وجل بغير حمل ولا ولادة على الصورة التي يريد كما خلق آدم عبرة والقمي عن الصادق عليه السلام قال إن الرجل في الجنة يبقى على مائدته أيام الدنيا ويأكل في أكلة واحدة بمقدار أكله في الدنيا (72) وتلك الجنة التى أورثتموها بما كنتم تعملون قد مر معنى الوراثة (73) لكم فيها فاكهة كثيرة منها تأكلون قيل ولعل تفصيل التنعم بالمطاعم والملابس وتكريره في القرآن وهو حقير بالأضافة إلى ساير نعيم الجنة لما كان بهم من الشدة والفاقة (74) إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون القمي هم أعداء آل محمد صلوات الله عليهم (75) لا يفتر عنهم لا يخفف عنهم وهم فيه مبلسون القمي أي آيسون من الخير (76) وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين (77) ونادوا يا مالك وفي المجمع عن علي عليه السلام إنه قرأ يا مال على الترخيم قيل ولعله إشعار بأنهم لضعفهم لا يستطيعون تأدية اللفظ بالتمام ولذلك اختصروا فقالوا ليقض علينا ربك يعني سل ربك أن يقضي علينا أن يميتنا من قضى عليه إذا أماته قال إنكم ماكثون لا خلاص لكم بموت وغيره (78) لقد جئناكم بالحق بالأرسال والأنزال القمي هو قول الله عز وجل قال يعني بولاية أمير المؤمنين عليه السلام ولكن أكثركم للحق كارهون قال يعني لولاية أمير المؤمنين عليه السلام (79) أم أبرموا أمرا في تكذيب الحق ورده ولم يقتصروا على كراهته فإنا

[ 401 ]

مبرمون أمرا في مجازاتهم (80) أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم حديث نفسهم ونجواهم تناجيهم بلى نسمعها ورسلنا والحفظة مع ذلك لديهم يكتبون ذلك القمي يعني ما تعاهدوا عليه في الكعبة أن لا يردوا الأمر في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله أقول: يأتي بيان ذلك في سورة محمد صلى الله عليه وآله وعن الصادق عليه السلام أن هذه الاية نزلت فيهم (81) قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين وقرئ ولد بالضم القمي يعني أول الانفين لله عز وجل أن يكون له ولد وفي الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام أي الجاحدين قال والتأويل في هذا القول باطنه مضاد لظاهره (82) سبحان رب السموات والارض رب العرش عما يصفون عن كونه ذا ولد فإن هذه المبدعات منزهة عن توليد المثل فما ظنك بمبدعها وخالقها (83) فذرهم يخوضوا ويلعبوا في دنياهم حتى يلاقوا يومهم الذى يوعدون أي القيامة (84) وهو الذى في السماء إله وفى الارض إله مستحق لأن يعبد فيهما في الأحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام قال في حديث وقوله وهو الذى في السماء إله وفى الارض إله وقوله وهو معكم أينما كنتم وقوله ما يكون من نجوى ثلثة إلا هو رابعهم فإنما أراد بذلك إستيلاء أمنائه بالقدرة التي ركبها فيهم على جميع خلقه وأن فعلهم فعله وهو الحكيم العليم (85) وتبارك الذى له ملك السموات والارض وما بينهما وعنده علم الساعة وإليه يرجعون وقرئ بالتاء

[ 402 ]

(86) ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة القمي قال هم الذين عبدوا في الدنيا لا يملكون الشفاعة لمن عبدهم إلا من شهد بالحق وهم يعلمون بالتوحيد (87) ولئن سئلتهم من خلقهم ليقولن الله لتعذر المكابرة فيه من فرط ظهوره فأنى يؤفكون يصرفون من عبادته إلى عبادة غيره (88) وقيله وقول الرسول أي ويعلم قوله أو وقال قوله وقيل الهاء زائدة وقرئ بالجر عطفا على الساعة يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (89) فاصفح عنهم فاعرض عن دعوتهم آيسا عن إيمانهم وقل سلام تسلم منكم ومتاركة فسوف يعلمون تسلية للرسول صلى الله عليه وآله وتهديد لهم وقرئ بالتاء في ثواب الأعمال والمجمع عن الباقر عليه السلام من قرأ حم الزخرف آمنه الله في قبره من هوام الأرض وضغطة القبر حتى يقف بين يدي الله عز وجل ثم جاءت حتى تدخله الجنة بأمر الله تبارك وتعالى

[ 403 ]

سورة الدخان مكية عدد آيها تسع وخمسون آية كوفي سبع بصري ست في الباقين بسم الله الرحمن الرحيم (1) حم (2) والكتاب المبين (3) إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين (4) فيها يفرق كل أمر حكيم في المجمع عن الباقر والصادق عليهما السلام أي أنزلنا القرآن والليلة المباركة هي ليلة القدر والقمي عنهما وعن الكاظم عليهم السلام مثله وزاد أنزل الله سبحانه القرآن فيها إلى البيت المعمور جملة واحدة ثم نزل من البيت المعمور على رسول الله صلى الله عليه وآله في طول عشرين سنة فيها يفرق يعني في ليلة القدر كل أمر حكيم أي يقدر الله عز وجل كل أمر من الحق والباطل وما يكون في تلك السنة وله فيه البداء والمشيئة يقدم ما يشاء ويؤخر ما يشاء من الاجال والأرزاق والبلايا والأعراض والأمراض ويزيد فيه ما يشاء وينقص ما يشاء ويلقيه رسول الله صلى الله عليه وآله إلى أمير المؤمنين عليه السلام ويلقيه أمير المؤمنين إلى الأئمة عليهم السلام حتى ينتهي ذلك الى صاحب الزمان عليه السلام ويشترط له فيه البداء والمشية والتقديم والتأخير وفي الكافي عن الباقر عليه السلام قال قال الله عز وجل في ليلة القدر فيها

[ 404 ]

يفرق كل أمر حكيم يقول ينزل فيها كل أمر حكيم والمحكم ليس بشيئين إنما هو شئ واحد فمن حكم بما ليس فيه اختلاف فحكمه من حكم الله عز وجل ومن حكم بأمر فيه اختلاف فرأى أنه مصيب فقد حكم بحكم الطاغوت أنه لينزل في ليلة القدر إلى ولي الأمر تفسير الامور سنة سنة يؤمر فيها في أمر نفسه بكذا وكذا وفي أمر الناس كذا وكذا وأنه ليحدث لولي الأمر سوى ذلك كل يوم علم الله الخاص والمكنون العجيب المخزون مثل ما ينزل في تلك الليلة من الأمر ثم قرأ ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام الاية وعنه عليه السلام قال يا معشر الشيعة خاصموا بحم والكتاب المبين إنآ أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فإنها لولاة الأمر خاصة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وعنه عليه السلام قال لما قبض أمير المؤمنين عليه السلام قام الحسن بن علي عليهما السلام في مسجد الكوفة فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وآله ثم قال أيها الناس إنه قد قبض في هذه الليلة رجل ما سبقه الأولون ولا يدركه الاخرون ثم قال والله لقد قبض في الليلة التي قبض فيها وصي موسى عليه السلام يوشع بن نون عليه السلام والليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم والليلة التي نزل فيها القرآن وقد مضى في المقدمة التاسعة من هذا الكتاب كلام في هذا الباب ويأتي تمام الكلام فيه في سورة القدر إنشاء الله وعن الكاظم عليه السلام إنه سأله نصراني عن تفسير هذه الاية في الباطن فقال أما حم فهو محمد صلى الله عليه وآله وهو في كتاب هود الذي انزل عليه وهو منقوص الحروف وأما الكتاب المبين فهو أمير المؤمنين علي عليه السلام وأما الليلة ففاطمة عليها السلام وأما قوله فيها يفرق كل أمر حكيم يقول يخرج منها خير كثير فرجل حكيم ورجل حكيم ورجل حكيم فقال الرجل صف لي الأول والاخر من هؤلاء الرجال فقال إن الصفات تشتبه ولكن الثالث من القوم أصف لك ما يخرج من نسله وأنه عندكم لفي الكتب التي نزلت عليكم إن لم تغيروا وتحرفوا وتكفروا وقديما ما فعلتم الحديث

[ 405 ]

(5) أمرا من عندنا على مقتضى حكمتنا إنا كنا مرسلين من عادتنا إرسال الرسل بالكتب (6) رحمة من ربك وضع الرب موضع الضمير إشعار بأن الربوبية اقتضت ذلك فإنه أعظم أنواع التربية إنه هو السميع العليم يسمع أقوال العباد ويعلم أحوالهم (7) رب السموات والارض وما بينهما وقرئ بالجر إن كنتم موقنين علمتم أن الأمر كما قلنا (8) لا إله إلا هو إذ لا خالق سواه يحيى ويميت كما تشاهدون ربكم ورب آبآئكم الاولين (9) بل هم في شك يلعبون رد لكونهم موقنين (10) فارتقب فانتظر لهم يوم تأتى السماء بدخان مبين (11) يغشى الناس يحيط بهم هذا عذاب أليم روي في حديث أشراط الساعة أول الايات الدخان ونزول عيسى عليه السلام ونار تخرج من قعر عدن ابين تسوق الناس إلى المحشر قيل وما الدخان فتلا رسول الله صلى الله عليه وآله هذه الاية وقال يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة أما المؤمن فيصيبه كهيئة الزكام وأما الكافر فهو كالسكران يخرج من منخريه واذنيه ودبره أقول: أبين بسكون الموحدة وفتح المثناة من تحت رجل ينسب إليه عدن وفي الجوامع عن علي عليه السلام دخان يأتي من السماء قبل قيام الساعة يدخل في أسماع الكفرة حتى يكون رأس الواحد كالرأس الحنيذ ويعتري المؤمن منه كهيئة الزكام ويكون الأرض كلها كبيت أوقد فيه ليس فيه خصاص يمتد ذلك أربعين يوما والقمي قال ذلك إذا خرجوا في الرجعة من القبر يغشي الناس كلهم الظلمة فيقولون هذا عذاب أليم

[ 406 ]

(12) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون وعد بالأيمان أن يكشف العذاب عنهم (13) أنى لهم الذكرى من أين لهم وكيف يتذكرون بهذه الحالة وقد جائهم رسول مبين أبان لهم ما هو أعظم منها في ايجاب الأذكار من الايات والمعجزات (14) ثم تولوا عنه وقالوا معلم قيل يعني يعلمه غلام أعجمي لبعض ثقيف مجنون القمي قال قالوا ذلك لما نزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وآله فأخده الغشي فقالوا هو مجنون (15) إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون قيل يعني إلى الكفر غب الكشف والقمي يعني إلى القيامة وقال ولو كان قوله تعالى يوم تأتى السماء بدخان مبين في القيامة لم يقل إنكم عائدون لأنه ليس بعد الاخرة والقيامة حالة يعودون إليها (16) يوم نبطش البطشة الكبرى القمي قال القيامة والبطش التناول بصولة إنا منتقمون (17) ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون إختبرناهم وجآئهم رسول كريم (18) أن أدوا إلى عباد الله أرسلوهم معي أو أدوا إلي حق الله من الأيمان وقبول الدعوة يا عباد الله القمي أي ما فرض الله من الصلاة والزكاة والصوم والحج والسنن والأحكام إنى لكم رسول أمين غير متهم (19) وأن لا تعلوا على الله ولا تتكبروا عليه بالأستهانة بوحيه ورسوله إنى آتيكم بسلطان مبين قيل ولذكر الأمين مع الأداء والسلطان مع العلاء شأن لا يخفى (20) وإنى عذت بربي وربكم إلتجأت إليه وتوكلت عليه أن ترجمون أن تؤذوني ضربا أو شتما (21) وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون فكونوا بمعزل مني لا علي ولا لي

[ 407 ]

(22) فدعا ربه بعد ما كذبوه أن هؤلاء قوم مجرمون قيل هو تعريض بالدعاء عليهم بذكر ما استوجبوه به ولذلك سماه دعاء (23) فأسر بعبادي ليلا أي أوحى الله إليه أن أسر إنكم متبعون يتبعكم فرعون وجنوده إذا علموا بخروجكم (24) واترك البحر رهوا القمي أي جانبا أو خذ على الطريق وقيل أي مفتوحا ذا فجوة واسعة أو ساكنا على هيئته إنهم جند مغرقون (25) كم تركوا كثيرا تركوا من جنات وعيون (26) وزروع ومقام كريم محافل مزينة ومنازل حسنة (27) ونعمة وتنعم كانوا فيها فاكهين متنعمين القمي قال النعمة في الأبدان فاكهين أي مفاكهين النساء (28) كذلك وأورثناها قوما آخرين (29) فما بكت عليهم السماء والارض قيل مجاز عن عدم الأكتراث بهلاكهم والأعتداد بوجودهم القمي عن أمير المؤمنين عليه السلام إنه مر عليه رجل عدو لله ولرسوله فقال فما بكت عليهم السماء والارض وما كانوا منظرين ثم مر عليه الحسين عليه السلام ابنه فقال لكن هذا لتبكين عليه السماء والأرض وقال وما بكت السماء والارض إلا على يحيى بن زكريا عليه السلام وعلى الحسين بن علي عليهما السلام وفي المجمع عن الصادق عليه السلام قال بكت السماء على يحيى بن زكريا وعلى الحسين بن علي عليهم السلام أربعين صباحا ولم تبك إلا عليهما قيل فما بكاءهما قال كانت تطلع حمراء وتغيب حمراء وفي المناقب عنه عليه السلام قال بكت السماء على الحسين عليه السلام أربعين يوما بالدم

[ 408 ]

وعن القائم عليه السلام ذبح يحيى عليه السلام كما ذبح الحسين عليه السلام ولم تبك السماء والأرض إلا عليهما وما كانوا منظرين ممهلين إلى وقت آخر (30) ولقد نجينا بنى إسرائيل من العذاب المهين من استعباد فرعون وقتله أبنائهم (31) من فرعون إنه كان عاليا متكبرا من المسرفين في العتو والشرارة (32) ولقد اخترناهم على علم بأنهم أحقاء بذلك على العالمين على عالمي زمانهم القمي فلفظه عام ومعناه خاص (33) وآتيناهم من الايات كفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى ما فيه بلاء مبين نعمة جلية أو اختبار ظاهر (34) إن هؤلاء أي كفار قريش فإن قصة فرعون كانت معترضة ليقولون (35) إن هي إلا موتتنا الاولى ما العاقبة ونهاية الأمر إلا الموتة المزيلة للحياة الدنيوية وما نحن بمنشرين بمبعوثين (36) فأتوا بابآئنآ إن كنتم صادقين في وعدكم (37) أهم خير أم قوم تبع تبع الحميري الذي سار بالجيوش وحيز الحيرة كان مؤمنا وقومه كافرين ولذلك ذمهم دونه في المجمع عن النبي صلى الله عليه وآله لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم وعن الصادق عليه السلام إن تبعا قال للأوس والخزرج كونوا هيهنا حتى يخرج هذا النبي أما أنا فلو أدركته لخدمته وخرجت معه والذين من قبلهم كعاد وثمود أهلكناهم إنهم كانوا مجرمين كما أن هؤلاء مجرمون (38) وما خلقنا السموات والارض وما بينهما لاعبين لاهين فيه تنبيه على ثبوت الحشر

[ 409 ]

(39) ما خلقناهما إلا بالحق ولكن أكثرهم لا يعلمون لقلة نظرهم (40) إن يوم الفصل فصل الحق عن الباطل والمحق عن المبطل ميقاتهم وقت موعدهم اجمعين (41) يوم لا يغنى مولى عن مولى أي مولى كان شيئا شيئا من الأغناء وهم لا ينصرون (42) إلا من رحم الله بالعفو عنه وقبول الشفاعة فيه إنه هو العزيز لا ينصر منه من أراد تعذيبه الرحيم لمن أراد أن يرحمه في الكافي عن الصادق عليه السلام أنه قرئ عليه هذه الاية فقال نحن والله الذي يرحم الله ونحن والله الذي استثنى الله لكنا نغني عنهم وعنه عليه السلام ما استثنى الله عز وجل ذكره بأحد من أوصياء الأنبياء ولا أتباعهم ما خلا أمير المؤمنين عليه السلام وشيعته فقال في كتابه وقوله الحق يوم لا يغنى مولى عن مولى شيئا وهم لا ينصرون إلا من رحم الله يعني بذلك عليا عليه السلام وشيعته والقمي قال من والى غير أولياء الله لا يغني بعضهم عن بعض ثم استثنى من والى آل محمد صلوات الله عليهم فقال إلا من رحم الله الاية (43) إن شجرة الزقوم مر معناه في سورة الصافات (44) طعام الاثيم الكثير الاثام القمي نزلت في أبي جهل (45) كالمهل قيل ما هو يمهل في النار حتى يذوب القمي قال المهل الصفر المذاب تغلى في البطون وقرئ بالياء (46) كغلى الحميم القمي وهو الذي قد حمى وبلغ المنتهى (47) خذوه على إرادة القول والمقول له الربانية فاعتلوه فجروه والعتل الأخذ بمجامع الشئ وجره بقهر وقرئ بالظم إلى سوآء الجحيم وسطه والقمي أي

[ 410 ]

فاضغطوه من كل جانب ثم أنزلوا به إلى سواء الجحيم (48) ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم من عذاب هو الحميم (49) ذق إنك أنت العزيز الكريم أي وقولوا له ذلك استهزاء به القمي وذلك أن أبا جهل كان يقول أنا العزيز الكريم فيعير بذلك في النار وفي الجوامع روي أن أبا جهل قال لرسول الله صلى الله عليه وآله ما بين جبليها أعز ولا أكرم مني وقرئ إنك بالفتح أي لأنك (50) إن هذا هذا العذاب ما كنتم به تمترون تشكون وتمارون فيه (51) إن المتقين في مقام في موضع إقامة وقرئ بفتح الميم أمين يأمن صاحبه عن الافة والأنتقال (52) في جنات وعيون (53) يلبسون من سندس وإستبرق السندس ما رق من الحرير والأستبرق ما غلظ منه متقابلين في مجالسهم ليستأنس بعضهم ببعض (54) كذلك الأمر كذلك وزوجناهم بحور عين قرناهم بهن ولذلك عدى بالباء والحوراء البيضاء والعيناء عظيم العينين في الكافي عن الباقر عليه السلام قال إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث رب العزة عليا عليه السلام فأنزلهم منازلهم من الجنة فزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وما ذاك إلى أحد غيره كرامة من الله وفضلا فضله الله ومن به عليه والقمي عن الصادق عليه السلام قال المؤمن يزوج ثمان ماة عذراء وألف في الكافي عن الباقر عليه السلام قال إذا أدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار بعث رب العزة عليا عليه السلام فأنزلهم منازلهم من الجنة فزوجهم فعلي والله الذي يزوج أهل الجنة في الجنة وما ذاك إلى أحد غيره كرامة من الله وفضلا فضله الله ومن به عليه والقمي عن الصادق عليه السلام قال المؤمن يزوج ثمان ماة عذراء وألف ثيب وزوجتين من الحور العين (55) يدعون فيها بكل فاكهة يطلبون ويأمرون باحضار ما يشتهون من الفواكه لا يتخصص شئ منها بمكان ولا زمان آمنين من الضرر

[ 411 ]

(56) لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الاولى التي في الدنيا حين يشارف الجنة ويشاهدها بل يحيون فيها دائما ووقيهم عذاب الجحيم (57) فضلا من ربك اعطوا ذلك كله تفضلا منه ذلك هو الفوز العظيم لأنه خلاص عن المكاره وفوز بالمطالب (58) فإنما يسرناه بلسانك سهلناه حيث أنزلناه بلغتك وهو فذلكة للسورة لعلهم يتذكرون يفهمونه فيتذكرون به لما لم يتذكروا (59) فارتقب فانتظر ما يحل بهم إنهم مرتقبون منتظرون ما يحل بك في ثواب الأعمال والمجمع عن الباقر عليه السلام من أدمن سورة الدخان في فرائضه ونوافله بعثه الله من الامنين يوم القيامة وظلله تحت عرشه وحاسبه حسابا يسيرا وأعطاه كتابه بيمينه وفي الكافي عنه عليه السلام إنه سئل كيف أعرف أن ليلة القدر تكون في كل سنة قال إذا أتى شهر رمضان فاقرأ سورة الدخان في كل ليلة ماة مرة فإذا أتت ليلة ثلاث وعشرين فإنك ناظر إلى تصديق الذي سألت عنه.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية