الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...
 تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 2

تفسير مجمع البيان

الشيخ الطبرسي ج 2


[ 3 ]

مجمع البيان في تفسير القرآن تأليف أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري حققه وعلق عليه لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين قدم له الامام الأكبر السيد محسن الأمين العاملي الجزء الثاني منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص ب: 7120

[ 4 ]

الطبعة الأولى تمتاز هذه الطبعة بتحقيقات مهمة وإخراج فني عصري جيد، وجميع حقوق الطبع على هذه الطبعة محفوظة ومسجلة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م‍ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - شارع المطار - قرب كلية الهندسة. ملك الاعلمي - ص. ب: 7120 الهاتف: 833447 - 833453

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ 183 ]). اللغة: الصوم في اللغة: الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم، لأنه إمساك عن الكلام. قال ابن دريد: كل شئ سكنت حركته فقد صام صوما. وقال النابغة: * خيل صيام، وخيل غير صائمة * تحت العجاج، وأخرى تملك اللجما * أي: قيام. وصامت الريح أي: ركدت. وصامت الشمس: إذا استوت في منتصف النهار. وصام النهار أيضا بمقدار، قال امرؤ القيس: * فدعها وسل الهم عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار، وهجرا (1) * والصوم: ذرق النعام. وأصل الباب: الإمساك. وهو في الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص، ممن هو على صفات مخصوصة، في زمان مخصوص. فالإسم شرعي، وفيه معنى اللغة. والصيام بمعنى الصوم، يقال صمت صوما وصياما. الاعراب: (الصيام): رفع بما لم يسم فاعله، وقوله (كما كتب) أي: مثل ما كتب. فما هذه: مصدرية، وتقدير الكلام: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم. فحذف المصدر، وأقيم صفته مقامه. ويحتمل أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من الصيام، وتقديره كتب عليكم الصيام مفروضا أي: في هذه الحال. المعنى: ثم بين سبحانه فريضة أخرى، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: يا


(1) الجسر من الإبل: العظيم، والأنثى الجسرة. الناقة الذمول: التي تسير الذميل أي: سيرا لينا. (*)

[ 6 ]

أيها المصدقون. وروي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال: لذة ما في الندا، أزال تعب العبادة والعنا. وقال الحسن: إذا سمعت الله، عز وجل، يقول (يا أيها الذين آمنوا) فارع لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به، أو لنهي تنهى عنه. (كتب عليكم الصيام) أي: فرض عليكم العبادة المعروفة في الشرع. وإنما خص المؤمنين بالخطاب، لقبولهم لذلك، ولأن العبادة لا تصح إلا منهم. ووجوبه عليهم لا ينافي وجوبه على غيرهم. وقوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) فيه أقوال أحدها: إنه شبه فرض صومنا بفرض صوم من تقدمنا من الأمم أي: كتب عليكم صيام أيام، كما كتب عليهم صيام أيام، وليس فيه تشبيه عدد الصوم المفروض علينا، ولا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم أو وقته، وهو اختيار أبي مسلم والجبائي. وثانيها: إنه فرض علينا صوم شهر رمضان، كما كان فرض صوم شهر رمضان على النصارى، وكان يتفق ذلك في الحر الشديد، والبرد الشديد، فحولوه إلى الربيع، وزادوا في عدده، عن الشعبي والحسن. وقيل: كان الصوم علينا من العتمة إلى العتمة، ثم اختلف فيه، فقال بعضهم: كان يحرم الطعام والشراب من وقت صلاة العتمة إلى وقت صلاة العتمة. وقال بعضهم: كان يحرم من وقت النوم إلى وقت النوم، ثم نسخ ذلك فالمراد بقوله (الذين من قبلكم) النصارى، على قول الحسن والشعبي، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى على قول غيرهما. قوله: (لعلكم تتقون) أي: لكي تتقوا المعاصي بفعل الصوم، عن الجبائي. وقيل: لتكونو أتقياء بما لطف لكم في الصيام، فإنه أقوى الوسائل، والوصل إلى الكف عن المعاصي، كما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " خصاء أمتي الصوم ". وسأل هشام بن الحكم أبا عبد الله " عليه السلام " عن علة الصيام، فقال: إنما فرض الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، فأراد الله سبحانه أن يذيق الغني مس الجوع ليرق على الضعيف، ويرحم الجائع. (أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له

[ 7 ]

وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون [ 184 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر: (فدية طعام مساكين) على إضافة فدية إلى طعام وجمع المساكين. وقرأ الباقون: (فدية) منونة، (طعام) رفع، مسكين موحد مجرورا. وقرأ حمزة والكسائي: (ومن يطوع خيرا). والباقون: (تطوع) وقد مضى ذكره. وروي في الشواذ: (يطوقونه) عن إبن عباس بخلاف وعائشة، وسعيد بن المسيب وعكرمة وعطا: (يطوقونه) على معنى يتطوقونه، عن مجاهد وعن ابن عباس وعن عكرمة. وروي عن ابن عباس أيضا: يتطيقونه، ويطيقونه أيضا. الحجة: من قرأ (فدية طعام مسكين): فطعام مسكين عطف بيان لفدية، وإفراد مسكين جائز، وإن كان المعنى على الكثرة، لأن المعنى على كل واحد طعام مسكين. قال أبو زيد: يقال أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مائة. وأما من أضاف الفدية إلى طعام كإضافة البعض إلى ما هو بعض له، فإنه سمى الطعام الذي يفدى به فدية، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، وهو على هذا من باب خاتم حديد. وأما من قرأ يطوقونه فإنه يفعلونه من الطاقة، فهو كقوله: يجشمونه ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق في أعناقهم، ويطوقونه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه. وأما من قرأ يطيقونه: فإنه يتطيقونه يتفعلونه، إلا أن العينين أبدلتا ياء، كما قالوا في تصور الجرف: تهير، ويطيقونه يفعلونه منه. اللغة: السفر: أصله من السفر الذي هو الكشف، تقول: سفر يسفر سفرا، وانسفرت الإبل: إذا انكشفت ذاهبة. وسفرت الريح السحاب. قال العجاج: (سفر الشمال الزبرج المزبرجا) الزبرج: السحاب الرقيق. وفي السفر يظهر ما لا يظهر إلا به، وينكشف من أخلاق الناس ما لا ينكشف إلا به. والعدة: فعلة من العد وهي بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، والحمل بمعنى المحمول. والطوق: الطاقة وهي القوة. يقال: طاق الشئ يطوقه طوقا وطاقة. وأطاق إطاقة: إذا قوي عليه. وطوقه تطويقا: ألبسه الطوق، وهو معروف من ذهب كان، أو من فضة، لأنه يكسبه قوة بما يعطيه من الجلالة، وكل شئ استدار فهو طوق. وطوقه الأمير أي: جعله كالطوق في عنقه. الاعراب: (أياما): قال الزجاج: يجوز في انتصابه وجهان احدهما: أن

[ 8 ]

يكون ظرفا كأنه كتب عليكم الصيام في أيام، والعامل فيه الصيام، كأن المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما. وقال بعض النحويين: إنه مفعول ما لم يسم فاعله، نحو قولك: أعطي زيد المال، قال: وليس هذا بشئ، لأن الأيام هاهنا متعلقة بالصوم، وزيد والمال مفعولان لأعطي، ذلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، وليس في هذا إلا نصب أيام بالصيام. قال أبو علي: (أياما) يجوز في انتصابه وجهان أحدهما: أن ينتصب على الظرف، والآخر: أن ينتصب انتصاب المفعول به على السعة. فإذا انتصب على أنه ظرف جاز أن يكون العامل فيه كتب، فيكون التقدير كتب عليكم الصيام في أيام، وإن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به فتقول على هذا يا مكتوب أيام عليه، أو يا كاتب أيام الصيام. وإنما جاز إضافة اسم الفاعل أو المفعول إلى أيام (1) لإخراجك إياه عن أن يكون ظرفا، واتساعك في تقديره إسما. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه كان ما منعه أبو إسحاق من إجازة من أجاز أن كتب عليكم الصيام أياما، بمنزلة أعطي زيد المال، جائز غير ممتنع. قال: ولا يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام على أن يكون المعنى كتب عليكم الصيام في أيام، لأن ذلك وإن كان مستقيما في المعنى، فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنك إذا حملته على ذلك، فصلت بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، وذلك أن (أياما) تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر (كتب) لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم. فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. وأقول: إنه يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام إذا جعلت الكاف من قوله (كما كتب على الذين من قبلكم) في موضع نصب على الحال أي: مفروضا مثل ما فرض عليهم، فيكون (ما) موصولا، و (كتب) صلته. وفي (كتب) ضمير يعود إلى (ما) والموصول وصلته في موضع جر بإضافة الكاف إليه. والكاف (2) موضع النصب بأنه صفة للمحذوف الذي هو الحال من الصيام. فعلى هذا لم يفصل بين الصلة والموصول ما هو أجنبي منهما على ما ذكره الشيخ أبو علي. وقوله: (فعدة من أيام أخر) تقديره فعليه عدة، فيكون ارتفاع عدة على


(1) [ الصيام ]. (2) [ في ]. (*)

[ 9 ]

الإبتداء على قول سيبويه، وعلى قول الأخفش يكون مرتفعا بالظرف على ما تقدم بيانه. ويجوز أن يكون تقديره فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أخر، فيكون (عدة) خبر الإبتداء، و (أخر) لا ينصرف لأنه وصف معدول عن الألف واللام، لأن نظائرها من الصغر والكبر لا يستعمل إلا بالألف واللام لا يجوز نسوة صغر. (وإن تصوموا): في موضع رفع بالإبتداء، و (خير) خبر له، و (لكم) صفة الخبر. المعنى: (أياما معدودات) أي معلومات محصورات مضبوطات، كما يقال أعطيت مالا معدودا أي: محصورا متعينا. ويجوز أن يريد بقوله (معدودات) أنها قلائل، كما قال سبحانه: (دراهم معدودة) يريد أنها قليلة. واختلف في هذه الأيام على قولين احدهما: أنها غير شهر رمضان، وكان ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ، عن معاذ وعطا وعن ابن عباس وروي ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم عاشورا، عن قتادة. ثم قيل: إنه كان تطوعا. وقيل: بل كان واجبا. واتفق هولاء على أن ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان. والآخر: إن المعني بالمعدودات شهر رمضان، عن ابن عباس والحسن، واختاره الجبائي، وأبو مسلم، وعليه أكثر المفسرين قالوا: أوجب سبحانه الصوم أولا فأجمله، ولم يبين أنها يوم أو يومان أم أكثر. ثم بين أنها أيام معلومات، وأبهم ثم بينه بقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) قال القاضي: وهذا أولى، لأنه إذا أمكن حمله على معنى من غير إثبات نسخ، كان أولى، ولأن ما قالوه زيادة لا دليل عليه. (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر): عطف قوله (على سفر) وهو ظرف، على قوله (مريضا) وهو اسم، مع أن الظرف لا يعطف على الإسم، لأنه وإن كان ظرفا، فهو بمعنى الإسم، وتقديره: فمن كان منكم مريضا، أو مسافرا. فالذي ينوب مناب صومه عدة من أيام أخر. وفيه دلالة على أن المسافر والمريض، يجب عليهما الإفطار، لأنه سبحانه أوجب القضاء بنفس السفر والمرض. ومن قدر في الآية فأفطر، فقد خالف الظاهر. وقد ذهب إلى وجوب الإفطار في السفر جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب،

[ 10 ]

وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعروة بن الزبير، وهو المروي عن أئمتنا. فقد روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه. وروى يوسف بن الحكم قال: سالت ابن عمر عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل صدقة فردها عليك ألا تغضب، فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم. وروى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ". وروي عن ابن عباس أنه قال: الإفطار في إلسفر عزيمة. وروى أصحابنا عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر. وعنه " عليه السلام " قال: لو أن رجلا مات صائما في السفر لما صليت عليه. وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من سافر أفطر وقصر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد، أو في معصية الله. وروى العياشي بإسناده مرفوعا إلى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال: لم يكن رسول الله يصوم في السفر تطوعا، ولا فريضة حتى نزلت هذه الآية بكراع الغميم، عند صلاة الهجير، فدعا رسول الله بإناء فيه ماء، فشرب وأمر الناس أن يفطروا. فقال قوم: قد توجه النهار، ولو تممنا يومنا هذا ! فسماهم رسول الله العصاة. فلم يزالوا يسمون بذلك الإسم حتى قبض رسول الله. (وعلى الذين يطيقونه) الهاء: يعود إلى الصوم عند أكثر أهل العلم أي: يطيقون الصوم. خير الله المطيقين الصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم. ثم نسخ ذلك بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقيل: إن الهاء يعود إلى الفداء، عن الحسن وأبي مسلم. وأما المعني بقوله (الذين يطيقونه) ففيه ثلاثة أقوال أولها: إنه سائر الناس كما قدمنا ذكره من التخيير والنسخ بعده، وهو قول ابن عباس والشعبي وثانيها: إن هذه الرخصة كانت للحوامل والمراضع والشيخ الفاني. ثم نسخ من الآية الحامل والمرضع، وبقي الشيخ الكبير، عن الحسن وعطاء. وثالثها: إن معناه وعلى الذين كانوا يطيقونه، ثم صاروا بحيث لا يطيقونه، ولا نسخ فيه، عن السدي. وقد رواه بعض أصحابنا عن أبي عبد الله أن معناه وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم، ثم أصابهم كبر أو عطاش وشبه ذلك، فعليهم كل يوم مد. وروى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق " عليه السلام " وعلى الذين يطيقونه فدية من

[ 11 ]

مرض في شهر رمضان، فأفطر، ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر، فعليه أن يقضي، ويتصدق لكل يوم مدا من طعام. وقوله: (فدية طعام مسكين) اختلف في مقدار الفدية، فقال أهل العراق: نصف صاع عن كل يوم. وقال الشافعي: عن كل يوم مد، وعندنا إن كان قادرا فمدان، فإن لم يقدر أجزأه مد واحد. وقوله: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) قيل: معناه من أطعم أكثر من مسكين واحد، عن عطا وطاوس. وقيل: أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية، حتى يزيده على نصف صاع، عن مجاهد. ويجمع بين القولين قول ابن عباس: من تطوع بزيادة الإطعام. وقيل: معناه من عمل برا في جميع الدين فهو خير له، عن الحسن. وقيل: من صام مع الفدية، عن الزهري. وقوله: (وأن تصوموا خير لكم) أي: وصومكم خير لكم من الافطار والفدية. وكان هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ فلا يجوز أن يقال الصوم خير من الفدية، مع أن الإفطار لا يجوز أصلا. وقيل: معناه الصوم خير لمطيقه، وأفضل ثوابا من التكفير لمن أفطر بالعجز. (إن كنتم تعلمون) أي الصوم خير لكم من الفدية وقيل: إن كنتم تعلمون أفضل أعمالكم. وفي قوله سبحانه: (وعلى الذين يطيقونه) دلالة على أن الإستطاعة قبل الفعل. (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرأن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [ 185 ]). القراءة: قرأ أبو بكر عن عاصم: (ولتكملوا) بالتشديد. والباقون: (لتكملوا) بالتخفيف. وقرأ أبو جعفر: العسر، واليسر بالتثقيل فيهما. والباقون بالتخفيف. الحجة: حجة من قرأ (ولتكملوا) قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم). ومن قرأ ولتكملوا فلأن فعل وأفعل كثيرا ما يستعمل أحدهما موضع الآخر، قال النابغة:

[ 12 ]

* فكملت مائة منها حمامتها، * وأسرعت حسبة في ذلك العدد * اللغة: الشهر: معروف وجمعه في القلة أشهر، وفي الكثرة شهور. وأصله من اشتهاره بالهلال، يقال: شهرت الحديث: أظهرته. وشهرت السيف: انتضيته. وأتان شهيرة: عريضة ضخمة. وأصل الباب: الظهور. وأصل رمضان من الرمض: وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، وإنما سموه رمضان، لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر. وقد جمعوا رمضان على رمضانات. وقيل: إن رمضان اسم من أسماء الله، فروي عن مجاهد: لا تقل رمضان، ولكن قل شهر رمضان، فإنك لا تدري ما رمضان. وقد جاء في الأخبار المروية عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ". وقيل: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها. والقرآن: أصله الجمع، لقولهم: ما قرأت الناقة سلا (1) قط أي: ما جمعت رحمها على سلا. ومنه القراءة والقارئ، لأنه يجمع الحروف. والفرقان: الذي يفرق بين الحق والباطل. والإرادة: أصلها الواو، لأنك تقول راودته على أن يفعل كذا مراودة، ومنه راد يرود رودا، فهو رائد. وفي المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". وأصل الباب: الطلب والإرادة بمعنى الطلب للمراد، لأنها كالسبب له. واليسر: ضد العسر. واليسار: الغنى والسعة. واليسار: اليد اليسرى. واليسر: الجماعة يجتمعون على الجزور في الميسر، والجمع الايسار. وأصل الباب: السهولة. وأصل العسر: الصلابة، يقال: عسر الشئ عسرا، ورجل أعسر: يعمل بشماله. وأعسر الرجل: إذا افتقر وضده اليسر. ويقال: كمل الشئ وأكملته وكملته أي: تممته. الاعراب: شهر رمضان في ارتفاعه ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف يدل عليه قوله (أياما) أي: هي شهر رمضان. والثاني: أن يكون بدلا من الصيام، فكأنه قال: كتب عليكم شهر رمضان. الثالث: أن يرتفع بالإبتداء ويكون خبره (الذي أنزل فيه القرآن). وإن شئت جعلت (الذي أنزل فيه القرآن) صفة له، وأضمرت الخبر حتى كأنه قال: وفيما كتب عليكم شهر رمضان أي: صيام شهر


(1) السلا كحصى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. (*)

[ 13 ]

رمضان. ولا ينصرف رمضان للتعريف وزيادة الألف والنون المضارعتين لألفي التأنيث. ويجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين أحدهما: صوموا شهر رمضان. والآخر: على البدل من قوله (أياما) فقوله (هدى): في موضع النصب على الحال أي: هاديا للناس. وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه): فالشهر ينتصب على أنه ظرف، لا على أنه مفعول به، لأنه لو كان مفعولا به للزم الصيام المسافر كما يلزم المقيم، من حيث إن المسافر يشهد الشهر شهادة المقيم. فلما لم يلزم المسافر، علمنا أن معناه: فمن شهد منكم المصر في الشهر، ولا يكون مفعولا به كما لو قلت: أحييت شهر رمضان، يكون مفعولا به. فإن قلت: كيف جاء ضميره متصلا في قوله (فليصمه) إذا لم يكن مفعولا به ؟ قلنا: لأن الإتساع وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا على ما تقدم بيان أمثاله، وإنما عطف الظرف على الإسم في قوله: (ومن كان مريضا أو على سفر) لأنه بمعنى الإسم، فكأنه قال: أو مسافرا، كقوله سبحانه: (دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) أي: دعانا مضطجعا. وأما العطف باللام في قوله: (ولتكملوا العدة) ففيه وجهان أحدهما أنه عطف جملة على جملة، لأن بعده محذوفا، وتقديره ولتكملوا العدة شرع ذلك، أو أريد ذلك، ومثله قوله: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك والثاني: أن يكون عطفا على تأويل محذوف، ودل عليه ما تقدم من الكلام، لأنه لما قال: (يريد الله بكم اليسر) دل على أنه قد فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز، (ولتكملوا العدة) عطفا عليه، قال الشاعر: * بادت (1) وغيرآيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء * * ومشجج أما سواء قذاله * فبدا، وغيب ساره المعزاء * أي: سائره، فعطف على تأويل الكلام، كأنه قال بها رواكد ومشجج، هذا قول الزجاج، والأول قول الفراء.


(1) باد: هلك. المشجج: الوتد. وقذال: جماع مؤخر الرأس والضمير يعود إلى مشجج. والمعزاء والأمعز المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى. (*)

[ 14 ]

المعنى: ثم بين سبحانه وقت الصوم فقال: (شهر رمضان) أي هذه الأيام المعدودات شهر رمضان، أو كتب عليكم شهر رمضان، أو شهر رمضان هو الشهر (الذي أنزل فيه القرآن) فبين أنه خصه بالصوم فيه لاختصاصه بالفضائل المذكورة، وهو أنه أنزل فيه القرآن الذي عليه مدار الدين والأيمان. ثم اختلف في قوله (أنزل فيه القرآن) فقيل: إن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوما في طول عشرين سنة، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: إن الله تعالى ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة، ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام، عن السدي، يسنده إلى ابن عباس. وروى الثعلبي بإسناده عن أبي ذر الغفاري، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من شهر رمضان. وفي رواية الواحدي: في أول ليلة منه، وأنزلت توراة موسى لست مضين من شهر رمضان، وأنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل زبور داود لثمان عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين من شهر رمضان. وهذا بعينه رواه العياشي عن أبي عبد الله، عن آبائه عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: المراد بقوله (أنزل فيه القرآن) أنه أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن، فيكون فيه بمعنى في فرضه، كما يقول القائل: أنزل الله في الزكاة كذا، يريد: في فرضها. ثم وصف سبحانه القرآن بقوله (هدى للناس) أي: هاديا للناس، ودالا على ماكلفوه من العلوم (وبينات من الهدى) أي: ودلالات من الهدى. وقيل المراد بالهدى الأول: الهدى من الضلالة، وبالثاني: بيان الحلال والحرام، عن ابن عباس. وقيل: أراد بالأول ما كلف من العلم، وبالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الإنبياء وشرائعهم وأخبارهم، لأنها لا تدرك إلا بالقرآن، عن الأصم والقاضي. وقوله (والفرقان) أي: ومما يفرق بين الحق والباطل. وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به.

[ 15 ]

وروى الحسن بن محبرب، عن أبي أيوب، عن أبي الورد، عن أبي جعفر قال: خطب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الناس في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضان، فرض الله صيامه، وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة، كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر، كأجر من أدى فريضة من فرائض الله فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة من فرائض الله، كان كمن أدى سبعين فريضة [ من فرائض ] (1) فيما سواه من الشهور وهو شهر الصبر وإن الصبر ثوابه الجنة. وهو شهر المواساة. وهو شهر يزيد الله فيه من رزق المؤمنين. ومن فطر فيه مؤمنا صائما، كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لذنوبه فيما مضى. فقيل له: يا رسول الله ! ليس كلنا نقدر على أن نفطر صائما ؟ قال: فإن الله كريم يعطي هذا الثواب من لم يقدر منكم إلا على مذقة من لبن، يفطر بها صائما، أو شربة من ماء عذب، أو تميرات لا يقدر على أكثر من ذلك. ومن خفف فيه عن مملوكه، خفف الله عليه حسابه. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره إجابة والعتق من النار. ولا غنى بكم فيه عن أربع خصال، خصلتين ترضون الله بهما، وخصلتين لا غنى بكم عنهما: فأما اللتان ترضون الله بهما فشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله فيه حوائجكم والجنة، وتسألون الله فيه العافية، وتتعوذون به من النار. وفي رواية سلمان الفارسي فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى بكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون ربكم بهما، فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. وأما اللتان لا غنى بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار وقال رسول الله: نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف. وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فيه وجهان أحدهما: فمن شهد منكم المصر، وحضر ولم يغب في الشهر. والألف واللام في الشهر للعهد، والمراد به شهر رمضان، فليصم جميعه. وهذا معنى ما رواه زرارة عن أبي جعفر أنه قال لما سئل عن هذه: ما أبينها لمن عقلها، قال: من شهد شهر رمضان فليصمه، ومن


(1) ما بين المعقفتين إنما هو في نسخة (صيدا) دون غيرها. وكذا ما سيأتي. (*)

[ 16 ]

سافر فيه فليفطر. وقد روي أيضا عن علي وابن عباس ومجاهد، وجماعة من المفسرين أنهم قالوا: من شهد الشهر بأن دخل عليه الشهر وهو حاضر، فعليه أن يصوم الشهر كله والثاني: من شاهد منكم الشهر مقيما مكلفا، فليصم الشهر بعينه. وهذا نسخ للتخيير بين الصوم والفدية، وإن كان موصولا به في التلاوة، لأن الإنفصال لا يعتبر عند إلتلاوة، بل عند الإنزال والأول أقوى. وقوله: (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) قد مضى تفسيره في الأية المتقدمة، وحد المرض الذي يوجب الإفطار ما يخاف الانسان معه الزيادة المفرطة في مرضه. وروى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله عن حد المرض الذي على صاحبه فيه الإفطار ؟ قال: هو مؤتمن عليه، مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصم، كان المرض على ما كان. وروي أيضا: أن ذلك كل مرض لا يقدر معه على القيام بمقدار زمان صلاته، وبه قال الحسن، وفي ذلك اختلاف بين الفقهاء. وأما السفر الذي يوجب الإفطار عندنا فما كان مباحا، أو طاعة وكانت المسافة ثمانية فراسخ: أربعة وعشرين ميلا، وعند الشافعي ستة عشر فرسخا، وعند أبي حنيفة أربعة وعشرين فرسخا. واختلف في العدة من الأيام الاخر فقال الحسن وجماعة: هي على التضييق إذا برئ المريض، أو قدم المسافر. وقال أبو حنيفة: موسع فيها. وعندنا موقت بما بين رمضانين. وتجوز متتابعة ومتفرقة، والتتابع أفضل. فإن فرط حتى لحقه رمضان آخر لزمه الفدية والقضاء، وبه قال الشافعي. وقوله: (يريد الله بكم اليسر) أي: في الرخصة للمريض والمسافر، إذ لم يوجب الصوم عليهما. وقيل: يريد الله بكم اليسر في جميع أموركم (ولا يريد بكم العسر) أي: التضييق عليكم. وفيه دلالة على بطلان قول المجبرة، لأنه بين أن في أفعال المكلفين ما يريده سبحانه، وهو اليسر، وفيها ما لا يريده، وهو العسر. ولأنه إذا كان لا يريد بهم العسر، فأن لا يريد تكليف ما لا يطاق أولى. وقوله: (ولتكملوا العدة) تقديره: يريد الله لأن يسهل عليكم، ولأن تكملوا أي: تتموا عدة ما أفطرتم فيه، وهي أيام السفر والمرض بالقضاء، إذا أقمتم وبرأتم، فتصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار. وعلى القول الأخر: فتقديره ولإكمال العدة شرع الرخصة في الإفطار. ويحتمل أن يكون معناه: ولتكملوا عدة الشهر، لأنه

[ 17 ]

مع الطاقة وعدم العذر يسهل عليه إكمال العدة، والمريض والمسافر يتعسر عليهما ذلك، فيكملان العدة في وقت آخر. ومن قال: إن شهر رمضان لا ينقص أبدا، استدل بقوله (ولتكملوا العدة). وقال: بين تعالى أن عدة شهر رمضان محصورة، يجب صيامها على الكمال، ولا يدخلها نقصان ولا اختلال فالجواب عنه من وجهين أحدهما: إن المراد (أكملوا العدة) التي وجب عليكم صيامها. وقد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين، وتارة تسعة وعشرين والأخر: ما ذكرناه من أن المراد راجع إلى القضاء، ويؤيده أنه سبحانه ذكره عقيب ذكر السفر والمرض. وقوله: (ولتكبروا الله على ما هداكم) المراد به تكبير ليلة الفطر، عقيب أربعة صلوات: المغرب والعشاء الأخرة والغداة وصلاة العيد على مذهبنا. وقال ابن عباس وجماعة: التكبير يوم الفطر. وقيل: المراد به ولتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرائع الدين. (ولعلكم تشكرون) أي: لتشكروا الله على نعمه. (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون [ 186 ]). اللغة: أجاب واستجاب بمعنى، قال الشاعر: * وداع دعا: يامن يجيب لي الندا ! * فلم يستجبه عند ذاك مجيب * أي: لم يجبه. وقال المبرد: بينهما فرق، وهو أن في الإستجابة معنى الاذعان، وليس ذلك في الاجابة، وأصله من الجوب: وهو القطع، يقال: جاب البلاد يجوبها جوبا: إذا قطعها. واجتاب الظلام بمعناه. والجابة والإجابة بمعنى. والصحيح أن الجابة والطاعة والطاقة، ونحوها أسماء بمعنى المصادر. وأجاب عن السؤال جوابا، وانجاب السحاب: إذا انقشع. وأصل الباب: القطع. فإجابة السائل: القطع بما سأل، لأن سؤاله على الوقف أيكون أم لا يكون. والرشد: نقيض الغي، رشد يرشد رشدا، ورشد يرشد رشدا، ورجل رشيد، وولد فلان لرشدة: خلاف لزنية، وأصل الباب: إصابة الخير، ومنه الإرشاد: وهو الدلالة على وجه الإصابة للخير.

[ 18 ]

الاعراب: (إذا) ظرف زمان للفعل الذي يدل عليه قوله: (فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) تقديره: فاخبره يا محمد أني بهذه الصفة، ولا يجوز أن يعمل فيه قريب أو أجيب، لأن معمول إن لا يجوز أن يعمل فيما قبل إن لما بين في موضعه. وقوله (أجيب) في موضع رفع بأنه خبر إن أيضا، فهو خبر بعد خبر. النزول: روي عن الحسن أن سائلا سأل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت الاية. وقال قتادة: نزلت جوابا لقوم سألوا النبي كيف ندعو. المعنى: لما ذكر سبحانه الصوم، عقبه بذكر الدعاء ومكانه منه، وإجابته إياه، فقال: (وإذا سألك عبادي عني) الأقرب أن يكون السؤال عن صفته سبحانه، لا عن فعله، لقوله سبحانه: (فإني قريب) وفيه حذف أي: فقل إني قريب. فدل بهذا على أنه سبحانه لا مكان له، إذ لو كان له مكان، لم يكن قريبا من كل من يناجيه. وقيل: معناه إني سريع الإجابة إلى دعاء الداعي، لأن السريع والقريب متقاربان. وقيل: معناه إني أسمع دعاء الداعي كما يسمعه القريب المسافة منهم. فجاءت لفظة (قريب) بحسن البيان بها. فأما قريب المسافة فلا يجوز عليه سبحانه، لأن ذلك إنما يتصور فيمن كان متمكنا في مكان، وذلك من صفات المحدثات. وقوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) مفهوم المعنى. وقوله (فليستجيبوا لي) قال أبو عبيدة: معناه فليجيبوني فيما دعوتهم إليه. وقال المبرد والسراج: معناه فليذعنوا للحق بطلب موافقة ما أمرتهم به، ونهيتهم عنه. وقال مجاهد: معناه فليستجيبوا لي بالطاعة. وقيل: معناه فليدعوني. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام ". (وليؤمنوا بي) أي: وليصدقوا بجميع ما أنزلته. وروي عن أبي عبد الله أنه قال: وليؤمنوا بي أي: وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه. (لعلهم يرشدون) أي: لعلهم يصيبون الحق، ويهتدون إليه. فإذا سئل فقيل: نحن نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم، فما معنى قوله (أجيب دعوة الداع إذا دعان). فالجواب: إنه ليس أحد يدعو الله على ما توجبه الحكمة، إلا أجابه الله، فإن الداعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه، ولا يكون فيه مفسدة له، ولا لغيره، ويشترط ذلك بلسانه، أو ينويه بقلبه. فالله سبحانه يجيبه إذا اقتضت المصلحة إجابته، أو يؤخر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير.

[ 19 ]

وإذا قيل: إن ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعله فما معنى الدعاء وإجابته ؟ فجوابه: إن الدعاء عبادة في نفسها يعبد الله سبحانه بها، لما في ذلك من إظهار الخضوع والإنقياد (1) إليه سبحانه، وأيضا فإنه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنما صار مصلحة بعد الدعاء، ولا يكون مصلحة قبل الدعاء. ففي الدعاء هذه الفائدة. ويؤيد ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ما من مسلم دعا الله سبحانه بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر ؟ قال: الله أكثر ". وفي رواية أنس بن مالك: " الله أكثر وأطيب " ثلاث مرات. وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: " إن العبد ليدعو الله وهو يحبه، فيقول: يا جبرائيل ! لا تقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته. وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه، فيقول: يا جبرإئيل ! إقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه وعجلها، فإني أكره أن أسمع صوته ". وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " أنه قال: ربما أخرت عن العبد إجابة الدعاء، ليكون أعظم لأجر السائل، وأجزل لإعطاء (2) الآمل. وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو الله سبحانه، فلا يستجيب لنا ؟ فقال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه، ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس ! ! (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالئن باشروهن وابتغوا ماكتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم


(1) وفي جملة من النسخ: " والإفتقار إليه " بدل " والإنقياد إليه ". (2) وفي المخطوطتين: " لعطاء " عوض " لإعطاء ". (*)

[ 20 ]

الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المسجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله ءاياته للناس لعلهم يتقون [ 187 ]). اللغة: الرفث: الجماع ههنا بلا خلاف. وقيل: إن أصله القول الفاحش، فكنى به عن الجماع. قال العجاج: اعن اللغا ورفث التكلم ". قال الأخفش: إنما عديت بإلى في الأية لأنه بمعنى الإفضاء. واللباس: الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان ويشبه به الأغشية فيقال: لبس السيف بالحلية. والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا. قال الشاعر: * إذا ما الضجيع ثنى عطفه * تثنت فكانت عليه لباسا * وقال: * ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري * قال أهل اللغة: معناه امرأتي. والإختيان: الخيانة. يقال: خانه يخونه خونا وخيانة، واختانه اختيانا. (وخائنة الأعين): مسارقة النظر إلى ما لا يحل. وأصل الباب: منع الحق. والمباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر الجلد. والإبتغاء: طلب البغية. (والخيط الأبيض): بياض الفجر (والخيط الأسود): سواد الليل. فأول النهار: طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء. قال أبو داود: * فلما أضاءت لنا غدوة، * ولاح من الصبح خيط أنارا * والخيط في اللغة معروف، يقال: خاطه يخيطه خيطا وخياطة. والخيط: القطيع من النعام. ونعامة خيطاء قيل: خيطها طول قصبها وعنقها. وقيل: إختلاط سوادها ببياضها. والسواد والبياض لونان كل واحد منهما أصل بنفسه. وبيضة الإسلام: مجتمعه، وابتاضوهم أي: استأصلوهم بمعنى اقتلعوا بيضتهم. والسواد والمساودة: المسارة لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل. وسواد العراق: سمي به لكثرة الماء والشجر الذي تسود به الأرض. وسواد كل شئ: شخصه. وسويداء القلب وسواده: دمه الذي فيه. وقيل: جبة القلب. والعكوف والإعتكاف: أصله اللزوم، يقال: عكفت بالمكان أي: أقمت به ملازما له. قال الطرماح:

[ 21 ]

* فبات بنات الليل (1) في الليل عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع * وهو في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص للعبادة. والحد على وجوه: الحد: المنع. وحدود الله: فرائضه. قال الزجاج: هي ما منع الله من مخالفتها. والحد: جلد الزاني وغيره. والحد: حد السيف وغيره. والحد: حد الدار. والحد: فرق بين الشيئين. والحد: نهاية الشئ التي تمنع من أن يدخله ما ليس منه، أو أن يخرج عنه ما هو منه. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. والحداد: البواب. قال الأعشى: * فقمنا، ولما يصح ديكنا * إلن جونة (2) عند حدادها * يعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. وكل من منع شيئا فهو حداد. ومن ذلك أحدت المرأة على زوجها معناه: امتنعت من الزينة. والحديد إنما سمي حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء. فأصل الباب: المنع. النزول: روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه، رفعه إلى أبي عبد الله، قال: كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير، أخو عبد الله بن جبير، الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة، وفارقه أصحابه، وبقي في إثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب. وكان أخوه هذا مطعم بن جبير شيخا ضعيفا، وكان صائما، فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم علي الأكل في هذه الليلة. فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله، فرق له. وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فأنزل الله هذه الأية فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر. واختلفت العامة في اسم هذا الرجل من الأنصار، فقال بعضهم: قيس بن صرمة. وقيل: أبو صرمة. وقيل: أبو قيس بن صرمة. وقيل: صرمة بن إياس. وقالوا: جاء إلى رسول الله فقال: عملت في النخل نهاري أجمع حتى إذا أمسيت، فأتيت أهلي لتطعمني، فأبطأت فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الأكل، وقد أمسيت


(1) بنات الليل، وبنات الصدر: الهموم. الصريع: المصروع، المجنون. (2) الجونة: الخابية المطلية بالقار. والمراد ما فيها من الخمر (*)

[ 22 ]

وقد جهدني الصوم. فقال عمر: يا رسول الله ! أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء، فاتيت امرأتي، وقام رجال واعترفوا بمثل الذي سمعوا. فنزلت الآية، عن ابن عباس والسدي. المعنى: ثم بين سبحانه وقت الصيام، وما يتعلق به من الأحكام، فقال: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) أي: الجماع. وقال ابن عباس: إن الله سبحانه حيي يكني بما شاء، إن الرفث واللباس والمباشرة والإفضاء هو الجماع. وقال الزجاج: الرفث هو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، وهذا يقتضي تحريما متقدما أزيل عنهم. والمراد بليلة الصيام: الليلة التي يكون في غدها الصوم. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر، إلا أول ليلة من شهر رمضان، فإنه يستحب ذلك لمكان الآية. والأشبه أن يكون المراد به ليالي الشهر كله، وإنما وحده لأنه إسم جنس يدل على الكثرة. (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) أي: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن، كما قال (وجعلنا الليل لباسا) أي: سكنا، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. والمعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة أي: قل ما يصبر أحد الزوجين عن الآخر. وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لباسا للآخر لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا لصاحبه. وقال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. (علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم) لما حرم عليهم الجماع والأكل بعد النوم، وخالفوا في ذلك. ذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك التحريمة، فقال: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) بالمعصية أي. لا تؤدون الأمانة بالامتناع عن المباشرة. وقيل: معنى تختانون تنقصون أنفسكم من شهواتها، وتمنعونها من لذاتها باجتناب ما نهيتم عنه، فخففه الله عنكم (فتاب عليكم) أي: قبل توبتكم. وقيل: معناه فرخص لكم، وأزال التشديد عنكم. (وعفا عنكم) فيه وجهان أحدهما: غفر ذنوبكم. والأخر: أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه عليهم. (فالآن باشروهن) بالليل أي جامعوهن، لفظه أمر ومعناه الإباحة. (وابتغوا

[ 23 ]

ما كتب الله لكم) فيه قولان أحدهما: أطلبوا ما قضى الله لكم من الولد، عن الحسن وأكثر المفسرين، وهو أن يجامع الرجل أهله، رجاء أن يرزقه الله ولدا يعبده، ويسبح له والآخر: أطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي بينه في كتابه، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وقوله: (وكلوا واشربوا) إباحة للأكل والشرب (حتى يتبين لكم) أي: ليظهر ويتميز لكم على التحقيق (الخيط الأبيض من الخيط الأسود) أي: النهار من الليل، فأول النهار: طلوع الفجر الثاني. وقيل: بياض الفجر من سواد الليل. وقيل: بياض أول النهار من سواد آخر الليل. وإنما شبه ذلك بالخيط، لأن القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد، ولا اعتبار بالإنتشار. (من الفجر) يحتمل - من - معنيين أحدهما: أن يكون بمعنى التبعيض، لأن المعنى من بعض الفجر، وليس الفجر كله، عن ابن دريد والآخر: إنه للتبيين لأنه بين الخيط الأبيض فكأنه قال الخيط الأبيض الذي هو الفجر. وروي أن عدي بن حاتم قال للنبي: إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما، فلا يتبين لي ؟ فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه، ثم قال: يا بن حاتم ! إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل، فابتداء الصوم من هذا الوقت. ثم بين تعالى الإنتهاء فقال: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أي: من وقت طلوع الفجر الثاني، وهو المستطيل المعترض الذي يأخذ الافق، وهو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل، وهو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الإستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق، وإقبال السواد منه، وإلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة، وعدم الجبال والروابي (1)، فقد دخل الليل. وقوله: (ولا تباشروهن) في معناه قولان ههنا أحدهما: إنه أراد به الجماع، عن ابن عباس والحسن وقتادة والثاني: إنه أراد الجماع، وكل ما دونه من قبلة وغيرها، عن مالك وابن زيد وهو مذهبنا. وقوله: (وأنتم عاكفون في المساجد) أي: معتكفون أي: لا تباشروهن في حال اعتكافكم في المساجد، والإعتكاف لا يصح عندنا إلا في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. وعند


(1) الروابي جمع رابية: ما ارتفع من الأرض. (*)

[ 24 ]

سائر الفقهاء يجوز في سائر المساجد، إلا أن مالكا قال: إنه يختص بالجامع، ولا يصح الإعتكاف عندنا إلا بصوم، وبه قالى أبو حنيفة ومالك. وعند الشافعي يصح بغير صوم. وعندنا لا يكون إلا في ثلاثة أيام، وعند أبي حنيفة يوم واحد، وعند مالك عشرة أيام لا يجوز أقل منه. وعند الشافعي ما شاء، ولو ساعة واحدة. وفي الآية دلالة على تحريم المباشرة في الإعتكاف ليلا ونهارا، لأنه علق المباشرة بحال الاعتكاف. وقوله: (تلك حدود الله) تلك إشارة إلى الأحكام المذكورة في الآية (حدود الله) حرمات الله، عن الحسن. وقيل: معناه معاصي الله عن الضحاك. وقيل: ما منع الله منه، عن الزجاج. (فلا تقربوها) أي: فلا تأتوها. وقيل: معناه تلك فرائض الله فلا تقربوها بالمخالفة (كذلك) أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (يبين الله آياته للناس) أي: حججه وأدلته على ما أمرهم به، ونهاهم عنه (لعلهم يتقون) أي: لكي يتقوا معاصيه، وتعدي حدوده فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، وأباحهم إياها. وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أراد التقوى من جميع الناس. (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [ 188 ]). اللغة: الباطل: الذاهب الزائل، يقال: بطل إذا ذهب. وقيل: الباطل هو ما تعلق بالشئ على خلاف ما هو به، خبرا كان أو اعتقادا أو ظنا أو تخيلا. والحكم هو الذي يفصل بين الخصمين، يمنع كل واحد من منازعة الآخر. ويقال: أدلى فلان بحجته إذا أقامها، وهو من قولهم أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها. ودلوتها إذا أخرجتها، فمعنى قولهم أدلى بحجته: أرسلها، وأتى بها على صحة. وفي تشبيه الخصومة بإرسال الدلو في البئر وجهان أحدهما: إنه تعلق بسبب الحكم، كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل الثاني: إنه يمضي فيه من غير تثبيت، كمضي الدلو في الإرسال من غير تثبيت. والفريق: القطيعة المعزولة من الجملة سواء كان من الناس، أو من غيرهم. والإئم: الفعل الذي يستحق به الذم. الاعراب: (وتدلو): محله جزم على النهي عطفا على قوله (ولا تأكلوا). ويحتمل أن يكون نصبا على الظرف، ويكون نصبه بإضمار (أن) كقول الشاعر:

[ 25 ]

* لا تنه عن خلق، وتأتي مثله، * عار عليك إذا فعلت عظيم * أي: لاتجمع بينهما. المعنى: ثم بين سبحانه شريعة من شرائع الإسلام، نسقا على ما تقدم من بيان الحلال والحرام، فقال. (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب والظلم والوجوه التي لا تحل، كقوله (ولا تقتلوا أنفسكم) أي ولا يقتل بعضكم بعضا. وقيل: معناه لا تأكلوا أموالكم باللهو واللعب، مثل ما يؤخذ في القمار والملاهي، لأن كل ذلك من الباطل. وروي عن أبي جعفر أنه يعني بالباطل اليمين الكاذبة، يقتطع بها الأموال. وروي عن أبي عبد الله قال: كانت قريش يقامر الرجل في أهله وماله، فنهاهم الله. والأولى حمله على الجميع، لأن الآية تحتمل الكل. (وتدلوا بها إلى الحكام): وتلقوا بها إلى القضاة. وقيل فيه أقوال أحدها: إنه الودائع، وما لا يقوم عليه بينة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وثانيها: إنه مال اليتيم في يد الأوصياء، لأنهم يدفعونه إلى الحكام إذا طولبوا به، ليقطعوا بعضه، وتقوم لهم في الظاهر حجة، عن الجبائي وثالثها: إنه ما يؤخذ بشهادة الزور، عن الكلبي. والأولى أن يحمل على الجميع. (لتكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم) أي لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالفعل الموجب للإئم، بان يحكم الحاكم بالظاهر، وكان الأمر في الباطن بخلافه، (وأنتم تعلمون) أن ذلك الفريق من المال ليس بحق لكم، وأنتم مبطلون، وهذا أشد في الزجر. وقال أبو عبد الله " عليه السلام ": علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام يحكمون بخلاف الحق، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وهم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق. وهذا يدل على أن الإقدام على المعصية مع العلم، أو مع التمكن من العلم، أعظم. (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون [ 189 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وابن ذكوان والكسائي: البيوت والشيوخ وأخواتهما بكسر

[ 26 ]

أوائلها، إلا الغيوب. وقرأ حمزة وحماد ويحيى عن عاصم: كلها بالكسر إلا الجيوب. وقالون (1): يكسر منها البيوت فقط. والباقون بالضم. الحجة: من كسر أوائل هذه الكلمات إنما فعل ذلك لأجل الياء، أبدل من الضمة الكسرة، لأن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة لها، كما كسر الفاء من عيينة ونييب في تصغير عين وناب، وإن لم يكن في أبنية التصغير على هذا الوزن، لتقريب الحركة مما بعدها. ومن ضمها فعلى الأصل لأنها فعول. اللغة: الأهلة: جمع هلال، واشتقاقه من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد أو صاح. وقولهم: أهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية. وإنما قيل هلال: لأنه حين يرى يهل الناس بذكره، يقال: أهل الهلال واستهل، ولا يقال أهل. ويقال: أهللنا الهلال، وأهللنا شهر كذا أي: دخلنا فيه. وقد اختلف في تسميته هلالا كم يسمى، ومتى يسمى قمرا ؟ فقال بعضهم: يسمى هلالا ليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال آخرون: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة، وهذا قول الأصمعي. وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل، ثم يقال قمر. وهذا يكون في الليلة السابعة. واسم القمر عند العرب الزبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفخت. والميقات مقدار من الزمان، جعل علما لما يقدر من العمل. والتوقيت: تقدير الوقت. وكلما قدرت غايته فهو موقت. والميقات: منتهى الوقت. والآخرة: ميقات الخلق. والإهلال: ميقات الشهر. والحج: ذكرنا معناه فيما مضى. والبر: النفع الحسن. والظهر: الصفحة القابلة لصفحة الوجه. والباب: المدخل، يقول منه بوبه تبويبا: إذا جعله أبوابا. والبواب: الحاجب، لأنه يلزم الباب. والبابة: القطعة من الشئ، كالباب من الجملة. الاعراب: قوله: (للناس) في موضع رفع صفة لمواقيت، تقديره هي مواقيت كائنة للناس. والباء في قوله (بأن تاتوا) مزيدة لتأكيد النفي وأن تأتوا في موضع الجر بالباء. والجار والمجرور في موضعع النصب بأنهما خبر ليس. وقوله: (ولكن البر من اتقى) قيل فيه وجهان أحدهما أن تقديره: ولكن البر من اتقى، كما قلناه في قوله:


(1) قالون: من رواة نافع مدني. (*)

[ 27 ]

(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) والآخر: إن تقديره ولكن البار من اتقى، وضع المصدر موضع الصفة. النزول: روي ان معاذ بن جبل قال: يا رسول الله ! إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة. فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله: لم خلقت هذه الأهلة ؟ فانزل الله هذه الأية. المعنى: ثم بين شريعة أخرى، فقال: (يسألونك عن الأهلة) أي: أحوال الأهلة في زيادتها ونقصانها. ووجه الحكمة في ذلك (قل) يا محمد (هي مواقيت للناس والحج) أي: هي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم، وفطرهم، وعدد نسائهم، ومحل ديونهم وحجهم. فبين سبحانه أن وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، ما تعلق بذلك من مصالح الدين والدنيا، لأن الهلال لو كان مدورا أبدا مثل الشمس، لم يمكن التوقيت به. وفيه أوضح دلالة على أن الصوم لا يثبت بالعدد، وأنه يثبت بالهلال لأنه سبحانه نص على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت، والدلالة على الشهور. فلو كانت الشهور إنما تعرف بطريق العدد، لخص التوقيت بالعدد، دون رؤية الأهلة. لأن عند أصحاب العدد، لا عبرة برؤية الأهلة في معرفة المواقيت. وقوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من طهورها) فيه وجوه أحدها: إنه كان المحرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها، ولكنهم كانوا ينقبون في ظهر بيوتهم أي: في مؤخرها نقبا يدخلون ويخرجون منه، فنهوا عن التدين بذلك، عن ابن عباس وقتادة وعطا، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر " عليه السلام " وقيل: إلا أن الحمس وهو قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة، كانوا لا يفعلون ذلك، وإنما سموا حمسا لتشددهم في دينهم. والحماسة: الشدة. وقيل: بل كانت الحمس تفعل ذلك، وإنما فعلوا ذلك حتى لا يحول بينهم وبين السماء شئ. وثانيها: إن معناه ليس البر أن تأتوا البيوت من غير جهاتها، وينبغي أن تأتوا الأمور من جهاتها أي الأمور كان، وهو المروي عن جابر، عن أبي جعفر. وثالثها: إن معناه ليس البر طلب المعروف من غير أهله، وإنما البر طلب المعروف من أهله. (ولكن البر من اتقى) قد مر معناه. (وأتوا البيوت من أبوابها): قد مضى معناه. وقال أبو جعفر: آل محمد

[ 28 ]

أبواب الله وسبله، والدعاة إلى الجنة، والقادة إليها، والأدلاء عليها إلى يوم القيامة. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " أنا مدينة العلم، وعلي بابها، ولا تؤتى المدينة إلا من بابها ". ويروى: " أنا مدينة الحكمة ". (واتقوا الله لعلكم تفلحون) معناه: واتقوا ما نهاكم الله عنه، وزهدكم فيه لكي تفلحوا بالوصول إلى ثوابه الذي ضمنه للمتقين. النظم: ووجه اتصال قوله: (ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) بقوله: (يسألونك عن الأهلة) إنه لما بين أن الأهلة مواقيت للناس والحج، وكانوا إذا أحرموا يدخلون البيوت من ورائها، عطف عليها قوله (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها). وقيل: إنه لما بين أن أمورنا مقدرة بأوقات، قرن به قوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) أي: فكما أن أموركم مقدرة بأوقات، فلتكن أفعالكم جارية على الإستقامة باتباع ما أمر الله به، والإنتهاء عما نهى عنه، لأن اتباع ما أمر به، خير من اتباع ما لم يأمر به. (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ 190 ]). اللغة: القتال والمقاتلة: محاولة الرجل قتل من يحاول قتله. والتقاتل: محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر. والإعتداء: مجاوزة الحد، يقال: عدا طوره: إذا جاوز حده. النزول: عن ابن عباس: نزلت هذه إلأية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول اللة لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، فصاروا حتى نزلوا الحديبية، فصدهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبية. ثم صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه، ويعود العام القابل، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت، ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره. فلما كان العام المقبل، تجهز النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن البيت الحرام، ويقاتلوهم، وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الاية. وعن الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول

[ 29 ]

الله يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) فنسخت هذه الأية. المعنى: ثم بين سبحانه أمر الجهاد، فقال مخاطبا للمؤمنين: (وقاتلوا) أي: الكفار (في سبيل الله) أي: دين الله، وهو الطريق الذي بينه للعباد ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه (الذين يقاتلونكم) قيل: أمروا بقتال المقاتلين دون النساء. وقيل: إنهم أمروا بقتال أهل مكة، والأولى حمل الآية على العموم، إلا من أخرجه الدليل. (ولا تعتدوا) أي: ولا تجاوزوا من قتال من هو من أهل القتال، إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله. وقيل: معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال. (إن الله لا يحب المعتدين) ظاهره يقتضي أن يسخط عليهم، لأنه على جهة الذم لهم، وقد ذكرنا معنى المحبة لهم فيما مضى. واختلف في الآية هل هي منسوخة أم لا ؟ فقال بعضهم: منسوخة على ما ذكرناه. وروي عن ابن عباس ومجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء والذراري. وقيل: أمر بقتال أهل مكة. وروي عن أئمتنا " عليهم السلام " أن هذه الآية ناسخة لقوله: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) وكذلك قوله: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) ناسخ لقوله: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم). (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين [ 191 ]). القراءة: قرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم كل بغير ألف. والباقون بألف في جميع ذلك. الحجة: من قرأها بغير ألف فإنما اتبع المصحف لأنه كتب في المصاحف بغير الألف. ومن قرأ بالألف، فقال: إنما تحذف الألف في الخط كما في الرحمن. اللغة: ثقفته أثقفه ثقفا وثقافة أي: وجدته، ومنه قولهم رجل ثقف لقف أي: يجد ما يطلبه. وثقف الرجل ثقافة فهو ثقف، وثقف ثقفا بالتحريك فهو ثقف: إذا كان سريع التعلم. والثقاف: حديدة يقوم بها الرماج المعوجة. والتثقيف: التقويم. والفتنة: أصلها الإختبار ثم ينصرف إلى معان منها: الإبتلاء نحو قوله (فتناك فتونا)

[ 30 ]

أي: ابتليناك ابتلاء على أثر ابتلاء. ومنها: العذاب، كقوله: جعل فتنة الناس كعذاب الله. ومنها: الصد عن الدين، نحو قوله (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) والمراد بها في الآية الشرك بالله وبرسوله. الاعراب: حيث: فيه ثلاث لغات: ضم الثاء وفتحها وكسرها. فالضم لشبهها بالغاية نحو قبل وبعد، لأنه منع الإضافة إلى المفرد مع لزومه معنى الإضافة اياه، فيجري لذلك مجرى قبل وبعد في البناء على الضم والفتح، لأجل البناء، كما فتحت أين وكيف. والكسر: لأجل أنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين، والجملة بعد (حيث) في موضع جر بإضافة (حيث) إليها في الموضعين. (وتقاتلوا) منصوب بإضمار أن، وهو صلة أن، والموصول والصلة في محل جر بحتى. وحتى: يتعلق بتقاتلوهم. النزول: نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك، فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين، وهو الشرك، أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام، وإن كان غير جائز. المعنى: ثم خاطب الله تعالى المؤمنين، مبينا لهم كيفية القتال مع الكافرين، فقال: (واقتلوهم) أي: الكفار (حيث ثقفتموهم) أي: وجدتموهم. (واخرجوهم من حيث أخرجوكم) يعني: أخرجوهم من مكة، كما أخرجوكم منها. (والفتنة أشد من القتل) أي: شركهم بالله وبرسوله، أعظم من القتل في الشهر الحرام. وسمي الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك، كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك. وقيل: لأن الكفر فساد يظهر عند الإختبار. وقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) نهى عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم، حتى يبتدئ المشركون بذلك. (فإن قاتلوكم) أي: بدأوكم بذلك (فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) أن يقتلوا حيث ما وجدوا. وفي الآية دلالة على وجوب إخراج الكفار من مكة، كقوله (حتى لا تكون فتنة). والسنة قد وردت أيضا بذلك وهو قوله: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ". (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم [ 192 ]).

[ 31 ]

اللغة: الانتهاء: الامتناع. والنهي: الزجر عن الفعل بصيغة لا تفعل مع كراهة الناهي لذلك الفعل. والأمر: الدعاء إلى الفعل بصيغة إفعل مع إرادة الآمر لذلك. والنهي: الغدير لمنعه الماء أن يفيض. والنهي: بمنزلة المنع، ونهاية الشئ: غايته. والنهى: جمع نهية، وهي العقل، والتناهي: هي المواضع التي تنهبط فيتناهى إليها ماء السماء واحدها تنهية. والإنهاء: إبلاغ الشئ الشئ نهايته. والمغفرة: تغطية الذنب بما يصير به بمنزلة غير الواقع في الحكم. المعنى: (فإن انتهوا) أي: امتنعوا من كفرهم بالتوبة منه، عن مجاهد وغيره. (فإن الله غفور رحيم) فاختصر الكلام لدلالة ما تقدم من الشرط عليه. وفيه الدلالة على أنه يقبل توية القاتل عمدا، لأنه بين، عز اسمه، أنه يقبل توبة المشرك، والشرك أعظم من القتل. (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [ 193 ]). اللغة: الدين: ههنا الإذعان بالطاعة، كما في قول الأعشى: * هوذان الرباب (1) إذ كرهوا * الدين دراكا بغزوة، وصيال * وقيل: هو الإسلام. وأصل الدين: العادة. قال الشاعر: * تقول إذا درأت لها وضيني: * أهذا دينه أبدا وديني * وقد استعمل بمعنى الطاعة في قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) وبمعنى الإسلام في قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) لأن الشريعة يجب أن يجرى فيها على عادة مستمرة. المعنى: ثم بين تعالى غاية وجوب القتال، وقال يخاطب المؤمنين: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام ". (ويكون الدين لله) وحتى تكون الطاعة لله، والإنقياد لأمر الله. وقيل: حتى يكون الإسلام لله أي: حتى لا يبقى الكفر، ويظهر الإسلام


(1) الرباب بالكسر: قبيلة. (*)

[ 32 ]

على الأديان كلها. (فإن انتهوا) أي: امتنعوا من الكفر، وأذعنوا للاسلام. (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي: فلا عقوبة عليهم، وإنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفر، فسمي القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان، وهو الظلم، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه)، و (جزاء سيئة سيئة مثلها)، و (إن عاقبتم فعاقبوا)، وحسن ذلك لازدواج الكلام. والمزاوجة هنا إنما حصلت في المعنى، لأن التقدير: فإن انتهوا عن العدوان، فلا عدوان إلا على الظالمين، وهذا الوجه مروي عن قتادة والربيع وعكرمة. وقيل: معنى العدوان الإبتداء بالقتال، عن مجاهد والسدي. وهذه الاية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال في المسجد الحرام، حتى يبدأوا بالقتال فيه، لأن فيها إيجاب قتالهم على كل حال، حتى يدخلوا في الإسلام، عن الحسن والجبائي. وعلى ما ذكرناه في الآية الأولى، عن ابن عباس، أنها غير منسوخة، فلا تكون هذه الآية ناسخة، بل تكون مؤكدة. وقيل: بل المراد بها أنهم إذا ابتدأوا بالقتال في الحرم، يجب مقاتلتهم حتى يزول الكفر. (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين [ 194 ]). اللغة: إنما سمي الشهر الحرام: لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه. والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يجب حفظه، ويحرم هتكه. والحرام هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه. والقصاص: الأخذ للمظلوم من الظالم من أجل ظلمه إياه. واعتدى عليه وعدي عليه، بمعنى. مثل قرب واقترب، وجلب واجتلب. وقيل: إن في افتعل مبالغة ليست في فعل. المعنى: ثم بين الله تعالى القتال في الشهر الحرام فقال: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) المراد بها ها هنا ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبية، والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد (1): ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وواحد فرد وهو رجب، كانوا يحرمون فيها القتال حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه، أو أخيه، لم


(1) أي: متتابعة. (*)

[ 33 ]

يتعرض له بسوء. وإنما قيل ذو القعدة: لقعودهم فيه عن القتال. وقيل في تقديره وجهان أحدهما: إنه قتال شهر الحرام أي: في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: إنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فات في السنة الأولى، ومعناه: الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة، واعتمرتم وقضيتم منها وطركم في سنة سبع، بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم عن مرادكم في سنة ست. (والحرمات قصاص) قيل فيه قولان احدهما: إن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال مجاهد: لأن قريشا فخرت بردها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته وأقصه بما حيل بينه وبينه وهو معنى قتادة والضحاك والربيع وعبد الرحمن بن زيد. وروي عن ابن عباس وأبي جعفر الباقر مثله والثاني: إن الحرمات قصاص بالقتال في الشهر الحرام أي: لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا. قال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ قال: نعم. وإنما أراد المشركون أن يغروه (1) في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله هذا أي: إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم، وبه قال الزجاج والجبائي. وإنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام. وقيل: لأن كل حرمة تستحل فلا يجوز إلا على وجه المجازاة. (فمن اعتدى عليكم) أي: ظلمكم (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) أي: فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثله والثاني ليس باعتداء على الحقيقة، ولكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء، وجعله مثله وإن كان ذلك جورا وهذا عدلا، لأنه مثله في الجنس، وفي مقدار الإستحقاق، ولأنه ضرر كما أن ذاك ضرر فهو مثله في الجنس والمقدار والصفة (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصرة لهم، أو يريد أن نصرة الله معهم. وأصل (مع) المصاحبة في المكان أو الزمان. وفي هذه الآية دلالة على أن من غصب شيئا وأتلفه، يلزمه رد مثله. ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال، ومن طريق المعنى كالقيم فيما لامثل له.


(1) وفي جملة من النسخ: " يغتروه " بدل " يغروه ". (*)

[ 34 ]

(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين [ 195 ]). اللغة: الإنفاق إخراج الشئ عن ملكه إلى ملك غيره، لأنه لو أخرجه إلى هلاك لم يسم إنفاقا. والإلقاء: تصيير الشئ إلى جهة السفل، وقد يقال ألقى عليه مسألة مجازا كما يقال: طرح عليه مسألة. وقد يقال لكل من أخذ في عمل: ألقى يديه إليه. وفيه قال لبيد: * حتى إذا ألقت يدا في كافر، * وأجن (1) عورات الثغور ظلامها * يعني الشمس أي: بدأت في المغيب. التهلكة والهلاك واحد. وقيل: التهلكة مصدر بمعنى الهلاك، وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين إلا هذا. وقيل: التهلكة كل ما يصير عاقبته إلى الهلاك، وأصل الهلاك: الضياع، وهو مصير الشئ بحيث لا يدرى أين هو، ومنه يقال للكافر هالك، وللميت هالك، وللمعذب: هالك. والهلوك: الفاجرة. والهالكي: الحداد، وأصله أن بني الهالك بن عمرو كانوا قيونا (2)، فنسب إليه كل قين. والإحسان: هو ايصال النفع الحسن إلى الغير، وليس المحسن من فعل الفعل الحسن، لأن مستوفي الدين لا يسمى محسنا، وإن كان فعله حسنا. ولا يقال إن القديم تعالى بفعل العقاب محسن، وإن كان العقاب حسنا، وإنما اعتبرنا النفع الحسن لأن من أوصل نفعا قبيحا إلى غيره لا يقال إنه محسن إليه. الاعراب: الباء في قوله تعالى: (بأيديكم) زائدة، كما يقال جذبت الثوب وبالثوب، وعلمته وعلمت به. وقال الشاعر: * ولقد ملأت على نصيب (3) جلده * بمساءة إن الصديق يعاتب * أي: ملأت جلده مساءة. وقيل: ليست الباء بزائدة ولكنها على أصل الكلام من وجهين أحدهما: إن كل فعل متعد إذا كني عنه، أو قدر على المصدر، دخلته الباء. تقول: ضربته، ثم تكني عنه فتقول: فعلت به. ويقال: أوقعت الضرب


(1) قوله وأجن أي: أخفى الظلام. عورات الثغور أي: خللها. (2) القيون جمع القين: وهو الحداد. (3) نصيب كزبير: اسم رجل. (*)

[ 35 ]

به، فجاء على أصل الأفعال للتعدية، والآخر: إنه لما كان معناه لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، دخلت الباء لتدل على هذا المعنى وهو خلاف أهلك نفسه بيد غيره. المعنى: لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله، عقبه بذكر الإنفاق فيه، فقال: (وأنفقوا في سبيل الله) معناه: وأنفقوا من أموالكم في الجهاد، وطريق الدين، وكل ما أمر الله به من الخير، وأبواب البر، فهو سبيل الله، لأن السبيل هو الطريق. فسبيل الله: الطريق إلى الله، وإلى رحمة الله وثوابه. إلا أنه كثر استعماله في الجهاد، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود. والجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح، فكانت له مزية. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قيل في معناه وجوه أحدها: إنه اراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الإنفاق في سبيل الله، فيغلب عليكم العدو، عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين وثانيها: إنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة، عن البراء بن عازب، وعبيدة السلماني وثالثها: إن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو، ولا قدرة على دفاعهم، عن الثوري، واختاره البلخي ورابعها: إن المراد ولا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس، عن الجبائي، ويقرب منه ما روي عن أبي عبد الله: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) يعني: المقتصدين. وقال عكرمة: معناه أحسنوا الظن بالله يبر بكم. وقال عبد الرحمن بن زيد: وأحسنوا بالعود على المحتاج، والأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه، ولا تنافي فيها. وفي هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس، وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف، لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وفيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار والبغاة، إذا خاف الإمام على نفسه، أو على المسلمين كما فعله رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية، وفعله أمير المؤمنين " عليه السلام " بصفين، وفعله " عليه السلام " مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره، وخاف على نفسه وشيعته. فإن عورضنا بأن الحسين " عليه السلام " قاتل وحده ؟ فالجواب: إن فعله يحتمل وجهين أحدهما: إنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والآخر: إنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا، كما فعل بابن عمه مسلم، فكان القتل مع عز النفس والجهاد، أهون عليه.

[ 36 ]

(وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب [ 196 ]). اللغة: قد ذكرنا حقيقة الحج والعمرة فيما مضى عند قوله (فمن حج البيت أو اعتمر) فلا معنى لإعادته. والإحصار: المنع، يقال للرجل الذي منعه الخوف أو المرض عن التصرف: قد أحصر، فهو محصر. ويقال للرجل الذي حبس: قد حصر فهو محصور. وقال الفراء: يجوز أن يقوم كل واحد منهما مقام الآخر، وخالفه فيه أبو العباس المبرد والزجاج. قال المبرد: ونظيره حبسه جعله في الحبس. وأحبسه: عرضه للحبس. وأقتله: عرضه للقتل، وكذلك حصره حبسه أي: أوقع به الحصر. وأحصره: عرضه للحصر، وحصر حصرا: إذا عيي في الكلام. والحصير: البخيل لحبسه رفده (1). والحصير: الذي لا يبوح بسره، لأنه قد حبس نفسه عن البوح به (2). والحصير: الحبس. والحصير: الملك. والحصور: الهيوب المحجم (3) عن الشئ. والحصور: الذي لا إربة (4) له في النساء. وأصل الباب: الحبس. وفي أصل الهدي قولان احدهما: إنه من الهدية، يقال: أهديت الهدية إهداء، وأهديت الهدي إلى بيت الله إهداء. فعلى هذا إنما يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله والآخر: إنه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد، فسمي هديا، لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد، وواحد الهدي هدية، كما يقال شرية وشري، وتمرة وتمر، وجمع الهدي هدي على زنة فعيل، كما يقال عبد وعبيد، وكلب وكليب. وقيل واحد الهدي هدية، مثل مطية ومطي. قال الفرزدق:


(1) الرفد: العطاء. (2) باح إليه بالسر: أظهره. (3) أحجم عن الشئ: كف عنه هيبة وخوفا (4) الإربة: ا لحاجة. (*)

[ 37 ]

* حلفت برب مكة، والمصلى، * وأعناق الهدي مقلدات * والحلق: حلق الرأس، يقال: حلق وحلق. والمحلق: موضع الحلق بمنى. والمحلق الحلاق. وحلق الطائر في الهواء: إذا ارتفع. وحلق ضرع الناقة: إذا ارتفع لبنها. والحلق: مجرى الطعام والشراب في المري. وحلوق الأرض: مجاريها في أوديتها. وحلاق المنية. وأصل (1) الباب: الإستمرار. والرأس: أعلى كل شئ. والأذى: كل ما تأذيت به. ورجل أذ: إذا كان شديد التأذي. وأصله: الضرر بالشئ. والنسك: جمع النسيكة وهي الذبيحة، ويجمع أيضا (2) على نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف. وكلما ذبح لله فهو نسيكة. والنسك: العبادة، ومنه رجل ناسك أي: عابد. والتمتع: أصله الإلتذاذ والإستمتاع. ومتعة الحجة: هي أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحل ويتمتع بالإحلال بأن يفعل ما يفعله المحل، ثم يحرم بالحج من غير رجوع إلى الميقات، فهو إحلال بين إحرامين. وأهل الرجل: زوجته. والتأهل: التزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الاسلام: من يدين به. وأهل القرآن: من يقرؤه ويقوم بحقوقه. وأهلته لهذا الأمر أي: جعلته أهلا له. وقولهم: أهلا ومرحبا أي: اختصاصا بالتحية والتكرمة. والعقاب: مصدر، يقال عاقبه عقابا ومعاقبة وعقوبة. وأصله من عقب الشئ أي: خلفه فكأن القبيح يعقبه الشدة. وعقب الإنسان: نسله. وعقبه: مؤخر قدميه. الاعراب: قوله: (فما استيسر من الهدي) موضع ما رفع، كأنه قال فعليه ما استيسر. ويجوز أن يكون موضعه نصبا، وتقديره فاهدوا ما استيسر، والرفع أولى لكثرة نطائره كقوله (ففدية من صيام)، (فعدة من أيام)، (فصيام ثلاثة أيام في الحج). وقوله: (في الحج) يتعلق بالمصدر، وليس في موضع خبر. وهذا النحو قد جاء مرفوعا على تقدير إضمار خبر. المعنى: ثم بين سبحانه فرض الحج والعمرة على العباد بعد بيانه فريضة الجهاد فقال: (وأتموا الحج والعمرة لله) أي: أتموهما بمناسكهما وحدودهما، وتأدية كل ما فيهما، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: معناه أقيموهما إلى آخر ما


(1) [ الباب ]. (2) [ على ]. (*)

[ 38 ]

فيهما، وهو المروي عن أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعن سعيد بن جبير، ومسروق والسدي. وقوله (لله) أي: اقصدوا بهما التقرب إلى الله. والعمرة واجبة عندنا مثل الحج، وبه قال الشافعي في الجديد. وقال أهل العراق: إنها مسنونة. وأركان أفعال الحج: النية والإحرام، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. وأما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية، وركعتا الطواف، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وأما المسنونات من أفعال ألحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه. وأركان فرائض العمرة: النية والإحرام وطواف الزيارة والسعي. وأما ما ليس بركن من فرائضها، فالتلبية، وركعتا الطواف، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وقوله: (فإن أحصرتم) فيه قولان أحدهما: إن معناه إن منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطا، وهو المروي عن أئمتنا والثاني: معناه إن منعكم حابس قاهر عن مالك. (فما استيسر من الهدي) فعليكم ما سهل من الهدي، أو فاهدوا ما تيسر من الهدي، إذأ أردتم الإحلال. والهدي يكون على ثلاثة أنواع: جزور أو بقرة أو شاة وأيسرها شاة، وهو المروي عن علي وابن عباس والحسن وقتادة، وروي عن ابن عمر وعائشة أنه ما كان من الإبل والبقر دون غيرهما، والأول هو الصحيح. (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) أي: لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله وينحر أو يذبح. واختلف في محل الهدي على قولين الأول: إنه الحرم، فإذا ذبح به في يوم النحر، أحل، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وعطاء، والثاني: إنه الموضع الذي يصد فيه، لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نحر هديه بالحديبية، وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم، عن مالك. وأما على مذهبنا فالأول حكم المحصور بالمرض، والثاني: حكم المحصور بالعدو، وإن كان الإحرام بالحج، فمحله منى يوم النحر، وإن كان الإحرام بالعمرة فمحله مكة. (فمن كان منكم هريضا أو به أذى من رأسه) أي: من مرض منكم مرضا يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة، أو تأذى بهوام رأسه، أبيح له الحلق بشرط الفدية. وروى أصحابنا: أن هذه نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة، وإنه كان قد قمل

[ 39 ]

رأسه. وقوله: (ففدية) أي: فحلق لذلك العذر، فعليه فدية أي: بدل وجزاء يقوم مقام ذلك (من صيام أو صدقة أو نسك). المروي عن ائمتنا أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، وروي على عشرة مساكين، والنسك شاة، وهو مخير فيها. وقوله (فإذا أمنتم) معناه: فإذا أمنتم الموانع من العدو والمرض وكل مانع. (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) فعليه ما تيسر من الهدي. والتمتع عندنا هو الفرض اللازم لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام وحاضر المسجد الحرام هو من كان على اثني عشر ميلا من كل جانب إلى مكة، فمن كان خارجا عن هذا الحد فليس من الحاضرين. وصفة التمتع بالعمرة إلى الحج أن ينشئ الإحرام في أشهر الحج، ثم يدخل إلى مكة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر، ويحل من إحرامه، ثم ينشئ إحراما آخر للحج من المسجد الحرام، ويخرج إلى عرفات، ثم يفيض إلى المشعر، ويأتي بأفعال الحج على ما هو مذكور في الكتب، وفي بعض ذلك خلاف بين الفقهاء. والهدي واجب للتمتع بلا خلاف لظاهر التنزيل على خلاف في أنه نسك أو جبران وعندنا أنه نسك. (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) أي: فمن لم يجد الهدي ولا ثمنه، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج. وعندنا أن هذه الأيام: يوم قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وإن صام في أول العشر جاز ذلك رخصة. وإن صام يوم التروية ويوم عرفة، قضى يوما آخر بعد انقضاء أيام التشريق. وإن فاته صوم يوم التروية أيضا، صام الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق متتابعات. وقوله: (وسبعة إذا رجعتم) أي: وسبعة أيام إذا رجعتم إلى بلادكم وأهاليكم، وبه قال قتادة وعطاء وقيل: معناه إذا رجعتم من منى، فصوموها في الطريق، عن مجاهد. والأول هو الصحيح عندنا. وقوله: (تلك عشرة كاملة) فيه أقوال أحدها: إن معناه كاملة من الهدي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه، عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر، واختاره الجبائي وثانيها: إنه لإزالة الإبهام، لئلا يظن أن الواو بمعنى أو، فيكون كأنه قال فصيام ثلاثة أيام في الحج، أو سبعة إذا رجعتم، لأنه إذا استعمل أو بمعنى الواو، جاز أن يستعمل الواو بمعنى أو، كما قال: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى

[ 40 ]

وثلاث ورباع) فالواو ههنا: بمعنى أو، فذكر ذلك لارتفاع اللبس، عن الزجاج وأبي القاسم البلخي وثالثها: إنه إنما قال (كاملة) للتوكيد، كما قال جرير: * ثلاث، واثنتان، فهن خمس، * وسادسة تميل إلى تمام * وقوله: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي: ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج، ليس لأهل مكة، ومن يجري مجراهم، وإنما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وهو من يكون بينه وبينها أكثر من اثني عشر ميلا من كل جانب. (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (واعلموا أن الله شديد العقاب) لمن عصاه. الحديث: روى معاوية بن عمار عن الصادق " عليه السلام " أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل عليه (وأذن في الناس) الآية. فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصوإتهم بأن رسول الله يحج من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والاعراب، فاجتمعوا. فخرج رسول الله في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل، ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عنده الشجرة، فصلى فيه الظهر، وأحرم بالحج ثم ساق الحديث إلى أن قال: فلما وقف رسول الله بالمروة بعد فراغه من السعي، أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا جبرائيل، وأومى بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ هذا الهدي محله، فقال له رجل من القوم أنخرج حجاجا ورؤوسنا تقطر ؟ فقال: إنك لن تؤمن بها أبدا. فقام إليه سراقة بن مالك بن جعثم الكناني، فقال: يا رسول الله ! علمتنا ديننا، فكأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا، أو لما نستقبل ؟ فقال له رسول الله: بل هو للأبد إلى يوم القيامة. ثم شبك بين أصابعه بعضها في بعض، وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وقدم علي من اليمن على رسول الله، وهو بمكة، فدخل على فاطمة وهي قد أحلت، فوجد (1) عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة ؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله. فخرج (2) إلى رسول الله


(1) [ ريحا طيبة ووجد ]. (2) [ علي " عليه السلام " ]. (*)

[ 41 ]

مستفتيا، محرشا على فاطمة، فقال: يا رسول الله ! إني رأيت فاطمة قد أحلت، وعليها ثياب مصبوغة ؟ فقال رسول الله: أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا علي بم أهللت ؟ فقال، قلت: يا رسول الله ! إهلالا كإهلال النبي. فقال رسول الله: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديي. قال: ونزل رسول الله بمكة بالبطحاء، هو وأصحابه، ولم ينزل الدور. فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس، أمر الناس أن يغتسلوا، ويهلوا بالحج، فخرج النبي وأصحابه مهلين بالحج، حتى أتوا منى، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة، وهو جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها. فأنزل الله على نبيه: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس). يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلما رأت قريش أن قبة رسول الله قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شئ للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرفة، بجبال الأراك، فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها. فلما زالت الشمس، خرج رسول الله ومعه قومه (1)، وقد اغتسل، وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر. بأذان وإقامتين، ثم مضى إلى الموقف، فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: يا أيها الناس ! إنه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كله موقف، وأومى بيده إلى الموقف، فتفرق الناس. وفعل مثل ذلك بالمزدلفة فتوقف حتى وقع قرص الشمس، ثم أفاض وأمر الناس بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام، صلى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، وعجل ضعفاء بني هاشم بالليل، 1 فأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. فلما أضاء له النهار، أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة، وكان الهدي الذي جاء به رسول الله أربعا وستين، أو ستا وستين، وجاء علي بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين، فنحر رسول الله ستا وستين بدنة، ونحر علي " عليه السلام " أربعا


(1) وفي نسختين مخطوطتين: " قوسه " بالسين بدل الميم. (*)

[ 42 ]

وثلاثين بدنة، وأمر رسول الله أن يأخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة (1)، ثم تطبخ. فأكل رسول الله منها وعلي، وتحسيا من مرقها، ولم يعط الجزارين جلودها، ولا جلالها، ولا قلائدها. وتصدق به، وحلق وزار البيت، ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان يوم الثالث من آخر أيام التشريق. ثم رمى الجمار، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح فقالت عائشة: يا رسول الله ! ترجع نساؤك بحجة وعمرة معا، وأرجع بحجة. فأقام بالأبطح، وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فأهلت بعمرة، ثم جاءت فطافت بالبيت، وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم، وسعت بين الصفا والمروة، ثم أتت النبي، فارتحل من يومه، فلم يدخل المسجد، ولم يطف بالبيت، ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة من ذي طوى. (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب [ 197 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع، (ولا جدال) بالفتح. وقرأ أبو جعفر جميع ذلك بالرفع والتنوين. وقرأ الباقون، الجميع بالفتح. الحجة: حجة من فتح الجميع أن يقول: إنه أشد مطابقة للمعنى المقصود. ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: لا ريب، فقد نفى جميع هذا الجنس. فإذا رفع ونون، فكأن النفي لواحد منه، ألا ترى أن سيبويه يرى أنه إذا قال: لا غلام عندك، ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: أغلام عندك أم جارية ؟ فالفتح أولى، لأن النفي قد عم، والمعنى عليه. وحجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس المنفي رفثا واحدا، ولكنه جميع ضروبه، وأن النفي قد يقع فيه الواحد موقع الجميع، وإن لم يبن فيه الإسم مع لا نحو: ما رجل في الدار.


(1) البرمة: القدر من الحجر. (*)

[ 43 ]

اللغة: الرفث: أصله في اللغة الإفحاش في النطق، قال العجاج: " عن اللغا ورفث التكلم ". وقيل: الرفث بالفرج الجماع. وباللسان: المواعدة للجماع. وبالعين: الغمز للجماع. والفسوق: الخروج من الطاعة. والجدال في اللغة والمجادلة والمنازعة والمشاجرة والمخاصمة نظائر. وجدلت الحبل: فتلته. والجديل: زمام البعير فعيل بمعنى مفعول. والمجدل: القصر. والجدالة: الأرض ذات العمل الرقيق. وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد. والزاد. الطعام الذي يتخذ للسفر. والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل بخير من عمل أو كسب فقد نزود منه تزودا واللب: العقل، سمي بذلك لأنه أفضل ما في الإنسان، وأفضل كل شئ لبه. الاعراب: (الحج): مبتدأ. و (أشهر): خبره، وتقديره أشهر الحج أشهر معلومات، ليكون الثاني هو الأول في المعنى، أو الحج حج أشهر معلومات، فحذف المضاف أي: لا حج إلا في هذه الأشهر. فالأشهر على هذا: متسع فيها، مخرجة عن الظروف، والمعنى على ذلك. ألا ترى أن الحج في الأشهر، وقد يجوز أن يجعل الحج الأشهر على الإتساع، لكونه فيها، ولكثرته من الفاعلين له، كما قالت الخنساء: * ترتع ما رتعت حتى ادكرت، * فإنما هي إقبال، وإدبار * جعلتها الإقبال والإدبار لكثرتهما منها. وقوله (فلا رفث): إذا فتحت فعلى البناء، وقد تقدم بيانه فيما مضى، وإذا رفعت فعلى الإبتداء. ويكون في الحج خبرا لهذه المرفوعات. وإذا فتحت ما قبل المرفوع، وأثبت ما بعده مرفوعا، جاز أن يكون عطفا على الموضع، وجازأن يكون بمعنى ليس، كما في قوله (1): * من صد عن نيرانها (2) * فأنا ابن قيس لا براح * وما بعد الفاء في موضع الرفع، لوقوعه موقع الفعل المضارع بعد الفاء. والفاء مع ما بعده في محل الجزم، أو في محل الرفع، لأنه جواب شرط مبني. المعنى: (الحج) أي: أشهر الحج (أشهر معلومات) أي: أشهر مؤقتة معينة لا يجوز فيها التبديل والتغيير، بالتقديم والتأخير اللذين كان يفعلهما النسأة الذين


(1) القائل: سعد. (2) والضمجر في نيرانها للحرب. (*)

[ 44 ]

أنزل فيهم: (إنما النسئ زيادة في الكفر) الآية. وأشهر الحج عندنا: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، على ما روي عن أبي جعفر، وبه قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، عن عطاء والربيع وطاوس، وروي ذلك في أخبارنا. وإنما صارت هذه أشهر الحج، لأنه لا يصح الاحرام بالحج إلا فيها بلا خلاف، وعندنا لا يصح أيضا الإحرام بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج، إلا فيها. ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، قال: لأنه يصح أن يقع فيها بعض أفعال الحج مثل صوم الأيام الثلاثة، وذبح الهدي. ومتى قيل: كيف سمي الشهران، وبعض الثالث أشهرا ؟ فجوابه: إن الأثنين قد يقع عليه لفظ الجمع، كما في قوله: (ظهراهما مثل ظهور الترسين). وأيضا فقد يضاف الفعل إلى الوقت، وإن وقع في بعضه، ويضاف الوقت إليه كذلك. تقول: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد، وإن كانت الصلاة في بعضه. وقدم زيد يوم كذا، وإن كان قدم في بعضه، فكذلك جاز أن يقال في شهر الحج ذو الحجة، وإن وقع الحج في بعضه. (فمن فرض فيهن الحج) معناه: فمن أوجب على نفسه فيهن الحج، أي: فمن أحرم فيهن بالحج بلا خلاف، أو بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج على مذهبنا. (فلا رفث) كني بالرفث عن الجماع هاهنا عند أصحابنا، وهو قول ابن مسعود وقتادة. وقيل: هو مواعدة الجماع، والتعريض للنساء به، عن ابن عباس وابن عمر وعطا. وقيل: هو الجماع والتعريض له بمداعبة أو مواعدة، عن الحسن. (ولا فسوق). وروى أصحابنا أنه الكذب. وقيل: هو معاصي الله كلها، عن ابن عباس والحسن، وقتادة، وهذا أعم، ويدخل فيه الكذب. وقيل: هو التنابز بالألقاب لقوله: (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان) عن الضحاك. وقيل: هو السباب لقوله: " سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر " عن إبراهيم ومجاهد. وقال بعضهم: لا يجوز أن يراد به هنا إلا ما نهي المحرم عنه مما يكون حلالا له إذا أحل، لاختصاصه بالنهي عنه، وهذا تخصص للعموم بلا دليل. وقد يقول القائل: ينبغي لك أن تقيد لسانك في رمضان، لئلا يفسد صومك. وقد جاء في الحديث: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك ". فإنما خصه بذلك لعظم حرمته. (ولا جدال في الحج) روى أصحابنا أنه قول لا والله وبلى والله صادقا أو

[ 45 ]

كاذبا، وللمفسرين فيه قولان أحدهما: إنه المراء والسباب والإغضاب على جهة المحك (1) واللجاج، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن والثاني: إن معناه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي الحجة، لأنهم كانوا ينسئون الشهور، فيقدمون ويؤخرون فربما اتفق في غيره، عن مجاهد والسدي. (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) معناه: ما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به، لأن الله عالم بجميع المعلومات على كل حال، إلا أنه جعل يعلمه في موضمع يجازه للمبالغة في صفة العدل أي: إنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) قيل فيه قولان أحدهما: إن معناه أن قوما كانوا يرمون بأزوادهم، ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم: تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على الناس، وخير الزاد مع ذلك التقوى، عن الحسن وقتادة ومجاهد والثاني: إن معناه تزودوا من الأعمال الصالحة (فإن خير الزاد التقوى)، وذكر ذلك في أثناء أفعال الحج، لأنه أحق شئ بالإستكثار من أعمال البر فيه (واتقون) فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه (يا أولي الألباب) يا ذوي العقول. (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين [ 198 ]). اللغة: الجناج: الحرج في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم. والإبتغاء: الطلب والإفاضة مأخوذة من فيض الإناء عن امتلائه، فمعنى أفضتم: دفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع وكثرة، ويقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، وأكثروا التصرف. وأفاض الرجل إناءه: إذا صبه. وأفاض الرجل بالقداح: إذا ضرب بها، لأنها تقع متفرقة، قال أبو ذؤيب: * وكأنهن ربابة، وكأنه * يسر، يفيض على القداح، ويصدع (2) *


(1) المحك: الخصومة. (2) الربابة: شبيه بالكنانة يجمع فيها سهام الميسر، وربما سموا جماعة السهام ربابة. واليسر محركة: الياسر. (*)

[ 46 ]

وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة كثيرة، قال الراعي: * وأفضن بعد كظومهن بجرة * من ذي الاباطح إذ رعين حقيلا (1) * فالإفاضة في اللغة لا تكون إلا عن تفرق أو كثرة. وعرفات: اسم للبقعة المعروفة يجب الوقوف بها في الحج. ويوم عرفة: يوم الوقوف بها. واختلف في سبب تسميتها بعرفات، فقيل: لأن إبراهيم " عليه السلام " عرفها بما تقدم له من النعت لها والوصف. روي ذلك عن علي وابن عباس. وقيل: إنها سميت بذلك لأن آدم وحواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا، عن الضحاك والسدي، وقد رواه أصحابنا أيضا. وقيل: سميت بذلك لعلوها وارتفاعها، ومنه عرف الديك. وقيل: سميت بذلك لأن إبراهيم كان يريه جبرائيل المناسك، فيقول عرفت عرفت، عن عطاء. وروى عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فأصبح يروي يومه أجمع أي: يفكر أهو أمر من الله أم لا، فسمي بذلك يوم التروية، ثم رأى في الليلة الثانية. فلما أصبح عرف أنه من الله فسمي يوم عرفة. وروي أن جبريل، قال لآدم هناك: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فقال: (ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية. فلذلك سميت عرفة. والمشعر الحرام، هو المزدلفة سميت مشعرا لأنه معلم للحج والصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده من أعمال الحج. وإنما سمي المشعر الحرام مزدلفة لأن جبريل قال لإبراهيم بعرفات: ازدلف إلى المشعر الحرام، فسمي المزدلفة، وسمي جمعا لأنه يجمع به بين المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين. وسميت منى منى لأن إبراهيم تمنى هناك أن يجعل الله مكان ابنه كبشا، يأمره (2) بذبحه فدية له. الاعراب: (جناح): اسم ليس، وخبره: (عليكم). وموضع (أن تبتغوا): نصب على تقدير ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقط في عمل فيها معنى جناح، والمعنى لستم تأثمون في (أن تبتغوا). وعرفات: إسم معرفة لمواضع جرت مجرى موضع واحد لاتصال بعضها ببعض، وإنما صرفت وإن كان فيها سببان من أسباب منع الصرف، وهو التعريف والتأنيث لأنها على حكاية الجمع. فالتنوين


(1) كظم البعير كظوما: أمسك جرته وكف عن الإجترار. الجرة: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه، ثم يبلعه. وحقيل: اسم موضع. قاله الجوهري. (2) وفي جملة من النسخ: " أمر بذبح ابنه ". (*)

[ 47 ]

فيها بإزاء النون في مسلمون، ولو سميت امرأة بمسلمون لم يحذف هذه النون، وتقول: أقبلت مسلمون، ورأيت مسلمين. ويجوز في عرفات حذف التنوين أيضا، تشبيها بالواحد إذا كان إسما لواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورا، وإن أسقطت التنوين، ومثلها أذرعات في قول امرئ القيس: * تنورتها من أذرعات، وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال (1) * أكثر الرواية بالتنوين، وقد أنشد بالكسر بغير تنوين، والأول اختيار النحويين لما ذكرنا من اجرائهم إياه مجرى المسلمون. وأما فتح التاء فخطأ. (وإن كنتم) إن هنا هي المخففة من الثقيلة بدلالة أن لام الإبتداء معها. وإذا خففت لم تعمل إن. (وكنتم من قبله لمن الضالين) لا موضع له من الإعراب، لأنه وقع بعد حرف غير عامل، وإنما هذه الواو عطفت جملة على جملة. المعنى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) قيل: كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج، فرفع الله بهذه اللفظة الإثم عمن يتجر في الحج، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وعطاء، وفي هذا تصريح بالإذن في التجارة، وهو المروي عن أئمتنا. وقيل: كان في الحج اجراء ومكارون، وكان الناس يقولون إنه لا حج لهم فبين سبحانه أنه لا إثم على الحاج في أن يكون أجيرا لغيره، أو مكاريا. وقيل: معناه لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربكم، رواه جابر عن أبي جعفر " عليه السلام ". (فإذا أفضتم من عرفات) أي: دفعتم عنها بعد الإجتماع فيها. (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وفي هذا دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة، كما ذهبنا إليه، لأن ظاهر الأمر على الوجوب، فقد أوجب الله الذكر فيه. ولا يجوز أن يوجب الذكر فيه إلا وقد أوجب الكون فيه، ولأن كل من أوجب الذكر فيه، فقد أوجب الوقوف، وتقدير الكلام: فإذا أفضتم من عرفات، فكونوا بالمشعر الحرام. واذكروا الله فيه (واذكروه كما هداكم) معناه: وأذكروه بالثناء والشكر على حسب نعمته عليكم بالهداية، فإن الشكر يجب أن يكون على حسب النعمة في عظم المنزلة، كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية بين من عظمت نعمته، وبين من صغرت نعمته، وتقدير الكلام: واذكروه ذكرا مثل


(1) تنورتها أي: نظرت بقلبي إلى نار المحبوبة. أذرعات: موضع بالشام، المعنى: إني كيف أراها وأدنى دارها مرتفع. أو المعنى: إن أقرب دارها ما بعيد. (*)

[ 48 ]

هدايته إياكم. (وإن كنتم) أي: وإنكم كنتم (من قبله) أي: من قبل الهدى. وقيل: من قبل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، فتكون الهاء كناية عن غير مذكور (لمن الضالين) عن النبوة والشريعة، فهداكم إليه. (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [ 199 ]). اللغة: الإستغفار: طلب المغفرة. والمغفرة: التغطية للذنب. والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة. فأما غافر فيستحق الوصف به من وقع منه الغفران. والعفو: هو المغفرة، وقد فرق بينهما بان العفو: ترك العقاب على الذنب. والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة، ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله دون صفات العباد، فلا يقال أستغفر السلطان كما يقال أستغفر الله. المعنى: (ثم أفيضوا من حيث افاض الناس) قيل فيه قولان أحدهما: إن المراد به الإفاضة من عرفات، وإنه أمر لقريش وحلفائها، وهم الحمس، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. وكانوا يقفون بالمزدلفة ويفيضون منها، فأمرهم الله بالوقوف بعرفة، والإفاضة منها، كما يفيض الناس. والمراد بالناس سائر العرب، عن ابن عباس وعائشة وعطاء ومجاهد والحسن وقتادة، وهو المروي عن الباقر " عليه السلام ". وقال الضحاك: إنه أمر لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، عن الضحاك قال: ولما كان إبراهيم إماما، كان بمنزلة الأمة، فسماه وحده ناسا والثاني: إن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، عن الجبائي قال: والآية تدل عليه لأنه قال: (فإذا أفضتم من عرفات). ثم قال: (ثم أفيضوا) فوجب أن يكون إفاضة ثانية، فدل ذلك على أن الإفاضتين واجبتان. والناس المراد به إبراهيم كما أنه في قوله (الذين قال لهم الناس) نعيم بن مسعود الأشجعي. وقيل: إن الناس إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ومن بعدهم من الأنبياء، عن أبي عبد الله. ومما يسأل على الأول أن يقال: إذا كان ثم للترتيب، فما معنى الترتيب هاهنا ؟ وقد روى أصحابنا في جوابه: إن هاهنا تقديما وتأخيرا وتقديره " ليس عليكم

[ 49 ]

جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم " وقيل: أراد بالناس آدم، عن سعيد بن جبير والزهري. وقيل: هم أهل اليمن وربيعة، عن الكلبي. وقيل: هم العلماء الذين يعلمون الدين ويعلمونه الناس. (واستغفروا الله) أي: أطلبوا المغفرة منه بالندم على ما سلف من المعاصي. (إن الله غفور) أي: كثير المغفرة، (رحيم) واسع الرحمة. (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا وما له في الأخرة من خلاق [ 200 ]) اللغة: أصل القضاء: فصل الأمر على إحكام، وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك، وقد يفصل بأن يعمل على تمام كقوله (فقضاهن سبع سماوات) وقد يفصل بالإخبار به على القطع، كقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل) وقد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الإلزام. والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير فهو النصيب من الخير على وجه الإستحقاق. وقيل: إنه من الخلق فهو نصيب مما يوجبه الخلق الكريم. الاعراب: (أشد): في موضع جر، ولكنه لا ينصرف لأنه على وزن الفعل، وهو صفة، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر: واذكروه أشد ذكرا. وذكرا: منصوب على التمييز (في الآخرة): الجار والمجرور يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله (له) وله: في موضع خبر للمبتدأ الذي هو (من خلاق)، فإن (من) مزيدة، والجار والمجرور في موضع رفع بالإبتداء. ويجوز أن يكون (في الآخرة) في موضع نصب على الحال، والعامل فيه ما في له من الفعل. المعنى: (فإذا قضيتم مناسككم) معناه: فإذا أديتم مناسككم. وقيل: فإذا فرغتم من مناسككم. والمناسك: جمع المنسك. والمنسك، يجوز أن يكون موضع النسك، ويجوز أن يكون مصدرا، فإن كان موضعا فالمعنى: فإذا قضيتم ما وجب عليكم إيقاعه في متعبداتكم. وإن كان بمعنى المصدر، فإنما جمع لأنه يشتمل

[ 50 ]

على أفعال وأذكار، فجاز جمعه كالأصوات أي: فإذا قضيتم أفعال الحج. (فاذكروا الله). واختلف في الذكر على قولين أحدهما: إن المراد به التكبير المختص بأيام منى، لأنه الذكر المرغب فيه، المندوب إليه في هذه الأيام والآخر: إن المراد به سائر الأدعية في تلك المواطن، لأن الدعاء فيها أفضل منه في غيرها (كذكركم آباءكم) معناه: ما روي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنهم كانوا إذا فرغوا من الحج، يجتمعون هناك، ويعدون مفاخر آبائهم ومآثرهم، ويذكرون أيامهم القديمة، وأياديهم الجسيمة، فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكرهم آباءهم في هذا الموضع. (أو أشد ذكرا) أو: يزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله، ويعدوا آلاءه، ويشكروا نعماءه، لأن آباءهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم، فنعم الله عليهم أعظم، وأياديه عندهم أفخم، ولأنه المنعم بتلك المآثر والمفاخر على آبائهم وعليهم. وهذا هو الوجه في تشبيهه هذا الذكر الواجب بذلك الذكر الذي هو دونه في الوجوب، وهو قول الحسن وقتادة. وقيل: معناه واستغيثوا بالله، وافزعوا إليه كما يفزع الصبي إلى أبيه في جميع أموره، ويلهج بذكره فيقول: يا أبت عن عطاء، والأول أصح. وقوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا): بين سبحانه أن الناس في تلك المواطن أصناف، فمنهم من يسأل نعيم الدنيا، ولا يسأل نعيم الآخرة، لأنه غير مؤمن بالبعث والنشور (وما له في الآخرة من خلاق) أي: نصيب من الخير موفور. (ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفى الأخرة حسنة وقنا عذاب النار [ 201 ]). اللغة: الفرق بين القول والكلام أن القول يدل على الحكاية، وليس كذلك الكلام نحو: قال الحمد لله، فإذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق. والحكاية على ثلاثة أوجه أحدها: حكاية على اللفظ والمعنى نحو: (قال آتوني أفرغ عليه قطرا) إذا حكاه من يعرف لفطه ومعناه. وحكاية على اللفظ نحوها إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه. وحكاية على المعنى نحو أن تقول نحاسا بدل قوله قطرا. والإيتاء: الإعطاء، وأصله الآتي بمعنى المجئ فأتي إذا كان منه المجئ. وآتى غيره: حمله

[ 51 ]

على المجئ، فيقال: آتاه ما يحب، وآتى غيره ما يحب. وق: أصله من وقى يقي وقاية ووقاء. والوقاء: أصله الحجز بين الشيئين. والوقاء: الحاجز الذي يسلم به من الضرر. المعنى: لما ذكر سبحانه دعاء من سأله من أمور الدنيا في تلك المواقف الشريفة ما لا يرتضيه، عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي يرغب فيه، فقال: (ومنهم من يقول ربنا آتنا) أي: أعطنا (في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) أي: نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة، عن أنس وقتادة. وروي عن أبي عبد الله أنها السعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا، ورضوان الله، والجنة في الآخرة. وقيل: العلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، عن الحسن وقتادة. وقيل: هي المال في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، عن ابن زيد والسدي. وقيل: هي المرأة الصالحة في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، عن علي " عليه السلام ". وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من أوتي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وأخراه، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار ". (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب [ 202 ]). اللغة: النصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحد النصيب: الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر. والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع، أو يدفع به ضرر. والسريع من العمل هو القصير المدة، يقال: سرع سرعة وسرعا فهو سريع. وأقبل فلان في سرعان قومه أي: في أوائلهم المسرعين. والحساب: مصدر كالمحاسبة. المعنى: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا) أي: حظ من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه (والله سريع الحساب) ذكر فيه وجوه أحدها: إن معناه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وأن وقت الجزاء قريب، ويجري مجراه قوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وعبر عن الجزاء بالحساب، لأن الجزاء كفاء للعمل وبمقداره فهو حساب له يقال: أحسبني الشئ: كفاني وثانيها: أن يكون المراد به أنه يحاسب أهل الموقف في أوقات يسيرة لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، كما لا يشغله شأن عن شأن. وورد في الخبر أنه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في

[ 52 ]

مقدار لمح البصر. وروي بقدر حلب شاة. وهذا أحد ما يدل على أنه ليس بجسم، وأنه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين، ولكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب غيره، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة. وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " أنه قال: معناه أنه يحاسب الخلق دفعة، كما يرزقهم دفعة وثالثها: إن معناه أنه تعالى سريع القبول لدعاء هؤلاء، والاجابة لهم من غير احتباس فيه، وبحث عن المقدار الذي يستحقه كل داع كما يحتبس المخلوقون للإحصاء والإحتساب. ويقرب منه ما روي عن ابن عباس أنه قال: يريد أنه لا حساب على هولاء، إنما يعطون كتبهم بأيمانهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت بها عنكم، وهذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون [ 203 ]). اللغة: المعدودات: تستعمل كثيرا في اللغة للشئ القليل، وكل عدد قل أو كثر فهو معدود. ولكن معدودات أدل على القلة، لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء. والحشر: جمع القوم من كل ناحية إلى مكان. والمحشر: المكان الذي يحشرون فيه. وحشرتهم السنة: إذا أجحفت بهم، لأنها تضمهم من النواحي إلى المصر. وسهم حشر: خفيف لطيف لأنه ضامر باجتماعه. وأذن حشرة: لطيفة وضامرة. وحشرات الأرض: دوابها الصغار لاجتماعها من كل ناحية. فأصل الباب: الإجتماع. الاعراب: العامل في اللام من قوله (لمن اتقى) فيه قولان أحدهما: إن تقديره ذلك (لمن اتقى) فيكون الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ، وإنما حذف ذلك، لأن الكلام الأول دل على وعد للعامل والثاني: أن يكون العامل فيه معنى لا إثم عليه، لأنه قد تضمن معنى جعلناه لمن اتقى. المعنى: (واذكروا الله في أيام معدودات) هذا أمر من الله للمكلفين أن يذكروه في أيام معدودات، وهي أيام التشريق ثلاثة بعد النحر. والأيام المعلومات: عشر ذي

[ 53 ]

الحجة، عن ابن عباس والحسن وأكثر أهل العلم، وهو المروي عن أئمتنا. وذكر الفراء أن المعلومات: أيام التشريق، والمعدودات: العشر. والذكر المأمور به هو أن تقول عقيب خمس عشرة صلوات: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، وأول التكبير عندنا عقيب الظهر من يوم النحر، وآخره عقيب صلاة الفجر من اليوم الرابع من النحر، هذا لمن كان بمنى. ومن كان بغير منى من الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات أولها صلاة الظهر من يوم النحر أيضا، هذا هو المروي عن الصادق " عليه السلام "، وفي ذلك اختلاف بين الفقهاء ووافقنا في ابتداء التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر ابن عباس وابن عمر. قوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير، وهو الثالث من التشريق. وإذا نفر في الأول، نفر بعد الزوال إلى غروب الشمس فإن غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث. وقوله: (فلا إثم عليه) فيه قولان أحدهما: إن معناه لا إثم عليه، لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجه المبرور، وهو قول ابن مسعود والثاني: إن معناه لا إثم عليه في التعجيل والتأخير، وإنما نفي الإثم لئلا يتوهم متوهم ان في التعجيل إثما. وإنما قال (فلا إثم عليه) في التأخير على جهة المزاوجة، كما يقال إن أعلنت الصدقة فحسن، وإن أسررت فحسن، وإن كان الإسرار أحسن وأفضل، عن الحسن. وقوله (لمن اتقى) فيه قولان أحدهما: إن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات إذا اتقى ما نهى الله عنه. والآخر: ما رواه أصحابنا أن قوله (لمن اتقى) متعلق بالتعجيل في اليومين، وتقديره فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير، وما بقي من إحرامه، ومن لم يتقها فلا يجوز النفر في الأول، وهو المروي عن ابن عباس، واختاره الفراء. وقد روي أيضا عن أبي عبد الله في قوله (فمن تعجل في يومين) أي من مات في هذين اليومين، فقد كفر عنه كل ذنب، ومن تأخر أي: من (1) أجله، فلا إثم عليه (2) إذا اتقى الكبائر. وقوله: (واتقوا الله) أي: إجتنبوا معاصي الله (واعلموا أنكم إليه تحشرون) أي: تحققوا


(1) [ أنسى ]. (2) [ بعدها ]. (*)

[ 54 ]

أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله فيه بينكم، ويجازيكم على أعمالكم. (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافى قلبه وهو ألد الخصام [ 204 ] وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [ 205 ]). اللغة: الإعجاب: هو سرور المعجب بما يستحسن، ومنه العجب بالنفس: وهو سرور (1) المعجب من الشئ استحسانا له، وذلك إذا تعجب من شدة حسنه. تقول: عجب وتعجب، وعجبه غيره، وأعجبه واستعجب الرجل: إذا اشتد تعجبه. قال الأزهري: العجب كل شئ غير مألوف. والألد: الشديد الخصومة، تقول: لد يلد لدودا، ولده يلده: إذا غلبه في الخصومة. ولد الدواء في حلقه: إذا أوجره في أحد شقي فمه. واللديدان: جانبا الوادي. ولديدا كل شئ: جانباه. والتلدد: التلفت عن تحير. والخصام قيل: إنه جمع الخصم، عن الزجاج. وفعل إذا كان صفة فإنه يجمع على فعال، نحو: صعب وصعاب. وإذا كان إسما فإنه يجمع في القلة على أفعل، وفي الكثرة على فعال، كفرخ وفراخ. وقيل: الخصام مصدر كالمخاصمة، عن الخليل. والتولي: هو الإنحراف والزوال عن الشئ إلى خلاف جهته. وقوله: سعى قد يكون بمعنى عمل، وقد يكون بمعنى أسرع، قال الأعشى: * وسعى لكندة سعي غير مواكل * قيس، فضر عدوها، وبنى لها * أي: عمل لكندة. والإفساد: هو عمل الضرر بغير استحقاق ولا وجه من وجوه المصلحة. والإهلاك: العمل الذي ينفي الإنتفاع. والحرث: الزرع. (والنسل): العقب من الولد. وقال الضحاك: الحرث كل نبات (والنسل): كل ذات روح، ويقال نسل ينسل نسولا: إذا خرج فسقط، ومنه نسل وتجر البعير أو ريش الطائر. والناس نسل آدم لخروجهم من ظهره. وأصل باب النسول الخروج. الاعراب: (ليفسد): نصب بإضمار أن، ويجوز إظهارها بأن يقال لأن يفسد


(1) [ السرور بها ]. (*)

[ 55 ]

فيها، ولا يجوز إظهار أن في قوله ليذر من، (وما كان الله ليذر المؤمنين). والفرق بينهما أن اللام في (ليفسد) على أصل الإضافة في الكلام، واللام في (ليذر) لتأكيد النفي كما دخلت الباء في: ليس زيد بقائم. النزول: قال ابن عباس: نزلت الآيات الثلاثة في المرائي، لأنه يظهر خلاف ما يبطن، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام "، إلا أنه عين المعني به. وقال الحسن: نزلت في المنافقين. وقال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يظهر الجميل بالنبي، والمحبة له، والرغبة في دينه، ويبطن خلاف ذلك. المعنى: ثم بين سبحانه حال المنافقين بعد ذكره أحوال المؤمنين والكافرين فقال: (ومن الناس من يعجبك قوله) أي: تستحسن كلامه يا محمد ويعظم موقعه من قلبك (في الحياة الدنيا) أي: يقول آمنت بك، وأنا صاحب لك، ونحو ذلك (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله ويشهده على أنه مضمر ما يقول، فيقول: اللهم اشهد علي به وضميره على خلافه. (وهو ألد الخصام) أي: وهو أشد المخاصمين خصومة. ومن قال: إن الخصام مصدر، فمعناه وهو شديد الخصومة عند المخاصمة، جدل مبطل. (وإذا تولى) أي: أعرض عن الحسن. وقيل: معناه ملك الأمر، وصار واليا، عن الضحاك. ومعناه: إذا ولي سلطانا جاز. وقيل: ولى عن قوله الذي أعطاه، عن أبن جريج. (سعى في الأرض) أي: أسرع في المشي من عندك. وقيل: عمل في الأرض (ليفسد فيها) قيل: ليقطع الرحم، ويسفك الدماء، عن ابن جريج. وقيل: ليظهر الفساد، ويعمل المعاصي. (ويهلك الحرث والنسل) أي: البنات والأولاد. وذكر الأزهري أن الحرث النساء، والنسل الأولاد، لقوله (نساؤكم حرث لكم). وروي عن الصادق " عليه السلام " ان الحرث في الموضع الدين، والنسل الناس. (والله لا يحب الفساد) أي: العمل بالفساد. وقيل: أهل الفساد. وفيه دلالة على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يريد القبائح، لأنه تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد. والمحبة: هي الإرادة، لأن كل ما أحب الله أن يكون، وما لا يحب أن يكون، لا يريد أن يكون. (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه، جهنم ولبئس

[ 56 ]

المهاد [ 206 ]). اللغة: الإتقاء: طلب السلامة بما يحجز عن المخافة. واتقاء الله: إنما هو اتقاء عذابه. والأخذ: ضد الإعطاء. والعزة: القوة التي تمتنع بها عن الذلة. والمهاد: الوطاء من كل شئ، وكل شئ وطئته فقد مهدته. والأرض: مهاد لأجل توطئته للنوم، والقيام عليه. المعنى: ثم بين تعالى صفة من تقدم من المنافقين، فقال: (وإذا قيل له اتق الله) أي: وإذا قيل لهذا المنافق: إتق الله فيما نهاك عنه من السعي في الأرض بالفساد، وإهلاك الحرث والنسل (أخذته العزة بالإثم) قيل: في معناه قولان أحدهما: حملته العزة وحمية الجاهلية على فعل الإثم، ودعته إليه، كما يقال أخذته بكذا أي: ألزمته ذلك، وأخذته الحمى أي: لزمته. والثاني: أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه من الكفر، عن الحسن. (فحسبه جهنم) أي: فكفاه عقوبة من إضلاله أن يصلى نار جهنم (ولبئس المهاد) أي: القرار، عن الحسن، كما قال في موضع آخر: (وبئس القرار)، لأن القرار كالوطاء في الثبوت عليه. وقيل: إنما سميت جهنم مهادا، لأنها بدل من المهاد كما قال سبحانه: (فبشره بعذاب أليم) لأنه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. وفي هذه الآية دلالة على أن من تكبر عن قبول الحق إذا دعي إليه، كان مرتكبا أعظم كبيرة، ولذلك قال ابن مسعود: إن من الذنوب التي لا تغفر أن يقال للرجل: إتق الله، فيقول: عليك نفسك ! (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف بالعباد [ 207 ]). اللغة: الشراء من الأضداد، يقال: شرى إذا باع، وشرى: إذا اشترى. وقوله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) أي: باعوه (1). والرضا: ضد السخط، وقد تقدم معنى الرؤوف. الاعراب: إبتغاء: نصب لأنه مفعول له، كقول الشاعر:


(1) [ والمرضاة ]. (*)

[ 57 ]

* وأغفر عوراء الكريم ادخاره، * وأعرض عن قول اللئيم تكرما * النزول: روى السدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الاية في. علي بن أبي طالب، حين هرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن المشركين إلى الغار، ونام علي " عليه السلام " على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ونزلت الآية بين مكة والمدينة. وروي أنه لما نام على فراشه، قام جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا أبن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ! وقال عكرمة: نزلت في أبي ذر الغفاري، جندب بن السكن، وصهيب بن سنان، لأن أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر فانفلت منهم، فقدم على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". فلما رجع مهاجرا، أعرضوا عنه، فانفلت حتى نزل على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأما صهيب فإنه أخذه المشركون من أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرا، وروي عن علي وابن عباس، ان المراد بالآية الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال قتادة: نزلت في المهاجرين والأنصار. وقال الحسن: هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى وصف المؤمن الآمر بالمعروف في قوله: (وإذا قيل له اتق الله) لأن هذا القائل أمر بالخير والمعروف فقال: (ومن الناس من يشري) أي: يبيع (نفسه ابتغاء مرضاة الله) أي: لابتغاء رضاء الله. وإنما أطلق عليه إسم البيع، لأنه إنما فعل ما فعل لطلب رضاء الله، كما أن البائع يطلب الثمن بالبيع. (والله رؤوف بالعباد) أي: واسع الرحمة بعبيده، ينيلهم ما حاولوه من مرضاته وثوابه. (يا أيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [ 208 ]). القراءة: قرأ أهل الحجاز، والكسائي: (في السلم كافة) بفتح السين. والباقون بكسرها. الحجة: قال الأخفش: السلم بكسر السين: الصلح، وفيه ثلاث لغات: السلم، السلم، السلم، وأنشد: * أنائل إنني سلم * لأهلك فاقبلي سلمي *

[ 58 ]

قال أبو عبيدة: السلم بكسر السين، والإسلام وأحد، وهو في موضع آخر المسالمة والصلح. والسلم: الإستسلام ومنه قوله تعالى (ورجلا سلما لرجل) أي: مستسلما له، منقادا لما يريده منه، فيكون مصدرا وصف به. ويحتمل أيضا أن يكون فعلا بمعنى فاعل مثل بطل وحسن، ونظيره: يابس ويبس، وواسط ووسط. اللغة: (كافة) معناه جميعا، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشئ في آخره. ومن ذلك كفة القميص لحاشيته، لأنها تمنعه من أن ينتشر. وكل مستطيل فحرفه كفة. ويقال في كل مستدير كفة، نحو كفة الميزان. واستكف السائل وتكفف: إذا بسط كفه للسؤال. وكل شئ جمعته فقد كففته. واستكف القوم بالشئ: إذا أحدقوا به الاعراب: (كافة): منصوب على الحال من الواو في (ادخلوا). وقيل: هو حال من (السلم). و (لكم): يتعلق بمحذوف فهو في موضع نصب على الحال من (عدو). المعنى: لما قدم تعالى ذكر الفرق الثلاث من العباد، دعا جميعهم إلى الطاعة والإنقياد، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (ادخلوا في السلم) أي: في الإسلام أي: دوموا فيما دخلتم فيه، كقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) عن ابن عباس والسدي والضحاك ومجاهد. وقيل: معناه في السلم في الطاعة، عن الربيع، وهو اختيار البلخي. والكلام محتمل للأمرين، وحملها على الطاعة أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية. (كافة) أي: جميعا. أي: أدخلوا جميعا في الإسلام والطاعة والإستسلام. وقيل: معناه ادخلوا في السلم كله أي: في جميع شرائع الإسلام، ولا تتركوا بعضه معصية. ويؤيد هذا القول ما روي أن قوما من اليهود أسلموا، وسألوا النبي أن يبقي عليهم تحريم السبت، وتحريم لحم الإبل، فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام. (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي: آثاره ونزعاته، لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام، إتباع للشيطان. (إنه لكم عدو مبين) أي: مظهر للعداوة بامتناعه من السجود لآدم بقوله: (لأحتنكن ذريته إلا قليلا). (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله

[ 59 ]

عزيز حكيم [ 209 ]). اللغة: يقال: زل الرجل يزل زلا، وزللا ومزلة: إذا أذنب. وزل في الطريق زليلا، وأصله من الزوال، ومعنى الزلة: الزوال عن الإستقامة. والعزيز: هو القدير المنيع لذي لا يعجزه شئ. وأصل العزة: الإمتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة. وقد ذكرنا معنى الحكيم فيما سبق. الاعراب: (ما): حرف موصول. و (جاءتكم): صلته. و (اعلموا): جملة في موضع الرفع، لأنها بعد الفاء في جواب الشرط. والفاء مع الجملة في محل الجزم، أو محل الرفع، لأنه جواب شرط مبني. المعنى: لما أمر سبحانه عباده بالطاعة، عقبه بالوعيد على تركها، فقال: (فإن زللتم) أي: تنحيتم عن القصد، وعدلتم عن الطريق القويم، الذي أمركم الله تعالى بسلوكه، (من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الحجج والمعجزات (فاعلموا أن الله عزيز) في نقمته، لا يمتنع شئ من بطشه وعقوبته (حكيم) فيما شرع من أحكام دينه لكم، وفيما يفعله بكم من العقاب على معاصيكم بعد إقامة الحجة عليكم. (هل ينظرون إلآ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور [ 210 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر: (والملائكة) بالجر. والباقون بالرفع. وقرأ ابن عامر والكسائي وحمزة: (ترجع الأمور) بفتح التاء. والباقون بضمها. الحجة: من قرأ والملائكة بالجر: فإنه عطفها على الغمام أي: في ظلل من الغمام. وفي ظلل من الملائكة أي: جماعة من الملائكة. وقراءه السبعة بالرفع عطفا على قوله الله أي إلا أن يأتيهم الله، وإلا أن يأتيهم الملائكة. وحجة من قرأ (ترجع الأمور) على بناء الفعل للمفعول به قوله (ثم ردوا إلى الله)، (ولئن رددت إلى ربي)، (ولئن رجعت إلى ربي). وحجة من قرأ ترجع على بناء الفعل للفاعل، قوله: (ألا إلى الله تصير الأمور)، (إليه مرجعكم). اللغة: النظر هنا بمعنى الإنتظار، كما في قول الشاعر:

[ 60 ]

* فبينا نحن ننظره أتانا * معلق شكوة، وزناد راع (1) * أي: ننتظره. وأصل النظر: الطلب لإدراك الشئ. وإذا استعمل بمعنى الانتظار فلأن المنتظر يطلب إدراك ما يتوقع. وإذا كان بمعنى الفكر بالقلب، فلأن المتفكر يطلب به المعرفة. وإذا كان بالعين، فلأن الناظر يطلب الرؤية. والظلل: جمع ظلة ما يستظل به من الشمس. وسمي السحاب ظلة لأنه يستظل به. والغمام: السحاب الأبيض الرقيق، سمي بذلك لأنه يغتم أي: يستر. الاعراب: (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. (إلا) ها هنا لنقض النفي. (أن يأتيهم الله): في موضع نصب (ينظرون). (من الغمام): يتعلق بمحذوف، فهو جملة ظرفية في موضع الجر صفة (ظلل). المعنى: ثم عقب سبحانه ما تقدم من الوعيد بوعيد آخر، فقال: (هل ينظرون إلا أن ياتيهم الله في ظلل من الغمام) أي: هل ينتطر هؤلاء المكذبون بآيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله، أو عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب. وقيل: قطع من السحاب، وهذا كما يقال: قتل الأمير فلانا، وضربه وأعطاه. وإن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه، بل فعل بأمره، فأسند إليه لأمره به. وقيل: معناه ما ينتظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله، غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات، كما يقال: دخل الأمير البلد، ويراد بذلك جنده. وإنما ذكر الغمام ليكون أهول، فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام، كما قال سبحانه: (وإذا غشيهم موج كالظلل). وقال الزجاج: معناه يؤتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، كما قال: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) أي: أتاهم بخذلانه إياهم. وهذه الأقوال متقاربة المعنى بل المعنى في الجميع واحد أي: هل ينتظرون إلا يوم القيامة، وهو استفهام يراد به النفي والإنكار أي: ما ينتظرون، كما يقال: هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي: مأ يطالب. ومثله في التنزيل (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك). وقد يقال أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجئ والذهاب، تقول: أتاني وعيد فلان، وجاءني كلام فلان، وأتاني حديثه، ولا يراد به الإتيان الحقيقي، قال: * أتاني، فلم أسرر به حين جاءني، * حديث بأعلى القبتين، عجيب *


(1) الشكوة: وعاء من جلد للماء أو اللبن. والزناد جمع الزند: العود الذي تقدح به النار. (*)

[ 61 ]

وقال الآخر: * أتاني نصرهم وهم بعيد * بلادهم بأرض الخيزران * وأما قوله (والملائكة) فقد ذكرنا الوجه في رفعه وجره قبل. وقيل: معنى الآية إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام أي: بجلائل آياته، وبالملائكة. وقوله: (وقضي الأمر) معناه فرغ من الأمر، وهو المحاسبة، وإنزال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، هذا في الآخرة. وقيل: معناه وجب العذاب أي: عذاب الاستئصال، وهذا في الدنيا. (وإلى الله ترجع الأمور) أي: إليه ترد الأمور في سؤاله عنها، ومجازاته عليها. وكانت الأمور كلها له في الابتداء، فسلك بعضها في الدنيا غيره، ثم يصير كلها إليه في الحشر، لا يملك أحد هناك شيئا. وقيل: إليه ترجع أمور الدنيا والآخرة. (سل بنى إسرآءيل كم ءاتيناهم من إية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب [ 211 ]). الاعراب: (كم): في موضع نصب لأنه مفعول ثان لآتينا، وإنما وجب له صدر الكلام لتضمنه معنى الإستفهام. ثم إن هذه الجملة التي هي (كم آتيناهم من آية) قد وقعت موقع المفعول الثاني لقوله: (سل). (من آية): يتعلق بآتينا أيضا. وما: حرف موصول جاءت صلته، والموصول والصلة في موضع جر بإضافة (بعد) إليه. المعنى: (سل) يا محمد (بني إسرائيل) أي: أولاد يعقوب، وهم اليهود الذين كانوا حول المدينة، والمراد به علماؤهم، وهو سؤال تقرير لتأكيد الحجة عليهم (كم آتيناهم) أي: أعطيناهم (من آية بينة) من حجة ظاهرة واضحة مثل اليد البيضاء، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، عن الحسن ومجاهد. وقيل: كم من حجة واضحة لمحمد تدل على صدقه، عن الجبائي. (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته): في الكلام حذف وتقديره فبدلوا نعمة الله، وكفروا بآياته، وخالفوه فضلوا وأضلوا، ومن يبدل الشكر عليها بالكفران.

[ 62 ]

وقيل: من يصرف أدلة الله عن وجوهها بالتأويلات الفاسدة الخالية من البرهان (فإن الله شديد العقاب) له. وقيل: شديد العقاب لمن عصاه. فيدخل فيه هذا المذكور. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة في أنه ليس لله سبحانه على الكافرين نعمة، لأنه حكم عليهم بتبديل نعم الله، كما قالى في موضع آخر: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) ونحو ذلك من وجه آخر، وهو أنه أضاف التبديل إليهم، وأوعدهم عليه بالعقوبة، فلو لم يكن فعلهم لما استحقوا العقوبة. والتبديل: هو أن يحرف، أو يكتم، أو يتأول على خلاف جهته، كما فعلوه في التوراة والإنجيل، وكما فعلوه مبتدعة الأمة في القرآن. النظم: لما بين الله تعالى شرائعه، وأن الناس فيها ثلاث فرق: مؤمن وكافر ومنافق، ثم وعد وأوعد، بين بعد ذلك أن تركهم الإيمان ليس بتقصير في الحجج، ولكن لسوء طباعهم، وخبث أفعالهم، فقد فعلوا قبلك يا محمد هذا الصنيع، فقال: (سل بني إسرائيل). (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب [ 212 ]). اللغة: التزيين والتحسين: واحد. والزين: خلاف الشين. والزينة: اسم جامع لكل ما يتزين به. الاعراب: (الدنيا * صفة الحياة. (بغير حساب): الجار والمجرور في محل النصب على الحال، والعامل فيه (يرزق). وذو الحال الضمير في (يرزق)، أو الموصول الذي هو (من يشاء). وتقديره: غير محاسب، أو غير محاسب. النزول: نزلت الآية في أبي جهل، وغيره من رؤساء قريش، بسطت لهم الدنيا، وكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين، فقراء، مثل عبد الله بن مسعود، وعمار وبلال وخباب ويقولون: لو كان محمد نبنا، لاتبعه أشرافنا، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، يسخرون من ضعفاء المؤمنين، عن مقاتل. وقيل: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين، عن عطا. ولا مانع من نزوله في جميعهم.

[ 63 ]

المعنى: ثم بين سبحانه أن عدولهم عن الإيمان إنما هو لإيثارهم الحياة الدنيا فقال: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) (1) وفيه قولان أحدهما: إن الشيطان زينها لهم بأن قوى دواعيهم، وحسن فعل القبيح والإخلال بالواجب إليهم. فأما الله فلا يجوز أن يكون المزين لهم إياها، لأنه زهد فيها. وقال (واعلم أنها متاع الغرور)، وقال: (قل متاع الدنيا قليل)، عن الحسن، والجبائي والأخر: إن الله زينها لهم بأن خلق فيها الأشياء المحبوبة المعجبة، وبما خلق لهم من الشهوة لها، كما قال: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير) الآية. وإنما كان كذلك، لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة، فإن الإنسان إنما يكلف بأن يدعى إلى شئ تنفر نفسه عنه، أو يزجر عن شئ تتوق نفسه إليه. وهذا معنى قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " وإنما ذكر الفعل وهو مستند إلى الحياة، لأن تأنيث الحياة غير حقيقي، وهو بمعنى العيش والبقاء ونحوهما، ولأنه فصل بين الفعل والفاعل بقوله (للذين كفروا) وإذا قالوا في التأنيث الحقيقي: حضر القاضي اليوم امرأة، وجوزوا التذكير فيه، فهو في التأنيث غير الحقيقي أجوز. (ويسخرون من الذين آمنوا) ويهزأون من المؤمنين لفقرهم. وقيل: لإيمانهم بالبعث، وجدهم في ذلك. وقيل: لزهدهم في الدنيا. ويمكن حمله على الجميع إذ لا تنافي بين هذه الأقوال. (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) أي: الذين اجتنبوا الكفر فوق الكفار في الدرجات. وقيل: أراد أن تمتعهم بنعيم الآخرة أكثر من استمتاع هؤلاء في الآخرة بنعيم الدنيا. وقيل: أراد أن حالهم فوق هؤلاء الكفار، لأنهم في عليين، وهولاء في سجين. وهذا كقوله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) ومثله قول حسان يعني رسول الله وأبا جهل: (فشركما لخيركما الفداء). وقيل: إنه أراد أن حال المؤمنين في الهزء بالكفار والضحك منهم في الآخرة، حال فوق هؤلاء في الدنيا. ويدل على ذلك قوله تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) إلى قوله: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون). (والله يرزق من يشاء بغير حساب) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته وثانيها: إنه لا يرزق الناس في الدنيا


(1) هذا من نقل الآية بالمعنى، وإلا تلفظ الآية هكذا: (وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) (آل عمرا ن، 185). (*)

[ 64 ]

على مقابلة أعمالهم وإيمانهم وكفرهم، فلا يدل بسط الرزق على منزلته عند الله. وإن قلنا: إن المراد في الآخرة، فمعناه إن الله لا يثيب المؤمنين في الآخرة على قدر أعمالهم التي سلفت منهم، بل يزيدهم تفضلا. وثالثها: إنه يعطيه عطاء لا يؤاخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطلب عليه جزاء ولا مكافاة ورابعها: إنه يعطي العدد من الشئ لا يضبط بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لأن ما يقدر عليه غير متناه ولا محصور، فهو يعطي الشئ لا من عدد أكثر منه فينقص منه كمن يعطي الألف من الألفين، والعشرة من المائة، عن قطرب. وخامسها: إن معناه يعطي أهل الجنة ما لا يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، وكل هذه الوجوه جائز حسن. (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما أختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم [ 213 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر القاري وحده: (ليحكم) بضم الياء وفتح الكاف. والباقون بفتح الياء وضم الكاف. الحجة: وجه القراءة الظاهرة أن الكتاب يحكم ويكون على التوسع، كقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) ويجوز أن يكون فاعل يحكم الله أي: ليحكم الله في عباده. ووجه قراءة أبي جعفر ظاهر. اللغة: الأمة على وجوه ذكرناها عند قوله: (تلك أمة قد خلت) (1) وهي هنا بمعنى الملة والدين. الاعراب: (مبشرين ومنذرين) نصب على الحال (بالحق) في موضع الحال، والعامل فيه (أنزل) وذو الحال الكتاب (ليحكم) جار ومجرور. واللام يتعلق بأنزل. و (بغيا بينهم): نصب على أنهم مفعول له أي: لم يوقعوا الإختلاف إلا للبغي. ويجوز أن يكون مصدرا وقع موقع الحال (وما): اسم موصول.


(1) أي في ص 215. (*)

[ 65 ]

و (اختلفوا): صلته، واللام يتعلق (بهدى) و (من الحق): في موضع الحال من الموصول، والعامل فيه (هدى). والباء في (بإذنه): يتعلق (بهدى) أيضا. المعنى: ثم بين سبحانه أحوال من تقدم من الكفار تسلية للنبي، فقال: (كان الناس أمة واحدة) أي: ذوي أمة واحدة أي: أهل ملة واحدة، وعلى دين واحد، فحذف المضاف. واختلف في أنهم على أي دين كأنوا، فقال قوم: إنهم كانوا على الكفر، وهو المروي عن ابن عباس في إحدى الروايتين، والحسن، واختاره الجبائي. ثم اختلفوا في أي وقت كانوا كفارا فقال الحسن: كانوا كفارا بين آدم ونوح. وقال بعضهم: كانوا كفارا بعد نوح إلى أن بعث الله إبراهيم والنبيين بعده. وقال بعضهم: كانوا كفارا عند مبعث كل نبي، وهذا غير صحيح لأن الله بعث كثيرا من الأنبياء إلى المؤمنين. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الناس كلهم كفارا، والله تعالى لا يجوز أن يخلي الأرض من حجة له على خلقه ؟ قلنا: يجوز أن يكون الحق هناك في واحد، أو جماعة قليلة لم يمكنهم إظهار الدين، خوفا وتقية، فلم يعتد بهم إذا كانت الغلبة للكفار. وقال آخرون: إنهم كانوا على الحق، وهو المروي عن قتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن عباس في الرواية الاخرى. ثم اختلفوا فقال ابن عباس، وقتادة: هم كانوا بين آدم ونوح، وهم عشر فرق، كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. وقال الواقدي والكلبي: هم أهل سفينة نوح حين غرق الله الخلق، ئم اختلفوا بعد ذلك. فالتقدير على قول هؤلاء كان الناس أمة واحدة فاختلفوا. (فبعث الله النبيين) وقال مجاهد: المراد به آدم كان على الحق إماما لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وروى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضلالا، فبعث الله النبيين. وعلى هذا فالمعنى أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم، غير مهتدين إلى نبوة ولا شريعة، ثم بعث الله النبيين بالشرائع، لما علم أن مصالحهم فيها، فبعث الله أي: أرسل الله النبيين. (مبشرين) لمن أطاعهم بالجنة (ومنذرين) لمن عصاهم بالنار (وانزل معهم الكتاب) أي: أنزل مع كل واحد منهم الكتاب. وقيل: معناه وأنزل مع بعثهم

[ 66 ]

الكتاب إذ الأنبياء لم يكونوا منزلين حتى ينزل الكتاب معهم، وأراد به مع بعضهم، لأنه لم ينزل مع كل نبي كتاب. وقيل: المراد به الكتب، لأن الكتاب إسم جنس فمعناه الجمع. قوله: (بالحق) أي: بالصدق والعدل. وقيل: معناه وأنزل الكتاب بأنه حق، وأنه من عند الله. وقيل: معناه وأنزل الكتاب بما فيه من بيان الحق وقوله: (ليحكم بين الناس) الضمير في (يحكم) يرجع إلى الله أي: ليحكم الله منزل الكتاب. وقيل: يرجع إلى الكتاب أي: ليحكم الكتاب، فأضاف الحكم إلى الكتاب، وإن كان الله هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب. (فيما اختلفوا فيه) من الحق قبل إنزال الكتاب. ومتى سئل عن هذا فقيل: إذا كانوا مختلفين في الحق، فكيف عمهم الكفر في قول من قال إنهم كانوا كلهم كفارا ؟ فجوابه: إنه لا يمتنع أن يكونوا كفارا، وبعضهم يكفر من جهة الغلو، وبعضهم يكفر من جهة التقصير، كما كفرت اليهود والنصارى في المسيح، فقالت النصارى: هو رب، وقالت اليهود: هو كاذب. وقوله: (وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه) معناه: وما اختلف في الحق إلا الذين أعطوا العلم به كاليهود فإنهم كتموا صفة النبي بعدما أعطوا العلم به (من بعد ما جاءتهم البينات) أي: الأدلة والحجج الواضحة. وقيل: التوراة والإنجيل. وقيل: معجزات محمد (بغيا بينهم) أي: ظلما وحسدا، وطلبا للرئاسة، وقوله: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) معناه: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه بعلمه، والإذن بمعنى العلم مشهور في اللغة، قال الحارث بن حلزة: " آذنتنا ببينها أسماء " أي: أعلمتنا، وإنما خص المؤمنين لأنهم اختصوا بالاهتداء. وقيل: إن معنى بإذنه بلطفه. فعلى هذا يكون في الكلام محذوف أي: فاهتدوا بإذنه. وإنما قال: هداهم لما اختلفوا فيه من الحق، ولم يقل هداهم للحق فيما أختلفوا فيه، لأنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف، كان أولى بالتقديم فقدمه، ثم فسره بمن. (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) فيه أقوال أحدها: إن المراد به البيان والدلالة، والصراط المستقيم هو الإسلام، وخص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف، عن الجبائي. وثانيها: إن المراد به يهديهم باللطف، فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به، عن البلخي وابن الأخشيد. وثالثها:

[ 67 ]

إن المراد به يهديهم إلى صراط الجنة، ويأخذ بهم على طريقها، فتكون مخصوصا بالمؤمنين. (أم حسبتم أن تذخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألآ إن نصر الله قريب [ 214 ]). القراءة: قرأ نافع وحده: (حتى يقول) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: من نصب فالمعنى وزلزلوا إلى أن قال الرسول وما ينصب بعد حتى جاء من الأفعال على ضربين أحدهما: أن يكون بمعنى إلى كما في الآية. والآخر: أن يكون بمعنى كي، كما تقول: أسلمت حتى أدخل الجنة، فهذا تقديره أسلمت كي أدخل الجنة. فالإسلام قد كان، والدخول لم يكن. وفي الوجه الأول كلا الفعلين السبب والمسبب قد مضى. وأما من قرأ بالرفع فالفعل الواقع بعد حتى، لا يكون إلا فعل حال، ويجئ أيضا على ضربين احدهما: أن يكون الفعل الأول الذي هو السبب قد مضى، والفعل الثاني المسبب لم يمض، كما تقول مرض حتى لا يرجونه. وتتجه الآية على هذا الوجه لأن المعنى زلزلوا فيما مضى حتى ان الرسول يقول الآن متى نصر الله، وحكيت الحال التي كانوا عليها كما حكيت الحال في قوله: هذا من شيعته وهذا من عدوه. والثاني: أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا نحو سرت حتى أدخلها، فالدخول متصل بالسير بلا فصل بينهما، والحال محكية كما كانت في الوجه الأول، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالا، وحتى إذا رفع الفعل بعدها حرف يستأنف الكلام بعدها، وليست العاطفة، ولا الجارة. وإذا نصب الفعل بعدها فهي الجارة، وينصب الفعل بعدها بإضمار أن كما ينصب بعد اللام. والفعل وأن المضمرة معها في موضع جر بحتى. اللغة: الزلزلة: شدة الحركة. والزلزال: البلية المزعجة لشدة الحركة، والجمع زلازل. وأصله من قولك: زل الشئ عن مكانه ضوعف لفظه لمضاعفة معناه نحو: صر وصرصر، وصل وصلصل. فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: كررت تحريكه عن مكانه.

[ 68 ]

الاعراب: (أم) هذه هي المنقطعة، ومعناه: بل أحسبتم. والفرق بين أحسبتم، وأم حسبتم أن أم لا تكون إلا متصلة بكلام والألف تكون مستأنفة. (أن تدخلوا): صلة وموصول في موضع نصب بأنه مفعول حسبتم وقد سدا مسد مفعوليه. وقيل: مفعوله الثاني محذوف وتقديره أم حسبتم دخولكم الجنة ثابتا. والجنة: نصب لأنها ظرف مكان لتدخلوا. ولما: أصلها لم زيد عليها ما فغيرت معناها، كما غيرت معنى لو إذا قلت لوما فصيرته بمعنى هلا. والفرق بين لم ولما أن لما يصح أن يوقف عليها مثل قولك في جواب من يقول أقدم الأمير ؟ لما. ولا يجوز أن يقول لم. وفي لما توقع لأنها عقيبة قد إذا انتظر قوم ركوب الأمير قلت: قد ركب. فإن نفيت هذا قلت لما يركب. وليس كذلك لم ويجمعهما نفي الماضي. (مثل) مرفوع بأنه صفة محذوف مرفوع بيأتي تقديره ولما يأتكم نصب مثل الذي أصاب الذين خلوا من قبلكم. وإضافة مثل غير حقيقية، لأنه في تقدير الإنفصال فالمجرور في تقدير المنصوب لأنه مفعول. ولما مع الجملة: في موضع نصب على الحال. والواو: واو الحال، وتقديره أن تدخلوا الجنة غير مصابين. ومستهم البأساء: في موضع الحال أيضا بإضمار قد. والعامل فيه خلوا. وزلزلوا: معطوفة على مستهم. ونصر الله: مبتدأ، وإضافته غير حقيقية. ومتى: في موضع خبر المبتدأ. النزول: قيل: نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، فدعاهم الله إلى الصبر، ووعدهم بالنصر، عن قتادة والسدي. وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب النبي: إلى متى تقتلون أنفسكم ؟ لو كان نبيا ما سلط الله عليه الأسر والقتل ؟ ! وقيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر، عن عطا. المعنى: ثم ذكر سبحانه ما جرى على المؤمنين من الأمم الخالية، تسلية لنبيه ولأصحابه فيما نالهم من المشركين وأمثالهم، لأن سماع أخبار الخيار الصالحين، يرغب في مثل أحوالهم، فقال: (ام حسبتم) معناه بل أظننتم وخلتم أيها المؤمنون (أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) معناه: ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحنوا به، فتصبروا كما صبروا. وهذه استدعاء إلى الصبر وبعده الوعد

[ 69 ]

بالنصر. والمثل مثل الشبه والشبه أي: لم يصبكم شبه الذين خلوا أي: مضوا قبلكم من النبيين والمؤمنين. وفي الكلام حذف وتقديره: مثل محنة الذين، أو مصيبة الذين مضوا. ثم ذكر سبحانه ما أصاب أولئك فقال: (مستهم البأساء والضراء) والمس واللمس واحد. والبأساء: نقيض النعماء. والضراء: نقيض السراء. وقيل البأساء القتل، والضراء الفقر. وقيل: هو ما يتعلق بمضار الدين من حرب وخروج من الأهل والمال، وإخراج فمدحوا بذلك إذ توقعوا الفرج بالصبر (وزلزلوا) أي: حركوا بأنواع البلايا. وقيل: معناه هنا أزعجوا بالمخافة من العدو، وذلك لفرط الحيرة (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن. وإنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني. وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون على جهة الإستبطاء لنصر الله، لأن الرسول يعلم أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة. ثم أخبر الله سبحانه أنه ناصر أوليائه لا محالة فقال: (ألا إن نصر الله قريب) وقيل: إن هذا من كلامهم بأنهم قالوا عند الإياس (متى نصر الله)، ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده، فقالوا: (ألا إن نصر الله قريب) وقيل: إنه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملة وتفصيلا. وقال المؤمنون: متى نصر الله. وقال الرسول: (ألا إن نصر الله قريب) كقوله: (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا بالليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار. (يسئلونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم [ 215 ]). اللغة: النفقة: إخراج الشئ من الملك ببيع أو هبة أو صلة أو نحو ذلك. وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال من عين أو ورق. والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة من الكلام. الاعراب: موضع ما من قوله (ماذا ينفقون) يحتمل أن يكون مرفوعا أو منصوبا. فأما الرفع فيكون على تقدير ما الذي ينفقون أي: أي شئ الذي ينفقونه. والعائد من الصلة محذوف، ويكون ذا موصولا بمنرلة الذي. و (ينفقون) صلته.

[ 70 ]

والنصب على تقدير: أي شئ ينفقون. فيكون ما وذا بمنزلة شئ واحد، ويكون ذا لغوا، لأن ما مفيدة للمعنى. وما من قوله (ما أنفقتم): اسم للشرط في محل الرفع بالإبتداء. وأنفقتم: في محل الجزم بما. (من خير): جار ومجرور في موضع الحال. ومن للتبيين، وتقديره ما أنفقتم كائنا من خير. فذو الحال الضمير المحذوف من الصلة. (فللوالدين) الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ والخبر في محل الرفع لوقوعهما بعد الفاء. والفاء مع ما بعده: جواب للشرط، ومعنى حرف الشرط الذى تضمنه (ما) مع الشرط والجزاء في موضع رفع، لأنها خبر المبتدأ الأول (وما تفعلوا): ما اسم شرط في محل النصب بتفعلوا، ويجوز أن يكون (ما) في أنفقتم أيضا منصوب الموضع بأنفقتم، فيكون مفعولا له. النزول: نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله ! بماذا أتصدق ؟ وعلى من أتصدق ؟ فأنزل الله هذه الآية. المعنى: (يسألونك) يا محمد (ماذا) اي أي شئ (ينفقون). والسؤال عن الإنفاق يتضمن السؤال عن المنفق عليه، فإنهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال، فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق فقال: (قل) يا محمد (ما أنفقتم من خير) أي: مال، فدل على أن له مقدارا، وأنه مما ينتفع به، لأن ما لا ينتفع به لا يسمى خيرا (فللوالدين والأقربين) والمراد بالوالدين: الأب والأم، والجد والجدة وإن علوا، لأنهم يدخلون في اسم الوالدين. والمراد بالأقربين: أقارب المعطي (واليتامى) أي: كل من لا أب له مع صغره. (والمساكين): الفقراء. (وابن السبيل): المنقطع به. واختلفوا في هذه النفقة، فقال الحسن: المراد به نفقة التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة عنده، والزكاة لمن يجوز وضع الزكاة عنده، فهي عامة في الزكاة المفروضة، وفي التطوع. وقال السدي: الآية واردة في الزكاة، ثم نسخت ببيان مصارف الزكاة، والأول أظهر لأنه لا دليل على نسخها. واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب والأم، والجد والجدة وإلى الأولاد. فأما النفقة فلا خلاف أن النفقة على الوالدين إذا كانا فقيرين واجبة. وأما النفقة على ذي الرحم فلا يجب عندنا وعند الشافعي، ويجب عند أبي حنيفة. وقوله: (وما تفعلوا من خير) أي:

[ 71 ]

من عمل صالح يقربكم إلى الله (فإن الله به عليم) يجازيكم به من غير أن يضيع منه شئ، لأنه تعالى لا يخفى عليه شئ. النظم: ووجه اتصال هذه إلاية بما قبلها أن الآية الأولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه الآية بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ذلك دعاء إلى فعل البر والطاعة. (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهوشر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 216 ]). اللغة: الكره بالفتح: المشقة التي تحمل على النفس. والكره بالضم: المشقة حمل على النفس، أو لم يحمل. وقيل: الكره الكراهة، والكره المشقة. وقد يكره الإنسان ما لا يشق عليه، وقد يشق عليه ما لا يكرهه. وقيل: الكره والكره لغتان مثل الضعف والضعف. والخير: نقيض الشر. والخير: النفع الحسن. والشر: الضرر القبيح، وهذا هو الأصل، ثم يستعملان في غير ذلك توسعا، يقال: شر يشر شرارة، وشرار النار وشررها: لهبها. وشرة الشباب: نشاطه. وتشرير اللحم أو الثوب: أن تبسطه ليجف. والإشرار: الإظهار. الاعراب: (وهو كره لكم): فيه حذف، وتقديره: وهو ذو كره لكم. ويجوز أن يكون معناه وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع المفعول ومثله: رجل رضا أي: ذو رضا. ويجوز أن يكون بمعنى مرضي (وعسى أن تكرهوا) موضع أن تكرهوا: رفع بأنه فاعل عسى. وعسى هذه تامة، لأنها تمت بالفاعل، ولم تحتج إلى خبر. المعنى: هذه الآية بيان لكون الجهاد مصلحة لمن أمر به، قال سبحانه: (كتب عليكم القتال) أي: فرض عليكم الجهاد في سبيل الله (وهو كره لكم) أي: شاق عليكم تكرهونه كراهة طباع لا على وجه السخط، وقد يكون الشئ مكروها عند الإنسان في طبعه، ومن حيث تنفر نفسه عنه، وإن كان يريده، لأن الله تعالى أمره بذلك كالصوم في الصيف. وقيل: معناه أنه مكروه لكم قبل أن يكتب عليكم، لأن المؤمنين لا يكرهون ما كتب الله عليهم (وعسى ان تكرهوا شيئا):

[ 72 ]

معناه وقد تكرهون شيئا في الحال، وهو خير لكم في عاقبة أموركم، كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح (وهو خير لكم) لأن لكم في الجهاد إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) أي: وقد تحبون ما هو شر لكم، وهو القعود عن الجهاد لمحبة الحياة، وهو شر لما فيه من الذل والفقر في الدنيا، وحرمان الغنيمة والأجر في العقبى (والله يعلم) أي: يعلم ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وما هو خير لكم في عاقبة أمركم (وأنتم لا تعلمون) ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به، وإن شق عليكم. وأجمع المفسرون إلا عطاء، أن هذه الآية دالة على وجوب الجهاد وفرضه، غير أنه فرض على الكفاية، حتى أن لو قعد جميع الناس عنه أثموا به، وإن قام به من في قيامه كفاية وغناء، سقط عن الباقين. وقال عطاء: إن ذلك كان واجبا على الصحابة، ولم يجب على غيرهم، وقوله شاذ عن الإجماع. (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 217 ]). اللغة: الصد والمنع والصرف نظائر. يقال: صد عن الشئ يصد صدودا. وصدا: إذا أعرض وعدل عنه. وصد غيره يصده صدا: إذا عدل به عنه ومنعه. والصدد: ما استقبلك، وصار في قبالتك، لأنه يعدل إلى مواجهتك. والصدان: ناحيتا الشعب والوادي. والصداد: ضرب من الجرذان يعدل لك لشدة تحرزه. والصداد: الوزغ لأنه يعدل عنه استقذارا له. وأصل الباب العدول. لا يزال أصله من الزوال: وهو العدول. ومعنى لا يزال: يدوم موجودا. وما زال أي: دام. وحبط عمل الرجل حبطا، وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا، والحبط: فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الحباط: وهو ضرب من الكلأ، يقال: حبطت الإبل تحبط حبطا: إذا أصابها ذلك، ثم سمي الهلاك حبطا وفي إلحديث: " ان مما ينبت الربيع

[ 73 ]

ما يقتل حبطا، أو يلم ". الاعراب: (قتال فيه): مجرور على البدل من (الشهر)، وهو بدل الإشتمال لأن الزمان يشتمل على ما يقع فيه. ومثله في المكان قوله: (قتل أصحاب الأخدود) النار. وقال الأعشى: * لقد كان في حول ثواء ثويته، * تقضى لبانات، ويسأم سائم (1) * وقال الكوفيون: هو مجرور على إضمار عن. وقال بعضهم: هو على التكرير. وهذه ألفاظ متقاربة في المعنى، وإن اختلف في العبارة عنه. وقوله (قتال): مرفوع بالإبتداء. و (كبير): خبره (وصد عن سبيل الله): مبتدأ. (وكفر به): معطوف عليه. (وإخراج أهله منه): معطوف عليه أيضا. وخبره (أكبر عند الله) أي: هذه الأشياء أكبر عند الله أي: أعظم إثما. وأجاز الفراء رفعه على وجهين أحدهما: إنه مردود على (كبير) أي: قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله، وكفر به أي: القتال قد جمع أنه كبير، وأنه صد عن سبيل الله، وكفر به والآخر: أن يجعل الصد الكبير أي: القتال فيه كبير، والصد عن سبيل الله كبير فيكون مرتفعا بالإبتداء، وخبره محذوف. وخطأه العلماء بالنحو قالوا: لأنه يصير المعنى في التقدير الأول: قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بالإجماع، ويصير التقدير في الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر، وهذا أيضا خطأ بالإجماع. وللفراء أن يقول في هذه: المعنى وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه، لا من الكفر به، لأن المعني في إخراج أهله منه إخراج النبي والمؤمنين بعده فأما الوجه الأول فلا مخلص للفراء منه (والمسجد الحرام): مجرور عطف على (سبيل الله) كأنه قال وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وهو قول المبرد. وقيل: إنه عطف على (الشهر الحرام) كأنه قال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام، وهو قول الفراء ولا يجوزحمله على الباء في قوله (وكفر به) لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، إلا في ضرورة الشعر. (ومن يرتدد) على إظهار


(1) ثوى المكان: أقام. واللبانات بضم اللام: الحاجات من غير فاقة. والسأمة: الملالة. والشاهد في قوله (ثواء) فإنه بدل الإشتمال من (حول). (*)

[ 74 ]

التضعيف لسكون الثاني. ويجوز يرتد بفتح الدال على التحريك، لالتقاء الساكنين بأخف الحركات، ويجوز بكسر الدال على أصل التحريك لالتقاء الساكنين، والفتح أجود. النزول: قال المفسرون: بعث رسول الله سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وهو ابن عمة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وذلك قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش، في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى، وهو رجب، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو، وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم (1) عليه. فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه، وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش. وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين والمسلمين، وذلك أول فئ أصابه المسلمون. فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله هذه الآية. المعنى: (يسألونك) يا محمد. والسائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، عن الحسن، وأكثر المفسرين. وقيل: السائلون أهل الإسلام، سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه (عن الشهر الحرام قتال فيه) يعني عن قتال في الشهر الحرام، وهو رجب، سمي بذلك لتحريم القتال فيه، ولعظم حرمته، ولذلك كان يسمى في الجاهلية " منزع الأسنة ومنصل الأل " (2)، لأنهم كانوا ينزعون الأسنة والنصال عند دخول رجب، انطواء على ترك القتال فيه، وكان يدعى الأصم لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح، فسب الصمم إليه، كما قيل: ليل نائم، وسر كاتم. فكان الناس لا يخاف بعضهم بعضا، وتأمن السبل إلى أن ينقضي الشهر.


(1) أي: أشرفتم. (2) الأل والألة: الحربة، جميع أدوات الحرب. (*)

[ 75 ]

(قل) يا محمد (قتال فيه) أي: في الشهر الحرام (كبير) أي: ذنب عظيم. ثم استأنفه وقال: (وصد عن سبيل الله وكفر به) أي: والصد عن سبيل الله، والكفر بالله (والمسجد الحرام) أي: والصد عن المسجد إلحرام. وعلى القول الآخر معناه: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام. وقيل: معناه والكفر والمسجد الحرام، عن الجبائي، فحمله عن الباء في قوله (وكفر به). (وإخراج أهله) يعني أهل المسجد، وهم المسلمون و (منه) أي: من المسجد (أكبر) أي: أعظم وزرا (عند الله) يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة. والظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله: (قل قتال فيه كبير) وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم محظور. وقيل: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عقل ابن الحضرمي. وقوله: (والفتنة أكبر من القتل) معناه الفتنة في الدين وهو الكفر، أعظم من القتل في الشهر الحرام، يعني قتل ابن الحضرمي. وقال قتادة وغيره: إن تحريم القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، منسوخ بقوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وبقوله: (أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). وقال عطاء: هو باق على التحريم. وعندنا: إنه باق على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة، ولا يبتدئون فيها بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما أباح الله تعالى للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قتال أهل مكة عام الفتح، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الله أحلها لي في هذه الساعة، ولا يحلها لأحد من بعدي إلى يوم القيامة ". ومن لا يرى منهم حرمة الحرم، وحرمة هذه الأشهر، جاز قتاله في وقت كان. والتحريم منسوخ في حقه. وقوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم) يعني أهل مكة يقاتلونكم يا معشر المسلمين (حتى يردوكم عن دينكم) أي: يصرفوكم عن دين الإسلام، ويلجئوكم إلى الإرتداد (إن استطاعوا) أي: إن قدروا على ذلك (ومن يرتدد منكم عن دينه) هذا تحذير عن الإرتداد ببيان استحقاق العذاب عليه (فيمت وهو كافر) يعني مات على كفره (فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) معناه: إنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم إياها على خلاف التوجه المأمور به، لأن إحباط العلم وإبطاله، عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب. وليس المراد أنهم استحقوا على أعمالهم الثواب، ثم انحبط، لأنه قد دل

[ 76 ]

الدليل على أن الإحباط على هذا الوجه لا يجوز (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي: دائمون. النظم: نظم الآية وتقديرها يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، فقل ذلك كبير، ولكن الكفر بالله، وصد المسلمين عن بيت الله ودينه، وإخراجهم عن أوطانهم، أعظم عند الله، وأكبر وزرا. وهؤلاء الكفار مع هذه الأفعال يقاتلونكم ليردوكم عن الدين، فكل واحد من هذا أعظم مما سألوا عنه. (إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم [ 218 ]). اللغة: الهجر: ضد الوصل، يقال هجره يهجره هجرانا، وهجرا وهجرة: إذا قطع مواصلته. وهجر المريض يهجر هجرا: إذا قال ما ينبغي أن يهجر من الكلام. وسموا المهاجرين: لهجرتهم قومهم وأرضهم، وإنما أطلق على هؤلاء اللفظ الذي يقع على الإثنين، لأن كل واحد من هؤلاء فعل مثل فعل صاحبه، وترك ما تركه اختيارا لصحبة النبي. وجاهدت العدو مجاهدة وجهادا: إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. والرجاء: الأمل. وقوله: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي: لا تخافون. وقال أبو ذؤيب: * إذا لسعته النحل لم يرج لسعها، * وخالفها في بيت نوب عوامل (1) * أي: لم يخف، وذلك أن الرجاء للشئ معه الخوف من أن لا يكون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء. النزول: نزلت الآية في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد السهمي ابن الحضرمي، فظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم، فليس لهم أجر، فأنزل الله الآية فيهم بالوعد. المعنى: (إن الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (والذين هاجروا) أي: قطعوا عشائرهم، وفارقوا منازلهم، وتركوا أموالهم (وجاهدوا في سبيل الله) أي:


(1) النوب بالضم: النحل التي تنوب أي: تذهب وتجئ عوامل تجئ بالشمع ثم تعمله. قوله: (وخالفها) أي: حملها إلى عملها، وهي ترعى. (*)

[ 77 ]

قاتلوا الكفار في طاعة الله التي هي سبيله المشروعة لعباده. وإنما جمع بين هذه الأشياء لبيان فضلها، والترغيب فيها، لا لأن الثواب لا يستحق على واحد منها على الإنفراد (أولئك يرجون رحمة الله) أي: يأملون نعمة الله في الدنيا، والعقبى: وهي النصرة في الدنيا، والمثوبة في العقبى (والله غفور) يغفر ذنوبهم (رحيم) يرحمهم. وإنما ذكر لفظ الرجاء للمؤمنين، وإن كانوا يستحقون الثواب قطعا ويقينا، لأنهم لا يدرون ما يكون منهم في المستقبل: الإقامة على طاعة الله، أو الإنقلاب عنها إلى معصية الله. ووجه آخر وهو الصحيح وهو: أن يرجوا رحمة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة منها، واخترموا دونها، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم، تفضلا. فأما الوجه الأول: فإنما يصح على مذهب من يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه، أو يفعل في المستقبل كبيرة تحبط ثواب إيمانه. وهذا لا يصح على مذهبنا في الموافاة. وقال الحسن: أراد به ايجاب الرجاء والطمع على المومنين، لأن رجاء رحمة الله من أركان الدين، واليأس من رحمته كفر، كما قال: (ولا ييأس من روح الله) الآية. والأمن من عذابه خسران كما قال: (ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) فمن الواجب على المؤمن أن لا ييأس من رحمته، وأن لا يأمن من عقوبته، ويؤيده قوله تعالى (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، وقوله: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) وليس في الآية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله لأمرين أحدهما: إن الدليل المفهوم غير صحيح عند أكثر المحصلين. والآخر: إنه. قد يجتمع عندنا الإيمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، ولا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له. النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الأولى العذاب، ذكر بعدها الثواب. ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذاك أحق بتدبير الحكماء، وأوكد في الإستدعاء. (* يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك

[ 78 ]

يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون [ 219 ] في الدنيا والأخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم [ 220 ]). آيتان في الكوفي، وآية واحدة فيما عد الكوفي تتفكرون آية، وتركها غيره. القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (إثم كثير) بالثاء. والباقون بالباء. وقرأ أبو عمرو وحده: (قل العفو) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ بالباء أن يقول: الباء أولى، لأن الكبر مثل العظم، ومقابله الصغر. والكبير: العظيم، قال تعالى: (وكل صغير وكبير مستطر). وقد استعملوا في الذنب إذا كان موبقا الكبيرة، كقوله: (كبائر ما تنهون عنه) و (كبائر الإثم) فلذلك ينبغي أن يكون قوله: (قل فيهما إثم كبير) بالباء، لأن شرب الخمر والميسر من الكبيرة. وقالوا في غير الموبق: صغير وصغيرة، ولم يقولوا: قليل. ومقابل الكثير القليل، كما أن مقابل الكبير الصغير، ويدل على ذلك أيضا قوله (وإثمهما أكبر من نفعهما) واتفاقهم هنا على أكبر، ورفضهم لأكثر. ووجه قراءة من قرأ بالثاء أنه قد جاء فيهما: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) وفي الحديث: " لعن الرسول في الخمر عشرة: مشتريها والمشتراة له، وعاصرها والمعصورة له، وساقيها والمستقي لها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها " فهذا يقوي قراءة من قرأ كثير. وأما وجه قول من نصب (العفو): فهو أن قولهم ماذا يستعمل على ضربين أحدهما: أن يكون ما مع ذا إسما واحدا. والآخر: أن يكون ذا بمعنى الذي، فالأول قول العرب عما ذا تسال أثبتوا الألف في ما لما كان ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فإن الحذف إنما يقع إذا كانت الألف آخرا، ومن ذلك قول الشاعر: * يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم * لايستفقن إلى الديرين تحنانا (1) *


(1) الخزر جمع الأخزر: الرجل الضيق العين، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة. لا يستفقن أي: لا يرجعن التحنان: الشوق. (*)

[ 79 ]

أي: ما بال نسوتكم. فإذا كان ما مع ذا بمنزلة إسم واحد، كان قوله (ماذا ينفقون) في موضع نصب بمنزلة ما ينفقون أي: أيا ما ينفقون، فجواب هذا العفو بالنصب. وأما وجه قول من رفع فهو أن يجعل ماذا على الضرب الآخر، فيكون تقديره ما الذي ينفقون ؟ فجوابه: العفو، على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: الذي ينفقون العفو، ومثله في التنزيل: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين). واعلم أن سيبويه لا يجوز أن يكون ذا بمنزلة الذي إلا في هذا الموضع، لما قامت الدلالة على ذلك. والكوفيون يجيزون في غير هذا الموضع ويحتجون بقول الشاعر: * عدس ! ما لعباد عليك إمارة، * نجوت، وهذا تحملين طليق (1) * وبقوله سبحانه: (وما تلك بيمينك يا موسى). ولا دلالة لهم في الآية. فإن قوله (بيمينك) يجوز أن يكون ظرفا في موضع الحال، فلا يكون صلة، وكذلك تحملين في البيت. والعامل في الحال في الموضعين، ما في المبهم من معنى الفعل. اللغة: الخمر: أصله الستر. والخمر: ما واراك من الشجر وغيره، ومنه الخمار: للمقنعة. ودخل في خمار الناس أي: في الكثير الذي يستتر فيهم. ويقال: خامره الداء: إذا خالطه، قال كثير: * هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة * من أعراضنا ما استحلت (2) * وخمرت الإناء أي: غطيته. وفي الحديث: اكان النبي يسجد على الخمرة " وهي السجادة الصغيرة من الحصير، سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض. قال الزجاج: وقد لبس على أبي الأسود الدؤلي فقيل له: إن هذا المسكر الذي سموه بغير الخمر حلال، فظن أن ذلك كما قيل له، ثم رده طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد، فقال له: * دع الخمر تشربها الغواة فإنني * رأيت أخاها مجزيا بمكانها (3) *


(1) الشعر في (جامع الشواهد). (2) عزة: اسم امرأة والمعنى هنيئا لعزة كلما اسنحلت من أعراضي، إلا الداء الذي خالطني. (3) والمعنى: أترك الخمر للغواة واختر لنفسك أخاها، فإنه إن لم تكن تلك هي، لكنه يكون أخوها بالرضاع. (*)

[ 80 ]

* فإن لايكنها، أوتكنه، * فإنه أخوها غذته أمه بلبانها * وأصل الباب الستر. والميسر: القمار، إشتق من اليسر: وهو وجوب الشئ لصاحبه من قولك يسر لي هذا الشئ ييسر وميسرا: إذا وجب لك. والياسر الواجب بقداح وجب لك أو غيره. وقيل للمقامر: ياسر ويسر. قال النابغة: * أو ياسر ذهب القداح بوفره * أسف تأكله الصديق مخلع (1) * أي: قامر. وقيل: أخذ من التجزئة، لأن كل شئ جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل: أخذ من اليسر وهو السهولة، لأنهم كانوا يشتركون في الجزور ليسهل أمرها إلا أنه على جهة القمار. والعفو: مأخوذ من الزيادة، ومنه قيل: حتى عفوا أي: زادوا على ما كانوا عليه من العدد. قال الشاعر: * ولكنا يعض السيف منا * بأسوق عافيات الشحم كوم (2) * أي: زائدات الشحم. وقيل: هومأخود من الترك من قوله: (فمن عفي له من أخيه شئ) أي: ترك. ومنه قوله: (عفوت لكم عن صدقة الخيل أي: تركتها. فيكون العفو المتروك غني عنه. والمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء وما أشبهه. والخليطان: الشريكان لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد. والإعنات: الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا. وعنت العظم عنتا: أصابه وهن أو كسر بعد جبر. وعنت عنتا: إذا اكتسب مأثما. وتعنته تعنتا: إذا لبس عليه في سؤاله له. والأكمة العنوت: الطويلة. وأصل الباب: المشقة والشدة. الاعراب: العامل في الطرف من قوله (في الدنيا والآخرة) قوله: (يبين) أي: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة. ويجوز أن يكون (تتفكرون) أيضا أي: تتفكرون في أمر الدنيا وأمر الآخرة. وقوله: (فإخوانكم) رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره فهم إخوانكم. ويجوز في العربية: فإخوانكم على


(1) الوفر: المال الكثير. تأكله: غضب عليه. والمخلع: الرجل الضعيف الرخو. (2) بعض السيف: من أعضضته سيفي إذا ضربته به. الكوم بالضم جمع الكوماء: الناقة العظيمة السنام. (*)

[ 81 ]

النصب، على تقدير فإخوانكم يخالطون، والوجه الرفع. النزول: نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال ؟ فنزلت الآية المعنى: ثم عاد سبحانه إلى بيان الشرائع وإلأحكام، فقال: (يسألونك) يا محمد (عن الخمر) وهي كل شراب مسكر مخالط للعقل، مغط عليه، وما أسكر كثيره فقليله خمر. هذا هو الظاهر في روايات أصحابنا، وهو مذهب الشافعي. وقيل: الخمر عصير العنب إذا اشتد وغلى، وهو مذهب أبي حنيفة. (والميسر): وهو القمار كله، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والحسن، وهو المروي عن أئمتنا حتى قالوا: إن لعب الصبيان بالجوز هو القمار. (قل فيهما) أي: في الخمر والميسر (إثم كبير) أي: وزر عظيم، وكثير من الكثرة (ومنافع للناس) منفعة الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وما يحصل من اللذة والطرب والقوة بشربها، ومنفعة القمار: هو أن يفوز الرجل بمال صاحبه من غير كد ولا مشقة ويرتفق به الفقراء (وإثمهما أكبر من نفعهما) أي: ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من إلنفع، لأن نفعهما في الدنيا وما يحصل من الإثم بهما، يوجب سخط الله في الآخرة، فلا يظهر في جنبه إلا نفع قليل لا بقاء له. قال الحسن: في الآية تحريم الخمر من وجهين أحدهما قوله: (وإثمهما أكبر) فإنه إذا زادت مضرة الشئ على منفعته، اقتضى العقل الإمتناع عنه. والثاني: إنه بين أن فيهما الإثم، وقد حرم في آية أخرى الإثم فقال: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم). وقيل: إن الخمر يسمى إثما في اللغة قال الشاعر: * شربت الإثم حتى ضل عقلي، * كذاك الاثم يصنع بالعقول * على أنه قد وصف الإثم بأنه كبير، والكبير محرم بلا خلاف. وقال الضحاك: معناه وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال سعيد بن جبير: كلاهما قبل التحريم، يعني أن الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما. وقال قتادة: هذه آية لا تدل على تحريمهما، وإنما تدل الآية التي في المائدة من قوله: (إنما الخمر والميسر) إلى آخرها. وقوله: (ويسألونك ماذا ينفقون) أي: أي شئ ينفقون ؟ والسائل: عمرو بن الجموح، سأل عن النفقة في الجهاد. وقيل: في الصدقات.

[ 82 ]

(قل العفو) فيه أقوال أحدها: إنه ما فضل عن الأهل والعيال، أو الفضل عن الغنى، عن ابن عباس وقتادة وثانيها: إن العفو الوسط من غير إسراف ولا إقتار، عن الحسن وعطا، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وثالثها: إن العفو ما فضل عن قوت السنة، عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " قال: ونسخ ذلك بآية الزكاة، وبه قال السدي. ورابعها: إن العفو أطيب المال وأفضله وقوله: (كذلك) إنما وحد الكاف لأن الخطاب للنبي، ويدخل فيه الأمة. وقيل: إن تقديره كذلك أيها القبيل (يبين الله لكم الآيات) أي: الحجج في أمر النفقة والخمر والميسر. وقيل: في سائر شرائع الإسلام (لعلكم تتفكرون) أي: لكي تتفكروا (في الدنيا والآخرة) أي: في أمر الدنيا، وأمر الآخرة، فتعلمون أن الدنيا دار بلاء وعناء وفناء، والآخرة دار جزاء وبقاء، فتزهدوا في هذه وترغبوا في تلك. وقيل إنه من صلة (يبين) أي: كما يبين لكم الآيات في الخمر والميسر، يبين لكم الآيات في أمور الدنيا والآخرة، لكي تتفكروا في ذلك، دلالة على أن الله أراد منهم التفكر، سواء تفكروا أو لم يتفكروا. (ويسألونك عن اليتامى) قال ابن عباس: لما أنزل الله (ولا تقربوا مال اليتيم) الآية، و (إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما) إنطلق كل من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، واشتد ذلك عليهم فسألوا عنه، فنزلت هذه الآية. ولا بد من إضمار في الكلام لأن السؤال لم يقع عن أشخاص اليتامى، ولا ورد الجواب عنها، فالمعنى: يسألونك عن القيام على اليتامى، أو التصرف في أموال اليتامى، (قل) يا محمد (إصلاح لهم خير) يعني إصلاح لأموالهم من غير أجرة، ولا أخذ عوض منهم، خير وأعظم أجرا (وإن تخالطوهم) أي: تشاركوهم في أموالهم، وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم (فإخوانكم) أي: فهم إخوانكم. والإخوان يعين بعضهم بعضا، ويصيب بعضهم من مال بعض. وهذا إذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك، ورخصة لهم في ذلك إذا تحروا الصلاح بالتوفير على الأيتام، عن الحسن، وغيره، وهو المروي في أخبارنا. (والله يعلم المفسد من المصلح) معناه: والله يعلم من كان غرضه من مخالطة اليتامى إفساد مالهم، أو إصلاح مالهم (ولو شاء الله لأعنتكم) أي: لضيق عليكم في أمر اليتامى ومخالطتهم، وألزمكم ما كنتم تجتنبونه من مشاركتهم. وقال الزجاج

[ 83 ]

معناه لكلفكم ما يشق عليكم فتعنتون، ولكنه لم يفعل. وفي هذا دلالة على بطلان قول المجبرة، لأنه سبحانه إذا لم يشأ إعناتهم، ولو أعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه وسع عليهم لما في التوسعة من النعمة، فكيف يصح أن يشاء تكليف ما لا يطاق ؟ وكيف يكلف ما لا سبيل للمكلف إليه ويأمره بما لا يتصور إحداثه من جهته ؟ وأي عنت أعظم من هذا ؟ قال البلخي: وفيه أيضا دلالة على فساد (1) مذهب من قال إنه تعالى لا يقدر على الظلم، لأن الإعنات بتكليف ما لا يجوز في الحكمة، مقدور ولو شاء لفعله (إن الله عزيز) يفعل بعزته ما يحب، لا يدفعه عنه دافع (حكيم) في تدبيره وأفعاله، ليس له عما توجبه الحكمة مانع. (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ءاياته للناس لعلهم يتذكرون [ 221 ]). اللغة: النكاح: إسم يقع على العقد والوطء. وقيل: إن أصله الوطء ثم كثر حتى قيل للعقد نكاح، كما أن الحدث يسمى عذرة وهي اسم للفناء، ويسمى غائطا وهو إسم للمكان المطمئن. يقال: نكح ينكح نكاحا: إذا تزوج. وأنكحه غيره: زوجه. والأمة: المملوكة، يقال: أمة بينة الأموة، وأميت فلانة وتأميتها: إذا جعلتها أمة. وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم في جمعها إماء وآم، نحو أكمة وإكام وآكم. الاعراب: (يؤمن): في محل النصب بأن مضمرة، وأن يؤمن: في موضع جر بحتى. وحتى: يتعلق بتنكح. و (من مشركة): من يتعلق بخير. والجار والمجرور في محل النصب بأنه مفعول به. (ولو أعجبتكم): جواب (لو) محذوف تقديره ولو أعجبتكم أمة مشركة لأمة مؤمنة خير منها، (ولا تنكحوا المشركين): المفعول الثاني محذوف تقديره ولا تنكحوا المشركين الأزواج حتى يؤمنوا. وإعراب قوله (حتى يؤمنوا)، وقوله (ولو أعجبكم) (2) مثل ما قلنا في (حتى يؤمن)، (ولو أعجبتكم).


(1) [ مذهب ]. (2) [ معناه ]. (*)

[ 84 ]

النزول: نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، بعثه رسول الله إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان قويا شجاعا، فدعته امرأة يقال لها عناق إلى نفسها، فأبى وكانت خلة (1) في الجاهلية، فقالت: هل لك أن تتزوج بي ؟ حنى استأذن رسول الله. فلما رجع استأذن في التزوج بها، فنزلت الأية. المعنى: لما تقدم ذكر المخالطة، بين تعالى من يجوز مخالطته بالنكاج، فقال: (ولا تنكحوا المشركات) أي: لا تتزوجوا النساء الكافرات (حتى يؤمن) أي: يصدقن بالله ورسوله، وهي عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وليست بمنسوخة، ولا مخصوصة. واختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا يقع إسم المشركات على أهل الكتاب، وقد فضل الله بينهما فقال (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)، (وما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين)، وعطف أحدهما على الآخر فلا نسخ في الآية ولا تخصيص. وقال بعضهم: الآية متناولة جميع الكفار، والشرك يطلق على الكل. ومن جحد نبوة نبينا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " فقد أنكر معجزه، وأضافه إلى غير الله، وهذا هو الشرك بعينه، لأن المعجز شهادة من الله له بالنبوة. ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قال: إن الآية منسوخة في الكتاب بالآية التي في المائدة: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، عن ابن عباس والحسن ومجاهد. ومنهم من قال: إنها مخصوصة بغير الكتابيات، عن قتادة وسعيد بن جبير. ومنهم من قال: إنها على ظاهرها في تحريم نكاح كل كافرة، كتابية كانت أو مشركة، عن ابن عمر وبعض الزيدية، وهو مذهبنا. وسيأتي بيان آية المائدة في موضعها إن شاء الله (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) معناه: مملوكة مصدقة مسلمة، خير من حرة مشركة (ولو أعجبتكم) ولو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها. وظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول. فأما قوله: (فمن لم يستطع منكم طولا) الآية، فإنما هي على التنزيه دون التحريم. (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) معناه: ولا تنكحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، حتى يؤمنوا. وهذا يؤيد قول من يقول إن


(1) الظاهر سقوط الضمير من اللفظة، وإن الصواب " خلته "، ويؤيده ما في أسد الغابة حيث قال: " وكانت صديقة له في الجاهلية ". (اه‍). (*)

[ 85 ]

قوله: (ولا تنكحوا المشركات) يتناول جميع الكافرات. وقوله: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) أي: عبد مصدق مسلم، خير من حر مشرك، (ولو اعجبكم) ماله أو حاله أو جماله. والفرق بين ولو أعجبكم وبين وإن أعجبكم أن لو للماضي، وإن للمستقبل، وكلاهما يصح في معنى الآية، وهو من العجب الذي هو بمعنى الإستعظام، وليس من التعجب (أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) يعني إلى الكفر والمعاصي التي هي سبب دخول النار. وهذا مثل التعليل، لأن الغالب أن الزوج يدعو زوجته إلى دينه (والله يدعو إلى الجنة) أي: إلى فعل ما يوجب الجنة (والمغفرة) من الإيمان والطاعة (بإذنه) أي: بأمره يعني: بما يأمر ويأذن فيه من الشرائع والأحكام، عن الحسن والجبائي. وقيل: بإعلامه. وقوله: (ويبين اياته للناس) أي: حججه. وقيل: أوامره ونواهيه، وما يحظره ويبيحه للناس (لعلهم يتذكرون) أي: لكي يتذكروا، أو يتعظوا. (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ 222 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير حفص: (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء. والباقون بالتخفيف. الحجة: من قرأ يطهرن: فإنه من طهرت المرأة وطهرت طهرا وطهارة، وطهرت بالفتح أقيس، لأنه خلاف طمثت، فينبغي أن يكون على بنائه. وأيضا فقولهم طاهر يدل على أنه مثل قعد فهو قاعد. ومن قرأ يطهرن: فإنه يتطهرن فأدغم التاء في الطاء. اللغة: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا، والمصدر من هذا الباب المفعل والمفعل جائز فيه قال الراعي: * بنيت مرافقهن فوق مزلة * لايستطيع بها القراد مقيلا (1) *


(1) يصف إبلا بالسمن والملاسة. والمزلة: موضع الزلل. والقراد: دويبة تتعلق بالبعير ونحوه وهي كالقمل للانسان. (*)

[ 86 ]

أي: قيلولة. وامرأة حائض، ونساء حيض. والإعتزال: التنحي عن الشئ، وكل شئ نحيته عن موضع فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي، وأنت عن هذا بمعزل أي: منتحي. وعزلاء المزادة: مخرج الماء من إحدى جانبيها والجمع عزال. والمعزال من الناس: الذي لا ينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية. والطهر: خلاف الدنس. والطهور: يكون إسما ويكون صفة، فإذا كان إسما كان على ضربين أحدهما: أن يكون مصدرا كما حكاه سيبويه تطهرت طهورا حسنا، وتوضأت وضوءا والآخر: أن يكون إسما ليس بمصدر كما جاء في قوله: (طهورا ناء أحدكم) كذا وهو إسم لما يطهر كالفطور، والوجور، والسعوط (1) والسحور. وأما كونه صفة فهو في قوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) فهذا كالرسول، والعجوز، ونحو ذلك من الصفات التي جاءت على فعول. ولا دلالة فيه على التكرير لما لم يكن متعديا نحو: ضروب. ألا ترى أن فعله غير متعد كما يتعدى ضربت. ومن الصفة قوله: هو الطهور ماؤه، لأنه ارتفع به الماء كما يرتفع الإسم بالصفة المتقدمة. الاعراب: (من حيث): جار ومجرور، ولكن حيث مبني لا يظهر فيه الإعراب، وإنما بني لمشابهة الحرف، لأنه لا يفيد إلا مع غيره كالحرف. و (من): يتعلق بقول (فأتوهن من حيث أمركم الله) جملة في محل الجر بإضافة (حيث) إليه. النزول: قيل: كانوا في الجاهلية يتجنبون مواكلة الحائض ومشاربتها ومجالستها، فسألوا عن ذلك، فنزلت الآية، عن الحسن وقتادة والربيع. وقيل: كانوا يستجيزون إتيان النساء في أدبارهن أيام الحيض، فلما سألوا عنه بين لهم تحريمه، عن مجاهد. والأول عندنا أقوى. المعنى: ثم بين سبحانه شريعة أخرى، فقال: (ويسألونك) يا محمد، والسائل أبو الدحداح فيما قيل. (عن المحيض) أي: عن الحيض وأحواله (قل) يا محمد (هو أذى) معناه قذر ونجس، عن قتادة، والسدي. وقيل: دم، عن مجاهد. وقيل: هو أذى لهن وعليهن لما فيه من المشقة قاله القاضي (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي: اجتنبوا مجامعتهن في الفرج، عن ابن عباس وعائشة


(1) الوجور: الدواء الذي يصب في الفم. والسعوط: الذي يصب في الأنف. (*)

[ 87 ]

والحسن وقتادة ومجاهد، وهو قول محمد بن الحسن، ويوافق مذهبنا أنه لا يحرم منها غير موضع الدم فقط. وقيل: يحرم ما دون الإزار، ويحل ما فوقه، عن شريح وسعيد بن المسيب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. (ولا تقربوهن) بالجماع، أو ما دون الإزار على الخلاف فيه (حتى يطهرن) بالتخفيف معناه: حتى ينقطع الدم عنهن، وبالتشديد معناه: يغتسلن، عن الحسن ويتوضأن، عن مجاهد وطاوس وهو مذهبنا. (فإذا تطهرن) أي: اغتسلن. وقيل: توضأن. وقيل: غسلن الفرج (فأتوهن) فجامعوهن وهو إباحة، وإن كان صورته صورة الأمر، كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا). (من حيث أمركم الله) معناه: من حيث أمركم الله تجنبه في حال الحيض، وهو الفرج، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع. وقيل: من قبل الطهر دون الحيض، عن السدي والضحاك. وقيل: من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية، والأول أليق بالظاهر. قال الزجاج معناه: من الجهات التي تحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحب أي: لا تقربوهن وهن صائمات أو محرمات أو معتكفات. وقال الفراء ولو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال من حيث، علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم الله بها. وقال غيره: إنما قال من حيث لأن من لابتداء الغاية في الفعل نحو قولك ائت زيدا من مأتاه أي: من الوجه الذي يؤتى منه. (إن الله يحب التوابين) من الذنوب (ويحب المتطهرين) قيل معناه: المتطهرين بالماء، عن عطا. وقد رواه (1) أصحابنا أيضا في سبب نزول الآية. وقيل: يحب المتطهرين من الذنوب، عن سعيد بن جبير، ولم يذكر المتطهرات، لأن المؤنث يدخل في المذكر. وقيل: التوابين من الكبائر والمتطهرين من الصغائر. وفي هذه الآية دلالة على وجوب اعتزال المرأة في حال الحيض. وفيها ذكر غاية التحريم، ويشتمل ذلك على فصول أحدها: ذكر الحيض: وأقله وأكثره، وعندنا: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وهو قول أهل العراق. وعند الشافعي، وأكثر أهل المدينة: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وثانيها: حكم الوطء في حال الحيض: فإن عندنا إن كان في أوله يلزمه دينار، وإن كان في وسطه فنصف دينار،


(1) [ جماعة من ]. (*)

[ 88 ]

وإن كان في آخره فربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار ولم يفصل. وقال الحسن: يلزمه بدنة، أو رقبة، أو عشرون صاعا. وثالثها: غاية تحريم الوطء، واختلف فيه: فمنهم من جعل الغاية إنقطاع الدم. ومنهم من قال: إذا توضأت، أو غسلت فرجها، حل وطؤها، عن عطا وطاووس، وهو مذهبنا، وإن كان المستحب أن لا يقربها إلا بعد الغسل. ومنهم من قال: إذا انقطع دمها فاغتسلت، حل وطؤها، عن الشافعي. ومنهم من قال: إذا كان حيضها عشرا، فنفس انقطاع الدم يحللها للزوج، وإن كان دون العشرة، فلا يحل وطؤها إلا بعد الغسل، أو التيمم، أو مضي وقت الصلاة عليها، عن أبي حنيفة. (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين [ 223 ]). الاعراب: (أنى): في محل النصب، لأنه ظرف مكان بمعنى حيث أو أين، أو ظرف زمأن إذا كان بمعنى متى، والعامل فيه فأتوا. وشئتم: جملة فعلية في موضع الجر بإضافة الظرف إليها، وإذا كان أنى بمعنى كيف، فهو في محل النصب على المصدر، ولا محل لشئتم، وتقديره فأتوا حرثكم أي نوع شئتم. النزول: قيل: نزلت ردا على اليهود حيث قالوا: إن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها، خرج الولد أحول، فكذبهم الله، عن ابن عباس وجابر. وقيل: أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة وباركة، فأنزل الله إباحته، عن الحسن. المعنى: لما بين تعالى أحوال النساء في الطهر والحيض، عقب ذلك بقوله: (نساؤكم حرث لكم) وفيه وجهان أحدهما: إن معناه مزدرع لكم، ومحترث لكم، عن ابن عباس والسدي. والثاني: إن معناه ذوات حرث لكم، منهن تحرثون الولد واللذة، فحذف المضاف، وهذا في المعنى مثل الأول، عن الزجاج. وقال أبو عبيدة: كنى بالحرث عن الجماع. والثالث: معناه كحرث لكم، فحذف كاف التشبيه، كما قال الشاعر: * النشر مسك، والوجوه دنا * نير، وأطراف الأكف عنم (1) *


(1) النشر: ريح فم المرأة. والعنم: شجرة حجازية لها ثمرة حمراء تشبه بنان المخضوبة بها. (*)

[ 89 ]

وقد سمى العرب النساء حرثا. قال المفضل بن سلمة: أنشدني أبي: * إذا أكل الجراد حروث قوم، * فحرثي همه أكل الجراد * يريد امرأتي (فأتوا حرثكم) أي: موضع حرثكم يعني نساءكم (أنى شئتم): معناه من أين شئتم، عن قتادة والربيع. قيل: كيف شئتم، عن مجاهد. وقيل: متى شئتم، عن الضحاك. وهذا خطأ عند أهل اللغة، لأن أنى لا يكون إلا بمعنى من أين كما قال: (أنى لك هذا). وقيل: معناه من أي وجه، واستشهد بقول الكميت: * أنى ومن أين آبك الطرب، * من حيث لاصبوة، ولاريب (1) * وليس في البيت شاهد لهم، لأنه لا يجوز أن يكون أتى به لاختلاف اللفظين كما يقولون متى كان هذا ؟ وأي وقت كان ؟ ويجوز أن يكون بمعنى كيف، واستدل مالك بقوله (أنى شئتم) على جواز إتيان المرأة في دبرها، ورواه عن نافع، عن ابن عمر، وحكاه زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، وبه قال كثير من أصحابنا. وخالف في ذلك جميع الفقهاء، وقالوا: إن الحرث لا يكون إلا بحيث النسل، فيجب أن يكون الوطء حيث يكون النسل ؟ فاجيبوا عن ذلك بأن النساء وإن كن لنا حرثا، فقد أبيح لنا وطؤهن بلا خلاف في غير موضع الحرث، كالوطء فيما دون الفرخ، وما أشبهه. وقوله: (وقدموا لأنفسكم) معناه: قدموا الأعمال الصالحة التي أمرتم بها، ورغبتم فيها، لتكون ذخرا لكم عند الله. ووجه اتصاله بما قبله أنه لما تقدم الأمر بعدة أشياء قال بعدها (وقدموا لأنفسكم) بالطاعة فيما أمرتم به (واتقوا الله) واتقوا عقاب الله بترك مجاوزة الحد فيما بينن لكم. وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، والتحذير من مخالفة ما ألزموه. وقيل: معنى التقديم هنا طلب الولد، فإن في اقتناء الولد الصالح يكون تقديما عظيما، لقوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعلم به ينتفع بعد موته. وقيل: هو تقديم الإفراط (2) لقوله: " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (3)، لم


(1) الأوب: الرجوع. الصبوة: الشوق. الريب: الحاجة. (2) الإفراط جمع الفرط: ما تقدمك من الأجر. ما لم يدرك من الولد. (3) غلام لم يدرك الحنث أي: لم يجر عليه القلم. (*)

[ 90 ]

تمسه النار إلا تحلة القسم، فقيل: يا رسول الله ! واثنان ؟ قال: واثنان ". وقيل: هو التسمية عند الجماع، عن عطاء. وقيل: هو الدعاء عند الجماع، عن مجاهد. ويؤيده ما روي عن ابن عباس قال. قال النبي: " إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن قدر بينهما ولد لم يضره شيطان ". وقيل: هو التزويج بالعفائف، ليكون الولد طاهرا صالحا (واعلموا أنكم ملاقوه) أي: ملاقو جزائه يعني ثوابه إن أطعتموه، وعقابه إن عصيتموه، وإنما أضافه إليه على ضرب من المجاز (وبشر المؤمنين) بالثواب والجنة، ولا يصح حمل اللقاء على الرؤية، لأن لفظ اللقاء يقع على معان مختلفة، يقال: لقي جهده، ولقي حمامه، ولأن في الآية إثبات اللقاء لجميع العباد. وهذا خلاف ما ذهب إليه أهل التشبيه. (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم [ 224 ]). اللغة: يقال لكل من يصلح للشئ هو عرضة له. والمرأة عرضة للنكاح، والدابة المعدة للسفر عرضة له، وقال الشاعر: * فهذي لأيام الحروب، وهذه * للهوي، وهذي عرضة لارتحالنا * أي: عدة. وقال أبو العباس: العرضة الإعتراض في الخير والشر. واليمين والقسم والحلف واحد. وقيل: أخذ من القوة لأنه يتقوى به على ما يحلف عليه، ومنه قوله " تلقاها عرابة باليمين " (1). وقيل: أخذ من الجارحة، لأنهم كانوا عند الإيمان يضربون أيديهم على أيديهم، فسمي الحلف بذلك. وقيل: أخذ من اليمن الذي هو البركة، لأنه عقد خير يتبرك بذكره للتأكيد. الاعراب: قوله (أن تبروا) في موضعه ثلاثة أقوال أحدها: ان موضعه جر بحذف اللام، عن الخليل. قال أبو علي: جاز أن يكون المصدر الذي هو أن مع الفعل في موضع جر، وإن لم يجز ذلك في غير أن لأمرين احدهما: إن الكلام قد طال بالصلة فحسن الحذف والآخر: إن أن حرف، وإذا حذف اللام صار كأن حرفا


(1) قائله الشماخ، وصدره: " إذا ما راية رفعت لمجد " وعرابة: اسم رجل من الأنصار. (*)

[ 91 ]

كان قد أقيم مقام حرف، فعاقبه، فلهذا حسن حذف اللام مع أن دون المصدر غير الموصول في اللفظ بالفعل. وأقول: عنى بذلك أنك إذا قلت: جئتك لضرب زيد، لم يجز أن تحذف اللام، فتقول: جئتك ضرب زيد. وإذا قلت: جئتك لأن تضرب زيدا، جاز أن تحذف اللام فتقول: جئتك أن تضرب زيدا. والثاني: إن موضعه النصب لأنه لما حذف الجار، وصل الفعل، وهو قول سيبويه، وهو القياس، وأقول على القولين جميعا. فيكون تقديره لأن لا تبروا على النفي، أو لأن تبروا على الإثبات، فعلى القول الأول، وهو النفي: يكون في موضع النصب بأنه مفعول له، وعلى القول الثاني وهو الإثبات: يجوز أن يكون مفعولا له، ويجوز أن يكون في محل النصب على الحال، والعامل فيه ما في قوله لأيمانكم من معنى الفعل، تقديره لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كائنة لأن تبروا أي: لبركم. وذو الحال الأيمان والثالث: ما قاله قوم إن موضعه رفع، تقديره: أن تبروا وتتقوا أولى، فحذف الخبر الذي هو أولى، لأنه معلوم المعنى. النزول: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن يدخل على ختنه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته، فكان يقول إني حلفت بهذا، فلا يحل لي أن أفعله، فنزلت الآية. المعنى: لما بين سبحانه أحوال النساء، وما يحل منهن، عقبه بذكر الإيلاء، وهو اليمين التي تحرم الزوجة، فابتدأ بذكر الأيمان أولا، تأسيسا لحكم الإيلاء، فقال: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: إن معناه لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة لكم من البر والتقوى، من حيث تعتمدونها بها، وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفوا (1) به، عن الحسن وطاووس وقتادة. وأصله في هذا الوجه الإعتراض الذي هو المانع بينكم وبين البر والتقوى، لأن المعترض بين الشيئين يكون مانعا من وصول أحدهما إلى الآخر، فالعلة مانعة كهذا المعترض والثاني: إن عرضة معناه حجة، فكأنه قال: لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى، فإن كان قد سلف منكم يمين، ثم ظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا


(1) وفي بعض النسخ المخطوطة (لم تخلفوا) بالخاء المعجمة. (*)

[ 92 ]

تحتجوا بما فد سلف من اليمين، عن ابن عباس ومجاهد والربيع، وأصله في هذا القول والأول واحد، لأنه منع من جهة الإعتراض لعلة أو حجة. والثالث: إن معناه: لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة (1) في كل حق وباطل، لأن تبروا في الحلف بها، وتتقوا المآثم فيها، عن عائشة، لأنها قالت: لا تحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وأبو مسلم، وهو المروي عن أئمتنا، نحو ما رواه عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزار، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا تحلفوا بالله صادقين، ولا كاذبين، فإنه سبحانه يقول: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم). قال أبو مسلم: ومن أكثر ذكر شئ في معنى، فقد جعله عرضة له. وتقول: جعلتني عرضة لقومك، قال الشاعر: " ولا تجعليني عرضة للوائم " وتقديره على الوجه الأول والثاني: لا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا. وعلى الوجه الثالث: لا تجعلوا الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف به في كل حق وباطل. وقوله: (أن تبروا) قيل في معناه أقوال الأول: لأن تبروا على معنى الإثبات أي: لأن تكونوا بررة أتقياء، فإن من قلت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه. وقيل: لأن تبروا في اليمين. والثاني: إن المعنى لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف، عن المبرد. والثالث: إن معناه أن لا تبروا، فحذف لا، عن أبي عبيدة قال: وقد حذف لا، لأنه في معنى القسم، كقول امرئ القيس: " فقلت يمين الله أبرح قاعدا " أي: لا أبرح. وأنكر المبرد هذا لأنه لما كان معه أن، بطل أن يكون جوابا للقسم، وإنما يجوز والله أقوم في القسم بمعنى لا أقوم، لأنه لو كان إثباتا لقال: لأقومن باللام والنون. والمعنى في قول أبي العباس وأبي عبيدة واحد، والتقدير مختلف. (وتتقوا) أي: تتقوا الإثم والمعاصي في الأيمان (وتصلحوا بين الناس) في الأيمان، وتصلحوا بين الناس عطف. على ما سبق، ومعناه، ولا تجعلوا الحلف بالله علة، أو حجة في أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا، لكي تكونوا من البررة والأتقياء والمصلحين بين الناس، أو لدفع أن تبروا وتتقوا وتصلحوا. وعلى الوجه الثالث: لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة، لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا أي: بين الناس، فإن كثرت يمينه لا يوثق بحلفه، ومن قلت يمينه فهو أقرب إلى التقوى والإصلاح بين


(1) كلام مبتذل: كثير الإستعمال. (*)

[ 93 ]

الناس. (والله سميع) لأقوالكم (عليم) بما في ضمائركم لا يخفى عليه من ذلك خافية. وفي هذه الآية دلالة على أن من حلف على شئ، فرأى غيره خيرا منه، فله أن ينقض يمينه، ويفعل الذي هو خير. وهل يجب عليه الكفارة ؟ فيه خلاف: فعند أكثر الفقهاء يجب عليه الكفارة، ولا كفارة عليه عندنا. ومن أقسم على غيره ليفعل فعلا، أو ليمتنع عن فعل، ولا يبالي بذلك. قال بعضهم: إن المقسم عليه لا يأثم بذلك، والصحيح أن المقسم عليه يأثم، لقول النبي: " من سألكم بالله فأعطوه، ومن استعاذكم بالله فأعيذوه ". (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم [ 225 ]). اللغة: أصل اللغو: الكلام الذى لا فإئدة فيه، يقال: لغا يلغو لغوا: أتى بكلام لا فائدة فيه. وألغى الكلمة: إذا طرحها، لأنه لا فائدة فيها. واللاغية: الكلمة القبيحة الفاحشة، ومنه اشتقاق اللغة لأنها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله. ولغو الطائر: منطقه، قال ثعلبة بن صعير المازني: * باكرتهم بسباء جون ذارع * قبل الصباح، وقبل لغو الطائر * واللغاء: الذكر بالكلام القبيح، لغى يلغي لغى. وأصل الحلم: الأناة، وهو في صفته تعالى الإمهال بتأخير العقاب على الذنب. الاعراب: (في أيمانكم): في موضع الحال، والعامل فيه (يؤاخذ). وذو الحال (اللغو بما كسبت) يجوز أن يكون (ما) إسما موصولا، ويجوز أن يكون حرفا موصولا. المعنى: ثم بين سبحانه أقسام اليمين، فقال: (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) اختلفوا في يمين اللغو، فقيل: هو ما يجري على عادة الناس من قول: " لا والله، وبلى والله " من غير عقد على يمين يقتطع بها مال، ولا يظلم بها أحد، عن ابن عباس وعائشة والشعبي، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد إلله، وهو قول الشافعي. وقيل: هو أن يحلف وهو يرى أنه صادق، ثم تبين أنه كاذب، فلا

[ 94 ]

إثم عليه، ولا كفارة، عن الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: هو يمين الغضبان لا يؤاخذكم بالحنث فيها، عن ابن عباس أيضا وطاووس، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها الكفارة، وقال مسروق: كل يمين ليس له الوفاء، فهي لغو، ولا يجب فيها كفارة. (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) أي: بما عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية. وفيه حذف أي: من أيمانكم. وقيل: بان تحلفوا كاذبين، أو على باطل، عن إبراهيم (والله غفور) يغفر الذنوب (حليم) يمهل العقوبة على الذنب، ولا يعجل بها. (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فآءو فإن الله غفور رحيم [ 226 ] وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ 227 ]). اللغة: آلى الرجل من امرأته يؤلي ايلاء من الإلية والألوة: وهي الحلف، قال الشاعر: * كفينا من تغيب من نزار، * وأحنثنا إلية مقسمينا * وائتلى وتألى بمعناه، وفي التنزيل: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم). وقرأ: ولا يتأل. وجمع الإلية ألايا وأليات، كعشية وعشايا وعشيات. وجمع الألوة ألايي كركوبة وركائب. والتربص: الإنتظار. ويقال: تربصت به، قال الشاعر: * تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما، أو يموت حليلها (1) * والفئ: الرجوع، يقال: فاء يفئ فيئا: إذا تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. والفرق بين الفئ والظل، ما قال المبرد: إن الفئ: ما نسخ الشمس لأنه هو الراجع. والظل: ما لا شمس فيه. وكل فئ ظل، وليس كل ظل فيئا. وأهل الجنة في ظل لا في فئ، لأن الجنة لا شمس فيها. وفي التنزيل: (وظل ممدود). وجمع الفئ أفياء. والفئ: غنائم المشركين، أفاء الله علينا منهم، وهو من رجوع الشئ إلى حقه. وفلان سريع الفئ من غضبه أي: الرجوع. والعزم: هو العقد على فعل شئ في مستقبل الأوقات، وهو إرادة متقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد يتعلق بفعل اللازم، يقال: عزم على الشئ يعزم عزما. واعتزم وعزمت عليك


(1) ريب المنون: حوادث الدهر. (*)

[ 95 ]

لتفعلن أي: أقسمت. وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. وما لفلان عزيمة أي: ما يثبت على شئ لتلونه. وعزائم القرآن: التي تقرأ على ذوي الافات لما يرجى من البرء بها. والطلاق: حل عقد النكاح بسبب من جهة الرجل. وامرأة طالق زعم قوم أن تاء التأنيث إنما حذفت لأنه لاحظ فيه للمذكر، وهذ ! ليس بشئ، لأن في الكلام أشياء كثيرة يشترك فيها المذكر والمؤنث، لا يثبت فيها الهاء في المؤنث، يقال: بعير ضامر، وأمثاله كثيرة. وقال سيبويه: إنه وقع على لفظ التذكير صفة للمونث، لأن المعنى شئ طالق، وحقيقته أنه على جهة النسب نحو قولهم: امرأة مطفل أي: ذات طفل. وطالق أي: ذات طلاق، فإذا أجريته على الفعل قلت: طالقة. قال الأعشى: * أيا جارتي بيني، فإنك طالقة، * كذاك أمور الناس: غاد، وطارقة (1) * وأصل الطلاق من الإنطلاق. وطلقت المرأة عند الولادة فهي مطلوقة: إذا تمخضت. والطلق: الشوط من الجري. والطلق: الحبل الشديد الفتل. والسميع: من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت، وهي ترجع إلى كونه حيا لا آفة به. والسامع: المدرك، ويوصف القديم سبحانه في الأزل بأنه سميع، ولا يوصف في الأزل بأنه سامع، إنما يوصف به إذا وجدت المسموعات. الاعراب: يجوز في (أربعة أشهر) ثلاثة أوجه: الجر على الإضافة، وعليه القراءة وهذه الإضافة غير حقيقية، فإن الأربعة في محل النصب، وإن كان مجرور اللفظ. ويجوز في العربية الرفع والنصب تربص أربعة أشهر، كقوله (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) ومثله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وتربص أربعة أشهر، كقوله: (ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا) أي: تكفتكم أحياء وأمواتا. المعنى: ثم بين تعالى حكم الإيلاء لأنه من جملة الإيمان والأقسام، وشريعة من شرائع الإسلام، فقال: (للذين يؤلون من نسائهم) أي: يحلفون، وفيه حذف أي: أن يعتزلوا عن وطء نسائهم على وجه الإضرار بهن (تربص أربعة أشهر) أي: التوقف والتثبت في أربعة أشهر. واليمين التي يكون الرجل بها موليا هي اليمين بالله


(1) الغادي: الآتي بالغدوة. الطارق: الآتي بالليل. (*)

[ 96 ]

عز وجل، أو بشئ من صفاته التي لا يشاركه فيها أحد غيره، على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الإمتناع من الجماع على وجه الغضب والضرار، وهو المروي عن علي وابن عباس والحسن. وقيل في الغضب والرضا، عن إبراهيم والشعبي وجماعة من الفقهاء. وقيل: هو في الجماع وغيره من الضرار، نحو أن يحلف لا يكلمها، عن سعيد بن المسيب. (فإن فاءوا) أي: رجعوا إلى أمر الله بأن يجامعوا عند القدرة عليه، أو يراجعوا بالقول عند العجز عن الجماع، عن ابن عباس ومسروق وسعيد بن المسيب، وهو مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقيل: يكون فائيا بالعزم في حال العذر، إلا أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، عن الحسن وإبراهيم وعلقمة، وهذا يكون عندنا للعاجز عن الجماع، ويجب على الفائي عندنا كفارة، ولا عقوبة عليه، وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة. وقال الحسن وإبراهيم: لا كفارة عليه، ولا عقوبة لقوله: (فإن الله غفور رحيم) ومعنى غفور عندنا أنه لا يتبعه بعقوبة، ومن حلف أن لا يجامع أقل من أربعة أشهر، لا يكون موليا. ومن حلف أن لا يقربها وهي مرضعة مخافة أن تحبل، فيضر ذلك بولدها، لا يلزمه حكم الإيلاء. وإذا مضت أربعة أشهر، ولم يجامع ألزمه الحاكم إما الرجوع والكفارة، وإما الطلاق، فإن امتنع حبسه حتى يفئ أو يطلق. (وإن عزموا الطلاق) عزيمة الطلاق عندنا: أن يعزم، ثم يتلفظ بالطلاق. ومتى لم يتلفظ بالطلاق على الوجه المشروع، فإن المرأة لا تبين منه، إلا أن تستعدي، فإن استعدت، وأنظره الحاكم أربعة أشهر، فإنه يوقف عند الأشهر الأربعة، ويقال له: فئ أو طلق. فإن لم يفعل حبسه حتى يطلق، وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: متى امتنع من الطلاق، والفئة، طلق عنه الحاكم طلقة رجعية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا مضت أربعة أشهر، ولم يفئ بانت منه بتطليقة، ولا رجعة له عليها، وعليها العدة، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره. (فإن الله سميع عليم) يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: يسمع إيلاءه، ويعلم نيته. وإنما ذكر عقيب الأول (فإن الله غفور رحيم) لأنه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفئ، أو الطلاق، بين أنه إن فاء فإن الله غفور رحيم بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه، وذكر ههنا أنه سميع عليم، لما أخبر عنه بإيقاع الطلاق،

[ 97 ]

وكان ذلك مما يسمع، أخبر بأنه لا يخفى عليه، وأنه يسمعه، فكل لا يليق إلا بموضعه، وذلك من عظيم فصاحة القرآن. (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم [ 228 ]). اللغة: القروء: جمع قرء، وجمعه القليل اقرء، والكثير: اقراء وقروء. وصار بناء الكثير فيه أغلب في الإستعمال يقال: ثلاثة قروء، مثل ثلاثة شسوع، استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل. ووجه آخر: وهو أنه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة، فاتى ببناء الكثرة للإشعار بذلك. فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في ثلاثة في القسمة، وهذا الحرف من الأضداد، وأصله في اللغة يحتمل وجهين أحدهما: الإجتماع، ومنه قرأت القرآن لاجتماع حروفه، وما قرأت الناقة سلا قط. أي لم يجتمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم: * ذراعي عيطل، أدماء، بكر، * هجان اللون، لم تقرأ جنينا (1) * فعلى هذا يقال: أقرأت المرأة فهي مقرئ: إذا حاضت. وأنشد: (له قروء كقروء الحائض) وذلك لاجتماع الدم في الرحم، ويجئ على هذا أن يكون القرء الطهر لاجتماع الدم في جملة البدن (والوجه الثاني): إن أصل القرء الوقت الجاري في الفعل على عادة،. وهو يصلح للحيض والطهر. يقال: هذا قارئ الرياح أي: وقت هبوبها. قال الشاعر: * شنئت العقر، عقر بني شليل، * إذا هبت لقاريها الرياح * أي: لوقت هبوبها، وشدة بردها. والذي يدذ على القرء الطهر قول الأعشى:


(1) قوله: ذارعي أي: ذراعا محبوبته كذراعي العيطل والعيطل: الناقة الطويلة في حسن منظر وسمن. والأدماء: الناقة البيضاء والبكر: الناقة التي حملت بطنا واحدا. والهجان: البيضاء الخالصة البياض. (*)

[ 98 ]

* وفي كل عام أنت جاشم غزوة، * تشد لأقصاها عزيم عزائكا (1) * * مورثة مالا، وفي الأرض رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا * فالذي ضاع ها هنا الأطهار لا الحيض. والبعولة: جمع بعل، ويقال: بعل يبعل بعولة وهو بعل، وسمي الزوج بعلا لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها، وقوله: (أتدعون بعلا) أي: ربا. وقيل: إنه صنم. والبعل: النخل يشرب بعروقه، لأنه مستعل على شربه. وبعل الرجل بأمره: إذا ضاق به ذرعا، لأنه علاه منه ما ضاق به ذرعه. وبعل الرجل: بطر لأنه استعلى تكبرا. وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب، لأن الحيرة تستعلي عليها فتدهشها. والرجال: جمع رجل يقال: رجل بين الرجلة أي: القوة، وهو أرجلهما أي: أقواهما. وفرس رجيل: قوي على المشي. وسميت الرجل رجلا لقوتها على المشي. ورجل من جراد أي: قطعة منه تشبيها بالرجل لأنها قطعة من الجملة. والراجل: الذي يمشي على رجله. وارتجل الكلام ارتجالا، لأنه قوي عليه من غير ركوب فكرة. وترجل النهار: لأنه قوي ضياوه بنزول الشمس إلى الأرض. ورجل شعره: إذا طوله وأصل الباب: القوة، والدرجة المنزلة. الاعراب: (إن كن يؤمن بالله): جواب الشرط محذوف وتقديره إن كن يومن بالله لا يكتمن، وكذلك جواب الشرط من قوله تعالى: (إن أرادوا إصلاحا) محذوف وتقديره إن أرادوا إصلاحا فبعولتهم أحق بردهن مثل الذي عليهن إضافة مثل غير حقيقية لأن الذي عليهن مفعوله. المعنى: ثم بين سبحانه حكم المطلقات والطلاق، فقال: (والمطلقات) أي: المخليات عن حبال الأزواج بالطلاق، وإنما يعني المطلقات المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن في الآية بيان عدتهن (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) معناه: ينتظرن بأنفسهن انقضاء ثلاثة قروء، فلا يتزوجن لفظه خبر ومعناه أمر، والمراد بالقروء الاطهار عندنا، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر ومالك والشافعي وأهل المدينة. قال ابن شهاب: ما رأيت أحدا من أهل بلدنا، إلا وهو يقول: الأقراء الأطهار إلا سعيد بن المسيب. والمروي عن ابن عباس وابن مسعود


(1) جشمت الأمر: إذا تكلفته على مشقة. (*)

[ 99 ]

والحسن ومجاهد، ورووه أيضا عن علي: إن القرء الحيض. والمراد بثلاثة قروء: ثلاثة حيض، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، واستشهدوا بقوله " عليه السلام " للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك. والصلاة إنما تترك في أيام الحيض، واستشهد من ذهب إلى أن القرء الطهر بقوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) أي: في طهر لم تجامع فيه، كما يقال لغرة الشهر. وبقول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لما طلق ابن عمر زوجته، وهي حائض مرة: (فليراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك ا وتلا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهم) لقبل عدتهن، فأخبر أن العدة الأطهار دون الحيض، لأنها حينئذ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. وروى أصحابنا عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الاقراء التي سمى الله في القرآن، إنما هي الطهر فيما بين الحيضين، وليست بالحيض. قال: فدخلت على أبي جعفر، فحدثته بما قال ربيعة، فقال: كذب ! لم يقل برأيه، وإنما بلغه عن علي " عليه السلام ". فقلت: أصلحك الله أكان علي يقول ذلك ؟ قال: نعم، كان يقول: إنما القرء الطهر، تقرأ فيه الدم فتجمعه، فإذا جاء الحيض قذفته. قلت: أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهرة من غير جماع بشهادة عدلين. قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج. قال قلت: إن أهل العراق يروون عن علي " عليه السلام " أنه كان يقول: هو أحق بردها ما لم تطهر (1) من الحيضة الثالثة ؟ فقال: كذبوا. (ولا يحل لهن) أي: للمطلقات اللاتي تجب عليهن العدة (أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) قيل: أراد به الحيض، عن إبراهيم وعكرمة. وقيل: أراد به الحبل، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: أراد به الحيض، والحبل عن ابن عمر والحسن، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام " قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل. وهذا القول أعم، فالأخذ به أولى، وإنما لم يحل لهن الكتمان لئلا يظلمن الزوج بمنع المراجعة، عن ابن عباس. وقيل: بنسبة الولد إلى غيره كفعل الجاهلية، عن قتادة. وقوله (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) يعني من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،


(1) في نسختين مخطوطتين كما في الوسائل: " ما لم تغتسل " بدل: " ما لم تطهر ". (*)

[ 100 ]

فهذه صفته وحليته، وليس هذا بشرط حتى إنها إذا لم تكن مؤمنة يحل لها الكتمان. ولكن المراد أن الإيمان يمنع من ارتكاب هذه المعصية، كما يقول الرجل لصاحبه: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. وهذا على وجه الوعيد (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) يعني: إن أزواجهن أولى بمراجعتهن، وهي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدر لهن في مدة العدة، فإنه ما دامت تلك المدة باقية، كان للزوج حق المراجعة، ويفوت بانقضائها. وفي هذا ما يدل على أن الزوج ينفرد بالمراجعة، ولا يحتاج في ذلك إلى رضاء المرأة، ولا إلى عقد جديد، واشهاد. وهذا يختص بالرجعيات، وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة. (إن أرادوا إصلاحا) لا إضرارا، وذلك أن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها (1) واحدة وتركها (2)، حتى إذا قرب انقضاء عدتها، راجعها وتركها مدة ثم طلقها أخرى، وتركها مدة كما فعل في الأولى، ثم راجعها وتركها مدة، ثم طلقها أخرى، فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح، لا على وجه الإضرار. وإنما شرط الإصلاح في إباحة الرجعة لا في ثبوت أحكامها، لإجماع الأمة على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام الرجعة. وقوله (ولهن) أي للنساء على أزواجهن (مثل الذي عليهن) من الحق (بالمعروف) وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمة. وإنما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة، وترك المضارة، والتسوية في القسم والنفقة والكسوة، كما أن للزوج حقوقا عليها مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له، وأن لا تدخل فراشه غيره، وأن تحفظ ماءه فلا تحتال في إسقاطه. وروي أن امرأة معاذ قالت: يا رسول الله ! ما حق الزوجة على زوجها ؟ قال: أن لا يضرب وجهها، ولا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس، ولا يهجرها. وروي عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا (3) غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". وقوله (وللرجال عليهن درجة) قيل: معناه فضيلة منها


(1) أي: تطليقة واحدة فراجع (صحيح البخاري ج 7 ب 43). (2) [ مدة ]. (3) ضرب مبرح بكسر الراء أي: شاق. (*)

[ 101 ]

الطاعة، ومنها أن يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث على قسم المرأة والجهاد، هذا قول مجاهد وقتادة. وقيل: معناه منزلة في الأخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى يقول ما أحب أن أستوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة، عن ابن عباس. وقيل: معناه ان المرأة تنال اللذة من الرجل، كما ينال الرجل منها، وله الفضل بنفقته، وقيامه عليها، عن الزجاج. وفي تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حق الرجال على النساء، أفضل من حق النساء على الرجال. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه روي عن الباقر " عليه السلام " قال: " جاءت امرأة إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالت: يا رسول الله ! ما حق الزوج على المرأة ؟ فقال لها: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيتها بشئ إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بغير إذنه، لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وملائكة الغضب، وملائكة الرحمة، حتى ترجع إلى بيتها. فقالت: يا رسول الله ! من أعظم الناس حقا على المرأة ؟ قال: زوجها. قالت: فما لي من الحق عليه مثل ما له من الحق علي ؟ قال: لا ولا من كل مائة واحدة. فقالت: والذي بعثك بالحق لا يملك رقبتي رجل أبدا " وقال " عليه السلام ": (لو كنت آمرا أحدا يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". (والله عزيز حكيم) أي: قادر على ما يشاء، يمنع ولا يمنع، ويقهر ولا يقهر، فاعل ما تدعو إليه الحكمة. وقد قيل في الآية: إن المطلقة قبل الدخول، والمطلقة الحاملة نسختا من هذه الآية بقوله: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقيل: إنهما مخصوصتان من الاية كما ذكرناه في أول الآية. (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا إلآ أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون [ 229 ]).

[ 102 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر وحمزة: (إلا أن يخافا) بضم الياء. والباقون بفتحها. الحجة: خاف: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول يكون أن وصلتها نحو قوله: (تخافون أن يتخطفكم الناس) ويكون غيرها نحو قوله: (تخافونهم). فوجه قراءة حمزة (إلا أن يخافا) أنه لما بنى الفعل للمفعول به، أسند إلفعل إليه، فلم يبق شئ يتعدى إليه. فأما أن من قوله (أن لا يقيما): فإن الفعل يتعدى إليه بالجار كما تعدى بالجار في قوله: " ولو خافك الله عليه حرمه " وموضع أن في الآية: جر بالجار المقدر على قول الخليل والكسائي، ونصب في قول سيبويه وأصحابه، إلا أنه لما حذف الجار، وصل الفعل إلى المفعول الثاني مثل: أستغفر الله ذنبا، وأمرتك الخير. فقراءته مستقيمة على ما رأيت. فإن قال قائل: لو كان (يخافا) كما قرأ، لكان ينبغي أن يكون: فإن خيفا ؟ قيل: لا يلزمه هذا السؤال لمن خالفه في القراءة، لأنهم قد قرأوا: (إلا أن يخافا)، ولم يقولوا فإن خافا، وليس يلزم هذا السؤال جميعهم لأمرين أحدهما: إنه انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: (الحمد لله)، ثم قال: (إياك نعبد)، (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون). وهذا النحو كثير في التنزيل وغيره. والآخر: أن يكون الخطاب في قوله فإن خفتم مصروفا إلى الولاة والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة فيمن جعله انصرافا من الغيبة إلى الخطاب، لأن ضمير الإثنين في (يخافا) ليس يراد به إثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من كان هذا شأنه فهذا حكمه. فأما من قرأ (يخافا) بفتح الياء: فالمعنى أنه إذا خاف كل واحد من الزوج والمرأة أن لا يقيما حدود الله، حل الإفتداء. اللغة: المرة والمرتان: كالكرة والكرتين، وأصل المرة: المرور خلاف الوقوف. والمرة: شدة الفتل لاستمراره على الإحكام والإمساك خلاف الإطلاق. وما بفلان مسكة وتماسك: إذا لم يكن فيه خير. والممسك: البخيل. والمسك: الإهاب، لأنه يمسك البدن باحتوائه عليه. والمسك: السوار لاستمساكه في اليد. والتسريح: مأخوذ من السرح وهو الإطلاق. وسرح الماشية في المرعى سرحا: إذا أطلقها ترعى. وسرحت الماشية: إنطلقت في المرعى. والسرحان: الذئب لاتباعه السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة لانطلاقها في جهة الطول. والمسرح: المشط

[ 103 ]

لإطلاق الشعر به. والسرياح: الجراد لانطلاقه في البلاد. وأن يخافا معناه: أن يظنا، قال الشاعر: * أتاني كلام عن نصيب يقوله، * وما خفت يا سلام أنك عائبي * يعني ما طننت، وأنشد الفراء: * إذا مت فادفني إلى جنب كرمة، * تروي عظامي بعد موتي عروقها * * ولاتدفنني في الفلاة، فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها * الاعراب: (الطلاق): رفع بالإبتداء. و (مرتان): الخبر. وقوله: (فإمساك): خبر مبتدأ محذوف تقديره فالواجب عليكن إمساك، ولو كان في الكلام فإمساكا بالنصب، لكان جائزا على فامسكوهن إمساكا بمعروف، كما قال: فامسكوهن بمعروف. و (أن يخافا): موصول وصلة موضعهما نصب بأنه مفعول له تقديره لمخافتهما و (أن لا يقيما): في موضع نصب بأنه مفعول (يخافا) تقديره: يخافا ترك إقامة حدود الله. النزول: روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن امرأة أتتها، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارها بذلك. وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته، ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، لم يكن للطلاق عندهم حد، فذكرت ذلك لرسول الله، فنزلت الطلاق مرتان. فجعل حد الطلاق ثلاثا، والطلاق الثالث قوله: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). وروي أيضا أنه قيل للنبي: " الطلاق مرتان فأين الثالثة ؟ قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان ". وقوله: (إلا أن يخافا) فأنزل في ثابت بن قيس بن شماس، وزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي، وكان يحبها وتبغضه، فقال لها: أتردين عليه حديقته ؟ قالت: نعم وأزيده. قال: لا حديقته فقط. فردت عليه حديقته. فقال: يا ثابت خذ منها ما أعطيتها، وخل سبيلها، ففعل. فكان أول خلع في الإسلام. المعنى: ثم بين سبحانه عدد الطلاق، فقال: (الطلاق مرتان) أي: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، وفي معناه قولان أحدهما: إنه بيان تفصيل طلاق السنة، وهو أنه إذا أراد طلاقها ينبغي أن يطلقها في طهر، لم يقربها فيه بجماع،

[ 104 ]

تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها ثانية، عن ابن عباس ومجاهد والثاني: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة مما لا يوجبها. وفي الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة، ولفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر أي: طلقوا دفعتين. وقوله: (فإمساك بمعروف) تقديره: فالواجب إذا راجعها بعد التطليقتين إمساك بمعروف أي: على وجه جميل سائغ في الشريعة، لا على وجه الإضرار بهن. (أو تسريح بإحسان) فيه قولان أحدهما: إنه الطلقة الثالثة والثاني: إنه يترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، عن السدي والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. (ولا يحل لكم) خطاب الأزواج (ان تأخذوا) في حال الطلاق، واستبدال (مما آتيتموهن) أي: أعطيتموهن من المهر (شيئا). ثم أستثنى الخلع فقال: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) معناه: إلا أن يغلب على ظنهما أن لا يقيما حدود الله، لما بينهما من أسباب التباعد والتباغض. وقال ابن عباس: هو أن يظهر من المرأة النشوز وسوء الخلق، بغضا للزوج. وقال أبو عبد الله: إذ ! قالت المرأة له: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، ولأوطئن فراشك، ولأدخلن عليك بغير إذنك. إذا قالت له هذا، حل له أن يخلعها، وحل له ما أخذ منها. وعلى الجملة: إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محظور، أو إخلال بواجب، وأن لا تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، وروي مثل ذلك عن الحسن. وقال الشعبي: هو نشوزها ونشوزه. (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) أي: فإن ظننتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام (فلا جناج عليهما) أي: فلا حرج ولا إثم عليهما، وهذا يفيد الإباحة. وفي قوله: (عليهما) وإن كانت الإباحة للزوج وجهان أحدهما: إن الزوج لو خص بالذكر، لأوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين الإذن لهما في ذلك ليزول الإيهام عن علي بن عيسى. والآخر: إن المراد به الزوج، وإنما ذكر معه المرأة لاقترانهما كقوله: (نسيا حوتهما)، وقوله: (ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان). وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز للإتساع. قال الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن: وهذا أليق بمذهبنا، لأن الذي يبيح الخلع عندنا، هو ما لولاه لكانت المرأة عاصية.

[ 105 ]

وأقول: إن الذي عندي في ذلك، أن جواز وقوع العصيان منها، هو السبب في إباحة الخلع، ورفع الجناج إنما تعلق بالخلع، لا بأسبابه. والوجه الأول أولى بالإختيار، وأشد ملاءمة لظاهر الآية. والوجه الأخير مرغوب عنه، لعدوله عن سنن الإستقامة، إذ لا يكون الإثنان واحدا في الحقيقة. (فيما افتدت به) أي: بذلت من المال. واختلف في ذلك: فعندنا إن كان البغض منها وحدها، وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر وزيادة عليه. وإن كان منهما، فدون المهر. وقيل: إنه يجوز الزيادة على المهر والنقصان من غير تفصيل، عن ابن عباس وابن عمر ورجاء بن حيوة وإبراهيم ومجاهد. وقيل: المهر فقط، عن ربيع وعطا والزهري والشعبي، ورووه عن علي. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه احدها: أن تكون المرأة عجوزا أو دميمة (1)، فيضار بها الزوج لتفتدي نفسها، فهذا لا يجل له الفدا لقوله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) الآية والثاني: أن يرى الرجل امرأته على فاحشة، فيضار بها لتفتدي نفسها، فهذا جائز وهو معنى قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). والثالث: أن يخافا ألا يقيما حدود الله لسوء خلق، أو قلة نفقة من غير ظلم، أو نحو ذلك، فيجوز لهما جميعا الفدية على ما مر تفصيله. (تلك حدود الله) أي: أوامره ونواهيه، وما نصب من الآيات في الخلع والطلاق والرجعة والعدة. (فلا تعتدوها) أي: فلا تجاوزوها بالمخالفة. (ومن يتعد حدود الله) أي: يتجاوزها بأن يخالف ما حد له. (فأولئك هم الظالمون). واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، لأنه قال: (الطلاق مرتان)، ثم ذكر الثالث على الخلاف في أنها قوله (أو تسريح بإحسان) أو قوله (فإن طلقها). ومن طلق ثلاثا بلفظ واحد، فإنه لم يأت بالمرتين، ولا بالثالثة، كما أنه لما أوجب في اللعان أربع شهادات، فلو أتى بالأربع بلفظ واحد، لما أتى بالشروع، ولم يحصل حكم اللعان، وكذلك لو رمى في الجمار بسبع حصيات دفعة واحدة، لم تجزئ عنه، بلا خلاف، وكذلك الطلاق. (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح


(1) أي: قبيحة. (*)

[ 106 ]

عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون [ 230 ]). الاعراب: موضع (أن) في قوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) جر بإضمار الجار وتقديره: في أن يتراجعا، عن الخليل والكسائي والزجاج. وقيل: وموضعه نصب، وهو اختيار الزجاج، وباقي النحويين. وموضع (أن) الثانية وهو (أن يقيما حدود الله): نصب بلا خلاف بظنا، وإنما جاز حذف في من (أن يتراجعا)، ولم يجز حذفه من المصدر الذي هو التراجع، لطول أن بالصلة، كما جاز الذي ضربت زيد لطول " الذي " بالصلة، ولم يجز في المصدر كما لم يجز في اسم الفاعل، نحو: زيد ضارب عمرو، ويريد ضاربه. النزول: الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة بن وهب القرظي إلى رسول إلله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة (1) الثوب، وانه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول الله، وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى يذوق عسسيلتك (2)، وتذوقي عسيلته ! وفي قصة رفاعة وزوجته نزل: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). المعنى: ثم بين سبحانه حكم التطليقة الثالثة، فقال: (فإن طلقها) يعني التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر، وبه قال السدي والضحاك. وقيل: هو تفسير قوله (أو تسريح بإحسان)، عن مجاهد. وهذا على مذهب من جعل التسريح طلاقا. (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أي: لا تحل هذه المرأة، أي: لا يحل نكاحها لهذا الرجل الذي طلقها، حتى تزوج زوجا غيره، ولجامعها. واختلف. في ذلك فقيل: العقد علم بالكتاب، والوطء بالسنة، عن الجبائي. وقيل: بل كلاهما علم بالكتاب، لأن لفظ النكاح يطلب عليهما، فكأنه قيل: حتى يتزوج ويجامعها الزوج. ولأن العقد مستفاد بقوله (زوجا غيره)، والنكاح مستفاد بقوله


(1) الهدبة واحدة الهدب: خمل الثوب وطرته. ويقال لها بالفارسية. " ريشة ". (2) كناية عن الجماع تشبيها بالعسل، وإنما صغرت إشارة إلى القدر الذي يحلل، ولو بغيبوبة الحشفة. (*)

[ 107 ]

(حتى تنكح). وإنما أوجب الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل، حتى لا يعجلوا بالطلاق وأن يتثبتوا. قال أبو مسلم: وهذا من الكنايات الفصيحة، والإيجاز العجيب. (فإن طلقها) الزوج الثاني. (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) أي: فلا جناح على الزوج وعلى المرأة أن يعقدا بينهما عقد النكاح، ويعودا إلى الحالة الأولى. فذكر النكاح بلفظ التراجع. (إن ظنا) أي: إن رجيا. وقيل: علما. وقيل: اعتقدا (أن يقيما حدود الله) في حسن الصحبة والمعاشرة، وأنه يكون بينهما الصلاح. (وتلك) إشارة إلى الأمور التي بينها في النكاح والطلاق والرجعة. (حدود الله): أوامره ونواهيه. (يبينها): يفصلها. (لقوم يعلمون) خص العالمين بذكر البيان لهم، لأنهم هم الذي ينتفعون ببيان الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم، كما خص جبرائيل وميكائيل بالذكر من بين الملائكة. وتدل الآية على أنه طلقها الثالثة، فلا تحل له إلا بعد شرائط الزوج الثاني، ووطئه في القبل، وفرقته وانقضاء عدتها. وصفة الزوج الذي يحل المرأة للزوج الأول، أن يكون بالغا، ويعقد عليها عقدا صحيحا دائما. واختلف في التحليل على ثلاثة أقاويل: فمنهم من قال: إذا نوى التحليل يفسد النكاح، ولا تحل للأول، عن مالك والأوزاعي والثوري، وروي نحوه عن أبي يوسف، واحتجوا بقوله: " لعن الله المحلل والمحلل له ". ومنهم من قال: إذا لم يشرط في العقد حل، وإذا شرطه يفسد، ولا يحل عند الشافعي. ومنهم من قال: يصح العقد، ويبطل الشرط، وتحل للأول، ولكن يكره ذلك، وهو الظاهر من مذهب أبي حنيفة وأهل العراق وقال محمد: يصح النكاح، ولا تحل للأول. وفي قوله: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) دلالة على أن النكاح بغير ولي جائز، وأن المرأة يجوز لها أن تعقد على نفسها، لأنه أضاف العقد إليها دون وليها. (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ءايات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم [ 231 ]).

[ 108 ]

اللغة: الأجل: آخر المدة وعاقبة الامور. والمراد بالمعروف هاهنا: الحق الذي يدعو إليه العقل أو الشرع للمعرفة بصحته خلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل أو السمع، لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لا يجوز المعرفة بصحته: منكر. الاعراب: (فبلغن أجلهن): الجملة في موضع جر بالعطف على الجملة قبلها، وهي: (طلقتم النساء) مجرورة الموضع بإضافة (إذا) إليها. و (ضرارا): نصب على الحال من الواو في (تمسكوهن) تقديره: ولا تمسكوهن مضارين. واللام في (لتعتدوا): يتعلق بتمسكوا وضرارا وهزوا: مفعول ثان (لتتخذوا). (وما أنزل): موصول وصلة في محل النصب بالعطف على (نعمة). (من الكتاب): في محل النصب على الحال، والعامل فيه (اذكروا). وذو الحال (ما أنزل) ومن يكون بمعنى التبيين. (يعظكم): جملة في موضع الحال، والعامل فيه (أنزل). المعنى: ثم بين سبحانه ما يفعل بعد الطلاق، فقال: (وإذا طلقتم النساء) وهذا خطاب للأزواج (فبلغن أجلهن) البلوغ هاهنا: بلوغ مقاربة أي: قاربن انقضاء العدة (1) بما يتعارفه الناس بينهم، بما تقبله النفوس، ولا تنكره العقول. والمراد بالمعروف هاهنا: أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له من القيام بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك. (أو سرحوهن بمعروف) أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيكن أملك بأنفسهن (ولا تمسكوهن ضرارا) أي: لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن، بل لطلب الإضرار بهن إما في تطويل العدة، أو بتضييق النفقة في العدة. (لتعتدوا) أي: لتظلموهن (ومن يفعل ذلك) أي: الإمساك للمضارة (فقد ظلم نفسه) فقد أضر بنفسه، وعرضها لعذاب الله. (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) أي: لا تستخفوا بأوامره وفروضه ونواهيه. وقيل: آيات الله قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). (واذكروا نعمة الله عليكم) فيما أباحه لكم من الأزواج والأموال، وما بين لكم من الحلال والحرام (وما أنزل عليكم من الكتاب) (2) يعني


(1) لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج الإمساك، فهذا كما تقول: بلغت البلد إذا قربت منه (فأمسكوهن بمعروف) أي: راجعوهن قبل انقضاء العدة. (2) يعني القرآن (والحكمة). (*)

[ 109 ]

العلوم التي دل عليها، والشرائع التي بينها (يعظكم به) لتتعظوا فتؤجروا بفعل ما أمركم الله به، وترك ما نهاكم عنه (واتقوا الله) أي: معاصيه التي تؤدي إلى عقابه. وقيل: إتقوا عذاب الله باتقاء معاصيه. (واعلموا أن الله بكل شئ عليم) من أفعالكم وغيرها. (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 232 ]). اللغة: العضل: الحبس. وقيل: هو مأخوذ من المنع. وقيل: هو مأخوذ من الضيق والشدة. والأمر المعضل: الممتنع بصعوبته. وعضلت الناقة: فهي معضلة إذا احتبس ولدها في بطنها. وعضلت الدجاجة: إذا احتبس بيضها. وتقول: عضل المرأة يعضلها عضلا: إذا منعها من التزويج ظلما. وأعضل الداء الأطباء: إذا أعياهم أن يقوموا به وامتنع عليهم لشدته. وداء عضال، وفلان عضلة من العضل أي: داهية من الدواهي. الاعراب: موضع (أن) من قوله (أن ينكحن أزواجهن) جر عند الخليل والكسائي، وتقديره من أن. ونصب عند غيرهما بوصول الفعل (ذلك يوعظ به) مبتدأ وخبر. وقوله: (من كان يؤمن بالله): في موضع رفع بيوعظ. و (منكم): في موضع الحال من الضمير في (يؤمن). النزول: نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جملاء أن ترجع إلى الزوج الأول، وهو عاصم بن عدي، فإنه كان طلقها وخرجت من العدة، ثم أراد أن يجتمعا بعقد آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت الآية، عن قتادة والحسن وجماعة. وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله، عضل بنت عم له، عن السدي. والوجهان لا يصحان على مذهبنا، لأنه لا ولاية للأخ وابن العم عندنا، ولا تأثير لعضلهما، فالوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين، كما في الظاهر فكأنه قال: لا تعضلوهن أي: لا تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن، إضرارا بهن، لا رغبة فيهن، فإن ذلك لا يسوغ في الدين. ويجوز أن يكون العضل محمولا على الجبر، والحيلولة بينهن وبين التزويج، دون ما يتعلق بالولاية.

[ 110 ]

المعنى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن)، أي: لا تمنعوهن ظلما عن التزوج. وقيل: المراد به التخلية. وقيل: هو خطاب للأولياء، ومنع لهم من عضلهن. وقيل: خطاب للأزواج يعني أن تطلقوهن في السر، ولا تظهروا طلاقهن كيلا يتزوجن غيرهم، فيبقين لا ممسكات إمساك الأزواج، ولا مخليات تخلية الطلاق، أو تطولوا العدة عليهن (أن ينكحن أزواجهن) أي: من رضين بهم أزواجا لهن. وقيل: الذين كانوا أزواجا لهن من قبل. (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) أي: بما لا يكون مستنكرا في عادة ولا خلق ولا عقل. وقيل: إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح، عن السدي. وقيل: إذا تراضيا بالمهر، قليلا كان أو كثيرا. (ذلك) إشارة إلى ما سبق من الأمر والنهي (يوعظ به) يزجر، ويخوف به (من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) إنما خصهم بالذكر، لأنهم الذين انتفعوا به، أو لأنهم أولى بالإتعاظ به. وقيل: لأن الكافر إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الإيمان، واعترافه بالله تعالى. (ذلكم أزكى لكم) أي: خير لكم، وأفضل وأعظم بركة، وأحرى أن يجعلكم أزكياء (وأطهر) أي: أطهر لقلوبكم من الريبة، فإنه لعل في قلبها حبا، فإذا منعها من التزويج لم يؤمن أن يتجاوزا إلى ما حرم الله. وقيل: أطهر لكم من الذنوب (والله يعلم) ما لكم فيه من الصلاح في العاجل والآجل. (وأنتم لا تعلمون) وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم. وليس لأحد أن يستدل بالآية على أن العقد لا يصح إلا بولي، لأنا قد بينا أن المراد بالعضل المنع. وإذا حملنا الآية على أنها خطاب للأزواج، سقط قولهم. وهذا أولى لأنه لم يجر للأولياء ذكر، كما جرى ذكر المطلقين. (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ ءاتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير [ 233 ]).

[ 111 ]

القراءة: قرأ أهل البصرة، وابن كثير، وقتيبة عن الكسائي: (لا تضار) بالرفع وتشديد الراء. وقرأ أبو جعفر وحده بتخفيف الراء وسكونها. والباقون بتشديدها وفتحها. وقرأ ابن كثير وحده: (ما أتيتم) مقصورة الألف. والباقون: (ما أتيتم)، وكذلك في الروم. الحجة: من رفع فلأن قبله لا تكلف، فأتبعه ما قبله ليكون أحسن لتشابه اللفظ. فإن قلت: إن ذلك خبر وهذا أمر ؟ قيل: إن الأمر قد يجئ على لفظ الخبر في التنزيل، ألا ترى إلى قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ويؤكد ذلك أن ما بعده على لفظ الخبر، وهو قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) والمعنى ينبغي ذلك، فلما وقع موقعه، صار في لفظه. ومن فتح جعله أمرا، وفتح الراء ليكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف. وأما قراءة أبي جعفر (لا تضار) فينبغي أن يكون أراد: لا تضار. كما روى في الشواذ عن أبان عن عاصم، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفا، كما قالوا: أحست في أحسست، وظلت ومست في ظللت ومسست. ومن قرأ (آتيتم): فالمراد إيتاء المهر، كقوله: (وآتيتم إحداهن قنطارا)، وقوله: (إذا آتيتموهن أجورهن). وأما قول ابن كثير فتقديره إذا سلمتم ما أتيتم نقده، أو أتيتم سوقه (1)، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ثم حذف الهاء من الصلة، فكأنه قال: أتيت نقد ألف أي: بذلته، كما يقول: أتيت جميلا أي: فعلته، ويؤيده قول زهير: * فما يك من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل * فكما تقول: أتيت خيرا، فكذلك تقول: أتيت نقد ألف، وقد وقع أتيت موضع آتيت. ويجوز ان يكون (ما) في الآية مصدرا، فيكون التقدير: إذا سلمتم الإتيان. والإتيان المأتى مما يبذل بسوق أو نقد، كقوله: ضرب الأمير أي: مضروبه. اللغة: الرضع: مص الثدي بشرب اللبن منه، يقال: رضع ورضع والمصدر الرضع والرضع والرضاع والرضاعة. ولئيم راضع: يرضع لبن ناقته من لؤمه لئلا يسمع الضيف صوت الشخب (2). وأرضعت المرأة فهي مرضعة. وقولهم مرضع بغير


(1) أي: المهر من غير النقدين. (2) الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة، أو عصرة للضرع. (*)

[ 112 ]

هاء: ذات رضاع. والحول: السنة مأخوذ من الإنقلاب في قولك: حال الشئ عما كان عليه، يحول. ومنه الإستحالة في الكلام لانقلابه عن الصواب. وقيل: أخذ من الإنتقال من قولك: تحول عن المكان. والكسوة: مصدر كسوته ثوبا أي: ألبسته. واكتسى أي: لبس. والكسوة: اللباس. والتكليف: الإلزام الشاق، وأصله من الكلف: وهو ظهور الأثر، لأنه يلزمه ما يظهر فيه أثره. وتكلف أي: تحمل. والكلف بالشئ: الإيلاع به. والوسع: الطاقة مأخوذ من سعة المسلك إلى الغرض فيمكن لذلك، فلو ضاق لأعجز عنه. والسعة فيه بمنزلة القدرة، فلذلك قيل: الوسع بمعنى الطاقة. والفصال: الفطام لانفصال المولود عن الإغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. وفصيلة الرجل: بنو أبيه لانفصالهم من أصل واحد. والفصل: الفرق. والتشاور: مأخوذ من الشور، وهو اجتناء العسل تقول: شرت العسل أشوره شورا: إذا اجتنيته من مكانه. والمشورة: استخراج الرأي من المستشار، لأنها تجتنى منه. وأشار إليه إشارة: أومى إليه. والمشيرة: الإصبع التي تسمى السبابة لأنه يشار بها. والشارة: الهيئة واللباس الحسن، لأنه مما يشار إليه لحسنه. والتشوير: استخراج سير الدابة كالإجتناء. الاعراب: (عن تراض): في موضع الحال تقديره: فإن أراد متراضيين. (منهما): في موضع جر صفة لتراض. (أن تسترضعوا أولادكم): معناه لأولادكم، فحذفت اللام لدلالة الإسترضاع عليه من حيث أنه لا يكون إلا للأولاد. ولا يجوز: دعوت زيدا، تريد لزيد، لأنه لا يجوز أن يكون (1) مدعوا له إذ معنى: دعوت زيدا لعمرو، خلاف: دعوت زيدا فقط، فلا يجوز للإلتباس. وقوله: (بالمعروف) جاز أن يتعلق بسلمتم، كأنه قال: إذا سلمتم بالمعروف ما أتيتم. ويجوز أن يتعلق بأتيتم على حد قولك: أتيته بزيد. المعنى: لما بين سبحانه حكم الطلاق، عقبه ببيان أحكام الأولاد الصغار في الرضاع والتربية، وما يجب في ذلك من الكسوة والنفقة، فقال: (والوالدات) أي: الأمهات (يرضعن أولادهن) صيغته صيغة الخبر، والمراد به الأمر أي: ليرضعن أولادهن، كقوله: (يتربصن بأنفسهن). وجاز ذلك التصرف في الكلام مع رفع


(1) [ المدعو ]. (*)

[ 113 ]

الإشكال، إذ لو كان خبرا لكان كذبا، لجواز أن يرضعن أكثر من حولين أو أقل. وقولك: حسبك درهم، معناه: اكتف بدرهم تام. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، وتقديره: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عباده، فحذف للدلالة عليه. وهذا أمر استحباب لا أمر إيجاب. والمعنى إنهن أحق برضاعهم من غيرهن بدليل قوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). ثم بين مدة الرضاع فقال: (حولين كاملين) أي: عامين تامين أربعة وعشرين شهرا، وإنما ذكر كاملين، وإن كانت التثنية تأتي على استيفاء العدة، لرفع الإبهام الذي يعرض في الكلام. فإن الرجل يقول: سرت شهرا، وأقمت عند فلان سنة، وإن كان قد سار قريبا من شهر، وأقام قريبا من سنة. وفي هذا بيان لأمرين أحدهما: مندوب والثاني: فرض. فالمندوب هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين. والمفروض هو أن المرضعة تستحق الأجرة في مدة الحولين، ولا تستحق فيما زاد عليه. واختلف في هذا الحد هل هو لكل مولود أو للبعض ؟ فقال ابن عباس: ليس لكل مولود، ولكن لمن ولد لستة أشهر، وإن ولد لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون، وإن ولد لتسعة أشهر فأحد وعشرون، يطلب بذلك تكملة ثلاثين شهرا في الحمل والفصال. وعلى هذا يدل ما رواه أصحابنا في هذا الباب، لأنهم رووا أن ما نقص عن أحد وعشرين شهرا فهو جور على الصبي. وقال الثوري وجماعة: هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه رجعا إلى الحولين، من غير زيادة ولا نقصان، ولا يجوز لهما غير ذلك. والرضاع بعد الحولين لا حكم له في التحريم عندنا، وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأكثر العلماء قالوا: المراد بالآية بيان التحريم الواقع بالرضاع. ففي الحولين يحرم، وما بعده لا يحرم. وقوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) أي: لمن أراد أن يتم الرضاعة المفروضة عليه. وهذا يدل على أن الرضاع غير مستحق على الأم، لأنه علقه بالإرادة ويدل عليه قوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى). وقال قتادة والربيع: فرض الله على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين، ثم أنزل الرخصة بعد ذلك، فتال: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) يعني إن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك حد محدود، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي، وما يعيش به. (وعلى المولود له) يعني الأب (رزقهن) يعني الطعام والإدام (وكسوتهن) يعني لباسهن، والمراد رزق الأم

[ 114 ]

وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة، وذلك في المطلقة، عن الثوري والضحاك وأكثر المفسرين (بالمعروف) يعني على قدر اليسار، لأنه علم أحوال الناس في الغنى والفقر، وجعل حق الحضانة للأم، والنفقة على الأب، على قدر اليسار، ولم يرد به نفقة الزوجات، لأنه قابلها بالإرضاع. ونفقة الزوجة لا تجب بسبب الإرضاع، وإنما تجب بسبب الزوجية. وقال بعضهم: أراد به نفقة الزوجات. وقوله: (لا تكلف نفس إلا وسعها) أي: لا يلزم إلا دون طاقتها (لا تضار والدة بولدها) أي: لا تترك الوالدة إرضاع ولدها، غيظا على أبيه، فتضر بولده به، لأن الوالدة أشفق عليه من الأجنبية. (ولا مولود له بولده) أي: لا يأخذه من أمه طلبا للإضرار بها، فيضر بولده، فيكون المضارة على هذا بمعنى الإضرار أي: لا تضر الوالدة، ولا الوالد بالولد، وإنما قال: تضار. والفعل من واحد، لأنه لما كان معناه المبالغة، كان بمنزلة أن يكون الفعل من اثنين. وقيل: الضرر يرجع إلى الولد، كأنه يقول: لا يضار كل واحد من الأب والأم بالصبي، الأم بأن لا ترضعه، والاب بأن لا ينفق، أو بأن ينتزعه من الأم. والباء زائدة، والمعنى لا تضار والدة ولدها، ولا والد ولده. وقيل: معناه لا تضار والدة الزوج بولدها. ولو قيل في ولدها، لجاز في المعنى. وروي عن السيدين الباقر والصادق " عليهما السلام ": لا تضار والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع. (ولا مولود له بولده) أي: لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل، فيضر ذلك بالأب. وقيل: لا تضار والدة بولدها بأن ينتزع الولد منها، ويسترضع امرأة غيرها، مع إجابتها إلى الرضاع بأجرة المثل. فعلى هذا يكون معنى بولدها بسبب ولدها، ولا مولود له أي: لا تمتنع هي من الإرضاع إذا أعطيت أجرة مثلها، فإن فعلت استأجر الأب مرضعة ترضعه غيرها، ولا تمنعه من رؤية الولد، فيكون فيه مضارة بالوالد. وقوله: بولده بسبب ولده أيضا. وليس بين هذه الأقوال تناف، فالأولى حمل الآية على جميعها. وقوله (وعلى الوارث) قيل: معناه وارث الولد، عن الحسن وقتادة والسدي، وهو من يرثه إذا مات. وقيل: وارث الوالد، عن قبيصة بن ذويب، والأول أقوى. (مثل ذلك) أي: مثل ما كان على الوالد من النفقة والرضاع، عن الحسن وقتادة. وقيل: مثل ما كان على الوالد من ترك المضارة، عن الضحاك. والمفهوم عند أكثر العلماء الأمران معا، وهو أليق بالعموم.

[ 115 ]

واختلفوا في أن النفقة على كل وارث، أو على بعضهم ؟ فقيل: هي على العصبات دون أصحاب الفرائض من الأم، والأخوة من الأم، عن عمر بن الخطاب والحسن. وقيل: على وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة. وقيل: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم، دون ذي رحم ليس بمحرم، كابن العم، وابن الأخت، فيجب على ابن الأخت، ولم يجب على ابن العم، وإن كان وارثه في تلك الحال، عن أبي حنيفة وصاحبيه. وقيل: على الوارث أي: الباقي من أبويه، عن سفيان، وهو الصحيح عندنا، وهو أيضا مذهب الشافعي، لأن عنده لا يجبر على نفقة الرضاع إلا الولدان فقط. وقد روي أيضا في أخبارنا أن على الوارث، كائنا من كان، النفقة. وهذا يوافق الظاهر، وبه قال قتادة وأحمد وإسحاق. وقوله: (فإن أرادا فصالا) أي: قبل الحولين، عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: قبل الحولين، أو بعدهما، عن ابن عباس (عن تراض منهما) أي: من الأب والأم (وتشاور) يعني اتفاق منهما ومشاورة. وإنما يشرط تراضيهما وتشاورهما مصلحة للولد، لأن الوالدة تعلم من تربية الصبي ما لا يعلمه الوالد. فلو لم يتفكرا ويتشاورا في ذلك أدى إلى ضرر الصبي. (فلا جناح عليهما) أي: لا حرج عليهما إذا تماسك الولد، فإن تنازعا رجعا إلى الحولين. وقوله: (وإن أردتم) خطاب للآباء (أن تسترضعوا أولادكم) أي: لأولادكم أن تطلبوا لهم مراضع غير أمهاتهم لإباء أمهاتهم الرضاع، أو لعلة بهن من انقطاع لبن، أو غيره (فلا جناح عليكم) أي: لا حرج ولا ضيق في ذلك (إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) أي: إذا سلمتم إلى الأم أجرة المثل، مقدار ما أرضعت، عن مجاهد والسدي. وقيل: إذا سلمتم الإسترضاع عن تراض واتفاق، دون ذلك الضرار، عن أبي شهاب. وهذا معنى قول ابن عباس. وفي رواية عطاء قال: إذا سلمت أمه، ورضي أبوه، لعل له غنى يشتري له مرضعا. وقيل: إذا سلمتم أجرة المسترضعة، عن الثوري. وقيل: إذا سلمتم أجرة الأم أو الظئر عن ابن جريج. ومعنى قوله (آتيتم) ضمنتم وألزمتم. ثم أوصى بالتقوى فقال: (واتقوا الله) يعني معاصيه، أو عذابه في مجاوزة ما حده لكم (واعلموا أن الله بما تعملون) أي: بأعمالكم (بصير) أي: عليم لا

[ 116 ]

يخفى عليه شئ منها. وفي قوله (لا تكلف نفس إلا وسعها) دلالة على فساد قول المجبرة في حسن تكليف ما لا يطاق، لأنه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة، فأن لا يكلف مع عدم القدرة أحرى. فإن في الحالين لا سبيل له إلى أداء ما كلف. (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير [ 234 ]). القراءة: روي في الشواذ عن علي " عليه السلام ": (يتوفون) بفتح الياء. الحجة: قال ابن جني: هو على حذف المفعول أي: الذين يتوفون أيامهم، أو آجالهم وأعمارهم. وحذف المفعول به كثير في القرآن، وفصيح الكلام، إذا كان هناك دليل عليه، كما قال الله (وأوتيت من كل شئ) أي: شيئا. قال الحطيئة. * منعمة تصون إليك منها * كصونك من رداء شرعبي (1) * أي: تصون الكلام منها. وتوفيت الشئ، استوفيته: أخذته وافيا. اللغة: يذر ويدع: يترك ولا يستعمل منهما الماضي استغني عنه بترك، والعلة في ذلك أنهم تركوا الواوات في أول الكلمة، حتى إنهم لم يلحقوها أولا على جهة الزيادة أصلا. والأجل: غاية الوقت في محل الدين، ونحوه لتأخيره إلى ذلك الوقت. والآجل: نقيض العاجل لتأخره عن وقت غيره. وفعله من أجل كذا أي: لعاقبة كذا، وهي متأخرة عن وقت الفعل الذي دعت إليه. والقطيع من بقر الوحش يسمى أجلا. وقد تأجل الصوار (2) أي: صار أجلا لتأخر بعضه عن بعض. وأجل عليهم شرا أجلا أي: جناه لأنه أعقبهم شرا. والآجلة: الآخرة. والعاجلة: الدنيا. والخبير: العالم بمخبر الخبر، وأصله من السهولة. والخبار: الأرض السهلة. وأخبرت بالشئ: لأنه تسهيل لطريق العلم به. والخبير: الأكار. والمخابرة: المؤاكرة وهو أن يزرع على النصف، أو الثلث، أو نحوه، وذلك لتسهيل الزراعة. الاعراب: (الذين): مرتفع بالإبتداء و (يتوفون): صلته. و (منكم): في


(1) الشرعبي: ضرب من البرود. (2) الصوار: قطيع البقر. (*)

[ 117 ]

موضع النصب على الحال من الواو في يتوفون. (ويذرون أزواجا): عطف على الصلة فهو أيضا من الصلة. و (يتربصن) وما بعده: خبر المبتدأ. وإذا كان خبر المبتدأ لا يخلو من أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر، فلا يجوز أن يكون هذا الظاهر على الذي هو عليه، لخلوه من ضربي خبر الإبتداء. وقد قيل فيه أقوال أحدها: إن تقدير خبر المبتدأ (يتربصن) بعدهم لأن المعنى يتربصن أزواجهم بعدهم أربعة أشهر وعشرا. وجاز حذف هذا الذي يتعلق به الراجع إلى المبتدأ، كما جاء ذلك في قولهم: السمن منوان بدرهم. والمعنى على منوان منه بدرهم، عن الأخفش. والثاني: أن يكون تقديره أزواجهم بتربص، عن أبي العباس المبرد. فالمحذوف على هذا هو المبتدأ الذي هو أزواجهم. وساغ هذا الحذف لقيام الدلالة عليه، كما يسوغ حذف المفرد إذا قامت الدلالة عليه، وقيام الدلالة على المضاف أن الأزواج قد تقدم ذكرهن، فساغ إضمارهن وحسن. وأما حذف المضاف إليه فلاقتضاء المبتدأ الراجع إليه، وقد جاء المبتدأ مضافا محذوفا كما جاء المفرد وذلك قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل) أي: تقلبهم متاع قليل. والثالث: أن يكون تقديره يتربصن أزواجهن، ثم كنى عن الأزواج، عن الكسائي، وإنما قال (وعشرا) بالتأنيث: تغليبا لليالي على الأيام، إذا اجتمعت في التاريخ، لأن ليلة كل يوم قبله، كما قيل لخمس بقين. وقد علم المخاطب أن الأيام داخلة مع الليالي، وأنشد سيبويه: * فطافت ثلاثا بين يوم، وليلة * يكون النكير أن تضيف، وتجأرا (1) * (فيما فعلن): ما مع صلته في موضع الجر بفي. وقوله (بالمعروف): الجار والمجرور في موضع النصب على الحال. المعنى: لما بين عدة المطلقات، بين عدة الوفاة، فقال: (والذين يتوفون منكم) أي: يقبضون، ويموتون (ويذرون) أي: يتركون (أزواجا) أي: نساء (يتربصن بأنفسهن) أي: ينتظرن انقضاء العدة، ويحبسن أنفسهن عن التزويج


(1) تضيف أي: تخاف. وتجأر: تضرع، أو صاح. (*)

[ 118 ]

معتدات (أربعة أشهر وعشرا) أي: وعشر ليال وعشرة أيام، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها، سواء كانت مدخولا بها، أو غير مدخول بها، حرة كانت أو أمة، فإن كانت حبلى فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل، أو مضي أربعة أشهر وعشر. ووافقنا في عدة الامة الأصم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك فقالوا: عدتها نصف عدة الحرة، شهران وخمسة أيام، وإليه ذهب قوم من أصحابنا، وقالوا في عدة الحامل: إنها بوضع الحمل، وإن كان بعد على المغتسل. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة. وعندنا أن وضع الحمل يختص عدة المطلقة. والذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة اجتنابه هو الزينة والكحل بالأثمد وترك النقلة عن المنزل، عن ابن عباس والزهري، والإمتناع من التزوج لا غير، عن الحسن. وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وعندنا أن جميع ذلك واجب. (فإذا بلغن أجلهن) أي: آخر العدة بانقضائها (فلا جناح عليكم) قيل: إنه خطاب للأولياء. وقيل: لجميع المسلمين، لأنه يلزمهم منعها عن التزوج في العدة. وقيل: معناه لا جناح على النساء، وعليكم (فيما فعلن في أنفسهن) من النكاح، واستعمال الزينة التي لا ينكر مثلها. وهذا معنى قوله (بالمعروف). وقيل: معنى قوله بالمعروف ما يكون جائزا. وقيل: معناه النكاح الحلال عن مجاهد (والله بما تعملون خبير) أي: عليم. وهذه الآية ناسخة لقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج)، وإن كانت متقدمة في التلاوة عليه. (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلآ أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم [ 235 ]). النزول: آية في الكوفي، وآيتان في غيرهم. يترك قولا معروفا الكوفي. اللغة: التعريض: ضد التصريح، وهو أن تضمن الكلام دلالة على ما تريد. وأصله من العرض من الشئ الذي هو جانبه وناحية منه. وفي الحديث: " من عرض عرضنا (1)، ومن مشى على الكلأ ألقيناه في النهر). ومعناه: من عرض بالقذف


(1) وفي النهاية: من عرض عرضنا له. (*)

[ 119 ]

عرضنا له بتأديب لا يبلغ الحد، ومن صرح ألقيناه في نهر الحد. والفرق بين التعريض والكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة على شئ ليس فيه ذكر له. والكناية: العدول عن الذكر الأخص بالشئ إلى ذكر يدل عليه. فالأول كقول القائل: ما أقبح البخل تعرض بأن المخاطب بخيل والثاني كقولك: زيدا ضربته، كنيت عنه بالهاء. والخطبة: الذكر الذي يستدعى به إلى عقدة النكاح، أخذ من الخطاب: وهو توجيه الكلام للإفهام. والخطبة الوعظ المتسق على ضرب من التأليف. وقيل الخطبة: ما له أول وآخر مثل الرسالة. والخطبة: للحال، نحو الجلسة والقعدة. والإكنان: الستر للشئ. والكن: الستر أيضا. والفرق بين الاكنان والكن: أن الإكنان الإضمار في النفس، ولا يقال كننته في نفسي. والكن: في معنى الصون. وفي التنزيل: (بيض مكنون). والكانون: يحتاج إليه في وقت الإكتنان من البرد. والكنانة: الجعبة الصغيرة تتخذ للنبل. والسر في اللغة على ثلاثة أوجه: الإخفاء في النفس، والشرف في الحسب، يقال: فلان في سر قومه أي: في صميمهم. والجماع في الفرج، قال امرؤ القيس: * ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت، وأن لا يشهد السر أمثالي (1) * وقال الأعشى: * ولا تنكحن جارة، إن سرها * عليك حرام، فانكحن، أو تأبدا (2) * والعزم: عقد القلب على أمر تفعله. وفي الحديث: " خير الأمور عوازمها " يعني: ما وكدت عزمك عليه. والعقدة: من العقد، وهو الشد. وفي المثل: " يا عاقد اذكر حلا ". وعقد اليمين: خلاف اللغو. الاعراب: (فيما عرضتم): الجار والمجرور في موضع الحال، وكذا في قوله: (من خطبة النساء). (أن تقولوا): في موضع نصب بدل من (سرا) تقديره: ولا تواعدوهن إلا قولا معروفا (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي: على عقدة النكاح، فحذف على استخفافا، كما قالوا ضرب زيد الظهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن. قال سيبويه: إن الحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه.


(1) بسباسة: امرأة من بني أسد. (2) تأبد الرجل: طالت عزبته، وقل حاجته في النساء. (*)

[ 120 ]

المعنى: لما تقدم ذكر عدة النساء، وجواز الرجعة فيها للأزواج، عقبه ببيان حال غير الأزواج، فقال: (ولا جناح عليكم) أي: لا حرج ولا ضيق عليكم، يا معشر الرجال. (فيما عرضتم به من خطبة النساء) المعتدات، ولم تصرحوا به، وذلك بأن تذكروا ما يدل على رغبتكم فيها. ثم اختلف في معناه فقيل: التعريض هو أن يقول الرجل للمعتدة: إني أريد النكاح، وإني أحب امرأة من صفتها كذا وكذا، فيذكر بعض الصفات التي هي عليها، عن ابن عباس. وقيل: هو أن يقول: إنك لنافعة، وإنك لموافقة لي، وإنك لمعجبة جميلة، فإن قضى الله شيئا كان، عن القاسم بن محمد، والشعبي. وقيل: هو كل ما كان من الكلام دون عقدة النكاح، عن ابن زيد. (أو أكننتم في أنفسكم) أي: أسررتم وأضمرتم في أنفسكم من نكاحهن بعد مضي عدتهن. وقيل: هو إسرار العزم دون إظهاره. والتعريض إظهاره، عن مجاهد وابن زيد. (علم الله أنكم ستذكرونهن) برغبتكم فيهن خوفا منكم أن يسبقكم إليهن غيركم، فأباح لكم ذلك (ولكن لا تواعدوهن سرا) فيه أقوال أحدها: إن معناه لا تواعدوهن في السر، لأنها أجنبية. والمواعدة في السر تدعو إلى ما لا يحل وثانيها: إن معناه الزنا، عن الحسن وإبراهيم وقتادة وقالوا: كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية، وهو معرض للنكاح، فنهوا عن ذلك وثالثها: إنه العهد على الإمتناع من تزويج غيرك، عن ابن عباس وسعيد بن جبير. ورابعها: هو أن يقول لها: إني ناكحك فلا تفوتيني نفسك، عن مجاهد. وخامسها: إن السر هو الجماع، فمعناه لا تصفوا أنفسكم بكثرة الجماع، ولا تذكروه، عن جماعة. وسادسها: إنه إسرار عقدة النكاح في السر، عن عبد الرحمن بن زيد. ويجمع هذه الأقوال ما روي عن الصادق أنه قال: لا تصرحوا لهن النكاح والتزويج. قال: ومن السر أن يقول لها: موعدك بيت فلان. (إلا أن تقولوا قولا معروفا) يعني التعريض الذي أباحه الله وإلا بمعنى لكن، لأن ما قبله هو المنهي عنه، وما بعده هو المأذون فيه، وتقديره: ولكن قولوا قولا معروفا (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي: على عقدة النكاح، يعني لا تبتوا النكاح، ولا تعقدوا عقدة النكاح في العدة، ولم يرد به النهي عن العزم على النكاح بعد العدة، لأنه أباح ذلك بقوله: (أو أكننتم). (حتى يبلغ الكتاب أجله) معناه: حتى

[ 121 ]

تنقضي العدة بلا خلاف. وقيل: الكتاب هو القرآن، والمعنى حتى يبلغ الفرض أجله. وعبر بالكتاب عن الفرض كما يقال كتب أي: فرض. وهذا لأن ما كتب فقد أثبت، فقد اجتمعا في معنى الثبوت. وقيل: إن هذا تشبيه للعدة بالدين المؤجل المكتوب أجله في كتاب، فكما يتأخر المطالبة بذلك الدين حتى يبلغ الكتاب أجله، كذلك يتأخر خطبة النكاح في العدة إلى انقضاء العدة. (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) من أسراركم، وضمائركم (فاحذروه) فاتقوا عقابه، ولا تخالفوا أمره (واعلموا أن الله غفور) لعباده (حليم) يمهل العقوبة المستحقة، فلا يعجل بها. (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين [ 236 ]). القراءة: قرأ حمزة والكسائي: (تماسوهن) بضم التاء، وبألف في موضعين هاهنا وفي الأحزاب. وقرأ الباقون: (تمسوهن). وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر، وابن ذكوان: (قدره) بفتح الدال في الموضعين. والباقون بإسكانها. الحجة: حجة من قرأ تمسوهن قوله: (ولم يمسسني بشر)، (ولم يطمثهن)، (وانكحوهن). والنكاح: عبارة عن الوطء. قال جرير: * التاركون على طهر نساءهم، * والناكحون بشطي دجلة البقرا * وحجة من قرأ (ولا تماسوهن) أن فاعل وفعل قد يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر وذلك نحو: طارقت النعل، وعاقبت اللص. وقال أبو الحسن: يقال هو القدر والقدر، وهم يختصمون في القدر والقدر. قال الشاعر: (ألا يا لقوم للنوائب والقدر) وخذ منه بقدر كذا، وقدر كذا، لغتان. وفي كتاب الله: (فسالت أودية بقدرها) وقدرها وعلى الموسع قدره وقدره (وما قدروا الله حق قدره)، ولو حركت كان جائزا. وكذلك (إنا كل شئ خلقناه بقدر) ولو خففت كان جائزا، إلا أن رؤوس الآي كلها متحركة، فيلزم الفتح لأن ما قبلها مفتوح. اللغة: الموسع: الذي يكون في سعة لغناه. والمقتر: الذي يكون في ضيق

[ 122 ]

لفقره. يقال: أوسع الرجل: إذا كثر ماله واتسعت حاله. وأقتر: إذا افتقر. وقترت الشئ أقتره قترا، وقترته تقتيرا: إذا ضيقت الإنفاق منه. والقتار: دخان الشحم على النار لقلته بالإضافة إلى بقيته. والقتر: الغبار. والقتير: مسامير الدرع لقلتها وصغرها. والقتير: ابتداء الشيب لقلته، ويجوز أن يكون مشبها بالدخان أول ما يرتفع. والقترة: ناموس الصائد لأنها كالقتار، وأصل الباب: الإقلال. وقدرت الشئ أقدره وأقدره قدرا، وقدرت على الشئ أقدر عليه قدرة وقدورا. الاعراب: (ما لم تمسوهن): موصول وصلة في موضع نصب تقديره: مدة ترك المس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والعامل في الظرف طلق، وجواب الشرط محذوف تقديره إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم. (متاعا) نصب على أحد وجهين: إما أن يكون حالا من قدره، والعامل فيه الظرف أي: ممتعا متاعا. وإما على المصدر أي: متعوهن متاعا. و (حقا): ينتصب أيضا على أحد وجهين: إما أن يكون حالا من قوله (بالمعروف)، والعامل فيه معنى عرف حقا. وإما أن يكون على التأكيد بجملة الخبر، فكأنه قال: أخبركم به حقا، أو أحقه حقا، أو حق ذلك عليهم حقا، كأنه قال: إيجإبا على المحسنين. المعنى: ثم بين سبحانه حكم الطلاق قبل الفرض والمسيس، فقال: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) هذا إباحة للطلاق قبل المسيس، وفرض المهر. فرفع الإثم عن الطلاق قبل الدخول، لئلا يتوهم أحد أن الطلاق في هذه الحالة محظور. والمس: كناية عن الوطء. والمفروض صداقها داخلة في دلالة الآية، وإن لم يذكر لأن التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن (أو) لم (تفرضوا لهن فريضة) لأن (أو) تنبئ عن ذلك، إذ لو كان على الجمع، لكان بالواو. والمراد بالفريضة: الصداق بلا خلاف، لأنه يجب بالعقد على المرأة، فهو فرض لوجوبه بالعقد، ومعناه: أو لم تقدروا لهن مهرا مقدرا. وإنما خص التي لم يدخل بها الذكر في رفع الجناح دون المدخول بها، وإن كان حكمهما واحدا لأمرين أحدهما: لإزالة الشك على ما قدمنا ذكره والثاني: لأن له أن يطلق التي لم يدخل بها أي وقت شاء بخلاف المدخول بها، فإنه لا يجوز أن يطلقها إلا في طهر لم يجامعها فيه. (ومتعوهن) أي: أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به. والمتعة والمتاع: ما

[ 123 ]

يتمتع به (على الموسع قدره) أي: على الغني الذي هو في سعة لغناه على قدر حاله (وعلى المقتر قدره) أي: على الفقير الذي هو في ضيق بقدر إمكانه وطاقته. والمتعة: خادم أو كسوة أو رزق، عن ابن عباس والشعبي والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب الشافعي. وقيل: هو مثل نصب صداق تلك المرأة المنكوحة، عن أبي حنيفة وأصحابه. ثم اختلف في ذلك فقيل: إنما تجب المتعة للتي لم يسم لها صداق خاصة، عن سعيد بن المسيب، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة والمبارئة والملاعنة، عن الزهري، وسعيد بن جبير، وأبي العالية. وقيل: المتعة لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، فإنما لها نصف الصداق، ولا متعة لها عن ابن عمر ونافع وعطاء، وهو مذهب الشافعي، وقد رواه أصحابنا أيضا، وذلك محمول على الإستحباب. وقوله: (متاعا) أي: ومتعوهن متاعا (بالمعروف) أي: وسطا ليس فيه إسراف ولا تقتير. وقيل: متاعا معتبرا بحال الرجل في اليسار والإقتار. وقيل: معتبرا بحالهما جميعا إذ لا يسوي بين حرة شريفة، وبين أمة معتقة، ليكون ذلك خارجا عن التعارف، عن القاضي. وقال أهل المدينة: يؤمر الزوج به من غير أن يجبر عليه. وعندنا: يجبر عليه، وبه قال أهل العراق. (حقا على المحسنين) أي: واجبا على الذين يحسنون الطاعة، ويجتنبون المعصية. وإنما خص المحسنين بذلك تشريفا لهم، لا أنه لا يجب على غيرهم. ودل ذلك على وجوب الإحسان على جميعهم، فإن على كل إنسان أن يكون محسنا، فهو كقوله: (هدى للمتقين). وقيل: معناه من أراد أن يحسن فهذا حقه وحكمه وطريقه، عن أبي مسلم هذا كله في المطلقة. فأما المتوفى عنها زوجها: إذا لم يفرض لها صداق، فلها الميراث، وعليها العدة إجماعا. وقال أكثر الفقهاء: لها صداق مثلها. وحكى أبو علي الجبائي عن بعض الفقهاء أنه قال: لا مهر لها، وهو الذي يليق بمذهبنا، لأنه لا نص لأصحابنا في ذلك. (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلآ أن يعغون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح وأن تعفوا

[ 124 ]

أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير [ 237 ]). القراءة: روي في الشواذ عن الحسن (أو يعفو الذي بيده) بسكون الواو. وعن علي " عليه السلام ": (ولا تناسوا الفضل). الحجة: قال ابن جني: سكون الواو من المضارع في موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر، وأصل السكون في هذا إنما هو للألف نحو: أن يسعى. ثم شبهت الياء بالإلف لقربها منها نحو قوله: * كأن أيديهن بالموماة * أيدي جوار بتن ناعمات (1) * وقوله: (كأن أيديهن بالقاع القرق) (2) ثم شبهت الواو في ذلك بالياء. قال الأخطل: * إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها * رفعن، وأنزلن القطين المولدا (3) * وقال: " أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ". وأما قوله تعالى: (ولا تناسوا): فإنما هو نهي عن فعلهم الذي اختاروه، وتظاهروا به، كما يقال: تغافل وتصام. وتحسن هذه القراءة إنك إنما تنهى الإنسان عن فعله. والنسيان ظاهره أن يكون من فعل غيره، كأنه أنسي فنسي. قال الله سبحانه: (وما أنسانيه إلا الشيطان). الاعراب: (فنصف ما فرضتم): رفع تقديره عليكم نصف ما فرضتم. وقوله (يعفون): في موضع نصب بأن، إلا أن فعل المضارع إذا اتصل به نون ضمير جماعة المؤنث بني فيستوي في الرفع والنصب والجزم. و (أن يعفون): موصول وصلة في محل النصب على الإستثناء. (أو يعفو): تقديره أو أن يعفو، وهو في محل النصب بالعطف على الموصول والصلة قبلها. (وأن تعفوا) في موضع الرفع بالإبتداء. و (أقرب): خبره. وتقديره والعفو أقرب للتقوى. واللام يتعلق بأقرب، وهو بمعنى من أو إلى. والألف واللام في النكاح بدل من الإضافة إذ المعنى أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه، ومثله قوله: (فإن الجنة هي المأوى) ومعناه هي مأواه.


(1) قوله أيديهن أي: النوق. والمومات: المفازة الواسعة، أو الفلاة التي لا ماء فيها. (2) وبعده: " أيدي جوار يتعاطين الورق " يصف إبلا بالسرعة. والقرق: المكان المستوي. (3) القطين: الخدم والأتباع. (*)

[ 125 ]

المعنى: ثم بين سبحانه حكم الطلاق، قبل المسيس بعد الفرض، فقال: (وإن طلقتموهن) يعني: إن طلقتم أيها الرجال النساء (من قبل أن تمسوهن) أي: تجامعوهن (وقد فرضتم لهن فريضة) أي: أوجبتم لهن صداقا، وقدرتم مهرا (فنصف ما فرضتم) أي: فعليكم نصف ما قدرتم، وهو المهر المسمى (إلا أن يعفون) يعني الحرائر البالغات غير المولى عليهن، لفساد عقولهن أي: يتركن ما يجب لهن من نصف الصداق، فلا يطالبن الأزواج بذلك، عن ابن عباس ومجاهد وسائر أهل العلم. (أو يعفو) أي: يترك ويهب (الذي بيده عقدة النكاح). قيل: هو الولي، عن مجاهد وعلقمة والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب الشافعي، غير أن عندنا الولي هو الأب، أو الجد مع وجود الأب الأدنى على البكر غير البالغ. فأما من عداهما فلا ولاية له إلا بتوليتها إياه. وقيل: هو الزوج ورووه عن علي، وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم وقتادة والضحاك، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواه أيضا أصحابنا غير أن الأول أظهر، وهو المذهب. ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع النصف. ومن جعله للولي من أصحابنا قال: له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه. فإن امتنعت المرأة عن ذلك، لم يكن لها ذلك إذا اقتضته المصلحة، عن أبي عبد الله (وأن تعفوا أقرب للتقوى) خطاب للزوج والمرأه جميعا، عن ابن عباس، وللزوج وحده، عن الشعبي قال: وإنما جمع لأنه خطاب لكل زوج. وقول ابن عباس أقوى لعمومه، وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين أحدهما إن معناه أقرب إلى أن يتقي أحدهما ظلم صاحبه، لأن من ترك لغيره حق نفسه، كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له والثاني: إن معناه أقرب إلى أن يتقي معصية الله، لأن من ترك حق نفسه، كان أقرب إلى أن لا يعصي الله بطلب ما ليس له (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: لا تتركوا الأخذ بالفضل والإحسان بينكم والإفضال، فتأخذوا بمر الحكم، واستيفاء الحقوق على الكمال. بين الله سبحانه في هذه الآية الحكم الذي لا يعذر أحد في تركه، وهو أنه ليس للزوج أن ينقصها من نصف المهر، ولا للمرأة أن تطالبه بالزيادة، ثم بين طريق الفضل من الجانبين، وندب إليه، وحث عليه (إن الله بما تعملون) أي: بأعمالكم

[ 126 ]

(بصير) أي: عليم. وروي عن سعيد بن المسيب أن هذه الآية ناسخة لحكم المتعة في الآية الأولى، وقال أبو القاسم البلخي: وهذا ليس بصحيح، لأن الآية تضمنت حكم من لم يدخل بها، ولم يسم لها مهرا إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها المهر، ولم يدخل بها إذا طلقها، وأحد الحكمين غير الآخر. وأقول: إذا بينا في الآية الأولى أنها تتناول المطلقات غير المدخول بهن سواء فرض لهن المهر، أو لم يفرض، وقلنا: إن متعوهن لا يحمل على العموم، إذ لا متعة لمن فرض لها المهر، وإن لم يدخل بها، فلا بد من تخصيص فيه وتقدير وحذف أي: ومتعوا من طلقتم منهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وإنما جاز هذا الحذف لدلالة ذكر من فرض لها المهر، وحكمها في الآية الأخرى عليه. وهذا ما سنح لي هاهنا، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض لذكره، وبالله التوفيق. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين [ 238 ]). اللغة: الحفظ: ضبط الشئ في النفس، ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب. والحفظ: خلاف النسيان. وأحفظه: أغضبه، لأنه حفظ عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة: الحمية. والحفاظ: المحافظة. والوسطى: تأنيث الأوسط وهو الشئ بين الشيئين على جهة الإعتدال. وأصل القنوت: الدوام على أمر واحد. وقيل: أصله الطاعة. وقيل: أصله الدعاء في حال القيام. قال علي بن عيسى: والأول أحسن لحسن تصرفه في الباب، لأن المداوم على الطاعة قانت، وكذلك المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع، وكذلك المداوم على الدعاء، ويقال: فلان يقنت عليه أي: يدعو عليه دائما. النزول: عن زيد بن ثابت: " إن النبي كان يصلي بالهاجرة (1)، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، فقال: لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم "، فنزلت هذه الآية. المعنى: لما حث الله سبحانه على الطاعة، خص الصلاة بالمحافظة عليها، لأنها أعظم الطاعات، فقال: (حافظوا على الصلوات) أي: داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها، ثم خص الوسطى تفخيما لشأنها، فقال:


(1) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. (*)

[ 127 ]

(والصلاة الوسطى) كقوله سبحانه: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) أي: والصلاة الوسطى خاصة، فداوموا عليها. ثم اختلف في الصلاة الوسطى على أقوال احدها: إنها صلاة الظهر، عن زيد بن ثابت وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأسامة وعائشة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وذكر بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام، ورواه عن علي، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، وهو أنها وسط النهار، وأول صلاة فرضت. وروي عن علي قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (إن لله في السماء الدنيا حلقة تزول فيها الشمس، فإذا زالت الشمس سبح كل شئ لربنا، فأمر الله سبحانه بالصلاة في تلك الساعة، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتى يصلى الظهر ويستجاب فيها الدعاء ". وثانيها: إنها صلاة العصر، عن ابن عباس والحسن، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وقتادة والضحاك، وروي ذلك عن أبي حنيفة، وروي مرفوعا إلى النبي قالوا: لأنها بين صلاتي النهار، وصلاتي الليل. وإنما خصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس في غالب الأمر. وروي عن النبي أنه قال: " الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله ". وروى بريدة قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله ". وثالثها: إنها المغرب، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات. وروى الثعلبي بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله: " إن أفضل الصلوات عند الله، صلاة المغرب، لم يحطها الله عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل، وختم بها صلاة النهار، فمن صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، بنى الله له قصرا في الجنة. ومن صلى بعدها أربع ركعات، غفر الله له ذنب عشرين، أو أربعين سنة ". ورابعها: إنها صلاة العشاء الآخرة، عن بعضهم قال: لأنها بين صلاتين لا تقصران. وروي عن النبي أنه قال: من صلى العشاء الآخرة في جماعة، كان كقيام نصف ليلة. ومن صلى صلاة الفجر في جماعة، كان كقيام ليلة وخامسها: إنها صلاة الفجر، عن معاذ وابن عباس وجابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة ومجاهد، وهو قول الشافعي قالوا: لأنها يين صلاتي الليل، وصلاتي النهار، وبين الظلام والضياء،

[ 128 ]

ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها، فهي منفردة بين مجتمعين. ويدل عليه من التنزيل قوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهو مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار، قالوا: ويدل عليه آخر الآية وهو قوله: (وقوموا لله قانتين) يعني: وقوموا فيها لله قانتين. قال أبو رجاء العطاردي: صلى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة، فقنت فيها قبل الركوع، ورفع يديه، فلما فرغ قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. أورده الثعلبي في تفسيره. وروي بإسناده مرفوعا إلى أنس بن مالك قال: ما زال رسول الله يقنت في صلاة الغداة، حتى فارق الدنيا. وسادسها: إنها إحدى الصلوات الخمس، لم يعينها الله وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة، ليحافظوا على جميعها، كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، واسمه الأعظم في جميع الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، عن الربيع بن خيثم، وأبي بكر الوراق. (وقوموا لله قانتين) قال ابن عباس: معناه داعين، والقنوت هو الدعاء في الصلاة في حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. وقيل: معناه طائعين، عن الحسن وسعيد بن المسيب وقتادة والضحاك وطاووس، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. وقيل: معناه خاشعين، عن مجاهد قال: نهوا عن العبث والإلتفات في الصلاة. وقيل: ساكنين، عن ابن مسعود وزيد بن أرقم. والأصل فيه الإتيان بالدعاء، أو غيره من العبادات، في حال القيام. ويجوز أن يطلق في سائر الطاعات، فإنه وإن لم يكن فيه القيام الحقيقي، فان فيه القيام بالعبادة. (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون [ 239 ]). اللغة: الرجال: جمع راجل، مثل تجار، وصحاب، وقيام في جمع تاجر، وصاحب، وقائم. والراجل: هو الكائن على رجله، واقفا كان أو ماشيا. والركبان: جمع راكب، كالفرسان جمع فارس، وكل شئ علا شيئا فقد ركبه، والركاب: المطي. وركبت الرجل أركبه ركبا أي: ضربته بركبتي، وأصبت ركبته أيضا. وهذا قياس في جميع الأعضاء نحو: رأسته، وبطنته، وظهرته.

[ 129 ]

الاعراب: (رجالا): منصوب على الحال تقديره: فصلوا رجالا، (كما علمكم): الكاف يتعلق باذكروا. وما: مصدرية في (ما علمكم). وقوله: (ما لم تكونوا تعلمون) موصول وصلة في موضع المفعول الثاني لعلم. المعنى: لما قدم سبحانه وجوب المحافطة على الصلاة، عقبه بذكر الرخصة عند المخافة فقال: (فإن خفتم) أي: إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين، موفين الصلاة حقها لخوف عرض لكم (فرجالا) أي: فصتوا رجالا على أرجلكم. وقيل: مشاة (أو ركبانا) أي: على ظهور دوابكم. عنى بها صلاة الخوف، وصلاة الخوف من العدو: ركعتان في السفر والحضر، إلا المغرب، فإنها ثلاث ركعات. ويروى أن عليا صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء. وقيل: بالتكبير، وإن النبي صلى يوم الأحزاب إيماء. (فإذا أمنتم) من الخوف (فاذكروا الله) أي: فصلوا صلاة الأمن. وقيل: اذكروا الله بالثناء عليه، والحمد له (كما علمكم) من أمور دينكم، وغير ذلك من أموركم (1) (ما لم تكونوا تعلمون). (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم [ 240 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (وصية) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ (وصية) بالرفع أن يرتفع من وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ والظرف خبره، وحسن الإبتداء بالنكرة لأنه موضع تخصيص، كما حسن أن يرتفع سلام عليكم وخير بين يديك ونحو قوله لملتمس المعروف أهل ومرحب لأنها في موضع دعاء، فجاز فيها الإبتداء بالنكرة لما كان معناها كمعنى المنصوب والآخر: أن تضمر له خبرا فيكون لأزواجهم صفة، وتقدير الخبر المضمر فعليهم وصية لأزواجهم. ومن نصب (وصية) حمله على الفعل أي: ليوصوا وصية، ويكون قوله


(1) وفي المخطوطتين " من أمور دنياكم " بدل " من أموركم ".

[ 130 ]

(لأزواجهم) وصفا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم أن الظرف إذا تأخر عن النكرة، كان استعماله صفة أكثر، وإذا كان خبرا تقدم على النكرة إذا لم يكن في معنى المنصوب، كقوله تعالى (ولهم أعمال من دون ذلك ولدينا مزيد). فإذا تأخرت، فالأكثر فيها أن تكون صفات، وقال بعضهم: لا يجوز غير الرفع، لأنه لا يمكن الوصية بعد الوفاة، ولأن فرض النفقة كان لهن، أوصى أو لم يوص. قال علي بن عيسى: وهذا غلط لأن المعنى: والذين تحضرهم الوفاة منكم فلذلك قال (يتوفون) على لفظ الحاضر الذي يتطاول نحو قوله (الذين يصلون فليعرضوا عن الفكر فيما يشغلهم). فأما قولهم: إن الفرض كان لهن، وإن لم يوصوا، فغير صحيح لأن الزوج إذا فرط في الوصية، فلا ينكر أن يوجبه الله على الورثة. وقال قتادة والسدي: كان يجب على الزوج الوصية لها، كما أوجب الوصية للوالدين والأقربين. وقوله (متاعا): نصب على وجهين أحدهما أنه على تقدير متعوهن متاعا والثاني: جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبله دل عليه. وقوله: (غير إخراج) منصوب على وجهين أحدهما: أن يكون صفة لمتاع والثاني: أن يكون مصدرا وضع موضع الحال. قال الفراء: وهو كقولك: جئتك غير رغبة إليك، فكأنه قال: متعوهن متاعا في مساكنهن. وأقول: إن تقديره غير مخرجات إخراجا، فيكون ذو الحال هن من متعوهن، ويجوز أن يكون تقديره غير مخرجين، فيكون ذو الحال الواو من متعوهن. المعنى: (والذين يتوفون منكم) أي: الذين يقاربون منكم الوفاة، لأن المتوفي لا يؤمر ولا ينهى. (ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم) أي: فليوصوا وصية لهن. ومن رفع فمعناه: وصية من الله لأزواجهم، أو عليهم وصية لهن. (متاعا إلى الحول) يعني: ما ينتفعن به حولا من النفقة والكسوة والسكنى. وقيل: وهو مثل المتعة في المطلقات، وكان واجبا في المتوفى عنها زوجها بالوصية من مال الزوج (غير إخراج) أي: لا يخرجن من بيوت الأزواج (فإن خرجن) بأنفسهن قبل الحول، من غير أن يخرجهن الورثة. وقيل: إن إلمراد إذا خرجن بعد مضي الحول، وقد مضت العدة فإن بمعنى إذا، عن القاضي وغيره. (فلا جناح عليكم) يا معشر أولياء الميت (فيما فعلن في أنفسهن من معروف) اختلفوا في رفع الجناح قيل: لا جناح في قطع النفقة والسكنى عنهن، عن

[ 131 ]

الحسن والسدي قالا: وهذا دليل على سقوط النفقة بالخروج، وأن ذلك كان واجبا لهن بالإقامة إلى الحول، فإن خرجن قبله بطل الحق الذي وجب لهن بالإقامة. وقيل: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها سنة في البيت غير واجب، ولكن قد خيرها الله في ذلك، عن الجبائي. وقيل: لا جناح عليكم ان تزوجن بعد انقضاء العدة، وهذا أوجه وتقديره: إذا خرجن من العدة بانقضاء السنة، فلا جناخ ان تزوجن. وقوله (من معروف): يعني طلب النكاح والتزين (والله عزيز) قادر لا شئ يعجزه (حكيم) لا يصدر منه إلا ما تقتضيه الحكمة. واتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة. وقال أبو عبد الله: ثم كان الرجل إذا مات أنفق على امرأته من صلب المال حولا، ثم أخرجت بلا ميراث،. ثم نسختها آية الربع والثمن. فالمرأة ينفق عليها من نصيبها. وعنه قال: نسختها (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ونسختها آية المواريث. (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين [ 241 ] كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تعقلون [ 242 ]). الاعراب: الوجه في انتصاب قوله (حقا) مثل ما بيناه فيما قبل في قوله (حقا على المحسنين) كذلك الكاف يتعلق بيبين أي: مثل هذا البيان يبين لكم. النزول: قيل: لما نزلت (ومتعوهن على الموسع قدره) إلى قوله (حقا على المحسنين) قال بعضهم: إن أحببت فعلت، وإن لم ارد ذلك لم أفعل. فأنزل الله هذه الآية، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. المعنى: لما قدم سبحانه بيان أحوال المعتدات، عقبه ببيان ما يجب لهن من المتعة فقال: (وللمطلقات متاع) اختلف فيه، فقال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: إن المراد بهذا المتاع المتعة، وأن المتعة واجبة لكل مطلقة. وقال أبو علي الجبائي: المراد به النفقة، وهو المتاع المذكور في قوله (متاعا إلى الحول). وقال سعيد بن المسيب: الآية منسوخة بقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم). وعندنا إنها مخصومة بتلك الآية ان نزلتا معا، وإن كانت تلك متأخرة فمنسوخة، لأن عندنا لا تجب المتعة إلا للمطلقة التي لم يدخل بها، ولم يفرض لها مهر. فأما المدخول

[ 132 ]

بها، فلها مهر مثلها، إن لم يسم لها مهر، وإن سمي لها مهر فما سمي لها، وغير المدخول بها المفروض مهرها، لها نصف المهر، ولا متعة في هذه الأحوال، وبه قال الحسن. فلا بد من تخصيص هذه الآية. وذكرنا الكلام في المتعة عند قوله (ومتعوهن). وقوله: (بالمعروف حقا على المتقين) مضى تفسيره. وخص المتقين هنا كما خص المحسنين هناك (كذلك يبين الله لكم آياته) أي: كما بين الله لكم الأحكام والآداب التي مضت مما تحتاجون إلى معرفتها في دينكم، يبين لكم هذه الأحكام. فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الماضي. والبيان هو الأدلة التي يفرق بها الحق والباطل. (لعلكم تعقلون) معناه: لكي تعقلوا آيات الله. وقيل: لعلكم تكمل عقولكم، فإن العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب. والمراد به استعمال العقل مع العلم به، ومن لم يستعمل العقل فكأنه لا عقل له. وهذا كقوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) جعلهم جهالا لأنهم آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق. (* ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [ 243 ]). اللغة: الرؤية هنا بمعنى العلم. ومعنى ألم تر: ألم تعلم. وهذه الألف ألف التوقيف. وتر متروكة الهمزة. وأصله ألم ترأ من رأى يرأى مثل نأى ينأى، إلا أنهم على إسقاط الهمز هنا للتخفيف. الاعراب: (حذر الموت): نصب لأنه مفعول له، وجاز أن يكون نصبه على المصدر، لأن خروجهم يدل على حذروا الموت حذرا. المعنى: لما ذكر قوله (يبين آياته للناس) عقبه بذكر آية من آياته، فقال: (ألم تر) أي: ألم تعلم يا محمد، أو أيها السامع، أو لم ينته علمك (إلى) خبر هؤلاء (الذين خرجوا من ديارهم) قيل: هم من قوم بني إسرائيل، فروا من طاعون وقع بأرضهم، عن الحسن. وقيل: فروا من الجهاد، وقد كتب عليهم، عن

[ 133 ]

الضحاك ومقاتل. واحتجا بقوله عقيب الآية: (وقاتلوا في سبيل الله). وقيل: هم قوم حزقيل، وهو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى، وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى، كان يوشع بن نون، ثم كالب بن يوقنا، ثم حزقيل. وقد كان يقال له ابن العجوز، وذلك ان أمه كانت عجوزا، فسألت الله الولد، وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها. وقال الحسن: هو ذو الكفل، وإنما سمي حزقيل ذا الكفل، لأنه كفل سبعين نبيا، نجاهم من القتل، وقال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا. فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال: إنهم ذهبوا ولا أدري أين هم، ومنع الله ذا الكفل منهم. (وهم ألوف): أجمع أهل التفسير على أن المراد بألوف هنا كثرة العدد، إلا ابن زيد فإنه قال معناه: خرجوا مؤتلفي القلوب لم يخرجوا عن تباغض، فجعله جمع آلف مثل: قاعد وقعود، وشاهد وشهود. واختلف من قال المراد به العدد الكثير، فقيل: كانوا ثلاثة آلاف، عن عطاء الخراساني. وقيل: ثمانية آلاف، عن مقاتل والكلبي. وقيل: عشرة آلاف، عن ابن روق. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا، عن السدي. وقيل: أربعين ألفا، عن ابن عباس وابن جريج. وقيل: سبعين ألفا، عن عطا بن أبي رباح. وقيل: كانوا عددا كثيرا، عن الضحاك. والذي يقضي به الظاهر أنهم كانوا أكثر من عشرة آلاف، لأن بناء فعول للكثرة، وهو ما زاد على العشرة، وما نقص عنها يقال فيه عشرة آلاف، ولا يقال عشرة ألوف (حذر الموت) أي: من خوف الموت (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قيل في معناه قولان أحدهما: إن معناه أماتهم الله كما يقال قالت السماء فهطلت معناه: فهطلت السماء، وقلت برأسي كذا، وقلت بيدي كذا ومعناه: أشرت برأسي وبيدي، وذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل، كالقول الذي هو تسمية وما جرى مجراه مما كان يستفتح به الفعل صار معنى قالت السماء فهطلت أي: استفتحت بالهطلان كذلك معناه ها هنا فاستفتح الله بإماتتهم والثاني: إن معناه أماتهم بقول سمعته الملائكة لضرب من العبرة، ثم أحياهم الله بدعاء نبيهم حزقيل، عن ابن عباس. وقيل: إنه شمعون من أنبياء بني إسرائيل. (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) لما ذكر النعمة عليهم بما أراهم من الآية العظيمة في أنفسهم، ليلتزموا سبيل الهدى، ويجتنبوا طريق

[ 134 ]

الردى، ذكر بعده ما له عليهم من الانعام والإحسان، مع ما هم عليه من الكفران. وهذه الآية حجة على من أنكر عذاب القبر والرجعة معا، لأن إحياء أولئك مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم اللة للإعتبار. القصة: قيل إن إسم القرية التي خرجوا منها هربا من وبائها داوردان قبل واسط. قال الكلبي، والضحاك ومقاتل: إن ملكا من ملوك بني إسرائيل، أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فخرجوا فعسكروا. ثم جبنوا وكرهوا الموت، فاعتلوا وقالوا: إن الأرض التي نأتيها بها الوباء، فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء ! فأرسل الله عليهم الموت، فلما رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت. فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب، وإله موسى، قد ترى معصية عبادك، فأرهم آية من أنفسهم، حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك ! فأماتهم الله جميعا، وأمات دوابهم، وأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخت وأروحت أجسادهم. فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها. قالوا: وأتى على ذلك مدة حتى بليت أجسادهم، وعريت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، فمر عليهم حزقيل، وجعل يتفكر فيهم متعجبا منهم. فأوحى (1) إليه: يا حزقيل ! تريد أن أريك آية، وأريك كيف أحيي الموتى ؟ قال: نعم. فأحياهم الله. وقيل: إنهم كانوا قوم حزقيل، فأحياهم الله بعد ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك، خرج حزقيل في طلبهم، فوجدهم موتى، فبكى ثم قال: يا رب ! كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك، فبقيت وحيدا لا قوم لي ؟ فأوحى الله إليه: قد جعلت حياتهم إليك. فقال حزقيل: احيوا بإذن الله. فعاشوا. وسأل حمران بن أعين أبا جعفر الباقر " عليه السلام " عن هؤلاء القوم الذين قال لهم الله موتوا ثم أحياهم فقال: أحياهم حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم، أم ردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام ؟ قال: لا بل ردهم الله حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ومكثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم. (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم [ 244 ]).


(1) [ الله ]. (*)

[ 135 ]

المعنى: اختلف في المخاطب بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله) فقيل: توجه الخطاب إلى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فر من الموت، فلم ينفعه الفرار، يحرضهم على الجهاد، لئلا يسلكوا في الفرار من الجهاد سبيل أولئك الذين فروا من الديار. وقيل: إنه خطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير: وقيل لهم قاتلوا في سبيل الله. (واعلموا أن الله سميع عليم) أي: سميع لما يقول المنافق، عليم بما يجنه، فاحذروا حاله. (من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون [ 245 ]). القراءة: فيضاعفه فيه أربع قراآت: قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: (فيضاعفه) بالألف والرفع. وقرأ عاصم بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر: (فيضعفه) بالتشديد والرفع. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب. وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة يبسط، وبسطه (1) وفي الأعراف أيضا بالسين. وروي عنهم أيضا بالصاد. ويعقوب وهشام بالسين والباقون مختلف عنهم. الحجة: قال أبو علي: للرفع في قوله (فيضاعفه) وجهان أحدهما: أن يعطفه على ما في الصلة والآخر: أن يستأنفه. فأما النصب في (فيضاعفه) فالرفع أحسن منه ألا ترى أن الإستفهام إنما هو عن فاعل الإقراض، لا عن الإقراض. وإذا كان كذلك لم يكن مثل قولك أتقرضني فأشكرك، لأن الإستفهام ههنا عن الإقراض. ووجه قول ابن عامر وعاصم في النصب من فاء (فيضاعفه) أنه حمل الكلام على المعنى، وذلك أنه لما كان المعنى أيكون قرض حمل قوله (فيضاعفه) على ذلك، كما أن من قرأ (من يضلل الله فلا هادي) ويذرهم جزم قوله (ويذرهم) لما كان معنى قوله (فلا هادي له) لا يهده، ونحو ذلك مما يحمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ كثير. فأما القول في يضاعف ويضعف فكل واحد منهما في معنى الآخر. وقوله (أضعافا) منصوب على الحال، وتقديره فيكثره، فإذا هي أضعاف. فيكون حالا بعد الفراغ من الفعل. ووجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع التي ذكرت أن الطاء حرف مستعل يتصعد من مخرجها إلى الحنك، ولم يتصعد


(1) [ هنا ]. (*)

[ 136 ]

السين تصعدها. فكره التصعد عن التسفل، فأبدل من السين حرفا في مخرجها في تصعد الطاء فتلاءم الحرفان، وصار كل واحد منهما وفق صاحبه في التصعد، فزال في الإبدال ما كان يكره من التصد عن التسفل. ولو كان اجتماع الحرفين على عكس ما ذكرناه، وهو أن يكون التصعد قبل التسفل، لم يكره ذلك، ولم يبدلوا. ألا ترى أنهم قالوا: طسم الطريق، وقسوت، وقست، فلم يكرهوا التسفل عن تصعد، كما كرهوا بسط حتى قالوا بصط، فأبدلوا. فأما من لم يبدل السين في بسط، وترك السين، فلأنه الأصل، ولأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير، فاحتمل الخلاف لقلته. اللغة: القرض هو قطع جزء من المال بالإعطاء، على أن يرد بعينه، أو يرد مثله بدلا منه. وأصل القرض: القطع بالناب يقال: قرض الشئ يقرض: إذا قطعه بنابه. وأقرض فلان فلانا: إذا أعطاه ما يتجازاه منه. والإسم منه القرض. والتضعيف والمضاعفة والإضعاف بمعنى وهو الزيادة على أصل الشئ، حتى يصير مثلين أو أكثر. تقول: ضعفت القوم أضعفهم ضعفا: إذا كثرتهم فصرت مع أصحابك على الضعف منهم. وضعف الشئ: مثله في المقدار، إذا زيد عليه، فكل واحد منهما ضعف. وضعف الشئ ضعفا وضعفا، والضعف: خلاف القوة، والقبض: خلاف البسط، يقال: قبضه يقبضه قبضا. والقبض: ضم الكف على الشئ. والتقبض: التشنج. وتقبض عنه: إذا اشمأز عنه، لأنه ضم نفسه عن الإنبساط إليه. وقبض الإنسان: إذا مات. والملك: قابض الأرواح. وبسط يبسط بسطا. والبساط والبساط بفتح الباء: الأرض الواسعة. وكتب يبسط بالسين، وبصطة بالصاد، لأن القلب على الساكن أقوى منه على المتحرك. المعنى: لما حث سبحانه على الجهاد، وذلك يكون بالنفس والمال، وعقبه بالتلطف في الإستدعاء إلى أعمال البر، والإنفاق في سبيل الخير، فقال: (من ذا الذي يقرض الله) أي: ينفق في سبيل الله وطاعته. والمراد به الأمر، وليس هذا بقرض حاجة على ما ظنه اليهود، فقال: إنما يستقرض منا ربنا عن عوز، فإنما هو فقير (1) ونحن أغنياء، بل سمى تعالى الإنفاق قرضا تلطفا للدعاء إلى فعله، وتأكيدا للجزاء عليه، فإن القرض يوجب الجزاء (قرضا حسنا) والقرض الحسن أن ينفق من


(1) [ ونحن أغياء، فأنزل سبحانه: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير) ].

[ 137 ]

حلال، ولا يفسده بمن ولا أذى. وقيل: هو أن يكون محتسبا طيبا به نفسه، عن الواقدي. وقيل: هو أن يكون حسن الموقع عند الإنفاق، فلا يكون خسيسا والأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلها، فلا تنافي بينها، (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) أي: فيزيده له أي: يعطيه ما لا يعلمه إلا الله، وهو مثل قوله تعالى (ويؤت من لدنه أجرا عظيما) عن الحسن والسدي. وروي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال: لما نزلت هذه الآية (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال رسول الله: رب زدني. فأنزل الله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) فقال رسول الله: رب زدني. فأنزل الله سبحانه: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة). والكثير عند الله لا يحصى. (والله يقبض ويبسط) معناه. والله يقبض الرزق عن أقوام بأن يقتره عليهم، ويبسط الرزق على أقوام بأن يوسعه عليهم، عن الحسن وابن زيد. وقيل: معناه يقبض الصدقات، ويبسط الجزاء عليها، عاجلا أو آجلا، أو كلاهما، عن الأصم والزجاج. وقيل: يقبض الرزق بموت واحد، ويبسط لوارثه (وإليه ترجعون) وهذا تأكيد للجزاء. قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة " فقال أبو الدحداح الأنصاري، واسمه عمرو بن الدحداح: يا رسول الله ! إن لي حديقتين إن تصدقت بإحداهما، فإن لي مثليها في الجنة ؟ قال: نعم. قال: وأم الدحداح معي ؟ قال: نعم. قال: والصبية معي ؟ قال: نعم. فتصدق بأفضل حديقتيه، فدفعها إلى رسول الله. فنزلت الآية، فضاعف الله له صدقته ألفي ألف، وذلك قوله: (أضعافا كثيرة). قال: فرجع أبو الدحداح، فوجد أم الدحداح والصبية في الحديقة التي جعلها صدقة، فقام على باب الحديقة، وتحرج أن يدخلها فنادى: يا أم الدحداح ! قالت: لبيك يا أبا الدحداح. قال: إني قد جعلت حديقتي هذه صدقة، واشتريت مثليها في الجنة، وأم الدحداح معي، والصبية معي. قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت ! فخرجوا منها، وأسلموا الحديقة إلى النبي. فقال النبي: " كم نخلة متدل عذوقها لأبي الدحداح في الجنة ! ". (ألم تر إلى الملإ من بنى إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم

[ 138 ]

القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وابنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين [ 246 ]). القراءة: قرأ نافع وحده: (عسيتم) بكسر السين. والباقون بفتحها. الحجة: المشهور في (عسيت) فتح السين. ووجه قراءة نافع أنهم قالوا: هو عس بذلك، وما عساه، واعس به. حكاه ابن الأعرابي. وهذا يقوي قراءة نافع، لأن عس مثل حر وشج. وقد جاء فعل وفعل، مثل نقم ونقم، وورت بك زنادي، ووريت، فكذلك عست وعسيت. فإن أسند الفعل إلى ظاهر، فقياس عسيتم أن تقول عسي زيد مثل رضي، فإن قاله فهو قياس قوله، وإن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين معا، ويستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع آخر، كما فعل ذلك غيره. اللغة: الملأ: الجماعة الأشراف من الناس. وروي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر: إن قتلنا الأعاجيز (1) صلعا. فقال النبي: " أولئك الملأ من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولاحتقرت فعالك عند فعالهم ". وملأت الإناء: أترعته، لأنه يجتمع فيه ما لا يكون مزيد عليه. ومالأت الرجل: عاونته. وتمالأوا على ذلك: إذا تعاونوا. وملأ الرجل ملاءة فهو ملي بالأمر: إذا أمكنه القيام به. والملأ: إلخلق لأن جميع أفعال صاحبه يجري عليه، يقال: أحسنوا إملاءكم أي: أخلاقكم قال: * تنادوا يال بهثة إذ رأونا * فقلنا: أحسني ملأ جهينا (2) وأصل الباب: الإجتماع فيما لا يحتمل المزيد، وإنما سمي الأشراف ملأ، لأنه لا مزيد على شرفهم. وقيل: لأن هيبتهم تملأ الصدور. والملا مقصورا: المتسع من الأرض، قال الشاعر: * ألا غنياني، وارفعا الصوت بالملا، * فإن الملا عندي تزيد المدى (3) بعدا *


(1) أي: مشايخ عجزة عن الحرب. (2) بهثة: أبو حي من سليم، وهو بهثة بن سليم بن منصور. (3) المدى: الغاية والمنتهى. (*)

[ 139 ]

الاعراب: (من بني إسرائيل): الجار والمجرور في محل النصب على الحال، والعامل فيه (تر)، وذو الحال (الملأ). و (من بعد موسى): في موضح الحال أيضا، وهو حال بعد حال، أو حال من الضمير في الجار والمجرور قبله. وقوله: (نقاتل) جزم على الجواب للمسألة التي هي على لفظ الأمر أي: إن تبعث لنا ملكا نقاتل. ولو كان بالياء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك. قال الزجاج: والرفع في (نقاتل) بعيد يجوز على معنى: فإنا نقاتل في سبيل الله، وكثير من النحويين لا يجيز الرفع فيه. وقوله (ألا تقاتلوا): في موضع نصب، لأنه خبر (عسى). وقوله: (وما لنا أن لا نقاتل): قال أبو الحسن الأخفش فيه وفي قوله ما لكم أن لا تأكلوا إن (أن) زائدة، كأنه قال ما لنا لا نقاتل، وما لكم لا تأكلون، كقوله. (ما لكم لا تنطقون)، و (ما لك لا تأمنا)، وقع الفعل المنفي موقع الحال، كما وقع الموجب موقعه في قولك: مالك تفعل. وقد يقال أيضا في نحو ذلك إن المعنى وما لنا في أن لا نقاتل، وما لكم في أن لا تأكلوا، فكأنه حمل الآية على وجهين. قال أبو علي: والقول الثاني أوضح، ويكون أن مع حرف في موضع نصب الحال، كقوله تعالى: (فما لهم من التذكرة معرضين)، ونحو ذلك. ثم حذف الجار، وسد أن وصلتها ذلك المسد، والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه، ومثله في وقوع الظرف موقع الحال قول أبي ذؤيب: * يعثرن في حد الظباة، كأنما * كسيت برود بني يزيد الأذرع (1) * وهذا كما يقال: خرجت في الثياب أي: خرجت لابسا. ووجه ثالث ذكره المبرد وهو: أن يكون ما جحدوا، وتقديره: وما لنا نترك القتال. وعلى الوجهين الأولين يكون (ما) استفهاما (وقد أخرجنا): جملة في موضع الحال، وتقديره وما لنا ألا نقاتل مخرجين من ديارنا، وذو الحال الضمير في (ألا نقاتل). و (قليلا): منصوب على الإستثناء من الموجب. المعنى: لما قدم تعالى ذكر الجهاد، عقبه بذكر القصة المشهورة في بني


(1) أي: حمر الوحش، يقال: عثر الفرس إذا زل وكبا. الظباة جمع الظبة: حد السيف والسهم وغيرهما. الأذرع جمع الذرع أي: كسيت. (*)

[ 140 ]

إسرائيل تضمنت شرح ما نالهم في قعودهم عنه، تحذيرا من سلوك طريقهم فيه (ألم تر) أي: ألم ينته علمك يا محمد (إلى الملأ) أي: جماعة ألاشراف (من بني إسرائيل من بعد موسى) أي: من بعد وفاته (إذ قالوا لنبي لهم) اختلف في ذلك النبي، فقيل: اسمه شمعون سمته أمه بذلك، لأن أمه دعت إلى الله أن يرزقها غلاما، فسمع الله دعاءها فيه، وهو شمعون بن صفية، من ولد لاوي بن يعقوب، عن السدي. وقيل: هو يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، عن قتادة وقيل: هو أشمويل، وهو بالعربية إسماعيل، عن أكثر المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر. (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) اختلف في سبب سؤالهم ذلك فقيل: كان سبب سؤالهم ذلك استذلال الجبابرة لهم، لما ظهروا على بني إسرائيل، وغلبوهم على كثير من ديارهم، وسبوا كثيرا من ذراريهم، بعد أن كانت الخطايا قد كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الأحداث، ونسوا عهد الله تعالى، ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم، فبعث الله إليهم أشمويل نبيا، فقالوا له: إن كنت صادقا، فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك، عن الربيع والكلبي. وقيل: أرادوا قتال العمالقة، فسألوا ملكا يكون أميرا عليهم، تنتظم به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، عن السدي. وقيل: بعث الله أشمويل نبيا، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال. ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان، فقالوا لأشمويل: إبعث لنا ملكا، عن وهب. وقال أبو عبد الله: كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود، والنبي يقيم له أمره، وينبئه بالخبر من عند ربه، فأجابهم نبيهم، ف‍ (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال) أي: لعلكم إن فرض عليكم المحاربة مع ذلك الملك (أن لا تقاتلوا) أن لا تفوا بما تقولون، وتجبنوا فلا تقاتلوا. وإنما سألهم عن ذلك ليعرف ما عندهم من الحرص على القتال، وهذا كأخذ العهد عليهم. ومعنى (عسيتم) قاربتم. فإذا قلت: عسيت أن أفعل كذا، فمعناه: قاربت فعله. (قالوا) يعني قال الملأ (وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله) معناه: وأي شئ لنا في ترك القتال ؟ وقيل: معناه ليس لنا ترك القتال (وقد أخرجنا) لفظه عام ومعناه خاص أي: قد أخرج بعضنا (من ديارنا وأبنائنا) (1) أوطاننا وأهالينا، بالسبي والقهر


(1) [ أي من ]. (*)

[ 141 ]

على نواحينا. والمعنى: إنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا: إنما كنا لا نرغب في القتال إذ كنا أعزاء لا يظهر علينا عدونا، فأما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا بد من الجهاد (فلما كتب عليهم القتال) فيه حذف تقديره: فسأل النبي الله تعالى أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه أعداءهم، فسمع الله دعوته، وأجاب مسألته، فبعث لهم ملكا، وكتب عليهم القتال أي: فرض. فلما كتب عليهم القتال (تولوا) أي: أعرضوا عن القيام به، وضيعوا أمر الله (إلا قليلا منهم) وهم الذين عبروا النهر على ما نبينه من بعد (والله عليم بالظالمين) هذا تهديد لمن يتولى عن القتال، لأنهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله. (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشآء والله واسع عليم [ 247 ]). اللغة: إصطفاه: إختاره واستصفاه بمعناه، وأصله اصتفاه إلا أن التاء أبدلت طاء، لأن التاء من مخرج الطاء، والطاء مطبقة كما أن الصاد مطبقة، فأبدلوها منها ليسهل النطق بها بعد الصاد. والبسطة: الفضيلة في الجسم والمال. والجسم: حده الطويل العريض العميق، بدلالة قولهم جسم جسامة أي: ضخم. وهذا جسيم أي ضخيم وهذا أجسم من هذا: إذا زاد عليه في الطول والعرض والعمق. وقيل: الجسم هو المؤلف. وقيل: هو القائم بنفسه، والصحيح الأول. الاعراب: (طالوت، وجالوت، وداود): لا تنصرف لأنها أسماء أعجمية، وفيها سببان: التعريف والعجمة. فأما جاموس فلو سميت رجلا به، لانصرف وإن كان أعجميا، لأنه قد تمكن في العربية، لأنك تدخل عليه الألف واللام، فتقول: الجاموس. (ملكا): نصب على الحال، العامل فيه (بعث). وذو الحال (طالوت) و (أنى): في موضع نصب، لأنه خبر (يكون). و (الملك): إسمه، وله في موضع الحال. وذو الحال (الملك) تقديره: وأنى يكون له الملك يستقر له علينا. ويجوز أن يكون كان هنا تامة، فيتعلق اللام بكون و (أنى): في

[ 142 ]

موضع نصب على الحال من يكون. و (علينا): يتعلق بالملك. ونحن أحق في محل النصب على الحال أيضا تقديره: أنى يكون له أن يملك علينا. (ونحن أحق) منه بالملك. (ولم يؤت سعة) في محل الحال أيضا، عطف على (نحن أحق) والعامل فيه (الملك). وذو الحال الضمير في أن يملك وتقديره أن يملك علينا غير مؤتى سعة مالية. المعنى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) أي: جعله ملكا. وكان طالوت من ولد بنيامين بن يعقوب، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة. وسمي طالوت لطوله. ويقال: كان سقاء. وقيل: كان خرنبدجا. وقيل: كان دباغا، وكانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب. وكانت المملكة في سبط يهوذا بن يعقوب. وقيل: في سبط يوسف. وقوله (ملكا) يعني: أميرا على الجيش، عن مجاهد. وقيل: بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا (قالوا أنى يكون له الملك علينا) أي: من أين له الملك ؟ وهذا أول اعتراضهم إذ أنكروا ملكه. (ونحن أحق) أي: أولى (بالملك منه) لأنا من سبط النبوة والمملكة، وأوتينا المال. (ولم يؤت سعة من المال) أي: لم يعط ما يتملك به الناس، وهو المال إذ لا بد للملك من المال يحصل به المماليك. وقيل: معناه ولم يؤت سعة من المال، فيشرف به، ويجبر نقصا، لو كان فيه، حتى يساوي أهل الأنساب، فأعلمهم الله أنه أعرف بوجوه الحكمة منهم. فإن المقصود في الملك والرئاسة هو العلم والشجاعة، وأخبرهم بذلك عن لسان نبيهم. (قال إن الله اصطفاه) أي: اختاره (عليكم) عن ابن عباس (وزاده بسطة) أي: فضيلة وسعة (في العلم والجسم) وكان أعلم بني إسرائيل في وقته، وأجملهم وأتمهم وأعظمهم جسما وأقواهم شجاعة. وقيل: كان إذا قام الرجل، فبسط يده رافعا لها نال رأسه. قال وهب: كان ذلك فيه قبل الملك، وزاده ذلك بعد الملك (والله يؤتي ملكه من يشاء) أي: لا تنكروا ملكه، وإن لم يكن من أهل بيت الملك، فإن الله سبحانه مالك الملك، يوتي الملك من يشاء. (والله واسع) قيل في معناه ثلاثة أقوال أحدها: إنه واسع الفضل، فحذف كما يقال: فلان كبير أي: كبير القدر. والثاني: إن الواسع بمعنى الموسع أي: يوسع على من يشاء من نعمه، كما جاء أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع والثالث:

[ 143 ]

إن معناه ذو سعة نحو عيشة راضية أي: ذات رضا، ورجل تامر أي: ذو تمر، ولابن أي: ذو لبن. وقوله (عليم) أي: عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل والمملكة، إما للإستصلاح، وإما للإمتحان. وفي هذه الآية دلالة على أن الملك قد يضاف إليه سبحانه، وذلك بأن ينصب الملك للتدبير، ويعطيه آلات الملك، ويأمر الخلق بالإنقياد له، فعند ذلك يجوز أن يقال: بعثه الله سبحانه ملكا، وإن لم يكن في البعثة كالأنبياء. ويقال في ملكه أيضا: إنه من جهة الله سبحانه، لأن تصرفه صادر عن إذنه. وفيها دلالة أيضا على أن الملك ليس بواجب أن يكون وراثة، وإنما يكون بحسب ما يعلمه الله من المصلحة. وفيها دلالة على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من رعيته، وأكمل وأفضل في خصال الفضل والشجاعة، لأن الله علل تقديم طالوت عليهم، بكونه أعلم وأقوى، فلولا أن ذلك شرط لم يكن له معنى. (وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين [ 248 ]). اللغة: التابوت: بالتاء لغة جمهور العرب. والتابوه بالهاء: لغة الأنصار. والسكينة: مصدر وقع موقع الإسم نحو القضية والبقية والعزيمة، وأخذ من السكون. الاعراب: موضع (أن يأتيكم): رفع. المعنى إن آية ملكه إتيان التابوت إياكم فيه سكينة من ربكم: مبتدأ وخبر في موضع النصب على الحال من (التابوت). (مما ترك): الجار والمجرور في موضع الصفة لبقية. المعنى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه) أي: علامة تمليك الله إياه، وحجة صحة ملكه (أن يأتيكم التابوت) وفي هذا دليل على أنهم قالوا لرسولهم: إن كان ملكه بأمر من الله ومن عنده، فأتنا بعلامة تدل على ذلك، فأجابهم بهذا. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر: إن التابوت كان الذي أنزله الله على أم موسى، فوضعت فيه ابنها، وألقته في البحر، وكان في بني إسرائيل معظما،

[ 144 ]

يتبركون به. فلما حضر موسى الوفاة، وضع فيه الألواح، ودرعه، وما كان عنده من آثار النبوة، وأودعه عند وصيه يوشع بن نون. فلم يزل التابوت بينهم، وبنو إسرائيل في عز وشرف ما دام فيهم، حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات. فلما عملوا المعاصي، واستخفوا به، رفعه الله عنهم. فلما سألوا نبيهم أن يبعث إليهم ملكا، بعث الله لهم طالوت، ورد عليهم التابوت. وقيل: كان في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة، غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل، وحدث فيهم الأحداث، ثم انتزعه الله من أيديهم، ورده على بني إسرائيل، تحمله الملائكة عن ابن العباس ووهب، وروي ذلك عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: كان التابوت الذي أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء، فتوارثه أولاد آدم، وكان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم. وقال قتادة: وكان في برية التيه، خلفه هناك يوشع بن نون، فحملته الملائكة إلى بني إسرائيل. وقيل: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين، عليه صفائح الذهب، وكان من شمشار، وكانوا يقدمونه في الحروب، ويجعلونه أمام جندهم، فإذا سمع من جوفه أنين زف التابوت أي: سار، وكان الناس يسيرون خلفه، فإذا سكن الأنين وقف فوقف الناس بوقوفه. (فيه سكينة من ربكم) قيل: في التابوت نفسه. وقيل: فيما في التابوت. واختلف في السكينة فقيل: إن السكينة التي كانت فيه، ريح هفافة من الجنة، لها وجه كوجه الإنسان، عن علي " عليه السلام ". وقيل: كان له جناحان، ورأس كرأس الهرة من الزبرجد والزمرد، عن مجاهد، وروي ذلك في أخبارنا. وقيل: كان فيه آية يسكنون إليها، عن عطا. وقيل: روح من الله يكلمهم بالبيان عند وقوع الإختلاف، عن وهب. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) قيل: إنها عصا موسى، ورضاض الألواح، عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر الصادق. وقيل: هي التوراة، وشئ من ثياب موسى، عن الحسن. وقيل: كان فيه أيضا لوحان من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون وعصاه. هذه أقوال أهل التفسير في السكينة والبقية. والظاهر أن السكينة أمنة وطمأنينة جعلها الله فيه ليسكن إليه بنو إسرائيل، والبقية

[ 145 ]

جائز أن يكون بقية من العلم، أو شئ من علامات الأنبياء، وجائز أن يتضمنها جميعا على ما قاله الزجاج. وقيل: أراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون، على نبينا وعليهما السلام، يعني مما ترك موسى وهارون، تقول العرب: آل فلان، يريدون نفسه. أنشد أبو عبيدة: * فلا تبك ميتابعد ميت، أحبه * علي، وعباس، وآل أبي بكر * يريد أبا بكر نفسه، وقال جميل: * بثينة من آل النساء، وإنما * يكن لأدنى، لا وصال لغائب (1) * أي: من النساء (تحمله الملائكة) قيل: حملته الملائكة بين السماء والأرض حتى رآه بنو إسرائيل عيانا، عن ابن عباس والحسن. وقيل: لما غلب الأعداء على التابوت، أدخلوه بيت الأصنام، فأصبحت أصنامهم منكبة، فأخرجوه ووضعوه ناحية من المدينة، فأخذهم وجع في أعناقهم، وكل موضع وضعوه فيه ظهر فيه بلاء وموت ووباء، فأشير عليهم بأن يخرجوا التابوت. فأجمع رأيهم على أن يأتوا به، ويحملوه على عجلة، ويشدوها على ثورين. ففعلوا ذلك، وأرسلوا الثورين. فجاءت الملائكة وساقوا الثورين إلى بني إسرائيل. فعلى هذا يكون معنى (تحمله الملائكة) تسوقه كما تقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببا لحمله إلى مكة. (إن في ذلك لآية لكم) أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله سبحانه ملك طالوت عليكم (إن كنتم مؤمنين) مصدقين. ولا يجوز أن يكون على تثبيت الإيمان لهم، لأنهم كفروا حين ردوا على نبيهم. وقيل: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون. (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع


(1) بثينة - العذرية - كجهينة: صاحبة جميل.

[ 146 ]

الصابرين [ 249 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة: (غرفة) بالفتح. والباقون بالضم. الحجة: قال أبو علي: من فتح الغين عدى الفعل إلى المصدر والمفعول في قوله محذوف، والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة. ومن ضم الغين، عدى الفعل إلى المفعول به، ولم يعده إلى المصدر، لأن الغرفة العين المغترفة، فهو بمنزلة إلا من اغترف ماء. والبغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر، ويعملونها كما يعملون المصادر، فيقولون: عجبت من دهنك لحيتك. وقد جاء من العرب ما يدل عليه، وهو قول الشاعر: (وبعد عطائك المائة الرتاعا) وأشياء غير هذا. فعلى هذا يجوز أن ينصب الغرفة نصب الغرفة. وقد قال سيبويه في نحو الجلسة والركبة إنه قد يستغنى بها عن المصادر، أو قال: تقع مواقعها. وهذا كالمقارب لقولهم، ولو قيل: إن الضم هنا أوجه لقوله (فشربوا منه) والمشروب منه الغرفة، لكان قولا. اللغة: الفصل: القطع. وفصل بالجنود أي: سار بهم وقطعهم عن موضعهم. وفصل الصبي فصالا: قطعه عن اللبن. والجنود: جمع جند. وجند الجنود أي: جمعهم. وفي الحديث: الأرواح جنود مجندة. وأصل الباب الجند الغليظ من الأرض، يقال: طعم الماء كما يقال طعم الطعام، وأنشدوا: * فإن شئت حرمت النساء سواكم، * وإن شئت لم أطعم نقاخا، ولا بردا (1) * أراد لم أذق. والنقاخ: العذب. وغرف الماء يغرف غرفا، واغترف بمعنى. والمغرفة: الآلة التي يغرف بها. وغرب (2) غروف: كبير. والمجاوزة من الجواز، يقال: جاز الشئ يجوزه: إذا قطعه. وأجازه إجازة: إذا استصوبه. والشئ يجوز: إذا لم يمنع منه دليل. وجوز الشئ: وسطه مشبه بمجاز الطريق: وهو وسطه الذي يجاز فيه. وقيل: إن اشتقاق الجوزاء منه، لأنها تعترض جوز السماء. والمجاز في الكلام: لأنه خروج عن الأصل إلى ما يجوز في الإستعمال. وأصل


(1) البرد: النوم. (2) الغرب: الدلو العظيمة. (*)

[ 147 ]

الباب: الجواز وهو المرور من غير شئ يصدر منه التجاوز عن الذنب، لأنه المرور عليه بالصفح. والطاقة: القوة، يقال: أطقت الشئ إطاقة وطاقة وطوقا، مثل أطعته إطاعة وطوعا. والفئة: الطائفة من الناس، والجمع فئون وفئات، ولا يجوز في عدة الا عدات لأن نقص عدة من أوله وليس كذلك فئة. وما نقص من أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص. وأما فئة ومائة وعزة، فإن النقص فيه على غير اطراد. وتقول: فأوت رأسه بالسيف: إذا قطعته. وانفاء الشئ انفياء: إذا انقطع. وأصل الباب: القطع. ومنه الفئة: لأنهم قطعة من الناس. الاعراب: قوله (بيده): من فتح فاء غرفة، جاز أن يتعلق بالمصدر عنده، وجاز أن يعلقه بالفعل أيضا. ومن أعمل الغرفة إعمال المصدر، جاز أن يتعلق الباء بها في قوله، وكلا الأمرين مذهب. و (من اغترف): في موضع نصب بالإستثناء. و (كم): خبرية وهي في موضع رفع بالإبتداء. المعنى: (فلما فصل طالوت بالجنود) في الكلام حذف لدلالة ما بقي عليه، وهو فآتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها، فصدقوا وانقادوا لطالوت. فلما فصل طالوت أي: خرج من مكانه، وقطع الطريق بالجنود أي: العساكر. واختلف في عددهم، فقيل: كانوا ثمانين ألف مقاتل، عن السدي. وقيل: سبعين ألفا، عن مقاتل. وذلك أنهم لما رأوا التابوت، أيقنوا بالنصر فبادروا إلى الجهاد (قال) يعني طالوت (إن الله مبتليكم بنهر) أي: مختبركم وممتحنكم. ومعنى الإبتلاء ههنا: تمييز الصادق عن الكاذب في قوله، عن الحسن. وكان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء، وخوف التلف من العطش، عن وهب. وقيل: إنما ابتلوا بذلك ليصبروا عليه، فيكثر ثوابهم، ويستحقوا به النصر على عدوهم، وليتعودوا الصبر على الشدائد فيصبروا عند المحاربة، ولا ينهزموا. واختلف في النهر الذي ابتلوا به، فقيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين، عن قتادة والربيع. وقيل: هو نهر فلسطين، عن ابن عباس والسدي. وقوله: (فمن شرب منه) الهاء كناية عن النهر في اللفظ، وهو في المعنى للماء. ويقال: شربت من نهر كذا ويراد به الماء (فليس مني) معناه: ليس من أهل ولايتي، وليس من أصحابي، وممن يتبعني. (ومن لم يطعمه) أي: ومن لم يطعم من ذلك الماء (فإنه مني) أي: من أهل ولايتي وأوليائي، وهو من الطعم: الذي هو ما يؤديه

[ 148 ]

الذوق أي: لم يجد طعمه لا من الطعام والطعم يوجد في الماء، وفي الطعام جميعا. (إلا من اغترف غرفة بيده) إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد. ومن قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار مل ء كفه (فشربوا منه) أي: شربوا كلهم أكثر من غرفة (إلا قليلا منهم). قيل: إن الذين شربوا منه غرفة، كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، عن الحسن وقتادة وجماعة. وقيل: أربعة آلاف رجل، ونافق ستة وسبعون ألفا. ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، عن السدي. وقيل: من استكثر من ذلك الماء عطش، ومن لم يشرب إلا غرفة، روي وذهب عطشه. ورد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر. (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) معناه: فلما تخطى النهر طالوت والمؤمنون معه، وهم أصحابه. وروي عن البراء بن عازب وقتادة والحسن أنه إنما جاوز معه المؤمنون خاصة، كانوا مثل عدد أهل بدر. وقيل: بل جاوز المؤمنون والكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا، وبقي المؤمنون على عدد أهل بدر، عن ابن عباس، والسدي، وهذا أقوى لقوله سبحانه: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) فلما رأوا كثرة جنود جالوت (قالوا) أي: قال الكفار منهم: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) فقال المؤمنون حينئذ الذين عددهم عدة أهل بدر: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) قال أبو القاسم البلخي: ويجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين، غير أن بعضهم أشد إيقانا، وأقوى إعتقادا، وهم الذين قالوا: كم من فئة قليلة إلى آخره. (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله) أي: راجعون إلى الله، وإلى جزائه. قيل في يظنون ثلاثة أقوال أحدها: إن معنى يظنون يستيقنون، عن السدي، كقول دريد بن الصمة: * فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد (1) * أي: أيقنوا والثاني: إن معناه يحدثون نفوسهم، وهو أصل الظن، لأن حديث النفس بالشئ قد يكون مع الشك، وقد يكون مع العلم. إلا أنه قد كثر على ما كان مع الشك. والثالث: يظنون أنهم ملاقو الله بالقتل في تلك الوقعة (كم من فئة)


(1) المدجج: اللابس السلاح. سراة القوم: سادتهم. المسرد: الدرع. (*)

[ 149 ]

أي: فرقة (قليلة غلبت فئة كثيرة) أي: قهرت فرقة كثيرة (بإذن الله) أي: بنصره، عن الحسن، لأنه إذا أذن الله في القتال، نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه (والله مع الصابرين) بالنصرة لهم على أعدائهم. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين [ 250 ]). اللغة: البروز: أصله الطهور، ومنه البراز: وهي الأرض الفضاء. ورجل برز، وامرأة برزة أي: ذو عفة وفضل، لظهور ذلك منهما. والإفراغ: الصب للسيال على جهة إخلاء المكان (1) منه يقال: فرغ يفرغ فراغا، وأفرغ أفراغا. وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي: خاليا من الصبر. وأصل الفراغ: الخلو. والتثبيت: تمكين الشئ في مكانه للزومه إياه. وقد يقال: ثبته بمعنى حكم بوجوده. ورجل ثبت المقام: إذا كان شجاعا لا يبرح موقفه، وطعنه فأثبت فيه الرمح أي: نفذ فيه، لأنه يلزم فيه. وأثبت حجته أي: أقامها. ورجل ثبت أي: ثقة مأمون فيما روى. والنصر: هو المعونة على العدو، ويكون ذلك بأشياء منها بزيادة القوة، ومنها بالرعب عن الملاقاة، ومنها بالإطلاع على العورة، ومنها بتخيل الكثرة، ومنها باختلاف الكلمة. والفرق بين النصر واللطف أن كل نصر من الله فهو لطف، وليس كل لطف نصرا، لأن اللطف يكون في أخذ طاعة بدلا من معصية، وقد يكون في فعل طاعة من النوافل. والنصر: فعل الله، والصبر من فعل العبد، لأنه يجازى عليه، وهو حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل، وهو هاهنا حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال. المعنى: (ولما برزوا لجالوت) أي: ظهر طالوت والمؤمنون معه لمحاربة جالوت (وجنوده قالوا ربنا أفرغ) أي أصب (علينا صبرا) أي: وفقنا للصبر على الجهاد، وشبهه بتفريغ الإناء من جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة، كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية (وثبت أقدامنا) أي: وفقنا للثبوت على الأمر (وانصرنا) أعنا (على) جهاد (القوم الكافرين) قوم جالوت.


(1) أي: موضع الخلل. (*)

[ 150 ]

(فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وءاتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين [ 251 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر ونافع ويعقوب: (دفاع الله) بالألف، وفي الحج مثله. وقرأ الباقون بغير ألف. الحجة: قال أبو علي: دفاع يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون مصدر الفعل كالكتاب واللقاء ونحو ذلك. الثاني: أن يكون مصدرا لفاعل، ويدل عليه قراءة من قرأ (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وكان معنى دفع ودافع سواء. ألا ترى إلى قوله: * ولقد حرصت بأن أدافع عنهم، * فإذا المنية أقبلت لا تدفع * كأن المعنى حرصت بأن أدفع عنهم المنية، والمنية لا تدفع، فوضع أدافع موضع أدفع، فإذا كان كذلك فيدفع ويدافع متقاربان. اللغة: الهزم: الدفع، يقال هزم القوم في الحرب يهزمهم هزما: إذا دفعهم بالقتال هربا منه، فانهزموا انهزاما. وتهزم السقاء: إذا يبس فتصدع لاندفاع بعضه عن بعض. والإهتزام: الذبح، يقال: إهتزم شاتك قبل أن تهزم فتهلك لدفع ضياعها بتذكيتها. وأصل الدفع: الصرف عن الشئ. والدفاع: السيل. والدفعة: إندفاع الشئ جملة. المعنى: ثم ذكر سبحانه تمام القصة، فقال: (فهزموهم) ولا بد من حذف هنا كأنه لما قالوا (ربنا أفرغ علينا صبرا) قال: فاستجاب لهم ربهم فهزموهم بنصره أي: دفعوهم وكسروهم، لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على معنى الإجابة. ومعنى هزموهم سببوا لهزيمتهم، بأن فعلوا ما ألجأهم إليها. فعلى هذا يكون حقيقة. وقال أبو علي الجبائي: ذلك مجاز لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم، كما يقال: أخرجه من منزله: إذا ألجأه إلى الخروج، ولم يفعل خروجه. والصحيح الأول. وقوله (بإذن الله) أي: بأمر الله. وقيل: بعلم الله (وقتل داود جالوت). القصة: وكان من قصة داود على ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم، عن الصادق " عليه السلام ": أن الله أوحى إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى،

[ 151 ]

وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب، واسمه داود بن إيشاراع، وكان لإيشا عشرة بنين، أصغرهم داود. فلما بعث الله طالوت إلى بني إسرائيل، وجمعهم لحرب جالوت، بعث إلى أيشا بأن أحضر ولدك. فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده، فألبسه درع موسى، فمنهم من طالت عليه، ومنهم من قصرت عنه. فقال لإيشا: هل خلفت من ولدك أحدا ؟ قال: نعم أصغرهم، تركته في الغنم يرعاها. فبعث إليه، فجاء به. فلما دعي أقبل ومعه مقلاع. قال: فنادته ثلاث صخرات في طريقه: يا داود ! خذني (1)، فأخذها في مخلاته، وكان حجر الفيروزج. وكان داود شديد البطش، شجاعا، قويا في بدنه. فلما جاء إلى طالوت، ألبسه درع موسى، فاستوت عليه. قال: فجاء داود فوقف حذاء جالوت، وكان جالوت على الفيل، وعلى رأسه التاج، وفي جبهته ياقوتة تلمع نورا، وجنوده بين يديه. فأخذ داود حجرا من تلك الأحجار، فرمى به في ميمنة جالوت، ووقع عليهم، فانهزموا. وأخذ حجرا آخر، فرمى به في ميسرة جالوت، فانهزموا. ورمى بالثالث إلى جالوت، فاصاب موضع الياقوتة في جبهته، ووصلت إلى دماغه، ووقع إلى الأرض ميتا. وقيل: إن جالوت طلب البراز فخرج إليه داود، فرماه بحجر من مقلاع، فوقع بين عينيه، وخرج من قفاه، وأصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره، فقتلهم، وانهزم القوم عن آخرهم، عن وهب وغيره من المفسرين. (وآتاه الله الملك) أي: وأعطاه الملك بعد قتل داود جالوت بسبع سنين، عن الضحاك (والحكمة) قيل: النبوة، ولم يكن نبيا قبل قتل جالوت، فجمع الله له الملك والنبوة عند موت طالوت في حالة واحدة، لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي (2)، لأنه قلب ما توجبه الحكمة، لأن النبي يوثق بظاهره وباطنه، ولا يخبر إلا بحق، ولا يدعو إلا إلى حق، فليس كذلك من ليس بنبي، عن الحسن. وقيل: يجوز ذلك إذا كان يفعل ما يفعل بأمره ومشورته (وعلمه مما يشاء) معناه: وعلمه أمور الدين، وما شاء من أمور الدنيا، منها صنعة الدروع، فإنه كان يلين له الحديد كالشمع. وقيل: الزبور، والحكم بين الناس، وكلام الطير، والنمل. وقيل: الصوت الطيب، والألحان.


(1) [ واحضر ]. (2) [ على نبي ]. (*)

[ 152 ]

(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها: لولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار ومعرتهم، لغلبوا وخربوا البلاد، عن ابن عباس ومجاهد. والثاني: معناه يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك، عن علي وقتادة وجماعة من المفسرين، ومثله ما رواه جميل، عن أبي عبد الله قال: إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا، عمن لا يصلي منهم، ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا. وإن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا، عمن لا يزكي منهم، ولو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا. وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا، عمن لا يحج منهم، ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا. وقريب من معناه ما روي عن النبي أنه قال: " لولا عباد الله ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: " إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " والثالث: إن في معنى قول الحسن ما يزع (1) الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، لأن من يمتنع عن الفساد لخوف السلطان، أكثر ممن يمتنع منه لأجل الوعد والوعيد الذي في القرآن. (ولكن الله ذو فضل على العالمين) أي: ذو نعمة عليهم في دينهم ودنياهم. (تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين [ 252 ]). اللغة: التلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة، لأن التالي للشئ يليه من غير فصل بغيره. وأصل التلو: إيقاع الشئ بعد الشئ الذي يليه. والحق هو وقوع الشئ موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه، بما لا يجوز فيه. والرسالة: تحميل جملة من الكلام لها فائدة إلى المقصود بالدلالة. الاعراب: (نتلوها): جملة في موضع الحال. والعامل فيه معنى الإشارة في تلك وذو الحال (آيات الله) أي: متلوة عليك والباء في (بالحق): يتعلق بنتلو أيضا.


(1) أي: ما يكفه. (*)

[ 153 ]

المعنى: (تلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من الناس دفعة واحدة، وإحيائهم دفعة واحدة، بدعاء نبيهم، ومن تمليك طالوت، وهو من أهل الخمول الذي لا ينقاد لمثله الناس، لما جعل الله له من الآية، علما على تمليكه، ونصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم وضعفهم، على جالوت وأصحابه مع قوتهم وشوكتهم (آيات الله) أي: دلالات الله على قدرته (نتلوها عليك) نقرؤها عليك يا محمد (بالحق) بالصدق. وقيل: يقرأها جبريل عليك بالحق بأمرنا (وإنك لمن المرسلين) معناه: وإنك لمن المرسلين بدلالة إخبارك بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها، ولم تخالط أهلها، ولا تعلم ذلك مع عدم المشاهدة، ومخالطة أهلها إلا بوحي من جهة الله، والله لا يوحي إلا إلى أنبيائه. (* تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جائتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد [ 253 ]). الاعراب: (درجات): منصوب على الحال، والعامل فيه (رفع). وذو الحال (بعضهم) وتقديره: رفع بعضهم ذوي درجات، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون حالا بعد الفراغ من الفعل، تقديره: ورفع بعضهم، فإذا هم ذوو درجات. ويجوز أن يكون ظرف مكان، ويجوز أن يكون إسما وضع موضع المصدر، تقديره: ورفع بعضهم رفعا. المعنى: (تلك) بمعنى أولئك، إلا أنه أراد به الإشارة إلى الجماعة، فأتى بلفظ الإفراد الذي يكون للمؤنث المفرد، كما يقال: القوم خرجت أي: أولئك الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء في الكتاب (الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إنما ذكر الله تفضيل بعض الرسل على بعض لأمور أحدها: لأن لا يغلط غالط، فيسوي بينهم في الفضل، كما استووا في الرسالة. وثانيها: أن يبين أن تفضيل محمد عليهم، كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم على بعض. وثالثها: إن الفضيلة قد تكون بعد

[ 154 ]

أداء الفريضة، وهذه الفضيلة المذكورة ههنا هي ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة، نحو كلامه لموسى بلا سفير، وكإرساله محمدا إلى الكافة من الجن والإنس. وقيل: أراد التفضيل في الآخرة، لتفاضلهم في الأعمال، وتحمل الأثقال. وقيل: بالشرائع فمنهم من شرع، ومنهم من لم يشرع. والفرق بين الإبتداء بالفضيلة، وبين المحاباة أن المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما يوجبه الشهوة دون الحكمة، وليس كذلك الإبتداء بالفضيلة، لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير، وأدى إلى حرمان الثواب للجميع. فمن حسن النظر لهذا الإنسان تفضيل غيره عليه، إذا كان في ذلك مصلحة له، فهذا وجه تدعو إليه الحكمة، وليس كالوجه الأول الذي إنما تدعو إليه الشهوة. (منهم من كلم الله) أي: كلمه الله، وهو موسى (ورفع بعضهم درجات) قال مجاهد: أراد به محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإنه تعالى فضله على جميع أنبيائه، بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن والإنس، وبأن أعطاه جميع الآيات التي أعطاها من قبله من الأنبياء، وبأن خصه بالقرآن الذي لم يعطه غيره، وهو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة بخلاف سائر المعجزات، فإنها قد مضت وانقضت، وبأن جعله خاتم النبيين، والحكمة تقتضي تأخير أشراف الرسل لأعظم الأمور. (وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي: الدلالات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار عما كانوا يأكلونه ويدخرونه في بيوتهم (وايدناه بروح القدس) قد مر تفسيره في الآية الخامسة والثمانين من هذه السورة (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) أي: من بعد الرسل. وقال قتادة والربيع: من بعد موسى وعيسى، وأتى بلفظ الجمع، لأن ذكرهما يغني عن ذكر المتبعين لهما، كما يقال: خرج الأمير فنكوا في العدو نكاية عظيمة، معناه: ولو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الأنبياء، بأن يلجئهم إلى الإيمان، ويمنعهم عن الكفر، إلا أنه لم يلجئهم إلى ذلك، لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة والإلجاء، والجزاء لا يحسن إلا مع التخلية والاختيار، عن الحسن. وقيل: معناه لو شاء الله ما أمرهم بالقتال (من بعد ما جاءتهم البينات) من بعد وضوح الحجة، فإن المقصد من بعثه الرسل قد حصل بايمان من آمن قبل القتال (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن) بتوفيق الله ولطفه، وحسن اختياره. (ومنهم من كفر) بسوء اختياره (ولو شاء الله ما اقتتلوا) كرر ذلك تأكيدا وتنبيها. وقيل: الأول مشيئة الإكراه أي: لو شاء الله اضطرهم إلى حال يرتفع معها

[ 155 ]

التكليف. والثاني: الأمر للمؤمنين بالكف عن قتالهم. (ولكن الله يفعل ما يريد) ما تقتضيه المصلحة، وتوجبه الحكمة. (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون [ 254 ]). القراءة: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالفتح فيها أجمع، وفي سورة إبراهيم: (لا بيع فيه ولا خلال)، وفي الطور: (لا لغو فيها ولا تأثيم). وقرأ الباقون جميعها بالرفع. الحجة: قال أبو علي: أما من فتح بلا تنوين، فإنه جعله جواب هل فيها من لغو، أو تأثيم. ومن رفع جعله جواب أفيها لغو أو تأثيم. وقد ذكرنا صدرا من القول على النفي فيما تقدم، والمعنيان متقاربان في أن النفي يراد به العموم والكثرة في القراءتين يدل على. ذلك قول أمية: " فلا لغو، ولا تأثيم فيها " ألا ترى أنه يريد من نفي اللغو، وإن كان قد رفعه ما يريد بنفي التأثيم الذي فتحه، ولم ينونه. فإن جعلت قوله فيها خبرا، أضمرت للأول خبرا، وإن جعلته صفة أضمرت لكل واحد من الإسمين خبرا. اللغة: البيع هو استبدال المتاع بالثمن. والبيع: نقيض الشراء. والبيع أيضا: الشراء لأنه تارة عقد على الإستبدال بالثمن، وتارة على. الإستبدال بالمتاع. والبيع: الصفقة على إيجاب البيع. والبيعة: الصفقة على إيجاب الطاعة. والبيعان: البائع والمشتري. والخلة: خالص المودة. والخلل: الإنفراج بين الشيئين. وخللته بالخلال أخله خلالا: إذا شككته به. واختلال الحال: إنحرافها بالفقر. والخليل: الخالص المودة من الخلة لتخلل الأسرار بينهما. وقيل: لأنه يمتنع من الشوب في المودة بالنقيصة. والخليل أيضا: المحتاج من الخلة. والخل: معروف لتخلله بحدته ولطفه فيما ينساب فيه. والخل: الرجل الخفيف الجسم. والخل: الطريق في الرمل. وفي فلان خلة رائقة أي: خصلة. والخلة: جفن السيف. وقد ذكرنا معنى الشفاعة عند قوله: (ولا يقبل منها شفاعة). المعنى: لما قص الله سبحانه أخبار الأمم السابقة، وثبت رسالة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، عقبه بالحث على الطاعة فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم "

[ 156 ]

فيما جاء به (أنفقوا مما رزقناكم) قيل أراد به الفرض كالزكاة ونحوها، دون النفل، لاقتران الوعيد به، عن الحسن، ولأن ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب. وقيل: يدخل فيه النفل والفرض، عن ابن جريج، واختاره البلخي، وهو الأقوى لأنه أعم، ولأن الآية ليس فيها وعيد على ترك النفقة، وإنما فيها اخبار عن عظم أهوال يوم القيامة وشدائدها (من قبل أن يأتي يوم) أي: يوم القيامة (لا بيع فيه) أي: لا تجارة (ولا خلة) أي: ولا صداقة، لأنهم بالمعاصي يصيرون أعداء. وقيل: لأن شغله بنفسه يمنع من صداقة غيره، وهذه كقوله (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). (ولا شفاعة) أي: لغير المؤمنين مطلقا. فأما المؤمنون فقد يشفع بعضهم لبعض، ويشفع لهم أنبياؤهم، كما قال سبحانه (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، و (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه). (والكافرون هم الظالمون) إنما ذم الله الكافر بالظلم، وإن كان الكفر أعظم منه لأمرين: أحدهما: الدلالة على أن الكافر ضر نفسه بالخلود في النار فقد ظلم نفسه. والآخر: إنه لما نفى البيع في ذلك اليوم، والخلة والشفاعة، وأخبر أنه قد حرم الكافر هذه الامور، قال: وليس ذلك بظلبم منا، بل الكافرون هم الظالمون، لأنهم عملوا بأنفسهم ما استحقوا به حرمان هذه الأمور. ووجه آخر في (1) تخصيص الكافر بالظلم، وهو أن ظلم الكافر هو غاية الظلم، وليس يبلغ ظلم المؤمنين لأنفسهم وغيرهم مبلغ ظلم الكافرين، ونظيره قول القائل: فلان هو الفقيه في البلد، وفلان هو الفاضل، ويراد به تقدمه على غيره فيما أضيف إليه. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم [ 255 ]). آيتان بصري، وآية واحدة عند غيرهم عد البصري الحي القيوم آية. فضل الآية: ذكر ابن انجويه الفسوي في كتاب الترغيب بإسناد متصل عن


(1) [ فائدة ]. (*)

[ 157 ]

أبي بن كعب قال: قال رسول الله: (يا أبا المنذر ! أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، ثم قال: ليهنئك العلم. والذي نفس محمد بيده ! إن لهذه الآية للسانا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش ". وروى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن عمر، قال: قال النبي: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، كان الذي يتولى قبض نفسه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد ". وبإسناده عن علي " عليه السلام " قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول: " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق، أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره ". وعنه قال: سمعت رسول الله يقول: يا علي ! سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد، ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الشجر السدر، وسيد الشهور الأشهر الحرم، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي. يا علي ! إن فيها لخمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة. وروي عن عبد الله بن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في كل ليلة في بيت، لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح: أربع آيات من أولها، وآية الكرسي، وآيتين بعدها، وخواتيمها. وروي عن أبي جعفر الباقر قال: من قرأ آية الكرسي مرة، صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا، وألف مكروه من مكاره الآخرة، أيسر مكروه الدنيا الفقر، وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر. وعن أبي عبد الله قال: إن لكل شئ ذروة، وذروة القرآن آية الكرسي. اللغة: الحي: من كان على صفة لا يستحيل معها أن يكون قادرا عالما، وإن شئت قلت: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات إذا وجدت. والقيوم: أصله قيووم على وزن فيعول، إلا أن الياء والواو إذا اجتمعتا وأولاهما ساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء قياسا مطردا. والقيام: أصله قيوام على وزن فيعال، ففعل به ما ذكرناه. قال أمية بن أبي الصلت: * لم يخلق السماء والنجوم * والشمس معها قمر يعوم (1) *


(1) العوم: السباحة. وعام القمر: جرى. (*)

[ 158 ]

* قدرها المهيمن القيوم * والحشر، والجنة، والنعيم * * إلا لامر شأنه عظيم * والسنة: النوم الخفيف، وهو النعاس. قال عدي بن الرقاع: * وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة، وليس بنائم (1) * وهو مصدر وسن يوسن وسنا وسنة. قال المفضل: السنة في الرأس، والنوم في القلب. والنوم: خلاف اليقظة، يقال: نام نوما، واستنام إليه أي: استأنس إليه، واطمأن إلى ناحيته. وقال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو بلغ علمه أقصاه: قد أحاط به. ويقال: وسع فلان الشئ يسعه سعة: إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. ويقال: لا يسعك هذا أي: لا تطيقه، ولا تحتمله. الكرسي: كل أصل يعتمد عليه، قال الشاعر: * تحف بهم بيض الوجوه، وعصبة * كراسي بالأحداث حين تنوب * أي: علماء بحوادث الأمور، وقال آخر: * نحن الكراسي لاتعد هوازن * أفعالنا في النائبات، ولا أسد * وقال آخر: * مالي بأمرك كرسي أكاتمه، * وهل بكرسي علم الغيب مخلوق * وكل شئ تراكب فقد تكارس. ومنه الكراسة: لتراكب بعض ورقها على بعض. ورجل كروس: عظيم الرأس. ويقال: كرسي الملك من كذا (2) وكذا أي: ملكه مشبه بالكرسي المعروف. وأصل الباب الكرسي: تراكب الشئ بعضه على بعض. وآده يؤوده أودا: إذا أثقله وجهده. وأدت العود أؤده أودا فأناد نحو: عجته فانعاج. والآود والأوداء على وزن الأعوج والعوجاء والمعنى واحد والجمع الأود كالعوج. والعلي: أصله من العلو، وهو سبحانه علي بالإقتدار ونفوذ السلطان، ولا يقال: رفيع بالإقتدار، لأن الرفعة في المكان. والعلو منقول إلى معنى الإقتدار.


(1) وقبله: " وكأنها بين النساء أعارها * عينيه أحور من جآذم جاسم " ووسنان صفة أحور. ورنقت: أي وقفت. (2) وفي المخطوطتين " من مكان كذا إلى مكان كذا ". (*)

[ 159 ]

يقال: فلان علا على قرنه يعلو علوا فهو عال، وعلا بمعنى اقتدر، ولا يقال: ارتفع عليه بمعناه. ولذلك يقال: إستعلى عليه بالحجة، ولا يقال ارتفع عليه بالحجة. والعلو بضم العين وكسرها: خلاف السفل. وعلا في الأرض علوا: تجبر، ومنه قوله (إن فرعون علا في الأرض) أي: تجبر. والله تعالى العالي والمتعالي أي: القادر القاهر لا يعجزه شئ. وفلان من علية الناس أي: من أشرافهم. والعظيم معناه: العظيم الشأن. وقيل: العظيم بمعنى المعظم، كما قالوا في الخمر العتيق أي: ا لمعتقة، وا لأول أقوى. الاعراب: (الله): رفع بالإبتداء وما بعده خبره، والكلام مخرجه مخرج النفي أي: لا يصح إله سوى الله، وحقيقته الإثبات لإله واحد هو الله، فكأنه قيل: الله هو الإله دون غيره وارتفع هو في (لا إله إلا هو) على أحد وجهين أحدهما: بالإبتداء كأنه قال: ما إله إلا الله. والثاني: أن يكون بدلا، كأنه قال: ما إله ثابتا أو موجودا إلا الله. ويجوز في العربية نصب الله في قول (لا إله إلا الله) على الإستثناء. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الأمم، واختلافهم على أنبيائهم في التوحيد وغيره، عقبه بذكر التوحيد فقال: (الله) أي: من يحق له العبادة لقدرته على أصول النعم. وقد ذكرنا اختلاف الأقوال في أصله، وفي معناه، في مفتتح سورة الفاتحة. (لا إله إلا هو) أي: لا أحد تحق له العبادة، ويستحق الإلهية غيره (الحي) قد ذكرنا معناه (القيوم) القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداء، وإيصال أرزاقهم إليهم، كما قال: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)، عن قتادة. وقيل: القيوم هو العالم بالأمور من قولهم: هذا يقوم بهذا الكتاب أي: يعلم ما فيه. وقيل: معناه الدائم الوجود، عن سعيد بن جبير والضحاك. وقيل: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها من حيث هو عالم بها، عن الحسن، واللفظ لجميع هذه الوجوه محتمل (لا تأخذه سنة) أي: نعاس. (ولا نوم) ثقيل، مزيل للقوة. وقيل: معناه لا يغفل عن الخلق، ولا يسهو كما يقال للغافل: أنت نائم، وأنت وسنان (له ما في السماوات وما في الأرض) معناه له ملك ما فيهما، وله التصرف فيهما (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) هو استفهام معناه الإنكار والنفي أي: لا يشفع يوم الميامة أحد لأحد إلا بإذنه وأمره، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر. الله سبحانه أن أحدا

[ 160 ]

ممن له الشفاعة، لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك، ويأمره به. (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قيل فيه وجوه أحدها: إن معناه يعلم ما بين أيديهم ما مضى من الدنيا، وما خلفهم من الآخرة، عن مجاهد والسدي. والثاني: معناه يعلم الغيب الذي تقدمهم من قولك بين يديه أي: قدامه، وما مضى، فهو قدام الشئ، فيحمل عليه على التقدير، لا إن هذا اللفظ حقيقة في الماضي، وما خلفهم يعني الغيب الذي يأتي بعدهم، عن ابن جريج. والثالث: إن ما بين أيديهم عبارة عما لم يأت، كما يقال: رمضان بين أيدينا. (وما خلفهم) عبارة عما مضى، كما يقال في شوال: قد خلفنا رمضان، عن الضحاك. (ولا يحيطون بشئ من علمه) معناه: من معلومه كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا أي: معلومك فينا. ويقال: إذا ظهرت آية هذه قدرة الله أي: مقدور الله، والإحاطة بالشئ علما، أن يعلمه كما هو على الحقيقة (إلا بما شاء) يعني: ما شاء أن يعلمهم، ويطلعهم عليه. (وسع كرسيه السماوات والأرض) اختلف فيه على أقوال أحدها: وسع علمه السماوات والأرض، عن ابن عباس ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله " عليه السلام ". ويقال للعلماء كراسي، كما يقال: أوتاد الأرض، لأن بهم قوام الدين والدنيا وثانيها: إن الكرسي ههنا هو العرش، عن الحسن. وإنما سمي كرسيا لتركيب بعضه على بعض. وثالثها: إن المراد بالكرسي ههنا: الملك والسلطان والقدرة، كما يقال: إجعل لهذا الحائط كرسيا أي: عمادا يعمد به، حتى لا يقع، ولا يميل، فيكون معناه: أحاط قدرته بالسماوات والأرض، وما فيهما ورابعها: إن الكرسي سرير دون العرش. وقد روي عن أبي عبد الله، وقريب منه ما روي عن عطاء، أنه قال: ما السماوات والأرض عند الكرسي، إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة. ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعا على الكرسي، والكرسي تحت العرش كالعرش فوق السماء. وروى الأصبغ بن نباتة أن عليا قال: إن السماوات والأرض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، ملك منهم في صورة الآدميين، وهي أكرم الصور على الله، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق للآدميين. والملك الثاني في صورة الثور، وهو سيد البهائم، يدعو

[ 161 ]

الله ويتضرع إليه، ولطلب الشفاعة والرزق للبهائم. والملك الثالث في صورة النسر، وهو سيد الطيور، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطيور. والملك الرابع في صورة الأسد، وهو سيد السباع، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع. قال: ولم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور، ولا أشد انتصابا منه، حتى اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل، وعبدوه، فخفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبدوا من دون الله بشئ يشبهه، وتخوف أن ينزل الله به العذاب. (ولا يؤوده حفظهما) أي: لا يشق على الله، ولا يثقله حفظ السماوات والأرض. وقيل: الهاء في يؤوده يعود إلى الكرسي، وهذا على قول من يقول: إن السماوات والأرض على الكرسي. (وهو العلي) عن الأشباه والأضداد والأمثال والأنداد، وعن إمارات النقص، ودلالات الحدث. وقيل: هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والإعتلاء والجلال والكبرياء (العظيم) أي: العظيم الشأن، القادر، الذي لا يعجزه شئ، والعالم الذي لا يخفى عليه شئ، لا نهاية لمقدوراته، ولا غاية لمعلوماته. وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن خالد، أنه قرأ أبو الحسن الرضا " عليه السلام ": الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم [ 256 ]). اللغة: الرشد: نقيض الغي، وهو الرشد. والرشد، وتقول: غوي يغوي غيا وغواية: إذا سلك طريق الهلاك. وغوى: إذا خاب، قال الشاعر: * ومن يلق خيرا، يحمد الناس أمره، * ومن يغو، لا يعدم على الغي لائما * وغوى الفصيل يغوي غوى: إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك. والطاغوت: وزنها في الأصل فعلوت، وهو مصدر مثل الرغبوت والرهبوت والرحموت، ويدل على أنها مصدر وقوعها على الواحد والجماعة بلفظ واحد، وأصلها طغيوت، لأنها من

[ 162 ]

الياء يدل على ذلك قوله: (في طغيانهم يعمهون). ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت طيغوت. ثم قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوت. فوزنها الآن بعد القلب فلعوت. وجمع طاغوت طواغيت وطواغت وطواغ، على حذف الزيادة. والطواغي على العوض من المحذوف. والعروة: عروة الدلو ونحوه، لأنها متعلقة. وعروت الرجل أعروه عروا: إذا ألممت به متعلقا بسبب منه. واعتراه هم: إذا تعلق به. وعرته الحمى تعروه: إذا علقت به. فالأصل في الباب: التعلق. قال الأزهري: العروة كل نبات له أصل ثابت كالشيح والقيصوم وغيره، وبه شبهت عرى الأشياء. في لزومها. والوثقى: تأنيث الأوثق. والإنفصام والإنقطاع والإنصداع نظائر. قال الأعشى: * ومبسمها من شتيت النبات * غير أكس، ولامنفصم (1) * يقال: فصمته فانفصم. النزول: قيل: نزلت الآية في رجل من الأنصار، كان له غلام أسود، يقال له صبيح. وكان يكرهه على الإسلام، عن مجاهد. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين. وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة، يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا ومضيا إلى الشام. فأخبر أبو الحصين رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فأنزل الله تعالى: (لا إكراه في الدين). فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أبعدهما الله ! هما أول من كفر. فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي، حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله (فلا وربك لا يؤمنون) الآية. قال: وكان هذا قبل أن يؤمر النبي بقتال أهل الكتاب. ثم نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة، عن السدي. وهكذا قال ابن مسعود، وابن زيد إنها منسوخة بآية السيف. وقال الباقون: هي محكمة. وقيل: كانت امرأة من الأنصار تكون مقلاتا (2) فترضع أولاد اليهود، فجاء الإسلام وفيهم جماعة منهم. فلما أجليت بنو النضير، إذا فيهم أناس من الأنصار. فقالوا: يا رسول الله ! أبناؤنا وإخواننا. فنزلت (لا إكراه في الدين) فقال: خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم


(1) المبسم: مقدم الأسنان. كس كسا: كان قصير الأسنان صغيرها فهو أكس. (2) المقلات: التي لا يعيش لها ولد. (*)

[ 163 ]

منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم، عن ابن عباس. المعنى: لما تقدم ذكر اختلاف الأمم، وأنه لو شاء الله لأكرههم على الدين، ثم بين تعالى دين الحق والتوحيد، عقبه بأن الحق قد ظهر، والعبد قد خير فلا إكراه بقوله: (لا إكراه في الدين) وفيه عدة أقوال أحدها: إنه في أهل الكتاب خاصة، الذين يؤخذ منهم الجزية، عن الحسن وقتادة والضحاك. وثانيها: إنه في جميع الكفار، ثم نسخ كما تقدم ذكره، عن السدي، وغيره وثالثها: إن المراد: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي بعد الحرب، وصح إسلامه، فليس بمكره، عن الزجاج. ورابعها: إنها نزلت في قوم خاص من الأنصار كما ذكرناه في النزول، عن ابن عباس وغيره. وخامسها: إن المراد ليس في الدين إكراه من الله، ولكن العبد مخير فيه، لأن ما هو دين في الحقيقة، هو من أفعال القلوب، إذا فعل لوجه وجوبه. فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين، فليس بدين حقيقة، كما أن من أكره على كلمة الكفر، لم يكن كافرا. والمراد الدين المعروف، وهو الإسلام، ودين الله الذي ارتضاه. (قد تبين الرشد من الغي): قد ظهر الإيمان من الكفر، والحق من الباطل بكثرة الحجج، والآيات الدالة، عقلا وسمعا، والمعجزات التي ظهرت على يد النبي. (فمن يكفر بالطاغوت) فيه أقوال أحدها: إنه الشيطان، عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وثانيها: إنه الكاهن، عن سعيد بن جبير. وثالثها: إنه الساحر، عن أبي العالية ورابعها: إنه مردة الجن والإنس، وكلما يطغي. وخامسها: إنه الأصنام، وما عبد من دون الله. وعلى الجملة فالمراد من كفر بما خالف أمر الله. (ويؤمن بالله) أي: يصدق بالله، وبما جاءت به رسله (فقد استمسك) أي: تمسك واعتصم (بالعروة الوثقى) أي: بالعصمة الوثيقة، وعقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا يحله شبهة، وعن مجاهد: هو الإيمان بالله ورسوله، وجرى هذه مجرى المثل لحسن البيان بإخراج ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به. (لا انفصام لها) أي: لا انقطاع لها، يعني: كما لا ينقطع أمر من تمسك بالعروة، كذلك لا ينقطع أمر من تمسك بالإيمان. (والله سميع) لأقوالكم (عليم) بضمائركم. (الله ولى الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين

[ 164 ]

كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 257 ]). اللغة: الولي: من الولى وهو القرب من غير فصل، وهو الذي يكون أولى بالغير من غيره، وأحق بتدبيره ومنه: الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير، وبالأمر والنهي، ومنه: المولى من فوق لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة، وما به إليه الحاجة. ومنه: المولى من أسفل، لأنه يلي أمر المالك بالطاعة ومنه: المولى لابن العم، لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة. ومنه: ولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له، والقيام عليه. والولي في الدين وغيره: لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة، كما توجبه الحكمة والمعاقدة. فجميع هذه المواضع الأولى والأحق ملحوظ فيها. وولى عن الشئ: إذا أدبر عنه، لأنه زال عن أن يليه بوجهه. واستولى على الشئ: إذا احتوى عليه، لأنه وليه بالقهر، والئه تعالى ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه: أحدها: إنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة والبرهان لهم في هدايتهم كقوله: (والذين اهتدوا زادهم الله هدى) وثانيها: إنه وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم. وثالثها: إنه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطاعة، والمجازاة على الأعمال الصالحة. المعنى: لما ذكر سبحانه المؤمن والكافر، بين ولي كل واحد منهما، فقال: (الله ولي الذين آمنوا) أي: نصيرهم ومعينهم في كل ما بهم إليه الحاجة، وما فيه لهم الصلاج من أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم. (يخرجهم من الظلمات إلى النور) أي: من ظلمات الضلالة والكفر، إلى نور الهدى والإيمان، لأن الضلال والكفر في المنع من إدراك الحق، كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات. ووجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والطاعة، هو أنه هداهم إليه، ونصب الأدلة لهم عليه، ورغبهم فيه، وفعل بهم من الألطاف ما يقوي به دواعيهم إلى فعله، لأنا قد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرجوا من الكفر إلى الإيمان. فصح إضافة الإخراج إليه تعالى، لكون هذه الأمور التي عددناها من جهة الله تعالى، كما يصح من أحدنا إذا أشار إلى غيره بدخول بلد من البلدان، ورغبه فيه، وعرفه ما له فيه من الصلاح أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني، وأنا

[ 165 ]

أخرجته من كذا وكذا. (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) أي: متولي أمورهم وأنصارهم الطاغوت. والطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع، هذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة. قال الشاعر: * بهاجيف الحسرى، فأما عظامها * فبيض، وأما جلدها فصليب (1) * فجلدها في معنى جلودها. وقال العباس بن مرداس: * فقلنا: أسلموا، وأنا أخوكم، * فقد برئت من الإحن الصدور (2) * والمراد به الشيطان، عن ابن عباس. وقيل: رؤساء الضلالة، عن مقاتل (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) أي: من نور الإيمان والطاعة والهدى، إلى ظلمات الكفر والمعصية والضلالة. وأضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت، على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم ويدعونهم إلى ذلك، ويزينون فعله لهم، فصح إضافته إليهم. وهذا يدل على بطلان برهان قول من قال: إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن، لأنه لو كان كذلك لاقتضت الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان. وعندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله، تعالى عن ذلك. وأيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا، لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية. والإيمان من فعله لا من فعلهم، ولقا كان خاذلا للكفار، ومضيفا لولايتهم إلى الطواغيت، والكفر من فعله فيهم، ولم يفصل بين الكافر والمؤمن، وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما. ومثل هذا لا يخفى على منصف. فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه ؟ قلنا: قد ذكر فيه وجهان أحدهما: إن ذلك يجري مجرى قول القائل: أخرجني والدي من ميراثه. فمنعه من الدخول فيه إخراج. ومئله قوله في قصة يوسف: (إفي تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ولم يكن فيها قط. وقوله: (ومنهم من يرد إلى أرذل العمر)، وقال الشاعر:


(1) الحسرى: جمع الحسير. (2) الإحن كعنب جمع الإحنة: الحقد. (*)

[ 166 ]

* فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلي، فقد عادت لهن ذنوب * ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك. والوجه الآخر: إنه في قوم ارتدوا عن الإسلام، عن مجاهد. والأول أقوى. وقوله: (أولئك أصحاب النار) إلى آخره قد مضى تفسيره. (ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أن ءاتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربى الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين [ 258 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة: (أنا أحيي) بإثبات الألف في (أنا) والمد إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة، نجو: أنا أخوك، فإن كان بعدها همزة مكسورة نحو: إن أنا إلا نذير، حذفوا الألف إجماعا. الحجة: الأصل في أنا الهمزة والنون، وإنما يلحقها الألف في الوقف، كما أن الهاء تلحق للوقف في مسلمونه، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف تسقط في الوصل، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل. وقد جاءت ألف (أنا) مثبتة في الوصل في الشعر، نحو قول الأعشى: * فكيف أنا، وانتحال القوافي، * بعد المشيب كفى ذاك عارا (1) * وقول الآخر: * أناشيخ العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما (2) * قال أبو علي: وما روي في إثبات الألف في (أنا) إذا كان بعد الألف همزة، فإني لا أعلم بين الهمزة وغيرها من الحروف فصلا، ولا شيئا يجب من أجله إثبات الألف التي حكمها أن تثبت في الوقف.


(1) انتحل فلان شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه. (2) تذريت السنام. علوت الذروة اي: أعلاه. (*)

[ 167 ]

اللغة: في (بهت) أربع لغات: بهت على وزن ظرف. وبهت: على وزن حذر. وبهت: على وزن ذهب. وبهت: على وزن ما لم يسم فاعله، وهذا هو الأفصح، وعليه القراءة، يقال: بهت الرجل يبهت بهتا: إذا إنقطع وتحير. ويقال: بهت الرجل أبهته بهتانا: إذا قابلته بكذب. فالبهت: الحيرة عند استيلاء الحجة، لأنها كالحيرة للمواجه بالكذب، لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه، ومنه قوله: (أتأخذونه بهتانا) كأنه قال: أتأخذونه ادعاء للكذب فيه. الاعراب: (ألم تر إلى الذي): إنما أدخلت (إلى) في كلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل، كما يقولون: أما ترى إلى فلان كيف يصنع، ومنه معنى: هل رأيت كفلان في صنيعه كذا. فإنما دخلت (إلى) من بين حروف الجر، لهذا المعنى، لأنها لما كانت بمعنى الغاية والنهاية، صار الكلام بمنزلة هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته، ليدل على بعد وقوع مثله على التعجيب منه، لأن التعجب إنما يكون مما استبهم سببه، ولم تجر العادة به. وقد صارت (إلى) ها هنا بمنزلة كاف التشبيه، لما بينا من العلة، إذ كان ما ندر مثله، كالذي يبعد وقوعه. المعنى: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار لا ولي لهم سوى الطاغوت، تسلية لنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، قص عليه بعده قصة إبراهيم ونمرود فقال: (ألم تر) يا محمد أي: ألم ينته علمك ورؤيتك (إلى الذي حاج إبراهيم) أي: إلى من كان كالذي حاج، فكأنه قال: هل رأيت كالذي حاج أي: خاصم وجادل، إبراهيم، وهو نمرود بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، عن مجاهد وغيره. وإنما أطلق لفظ المحاجة، وإن كانت مجادلة بالباطل، ولم تكن له فيه حجة، لأن في زعمه أن له فيه حجة. واختلف في وقت هذه المحاجة فقيل: عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار، وجعلها عليه بردا وسلاما، عن الصادق " عليه السلام ". (في ربه) أي: في رب إبراهيم الذي يدعو إلى توحيده وعبادته (أن آتاه الله الملك) أي: لأن آتاه الله الملك. الهاء من أتاه تعود إلى المحاج لإبراهيم أي: أعطاه الله الملك، وهو نعيم الدنيا وسعة المال. فبطر الملك حمله على محاجة إبراهيم، عن الحسن والجبائي. والملك على هذا الوجه جائز أن ينعم الله تعالى به على كل أحد. فأما الملك بتمليك الأمر والنهي، وتدبير أمور الناس، وإيجاب الطاعة على

[ 168 ]

الخلق، فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح والسداد والرشاد، دون من يدعو إلى الكفر والفساد، ولا يصح منه لعلمه بالغيوب والسرائر، تفويض الولاية إلى من هذا سبيله، لما في ذلك من الاستفساد. وقيل: إن الهاء تعود إلى إبراهيم، عن أبي القاسم البلخي. ويسأل على هذا فيقال: كيف يكون الملك لإبراهيم والحبس والإطلاق إلى نمرود ؟ وجوابه: إن الحبس والإطلاق، والأمر والنهي، كان من جهة الله لإبراهيم، وإنما كان نمرود يفعل ذلك على وجه القهر والغلبة، لا من جهة ولاية شرعية (إذ قال إبراهيم ري الذي يحمي ويميت) في الكلام حذف، وهو إذ قال له نمرود من ربك ؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. بدأ بذكر الحياة، لأنها أول نعمة ينعم الله بها على خلقه، ثم يميتهم. وهذا أيضا لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأن الإماتة هي أن يخرج الروح من بدن الحي، من غير جرح، ولا نقص بنية، ولا إحداث فعل بالبدن من جهته، وهذا خارج عن قدرة البشر. (قال انا احيي وأميت) أي: فقال نمرود أنا أحيي بالتخلية من الحبس من وجب عليه القتل، واميت بالقتل من شئت ممن هو حي. وهذا جهل من الكافر، لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى، عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت، أو الموت للحي، على سبيل الإختراع الذي ينفرد به تعالى، ولا يقدر عليه سواه (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) قيل في انتقاله من حجة إلى إخرى وجهان أحدهما: إن ذلك لم يكن انتقالا وانقطاعا عن إبراهيم، فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد، بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج. وعلامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل والتدبر، لموقعها من الحجة المعتمد عليها. والثاني: إن إبراهيم إنما قال ذلك، ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات، وإماتة الأحياء، أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق. فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب. وإنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أردت اختراع الموت والحياة من غير سبب ولا علاج، لاشتبه على كثير ممن حضر، فعدل إلى ما هو أوضح، لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان والإيضاح. وليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين، وطلب كل واحد منهما غلبة خصمه.

[ 169 ]

وقد روي عن الصادق " عليه السلام " أن إبراهيم " عليه السلام " قال له: احي من قتلته إن كنت صادقا ! ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا. (فبهت الذي كفر) أي: تحير عند الإنقطاع بما بان من ظهور الحجة. فإن قيل: فهلا قال له نمرود: فليأت بها ربك من المغرب ؟ قيل عن ذلك جوابان أحدهما: إنه لما علم بما رأى من الآيات، أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم، فكان يزداد بذلك فضيحة، عدل عن ذلك. والثاني: إن الله خذله. ولطف لإبراهيم حتى إنه لم يأت بشبهة، ولم يلبس. (والله لا يهدي القوم الظالمين) بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد. وقيل: معناه لا يهديهم إلى المحاجة، كما يهدي أنبياءه وأولياءه. وقيل: معناه لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنة. وهذا لا يعارض قوله: (فأما ثمود فهديناهم) لأنا قد بينا معاني الهداية ووجوهها قبل عند قوله: (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) فبعضها عام لجميع المكلفين، وبعضها خاص للمؤمنين. وفي هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية، إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع. وفيها دلالة على فساد التقليد، وحسن الحجاج، وأنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره. وفي تفسير ابن عباس: إن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة، فعضمت شفتيه، فأهوى إليها بيده ليأخذها، فطارت في منخره، فذهب ليستخرجها، فطارت في دماغه، فعذبه الله بها أربعين ليلة، ثم أهلكه. (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ونجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير [ 259 ]). القراءة: قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: (لبت) بالإدغام.

[ 170 ]

والباقون بالإظهار. وقرأ أهل العراق، غير أبي عمرو وعاصم: لم يتسن، واقتد (1) بحذف الهاء وصلا. والباقون بإثبات الهاء في الوصل. ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. وقرأ أهل الحجاز والبصرة: (ننشرها) بضم النون الأولى وبالراء. وقرأ أهل الكوفة والشام: (ننشزها) بالزاي. وروى أبان عن عاصم: (ننشرها) بفتح النون وضم الشين وبالراء. وقرأ حمزة والكسائي: (قال اعلم) موصولة الألف ساكنة الميم. والباقون: (أعلم) مقطوعة الألف، مرفوعة الميم. الحجة: قال أبو علي: من أدغم (لبت) أجرى التاء والثاء مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان، وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس. ومن بين ولم يدغم، فلتباين المخرجين، لأن الطاء والدال والتاء من حيز، والظاء والذال والثاء من حيز. ومن قرأ (لم يتسنه) بالهاء في الوصل، فيحتمل أمرين أحدهما: أن يكون الهاء لاما من السنه، فيمن قال شجرة سنهاء، فيكون سكون الهاء للجزم والآخر: أن يكون من السنة أيضا، فيمن قال أسنتوا وسنوات، أو يكون من المسنون الذي يراد به المتغير، كأنه لم يتسن. ثم قلب على حد القلب في لم يتظن. وحكي أن أبا عمرو الشيباني إلى هذا كان يذهب في هذا الحرف. فالهاء في (يستنه) على هذين القولين، يكون للوقف. فينبغي أن يلحق في الوقف، ويسقط في الدرج. وأما قوله (اقتده) فيجوز أن يكون الهاء كناية عن المصدر، ولا يكون التي للوقف. ولكن لما ذكر الفعل، دل على مصدره، فأضمره كما أضمر في قوله: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم). وقال الشاعر: * غدا سراقة للقرآن يدرسه، * والمرء عند الرشى إن يلقها ذئب (2) * فالهاء في يدرسه للمصدر، لا يجوز أن يكون للمفعول، لأن الفعل قد تعدى إلى المفعول باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه مرة ثانية. وكذلك قوله: (فبهديهم اقتده) يكون اقتد الإقتداء، فيضمر لدلالة الفعل عليه. ومن قرأ (كيف ننشرها): فمعناه كيف نحييها، يقال: أنشر الله الميت فنشر. وقد رصفت العظام بالإحياء قال تعالى (من يحيي العظ م وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)، وكذلك في قوله (ننشرها). ومن قرأ (ننشزها) بالزاي: فالنشز الإرتفاع.


(1) أي: في سورة الأنعام. (2) وفي بعض النسخ " هذا " بدل " غدا "، ولعله أظهر. (*)

[ 171 ]

قال أبو الحسن: نشزوا نشزته، فتقدير ننشزها: نرفع بعضها إلى بعض للإحياء. ومن هذا النشوز من المرأة: وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة، فلا تلائمه. ومن قرأ (قال أعلم) على لفظ الخبر، فلأنه لما شاهد من إحياء الله، وبعثه إياه بعد وفاته، ما شاهد، أخبر عما تبينه وتيقنه أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قيل: ومن قال إعلم على لفظ الأمر، فالمعنى يؤول إلى الخبر، وذلك أنه لما تبين له ما تبين من الأمر الذي لا مجال للشبهة عليه، نزل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها، كقول الأعشى: * أرمي بها البيدا إذا هجرت، * وأنت بين القرو، والعاصر (1) * فقال: أنت وهو يريد نفسه، ومثله قوله: * ودع هريرة إن الركب مرتحل، * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ! * فخاطب نفسه كما يخاطب غيره. قال أبو الحسن: وهو أجود في المعنى. اللغة: أصل الخواء: الخلاء. قال الراجز: " يبدو خواء الأرض من خوائه " والخواء: الفرجة بين الشيئين، لخلو ما بينهما. وخوت الدار تخوي خواء فهي خاوية: إذا باد أهلها لخلوها منهم. والخوى: الجوع خوى يخوي خوى: لخلو البطن من الغذاء. والتخوية: التفريج بين العضدين والجنبين،. لخلو ما بينهما بتباعدهما. على عروشها أي: على أبنيتها. قال أبو عبيدة: هي الخيام، وهي بيوت الأعراب. وقال غيره: خاوية على عروشها أي: بقيت حيطانها لا سقوف عليها. وكل بناء عرش. وعريش مكة: أبنيتها. وعرش يعرش عرشا: إذا بنى. والعريش: البيت لارتفاع أبنيته. والعرش: السرير لارتفاعه عن غيره. وعرش الرجل: قوام أمره. وعرش البيط: سقفه. والتعريش: جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه، يقال: عرشته وعرشته. وأصل القرية: الجمع من قريت الماء. وسميت قرية: لاجتماع الناس فيها للإقامة بها. وأنى يحي: من أين يحمي، أو كيف يحمي. والعام: الحول وجمعه الأعوام، وهو حول يأتي بعد شتوة وصيفة، لأن فيه سبحا طويلا، ربما يمكن من التصرف فيه. والعوم: السباحة. والسفينة تعوم في جريها، والإبل تعوم في سيرها. والإعتيام: اصطفاء خيار مال الرجل لأنه يجري في


(1) هجر النهار: اشتد حره. والقرو: أسفل النخلة ينقر فيه النبيذ. والعاصر: الذى يعصر العنب. (*)

[ 172 ]

أخذه شيئا بعد شئ كالسابح في الماء الجاري. واعتام الموت النفوس أولا فأولا كذلك. وأصل الباب: السبح. واللبث: المكث، يقال: لبث فهو لابث. وتلبث تلبثا: إذا تمكث. والحمار: يقال للوحشي والأهلي، وأصله من الحمرة، لأن الحمرة أغلب عليه. وحمارة القيظ: شدة حره. وحمر فو الفرس يحمر حمرا: إذا أنتن. وموت أحمر: شديد، مشبه بحمرة النار. والأسود والأحمر: العرب والعجم، لأن السواد أغلب على لون العرب، كما أن الحمرة أغلب على لون العجم. ومنه قول الأشعث لعلي: " غلبت عليك هذه الحمراء " يعني العجم. والنشر: خلاف الطي. والنشر: إذاعة الحديث. وحث العود بالمنشار. والنشر: الرائحة الطيبة، وربما قيل في الخبيثة. والنشرة: الرقية. والنشز بالزاي: المرتفع من الأرض. الاعراب: (أو) حرف عطف، وهو عطف على معنى الكلام الأول، وتقديره: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية وموضع الكاف نصب بتر، ومعناه التعجب، لأن كل ما خرج من بابه لعظمه عن حد نظائره، فهو مما يتعجب منه. تقول: ما أجهله أي: قد خرج بجهله عن حد نظائره. وكذلك لو قلت: هل رأيت كزيد الجاهل، لدللت على مثل الأول منه في التعجب، لما بينا أن ما أفعله صيغة وضعت للتعجب، وليس كذلك هل رأيت، لأنها ني الأصل للاستفهام. وقيل: الكاف زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله (ليس كمثله شئ) والأول أوجه، لأنه لا يحكم بالزيادة إلا لضرورة. وقوله: (أنى) استفهام في موضع نصب على الحال من يحيي، وتقديره أقادر أن يحيي. ويجوز أن يكون مصدرا ليحيي، وتقديره: أي نوع يحيي أي: أي إحياء يحيي، وهذا أولى لأنه يكون سؤالا عن كيفية الإحياء، لا إنكارا لأصل الإحياء. وموضع (كم): نصب بلبثت، كأنه قال: أمائة سنة لبثت ؟ أم أقل ؟ أم أكثر ؟ وقوله: (ولنجعلك) دخلت الواو لاتصال اللام بفعل محذوف، كأنه قال: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، لأن الواو لو أسقطت، اتصلت اللام بالفعل المتقدم. (كيف): في محل النصب على الحال من (ننشر)، أو ننشز. وذو الحال الضمير المستكن فيه، أو على المصدر. وننشزها: جملة في موضع الحال من انظر، وذو الحال العظام.

[ 173 ]

المعنى: (أو كالذي مر) أي: أو هل رأيت كالذي مر، ومعناه: إن شئت فانظر في قصة الذي حاج إبراهيم، وإن شئت فانظر إلى قصة الذي مر (على قرية) وهو عزير، عن قتادة وعكرمة والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: هو أرميا، عن وهب، وهو المروي عن أبي جعفر. وقيل: هو الخضر عن ابن إسحاق. والقرية التي مر عليها: هي بيت المقدس لما خربه بخت نصر، عن وهب وقتادة والربيع وعكرمة. وقيل: هي الأرض المقدسة، عن الضحاك. وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، عن ابن زيد (وهي خاوية على عروشها) أي: خالية. وقيل: خراب، عن ابن عباس والربيع والضحاك. وقيل: ساقطة على أبنيتها وسقوفها، كأن السقوف سقطت ووقعت البنيان عليها. (قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) أي: كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها. وقيل: كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا ؟ وأطلق لفظ القرية، وأراد به أهلها كقوله: (واسئل القرية)، ولم يقل ذلك إنكارا، ولا تعجبا، ولا ارتيابا، ولكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة، كما يقول الواحد منا: كيف يكون حال الناس يوم القيامة ؟ وكيف يكون حال أهل الجنة في الجنة ؟ وكيف يكون حال أهل النار في النار ؟ وكقول إبراهيم: (رب أرني كيف تحيي الموتى) أحب أن يريه الله إحياء الموتى مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة، كما حصل العلم دلالة، لأن العلم الإستدلالى ربما اعتورته الشبهة. (فأماته الله مائة عام) أي: مائة سنة (ثم بعثه) أي: أحياه كما كان (قال كم لبثت) في التفسير إنه سمع نداء من السماء: كم لبثت ؟ يعني في مبيتك ومنامك. وقيل: إن القائل له نبي. وقيل: ملك. وقيل: بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه (قال لبثت يوما أو بعض يوم) لأن الله أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: يوما، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. ف‍ (قال بل لبثت مائة عام) معناه بل مكثت في مكانك مائة سنة (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) أي: لم تغيره السنون. وإنما قال: (لم يتسنه) على الواحد، لأنه أراد به جنس الطعام والشراب، أي أنظر إلى ما تركته إنه لم يتسنه. وقيل: أراد به الشراب لأنه أقرب المذكورين إليه. وقيل: كان زاده عصيرا وتينا وعنبا، وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا وفسادا، فوجد العصير حلوا، والتين والعنب كما جنيا لم يتغيرا. (وانظر إلى حمارك) معناه: انظر إليه كيف تفرق أجزاوه، وتبدد عظامه، ثم

[ 174 ]

انظر كيف يحييها الله. وإنما قال له ذلك، ليستدل بذلك على طول مماته (ولنجعلك آية للناس) فعلنا ذلك. وقيل: معناه فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت. وقوله: (ولنجعلك آية للناس) أي: حجة للناس في البعث (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) كيف نحييها وبالزاي كيف نرفعها من الأرض، فنردها إلى أماكنها من الجسد، وتركب بعضها على بعض. (ثم نكسوها) أي: نلبسها (لحما). واختلف فيه فقيل: أراد عظام حماره، عن السدي وغيره، فعلى هذا يكون تقديره: وانظر إلى عظام حمارك. وقيل: أراد عظامه، عن الضحاك وقتادة والربيع قالوا: أول ما أحيا الله منه عينه، وهو مثل غرقئ البيض (1)، فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفرقة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع الذي يأتلف إلى العظام من هاهنا، ومن هاهنا، ويلتزم ويلتزق بها حتى قام، وقام حماره. (فلما تبين له) أي: ظهر وعلم. رإنما علم أنه مات مائة سنة بشيئين أحدهما: بإخبار من أراه الآية المعجزة في نفسه وحماره وطعامه وشرابه، وتقطع أوصاله، ثم اتصال بعضها إلى بعض، حتى رجع إلى حالته التي كان عليها في أول أمره. والآخر: إنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك لما رجع إلى وطنه، فرأى ولد ولده شيوخا، وقد كان خلف آباءهم شبابا، إلى غير ذلك من الأمور التي تغيرت، والأحوال التي تقلبت. وروي عن علي " عليه السلام " أن عزيرا خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة، فأماته الله مئة سنة، ثم بعثه، فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة، وله ابن له مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه، فذلك من آيات الله. وقيل: إنه رجع وقد أحرق بختنصر التوراة، فأملاها من ظهر قلبه. فقال رجل منهم: حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم، فإن أريتموني كرم جدي، أخرجتها لكم. فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى، فما اختلفنا في حرف. فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلبه، إلآ وهو ابنه. فقالوا: عزير ابن الله. (قال) أي: قال المار على القرية (أعلم) أي: أتيقن. ومن قرأ (إعلم) فمعناه على ما تقدم ذكره من أنه يخاطب نفسه. وقيل: إنه أمر من الله تعالى له (أن الله على كل شئ قدير) أي: لم أقل ما قلت عن شك وارتياب. ويحتمل أنه إنما


(1) الغرقئ: بياض الببض الذى يؤكل. (*)

[ 175 ]

قال ذلك لأنه ازداد بما شاهد وعاين، يقينا وعلما، إذ كان قبل ذلك علم استدلال، فصار علمه ضرورة ومعاينة. (وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم [ 260 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس عن يعقوب: (فصرهن) بكسر الصاد. والباقون: (فصرهن) بضم الصاد. وروي في الشواذ، عن ابن عباس: (فصرهن) بكسر الصاد وتشديد الراء وفتحها. وعن عكرمة: (فصرهن) بفتح الصاد وكسر الراء وتشديدها. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (جزأ) مثقلا مهموزا حيث وقع. وقرأ أبو جعفر: (جزا) مشددا. والباقون بالهمز والتخفيف. الحجة: يقال: صرته أصوره أي: أملته، ومنه قول الشاعر: (يصور عنوقها أحوى زنيم) أي: يميل عنوق هذه الغنم تيس أحوى (1). وصرته أصوره: قطعته. قال أبو عبيدة: فصرهن من الصور. وقال: وهو القطع. وقال أبو الحسن: وقد قالوا بمعنى القطع صار يصير أيضا، قال الشاعر: * وفرغ يصير الجيد وحف كأنه * على الليت قنوان الكروم الدوالح (2) * ومعنى هذا يميل الجيد من كثرته، فقد ثبت أن الميل والقطع، يقال في كل واحد منهما أيضا صار يصير. فمن جعل فصرهن إليك بمعنى أملهن إليك حذف من الكلام والمعنى: أملهن إليك فقطعهن. ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة لدلالة الكلام عليها، كما حذف من قوله (اضرب بعصاك البحر فانفلق) أي: فضرب فانفلق. ومن قدر فصرهن على معنى فقطعهن، لم يحتج إلى إضمار. ويحتمل كلا الوجهين كل واحد من القراءتين على ما ذكرناه. وقوله: إليك: إن جعلت صرهن بمعنى فقطعهن كان إليك متعلقا بخذ أي: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن، ثم


(1) التيس: الذكر من المعز. تيس أحوى: إذا خالط خضرته سواد وصفرة. (2) فرع وحف: شعر كثير حسن. الليت: صفحة العنق. الكروم الدوالح: المثقلات. (*)

[ 176 ]

إجعل. وإن جعلته بمعنى أملهن: احتمل إليك أن يكون متعلقا بخذ، وأن يكون متعلقا بصرهن. وقياس قول سيبويه أن يكون متعلقا بقوله صرهن، لأنه أقرب إليه. ومن قرأ (فصرهن) بكسر الصاد وتشديد الراء فإنه يكون من صره يصره أي: قطعه. والمتعدي من هذا الباب قليل. وقد روي عن عكرمة أيضا (فصرهن) بضم الصاد، فيكون من صره يصره، وهذا على القياس. ومن قرأ (فصرهن): فهو فعلهن من صرى يصري تصرية: إذا حبس وقطع، قال: * رب غلام قد صرى في فقرته * ماء الشباب عنفوان شرته (1) * أي: حبسه وقطعه. ومنه الشاة المصراة أي: المحبوسة اللبن، المقطوعة في ضرعها عن الخروج. وأما الوجه في قراءة من قرأ (جزأ) بالتثقيل فقد ذكرنا عند قوله تعالى (قالوا أتتخذنا هزوا). ومن قرأ (جزا) بالتشديد فأصله جزءا ثم خفف همزته. ثم إنك إذا وقفت كان لك السكون، وإن شئت الإشمام فتقول: الجزو. وإن شئت التشديد (فتقول) الجز. ثم إنه وصل على وقفه فقال جزا، كما قال الشاعر: * ببازل وجناء، أوعيهل، * كأن مهواها على الكلكل (2) * فأجرى الوصل مجرى الوقف. اللغة: اطمأن يطمئن: توطأ. والمطمئن من الأرض: ما انخفض. وتطامن (3) واطمأن إليه: إذا وثق به لسكون نفسه إليه، ولتوطي حاله بالأمانة عنده. وأصل الباب: التوطئة. والطير: معروف. وطار يطير طيرانا وطيرورة. والباب يدل على خفة الشئ في الهواء، ثم يستعار ذلك في غيره وفي كل سرعة. وتطير: من الطيرة، وهو زجر الطير بما يكره. وطائر الإنسان: عمله الذي تقلده من خير أو شر، لأنه بمنزلة طائر الزجر في البركة والتشؤم. وفجر مستطير: منتشر في الأفق. وغبار مستطار، وفرس مطار: حديد الفؤاد، لأنه طيار في جريه. والجبل: وتد من أوتاد الأرض. وجبل فلان على كذا أي: طبع. ورجل ذو جبلة: إذا كان غليظ الجسم. والجبلة: الأمة من الناس. وأجبل الحافر: إذا بلغ إلى صلابة لا يمكنه الحفر


(1) الفقرة: الخرزة من خرزات الظهر. شرة الشباب: نشاطه. (2) بزل البعير: أنشق نابه. ناقة وجناء، أو عيهل: شديدة أو سريعة. الكلكل: الصدر. (3) [ اطمينانا إذا ].

[ 177 ]

عندها. ومنه: أجبل الشاعر: إذا صعب عليه إلقول. والجزء: بعض الشئ. وجزأته: بعضته. والفرق بين الجزء والسهم أن السهم من الجملة ما ينقسم عليه نحو الإثنين من العشرة، وقد يقال الجزء لما لا ينقسم عليه نحو الثلاثة من العشرة، ولا تنقسم العشرة عليها، وإن كانت الثلاثة جزءا من العشرة. الاعراب: العامل في (إذ) في المعنى اذكر أي: واذكر هذه القصة، عن الزجاج. ويجوز أن يكون عطفا على قوله (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم) أي: وألم تر إذ قال وموضع (كيف) نصب بقوله (تحيي الموتى). والمعنى: بأي حال تحيي الموتى. وقوله: (ليطمئن قلبي) اللام يتعلق بمعنى (أرني) تقديره: أرني ليطمئن قلبي. من الطير صفة لأربعة. فعلى هذا يكون من للتبعيض وللتبيين. ويجوز أن يتعلق بخذ. فعلى هذا لا يكون إلا للتبيين منهن أي جزء من كل واحد منهن. فلما قدم على جزء وقع موضع النصب على الحال من جزء. وقوله: (سعيا) مصدر وقع موقع الحال، وكأنه قال: يسعين سعيا، أو ساعيات سعيا. المعنى: ثم ذكر تعالى ما أريه إبراهيم عيانا من إحياء الموتى، فقال: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى) اختلف في سبب سؤال إبراهيم هذا على وجوه أحدها: ما قاله الحسن والضحاك وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله أنه رأى جيفة تمزقها السباع، فيأكل منها سباع البر، وسباع الهواء، ودواب البحر، فسأل الله إبراهيم فقال: يا رب ! قد علمت أنك تجمعها من بطون السباع والطير ودواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك وثانيها: ما روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الملك بشر إبراهيم " عليه السلام " بأن الله قد اتخذه خليلا، وأنه يجيب دعوته، ويحيي الموتى بدعائه، فسأل الله تعالى أن يفعل ذلك ليطمئن قلبه، بأنه قد أجاب دعوته، واتخذه خليلا وثالثها: إن سبب السؤال منازعة نمرود إياه في الإحياء، إذ قال (أنا أحيي وأميت) وأطلق محبوسا، وقتل إنسانا. فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء. وقال: يا رب ! أرني كيف تحيي الموتى، ليعلم نمرود ذلك. وروي أن نمرود توعده بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث يشاهده، فلذلك قال (ليطمئن قلبي) أي: بأن لا يقتلني الجبار، عن محمد بن إسحاق بن يسار. ورابعها: إنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان، بعد أن كان عالما به من جهة الإستدلال والبرهان، لتزول الخواطر ووساوس الشيطان. وهذا أقوى الوجوه.

[ 178 ]

(قال أولم تؤمن) هذه الألف استفهام ويراد به التقرير كقول الشاعر: * ألستم خير من ركب المطايا، * وأندى العالمين بطون راح (1) * أي: قد آمنت لا محالة، فلم تسأل ذا ؟ وهذه الألف إذا دخلت على الإثبات فالمراد النفي كقوله (أ أنت قلت للناس) أي: لم تقل. (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي: بلى أنا مؤمن، ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني، عن الحسن وقتادة ومجاهد وابن جبير. وقيل: لأعاين ذلك، ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الإستدلال. وقيل: ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي، واتخذتني خليلا، كما وعدتني. (قال فخذ أربعة من الطير) مختلفة الأجناس، وإنما خص الطير من بين سائر الحيوانات لخاصية الطيران. وقيل: إنها الطاووس والديك والحمام والغراب، أمر أن يقطعها، ويخلط ريشها بدمها، هذا قول مجاهد وابن جريج وعطاء وابن زيد، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " (فصرهن إليك) أي: قطعهن، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن. وقيل: معناه اضممهن إليك، عن عطاء وابن زيد، وقد تقدم بيانه في وجه القراءة. (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا). وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أن معناه: فرقهن على كل جبل، وكانت عشرة أجبل، ثم خذ بمناقيرهن، وادعهن باسمي الأكبر، وحلفهن بالجبروت والعظمة، يأتينك سعيا. ففعل إبراهيم ذلك، وفرقهن على عشرة أجبل، ثم دعاهن فقال: أجبن بإذن الله. فكانت تجتمع ويأتلف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه، وطارت إلى إبراهيم. وقيل: إن الجبال كانت سبعة، عن ابن جريج والسدي. وقيل: كانت أربعة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: أراد كل جبل على العموم بحسب الإمكان، كأنه قال: فرقهن على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، عن مجاهد والضحاك. ويسأل فيقال: كيف قال ثم ادعهن، ودعاء الجماد قبيح ؟ وجوابه: إنه أراد بذلك الإشارة إليها والإيماء، لتقبل عليه إذا أحياها الله. وقيل: معنى الدعاء هاهنا


(1) المطايا كسجايا جمع مطية: الدابة السرية. أندى أفعل تفضيل من الندى: المطر والمراد السخاء. والراح جمع الراحة: الكف. والقائل جرير أحد أعمدة الثالوث الأموي (الفرزدق والأخطل وجرير. (*)

[ 179 ]

الإخبار عن تكوينها أحياء، كقوله سبحانه: (كونوا قردة خاسئين)، وقوله: (إءتيا طوعا أو كرها) عن الطبري. وقول من قال إنه جعل على كل جبل طيرا، ثم دعاها بعيد من الصواب والفائدة، لأنه إنما طلب بالعلم به كونه قادرا على إحياء الموتى عيانا، وليس في إتيان طائر حي إليه بالإيماء ما يدل على ذلك. وفي الكلام حذف فكأنه قال: فقطعهن، ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا، فإن الله يحييهن، فإذا أحياهن فادعهن، فيكون الإيماء إليها بعد أن صارت أحياء. ففعل إبراهيم ذلك، فنظر إلى الريش يسعى بعضها إلى بعض، وكذلك العظام واللحم، ثم أتينه مشيا على أرجلهن، فتلقى كل طائر رأسه وذلك قوله (يأتينك سعيا). وذكر عن النضر بن شميل قال: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: (يأتينك سعيا) هل يقال للطائر إذا طار سعى ؟ فقال: لا. قلت: فما معناه ؟ قال: معناه يأتينك وأنت تسعى سعيا. (واعلم أن الله عزيز) أي: قوي لا يعجز عن شئ (حكيم) في أفعاله وأقواله. وقيل: عزيز يذل الأشياء له، ولا يمتنع عليه شئ، حكيم، أفعاله كلها حكمة وصواب. ومما يسأل في هذه الآية أن يقال: كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله (أرني أنظر إليك) ؟ وجوابه من وجهين أحدهما: إنه سأل آية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا يعترضها الشكوك بوجه، وإبراهيم إنما سأل في شئ خاص يصح معه التكليف والآخر: إن الأحوال قد تختلف، فيكون الأصلح في بعضر الأحوال الإجابة، وفي بعضها المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ 261 ]). اللغة: النبت: الحشيش وكل ما ينبت من الأرض يقال: نبت نبتا ونباتا، وأنبته الله إنباتا والينبوت: شجر الخشخاش. وأنبت الغلام: إذا راهق واستبان شعر عانته. والسنبلة على وزن فنعلة كقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل: إذا صار فيه السنبل. والأصل فيه الإسبال: وهو إرسال الستر ونحوه، فكما يسترسل الستر بالإسبال، يسترسل الزرع بالسنبل، ولأنه صار فيه حب مستور كما يستر بالإسبال. والمائة:

[ 180 ]

معروفة، يقال: أمأت الغنم إذا بلغت مائة. وأمأيتفا أنا أي: وفيتها مائة. والمأي: الفساد بين القوم. المعنى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل: تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة. وقيل: تقديره مثل الذين ينفقون كمثل زارع حبة، وسبيل الله هو الجهاد وغيره من أبواب البر كلها على ما تقدم بيانه. فالآية عامة في النفقة في جميع ذلك، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، واختاره أبو علي الجبائي. وقيل: هي خاصة بالإنفاق في الجهاد. فأما غيره من الطاعات، فإنما يجزى بالواحد عشرة أمثالها (كمثل حبة أنبتت) أي: أخرجت (سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة) يعني أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف. ومتى قيل: هل رأى في سنبلة مئة حبة، حتى يضرب المثل بها ؟ فجوابه: إن ذلك متصور، وإن لم ير كقول امرء القيس: (ومسنونة زرق (1) كأنياب أغوال). وقوله تعالى: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين). وأيضا فقد رأى ذلك في الجاورس ونحوه. (والله يضاعف لمن يشاء) أي: يزيد على سبعمائة لمن يشاء. وقيل: معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " رب زد أمتي " فنزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) قال: رب زد أمتي فنزل: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). وقوله: (والله واسع) أي: واسع القدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة. وقيل: واسع الرحمة لا يضيق عن المضاعفة (عليم) بما يستحق الزيادة، عن ابن زيد. وقيل: عليم بما كان من النفقة وبنية المنفق، وما يقصده من الإنفاق. النظم: اتصلت هذه الآية بقوله (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) وما بين الآيتين اعتراض بالاستدعاء إلى الحق، وبيان الحجج والعبر، عن علي بن عيسى. وقيل: لما قص تعالى ما فيه البرهان على التوحيد، وما آتى رسله من البينات، حث على الجهاد. وأعلم أن من عاند بعد هذه الدلالات، يجب قتاله. فحث على قتال من كفر بعد هذا البرهان، وبين أن في جهادهم والنفقة فيهم، الثواب العظيم، عن ا لزجاج.


(1) أي: الرماح ذات السنان التي لونها الزرقة. (*)

[ 181 ]

(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولآ أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون [ 262 ]). اللغة: المن: هو ذكر ما ينغص المعروف كقول القائل: أحسنت إلى فلان، وأنعشته، ونحو ذلك. وأصل المن: القطع، ومنه قوله (لهم أجر غير ممنون) أي: غير مقطوع. ومنه قولهم حبل منين أي: ضعيف، لأنه مقطع. وسمي ما يكدر المعروف بأنه منة، لأنه يقطع الحق الذي يجب به. والمنة: النعمة العظيمة، سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق بها لعظمها. والمنة: القوة في القلب. والمن: الذي يقع من السماء. والمن: الذي يوزن به، لأنه يقطع على مقدار مخصوص. والأذى: ضرر يتعجل وصوله إلى المضرور. والخوف: توقع الضرر، وهو يرجع إلى الإعتقاد. والحزن: الغم الذي يغلظ على النفس. المعنى: لما أمر الله تعالى بالإنفاق، عقبه ببيان كيفية الإنفاق، فقال: (الذين ينفقون) أي: يخرجون (أموالهم في سبيل الله) وقد تقدم بيانه (ثم لا يتبعون ما أنفقوا) أي: نفقاتهم (منا) أي منة على المعطى (ولا أذى) له، والمن: هو أن يقول له: ألم أعطك كذا ؟ ألم أحسن إليك ألم أغنك ؟ ونحوها. والأذى: أن يقول: أراحني الله منك، ومن ابتلائي بك ! ويحتمل أن يكون معنى الأذى أن يعبس وجهه عليه، أو يتعبه، أو يؤذيه فيما يدفعه إليه، أو يصرفه في بعض أشغاله بسبب إنفاقه عليه، فكل هذا من المن والأذى الذي يكدر الصنيعة، وينغص النعمة، ويبطل الأجر والمثوبة. وقوله: (لهم أجرهم عند ربهم) إلى آخره قد مر تفسيره. وقيل: معناه لهم جزاء أعمالهم عند ربهم، وإنما قال (عند ربهم) لتكون النفس أسكن إليه، وأوثق به، لأن ما عنده لا يخاف عليه فوت ولا نقص. (ولا خوف عليهم) من فوت الأجر ونقصانه، يوم القيامة (ولا هم يحزنون) لفوته ونقصانه. وفي هذه الآية دلالة على أنه يصح الوعد بشرط، لأن مفهوم الكلام أن تقديره في المعنى، إن لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الأجر كذا. والوعد إذا كان مشروطا. فمتى لم يحصل الشرط لم يحصل استحقاق الثواب. وقد روي عن

[ 182 ]

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " المنان بما يعطي لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم ". (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم [ 263 ]). اللغة: الغني: الواسع الملك. والله غني بأنه مالك لجميع الأشياء. لأنه قادر عليها، لا يتعذر عليه شئ منها. والغنى: ضد الحاجة، يقال: غني يغنى غنا، واستغنى وأغناه الله، والغناء: الكفاية للغنى به عن غيره. والغنية: الاستغناء. وقد غني القوم: إذا نزلوا في مكان يغنيهم. والمكان الذى ينزلون به مغنى. وقد غنى فلان غناء: إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغني الشعر أن يزاد في نغمه. وقد غنيت المرأة غنيانا، قال قيس بن الحطيم: * أجد (1) بعمرة غنيانها * فتهجر، أم شأننا شأنها * غنيانها: غناؤها. والغواني: النساء لأنهن غنين بجمالهن. وقيل: بأزواجهن. والحليم مر ذكره. المعنى: (قول معروف) أي: كلام حسن جميل، لا وجه فيه من وجوه القبح، يرد به السائل. وقيل: معناه دعاء صالح نحو أن يقول: صنع الله بك، وأغناك الله عن المسألة، وأوسع الله عليك إلرزق، وأشباه ذلك. وقيل: معناه عدة حسنة. وقيل: قول في إصلاخ ذات البين، عن الضحاك. (ومغفرة) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه سلامة من المعصية، لأن حالها كحال المغفرة في الأمان من العقوبة، عن الجبائي. وثانيها: إن معناه ستر على السائل، وسؤاله. وثالثها: إن معناه عفو المسؤول عن ظلم السائل، عن الحسن. وعلى هذا فيكون ظلم السائل أن يسال في غير وقته، أو يلحف في سؤاله، أو يسئ الأدب بأن يفتح الباب، أو يدخل الدار بغير إذن، فالعفو عن ظلمه. (خير من صدقة) يتبعها أذى. وإنما صار القول المعروف، والعفو عن الظلم، خيرا من الصدقة التي (يتبعها اذى) لأن صاحب هذه الصدقة، لا يحصل على خير، لا على


(1) جد به الأمر: اشتد. (*)

[ 183 ]

عين ماله في دنياه، ولا على ثوابه في عقباه. والقول بالمعروف والعفو، طاعتان يستحق الثواب عليهما. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: (إذا سأل السائل، فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار ولين، إما بذل يسير، أو رد جميل، فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان، ينظرون كيف صنيعكم فيمأ خولكم الله تعالى " (والله غني) عن صدقاتكم، وعن جميع طاعاتكم، لم يأمركم بها، ولا بشئ منها، لحاجة منه إليها، وإنما أمركم بها، ودعاكم إليها، لحاجتكم إلى ثوابها. (حليم) لا يعاجلكم بالعقوبة. وقيل: لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، ولو وفع هاهنا موقع حليم حميد أو عليم، لم يحسن. (يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين [ 264 ]). اللغة: الرئاء والمرءآة: أصله من الرؤية، كأنه يفعل ليرى غيره ذلك. وجمع في رئاء الناس بين همزتين، ولا يجمع في ذوائب، وإن حال بينهما الألف في كلا الموضعين، لخفة الواحد، ولأنهما مفتوحتان في الواحد، فهو أخف لها. والصفوان: واحدته صفوانة، مئل سعدان وسعدانة، ومرجان ومرجانة: وهي الحجر الأملس. والصفا: بمعنى الصفوان. وذكر الكسائي في جمع صفوان: صفي. وأنكر ذلك المبرد، وقال: إنما هو جمع صفا، مثل عصي وعصا، وقفي وقفا. والتراب والترب واحد. وترب الرجل: إذا لصق بالتراب من الفقر، ومنه قوله (مسكينا ذا متربة) لأنه قعد على التراب للفقر. وأترب الرجل: إذا صار ماله بعدد التراب. والترب: اللدة. وقيل فيه أقوال منها: إن الأتراب خرجوا إلى التراب في وقت من الزمان. ومنها: إنهم صبيان يلعبون في التراب. ومنها: إنهم في الإشتباه كالتراب. والترائب: عظام الصدر، لأنها متشابهة. والوابل: المطر الشديد الوقع. وبلت السماء تبل وبلا. والوبيل: الشديد. والوبال: سوء العاقبة. وأصل الباب:

[ 184 ]

الشدة. والصلد (1): الحجر الأملس، قال الشاعر: * ولست بجلب، جلب ريح، وقرة، * ولا بصفا صلد عن الخير معزل (2) * والصلد من الأرض: ما لا ينب شيئا لصلابته. والصلد: البخيل. وصلد الزند صلودا: إذا لم يور نارا. وفرس صلود: إذا أبطأ عرقه. وقدر صلود: إذا أبطا عليها. وأصل الباب: ملاسة في صلابة. الاعراب: (الكاف) في قوله. (كالذي ينفق ماله): في موضعع نصب على الحال من الواو في (تبطلوا). (رئاء الناس): مصدر وضع موضع الحال من الضمير في (ينفق) تقديره ينفق ماله مرائيا. ويجوز أن يكون مفعولا له. (عليه تراب): جملة في موضع جر بكونه صفة (صفوان). و (صلدا) حالى من (تركه). وذو الحال الهاء. و (لا يقدرون): جملة فعلية في موضع الحال. والواو: عائد إلى بعنى الذي، لأنه جنس، لا إلى لفظه. المعنى: ثم أكد تعالى ما قدمه بما ضرب من الأمثال، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن) أي: بالمنة على السائل. وقيل: بالمنة على الله (والأذى) بمعنى أذى صاحبها. ثم ضرب تعالى مثلا لعمل المنان، وعمل المنافق جميعا، فإنهما إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به، فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا. وهذا هو معنى الإبطال: وهو إيقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب، فقال: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) هذا يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا المال للرئاء. (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا للكافر خاصة أي: لا يصدق بوحدانية الله، ولا بالبعث والجزاء. وقيل: إنه صفة للمنافق، لأن الكافر معلن غير مراء، وكل مراء كافر، أو منافق (فمثله كمثل صفوان) أي: حجر أملس (عليه تراب فأصابه وابل) أي: مطر عظيم القطر، شديد الوقع (فتركه صلدا) حجرا صلبا أملس. شبه سبحانه فعل المنافق والمنان، بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب، فإنه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه، كذلك إذا دفع المنان صدقة، وقرن بها المن،


(1) [ الصلب ]. (2) الجلب: السحاب لا ماء فيه. القرة: البرد. قوله: جلب ريح وقرة: عطف ببان. (*)

[ 185 ]

فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه وتلافيه، لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب، فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال، فإذا فاتت، فلا طريق إلى تلافيها. وليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل ويزول بالمن فيما بعد، ولا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد. (لا يقدرون على شئ مما كسبوا) أي: لا يقدر هؤلاء على نفقتهم، ولا على ثوابها، ولا يعلمون أين النفقة، وأين ثوابها، ولا يحصلون منها على شئ، كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر. فقد تضمنت الآية، والآي التي قبلها، الحث على الصدقة، وإنفاق المال في سبيل الخير، وأبواب البر، ابتغاء مرضاة الله، والنهي عن المن والأذى، والرياء والسمعة، والنفاق، والخبر عن بطلان العمل بها. ومما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " إذا كان يوم القيامة، نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الذين كانوا يعبدون الناس ؟ قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له، فإني لا أقبل عملا خالطه شئ من الدنيا وأهلها. وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: قال رسول الله: (من أسدى إلى مؤمن معروفا، ثم آذاه بالكلام، أو من عليه، فقد أبطل الله صدقته. ثم ضرب فيه مثلا فقال: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) إلى قوله (الكافرين). وقال أبو عبد الله " عليه السلام ": ما من شئ أحب إلي من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها، وأحسنت ربها له، لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل. (والله لا يهدي القوم الكافرين) أي: لا يثيب الكافرين على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها، ومانعا من استحقاق الثواب عليها، وإنما يثيب المؤمنين الذين يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب. وقيل: معناه لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم، كما يهدي المؤمنين. وقيل: معناه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين من زيادة الألطاف والتوفيق. (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير [ 265 ]).

[ 186 ]

القراءة: قرأ عاصم وابن عامر: - (بربوة) بفتح الراء. والباقون بضمها. وروي في الشواذ عن ابن عباس بكسر الراء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر: (وأكلها) بالتخفيف. والباقون بالتثقيل. اللغة: الربوة، والربوة، والربوة، بالحركات الثلاث في الراء. والرباوة: الرابية. قال أبو الحسن: والذي نختاره ربوة بضم الراء. ويؤيد هذا الإختيار قولهم: ربا في الجمع. والأكل: المأكول، يدل على ذلك قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين) أي ما يؤكل منها. قال الأعشى: * جندك التالد الطريف من السا * دات أهل القباب، والآكال (1) * فالآكال: جمع أكل، مثل عنق وأعناق. والأكل: الفعل. والأكلة: الطعمة، والأكلة الواحدة. قال الشاعر: * فما أكلة إن نلتها بغنيمة، * ولا جوعة إن جعتها بغرام * ففتح الألف من لفعلة بدلالة قوله: " ولا جوعة ". وإن شئت ضممت وعنيت الطعام. وقال أبو زيد: إنه لذو أكل أي: له حظ ورزق من الدنيا. وضعف الشئ: مثله زائدا عليه. وضعفاه: مثلاه زائدين عليه. وقال قوم: ضعف الشئ مثلاه. والطل: المطر الصغار، يقال: أطلت السماء فهي مطلة. وروضة طلة: ندية. والطل: إبطال الدم بأن لا يثأر بصاحبه، طل دمه فهو مطلول، لأنه بمنزلة ما جاء عليه الطل فأذهبه، فكأنه قيل: غسله. والطل: ما شخص من الدار، لأنه كموضع الندى بالطل لعمارة الناس له خلاف المستوى القفر، لأن الخصب حيث تكون الأبنية. وصار الطلل إسما لكل شخص. والإطلال: الإشراف على الشئ. وما بالناقة طل أي: بها طرق وهو الشحم. وطلة الرجل: امرأته. وأصل الباب: الطل المطر. الاعراب: (ابتغاء مرضاة الله): مفعول له، وتثبيتا معطوف عليه. (بربوة): الجار والمجرور في موضع الصفة لجنة. و (أصابها وابل): في موضع جر لأنها صفة بعد صفة. و (ضعفين): حال من أكل. قال الزجاج: ارتفع طل على معنى فإن لم يصبها وابل فالذي يصيبها طل. فعلى هذا يكون خبر مبتدأ محذوف. ويجوز


(1) التالد: المال القديم الأصلي الذى ولد عندك. (*)

[ 187 ]

أن يكون فاعل فعل مقدر أي: فيصيبها طل. المعنى: (ومثل الذين ينفقون) أي: يخرجون (أموالهم) في أعمال البر (ابتغاء مرضات الله) أي: طلبا لرضاء الله (وتثبيتا من أنفسهم) بقوة اليقين والبصيرة في الدين، عن سعيد بن جبير والسدي والشعبي. وقيل: معناه أنهم يثبتون أين يضعون صدقاتهم، عن الحسن ومجاهد. وقيل: معناه وتوطينا لنفوسهم على الثبوت على طاعة الله، عن أبي علي الجبائي. واعترض على الحسن ومجاهد بأنه لم يقل وتثبيتا، وليس هذا بشئ، لأنهم إذا ثبتوا أنفسهم فقد ثبتوا. وقوله (كمثل جنة بربوة) معناه: كمثل بستان لمرتفع من الأرض، وإنما خص الربوة لأن نبتها يكون أحسن، وريعها أكثر من المستغل الذي يسيل الماء إليه، ويجتمع فيه، فلا يطيب ريعه. ألم تر إلى قول الأعشى: * ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل (1) * فخص بها الحزن للمعنى الذي ذكرناه. (أصابها وابل) أي: أصاب هذه الجنة مطر شديد (فآتت أكلها ضعفين، أي: فأعطت غلتها ضعفي ما تعطي إذا كانت بأرض مستغلة. ويحتمل أن يكون معناه مرتين في كل سنة واحدة، كما قال سبحانه (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ومعناه: كل ستة أشهر فيما روي. وقال أبو عبد الله " عليه السلام " معناه: يتضاعف (2) أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله. (فإن لم يصبها وابل) أي: مطر شديد (فطل) أي: أصابها مطر لين، أراد به أن خيرها لا يخلف على كل حال، ولا يرى الغبار عليها على كل حال، وإنما ارتفع فطل على تقدير فالذي يصيبها طل. (والله بما تعملون بصير) معناه: عالم بأفعالكم فيجازيكم بحسبها. وقيل: عالم بالمرائي والمخلص (3)، وفيه ترغيب وترهيب. (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله، ذرية ضعفاء فأصابها


(1) أي: في معلقته. وحبر ما في شعره من بعده وهو: " يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل ". (2) [ تمر كما يتضاعف ]. (3) [ عن أبي مسلم ]. (*)

[ 188 ]

إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون [ 266 ]). اللغة: الجنة: البستان الكثير الشجر، لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. والنخيل: معروف. وقيل: إنه مأخوذ من نخل المنخل لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل. والنخل: جمع نخلة، وهي شجرة التمر ويذكر ويؤنث. قال الله سبحانه: (كأنهم أعجاز نخل خاوية)، و (أعجاز نخل منقعر). والإنتخال: الإختيار. والتنخل: التخير. وأصل الباب: النخل للدقيق. والعنب: ثمر الكرم. ورجل عانب وعنب، ورجل عناب: عظيم الأنف. وتحت: نقيض فوق. وفي الحديث: " لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت " أي: الذين كانوا تحت أقدام الناس، لا يشعر بهم ذلا. والأنهار: جمع النهر، وهو المجرى الواسع من مجاري الماء. والإصابة: الوقوع على المقصد. والكبر. حال زائدة على مقدار آخر. والفرق بين الكبير والكثير أن الكثير مضمن بعدد، وليس كذلك الكبير، تقول: دار واحدة كبيرة، ولا يجوز كثيرة. والضعيف: يجمع على ضعفاء وضعاف. والإعصار: غبار يلتف بين السماء والأرض كالتفاف الثوب في العصر. قال الشاعر: (إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا). والمعصرات: السحب. والفكر: جولان القلب بالخواطر، يقال: أفكر وفكر وتفكر، بمعنى. الاعراب: قوله (أيود أحدكم أن تكون) عطف عليه بماض فقال (وأصابه الكبر) قال الفراء: يجوز ذلك في يود، لأنها تتلقى مرة بلو، ومرة بأن. فجاز أن تقدر إحداهما مكان الأخرى لاتفاق المعنى، فكأنه قال: أيود أحدكم لو كانت له جنة. قال علي بن عيسى: وعندي أنه قد دل بأن على الإستقبال، ويتضمن الكلام معنى لو على التمني، كأنه قال: قيل أيحب أحدكم متمنيا له. والتمني يقع على الماضي والمستقبل، ألا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد، ويصح أن يتمنى أن يكون له ولد. والمحبة لا تقع إلا على المستقبل. والفرق بين المودة والمحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك: أود لو قدم زيد، بمعنى أتمنى لو قدم. ولا يجوز أحب لو قدم. و (من) في قوله (من نخيل): للتبيين، وهو في موضع رفع صفة لجنة. (تجري من تحتها الأنهار): جملة في موضع رفع بكونها صفة لجنة إذا عادت الهاء إلى الجنة، أو في محل جر لكونها صفة لنخيل، إذا عادت الهاء

[ 189 ]

إلى (نخيل). المعنى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة) أي: بستان (من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار) أي: يشتمل على النخيل، والأعناب، والأنهار الجارية (له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر) أي: ولحقه الشيخوخة، وطعن في السن (وله ذرية ضعفاء) أي: أولاد صغار، ناقصو القوة (فأصابها) أي: أصاب تلك الجنة (إعصار) أي: ريح شديدة تهب من الأرض نحو السماء، مثل العمود، وتسميها الناس الزوبعة (فيه نار) أي: في ذلك الإعصار نار (فاحترقت) تلك الجنة. وهذا مثل ضربه الله في الحسرة، بسلب النعمة. واختلف فيه على وجوه أحدها: إنه مثل المرائي في النفقة، لأنه ينتفع بها عاجلا، وينقطع عنه آجلا، أحوج ما يكون إليه، عن السدي. وثانيها: إنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى، عن مجاهد، والمراد به أن حاجته إلى الأعمال الصالحة، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى ثمار الجنة، وقد احترقت. فيكون أعظم حسرة لأن الكبير الذي قد يئس من سعي الشباب في كسبه، فكان أضعف أملا وأشد حسرة، كذلك من لم يكن له في الآخرة عمل صالح، يوصله إلى الجنة، فحسرته مثل ذلك. وثالثها: إنه مثل للذي يختم عمله بفساد، عن ابن عباس. وكل هذه الوجوه تحتمله الآية (كذلك) أي: كهذا البيان الذي بين لكم في أمر الصدقة، وقصة إبراهيم، والذي مر على قرية، وجميع ما سلف (يبين الله لكم الآيات) أي: الدلالات التي تحتاجون إليها في أمور دينكم (لعلكم تتفكرون) أي: تنظرون وتتفهمون. يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد [ 267 ]).

[ 190 ]

القراءة: قرأ ابن كثير، غير القواس (1): (ولا تيمموا) بتشديد التاء فيها وفي أخواتها، وهي أحد وثلاثون موضعا من القرآن. والباقون: (تيمموا) بالتخفيف. الحجة: كلاهما بمعنى واحد. كأن ابن كثير رد الحرف الساقط في القراءة الأخرى، وأدغم لأنه كان في الأصل تاءان: تاء المخاطب، وتاء الفعل. فحذفت تاء الخطاب في القراءة العامة لئلا يتكرر حرفان مثلان، وتخف الكلمة. اللغة: التيمم: التعمد. قال خفاف: (فعمدا على عيني تيممت مالكا). وقال الأعشى: * تيممت قيسا، وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن (2) * يقال: أممت الشئ خفيفة، ويممته وأممته، ويممته وتيممته، بمعنى أي: قصدته. ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد. والإمام أيضا خيط البناء، لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه. واليم: لجة البحر لأنه يعتمد به البعيد من الأرض. واليمام: الحمام، لأنها تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها. والخبيث: الردي من كل شئ. وخبث الفضة والحديد: ما نفاه الكير، لأنه ينفي الردي. وأصله: الرداءة. والإغماض في البيع: الحط من الثمن لعيب فيه، وذلك لإخفاء بعض الثمن بالحط له. والغموض: الخفاء. غمض يغمض فهو غامض. والتغميض للعين: إطباق الجفن. والغمض: النوم. والغمض: المطمئن من الأرض. وأصل الباب: الخفاء. والإغماض: غمض البصر، وإطباق جفن على جفن، قال رؤبة: * أرق عيني عن الإغماض، * برق سرى في عارض نهاض (3) * ثم صار عبارة عن التسامح، والتساهل في البيع. الاعراب: قال الفراء: الأصل في (أن تغمضوا): أن مكسورة الهمزة، لأن الكلام في معنى الجزاء، وهو إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه. ومثل (إلا أن يخافا)، (إلا أن يقيما حدود الله). وأنكر ذلك المحققون، قالوا: أن هذه التي بمعنى المصدر نحو: أن تأتيني خير لك. والمعنى: ولستم بآخذيه إلا لإغماضكم


(1) من رواة ابن كثير. (2) المهمه: المفازة البعيدة: وذو شزن أي: ذوخشونة. (3) ارقة بتشديد الراء: أسهره: عارض نهاض أي: سحاب مرتفع في الجو. (*)

[ 191 ]

النزول: روي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية، وكانوا يتصدقون منها، فنهاهم الله عن ذلك، وأمر بالصدقة من الطيب الحلال. وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف (1)، فيدخلونه في تمر الصدقة، عن علي " عليه السلام " والبراء بن عازب والحسن وقتادة. المعنى: لما تقدم ذكر الإنفاق، وبيان صفة المنفق، وأنه يجب أن ينوي بالصدقة التقرب، وأن يحفظها مما يبطلها من المن والأذى، بين تعالى صفة الصدقة والمتصدق عليه، ليكون البيان جامعا، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) خاطب المؤمنين (أنفقوا) أي: تصدقوا (من طيبات ما كسبتم) أي: من حلال ما كسبتم بالتجارة، عن ابن مسعود ومجاهد. وقيل: من خياره وجياده. ونظيره قوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وروي عن عبيد بن رفاعة قال: خرج علينا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: " يا معشر التجار ! أنتم فجار إلا من اتقى وبر وصدق، وقال بالمال هكذا وهكذا ". وقال " عليه السلام ": " تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السابياء ". وروت عائشة عنه أنه قال: " أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " وقال سعيد بن عمير: " سئل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أي كسب الرجل أطيب ؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ". وقال علي " عليه السلام ": من اتجر بغير علم (2)، ارتطم في الربا ثم ارتطم. واختلفوا في ذلك على وجوه فقيل: هذا أمر بالنفقة في الزكاة، عن عبيدة السلماني والحسن. وقيل: هو في الصدقة المتطوع بها، لأن المفروض من الصدقة له مقدار من القيمة، إن قصر عنه كان دينا عليه إلى أن يؤديه بتمامه، وإن كان مال المزكي كله رديا، فجائز له أن يعطي منه، عن الجبائي. وقيل: هو الأصح أنه يدخل فيه الفرائض والنوافل، والمراد به الإنفاق في سبيل الخير، وأعمال البر على العموم. وفيه دلالة على أن ثواب الصدقة من الحلال المكتسب، أعظم منه من الحلال غير المكتسب، وإنما كان ذلك، لأنه يكون أشق عليه. (ومما اخرجنا لكم من الأرض) أي: وأنفقوا، وأخرجوا من الغلات والثمار، مما يجب فيه الزكاة. (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) أي: لا تقصدوا الردئ من


(1) الحشف: أردء التمر. (2) وفي المخطوطتين " فقه " بدل " علم ". (*)

[ 192 ]

المال، أو مما كسبتموه، أو أخرجه الله لكم من الأرض، فتنفقون منه. وقيل: المراد بالخبيث ههنا الحرام. ويقوي القول الأول قوله: (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) لأن الإغماض لا يكون إلا في الشئ الردئ، دون ما هو حرام، وفيه قولان أحدهما: إن معناه لا تتصدقوا بما لا تأخذونه من غرمائكم، إلا بالمسامحة والمساهلة. فالإغماض هاهنا المساهلة، عن البراء بن عازب. والآخر: إن معناه بما لا تأخذونه إلا أن تحطوا من الثمن فيه، عن الحسن وابن عباس وقتادة. ومثله قول الزجاج: ولستم بآخذيه إلا في وكس، فكيف تعطونه في الصدقة. (واعلموا أن الله غني) عن صدقاتكم (حميد) أي: مستحق للحمد على نعمه. وقيل: مستحمد إلى خلقه بما يعطيهم من النعم أي: مستدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد. وقيل: إنه بمعنى الحامد أي: إنه مع غناه عنكم وعن صدقاتكم، يقبلها منكم، ويحمدكم عليها. وحميد بهذا الموضع أليق من حليم، كما أن حليما بالآية المتقدمة أليق من حميد، لأنه سبحانه لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب، بيق أنه غني عن ذلك، وأنه يحمد فاعله إذا فعله على ما أمره به، ومعناه أنه يجازيه عليه. (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم [ 268 ]). اللغة: الفقر: الحاجة، وهو ضد الغنى. والفقر: لغة فيه، يقال: أفقره الله إفقارا، وافتقر إفتقارا، لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد. والفقار: عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر، واحدتها فقرة. والإفقار: إعادة الدابة لتركب، ثم ترد. والفاقرة: الداهية، لأنها تكسر الفقار. ويقال: وعدته الخير، ووعدته بالخير وعدا وعدة وموعدة وموعدا وموعودا وموعودة. والفرق بين الوعد والوعيد أن الوعيد في الشر خاصة. والوعد: يصلح بالتقييد للخير والشر معا، غير أنه إذا أطلق اختص بالخير، وكذلك إذا أبهم التقييد كما يقال: وعدته بأشياء، لأنه بمنزلة المطلق. والفحشاء: الفحش. والفاحش: البخيل، قال طرفة: * أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد (1) *


(1) يعتام أي: يختار. والعقيلة من كل شئ: أكرمه. (*)

[ 193 ]

قال علي بن عيسى: الفحشاء المعاصي، وإنما سمي البخيل فاحشا، لأنه مسئ برده الأضياف والسؤال، قال كعب: * أخي ! يا أخي ! لا فاحش عند بيته، * ولا برم عند اللقاء هيوب (1) * المعنى: ثم حذر تعالى من الشيطان المانع من الصدقة، فقال: (الشيطان يعدكم الفقر) بالنفقة في وجوه البر، وبإنفاق الجيد من المال. وقيل: بتأدية الزكاة عليكم في أموالكم. (ويأمركم بالفحشاء) أي: بالمعاصي، وترك الطاعات. وقيل: بالإنفاق من الردى، وسماه فحشاء لأن فيه معصية الله تعالى، فإن الغني إذا ترك الإنفاق على وجه ذوي الحاجات من أقاربه وجيرانه، أدى ذلك إلى التقاطع (والله يعدكم مغفرة منه) أي: يعدكم بالإنفاق من خيار المال أن يستر عليكم، ويصفح عن عقوبتكم (وفضلا) أي: ويعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم، ويتفضل عليكم بالزيادة في أرزاقكم. وروي عن ابن عباس أنه قال: إثنان من الله، وإثنان من الشيطان: فاللذان من الله المغفرة على المعاصي، والفضل في الرزق. واللذان من الشيطان: الوعد بالفقر، والأمر بالفحشاء. وروي عن ابن مسعود أنه قال: للشيطان لمة، وللملك لمة. وروي مثله عن أبي عبد الله " عليه السلام "، ثم قال: فلمة الشيطان: وعده بالفقر، وأمره بالفحشاء. ولمة الملك: أمره بالإنفاق، ونهيه عن المعصية (والله واسع) ذكرنا معناه فيما تقدم. وقيل: واسع معناه يعطي عن سعة، بمعنى أن عطيته لا تضره، ولا تنقص خزائنه (عليم) بمن يستحق العطية، ومن لا يستحقها. (يؤتى الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلآ أولوا الأ لباب [ 269 ]). القراءة: قرأ يعقوب: (من يؤت) بكسر التاء. والباقون: بفتحها. الحجة: من كسر التاء: فإنه أراد من يؤته الله الحكمة، ففاعل يؤت الضمير المستكن فيه، العائد إلى الله، كما هو في قوله (يؤت الحكمة) ويؤيد هذه القراءة، قراءة الأعمش: (ومن يؤته الله)، وحذف ضمير المفعول الذي هو الهاء العائد إلى


(1) قيل: إن أخي الأول مبتدأ ولا فاحش خبره. والنداء جملة معترضة. وحكى عن (الأصمعيات) " أخي ما أخي " وهو الظاهر. الرم: البخيل اللئيم. الهبوب: الذي يخافه الناس. (*)

[ 194 ]

(من) الذي هو للجزاء، وهو في موضع الرفع بالإبتداء، كما حذف الضمير العائد إلى الموصول في نحو قوله: (أهذا الذي بعث الله رسولا). والأولى أن يكون (من) على هذه القراءة موصولة، لتكون بمعنى الذي، لا بمعنى الجزاء. وأقول وبالله التوفيق: يجوز أن يكون (من) للجزاء ههنا، ويكون في موضع نصب بكونه مفعولا أولا ليؤتي، ولزمه التقديم على الفعل مع كونه مفعولا، لنيابته عن حرف الشرط الذي له صدر الكلام، ومثله من في قول زهير: * رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب * تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم (1) * ومن قرأ (ومن يؤت): بفتح التاء، فاسم ما لا يسم فاعله هو الضمير المستكن العائد إلى من. ويؤت: مجزوم بمن. والجزاء (فقد أوتي خيرا). المعنى: ثم وصف تعالى نفسه، فقال: (يؤتي الحكمة) أي: يؤتي الله الحكمة (من يشاء) وذكر في معنى الحكمة وجوه قيل: إنه علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله، عن ابن عباس وابن مسعود. وقيل: هو الإصابة في القول والفعل، عن مجاهد. وقيل: إنه علم الدين عن ابن زيد. وقيل: هو النبوة، عن السدي. وقيل: هو المعرفة بالله تعالى، عن عطاء. وقيل: هو الفهم، عن إبراهيم. وقيل: هو خشية الله، عن الربيع. وقيل: هو القرآن والفقه، عن أبي عبد الله " عليه السلام "، وروي أيضا عن مجاهد. وقيل: هو العلم الذي تعظم منفعته، وتجل فائدته، وهذا جامع للأقوال. وقيل: هو ما آتاه الله أنبياءه وأممهم، من كتابه وآياته، ودلالاته التي يدلهم بها على معرفتهم به وبدينه، وذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء، عن أبي علي الجبائي. وإنما قيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به عن القبيح، لما فيه من الدعاء إلى الحسن، والزجر عن القبيح. ويروى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " إن الله آتاني القرآن، وآتاني من الحكمة مثل القرآن، وما من بيت ليس فيه شئ من الحكمة إلا كان خرابا. ألا فتفقهوا، وتعلموا فلا تموتوا جهالا " (ومن يؤت الحكمة) أي: ومن يؤت ما ذكرناه (فقد أوتي) أي: أعطي (خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: وما يتعظ بآيات الله إلا ذوو العقول. فإن قيل: لم عقد بأولي الألباب التذكر،


(1) المنايا جمع المنيه: الموت. العشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها يقال: " هو يخبط خبط عشواء " أي: يتصرف في الأمور على غير بصيرة. (*)

[ 195 ]

وكل مكلف ذو لب ؟ قيل: لم تطلق على جميع المكلفين هذه الصفة، لما فيها من المدحة، فلذلك عقد التذكر بهم، وهم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به، ودعا إليه. وسقي العقل لبا، لأنه أنفس ما في الإنسان، كما أن لب الثمرة أنفس ما فيها. (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار [ 270 ]). اللغة: النذر: هو عقد المرء على النفس فعل شئ من البر بشرط، ولا ينعقد ذلك إلا بقوله: لله علي كذا. ولا يثبت بغير هذا اللفظ. وأصل النذر: الخوف، لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر. ومنه نذر الدم: وهو العقد على سفكه للخوف من، مضرة صاحبه، قال عمرو بن معدي كرب: * هم ينذرون دمي، وأن‍ * ذر إن لقيت بأن أشدا * يقال: نذرت النذر أنذره وأنذره، ومنه الإنذار: وهو الإعلام بموضع العدو والخوف ليتقى. والأنصار: جمع نصير مثل شريف وأشراف. والنصير: هو المعين على العدو. الاعراب: (ما) بمعنى الذى. وما بعدها صلتها. والعائد إليها ضمير المفعول المحذوف من (أنفقتم) تقديره: وما أنفقتموه. وهو في موضع رفع بالإبتداء. وخبره (فإن الله يعلمه). والعائد إلى المبتدأ من الخبر الهاء في يعلمه. ولا يجوز أن يعود إلى النفقة، لأنها مؤنثة، ولا إلى النفقة والنذر، لأن ذلك يوجب التثنية. وأقول: يجوز أن يكون ما للجزاء، ويكون منصوبا بأنفقتم، ولا يحتاج فيه إلى حذف المفعول، فيكون التقدير: أي شئ أنفقتم، أو نذرتم. والفاء في موضع الجزاء. (من نفقة): الجار والمجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم أو نذرتم وذو الحال: ما. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذلك الإنفاق والترغيب فيه، فقال: (وما أنفقتم من نفقة) أي: ما تصدقتم به من صدقة، مما فرض الله عليكم. وقيل: معناه ما أنفقتم في وجوه الخير، وسبل البر من نفقة واجبة، أو مندوب إليها. (أو نذرتم من

[ 196 ]

نذر) أي: ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم بالنذر، فوفيتم به من فعل بر مثل صلاة أو صوم أو صدقة ونحو ذلك. (فإن الله يعلمه) معناه: يجازي عليه، لأنه عالم، فدل ذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازا للكلام. (وما للظالمين) أي: ليس للواضعين النفقة والنذر في غير موضعهما، مثل أن ينفق رياء، أو ضرارا، أو شقاقا، أو من مال مغصوب، أو مأخوذ من غير حله، أو بنذر في معصية، أو يترك الوفاء به مع القدرة عليه (من أنصار) من أعوان يدفعون عذاب الله عنهم. (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير [ 271 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأهل الكوفة غير عاصم: (فنعما هي) بفتح النون. وقرأ أهل المدينة، غير ورش وأبو عمر ويحيى بكسر النون وسكون العين. وقرأ الباقون: (نعما) بكسر النون والعين، وكذلك في النساء (نعما يعظكم). وقرأ أهل المدينة والكوفة غير عاصم: (ونكفر) بالنون والجزم. وقرأ ابن عامر وحفص بالياء والرفع. والباقون بالنون والرفع. الحجة: من قرأ (فنعما هي): فحجته أن أصل الكلمة نعم، فجاء بالكلمة على أصلها كما قال: (نعم الساعون في الأمر المبر). ومن قرأ (فنعما) بسكون العين، لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأن فيه الجمع بين ساكنين، والأول منهما ليس بحرف مد ولين، والتقاء الساكنين إنما يجوز عندهم هناك نحو: دابة، وأصيم، وتأمروني، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا من الحركة. وقد أنشد سيبويه شعرا قد اجتمع فيه الساكنان على حد ما اجتمعا في نعما، وهو: * كأنه بعد كلال الزاجر * ومسحه مر عقاب كاسر (1) * وأنكره أصحابه، ولعل من قرأ به، أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو:


(1) الشعر في (الكتاب لسيبويه ج 2 ص 413)، والمسح هنا: ذرع الأرض بالسير. وعقاب كاسر: كسرت جناحيها، وقبضتهما عند انقضاضها يقول - في وصف ناقة - كأنها بعد طول السير وكلال الزاجر عقاب (اه). والشاهد في مسحه حيث أسكن الهاء، ثم أدغمه في الحاء. (*)

[ 197 ]

بارئكم، فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع، وخفائه. ومن قرأ (فنعما): فإنه أتبع العين النون فرارا من الجمع بين ساكنين، واختار أبو عبيدة قراءة أبي عمرو، وقال: هي لغة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في قوله لعمرو بن العاص: " نعما المال الصالح للرجل الصالح " هكذا روي في الحديث بسكون العين. وقوله: ونكفر من رفعه فعلى وجهين أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ المحذوف وتقديره: ونحن نكفر عنكم. والآخر: أن يكون كلاما مستأنفا مقطوعا مما قبله، ولا يكون الحرف العاطف للإشتراك، ويكون لعطف جملة على جملة. وأما من جزم فإنه يحمله على موضع فهو خير لكم، ومثله قراءة من قرأ (من يضلل الله فلا هادي له)، و (يذرهم) لأن قوله: (فلا هادي له) في موضع جزم مثل قوله: (فهو خير لكم). وأما الياء والنون في قوله: (ونكفر) فمن قال (ويكفر) فلأن ما بعده على لفظ الإفراد. ومن قال (ونكفر) فإنه أتى بلفظ الجمع، ثم أفرد كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام)، ثم قال: (باركنا حوله لنريه من آياتنا). اللغة: الفرق بين الصدقة والزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضا. والصدقة: قد تكون فرضا، وقد تكون نفلا. والإخفاء: الستر. والخفي: الإظهار خفا يخفيه خفيا أي: أظهره، قال امرؤ القيس: * فإن تدفنوا الداء، لا نخفه، * وإن تبعثوا الحرب، لا نقعد * والخوافي من الريش: ما دون القوادم، لأنها تخفي بها. والخفية: عرين الأسد (1)، لأنه يختفي فيها. وأصل الباب: الستر. والإبداء والإظهار والإعلان، نظائر. والإخفاء والإسرار والإغماض، نظائر. الاعراب: قوله (فنعما هي) تقديره ان تبدوا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها. فما هاهنا: نكرة موصوفة، وهي في موضع نصب، لأنه تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر في نعم. والإبداء هو المخصوص بالمدح، فحذف المضاف الذي هو الإبداء، وأقيم المضاف إليه إلذي هو ضمير الصدقات مقامه، لما في الكلام من الدلالة عليه، ولأن الفعل المتقدم يدل على مصدره، ولأن قوله (وإن تخفوها فهو


(1) اي مأواه. (*)

[ 198 ]

خير لكم) أي: الإخفاء خير لكم. فكما أن هنا ضمير الإخفاء، كذلك يجب أن يكون ضمير الإبداء مرادا هناك. المعنى: ثم ذكر تعالى صفة الإنفاق، ورغب فيه بقوله: (إن تبدوا الصدقات) معناه: إن تظهروا الصدقات، وتعلنوها (فنعما هي) أي: فنعم الشئ، ونعم الأمر إظهارها وإعلانها أي: ليس في إبدائها كراهة (وإن تخفوها) أي: تسروها (وتؤتوها الفقراء) أي: تعطوها الفقراء، وتؤدوها إليهم في السر (فهو خير لكم) أي: فالإخفاء خير لكم وأبلغ في الثواب. واختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل من إبدائها، فقيل: إن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، لأنه يكون أبعد من الرياء بإخفائها. وأما المفروض فلا يدخله الرياء، ويلحقه تهمة المنع بإخفائها، فإظهارها أفضل، عن ابن عباس والثوري، وكذا رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق قال: الزكاة بإخفائها المفروضة تخرج علانية، وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعه سرا فهو أفضل. وقيل: الإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل، عن الحسن وقتادة، وهو الأشبه بعموم الآية. (ونكفر عنكم من سيئاتكم): معناه ونمحو عنكم خطيئاتكم، ونغفرها لكم. ومن قرأ بالرفع فمعناه: ونحن نكفر عنكم، أو يكفر الله عنكم من سيئاتكم. ودخلت (من) للتبعيض. واحتج به من قال المراد بالسيئات الصغائر. فأما على مذهبنا، فإسقاط العقاب تفضل من الله، فله أن يتفضل بإسقاط بعضه دون بعض، فلو لم يدخل (من) لأفاد أنه يسقط جميع العقاب. وقال بعضهم: إن من زيادة. وقد يقال: كل من طعامي، وخذ من مالي ما شئت فيكون للتعميم والأول أولى. ومما جاء في الحديث في صدقة السر قوله: صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من البلاء. وقوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العدل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه يتعلق بالمساجد حتى يعود إليها، ورجلان تحابا في الله واجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. وقوله تعالى: (والله بما تعملون خبير) معناه: إنه تعالى عالم بما

[ 199 ]

تعملونه في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، لا يخفى عليه شئ من ذلك، فيجازيكم على جميعه. (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خيريوف إليكم وأنتم لا تظلمون [ 272 ]). الاعراب: (ما تنفقوا من خير فلانفسكم) شرط وجزاء (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) قيل: لفظه نفي، ومعناه النهي أي: لا تنفقوا كقوله: لا يمسه إلا المطهرون وقيل: هي جملة مفيدة بنفسها على ما قبلها، وهو خبر على ظاهره، وابتغاء نصب لأنه مفعول له. (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) شرط كالأول، ولذلك حذف النون في الموضعين. النزول: كان المسلمون يمتنعون عن الصدقة على غير أهل دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، عن ابن عباس وابن الحنفية وسعيد بن جبير. وقيل: كانت أسماء بنت أبي بكر مع رسول الله في عمرة القضاء، فجاءتها أمها فتيلة وجدتها، تسألانها وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى أستأذن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإنكما لستما على ديني. فاستأذنته (1) في ذلك، فأنزل الله هذه الآية، عن الكلبي. المعنى: (ليس عليك هداهم) قيل في وجه اتصاله بما قبله وجوه أحدها: إن معناه: ليس عليك هداهم بمنع الصدقة عنهم، لتحملهم به على الإيمان، وهو نظير قوله (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وعلى هذا يكون معناه الإباحة للتصديق عليهم بصدقة التطوع وثانيها: إن معناه ليس عليك هداهم بالحمل على النفقة في وجوه البر، وسبل الخير، عن الحسن وأبي علي الجبائي، وتقديره: ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب والجنة، ط نما عليك أن تهديهم إلى الإيمان بان تدلهم عليه. وهذا تسلية للنبي لأنه كان يغتم بترك قبولهم منه، وامتناعهم عن الإيمان، لعلمه بما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم، فسلاه الله تعالى بهذا القول وثالثها: إن المراد ليس عليك


(1) وفي جملة من النسخ " استأمرته " بدل " استأذنته " في الموضعين. (*)

[ 200 ]

أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم، وأنذرتهم، وبلغتهم ما أمرت بتبليغه، ونظيره (إن عليك إلا البلاغ) وليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان والطاعة، لأنه ما بعث إلا لذلك. (ولكن الله يهدي من يشاء): إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي: بلطف الله بزيادة الهدى والتوفيق لمن يشاء، عن الزجاج وأبي القاسم البلخي، وأكثر أهل العلم. وقيل: معناه يهدي إلى طريق الجنة، عن الجبائي. (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) أي: ما تنفقوا في وجوه البر من مال، فلأنفسكم ثوابه. والغرض فيه الترغيب في الإنفاق، لأن الإنسان إذا علم منفعة إنفاقه عائدة إليه، مختصة به، كان أسمح بالإنفاق، وأرغب فيه، وأحرص عليه، وبذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي، ومختصة به دون الله، ومعظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه، وتختص به، دون المعطى. (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) أي: إلا طلب رضوان الله. وهذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين، المستجيبين لله ولرسوله، أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى. وقيل: إن معناه النهي، وإن كان ظاهره الخبر أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله. وفي ذكر الوجه هنا قولان أحدهما: إن المراد به تحقيق الإضافة، لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام، أنه له ولغيره، وذلك أنك لما ذكرت الوجه، ومعناه النفس، دل على أنك تصرف الوهم عن الإشتراك إلى تحقيق الاختصاص، وكنت بذلك محققا للاضافة، ومزيلا لإيهام الشركة. والثاني: إنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرف في الذكر من فعلته له، لأن وجه الشئ في الأصل، أشرف ما فيه. ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الرأي، ووجه الأمر، ووجه الدليل، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره، وحسن بيانه. (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) أي: يوفر عليكم جزاؤه وثوابه. والتوفية: إكمال الشئ، وإنما حسن إليكم مع التوفية، لأنها تضمنت معنى التأدية. وقيل: معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة، عن ابن عباس. (وأنتم لا تظلمون) بمنع ثوابه، ولا بنقصان جزائه، كقوله: (آتت أكلها ولم تظلم منا شيئا) أي: لم تنقص.

[ 201 ]

(للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم [ 273 ]). القراءة: قرأ حمزة وعاصم وأبو جعفر وابن عامر: (يحسبهم) بفتح السين كل القرآن. والباقون بكسرها. اللغة: قال أبو زيد: حسبت الشئ أحسبه، وأحسبه حسبانا، وحسبت الشئ أحسبه حسابا وحسابة وحسبانا، وأحسبت الرجل إحسابا: إذا أطعمته وسقيته حتى يشبع ويروى، وتعطيه حتى يرضى. والإحصار: المنع عن التصرف لمرض، أو حاجة، أو مخافة. والحصر: هو منع الغير، وليس كالأول، لأنه منع النفس. وقد تقدم تفسيره عند قوله: (فإن أحصرتم) والضرب: المشي في الأرض. والسيماء: العلامة التي يعرف بها الشئ، وأصله: الإرتفاع لأنه علامة رفعت للظهور، ومنه السوم في البيع: وهو الزيادة في مقدار الثمن للإرتفاع فيه عن الحد. ومنه سوم الخسف: للرفع فيه بتحميل ما يشق. ومنه سوم الماشية: إرسالها في المرعى. والتعفف: ترك السؤال، يقال: عف عن الشئ، وتعفف عنه: إذا تركه. ومنه قول رؤبة: (فعف عن أسرارها بعد العسق) (1) أي: تركها. والإلحاف: الإلحاح في المسألة. قال الزجاج: معنى ألحف شمل بالمسألة، وهو مستغن عنها. واللحاف من هذا اشتقاقه، لأنه يشمل الإنسان في التغطية. الاعراب: العامل في قوله (للفقراء) محذوف وتقديره: النفقة للفقراء. وقد تقدم ما يدل عليه. وقال بعضهم: هو مردود على اللام الأولى من قوله (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم). قال علي بن عيسى: وهذا لا يجوز، لأن بدل الشئ من غيره، لا يكون إلا والمعنى يشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس ههنا، لأن الإنفاق لها من حيث هو عائد إليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من باب: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لأن الأمر لازم للمستطيع


(1) عسق به عسقا: أولع به. (*)

[ 202 ]

خاصة. ولا يجوز أن يكون العامل فيه (تنفقوا) لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بالأجنبي، كما لا يجوز كانت زيدا الحمى تأخذه (لا يستطيعون ضربا) جملة في موضع الحال من أحصروا. وضربا: مفعول يستطيع. (يحسبهم الجاهل): في موضع الحال أيضا. وذو الحال الفقراء. و (إلحافا): مصدر وضع موضع الحال من (يسألون) أي لا يسألون ملحفين. ويجوز أن يكون مصدرا لأن الإلحاف سؤال على صفة. النزول: قال أبو جعفر " عليه السلام ": نزلت الآية في أصحاب الصفة، وكذلك رواه الكلبي، عن ابن عباس، وهم نحو أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة، ولا عشائر يأوون إليهم ؟ فجعلوا أنفسهم في المسجد، وقالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله. فحث الله الناس عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل، أتاهم به إذا أمسى. المعنى: لما أمر سبحانه بالنفقة، ورغب فيها بأبلغ وجوه الترغيب، وبين ما يكمل ثوابها، عقب ذلك ببيان أفضل الفقراء الذين هم مصرف الصدقات، فقال: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) معناه: النفقة المذكورة في هذه الآية، وما قبلها، للفقراء الذين حبسوا ومنعوا في طاعة الله أي: منعوا أنفسهم من التصرف في التجارة للمعاش، إما لخوف العدو من الكفار، وإما للمرض والفقر، وإما للإقبال على العبادة. وقوله: (في سبيل الله) يدل على أنهم حبسوا أنفسهم عن التقلب، لاشتغالهم بالعبادة والطاعة. (لا يستطيعون ضربا) أي: ذهابا وتصرفا (في الأرض) لبعض ما ذكرناه من المعاني. وقيل: لمنع أنفسهم من التصرف في التجارة أي: ألزموا أنفسهم الجهاد في سبيل الله، فلا يقع منهم التصرف لغيره، وليس معناه أنهم لا يقدرون عليه، كما يقال: أمرني الأمير بالمقام في هذا الموضع فلا أستطيع أن أبرح منه أي: لا أبرح منه لإلزامي نفسي طاعة الأمير (يحسبهم الجاهل) أي: يظنهم الجاهذ. بحالهم وباطن أمورهم (أغنياء من التعفف) أي: الإمتناع من السؤال، والتجمل في اللباس والستر، لما هم فيه من الفقر، وسوء الحال، طلبا لرضوان الله، وطمعا في جزيل ثوابه. (تعرفهم بسيماهم) أي: تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم، لما يرى من

[ 203 ]

علامة الفقر، عن السدي والربيع. وقيل: لما يرى من التخشع والخضوع الذي هو شعار الصالحين، عن مجاهد (لا يسألون الناس إلحافا) قيل: معناه إنهم لا يسألون الناس أصلا. وليس معناه أنهم يسألون من غير إلحاف، عن ابن عباس، وهو قول الفراء، والزجاج وأكثر أرباب المعاني. وفي الآية ما يدل عليه وهو قوله: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) في المسألة، ولو كانوا يسألون لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء، لأن السؤال في الظاهر يدل على الفقر. وقوله أيضا: (تعرفهم بسيماهم) ولو سألوا لعرفوا بالسؤال. قالوا وإنما هو كقولك: ما رأيت مثله، وأنت لم ترد أن له مثلا ما رأيته، وإنما تريد أنه ليس له مثل فيرى، فمعناه لم يكن سؤال فيكون إلحاح، كقول الأعشى: * لا يغمز الساق من أين، ومن نصب، * ولا يعض على شرسوفه الصفر (1) * ومعناه: ليس بساقها أين ولا نصب فيغمزها، ليس أن هناك أينا، ولا يغمز. وفي الحديث: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتباؤس، ويحب الحليم المتعفف من عباده، ويبغض الفاحش البذئ السائل الملحف ". وعنه " عليه السلام " قال: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ونهي عن عقوق الأمهات، ووأد (2) البنات وعن منع وهات. وقال " عليه السلام ": الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليه، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، ومن سأل وله ما يغنيه جاءت مسئلته يوم القيامة كدوحا (3)، أو خموشا، أو خدوشا في وجهه. قيل: وما غناه ؟ قال: خمسون درهما، أو عدلها من الذهب (وما تنفقوا من خير) من مال. وقيل: معناه في وجوه الخير (فإن الله به عليم) أي: يجازيكم عليه. (الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 274 ]). الاعراب: (سرا وعلانية): حالان من (ينفقون)، وتقديره: مسرين


(1) مضى هذا البيت في ما سبق. (2) أي: قتلهن. (3) الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش. (*)

[ 204 ]

ومعلنين، فهما إسمان وضعا موضع المصدر. (عند ربهم): ظرف مكان. والعامل فيه ما يتعلق به اللام من (لهم). النزول: قال ابن عباس: نزلت الآية في علي " عليه السلام "، كانت معه أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهارا، وبواحد ليلا، وبواحد سرا، وبواحد علانية، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، وأبي جعفر " عليه السلام ". وروي عن أبي ذر والأوزاعي انها نزلت في النفقة على الخير في سبيل الله. وقيل: هي عامة في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة. وعلى هذا فإنا نقول الآية نزلت في علي " عليه السلام "، وحكمها سائر في كل من فعل مثل فعله، وله فضل السبق إلى ذلك. المعنى: ثم بين سبحانه كيفية الإنفاق وثوابه، فقال: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) في هذه الحالات أي: ينفقون على الدوام، لأن هذه الأوقات معينة للصدقات، ولا وقت لها سواها (فلهم أجرهم عند ربهم) أتى بالفاء ليدل على أن الجزاء إنما هو من أجل الإنفاق في طاعة الله، ولا يجوز أن يقال زيد فله درهم، لأنه ليس فيه معنى الجزاء (ولا خوف عليهم) من أهوال يوم القيامة وأفزاعها (ولا هم يحزنون) فيها وقيل: لا خوف من فوت الأجر ونقصانه عليهم، ولا هم يحزنون على ذلك. (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوآ إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 275 ]). اللغة: أصل الربا: الزيادة من قولهم: ربا الشئ يربو: إذا زاد. والربا هو الزيادة على رأس المال. وأربى الرجل: إذا عامل في الربا. ومنه الحديث: " من أجبى (1) فقد أربى ". وأصل التخبط: الخبط وهو الضرب على غير استواء. خبطته أخبطه خبطا. والخبط: ضرب البعير الأرض بيده. والتخبط أيضا بمعناه. يقال: تخبط البعير الأرض: إذا ضربها بقوائمه. وبقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي


(1) الإجباء: بيع الزرع فبل أن يبدو صلاحه. (*)

[ 205 ]

فيه: هو يخبط خبط عشواء، قال زهير: * رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب * تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم (2) * والتخبط: المس بالجنون والتخبل، لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش. والخباط: داء كالجنون، لأنه اضطراب في العقل، يقال: به خبطة من جنون. ويقال: بفلان مس وألس وأولق: أي جنون. والسلوف: التقدم، يقال: سلف يسلف سلوفا. ومنه الأمم السالفة أي: الماضية. والسالفة: أعلى العنق. والإسلاف: الإعطاء قبل الإستحقاق. يقال: أسلفته إسلافا، وسلافة الخمر: صفوها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها. والعود: الرجوع. وعيادة المريض: المصير إليه ليعرف خبره. والعود: من العيدان، لأنه يعود إذا قطع، ومنه العود: الذي يتبخر به. والمعاد: كل شئ إليه المصير. والآخرة: معاد الناس. والعادة: تكرر الشئ مرة بعد مرة. والعيد: كل يوم مجمع عظيم، لأنه يعود في السنة، أو الأسبوع. والعائدة: الصلة، لأنها تعود بالنفع على صاحبها. الاعراب: (كما يقوم) الكاف: في محل النصب على المصدر، والموصول حرف تقديره (لا يقومون) إلا مثل قيام (الذي يتخبطه الشيطان). و (من المس): يتعلق بيتخبط. ومن: للتبيين. المعنى: لما حث الله تعالى على الإنفاق، وبين ما يحصل للمنفق من الأجر العاجل والآجل، عقبه بذكر الربا الذي ظنه الجاهل زيادة في المال، وهو في الحقيقة محق في المال، فقال: (الذين يأكلون الربا) في الدنيا (لا يقومون) يوم القيامة (إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) معناه: إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون، فيكون ذلك إمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد. وقيل: إن هذا على وجه التشبيه، لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة، ولكن من غلب عليه المرة السود، أو ضعف عقله، ربما يخيل الشيطان إليه أمورا هائلة، ويوسوس إليه، فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله. ونسب ذلك إلى الشيطان مجازا، لما كان ذلك عند وسوسته، عن أبي علي الجبائي.


(1) قد تقدم معنى البيت في ص 658. (*)

[ 206 ]

وقيل: يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس، دون بعض، عن أبي الهذيل، وابن الأخشيد قالا: لأن الظاهر هن القرآن يشهد به، وليس في العقل ما يمنع منه، ولا يمنع الله تعالى الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس، وعقوبة لبعضهم على ذنب ألم به ولم يتب منه، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه، ويأخذ ماله، ولا يمنعه الله تعالى منه. ويكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة، كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به، فيعرف بها صاحبها، وعلى كل مطيع من طاعته إمارة تليق به، فيعرف بها صاحبها، وذلك معنى قوله تعالى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان). وقال النبي في شهداء أحد: " زملوهم بدمائهم وثيابهم ". وقال " عليه السلام ": " يبعث أمتي يوم القيامة من قبورهم غرا محجلين من آثار الوضوء ". وروي عنه " عليه السلام " أنه قال: لما أسري بي إلى السماء، رأيت رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ورواه أصحابنا عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لما أسري بي إلى السماء، رأيت أقواما يريد أحدهم أن يقوم، ولا يقدر عليه من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وإذا هم بسبيل آل فرعون، يعرضون على النار، غدوا وعشيا، يقولون: ربنا متى تقوم الساعة والوعيد ". في الآية متوجه إلى كل من أربى، وإن لم يأكله، ولكنه تعالى نبه بذكر الأكل على سائر وجوه الإنتفاع بمال الربا. وإنما خص الأكل، لأنه معظم المقاصد من المال. ونظيره قوله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) الآية. والمراد بالأكل في الموضعين سائر وجوه الإنتفاع دون حقيقة الأكل. (ذلك) أي ذلك العقاب لهم (بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) معناه: بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه، مثل البيع الذي فيه الربا، قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل، وأزيدك في المال. فيتراضيان عليه، ويعملان به. فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء. يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء. فذمهم الله به، وألحق الوعيد بهم، وخظأهم في ذلك بقوله: (وأحل الله البيع وحرم الربا) أي: أحل الله البيع الذي لا

[ 207 ]

ربا فيه، وحرم البيع الذي فيه الربا، والفرق بينهما أن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين، وفي الآخر لأجل البيع. وأيضا فإن البيع بدل البدل، لأن الثمن فيه بدل المثمن، والربا: زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل، أو زيادة في الجنس. والمنصوص عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " تحريم التفاضل في ستة أشياء: الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح. وقيل: الزبيب. قال " عليه السلام ": إلا مثلا بمثل، يدا بيد، من زاد واستزاد فقد أربى. لا خلاف في حصول الربا في هذه الأشياء الستة، وفي غيرها خلاف بين الفقهاء، وهو مقيس عليها عندهم. وعندنا: إن الربا لا يكون إلا فيما يكال أو يوزن، وأما علة تحريم الربا فقد قيل: هي أن فيه تعطيل المعايش والأجلاب والمتاجر، إذا وجد المربى من يعطيه دراهم، وفضلا بدراهم. وقال الصادق " عليه السلام ": إنما شدد في تحريم الربا، لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف، قرضا أو رفدا. (فمن جاءه موعظة من ربه) معناه: فمن جاءه زجر ونهي وتذكير من ربه (فانتهى) أي: فانزجر وتذكر واعتبر (فله ما سلف) معناه: فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده. قال الباقر " عليه السلام ": من أدرك الإسلام، وتاب مما كان عمله في الجاهلية، وضع الله عنه ما سلف. وقال السدي: معناه له ما أكل، وليس عليه رد ما سلف. فأما ما لم يقبض بعد، فلا يجوز له أخذه، وله رأس المال. وقوله: (جاءه موعظة)، وقال في موضع آخر: (قد جاءتكم موعظة) لأن تأنيثه غير حقيقي، فإن الموعظة والوعظ بمعنى واحد. (وأمره إلى الله) معناه: وأمره بعد مجئ الموعظة والتحريم والإنتهاء إلى الله، إن شاء عصمه عن أكله، وثبته في انتهائه عنه، وإن شاء خذله. وقيل: معناه وأمره في حكم الآخرة إلى الله تعالى، إن لم يتب، وهو غير مستحل له، إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء عفا عنه بفضله. وقيل: معناه أمره إلى الله، فلا يؤاخذه بما سلف من الربا. (ومن عاد) إلى أكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل مجئ الموعظة، من أن البيع مثل الربا (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا، فلهذا توعد بعذاب الأبد. ولا خلاف بين الفقهاء أن الربا محرم في النقد والنسيئة. وقال بعض من تقدم:

[ 208 ]

لا ربا إلا في النسيئة. وأما أهل الجاهلية فإنهم. كانوا يربون بتأخير الذين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه. ولا خلاف في تحريمه. ومما جاء في الحديث في الربا ما روي عن على " عليه السلام " أنه قال: لعن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في الربا خمسة: آكله وموكله وشاهديه وكاتبه. وعنه " عليه السلام " قال: إذا أراد الله بقرية هلاكا، ظهر فيهم الربا، وعنه " عليه السلام " قال: الربا سبعون بابا، أهونها عند الله كالذي ينكح أمه. وروى جميل بن دراج عن أبي عبد الله قال: درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية، كلها بذات محرم، في بيت الله الحرام. (يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [ 276 ]). اللغة: المحق: نقصان الشئ حالا بعد حال، يقال: محقه الله يمحقه محقا فانمحق وامتحق: أي هلك وتلف بذهابه حالا بعد حال. والمحاق: آخر الشهر لانمحاق الهلال فيه. والأثيم: المتمادي في الإثم. والآثم: الفاعل للإثم. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم بقول (يمحق الله) أي: ينقص الله (الربا) حالا بعد حال إلى أن يتلف المال كله. وقال ابن عباس: معناه يهلكه ويذهب ببركته. وقيل للصادق " عليه السلام ": وقد يرى الرجل يربي فيكثر ماله ؟ فقال: يمحق الله دينه وإن كثر ماله. وقال أبو القاسم البلخي: يمحقه الله في الدنيا بسقوط عدالته، والحكم بفسقه، والتسمية بالفسق. (ويربي الصدقات) أي: وينمي الصدقات ويزيدها بأن يثمر المال في نفسه في العاجل، وبالأجر عليه والثواب في الآجل، وذلك بحسب الإنتفاع بها، وحسن النية فيها. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: (إن الله تعالى يقبل الصدقات، ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد ". والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب بالربى زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبين الله سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان. (والله لا يحب كل كفار أثيم) الكفار: فعال من الكفر، وهو المقيم عليه، المستمسك به، المعتاد له. ومعناه: والله يبغض كل كفار لنعمته باستحلال الربا، منهمك في غوايته، متماد في إثمه بأكله. وإنما لم يقل كل كافر، لأنه إذا استحل الربا صار كافرا، لأنه إذا كثر أكله للربا مع الإستحلال، فقد

[ 209 ]

ضم كفرا إلى كفر. وإذا استحل الربا، ولم يعقد عقد الربا، لم يلحقه من المندمة ما يلحق من جمع بين الأمرين. فالجمع بين الأمرين يستدعي من غضب الله ما لا يستدعيه أحد الأمرين. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " يأتي على الناس زمان، لا يبقى أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره ". (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون [ 277 ]). المعنى: هذه الآية ظاهرة المعنى، وقد مر تفسيرها فيما مضى، وإنما جمع بين هذه الخصال، لأن الثواب لا يستحق على كل واحدة منها، إذ لو كان كذلك لكان فيه تصغير من كل واحدة منها، ولكن جمع بينها للترغيب في الأعمال الصالحة، والتفخيم لأمرها، والتعظيم لشأنها، أو لبيان أن الجمع بين هذه الخصال أعظم أجرا من الإفراد بواحدة منها. ونظيره قوله سبحانه: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله) الآية. فجمع بين هذه الخصال في الوعيد، ليبين أن الوعيد يستحق بكل واحدة منها، وللتحذير عن كل خصلة منها، لأن من المعلوم أن من دعا مع الله إلها آخر، لا يحتاج إلى شرط عمل آخر في استحقاق الوعيد، إذ لو كان الوعيد إنما يستحق بمجموع تلك الخصال، لكان فيه تسهيل لكل واحد منها. وقد ذكرنا أن أمثال هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس من أفعال الجوارح، ولا مشتملا عليها، إذ لو كان كذلك لما صار لعطفها عليه معنى، لأن الشئ لا يعطف على نفسه. فإن قالوا: إن ذلك يجري مجرى قوله (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) فنقول: إن الخلاف ها هنا كالخلاف هناك، لأن التكذيب عندنا ليس بالكفر نفسه، وإنما هو دلالة على الكفر، وكذلك الصد عن سبيل الله. واستدل بهذه الآية وأمثالها في بطلان التحابط، لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس هذه الخصال، ولم يشترط أن لا يؤتى بما يحبطها. فإن قالوا: لا بد من هذا الشرط، كما أن الوعيد على الكفر لا بد أن يكون مشروطا بارتفاع التوبة ؟ فالجواب: إن التوبة إنما صارت شرطا هناك، لمكان إجماع المسلمين، لا لأن التوبة مسقطة للعفاب، وإنما وعد الله تعالى بإسقاط العقاب

[ 210 ]

عندها، تفضلا منه سبحانه. ولا إجماع على ما ادعوه من الشرط في آيات الوعد، فبان الفرق بين الأمرين. (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين [ 278 ] فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ 279 ]). القراءة: قرأ عاصم برواية أبي بكر، غير ابن غالب والبرجي وحمزة: (فآذنوا) بالمد وكسر الذال. والباقون: (فاذنوا). وقرئ في الشواذ: (لا تظلمون ولا تظلمون). الحجة: قال سيبويه: آذنت أعلمت، وأذنت. والتأذين: النداء. والتصويت، بالإعلام قال: وبعض العرب يجري آذنت مجرى أذنت الذي معناه التصويت والنداء. قال أبو عبيدة: آذنتك بحرب فأذنت به تأذن إذنا أي: علمت. فمن قرأ (فأذنوا بحرب من الله) فقصر، فالمعنى اعلموا بحرب من الله. والمعنى أنكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب لله ورسوله. ومن قرأ (فآذنوا): فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب. فالمفعول محذوف على قوله وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة. ففي أمرهم بإعلام ما يعلمون هم أيضا (1) أنهم حرب إن لم يمتنعوا عما نهوا عنه. وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهو في الإبلاغ آكد. الاعراب: (إن كنتم مؤمنين): جواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فذروا ما بقي من الربا. وموضع (لا تظلمون): نصب على الحال من (لكم)، والتقدير: فلكم رؤوس أموالكم غير ظالمين، ولا مظلومين. النزول: روي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أن الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية، وقد بقي له بقايا على ثقيف، فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم، فنزلت الآية. وقال السدي وعكرمة: نزلت في بقية من الربا كانت للعباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن


(1) [ دلالة على ]. (*)

[ 211 ]

عمير، ناس من ثقيف. فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا. فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " على أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "، كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل. وقال مقاتل: نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود وعبد يا ليل وحبيب وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وكانوا يداينون بني المغيرة، وكانوا يربون. فلما ظهر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على الطائف، وصالح ثقيفا، أسلم هؤلاء الاخوة الأربعة، فطلبوا رباهم من بني المغيرة، واختصموا إلى عتاب بن أسيد، عامل رسول الله على مكة، فكتب عتاب إلى النبي بالقصة، فأنزل الله الآية. المعنى: ثم بين سبحانه حكم ما بقي من الربا، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في أمر. الربا، وفي جميع ما نهاكم عنه (وذروا ما بقي من الربا) أي: واتركوا ما بقي من الربا، فلا تأخذوه، واقتصروا على رؤوس أموالكم. وقوله: (إن كنتم مؤمنين) معناه: من كان مؤمنا فهذا حكمه. فأما من ليس بمؤمن، فإنه يكون حربا. وقيل: معناه إن كنتم مؤمنين بتحريم الربا، مصدقين به، وبما فيه من المفسدة التي يعلمها الله (فإن لم تفعلوا) أي: فإن لم تقبلوا أمر الله، ولم تنقادوا له، ولم تتركوا بقية الربا بعد نزول الآية بتركه (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أي: فأيقنوا واعلموا بقتال من الله ورسوله. والمعنى: أيقنوا أنكم تستحقون القتل في الدنيا، والنار في الآخرة، لمخالفة أمر الله ورسوله. ومن قرأ (فآذنوا): فمعناه فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب. ومعنى الحرب: عداوة الله، وعداوة رسوله. وهذا إخبار بعظم المعصية. وروي عن ابن عباس وقتادة والربيع أن من عامل بالربا، اسننابه الإمام، فإن تاب وإلا قتله. وقال الصادق: آكل الربا يؤدب بعد البينة، فإن عاد أدب، وإن عاد قتل. (وإن تبتم) من استحلال الربا، وأقررتم بتحريمه (فلكم رؤوس أموالكم) دون الزيادة (لا تظلمون) بأخذ الزيادة على رأس المال (ولا تظلمون) بالنقصان من رأس المال. (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون [ 280 ]).

[ 212 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر: (عسرة) بضم السين. والباقون: (عسرة) بإسكإنها، وهما لغتان. وقرأ زيد عن يعقوب: (ميسرة) بضم السين، مضافا إلى الهاء. وروى (1) ذلك عن مجاهد. وقرأ عاصم: (تصدقوا) بتخفيف الصاد. والباقون بتشديدها. وقد تقدم الكلام في مثله، فإن إلاصل في القراءتين (تتصدقوا) فخفف في إحداهما بحذف إحدى التاءين (2)، وفي الاخرى بالإدغام. اللغة: النظرة: التأخير، وهو إسم قام مقام الإنظار مثل أخرة يقال: بعته بأخرة، وبنظرة أي: بنسيئة، ورأيت فلانا بأخرة الناس أي: قي آخرهم. والميسرة والميسور بمعنى اليسار والغنى والسعة. وما روي من قراءة من قرأ (إلى ميسره) فلم يجزه البصريون، لأن مفعل لا يجئ في الآحاد إلا بالتاء. وقد جاء في الجمع، قال جميل: * بثين الزمي، لا إن لا إن لزمته، * على كثرة الواشين أي معون (3) * وروي: * أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي، وانتظاري * والأول جمع معونة. ومألك جمع مألكة: وهي الرسالة. ومثل هذا الذي نقل لا يعتد به سيبويه، فربما أطلق القول، وقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان. الاعراب: (كان): هذه هي التامة، وهي التي تتم بفاعلها، ويكتفى به. وتقديره: وإن وقع ذو عسرة. وقيل: هي ناقصة محذوفة الخبر، وتقديره: وإن كان ذو عسرة غريما لكم. وكان يجوز لو قرئ وإن كان ذا عسرة أي: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، وروي ذلك في الشواذ عن أبي. فنظرة: مرفوعة لأنها خبر مبتدأ محذوف. والفاء فيه للجزاء وتقديره: فالذي تعاملونه به نظرة. (وأن تصدقوا): في موضع رفع بأنه مبتدأ وخبره: (خير لكم). المعنى: لما أمر سبحانه بأخذ رأس المال من الموسر، بين بعده حال


(1) [ وقرأ نافع: (ميسرة) بضم السين. والباقون: بفتحها وهما لغتان ]. (2) [ وسقط التاء عند الإضافة كقوله: وأقام الصلاة ]. (3) بثين: مرخم بثينة كجهينة: علم امرأة. (*)

[ 213 ]

المعسر، فقال: (وإن كان ذو عسرة) معناه: وإن وقع في غرمائكم ذو عسرة. ويجوز أن يكون تقديره: وإن كان غريما لكم ذو عسرة (فنظرة) أي: فالذي تعاملونه به نظرة (إلى ميسرة) أي: إلى وقت اليسار أي: فالواجب نظرة صيغته الخبر، والمراد به الأمر أي: فأنظروه إلى وقت يساره. واختلف في حد الإعسار، فروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته وقوت عياله على الإقتصاد. وقال أبو علي الجبائي: هو التعذر بالإعدام، أو بكساد المتاع أو نحوه. واختلف في وجوب إنظار المعسر على ثلاثة أقوال أحدها: إنه واجب في كل دين، عن ابن عباس والضحاك والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " وأبي عبد الله. وثانيها: إنه واجب في دين الربا خاصة، عن شريح وإبراهيم النخعي. وثالثها: إنه واجب في دين الربا بالآية، وفي كل دين بالقياس عليه. وقال الباقر " عليه السلام ": إلى ميسرة معناه: إلى أن يبلغ خبره الإمام، فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في المعروف. (وأن تصدقوا خير لكم) معناه: وأن تتصدقوا على المعسر بما عليه من الذين خير لكم. (إن كنتم تعلمون) الخير من الشر، وتميزون ما لكم عما عليكم. ومما جاء في معنى الآية من الحديث قوله " عليه السلام ": " من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ". وروى بريدة عنه أنه قال: " من أنظر معسرا، كان له بكل يوم صدقة ". وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان إن علم أن غريمه معسر، حرم عليه حبسه، وملازمته، ومطالبته بما له عليه وانه يجب عليه إنظاره، انتظارا لليسارة، وأن الصدقة برأس المال على المعسر، خير وأفضل من انتظار يسره. وروي عن ابن عباس، وابن عمر: آخر ما نزلت من القرآن آي الربا. (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [ 281 ]). القراءة: قرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء. والباقون بضمها. الحجة: حجة أبي عمرو قوله: (إن إلينا إيابهم)، فأضاف المصدر إلى الفاعل، فهذا بمنزلة ترجعون (1). وآب: مثل رجع، ومن حجته قوله: (وإنا إليه


(1) [ ترجعون ]. (*)

[ 214 ]

راجعون) فإلينا مرجعهم. الاعراب: (يوما): منصوب، لأنه مفعول به، ولا ينتصب على الظرف، لأنه ليس المعنى اتقوا في هذا اليوم. وقوله: (ترجعون فيه إلى الله): جملة في موضع نصب بكونه صفة لقوله (يوما). (توفى كل نفس ما كسبت): في موضع نصب بأنه عطف على صفة (يوم)، إلا أنه حذف منه فيه، لدلالة الأول عليه. النزول: هذا آخر آية نزلت من القرآن. وقال جبرائيل: ضعها في رأس الثمانين والمأتين من البقرة، عن ابن عباس والسدي. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: (إنك ميت وإنهم ميتون) قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ليتني أعلم متى يكون ذلك " ! فأنزل الله تعالى سورة النصر: إذا جاء نصر الله والفتح، فكان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزول هذه السورة، فيقول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه. فقيل له: إنك لم تكن تقوله قبل هذا ؟ ! فقال: أما إن نفسي نعيت إلي. ثم بكى بكاء شديدا. فقيل: يا رسول الله ! أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: فأين هول المطلع ؟ وأين ضيق القبر وظلمة اللحد ؟ وأين القيامة والأهوال ؟ فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد نزول هذه السورة عاما تاما. ثم نزلت (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه) إلى آخر السورة. وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن. فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعدها ستة أشهر. ثم لما خرج رسول الله إلى حجة الوداع، نزلت عليه في الطريق. (يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم) إلى آخرها، فسميت آية الصيف. ثم نزل عليه وهو واقف بعرفة: (اليوم أكملت لكم دينكم) الآية. فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما. ثم نزلت عليه آيات الربا ثم نزلت بعدها واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وهي آخر آية نزلت من السماء، فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال ابن جريج: تسع ليال. وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال. ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، حين بزغت الشمس. وروى أصحابنا لليلتين بقيتا من صفر، سنة إحدى عشرة من الهجرة، ولسنة واحدة من ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، بنفسي هو " صلى الله عليه وآله وسلم " حيا وميتا ! ! المعنى: ثم حذر سبحانه المكلفين من بعد ما تقدم من ذكر آي الحدود

[ 215 ]

والأحكام، فقال: (واتقوا يوما) معناه: واحذروا يوما، واخشوا يوما (ترجعون فيه إلى الله) تردون جميعا إلى جزاء الله، ويقال إلى ملك الله لنفعكم وضركم دون غيره ممن ملكه إياه في دار الدنيا. وهو المراد بكل ما في القرآن من هذا اللفظ، لأن الله سبحانه لا يغيب عن أحد، ولا يغيب أحد عن علمه وملكه وسلطانه. ويدل عليه قوله: (وهو معكم أينما كنتم). (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) وإنما خص يوم القيامة بهذه الصفة، لأن الناس إذا حشروا انقطع أمرهم، وبطل ملكهم، ولا يبقى لواحد منهم أمر ولا نهي، كما قال سبحانه: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). (ثم توفى كل نفس ما كسبت) قيل فيه وجهان أحدهما: توفى جزاء ما كسبت من الأعمال. والثاني: توفى ما كسبت من الثواب والعقاب، لأن الكسب على وجهين: كسب العبد لفعله، وكسبه لما ليس من فعله، كما يكسب المال. (وهم لا يظلمون) معناه: لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب، ولا يزاد عليهم ما يستحقونه من العقاب. (يا أيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق

[ 216 ]

بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم [ 282 ]). االقراءة: قرأ حمزة وحده: (إن تضل) بكسر الهمزة. والباقون بفتحها وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة: (فتذكر) بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة: (فتذكر) بالتشديد والرفع. وقرأ. الباقون: (فتذكر) بالتشديد والنصب. وقرأ عاصم وحده: (تجارة حاضرة) بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. وقرأ أبو جعفر: (ولا يضار) بتشديد الراء وتسكينها. والباقون: (لا يضار) بالنصب والتشديد. االحجة: الوجه في قراءة حمزة (إن تضل إحداهما) بكسر الهمزة: وهو أنه جعل إن للجزاء، والفاء في قوله (فتذكر) جواب الجزاء. وموضع الشرط وجزائه رفع بكونهما وصفا للمنكورين، وهما المرأتان في قوله (فرجل وامرأتان). فقوله رجل وامرأتان: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: فمن يشهد رجل وامرأتان. ويجوز أن يكون رجل مرتفعا بالإبتداء وامرأتان معطوفتان عليه. وخبر الإبتداء محذوف، وتقديره: فرجل وامرأتان يشهدون. وقوله: (ممن ترضون من الشهداء): فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم رجل وامرأتان. ولا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف إعراب الموصوفين. ألا ترى أن (شهيدين) منصويان، ورجل وامرأتان: إعرابها الرفع. فإذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف، إنما هو وصف لقوله فرجل وامرأتان دون من تقدم ذكرهما من الشهيدين. والشرط وجزاؤه وصف لقوله وامرأتان، لأن الشرط جملة يوصف بها كما يوصل بها في نحو قوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة). واللام التي هي في قوله (إن تضل) فيمن جعل إن جزاء في موضع جزم، وإنما حركت بالفتح لالتقاء الساكنين. ولو كسرت للكسرة قبلها، لكان جائزا في القياس. وأما قوله (فتذكر): فقياس قول سيبويه في قوله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) والآي التي تلاها معها، أن يكون بعد الفاء في (فتذكر) مبتدأ محذوف. ولو أظهرته لكان فهما تذكر إحداهما الاخرى. فالذكر العائد إلى المبتدأ المحذوف الضمير في قوله إحداهما. وأما الأصل في تذكر، فهو من الذكر الذي هو ضد النسيان. وذكرت فعل يتعدى إلى مفعول واحد. فإذا نقلته بالهمز، أو ضعفت العين منه، تعدى إلى مفعول آخر، وذلك نحو فرحته وأفرحته.

[ 217 ]

فمن قرأ (فتذكر) كان ممن جعل بالتضيف. ومن قرأ (فتذكر): كان ممن نقل بالهمزة، وكلاهما سائغ. والمفعول الثاني في قوله (فتذكر إحداهما الأخرى) محذوف، والمعنى فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها. وأما قراءة الأكثرين وهو (أن تضل) بفتح الألف فأن يتعلق فيها بفعل مضمر دذ عليه هذا الكلام، وذلك أحد ثلاثة أشياء: الأول: هو ان قوله (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) يدل على قولك (واستشهدوا رجلا وامرأتين). وعلى هذا فتقديره: فليشهد رجل وامرأتان. فتعلق (أن) إنما هو بهذا الفعل. والثاني: ما قاله أبو الحسن وهو: إن تقديره فليكن رجل وامرأتان. وعلى هذا فيكون معناه فليحدث شهادة رجل وامرأتين، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث: أن يضمر خبر المبتدأ الذي هو (فرجل وامرأتان) أي: فرجل وامرأتان يشهدون، فيكون يشهدون العامل في أن وموضع إضماره فيمن فتح الهمزة من (أن تضل) قبل أن، وفيمن كسر (إن) بعد انقضاء الشرط بجزائه. وأما موضع (أن) هذه فنصب، وتقديره لأن تضل إحداهما فتذكر. فإن قيل: فإن الشهادة إنما وقعت للذكر والحفظ، لا للضلال الذي هو النسيان ؟ فجوابه: إن سيبويه قد قال: أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الاخرى، وإنما ذكر (أن تضل) لأنه سبب الإذكار، كما يقول القائل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه وهو لا يطلب بذلك ميلان الحائظ، ولكنه أخبر بعلة الدعم وسببه. وقوله فتذكر أو فتذكر بالنصب معطوف على الفعل المنصوب بأن. وأما قراءة من قرأ (إلا أن تكون تجارة حاضرة) بالرفع فالوجه فيها أن يكون كان بمعنى وقع وحدث، فكأنه قال: إلا أن تقع تجارة حاضرة، مثل قوله: (وإن كان ذو عسرة). وأما من نصب (تجارة حاضرة) فيكون على خبر كان، ولم يخل إسم كان من أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما يقتضيه الكلام من الإشهاد والإرتهان، قد علم من فحواه التبايع، فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه، كما يقال: إذا كان غدا فأتني. والآخر: أن يكون أضمر التجارة، فكأنه قال: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثل ذلك قول الشاعر (1): * فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي، * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا *


(1) هو رؤبة بن العجاج. (*)

[ 218 ]

أي: إذا كان اليوم يوما. وأما قوله - (لا يضار) ففيه قولان أحدهما: إن أصله لا يضارر، فأدغمت الراء في الراء، وفتحت لالتقاء الساكنين، فيكون معناه: لا يكتب الكاتب إلا بالحق ولا يشهد الشاهد إلا بالحق الثاني: إن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى، فأدغمت، فيكون المعنى: لا يدع الكاتب على وجه يضر به، وكذلك الشاهد، والأول أبين، وأما قراءة أبي جعفر بتسكين الراء مع التشديد ففيه نظر، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف كقولهم: (ببازل وجنا أو عيهل) وقد تقدم أمثاله. اللغة: تقول: داينت الرجل مداينة: إذا عاملته بدين أخذت منه، أو أعطيته. وتداين القوم، أو الرجلان بمعناه، قال الشاعر: * داينت أروى، والديون تقضى، * فمطلت بعضا، وأدت بعضا (1) * ويقال: دنت وأدنت: إذا اقترضت. وأدنت: إذ ا أقرضت. قال (2): * أدان، وأنبأه الأولون * بأن المدان ملئ، وفي * والإملال الإملاء، يقال: أمل عليه، وأملى عليه بمعنى. والبخس: النقص ظلما، يقال بخسه حقه يبخسه بخسا. وثمن بخس: ناقص عن حقه. والبخس فقوء العين، لأنه إدخال نقص على صاحبها. والسفيه: الجاهل. وأصل السفه: الخفة. قال الشاعر: * تخاف أن تسفه أحلامنا، * فتخمل الدهر مع الخامل (3) * وإنما سمي الجاهل بالسفيه، لخفة عقله. وتقول من الإباء: أبى يأبى، ولم يأت مثله في اللغة، لأن فعل يفعل، لا يأتي إلا أن يكون في موضع العين من الفعل، أو اللام حرف من حروف الحلق. والقول فيه: إن الألف من أبى أشبهت الهمزة، فجاء يفعل منه مفتوحا لهذه العلة. والضلال: أصله الهلاك، تقول العرب: ضل الماء في اللبن. ومنه قوله: (إن المجرمين في ضلال وسعر). وقيل: أصله الذهاب بحيث لا يوجد وقيل ومنه: (أئذا ضللنا في الأرض). والسأم: الملل، يقال: سئم يسأم سأما: إذا مل من الشئ، وضجر منه، قال زهير:


(1) أروى اسم امرأة. (2) وهو أبو ذؤيب. (3) خمل ذكره: خفي. الخامل: الساقط لا نباهة له. (*)

[ 219 ]

* سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش * ثمانين حولا، لا أبا لك، يسأم * وأقسط أي أعدل والقسط: العدل، يقال: أقسط إذا عدل. وقسط يقسط قسوطا: إذا جار. والقسط: الحصة. المعنى: لما أمر سبحانه بإنظار المعسر، وتأجيل دينه، عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤجلة، وعقود المداينة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (إذا تداينتم) أي: تعاملتم، وداين بعضكم بعضا (بدين) قيل فيه قولان أحدهما: إنه على وجه التأكيد، وتمكين المعنى في النفس كقوله تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه) والآخر: إنه إنما قال (بدين) لأن (تداينتم) قد يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء. وقد يكون بمعنى تعاملتم بدين، فقيده بالدين لتلخيص اللفظ من الإشتراك.. (إلى اجل مسمى) أي: وقت مذكور معلوم بالتسمية. قال ابن عباس: إن الآية وردت في السلم خاصة، وكان يقول: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم، وأنزل فيه أطول آية من كتابه، وتلا هذه الآية. وظاهر الآية يقع على كل دين مؤجل، سلما كان أو غيره، وعليه المفسرون والفقهاء. (فاكتبوه) معناه فاكتبوا الدين في صك، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وليكون ذلك توثقة للحق، ونظرا للذى له الحق، وللذي عليه الحق، وللشهود. فوجه النظر للذي له الحق أن يكون حقه موثقا بالصك والشهود، فلا يضيع حقه. ووجه النظر للذي عليه الحق أن يكون أبعد به من الجحود، فلا يستوجب النقمة والعقوبة. ووجه النطر للشهود أنه إذا كتب بخطه، كان ذلك أقوم للشهادة، وأبعد من السهو، وأقرب إلى الذكر. واختلف في هذا الأمر، فقيل: هو مندوب إليه، عن أبي سعيد الخدري، والحسن والشعبي، وهو الأصح، وعليه الأكثر. وقيل: هو فرض، عن الربيع وكعب. ويدل على صحة القول الأول قوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته). والمفهوم من هذا الظاهر: فإن ائتمنه على ما له أن يأتمنه عليه. ثم بين كيفية الكتابة فقال (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) يعني: وليكتب كتاب المداينة، أو البيع بين المتعاقدين، كاتب بالقسط والإنصاف والحق، لا يزيد فيه، ولا ينقص منه في صفة ولا مقدار، ولا يستبدل، ولا يكتب شيئا يضر بأحدهما إلا بعلمه.

[ 220 ]

(ولا يأب كاتب) أي: ولا يمتنع كاتب من (أن يكتب) الصك على الوجه المأمور به (كما علمه الله) من الكتابة بالعدل. وقيل: كما فضله الله تعالى بتعليمه إياه، فلا يبخل على غيره بالكتابة واختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا فقيل: هي فرض على الكفاية، كالجهاد ونحوه، عن الشعبي وجماعة من المفسرين، واختاره الرماني والجبائي، وجوز الجبائي أن يأخذ الكاتب والشاهد الأجرة على ذلك. قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وعندنا لا يجوز ذلك، والورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين، ويكون الكتاب في يده، لأنه له. وقيل: واجب على الكاتب أن يكتب في حال فراغه، عن السدي. وقيل: واجب عليه أن يكتب إذا أمر، عن مجاهد وعطا. وقيل: إن ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره، فيضر بصاحب الدين إن امتنع، فإذا كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره، عن الحسن. وقيل: كان واجبا، ثم نسخ بقوله (ولا يضار كاتب ولا شهيد)، عن الضحاك. (فليكتب) أمر للكاتب أي: فليكتب الصك على الوجه المأمور به، وكانت الكتبة على عهد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فيهم قلة، فلذلك أكد بقوله (فليكتب) إذ الجمع بين الأمر بالشئ، والنهي عن تركه، أدعى إلى فعله، من الإقتصار على أحدهما. ثم بين سبحانه كيفية الإملاء على الكاتب، فقال سبحانه: (وليملل الذي عليه الحق) يعني المديون يقر على نفسه بلسانه، ليعلم ما عليه فليكتب (وليتق الله ربه) أي: الذي عليه الحق في الإملاء (ولا يبخس) أي: ولا ينقص (منه) أي: من الحق (شيئا) لا من قدره، ولا من صفته. ثم بين الله تعالى حال من لا يصح منه الإملاء، فقال: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) أي: جاهلا بالإملاء، عن مجاهد. وقيل: صغيرا طفلا، عن السدي والضحاك. وقيل: عاجزا أحمق، عن ابن زيد (أو ضععيفا) أي: ضعيف العقل من عته أو جنون، وقيل: شيخا خرفا (أو لا يستطيع أن يمل هو) أي: مجنونا. وقيل: عييا أخرس، عن ابن عباس. وقيل: الأقرب أن يحمل على ثلاث صفات، لكيلا يؤدي إلى التكرار. ثم اختلف في ذلك فقيل: السفيه: المجنون، والضعيف: الصغير، ومن لا يستطيع أن يمل: الأخرس ونحوه، ثم يدخل في كل واحد من هو في معناه. وقيل:

[ 221 ]

السفيه المبذر، والضيف: الصبي المراهق، ومن لا يستطيع أن يمل: المجنون، عن القاضي. (فليملل وليه بالعدل) قيل: معناه فليملل ولي الذي عليه الحق، إذا عجز عن الإملاء بنفسه، عن الضحاك وابن زيد. وقيل: معناه ولي الحق وهو الذي له الحق، عن ابن عباس، لأنه أعلم بدينه، فيملي بالحق والعدل. ثم أمر سبحانه بالاشهاد فقال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) يعني: اطلبوا الشهود، وأشهدوا على المكتوب رجلين من رجالكم أي: من أهل دينكم. وقال مجاهد: من الأحرار العالمين البالغين المسلمين، دون العبيد والكفار. والحرية ليست بشرط عندنا في قبول الشهادة، وإنما اشترط الإسلام مع العدالة، وبه قال شريح والليثي وأبو ثور. وقيل: هذا أمر للقضاة بأن يلتمسوا عند القضاء بالحق شهيدين من المدعي عند إنكار المدعى عليه، فيكون السين في الحالتين سين السؤال والطلب. (فإن لم يكونا رجلين) يعني: فإن لم يكن الشهيدان رجلين (فرجل وامرأتان) أي: فليكن رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان (ممن ترضون من الشهداء) عدالته. وهذا يدل على أن العدالة شرط في الشهود، ويدل أيضا على أنا لم نتعبد بإشهاد مرضيين على الإطلاق لقوله: (ممن ترضون)، ولم يقل من المرضيين، لأنه لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى، وإنما تعبدنا بإشهاد من هو مرضي عندنا في الظاهر، وهو من نرضى دينه وأمانته، ونعرفه بالستر والصلاح. (أن تضل إحداهما) أي: تنسى إحدى المرأتين. (فتذكر إحداهما الأخرى) قيل: هو من الذكر الذي هو ضد النسيان، عن الربيع والسدي والضحاك وأكثر المفسرين. والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها. ومن قرأ (فتذكر) بالتخفيف من الإذكار: فهو بهذا المعنى أيضا أي: يقول لها هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة، حتى تذكر الشهادة. وهذا النسيان يغلب على النساء، أكثر مما يغلب على الرجال. وقيل: هو من الذكر أي: يجعلها كذكر من الرجال، عن سفيان بن عيينة، والأول أقوى. فإن قيل: لم كرر لفظة إحداهما ؟ وهلا قال: فتذكرها الأخرى ؟ فجوابه على وجهين أحدهما: إنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما على المفعول، ولو قال فتذكرها

[ 222 ]

الأخرى، لكان قد فصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وذلك مكروه والثاني: ما قاله حسين بن علي المغربي: إن معناه أن تضل إحدى الشهادتين أي: تضيع بالنسيان، فتذكر إحدى المرأتين الأخرى، لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى، ويؤيد ذلك أنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالا، ويقال: ضلت الشهادة: إذا ضاعت، كما قال سبحانه: (قالوا ضلوا عنا) أي: ضاعوا منا. ثم خاطب سبحانه الشهود فقال: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: إن معناه ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا لإقامة الشهادة، عن مجاهد وعطا وسعيد بن جبير. وهذا إذا كانوا عالمين بالشهادة على وجه لا يرتابون فيه، ولم يخافوا من أدائها ضررا. والثاني: إن معناه إذا دعوا لإثبات الشهادة وتحملها، عن قتادة والربيع والثالث: إن معناه إذا دعوا إلى إثبات الشهادة وإلى إقامتها، عن ابن عباس والحسن، وعن أبي عبد الله " عليه السلام " وهو أولى، لأنه أعم فائدة. (ولا تسأموا) أي: ولا تضجروا، ولا تملوا (أن تكتبوا) أي: تكتبوا الحق (صغيرا) كان الحق (أو كبيرا). وقيل: إن هذا خطاب للشاهد، ومعناه: لا تملوا أن تكتبوا الشهادة على الحق (إلى أجله) أي: إلى أجل الدين. وقيل: معناه إلى أجل الشاهد أي: إلى الوقت الذي تجوز فيه الشهادة، والأول أقوى (ذلكم) الكتاب، أو كتابة الشهادة والصك. (أقسط) أي: أعدل (عند الله) لأنه سبحانه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه (وأقوم للشهادة) أي: أصوب للشهادة، وأبعد من الزيادة والنقصان، والسهو والغلط والنسيان. وقيل: معناه أحفظ للشهادة، مأخوذ من القيام على الشئ: بمعنى الحفظ. (وأدنى ألا ترتابوا) أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل (إلا أن تكون تجارة) معناه: إلأ أن تقع تجارة أي: مداينة ومبايعة حاضرة حالة يدا بيد. ومن قرأ بالنصب فمعناه: إلا أن تكون التجارة تجارة (حاضرة تديرونها بينكم) أي: تتناقلونها من يد إلى يد، نقدا لا نسيئة. (فليس عليكم جناح) أي: حرج وضيق (ألا تكتبوها) ومعناه: فليس عليكم إثم في ترك كتابتها، لأن الكتابة للوثيقة ولا يحتاج إلى الوثيقة إلا في النسيئة دون النقد (وأشهدوا إذا تبايعتم) أي: وأشهدوا الشهود على بيعكم إذا تبايعتم. وهذا أمر على الإستحباب والندب، عن الحسن وجميع الفقهاء. وقال أصحاب الظاهر: الإشهاد فرض في التبايع (ولا يضار كاتب ولا شهيد) أصله يضارر بكسر الراء الأولى، عن

[ 223 ]

الحسن وقتادة وعطا وابن زيد. فيكون النهي للكاتب والشاهد عن المضارة. فعلى هذا فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة. وقيل: الأصل فيه لا يضارر بفتح الراء الأولى، عن ابن مسعود ومجاهد، فيكون معناه: لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر، ولا يتفرغ إليها، ولا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة وإقامتها في حال عذر، ولا يعنف عليهما. قال الزجاج والأول أبين لقوله: (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) فالفاسق أشبه بغير العدل، وبمن حرف الكتاب منه بالذى دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب، وهو مشغول. وقال غيره: معناه وإن تفعلوا مضارة الكاتب والشهيد، فإن المضارة في الكتابة والشهادة فسوق بكم أي: خروج عما أمر الله سبحانه به. (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (ويعلمكم الله) ما تحتاجون إليه من أمور دينكم (والثه بكل شئ عليم) أي: عليم بذلك، وبكل ما سواه من المعلومات. وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن في البقرة خمسمائة حكم، وفي هذه الآية خاصة خمسة عشر حكما. (* وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم [ 283 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فرهن) على وزن فعل. والباقون: (فرهان) على وزن فغال. الحجة: قال أبو علي: الرهن مصدر، ولما نقل فسمي به، كسر كما تكسر الأسماء. وجمع على بناءين من أبنية الجموع، وهو فعل وفعال، وكلاهما من أبنية الكثير. وقد يخفف العين من رهن كما خفف في (رسل، وكتب). ومثل رهن ورهن: سقف وسقف، وقال الأعشى: * آليت لا أعطيه من أبنائنا، * رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا * اللغة: يقال: رهنت عند الرجل رهنا. ورهنته رهنا. وأنا أرهنه: إذا وضعته

[ 224 ]

عنده. ورهنته ضيعة. وقالوا: أرهنته أيضا. وفعلت فيه أكثر. قال (1): * يراهنني فيرهنني بنيه، * وأرهنه بني بما أقول * قال الأصمعي من روى بيت ابن همام: * فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا * فقد أخطأ، إنما الرواية وأرهنهم مالكا كما تقول وثبت إليه وأصك عينه، ونهضت إليه وآخذ بشعره، وتقول: أرهنت لهم الطعام أي: أدمته لهم. وأرهيته بمعناه. والطعام راهن وراه. وقد أرهنت في ثمن السلعة: إذا أسلفت فيه. قال: (عيدية أرهنت فيها الدنانير) (2). وأما قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لا يغلق الرهن " فمعناه أن يقول الراهن: إن جئتك بفكاكه إلى شهر، وإلا فهو لك بالدين، فهذا باطل بلا خلاف. المعنى: ثم ذكر سبحانه حكم الوثيقة بالرهن، عند عدم الوثيقة بالإشهاد، فقال: (وإن كنتم) أيها المتداينون المتبايعون (على سفر) أي: مسافرين (ولم تجدوا كاتبا) للصك، ولا شهودا تشهدونهم (فرهان مقبوضة) تقديره: فالوثيقة رهن، فيكون رهن خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون التقدير: فرهان مقبوضة يقوم مقام الوثيقة بالصك، والشهود. والقبض شرط في صحة الرهن، فإن لم يقبض لم ينعقد الرهن بالإجماع. (فإن أمن بعضكم بعضا) أي: فإن أمن صاحب الحق الذي عليه الحق، ووثق به، وائتمنه على حقه، ولم يستوثق منه بصك ولا رهن (فليؤد الذي اؤتمن) أي: الذي عليه الحق (امانته) بأن لا يجحد حقه، ولا يبخس منه شيئا، ويؤديه إليه وافيا وقت محله، من غيرمطل، ولا تسويف. وأراد بقوله (أمانته) أي: ما اؤتمن فيه فهو مصدر بمعنى المفعول. (وليتق الله ربه) معناه: وليتق الذي عليه الحق عقوبة الله ربه، فيما ائتمن عليه بجحوده، أو النقصان منه (ولا تكتموا الشهادة) يعني بعد تحملها، وهو خطاب للشهود، ونهي لهم عن كتمان الشهادة إذا دعوا إليها (ومن يكتمها) أي: ومن يكتم


(1) وهو أحيحة بن الجلاح. (2) عيدية: نوق من كرام النجائب منسوبة إلى فحل منجب، والقائل: رذاذ الكلبي، وله: " ظلت تجول بها البلدان ناجية ". (*)

[ 225 ]

الشهادة مع علمه بالمشهود به، وعدم ارتيابه فيه، وتمكنه من أدائها من غير ضرر بعد ما دعي إلى إقامتها (فانه آثم قلبه) أضاف الإثم إلى القلب، وإن كان الآثم هو الجملة، لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب، لأن العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب، ولأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم، كما ان إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح. قال تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان). (والله بما تعملون) أي: ما تسرونه، وتكتمونه (عليم). وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " لا ينقضي (1) كلام شاهد زور من بين يدي الحاكم، حتى يتبوأ مقعده من النار " وكذلك من كتم الشهادة. وفي قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا) دلالة على ان الإشهاد والكتابة في المداينة، ليسا بواجبين، وإنما هو على، سبيل الإحتياط. وتضمنت هذه الآية وما قبلها من بدائع لطف الله تعالى، ونظره لعباده في أمر معاشهم، ومعادهم، وتعليمهم ما لا يسعهم جهله، ما فيه بصيرة لمن تبصر، وكفاية لمن تفكر. (لله مافى السماوات وما في الأرض وإن تبدوا مافى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شئ قدير [ 284 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب: (فيغفر، ويعذب) بالرفع. وقرأ الباقون بالجزم فيهما. الحجة: قال أبو علي: وجه قول من جزم أنه أتبعه ما قبله، ولم يقطعه منه، وهذا أشبه بما عليه كلامهم. ألا ترى أنهم يطلبون المشاكلة، ويلزمونها. فمن ذلك: إن ما كان معطوفا على جملة من فعل وفاعل، واشتغل عن الإسم الذي من الجملة التي يعطف عليها الفعل، يختار فيه النصب ولو لم يكن قبله الفعل والفاعل لاختاروا الرفع. وعلى هذا ما جاء في التنزيل نحو قوله: (وكلا ضربنا له الأمثال)، وقوله: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) فكذلك ينبغي أن يكون الجزم أحسن ليكون مشاكلا لما قبله في اللفظ، وهذا النحو من طلبهم المشاكلة كثير. ومن


(1) [ لا ينقضي لا ينقضي ]. (*)

[ 226 ]

لم يجزم قطعه من الأول، وقطعه منه على أحد وجهين: إما أن يجعل الفعل خبرا لمبتدأ محذوف، وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها. المعنى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) اللام لام الملك أي: له تصريف السموات والأرض، وما فيهما، وتدبيرهما، لقدرته على ذلك، ولأنه الذي أبدعهما وأنشأهما. فجميع ذلك ملكه، وما ملكه يصرفه كما يشاء (وإن تبدوا ما في أنفسكم) وتعلنوه أي: تظهروا ما في أنفسكم من الطاعة، والمعصية (أو تخفوه) أي: تكتموه (يحاسبكم به الله) أي: يعلم الله ذلك، فيجازيكم عليه. وقيل: معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها، فإن الله يعلم ذلك، ويجازيكم به، عن ابن عباس وجماعة. وقيل: إنها عامة في الأحكام التي تقدم ذكرها في السورة. خوفهم الله سبحانه من العمل بخلافها. وقال قوم: إن هذه الآية منسوخة بقوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ورووا في ذلك خبرا ضعيفا. وهذا لا يصح لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز، فكيف ينسخ ؟ وإنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي، من الإعتقادات والإرادات وغير ذلك مما هو مستور عنا. فأما ما لا يدخل في التكليف من الوساوس والهواجس، وما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر، فخارج عنه لدلالة العقل، ولقوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " تجوز لهذه الأمة عن نسيانها، وما حدثت به أنفسها ". فعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية بينت للأولى، وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه، وظن أن ما يخطر بالبال، أو تتحدث به النفس، مما لا يتعلق بالتكليف، فإن الله يؤاخذ به، والأمر بخلاف ذلك. وقوله (فيغفر لمن يشاء) أي: يغفرلمن يشاء منهم، رحمة وفضلا. (ويعذب من يشاء) منهم ممن يستحق العقاب عدلا (والله على كل شئ قدير) من المغفرة والعذاب، عن ابن عباس. ولفظ الآية عام في جميع الأشياء. والقول فيما يخطر بالبال من المعاصي إن الله تعالى لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بما يعزم الإنسان ويعقد قلبه عليه، مع إمكان التحفظ عنه، فيصير من أفعال القلب، فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح. وإنما يجازيه جزاء العزم، لا جزاء عين تلك المعصية، لأنه لم يباشرها. وهذا بخلاف العزم على الطاعة، فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك، جزاء تلك الطاعة، كما جاء في الأخبار: " إن المنتظر للصلاة في

[ 227 ]

الصلاة ما دام ينتظرها " ". وهذا من لطائف نعم الله تعالى على عباده. النظم: ذكر في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها: إنه لما فرغ من بيان الشرائع، ختم السورة بالتوحيد والموعطة والإقرار بالجزاء والثاني: إنه لما قال: (والله بكل شئ عليم) أتبعه بأنه لا يخفى عليه شئ، لأن له ملك السموات والأرض، عن أبي مسلم والثالث: إنه لما أمر بهذه الوثائق، بين أنه إنما يعتد بها لأمر يرجع إلى المكلفين، لا لأمر يرجع إليه، فإن له ما في السموات وما في الأرض. (ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [ 285 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (وكتابه). والباقون: (وكتبه) على الجمع. وقرأ يعقوب: (لا يفرق) بالياء. والباقون بالنون. الحجة: من قرأ (كتابه) على الواحد ففيه وجهان أحدهما: إنه بمعنى القرآن. والثاني: إنه بمعنى الجنس. فيوافق القراءة الأخرى على الجمع. وقد جاء المضاف من الأسماء بمعنى الكثرة نحو قوله (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وفي الحديث: " منعت العراق درهمها وقفيزها ". فهذا يراد به الكثرة، كما يراد بما فيه لام التعريف والإختيار فيه الجمع، ليشاكل ما قبله وما بعده، ولأن أكثر القراء عليه. ومن قرأ (لا يفرق): فعلى تقدير: لا يفرق الرسول، أو كل لا يفرق. والنون على تقدير: وقالوا لا نفرق، كقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) ربنا أبصرنا وسمعنا أي: ريقولون ربنا أبصرنا. الاعراب: (غفرانك): نصب على أنه بدل من الفعل المأخوذ منه، فكأنه قيل: اللهم اغفر لنا غفرانك. واستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء، فصار بدلا عنه معاقبا له. المعنى: لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة، وأحكام الشرع، وأخبار الأنبياء، ختم السورة بذكر تعظيمه وتصديق نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " بجميع ذلك، فقال: (آمن

[ 228 ]

الرسول) أي: صدق محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (بما أنزل إليه من ربه) من الأحكام المذكورة في السورة، وغيرها (والمؤمنون كل) أي: كل واحد منهم (آمن بالله) أي: صدق بإثباته وصفاته، ونفي التشبيه عنه، وتنزيهه عما لا يليق به (وملائكته) أي: وبملائكته، وبأنهم معصومون مطهرون (وكتبه) أي: وبأن القرآن، وجميع ما أنزل من الكتب حن وصدق (ورسله) وبجميع أنبيائه (لا نفرق بين أحد من رسله) أي: ويقولون لا نفرق بين أحد من رسل الله في الإيمان، بأن نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، كما فعله أهل الكتاب من اليهود والنصارى. (وقالوا سمعنا وأطعنا) معناه: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك إذا جعلته راجعا إلى الله، أو سمعنا قوله وأطعنا أمره، إذا جعلته راجعا إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: معناه سمعنا قول الله، وقول الرسول، سماع القائلين (1) المطيعين، وذلك خلاف ما أخبر الله تعالى عن الكفار، حيث قالوا: سمعنا وعصينا. (غفرانك ربنا) أي: يقولون: يا ربنا اغفر لنا. وقيل: معناه يقولون: نسألك غفرانك (وإليك المصير) معناه: إلى جزائك المصير. فجعل مصيرهم إلى جزائه مصيرا إليه، كقول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) ومعناه: إلى ثواب ربي، أو إلى ما أمرني به ربي. وهذا هو إقرار بالبعث والنشور. (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ 286 ]). اللغة: الوسع: ما دون الطاقة، ويسمى ذلك وسعا بمعنى أنه يسع الإنسان، ولا يضيق عنه. وأخطأنا أي: كسبنا خطيئة. وقال أبو عبيدة: أخطأ وخطئ لغتان. والفرق بين أخطأ وخطئ أن أخطأ قد يكون على وجه الإثم وغير الإثم. فأما خطئ فالإثم لا غير. قال الشاعر: * والناس يلحون الأمير إذا هم * خطئوا الصواب، ولا يلام المرشد (2) *


(1) [ والمؤمنين ]. (2) قائله: عبيد بن الأبرص جاهلي قديم. ولحى فلانا: لامه وسبه. (*)

[ 229 ]

والإصر في اللغة: الثقل. قال النابغة: * يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم، * والحامل الإصر عنهم بعدما غرقوا (1) * وكل ما عطفك على شئ من عهد أو رحم، فهو إصر وجمعه آصار. ويقال أصره يأصره أصرا. والإسم الأصر. قال النابغة: * يا بن الحواضن، والحاضنا * ت أتنقض إصرك حالا فحالا * أي: عهدك. والآصرة: صلة الرحم للعطف لها، قال الكميت: * نضحت أديم الود بيني وبينهم، * بآصرة الأرحام لوتتبلل (2) * المعنى: ثم بين سبحانه أنه فيما أمر ونهى لا يكلف إلا دون الطاقة، فقال: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي: لا يأمر ولا ينهى أحدا إلا ما هو له مستطيع. وقيل: إن معنى قوله (إلا وسعها) إلا يسرها دون عسرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها، عن سفيان بن عيينة. وهذا قول حسن، وفي هذا دلالة علن بطلان قول المجبرة في تجويز تكليف العبد ما لا يطيقه، لأن الوسع هو ما يتسع له قدرة الإنسان، وهو فوق المجهود واستفراغ القدرة. وقال بعضهم: إن معناه إلا ما يسعها، ويحل لها. وهذا خطأ، لأن من قال لعبده: لا آمرك إلا بما أطلق لك (3) أن تفعله، لكان ذلك غيا منه، وخطأ لأن نفس أمره إطلاق، فكأنه قال: لا أطلق لك، ولا آمرك إلا بما آمرك. وقوله (لها ما كسبت) معناه: لها ثواب ما كسبت من الطاعات (وعليها) جزاء (ما اكتسبت) من السيئات. ويجوز أيضا أن يسمى الثواب والعقاب كسبا من حيث حصلا بكسبه (ربنا لا تؤاخذنا) قيل: تقديره قولوا ربنا على جهة التعليم للدعاء، عن الحسن. وقيل: تقديره يقولون ربنا على جهة الحكاية والثناء (إن نسينا أو أخطأنا) قيل فيه وجوه أحدها: إن المراد بنسينا: تركنا، كقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا طاعته فتركهم من ثوابه، وقوله. (وتنسون أنفسكم) ومنه قول الشاعر: * ولم أك عند الجود للجود قاليا، * ولا كنت يوم الروع للطعن ناسيا (4) *


(1) الضيم: الظلم. وسراة القوم: سادتهم. (2) بل رحمه: وصله. (3) [ إلا ما أطلق لك ]. (4) القالي: المبغض. (*)

[ 230 ]

أي: تاركا. والمراد بأخطانا: أذنبنا، لأن المعاصي توصف بالخطأ من حيث إنها ضد الصواب، وإن كان فاعلها متعمدا، فكأنه تعالى أمرهم أن يستغفروا مما تركوه من الواجبات، ومما فعلوه من المقبحات والثاني: معنى قوله (إن نسينا): إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر، والغفلة عن الواجب، أو أخطأنا أي: تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ، ويحسن الدعاء بذلك كما يحسن الإعتذار منه والثالث: إن معناه: لا تؤاخذنا إن نسينا أي: إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو والغفلة، أو أخطأنا أي: فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد. ويحسن هذا في الدعاء على سبيل الإنقطاع إلى الله تعالى، وإظهار الفقر إلى مسألته، والإستعانة به، وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله. ويجري ذلك مجرى قوله فيما بعد: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) على أحد الأجوبة. وقوله: (رب احكم بالحق). وقد تقدم ذكر أمثاله والرابع: ما روي عن ابن عباس وعطاء أن معناه لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين، أو متعمدين. وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) قيل فيه وجهان أحدهما: إن معناه لا تحمل علينا عملا (2) نعجز عن القيام به، ولا تعذبنا بتركه ونقضه، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع والسدي والثاني: إن معناه لا تحمل علينا ثقلا، عن الربيع ومالك وعطاء. يعني لا تشدد الأمر علينا. (كما حملته على الذين هن قبلنا) أي: على الأمم الماضية، والقرون الخالية، لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها، وحرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام، كما قال تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) وأخذ عليهم من العهود والمواثيق، وكلفوا من أنواع التكاليف ما لم يكلف هذه الأمة تخفيفا عنها. (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قيل فيه وجوه أحدها: إن معناه ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف والإمتحان، مثل قتل النفس عند التوبة. وقد يقول الرجل لأمر يصعب عليه: إني لا أطيقه. والثاني: إن معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا وآجلا والثالث: إنه على سبيل التعبد، وإن كان تعالى لا يكلف، ولا يحمل أحدا ما لا يطيقه، كما ذكرنا قبل (واعف عنا) ذنوبنا (واغفر لنا) خطايانا أي: استرها (وارحمنا) بإنعامك علينا في الدنيا، والعفو في الآخرة، وإدخال الجنة


(1) وفي جملة من النسخ " عهدا " بدل " عملا ". (*)

[ 231 ]

(أنت مولانا) أي: ولينا وأولى بالتصرف فينا، وناصرنا (فانصرنا على القوم الكافرين) أي: أعنا عليهم بالقهر لهم، والغلبة بالحجة عليهم. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الله سبحانه قال عند كل فصل من هذا الدعاء: فعلت واستجبت ". ولهذا استحب الإكثار من هذا الدعاء. ففي الحديث المشهور عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " أي: كفتا قيام ليلته. وعن عبد الله بن مسعود قال: (لما أسري برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " انتهي به إلى سدرة المنتهى، وأعطي ثلاثا: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته إلا المقحمات " (1). وعن ابن المنكدر رفعه إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " في آخر سورة البقرة آيات، إنهن قرآن، وإنهن دعاء، وإنهن يرضين الرحمن ". وفي تفسير الكلبي بإسناده ذكره، عن ابن عباس قال: (بينا رسول الله إذ سمع نقيضا - يعني صوتا - فرفع رأسه فإذا باب من السماء قد فتح، فنزل عليه ملك، وقال: إن الله يبشرك بنورين لم يعطهما نبيا قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لا يقرأهما أحد إلا أعطيته حاجته ". وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كان الرجل إذا تعلم سورة البقرة، جد فينا أي: عظم.


(1) أي: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار أي: تلقيهم فيها. (*)

[ 232 ]

سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان هي كلها مدنية، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وجميع المفسرين. عدد آيها مائتان إلا آية شامي. ومائتان في الباقين خلافها في سبع آيات. عد الكوفي الم آية. والإنجيل الثانية آية. وترك وأنزل الفرقان. وعد البصري ورسولا إلى بني إسرائيل آية. وترك الشامي التوراة والإنجيل الأول. وعد مقام إبراهيم، هو وأبو جعفر. وترك أبو جعفر مما تحبون. وعد أهل الحجاز حتى تنفقوا مما تحبون. فضلها: روى أبي بن كعب عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ". ابن عباس قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى، تجب الشمس ". بريدة قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " تعلموا سورة البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف ". بسم الله الرحمان الرحيم الم [ 1 ] الله لآ إله إلا هو الحى القيوم [ 2 ] نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل [ 3 ] من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام [ 4 ] إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء [ 5 ]). خمس H يات بلا خلاف، إلا أن الكوفي عد الم آية، وترك وأنزل الفرقان. وغيرهم بالعكس من ذلك.

[ 233 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم: (الم الله) بسكون الميم وقطع همزة الله. وقرأ الباقون موصولا، وبفتح الميم. وروي في الشواذ عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وعن زيد بن علي بن الحسين، وعن جعفر بن محمد الصادق، وعن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (الحي القيام). وروي عن الحسن: (الأنجيل) بفتح الهمزة. الحجة: قال أبو علي: إتفاق الجميع على إسقاط الألف الموصولة في إسم الله تعالى، دل على أن الميم ساكنة، كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف. فلما التقت الميم الساكنة، ولام التعريف، حركت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام التعريف. والدليل على أن التحريك للساكن الثالث، وهو مذهب سيبويه أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان، نحو: حاميم عين سين قاف. وذلك أنها مبنية على الوقف، كما أن أسماء العدد كذلك. فحركت الميم للساكن الثالث بالفتح، كما حركت النون في قوله (من الله) بالفتح لالتقاء الساكنين. وأما من قطع الألف فكأنه قدر الوقف على الميم، واستأنف فقطع الهمزة لابتدائه بها. وأما (القيام): فقد قال ابن جني إنه صفة على فيعال من قام يقوم، ومثله من الصفة الغيداق، وأصله من القيوام. إلتقت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغم فيها الياء. وقراءة الجماعة (القيوم): فيعول من هذا أيضا. وأما (الأنجيل) بفتح الهمزة، فمثال غير معروف النظير في كلامهم، لأنه ليس في كلامهم أفعيل بفتح الهمزة. ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج، لكنه عندهم عربي، وهو أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج. ومنه نجل الرجل لولده، لأنه استخرجهم من صلبه، ومن بطن امرأته. قال الأعشى: * أنجب أزمان والداه به * إذ نجلاه فنعم ما نجلا (1) * أي: أنجب والداه أزمان إذ نجلاه. ففصل بين المضاف الذي هو أزمان، وبين المضاف إليه الذي هو إذ كقولهم: حينئذ ويومئذ، بالفاعل. وقيل له (أنجيل) لأن به يستخرج علم الحلال والحرام، كما قيل توراة وهي فوعلة من وري الزند: إذا قدح، وأصله ووراة، فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء، كما قالوا: التجاه والتخمة والتكلان والتراث، من الوجه والوخامة والوكل والوراثة. فهي من ورى الزند: إذا


(1) أي: أتى بولد نجيب. (*)

[ 234 ]

ظهرت ناره. وذاك من نجل ينجل إذا استخرج لما في الكتابين من معرفة الحلال والحرام. وكما قيل لكتاب نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " الفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل. فالمعاني كما ترى معتنقة، وكلها الإظهار والإبراز، والفرق بين الأشياء. وقال علي بن عيسى: النجل الأصل، فكأن الإنجيل أصل من أصول العلم. وقال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل. فكأن الإنجيل فرع على التوراة يستخرج منها. وقال ابن فضال: هو من النجل وهو من السعة، يقال: عين نجلاء، وطعنة نجلاء. وكأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق على أهل التوراة، وكل محتمل. الاعراب: (مصدقا): نصب على الحال. وقوله: (من قبل) أي: من قبل إنزال الكتاب. فلما قطعه عن الإضافة، بناه على الضم. وموضع (هدى) نصب على الحال من التوراة والإنجيل أي: هاديين. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هما هدى. النزول: قال الكلبي، ومحمد بن إسحاق، والربيع بن أنس: نزلت أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم، وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدارسهم. وكان قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه، وبنوا له الكنائس، لعلمه واجتهاده. فقدموا على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المدينة، ودخلوا مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية في جمال رجال بلحرث (1) بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس، وقاموا فصلوا في مسجد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالت الصحابة: يا رسول الله ! هذا في مسجدك ؟ فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": دعوهم فصلوا إلى المشرق. فتكلم السيد والعاقب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال لهما رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أسلما. قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام


(1) هو في الأصل بني الحارث وهو من شواذ التخفيف. (*)

[ 235 ]

دعأوكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير. قالا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه ؟ وخاصموه جميعا في عيسى. فقال لهما النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض، ولا في السماء ؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل، ولا يشرب، ولا يحدث. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا. فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. المعنى: إن الله تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد والايمان، إفتتح هذه السورة بالتوحيد والإيمان أيضا فقال: (الم) وقد ذكرنا الإختلاف فيه، وفي معناه، وفي محله في أول سورة البقرة. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وقد ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحي القيوم إسم الله الأعظم، وهو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان " عليه السلام " في حمل عرش بلقيس من سبا إلى سليمان، قبل أن يرتد إليه طرفه (نزل عليك) يا محمد (الكتاب) يعني القرآن (بالحق) فيه قولان أحدهما: بالصدق في إخباره والثاني: بالحق أي: بما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حق من الوجهين. (مصدقا لما بين يديه) أي: لما قبله من كتاب ورسول، عن مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين. وإنما. قيل (لما بين يديه) لما قبله، لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه. وقيل في معنى (مصدقا) ههنا قولان أحدهما: إن معناه مصدقا لما بين يديه، وذلك لموافقته لما تقدم الخبر به، وفيه دلالة على صحة نبوته " صلى الله عليه وآله وسلم " من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا وهو عند الله علام الغيوب والثاني: إن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء، وبما أتوا به من الكتب، ولا يكون مصدقا للبعض، ومكذبا للبعض. (وأنزل التوراة) على موسى (والإنجيل) على عيسى (من قبل) أي: من

[ 236 ]

قبل إنزال القرآن (هدى للناس) مفعول له أي: دلالة وبيانا. وقيل: يعني به الكتب الثلاثة أي: ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه، وأهل كل زمان بما أنزل في زمانه. وقيل: إن (هدى للناس) حال من الكتاب أي: هاديا للناس (وأنزل الفرقان) يعني به القرآن. وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته، وإن كانت لموصوف واحد، لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى. فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج وغيره من الأحكام، وذلك كله في القرآن. ووصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب. وروى عبد اللة بن سنان، عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب، وهو الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء. وقيل: المراد بالفرقان الأدلة الفاصلة بين الحق والباطل، عن أبي مسلم. وقيل: المراد به الحجة القاطعة لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على من حاجه في أمر عيسى. وقيل: المراد به النصر. (إن الذين كفروا بآيات الله) أي: بحججه ودلالاته (لهم عذاب شديد) لما بين حججه الدالة على توحيده، وصدق أنبيائه، عقب ذلك بوعيد من خالف فيه، وجحده، ليتكامل به التكليف. (والله عزيز) أي: قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه، وأصل العزة: الإمتناع، ومنه أرض عزازاي: منيعة السلوك لصعوبتها. ومنه يقال من عزبز أي: من غلب سلب، لأن الغالب ممتنع عن الضيم. فالله تعالى عزيز أي: ممتنع من حيث إنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ. (ذو انتقام) أي: ذو قدرة على الإنتقام من الكفار، لا يتهيأ لأحد منعه. والإنتقام: مجازاة المسئ على إساءته (إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء) لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته، مع نصب الأدلة على توحيده، وصدق أنبيائه، إقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شئ، فيكون في ذلك تحذير من الإغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية. فإن قيل: لم قال (لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء)، ولم يقل: لا يخفى عليه شئ على وجه من الوجوه، فيكون أشد مبالغة ؟ قلنا: لأن الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء، والإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس، وأهول في الصدر، مع الدلالة على أنه عالم بكل شئ. فإن قيل: لم لم يقل إنه عالم بكل شئ في الأرض والسماء ؟ قلنا: لأن

[ 237 ]

الوصف بأنه لا يخفى عليه شئ، يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه، مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما لا يخفى عليه شئ لأنه عالم لنفسه، فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما، وما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له، فلا يجوز أن يخفى عليه شئ بوجه من الوجوه. (هو الذى يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم [ 6 ]).. اللغة: التصوير: جعل الشئ على صورة لم يكن عليها. والصورة: هيئة يكون عليها الشئ في التأليف. وأصلها من صاره يصوره: إذا أماله، لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها. والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة، ليدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية والأرحام: جمع رحم، وأصله الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف، يقولون: وصلتك رحم. والمشيئة: هي الإرادة. الاعراب: (كيف): في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء. وجملة يشاء في موضع الحال من يصور أي: يصوركم في الأرحام أي: يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده. المعنى: (هو الذي يصوركم) أي: يخلق صوركم (في الأرحام كيف يشاء) على أي صورة شاء، وعلى أي صفة شاء، من ذكر أو أنثى، أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير. (لا إله إلا هو العزيز) في سلطانه (الحكيم) في أفعاله. ودلت الآية على وحدانية الله، وكمال قدرته، وتمام حكمته، حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة، وركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة. وقد تقرر في عقل كل عاقل ان العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة، ويصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويصرفونه، لم يقدروا على ذلك، ولا وجدوا إليه سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام ؟ فتبارك الله أحسن الخالقين. وهذا الإستدلال مروي عن جعفر بن محمد " عليه السلام ". (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغاء

[ 238 ]

تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلآ أولوا الألباب [ 7 ]). اللغة: المحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشئ: إذا ثقفته وأتقنته. وأم الكتاب: أصله. ومكة: أم القرى، ويقال لعلم الجيش: أم. وأصله أمهة، ولذلك يجمع على أمهات. وقد يقال: أمات أيضا. والمتشابه: الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض، أخذ من الشبه، لأنه يشتبه به المراد. والزيغ: الميل. وأزاغه: أماله. والتزايغ: التمايل في الأسنان. والابتغاء: الطلب. والفتنة: أصلها الإختبار، من قولهم: فتنت الذهب بالنار أي: اختبرته. وقيل: معناه خلصته. والتأويل التفسير. وأصله المرجع والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا: إذا صار إليه. وأولته تأويلا: إذا صيرته إليه، قال الأعشى: * على أنها كانت تأول حبها، * تأول ربعي السقاب فأصحبا (1) * أي: كان حبها صغيرا فآل إلى العظم، كما آل السقب وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، يقال: رسخ رسوخا: إذا ثبت في موضعه، وأرسخه غيره. الاعراب: (منه آيات): جملة من مبتدأ وخبر في موضع النصب على الحال من (أنزل) وتقديره. أنزل الكتاب محكما ومتشابها. (هن أم الكتاب): جملة في موضع الرفع لكونها صفة لآيات. (وأخر): عطف على (آيات)، وهو صفة مبتدأ محذوف وتقديره: ومنه آيات أخر. و (متشابهات): صفة بعد صفة. و (أخر): غير منصرف. قال سيبويه: إن أخر فارقت أخواتها والأصل الذي عليه بناء أخواتها، لأن أخر أصلها أن يكون صفة بالألف واللام، كما يقال الصغرى والصغر. فلما عدل عن مجرى الألف واللام، وأصل أفعل منك، وهي مما لا تكون إلا صفة، منعت الصرف. وقال الكسائي: إنما لم تصرف لأنه صفة. وهذا غلط، لأن قولهم مال لبد وحطم منصرفان مع كونهما صفة. و (ابتغاء): نصب لأنه مفعول له في الموضعين. (وكل من عند ربنا):


(1) الربعي: نتاج الربيع. وأصحب الرجل: إذا بلغ ابنه. (*)

[ 239 ]

مبتدأ وخبر، وهو اسم دال على المضاف إليه كثير في الكلام، حذف المضاف إليه منه عند البصريين، ولا يجيزون إنا كلا فيها على الصفة، وأجازه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته عليه، إسما كان أو صفة، وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف إليه، لأن قبل ظرف يعرف وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف إليه، والإعراب الذي يدل على تنكيره بالإنفصال. وليس كذلك كل لأنه معرفة في الإفراد دون نكرة. فأما ليس غير فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر. المعنى: لما تقدم بيان إنزال القران، عقبه ببيان كيفية إنزاله، فقال: (هو الذي أنزل عليك) يا محمد (الكتاب) أي: القرآن (منه) أي: من الكتاب (آيات محكمات هن أم الكتاب) أي: أصل الكتاب (وأخر متشابهات) قيل في المحكم والمتشابه أقوال أحدها: إن المحكم ما علم المراد بطاهره من غير قرينة تقترن إليه، ولا دلالة تدل على المراد به، لوضوحه، نحو قوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولا يظلم مثقال ذرة) ونحو ذلك، مما لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل. والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه لالتباسه نحو قوله (وأضله الله على علم) فإنه يفارق قوله: (وأضلهم السامري)، لأن إضلال السامري قبيح، وإضلال الله تعالى حسن. وهذا معنى قول مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه: ما اشتبهت معانيه. وإنما يقع الإشتباه في أمور الدين، كالتوحيد ونفي التشبيه والجور. ألا ترى أن قوله (ثم استوى على العرش) يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، وأن يكون بمعنى القهر والإستيلاء. والوجه الأول لا يجوز عليه سبحانه. وثانيها: إن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، عن ابن عباس وثالثها: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما يحتمل وجهين فصاعدا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وأبي علي الجبائي. ورابعها: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه: ما تتكرر ألفاظه كقصة موسى، وغير ذلك، عن ابن زيد وخامسها: إن المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم تعيين تأويله، كقيام الساعة، عن جابر بن عبد الله. وإنما وحد أم الكتاب ولم يقل هن أمهات الكتاب لوجهين أحدهما: إنه على

[ 240 ]

وجه الجواب، كأنه قيل: ما أم الكتاب ؟ فقال: هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد ؟ فيقال: نحن نظيره والثاني: إن الآيات بمجموعها أصل الكتاب وليست كل آية محكمة أم الكتاب، وأصله، لأنها جرت مجرى شئ واحد في البيان والحكمة، ومثله قوله: (وجعلنا ابن مريم وأمه) آية، ولم يقل آيتين، لأن شأنهما واحد في أنها جاءت به من غير ذكر، فلم تكن الآية لها إلا به، ولا له إلا بها. ولو أراد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقان آيتين. (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: ميل عن الحق، وإنما يحصل الزيغ بشك، أو جهل (فيتبعون ما تشابه منه) أي: يحتجون به على باطلهم (ابتغاء الفتنة) أي: لطلب الضلال والإضلال، وإفساد الدين على الناس. وقيل: لطلب التلبيس على ضفاء الخلق، عن مجاهد. وقيل: لطلب الشرف والمال كما سمى الله المال فتنة في مواضع من كتابه. وقيل: المراد بالفتنة ها هنا الكفر، وهو المروي عن أبي عبد الله، وقول الربيع والسدي. (وابتغاء تأويله) ولطلب تأويله على خلاف الحق. وقيل: لطلب مدة أكل (1) محمد على حساب الجمل، وابتغاء معاقبته، ويدل على ذلك قوله (ذلك خير وأحسن تأويلا) أي: عاقبة، وقول العرب: تأول الشئ: إذا انتهى. وقال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أن ذلك، لا يعلمه إلا الله. ويدل على ذلك قوله (هل ينظرون إلا تأويله). واختلف في الذين عنوا بهذا فقيل: عني به وفد نجران، لما حاجوه في أمر عيسى، وسألوه، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه ؟ فقال: بلى. فقالوا: حسبنا. فأنزل الله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) يعني أنهم قالوا إن الروح ما فيه بقاء البدن، فأجروه على ظاهره. والمسلمون يحملونه على أن بقاء البدن كان في وقته به، كما أن بقاء البدن بالروح. وقد قامت الدلالة على أن القديم تعالى ليس بذي أجزاء وأعضاء، وإنما يضاف الروح إليه تشريفا للروح، كما يضاف البيت إليه. ثم أنزل (إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)، عن الربيع. وقيل: هم اليهود طلبوا علم أكل هذه الأمة، واستخراجه بحساب الجمل، عن الكلبي. وقيل: هم المنافقون عن ابن


(1) الأكل بالضم وضمتين: الرزق والحظ من الدنيا. (*)

[ 241 ]

جريج. وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبائية (1)، عن قتادة. (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أي: الثابتون في العلم، الضابطون له، المتقنون فيه. واختلف في نظمه وحكمه على قولين أحدهما: إن الراسخون معطوف على الله بالواو، على معنى إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، وإلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه و (يقولون) على هذا في موضع النصب على الحال، وتقديره قائلين (آمنا به كل من عند ربنا) كقول ابن المفرغ الحميري: * الريح تبكي شجوة، * والبرق يلمع في غمامة * أي: والبرق يبكي أيضا لامعا في غمامة. وهذا قول ابن عباس والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار أبي مسلم، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " فإنه قال: كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله. ومما يؤيد هذا القول ان الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرهم توقفوا على شئ منه، ولم يفسروه بأن هذا متشابه لا يعلمه إلا الله. وكان ابن عباس يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم. والقول الآخر: إن الواو في قوله (والراسخون) واو الإستئناف فعلى هذا القول، يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف عند قوله (وما يعلم تأويله إلا الله) ويبتدي (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) فيكون مبتدأ وخبرا. وهذا قول عائشة، وعروة بن الزبير، والحسن ومالك، واختيار الكسائي والفراء والجبائي وقالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يومنون به. فالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أكل هذه الأمة، ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى وخروج الدجال، ونحو ذلك مما استأثر الله بعلمه، ويكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأول كقوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) يعني الموعود به. وقوله (كل، من عند ربنا): معناه


(1) الحرورية: الخوارج. السبائية: أتباع عبد الله بن سبا الغالي في علي " عليه السلام ". (*)

[ 242 ]

المحكم والمتشابه جميعا من عند ربنا (وما يذكر) أي: وما يتفكر في آيات الله، ولا يرد المتشابه إلى المحكم (إلا أولوا الألباب) أي: ذوو العقول. فإن قيل: لم أنزل الله تعالى في القرآن المتشابه ؟ وهلا جعله كله محكما ؟ فالجواب: إنه لو جعل جميعه محكما لاتكل الناس كلهم على الخبر، واستغنوا عن النظر، ولكان لا يتبين فضل العلماء على غيرهم، ولكان لا يحصل لهم ثواب النظر، وإتعاب الخواطر في استنباط المعاني. وقال القاضي الماوردي: قد وصف الله تعالى جميع القرآن بأنه محكم بقوله: (آلر كتاب أحكمت آياته)، ووصف جميعه أيضا بأنه متشابه بقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) فمعنى الإحكام: الإتقان والمنع أي: هو ممنوع بإتقانه وإحكام معانيه، عن اعتراض خلل فيه، فالقرآن كله محكم من هذا الوجه. وقوله متشابها أي: يشبه بعضه في الحسن والصدق والثواب، والبعد عن الخلل والتناقض، فهو كله متشابه من هذا الوجه. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [ 8 ] ربنا إنك جامع الناس ليوم لاريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد [ 9 ]). اللغة: الهبة: تمليك الشئ من غير مثامنة. والهبة والنحلة والصلة نظائر. وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن بضم اللام والدال، ولدن بفتح اللام والدال، ولدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، ولد بحذف النون. والميعاد: بمعنى الوعد، كما ان الميقات: بمعنى الوقت. الاعراب: اللام في قوله (ليوم لا ريب فيه): معناه في يوم، وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من اللام، فإن تقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه. فلما حذف لفظ الجزاء، دخلت على ما يليه، فأغنت عن في لأن حروف الإضافة متواخية لما يجمعها من معنى الاضافة. وقد كان يجوز فتح أن في قوله (إن الله لا يخلف) على تقدير: جامع الناس ليوم لا ريب فيه لأن الله لا يخلف الميعاد، ولم يقرأ به. المعنى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) هذه حكاية عن قولى الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في الآية الأولى، وذكر في تأويله وجوه أحدها: إن معناه لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب، فتميل قلوبنا عن الإيمان، بعد إذ وفقتنا بألطافك، حتى هديتنا إليك. وهذا دعاء بالتثبيت على الهداية، والإمداد بالألطاف

[ 243 ]

والتوفيقات، ويجري مجرى قولهم: اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا. والمعنى لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا، فيسلط علينا، فكأنهم قالوا: لا تخل بيننا وبين نفوسنا بمنعك التوفيق والالطاف عنا، فنزيغ ونضل. وإنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية، ويفرط فيه من التوبة، كما قال (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم). وثانيها: إن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله وتركه، فتزيغ قلوبنا بعد الهداية، ونظيره: (فلما كتب عليهم القتال تولوا) فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه، لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم، كما قال سبحانه: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، و (لم يزدهم دعائي إلا فرارا). وثالثها: ما قاله أبو علي الجبائي: إن المراد: لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك، وهو ما ذكره الله من الشرح والسعة بقوله: (يشرح صدره للإسلام) وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحرج اللذان يفعلان بالكفار عقوبة، ومن ذلك التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين، ويمنعه الكافرين، كما قال تعالى: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) ومن ذلك: كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين، كما قال: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان). وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين، فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب. ورابعها: إن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان، ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لولا المسألة لجاز أن يفعله، لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الإنقطاع إليه، والإفتقار إلى ما عنده، بأن يفعل ما نعلم أن يفعله، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله، إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة، كما قال سبحانه: (قل رب إحكم بالحق)، وقال (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) وقال حاكيا عن إبراهيم: (ولا تخزني يوم يبعثون). فإن قيل: هلا جاز على هذا أن يقول: ربنا لا تظلمنا ولا تجر علينا ؟ فالجواب: إنما لم يجز ذلك، لأن فيه تسخطا من السائل، وإنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور والظلم، وليس كذلك ما نحن فيه. (وهب لنا من لدنك رحمة) أي: من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الإيمان، إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان، إلا بلطفك، كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك. وقيل: نعمة.

[ 244 ]

(إنك أنت الوهاب) المعطي للنعمة الذي شأنه الهبة والعطية (ربنا) أي: ويقولون يا سيدنا وخالقنا (إنك جامع الناس) للجزاء (ليوم) أي: في يوم (لا ريب فيه) أي: ليس فيه موضع ريب وشك لوضوحه. وهذا يتضمن إقرارهم بالبعث (إن الله لا يخلف الميعاد) أي: لا يخلف الوعد. وقيل: هو متصل بما قبله من دعاء الراسخين في العلم، وإن خالف آخر الكلام أوله في الخطاب والغيبة، فيكون مثل قوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم)، وتقديره: فاغفر لنا إنك لا تخلف ما وعدته. وقيل: إنه على الإستئناف، وهو اختيار الجبائي، فيكون إخبارا عن الله تعالى. (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولآ أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار [ 10 ]). اللغة: الوقود الحطب والوقود إيقاد النار. المعنى: ثم بين تعالى حال الذين في قلوبهم زيغ، فقال: (إن الذين كفروا) بآيات الله ورسله (لن تغني) أي: لن تدفع (عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) قال أبو عبيدة: من هنا بمعنى عند. وقال المبرد: وهي على أصلها لابتداء الغاية وتقديره: لن تغني عنهم غنا ابتداء وانتهاء. وقيل: معناه من عذاب الله شيئا (وأولئك هم وقود النار) أي: حطب النار تتقد النار بأجسامهم، كما قال في موضع آخر: (حصب جهنم). (كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بأياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب [ 11 ]). اللغة: الدأب: العادة يقال: دأب يدأب دأبا: إذا اعتاد الشئ وتمرن عليه. والدأب: الإجتهاد، يقال: دأب في كذا دأبا ودؤوبا: إذا إجتهد فيه وبالغ، ونقل من هذا إلى العادة، لأنه بالغ فيه حتى صار عادة له، قال زهير: * لأرتحلن بالفجر، ثم لادئبن * إلى الليل، إلا أن يعرجني طفل (1) *


(1) حكي عن الشراح: الطفل بكسر الطاء أي: إلا أن يمنعني ولادة طفل الناقة. (*)

[ 245 ]

والذنب والجرم واحد، يقال: أذنب فهو مذنب. والذنب: تلو الشئ، يقال ذنبه يذنبه: إذا تلاه. والذنوب: الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب. والذنوب: النصيب، لأنه كالدلو في الإنعام. والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب. وأصل الباب التلو. فالذنب: الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم، كما أن العقاب سمي بذلك لأنه يستحق عقيب الذنب. الاعراب: الكاف: في قوله (كدأب): متعلق بمحذوف وتقديره عادتهم كعادة آل فرعون، فيكون الكاف في موضع رفع بأنها خبر مبتدأ. ولا يجوز أن يعمل فيها (كفروا) لأن صلة (الذين) قد انقطعت بالخبر، ولكن جاز أن يكون في موضع نصب بوقود النار لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار بأجسامهم، كما تتقد بأجسام ال فرعون. (كذبوا): جملة في موضع الحال، والعامل فيه المعنى في (دأب آل فرعون). وقد: مقدرة معه. المعنى: عادة هؤلاء الكفار في التكذيب بك، وبما أنزل إليك (كدأب آل فرعون) أي: كعادة آل فرعون في التكذيب برسولهم، وما أنزل إليه، عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي. وقيل: معناه اجتهاد هؤلاء الكفار في قهرك، وإبطال أمرك، كاجتهاد آل فرعون في قهر موسى، عن الأصم والزجاج. وقيل: كعادة الله في آل فرعون في إنزال العذاب بهم، بما سلف من إجرامهم. وقيل: كسنة آل فرعون، عن الربيع والكسائي وأبي عبيدة. وقيل: كأمر آل فرعون وشأنهم، عن الأخفش. وقيل: كحال آل فرعون، عن قطرب (والذين من قبلهم) يعني كفار الأمم الماضية (كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم) أي: عاقبهم الله بذنوبهم. وسمى المعاقبة مؤاخذة، لأنها أخذ بالذنب. فالأخذ بالذنب عقوبة (والله شديد العقاب) لمن يعاقبه. (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد [ 12 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (سيغلبون ويحشرون) بالياء فيهما. والباقون بالتاء. الحجة: من اختار التاء فلقوله: (قد كان لكم آية) فأجرى الجميع على

[ 246 ]

مثليكم وإن كان قد جاء: (وما آتيتم من زكاة نريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) ورأيت هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد، ويدل على ذلك تقييده برأى العين. وإذا كان كذلك كان انتصاب (مثليهم) على الحال، لا على أنه مفعول ثان. وأما مثل فقد يفرد في موضع التثنية والجمع، فمن الإفراد في التثنية قوله: (وساقيين مثل زبل وجعل) (1). ومن إفراده على الجمع قوله: (إنكم إذا مثلهم) ومن جمعه قوله (ثم لا يكونوا أمثالكم). ومن قرأ (ترونهم): فللخطاب الذي قبله وهو قوله: (قد كان لكم آية ترونهم مثليهم). فالضمير في (ترونهم) للمسلمين. والضمير المنصوب للمشركين أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين. فأما قراءة ابن عباس (يرونهم) فوجهه ما قاله ابن جني: إن أريت وأرى أقوى في اليقين من رأيت، تقول: أرى أن سيكون كذا أي: هذا غالب ظني. وأرى أن سيكون كذا أي: أعلمه، وأتحققه. اللغة: قد ذكرنا معنى الفئة عند قوله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) والإلتقاء والتلاقي والإجتماع واحد. والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى (وداود ذا الأيد) يقال: إدته أئيده أيدا أي: قويته وأيدته أؤيده تأييدا بمعناه. والعبرة: الآية، يقال: إعتبرت بالشئ اعتبارا وعبرة. والعبور: النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، وسميت الآية عبرة، لأنه يعبر عنها من منزل العلم إلى منزل الجهل. والمعتبر بالشئ: تارك جهله، وواصل إلى علمه بما رأى. والعبارة: الكلام يعبر بالمعنى إلى المخاطب. والعبارة: تفسير الرؤيا. والتعبير: وزن الدراهم وغيرها. والعبرة: الدمعة. وأصل الباب: النفوذ. الاعراب: قوله (فئة) تحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب: الرفع على الإستئناف بتقدير منهم فئة كذا، وأخرى كذا. والجر على البدل، والنصب على الحال، كقول كثير: * وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة، * ورجل رمى فيها الزمان، فشلت * أنشد بالرفع والجر، وقال ابن مفرغ: * وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة، * ورجل رماها صائب الحدثان *


(1) الزبل بالكسر،: السرقين. وجعل: دويبة معروفة. (*)

[ 247 ]

* فأما التي صخت فأزد شنوءة، * وأما التي شلت فأزد عمان (1) * وقال آخر: * إذا مت كان الناس صنفين: شامت، * وآخر مئن بالذي كنت أصنع * ولا يجوز أن يقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة. ويجوز بالرفع على تقدير منهم صريع، ومنهم جريح. فإن. قلت: مررت بثلاثة صريع وجريح وسليم جاز الرفع والجر. فإن زدت فيه اقتتلوا، جاز الأوجه الثلاثة. والقراءة بالرفع لا غير. وقوله: (رأي العين) يجوز أن يكون مصدرا ليرى. والعين: في موضع الرفع بأنه الفاعل. ويجوز أن يكون ظرفا للمكان كما يقول: ترونهم أمامكم. النزول: نزلت الآية في قصة بدر، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار. وكان صاحب لواء رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والمهاجرين، علي بن أبي طالب " عليه السلام "، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة. وكانت الإبل في جيش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " سبعين بعيرا، والخيل فرسين فرس للمقداد بن أسود، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. وكان معهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. واختلف في عدة المشركين فروي عن علي " عليه السلام " وابن مسعود أنهم كانوا ألفا. وعن قتادة وعروة بن الزبير والربيع: كانوا بين تسعمائة إلى ألف، وكانت خيلهم مائة فرس، ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان. المعنى: لما وعد سبحانه الظفر لأهل الإيمان، بين ما فعله يوم بدر بأهل الكفر والطغيان، فقال: (قد كان لكم آية) قيل: الخطاب لليهود الذين نقضوا العهد أي: كان لكم أيها اليهود دلالة ظاهرة. وقيل: الخطاب للناس جميعا ممن حضر الوقعة. وقيل: للمشركين واليهود. آية أي: حجة وعلامة ومعجزة دالة على صدق


(1) أزد: أبو حي من اليمن. وشنوءة: قبيلة كانت مع معاوية في وقعة صفين. وعمان قبيلة كانت مع علي " عليه السلام ". (*)

[ 248 ]

الخطاب. ومن اختار الياء: فللتصرف - في الكلام، والإنتقال من خطاب المواجهة إلى الخبر بلفظ الغائب، ويؤيده قوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، (قل للذين آمنوا يغفروا) وقيل: إن الخطاب لليهود، والضمير في (ستغلبون) للمشركين، لأن اليهود أظهروا السرور بما كان من المشركين يوم أحد فعلى هذا لا يكون إلا بالياء، لأن المشركين غيب. اللغة: الحشر: الجمع مع سوق، ومنه يقال للنبي: الحاشر، لأنه يحشر الناس على قدميه، كأنه يقدمهم، وهم خلفه، لأنه آخر الأنبياء، فيحشر الناس في زمانه وملته. وجهنم: إسم من أسماء النار. وقيل: أخذ من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر. والمهاد: القرار، وهي الموضع الذي يتمهد فيه أي: ينام فيه مثل الفراش. النزول: روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله قريشا ببدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود ! إحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم ! فقالوا: يا محمد ! لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا (1)، لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله هذه الآية. وروي أيضا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه أصحابنا أيضا. وقيل: نزلت في مشركي مكة: ستغلبون يوم بدر، عن مقاتل. وقيل: بل نزلت في اليهود، لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية. ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى. فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله، شكوا وقالوا: لا والله ما هو به. فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا. وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله، لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة. فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.


(1) جمع غمر مثلثة الغين أي: جهالا بأمر الحرب، غير مجربين. (*)

[ 249 ]

المعنى: لما تقدم ذكر ما أصاب القرون الخالية بالتكذيب للرسل من العذاب، حذر هؤلاء من أن يحل بهم ما حل بأولئك، فقال تعالى: (قل للذين كفروا) إما مشركي مكة، أو اليهود على ما تقدم ذكره (ستغلبون) أي: ستهزمون وتصيرون مغلوبين في الدنيا (وتحشرون) أي: تجمعون (إلى جهنم) في الآخرة. وقد فعل الله ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف. وإذا قرئ (سيغلبون) بالياء فقد يمكن أن يكون المغلوبون المحشورون من غير المخاطبين، وأنهم قوم آخرون، ويمكن أن يكونوا إياهم. قال الفراء: يقال قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم. وإذا قرئ بالتاء فلا يجوز أن يظن هذا، فلا يكونون غير المخاطبين (وبئس المهاد) أي: بئس ما مهد لكم، وبئس ما مهدتم لأنفسكم، عن ابن عباس. وقيل: معناه بئس القرار، عن الحسن. وقيل: بئس الفراش الممهد لهم. وفي الآية دلالة على صحة نبوة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأن مخبره قد خرج على وفق خبره، فدل ذلك على صدقه، ولا يكون ذلك على وجه الإتفاق، لأنه بين أخبارا كثيرة من الإستقبال، فخرج الجميع كما قال. فكما أن كل واحد منها كان معجزا، إذ الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول، كذلك هذه الآية. وإذا ثبت صدقه على أحد الخبرين، وهو أنهم سيغلبون، ثبت صدقه في الخبر الآخر، وهو أنهم يحشرون إلى جهنم. (قد كان لكم ءاية في فئتين التقتافئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار [ 13 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة والبصرة، عن أبي عمرو: (ترونهم) بالتاء. والباقون بالياء. وروي في الشواذ، عن ابن عباس: (يرونهم) بضم الياء. الحجة: قال أبو علي (ره): من قرأ يرونهم بالياء، فلأن بعد الخطاب غيبة، وهو قوله: (فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم) أي: ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم. ومما يؤكد الياء قوله مثليهم ولو كان على التاء لكان

[ 250 ]

محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (في فئتين التقتا) أي: فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين (فئة) فرقة (تقاتل) تحارب (في سبيل الله) في دينه وطاعته، وهم الرسول وأصحابه (وأخرى) اي: فرقة أخرى (كافرة) وهم المشركون من أهل مكة (يرونهم مثليهم) أي: ضعفهم (راي العين) أي: في ظاهر العين. واختلف في معناه فقيل: معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا، تقوية لقلوبهم، وذلك أن المسلمين قد قيل لهم: (فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم، ولا يحجموا عنهم. وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير، عن ابن مسعود، وجماعة من العلماء. وقيل: إن الرؤية للمشركين، يعني: يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم، ولا ينصرفوا. فلما أخذوا في القتال، كثرهم في أعينهم ليجبنوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم. وتصديق ذلك قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم) الآية. وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين، والخذلان للكافرين، وهذا قول السدي. وإنما يتأتى هذا القول على قراءة من قرأ بالياء. فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا، وهم المعنيون بقوله: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون) وهم يهود بني قينقاع فكأنه قال: (ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم)، واختار البلخي هذا الوجه. أو يكون الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين. وقال الفراء: يحتمل قوله (يرونهم مثليهم) يعني ثلاثة أمثالهم، لأنك إذا قلت عندي ألف، وأحتاج إلى مثلها، فأنت تحتاج إلى ألفين، لأنك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها، لا بمعنى بدلا منها. فكأنك قلت: أحتاج إلى مثليها. وإذا قلت: أحتاج إلى مثليها، فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف، فكذلك في الآية المعنى (يرونهم مثليهم) مضافا إليهم، فذلك ثلاثة أمثالهم. قال: والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير.

[ 251 ]

وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، وما جاء في آية الأنفال من تقليل الأعداد. فإن قيل: كيف يصح تقليل الأعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع ؟ وهل هذا إلا قول من جوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها أو يدرك بعضها دون بعض ؟ قلنا: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد، لا أنهم أدركوا بعضا دون بعض، لأن العلم بما يدركه الإنسان جملة، غير العلم بما يدركه مفصلا، ولأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم. فعلى هذا يكون الوجه تأويل تقليل الأعداد. وقوله: (والله يؤيد بنصره من يشاء) النصر منه سبحانه على الأعداء يكون على ضربين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة. فالنصر بالغلبة إنما كان بغلبة العدد القليل للعدد الكثير، على خلاف مجرى العادة، وبما أمدهم الله به من الملائكة، وقوى به نفوسهم من تقليل العدة، والنصر بالحجة، وهو وعده المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة، وهذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب. (إن في ذلك) أي: في ظهور المسلمين مع قلتهم، على المشركين مع كثرتهم، وتقليل المشركين في أعين المسلمين، وتكثير المسلمين في أعين المشركين (لعبرة لأولي الأبصار) أي: لذوي العقول، كما يقال لفلان: بصير بالامور، ولا يراد به الإبصار بالحواس الذي يشترك فيه سائر الحيوان. (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب [ 14 ]). اللغة: الشهوات: جمع شهوة، وهي توقان النفس إلى المشتهى. يقال: اشتهى يشتهي شهوة واشتهاء. والشهوة من فعل الله، ولا يقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا. والقناطير: جمع قنطار، وهو المال الكثير العظيم. وأصله من الإحكام، يقال: قنطرت الشئ: أحكمته. والقنطر: الداهية. وقيل: أصله من القنطرة، وهو البناء المعقود للعبور. والمقنطرة: المحصلة من قناطير، كقولهم: دراهم مدرهمة أي: مجعولة كذلك،

[ 252 ]

ودنانير مدنرة. وقيل: إنما ذكر المقنطرة للتأكيد. وقد يؤتى بالمفعول والفاعل تأكيدا فالمفعول مثل قوله: (حجرا محجورا)، (ونسيا منسيا) والفاعل كقولهم شعر شاعر، وموت مائت. والمراد بالجميع المبالغة والتأكيد. وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، والاختيال: من التخيل لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا. والمسومة: من قولهم أسمت الماشية وسومتها: إذا رعيتها. والسيما: الحسن. والسيمياء بمعناه. قال الشاعر: * غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشق على البصر * والسيمياء: العلامة، وهو أصل الباب. والمآب: المرجع من الأوب: وهو الرجوع. المعنى: ثم أنزل الله تعالى ما أخبر به عن السبب الذي دعا الناس إلى العدول عن الحق والهدى، والركون إلى الدنيا، فقال: (زين للناس حب الشهوات) أي: حب المشتهيات، ولم يرد بها نفس الشهوة. ولهذا فسرها بالنساء والبنين وغيرهما. ثم اختلف فيمن زينها لهم فقيل: الشيطان، عن الحسن، قال: فو الله ما أجد أذم للدنيا من خلقها. وقيل: زينها الله تعالى لهم بما جعل في الطباع من الميل إليها، وبما خلق فيها من الزينة، محنة وتشديدا للتكليف، كما قال سبحانه: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) وقيل: زين الله تعالى ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح، عن أبي علي الجبائي. ثم قدم سبحانه ذكر النساء فقال (من النساء) لأن الفتنة بهن أعظم. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ". وقال: (النساء حبائل الشيطان ". وقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها وهي عقرب حلوة اللسعة. ثم قال: (والبنين) لأن حبهم يدعو إلى جمع الحرام. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " للأشعث بن قيس: " هل لك من ابنة حمزة من ولد ؟ قال: نعم، لي منها غلام، ولوددت أن لي من جفنة من طعام أطعمها من معي من بني جبلة. فقال: لئن قلت ذاك إنهم لثمرة القلوب، وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة مخزنة ". (والقناطير) جمع قنطار. واختلف في مقداره فقيل: ألف ومائتا أوقية، عن

[ 253 ]

معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر. وقيل: ألف ومائتا مثقال، عن ابن عباس والحسن والضحاك. وقيل: ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، عن الحسن بخلاف. وقيل: ثمانون ألفا من الدراهم، أو مائة رطل، عن قتادة. وقيل: سبعون ألف دينار، عن مجاهد وعطاء. وقيل: هو مل ء مسبك ثور ذهبا، عن أبي نضرة، وبه قال الفراء، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله و (المقنطرة، المضاعفة، عن قتادة. وقيل: هي تسعة قناطير، عن الفراء. وقيل: هي الأموال المنضد بعضها فوق بعض، عن الضحاك. وقيل: الكاملة المجتمعة. وقيل: هي (من الذهب والفضة)، عن الزجاج. ولا يصح قول من قال من الذهب خاصة، لأن الله ذكر القنطار فيهما جميعا، وجميع الأقوال يرجع إلى الكثرة. (والخيل المسومة) قيل: معناه الأفراس الراعية، عن سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع. وقيل: هي الحسنة من السيمياء، وهو الحسن عن مجاهد وعكرمة والسدي. وقيل: هي المعلمة، عن قتادة. وفي رواية عن ابن عباس المعدة للجهاد، عن ابن زيد. (والأنعام): وهي جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم من الضان والمعز، ولا يقال لجنس منها على الإنفراد نعم، إلا للإبل خاصة، لأنها يغلب عليه جملة وتفصيلا (والحرث) معناه: الزرع. هذه كلها محببة إلى الناس، كما ذكر الله تعالى. ثم بين أن ذلك كله مما يتمتع به في الحياة، ثم يزول عن صاحبه، والمرجع إلى الله، فأجدر بالإنسان أن يزهد فيه، ويرغب فيما عند ربه فقال: (ذلك متاع الحياه الدنيا) يعني كل ما سبق ذكره مما يستمتع به في الحياة الدنيا ثم يفنى (والله عنده حسن المآب) يعني: حسن المرجع. فالمآب مصدر سمي به موضع الإياب. (* قل أؤنبئكم بخير من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزاوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد [ 15 ]). القراءة: قرأ أبو بكر عن عاصم: (ورضوان) بضم الراء كل القرآن. والباقون بكسر الراء. الحجة: الرضوان: مصدر، فمن كسره جعله كالرئمان والحرمان، ومن ضمه

[ 254 ]

جعله كالرجحان والشكران والكفران. الاعراب: منتهى الإستفهام في (أو نبئكم) عند قوله (عند ربهم). ثم استأنف (جنات تجري) على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما ذلك الخير ؟ قال: هو جنات. وقيل: منتهى الاستفهام عند قوله: (بخير من ذلك). ثم ابتدأ فقال: (للذين اتقوا عند ربهم جنات). وبجوز في العربية في إعراب (جنات) الرفع والجر. فالجر على أن يكون آخر الكلام (عند ربهم) ولا يجوز الجر على الوجه الآخر، للفصل باللام كما لا يجوز أمرت لك بألفين، ولأخيك مائتين، حتى يقول بمائتين. ولو قدمت فقلت: ومائتين لأخيك، لجاز. و (خالدين): نصب على الحال. المعنى: لما صغر تعالى الدنيا، وزهد فيها في الآية الأولى، عظم الآخرة وشرفها، ورغب فيها في هذه الآية فقال: (قل) يا محمد لأمتك (أؤنبئكم) أخبركم (بخير من ذلكم) بأنفع لكم مما سبق ذكره في الآية المتقدمة، من شهوات الدنيا ولذاتها وزهراتها (للذين اتقوا) ما حرم الله عليهم (عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها الأنهار. وعلى القول الآخر أخبركم بخير مما سبق للذين اتقوا عند ربهم. ثم ابتدأ فقال جنات أي: ذلك الخير جنات تجري من تحت أبنيتها الأنهار. وبين الله بهذا أن أنهار الجنة جارية أبدا، ليست كأنهار الدنيا التي يجري ماؤها تارة، وينقطع أخرى (خالدين فيها) أي: مقيمين في تلك الجنات (وأزواج مطهرة) من الحيض والنفاس وجميع الأقذار والادناس، والطبائع الذميمة، والأخلاق اللئيمة (ورضوان من الله) ووراء هذه الجنات رضوان من الله (والله بصير بالعباد) أي: خبير بأفعالهم، وأحوالهم. (الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذ نوبنا وقنا عذاب النار [ 16 ] الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار [ 17 ]). اللغة: المغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة. والذنب والجرم بمعنى واحد. والفرق بينهما أن أصل الذنب الإتباع، فهو مما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة. والجرم: أصله القطع فهو القبيح الذي ينقطع به عن الواجب. والفرق بين

[ 255 ]

القول والكلام أن القول فيه معنى الحكاية، وليس كذلك الكلام. والصابر: الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات. والصادق المخبر بالشئ على ما هو به. والقانت: المطيع والأسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر أصله: الخفاء لخفاء الشخص في ذلك الوقت. والسحر منه أيضا لخفاء سببه. والسحر: الرئة لخفاء موضعها. الاعراب: يجوز في موضع (الذين) الرفع والنصب والجر، فالجر للإتباع (للذين اتقوا). والرفع والنصب على المدح، وكذلك باقي الصفات. ويجوز أن يكون جرا على الصفة (للذين اتقوا). المعنى: ثم وصف المتقين الذين سبق ذكرهم في قوله (للذين اتقوا) فقال: (الذين يقولون) أي: المتقين القائلين (ربنا إننا آمنا) أي: صدقنا الله ورسوله (فاغفر لنا ذنوبنا) أي: استرها علينا، وتجاوزها عنا (وقنا) أي: وادفع عنا (عذاب النار). ثم وصفهم بصفات أخر، ومدحهم وأثنى عليهم فقال: (الصابرين) أي: على فعل ما أمرهم الله به، وترك ما نهاهم عنه. وإن شئت قلت الصابرين على الطاعة وعن المعصية (والصادقين) في إيمانهم وأقوالهم. (والقانتين) قيل: المطيعين، عن قتادة. وقيل: الدائمين على الطاعة والعبادة، عن الزجاج. وقيل: القائمين بالواجبات، عن القاضي (والمنفقين) أموالهم في سبيل الخير. ويدخل فيه الزكاة المفروضة، والتطوع بالإنفاق (والمستغفرين بالأسحار) المصلين وقت السحر، عن قتادة، ورواه الرضا عن أبيه " عليه السلام " عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: السائلين المغفرة في وقت السحر، عن أنس. وقيل: المصلين صلاة الصبح في جماعة، عن زيد بن أسلم. وقيل: الذين ينتهي صلاتهم إلى وقت السحر، ثم يستغفرونه ويدعون، عن الحسن. وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الآية. وروى أنس بن مالك عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " إن الله، عزوجل، يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، لالى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفته عنهم ". (شهد الله أنه لآ إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لآ إله

[ 256 ]

إلا هو العزيز الحكيم [ 18 ] إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إ لا من بعد ماجآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب [ 19 ]). القراءة: قرأ الكسائي: (أن الدين) بفتح الألف. والباقون بالكسر. قال الزجاج: وروي عن ابن عباس قال (إنه لا إله إلا هو) بكسر الألف. والقراءة (أنه) بالفتح. الحجة: قال أبو علي: الوجه الكسر في (إن) لأن الكلام الذي قبله قد تم. ومن فتح أن جعله بدلا. والبدل وإن كان في تقدير جملتين، فإن العامل لما لم يظهر أشبه الصفة. فإذا جعلته بدلا، جاز أن تبدله من شيئين أحدهما: من قوله (أنه لا إله إلا هو) فكان التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، فيكون البدل من الضرب الذي الشئ فيه هو هو. وإن شئت جعلته من بدل الإشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل. وإن شئت جعلته من القسط، لأن الدين الذي هو الإسلام قسط وعدل، فيكون من البدل الذي الشئ فيه هو هو. وقال غيره: إن الأولى والثانية يجوز في العربية فتحهما جميعا وكسرهما جميعا، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية. فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية، وحذف الإضافة من الأولى، وتقديره: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام. ومن كسرهما اعترض بالأولى على التعظيم لله تعالى به، كما قيل: لبيك إن الحمد والنعمة لك. وكسر الثانية على الحكاية، لأن معنى شهد معنى قال. قال المؤرج: شهد بمعنى قال في لغة قيس عيلان. ومن فتح الأولى وكسر الثانية وهو الأجود، وعليه أكثر القراء، أوقع الشهادة على الأولى، واستأنف الثانية. ومن كسر الأولى وفتح الثانية اعترض بالأولى، وأوقع الشهادة على الثانية. اللغة: حقيقة الشهادة: الإخبار بالشئ عن مشاهدة، أو ما يقوم مقام المشاهدة. ومعنى الذين هاهنا: الطاعة، وأصله الجزاء. وسميت الطاعة دينا، لأنها للجزاء. ومنه الدين لأنه كالجزاء في وجوب القضاء. والاسلام: أصله السلم،

[ 257 ]

معناه: دخل في السلم. وأصل السلم: السلامة، لأنها انقياد على السلامة. ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم لأمر الله. والتسليم: من السلامة، لأنه تأدية الشئ على السلامة من الفساد. فالإسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الإدغال. والإسلام والإيمان بمعنى واحد عندنا وعند المعتزلة، غير أن عندهم: الواجبات من أفعال الجوارح من الإيمان، وعندنا: الإيمان من أفعال القلوب الواجبة وليس من أفعال الجوارج. وقد شرحناه في أول البقرة. والإسلام: يفيد الإنقياد لكل ما جاء به النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من العبادات الشرعية، والإستسلام به، وترك النكير عليه. فإذا قلنا: دين المؤمن هو الإيمان وهو الإسلام، فالإسلام هو الإيمان. ونظير ذلك قولنا: الإنسان بشر، والإنسان حيوان على الصورة الإنسانية. فالحيوان على الصورة الإنسانية بشر. والإختلاف: ذهاب أحد النفسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. فهذا الإختلاف في الأديان. فأما الإختلاف في الأجناس فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر، فيما يرجع إلى ذاته. والبغي: طلب الإستعلاء بالظلم، وأصله من بغيت الحاجة: إذا طلبتها. الاعراب: قيل في نصب (قائما) قولان أحدهما: إنه حال من اسم الله تعالى مؤكدة، لأن الحال المؤكدة يقع مع الأسماء في غير الإشارة، تقول: إنه زيد معروفا، وهو الحق مصدقا، وشهد الله قائما بالقسط أي: قائما بالعدل والثاني: إنه حال من هو من قوله (لا إله إلا هو). و (بغيا): نصب على وجهين أحدهما: على أنه مفعول له، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب للبغي بينهم، مثل: حذر الشر، ونحو ذلك. وقيل: إنه منصوب بما دل عليه وما اختلف. كأنه لما قيل (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) دل على وما بغى الذين أوتوا الكتاب، فحمل بغيا عليه. المعنى: لما قدم تعالى ذكر أرباب الدين، أتبعه بذكر أوصاف الدين فقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) أي: أخبر الله بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته، من عجيب صنعته، وبديع حكمته. وقيل: معنى شهد الله قضى الله، عن أبي عبيدة. قال الزجاج: وحقيقته علم الله، وبين ذلك، فإن الشاهد هو العالم الذي يبين ما.

[ 258 ]

علمه ومنه: شهد فلان عند القاضي أي: بين ما علمه. فالله تعالى قد دل على توحيده بجميع ما خلق، وبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأه. (والملائكة) أي: وشمهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته (وأولوا العلم) أي: وشهد أولوا العلم بما ثبت عندهم، وتبين من صنعه الذي لا يقدر عليه غيره. وروي عن الحسن أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو (قائما بالقسط) وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه (لا إله إلا هو) قائما بالقسط. والقسط: العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ورواه أصحابنا أيضا في التفسير. وأولوا العلم هم علماء المؤمنين، عن السدي والكلبي. وقيل: معنى قوله (قائما بالقسط) أنه يقوم بإجراء الأمور، وتدابير الخلق، وجزاء الأعمال بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي: يجري أفعاله على الإستقامة. وإنما كرر قوله: (لا إله إلا هو) لأنه بين بالأول أنه المستحق للتوحيد، لا يستحقه سواه. وبالثاني أنه القائم برزق الخلق وتدبيرهم بالعدل لا ظلم في فعله. (العزيز الحكيم) مر تفسيره. وتضمنت الآية الإبانة عن فضل العلم والعلماء، لأنه تعالى قرن العلماء بالملائكة، وشهادتهم بشهادة الملائكة، وخصهم بالذكر، كأنه لم يعتد بغيرهم. والمراد بهذا العلم التوحيد، وما يتعلق به من علوم الدين، لأن الشهادة وقعت عليه. ومما جاء في فضل العلم والعلماء من الحديث ما رواه جابر بن عبد الله، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " ساعة من عالم يتكئ على فراشه، ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما ". وروى أنس بن مالك عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " تعلموا العلم، فإن تعلمه لله حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكرة لأهله لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، ويقتفى آثارهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم. وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحار وهوامها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها. ألا وإن

[ 259 ]

العلم حياة القلوب، ونور الأبصار، وقوة الأبدان. يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجلس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام. والعلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهم السعداء، ويحرم الأشقياء ". ومما جاء في فضل هذه الآية ما رواه أنس عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من قرأ (شهد الله) الآية عند منامه، خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة ". الزبير بن العوام قال: قلت لأدنون هذه العشية من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهي عشية عرفة، حتى أسمع ما يقوله. فحبست ناقتي بين ناقة رسول الله، وناقة رجل كان إلى جنبه، فسمعته يقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. فما زال يرددها حتى رفع. غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه. فلما كنت ذات ليلة، أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة. إن الدين عند الله الإسلام. قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا. فصليت معه وودعته، ثم قلت: آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها ؟ قال: لا أحدثك بها إلى سنة. فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة. فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد ! قد مضت السنة. فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عهدا عندي، وأنا أحق من وفى بالعهد. أدخلوا عبدي هذا الجنة. وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. خررن سخدا. وقوله: (إن الدين) أي: الطاعة (عند الله) هو (الإسلام) وقيل: المراد بالإسلام التسليم لله ولأوليائه، وهو التصديق. وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " في خطبة له أنه قال: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل. رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال: ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه: إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يعرف كفرانه بإنكاره. أيها

[ 260 ]

الناس ! دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره. إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل. (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) معناه: وما اختلف اليهود والنصارى في صدق نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، لما كانوا يجدونه في كتبهم بنعته وصفته ووقت خروجه (إلا من بعد ما جاءهم العلم) بعد ما جاءهم العلم. ثم أخبر عن علة اختلافهم، فقال: (بغيا بينهم) أي: حسدا وتقديره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم، إلا من بعد ما جاءهم العلم. والعلم المذكور يجوز أن يراد به البينات التي هي طرق العلم، فيدخل فيه المبطلون من أهل الكتاب، علموا أو لم يعلموا. ويحتمل أن يراد به نفس العلم، فلا يدخل فيه إلا من علم بصفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وكتمه عنادا. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود. والكتاب: التوراة، لما عهد موسى " عليه السلام " إليهم، وأقام فيهم يوشع بن نون، ومضى ثلاثة قرون واختلفوا، عن الربيع. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: النصارى. والكتاب: الإنجيل، واختلفوا في أمر عيسى " عليه السلام "، عن محمد بن جعفر بن الزبير. وقيل: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة، واختلفوا بعدها في الدين، عن الجبائي. (ومن يكفر بآيات الله) أي: بحججه. وقيل: بالتوراة والإنجيل، وما فيهما من صفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: بالقرآن، وما دل عليه (فإن الله سريع الحساب) أي: لا يفوته شئ من أعمالهم. وقيل: معناه سريع الجزاء. وحقيقة الحساب أن تأخذ ما لك، وتعطي ما عليك. (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين ءسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد [ 20 ]). القراءة: حذف عاصم وحمزة والكسائي الياء من (اتبعني) اجتزاء بالكسرة، واتباعا للمصحف. وأثبتها الباقون على الأصل. الحجة: حذف الياء في أواخر الآي أحسن، لأنها تشبه القوافي، ويجوز في

[ 261 ]

وسط الآي أيضا، وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: (ومن اتبعن). فإن لم يكن نون جاز أيضا نحو قولك. هذا غلام، وما أشبه ذلك. والأجود إثبات الياء. وإن شئت أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها. الاعراب: (ومن اتبعن) في محل الرفع عطفا على التاء في قوله (أسلمت). ولم يؤكد الضمير، فلم يقل أسلمت أنا ومن اتبعن. ولو قلت: أسلمت وزيد، لم يحسن إلا أن تقول أسلمت أنا وزيد. وإنما جاز هنا لطول الكلام، فصار طوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل. المعنى: لما قدم الله سبحانه ذكر الإيمان والإسلام، خاطب نبيه فقال (فإن حاجوك) المعنى: فإن حاجك وخاصمك النصارى، وهم وفد نجران (فقل) يا محمد (أسلمت وجهي لله) وفيه وجهان أحدهما: إن معناه. انقدت لأمر الله في إخلاص التوحيد له، والحجة فيه أنه ألزمهم على ما أقروا من أن الله خالقهم، اتباع أمره في أن لا يعبدوا إلا إياه والثاني: إن معناه أعرضت عن كل معبود دون الله، وأخلصت قصدي بالعبادة إليه. وذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به، لأنه لا يتبعض فيما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم. ومعنى وجهي هنا: نفسي، وأضاف الإسلام إلى الوجه، لأن وجه الشئ أشرف ما فيه، لأنه يجمع الحواس، وعليه يظهر آية الحزن والسرور. فمن أسلم وجهه فقد أسلم كله، ومنه قوله (كل شئ هالك إلا وجهه). (ومن اتبعني) أي: ومن اهتدى بي في الدين من المسلمين، فقد أسلموا أيضا كما أسلمت (وقل) يا محمد (للذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود والنصارى (والأميين) أي: الذين لا كتاب لهم، عن ابن عباس وغيره، وهم مشركو العرب. وقد مر تفسير الأمي واشتقاقه عند قوله: (ومنهم أميون) (أأسلمتم) أي: أخلصتم كما أخلصت، لفظه لفظ الإستفهام وهو بمعنى التوقيف والتهديد، فيكون متضمنا للأمر، فيكون معناه: أسلموا فإن الله تعالى أزاح العلل، وأوضح السبل. ونظيره: (فهل أنتم منتهون) أي: انتهوا. وهذا كما يقول الإنسان لغيره، وقد وعظه بمواعظ: أقبلت وعظي ؟ يدعوه إلى قبول الوعظ. (فإن أسلموا فقد اهتدوا) إلى طريق الحق (وإن تولوا) أي: كفروا ولم يقبلوا، وأعرضوا عنه. (فإنما عليك البلاغ) معناه: فإنما عليك أن تبلغ وتقيم

[ 262 ]

الحجة، وليس عليك أن لا يتولوا (والله بصير بالعباد) معناه هاهنا: إنه لا يفوته شئ من أعمالهم التي يجازيهم بها، لأنه يصير بهم أي: عالم بهم وبسرائرهم، لا يخفى عليه خافية. وقيل: معناه عالم بما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الإيمان والكفر. (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم [ 21 ] أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وما لهم من ناصرين [ 22 ]). القراءة: قرأ حمزة: (يقاتلون) بالألف. وقيل: إنما قرأها اتباعا لمصحف عبد الله بن مسعود، لأن فيه (وقاتلوا الذين يأمرون). والباقون: (يقتلون) وهي القراءة الظاهرة. الاعراب: إنما دخلت الفاء في قوله (فبشرهم) لشبه الجزاء، وإنما لم يجز: ليت الذي يقوم فيكرمك، وجاز: إن الذي يقوم فيكرمك، لأن الذي إنما دخلت الفاء في خبرها لما في الكلام من معنى الجزاء، وليت تبطل معنى الجزاء، وليس كذلك أن، لأنها بمنزلة الإبتداء. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الإحتجاج على أهل الكتاب، وحسن الوعد لهم إن أسلموا، وشدة الوعيد إن أبوا، فضل في هذه الآية كفرهم فقال: (إن الذين يكفرون) (1) أي: يجحدون حجج الله تعالى، وبيناته (ويقتلون النبيين) قيل: هم اليهود. فقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله ! أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ فقال: " رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، ثم قرأ (ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) ثم قال " عليه السلام ": يا أبا عبيدة ! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم


(1) [ بآيات الله ]. (*)

[ 263 ]

بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى ". (فبشرهم بعذاب أليم) أي: أخبرهم بأن لهم العذاب الأليم، وإنما قال (بشرهم) على طريق الإتباع والإستعارة. والبشارة تكون في الخير دون الشر، لأن ذلك لهم مكان البشارة للمؤمنين، ولأنها مأخوذة من البشرة. وبشرة الوجه تتغير بالسرور في الخير، وبالغم في الشر. ويقال: كيف قال (فبشرهم) وإنما قتل الأنبياء أسلافهم والجواب: لأنهم رضوا بأفعالهم، واقتدوا بهم، فأجملوا معهم. وقيل: معناه بشر هؤلاء بالعذاب الأليم لأسلافهم. وقوله: (بغير حق) لا يدل على أن في قتل النبيين ما هو حق، بل المراد بذلك أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كقوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)، والمراد بذلك تأكيد النفي والمبالغة فيه كما يقال: فلان لا يرجى خيره، والغرض في ذلك أنه لا خير عنده على وجه من الوجوه، وكما قال أبو ذؤيب: * متفلق أنساؤها عن قانئ، * كالقرط صاو، غيره لا يرضع (1) * أي: ليس له بقية لبن فيرضع. وعلى هذا فقد وصف القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة، وهو وقوعه على خلاف الحق. وكذلك الدعاء في قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) وصفه بأنه لا يكون إلا من غير برهان. وقد استدل علي بن عيسى بهذه الآية على جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، وبالخبر الذي رواه الحسن عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليه " وهذا فيه نظر، لأن من شرط حسن إنكار المنكر، أن لا يكون فيه مفسدة. ومتى أدى إلى القتل، فقد انتفى عنه هذا الشرط، فيكون قبيحا. والوجه في الآية والأخبار التي جاءت في معناها، أن يغلب على الظن أن إنكار المنكر لا يؤدي إلى مفسدة، فيحسن ذلك، بل يجب، وإن تعقبه القتل، لأنه ليس من شرطه أن يعلم ذلك، بل يكفي فيه غلبة الظن.


(1) الانساء جمع النسا: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين، فإذا سمنت الدابة انفلقت فخذاها بلحمتين عظيمتين، وجرى النسا بينهما واستبان. أحمر قاني: شديد الحمرة. الصاوي اليابس. الغبر: بقية اللبن في الضرع. وقاني كالقرط: كنى به عن حلمة ثدي الأتان. (*)

[ 264 ]

(أولئك الذين) كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء، والآمرين بالمعروف (حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) يريد بأعمالهم ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى " عليه السلام ". وأراد ببطلانها في الدنيا أنها لم تحقن دماءهم وأموالهم، ولم ينالوا بها الثناء والمدح. وفي الآخرة أنهم لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن، لأن حبوط العمل عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب والأجر والمدح وحسن الذكر، وإنما تحبط الطاعة حتى تصير كأنها لم تفعل إذا وقعت على خلاف الوجه المأمور به. (وما لهم من ناصرين) يدفعون عنهم العذاب. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [ 23 ] ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلآ أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون [ 24 ]). اللغة: النصيب: الحظ من الشئ، وهو القسم المجعول لمن أضيف إليه. والدعاء: استدعاء الفعل ثم قد يكون بصيغة الأمر وبالخبر وبالدلالة والحكم. والخبر الذي يفصل الحق من الباطل مأخوذ من الحكمة: وهي المنع. والغرور: الإطماع فيا لا يصح غره يغره غرورا فهو مغرور. والغرور: الشيطان، لأنه يغر الناس. والغار: الغافل، لأنه كالمغتر. والغرارة: الدنيا تغر أهلها. والغر: الغمر الذي لم يجرب الأمور، ومصدره الغرارة، لأنه من شأنه أن يقبل الغرور. والغرر: الخطر، أخذ منه. والغر: آثار طي الثوب، أطوه على غره أي: على آثار طيه. والغر: زق الطائر فرخه. والإفتراء: الكذب. وفرى فلان كذبا يفريه (1) فرية، والفري: الشق. وفرية مفرية أي: مشقوقة، وقد تفرى خرزها أي: تشقق. وفريت الأرض: سرتها وقطعتها. الاعراب: (يدعون): جملة في موضع الحال من (أوتوا). (يتولى فريق): جملة معطوفة على (يدعون). (وهم معرضون): في موضع نصب أيضا على الحال من (يتولى). (أياما): نصب على الظرف لأن مس النار يكون في


(1) الفرية: الدلو الواسعة. (*)

[ 265 ]

تلك الأيام. و (معدودات) صفة الأيام. المعنى: لما قدم تعالى ذكر الحجاج، بين أنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة، وأعرضوا عن المحجة فقال: (ألم تر) معناها: ينته علمك (إلى الذين أوتوا نصيبا) أي: أعطوا نصيبا أي: حظا (من الكتاب يدعون إلى كتاب الله). اختلف فيه فقيل: معناه التوراة، عن ابن عباس دعا إليها اليهود، فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة لهم لما فيه من الدلالات على نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وصدقه. وإنما قال: (أعطوا نصيبا من الكتاب) لأنهم كانوا يعلمون بعض ما فيه. وقيل: معناه القرآن، عن الحسن وقتادة. دعوا إلى القرآن لأن ما فيه موافق لما في التوراة، من أصول الديانة، وأركان الشريعة، وفي الصفة التي تقدمت البشارة بها. (ليحكم بينهم) يحتمل ثلاثة أشياء أحدها: إن معناه ليحكم بينهم في نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن أبي مسلم وجماعة. والثاني: إن معناه ليحكم بينهم في أمر إبراهيم، وأن دينه الإسلام والثالث: معناه ليحكم بينهم في أمر الرجم. فقد روي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكانا ذوي شرف فيهم، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول الله رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله، فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى، وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد، ليس عليهما الرجم فقال لهم رسول الله: بيني وبينكم التوراة. قالوا: قد أنصفتنا. قال: فمن أعلمكم بالتوراة ؟ قالوا: رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا. فأرسلوا إليه فقدم المدينة، وكان جبرائيل قد وصفه لرسول الله، فقال له رسول الله: أنت ابن صوريا ؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود ؟ قال: كذلك يزعمون. قال: فدعا رسول الله بشئ من التوراة فيها الرجم مكتوب، فقال له: إقرأ. فلما أتى على آية الرجم، وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها. فقال ابن سلام: يا رسول الله ! قد جاوزها. وقام إلى ابن صوريا، ورفع كفه عنها، ثم قرأ على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعلى اليهود، بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا، وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى، انتظر بها حتى تضع ما في بطنها. فأمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " باليهوديين فرجما. فغضب اليهود لذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية. (ثم يتولى فريق منهم) أي: طائفة منهم، عن الداعي (وهم معرضون) عن

[ 266 ]

اتباع الحق (ذلك) معناه: شأنهم ذلك، فهو خبر مبتدأ محذوف. فالله تعالى بين العلة في إعراضهم عنه، مع معرفتهم به، والسبب الذى جرأهم على الجحد والإنكار. (بأنهم قالوا لن تمسنا النار) أي: لن تصيبنا النار (إلا أياما معدودات) وفيه قولان أحدهما: إنها الأيام التي عبدوا فيها العجل، وهي أربعون يوما، عن الربيع وقتادة والحسن. إلا أن الحسن قال سبعة أيام والثاني: إنهم أرادوا أياما منقطعة، عن الجبائي. (وغرهم في دينهم) أي: أطمعهم في غير مطمع (ما كانوا يفترون) أي: افتراءهم وكذبهم. واختلفوا في الإفتراء الذي غرهم على قولين أحدهما: قولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه)، عن قتادة والآخر: قولهم (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات)، عن مجاهد. وهذا لا يدل على خلاف ما نذهب إليه من جواز العفو، وإخراج المعاقبين من أهل الصلاة من النار، لأنا نقول إن عقاب من ثبت دوام ثوابه بإيمانه، لا يكون إلا منقطعا، وإن لم يحط علما بقدر عقابه، ولا نقول أيام عقابه بعدد أيام عصيانه، كما قالوا. وبين القولين بون ظاهر. (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [ 266 ]). اللغة: كيف: موضوعة للسؤال عن الحال، ومعناه هاهنا: التنبيه بصيغة السؤال على حال من يساق إلى النار، وفيه بلاغة واختصار شديد، لأن تقديره: أي حال يكون حال من اغتر بالدعاوي الباطلة، حتى أداه ذلك إلى الخلود في النار ؟ ونظيره قول القائل: (أنا أكرمك وإن لم تجئ فكيف إذا جئتني) معناه: فكيف إكرامي لك إذا جئتني ؟ يريد عظم الإكرام. والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم أي: في وقت جمعهم، لأنه خبر مبتدأ محذوف. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم، فقال: (فكيف) حالهم (إذا جمعناهم) أي: وقت جمعهم، وحشرهم (ليوم) أي: لجزاء يوم (لا ريب فيه) لا شك فيه لمن نظر في الأدلة، إذ ليس فيه موضع ريبة وشك. ولو قال جمعناهم في يوم، لم يدل على الجزاء. واللام يدل على ذلك، كما يقال: جئته ليوم الخميس أي: لما يكون في يوم الخميس، ولا يعطي جئته في يوم الخميس هذا المعنى. (ووفيت كل

[ 267 ]

نفس ما كسبت) فيه قولان أحدهما: إن معناه ووفرت على كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب والثاني: أعطيت ما كسبت أي: اجتلبت بعملها من الثواب والعقاب، كما يقال: كسب فلان المال بالتجارة، والزراعة (وهم لا يظلمون) أي: لا ينقصون عقا استحقوه من الثواب، ولا يزادون على ما استحقوه من العقاب. (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من نشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير [ 26 ] تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب [ 27 ]). فضل الآية: روى جعفر بن محمد " عليه السلام "، عن أبيه، عن آبائه، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " لما أراد الله أن ينزل فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشهد الله، وقل اللهم مالك الملك إلى قوله (بغير حساب) تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين الله حجاب، وقلن: يا رب تهبطنا إلى دار الذنوب، وإلى من يعصيك، ونحن معلقات بالطهور وبالعرش ؟ فقال: وعزتي وجلالي ما من عبد قرأ كن في دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو، ونصرته عليه، ولا يمنعه دخول الجنة إلا أن يموت ". وقال معاذ بن جبل: احتبست عن رسول الله يوما، لم أصل معه الجمعة، فقال: يا معاذ ! ما يمنعك عن صلاة الجمعة ؟ قلت: يا رسول الله ! كان ليوحنا اليهودي علي أوقية من تبر، وكان على بابي يرصدني، فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك ؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: قل (اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) إلى قوله (بغير حساب) يا رحمان الدنيا ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، إقض عني ديني. فإن كان عليك مل ء الأرض ذهبا لأداه الله عنك. القراءة: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب: (الميت) بالتشديد. والباقون بالتخفيف.

[ 268 ]

الحجة: قال المبرد: لا خلاف بين علماء البصرة أنهما سواء، وأنشد لابن رعلاء الغساني: * ليس من فات فاستراح بميت، * إنما الميت ميت الأحياء * * إنما الميت من يعيش كئيبا، * كاسفا باله، قليل الرجاء * فجمع بين اللغتين. وما مات، وما لم يمت في هذا الباب، يستويان في الإستعمال. وقال بعضهم: الميت بالتشديد الذي لم يمت بعد. وبالتخفيف: الذي قد مات. والصحيح الأول ألا ترى أنه قل ما جاء: * ومنهل فيه الغراب ميت، * سقيت منه القوم، واستقيت * فهذا قد مات. اللغة: النزع: قلع الشئ عن الشئ، يقال: نزع فلان إلى أخواله أي: نزع إليهم بالشبه، فصار واحدا منهم بشبهه لهم. والنزاع: الحنين إلى الشئ. والنزوع عن الشئ: الترك له. الإيلاج: الإدخال، يقال أولجه فولج ولوجا وولجا ولجة. والوليجة: بطانة الرجل، لأنه يطلعه على دخلة أمره،. والتولج: كناس الظبي، لأنه يدخله. والولج والولجة: شئ يكون بين يدي فناء القوم. الاعراب: (اللهم) ! بمعنى يا الله. والميم المشددة عند سيبويه والخليل عوض عن يا لأن يا لا يوجد مع الميم في كلامهم، فعلم أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها والضمة التي في أولها ضمة الإسم المنادى المفرد. والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم التي قبلها. وقال الفراء: أصله يا الله أم بخير، فألقيت الهمزة وطرحت حركتها على ما قبلها ومثله هلم إنما أصله هل أم. واعترض على قول الخليل بأن الميم إنما تزاد مخففة في مثل فم وابنم، وبأنها اجتمعت مع يا في قول الشاعر: * وما عليك أن تقولي كلما * سبحت، أو صليت: يا اللهما * * اردد علينا شيخنا مسلما * وقال علي بن عيسى: هذا ليس بشئ، لأن الميم هاهنا عوض من حرفين، فشددت كما قيل: قمتن وضربتن، لما كانت النون عوضا من حرفين في قمتموا، أو ضربتموا. فأما قمن وذهبن فالنون هناك عوض عن حرف واحد. وأما البيت فإنما جاز

[ 269 ]

ذلك فيه لضرورة الشعر. وأما هلم: فإن الأصل فيه أن حرف التنبيه وهي ها دخلت على لم عند الخليل. وقوله: (مالك الملك) أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف. قال الزجاج: ويحتمل أن يكون صفة من اللهم، لأن اللهم بمنزلة يا الله، فيكون مثل قولك: يا زيد ذا الجمة. (تؤتي الملك): فعل وفاعل في موضع النصب على الحال، والعامل فيه حرف النداء. وذو الحال اللهم، أو مالك. و (من تشاء): مفعول ثان، والتقدير: تؤتي الملك من تشاء أن تؤتيه، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه. وكذا الباء في (بيدك الخير): مبتدأ وخبر، في موضع الحال أيضا. والعامل فيه تؤتي وتنزع وتعز وتذل. وذو الحال الضمير المستكن فيها. النزول: قيل: لما فتح رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة، ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ملك فارس والروم ؟ ألم يكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم وفارس ؟ ونزلت هذه الآية، عن ابن، عباس، وأنس بن مالك. وقيل: ان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان، رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة ونعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي ناب، أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة، كسرت حديدنا، وشقت علينا. فقلنا: يا سلمان ! إرق إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه. قال: فرقي سلمان إلى رسول الله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة، من بطن الخندق، فكسرت حديدنا، وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك. قال: فهبط رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المعول من يد سلمان، فضربها به ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، حتى كان لكأن مصباحا في جوف ليت مظلم ! فكبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله الثانية، فكسرها، وبرق منها برق أضاء

[ 270 ]

ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ! فكبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله الثالثة، فكسرها، فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ! فكبر رسول الله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. وأخذ بيد سلمان، ورقي. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت منك قط ! فالتفت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذى رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي طاهرة عليها، فأبشروا. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر. فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم رلمجدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا ؟ فنزل القرآن: (وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وأنزل الله في هذه القصة: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك) الآية. رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف. المعنى: لما ذكر سبحانه مكائد أهل الكتاب، علم رسوله محاجتهم، وكيف يجيبهم إذا سألوا وأجابوا، فقال: (قل) يا محمد (اللهم) يا الله (مالك الملك) مالك كل ملك وملك، فكل مالك دونك هالك، وكل ملك دونك يهلك. وقيل: مالك العباد وما ملكوا، عن الزجاج. وقيل: مالك أمر الدنيا والآخرة. وقيل: مالك النبوة، عن مجاهد، وسعيد بن جبير (تؤتي الملك من تشاء) تعطي الملك من تشاء. وفيه محذوف أي: من تشاء أن تؤتيه (وتنزع الملك ممن تشاء) أن تنزعه منه، كما تقول: خذ ما شئت، ودع ما شئت، ومعناه: وتقطع الملك عمن تشاء أن تقطعه عنه، على ما توجبه الحكمة، وتقتضيه المصلحة. واختلف في معناه فقيل: تؤتي الملك وأسباب الدنيا محمدا وأصحابه وأمته، وتنزعه عن صناديد قريش، ومن

[ 271 ]

الروم وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الاسلام، عن الكلبي. وقيل: تؤتي النبوة والإمامة من تشاء من عبادك، وتوليه التصرف في خلقك وبلادك، وتنزع الملك على هذا الوجه من الجبارين بقهرهم، وإزالة أيديهم، فإن الكافر والفاسق وإن غلب أو ملك، فليس ذلك بملك يؤتيه الله لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) وكيف يكون ذلك من إيتاء الله، وقد أمر بقصر يده عنه، وإزالة ملكه. (وتعز من تشاء) بالإيمان والطاعة (وتذل من تشاء) بالكفر والمعاصي. وقيل: تعز المومن بتعظيمه والثناء عليه، وتذل الكافر بالجزية والسبي. وقيل: تعز محمدا وأصحابه، وتذل أبا جهل وأضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب. وقيل: تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا والدين، وتذل من تشاء من أعدائك في الدنيا والآخرة، لأن الله تعالى لا يذل أولياءه وإن أفقرهم وابتلاهم، فإن ذلك ليس على سبيل الإذلال، بل ليكرمهم بذلك في الآخرة، يعزهم ويجلهم غاية الإعزاز والإجلال. (بيدك الخير) اللام للجنس أي: الخير كله في الدنيا والآخرة من قبلك. وإنما قال (بيدك الخير) وإن كان بيده كل شئ من الخير والشر، لأن الآية تضمنت إيجاب الرغبة إليه، فلا يحسن في هذه الحالة إلا ذكر الخير، لأن الترغيب لا يكون إلا في الخير. وهذا كما يقال: أمر فلان بيد فلان. (إنك على كل شئ قدير) أي: قادر على جميع الأشياء، لا يعجزك شئ تقدر على إيجاد المعدوم، وإفناء الموجود، وإعادة ما كان موجودا. (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) قيل في معناه قولان أحدهما: إن معناه ينقص من الليل، فيجعل ذلك النقصان زيادة في النهار، وينقص من النهار، فيجعل ذلك النقصان زيادة في الليل، على قدر طول النهار وقصره، عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعامة المفسرين. والآخر: معناه يدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه بدلا منه في مكانه، عن أبي علي الجبائي. (وتخرج الحي من الميت) أي: من النطفة وهي ميتة بدليل قوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم). (وتخرج الميت من الحي) أي: النطفة من الحي، وكذلك الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل: إن معناه تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، عن الحسن، وروي

[ 272 ]

ذلك عن أبي جعفر " عليه السلام "، وأبي عبد الله " عليه السلام ". (وترزق من تشاء بغير حساب) معناه: بغير تقتير، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب، لأن من عادة المقتر أن لا ينفق إلا بحساب، ذكره الزجاج. وقيل: معناه بغير مخافة نقصان لما عنده، فإنه لا نهاية لمقدوراته. فما يؤخذ منها لا ينقصها، ولا هو على حساب جزء من كذا، كما يعطي الواحد منا العشرة من المائة، والمائة من الألف. وقيل: إن المراد بمن يشاء أن يرزقه، أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يتناوله الحساب، ولا العد، ولا الإحصاء، من حيث إنه لا نهاية له، ويطابقه قوله: (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب). (لا يتخذ الؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلآ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير [ 28 ]). القراءة: قرأ يعقوب وسهل: (تقية) وهو قراءة الحسن ومجاهد، والباقون: (تقاة). وإمال الكسائي (تقاة). وقرأ نافع وحمزة بين التفخيم والإمالة. والباقون بالتفخيم. الحجة: الأجود في (تقاة) التفخيم من أجل الحرف المستعلي، وهو القاف. وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف منقلبة من الياء. وتقاة: وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة، فهما جميعا مصدرا إتقى تقية وتقاة واتقاء وتقوى، وأصله وقاء، إلا أن الواو المضمومة أبدلت تاء استثقالا لها، فإنهم يفرون من ضمة الواو إلى الهمزة، وإلى التاء. فأما التاء فلقربها من الواو مع أنها من حروف الزيادات. وأما الهمزة فلأنها نظيرتها في الطرف الآخر من مخارج الحروف مع حسن زيادتها أو لا. والتقية: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب، للخوف على النفس. الاعراب: معنى (من) ابتداء الغاية من قوله (من دون المؤمنين) على تقدير: لا تجعلوا ابتداء الولاية مكانا دون المؤمنين، لأن مكان المؤمن الأعلى، ومكان الكافر الأدنى، كما تقول: زيد دونك، ولست تريد أن زيدا في موضع مستفل، أو أنه في موضع مرتفع، لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع. والخسة كالإستفال. وقوله:

[ 273 ]

(فليس من الله في شئ) من في (من الله): يتعلق بمحذوف، وهو حال. والعامل فيه ما يتعلق به في، وتقديره: فليس في شئ من الله. فمن الله: في موضع الصفة لشئ. فلما تقدمه انتصب على الحال. وقوله: (أن تتقوا) في محل الجر بباء محذوف، أو في محل النصب بحذف الباء على ما مر أمثاله. المعنى: لما بين سبحانه أنه مالك الدنيا والآخرة، والقادر على الإعزاز والإذلال، نهى المؤمنين عن موالاة من لا إعزاز عندهم، ولا إذلال من أعدائه، ليكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين، فقال: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) أي: لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، ويظهروا المحبة لهم، كما قال في عدة مواضع من القرآن نحو قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) الآية. وقوله: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ولا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء). وقوله: (من دون المؤمنين) معناه: يجب أن يكون الموالاة مع المؤمنين، وهذا نهي عن موالاة الكفار، ومعاونتهم على المؤمنين. وقيل: نهي عن ملاطفة الكفار، عن ابن عباس. والأولياء: جمع الولي، وهو الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة، ويجري على وجهين أحدهما: المعين بالنصرة. والآخر: المعان. فقوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا) معناه: معينهم بنصرته. ويقال: المؤمن ولي الله أي: معان بنصرته. وقوله: (ومن يفعل ذلك) معناه من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. (فليس من الله في شئ) أي: ليس هو من أولياء الله، والله برئ منه. وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى في شئ. وقيل: ليس من دين الله في شئ. ثم استثنى فقال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) والمعنى إلا أن يكون الكفار غالبين، والمؤمنون مغلوبين، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم، ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه، ومداراتهم تقية منه، ودفعا عن نفسه، من غير أن يعتقد ذلك. وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس. وقال أصحابنا: إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والإستصلاح. وليس تجوز من

[ 274 ]

الأفعال في قتل المؤمن، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين. قال المفيد: إنها قد تجب أحيانا وتكون فرضا، ويجوز أحيانا من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها. وقد يكون تركها أفضل، وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه، متفضلا عليه بترك اللوم عليها. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي (قده): ظاهر الروايات تدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عنده. وروى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال: نعم. ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. ثم قال: أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال: إني أصم قالها ثلاثا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول. فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئا له. وأما الآخر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه. فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة. وقوله: (ويحذركم الله نفسه) يعني إياه، فوضع نفسه مكان إياه ومعناه: ويحذركم الله عقابه على اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وعلى سائر المعاصي. وذكر " نفسه " لتحقيق الإضافة، كما يقال: إحذر الأسد أي: صولته وافتراسه دون عينه (وإلى الله المصير) معناه: وإلى جزاء الله المرجع. وقيل: إلى حكمه. (قل إن تخفوا مافى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير [ 29 ]). اللغة: الصدر: معروف، وهو أعلى مقدم كل شئ. والصدر: الإنصراف عن الماء بعد الري. والتصدير: حسام الرجل لميله إلى الصدر. والصدار: شبيه بالبقيرة (1) تلبسها المرأة لأنه قصير يغطي الصدر وما حاذاه. الاعراب: (يعلمه الله): جزم لأنه جواب الشرط، وإن كان الله يعلمه، كان أو لم يكن، ومعناه يعلمه كائنا. ولا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون. ورفع (ويعلم ما في السموات) على الإستئناف.


(1) البقيرة: قميص بلا كمين للنساء. (*)

[ 275 ]

المعنى: لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار أولياء، خوفوا من الإبطان بخلاف الإظهار فيما نهوا عنه، فقال سبحانه (قل) يا محمد (إن تخفوا) أي: إن تستروا (ما في صدوركم) يعني ما في قلوبكم. وإنما ذكر الصدر لأنه محل القلب. (أو تبدوه) أي: تظهروه (يعلمه الله) فلا ينفعكم إخفاؤه، (و) هو مع ذلك (يعلم ما في السموات وما في الأرض). وإنما قال ذلك ليذكر بمعلوماته على التفصيل، فيتم التحذير. إذ كان من يعلم ما في السموات وما في الأرض على التفصيل، يعلم الضمير. (والله على كل شئ قدير) فيقدر على أخذكم ومجازاتكم. (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد [ 30 ]). اللغة: الأمد.: الغاية التي ينتهى إليها. قال النابغة: * إلا لمثلك، أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد * الاعراب: في انتصاب (يوم) وجوه أحدها: إنه منصوب بيحذركم أي: يحذركم الله نفسه يوم تجد والثاني: بالمصير تقديره: إلى الله المصير يوم تجد والثالث: اذكر يوم تجد. وقوله: (ما علمت) ما هاهنا بمعنى الذي، لأنه عمل فيه (تجد)، فهي في موضع نصب. ويحتمل أن يكون مع ما بعدها بمعنى المصدر، وتقديره: يوم تجد كل نفس عملها بمعنى جزاء عملها. (محضرا): منصوب على الحال من (تجد) إذا جعلته من الوجدان. فإن جعلته من العلم، فهو مفعول ثان. وقوله: (وما عملت من سوء) يصلح فيها معنى الذي، ويقويه قوله: (تود) بالرفع، ولو كان بمعنى الجزاء لكان (تود) مفتوحا أو مكسورا. والرفع جائز على ضعف. وأقول: إن جواب (لو) هنا محذوف، وتقدير الكلام: تود أن بينها وبينه أمدا بعيدا لو ثبت ذلك، لأن (لو) يقتضي الفعل، ولا يدخل على الإسم، وأن مع اسمه وخبره بمنزلة مصدر، فيكون تقديره: لو ثبت أن بينها وبينه أمدا بعيدا. فيكون في ذكر فاعل الفعل المقدر بعد (لو) دلالة على مفعول (تود) المحذوف. وفي لفظ (تود) دلالة على جواب (لو). هذا مما سنح لي الآن، وهو واضح بحمد الله تعالى، ومنه. المعنى: لما حذر العقاب في الآية المتقدمة، بين وقت العقاب، فقال: (يوم

[ 276 ]

تجد كل نفس ما عملت) في الدنيا (من) طاعة و (خير محضرا) ونظيره قوله: (ووجدوا ما عملوا حاضرا). و (علمت نفس ما أحضرت). ثم اختلف في كيفية وجود العمل محضرا فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، عن أبي مسلم وغيره، وهو اختيار القاضي. وقيل: ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب. فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت، ولا يجوز عليها الإعادة، فيستحيل أن ترى محضرة. (وما عملت من سوء) معناه: تجد كل نفس الذي عملته من معصية محضرا (تود لو أن بينها وبينه) أي: بين معصيتها (أمدا بعيدا) أي: غاية بعيدة، أي: تود أنها لم تكن فعلتها. وقيل: معناه مكانا بعيدا، عن السدي. وقيل: ما بين المشرق والمغرب، عن مقاتل (ويحذركم الله نفسه) قد مر ذكره (والله رؤوف بالعباد) أي: رحيم بهم. قال الحسن: ومن تمام رأفته بهم أن حذرهم عقابه على معاصيه. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم [ 31 ] قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [ 32 ]). اللغة: المحبة هي الإرادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلق المراد أخرى. تقول: أحب زيدا، وأحب إكرام زيد. ولا تقول في الإرادة ذلك، لأنك تقول: أريد إكرام زيد، ولا تقول: أريد زيدا. وإنما كان كذلك لقوة تصرف المحبة في موضع ميل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة، فعوملت تلك المعاملة في الإضافة. ومحبة الله تعالى للعبد هي إراده ثوابه. ومحبة العبد لله هي إرادته لطاعاته. وقالوا: أحببت فلانا فهو محبوب استغنوا به عن محب، كما استغنوا بأحببت عن حببت. وقال عنترة: * ولقد نزلت فلا تظني غيره * مني بمنزلة المحب المكرم * فجاء به على الأصل. وحكى الزجاج عن الكسائي: حببت من الثلاثي. وقوله: (ويغفر لكم) لا يجوز في القياس إدغام الراء في اللام، كما جاز إدغام اللام في الراء في: هل رأيت، لأن الراء مكررة. ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به. والطاعة: اتباع الداعي فيما دعاه إليه بامره أو إرادته، ولذلك قد يكون الإنسان مطيعا للشيطان فيما يدعوه إليه، وإن لم يقصد أن يطيعه، لأنه إذا مال مع ما يجده في

[ 277 ]

نفسه من الدعاء إلى المعصة، فقد أطاع الداعي إليها. النزول: قال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت الآيتان في وفد نجران من النصارى لما قالوا: إنا نعظم المسيح حبا لله. المعنى: ثم بين سبحانه أن الإيمان به لا يجدي، إلا إذا قارنه الإيمان برسوله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: (قل) يا محمد (إن كنتم تحبون الله) كما تزعمون (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقيل: معناه إن كنتم تحبون دين الله، فاتبعوا ديني يزدد لكم حبا، عن ابن عباس. وقيل: إن كنتم صادقين في دعوة محبة الله تعالى، فاتبعوني فإنكم إن فعلتم ذلك أحبكم الله، ويغفر لكم (والله غفور رحيم) أي: كثير المغفرة والرحمة (قل أطيعوا الله والرسول) أي: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله كما تدعون، فأظهروا دلالة صدقكم بطاعة الله، وطاعة رسوله، فذلك إمارة صدق الدعوة (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله (فإن الله لا يحب الكافرين) معناه: إنه يبغضهم، ولا يريد ثوابهم. فدل بالنفي على الإثبات، وذلك أبلغ، لأنه لو قال يبغضهم لجاز أن يتوهم أنه يبغضهم من وجه، ويحبهم من وجه آخر، كما يجوز أن يعلم الشئ من وجه، ويجهل من وجه. وفي هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنه إذا لم يحب الكافرين من أجل كفرهم، ولم يرد ثوابهم لذلك، فلا يريد إذا كفرهم، لأنه لو أراده لم يكن نفي محبته لهم لكفرهم. (* إن الله اصطفئ ادم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين [ 33 ] ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم [ 34 ]). اللغة: الإصطفاء والإختيار والإجتباء نظائر، وهو افتعل من الصفوة. وهذا من أحسن البيان الذي يمثل به المعلوم بالمرئي، وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد. فمثل الله تعالى خلوص هؤلاء القوم من الفساد بخلوص الصافي من شائب الأدناس. وقد بينا معنى الآل فيما مضى عند قوله: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) الآية (1) ومعنى الذرية وأصله عند قوله: (من ذريتي) (2). الاعراب: يحتمل نصب ذرية على وجهين أحدهما: أن يكون حالا والعامل فيها اصطفى والثاني: أن يكون على البدل من مفعول اصطفى. المعنى: (إن الله اصطفى) أي: اختار واجتبى (آدم ونوحا) لنبوته (وآل


(1) أي في الجزء الأول الآية 50 من سورة البقرة. (2) أي في الجزء الأول الآية 135 من سررة البقرة. (*)

[ 278 ]

إبراهيم وآل عمران على العالمين) أي.: على عالمي زمانهم بأن جعل الأنبياء منهم. وقيل: اختار دينهم كقوله: (واسأل القرية) عن الفراء. وقيل: اختارهم بالتفضيل على غيرهم بالنبوة، وغيرها من الأمور الجليلة التي رتبها الله لهم في ذلك من مصالح الخلق. وقيل: اختار آدم بأن خلقه من غير واسطة، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، وأرسله إلى الملائكة والإنس واختار نوحا بالنبوة، وطول العمر، وإجابة دعائه، وغرق قومه، ونجاته في السفينة. واختار إبراهيم بالخلة، وتبريد النار، وإهلاك نمرود. وقوله: (وآل إبراهيم وآل عمران) قيل: أراد به نفس إبراهيم، ونفس عمران كقوله:. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) يعني موسى وهارون. وقيل: آل إبراهيم أولاده: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. وفيهم داود وسليمان ويونس وزكريا ويحيى وعيسى. وفيهم نبينا لأنه من ولد اسماعيل. وقيل: آل إبراهيم هم المؤمنون المتمسكون بدينه، وهو دين الإسلام، عن ابن عباس والحسن. وأما آل عمران فقيل: هم من آل إبراهيم أيضا، كما قال (ذرية بعضها من بعض) فهم موسى وهارون ابنا عمران، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وقيل: يعني بآل عمران مريم وعيسى، وهو عمران بن الهشم بن أمون، من ولد سليمان بن داود، وهو أبو مريم، لأن آل الرجل أهل البيت الذي ينتسب إليه، عن الحسن ووهب. وفي قراءة أهل البيت وآل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على العالمين. وقالوا أيضا: إن آل إبراهيم هم آل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " الذين هم أهله، ويجب أن يكون الذين اصطفاهم إلله تعالى مطهرين معصومين، منزهين عن القبائح، لأنه تعالى لا يختار ولا يصطفي إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة. فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوما من آل إبراهيم وآل عمران، سواء كان نبيا أو إماما. ويقال الإصطفاء على وجهين أحدهما: إنه اصطفاه لنفسه أي: جعله خالصا له، يختص به. والثاني: إنه اصطفاه على غيره أي: اختصه بالتفضيل على غيره، وعلى هذا الوجه معنى الآية. فإن قيل: كيف اختصهم الله بالتفضيل قبل العمل ؟ فالجواب: إنه إذا كان المعلوم أن صلاح المكلفين لا يتم إلا بهم، فلا بد من تقديم البشارة بهم، والإخبار

[ 279 ]

بما يكون من حسن شمائلهم وأفعالهم، والتشويق إليهم، كما يكون من جلالة أقدارهم، وزكاء خلالهم، ليكون ذلك داعيا للناس إلى القبول منهم، والإنقياد لهم. وفي هذه الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة، عليهم أجمعين الصلاة والسلام، لأن العالمين يعم الملائكة وغيرهم من المخلوقين، وقد فضلهم سبحانه، واختارهم على الكل. وقوله (ذرية) أي: أولادا وأعقابا (بعضها من بعض) قيل: معناه في التناصر في الدين، وهو الإسلام، أي: دين بعضها من دين بعض، كما قال: (والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) أي: في التناصر والتعاضد على الضلال، وهو قول الحسن وقتادة. وقيل: بعضها من بعض في التناسل والتوالد، فإنهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض، واختاره أبو علي الجبائي. (والله سميع عليم) فيه قولان أحدهما: إن معناه سميع لما تقوله الذرية عليم بما يضمرونه، فلذلك فضلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أقوالهم وأفعالهم والثاني: إن معناه سميع لما تقوله امرأة عمران من النذر، عليم بما تضمره. ونبه بذلك على استحسان ذلك منها. النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما وقعت المنازعة في إبراهيم وعيسى، واختلف أقوال النصارى واليهود فيهما، بين تعالى أن من أطاع الرسول قال فيهما ما يقوله هو. وقيل: إنه لما أمر بطاعة نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبى ذلك المشركون، بين تعالى أنه كما اصطفاءه لرسالته، اصطفى من قبله من الأنبياء، فلا وجه لإنكارهم رسالته. (إذ قالت امرأت عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى إنك أنت السميع العليم [ 35 ] فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر، كالأنثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من لشيطان الرحيم [ 36 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأبو بكر، عن عاصم ويعقوب: (بما وضعت) بضم

[ 280 ]

التاء، وروي عن علي " عليه السلام ". وقرأ الباقون: (وضعت) على الحكاية. الحجة: من قرأ بضم التاء جعله من كلام أم مريم. ومن قرأ بإسكان التاء: جعل ذلك من قول الله تعالى. ويقوي قول من أسكن التاء قوله (والله أعلم بما وضعت). ولو كان من قول أم مريم لقالت: وأنت أعلم بما وضعت، لأنها تخاطب الله تعالى. اللغة: معنى المحرر في اللغة يحتمل أمرين أحدهما: المعتق من الحرية، يقال: حررته تحريرا أعتقته أي: جعلته حرا والآخر: من تحرير الكتاب، يقال: حررت الكتاب تحريرا أي: أخلصته من الفساد وأصلحته. والتقبل: أخذ الشئ على الرضا به كتقبل الهدية. وأصل التقبل: المقابلة. وأصل الوضع: الحط. وضعت المرأة الولد: بمعنى ولدت. والموضع: مكان الوضع. والضعة: الخساسة، لأنها تضع من قدر صاحبها. والإيضاع في السير: الرفق فيه لأنه حط عن شدة الإسراع. والشيطان الرجيم: مر تفسيرهما في أول الكتاب. الاعراب: في موضع (إذ قالت) أقوال أحدها: إنه نصب بأذكر، عن الأخفش والمبرد. والثاني: إنه متعلق باصطفى آل عمران، عن الزجاج. والثالث: إنه متعلق بسميع عليم، فيعمل فيه معنى الصفتين تقديره: والله مدرك لقولها ونيتها إذ قالت، عن علي بن عيسى. والرابع: إن إذ زائدة، فلا موضع لها من الإعراب، عن أبي عبيدة، وهذا خطأ عند البصريين. و (محررا): نصب على الحال من (ما) وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محررا. والعامل فيه (نذرت) وقوله: (أنثى) نصب على الحال. المعنى: لما ذكر سبحانه أنه اصطفى آل عمران، عقبه بذكر مريم بنت عمران، فقال: (إذ قالت امرأة عمران) وقد مضى القول فيه، واسمها حنة جدة عيسى، وكانتا أختين إحداهما: عند عمران بن الهشم، من ولد سليمان بن داود. وقيل: هو عمران بن مائان، عن ابن عباس ومقاتل. وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. وكان بنو مائان رؤوس بني إسرائيل. والأخرى: كانت عند زكريا، واسمها أشياع، واسم أبيها قاقود بن قبيل. فيحيى ومريم ابنا خالة (رب إني نذرت لك ما في بطني) أي: أوجبت لك بأن أجعل ما في بطني. (محررا) أي: خادما للبيعة يخدم في متعبداتنا، عن مجاهد. وقيل: محررا

[ 281 ]

للعبادة، مخلصا لها، عن الشعبي. وقيل: عتيقا خالصا لطاعتك لا أستعمله في منافعي، ولا أصرفه في الحوائج، عن محمد بن جعفر بن الزبير. قالوا: وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها، ويكنسها ويخدمها، لا يبرح حتى يبلغ الحلم، ثم يخير فإن أحب أن يقيم فيه أقام، وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء. قالوا: وكانت حنة قد أمسك عنها الولد، فدعت حتى أيست. فبينا هي تحت شجرة، إذ رأت طائرا يزق فرخا له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يرزقها ولدا، فحملت بمريم. وروي عن أبي عبد الله قال: أوحى اله تعالى إلى عمران: إني واهب لك ذكرا مباركا، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي المبرتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدث امرأته حنة بذلك، وهي أم مريم. فلما حملت بها قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني محررا (فتقبل مني) أي: نذري قبول رضا. (إنك انت السميع) لما أقوله (العليم) بما أنوي فلهذا صحت الثقة لي. (فلما وضعتها) قيل: إن عمران هلك وهي حامل، فوضعت بعد ذلك، يعني ولدت مريم، وكانت ترجو أن يكون غلاما. فلما وضعتها خجلت واستحيت، و (قالت) منكسة رأسها: (ربي إني وضعتها أنثى) وقيل فيه قولان أحدهما: إن المراد به الإعتذار من العدول عن النذر لأنها أنثى والآخر: إن المراد تقديم الذكر في السؤال لها بأنها أنثى، لأن سعيها أضعف، وعقلها أنقص. فقدم ذكرها ليصح القصد لها في السؤال بقولها: (وإني أعيذها بك). (والله أعلم بما وضعت) إخبار منه تعالى بأنه أعلم بوضعها، لأنه هو الذي خلقها وصورها. وعلى القراءة الاخرى: وأنت يا رب أعلم مني بما وضعت (وليس الذكر كالأنثى) لأنها لا تصلح لما يصلح الذكر له، وإنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الإناث، لأنها لا تصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة بيت المقدس، لما يلحقها من الحيض والنفاس والصيانة عن التبرج للناس. وقال قتادة: لم يكن التحرير إلا في الغلمان فيما جرت به العادة. وقيل: أرادت أن الذكر أفضل من الأنثى على العموم، وأصلح للأشياء. والهاء في قوله (وضعتها) كناية عن ما في قوله (ما في بطني) وجاز ذلك لوقرع (ما) على مؤنث، ويحتمل أن يكون كناية عن معلوم دل عليه الكلام (وإني سميتها) أي: جعلت اسمها (مريم) وهي بلغتهم

[ 282 ]

العابدة والخادمة فيما قيل. وكانت مريم أفضل النساء في وقتها وأجلهن. وروى الثعلبي بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) خافت عليها ما يغلب على النساء من الآفات، فقالت ذلك. وقيل: إنما استعاذتها من طعنة الشيطان في جنبها التي لها يستهل الصبي صارخا، فوقاها الله تعالى، وولدها عيسى منه بحجاب. فقد روى أبو هريرة أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: (ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستدل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها. وقيل: إنها استعاذت من إغواء الشيطان الرجيم إياها، عن الحسن. (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب [ 37 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (كفلها) بالتشديد. والباقون بالتخفيف. وقرأ أهل الكوفة، إلا أبا بكر: (زكريا) مقصورا. والباقون بالمد. ونصب (زكرياء) مع المد أبو بكر وحده. والباقون: بالرفع. الحجة: قال أبو علي: حجة من خفف (كفلها) قوله تعالى: (أيهم يكفل مريم وزكريا) مرتفع، لأن الكفالة مسندة إليه. ومن شدد (كفلها) ففاعله الضمير العائد إلى (ربها) من قوله (فتقبلها ربها) وصار (زكريا) مفعولا بعد تضعيف العين. والمد والقصر في (زكريا) لغتان. اللغة: إنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل، لأن فيه معنى قبلها، كما يقال: تكرم كرما، لأن فيه معنى كرم. ومثله: (وأنبتها نباتا حسنا) لأن فيه معنى فنبت. وقال أبو عمرو: ولا نظير لقبول في المصادر بفتح فاء الفعل، والباب كله مضموم الفاء كالدخول والخروج. وقال سيبويه: جاءت خمس مصادر على فعول بالفتح: قبول، ووضوء، وظهور، وولوغ، ووقود. إلا أن الأكثر في وقود الضم، إذا أريد المصدر. وأجاز الزجاج في قبول الضم. والقبيل: الكفيل وهو الضامن،

[ 283 ]

يقال: كفلته أكفله كفلا وكفولا وكفالا، فأنا كافل: إذا تكفلت مؤنته. ومنه الحديث: " وأنت خير المكفولين " أي أحق من كفل في صغره، وأرضع حتى نشأ. والمكفول عنه في الفقه هو الذي عليه الدين. والمكفول له هو الذي له الدين. والمكفول به هو الدين. والكفيل هو الذي ثبت عليه الدين. والمحراب: مقام الإمام من المسجد، وأصله أكرم موضع في المجلس وأشرفه. وقال الزجاج: هو المكان العالي الشريف، قال: * ربة محراب إذا جئتها، * لم ألقها، أو أرتقي سلما * ويقال للمسجد أيضا: محراب، ومنه: (ما يشاء من محاريب) أي: مساجد. وقيل: إنه أخذ من الحرب لأنه يحارب فيها الشيطان. المعنى: (فتقبلها ربها) مع أنوثتها، ورضي بها في النذر الذي نذرته حنة للعبادة في بيت المقدس، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. وقيل: معناه تكفل بها في تربيتها والقيام بشأنها، عن الحسن. وقبوله إياها أنه ما عرتها علة ساعة من ليل أو نهار (بقبول حسن) أصله: بتقبل حسن، ولكنه محمول على قوله فتقبلها قبولا حسنا. وقيل: معناه سلك بها طريق السعداء، عن ابن عباس. (وانبتها نباتا حسنا) أي: جعل نشوءها نشوءا حسنا. وقيل: سوى خلقها، فكانت تنبت في يوم ما ينبت غيرها في عام، عن ابن عباس. وقيل: أنبتها في رزقها وغذائها حتى نمت امرأة بالغة تامة، عن ابن جريج. وقال ابن عباس: لما بلغت تسع سنين، صامت النهار، وقامت الليل، وتبتلت حتى غلبت الأحبار. (وكفلها زكريا) بالتشديد معناه: ضمها الله إلى زكريا، وجعله كفيلها، فيقوم بها. وبالتخفيف معناه: ضمها زكريا إلى نفسه، وضمن القيام بأمرها. وقالوا: إن أم مريم أتت بها ملفوفة في خرقة إلى المسجد، وقالت: دونكم النذيرة. فتنافس فيها الأحبار، لأنها كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم. فقال لهم زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فقالت له الأحبار: إنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنا نقترع عليها، فتكون عند من خرج سهمه. فانطلقوا وهم تسعة وعشرون رجلا إلى نهر جار، فألقوا أقلامهم في الماء. فارتز قلم زكريا، وارتفع فوق الماء، ورسبت أقلامهم، عن ابن إسحاق وجماعة. وقيل بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء، كأنه في طين وجرت أقلامهم مع جرية الماء، فذهب بها الماء، عن

[ 284 ]

السدي. فسهمهم زكريا وقرعهم وكان رأس الأحبار ونبيهم، فذلك قوله: (وكفلها زكريا). وزكريا كان من ولد سليمان بن داود وفيه ثلاث لغات: المد والقصر وزكري مشدد. قالوا: فلما ضم زكريا مريم إلي نفسه، بنى لها بيتا، واسترضع لها، فقال محمد بن إسحاق: ضمها إلى خالتها ام يحيى، حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها، لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها غيره. وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، غضا طريا، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي. وقيل: إنها لم ترضع قط، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة عن الحسن. (قال يا مريم أنى لك هذا) يعني: قال لها زكريا: كيف لك ؟ ومن أين لك هذا ؟ كالمتعجب منه (قالت هو من عند الله) أي: من الجنة. وهذه تكرمة من الله تعالى لها، وإن كان ذلك خارقا للعادة، فإن عندنا يجوز أن تظهر الآيات الخارقة للعادة على غير الأنبياء من الأولياء والأصفياء، ومن منع ذلك من المعتزلة قالوا فيه قولين أحدهما: إن ذلك كان تأسيسا لنبوة عيسى، عن البلخي والآخر: إنه كان بدعاء زكريا لها بالرزق في الجملة، وكانت معجزة له، عن الجبائي (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) تقدم تفسيره. النظم: ووجه اتصالها بما تقدم أن يكون حكاية لقول مريم. وعلى هذا يكون معنى قوله (بغير حساب) الإستحقاق على العمل، لأنه تفضل يبتدئ به من يشاء من خلقه. ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى على الإستئناف. (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء [ 38 ] فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين [ 39 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (فناداه الملائكة) على التذكير والإمالة. والباقون: (فنادته) على التأنيث. وقرأ ابن عامر وحمزة: (إن الله)

[ 285 ]

بكسر الهمزة. والباقون بفتحها. وقرأ حمزة، والكسائي: (يبشرك) بفتح الياء والتخفيف. والباقون بضم الياء والتشديد. الحججة: من قرأ فنادته بالتاء فلموضع الجماعة، كما تقول هي الرجال. ومن قرأ فناداه فعلى المعنى. ومن فتح إن: كان المعنى فنادته بأن الله، فحذف الجار، وأوصل الفعل (1) في موضع نصب على قياس قول الخليل في موضع الجر. ومن كسر أضمر القول، كأنه نادته فقالت إن الله. فحذف القول كما حذف في قول من كسر في قوله: (فدعا ربه إني مغلوب) وإضمار القول كثير. وأما (يبشرك) فقال أبو عبيدة يبشرك ويبشرك واحد. وقال الزجاج: هذا من بشر يبشر: إذا فرج. وأصل هذه كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور. اللغة: الهبة: تمليك الشئ من غير ثمن. والسيد: مأخوذ من سواد الشخص. فقيل: سيد القوم بمعنى مالك السواد الأعظم: وهو الشخص الذي يجب طاعته لمالكه. هذا إذا استعمل مضافا، أو مقيدا. فأما إذا أطلق، فلا ينبغي إلا لله. والحصور: الممتنع عن الجماع، ومنه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة حصور. قال الأخطل: * وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور، ولا فيها بسوار (2) * ويقال للذي يكتم سره: حصور. الاعراب: (هنالك): الأصل فيه الطرف من المكان نحو: رأيته هنا وهناك وهنالك. والفرق أن هنا للتقريب، وهنالك للتبعيد، وهناك لما بينهما. قال الزجاج: ويستعمل في الحال كقولك: من هاهنا ؟ قلت: كذا أي: من هذا الوجه. وفيه معنى الإشارة كقولك: ذا وذاك. وزيدت اللام لتأكيد التعريف، وكسرت لالتقاء الساكنين، كما كسرت في ذلك. وإنما بني لدن ولم يبن عند، وإن كان بمعناه، لأنه استبهم استبهام الحروف، لأنه لا يقع في جواب أين، كما يقع عند في نحو قولهم: أين زيد، فيقال: عندك. ولا يقال لدنك، وهو قائم جملة في موضع الحال من الهاء في نادته. وقوله (يصلي في المحراب) جملة في موضع الحال من الضمير في (قائم). وقوله: (مصدقا) نصب على الحال من (يحيى). وقوله: (من


(1) [ فإن أن ]. (2) السوار: الذي يواثب نديمه إذا شرب. (*)

[ 286 ]

الصالحين) (من) هاهنا لتبيين الصفة، وليس المراد التبعيض، لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يكون إلا صالحا. المعنى: (هنالك) أي: عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، على خلاف ما جرت به العادة (دعا زكريا ربه) (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) أي: طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فسأل ذلك. وقوله: (طيبة) أي: مباركة، عن السدي. وقيل: صالحة تقية نقية العمل، وإنما أنث طيبة وإنما سأل ولدا ذكرا على لفظ الذرية، كما قال الشاعر: * أبوك خليفة، ولدته أخرى، * وأنت خليفة، ذاك الكمال * (إنك سميع الدعاء) (1) بمعنى قابل الدعاء، ومجيب له. ومنه قول القائل: سمع الله لمن حمده أي: قبل الله دعاءه. وإنما قيل السامع للقابل المجيب، لأن من كان أهلا أن يسمع منه، فهو أهل أن يقبل منه، ومن لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لا يسمع. (فنادته الملائكة) قيل: ناداه جبرائيل، عن السدي. فعلى هذا يكون المعنى إن النداء أتاه من هذا الجنس، كما يقال: ركب فلان السفن، وإنما ركب سفينة واحدة. والمراد جاءه النداء من جهة الملائكة. وقيل: نادته جماعة من الملائكة. (وهو قائم يصلي في المحراب) أي: في المسجد. وقيل: في محراب المسجد (ان الله يبشرك بيحيى) سماه الله بهذا الإسم قبل مولده واختلف فيه لم سمي بيحيى فقيل: لأن الله أحيا به عقر أمه، عن ابن عباس. وقيل: إنه تعالى أحياه بالإيمان، عن قتادة. وقيل: لأنه تعالى أحيا قلبه بالنبوة، ولم يسم قبله أحد يحيى. (مصدقا بكلمة من الله) أي: مصدقا بعيسى، وعليه جميع المفسرين وأهل التأويل، إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال: بكتاب الله كما يقولون أنشدت كلمة فلان أي: قصيدته، وإن طالت. وإنما سمي المسيح كلمة الله، لأنه حصل بكلام الله من غير أب. وقيل: إنما سمي به لأن الناس يهتدون به، كما يهتدون بكلام


(1) [ معناه سامع الدعاء ]. (*)

[ 287 ]

الله، كما سمي روح الله، لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون بأرواحهم. وكان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر، وكلف التصديق به، فكان أول من صدقه، وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى " عليه السلام "، وأقوى الأسباب لإظهار أمره، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه وزهده. (وسيدا) في العلم والعبادة، عن قتادة. وقيل: في الحلم والتقى وحسن الخلق، عن الضحاك. وقيل: كريما على ربه، عن ابن عباس. وقيل: فقيها عالما، عن سعيد بن المسيب. وقيل: مطيعا لربه، عن سعيد بن جبير. وقيل: مطاعا عن الخليل. وقيل: سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي. والجميع يرجع إلى أصل واحد وهو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته، لما هو عليه من هذه الأحوال. (وحصورا): وهو الذي لا يأتي النساء، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله، ومعناه أنه يحصر نفسه عن الشهوات أي: يمنعها. وقيل: الحصور الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل، عن المبرد. وقيل: هو العنين، عن ابن المسيب والضحاك. وهذا لا يجوز على الأنبياء، لأنه عيب وذم، ولأن الكلام خرج مخرج المدح (ونبيا من الصالحين) أي: رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء، لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين. وفي هذه الآية دلالة على ان زكريا إنما طمع في الولد، لما رأى تلك المعجزات، وهو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر، فقد كان يجوز أن لا يفعل في لك لبعض التدبير. فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها، قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة، كما أن إبراهيم وإن كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى، سأل ذلك مشاهدة، ليتأكد معرفته. وفيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد، فلذلك بشره به. (قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء [ 40 ]). اللغة: العاقر من الرجال: الذي لا يولد له، ومن النساء: التي لا تلد.

[ 288 ]

يقال: عقرت تعقر عقرا فهي عاقر، قال عبيد: أعاقر مثل ذات رحم، * أم غانم مثل من يخيب (1) * والعقر: دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها. وبيضة العقر: آخر بيضة. والعقر: محلة القوم. والعقر: أصل كل شئ. ويقال: غلام بين الغلومية والغلومة وهو الشاب من الناس. والغلمة والإغتلام: شدة طلب النكاح. وسمي الغلام غلاما، لأنه في حال يطلب في مثلها النكاح. والغيلم: منبع الماء من الآبار، لأنه يطلب الظهور. المعنى: (قال) زكريا (رب) لله، عز وجل، لا لجبرائيل (أنى يكون) أي: من أين يكون. وقيل: كيف يكون (لي غلام) أي: ولد (وقد بلغني الكبر) أي: أصابني الشيب، ونالني الهرم. وإنما جاز أن تقول بلغني الكبر، لأن الكبر بمنزلة الطالب له، فهو يأتيه بحدوثه فيه. والإنسان أيضا يأتي الكبر بمرور السنين عليه، ولو قلت: بلغني البلد، بمعنى بلغت البلد لم يجز، لأن البلد لا يأتيك أصلا. وقال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة. وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة (وامرأتي عاقر) أي: عقيم لا تلد. فإن قيل: لم راجع زكريا هذه المراجعة، وقد بشره الله بأن يهب له ذرية طيبة، بعد أن سأل ذلك ؟ قيل: إنما قال ذلك على سبيل التعرف عن كيفية حصول الولد، أيعطيهما الله إياه، وهما على ما كانا عليه من الشيب، أم يصرفهما إلى حال الشباب، ثم يرزقهما الولد، عن الحسن. ويحتمل أن يكون اشتبه الأمر عليه: أيعطيه الولد من امرأته العجوز، أم من امرأة أخرى شابة ف‍ (قال) الله (كذلك) وتقديره: كذلك الأمر الذي أنتما عليه، وعلى تلك الحال (الله يفعل ما يشاء) معناه: يرزقك الله الولد منها، فإنه هين عليه، كما أنشأكما، ولم تكونا شيئا، فإنه تعالى قادر يفعل ما يشاء. وقيل فيه وجه آخر وهو: إنه إنما قال ذلك على سبيل الإستعظام لمقدور الله، والتعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية عظيمة، كمن يقول لغيره: كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك المال النفيس من يدك ! تعجبا من جوده. وقيل: إنه قال


(1) أراد بذات رحم: الولود أي: لا تستوي التي تلد والتي لا تلد، ولا يتساوى من خرج فغنم، ومن خرج فرجع خائبا. (*)

[ 289 ]

ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا، وكيف استحق ذلك. ومن زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان، أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة، فقد أخطأ لأن الأنبياء لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك، ووسوسة الشيطان. ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم، حتى يختلط عليهم طريق الإفهام. (قال رب اجعل لئ اية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار [ 41 ]). الاعراب: في وزن آية فيه ثلاثة أقوال أحدها: فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين، مع كون اللام حرف علة، وإنما القياس في مثله إعلال اللام نحو حياة ونواة، ونظيرها راية وغاية وطاية والثاني: فعلة وتقديره أيية، إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو طائي من طي والثالث: فاعلة منقوصة. قال علي بن عيسى: وهذا ضعيف لأن تصغيرها أيية، ولو كانت فاعلة لقالوا أويية، إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة. والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد. والأول أغلب. وقال جوبة بن عابد: * كأن تكلم الأبطال رمزا، * وغمغمة لهم مثل الهرير (1) * والعشي: من حين زوال الشمس إلى غروبها، في قول مجاهد. قال الشاعر: * فلا الظل من برد الضحى يستطيعه، * ولا الفئ من برد العشي يذوق * والعشاء: من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل. والعشاء: طعام العشي. والعشا مقصورا: ضعف العين. وأصل الباب: الظلمة. والإبكار: من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وأصله: التعجيل بالشئ، يقال: أبكر بكورا، ومنه ا لباكورة. المعنى: ثم سأل الله تعالى زكريا علامة يعرف بها وقت حمل امرأته، ليزيد في العبادة شكرا. وقيل: ليتعجل السرور به، عن الحسن ف‍ (قال رب اجعل لي آية)


(1) الغمغمة: صوت الأبطال عند القتال. الهرير: صوت الكلب دون النباح. (*)

[ 290 ]

أي: علامة لوقت الحمل والولد. فجعل الله تعالى تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدئت فيه بقوله: (قال آيتك) أي: قال الله. ويحتمل أن يكون المراد قال جبرائيل آيتك أي: علامتك (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) أي: إيماء، عن قتادة. وقيل: الرمز تحريك الشفتين، عن مجاهد. وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا، عن عطا (1). (واذكر ربك كثيرا) أي: في هذه الأيام الثلاثة ومعناه: إنه لما منع من الكلام، عرف أنه لم يمنع من الذكر لله تعالى، والتسبيح له، وذلك أبلغ في الإعجاز. (وسبح) أي: نزه الله. وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صل كما يقال: فرغت من سبحتي أي: صلاتي. (بالعشي والإبكار) في آخر النهار وأوله. (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين [ 42 ] يا مريم اقنتي لربك واركعى مع الراكعين [ 43 ]). المعنى: قدم تعالى ذكر امرأة عمران، وفضل بنتها على الجملة. ثم ذكر تفصيل تلك الجملة فقال: (وإذ قالت الملائكة) إذ هذه معطوفة على (إذ) في قوله: (إذ قالت امرأة عمران) أو يكون معناه: اذكر إذ قالت الملائكة. وقيل: يعني جبريل وحده (يا مريم إن الله اصطفاك) أي: اختارك وألطف لك، حتى تفرغت لعبادته، واتباع مرضاته. وقيل: معناه اصطفاك لولادة المسيح، عن الزجاج (وطهرك) بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن ألمعصية، عن الحسن وسعيد بن جبير. وقيل: طهرك من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء من الحيض والنفاس، حتى صرت صالحة لخدمة المسجد، عن الزجاج. وقيل: طهرك من الأخلاق الذميمة، والطبائع الردية (واصطفاك على نساء العالمين) أي: على نساء عالمي زمانك، لأن فاطمة بنت رسول الله، صتى الله عليها، وعلى أبيها، وبعلها وبنيها، سيدة نساء العالمين، وهو قول أبي جعفر " عليه السلام ". وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين ". وقال أبو جعفر: معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء، وطهرك من السفاح. اصطفاك لولادة


(1) الظاهر أن التفسير الأخير أوجه بدليل قوله تعالى حكاية عن مريم: (إني نذرت للرحمن صوما) (فأشارت إليه) (سورة مريم، الآيتان: 26 - 29). (*)

[ 291 ]

عيسى " عليه السلام " من غير فحل. وخرج بهذا من أن يكون تكريرا، إذ يكون الإصطفاء على معنيين مختلفين. (يا مريم اقنتي لربك) أي: اعبديه وأخلصي له العبادة، عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه أديمي الطاعة له، عن قتادة. وقيل: أطيلي القيام في الصلاة، عن مجاهد (واسجدي واركعي مع الراكعين) أي: كما يعمل الساجدون والراكعون، لا أن يكون ذلك أمرا لها بأن تعمل السجود والركوع معهم في الجماعة. وقدم السجود على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب، فإنها في الأشياء المتغايرة نظيرة التثنية في المتماثلة. وإنما توجب الجمع والإشتراك. وقيل: معناه واسجدي لله شكرا، واركعي أي: وصلي مع المصلين. وقيل: معناه صلي في الجماعة، عن الجبائي. (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [ 44 ]). اللغة: الأنباء: الأخبار. الواحد نبأ. والإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه يخفى. والإيحاء: الإرسال إلى الأنبياء، تقول: أوحى الله إليه اي: أرسل إليه ملكا. والإيحاء: الإلهام، ومنه قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل)، وقوله (بأن ربك أوحى لها) معناه: ألقى إليها معنى ما أراد منها. قال العجاج: * أوحى لها القرار فاستقرت، * وشدها بالراسيات الثبت * والإيحاء: الإيمان. قال: " فأوحت إلينا والأنامل رسلها " ومنه قوله تعالى: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي: أشار إليهم. والوحي: الكتابة. قال رؤية: " لقدر كان وحاه الواحي " وقال: (في سور من ربنا موحية). والقلم: الذي يكتب به. والقلم: الذي يجال بين القوم كل إنسان وقلمه وهو القدح والقلم: قص الظفر. ومقالم الرمح كعوبه. وأصله: قطع طرف الشئ. الاعراب: قال أبو علي: إذ في قوله (إذ يلقون) متعلق بكنت. و (إذ) في قوله (إذ قالت الملائكة) بعد (يختصمون) متعلق بيختصمون. ويجوز أيضا أن يكون متعلقا بكنت، كأنه قال: وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة. وهذا إنما يجوز عندي إذا قدرت (إذ) الثانية بدلا من الأولى. فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز،

[ 292 ]

وإنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى. المعنى: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم وزكريا ويحيى (من انباء الغيب) أي: من أخبار ما غاب عنك، وعن قومك (نوحيه إليك) أي: نلقيه عليك معجزة وتذكيرا، وتبصرة وموعظة وعبرة. ووجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الإنسان، يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب، أو التعلم، أو الوحي. والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يشاهد هذه القصص، ولا قرأها من الكتب، ولا تعلمها. إذ كان نشؤه بين أهل مكة، ولم يكونوا أهل كتاب. فوضح الله أن أوحى إليه بها. وفي ذلك صحة نبوته. (وما كنت) يا محمد (لديهم) عندهم (إذ يلقون أقلامهم) التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، على ما تقدم ذكره قبل. وقيل أقلامهم: أقداحهم للإقتراع، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة (أيهم يكفل مريم) وفيه حذف أي: لينظروا أيهم تظهر قرعته، ليكفل مريم. وهذا تعجيب من الله نبئه " صلى الله عليه وآله وسلم " من شدة حرصهم على كفالة مريم، والقيام بأمرها، عن قتادة. وقيل: هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها، لشدة الأزمة التي لحقتهم، حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا. (وما كنت لديهم إذ يختصمون) فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة. وفي وقت التشاح قولان أحدهما: حين ولادتها، وحمل أمها إياها إلى الكنيسة، تشاحوا في الذي يحضنها، ويكفل تربيتها، وهذا قول الأكثر. وقال بعضهم: كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها. وفي هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق. وقد قال الصادق " عليه السلام ": ما تقارع قوم، ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى، إلا خرج سهم المحق. وقال: أي قضية أعدل من القرعة، إذا فوض الأمر إلى الله تعالى، يقول: (فساهم فكان من المدحضين). وقال الباقر: أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران، ثم تلا (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم) الآية. والسهام ستة ثم استهموا في يونس، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين، فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه، فلما ولد له عبد الله لم

[ 293 ]

يقدر أن يذبحه ورسول الله في صلبه، فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها، وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله. فزاد عشرا فلم تزل السهام تخرج على عبد الله، ويزيد عشرا. فلما أن أخرجت مائة خرجت السهام على الإبل. فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي بها، فنحرها. (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين [ 45 ] ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين [ 46 ]). القراءة: ذكرنا القراءة في (يبشرك) والقول فيه. اللغة: المسيح: فعيل بمعنى مفعول، وأصله أنه مسح من الأقذار وطهر. والمسيح أيضا: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، ولذلك سمي الدجال به. وقيل: المسيح عيسى بفتح الميم والتخفيف، وهو الصديق. والمسيح: بكسر الميم وتشديد السين نحو الشرير: الدجال، عن إبراهيم النخعي. وأنكره غيره. قال الشاعر: (إذ المسيح يقتل المسيحا ". والوجيه: الكريم على من يسأله، فلا يرده لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه لمسألة، فيرد. يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة وله وجاهة عند الناس وجاه أي: منزلة رفيعة. والكهل: ما بين الشاب والشيخ، ومنه اكتهل النبت: إذا طال وقوي. والمرأة: كهلة. قال الشاعر: * ولا أعود بعدها كريا * أمارس الكهلة، والصبيا (1) * ومنه الكاهل: مأ فوق الظهر إلى ما يلي العنق. وقيل: الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة. الاعراب: وجيها: منصوب على الحال. المعنى: يبشرك الله بهذا الولد


(1) الكرى: ا لمكاري. (*)

[ 294 ]

وجيها. (ويكلم): في موضع النصب أيضا على الحال، عطفا على (وجيها). وجائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضعارعة يفعل فاعلا قال الشاعر: * بات يغشيها بعصب باتر * يقصد في أسوقها وجائر (1) * أي: قاصد أسوقها وجائر. (وكهلا): حال من (يكلم). المعنى: (إذ قالت الملائكة) قال ابن عباس: يريد جبرائيل (يا مريم إن الله يبشرك) يخبرك بما يسرك (بكلمة منه) فيه قولان أحدهما: إنه المسيح سماه كلمة، عن ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين. وإنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله: (كن فيكون) يدل عليه قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه) الآية. وقيل: سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة، كما يقول الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره: قد جاء كلامي. فمما جاء من البشارة به في التوراة: (أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران " وساعير: هو الموضع الذي بعث منه المسيح. وقيل: لأن الله يهدي به، كما يهدي بكلمته والقول الثاني: إن الكلمة بمعنى البشارة، كأنه قال ببشارة منه ولد (اسمه المسيج) فالأول أقوى، ويؤيده قوله: (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه). وإنما ذكر الضمير في (اسمه) وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فذهب إلى المعنى. واختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، عن الحسن وقتادة وسعيد. وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب. وقيل: لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه، وكانت الأنبياء تمسح به، عن الجبائي. وقيل: لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته، ليكون عوذة من الشيطان. وقيل: لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله. وقيل: لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر، عن الكلبي. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برئ، عن ابن عباس في رواية عطا والضحاك. وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية (مشيحا) فعربته العرب. (عيسى ابن مريم) نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله (وجيها) ذا جاه وقدر، وشرف (في الدنيا والآخرة ومن المقربين) إلى ثواب الله وكرامته.


(1) عضب باتر أي: سيف قاطع. (*)

[ 295 ]

(ويكلم الناس في المهد) أي: صغيرا. والمهد: الموضع الذي يمهد لنوم الصبي، ويعني بكلامه (في المهد) قوله: (إني عبد الله آتاني الكتاب) الآية. ووجه كلامه (في المهد) أنه تبرئة لأمه مما قذفت به، وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه. (وكهلا) أي: ويكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله، أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة. وفي ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر. وقيل: إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال، لأن ذلك مناف لصفة الإله (ومن الصالحين) أي: ومن النبيين مثل إبراهيم وموسى. وقيل: إن المراد بالآية (ويكلمهم في المهد) دعاء إلى الله، وكهلا بعد نزوله من السماء، ليقتل الدجال، وذلك لأنه رفع إلى السماء، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وذلك قبل الكهولة، عن زيد بن أسلم. وفي ظهور المعجزة في المهد قولان أحدهما: إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح، لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال، وجعله نبيا، وأوحى إليه بما تكلم به، عن الجبائي. وقيل: كان ذلك على التأسيس والإرهاص (1) لنبوته، عن ابن الأخشيد. ويجوز عندنا الوجهان. ويجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها، وبراءة ساحتها، إذ لا مانع من ذلك، وقد دلت الأدلة الواضحة على جوازه. وإنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد، مع كونه آية ومعجزة، لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم، لأنه قال: (إني عبد الله) وهذا ينافي قولهم إنه ابن الله. فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك. (قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ 47 ]). الاعراب: (فيكون): هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع، لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو (كن) لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو: ائتني فأكرمك، وقم فأقوم معك. ولا يجوز قم فيقوم، لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم. وهذا لا معنى له، ولكن الوجه الرفع عذ الإخبار بأنه سيقوم. ويجوز في قوله: أن


(1) الإرهاص: الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة. (*)

[ 296 ]

يقول له كن فيكون: النصب عطفا على (يقول). المعنى: (قالت) مريم يا (رب أنى يكون) أي: كيف يكون (لي ولد ولم يمسسني بشر) لم تقل ذلك استبعادا واستنكارا، بل إنما قالت استفهاما واستعظاما لقدرة الله، لأن في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد. وقيل: إنما قالت ذلك لتعلم أن الله تعالى يرزقها الولد، وهي على حالتها، لم يمسها بشر، أو يقر لها زوجا. ثم يرزقها الولد على مجرى العادة. (قال كذلك الله يخلق ما يشاء) أي: يخلق ما يشاء مثل ذلك، وهو حكاية ما قال لها الملك أي: يرزقك الولد وأنت على هذه الحالة، لم يمسك بشر (إذا قضى أمرا) أي: خلق أمرا. وقيل: إذا قدر أمرا (فإنما يقول له كن فيكون) وقيل في معناه قولان أحدهما: إنه إخبار بسرعة حصول مراد الله في كل شئ أراد حصوله من غير مهلة، ولا معاناة، ولا تكلف سبب، ولا أداة. وإنما كنى بهذا اللفظ، لأنه لا يدخل في وهم العباد شئ أسرع من كن فيكون والآخر: إن هذه الكلمة، كلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه وايجاده، لما فيه من المصلحة والإعتبار. وإنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا، ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور، في أنه لا كلفة فيه على الآمر. (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [ 48 ] ورسولا إلى بنى إسرآءيل أنى قد جئتكم بأية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين [ 49 ]). عد أهل الكوفة التوراة والإنجيل آية، ولم يعدوا بني إسرائيل لتنكر الإستئناف بأن المفتوحة. وعد غيرهم بني إسرائيل، ولم يعدوا الإنجيل. طلبوا تمام صفة المسيح، لأن تقديره ومعلما ورسولا. القراءة: قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل: (ويعلمه) بالياء. والباقون

[ 297 ]

بالنون. وقرأ نافع: (إني أخلق) بكسر الالف. والباقون: (أني) بالفتح. وقرأ أهل المدينة ويعقوب: (طائرا) ومثله في المائدة. وأبو جعفر: (كهيئة الطائر) فيهما. والباقون: (طيرا) بغير ألف. الحجة: من قرأ (ويعلمه): عطفه على قوله (إن الله يبشرك). ومن قرأ (ونعلمه): جعله على نحو (نحن قدرنا بينكم الموت). ومن فتح (أني أخلق): جعلها بدلا من آية كأنه قال وجئتكم بأني أخلق لكم. ومن كسر احتمل وجهين أحدهما: الاستئناف، وقطع الكلام مما قبله والآخر أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، كما فسر الوعد في قوله: (وعد الله الذين آمنوا) بقوله: (لهم مغفرة). وفسر المثل في قوله (كمثل آدم) بقوله (خلقه من تراب). وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كمن فتح وأبدل من آية. ومن قرأ (طائرا): أراد فيكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه طائرا فأفرد لذلك فسر أو أراد يكون كل واحد من ذلك طائرا، كما قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) أي: إجلدوا كل واحد منهم. اللغة: الحكمة والحكم بمعنى. ونظيره الذلة والذل. والطين: معروف. وطنت الكتاب: جعلت عليه طينا لأختمه به. وطينت البيت تطيينا. والهيئة: الحال الظاهرة. هاء فلان بهاء هيئة. والنفخ: معروف، نفخ ينفخ نفخا. والنفاخة للماء. والكمه العمى، قال سويد بن أبي كاهل: * كمهت عيناه حتى ابيضتا، * فهو يلحى نفسه لما نزع (1) * والإدخار: الإفتعال من الدخر. وجوز النحويون تذخرون بالذال. الاعراب: موضع (يعلمه): يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على (وجيها)، ويحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب، لأنه عطف على جملة لا موضع لها من الإعراب، وهي قوله: (كذلك الله يخلق ما يشاء). وقيل: هو عطف على نوحيه إليك، وهذا لا يجوز لأنها تخرج من معنى البشارة لمريم. (ورسولا) نصب على تقدير ونجعله رسولا، فحذف لدلالة البشارة عليه. ويجوز أن يكون نصبا على الحال عطفا على (وجيها)، لا إنه في ذلك الوقت يكون رسولا، بل بمعنى أنه يرسل رسولا. وقال الزجاج: المعنى يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم. ولو قرأت بالكسر:


(1) يلحى نفسه أي: يلومها. لما نزع يعني: لما ترك. (*)

[ 298 ]

إني قد جئتكم، لكان صوابا. والمعنى: يقول إني قد جئتكم. وموضع (أني أخلق لكم): يحتمل أن يكون خفضا ورفعا، فالخفض على البدل من (آية)، والرفع على ما ذكرناه قبل. و (بما تأكلون): جائز أن يكون (ما) هنا بمعنى الذي أي: بما تأكلونه وتدخرونه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي: أنبئكم بأكلكم وادخاركم. وا لأول أجود. المعنى: (ويعلمه الكتاب) أراد الكتابة، عن ابن جريج. قال: أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط، وسائر الناس جزء. وقيل: أراد به بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل، مثل الزبور وغيره، عن أبي علي الجبائي، وهو أليق بالظاهر. (والحكمة) أي: الفقه، وعلم الحلال والحرام، عن ابن عباس، كما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " أوتيت القرآن ومثليه ". قالوا: أراد به السنن. وقيل: أراد بذلك جميع ما علمه من أصول الدين. (والتوراة والإنجيل) إن قيل: لم أفردهما بالذكر مع دخولهما في الحكمة ؟ قيل: تنبيها عن جلالة موقعهما، كقوله: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال). وقطع هاهنا قصة مريم وولادتها، ويأتي تمام قصتها في سورة مريم، وابتدأ بقصة عيسى فقال: (ورسولا إلى بني إسرائيل) وقد ذكرنا تقديره ومعناه يدور عليه (أني قد جئتكم) أي: قال لهم وكلمهم لما بعث إليهم بأني قد جئتكم (بآية) أي: بدلالة وحجة (من ربكم) دالة على نبوتي. ثم حذف الباء فوصل الفعل (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) معناه: وهذه الآية أني أقدر لكم، وأصور لكم من الطين مثل صورة الطير. (فأنفخ فيه) أي: في الطير المقدر من الطين. وقال في موضع آخر: (فيها) أي: في الهيئة المقدرة (فيكون طيرا بإذن الله) وقدرته. وقيل: بأمر الله تعالى. وإنما وصل قوله: (بإذن الله) بقوله: (فيكون طيرا) دون ما قبله، لأن تصور الطين على هيئة الطير، والنفخ فيه، مما يدخل تحت مقدور العباد. فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما ودما، وخلق الحياة فيه، فمما لا يقدر عليه غير الله، فقال: (بإذن الله) ليعلم أنه من فعله تعالى، وليس بفعل عيسى. وفي التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش، ونفخ فيه فصار طائرا (وأبرئ الاكمه) أي: الذي ولد أعمى، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: هو الأعمى، عن الحسن والسدي.

[ 299 ]

(والأبرص) الذي به وضح. وقال وهب: وربما اجتمع على عيسى من المرض في اليوم خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. (وأحيي الموتى بإذن الله) إنما أضاف الإحياء إلى نفسه، على وجه المجاز والتوسع، ولأن الله تعالى كان يحيي الموتى عند دعائه. وقيل: إنه أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقا له، وكان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل، أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم بأني أحيي الموتى، فأحي عازر (1) ! فخرج من قبره، وبقي وولد له. وابن العجوز مر به ميتا على سريره، فدعا الله عيسى " عليه السلام "، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، ورجع إلى أهله، وبقي وولد له. وابنة العاشر قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس ؟ فدعا الله فعاشت، وبقيت، وولدت. وسام بن نوح: دعا عليه باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة ؟ قال: لا، ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان، لأن سام بن نوح قد عاش خمس مائة سنة، وهو شاب. ثم قال له: مت. قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. وقال الكلبي: كان يحيي الأموات بيا حي يا قوم، وإنما خص عيسى " عليه السلام " بهذه المعجزات، لأن الغالب كان في زمانه الطب، فأراهم الله الآيات من جنس ما هم عليه، لتكون المعجزة أظهر، كما أن الغالب لما كان في زمن موسى السحر، أتاهم من جنس ذلك بما أعجزهم عن الإتيان بمثله. وكان الغالب في زمان نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " البيان والبلاغة والفصاحة، فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم، وغرائب البيان، ليكون أبلغ في باب الإعجاز بان يأتي كلا من أمم الأنبياء بمثل ما هم عليه، ويعجزون عن الإتيان بمثله. إذ لو أتاهم بما لا يعرفونه، لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر، غير أنهم لا يهتدون إليه.


(1) [ قال: فقام عازر ]. (*)

[ 300 ]

(وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) أي: أخبركم بالذي تأكلونه وتدخرونه، كأن يقول للرجل تغديت بكذا وكذا، ورفعت إلى الليل (1) كذا وكذا (إن في ذلك) أي: فيما ذكرت لكم (لآية) أي: حجة، ومعجزة، ودلالة (لكم إن كنتم مؤمنين) بالله إذ كان لا يصح العلم بمدلول المعجزة، إلا لمن آمن بالله، لأن العلم بالمرسل لا بد أن يكون قبل العلم بالرسول. وفي الآية دلالة على أن عيسى " عليه السلام " كان مبعوثا إلى جميع بني إسرائيل. وقوله: (أني أخلق لكم) يدل على أن العبد يحدث ويفعل ويخلق، خلافا لقول المجبرة، لكن الخالق على الإطلاق، هو الله تعالى. (ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجئتم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون [ 50 ] إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم [ 51 ]). اللغة: الفرق بين التصديق والتقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما تبرهن عند صاحبه. والتقليد قد يكون فيما لا يتبرهن. ولهذا لا نكون مقلدين للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإن كنا مصدقين له. والإحلال: هو الإطلاق للفعل بتحسينه. والتحريم: هو حظر الفعل بتقبيحه. والإستقامة: خلاف الإعوجاج. الاعراب: (مصدقا): نصب على الحال وتقديره: وجئتكم مصدقا. لأن أول الكلام يدل عليه، ونظيره جئته بما يحب ومعرفا له، ولا يكون عطفا، لا على (وجيها) ولا (رسولا) لقوله: (لما بين يدي)، ولم يقل لما بين يديه. وقال أبو عبيدة: أراد بقوله: (بعض الذي حرم) كل الذي حرم، ويستشهد بقول لبيد: * تراك أمكنة إذا لم أرضها، * أو يعتلق بعض النفوس حمامها (2) * قال: معناه أو تعتلق كل النفوس. وأنكر الزجاج ذلك، وقال: معناه أوتعتلق نفسي حمامها. وخطأ أبا عبيدة من وجهين أحدهما: إن البعض لا يكون بمعنى الكل


(1) وفي بعض النسخ المخطوطة: " ودفعت إلى البيت " مكان: " ورفعت إلى الليل ". (2) أو يعتلق بمعنى: إلى أن يعتلق. الحمام: الموت. (*)

[ 301 ]

والثاني: إنه لا يجوز تحليل جميع المحرمات، لأنه يدخل الكذب والظلم والقتل في ذلك. المعنى: (ومصدقا لما بين يدي) أي: لما أنزل (1) قبلي (من التوراة)، وما فيه البشارة بي ومن أرسل قبلي من الأنبياء (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) هذا معطوف على معنى قوله (مصدقا) وتقديره: ولأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم، كما تقول: جئته معتذرا ولأجتلب عطفه. وقيل: إن الذي أحل لهم لحوم الإبل، والشروب (2)، وبعض الطيور والحيتان، مما كان قد حرم على بني إسرائيل، عن قتادة والربيع وابن جريج ووهب. وقيل: أحل لكم السبت، عن الكلبي. (وجئتكم بآية من ربكم) أي: بحجة تشهد بصدقي (فاتقوا الله) في مخالفتي، وتكذيبي. (وأطيعوني) كما أمركم الله به (إن الله ربي وربكم) أي: مالكي ومالككم. وإنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم (المسيح ابن الله) والمعنى لا تنسبوني إليه، فأنا عبده كما أنكم عبيد له (فاعبدوه) وحده (هذا صراط مستقيم) أي: دين الله أي: عبادته دين مستقيم. وقد استوفينا الكلام في الرب، وفي الصراط المستقيم، في سورة الحمد. (فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون [ 52 ] ربنا ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين [ 53 ] ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ 54 ]). اللغة: الإحساس: الإدراك بالحاسة. والحس: القتل لأنه يحس بألمه. والحس: العطف لإحساس الرقة على صاحبه. والأنصار: جمع نصير كالأشراف جمع شريف. وأصل الحواري: الحور وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه. قال الحرث بن حلزة:


(1) [ من ]. (2) وفي التبيان " الثروب " بالثاء المثلثة بدل الشين، وهو الظاهر. والثرب: الشحم الرقيق الذي على الكرش والأمعاء. (*)

[ 302 ]

* فقل للحواريات يبكين غيرنا، * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح * يعني النساء لبياضهن. والشاهد: هو المخبر بالشئ عن مشاهدة هذا حقيقة. وقد يتصرف فيه فيقال: البرهان شاهد بحق أي: هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة. ويقال: هذا شاهد أي: معد للشهادة. والمكر: الإتلاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر لاتلافه. والممكورة من النساء: الملتفة الخلق. وحد المكر حب يختدع به العبد لإيقاعه في الضر. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد. والمكر: حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق (1). الاعراب: قيل: إن إلى بمعنى مع كقولهم: الذود إلى الذود إبل أي: مع الذود (2). قال الزجاج: لا يجوز أن يقال إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر، وإنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى، لا أن (إلى) بمعنى مع. لو قلت: ذهب زيد إلى عمرو، لم يجز أن يقول: ذهب زيد مع عمرو، لأن إلى: غاية، ومع: يضم الشئ إلى الشئ. والحروف قد تتقارب في الفائدة، فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل). ولو كانت (على) هاهنا. لأدت هذه الفائدة. وأصل (في) إنما هو للوعاء. وأصل (على) لما علا الشئ. فقولك: التمر في الجواب، لو قلت على الجواب، لم يصح ذلك. ولكن جاز (في جذوع النخل) لأن الجذع مشتمل على المصلوب، لأنه قد أخذه من أقطاره. ولو قلت: زيد على الجبل، أو في الجبل يصلح، لأن الجبل قد اشتمل على زيد. فعلى هذا مجاز هذه الحروف. المعنى: (فلما أحس) أي: وجد. وقيل: أبصر ورأى. وقيل: علم (عيسى منهم الكفر) وأنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات والمعجزات، امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال والتعريف عما في اعتقادهم من نصرته ف‍ (قال أنصاري إلى الله) وقيل: إنه لما عرف منهم العزم على قتله قال: من


(1) الوهق: حبل في طرفه عقدة يجعل في عنق الدابة. (2) الذود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وهذا مثل معناه: إذا ضم القليل إلى القليل، يصير المجموع كثيرا. (*)

[ 303 ]

أنصاري إلى الله، وفيه أقوال أحدها: إن معناه من أعوان على هؤلاء الكفار، مع معونة الله، عن السدي وابن جريج والثاني: إن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله، عن الحسن، لأنه دعاهم إلى سبيل الله والثالث: إن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي: إلى نيل ثوابه، كقوله: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني). ومما يسأل على هذا: إن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب، فلم استنصر عليهم ؟ فيقال لهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، عن الحسن ومجاهد. وقيل أيضا: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة، ولتميز الموافق من المخالف (قال الحواريون) واختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال أولها: إنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم، عن سعيد بن جبير وثانيها: إنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأه وثالثها: إنهم كانوا صيادين يصيدون السمك، عن ابن عباس والسدي. ورابعها: إنهم كانوا خاصة الأنبياء، عن قتادة والضحاك، وهذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الإسم، كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم، كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير. ويروى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي ". وقال الحسن: الحواري الناصر. والحواريون: الأنصار. وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى، وكانوا اثني عشر رجلا. وقال عبد الله بن المبارك: سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين، عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، كما قال تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود). (نحن أنصار الله) معناه: نحن أعوان الله على الكافرين من قومك، أي: أعوان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأعوان دين الله (آمنا بالله) أي: صدقنا بالله أنه واحد لا شريك له (واشهد) يا عيسى (بأنا مسلمون) أي: كن لنا شهيدا عند الله. أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة، كما قال تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) (ربنا) أي: يا ربنا (آمنا بما أنزلت) على عيسى (واتبعنا الرسول) أي: اتبعناه. (فاكتبنا مع الشاهدين) أي: في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت، لنفوز بما فازوا به، وننال ما نالوا من كرامتك. وقيل: معناه واجعلنا مع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته،

[ 304 ]

عن ابن عباس. وقد سماهم الله شهداء بقوله (لتكونوا شهداء على الناس) أي: من الشاهدين بالحق من عندك. هذا كله حكاية قول الحواريين. وروي أنهم اتبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله ! جعنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما. وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله ! عطشنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منا، إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك واتبعناك ؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالكراء. وقوله: (ومكروا) يعني: كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر) الأية ومعناه: دبروا لقتل عيسى " عليه السلام " (ومكر الله) أي: جازاهم على مكرهم. وسمى المجازاة على المكر مكرا، كما قال الله تعالى: (الله يستهزئ بهم) وجاء في التفسير: إن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطأوا على الفتك به، فذلك مكرهم به، ومكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى، حتى قتل وصلب، ورفع عيسى إلى السماء. وقال ابن عباس: لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى " عليه السلام "، دخل خوخته، وفيها كوة. فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء، وقال الملك لرجل منهم خبيث: أدخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى. وقال وهب: أسروه، ونصبوا له خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة، فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلا يقال له يهوذا، وهو الذي دلهم على المسيح، وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إليهم فقال: ما تجعلوا لي إن أدلكم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها، ودلهم عليه. فألقى الله عليه شبه عيسى " عليه السلام " لما دخل البيت، ورفع عيسى، فأخذ فقال: أنا الذي دللتكم عليه ! فلم يلتفتوا إلى قوله، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. فلما صلب شبه عيسى " عليه السلام " وأتى على ذلك سبعة أيام، قال الله عز وجل لعيسى: إهبط على مريم لتجمع لك الحواريين، وتبثهم في الأرض دعاة.

[ 305 ]

فهبط واشتعل الجبل نورا، فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله سبحانه. وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى. فلما أصبح الحواريون، حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى " عليه السلام " إليهم فذلك قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله) أي: أفضل المعاونين. وقيل: أنصف الماكرين وأعدلهم، لأن مكرهم ظلم، ومكره عدل وإنصاف. وإنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والثاني ليس باعتداء، وإنما هو جزاء. وهذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة، والمطابقة، والمقابلة. فالمجانسة كقوله: (تتقلب فيه القلوب والأبصار). والمطابقة كقوله: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) بالنصب على مطابقة السؤال. والمقابلة نحو قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة). (إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون [ 55 ]). الاعراب: العامل في (إذ) قوله (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) إذ قال. ويحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله، وتمثيله ذاك واقع إذ قال الله، ثم حذفت واقع، وهو العامل في (إذ) وأقيمت (إذ) مقامه. و (عيسى): في موضع الضم لأنه منادى مفرد، لكن لا يتبين فيه الإعراب، لأنه منقوص، وهو لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف. المعنى لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به وقتله، عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير، وحسن التقدير فقال: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك) وقيل في معناه أقوال أحدها: إن المراد به: إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت، عن الحسن وكعب وابن جريج وابن زيد والكلبي وغيرهم. وعلى هذا القول يكون للمتوفى تأويلان أحدهما: إني رافعك إلي وافيا، لم ينالوا منك شيئا. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي: أخذته تاما والآخر: إني

[ 306 ]

متسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا: أي تسلمته. وثانيها: إني متوفيك وفاة نوم، ورافعك إلي في النوم، عن الربيع قال: رفعه نائما. ويدل عليه قوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي يميتكم لأن النوم أخو الموت. وقال (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) الآية. وثالثها: إني متوفيك وفاة نوم، عن ابن عباس ووهب قالا: أماته الله ثلاث ساعات. فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير أي: إني رافعك ومتوفيك، لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) والنذر قبل العذاب بدلالة قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهذا مروي عن الضحاك، ويدل عليه ما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم " ؟ رواه البخاري وملم في الصحيح. فعلى هذا يكون تقديره: إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء. وقوله: (ورافعك إلي) فيه قولان أحدهما: إني رافعك إلى سمائي. وسمى رافعه إلى السماء رفعا إليه، تفخيما لامر السماء، يعني: رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري. والاخر: إن معناه رافعك إلى كرامتي، كما قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني) أي: إلى حيث أمرني ربي. سمى ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه. وقوله: (ومطهرك من الذين كفروا) وفيه قولان إحدهما: مطهرك باخراجك من بينهم، وإنجائك منهم، فإنهم أرجاس. جعل مقامه فيهم بينهم كملاقاة النجاسة من حيث كان يحتاج إلى مجارتهم والاخر: إن تطهيره منعهم من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به، لان ذلك رجس طهره الله منه، عن الجبائي. وقوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) معناه: وجاعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك وكذبوك في العز والغلبة والظفر والنصرة. وقيل: في البرهان والحجة، والمعني به النصارى. قال ابن زيد: ولهذا لا ترى اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى، ولهذا أزال الملك عنهم، وإن كان ثابتا في النصارى على بلاد الروم وغيرها، فهم أعز منهم، وفوقهم إلى يوم القيامة. وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة، كما

[ 307 ]

للروم. وقيل المعني به أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم، وإنما سماهم تبعا، وإن كانت لهم شريعة على حدة، لانه وجد فيهم التبعية صورة ومعنى. وأما صورة فإنه يقال: فلان يتبع فلانا إذا جاء بعده. وأما معنى فلان نبينا صلى الله عليه واله وسلم كان مصدقا بعيسى وبكتابه. ويقال لمن يصدق غيره: إنه يتبعه. على أن شريعة نبينا وسائر الانبياء متحدة في أبواب التوحيد. فعلى هذا هو متبع له، إذ كان معتقدا اعتقاده، وقائلا بقوله. وهذا القول أوجه لان فيه ترغيبا في الاسلام، ودلالة على أن أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم يكونون ظاهرين إلى يوم القيامة، ولان من دعاه إلها لا يكون في الحقيقة تابعا له. (ثم إلي مرجعكم) أي: مصيركم (فأحكم بينكم) فأقضي بينكم (فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر عيسى. (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والأخرة وما لهم من ناصرين [ 56 ] وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين [ 57 ] ذلك نتلوه عليك من الأيات والذكر الحكيم [ 58 ]). القراءة: قرأ حفص ورويس عن يعقوب: (فيوفيهم) بالياء. والباقون بالنون. الحجة: من قرأ بالنون فهو مثل (فأعذبهم) ويحسنه قوله: (ذلك نتلوه عليك من الآيات). ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم في قوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك) أو صار من لفظ الخطاب إلى الغيبة كقوله: (فأولئك هم المضعفون) بعد قوله: (وما آتيتم من زكاة). الاعراب: (نتلوه عليك): في موضع رفع بأنه خبر (ذلك). ويجوز أن يكون صلة لذلك. (ويكون ذلك) بمعنى الذي. فعلى هذا لا موضع لقوله (نتلوه) وتقديره: الذي نتلوه. وقوله: (من الآيات): في موضع رفع بأنه خبره، وأنشدوا في مثله: * عدس ! ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق (1) * تقديره: والذي تحملين طليق.


(1) الشعر في (جامع الشواهد) ومضى في هذا الجزء. (*)

[ 308 ]

(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة) عذابهم في الدنيا: إذلالهم بالقتل والأسر والسبي والخسف والجزية، وكل ما فعل على وجه الإستخفاف والإهانة. وفي الآخرة: عذاب الأبد في النار (وما لهم من ناصرين) أي: أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى. (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) أي: يوفر عليهم، ويتمم (أجورهم) أي: جزاء أعمالهم (والله لا يحب الظالمين) أي: لا يريد تعظيمهم وإثابتهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. وهذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفير الأجر، وهو الثواب. والتوفية منافية للإحباط (ذلك) إشارة إلى الإخبار عن عيسى وزكريا ويحيى وغيرهم (نتلوه عليك) نقرأه عليك، ونكلمك به. وقيل: نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك، عن الجبائي (من الآيات) أي: من جملة الآيات والحجج الدالة على صدق نبوتك، إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارئ كتاب، أو معلم، ولست بواحد منها، فلم يبق إلا أنك عرفته من طريق الحي (والذكر الحكيم) القرآن المحكم. وإنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه منالحكمة، كأنه ينطق بالحكمة، كما تسمى الدلالة دليلا، لأنها بما فيها من البيان، كأنها تنطق بالبيان والبرهان، وإن كان الدليل في الحقيقة هو الدال. (إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ 59 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين [ 60 ] فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكافرين [ 61 ]). اللغة: المثل: ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني، سبيل الأول. وتعالوا: أصله من العلو يقال: تعاليت أتعالى أي: جئت. وأصله: المجئ إلى ارتفاع، إلا أنه كثر في الإستعمال حتى صار بمعنى هلم. وقيل في الإبتهال قولان أحدهما: إنه بمعنى الإلتعان. وافتعلوا بمعنى تفاعلوا، كقولهم: اشتوروا بمعنى تشاوروا. بهله الله أي: لعنه الله. وعليه بهلة الله أي: لعنة الله والآخر: إنه بمعنى الدعاء بالهلاك. قال لبيد: " نظر الدهر إليهم فابتهل " أي دعا عليهم بالهلاك. فالبهل كاللعن وهو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته، ولذلك لا يجوز أن يلعن من

[ 309 ]

ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما. العراب: قوله (خلقه من تراب): لا موضع له من الإعراب، لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم، من حيث هو نكرة ولا يكون حالا له، لأنه ماض، فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الإتصال. فيكون الرفع على تقدير: فهو يكون. والحق: رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك. فحذف ذلك دلالة شاهد الحال عليه، كما يقال: الهلال والله أي: هذا الهلال. وقيل: الحق مبتدأ، وخبره قوله: (من ربك). النزول: قيل نزلت الآيات في وفد نجران: العاقب والسيد ومن معهما، قالوا لرسول الله: هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزل: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات. فقرأها عليهم، عن ابن عباس وقادة والحسن. فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة، استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك. فلما رجعوا إلى رجالهم، قال لهم الأسقف: انظروا محمدا في غد، فإن بولده وأهله، فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه، فإنه على غير شئ. فلما كان الغد جاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آخذا بيده علي بن أبي طالب " عليه السلام "، والحسن " عليه السلام "، والحسين " عليه السلام " بين يديه يمشيان، وفاطمة " عليها السلام " تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم. فلما رأى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه، وزوج ابنته، وأحب الخلق إليه. وهذان ابنا بنته من علي " عليه السلام ". وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع (1) ولم يقدم على المباهلة. فقال السيد: أدن يا أبا حارثة للمباهلة. فقال: لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل والله علينا الحول، وفي الدنيا نصراني يطعم الماء ! فقال الأسقف: يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به. فصالحهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على ألفي حلة من حلل الأواقي، قسمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص، فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا،. ثلاثين فرسا، إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتى


(1) كع كمد: ضعف وجبن. (*)

[ 310 ]

يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا. وروي أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. وقال النبي: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم ! قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي، وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين، وأسلما. المعنى: ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله، فقال: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي: مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب، كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب، ولا أم، فليس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك، فكيف أنكروا هذا وأقروا بذلك ؟ ثم بين سبحانه كيف خلقه، فقال: (خلقه) أي أنشأه (من تراب) وهذا إخبار عن آدم، ومعناه: خلق عيسى من الريح، ولم يخلق قبل أحدا من الريح، كما خلق آدم من التراب، ولم يخلق قبله أحدا من التراب (ثم قال له) أي: لآدم. وقيل: لعيسى (كن) أي: كن حيا بشرا سويا (فيكون) أي: فكان في الحال على ما أراد. وقد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا. وفي هذه الآية دلالة على صحة النظر والإستدلال، لأن الله احتج على النصارى، ودل على جواز خلق عيسى من غير أب، ولا أم. (الحق من ربك) أي: هذا هو الحق من ربك. أضاف إلى نفسه تأكيدا وتعليلا أي: هو الحق، لأنه من ربك (فلا تكن) أيها السامع (من الممترين) وقد مر تفسيره في سورة البقرة (فمن حاجك) معناه: فمن خاصمك وجادلك يا محمد (فيه) أي في قصة عيسى (من بعد ما جاءك من العلم) أي: من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي، عن قتادة في معناه. وقيل: فمن حاجك في الحق. والهاء في (فيه) عائدة إلى قوله (الحق من ربك) (فقل) يا محمد لهؤلاء النصارى (تعالوا) إلى كلمة أي: هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة، تميز الصادق من الكاذب. (ندع أبناءنا وأبناءكم): أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين. قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين إبنا رسول الله،

[ 311 ]

وأن ولد الإبنة ابن في الحقيقة. وقال ابن أبي علان، وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن الماهلة لا تجوز إلا مع البالغين. وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية. وقد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم. فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم، إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم. ومما يؤيده من الأخبار قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا ". (ونساءنا) اتفقوا على أن المراد به فاطمة " عليها السلام "، لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء. وهذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء، ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها " وقال: " إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضائها ". وقد صح عن حذيفة أنه قال: سمعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء أمتي " وعن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها فقال: " قال لي: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء المؤمنين " فضحكت لذلك. (ونساءكم) أي: من شئتم من نسائكم. (وأنفسنا) يعني عليا خاصة. ولا يجوز أن يدعوا الإنسان نفسه، وإنما يصح أن يدعوا غيره. وإذا كان قوله (وأنفسنا) لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول، وجب أن يكون إشارة إلى علي، لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي وزوجته وولديه في المباهلة. وهذا يدل على غاية الفضل، وعلو الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله نفس الرسول. وهذا ما لا يدانيه فيه أحد، ولا يقاربه. ومما يعضده من الروايات ما صح عن النبي أنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل: فعلي ؟ فقال: " ما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي " وقوله لبريدة الأسلمي: " يا بريدة ! لا تبغض عليا، فإنه مني وأنا منه. إن الناس خلقوا من شجر شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة " وقوله " عليه السلام " بأحد، وقد ظهرت كنايته في المشركين، ووقايته إياه بنفسه، حتى قال جبرائيل: إن هذا لهي المواساة ! فقال: يا

[ 312 ]

جبرائيل ! إنه مني. فقال جبرائيل: وأنا منكما (وانفسكم) يعني من شئتم من رجالكم. (ثم نبتهل) أي: نتضرع في الدعاء، عن ابن عباس. وقيل: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذب. (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) منا. وفي هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي، لأنهم امتنعوا عن المباهلة، وأقروا بالذل والخزي لقبول الجزية. فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه، فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال. ولو لم يكن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه، لما أدخل أولاده، وخواص أهله في ذلك، مع شدة إشفاقه عليهم. (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم [ 62 ] فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ 63 ]). اللغة: القصص: القصة. وفعل بمعنى مفعول. كالنقض والقبض. والقصص: جمع القصة. ويقال: اقتصصت الحديث، وقصصته قصا وقصصا: رويته على جهته، وهو من اقتصصت الأثر أي: اتبعته. ومنه اشتق القصاص. والقصص: الخبر الذي تتابع فيه المعاني. والتولي عن الحق: اعتقاد خلافه، لأنه كالإدبار عنه بعد الإقبال عليه. وأصل التولي: كون الشئ على خلاف ما توجبه الحكمة. والإصلاح: إيقاعه على ما توجبه الحكمة. والفرق بين الفساد والقبيح أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعوا إليه الحكمة، وليس كذلك القبيح، لأنه ليس فيه معنى المقدار، وإنما هو ما تزجر عنه الحكمة، كما أن الحسن ما تدعوا إليه الحكمة. الاعراب: (ما من إله إلا الله): دخول (من) فيه لعموم النفي لكل إله غير الله، وإنما أفادت (من) هذا المعنى لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها. وقوله (لهو) يجوز أن يكون هو فصلا، ويسميه الكوفيون عمادا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ويكون (القصص) خبر إن، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (القصص) خبره، والجملة خبر إن. المعنى: (إن هذا لهو القصص الحق) معناه: إن هذا الذي أوحينا إليك في أمر عيسى " عليه السلام " وغيره، لهو الحديث الصدق، فمن خالفك فيه مع وضوح الأمر،

[ 313 ]

فهو معاند (وما من إله إلا الله) أي: وما لكم أحد يستحق إطلاق اسم الإلهية، إلا الله، وإن عيسى ليس بإله كما زعموا، وإنما هو عبد الله، ورسوله. ولو قالوا: ما إله إلا الله بغير (من) لم يفد هذا المعنى. (وإن الله لهو العزيز) أي: القادر على الكمال (الحكيم) في الأقوال والأفعال والتدبير. (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك، وعما أتيت به من الدلالات والبينات (فإن الله عليم بالمفسدين) أي: بمن يفسد من خلقه، فيجازيهم على إفسادهم. وإنما ذكر ذلك على جهة الوعيد، وإلا فإنه تعالى عليم بالمفسد والمصلح جميعا، ونظيره قول القائل لغيره: أنا عالم بشرك وفسادك. وقيل: معناه إنه عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق، وبأنهم لا يقدمون على مباهلتك، لمعرفتهم بنبوتك. (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ 64 ]). اللغة: قال الزجاج: معنى كلمة كلام فيه شرح قصة وإن طال، ولذلك تقول العرب للقصيدة كلمة. يروى أن حسان بن ثابت كان إذا قيل له أنشدنا. قال: هل أنشد كلمة الحويدرة، يعني قصيدته التي أولها: " بكرت سمية غدوة فتمنع " ومعنى سواء أي: عدل وسوى بمعناه. قال زهير: * أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء * * فإن ترك السواء فليس بيني * وبينكم، بني حصن بقاء (1) وقيل: سواء مستو هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل، ومعناه: إلى كلمة مستوية، وهو عند الزجاج اسم ليس بصفة، وإنما جر بتقدير ذات سواء، وجوز نصبه على المصدر. الاعراب: موضع (أن لا نعبد) فيه وجهان أحدها: أن يكون في موضع جر


(1) الخطة: الحال والشأن. وقوله: بني حصن أي: يا بني حصن. (*)

[ 314 ]

على البدل من (كلمة) فكأنه قال: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله والآخر: أن يكون في موضع رفع على تقدير: هي أن لا نعبد إلا الله. ولو قرئ (أن لا نعبد) بالرفع كان (أن) هي المخففة من المثقلة، فكأنه قال: إنه لا نعبد إلا الله، كقوله: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) وعلى هذا يثبت النون في الخط، ويكون إن من العوامل في الأسماء. وعلى الأول يكون من العوامل في الأفعال. ولا يثبت في الخط لنون. ولو قرئ (أن لا نعبد إلا الله) بالإسكان، فأن مفسرة كالتي في قوله: (أن امشوا)، و (لا نعبد) نهي. النزول: قيل في سبب نزول الآية أقوال أحدها إنها نزلت في نصارى نجران، عن الحسن والسدي وابن زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير وثانيها: إنها نزلت في يهود المدينة، عن قتادة والربيع وابن جريج، وقد رواه أصحابنا أيضا وثالثها: إنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب على الظاهر، عن أبي علي الجبائي، وهذا أولى لعمومه. المعنى: لما تم الحجاج على القوم، دعاهم تعالى إلى التوحيد، وإلى الإقتداء بمن اتفقوا أنه كان على الحق، فقال: (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب تعالوا) أي: هلموا (إلى كلمة سواء) أي: عدل (بيننا وبينكم) أي: عادلة لا ميل لها، كما يقال: رجل عدل أي: عادل لا ميل فيه. وقيل: معناه كلمة مستوية بيننا وبينكم، فيها ترك العبادة لغير الله، وهي (إن لا نعبد إلا الله) لأن العبادة لا تحق إلا له (ولا نشرك به) في العبادة (شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) اختلف في معناه فقيل: معناه ولا يتخذ بعضنا عيسى ربا، فإنه كان بعض الناس. وقيل: معناه أن لا نتخذ الأحبار أربابا بأن نطيعهم طاعة الأرباب لقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). وروي عن أبي عبد الله أنه قال: ما عبدوهم من دون الله، ولكن حرموا لهم حلالا، وأحلوا لهم حراما، فكان ذلك اتخاذهم أربابا من دون الله. وقد روي أيضا: أنه لما نزلت هذه الآية، قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله ! فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " " أما كانوا يحلون لكم، ويحرمون، فتأخذون بقولهم ؟ فقال: نعم. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": هو ذاك ". (فإن تولوا) أي: أعرضوا عن الإقرار بالعبودية، وأن أحدا لا يستحق العبادة غيره (فقولوا) أنتم أيها المسلمون مقابلة لإعراضهم عن الحق، وتجديدا للإقرار،

[ 315 ]

ومخالفتهم (اشهدوا بأنا مسلمون) أي: مخلصون مقرون بالتوحيد. وقيل: مستسلمون منقادون لما أتى به النبي والأنبياء من الله. وقيل: مقيمون على الإسلام. وهذا تأديب من الله لعبده المؤمن، وتعليم له، كيف يفعل عند إعراض المخالف بعد ظهور الحجة، ليعلم المبطل أن مخالفته لا يؤثر في حقه، وليدل على أن الحق يجب اتباعه من غير اعتبار بالقلة والكثرة. (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون [ 65 ] ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 66 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (ها أنتم) بالمد والهمز. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير مد ولا همز إلا بقدر خروج الألف الساكنة. وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمزة والقصر من غير مد على وزن ها عنتم. وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز. الحجة: الكلام في المد والهمز كثير، والوجه أن من حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان ها وأنتم. ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال. اللغة: الفرق بين الحجاج والجدال: أن الحجاج يتضمن إما حجة، أو شبهة في صورة الحجة والجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة، أو شبهة أو إيهام في الحقيقة، لأن أصله من الجدل وهو شدة الفتل. والحجة في البيان الذي شهد بصحة المقال، وهو والدلالة بمعنى واحد. الاعراب: (ها أنتم): للتنبيه. وقد كثر التنبيه في هذا، ولم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر، والمعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له. فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك أنت، لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة. وإنما هو للمخاطب. وخبر (أنتم) يجوز أن يكون (حاججتم) على أن يكون (هؤلاء) عطف بيان. ويجوز أن يكون خبره (هؤلاء) على أن اولاء (1) بمعنى الذين. وما بعده صلة له. النزول: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إن أحبار اليهود، ونصارى نجران،


(1) [ هؤلاء ]. (*)

[ 316 ]

اجتمعوا عند رسول الله، فتنازعوا في إبراهيم (1)، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله هذه الأية. المعنى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) أي: لم تنازعون وتجادلون فيه، وتدعون أنه على دينكم. (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) أي: من بعد إبراهيم (أفلا تعقلون). أن الإقامة على الدعوى من غير برهان، غير جائزة في العقل، فكيف يجوز الإقامة على الدعوة بعد ما ظهر فسادها. فإن قيل: لو دل نزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية والنصرانية، لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام ؟ فالجواب: إن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام، غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية، والنصارى ادعوا أنه هو النصرانية. والتوراة والإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم، واسمه فيهما اسم الإسلام، وليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية والنصرانية. وأما القرآن وإن كان منزلا بعده، ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام، ونفي اليهودية والنصرانية عنه، ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما، وأن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم. وقد قيل: إن اليهود أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة، واعتقد شريعته، والنصارى اعتقدوا أن النصراني إسم لمن تمسك بالإنجيل، واعتقد شريعته، فرد الله تعالى دعوى الفريقين. وأخبر أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف يكون متمسكا بحكمهما. وأما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ الإسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة، فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به. فإن قيل: فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الإسلام كلها التي نحن عليها ؟ قلنا: إنه كان متمسكا بدين الإسلام، وببعض أحكام شريعة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة، ولم يكن ذلك في شريعته، وإنما قلنا: إنه مسلم، وإن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة، لأن أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في بدو الإسلام، كانوا مسلمين قبل استكمال الشرع، وقبل نزول تمام القرآن. والواحد منا مسلم على الحقيقة، وإن لم يعمل بجميع أحكام الشريعة.


(1) [ في إبراعيم ].

[ 317 ]

(ها أنتم هؤلاء) يا معشر اليهود والنصارى، وهو في الظاهر تنبيه على أنفسهم، والمراد به التنبيه على حالهم. إذ التنبيه إنما يكون فيما قد يغفل عنه الإنسان دون ما يعلمه (حاججتم) جادلتم وخاصمتم (فيما لكم به علم) معناه: حاججتم، ولكم به علم، لوجود اسمه في التوراة والإنجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) أي: فلم تحاجون في دينه وشرعه (1)، وليس لكم به علم ؟ لم ينكر الله تعالى عليهم محاجتهم فيما علموه، وإنما أنكر عليهم محاجتهم فيما لم يعلموا (والله يعلم) شأن إبراهيم ودينه، وكل ما ليس عليه دليل، لأنه العالم لجيمع المعلومات (وأنتم لا تعلمون) ذلك (2)، فلا تتكلموا فيه، ولا تضيفوا إليه ما لا تعلمونه، واطلبوا علم ذلك ممن يعلمه. (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين [ 67 ] إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولى المؤمنين [ 68 ]). اللغة: قد ذكرنا الأصل في اليهود والنصارى والحنيف في سورة البقرة. وأولى (3): الذي هو بمعنى أفعل من غيره. لا يثنى، ولا يجمع، لأنه يتضمن معنى الفعل والمصدر، على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه. ومعنى قولنا: هذا الفعل أولى من غيره أي: بأن يفعل. وقولنا: زيد أولى من غيره معناه: إنه على حال هو أحق بها من غيره. والإتباع: جريان الثاني على طريقة الاول من حيث هو عليه، كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق، أو في التصحيح، لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته، وكذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام. المعنى: ثم كذب الله اليهود والنصارى فقال: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) نزه إبراهيم وبرأه عن اليهودية والنصرانية، لأنهما صفتا ذم قد دل القران والإجماع على ذلك. وهذا يدل على أن موسى أيضا لم يكن يهوديا، ولم يكن عيسى نصرانيا. فإن الدين عند الله الإسلام. واليهودية ملة محرفة عن شرع موسى. والنصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى. فهما صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين.


(1) وفي بعض الخطبة " شأنه "، بدل " شرعه ". (2) [ في كتبكم ]. (3) [ ما فيها ]. (*)

[ 318 ]

(ولكن كان حنيفا) أي: مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقيل: معناه مستقيما في دينه (مسلما) أي: كائنا على دين الإسلام (وما كان من المشركين) قيل: إن هذا يتضمن كون اليهودية والنصرانية شركا. وقيل: إن معناه لم يكن مشركا على ما يدعيه مشركو العرب. (إن أولى الناس بإبراهيم) يعني: إن أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة (للذين اتبعوه) في وقته وزمانه، وتولوه بالنصرة على عدوه، حتى ظهر أمره، وعلت كلمته (وهذا النبي والذين آمنوا) يتولون نصرته بالحجة، لما كان عليه من الحق، وتبرئة كل عيب عنه أي: هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم، ولهم ولايته (والله ولي المؤمنين) لأنه يتولى نصرتهم، والمؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه. وقيل: لأنه يتولى نصرة ما أمر الله به من الدين. وإنما أفرد الله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالذكر، تعظيما لأمره، وإجلالا لقدره، كما أفرد جبرائيل وميكائيل. وقيل: ليدخل في الولاية وتعود إليه الكناية. فإن التقدير: والذين آمنوا به. وفي هذه الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنين: إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم (1) بما جاؤوا به، ثم تلا هذه الآية. وقال إن ولي محمد من أطاع الله، وإن بعدت لحمته. وإن عدو محمد من عصى الله، وإن قربت قربته. وروى عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله: هم والله من آل محمد. قلت: من أنفسهم جعلت فداك قال: نعم والله من أنفسهم. قالها ثلاثا. ثم نظر إلي ونظرت إليه، فقال: يا عمر ! إن الله يقول في كتابه: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) الآية رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس عنه. (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلآ أنفسهم وما يشعرون [ 69 ]). اللغة: ودت أي: تمنت. فلما كان بمعنى تمنى صلح للماضي والحال والإستقبال. فذلك جاز بلو. وليس كذلك المحبة والإرادة، لأنهما لا يتعلقان إلا


(1) وفي بعض النسخ: " أعملهم " بتقديم الميم على اللام، وهو الظاهر. (*)

[ 319 ]

بالمستقبل. فلا يجوز أن يقال: أرادوا لو يضلونكم، لان الإرادة يجري مجرى الإستدعاء إلى الفعل، أو مجرى العلة في ترتيب الفعل. فأما التمني فهو تقرير شئ في النفس يستمتع بتقريره. والفرق بين ود لو تضله وبين ود أن تضله أن أن للإستقبال، وليس كذلك لو. المعنى: ثم بين سبحانه أن هؤلاء كما ضلوا، دعوا إلى الضلال، فقال: (ودت) أي تمنت. وقيل: أرادت (طائفة) أي جماعة (1) (من أهل الكتاب) أي: من اليهود والنصارى. وقيل: من اليهود خاصة (لو يضلوكم) أي: يهلكونكم بإدخالكم في الضلال، ودعائكم إليه. ويستعمل الضلال بمعنى الهلاك نحو قوله: (أإذا أضللنا في الأرض) ومعناه: هلكنا وبطلت صورنا. (وما يضلون إلا أنفسهم) معناه: لا يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم، ولا يلحق ضررهم إلا بهم، فإن المسلمين لا يجيبونهم إلى ما يدعونهم إليه من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان، فيبقى عليهم إثم الكفر، ووبال الدعاء إلى الكفر. وقيل: معناه وما يهلكون إلا أنفسهم أي: لا يعتد بما يحصل لغيرهم من الهلاك، في جنب ما يحصل لهم (وما يشعرون) أي: وما يعلمون أن وبال ذلك يعود إليهم. وقيل: وما يشعرون أن الله تعالى يدل المؤمنين على ضلالهم وإضلالهم. وقيل: وما يشعرون أنهم ضلال لجهلهم، عن أبي الجبائي. (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون [ 70 ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [ 71 ]). الاعراب (لم): أصله لما حذفت الألف لاتصالها بالحرف الجار، مع وقوعها ضرفا. ولدلالة الفتحة عليها، وكذلك بم وعم. المعنى: ثم خاطب الله الفريقين، فقال: (يا أهل الكتاب لم تكفرون) (ب‍) ما يتلى عليكم من (آيات الله) يعني: القرآن (وأنتم تشهدون) أي: تعلمون وتشاهدون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، إذ فيهما ذكر النبي، والإخبار يصدق نبوته، وبيان صفته. وقيل: يعني بآيات الله ما في كتبهم من


(1) [ هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية ].

[ 320 ]

البشارة بنبوته، وأنتم تشهدون الحجج الدالة على نبوته. وقيل: يعني بالآيات ما في كتبهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وأن الدين هو الإسلام، وأنتم تشاهدون ذلك، وقيل: يعني بها ما يتلى عليهم من غرائب أخبارهم التي علموا أنها في كتبهم، عن أبي مسلم. وقيل: يعني بالآيات الحجج الدالة على نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأنتم تشهدون أن الأول لمعجزة يدل على صدق الرسالة، وثبوت النبوة وقيل: وأنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) معناه: لم تخلطون الحق بالباطل، وفيه أقوال أحدها: إن المراد به تحريفهم التوراة والإنجيل، عن الحسن وابن زيد وثانيها: إن المراد به إظهارهم الإسلام، وإبطانهم النفاق، وفي قلوبهم من اليهودية والنصرانية، لأنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره تشكيكا للناس، عن ابن عباس وقتادة. وثالثها: إن المراد به الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد ورابعها: إن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من أن محمدا أحق بما يظهرونه من تكذيبه، عن الجبائي، وأبي مسلم (وتكتمون الحق) أي: نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به (وأنتم تعلمون) أنه حق. وإنما نزلت هذه في طائفة من علمائهم، لأن الكتمان إنما يجوز على الطائفة القليلة دون الكثيرة. وقيل: معناه وأنتم تعلمون الأمور التي تصح بها التكليف. والأول أصح لما في الآية من الذم على الكتمان. (وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ة اخره لعلهم يرجعون [ 72 ] ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم [ 73 ] يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم [ 74 ]). القراءة: قرأ ابن كثير: (أن يؤتى أحد) ممدودا. واباقون: (أن يؤتى) بغير مد واستفهام. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (أن يؤتى أحد): فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى

[ 321 ]

أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم. وقوله (قل إن الهدى هدى الله): إعترض بين المفعول وفعله. وإذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جرا وفي قول سيبويه نصبا. فأما اللام في قوله: (لمن تبع دينكم): فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا، وأنت قد أوصلته بحرف آخر جار، فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين، إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد. ألا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالهمز، وتضعيف العين. فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار. فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به، حملته على المعنى. والمعنى: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم، كما تقول: أقررت لزيدا بألف، فيكون اللام متعلقا بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) ولكن يتعلق بالإقرار، وإن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال: اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم، فيكون اللام على هذا زائدة. وقد تعدى (آمن) باللام في غير هذا، قال الله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذريته). وقال: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقال: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فتعدى مرة بالباء، ومرة باللام. ووجه قراءة ابن كثير (أن) في موضع رفع بالإبتداء، لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل، لقطع الإستفهام بينهما. وخبره تصدقون به، وتعترفون به، ونحو ذلك مما دل عليه قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا على قول من قال: أزيد ضربته. ومن قال: أزيدا ضربته، كان (أن) عنده في موضع نصب. ويجوز أن يكون موضع (أن) نصبا على معنى تذكرون أو يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو تشيعون. ويدل على ذلك قوله تعالى: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) فحديثهم بذلك إشاعة منهم وإفشاء، وبخ بعضهم بعضا بالحديث، لما علموه من أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعرفوه من وصفه. فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير، ولعله اعتبرها في قراءته. اللغة: الطائفة: الحماعة، وفي أصلها قولان أحدهما: إنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الإجتماع والآخر (1): إنها جماعة يستوي بها حلقة، يطاف حولها. ووجه النهار: أوله وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه، كما يقال لأول الثوب: وجه الثوب. وقيل: لأنه كالوجه في أنه


(1) [ على ]. (*)

[ 322 ]

أعلاه، وأشرف ما فيه. قال الربيع بن زياد: * من كان مسرورا بمقتل مالك، * فليأت نسوتنا بوجه نهار * النزول: قال الحسن والسدي: تواطأ إثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار بالسان دون الإعتقاد، واكفروا به آخر النهار. وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه: وقالوا: إنهم أهل الكتاب، وهم أعلم به منا. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم. وقال مجاهد ومقاتل الكلبي: كان هذا في شأن القبلة، لما حولت إلى الكعبة، شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالله وبما أنزل على محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره، لعلهم يشكون. المعنى: لما ذكر تعالى صدرا من كياد القوم، عقبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال: (وقالت طائفة) أي: جماعة (من أهل الكتاب) أي: بعضهم لبعض (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا) يعنون النبي وأصحابه (وجه النهار واكفروا آخره) واختلف في معناه على أقوال أحدها: أظهروا الإيمان لهم أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم في آخره، فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم، عن الحسن وجماعة. وثانيها: آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار، واكفروا آخره، ليرجعوا بذلك عن دينهم، عن مجاهد. وثالثها: أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، ثم ارجعوا في آخره، لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته. (لعلهم يرجعون) عن دينهم الإسلام، عن ابن عباس وجماعة (ولا تؤمنوا) أي: ولا تصدقوا (إلا لمن تبع دينكم) اليهودية، وقام بشرائعكم، وهو عطف على ما مضى. واختلف في معنى الآية على أقوال أحدها: إن معناه ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة، والبيان والحجة، ولا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب. وقيل: إنما قال ذلك يهود خيبر، ليهود المدينة، لئلا يعترفوا به، فيلومونهم (1) به، لإقرارهم بصحته. وقيل: معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع


(1) وفي نسخة مخطوطة: " فيلزمهم العمل به " بدل " فيلومونهم به ". (*)

[ 323 ]

دينكم. وقوله: - أو يحاجوكم عند ربكم) لأنكم أصح دينا منهم، فلا تكون لهم الحجة عليكم عند الله، فيكون هذا كله من كلام اليهود. وقوله: (قل إن الهدى هدى الله)، و (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) كلام الله جوابا لليهود، وردا عليهم أي: قل يا محمد ! إن الهدى هدى الله، وقل: إن الفضل بيد الله، فلا ينبغي لهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا، وهذا معنى الحسن (1)، وأبي علي الفارسي. وثانيها: أن يكون قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) كلام اليهود وما بعده من الله، ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون، كقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) أي: أن لا تضلوا وان لا يحاجوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم. ويكون (هدى الله) بدلا من الهدى. والخبر: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهذا قول السدي، وابن جريج. وقال أبو العباس المبرد: إن (لا) ليست مما تحذف هاهنا، ولكن الإضافة هنا معلومة، فحذفت الأول، وأقيمت الثانية مقامه. والمعنى: (قل إن الهدى هدى الله) كراهة (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) أي: مما خالف دين الله، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. فهدى الله بعيد من غير الؤمنين، وكذلك تقدير قوله يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وقال قوم: إن تقديره قل يا محمد إن الهدى إلى الخير هدى الله، فلا تجحدوا أيها اليهود، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة (أو) أن (يحاجوكم) بذلك (عند ربكم) إن لم تقبلوا ذلك منهم، عن قتادة والربيع والجبائي. وقيل: إن الهدى هدى الله معناه: إن الحق ما أمر الله به، ثم فسر الهدى فقال: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم). فالمؤتى هو الشرع، وما يحاج به هو العقل. وتقدير الكلام: إن هدى الله ما شرع، أو ما عهد به في العقل. فهذه أربعة أقوال. وثالثها: أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها لله تعالى، وتقديره ولا تؤمنوا


(1) [ عطف على أن يؤتى أي: ولا تصدقوا بأن يحاجوكم ]. (*)

[ 324 ]

أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الاسلام، ولا تصدقوا بان يؤتى أحد مثل ما اوتيتم من الدين، فلا نبي بعد نبيكم، ولا شريعة بعد شريعتكم، الى يوم القيامة، ولا تصدقوا بان يكون لاحد حجة عليكم عند ربكم، لان دينكم خير الاديان، وان الهدى هدى الله، وان الفضل بيد الله، فتكون الاية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى عند تلبس اليهود عليهم، لئلا يزلوا. ويدل عليه ما قاله الضحاك: ان اليهود قالوا: إنا نجاح عند ربنا من خالفنا في ديننا. فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلبون، وان المؤمنين هم الغالبون. وقوله (قل إن الفضل بيد الله) قيل: يريد به النبوة. وقيل: الحجج التي اوتيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. وقيل: نعم الدين والدنيا. وقوله: بيد الله أي في ملكه، وهو القادر عليه، العالم بمحله. (يؤتيه من يشاء) وفي هذه دلالة على ان النبوة ليست بمستحقة وكذلك الامامة، لان الله سبحانه علقه بالمشية. (والله واسع) الرحمة جواد. وقيل: واسع المقدور، يفعل ما يشاء (عليم) بمصالح الخلق. وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته. (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) مر تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة. وفي هذه الايات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها اخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام العيوب. وفيها دفع لمكائدهم، ولطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم. (ومن اهل الكتاب من إن تامة بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تامة بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهو يعلمون. بلى من اوفي بعهده واتقي فإن الله يحب المتقين. القراءة: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: (يؤده) بسكون الهاء وروي نحوه عن ابي عمرو. وقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهاء مع الاختلاس، وهو الصحيح من مذهب ابي عمرو. والباقون بالكسر والاشباع. الحجة. اما سكون الهاء فان أگثر النحويين على انه لا يجوز. وغلط الزجاج

[ 325 ]

الراوي فيه أبي عمروا قال: وحكى سيبويه عنه، وهو ضابط لمثل هذا أنه كان يكسر كسرا خفيفا. وقال الفراء: هذا مذهب لبعض العرب، يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم. وأما الإختلاس فإنه للإكتفاء بالكسرة على الياء. وأما الإشباع فعلى الأصل. اللغة القنطار: قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة. والدينار: أصله دنر بنونين، فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الإستعمال، طلبا للخفة، وجمعه دنانير. ودمت ودمت لغتان، مثل مت ومت. ولكن من كسر الدال والميم قال في المضارع تمات وتدام، وهي لغة أزاد السراة. ووفى وأوفى لغتان. وأهل الحجاز يقولون: أوفيت. وأهل نجد يقولون: وفيت. الاعراب: الفرق بين أن تقول: (تأمنه بقنطار)، وبين أن تقول (على قنطار): أن معنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى (على) إستعلاء الأمانة، وهما يتعاقبان في هذا الموضع، لتقارب المعنى كما تقول: مررت به، ومررت عليه. وبلى: يحتمل معنيين أحدهما: الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول، وعلى هذا الوجه يكون (من أوفى بعهده) مكتفية، نحو قولك: ما قدم زيد (1) فيقال بلى أي: بلى قد قدم زيد. قال الزجاج: هاهنا وقف تام، ثم استأنف (من أوفى) إلى الآخرة لأنهم لما قالوا: (ليس علينا في الأميين سبيل) قيل: بلى (2) عليهم في سبيل الثاني: الإضراب عن الأول، والإعتماد على البيان الثاني. وعلى هذا الوجه لا تكون مكتفية. والفرق بين بلى ونعم أن بلى: جواب النفي. ونعم: جواب الإثبات. إنما جاز إمالة (بلى) لمشابهتها الإسم من وجهين: أحدهما: إنه توقف عليها كما توقف على الإسم. والآخر: إنها على ثلاثة أحرف ولذلك خالفت (لا) في الإمالة. النزول: عن ابن عباس قال: يعني بقوله (من ان تأمنه بقنطار يؤده إليك) عبد الله بن سلام، أودعه رجلا ألفا ومائتي أوقية من ذهب، فأداه إليه، فمدحه الله سبحانه، ويعني بقوله: (من ان تأمنه بدينار لا يؤده (3) إليك) فنحاص بن عازوراء، وذلك أن رجلا من قريش استودعه دينارا، فخانه. وفي بعض التفاسير: إن الذي يؤدي الأمانة النصارى، والذين لا يؤدونه اليهود.


(1) [ القنطار ]. (1) [ أي: بلى ]. (3) [ أي يرده ]. (*)

[ 326 ]

المعنى: ثم ذكر سبحانه معائب القوم، وأن فيهم من تحرج عن العيب، فقال: (ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار) أي: تجعله أمينا على قنطار أي: مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة (يؤده إليك) عند المطالبة، ولا يخون فيه. (ومنهم من إن تأمنه بدينار) أي: على ثمن دينار. والمراد: تجعله أمينا على قليل من المال، (لا يؤده إليك) عند المطالبة، وهم كفار اليهود بالإجماع (إلا ما دمت عليه قائما) معناه: إلا أن تلازمه وتتقاضاه، عن الحسن وابن زيد. قيل: إلا أن تدوم قائما بالتقاضي والمطالبة، عن قتادة ومجاهد. وقيل: إلا ما دمت عليه قائما بالإجتماع معه والملازمة، عن السدي قال: مادمت عليه قائما أي: ملحا عن ابن عباس (ذلك) أي: ذلك الإستحلال والخيانة. (بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) هذا بيان العلة التي كانوا لأجلها لا يؤدون الأمانة، ويميلون إلى الخيانة أي: قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل، لأنهم مشركون، عن قتادة والسدي. وقيل: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وذلك أنهم عاملوا جماعة منهم، ثم أسلم من له الحق، وامتنع من عليه الحق، من أداء الحق. وقالوا: إنما عاملناكم، وأنتم على ديننا، فإذا فارقتموه سقط حقكم. وادعوا أن ذلك في كتبهم فأكذبهم الله في ذلك بقوله ويقول على الله الكذب وهم يعلمون) أنهم يكذبون، لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا، عن الحسن وابن جريج. وإنما سموهم (أميين) لعدم كونهم من أهل الكتاب، أو لكونهم من مكة، وهي أم القرى. ثم الله تعالى رد عليهم قولهم فقال: (بلى) وفيه نفي لما قبله، وإثبات لما بعده، كأنه قال: ما أمر الله بذلك، ولا أحبه، ولا أراده، بل أوجب الوفاء بالعهد، وأداء الأمانة (من أوفى بعهده) يحتمل أن يك. ن الهاء في بعده، عائدة على اسم الله في قوله (ويقولون على الله الكذب) فيكون معناه بعهد الله، وعهد الله إلى عباده: أمره ونهيه. ويحتمل أن يكون عائدة إلى (من) ومعناه: من أوفى بعهد نفسه، لأن العهد تارة إلى العاهد، وتارة إلى المعهود له (واتقى) الخيانة، ونقض العهد (فإن الله يحب المتقين) معناه: فإن الله يحبه، إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبين الصفة التي يجب بها محبة الله، وهذه صفة المومن، فكأنه قال: والله يحب

[ 327 ]

المؤمنين، ولا يحب اليهود. وروي عن النبي أنه قال، لما قرأ هذه الآية قال: " كذب أعداء الله ! ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ". وعنه قال: " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء. (إن الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الأخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ 77 ]). النزول: نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع، وكنانة بت أبي الحقيق، وحيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، كتموا ما في التوراة من أمر محمد، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرياسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة. وقيل: نزلت في اللاشعث بن قيس، وخصم له في أرض، قام ليحلف عند رسول الله. فلما نزلت الأية نكل الآشعث، واعترف بالحق، ورد الأرض عن ابن جريج. وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة، في تنفيق سلعة، عن مجاهد والشعبي. المعنى: ثم ذكر تعالى الوعيد لهم على أفعالهم الخبيثة، فقال: (إن الذين يشترون بعهد الله) أي: يستبدلون (بعهد الله) أي: بأمر الله، وما يلزمهم الوفاء به. وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله، ونقضه (وأيمانهم) أي: وبالايمان الكاذبة (ثمنا قليلا) أي: عوضا نزرا، وسماه (قليلا) لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب. وقيل: العهد ما أوجبه الله على الإنسان من الطاعة، والكف عن المعصية. وقيل: هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل، والإنقياد للحق. (أولئك لا خلاق لهم) أي: لا نصيب وافر لهم (في) نعيم (الآخرة) (ولا يكلمهم الله) فيه قولان أحدهما: إنه لا يكلمهم بما يسرهم، بل بما يسوءهم وقت

[ 328 ]

الحساب لهم، عن الجبائي. والآخر: إنه لا يكلمهم أصلا، وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم، بأمر الله إياهم، استهانة بهم (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) معناه: لا يعطف عليهم ولا يرحمهم، كما يقول القائل للغير: انظر إلي يريد: إرحمني. وفي هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف (إلى) لا يفيد الرؤية، لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف. (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم. وقيل ك لا ينزلهم منزلة الأزكياء، عن الجبائي. وقيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم. وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء، ولا يسميهم بذلك، بل يحكم بأنهم كفرة فجرة، عن القاضي (ولهم عذاب أليم) مؤلم موجع. وفي تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: " من حلف على يمين كاذبة، ليقطع بها مال أخيه المسلم، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، وتلا هذه الآية. وروى مسلم بن الحجاج في الصحيح بإسناده من عدة طرق، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة. والمنفق سلعته بالحلف الفاجر. والمسبل إزاره ". وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو غضبان ". أورده مسلم أيضا فط الصحيح. (وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ 78 ]). اللغة: أصل اللي: القتل من قولك: لويت يده: إذا فتلتها. ومنه لويت الغريم لويا وليانا: إذا مطلته حقه، قال الشاعر: * تطيلين لياني، وأنت ملية، * وأحسن، يا ذات الوشاح، التقاضيا * ومنه الحديث: " لي الواجد ظلم ". والألسنة: جمع اللسان على التذكير، كحمار وأحمرة. ويقال: ألسن على التأنيث، كعناق وأعنق. والفرق بين حسبت

[ 329 ]

وزعمت: أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا وظنا. وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا. الاعراب: (لفريقا): نصب بأنه اسم (أن). واللام: للتأكيد على اسم (أن) إذا كان مؤخرا، ولا يجوز: إن لزيدا في الدار، لئلا يجتمع حرفا تأكيد. كما لا يجوز دخول التعريف على التعريف. فأما قولهم: جاءني القوم كلهم أجمعون. فكلهم: تأكيد للقوم. وأجمعون: تأكيد للكل. النزول: قيل: نزلت في جماعة من أحبار اليهود، كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله، من نعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وغيره وأضافوه إلى كتاب الله. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حرفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، عن ابن عباس. المعنى: (وإن منهم) أي: من أهل الكتاب، وهو عطف على قوله: (وإن من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار). (لفريقا) أي: طائفة (يلوون ألسنتهم بالكتاب) معناه: يحرفون الكتاب عن جهته، ويعدلون به عن القصد بألسنتهم. فجعل الله تحريف الكتاب عن الجهة ليا باللسان، وهذا قول مجاهد وقتادة وابن جريج والربيع. وقيل: يفسرونه بخلاف الحق. (لتحسبوه من الكتاب) أي: لتظنوه أيها المسلمون من كتاب الله تعالى، (وما هو من الكتاب) المنزل على موسى، ولكنهم يخترعونه ويبتدعونه، (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) وفي هذا دليل على أن المعاصي ليست من عند الله، ولا من فعله، لأنها لو كانت من فعله، لكانت من عنده، على آكد الوجوه. فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله. وكما لا يجوز أن يكون من الكتاب على وجه من الوجوه لإطلاق النفي بأنه ليس من الكتاب كله، لا يجوز أن يكون من عند الله، لإطلاق النفي بأنه ليس من عند الله. (ويقولون على الله الكذب) في نسبتهم ذلك إلى الكتاب. (وهم يعلمون) أن ذلك كذب. وقيل: وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب. 0 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون [ 79 ] ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم

[ 330 ]

بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ 80 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: (تعلمون) بالتشديد. والباقون (تعلمون). وقرء عاصم غير الأعشى والبرجمي (1) وحمزة وابن عامر ويعقوب: (ولا يأمركم) بنصب الراء. والباقون بالرفع. الحجة: حجة من قال (تعلمون) بالتشديد أن التعليم أبلغ في هذا الموضع، لأنه إذا علم الناس، ولم يعمل بعمله، كان مع استحقاق الذم بترك عمله داخلا في جملة من وبخ بقوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم). وحجة من قرأ (تعلمون) أن العالم الدارس قد يدرك بعلمه ودرسه مما يكون داعيا إلى التمسك بعلمه، والعمل به ما لا يدركه العالم المعلم في تدريسه. ومن قرأ (يأمركم) فعلى القطع من الأول، ولا يأمركم الله. ومن نصبه فعلى قوله: (وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا). ومما يقوي الرفع ما روي في حرف ابن مسعود (يأمركم). فهذا يدل على الإنقطاع من الأول. ومما يقوي النصب ما جاء في السير أن اليهود قالوا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا محمد ! أتريد أن نتخذك ربا ؟ فقال الله عز وجل: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب): ولا أن يأمركم. اللغة: البشر يقع على القليل والكثير، فهو بمنزلة المصدر مثل الخلق، تقول: هذا بشر، وهؤلاء بشر. كما تقول: هذا خلق، وهؤلاء خلق. وإنما وقع المصدر على القليل والكثير، لأنه جنس الفعل، فصار كأسماء الأجناس، مثل الماء والتراب ونحوه. والرباني: هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره وإصلاحه إياه. يقال: رب فلان أمره ربابة، وهوربان: إذا دبره وأصلحه. ونظيره نعس وينعس وهو نعسان. وأكثر ما يجئ فعلان من فعل يفعل، فيكون العالم ربانيا، لأنه بالعلم يرب الأمر ويصلحه. وقيل: إنه مضاف إلى علم الرب، وهو علم الدين الذي يأمره به، إلا أنه غير في الإضافة، ليدل على المعنى، كما قيل في الإضافة إلى البحرين: بحراني، وكما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، وللعظيم اللحية: لحياني فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب: رباني. النزول: قيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود، ورئيس وفد نجران قالا: يا


(1) أي: من جميع طرقه إلا من طريق هذين. (*)

[ 331 ]

محمد ! أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها ؟ فقال: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غير الله ! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله الآية، عن ابن عباس وعطاء. وقيل: نزلت في نصارى نجران، عن الضحاك ومقاتل. وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله ! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك ؟ قال: " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله ". فأنزل الله الآية. المعنى: لما تقدم ذكر أهل الكتاب، وأنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء، نزههم الله عن ذلك، فقال: (ما كان لبشر) يعني: ما ينبغي لبشر كقوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا). و (ما كان لنا أن نتكلم بهذا) أي: لا ينبغي. وقيل: لا يجوز معناه لبشر، ولا يحل له (أن يؤتيه الله) أن: يعطيه الله (الكتاب والحكمة والنبوة) أي: العلم أو الرسالة إلى الخلق. (ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) أي: اعبدوني من دونه، أو اعبدوني معه، عن الجبائي. وقيل: معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته، واجتباهم لنبوته، وأنزل عليهم كتبه، وجعلهم حكماء علماء، أن يدعوا الناس إلى عبادتهم. وإنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن مثل هذا القول، لا على وجه النهي. وقوله: (عبادا) هو من العبادة، قال القاضي: وعبيد بخلافه، لأنه بمعنى العبودية. ولا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره. (ولكن كونوا ربانيين) فيه حذف أي: لا ينبغي لهذا القول أن يقول للناس اعبدوني، ولكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين. وفيه أقوال أحدها: إن معناه كونوا علماء فقهاء، عن علي وابن عباس والحسن. وثانيها: كونوا علماء حكماء، عن قتادة والسدي وابن أبي رزين. وثالثها: كونوا حكماء أتقياء، عن سعيد بن جبير ورابعها: كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح، عن ابن زيد وخامسها: كونوا معلمين للناس من علمكم، كما يقال: أنفق بمالك أي: أنفق من مالك، عن الزجاج. وروي عن النبي أنه قال: " ما من مؤمن، ولا مؤمنة، ولا حر، ولا مملوك، إلا ولله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم، ويتفقه فيه ". وقال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالما يقول: الرباني العالم بالحلال الحرام، والأمر والنهي، وما كان وما يكون. وقال أبو عبيدة: لم تعرف العرب الرباني. وهذا فاسد، لأن القرآن نزل

[ 332 ]

بلغتهم. وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال يوم مات ابن عباس: مات رباني هذه الأمة. وقد ذكرنا اشتقاقه قبل. (بما كنتم تعلمون الكتاب) أي: القرآن (وبما كنتم تدرسون) أي: الفقه. ومن قرأ بالتشديد أراد: تعلمونه لسواكم. فيفيد أنهم يعلمون ويعلمون غيرهم. والتخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين. ودخلت الباء في قوله (بما كنتم تعلمون) لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يريد كونوا معلمي الناس بعلمكم، كما يقال: أنفقوهم بمالكم، أو يريد: كونوا ربانيين في علمكم ودراستكم. ووقعت الباء موقع في. أو يريد كونوا ممن يستحق أن يطلق له صفة عالم بعلمه على جهة المدح، بأن تعملوا بما علمتم، وذلك أن الإنسان إنما يستحق الوصف لأنه عالم، إذا عمل بعلمه. ويدل عليه قوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء). (ولا يأمركم) أي: ولا يأمركم الله، عن الزجاج. وقيل: ولا يأمركم محمد، عن ابن جريج. وقيل: ولا يأمركم عيسى. ومن نصب الراء عطفه على أن يؤتيه الله فمعناه: ولا كان لهذا النبي أن يأمركم (أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) أي: آلهة، كما فعله الصابئون والنصارى (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ألف إنكار أصله الإستفهام، وإنما استعمل في الإنكار لأنه مما لو أقر به المخاطب، لظهرت فضيحته. فلذلك جاء على السؤال، وإن لم يكن الغرض تعرف الجواب ومعناه: إن الله تعالى إنما يبعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليدعوا الناس إلى الإيمان، فلا يبعث من يدعو المسلمين إلى الكفر. (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [ 81 ] فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [ 82 ]). القراءة: قرأ حمزة وحده: (لما آتيتكم) بكسر اللام. والباقون بفتحها. وقرأ نافع: (آتيناكم) على الجمع. والباقون: (آتيتكم) على التوحيد. الحجة: الوجه في قراءة حمزة (لما آتيتكم) بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ،

[ 333 ]

كأن المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا. ويكون (ما) على هذا موصولة. والعائد إلى الموصول من الجملة المعطوفة على صلته، وهي قوله: (جاءكم رسول مصدق لما معكم) مظهر بمنزلة المضمر، وهي قوله: (ما معكم)، لأنه بمنزلة ما أوتوه من الكتاب والحكمة. فهذا يكون مثل قوله: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) لأنه في معنى لا يضيع أجرهم. ويجوز أن يكون (ما) على هذه القراءة حرفا، فيكون بمعنى المصدر. قال أبو علي: ومن فتح اللام فقال: (لما آتيتكم) فإن (ما) فيه يحتمل تأويلين أحدهما: أن يكون موصولة والآخر: أن يكون للجزاء. فمن قدر (ما) موصولة فالقول فيما يقتضيه قوله: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) من الراجع إلى الموصول، ما تقدم ذكره في قراءة حمزة. وأما الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى، فالضمير المحذوف من الصلة، تقديره: لما آتيتكموه. واللام في (لما) فيمن قدر (ما) موصولة: لام ابتداء، وهي المتلقية لما أجري مجرى القسم من قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) وموضع (ما) رفع بالإبتداء. والخبر (لتؤمنن به) ولتؤمنن: متعلق بقسم محذوف. والمعنى: والله لتؤمنن به. والذكر الذي في (به) يعود إلى الذي آتيتكموه الذي هو المبتدأ، ونحوه قولك: لعبد الله، والله لتأتينه. والذكر الذي في (لتنصرنه) يعود إلى رسول الله المتقدم ذكره. وإذا قدرت (ما) للجزاء كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم. وآتيتكم في موضع جزم بالشرط. وجاءكم في موضع جزم بالعطف، على (آتيتكم). واللام الداخلة على (ما) لا يكون المتلقية للقسم، ولكن يكون بمنزلة اللام في لئن لم ينته المنافقون. والمتلقية قوله: (لتؤمنن به) كما أنها في قوله: (لئن لم ينته المنافقون) قوله: (لنغرينك بهم). وهذه اللام الداخلة على (أن) لا يعتمد القسم عليه، فلذلك جاز حذفها تارة، وإثباتها تارة كما قال: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا) فيلحق هذه اللام إن مرة، ولا تلحق أخرى، كما أن (ان) كذلك في قوله: والله إن لو فعلت لفعلت، ووالله لو فعلت لفعلت. المعنى: لما تقدم ذكر النبيين، عقبه سبحانه بذكر نبينا، وما أخذ من عهده عليه أجمعين، فقال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) العامل في (إذ) محذوف، وتقديره واذكر إذ أخذ الله. وقيل: هو عطف على ما تقدم من قوله: (وإذ قالت

[ 334 ]

الملائكة) وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وقتادة أن الله أخذ ميثاق على الأنبياء قبل نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشرهم به، ويأمرهم بتصديقه. وقال طاووس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء " عليهم السلام على الأول والآخر، فأخذ الله ميثاق الأول لتؤمنن بما جاء به الآخر. وقال الصادق: تقديره وإذ أخذ الله ميثلق أمم النبيين، بتصديق نبيها، والعمل بما جاءهم به، وأنهم خالفوهم فيما بعد، وما وفوا به، وتركوا كثيرا من شريعته، وحرفوا كثيرا منها. وقوله: (لما آتيتكم) بفتح اللام إذا كانت (ما) موصولة فتقديره للذي آتيتكموه أي: أعطيتكموه (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول) أي: نبي. وقيل: يعني محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (مصدق لما معكم) أي: لما آتيتكم من الكتب. (لتؤمنن به) أي: لتؤمنن بالرسول ولتنصره، أو يريد: لتؤمنن بالذي آتيتكموه، ولتنصرن الرسول. وعلى هذا يكون المعنى أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء، ليصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، ويكون النصرة بالتصديق والحجة، وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وطاووس. وإذا كانت (ما) للجزاء فتقديره: أي شئ آتيتكم، ومهما آتيتكم من كتاب، لتؤمنن. فالشرط: إيتاؤه إياهم الكتاب والحمة، ومجئ الرسول. والجزاء: القسم والمقسم عليه، وهو قوله (لتؤمنن به) فأغنى جواب القسم عن الجزاء، كقوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك). وقوله (من كتاب) (من) هذه لتبيين لما نحو قولك: ما عندك من ورق وعين، وهذا خاتم من فضة. ويكون على هذا تقديره: إن الله تعالى قال لهم: مهما أوتيم كتابا وحكمة، ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب والحكمة، والله لتؤمنن به، ولتنصرنه. فأقروا بذلك، وأعطوا عليه مواثيقهم. وهذا أشبه بما ذكر أن الميثاق أخذ على الأنبياء ليأخذوا على أممهم بتصديق محمد إذا بعث، ويأمروهم بنصرته على أعدائه، إن أدركوه، وهو المروي عن علي وابن عباس وقتادة واسدي واختار أبوا علي الجبائي، وأبوا مسلم، ويكون معنى قوله: (جاءكم) جاء أممكم وأتباعكم. وإنما خرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم. ومن قرأ (لما آتيتكم) بكسر اللام. فالمعنى أخذ الله ميثاقهم لما أتوه أي: لأجل ما أوتوه من الكتاب والحكمة، ولأنهم الأفاضل، وخيار الناس. ويكون اللام للتعليل، فيقضي أن يكون الإيتاء سابقا لأخذ

[ 335 ]

الميثاق. وقوله (لتؤمنن): متعلق بأخذ الميثاق، وهو في الحاصل راجع إلى معنى الشرط والجزاء. وقوله: (ولتنصرنه) أي: البشارة للأمم به قال، أي: قال الله لأنبيائه: (أأقررتم) به وصدقتموه (وأخذتم على ذلك إصري) معناه: وقبلتم على ذلك عهدي، ونظيره: (فإن أوتيتم هذا فخذوه). وقيل: معناه وأخذتم العهد بذلك على أممكم (قالوا) أي: قال الأنبياء وأممهم (أقررنا) بما أمرتنا بالإقرار به (قال) الله (فاشهدوا) بذلك على أممكم (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم، وعلى أممكم، عن علي. وقيل: فاشهدوا أي: فاعلموا ذلك أنا معكم أعلم، عن ابن عباس. وقيل: معناه ليشهد بعضكم على بعض. وقيل: قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم. فيكون ذلك كناية عن غير مذكور، عن سعيد بن المسيب. وهذه الآية من مشكلات آيات القرآن، وقد غاص النحويون في وجوه إعرابها وتحقيقها، وشقوا الشعر في تدقيقها، ولا تراها في موضع أوجز لفظا، وأكثر فائدة، وأشد تهذيبا مما ذكرته هنا، وبالله التوفيق. (فمن تولى بعد ذلك) أي: فمن أعرض عن الإيمان بمحمد بعد هذه الدلالات والحجج، وبعد أخذ الميثاق على النبيين الذين سبق ذكرهم، والمقصود بهذه الأمم دون النبيين، لأنه قد مضى أزمانهم، وجاز ذلك، لأن أخذ الميثاق على النبيين يتضمن الأخذ على أممهم. وقد روي عن علي " عليه السلام " أنه قال: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمدا وهو حي، ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه. (فأولئك هم الفاسقون) ولم يقل الكافرون، لأن المراد الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتب الكفر، بتمردهم، وذلك أن أصل الفسق: الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه. وفي الكفر ما هو أكبر، وما هو أصغر بالإضافة إليه. (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون [ 83 ] قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتى

[ 336 ]

موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ 84 ] ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين [ 85 ]). القراءة: قرأ أبوا عمرو: (يبغون) بالياء، (وإليه ترجعون) بالتاء مضمومة. وقرأ بالياء فيهما ابن عباس وحفص ويعقوب وسهل. والباقون بالتاء فيهما جميعا. الحجة: من قرأ بالتاء فيهما فلأن أول الآية خطاب للنبي. ومن قرأ بالياء فعلى تقدير: قل لهم أفغير دين الله يبغون. فجاء على لفظ الغيبة، لأنهم غيب. وقد تقدم القول في يرجعون وترجعون. الاعراب: (أفغير دين الله يبغون): عطف جملة على جملة، كما لو قيل: أو غير دين الله يبغون، إلا أن الفاء رتبت، فكأنه قيل: أبعد تلك الآيات غير دين الله يبغون. و (طوعا وكرها): مصدران وقعا مصدر الحال، وتقديره: طائعين وكارهين، كما يقال: أتاني ركضا أي: راكضا. ولا يجوز أن تقول: أتاني كلاما أي: متكلما، لأن الكلام ليس بضرب من الإتيان. والركض: ضرب منه. النزول: عن ابن عباس قال: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه، فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم ! فغضبوا وقالوا: والله مانرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله (أفغير دين الله يبغون). المعنى: لما بين سبحانه بطلان اليهودية، وسائر الملل غير الإسلام، بين عقيبه أن من يبتغي غير دينه فهو ضال، لا يجوز القبول منه فقال: (أفغير دين الله يبغون) أي: أفبعد هذه الآيات والحجج، يطلبون دينا غير دين الله (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) قيل فيه أقوال: أحدها: إن معناه أسلم من في السماوات والأرض بحاله الناطقة عنه، الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليه، عن ابن عباس وثانيها: أسلم أي: أقر بالعبودية، وإن كان فيهم من أشرك بالعبادة، كقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ومعناه: ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الإقرار له بالربوبية ليتنبهوا على

[ 337 ]

ما فيه من الدلالة، عن مجاهد، وأبي العالية وثالثها: أسلم المؤمن طوعا وكرها، والكافر كرها عند موته، كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) عن قتادة، واختاره البلخي، ومعناه التخفيف لهم من التأخير عما هذه سبيله ورابعها: إن معناه استسلم له بالإنقياد والذكر (1) كقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا، عن الشعبي والجبائي والزجاج. وخامسها: إن معناه أكرم أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين، عن الحسن، وهو المروي عن أبي عبد الله، قال: كرها أي: فرقا من السيف. وقال الحسن والمفضل: الطوع لأهل السماوات خاصة. وأما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا، ومنهم من أسلم كرها. (وليه ترجعون) أي: إلى جزائه تصيرون، فبادروا إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام. (قل آمنا بالله) خطاب للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمر له بأن يقول عن نفسه، وعن أمته: آمنا بالله. (وما أنزل علينا) الآية. كما يخاي ب رئيس قوم بأن يقول عن نفسه، وعن رعيته. وقد سبق معنى الآية في سورة البقرة. فإن قيل: ما معنى قوله (ونحن له مسلمون) بعد ما سبق من الإقرار بالإيمان على التفصيل ؟ قلنا: معناه ونحن له مسلمون بالطاعة والإنقياد في جميع ما أمر به، ونهى عنه. وأيضا فإن أهل الملل المخالفة للإسلام، كانوا يقرون كلهم بالإيمان، ولكن لم يقروا بلفظ الإسلام. فلهذا قال: (ونحن له مسلمون). (ومن يبتغ غير الإسلام) أي: يطلب (دينا) يدين به (فلن يقبل منه) بل يعاقب عليه. ويدل عليه قوله: (وهو في الآخرة من الخاسرين) أي: من الهلكين، لأن الخسران ذهاب رأس المال. وفي هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا، يقبل منه. فدل ذلك على أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وهي عبارات من معبر واحد. (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين [ 86 ] أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [ 87 ] خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون [ 88 ] إلا من بعد ذلك وأصلحوا


(1) وفي بعض النسخ الخطية: " المذلة " بدل " الذكر "، وهو الظاهر، وفي التبيان: " الذلة ". (*)

[ 338 ]

فإن الله غفور رحيم [ 89 ]). اللغة: الخلود في اللغة: طول المكث، ولذلك يقال: خلد فلان في السجن. وقيل للأثافي خوالد ما دامت في مواضعها. وإذا زالت لا يسمى خوالد. والفرق بين الخلود والدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك: خلد فلان في الحبس، ولا يقتضي ذلك الدوام. ولذلك وصف سبحانه بالدوام دون الخلود، إلا أن خلود الكفار المراد به التأييد، بلا خلاف بين الأمة. والإنطار: التأخير للعبد لينظر في أمره. والفرق بينه وبين الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. الاعراب: (كيف) أصله الإستفهام، والمراد به هنا الإنكار، لأنه لا تقع هذه الهداية من الله أي: لا يهديهم الله كقوله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) أي: لا يكون، قال الشاعر: * كيف نوما على الفراش، ولما * يشمل الشام غارة شعواء (1) * وإنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الإستفهام، لأن المسؤول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز إقامة البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار. وإنما عطف قوله (شهدوا) وهو فعل على إيمانهم، وهواسم، لأن الإيمان مصدر، والمراد به الفعل. والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. و (أجمعين): تأكيد للناس. ودخلت الفاء في قوله: (فإن الله غفور رحيم) لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن اللهيغفر لهم. ولا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين، لأن (الذين) في موضع نصب بالإستثناء من الجملة التي هي قوله (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله). ولا يحمل على المنقطع مع حسن الإتصال، لأنه الأصل في الكلام، والأسبق إلى الأفهام. النزول: قيل: نزلت الآيات في رجل من الأنصار، يقال له: حارث بن سويد بن الصامت. وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": هل


(1) غارة شعواء: متفرقة ممتدة. (*)

[ 339 ]

لي من توبة ؟ فسألوا. فنزلت الآية إلى قوله (إلا الذين تابوا) فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إني لأعلم أنك لصدوق، ورسول الله أصدق منك، وأن الله أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة، وتاب، وحسن إسلامه، عن مجاهد والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه، ثم كفروا بعد البعثة، حسدا وبغيا، عن الحسن والجبائي وأبي مسلم. المعنى: لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة، بين حال من خالفه فقال: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) فيه وجوه أحدها: إن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم، والثناء عليهم، وقد كفروا بعد إيمانهم. وثانيها: إنه على طريق التبعيد، كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته ؟ أي: لا طريق يهديهم به إلى الإيمان، إلا من الوجه الذي هداهم به، وقد تركوه، ولا طريق غيره. وثالثها: إن المراد: كيف يهديهم الله إلى الجنة، ويثيبهم والحال هذه. وقوله: (وشهدوا أن الرسول حق) عطف على قوله (بعد إيمانهم) دون قوله (كفروا)، وتقديره بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول حق. (وجاءهم البينات) أي: البراهين والحجج. وقيل: القرآن. وقيل: جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي: لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك النهتدين، ولا يثيبهم، ولا يهديهم إلى طريق الجنة، لأن المراد الهداية المختصة بالمهتدين، دون الهداية العامة المرادة في قوله (وأما ثمود فهديناهم). والمراد بالإيمان هاهنا: إظهار الإيمان دون الإيمان الذي يستحق به الثواب، وليس في الآية ما يدل على أنهم قد كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين الثواب، فزال ذلك بالكفر. فلا متعلق للمخالف به (أولئك جزاؤهم) على أعمالهم (أن عليهم لعنة الله) وهي: إبعاده إياهم من رحمته ومغفرته (والملائكة والناس أجمعين) وهي: دعاؤهم عليهم باللعنة، وبأن يبعدهم الله من رحمته (خالدين فيها) أي: في اللعنة لخلودهم فيما استحقوا باللعنة، وهو العذاب (لا يخفف عنهم العذاب) ولا يسهل عليهم (ولا هم ينظرون) أي ولا يمهلون للتوبة ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر، ونما نفى إنظارهم للتوبة والإنابة، لما علم من حالهم، أنهم لا ينيبون ولا يتوبون،

[ 340 ]

كما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) على أن التبقية ليست بواجبة، وإن علم أنه لو أبقاه لتاب وأناب عند أكثر المتكلمين. (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) أي: تابوا من الكفر،