الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تفسير مجمع البيان - الشيخ الطبرسي ج 2

تفسير مجمع البيان

الشيخ الطبرسي ج 2


[ 3 ]

مجمع البيان في تفسير القرآن تأليف أمين الاسلام أبي علي الفضل بن الحسن الطبرسي من أعلام القرن السادس الهجري حققه وعلق عليه لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين قدم له الامام الأكبر السيد محسن الأمين العاملي الجزء الثاني منشورات مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - لبنان ص ب: 7120

[ 4 ]

الطبعة الأولى تمتاز هذه الطبعة بتحقيقات مهمة وإخراج فني عصري جيد، وجميع حقوق الطبع على هذه الطبعة محفوظة ومسجلة للناشر 1415 ه‍ - 1995 م‍ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات بيروت - شارع المطار - قرب كلية الهندسة. ملك الاعلمي - ص. ب: 7120 الهاتف: 833447 - 833453

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم (يأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون [ 183 ]). اللغة: الصوم في اللغة: الإمساك، ومنه يقال للصمت صوم، لأنه إمساك عن الكلام. قال ابن دريد: كل شئ سكنت حركته فقد صام صوما. وقال النابغة: * خيل صيام، وخيل غير صائمة * تحت العجاج، وأخرى تملك اللجما * أي: قيام. وصامت الريح أي: ركدت. وصامت الشمس: إذا استوت في منتصف النهار. وصام النهار أيضا بمقدار، قال امرؤ القيس: * فدعها وسل الهم عنك بجسرة * ذمول إذا صام النهار، وهجرا (1) * والصوم: ذرق النعام. وأصل الباب: الإمساك. وهو في الشرع: إمساك عن أشياء مخصوصة على وجه مخصوص، ممن هو على صفات مخصوصة، في زمان مخصوص. فالإسم شرعي، وفيه معنى اللغة. والصيام بمعنى الصوم، يقال صمت صوما وصياما. الاعراب: (الصيام): رفع بما لم يسم فاعله، وقوله (كما كتب) أي: مثل ما كتب. فما هذه: مصدرية، وتقدير الكلام: كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على الذين من قبلكم. فحذف المصدر، وأقيم صفته مقامه. ويحتمل أن يكون موضع الكاف نصبا على الحال من الصيام، وتقديره كتب عليكم الصيام مفروضا أي: في هذه الحال. المعنى: ثم بين سبحانه فريضة أخرى، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: يا


(1) الجسر من الإبل: العظيم، والأنثى الجسرة. الناقة الذمول: التي تسير الذميل أي: سيرا لينا. (*)

[ 6 ]

أيها المصدقون. وروي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال: لذة ما في الندا، أزال تعب العبادة والعنا. وقال الحسن: إذا سمعت الله، عز وجل، يقول (يا أيها الذين آمنوا) فارع لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به، أو لنهي تنهى عنه. (كتب عليكم الصيام) أي: فرض عليكم العبادة المعروفة في الشرع. وإنما خص المؤمنين بالخطاب، لقبولهم لذلك، ولأن العبادة لا تصح إلا منهم. ووجوبه عليهم لا ينافي وجوبه على غيرهم. وقوله: (كما كتب على الذين من قبلكم) فيه أقوال أحدها: إنه شبه فرض صومنا بفرض صوم من تقدمنا من الأمم أي: كتب عليكم صيام أيام، كما كتب عليهم صيام أيام، وليس فيه تشبيه عدد الصوم المفروض علينا، ولا وقته بعدد الصوم المفروض عليهم أو وقته، وهو اختيار أبي مسلم والجبائي. وثانيها: إنه فرض علينا صوم شهر رمضان، كما كان فرض صوم شهر رمضان على النصارى، وكان يتفق ذلك في الحر الشديد، والبرد الشديد، فحولوه إلى الربيع، وزادوا في عدده، عن الشعبي والحسن. وقيل: كان الصوم علينا من العتمة إلى العتمة، ثم اختلف فيه، فقال بعضهم: كان يحرم الطعام والشراب من وقت صلاة العتمة إلى وقت صلاة العتمة. وقال بعضهم: كان يحرم من وقت النوم إلى وقت النوم، ثم نسخ ذلك فالمراد بقوله (الذين من قبلكم) النصارى، على قول الحسن والشعبي، وأهل الكتاب من اليهود والنصارى على قول غيرهما. قوله: (لعلكم تتقون) أي: لكي تتقوا المعاصي بفعل الصوم، عن الجبائي. وقيل: لتكونو أتقياء بما لطف لكم في الصيام، فإنه أقوى الوسائل، والوصل إلى الكف عن المعاصي، كما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " خصاء أمتي الصوم ". وسأل هشام بن الحكم أبا عبد الله " عليه السلام " عن علة الصيام، فقال: إنما فرض الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك لأن الغني لم يكن ليجد مس الجوع فيرحم الفقير، فأراد الله سبحانه أن يذيق الغني مس الجوع ليرق على الضعيف، ويرحم الجائع. (أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له

[ 7 ]

وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون [ 184 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر ونافع وابن عامر: (فدية طعام مساكين) على إضافة فدية إلى طعام وجمع المساكين. وقرأ الباقون: (فدية) منونة، (طعام) رفع، مسكين موحد مجرورا. وقرأ حمزة والكسائي: (ومن يطوع خيرا). والباقون: (تطوع) وقد مضى ذكره. وروي في الشواذ: (يطوقونه) عن إبن عباس بخلاف وعائشة، وسعيد بن المسيب وعكرمة وعطا: (يطوقونه) على معنى يتطوقونه، عن مجاهد وعن ابن عباس وعن عكرمة. وروي عن ابن عباس أيضا: يتطيقونه، ويطيقونه أيضا. الحجة: من قرأ (فدية طعام مسكين): فطعام مسكين عطف بيان لفدية، وإفراد مسكين جائز، وإن كان المعنى على الكثرة، لأن المعنى على كل واحد طعام مسكين. قال أبو زيد: يقال أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة، وأعطانا كلنا مائة. وأما من أضاف الفدية إلى طعام كإضافة البعض إلى ما هو بعض له، فإنه سمى الطعام الذي يفدى به فدية، ثم أضاف الفدية إلى الطعام الذي يعم الفدية وغيرها، وهو على هذا من باب خاتم حديد. وأما من قرأ يطوقونه فإنه يفعلونه من الطاقة، فهو كقوله: يجشمونه ويكلفونه، ويجعل لهم كالطوق في أعناقهم، ويطوقونه، كقولك: يتكلفونه ويتجشمونه. وأما من قرأ يطيقونه: فإنه يتطيقونه يتفعلونه، إلا أن العينين أبدلتا ياء، كما قالوا في تصور الجرف: تهير، ويطيقونه يفعلونه منه. اللغة: السفر: أصله من السفر الذي هو الكشف، تقول: سفر يسفر سفرا، وانسفرت الإبل: إذا انكشفت ذاهبة. وسفرت الريح السحاب. قال العجاج: (سفر الشمال الزبرج المزبرجا) الزبرج: السحاب الرقيق. وفي السفر يظهر ما لا يظهر إلا به، وينكشف من أخلاق الناس ما لا ينكشف إلا به. والعدة: فعلة من العد وهي بمعنى المعدود، كالطحن بمعنى المطحون، والحمل بمعنى المحمول. والطوق: الطاقة وهي القوة. يقال: طاق الشئ يطوقه طوقا وطاقة. وأطاق إطاقة: إذا قوي عليه. وطوقه تطويقا: ألبسه الطوق، وهو معروف من ذهب كان، أو من فضة، لأنه يكسبه قوة بما يعطيه من الجلالة، وكل شئ استدار فهو طوق. وطوقه الأمير أي: جعله كالطوق في عنقه. الاعراب: (أياما): قال الزجاج: يجوز في انتصابه وجهان احدهما: أن

[ 8 ]

يكون ظرفا كأنه كتب عليكم الصيام في أيام، والعامل فيه الصيام، كأن المعنى كتب عليكم أن تصوموا أياما. وقال بعض النحويين: إنه مفعول ما لم يسم فاعله، نحو قولك: أعطي زيد المال، قال: وليس هذا بشئ، لأن الأيام هاهنا متعلقة بالصوم، وزيد والمال مفعولان لأعطي، ذلك أن تقيم أيهما شئت مقام الفاعل، وليس في هذا إلا نصب أيام بالصيام. قال أبو علي: (أياما) يجوز في انتصابه وجهان أحدهما: أن ينتصب على الظرف، والآخر: أن ينتصب انتصاب المفعول به على السعة. فإذا انتصب على أنه ظرف جاز أن يكون العامل فيه كتب، فيكون التقدير كتب عليكم الصيام في أيام، وإن شئت اتسعت فنصبته نصب المفعول به فتقول على هذا يا مكتوب أيام عليه، أو يا كاتب أيام الصيام. وإنما جاز إضافة اسم الفاعل أو المفعول إلى أيام (1) لإخراجك إياه عن أن يكون ظرفا، واتساعك في تقديره إسما. وإذا كان الأمر على ما ذكرناه كان ما منعه أبو إسحاق من إجازة من أجاز أن كتب عليكم الصيام أياما، بمنزلة أعطي زيد المال، جائز غير ممتنع. قال: ولا يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام على أن يكون المعنى كتب عليكم الصيام في أيام، لأن ذلك وإن كان مستقيما في المعنى، فهو في اللفظ ليس كذلك، ألا ترى أنك إذا حملته على ذلك، فصلت بين الصلة والموصول بأجنبي منهما، وذلك أن (أياما) تصير من صلة الصيام، وقد فصلت بينهما بمصدر (كتب) لأن التقدير كتب عليكم الصيام كتابة مثل كتابته على من كان قبلكم. فالكاف في (كما) متعلقة بكتب، وقد فصلت بها بين المصدر وصلته، وليس من واحد منهما. وأقول: إنه يستقيم أن ينتصب أياما بالصيام إذا جعلت الكاف من قوله (كما كتب على الذين من قبلكم) في موضع نصب على الحال أي: مفروضا مثل ما فرض عليهم، فيكون (ما) موصولا، و (كتب) صلته. وفي (كتب) ضمير يعود إلى (ما) والموصول وصلته في موضع جر بإضافة الكاف إليه. والكاف (2) موضع النصب بأنه صفة للمحذوف الذي هو الحال من الصيام. فعلى هذا لم يفصل بين الصلة والموصول ما هو أجنبي منهما على ما ذكره الشيخ أبو علي. وقوله: (فعدة من أيام أخر) تقديره فعليه عدة، فيكون ارتفاع عدة على


(1) [ الصيام ]. (2) [ في ]. (*)

[ 9 ]

الإبتداء على قول سيبويه، وعلى قول الأخفش يكون مرتفعا بالظرف على ما تقدم بيانه. ويجوز أن يكون تقديره فالذي ينوب عن صومه في وقت الصوم عدة من أيام أخر، فيكون (عدة) خبر الإبتداء، و (أخر) لا ينصرف لأنه وصف معدول عن الألف واللام، لأن نظائرها من الصغر والكبر لا يستعمل إلا بالألف واللام لا يجوز نسوة صغر. (وإن تصوموا): في موضع رفع بالإبتداء، و (خير) خبر له، و (لكم) صفة الخبر. المعنى: (أياما معدودات) أي معلومات محصورات مضبوطات، كما يقال أعطيت مالا معدودا أي: محصورا متعينا. ويجوز أن يريد بقوله (معدودات) أنها قلائل، كما قال سبحانه: (دراهم معدودة) يريد أنها قليلة. واختلف في هذه الأيام على قولين احدهما: أنها غير شهر رمضان، وكان ثلاثة أيام من كل شهر ثم نسخ، عن معاذ وعطا وعن ابن عباس وروي ثلاثة أيام من كل شهر، وصوم عاشورا، عن قتادة. ثم قيل: إنه كان تطوعا. وقيل: بل كان واجبا. واتفق هولاء على أن ذلك منسوخ بصوم شهر رمضان. والآخر: إن المعني بالمعدودات شهر رمضان، عن ابن عباس والحسن، واختاره الجبائي، وأبو مسلم، وعليه أكثر المفسرين قالوا: أوجب سبحانه الصوم أولا فأجمله، ولم يبين أنها يوم أو يومان أم أكثر. ثم بين أنها أيام معلومات، وأبهم ثم بينه بقوله: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن) قال القاضي: وهذا أولى، لأنه إذا أمكن حمله على معنى من غير إثبات نسخ، كان أولى، ولأن ما قالوه زيادة لا دليل عليه. (فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر): عطف قوله (على سفر) وهو ظرف، على قوله (مريضا) وهو اسم، مع أن الظرف لا يعطف على الإسم، لأنه وإن كان ظرفا، فهو بمعنى الإسم، وتقديره: فمن كان منكم مريضا، أو مسافرا. فالذي ينوب مناب صومه عدة من أيام أخر. وفيه دلالة على أن المسافر والمريض، يجب عليهما الإفطار، لأنه سبحانه أوجب القضاء بنفس السفر والمرض. ومن قدر في الآية فأفطر، فقد خالف الظاهر. وقد ذهب إلى وجوب الإفطار في السفر جماعة من الصحابة كعمر بن الخطاب،

[ 10 ]

وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وأبي هريرة، وعروة بن الزبير، وهو المروي عن أئمتنا. فقد روي أن عمر بن الخطاب أمر رجلا صام في السفر أن يعيد صومه. وروى يوسف بن الحكم قال: سالت ابن عمر عن الصوم في السفر فقال: أرأيت لو تصدقت على رجل صدقة فردها عليك ألا تغضب، فإنها صدقة من الله تصدق بها عليكم. وروى عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله: " الصائم في السفر كالمفطر في الحضر ". وروي عن ابن عباس أنه قال: الإفطار في إلسفر عزيمة. وروى أصحابنا عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: الصائم في شهر رمضان في السفر كالمفطر فيه في الحضر. وعنه " عليه السلام " قال: لو أن رجلا مات صائما في السفر لما صليت عليه. وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من سافر أفطر وقصر إلا أن يكون رجلا سفره إلى صيد، أو في معصية الله. وروى العياشي بإسناده مرفوعا إلى محمد بن مسلم، عن أبي عبد الله قال: لم يكن رسول الله يصوم في السفر تطوعا، ولا فريضة حتى نزلت هذه الآية بكراع الغميم، عند صلاة الهجير، فدعا رسول الله بإناء فيه ماء، فشرب وأمر الناس أن يفطروا. فقال قوم: قد توجه النهار، ولو تممنا يومنا هذا ! فسماهم رسول الله العصاة. فلم يزالوا يسمون بذلك الإسم حتى قبض رسول الله. (وعلى الذين يطيقونه) الهاء: يعود إلى الصوم عند أكثر أهل العلم أي: يطيقون الصوم. خير الله المطيقين الصوم من الناس كلهم بين أن يصوموا ولا يكفروا، وبين أن يفطروا ويكفروا عن كل يوم بإطعام مسكين، لأنهم كانوا لم يتعودوا الصوم. ثم نسخ ذلك بقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) وقيل: إن الهاء يعود إلى الفداء، عن الحسن وأبي مسلم. وأما المعني بقوله (الذين يطيقونه) ففيه ثلاثة أقوال أولها: إنه سائر الناس كما قدمنا ذكره من التخيير والنسخ بعده، وهو قول ابن عباس والشعبي وثانيها: إن هذه الرخصة كانت للحوامل والمراضع والشيخ الفاني. ثم نسخ من الآية الحامل والمرضع، وبقي الشيخ الكبير، عن الحسن وعطاء. وثالثها: إن معناه وعلى الذين كانوا يطيقونه، ثم صاروا بحيث لا يطيقونه، ولا نسخ فيه، عن السدي. وقد رواه بعض أصحابنا عن أبي عبد الله أن معناه وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم، ثم أصابهم كبر أو عطاش وشبه ذلك، فعليهم كل يوم مد. وروى علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق " عليه السلام " وعلى الذين يطيقونه فدية من

[ 11 ]

مرض في شهر رمضان، فأفطر، ثم صح فلم يقض ما فاته حتى جاء شهر رمضان آخر، فعليه أن يقضي، ويتصدق لكل يوم مدا من طعام. وقوله: (فدية طعام مسكين) اختلف في مقدار الفدية، فقال أهل العراق: نصف صاع عن كل يوم. وقال الشافعي: عن كل يوم مد، وعندنا إن كان قادرا فمدان، فإن لم يقدر أجزأه مد واحد. وقوله: (فمن تطوع خيرا فهو خير له) قيل: معناه من أطعم أكثر من مسكين واحد، عن عطا وطاوس. وقيل: أطعم المسكين الواحد أكثر من قدر الكفاية، حتى يزيده على نصف صاع، عن مجاهد. ويجمع بين القولين قول ابن عباس: من تطوع بزيادة الإطعام. وقيل: معناه من عمل برا في جميع الدين فهو خير له، عن الحسن. وقيل: من صام مع الفدية، عن الزهري. وقوله: (وأن تصوموا خير لكم) أي: وصومكم خير لكم من الافطار والفدية. وكان هذا مع جواز الفدية، فأما بعد النسخ فلا يجوز أن يقال الصوم خير من الفدية، مع أن الإفطار لا يجوز أصلا. وقيل: معناه الصوم خير لمطيقه، وأفضل ثوابا من التكفير لمن أفطر بالعجز. (إن كنتم تعلمون) أي الصوم خير لكم من الفدية وقيل: إن كنتم تعلمون أفضل أعمالكم. وفي قوله سبحانه: (وعلى الذين يطيقونه) دلالة على أن الإستطاعة قبل الفعل. (شهر رمضان الذى أنزل فيه القرأن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون [ 185 ]). القراءة: قرأ أبو بكر عن عاصم: (ولتكملوا) بالتشديد. والباقون: (لتكملوا) بالتخفيف. وقرأ أبو جعفر: العسر، واليسر بالتثقيل فيهما. والباقون بالتخفيف. الحجة: حجة من قرأ (ولتكملوا) قوله: (اليوم أكملت لكم دينكم). ومن قرأ ولتكملوا فلأن فعل وأفعل كثيرا ما يستعمل أحدهما موضع الآخر، قال النابغة:

[ 12 ]

* فكملت مائة منها حمامتها، * وأسرعت حسبة في ذلك العدد * اللغة: الشهر: معروف وجمعه في القلة أشهر، وفي الكثرة شهور. وأصله من اشتهاره بالهلال، يقال: شهرت الحديث: أظهرته. وشهرت السيف: انتضيته. وأتان شهيرة: عريضة ضخمة. وأصل الباب: الظهور. وأصل رمضان من الرمض: وهو شدة وقع الشمس على الرمل وغيره، وإنما سموه رمضان، لأنهم سموا الشهور بالأزمنة التي وقعت فيها، فوافق رمضان أيام رمض الحر. وقد جمعوا رمضان على رمضانات. وقيل: إن رمضان اسم من أسماء الله، فروي عن مجاهد: لا تقل رمضان، ولكن قل شهر رمضان، فإنك لا تدري ما رمضان. وقد جاء في الأخبار المروية عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من صام رمضان إيمانا واحتسابا، غفر له ما تقدم من ذنبه ". وقيل: إنما سمي رمضان لأنه يرمض الذنوب أي: يحرقها. والقرآن: أصله الجمع، لقولهم: ما قرأت الناقة سلا (1) قط أي: ما جمعت رحمها على سلا. ومنه القراءة والقارئ، لأنه يجمع الحروف. والفرقان: الذي يفرق بين الحق والباطل. والإرادة: أصلها الواو، لأنك تقول راودته على أن يفعل كذا مراودة، ومنه راد يرود رودا، فهو رائد. وفي المثل: " الرائد لا يكذب أهله ". وأصل الباب: الطلب والإرادة بمعنى الطلب للمراد، لأنها كالسبب له. واليسر: ضد العسر. واليسار: الغنى والسعة. واليسار: اليد اليسرى. واليسر: الجماعة يجتمعون على الجزور في الميسر، والجمع الايسار. وأصل الباب: السهولة. وأصل العسر: الصلابة، يقال: عسر الشئ عسرا، ورجل أعسر: يعمل بشماله. وأعسر الرجل: إذا افتقر وضده اليسر. ويقال: كمل الشئ وأكملته وكملته أي: تممته. الاعراب: شهر رمضان في ارتفاعه ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون خبر مبتدأ محذوف يدل عليه قوله (أياما) أي: هي شهر رمضان. والثاني: أن يكون بدلا من الصيام، فكأنه قال: كتب عليكم شهر رمضان. الثالث: أن يرتفع بالإبتداء ويكون خبره (الذي أنزل فيه القرآن). وإن شئت جعلت (الذي أنزل فيه القرآن) صفة له، وأضمرت الخبر حتى كأنه قال: وفيما كتب عليكم شهر رمضان أي: صيام شهر


(1) السلا كحصى: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد من المواشي. (*)

[ 13 ]

رمضان. ولا ينصرف رمضان للتعريف وزيادة الألف والنون المضارعتين لألفي التأنيث. ويجوز في العربية شهر رمضان بالنصب من وجهين أحدهما: صوموا شهر رمضان. والآخر: على البدل من قوله (أياما) فقوله (هدى): في موضع النصب على الحال أي: هاديا للناس. وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه): فالشهر ينتصب على أنه ظرف، لا على أنه مفعول به، لأنه لو كان مفعولا به للزم الصيام المسافر كما يلزم المقيم، من حيث إن المسافر يشهد الشهر شهادة المقيم. فلما لم يلزم المسافر، علمنا أن معناه: فمن شهد منكم المصر في الشهر، ولا يكون مفعولا به كما لو قلت: أحييت شهر رمضان، يكون مفعولا به. فإن قلت: كيف جاء ضميره متصلا في قوله (فليصمه) إذا لم يكن مفعولا به ؟ قلنا: لأن الإتساع وقع فيه بعد أن استعمل ظرفا على ما تقدم بيان أمثاله، وإنما عطف الظرف على الإسم في قوله: (ومن كان مريضا أو على سفر) لأنه بمعنى الإسم، فكأنه قال: أو مسافرا، كقوله سبحانه: (دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) أي: دعانا مضطجعا. وأما العطف باللام في قوله: (ولتكملوا العدة) ففيه وجهان أحدهما أنه عطف جملة على جملة، لأن بعده محذوفا، وتقديره ولتكملوا العدة شرع ذلك، أو أريد ذلك، ومثله قوله: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من الموقنين) أي: وليكون من الموقنين أريناه ذلك والثاني: أن يكون عطفا على تأويل محذوف، ودل عليه ما تقدم من الكلام، لأنه لما قال: (يريد الله بكم اليسر) دل على أنه قد فعل ذلك ليسهل عليكم، فجاز، (ولتكملوا العدة) عطفا عليه، قال الشاعر: * بادت (1) وغيرآيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء * * ومشجج أما سواء قذاله * فبدا، وغيب ساره المعزاء * أي: سائره، فعطف على تأويل الكلام، كأنه قال بها رواكد ومشجج، هذا قول الزجاج، والأول قول الفراء.


(1) باد: هلك. المشجج: الوتد. وقذال: جماع مؤخر الرأس والضمير يعود إلى مشجج. والمعزاء والأمعز المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى. (*)

[ 14 ]

المعنى: ثم بين سبحانه وقت الصوم فقال: (شهر رمضان) أي هذه الأيام المعدودات شهر رمضان، أو كتب عليكم شهر رمضان، أو شهر رمضان هو الشهر (الذي أنزل فيه القرآن) فبين أنه خصه بالصوم فيه لاختصاصه بالفضائل المذكورة، وهو أنه أنزل فيه القرآن الذي عليه مدار الدين والأيمان. ثم اختلف في قوله (أنزل فيه القرآن) فقيل: إن الله أنزل جميع القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا، ثم أنزل على النبي بعد ذلك نجوما في طول عشرين سنة، عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: إن الله تعالى ابتدأ إنزاله في ليلة القدر ما يحتاج إليه في تلك السنة جملة واحدة، ثم ينزل على مواقع النجوم إرسالا في الشهور والأيام، عن السدي، يسنده إلى ابن عباس. وروى الثعلبي بإسناده عن أبي ذر الغفاري، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: أنزلت صحف إبراهيم لثلاث مضين من شهر رمضان. وفي رواية الواحدي: في أول ليلة منه، وأنزلت توراة موسى لست مضين من شهر رمضان، وأنزل إنجيل عيسى لثلاث عشرة ليلة خلت من رمضان، وأنزل زبور داود لثمان عشرة ليلة مضت من رمضان، وأنزل الفرقان على محمد لأربع وعشرين من شهر رمضان. وهذا بعينه رواه العياشي عن أبي عبد الله، عن آبائه عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: المراد بقوله (أنزل فيه القرآن) أنه أنزل في فرضه وإيجاب صومه على الخلق القرآن، فيكون فيه بمعنى في فرضه، كما يقول القائل: أنزل الله في الزكاة كذا، يريد: في فرضها. ثم وصف سبحانه القرآن بقوله (هدى للناس) أي: هاديا للناس، ودالا على ماكلفوه من العلوم (وبينات من الهدى) أي: ودلالات من الهدى. وقيل المراد بالهدى الأول: الهدى من الضلالة، وبالثاني: بيان الحلال والحرام، عن ابن عباس. وقيل: أراد بالأول ما كلف من العلم، وبالثاني ما يشتمل عليه من ذكر الإنبياء وشرائعهم وأخبارهم، لأنها لا تدرك إلا بالقرآن، عن الأصم والقاضي. وقوله (والفرقان) أي: ومما يفرق بين الحق والباطل. وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: القرآن جملة الكتاب والفرقان المحكم الواجب العمل به.

[ 15 ]

وروى الحسن بن محبرب، عن أبي أيوب، عن أبي الورد، عن أبي جعفر قال: خطب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " الناس في آخر جمعة من شعبان، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس ! إنه قد أظلكم شهر فيه ليلة خير من ألف شهر، وهو شهر رمضان، فرض الله صيامه، وجعل قيام ليلة فيه بتطوع صلاة، كمن تطوع بصلاة سبعين ليلة فيما سواه من الشهور، وجعل لمن تطوع فيه بخصلة من خصال الخير والبر، كأجر من أدى فريضة من فرائض الله فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة من فرائض الله، كان كمن أدى سبعين فريضة [ من فرائض ] (1) فيما سواه من الشهور وهو شهر الصبر وإن الصبر ثوابه الجنة. وهو شهر المواساة. وهو شهر يزيد الله فيه من رزق المؤمنين. ومن فطر فيه مؤمنا صائما، كان له بذلك عند الله عتق رقبة، ومغفرة لذنوبه فيما مضى. فقيل له: يا رسول الله ! ليس كلنا نقدر على أن نفطر صائما ؟ قال: فإن الله كريم يعطي هذا الثواب من لم يقدر منكم إلا على مذقة من لبن، يفطر بها صائما، أو شربة من ماء عذب، أو تميرات لا يقدر على أكثر من ذلك. ومن خفف فيه عن مملوكه، خفف الله عليه حسابه. وهو شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره إجابة والعتق من النار. ولا غنى بكم فيه عن أربع خصال، خصلتين ترضون الله بهما، وخصلتين لا غنى بكم عنهما: فأما اللتان ترضون الله بهما فشهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، وأما اللتان لا غنى بكم عنهما فتسألون الله فيه حوائجكم والجنة، وتسألون الله فيه العافية، وتتعوذون به من النار. وفي رواية سلمان الفارسي فاستكثروا فيه من أربع خصال، خصلتان ترضون بهما ربكم، وخصلتان لا غنى بكم عنهما. فأما الخصلتان اللتان ترضون ربكم بهما، فشهادة أن لا إله إلا الله، وتستغفرونه. وأما اللتان لا غنى بكم عنهما، فتسألون الله الجنة، وتتعوذون به من النار وقال رسول الله: نوم الصائم عبادة، وصمته تسبيح، ودعاؤه مستجاب، وعمله مضاعف. وقوله (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فيه وجهان أحدهما: فمن شهد منكم المصر، وحضر ولم يغب في الشهر. والألف واللام في الشهر للعهد، والمراد به شهر رمضان، فليصم جميعه. وهذا معنى ما رواه زرارة عن أبي جعفر أنه قال لما سئل عن هذه: ما أبينها لمن عقلها، قال: من شهد شهر رمضان فليصمه، ومن


(1) ما بين المعقفتين إنما هو في نسخة (صيدا) دون غيرها. وكذا ما سيأتي. (*)

[ 16 ]

سافر فيه فليفطر. وقد روي أيضا عن علي وابن عباس ومجاهد، وجماعة من المفسرين أنهم قالوا: من شهد الشهر بأن دخل عليه الشهر وهو حاضر، فعليه أن يصوم الشهر كله والثاني: من شاهد منكم الشهر مقيما مكلفا، فليصم الشهر بعينه. وهذا نسخ للتخيير بين الصوم والفدية، وإن كان موصولا به في التلاوة، لأن الإنفصال لا يعتبر عند إلتلاوة، بل عند الإنزال والأول أقوى. وقوله: (ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر) قد مضى تفسيره في الأية المتقدمة، وحد المرض الذي يوجب الإفطار ما يخاف الانسان معه الزيادة المفرطة في مرضه. وروى أبو بصير قال: سألت أبا عبد الله عن حد المرض الذي على صاحبه فيه الإفطار ؟ قال: هو مؤتمن عليه، مفوض إليه، فإن وجد ضعفا فليفطر، وإن وجد قوة فليصم، كان المرض على ما كان. وروي أيضا: أن ذلك كل مرض لا يقدر معه على القيام بمقدار زمان صلاته، وبه قال الحسن، وفي ذلك اختلاف بين الفقهاء. وأما السفر الذي يوجب الإفطار عندنا فما كان مباحا، أو طاعة وكانت المسافة ثمانية فراسخ: أربعة وعشرين ميلا، وعند الشافعي ستة عشر فرسخا، وعند أبي حنيفة أربعة وعشرين فرسخا. واختلف في العدة من الأيام الاخر فقال الحسن وجماعة: هي على التضييق إذا برئ المريض، أو قدم المسافر. وقال أبو حنيفة: موسع فيها. وعندنا موقت بما بين رمضانين. وتجوز متتابعة ومتفرقة، والتتابع أفضل. فإن فرط حتى لحقه رمضان آخر لزمه الفدية والقضاء، وبه قال الشافعي. وقوله: (يريد الله بكم اليسر) أي: في الرخصة للمريض والمسافر، إذ لم يوجب الصوم عليهما. وقيل: يريد الله بكم اليسر في جميع أموركم (ولا يريد بكم العسر) أي: التضييق عليكم. وفيه دلالة على بطلان قول المجبرة، لأنه بين أن في أفعال المكلفين ما يريده سبحانه، وهو اليسر، وفيها ما لا يريده، وهو العسر. ولأنه إذا كان لا يريد بهم العسر، فأن لا يريد تكليف ما لا يطاق أولى. وقوله: (ولتكملوا العدة) تقديره: يريد الله لأن يسهل عليكم، ولأن تكملوا أي: تتموا عدة ما أفطرتم فيه، وهي أيام السفر والمرض بالقضاء، إذا أقمتم وبرأتم، فتصوموا للقضاء بعدد أيام الإفطار. وعلى القول الأخر: فتقديره ولإكمال العدة شرع الرخصة في الإفطار. ويحتمل أن يكون معناه: ولتكملوا عدة الشهر، لأنه

[ 17 ]

مع الطاقة وعدم العذر يسهل عليه إكمال العدة، والمريض والمسافر يتعسر عليهما ذلك، فيكملان العدة في وقت آخر. ومن قال: إن شهر رمضان لا ينقص أبدا، استدل بقوله (ولتكملوا العدة). وقال: بين تعالى أن عدة شهر رمضان محصورة، يجب صيامها على الكمال، ولا يدخلها نقصان ولا اختلال فالجواب عنه من وجهين أحدهما: إن المراد (أكملوا العدة) التي وجب عليكم صيامها. وقد يجوز أن يكون هذه العدة تارة ثلاثين، وتارة تسعة وعشرين والأخر: ما ذكرناه من أن المراد راجع إلى القضاء، ويؤيده أنه سبحانه ذكره عقيب ذكر السفر والمرض. وقوله: (ولتكبروا الله على ما هداكم) المراد به تكبير ليلة الفطر، عقيب أربعة صلوات: المغرب والعشاء الأخرة والغداة وصلاة العيد على مذهبنا. وقال ابن عباس وجماعة: التكبير يوم الفطر. وقيل: المراد به ولتعظموا الله على ما أرشدكم له من شرائع الدين. (ولعلكم تشكرون) أي: لتشكروا الله على نعمه. (وإذا سألك عبادي عنى فإنى قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لى وليؤمنوا بى لعلهم يرشدون [ 186 ]). اللغة: أجاب واستجاب بمعنى، قال الشاعر: * وداع دعا: يامن يجيب لي الندا ! * فلم يستجبه عند ذاك مجيب * أي: لم يجبه. وقال المبرد: بينهما فرق، وهو أن في الإستجابة معنى الاذعان، وليس ذلك في الاجابة، وأصله من الجوب: وهو القطع، يقال: جاب البلاد يجوبها جوبا: إذا قطعها. واجتاب الظلام بمعناه. والجابة والإجابة بمعنى. والصحيح أن الجابة والطاعة والطاقة، ونحوها أسماء بمعنى المصادر. وأجاب عن السؤال جوابا، وانجاب السحاب: إذا انقشع. وأصل الباب: القطع. فإجابة السائل: القطع بما سأل، لأن سؤاله على الوقف أيكون أم لا يكون. والرشد: نقيض الغي، رشد يرشد رشدا، ورشد يرشد رشدا، ورجل رشيد، وولد فلان لرشدة: خلاف لزنية، وأصل الباب: إصابة الخير، ومنه الإرشاد: وهو الدلالة على وجه الإصابة للخير.

[ 18 ]

الاعراب: (إذا) ظرف زمان للفعل الذي يدل عليه قوله: (فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعاني) تقديره: فاخبره يا محمد أني بهذه الصفة، ولا يجوز أن يعمل فيه قريب أو أجيب، لأن معمول إن لا يجوز أن يعمل فيما قبل إن لما بين في موضعه. وقوله (أجيب) في موضع رفع بأنه خبر إن أيضا، فهو خبر بعد خبر. النزول: روي عن الحسن أن سائلا سأل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه ؟ فنزلت الاية. وقال قتادة: نزلت جوابا لقوم سألوا النبي كيف ندعو. المعنى: لما ذكر سبحانه الصوم، عقبه بذكر الدعاء ومكانه منه، وإجابته إياه، فقال: (وإذا سألك عبادي عني) الأقرب أن يكون السؤال عن صفته سبحانه، لا عن فعله، لقوله سبحانه: (فإني قريب) وفيه حذف أي: فقل إني قريب. فدل بهذا على أنه سبحانه لا مكان له، إذ لو كان له مكان، لم يكن قريبا من كل من يناجيه. وقيل: معناه إني سريع الإجابة إلى دعاء الداعي، لأن السريع والقريب متقاربان. وقيل: معناه إني أسمع دعاء الداعي كما يسمعه القريب المسافة منهم. فجاءت لفظة (قريب) بحسن البيان بها. فأما قريب المسافة فلا يجوز عليه سبحانه، لأن ذلك إنما يتصور فيمن كان متمكنا في مكان، وذلك من صفات المحدثات. وقوله: (أجيب دعوة الداع إذا دعان) مفهوم المعنى. وقوله (فليستجيبوا لي) قال أبو عبيدة: معناه فليجيبوني فيما دعوتهم إليه. وقال المبرد والسراج: معناه فليذعنوا للحق بطلب موافقة ما أمرتهم به، ونهيتهم عنه. وقال مجاهد: معناه فليستجيبوا لي بالطاعة. وقيل: معناه فليدعوني. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " أعجز الناس من عجز عن الدعاء، وأبخل الناس من بخل بالسلام ". (وليؤمنوا بي) أي: وليصدقوا بجميع ما أنزلته. وروي عن أبي عبد الله أنه قال: وليؤمنوا بي أي: وليتحققوا أني قادر على إعطائهم ما سألوه. (لعلهم يرشدون) أي: لعلهم يصيبون الحق، ويهتدون إليه. فإذا سئل فقيل: نحن نرى كثيرا من الناس يدعون الله فلا يجيبهم، فما معنى قوله (أجيب دعوة الداع إذا دعان). فالجواب: إنه ليس أحد يدعو الله على ما توجبه الحكمة، إلا أجابه الله، فإن الداعي إذا دعاه يجب أن يسأل ما فيه صلاح له في دينه، ولا يكون فيه مفسدة له، ولا لغيره، ويشترط ذلك بلسانه، أو ينويه بقلبه. فالله سبحانه يجيبه إذا اقتضت المصلحة إجابته، أو يؤخر الإجابة إن كانت المصلحة في التأخير.

[ 19 ]

وإذا قيل: إن ما تقتضيه الحكمة لا بد أن يفعله فما معنى الدعاء وإجابته ؟ فجوابه: إن الدعاء عبادة في نفسها يعبد الله سبحانه بها، لما في ذلك من إظهار الخضوع والإنقياد (1) إليه سبحانه، وأيضا فإنه لا يمتنع أن يكون وقوع ما سأله إنما صار مصلحة بعد الدعاء، ولا يكون مصلحة قبل الدعاء. ففي الدعاء هذه الفائدة. ويؤيد ذلك ما روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ما من مسلم دعا الله سبحانه بدعوة ليس فيها قطيعة رحم ولا إثم، إلا أعطاه الله بها إحدى خصال ثلاث: إما أن يعجل دعوته، وإما أن يؤخر له في الآخرة، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله. قالوا: يا رسول الله إذا نكثر ؟ قال: الله أكثر ". وفي رواية أنس بن مالك: " الله أكثر وأطيب " ثلاث مرات. وروي عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: " إن العبد ليدعو الله وهو يحبه، فيقول: يا جبرائيل ! لا تقض لعبدي هذا حاجته وأخرها، فإني أحب أن لا أزال أسمع صوته. وإن العبد ليدعو الله وهو يبغضه، فيقول: يا جبرإئيل ! إقض لعبدي هذا حاجته بإخلاصه وعجلها، فإني أكره أن أسمع صوته ". وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " أنه قال: ربما أخرت عن العبد إجابة الدعاء، ليكون أعظم لأجر السائل، وأجزل لإعطاء (2) الآمل. وقيل لإبراهيم بن أدهم: ما بالنا ندعو الله سبحانه، فلا يستجيب لنا ؟ فقال: لأنكم عرفتم الله فلم تطيعوه، وعرفتم الرسول فلم تتبعوا سنته، وعرفتم القرآن فلم تعملوا بما فيه، وأكلتم نعمة الله فلم تؤدوا شكرها، وعرفتم الجنة فلم تطلبوها، وعرفتم النار فلم تهربوا منها، وعرفتم الشيطان فلم تحاربوه، ووافقتموه، وعرفتم الموت فلم تستعدوا له، ودفنتم الأموات فلم تعتبروا بهم، وتركتم عيوبكم واشتغلتم بعيوب الناس ! ! (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالئن باشروهن وابتغوا ماكتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم


(1) وفي جملة من النسخ: " والإفتقار إليه " بدل " والإنقياد إليه ". (2) وفي المخطوطتين: " لعطاء " عوض " لإعطاء ". (*)

[ 20 ]

الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى اليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المسجد تلك حدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله ءاياته للناس لعلهم يتقون [ 187 ]). اللغة: الرفث: الجماع ههنا بلا خلاف. وقيل: إن أصله القول الفاحش، فكنى به عن الجماع. قال العجاج: اعن اللغا ورفث التكلم ". قال الأخفش: إنما عديت بإلى في الأية لأنه بمعنى الإفضاء. واللباس: الثياب التي من شأنها أن تستر الأبدان ويشبه به الأغشية فيقال: لبس السيف بالحلية. والعرب تسمي المرأة لباسا وإزارا. قال الشاعر: * إذا ما الضجيع ثنى عطفه * تثنت فكانت عليه لباسا * وقال: * ألا أبلغ أبا حفص رسولا * فدى لك من أخي ثقة إزاري * قال أهل اللغة: معناه امرأتي. والإختيان: الخيانة. يقال: خانه يخونه خونا وخيانة، واختانه اختيانا. (وخائنة الأعين): مسارقة النظر إلى ما لا يحل. وأصل الباب: منع الحق. والمباشرة: إلصاق البشرة بالبشرة، وهي ظاهر الجلد. والإبتغاء: طلب البغية. (والخيط الأبيض): بياض الفجر (والخيط الأسود): سواد الليل. فأول النهار: طلوع الفجر الثاني لأنه أوسع ضياء. قال أبو داود: * فلما أضاءت لنا غدوة، * ولاح من الصبح خيط أنارا * والخيط في اللغة معروف، يقال: خاطه يخيطه خيطا وخياطة. والخيط: القطيع من النعام. ونعامة خيطاء قيل: خيطها طول قصبها وعنقها. وقيل: إختلاط سوادها ببياضها. والسواد والبياض لونان كل واحد منهما أصل بنفسه. وبيضة الإسلام: مجتمعه، وابتاضوهم أي: استأصلوهم بمعنى اقتلعوا بيضتهم. والسواد والمساودة: المسارة لأن الخفاء فيه كخفاء الشخص في سواد الليل. وسواد العراق: سمي به لكثرة الماء والشجر الذي تسود به الأرض. وسواد كل شئ: شخصه. وسويداء القلب وسواده: دمه الذي فيه. وقيل: جبة القلب. والعكوف والإعتكاف: أصله اللزوم، يقال: عكفت بالمكان أي: أقمت به ملازما له. قال الطرماح:

[ 21 ]

* فبات بنات الليل (1) في الليل عكفا * عكوف البواكي بينهن صريع * وهو في الشرع عبارة عن اللبث في مكان مخصوص للعبادة. والحد على وجوه: الحد: المنع. وحدود الله: فرائضه. قال الزجاج: هي ما منع الله من مخالفتها. والحد: جلد الزاني وغيره. والحد: حد السيف وغيره. والحد: حد الدار. والحد: فرق بين الشيئين. والحد: نهاية الشئ التي تمنع من أن يدخله ما ليس منه، أو أن يخرج عنه ما هو منه. وقال الخليل: الحد الجامع المانع. والحداد: البواب. قال الأعشى: * فقمنا، ولما يصح ديكنا * إلن جونة (2) عند حدادها * يعني: صاحبها الذي يحفظها ويمنعها. وكل من منع شيئا فهو حداد. ومن ذلك أحدت المرأة على زوجها معناه: امتنعت من الزينة. والحديد إنما سمي حديدا لأنه يمتنع به من الأعداء. فأصل الباب: المنع. النزول: روى علي بن إبراهيم بن هاشم عن أبيه، رفعه إلى أبي عبد الله، قال: كان الأكل محرما في شهر رمضان بالليل بعد النوم، وكان النكاح حراما بالليل والنهار في شهر رمضان، وكان رجل من أصحاب رسول الله يقال له مطعم بن جبير، أخو عبد الله بن جبير، الذي كان رسول الله وكله بفم الشعب يوم أحد في خمسين من الرماة، وفارقه أصحابه، وبقي في إثني عشر رجلا فقتل على باب الشعب. وكان أخوه هذا مطعم بن جبير شيخا ضعيفا، وكان صائما، فأبطأت عليه أهله بالطعام، فنام قبل أن يفطر، فلما انتبه قال لأهله: قد حرم علي الأكل في هذه الليلة. فلما أصبح حضر حفر الخندق فأغمي عليه، فرآه رسول الله، فرق له. وكان قوم من الشباب ينكحون بالليل سرا في شهر رمضان، فأنزل الله هذه الأية فأحل النكاح بالليل في شهر رمضان والأكل بعد النوم إلى طلوع الفجر. واختلفت العامة في اسم هذا الرجل من الأنصار، فقال بعضهم: قيس بن صرمة. وقيل: أبو صرمة. وقيل: أبو قيس بن صرمة. وقيل: صرمة بن إياس. وقالوا: جاء إلى رسول الله فقال: عملت في النخل نهاري أجمع حتى إذا أمسيت، فأتيت أهلي لتطعمني، فأبطأت فنمت فأيقظوني وقد حرم علي الأكل، وقد أمسيت


(1) بنات الليل، وبنات الصدر: الهموم. الصريع: المصروع، المجنون. (2) الجونة: الخابية المطلية بالقار. والمراد ما فيها من الخمر (*)

[ 22 ]

وقد جهدني الصوم. فقال عمر: يا رسول الله ! أعتذر إليك من مثله، رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء، فاتيت امرأتي، وقام رجال واعترفوا بمثل الذي سمعوا. فنزلت الآية، عن ابن عباس والسدي. المعنى: ثم بين سبحانه وقت الصيام، وما يتعلق به من الأحكام، فقال: (أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم) أي: الجماع. وقال ابن عباس: إن الله سبحانه حيي يكني بما شاء، إن الرفث واللباس والمباشرة والإفضاء هو الجماع. وقال الزجاج: الرفث هو كلمة جامعة لكل ما يريد الرجل من المرأة، وهذا يقتضي تحريما متقدما أزيل عنهم. والمراد بليلة الصيام: الليلة التي يكون في غدها الصوم. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله كراهية الجماع في أول ليلة من كل شهر، إلا أول ليلة من شهر رمضان، فإنه يستحب ذلك لمكان الآية. والأشبه أن يكون المراد به ليالي الشهر كله، وإنما وحده لأنه إسم جنس يدل على الكثرة. (هن لباس لكم وأنتم لباس لهن) أي: هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن، كما قال (وجعلنا الليل لباسا) أي: سكنا، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة. والمعنى: تلابسونهن وتخالطونهن بالمساكنة أي: قل ما يصبر أحد الزوجين عن الآخر. وقيل: إنما جعل كل واحد منهما لباسا للآخر لانضمام جسد كل واحد منهما إلى جسد صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه. فلما كانا يتلابسان عند الجماع سمي كل واحد منهما لباسا لصاحبه. وقال الربيع: هن فراش لكم، وأنتم لحاف لهن. (علم الله انكم كنتم تختانون أنفسكم) لما حرم عليهم الجماع والأكل بعد النوم، وخالفوا في ذلك. ذكرهم الله بالنعمة في الرخصة التي نسخت تلك التحريمة، فقال: (علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم) بالمعصية أي. لا تؤدون الأمانة بالامتناع عن المباشرة. وقيل: معنى تختانون تنقصون أنفسكم من شهواتها، وتمنعونها من لذاتها باجتناب ما نهيتم عنه، فخففه الله عنكم (فتاب عليكم) أي: قبل توبتكم. وقيل: معناه فرخص لكم، وأزال التشديد عنكم. (وعفا عنكم) فيه وجهان أحدهما: غفر ذنوبكم. والأخر: أزال تحريم ذلك عنكم، وذلك عفو عن تحريمه عليهم. (فالآن باشروهن) بالليل أي جامعوهن، لفظه أمر ومعناه الإباحة. (وابتغوا

[ 23 ]

ما كتب الله لكم) فيه قولان أحدهما: أطلبوا ما قضى الله لكم من الولد، عن الحسن وأكثر المفسرين، وهو أن يجامع الرجل أهله، رجاء أن يرزقه الله ولدا يعبده، ويسبح له والآخر: أطلبوا ما كتب الله لكم من الحلال الذي بينه في كتابه، فإن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه. وقوله: (وكلوا واشربوا) إباحة للأكل والشرب (حتى يتبين لكم) أي: ليظهر ويتميز لكم على التحقيق (الخيط الأبيض من الخيط الأسود) أي: النهار من الليل، فأول النهار: طلوع الفجر الثاني. وقيل: بياض الفجر من سواد الليل. وقيل: بياض أول النهار من سواد آخر الليل. وإنما شبه ذلك بالخيط، لأن القدر الذي يحرم الإفطار من البياض يشبه الخيط فيزول به مثله من السواد، ولا اعتبار بالإنتشار. (من الفجر) يحتمل - من - معنيين أحدهما: أن يكون بمعنى التبعيض، لأن المعنى من بعض الفجر، وليس الفجر كله، عن ابن دريد والآخر: إنه للتبيين لأنه بين الخيط الأبيض فكأنه قال الخيط الأبيض الذي هو الفجر. وروي أن عدي بن حاتم قال للنبي: إني وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود فكنت أنظر فيهما، فلا يتبين لي ؟ فضحك رسول الله حتى رؤيت نواجذه، ثم قال: يا بن حاتم ! إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل، فابتداء الصوم من هذا الوقت. ثم بين تعالى الإنتهاء فقال: (ثم أتموا الصيام إلى الليل) أي: من وقت طلوع الفجر الثاني، وهو المستطيل المعترض الذي يأخذ الافق، وهو الفجر الصادق الذي يجب عنده الصلاة إلى وقت دخول الليل، وهو بعد غروب الشمس، وعلامة دخوله على الإستظهار سقوط الحمرة من جانب المشرق، وإقبال السواد منه، وإلا فإذا غابت الشمس مع ظهور الآفاق في الأرض المبسوطة، وعدم الجبال والروابي (1)، فقد دخل الليل. وقوله: (ولا تباشروهن) في معناه قولان ههنا أحدهما: إنه أراد به الجماع، عن ابن عباس والحسن وقتادة والثاني: إنه أراد الجماع، وكل ما دونه من قبلة وغيرها، عن مالك وابن زيد وهو مذهبنا. وقوله: (وأنتم عاكفون في المساجد) أي: معتكفون أي: لا تباشروهن في حال اعتكافكم في المساجد، والإعتكاف لا يصح عندنا إلا في أحد المساجد الأربعة: المسجد الحرام، ومسجد النبي، ومسجد الكوفة، ومسجد البصرة. وعند


(1) الروابي جمع رابية: ما ارتفع من الأرض. (*)

[ 24 ]

سائر الفقهاء يجوز في سائر المساجد، إلا أن مالكا قال: إنه يختص بالجامع، ولا يصح الإعتكاف عندنا إلا بصوم، وبه قالى أبو حنيفة ومالك. وعند الشافعي يصح بغير صوم. وعندنا لا يكون إلا في ثلاثة أيام، وعند أبي حنيفة يوم واحد، وعند مالك عشرة أيام لا يجوز أقل منه. وعند الشافعي ما شاء، ولو ساعة واحدة. وفي الآية دلالة على تحريم المباشرة في الإعتكاف ليلا ونهارا، لأنه علق المباشرة بحال الاعتكاف. وقوله: (تلك حدود الله) تلك إشارة إلى الأحكام المذكورة في الآية (حدود الله) حرمات الله، عن الحسن. وقيل: معناه معاصي الله عن الضحاك. وقيل: ما منع الله منه، عن الزجاج. (فلا تقربوها) أي: فلا تأتوها. وقيل: معناه تلك فرائض الله فلا تقربوها بالمخالفة (كذلك) أي: مثل هذا البيان الذي ذكر (يبين الله آياته للناس) أي: حججه وأدلته على ما أمرهم به، ونهاهم عنه (لعلهم يتقون) أي: لكي يتقوا معاصيه، وتعدي حدوده فيما أمرهم به، ونهاهم عنه، وأباحهم إياها. وفي هذا دلالة على أن الله تعالى أراد التقوى من جميع الناس. (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون [ 188 ]). اللغة: الباطل: الذاهب الزائل، يقال: بطل إذا ذهب. وقيل: الباطل هو ما تعلق بالشئ على خلاف ما هو به، خبرا كان أو اعتقادا أو ظنا أو تخيلا. والحكم هو الذي يفصل بين الخصمين، يمنع كل واحد من منازعة الآخر. ويقال: أدلى فلان بحجته إذا أقامها، وهو من قولهم أدليت الدلو في البئر إذا أرسلتها. ودلوتها إذا أخرجتها، فمعنى قولهم أدلى بحجته: أرسلها، وأتى بها على صحة. وفي تشبيه الخصومة بإرسال الدلو في البئر وجهان أحدهما: إنه تعلق بسبب الحكم، كتعلق الدلو بالسبب الذي هو الحبل الثاني: إنه يمضي فيه من غير تثبيت، كمضي الدلو في الإرسال من غير تثبيت. والفريق: القطيعة المعزولة من الجملة سواء كان من الناس، أو من غيرهم. والإئم: الفعل الذي يستحق به الذم. الاعراب: (وتدلو): محله جزم على النهي عطفا على قوله (ولا تأكلوا). ويحتمل أن يكون نصبا على الظرف، ويكون نصبه بإضمار (أن) كقول الشاعر:

[ 25 ]

* لا تنه عن خلق، وتأتي مثله، * عار عليك إذا فعلت عظيم * أي: لاتجمع بينهما. المعنى: ثم بين سبحانه شريعة من شرائع الإسلام، نسقا على ما تقدم من بيان الحلال والحرام، فقال. (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) أي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالغصب والظلم والوجوه التي لا تحل، كقوله (ولا تقتلوا أنفسكم) أي ولا يقتل بعضكم بعضا. وقيل: معناه لا تأكلوا أموالكم باللهو واللعب، مثل ما يؤخذ في القمار والملاهي، لأن كل ذلك من الباطل. وروي عن أبي جعفر أنه يعني بالباطل اليمين الكاذبة، يقتطع بها الأموال. وروي عن أبي عبد الله قال: كانت قريش يقامر الرجل في أهله وماله، فنهاهم الله. والأولى حمله على الجميع، لأن الآية تحتمل الكل. (وتدلوا بها إلى الحكام): وتلقوا بها إلى القضاة. وقيل فيه أقوال أحدها: إنه الودائع، وما لا يقوم عليه بينة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وثانيها: إنه مال اليتيم في يد الأوصياء، لأنهم يدفعونه إلى الحكام إذا طولبوا به، ليقطعوا بعضه، وتقوم لهم في الظاهر حجة، عن الجبائي وثالثها: إنه ما يؤخذ بشهادة الزور، عن الكلبي. والأولى أن يحمل على الجميع. (لتكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم) أي لتأكلوا طائفة من أموال الناس بالفعل الموجب للإئم، بان يحكم الحاكم بالظاهر، وكان الأمر في الباطن بخلافه، (وأنتم تعلمون) أن ذلك الفريق من المال ليس بحق لكم، وأنتم مبطلون، وهذا أشد في الزجر. وقال أبو عبد الله " عليه السلام ": علم الله أنه سيكون في هذه الأمة حكام يحكمون بخلاف الحق، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يتحاكموا إليهم، وهم يعلمون أنهم لا يحكمون بالحق. وهذا يدل على أن الإقدام على المعصية مع العلم، أو مع التمكن من العلم، أعظم. (يسئلونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون [ 189 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وابن ذكوان والكسائي: البيوت والشيوخ وأخواتهما بكسر

[ 26 ]

أوائلها، إلا الغيوب. وقرأ حمزة وحماد ويحيى عن عاصم: كلها بالكسر إلا الجيوب. وقالون (1): يكسر منها البيوت فقط. والباقون بالضم. الحجة: من كسر أوائل هذه الكلمات إنما فعل ذلك لأجل الياء، أبدل من الضمة الكسرة، لأن الكسرة أشد موافقة للياء من الضمة لها، كما كسر الفاء من عيينة ونييب في تصغير عين وناب، وإن لم يكن في أبنية التصغير على هذا الوزن، لتقريب الحركة مما بعدها. ومن ضمها فعلى الأصل لأنها فعول. اللغة: الأهلة: جمع هلال، واشتقاقه من قولهم: استهل الصبي: إذا بكى حين يولد أو صاح. وقولهم: أهل القوم بالحج: إذا رفعوا أصواتهم بالتلبية. وإنما قيل هلال: لأنه حين يرى يهل الناس بذكره، يقال: أهل الهلال واستهل، ولا يقال أهل. ويقال: أهللنا الهلال، وأهللنا شهر كذا أي: دخلنا فيه. وقد اختلف في تسميته هلالا كم يسمى، ومتى يسمى قمرا ؟ فقال بعضهم: يسمى هلالا ليلتين من الشهر، ثم لا يسمى هلالا إلى أن يعود في الشهر الثاني. وقال آخرون: يسمى هلالا ثلاث ليال، ثم يسمى قمرا. وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يحجر، وتحجيره أن يستدير بخطة دقيقة، وهذا قول الأصمعي. وقال بعضهم: يسمى هلالا حتى يبهر ضوؤه سواد الليل، ثم يقال قمر. وهذا يكون في الليلة السابعة. واسم القمر عند العرب الزبرقان، واسم دارته الهالة، واسم ضوئه الفخت. والميقات مقدار من الزمان، جعل علما لما يقدر من العمل. والتوقيت: تقدير الوقت. وكلما قدرت غايته فهو موقت. والميقات: منتهى الوقت. والآخرة: ميقات الخلق. والإهلال: ميقات الشهر. والحج: ذكرنا معناه فيما مضى. والبر: النفع الحسن. والظهر: الصفحة القابلة لصفحة الوجه. والباب: المدخل، يقول منه بوبه تبويبا: إذا جعله أبوابا. والبواب: الحاجب، لأنه يلزم الباب. والبابة: القطعة من الشئ، كالباب من الجملة. الاعراب: قوله: (للناس) في موضع رفع صفة لمواقيت، تقديره هي مواقيت كائنة للناس. والباء في قوله (بأن تاتوا) مزيدة لتأكيد النفي وأن تأتوا في موضع الجر بالباء. والجار والمجرور في موضعع النصب بأنهما خبر ليس. وقوله: (ولكن البر من اتقى) قيل فيه وجهان أحدهما أن تقديره: ولكن البر من اتقى، كما قلناه في قوله:


(1) قالون: من رواة نافع مدني. (*)

[ 27 ]

(ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر) والآخر: إن تقديره ولكن البار من اتقى، وضع المصدر موضع الصفة. النزول: روي ان معاذ بن جبل قال: يا رسول الله ! إن اليهود يكثرون مسألتنا عن الأهلة. فأنزل الله هذه الآية. وقال قتادة: ذكر لنا أنهم سألوا رسول الله: لم خلقت هذه الأهلة ؟ فانزل الله هذه الأية. المعنى: ثم بين شريعة أخرى، فقال: (يسألونك عن الأهلة) أي: أحوال الأهلة في زيادتها ونقصانها. ووجه الحكمة في ذلك (قل) يا محمد (هي مواقيت للناس والحج) أي: هي مواقيت يحتاج الناس إلى مقاديرها في صومهم، وفطرهم، وعدد نسائهم، ومحل ديونهم وحجهم. فبين سبحانه أن وجه الحكمة في زيادة القمر ونقصانه، ما تعلق بذلك من مصالح الدين والدنيا، لأن الهلال لو كان مدورا أبدا مثل الشمس، لم يمكن التوقيت به. وفيه أوضح دلالة على أن الصوم لا يثبت بالعدد، وأنه يثبت بالهلال لأنه سبحانه نص على أن الأهلة هي المعتبرة في المواقيت، والدلالة على الشهور. فلو كانت الشهور إنما تعرف بطريق العدد، لخص التوقيت بالعدد، دون رؤية الأهلة. لأن عند أصحاب العدد، لا عبرة برؤية الأهلة في معرفة المواقيت. وقوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من طهورها) فيه وجوه أحدها: إنه كان المحرمون لا يدخلون بيوتهم من أبوابها، ولكنهم كانوا ينقبون في ظهر بيوتهم أي: في مؤخرها نقبا يدخلون ويخرجون منه، فنهوا عن التدين بذلك، عن ابن عباس وقتادة وعطا، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر " عليه السلام " وقيل: إلا أن الحمس وهو قريش وكنانة وخزاعة وثقيف وجشم وبنو عامر بن صعصعة، كانوا لا يفعلون ذلك، وإنما سموا حمسا لتشددهم في دينهم. والحماسة: الشدة. وقيل: بل كانت الحمس تفعل ذلك، وإنما فعلوا ذلك حتى لا يحول بينهم وبين السماء شئ. وثانيها: إن معناه ليس البر أن تأتوا البيوت من غير جهاتها، وينبغي أن تأتوا الأمور من جهاتها أي الأمور كان، وهو المروي عن جابر، عن أبي جعفر. وثالثها: إن معناه ليس البر طلب المعروف من غير أهله، وإنما البر طلب المعروف من أهله. (ولكن البر من اتقى) قد مر معناه. (وأتوا البيوت من أبوابها): قد مضى معناه. وقال أبو جعفر: آل محمد

[ 28 ]

أبواب الله وسبله، والدعاة إلى الجنة، والقادة إليها، والأدلاء عليها إلى يوم القيامة. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " أنا مدينة العلم، وعلي بابها، ولا تؤتى المدينة إلا من بابها ". ويروى: " أنا مدينة الحكمة ". (واتقوا الله لعلكم تفلحون) معناه: واتقوا ما نهاكم الله عنه، وزهدكم فيه لكي تفلحوا بالوصول إلى ثوابه الذي ضمنه للمتقين. النظم: ووجه اتصال قوله: (ليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) بقوله: (يسألونك عن الأهلة) إنه لما بين أن الأهلة مواقيت للناس والحج، وكانوا إذا أحرموا يدخلون البيوت من ورائها، عطف عليها قوله (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها). وقيل: إنه لما بين أن أمورنا مقدرة بأوقات، قرن به قوله: (وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها) أي: فكما أن أموركم مقدرة بأوقات، فلتكن أفعالكم جارية على الإستقامة باتباع ما أمر الله به، والإنتهاء عما نهى عنه، لأن اتباع ما أمر به، خير من اتباع ما لم يأمر به. (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين [ 190 ]). اللغة: القتال والمقاتلة: محاولة الرجل قتل من يحاول قتله. والتقاتل: محاولة كل واحد من المتعاديين قتل الآخر. والإعتداء: مجاوزة الحد، يقال: عدا طوره: إذا جاوز حده. النزول: عن ابن عباس: نزلت هذه إلأية في صلح الحديبية، وذلك أن رسول اللة لما خرج هو وأصحابه في العام الذي أرادوا فيه العمرة، وكانوا ألفا وأربعمائة، فصاروا حتى نزلوا الحديبية، فصدهم المشركون عن البيت الحرام، فنحروا الهدي بالحديبية. ثم صالحهم المشركون على أن يرجع من عامه، ويعود العام القابل، ويخلوا له مكة ثلاثة أيام، فيطوف بالبيت، ويفعل ما يشاء، فرجع إلى المدينة من فوره. فلما كان العام المقبل، تجهز النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأصحابه لعمرة القضاء، وخافوا أن لا تفي لهم قريش بذلك، وأن يصدوهم عن البيت الحرام، ويقاتلوهم، وكره رسول الله قتالهم في الشهر الحرام في الحرم، فأنزل الله هذه الاية. وعن الربيع بن أنس، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: هذه أول آية نزلت في القتال، فلما نزلت كان رسول

[ 29 ]

الله يقاتل من قاتله، ويكف عمن كف عنه، حتى نزلت (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم) فنسخت هذه الأية. المعنى: ثم بين سبحانه أمر الجهاد، فقال مخاطبا للمؤمنين: (وقاتلوا) أي: الكفار (في سبيل الله) أي: دين الله، وهو الطريق الذي بينه للعباد ليسلكوه على ما أمرهم به ودعاهم إليه (الذين يقاتلونكم) قيل: أمروا بقتال المقاتلين دون النساء. وقيل: إنهم أمروا بقتال أهل مكة، والأولى حمل الآية على العموم، إلا من أخرجه الدليل. (ولا تعتدوا) أي: ولا تجاوزوا من قتال من هو من أهل القتال، إلى قتال من لم تؤمروا بقتاله. وقيل: معناه لا تعتدوا بقتال من لم يبدأكم بقتال. (إن الله لا يحب المعتدين) ظاهره يقتضي أن يسخط عليهم، لأنه على جهة الذم لهم، وقد ذكرنا معنى المحبة لهم فيما مضى. واختلف في الآية هل هي منسوخة أم لا ؟ فقال بعضهم: منسوخة على ما ذكرناه. وروي عن ابن عباس ومجاهد أنها غير منسوخة بل هي خاصة في النساء والذراري. وقيل: أمر بقتال أهل مكة. وروي عن أئمتنا " عليهم السلام " أن هذه الآية ناسخة لقوله: (كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة) وكذلك قوله: (واقتلوهم حيث ثقفتموهم) ناسخ لقوله: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم). (واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين [ 191 ]). القراءة: قرأ حمزة والكسائي: ولا تقتلوهم حتى يقتلوكم، فإن قتلوكم كل بغير ألف. والباقون بألف في جميع ذلك. الحجة: من قرأها بغير ألف فإنما اتبع المصحف لأنه كتب في المصاحف بغير الألف. ومن قرأ بالألف، فقال: إنما تحذف الألف في الخط كما في الرحمن. اللغة: ثقفته أثقفه ثقفا وثقافة أي: وجدته، ومنه قولهم رجل ثقف لقف أي: يجد ما يطلبه. وثقف الرجل ثقافة فهو ثقف، وثقف ثقفا بالتحريك فهو ثقف: إذا كان سريع التعلم. والثقاف: حديدة يقوم بها الرماج المعوجة. والتثقيف: التقويم. والفتنة: أصلها الإختبار ثم ينصرف إلى معان منها: الإبتلاء نحو قوله (فتناك فتونا)

[ 30 ]

أي: ابتليناك ابتلاء على أثر ابتلاء. ومنها: العذاب، كقوله: جعل فتنة الناس كعذاب الله. ومنها: الصد عن الدين، نحو قوله (واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك) والمراد بها في الآية الشرك بالله وبرسوله. الاعراب: حيث: فيه ثلاث لغات: ضم الثاء وفتحها وكسرها. فالضم لشبهها بالغاية نحو قبل وبعد، لأنه منع الإضافة إلى المفرد مع لزومه معنى الإضافة اياه، فيجري لذلك مجرى قبل وبعد في البناء على الضم والفتح، لأجل البناء، كما فتحت أين وكيف. والكسر: لأجل أنه الأصل في التحريك لالتقاء الساكنين، والجملة بعد (حيث) في موضع جر بإضافة (حيث) إليها في الموضعين. (وتقاتلوا) منصوب بإضمار أن، وهو صلة أن، والموصول والصلة في محل جر بحتى. وحتى: يتعلق بتقاتلوهم. النزول: نزلت في سبب رجل من الصحابة قتل رجلا من الكفار في الشهر الحرام، فعابوا المؤمنين بذلك، فبين الله سبحانه أن الفتنة في الدين، وهو الشرك، أعظم من قتل المشركين في الشهر الحرام، وإن كان غير جائز. المعنى: ثم خاطب الله تعالى المؤمنين، مبينا لهم كيفية القتال مع الكافرين، فقال: (واقتلوهم) أي: الكفار (حيث ثقفتموهم) أي: وجدتموهم. (واخرجوهم من حيث أخرجوكم) يعني: أخرجوهم من مكة، كما أخرجوكم منها. (والفتنة أشد من القتل) أي: شركهم بالله وبرسوله، أعظم من القتل في الشهر الحرام. وسمي الكفر فتنة، لأن الكفر يؤدي إلى الهلاك، كما أن الفتنة تؤدي إلى الهلاك. وقيل: لأن الكفر فساد يظهر عند الإختبار. وقوله: (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه) نهى عن ابتدائهم بقتال أو قتل في الحرم، حتى يبتدئ المشركون بذلك. (فإن قاتلوكم) أي: بدأوكم بذلك (فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين) أن يقتلوا حيث ما وجدوا. وفي الآية دلالة على وجوب إخراج الكفار من مكة، كقوله (حتى لا تكون فتنة). والسنة قد وردت أيضا بذلك وهو قوله: لا يجتمع في جزيرة العرب دينان ". (فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم [ 192 ]).

[ 31 ]

اللغة: الانتهاء: الامتناع. والنهي: الزجر عن الفعل بصيغة لا تفعل مع كراهة الناهي لذلك الفعل. والأمر: الدعاء إلى الفعل بصيغة إفعل مع إرادة الآمر لذلك. والنهي: الغدير لمنعه الماء أن يفيض. والنهي: بمنزلة المنع، ونهاية الشئ: غايته. والنهى: جمع نهية، وهي العقل، والتناهي: هي المواضع التي تنهبط فيتناهى إليها ماء السماء واحدها تنهية. والإنهاء: إبلاغ الشئ الشئ نهايته. والمغفرة: تغطية الذنب بما يصير به بمنزلة غير الواقع في الحكم. المعنى: (فإن انتهوا) أي: امتنعوا من كفرهم بالتوبة منه، عن مجاهد وغيره. (فإن الله غفور رحيم) فاختصر الكلام لدلالة ما تقدم من الشرط عليه. وفيه الدلالة على أنه يقبل توية القاتل عمدا، لأنه بين، عز اسمه، أنه يقبل توبة المشرك، والشرك أعظم من القتل. (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين [ 193 ]). اللغة: الدين: ههنا الإذعان بالطاعة، كما في قول الأعشى: * هوذان الرباب (1) إذ كرهوا * الدين دراكا بغزوة، وصيال * وقيل: هو الإسلام. وأصل الدين: العادة. قال الشاعر: * تقول إذا درأت لها وضيني: * أهذا دينه أبدا وديني * وقد استعمل بمعنى الطاعة في قوله: (ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك) وبمعنى الإسلام في قوله: (إن الدين عند الله الإسلام) لأن الشريعة يجب أن يجرى فيها على عادة مستمرة. المعنى: ثم بين تعالى غاية وجوب القتال، وقال يخاطب المؤمنين: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) أي: شرك، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام ". (ويكون الدين لله) وحتى تكون الطاعة لله، والإنقياد لأمر الله. وقيل: حتى يكون الإسلام لله أي: حتى لا يبقى الكفر، ويظهر الإسلام


(1) الرباب بالكسر: قبيلة. (*)

[ 32 ]

على الأديان كلها. (فإن انتهوا) أي: امتنعوا من الكفر، وأذعنوا للاسلام. (فلا عدوان إلا على الظالمين) أي: فلا عقوبة عليهم، وإنما العقوبة بالقتل على الكافرين المقيمين على الكفر، فسمي القتل عدوانا من حيث كان عقوبة على العدوان، وهو الظلم، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه)، و (جزاء سيئة سيئة مثلها)، و (إن عاقبتم فعاقبوا)، وحسن ذلك لازدواج الكلام. والمزاوجة هنا إنما حصلت في المعنى، لأن التقدير: فإن انتهوا عن العدوان، فلا عدوان إلا على الظالمين، وهذا الوجه مروي عن قتادة والربيع وعكرمة. وقيل: معنى العدوان الإبتداء بالقتال، عن مجاهد والسدي. وهذه الاية ناسخة للأولى التي تضمنت النهي عن القتال في المسجد الحرام، حتى يبدأوا بالقتال فيه، لأن فيها إيجاب قتالهم على كل حال، حتى يدخلوا في الإسلام، عن الحسن والجبائي. وعلى ما ذكرناه في الآية الأولى، عن ابن عباس، أنها غير منسوخة، فلا تكون هذه الآية ناسخة، بل تكون مؤكدة. وقيل: بل المراد بها أنهم إذا ابتدأوا بالقتال في الحرم، يجب مقاتلتهم حتى يزول الكفر. (الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين [ 194 ]). اللغة: إنما سمي الشهر الحرام: لأنه يحرم فيه ما يحل في غيره من القتال ونحوه. والحرمات: جمع حرمة، وهي ما يجب حفظه، ويحرم هتكه. والحرام هو القبيح الممنوع من فعله. والحلال: المطلق المأذون فيه. والقصاص: الأخذ للمظلوم من الظالم من أجل ظلمه إياه. واعتدى عليه وعدي عليه، بمعنى. مثل قرب واقترب، وجلب واجتلب. وقيل: إن في افتعل مبالغة ليست في فعل. المعنى: ثم بين الله تعالى القتال في الشهر الحرام فقال: (الشهر الحرام بالشهر الحرام) المراد بها ها هنا ذو القعدة، وهو شهر الصد عام الحديبية، والأشهر الحرم أربعة ثلاثة سرد (1): ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم. وواحد فرد وهو رجب، كانوا يحرمون فيها القتال حتى لو أن رجلا لقي قاتل أبيه، أو أخيه، لم


(1) أي: متتابعة. (*)

[ 33 ]

يتعرض له بسوء. وإنما قيل ذو القعدة: لقعودهم فيه عن القتال. وقيل في تقديره وجهان أحدهما: إنه قتال شهر الحرام أي: في الشهر الحرام بقتال الشهر الحرام، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه. وقيل: إنه الشهر الحرام على جهة العوض لما فات في السنة الأولى، ومعناه: الشهر الحرام ذو القعدة الذي دخلتم فيه مكة، واعتمرتم وقضيتم منها وطركم في سنة سبع، بالشهر الحرام ذي القعدة الذي صددتم فيه عن البيت ومنعتم عن مرادكم في سنة ست. (والحرمات قصاص) قيل فيه قولان احدهما: إن الحرمات قصاص بالمراغمة بدخول البيت في الشهر الحرام. قال مجاهد: لأن قريشا فخرت بردها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية محرما في ذي القعدة عن البلد الحرام، فأدخله الله مكة في العام المقبل في ذي القعدة، فقضى عمرته وأقصه بما حيل بينه وبينه وهو معنى قتادة والضحاك والربيع وعبد الرحمن بن زيد. وروي عن ابن عباس وأبي جعفر الباقر مثله والثاني: إن الحرمات قصاص بالقتال في الشهر الحرام أي: لا يجوز للمسلمين إلا قصاصا. قال الحسن: إن مشركي العرب قالوا لرسول الله: أنهيت عن قتالنا في الشهر الحرام ؟ قال: نعم. وإنما أراد المشركون أن يغروه (1) في الشهر الحرام فيقاتلوه، فأنزل الله هذا أي: إن استحلوا منكم في الشهر الحرام شيئا، فاستحلوا منهم مثل ما استحلوا منكم، وبه قال الزجاج والجبائي. وإنما جمع الحرمات لأنه أراد حرمة الشهر، وحرمة البلد، وحرمة الإحرام. وقيل: لأن كل حرمة تستحل فلا يجوز إلا على وجه المجازاة. (فمن اعتدى عليكم) أي: ظلمكم (فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) أي: فجازوه باعتدائه وقابلوه بمثله والثاني ليس باعتداء على الحقيقة، ولكن سماه اعتداء لأنه مجازاة اعتداء، وجعله مثله وإن كان ذلك جورا وهذا عدلا، لأنه مثله في الجنس، وفي مقدار الإستحقاق، ولأنه ضرر كما أن ذاك ضرر فهو مثله في الجنس والمقدار والصفة (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصرة لهم، أو يريد أن نصرة الله معهم. وأصل (مع) المصاحبة في المكان أو الزمان. وفي هذه الآية دلالة على أن من غصب شيئا وأتلفه، يلزمه رد مثله. ثم إن المثل قد يكون من طريق الصورة في ذوات الأمثال، ومن طريق المعنى كالقيم فيما لامثل له.


(1) وفي جملة من النسخ: " يغتروه " بدل " يغروه ". (*)

[ 34 ]

(وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين [ 195 ]). اللغة: الإنفاق إخراج الشئ عن ملكه إلى ملك غيره، لأنه لو أخرجه إلى هلاك لم يسم إنفاقا. والإلقاء: تصيير الشئ إلى جهة السفل، وقد يقال ألقى عليه مسألة مجازا كما يقال: طرح عليه مسألة. وقد يقال لكل من أخذ في عمل: ألقى يديه إليه. وفيه قال لبيد: * حتى إذا ألقت يدا في كافر، * وأجن (1) عورات الثغور ظلامها * يعني الشمس أي: بدأت في المغيب. التهلكة والهلاك واحد. وقيل: التهلكة مصدر بمعنى الهلاك، وليس في كلام العرب مصدر على تفعلة بضم العين إلا هذا. وقيل: التهلكة كل ما يصير عاقبته إلى الهلاك، وأصل الهلاك: الضياع، وهو مصير الشئ بحيث لا يدرى أين هو، ومنه يقال للكافر هالك، وللميت هالك، وللمعذب: هالك. والهلوك: الفاجرة. والهالكي: الحداد، وأصله أن بني الهالك بن عمرو كانوا قيونا (2)، فنسب إليه كل قين. والإحسان: هو ايصال النفع الحسن إلى الغير، وليس المحسن من فعل الفعل الحسن، لأن مستوفي الدين لا يسمى محسنا، وإن كان فعله حسنا. ولا يقال إن القديم تعالى بفعل العقاب محسن، وإن كان العقاب حسنا، وإنما اعتبرنا النفع الحسن لأن من أوصل نفعا قبيحا إلى غيره لا يقال إنه محسن إليه. الاعراب: الباء في قوله تعالى: (بأيديكم) زائدة، كما يقال جذبت الثوب وبالثوب، وعلمته وعلمت به. وقال الشاعر: * ولقد ملأت على نصيب (3) جلده * بمساءة إن الصديق يعاتب * أي: ملأت جلده مساءة. وقيل: ليست الباء بزائدة ولكنها على أصل الكلام من وجهين أحدهما: إن كل فعل متعد إذا كني عنه، أو قدر على المصدر، دخلته الباء. تقول: ضربته، ثم تكني عنه فتقول: فعلت به. ويقال: أوقعت الضرب


(1) قوله وأجن أي: أخفى الظلام. عورات الثغور أي: خللها. (2) القيون جمع القين: وهو الحداد. (3) نصيب كزبير: اسم رجل. (*)

[ 35 ]

به، فجاء على أصل الأفعال للتعدية، والآخر: إنه لما كان معناه لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم، دخلت الباء لتدل على هذا المعنى وهو خلاف أهلك نفسه بيد غيره. المعنى: لما أوجب سبحانه القتال في سبيل الله، عقبه بذكر الإنفاق فيه، فقال: (وأنفقوا في سبيل الله) معناه: وأنفقوا من أموالكم في الجهاد، وطريق الدين، وكل ما أمر الله به من الخير، وأبواب البر، فهو سبيل الله، لأن السبيل هو الطريق. فسبيل الله: الطريق إلى الله، وإلى رحمة الله وثوابه. إلا أنه كثر استعماله في الجهاد، لأن الجود بالنفس أقصى غاية الجود. والجهاد هو الأمر الذي يخاطر فيه بالروح، فكانت له مزية. (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) قيل في معناه وجوه أحدها: إنه اراد لا تهلكوا أنفسكم بأيديكم بترك الإنفاق في سبيل الله، فيغلب عليكم العدو، عن ابن عباس، وجماعة من المفسرين وثانيها: إنه عنى به لا تركبوا المعاصي باليأس من المغفرة، عن البراء بن عازب، وعبيدة السلماني وثالثها: إن المراد لا تقتحموا الحرب من غير نكاية في العدو، ولا قدرة على دفاعهم، عن الثوري، واختاره البلخي ورابعها: إن المراد ولا تسرفوا في الإنفاق الذي يأتي على النفس، عن الجبائي، ويقرب منه ما روي عن أبي عبد الله: لو أن رجلا أنفق ما في يديه في سبيل الله ما كان أحسن ولا وفق لقوله سبحانه (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة). (وأحسنوا إن الله يحب المحسنين) يعني: المقتصدين. وقال عكرمة: معناه أحسنوا الظن بالله يبر بكم. وقال عبد الرحمن بن زيد: وأحسنوا بالعود على المحتاج، والأولى حمل الآية على جميع هذه الوجوه، ولا تنافي فيها. وفي هذه الآية دلالة على تحريم الإقدام على ما يخاف منه على النفس، وعلى جواز ترك الأمر بالمعروف عند الخوف، لأن في ذلك إلقاء النفس إلى التهلكة. وفيها دلالة على جواز الصلح مع الكفار والبغاة، إذا خاف الإمام على نفسه، أو على المسلمين كما فعله رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عام الحديبية، وفعله أمير المؤمنين " عليه السلام " بصفين، وفعله " عليه السلام " مع معاوية من المصالحة لما تشتت أمره، وخاف على نفسه وشيعته. فإن عورضنا بأن الحسين " عليه السلام " قاتل وحده ؟ فالجواب: إن فعله يحتمل وجهين أحدهما: إنه ظن أنهم لا يقتلونه لمكانه من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والآخر: إنه غلب على ظنه أنه لو ترك قتالهم قتله الملعون ابن زياد صبرا، كما فعل بابن عمه مسلم، فكان القتل مع عز النفس والجهاد، أهون عليه.

[ 36 ]

(وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدى ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب [ 196 ]). اللغة: قد ذكرنا حقيقة الحج والعمرة فيما مضى عند قوله (فمن حج البيت أو اعتمر) فلا معنى لإعادته. والإحصار: المنع، يقال للرجل الذي منعه الخوف أو المرض عن التصرف: قد أحصر، فهو محصر. ويقال للرجل الذي حبس: قد حصر فهو محصور. وقال الفراء: يجوز أن يقوم كل واحد منهما مقام الآخر، وخالفه فيه أبو العباس المبرد والزجاج. قال المبرد: ونظيره حبسه جعله في الحبس. وأحبسه: عرضه للحبس. وأقتله: عرضه للقتل، وكذلك حصره حبسه أي: أوقع به الحصر. وأحصره: عرضه للحصر، وحصر حصرا: إذا عيي في الكلام. والحصير: البخيل لحبسه رفده (1). والحصير: الذي لا يبوح بسره، لأنه قد حبس نفسه عن البوح به (2). والحصير: الحبس. والحصير: الملك. والحصور: الهيوب المحجم (3) عن الشئ. والحصور: الذي لا إربة (4) له في النساء. وأصل الباب: الحبس. وفي أصل الهدي قولان احدهما: إنه من الهدية، يقال: أهديت الهدية إهداء، وأهديت الهدي إلى بيت الله إهداء. فعلى هذا إنما يكون هديا لأجل التقرب به إلى الله والآخر: إنه من هداه إذا ساقه إلى الرشاد، فسمي هديا، لأنه يساق إلى الحرم الذي هو موضع الرشاد، وواحد الهدي هدية، كما يقال شرية وشري، وتمرة وتمر، وجمع الهدي هدي على زنة فعيل، كما يقال عبد وعبيد، وكلب وكليب. وقيل واحد الهدي هدية، مثل مطية ومطي. قال الفرزدق:


(1) الرفد: العطاء. (2) باح إليه بالسر: أظهره. (3) أحجم عن الشئ: كف عنه هيبة وخوفا (4) الإربة: ا لحاجة. (*)

[ 37 ]

* حلفت برب مكة، والمصلى، * وأعناق الهدي مقلدات * والحلق: حلق الرأس، يقال: حلق وحلق. والمحلق: موضع الحلق بمنى. والمحلق الحلاق. وحلق الطائر في الهواء: إذا ارتفع. وحلق ضرع الناقة: إذا ارتفع لبنها. والحلق: مجرى الطعام والشراب في المري. وحلوق الأرض: مجاريها في أوديتها. وحلاق المنية. وأصل (1) الباب: الإستمرار. والرأس: أعلى كل شئ. والأذى: كل ما تأذيت به. ورجل أذ: إذا كان شديد التأذي. وأصله: الضرر بالشئ. والنسك: جمع النسيكة وهي الذبيحة، ويجمع أيضا (2) على نسائك، كصحيفة وصحائف وصحف. وكلما ذبح لله فهو نسيكة. والنسك: العبادة، ومنه رجل ناسك أي: عابد. والتمتع: أصله الإلتذاذ والإستمتاع. ومتعة الحجة: هي أن يعتمر في أشهر الحج ثم يحل ويتمتع بالإحلال بأن يفعل ما يفعله المحل، ثم يحرم بالحج من غير رجوع إلى الميقات، فهو إحلال بين إحرامين. وأهل الرجل: زوجته. والتأهل: التزوج. وأهل الرجل: أخص الناس به. وأهل البيت: سكانه. وأهل الاسلام: من يدين به. وأهل القرآن: من يقرؤه ويقوم بحقوقه. وأهلته لهذا الأمر أي: جعلته أهلا له. وقولهم: أهلا ومرحبا أي: اختصاصا بالتحية والتكرمة. والعقاب: مصدر، يقال عاقبه عقابا ومعاقبة وعقوبة. وأصله من عقب الشئ أي: خلفه فكأن القبيح يعقبه الشدة. وعقب الإنسان: نسله. وعقبه: مؤخر قدميه. الاعراب: قوله: (فما استيسر من الهدي) موضع ما رفع، كأنه قال فعليه ما استيسر. ويجوز أن يكون موضعه نصبا، وتقديره فاهدوا ما استيسر، والرفع أولى لكثرة نطائره كقوله (ففدية من صيام)، (فعدة من أيام)، (فصيام ثلاثة أيام في الحج). وقوله: (في الحج) يتعلق بالمصدر، وليس في موضع خبر. وهذا النحو قد جاء مرفوعا على تقدير إضمار خبر. المعنى: ثم بين سبحانه فرض الحج والعمرة على العباد بعد بيانه فريضة الجهاد فقال: (وأتموا الحج والعمرة لله) أي: أتموهما بمناسكهما وحدودهما، وتأدية كل ما فيهما، عن ابن عباس، ومجاهد. وقيل: معناه أقيموهما إلى آخر ما


(1) [ الباب ]. (2) [ على ]. (*)

[ 38 ]

فيهما، وهو المروي عن أمير المؤمنين، وعلي بن الحسين، وعن سعيد بن جبير، ومسروق والسدي. وقوله (لله) أي: اقصدوا بهما التقرب إلى الله. والعمرة واجبة عندنا مثل الحج، وبه قال الشافعي في الجديد. وقال أهل العراق: إنها مسنونة. وأركان أفعال الحج: النية والإحرام، والوقوف بعرفة، والوقوف بالمشعر، وطواف الزيارة، والسعي بين الصفا والمروة. وأما الفرائض التي ليست بأركان فالتلبية، وركعتا الطواف، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وأما المسنونات من أفعال ألحج فمذكورة في الكتب المصنفة فيه. وأركان فرائض العمرة: النية والإحرام وطواف الزيارة والسعي. وأما ما ليس بركن من فرائضها، فالتلبية، وركعتا الطواف، وطواف النساء، وركعتا الطواف له. وقوله: (فإن أحصرتم) فيه قولان أحدهما: إن معناه إن منعكم خوف أو عدو أو مرض فامتنعتم لذلك، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطا، وهو المروي عن أئمتنا والثاني: معناه إن منعكم حابس قاهر عن مالك. (فما استيسر من الهدي) فعليكم ما سهل من الهدي، أو فاهدوا ما تيسر من الهدي، إذأ أردتم الإحلال. والهدي يكون على ثلاثة أنواع: جزور أو بقرة أو شاة وأيسرها شاة، وهو المروي عن علي وابن عباس والحسن وقتادة، وروي عن ابن عمر وعائشة أنه ما كان من الإبل والبقر دون غيرهما، والأول هو الصحيح. (ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله) أي: لا تتحللوا من إحرامكم حتى يبلغ الهدي محله وينحر أو يذبح. واختلف في محل الهدي على قولين الأول: إنه الحرم، فإذا ذبح به في يوم النحر، أحل، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وعطاء، والثاني: إنه الموضع الذي يصد فيه، لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " نحر هديه بالحديبية، وأمر أصحابه ففعلوا مثل ذلك، وليست الحديبية من الحرم، عن مالك. وأما على مذهبنا فالأول حكم المحصور بالمرض، والثاني: حكم المحصور بالعدو، وإن كان الإحرام بالحج، فمحله منى يوم النحر، وإن كان الإحرام بالعمرة فمحله مكة. (فمن كان منكم هريضا أو به أذى من رأسه) أي: من مرض منكم مرضا يحتاج فيه إلى الحلق للمداواة، أو تأذى بهوام رأسه، أبيح له الحلق بشرط الفدية. وروى أصحابنا: أن هذه نزلت في إنسان يعرف بكعب بن عجرة، وإنه كان قد قمل

[ 39 ]

رأسه. وقوله: (ففدية) أي: فحلق لذلك العذر، فعليه فدية أي: بدل وجزاء يقوم مقام ذلك (من صيام أو صدقة أو نسك). المروي عن ائمتنا أن الصيام ثلاثة أيام، والصدقة على ستة مساكين، وروي على عشرة مساكين، والنسك شاة، وهو مخير فيها. وقوله (فإذا أمنتم) معناه: فإذا أمنتم الموانع من العدو والمرض وكل مانع. (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي) فعليه ما تيسر من الهدي. والتمتع عندنا هو الفرض اللازم لمن لم يكن من حاضري المسجد الحرام وحاضر المسجد الحرام هو من كان على اثني عشر ميلا من كل جانب إلى مكة، فمن كان خارجا عن هذا الحد فليس من الحاضرين. وصفة التمتع بالعمرة إلى الحج أن ينشئ الإحرام في أشهر الحج، ثم يدخل إلى مكة فيطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، ويقصر، ويحل من إحرامه، ثم ينشئ إحراما آخر للحج من المسجد الحرام، ويخرج إلى عرفات، ثم يفيض إلى المشعر، ويأتي بأفعال الحج على ما هو مذكور في الكتب، وفي بعض ذلك خلاف بين الفقهاء. والهدي واجب للتمتع بلا خلاف لظاهر التنزيل على خلاف في أنه نسك أو جبران وعندنا أنه نسك. (فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج) أي: فمن لم يجد الهدي ولا ثمنه، فعليه صيام ثلاثة أيام في الحج. وعندنا أن هذه الأيام: يوم قبل يوم التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة. وإن صام في أول العشر جاز ذلك رخصة. وإن صام يوم التروية ويوم عرفة، قضى يوما آخر بعد انقضاء أيام التشريق. وإن فاته صوم يوم التروية أيضا، صام الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق متتابعات. وقوله: (وسبعة إذا رجعتم) أي: وسبعة أيام إذا رجعتم إلى بلادكم وأهاليكم، وبه قال قتادة وعطاء وقيل: معناه إذا رجعتم من منى، فصوموها في الطريق، عن مجاهد. والأول هو الصحيح عندنا. وقوله: (تلك عشرة كاملة) فيه أقوال أحدها: إن معناه كاملة من الهدي إذا وقعت بدلا منه استكملت ثوابه، عن الحسن، وهو المروي عن أبي جعفر، واختاره الجبائي وثانيها: إنه لإزالة الإبهام، لئلا يظن أن الواو بمعنى أو، فيكون كأنه قال فصيام ثلاثة أيام في الحج، أو سبعة إذا رجعتم، لأنه إذا استعمل أو بمعنى الواو، جاز أن يستعمل الواو بمعنى أو، كما قال: (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى

[ 40 ]

وثلاث ورباع) فالواو ههنا: بمعنى أو، فذكر ذلك لارتفاع اللبس، عن الزجاج وأبي القاسم البلخي وثالثها: إنه إنما قال (كاملة) للتوكيد، كما قال جرير: * ثلاث، واثنتان، فهن خمس، * وسادسة تميل إلى تمام * وقوله: (ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام) أي: ما تقدم ذكره من التمتع بالعمرة إلى الحج، ليس لأهل مكة، ومن يجري مجراهم، وإنما هو لمن لم يكن من حاضري مكة، وهو من يكون بينه وبينها أكثر من اثني عشر ميلا من كل جانب. (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (واعلموا أن الله شديد العقاب) لمن عصاه. الحديث: روى معاوية بن عمار عن الصادق " عليه السلام " أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج، ثم أنزل عليه (وأذن في الناس) الآية. فأمر المؤذنين أن يؤذنوا بأعلى أصوإتهم بأن رسول الله يحج من عامه هذا، فعلم به من حضر المدينة، وأهل العوالي والاعراب، فاجتمعوا. فخرج رسول الله في أربع بقين من ذي القعدة، فلما انتهى إلى ذي الحليفة فزالت الشمس اغتسل، ثم خرج حتى أتى المسجد الذي عنده الشجرة، فصلى فيه الظهر، وأحرم بالحج ثم ساق الحديث إلى أن قال: فلما وقف رسول الله بالمروة بعد فراغه من السعي، أقبل على الناس بوجهه، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن هذا جبرائيل، وأومى بيده إلى خلفه يأمرني أن آمر من لم يسق هديا أن يحل، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت، لصنعت مثل ما أمرتكم، ولكني سقت الهدي، ولا ينبغي لسائق الهدي أن يحل حتى يبلغ هذا الهدي محله، فقال له رجل من القوم أنخرج حجاجا ورؤوسنا تقطر ؟ فقال: إنك لن تؤمن بها أبدا. فقام إليه سراقة بن مالك بن جعثم الكناني، فقال: يا رسول الله ! علمتنا ديننا، فكأنا خلقنا اليوم، فهذا الذي أمرتنا به لعامنا، أو لما نستقبل ؟ فقال له رسول الله: بل هو للأبد إلى يوم القيامة. ثم شبك بين أصابعه بعضها في بعض، وقال: دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة. وقدم علي من اليمن على رسول الله، وهو بمكة، فدخل على فاطمة وهي قد أحلت، فوجد (1) عليها ثيابا مصبوغة، فقال: ما هذا يا فاطمة ؟ فقالت: أمرنا بهذا رسول الله. فخرج (2) إلى رسول الله


(1) [ ريحا طيبة ووجد ]. (2) [ علي " عليه السلام " ]. (*)

[ 41 ]

مستفتيا، محرشا على فاطمة، فقال: يا رسول الله ! إني رأيت فاطمة قد أحلت، وعليها ثياب مصبوغة ؟ فقال رسول الله: أنا أمرت الناس بذلك، وأنت يا علي بم أهللت ؟ فقال، قلت: يا رسول الله ! إهلالا كإهلال النبي. فقال رسول الله: كن على إحرامك مثلي، وأنت شريكي في هديي. قال: ونزل رسول الله بمكة بالبطحاء، هو وأصحابه، ولم ينزل الدور. فلما كان يوم التروية عند زوال الشمس، أمر الناس أن يغتسلوا، ويهلوا بالحج، فخرج النبي وأصحابه مهلين بالحج، حتى أتوا منى، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة، ثم غدا والناس معه، وكانت قريش تفيض من المزدلفة، وهو جمع، ويمنعون الناس أن يفيضوا منها. فأنزل الله على نبيه: (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس). يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم منها ومن كان بعدهم. فلما رأت قريش أن قبة رسول الله قد مضت، كأنه دخل في أنفسهم شئ للذي كانوا يرجون من الإفاضة من مكانهم، حتى انتهى إلى نمرة وهي بطن عرفة، بجبال الأراك، فضرب قبته، وضرب الناس أخبيتهم عندها. فلما زالت الشمس، خرج رسول الله ومعه قومه (1)، وقد اغتسل، وقطع التلبية حتى وقف بالمسجد، فوعظ الناس، وأمرهم ونهاهم، ثم صلى الظهر والعصر. بأذان وإقامتين، ثم مضى إلى الموقف، فوقف به، فجعل الناس يبتدرون أخفاف ناقته، يقفون إلى جانبها، فنحاها، ففعلوا مثل ذلك، فقال: يا أيها الناس ! إنه ليس موضع أخفاف ناقتي الموقف، ولكن هذا كله موقف، وأومى بيده إلى الموقف، فتفرق الناس. وفعل مثل ذلك بالمزدلفة فتوقف حتى وقع قرص الشمس، ثم أفاض وأمر الناس بالدعة حتى إذا انتهى إلى المزدلفة وهي المشعر الحرام، صلى المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين، ثم أقام حتى صلى فيها الفجر، وعجل ضعفاء بني هاشم بالليل، 1 فأمرهم أن لا يرموا الجمرة جمرة العقبة حتى تطلع الشمس. فلما أضاء له النهار، أفاض حتى انتهى إلى منى، فرمى جمرة العقبة، وكان الهدي الذي جاء به رسول الله أربعا وستين، أو ستا وستين، وجاء علي بأربع وثلاثين، أو ست وثلاثين، فنحر رسول الله ستا وستين بدنة، ونحر علي " عليه السلام " أربعا


(1) وفي نسختين مخطوطتين: " قوسه " بالسين بدل الميم. (*)

[ 42 ]

وثلاثين بدنة، وأمر رسول الله أن يأخذ من كل بدنة منها جذوة من لحم، ثم تطرح في برمة (1)، ثم تطبخ. فأكل رسول الله منها وعلي، وتحسيا من مرقها، ولم يعط الجزارين جلودها، ولا جلالها، ولا قلائدها. وتصدق به، وحلق وزار البيت، ورجع إلى منى فأقام بها حتى كان يوم الثالث من آخر أيام التشريق. ثم رمى الجمار، ونفر حتى انتهى إلى الأبطح فقالت عائشة: يا رسول الله ! ترجع نساؤك بحجة وعمرة معا، وأرجع بحجة. فأقام بالأبطح، وبعث معها عبد الرحمن بن أبي بكر إلى التنعيم، فأهلت بعمرة، ثم جاءت فطافت بالبيت، وصلت ركعتين عند مقام إبراهيم، وسعت بين الصفا والمروة، ثم أتت النبي، فارتحل من يومه، فلم يدخل المسجد، ولم يطف بالبيت، ودخل من أعلى مكة من عقبة المدنيين، وخرج من أسفل مكة من ذي طوى. (الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج وما تفعلوا من خير يعلمه الله وتزودوا فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي الألباب [ 197 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (فلا رفث ولا فسوق) بالرفع، (ولا جدال) بالفتح. وقرأ أبو جعفر جميع ذلك بالرفع والتنوين. وقرأ الباقون، الجميع بالفتح. الحجة: حجة من فتح الجميع أن يقول: إنه أشد مطابقة للمعنى المقصود. ألا ترى أنه إذا فتح فقد نفى جميع الرفث والفسوق، كما أنه إذا قال: لا ريب، فقد نفى جميع هذا الجنس. فإذا رفع ونون، فكأن النفي لواحد منه، ألا ترى أن سيبويه يرى أنه إذا قال: لا غلام عندك، ولا جارية، فهو جواب من سأل فقال: أغلام عندك أم جارية ؟ فالفتح أولى، لأن النفي قد عم، والمعنى عليه. وحجة من رفع أنه يعلم من الفحوى أنه ليس المنفي رفثا واحدا، ولكنه جميع ضروبه، وأن النفي قد يقع فيه الواحد موقع الجميع، وإن لم يبن فيه الإسم مع لا نحو: ما رجل في الدار.


(1) البرمة: القدر من الحجر. (*)

[ 43 ]

اللغة: الرفث: أصله في اللغة الإفحاش في النطق، قال العجاج: " عن اللغا ورفث التكلم ". وقيل: الرفث بالفرج الجماع. وباللسان: المواعدة للجماع. وبالعين: الغمز للجماع. والفسوق: الخروج من الطاعة. والجدال في اللغة والمجادلة والمنازعة والمشاجرة والمخاصمة نظائر. وجدلت الحبل: فتلته. والجديل: زمام البعير فعيل بمعنى مفعول. والمجدل: القصر. والجدالة: الأرض ذات العمل الرقيق. وغلام جادل: إذا ترعرع واشتد. والزاد. الطعام الذي يتخذ للسفر. والمزود: وعاء يجعل فيه الزاد. وكل من انتقل بخير من عمل أو كسب فقد نزود منه تزودا واللب: العقل، سمي بذلك لأنه أفضل ما في الإنسان، وأفضل كل شئ لبه. الاعراب: (الحج): مبتدأ. و (أشهر): خبره، وتقديره أشهر الحج أشهر معلومات، ليكون الثاني هو الأول في المعنى، أو الحج حج أشهر معلومات، فحذف المضاف أي: لا حج إلا في هذه الأشهر. فالأشهر على هذا: متسع فيها، مخرجة عن الظروف، والمعنى على ذلك. ألا ترى أن الحج في الأشهر، وقد يجوز أن يجعل الحج الأشهر على الإتساع، لكونه فيها، ولكثرته من الفاعلين له، كما قالت الخنساء: * ترتع ما رتعت حتى ادكرت، * فإنما هي إقبال، وإدبار * جعلتها الإقبال والإدبار لكثرتهما منها. وقوله (فلا رفث): إذا فتحت فعلى البناء، وقد تقدم بيانه فيما مضى، وإذا رفعت فعلى الإبتداء. ويكون في الحج خبرا لهذه المرفوعات. وإذا فتحت ما قبل المرفوع، وأثبت ما بعده مرفوعا، جاز أن يكون عطفا على الموضع، وجازأن يكون بمعنى ليس، كما في قوله (1): * من صد عن نيرانها (2) * فأنا ابن قيس لا براح * وما بعد الفاء في موضع الرفع، لوقوعه موقع الفعل المضارع بعد الفاء. والفاء مع ما بعده في محل الجزم، أو في محل الرفع، لأنه جواب شرط مبني. المعنى: (الحج) أي: أشهر الحج (أشهر معلومات) أي: أشهر مؤقتة معينة لا يجوز فيها التبديل والتغيير، بالتقديم والتأخير اللذين كان يفعلهما النسأة الذين


(1) القائل: سعد. (2) والضمجر في نيرانها للحرب. (*)

[ 44 ]

أنزل فيهم: (إنما النسئ زيادة في الكفر) الآية. وأشهر الحج عندنا: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة، على ما روي عن أبي جعفر، وبه قال ابن عباس ومجاهد والحسن وغيرهم. وقيل: هي شوال، وذو القعدة، وذو الحجة، عن عطاء والربيع وطاوس، وروي ذلك في أخبارنا. وإنما صارت هذه أشهر الحج، لأنه لا يصح الاحرام بالحج إلا فيها بلا خلاف، وعندنا لا يصح أيضا الإحرام بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج، إلا فيها. ومن قال: إن جميع ذي الحجة من أشهر الحج، قال: لأنه يصح أن يقع فيها بعض أفعال الحج مثل صوم الأيام الثلاثة، وذبح الهدي. ومتى قيل: كيف سمي الشهران، وبعض الثالث أشهرا ؟ فجوابه: إن الأثنين قد يقع عليه لفظ الجمع، كما في قوله: (ظهراهما مثل ظهور الترسين). وأيضا فقد يضاف الفعل إلى الوقت، وإن وقع في بعضه، ويضاف الوقت إليه كذلك. تقول: صليت صلاة يوم الجمعة، وصلاة يوم العيد، وإن كانت الصلاة في بعضه. وقدم زيد يوم كذا، وإن كان قدم في بعضه، فكذلك جاز أن يقال في شهر الحج ذو الحجة، وإن وقع الحج في بعضه. (فمن فرض فيهن الحج) معناه: فمن أوجب على نفسه فيهن الحج، أي: فمن أحرم فيهن بالحج بلا خلاف، أو بالعمرة التي يتمتع بها إلى الحج على مذهبنا. (فلا رفث) كني بالرفث عن الجماع هاهنا عند أصحابنا، وهو قول ابن مسعود وقتادة. وقيل: هو مواعدة الجماع، والتعريض للنساء به، عن ابن عباس وابن عمر وعطا. وقيل: هو الجماع والتعريض له بمداعبة أو مواعدة، عن الحسن. (ولا فسوق). وروى أصحابنا أنه الكذب. وقيل: هو معاصي الله كلها، عن ابن عباس والحسن، وقتادة، وهذا أعم، ويدخل فيه الكذب. وقيل: هو التنابز بالألقاب لقوله: (بئس الإسم الفسوق بعد الإيمان) عن الضحاك. وقيل: هو السباب لقوله: " سباب المؤمن فسوق وقتاله كفر " عن إبراهيم ومجاهد. وقال بعضهم: لا يجوز أن يراد به هنا إلا ما نهي المحرم عنه مما يكون حلالا له إذا أحل، لاختصاصه بالنهي عنه، وهذا تخصص للعموم بلا دليل. وقد يقول القائل: ينبغي لك أن تقيد لسانك في رمضان، لئلا يفسد صومك. وقد جاء في الحديث: " إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولا يكون يوم صومك كيوم فطرك ". فإنما خصه بذلك لعظم حرمته. (ولا جدال في الحج) روى أصحابنا أنه قول لا والله وبلى والله صادقا أو

[ 45 ]

كاذبا، وللمفسرين فيه قولان أحدهما: إنه المراء والسباب والإغضاب على جهة المحك (1) واللجاج، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن والثاني: إن معناه لا جدال في أن الحج قد استدار في ذي الحجة، لأنهم كانوا ينسئون الشهور، فيقدمون ويؤخرون فربما اتفق في غيره، عن مجاهد والسدي. (وما تفعلوا من خير يعلمه الله) معناه: ما تفعلوا من خير يجازكم الله العالم به، لأن الله عالم بجميع المعلومات على كل حال، إلا أنه جعل يعلمه في موضمع يجازه للمبالغة في صفة العدل أي: إنه يعاملكم معاملة من يعلمه إذا ظهر منكم، فيجازي به، وذلك تأكيد أن الجزاء لا يكون إلا بالفعل دون ما يعلم أنه يكون منهم قبل أن يفعلوه. (وتزودوا فإن خير الزاد التقوى) قيل فيه قولان أحدهما: إن معناه أن قوما كانوا يرمون بأزوادهم، ويتسمون بالمتوكلة، فقيل لهم: تزودوا من الطعام، ولا تلقوا كلكم على الناس، وخير الزاد مع ذلك التقوى، عن الحسن وقتادة ومجاهد والثاني: إن معناه تزودوا من الأعمال الصالحة (فإن خير الزاد التقوى)، وذكر ذلك في أثناء أفعال الحج، لأنه أحق شئ بالإستكثار من أعمال البر فيه (واتقون) فيما أمرتكم به، ونهيتكم عنه (يا أولي الألباب) يا ذوي العقول. (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذآ أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين [ 198 ]). اللغة: الجناج: الحرج في الدين، وهو الميل عن الطريق المستقيم. والإبتغاء: الطلب والإفاضة مأخوذة من فيض الإناء عن امتلائه، فمعنى أفضتم: دفعتم من عرفات إلى المزدلفة عن اجتماع وكثرة، ويقال: أفاض القوم في الحديث: إذا اندفعوا فيه، وأكثروا التصرف. وأفاض الرجل إناءه: إذا صبه. وأفاض الرجل بالقداح: إذا ضرب بها، لأنها تقع متفرقة، قال أبو ذؤيب: * وكأنهن ربابة، وكأنه * يسر، يفيض على القداح، ويصدع (2) *


(1) المحك: الخصومة. (2) الربابة: شبيه بالكنانة يجمع فيها سهام الميسر، وربما سموا جماعة السهام ربابة. واليسر محركة: الياسر. (*)

[ 46 ]

وأفاض البعير بجرته: إذا رمى بها متفرقة كثيرة، قال الراعي: * وأفضن بعد كظومهن بجرة * من ذي الاباطح إذ رعين حقيلا (1) * فالإفاضة في اللغة لا تكون إلا عن تفرق أو كثرة. وعرفات: اسم للبقعة المعروفة يجب الوقوف بها في الحج. ويوم عرفة: يوم الوقوف بها. واختلف في سبب تسميتها بعرفات، فقيل: لأن إبراهيم " عليه السلام " عرفها بما تقدم له من النعت لها والوصف. روي ذلك عن علي وابن عباس. وقيل: إنها سميت بذلك لأن آدم وحواء اجتمعا فيها فتعارفا بعد أن كانا افترقا، عن الضحاك والسدي، وقد رواه أصحابنا أيضا. وقيل: سميت بذلك لعلوها وارتفاعها، ومنه عرف الديك. وقيل: سميت بذلك لأن إبراهيم كان يريه جبرائيل المناسك، فيقول عرفت عرفت، عن عطاء. وروى عن ابن عباس أن إبراهيم رأى في المنام أنه يذبح ابنه، فأصبح يروي يومه أجمع أي: يفكر أهو أمر من الله أم لا، فسمي بذلك يوم التروية، ثم رأى في الليلة الثانية. فلما أصبح عرف أنه من الله فسمي يوم عرفة. وروي أن جبريل، قال لآدم هناك: اعترف بذنبك واعرف مناسكك، فقال: (ربنا ظلمنا أنفسنا) الآية. فلذلك سميت عرفة. والمشعر الحرام، هو المزدلفة سميت مشعرا لأنه معلم للحج والصلاة والمقام والمبيت به والدعاء عنده من أعمال الحج. وإنما سمي المشعر الحرام مزدلفة لأن جبريل قال لإبراهيم بعرفات: ازدلف إلى المشعر الحرام، فسمي المزدلفة، وسمي جمعا لأنه يجمع به بين المغرب والعشاء الآخرة بأذان واحد وإقامتين. وسميت منى منى لأن إبراهيم تمنى هناك أن يجعل الله مكان ابنه كبشا، يأمره (2) بذبحه فدية له. الاعراب: (جناح): اسم ليس، وخبره: (عليكم). وموضع (أن تبتغوا): نصب على تقدير ليس عليكم جناح في أن تبتغوا، فلما سقط في عمل فيها معنى جناح، والمعنى لستم تأثمون في (أن تبتغوا). وعرفات: إسم معرفة لمواضع جرت مجرى موضع واحد لاتصال بعضها ببعض، وإنما صرفت وإن كان فيها سببان من أسباب منع الصرف، وهو التعريف والتأنيث لأنها على حكاية الجمع. فالتنوين


(1) كظم البعير كظوما: أمسك جرته وكف عن الإجترار. الجرة: ما يخرجه البعير من بطنه ليمضغه، ثم يبلعه. وحقيل: اسم موضع. قاله الجوهري. (2) وفي جملة من النسخ: " أمر بذبح ابنه ". (*)

[ 47 ]

فيها بإزاء النون في مسلمون، ولو سميت امرأة بمسلمون لم يحذف هذه النون، وتقول: أقبلت مسلمون، ورأيت مسلمين. ويجوز في عرفات حذف التنوين أيضا، تشبيها بالواحد إذا كان إسما لواحد، إلا أنه لا يكون إلا مكسورا، وإن أسقطت التنوين، ومثلها أذرعات في قول امرئ القيس: * تنورتها من أذرعات، وأهلها * بيثرب أدنى دارها نظر عال (1) * أكثر الرواية بالتنوين، وقد أنشد بالكسر بغير تنوين، والأول اختيار النحويين لما ذكرنا من اجرائهم إياه مجرى المسلمون. وأما فتح التاء فخطأ. (وإن كنتم) إن هنا هي المخففة من الثقيلة بدلالة أن لام الإبتداء معها. وإذا خففت لم تعمل إن. (وكنتم من قبله لمن الضالين) لا موضع له من الإعراب، لأنه وقع بعد حرف غير عامل، وإنما هذه الواو عطفت جملة على جملة. المعنى: (ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم) قيل: كانوا يتأثمون بالتجارة في الحج، فرفع الله بهذه اللفظة الإثم عمن يتجر في الحج، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وعطاء، وفي هذا تصريح بالإذن في التجارة، وهو المروي عن أئمتنا. وقيل: كان في الحج اجراء ومكارون، وكان الناس يقولون إنه لا حج لهم فبين سبحانه أنه لا إثم على الحاج في أن يكون أجيرا لغيره، أو مكاريا. وقيل: معناه لا جناح عليكم أن تطلبوا المغفرة من ربكم، رواه جابر عن أبي جعفر " عليه السلام ". (فإذا أفضتم من عرفات) أي: دفعتم عنها بعد الإجتماع فيها. (فاذكروا الله عند المشعر الحرام) وفي هذا دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام فريضة، كما ذهبنا إليه، لأن ظاهر الأمر على الوجوب، فقد أوجب الله الذكر فيه. ولا يجوز أن يوجب الذكر فيه إلا وقد أوجب الكون فيه، ولأن كل من أوجب الذكر فيه، فقد أوجب الوقوف، وتقدير الكلام: فإذا أفضتم من عرفات، فكونوا بالمشعر الحرام. واذكروا الله فيه (واذكروه كما هداكم) معناه: وأذكروه بالثناء والشكر على حسب نعمته عليكم بالهداية، فإن الشكر يجب أن يكون على حسب النعمة في عظم المنزلة، كما يجب أن يكون على مقدارها لو صغرت النعمة، ولا يجوز التسوية بين من عظمت نعمته، وبين من صغرت نعمته، وتقدير الكلام: واذكروه ذكرا مثل


(1) تنورتها أي: نظرت بقلبي إلى نار المحبوبة. أذرعات: موضع بالشام، المعنى: إني كيف أراها وأدنى دارها مرتفع. أو المعنى: إن أقرب دارها ما بعيد. (*)

[ 48 ]

هدايته إياكم. (وإن كنتم) أي: وإنكم كنتم (من قبله) أي: من قبل الهدى. وقيل: من قبل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، فتكون الهاء كناية عن غير مذكور (لمن الضالين) عن النبوة والشريعة، فهداكم إليه. (ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم [ 199 ]). اللغة: الإستغفار: طلب المغفرة. والمغفرة: التغطية للذنب. والفرق بين غفور وغافر أن في غفور مبالغة لكثرة المغفرة. فأما غافر فيستحق الوصف به من وقع منه الغفران. والعفو: هو المغفرة، وقد فرق بينهما بان العفو: ترك العقاب على الذنب. والمغفرة: تغطية الذنب بإيجاب المثوبة، ولذلك كثرت المغفرة في صفات الله دون صفات العباد، فلا يقال أستغفر السلطان كما يقال أستغفر الله. المعنى: (ثم أفيضوا من حيث افاض الناس) قيل فيه قولان أحدهما: إن المراد به الإفاضة من عرفات، وإنه أمر لقريش وحلفائها، وهم الحمس، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة، ولا يفيضون منها، ويقولون: نحن أهل حرم الله، فلا نخرج منه. وكانوا يقفون بالمزدلفة ويفيضون منها، فأمرهم الله بالوقوف بعرفة، والإفاضة منها، كما يفيض الناس. والمراد بالناس سائر العرب، عن ابن عباس وعائشة وعطاء ومجاهد والحسن وقتادة، وهو المروي عن الباقر " عليه السلام ". وقال الضحاك: إنه أمر لجميع الحاج أن يفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، عن الضحاك قال: ولما كان إبراهيم إماما، كان بمنزلة الأمة، فسماه وحده ناسا والثاني: إن المراد به الإفاضة من المزدلفة إلى منى يوم النحر، قبل طلوع الشمس للرمي والنحر، عن الجبائي قال: والآية تدل عليه لأنه قال: (فإذا أفضتم من عرفات). ثم قال: (ثم أفيضوا) فوجب أن يكون إفاضة ثانية، فدل ذلك على أن الإفاضتين واجبتان. والناس المراد به إبراهيم كما أنه في قوله (الذين قال لهم الناس) نعيم بن مسعود الأشجعي. وقيل: إن الناس إبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ومن بعدهم من الأنبياء، عن أبي عبد الله. ومما يسأل على الأول أن يقال: إذا كان ثم للترتيب، فما معنى الترتيب هاهنا ؟ وقد روى أصحابنا في جوابه: إن هاهنا تقديما وتأخيرا وتقديره " ليس عليكم

[ 49 ]

جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم، ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس، فإذا أفضتم من عرفات، فاذكروا الله عند المشعر الحرام، واستغفروا الله إن الله غفور رحيم " وقيل: أراد بالناس آدم، عن سعيد بن جبير والزهري. وقيل: هم أهل اليمن وربيعة، عن الكلبي. وقيل: هم العلماء الذين يعلمون الدين ويعلمونه الناس. (واستغفروا الله) أي: أطلبوا المغفرة منه بالندم على ما سلف من المعاصي. (إن الله غفور) أي: كثير المغفرة، (رحيم) واسع الرحمة. (فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا وما له في الأخرة من خلاق [ 200 ]) اللغة: أصل القضاء: فصل الأمر على إحكام، وقد يفصل بالفراغ منه كقضاء المناسك، وقد يفصل بأن يعمل على تمام كقوله (فقضاهن سبع سماوات) وقد يفصل بالإخبار به على القطع، كقوله: (وقضينا إلى بني إسرائيل) وقد يفصل بالحكم كقضاء القاضي على وجه الإلزام. والخلاق: النصيب من الخير، وأصله التقدير فهو النصيب من الخير على وجه الإستحقاق. وقيل: إنه من الخلق فهو نصيب مما يوجبه الخلق الكريم. الاعراب: (أشد): في موضع جر، ولكنه لا ينصرف لأنه على وزن الفعل، وهو صفة، ويجوز أن يكون منصوبا على المصدر: واذكروه أشد ذكرا. وذكرا: منصوب على التمييز (في الآخرة): الجار والمجرور يتعلق بما يتعلق به اللام في قوله (له) وله: في موضع خبر للمبتدأ الذي هو (من خلاق)، فإن (من) مزيدة، والجار والمجرور في موضع رفع بالإبتداء. ويجوز أن يكون (في الآخرة) في موضع نصب على الحال، والعامل فيه ما في له من الفعل. المعنى: (فإذا قضيتم مناسككم) معناه: فإذا أديتم مناسككم. وقيل: فإذا فرغتم من مناسككم. والمناسك: جمع المنسك. والمنسك، يجوز أن يكون موضع النسك، ويجوز أن يكون مصدرا، فإن كان موضعا فالمعنى: فإذا قضيتم ما وجب عليكم إيقاعه في متعبداتكم. وإن كان بمعنى المصدر، فإنما جمع لأنه يشتمل

[ 50 ]

على أفعال وأذكار، فجاز جمعه كالأصوات أي: فإذا قضيتم أفعال الحج. (فاذكروا الله). واختلف في الذكر على قولين أحدهما: إن المراد به التكبير المختص بأيام منى، لأنه الذكر المرغب فيه، المندوب إليه في هذه الأيام والآخر: إن المراد به سائر الأدعية في تلك المواطن، لأن الدعاء فيها أفضل منه في غيرها (كذكركم آباءكم) معناه: ما روي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنهم كانوا إذا فرغوا من الحج، يجتمعون هناك، ويعدون مفاخر آبائهم ومآثرهم، ويذكرون أيامهم القديمة، وأياديهم الجسيمة، فأمرهم الله سبحانه أن يذكروه مكان ذكرهم آباءهم في هذا الموضع. (أو أشد ذكرا) أو: يزيدوا على ذلك بأن يذكروا نعم الله، ويعدوا آلاءه، ويشكروا نعماءه، لأن آباءهم وإن كانت لهم عليهم أياد ونعم، فنعم الله عليهم أعظم، وأياديه عندهم أفخم، ولأنه المنعم بتلك المآثر والمفاخر على آبائهم وعليهم. وهذا هو الوجه في تشبيهه هذا الذكر الواجب بذلك الذكر الذي هو دونه في الوجوب، وهو قول الحسن وقتادة. وقيل: معناه واستغيثوا بالله، وافزعوا إليه كما يفزع الصبي إلى أبيه في جميع أموره، ويلهج بذكره فيقول: يا أبت عن عطاء، والأول أصح. وقوله: (فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا): بين سبحانه أن الناس في تلك المواطن أصناف، فمنهم من يسأل نعيم الدنيا، ولا يسأل نعيم الآخرة، لأنه غير مؤمن بالبعث والنشور (وما له في الآخرة من خلاق) أي: نصيب من الخير موفور. (ومنهم من يقول ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفى الأخرة حسنة وقنا عذاب النار [ 201 ]). اللغة: الفرق بين القول والكلام أن القول يدل على الحكاية، وليس كذلك الكلام نحو: قال الحمد لله، فإذا أخبرت عنه بالكلام قلت تكلم بالحق. والحكاية على ثلاثة أوجه أحدها: حكاية على اللفظ والمعنى نحو: (قال آتوني أفرغ عليه قطرا) إذا حكاه من يعرف لفطه ومعناه. وحكاية على اللفظ نحوها إذا حكاه من يعرف لفظه دون معناه. وحكاية على المعنى نحو أن تقول نحاسا بدل قوله قطرا. والإيتاء: الإعطاء، وأصله الآتي بمعنى المجئ فأتي إذا كان منه المجئ. وآتى غيره: حمله

[ 51 ]

على المجئ، فيقال: آتاه ما يحب، وآتى غيره ما يحب. وق: أصله من وقى يقي وقاية ووقاء. والوقاء: أصله الحجز بين الشيئين. والوقاء: الحاجز الذي يسلم به من الضرر. المعنى: لما ذكر سبحانه دعاء من سأله من أمور الدنيا في تلك المواقف الشريفة ما لا يرتضيه، عقبه بما يسأله المؤمنون فيها من الدعاء الذي يرغب فيه، فقال: (ومنهم من يقول ربنا آتنا) أي: أعطنا (في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار) أي: نعيم الدنيا، ونعيم الآخرة، عن أنس وقتادة. وروي عن أبي عبد الله أنها السعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا، ورضوان الله، والجنة في الآخرة. وقيل: العلم والعبادة في الدنيا، والجنة في الآخرة، عن الحسن وقتادة. وقيل: هي المال في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، عن ابن زيد والسدي. وقيل: هي المرأة الصالحة في الدنيا، وفي الآخرة الجنة، عن علي " عليه السلام ". وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من أوتي قلبا شاكرا، ولسانا ذاكرا، وزوجة مؤمنة تعينه على أمر دنياه وأخراه، فقد أوتي في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، ووقي عذاب النار ". (أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب [ 202 ]). اللغة: النصيب: الحظ، وجمعه أنصباء وأنصبة. وحد النصيب: الجزء الذي يختص به البعض من خير أو شر. والكسب: الفعل الذي يجتلب به نفع، أو يدفع به ضرر. والسريع من العمل هو القصير المدة، يقال: سرع سرعة وسرعا فهو سريع. وأقبل فلان في سرعان قومه أي: في أوائلهم المسرعين. والحساب: مصدر كالمحاسبة. المعنى: (أولئك لهم نصيب مما كسبوا) أي: حظ من كسبهم باستحقاقهم الثواب عليه (والله سريع الحساب) ذكر فيه وجوه أحدها: إن معناه سريع المجازاة للعباد على أعمالهم، وأن وقت الجزاء قريب، ويجري مجراه قوله: (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب) وعبر عن الجزاء بالحساب، لأن الجزاء كفاء للعمل وبمقداره فهو حساب له يقال: أحسبني الشئ: كفاني وثانيها: أن يكون المراد به أنه يحاسب أهل الموقف في أوقات يسيرة لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، كما لا يشغله شأن عن شأن. وورد في الخبر أنه تعالى يحاسب الخلائق كلهم في

[ 52 ]

مقدار لمح البصر. وروي بقدر حلب شاة. وهذا أحد ما يدل على أنه ليس بجسم، وأنه لا يحتاج في فعل الكلام إلى آلة، لأنه لو كان كذلك لما جاز أن يخاطب اثنين في وقت واحد بمخاطبتين مختلفتين، ولكان يشغله خطاب بعض الخلق عن خطاب غيره، ولكانت مدة محاسبته للخلق على أعمالهم طويلة. وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " أنه قال: معناه أنه يحاسب الخلق دفعة، كما يرزقهم دفعة وثالثها: إن معناه أنه تعالى سريع القبول لدعاء هؤلاء، والاجابة لهم من غير احتباس فيه، وبحث عن المقدار الذي يستحقه كل داع كما يحتبس المخلوقون للإحصاء والإحتساب. ويقرب منه ما روي عن ابن عباس أنه قال: يريد أنه لا حساب على هولاء، إنما يعطون كتبهم بأيمانهم، فيقال لهم: هذه سيئاتكم قد تجاوزت بها عنكم، وهذه حسناتكم قد ضعفتها لكم. (واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون [ 203 ]). اللغة: المعدودات: تستعمل كثيرا في اللغة للشئ القليل، وكل عدد قل أو كثر فهو معدود. ولكن معدودات أدل على القلة، لأن كل قليل يجمع بالألف والتاء. والحشر: جمع القوم من كل ناحية إلى مكان. والمحشر: المكان الذي يحشرون فيه. وحشرتهم السنة: إذا أجحفت بهم، لأنها تضمهم من النواحي إلى المصر. وسهم حشر: خفيف لطيف لأنه ضامر باجتماعه. وأذن حشرة: لطيفة وضامرة. وحشرات الأرض: دوابها الصغار لاجتماعها من كل ناحية. فأصل الباب: الإجتماع. الاعراب: العامل في اللام من قوله (لمن اتقى) فيه قولان أحدهما: إن تقديره ذلك (لمن اتقى) فيكون الجار والمجرور في موضع خبر المبتدأ، وإنما حذف ذلك، لأن الكلام الأول دل على وعد للعامل والثاني: أن يكون العامل فيه معنى لا إثم عليه، لأنه قد تضمن معنى جعلناه لمن اتقى. المعنى: (واذكروا الله في أيام معدودات) هذا أمر من الله للمكلفين أن يذكروه في أيام معدودات، وهي أيام التشريق ثلاثة بعد النحر. والأيام المعلومات: عشر ذي

[ 53 ]

الحجة، عن ابن عباس والحسن وأكثر أهل العلم، وهو المروي عن أئمتنا. وذكر الفراء أن المعلومات: أيام التشريق، والمعدودات: العشر. والذكر المأمور به هو أن تقول عقيب خمس عشرة صلوات: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد، الله أكبر على ما هدانا، والحمد لله على ما أولانا، والله أكبر على ما رزقنا من بهيمة الأنعام، وأول التكبير عندنا عقيب الظهر من يوم النحر، وآخره عقيب صلاة الفجر من اليوم الرابع من النحر، هذا لمن كان بمنى. ومن كان بغير منى من الأمصار يكبر عقيب عشر صلوات أولها صلاة الظهر من يوم النحر أيضا، هذا هو المروي عن الصادق " عليه السلام "، وفي ذلك اختلاف بين الفقهاء ووافقنا في ابتداء التكبير من صلاة الظهر من يوم النحر ابن عباس وابن عمر. قوله: (فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه) المعنى في ذلك الرخصة في جواز النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق، والأفضل أن يقيم إلى النفر الأخير، وهو الثالث من التشريق. وإذا نفر في الأول، نفر بعد الزوال إلى غروب الشمس فإن غربت فليس له أن ينفر إلى اليوم الثالث. وقوله: (فلا إثم عليه) فيه قولان أحدهما: إن معناه لا إثم عليه، لأن سيئاته صارت مكفرة بما كان من حجه المبرور، وهو قول ابن مسعود والثاني: إن معناه لا إثم عليه في التعجيل والتأخير، وإنما نفي الإثم لئلا يتوهم متوهم ان في التعجيل إثما. وإنما قال (فلا إثم عليه) في التأخير على جهة المزاوجة، كما يقال إن أعلنت الصدقة فحسن، وإن أسررت فحسن، وإن كان الإسرار أحسن وأفضل، عن الحسن. وقوله (لمن اتقى) فيه قولان أحدهما: إن الحج يقع مبرورا مكفرا للسيئات إذا اتقى ما نهى الله عنه. والآخر: ما رواه أصحابنا أن قوله (لمن اتقى) متعلق بالتعجيل في اليومين، وتقديره فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه لمن اتقى الصيد إلى انقضاء النفر الأخير، وما بقي من إحرامه، ومن لم يتقها فلا يجوز النفر في الأول، وهو المروي عن ابن عباس، واختاره الفراء. وقد روي أيضا عن أبي عبد الله في قوله (فمن تعجل في يومين) أي من مات في هذين اليومين، فقد كفر عنه كل ذنب، ومن تأخر أي: من (1) أجله، فلا إثم عليه (2) إذا اتقى الكبائر. وقوله: (واتقوا الله) أي: إجتنبوا معاصي الله (واعلموا أنكم إليه تحشرون) أي: تحققوا


(1) [ أنسى ]. (2) [ بعدها ]. (*)

[ 54 ]

أنكم بعد موتكم تجمعون إلى الموضع الذي يحكم الله فيه بينكم، ويجازيكم على أعمالكم. (ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على مافى قلبه وهو ألد الخصام [ 204 ] وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد [ 205 ]). اللغة: الإعجاب: هو سرور المعجب بما يستحسن، ومنه العجب بالنفس: وهو سرور (1) المعجب من الشئ استحسانا له، وذلك إذا تعجب من شدة حسنه. تقول: عجب وتعجب، وعجبه غيره، وأعجبه واستعجب الرجل: إذا اشتد تعجبه. قال الأزهري: العجب كل شئ غير مألوف. والألد: الشديد الخصومة، تقول: لد يلد لدودا، ولده يلده: إذا غلبه في الخصومة. ولد الدواء في حلقه: إذا أوجره في أحد شقي فمه. واللديدان: جانبا الوادي. ولديدا كل شئ: جانباه. والتلدد: التلفت عن تحير. والخصام قيل: إنه جمع الخصم، عن الزجاج. وفعل إذا كان صفة فإنه يجمع على فعال، نحو: صعب وصعاب. وإذا كان إسما فإنه يجمع في القلة على أفعل، وفي الكثرة على فعال، كفرخ وفراخ. وقيل: الخصام مصدر كالمخاصمة، عن الخليل. والتولي: هو الإنحراف والزوال عن الشئ إلى خلاف جهته. وقوله: سعى قد يكون بمعنى عمل، وقد يكون بمعنى أسرع، قال الأعشى: * وسعى لكندة سعي غير مواكل * قيس، فضر عدوها، وبنى لها * أي: عمل لكندة. والإفساد: هو عمل الضرر بغير استحقاق ولا وجه من وجوه المصلحة. والإهلاك: العمل الذي ينفي الإنتفاع. والحرث: الزرع. (والنسل): العقب من الولد. وقال الضحاك: الحرث كل نبات (والنسل): كل ذات روح، ويقال نسل ينسل نسولا: إذا خرج فسقط، ومنه نسل وتجر البعير أو ريش الطائر. والناس نسل آدم لخروجهم من ظهره. وأصل باب النسول الخروج. الاعراب: (ليفسد): نصب بإضمار أن، ويجوز إظهارها بأن يقال لأن يفسد


(1) [ السرور بها ]. (*)

[ 55 ]

فيها، ولا يجوز إظهار أن في قوله ليذر من، (وما كان الله ليذر المؤمنين). والفرق بينهما أن اللام في (ليفسد) على أصل الإضافة في الكلام، واللام في (ليذر) لتأكيد النفي كما دخلت الباء في: ليس زيد بقائم. النزول: قال ابن عباس: نزلت الآيات الثلاثة في المرائي، لأنه يظهر خلاف ما يبطن، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام "، إلا أنه عين المعني به. وقال الحسن: نزلت في المنافقين. وقال السدي: نزلت في الأخنس بن شريق، وكان يظهر الجميل بالنبي، والمحبة له، والرغبة في دينه، ويبطن خلاف ذلك. المعنى: ثم بين سبحانه حال المنافقين بعد ذكره أحوال المؤمنين والكافرين فقال: (ومن الناس من يعجبك قوله) أي: تستحسن كلامه يا محمد ويعظم موقعه من قلبك (في الحياة الدنيا) أي: يقول آمنت بك، وأنا صاحب لك، ونحو ذلك (ويشهد الله على ما في قلبه) أي: يحلف بالله ويشهده على أنه مضمر ما يقول، فيقول: اللهم اشهد علي به وضميره على خلافه. (وهو ألد الخصام) أي: وهو أشد المخاصمين خصومة. ومن قال: إن الخصام مصدر، فمعناه وهو شديد الخصومة عند المخاصمة، جدل مبطل. (وإذا تولى) أي: أعرض عن الحسن. وقيل: معناه ملك الأمر، وصار واليا، عن الضحاك. ومعناه: إذا ولي سلطانا جاز. وقيل: ولى عن قوله الذي أعطاه، عن أبن جريج. (سعى في الأرض) أي: أسرع في المشي من عندك. وقيل: عمل في الأرض (ليفسد فيها) قيل: ليقطع الرحم، ويسفك الدماء، عن ابن جريج. وقيل: ليظهر الفساد، ويعمل المعاصي. (ويهلك الحرث والنسل) أي: البنات والأولاد. وذكر الأزهري أن الحرث النساء، والنسل الأولاد، لقوله (نساؤكم حرث لكم). وروي عن الصادق " عليه السلام " ان الحرث في الموضع الدين، والنسل الناس. (والله لا يحب الفساد) أي: العمل بالفساد. وقيل: أهل الفساد. وفيه دلالة على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يريد القبائح، لأنه تعالى نفى عن نفسه محبة الفساد. والمحبة: هي الإرادة، لأن كل ما أحب الله أن يكون، وما لا يحب أن يكون، لا يريد أن يكون. (وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه، جهنم ولبئس

[ 56 ]

المهاد [ 206 ]). اللغة: الإتقاء: طلب السلامة بما يحجز عن المخافة. واتقاء الله: إنما هو اتقاء عذابه. والأخذ: ضد الإعطاء. والعزة: القوة التي تمتنع بها عن الذلة. والمهاد: الوطاء من كل شئ، وكل شئ وطئته فقد مهدته. والأرض: مهاد لأجل توطئته للنوم، والقيام عليه. المعنى: ثم بين تعالى صفة من تقدم من المنافقين، فقال: (وإذا قيل له اتق الله) أي: وإذا قيل لهذا المنافق: إتق الله فيما نهاك عنه من السعي في الأرض بالفساد، وإهلاك الحرث والنسل (أخذته العزة بالإثم) قيل: في معناه قولان أحدهما: حملته العزة وحمية الجاهلية على فعل الإثم، ودعته إليه، كما يقال أخذته بكذا أي: ألزمته ذلك، وأخذته الحمى أي: لزمته. والثاني: أخذته العزة من أجل الإثم الذي في قلبه من الكفر، عن الحسن. (فحسبه جهنم) أي: فكفاه عقوبة من إضلاله أن يصلى نار جهنم (ولبئس المهاد) أي: القرار، عن الحسن، كما قال في موضع آخر: (وبئس القرار)، لأن القرار كالوطاء في الثبوت عليه. وقيل: إنما سميت جهنم مهادا، لأنها بدل من المهاد كما قال سبحانه: (فبشره بعذاب أليم) لأنه موضع البشرى بالنعيم على جهة البدل منه. وفي هذه الآية دلالة على أن من تكبر عن قبول الحق إذا دعي إليه، كان مرتكبا أعظم كبيرة، ولذلك قال ابن مسعود: إن من الذنوب التي لا تغفر أن يقال للرجل: إتق الله، فيقول: عليك نفسك ! (ومن الناس من يشرى نفسه ابتغآء مرضات الله والله رءوف بالعباد [ 207 ]). اللغة: الشراء من الأضداد، يقال: شرى إذا باع، وشرى: إذا اشترى. وقوله: (وشروه بثمن بخس دراهم معدودة) أي: باعوه (1). والرضا: ضد السخط، وقد تقدم معنى الرؤوف. الاعراب: إبتغاء: نصب لأنه مفعول له، كقول الشاعر:


(1) [ والمرضاة ]. (*)

[ 57 ]

* وأغفر عوراء الكريم ادخاره، * وأعرض عن قول اللئيم تكرما * النزول: روى السدي عن ابن عباس قال: نزلت هذه الاية في. علي بن أبي طالب، حين هرب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن المشركين إلى الغار، ونام علي " عليه السلام " على فراش النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ونزلت الآية بين مكة والمدينة. وروي أنه لما نام على فراشه، قام جبرائيل عند رأسه، وميكائيل عند رجليه، وجبرائيل ينادي: بخ بخ من مثلك يا أبن أبي طالب يباهي الله بك الملائكة ! وقال عكرمة: نزلت في أبي ذر الغفاري، جندب بن السكن، وصهيب بن سنان، لأن أهل أبي ذر أخذوا أبا ذر فانفلت منهم، فقدم على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". فلما رجع مهاجرا، أعرضوا عنه، فانفلت حتى نزل على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وأما صهيب فإنه أخذه المشركون من أهله، فافتدى منهم بماله، ثم خرج مهاجرا، وروي عن علي وابن عباس، ان المراد بالآية الرجل الذي يقتل على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. وقال قتادة: نزلت في المهاجرين والأنصار. وقال الحسن: هي عامة في كل مجاهد في سبيل الله. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى وصف المؤمن الآمر بالمعروف في قوله: (وإذا قيل له اتق الله) لأن هذا القائل أمر بالخير والمعروف فقال: (ومن الناس من يشري) أي: يبيع (نفسه ابتغاء مرضاة الله) أي: لابتغاء رضاء الله. وإنما أطلق عليه إسم البيع، لأنه إنما فعل ما فعل لطلب رضاء الله، كما أن البائع يطلب الثمن بالبيع. (والله رؤوف بالعباد) أي: واسع الرحمة بعبيده، ينيلهم ما حاولوه من مرضاته وثوابه. (يا أيها الذين ءامنوا ادخلوا في السلم كآفة ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين [ 208 ]). القراءة: قرأ أهل الحجاز، والكسائي: (في السلم كافة) بفتح السين. والباقون بكسرها. الحجة: قال الأخفش: السلم بكسر السين: الصلح، وفيه ثلاث لغات: السلم، السلم، السلم، وأنشد: * أنائل إنني سلم * لأهلك فاقبلي سلمي *

[ 58 ]

قال أبو عبيدة: السلم بكسر السين، والإسلام وأحد، وهو في موضع آخر المسالمة والصلح. والسلم: الإستسلام ومنه قوله تعالى (ورجلا سلما لرجل) أي: مستسلما له، منقادا لما يريده منه، فيكون مصدرا وصف به. ويحتمل أيضا أن يكون فعلا بمعنى فاعل مثل بطل وحسن، ونظيره: يابس ويبس، وواسط ووسط. اللغة: (كافة) معناه جميعا، واشتقاقه في اللغة مما يكف الشئ في آخره. ومن ذلك كفة القميص لحاشيته، لأنها تمنعه من أن ينتشر. وكل مستطيل فحرفه كفة. ويقال في كل مستدير كفة، نحو كفة الميزان. واستكف السائل وتكفف: إذا بسط كفه للسؤال. وكل شئ جمعته فقد كففته. واستكف القوم بالشئ: إذا أحدقوا به الاعراب: (كافة): منصوب على الحال من الواو في (ادخلوا). وقيل: هو حال من (السلم). و (لكم): يتعلق بمحذوف فهو في موضع نصب على الحال من (عدو). المعنى: لما قدم تعالى ذكر الفرق الثلاث من العباد، دعا جميعهم إلى الطاعة والإنقياد، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (ادخلوا في السلم) أي: في الإسلام أي: دوموا فيما دخلتم فيه، كقوله: (يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله) عن ابن عباس والسدي والضحاك ومجاهد. وقيل: معناه في السلم في الطاعة، عن الربيع، وهو اختيار البلخي. والكلام محتمل للأمرين، وحملها على الطاعة أعم، ويدخل فيه ما رواه أصحابنا من أن المراد به الدخول في الولاية. (كافة) أي: جميعا. أي: أدخلوا جميعا في الإسلام والطاعة والإستسلام. وقيل: معناه ادخلوا في السلم كله أي: في جميع شرائع الإسلام، ولا تتركوا بعضه معصية. ويؤيد هذا القول ما روي أن قوما من اليهود أسلموا، وسألوا النبي أن يبقي عليهم تحريم السبت، وتحريم لحم الإبل، فأمرهم أن يلتزموا جميع أحكام الإسلام. (ولا تتبعوا خطوات الشيطان) أي: آثاره ونزعاته، لأن ترككم شيئا من شرائع الإسلام، إتباع للشيطان. (إنه لكم عدو مبين) أي: مظهر للعداوة بامتناعه من السجود لآدم بقوله: (لأحتنكن ذريته إلا قليلا). (فإن زللتم من بعد ما جاءتكم البينات فاعلموا أن الله

[ 59 ]

عزيز حكيم [ 209 ]). اللغة: يقال: زل الرجل يزل زلا، وزللا ومزلة: إذا أذنب. وزل في الطريق زليلا، وأصله من الزوال، ومعنى الزلة: الزوال عن الإستقامة. والعزيز: هو القدير المنيع لذي لا يعجزه شئ. وأصل العزة: الإمتناع، ومنه أرض عزاز: إذا كانت ممتنعة بالشدة. وقد ذكرنا معنى الحكيم فيما سبق. الاعراب: (ما): حرف موصول. و (جاءتكم): صلته. و (اعلموا): جملة في موضع الرفع، لأنها بعد الفاء في جواب الشرط. والفاء مع الجملة في محل الجزم، أو محل الرفع، لأنه جواب شرط مبني. المعنى: لما أمر سبحانه عباده بالطاعة، عقبه بالوعيد على تركها، فقال: (فإن زللتم) أي: تنحيتم عن القصد، وعدلتم عن الطريق القويم، الذي أمركم الله تعالى بسلوكه، (من بعد ما جاءتكم البينات) أي: الحجج والمعجزات (فاعلموا أن الله عزيز) في نقمته، لا يمتنع شئ من بطشه وعقوبته (حكيم) فيما شرع من أحكام دينه لكم، وفيما يفعله بكم من العقاب على معاصيكم بعد إقامة الحجة عليكم. (هل ينظرون إلآ أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضى الأمر وإلى الله ترجع الأمور [ 210 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر: (والملائكة) بالجر. والباقون بالرفع. وقرأ ابن عامر والكسائي وحمزة: (ترجع الأمور) بفتح التاء. والباقون بضمها. الحجة: من قرأ والملائكة بالجر: فإنه عطفها على الغمام أي: في ظلل من الغمام. وفي ظلل من الملائكة أي: جماعة من الملائكة. وقراءه السبعة بالرفع عطفا على قوله الله أي إلا أن يأتيهم الله، وإلا أن يأتيهم الملائكة. وحجة من قرأ (ترجع الأمور) على بناء الفعل للمفعول به قوله (ثم ردوا إلى الله)، (ولئن رددت إلى ربي)، (ولئن رجعت إلى ربي). وحجة من قرأ ترجع على بناء الفعل للفاعل، قوله: (ألا إلى الله تصير الأمور)، (إليه مرجعكم). اللغة: النظر هنا بمعنى الإنتظار، كما في قول الشاعر:

[ 60 ]

* فبينا نحن ننظره أتانا * معلق شكوة، وزناد راع (1) * أي: ننتظره. وأصل النظر: الطلب لإدراك الشئ. وإذا استعمل بمعنى الانتظار فلأن المنتظر يطلب إدراك ما يتوقع. وإذا كان بمعنى الفكر بالقلب، فلأن المتفكر يطلب به المعرفة. وإذا كان بالعين، فلأن الناظر يطلب الرؤية. والظلل: جمع ظلة ما يستظل به من الشمس. وسمي السحاب ظلة لأنه يستظل به. والغمام: السحاب الأبيض الرقيق، سمي بذلك لأنه يغتم أي: يستر. الاعراب: (هل): حرف استفهام بمعنى النفي. (إلا) ها هنا لنقض النفي. (أن يأتيهم الله): في موضع نصب (ينظرون). (من الغمام): يتعلق بمحذوف، فهو جملة ظرفية في موضع الجر صفة (ظلل). المعنى: ثم عقب سبحانه ما تقدم من الوعيد بوعيد آخر، فقال: (هل ينظرون إلا أن ياتيهم الله في ظلل من الغمام) أي: هل ينتطر هؤلاء المكذبون بآيات الله إلا أن يأتيهم أمر الله، أو عذاب الله، وما توعدهم به على معصيته في ستر من السحاب. وقيل: قطع من السحاب، وهذا كما يقال: قتل الأمير فلانا، وضربه وأعطاه. وإن لم يتول شيئا من ذلك بنفسه، بل فعل بأمره، فأسند إليه لأمره به. وقيل: معناه ما ينتظرون إلا أن يأتيهم جلائل آيات الله، غير أنه ذكر نفسه تفخيما للآيات، كما يقال: دخل الأمير البلد، ويراد بذلك جنده. وإنما ذكر الغمام ليكون أهول، فإن الأهوال تشبه بظلل الغمام، كما قال سبحانه: (وإذا غشيهم موج كالظلل). وقال الزجاج: معناه يؤتيهم الله بما وعدهم من العذاب والحساب، كما قال: (فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا) أي: أتاهم بخذلانه إياهم. وهذه الأقوال متقاربة المعنى بل المعنى في الجميع واحد أي: هل ينتظرون إلا يوم القيامة، وهو استفهام يراد به النفي والإنكار أي: ما ينتظرون، كما يقال: هل يطالب بمثل هذا إلا متعنت أي: مأ يطالب. ومثله في التنزيل (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الملائكة أو يأتي أمر ربك). وقد يقال أتى وجاء فيما لا يجوز عليه المجئ والذهاب، تقول: أتاني وعيد فلان، وجاءني كلام فلان، وأتاني حديثه، ولا يراد به الإتيان الحقيقي، قال: * أتاني، فلم أسرر به حين جاءني، * حديث بأعلى القبتين، عجيب *


(1) الشكوة: وعاء من جلد للماء أو اللبن. والزناد جمع الزند: العود الذي تقدح به النار. (*)

[ 61 ]

وقال الآخر: * أتاني نصرهم وهم بعيد * بلادهم بأرض الخيزران * وأما قوله (والملائكة) فقد ذكرنا الوجه في رفعه وجره قبل. وقيل: معنى الآية إلا أن يأتيهم الله بظلل من الغمام أي: بجلائل آياته، وبالملائكة. وقوله: (وقضي الأمر) معناه فرغ من الأمر، وهو المحاسبة، وإنزال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، هذا في الآخرة. وقيل: معناه وجب العذاب أي: عذاب الاستئصال، وهذا في الدنيا. (وإلى الله ترجع الأمور) أي: إليه ترد الأمور في سؤاله عنها، ومجازاته عليها. وكانت الأمور كلها له في الابتداء، فسلك بعضها في الدنيا غيره، ثم يصير كلها إليه في الحشر، لا يملك أحد هناك شيئا. وقيل: إليه ترجع أمور الدنيا والآخرة. (سل بنى إسرآءيل كم ءاتيناهم من إية بينة ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب [ 211 ]). الاعراب: (كم): في موضع نصب لأنه مفعول ثان لآتينا، وإنما وجب له صدر الكلام لتضمنه معنى الإستفهام. ثم إن هذه الجملة التي هي (كم آتيناهم من آية) قد وقعت موقع المفعول الثاني لقوله: (سل). (من آية): يتعلق بآتينا أيضا. وما: حرف موصول جاءت صلته، والموصول والصلة في موضع جر بإضافة (بعد) إليه. المعنى: (سل) يا محمد (بني إسرائيل) أي: أولاد يعقوب، وهم اليهود الذين كانوا حول المدينة، والمراد به علماؤهم، وهو سؤال تقرير لتأكيد الحجة عليهم (كم آتيناهم) أي: أعطيناهم (من آية بينة) من حجة ظاهرة واضحة مثل اليد البيضاء، وقلب العصا حية، وفلق البحر، وتظليل الغمام عليهم، وإنزال المن والسلوى، عن الحسن ومجاهد. وقيل: كم من حجة واضحة لمحمد تدل على صدقه، عن الجبائي. (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته): في الكلام حذف وتقديره فبدلوا نعمة الله، وكفروا بآياته، وخالفوه فضلوا وأضلوا، ومن يبدل الشكر عليها بالكفران.

[ 62 ]

وقيل: من يصرف أدلة الله عن وجوهها بالتأويلات الفاسدة الخالية من البرهان (فإن الله شديد العقاب) له. وقيل: شديد العقاب لمن عصاه. فيدخل فيه هذا المذكور. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة في أنه ليس لله سبحانه على الكافرين نعمة، لأنه حكم عليهم بتبديل نعم الله، كما قالى في موضع آخر: (يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها) ونحو ذلك من وجه آخر، وهو أنه أضاف التبديل إليهم، وأوعدهم عليه بالعقوبة، فلو لم يكن فعلهم لما استحقوا العقوبة. والتبديل: هو أن يحرف، أو يكتم، أو يتأول على خلاف جهته، كما فعلوه في التوراة والإنجيل، وكما فعلوه مبتدعة الأمة في القرآن. النظم: لما بين الله تعالى شرائعه، وأن الناس فيها ثلاث فرق: مؤمن وكافر ومنافق، ثم وعد وأوعد، بين بعد ذلك أن تركهم الإيمان ليس بتقصير في الحجج، ولكن لسوء طباعهم، وخبث أفعالهم، فقد فعلوا قبلك يا محمد هذا الصنيع، فقال: (سل بني إسرائيل). (زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين ءامنوا والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة والله يرزق من يشآء بغير حساب [ 212 ]). اللغة: التزيين والتحسين: واحد. والزين: خلاف الشين. والزينة: اسم جامع لكل ما يتزين به. الاعراب: (الدنيا * صفة الحياة. (بغير حساب): الجار والمجرور في محل النصب على الحال، والعامل فيه (يرزق). وذو الحال الضمير في (يرزق)، أو الموصول الذي هو (من يشاء). وتقديره: غير محاسب، أو غير محاسب. النزول: نزلت الآية في أبي جهل، وغيره من رؤساء قريش، بسطت لهم الدنيا، وكانوا يسخرون من قوم من المؤمنين، فقراء، مثل عبد الله بن مسعود، وعمار وبلال وخباب ويقولون: لو كان محمد نبنا، لاتبعه أشرافنا، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في عبد الله بن أبي وأصحابه، يسخرون من ضعفاء المؤمنين، عن مقاتل. وقيل: نزلت في رؤساء اليهود من بني قريظة والنضير وقينقاع، سخروا من فقراء المهاجرين، عن عطا. ولا مانع من نزوله في جميعهم.

[ 63 ]

المعنى: ثم بين سبحانه أن عدولهم عن الإيمان إنما هو لإيثارهم الحياة الدنيا فقال: (زين للذين كفروا الحياة الدنيا) (1) وفيه قولان أحدهما: إن الشيطان زينها لهم بأن قوى دواعيهم، وحسن فعل القبيح والإخلال بالواجب إليهم. فأما الله فلا يجوز أن يكون المزين لهم إياها، لأنه زهد فيها. وقال (واعلم أنها متاع الغرور)، وقال: (قل متاع الدنيا قليل)، عن الحسن، والجبائي والأخر: إن الله زينها لهم بأن خلق فيها الأشياء المحبوبة المعجبة، وبما خلق لهم من الشهوة لها، كما قال: (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير) الآية. وإنما كان كذلك، لأن التكليف لا يتم إلا مع الشهوة، فإن الإنسان إنما يكلف بأن يدعى إلى شئ تنفر نفسه عنه، أو يزجر عن شئ تتوق نفسه إليه. وهذا معنى قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات " وإنما ذكر الفعل وهو مستند إلى الحياة، لأن تأنيث الحياة غير حقيقي، وهو بمعنى العيش والبقاء ونحوهما، ولأنه فصل بين الفعل والفاعل بقوله (للذين كفروا) وإذا قالوا في التأنيث الحقيقي: حضر القاضي اليوم امرأة، وجوزوا التذكير فيه، فهو في التأنيث غير الحقيقي أجوز. (ويسخرون من الذين آمنوا) ويهزأون من المؤمنين لفقرهم. وقيل: لإيمانهم بالبعث، وجدهم في ذلك. وقيل: لزهدهم في الدنيا. ويمكن حمله على الجميع إذ لا تنافي بين هذه الأقوال. (والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة) أي: الذين اجتنبوا الكفر فوق الكفار في الدرجات. وقيل: أراد أن تمتعهم بنعيم الآخرة أكثر من استمتاع هؤلاء في الآخرة بنعيم الدنيا. وقيل: أراد أن حالهم فوق هؤلاء الكفار، لأنهم في عليين، وهولاء في سجين. وهذا كقوله: (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا) ومثله قول حسان يعني رسول الله وأبا جهل: (فشركما لخيركما الفداء). وقيل: إنه أراد أن حال المؤمنين في الهزء بالكفار والضحك منهم في الآخرة، حال فوق هؤلاء في الدنيا. ويدل على ذلك قوله تعالى: (إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون) إلى قوله: (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون). (والله يرزق من يشاء بغير حساب) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه يعطيهم الكثير الواسع الذي لا يدخله الحساب من كثرته وثانيها: إنه لا يرزق الناس في الدنيا


(1) هذا من نقل الآية بالمعنى، وإلا تلفظ الآية هكذا: (وما الحيوة الدنيا إلا متاع الغرور) (آل عمرا ن، 185). (*)

[ 64 ]

على مقابلة أعمالهم وإيمانهم وكفرهم، فلا يدل بسط الرزق على منزلته عند الله. وإن قلنا: إن المراد في الآخرة، فمعناه إن الله لا يثيب المؤمنين في الآخرة على قدر أعمالهم التي سلفت منهم، بل يزيدهم تفضلا. وثالثها: إنه يعطيه عطاء لا يؤاخذه بذلك أحد، ولا يسأله عنه سائل، ولا يطلب عليه جزاء ولا مكافاة ورابعها: إنه يعطي العدد من الشئ لا يضبط بالحساب، ولا يأتي عليه العدد، لأن ما يقدر عليه غير متناه ولا محصور، فهو يعطي الشئ لا من عدد أكثر منه فينقص منه كمن يعطي الألف من الألفين، والعشرة من المائة، عن قطرب. وخامسها: إن معناه يعطي أهل الجنة ما لا يتناهى، ولا يأتي عليه الحساب، وكل هذه الوجوه جائز حسن. (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين ءامنوا لما أختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم [ 213 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر القاري وحده: (ليحكم) بضم الياء وفتح الكاف. والباقون بفتح الياء وضم الكاف. الحجة: وجه القراءة الظاهرة أن الكتاب يحكم ويكون على التوسع، كقوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق) ويجوز أن يكون فاعل يحكم الله أي: ليحكم الله في عباده. ووجه قراءة أبي جعفر ظاهر. اللغة: الأمة على وجوه ذكرناها عند قوله: (تلك أمة قد خلت) (1) وهي هنا بمعنى الملة والدين. الاعراب: (مبشرين ومنذرين) نصب على الحال (بالحق) في موضع الحال، والعامل فيه (أنزل) وذو الحال الكتاب (ليحكم) جار ومجرور. واللام يتعلق بأنزل. و (بغيا بينهم): نصب على أنهم مفعول له أي: لم يوقعوا الإختلاف إلا للبغي. ويجوز أن يكون مصدرا وقع موقع الحال (وما): اسم موصول.


(1) أي في ص 215. (*)

[ 65 ]

و (اختلفوا): صلته، واللام يتعلق (بهدى) و (من الحق): في موضع الحال من الموصول، والعامل فيه (هدى). والباء في (بإذنه): يتعلق (بهدى) أيضا. المعنى: ثم بين سبحانه أحوال من تقدم من الكفار تسلية للنبي، فقال: (كان الناس أمة واحدة) أي: ذوي أمة واحدة أي: أهل ملة واحدة، وعلى دين واحد، فحذف المضاف. واختلف في أنهم على أي دين كأنوا، فقال قوم: إنهم كانوا على الكفر، وهو المروي عن ابن عباس في إحدى الروايتين، والحسن، واختاره الجبائي. ثم اختلفوا في أي وقت كانوا كفارا فقال الحسن: كانوا كفارا بين آدم ونوح. وقال بعضهم: كانوا كفارا بعد نوح إلى أن بعث الله إبراهيم والنبيين بعده. وقال بعضهم: كانوا كفارا عند مبعث كل نبي، وهذا غير صحيح لأن الله بعث كثيرا من الأنبياء إلى المؤمنين. فإن قيل: كيف يجوز أن يكون الناس كلهم كفارا، والله تعالى لا يجوز أن يخلي الأرض من حجة له على خلقه ؟ قلنا: يجوز أن يكون الحق هناك في واحد، أو جماعة قليلة لم يمكنهم إظهار الدين، خوفا وتقية، فلم يعتد بهم إذا كانت الغلبة للكفار. وقال آخرون: إنهم كانوا على الحق، وهو المروي عن قتادة ومجاهد وعكرمة والضحاك وابن عباس في الرواية الاخرى. ثم اختلفوا فقال ابن عباس، وقتادة: هم كانوا بين آدم ونوح، وهم عشر فرق، كانوا على شريعة من الحق، فاختلفوا بعد ذلك. وقال الواقدي والكلبي: هم أهل سفينة نوح حين غرق الله الخلق، ئم اختلفوا بعد ذلك. فالتقدير على قول هؤلاء كان الناس أمة واحدة فاختلفوا. (فبعث الله النبيين) وقال مجاهد: المراد به آدم كان على الحق إماما لذريته، فبعث الله النبيين في ولده. وروى أصحابنا عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنه قال: كانوا قبل نوح أمة واحدة على فطرة الله، لا مهتدين ولا ضلالا، فبعث الله النبيين. وعلى هذا فالمعنى أنهم كانوا متعبدين بما في عقولهم، غير مهتدين إلى نبوة ولا شريعة، ثم بعث الله النبيين بالشرائع، لما علم أن مصالحهم فيها، فبعث الله أي: أرسل الله النبيين. (مبشرين) لمن أطاعهم بالجنة (ومنذرين) لمن عصاهم بالنار (وانزل معهم الكتاب) أي: أنزل مع كل واحد منهم الكتاب. وقيل: معناه وأنزل مع بعثهم

[ 66 ]

الكتاب إذ الأنبياء لم يكونوا منزلين حتى ينزل الكتاب معهم، وأراد به مع بعضهم، لأنه لم ينزل مع كل نبي كتاب. وقيل: المراد به الكتب، لأن الكتاب إسم جنس فمعناه الجمع. قوله: (بالحق) أي: بالصدق والعدل. وقيل: معناه وأنزل الكتاب بأنه حق، وأنه من عند الله. وقيل: معناه وأنزل الكتاب بما فيه من بيان الحق وقوله: (ليحكم بين الناس) الضمير في (يحكم) يرجع إلى الله أي: ليحكم الله منزل الكتاب. وقيل: يرجع إلى الكتاب أي: ليحكم الكتاب، فأضاف الحكم إلى الكتاب، وإن كان الله هو الذي يحكم على جهة التفخيم لأمر الكتاب. (فيما اختلفوا فيه) من الحق قبل إنزال الكتاب. ومتى سئل عن هذا فقيل: إذا كانوا مختلفين في الحق، فكيف عمهم الكفر في قول من قال إنهم كانوا كلهم كفارا ؟ فجوابه: إنه لا يمتنع أن يكونوا كفارا، وبعضهم يكفر من جهة الغلو، وبعضهم يكفر من جهة التقصير، كما كفرت اليهود والنصارى في المسيح، فقالت النصارى: هو رب، وقالت اليهود: هو كاذب. وقوله: (وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه) معناه: وما اختلف في الحق إلا الذين أعطوا العلم به كاليهود فإنهم كتموا صفة النبي بعدما أعطوا العلم به (من بعد ما جاءتهم البينات) أي: الأدلة والحجج الواضحة. وقيل: التوراة والإنجيل. وقيل: معجزات محمد (بغيا بينهم) أي: ظلما وحسدا، وطلبا للرئاسة، وقوله: (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه) معناه: فهدى الله الذين آمنوا للحق مما اختلفوا فيه بعلمه، والإذن بمعنى العلم مشهور في اللغة، قال الحارث بن حلزة: " آذنتنا ببينها أسماء " أي: أعلمتنا، وإنما خص المؤمنين لأنهم اختصوا بالاهتداء. وقيل: إن معنى بإذنه بلطفه. فعلى هذا يكون في الكلام محذوف أي: فاهتدوا بإذنه. وإنما قال: هداهم لما اختلفوا فيه من الحق، ولم يقل هداهم للحق فيما أختلفوا فيه، لأنه لما كانت العناية بذكر الإختلاف، كان أولى بالتقديم فقدمه، ثم فسره بمن. (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) فيه أقوال أحدها: إن المراد به البيان والدلالة، والصراط المستقيم هو الإسلام، وخص به المكلفين دون غيرهم ممن لا يحتمل التكليف، عن الجبائي. وثانيها: إن المراد به يهديهم باللطف، فيكون خاصا بمن علم من حاله أنه يصلح به، عن البلخي وابن الأخشيد. وثالثها:

[ 67 ]

إن المراد به يهديهم إلى صراط الجنة، ويأخذ بهم على طريقها، فتكون مخصوصا بالمؤمنين. (أم حسبتم أن تذخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين ءامنوا معه متى نصر الله ألآ إن نصر الله قريب [ 214 ]). القراءة: قرأ نافع وحده: (حتى يقول) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: من نصب فالمعنى وزلزلوا إلى أن قال الرسول وما ينصب بعد حتى جاء من الأفعال على ضربين أحدهما: أن يكون بمعنى إلى كما في الآية. والآخر: أن يكون بمعنى كي، كما تقول: أسلمت حتى أدخل الجنة، فهذا تقديره أسلمت كي أدخل الجنة. فالإسلام قد كان، والدخول لم يكن. وفي الوجه الأول كلا الفعلين السبب والمسبب قد مضى. وأما من قرأ بالرفع فالفعل الواقع بعد حتى، لا يكون إلا فعل حال، ويجئ أيضا على ضربين احدهما: أن يكون الفعل الأول الذي هو السبب قد مضى، والفعل الثاني المسبب لم يمض، كما تقول مرض حتى لا يرجونه. وتتجه الآية على هذا الوجه لأن المعنى زلزلوا فيما مضى حتى ان الرسول يقول الآن متى نصر الله، وحكيت الحال التي كانوا عليها كما حكيت الحال في قوله: هذا من شيعته وهذا من عدوه. والثاني: أن يكون الفعلان جميعا قد مضيا نحو سرت حتى أدخلها، فالدخول متصل بالسير بلا فصل بينهما، والحال محكية كما كانت في الوجه الأول، ألا ترى أن ما مضى لا يكون حالا، وحتى إذا رفع الفعل بعدها حرف يستأنف الكلام بعدها، وليست العاطفة، ولا الجارة. وإذا نصب الفعل بعدها فهي الجارة، وينصب الفعل بعدها بإضمار أن كما ينصب بعد اللام. والفعل وأن المضمرة معها في موضع جر بحتى. اللغة: الزلزلة: شدة الحركة. والزلزال: البلية المزعجة لشدة الحركة، والجمع زلازل. وأصله من قولك: زل الشئ عن مكانه ضوعف لفظه لمضاعفة معناه نحو: صر وصرصر، وصل وصلصل. فإذا قلت: زلزلته، فتأويله: كررت تحريكه عن مكانه.

[ 68 ]

الاعراب: (أم) هذه هي المنقطعة، ومعناه: بل أحسبتم. والفرق بين أحسبتم، وأم حسبتم أن أم لا تكون إلا متصلة بكلام والألف تكون مستأنفة. (أن تدخلوا): صلة وموصول في موضع نصب بأنه مفعول حسبتم وقد سدا مسد مفعوليه. وقيل: مفعوله الثاني محذوف وتقديره أم حسبتم دخولكم الجنة ثابتا. والجنة: نصب لأنها ظرف مكان لتدخلوا. ولما: أصلها لم زيد عليها ما فغيرت معناها، كما غيرت معنى لو إذا قلت لوما فصيرته بمعنى هلا. والفرق بين لم ولما أن لما يصح أن يوقف عليها مثل قولك في جواب من يقول أقدم الأمير ؟ لما. ولا يجوز أن يقول لم. وفي لما توقع لأنها عقيبة قد إذا انتظر قوم ركوب الأمير قلت: قد ركب. فإن نفيت هذا قلت لما يركب. وليس كذلك لم ويجمعهما نفي الماضي. (مثل) مرفوع بأنه صفة محذوف مرفوع بيأتي تقديره ولما يأتكم نصب مثل الذي أصاب الذين خلوا من قبلكم. وإضافة مثل غير حقيقية، لأنه في تقدير الإنفصال فالمجرور في تقدير المنصوب لأنه مفعول. ولما مع الجملة: في موضع نصب على الحال. والواو: واو الحال، وتقديره أن تدخلوا الجنة غير مصابين. ومستهم البأساء: في موضع الحال أيضا بإضمار قد. والعامل فيه خلوا. وزلزلوا: معطوفة على مستهم. ونصر الله: مبتدأ، وإضافته غير حقيقية. ومتى: في موضع خبر المبتدأ. النزول: قيل: نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة، وحوصر المسلمون في المدينة، فدعاهم الله إلى الصبر، ووعدهم بالنصر، عن قتادة والسدي. وقيل: نزلت في حرب أحد لما قال عبد الله بن أبي لأصحاب النبي: إلى متى تقتلون أنفسكم ؟ لو كان نبيا ما سلط الله عليه الأسر والقتل ؟ ! وقيل: نزلت في المهاجرين من أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة إذ تركوا ديارهم وأموالهم ومسهم الضر، عن عطا. المعنى: ثم ذكر سبحانه ما جرى على المؤمنين من الأمم الخالية، تسلية لنبيه ولأصحابه فيما نالهم من المشركين وأمثالهم، لأن سماع أخبار الخيار الصالحين، يرغب في مثل أحوالهم، فقال: (ام حسبتم) معناه بل أظننتم وخلتم أيها المؤمنون (أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم) معناه: ولما تمتحنوا وتبتلوا بمثل ما امتحنوا به، فتصبروا كما صبروا. وهذه استدعاء إلى الصبر وبعده الوعد

[ 69 ]

بالنصر. والمثل مثل الشبه والشبه أي: لم يصبكم شبه الذين خلوا أي: مضوا قبلكم من النبيين والمؤمنين. وفي الكلام حذف وتقديره: مثل محنة الذين، أو مصيبة الذين مضوا. ثم ذكر سبحانه ما أصاب أولئك فقال: (مستهم البأساء والضراء) والمس واللمس واحد. والبأساء: نقيض النعماء. والضراء: نقيض السراء. وقيل البأساء القتل، والضراء الفقر. وقيل: هو ما يتعلق بمضار الدين من حرب وخروج من الأهل والمال، وإخراج فمدحوا بذلك إذ توقعوا الفرج بالصبر (وزلزلوا) أي: حركوا بأنواع البلايا. وقيل: معناه هنا أزعجوا بالمخافة من العدو، وذلك لفرط الحيرة (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله) قيل: هذا استعجال للموعود كما يفعله الممتحن. وإنما قاله الرسول استبطاء للنصر على جهة التمني. وقيل: إن معناه الدعاء لله بالنصر، ولا يجوز أن يكون على جهة الإستبطاء لنصر الله، لأن الرسول يعلم أن الله لا يؤخره عن الوقت الذي توجبه الحكمة. ثم أخبر الله سبحانه أنه ناصر أوليائه لا محالة فقال: (ألا إن نصر الله قريب) وقيل: إن هذا من كلامهم بأنهم قالوا عند الإياس (متى نصر الله)، ثم تفكروا فعلموا أن الله منجز وعده، فقالوا: (ألا إن نصر الله قريب) وقيل: إنه ذكر كلام الرسول والمؤمنين جملة وتفصيلا. وقال المؤمنون: متى نصر الله. وقال الرسول: (ألا إن نصر الله قريب) كقوله: (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) أي لتسكنوا بالليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار. (يسئلونك ماذا ينفقون قل مآ أنفقتم من خير فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل وما تفعلوا من خير فإن الله به عليم [ 215 ]). اللغة: النفقة: إخراج الشئ من الملك ببيع أو هبة أو صلة أو نحو ذلك. وقد غلب في العرف على إخراج ما كان من المال من عين أو ورق. والسؤال: طلب الجواب بصيغة مخصوصة من الكلام. الاعراب: موضع ما من قوله (ماذا ينفقون) يحتمل أن يكون مرفوعا أو منصوبا. فأما الرفع فيكون على تقدير ما الذي ينفقون أي: أي شئ الذي ينفقونه. والعائد من الصلة محذوف، ويكون ذا موصولا بمنرلة الذي. و (ينفقون) صلته.

[ 70 ]

والنصب على تقدير: أي شئ ينفقون. فيكون ما وذا بمنزلة شئ واحد، ويكون ذا لغوا، لأن ما مفيدة للمعنى. وما من قوله (ما أنفقتم): اسم للشرط في محل الرفع بالإبتداء. وأنفقتم: في محل الجزم بما. (من خير): جار ومجرور في موضع الحال. ومن للتبيين، وتقديره ما أنفقتم كائنا من خير. فذو الحال الضمير المحذوف من الصلة. (فللوالدين) الجار والمجرور خبر مبتدأ محذوف، والمبتدأ والخبر في محل الرفع لوقوعهما بعد الفاء. والفاء مع ما بعده: جواب للشرط، ومعنى حرف الشرط الذى تضمنه (ما) مع الشرط والجزاء في موضع رفع، لأنها خبر المبتدأ الأول (وما تفعلوا): ما اسم شرط في محل النصب بتفعلوا، ويجوز أن يكون (ما) في أنفقتم أيضا منصوب الموضع بأنفقتم، فيكون مفعولا له. النزول: نزلت في عمرو بن الجموح، وكان شيخا كبيرا ذا مال كثير، فقال: يا رسول الله ! بماذا أتصدق ؟ وعلى من أتصدق ؟ فأنزل الله هذه الآية. المعنى: (يسألونك) يا محمد (ماذا) اي أي شئ (ينفقون). والسؤال عن الإنفاق يتضمن السؤال عن المنفق عليه، فإنهم قد علموا أن الأمر وقع بإنفاق المال، فجاء الجواب ببيان كيفية النفقة وعلى من ينفق فقال: (قل) يا محمد (ما أنفقتم من خير) أي: مال، فدل على أن له مقدارا، وأنه مما ينتفع به، لأن ما لا ينتفع به لا يسمى خيرا (فللوالدين والأقربين) والمراد بالوالدين: الأب والأم، والجد والجدة وإن علوا، لأنهم يدخلون في اسم الوالدين. والمراد بالأقربين: أقارب المعطي (واليتامى) أي: كل من لا أب له مع صغره. (والمساكين): الفقراء. (وابن السبيل): المنقطع به. واختلفوا في هذه النفقة، فقال الحسن: المراد به نفقة التطوع على من لا يجوز وضع الزكاة عنده، والزكاة لمن يجوز وضع الزكاة عنده، فهي عامة في الزكاة المفروضة، وفي التطوع. وقال السدي: الآية واردة في الزكاة، ثم نسخت ببيان مصارف الزكاة، والأول أظهر لأنه لا دليل على نسخها. واتفق العلماء على أنه لا يجوز دفع الزكاة إلى الأب والأم، والجد والجدة وإلى الأولاد. فأما النفقة فلا خلاف أن النفقة على الوالدين إذا كانا فقيرين واجبة. وأما النفقة على ذي الرحم فلا يجب عندنا وعند الشافعي، ويجب عند أبي حنيفة. وقوله: (وما تفعلوا من خير) أي:

[ 71 ]

من عمل صالح يقربكم إلى الله (فإن الله به عليم) يجازيكم به من غير أن يضيع منه شئ، لأنه تعالى لا يخفى عليه شئ. النظم: ووجه اتصال هذه إلاية بما قبلها أن الآية الأولى فيها دعاء إلى الصبر على الجهاد في سبيل الله، وفي هذه الآية بيان لوجه النفقة في سبيل الله، وكل ذلك دعاء إلى فعل البر والطاعة. (كتب عليكم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهوشر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 216 ]). اللغة: الكره بالفتح: المشقة التي تحمل على النفس. والكره بالضم: المشقة حمل على النفس، أو لم يحمل. وقيل: الكره الكراهة، والكره المشقة. وقد يكره الإنسان ما لا يشق عليه، وقد يشق عليه ما لا يكرهه. وقيل: الكره والكره لغتان مثل الضعف والضعف. والخير: نقيض الشر. والخير: النفع الحسن. والشر: الضرر القبيح، وهذا هو الأصل، ثم يستعملان في غير ذلك توسعا، يقال: شر يشر شرارة، وشرار النار وشررها: لهبها. وشرة الشباب: نشاطه. وتشرير اللحم أو الثوب: أن تبسطه ليجف. والإشرار: الإظهار. الاعراب: (وهو كره لكم): فيه حذف، وتقديره: وهو ذو كره لكم. ويجوز أن يكون معناه وهو مكروه لكم، فوقع المصدر موقع المفعول ومثله: رجل رضا أي: ذو رضا. ويجوز أن يكون بمعنى مرضي (وعسى أن تكرهوا) موضع أن تكرهوا: رفع بأنه فاعل عسى. وعسى هذه تامة، لأنها تمت بالفاعل، ولم تحتج إلى خبر. المعنى: هذه الآية بيان لكون الجهاد مصلحة لمن أمر به، قال سبحانه: (كتب عليكم القتال) أي: فرض عليكم الجهاد في سبيل الله (وهو كره لكم) أي: شاق عليكم تكرهونه كراهة طباع لا على وجه السخط، وقد يكون الشئ مكروها عند الإنسان في طبعه، ومن حيث تنفر نفسه عنه، وإن كان يريده، لأن الله تعالى أمره بذلك كالصوم في الصيف. وقيل: معناه أنه مكروه لكم قبل أن يكتب عليكم، لأن المؤمنين لا يكرهون ما كتب الله عليهم (وعسى ان تكرهوا شيئا):

[ 72 ]

معناه وقد تكرهون شيئا في الحال، وهو خير لكم في عاقبة أموركم، كما تكرهون القتال لما فيه من المخاطرة بالروح (وهو خير لكم) لأن لكم في الجهاد إحدى الحسنيين: إما الظفر والغنيمة، وإما الشهادة والجنة. (وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم) أي: وقد تحبون ما هو شر لكم، وهو القعود عن الجهاد لمحبة الحياة، وهو شر لما فيه من الذل والفقر في الدنيا، وحرمان الغنيمة والأجر في العقبى (والله يعلم) أي: يعلم ما فيه مصالحكم ومنافعكم، وما هو خير لكم في عاقبة أمركم (وأنتم لا تعلمون) ذلك، فبادروا إلى ما يأمركم به، وإن شق عليكم. وأجمع المفسرون إلا عطاء، أن هذه الآية دالة على وجوب الجهاد وفرضه، غير أنه فرض على الكفاية، حتى أن لو قعد جميع الناس عنه أثموا به، وإن قام به من في قيامه كفاية وغناء، سقط عن الباقين. وقال عطاء: إن ذلك كان واجبا على الصحابة، ولم يجب على غيرهم، وقوله شاذ عن الإجماع. (يسئلونك عن الشهر الحرام قتال فيه كبير وصد عن سبيل الله وكفر به والمسجد الحرام وإخراج أهله منه أكبر عند الله والفتنة أكبر من القتل ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 217 ]). اللغة: الصد والمنع والصرف نظائر. يقال: صد عن الشئ يصد صدودا. وصدا: إذا أعرض وعدل عنه. وصد غيره يصده صدا: إذا عدل به عنه ومنعه. والصدد: ما استقبلك، وصار في قبالتك، لأنه يعدل إلى مواجهتك. والصدان: ناحيتا الشعب والوادي. والصداد: ضرب من الجرذان يعدل لك لشدة تحرزه. والصداد: الوزغ لأنه يعدل عنه استقذارا له. وأصل الباب العدول. لا يزال أصله من الزوال: وهو العدول. ومعنى لا يزال: يدوم موجودا. وما زال أي: دام. وحبط عمل الرجل حبطا، وحبوطا، وأحبطه الله إحباطا، والحبط: فساد يلحق الماشية في بطونها لأكل الحباط: وهو ضرب من الكلأ، يقال: حبطت الإبل تحبط حبطا: إذا أصابها ذلك، ثم سمي الهلاك حبطا وفي إلحديث: " ان مما ينبت الربيع

[ 73 ]

ما يقتل حبطا، أو يلم ". الاعراب: (قتال فيه): مجرور على البدل من (الشهر)، وهو بدل الإشتمال لأن الزمان يشتمل على ما يقع فيه. ومثله في المكان قوله: (قتل أصحاب الأخدود) النار. وقال الأعشى: * لقد كان في حول ثواء ثويته، * تقضى لبانات، ويسأم سائم (1) * وقال الكوفيون: هو مجرور على إضمار عن. وقال بعضهم: هو على التكرير. وهذه ألفاظ متقاربة في المعنى، وإن اختلف في العبارة عنه. وقوله (قتال): مرفوع بالإبتداء. و (كبير): خبره (وصد عن سبيل الله): مبتدأ. (وكفر به): معطوف عليه. (وإخراج أهله منه): معطوف عليه أيضا. وخبره (أكبر عند الله) أي: هذه الأشياء أكبر عند الله أي: أعظم إثما. وأجاز الفراء رفعه على وجهين أحدهما: إنه مردود على (كبير) أي: قل قتال فيه كبير، وصد عن سبيل الله، وكفر به أي: القتال قد جمع أنه كبير، وأنه صد عن سبيل الله، وكفر به والآخر: أن يجعل الصد الكبير أي: القتال فيه كبير، والصد عن سبيل الله كبير فيكون مرتفعا بالإبتداء، وخبره محذوف. وخطأه العلماء بالنحو قالوا: لأنه يصير المعنى في التقدير الأول: قل القتال في الشهر الحرام كفر بالله، وهذا خطأ بالإجماع، ويصير التقدير في الثاني: وإخراج أهله منه أكبر عند الله من الكفر، وهذا أيضا خطأ بالإجماع. وللفراء أن يقول في هذه: المعنى وإخراج أهله منه أكبر من القتل فيه، لا من الكفر به، لأن المعني في إخراج أهله منه إخراج النبي والمؤمنين بعده فأما الوجه الأول فلا مخلص للفراء منه (والمسجد الحرام): مجرور عطف على (سبيل الله) كأنه قال وصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام، وهو قول المبرد. وقيل: إنه عطف على (الشهر الحرام) كأنه قال: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، والمسجد الحرام، وهو قول الفراء ولا يجوزحمله على الباء في قوله (وكفر به) لأنه لا يعطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجار، إلا في ضرورة الشعر. (ومن يرتدد) على إظهار


(1) ثوى المكان: أقام. واللبانات بضم اللام: الحاجات من غير فاقة. والسأمة: الملالة. والشاهد في قوله (ثواء) فإنه بدل الإشتمال من (حول). (*)

[ 74 ]

التضعيف لسكون الثاني. ويجوز يرتد بفتح الدال على التحريك، لالتقاء الساكنين بأخف الحركات، ويجوز بكسر الدال على أصل التحريك لالتقاء الساكنين، والفتح أجود. النزول: قال المفسرون: بعث رسول الله سرية من المسلمين، وأمر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، وهو ابن عمة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وذلك قبل قتال بدر بشهرين على رأس سبعة عشر شهرا من مقدمه المدينة، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة، فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش، في آخر يوم من جمادى الآخرة، وكانوا يرون أنه من جمادى، وهو رجب، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو، وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا. وقال قائل منهم: لا نعلم هذا اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم (1) عليه. فغلب على الأمر الذي يريدون عرض الحياة الدنيا، فشدوا على ابن الحضرمي فقتلوه، وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش. وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المشركين والمسلمين، وذلك أول فئ أصابه المسلمون. فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالوا: أيحل القتال في الشهر الحرام ؟ فأنزل الله هذه الآية. المعنى: (يسألونك) يا محمد. والسائلون أهل الشرك على جهة العيب للمسلمين باستحلالهم القتال في الشهر الحرام، عن الحسن، وأكثر المفسرين. وقيل: السائلون أهل الإسلام، سألوا عن ذلك ليعلموا كيف الحكم فيه (عن الشهر الحرام قتال فيه) يعني عن قتال في الشهر الحرام، وهو رجب، سمي بذلك لتحريم القتال فيه، ولعظم حرمته، ولذلك كان يسمى في الجاهلية " منزع الأسنة ومنصل الأل " (2)، لأنهم كانوا ينزعون الأسنة والنصال عند دخول رجب، انطواء على ترك القتال فيه، وكان يدعى الأصم لأنه لا يسمع فيه قعقعة السلاح، فسب الصمم إليه، كما قيل: ليل نائم، وسر كاتم. فكان الناس لا يخاف بعضهم بعضا، وتأمن السبل إلى أن ينقضي الشهر.


(1) أي: أشرفتم. (2) الأل والألة: الحربة، جميع أدوات الحرب. (*)

[ 75 ]

(قل) يا محمد (قتال فيه) أي: في الشهر الحرام (كبير) أي: ذنب عظيم. ثم استأنفه وقال: (وصد عن سبيل الله وكفر به) أي: والصد عن سبيل الله، والكفر بالله (والمسجد الحرام) أي: والصد عن المسجد إلحرام. وعلى القول الآخر معناه: يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام. وقيل: معناه والكفر والمسجد الحرام، عن الجبائي، فحمله عن الباء في قوله (وكفر به). (وإخراج أهله) يعني أهل المسجد، وهم المسلمون و (منه) أي: من المسجد (أكبر) أي: أعظم وزرا (عند الله) يعني إخراجهم المسلمين من مكة حين هاجروا إلى المدينة. والظاهر يدل على أن القتال في الشهر الحرام كان محرما لقوله: (قل قتال فيه كبير) وذلك لا يقال إلا فيما هو محرم محظور. وقيل: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عقل ابن الحضرمي. وقوله: (والفتنة أكبر من القتل) معناه الفتنة في الدين وهو الكفر، أعظم من القتل في الشهر الحرام، يعني قتل ابن الحضرمي. وقال قتادة وغيره: إن تحريم القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، منسوخ بقوله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) وبقوله: (أقتلوا المشركين حيث وجدتموهم). وقال عطاء: هو باق على التحريم. وعندنا: إنه باق على التحريم فيمن يرى لهذه الأشهر حرمة، ولا يبتدئون فيها بالقتال، وكذلك في الحرم، وإنما أباح الله تعالى للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قتال أهل مكة عام الفتح، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الله أحلها لي في هذه الساعة، ولا يحلها لأحد من بعدي إلى يوم القيامة ". ومن لا يرى منهم حرمة الحرم، وحرمة هذه الأشهر، جاز قتاله في وقت كان. والتحريم منسوخ في حقه. وقوله تعالى: (ولا يزالون يقاتلونكم) يعني أهل مكة يقاتلونكم يا معشر المسلمين (حتى يردوكم عن دينكم) أي: يصرفوكم عن دين الإسلام، ويلجئوكم إلى الإرتداد (إن استطاعوا) أي: إن قدروا على ذلك (ومن يرتدد منكم عن دينه) هذا تحذير عن الإرتداد ببيان استحقاق العذاب عليه (فيمت وهو كافر) يعني مات على كفره (فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) معناه: إنها صارت بمنزلة ما لم يكن لإيقاعهم إياها على خلاف التوجه المأمور به، لأن إحباط العلم وإبطاله، عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب. وليس المراد أنهم استحقوا على أعمالهم الثواب، ثم انحبط، لأنه قد دل

[ 76 ]

الدليل على أن الإحباط على هذا الوجه لا يجوز (وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) أي: دائمون. النظم: نظم الآية وتقديرها يسألونك عن القتال في الشهر الحرام، وعند المسجد الحرام، فقل ذلك كبير، ولكن الكفر بالله، وصد المسلمين عن بيت الله ودينه، وإخراجهم عن أوطانهم، أعظم عند الله، وأكبر وزرا. وهؤلاء الكفار مع هذه الأفعال يقاتلونكم ليردوكم عن الدين، فكل واحد من هذا أعظم مما سألوا عنه. (إن الذين ءامنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمت الله والله غفور رحيم [ 218 ]). اللغة: الهجر: ضد الوصل، يقال هجره يهجره هجرانا، وهجرا وهجرة: إذا قطع مواصلته. وهجر المريض يهجر هجرا: إذا قال ما ينبغي أن يهجر من الكلام. وسموا المهاجرين: لهجرتهم قومهم وأرضهم، وإنما أطلق على هؤلاء اللفظ الذي يقع على الإثنين، لأن كل واحد من هؤلاء فعل مثل فعل صاحبه، وترك ما تركه اختيارا لصحبة النبي. وجاهدت العدو مجاهدة وجهادا: إذا حملت نفسك على المشقة في قتاله. والرجاء: الأمل. وقوله: (ما لكم لا ترجون لله وقارا) أي: لا تخافون. وقال أبو ذؤيب: * إذا لسعته النحل لم يرج لسعها، * وخالفها في بيت نوب عوامل (1) * أي: لم يخف، وذلك أن الرجاء للشئ معه الخوف من أن لا يكون، فلذلك سمي الخوف باسم الرجاء. النزول: نزلت الآية في قصة عبد الله بن جحش وأصحابه لما قاتلوا في رجب، وقتل واقد السهمي ابن الحضرمي، فظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم، فليس لهم أجر، فأنزل الله الآية فيهم بالوعد. المعنى: (إن الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (والذين هاجروا) أي: قطعوا عشائرهم، وفارقوا منازلهم، وتركوا أموالهم (وجاهدوا في سبيل الله) أي:


(1) النوب بالضم: النحل التي تنوب أي: تذهب وتجئ عوامل تجئ بالشمع ثم تعمله. قوله: (وخالفها) أي: حملها إلى عملها، وهي ترعى. (*)

[ 77 ]

قاتلوا الكفار في طاعة الله التي هي سبيله المشروعة لعباده. وإنما جمع بين هذه الأشياء لبيان فضلها، والترغيب فيها، لا لأن الثواب لا يستحق على واحد منها على الإنفراد (أولئك يرجون رحمة الله) أي: يأملون نعمة الله في الدنيا، والعقبى: وهي النصرة في الدنيا، والمثوبة في العقبى (والله غفور) يغفر ذنوبهم (رحيم) يرحمهم. وإنما ذكر لفظ الرجاء للمؤمنين، وإن كانوا يستحقون الثواب قطعا ويقينا، لأنهم لا يدرون ما يكون منهم في المستقبل: الإقامة على طاعة الله، أو الإنقلاب عنها إلى معصية الله. ووجه آخر وهو الصحيح وهو: أن يرجوا رحمة الله في غفران معاصيهم التي لم يتفق لهم التوبة منها، واخترموا دونها، فهم يرجون أن يسقط الله عقابها عنهم، تفضلا. فأما الوجه الأول: فإنما يصح على مذهب من يجوز أن يكفر المؤمن بعد إيمانه، أو يفعل في المستقبل كبيرة تحبط ثواب إيمانه. وهذا لا يصح على مذهبنا في الموافاة. وقال الحسن: أراد به ايجاب الرجاء والطمع على المومنين، لأن رجاء رحمة الله من أركان الدين، واليأس من رحمته كفر، كما قال: (ولا ييأس من روح الله) الآية. والأمن من عذابه خسران كما قال: (ولا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون) فمن الواجب على المؤمن أن لا ييأس من رحمته، وأن لا يأمن من عقوبته، ويؤيده قوله تعالى (يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه)، وقوله: (يدعون ربهم خوفا وطمعا) وليس في الآية دلالة على أن من مات مصرا على كبيرة لا يرجو رحمة الله لأمرين أحدهما: إن الدليل المفهوم غير صحيح عند أكثر المحصلين. والآخر: إنه. قد يجتمع عندنا الإيمان والهجرة والجهاد مع ارتكاب الكبيرة، ولا يخرج من هذه صورته عن تناول الآية له. النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الأولى العذاب، ذكر بعدها الثواب. ليكون العبد بين الخوف والرجاء إذ ذاك أحق بتدبير الحكماء، وأوكد في الإستدعاء. (* يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو كذلك

[ 78 ]

يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون [ 219 ] في الدنيا والأخرة ويسئلونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح ولو شآء الله لأعنتكم إن الله عزيز حكيم [ 220 ]). آيتان في الكوفي، وآية واحدة فيما عد الكوفي تتفكرون آية، وتركها غيره. القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (إثم كثير) بالثاء. والباقون بالباء. وقرأ أبو عمرو وحده: (قل العفو) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ بالباء أن يقول: الباء أولى، لأن الكبر مثل العظم، ومقابله الصغر. والكبير: العظيم، قال تعالى: (وكل صغير وكبير مستطر). وقد استعملوا في الذنب إذا كان موبقا الكبيرة، كقوله: (كبائر ما تنهون عنه) و (كبائر الإثم) فلذلك ينبغي أن يكون قوله: (قل فيهما إثم كبير) بالباء، لأن شرب الخمر والميسر من الكبيرة. وقالوا في غير الموبق: صغير وصغيرة، ولم يقولوا: قليل. ومقابل الكثير القليل، كما أن مقابل الكبير الصغير، ويدل على ذلك أيضا قوله (وإثمهما أكبر من نفعهما) واتفاقهم هنا على أكبر، ورفضهم لأكثر. ووجه قراءة من قرأ بالثاء أنه قد جاء فيهما: (إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة) وفي الحديث: " لعن الرسول في الخمر عشرة: مشتريها والمشتراة له، وعاصرها والمعصورة له، وساقيها والمستقي لها، وحاملها والمحمولة إليه، وآكل ثمنها " فهذا يقوي قراءة من قرأ كثير. وأما وجه قول من نصب (العفو): فهو أن قولهم ماذا يستعمل على ضربين أحدهما: أن يكون ما مع ذا إسما واحدا. والآخر: أن يكون ذا بمعنى الذي، فالأول قول العرب عما ذا تسال أثبتوا الألف في ما لما كان ما مع ذا بمنزلة اسم واحد، فإن الحذف إنما يقع إذا كانت الألف آخرا، ومن ذلك قول الشاعر: * يا خزر تغلب ماذا بال نسوتكم * لايستفقن إلى الديرين تحنانا (1) *


(1) الخزر جمع الأخزر: الرجل الضيق العين، وهذا عند العرب من النقائص الشنيعة. لا يستفقن أي: لا يرجعن التحنان: الشوق. (*)

[ 79 ]

أي: ما بال نسوتكم. فإذا كان ما مع ذا بمنزلة إسم واحد، كان قوله (ماذا ينفقون) في موضع نصب بمنزلة ما ينفقون أي: أيا ما ينفقون، فجواب هذا العفو بالنصب. وأما وجه قول من رفع فهو أن يجعل ماذا على الضرب الآخر، فيكون تقديره ما الذي ينفقون ؟ فجوابه: العفو، على أن يكون خبر مبتدأ محذوف أي: الذي ينفقون العفو، ومثله في التنزيل: (وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين). واعلم أن سيبويه لا يجوز أن يكون ذا بمنزلة الذي إلا في هذا الموضع، لما قامت الدلالة على ذلك. والكوفيون يجيزون في غير هذا الموضع ويحتجون بقول الشاعر: * عدس ! ما لعباد عليك إمارة، * نجوت، وهذا تحملين طليق (1) * وبقوله سبحانه: (وما تلك بيمينك يا موسى). ولا دلالة لهم في الآية. فإن قوله (بيمينك) يجوز أن يكون ظرفا في موضع الحال، فلا يكون صلة، وكذلك تحملين في البيت. والعامل في الحال في الموضعين، ما في المبهم من معنى الفعل. اللغة: الخمر: أصله الستر. والخمر: ما واراك من الشجر وغيره، ومنه الخمار: للمقنعة. ودخل في خمار الناس أي: في الكثير الذي يستتر فيهم. ويقال: خامره الداء: إذا خالطه، قال كثير: * هنيئا مريئا غير داء مخامر لعزة * من أعراضنا ما استحلت (2) * وخمرت الإناء أي: غطيته. وفي الحديث: اكان النبي يسجد على الخمرة " وهي السجادة الصغيرة من الحصير، سميت بذلك لأنها تستر الوجه عن الأرض. قال الزجاج: وقد لبس على أبي الأسود الدؤلي فقيل له: إن هذا المسكر الذي سموه بغير الخمر حلال، فظن أن ذلك كما قيل له، ثم رده طبعه إلى أن حكم بأنهما واحد، فقال له: * دع الخمر تشربها الغواة فإنني * رأيت أخاها مجزيا بمكانها (3) *


(1) الشعر في (جامع الشواهد). (2) عزة: اسم امرأة والمعنى هنيئا لعزة كلما اسنحلت من أعراضي، إلا الداء الذي خالطني. (3) والمعنى: أترك الخمر للغواة واختر لنفسك أخاها، فإنه إن لم تكن تلك هي، لكنه يكون أخوها بالرضاع. (*)

[ 80 ]

* فإن لايكنها، أوتكنه، * فإنه أخوها غذته أمه بلبانها * وأصل الباب الستر. والميسر: القمار، إشتق من اليسر: وهو وجوب الشئ لصاحبه من قولك يسر لي هذا الشئ ييسر وميسرا: إذا وجب لك. والياسر الواجب بقداح وجب لك أو غيره. وقيل للمقامر: ياسر ويسر. قال النابغة: * أو ياسر ذهب القداح بوفره * أسف تأكله الصديق مخلع (1) * أي: قامر. وقيل: أخذ من التجزئة، لأن كل شئ جزأته فقد يسرته. والياسر: الجازر. والميسر: الجزور. وقيل: أخذ من اليسر وهو السهولة، لأنهم كانوا يشتركون في الجزور ليسهل أمرها إلا أنه على جهة القمار. والعفو: مأخوذ من الزيادة، ومنه قيل: حتى عفوا أي: زادوا على ما كانوا عليه من العدد. قال الشاعر: * ولكنا يعض السيف منا * بأسوق عافيات الشحم كوم (2) * أي: زائدات الشحم. وقيل: هومأخود من الترك من قوله: (فمن عفي له من أخيه شئ) أي: ترك. ومنه قوله: (عفوت لكم عن صدقة الخيل أي: تركتها. فيكون العفو المتروك غني عنه. والمخالطة: مجامعة يتعذر معها التمييز، كمخالطة الخل للماء وما أشبهه. والخليطان: الشريكان لاختلاط أموالهما. والخليط: القوم أمرهم واحد. والإعنات: الحمل على مشقة لا تطاق ثقلا. وعنت العظم عنتا: أصابه وهن أو كسر بعد جبر. وعنت عنتا: إذا اكتسب مأثما. وتعنته تعنتا: إذا لبس عليه في سؤاله له. والأكمة العنوت: الطويلة. وأصل الباب: المشقة والشدة. الاعراب: العامل في الطرف من قوله (في الدنيا والآخرة) قوله: (يبين) أي: يبين لكم الآيات في أمر الدنيا والآخرة. ويجوز أن يكون (تتفكرون) أيضا أي: تتفكرون في أمر الدنيا وأمر الآخرة. وقوله: (فإخوانكم) رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره فهم إخوانكم. ويجوز في العربية: فإخوانكم على


(1) الوفر: المال الكثير. تأكله: غضب عليه. والمخلع: الرجل الضعيف الرخو. (2) بعض السيف: من أعضضته سيفي إذا ضربته به. الكوم بالضم جمع الكوماء: الناقة العظيمة السنام. (*)

[ 81 ]

النصب، على تقدير فإخوانكم يخالطون، والوجه الرفع. النزول: نزلت في جماعة من الصحابة أتوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالوا: أفتنا في الخمر والميسر، فإنها مذهبة للعقل، مسلبة للمال ؟ فنزلت الآية المعنى: ثم عاد سبحانه إلى بيان الشرائع وإلأحكام، فقال: (يسألونك) يا محمد (عن الخمر) وهي كل شراب مسكر مخالط للعقل، مغط عليه، وما أسكر كثيره فقليله خمر. هذا هو الظاهر في روايات أصحابنا، وهو مذهب الشافعي. وقيل: الخمر عصير العنب إذا اشتد وغلى، وهو مذهب أبي حنيفة. (والميسر): وهو القمار كله، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والحسن، وهو المروي عن أئمتنا حتى قالوا: إن لعب الصبيان بالجوز هو القمار. (قل فيهما) أي: في الخمر والميسر (إثم كبير) أي: وزر عظيم، وكثير من الكثرة (ومنافع للناس) منفعة الخمر: ما كانوا يأخذونه في أثمانها، وما يحصل من اللذة والطرب والقوة بشربها، ومنفعة القمار: هو أن يفوز الرجل بمال صاحبه من غير كد ولا مشقة ويرتفق به الفقراء (وإثمهما أكبر من نفعهما) أي: ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من إلنفع، لأن نفعهما في الدنيا وما يحصل من الإثم بهما، يوجب سخط الله في الآخرة، فلا يظهر في جنبه إلا نفع قليل لا بقاء له. قال الحسن: في الآية تحريم الخمر من وجهين أحدهما قوله: (وإثمهما أكبر) فإنه إذا زادت مضرة الشئ على منفعته، اقتضى العقل الإمتناع عنه. والثاني: إنه بين أن فيهما الإثم، وقد حرم في آية أخرى الإثم فقال: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم). وقيل: إن الخمر يسمى إثما في اللغة قال الشاعر: * شربت الإثم حتى ضل عقلي، * كذاك الاثم يصنع بالعقول * على أنه قد وصف الإثم بأنه كبير، والكبير محرم بلا خلاف. وقال الضحاك: معناه وإثمهما بعد تحريمهما أكبر من نفعهما قبل تحريمهما. وقال سعيد بن جبير: كلاهما قبل التحريم، يعني أن الإثم الذي يحدث من أسبابهما أكبر من نفعهما. وقال قتادة: هذه آية لا تدل على تحريمهما، وإنما تدل الآية التي في المائدة من قوله: (إنما الخمر والميسر) إلى آخرها. وقوله: (ويسألونك ماذا ينفقون) أي: أي شئ ينفقون ؟ والسائل: عمرو بن الجموح، سأل عن النفقة في الجهاد. وقيل: في الصدقات.

[ 82 ]

(قل العفو) فيه أقوال أحدها: إنه ما فضل عن الأهل والعيال، أو الفضل عن الغنى، عن ابن عباس وقتادة وثانيها: إن العفو الوسط من غير إسراف ولا إقتار، عن الحسن وعطا، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وثالثها: إن العفو ما فضل عن قوت السنة، عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " قال: ونسخ ذلك بآية الزكاة، وبه قال السدي. ورابعها: إن العفو أطيب المال وأفضله وقوله: (كذلك) إنما وحد الكاف لأن الخطاب للنبي، ويدخل فيه الأمة. وقيل: إن تقديره كذلك أيها القبيل (يبين الله لكم الآيات) أي: الحجج في أمر النفقة والخمر والميسر. وقيل: في سائر شرائع الإسلام (لعلكم تتفكرون) أي: لكي تتفكروا (في الدنيا والآخرة) أي: في أمر الدنيا، وأمر الآخرة، فتعلمون أن الدنيا دار بلاء وعناء وفناء، والآخرة دار جزاء وبقاء، فتزهدوا في هذه وترغبوا في تلك. وقيل إنه من صلة (يبين) أي: كما يبين لكم الآيات في الخمر والميسر، يبين لكم الآيات في أمور الدنيا والآخرة، لكي تتفكروا في ذلك، دلالة على أن الله أراد منهم التفكر، سواء تفكروا أو لم يتفكروا. (ويسألونك عن اليتامى) قال ابن عباس: لما أنزل الله (ولا تقربوا مال اليتيم) الآية، و (إن الذين ياكلون أموال اليتامى ظلما) إنطلق كل من كان عنده يتيم، فعزل طعامه من طعامه، وشرابه من شرابه، واشتد ذلك عليهم فسألوا عنه، فنزلت هذه الآية. ولا بد من إضمار في الكلام لأن السؤال لم يقع عن أشخاص اليتامى، ولا ورد الجواب عنها، فالمعنى: يسألونك عن القيام على اليتامى، أو التصرف في أموال اليتامى، (قل) يا محمد (إصلاح لهم خير) يعني إصلاح لأموالهم من غير أجرة، ولا أخذ عوض منهم، خير وأعظم أجرا (وإن تخالطوهم) أي: تشاركوهم في أموالهم، وتخلطوها بأموالكم، فتصيبوا من أموالهم عوضا عن قيامكم بأمورهم (فإخوانكم) أي: فهم إخوانكم. والإخوان يعين بعضهم بعضا، ويصيب بعضهم من مال بعض. وهذا إذن لهم فيما كانوا يتحرجون منه من مخالطة الأيتام في الأموال من المأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك، ورخصة لهم في ذلك إذا تحروا الصلاح بالتوفير على الأيتام، عن الحسن، وغيره، وهو المروي في أخبارنا. (والله يعلم المفسد من المصلح) معناه: والله يعلم من كان غرضه من مخالطة اليتامى إفساد مالهم، أو إصلاح مالهم (ولو شاء الله لأعنتكم) أي: لضيق عليكم في أمر اليتامى ومخالطتهم، وألزمكم ما كنتم تجتنبونه من مشاركتهم. وقال الزجاج

[ 83 ]

معناه لكلفكم ما يشق عليكم فتعنتون، ولكنه لم يفعل. وفي هذا دلالة على بطلان قول المجبرة، لأنه سبحانه إذا لم يشأ إعناتهم، ولو أعنتهم لكان جائزا حسنا، لكنه وسع عليهم لما في التوسعة من النعمة، فكيف يصح أن يشاء تكليف ما لا يطاق ؟ وكيف يكلف ما لا سبيل للمكلف إليه ويأمره بما لا يتصور إحداثه من جهته ؟ وأي عنت أعظم من هذا ؟ قال البلخي: وفيه أيضا دلالة على فساد (1) مذهب من قال إنه تعالى لا يقدر على الظلم، لأن الإعنات بتكليف ما لا يجوز في الحكمة، مقدور ولو شاء لفعله (إن الله عزيز) يفعل بعزته ما يحب، لا يدفعه عنه دافع (حكيم) في تدبيره وأفعاله، ليس له عما توجبه الحكمة مانع. (ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن ولأمة مؤمنة خير من مشركة ولو أعجبتكم ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم أولئك يدعون إلى النار والله يدعو إلى الجنة والمغفرة بإذنه ويبين ءاياته للناس لعلهم يتذكرون [ 221 ]). اللغة: النكاح: إسم يقع على العقد والوطء. وقيل: إن أصله الوطء ثم كثر حتى قيل للعقد نكاح، كما أن الحدث يسمى عذرة وهي اسم للفناء، ويسمى غائطا وهو إسم للمكان المطمئن. يقال: نكح ينكح نكاحا: إذا تزوج. وأنكحه غيره: زوجه. والأمة: المملوكة، يقال: أمة بينة الأموة، وأميت فلانة وتأميتها: إذا جعلتها أمة. وأصل أمة فعلة بدلالة قولهم في جمعها إماء وآم، نحو أكمة وإكام وآكم. الاعراب: (يؤمن): في محل النصب بأن مضمرة، وأن يؤمن: في موضع جر بحتى. وحتى: يتعلق بتنكح. و (من مشركة): من يتعلق بخير. والجار والمجرور في محل النصب بأنه مفعول به. (ولو أعجبتكم): جواب (لو) محذوف تقديره ولو أعجبتكم أمة مشركة لأمة مؤمنة خير منها، (ولا تنكحوا المشركين): المفعول الثاني محذوف تقديره ولا تنكحوا المشركين الأزواج حتى يؤمنوا. وإعراب قوله (حتى يؤمنوا)، وقوله (ولو أعجبكم) (2) مثل ما قلنا في (حتى يؤمن)، (ولو أعجبتكم).


(1) [ مذهب ]. (2) [ معناه ]. (*)

[ 84 ]

النزول: نزلت في مرثد بن أبي مرثد الغنوي، بعثه رسول الله إلى مكة ليخرج منها ناسا من المسلمين، وكان قويا شجاعا، فدعته امرأة يقال لها عناق إلى نفسها، فأبى وكانت خلة (1) في الجاهلية، فقالت: هل لك أن تتزوج بي ؟ حنى استأذن رسول الله. فلما رجع استأذن في التزوج بها، فنزلت الأية. المعنى: لما تقدم ذكر المخالطة، بين تعالى من يجوز مخالطته بالنكاج، فقال: (ولا تنكحوا المشركات) أي: لا تتزوجوا النساء الكافرات (حتى يؤمن) أي: يصدقن بالله ورسوله، وهي عامة عندنا في تحريم مناكحة جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، وليست بمنسوخة، ولا مخصوصة. واختلفوا فيه، فقال بعضهم: لا يقع إسم المشركات على أهل الكتاب، وقد فضل الله بينهما فقال (لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين)، (وما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين)، وعطف أحدهما على الآخر فلا نسخ في الآية ولا تخصيص. وقال بعضهم: الآية متناولة جميع الكفار، والشرك يطلق على الكل. ومن جحد نبوة نبينا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " فقد أنكر معجزه، وأضافه إلى غير الله، وهذا هو الشرك بعينه، لأن المعجز شهادة من الله له بالنبوة. ثم اختلف هؤلاء، فمنهم من قال: إن الآية منسوخة في الكتاب بالآية التي في المائدة: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب)، عن ابن عباس والحسن ومجاهد. ومنهم من قال: إنها مخصوصة بغير الكتابيات، عن قتادة وسعيد بن جبير. ومنهم من قال: إنها على ظاهرها في تحريم نكاح كل كافرة، كتابية كانت أو مشركة، عن ابن عمر وبعض الزيدية، وهو مذهبنا. وسيأتي بيان آية المائدة في موضعها إن شاء الله (ولأمة مؤمنة خير من مشركة) معناه: مملوكة مصدقة مسلمة، خير من حرة مشركة (ولو أعجبتكم) ولو أعجبتكم بمالها أو حسبها أو جمالها. وظاهر هذا يدل على أنه يجوز نكاح الأمة المؤمنة مع وجود الطول. فأما قوله: (فمن لم يستطع منكم طولا) الآية، فإنما هي على التنزيه دون التحريم. (ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا) معناه: ولا تنكحوا النساء المسلمات جميع الكفار من أهل الكتاب وغيرهم، حتى يؤمنوا. وهذا يؤيد قول من يقول إن


(1) الظاهر سقوط الضمير من اللفظة، وإن الصواب " خلته "، ويؤيده ما في أسد الغابة حيث قال: " وكانت صديقة له في الجاهلية ". (اه‍). (*)

[ 85 ]

قوله: (ولا تنكحوا المشركات) يتناول جميع الكافرات. وقوله: (ولعبد مؤمن خير من مشرك) أي: عبد مصدق مسلم، خير من حر مشرك، (ولو اعجبكم) ماله أو حاله أو جماله. والفرق بين ولو أعجبكم وبين وإن أعجبكم أن لو للماضي، وإن للمستقبل، وكلاهما يصح في معنى الآية، وهو من العجب الذي هو بمعنى الإستعظام، وليس من التعجب (أولئك) يعني المشركين (يدعون إلى النار) يعني إلى الكفر والمعاصي التي هي سبب دخول النار. وهذا مثل التعليل، لأن الغالب أن الزوج يدعو زوجته إلى دينه (والله يدعو إلى الجنة) أي: إلى فعل ما يوجب الجنة (والمغفرة) من الإيمان والطاعة (بإذنه) أي: بأمره يعني: بما يأمر ويأذن فيه من الشرائع والأحكام، عن الحسن والجبائي. وقيل: بإعلامه. وقوله: (ويبين اياته للناس) أي: حججه. وقيل: أوامره ونواهيه، وما يحظره ويبيحه للناس (لعلهم يتذكرون) أي: لكي يتذكروا، أو يتعظوا. (ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فاتوهن من حيث أمركم الله إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين [ 222 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير حفص: (حتى يطهرن) بتشديد الطاء والهاء. والباقون بالتخفيف. الحجة: من قرأ يطهرن: فإنه من طهرت المرأة وطهرت طهرا وطهارة، وطهرت بالفتح أقيس، لأنه خلاف طمثت، فينبغي أن يكون على بنائه. وأيضا فقولهم طاهر يدل على أنه مثل قعد فهو قاعد. ومن قرأ يطهرن: فإنه يتطهرن فأدغم التاء في الطاء. اللغة: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا، والمصدر من هذا الباب المفعل والمفعل جائز فيه قال الراعي: * بنيت مرافقهن فوق مزلة * لايستطيع بها القراد مقيلا (1) *


(1) يصف إبلا بالسمن والملاسة. والمزلة: موضع الزلل. والقراد: دويبة تتعلق بالبعير ونحوه وهي كالقمل للانسان. (*)

[ 86 ]

أي: قيلولة. وامرأة حائض، ونساء حيض. والإعتزال: التنحي عن الشئ، وكل شئ نحيته عن موضع فقد عزلته عنه، ومنه عزل الوالي، وأنت عن هذا بمعزل أي: منتحي. وعزلاء المزادة: مخرج الماء من إحدى جانبيها والجمع عزال. والمعزال من الناس: الذي لا ينزل مع القوم في السفر، لكنه ينزل ناحية. والطهر: خلاف الدنس. والطهور: يكون إسما ويكون صفة، فإذا كان إسما كان على ضربين أحدهما: أن يكون مصدرا كما حكاه سيبويه تطهرت طهورا حسنا، وتوضأت وضوءا والآخر: أن يكون إسما ليس بمصدر كما جاء في قوله: (طهورا ناء أحدكم) كذا وهو إسم لما يطهر كالفطور، والوجور، والسعوط (1) والسحور. وأما كونه صفة فهو في قوله: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) فهذا كالرسول، والعجوز، ونحو ذلك من الصفات التي جاءت على فعول. ولا دلالة فيه على التكرير لما لم يكن متعديا نحو: ضروب. ألا ترى أن فعله غير متعد كما يتعدى ضربت. ومن الصفة قوله: هو الطهور ماؤه، لأنه ارتفع به الماء كما يرتفع الإسم بالصفة المتقدمة. الاعراب: (من حيث): جار ومجرور، ولكن حيث مبني لا يظهر فيه الإعراب، وإنما بني لمشابهة الحرف، لأنه لا يفيد إلا مع غيره كالحرف. و (من): يتعلق بقول (فأتوهن من حيث أمركم الله) جملة في محل الجر بإضافة (حيث) إليه. النزول: قيل: كانوا في الجاهلية يتجنبون مواكلة الحائض ومشاربتها ومجالستها، فسألوا عن ذلك، فنزلت الآية، عن الحسن وقتادة والربيع. وقيل: كانوا يستجيزون إتيان النساء في أدبارهن أيام الحيض، فلما سألوا عنه بين لهم تحريمه، عن مجاهد. والأول عندنا أقوى. المعنى: ثم بين سبحانه شريعة أخرى، فقال: (ويسألونك) يا محمد، والسائل أبو الدحداح فيما قيل. (عن المحيض) أي: عن الحيض وأحواله (قل) يا محمد (هو أذى) معناه قذر ونجس، عن قتادة، والسدي. وقيل: دم، عن مجاهد. وقيل: هو أذى لهن وعليهن لما فيه من المشقة قاله القاضي (فاعتزلوا النساء في المحيض) أي: اجتنبوا مجامعتهن في الفرج، عن ابن عباس وعائشة


(1) الوجور: الدواء الذي يصب في الفم. والسعوط: الذي يصب في الأنف. (*)

[ 87 ]

والحسن وقتادة ومجاهد، وهو قول محمد بن الحسن، ويوافق مذهبنا أنه لا يحرم منها غير موضع الدم فقط. وقيل: يحرم ما دون الإزار، ويحل ما فوقه، عن شريح وسعيد بن المسيب، وهو قول أبي حنيفة والشافعي. (ولا تقربوهن) بالجماع، أو ما دون الإزار على الخلاف فيه (حتى يطهرن) بالتخفيف معناه: حتى ينقطع الدم عنهن، وبالتشديد معناه: يغتسلن، عن الحسن ويتوضأن، عن مجاهد وطاوس وهو مذهبنا. (فإذا تطهرن) أي: اغتسلن. وقيل: توضأن. وقيل: غسلن الفرج (فأتوهن) فجامعوهن وهو إباحة، وإن كان صورته صورة الأمر، كقوله: (وإذا حللتم فاصطادوا). (من حيث أمركم الله) معناه: من حيث أمركم الله تجنبه في حال الحيض، وهو الفرج، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع. وقيل: من قبل الطهر دون الحيض، عن السدي والضحاك. وقيل: من قبل النكاح دون الفجور عن ابن الحنفية، والأول أليق بالظاهر. قال الزجاج معناه: من الجهات التي تحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيث لا يحب أي: لا تقربوهن وهن صائمات أو محرمات أو معتكفات. وقال الفراء ولو أراد الفرج لقال في حيث، فلما قال من حيث، علمنا أنه أراد من الجهة التي أمركم الله بها. وقال غيره: إنما قال من حيث لأن من لابتداء الغاية في الفعل نحو قولك ائت زيدا من مأتاه أي: من الوجه الذي يؤتى منه. (إن الله يحب التوابين) من الذنوب (ويحب المتطهرين) قيل معناه: المتطهرين بالماء، عن عطا. وقد رواه (1) أصحابنا أيضا في سبب نزول الآية. وقيل: يحب المتطهرين من الذنوب، عن سعيد بن جبير، ولم يذكر المتطهرات، لأن المؤنث يدخل في المذكر. وقيل: التوابين من الكبائر والمتطهرين من الصغائر. وفي هذه الآية دلالة على وجوب اعتزال المرأة في حال الحيض. وفيها ذكر غاية التحريم، ويشتمل ذلك على فصول أحدها: ذكر الحيض: وأقله وأكثره، وعندنا: أقله ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام، وهو قول أهل العراق. وعند الشافعي، وأكثر أهل المدينة: أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يوما. وثانيها: حكم الوطء في حال الحيض: فإن عندنا إن كان في أوله يلزمه دينار، وإن كان في وسطه فنصف دينار،


(1) [ جماعة من ]. (*)

[ 88 ]

وإن كان في آخره فربع دينار. وقال ابن عباس: عليه دينار ولم يفصل. وقال الحسن: يلزمه بدنة، أو رقبة، أو عشرون صاعا. وثالثها: غاية تحريم الوطء، واختلف فيه: فمنهم من جعل الغاية إنقطاع الدم. ومنهم من قال: إذا توضأت، أو غسلت فرجها، حل وطؤها، عن عطا وطاووس، وهو مذهبنا، وإن كان المستحب أن لا يقربها إلا بعد الغسل. ومنهم من قال: إذا انقطع دمها فاغتسلت، حل وطؤها، عن الشافعي. ومنهم من قال: إذا كان حيضها عشرا، فنفس انقطاع الدم يحللها للزوج، وإن كان دون العشرة، فلا يحل وطؤها إلا بعد الغسل، أو التيمم، أو مضي وقت الصلاة عليها، عن أبي حنيفة. (نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم وقدموا لأنفسكم واتقوا الله واعلموا أنكم ملاقوه وبشر المؤمنين [ 223 ]). الاعراب: (أنى): في محل النصب، لأنه ظرف مكان بمعنى حيث أو أين، أو ظرف زمأن إذا كان بمعنى متى، والعامل فيه فأتوا. وشئتم: جملة فعلية في موضع الجر بإضافة الظرف إليها، وإذا كان أنى بمعنى كيف، فهو في محل النصب على المصدر، ولا محل لشئتم، وتقديره فأتوا حرثكم أي نوع شئتم. النزول: قيل: نزلت ردا على اليهود حيث قالوا: إن الرجل إذا أتى المرأة من خلفها في قبلها، خرج الولد أحول، فكذبهم الله، عن ابن عباس وجابر. وقيل: أنكرت اليهود إتيان المرأة قائمة وباركة، فأنزل الله إباحته، عن الحسن. المعنى: لما بين تعالى أحوال النساء في الطهر والحيض، عقب ذلك بقوله: (نساؤكم حرث لكم) وفيه وجهان أحدهما: إن معناه مزدرع لكم، ومحترث لكم، عن ابن عباس والسدي. والثاني: إن معناه ذوات حرث لكم، منهن تحرثون الولد واللذة، فحذف المضاف، وهذا في المعنى مثل الأول، عن الزجاج. وقال أبو عبيدة: كنى بالحرث عن الجماع. والثالث: معناه كحرث لكم، فحذف كاف التشبيه، كما قال الشاعر: * النشر مسك، والوجوه دنا * نير، وأطراف الأكف عنم (1) *


(1) النشر: ريح فم المرأة. والعنم: شجرة حجازية لها ثمرة حمراء تشبه بنان المخضوبة بها. (*)

[ 89 ]

وقد سمى العرب النساء حرثا. قال المفضل بن سلمة: أنشدني أبي: * إذا أكل الجراد حروث قوم، * فحرثي همه أكل الجراد * يريد امرأتي (فأتوا حرثكم) أي: موضع حرثكم يعني نساءكم (أنى شئتم): معناه من أين شئتم، عن قتادة والربيع. قيل: كيف شئتم، عن مجاهد. وقيل: متى شئتم، عن الضحاك. وهذا خطأ عند أهل اللغة، لأن أنى لا يكون إلا بمعنى من أين كما قال: (أنى لك هذا). وقيل: معناه من أي وجه، واستشهد بقول الكميت: * أنى ومن أين آبك الطرب، * من حيث لاصبوة، ولاريب (1) * وليس في البيت شاهد لهم، لأنه لا يجوز أن يكون أتى به لاختلاف اللفظين كما يقولون متى كان هذا ؟ وأي وقت كان ؟ ويجوز أن يكون بمعنى كيف، واستدل مالك بقوله (أنى شئتم) على جواز إتيان المرأة في دبرها، ورواه عن نافع، عن ابن عمر، وحكاه زيد بن أسلم، عن محمد بن المنكدر، وبه قال كثير من أصحابنا. وخالف في ذلك جميع الفقهاء، وقالوا: إن الحرث لا يكون إلا بحيث النسل، فيجب أن يكون الوطء حيث يكون النسل ؟ فاجيبوا عن ذلك بأن النساء وإن كن لنا حرثا، فقد أبيح لنا وطؤهن بلا خلاف في غير موضع الحرث، كالوطء فيما دون الفرخ، وما أشبهه. وقوله: (وقدموا لأنفسكم) معناه: قدموا الأعمال الصالحة التي أمرتم بها، ورغبتم فيها، لتكون ذخرا لكم عند الله. ووجه اتصاله بما قبله أنه لما تقدم الأمر بعدة أشياء قال بعدها (وقدموا لأنفسكم) بالطاعة فيما أمرتم به (واتقوا الله) واتقوا عقاب الله بترك مجاوزة الحد فيما بينن لكم. وفي ذلك الحث على العمل بالواجب الذي عرفوه، والتحذير من مخالفة ما ألزموه. وقيل: معنى التقديم هنا طلب الولد، فإن في اقتناء الولد الصالح يكون تقديما عظيما، لقوله: إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا عن ثلاث: ولد صالح يدعو له، وصدقة جارية، وعلم به ينتفع بعد موته. وقيل: هو تقديم الإفراط (2) لقوله: " من قدم ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث (3)، لم


(1) الأوب: الرجوع. الصبوة: الشوق. الريب: الحاجة. (2) الإفراط جمع الفرط: ما تقدمك من الأجر. ما لم يدرك من الولد. (3) غلام لم يدرك الحنث أي: لم يجر عليه القلم. (*)

[ 90 ]

تمسه النار إلا تحلة القسم، فقيل: يا رسول الله ! واثنان ؟ قال: واثنان ". وقيل: هو التسمية عند الجماع، عن عطاء. وقيل: هو الدعاء عند الجماع، عن مجاهد. ويؤيده ما روي عن ابن عباس قال. قال النبي: " إذا أراد أحدكم أن يأتي أهله فليقل: بسم الله، اللهم جنبني الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإن قدر بينهما ولد لم يضره شيطان ". وقيل: هو التزويج بالعفائف، ليكون الولد طاهرا صالحا (واعلموا أنكم ملاقوه) أي: ملاقو جزائه يعني ثوابه إن أطعتموه، وعقابه إن عصيتموه، وإنما أضافه إليه على ضرب من المجاز (وبشر المؤمنين) بالثواب والجنة، ولا يصح حمل اللقاء على الرؤية، لأن لفظ اللقاء يقع على معان مختلفة، يقال: لقي جهده، ولقي حمامه، ولأن في الآية إثبات اللقاء لجميع العباد. وهذا خلاف ما ذهب إليه أهل التشبيه. (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس والله سميع عليم [ 224 ]). اللغة: يقال لكل من يصلح للشئ هو عرضة له. والمرأة عرضة للنكاح، والدابة المعدة للسفر عرضة له، وقال الشاعر: * فهذي لأيام الحروب، وهذه * للهوي، وهذي عرضة لارتحالنا * أي: عدة. وقال أبو العباس: العرضة الإعتراض في الخير والشر. واليمين والقسم والحلف واحد. وقيل: أخذ من القوة لأنه يتقوى به على ما يحلف عليه، ومنه قوله " تلقاها عرابة باليمين " (1). وقيل: أخذ من الجارحة، لأنهم كانوا عند الإيمان يضربون أيديهم على أيديهم، فسمي الحلف بذلك. وقيل: أخذ من اليمن الذي هو البركة، لأنه عقد خير يتبرك بذكره للتأكيد. الاعراب: قوله (أن تبروا) في موضعه ثلاثة أقوال أحدها: ان موضعه جر بحذف اللام، عن الخليل. قال أبو علي: جاز أن يكون المصدر الذي هو أن مع الفعل في موضع جر، وإن لم يجز ذلك في غير أن لأمرين احدهما: إن الكلام قد طال بالصلة فحسن الحذف والآخر: إن أن حرف، وإذا حذف اللام صار كأن حرفا


(1) قائله الشماخ، وصدره: " إذا ما راية رفعت لمجد " وعرابة: اسم رجل من الأنصار. (*)

[ 91 ]

كان قد أقيم مقام حرف، فعاقبه، فلهذا حسن حذف اللام مع أن دون المصدر غير الموصول في اللفظ بالفعل. وأقول: عنى بذلك أنك إذا قلت: جئتك لضرب زيد، لم يجز أن تحذف اللام، فتقول: جئتك ضرب زيد. وإذا قلت: جئتك لأن تضرب زيدا، جاز أن تحذف اللام فتقول: جئتك أن تضرب زيدا. والثاني: إن موضعه النصب لأنه لما حذف الجار، وصل الفعل، وهو قول سيبويه، وهو القياس، وأقول على القولين جميعا. فيكون تقديره لأن لا تبروا على النفي، أو لأن تبروا على الإثبات، فعلى القول الأول، وهو النفي: يكون في موضع النصب بأنه مفعول له، وعلى القول الثاني وهو الإثبات: يجوز أن يكون مفعولا له، ويجوز أن يكون في محل النصب على الحال، والعامل فيه ما في قوله لأيمانكم من معنى الفعل، تقديره لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم كائنة لأن تبروا أي: لبركم. وذو الحال الأيمان والثالث: ما قاله قوم إن موضعه رفع، تقديره: أن تبروا وتتقوا أولى، فحذف الخبر الذي هو أولى، لأنه معلوم المعنى. النزول: نزلت في عبد الله بن رواحة حين حلف أن يدخل على ختنه، ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين امرأته، فكان يقول إني حلفت بهذا، فلا يحل لي أن أفعله، فنزلت الآية. المعنى: لما بين سبحانه أحوال النساء، وما يحل منهن، عقبه بذكر الإيلاء، وهو اليمين التي تحرم الزوجة، فابتدأ بذكر الأيمان أولا، تأسيسا لحكم الإيلاء، فقال: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم) وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: إن معناه لا تجعلوا اليمين بالله علة مانعة لكم من البر والتقوى، من حيث تعتمدونها بها، وتقولوا حلفنا بالله ولم تحلفوا (1) به، عن الحسن وطاووس وقتادة. وأصله في هذا الوجه الإعتراض الذي هو المانع بينكم وبين البر والتقوى، لأن المعترض بين الشيئين يكون مانعا من وصول أحدهما إلى الآخر، فالعلة مانعة كهذا المعترض والثاني: إن عرضة معناه حجة، فكأنه قال: لا تجعلوا اليمين بالله حجة في المنع من البر والتقوى، فإن كان قد سلف منكم يمين، ثم ظهر أن غيرها خير منها، فافعلوا الذي هو خير، ولا


(1) وفي بعض النسخ المخطوطة (لم تخلفوا) بالخاء المعجمة. (*)

[ 92 ]

تحتجوا بما فد سلف من اليمين، عن ابن عباس ومجاهد والربيع، وأصله في هذا القول والأول واحد، لأنه منع من جهة الإعتراض لعلة أو حجة. والثالث: إن معناه: لا تجعلوا اليمين بالله عدة مبتذلة (1) في كل حق وباطل، لأن تبروا في الحلف بها، وتتقوا المآثم فيها، عن عائشة، لأنها قالت: لا تحلفوا به وإن بررتم، وبه قال الجبائي، وأبو مسلم، وهو المروي عن أئمتنا، نحو ما رواه عثمان بن عيسى، عن أبي أيوب الخزار، قال: سمعت أبا عبد الله يقول: لا تحلفوا بالله صادقين، ولا كاذبين، فإنه سبحانه يقول: (ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم). قال أبو مسلم: ومن أكثر ذكر شئ في معنى، فقد جعله عرضة له. وتقول: جعلتني عرضة لقومك، قال الشاعر: " ولا تجعليني عرضة للوائم " وتقديره على الوجه الأول والثاني: لا تجعلوا الله مانعا من البر والتقوى باعتراضك به حالفا. وعلى الوجه الثالث: لا تجعلوا الله مما تحلف به دائما باعتراضك بالحلف به في كل حق وباطل. وقوله: (أن تبروا) قيل في معناه أقوال الأول: لأن تبروا على معنى الإثبات أي: لأن تكونوا بررة أتقياء، فإن من قلت يمينه كان أقرب إلى البر ممن كثرت يمينه. وقيل: لأن تبروا في اليمين. والثاني: إن المعنى لدفع أن تبروا، أو لترك أن تبروا، فحذف المضاف، عن المبرد. والثالث: إن معناه أن لا تبروا، فحذف لا، عن أبي عبيدة قال: وقد حذف لا، لأنه في معنى القسم، كقول امرئ القيس: " فقلت يمين الله أبرح قاعدا " أي: لا أبرح. وأنكر المبرد هذا لأنه لما كان معه أن، بطل أن يكون جوابا للقسم، وإنما يجوز والله أقوم في القسم بمعنى لا أقوم، لأنه لو كان إثباتا لقال: لأقومن باللام والنون. والمعنى في قول أبي العباس وأبي عبيدة واحد، والتقدير مختلف. (وتتقوا) أي: تتقوا الإثم والمعاصي في الأيمان (وتصلحوا بين الناس) في الأيمان، وتصلحوا بين الناس عطف. على ما سبق، ومعناه، ولا تجعلوا الحلف بالله علة، أو حجة في أن لا تبروا، ولا تتقوا، ولا تصلحوا، لكي تكونوا من البررة والأتقياء والمصلحين بين الناس، أو لدفع أن تبروا وتتقوا وتصلحوا. وعلى الوجه الثالث: لا تجعلوا اليمين بالله مبتذلة، لأن تبروا وتتقوا وتصلحوا أي: بين الناس، فإن كثرت يمينه لا يوثق بحلفه، ومن قلت يمينه فهو أقرب إلى التقوى والإصلاح بين


(1) كلام مبتذل: كثير الإستعمال. (*)

[ 93 ]

الناس. (والله سميع) لأقوالكم (عليم) بما في ضمائركم لا يخفى عليه من ذلك خافية. وفي هذه الآية دلالة على أن من حلف على شئ، فرأى غيره خيرا منه، فله أن ينقض يمينه، ويفعل الذي هو خير. وهل يجب عليه الكفارة ؟ فيه خلاف: فعند أكثر الفقهاء يجب عليه الكفارة، ولا كفارة عليه عندنا. ومن أقسم على غيره ليفعل فعلا، أو ليمتنع عن فعل، ولا يبالي بذلك. قال بعضهم: إن المقسم عليه لا يأثم بذلك، والصحيح أن المقسم عليه يأثم، لقول النبي: " من سألكم بالله فأعطوه، ومن استعاذكم بالله فأعيذوه ". (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم [ 225 ]). اللغة: أصل اللغو: الكلام الذى لا فإئدة فيه، يقال: لغا يلغو لغوا: أتى بكلام لا فائدة فيه. وألغى الكلمة: إذا طرحها، لأنه لا فائدة فيها. واللاغية: الكلمة القبيحة الفاحشة، ومنه اشتقاق اللغة لأنها كلام لا فائدة فيه عند غير أهله. ولغو الطائر: منطقه، قال ثعلبة بن صعير المازني: * باكرتهم بسباء جون ذارع * قبل الصباح، وقبل لغو الطائر * واللغاء: الذكر بالكلام القبيح، لغى يلغي لغى. وأصل الحلم: الأناة، وهو في صفته تعالى الإمهال بتأخير العقاب على الذنب. الاعراب: (في أيمانكم): في موضع الحال، والعامل فيه (يؤاخذ). وذو الحال (اللغو بما كسبت) يجوز أن يكون (ما) إسما موصولا، ويجوز أن يكون حرفا موصولا. المعنى: ثم بين سبحانه أقسام اليمين، فقال: (لا يؤاخذكم الله باللغو في ايمانكم) اختلفوا في يمين اللغو، فقيل: هو ما يجري على عادة الناس من قول: " لا والله، وبلى والله " من غير عقد على يمين يقتطع بها مال، ولا يظلم بها أحد، عن ابن عباس وعائشة والشعبي، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد إلله، وهو قول الشافعي. وقيل: هو أن يحلف وهو يرى أنه صادق، ثم تبين أنه كاذب، فلا

[ 94 ]

إثم عليه، ولا كفارة، عن الحسن ومجاهد وقتادة وغيرهم، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: هو يمين الغضبان لا يؤاخذكم بالحنث فيها، عن ابن عباس أيضا وطاووس، وبه قال سعيد بن جبير، إلا أنه أوجب فيها الكفارة، وقال مسروق: كل يمين ليس له الوفاء، فهي لغو، ولا يجب فيها كفارة. (ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم) أي: بما عزمتم وقصدتم، لأن كسب القلب العقد والنية. وفيه حذف أي: من أيمانكم. وقيل: بان تحلفوا كاذبين، أو على باطل، عن إبراهيم (والله غفور) يغفر الذنوب (حليم) يمهل العقوبة على الذنب، ولا يعجل بها. (للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فآءو فإن الله غفور رحيم [ 226 ] وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم [ 227 ]). اللغة: آلى الرجل من امرأته يؤلي ايلاء من الإلية والألوة: وهي الحلف، قال الشاعر: * كفينا من تغيب من نزار، * وأحنثنا إلية مقسمينا * وائتلى وتألى بمعناه، وفي التنزيل: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم). وقرأ: ولا يتأل. وجمع الإلية ألايا وأليات، كعشية وعشايا وعشيات. وجمع الألوة ألايي كركوبة وركائب. والتربص: الإنتظار. ويقال: تربصت به، قال الشاعر: * تربص بها ريب المنون لعلها * تطلق يوما، أو يموت حليلها (1) * والفئ: الرجوع، يقال: فاء يفئ فيئا: إذا تحول عن جهة الغداة برجوع الشمس عنه. والفرق بين الفئ والظل، ما قال المبرد: إن الفئ: ما نسخ الشمس لأنه هو الراجع. والظل: ما لا شمس فيه. وكل فئ ظل، وليس كل ظل فيئا. وأهل الجنة في ظل لا في فئ، لأن الجنة لا شمس فيها. وفي التنزيل: (وظل ممدود). وجمع الفئ أفياء. والفئ: غنائم المشركين، أفاء الله علينا منهم، وهو من رجوع الشئ إلى حقه. وفلان سريع الفئ من غضبه أي: الرجوع. والعزم: هو العقد على فعل شئ في مستقبل الأوقات، وهو إرادة متقدمة للفعل بأكثر من وقت واحد يتعلق بفعل اللازم، يقال: عزم على الشئ يعزم عزما. واعتزم وعزمت عليك


(1) ريب المنون: حوادث الدهر. (*)

[ 95 ]

لتفعلن أي: أقسمت. وعزم الراقي: كأنه أقسم على الداء. وما لفلان عزيمة أي: ما يثبت على شئ لتلونه. وعزائم القرآن: التي تقرأ على ذوي الافات لما يرجى من البرء بها. والطلاق: حل عقد النكاح بسبب من جهة الرجل. وامرأة طالق زعم قوم أن تاء التأنيث إنما حذفت لأنه لاحظ فيه للمذكر، وهذ ! ليس بشئ، لأن في الكلام أشياء كثيرة يشترك فيها المذكر والمؤنث، لا يثبت فيها الهاء في المؤنث، يقال: بعير ضامر، وأمثاله كثيرة. وقال سيبويه: إنه وقع على لفظ التذكير صفة للمونث، لأن المعنى شئ طالق، وحقيقته أنه على جهة النسب نحو قولهم: امرأة مطفل أي: ذات طفل. وطالق أي: ذات طلاق، فإذا أجريته على الفعل قلت: طالقة. قال الأعشى: * أيا جارتي بيني، فإنك طالقة، * كذاك أمور الناس: غاد، وطارقة (1) * وأصل الطلاق من الإنطلاق. وطلقت المرأة عند الولادة فهي مطلوقة: إذا تمخضت. والطلق: الشوط من الجري. والطلق: الحبل الشديد الفتل. والسميع: من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المسموعات إذا وجدت، وهي ترجع إلى كونه حيا لا آفة به. والسامع: المدرك، ويوصف القديم سبحانه في الأزل بأنه سميع، ولا يوصف في الأزل بأنه سامع، إنما يوصف به إذا وجدت المسموعات. الاعراب: يجوز في (أربعة أشهر) ثلاثة أوجه: الجر على الإضافة، وعليه القراءة وهذه الإضافة غير حقيقية، فإن الأربعة في محل النصب، وإن كان مجرور اللفظ. ويجوز في العربية الرفع والنصب تربص أربعة أشهر، كقوله (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) ومثله: (فجزاء مثل ما قتل من النعم) وتربص أربعة أشهر، كقوله: (ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا) أي: تكفتكم أحياء وأمواتا. المعنى: ثم بين تعالى حكم الإيلاء لأنه من جملة الإيمان والأقسام، وشريعة من شرائع الإسلام، فقال: (للذين يؤلون من نسائهم) أي: يحلفون، وفيه حذف أي: أن يعتزلوا عن وطء نسائهم على وجه الإضرار بهن (تربص أربعة أشهر) أي: التوقف والتثبت في أربعة أشهر. واليمين التي يكون الرجل بها موليا هي اليمين بالله


(1) الغادي: الآتي بالغدوة. الطارق: الآتي بالليل. (*)

[ 96 ]

عز وجل، أو بشئ من صفاته التي لا يشاركه فيها أحد غيره، على وجه لا يقع موقع اللغو الذي لا فائدة فيه، ويكون الحلف على الإمتناع من الجماع على وجه الغضب والضرار، وهو المروي عن علي وابن عباس والحسن. وقيل في الغضب والرضا، عن إبراهيم والشعبي وجماعة من الفقهاء. وقيل: هو في الجماع وغيره من الضرار، نحو أن يحلف لا يكلمها، عن سعيد بن المسيب. (فإن فاءوا) أي: رجعوا إلى أمر الله بأن يجامعوا عند القدرة عليه، أو يراجعوا بالقول عند العجز عن الجماع، عن ابن عباس ومسروق وسعيد بن المسيب، وهو مذهبنا، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه. وقيل: يكون فائيا بالعزم في حال العذر، إلا أنه ينبغي أن يشهد على فيئه، عن الحسن وإبراهيم وعلقمة، وهذا يكون عندنا للعاجز عن الجماع، ويجب على الفائي عندنا كفارة، ولا عقوبة عليه، وبه قال ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وقتادة. وقال الحسن وإبراهيم: لا كفارة عليه، ولا عقوبة لقوله: (فإن الله غفور رحيم) ومعنى غفور عندنا أنه لا يتبعه بعقوبة، ومن حلف أن لا يجامع أقل من أربعة أشهر، لا يكون موليا. ومن حلف أن لا يقربها وهي مرضعة مخافة أن تحبل، فيضر ذلك بولدها، لا يلزمه حكم الإيلاء. وإذا مضت أربعة أشهر، ولم يجامع ألزمه الحاكم إما الرجوع والكفارة، وإما الطلاق، فإن امتنع حبسه حتى يفئ أو يطلق. (وإن عزموا الطلاق) عزيمة الطلاق عندنا: أن يعزم، ثم يتلفظ بالطلاق. ومتى لم يتلفظ بالطلاق على الوجه المشروع، فإن المرأة لا تبين منه، إلا أن تستعدي، فإن استعدت، وأنظره الحاكم أربعة أشهر، فإنه يوقف عند الأشهر الأربعة، ويقال له: فئ أو طلق. فإن لم يفعل حبسه حتى يطلق، وبه قال الشافعي، إلا أنه قال: متى امتنع من الطلاق، والفئة، طلق عنه الحاكم طلقة رجعية. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا مضت أربعة أشهر، ولم يفئ بانت منه بتطليقة، ولا رجعة له عليها، وعليها العدة، يخطبها في العدة، ولا يخطبها غيره. (فإن الله سميع عليم) يسمع قوله، ويعلم ضميره. وقيل: يسمع إيلاءه، ويعلم نيته. وإنما ذكر عقيب الأول (فإن الله غفور رحيم) لأنه لما أخبر عن المولى أنه يلزمه الفئ، أو الطلاق، بين أنه إن فاء فإن الله غفور رحيم بأن يقبل رجوعه، ولا يتبعه بعقاب ما ارتكبه، وذكر ههنا أنه سميع عليم، لما أخبر عنه بإيقاع الطلاق،

[ 97 ]

وكان ذلك مما يسمع، أخبر بأنه لا يخفى عليه، وأنه يسمعه، فكل لا يليق إلا بموضعه، وذلك من عظيم فصاحة القرآن. (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الأخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذى عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم [ 228 ]). اللغة: القروء: جمع قرء، وجمعه القليل اقرء، والكثير: اقراء وقروء. وصار بناء الكثير فيه أغلب في الإستعمال يقال: ثلاثة قروء، مثل ثلاثة شسوع، استغنى ببناء الكثير عن بناء القليل. ووجه آخر: وهو أنه لما كانت كل مطلقة يلزمها هذا، دخله معنى الكثرة، فاتى ببناء الكثرة للإشعار بذلك. فالقروء كثيرة إلا أنها ثلاثة في ثلاثة في القسمة، وهذا الحرف من الأضداد، وأصله في اللغة يحتمل وجهين أحدهما: الإجتماع، ومنه قرأت القرآن لاجتماع حروفه، وما قرأت الناقة سلا قط. أي لم يجتمع رحمها على ولد قط. قال عمرو بن كلثوم: * ذراعي عيطل، أدماء، بكر، * هجان اللون، لم تقرأ جنينا (1) * فعلى هذا يقال: أقرأت المرأة فهي مقرئ: إذا حاضت. وأنشد: (له قروء كقروء الحائض) وذلك لاجتماع الدم في الرحم، ويجئ على هذا أن يكون القرء الطهر لاجتماع الدم في جملة البدن (والوجه الثاني): إن أصل القرء الوقت الجاري في الفعل على عادة،. وهو يصلح للحيض والطهر. يقال: هذا قارئ الرياح أي: وقت هبوبها. قال الشاعر: * شنئت العقر، عقر بني شليل، * إذا هبت لقاريها الرياح * أي: لوقت هبوبها، وشدة بردها. والذي يدذ على القرء الطهر قول الأعشى:


(1) قوله: ذارعي أي: ذراعا محبوبته كذراعي العيطل والعيطل: الناقة الطويلة في حسن منظر وسمن. والأدماء: الناقة البيضاء والبكر: الناقة التي حملت بطنا واحدا. والهجان: البيضاء الخالصة البياض. (*)

[ 98 ]

* وفي كل عام أنت جاشم غزوة، * تشد لأقصاها عزيم عزائكا (1) * * مورثة مالا، وفي الأرض رفعة * لما ضاع فيها من قروء نسائكا * فالذي ضاع ها هنا الأطهار لا الحيض. والبعولة: جمع بعل، ويقال: بعل يبعل بعولة وهو بعل، وسمي الزوج بعلا لأنه عال على المرأة بملكه لزوجيتها، وقوله: (أتدعون بعلا) أي: ربا. وقيل: إنه صنم. والبعل: النخل يشرب بعروقه، لأنه مستعل على شربه. وبعل الرجل بأمره: إذا ضاق به ذرعا، لأنه علاه منه ما ضاق به ذرعه. وبعل الرجل: بطر لأنه استعلى تكبرا. وامرأة بعلة: لا تحسن لبس الثياب، لأن الحيرة تستعلي عليها فتدهشها. والرجال: جمع رجل يقال: رجل بين الرجلة أي: القوة، وهو أرجلهما أي: أقواهما. وفرس رجيل: قوي على المشي. وسميت الرجل رجلا لقوتها على المشي. ورجل من جراد أي: قطعة منه تشبيها بالرجل لأنها قطعة من الجملة. والراجل: الذي يمشي على رجله. وارتجل الكلام ارتجالا، لأنه قوي عليه من غير ركوب فكرة. وترجل النهار: لأنه قوي ضياوه بنزول الشمس إلى الأرض. ورجل شعره: إذا طوله وأصل الباب: القوة، والدرجة المنزلة. الاعراب: (إن كن يؤمن بالله): جواب الشرط محذوف وتقديره إن كن يومن بالله لا يكتمن، وكذلك جواب الشرط من قوله تعالى: (إن أرادوا إصلاحا) محذوف وتقديره إن أرادوا إصلاحا فبعولتهم أحق بردهن مثل الذي عليهن إضافة مثل غير حقيقية لأن الذي عليهن مفعوله. المعنى: ثم بين سبحانه حكم المطلقات والطلاق، فقال: (والمطلقات) أي: المخليات عن حبال الأزواج بالطلاق، وإنما يعني المطلقات المدخول بهن من ذوات الحيض غير الحوامل، لأن في الآية بيان عدتهن (يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) معناه: ينتظرن بأنفسهن انقضاء ثلاثة قروء، فلا يتزوجن لفظه خبر ومعناه أمر، والمراد بالقروء الاطهار عندنا، وبه قال زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر ومالك والشافعي وأهل المدينة. قال ابن شهاب: ما رأيت أحدا من أهل بلدنا، إلا وهو يقول: الأقراء الأطهار إلا سعيد بن المسيب. والمروي عن ابن عباس وابن مسعود


(1) جشمت الأمر: إذا تكلفته على مشقة. (*)

[ 99 ]

والحسن ومجاهد، ورووه أيضا عن علي: إن القرء الحيض. والمراد بثلاثة قروء: ثلاثة حيض، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه، واستشهدوا بقوله " عليه السلام " للمستحاضة: دعي الصلاة أيام أقرائك. والصلاة إنما تترك في أيام الحيض، واستشهد من ذهب إلى أن القرء الطهر بقوله تعالى: (فطلقوهن لعدتهن) أي: في طهر لم تجامع فيه، كما يقال لغرة الشهر. وبقول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": لما طلق ابن عمر زوجته، وهي حائض مرة: (فليراجعها، فإذا طهرت فليطلق أو ليمسك ا وتلا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهم) لقبل عدتهن، فأخبر أن العدة الأطهار دون الحيض، لأنها حينئذ تستقبل عدتها، ولو طلقت حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. وروى أصحابنا عن زرارة قال: سمعت ربيعة الرأي يقول: إن من رأيي أن الاقراء التي سمى الله في القرآن، إنما هي الطهر فيما بين الحيضين، وليست بالحيض. قال: فدخلت على أبي جعفر، فحدثته بما قال ربيعة، فقال: كذب ! لم يقل برأيه، وإنما بلغه عن علي " عليه السلام ". فقلت: أصلحك الله أكان علي يقول ذلك ؟ قال: نعم، كان يقول: إنما القرء الطهر، تقرأ فيه الدم فتجمعه، فإذا جاء الحيض قذفته. قلت: أصلحك الله رجل طلق امرأته طاهرة من غير جماع بشهادة عدلين. قال: إذا دخلت في الحيضة الثالثة، فقد انقضت عدتها وحلت للأزواج. قال قلت: إن أهل العراق يروون عن علي " عليه السلام " أنه كان يقول: هو أحق بردها ما لم تطهر (1) من الحيضة الثالثة ؟ فقال: كذبوا. (ولا يحل لهن) أي: للمطلقات اللاتي تجب عليهن العدة (أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن) قيل: أراد به الحيض، عن إبراهيم وعكرمة. وقيل: أراد به الحبل، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: أراد به الحيض، والحبل عن ابن عمر والحسن، وهو المروي عن الصادق " عليه السلام " قال: قد فوض الله إلى النساء ثلاثة أشياء: الحيض والطهر والحمل. وهذا القول أعم، فالأخذ به أولى، وإنما لم يحل لهن الكتمان لئلا يظلمن الزوج بمنع المراجعة، عن ابن عباس. وقيل: بنسبة الولد إلى غيره كفعل الجاهلية، عن قتادة. وقوله (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) يعني من كان يؤمن بالله واليوم الآخر،


(1) في نسختين مخطوطتين كما في الوسائل: " ما لم تغتسل " بدل: " ما لم تطهر ". (*)

[ 100 ]

فهذه صفته وحليته، وليس هذا بشرط حتى إنها إذا لم تكن مؤمنة يحل لها الكتمان. ولكن المراد أن الإيمان يمنع من ارتكاب هذه المعصية، كما يقول الرجل لصاحبه: إن كنت مؤمنا فلا تظلم. وهذا على وجه الوعيد (وبعولتهن أحق بردهن في ذلك) يعني: إن أزواجهن أولى بمراجعتهن، وهي ردهن إلى الحالة الأولى في ذلك الأجل الذي قدر لهن في مدة العدة، فإنه ما دامت تلك المدة باقية، كان للزوج حق المراجعة، ويفوت بانقضائها. وفي هذا ما يدل على أن الزوج ينفرد بالمراجعة، ولا يحتاج في ذلك إلى رضاء المرأة، ولا إلى عقد جديد، واشهاد. وهذا يختص بالرجعيات، وإن كان أول الآية عاما في جميع المطلقات الرجعية والبائنة. (إن أرادوا إصلاحا) لا إضرارا، وذلك أن الرجل كان إذا أراد الإضرار بامرأته طلقها (1) واحدة وتركها (2)، حتى إذا قرب انقضاء عدتها، راجعها وتركها مدة ثم طلقها أخرى، وتركها مدة كما فعل في الأولى، ثم راجعها وتركها مدة، ثم طلقها أخرى، فجعل الله الزوج أحق بالمراجعة على وجه الإصلاح، لا على وجه الإضرار. وإنما شرط الإصلاح في إباحة الرجعة لا في ثبوت أحكامها، لإجماع الأمة على أن مع إرادة الإضرار يثبت أحكام الرجعة. وقوله (ولهن) أي للنساء على أزواجهن (مثل الذي عليهن) من الحق (بالمعروف) وهذا من الكلمات العجيبة الجامعة للفوائد الجمة. وإنما أراد بذلك ما يرجع إلى حسن العشرة، وترك المضارة، والتسوية في القسم والنفقة والكسوة، كما أن للزوج حقوقا عليها مثل الطاعة التي أوجبها الله عليها له، وأن لا تدخل فراشه غيره، وأن تحفظ ماءه فلا تحتال في إسقاطه. وروي أن امرأة معاذ قالت: يا رسول الله ! ما حق الزوجة على زوجها ؟ قال: أن لا يضرب وجهها، ولا يقبحها، وأن يطعمها مما يأكل، ويلبسها مما يلبس، ولا يهجرها. وروي عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ومن حقكم عليهن أن لا يوطئن فراشكم من تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا (3) غير مبرح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ". وقوله (وللرجال عليهن درجة) قيل: معناه فضيلة منها


(1) أي: تطليقة واحدة فراجع (صحيح البخاري ج 7 ب 43). (2) [ مدة ]. (3) ضرب مبرح بكسر الراء أي: شاق. (*)

[ 101 ]

الطاعة، ومنها أن يملك التخلية، ومنها زيادة الميراث على قسم المرأة والجهاد، هذا قول مجاهد وقتادة. وقيل: معناه منزلة في الأخذ عليها بالفضل في المعاملة حتى يقول ما أحب أن أستوفي منها جميع حقي، ليكون لي عليها الفضيلة، عن ابن عباس. وقيل: معناه ان المرأة تنال اللذة من الرجل، كما ينال الرجل منها، وله الفضل بنفقته، وقيامه عليها، عن الزجاج. وفي تفسير علي بن إبراهيم بن هاشم قال: حق الرجال على النساء، أفضل من حق النساء على الرجال. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه روي عن الباقر " عليه السلام " قال: " جاءت امرأة إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقالت: يا رسول الله ! ما حق الزوج على المرأة ؟ فقال لها: أن تطيعه ولا تعصيه، ولا تتصدق من بيتها بشئ إلا بإذنه، ولا تصوم تطوعا إلا بإذنه، ولا تمنعه نفسها وإن كانت على ظهر قتب، ولا تخرج من بيتها إلا بإذنه، فإن خرجت بغير إذنه، لعنتها ملائكة السماء، وملائكة الأرض، وملائكة الغضب، وملائكة الرحمة، حتى ترجع إلى بيتها. فقالت: يا رسول الله ! من أعظم الناس حقا على المرأة ؟ قال: زوجها. قالت: فما لي من الحق عليه مثل ما له من الحق علي ؟ قال: لا ولا من كل مائة واحدة. فقالت: والذي بعثك بالحق لا يملك رقبتي رجل أبدا " وقال " عليه السلام ": (لو كنت آمرا أحدا يسجد لأحد، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ". (والله عزيز حكيم) أي: قادر على ما يشاء، يمنع ولا يمنع، ويقهر ولا يقهر، فاعل ما تدعو إليه الحكمة. وقد قيل في الآية: إن المطلقة قبل الدخول، والمطلقة الحاملة نسختا من هذه الآية بقوله: (فما لكم عليهن من عدة تعتدونها وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن) وقيل: إنهما مخصوصتان من الاية كما ذكرناه في أول الآية. (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما ءاتيتموهن شيئا إلآ أن يخافآ ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون [ 229 ]).

[ 102 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر وحمزة: (إلا أن يخافا) بضم الياء. والباقون بفتحها. الحجة: خاف: فعل يتعدى إلى مفعول واحد، وذلك المفعول يكون أن وصلتها نحو قوله: (تخافون أن يتخطفكم الناس) ويكون غيرها نحو قوله: (تخافونهم). فوجه قراءة حمزة (إلا أن يخافا) أنه لما بنى الفعل للمفعول به، أسند إلفعل إليه، فلم يبق شئ يتعدى إليه. فأما أن من قوله (أن لا يقيما): فإن الفعل يتعدى إليه بالجار كما تعدى بالجار في قوله: " ولو خافك الله عليه حرمه " وموضع أن في الآية: جر بالجار المقدر على قول الخليل والكسائي، ونصب في قول سيبويه وأصحابه، إلا أنه لما حذف الجار، وصل الفعل إلى المفعول الثاني مثل: أستغفر الله ذنبا، وأمرتك الخير. فقراءته مستقيمة على ما رأيت. فإن قال قائل: لو كان (يخافا) كما قرأ، لكان ينبغي أن يكون: فإن خيفا ؟ قيل: لا يلزمه هذا السؤال لمن خالفه في القراءة، لأنهم قد قرأوا: (إلا أن يخافا)، ولم يقولوا فإن خافا، وليس يلزم هذا السؤال جميعهم لأمرين أحدهما: إنه انصرف من الغيبة إلى الخطاب، كما قال: (الحمد لله)، ثم قال: (إياك نعبد)، (وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون). وهذا النحو كثير في التنزيل وغيره. والآخر: أن يكون الخطاب في قوله فإن خفتم مصروفا إلى الولاة والفقهاء الذين يقومون بأمور الكافة، وجاز أن يكون الخطاب للكثرة فيمن جعله انصرافا من الغيبة إلى الخطاب، لأن ضمير الإثنين في (يخافا) ليس يراد به إثنان مخصوصان، إنما يراد به أن كل من كان هذا شأنه فهذا حكمه. فأما من قرأ (يخافا) بفتح الياء: فالمعنى أنه إذا خاف كل واحد من الزوج والمرأة أن لا يقيما حدود الله، حل الإفتداء. اللغة: المرة والمرتان: كالكرة والكرتين، وأصل المرة: المرور خلاف الوقوف. والمرة: شدة الفتل لاستمراره على الإحكام والإمساك خلاف الإطلاق. وما بفلان مسكة وتماسك: إذا لم يكن فيه خير. والممسك: البخيل. والمسك: الإهاب، لأنه يمسك البدن باحتوائه عليه. والمسك: السوار لاستمساكه في اليد. والتسريح: مأخوذ من السرح وهو الإطلاق. وسرح الماشية في المرعى سرحا: إذا أطلقها ترعى. وسرحت الماشية: إنطلقت في المرعى. والسرحان: الذئب لاتباعه السرح. والسرحة: الشجرة المرتفعة لانطلاقها في جهة الطول. والمسرح: المشط

[ 103 ]

لإطلاق الشعر به. والسرياح: الجراد لانطلاقه في البلاد. وأن يخافا معناه: أن يظنا، قال الشاعر: * أتاني كلام عن نصيب يقوله، * وما خفت يا سلام أنك عائبي * يعني ما طننت، وأنشد الفراء: * إذا مت فادفني إلى جنب كرمة، * تروي عظامي بعد موتي عروقها * * ولاتدفنني في الفلاة، فإنني * أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها * الاعراب: (الطلاق): رفع بالإبتداء. و (مرتان): الخبر. وقوله: (فإمساك): خبر مبتدأ محذوف تقديره فالواجب عليكن إمساك، ولو كان في الكلام فإمساكا بالنصب، لكان جائزا على فامسكوهن إمساكا بمعروف، كما قال: فامسكوهن بمعروف. و (أن يخافا): موصول وصلة موضعهما نصب بأنه مفعول له تقديره لمخافتهما و (أن لا يقيما): في موضع نصب بأنه مفعول (يخافا) تقديره: يخافا ترك إقامة حدود الله. النزول: روى هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة أن امرأة أتتها، فشكت أن زوجها يطلقها ويسترجعها، يضارها بذلك. وكان الرجل في الجاهلية إذا طلق امرأته، ثم راجعها قبل أن تنقضي عدتها، كان له ذلك، وإن طلقها ألف مرة، لم يكن للطلاق عندهم حد، فذكرت ذلك لرسول الله، فنزلت الطلاق مرتان. فجعل حد الطلاق ثلاثا، والطلاق الثالث قوله: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). وروي أيضا أنه قيل للنبي: " الطلاق مرتان فأين الثالثة ؟ قال: إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان ". وقوله: (إلا أن يخافا) فأنزل في ثابت بن قيس بن شماس، وزوجته جميلة بنت عبد الله بن أبي، وكان يحبها وتبغضه، فقال لها: أتردين عليه حديقته ؟ قالت: نعم وأزيده. قال: لا حديقته فقط. فردت عليه حديقته. فقال: يا ثابت خذ منها ما أعطيتها، وخل سبيلها، ففعل. فكان أول خلع في الإسلام. المعنى: ثم بين سبحانه عدد الطلاق، فقال: (الطلاق مرتان) أي: الطلاق الذي يملك فيه الرجعة مرتان، وفي معناه قولان أحدهما: إنه بيان تفصيل طلاق السنة، وهو أنه إذا أراد طلاقها ينبغي أن يطلقها في طهر، لم يقربها فيه بجماع،

[ 104 ]

تطليقة واحدة، ثم يتركها حتى تخرج من العدة، أو حتى تحيض وتطهر، ثم يطلقها ثانية، عن ابن عباس ومجاهد والثاني: إن معناه البيان عن عدد الطلاق الذي يوجب البينونة مما لا يوجبها. وفي الآية بيان أنه ليس بعد التطليقتين إلا الفرقة البائنة، ولفظه لفظ الخبر، ومعناه الأمر أي: طلقوا دفعتين. وقوله: (فإمساك بمعروف) تقديره: فالواجب إذا راجعها بعد التطليقتين إمساك بمعروف أي: على وجه جميل سائغ في الشريعة، لا على وجه الإضرار بهن. (أو تسريح بإحسان) فيه قولان أحدهما: إنه الطلقة الثالثة والثاني: إنه يترك المعتدة حتى تبين بانقضاء العدة، عن السدي والضحاك، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. (ولا يحل لكم) خطاب الأزواج (ان تأخذوا) في حال الطلاق، واستبدال (مما آتيتموهن) أي: أعطيتموهن من المهر (شيئا). ثم أستثنى الخلع فقال: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله) معناه: إلا أن يغلب على ظنهما أن لا يقيما حدود الله، لما بينهما من أسباب التباعد والتباغض. وقال ابن عباس: هو أن يظهر من المرأة النشوز وسوء الخلق، بغضا للزوج. وقال أبو عبد الله: إذ ! قالت المرأة له: لا أغتسل لك من جنابة، ولا أبر لك قسما، ولأوطئن فراشك، ولأدخلن عليك بغير إذنك. إذا قالت له هذا، حل له أن يخلعها، وحل له ما أخذ منها. وعلى الجملة: إذا خاف أن تعصي الله فيه بارتكاب محظور، أو إخلال بواجب، وأن لا تطيعه فيما يجب عليها، فحينئذ يحل له أن يخلعها، وروي مثل ذلك عن الحسن. وقال الشعبي: هو نشوزها ونشوزه. (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله) أي: فإن ظننتم أن لا يكون بينهما صلاح في المقام (فلا جناج عليهما) أي: فلا حرج ولا إثم عليهما، وهذا يفيد الإباحة. وفي قوله: (عليهما) وإن كانت الإباحة للزوج وجهان أحدهما: إن الزوج لو خص بالذكر، لأوهم أنها عاصية، وإن كانت الفدية له جائزة، فبين الإذن لهما في ذلك ليزول الإيهام عن علي بن عيسى. والآخر: إن المراد به الزوج، وإنما ذكر معه المرأة لاقترانهما كقوله: (نسيا حوتهما)، وقوله: (ويخرج منهما اللؤلؤ والمرجان). وإنما هو من الملح دون العذب، فجاز للإتساع. قال الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن: وهذا أليق بمذهبنا، لأن الذي يبيح الخلع عندنا، هو ما لولاه لكانت المرأة عاصية.

[ 105 ]

وأقول: إن الذي عندي في ذلك، أن جواز وقوع العصيان منها، هو السبب في إباحة الخلع، ورفع الجناج إنما تعلق بالخلع، لا بأسبابه. والوجه الأول أولى بالإختيار، وأشد ملاءمة لظاهر الآية. والوجه الأخير مرغوب عنه، لعدوله عن سنن الإستقامة، إذ لا يكون الإثنان واحدا في الحقيقة. (فيما افتدت به) أي: بذلت من المال. واختلف في ذلك: فعندنا إن كان البغض منها وحدها، وخاف منها العصيان، جاز أن يأخذ المهر وزيادة عليه. وإن كان منهما، فدون المهر. وقيل: إنه يجوز الزيادة على المهر والنقصان من غير تفصيل، عن ابن عباس وابن عمر ورجاء بن حيوة وإبراهيم ومجاهد. وقيل: المهر فقط، عن ربيع وعطا والزهري والشعبي، ورووه عن علي. والخلع بالفدية على ثلاثة أوجه احدها: أن تكون المرأة عجوزا أو دميمة (1)، فيضار بها الزوج لتفتدي نفسها، فهذا لا يجل له الفدا لقوله: (وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج) الآية والثاني: أن يرى الرجل امرأته على فاحشة، فيضار بها لتفتدي نفسها، فهذا جائز وهو معنى قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة). والثالث: أن يخافا ألا يقيما حدود الله لسوء خلق، أو قلة نفقة من غير ظلم، أو نحو ذلك، فيجوز لهما جميعا الفدية على ما مر تفصيله. (تلك حدود الله) أي: أوامره ونواهيه، وما نصب من الآيات في الخلع والطلاق والرجعة والعدة. (فلا تعتدوها) أي: فلا تجاوزوها بالمخالفة. (ومن يتعد حدود الله) أي: يتجاوزها بأن يخالف ما حد له. (فأولئك هم الظالمون). واستدل أصحابنا بهذه الآية على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد لا يقع، لأنه قال: (الطلاق مرتان)، ثم ذكر الثالث على الخلاف في أنها قوله (أو تسريح بإحسان) أو قوله (فإن طلقها). ومن طلق ثلاثا بلفظ واحد، فإنه لم يأت بالمرتين، ولا بالثالثة، كما أنه لما أوجب في اللعان أربع شهادات، فلو أتى بالأربع بلفظ واحد، لما أتى بالشروع، ولم يحصل حكم اللعان، وكذلك لو رمى في الجمار بسبع حصيات دفعة واحدة، لم تجزئ عنه، بلا خلاف، وكذلك الطلاق. (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن طلقها فلا جناح


(1) أي: قبيحة. (*)

[ 106 ]

عليهما أن يتراجعا إن ظنا أن يقيما حدود الله وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون [ 230 ]). الاعراب: موضع (أن) في قوله (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) جر بإضمار الجار وتقديره: في أن يتراجعا، عن الخليل والكسائي والزجاج. وقيل: وموضعه نصب، وهو اختيار الزجاج، وباقي النحويين. وموضع (أن) الثانية وهو (أن يقيما حدود الله): نصب بلا خلاف بظنا، وإنما جاز حذف في من (أن يتراجعا)، ولم يجز حذفه من المصدر الذي هو التراجع، لطول أن بالصلة، كما جاز الذي ضربت زيد لطول " الذي " بالصلة، ولم يجز في المصدر كما لم يجز في اسم الفاعل، نحو: زيد ضارب عمرو، ويريد ضاربه. النزول: الزهري عن عروة عن عائشة قالت: جاءت امرأة رفاعة بن وهب القرظي إلى رسول إلله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني، فبت طلاقي، فتزوجت بعده عبد الرحمن بن الزبير، وإن ما معه مثل هدبة (1) الثوب، وانه طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمي ؟ فتبسم رسول الله، وقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة ؟ لا حتى يذوق عسسيلتك (2)، وتذوقي عسيلته ! وفي قصة رفاعة وزوجته نزل: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره). المعنى: ثم بين سبحانه حكم التطليقة الثالثة، فقال: (فإن طلقها) يعني التطليقة الثالثة على ما روي عن أبي جعفر، وبه قال السدي والضحاك. وقيل: هو تفسير قوله (أو تسريح بإحسان)، عن مجاهد. وهذا على مذهب من جعل التسريح طلاقا. (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) أي: لا تحل هذه المرأة، أي: لا يحل نكاحها لهذا الرجل الذي طلقها، حتى تزوج زوجا غيره، ولجامعها. واختلف. في ذلك فقيل: العقد علم بالكتاب، والوطء بالسنة، عن الجبائي. وقيل: بل كلاهما علم بالكتاب، لأن لفظ النكاح يطلب عليهما، فكأنه قيل: حتى يتزوج ويجامعها الزوج. ولأن العقد مستفاد بقوله (زوجا غيره)، والنكاح مستفاد بقوله


(1) الهدبة واحدة الهدب: خمل الثوب وطرته. ويقال لها بالفارسية. " ريشة ". (2) كناية عن الجماع تشبيها بالعسل، وإنما صغرت إشارة إلى القدر الذي يحلل، ولو بغيبوبة الحشفة. (*)

[ 107 ]

(حتى تنكح). وإنما أوجب الله ذلك لعلمه بصعوبة تزوج المرأة على الرجل، حتى لا يعجلوا بالطلاق وأن يتثبتوا. قال أبو مسلم: وهذا من الكنايات الفصيحة، والإيجاز العجيب. (فإن طلقها) الزوج الثاني. (فلا جناح عليهما أن يتراجعا) أي: فلا جناح على الزوج وعلى المرأة أن يعقدا بينهما عقد النكاح، ويعودا إلى الحالة الأولى. فذكر النكاح بلفظ التراجع. (إن ظنا) أي: إن رجيا. وقيل: علما. وقيل: اعتقدا (أن يقيما حدود الله) في حسن الصحبة والمعاشرة، وأنه يكون بينهما الصلاح. (وتلك) إشارة إلى الأمور التي بينها في النكاح والطلاق والرجعة. (حدود الله): أوامره ونواهيه. (يبينها): يفصلها. (لقوم يعلمون) خص العالمين بذكر البيان لهم، لأنهم هم الذي ينتفعون ببيان الآيات، فصار غيرهم بمنزلة من لا يعتد به. ويجوز أيضا أن يكونوا خصوا بالذكر تشريفا لهم، كما خص جبرائيل وميكائيل بالذكر من بين الملائكة. وتدل الآية على أنه طلقها الثالثة، فلا تحل له إلا بعد شرائط الزوج الثاني، ووطئه في القبل، وفرقته وانقضاء عدتها. وصفة الزوج الذي يحل المرأة للزوج الأول، أن يكون بالغا، ويعقد عليها عقدا صحيحا دائما. واختلف في التحليل على ثلاثة أقاويل: فمنهم من قال: إذا نوى التحليل يفسد النكاح، ولا تحل للأول، عن مالك والأوزاعي والثوري، وروي نحوه عن أبي يوسف، واحتجوا بقوله: " لعن الله المحلل والمحلل له ". ومنهم من قال: إذا لم يشرط في العقد حل، وإذا شرطه يفسد، ولا يحل عند الشافعي. ومنهم من قال: يصح العقد، ويبطل الشرط، وتحل للأول، ولكن يكره ذلك، وهو الظاهر من مذهب أبي حنيفة وأهل العراق وقال محمد: يصح النكاح، ولا تحل للأول. وفي قوله: (فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره) دلالة على أن النكاح بغير ولي جائز، وأن المرأة يجوز لها أن تعقد على نفسها، لأنه أضاف العقد إليها دون وليها. (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا ومن يفعل ذلك فقد ظلم نفسه ولا تتخذوا ءايات الله هزوا واذكروا نعمت الله عليكم وما أنزل عليكم من الكتاب والحكمة يعظكم به واتقوا الله واعلموا أن الله بكل شئ عليم [ 231 ]).

[ 108 ]

اللغة: الأجل: آخر المدة وعاقبة الامور. والمراد بالمعروف هاهنا: الحق الذي يدعو إليه العقل أو الشرع للمعرفة بصحته خلاف المنكر الذي يزجر عنه العقل أو السمع، لاستحالة المعرفة بصحته، فما يجوز المعرفة بصحته: معروف، وما لا يجوز المعرفة بصحته: منكر. الاعراب: (فبلغن أجلهن): الجملة في موضع جر بالعطف على الجملة قبلها، وهي: (طلقتم النساء) مجرورة الموضع بإضافة (إذا) إليها. و (ضرارا): نصب على الحال من الواو في (تمسكوهن) تقديره: ولا تمسكوهن مضارين. واللام في (لتعتدوا): يتعلق بتمسكوا وضرارا وهزوا: مفعول ثان (لتتخذوا). (وما أنزل): موصول وصلة في محل النصب بالعطف على (نعمة). (من الكتاب): في محل النصب على الحال، والعامل فيه (اذكروا). وذو الحال (ما أنزل) ومن يكون بمعنى التبيين. (يعظكم): جملة في موضع الحال، والعامل فيه (أنزل). المعنى: ثم بين سبحانه ما يفعل بعد الطلاق، فقال: (وإذا طلقتم النساء) وهذا خطاب للأزواج (فبلغن أجلهن) البلوغ هاهنا: بلوغ مقاربة أي: قاربن انقضاء العدة (1) بما يتعارفه الناس بينهم، بما تقبله النفوس، ولا تنكره العقول. والمراد بالمعروف هاهنا: أن يمسكها على الوجه الذي أباحه الله له من القيام بما يجب لها من النفقة، وحسن العشرة، وغير ذلك. (أو سرحوهن بمعروف) أي: اتركوهن حتى تنقضي عدتهن، فيكن أملك بأنفسهن (ولا تمسكوهن ضرارا) أي: لا تراجعوهن لا لرغبة فيهن، بل لطلب الإضرار بهن إما في تطويل العدة، أو بتضييق النفقة في العدة. (لتعتدوا) أي: لتظلموهن (ومن يفعل ذلك) أي: الإمساك للمضارة (فقد ظلم نفسه) فقد أضر بنفسه، وعرضها لعذاب الله. (ولا تتخذوا آيات الله هزوا) أي: لا تستخفوا بأوامره وفروضه ونواهيه. وقيل: آيات الله قوله: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان). (واذكروا نعمة الله عليكم) فيما أباحه لكم من الأزواج والأموال، وما بين لكم من الحلال والحرام (وما أنزل عليكم من الكتاب) (2) يعني


(1) لأن بعد انقضاء العدة ليس للزوج الإمساك، فهذا كما تقول: بلغت البلد إذا قربت منه (فأمسكوهن بمعروف) أي: راجعوهن قبل انقضاء العدة. (2) يعني القرآن (والحكمة). (*)

[ 109 ]

العلوم التي دل عليها، والشرائع التي بينها (يعظكم به) لتتعظوا فتؤجروا بفعل ما أمركم الله به، وترك ما نهاكم عنه (واتقوا الله) أي: معاصيه التي تؤدي إلى عقابه. وقيل: إتقوا عذاب الله باتقاء معاصيه. (واعلموا أن الله بكل شئ عليم) من أفعالكم وغيرها. (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف ذلك يوعظ به من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر ذلكم أزكى لكم وأطهر والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 232 ]). اللغة: العضل: الحبس. وقيل: هو مأخوذ من المنع. وقيل: هو مأخوذ من الضيق والشدة. والأمر المعضل: الممتنع بصعوبته. وعضلت الناقة: فهي معضلة إذا احتبس ولدها في بطنها. وعضلت الدجاجة: إذا احتبس بيضها. وتقول: عضل المرأة يعضلها عضلا: إذا منعها من التزويج ظلما. وأعضل الداء الأطباء: إذا أعياهم أن يقوموا به وامتنع عليهم لشدته. وداء عضال، وفلان عضلة من العضل أي: داهية من الدواهي. الاعراب: موضع (أن) من قوله (أن ينكحن أزواجهن) جر عند الخليل والكسائي، وتقديره من أن. ونصب عند غيرهما بوصول الفعل (ذلك يوعظ به) مبتدأ وخبر. وقوله: (من كان يؤمن بالله): في موضع رفع بيوعظ. و (منكم): في موضع الحال من الضمير في (يؤمن). النزول: نزلت في معقل بن يسار حين عضل أخته جملاء أن ترجع إلى الزوج الأول، وهو عاصم بن عدي، فإنه كان طلقها وخرجت من العدة، ثم أراد أن يجتمعا بعقد آخر، فمنعها من ذلك، فنزلت الآية، عن قتادة والحسن وجماعة. وقيل: نزلت في جابر بن عبد الله، عضل بنت عم له، عن السدي. والوجهان لا يصحان على مذهبنا، لأنه لا ولاية للأخ وابن العم عندنا، ولا تأثير لعضلهما، فالوجه في ذلك أن تحمل الآية على المطلقين، كما في الظاهر فكأنه قال: لا تعضلوهن أي: لا تراجعوهن عند قرب انقضاء عدتهن، إضرارا بهن، لا رغبة فيهن، فإن ذلك لا يسوغ في الدين. ويجوز أن يكون العضل محمولا على الجبر، والحيلولة بينهن وبين التزويج، دون ما يتعلق بالولاية.

[ 110 ]

المعنى: (وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن) أي: انقضت عدتهن (فلا تعضلوهن)، أي: لا تمنعوهن ظلما عن التزوج. وقيل: المراد به التخلية. وقيل: هو خطاب للأولياء، ومنع لهم من عضلهن. وقيل: خطاب للأزواج يعني أن تطلقوهن في السر، ولا تظهروا طلاقهن كيلا يتزوجن غيرهم، فيبقين لا ممسكات إمساك الأزواج، ولا مخليات تخلية الطلاق، أو تطولوا العدة عليهن (أن ينكحن أزواجهن) أي: من رضين بهم أزواجا لهن. وقيل: الذين كانوا أزواجا لهن من قبل. (إذا تراضوا بينهم بالمعروف) أي: بما لا يكون مستنكرا في عادة ولا خلق ولا عقل. وقيل: إذا تراضى الزوجان بالنكاح الصحيح، عن السدي. وقيل: إذا تراضيا بالمهر، قليلا كان أو كثيرا. (ذلك) إشارة إلى ما سبق من الأمر والنهي (يوعظ به) يزجر، ويخوف به (من كان منكم يؤمن بالله واليوم الآخر) إنما خصهم بالذكر، لأنهم الذين انتفعوا به، أو لأنهم أولى بالإتعاظ به. وقيل: لأن الكافر إنما يلزمه الوعظ بعد قبوله الإيمان، واعترافه بالله تعالى. (ذلكم أزكى لكم) أي: خير لكم، وأفضل وأعظم بركة، وأحرى أن يجعلكم أزكياء (وأطهر) أي: أطهر لقلوبكم من الريبة، فإنه لعل في قلبها حبا، فإذا منعها من التزويج لم يؤمن أن يتجاوزا إلى ما حرم الله. وقيل: أطهر لكم من الذنوب (والله يعلم) ما لكم فيه من الصلاح في العاجل والآجل. (وأنتم لا تعلمون) وأنتم غير عالمين إلا بما أعلمكم. وليس لأحد أن يستدل بالآية على أن العقد لا يصح إلا بولي، لأنا قد بينا أن المراد بالعضل المنع. وإذا حملنا الآية على أنها خطاب للأزواج، سقط قولهم. وهذا أولى لأنه لم يجر للأولياء ذكر، كما جرى ذكر المطلقين. (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف لا تكلف نفس إلا وسعها لا تضار والدة بولدها ولا مولود له بولده وعلى الوارث مثل ذلك فإن أرادا فصالا عن تراض منهما وتشاور فلا جناح عليهما وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم إذا سلمتم مآ ءاتيتم بالمعروف واتقوا الله واعلموا أن الله بما تعملون بصير [ 233 ]).

[ 111 ]

القراءة: قرأ أهل البصرة، وابن كثير، وقتيبة عن الكسائي: (لا تضار) بالرفع وتشديد الراء. وقرأ أبو جعفر وحده بتخفيف الراء وسكونها. والباقون بتشديدها وفتحها. وقرأ ابن كثير وحده: (ما أتيتم) مقصورة الألف. والباقون: (ما أتيتم)، وكذلك في الروم. الحجة: من رفع فلأن قبله لا تكلف، فأتبعه ما قبله ليكون أحسن لتشابه اللفظ. فإن قلت: إن ذلك خبر وهذا أمر ؟ قيل: إن الأمر قد يجئ على لفظ الخبر في التنزيل، ألا ترى إلى قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن) ويؤكد ذلك أن ما بعده على لفظ الخبر، وهو قوله: (وعلى الوارث مثل ذلك) والمعنى ينبغي ذلك، فلما وقع موقعه، صار في لفظه. ومن فتح جعله أمرا، وفتح الراء ليكون حركته موافقة لما قبلها وهو الألف. وأما قراءة أبي جعفر (لا تضار) فينبغي أن يكون أراد: لا تضار. كما روى في الشواذ عن أبان عن عاصم، إلا أنه حذف إحدى الراءين تخفيفا، كما قالوا: أحست في أحسست، وظلت ومست في ظللت ومسست. ومن قرأ (آتيتم): فالمراد إيتاء المهر، كقوله: (وآتيتم إحداهن قنطارا)، وقوله: (إذا آتيتموهن أجورهن). وأما قول ابن كثير فتقديره إذا سلمتم ما أتيتم نقده، أو أتيتم سوقه (1)، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ثم حذف الهاء من الصلة، فكأنه قال: أتيت نقد ألف أي: بذلته، كما يقول: أتيت جميلا أي: فعلته، ويؤيده قول زهير: * فما يك من خير أتوه فإنما * توارثه آباء آبائهم قبل * فكما تقول: أتيت خيرا، فكذلك تقول: أتيت نقد ألف، وقد وقع أتيت موضع آتيت. ويجوز ان يكون (ما) في الآية مصدرا، فيكون التقدير: إذا سلمتم الإتيان. والإتيان المأتى مما يبذل بسوق أو نقد، كقوله: ضرب الأمير أي: مضروبه. اللغة: الرضع: مص الثدي بشرب اللبن منه، يقال: رضع ورضع والمصدر الرضع والرضع والرضاع والرضاعة. ولئيم راضع: يرضع لبن ناقته من لؤمه لئلا يسمع الضيف صوت الشخب (2). وأرضعت المرأة فهي مرضعة. وقولهم مرضع بغير


(1) أي: المهر من غير النقدين. (2) الشخب: ما يخرج من تحت يد الحالب عند كل غمزة، أو عصرة للضرع. (*)

[ 112 ]

هاء: ذات رضاع. والحول: السنة مأخوذ من الإنقلاب في قولك: حال الشئ عما كان عليه، يحول. ومنه الإستحالة في الكلام لانقلابه عن الصواب. وقيل: أخذ من الإنتقال من قولك: تحول عن المكان. والكسوة: مصدر كسوته ثوبا أي: ألبسته. واكتسى أي: لبس. والكسوة: اللباس. والتكليف: الإلزام الشاق، وأصله من الكلف: وهو ظهور الأثر، لأنه يلزمه ما يظهر فيه أثره. وتكلف أي: تحمل. والكلف بالشئ: الإيلاع به. والوسع: الطاقة مأخوذ من سعة المسلك إلى الغرض فيمكن لذلك، فلو ضاق لأعجز عنه. والسعة فيه بمنزلة القدرة، فلذلك قيل: الوسع بمعنى الطاقة. والفصال: الفطام لانفصال المولود عن الإغتذاء بثدي أمه إلى غيره من الأقوات. وفصيلة الرجل: بنو أبيه لانفصالهم من أصل واحد. والفصل: الفرق. والتشاور: مأخوذ من الشور، وهو اجتناء العسل تقول: شرت العسل أشوره شورا: إذا اجتنيته من مكانه. والمشورة: استخراج الرأي من المستشار، لأنها تجتنى منه. وأشار إليه إشارة: أومى إليه. والمشيرة: الإصبع التي تسمى السبابة لأنه يشار بها. والشارة: الهيئة واللباس الحسن، لأنه مما يشار إليه لحسنه. والتشوير: استخراج سير الدابة كالإجتناء. الاعراب: (عن تراض): في موضع الحال تقديره: فإن أراد متراضيين. (منهما): في موضع جر صفة لتراض. (أن تسترضعوا أولادكم): معناه لأولادكم، فحذفت اللام لدلالة الإسترضاع عليه من حيث أنه لا يكون إلا للأولاد. ولا يجوز: دعوت زيدا، تريد لزيد، لأنه لا يجوز أن يكون (1) مدعوا له إذ معنى: دعوت زيدا لعمرو، خلاف: دعوت زيدا فقط، فلا يجوز للإلتباس. وقوله: (بالمعروف) جاز أن يتعلق بسلمتم، كأنه قال: إذا سلمتم بالمعروف ما أتيتم. ويجوز أن يتعلق بأتيتم على حد قولك: أتيته بزيد. المعنى: لما بين سبحانه حكم الطلاق، عقبه ببيان أحكام الأولاد الصغار في الرضاع والتربية، وما يجب في ذلك من الكسوة والنفقة، فقال: (والوالدات) أي: الأمهات (يرضعن أولادهن) صيغته صيغة الخبر، والمراد به الأمر أي: ليرضعن أولادهن، كقوله: (يتربصن بأنفسهن). وجاز ذلك التصرف في الكلام مع رفع


(1) [ المدعو ]. (*)

[ 113 ]

الإشكال، إذ لو كان خبرا لكان كذبا، لجواز أن يرضعن أكثر من حولين أو أقل. وقولك: حسبك درهم، معناه: اكتف بدرهم تام. وقيل: هو خبر بمعنى الأمر، وتقديره: والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين في حكم الله الذي أوجبه على عباده، فحذف للدلالة عليه. وهذا أمر استحباب لا أمر إيجاب. والمعنى إنهن أحق برضاعهم من غيرهن بدليل قوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى). ثم بين مدة الرضاع فقال: (حولين كاملين) أي: عامين تامين أربعة وعشرين شهرا، وإنما ذكر كاملين، وإن كانت التثنية تأتي على استيفاء العدة، لرفع الإبهام الذي يعرض في الكلام. فإن الرجل يقول: سرت شهرا، وأقمت عند فلان سنة، وإن كان قد سار قريبا من شهر، وأقام قريبا من سنة. وفي هذا بيان لأمرين أحدهما: مندوب والثاني: فرض. فالمندوب هو أن يجعل الرضاع تمام الحولين. والمفروض هو أن المرضعة تستحق الأجرة في مدة الحولين، ولا تستحق فيما زاد عليه. واختلف في هذا الحد هل هو لكل مولود أو للبعض ؟ فقال ابن عباس: ليس لكل مولود، ولكن لمن ولد لستة أشهر، وإن ولد لسبعة أشهر فثلاثة وعشرون، وإن ولد لتسعة أشهر فأحد وعشرون، يطلب بذلك تكملة ثلاثين شهرا في الحمل والفصال. وعلى هذا يدل ما رواه أصحابنا في هذا الباب، لأنهم رووا أن ما نقص عن أحد وعشرين شهرا فهو جور على الصبي. وقال الثوري وجماعة: هو لازم في كل ولد إذا اختلف والداه رجعا إلى الحولين، من غير زيادة ولا نقصان، ولا يجوز لهما غير ذلك. والرضاع بعد الحولين لا حكم له في التحريم عندنا، وبه قال ابن عباس وابن مسعود وأكثر العلماء قالوا: المراد بالآية بيان التحريم الواقع بالرضاع. ففي الحولين يحرم، وما بعده لا يحرم. وقوله: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) أي: لمن أراد أن يتم الرضاعة المفروضة عليه. وهذا يدل على أن الرضاع غير مستحق على الأم، لأنه علقه بالإرادة ويدل عليه قوله: (وإن تعاسرتم فسترضع له اخرى). وقال قتادة والربيع: فرض الله على الوالدات أن يرضعن أولادهن حولين، ثم أنزل الرخصة بعد ذلك، فتال: (لمن أراد أن يتم الرضاعة) يعني إن هذا منتهى الرضاع، وليس فيما دون ذلك حد محدود، وإنما هو على مقدار صلاح الصبي، وما يعيش به. (وعلى المولود له) يعني الأب (رزقهن) يعني الطعام والإدام (وكسوتهن) يعني لباسهن، والمراد رزق الأم

[ 114 ]

وكسوتها ما دامت في الرضاعة اللازمة، وذلك في المطلقة، عن الثوري والضحاك وأكثر المفسرين (بالمعروف) يعني على قدر اليسار، لأنه علم أحوال الناس في الغنى والفقر، وجعل حق الحضانة للأم، والنفقة على الأب، على قدر اليسار، ولم يرد به نفقة الزوجات، لأنه قابلها بالإرضاع. ونفقة الزوجة لا تجب بسبب الإرضاع، وإنما تجب بسبب الزوجية. وقال بعضهم: أراد به نفقة الزوجات. وقوله: (لا تكلف نفس إلا وسعها) أي: لا يلزم إلا دون طاقتها (لا تضار والدة بولدها) أي: لا تترك الوالدة إرضاع ولدها، غيظا على أبيه، فتضر بولده به، لأن الوالدة أشفق عليه من الأجنبية. (ولا مولود له بولده) أي: لا يأخذه من أمه طلبا للإضرار بها، فيضر بولده، فيكون المضارة على هذا بمعنى الإضرار أي: لا تضر الوالدة، ولا الوالد بالولد، وإنما قال: تضار. والفعل من واحد، لأنه لما كان معناه المبالغة، كان بمنزلة أن يكون الفعل من اثنين. وقيل: الضرر يرجع إلى الولد، كأنه يقول: لا يضار كل واحد من الأب والأم بالصبي، الأم بأن لا ترضعه، والاب بأن لا ينفق، أو بأن ينتزعه من الأم. والباء زائدة، والمعنى لا تضار والدة ولدها، ولا والد ولده. وقيل: معناه لا تضار والدة الزوج بولدها. ولو قيل في ولدها، لجاز في المعنى. وروي عن السيدين الباقر والصادق " عليهما السلام ": لا تضار والدة بأن يترك جماعها خوف الحمل، لأجل ولدها المرتضع. (ولا مولود له بولده) أي: لا تمنع نفسها من الأب خوف الحمل، فيضر ذلك بالأب. وقيل: لا تضار والدة بولدها بأن ينتزع الولد منها، ويسترضع امرأة غيرها، مع إجابتها إلى الرضاع بأجرة المثل. فعلى هذا يكون معنى بولدها بسبب ولدها، ولا مولود له أي: لا تمتنع هي من الإرضاع إذا أعطيت أجرة مثلها، فإن فعلت استأجر الأب مرضعة ترضعه غيرها، ولا تمنعه من رؤية الولد، فيكون فيه مضارة بالوالد. وقوله: بولده بسبب ولده أيضا. وليس بين هذه الأقوال تناف، فالأولى حمل الآية على جميعها. وقوله (وعلى الوارث) قيل: معناه وارث الولد، عن الحسن وقتادة والسدي، وهو من يرثه إذا مات. وقيل: وارث الوالد، عن قبيصة بن ذويب، والأول أقوى. (مثل ذلك) أي: مثل ما كان على الوالد من النفقة والرضاع، عن الحسن وقتادة. وقيل: مثل ما كان على الوالد من ترك المضارة، عن الضحاك. والمفهوم عند أكثر العلماء الأمران معا، وهو أليق بالعموم.

[ 115 ]

واختلفوا في أن النفقة على كل وارث، أو على بعضهم ؟ فقيل: هي على العصبات دون أصحاب الفرائض من الأم، والأخوة من الأم، عن عمر بن الخطاب والحسن. وقيل: على وارث الصبي من الرجال والنساء على قدر النصيب من الميراث، عن قتادة. وقيل: على الوارث ممن كان ذا رحم محرم، دون ذي رحم ليس بمحرم، كابن العم، وابن الأخت، فيجب على ابن الأخت، ولم يجب على ابن العم، وإن كان وارثه في تلك الحال، عن أبي حنيفة وصاحبيه. وقيل: على الوارث أي: الباقي من أبويه، عن سفيان، وهو الصحيح عندنا، وهو أيضا مذهب الشافعي، لأن عنده لا يجبر على نفقة الرضاع إلا الولدان فقط. وقد روي أيضا في أخبارنا أن على الوارث، كائنا من كان، النفقة. وهذا يوافق الظاهر، وبه قال قتادة وأحمد وإسحاق. وقوله: (فإن أرادا فصالا) أي: قبل الحولين، عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: قبل الحولين، أو بعدهما، عن ابن عباس (عن تراض منهما) أي: من الأب والأم (وتشاور) يعني اتفاق منهما ومشاورة. وإنما يشرط تراضيهما وتشاورهما مصلحة للولد، لأن الوالدة تعلم من تربية الصبي ما لا يعلمه الوالد. فلو لم يتفكرا ويتشاورا في ذلك أدى إلى ضرر الصبي. (فلا جناح عليهما) أي: لا حرج عليهما إذا تماسك الولد، فإن تنازعا رجعا إلى الحولين. وقوله: (وإن أردتم) خطاب للآباء (أن تسترضعوا أولادكم) أي: لأولادكم أن تطلبوا لهم مراضع غير أمهاتهم لإباء أمهاتهم الرضاع، أو لعلة بهن من انقطاع لبن، أو غيره (فلا جناح عليكم) أي: لا حرج ولا ضيق في ذلك (إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) أي: إذا سلمتم إلى الأم أجرة المثل، مقدار ما أرضعت، عن مجاهد والسدي. وقيل: إذا سلمتم الإسترضاع عن تراض واتفاق، دون ذلك الضرار، عن أبي شهاب. وهذا معنى قول ابن عباس. وفي رواية عطاء قال: إذا سلمت أمه، ورضي أبوه، لعل له غنى يشتري له مرضعا. وقيل: إذا سلمتم أجرة المسترضعة، عن الثوري. وقيل: إذا سلمتم أجرة الأم أو الظئر عن ابن جريج. ومعنى قوله (آتيتم) ضمنتم وألزمتم. ثم أوصى بالتقوى فقال: (واتقوا الله) يعني معاصيه، أو عذابه في مجاوزة ما حده لكم (واعلموا أن الله بما تعملون) أي: بأعمالكم (بصير) أي: عليم لا

[ 116 ]

يخفى عليه شئ منها. وفي قوله (لا تكلف نفس إلا وسعها) دلالة على فساد قول المجبرة في حسن تكليف ما لا يطاق، لأنه إذا لم يجز أن يكلف مع عدم الجدة، فأن لا يكلف مع عدم القدرة أحرى. فإن في الحالين لا سبيل له إلى أداء ما كلف. (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف والله بما تعملون خبير [ 234 ]). القراءة: روي في الشواذ عن علي " عليه السلام ": (يتوفون) بفتح الياء. الحجة: قال ابن جني: هو على حذف المفعول أي: الذين يتوفون أيامهم، أو آجالهم وأعمارهم. وحذف المفعول به كثير في القرآن، وفصيح الكلام، إذا كان هناك دليل عليه، كما قال الله (وأوتيت من كل شئ) أي: شيئا. قال الحطيئة. * منعمة تصون إليك منها * كصونك من رداء شرعبي (1) * أي: تصون الكلام منها. وتوفيت الشئ، استوفيته: أخذته وافيا. اللغة: يذر ويدع: يترك ولا يستعمل منهما الماضي استغني عنه بترك، والعلة في ذلك أنهم تركوا الواوات في أول الكلمة، حتى إنهم لم يلحقوها أولا على جهة الزيادة أصلا. والأجل: غاية الوقت في محل الدين، ونحوه لتأخيره إلى ذلك الوقت. والآجل: نقيض العاجل لتأخره عن وقت غيره. وفعله من أجل كذا أي: لعاقبة كذا، وهي متأخرة عن وقت الفعل الذي دعت إليه. والقطيع من بقر الوحش يسمى أجلا. وقد تأجل الصوار (2) أي: صار أجلا لتأخر بعضه عن بعض. وأجل عليهم شرا أجلا أي: جناه لأنه أعقبهم شرا. والآجلة: الآخرة. والعاجلة: الدنيا. والخبير: العالم بمخبر الخبر، وأصله من السهولة. والخبار: الأرض السهلة. وأخبرت بالشئ: لأنه تسهيل لطريق العلم به. والخبير: الأكار. والمخابرة: المؤاكرة وهو أن يزرع على النصف، أو الثلث، أو نحوه، وذلك لتسهيل الزراعة. الاعراب: (الذين): مرتفع بالإبتداء و (يتوفون): صلته. و (منكم): في


(1) الشرعبي: ضرب من البرود. (2) الصوار: قطيع البقر. (*)

[ 117 ]

موضع النصب على الحال من الواو في يتوفون. (ويذرون أزواجا): عطف على الصلة فهو أيضا من الصلة. و (يتربصن) وما بعده: خبر المبتدأ. وإذا كان خبر المبتدأ لا يخلو من أن يكون هو هو، أو يكون له فيه ذكر، فلا يجوز أن يكون هذا الظاهر على الذي هو عليه، لخلوه من ضربي خبر الإبتداء. وقد قيل فيه أقوال أحدها: إن تقدير خبر المبتدأ (يتربصن) بعدهم لأن المعنى يتربصن أزواجهم بعدهم أربعة أشهر وعشرا. وجاز حذف هذا الذي يتعلق به الراجع إلى المبتدأ، كما جاء ذلك في قولهم: السمن منوان بدرهم. والمعنى على منوان منه بدرهم، عن الأخفش. والثاني: أن يكون تقديره أزواجهم بتربص، عن أبي العباس المبرد. فالمحذوف على هذا هو المبتدأ الذي هو أزواجهم. وساغ هذا الحذف لقيام الدلالة عليه، كما يسوغ حذف المفرد إذا قامت الدلالة عليه، وقيام الدلالة على المضاف أن الأزواج قد تقدم ذكرهن، فساغ إضمارهن وحسن. وأما حذف المضاف إليه فلاقتضاء المبتدأ الراجع إليه، وقد جاء المبتدأ مضافا محذوفا كما جاء المفرد وذلك قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل) أي: تقلبهم متاع قليل. والثالث: أن يكون تقديره يتربصن أزواجهن، ثم كنى عن الأزواج، عن الكسائي، وإنما قال (وعشرا) بالتأنيث: تغليبا لليالي على الأيام، إذا اجتمعت في التاريخ، لأن ليلة كل يوم قبله، كما قيل لخمس بقين. وقد علم المخاطب أن الأيام داخلة مع الليالي، وأنشد سيبويه: * فطافت ثلاثا بين يوم، وليلة * يكون النكير أن تضيف، وتجأرا (1) * (فيما فعلن): ما مع صلته في موضع الجر بفي. وقوله (بالمعروف): الجار والمجرور في موضع النصب على الحال. المعنى: لما بين عدة المطلقات، بين عدة الوفاة، فقال: (والذين يتوفون منكم) أي: يقبضون، ويموتون (ويذرون) أي: يتركون (أزواجا) أي: نساء (يتربصن بأنفسهن) أي: ينتظرن انقضاء العدة، ويحبسن أنفسهن عن التزويج


(1) تضيف أي: تخاف. وتجأر: تضرع، أو صاح. (*)

[ 118 ]

معتدات (أربعة أشهر وعشرا) أي: وعشر ليال وعشرة أيام، وهذه عدة المتوفى عنها زوجها، سواء كانت مدخولا بها، أو غير مدخول بها، حرة كانت أو أمة، فإن كانت حبلى فعدتها أبعد الأجلين من وضع الحمل، أو مضي أربعة أشهر وعشر. ووافقنا في عدة الامة الأصم، وخالف باقي الفقهاء في ذلك فقالوا: عدتها نصف عدة الحرة، شهران وخمسة أيام، وإليه ذهب قوم من أصحابنا، وقالوا في عدة الحامل: إنها بوضع الحمل، وإن كان بعد على المغتسل. وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وأبي مسعود البدري، وأبي هريرة. وعندنا أن وضع الحمل يختص عدة المطلقة. والذي يجب على المعتدة في عدة الوفاة اجتنابه هو الزينة والكحل بالأثمد وترك النقلة عن المنزل، عن ابن عباس والزهري، والإمتناع من التزوج لا غير، عن الحسن. وإحدى الروايتين عن ابن عباس، وعندنا أن جميع ذلك واجب. (فإذا بلغن أجلهن) أي: آخر العدة بانقضائها (فلا جناح عليكم) قيل: إنه خطاب للأولياء. وقيل: لجميع المسلمين، لأنه يلزمهم منعها عن التزوج في العدة. وقيل: معناه لا جناح على النساء، وعليكم (فيما فعلن في أنفسهن) من النكاح، واستعمال الزينة التي لا ينكر مثلها. وهذا معنى قوله (بالمعروف). وقيل: معنى قوله بالمعروف ما يكون جائزا. وقيل: معناه النكاح الحلال عن مجاهد (والله بما تعملون خبير) أي: عليم. وهذه الآية ناسخة لقوله (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج)، وإن كانت متقدمة في التلاوة عليه. (ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم علم الله أنكم ستذكرونهن ولكن لا تواعدوهن سرا إلآ أن تقولوا قولا معروفا ولا تعزموا عقدة النكاح حتى يبلغ الكتاب أجله واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه واعلموا أن الله غفور حليم [ 235 ]). النزول: آية في الكوفي، وآيتان في غيرهم. يترك قولا معروفا الكوفي. اللغة: التعريض: ضد التصريح، وهو أن تضمن الكلام دلالة على ما تريد. وأصله من العرض من الشئ الذي هو جانبه وناحية منه. وفي الحديث: " من عرض عرضنا (1)، ومن مشى على الكلأ ألقيناه في النهر). ومعناه: من عرض بالقذف


(1) وفي النهاية: من عرض عرضنا له. (*)

[ 119 ]

عرضنا له بتأديب لا يبلغ الحد، ومن صرح ألقيناه في نهر الحد. والفرق بين التعريض والكناية أن التعريض تضمين الكلام دلالة على شئ ليس فيه ذكر له. والكناية: العدول عن الذكر الأخص بالشئ إلى ذكر يدل عليه. فالأول كقول القائل: ما أقبح البخل تعرض بأن المخاطب بخيل والثاني كقولك: زيدا ضربته، كنيت عنه بالهاء. والخطبة: الذكر الذي يستدعى به إلى عقدة النكاح، أخذ من الخطاب: وهو توجيه الكلام للإفهام. والخطبة الوعظ المتسق على ضرب من التأليف. وقيل الخطبة: ما له أول وآخر مثل الرسالة. والخطبة: للحال، نحو الجلسة والقعدة. والإكنان: الستر للشئ. والكن: الستر أيضا. والفرق بين الاكنان والكن: أن الإكنان الإضمار في النفس، ولا يقال كننته في نفسي. والكن: في معنى الصون. وفي التنزيل: (بيض مكنون). والكانون: يحتاج إليه في وقت الإكتنان من البرد. والكنانة: الجعبة الصغيرة تتخذ للنبل. والسر في اللغة على ثلاثة أوجه: الإخفاء في النفس، والشرف في الحسب، يقال: فلان في سر قومه أي: في صميمهم. والجماع في الفرج، قال امرؤ القيس: * ألا زعمت بسباسة اليوم أنني * كبرت، وأن لا يشهد السر أمثالي (1) * وقال الأعشى: * ولا تنكحن جارة، إن سرها * عليك حرام، فانكحن، أو تأبدا (2) * والعزم: عقد القلب على أمر تفعله. وفي الحديث: " خير الأمور عوازمها " يعني: ما وكدت عزمك عليه. والعقدة: من العقد، وهو الشد. وفي المثل: " يا عاقد اذكر حلا ". وعقد اليمين: خلاف اللغو. الاعراب: (فيما عرضتم): الجار والمجرور في موضع الحال، وكذا في قوله: (من خطبة النساء). (أن تقولوا): في موضع نصب بدل من (سرا) تقديره: ولا تواعدوهن إلا قولا معروفا (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي: على عقدة النكاح، فحذف على استخفافا، كما قالوا ضرب زيد الظهر والبطن، معناه: على الظهر والبطن. قال سيبويه: إن الحذف في هذه الأشياء لا يقاس عليه.


(1) بسباسة: امرأة من بني أسد. (2) تأبد الرجل: طالت عزبته، وقل حاجته في النساء. (*)

[ 120 ]

المعنى: لما تقدم ذكر عدة النساء، وجواز الرجعة فيها للأزواج، عقبه ببيان حال غير الأزواج، فقال: (ولا جناح عليكم) أي: لا حرج ولا ضيق عليكم، يا معشر الرجال. (فيما عرضتم به من خطبة النساء) المعتدات، ولم تصرحوا به، وذلك بأن تذكروا ما يدل على رغبتكم فيها. ثم اختلف في معناه فقيل: التعريض هو أن يقول الرجل للمعتدة: إني أريد النكاح، وإني أحب امرأة من صفتها كذا وكذا، فيذكر بعض الصفات التي هي عليها، عن ابن عباس. وقيل: هو أن يقول: إنك لنافعة، وإنك لموافقة لي، وإنك لمعجبة جميلة، فإن قضى الله شيئا كان، عن القاسم بن محمد، والشعبي. وقيل: هو كل ما كان من الكلام دون عقدة النكاح، عن ابن زيد. (أو أكننتم في أنفسكم) أي: أسررتم وأضمرتم في أنفسكم من نكاحهن بعد مضي عدتهن. وقيل: هو إسرار العزم دون إظهاره. والتعريض إظهاره، عن مجاهد وابن زيد. (علم الله أنكم ستذكرونهن) برغبتكم فيهن خوفا منكم أن يسبقكم إليهن غيركم، فأباح لكم ذلك (ولكن لا تواعدوهن سرا) فيه أقوال أحدها: إن معناه لا تواعدوهن في السر، لأنها أجنبية. والمواعدة في السر تدعو إلى ما لا يحل وثانيها: إن معناه الزنا، عن الحسن وإبراهيم وقتادة وقالوا: كان الرجل يدخل على المرأة من أجل الزنية، وهو معرض للنكاح، فنهوا عن ذلك وثالثها: إنه العهد على الإمتناع من تزويج غيرك، عن ابن عباس وسعيد بن جبير. ورابعها: هو أن يقول لها: إني ناكحك فلا تفوتيني نفسك، عن مجاهد. وخامسها: إن السر هو الجماع، فمعناه لا تصفوا أنفسكم بكثرة الجماع، ولا تذكروه، عن جماعة. وسادسها: إنه إسرار عقدة النكاح في السر، عن عبد الرحمن بن زيد. ويجمع هذه الأقوال ما روي عن الصادق أنه قال: لا تصرحوا لهن النكاح والتزويج. قال: ومن السر أن يقول لها: موعدك بيت فلان. (إلا أن تقولوا قولا معروفا) يعني التعريض الذي أباحه الله وإلا بمعنى لكن، لأن ما قبله هو المنهي عنه، وما بعده هو المأذون فيه، وتقديره: ولكن قولوا قولا معروفا (ولا تعزموا عقدة النكاح) أي: على عقدة النكاح، يعني لا تبتوا النكاح، ولا تعقدوا عقدة النكاح في العدة، ولم يرد به النهي عن العزم على النكاح بعد العدة، لأنه أباح ذلك بقوله: (أو أكننتم). (حتى يبلغ الكتاب أجله) معناه: حتى

[ 121 ]

تنقضي العدة بلا خلاف. وقيل: الكتاب هو القرآن، والمعنى حتى يبلغ الفرض أجله. وعبر بالكتاب عن الفرض كما يقال كتب أي: فرض. وهذا لأن ما كتب فقد أثبت، فقد اجتمعا في معنى الثبوت. وقيل: إن هذا تشبيه للعدة بالدين المؤجل المكتوب أجله في كتاب، فكما يتأخر المطالبة بذلك الدين حتى يبلغ الكتاب أجله، كذلك يتأخر خطبة النكاح في العدة إلى انقضاء العدة. (واعلموا أن الله يعلم ما في أنفسكم) من أسراركم، وضمائركم (فاحذروه) فاتقوا عقابه، ولا تخالفوا أمره (واعلموا أن الله غفور) لعباده (حليم) يمهل العقوبة المستحقة، فلا يعجل بها. (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متاعا بالمعروف حقا على المحسنين [ 236 ]). القراءة: قرأ حمزة والكسائي: (تماسوهن) بضم التاء، وبألف في موضعين هاهنا وفي الأحزاب. وقرأ الباقون: (تمسوهن). وقرأ أبو جعفر وأهل الكوفة إلا أبا بكر، وابن ذكوان: (قدره) بفتح الدال في الموضعين. والباقون بإسكانها. الحجة: حجة من قرأ تمسوهن قوله: (ولم يمسسني بشر)، (ولم يطمثهن)، (وانكحوهن). والنكاح: عبارة عن الوطء. قال جرير: * التاركون على طهر نساءهم، * والناكحون بشطي دجلة البقرا * وحجة من قرأ (ولا تماسوهن) أن فاعل وفعل قد يراد بكل واحد منهما ما يراد بالآخر وذلك نحو: طارقت النعل، وعاقبت اللص. وقال أبو الحسن: يقال هو القدر والقدر، وهم يختصمون في القدر والقدر. قال الشاعر: (ألا يا لقوم للنوائب والقدر) وخذ منه بقدر كذا، وقدر كذا، لغتان. وفي كتاب الله: (فسالت أودية بقدرها) وقدرها وعلى الموسع قدره وقدره (وما قدروا الله حق قدره)، ولو حركت كان جائزا. وكذلك (إنا كل شئ خلقناه بقدر) ولو خففت كان جائزا، إلا أن رؤوس الآي كلها متحركة، فيلزم الفتح لأن ما قبلها مفتوح. اللغة: الموسع: الذي يكون في سعة لغناه. والمقتر: الذي يكون في ضيق

[ 122 ]

لفقره. يقال: أوسع الرجل: إذا كثر ماله واتسعت حاله. وأقتر: إذا افتقر. وقترت الشئ أقتره قترا، وقترته تقتيرا: إذا ضيقت الإنفاق منه. والقتار: دخان الشحم على النار لقلته بالإضافة إلى بقيته. والقتر: الغبار. والقتير: مسامير الدرع لقلتها وصغرها. والقتير: ابتداء الشيب لقلته، ويجوز أن يكون مشبها بالدخان أول ما يرتفع. والقترة: ناموس الصائد لأنها كالقتار، وأصل الباب: الإقلال. وقدرت الشئ أقدره وأقدره قدرا، وقدرت على الشئ أقدر عليه قدرة وقدورا. الاعراب: (ما لم تمسوهن): موصول وصلة في موضع نصب تقديره: مدة ترك المس، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، والعامل في الظرف طلق، وجواب الشرط محذوف تقديره إن طلقتم النساء فلا جناح عليكم. (متاعا) نصب على أحد وجهين: إما أن يكون حالا من قدره، والعامل فيه الظرف أي: ممتعا متاعا. وإما على المصدر أي: متعوهن متاعا. و (حقا): ينتصب أيضا على أحد وجهين: إما أن يكون حالا من قوله (بالمعروف)، والعامل فيه معنى عرف حقا. وإما أن يكون على التأكيد بجملة الخبر، فكأنه قال: أخبركم به حقا، أو أحقه حقا، أو حق ذلك عليهم حقا، كأنه قال: إيجإبا على المحسنين. المعنى: ثم بين سبحانه حكم الطلاق قبل الفرض والمسيس، فقال: (لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن) هذا إباحة للطلاق قبل المسيس، وفرض المهر. فرفع الإثم عن الطلاق قبل الدخول، لئلا يتوهم أحد أن الطلاق في هذه الحالة محظور. والمس: كناية عن الوطء. والمفروض صداقها داخلة في دلالة الآية، وإن لم يذكر لأن التقدير ما لم تمسوهن ممن قد فرضتم لهن (أو) لم (تفرضوا لهن فريضة) لأن (أو) تنبئ عن ذلك، إذ لو كان على الجمع، لكان بالواو. والمراد بالفريضة: الصداق بلا خلاف، لأنه يجب بالعقد على المرأة، فهو فرض لوجوبه بالعقد، ومعناه: أو لم تقدروا لهن مهرا مقدرا. وإنما خص التي لم يدخل بها الذكر في رفع الجناح دون المدخول بها، وإن كان حكمهما واحدا لأمرين أحدهما: لإزالة الشك على ما قدمنا ذكره والثاني: لأن له أن يطلق التي لم يدخل بها أي وقت شاء بخلاف المدخول بها، فإنه لا يجوز أن يطلقها إلا في طهر لم يجامعها فيه. (ومتعوهن) أي: أعطوهن من مالكم ما يتمتعن به. والمتعة والمتاع: ما

[ 123 ]

يتمتع به (على الموسع قدره) أي: على الغني الذي هو في سعة لغناه على قدر حاله (وعلى المقتر قدره) أي: على الفقير الذي هو في ضيق بقدر إمكانه وطاقته. والمتعة: خادم أو كسوة أو رزق، عن ابن عباس والشعبي والربيع، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب الشافعي. وقيل: هو مثل نصب صداق تلك المرأة المنكوحة، عن أبي حنيفة وأصحابه. ثم اختلف في ذلك فقيل: إنما تجب المتعة للتي لم يسم لها صداق خاصة، عن سعيد بن المسيب، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه. وقيل: المتعة لكل مطلقة إلا المختلعة والمبارئة والملاعنة، عن الزهري، وسعيد بن جبير، وأبي العالية. وقيل: المتعة لكل مطلقة سوى المطلقة المفروض لها إذا طلقت قبل الدخول، فإنما لها نصف الصداق، ولا متعة لها عن ابن عمر ونافع وعطاء، وهو مذهب الشافعي، وقد رواه أصحابنا أيضا، وذلك محمول على الإستحباب. وقوله: (متاعا) أي: ومتعوهن متاعا (بالمعروف) أي: وسطا ليس فيه إسراف ولا تقتير. وقيل: متاعا معتبرا بحال الرجل في اليسار والإقتار. وقيل: معتبرا بحالهما جميعا إذ لا يسوي بين حرة شريفة، وبين أمة معتقة، ليكون ذلك خارجا عن التعارف، عن القاضي. وقال أهل المدينة: يؤمر الزوج به من غير أن يجبر عليه. وعندنا: يجبر عليه، وبه قال أهل العراق. (حقا على المحسنين) أي: واجبا على الذين يحسنون الطاعة، ويجتنبون المعصية. وإنما خص المحسنين بذلك تشريفا لهم، لا أنه لا يجب على غيرهم. ودل ذلك على وجوب الإحسان على جميعهم، فإن على كل إنسان أن يكون محسنا، فهو كقوله: (هدى للمتقين). وقيل: معناه من أراد أن يحسن فهذا حقه وحكمه وطريقه، عن أبي مسلم هذا كله في المطلقة. فأما المتوفى عنها زوجها: إذا لم يفرض لها صداق، فلها الميراث، وعليها العدة إجماعا. وقال أكثر الفقهاء: لها صداق مثلها. وحكى أبو علي الجبائي عن بعض الفقهاء أنه قال: لا مهر لها، وهو الذي يليق بمذهبنا، لأنه لا نص لأصحابنا في ذلك. (وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم إلآ أن يعغون أو يعفوا الذى بيده عقدة النكاح وأن تعفوا

[ 124 ]

أقرب للتقوى ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير [ 237 ]). القراءة: روي في الشواذ عن الحسن (أو يعفو الذي بيده) بسكون الواو. وعن علي " عليه السلام ": (ولا تناسوا الفضل). الحجة: قال ابن جني: سكون الواو من المضارع في موضع النصب قليل، وسكون الياء فيه أكثر، وأصل السكون في هذا إنما هو للألف نحو: أن يسعى. ثم شبهت الياء بالإلف لقربها منها نحو قوله: * كأن أيديهن بالموماة * أيدي جوار بتن ناعمات (1) * وقوله: (كأن أيديهن بالقاع القرق) (2) ثم شبهت الواو في ذلك بالياء. قال الأخطل: * إذا شئت أن تلهو ببعض حديثها * رفعن، وأنزلن القطين المولدا (3) * وقال: " أبى الله أن أسمو بأم ولا أب ". وأما قوله تعالى: (ولا تناسوا): فإنما هو نهي عن فعلهم الذي اختاروه، وتظاهروا به، كما يقال: تغافل وتصام. وتحسن هذه القراءة إنك إنما تنهى الإنسان عن فعله. والنسيان ظاهره أن يكون من فعل غيره، كأنه أنسي فنسي. قال الله سبحانه: (وما أنسانيه إلا الشيطان). الاعراب: (فنصف ما فرضتم): رفع تقديره عليكم نصف ما فرضتم. وقوله (يعفون): في موضع نصب بأن، إلا أن فعل المضارع إذا اتصل به نون ضمير جماعة المؤنث بني فيستوي في الرفع والنصب والجزم. و (أن يعفون): موصول وصلة في محل النصب على الإستثناء. (أو يعفو): تقديره أو أن يعفو، وهو في محل النصب بالعطف على الموصول والصلة قبلها. (وأن تعفوا) في موضع الرفع بالإبتداء. و (أقرب): خبره. وتقديره والعفو أقرب للتقوى. واللام يتعلق بأقرب، وهو بمعنى من أو إلى. والألف واللام في النكاح بدل من الإضافة إذ المعنى أو يعفو الذي بيده عقدة نكاحه، ومثله قوله: (فإن الجنة هي المأوى) ومعناه هي مأواه.


(1) قوله أيديهن أي: النوق. والمومات: المفازة الواسعة، أو الفلاة التي لا ماء فيها. (2) وبعده: " أيدي جوار يتعاطين الورق " يصف إبلا بالسرعة. والقرق: المكان المستوي. (3) القطين: الخدم والأتباع. (*)

[ 125 ]

المعنى: ثم بين سبحانه حكم الطلاق، قبل المسيس بعد الفرض، فقال: (وإن طلقتموهن) يعني: إن طلقتم أيها الرجال النساء (من قبل أن تمسوهن) أي: تجامعوهن (وقد فرضتم لهن فريضة) أي: أوجبتم لهن صداقا، وقدرتم مهرا (فنصف ما فرضتم) أي: فعليكم نصف ما قدرتم، وهو المهر المسمى (إلا أن يعفون) يعني الحرائر البالغات غير المولى عليهن، لفساد عقولهن أي: يتركن ما يجب لهن من نصف الصداق، فلا يطالبن الأزواج بذلك، عن ابن عباس ومجاهد وسائر أهل العلم. (أو يعفو) أي: يترك ويهب (الذي بيده عقدة النكاح). قيل: هو الولي، عن مجاهد وعلقمة والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو مذهب الشافعي، غير أن عندنا الولي هو الأب، أو الجد مع وجود الأب الأدنى على البكر غير البالغ. فأما من عداهما فلا ولاية له إلا بتوليتها إياه. وقيل: هو الزوج ورووه عن علي، وسعيد بن المسيب وشريح وإبراهيم وقتادة والضحاك، وهو مذهب أبي حنيفة، ورواه أيضا أصحابنا غير أن الأول أظهر، وهو المذهب. ومن جعل العفو للزوج قال: له أن يعفو عن جميع النصف. ومن جعله للولي من أصحابنا قال: له أن يعفو عن بعضه، وليس له أن يعفو عن جميعه. فإن امتنعت المرأة عن ذلك، لم يكن لها ذلك إذا اقتضته المصلحة، عن أبي عبد الله (وأن تعفوا أقرب للتقوى) خطاب للزوج والمرأه جميعا، عن ابن عباس، وللزوج وحده، عن الشعبي قال: وإنما جمع لأنه خطاب لكل زوج. وقول ابن عباس أقوى لعمومه، وإنما كان العفو أقرب للتقوى من وجهين أحدهما إن معناه أقرب إلى أن يتقي أحدهما ظلم صاحبه، لأن من ترك لغيره حق نفسه، كان أقرب إلى أن لا يظلم غيره بطلب ما ليس له والثاني: إن معناه أقرب إلى أن يتقي معصية الله، لأن من ترك حق نفسه، كان أقرب إلى أن لا يعصي الله بطلب ما ليس له (ولا تنسوا الفضل بينكم) أي: لا تتركوا الأخذ بالفضل والإحسان بينكم والإفضال، فتأخذوا بمر الحكم، واستيفاء الحقوق على الكمال. بين الله سبحانه في هذه الآية الحكم الذي لا يعذر أحد في تركه، وهو أنه ليس للزوج أن ينقصها من نصف المهر، ولا للمرأة أن تطالبه بالزيادة، ثم بين طريق الفضل من الجانبين، وندب إليه، وحث عليه (إن الله بما تعملون) أي: بأعمالكم

[ 126 ]

(بصير) أي: عليم. وروي عن سعيد بن المسيب أن هذه الآية ناسخة لحكم المتعة في الآية الأولى، وقال أبو القاسم البلخي: وهذا ليس بصحيح، لأن الآية تضمنت حكم من لم يدخل بها، ولم يسم لها مهرا إذا طلقها، وهذه تضمنت حكم التي فرض لها المهر، ولم يدخل بها إذا طلقها، وأحد الحكمين غير الآخر. وأقول: إذا بينا في الآية الأولى أنها تتناول المطلقات غير المدخول بهن سواء فرض لهن المهر، أو لم يفرض، وقلنا: إن متعوهن لا يحمل على العموم، إذ لا متعة لمن فرض لها المهر، وإن لم يدخل بها، فلا بد من تخصيص فيه وتقدير وحذف أي: ومتعوا من طلقتم منهن، ولم تفرضوا لهن فريضة. وإنما جاز هذا الحذف لدلالة ذكر من فرض لها المهر، وحكمها في الآية الأخرى عليه. وهذا ما سنح لي هاهنا، ولم أر أحدا من المفسرين تعرض لذكره، وبالله التوفيق. (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين [ 238 ]). اللغة: الحفظ: ضبط الشئ في النفس، ثم يشبه به ضبطه بالمنع من الذهاب. والحفظ: خلاف النسيان. وأحفظه: أغضبه، لأنه حفظ عليه ما يكرهه. ومنه الحفيظة: الحمية. والحفاظ: المحافظة. والوسطى: تأنيث الأوسط وهو الشئ بين الشيئين على جهة الإعتدال. وأصل القنوت: الدوام على أمر واحد. وقيل: أصله الطاعة. وقيل: أصله الدعاء في حال القيام. قال علي بن عيسى: والأول أحسن لحسن تصرفه في الباب، لأن المداوم على الطاعة قانت، وكذلك المداوم في صلاته على السكوت إلا عن الذكر المشروع، وكذلك المداوم على الدعاء، ويقال: فلان يقنت عليه أي: يدعو عليه دائما. النزول: عن زيد بن ثابت: " إن النبي كان يصلي بالهاجرة (1)، وكانت أثقل الصلوات على أصحابه، فلا يكون وراءه إلا الصف أو الصفان، فقال: لقد هممت أن أحرق على قوم لا يشهدون الصلاة بيوتهم "، فنزلت هذه الآية. المعنى: لما حث الله سبحانه على الطاعة، خص الصلاة بالمحافظة عليها، لأنها أعظم الطاعات، فقال: (حافظوا على الصلوات) أي: داوموا على الصلوات المكتوبات في مواقيتها بتمام أركانها، ثم خص الوسطى تفخيما لشأنها، فقال:


(1) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر. (*)

[ 127 ]

(والصلاة الوسطى) كقوله سبحانه: (من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال) أي: والصلاة الوسطى خاصة، فداوموا عليها. ثم اختلف في الصلاة الوسطى على أقوال احدها: إنها صلاة الظهر، عن زيد بن ثابت وابن عمر وأبي سعيد الخدري وأسامة وعائشة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه. وذكر بعض أئمة الزيدية أنها الجمعة يوم الجمعة، والظهر سائر الأيام، ورواه عن علي، ويدل عليه سبب نزول هذه الآية، وهو أنها وسط النهار، وأول صلاة فرضت. وروي عن علي قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (إن لله في السماء الدنيا حلقة تزول فيها الشمس، فإذا زالت الشمس سبح كل شئ لربنا، فأمر الله سبحانه بالصلاة في تلك الساعة، وهي الساعة التي تفتح فيها أبواب السماء، فلا تغلق حتى يصلى الظهر ويستجاب فيها الدعاء ". وثانيها: إنها صلاة العصر، عن ابن عباس والحسن، وروي ذلك عن علي وابن مسعود وقتادة والضحاك، وروي ذلك عن أبي حنيفة، وروي مرفوعا إلى النبي قالوا: لأنها بين صلاتي النهار، وصلاتي الليل. وإنما خصت بالذكر لأنها تقع في وقت اشتغال الناس في غالب الأمر. وروي عن النبي أنه قال: " الذي تفوته صلاة العصر، فكأنما وتر أهله وماله ". وروى بريدة قال: قال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": بكروا بالصلاة في يوم الغيم، فإنه من فاتته صلاة العصر حبط عمله ". وثالثها: إنها المغرب، عن قبيصة بن ذؤيب، قال: لأنها وسط في الطول والقصر من بين الصلوات. وروى الثعلبي بإسناده عن عائشة قالت: قال رسول الله: " إن أفضل الصلوات عند الله، صلاة المغرب، لم يحطها الله عن مسافر ولا مقيم، فتح الله بها صلاة الليل، وختم بها صلاة النهار، فمن صلى المغرب، وصلى بعدها ركعتين، بنى الله له قصرا في الجنة. ومن صلى بعدها أربع ركعات، غفر الله له ذنب عشرين، أو أربعين سنة ". ورابعها: إنها صلاة العشاء الآخرة، عن بعضهم قال: لأنها بين صلاتين لا تقصران. وروي عن النبي أنه قال: من صلى العشاء الآخرة في جماعة، كان كقيام نصف ليلة. ومن صلى صلاة الفجر في جماعة، كان كقيام ليلة وخامسها: إنها صلاة الفجر، عن معاذ وابن عباس وجابر بن عبد الله وعطاء وعكرمة ومجاهد، وهو قول الشافعي قالوا: لأنها يين صلاتي الليل، وصلاتي النهار، وبين الظلام والضياء،

[ 128 ]

ولأنها صلاة لا تجمع مع غيرها، فهي منفردة بين مجتمعين. ويدل عليه من التنزيل قوله: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا) يعني تشهده ملائكة الليل وملائكة النهار، وهو مكتوب في ديوان الليل وديوان النهار، قالوا: ويدل عليه آخر الآية وهو قوله: (وقوموا لله قانتين) يعني: وقوموا فيها لله قانتين. قال أبو رجاء العطاردي: صلى بنا ابن عباس في مسجد البصرة صلاة الغداة، فقنت فيها قبل الركوع، ورفع يديه، فلما فرغ قال: هذه الصلاة الوسطى التي أمرنا أن نقوم فيها قانتين. أورده الثعلبي في تفسيره. وروي بإسناده مرفوعا إلى أنس بن مالك قال: ما زال رسول الله يقنت في صلاة الغداة، حتى فارق الدنيا. وسادسها: إنها إحدى الصلوات الخمس، لم يعينها الله وأخفاها في جملة الصلوات المكتوبة، ليحافظوا على جميعها، كما أخفى ليلة القدر في ليالي شهر رمضان، واسمه الأعظم في جميع الأسماء، وساعة الإجابة في ساعات الجمعة، عن الربيع بن خيثم، وأبي بكر الوراق. (وقوموا لله قانتين) قال ابن عباس: معناه داعين، والقنوت هو الدعاء في الصلاة في حال القيام، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله. وقيل: معناه طائعين، عن الحسن وسعيد بن المسيب وقتادة والضحاك وطاووس، وإحدى الروايتين عن ابن عباس. وقيل: معناه خاشعين، عن مجاهد قال: نهوا عن العبث والإلتفات في الصلاة. وقيل: ساكنين، عن ابن مسعود وزيد بن أرقم. والأصل فيه الإتيان بالدعاء، أو غيره من العبادات، في حال القيام. ويجوز أن يطلق في سائر الطاعات، فإنه وإن لم يكن فيه القيام الحقيقي، فان فيه القيام بالعبادة. (فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذآ أمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون [ 239 ]). اللغة: الرجال: جمع راجل، مثل تجار، وصحاب، وقيام في جمع تاجر، وصاحب، وقائم. والراجل: هو الكائن على رجله، واقفا كان أو ماشيا. والركبان: جمع راكب، كالفرسان جمع فارس، وكل شئ علا شيئا فقد ركبه، والركاب: المطي. وركبت الرجل أركبه ركبا أي: ضربته بركبتي، وأصبت ركبته أيضا. وهذا قياس في جميع الأعضاء نحو: رأسته، وبطنته، وظهرته.

[ 129 ]

الاعراب: (رجالا): منصوب على الحال تقديره: فصلوا رجالا، (كما علمكم): الكاف يتعلق باذكروا. وما: مصدرية في (ما علمكم). وقوله: (ما لم تكونوا تعلمون) موصول وصلة في موضع المفعول الثاني لعلم. المعنى: لما قدم سبحانه وجوب المحافطة على الصلاة، عقبه بذكر الرخصة عند المخافة فقال: (فإن خفتم) أي: إن لم يمكنكم أن تقوموا قانتين، موفين الصلاة حقها لخوف عرض لكم (فرجالا) أي: فصتوا رجالا على أرجلكم. وقيل: مشاة (أو ركبانا) أي: على ظهور دوابكم. عنى بها صلاة الخوف، وصلاة الخوف من العدو: ركعتان في السفر والحضر، إلا المغرب، فإنها ثلاث ركعات. ويروى أن عليا صلى ليلة الهرير خمس صلوات بالإيماء. وقيل: بالتكبير، وإن النبي صلى يوم الأحزاب إيماء. (فإذا أمنتم) من الخوف (فاذكروا الله) أي: فصلوا صلاة الأمن. وقيل: اذكروا الله بالثناء عليه، والحمد له (كما علمكم) من أمور دينكم، وغير ذلك من أموركم (1) (ما لم تكونوا تعلمون). (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج فإن خرجن فلا جناح عليكم في ما فعلن في أنفسهن من معروف والله عزيز حكيم [ 240 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة وابن كثير والكسائي وأبو بكر عن عاصم: (وصية) بالرفع. والباقون بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ (وصية) بالرفع أن يرتفع من وجهين أحدهما: أن يكون مبتدأ والظرف خبره، وحسن الإبتداء بالنكرة لأنه موضع تخصيص، كما حسن أن يرتفع سلام عليكم وخير بين يديك ونحو قوله لملتمس المعروف أهل ومرحب لأنها في موضع دعاء، فجاز فيها الإبتداء بالنكرة لما كان معناها كمعنى المنصوب والآخر: أن تضمر له خبرا فيكون لأزواجهم صفة، وتقدير الخبر المضمر فعليهم وصية لأزواجهم. ومن نصب (وصية) حمله على الفعل أي: ليوصوا وصية، ويكون قوله


(1) وفي المخطوطتين " من أمور دنياكم " بدل " من أموركم ".

[ 130 ]

(لأزواجهم) وصفا كما كان في قول من أضمر الخبر كذلك. ومن حجتهم أن الظرف إذا تأخر عن النكرة، كان استعماله صفة أكثر، وإذا كان خبرا تقدم على النكرة إذا لم يكن في معنى المنصوب، كقوله تعالى (ولهم أعمال من دون ذلك ولدينا مزيد). فإذا تأخرت، فالأكثر فيها أن تكون صفات، وقال بعضهم: لا يجوز غير الرفع، لأنه لا يمكن الوصية بعد الوفاة، ولأن فرض النفقة كان لهن، أوصى أو لم يوص. قال علي بن عيسى: وهذا غلط لأن المعنى: والذين تحضرهم الوفاة منكم فلذلك قال (يتوفون) على لفظ الحاضر الذي يتطاول نحو قوله (الذين يصلون فليعرضوا عن الفكر فيما يشغلهم). فأما قولهم: إن الفرض كان لهن، وإن لم يوصوا، فغير صحيح لأن الزوج إذا فرط في الوصية، فلا ينكر أن يوجبه الله على الورثة. وقال قتادة والسدي: كان يجب على الزوج الوصية لها، كما أوجب الوصية للوالدين والأقربين. وقوله (متاعا): نصب على وجهين أحدهما أنه على تقدير متعوهن متاعا والثاني: جعل الله لهن ذلك متاعا لأن ما قبله دل عليه. وقوله: (غير إخراج) منصوب على وجهين أحدهما: أن يكون صفة لمتاع والثاني: أن يكون مصدرا وضع موضع الحال. قال الفراء: وهو كقولك: جئتك غير رغبة إليك، فكأنه قال: متعوهن متاعا في مساكنهن. وأقول: إن تقديره غير مخرجات إخراجا، فيكون ذو الحال هن من متعوهن، ويجوز أن يكون تقديره غير مخرجين، فيكون ذو الحال الواو من متعوهن. المعنى: (والذين يتوفون منكم) أي: الذين يقاربون منكم الوفاة، لأن المتوفي لا يؤمر ولا ينهى. (ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم) أي: فليوصوا وصية لهن. ومن رفع فمعناه: وصية من الله لأزواجهم، أو عليهم وصية لهن. (متاعا إلى الحول) يعني: ما ينتفعن به حولا من النفقة والكسوة والسكنى. وقيل: وهو مثل المتعة في المطلقات، وكان واجبا في المتوفى عنها زوجها بالوصية من مال الزوج (غير إخراج) أي: لا يخرجن من بيوت الأزواج (فإن خرجن) بأنفسهن قبل الحول، من غير أن يخرجهن الورثة. وقيل: إن إلمراد إذا خرجن بعد مضي الحول، وقد مضت العدة فإن بمعنى إذا، عن القاضي وغيره. (فلا جناح عليكم) يا معشر أولياء الميت (فيما فعلن في أنفسهن من معروف) اختلفوا في رفع الجناح قيل: لا جناح في قطع النفقة والسكنى عنهن، عن

[ 131 ]

الحسن والسدي قالا: وهذا دليل على سقوط النفقة بالخروج، وأن ذلك كان واجبا لهن بالإقامة إلى الحول، فإن خرجن قبله بطل الحق الذي وجب لهن بالإقامة. وقيل: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها سنة في البيت غير واجب، ولكن قد خيرها الله في ذلك، عن الجبائي. وقيل: لا جناح عليكم ان تزوجن بعد انقضاء العدة، وهذا أوجه وتقديره: إذا خرجن من العدة بانقضاء السنة، فلا جناخ ان تزوجن. وقوله (من معروف): يعني طلب النكاح والتزين (والله عزيز) قادر لا شئ يعجزه (حكيم) لا يصدر منه إلا ما تقتضيه الحكمة. واتفق العلماء على أن هذه الآية منسوخة. وقال أبو عبد الله: ثم كان الرجل إذا مات أنفق على امرأته من صلب المال حولا، ثم أخرجت بلا ميراث،. ثم نسختها آية الربع والثمن. فالمرأة ينفق عليها من نصيبها. وعنه قال: نسختها (يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا) ونسختها آية المواريث. (وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين [ 241 ] كذلك يبين الله لكم ءاياته لعلكم تعقلون [ 242 ]). الاعراب: الوجه في انتصاب قوله (حقا) مثل ما بيناه فيما قبل في قوله (حقا على المحسنين) كذلك الكاف يتعلق بيبين أي: مثل هذا البيان يبين لكم. النزول: قيل: لما نزلت (ومتعوهن على الموسع قدره) إلى قوله (حقا على المحسنين) قال بعضهم: إن أحببت فعلت، وإن لم ارد ذلك لم أفعل. فأنزل الله هذه الآية، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. المعنى: لما قدم سبحانه بيان أحوال المعتدات، عقبه ببيان ما يجب لهن من المتعة فقال: (وللمطلقات متاع) اختلف فيه، فقال سعيد بن جبير وأبو العالية والزهري: إن المراد بهذا المتاع المتعة، وأن المتعة واجبة لكل مطلقة. وقال أبو علي الجبائي: المراد به النفقة، وهو المتاع المذكور في قوله (متاعا إلى الحول). وقال سعيد بن المسيب: الآية منسوخة بقوله تعالى: (فنصف ما فرضتم). وعندنا إنها مخصومة بتلك الآية ان نزلتا معا، وإن كانت تلك متأخرة فمنسوخة، لأن عندنا لا تجب المتعة إلا للمطلقة التي لم يدخل بها، ولم يفرض لها مهر. فأما المدخول

[ 132 ]

بها، فلها مهر مثلها، إن لم يسم لها مهر، وإن سمي لها مهر فما سمي لها، وغير المدخول بها المفروض مهرها، لها نصف المهر، ولا متعة في هذه الأحوال، وبه قال الحسن. فلا بد من تخصيص هذه الآية. وذكرنا الكلام في المتعة عند قوله (ومتعوهن). وقوله: (بالمعروف حقا على المتقين) مضى تفسيره. وخص المتقين هنا كما خص المحسنين هناك (كذلك يبين الله لكم آياته) أي: كما بين الله لكم الأحكام والآداب التي مضت مما تحتاجون إلى معرفتها في دينكم، يبين لكم هذه الأحكام. فشبه البيان الذي يأتي بالبيان الماضي. والبيان هو الأدلة التي يفرق بها الحق والباطل. (لعلكم تعقلون) معناه: لكي تعقلوا آيات الله. وقيل: لعلكم تكمل عقولكم، فإن العقل الغريزي إنما يكمل بالعقل المكتسب. والمراد به استعمال العقل مع العلم به، ومن لم يستعمل العقل فكأنه لا عقل له. وهذا كقوله تعالى (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة) جعلهم جهالا لأنهم آثروا هواهم على ما علموا أنه الحق. (* ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون [ 243 ]). اللغة: الرؤية هنا بمعنى العلم. ومعنى ألم تر: ألم تعلم. وهذه الألف ألف التوقيف. وتر متروكة الهمزة. وأصله ألم ترأ من رأى يرأى مثل نأى ينأى، إلا أنهم على إسقاط الهمز هنا للتخفيف. الاعراب: (حذر الموت): نصب لأنه مفعول له، وجاز أن يكون نصبه على المصدر، لأن خروجهم يدل على حذروا الموت حذرا. المعنى: لما ذكر قوله (يبين آياته للناس) عقبه بذكر آية من آياته، فقال: (ألم تر) أي: ألم تعلم يا محمد، أو أيها السامع، أو لم ينته علمك (إلى) خبر هؤلاء (الذين خرجوا من ديارهم) قيل: هم من قوم بني إسرائيل، فروا من طاعون وقع بأرضهم، عن الحسن. وقيل: فروا من الجهاد، وقد كتب عليهم، عن

[ 133 ]

الضحاك ومقاتل. واحتجا بقوله عقيب الآية: (وقاتلوا في سبيل الله). وقيل: هم قوم حزقيل، وهو ثالث خلفاء بني إسرائيل بعد موسى، وذلك أن القيم بأمر بني إسرائيل بعد موسى، كان يوشع بن نون، ثم كالب بن يوقنا، ثم حزقيل. وقد كان يقال له ابن العجوز، وذلك ان أمه كانت عجوزا، فسألت الله الولد، وقد كبرت وعقمت، فوهبه الله لها. وقال الحسن: هو ذو الكفل، وإنما سمي حزقيل ذا الكفل، لأنه كفل سبعين نبيا، نجاهم من القتل، وقال لهم: اذهبوا فإني إن قتلت كان خيرا من أن تقتلوا جميعا. فلما جاء اليهود وسألوا حزقيل عن الأنبياء السبعين، فقال: إنهم ذهبوا ولا أدري أين هم، ومنع الله ذا الكفل منهم. (وهم ألوف): أجمع أهل التفسير على أن المراد بألوف هنا كثرة العدد، إلا ابن زيد فإنه قال معناه: خرجوا مؤتلفي القلوب لم يخرجوا عن تباغض، فجعله جمع آلف مثل: قاعد وقعود، وشاهد وشهود. واختلف من قال المراد به العدد الكثير، فقيل: كانوا ثلاثة آلاف، عن عطاء الخراساني. وقيل: ثمانية آلاف، عن مقاتل والكلبي. وقيل: عشرة آلاف، عن ابن روق. وقيل: بضعة وثلاثين ألفا، عن السدي. وقيل: أربعين ألفا، عن ابن عباس وابن جريج. وقيل: سبعين ألفا، عن عطا بن أبي رباح. وقيل: كانوا عددا كثيرا، عن الضحاك. والذي يقضي به الظاهر أنهم كانوا أكثر من عشرة آلاف، لأن بناء فعول للكثرة، وهو ما زاد على العشرة، وما نقص عنها يقال فيه عشرة آلاف، ولا يقال عشرة ألوف (حذر الموت) أي: من خوف الموت (فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) قيل في معناه قولان أحدهما: إن معناه أماتهم الله كما يقال قالت السماء فهطلت معناه: فهطلت السماء، وقلت برأسي كذا، وقلت بيدي كذا ومعناه: أشرت برأسي وبيدي، وذلك لما كان القول في الأكثر استفتاحا للفعل، كالقول الذي هو تسمية وما جرى مجراه مما كان يستفتح به الفعل صار معنى قالت السماء فهطلت أي: استفتحت بالهطلان كذلك معناه ها هنا فاستفتح الله بإماتتهم والثاني: إن معناه أماتهم بقول سمعته الملائكة لضرب من العبرة، ثم أحياهم الله بدعاء نبيهم حزقيل، عن ابن عباس. وقيل: إنه شمعون من أنبياء بني إسرائيل. (إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون) لما ذكر النعمة عليهم بما أراهم من الآية العظيمة في أنفسهم، ليلتزموا سبيل الهدى، ويجتنبوا طريق

[ 134 ]

الردى، ذكر بعده ما له عليهم من الانعام والإحسان، مع ما هم عليه من الكفران. وهذه الآية حجة على من أنكر عذاب القبر والرجعة معا، لأن إحياء أولئك مثل إحياء هؤلاء الذين أحياهم اللة للإعتبار. القصة: قيل إن إسم القرية التي خرجوا منها هربا من وبائها داوردان قبل واسط. قال الكلبي، والضحاك ومقاتل: إن ملكا من ملوك بني إسرائيل، أمرهم أن يخرجوا إلى قتال عدوهم فخرجوا فعسكروا. ثم جبنوا وكرهوا الموت، فاعتلوا وقالوا: إن الأرض التي نأتيها بها الوباء، فلا نأتيها حتى ينقطع منها الوباء ! فأرسل الله عليهم الموت، فلما رأوا أن الموت كثر فيهم خرجوا من ديارهم فرارا من الموت. فلما رأى الملك ذلك قال: اللهم رب يعقوب، وإله موسى، قد ترى معصية عبادك، فأرهم آية من أنفسهم، حتى يعلموا أنهم لا يستطيعون الفرار منك ! فأماتهم الله جميعا، وأمات دوابهم، وأتى عليهم ثمانية أيام حتى انتفخت وأروحت أجسادهم. فخرج إليهم الناس فعجزوا عن دفنهم فحظروا عليهم حظيرة دون السباع وتركوهم فيها. قالوا: وأتى على ذلك مدة حتى بليت أجسادهم، وعريت عظامهم، وتقطعت أوصالهم، فمر عليهم حزقيل، وجعل يتفكر فيهم متعجبا منهم. فأوحى (1) إليه: يا حزقيل ! تريد أن أريك آية، وأريك كيف أحيي الموتى ؟ قال: نعم. فأحياهم الله. وقيل: إنهم كانوا قوم حزقيل، فأحياهم الله بعد ثمانية أيام، وذلك أنه لما أصابهم ذلك، خرج حزقيل في طلبهم، فوجدهم موتى، فبكى ثم قال: يا رب ! كنت في قوم يحمدونك ويسبحونك ويقدسونك، فبقيت وحيدا لا قوم لي ؟ فأوحى الله إليه: قد جعلت حياتهم إليك. فقال حزقيل: احيوا بإذن الله. فعاشوا. وسأل حمران بن أعين أبا جعفر الباقر " عليه السلام " عن هؤلاء القوم الذين قال لهم الله موتوا ثم أحياهم فقال: أحياهم حتى نظر الناس إليهم، ثم أماتهم، أم ردهم إلى الدنيا حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام ؟ قال: لا بل ردهم الله حتى سكنوا الدور، وأكلوا الطعام، ونكحوا النساء، ومكثوا بذلك ما شاء الله، ثم ماتوا بآجالهم. (وقاتلوا في سبيل الله واعلموا أن الله سميع عليم [ 244 ]).


(1) [ الله ]. (*)

[ 135 ]

المعنى: اختلف في المخاطب بقوله: (وقاتلوا في سبيل الله) فقيل: توجه الخطاب إلى الصحابة بعد ما ذكرهم بحال من فر من الموت، فلم ينفعه الفرار، يحرضهم على الجهاد، لئلا يسلكوا في الفرار من الجهاد سبيل أولئك الذين فروا من الديار. وقيل: إنه خطاب للذين جرى ذكرهم على تقدير: وقيل لهم قاتلوا في سبيل الله. (واعلموا أن الله سميع عليم) أي: سميع لما يقول المنافق، عليم بما يجنه، فاحذروا حاله. (من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة والله يقبض ويبصط وإليه ترجعون [ 245 ]). القراءة: فيضاعفه فيه أربع قراآت: قرأ أبو عمرو ونافع وحمزة والكسائي: (فيضاعفه) بالألف والرفع. وقرأ عاصم بالألف والنصب. وقرأ ابن كثير وأبو جعفر: (فيضعفه) بالتشديد والرفع. وقرأ ابن عامر ويعقوب بالتشديد والنصب. وقرأ أبو عمرو والكسائي وحمزة يبسط، وبسطه (1) وفي الأعراف أيضا بالسين. وروي عنهم أيضا بالصاد. ويعقوب وهشام بالسين والباقون مختلف عنهم. الحجة: قال أبو علي: للرفع في قوله (فيضاعفه) وجهان أحدهما: أن يعطفه على ما في الصلة والآخر: أن يستأنفه. فأما النصب في (فيضاعفه) فالرفع أحسن منه ألا ترى أن الإستفهام إنما هو عن فاعل الإقراض، لا عن الإقراض. وإذا كان كذلك لم يكن مثل قولك أتقرضني فأشكرك، لأن الإستفهام ههنا عن الإقراض. ووجه قول ابن عامر وعاصم في النصب من فاء (فيضاعفه) أنه حمل الكلام على المعنى، وذلك أنه لما كان المعنى أيكون قرض حمل قوله (فيضاعفه) على ذلك، كما أن من قرأ (من يضلل الله فلا هادي) ويذرهم جزم قوله (ويذرهم) لما كان معنى قوله (فلا هادي له) لا يهده، ونحو ذلك مما يحمل فيه الكلام على المعنى دون اللفظ كثير. فأما القول في يضاعف ويضعف فكل واحد منهما في معنى الآخر. وقوله (أضعافا) منصوب على الحال، وتقديره فيكثره، فإذا هي أضعاف. فيكون حالا بعد الفراغ من الفعل. ووجه قول من أبدل من السين الصاد في هذه المواضع التي ذكرت أن الطاء حرف مستعل يتصعد من مخرجها إلى الحنك، ولم يتصعد


(1) [ هنا ]. (*)

[ 136 ]

السين تصعدها. فكره التصعد عن التسفل، فأبدل من السين حرفا في مخرجها في تصعد الطاء فتلاءم الحرفان، وصار كل واحد منهما وفق صاحبه في التصعد، فزال في الإبدال ما كان يكره من التصد عن التسفل. ولو كان اجتماع الحرفين على عكس ما ذكرناه، وهو أن يكون التصعد قبل التسفل، لم يكره ذلك، ولم يبدلوا. ألا ترى أنهم قالوا: طسم الطريق، وقسوت، وقست، فلم يكرهوا التسفل عن تصعد، كما كرهوا بسط حتى قالوا بصط، فأبدلوا. فأما من لم يبدل السين في بسط، وترك السين، فلأنه الأصل، ولأن ما بين الحرفين من الخلاف يسير، فاحتمل الخلاف لقلته. اللغة: القرض هو قطع جزء من المال بالإعطاء، على أن يرد بعينه، أو يرد مثله بدلا منه. وأصل القرض: القطع بالناب يقال: قرض الشئ يقرض: إذا قطعه بنابه. وأقرض فلان فلانا: إذا أعطاه ما يتجازاه منه. والإسم منه القرض. والتضعيف والمضاعفة والإضعاف بمعنى وهو الزيادة على أصل الشئ، حتى يصير مثلين أو أكثر. تقول: ضعفت القوم أضعفهم ضعفا: إذا كثرتهم فصرت مع أصحابك على الضعف منهم. وضعف الشئ: مثله في المقدار، إذا زيد عليه، فكل واحد منهما ضعف. وضعف الشئ ضعفا وضعفا، والضعف: خلاف القوة، والقبض: خلاف البسط، يقال: قبضه يقبضه قبضا. والقبض: ضم الكف على الشئ. والتقبض: التشنج. وتقبض عنه: إذا اشمأز عنه، لأنه ضم نفسه عن الإنبساط إليه. وقبض الإنسان: إذا مات. والملك: قابض الأرواح. وبسط يبسط بسطا. والبساط والبساط بفتح الباء: الأرض الواسعة. وكتب يبسط بالسين، وبصطة بالصاد، لأن القلب على الساكن أقوى منه على المتحرك. المعنى: لما حث سبحانه على الجهاد، وذلك يكون بالنفس والمال، وعقبه بالتلطف في الإستدعاء إلى أعمال البر، والإنفاق في سبيل الخير، فقال: (من ذا الذي يقرض الله) أي: ينفق في سبيل الله وطاعته. والمراد به الأمر، وليس هذا بقرض حاجة على ما ظنه اليهود، فقال: إنما يستقرض منا ربنا عن عوز، فإنما هو فقير (1) ونحن أغنياء، بل سمى تعالى الإنفاق قرضا تلطفا للدعاء إلى فعله، وتأكيدا للجزاء عليه، فإن القرض يوجب الجزاء (قرضا حسنا) والقرض الحسن أن ينفق من


(1) [ ونحن أغياء، فأنزل سبحانه: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير) ].

[ 137 ]

حلال، ولا يفسده بمن ولا أذى. وقيل: هو أن يكون محتسبا طيبا به نفسه، عن الواقدي. وقيل: هو أن يكون حسن الموقع عند الإنفاق، فلا يكون خسيسا والأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلها، فلا تنافي بينها، (فيضاعفه له أضعافا كثيرة) أي: فيزيده له أي: يعطيه ما لا يعلمه إلا الله، وهو مثل قوله تعالى (ويؤت من لدنه أجرا عظيما) عن الحسن والسدي. وروي عن الصادق " عليه السلام " أنه قال: لما نزلت هذه الآية (من جاء بالحسنة فله خير منها) قال رسول الله: رب زدني. فأنزل الله: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) فقال رسول الله: رب زدني. فأنزل الله سبحانه: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة). والكثير عند الله لا يحصى. (والله يقبض ويبسط) معناه. والله يقبض الرزق عن أقوام بأن يقتره عليهم، ويبسط الرزق على أقوام بأن يوسعه عليهم، عن الحسن وابن زيد. وقيل: معناه يقبض الصدقات، ويبسط الجزاء عليها، عاجلا أو آجلا، أو كلاهما، عن الأصم والزجاج. وقيل: يقبض الرزق بموت واحد، ويبسط لوارثه (وإليه ترجعون) وهذا تأكيد للجزاء. قال الكلبي في سبب نزول هذه الآية: إن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من تصدق بصدقة فله مثلها في الجنة " فقال أبو الدحداح الأنصاري، واسمه عمرو بن الدحداح: يا رسول الله ! إن لي حديقتين إن تصدقت بإحداهما، فإن لي مثليها في الجنة ؟ قال: نعم. قال: وأم الدحداح معي ؟ قال: نعم. قال: والصبية معي ؟ قال: نعم. فتصدق بأفضل حديقتيه، فدفعها إلى رسول الله. فنزلت الآية، فضاعف الله له صدقته ألفي ألف، وذلك قوله: (أضعافا كثيرة). قال: فرجع أبو الدحداح، فوجد أم الدحداح والصبية في الحديقة التي جعلها صدقة، فقام على باب الحديقة، وتحرج أن يدخلها فنادى: يا أم الدحداح ! قالت: لبيك يا أبا الدحداح. قال: إني قد جعلت حديقتي هذه صدقة، واشتريت مثليها في الجنة، وأم الدحداح معي، والصبية معي. قالت: بارك الله لك فيما شريت، وفيما اشتريت ! فخرجوا منها، وأسلموا الحديقة إلى النبي. فقال النبي: " كم نخلة متدل عذوقها لأبي الدحداح في الجنة ! ". (ألم تر إلى الملإ من بنى إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبى لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم إن كتب عليكم

[ 138 ]

القتال ألا تقاتلوا قالوا وما لنآ ألا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وابنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم والله عليم بالظالمين [ 246 ]). القراءة: قرأ نافع وحده: (عسيتم) بكسر السين. والباقون بفتحها. الحجة: المشهور في (عسيت) فتح السين. ووجه قراءة نافع أنهم قالوا: هو عس بذلك، وما عساه، واعس به. حكاه ابن الأعرابي. وهذا يقوي قراءة نافع، لأن عس مثل حر وشج. وقد جاء فعل وفعل، مثل نقم ونقم، وورت بك زنادي، ووريت، فكذلك عست وعسيت. فإن أسند الفعل إلى ظاهر، فقياس عسيتم أن تقول عسي زيد مثل رضي، فإن قاله فهو قياس قوله، وإن لم يقله فسائغ له أن يأخذ باللغتين معا، ويستعمل إحداهما في موضع، والأخرى في موضع آخر، كما فعل ذلك غيره. اللغة: الملأ: الجماعة الأشراف من الناس. وروي أن رجلا من الأنصار قال يوم بدر: إن قتلنا الأعاجيز (1) صلعا. فقال النبي: " أولئك الملأ من قريش لو رأيتهم في أنديتهم لهبتهم، ولو أمروك لأطعتهم، ولاحتقرت فعالك عند فعالهم ". وملأت الإناء: أترعته، لأنه يجتمع فيه ما لا يكون مزيد عليه. ومالأت الرجل: عاونته. وتمالأوا على ذلك: إذا تعاونوا. وملأ الرجل ملاءة فهو ملي بالأمر: إذا أمكنه القيام به. والملأ: إلخلق لأن جميع أفعال صاحبه يجري عليه، يقال: أحسنوا إملاءكم أي: أخلاقكم قال: * تنادوا يال بهثة إذ رأونا * فقلنا: أحسني ملأ جهينا (2) وأصل الباب: الإجتماع فيما لا يحتمل المزيد، وإنما سمي الأشراف ملأ، لأنه لا مزيد على شرفهم. وقيل: لأن هيبتهم تملأ الصدور. والملا مقصورا: المتسع من الأرض، قال الشاعر: * ألا غنياني، وارفعا الصوت بالملا، * فإن الملا عندي تزيد المدى (3) بعدا *


(1) أي: مشايخ عجزة عن الحرب. (2) بهثة: أبو حي من سليم، وهو بهثة بن سليم بن منصور. (3) المدى: الغاية والمنتهى. (*)

[ 139 ]

الاعراب: (من بني إسرائيل): الجار والمجرور في محل النصب على الحال، والعامل فيه (تر)، وذو الحال (الملأ). و (من بعد موسى): في موضح الحال أيضا، وهو حال بعد حال، أو حال من الضمير في الجار والمجرور قبله. وقوله: (نقاتل) جزم على الجواب للمسألة التي هي على لفظ الأمر أي: إن تبعث لنا ملكا نقاتل. ولو كان بالياء لجاز الرفع على أن يكون صفة للملك. قال الزجاج: والرفع في (نقاتل) بعيد يجوز على معنى: فإنا نقاتل في سبيل الله، وكثير من النحويين لا يجيز الرفع فيه. وقوله (ألا تقاتلوا): في موضع نصب، لأنه خبر (عسى). وقوله: (وما لنا أن لا نقاتل): قال أبو الحسن الأخفش فيه وفي قوله ما لكم أن لا تأكلوا إن (أن) زائدة، كأنه قال ما لنا لا نقاتل، وما لكم لا تأكلون، كقوله. (ما لكم لا تنطقون)، و (ما لك لا تأمنا)، وقع الفعل المنفي موقع الحال، كما وقع الموجب موقعه في قولك: مالك تفعل. وقد يقال أيضا في نحو ذلك إن المعنى وما لنا في أن لا نقاتل، وما لكم في أن لا تأكلوا، فكأنه حمل الآية على وجهين. قال أبو علي: والقول الثاني أوضح، ويكون أن مع حرف في موضع نصب الحال، كقوله تعالى: (فما لهم من التذكرة معرضين)، ونحو ذلك. ثم حذف الجار، وسد أن وصلتها ذلك المسد، والحال في الأصل هو الجالب للحرف المقدر، إلا أنه ترك إظهاره لدلالة المنصوب عنه عليه، ومثله في وقوع الظرف موقع الحال قول أبي ذؤيب: * يعثرن في حد الظباة، كأنما * كسيت برود بني يزيد الأذرع (1) * وهذا كما يقال: خرجت في الثياب أي: خرجت لابسا. ووجه ثالث ذكره المبرد وهو: أن يكون ما جحدوا، وتقديره: وما لنا نترك القتال. وعلى الوجهين الأولين يكون (ما) استفهاما (وقد أخرجنا): جملة في موضع الحال، وتقديره وما لنا ألا نقاتل مخرجين من ديارنا، وذو الحال الضمير في (ألا نقاتل). و (قليلا): منصوب على الإستثناء من الموجب. المعنى: لما قدم تعالى ذكر الجهاد، عقبه بذكر القصة المشهورة في بني


(1) أي: حمر الوحش، يقال: عثر الفرس إذا زل وكبا. الظباة جمع الظبة: حد السيف والسهم وغيرهما. الأذرع جمع الذرع أي: كسيت. (*)

[ 140 ]

إسرائيل تضمنت شرح ما نالهم في قعودهم عنه، تحذيرا من سلوك طريقهم فيه (ألم تر) أي: ألم ينته علمك يا محمد (إلى الملأ) أي: جماعة ألاشراف (من بني إسرائيل من بعد موسى) أي: من بعد وفاته (إذ قالوا لنبي لهم) اختلف في ذلك النبي، فقيل: اسمه شمعون سمته أمه بذلك، لأن أمه دعت إلى الله أن يرزقها غلاما، فسمع الله دعاءها فيه، وهو شمعون بن صفية، من ولد لاوي بن يعقوب، عن السدي. وقيل: هو يوشع بن نون بن أفراثيم بن يوسف بن يعقوب، عن قتادة وقيل: هو أشمويل، وهو بالعربية إسماعيل، عن أكثر المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر. (ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله) اختلف في سبب سؤالهم ذلك فقيل: كان سبب سؤالهم ذلك استذلال الجبابرة لهم، لما ظهروا على بني إسرائيل، وغلبوهم على كثير من ديارهم، وسبوا كثيرا من ذراريهم، بعد أن كانت الخطايا قد كثرت في بني إسرائيل، وعظمت فيهم الأحداث، ونسوا عهد الله تعالى، ولم يكن لهم نبي يدبر أمرهم، فبعث الله إليهم أشمويل نبيا، فقالوا له: إن كنت صادقا، فابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله آية من نبوتك، عن الربيع والكلبي. وقيل: أرادوا قتال العمالقة، فسألوا ملكا يكون أميرا عليهم، تنتظم به كلمتهم، ويجتمع أمرهم، ويستقيم حالهم في جهاد عدوهم، عن السدي. وقيل: بعث الله أشمويل نبيا، فلبثوا أربعين سنة بأحسن حال. ثم كان من أمر جالوت والعمالقة ما كان، فقالوا لأشمويل: إبعث لنا ملكا، عن وهب. وقال أبو عبد الله: كان الملك في ذلك الزمان هو الذي يسير بالجنود، والنبي يقيم له أمره، وينبئه بالخبر من عند ربه، فأجابهم نبيهم، ف‍ (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال) أي: لعلكم إن فرض عليكم المحاربة مع ذلك الملك (أن لا تقاتلوا) أن لا تفوا بما تقولون، وتجبنوا فلا تقاتلوا. وإنما سألهم عن ذلك ليعرف ما عندهم من الحرص على القتال، وهذا كأخذ العهد عليهم. ومعنى (عسيتم) قاربتم. فإذا قلت: عسيت أن أفعل كذا، فمعناه: قاربت فعله. (قالوا) يعني قال الملأ (وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله) معناه: وأي شئ لنا في ترك القتال ؟ وقيل: معناه ليس لنا ترك القتال (وقد أخرجنا) لفظه عام ومعناه خاص أي: قد أخرج بعضنا (من ديارنا وأبنائنا) (1) أوطاننا وأهالينا، بالسبي والقهر


(1) [ أي من ]. (*)

[ 141 ]

على نواحينا. والمعنى: إنهم أجابوا نبيهم بأن قالوا: إنما كنا لا نرغب في القتال إذ كنا أعزاء لا يظهر علينا عدونا، فأما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا بد من الجهاد (فلما كتب عليهم القتال) فيه حذف تقديره: فسأل النبي الله تعالى أن يبعث لهم ملكا يجاهدون معه أعداءهم، فسمع الله دعوته، وأجاب مسألته، فبعث لهم ملكا، وكتب عليهم القتال أي: فرض. فلما كتب عليهم القتال (تولوا) أي: أعرضوا عن القيام به، وضيعوا أمر الله (إلا قليلا منهم) وهم الذين عبروا النهر على ما نبينه من بعد (والله عليم بالظالمين) هذا تهديد لمن يتولى عن القتال، لأنهم ظلموا أنفسهم بمعصية الله. (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتى ملكه من يشآء والله واسع عليم [ 247 ]). اللغة: إصطفاه: إختاره واستصفاه بمعناه، وأصله اصتفاه إلا أن التاء أبدلت طاء، لأن التاء من مخرج الطاء، والطاء مطبقة كما أن الصاد مطبقة، فأبدلوها منها ليسهل النطق بها بعد الصاد. والبسطة: الفضيلة في الجسم والمال. والجسم: حده الطويل العريض العميق، بدلالة قولهم جسم جسامة أي: ضخم. وهذا جسيم أي ضخيم وهذا أجسم من هذا: إذا زاد عليه في الطول والعرض والعمق. وقيل: الجسم هو المؤلف. وقيل: هو القائم بنفسه، والصحيح الأول. الاعراب: (طالوت، وجالوت، وداود): لا تنصرف لأنها أسماء أعجمية، وفيها سببان: التعريف والعجمة. فأما جاموس فلو سميت رجلا به، لانصرف وإن كان أعجميا، لأنه قد تمكن في العربية، لأنك تدخل عليه الألف واللام، فتقول: الجاموس. (ملكا): نصب على الحال، العامل فيه (بعث). وذو الحال (طالوت) و (أنى): في موضع نصب، لأنه خبر (يكون). و (الملك): إسمه، وله في موضع الحال. وذو الحال (الملك) تقديره: وأنى يكون له الملك يستقر له علينا. ويجوز أن يكون كان هنا تامة، فيتعلق اللام بكون و (أنى): في

[ 142 ]

موضع نصب على الحال من يكون. و (علينا): يتعلق بالملك. ونحن أحق في محل النصب على الحال أيضا تقديره: أنى يكون له أن يملك علينا. (ونحن أحق) منه بالملك. (ولم يؤت سعة) في محل الحال أيضا، عطف على (نحن أحق) والعامل فيه (الملك). وذو الحال الضمير في أن يملك وتقديره أن يملك علينا غير مؤتى سعة مالية. المعنى: (وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا) أي: جعله ملكا. وكان طالوت من ولد بنيامين بن يعقوب، ولم يكن من سبط النبوة، ولا من سبط المملكة. وسمي طالوت لطوله. ويقال: كان سقاء. وقيل: كان خرنبدجا. وقيل: كان دباغا، وكانت النبوة في سبط لاوي بن يعقوب. وكانت المملكة في سبط يهوذا بن يعقوب. وقيل: في سبط يوسف. وقوله (ملكا) يعني: أميرا على الجيش، عن مجاهد. وقيل: بعثه نبيا بعد أن جعله ملكا (قالوا أنى يكون له الملك علينا) أي: من أين له الملك ؟ وهذا أول اعتراضهم إذ أنكروا ملكه. (ونحن أحق) أي: أولى (بالملك منه) لأنا من سبط النبوة والمملكة، وأوتينا المال. (ولم يؤت سعة من المال) أي: لم يعط ما يتملك به الناس، وهو المال إذ لا بد للملك من المال يحصل به المماليك. وقيل: معناه ولم يؤت سعة من المال، فيشرف به، ويجبر نقصا، لو كان فيه، حتى يساوي أهل الأنساب، فأعلمهم الله أنه أعرف بوجوه الحكمة منهم. فإن المقصود في الملك والرئاسة هو العلم والشجاعة، وأخبرهم بذلك عن لسان نبيهم. (قال إن الله اصطفاه) أي: اختاره (عليكم) عن ابن عباس (وزاده بسطة) أي: فضيلة وسعة (في العلم والجسم) وكان أعلم بني إسرائيل في وقته، وأجملهم وأتمهم وأعظمهم جسما وأقواهم شجاعة. وقيل: كان إذا قام الرجل، فبسط يده رافعا لها نال رأسه. قال وهب: كان ذلك فيه قبل الملك، وزاده ذلك بعد الملك (والله يؤتي ملكه من يشاء) أي: لا تنكروا ملكه، وإن لم يكن من أهل بيت الملك، فإن الله سبحانه مالك الملك، يوتي الملك من يشاء. (والله واسع) قيل في معناه ثلاثة أقوال أحدها: إنه واسع الفضل، فحذف كما يقال: فلان كبير أي: كبير القدر. والثاني: إن الواسع بمعنى الموسع أي: يوسع على من يشاء من نعمه، كما جاء أليم بمعنى مؤلم، وسميع بمعنى مسمع والثالث:

[ 143 ]

إن معناه ذو سعة نحو عيشة راضية أي: ذات رضا، ورجل تامر أي: ذو تمر، ولابن أي: ذو لبن. وقوله (عليم) أي: عليم بمن ينبغي أن يؤتيه الفضل والمملكة، إما للإستصلاح، وإما للإمتحان. وفي هذه الآية دلالة على أن الملك قد يضاف إليه سبحانه، وذلك بأن ينصب الملك للتدبير، ويعطيه آلات الملك، ويأمر الخلق بالإنقياد له، فعند ذلك يجوز أن يقال: بعثه الله سبحانه ملكا، وإن لم يكن في البعثة كالأنبياء. ويقال في ملكه أيضا: إنه من جهة الله سبحانه، لأن تصرفه صادر عن إذنه. وفيها دلالة أيضا على أن الملك ليس بواجب أن يكون وراثة، وإنما يكون بحسب ما يعلمه الله من المصلحة. وفيها دلالة على أن من شرط الإمام أن يكون أعلم من رعيته، وأكمل وأفضل في خصال الفضل والشجاعة، لأن الله علل تقديم طالوت عليهم، بكونه أعلم وأقوى، فلولا أن ذلك شرط لم يكن له معنى. (وقال لهم نبيهم إن ءاية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك ءال موسى وءال هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين [ 248 ]). اللغة: التابوت: بالتاء لغة جمهور العرب. والتابوه بالهاء: لغة الأنصار. والسكينة: مصدر وقع موقع الإسم نحو القضية والبقية والعزيمة، وأخذ من السكون. الاعراب: موضع (أن يأتيكم): رفع. المعنى إن آية ملكه إتيان التابوت إياكم فيه سكينة من ربكم: مبتدأ وخبر في موضع النصب على الحال من (التابوت). (مما ترك): الجار والمجرور في موضع الصفة لبقية. المعنى: (وقال لهم نبيهم إن آية ملكه) أي: علامة تمليك الله إياه، وحجة صحة ملكه (أن يأتيكم التابوت) وفي هذا دليل على أنهم قالوا لرسولهم: إن كان ملكه بأمر من الله ومن عنده، فأتنا بعلامة تدل على ذلك، فأجابهم بهذا. وروى علي بن إبراهيم في تفسيره عن أبي جعفر: إن التابوت كان الذي أنزله الله على أم موسى، فوضعت فيه ابنها، وألقته في البحر، وكان في بني إسرائيل معظما،

[ 144 ]

يتبركون به. فلما حضر موسى الوفاة، وضع فيه الألواح، ودرعه، وما كان عنده من آثار النبوة، وأودعه عند وصيه يوشع بن نون. فلم يزل التابوت بينهم، وبنو إسرائيل في عز وشرف ما دام فيهم، حتى استخفوا به، وكان الصبيان يلعبون به في الطرقات. فلما عملوا المعاصي، واستخفوا به، رفعه الله عنهم. فلما سألوا نبيهم أن يبعث إليهم ملكا، بعث الله لهم طالوت، ورد عليهم التابوت. وقيل: كان في أيدي أعداء بني إسرائيل من العمالقة، غلبوهم عليه لما مرج أمر بني إسرائيل، وحدث فيهم الأحداث، ثم انتزعه الله من أيديهم، ورده على بني إسرائيل، تحمله الملائكة عن ابن العباس ووهب، وروي ذلك عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: كان التابوت الذي أنزله الله على آدم فيه صور الأنبياء، فتوارثه أولاد آدم، وكان في بني إسرائيل يستفتحون به على عدوهم. وقال قتادة: وكان في برية التيه، خلفه هناك يوشع بن نون، فحملته الملائكة إلى بني إسرائيل. وقيل: كان قدر التابوت ثلاثة أذرع في ذراعين، عليه صفائح الذهب، وكان من شمشار، وكانوا يقدمونه في الحروب، ويجعلونه أمام جندهم، فإذا سمع من جوفه أنين زف التابوت أي: سار، وكان الناس يسيرون خلفه، فإذا سكن الأنين وقف فوقف الناس بوقوفه. (فيه سكينة من ربكم) قيل: في التابوت نفسه. وقيل: فيما في التابوت. واختلف في السكينة فقيل: إن السكينة التي كانت فيه، ريح هفافة من الجنة، لها وجه كوجه الإنسان، عن علي " عليه السلام ". وقيل: كان له جناحان، ورأس كرأس الهرة من الزبرجد والزمرد، عن مجاهد، وروي ذلك في أخبارنا. وقيل: كان فيه آية يسكنون إليها، عن عطا. وقيل: روح من الله يكلمهم بالبيان عند وقوع الإختلاف، عن وهب. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) قيل: إنها عصا موسى، ورضاض الألواح، عن ابن عباس وقتادة والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر الصادق. وقيل: هي التوراة، وشئ من ثياب موسى، عن الحسن. وقيل: كان فيه أيضا لوحان من التوراة وقفيز من المن الذي كان ينزل عليهم، ونعلا موسى، وعمامة هارون وعصاه. هذه أقوال أهل التفسير في السكينة والبقية. والظاهر أن السكينة أمنة وطمأنينة جعلها الله فيه ليسكن إليه بنو إسرائيل، والبقية

[ 145 ]

جائز أن يكون بقية من العلم، أو شئ من علامات الأنبياء، وجائز أن يتضمنها جميعا على ما قاله الزجاج. وقيل: أراد بآل موسى وآل هارون: موسى وهارون، على نبينا وعليهما السلام، يعني مما ترك موسى وهارون، تقول العرب: آل فلان، يريدون نفسه. أنشد أبو عبيدة: * فلا تبك ميتابعد ميت، أحبه * علي، وعباس، وآل أبي بكر * يريد أبا بكر نفسه، وقال جميل: * بثينة من آل النساء، وإنما * يكن لأدنى، لا وصال لغائب (1) * أي: من النساء (تحمله الملائكة) قيل: حملته الملائكة بين السماء والأرض حتى رآه بنو إسرائيل عيانا، عن ابن عباس والحسن. وقيل: لما غلب الأعداء على التابوت، أدخلوه بيت الأصنام، فأصبحت أصنامهم منكبة، فأخرجوه ووضعوه ناحية من المدينة، فأخذهم وجع في أعناقهم، وكل موضع وضعوه فيه ظهر فيه بلاء وموت ووباء، فأشير عليهم بأن يخرجوا التابوت. فأجمع رأيهم على أن يأتوا به، ويحملوه على عجلة، ويشدوها على ثورين. ففعلوا ذلك، وأرسلوا الثورين. فجاءت الملائكة وساقوا الثورين إلى بني إسرائيل. فعلى هذا يكون معنى (تحمله الملائكة) تسوقه كما تقول: حملت متاعي إلى مكة، ومعناه: كنت سببا لحمله إلى مكة. (إن في ذلك لآية لكم) أي: في رجوع التابوت إليكم علامة أن الله سبحانه ملك طالوت عليكم (إن كنتم مؤمنين) مصدقين. ولا يجوز أن يكون على تثبيت الإيمان لهم، لأنهم كفروا حين ردوا على نبيهم. وقيل: إن كنتم مؤمنين كما تزعمون. (فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس منى ومن لم يطعمه فإنه منى إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلا منهم فلما جاوزه هو والذين ءامنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع


(1) بثينة - العذرية - كجهينة: صاحبة جميل.

[ 146 ]

الصابرين [ 249 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأهل المدينة: (غرفة) بالفتح. والباقون بالضم. الحجة: قال أبو علي: من فتح الغين عدى الفعل إلى المصدر والمفعول في قوله محذوف، والمعنى إلا من اغترف ماء غرفة. ومن ضم الغين، عدى الفعل إلى المفعول به، ولم يعده إلى المصدر، لأن الغرفة العين المغترفة، فهو بمنزلة إلا من اغترف ماء. والبغداديون يجعلون هذه الأسماء المشتقة من المصادر بمنزلة المصادر، ويعملونها كما يعملون المصادر، فيقولون: عجبت من دهنك لحيتك. وقد جاء من العرب ما يدل عليه، وهو قول الشاعر: (وبعد عطائك المائة الرتاعا) وأشياء غير هذا. فعلى هذا يجوز أن ينصب الغرفة نصب الغرفة. وقد قال سيبويه في نحو الجلسة والركبة إنه قد يستغنى بها عن المصادر، أو قال: تقع مواقعها. وهذا كالمقارب لقولهم، ولو قيل: إن الضم هنا أوجه لقوله (فشربوا منه) والمشروب منه الغرفة، لكان قولا. اللغة: الفصل: القطع. وفصل بالجنود أي: سار بهم وقطعهم عن موضعهم. وفصل الصبي فصالا: قطعه عن اللبن. والجنود: جمع جند. وجند الجنود أي: جمعهم. وفي الحديث: الأرواح جنود مجندة. وأصل الباب الجند الغليظ من الأرض، يقال: طعم الماء كما يقال طعم الطعام، وأنشدوا: * فإن شئت حرمت النساء سواكم، * وإن شئت لم أطعم نقاخا، ولا بردا (1) * أراد لم أذق. والنقاخ: العذب. وغرف الماء يغرف غرفا، واغترف بمعنى. والمغرفة: الآلة التي يغرف بها. وغرب (2) غروف: كبير. والمجاوزة من الجواز، يقال: جاز الشئ يجوزه: إذا قطعه. وأجازه إجازة: إذا استصوبه. والشئ يجوز: إذا لم يمنع منه دليل. وجوز الشئ: وسطه مشبه بمجاز الطريق: وهو وسطه الذي يجاز فيه. وقيل: إن اشتقاق الجوزاء منه، لأنها تعترض جوز السماء. والمجاز في الكلام: لأنه خروج عن الأصل إلى ما يجوز في الإستعمال. وأصل


(1) البرد: النوم. (2) الغرب: الدلو العظيمة. (*)

[ 147 ]

الباب: الجواز وهو المرور من غير شئ يصدر منه التجاوز عن الذنب، لأنه المرور عليه بالصفح. والطاقة: القوة، يقال: أطقت الشئ إطاقة وطاقة وطوقا، مثل أطعته إطاعة وطوعا. والفئة: الطائفة من الناس، والجمع فئون وفئات، ولا يجوز في عدة الا عدات لأن نقص عدة من أوله وليس كذلك فئة. وما نقص من أوله يجري في الباب على اطراد بمنزلة غير المنقوص. وأما فئة ومائة وعزة، فإن النقص فيه على غير اطراد. وتقول: فأوت رأسه بالسيف: إذا قطعته. وانفاء الشئ انفياء: إذا انقطع. وأصل الباب: القطع. ومنه الفئة: لأنهم قطعة من الناس. الاعراب: قوله (بيده): من فتح فاء غرفة، جاز أن يتعلق بالمصدر عنده، وجاز أن يعلقه بالفعل أيضا. ومن أعمل الغرفة إعمال المصدر، جاز أن يتعلق الباء بها في قوله، وكلا الأمرين مذهب. و (من اغترف): في موضع نصب بالإستثناء. و (كم): خبرية وهي في موضع رفع بالإبتداء. المعنى: (فلما فصل طالوت بالجنود) في الكلام حذف لدلالة ما بقي عليه، وهو فآتاهم التابوت بالصفة التي وعدوا بها، فصدقوا وانقادوا لطالوت. فلما فصل طالوت أي: خرج من مكانه، وقطع الطريق بالجنود أي: العساكر. واختلف في عددهم، فقيل: كانوا ثمانين ألف مقاتل، عن السدي. وقيل: سبعين ألفا، عن مقاتل. وذلك أنهم لما رأوا التابوت، أيقنوا بالنصر فبادروا إلى الجهاد (قال) يعني طالوت (إن الله مبتليكم بنهر) أي: مختبركم وممتحنكم. ومعنى الإبتلاء ههنا: تمييز الصادق عن الكاذب في قوله، عن الحسن. وكان سبب ابتلائهم بالنهر شكايتهم قلة الماء، وخوف التلف من العطش، عن وهب. وقيل: إنما ابتلوا بذلك ليصبروا عليه، فيكثر ثوابهم، ويستحقوا به النصر على عدوهم، وليتعودوا الصبر على الشدائد فيصبروا عند المحاربة، ولا ينهزموا. واختلف في النهر الذي ابتلوا به، فقيل: هو نهر بين الأردن وفلسطين، عن قتادة والربيع. وقيل: هو نهر فلسطين، عن ابن عباس والسدي. وقوله: (فمن شرب منه) الهاء كناية عن النهر في اللفظ، وهو في المعنى للماء. ويقال: شربت من نهر كذا ويراد به الماء (فليس مني) معناه: ليس من أهل ولايتي، وليس من أصحابي، وممن يتبعني. (ومن لم يطعمه) أي: ومن لم يطعم من ذلك الماء (فإنه مني) أي: من أهل ولايتي وأوليائي، وهو من الطعم: الذي هو ما يؤديه

[ 148 ]

الذوق أي: لم يجد طعمه لا من الطعام والطعم يوجد في الماء، وفي الطعام جميعا. (إلا من اغترف غرفة بيده) إلا من أخذ الماء مرة واحدة باليد. ومن قرأ بالضم فمعناه إلا من شرب مقدار مل ء كفه (فشربوا منه) أي: شربوا كلهم أكثر من غرفة (إلا قليلا منهم). قيل: إن الذين شربوا منه غرفة، كانوا ثلاث مائة وبضعة عشر رجلا، عن الحسن وقتادة وجماعة. وقيل: أربعة آلاف رجل، ونافق ستة وسبعون ألفا. ثم نافق الأربعة الآلاف إلا ثلاثمائة وبضعة عشر، عن السدي. وقيل: من استكثر من ذلك الماء عطش، ومن لم يشرب إلا غرفة، روي وذهب عطشه. ورد طالوت عند ذلك العصاة منهم فلم يقطعوا معه النهر. (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) معناه: فلما تخطى النهر طالوت والمؤمنون معه، وهم أصحابه. وروي عن البراء بن عازب وقتادة والحسن أنه إنما جاوز معه المؤمنون خاصة، كانوا مثل عدد أهل بدر. وقيل: بل جاوز المؤمنون والكافرون إلا أن الكافرين انعزلوا، وبقي المؤمنون على عدد أهل بدر، عن ابن عباس، والسدي، وهذا أقوى لقوله سبحانه: (فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه) فلما رأوا كثرة جنود جالوت (قالوا) أي: قال الكفار منهم: (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) فقال المؤمنون حينئذ الذين عددهم عدة أهل بدر: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) قال أبو القاسم البلخي: ويجوز أن يكونوا كلهم مؤمنين، غير أن بعضهم أشد إيقانا، وأقوى إعتقادا، وهم الذين قالوا: كم من فئة قليلة إلى آخره. (قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله) أي: راجعون إلى الله، وإلى جزائه. قيل في يظنون ثلاثة أقوال أحدها: إن معنى يظنون يستيقنون، عن السدي، كقول دريد بن الصمة: * فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد (1) * أي: أيقنوا والثاني: إن معناه يحدثون نفوسهم، وهو أصل الظن، لأن حديث النفس بالشئ قد يكون مع الشك، وقد يكون مع العلم. إلا أنه قد كثر على ما كان مع الشك. والثالث: يظنون أنهم ملاقو الله بالقتل في تلك الوقعة (كم من فئة)


(1) المدجج: اللابس السلاح. سراة القوم: سادتهم. المسرد: الدرع. (*)

[ 149 ]

أي: فرقة (قليلة غلبت فئة كثيرة) أي: قهرت فرقة كثيرة (بإذن الله) أي: بنصره، عن الحسن، لأنه إذا أذن الله في القتال، نصر فيه على الوجه الذي أذن فيه (والله مع الصابرين) بالنصرة لهم على أعدائهم. (ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين [ 250 ]). اللغة: البروز: أصله الطهور، ومنه البراز: وهي الأرض الفضاء. ورجل برز، وامرأة برزة أي: ذو عفة وفضل، لظهور ذلك منهما. والإفراغ: الصب للسيال على جهة إخلاء المكان (1) منه يقال: فرغ يفرغ فراغا، وأفرغ أفراغا. وأصبح فؤاد أم موسى فارغا أي: خاليا من الصبر. وأصل الفراغ: الخلو. والتثبيت: تمكين الشئ في مكانه للزومه إياه. وقد يقال: ثبته بمعنى حكم بوجوده. ورجل ثبت المقام: إذا كان شجاعا لا يبرح موقفه، وطعنه فأثبت فيه الرمح أي: نفذ فيه، لأنه يلزم فيه. وأثبت حجته أي: أقامها. ورجل ثبت أي: ثقة مأمون فيما روى. والنصر: هو المعونة على العدو، ويكون ذلك بأشياء منها بزيادة القوة، ومنها بالرعب عن الملاقاة، ومنها بالإطلاع على العورة، ومنها بتخيل الكثرة، ومنها باختلاف الكلمة. والفرق بين النصر واللطف أن كل نصر من الله فهو لطف، وليس كل لطف نصرا، لأن اللطف يكون في أخذ طاعة بدلا من معصية، وقد يكون في فعل طاعة من النوافل. والنصر: فعل الله، والصبر من فعل العبد، لأنه يجازى عليه، وهو حبس النفس عما تنازع إليه من الفعل، وهو هاهنا حبسها عما تنازع إليه من الفرار من القتال. المعنى: (ولما برزوا لجالوت) أي: ظهر طالوت والمؤمنون معه لمحاربة جالوت (وجنوده قالوا ربنا أفرغ) أي أصب (علينا صبرا) أي: وفقنا للصبر على الجهاد، وشبهه بتفريغ الإناء من جهة أنه نهاية ما توجبه الحكمة، كما أنه نهاية ما في الواحد من الآنية (وثبت أقدامنا) أي: وفقنا للثبوت على الأمر (وانصرنا) أعنا (على) جهاد (القوم الكافرين) قوم جالوت.


(1) أي: موضع الخلل. (*)

[ 150 ]

(فهزموهم بإذن الله وقتل داوود جالوت وءاتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشآء ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين [ 251 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر ونافع ويعقوب: (دفاع الله) بالألف، وفي الحج مثله. وقرأ الباقون بغير ألف. الحجة: قال أبو علي: دفاع يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون مصدر الفعل كالكتاب واللقاء ونحو ذلك. الثاني: أن يكون مصدرا لفاعل، ويدل عليه قراءة من قرأ (إن الله يدافع عن الذين آمنوا) وكان معنى دفع ودافع سواء. ألا ترى إلى قوله: * ولقد حرصت بأن أدافع عنهم، * فإذا المنية أقبلت لا تدفع * كأن المعنى حرصت بأن أدفع عنهم المنية، والمنية لا تدفع، فوضع أدافع موضع أدفع، فإذا كان كذلك فيدفع ويدافع متقاربان. اللغة: الهزم: الدفع، يقال هزم القوم في الحرب يهزمهم هزما: إذا دفعهم بالقتال هربا منه، فانهزموا انهزاما. وتهزم السقاء: إذا يبس فتصدع لاندفاع بعضه عن بعض. والإهتزام: الذبح، يقال: إهتزم شاتك قبل أن تهزم فتهلك لدفع ضياعها بتذكيتها. وأصل الدفع: الصرف عن الشئ. والدفاع: السيل. والدفعة: إندفاع الشئ جملة. المعنى: ثم ذكر سبحانه تمام القصة، فقال: (فهزموهم) ولا بد من حذف هنا كأنه لما قالوا (ربنا أفرغ علينا صبرا) قال: فاستجاب لهم ربهم فهزموهم بنصره أي: دفعوهم وكسروهم، لأن ذكر الهزيمة بعد سؤال النصرة دليل على معنى الإجابة. ومعنى هزموهم سببوا لهزيمتهم، بأن فعلوا ما ألجأهم إليها. فعلى هذا يكون حقيقة. وقال أبو علي الجبائي: ذلك مجاز لأنهم لم يفعلوا هزيمتهم، كما يقال: أخرجه من منزله: إذا ألجأه إلى الخروج، ولم يفعل خروجه. والصحيح الأول. وقوله (بإذن الله) أي: بأمر الله. وقيل: بعلم الله (وقتل داود جالوت). القصة: وكان من قصة داود على ما رواه علي بن إبراهيم بن هاشم، عن الصادق " عليه السلام ": أن الله أوحى إلى نبيهم أن جالوت يقتله من يستوي عليه درع موسى،

[ 151 ]

وهو رجل من ولد لاوي بن يعقوب، واسمه داود بن إيشاراع، وكان لإيشا عشرة بنين، أصغرهم داود. فلما بعث الله طالوت إلى بني إسرائيل، وجمعهم لحرب جالوت، بعث إلى أيشا بأن أحضر ولدك. فلما حضروا دعا واحدا واحدا من ولده، فألبسه درع موسى، فمنهم من طالت عليه، ومنهم من قصرت عنه. فقال لإيشا: هل خلفت من ولدك أحدا ؟ قال: نعم أصغرهم، تركته في الغنم يرعاها. فبعث إليه، فجاء به. فلما دعي أقبل ومعه مقلاع. قال: فنادته ثلاث صخرات في طريقه: يا داود ! خذني (1)، فأخذها في مخلاته، وكان حجر الفيروزج. وكان داود شديد البطش، شجاعا، قويا في بدنه. فلما جاء إلى طالوت، ألبسه درع موسى، فاستوت عليه. قال: فجاء داود فوقف حذاء جالوت، وكان جالوت على الفيل، وعلى رأسه التاج، وفي جبهته ياقوتة تلمع نورا، وجنوده بين يديه. فأخذ داود حجرا من تلك الأحجار، فرمى به في ميمنة جالوت، ووقع عليهم، فانهزموا. وأخذ حجرا آخر، فرمى به في ميسرة جالوت، فانهزموا. ورمى بالثالث إلى جالوت، فاصاب موضع الياقوتة في جبهته، ووصلت إلى دماغه، ووقع إلى الأرض ميتا. وقيل: إن جالوت طلب البراز فخرج إليه داود، فرماه بحجر من مقلاع، فوقع بين عينيه، وخرج من قفاه، وأصاب جماعة كثيرة من أهل عسكره، فقتلهم، وانهزم القوم عن آخرهم، عن وهب وغيره من المفسرين. (وآتاه الله الملك) أي: وأعطاه الملك بعد قتل داود جالوت بسبع سنين، عن الضحاك (والحكمة) قيل: النبوة، ولم يكن نبيا قبل قتل جالوت، فجمع الله له الملك والنبوة عند موت طالوت في حالة واحدة، لأنه لا يجوز أن يترأس من ليس بنبي (2)، لأنه قلب ما توجبه الحكمة، لأن النبي يوثق بظاهره وباطنه، ولا يخبر إلا بحق، ولا يدعو إلا إلى حق، فليس كذلك من ليس بنبي، عن الحسن. وقيل: يجوز ذلك إذا كان يفعل ما يفعل بأمره ومشورته (وعلمه مما يشاء) معناه: وعلمه أمور الدين، وما شاء من أمور الدنيا، منها صنعة الدروع، فإنه كان يلين له الحديد كالشمع. وقيل: الزبور، والحكم بين الناس، وكلام الطير، والنمل. وقيل: الصوت الطيب، والألحان.


(1) [ واحضر ]. (2) [ على نبي ]. (*)

[ 152 ]

(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض) قيل فيه ثلاثة أقوال أحدها: لولا دفع الله بجنود المسلمين الكفار ومعرتهم، لغلبوا وخربوا البلاد، عن ابن عباس ومجاهد. والثاني: معناه يدفع الله بالبر عن الفاجر الهلاك، عن علي وقتادة وجماعة من المفسرين، ومثله ما رواه جميل، عن أبي عبد الله قال: إن الله يدفع بمن يصلي من شيعتنا، عمن لا يصلي منهم، ولو اجتمعوا على ترك الصلاة لهلكوا. وإن الله ليدفع بمن يزكي من شيعتنا، عمن لا يزكي منهم، ولو اجتمعوا على ترك الزكاة لهلكوا. وإن الله ليدفع بمن يحج من شيعتنا، عمن لا يحج منهم، ولو اجتمعوا على ترك الحج لهلكوا. وقريب من معناه ما روي عن النبي أنه قال: " لولا عباد الله ركع، وصبيان رضع، وبهائم رتع، لصب عليكم العذاب صبا ". وروى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله: " إن الله يصلح بصلاح الرجل المسلم ولده، وولد ولده، وأهل دويرته، ودويرات حوله، ولا يزالون في حفظ الله ما دام فيهم " والثالث: إن في معنى قول الحسن ما يزع (1) الله بالسلطان أكثر مما يزع بالقرآن، لأن من يمتنع عن الفساد لخوف السلطان، أكثر ممن يمتنع منه لأجل الوعد والوعيد الذي في القرآن. (ولكن الله ذو فضل على العالمين) أي: ذو نعمة عليهم في دينهم ودنياهم. (تلك ءايات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين [ 252 ]). اللغة: التلاوة: ذكر الكلمة بعد الكلمة من غير فاصلة، لأن التالي للشئ يليه من غير فصل بغيره. وأصل التلو: إيقاع الشئ بعد الشئ الذي يليه. والحق هو وقوع الشئ موقعه الذي هو له من غير تغيير عنه، بما لا يجوز فيه. والرسالة: تحميل جملة من الكلام لها فائدة إلى المقصود بالدلالة. الاعراب: (نتلوها): جملة في موضع الحال. والعامل فيه معنى الإشارة في تلك وذو الحال (آيات الله) أي: متلوة عليك والباء في (بالحق): يتعلق بنتلو أيضا.


(1) أي: ما يكفه. (*)

[ 153 ]

المعنى: (تلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من إماتة ألوف من الناس دفعة واحدة، وإحيائهم دفعة واحدة، بدعاء نبيهم، ومن تمليك طالوت، وهو من أهل الخمول الذي لا ينقاد لمثله الناس، لما جعل الله له من الآية، علما على تمليكه، ونصرة أصحاب طالوت مع قلة عددهم وضعفهم، على جالوت وأصحابه مع قوتهم وشوكتهم (آيات الله) أي: دلالات الله على قدرته (نتلوها عليك) نقرؤها عليك يا محمد (بالحق) بالصدق. وقيل: يقرأها جبريل عليك بالحق بأمرنا (وإنك لمن المرسلين) معناه: وإنك لمن المرسلين بدلالة إخبارك بهذه الآيات مع أنك لم تشاهدها، ولم تخالط أهلها، ولا تعلم ذلك مع عدم المشاهدة، ومخالطة أهلها إلا بوحي من جهة الله، والله لا يوحي إلا إلى أنبيائه. (* تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وءاتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شآء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جائتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من ءامن ومنهم من كفر ولو شآء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد [ 253 ]). الاعراب: (درجات): منصوب على الحال، والعامل فيه (رفع). وذو الحال (بعضهم) وتقديره: رفع بعضهم ذوي درجات، فحذف المضاف. ويجوز أن يكون حالا بعد الفراغ من الفعل، تقديره: ورفع بعضهم، فإذا هم ذوو درجات. ويجوز أن يكون ظرف مكان، ويجوز أن يكون إسما وضع موضع المصدر، تقديره: ورفع بعضهم رفعا. المعنى: (تلك) بمعنى أولئك، إلا أنه أراد به الإشارة إلى الجماعة، فأتى بلفظ الإفراد الذي يكون للمؤنث المفرد، كما يقال: القوم خرجت أي: أولئك الذين تقدم ذكرهم من الأنبياء في الكتاب (الرسل فضلنا بعضهم على بعض) إنما ذكر الله تفضيل بعض الرسل على بعض لأمور أحدها: لأن لا يغلط غالط، فيسوي بينهم في الفضل، كما استووا في الرسالة. وثانيها: أن يبين أن تفضيل محمد عليهم، كتفضيل من مضى من الأنبياء بعضهم على بعض. وثالثها: إن الفضيلة قد تكون بعد

[ 154 ]

أداء الفريضة، وهذه الفضيلة المذكورة ههنا هي ما خص كل واحد منهم من المنازل الجليلة، نحو كلامه لموسى بلا سفير، وكإرساله محمدا إلى الكافة من الجن والإنس. وقيل: أراد التفضيل في الآخرة، لتفاضلهم في الأعمال، وتحمل الأثقال. وقيل: بالشرائع فمنهم من شرع، ومنهم من لم يشرع. والفرق بين الإبتداء بالفضيلة، وبين المحاباة أن المحاباة اختصاص البعض بالنفع على ما يوجبه الشهوة دون الحكمة، وليس كذلك الإبتداء بالفضيلة، لأنه قد يكون للمصلحة التي لولاها لفسد التدبير، وأدى إلى حرمان الثواب للجميع. فمن حسن النظر لهذا الإنسان تفضيل غيره عليه، إذا كان في ذلك مصلحة له، فهذا وجه تدعو إليه الحكمة، وليس كالوجه الأول الذي إنما تدعو إليه الشهوة. (منهم من كلم الله) أي: كلمه الله، وهو موسى (ورفع بعضهم درجات) قال مجاهد: أراد به محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإنه تعالى فضله على جميع أنبيائه، بأن بعثه إلى جميع المكلفين من الجن والإنس، وبأن أعطاه جميع الآيات التي أعطاها من قبله من الأنبياء، وبأن خصه بالقرآن الذي لم يعطه غيره، وهو المعجزة القائمة إلى يوم القيامة بخلاف سائر المعجزات، فإنها قد مضت وانقضت، وبأن جعله خاتم النبيين، والحكمة تقتضي تأخير أشراف الرسل لأعظم الأمور. (وآتينا عيسى بن مريم البينات) أي: الدلالات كإبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، والإخبار عما كانوا يأكلونه ويدخرونه في بيوتهم (وايدناه بروح القدس) قد مر تفسيره في الآية الخامسة والثمانين من هذه السورة (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم) أي: من بعد الرسل. وقال قتادة والربيع: من بعد موسى وعيسى، وأتى بلفظ الجمع، لأن ذكرهما يغني عن ذكر المتبعين لهما، كما يقال: خرج الأمير فنكوا في العدو نكاية عظيمة، معناه: ولو شاء الله لم يقتتل الذين من بعد الأنبياء، بأن يلجئهم إلى الإيمان، ويمنعهم عن الكفر، إلا أنه لم يلجئهم إلى ذلك، لأن التكليف لا يحسن مع الضرورة والإلجاء، والجزاء لا يحسن إلا مع التخلية والاختيار، عن الحسن. وقيل: معناه لو شاء الله ما أمرهم بالقتال (من بعد ما جاءتهم البينات) من بعد وضوح الحجة، فإن المقصد من بعثه الرسل قد حصل بايمان من آمن قبل القتال (ولكن اختلفوا فمنهم من آمن) بتوفيق الله ولطفه، وحسن اختياره. (ومنهم من كفر) بسوء اختياره (ولو شاء الله ما اقتتلوا) كرر ذلك تأكيدا وتنبيها. وقيل: الأول مشيئة الإكراه أي: لو شاء الله اضطرهم إلى حال يرتفع معها

[ 155 ]

التكليف. والثاني: الأمر للمؤمنين بالكف عن قتالهم. (ولكن الله يفعل ما يريد) ما تقتضيه المصلحة، وتوجبه الحكمة. (يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون [ 254 ]). القراءة: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: (لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة) بالفتح فيها أجمع، وفي سورة إبراهيم: (لا بيع فيه ولا خلال)، وفي الطور: (لا لغو فيها ولا تأثيم). وقرأ الباقون جميعها بالرفع. الحجة: قال أبو علي: أما من فتح بلا تنوين، فإنه جعله جواب هل فيها من لغو، أو تأثيم. ومن رفع جعله جواب أفيها لغو أو تأثيم. وقد ذكرنا صدرا من القول على النفي فيما تقدم، والمعنيان متقاربان في أن النفي يراد به العموم والكثرة في القراءتين يدل على. ذلك قول أمية: " فلا لغو، ولا تأثيم فيها " ألا ترى أنه يريد من نفي اللغو، وإن كان قد رفعه ما يريد بنفي التأثيم الذي فتحه، ولم ينونه. فإن جعلت قوله فيها خبرا، أضمرت للأول خبرا، وإن جعلته صفة أضمرت لكل واحد من الإسمين خبرا. اللغة: البيع هو استبدال المتاع بالثمن. والبيع: نقيض الشراء. والبيع أيضا: الشراء لأنه تارة عقد على الإستبدال بالثمن، وتارة على. الإستبدال بالمتاع. والبيع: الصفقة على إيجاب البيع. والبيعة: الصفقة على إيجاب الطاعة. والبيعان: البائع والمشتري. والخلة: خالص المودة. والخلل: الإنفراج بين الشيئين. وخللته بالخلال أخله خلالا: إذا شككته به. واختلال الحال: إنحرافها بالفقر. والخليل: الخالص المودة من الخلة لتخلل الأسرار بينهما. وقيل: لأنه يمتنع من الشوب في المودة بالنقيصة. والخليل أيضا: المحتاج من الخلة. والخل: معروف لتخلله بحدته ولطفه فيما ينساب فيه. والخل: الرجل الخفيف الجسم. والخل: الطريق في الرمل. وفي فلان خلة رائقة أي: خصلة. والخلة: جفن السيف. وقد ذكرنا معنى الشفاعة عند قوله: (ولا يقبل منها شفاعة). المعنى: لما قص الله سبحانه أخبار الأمم السابقة، وثبت رسالة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، عقبه بالحث على الطاعة فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم "

[ 156 ]

فيما جاء به (أنفقوا مما رزقناكم) قيل أراد به الفرض كالزكاة ونحوها، دون النفل، لاقتران الوعيد به، عن الحسن، ولأن ظاهر الأمر يقتضي الإيجاب. وقيل: يدخل فيه النفل والفرض، عن ابن جريج، واختاره البلخي، وهو الأقوى لأنه أعم، ولأن الآية ليس فيها وعيد على ترك النفقة، وإنما فيها اخبار عن عظم أهوال يوم القيامة وشدائدها (من قبل أن يأتي يوم) أي: يوم القيامة (لا بيع فيه) أي: لا تجارة (ولا خلة) أي: ولا صداقة، لأنهم بالمعاصي يصيرون أعداء. وقيل: لأن شغله بنفسه يمنع من صداقة غيره، وهذه كقوله (الأخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين). (ولا شفاعة) أي: لغير المؤمنين مطلقا. فأما المؤمنون فقد يشفع بعضهم لبعض، ويشفع لهم أنبياؤهم، كما قال سبحانه (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى)، و (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه). (والكافرون هم الظالمون) إنما ذم الله الكافر بالظلم، وإن كان الكفر أعظم منه لأمرين: أحدهما: الدلالة على أن الكافر ضر نفسه بالخلود في النار فقد ظلم نفسه. والآخر: إنه لما نفى البيع في ذلك اليوم، والخلة والشفاعة، وأخبر أنه قد حرم الكافر هذه الامور، قال: وليس ذلك بظلبم منا، بل الكافرون هم الظالمون، لأنهم عملوا بأنفسهم ما استحقوا به حرمان هذه الأمور. ووجه آخر في (1) تخصيص الكافر بالظلم، وهو أن ظلم الكافر هو غاية الظلم، وليس يبلغ ظلم المؤمنين لأنفسهم وغيرهم مبلغ ظلم الكافرين، ونظيره قول القائل: فلان هو الفقيه في البلد، وفلان هو الفاضل، ويراد به تقدمه على غيره فيما أضيف إليه. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بأذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤده حفظهما وهو العلي العظيم [ 255 ]). آيتان بصري، وآية واحدة عند غيرهم عد البصري الحي القيوم آية. فضل الآية: ذكر ابن انجويه الفسوي في كتاب الترغيب بإسناد متصل عن


(1) [ فائدة ]. (*)

[ 157 ]

أبي بن كعب قال: قال رسول الله: (يا أبا المنذر ! أي آية في كتاب الله أعظم ؟ قلت: الله لا إله إلا هو الحي القيوم. قال: فضرب في صدري، ثم قال: ليهنئك العلم. والذي نفس محمد بيده ! إن لهذه الآية للسانا وشفتين، تقدس الملك عند ساق العرش ". وروى الثعلبي بإسناده عن عبد الله بن عمر، قال: قال النبي: " من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، كان الذي يتولى قبض نفسه ذو الجلال والإكرام، وكان كمن قاتل مع أنبياء الله حتى استشهد ". وبإسناده عن علي " عليه السلام " قال: سمعت نبيكم على أعواد المنبر وهو يقول: " من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت، ولا يواظب عليها إلا صديق، أو عابد، ومن قرأها إذا أخذ مضجعه آمنه الله على نفسه، وجاره، وجار جاره ". وعنه قال: سمعت رسول الله يقول: يا علي ! سيد البشر آدم، وسيد العرب محمد، ولا فخر، وسيد الفرس سلمان، وسيد الروم صهيب، وسيد الحبشة بلال، وسيد الجبال الطور، وسيد الشجر السدر، وسيد الشهور الأشهر الحرم، وسيد الأيام يوم الجمعة، وسيد الكلام القرآن، وسيد القرآن البقرة، وسيد البقرة آية الكرسي. يا علي ! إن فيها لخمسين كلمة، في كل كلمة خمسون بركة. وروي عن عبد الله بن مسعود قال: من قرأ عشر آيات من سورة البقرة في كل ليلة في بيت، لم يدخل ذلك البيت شيطان حتى يصبح: أربع آيات من أولها، وآية الكرسي، وآيتين بعدها، وخواتيمها. وروي عن أبي جعفر الباقر قال: من قرأ آية الكرسي مرة، صرف الله عنه ألف مكروه من مكاره الدنيا، وألف مكروه من مكاره الآخرة، أيسر مكروه الدنيا الفقر، وأيسر مكروه الآخرة عذاب القبر. وعن أبي عبد الله قال: إن لكل شئ ذروة، وذروة القرآن آية الكرسي. اللغة: الحي: من كان على صفة لا يستحيل معها أن يكون قادرا عالما، وإن شئت قلت: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يدرك المدركات إذا وجدت. والقيوم: أصله قيووم على وزن فيعول، إلا أن الياء والواو إذا اجتمعتا وأولاهما ساكنة، قلبت الواو ياء، وأدغمت الياء في الياء قياسا مطردا. والقيام: أصله قيوام على وزن فيعال، ففعل به ما ذكرناه. قال أمية بن أبي الصلت: * لم يخلق السماء والنجوم * والشمس معها قمر يعوم (1) *


(1) العوم: السباحة. وعام القمر: جرى. (*)

[ 158 ]

* قدرها المهيمن القيوم * والحشر، والجنة، والنعيم * * إلا لامر شأنه عظيم * والسنة: النوم الخفيف، وهو النعاس. قال عدي بن الرقاع: * وسنان أقصده النعاس فرنقت * في عينه سنة، وليس بنائم (1) * وهو مصدر وسن يوسن وسنا وسنة. قال المفضل: السنة في الرأس، والنوم في القلب. والنوم: خلاف اليقظة، يقال: نام نوما، واستنام إليه أي: استأنس إليه، واطمأن إلى ناحيته. وقال الليث: يقال لكل من أحرز شيئا، أو بلغ علمه أقصاه: قد أحاط به. ويقال: وسع فلان الشئ يسعه سعة: إذا احتمله وأطاقه وأمكنه القيام به. ويقال: لا يسعك هذا أي: لا تطيقه، ولا تحتمله. الكرسي: كل أصل يعتمد عليه، قال الشاعر: * تحف بهم بيض الوجوه، وعصبة * كراسي بالأحداث حين تنوب * أي: علماء بحوادث الأمور، وقال آخر: * نحن الكراسي لاتعد هوازن * أفعالنا في النائبات، ولا أسد * وقال آخر: * مالي بأمرك كرسي أكاتمه، * وهل بكرسي علم الغيب مخلوق * وكل شئ تراكب فقد تكارس. ومنه الكراسة: لتراكب بعض ورقها على بعض. ورجل كروس: عظيم الرأس. ويقال: كرسي الملك من كذا (2) وكذا أي: ملكه مشبه بالكرسي المعروف. وأصل الباب الكرسي: تراكب الشئ بعضه على بعض. وآده يؤوده أودا: إذا أثقله وجهده. وأدت العود أؤده أودا فأناد نحو: عجته فانعاج. والآود والأوداء على وزن الأعوج والعوجاء والمعنى واحد والجمع الأود كالعوج. والعلي: أصله من العلو، وهو سبحانه علي بالإقتدار ونفوذ السلطان، ولا يقال: رفيع بالإقتدار، لأن الرفعة في المكان. والعلو منقول إلى معنى الإقتدار.


(1) وقبله: " وكأنها بين النساء أعارها * عينيه أحور من جآذم جاسم " ووسنان صفة أحور. ورنقت: أي وقفت. (2) وفي المخطوطتين " من مكان كذا إلى مكان كذا ". (*)

[ 159 ]

يقال: فلان علا على قرنه يعلو علوا فهو عال، وعلا بمعنى اقتدر، ولا يقال: ارتفع عليه بمعناه. ولذلك يقال: إستعلى عليه بالحجة، ولا يقال ارتفع عليه بالحجة. والعلو بضم العين وكسرها: خلاف السفل. وعلا في الأرض علوا: تجبر، ومنه قوله (إن فرعون علا في الأرض) أي: تجبر. والله تعالى العالي والمتعالي أي: القادر القاهر لا يعجزه شئ. وفلان من علية الناس أي: من أشرافهم. والعظيم معناه: العظيم الشأن. وقيل: العظيم بمعنى المعظم، كما قالوا في الخمر العتيق أي: ا لمعتقة، وا لأول أقوى. الاعراب: (الله): رفع بالإبتداء وما بعده خبره، والكلام مخرجه مخرج النفي أي: لا يصح إله سوى الله، وحقيقته الإثبات لإله واحد هو الله، فكأنه قيل: الله هو الإله دون غيره وارتفع هو في (لا إله إلا هو) على أحد وجهين أحدهما: بالإبتداء كأنه قال: ما إله إلا الله. والثاني: أن يكون بدلا، كأنه قال: ما إله ثابتا أو موجودا إلا الله. ويجوز في العربية نصب الله في قول (لا إله إلا الله) على الإستثناء. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الأمم، واختلافهم على أنبيائهم في التوحيد وغيره، عقبه بذكر التوحيد فقال: (الله) أي: من يحق له العبادة لقدرته على أصول النعم. وقد ذكرنا اختلاف الأقوال في أصله، وفي معناه، في مفتتح سورة الفاتحة. (لا إله إلا هو) أي: لا أحد تحق له العبادة، ويستحق الإلهية غيره (الحي) قد ذكرنا معناه (القيوم) القائم بتدبير خلقه من إنشائهم ابتداء، وإيصال أرزاقهم إليهم، كما قال: (وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها)، عن قتادة. وقيل: القيوم هو العالم بالأمور من قولهم: هذا يقوم بهذا الكتاب أي: يعلم ما فيه. وقيل: معناه الدائم الوجود، عن سعيد بن جبير والضحاك. وقيل: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها من حيث هو عالم بها، عن الحسن، واللفظ لجميع هذه الوجوه محتمل (لا تأخذه سنة) أي: نعاس. (ولا نوم) ثقيل، مزيل للقوة. وقيل: معناه لا يغفل عن الخلق، ولا يسهو كما يقال للغافل: أنت نائم، وأنت وسنان (له ما في السماوات وما في الأرض) معناه له ملك ما فيهما، وله التصرف فيهما (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) هو استفهام معناه الإنكار والنفي أي: لا يشفع يوم الميامة أحد لأحد إلا بإذنه وأمره، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أن الأصنام تشفع لهم، فأخبر. الله سبحانه أن أحدا

[ 160 ]

ممن له الشفاعة، لا يشفع إلا بعد أن يأذن الله له في ذلك، ويأمره به. (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) قيل فيه وجوه أحدها: إن معناه يعلم ما بين أيديهم ما مضى من الدنيا، وما خلفهم من الآخرة، عن مجاهد والسدي. والثاني: معناه يعلم الغيب الذي تقدمهم من قولك بين يديه أي: قدامه، وما مضى، فهو قدام الشئ، فيحمل عليه على التقدير، لا إن هذا اللفظ حقيقة في الماضي، وما خلفهم يعني الغيب الذي يأتي بعدهم، عن ابن جريج. والثالث: إن ما بين أيديهم عبارة عما لم يأت، كما يقال: رمضان بين أيدينا. (وما خلفهم) عبارة عما مضى، كما يقال في شوال: قد خلفنا رمضان، عن الضحاك. (ولا يحيطون بشئ من علمه) معناه: من معلومه كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا أي: معلومك فينا. ويقال: إذا ظهرت آية هذه قدرة الله أي: مقدور الله، والإحاطة بالشئ علما، أن يعلمه كما هو على الحقيقة (إلا بما شاء) يعني: ما شاء أن يعلمهم، ويطلعهم عليه. (وسع كرسيه السماوات والأرض) اختلف فيه على أقوال أحدها: وسع علمه السماوات والأرض، عن ابن عباس ومجاهد، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله " عليه السلام ". ويقال للعلماء كراسي، كما يقال: أوتاد الأرض، لأن بهم قوام الدين والدنيا وثانيها: إن الكرسي ههنا هو العرش، عن الحسن. وإنما سمي كرسيا لتركيب بعضه على بعض. وثالثها: إن المراد بالكرسي ههنا: الملك والسلطان والقدرة، كما يقال: إجعل لهذا الحائط كرسيا أي: عمادا يعمد به، حتى لا يقع، ولا يميل، فيكون معناه: أحاط قدرته بالسماوات والأرض، وما فيهما ورابعها: إن الكرسي سرير دون العرش. وقد روي عن أبي عبد الله، وقريب منه ما روي عن عطاء، أنه قال: ما السماوات والأرض عند الكرسي، إلا كحلقة خاتم في فلاة، وما الكرسي عند العرش إلا كحلقة في فلاة. ومنهم من قال: إن السماوات والأرض جميعا على الكرسي، والكرسي تحت العرش كالعرش فوق السماء. وروى الأصبغ بن نباتة أن عليا قال: إن السماوات والأرض وما فيهما من مخلوق في جوف الكرسي، وله أربعة أملاك يحملونه بإذن الله، ملك منهم في صورة الآدميين، وهي أكرم الصور على الله، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق للآدميين. والملك الثاني في صورة الثور، وهو سيد البهائم، يدعو

[ 161 ]

الله ويتضرع إليه، ولطلب الشفاعة والرزق للبهائم. والملك الثالث في صورة النسر، وهو سيد الطيور، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق لجميع الطيور. والملك الرابع في صورة الأسد، وهو سيد السباع، وهو يدعو الله، ويتضرع إليه، ويطلب الشفاعة والرزق لجميع السباع. قال: ولم يكن في جميع الصور صورة أحسن من الثور، ولا أشد انتصابا منه، حتى اتخذ الملأ من بني إسرائيل العجل، وعبدوه، فخفض الملك الذي في صورة الثور رأسه استحياء من الله أن عبدوا من دون الله بشئ يشبهه، وتخوف أن ينزل الله به العذاب. (ولا يؤوده حفظهما) أي: لا يشق على الله، ولا يثقله حفظ السماوات والأرض. وقيل: الهاء في يؤوده يعود إلى الكرسي، وهذا على قول من يقول: إن السماوات والأرض على الكرسي. (وهو العلي) عن الأشباه والأضداد والأمثال والأنداد، وعن إمارات النقص، ودلالات الحدث. وقيل: هو من العلو الذي هو بمعنى القدرة والسلطان والملك وعلو الشأن والقهر والإعتلاء والجلال والكبرياء (العظيم) أي: العظيم الشأن، القادر، الذي لا يعجزه شئ، والعالم الذي لا يخفى عليه شئ، لا نهاية لمقدوراته، ولا غاية لمعلوماته. وروى علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن الحسين بن خالد، أنه قرأ أبو الحسن الرضا " عليه السلام ": الله لا إله إلا هو الحي القيوم، لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السموات وما في الأرض، وما بينهما، وما تحت الثرى، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه. (لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم [ 256 ]). اللغة: الرشد: نقيض الغي، وهو الرشد. والرشد، وتقول: غوي يغوي غيا وغواية: إذا سلك طريق الهلاك. وغوى: إذا خاب، قال الشاعر: * ومن يلق خيرا، يحمد الناس أمره، * ومن يغو، لا يعدم على الغي لائما * وغوى الفصيل يغوي غوى: إذا قطع عن اللبن حتى يكاد يهلك. والطاغوت: وزنها في الأصل فعلوت، وهو مصدر مثل الرغبوت والرهبوت والرحموت، ويدل على أنها مصدر وقوعها على الواحد والجماعة بلفظ واحد، وأصلها طغيوت، لأنها من

[ 162 ]

الياء يدل على ذلك قوله: (في طغيانهم يعمهون). ثم إن اللام قدمت إلى موضع العين، فصارت طيغوت. ثم قلبت الياء ألفا لتحركها، وانفتاح ما قبلها، فصار طاغوت. فوزنها الآن بعد القلب فلعوت. وجمع طاغوت طواغيت وطواغت وطواغ، على حذف الزيادة. والطواغي على العوض من المحذوف. والعروة: عروة الدلو ونحوه، لأنها متعلقة. وعروت الرجل أعروه عروا: إذا ألممت به متعلقا بسبب منه. واعتراه هم: إذا تعلق به. وعرته الحمى تعروه: إذا علقت به. فالأصل في الباب: التعلق. قال الأزهري: العروة كل نبات له أصل ثابت كالشيح والقيصوم وغيره، وبه شبهت عرى الأشياء. في لزومها. والوثقى: تأنيث الأوثق. والإنفصام والإنقطاع والإنصداع نظائر. قال الأعشى: * ومبسمها من شتيت النبات * غير أكس، ولامنفصم (1) * يقال: فصمته فانفصم. النزول: قيل: نزلت الآية في رجل من الأنصار، كان له غلام أسود، يقال له صبيح. وكان يكرهه على الإسلام، عن مجاهد. وقيل: نزلت في رجل من الأنصار يدعى أبا الحصين. وكان له ابنان، فقدم تجار الشام إلى المدينة، يحملون الزيت. فلما أرادوا الرجوع من المدينة أتاهم ابنا أبي الحصين، فدعوهما إلى النصرانية، فتنصرا ومضيا إلى الشام. فأخبر أبو الحصين رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فأنزل الله تعالى: (لا إكراه في الدين). فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أبعدهما الله ! هما أول من كفر. فوجد أبو الحصين في نفسه على النبي، حين لم يبعث في طلبهما، فأنزل الله (فلا وربك لا يؤمنون) الآية. قال: وكان هذا قبل أن يؤمر النبي بقتال أهل الكتاب. ثم نسخ وأمر بقتال أهل الكتاب في سورة براءة، عن السدي. وهكذا قال ابن مسعود، وابن زيد إنها منسوخة بآية السيف. وقال الباقون: هي محكمة. وقيل: كانت امرأة من الأنصار تكون مقلاتا (2) فترضع أولاد اليهود، فجاء الإسلام وفيهم جماعة منهم. فلما أجليت بنو النضير، إذا فيهم أناس من الأنصار. فقالوا: يا رسول الله ! أبناؤنا وإخواننا. فنزلت (لا إكراه في الدين) فقال: خيروا أصحابكم فإن اختاروكم فهم


(1) المبسم: مقدم الأسنان. كس كسا: كان قصير الأسنان صغيرها فهو أكس. (2) المقلات: التي لا يعيش لها ولد. (*)

[ 163 ]

منكم، وإن اختاروهم فأجلوهم، عن ابن عباس. المعنى: لما تقدم ذكر اختلاف الأمم، وأنه لو شاء الله لأكرههم على الدين، ثم بين تعالى دين الحق والتوحيد، عقبه بأن الحق قد ظهر، والعبد قد خير فلا إكراه بقوله: (لا إكراه في الدين) وفيه عدة أقوال أحدها: إنه في أهل الكتاب خاصة، الذين يؤخذ منهم الجزية، عن الحسن وقتادة والضحاك. وثانيها: إنه في جميع الكفار، ثم نسخ كما تقدم ذكره، عن السدي، وغيره وثالثها: إن المراد: لا تقولوا لمن دخل في الدين بعد الحرب إنه دخل مكرها، لأنه إذا رضي بعد الحرب، وصح إسلامه، فليس بمكره، عن الزجاج. ورابعها: إنها نزلت في قوم خاص من الأنصار كما ذكرناه في النزول، عن ابن عباس وغيره. وخامسها: إن المراد ليس في الدين إكراه من الله، ولكن العبد مخير فيه، لأن ما هو دين في الحقيقة، هو من أفعال القلوب، إذا فعل لوجه وجوبه. فأما ما يكره عليه من إظهار الشهادتين، فليس بدين حقيقة، كما أن من أكره على كلمة الكفر، لم يكن كافرا. والمراد الدين المعروف، وهو الإسلام، ودين الله الذي ارتضاه. (قد تبين الرشد من الغي): قد ظهر الإيمان من الكفر، والحق من الباطل بكثرة الحجج، والآيات الدالة، عقلا وسمعا، والمعجزات التي ظهرت على يد النبي. (فمن يكفر بالطاغوت) فيه أقوال أحدها: إنه الشيطان، عن مجاهد وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله. وثانيها: إنه الكاهن، عن سعيد بن جبير. وثالثها: إنه الساحر، عن أبي العالية ورابعها: إنه مردة الجن والإنس، وكلما يطغي. وخامسها: إنه الأصنام، وما عبد من دون الله. وعلى الجملة فالمراد من كفر بما خالف أمر الله. (ويؤمن بالله) أي: يصدق بالله، وبما جاءت به رسله (فقد استمسك) أي: تمسك واعتصم (بالعروة الوثقى) أي: بالعصمة الوثيقة، وعقد لنفسه من الدين عقدا وثيقا لا يحله شبهة، وعن مجاهد: هو الإيمان بالله ورسوله، وجرى هذه مجرى المثل لحسن البيان بإخراج ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به. (لا انفصام لها) أي: لا انقطاع لها، يعني: كما لا ينقطع أمر من تمسك بالعروة، كذلك لا ينقطع أمر من تمسك بالإيمان. (والله سميع) لأقوالكم (عليم) بضمائركم. (الله ولى الذين ءامنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين

[ 164 ]

كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 257 ]). اللغة: الولي: من الولى وهو القرب من غير فصل، وهو الذي يكون أولى بالغير من غيره، وأحق بتدبيره ومنه: الوالي، لأنه يلي القوم بالتدبير، وبالأمر والنهي، ومنه: المولى من فوق لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة، وما به إليه الحاجة. ومنه: المولى من أسفل، لأنه يلي أمر المالك بالطاعة ومنه: المولى لابن العم، لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة. ومنه: ولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له، والقيام عليه. والولي في الدين وغيره: لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة، كما توجبه الحكمة والمعاقدة. فجميع هذه المواضع الأولى والأحق ملحوظ فيها. وولى عن الشئ: إذا أدبر عنه، لأنه زال عن أن يليه بوجهه. واستولى على الشئ: إذا احتوى عليه، لأنه وليه بالقهر، والئه تعالى ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه: أحدها: إنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة والبرهان لهم في هدايتهم كقوله: (والذين اهتدوا زادهم الله هدى) وثانيها: إنه وليهم في نصرهم على عدوهم، وإظهار دينهم على دين مخالفيهم. وثالثها: إنه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطاعة، والمجازاة على الأعمال الصالحة. المعنى: لما ذكر سبحانه المؤمن والكافر، بين ولي كل واحد منهما، فقال: (الله ولي الذين آمنوا) أي: نصيرهم ومعينهم في كل ما بهم إليه الحاجة، وما فيه لهم الصلاج من أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم. (يخرجهم من الظلمات إلى النور) أي: من ظلمات الضلالة والكفر، إلى نور الهدى والإيمان، لأن الضلال والكفر في المنع من إدراك الحق، كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات. ووجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والطاعة، هو أنه هداهم إليه، ونصب الأدلة لهم عليه، ورغبهم فيه، وفعل بهم من الألطاف ما يقوي به دواعيهم إلى فعله، لأنا قد علمنا أنه لولا هذه الأمور لم يخرجوا من الكفر إلى الإيمان. فصح إضافة الإخراج إليه تعالى، لكون هذه الأمور التي عددناها من جهة الله تعالى، كما يصح من أحدنا إذا أشار إلى غيره بدخول بلد من البلدان، ورغبه فيه، وعرفه ما له فيه من الصلاح أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني، وأنا

[ 165 ]

أخرجته من كذا وكذا. (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) أي: متولي أمورهم وأنصارهم الطاغوت. والطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع، هذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة. قال الشاعر: * بهاجيف الحسرى، فأما عظامها * فبيض، وأما جلدها فصليب (1) * فجلدها في معنى جلودها. وقال العباس بن مرداس: * فقلنا: أسلموا، وأنا أخوكم، * فقد برئت من الإحن الصدور (2) * والمراد به الشيطان، عن ابن عباس. وقيل: رؤساء الضلالة، عن مقاتل (يخرجونهم من النور إلى الظلمات) أي: من نور الإيمان والطاعة والهدى، إلى ظلمات الكفر والمعصية والضلالة. وأضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت، على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم ويدعونهم إلى ذلك، ويزينون فعله لهم، فصح إضافته إليهم. وهذا يدل على بطلان برهان قول من قال: إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن، لأنه لو كان كذلك لاقتضت الاضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان. وعندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله، تعالى عن ذلك. وأيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا، لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين، وناصرا لهم على ما اقتضته الآية. والإيمان من فعله لا من فعلهم، ولقا كان خاذلا للكفار، ومضيفا لولايتهم إلى الطواغيت، والكفر من فعله فيهم، ولم يفصل بين الكافر والمؤمن، وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما. ومثل هذا لا يخفى على منصف. فإن قيل: كيف يخرجونهم من النور، وهم لم يدخلوا فيه ؟ قلنا: قد ذكر فيه وجهان أحدهما: إن ذلك يجري مجرى قول القائل: أخرجني والدي من ميراثه. فمنعه من الدخول فيه إخراج. ومئله قوله في قصة يوسف: (إفي تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله) ولم يكن فيها قط. وقوله: (ومنهم من يرد إلى أرذل العمر)، وقال الشاعر:


(1) الحسرى: جمع الحسير. (2) الإحن كعنب جمع الإحنة: الحقد. (*)

[ 166 ]

* فإن تكن الأيام أحسن مرة * إلي، فقد عادت لهن ذنوب * ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك. والوجه الآخر: إنه في قوم ارتدوا عن الإسلام، عن مجاهد. والأول أقوى. وقوله: (أولئك أصحاب النار) إلى آخره قد مضى تفسيره. (ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم في ربه أن ءاتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربى الذى يحى ويميت قال أنا أحى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين [ 258 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة: (أنا أحيي) بإثبات الألف في (أنا) والمد إذا كان بعدها همزة مضمومة أو مفتوحة، نجو: أنا أخوك، فإن كان بعدها همزة مكسورة نحو: إن أنا إلا نذير، حذفوا الألف إجماعا. الحجة: الأصل في أنا الهمزة والنون، وإنما يلحقها الألف في الوقف، كما أن الهاء تلحق للوقف في مسلمونه، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف تسقط في الوصل، كذلك هذه الألف تسقط في الوصل. وقد جاءت ألف (أنا) مثبتة في الوصل في الشعر، نحو قول الأعشى: * فكيف أنا، وانتحال القوافي، * بعد المشيب كفى ذاك عارا (1) * وقول الآخر: * أناشيخ العشيرة فاعرفوني * حميدا قد تذريت السناما (2) * قال أبو علي: وما روي في إثبات الألف في (أنا) إذا كان بعد الألف همزة، فإني لا أعلم بين الهمزة وغيرها من الحروف فصلا، ولا شيئا يجب من أجله إثبات الألف التي حكمها أن تثبت في الوقف.


(1) انتحل فلان شعر غيره: إذا ادعاه لنفسه. (2) تذريت السنام. علوت الذروة اي: أعلاه. (*)

[ 167 ]

اللغة: في (بهت) أربع لغات: بهت على وزن ظرف. وبهت: على وزن حذر. وبهت: على وزن ذهب. وبهت: على وزن ما لم يسم فاعله، وهذا هو الأفصح، وعليه القراءة، يقال: بهت الرجل يبهت بهتا: إذا إنقطع وتحير. ويقال: بهت الرجل أبهته بهتانا: إذا قابلته بكذب. فالبهت: الحيرة عند استيلاء الحجة، لأنها كالحيرة للمواجه بالكذب، لأن تحير المكذب في مذهبه كتحير المكذوب عليه، ومنه قوله: (أتأخذونه بهتانا) كأنه قال: أتأخذونه ادعاء للكذب فيه. الاعراب: (ألم تر إلى الذي): إنما أدخلت (إلى) في كلام للتعجب من حال الكافر المحاج بالباطل، كما يقولون: أما ترى إلى فلان كيف يصنع، ومنه معنى: هل رأيت كفلان في صنيعه كذا. فإنما دخلت (إلى) من بين حروف الجر، لهذا المعنى، لأنها لما كانت بمعنى الغاية والنهاية، صار الكلام بمنزلة هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته، ليدل على بعد وقوع مثله على التعجيب منه، لأن التعجب إنما يكون مما استبهم سببه، ولم تجر العادة به. وقد صارت (إلى) ها هنا بمنزلة كاف التشبيه، لما بينا من العلة، إذ كان ما ندر مثله، كالذي يبعد وقوعه. المعنى: لما بين تعالى أنه ولي المؤمنين، وأن الكفار لا ولي لهم سوى الطاغوت، تسلية لنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، قص عليه بعده قصة إبراهيم ونمرود فقال: (ألم تر) يا محمد أي: ألم ينته علمك ورؤيتك (إلى الذي حاج إبراهيم) أي: إلى من كان كالذي حاج، فكأنه قال: هل رأيت كالذي حاج أي: خاصم وجادل، إبراهيم، وهو نمرود بن كنعان، وهو أول من تجبر وادعى الربوبية، عن مجاهد وغيره. وإنما أطلق لفظ المحاجة، وإن كانت مجادلة بالباطل، ولم تكن له فيه حجة، لأن في زعمه أن له فيه حجة. واختلف في وقت هذه المحاجة فقيل: عند كسر الأصنام قبل إلقائه في النار، وجعلها عليه بردا وسلاما، عن الصادق " عليه السلام ". (في ربه) أي: في رب إبراهيم الذي يدعو إلى توحيده وعبادته (أن آتاه الله الملك) أي: لأن آتاه الله الملك. الهاء من أتاه تعود إلى المحاج لإبراهيم أي: أعطاه الله الملك، وهو نعيم الدنيا وسعة المال. فبطر الملك حمله على محاجة إبراهيم، عن الحسن والجبائي. والملك على هذا الوجه جائز أن ينعم الله تعالى به على كل أحد. فأما الملك بتمليك الأمر والنهي، وتدبير أمور الناس، وإيجاب الطاعة على

[ 168 ]

الخلق، فلا يجوز أن يؤتيه الله إلا من يعلم أنه يدعو إلى الصلاح والسداد والرشاد، دون من يدعو إلى الكفر والفساد، ولا يصح منه لعلمه بالغيوب والسرائر، تفويض الولاية إلى من هذا سبيله، لما في ذلك من الاستفساد. وقيل: إن الهاء تعود إلى إبراهيم، عن أبي القاسم البلخي. ويسأل على هذا فيقال: كيف يكون الملك لإبراهيم والحبس والإطلاق إلى نمرود ؟ وجوابه: إن الحبس والإطلاق، والأمر والنهي، كان من جهة الله لإبراهيم، وإنما كان نمرود يفعل ذلك على وجه القهر والغلبة، لا من جهة ولاية شرعية (إذ قال إبراهيم ري الذي يحمي ويميت) في الكلام حذف، وهو إذ قال له نمرود من ربك ؟ فقال: ربي الذي يحيي ويميت. بدأ بذكر الحياة، لأنها أول نعمة ينعم الله بها على خلقه، ثم يميتهم. وهذا أيضا لا يقدر عليه إلا الله تعالى، لأن الإماتة هي أن يخرج الروح من بدن الحي، من غير جرح، ولا نقص بنية، ولا إحداث فعل بالبدن من جهته، وهذا خارج عن قدرة البشر. (قال انا احيي وأميت) أي: فقال نمرود أنا أحيي بالتخلية من الحبس من وجب عليه القتل، واميت بالقتل من شئت ممن هو حي. وهذا جهل من الكافر، لأنه اعتمد في المعارضة على العبارة فقط دون المعنى، عادلا عن وجه الحجة بفعل الحياة للميت، أو الموت للحي، على سبيل الإختراع الذي ينفرد به تعالى، ولا يقدر عليه سواه (قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب) قيل في انتقاله من حجة إلى إخرى وجهان أحدهما: إن ذلك لم يكن انتقالا وانقطاعا عن إبراهيم، فإنه يجوز من كل حكيم إيراد حجة أخرى على سبيل التأكيد، بعد تمام ما ابتدأ به من الحجاج. وعلامة تمامه ظهوره من غير اعتراض عليه بشبهة لها تأثير عند التأمل والتدبر، لموقعها من الحجة المعتمد عليها. والثاني: إن إبراهيم إنما قال ذلك، ليبين أن من شأن من يقدر على إحياء الأموات، وإماتة الأحياء، أن يقدر على إتيان الشمس من المشرق. فإن كنت قادرا على ذلك فأت بها من المغرب. وإنما فعل ذلك لأنه لو تشاغل معه بأني أردت اختراع الموت والحياة من غير سبب ولا علاج، لاشتبه على كثير ممن حضر، فعدل إلى ما هو أوضح، لأن الأنبياء إنما بعثوا للبيان والإيضاح. وليست أمورهم مبنية على تحاج الخصمين، وطلب كل واحد منهما غلبة خصمه.

[ 169 ]

وقد روي عن الصادق " عليه السلام " أن إبراهيم " عليه السلام " قال له: احي من قتلته إن كنت صادقا ! ثم استظهر عليه مما قاله ثانيا. (فبهت الذي كفر) أي: تحير عند الإنقطاع بما بان من ظهور الحجة. فإن قيل: فهلا قال له نمرود: فليأت بها ربك من المغرب ؟ قيل عن ذلك جوابان أحدهما: إنه لما علم بما رأى من الآيات، أنه لو اقترح ذلك لأتى به الله تصديقا لإبراهيم، فكان يزداد بذلك فضيحة، عدل عن ذلك. والثاني: إن الله خذله. ولطف لإبراهيم حتى إنه لم يأت بشبهة، ولم يلبس. (والله لا يهدي القوم الظالمين) بالمعونة على بلوغ البغية من الفساد. وقيل: معناه لا يهديهم إلى المحاجة، كما يهدي أنبياءه وأولياءه. وقيل: معناه لا يهديهم بألطافه وتأييده إذا علم أنه لا لطف لهم. وقيل: لا يهديهم إلى الجنة. وهذا لا يعارض قوله: (فأما ثمود فهديناهم) لأنا قد بينا معاني الهداية ووجوهها قبل عند قوله: (يضل به كثيرا ويهدى به كثيرا) فبعضها عام لجميع المكلفين، وبعضها خاص للمؤمنين. وفي هذه الآية دلالة على أن المعارف غير ضرورية، إذ لو كانت كذلك لما صحت المحاجة في إثبات الصانع. وفيها دلالة على فساد التقليد، وحسن الحجاج، وأنه تعالى إنما يعلم بأفعاله التي لا يقدر عليها غيره. وفي تفسير ابن عباس: إن الله سبحانه سلط على نمرود بعوضة، فعضمت شفتيه، فأهوى إليها بيده ليأخذها، فطارت في منخره، فذهب ليستخرجها، فطارت في دماغه، فعذبه الله بها أربعين ليلة، ثم أهلكه. (أو كالذى مر على قرية وهى خاوية على عروشها قال أنى يحى هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوما أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه وانظر إلى حمارك ونجعلك ءاية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شئ قدير [ 259 ]). القراءة: قرأ أبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي: (لبت) بالإدغام.

[ 170 ]

والباقون بالإظهار. وقرأ أهل العراق، غير أبي عمرو وعاصم: لم يتسن، واقتد (1) بحذف الهاء وصلا. والباقون بإثبات الهاء في الوصل. ولم يختلفوا في إثباتها في الوقف. وقرأ أهل الحجاز والبصرة: (ننشرها) بضم النون الأولى وبالراء. وقرأ أهل الكوفة والشام: (ننشزها) بالزاي. وروى أبان عن عاصم: (ننشرها) بفتح النون وضم الشين وبالراء. وقرأ حمزة والكسائي: (قال اعلم) موصولة الألف ساكنة الميم. والباقون: (أعلم) مقطوعة الألف، مرفوعة الميم. الحجة: قال أبو علي: من أدغم (لبت) أجرى التاء والثاء مجرى المثلين، من حيث اتفق الحرفان في أنهما من طرف اللسان، وأصول الثنايا، واتفقا في الهمس. ومن بين ولم يدغم، فلتباين المخرجين، لأن الطاء والدال والتاء من حيز، والظاء والذال والثاء من حيز. ومن قرأ (لم يتسنه) بالهاء في الوصل، فيحتمل أمرين أحدهما: أن يكون الهاء لاما من السنه، فيمن قال شجرة سنهاء، فيكون سكون الهاء للجزم والآخر: أن يكون من السنة أيضا، فيمن قال أسنتوا وسنوات، أو يكون من المسنون الذي يراد به المتغير، كأنه لم يتسن. ثم قلب على حد القلب في لم يتظن. وحكي أن أبا عمرو الشيباني إلى هذا كان يذهب في هذا الحرف. فالهاء في (يستنه) على هذين القولين، يكون للوقف. فينبغي أن يلحق في الوقف، ويسقط في الدرج. وأما قوله (اقتده) فيجوز أن يكون الهاء كناية عن المصدر، ولا يكون التي للوقف. ولكن لما ذكر الفعل، دل على مصدره، فأضمره كما أضمر في قوله: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم). وقال الشاعر: * غدا سراقة للقرآن يدرسه، * والمرء عند الرشى إن يلقها ذئب (2) * فالهاء في يدرسه للمصدر، لا يجوز أن يكون للمفعول، لأن الفعل قد تعدى إلى المفعول باللام، فلا يجوز أن يتعدى إليه مرة ثانية. وكذلك قوله: (فبهديهم اقتده) يكون اقتد الإقتداء، فيضمر لدلالة الفعل عليه. ومن قرأ (كيف ننشرها): فمعناه كيف نحييها، يقال: أنشر الله الميت فنشر. وقد رصفت العظام بالإحياء قال تعالى (من يحيي العظ م وهي رميم، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)، وكذلك في قوله (ننشرها). ومن قرأ (ننشزها) بالزاي: فالنشز الإرتفاع.


(1) أي: في سورة الأنعام. (2) وفي بعض النسخ " هذا " بدل " غدا "، ولعله أظهر. (*)

[ 171 ]

قال أبو الحسن: نشزوا نشزته، فتقدير ننشزها: نرفع بعضها إلى بعض للإحياء. ومن هذا النشوز من المرأة: وهو أن تنبو عن الزوج في العشرة، فلا تلائمه. ومن قرأ (قال أعلم) على لفظ الخبر، فلأنه لما شاهد من إحياء الله، وبعثه إياه بعد وفاته، ما شاهد، أخبر عما تبينه وتيقنه أي: أعلم هذا الضرب من العلم الذي لم أكن علمته. قيل: ومن قال إعلم على لفظ الأمر، فالمعنى يؤول إلى الخبر، وذلك أنه لما تبين له ما تبين من الأمر الذي لا مجال للشبهة عليه، نزل نفسه منزلة غيره، فخاطبها كما يخاطب سواها، كقول الأعشى: * أرمي بها البيدا إذا هجرت، * وأنت بين القرو، والعاصر (1) * فقال: أنت وهو يريد نفسه، ومثله قوله: * ودع هريرة إن الركب مرتحل، * وهل تطيق وداعا أيها الرجل ! * فخاطب نفسه كما يخاطب غيره. قال أبو الحسن: وهو أجود في المعنى. اللغة: أصل الخواء: الخلاء. قال الراجز: " يبدو خواء الأرض من خوائه " والخواء: الفرجة بين الشيئين، لخلو ما بينهما. وخوت الدار تخوي خواء فهي خاوية: إذا باد أهلها لخلوها منهم. والخوى: الجوع خوى يخوي خوى: لخلو البطن من الغذاء. والتخوية: التفريج بين العضدين والجنبين،. لخلو ما بينهما بتباعدهما. على عروشها أي: على أبنيتها. قال أبو عبيدة: هي الخيام، وهي بيوت الأعراب. وقال غيره: خاوية على عروشها أي: بقيت حيطانها لا سقوف عليها. وكل بناء عرش. وعريش مكة: أبنيتها. وعرش يعرش عرشا: إذا بنى. والعريش: البيت لارتفاع أبنيته. والعرش: السرير لارتفاعه عن غيره. وعرش الرجل: قوام أمره. وعرش البيط: سقفه. والتعريش: جعل الخشب تحت الكرم ليمتد عليه، يقال: عرشته وعرشته. وأصل القرية: الجمع من قريت الماء. وسميت قرية: لاجتماع الناس فيها للإقامة بها. وأنى يحي: من أين يحمي، أو كيف يحمي. والعام: الحول وجمعه الأعوام، وهو حول يأتي بعد شتوة وصيفة، لأن فيه سبحا طويلا، ربما يمكن من التصرف فيه. والعوم: السباحة. والسفينة تعوم في جريها، والإبل تعوم في سيرها. والإعتيام: اصطفاء خيار مال الرجل لأنه يجري في


(1) هجر النهار: اشتد حره. والقرو: أسفل النخلة ينقر فيه النبيذ. والعاصر: الذى يعصر العنب. (*)

[ 172 ]

أخذه شيئا بعد شئ كالسابح في الماء الجاري. واعتام الموت النفوس أولا فأولا كذلك. وأصل الباب: السبح. واللبث: المكث، يقال: لبث فهو لابث. وتلبث تلبثا: إذا تمكث. والحمار: يقال للوحشي والأهلي، وأصله من الحمرة، لأن الحمرة أغلب عليه. وحمارة القيظ: شدة حره. وحمر فو الفرس يحمر حمرا: إذا أنتن. وموت أحمر: شديد، مشبه بحمرة النار. والأسود والأحمر: العرب والعجم، لأن السواد أغلب على لون العرب، كما أن الحمرة أغلب على لون العجم. ومنه قول الأشعث لعلي: " غلبت عليك هذه الحمراء " يعني العجم. والنشر: خلاف الطي. والنشر: إذاعة الحديث. وحث العود بالمنشار. والنشر: الرائحة الطيبة، وربما قيل في الخبيثة. والنشرة: الرقية. والنشز بالزاي: المرتفع من الأرض. الاعراب: (أو) حرف عطف، وهو عطف على معنى الكلام الأول، وتقديره: أرأيت كالذي حاج إبراهيم في ربه، أو كالذي مر على قرية وموضع الكاف نصب بتر، ومعناه التعجب، لأن كل ما خرج من بابه لعظمه عن حد نظائره، فهو مما يتعجب منه. تقول: ما أجهله أي: قد خرج بجهله عن حد نظائره. وكذلك لو قلت: هل رأيت كزيد الجاهل، لدللت على مثل الأول منه في التعجب، لما بينا أن ما أفعله صيغة وضعت للتعجب، وليس كذلك هل رأيت، لأنها ني الأصل للاستفهام. وقيل: الكاف زائدة للتوكيد كما زيدت في قوله (ليس كمثله شئ) والأول أوجه، لأنه لا يحكم بالزيادة إلا لضرورة. وقوله: (أنى) استفهام في موضع نصب على الحال من يحيي، وتقديره أقادر أن يحيي. ويجوز أن يكون مصدرا ليحيي، وتقديره: أي نوع يحيي أي: أي إحياء يحيي، وهذا أولى لأنه يكون سؤالا عن كيفية الإحياء، لا إنكارا لأصل الإحياء. وموضع (كم): نصب بلبثت، كأنه قال: أمائة سنة لبثت ؟ أم أقل ؟ أم أكثر ؟ وقوله: (ولنجعلك) دخلت الواو لاتصال اللام بفعل محذوف، كأنه قال: ولنجعلك آية للناس فعلنا ذلك، لأن الواو لو أسقطت، اتصلت اللام بالفعل المتقدم. (كيف): في محل النصب على الحال من (ننشر)، أو ننشز. وذو الحال الضمير المستكن فيه، أو على المصدر. وننشزها: جملة في موضع الحال من انظر، وذو الحال العظام.

[ 173 ]

المعنى: (أو كالذي مر) أي: أو هل رأيت كالذي مر، ومعناه: إن شئت فانظر في قصة الذي حاج إبراهيم، وإن شئت فانظر إلى قصة الذي مر (على قرية) وهو عزير، عن قتادة وعكرمة والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله. وقيل: هو أرميا، عن وهب، وهو المروي عن أبي جعفر. وقيل: هو الخضر عن ابن إسحاق. والقرية التي مر عليها: هي بيت المقدس لما خربه بخت نصر، عن وهب وقتادة والربيع وعكرمة. وقيل: هي الأرض المقدسة، عن الضحاك. وقيل: هي القرية التي خرج منها الألوف حذر الموت، عن ابن زيد (وهي خاوية على عروشها) أي: خالية. وقيل: خراب، عن ابن عباس والربيع والضحاك. وقيل: ساقطة على أبنيتها وسقوفها، كأن السقوف سقطت ووقعت البنيان عليها. (قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها) أي: كيف يعمر الله هذه القرية بعد خرابها. وقيل: كيف يحيي الله أهلها بعدما ماتوا ؟ وأطلق لفظ القرية، وأراد به أهلها كقوله: (واسئل القرية)، ولم يقل ذلك إنكارا، ولا تعجبا، ولا ارتيابا، ولكنه أحب أن يريه الله إحياءها مشاهدة، كما يقول الواحد منا: كيف يكون حال الناس يوم القيامة ؟ وكيف يكون حال أهل الجنة في الجنة ؟ وكيف يكون حال أهل النار في النار ؟ وكقول إبراهيم: (رب أرني كيف تحيي الموتى) أحب أن يريه الله إحياء الموتى مشاهدة ليحصل له العلم به ضرورة، كما حصل العلم دلالة، لأن العلم الإستدلالى ربما اعتورته الشبهة. (فأماته الله مائة عام) أي: مائة سنة (ثم بعثه) أي: أحياه كما كان (قال كم لبثت) في التفسير إنه سمع نداء من السماء: كم لبثت ؟ يعني في مبيتك ومنامك. وقيل: إن القائل له نبي. وقيل: ملك. وقيل: بعض المعمرين ممن شاهده عند موته وإحيائه (قال لبثت يوما أو بعض يوم) لأن الله أماته في أول النهار، وأحياه بعد مائة سنة في آخر النهار، فقال: يوما، ثم التفت فرأى بقية من الشمس، فقال: أو بعض يوم. ف‍ (قال بل لبثت مائة عام) معناه بل مكثت في مكانك مائة سنة (فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه) أي: لم تغيره السنون. وإنما قال: (لم يتسنه) على الواحد، لأنه أراد به جنس الطعام والشراب، أي أنظر إلى ما تركته إنه لم يتسنه. وقيل: أراد به الشراب لأنه أقرب المذكورين إليه. وقيل: كان زاده عصيرا وتينا وعنبا، وهذه الثلاثة أسرع الأشياء تغيرا وفسادا، فوجد العصير حلوا، والتين والعنب كما جنيا لم يتغيرا. (وانظر إلى حمارك) معناه: انظر إليه كيف تفرق أجزاوه، وتبدد عظامه، ثم

[ 174 ]

انظر كيف يحييها الله. وإنما قال له ذلك، ليستدل بذلك على طول مماته (ولنجعلك آية للناس) فعلنا ذلك. وقيل: معناه فعلنا ذلك إجابة لك إلى ما أردت. وقوله: (ولنجعلك آية للناس) أي: حجة للناس في البعث (وانظر إلى العظام كيف ننشرها) كيف نحييها وبالزاي كيف نرفعها من الأرض، فنردها إلى أماكنها من الجسد، وتركب بعضها على بعض. (ثم نكسوها) أي: نلبسها (لحما). واختلف فيه فقيل: أراد عظام حماره، عن السدي وغيره، فعلى هذا يكون تقديره: وانظر إلى عظام حمارك. وقيل: أراد عظامه، عن الضحاك وقتادة والربيع قالوا: أول ما أحيا الله منه عينه، وهو مثل غرقئ البيض (1)، فجعل ينظر إلى العظام البالية المتفرقة تجتمع إليه، وإلى اللحم الذي قد أكلته السباع الذي يأتلف إلى العظام من هاهنا، ومن هاهنا، ويلتزم ويلتزق بها حتى قام، وقام حماره. (فلما تبين له) أي: ظهر وعلم. رإنما علم أنه مات مائة سنة بشيئين أحدهما: بإخبار من أراه الآية المعجزة في نفسه وحماره وطعامه وشرابه، وتقطع أوصاله، ثم اتصال بعضها إلى بعض، حتى رجع إلى حالته التي كان عليها في أول أمره. والآخر: إنه علم ذلك بالآثار الدالة على ذلك لما رجع إلى وطنه، فرأى ولد ولده شيوخا، وقد كان خلف آباءهم شبابا، إلى غير ذلك من الأمور التي تغيرت، والأحوال التي تقلبت. وروي عن علي " عليه السلام " أن عزيرا خرج من أهله وامرأته حامل وله خمسون سنة، فأماته الله مئة سنة، ثم بعثه، فرجع إلى أهله ابن خمسين سنة، وله ابن له مائة سنة، فكان ابنه أكبر منه، فذلك من آيات الله. وقيل: إنه رجع وقد أحرق بختنصر التوراة، فأملاها من ظهر قلبه. فقال رجل منهم: حدثني أبي عن جدي أنه دفن التوراة في كرم، فإن أريتموني كرم جدي، أخرجتها لكم. فأروه فأخرجها فعارضوا ذلك بما أملى، فما اختلفنا في حرف. فقالوا: ما جعل الله التوراة في قلبه، إلآ وهو ابنه. فقالوا: عزير ابن الله. (قال) أي: قال المار على القرية (أعلم) أي: أتيقن. ومن قرأ (إعلم) فمعناه على ما تقدم ذكره من أنه يخاطب نفسه. وقيل: إنه أمر من الله تعالى له (أن الله على كل شئ قدير) أي: لم أقل ما قلت عن شك وارتياب. ويحتمل أنه إنما


(1) الغرقئ: بياض الببض الذى يؤكل. (*)

[ 175 ]

قال ذلك لأنه ازداد بما شاهد وعاين، يقينا وعلما، إذ كان قبل ذلك علم استدلال، فصار علمه ضرورة ومعاينة. (وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحى الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم [ 260 ]). القراءة: قرأ أبو جعفر وحمزة وخلف ورويس عن يعقوب: (فصرهن) بكسر الصاد. والباقون: (فصرهن) بضم الصاد. وروي في الشواذ، عن ابن عباس: (فصرهن) بكسر الصاد وتشديد الراء وفتحها. وعن عكرمة: (فصرهن) بفتح الصاد وكسر الراء وتشديدها. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (جزأ) مثقلا مهموزا حيث وقع. وقرأ أبو جعفر: (جزا) مشددا. والباقون بالهمز والتخفيف. الحجة: يقال: صرته أصوره أي: أملته، ومنه قول الشاعر: (يصور عنوقها أحوى زنيم) أي: يميل عنوق هذه الغنم تيس أحوى (1). وصرته أصوره: قطعته. قال أبو عبيدة: فصرهن من الصور. وقال: وهو القطع. وقال أبو الحسن: وقد قالوا بمعنى القطع صار يصير أيضا، قال الشاعر: * وفرغ يصير الجيد وحف كأنه * على الليت قنوان الكروم الدوالح (2) * ومعنى هذا يميل الجيد من كثرته، فقد ثبت أن الميل والقطع، يقال في كل واحد منهما أيضا صار يصير. فمن جعل فصرهن إليك بمعنى أملهن إليك حذف من الكلام والمعنى: أملهن إليك فقطعهن. ثم اجعل على كل جبل منهن جزأ، فحذف الجملة لدلالة الكلام عليها، كما حذف من قوله (اضرب بعصاك البحر فانفلق) أي: فضرب فانفلق. ومن قدر فصرهن على معنى فقطعهن، لم يحتج إلى إضمار. ويحتمل كلا الوجهين كل واحد من القراءتين على ما ذكرناه. وقوله: إليك: إن جعلت صرهن بمعنى فقطعهن كان إليك متعلقا بخذ أي: خذ إليك أربعة من الطير فقطعهن، ثم


(1) التيس: الذكر من المعز. تيس أحوى: إذا خالط خضرته سواد وصفرة. (2) فرع وحف: شعر كثير حسن. الليت: صفحة العنق. الكروم الدوالح: المثقلات. (*)

[ 176 ]

إجعل. وإن جعلته بمعنى أملهن: احتمل إليك أن يكون متعلقا بخذ، وأن يكون متعلقا بصرهن. وقياس قول سيبويه أن يكون متعلقا بقوله صرهن، لأنه أقرب إليه. ومن قرأ (فصرهن) بكسر الصاد وتشديد الراء فإنه يكون من صره يصره أي: قطعه. والمتعدي من هذا الباب قليل. وقد روي عن عكرمة أيضا (فصرهن) بضم الصاد، فيكون من صره يصره، وهذا على القياس. ومن قرأ (فصرهن): فهو فعلهن من صرى يصري تصرية: إذا حبس وقطع، قال: * رب غلام قد صرى في فقرته * ماء الشباب عنفوان شرته (1) * أي: حبسه وقطعه. ومنه الشاة المصراة أي: المحبوسة اللبن، المقطوعة في ضرعها عن الخروج. وأما الوجه في قراءة من قرأ (جزأ) بالتثقيل فقد ذكرنا عند قوله تعالى (قالوا أتتخذنا هزوا). ومن قرأ (جزا) بالتشديد فأصله جزءا ثم خفف همزته. ثم إنك إذا وقفت كان لك السكون، وإن شئت الإشمام فتقول: الجزو. وإن شئت التشديد (فتقول) الجز. ثم إنه وصل على وقفه فقال جزا، كما قال الشاعر: * ببازل وجناء، أوعيهل، * كأن مهواها على الكلكل (2) * فأجرى الوصل مجرى الوقف. اللغة: اطمأن يطمئن: توطأ. والمطمئن من الأرض: ما انخفض. وتطامن (3) واطمأن إليه: إذا وثق به لسكون نفسه إليه، ولتوطي حاله بالأمانة عنده. وأصل الباب: التوطئة. والطير: معروف. وطار يطير طيرانا وطيرورة. والباب يدل على خفة الشئ في الهواء، ثم يستعار ذلك في غيره وفي كل سرعة. وتطير: من الطيرة، وهو زجر الطير بما يكره. وطائر الإنسان: عمله الذي تقلده من خير أو شر، لأنه بمنزلة طائر الزجر في البركة والتشؤم. وفجر مستطير: منتشر في الأفق. وغبار مستطار، وفرس مطار: حديد الفؤاد، لأنه طيار في جريه. والجبل: وتد من أوتاد الأرض. وجبل فلان على كذا أي: طبع. ورجل ذو جبلة: إذا كان غليظ الجسم. والجبلة: الأمة من الناس. وأجبل الحافر: إذا بلغ إلى صلابة لا يمكنه الحفر


(1) الفقرة: الخرزة من خرزات الظهر. شرة الشباب: نشاطه. (2) بزل البعير: أنشق نابه. ناقة وجناء، أو عيهل: شديدة أو سريعة. الكلكل: الصدر. (3) [ اطمينانا إذا ].

[ 177 ]

عندها. ومنه: أجبل الشاعر: إذا صعب عليه إلقول. والجزء: بعض الشئ. وجزأته: بعضته. والفرق بين الجزء والسهم أن السهم من الجملة ما ينقسم عليه نحو الإثنين من العشرة، وقد يقال الجزء لما لا ينقسم عليه نحو الثلاثة من العشرة، ولا تنقسم العشرة عليها، وإن كانت الثلاثة جزءا من العشرة. الاعراب: العامل في (إذ) في المعنى اذكر أي: واذكر هذه القصة، عن الزجاج. ويجوز أن يكون عطفا على قوله (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم) أي: وألم تر إذ قال وموضع (كيف) نصب بقوله (تحيي الموتى). والمعنى: بأي حال تحيي الموتى. وقوله: (ليطمئن قلبي) اللام يتعلق بمعنى (أرني) تقديره: أرني ليطمئن قلبي. من الطير صفة لأربعة. فعلى هذا يكون من للتبعيض وللتبيين. ويجوز أن يتعلق بخذ. فعلى هذا لا يكون إلا للتبيين منهن أي جزء من كل واحد منهن. فلما قدم على جزء وقع موضع النصب على الحال من جزء. وقوله: (سعيا) مصدر وقع موقع الحال، وكأنه قال: يسعين سعيا، أو ساعيات سعيا. المعنى: ثم ذكر تعالى ما أريه إبراهيم عيانا من إحياء الموتى، فقال: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى) اختلف في سبب سؤال إبراهيم هذا على وجوه أحدها: ما قاله الحسن والضحاك وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله أنه رأى جيفة تمزقها السباع، فيأكل منها سباع البر، وسباع الهواء، ودواب البحر، فسأل الله إبراهيم فقال: يا رب ! قد علمت أنك تجمعها من بطون السباع والطير ودواب البحر، فأرني كيف تحييها لأعاين ذلك وثانيها: ما روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والسدي أن الملك بشر إبراهيم " عليه السلام " بأن الله قد اتخذه خليلا، وأنه يجيب دعوته، ويحيي الموتى بدعائه، فسأل الله تعالى أن يفعل ذلك ليطمئن قلبه، بأنه قد أجاب دعوته، واتخذه خليلا وثالثها: إن سبب السؤال منازعة نمرود إياه في الإحياء، إذ قال (أنا أحيي وأميت) وأطلق محبوسا، وقتل إنسانا. فقال إبراهيم: ليس هذا بإحياء. وقال: يا رب ! أرني كيف تحيي الموتى، ليعلم نمرود ذلك. وروي أن نمرود توعده بالقتل إن لم يحيي الله الميت بحيث يشاهده، فلذلك قال (ليطمئن قلبي) أي: بأن لا يقتلني الجبار، عن محمد بن إسحاق بن يسار. ورابعها: إنه أحب أن يعلم ذلك علم عيان، بعد أن كان عالما به من جهة الإستدلال والبرهان، لتزول الخواطر ووساوس الشيطان. وهذا أقوى الوجوه.

[ 178 ]

(قال أولم تؤمن) هذه الألف استفهام ويراد به التقرير كقول الشاعر: * ألستم خير من ركب المطايا، * وأندى العالمين بطون راح (1) * أي: قد آمنت لا محالة، فلم تسأل ذا ؟ وهذه الألف إذا دخلت على الإثبات فالمراد النفي كقوله (أ أنت قلت للناس) أي: لم تقل. (قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) أي: بلى أنا مؤمن، ولكن سألت ذاك لازداد يقينا إلى يقيني، عن الحسن وقتادة ومجاهد وابن جبير. وقيل: لأعاين ذلك، ويسكن قلبي إلى علم العيان بعد علم الإستدلال. وقيل: ليطمئن قلبي بأنك قد أجبت مسألتي، واتخذتني خليلا، كما وعدتني. (قال فخذ أربعة من الطير) مختلفة الأجناس، وإنما خص الطير من بين سائر الحيوانات لخاصية الطيران. وقيل: إنها الطاووس والديك والحمام والغراب، أمر أن يقطعها، ويخلط ريشها بدمها، هذا قول مجاهد وابن جريج وعطاء وابن زيد، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " (فصرهن إليك) أي: قطعهن، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن. وقيل: معناه اضممهن إليك، عن عطاء وابن زيد، وقد تقدم بيانه في وجه القراءة. (ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا). وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أن معناه: فرقهن على كل جبل، وكانت عشرة أجبل، ثم خذ بمناقيرهن، وادعهن باسمي الأكبر، وحلفهن بالجبروت والعظمة، يأتينك سعيا. ففعل إبراهيم ذلك، وفرقهن على عشرة أجبل، ثم دعاهن فقال: أجبن بإذن الله. فكانت تجتمع ويأتلف لحم كل واحد وعظمه إلى رأسه، وطارت إلى إبراهيم. وقيل: إن الجبال كانت سبعة، عن ابن جريج والسدي. وقيل: كانت أربعة، عن ابن عباس والحسن وقتادة. وقيل: أراد كل جبل على العموم بحسب الإمكان، كأنه قال: فرقهن على كل جبل يمكنك التفرقة عليه، عن مجاهد والضحاك. ويسأل فيقال: كيف قال ثم ادعهن، ودعاء الجماد قبيح ؟ وجوابه: إنه أراد بذلك الإشارة إليها والإيماء، لتقبل عليه إذا أحياها الله. وقيل: معنى الدعاء هاهنا


(1) المطايا كسجايا جمع مطية: الدابة السرية. أندى أفعل تفضيل من الندى: المطر والمراد السخاء. والراح جمع الراحة: الكف. والقائل جرير أحد أعمدة الثالوث الأموي (الفرزدق والأخطل وجرير. (*)

[ 179 ]

الإخبار عن تكوينها أحياء، كقوله سبحانه: (كونوا قردة خاسئين)، وقوله: (إءتيا طوعا أو كرها) عن الطبري. وقول من قال إنه جعل على كل جبل طيرا، ثم دعاها بعيد من الصواب والفائدة، لأنه إنما طلب بالعلم به كونه قادرا على إحياء الموتى عيانا، وليس في إتيان طائر حي إليه بالإيماء ما يدل على ذلك. وفي الكلام حذف فكأنه قال: فقطعهن، ثم اجعل على كل جبل من كل واحد منهن جزءا، فإن الله يحييهن، فإذا أحياهن فادعهن، فيكون الإيماء إليها بعد أن صارت أحياء. ففعل إبراهيم ذلك، فنظر إلى الريش يسعى بعضها إلى بعض، وكذلك العظام واللحم، ثم أتينه مشيا على أرجلهن، فتلقى كل طائر رأسه وذلك قوله (يأتينك سعيا). وذكر عن النضر بن شميل قال: سألت الخليل بن أحمد عن قوله تعالى: (يأتينك سعيا) هل يقال للطائر إذا طار سعى ؟ فقال: لا. قلت: فما معناه ؟ قال: معناه يأتينك وأنت تسعى سعيا. (واعلم أن الله عزيز) أي: قوي لا يعجز عن شئ (حكيم) في أفعاله وأقواله. وقيل: عزيز يذل الأشياء له، ولا يمتنع عليه شئ، حكيم، أفعاله كلها حكمة وصواب. ومما يسأل في هذه الآية أن يقال: كيف أجيب إبراهيم إلى آيات الآخرة دون موسى في قوله (أرني أنظر إليك) ؟ وجوابه من وجهين أحدهما: إنه سأل آية لا يصح معها بقاء التكليف من وقوع الضرورة التي لا يعترضها الشكوك بوجه، وإبراهيم إنما سأل في شئ خاص يصح معه التكليف والآخر: إن الأحوال قد تختلف، فيكون الأصلح في بعضر الأحوال الإجابة، وفي بعضها المنع فيما لم يتقدم فيه إذن. (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ 261 ]). اللغة: النبت: الحشيش وكل ما ينبت من الأرض يقال: نبت نبتا ونباتا، وأنبته الله إنباتا والينبوت: شجر الخشخاش. وأنبت الغلام: إذا راهق واستبان شعر عانته. والسنبلة على وزن فنعلة كقولهم أسبل الزرع بمعنى سنبل: إذا صار فيه السنبل. والأصل فيه الإسبال: وهو إرسال الستر ونحوه، فكما يسترسل الستر بالإسبال، يسترسل الزرع بالسنبل، ولأنه صار فيه حب مستور كما يستر بالإسبال. والمائة:

[ 180 ]

معروفة، يقال: أمأت الغنم إذا بلغت مائة. وأمأيتفا أنا أي: وفيتها مائة. والمأي: الفساد بين القوم. المعنى: (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله) قيل: تقديره مثل صدقات الذين ينفقون أموالهم كمثل حبة. وقيل: تقديره مثل الذين ينفقون كمثل زارع حبة، وسبيل الله هو الجهاد وغيره من أبواب البر كلها على ما تقدم بيانه. فالآية عامة في النفقة في جميع ذلك، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، واختاره أبو علي الجبائي. وقيل: هي خاصة بالإنفاق في الجهاد. فأما غيره من الطاعات، فإنما يجزى بالواحد عشرة أمثالها (كمثل حبة أنبتت) أي: أخرجت (سبع سنابل في كل سنبلة مئة حبة) يعني أن النفقة في سبيل الله بسبعمائة ضعف. ومتى قيل: هل رأى في سنبلة مئة حبة، حتى يضرب المثل بها ؟ فجوابه: إن ذلك متصور، وإن لم ير كقول امرء القيس: (ومسنونة زرق (1) كأنياب أغوال). وقوله تعالى: (طلعها كأنه رؤوس الشياطين). وأيضا فقد رأى ذلك في الجاورس ونحوه. (والله يضاعف لمن يشاء) أي: يزيد على سبعمائة لمن يشاء. وقيل: معناه يضاعف هذه المضاعفة لمن يشاء. وروي عن ابن عمر أنه قال: لما نزلت هذه الآية قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " رب زد أمتي " فنزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة) قال: رب زد أمتي فنزل: (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب). وقوله: (والله واسع) أي: واسع القدرة لا يضيق عنه ما شاء من الزيادة. وقيل: واسع الرحمة لا يضيق عن المضاعفة (عليم) بما يستحق الزيادة، عن ابن زيد. وقيل: عليم بما كان من النفقة وبنية المنفق، وما يقصده من الإنفاق. النظم: اتصلت هذه الآية بقوله (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) وما بين الآيتين اعتراض بالاستدعاء إلى الحق، وبيان الحجج والعبر، عن علي بن عيسى. وقيل: لما قص تعالى ما فيه البرهان على التوحيد، وما آتى رسله من البينات، حث على الجهاد. وأعلم أن من عاند بعد هذه الدلالات، يجب قتاله. فحث على قتال من كفر بعد هذا البرهان، وبين أن في جهادهم والنفقة فيهم، الثواب العظيم، عن ا لزجاج.


(1) أي: الرماح ذات السنان التي لونها الزرقة. (*)

[ 181 ]

(الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون مآ أنفقوا منا ولآ أذى لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون [ 262 ]). اللغة: المن: هو ذكر ما ينغص المعروف كقول القائل: أحسنت إلى فلان، وأنعشته، ونحو ذلك. وأصل المن: القطع، ومنه قوله (لهم أجر غير ممنون) أي: غير مقطوع. ومنه قولهم حبل منين أي: ضعيف، لأنه مقطع. وسمي ما يكدر المعروف بأنه منة، لأنه يقطع الحق الذي يجب به. والمنة: النعمة العظيمة، سميت بذلك لأنها تجل عن قطع الحق بها لعظمها. والمنة: القوة في القلب. والمن: الذي يقع من السماء. والمن: الذي يوزن به، لأنه يقطع على مقدار مخصوص. والأذى: ضرر يتعجل وصوله إلى المضرور. والخوف: توقع الضرر، وهو يرجع إلى الإعتقاد. والحزن: الغم الذي يغلظ على النفس. المعنى: لما أمر الله تعالى بالإنفاق، عقبه ببيان كيفية الإنفاق، فقال: (الذين ينفقون) أي: يخرجون (أموالهم في سبيل الله) وقد تقدم بيانه (ثم لا يتبعون ما أنفقوا) أي: نفقاتهم (منا) أي منة على المعطى (ولا أذى) له، والمن: هو أن يقول له: ألم أعطك كذا ؟ ألم أحسن إليك ألم أغنك ؟ ونحوها. والأذى: أن يقول: أراحني الله منك، ومن ابتلائي بك ! ويحتمل أن يكون معنى الأذى أن يعبس وجهه عليه، أو يتعبه، أو يؤذيه فيما يدفعه إليه، أو يصرفه في بعض أشغاله بسبب إنفاقه عليه، فكل هذا من المن والأذى الذي يكدر الصنيعة، وينغص النعمة، ويبطل الأجر والمثوبة. وقوله: (لهم أجرهم عند ربهم) إلى آخره قد مر تفسيره. وقيل: معناه لهم جزاء أعمالهم عند ربهم، وإنما قال (عند ربهم) لتكون النفس أسكن إليه، وأوثق به، لأن ما عنده لا يخاف عليه فوت ولا نقص. (ولا خوف عليهم) من فوت الأجر ونقصانه، يوم القيامة (ولا هم يحزنون) لفوته ونقصانه. وفي هذه الآية دلالة على أنه يصح الوعد بشرط، لأن مفهوم الكلام أن تقديره في المعنى، إن لم يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى، فلهم من الأجر كذا. والوعد إذا كان مشروطا. فمتى لم يحصل الشرط لم يحصل استحقاق الثواب. وقد روي عن

[ 182 ]

النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " المنان بما يعطي لا يكلمه الله، ولا ينظر إليه، ولا يزكيه، وله عذاب أليم ". (قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غنى حليم [ 263 ]). اللغة: الغني: الواسع الملك. والله غني بأنه مالك لجميع الأشياء. لأنه قادر عليها، لا يتعذر عليه شئ منها. والغنى: ضد الحاجة، يقال: غني يغنى غنا، واستغنى وأغناه الله، والغناء: الكفاية للغنى به عن غيره. والغنية: الاستغناء. وقد غني القوم: إذا نزلوا في مكان يغنيهم. والمكان الذى ينزلون به مغنى. وقد غنى فلان غناء: إذا بالغ في التطريب في الإنشاد حتى يستغني الشعر أن يزاد في نغمه. وقد غنيت المرأة غنيانا، قال قيس بن الحطيم: * أجد (1) بعمرة غنيانها * فتهجر، أم شأننا شأنها * غنيانها: غناؤها. والغواني: النساء لأنهن غنين بجمالهن. وقيل: بأزواجهن. والحليم مر ذكره. المعنى: (قول معروف) أي: كلام حسن جميل، لا وجه فيه من وجوه القبح، يرد به السائل. وقيل: معناه دعاء صالح نحو أن يقول: صنع الله بك، وأغناك الله عن المسألة، وأوسع الله عليك إلرزق، وأشباه ذلك. وقيل: معناه عدة حسنة. وقيل: قول في إصلاخ ذات البين، عن الضحاك. (ومغفرة) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه سلامة من المعصية، لأن حالها كحال المغفرة في الأمان من العقوبة، عن الجبائي. وثانيها: إن معناه ستر على السائل، وسؤاله. وثالثها: إن معناه عفو المسؤول عن ظلم السائل، عن الحسن. وعلى هذا فيكون ظلم السائل أن يسال في غير وقته، أو يلحف في سؤاله، أو يسئ الأدب بأن يفتح الباب، أو يدخل الدار بغير إذن، فالعفو عن ظلمه. (خير من صدقة) يتبعها أذى. وإنما صار القول المعروف، والعفو عن الظلم، خيرا من الصدقة التي (يتبعها اذى) لأن صاحب هذه الصدقة، لا يحصل على خير، لا على


(1) جد به الأمر: اشتد. (*)

[ 183 ]

عين ماله في دنياه، ولا على ثوابه في عقباه. والقول بالمعروف والعفو، طاعتان يستحق الثواب عليهما. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: (إذا سأل السائل، فلا تقطعوا عليه مسألته، حتى يفرغ منها، ثم ردوا عليه بوقار ولين، إما بذل يسير، أو رد جميل، فإنه قد يأتيكم من ليس بإنس ولا جان، ينظرون كيف صنيعكم فيمأ خولكم الله تعالى " (والله غني) عن صدقاتكم، وعن جميع طاعاتكم، لم يأمركم بها، ولا بشئ منها، لحاجة منه إليها، وإنما أمركم بها، ودعاكم إليها، لحاجتكم إلى ثوابها. (حليم) لا يعاجلكم بالعقوبة. وقيل: لا يعجل بالعقوبة على من يمن ويؤذي بصدقته، ولو وفع هاهنا موقع حليم حميد أو عليم، لم يحسن. (يا أيها الذين ءامنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذى ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الأخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شئ مما كسبوا والله لا يهدي القوم الكافرين [ 264 ]). اللغة: الرئاء والمرءآة: أصله من الرؤية، كأنه يفعل ليرى غيره ذلك. وجمع في رئاء الناس بين همزتين، ولا يجمع في ذوائب، وإن حال بينهما الألف في كلا الموضعين، لخفة الواحد، ولأنهما مفتوحتان في الواحد، فهو أخف لها. والصفوان: واحدته صفوانة، مئل سعدان وسعدانة، ومرجان ومرجانة: وهي الحجر الأملس. والصفا: بمعنى الصفوان. وذكر الكسائي في جمع صفوان: صفي. وأنكر ذلك المبرد، وقال: إنما هو جمع صفا، مثل عصي وعصا، وقفي وقفا. والتراب والترب واحد. وترب الرجل: إذا لصق بالتراب من الفقر، ومنه قوله (مسكينا ذا متربة) لأنه قعد على التراب للفقر. وأترب الرجل: إذا صار ماله بعدد التراب. والترب: اللدة. وقيل فيه أقوال منها: إن الأتراب خرجوا إلى التراب في وقت من الزمان. ومنها: إنهم صبيان يلعبون في التراب. ومنها: إنهم في الإشتباه كالتراب. والترائب: عظام الصدر، لأنها متشابهة. والوابل: المطر الشديد الوقع. وبلت السماء تبل وبلا. والوبيل: الشديد. والوبال: سوء العاقبة. وأصل الباب:

[ 184 ]

الشدة. والصلد (1): الحجر الأملس، قال الشاعر: * ولست بجلب، جلب ريح، وقرة، * ولا بصفا صلد عن الخير معزل (2) * والصلد من الأرض: ما لا ينب شيئا لصلابته. والصلد: البخيل. وصلد الزند صلودا: إذا لم يور نارا. وفرس صلود: إذا أبطأ عرقه. وقدر صلود: إذا أبطا عليها. وأصل الباب: ملاسة في صلابة. الاعراب: (الكاف) في قوله. (كالذي ينفق ماله): في موضعع نصب على الحال من الواو في (تبطلوا). (رئاء الناس): مصدر وضع موضع الحال من الضمير في (ينفق) تقديره ينفق ماله مرائيا. ويجوز أن يكون مفعولا له. (عليه تراب): جملة في موضع جر بكونه صفة (صفوان). و (صلدا) حالى من (تركه). وذو الحال الهاء. و (لا يقدرون): جملة فعلية في موضع الحال. والواو: عائد إلى بعنى الذي، لأنه جنس، لا إلى لفظه. المعنى: ثم أكد تعالى ما قدمه بما ضرب من الأمثال، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن) أي: بالمنة على السائل. وقيل: بالمنة على الله (والأذى) بمعنى أذى صاحبها. ثم ضرب تعالى مثلا لعمل المنان، وعمل المنافق جميعا، فإنهما إذا فعلا الفعل على غير الوجه المأمور به، فإنهما لا يستحقان عليه ثوابا. وهذا هو معنى الإبطال: وهو إيقاع العمل على غير الوجه الذي يستحق عليه الثواب، فقال: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) هذا يدخل فيه المؤمن والكافر إذا أخرجا المال للرئاء. (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر) هذا للكافر خاصة أي: لا يصدق بوحدانية الله، ولا بالبعث والجزاء. وقيل: إنه صفة للمنافق، لأن الكافر معلن غير مراء، وكل مراء كافر، أو منافق (فمثله كمثل صفوان) أي: حجر أملس (عليه تراب فأصابه وابل) أي: مطر عظيم القطر، شديد الوقع (فتركه صلدا) حجرا صلبا أملس. شبه سبحانه فعل المنافق والمنان، بالصفا الذي أزال المطر ما عليه من التراب، فإنه لا يقدر أحد على رد ذلك التراب عليه، كذلك إذا دفع المنان صدقة، وقرن بها المن،


(1) [ الصلب ]. (2) الجلب: السحاب لا ماء فيه. القرة: البرد. قوله: جلب ريح وقرة: عطف ببان. (*)

[ 185 ]

فقد أوقعها على وجه لا طريق له إلى استدراكه وتلافيه، لوقوعها على الوجه الذي لا يستحق عليه الثواب، فإن وجوه الأفعال تابعة لحدوث الأفعال، فإذا فاتت، فلا طريق إلى تلافيها. وليس في الآية ما يدل على أن الثواب الثابت المستقر يبطل ويزول بالمن فيما بعد، ولا بالرياء الذي يحصل فيما يستقبل من الأوقات على ما قاله أهل الوعيد. (لا يقدرون على شئ مما كسبوا) أي: لا يقدر هؤلاء على نفقتهم، ولا على ثوابها، ولا يعلمون أين النفقة، وأين ثوابها، ولا يحصلون منها على شئ، كما لا يحصل أحد على التراب أذهبه المطر عن الحجر. فقد تضمنت الآية، والآي التي قبلها، الحث على الصدقة، وإنفاق المال في سبيل الخير، وأبواب البر، ابتغاء مرضاة الله، والنهي عن المن والأذى، والرياء والسمعة، والنفاق، والخبر عن بطلان العمل بها. ومما جاء في معناه من الحديث ما رواه ابن عباس عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " إذا كان يوم القيامة، نادى مناد يسمع أهل الجمع: أين الذين كانوا يعبدون الناس ؟ قوموا خذوا أجوركم ممن عملتم له، فإني لا أقبل عملا خالطه شئ من الدنيا وأهلها. وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: قال رسول الله: (من أسدى إلى مؤمن معروفا، ثم آذاه بالكلام، أو من عليه، فقد أبطل الله صدقته. ثم ضرب فيه مثلا فقال: (كالذي ينفق ماله رئاء الناس) إلى قوله (الكافرين). وقال أبو عبد الله " عليه السلام ": ما من شئ أحب إلي من رجل سلفت مني إليه يد أتبعته أختها، وأحسنت ربها له، لأني رأيت منع الأواخر يقطع لسان شكر الأوائل. (والله لا يهدي القوم الكافرين) أي: لا يثيب الكافرين على أعمالهم إذ كان الكفر محبطا لها، ومانعا من استحقاق الثواب عليها، وإنما يثيب المؤمنين الذين يوقعون أعمالهم على الوجوه التي يستحق بها الثواب. وقيل: معناه لا يهديهم إلى الجنة بأعمالهم، كما يهدي المؤمنين. وقيل: معناه لا يعطيهم ما يعطي المؤمنين من زيادة الألطاف والتوفيق. (ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغآء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فأتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل والله بما تعملون بصير [ 265 ]).

[ 186 ]

القراءة: قرأ عاصم وابن عامر: - (بربوة) بفتح الراء. والباقون بضمها. وروي في الشواذ عن ابن عباس بكسر الراء. وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمر: (وأكلها) بالتخفيف. والباقون بالتثقيل. اللغة: الربوة، والربوة، والربوة، بالحركات الثلاث في الراء. والرباوة: الرابية. قال أبو الحسن: والذي نختاره ربوة بضم الراء. ويؤيد هذا الإختيار قولهم: ربا في الجمع. والأكل: المأكول، يدل على ذلك قوله تعالى (تؤتي أكلها كل حين) أي ما يؤكل منها. قال الأعشى: * جندك التالد الطريف من السا * دات أهل القباب، والآكال (1) * فالآكال: جمع أكل، مثل عنق وأعناق. والأكل: الفعل. والأكلة: الطعمة، والأكلة الواحدة. قال الشاعر: * فما أكلة إن نلتها بغنيمة، * ولا جوعة إن جعتها بغرام * ففتح الألف من لفعلة بدلالة قوله: " ولا جوعة ". وإن شئت ضممت وعنيت الطعام. وقال أبو زيد: إنه لذو أكل أي: له حظ ورزق من الدنيا. وضعف الشئ: مثله زائدا عليه. وضعفاه: مثلاه زائدين عليه. وقال قوم: ضعف الشئ مثلاه. والطل: المطر الصغار، يقال: أطلت السماء فهي مطلة. وروضة طلة: ندية. والطل: إبطال الدم بأن لا يثأر بصاحبه، طل دمه فهو مطلول، لأنه بمنزلة ما جاء عليه الطل فأذهبه، فكأنه قيل: غسله. والطل: ما شخص من الدار، لأنه كموضع الندى بالطل لعمارة الناس له خلاف المستوى القفر، لأن الخصب حيث تكون الأبنية. وصار الطلل إسما لكل شخص. والإطلال: الإشراف على الشئ. وما بالناقة طل أي: بها طرق وهو الشحم. وطلة الرجل: امرأته. وأصل الباب: الطل المطر. الاعراب: (ابتغاء مرضاة الله): مفعول له، وتثبيتا معطوف عليه. (بربوة): الجار والمجرور في موضع الصفة لجنة. و (أصابها وابل): في موضع جر لأنها صفة بعد صفة. و (ضعفين): حال من أكل. قال الزجاج: ارتفع طل على معنى فإن لم يصبها وابل فالذي يصيبها طل. فعلى هذا يكون خبر مبتدأ محذوف. ويجوز


(1) التالد: المال القديم الأصلي الذى ولد عندك. (*)

[ 187 ]

أن يكون فاعل فعل مقدر أي: فيصيبها طل. المعنى: (ومثل الذين ينفقون) أي: يخرجون (أموالهم) في أعمال البر (ابتغاء مرضات الله) أي: طلبا لرضاء الله (وتثبيتا من أنفسهم) بقوة اليقين والبصيرة في الدين، عن سعيد بن جبير والسدي والشعبي. وقيل: معناه أنهم يثبتون أين يضعون صدقاتهم، عن الحسن ومجاهد. وقيل: معناه وتوطينا لنفوسهم على الثبوت على طاعة الله، عن أبي علي الجبائي. واعترض على الحسن ومجاهد بأنه لم يقل وتثبيتا، وليس هذا بشئ، لأنهم إذا ثبتوا أنفسهم فقد ثبتوا. وقوله (كمثل جنة بربوة) معناه: كمثل بستان لمرتفع من الأرض، وإنما خص الربوة لأن نبتها يكون أحسن، وريعها أكثر من المستغل الذي يسيل الماء إليه، ويجتمع فيه، فلا يطيب ريعه. ألم تر إلى قول الأعشى: * ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل (1) * فخص بها الحزن للمعنى الذي ذكرناه. (أصابها وابل) أي: أصاب هذه الجنة مطر شديد (فآتت أكلها ضعفين، أي: فأعطت غلتها ضعفي ما تعطي إذا كانت بأرض مستغلة. ويحتمل أن يكون معناه مرتين في كل سنة واحدة، كما قال سبحانه (تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها) ومعناه: كل ستة أشهر فيما روي. وقال أبو عبد الله " عليه السلام " معناه: يتضاعف (2) أجر من أنفق ماله ابتغاء مرضاة الله. (فإن لم يصبها وابل) أي: مطر شديد (فطل) أي: أصابها مطر لين، أراد به أن خيرها لا يخلف على كل حال، ولا يرى الغبار عليها على كل حال، وإنما ارتفع فطل على تقدير فالذي يصيبها طل. (والله بما تعملون بصير) معناه: عالم بأفعالكم فيجازيكم بحسبها. وقيل: عالم بالمرائي والمخلص (3)، وفيه ترغيب وترهيب. (أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجرى من تحتها الأنهار له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر وله، ذرية ضعفاء فأصابها


(1) أي: في معلقته. وحبر ما في شعره من بعده وهو: " يوما بأطيب منها نشر رائحة ولا بأحسن منها إذ دنا الأصل ". (2) [ تمر كما يتضاعف ]. (3) [ عن أبي مسلم ]. (*)

[ 188 ]

إعصار فيه نار فاحترقت كذلك يبين الله لكم الأيات لعلكم تتفكرون [ 266 ]). اللغة: الجنة: البستان الكثير الشجر، لأن الشجر يجنه بكثرته فيه. والنخيل: معروف. وقيل: إنه مأخوذ من نخل المنخل لاستخلاصه كاستخلاص اللباب بالنخل. والنخل: جمع نخلة، وهي شجرة التمر ويذكر ويؤنث. قال الله سبحانه: (كأنهم أعجاز نخل خاوية)، و (أعجاز نخل منقعر). والإنتخال: الإختيار. والتنخل: التخير. وأصل الباب: النخل للدقيق. والعنب: ثمر الكرم. ورجل عانب وعنب، ورجل عناب: عظيم الأنف. وتحت: نقيض فوق. وفي الحديث: " لا تقوم الساعة حتى يظهر التحوت " أي: الذين كانوا تحت أقدام الناس، لا يشعر بهم ذلا. والأنهار: جمع النهر، وهو المجرى الواسع من مجاري الماء. والإصابة: الوقوع على المقصد. والكبر. حال زائدة على مقدار آخر. والفرق بين الكبير والكثير أن الكثير مضمن بعدد، وليس كذلك الكبير، تقول: دار واحدة كبيرة، ولا يجوز كثيرة. والضعيف: يجمع على ضعفاء وضعاف. والإعصار: غبار يلتف بين السماء والأرض كالتفاف الثوب في العصر. قال الشاعر: (إن كنت ريحا فقد لاقيت إعصارا). والمعصرات: السحب. والفكر: جولان القلب بالخواطر، يقال: أفكر وفكر وتفكر، بمعنى. الاعراب: قوله (أيود أحدكم أن تكون) عطف عليه بماض فقال (وأصابه الكبر) قال الفراء: يجوز ذلك في يود، لأنها تتلقى مرة بلو، ومرة بأن. فجاز أن تقدر إحداهما مكان الأخرى لاتفاق المعنى، فكأنه قال: أيود أحدكم لو كانت له جنة. قال علي بن عيسى: وعندي أنه قد دل بأن على الإستقبال، ويتضمن الكلام معنى لو على التمني، كأنه قال: قيل أيحب أحدكم متمنيا له. والتمني يقع على الماضي والمستقبل، ألا ترى أنه يصح أن يتمنى أن كان له ولد، ويصح أن يتمنى أن يكون له ولد. والمحبة لا تقع إلا على المستقبل. والفرق بين المودة والمحبة أن المودة قد تكون بمعنى التمني نحو قولك: أود لو قدم زيد، بمعنى أتمنى لو قدم. ولا يجوز أحب لو قدم. و (من) في قوله (من نخيل): للتبيين، وهو في موضع رفع صفة لجنة. (تجري من تحتها الأنهار): جملة في موضع رفع بكونها صفة لجنة إذا عادت الهاء إلى الجنة، أو في محل جر لكونها صفة لنخيل، إذا عادت الهاء

[ 189 ]

إلى (نخيل). المعنى: (أيود أحدكم أن تكون له جنة) أي: بستان (من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار) أي: يشتمل على النخيل، والأعناب، والأنهار الجارية (له فيها من كل الثمرات وأصابه الكبر) أي: ولحقه الشيخوخة، وطعن في السن (وله ذرية ضعفاء) أي: أولاد صغار، ناقصو القوة (فأصابها) أي: أصاب تلك الجنة (إعصار) أي: ريح شديدة تهب من الأرض نحو السماء، مثل العمود، وتسميها الناس الزوبعة (فيه نار) أي: في ذلك الإعصار نار (فاحترقت) تلك الجنة. وهذا مثل ضربه الله في الحسرة، بسلب النعمة. واختلف فيه على وجوه أحدها: إنه مثل المرائي في النفقة، لأنه ينتفع بها عاجلا، وينقطع عنه آجلا، أحوج ما يكون إليه، عن السدي. وثانيها: إنه مثل للمفرط في طاعة الله تعالى بملاذ الدنيا، يحصل في الآخرة على الحسرة العظمى، عن مجاهد، والمراد به أن حاجته إلى الأعمال الصالحة، كحاجة هذا الكبير الذي له ذرية ضعفاء إلى ثمار الجنة، وقد احترقت. فيكون أعظم حسرة لأن الكبير الذي قد يئس من سعي الشباب في كسبه، فكان أضعف أملا وأشد حسرة، كذلك من لم يكن له في الآخرة عمل صالح، يوصله إلى الجنة، فحسرته مثل ذلك. وثالثها: إنه مثل للذي يختم عمله بفساد، عن ابن عباس. وكل هذه الوجوه تحتمله الآية (كذلك) أي: كهذا البيان الذي بين لكم في أمر الصدقة، وقصة إبراهيم، والذي مر على قرية، وجميع ما سلف (يبين الله لكم الآيات) أي: الدلالات التي تحتاجون إليها في أمور دينكم (لعلكم تتفكرون) أي: تنظرون وتتفهمون. يا أيها الذين ءامنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بأخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد [ 267 ]).

[ 190 ]

القراءة: قرأ ابن كثير، غير القواس (1): (ولا تيمموا) بتشديد التاء فيها وفي أخواتها، وهي أحد وثلاثون موضعا من القرآن. والباقون: (تيمموا) بالتخفيف. الحجة: كلاهما بمعنى واحد. كأن ابن كثير رد الحرف الساقط في القراءة الأخرى، وأدغم لأنه كان في الأصل تاءان: تاء المخاطب، وتاء الفعل. فحذفت تاء الخطاب في القراءة العامة لئلا يتكرر حرفان مثلان، وتخف الكلمة. اللغة: التيمم: التعمد. قال خفاف: (فعمدا على عيني تيممت مالكا). وقال الأعشى: * تيممت قيسا، وكم دونه * من الأرض من مهمه ذي شزن (2) * يقال: أممت الشئ خفيفة، ويممته وأممته، ويممته وتيممته، بمعنى أي: قصدته. ومنه الإمام لأنه المقصود المعتمد. والإمام أيضا خيط البناء، لأنه يمده ويعتمد بالبناء عليه. واليم: لجة البحر لأنه يعتمد به البعيد من الأرض. واليمام: الحمام، لأنها تتعمد إلى أوكارها بحسن هدايتها. والخبيث: الردي من كل شئ. وخبث الفضة والحديد: ما نفاه الكير، لأنه ينفي الردي. وأصله: الرداءة. والإغماض في البيع: الحط من الثمن لعيب فيه، وذلك لإخفاء بعض الثمن بالحط له. والغموض: الخفاء. غمض يغمض فهو غامض. والتغميض للعين: إطباق الجفن. والغمض: النوم. والغمض: المطمئن من الأرض. وأصل الباب: الخفاء. والإغماض: غمض البصر، وإطباق جفن على جفن، قال رؤبة: * أرق عيني عن الإغماض، * برق سرى في عارض نهاض (3) * ثم صار عبارة عن التسامح، والتساهل في البيع. الاعراب: قال الفراء: الأصل في (أن تغمضوا): أن مكسورة الهمزة، لأن الكلام في معنى الجزاء، وهو إن أغمضتم بعض الإغماض أخذتموه. ومثل (إلا أن يخافا)، (إلا أن يقيما حدود الله). وأنكر ذلك المحققون، قالوا: أن هذه التي بمعنى المصدر نحو: أن تأتيني خير لك. والمعنى: ولستم بآخذيه إلا لإغماضكم


(1) من رواة ابن كثير. (2) المهمه: المفازة البعيدة: وذو شزن أي: ذوخشونة. (3) ارقة بتشديد الراء: أسهره: عارض نهاض أي: سحاب مرتفع في الجو. (*)

[ 191 ]

النزول: روي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنها نزلت في أقوام لهم أموال من ربا الجاهلية، وكانوا يتصدقون منها، فنهاهم الله عن ذلك، وأمر بالصدقة من الطيب الحلال. وقيل: إنها نزلت في قوم كانوا يأتون بالحشف (1)، فيدخلونه في تمر الصدقة، عن علي " عليه السلام " والبراء بن عازب والحسن وقتادة. المعنى: لما تقدم ذكر الإنفاق، وبيان صفة المنفق، وأنه يجب أن ينوي بالصدقة التقرب، وأن يحفظها مما يبطلها من المن والأذى، بين تعالى صفة الصدقة والمتصدق عليه، ليكون البيان جامعا، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) خاطب المؤمنين (أنفقوا) أي: تصدقوا (من طيبات ما كسبتم) أي: من حلال ما كسبتم بالتجارة، عن ابن مسعود ومجاهد. وقيل: من خياره وجياده. ونظيره قوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وروي عن عبيد بن رفاعة قال: خرج علينا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: " يا معشر التجار ! أنتم فجار إلا من اتقى وبر وصدق، وقال بالمال هكذا وهكذا ". وقال " عليه السلام ": " تسعة أعشار الرزق في التجارة، والجزء الباقي في السابياء ". وروت عائشة عنه أنه قال: " أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه " وقال سعيد بن عمير: " سئل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أي كسب الرجل أطيب ؟ قال: عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور ". وقال علي " عليه السلام ": من اتجر بغير علم (2)، ارتطم في الربا ثم ارتطم. واختلفوا في ذلك على وجوه فقيل: هذا أمر بالنفقة في الزكاة، عن عبيدة السلماني والحسن. وقيل: هو في الصدقة المتطوع بها، لأن المفروض من الصدقة له مقدار من القيمة، إن قصر عنه كان دينا عليه إلى أن يؤديه بتمامه، وإن كان مال المزكي كله رديا، فجائز له أن يعطي منه، عن الجبائي. وقيل: هو الأصح أنه يدخل فيه الفرائض والنوافل، والمراد به الإنفاق في سبيل الخير، وأعمال البر على العموم. وفيه دلالة على أن ثواب الصدقة من الحلال المكتسب، أعظم منه من الحلال غير المكتسب، وإنما كان ذلك، لأنه يكون أشق عليه. (ومما اخرجنا لكم من الأرض) أي: وأنفقوا، وأخرجوا من الغلات والثمار، مما يجب فيه الزكاة. (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) أي: لا تقصدوا الردئ من


(1) الحشف: أردء التمر. (2) وفي المخطوطتين " فقه " بدل " علم ". (*)

[ 192 ]

المال، أو مما كسبتموه، أو أخرجه الله لكم من الأرض، فتنفقون منه. وقيل: المراد بالخبيث ههنا الحرام. ويقوي القول الأول قوله: (ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه) لأن الإغماض لا يكون إلا في الشئ الردئ، دون ما هو حرام، وفيه قولان أحدهما: إن معناه لا تتصدقوا بما لا تأخذونه من غرمائكم، إلا بالمسامحة والمساهلة. فالإغماض هاهنا المساهلة، عن البراء بن عازب. والآخر: إن معناه بما لا تأخذونه إلا أن تحطوا من الثمن فيه، عن الحسن وابن عباس وقتادة. ومثله قول الزجاج: ولستم بآخذيه إلا في وكس، فكيف تعطونه في الصدقة. (واعلموا أن الله غني) عن صدقاتكم (حميد) أي: مستحق للحمد على نعمه. وقيل: مستحمد إلى خلقه بما يعطيهم من النعم أي: مستدع لهم إلى ما يوجب لهم الحمد. وقيل: إنه بمعنى الحامد أي: إنه مع غناه عنكم وعن صدقاتكم، يقبلها منكم، ويحمدكم عليها. وحميد بهذا الموضع أليق من حليم، كما أن حليما بالآية المتقدمة أليق من حميد، لأنه سبحانه لما أمر بالإنفاق من طيبات المكاسب، بيق أنه غني عن ذلك، وأنه يحمد فاعله إذا فعله على ما أمره به، ومعناه أنه يجازيه عليه. (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله واسع عليم [ 268 ]). اللغة: الفقر: الحاجة، وهو ضد الغنى. والفقر: لغة فيه، يقال: أفقره الله إفقارا، وافتقر إفتقارا، لأن الفقر بمنزلة كسر الفقار في تعذر المراد. والفقار: عظام منتظمة في النخاع تسمى خرز الظهر، واحدتها فقرة. والإفقار: إعادة الدابة لتركب، ثم ترد. والفاقرة: الداهية، لأنها تكسر الفقار. ويقال: وعدته الخير، ووعدته بالخير وعدا وعدة وموعدة وموعدا وموعودا وموعودة. والفرق بين الوعد والوعيد أن الوعيد في الشر خاصة. والوعد: يصلح بالتقييد للخير والشر معا، غير أنه إذا أطلق اختص بالخير، وكذلك إذا أبهم التقييد كما يقال: وعدته بأشياء، لأنه بمنزلة المطلق. والفحشاء: الفحش. والفاحش: البخيل، قال طرفة: * أرى الموت يعتام الكرام، ويصطفي * عقيلة مال الفاحش المتشدد (1) *


(1) يعتام أي: يختار. والعقيلة من كل شئ: أكرمه. (*)

[ 193 ]

قال علي بن عيسى: الفحشاء المعاصي، وإنما سمي البخيل فاحشا، لأنه مسئ برده الأضياف والسؤال، قال كعب: * أخي ! يا أخي ! لا فاحش عند بيته، * ولا برم عند اللقاء هيوب (1) * المعنى: ثم حذر تعالى من الشيطان المانع من الصدقة، فقال: (الشيطان يعدكم الفقر) بالنفقة في وجوه البر، وبإنفاق الجيد من المال. وقيل: بتأدية الزكاة عليكم في أموالكم. (ويأمركم بالفحشاء) أي: بالمعاصي، وترك الطاعات. وقيل: بالإنفاق من الردى، وسماه فحشاء لأن فيه معصية الله تعالى، فإن الغني إذا ترك الإنفاق على وجه ذوي الحاجات من أقاربه وجيرانه، أدى ذلك إلى التقاطع (والله يعدكم مغفرة منه) أي: يعدكم بالإنفاق من خيار المال أن يستر عليكم، ويصفح عن عقوبتكم (وفضلا) أي: ويعدكم أن يخلف عليكم خيرا من صدقتكم، ويتفضل عليكم بالزيادة في أرزاقكم. وروي عن ابن عباس أنه قال: إثنان من الله، وإثنان من الشيطان: فاللذان من الله المغفرة على المعاصي، والفضل في الرزق. واللذان من الشيطان: الوعد بالفقر، والأمر بالفحشاء. وروي عن ابن مسعود أنه قال: للشيطان لمة، وللملك لمة. وروي مثله عن أبي عبد الله " عليه السلام "، ثم قال: فلمة الشيطان: وعده بالفقر، وأمره بالفحشاء. ولمة الملك: أمره بالإنفاق، ونهيه عن المعصية (والله واسع) ذكرنا معناه فيما تقدم. وقيل: واسع معناه يعطي عن سعة، بمعنى أن عطيته لا تضره، ولا تنقص خزائنه (عليم) بمن يستحق العطية، ومن لا يستحقها. (يؤتى الحكمة من يشآء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلآ أولوا الأ لباب [ 269 ]). القراءة: قرأ يعقوب: (من يؤت) بكسر التاء. والباقون: بفتحها. الحجة: من كسر التاء: فإنه أراد من يؤته الله الحكمة، ففاعل يؤت الضمير المستكن فيه، العائد إلى الله، كما هو في قوله (يؤت الحكمة) ويؤيد هذه القراءة، قراءة الأعمش: (ومن يؤته الله)، وحذف ضمير المفعول الذي هو الهاء العائد إلى


(1) قيل: إن أخي الأول مبتدأ ولا فاحش خبره. والنداء جملة معترضة. وحكى عن (الأصمعيات) " أخي ما أخي " وهو الظاهر. الرم: البخيل اللئيم. الهبوب: الذي يخافه الناس. (*)

[ 194 ]

(من) الذي هو للجزاء، وهو في موضع الرفع بالإبتداء، كما حذف الضمير العائد إلى الموصول في نحو قوله: (أهذا الذي بعث الله رسولا). والأولى أن يكون (من) على هذه القراءة موصولة، لتكون بمعنى الذي، لا بمعنى الجزاء. وأقول وبالله التوفيق: يجوز أن يكون (من) للجزاء ههنا، ويكون في موضع نصب بكونه مفعولا أولا ليؤتي، ولزمه التقديم على الفعل مع كونه مفعولا، لنيابته عن حرف الشرط الذي له صدر الكلام، ومثله من في قول زهير: * رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب * تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم (1) * ومن قرأ (ومن يؤت): بفتح التاء، فاسم ما لا يسم فاعله هو الضمير المستكن العائد إلى من. ويؤت: مجزوم بمن. والجزاء (فقد أوتي خيرا). المعنى: ثم وصف تعالى نفسه، فقال: (يؤتي الحكمة) أي: يؤتي الله الحكمة (من يشاء) وذكر في معنى الحكمة وجوه قيل: إنه علم القرآن، ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه وأمثاله، عن ابن عباس وابن مسعود. وقيل: هو الإصابة في القول والفعل، عن مجاهد. وقيل: إنه علم الدين عن ابن زيد. وقيل: هو النبوة، عن السدي. وقيل: هو المعرفة بالله تعالى، عن عطاء. وقيل: هو الفهم، عن إبراهيم. وقيل: هو خشية الله، عن الربيع. وقيل: هو القرآن والفقه، عن أبي عبد الله " عليه السلام "، وروي أيضا عن مجاهد. وقيل: هو العلم الذي تعظم منفعته، وتجل فائدته، وهذا جامع للأقوال. وقيل: هو ما آتاه الله أنبياءه وأممهم، من كتابه وآياته، ودلالاته التي يدلهم بها على معرفتهم به وبدينه، وذلك تفضل منه يؤتيه من يشاء، عن أبي علي الجبائي. وإنما قيل للعلم حكمة لأنه يمتنع به عن القبيح، لما فيه من الدعاء إلى الحسن، والزجر عن القبيح. ويروى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " إن الله آتاني القرآن، وآتاني من الحكمة مثل القرآن، وما من بيت ليس فيه شئ من الحكمة إلا كان خرابا. ألا فتفقهوا، وتعلموا فلا تموتوا جهالا " (ومن يؤت الحكمة) أي: ومن يؤت ما ذكرناه (فقد أوتي) أي: أعطي (خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب) أي: وما يتعظ بآيات الله إلا ذوو العقول. فإن قيل: لم عقد بأولي الألباب التذكر،


(1) المنايا جمع المنيه: الموت. العشواء: الناقة التي لا تبصر أمامها يقال: " هو يخبط خبط عشواء " أي: يتصرف في الأمور على غير بصيرة. (*)

[ 195 ]

وكل مكلف ذو لب ؟ قيل: لم تطلق على جميع المكلفين هذه الصفة، لما فيها من المدحة، فلذلك عقد التذكر بهم، وهم الذين يستعملون ما توجبه عقولهم من طاعة الله في كل ما أمر به، ودعا إليه. وسقي العقل لبا، لأنه أنفس ما في الإنسان، كما أن لب الثمرة أنفس ما فيها. (وما أنفقتم من نفقة أو نذرتم من نذر فإن الله يعلمه وما للظالمين من أنصار [ 270 ]). اللغة: النذر: هو عقد المرء على النفس فعل شئ من البر بشرط، ولا ينعقد ذلك إلا بقوله: لله علي كذا. ولا يثبت بغير هذا اللفظ. وأصل النذر: الخوف، لأنه يعقد ذلك على نفسه خوف التقصير في الأمر. ومنه نذر الدم: وهو العقد على سفكه للخوف من، مضرة صاحبه، قال عمرو بن معدي كرب: * هم ينذرون دمي، وأن‍ * ذر إن لقيت بأن أشدا * يقال: نذرت النذر أنذره وأنذره، ومنه الإنذار: وهو الإعلام بموضع العدو والخوف ليتقى. والأنصار: جمع نصير مثل شريف وأشراف. والنصير: هو المعين على العدو. الاعراب: (ما) بمعنى الذى. وما بعدها صلتها. والعائد إليها ضمير المفعول المحذوف من (أنفقتم) تقديره: وما أنفقتموه. وهو في موضع رفع بالإبتداء. وخبره (فإن الله يعلمه). والعائد إلى المبتدأ من الخبر الهاء في يعلمه. ولا يجوز أن يعود إلى النفقة، لأنها مؤنثة، ولا إلى النفقة والنذر، لأن ذلك يوجب التثنية. وأقول: يجوز أن يكون ما للجزاء، ويكون منصوبا بأنفقتم، ولا يحتاج فيه إلى حذف المفعول، فيكون التقدير: أي شئ أنفقتم، أو نذرتم. والفاء في موضع الجزاء. (من نفقة): الجار والمجرور في محل النصب على الحال من أنفقتم أو نذرتم وذو الحال: ما. المعنى: ثم عاد سبحانه إلى ذلك الإنفاق والترغيب فيه، فقال: (وما أنفقتم من نفقة) أي: ما تصدقتم به من صدقة، مما فرض الله عليكم. وقيل: معناه ما أنفقتم في وجوه الخير، وسبل البر من نفقة واجبة، أو مندوب إليها. (أو نذرتم من

[ 196 ]

نذر) أي: ما أوجبتموه أنتم على أنفسكم بالنذر، فوفيتم به من فعل بر مثل صلاة أو صوم أو صدقة ونحو ذلك. (فإن الله يعلمه) معناه: يجازي عليه، لأنه عالم، فدل ذكر العلم على تحقيق الجزاء إيجازا للكلام. (وما للظالمين) أي: ليس للواضعين النفقة والنذر في غير موضعهما، مثل أن ينفق رياء، أو ضرارا، أو شقاقا، أو من مال مغصوب، أو مأخوذ من غير حله، أو بنذر في معصية، أو يترك الوفاء به مع القدرة عليه (من أنصار) من أعوان يدفعون عذاب الله عنهم. (إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير [ 271 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأهل الكوفة غير عاصم: (فنعما هي) بفتح النون. وقرأ أهل المدينة، غير ورش وأبو عمر ويحيى بكسر النون وسكون العين. وقرأ الباقون: (نعما) بكسر النون والعين، وكذلك في النساء (نعما يعظكم). وقرأ أهل المدينة والكوفة غير عاصم: (ونكفر) بالنون والجزم. وقرأ ابن عامر وحفص بالياء والرفع. والباقون بالنون والرفع. الحجة: من قرأ (فنعما هي): فحجته أن أصل الكلمة نعم، فجاء بالكلمة على أصلها كما قال: (نعم الساعون في الأمر المبر). ومن قرأ (فنعما) بسكون العين، لم يكن قوله مستقيما عند النحويين، لأن فيه الجمع بين ساكنين، والأول منهما ليس بحرف مد ولين، والتقاء الساكنين إنما يجوز عندهم هناك نحو: دابة، وأصيم، وتأمروني، لأن ما في الحرف من المد يصير عوضا من الحركة. وقد أنشد سيبويه شعرا قد اجتمع فيه الساكنان على حد ما اجتمعا في نعما، وهو: * كأنه بعد كلال الزاجر * ومسحه مر عقاب كاسر (1) * وأنكره أصحابه، ولعل من قرأ به، أخفى ذلك كأخذه بالإخفاء في نحو:


(1) الشعر في (الكتاب لسيبويه ج 2 ص 413)، والمسح هنا: ذرع الأرض بالسير. وعقاب كاسر: كسرت جناحيها، وقبضتهما عند انقضاضها يقول - في وصف ناقة - كأنها بعد طول السير وكلال الزاجر عقاب (اه). والشاهد في مسحه حيث أسكن الهاء، ثم أدغمه في الحاء. (*)

[ 197 ]

بارئكم، فظن السامع الإخفاء إسكانا للطف ذلك في السمع، وخفائه. ومن قرأ (فنعما): فإنه أتبع العين النون فرارا من الجمع بين ساكنين، واختار أبو عبيدة قراءة أبي عمرو، وقال: هي لغة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في قوله لعمرو بن العاص: " نعما المال الصالح للرجل الصالح " هكذا روي في الحديث بسكون العين. وقوله: ونكفر من رفعه فعلى وجهين أحدهما: أن يكون خبر المبتدأ المحذوف وتقديره: ونحن نكفر عنكم. والآخر: أن يكون كلاما مستأنفا مقطوعا مما قبله، ولا يكون الحرف العاطف للإشتراك، ويكون لعطف جملة على جملة. وأما من جزم فإنه يحمله على موضع فهو خير لكم، ومثله قراءة من قرأ (من يضلل الله فلا هادي له)، و (يذرهم) لأن قوله: (فلا هادي له) في موضع جزم مثل قوله: (فهو خير لكم). وأما الياء والنون في قوله: (ونكفر) فمن قال (ويكفر) فلأن ما بعده على لفظ الإفراد. ومن قال (ونكفر) فإنه أتى بلفظ الجمع، ثم أفرد كما أتى بلفظ الإفراد ثم جمع في قوله تعالى: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام)، ثم قال: (باركنا حوله لنريه من آياتنا). اللغة: الفرق بين الصدقة والزكاة أن الزكاة لا تكون إلا فرضا. والصدقة: قد تكون فرضا، وقد تكون نفلا. والإخفاء: الستر. والخفي: الإظهار خفا يخفيه خفيا أي: أظهره، قال امرؤ القيس: * فإن تدفنوا الداء، لا نخفه، * وإن تبعثوا الحرب، لا نقعد * والخوافي من الريش: ما دون القوادم، لأنها تخفي بها. والخفية: عرين الأسد (1)، لأنه يختفي فيها. وأصل الباب: الستر. والإبداء والإظهار والإعلان، نظائر. والإخفاء والإسرار والإغماض، نظائر. الاعراب: قوله (فنعما هي) تقديره ان تبدوا الصدقات فنعم شيئا إبداؤها. فما هاهنا: نكرة موصوفة، وهي في موضع نصب، لأنه تفسير الفاعل المضمر قبل الذكر في نعم. والإبداء هو المخصوص بالمدح، فحذف المضاف الذي هو الإبداء، وأقيم المضاف إليه إلذي هو ضمير الصدقات مقامه، لما في الكلام من الدلالة عليه، ولأن الفعل المتقدم يدل على مصدره، ولأن قوله (وإن تخفوها فهو


(1) اي مأواه. (*)

[ 198 ]

خير لكم) أي: الإخفاء خير لكم. فكما أن هنا ضمير الإخفاء، كذلك يجب أن يكون ضمير الإبداء مرادا هناك. المعنى: ثم ذكر تعالى صفة الإنفاق، ورغب فيه بقوله: (إن تبدوا الصدقات) معناه: إن تظهروا الصدقات، وتعلنوها (فنعما هي) أي: فنعم الشئ، ونعم الأمر إظهارها وإعلانها أي: ليس في إبدائها كراهة (وإن تخفوها) أي: تسروها (وتؤتوها الفقراء) أي: تعطوها الفقراء، وتؤدوها إليهم في السر (فهو خير لكم) أي: فالإخفاء خير لكم وأبلغ في الثواب. واختلفوا في الصدقة التي يكون إخفاؤها أفضل من إبدائها، فقيل: إن صدقة التطوع إخفاؤها أفضل، لأنه يكون أبعد من الرياء بإخفائها. وأما المفروض فلا يدخله الرياء، ويلحقه تهمة المنع بإخفائها، فإظهارها أفضل، عن ابن عباس والثوري، وكذا رواه علي بن إبراهيم بإسناده عن الصادق قال: الزكاة بإخفائها المفروضة تخرج علانية، وتدفع علانية، وغير الزكاة إن دفعه سرا فهو أفضل. وقيل: الإخفاء في كل صدقة من زكاة وغيرها أفضل، عن الحسن وقتادة، وهو الأشبه بعموم الآية. (ونكفر عنكم من سيئاتكم): معناه ونمحو عنكم خطيئاتكم، ونغفرها لكم. ومن قرأ بالرفع فمعناه: ونحن نكفر عنكم، أو يكفر الله عنكم من سيئاتكم. ودخلت (من) للتبعيض. واحتج به من قال المراد بالسيئات الصغائر. فأما على مذهبنا، فإسقاط العقاب تفضل من الله، فله أن يتفضل بإسقاط بعضه دون بعض، فلو لم يدخل (من) لأفاد أنه يسقط جميع العقاب. وقال بعضهم: إن من زيادة. وقد يقال: كل من طعامي، وخذ من مالي ما شئت فيكون للتعميم والأول أولى. ومما جاء في الحديث في صدقة السر قوله: صدقة السر تطفئ غضب الرب، وتطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، وتدفع سبعين بابا من البلاء. وقوله: سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: الإمام العدل، والشاب الذي نشأ في عبادة الله تعالى، ورجل قلبه يتعلق بالمساجد حتى يعود إليها، ورجلان تحابا في الله واجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال: إني أخاف الله تعالى، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لم تعلم يمينه ما تنفق شماله، ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه. وقوله تعالى: (والله بما تعملون خبير) معناه: إنه تعالى عالم بما

[ 199 ]

تعملونه في صدقاتكم من إخفائها وإعلانها، لا يخفى عليه شئ من ذلك، فيجازيكم على جميعه. (ليس عليك هداهم ولكن الله يهدى من يشآء وما تنفقوا من خير فلأنفسكم وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله وما تنفقوا من خيريوف إليكم وأنتم لا تظلمون [ 272 ]). الاعراب: (ما تنفقوا من خير فلانفسكم) شرط وجزاء (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) قيل: لفظه نفي، ومعناه النهي أي: لا تنفقوا كقوله: لا يمسه إلا المطهرون وقيل: هي جملة مفيدة بنفسها على ما قبلها، وهو خبر على ظاهره، وابتغاء نصب لأنه مفعول له. (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) شرط كالأول، ولذلك حذف النون في الموضعين. النزول: كان المسلمون يمتنعون عن الصدقة على غير أهل دينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، عن ابن عباس وابن الحنفية وسعيد بن جبير. وقيل: كانت أسماء بنت أبي بكر مع رسول الله في عمرة القضاء، فجاءتها أمها فتيلة وجدتها، تسألانها وهما مشركتان، فقالت: لا أعطيكما شيئا حتى أستأذن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فإنكما لستما على ديني. فاستأذنته (1) في ذلك، فأنزل الله هذه الآية، عن الكلبي. المعنى: (ليس عليك هداهم) قيل في وجه اتصاله بما قبله وجوه أحدها: إن معناه: ليس عليك هداهم بمنع الصدقة عنهم، لتحملهم به على الإيمان، وهو نظير قوله (أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، عن ابن عباس وسعيد بن جبير، وعلى هذا يكون معناه الإباحة للتصديق عليهم بصدقة التطوع وثانيها: إن معناه ليس عليك هداهم بالحمل على النفقة في وجوه البر، وسبل الخير، عن الحسن وأبي علي الجبائي، وتقديره: ليس عليك أن تهدي الناس إلى نيل الثواب والجنة، ط نما عليك أن تهديهم إلى الإيمان بان تدلهم عليه. وهذا تسلية للنبي لأنه كان يغتم بترك قبولهم منه، وامتناعهم عن الإيمان، لعلمه بما يؤول إليه أمرهم من العقاب الدائم، فسلاه الله تعالى بهذا القول وثالثها: إن المراد ليس عليك


(1) وفي جملة من النسخ " استأمرته " بدل " استأذنته " في الموضعين. (*)

[ 200 ]

أن تهدي الناس بعد أن دعوتهم، وأنذرتهم، وبلغتهم ما أمرت بتبليغه، ونظيره (إن عليك إلا البلاغ) وليس المعنى ليس عليك أن تهديهم إلى الإيمان والطاعة، لأنه ما بعث إلا لذلك. (ولكن الله يهدي من يشاء): إنما علق الهداية بالمشيئة لمن كان المعلوم منه أنه يصلح باللطف أي: بلطف الله بزيادة الهدى والتوفيق لمن يشاء، عن الزجاج وأبي القاسم البلخي، وأكثر أهل العلم. وقيل: معناه يهدي إلى طريق الجنة، عن الجبائي. (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) أي: ما تنفقوا في وجوه البر من مال، فلأنفسكم ثوابه. والغرض فيه الترغيب في الإنفاق، لأن الإنسان إذا علم منفعة إنفاقه عائدة إليه، مختصة به، كان أسمح بالإنفاق، وأرغب فيه، وأحرص عليه، وبذلك يفارق عطية الله لأن المنفعة في عطائه عائدة إلى المعطي، ومختصة به دون الله، ومعظم المنفعة في عطية العبد ترجع إليه، وتختص به، دون المعطى. (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) أي: إلا طلب رضوان الله. وهذا إخبار من الله عن صفة إنفاق المؤمنين المخلصين، المستجيبين لله ولرسوله، أنهم لا ينفقون ما ينفقونه إلا طلبا لرضاء الله تعالى. وقيل: إن معناه النهي، وإن كان ظاهره الخبر أي: ولا تنفقوا إلا ابتغاء مرضاة الله. وفي ذكر الوجه هنا قولان أحدهما: إن المراد به تحقيق الإضافة، لأن ذكر الوجه يرفع الإبهام، أنه له ولغيره، وذلك أنك لما ذكرت الوجه، ومعناه النفس، دل على أنك تصرف الوهم عن الإشتراك إلى تحقيق الاختصاص، وكنت بذلك محققا للاضافة، ومزيلا لإيهام الشركة. والثاني: إنك إذا قلت: فعلته لوجه زيد، كان أشرف في الذكر من فعلته له، لأن وجه الشئ في الأصل، أشرف ما فيه. ثم كثر حتى صار يدل على شرف الذكر من غير تحقيق وجه، ألا ترى أنك تقول: وجه الرأي، ووجه الأمر، ووجه الدليل، فلا تريد تحقيق الوجه، وإنما تريد أشرف ما فيه من جهة شدة ظهوره، وحسن بيانه. (وما تنفقوا من خير يوف إليكم) أي: يوفر عليكم جزاؤه وثوابه. والتوفية: إكمال الشئ، وإنما حسن إليكم مع التوفية، لأنها تضمنت معنى التأدية. وقيل: معناه تعطون جزاءه وافرا وافيا في الآخرة، عن ابن عباس. (وأنتم لا تظلمون) بمنع ثوابه، ولا بنقصان جزائه، كقوله: (آتت أكلها ولم تظلم منا شيئا) أي: لم تنقص.

[ 201 ]

(للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافا وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم [ 273 ]). القراءة: قرأ حمزة وعاصم وأبو جعفر وابن عامر: (يحسبهم) بفتح السين كل القرآن. والباقون بكسرها. اللغة: قال أبو زيد: حسبت الشئ أحسبه، وأحسبه حسبانا، وحسبت الشئ أحسبه حسابا وحسابة وحسبانا، وأحسبت الرجل إحسابا: إذا أطعمته وسقيته حتى يشبع ويروى، وتعطيه حتى يرضى. والإحصار: المنع عن التصرف لمرض، أو حاجة، أو مخافة. والحصر: هو منع الغير، وليس كالأول، لأنه منع النفس. وقد تقدم تفسيره عند قوله: (فإن أحصرتم) والضرب: المشي في الأرض. والسيماء: العلامة التي يعرف بها الشئ، وأصله: الإرتفاع لأنه علامة رفعت للظهور، ومنه السوم في البيع: وهو الزيادة في مقدار الثمن للإرتفاع فيه عن الحد. ومنه سوم الخسف: للرفع فيه بتحميل ما يشق. ومنه سوم الماشية: إرسالها في المرعى. والتعفف: ترك السؤال، يقال: عف عن الشئ، وتعفف عنه: إذا تركه. ومنه قول رؤبة: (فعف عن أسرارها بعد العسق) (1) أي: تركها. والإلحاف: الإلحاح في المسألة. قال الزجاج: معنى ألحف شمل بالمسألة، وهو مستغن عنها. واللحاف من هذا اشتقاقه، لأنه يشمل الإنسان في التغطية. الاعراب: العامل في قوله (للفقراء) محذوف وتقديره: النفقة للفقراء. وقد تقدم ما يدل عليه. وقال بعضهم: هو مردود على اللام الأولى من قوله (وما تنفقوا من خير فلأنفسكم). قال علي بن عيسى: وهذا لا يجوز، لأن بدل الشئ من غيره، لا يكون إلا والمعنى يشتمل عليه، وليس كذلك ذكر النفس ههنا، لأن الإنفاق لها من حيث هو عائد إليها، وللفقراء من حيث هو واصل إليهم، وليس من باب: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) لأن الأمر لازم للمستطيع


(1) عسق به عسقا: أولع به. (*)

[ 202 ]

خاصة. ولا يجوز أن يكون العامل فيه (تنفقوا) لأنه لا يفصل بين العامل والمعمول فيه بالأجنبي، كما لا يجوز كانت زيدا الحمى تأخذه (لا يستطيعون ضربا) جملة في موضع الحال من أحصروا. وضربا: مفعول يستطيع. (يحسبهم الجاهل): في موضع الحال أيضا. وذو الحال الفقراء. و (إلحافا): مصدر وضع موضع الحال من (يسألون) أي لا يسألون ملحفين. ويجوز أن يكون مصدرا لأن الإلحاف سؤال على صفة. النزول: قال أبو جعفر " عليه السلام ": نزلت الآية في أصحاب الصفة، وكذلك رواه الكلبي، عن ابن عباس، وهم نحو أربعمائة رجل، لم يكن لهم مساكن بالمدينة، ولا عشائر يأوون إليهم ؟ فجعلوا أنفسهم في المسجد، وقالوا: نخرج في كل سرية يبعثها رسول الله. فحث الله الناس عليهم، وكان الرجل إذا أكل وعنده فضل، أتاهم به إذا أمسى. المعنى: لما أمر سبحانه بالنفقة، ورغب فيها بأبلغ وجوه الترغيب، وبين ما يكمل ثوابها، عقب ذلك ببيان أفضل الفقراء الذين هم مصرف الصدقات، فقال: (للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله) معناه: النفقة المذكورة في هذه الآية، وما قبلها، للفقراء الذين حبسوا ومنعوا في طاعة الله أي: منعوا أنفسهم من التصرف في التجارة للمعاش، إما لخوف العدو من الكفار، وإما للمرض والفقر، وإما للإقبال على العبادة. وقوله: (في سبيل الله) يدل على أنهم حبسوا أنفسهم عن التقلب، لاشتغالهم بالعبادة والطاعة. (لا يستطيعون ضربا) أي: ذهابا وتصرفا (في الأرض) لبعض ما ذكرناه من المعاني. وقيل: لمنع أنفسهم من التصرف في التجارة أي: ألزموا أنفسهم الجهاد في سبيل الله، فلا يقع منهم التصرف لغيره، وليس معناه أنهم لا يقدرون عليه، كما يقال: أمرني الأمير بالمقام في هذا الموضع فلا أستطيع أن أبرح منه أي: لا أبرح منه لإلزامي نفسي طاعة الأمير (يحسبهم الجاهل) أي: يظنهم الجاهذ. بحالهم وباطن أمورهم (أغنياء من التعفف) أي: الإمتناع من السؤال، والتجمل في اللباس والستر، لما هم فيه من الفقر، وسوء الحال، طلبا لرضوان الله، وطمعا في جزيل ثوابه. (تعرفهم بسيماهم) أي: تعرف حالهم بالنظر إلى وجوههم، لما يرى من

[ 203 ]

علامة الفقر، عن السدي والربيع. وقيل: لما يرى من التخشع والخضوع الذي هو شعار الصالحين، عن مجاهد (لا يسألون الناس إلحافا) قيل: معناه إنهم لا يسألون الناس أصلا. وليس معناه أنهم يسألون من غير إلحاف، عن ابن عباس، وهو قول الفراء، والزجاج وأكثر أرباب المعاني. وفي الآية ما يدل عليه وهو قوله: (يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف) في المسألة، ولو كانوا يسألون لم يكن يحسبهم الجاهل أغنياء، لأن السؤال في الظاهر يدل على الفقر. وقوله أيضا: (تعرفهم بسيماهم) ولو سألوا لعرفوا بالسؤال. قالوا وإنما هو كقولك: ما رأيت مثله، وأنت لم ترد أن له مثلا ما رأيته، وإنما تريد أنه ليس له مثل فيرى، فمعناه لم يكن سؤال فيكون إلحاح، كقول الأعشى: * لا يغمز الساق من أين، ومن نصب، * ولا يعض على شرسوفه الصفر (1) * ومعناه: ليس بساقها أين ولا نصب فيغمزها، ليس أن هناك أينا، ولا يغمز. وفي الحديث: " إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، ويكره البؤس والتباؤس، ويحب الحليم المتعفف من عباده، ويبغض الفاحش البذئ السائل الملحف ". وعنه " عليه السلام " قال: إن الله كره لكم ثلاثا: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، ونهي عن عقوق الأمهات، ووأد (2) البنات وعن منع وهات. وقال " عليه السلام ": الأيدي ثلاث: فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليه، ويد السائل السفلى إلى يوم القيامة، ومن سأل وله ما يغنيه جاءت مسئلته يوم القيامة كدوحا (3)، أو خموشا، أو خدوشا في وجهه. قيل: وما غناه ؟ قال: خمسون درهما، أو عدلها من الذهب (وما تنفقوا من خير) من مال. وقيل: معناه في وجوه الخير (فإن الله به عليم) أي: يجازيكم عليه. (الذين ينفقون أموالهم باليل والنهار سرا وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 274 ]). الاعراب: (سرا وعلانية): حالان من (ينفقون)، وتقديره: مسرين


(1) مضى هذا البيت في ما سبق. (2) أي: قتلهن. (3) الكدح دون الخدش، والخدش دون الخمش. (*)

[ 204 ]

ومعلنين، فهما إسمان وضعا موضع المصدر. (عند ربهم): ظرف مكان. والعامل فيه ما يتعلق به اللام من (لهم). النزول: قال ابن عباس: نزلت الآية في علي " عليه السلام "، كانت معه أربعة دراهم، فتصدق بواحد نهارا، وبواحد ليلا، وبواحد سرا، وبواحد علانية، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، وأبي جعفر " عليه السلام ". وروي عن أبي ذر والأوزاعي انها نزلت في النفقة على الخير في سبيل الله. وقيل: هي عامة في كل من أنفق ماله في طاعة الله على هذه الصفة. وعلى هذا فإنا نقول الآية نزلت في علي " عليه السلام "، وحكمها سائر في كل من فعل مثل فعله، وله فضل السبق إلى ذلك. المعنى: ثم بين سبحانه كيفية الإنفاق وثوابه، فقال: (الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية) في هذه الحالات أي: ينفقون على الدوام، لأن هذه الأوقات معينة للصدقات، ولا وقت لها سواها (فلهم أجرهم عند ربهم) أتى بالفاء ليدل على أن الجزاء إنما هو من أجل الإنفاق في طاعة الله، ولا يجوز أن يقال زيد فله درهم، لأنه ليس فيه معنى الجزاء (ولا خوف عليهم) من أهوال يوم القيامة وأفزاعها (ولا هم يحزنون) فيها وقيل: لا خوف من فوت الأجر ونقصانه عليهم، ولا هم يحزنون على ذلك. (الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذى يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوآ إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [ 275 ]). اللغة: أصل الربا: الزيادة من قولهم: ربا الشئ يربو: إذا زاد. والربا هو الزيادة على رأس المال. وأربى الرجل: إذا عامل في الربا. ومنه الحديث: " من أجبى (1) فقد أربى ". وأصل التخبط: الخبط وهو الضرب على غير استواء. خبطته أخبطه خبطا. والخبط: ضرب البعير الأرض بيده. والتخبط أيضا بمعناه. يقال: تخبط البعير الأرض: إذا ضربها بقوائمه. وبقال للذي يتصرف في أمر ولا يهتدي


(1) الإجباء: بيع الزرع فبل أن يبدو صلاحه. (*)

[ 205 ]

فيه: هو يخبط خبط عشواء، قال زهير: * رأيت المنايا خبط عشواء، من تصب * تمته، ومن تخطئ يعمر فيهرم (2) * والتخبط: المس بالجنون والتخبل، لأنه كالضرب على غير استواء في الإدهاش. والخباط: داء كالجنون، لأنه اضطراب في العقل، يقال: به خبطة من جنون. ويقال: بفلان مس وألس وأولق: أي جنون. والسلوف: التقدم، يقال: سلف يسلف سلوفا. ومنه الأمم السالفة أي: الماضية. والسالفة: أعلى العنق. والإسلاف: الإعطاء قبل الإستحقاق. يقال: أسلفته إسلافا، وسلافة الخمر: صفوها، لأنه أول ما يخرج من عصيرها. والعود: الرجوع. وعيادة المريض: المصير إليه ليعرف خبره. والعود: من العيدان، لأنه يعود إذا قطع، ومنه العود: الذي يتبخر به. والمعاد: كل شئ إليه المصير. والآخرة: معاد الناس. والعادة: تكرر الشئ مرة بعد مرة. والعيد: كل يوم مجمع عظيم، لأنه يعود في السنة، أو الأسبوع. والعائدة: الصلة، لأنها تعود بالنفع على صاحبها. الاعراب: (كما يقوم) الكاف: في محل النصب على المصدر، والموصول حرف تقديره (لا يقومون) إلا مثل قيام (الذي يتخبطه الشيطان). و (من المس): يتعلق بيتخبط. ومن: للتبيين. المعنى: لما حث الله تعالى على الإنفاق، وبين ما يحصل للمنفق من الأجر العاجل والآجل، عقبه بذكر الربا الذي ظنه الجاهل زيادة في المال، وهو في الحقيقة محق في المال، فقال: (الذين يأكلون الربا) في الدنيا (لا يقومون) يوم القيامة (إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) معناه: إلا مثل ما يقوم الذي يصرعه الشيطان من الجنون، فيكون ذلك إمارة لأهل الموقف على أنهم أكلة الربا، عن ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد. وقيل: إن هذا على وجه التشبيه، لأن الشيطان لا يصرع الإنسان على الحقيقة، ولكن من غلب عليه المرة السود، أو ضعف عقله، ربما يخيل الشيطان إليه أمورا هائلة، ويوسوس إليه، فيقع الصرع عند ذلك من فعل الله. ونسب ذلك إلى الشيطان مجازا، لما كان ذلك عند وسوسته، عن أبي علي الجبائي.


(1) قد تقدم معنى البيت في ص 658. (*)

[ 206 ]

وقيل: يجوز أن يكون الصرع من فعل الشيطان في بعض الناس، دون بعض، عن أبي الهذيل، وابن الأخشيد قالا: لأن الظاهر هن القرآن يشهد به، وليس في العقل ما يمنع منه، ولا يمنع الله تعالى الشيطان عنه امتحانا لبعض الناس، وعقوبة لبعضهم على ذنب ألم به ولم يتب منه، كما يتسلط بعض الناس على بعض فيظلمه، ويأخذ ماله، ولا يمنعه الله تعالى منه. ويكون هذا علامة لآكلي الربا يعرفون بها يوم القيامة، كما أن على كل عاص من معصيته علامة تليق به، فيعرف بها صاحبها، وعلى كل مطيع من طاعته إمارة تليق به، فيعرف بها صاحبها، وذلك معنى قوله تعالى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان). وقال النبي في شهداء أحد: " زملوهم بدمائهم وثيابهم ". وقال " عليه السلام ": " يبعث أمتي يوم القيامة من قبورهم غرا محجلين من آثار الوضوء ". وروي عنه " عليه السلام " أنه قال: لما أسري بي إلى السماء، رأيت رجالا بطونهم كالبيوت فيها الحيات ترى من خارج بطونهم، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال: هؤلاء أكلة الربا. ورواه أصحابنا عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لما أسري بي إلى السماء، رأيت أقواما يريد أحدهم أن يقوم، ولا يقدر عليه من عظم بطنه، فقلت: من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، وإذا هم بسبيل آل فرعون، يعرضون على النار، غدوا وعشيا، يقولون: ربنا متى تقوم الساعة والوعيد ". في الآية متوجه إلى كل من أربى، وإن لم يأكله، ولكنه تعالى نبه بذكر الأكل على سائر وجوه الإنتفاع بمال الربا. وإنما خص الأكل، لأنه معظم المقاصد من المال. ونظيره قوله: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) وقوله: (إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما) الآية. والمراد بالأكل في الموضعين سائر وجوه الإنتفاع دون حقيقة الأكل. (ذلك) أي ذلك العقاب لهم (بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا) معناه: بسبب قولهم إنما البيع الذي لا ربا فيه، مثل البيع الذي فيه الربا، قال ابن عباس: كان الرجل منهم إذا حل دينه على غريمه، فطالبه به، قال المطلوب منه له: زدني في الأجل، وأزيدك في المال. فيتراضيان عليه، ويعملان به. فإذا قيل لهم: هذا ربا، قالوا: هما سواء. يعنون بذلك أن الزيادة في الثمن حال البيع، والزيادة فيه بسبب الأجل عند محل الدين سواء. فذمهم الله به، وألحق الوعيد بهم، وخظأهم في ذلك بقوله: (وأحل الله البيع وحرم الربا) أي: أحل الله البيع الذي لا

[ 207 ]

ربا فيه، وحرم البيع الذي فيه الربا، والفرق بينهما أن الزيادة في أحدهما لتأخير الدين، وفي الآخر لأجل البيع. وأيضا فإن البيع بدل البدل، لأن الثمن فيه بدل المثمن، والربا: زيادة من غير بدل للتأخير في الأجل، أو زيادة في الجنس. والمنصوص عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " تحريم التفاضل في ستة أشياء: الذهب والفضة والحنطة والشعير والتمر والملح. وقيل: الزبيب. قال " عليه السلام ": إلا مثلا بمثل، يدا بيد، من زاد واستزاد فقد أربى. لا خلاف في حصول الربا في هذه الأشياء الستة، وفي غيرها خلاف بين الفقهاء، وهو مقيس عليها عندهم. وعندنا: إن الربا لا يكون إلا فيما يكال أو يوزن، وأما علة تحريم الربا فقد قيل: هي أن فيه تعطيل المعايش والأجلاب والمتاجر، إذا وجد المربى من يعطيه دراهم، وفضلا بدراهم. وقال الصادق " عليه السلام ": إنما شدد في تحريم الربا، لئلا يمتنع الناس من اصطناع المعروف، قرضا أو رفدا. (فمن جاءه موعظة من ربه) معناه: فمن جاءه زجر ونهي وتذكير من ربه (فانتهى) أي: فانزجر وتذكر واعتبر (فله ما سلف) معناه: فله ما أخذ وأكل من الربا قبل النهي لا يلزمه رده. قال الباقر " عليه السلام ": من أدرك الإسلام، وتاب مما كان عمله في الجاهلية، وضع الله عنه ما سلف. وقال السدي: معناه له ما أكل، وليس عليه رد ما سلف. فأما ما لم يقبض بعد، فلا يجوز له أخذه، وله رأس المال. وقوله: (جاءه موعظة)، وقال في موضع آخر: (قد جاءتكم موعظة) لأن تأنيثه غير حقيقي، فإن الموعظة والوعظ بمعنى واحد. (وأمره إلى الله) معناه: وأمره بعد مجئ الموعظة والتحريم والإنتهاء إلى الله، إن شاء عصمه عن أكله، وثبته في انتهائه عنه، وإن شاء خذله. وقيل: معناه وأمره في حكم الآخرة إلى الله تعالى، إن لم يتب، وهو غير مستحل له، إن شاء عذبه بعدله، وإن شاء عفا عنه بفضله. وقيل: معناه أمره إلى الله، فلا يؤاخذه بما سلف من الربا. (ومن عاد) إلى أكل الربا بعد التحريم وقال ما كان يقوله قبل مجئ الموعظة، من أن البيع مثل الربا (فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون) لأن ذلك القول لا يصدر إلا من كافر مستحل للربا، فلهذا توعد بعذاب الأبد. ولا خلاف بين الفقهاء أن الربا محرم في النقد والنسيئة. وقال بعض من تقدم:

[ 208 ]

لا ربا إلا في النسيئة. وأما أهل الجاهلية فإنهم. كانوا يربون بتأخير الذين عن محله إلى محل آخر بزيادة فيه. ولا خلاف في تحريمه. ومما جاء في الحديث في الربا ما روي عن على " عليه السلام " أنه قال: لعن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " في الربا خمسة: آكله وموكله وشاهديه وكاتبه. وعنه " عليه السلام " قال: إذا أراد الله بقرية هلاكا، ظهر فيهم الربا، وعنه " عليه السلام " قال: الربا سبعون بابا، أهونها عند الله كالذي ينكح أمه. وروى جميل بن دراج عن أبي عبد الله قال: درهم ربا أعظم عند الله من سبعين زنية، كلها بذات محرم، في بيت الله الحرام. (يمحق الله الربا ويربى الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم [ 276 ]). اللغة: المحق: نقصان الشئ حالا بعد حال، يقال: محقه الله يمحقه محقا فانمحق وامتحق: أي هلك وتلف بذهابه حالا بعد حال. والمحاق: آخر الشهر لانمحاق الهلال فيه. والأثيم: المتمادي في الإثم. والآثم: الفاعل للإثم. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم بقول (يمحق الله) أي: ينقص الله (الربا) حالا بعد حال إلى أن يتلف المال كله. وقال ابن عباس: معناه يهلكه ويذهب ببركته. وقيل للصادق " عليه السلام ": وقد يرى الرجل يربي فيكثر ماله ؟ فقال: يمحق الله دينه وإن كثر ماله. وقال أبو القاسم البلخي: يمحقه الله في الدنيا بسقوط عدالته، والحكم بفسقه، والتسمية بالفسق. (ويربي الصدقات) أي: وينمي الصدقات ويزيدها بأن يثمر المال في نفسه في العاجل، وبالأجر عليه والثواب في الآجل، وذلك بحسب الإنتفاع بها، وحسن النية فيها. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: (إن الله تعالى يقبل الصدقات، ولا يقبل منها إلا الطيب، ويربيها لصاحبها كما يربي أحدكم مهره أو فصيله، حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد ". والنكتة في الآية أن المربي إنما يطلب بالربى زيادة المال، ومانع الصدقة إنما يمنعها لطلب زيادة المال، فبين الله سبحانه أن الربا سبب النقصان دون النماء، وأن الصدقة سبب النماء دون النقصان. (والله لا يحب كل كفار أثيم) الكفار: فعال من الكفر، وهو المقيم عليه، المستمسك به، المعتاد له. ومعناه: والله يبغض كل كفار لنعمته باستحلال الربا، منهمك في غوايته، متماد في إثمه بأكله. وإنما لم يقل كل كافر، لأنه إذا استحل الربا صار كافرا، لأنه إذا كثر أكله للربا مع الإستحلال، فقد

[ 209 ]

ضم كفرا إلى كفر. وإذا استحل الربا، ولم يعقد عقد الربا، لم يلحقه من المندمة ما يلحق من جمع بين الأمرين. فالجمع بين الأمرين يستدعي من غضب الله ما لا يستدعيه أحد الأمرين. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " يأتي على الناس زمان، لا يبقى أحد إلا أكل الربا فمن لم يأكله أصابه من غباره ". (إن الذين ءامنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلوة وءاتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولاخوف عليهم ولاهم يحزنون [ 277 ]). المعنى: هذه الآية ظاهرة المعنى، وقد مر تفسيرها فيما مضى، وإنما جمع بين هذه الخصال، لأن الثواب لا يستحق على كل واحدة منها، إذ لو كان كذلك لكان فيه تصغير من كل واحدة منها، ولكن جمع بينها للترغيب في الأعمال الصالحة، والتفخيم لأمرها، والتعظيم لشأنها، أو لبيان أن الجمع بين هذه الخصال أعظم أجرا من الإفراد بواحدة منها. ونظيره قوله سبحانه: (والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله) الآية. فجمع بين هذه الخصال في الوعيد، ليبين أن الوعيد يستحق بكل واحدة منها، وللتحذير عن كل خصلة منها، لأن من المعلوم أن من دعا مع الله إلها آخر، لا يحتاج إلى شرط عمل آخر في استحقاق الوعيد، إذ لو كان الوعيد إنما يستحق بمجموع تلك الخصال، لكان فيه تسهيل لكل واحد منها. وقد ذكرنا أن أمثال هذه الآية تدل على أن الإيمان ليس من أفعال الجوارح، ولا مشتملا عليها، إذ لو كان كذلك لما صار لعطفها عليه معنى، لأن الشئ لا يعطف على نفسه. فإن قالوا: إن ذلك يجري مجرى قوله (الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله والذين كفروا وكذبوا بآياتنا) فنقول: إن الخلاف ها هنا كالخلاف هناك، لأن التكذيب عندنا ليس بالكفر نفسه، وإنما هو دلالة على الكفر، وكذلك الصد عن سبيل الله. واستدل بهذه الآية وأمثالها في بطلان التحابط، لأنه تعالى ضمن الثواب بنفس هذه الخصال، ولم يشترط أن لا يؤتى بما يحبطها. فإن قالوا: لا بد من هذا الشرط، كما أن الوعيد على الكفر لا بد أن يكون مشروطا بارتفاع التوبة ؟ فالجواب: إن التوبة إنما صارت شرطا هناك، لمكان إجماع المسلمين، لا لأن التوبة مسقطة للعفاب، وإنما وعد الله تعالى بإسقاط العقاب

[ 210 ]

عندها، تفضلا منه سبحانه. ولا إجماع على ما ادعوه من الشرط في آيات الوعد، فبان الفرق بين الأمرين. (يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا أن كنتم مؤمنين [ 278 ] فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون [ 279 ]). القراءة: قرأ عاصم برواية أبي بكر، غير ابن غالب والبرجي وحمزة: (فآذنوا) بالمد وكسر الذال. والباقون: (فاذنوا). وقرئ في الشواذ: (لا تظلمون ولا تظلمون). الحجة: قال سيبويه: آذنت أعلمت، وأذنت. والتأذين: النداء. والتصويت، بالإعلام قال: وبعض العرب يجري آذنت مجرى أذنت الذي معناه التصويت والنداء. قال أبو عبيدة: آذنتك بحرب فأذنت به تأذن إذنا أي: علمت. فمن قرأ (فأذنوا بحرب من الله) فقصر، فالمعنى اعلموا بحرب من الله. والمعنى أنكم في امتناعكم من وضع ذلك حرب لله ورسوله. ومن قرأ (فآذنوا): فتقديره فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب. فالمفعول محذوف على قوله وإذا أمروا بإعلام غيرهم علموا هم أيضا لا محالة. ففي أمرهم بإعلام ما يعلمون هم أيضا (1) أنهم حرب إن لم يمتنعوا عما نهوا عنه. وليس في علمهم دلالة على إعلام غيرهم، فهو في الإبلاغ آكد. الاعراب: (إن كنتم مؤمنين): جواب الشرط محذوف تقديره: إن كنتم مؤمنين فذروا ما بقي من الربا. وموضع (لا تظلمون): نصب على الحال من (لكم)، والتقدير: فلكم رؤوس أموالكم غير ظالمين، ولا مظلومين. النزول: روي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أن الوليد بن المغيرة كان يربى في الجاهلية، وقد بقي له بقايا على ثقيف، فأراد خالد بن الوليد المطالبة بها بعد أن أسلم، فنزلت الآية. وقال السدي وعكرمة: نزلت في بقية من الربا كانت للعباس، وخالد بن الوليد، وكانا شريكين في الجاهلية، يسلفان في الربا إلى بني عمرو بن


(1) [ دلالة على ]. (*)

[ 211 ]

عمير، ناس من ثقيف. فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا. فأنزل الله هذه الآية، فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " على أن كل ربا من ربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه ربا العباس بن عبد المطلب، وكل دم من دم الجاهلية موضوع، وأول دم أضعه دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب "، كان مرضعا في بني ليث فقتله هذيل. وقال مقاتل: نزلت في أربعة أخوة من ثقيف: مسعود وعبد يا ليل وحبيب وربيعة، وهم بنو عمرو بن عمير بن عوف الثقفي، وكانوا يداينون بني المغيرة، وكانوا يربون. فلما ظهر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على الطائف، وصالح ثقيفا، أسلم هؤلاء الاخوة الأربعة، فطلبوا رباهم من بني المغيرة، واختصموا إلى عتاب بن أسيد، عامل رسول الله على مكة، فكتب عتاب إلى النبي بالقصة، فأنزل الله الآية. المعنى: ثم بين سبحانه حكم ما بقي من الربا، فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في أمر. الربا، وفي جميع ما نهاكم عنه (وذروا ما بقي من الربا) أي: واتركوا ما بقي من الربا، فلا تأخذوه، واقتصروا على رؤوس أموالكم. وقوله: (إن كنتم مؤمنين) معناه: من كان مؤمنا فهذا حكمه. فأما من ليس بمؤمن، فإنه يكون حربا. وقيل: معناه إن كنتم مؤمنين بتحريم الربا، مصدقين به، وبما فيه من المفسدة التي يعلمها الله (فإن لم تفعلوا) أي: فإن لم تقبلوا أمر الله، ولم تنقادوا له، ولم تتركوا بقية الربا بعد نزول الآية بتركه (فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أي: فأيقنوا واعلموا بقتال من الله ورسوله. والمعنى: أيقنوا أنكم تستحقون القتل في الدنيا، والنار في الآخرة، لمخالفة أمر الله ورسوله. ومن قرأ (فآذنوا): فمعناه فأعلموا من لم ينته عن ذلك بحرب. ومعنى الحرب: عداوة الله، وعداوة رسوله. وهذا إخبار بعظم المعصية. وروي عن ابن عباس وقتادة والربيع أن من عامل بالربا، اسننابه الإمام، فإن تاب وإلا قتله. وقال الصادق: آكل الربا يؤدب بعد البينة، فإن عاد أدب، وإن عاد قتل. (وإن تبتم) من استحلال الربا، وأقررتم بتحريمه (فلكم رؤوس أموالكم) دون الزيادة (لا تظلمون) بأخذ الزيادة على رأس المال (ولا تظلمون) بالنقصان من رأس المال. (وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون [ 280 ]).

[ 212 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر: (عسرة) بضم السين. والباقون: (عسرة) بإسكإنها، وهما لغتان. وقرأ زيد عن يعقوب: (ميسرة) بضم السين، مضافا إلى الهاء. وروى (1) ذلك عن مجاهد. وقرأ عاصم: (تصدقوا) بتخفيف الصاد. والباقون بتشديدها. وقد تقدم الكلام في مثله، فإن إلاصل في القراءتين (تتصدقوا) فخفف في إحداهما بحذف إحدى التاءين (2)، وفي الاخرى بالإدغام. اللغة: النظرة: التأخير، وهو إسم قام مقام الإنظار مثل أخرة يقال: بعته بأخرة، وبنظرة أي: بنسيئة، ورأيت فلانا بأخرة الناس أي: قي آخرهم. والميسرة والميسور بمعنى اليسار والغنى والسعة. وما روي من قراءة من قرأ (إلى ميسره) فلم يجزه البصريون، لأن مفعل لا يجئ في الآحاد إلا بالتاء. وقد جاء في الجمع، قال جميل: * بثين الزمي، لا إن لا إن لزمته، * على كثرة الواشين أي معون (3) * وروي: * أبلغ النعمان عني مألكا * أنه قد طال حبسي، وانتظاري * والأول جمع معونة. ومألك جمع مألكة: وهي الرسالة. ومثل هذا الذي نقل لا يعتد به سيبويه، فربما أطلق القول، وقال: ليس في الكلام كذا، وإن كان قد جاء عليه حرف أو حرفان. الاعراب: (كان): هذه هي التامة، وهي التي تتم بفاعلها، ويكتفى به. وتقديره: وإن وقع ذو عسرة. وقيل: هي ناقصة محذوفة الخبر، وتقديره: وإن كان ذو عسرة غريما لكم. وكان يجوز لو قرئ وإن كان ذا عسرة أي: وإن كان الذي عليه الدين ذا عسرة، وروي ذلك في الشواذ عن أبي. فنظرة: مرفوعة لأنها خبر مبتدأ محذوف. والفاء فيه للجزاء وتقديره: فالذي تعاملونه به نظرة. (وأن تصدقوا): في موضع رفع بأنه مبتدأ وخبره: (خير لكم). المعنى: لما أمر سبحانه بأخذ رأس المال من الموسر، بين بعده حال


(1) [ وقرأ نافع: (ميسرة) بضم السين. والباقون: بفتحها وهما لغتان ]. (2) [ وسقط التاء عند الإضافة كقوله: وأقام الصلاة ]. (3) بثين: مرخم بثينة كجهينة: علم امرأة. (*)

[ 213 ]

المعسر، فقال: (وإن كان ذو عسرة) معناه: وإن وقع في غرمائكم ذو عسرة. ويجوز أن يكون تقديره: وإن كان غريما لكم ذو عسرة (فنظرة) أي: فالذي تعاملونه به نظرة (إلى ميسرة) أي: إلى وقت اليسار أي: فالواجب نظرة صيغته الخبر، والمراد به الأمر أي: فأنظروه إلى وقت يساره. واختلف في حد الإعسار، فروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: هو إذا لم يقدر على ما يفضل من قوته وقوت عياله على الإقتصاد. وقال أبو علي الجبائي: هو التعذر بالإعدام، أو بكساد المتاع أو نحوه. واختلف في وجوب إنظار المعسر على ثلاثة أقوال أحدها: إنه واجب في كل دين، عن ابن عباس والضحاك والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " وأبي عبد الله. وثانيها: إنه واجب في دين الربا خاصة، عن شريح وإبراهيم النخعي. وثالثها: إنه واجب في دين الربا بالآية، وفي كل دين بالقياس عليه. وقال الباقر " عليه السلام ": إلى ميسرة معناه: إلى أن يبلغ خبره الإمام، فيقضي عنه من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في المعروف. (وأن تصدقوا خير لكم) معناه: وأن تتصدقوا على المعسر بما عليه من الذين خير لكم. (إن كنتم تعلمون) الخير من الشر، وتميزون ما لكم عما عليكم. ومما جاء في معنى الآية من الحديث قوله " عليه السلام ": " من أنظر معسرا، أو وضع عنه، أظله الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله ". وروى بريدة عنه أنه قال: " من أنظر معسرا، كان له بكل يوم صدقة ". وفي هذه الآية دلالة على أن الإنسان إن علم أن غريمه معسر، حرم عليه حبسه، وملازمته، ومطالبته بما له عليه وانه يجب عليه إنظاره، انتظارا لليسارة، وأن الصدقة برأس المال على المعسر، خير وأفضل من انتظار يسره. وروي عن ابن عباس، وابن عمر: آخر ما نزلت من القرآن آي الربا. (واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [ 281 ]). القراءة: قرأ أبو عمرو ويعقوب بفتح التاء. والباقون بضمها. الحجة: حجة أبي عمرو قوله: (إن إلينا إيابهم)، فأضاف المصدر إلى الفاعل، فهذا بمنزلة ترجعون (1). وآب: مثل رجع، ومن حجته قوله: (وإنا إليه


(1) [ ترجعون ]. (*)

[ 214 ]

راجعون) فإلينا مرجعهم. الاعراب: (يوما): منصوب، لأنه مفعول به، ولا ينتصب على الظرف، لأنه ليس المعنى اتقوا في هذا اليوم. وقوله: (ترجعون فيه إلى الله): جملة في موضع نصب بكونه صفة لقوله (يوما). (توفى كل نفس ما كسبت): في موضع نصب بأنه عطف على صفة (يوم)، إلا أنه حذف منه فيه، لدلالة الأول عليه. النزول: هذا آخر آية نزلت من القرآن. وقال جبرائيل: ضعها في رأس الثمانين والمأتين من البقرة، عن ابن عباس والسدي. قال المفسرون: لما نزلت هذه الآية: (إنك ميت وإنهم ميتون) قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ليتني أعلم متى يكون ذلك " ! فأنزل الله تعالى سورة النصر: إذا جاء نصر الله والفتح، فكان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يسكت بين التكبير والقراءة بعد نزول هذه السورة، فيقول: سبحان الله وبحمده، وأستغفر الله وأتوب إليه. فقيل له: إنك لم تكن تقوله قبل هذا ؟ ! فقال: أما إن نفسي نعيت إلي. ثم بكى بكاء شديدا. فقيل: يا رسول الله ! أو تبكي من الموت وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ قال: فأين هول المطلع ؟ وأين ضيق القبر وظلمة اللحد ؟ وأين القيامة والأهوال ؟ فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعد نزول هذه السورة عاما تاما. ثم نزلت (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه) إلى آخر السورة. وهذه السورة آخر سورة كاملة نزلت من القرآن. فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعدها ستة أشهر. ثم لما خرج رسول الله إلى حجة الوداع، نزلت عليه في الطريق. (يستفتونك في النساء قل الله يفتيكم) إلى آخرها، فسميت آية الصيف. ثم نزل عليه وهو واقف بعرفة: (اليوم أكملت لكم دينكم) الآية. فعاش بعدها أحدا وثمانين يوما. ثم نزلت عليه آيات الربا ثم نزلت بعدها واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله وهي آخر آية نزلت من السماء، فعاش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال ابن جريج: تسع ليال. وقال سعيد بن جبير ومقاتل: سبع ليال. ثم مات يوم الإثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، حين بزغت الشمس. وروى أصحابنا لليلتين بقيتا من صفر، سنة إحدى عشرة من الهجرة، ولسنة واحدة من ملك أردشير بن شيرويه بن أبرويز بن هرمز بن أنوشروان، بنفسي هو " صلى الله عليه وآله وسلم " حيا وميتا ! ! المعنى: ثم حذر سبحانه المكلفين من بعد ما تقدم من ذكر آي الحدود

[ 215 ]

والأحكام، فقال: (واتقوا يوما) معناه: واحذروا يوما، واخشوا يوما (ترجعون فيه إلى الله) تردون جميعا إلى جزاء الله، ويقال إلى ملك الله لنفعكم وضركم دون غيره ممن ملكه إياه في دار الدنيا. وهو المراد بكل ما في القرآن من هذا اللفظ، لأن الله سبحانه لا يغيب عن أحد، ولا يغيب أحد عن علمه وملكه وسلطانه. ويدل عليه قوله: (وهو معكم أينما كنتم). (وما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم) وإنما خص يوم القيامة بهذه الصفة، لأن الناس إذا حشروا انقطع أمرهم، وبطل ملكهم، ولا يبقى لواحد منهم أمر ولا نهي، كما قال سبحانه: (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار). (ثم توفى كل نفس ما كسبت) قيل فيه وجهان أحدهما: توفى جزاء ما كسبت من الأعمال. والثاني: توفى ما كسبت من الثواب والعقاب، لأن الكسب على وجهين: كسب العبد لفعله، وكسبه لما ليس من فعله، كما يكسب المال. (وهم لا يظلمون) معناه: لا ينقصون ما يستحقونه من الثواب، ولا يزاد عليهم ما يستحقونه من العقاب. (يا أيها الذين ءامنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يمل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا ولا تسئموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة حاضرة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها وأشهدوا إذا تبايعتم ولا يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق

[ 216 ]

بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شئ عليم [ 282 ]). االقراءة: قرأ حمزة وحده: (إن تضل) بكسر الهمزة. والباقون بفتحها وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وقتيبة: (فتذكر) بالتخفيف والنصب. وقرأ حمزة: (فتذكر) بالتشديد والرفع. وقرأ. الباقون: (فتذكر) بالتشديد والنصب. وقرأ عاصم وحده: (تجارة حاضرة) بالنصب. وقرأ الباقون بالرفع. وقرأ أبو جعفر: (ولا يضار) بتشديد الراء وتسكينها. والباقون: (لا يضار) بالنصب والتشديد. االحجة: الوجه في قراءة حمزة (إن تضل إحداهما) بكسر الهمزة: وهو أنه جعل إن للجزاء، والفاء في قوله (فتذكر) جواب الجزاء. وموضع الشرط وجزائه رفع بكونهما وصفا للمنكورين، وهما المرأتان في قوله (فرجل وامرأتان). فقوله رجل وامرأتان: خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: فمن يشهد رجل وامرأتان. ويجوز أن يكون رجل مرتفعا بالإبتداء وامرأتان معطوفتان عليه. وخبر الإبتداء محذوف، وتقديره: فرجل وامرأتان يشهدون. وقوله: (ممن ترضون من الشهداء): فيه ذكر يعود إلى الموصوفين الذين هم رجل وامرأتان. ولا يجوز أن يكون فيه ذكر لشهيدين المتقدم ذكرهما لاختلاف إعراب الموصوفين. ألا ترى أن (شهيدين) منصويان، ورجل وامرأتان: إعرابها الرفع. فإذا كان كذلك علمت أن الوصف الذي هو ظرف، إنما هو وصف لقوله فرجل وامرأتان دون من تقدم ذكرهما من الشهيدين. والشرط وجزاؤه وصف لقوله وامرأتان، لأن الشرط جملة يوصف بها كما يوصل بها في نحو قوله: (الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة). واللام التي هي في قوله (إن تضل) فيمن جعل إن جزاء في موضع جزم، وإنما حركت بالفتح لالتقاء الساكنين. ولو كسرت للكسرة قبلها، لكان جائزا في القياس. وأما قوله (فتذكر): فقياس قول سيبويه في قوله تعالى (ومن عاد فينتقم الله منه) والآي التي تلاها معها، أن يكون بعد الفاء في (فتذكر) مبتدأ محذوف. ولو أظهرته لكان فهما تذكر إحداهما الاخرى. فالذكر العائد إلى المبتدأ المحذوف الضمير في قوله إحداهما. وأما الأصل في تذكر، فهو من الذكر الذي هو ضد النسيان. وذكرت فعل يتعدى إلى مفعول واحد. فإذا نقلته بالهمز، أو ضعفت العين منه، تعدى إلى مفعول آخر، وذلك نحو فرحته وأفرحته.

[ 217 ]

فمن قرأ (فتذكر) كان ممن جعل بالتضيف. ومن قرأ (فتذكر): كان ممن نقل بالهمزة، وكلاهما سائغ. والمفعول الثاني في قوله (فتذكر إحداهما الأخرى) محذوف، والمعنى فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها. وأما قراءة الأكثرين وهو (أن تضل) بفتح الألف فأن يتعلق فيها بفعل مضمر دذ عليه هذا الكلام، وذلك أحد ثلاثة أشياء: الأول: هو ان قوله (فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) يدل على قولك (واستشهدوا رجلا وامرأتين). وعلى هذا فتقديره: فليشهد رجل وامرأتان. فتعلق (أن) إنما هو بهذا الفعل. والثاني: ما قاله أبو الحسن وهو: إن تقديره فليكن رجل وامرأتان. وعلى هذا فيكون معناه فليحدث شهادة رجل وامرأتين، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه. والثالث: أن يضمر خبر المبتدأ الذي هو (فرجل وامرأتان) أي: فرجل وامرأتان يشهدون، فيكون يشهدون العامل في أن وموضع إضماره فيمن فتح الهمزة من (أن تضل) قبل أن، وفيمن كسر (إن) بعد انقضاء الشرط بجزائه. وأما موضع (أن) هذه فنصب، وتقديره لأن تضل إحداهما فتذكر. فإن قيل: فإن الشهادة إنما وقعت للذكر والحفظ، لا للضلال الذي هو النسيان ؟ فجوابه: إن سيبويه قد قال: أمر بالإشهاد لأن تذكر إحداهما الاخرى، وإنما ذكر (أن تضل) لأنه سبب الإذكار، كما يقول القائل: أعددته أن يميل الحائط فأدعمه وهو لا يطلب بذلك ميلان الحائظ، ولكنه أخبر بعلة الدعم وسببه. وقوله فتذكر أو فتذكر بالنصب معطوف على الفعل المنصوب بأن. وأما قراءة من قرأ (إلا أن تكون تجارة حاضرة) بالرفع فالوجه فيها أن يكون كان بمعنى وقع وحدث، فكأنه قال: إلا أن تقع تجارة حاضرة، مثل قوله: (وإن كان ذو عسرة). وأما من نصب (تجارة حاضرة) فيكون على خبر كان، ولم يخل إسم كان من أحد شيئين أحدهما: أن يكون ما يقتضيه الكلام من الإشهاد والإرتهان، قد علم من فحواه التبايع، فأضمر التبايع لدلالة الحال عليه، كما يقال: إذا كان غدا فأتني. والآخر: أن يكون أضمر التجارة، فكأنه قال: إلا أن تكون التجارة تجارة حاضرة، ومثل ذلك قول الشاعر (1): * فدى لبني ذهل بن شيبان ناقتي، * إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا *


(1) هو رؤبة بن العجاج. (*)

[ 218 ]

أي: إذا كان اليوم يوما. وأما قوله - (لا يضار) ففيه قولان أحدهما: إن أصله لا يضارر، فأدغمت الراء في الراء، وفتحت لالتقاء الساكنين، فيكون معناه: لا يكتب الكاتب إلا بالحق ولا يشهد الشاهد إلا بالحق الثاني: إن أصله لا يضارر بفتح الراء الأولى، فأدغمت، فيكون المعنى: لا يدع الكاتب على وجه يضر به، وكذلك الشاهد، والأول أبين، وأما قراءة أبي جعفر بتسكين الراء مع التشديد ففيه نظر، ووجهه أنه أجرى الوصل مجرى الوقف كقولهم: (ببازل وجنا أو عيهل) وقد تقدم أمثاله. اللغة: تقول: داينت الرجل مداينة: إذا عاملته بدين أخذت منه، أو أعطيته. وتداين القوم، أو الرجلان بمعناه، قال الشاعر: * داينت أروى، والديون تقضى، * فمطلت بعضا، وأدت بعضا (1) * ويقال: دنت وأدنت: إذا اقترضت. وأدنت: إذ ا أقرضت. قال (2): * أدان، وأنبأه الأولون * بأن المدان ملئ، وفي * والإملال الإملاء، يقال: أمل عليه، وأملى عليه بمعنى. والبخس: النقص ظلما، يقال بخسه حقه يبخسه بخسا. وثمن بخس: ناقص عن حقه. والبخس فقوء العين، لأنه إدخال نقص على صاحبها. والسفيه: الجاهل. وأصل السفه: الخفة. قال الشاعر: * تخاف أن تسفه أحلامنا، * فتخمل الدهر مع الخامل (3) * وإنما سمي الجاهل بالسفيه، لخفة عقله. وتقول من الإباء: أبى يأبى، ولم يأت مثله في اللغة، لأن فعل يفعل، لا يأتي إلا أن يكون في موضع العين من الفعل، أو اللام حرف من حروف الحلق. والقول فيه: إن الألف من أبى أشبهت الهمزة، فجاء يفعل منه مفتوحا لهذه العلة. والضلال: أصله الهلاك، تقول العرب: ضل الماء في اللبن. ومنه قوله: (إن المجرمين في ضلال وسعر). وقيل: أصله الذهاب بحيث لا يوجد وقيل ومنه: (أئذا ضللنا في الأرض). والسأم: الملل، يقال: سئم يسأم سأما: إذا مل من الشئ، وضجر منه، قال زهير:


(1) أروى اسم امرأة. (2) وهو أبو ذؤيب. (3) خمل ذكره: خفي. الخامل: الساقط لا نباهة له. (*)

[ 219 ]

* سئمت تكاليف الحياة، ومن يعش * ثمانين حولا، لا أبا لك، يسأم * وأقسط أي أعدل والقسط: العدل، يقال: أقسط إذا عدل. وقسط يقسط قسوطا: إذا جار. والقسط: الحصة. المعنى: لما أمر سبحانه بإنظار المعسر، وتأجيل دينه، عقبه ببيان أحكام الحقوق المؤجلة، وعقود المداينة، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (إذا تداينتم) أي: تعاملتم، وداين بعضكم بعضا (بدين) قيل فيه قولان أحدهما: إنه على وجه التأكيد، وتمكين المعنى في النفس كقوله تعالى: (ولا طائر يطير بجناحيه) والآخر: إنه إنما قال (بدين) لأن (تداينتم) قد يكون بمعنى تجازيتم من الدين الذي هو الجزاء. وقد يكون بمعنى تعاملتم بدين، فقيده بالدين لتلخيص اللفظ من الإشتراك.. (إلى اجل مسمى) أي: وقت مذكور معلوم بالتسمية. قال ابن عباس: إن الآية وردت في السلم خاصة، وكان يقول: أشهد أن الله أباح السلم المضمون إلى أجل معلوم، وأنزل فيه أطول آية من كتابه، وتلا هذه الآية. وظاهر الآية يقع على كل دين مؤجل، سلما كان أو غيره، وعليه المفسرون والفقهاء. (فاكتبوه) معناه فاكتبوا الدين في صك، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وليكون ذلك توثقة للحق، ونظرا للذى له الحق، وللذي عليه الحق، وللشهود. فوجه النظر للذي له الحق أن يكون حقه موثقا بالصك والشهود، فلا يضيع حقه. ووجه النظر للذي عليه الحق أن يكون أبعد به من الجحود، فلا يستوجب النقمة والعقوبة. ووجه النطر للشهود أنه إذا كتب بخطه، كان ذلك أقوم للشهادة، وأبعد من السهو، وأقرب إلى الذكر. واختلف في هذا الأمر، فقيل: هو مندوب إليه، عن أبي سعيد الخدري، والحسن والشعبي، وهو الأصح، وعليه الأكثر. وقيل: هو فرض، عن الربيع وكعب. ويدل على صحة القول الأول قوله: (فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي اؤتمن أمانته). والمفهوم من هذا الظاهر: فإن ائتمنه على ما له أن يأتمنه عليه. ثم بين كيفية الكتابة فقال (وليكتب بينكم كاتب بالعدل) يعني: وليكتب كتاب المداينة، أو البيع بين المتعاقدين، كاتب بالقسط والإنصاف والحق، لا يزيد فيه، ولا ينقص منه في صفة ولا مقدار، ولا يستبدل، ولا يكتب شيئا يضر بأحدهما إلا بعلمه.

[ 220 ]

(ولا يأب كاتب) أي: ولا يمتنع كاتب من (أن يكتب) الصك على الوجه المأمور به (كما علمه الله) من الكتابة بالعدل. وقيل: كما فضله الله تعالى بتعليمه إياه، فلا يبخل على غيره بالكتابة واختلف في الكتابة هل هي فرض أم لا فقيل: هي فرض على الكفاية، كالجهاد ونحوه، عن الشعبي وجماعة من المفسرين، واختاره الرماني والجبائي، وجوز الجبائي أن يأخذ الكاتب والشاهد الأجرة على ذلك. قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: وعندنا لا يجوز ذلك، والورق الذي يكتب فيه على صاحب الدين دون من عليه الدين، ويكون الكتاب في يده، لأنه له. وقيل: واجب على الكاتب أن يكتب في حال فراغه، عن السدي. وقيل: واجب عليه أن يكتب إذا أمر، عن مجاهد وعطا. وقيل: إن ذلك في الموضع الذي لا يقدر فيه على كاتب غيره، فيضر بصاحب الدين إن امتنع، فإذا كان كذلك فهو فريضة، وإن قدر على كاتب غيره فهو في سعة إذا قام به غيره، عن الحسن. وقيل: كان واجبا، ثم نسخ بقوله (ولا يضار كاتب ولا شهيد)، عن الضحاك. (فليكتب) أمر للكاتب أي: فليكتب الصك على الوجه المأمور به، وكانت الكتبة على عهد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فيهم قلة، فلذلك أكد بقوله (فليكتب) إذ الجمع بين الأمر بالشئ، والنهي عن تركه، أدعى إلى فعله، من الإقتصار على أحدهما. ثم بين سبحانه كيفية الإملاء على الكاتب، فقال سبحانه: (وليملل الذي عليه الحق) يعني المديون يقر على نفسه بلسانه، ليعلم ما عليه فليكتب (وليتق الله ربه) أي: الذي عليه الحق في الإملاء (ولا يبخس) أي: ولا ينقص (منه) أي: من الحق (شيئا) لا من قدره، ولا من صفته. ثم بين الله تعالى حال من لا يصح منه الإملاء، فقال: (فإن كان الذي عليه الحق سفيها) أي: جاهلا بالإملاء، عن مجاهد. وقيل: صغيرا طفلا، عن السدي والضحاك. وقيل: عاجزا أحمق، عن ابن زيد (أو ضععيفا) أي: ضعيف العقل من عته أو جنون، وقيل: شيخا خرفا (أو لا يستطيع أن يمل هو) أي: مجنونا. وقيل: عييا أخرس، عن ابن عباس. وقيل: الأقرب أن يحمل على ثلاث صفات، لكيلا يؤدي إلى التكرار. ثم اختلف في ذلك فقيل: السفيه: المجنون، والضعيف: الصغير، ومن لا يستطيع أن يمل: الأخرس ونحوه، ثم يدخل في كل واحد من هو في معناه. وقيل:

[ 221 ]

السفيه المبذر، والضيف: الصبي المراهق، ومن لا يستطيع أن يمل: المجنون، عن القاضي. (فليملل وليه بالعدل) قيل: معناه فليملل ولي الذي عليه الحق، إذا عجز عن الإملاء بنفسه، عن الضحاك وابن زيد. وقيل: معناه ولي الحق وهو الذي له الحق، عن ابن عباس، لأنه أعلم بدينه، فيملي بالحق والعدل. ثم أمر سبحانه بالاشهاد فقال (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) يعني: اطلبوا الشهود، وأشهدوا على المكتوب رجلين من رجالكم أي: من أهل دينكم. وقال مجاهد: من الأحرار العالمين البالغين المسلمين، دون العبيد والكفار. والحرية ليست بشرط عندنا في قبول الشهادة، وإنما اشترط الإسلام مع العدالة، وبه قال شريح والليثي وأبو ثور. وقيل: هذا أمر للقضاة بأن يلتمسوا عند القضاء بالحق شهيدين من المدعي عند إنكار المدعى عليه، فيكون السين في الحالتين سين السؤال والطلب. (فإن لم يكونا رجلين) يعني: فإن لم يكن الشهيدان رجلين (فرجل وامرأتان) أي: فليكن رجل وامرأتان، أو فليشهد رجل وامرأتان (ممن ترضون من الشهداء) عدالته. وهذا يدل على أن العدالة شرط في الشهود، ويدل أيضا على أنا لم نتعبد بإشهاد مرضيين على الإطلاق لقوله: (ممن ترضون)، ولم يقل من المرضيين، لأنه لا طريق لنا إلى معرفة من هو مرضي عند الله تعالى، وإنما تعبدنا بإشهاد من هو مرضي عندنا في الظاهر، وهو من نرضى دينه وأمانته، ونعرفه بالستر والصلاح. (أن تضل إحداهما) أي: تنسى إحدى المرأتين. (فتذكر إحداهما الأخرى) قيل: هو من الذكر الذي هو ضد النسيان، عن الربيع والسدي والضحاك وأكثر المفسرين. والتقدير: فتذكر إحداهما الأخرى الشهادة التي تحملتاها. ومن قرأ (فتذكر) بالتخفيف من الإذكار: فهو بهذا المعنى أيضا أي: يقول لها هل تذكرين يوم شهدنا في موضع كذا، وبحضرتنا فلان أو فلانة، حتى تذكر الشهادة. وهذا النسيان يغلب على النساء، أكثر مما يغلب على الرجال. وقيل: هو من الذكر أي: يجعلها كذكر من الرجال، عن سفيان بن عيينة، والأول أقوى. فإن قيل: لم كرر لفظة إحداهما ؟ وهلا قال: فتذكرها الأخرى ؟ فجوابه على وجهين أحدهما: إنه إنما كرر ليكون الفاعل مقدما على المفعول، ولو قال فتذكرها

[ 222 ]

الأخرى، لكان قد فصل بين الفعل والفاعل بالمفعول، وذلك مكروه والثاني: ما قاله حسين بن علي المغربي: إن معناه أن تضل إحدى الشهادتين أي: تضيع بالنسيان، فتذكر إحدى المرأتين الأخرى، لئلا يتكرر لفظ إحداهما بلا معنى، ويؤيد ذلك أنه لا يسمى ناسي الشهادة ضالا، ويقال: ضلت الشهادة: إذا ضاعت، كما قال سبحانه: (قالوا ضلوا عنا) أي: ضاعوا منا. ثم خاطب سبحانه الشهود فقال: (ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا) وفي معناه ثلاثة أقوال أحدها: إن معناه ولا يمتنع الشهداء إذا دعوا لإقامة الشهادة، عن مجاهد وعطا وسعيد بن جبير. وهذا إذا كانوا عالمين بالشهادة على وجه لا يرتابون فيه، ولم يخافوا من أدائها ضررا. والثاني: إن معناه إذا دعوا لإثبات الشهادة وتحملها، عن قتادة والربيع والثالث: إن معناه إذا دعوا إلى إثبات الشهادة وإلى إقامتها، عن ابن عباس والحسن، وعن أبي عبد الله " عليه السلام " وهو أولى، لأنه أعم فائدة. (ولا تسأموا) أي: ولا تضجروا، ولا تملوا (أن تكتبوا) أي: تكتبوا الحق (صغيرا) كان الحق (أو كبيرا). وقيل: إن هذا خطاب للشاهد، ومعناه: لا تملوا أن تكتبوا الشهادة على الحق (إلى أجله) أي: إلى أجل الدين. وقيل: معناه إلى أجل الشاهد أي: إلى الوقت الذي تجوز فيه الشهادة، والأول أقوى (ذلكم) الكتاب، أو كتابة الشهادة والصك. (أقسط) أي: أعدل (عند الله) لأنه سبحانه أمر به، واتباع أمره أعدل من تركه (وأقوم للشهادة) أي: أصوب للشهادة، وأبعد من الزيادة والنقصان، والسهو والغلط والنسيان. وقيل: معناه أحفظ للشهادة، مأخوذ من القيام على الشئ: بمعنى الحفظ. (وأدنى ألا ترتابوا) أي: أقرب إلى أن لا تشكوا في مبلغ الحق والأجل (إلا أن تكون تجارة) معناه: إلأ أن تقع تجارة أي: مداينة ومبايعة حاضرة حالة يدا بيد. ومن قرأ بالنصب فمعناه: إلا أن تكون التجارة تجارة (حاضرة تديرونها بينكم) أي: تتناقلونها من يد إلى يد، نقدا لا نسيئة. (فليس عليكم جناح) أي: حرج وضيق (ألا تكتبوها) ومعناه: فليس عليكم إثم في ترك كتابتها، لأن الكتابة للوثيقة ولا يحتاج إلى الوثيقة إلا في النسيئة دون النقد (وأشهدوا إذا تبايعتم) أي: وأشهدوا الشهود على بيعكم إذا تبايعتم. وهذا أمر على الإستحباب والندب، عن الحسن وجميع الفقهاء. وقال أصحاب الظاهر: الإشهاد فرض في التبايع (ولا يضار كاتب ولا شهيد) أصله يضارر بكسر الراء الأولى، عن

[ 223 ]

الحسن وقتادة وعطا وابن زيد. فيكون النهي للكاتب والشاهد عن المضارة. فعلى هذا فمعنى المضارة أن يكتب الكاتب ما لم يمل عليه، ويشهد الشاهد بما لم يستشهد فيه، أو بأن يمتنع من إقامة الشهادة. وقيل: الأصل فيه لا يضارر بفتح الراء الأولى، عن ابن مسعود ومجاهد، فيكون معناه: لا يكلف الكاتب الكتابة في حال عذر، ولا يتفرغ إليها، ولا يضيق الأمر على الشاهد بأن يدعى إلى إثبات الشهادة وإقامتها في حال عذر، ولا يعنف عليهما. قال الزجاج والأول أبين لقوله: (وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم) فالفاسق أشبه بغير العدل، وبمن حرف الكتاب منه بالذى دعا شاهدا ليشهد أو دعا كاتبا ليكتب، وهو مشغول. وقال غيره: معناه وإن تفعلوا مضارة الكاتب والشهيد، فإن المضارة في الكتابة والشهادة فسوق بكم أي: خروج عما أمر الله سبحانه به. (واتقوا الله) فيما أمركم به، ونهاكم عنه (ويعلمكم الله) ما تحتاجون إليه من أمور دينكم (والثه بكل شئ عليم) أي: عليم بذلك، وبكل ما سواه من المعلومات. وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن في البقرة خمسمائة حكم، وفي هذه الآية خاصة خمسة عشر حكما. (* وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذى اؤتمن أمانته وليتق الله ربه ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه ءاثم قلبه والله بما تعملون عليم [ 283 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو: (فرهن) على وزن فعل. والباقون: (فرهان) على وزن فغال. الحجة: قال أبو علي: الرهن مصدر، ولما نقل فسمي به، كسر كما تكسر الأسماء. وجمع على بناءين من أبنية الجموع، وهو فعل وفعال، وكلاهما من أبنية الكثير. وقد يخفف العين من رهن كما خفف في (رسل، وكتب). ومثل رهن ورهن: سقف وسقف، وقال الأعشى: * آليت لا أعطيه من أبنائنا، * رهنا فيفسدهم كمن قد أفسدا * اللغة: يقال: رهنت عند الرجل رهنا. ورهنته رهنا. وأنا أرهنه: إذا وضعته

[ 224 ]

عنده. ورهنته ضيعة. وقالوا: أرهنته أيضا. وفعلت فيه أكثر. قال (1): * يراهنني فيرهنني بنيه، * وأرهنه بني بما أقول * قال الأصمعي من روى بيت ابن همام: * فلما خشيت أظافيرهم * نجوت وأرهنتهم مالكا * فقد أخطأ، إنما الرواية وأرهنهم مالكا كما تقول وثبت إليه وأصك عينه، ونهضت إليه وآخذ بشعره، وتقول: أرهنت لهم الطعام أي: أدمته لهم. وأرهيته بمعناه. والطعام راهن وراه. وقد أرهنت في ثمن السلعة: إذا أسلفت فيه. قال: (عيدية أرهنت فيها الدنانير) (2). وأما قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لا يغلق الرهن " فمعناه أن يقول الراهن: إن جئتك بفكاكه إلى شهر، وإلا فهو لك بالدين، فهذا باطل بلا خلاف. المعنى: ثم ذكر سبحانه حكم الوثيقة بالرهن، عند عدم الوثيقة بالإشهاد، فقال: (وإن كنتم) أيها المتداينون المتبايعون (على سفر) أي: مسافرين (ولم تجدوا كاتبا) للصك، ولا شهودا تشهدونهم (فرهان مقبوضة) تقديره: فالوثيقة رهن، فيكون رهن خبر مبتدأ محذوف، ويجوز أن يكون التقدير: فرهان مقبوضة يقوم مقام الوثيقة بالصك، والشهود. والقبض شرط في صحة الرهن، فإن لم يقبض لم ينعقد الرهن بالإجماع. (فإن أمن بعضكم بعضا) أي: فإن أمن صاحب الحق الذي عليه الحق، ووثق به، وائتمنه على حقه، ولم يستوثق منه بصك ولا رهن (فليؤد الذي اؤتمن) أي: الذي عليه الحق (امانته) بأن لا يجحد حقه، ولا يبخس منه شيئا، ويؤديه إليه وافيا وقت محله، من غيرمطل، ولا تسويف. وأراد بقوله (أمانته) أي: ما اؤتمن فيه فهو مصدر بمعنى المفعول. (وليتق الله ربه) معناه: وليتق الذي عليه الحق عقوبة الله ربه، فيما ائتمن عليه بجحوده، أو النقصان منه (ولا تكتموا الشهادة) يعني بعد تحملها، وهو خطاب للشهود، ونهي لهم عن كتمان الشهادة إذا دعوا إليها (ومن يكتمها) أي: ومن يكتم


(1) وهو أحيحة بن الجلاح. (2) عيدية: نوق من كرام النجائب منسوبة إلى فحل منجب، والقائل: رذاذ الكلبي، وله: " ظلت تجول بها البلدان ناجية ". (*)

[ 225 ]

الشهادة مع علمه بالمشهود به، وعدم ارتيابه فيه، وتمكنه من أدائها من غير ضرر بعد ما دعي إلى إقامتها (فانه آثم قلبه) أضاف الإثم إلى القلب، وإن كان الآثم هو الجملة، لأن اكتساب الإثم بكتمان الشهادة يقع بالقلب، لأن العزم على الكتمان إنما يقع بالقلب، ولأن إضافة الإثم إلى القلب أبلغ في الذم، كما ان إضافة الإيمان إلى القلب أبلغ في المدح. قال تعالى: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان). (والله بما تعملون) أي: ما تسرونه، وتكتمونه (عليم). وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " لا ينقضي (1) كلام شاهد زور من بين يدي الحاكم، حتى يتبوأ مقعده من النار " وكذلك من كتم الشهادة. وفي قوله تعالى: (فإن أمن بعضكم بعضا) دلالة على ان الإشهاد والكتابة في المداينة، ليسا بواجبين، وإنما هو على، سبيل الإحتياط. وتضمنت هذه الآية وما قبلها من بدائع لطف الله تعالى، ونظره لعباده في أمر معاشهم، ومعادهم، وتعليمهم ما لا يسعهم جهله، ما فيه بصيرة لمن تبصر، وكفاية لمن تفكر. (لله مافى السماوات وما في الأرض وإن تبدوا مافى أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشآء ويعذب من يشآء والله على كل شئ قدير [ 284 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب: (فيغفر، ويعذب) بالرفع. وقرأ الباقون بالجزم فيهما. الحجة: قال أبو علي: وجه قول من جزم أنه أتبعه ما قبله، ولم يقطعه منه، وهذا أشبه بما عليه كلامهم. ألا ترى أنهم يطلبون المشاكلة، ويلزمونها. فمن ذلك: إن ما كان معطوفا على جملة من فعل وفاعل، واشتغل عن الإسم الذي من الجملة التي يعطف عليها الفعل، يختار فيه النصب ولو لم يكن قبله الفعل والفاعل لاختاروا الرفع. وعلى هذا ما جاء في التنزيل نحو قوله: (وكلا ضربنا له الأمثال)، وقوله: (فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة) فكذلك ينبغي أن يكون الجزم أحسن ليكون مشاكلا لما قبله في اللفظ، وهذا النحو من طلبهم المشاكلة كثير. ومن


(1) [ لا ينقضي لا ينقضي ]. (*)

[ 226 ]

لم يجزم قطعه من الأول، وقطعه منه على أحد وجهين: إما أن يجعل الفعل خبرا لمبتدأ محذوف، وإما أن يعطف جملة من فعل وفاعل على ما تقدمها. المعنى: (لله ما في السماوات وما في الأرض) اللام لام الملك أي: له تصريف السموات والأرض، وما فيهما، وتدبيرهما، لقدرته على ذلك، ولأنه الذي أبدعهما وأنشأهما. فجميع ذلك ملكه، وما ملكه يصرفه كما يشاء (وإن تبدوا ما في أنفسكم) وتعلنوه أي: تظهروا ما في أنفسكم من الطاعة، والمعصية (أو تخفوه) أي: تكتموه (يحاسبكم به الله) أي: يعلم الله ذلك، فيجازيكم عليه. وقيل: معناه إن تظهروا الشهادة أو تكتموها، فإن الله يعلم ذلك، ويجازيكم به، عن ابن عباس وجماعة. وقيل: إنها عامة في الأحكام التي تقدم ذكرها في السورة. خوفهم الله سبحانه من العمل بخلافها. وقال قوم: إن هذه الآية منسوخة بقوله: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها)، ورووا في ذلك خبرا ضعيفا. وهذا لا يصح لأن تكليف ما ليس في الوسع غير جائز، فكيف ينسخ ؟ وإنما المراد بالآية ما يتناوله الأمر والنهي، من الإعتقادات والإرادات وغير ذلك مما هو مستور عنا. فأما ما لا يدخل في التكليف من الوساوس والهواجس، وما لا يمكن التحفظ عنه من الخواطر، فخارج عنه لدلالة العقل، ولقوله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " تجوز لهذه الأمة عن نسيانها، وما حدثت به أنفسها ". فعلى هذا يجوز أن تكون الآية الثانية بينت للأولى، وأزالت توهم من صرف ذلك إلى غير وجهه، وظن أن ما يخطر بالبال، أو تتحدث به النفس، مما لا يتعلق بالتكليف، فإن الله يؤاخذ به، والأمر بخلاف ذلك. وقوله (فيغفر لمن يشاء) أي: يغفرلمن يشاء منهم، رحمة وفضلا. (ويعذب من يشاء) منهم ممن يستحق العقاب عدلا (والله على كل شئ قدير) من المغفرة والعذاب، عن ابن عباس. ولفظ الآية عام في جميع الأشياء. والقول فيما يخطر بالبال من المعاصي إن الله تعالى لا يؤاخذ به، وإنما يؤاخذ بما يعزم الإنسان ويعقد قلبه عليه، مع إمكان التحفظ عنه، فيصير من أفعال القلب، فيجازيه به كما يجازيه بأفعال الجوارح. وإنما يجازيه جزاء العزم، لا جزاء عين تلك المعصية، لأنه لم يباشرها. وهذا بخلاف العزم على الطاعة، فإن العازم على فعل الطاعة يجازى على عزمه ذلك، جزاء تلك الطاعة، كما جاء في الأخبار: " إن المنتظر للصلاة في

[ 227 ]

الصلاة ما دام ينتظرها " ". وهذا من لطائف نعم الله تعالى على عباده. النظم: ذكر في كيفية اتصال هذه الآية بما قبلها وجوه أحدها: إنه لما فرغ من بيان الشرائع، ختم السورة بالتوحيد والموعطة والإقرار بالجزاء والثاني: إنه لما قال: (والله بكل شئ عليم) أتبعه بأنه لا يخفى عليه شئ، لأن له ملك السموات والأرض، عن أبي مسلم والثالث: إنه لما أمر بهذه الوثائق، بين أنه إنما يعتد بها لأمر يرجع إلى المكلفين، لا لأمر يرجع إليه، فإن له ما في السموات وما في الأرض. (ءامن الرسول بمآ أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل ءامن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير [ 285 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (وكتابه). والباقون: (وكتبه) على الجمع. وقرأ يعقوب: (لا يفرق) بالياء. والباقون بالنون. الحجة: من قرأ (كتابه) على الواحد ففيه وجهان أحدهما: إنه بمعنى القرآن. والثاني: إنه بمعنى الجنس. فيوافق القراءة الأخرى على الجمع. وقد جاء المضاف من الأسماء بمعنى الكثرة نحو قوله (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها). وفي الحديث: " منعت العراق درهمها وقفيزها ". فهذا يراد به الكثرة، كما يراد بما فيه لام التعريف والإختيار فيه الجمع، ليشاكل ما قبله وما بعده، ولأن أكثر القراء عليه. ومن قرأ (لا يفرق): فعلى تقدير: لا يفرق الرسول، أو كل لا يفرق. والنون على تقدير: وقالوا لا نفرق، كقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم) ربنا أبصرنا وسمعنا أي: ريقولون ربنا أبصرنا. الاعراب: (غفرانك): نصب على أنه بدل من الفعل المأخوذ منه، فكأنه قيل: اللهم اغفر لنا غفرانك. واستغنى بالمصدر عن الفعل في الدعاء، فصار بدلا عنه معاقبا له. المعنى: لما ذكر الله تعالى فرض الصلاة والزكاة، وأحكام الشرع، وأخبار الأنبياء، ختم السورة بذكر تعظيمه وتصديق نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم " بجميع ذلك، فقال: (آمن

[ 228 ]

الرسول) أي: صدق محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (بما أنزل إليه من ربه) من الأحكام المذكورة في السورة، وغيرها (والمؤمنون كل) أي: كل واحد منهم (آمن بالله) أي: صدق بإثباته وصفاته، ونفي التشبيه عنه، وتنزيهه عما لا يليق به (وملائكته) أي: وبملائكته، وبأنهم معصومون مطهرون (وكتبه) أي: وبأن القرآن، وجميع ما أنزل من الكتب حن وصدق (ورسله) وبجميع أنبيائه (لا نفرق بين أحد من رسله) أي: ويقولون لا نفرق بين أحد من رسل الله في الإيمان، بأن نؤمن ببعض، ونكفر ببعض، كما فعله أهل الكتاب من اليهود والنصارى. (وقالوا سمعنا وأطعنا) معناه: سمعنا قولك، وأطعنا أمرك إذا جعلته راجعا إلى الله، أو سمعنا قوله وأطعنا أمره، إذا جعلته راجعا إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: معناه سمعنا قول الله، وقول الرسول، سماع القائلين (1) المطيعين، وذلك خلاف ما أخبر الله تعالى عن الكفار، حيث قالوا: سمعنا وعصينا. (غفرانك ربنا) أي: يقولون: يا ربنا اغفر لنا. وقيل: معناه يقولون: نسألك غفرانك (وإليك المصير) معناه: إلى جزائك المصير. فجعل مصيرهم إلى جزائه مصيرا إليه، كقول إبراهيم: (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) ومعناه: إلى ثواب ربي، أو إلى ما أمرني به ربي. وهذا هو إقرار بالبعث والنشور. (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ 286 ]). اللغة: الوسع: ما دون الطاقة، ويسمى ذلك وسعا بمعنى أنه يسع الإنسان، ولا يضيق عنه. وأخطأنا أي: كسبنا خطيئة. وقال أبو عبيدة: أخطأ وخطئ لغتان. والفرق بين أخطأ وخطئ أن أخطأ قد يكون على وجه الإثم وغير الإثم. فأما خطئ فالإثم لا غير. قال الشاعر: * والناس يلحون الأمير إذا هم * خطئوا الصواب، ولا يلام المرشد (2) *


(1) [ والمؤمنين ]. (2) قائله: عبيد بن الأبرص جاهلي قديم. ولحى فلانا: لامه وسبه. (*)

[ 229 ]

والإصر في اللغة: الثقل. قال النابغة: * يا مانع الضيم أن يغشى سراتهم، * والحامل الإصر عنهم بعدما غرقوا (1) * وكل ما عطفك على شئ من عهد أو رحم، فهو إصر وجمعه آصار. ويقال أصره يأصره أصرا. والإسم الأصر. قال النابغة: * يا بن الحواضن، والحاضنا * ت أتنقض إصرك حالا فحالا * أي: عهدك. والآصرة: صلة الرحم للعطف لها، قال الكميت: * نضحت أديم الود بيني وبينهم، * بآصرة الأرحام لوتتبلل (2) * المعنى: ثم بين سبحانه أنه فيما أمر ونهى لا يكلف إلا دون الطاقة، فقال: (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) أي: لا يأمر ولا ينهى أحدا إلا ما هو له مستطيع. وقيل: إن معنى قوله (إلا وسعها) إلا يسرها دون عسرها، ولم يكلفها طاقتها، ولو كلفها طاقتها لبلغ المجهود منها، عن سفيان بن عيينة. وهذا قول حسن، وفي هذا دلالة علن بطلان قول المجبرة في تجويز تكليف العبد ما لا يطيقه، لأن الوسع هو ما يتسع له قدرة الإنسان، وهو فوق المجهود واستفراغ القدرة. وقال بعضهم: إن معناه إلا ما يسعها، ويحل لها. وهذا خطأ، لأن من قال لعبده: لا آمرك إلا بما أطلق لك (3) أن تفعله، لكان ذلك غيا منه، وخطأ لأن نفس أمره إطلاق، فكأنه قال: لا أطلق لك، ولا آمرك إلا بما آمرك. وقوله (لها ما كسبت) معناه: لها ثواب ما كسبت من الطاعات (وعليها) جزاء (ما اكتسبت) من السيئات. ويجوز أيضا أن يسمى الثواب والعقاب كسبا من حيث حصلا بكسبه (ربنا لا تؤاخذنا) قيل: تقديره قولوا ربنا على جهة التعليم للدعاء، عن الحسن. وقيل: تقديره يقولون ربنا على جهة الحكاية والثناء (إن نسينا أو أخطأنا) قيل فيه وجوه أحدها: إن المراد بنسينا: تركنا، كقوله تعالى (نسوا الله فنسيهم) أي: تركوا طاعته فتركهم من ثوابه، وقوله. (وتنسون أنفسكم) ومنه قول الشاعر: * ولم أك عند الجود للجود قاليا، * ولا كنت يوم الروع للطعن ناسيا (4) *


(1) الضيم: الظلم. وسراة القوم: سادتهم. (2) بل رحمه: وصله. (3) [ إلا ما أطلق لك ]. (4) القالي: المبغض. (*)

[ 230 ]

أي: تاركا. والمراد بأخطانا: أذنبنا، لأن المعاصي توصف بالخطأ من حيث إنها ضد الصواب، وإن كان فاعلها متعمدا، فكأنه تعالى أمرهم أن يستغفروا مما تركوه من الواجبات، ومما فعلوه من المقبحات والثاني: معنى قوله (إن نسينا): إن تعرضنا لأسباب يقع عندها النسيان عن الأمر، والغفلة عن الواجب، أو أخطأنا أي: تعرضنا لأسباب يقع عندها الخطأ، ويحسن الدعاء بذلك كما يحسن الإعتذار منه والثالث: إن معناه: لا تؤاخذنا إن نسينا أي: إن لم نفعل فعلا يجب فعله على سبيل السهو والغفلة، أو أخطأنا أي: فعلنا فعلا يجب تركه من غير قصد. ويحسن هذا في الدعاء على سبيل الإنقطاع إلى الله تعالى، وإظهار الفقر إلى مسألته، والإستعانة به، وإن كان مأمونا منه المؤاخذة بمثله. ويجري ذلك مجرى قوله فيما بعد: (ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) على أحد الأجوبة. وقوله: (رب احكم بالحق). وقد تقدم ذكر أمثاله والرابع: ما روي عن ابن عباس وعطاء أن معناه لا تعاقبنا إن عصينا جاهلين، أو متعمدين. وقوله: (ربنا ولا تحمل علينا إصرا) قيل فيه وجهان أحدهما: إن معناه لا تحمل علينا عملا (2) نعجز عن القيام به، ولا تعذبنا بتركه ونقضه، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والربيع والسدي والثاني: إن معناه لا تحمل علينا ثقلا، عن الربيع ومالك وعطاء. يعني لا تشدد الأمر علينا. (كما حملته على الذين هن قبلنا) أي: على الأمم الماضية، والقرون الخالية، لأنهم كانوا إذا ارتكبوا خطيئة عجلت عليهم عقوبتها، وحرم عليهم بسببها ما أحل لهم من الطعام، كما قال تعالى (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) وأخذ عليهم من العهود والمواثيق، وكلفوا من أنواع التكاليف ما لم يكلف هذه الأمة تخفيفا عنها. (ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به) قيل فيه وجوه أحدها: إن معناه ما يثقل علينا تحمله من أنواع التكاليف والإمتحان، مثل قتل النفس عند التوبة. وقد يقول الرجل لأمر يصعب عليه: إني لا أطيقه. والثاني: إن معناه ما لا طاقة لنا به من العذاب عاجلا وآجلا والثالث: إنه على سبيل التعبد، وإن كان تعالى لا يكلف، ولا يحمل أحدا ما لا يطيقه، كما ذكرنا قبل (واعف عنا) ذنوبنا (واغفر لنا) خطايانا أي: استرها (وارحمنا) بإنعامك علينا في الدنيا، والعفو في الآخرة، وإدخال الجنة


(1) وفي جملة من النسخ " عهدا " بدل " عملا ". (*)

[ 231 ]

(أنت مولانا) أي: ولينا وأولى بالتصرف فينا، وناصرنا (فانصرنا على القوم الكافرين) أي: أعنا عليهم بالقهر لهم، والغلبة بالحجة عليهم. وقد روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن الله سبحانه قال عند كل فصل من هذا الدعاء: فعلت واستجبت ". ولهذا استحب الإكثار من هذا الدعاء. ففي الحديث المشهور عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفتاه " أي: كفتا قيام ليلته. وعن عبد الله بن مسعود قال: (لما أسري برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " انتهي به إلى سدرة المنتهى، وأعطي ثلاثا: الصلوات الخمس، وخواتيم سورة البقرة، وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته إلا المقحمات " (1). وعن ابن المنكدر رفعه إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " في آخر سورة البقرة آيات، إنهن قرآن، وإنهن دعاء، وإنهن يرضين الرحمن ". وفي تفسير الكلبي بإسناده ذكره، عن ابن عباس قال: (بينا رسول الله إذ سمع نقيضا - يعني صوتا - فرفع رأسه فإذا باب من السماء قد فتح، فنزل عليه ملك، وقال: إن الله يبشرك بنورين لم يعطهما نبيا قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لا يقرأهما أحد إلا أعطيته حاجته ". وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: كان الرجل إذا تعلم سورة البقرة، جد فينا أي: عظم.


(1) أي: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار أي: تلقيهم فيها. (*)

[ 232 ]

سورة آل عمران مدنية وآياتها مائتان هي كلها مدنية، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد وجميع المفسرين. عدد آيها مائتان إلا آية شامي. ومائتان في الباقين خلافها في سبع آيات. عد الكوفي الم آية. والإنجيل الثانية آية. وترك وأنزل الفرقان. وعد البصري ورسولا إلى بني إسرائيل آية. وترك الشامي التوراة والإنجيل الأول. وعد مقام إبراهيم، هو وأبو جعفر. وترك أبو جعفر مما تحبون. وعد أهل الحجاز حتى تنفقوا مما تحبون. فضلها: روى أبي بن كعب عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من قرأ سورة آل عمران أعطي بكل آية منها أمانا على جسر جهنم ". ابن عباس قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من قرأ سورة آل عمران يوم الجمعة صلى الله عليه وملائكته حتى، تجب الشمس ". بريدة قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " تعلموا سورة البقرة، وسورة آل عمران، فإنهما الزهراوان، وإنهما تظلان صاحبهما يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف ". بسم الله الرحمان الرحيم الم [ 1 ] الله لآ إله إلا هو الحى القيوم [ 2 ] نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل [ 3 ] من قبل هدى للناس وأنزل الفرقان إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد والله عزيز ذو انتقام [ 4 ] إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء [ 5 ]). خمس H يات بلا خلاف، إلا أن الكوفي عد الم آية، وترك وأنزل الفرقان. وغيرهم بالعكس من ذلك.

[ 233 ]

القراءة: قرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم: (الم الله) بسكون الميم وقطع همزة الله. وقرأ الباقون موصولا، وبفتح الميم. وروي في الشواذ عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وعن زيد بن علي بن الحسين، وعن جعفر بن محمد الصادق، وعن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": (الحي القيام). وروي عن الحسن: (الأنجيل) بفتح الهمزة. الحجة: قال أبو علي: إتفاق الجميع على إسقاط الألف الموصولة في إسم الله تعالى، دل على أن الميم ساكنة، كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف. فلما التقت الميم الساكنة، ولام التعريف، حركت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام التعريف. والدليل على أن التحريك للساكن الثالث، وهو مذهب سيبويه أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان، نحو: حاميم عين سين قاف. وذلك أنها مبنية على الوقف، كما أن أسماء العدد كذلك. فحركت الميم للساكن الثالث بالفتح، كما حركت النون في قوله (من الله) بالفتح لالتقاء الساكنين. وأما من قطع الألف فكأنه قدر الوقف على الميم، واستأنف فقطع الهمزة لابتدائه بها. وأما (القيام): فقد قال ابن جني إنه صفة على فيعال من قام يقوم، ومثله من الصفة الغيداق، وأصله من القيوام. إلتقت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغم فيها الياء. وقراءة الجماعة (القيوم): فيعول من هذا أيضا. وأما (الأنجيل) بفتح الهمزة، فمثال غير معروف النظير في كلامهم، لأنه ليس في كلامهم أفعيل بفتح الهمزة. ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج، لكنه عندهم عربي، وهو أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج. ومنه نجل الرجل لولده، لأنه استخرجهم من صلبه، ومن بطن امرأته. قال الأعشى: * أنجب أزمان والداه به * إذ نجلاه فنعم ما نجلا (1) * أي: أنجب والداه أزمان إذ نجلاه. ففصل بين المضاف الذي هو أزمان، وبين المضاف إليه الذي هو إذ كقولهم: حينئذ ويومئذ، بالفاعل. وقيل له (أنجيل) لأن به يستخرج علم الحلال والحرام، كما قيل توراة وهي فوعلة من وري الزند: إذا قدح، وأصله ووراة، فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء، كما قالوا: التجاه والتخمة والتكلان والتراث، من الوجه والوخامة والوكل والوراثة. فهي من ورى الزند: إذا


(1) أي: أتى بولد نجيب. (*)

[ 234 ]

ظهرت ناره. وذاك من نجل ينجل إذا استخرج لما في الكتابين من معرفة الحلال والحرام. وكما قيل لكتاب نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " الفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل. فالمعاني كما ترى معتنقة، وكلها الإظهار والإبراز، والفرق بين الأشياء. وقال علي بن عيسى: النجل الأصل، فكأن الإنجيل أصل من أصول العلم. وقال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل. فكأن الإنجيل فرع على التوراة يستخرج منها. وقال ابن فضال: هو من النجل وهو من السعة، يقال: عين نجلاء، وطعنة نجلاء. وكأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق على أهل التوراة، وكل محتمل. الاعراب: (مصدقا): نصب على الحال. وقوله: (من قبل) أي: من قبل إنزال الكتاب. فلما قطعه عن الإضافة، بناه على الضم. وموضع (هدى) نصب على الحال من التوراة والإنجيل أي: هاديين. ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هما هدى. النزول: قال الكلبي، ومحمد بن إسحاق، والربيع بن أنس: نزلت أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم، وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح. والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدارسهم. وكان قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه، وبنوا له الكنائس، لعلمه واجتهاده. فقدموا على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المدينة، ودخلوا مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية في جمال رجال بلحرث (1) بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس، وقاموا فصلوا في مسجد رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالت الصحابة: يا رسول الله ! هذا في مسجدك ؟ فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": دعوهم فصلوا إلى المشرق. فتكلم السيد والعاقب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فقال لهما رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": أسلما. قالا: قد أسلمنا قبلك. قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام


(1) هو في الأصل بني الحارث وهو من شواذ التخفيف. (*)

[ 235 ]

دعأوكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير. قالا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه ؟ وخاصموه جميعا في عيسى. فقال لهما النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء ؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ ويحفظه ويرزقه ؟ قالوا: بلى. قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا ؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض، ولا في السماء ؟ قالوا: بلى. قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم ؟ قالوا: لا. قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل، ولا يشرب، ولا يحدث. قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث ؟ قالوا: بلى. قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم ؟ فسكتوا. فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية. المعنى: إن الله تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد والايمان، إفتتح هذه السورة بالتوحيد والإيمان أيضا فقال: (الم) وقد ذكرنا الإختلاف فيه، وفي معناه، وفي محله في أول سورة البقرة. (الله لا إله إلا هو الحي القيوم) وقد ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي. وروي عن ابن عباس أنه قال: الحي القيوم إسم الله الأعظم، وهو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان " عليه السلام " في حمل عرش بلقيس من سبا إلى سليمان، قبل أن يرتد إليه طرفه (نزل عليك) يا محمد (الكتاب) يعني القرآن (بالحق) فيه قولان أحدهما: بالصدق في إخباره والثاني: بالحق أي: بما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حق من الوجهين. (مصدقا لما بين يديه) أي: لما قبله من كتاب ورسول، عن مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين. وإنما. قيل (لما بين يديه) لما قبله، لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه. وقيل في معنى (مصدقا) ههنا قولان أحدهما: إن معناه مصدقا لما بين يديه، وذلك لموافقته لما تقدم الخبر به، وفيه دلالة على صحة نبوته " صلى الله عليه وآله وسلم " من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا وهو عند الله علام الغيوب والثاني: إن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء، وبما أتوا به من الكتب، ولا يكون مصدقا للبعض، ومكذبا للبعض. (وأنزل التوراة) على موسى (والإنجيل) على عيسى (من قبل) أي: من

[ 236 ]

قبل إنزال القرآن (هدى للناس) مفعول له أي: دلالة وبيانا. وقيل: يعني به الكتب الثلاثة أي: ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه، وأهل كل زمان بما أنزل في زمانه. وقيل: إن (هدى للناس) حال من الكتاب أي: هاديا للناس (وأنزل الفرقان) يعني به القرآن. وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته، وإن كانت لموصوف واحد، لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى. فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج وغيره من الأحكام، وذلك كله في القرآن. ووصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب. وروى عبد اللة بن سنان، عن أبي عبد الله " عليه السلام " أنه قال: الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب، وهو الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء. وقيل: المراد بالفرقان الأدلة الفاصلة بين الحق والباطل، عن أبي مسلم. وقيل: المراد به الحجة القاطعة لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على من حاجه في أمر عيسى. وقيل: المراد به النصر. (إن الذين كفروا بآيات الله) أي: بحججه ودلالاته (لهم عذاب شديد) لما بين حججه الدالة على توحيده، وصدق أنبيائه، عقب ذلك بوعيد من خالف فيه، وجحده، ليتكامل به التكليف. (والله عزيز) أي: قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه، وأصل العزة: الإمتناع، ومنه أرض عزازاي: منيعة السلوك لصعوبتها. ومنه يقال من عزبز أي: من غلب سلب، لأن الغالب ممتنع عن الضيم. فالله تعالى عزيز أي: ممتنع من حيث إنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ. (ذو انتقام) أي: ذو قدرة على الإنتقام من الكفار، لا يتهيأ لأحد منعه. والإنتقام: مجازاة المسئ على إساءته (إن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء) لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته، مع نصب الأدلة على توحيده، وصدق أنبيائه، إقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شئ، فيكون في ذلك تحذير من الإغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية. فإن قيل: لم قال (لا يخفى عليه شئ في الأرض ولا في السماء)، ولم يقل: لا يخفى عليه شئ على وجه من الوجوه، فيكون أشد مبالغة ؟ قلنا: لأن الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء، والإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس، وأهول في الصدر، مع الدلالة على أنه عالم بكل شئ. فإن قيل: لم لم يقل إنه عالم بكل شئ في الأرض والسماء ؟ قلنا: لأن

[ 237 ]

الوصف بأنه لا يخفى عليه شئ، يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه، مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما لا يخفى عليه شئ لأنه عالم لنفسه، فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما، وما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له، فلا يجوز أن يخفى عليه شئ بوجه من الوجوه. (هو الذى يصوركم في الأرحام كيف يشآء لا إله إلا هو العزيز الحكيم [ 6 ]).. اللغة: التصوير: جعل الشئ على صورة لم يكن عليها. والصورة: هيئة يكون عليها الشئ في التأليف. وأصلها من صاره يصوره: إذا أماله، لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها. والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة، ليدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية والأرحام: جمع رحم، وأصله الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف، يقولون: وصلتك رحم. والمشيئة: هي الإرادة. الاعراب: (كيف): في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء. وجملة يشاء في موضع الحال من يصور أي: يصوركم في الأرحام أي: يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده. المعنى: (هو الذي يصوركم) أي: يخلق صوركم (في الأرحام كيف يشاء) على أي صورة شاء، وعلى أي صفة شاء، من ذكر أو أنثى، أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير. (لا إله إلا هو العزيز) في سلطانه (الحكيم) في أفعاله. ودلت الآية على وحدانية الله، وكمال قدرته، وتمام حكمته، حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة، وركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة. وقد تقرر في عقل كل عاقل ان العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة، ويصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويصرفونه، لم يقدروا على ذلك، ولا وجدوا إليه سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام ؟ فتبارك الله أحسن الخالقين. وهذا الإستدلال مروي عن جعفر بن محمد " عليه السلام ". (هو الذى أنزل عليك الكتاب منه ءايات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم فيتبعون ما تشابه منه ابتغآء الفتنة وابتغاء

[ 238 ]

تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون ءامنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلآ أولوا الألباب [ 7 ]). اللغة: المحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشئ: إذا ثقفته وأتقنته. وأم الكتاب: أصله. ومكة: أم القرى، ويقال لعلم الجيش: أم. وأصله أمهة، ولذلك يجمع على أمهات. وقد يقال: أمات أيضا. والمتشابه: الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض، أخذ من الشبه، لأنه يشتبه به المراد. والزيغ: الميل. وأزاغه: أماله. والتزايغ: التمايل في الأسنان. والابتغاء: الطلب. والفتنة: أصلها الإختبار، من قولهم: فتنت الذهب بالنار أي: اختبرته. وقيل: معناه خلصته. والتأويل التفسير. وأصله المرجع والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا: إذا صار إليه. وأولته تأويلا: إذا صيرته إليه، قال الأعشى: * على أنها كانت تأول حبها، * تأول ربعي السقاب فأصحبا (1) * أي: كان حبها صغيرا فآل إلى العظم، كما آل السقب وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر. والراسخون: الثابتون، يقال: رسخ رسوخا: إذا ثبت في موضعه، وأرسخه غيره. الاعراب: (منه آيات): جملة من مبتدأ وخبر في موضع النصب على الحال من (أنزل) وتقديره. أنزل الكتاب محكما ومتشابها. (هن أم الكتاب): جملة في موضع الرفع لكونها صفة لآيات. (وأخر): عطف على (آيات)، وهو صفة مبتدأ محذوف وتقديره: ومنه آيات أخر. و (متشابهات): صفة بعد صفة. و (أخر): غير منصرف. قال سيبويه: إن أخر فارقت أخواتها والأصل الذي عليه بناء أخواتها، لأن أخر أصلها أن يكون صفة بالألف واللام، كما يقال الصغرى والصغر. فلما عدل عن مجرى الألف واللام، وأصل أفعل منك، وهي مما لا تكون إلا صفة، منعت الصرف. وقال الكسائي: إنما لم تصرف لأنه صفة. وهذا غلط، لأن قولهم مال لبد وحطم منصرفان مع كونهما صفة. و (ابتغاء): نصب لأنه مفعول له في الموضعين. (وكل من عند ربنا):


(1) الربعي: نتاج الربيع. وأصحب الرجل: إذا بلغ ابنه. (*)

[ 239 ]

مبتدأ وخبر، وهو اسم دال على المضاف إليه كثير في الكلام، حذف المضاف إليه منه عند البصريين، ولا يجيزون إنا كلا فيها على الصفة، وأجازه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته عليه، إسما كان أو صفة، وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف إليه، لأن قبل ظرف يعرف وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف إليه، والإعراب الذي يدل على تنكيره بالإنفصال. وليس كذلك كل لأنه معرفة في الإفراد دون نكرة. فأما ليس غير فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر. المعنى: لما تقدم بيان إنزال القران، عقبه ببيان كيفية إنزاله، فقال: (هو الذي أنزل عليك) يا محمد (الكتاب) أي: القرآن (منه) أي: من الكتاب (آيات محكمات هن أم الكتاب) أي: أصل الكتاب (وأخر متشابهات) قيل في المحكم والمتشابه أقوال أحدها: إن المحكم ما علم المراد بطاهره من غير قرينة تقترن إليه، ولا دلالة تدل على المراد به، لوضوحه، نحو قوله تعالى (إن الله لا يظلم الناس شيئا ولا يظلم مثقال ذرة) ونحو ذلك، مما لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل. والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه لالتباسه نحو قوله (وأضله الله على علم) فإنه يفارق قوله: (وأضلهم السامري)، لأن إضلال السامري قبيح، وإضلال الله تعالى حسن. وهذا معنى قول مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه: ما اشتبهت معانيه. وإنما يقع الإشتباه في أمور الدين، كالتوحيد ونفي التشبيه والجور. ألا ترى أن قوله (ثم استوى على العرش) يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، وأن يكون بمعنى القهر والإستيلاء. والوجه الأول لا يجوز عليه سبحانه. وثانيها: إن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، عن ابن عباس وثالثها: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما يحتمل وجهين فصاعدا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وأبي علي الجبائي. ورابعها: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه: ما تتكرر ألفاظه كقصة موسى، وغير ذلك، عن ابن زيد وخامسها: إن المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم تعيين تأويله، كقيام الساعة، عن جابر بن عبد الله. وإنما وحد أم الكتاب ولم يقل هن أمهات الكتاب لوجهين أحدهما: إنه على

[ 240 ]

وجه الجواب، كأنه قيل: ما أم الكتاب ؟ فقال: هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد ؟ فيقال: نحن نظيره والثاني: إن الآيات بمجموعها أصل الكتاب وليست كل آية محكمة أم الكتاب، وأصله، لأنها جرت مجرى شئ واحد في البيان والحكمة، ومثله قوله: (وجعلنا ابن مريم وأمه) آية، ولم يقل آيتين، لأن شأنهما واحد في أنها جاءت به من غير ذكر، فلم تكن الآية لها إلا به، ولا له إلا بها. ولو أراد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقان آيتين. (فأما الذين في قلوبهم زيغ) أي: ميل عن الحق، وإنما يحصل الزيغ بشك، أو جهل (فيتبعون ما تشابه منه) أي: يحتجون به على باطلهم (ابتغاء الفتنة) أي: لطلب الضلال والإضلال، وإفساد الدين على الناس. وقيل: لطلب التلبيس على ضفاء الخلق، عن مجاهد. وقيل: لطلب الشرف والمال كما سمى الله المال فتنة في مواضع من كتابه. وقيل: المراد بالفتنة ها هنا الكفر، وهو المروي عن أبي عبد الله، وقول الربيع والسدي. (وابتغاء تأويله) ولطلب تأويله على خلاف الحق. وقيل: لطلب مدة أكل (1) محمد على حساب الجمل، وابتغاء معاقبته، ويدل على ذلك قوله (ذلك خير وأحسن تأويلا) أي: عاقبة، وقول العرب: تأول الشئ: إذا انتهى. وقال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أن ذلك، لا يعلمه إلا الله. ويدل على ذلك قوله (هل ينظرون إلا تأويله). واختلف في الذين عنوا بهذا فقيل: عني به وفد نجران، لما حاجوه في أمر عيسى، وسألوه، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه ؟ فقال: بلى. فقالوا: حسبنا. فأنزل الله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه) يعني أنهم قالوا إن الروح ما فيه بقاء البدن، فأجروه على ظاهره. والمسلمون يحملونه على أن بقاء البدن كان في وقته به، كما أن بقاء البدن بالروح. وقد قامت الدلالة على أن القديم تعالى ليس بذي أجزاء وأعضاء، وإنما يضاف الروح إليه تشريفا للروح، كما يضاف البيت إليه. ثم أنزل (إن مثل عيسي عند الله كمثل آدم خلقه من تراب)، عن الربيع. وقيل: هم اليهود طلبوا علم أكل هذه الأمة، واستخراجه بحساب الجمل، عن الكلبي. وقيل: هم المنافقون عن ابن


(1) الأكل بالضم وضمتين: الرزق والحظ من الدنيا. (*)

[ 241 ]

جريج. وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبائية (1)، عن قتادة. (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم) أي: الثابتون في العلم، الضابطون له، المتقنون فيه. واختلف في نظمه وحكمه على قولين أحدهما: إن الراسخون معطوف على الله بالواو، على معنى إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، وإلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه و (يقولون) على هذا في موضع النصب على الحال، وتقديره قائلين (آمنا به كل من عند ربنا) كقول ابن المفرغ الحميري: * الريح تبكي شجوة، * والبرق يلمع في غمامة * أي: والبرق يبكي أيضا لامعا في غمامة. وهذا قول ابن عباس والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار أبي مسلم، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام " فإنه قال: كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله. ومما يؤيد هذا القول ان الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرهم توقفوا على شئ منه، ولم يفسروه بأن هذا متشابه لا يعلمه إلا الله. وكان ابن عباس يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم. والقول الآخر: إن الواو في قوله (والراسخون) واو الإستئناف فعلى هذا القول، يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف عند قوله (وما يعلم تأويله إلا الله) ويبتدي (والراسخون في العلم يقولون آمنا به) فيكون مبتدأ وخبرا. وهذا قول عائشة، وعروة بن الزبير، والحسن ومالك، واختيار الكسائي والفراء والجبائي وقالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يومنون به. فالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أكل هذه الأمة، ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى وخروج الدجال، ونحو ذلك مما استأثر الله بعلمه، ويكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأول كقوله (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله) يعني الموعود به. وقوله (كل، من عند ربنا): معناه


(1) الحرورية: الخوارج. السبائية: أتباع عبد الله بن سبا الغالي في علي " عليه السلام ". (*)

[ 242 ]

المحكم والمتشابه جميعا من عند ربنا (وما يذكر) أي: وما يتفكر في آيات الله، ولا يرد المتشابه إلى المحكم (إلا أولوا الألباب) أي: ذوو العقول. فإن قيل: لم أنزل الله تعالى في القرآن المتشابه ؟ وهلا جعله كله محكما ؟ فالجواب: إنه لو جعل جميعه محكما لاتكل الناس كلهم على الخبر، واستغنوا عن النظر، ولكان لا يتبين فضل العلماء على غيرهم، ولكان لا يحصل لهم ثواب النظر، وإتعاب الخواطر في استنباط المعاني. وقال القاضي الماوردي: قد وصف الله تعالى جميع القرآن بأنه محكم بقوله: (آلر كتاب أحكمت آياته)، ووصف جميعه أيضا بأنه متشابه بقوله: (الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها) فمعنى الإحكام: الإتقان والمنع أي: هو ممنوع بإتقانه وإحكام معانيه، عن اعتراض خلل فيه، فالقرآن كله محكم من هذا الوجه. وقوله متشابها أي: يشبه بعضه في الحسن والصدق والثواب، والبعد عن الخلل والتناقض، فهو كله متشابه من هذا الوجه. (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب [ 8 ] ربنا إنك جامع الناس ليوم لاريب فيه إن الله لا يخلف الميعاد [ 9 ]). اللغة: الهبة: تمليك الشئ من غير مثامنة. والهبة والنحلة والصلة نظائر. وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن بضم اللام والدال، ولدن بفتح اللام والدال، ولدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، ولد بحذف النون. والميعاد: بمعنى الوعد، كما ان الميقات: بمعنى الوقت. الاعراب: اللام في قوله (ليوم لا ريب فيه): معناه في يوم، وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من اللام، فإن تقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه. فلما حذف لفظ الجزاء، دخلت على ما يليه، فأغنت عن في لأن حروف الإضافة متواخية لما يجمعها من معنى الاضافة. وقد كان يجوز فتح أن في قوله (إن الله لا يخلف) على تقدير: جامع الناس ليوم لا ريب فيه لأن الله لا يخلف الميعاد، ولم يقرأ به. المعنى: (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) هذه حكاية عن قولى الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في الآية الأولى، وذكر في تأويله وجوه أحدها: إن معناه لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب، فتميل قلوبنا عن الإيمان، بعد إذ وفقتنا بألطافك، حتى هديتنا إليك. وهذا دعاء بالتثبيت على الهداية، والإمداد بالألطاف

[ 243 ]

والتوفيقات، ويجري مجرى قولهم: اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا. والمعنى لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا، فيسلط علينا، فكأنهم قالوا: لا تخل بيننا وبين نفوسنا بمنعك التوفيق والالطاف عنا، فنزيغ ونضل. وإنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية، ويفرط فيه من التوبة، كما قال (فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم). وثانيها: إن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله وتركه، فتزيغ قلوبنا بعد الهداية، ونظيره: (فلما كتب عليهم القتال تولوا) فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه، لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم، كما قال سبحانه: (فزادتهم رجسا إلى رجسهم)، و (لم يزدهم دعائي إلا فرارا). وثالثها: ما قاله أبو علي الجبائي: إن المراد: لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك، وهو ما ذكره الله من الشرح والسعة بقوله: (يشرح صدره للإسلام) وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحرج اللذان يفعلان بالكفار عقوبة، ومن ذلك التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين، ويمنعه الكافرين، كما قال تعالى: (أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم) ومن ذلك: كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين، كما قال: (أولئك كتب في قلوبهم الإيمان). وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين، فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب. ورابعها: إن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان، ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لولا المسألة لجاز أن يفعله، لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الإنقطاع إليه، والإفتقار إلى ما عنده، بأن يفعل ما نعلم أن يفعله، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله، إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة، كما قال سبحانه: (قل رب إحكم بالحق)، وقال (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) وقال حاكيا عن إبراهيم: (ولا تخزني يوم يبعثون). فإن قيل: هلا جاز على هذا أن يقول: ربنا لا تظلمنا ولا تجر علينا ؟ فالجواب: إنما لم يجز ذلك، لأن فيه تسخطا من السائل، وإنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور والظلم، وليس كذلك ما نحن فيه. (وهب لنا من لدنك رحمة) أي: من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الإيمان، إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان، إلا بلطفك، كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك. وقيل: نعمة.

[ 244 ]

(إنك أنت الوهاب) المعطي للنعمة الذي شأنه الهبة والعطية (ربنا) أي: ويقولون يا سيدنا وخالقنا (إنك جامع الناس) للجزاء (ليوم) أي: في يوم (لا ريب فيه) أي: ليس فيه موضع ريب وشك لوضوحه. وهذا يتضمن إقرارهم بالبعث (إن الله لا يخلف الميعاد) أي: لا يخلف الوعد. وقيل: هو متصل بما قبله من دعاء الراسخين في العلم، وإن خالف آخر الكلام أوله في الخطاب والغيبة، فيكون مثل قوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم)، وتقديره: فاغفر لنا إنك لا تخلف ما وعدته. وقيل: إنه على الإستئناف، وهو اختيار الجبائي، فيكون إخبارا عن الله تعالى. (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أموالهم ولآ أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار [ 10 ]). اللغة: الوقود الحطب والوقود إيقاد النار. المعنى: ثم بين تعالى حال الذين في قلوبهم زيغ، فقال: (إن الذين كفروا) بآيات الله ورسله (لن تغني) أي: لن تدفع (عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا) قال أبو عبيدة: من هنا بمعنى عند. وقال المبرد: وهي على أصلها لابتداء الغاية وتقديره: لن تغني عنهم غنا ابتداء وانتهاء. وقيل: معناه من عذاب الله شيئا (وأولئك هم وقود النار) أي: حطب النار تتقد النار بأجسامهم، كما قال في موضع آخر: (حصب جهنم). (كدأب ءال فرعون والذين من قبلهم كذبوا بأياتنا فأخذهم الله بذنوبهم والله شديد العقاب [ 11 ]). اللغة: الدأب: العادة يقال: دأب يدأب دأبا: إذا اعتاد الشئ وتمرن عليه. والدأب: الإجتهاد، يقال: دأب في كذا دأبا ودؤوبا: إذا إجتهد فيه وبالغ، ونقل من هذا إلى العادة، لأنه بالغ فيه حتى صار عادة له، قال زهير: * لأرتحلن بالفجر، ثم لادئبن * إلى الليل، إلا أن يعرجني طفل (1) *


(1) حكي عن الشراح: الطفل بكسر الطاء أي: إلا أن يمنعني ولادة طفل الناقة. (*)

[ 245 ]

والذنب والجرم واحد، يقال: أذنب فهو مذنب. والذنب: تلو الشئ، يقال ذنبه يذنبه: إذا تلاه. والذنوب: الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب. والذنوب: النصيب، لأنه كالدلو في الإنعام. والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب. وأصل الباب التلو. فالذنب: الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم، كما أن العقاب سمي بذلك لأنه يستحق عقيب الذنب. الاعراب: الكاف: في قوله (كدأب): متعلق بمحذوف وتقديره عادتهم كعادة آل فرعون، فيكون الكاف في موضع رفع بأنها خبر مبتدأ. ولا يجوز أن يعمل فيها (كفروا) لأن صلة (الذين) قد انقطعت بالخبر، ولكن جاز أن يكون في موضع نصب بوقود النار لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار بأجسامهم، كما تتقد بأجسام ال فرعون. (كذبوا): جملة في موضع الحال، والعامل فيه المعنى في (دأب آل فرعون). وقد: مقدرة معه. المعنى: عادة هؤلاء الكفار في التكذيب بك، وبما أنزل إليك (كدأب آل فرعون) أي: كعادة آل فرعون في التكذيب برسولهم، وما أنزل إليه، عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي. وقيل: معناه اجتهاد هؤلاء الكفار في قهرك، وإبطال أمرك، كاجتهاد آل فرعون في قهر موسى، عن الأصم والزجاج. وقيل: كعادة الله في آل فرعون في إنزال العذاب بهم، بما سلف من إجرامهم. وقيل: كسنة آل فرعون، عن الربيع والكسائي وأبي عبيدة. وقيل: كأمر آل فرعون وشأنهم، عن الأخفش. وقيل: كحال آل فرعون، عن قطرب (والذين من قبلهم) يعني كفار الأمم الماضية (كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم) أي: عاقبهم الله بذنوبهم. وسمى المعاقبة مؤاخذة، لأنها أخذ بالذنب. فالأخذ بالذنب عقوبة (والله شديد العقاب) لمن يعاقبه. (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد [ 12 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (سيغلبون ويحشرون) بالياء فيهما. والباقون بالتاء. الحجة: من اختار التاء فلقوله: (قد كان لكم آية) فأجرى الجميع على

[ 246 ]

مثليكم وإن كان قد جاء: (وما آتيتم من زكاة نريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون) ورأيت هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد، ويدل على ذلك تقييده برأى العين. وإذا كان كذلك كان انتصاب (مثليهم) على الحال، لا على أنه مفعول ثان. وأما مثل فقد يفرد في موضع التثنية والجمع، فمن الإفراد في التثنية قوله: (وساقيين مثل زبل وجعل) (1). ومن إفراده على الجمع قوله: (إنكم إذا مثلهم) ومن جمعه قوله (ثم لا يكونوا أمثالكم). ومن قرأ (ترونهم): فللخطاب الذي قبله وهو قوله: (قد كان لكم آية ترونهم مثليهم). فالضمير في (ترونهم) للمسلمين. والضمير المنصوب للمشركين أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين. فأما قراءة ابن عباس (يرونهم) فوجهه ما قاله ابن جني: إن أريت وأرى أقوى في اليقين من رأيت، تقول: أرى أن سيكون كذا أي: هذا غالب ظني. وأرى أن سيكون كذا أي: أعلمه، وأتحققه. اللغة: قد ذكرنا معنى الفئة عند قوله: (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة) والإلتقاء والتلاقي والإجتماع واحد. والأيد: القوة، ومنه قوله تعالى (وداود ذا الأيد) يقال: إدته أئيده أيدا أي: قويته وأيدته أؤيده تأييدا بمعناه. والعبرة: الآية، يقال: إعتبرت بالشئ اعتبارا وعبرة. والعبور: النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، وسميت الآية عبرة، لأنه يعبر عنها من منزل العلم إلى منزل الجهل. والمعتبر بالشئ: تارك جهله، وواصل إلى علمه بما رأى. والعبارة: الكلام يعبر بالمعنى إلى المخاطب. والعبارة: تفسير الرؤيا. والتعبير: وزن الدراهم وغيرها. والعبرة: الدمعة. وأصل الباب: النفوذ. الاعراب: قوله (فئة) تحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب: الرفع على الإستئناف بتقدير منهم فئة كذا، وأخرى كذا. والجر على البدل، والنصب على الحال، كقول كثير: * وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة، * ورجل رمى فيها الزمان، فشلت * أنشد بالرفع والجر، وقال ابن مفرغ: * وكنت كذي رجلين: رجل صحيحة، * ورجل رماها صائب الحدثان *


(1) الزبل بالكسر،: السرقين. وجعل: دويبة معروفة. (*)

[ 247 ]

* فأما التي صخت فأزد شنوءة، * وأما التي شلت فأزد عمان (1) * وقال آخر: * إذا مت كان الناس صنفين: شامت، * وآخر مئن بالذي كنت أصنع * ولا يجوز أن يقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة. ويجوز بالرفع على تقدير منهم صريع، ومنهم جريح. فإن. قلت: مررت بثلاثة صريع وجريح وسليم جاز الرفع والجر. فإن زدت فيه اقتتلوا، جاز الأوجه الثلاثة. والقراءة بالرفع لا غير. وقوله: (رأي العين) يجوز أن يكون مصدرا ليرى. والعين: في موضع الرفع بأنه الفاعل. ويجوز أن يكون ظرفا للمكان كما يقول: ترونهم أمامكم. النزول: نزلت الآية في قصة بدر، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار. وكان صاحب لواء رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والمهاجرين، علي بن أبي طالب " عليه السلام "، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة. وكانت الإبل في جيش رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " سبعين بعيرا، والخيل فرسين فرس للمقداد بن أسود، وفرس لمرثد بن أبي مرثد. وكان معهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. واختلف في عدة المشركين فروي عن علي " عليه السلام " وابن مسعود أنهم كانوا ألفا. وعن قتادة وعروة بن الزبير والربيع: كانوا بين تسعمائة إلى ألف، وكانت خيلهم مائة فرس، ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس. وكان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان. المعنى: لما وعد سبحانه الظفر لأهل الإيمان، بين ما فعله يوم بدر بأهل الكفر والطغيان، فقال: (قد كان لكم آية) قيل: الخطاب لليهود الذين نقضوا العهد أي: كان لكم أيها اليهود دلالة ظاهرة. وقيل: الخطاب للناس جميعا ممن حضر الوقعة. وقيل: للمشركين واليهود. آية أي: حجة وعلامة ومعجزة دالة على صدق


(1) أزد: أبو حي من اليمن. وشنوءة: قبيلة كانت مع معاوية في وقعة صفين. وعمان قبيلة كانت مع علي " عليه السلام ". (*)

[ 248 ]

الخطاب. ومن اختار الياء: فللتصرف - في الكلام، والإنتقال من خطاب المواجهة إلى الخبر بلفظ الغائب، ويؤيده قوله: (قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف)، (قل للذين آمنوا يغفروا) وقيل: إن الخطاب لليهود، والضمير في (ستغلبون) للمشركين، لأن اليهود أظهروا السرور بما كان من المشركين يوم أحد فعلى هذا لا يكون إلا بالياء، لأن المشركين غيب. اللغة: الحشر: الجمع مع سوق، ومنه يقال للنبي: الحاشر، لأنه يحشر الناس على قدميه، كأنه يقدمهم، وهم خلفه، لأنه آخر الأنبياء، فيحشر الناس في زمانه وملته. وجهنم: إسم من أسماء النار. وقيل: أخذ من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر. والمهاد: القرار، وهي الموضع الذي يتمهد فيه أي: ينام فيه مثل الفراش. النزول: روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله قريشا ببدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود ! إحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم ! فقالوا: يا محمد ! لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا (1)، لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس. فأنزل الله هذه الآية. وروي أيضا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه أصحابنا أيضا. وقيل: نزلت في مشركي مكة: ستغلبون يوم بدر، عن مقاتل. وقيل: بل نزلت في اليهود، لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية. ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى. فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله، شكوا وقالوا: لا والله ما هو به. فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا. وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله، لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة. فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.


(1) جمع غمر مثلثة الغين أي: جهالا بأمر الحرب، غير مجربين. (*)

[ 249 ]

المعنى: لما تقدم ذكر ما أصاب القرون الخالية بالتكذيب للرسل من العذاب، حذر هؤلاء من أن يحل بهم ما حل بأولئك، فقال تعالى: (قل للذين كفروا) إما مشركي مكة، أو اليهود على ما تقدم ذكره (ستغلبون) أي: ستهزمون وتصيرون مغلوبين في الدنيا (وتحشرون) أي: تجمعون (إلى جهنم) في الآخرة. وقد فعل الله ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف. وإذا قرئ (سيغلبون) بالياء فقد يمكن أن يكون المغلوبون المحشورون من غير المخاطبين، وأنهم قوم آخرون، ويمكن أن يكونوا إياهم. قال الفراء: يقال قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم. وإذا قرئ بالتاء فلا يجوز أن يظن هذا، فلا يكونون غير المخاطبين (وبئس المهاد) أي: بئس ما مهد لكم، وبئس ما مهدتم لأنفسكم، عن ابن عباس. وقيل: معناه بئس القرار، عن الحسن. وقيل: بئس الفراش الممهد لهم. وفي الآية دلالة على صحة نبوة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأن مخبره قد خرج على وفق خبره، فدل ذلك على صدقه، ولا يكون ذلك على وجه الإتفاق، لأنه بين أخبارا كثيرة من الإستقبال، فخرج الجميع كما قال. فكما أن كل واحد منها كان معجزا، إذ الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول، كذلك هذه الآية. وإذا ثبت صدقه على أحد الخبرين، وهو أنهم سيغلبون، ثبت صدقه في الخبر الآخر، وهو أنهم يحشرون إلى جهنم. (قد كان لكم ءاية في فئتين التقتافئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأى العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولى الأبصار [ 13 ]). القراءة: قرأ أهل المدينة والبصرة، عن أبي عمرو: (ترونهم) بالتاء. والباقون بالياء. وروي في الشواذ، عن ابن عباس: (يرونهم) بضم الياء. الحجة: قال أبو علي (ره): من قرأ يرونهم بالياء، فلأن بعد الخطاب غيبة، وهو قوله: (فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم) أي: ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم. ومما يؤكد الياء قوله مثليهم ولو كان على التاء لكان

[ 250 ]

محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (في فئتين التقتا) أي: فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين (فئة) فرقة (تقاتل) تحارب (في سبيل الله) في دينه وطاعته، وهم الرسول وأصحابه (وأخرى) اي: فرقة أخرى (كافرة) وهم المشركون من أهل مكة (يرونهم مثليهم) أي: ضعفهم (راي العين) أي: في ظاهر العين. واختلف في معناه فقيل: معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا، تقوية لقلوبهم، وذلك أن المسلمين قد قيل لهم: (فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين) فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم، ولا يحجموا عنهم. وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير، عن ابن مسعود، وجماعة من العلماء. وقيل: إن الرؤية للمشركين، يعني: يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم، ولا ينصرفوا. فلما أخذوا في القتال، كثرهم في أعينهم ليجبنوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم. وتصديق ذلك قوله تعالى: (وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم) الآية. وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين، والخذلان للكافرين، وهذا قول السدي. وإنما يتأتى هذا القول على قراءة من قرأ بالياء. فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا، وهم المعنيون بقوله: (قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون) وهم يهود بني قينقاع فكأنه قال: (ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم)، واختار البلخي هذا الوجه. أو يكون الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين. وقال الفراء: يحتمل قوله (يرونهم مثليهم) يعني ثلاثة أمثالهم، لأنك إذا قلت عندي ألف، وأحتاج إلى مثلها، فأنت تحتاج إلى ألفين، لأنك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها، لا بمعنى بدلا منها. فكأنك قلت: أحتاج إلى مثليها. وإذا قلت: أحتاج إلى مثليها، فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف، فكذلك في الآية المعنى (يرونهم مثليهم) مضافا إليهم، فذلك ثلاثة أمثالهم. قال: والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير.

[ 251 ]

وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، وما جاء في آية الأنفال من تقليل الأعداد. فإن قيل: كيف يصح تقليل الأعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع ؟ وهل هذا إلا قول من جوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها أو يدرك بعضها دون بعض ؟ قلنا: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد، لا أنهم أدركوا بعضا دون بعض، لأن العلم بما يدركه الإنسان جملة، غير العلم بما يدركه مفصلا، ولأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم. فعلى هذا يكون الوجه تأويل تقليل الأعداد. وقوله: (والله يؤيد بنصره من يشاء) النصر منه سبحانه على الأعداء يكون على ضربين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة. فالنصر بالغلبة إنما كان بغلبة العدد القليل للعدد الكثير، على خلاف مجرى العادة، وبما أمدهم الله به من الملائكة، وقوى به نفوسهم من تقليل العدة، والنصر بالحجة، وهو وعده المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة، وهذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب. (إن في ذلك) أي: في ظهور المسلمين مع قلتهم، على المشركين مع كثرتهم، وتقليل المشركين في أعين المسلمين، وتكثير المسلمين في أعين المشركين (لعبرة لأولي الأبصار) أي: لذوي العقول، كما يقال لفلان: بصير بالامور، ولا يراد به الإبصار بالحواس الذي يشترك فيه سائر الحيوان. (زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب [ 14 ]). اللغة: الشهوات: جمع شهوة، وهي توقان النفس إلى المشتهى. يقال: اشتهى يشتهي شهوة واشتهاء. والشهوة من فعل الله، ولا يقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا. والقناطير: جمع قنطار، وهو المال الكثير العظيم. وأصله من الإحكام، يقال: قنطرت الشئ: أحكمته. والقنطر: الداهية. وقيل: أصله من القنطرة، وهو البناء المعقود للعبور. والمقنطرة: المحصلة من قناطير، كقولهم: دراهم مدرهمة أي: مجعولة كذلك،

[ 252 ]

ودنانير مدنرة. وقيل: إنما ذكر المقنطرة للتأكيد. وقد يؤتى بالمفعول والفاعل تأكيدا فالمفعول مثل قوله: (حجرا محجورا)، (ونسيا منسيا) والفاعل كقولهم شعر شاعر، وموت مائت. والمراد بالجميع المبالغة والتأكيد. وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، والاختيال: من التخيل لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا. والمسومة: من قولهم أسمت الماشية وسومتها: إذا رعيتها. والسيما: الحسن. والسيمياء بمعناه. قال الشاعر: * غلام رماه الله بالحسن يافعا * له سيمياء لا تشق على البصر * والسيمياء: العلامة، وهو أصل الباب. والمآب: المرجع من الأوب: وهو الرجوع. المعنى: ثم أنزل الله تعالى ما أخبر به عن السبب الذي دعا الناس إلى العدول عن الحق والهدى، والركون إلى الدنيا، فقال: (زين للناس حب الشهوات) أي: حب المشتهيات، ولم يرد بها نفس الشهوة. ولهذا فسرها بالنساء والبنين وغيرهما. ثم اختلف فيمن زينها لهم فقيل: الشيطان، عن الحسن، قال: فو الله ما أجد أذم للدنيا من خلقها. وقيل: زينها الله تعالى لهم بما جعل في الطباع من الميل إليها، وبما خلق فيها من الزينة، محنة وتشديدا للتكليف، كما قال سبحانه: (إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا) وقيل: زين الله تعالى ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح، عن أبي علي الجبائي. ثم قدم سبحانه ذكر النساء فقال (من النساء) لأن الفتنة بهن أعظم. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء ". وقال: (النساء حبائل الشيطان ". وقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها وهي عقرب حلوة اللسعة. ثم قال: (والبنين) لأن حبهم يدعو إلى جمع الحرام. وقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " للأشعث بن قيس: " هل لك من ابنة حمزة من ولد ؟ قال: نعم، لي منها غلام، ولوددت أن لي من جفنة من طعام أطعمها من معي من بني جبلة. فقال: لئن قلت ذاك إنهم لثمرة القلوب، وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة مخزنة ". (والقناطير) جمع قنطار. واختلف في مقداره فقيل: ألف ومائتا أوقية، عن

[ 253 ]

معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر. وقيل: ألف ومائتا مثقال، عن ابن عباس والحسن والضحاك. وقيل: ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، عن الحسن بخلاف. وقيل: ثمانون ألفا من الدراهم، أو مائة رطل، عن قتادة. وقيل: سبعون ألف دينار، عن مجاهد وعطاء. وقيل: هو مل ء مسبك ثور ذهبا، عن أبي نضرة، وبه قال الفراء، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله و (المقنطرة، المضاعفة، عن قتادة. وقيل: هي تسعة قناطير، عن الفراء. وقيل: هي الأموال المنضد بعضها فوق بعض، عن الضحاك. وقيل: الكاملة المجتمعة. وقيل: هي (من الذهب والفضة)، عن الزجاج. ولا يصح قول من قال من الذهب خاصة، لأن الله ذكر القنطار فيهما جميعا، وجميع الأقوال يرجع إلى الكثرة. (والخيل المسومة) قيل: معناه الأفراس الراعية، عن سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع. وقيل: هي الحسنة من السيمياء، وهو الحسن عن مجاهد وعكرمة والسدي. وقيل: هي المعلمة، عن قتادة. وفي رواية عن ابن عباس المعدة للجهاد، عن ابن زيد. (والأنعام): وهي جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم من الضان والمعز، ولا يقال لجنس منها على الإنفراد نعم، إلا للإبل خاصة، لأنها يغلب عليه جملة وتفصيلا (والحرث) معناه: الزرع. هذه كلها محببة إلى الناس، كما ذكر الله تعالى. ثم بين أن ذلك كله مما يتمتع به في الحياة، ثم يزول عن صاحبه، والمرجع إلى الله، فأجدر بالإنسان أن يزهد فيه، ويرغب فيما عند ربه فقال: (ذلك متاع الحياه الدنيا) يعني كل ما سبق ذكره مما يستمتع به في الحياة الدنيا ثم يفنى (والله عنده حسن المآب) يعني: حسن المرجع. فالمآب مصدر سمي به موضع الإياب. (* قل أؤنبئكم بخير من ذالكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزاوج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد [ 15 ]). القراءة: قرأ أبو بكر عن عاصم: (ورضوان) بضم الراء كل القرآن. والباقون بكسر الراء. الحجة: الرضوان: مصدر، فمن كسره جعله كالرئمان والحرمان، ومن ضمه

[ 254 ]

جعله كالرجحان والشكران والكفران. الاعراب: منتهى الإستفهام في (أو نبئكم) عند قوله (عند ربهم). ثم استأنف (جنات تجري) على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما ذلك الخير ؟ قال: هو جنات. وقيل: منتهى الاستفهام عند قوله: (بخير من ذلك). ثم ابتدأ فقال: (للذين اتقوا عند ربهم جنات). وبجوز في العربية في إعراب (جنات) الرفع والجر. فالجر على أن يكون آخر الكلام (عند ربهم) ولا يجوز الجر على الوجه الآخر، للفصل باللام كما لا يجوز أمرت لك بألفين، ولأخيك مائتين، حتى يقول بمائتين. ولو قدمت فقلت: ومائتين لأخيك، لجاز. و (خالدين): نصب على الحال. المعنى: لما صغر تعالى الدنيا، وزهد فيها في الآية الأولى، عظم الآخرة وشرفها، ورغب فيها في هذه الآية فقال: (قل) يا محمد لأمتك (أؤنبئكم) أخبركم (بخير من ذلكم) بأنفع لكم مما سبق ذكره في الآية المتقدمة، من شهوات الدنيا ولذاتها وزهراتها (للذين اتقوا) ما حرم الله عليهم (عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أشجارها الأنهار. وعلى القول الآخر أخبركم بخير مما سبق للذين اتقوا عند ربهم. ثم ابتدأ فقال جنات أي: ذلك الخير جنات تجري من تحت أبنيتها الأنهار. وبين الله بهذا أن أنهار الجنة جارية أبدا، ليست كأنهار الدنيا التي يجري ماؤها تارة، وينقطع أخرى (خالدين فيها) أي: مقيمين في تلك الجنات (وأزواج مطهرة) من الحيض والنفاس وجميع الأقذار والادناس، والطبائع الذميمة، والأخلاق اللئيمة (ورضوان من الله) ووراء هذه الجنات رضوان من الله (والله بصير بالعباد) أي: خبير بأفعالهم، وأحوالهم. (الذين يقولون ربنا إننا ءامنا فاغفر لنا ذ نوبنا وقنا عذاب النار [ 16 ] الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار [ 17 ]). اللغة: المغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة. والذنب والجرم بمعنى واحد. والفرق بينهما أن أصل الذنب الإتباع، فهو مما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة. والجرم: أصله القطع فهو القبيح الذي ينقطع به عن الواجب. والفرق بين

[ 255 ]

القول والكلام أن القول فيه معنى الحكاية، وليس كذلك الكلام. والصابر: الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات. والصادق المخبر بالشئ على ما هو به. والقانت: المطيع والأسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر أصله: الخفاء لخفاء الشخص في ذلك الوقت. والسحر منه أيضا لخفاء سببه. والسحر: الرئة لخفاء موضعها. الاعراب: يجوز في موضع (الذين) الرفع والنصب والجر، فالجر للإتباع (للذين اتقوا). والرفع والنصب على المدح، وكذلك باقي الصفات. ويجوز أن يكون جرا على الصفة (للذين اتقوا). المعنى: ثم وصف المتقين الذين سبق ذكرهم في قوله (للذين اتقوا) فقال: (الذين يقولون) أي: المتقين القائلين (ربنا إننا آمنا) أي: صدقنا الله ورسوله (فاغفر لنا ذنوبنا) أي: استرها علينا، وتجاوزها عنا (وقنا) أي: وادفع عنا (عذاب النار). ثم وصفهم بصفات أخر، ومدحهم وأثنى عليهم فقال: (الصابرين) أي: على فعل ما أمرهم الله به، وترك ما نهاهم عنه. وإن شئت قلت الصابرين على الطاعة وعن المعصية (والصادقين) في إيمانهم وأقوالهم. (والقانتين) قيل: المطيعين، عن قتادة. وقيل: الدائمين على الطاعة والعبادة، عن الزجاج. وقيل: القائمين بالواجبات، عن القاضي (والمنفقين) أموالهم في سبيل الخير. ويدخل فيه الزكاة المفروضة، والتطوع بالإنفاق (والمستغفرين بالأسحار) المصلين وقت السحر، عن قتادة، ورواه الرضا عن أبيه " عليه السلام " عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: السائلين المغفرة في وقت السحر، عن أنس. وقيل: المصلين صلاة الصبح في جماعة، عن زيد بن أسلم. وقيل: الذين ينتهي صلاتهم إلى وقت السحر، ثم يستغفرونه ويدعون، عن الحسن. وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الآية. وروى أنس بن مالك عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " إن الله، عزوجل، يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، لالى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفته عنهم ". (شهد الله أنه لآ إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لآ إله

[ 256 ]

إلا هو العزيز الحكيم [ 18 ] إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إ لا من بعد ماجآءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب [ 19 ]). القراءة: قرأ الكسائي: (أن الدين) بفتح الألف. والباقون بالكسر. قال الزجاج: وروي عن ابن عباس قال (إنه لا إله إلا هو) بكسر الألف. والقراءة (أنه) بالفتح. الحجة: قال أبو علي: الوجه الكسر في (إن) لأن الكلام الذي قبله قد تم. ومن فتح أن جعله بدلا. والبدل وإن كان في تقدير جملتين، فإن العامل لما لم يظهر أشبه الصفة. فإذا جعلته بدلا، جاز أن تبدله من شيئين أحدهما: من قوله (أنه لا إله إلا هو) فكان التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام، فيكون البدل من الضرب الذي الشئ فيه هو هو. وإن شئت جعلته من بدل الإشتمال لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل. وإن شئت جعلته من القسط، لأن الدين الذي هو الإسلام قسط وعدل، فيكون من البدل الذي الشئ فيه هو هو. وقال غيره: إن الأولى والثانية يجوز في العربية فتحهما جميعا وكسرهما جميعا، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية. فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية، وحذف الإضافة من الأولى، وتقديره: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام. ومن كسرهما اعترض بالأولى على التعظيم لله تعالى به، كما قيل: لبيك إن الحمد والنعمة لك. وكسر الثانية على الحكاية، لأن معنى شهد معنى قال. قال المؤرج: شهد بمعنى قال في لغة قيس عيلان. ومن فتح الأولى وكسر الثانية وهو الأجود، وعليه أكثر القراء، أوقع الشهادة على الأولى، واستأنف الثانية. ومن كسر الأولى وفتح الثانية اعترض بالأولى، وأوقع الشهادة على الثانية. اللغة: حقيقة الشهادة: الإخبار بالشئ عن مشاهدة، أو ما يقوم مقام المشاهدة. ومعنى الذين هاهنا: الطاعة، وأصله الجزاء. وسميت الطاعة دينا، لأنها للجزاء. ومنه الدين لأنه كالجزاء في وجوب القضاء. والاسلام: أصله السلم،

[ 257 ]

معناه: دخل في السلم. وأصل السلم: السلامة، لأنها انقياد على السلامة. ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم لأمر الله. والتسليم: من السلامة، لأنه تأدية الشئ على السلامة من الفساد. فالإسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الإدغال. والإسلام والإيمان بمعنى واحد عندنا وعند المعتزلة، غير أن عندهم: الواجبات من أفعال الجوارح من الإيمان، وعندنا: الإيمان من أفعال القلوب الواجبة وليس من أفعال الجوارج. وقد شرحناه في أول البقرة. والإسلام: يفيد الإنقياد لكل ما جاء به النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من العبادات الشرعية، والإستسلام به، وترك النكير عليه. فإذا قلنا: دين المؤمن هو الإيمان وهو الإسلام، فالإسلام هو الإيمان. ونظير ذلك قولنا: الإنسان بشر، والإنسان حيوان على الصورة الإنسانية. فالحيوان على الصورة الإنسانية بشر. والإختلاف: ذهاب أحد النفسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر. فهذا الإختلاف في الأديان. فأما الإختلاف في الأجناس فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر، فيما يرجع إلى ذاته. والبغي: طلب الإستعلاء بالظلم، وأصله من بغيت الحاجة: إذا طلبتها. الاعراب: قيل في نصب (قائما) قولان أحدهما: إنه حال من اسم الله تعالى مؤكدة، لأن الحال المؤكدة يقع مع الأسماء في غير الإشارة، تقول: إنه زيد معروفا، وهو الحق مصدقا، وشهد الله قائما بالقسط أي: قائما بالعدل والثاني: إنه حال من هو من قوله (لا إله إلا هو). و (بغيا): نصب على وجهين أحدهما: على أنه مفعول له، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب للبغي بينهم، مثل: حذر الشر، ونحو ذلك. وقيل: إنه منصوب بما دل عليه وما اختلف. كأنه لما قيل (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) دل على وما بغى الذين أوتوا الكتاب، فحمل بغيا عليه. المعنى: لما قدم تعالى ذكر أرباب الدين، أتبعه بذكر أوصاف الدين فقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) أي: أخبر الله بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته، من عجيب صنعته، وبديع حكمته. وقيل: معنى شهد الله قضى الله، عن أبي عبيدة. قال الزجاج: وحقيقته علم الله، وبين ذلك، فإن الشاهد هو العالم الذي يبين ما.

[ 258 ]

علمه ومنه: شهد فلان عند القاضي أي: بين ما علمه. فالله تعالى قد دل على توحيده بجميع ما خلق، وبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأه. (والملائكة) أي: وشمهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته (وأولوا العلم) أي: وشهد أولوا العلم بما ثبت عندهم، وتبين من صنعه الذي لا يقدر عليه غيره. وروي عن الحسن أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو (قائما بالقسط) وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، وشهد أولوا العلم أنه (لا إله إلا هو) قائما بالقسط. والقسط: العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ورواه أصحابنا أيضا في التفسير. وأولوا العلم هم علماء المؤمنين، عن السدي والكلبي. وقيل: معنى قوله (قائما بالقسط) أنه يقوم بإجراء الأمور، وتدابير الخلق، وجزاء الأعمال بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي: يجري أفعاله على الإستقامة. وإنما كرر قوله: (لا إله إلا هو) لأنه بين بالأول أنه المستحق للتوحيد، لا يستحقه سواه. وبالثاني أنه القائم برزق الخلق وتدبيرهم بالعدل لا ظلم في فعله. (العزيز الحكيم) مر تفسيره. وتضمنت الآية الإبانة عن فضل العلم والعلماء، لأنه تعالى قرن العلماء بالملائكة، وشهادتهم بشهادة الملائكة، وخصهم بالذكر، كأنه لم يعتد بغيرهم. والمراد بهذا العلم التوحيد، وما يتعلق به من علوم الدين، لأن الشهادة وقعت عليه. ومما جاء في فضل العلم والعلماء من الحديث ما رواه جابر بن عبد الله، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " ساعة من عالم يتكئ على فراشه، ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما ". وروى أنس بن مالك عنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " تعلموا العلم، فإن تعلمه لله حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكرة لأهله لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء. يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، ويقتفى آثارهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم. وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحار وهوامها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها. ألا وإن

[ 259 ]

العلم حياة القلوب، ونور الأبصار، وقوة الأبدان. يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجلس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام. والعلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهم السعداء، ويحرم الأشقياء ". ومما جاء في فضل هذه الآية ما رواه أنس عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من قرأ (شهد الله) الآية عند منامه، خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة ". الزبير بن العوام قال: قلت لأدنون هذه العشية من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وهي عشية عرفة، حتى أسمع ما يقوله. فحبست ناقتي بين ناقة رسول الله، وناقة رجل كان إلى جنبه، فسمعته يقال: (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. فما زال يرددها حتى رفع. غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه. فلما كنت ذات ليلة، أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة. إن الدين عند الله الإسلام. قالها مرارا. قلت: لقد سمع فيها شيئا. فصليت معه وودعته، ثم قلت: آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها ؟ قال: لا أحدثك بها إلى سنة. فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة. فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد ! قد مضت السنة. فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عهدا عندي، وأنا أحق من وفى بالعهد. أدخلوا عبدي هذا الجنة. وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت (شهد الله أنه لا إله إلا هو) الآية. خررن سخدا. وقوله: (إن الدين) أي: الطاعة (عند الله) هو (الإسلام) وقيل: المراد بالإسلام التسليم لله ولأوليائه، وهو التصديق. وروي عن أمير المؤمنين " عليه السلام " في خطبة له أنه قال: لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل. رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال: ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه: إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يعرف كفرانه بإنكاره. أيها

[ 260 ]

الناس ! دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره. إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل. (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب) معناه: وما اختلف اليهود والنصارى في صدق نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، لما كانوا يجدونه في كتبهم بنعته وصفته ووقت خروجه (إلا من بعد ما جاءهم العلم) بعد ما جاءهم العلم. ثم أخبر عن علة اختلافهم، فقال: (بغيا بينهم) أي: حسدا وتقديره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم، إلا من بعد ما جاءهم العلم. والعلم المذكور يجوز أن يراد به البينات التي هي طرق العلم، فيدخل فيه المبطلون من أهل الكتاب، علموا أو لم يعلموا. ويحتمل أن يراد به نفس العلم، فلا يدخل فيه إلا من علم بصفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وكتمه عنادا. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود. والكتاب: التوراة، لما عهد موسى " عليه السلام " إليهم، وأقام فيهم يوشع بن نون، ومضى ثلاثة قرون واختلفوا، عن الربيع. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: النصارى. والكتاب: الإنجيل، واختلفوا في أمر عيسى " عليه السلام "، عن محمد بن جعفر بن الزبير. وقيل: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة، واختلفوا بعدها في الدين، عن الجبائي. (ومن يكفر بآيات الله) أي: بحججه. وقيل: بالتوراة والإنجيل، وما فيهما من صفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: بالقرآن، وما دل عليه (فإن الله سريع الحساب) أي: لا يفوته شئ من أعمالهم. وقيل: معناه سريع الجزاء. وحقيقة الحساب أن تأخذ ما لك، وتعطي ما عليك. (فإن حاجوك فقل أسلمت وجهى لله ومن اتبعن وقل للذين أوتوا الكتاب والأمين ءسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد [ 20 ]). القراءة: حذف عاصم وحمزة والكسائي الياء من (اتبعني) اجتزاء بالكسرة، واتباعا للمصحف. وأثبتها الباقون على الأصل. الحجة: حذف الياء في أواخر الآي أحسن، لأنها تشبه القوافي، ويجوز في

[ 261 ]

وسط الآي أيضا، وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: (ومن اتبعن). فإن لم يكن نون جاز أيضا نحو قولك. هذا غلام، وما أشبه ذلك. والأجود إثبات الياء. وإن شئت أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها. الاعراب: (ومن اتبعن) في محل الرفع عطفا على التاء في قوله (أسلمت). ولم يؤكد الضمير، فلم يقل أسلمت أنا ومن اتبعن. ولو قلت: أسلمت وزيد، لم يحسن إلا أن تقول أسلمت أنا وزيد. وإنما جاز هنا لطول الكلام، فصار طوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل. المعنى: لما قدم الله سبحانه ذكر الإيمان والإسلام، خاطب نبيه فقال (فإن حاجوك) المعنى: فإن حاجك وخاصمك النصارى، وهم وفد نجران (فقل) يا محمد (أسلمت وجهي لله) وفيه وجهان أحدهما: إن معناه. انقدت لأمر الله في إخلاص التوحيد له، والحجة فيه أنه ألزمهم على ما أقروا من أن الله خالقهم، اتباع أمره في أن لا يعبدوا إلا إياه والثاني: إن معناه أعرضت عن كل معبود دون الله، وأخلصت قصدي بالعبادة إليه. وذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به، لأنه لا يتبعض فيما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم. ومعنى وجهي هنا: نفسي، وأضاف الإسلام إلى الوجه، لأن وجه الشئ أشرف ما فيه، لأنه يجمع الحواس، وعليه يظهر آية الحزن والسرور. فمن أسلم وجهه فقد أسلم كله، ومنه قوله (كل شئ هالك إلا وجهه). (ومن اتبعني) أي: ومن اهتدى بي في الدين من المسلمين، فقد أسلموا أيضا كما أسلمت (وقل) يا محمد (للذين أوتوا الكتاب) يعني اليهود والنصارى (والأميين) أي: الذين لا كتاب لهم، عن ابن عباس وغيره، وهم مشركو العرب. وقد مر تفسير الأمي واشتقاقه عند قوله: (ومنهم أميون) (أأسلمتم) أي: أخلصتم كما أخلصت، لفظه لفظ الإستفهام وهو بمعنى التوقيف والتهديد، فيكون متضمنا للأمر، فيكون معناه: أسلموا فإن الله تعالى أزاح العلل، وأوضح السبل. ونظيره: (فهل أنتم منتهون) أي: انتهوا. وهذا كما يقول الإنسان لغيره، وقد وعظه بمواعظ: أقبلت وعظي ؟ يدعوه إلى قبول الوعظ. (فإن أسلموا فقد اهتدوا) إلى طريق الحق (وإن تولوا) أي: كفروا ولم يقبلوا، وأعرضوا عنه. (فإنما عليك البلاغ) معناه: فإنما عليك أن تبلغ وتقيم

[ 262 ]

الحجة، وليس عليك أن لا يتولوا (والله بصير بالعباد) معناه هاهنا: إنه لا يفوته شئ من أعمالهم التي يجازيهم بها، لأنه يصير بهم أي: عالم بهم وبسرائرهم، لا يخفى عليه خافية. وقيل: معناه عالم بما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الإيمان والكفر. (إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم [ 21 ] أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والأخرة وما لهم من ناصرين [ 22 ]). القراءة: قرأ حمزة: (يقاتلون) بالألف. وقيل: إنما قرأها اتباعا لمصحف عبد الله بن مسعود، لأن فيه (وقاتلوا الذين يأمرون). والباقون: (يقتلون) وهي القراءة الظاهرة. الاعراب: إنما دخلت الفاء في قوله (فبشرهم) لشبه الجزاء، وإنما لم يجز: ليت الذي يقوم فيكرمك، وجاز: إن الذي يقوم فيكرمك، لأن الذي إنما دخلت الفاء في خبرها لما في الكلام من معنى الجزاء، وليت تبطل معنى الجزاء، وليس كذلك أن، لأنها بمنزلة الإبتداء. المعنى: لما قدم سبحانه ذكر الإحتجاج على أهل الكتاب، وحسن الوعد لهم إن أسلموا، وشدة الوعيد إن أبوا، فضل في هذه الآية كفرهم فقال: (إن الذين يكفرون) (1) أي: يجحدون حجج الله تعالى، وبيناته (ويقتلون النبيين) قيل: هم اليهود. فقد روي عن أبي عبيدة بن الجراح قال: قلت: يا رسول الله ! أي الناس أشد عذابا يوم القيامة ؟ فقال: " رجل قتل نبيا، أو رجلا أمر بمعروف، أو نهى عن منكر، ثم قرأ (ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس) ثم قال " عليه السلام ": يا أبا عبيدة ! قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من عباد بني إسرائيل، فأمروا من قتلهم


(1) [ بآيات الله ]. (*)

[ 263 ]

بالمعروف، ونهوهم عن المنكر، فقتلوا جميعا من آخر النهار في ذلك اليوم، وهو الذي ذكره الله تعالى ". (فبشرهم بعذاب أليم) أي: أخبرهم بأن لهم العذاب الأليم، وإنما قال (بشرهم) على طريق الإتباع والإستعارة. والبشارة تكون في الخير دون الشر، لأن ذلك لهم مكان البشارة للمؤمنين، ولأنها مأخوذة من البشرة. وبشرة الوجه تتغير بالسرور في الخير، وبالغم في الشر. ويقال: كيف قال (فبشرهم) وإنما قتل الأنبياء أسلافهم والجواب: لأنهم رضوا بأفعالهم، واقتدوا بهم، فأجملوا معهم. وقيل: معناه بشر هؤلاء بالعذاب الأليم لأسلافهم. وقوله: (بغير حق) لا يدل على أن في قتل النبيين ما هو حق، بل المراد بذلك أن قتلهم لا يكون إلا بغير حق، كقوله: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به)، والمراد بذلك تأكيد النفي والمبالغة فيه كما يقال: فلان لا يرجى خيره، والغرض في ذلك أنه لا خير عنده على وجه من الوجوه، وكما قال أبو ذؤيب: * متفلق أنساؤها عن قانئ، * كالقرط صاو، غيره لا يرضع (1) * أي: ليس له بقية لبن فيرضع. وعلى هذا فقد وصف القتل بما لا بد أن يكون عليه من الصفة، وهو وقوعه على خلاف الحق. وكذلك الدعاء في قوله تعالى: (ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به) وصفه بأنه لا يكون إلا من غير برهان. وقد استدل علي بن عيسى بهذه الآية على جواز إنكار المنكر مع خوف القتل، وبالخبر الذي رواه الحسن عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر يقتل عليه " وهذا فيه نظر، لأن من شرط حسن إنكار المنكر، أن لا يكون فيه مفسدة. ومتى أدى إلى القتل، فقد انتفى عنه هذا الشرط، فيكون قبيحا. والوجه في الآية والأخبار التي جاءت في معناها، أن يغلب على الظن أن إنكار المنكر لا يؤدي إلى مفسدة، فيحسن ذلك، بل يجب، وإن تعقبه القتل، لأنه ليس من شرطه أن يعلم ذلك، بل يكفي فيه غلبة الظن.


(1) الانساء جمع النسا: عرق يخرج من الورك فيستبطن الفخذين، فإذا سمنت الدابة انفلقت فخذاها بلحمتين عظيمتين، وجرى النسا بينهما واستبان. أحمر قاني: شديد الحمرة. الصاوي اليابس. الغبر: بقية اللبن في الضرع. وقاني كالقرط: كنى به عن حلمة ثدي الأتان. (*)

[ 264 ]

(أولئك الذين) كفروا بآيات الله، وقتلوا الأنبياء، والآمرين بالمعروف (حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة) يريد بأعمالهم ما هم عليه من ادعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى " عليه السلام ". وأراد ببطلانها في الدنيا أنها لم تحقن دماءهم وأموالهم، ولم ينالوا بها الثناء والمدح. وفي الآخرة أنهم لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن، لأن حبوط العمل عبارة عن وقوعه على خلاف الوجه الذي يستحق عليه الثواب والأجر والمدح وحسن الذكر، وإنما تحبط الطاعة حتى تصير كأنها لم تفعل إذا وقعت على خلاف الوجه المأمور به. (وما لهم من ناصرين) يدفعون عنهم العذاب. (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون [ 23 ] ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلآ أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون [ 24 ]). اللغة: النصيب: الحظ من الشئ، وهو القسم المجعول لمن أضيف إليه. والدعاء: استدعاء الفعل ثم قد يكون بصيغة الأمر وبالخبر وبالدلالة والحكم. والخبر الذي يفصل الحق من الباطل مأخوذ من الحكمة: وهي المنع. والغرور: الإطماع فيا لا يصح غره يغره غرورا فهو مغرور. والغرور: الشيطان، لأنه يغر الناس. والغار: الغافل، لأنه كالمغتر. والغرارة: الدنيا تغر أهلها. والغر: الغمر الذي لم يجرب الأمور، ومصدره الغرارة، لأنه من شأنه أن يقبل الغرور. والغرر: الخطر، أخذ منه. والغر: آثار طي الثوب، أطوه على غره أي: على آثار طيه. والغر: زق الطائر فرخه. والإفتراء: الكذب. وفرى فلان كذبا يفريه (1) فرية، والفري: الشق. وفرية مفرية أي: مشقوقة، وقد تفرى خرزها أي: تشقق. وفريت الأرض: سرتها وقطعتها. الاعراب: (يدعون): جملة في موضع الحال من (أوتوا). (يتولى فريق): جملة معطوفة على (يدعون). (وهم معرضون): في موضع نصب أيضا على الحال من (يتولى). (أياما): نصب على الظرف لأن مس النار يكون في


(1) الفرية: الدلو الواسعة. (*)

[ 265 ]

تلك الأيام. و (معدودات) صفة الأيام. المعنى: لما قدم تعالى ذكر الحجاج، بين أنهم إذا عضتهم الحجة فروا إلى الضجة، وأعرضوا عن المحجة فقال: (ألم تر) معناها: ينته علمك (إلى الذين أوتوا نصيبا) أي: أعطوا نصيبا أي: حظا (من الكتاب يدعون إلى كتاب الله). اختلف فيه فقيل: معناه التوراة، عن ابن عباس دعا إليها اليهود، فأبوا لعلمهم بلزوم الحجة لهم لما فيه من الدلالات على نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وصدقه. وإنما قال: (أعطوا نصيبا من الكتاب) لأنهم كانوا يعلمون بعض ما فيه. وقيل: معناه القرآن، عن الحسن وقتادة. دعوا إلى القرآن لأن ما فيه موافق لما في التوراة، من أصول الديانة، وأركان الشريعة، وفي الصفة التي تقدمت البشارة بها. (ليحكم بينهم) يحتمل ثلاثة أشياء أحدها: إن معناه ليحكم بينهم في نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن أبي مسلم وجماعة. والثاني: إن معناه ليحكم بينهم في أمر إبراهيم، وأن دينه الإسلام والثالث: معناه ليحكم بينهم في أمر الرجم. فقد روي عن ابن عباس أن رجلا وامرأة من أهل خيبر زنيا، وكانا ذوي شرف فيهم، وكان في كتابهم الرجم، فكرهوا رجمهما لشرفهما، ورجوا أن يكون عند رسول الله رخصة في أمرهما، فرفعوا أمرهما إلى رسول الله، فحكم عليهما بالرجم، فقال له النعمان بن أوفى، وبحري بن عمرو: جرت عليهما يا محمد، ليس عليهما الرجم فقال لهم رسول الله: بيني وبينكم التوراة. قالوا: قد أنصفتنا. قال: فمن أعلمكم بالتوراة ؟ قالوا: رجل أعور يسكن فدك يقال له ابن صوريا. فأرسلوا إليه فقدم المدينة، وكان جبرائيل قد وصفه لرسول الله، فقال له رسول الله: أنت ابن صوريا ؟ قال: نعم. قال: أنت أعلم اليهود ؟ قال: كذلك يزعمون. قال: فدعا رسول الله بشئ من التوراة فيها الرجم مكتوب، فقال له: إقرأ. فلما أتى على آية الرجم، وضع كفه عليها وقرأ ما بعدها. فقال ابن سلام: يا رسول الله ! قد جاوزها. وقام إلى ابن صوريا، ورفع كفه عنها، ثم قرأ على رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعلى اليهود، بأن المحصن والمحصنة إذا زنيا، وقامت عليهما البينة رجما، وإن كانت المرأة حبلى، انتظر بها حتى تضع ما في بطنها. فأمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " باليهوديين فرجما. فغضب اليهود لذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية. (ثم يتولى فريق منهم) أي: طائفة منهم، عن الداعي (وهم معرضون) عن

[ 266 ]

اتباع الحق (ذلك) معناه: شأنهم ذلك، فهو خبر مبتدأ محذوف. فالله تعالى بين العلة في إعراضهم عنه، مع معرفتهم به، والسبب الذى جرأهم على الجحد والإنكار. (بأنهم قالوا لن تمسنا النار) أي: لن تصيبنا النار (إلا أياما معدودات) وفيه قولان أحدهما: إنها الأيام التي عبدوا فيها العجل، وهي أربعون يوما، عن الربيع وقتادة والحسن. إلا أن الحسن قال سبعة أيام والثاني: إنهم أرادوا أياما منقطعة، عن الجبائي. (وغرهم في دينهم) أي: أطمعهم في غير مطمع (ما كانوا يفترون) أي: افتراءهم وكذبهم. واختلفوا في الإفتراء الذي غرهم على قولين أحدهما: قولهم (نحن أبناء الله وأحباؤه)، عن قتادة والآخر: قولهم (لن تمسنا النار إلا أياما معدودات)، عن مجاهد. وهذا لا يدل على خلاف ما نذهب إليه من جواز العفو، وإخراج المعاقبين من أهل الصلاة من النار، لأنا نقول إن عقاب من ثبت دوام ثوابه بإيمانه، لا يكون إلا منقطعا، وإن لم يحط علما بقدر عقابه، ولا نقول أيام عقابه بعدد أيام عصيانه، كما قالوا. وبين القولين بون ظاهر. (فكيف إذا جمعناهم ليوم لا ريب فيه ووفيت كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [ 266 ]). اللغة: كيف: موضوعة للسؤال عن الحال، ومعناه هاهنا: التنبيه بصيغة السؤال على حال من يساق إلى النار، وفيه بلاغة واختصار شديد، لأن تقديره: أي حال يكون حال من اغتر بالدعاوي الباطلة، حتى أداه ذلك إلى الخلود في النار ؟ ونظيره قول القائل: (أنا أكرمك وإن لم تجئ فكيف إذا جئتني) معناه: فكيف إكرامي لك إذا جئتني ؟ يريد عظم الإكرام. والتقدير: فكيف حالهم إذا جمعناهم أي: في وقت جمعهم، لأنه خبر مبتدأ محذوف. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم، فقال: (فكيف) حالهم (إذا جمعناهم) أي: وقت جمعهم، وحشرهم (ليوم) أي: لجزاء يوم (لا ريب فيه) لا شك فيه لمن نظر في الأدلة، إذ ليس فيه موضع ريبة وشك. ولو قال جمعناهم في يوم، لم يدل على الجزاء. واللام يدل على ذلك، كما يقال: جئته ليوم الخميس أي: لما يكون في يوم الخميس، ولا يعطي جئته في يوم الخميس هذا المعنى. (ووفيت كل

[ 267 ]

نفس ما كسبت) فيه قولان أحدهما: إن معناه ووفرت على كل نفس جزاء ما كسبت من ثواب أو عقاب والثاني: أعطيت ما كسبت أي: اجتلبت بعملها من الثواب والعقاب، كما يقال: كسب فلان المال بالتجارة، والزراعة (وهم لا يظلمون) أي: لا ينقصون عقا استحقوه من الثواب، ولا يزادون على ما استحقوه من العقاب. (قل اللهم مالك الملك تؤتى الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من نشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شئ قدير [ 26 ] تولج اليل في النهار وتولج النهار في اليل وتخرج الحى من الميت وتخرج الميت من الحى وترزق من تشاء بغير حساب [ 27 ]). فضل الآية: روى جعفر بن محمد " عليه السلام "، عن أبيه، عن آبائه، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " لما أراد الله أن ينزل فاتحة الكتاب، وآية الكرسي، وشهد الله، وقل اللهم مالك الملك إلى قوله (بغير حساب) تعلقن بالعرش، وليس بينهن وبين الله حجاب، وقلن: يا رب تهبطنا إلى دار الذنوب، وإلى من يعصيك، ونحن معلقات بالطهور وبالعرش ؟ فقال: وعزتي وجلالي ما من عبد قرأ كن في دبر كل صلاة مكتوبة، إلا أسكنته حظيرة القدس، على ما كان فيه، وإلا نظرت إليه بعيني المكنونة في كل يوم سبعين نظرة، وإلا قضيت له في كل يوم سبعين حاجة، أدناها المغفرة، وإلا أعذته من كل عدو، ونصرته عليه، ولا يمنعه دخول الجنة إلا أن يموت ". وقال معاذ بن جبل: احتبست عن رسول الله يوما، لم أصل معه الجمعة، فقال: يا معاذ ! ما يمنعك عن صلاة الجمعة ؟ قلت: يا رسول الله ! كان ليوحنا اليهودي علي أوقية من تبر، وكان على بابي يرصدني، فأشفقت أن يحبسني دونك. قال: أتحب يا معاذ أن يقضي الله دينك ؟ قلت: نعم يا رسول الله. قال: قل (اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء) إلى قوله (بغير حساب) يا رحمان الدنيا ورحيمهما، تعطي منهما ما تشاء، وتمنع منهما ما تشاء، إقض عني ديني. فإن كان عليك مل ء الأرض ذهبا لأداه الله عنك. القراءة: قرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص ويعقوب: (الميت) بالتشديد. والباقون بالتخفيف.

[ 268 ]

الحجة: قال المبرد: لا خلاف بين علماء البصرة أنهما سواء، وأنشد لابن رعلاء الغساني: * ليس من فات فاستراح بميت، * إنما الميت ميت الأحياء * * إنما الميت من يعيش كئيبا، * كاسفا باله، قليل الرجاء * فجمع بين اللغتين. وما مات، وما لم يمت في هذا الباب، يستويان في الإستعمال. وقال بعضهم: الميت بالتشديد الذي لم يمت بعد. وبالتخفيف: الذي قد مات. والصحيح الأول ألا ترى أنه قل ما جاء: * ومنهل فيه الغراب ميت، * سقيت منه القوم، واستقيت * فهذا قد مات. اللغة: النزع: قلع الشئ عن الشئ، يقال: نزع فلان إلى أخواله أي: نزع إليهم بالشبه، فصار واحدا منهم بشبهه لهم. والنزاع: الحنين إلى الشئ. والنزوع عن الشئ: الترك له. الإيلاج: الإدخال، يقال أولجه فولج ولوجا وولجا ولجة. والوليجة: بطانة الرجل، لأنه يطلعه على دخلة أمره،. والتولج: كناس الظبي، لأنه يدخله. والولج والولجة: شئ يكون بين يدي فناء القوم. الاعراب: (اللهم) ! بمعنى يا الله. والميم المشددة عند سيبويه والخليل عوض عن يا لأن يا لا يوجد مع الميم في كلامهم، فعلم أن الميم في آخر الكلمة بمنزلة يا في أولها والضمة التي في أولها ضمة الإسم المنادى المفرد. والميم مفتوحة لسكونها، وسكون الميم التي قبلها. وقال الفراء: أصله يا الله أم بخير، فألقيت الهمزة وطرحت حركتها على ما قبلها ومثله هلم إنما أصله هل أم. واعترض على قول الخليل بأن الميم إنما تزاد مخففة في مثل فم وابنم، وبأنها اجتمعت مع يا في قول الشاعر: * وما عليك أن تقولي كلما * سبحت، أو صليت: يا اللهما * * اردد علينا شيخنا مسلما * وقال علي بن عيسى: هذا ليس بشئ، لأن الميم هاهنا عوض من حرفين، فشددت كما قيل: قمتن وضربتن، لما كانت النون عوضا من حرفين في قمتموا، أو ضربتموا. فأما قمن وذهبن فالنون هناك عوض عن حرف واحد. وأما البيت فإنما جاز

[ 269 ]

ذلك فيه لضرورة الشعر. وأما هلم: فإن الأصل فيه أن حرف التنبيه وهي ها دخلت على لم عند الخليل. وقوله: (مالك الملك) أكثر النحويين على أنه منصوب بأنه منادى مضاف. قال الزجاج: ويحتمل أن يكون صفة من اللهم، لأن اللهم بمنزلة يا الله، فيكون مثل قولك: يا زيد ذا الجمة. (تؤتي الملك): فعل وفاعل في موضع النصب على الحال، والعامل فيه حرف النداء. وذو الحال اللهم، أو مالك. و (من تشاء): مفعول ثان، والتقدير: تؤتي الملك من تشاء أن تؤتيه، وتنزع الملك ممن تشاء أن تنزعه منه. وكذا الباء في (بيدك الخير): مبتدأ وخبر، في موضع الحال أيضا. والعامل فيه تؤتي وتنزع وتعز وتذل. وذو الحال الضمير المستكن فيها. النزول: قيل: لما فتح رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة، ووعد أمته ملك فارس والروم، قال المنافقون واليهود: هيهات من أين لمحمد " صلى الله عليه وآله وسلم " ملك فارس والروم ؟ ألم يكفه المدينة ومكة حتى طمع في الروم وفارس ؟ ونزلت هذه الآية، عن ابن، عباس، وأنس بن مالك. وقيل: ان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " خط الخندق عام الأحزاب، وقطع لكل عشرة أربعين ذراعا، فاحتج المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان، رجلا قويا، فقال المهاجرون: سلمان منا. وقال الأنصار: سلمان منا. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": سلمان منا أهل البيت. قال عمرو بن عوف: كنت أنا وسلمان وحذيفة ونعمان بن مقرن المزني، وستة من الأنصار، في أربعين ذراعا، فحفرنا حتى إذا كنا بجب ذي ناب، أخرج الله من بطن الخندق صخرة مروة، كسرت حديدنا، وشقت علينا. فقلنا: يا سلمان ! إرق إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأخبره خبر هذه الصخرة، فإما أن نعدل عنها، فإن المعدل قريب، وإما أن يأمرنا فيه بأمره، فإنا لا نحب أن نجاوز خطه. قال: فرقي سلمان إلى رسول الله وهو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول الله خرجت صخرة بيضاء مروة، من بطن الخندق، فكسرت حديدنا، وشقت علينا حتى ما يحتك فيها قليل ولا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك. قال: فهبط رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مع سلمان الخندق، والتسعة على شفة الخندق، فأخذ رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المعول من يد سلمان، فضربها به ضربة صدعها، وبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، حتى كان لكأن مصباحا في جوف ليت مظلم ! فكبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله الثانية، فكسرها، وبرق منها برق أضاء

[ 270 ]

ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ! فكبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. ثم ضربها رسول الله الثالثة، فكسرها، فبرق منها برق أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم ! فكبر رسول الله تكبيرة فتح، وكبر المسلمون. وأخذ بيد سلمان، ورقي. فقال سلمان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئا ما رأيت منك قط ! فالتفت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى القوم وقال: رأيتم ما يقول سلمان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله. قال: ضربت ضربتي الأولى، فبرق الذى رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة، ومدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثالثة، فبرق الذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور صنعاء، كأنها أنياب الكلاب، وأخبرني جبرائيل أن أمتي طاهرة عليها، فأبشروا. فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعد صدق، وعدنا النصر بعد الحصر. فقال المنافقون: ألا تعجبون يمنيكم رلمجدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة، ومدائن كسرى، وأنها تفتح لكم، وأنتم إنما تحفرون الخندق من الفرق، ولا تستطيعون أن تبرزوا ؟ فنزل القرآن: (وإذ يقول المنافقون الذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) وأنزل الله في هذه القصة: (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك) الآية. رواه الثعلبي بإسناده عن عمرو بن عوف. المعنى: لما ذكر سبحانه مكائد أهل الكتاب، علم رسوله محاجتهم، وكيف يجيبهم إذا سألوا وأجابوا، فقال: (قل) يا محمد (اللهم) يا الله (مالك الملك) مالك كل ملك وملك، فكل مالك دونك هالك، وكل ملك دونك يهلك. وقيل: مالك العباد وما ملكوا، عن الزجاج. وقيل: مالك أمر الدنيا والآخرة. وقيل: مالك النبوة، عن مجاهد، وسعيد بن جبير (تؤتي الملك من تشاء) تعطي الملك من تشاء. وفيه محذوف أي: من تشاء أن تؤتيه (وتنزع الملك ممن تشاء) أن تنزعه منه، كما تقول: خذ ما شئت، ودع ما شئت، ومعناه: وتقطع الملك عمن تشاء أن تقطعه عنه، على ما توجبه الحكمة، وتقتضيه المصلحة. واختلف في معناه فقيل: تؤتي الملك وأسباب الدنيا محمدا وأصحابه وأمته، وتنزعه عن صناديد قريش، ومن

[ 271 ]

الروم وفارس، فلا تقوم الساعة حتى يفتحها أهل الاسلام، عن الكلبي. وقيل: تؤتي النبوة والإمامة من تشاء من عبادك، وتوليه التصرف في خلقك وبلادك، وتنزع الملك على هذا الوجه من الجبارين بقهرهم، وإزالة أيديهم، فإن الكافر والفاسق وإن غلب أو ملك، فليس ذلك بملك يؤتيه الله لقوله تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين) وكيف يكون ذلك من إيتاء الله، وقد أمر بقصر يده عنه، وإزالة ملكه. (وتعز من تشاء) بالإيمان والطاعة (وتذل من تشاء) بالكفر والمعاصي. وقيل: تعز المومن بتعظيمه والثناء عليه، وتذل الكافر بالجزية والسبي. وقيل: تعز محمدا وأصحابه، وتذل أبا جهل وأضرابه من المقتولين يوم بدر في القليب. وقيل: تعز من تشاء من أوليائك بأنواع العزة في الدنيا والدين، وتذل من تشاء من أعدائك في الدنيا والآخرة، لأن الله تعالى لا يذل أولياءه وإن أفقرهم وابتلاهم، فإن ذلك ليس على سبيل الإذلال، بل ليكرمهم بذلك في الآخرة، يعزهم ويجلهم غاية الإعزاز والإجلال. (بيدك الخير) اللام للجنس أي: الخير كله في الدنيا والآخرة من قبلك. وإنما قال (بيدك الخير) وإن كان بيده كل شئ من الخير والشر، لأن الآية تضمنت إيجاب الرغبة إليه، فلا يحسن في هذه الحالة إلا ذكر الخير، لأن الترغيب لا يكون إلا في الخير. وهذا كما يقال: أمر فلان بيد فلان. (إنك على كل شئ قدير) أي: قادر على جميع الأشياء، لا يعجزك شئ تقدر على إيجاد المعدوم، وإفناء الموجود، وإعادة ما كان موجودا. (تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل) قيل في معناه قولان أحدهما: إن معناه ينقص من الليل، فيجعل ذلك النقصان زيادة في النهار، وينقص من النهار، فيجعل ذلك النقصان زيادة في الليل، على قدر طول النهار وقصره، عن ابن عباس والحسن ومجاهد وعامة المفسرين. والآخر: معناه يدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه بدلا منه في مكانه، عن أبي علي الجبائي. (وتخرج الحي من الميت) أي: من النطفة وهي ميتة بدليل قوله: (وكنتم أمواتا فأحياكم). (وتخرج الميت من الحي) أي: النطفة من الحي، وكذلك الدجاجة من البيضة، والبيضة من الدجاجة، عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وقتادة والسدي. وقيل: إن معناه تخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن، عن الحسن، وروي

[ 272 ]

ذلك عن أبي جعفر " عليه السلام "، وأبي عبد الله " عليه السلام ". (وترزق من تشاء بغير حساب) معناه: بغير تقتير، كما يقال: فلان ينفق بغير حساب، لأن من عادة المقتر أن لا ينفق إلا بحساب، ذكره الزجاج. وقيل: معناه بغير مخافة نقصان لما عنده، فإنه لا نهاية لمقدوراته. فما يؤخذ منها لا ينقصها، ولا هو على حساب جزء من كذا، كما يعطي الواحد منا العشرة من المائة، والمائة من الألف. وقيل: إن المراد بمن يشاء أن يرزقه، أهل الجنة، لأنه يرزقهم رزقا لا يتناوله الحساب، ولا العد، ولا الإحصاء، من حيث إنه لا نهاية له، ويطابقه قوله: (فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب). (لا يتخذ الؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شئ إلآ أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير [ 28 ]). القراءة: قرأ يعقوب وسهل: (تقية) وهو قراءة الحسن ومجاهد، والباقون: (تقاة). وإمال الكسائي (تقاة). وقرأ نافع وحمزة بين التفخيم والإمالة. والباقون بالتفخيم. الحجة: الأجود في (تقاة) التفخيم من أجل الحرف المستعلي، وهو القاف. وإنما جازت الإمالة لتؤذن أن الألف منقلبة من الياء. وتقاة: وزنها فعلة نحو تؤدة وتخمة، فهما جميعا مصدرا إتقى تقية وتقاة واتقاء وتقوى، وأصله وقاء، إلا أن الواو المضمومة أبدلت تاء استثقالا لها، فإنهم يفرون من ضمة الواو إلى الهمزة، وإلى التاء. فأما التاء فلقربها من الواو مع أنها من حروف الزيادات. وأما الهمزة فلأنها نظيرتها في الطرف الآخر من مخارج الحروف مع حسن زيادتها أو لا. والتقية: الإظهار باللسان خلاف ما ينطوي عليه القلب، للخوف على النفس. الاعراب: معنى (من) ابتداء الغاية من قوله (من دون المؤمنين) على تقدير: لا تجعلوا ابتداء الولاية مكانا دون المؤمنين، لأن مكان المؤمن الأعلى، ومكان الكافر الأدنى، كما تقول: زيد دونك، ولست تريد أن زيدا في موضع مستفل، أو أنه في موضع مرتفع، لكن جعلت الشرف بمنزلة الارتفاع. والخسة كالإستفال. وقوله:

[ 273 ]

(فليس من الله في شئ) من في (من الله): يتعلق بمحذوف، وهو حال. والعامل فيه ما يتعلق به في، وتقديره: فليس في شئ من الله. فمن الله: في موضع الصفة لشئ. فلما تقدمه انتصب على الحال. وقوله: (أن تتقوا) في محل الجر بباء محذوف، أو في محل النصب بحذف الباء على ما مر أمثاله. المعنى: لما بين سبحانه أنه مالك الدنيا والآخرة، والقادر على الإعزاز والإذلال، نهى المؤمنين عن موالاة من لا إعزاز عندهم، ولا إذلال من أعدائه، ليكون الرغبة فيما عنده وعند أوليائه المؤمنين دون أعدائه الكافرين، فقال: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء) أي: لا ينبغي للمؤمنين أن يتخذوا الكافرين أولياء لنفوسهم، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، ويظهروا المحبة لهم، كما قال في عدة مواضع من القرآن نحو قوله: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) الآية. وقوله: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء ولا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء). وقوله: (من دون المؤمنين) معناه: يجب أن يكون الموالاة مع المؤمنين، وهذا نهي عن موالاة الكفار، ومعاونتهم على المؤمنين. وقيل: نهي عن ملاطفة الكفار، عن ابن عباس. والأولياء: جمع الولي، وهو الذي يلي أمر من ارتضى فعله بالمعونة والنصرة، ويجري على وجهين أحدهما: المعين بالنصرة. والآخر: المعان. فقوله تعالى: (الله ولي الذين آمنوا) معناه: معينهم بنصرته. ويقال: المؤمن ولي الله أي: معان بنصرته. وقوله: (ومن يفعل ذلك) معناه من اتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين. (فليس من الله في شئ) أي: ليس هو من أولياء الله، والله برئ منه. وقيل: ليس هو من ولاية الله تعالى في شئ. وقيل: ليس من دين الله في شئ. ثم استثنى فقال: (إلا أن تتقوا منهم تقاة) والمعنى إلا أن يكون الكفار غالبين، والمؤمنون مغلوبين، فيخافهم المؤمن إن لم يظهر موافقتهم، ولم يحسن العشرة معهم، فعند ذلك يجوز له إظهار مودتهم بلسانه، ومداراتهم تقية منه، ودفعا عن نفسه، من غير أن يعتقد ذلك. وفي هذه الآية دلالة على أن التقية جائزة في الدين عند الخوف على النفس. وقال أصحابنا: إنها جائزة في الأحوال كلها عند الضرورة، وربما وجبت فيها لضرب من اللطف والإستصلاح. وليس تجوز من

[ 274 ]

الأفعال في قتل المؤمن، ولا فيما يعلم أو يغلب على الظن أنه استفساد في الدين. قال المفيد: إنها قد تجب أحيانا وتكون فرضا، ويجوز أحيانا من غير وجوب، وتكون في وقت أفضل من تركها. وقد يكون تركها أفضل، وإن كان فاعلها معذورا ومعفوا عنه، متفضلا عليه بترك اللوم عليها. وقال الشيخ أبو جعفر الطوسي (قده): ظاهر الروايات تدل على أنها واجبة عند الخوف على النفس، وقد روى رخصة في جواز الإفصاح بالحق عنده. وروى الحسن أن مسيلمة الكذاب أخذ رجلين من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال لأحدهما: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. قال: أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال: نعم. ثم دعا بالآخر فقال: أتشهد أن محمدا رسول الله ؟ قال: نعم. ثم قال: أفتشهد أني رسول الله ؟ فقال: إني أصم قالها ثلاثا، كل ذلك يجيبه بمثل الأول. فضرب عنقه. فبلغ ذلك رسول الله فقال: أما ذلك المقتول فمضى على صدقه ويقينه، وأخذ بفضله، فهنيئا له. وأما الآخر فقبل رخصة الله، فلا تبعة عليه. فعلى هذا تكون التقية رخصة والإفصاح بالحق فضيلة. وقوله: (ويحذركم الله نفسه) يعني إياه، فوضع نفسه مكان إياه ومعناه: ويحذركم الله عقابه على اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وعلى سائر المعاصي. وذكر " نفسه " لتحقيق الإضافة، كما يقال: إحذر الأسد أي: صولته وافتراسه دون عينه (وإلى الله المصير) معناه: وإلى جزاء الله المرجع. وقيل: إلى حكمه. (قل إن تخفوا مافى صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ويعلم ما في السماوات وما في الأرض والله على كل شئ قدير [ 29 ]). اللغة: الصدر: معروف، وهو أعلى مقدم كل شئ. والصدر: الإنصراف عن الماء بعد الري. والتصدير: حسام الرجل لميله إلى الصدر. والصدار: شبيه بالبقيرة (1) تلبسها المرأة لأنه قصير يغطي الصدر وما حاذاه. الاعراب: (يعلمه الله): جزم لأنه جواب الشرط، وإن كان الله يعلمه، كان أو لم يكن، ومعناه يعلمه كائنا. ولا يصح وصفه بذلك قبل أن يكون. ورفع (ويعلم ما في السموات) على الإستئناف.


(1) البقيرة: قميص بلا كمين للنساء. (*)

[ 275 ]

المعنى: لما تقدم النهي عن اتخاذ الكفار أولياء، خوفوا من الإبطان بخلاف الإظهار فيما نهوا عنه، فقال سبحانه (قل) يا محمد (إن تخفوا) أي: إن تستروا (ما في صدوركم) يعني ما في قلوبكم. وإنما ذكر الصدر لأنه محل القلب. (أو تبدوه) أي: تظهروه (يعلمه الله) فلا ينفعكم إخفاؤه، (و) هو مع ذلك (يعلم ما في السموات وما في الأرض). وإنما قال ذلك ليذكر بمعلوماته على التفصيل، فيتم التحذير. إذ كان من يعلم ما في السموات وما في الأرض على التفصيل، يعلم الضمير. (والله على كل شئ قدير) فيقدر على أخذكم ومجازاتكم. (يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا ويحذركم الله نفسه والله رءوف بالعباد [ 30 ]). اللغة: الأمد.: الغاية التي ينتهى إليها. قال النابغة: * إلا لمثلك، أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الأمد * الاعراب: في انتصاب (يوم) وجوه أحدها: إنه منصوب بيحذركم أي: يحذركم الله نفسه يوم تجد والثاني: بالمصير تقديره: إلى الله المصير يوم تجد والثالث: اذكر يوم تجد. وقوله: (ما علمت) ما هاهنا بمعنى الذي، لأنه عمل فيه (تجد)، فهي في موضع نصب. ويحتمل أن يكون مع ما بعدها بمعنى المصدر، وتقديره: يوم تجد كل نفس عملها بمعنى جزاء عملها. (محضرا): منصوب على الحال من (تجد) إذا جعلته من الوجدان. فإن جعلته من العلم، فهو مفعول ثان. وقوله: (وما عملت من سوء) يصلح فيها معنى الذي، ويقويه قوله: (تود) بالرفع، ولو كان بمعنى الجزاء لكان (تود) مفتوحا أو مكسورا. والرفع جائز على ضعف. وأقول: إن جواب (لو) هنا محذوف، وتقدير الكلام: تود أن بينها وبينه أمدا بعيدا لو ثبت ذلك، لأن (لو) يقتضي الفعل، ولا يدخل على الإسم، وأن مع اسمه وخبره بمنزلة مصدر، فيكون تقديره: لو ثبت أن بينها وبينه أمدا بعيدا. فيكون في ذكر فاعل الفعل المقدر بعد (لو) دلالة على مفعول (تود) المحذوف. وفي لفظ (تود) دلالة على جواب (لو). هذا مما سنح لي الآن، وهو واضح بحمد الله تعالى، ومنه. المعنى: لما حذر العقاب في الآية المتقدمة، بين وقت العقاب، فقال: (يوم

[ 276 ]

تجد كل نفس ما عملت) في الدنيا (من) طاعة و (خير محضرا) ونظيره قوله: (ووجدوا ما عملوا حاضرا). و (علمت نفس ما أحضرت). ثم اختلف في كيفية وجود العمل محضرا فقيل: تجد صحائف الحسنات والسيئات، عن أبي مسلم وغيره، وهو اختيار القاضي. وقيل: ترى جزاء عملها من الثواب والعقاب. فأما أعمالهم فهي أعراض قد بطلت، ولا يجوز عليها الإعادة، فيستحيل أن ترى محضرة. (وما عملت من سوء) معناه: تجد كل نفس الذي عملته من معصية محضرا (تود لو أن بينها وبينه) أي: بين معصيتها (أمدا بعيدا) أي: غاية بعيدة، أي: تود أنها لم تكن فعلتها. وقيل: معناه مكانا بعيدا، عن السدي. وقيل: ما بين المشرق والمغرب، عن مقاتل (ويحذركم الله نفسه) قد مر ذكره (والله رؤوف بالعباد) أي: رحيم بهم. قال الحسن: ومن تمام رأفته بهم أن حذرهم عقابه على معاصيه. (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحبكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم [ 31 ] قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين [ 32 ]). اللغة: المحبة هي الإرادة إلا أنها تضاف إلى المراد تارة، وإلى متعلق المراد أخرى. تقول: أحب زيدا، وأحب إكرام زيد. ولا تقول في الإرادة ذلك، لأنك تقول: أريد إكرام زيد، ولا تقول: أريد زيدا. وإنما كان كذلك لقوة تصرف المحبة في موضع ميل الطباع الذي يجري مجرى الشهوة، فعوملت تلك المعاملة في الإضافة. ومحبة الله تعالى للعبد هي إراده ثوابه. ومحبة العبد لله هي إرادته لطاعاته. وقالوا: أحببت فلانا فهو محبوب استغنوا به عن محب، كما استغنوا بأحببت عن حببت. وقال عنترة: * ولقد نزلت فلا تظني غيره * مني بمنزلة المحب المكرم * فجاء به على الأصل. وحكى الزجاج عن الكسائي: حببت من الثلاثي. وقوله: (ويغفر لكم) لا يجوز في القياس إدغام الراء في اللام، كما جاز إدغام اللام في الراء في: هل رأيت، لأن الراء مكررة. ولا يدغم الزائد في الناقص للإخلال به. والطاعة: اتباع الداعي فيما دعاه إليه بامره أو إرادته، ولذلك قد يكون الإنسان مطيعا للشيطان فيما يدعوه إليه، وإن لم يقصد أن يطيعه، لأنه إذا مال مع ما يجده في

[ 277 ]

نفسه من الدعاء إلى المعصة، فقد أطاع الداعي إليها. النزول: قال محمد بن جعفر بن الزبير: نزلت الآيتان في وفد نجران من النصارى لما قالوا: إنا نعظم المسيح حبا لله. المعنى: ثم بين سبحانه أن الإيمان به لا يجدي، إلا إذا قارنه الإيمان برسوله " صلى الله عليه وآله وسلم " فقال: (قل) يا محمد (إن كنتم تحبون الله) كما تزعمون (فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم) وقيل: معناه إن كنتم تحبون دين الله، فاتبعوا ديني يزدد لكم حبا، عن ابن عباس. وقيل: إن كنتم صادقين في دعوة محبة الله تعالى، فاتبعوني فإنكم إن فعلتم ذلك أحبكم الله، ويغفر لكم (والله غفور رحيم) أي: كثير المغفرة والرحمة (قل أطيعوا الله والرسول) أي: قل يا محمد إن كنتم تحبون الله كما تدعون، فأظهروا دلالة صدقكم بطاعة الله، وطاعة رسوله، فذلك إمارة صدق الدعوة (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن طاعة الله وطاعة رسوله (فإن الله لا يحب الكافرين) معناه: إنه يبغضهم، ولا يريد ثوابهم. فدل بالنفي على الإثبات، وذلك أبلغ، لأنه لو قال يبغضهم لجاز أن يتوهم أنه يبغضهم من وجه، ويحبهم من وجه آخر، كما يجوز أن يعلم الشئ من وجه، ويجهل من وجه. وفي هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لأنه إذا لم يحب الكافرين من أجل كفرهم، ولم يرد ثوابهم لذلك، فلا يريد إذا كفرهم، لأنه لو أراده لم يكن نفي محبته لهم لكفرهم. (* إن الله اصطفئ ادم ونوحا وءال إبراهيم وءال عمران على العالمين [ 33 ] ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم [ 34 ]). اللغة: الإصطفاء والإختيار والإجتباء نظائر، وهو افتعل من الصفوة. وهذا من أحسن البيان الذي يمثل به المعلوم بالمرئي، وذلك أن الصافي هو النقي من شائب الكدر فيما يشاهد. فمثل الله تعالى خلوص هؤلاء القوم من الفساد بخلوص الصافي من شائب الأدناس. وقد بينا معنى الآل فيما مضى عند قوله: (وإذ نجيناكم من آل فرعون) الآية (1) ومعنى الذرية وأصله عند قوله: (من ذريتي) (2). الاعراب: يحتمل نصب ذرية على وجهين أحدهما: أن يكون حالا والعامل فيها اصطفى والثاني: أن يكون على البدل من مفعول اصطفى. المعنى: (إن الله اصطفى) أي: اختار واجتبى (آدم ونوحا) لنبوته (وآل


(1) أي في الجزء الأول الآية 50 من سورة البقرة. (2) أي في الجزء الأول الآية 135 من سررة البقرة. (*)

[ 278 ]

إبراهيم وآل عمران على العالمين) أي.: على عالمي زمانهم بأن جعل الأنبياء منهم. وقيل: اختار دينهم كقوله: (واسأل القرية) عن الفراء. وقيل: اختارهم بالتفضيل على غيرهم بالنبوة، وغيرها من الأمور الجليلة التي رتبها الله لهم في ذلك من مصالح الخلق. وقيل: اختار آدم بأن خلقه من غير واسطة، وأسكنه جنته، وأسجد له ملائكته، وأرسله إلى الملائكة والإنس واختار نوحا بالنبوة، وطول العمر، وإجابة دعائه، وغرق قومه، ونجاته في السفينة. واختار إبراهيم بالخلة، وتبريد النار، وإهلاك نمرود. وقوله: (وآل إبراهيم وآل عمران) قيل: أراد به نفس إبراهيم، ونفس عمران كقوله:. (وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون) يعني موسى وهارون. وقيل: آل إبراهيم أولاده: إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط. وفيهم داود وسليمان ويونس وزكريا ويحيى وعيسى. وفيهم نبينا لأنه من ولد اسماعيل. وقيل: آل إبراهيم هم المؤمنون المتمسكون بدينه، وهو دين الإسلام، عن ابن عباس والحسن. وأما آل عمران فقيل: هم من آل إبراهيم أيضا، كما قال (ذرية بعضها من بعض) فهم موسى وهارون ابنا عمران، وهو عمران بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب. وقيل: يعني بآل عمران مريم وعيسى، وهو عمران بن الهشم بن أمون، من ولد سليمان بن داود، وهو أبو مريم، لأن آل الرجل أهل البيت الذي ينتسب إليه، عن الحسن ووهب. وفي قراءة أهل البيت وآل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " على العالمين. وقالوا أيضا: إن آل إبراهيم هم آل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " الذين هم أهله، ويجب أن يكون الذين اصطفاهم إلله تعالى مطهرين معصومين، منزهين عن القبائح، لأنه تعالى لا يختار ولا يصطفي إلا من كان كذلك، ويكون ظاهره مثل باطنه في الطهارة والعصمة. فعلى هذا يختص الاصطفاء بمن كان معصوما من آل إبراهيم وآل عمران، سواء كان نبيا أو إماما. ويقال الإصطفاء على وجهين أحدهما: إنه اصطفاه لنفسه أي: جعله خالصا له، يختص به. والثاني: إنه اصطفاه على غيره أي: اختصه بالتفضيل على غيره، وعلى هذا الوجه معنى الآية. فإن قيل: كيف اختصهم الله بالتفضيل قبل العمل ؟ فالجواب: إنه إذا كان المعلوم أن صلاح المكلفين لا يتم إلا بهم، فلا بد من تقديم البشارة بهم، والإخبار

[ 279 ]

بما يكون من حسن شمائلهم وأفعالهم، والتشويق إليهم، كما يكون من جلالة أقدارهم، وزكاء خلالهم، ليكون ذلك داعيا للناس إلى القبول منهم، والإنقياد لهم. وفي هذه الآية دلالة على تفضيل الأنبياء على الملائكة، عليهم أجمعين الصلاة والسلام، لأن العالمين يعم الملائكة وغيرهم من المخلوقين، وقد فضلهم سبحانه، واختارهم على الكل. وقوله (ذرية) أي: أولادا وأعقابا (بعضها من بعض) قيل: معناه في التناصر في الدين، وهو الإسلام، أي: دين بعضها من دين بعض، كما قال: (والمنافقون والمنافقات بعضهم من بعض) أي: في التناصر والتعاضد على الضلال، وهو قول الحسن وقتادة. وقيل: بعضها من بعض في التناسل والتوالد، فإنهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام "، لأنه قال الذين اصطفاهم الله بعضهم من نسل بعض، واختاره أبو علي الجبائي. (والله سميع عليم) فيه قولان أحدهما: إن معناه سميع لما تقوله الذرية عليم بما يضمرونه، فلذلك فضلهم على غيرهم لما في معلومه من استقامتهم في أقوالهم وأفعالهم والثاني: إن معناه سميع لما تقوله امرأة عمران من النذر، عليم بما تضمره. ونبه بذلك على استحسان ذلك منها. النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما وقعت المنازعة في إبراهيم وعيسى، واختلف أقوال النصارى واليهود فيهما، بين تعالى أن من أطاع الرسول قال فيهما ما يقوله هو. وقيل: إنه لما أمر بطاعة نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأبى ذلك المشركون، بين تعالى أنه كما اصطفاءه لرسالته، اصطفى من قبله من الأنبياء، فلا وجه لإنكارهم رسالته. (إذ قالت امرأت عمران رب إنى نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل منى إنك أنت السميع العليم [ 35 ] فلما وضعتها قالت رب إنى وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر، كالأنثى وإنى سميتها مريم وإنى أعيذها بك وذريتها من لشيطان الرحيم [ 36 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأبو بكر، عن عاصم ويعقوب: (بما وضعت) بضم

[ 280 ]

التاء، وروي عن علي " عليه السلام ". وقرأ الباقون: (وضعت) على الحكاية. الحجة: من قرأ بضم التاء جعله من كلام أم مريم. ومن قرأ بإسكان التاء: جعل ذلك من قول الله تعالى. ويقوي قول من أسكن التاء قوله (والله أعلم بما وضعت). ولو كان من قول أم مريم لقالت: وأنت أعلم بما وضعت، لأنها تخاطب الله تعالى. اللغة: معنى المحرر في اللغة يحتمل أمرين أحدهما: المعتق من الحرية، يقال: حررته تحريرا أعتقته أي: جعلته حرا والآخر: من تحرير الكتاب، يقال: حررت الكتاب تحريرا أي: أخلصته من الفساد وأصلحته. والتقبل: أخذ الشئ على الرضا به كتقبل الهدية. وأصل التقبل: المقابلة. وأصل الوضع: الحط. وضعت المرأة الولد: بمعنى ولدت. والموضع: مكان الوضع. والضعة: الخساسة، لأنها تضع من قدر صاحبها. والإيضاع في السير: الرفق فيه لأنه حط عن شدة الإسراع. والشيطان الرجيم: مر تفسيرهما في أول الكتاب. الاعراب: في موضع (إذ قالت) أقوال أحدها: إنه نصب بأذكر، عن الأخفش والمبرد. والثاني: إنه متعلق باصطفى آل عمران، عن الزجاج. والثالث: إنه متعلق بسميع عليم، فيعمل فيه معنى الصفتين تقديره: والله مدرك لقولها ونيتها إذ قالت، عن علي بن عيسى. والرابع: إن إذ زائدة، فلا موضع لها من الإعراب، عن أبي عبيدة، وهذا خطأ عند البصريين. و (محررا): نصب على الحال من (ما) وتقديره: نذرت لك الذي في بطني محررا. والعامل فيه (نذرت) وقوله: (أنثى) نصب على الحال. المعنى: لما ذكر سبحانه أنه اصطفى آل عمران، عقبه بذكر مريم بنت عمران، فقال: (إذ قالت امرأة عمران) وقد مضى القول فيه، واسمها حنة جدة عيسى، وكانتا أختين إحداهما: عند عمران بن الهشم، من ولد سليمان بن داود. وقيل: هو عمران بن مائان، عن ابن عباس ومقاتل. وليس بعمران أبي موسى، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. وكان بنو مائان رؤوس بني إسرائيل. والأخرى: كانت عند زكريا، واسمها أشياع، واسم أبيها قاقود بن قبيل. فيحيى ومريم ابنا خالة (رب إني نذرت لك ما في بطني) أي: أوجبت لك بأن أجعل ما في بطني. (محررا) أي: خادما للبيعة يخدم في متعبداتنا، عن مجاهد. وقيل: محررا

[ 281 ]

للعبادة، مخلصا لها، عن الشعبي. وقيل: عتيقا خالصا لطاعتك لا أستعمله في منافعي، ولا أصرفه في الحوائج، عن محمد بن جعفر بن الزبير. قالوا: وكان المحرر إذا حرر جعل في الكنيسة يقوم عليها، ويكنسها ويخدمها، لا يبرح حتى يبلغ الحلم، ثم يخير فإن أحب أن يقيم فيه أقام، وإن أحب أن يذهب ذهب حيث شاء. قالوا: وكانت حنة قد أمسك عنها الولد، فدعت حتى أيست. فبينا هي تحت شجرة، إذ رأت طائرا يزق فرخا له، فتحركت نفسها للولد، فدعت الله أن يرزقها ولدا، فحملت بمريم. وروي عن أبي عبد الله قال: أوحى اله تعالى إلى عمران: إني واهب لك ذكرا مباركا، يبرئ الأكمه والأبرص، ويحي المبرتى بإذن الله، وجاعله رسولا إلى بني إسرائيل. فحدث امرأته حنة بذلك، وهي أم مريم. فلما حملت بها قالت: رب إني نذرت لك ما في بطني محررا (فتقبل مني) أي: نذري قبول رضا. (إنك انت السميع) لما أقوله (العليم) بما أنوي فلهذا صحت الثقة لي. (فلما وضعتها) قيل: إن عمران هلك وهي حامل، فوضعت بعد ذلك، يعني ولدت مريم، وكانت ترجو أن يكون غلاما. فلما وضعتها خجلت واستحيت، و (قالت) منكسة رأسها: (ربي إني وضعتها أنثى) وقيل فيه قولان أحدهما: إن المراد به الإعتذار من العدول عن النذر لأنها أنثى والآخر: إن المراد تقديم الذكر في السؤال لها بأنها أنثى، لأن سعيها أضعف، وعقلها أنقص. فقدم ذكرها ليصح القصد لها في السؤال بقولها: (وإني أعيذها بك). (والله أعلم بما وضعت) إخبار منه تعالى بأنه أعلم بوضعها، لأنه هو الذي خلقها وصورها. وعلى القراءة الاخرى: وأنت يا رب أعلم مني بما وضعت (وليس الذكر كالأنثى) لأنها لا تصلح لما يصلح الذكر له، وإنما كان يجوز لهم التحرير في الذكور دون الإناث، لأنها لا تصلح لما يصلح له الذكر من التحرير لخدمة بيت المقدس، لما يلحقها من الحيض والنفاس والصيانة عن التبرج للناس. وقال قتادة: لم يكن التحرير إلا في الغلمان فيما جرت به العادة. وقيل: أرادت أن الذكر أفضل من الأنثى على العموم، وأصلح للأشياء. والهاء في قوله (وضعتها) كناية عن ما في قوله (ما في بطني) وجاز ذلك لوقرع (ما) على مؤنث، ويحتمل أن يكون كناية عن معلوم دل عليه الكلام (وإني سميتها) أي: جعلت اسمها (مريم) وهي بلغتهم

[ 282 ]

العابدة والخادمة فيما قيل. وكانت مريم أفضل النساء في وقتها وأجلهن. وروى الثعلبي بإسناده عن أبي هريرة أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: حسبك من نساء العالمين أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد. (وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم) خافت عليها ما يغلب على النساء من الآفات، فقالت ذلك. وقيل: إنما استعاذتها من طعنة الشيطان في جنبها التي لها يستهل الصبي صارخا، فوقاها الله تعالى، وولدها عيسى منه بحجاب. فقد روى أبو هريرة أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: (ما من مولود إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستدل صارخا من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها. وقيل: إنها استعاذت من إغواء الشيطان الرجيم إياها، عن الحسن. (فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب [ 37 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (كفلها) بالتشديد. والباقون بالتخفيف. وقرأ أهل الكوفة، إلا أبا بكر: (زكريا) مقصورا. والباقون بالمد. ونصب (زكرياء) مع المد أبو بكر وحده. والباقون: بالرفع. الحجة: قال أبو علي: حجة من خفف (كفلها) قوله تعالى: (أيهم يكفل مريم وزكريا) مرتفع، لأن الكفالة مسندة إليه. ومن شدد (كفلها) ففاعله الضمير العائد إلى (ربها) من قوله (فتقبلها ربها) وصار (زكريا) مفعولا بعد تضعيف العين. والمد والقصر في (زكريا) لغتان. اللغة: إنما جاء مصدر تقبلها على القبول دون التقبل، لأن فيه معنى قبلها، كما يقال: تكرم كرما، لأن فيه معنى كرم. ومثله: (وأنبتها نباتا حسنا) لأن فيه معنى فنبت. وقال أبو عمرو: ولا نظير لقبول في المصادر بفتح فاء الفعل، والباب كله مضموم الفاء كالدخول والخروج. وقال سيبويه: جاءت خمس مصادر على فعول بالفتح: قبول، ووضوء، وظهور، وولوغ، ووقود. إلا أن الأكثر في وقود الضم، إذا أريد المصدر. وأجاز الزجاج في قبول الضم. والقبيل: الكفيل وهو الضامن،

[ 283 ]

يقال: كفلته أكفله كفلا وكفولا وكفالا، فأنا كافل: إذا تكفلت مؤنته. ومنه الحديث: " وأنت خير المكفولين " أي أحق من كفل في صغره، وأرضع حتى نشأ. والمكفول عنه في الفقه هو الذي عليه الدين. والمكفول له هو الذي له الدين. والمكفول به هو الدين. والكفيل هو الذي ثبت عليه الدين. والمحراب: مقام الإمام من المسجد، وأصله أكرم موضع في المجلس وأشرفه. وقال الزجاج: هو المكان العالي الشريف، قال: * ربة محراب إذا جئتها، * لم ألقها، أو أرتقي سلما * ويقال للمسجد أيضا: محراب، ومنه: (ما يشاء من محاريب) أي: مساجد. وقيل: إنه أخذ من الحرب لأنه يحارب فيها الشيطان. المعنى: (فتقبلها ربها) مع أنوثتها، ورضي بها في النذر الذي نذرته حنة للعبادة في بيت المقدس، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. وقيل: معناه تكفل بها في تربيتها والقيام بشأنها، عن الحسن. وقبوله إياها أنه ما عرتها علة ساعة من ليل أو نهار (بقبول حسن) أصله: بتقبل حسن، ولكنه محمول على قوله فتقبلها قبولا حسنا. وقيل: معناه سلك بها طريق السعداء، عن ابن عباس. (وانبتها نباتا حسنا) أي: جعل نشوءها نشوءا حسنا. وقيل: سوى خلقها، فكانت تنبت في يوم ما ينبت غيرها في عام، عن ابن عباس. وقيل: أنبتها في رزقها وغذائها حتى نمت امرأة بالغة تامة، عن ابن جريج. وقال ابن عباس: لما بلغت تسع سنين، صامت النهار، وقامت الليل، وتبتلت حتى غلبت الأحبار. (وكفلها زكريا) بالتشديد معناه: ضمها الله إلى زكريا، وجعله كفيلها، فيقوم بها. وبالتخفيف معناه: ضمها زكريا إلى نفسه، وضمن القيام بأمرها. وقالوا: إن أم مريم أتت بها ملفوفة في خرقة إلى المسجد، وقالت: دونكم النذيرة. فتنافس فيها الأحبار، لأنها كانت بنت إمامهم، وصاحب قربانهم. فقال لهم زكريا: أنا أحق بها لأن خالتها عندي. فقالت له الأحبار: إنها لو تركت لأحق الناس بها لتركت لأمها التي ولدتها، ولكنا نقترع عليها، فتكون عند من خرج سهمه. فانطلقوا وهم تسعة وعشرون رجلا إلى نهر جار، فألقوا أقلامهم في الماء. فارتز قلم زكريا، وارتفع فوق الماء، ورسبت أقلامهم، عن ابن إسحاق وجماعة. وقيل بل ثبت قلم زكريا وقام فوق الماء، كأنه في طين وجرت أقلامهم مع جرية الماء، فذهب بها الماء، عن

[ 284 ]

السدي. فسهمهم زكريا وقرعهم وكان رأس الأحبار ونبيهم، فذلك قوله: (وكفلها زكريا). وزكريا كان من ولد سليمان بن داود وفيه ثلاث لغات: المد والقصر وزكري مشدد. قالوا: فلما ضم زكريا مريم إلي نفسه، بنى لها بيتا، واسترضع لها، فقال محمد بن إسحاق: ضمها إلى خالتها ام يحيى، حتى إذا شبت وبلغت مبلغ النساء، بنى لها محرابا في المسجد، وجعل بابه في وسطها، لا يرقى إليها إلا بسلم مثل باب الكعبة، ولا يصعد إليها غيره. وكان يأتيها بطعامها وشرابها ودهنها كل يوم (كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا) يعني وجد زكريا عندها فاكهة في غير حينها، فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف، غضا طريا، عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي. وقيل: إنها لم ترضع قط، وإنما كان يأتيها رزقها من الجنة عن الحسن. (قال يا مريم أنى لك هذا) يعني: قال لها زكريا: كيف لك ؟ ومن أين لك هذا ؟ كالمتعجب منه (قالت هو من عند الله) أي: من الجنة. وهذه تكرمة من الله تعالى لها، وإن كان ذلك خارقا للعادة، فإن عندنا يجوز أن تظهر الآيات الخارقة للعادة على غير الأنبياء من الأولياء والأصفياء، ومن منع ذلك من المعتزلة قالوا فيه قولين أحدهما: إن ذلك كان تأسيسا لنبوة عيسى، عن البلخي والآخر: إنه كان بدعاء زكريا لها بالرزق في الجملة، وكانت معجزة له، عن الجبائي (إن الله يرزق من يشاء بغير حساب) تقدم تفسيره. النظم: ووجه اتصالها بما تقدم أن يكون حكاية لقول مريم. وعلى هذا يكون معنى قوله (بغير حساب) الإستحقاق على العمل، لأنه تفضل يبتدئ به من يشاء من خلقه. ويحتمل أن يكون إخبارا من الله تعالى على الإستئناف. (هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لى من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء [ 38 ] فنادته الملائكة وهو قائم يصلى في المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من الصالحين [ 39 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير عاصم: (فناداه الملائكة) على التذكير والإمالة. والباقون: (فنادته) على التأنيث. وقرأ ابن عامر وحمزة: (إن الله)

[ 285 ]

بكسر الهمزة. والباقون بفتحها. وقرأ حمزة، والكسائي: (يبشرك) بفتح الياء والتخفيف. والباقون بضم الياء والتشديد. الحججة: من قرأ فنادته بالتاء فلموضع الجماعة، كما تقول هي الرجال. ومن قرأ فناداه فعلى المعنى. ومن فتح إن: كان المعنى فنادته بأن الله، فحذف الجار، وأوصل الفعل (1) في موضع نصب على قياس قول الخليل في موضع الجر. ومن كسر أضمر القول، كأنه نادته فقالت إن الله. فحذف القول كما حذف في قول من كسر في قوله: (فدعا ربه إني مغلوب) وإضمار القول كثير. وأما (يبشرك) فقال أبو عبيدة يبشرك ويبشرك واحد. وقال الزجاج: هذا من بشر يبشر: إذا فرج. وأصل هذه كله أن بشرة الإنسان تنبسط عند السرور. اللغة: الهبة: تمليك الشئ من غير ثمن. والسيد: مأخوذ من سواد الشخص. فقيل: سيد القوم بمعنى مالك السواد الأعظم: وهو الشخص الذي يجب طاعته لمالكه. هذا إذا استعمل مضافا، أو مقيدا. فأما إذا أطلق، فلا ينبغي إلا لله. والحصور: الممتنع عن الجماع، ومنه قيل للذي يمتنع أن يخرج مع ندمائه شيئا للنفقة حصور. قال الأخطل: * وشارب مربح بالكأس نادمني * لا بالحصور، ولا فيها بسوار (2) * ويقال للذي يكتم سره: حصور. الاعراب: (هنالك): الأصل فيه الطرف من المكان نحو: رأيته هنا وهناك وهنالك. والفرق أن هنا للتقريب، وهنالك للتبعيد، وهناك لما بينهما. قال الزجاج: ويستعمل في الحال كقولك: من هاهنا ؟ قلت: كذا أي: من هذا الوجه. وفيه معنى الإشارة كقولك: ذا وذاك. وزيدت اللام لتأكيد التعريف، وكسرت لالتقاء الساكنين، كما كسرت في ذلك. وإنما بني لدن ولم يبن عند، وإن كان بمعناه، لأنه استبهم استبهام الحروف، لأنه لا يقع في جواب أين، كما يقع عند في نحو قولهم: أين زيد، فيقال: عندك. ولا يقال لدنك، وهو قائم جملة في موضع الحال من الهاء في نادته. وقوله (يصلي في المحراب) جملة في موضع الحال من الضمير في (قائم). وقوله: (مصدقا) نصب على الحال من (يحيى). وقوله: (من


(1) [ فإن أن ]. (2) السوار: الذي يواثب نديمه إذا شرب. (*)

[ 286 ]

الصالحين) (من) هاهنا لتبيين الصفة، وليس المراد التبعيض، لأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لا يكون إلا صالحا. المعنى: (هنالك) أي: عند ذلك الذي رأى من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، على خلاف ما جرت به العادة (دعا زكريا ربه) (قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة) أي: طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فسأل ذلك. وقوله: (طيبة) أي: مباركة، عن السدي. وقيل: صالحة تقية نقية العمل، وإنما أنث طيبة وإنما سأل ولدا ذكرا على لفظ الذرية، كما قال الشاعر: * أبوك خليفة، ولدته أخرى، * وأنت خليفة، ذاك الكمال * (إنك سميع الدعاء) (1) بمعنى قابل الدعاء، ومجيب له. ومنه قول القائل: سمع الله لمن حمده أي: قبل الله دعاءه. وإنما قيل السامع للقابل المجيب، لأن من كان أهلا أن يسمع منه، فهو أهل أن يقبل منه، ومن لا يعتد بكلامه فكلامه بمنزلة ما لا يسمع. (فنادته الملائكة) قيل: ناداه جبرائيل، عن السدي. فعلى هذا يكون المعنى إن النداء أتاه من هذا الجنس، كما يقال: ركب فلان السفن، وإنما ركب سفينة واحدة. والمراد جاءه النداء من جهة الملائكة. وقيل: نادته جماعة من الملائكة. (وهو قائم يصلي في المحراب) أي: في المسجد. وقيل: في محراب المسجد (ان الله يبشرك بيحيى) سماه الله بهذا الإسم قبل مولده واختلف فيه لم سمي بيحيى فقيل: لأن الله أحيا به عقر أمه، عن ابن عباس. وقيل: إنه تعالى أحياه بالإيمان، عن قتادة. وقيل: لأنه تعالى أحيا قلبه بالنبوة، ولم يسم قبله أحد يحيى. (مصدقا بكلمة من الله) أي: مصدقا بعيسى، وعليه جميع المفسرين وأهل التأويل، إلا ما حكي عن أبي عبيدة أنه قال: بكتاب الله كما يقولون أنشدت كلمة فلان أي: قصيدته، وإن طالت. وإنما سمي المسيح كلمة الله، لأنه حصل بكلام الله من غير أب. وقيل: إنما سمي به لأن الناس يهتدون به، كما يهتدون بكلام


(1) [ معناه سامع الدعاء ]. (*)

[ 287 ]

الله، كما سمي روح الله، لأن الناس كانوا يحيون به في أديانهم كما يحيون بأرواحهم. وكان يحيى أكبر سنا من عيسى بستة أشهر، وكلف التصديق به، فكان أول من صدقه، وشهد أنه كلمة الله وروحه، وكان ذلك إحدى معجزات عيسى " عليه السلام "، وأقوى الأسباب لإظهار أمره، فإن الناس كانوا يقبلون قول يحيى لمعرفتهم بصدقه وزهده. (وسيدا) في العلم والعبادة، عن قتادة. وقيل: في الحلم والتقى وحسن الخلق، عن الضحاك. وقيل: كريما على ربه، عن ابن عباس. وقيل: فقيها عالما، عن سعيد بن المسيب. وقيل: مطيعا لربه، عن سعيد بن جبير. وقيل: مطاعا عن الخليل. وقيل: سيدا للمؤمنين بالرئاسة عليهم عن الجبائي. والجميع يرجع إلى أصل واحد وهو أنه أهل لتمليكه تدبير من يجب عليه طاعته، لما هو عليه من هذه الأحوال. (وحصورا): وهو الذي لا يأتي النساء، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله، ومعناه أنه يحصر نفسه عن الشهوات أي: يمنعها. وقيل: الحصور الذي لا يدخل في اللعب والأباطيل، عن المبرد. وقيل: هو العنين، عن ابن المسيب والضحاك. وهذا لا يجوز على الأنبياء، لأنه عيب وذم، ولأن الكلام خرج مخرج المدح (ونبيا من الصالحين) أي: رسولا شريفا رفيع المنزلة من جملة الأنبياء، لأن الأنبياء كلهم كانوا صالحين. وفي هذه الآية دلالة على ان زكريا إنما طمع في الولد، لما رأى تلك المعجزات، وهو إن كان عالما بأنه تعالى يقدر على أن يخلق الولد من العاقر، فقد كان يجوز أن لا يفعل في لك لبعض التدبير. فلما رأى خرق العادة بخلق الفاكهة في غير وقتها، قوي ظنه في أنه يفعل ذلك إذا اقتضته المصلحة، كما أن إبراهيم وإن كان عالما بأنه تعالى يقدر على إحياء الموتى، سأل ذلك مشاهدة، ليتأكد معرفته. وفيها دلالة على أن الولد الصالح نعمة من الله تعالى على العبد، فلذلك بشره به. (قال رب أنى يكون لى غلام وقد بلغني الكبر وامرأتى عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشآء [ 40 ]). اللغة: العاقر من الرجال: الذي لا يولد له، ومن النساء: التي لا تلد.

[ 288 ]

يقال: عقرت تعقر عقرا فهي عاقر، قال عبيد: أعاقر مثل ذات رحم، * أم غانم مثل من يخيب (1) * والعقر: دية فرج المرأة إذا غصبت نفسها. وبيضة العقر: آخر بيضة. والعقر: محلة القوم. والعقر: أصل كل شئ. ويقال: غلام بين الغلومية والغلومة وهو الشاب من الناس. والغلمة والإغتلام: شدة طلب النكاح. وسمي الغلام غلاما، لأنه في حال يطلب في مثلها النكاح. والغيلم: منبع الماء من الآبار، لأنه يطلب الظهور. المعنى: (قال) زكريا (رب) لله، عز وجل، لا لجبرائيل (أنى يكون) أي: من أين يكون. وقيل: كيف يكون (لي غلام) أي: ولد (وقد بلغني الكبر) أي: أصابني الشيب، ونالني الهرم. وإنما جاز أن تقول بلغني الكبر، لأن الكبر بمنزلة الطالب له، فهو يأتيه بحدوثه فيه. والإنسان أيضا يأتي الكبر بمرور السنين عليه، ولو قلت: بلغني البلد، بمعنى بلغت البلد لم يجز، لأن البلد لا يأتيك أصلا. وقال ابن عباس: كان زكريا يوم بشر بالولد ابن عشرين ومائة سنة. وكانت امرأته بنت ثمان وتسعين سنة (وامرأتي عاقر) أي: عقيم لا تلد. فإن قيل: لم راجع زكريا هذه المراجعة، وقد بشره الله بأن يهب له ذرية طيبة، بعد أن سأل ذلك ؟ قيل: إنما قال ذلك على سبيل التعرف عن كيفية حصول الولد، أيعطيهما الله إياه، وهما على ما كانا عليه من الشيب، أم يصرفهما إلى حال الشباب، ثم يرزقهما الولد، عن الحسن. ويحتمل أن يكون اشتبه الأمر عليه: أيعطيه الولد من امرأته العجوز، أم من امرأة أخرى شابة ف‍ (قال) الله (كذلك) وتقديره: كذلك الأمر الذي أنتما عليه، وعلى تلك الحال (الله يفعل ما يشاء) معناه: يرزقك الله الولد منها، فإنه هين عليه، كما أنشأكما، ولم تكونا شيئا، فإنه تعالى قادر يفعل ما يشاء. وقيل فيه وجه آخر وهو: إنه إنما قال ذلك على سبيل الإستعظام لمقدور الله، والتعجب الذي يحصل للإنسان عند ظهور آية عظيمة، كمن يقول لغيره: كيف سمحت نفسك بإخراج ذلك المال النفيس من يدك ! تعجبا من جوده. وقيل: إنه قال


(1) أراد بذات رحم: الولود أي: لا تستوي التي تلد والتي لا تلد، ولا يتساوى من خرج فغنم، ومن خرج فرجع خائبا. (*)

[ 289 ]

ذلك على وجه التعجب من أنه كيف أجابه الله إلى مراده فيما دعا، وكيف استحق ذلك. ومن زعم أنه إنما قال ذلك للوسوسة التي خالطت قلبه من قبل الشيطان، أو خيلت إليه أن النداء كان من غير الملائكة، فقد أخطأ لأن الأنبياء لا بد أن يعرفوا الفرق بين كلام الملك، ووسوسة الشيطان. ولا يجوز أن يتلاعب الشيطان بهم، حتى يختلط عليهم طريق الإفهام. (قال رب اجعل لئ اية قال ءايتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا واذكر ربك كثيرا وسبح بالعشى والإبكار [ 41 ]). الاعراب: في وزن آية فيه ثلاثة أقوال أحدها: فعلة إلا أنه شذ من جهة إعلال العين، مع كون اللام حرف علة، وإنما القياس في مثله إعلال اللام نحو حياة ونواة، ونظيرها راية وغاية وطاية والثاني: فعلة وتقديره أيية، إلا أنها قلبت كراهة التضعيف نحو طائي من طي والثالث: فاعلة منقوصة. قال علي بن عيسى: وهذا ضعيف لأن تصغيرها أيية، ولو كانت فاعلة لقالوا أويية، إلا أنه يجوز على ترخيم التصغير نحو فطيمة. والرمز: الإيماء بالشفتين، وقد يستعمل في الإيماء بالحاجب والعين واليد. والأول أغلب. وقال جوبة بن عابد: * كأن تكلم الأبطال رمزا، * وغمغمة لهم مثل الهرير (1) * والعشي: من حين زوال الشمس إلى غروبها، في قول مجاهد. قال الشاعر: * فلا الظل من برد الضحى يستطيعه، * ولا الفئ من برد العشي يذوق * والعشاء: من لدن غروب الشمس إلى أن يولي صدر الليل. والعشاء: طعام العشي. والعشا مقصورا: ضعف العين. وأصل الباب: الظلمة. والإبكار: من حين طلوع الفجر إلى وقت الضحى. وأصله: التعجيل بالشئ، يقال: أبكر بكورا، ومنه ا لباكورة. المعنى: ثم سأل الله تعالى زكريا علامة يعرف بها وقت حمل امرأته، ليزيد في العبادة شكرا. وقيل: ليتعجل السرور به، عن الحسن ف‍ (قال رب اجعل لي آية)


(1) الغمغمة: صوت الأبطال عند القتال. الهرير: صوت الكلب دون النباح. (*)

[ 290 ]

أي: علامة لوقت الحمل والولد. فجعل الله تعالى تلك العلامة في إمساك لسانه عن الكلام إلا إيماء من غير آفة حدئت فيه بقوله: (قال آيتك) أي: قال الله. ويحتمل أن يكون المراد قال جبرائيل آيتك أي: علامتك (أن لا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا) أي: إيماء، عن قتادة. وقيل: الرمز تحريك الشفتين، عن مجاهد. وقيل: أراد به صوم ثلاثة أيام، لأنهم كانوا إذا صاموا لم يتكلموا إلا رمزا، عن عطا (1). (واذكر ربك كثيرا) أي: في هذه الأيام الثلاثة ومعناه: إنه لما منع من الكلام، عرف أنه لم يمنع من الذكر لله تعالى، والتسبيح له، وذلك أبلغ في الإعجاز. (وسبح) أي: نزه الله. وأراد التسبيح المعروف. وقيل: معناه صل كما يقال: فرغت من سبحتي أي: صلاتي. (بالعشي والإبكار) في آخر النهار وأوله. (وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين [ 42 ] يا مريم اقنتي لربك واركعى مع الراكعين [ 43 ]). المعنى: قدم تعالى ذكر امرأة عمران، وفضل بنتها على الجملة. ثم ذكر تفصيل تلك الجملة فقال: (وإذ قالت الملائكة) إذ هذه معطوفة على (إذ) في قوله: (إذ قالت امرأة عمران) أو يكون معناه: اذكر إذ قالت الملائكة. وقيل: يعني جبريل وحده (يا مريم إن الله اصطفاك) أي: اختارك وألطف لك، حتى تفرغت لعبادته، واتباع مرضاته. وقيل: معناه اصطفاك لولادة المسيح، عن الزجاج (وطهرك) بالإيمان عن الكفر، وبالطاعة عن ألمعصية، عن الحسن وسعيد بن جبير. وقيل: طهرك من الأدناس والأقذار التي تعرض للنساء من الحيض والنفاس، حتى صرت صالحة لخدمة المسجد، عن الزجاج. وقيل: طهرك من الأخلاق الذميمة، والطبائع الردية (واصطفاك على نساء العالمين) أي: على نساء عالمي زمانك، لأن فاطمة بنت رسول الله، صتى الله عليها، وعلى أبيها، وبعلها وبنيها، سيدة نساء العالمين، وهو قول أبي جعفر " عليه السلام ". وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " فضلت خديجة على نساء أمتي، كما فضلت مريم على نساء العالمين ". وقال أبو جعفر: معنى الآية اصطفاك من ذرية الأنبياء، وطهرك من السفاح. اصطفاك لولادة


(1) الظاهر أن التفسير الأخير أوجه بدليل قوله تعالى حكاية عن مريم: (إني نذرت للرحمن صوما) (فأشارت إليه) (سورة مريم، الآيتان: 26 - 29). (*)

[ 291 ]

عيسى " عليه السلام " من غير فحل. وخرج بهذا من أن يكون تكريرا، إذ يكون الإصطفاء على معنيين مختلفين. (يا مريم اقنتي لربك) أي: اعبديه وأخلصي له العبادة، عن سعيد بن جبير. وقيل: معناه أديمي الطاعة له، عن قتادة. وقيل: أطيلي القيام في الصلاة، عن مجاهد (واسجدي واركعي مع الراكعين) أي: كما يعمل الساجدون والراكعون، لا أن يكون ذلك أمرا لها بأن تعمل السجود والركوع معهم في الجماعة. وقدم السجود على الركوع لأن الواو لا توجب الترتيب، فإنها في الأشياء المتغايرة نظيرة التثنية في المتماثلة. وإنما توجب الجمع والإشتراك. وقيل: معناه واسجدي لله شكرا، واركعي أي: وصلي مع المصلين. وقيل: معناه صلي في الجماعة، عن الجبائي. (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم أيهم يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون [ 44 ]). اللغة: الأنباء: الأخبار. الواحد نبأ. والإيحاء هو إلقاء المعنى إلى الغير على وجه يخفى. والإيحاء: الإرسال إلى الأنبياء، تقول: أوحى الله إليه اي: أرسل إليه ملكا. والإيحاء: الإلهام، ومنه قوله تعالى: (وأوحى ربك إلى النحل)، وقوله (بأن ربك أوحى لها) معناه: ألقى إليها معنى ما أراد منها. قال العجاج: * أوحى لها القرار فاستقرت، * وشدها بالراسيات الثبت * والإيحاء: الإيمان. قال: " فأوحت إلينا والأنامل رسلها " ومنه قوله تعالى: (فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا) أي: أشار إليهم. والوحي: الكتابة. قال رؤية: " لقدر كان وحاه الواحي " وقال: (في سور من ربنا موحية). والقلم: الذي يكتب به. والقلم: الذي يجال بين القوم كل إنسان وقلمه وهو القدح والقلم: قص الظفر. ومقالم الرمح كعوبه. وأصله: قطع طرف الشئ. الاعراب: قال أبو علي: إذ في قوله (إذ يلقون) متعلق بكنت. و (إذ) في قوله (إذ قالت الملائكة) بعد (يختصمون) متعلق بيختصمون. ويجوز أيضا أن يكون متعلقا بكنت، كأنه قال: وما كنت لديهم إذ قالت الملائكة. وهذا إنما يجوز عندي إذا قدرت (إذ) الثانية بدلا من الأولى. فإن لم تقدره هذا التقدير لم يجز،

[ 292 ]

وإنما يجوز البدل في هذا إذا كان وقت اختصامهم وقت قول الملائكة ليكون البدل المبدل منه في المعنى. المعنى: (ذلك) إشارة إلى ما تقدم ذكره من حديث مريم وزكريا ويحيى (من انباء الغيب) أي: من أخبار ما غاب عنك، وعن قومك (نوحيه إليك) أي: نلقيه عليك معجزة وتذكيرا، وتبصرة وموعظة وعبرة. ووجه الإعجاز فيه أن ما غاب عن الإنسان، يمكن أن يحصل علمه بدراسة الكتب، أو التعلم، أو الوحي. والنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يشاهد هذه القصص، ولا قرأها من الكتب، ولا تعلمها. إذ كان نشؤه بين أهل مكة، ولم يكونوا أهل كتاب. فوضح الله أن أوحى إليه بها. وفي ذلك صحة نبوته. (وما كنت) يا محمد (لديهم) عندهم (إذ يلقون أقلامهم) التي كانوا يكتبون بها التوراة في الماء، على ما تقدم ذكره قبل. وقيل أقلامهم: أقداحهم للإقتراع، جعلوا عليها علامات يعرفون بها من يكفل مريم على جهة القرعة (أيهم يكفل مريم) وفيه حذف أي: لينظروا أيهم تظهر قرعته، ليكفل مريم. وهذا تعجيب من الله نبئه " صلى الله عليه وآله وسلم " من شدة حرصهم على كفالة مريم، والقيام بأمرها، عن قتادة. وقيل: هو تعجيب من تدافعهم لكفالتها، لشدة الأزمة التي لحقتهم، حتى وفق لها خير الكفلاء لها زكريا. (وما كنت لديهم إذ يختصمون) فيه دلالة على أنهم قد بلغوا في التشاح عليها إلى حد الخصومة. وفي وقت التشاح قولان أحدهما: حين ولادتها، وحمل أمها إياها إلى الكنيسة، تشاحوا في الذي يحضنها، ويكفل تربيتها، وهذا قول الأكثر. وقال بعضهم: كان ذلك وقت كبرها وعجز زكريا عن تربيتها. وفي هذه الآية دلالة على أن للقرعة مدخلا في تميز الحقوق. وقد قال الصادق " عليه السلام ": ما تقارع قوم، ففوضوا أمورهم إلى الله تعالى، إلا خرج سهم المحق. وقال: أي قضية أعدل من القرعة، إذا فوض الأمر إلى الله تعالى، يقول: (فساهم فكان من المدحضين). وقال الباقر: أول من سوهم عليه مريم ابنة عمران، ثم تلا (وما كنت لديهم إذ يلقون أقلامهم) الآية. والسهام ستة ثم استهموا في يونس، ثم كان عبد المطلب ولد له تسعة بنين، فنذر في العاشر إن يرزقه الله غلاما أن يذبحه، فلما ولد له عبد الله لم

[ 293 ]

يقدر أن يذبحه ورسول الله في صلبه، فجاء بعشرة من الإبل فساهم عليها، وعلى عبد الله فخرجت السهام على عبد الله. فزاد عشرا فلم تزل السهام تخرج على عبد الله، ويزيد عشرا. فلما أن أخرجت مائة خرجت السهام على الإبل. فقال عبد المطلب: ما أنصفت ربي، فأعاد السهام ثلاثا فخرجت على الإبل، فقال: الآن علمت أن ربي قد رضي بها، فنحرها. (إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين [ 45 ] ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين [ 46 ]). القراءة: ذكرنا القراءة في (يبشرك) والقول فيه. اللغة: المسيح: فعيل بمعنى مفعول، وأصله أنه مسح من الأقذار وطهر. والمسيح أيضا: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، ولذلك سمي الدجال به. وقيل: المسيح عيسى بفتح الميم والتخفيف، وهو الصديق. والمسيح: بكسر الميم وتشديد السين نحو الشرير: الدجال، عن إبراهيم النخعي. وأنكره غيره. قال الشاعر: (إذ المسيح يقتل المسيحا ". والوجيه: الكريم على من يسأله، فلا يرده لكرم وجهه عنده، خلاف من يبذل وجهه لمسألة، فيرد. يقال: وجه الرجل يوجه وجاهة وله وجاهة عند الناس وجاه أي: منزلة رفيعة. والكهل: ما بين الشاب والشيخ، ومنه اكتهل النبت: إذا طال وقوي. والمرأة: كهلة. قال الشاعر: * ولا أعود بعدها كريا * أمارس الكهلة، والصبيا (1) * ومنه الكاهل: مأ فوق الظهر إلى ما يلي العنق. وقيل: الكهولة بلوغ أربع وثلاثين سنة. الاعراب: وجيها: منصوب على الحال. المعنى: يبشرك الله بهذا الولد


(1) الكرى: ا لمكاري. (*)

[ 294 ]

وجيها. (ويكلم): في موضع النصب أيضا على الحال، عطفا على (وجيها). وجائز أن يعطف بلفظ يفعل على فاعل لمضعارعة يفعل فاعلا قال الشاعر: * بات يغشيها بعصب باتر * يقصد في أسوقها وجائر (1) * أي: قاصد أسوقها وجائر. (وكهلا): حال من (يكلم). المعنى: (إذ قالت الملائكة) قال ابن عباس: يريد جبرائيل (يا مريم إن الله يبشرك) يخبرك بما يسرك (بكلمة منه) فيه قولان أحدهما: إنه المسيح سماه كلمة، عن ابن عباس وقتادة وجماعة من المفسرين. وإنما سمي بذلك لأنه كان بكلمة من الله من غير والد، وهو قوله: (كن فيكون) يدل عليه قوله: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه) الآية. وقيل: سمي بذلك لأن الله بشر به في الكتب السالفة، كما يقول الذي يخبرنا بالأمر إذا خرج موافقا لأمره: قد جاء كلامي. فمما جاء من البشارة به في التوراة: (أتانا الله من سيناء، وأشرق من ساعير، واستعلن من جبال فاران " وساعير: هو الموضع الذي بعث منه المسيح. وقيل: لأن الله يهدي به، كما يهدي بكلمته والقول الثاني: إن الكلمة بمعنى البشارة، كأنه قال ببشارة منه ولد (اسمه المسيج) فالأول أقوى، ويؤيده قوله: (إنما المسيح عيسى بن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه). وإنما ذكر الضمير في (اسمه) وهو عائد إلى الكلمة، لأنه واقع على مذكر، فذهب إلى المعنى. واختلف في أنه لم سمي بالمسيح فقيل: لأنه مسح بالبركة واليمن، عن الحسن وقتادة وسعيد. وقيل: لأنه مسح بالتطهير من الذنوب. وقيل: لأنه مسح بدهن زيت بورك فيه، وكانت الأنبياء تمسح به، عن الجبائي. وقيل: لأنه مسحه جبرائيل بجناحه وقت ولادته، ليكون عوذة من الشيطان. وقيل: لأنه كان يمسح رأس اليتامى لله. وقيل: لأنه كان يمسح عين الأعمى فيبصر، عن الكلبي. وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة بيده إلا برئ، عن ابن عباس في رواية عطا والضحاك. وقال أبو عبيدة: هو بالسريانية (مشيحا) فعربته العرب. (عيسى ابن مريم) نسبة إلى أمه ردا على النصارى قولهم إنه ابن الله (وجيها) ذا جاه وقدر، وشرف (في الدنيا والآخرة ومن المقربين) إلى ثواب الله وكرامته.


(1) عضب باتر أي: سيف قاطع. (*)

[ 295 ]

(ويكلم الناس في المهد) أي: صغيرا. والمهد: الموضع الذي يمهد لنوم الصبي، ويعني بكلامه (في المهد) قوله: (إني عبد الله آتاني الكتاب) الآية. ووجه كلامه (في المهد) أنه تبرئة لأمه مما قذفت به، وجلالة له بالمعجزة التي ظهرت فيه. (وكهلا) أي: ويكلمهم كهلا بالوحي الذي يأتيه من الله، أعلمها الله تعالى أنه يبقى إلى حال الكهولة. وفي ذلك إعجاز لكون المخبر على وفق الخبر. وقيل: إن المراد به الرد على النصارى بما كان فيه من التقلب في الأحوال، لأن ذلك مناف لصفة الإله (ومن الصالحين) أي: ومن النبيين مثل إبراهيم وموسى. وقيل: إن المراد بالآية (ويكلمهم في المهد) دعاء إلى الله، وكهلا بعد نزوله من السماء، ليقتل الدجال، وذلك لأنه رفع إلى السماء، وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، وذلك قبل الكهولة، عن زيد بن أسلم. وفي ظهور المعجزة في المهد قولان أحدهما: إنها كانت مقرونة بنبوة المسيح، لأنه تعالى أكمل عقله في تلك الحال، وجعله نبيا، وأوحى إليه بما تكلم به، عن الجبائي. وقيل: كان ذلك على التأسيس والإرهاص (1) لنبوته، عن ابن الأخشيد. ويجوز عندنا الوجهان. ويجوز أيضا أن يكون معجزة لمريم تدل على طهارتها، وبراءة ساحتها، إذ لا مانع من ذلك، وقد دلت الأدلة الواضحة على جوازه. وإنما جحدت النصارى كلام المسيح في المهد، مع كونه آية ومعجزة، لأن في ذلك إبطالا لمذهبهم، لأنه قال: (إني عبد الله) وهذا ينافي قولهم إنه ابن الله. فاستمروا على تكذيب من أخبر أنه شاهده كذلك. (قالت رب أنى يكون لى ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشآء إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون [ 47 ]). الاعراب: (فيكون): هاهنا لا يجوز فيه غير الرفع، لأنه لا يصلح أن يكون جوابا للأمر الذي هو (كن) لأن الجواب يجب بوجود الأول نحو: ائتني فأكرمك، وقم فأقوم معك. ولا يجوز قم فيقوم، لأنه يكون على تقدير قم فإنك إن تقم يقم. وهذا لا معنى له، ولكن الوجه الرفع عذ الإخبار بأنه سيقوم. ويجوز في قوله: أن


(1) الإرهاص: الخارق الذي يظهر من النبي قبل البعثة. (*)

[ 296 ]

يقول له كن فيكون: النصب عطفا على (يقول). المعنى: (قالت) مريم يا (رب أنى يكون) أي: كيف يكون (لي ولد ولم يمسسني بشر) لم تقل ذلك استبعادا واستنكارا، بل إنما قالت استفهاما واستعظاما لقدرة الله، لأن في طبع البشر التعجب مما خرج عن المعتاد. وقيل: إنما قالت ذلك لتعلم أن الله تعالى يرزقها الولد، وهي على حالتها، لم يمسها بشر، أو يقر لها زوجا. ثم يرزقها الولد على مجرى العادة. (قال كذلك الله يخلق ما يشاء) أي: يخلق ما يشاء مثل ذلك، وهو حكاية ما قال لها الملك أي: يرزقك الولد وأنت على هذه الحالة، لم يمسك بشر (إذا قضى أمرا) أي: خلق أمرا. وقيل: إذا قدر أمرا (فإنما يقول له كن فيكون) وقيل في معناه قولان أحدهما: إنه إخبار بسرعة حصول مراد الله في كل شئ أراد حصوله من غير مهلة، ولا معاناة، ولا تكلف سبب، ولا أداة. وإنما كنى بهذا اللفظ، لأنه لا يدخل في وهم العباد شئ أسرع من كن فيكون والآخر: إن هذه الكلمة، كلمة جعلها الله علامة للملائكة فيما يريد إحداثه وايجاده، لما فيه من المصلحة والإعتبار. وإنما استعمل لفظة الأمر فيما ليس بأمر هنا، ليدل بذلك على أن فعله بمنزلة فعل المأمور، في أنه لا كلفة فيه على الآمر. (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل [ 48 ] ورسولا إلى بنى إسرآءيل أنى قد جئتكم بأية من ربكم أنى أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحى الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لأية لكم إن كنتم مؤمنين [ 49 ]). عد أهل الكوفة التوراة والإنجيل آية، ولم يعدوا بني إسرائيل لتنكر الإستئناف بأن المفتوحة. وعد غيرهم بني إسرائيل، ولم يعدوا الإنجيل. طلبوا تمام صفة المسيح، لأن تقديره ومعلما ورسولا. القراءة: قرأ أهل المدينة وعاصم ويعقوب وسهل: (ويعلمه) بالياء. والباقون

[ 297 ]

بالنون. وقرأ نافع: (إني أخلق) بكسر الالف. والباقون: (أني) بالفتح. وقرأ أهل المدينة ويعقوب: (طائرا) ومثله في المائدة. وأبو جعفر: (كهيئة الطائر) فيهما. والباقون: (طيرا) بغير ألف. الحجة: من قرأ (ويعلمه): عطفه على قوله (إن الله يبشرك). ومن قرأ (ونعلمه): جعله على نحو (نحن قدرنا بينكم الموت). ومن فتح (أني أخلق): جعلها بدلا من آية كأنه قال وجئتكم بأني أخلق لكم. ومن كسر احتمل وجهين أحدهما: الاستئناف، وقطع الكلام مما قبله والآخر أنه فسر الآية بقوله: إني أخلق، كما فسر الوعد في قوله: (وعد الله الذين آمنوا) بقوله: (لهم مغفرة). وفسر المثل في قوله (كمثل آدم) بقوله (خلقه من تراب). وهذا الوجه أحسن لأنه في المعنى كمن فتح وأبدل من آية. ومن قرأ (طائرا): أراد فيكون ما أنفخ فيه، أو ما أخلقه طائرا فأفرد لذلك فسر أو أراد يكون كل واحد من ذلك طائرا، كما قال: (فاجلدوهم ثمانين جلدة) أي: إجلدوا كل واحد منهم. اللغة: الحكمة والحكم بمعنى. ونظيره الذلة والذل. والطين: معروف. وطنت الكتاب: جعلت عليه طينا لأختمه به. وطينت البيت تطيينا. والهيئة: الحال الظاهرة. هاء فلان بهاء هيئة. والنفخ: معروف، نفخ ينفخ نفخا. والنفاخة للماء. والكمه العمى، قال سويد بن أبي كاهل: * كمهت عيناه حتى ابيضتا، * فهو يلحى نفسه لما نزع (1) * والإدخار: الإفتعال من الدخر. وجوز النحويون تذخرون بالذال. الاعراب: موضع (يعلمه): يحتمل أن يكون نصبا بالعطف على (وجيها)، ويحتمل أن يكون لا موضع له من الإعراب، لأنه عطف على جملة لا موضع لها من الإعراب، وهي قوله: (كذلك الله يخلق ما يشاء). وقيل: هو عطف على نوحيه إليك، وهذا لا يجوز لأنها تخرج من معنى البشارة لمريم. (ورسولا) نصب على تقدير ونجعله رسولا، فحذف لدلالة البشارة عليه. ويجوز أن يكون نصبا على الحال عطفا على (وجيها)، لا إنه في ذلك الوقت يكون رسولا، بل بمعنى أنه يرسل رسولا. وقال الزجاج: المعنى يكلمهم رسولا بأني قد جئتكم. ولو قرأت بالكسر:


(1) يلحى نفسه أي: يلومها. لما نزع يعني: لما ترك. (*)

[ 298 ]

إني قد جئتكم، لكان صوابا. والمعنى: يقول إني قد جئتكم. وموضع (أني أخلق لكم): يحتمل أن يكون خفضا ورفعا، فالخفض على البدل من (آية)، والرفع على ما ذكرناه قبل. و (بما تأكلون): جائز أن يكون (ما) هنا بمعنى الذي أي: بما تأكلونه وتدخرونه. ويجوز أن يكون بمعنى المصدر أي: أنبئكم بأكلكم وادخاركم. وا لأول أجود. المعنى: (ويعلمه الكتاب) أراد الكتابة، عن ابن جريج. قال: أعطى الله عيسى تسعة أجزاء من الخط، وسائر الناس جزء. وقيل: أراد به بعض الكتب التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه، سوى التوراة والإنجيل، مثل الزبور وغيره، عن أبي علي الجبائي، وهو أليق بالظاهر. (والحكمة) أي: الفقه، وعلم الحلال والحرام، عن ابن عباس، كما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " أوتيت القرآن ومثليه ". قالوا: أراد به السنن. وقيل: أراد بذلك جميع ما علمه من أصول الدين. (والتوراة والإنجيل) إن قيل: لم أفردهما بالذكر مع دخولهما في الحكمة ؟ قيل: تنبيها عن جلالة موقعهما، كقوله: (وملائكته ورسله وجبريل وميكال). وقطع هاهنا قصة مريم وولادتها، ويأتي تمام قصتها في سورة مريم، وابتدأ بقصة عيسى فقال: (ورسولا إلى بني إسرائيل) وقد ذكرنا تقديره ومعناه يدور عليه (أني قد جئتكم) أي: قال لهم وكلمهم لما بعث إليهم بأني قد جئتكم (بآية) أي: بدلالة وحجة (من ربكم) دالة على نبوتي. ثم حذف الباء فوصل الفعل (أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير) معناه: وهذه الآية أني أقدر لكم، وأصور لكم من الطين مثل صورة الطير. (فأنفخ فيه) أي: في الطير المقدر من الطين. وقال في موضع آخر: (فيها) أي: في الهيئة المقدرة (فيكون طيرا بإذن الله) وقدرته. وقيل: بأمر الله تعالى. وإنما وصل قوله: (بإذن الله) بقوله: (فيكون طيرا) دون ما قبله، لأن تصور الطين على هيئة الطير، والنفخ فيه، مما يدخل تحت مقدور العباد. فأما جعل الطين طيرا حتى يكون لحما ودما، وخلق الحياة فيه، فمما لا يقدر عليه غير الله، فقال: (بإذن الله) ليعلم أنه من فعله تعالى، وليس بفعل عيسى. وفي التفسير أنه صنع من الطين كهيئة الخفاش، ونفخ فيه فصار طائرا (وأبرئ الاكمه) أي: الذي ولد أعمى، عن ابن عباس وقتادة. وقيل: هو الأعمى، عن الحسن والسدي.

[ 299 ]

(والأبرص) الذي به وضح. وقال وهب: وربما اجتمع على عيسى من المرض في اليوم خمسون ألفا من أطاق منهم أن يبلغه بلغه، ومن لم يطق أتاه عيسى يمشي إليه، وإنما كان يداويهم بالدعاء على شرط الإيمان. (وأحيي الموتى بإذن الله) إنما أضاف الإحياء إلى نفسه، على وجه المجاز والتوسع، ولأن الله تعالى كان يحيي الموتى عند دعائه. وقيل: إنه أحيا أربعة أنفس: عازر وكان صديقا له، وكان قد مات منذ ثلاثة أيام فقال لأخته: انطلقي بنا إلى قبره، ثم قال: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، إنك أرسلتني إلى بني إسرائيل، أدعوهم إلى دينك، وأخبرهم بأني أحيي الموتى، فأحي عازر (1) ! فخرج من قبره، وبقي وولد له. وابن العجوز مر به ميتا على سريره، فدعا الله عيسى " عليه السلام "، فجلس على سريره، ونزل عن أعناق الرجال، ولبس ثيابه، ورجع إلى أهله، وبقي وولد له. وابنة العاشر قيل له: أتحييها وقد ماتت أمس ؟ فدعا الله فعاشت، وبقيت، وولدت. وسام بن نوح: دعا عليه باسم الله الأعظم، فخرج من قبره وقد شاب نصف رأسه، فقال: قد قامت القيامة ؟ قال: لا، ولكني دعوتك باسم الله الأعظم. قال: ولم يكونوا يشيبون في ذلك الزمان، لأن سام بن نوح قد عاش خمس مائة سنة، وهو شاب. ثم قال له: مت. قال: بشرط أن يعيذني الله من سكرات الموت فدعا الله ففعل. وقال الكلبي: كان يحيي الأموات بيا حي يا قوم، وإنما خص عيسى " عليه السلام " بهذه المعجزات، لأن الغالب كان في زمانه الطب، فأراهم الله الآيات من جنس ما هم عليه، لتكون المعجزة أظهر، كما أن الغالب لما كان في زمن موسى السحر، أتاهم من جنس ذلك بما أعجزهم عن الإتيان بمثله. وكان الغالب في زمان نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " البيان والبلاغة والفصاحة، فأراهم الله تعالى المعجزة بالقرآن الذي بهرهم ما فيه من عجائب النظم، وغرائب البيان، ليكون أبلغ في باب الإعجاز بان يأتي كلا من أمم الأنبياء بمثل ما هم عليه، ويعجزون عن الإتيان بمثله. إذ لو أتاهم بما لا يعرفونه، لكان يجوز أن يخطر ببالهم أن ذلك مقدور للبشر، غير أنهم لا يهتدون إليه.


(1) [ قال: فقام عازر ]. (*)

[ 300 ]

(وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) أي: أخبركم بالذي تأكلونه وتدخرونه، كأن يقول للرجل تغديت بكذا وكذا، ورفعت إلى الليل (1) كذا وكذا (إن في ذلك) أي: فيما ذكرت لكم (لآية) أي: حجة، ومعجزة، ودلالة (لكم إن كنتم مؤمنين) بالله إذ كان لا يصح العلم بمدلول المعجزة، إلا لمن آمن بالله، لأن العلم بالمرسل لا بد أن يكون قبل العلم بالرسول. وفي الآية دلالة على أن عيسى " عليه السلام " كان مبعوثا إلى جميع بني إسرائيل. وقوله: (أني أخلق لكم) يدل على أن العبد يحدث ويفعل ويخلق، خلافا لقول المجبرة، لكن الخالق على الإطلاق، هو الله تعالى. (ومصدقا لما بين يدى من التوراة ولأحل لكم بعض الذى حرم عليكم وجئتم بأية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون [ 50 ] إن الله ربى وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم [ 51 ]). اللغة: الفرق بين التصديق والتقليد أن التصديق لا يكون إلا فيما تبرهن عند صاحبه. والتقليد قد يكون فيما لا يتبرهن. ولهذا لا نكون مقلدين للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وإن كنا مصدقين له. والإحلال: هو الإطلاق للفعل بتحسينه. والتحريم: هو حظر الفعل بتقبيحه. والإستقامة: خلاف الإعوجاج. الاعراب: (مصدقا): نصب على الحال وتقديره: وجئتكم مصدقا. لأن أول الكلام يدل عليه، ونظيره جئته بما يحب ومعرفا له، ولا يكون عطفا، لا على (وجيها) ولا (رسولا) لقوله: (لما بين يدي)، ولم يقل لما بين يديه. وقال أبو عبيدة: أراد بقوله: (بعض الذي حرم) كل الذي حرم، ويستشهد بقول لبيد: * تراك أمكنة إذا لم أرضها، * أو يعتلق بعض النفوس حمامها (2) * قال: معناه أو تعتلق كل النفوس. وأنكر الزجاج ذلك، وقال: معناه أوتعتلق نفسي حمامها. وخطأ أبا عبيدة من وجهين أحدهما: إن البعض لا يكون بمعنى الكل


(1) وفي بعض النسخ المخطوطة: " ودفعت إلى البيت " مكان: " ورفعت إلى الليل ". (2) أو يعتلق بمعنى: إلى أن يعتلق. الحمام: الموت. (*)

[ 301 ]

والثاني: إنه لا يجوز تحليل جميع المحرمات، لأنه يدخل الكذب والظلم والقتل في ذلك. المعنى: (ومصدقا لما بين يدي) أي: لما أنزل (1) قبلي (من التوراة)، وما فيه البشارة بي ومن أرسل قبلي من الأنبياء (ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم) هذا معطوف على معنى قوله (مصدقا) وتقديره: ولأصدق ما بين يدي من التوراة، ولأحل لكم، كما تقول: جئته معتذرا ولأجتلب عطفه. وقيل: إن الذي أحل لهم لحوم الإبل، والشروب (2)، وبعض الطيور والحيتان، مما كان قد حرم على بني إسرائيل، عن قتادة والربيع وابن جريج ووهب. وقيل: أحل لكم السبت، عن الكلبي. (وجئتكم بآية من ربكم) أي: بحجة تشهد بصدقي (فاتقوا الله) في مخالفتي، وتكذيبي. (وأطيعوني) كما أمركم الله به (إن الله ربي وربكم) أي: مالكي ومالككم. وإنما قال ذلك ليكون حجة على النصارى في قولهم (المسيح ابن الله) والمعنى لا تنسبوني إليه، فأنا عبده كما أنكم عبيد له (فاعبدوه) وحده (هذا صراط مستقيم) أي: دين الله أي: عبادته دين مستقيم. وقد استوفينا الكلام في الرب، وفي الصراط المستقيم، في سورة الحمد. (فلمآ أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصارى إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله ءامنا بالله واشهد بأنا مسلمون [ 52 ] ربنا ءامنا بمآ أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين [ 53 ] ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين [ 54 ]). اللغة: الإحساس: الإدراك بالحاسة. والحس: القتل لأنه يحس بألمه. والحس: العطف لإحساس الرقة على صاحبه. والأنصار: جمع نصير كالأشراف جمع شريف. وأصل الحواري: الحور وهو شدة البياض، ومنه الحواري من الطعام لشدة بياضه. قال الحرث بن حلزة:


(1) [ من ]. (2) وفي التبيان " الثروب " بالثاء المثلثة بدل الشين، وهو الظاهر. والثرب: الشحم الرقيق الذي على الكرش والأمعاء. (*)

[ 302 ]

* فقل للحواريات يبكين غيرنا، * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح * يعني النساء لبياضهن. والشاهد: هو المخبر بالشئ عن مشاهدة هذا حقيقة. وقد يتصرف فيه فيقال: البرهان شاهد بحق أي: هو بمنزلة المخبر به عن مشاهدة. ويقال: هذا شاهد أي: معد للشهادة. والمكر: الإتلاف، ومنه قولهم لضرب من الشجر: مكر لاتلافه. والممكورة من النساء: الملتفة الخلق. وحد المكر حب يختدع به العبد لإيقاعه في الضر. والفرق بين المكر والحيلة أن الحيلة قد تكون لإظهار ما يعسر من الفعل من غير قصد إلى الإضرار بالعبد. والمكر: حيلة على العبد توقعه في مثل الوهق (1). الاعراب: قيل: إن إلى بمعنى مع كقولهم: الذود إلى الذود إبل أي: مع الذود (2). قال الزجاج: لا يجوز أن يقال إن بعض الحروف من حروف المعاني بمعنى الآخر، وإنما معنى هذا أن اللفظ لو عبر عنه بمع أفاد هذا المعنى، لا أن (إلى) بمعنى مع. لو قلت: ذهب زيد إلى عمرو، لم يجز أن يقول: ذهب زيد مع عمرو، لأن إلى: غاية، ومع: يضم الشئ إلى الشئ. والحروف قد تتقارب في الفائدة، فيظن الضعيف العلم باللغة أن معناهما واحد من ذلك قوله تعالى: (ولأصلبنكم في جذوع النخل). ولو كانت (على) هاهنا. لأدت هذه الفائدة. وأصل (في) إنما هو للوعاء. وأصل (على) لما علا الشئ. فقولك: التمر في الجواب، لو قلت على الجواب، لم يصح ذلك. ولكن جاز (في جذوع النخل) لأن الجذع مشتمل على المصلوب، لأنه قد أخذه من أقطاره. ولو قلت: زيد على الجبل، أو في الجبل يصلح، لأن الجبل قد اشتمل على زيد. فعلى هذا مجاز هذه الحروف. المعنى: (فلما أحس) أي: وجد. وقيل: أبصر ورأى. وقيل: علم (عيسى منهم الكفر) وأنهم لا يزدادون إلا إصرارا على الكفر بعد ظهور الآيات والمعجزات، امتحن المؤمنين من قومه بالسؤال والتعريف عما في اعتقادهم من نصرته ف‍ (قال أنصاري إلى الله) وقيل: إنه لما عرف منهم العزم على قتله قال: من


(1) الوهق: حبل في طرفه عقدة يجعل في عنق الدابة. (2) الذود: ثلاثة أبعرة إلى التسعة. وقيل: إلى العشرة. وهذا مثل معناه: إذا ضم القليل إلى القليل، يصير المجموع كثيرا. (*)

[ 303 ]

أنصاري إلى الله، وفيه أقوال أحدها: إن معناه من أعوان على هؤلاء الكفار، مع معونة الله، عن السدي وابن جريج والثاني: إن معناه من أنصاري في السبيل إلى الله، عن الحسن، لأنه دعاهم إلى سبيل الله والثالث: إن معناه من أعواني على إقامة الدين المؤدي إلى الله أي: إلى نيل ثوابه، كقوله: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني). ومما يسأل على هذا: إن عيسى إنما بعث للوعظ دون الحرب، فلم استنصر عليهم ؟ فيقال لهم للجماعة من الكافرين الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، عن الحسن ومجاهد. وقيل أيضا: يجوز أن يكون طلب النصرة للتمكين من إقامة الحجة، ولتميز الموافق من المخالف (قال الحواريون) واختلف في سبب تسميتهم بذلك على أقوال أولها: إنهم سموا بذلك لنقاء ثيابهم، عن سعيد بن جبير وثانيها: إنهم كانوا قصارين يبيضون الثياب، عن ابن أبي نجيح، عن أبي أرطأه وثالثها: إنهم كانوا صيادين يصيدون السمك، عن ابن عباس والسدي. ورابعها: إنهم كانوا خاصة الأنبياء، عن قتادة والضحاك، وهذا أوجه لأنهم مدحوا بهذا الإسم، كأنه ذهب إلى نقاء قلوبهم، كنقاء الثوب الأبيض بالتحوير. ويروى عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " الزبير ابن عمتي، وحواريي من أمتي ". وقال الحسن: الحواري الناصر. والحواريون: الأنصار. وقال الكلبي وأبو روق: الحواريون أصفياء عيسى، وكانوا اثني عشر رجلا. وقال عبد الله بن المبارك: سموا حواريين لأنهم كانوا نورانيين، عليهم أثر العبادة ونورها وحسنها، كما قال تعالى: (سيماهم في وجوههم من أثر السجود). (نحن أنصار الله) معناه: نحن أعوان الله على الكافرين من قومك، أي: أعوان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأعوان دين الله (آمنا بالله) أي: صدقنا بالله أنه واحد لا شريك له (واشهد) يا عيسى (بأنا مسلمون) أي: كن لنا شهيدا عند الله. أشهدوه على إسلامهم لأن الأنبياء شهداء على خلقه يوم القيامة، كما قال تعالى (ويوم نبعث من كل أمة شهيدا) (ربنا) أي: يا ربنا (آمنا بما أنزلت) على عيسى (واتبعنا الرسول) أي: اتبعناه. (فاكتبنا مع الشاهدين) أي: في جملة الشاهدين بجميع ما أنزلت، لنفوز بما فازوا به، وننال ما نالوا من كرامتك. وقيل: معناه واجعلنا مع محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته،

[ 304 ]

عن ابن عباس. وقد سماهم الله شهداء بقوله (لتكونوا شهداء على الناس) أي: من الشاهدين بالحق من عندك. هذا كله حكاية قول الحواريين. وروي أنهم اتبعوا عيسى، وكانوا إذا جاعوا قالوا: يا روح الله ! جعنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج لكل إنسان منهم رغيفين يأكلهما. وإذا عطشوا قالوا: يا روح الله ! عطشنا. فيضرب بيده على الأرض، سهلا كان أو جبلا، فيخرج ماء فيشربون. قالوا: يا روح الله من أفضل منا، إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنا بك واتبعناك ؟ قال: أفضل منكم من يعمل بيده، ويأكل من كسبه. فصاروا يغسلون الثياب بالكراء. وقوله: (ومكروا) يعني: كفار بني إسرائيل الذين عناهم الله بقوله: (فلما أحس عيسى منهم الكفر) الأية ومعناه: دبروا لقتل عيسى " عليه السلام " (ومكر الله) أي: جازاهم على مكرهم. وسمى المجازاة على المكر مكرا، كما قال الله تعالى: (الله يستهزئ بهم) وجاء في التفسير: إن عيسى بعد إخراج قومه إياه من بين أظهرهم، عاد إليهم مع الحواريين، وصاح فيهم بالدعوة، فهموا بقتله، وتواطأوا على الفتك به، فذلك مكرهم به، ومكر الله بهم إلقاؤه الشبه على صاحبهم الذي أراد قتل عيسى، حتى قتل وصلب، ورفع عيسى إلى السماء. وقال ابن عباس: لما أراد ملك بني إسرائيل قتل عيسى " عليه السلام "، دخل خوخته، وفيها كوة. فرفعه جبرائيل من الكوة إلى السماء، وقال الملك لرجل منهم خبيث: أدخل عليه فاقتله. فدخل الخوخة فألقى الله عليه شبه عيسى، فخرج إلى أصحابه يخبرهم أنه ليس في البيت فقتلوه وصلبوه، وظنوا أنه عيسى. وقال وهب: أسروه، ونصبوا له خشبة ليصلبوه، فأظلمت الأرض، وأرسل الله الملائكة، فحالوا بينه وبينهم فأخذوا رجلا يقال له يهوذا، وهو الذي دلهم على المسيح، وذلك أن عيسى جمع الحواريين تلك الليلة، وأوصاهم، ثم قال: ليكفرن بي أحدكم قبل أن يصيح الديك، ويبيعني بدراهم يسيرة. فخرجوا وتفرقوا. وكانت اليهود تطلبه، فأتى أحد الحواريين إليهم فقال: ما تجعلوا لي إن أدلكم عليه ؟ فجعلوا له ثلاثين درهما، فأخذها، ودلهم عليه. فألقى الله عليه شبه عيسى " عليه السلام " لما دخل البيت، ورفع عيسى، فأخذ فقال: أنا الذي دللتكم عليه ! فلم يلتفتوا إلى قوله، وصلبوه وهم يظنون أنه عيسى. فلما صلب شبه عيسى " عليه السلام " وأتى على ذلك سبعة أيام، قال الله عز وجل لعيسى: إهبط على مريم لتجمع لك الحواريين، وتبثهم في الأرض دعاة.

[ 305 ]

فهبط واشتعل الجبل نورا، فجمعت له الحواريين، فبثهم في الأرض دعاة، ثم رفعه الله سبحانه. وتلك الليلة هي الليلة التي تدخن فيها النصارى. فلما أصبح الحواريون، حدث كل واحد منهم بلغة من أرسله عيسى " عليه السلام " إليهم فذلك قوله تعالى: (ومكروا ومكر الله) أي: أفضل المعاونين. وقيل: أنصف الماكرين وأعدلهم، لأن مكرهم ظلم، ومكره عدل وإنصاف. وإنما أضاف الله المكر إلى نفسه على مزاوجة الكلام، كما قال: (فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) والثاني ليس باعتداء، وإنما هو جزاء. وهذا أحد وجوه البلاغة كالمجانسة، والمطابقة، والمقابلة. فالمجانسة كقوله: (تتقلب فيه القلوب والأبصار). والمطابقة كقوله: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) بالنصب على مطابقة السؤال. والمقابلة نحو قوله: (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ووجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة). (إذ قال الله يا عيسى إنى متوفيك ورافعك إلى ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون [ 55 ]). الاعراب: العامل في (إذ) قوله (ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين) إذ قال. ويحتمل أن يكون تقديره ذاك إذ قال الله، وتمثيله ذاك واقع إذ قال الله، ثم حذفت واقع، وهو العامل في (إذ) وأقيمت (إذ) مقامه. و (عيسى): في موضع الضم لأنه منادى مفرد، لكن لا يتبين فيه الإعراب، لأنه منقوص، وهو لا ينصرف لاجتماع العجمة والتعريف. المعنى لما بين سبحانه ما هم به قوم عيسى من المكر به وقتله، عقبه بما أنعم عليه من لطف التدبير، وحسن التقدير فقال: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك) وقيل في معناه أقوال أحدها: إن المراد به: إني قابضك برفعك من الأرض إلى السماء من غير وفاة بموت، عن الحسن وكعب وابن جريج وابن زيد والكلبي وغيرهم. وعلى هذا القول يكون للمتوفى تأويلان أحدهما: إني رافعك إلي وافيا، لم ينالوا منك شيئا. من قولهم: توفيت كذا واستوفيته أي: أخذته تاما والآخر: إني

[ 306 ]

متسلمك، من قولهم: توفيت منه كذا: أي تسلمته. وثانيها: إني متوفيك وفاة نوم، ورافعك إلي في النوم، عن الربيع قال: رفعه نائما. ويدل عليه قوله: (وهو الذي يتوفاكم بالليل) أي يميتكم لأن النوم أخو الموت. وقال (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها) الآية. وثالثها: إني متوفيك وفاة نوم، عن ابن عباس ووهب قالا: أماته الله ثلاث ساعات. فأما النحويون فيقولون: هو على التقديم والتأخير أي: إني رافعك ومتوفيك، لأن الواو لا توجب الترتيب بدلالة قوله: (فكيف كان عذابي ونذر) والنذر قبل العذاب بدلالة قوله: (وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا) وهذا مروي عن الضحاك، ويدل عليه ما روي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم، وإمامكم منكم " ؟ رواه البخاري وملم في الصحيح. فعلى هذا يكون تقديره: إني قابضك بالموت بعد نزولك من السماء. وقوله: (ورافعك إلي) فيه قولان أحدهما: إني رافعك إلى سمائي. وسمى رافعه إلى السماء رفعا إليه، تفخيما لامر السماء، يعني: رافعك لموضع لا يكون عليك إلا أمري. والاخر: إن معناه رافعك إلى كرامتي، كما قال حكاية عن إبراهيم عليه السلام: (إني ذاهب إلى ربي سيهديني) أي: إلى حيث أمرني ربي. سمى ذهابه إلى الشام ذهابا إلى ربه. وقوله: (ومطهرك من الذين كفروا) وفيه قولان إحدهما: مطهرك باخراجك من بينهم، وإنجائك منهم، فإنهم أرجاس. جعل مقامه فيهم بينهم كملاقاة النجاسة من حيث كان يحتاج إلى مجارتهم والاخر: إن تطهيره منعهم من كفر يفعلونه بالقتل الذي كانوا هموا به، لان ذلك رجس طهره الله منه، عن الجبائي. وقوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة) معناه: وجاعل الذين آمنوا بك فوق الذين كذبوا عليك وكذبوك في العز والغلبة والظفر والنصرة. وقيل: في البرهان والحجة، والمعني به النصارى. قال ابن زيد: ولهذا لا ترى اليهود حيث كانوا إلا أذل من النصارى، ولهذا أزال الملك عنهم، وإن كان ثابتا في النصارى على بلاد الروم وغيرها، فهم أعز منهم، وفوقهم إلى يوم القيامة. وقال الجبائي فيه دلالة على أنه لا يكون لليهود مملكة إلى يوم القيامة، كما

[ 307 ]

للروم. وقيل المعني به أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم، وإنما سماهم تبعا، وإن كانت لهم شريعة على حدة، لانه وجد فيهم التبعية صورة ومعنى. وأما صورة فإنه يقال: فلان يتبع فلانا إذا جاء بعده. وأما معنى فلان نبينا صلى الله عليه واله وسلم كان مصدقا بعيسى وبكتابه. ويقال لمن يصدق غيره: إنه يتبعه. على أن شريعة نبينا وسائر الانبياء متحدة في أبواب التوحيد. فعلى هذا هو متبع له، إذ كان معتقدا اعتقاده، وقائلا بقوله. وهذا القول أوجه لان فيه ترغيبا في الاسلام، ودلالة على أن أمة محمد صلى الله عليه واله وسلم يكونون ظاهرين إلى يوم القيامة، ولان من دعاه إلها لا يكون في الحقيقة تابعا له. (ثم إلي مرجعكم) أي: مصيركم (فأحكم بينكم) فأقضي بينكم (فيما كنتم فيه تختلفون) من أمر عيسى. (فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والأخرة وما لهم من ناصرين [ 56 ] وأما الذين ءامنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين [ 57 ] ذلك نتلوه عليك من الأيات والذكر الحكيم [ 58 ]). القراءة: قرأ حفص ورويس عن يعقوب: (فيوفيهم) بالياء. والباقون بالنون. الحجة: من قرأ بالنون فهو مثل (فأعذبهم) ويحسنه قوله: (ذلك نتلوه عليك من الآيات). ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الله قد تقدم في قوله: (إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك) أو صار من لفظ الخطاب إلى الغيبة كقوله: (فأولئك هم المضعفون) بعد قوله: (وما آتيتم من زكاة). الاعراب: (نتلوه عليك): في موضع رفع بأنه خبر (ذلك). ويجوز أن يكون صلة لذلك. (ويكون ذلك) بمعنى الذي. فعلى هذا لا موضع لقوله (نتلوه) وتقديره: الذي نتلوه. وقوله: (من الآيات): في موضع رفع بأنه خبره، وأنشدوا في مثله: * عدس ! ما لعباد عليك إمارة * نجوت وهذا تحملين طليق (1) * تقديره: والذي تحملين طليق.


(1) الشعر في (جامع الشواهد) ومضى في هذا الجزء. (*)

[ 308 ]

(فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا والآخرة) عذابهم في الدنيا: إذلالهم بالقتل والأسر والسبي والخسف والجزية، وكل ما فعل على وجه الإستخفاف والإهانة. وفي الآخرة: عذاب الأبد في النار (وما لهم من ناصرين) أي: أعوان يدفعون عنهم عذاب الله تعالى. (وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم) أي: يوفر عليهم، ويتمم (أجورهم) أي: جزاء أعمالهم (والله لا يحب الظالمين) أي: لا يريد تعظيمهم وإثابتهم، ولا يرحمهم، ولا يثني عليهم. وهذه الآية حجة على من قال بالإحباط لأنه سبحانه وعد بتوفير الأجر، وهو الثواب. والتوفية منافية للإحباط (ذلك) إشارة إلى الإخبار عن عيسى وزكريا ويحيى وغيرهم (نتلوه عليك) نقرأه عليك، ونكلمك به. وقيل: نأمر جبرائيل أن يتلوه عليك، عن الجبائي (من الآيات) أي: من جملة الآيات والحجج الدالة على صدق نبوتك، إذا علمتهم بما لا يعلمه إلا قارئ كتاب، أو معلم، ولست بواحد منها، فلم يبق إلا أنك عرفته من طريق الحي (والذكر الحكيم) القرآن المحكم. وإنما وصفه بأنه حكيم لأنه بما فيه منالحكمة، كأنه ينطق بالحكمة، كما تسمى الدلالة دليلا، لأنها بما فيها من البيان، كأنها تنطق بالبيان والبرهان، وإن كان الدليل في الحقيقة هو الدال. (إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون [ 59 ] الحق من ربك فلا تكن من الممترين [ 60 ] فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبنائنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنت الله على الكافرين [ 61 ]). اللغة: المثل: ذكر سائر يدل على أن سبيل الثاني، سبيل الأول. وتعالوا: أصله من العلو يقال: تعاليت أتعالى أي: جئت. وأصله: المجئ إلى ارتفاع، إلا أنه كثر في الإستعمال حتى صار بمعنى هلم. وقيل في الإبتهال قولان أحدهما: إنه بمعنى الإلتعان. وافتعلوا بمعنى تفاعلوا، كقولهم: اشتوروا بمعنى تشاوروا. بهله الله أي: لعنه الله. وعليه بهلة الله أي: لعنة الله والآخر: إنه بمعنى الدعاء بالهلاك. قال لبيد: " نظر الدهر إليهم فابتهل " أي دعا عليهم بالهلاك. فالبهل كاللعن وهو المباعدة عن رحمة الله عقابا على معصيته، ولذلك لا يجوز أن يلعن من

[ 309 ]

ليس بعاص من طفل أو بهيم أو نحوهما. العراب: قوله (خلقه من تراب): لا موضع له من الإعراب، لأنه لا يصلح أن يكون صفة لآدم، من حيث هو نكرة ولا يكون حالا له، لأنه ماض، فهو متصل في المعنى غير متصل في اللفظ بعلامة من علامات الإتصال. فيكون الرفع على تقدير: فهو يكون. والحق: رفع لأنه خبر مبتدأ محذوف وتقديره: ذلك الإخبار في أمر عيسى الحق من ربك. فحذف ذلك دلالة شاهد الحال عليه، كما يقال: الهلال والله أي: هذا الهلال. وقيل: الحق مبتدأ، وخبره قوله: (من ربك). النزول: قيل نزلت الآيات في وفد نجران: العاقب والسيد ومن معهما، قالوا لرسول الله: هل رأيت ولدا من غير ذكر ؟ فنزل: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) الآيات. فقرأها عليهم، عن ابن عباس وقادة والحسن. فلما دعاهم رسول الله إلى المباهلة، استنظروه إلى صبيحة غد من يومهم ذلك. فلما رجعوا إلى رجالهم، قال لهم الأسقف: انظروا محمدا في غد، فإن بولده وأهله، فاحذروا مباهلته. وإن غدا بأصحابه فباهلوه، فإنه على غير شئ. فلما كان الغد جاء النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آخذا بيده علي بن أبي طالب " عليه السلام "، والحسن " عليه السلام "، والحسين " عليه السلام " بين يديه يمشيان، وفاطمة " عليها السلام " تمشي خلفه، وخرج النصارى يقدمهم أسقفهم. فلما رأى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قد أقبل بمن معه سأل عنهم، فقيل له: هذا ابن عمه، وزوج ابنته، وأحب الخلق إليه. وهذان ابنا بنته من علي " عليه السلام ". وهذه الجارية بنته فاطمة، أعز الناس عليه، وأقربهم إلى قلبه. وتقدم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فجثا على ركبتيه. قال أبو حارثة الأسقف: جثا والله كما جثا الأنبياء للمباهلة فكع (1) ولم يقدم على المباهلة. فقال السيد: أدن يا أبا حارثة للمباهلة. فقال: لا إني لأرى رجلا جريئا على المباهلة، وأنا أخاف أن يكون صادقا، ولئن كان صادقا لم يحل والله علينا الحول، وفي الدنيا نصراني يطعم الماء ! فقال الأسقف: يا أبا القاسم ! إنا لا نباهلك، ولكن نصالحك فصالحنا على ما ينهض به. فصالحهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على ألفي حلة من حلل الأواقي، قسمة كل حلة أربعون درهما، فما زاد أو نقص، فعلى حساب ذلك، وعلى عارية ثلاثين درعا، وثلاثين رمحا،. ثلاثين فرسا، إن كان باليمن كيد، ورسول الله ضامن حتى


(1) كع كمد: ضعف وجبن. (*)

[ 310 ]

يؤديها، وكتب لهم بذلك كتابا. وروي أن الأسقف قال لهم: إني لأرى وجوها لو سألوا الله أن ينزل جبلا من مكانه لأزاله، فلا تبتهلوا فتهلكوا، ولا على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة. وقال النبي: والذي نفسي بيده لو لاعنوني لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم نارا، ولما حال الحول على النصارى حتى يهلكوا كلهم ! قالوا: فلما رجع وفد نجران لم يلبث السيد والعاقب إلا يسيرا حتى رجعا إلى النبي، وأهدى العاقب له حلة وعصا وقدحا ونعلين، وأسلما. المعنى: ثم رد الله تعالى على النصارى قولهم في المسيح أنه ابن الله، فقال: (إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم) أي: مثل عيسى في خلق الله إياه من غير أب، كمثل آدم في خلق الله إياه من غير أب، ولا أم، فليس هو بأبدع ولا أعجب من ذلك، فكيف أنكروا هذا وأقروا بذلك ؟ ثم بين سبحانه كيف خلقه، فقال: (خلقه) أي أنشأه (من تراب) وهذا إخبار عن آدم، ومعناه: خلق عيسى من الريح، ولم يخلق قبل أحدا من الريح، كما خلق آدم من التراب، ولم يخلق قبله أحدا من التراب (ثم قال له) أي: لآدم. وقيل: لعيسى (كن) أي: كن حيا بشرا سويا (فيكون) أي: فكان في الحال على ما أراد. وقد مر تفسير هذه الكلمة فيما قبل في سورة البقرة مشروحا. وفي هذه الآية دلالة على صحة النظر والإستدلال، لأن الله احتج على النصارى، ودل على جواز خلق عيسى من غير أب، ولا أم. (الحق من ربك) أي: هذا هو الحق من ربك. أضاف إلى نفسه تأكيدا وتعليلا أي: هو الحق، لأنه من ربك (فلا تكن) أيها السامع (من الممترين) وقد مر تفسيره في سورة البقرة (فمن حاجك) معناه: فمن خاصمك وجادلك يا محمد (فيه) أي في قصة عيسى (من بعد ما جاءك من العلم) أي: من البرهان الواضح على أنه عبدي ورسولي، عن قتادة في معناه. وقيل: فمن حاجك في الحق. والهاء في (فيه) عائدة إلى قوله (الحق من ربك) (فقل) يا محمد لهؤلاء النصارى (تعالوا) إلى كلمة أي: هلموا إلى حجة أخرى ماضية فاصلة، تميز الصادق من الكاذب. (ندع أبناءنا وأبناءكم): أجمع المفسرون على أن المراد بأبنائنا الحسن والحسين. قال أبو بكر الرازي: هذا يدل على أن الحسن والحسين إبنا رسول الله،

[ 311 ]

وأن ولد الإبنة ابن في الحقيقة. وقال ابن أبي علان، وهو أحد أئمة المعتزلة: هذا يدل على أن الحسن والحسين كانا مكلفين في تلك الحال، لأن الماهلة لا تجوز إلا مع البالغين. وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية. وقد كان سنهما في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي العقل. على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا يشركهم فيه غيرهم. فلو صح أن كمال العقل غير معتاد في تلك السن، لجاز ذلك فيهم، إبانة لهم عمن سواهم، ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم. ومما يؤيده من الأخبار قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " ابناي هذان إمامان قاما أو قعدا ". (ونساءنا) اتفقوا على أن المراد به فاطمة " عليها السلام "، لأنه لم يحضر المباهلة غيرها من النساء. وهذا يدل على تفضيل الزهراء على جميع النساء، ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " فاطمة بضعة مني يريبني ما رابها " وقال: " إن الله يغضب لغضب فاطمة، ويرضى لرضائها ". وقد صح عن حذيفة أنه قال: سمعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " أتاني ملك فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، أو نساء أمتي " وعن الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت: أسر النبي إلى فاطمة شيئا فضحكت، فسألتها فقال: " قال لي: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء المؤمنين " فضحكت لذلك. (ونساءكم) أي: من شئتم من نسائكم. (وأنفسنا) يعني عليا خاصة. ولا يجوز أن يدعوا الإنسان نفسه، وإنما يصح أن يدعوا غيره. وإذا كان قوله (وأنفسنا) لا بد أن يكون إشارة إلى غير الرسول، وجب أن يكون إشارة إلى علي، لأنه لا أحد يدعي دخول غير أمير المؤمنين علي وزوجته وولديه في المباهلة. وهذا يدل على غاية الفضل، وعلو الدرجة والبلوغ منه إلى حيث لا يبلغه أحد، إذ جعله الله نفس الرسول. وهذا ما لا يدانيه فيه أحد، ولا يقاربه. ومما يعضده من الروايات ما صح عن النبي أنه سأل عن بعض أصحابه فقال له قائل: فعلي ؟ فقال: " ما سألتني عن الناس، ولم تسألني عن نفسي " وقوله لبريدة الأسلمي: " يا بريدة ! لا تبغض عليا، فإنه مني وأنا منه. إن الناس خلقوا من شجر شتى، وخلقت أنا وعلي من شجرة واحدة " وقوله " عليه السلام " بأحد، وقد ظهرت كنايته في المشركين، ووقايته إياه بنفسه، حتى قال جبرائيل: إن هذا لهي المواساة ! فقال: يا

[ 312 ]

جبرائيل ! إنه مني. فقال جبرائيل: وأنا منكما (وانفسكم) يعني من شئتم من رجالكم. (ثم نبتهل) أي: نتضرع في الدعاء، عن ابن عباس. وقيل: نلتعن فنقول: لعن الله الكاذب. (فنجعل لعنة الله على الكاذبين) منا. وفي هذه الآية دلالة على أنهم علموا أن الحق مع النبي، لأنهم امتنعوا عن المباهلة، وأقروا بالذل والخزي لقبول الجزية. فلو لم يعلموا ذلك لباهلوه، فكان يظهر ما زعموا من بطلان قوله في الحال. ولو لم يكن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " متيقنا بنزول العقوبة بعدوه دونه، لما أدخل أولاده، وخواص أهله في ذلك، مع شدة إشفاقه عليهم. (إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله وإن الله لهو العزيز الحكيم [ 62 ] فإن تولوا فإن الله عليم بالمفسدين [ 63 ]). اللغة: القصص: القصة. وفعل بمعنى مفعول. كالنقض والقبض. والقصص: جمع القصة. ويقال: اقتصصت الحديث، وقصصته قصا وقصصا: رويته على جهته، وهو من اقتصصت الأثر أي: اتبعته. ومنه اشتق القصاص. والقصص: الخبر الذي تتابع فيه المعاني. والتولي عن الحق: اعتقاد خلافه، لأنه كالإدبار عنه بعد الإقبال عليه. وأصل التولي: كون الشئ على خلاف ما توجبه الحكمة. والإصلاح: إيقاعه على ما توجبه الحكمة. والفرق بين الفساد والقبيح أن الفساد تغيير عن المقدار الذي تدعوا إليه الحكمة، وليس كذلك القبيح، لأنه ليس فيه معنى المقدار، وإنما هو ما تزجر عنه الحكمة، كما أن الحسن ما تدعوا إليه الحكمة. الاعراب: (ما من إله إلا الله): دخول (من) فيه لعموم النفي لكل إله غير الله، وإنما أفادت (من) هذا المعنى لأن أصلها لابتداء الغاية، فدلت على استغراق النفي لابتداء الغاية إلى انتهائها. وقوله (لهو) يجوز أن يكون هو فصلا، ويسميه الكوفيون عمادا، فلا يكون له موضع من الإعراب. ويكون (القصص) خبر إن، ويجوز أن يكون مبتدأ، و (القصص) خبره، والجملة خبر إن. المعنى: (إن هذا لهو القصص الحق) معناه: إن هذا الذي أوحينا إليك في أمر عيسى " عليه السلام " وغيره، لهو الحديث الصدق، فمن خالفك فيه مع وضوح الأمر،

[ 313 ]

فهو معاند (وما من إله إلا الله) أي: وما لكم أحد يستحق إطلاق اسم الإلهية، إلا الله، وإن عيسى ليس بإله كما زعموا، وإنما هو عبد الله، ورسوله. ولو قالوا: ما إله إلا الله بغير (من) لم يفد هذا المعنى. (وإن الله لهو العزيز) أي: القادر على الكمال (الحكيم) في الأقوال والأفعال والتدبير. (فإن تولوا) أي: فإن أعرضوا عن اتباعك وتصديقك، وعما أتيت به من الدلالات والبينات (فإن الله عليم بالمفسدين) أي: بمن يفسد من خلقه، فيجازيهم على إفسادهم. وإنما ذكر ذلك على جهة الوعيد، وإلا فإنه تعالى عليم بالمفسد والمصلح جميعا، ونظيره قول القائل لغيره: أنا عالم بشرك وفسادك. وقيل: معناه إنه عليم بهؤلاء المجادلين بغير حق، وبأنهم لا يقدمون على مباهلتك، لمعرفتهم بنبوتك. (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سوآء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون [ 64 ]). اللغة: قال الزجاج: معنى كلمة كلام فيه شرح قصة وإن طال، ولذلك تقول العرب للقصيدة كلمة. يروى أن حسان بن ثابت كان إذا قيل له أنشدنا. قال: هل أنشد كلمة الحويدرة، يعني قصيدته التي أولها: " بكرت سمية غدوة فتمنع " ومعنى سواء أي: عدل وسوى بمعناه. قال زهير: * أروني خطة لا ضيم فيها * يسوي بيننا فيها السواء * * فإن ترك السواء فليس بيني * وبينكم، بني حصن بقاء (1) وقيل: سواء مستو هو مصدر وضع موضع اسم الفاعل، ومعناه: إلى كلمة مستوية، وهو عند الزجاج اسم ليس بصفة، وإنما جر بتقدير ذات سواء، وجوز نصبه على المصدر. الاعراب: موضع (أن لا نعبد) فيه وجهان أحدها: أن يكون في موضع جر


(1) الخطة: الحال والشأن. وقوله: بني حصن أي: يا بني حصن. (*)

[ 314 ]

على البدل من (كلمة) فكأنه قال: تعالوا إلى أن لا نعبد إلا الله والآخر: أن يكون في موضع رفع على تقدير: هي أن لا نعبد إلا الله. ولو قرئ (أن لا نعبد) بالرفع كان (أن) هي المخففة من المثقلة، فكأنه قال: إنه لا نعبد إلا الله، كقوله: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا) وعلى هذا يثبت النون في الخط، ويكون إن من العوامل في الأسماء. وعلى الأول يكون من العوامل في الأفعال. ولا يثبت في الخط لنون. ولو قرئ (أن لا نعبد إلا الله) بالإسكان، فأن مفسرة كالتي في قوله: (أن امشوا)، و (لا نعبد) نهي. النزول: قيل في سبب نزول الآية أقوال أحدها إنها نزلت في نصارى نجران، عن الحسن والسدي وابن زيد ومحمد بن جعفر بن الزبير وثانيها: إنها نزلت في يهود المدينة، عن قتادة والربيع وابن جريج، وقد رواه أصحابنا أيضا وثالثها: إنها نزلت في الفريقين من أهل الكتاب على الظاهر، عن أبي علي الجبائي، وهذا أولى لعمومه. المعنى: لما تم الحجاج على القوم، دعاهم تعالى إلى التوحيد، وإلى الإقتداء بمن اتفقوا أنه كان على الحق، فقال: (قل) يا محمد (يا أهل الكتاب تعالوا) أي: هلموا (إلى كلمة سواء) أي: عدل (بيننا وبينكم) أي: عادلة لا ميل لها، كما يقال: رجل عدل أي: عادل لا ميل فيه. وقيل: معناه كلمة مستوية بيننا وبينكم، فيها ترك العبادة لغير الله، وهي (إن لا نعبد إلا الله) لأن العبادة لا تحق إلا له (ولا نشرك به) في العبادة (شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) اختلف في معناه فقيل: معناه ولا يتخذ بعضنا عيسى ربا، فإنه كان بعض الناس. وقيل: معناه أن لا نتخذ الأحبار أربابا بأن نطيعهم طاعة الأرباب لقوله: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله). وروي عن أبي عبد الله أنه قال: ما عبدوهم من دون الله، ولكن حرموا لهم حلالا، وأحلوا لهم حراما، فكان ذلك اتخاذهم أربابا من دون الله. وقد روي أيضا: أنه لما نزلت هذه الآية، قال عدي بن حاتم: ما كنا نعبدهم يا رسول الله ! فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " " أما كانوا يحلون لكم، ويحرمون، فتأخذون بقولهم ؟ فقال: نعم. فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": هو ذاك ". (فإن تولوا) أي: أعرضوا عن الإقرار بالعبودية، وأن أحدا لا يستحق العبادة غيره (فقولوا) أنتم أيها المسلمون مقابلة لإعراضهم عن الحق، وتجديدا للإقرار،

[ 315 ]

ومخالفتهم (اشهدوا بأنا مسلمون) أي: مخلصون مقرون بالتوحيد. وقيل: مستسلمون منقادون لما أتى به النبي والأنبياء من الله. وقيل: مقيمون على الإسلام. وهذا تأديب من الله لعبده المؤمن، وتعليم له، كيف يفعل عند إعراض المخالف بعد ظهور الحجة، ليعلم المبطل أن مخالفته لا يؤثر في حقه، وليدل على أن الحق يجب اتباعه من غير اعتبار بالقلة والكثرة. (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون [ 65 ] ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم والله يعلم وأنتم لا تعلمون [ 66 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة: (ها أنتم) بالمد والهمز. وقرأ أهل المدينة وأبو عمرو بغير مد ولا همز إلا بقدر خروج الألف الساكنة. وقرأ ابن كثير ويعقوب بالهمزة والقصر من غير مد على وزن ها عنتم. وقرأ ابن عامر بالمد دون الهمز. الحجة: الكلام في المد والهمز كثير، والوجه أن من حقق فعلى الأصل، لأنهما حرفان ها وأنتم. ومن لم يمد ولم يهمز فللتخفيف من غير إخلال. اللغة: الفرق بين الحجاج والجدال: أن الحجاج يتضمن إما حجة، أو شبهة في صورة الحجة والجدال هو فتل الخصم إلى المذهب بحجة، أو شبهة أو إيهام في الحقيقة، لأن أصله من الجدل وهو شدة الفتل. والحجة في البيان الذي شهد بصحة المقال، وهو والدلالة بمعنى واحد. الاعراب: (ها أنتم): للتنبيه. وقد كثر التنبيه في هذا، ولم يكثر في ها أنت لأن ذا مبهم من حيث يصلح لكل حاضر، والمعنى فيه واحد بعينه مما يصلح له. فقوي بالتنبيه لتحريك النفس على طلبه بعينه، وليس كذلك أنت، لأنه لا يصلح لكل حاضر في الجملة. وإنما هو للمخاطب. وخبر (أنتم) يجوز أن يكون (حاججتم) على أن يكون (هؤلاء) عطف بيان. ويجوز أن يكون خبره (هؤلاء) على أن اولاء (1) بمعنى الذين. وما بعده صلة له. النزول: قال ابن عباس والحسن وقتادة: إن أحبار اليهود، ونصارى نجران،


(1) [ هؤلاء ]. (*)

[ 316 ]

اجتمعوا عند رسول الله، فتنازعوا في إبراهيم (1)، فقالت اليهود: ما كان إلا يهوديا. وقالت النصارى: ما كان إلا نصرانيا. فأنزل الله هذه الأية. المعنى: (يا أهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم) أي: لم تنازعون وتجادلون فيه، وتدعون أنه على دينكم. (وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده) أي: من بعد إبراهيم (أفلا تعقلون). أن الإقامة على الدعوى من غير برهان، غير جائزة في العقل، فكيف يجوز الإقامة على الدعوة بعد ما ظهر فسادها. فإن قيل: لو دل نزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم على أنه لم يكن على اليهودية والنصرانية، لوجب أن يدل نزول القرآن بعده على أنه لم يكن على الإسلام ؟ فالجواب: إن الكل متفقون على أنه متسم باسم الإسلام، غير أن اليهود ادعوا أن الإسلام هو اليهودية، والنصارى ادعوا أنه هو النصرانية. والتوراة والإنجيل أنزلتا من بعد إبراهيم، واسمه فيهما اسم الإسلام، وليس في واحد منهما أنه كان على دين اليهودية والنصرانية. وأما القرآن وإن كان منزلا بعده، ففيه وصف إبراهيم بدين الإسلام، ونفي اليهودية والنصرانية عنه، ففي هذا أوضح حجة على أنه كان مسلما، وأن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمته الذين لهم اسم الإسلام أولى به منهم. وقد قيل: إن اليهود أن اليهودي اسم لمن تمسك بالتوراة، واعتقد شريعته، والنصارى اعتقدوا أن النصراني إسم لمن تمسك بالإنجيل، واعتقد شريعته، فرد الله تعالى دعوى الفريقين. وأخبر أن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف يكون متمسكا بحكمهما. وأما نحن فلم ندع أن المسلم هو المتمسك بحكم القرآن إذ الإسلام عبارة عن الدين دون أحكام الشريعة، فوصفناه بالإسلام كما وصفه الله به. فإن قيل: فهل كان إبراهيم متمسكا بشرائع الإسلام كلها التي نحن عليها ؟ قلنا: إنه كان متمسكا بدين الإسلام، وببعض أحكام شريعة نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " لا بجميعها لأن من حكم الشريعة قراءة القرآن في الصلاة، ولم يكن ذلك في شريعته، وإنما قلنا: إنه مسلم، وإن كان متمسكا ببعض أحكام الشريعة، لأن أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في بدو الإسلام، كانوا مسلمين قبل استكمال الشرع، وقبل نزول تمام القرآن. والواحد منا مسلم على الحقيقة، وإن لم يعمل بجميع أحكام الشريعة.


(1) [ في إبراعيم ].

[ 317 ]

(ها أنتم هؤلاء) يا معشر اليهود والنصارى، وهو في الظاهر تنبيه على أنفسهم، والمراد به التنبيه على حالهم. إذ التنبيه إنما يكون فيما قد يغفل عنه الإنسان دون ما يعلمه (حاججتم) جادلتم وخاصمتم (فيما لكم به علم) معناه: حاججتم، ولكم به علم، لوجود اسمه في التوراة والإنجيل (فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم) أي: فلم تحاجون في دينه وشرعه (1)، وليس لكم به علم ؟ لم ينكر الله تعالى عليهم محاجتهم فيما علموه، وإنما أنكر عليهم محاجتهم فيما لم يعلموا (والله يعلم) شأن إبراهيم ودينه، وكل ما ليس عليه دليل، لأنه العالم لجيمع المعلومات (وأنتم لا تعلمون) ذلك (2)، فلا تتكلموا فيه، ولا تضيفوا إليه ما لا تعلمونه، واطلبوا علم ذلك ممن يعلمه. (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا مسلما وما كان من المشركين [ 67 ] إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ءامنوا والله ولى المؤمنين [ 68 ]). اللغة: قد ذكرنا الأصل في اليهود والنصارى والحنيف في سورة البقرة. وأولى (3): الذي هو بمعنى أفعل من غيره. لا يثنى، ولا يجمع، لأنه يتضمن معنى الفعل والمصدر، على تقدير يزيد فضله على فضله في أفضل منه. ومعنى قولنا: هذا الفعل أولى من غيره أي: بأن يفعل. وقولنا: زيد أولى من غيره معناه: إنه على حال هو أحق بها من غيره. والإتباع: جريان الثاني على طريقة الاول من حيث هو عليه، كالمدلول الذي يتبع الدليل في سلوك الطريق، أو في التصحيح، لأنه إن صح الدليل صح المدلول عليه بصحته، وكذلك المأموم الذي يتبع طريقة الإمام. المعنى: ثم كذب الله اليهود والنصارى فقال: (ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا) نزه إبراهيم وبرأه عن اليهودية والنصرانية، لأنهما صفتا ذم قد دل القران والإجماع على ذلك. وهذا يدل على أن موسى أيضا لم يكن يهوديا، ولم يكن عيسى نصرانيا. فإن الدين عند الله الإسلام. واليهودية ملة محرفة عن شرع موسى. والنصرانية ملة محرفة عن شرع عيسى. فهما صفتا ذم جرتا على فرقتين ضالتين.


(1) وفي بعض الخطبة " شأنه "، بدل " شرعه ". (2) [ في كتبكم ]. (3) [ ما فيها ]. (*)

[ 318 ]

(ولكن كان حنيفا) أي: مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام. وقيل: معناه مستقيما في دينه (مسلما) أي: كائنا على دين الإسلام (وما كان من المشركين) قيل: إن هذا يتضمن كون اليهودية والنصرانية شركا. وقيل: إن معناه لم يكن مشركا على ما يدعيه مشركو العرب. (إن أولى الناس بإبراهيم) يعني: إن أحق الناس بنصرة إبراهيم بالحجة أو بالمعونة (للذين اتبعوه) في وقته وزمانه، وتولوه بالنصرة على عدوه، حتى ظهر أمره، وعلت كلمته (وهذا النبي والذين آمنوا) يتولون نصرته بالحجة، لما كان عليه من الحق، وتبرئة كل عيب عنه أي: هم الذين ينبغي لهم أن يقولوا: إنا على دين إبراهيم، ولهم ولايته (والله ولي المؤمنين) لأنه يتولى نصرتهم، والمؤمن ولي الله لهذا المعنى بعينه. وقيل: لأنه يتولى نصرة ما أمر الله به من الدين. وإنما أفرد الله النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " بالذكر، تعظيما لأمره، وإجلالا لقدره، كما أفرد جبرائيل وميكائيل. وقيل: ليدخل في الولاية وتعود إليه الكناية. فإن التقدير: والذين آمنوا به. وفي هذه الآية دلالة على أن الولاية تثبت بالدين لا بالنسب، ويعضد ذلك قول أمير المؤمنين: إن أولى الناس بالأنبياء أعلمهم (1) بما جاؤوا به، ثم تلا هذه الآية. وقال إن ولي محمد من أطاع الله، وإن بعدت لحمته. وإن عدو محمد من عصى الله، وإن قربت قربته. وروى عمر بن يزيد قال: قال أبو عبد الله: هم والله من آل محمد. قلت: من أنفسهم جعلت فداك قال: نعم والله من أنفسهم. قالها ثلاثا. ثم نظر إلي ونظرت إليه، فقال: يا عمر ! إن الله يقول في كتابه: (إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه) الآية رواه علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن منصور بن يونس عنه. (ودت طائفة من أهل الكتاب لو يضلونكم وما يضلون إلآ أنفسهم وما يشعرون [ 69 ]). اللغة: ودت أي: تمنت. فلما كان بمعنى تمنى صلح للماضي والحال والإستقبال. فذلك جاز بلو. وليس كذلك المحبة والإرادة، لأنهما لا يتعلقان إلا


(1) وفي بعض النسخ: " أعملهم " بتقديم الميم على اللام، وهو الظاهر. (*)

[ 319 ]

بالمستقبل. فلا يجوز أن يقال: أرادوا لو يضلونكم، لان الإرادة يجري مجرى الإستدعاء إلى الفعل، أو مجرى العلة في ترتيب الفعل. فأما التمني فهو تقرير شئ في النفس يستمتع بتقريره. والفرق بين ود لو تضله وبين ود أن تضله أن أن للإستقبال، وليس كذلك لو. المعنى: ثم بين سبحانه أن هؤلاء كما ضلوا، دعوا إلى الضلال، فقال: (ودت) أي تمنت. وقيل: أرادت (طائفة) أي جماعة (1) (من أهل الكتاب) أي: من اليهود والنصارى. وقيل: من اليهود خاصة (لو يضلوكم) أي: يهلكونكم بإدخالكم في الضلال، ودعائكم إليه. ويستعمل الضلال بمعنى الهلاك نحو قوله: (أإذا أضللنا في الأرض) ومعناه: هلكنا وبطلت صورنا. (وما يضلون إلا أنفسهم) معناه: لا يرجع وبال إضلالهم إلا على أنفسهم، ولا يلحق ضررهم إلا بهم، فإن المسلمين لا يجيبونهم إلى ما يدعونهم إليه من ترك الإسلام إلى غيره من الأديان، فيبقى عليهم إثم الكفر، ووبال الدعاء إلى الكفر. وقيل: معناه وما يهلكون إلا أنفسهم أي: لا يعتد بما يحصل لغيرهم من الهلاك، في جنب ما يحصل لهم (وما يشعرون) أي: وما يعلمون أن وبال ذلك يعود إليهم. وقيل: وما يشعرون أن الله تعالى يدل المؤمنين على ضلالهم وإضلالهم. وقيل: وما يشعرون أنهم ضلال لجهلهم، عن أبي الجبائي. (يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله وأنتم تشهدون [ 70 ] يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون [ 71 ]). الاعراب (لم): أصله لما حذفت الألف لاتصالها بالحرف الجار، مع وقوعها ضرفا. ولدلالة الفتحة عليها، وكذلك بم وعم. المعنى: ثم خاطب الله الفريقين، فقال: (يا أهل الكتاب لم تكفرون) (ب‍) ما يتلى عليكم من (آيات الله) يعني: القرآن (وأنتم تشهدون) أي: تعلمون وتشاهدون ما يدل على صحتها ووجوب الإقرار بها من التوراة والإنجيل، إذ فيهما ذكر النبي، والإخبار يصدق نبوته، وبيان صفته. وقيل: يعني بآيات الله ما في كتبهم من


(1) [ هم اليهود، دعوا حذيفة وعمارا ومعاذا إلى اليهودية ].

[ 320 ]

البشارة بنبوته، وأنتم تشهدون الحجج الدالة على نبوته. وقيل: يعني بالآيات ما في كتبهم أن إبراهيم كان حنيفا مسلما، وأن الدين هو الإسلام، وأنتم تشاهدون ذلك، وقيل: يعني بها ما يتلى عليهم من غرائب أخبارهم التي علموا أنها في كتبهم، عن أبي مسلم. وقيل: يعني بالآيات الحجج الدالة على نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأنتم تشهدون أن الأول لمعجزة يدل على صدق الرسالة، وثبوت النبوة وقيل: وأنتم تشهدون إذا خلوتم بصحة دين الإسلام (يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل) معناه: لم تخلطون الحق بالباطل، وفيه أقوال أحدها: إن المراد به تحريفهم التوراة والإنجيل، عن الحسن وابن زيد وثانيها: إن المراد به إظهارهم الإسلام، وإبطانهم النفاق، وفي قلوبهم من اليهودية والنصرانية، لأنهم تداعوا إلى إظهار الإسلام في صدر النهار، والرجوع عنه في آخره تشكيكا للناس، عن ابن عباس وقتادة. وثالثها: إن المراد به الإيمان بموسى وعيسى، والكفر بمحمد ورابعها: إن المراد ما يعلمونه في قلوبهم من أن محمدا أحق بما يظهرونه من تكذيبه، عن الجبائي، وأبي مسلم (وتكتمون الحق) أي: نبوة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وما وجدتموه في كتبكم من نعته والبشارة به (وأنتم تعلمون) أنه حق. وإنما نزلت هذه في طائفة من علمائهم، لأن الكتمان إنما يجوز على الطائفة القليلة دون الكثيرة. وقيل: معناه وأنتم تعلمون الأمور التي تصح بها التكليف. والأول أصح لما في الآية من الذم على الكتمان. (وقالت طائفة من أهل الكتاب ءامنوا بالذى أنزل على الذين ءامنوا وجه النهار واكفروا ة اخره لعلهم يرجعون [ 72 ] ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل مآ أوتيتم أو يحاجوكم عند ربكم قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشآء والله واسع عليم [ 73 ] يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم [ 74 ]). القراءة: قرأ ابن كثير: (أن يؤتى أحد) ممدودا. واباقون: (أن يؤتى) بغير مد واستفهام. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (أن يؤتى أحد): فتقديره لا تؤمنوا بأن يؤتى

[ 321 ]

أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم. وقوله (قل إن الهدى هدى الله): إعترض بين المفعول وفعله. وإذا حذفت الجار من أن كان على الخلاف يكون في قول الخليل جرا وفي قول سيبويه نصبا. فأما اللام في قوله: (لمن تبع دينكم): فلا يسهل أن تعلقه بتؤمنوا، وأنت قد أوصلته بحرف آخر جار، فتعلق بالفعل جارين، كما لا يستقيم أن تعديه إلى مفعولين، إذا كان يتعدى إلى مفعول واحد. ألا ترى أن تعدية الفعل بالجار كتعديته بالهمز، وتضعيف العين. فكما لا يتكرر هذان كذلك لا يتكرر الجار. فإذا لم يسهل تعليق المفعولين به، حملته على المعنى. والمعنى: لا تقروا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، إلا لمن تبع دينكم، كما تقول: أقررت لزيدا بألف، فيكون اللام متعلقا بالمعنى، ولا تكون زائدة على حد: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) ولكن يتعلق بالإقرار، وإن شئت عملت الكلام على معنى الجحود فكأنه قال: اجحدوا الناس إلا لمن تبع دينكم، فيكون اللام على هذا زائدة. وقد تعدى (آمن) باللام في غير هذا، قال الله تعالى: (فما آمن لموسى إلا ذريته). وقال: (آمنتم له قبل أن آذن لكم) وقال: (يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين) فتعدى مرة بالباء، ومرة باللام. ووجه قراءة ابن كثير (أن) في موضع رفع بالإبتداء، لأنه لا يجوز أن يحمل على ما قبله من الفعل، لقطع الإستفهام بينهما. وخبره تصدقون به، وتعترفون به، ونحو ذلك مما دل عليه قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) هذا على قول من قال: أزيد ضربته. ومن قال: أزيدا ضربته، كان (أن) عنده في موضع نصب. ويجوز أن يكون موضع (أن) نصبا على معنى تذكرون أو يؤتى أحد مثل ما أوتيتم، أو تشيعون. ويدل على ذلك قوله تعالى: (أتحدثونهم بما فتح الله عليكم) فحديثهم بذلك إشاعة منهم وإفشاء، وبخ بعضهم بعضا بالحديث، لما علموه من أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وعرفوه من وصفه. فهذه الآية في معنى قراءة ابن كثير، ولعله اعتبرها في قراءته. اللغة: الطائفة: الحماعة، وفي أصلها قولان أحدهما: إنه كالرفقة التي من شأنها أن تطوف البلاد في السفر الذي يقع عليه الإجتماع والآخر (1): إنها جماعة يستوي بها حلقة، يطاف حولها. ووجه النهار: أوله وسمي وجها لأنه أول ما يواجهك منه، كما يقال لأول الثوب: وجه الثوب. وقيل: لأنه كالوجه في أنه


(1) [ على ]. (*)

[ 322 ]

أعلاه، وأشرف ما فيه. قال الربيع بن زياد: * من كان مسرورا بمقتل مالك، * فليأت نسوتنا بوجه نهار * النزول: قال الحسن والسدي: تواطأ إثنا عشر رجلا من أحبار يهود خيبر وقرى عرينة، وقال بعضهم لبعض: ادخلوا في دين محمد أول النهار بالسان دون الإعتقاد، واكفروا به آخر النهار. وقولوا: إنا نظرنا في كتبنا، وشاورنا علماءنا، فوجدنا محمدا ليس بذلك، وظهر لنا كذبه، وبطلان دينه. فإذا فعلتم ذلك شك أصحابه في دينه: وقالوا: إنهم أهل الكتاب، وهم أعلم به منا. فيرجعون عن دينهم إلى دينكم. وقال مجاهد ومقاتل الكلبي: كان هذا في شأن القبلة، لما حولت إلى الكعبة، شق ذلك على اليهود، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: آمنوا بالله وبما أنزل على محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " من أمر الكعبة، وصلوا إليها أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم آخره، لعلهم يشكون. المعنى: لما ذكر تعالى صدرا من كياد القوم، عقبه بذكر هذه المكيدة الشديدة فقال: (وقالت طائفة) أي: جماعة (من أهل الكتاب) أي: بعضهم لبعض (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا) يعنون النبي وأصحابه (وجه النهار واكفروا آخره) واختلف في معناه على أقوال أحدها: أظهروا الإيمان لهم أول النهار، وارجعوا إلى قبلتكم في آخره، فإنه أحرى أن ينقلبوا عن دينهم، عن الحسن وجماعة. وثانيها: آمنوا بصلاتهم إلى الكعبة أول النهار، واكفروا آخره، ليرجعوا بذلك عن دينهم، عن مجاهد. وثالثها: أظهروا الإيمان في صدر النهار بما سلف لكم من الإقرار بصفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، ثم ارجعوا في آخره، لتوهموهم أنه كان قد وقع غلط في صفته. (لعلهم يرجعون) عن دينهم الإسلام، عن ابن عباس وجماعة (ولا تؤمنوا) أي: ولا تصدقوا (إلا لمن تبع دينكم) اليهودية، وقام بشرائعكم، وهو عطف على ما مضى. واختلف في معنى الآية على أقوال أحدها: إن معناه ولا تصدقوا بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من العلم والحكمة، والبيان والحجة، ولا لمن تبع دينكم من أهل الكتاب. وقيل: إنما قال ذلك يهود خيبر، ليهود المدينة، لئلا يعترفوا به، فيلومونهم (1) به، لإقرارهم بصحته. وقيل: معناه لا تعترفوا بالحق إلا لمن تبع


(1) وفي نسخة مخطوطة: " فيلزمهم العمل به " بدل " فيلومونهم به ". (*)

[ 323 ]

دينكم. وقوله: - أو يحاجوكم عند ربكم) لأنكم أصح دينا منهم، فلا تكون لهم الحجة عليكم عند الله، فيكون هذا كله من كلام اليهود. وقوله: (قل إن الهدى هدى الله)، و (قل إن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء) كلام الله جوابا لليهود، وردا عليهم أي: قل يا محمد ! إن الهدى هدى الله، وقل: إن الفضل بيد الله، فلا ينبغي لهم أن ينكروا أن يؤتى أحد مثل ما أوتوا، وهذا معنى الحسن (1)، وأبي علي الفارسي. وثانيها: أن يكون قوله: (ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم) كلام اليهود وما بعده من الله، ويكون المعنى: قل إن الهدى هدى الله يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أيها المسلمون، كقوله: (يبين الله لكم أن تضلوا) أي: أن لا تضلوا وان لا يحاجوكم عند ربكم، لأنه لا حجة لهم. ويكون (هدى الله) بدلا من الهدى. والخبر: أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم وهذا قول السدي، وابن جريج. وقال أبو العباس المبرد: إن (لا) ليست مما تحذف هاهنا، ولكن الإضافة هنا معلومة، فحذفت الأول، وأقيمت الثانية مقامه. والمعنى: (قل إن الهدى هدى الله) كراهة (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم) أي: مما خالف دين الله، لأن الله لا يهدي من هو كاذب كفار. فهدى الله بعيد من غير الؤمنين، وكذلك تقدير قوله يبين الله لكم كراهة أن تضلوا. وقال قوم: إن تقديره قل يا محمد إن الهدى إلى الخير هدى الله، فلا تجحدوا أيها اليهود، أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم من النبوة (أو) أن (يحاجوكم) بذلك (عند ربكم) إن لم تقبلوا ذلك منهم، عن قتادة والربيع والجبائي. وقيل: إن الهدى هدى الله معناه: إن الحق ما أمر الله به، ثم فسر الهدى فقال: (أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم). فالمؤتى هو الشرع، وما يحاج به هو العقل. وتقدير الكلام: إن هدى الله ما شرع، أو ما عهد به في العقل. فهذه أربعة أقوال. وثالثها: أن يكون الكلام من أول الآية إلى آخرها لله تعالى، وتقديره ولا تؤمنوا


(1) [ عطف على أن يؤتى أي: ولا تصدقوا بأن يحاجوكم ]. (*)

[ 324 ]

أيها المؤمنون إلا لمن تبع دينكم وهو دين الاسلام، ولا تصدقوا بان يؤتى أحد مثل ما اوتيتم من الدين، فلا نبي بعد نبيكم، ولا شريعة بعد شريعتكم، الى يوم القيامة، ولا تصدقوا بان يكون لاحد حجة عليكم عند ربكم، لان دينكم خير الاديان، وان الهدى هدى الله، وان الفضل بيد الله، فتكون الاية كلها خطابا للمؤمنين من الله تعالى عند تلبس اليهود عليهم، لئلا يزلوا. ويدل عليه ما قاله الضحاك: ان اليهود قالوا: إنا نجاح عند ربنا من خالفنا في ديننا. فبين الله تعالى أنهم هم المدحضون المغلبون، وان المؤمنين هم الغالبون. وقوله (قل إن الفضل بيد الله) قيل: يريد به النبوة. وقيل: الحجج التي اوتيها محمد صلى الله عليه وآله وسلم ومن معه. وقيل: نعم الدين والدنيا. وقوله: بيد الله أي في ملكه، وهو القادر عليه، العالم بمحله. (يؤتيه من يشاء) وفي هذه دلالة على ان النبوة ليست بمستحقة وكذلك الامامة، لان الله سبحانه علقه بالمشية. (والله واسع) الرحمة جواد. وقيل: واسع المقدور، يفعل ما يشاء (عليم) بمصالح الخلق. وقيل: يعلم حيث يجعل رسالته. (يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم) مر تفسيره في سورة البقرة في العشر التي بعد المائة. وفي هذه الايات معجزة باهرة لنبينا إذ فيها اخبار عن سرائر القوم التي لا يعلمها إلا علام العيوب. وفيها دفع لمكائدهم، ولطف للمؤمنين في الثبات على عقائدهم. (ومن اهل الكتاب من إن تامة بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تامة بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بانهم قالوا ليس علينا في الاميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهو يعلمون. بلى من اوفي بعهده واتقي فإن الله يحب المتقين. القراءة: قرأ حمزة وأبو بكر عن عاصم: (يؤده) بسكون الهاء وروي نحوه عن ابي عمرو. وقرأ أبو جعفر ويعقوب بكسر الهاء مع الاختلاس، وهو الصحيح من مذهب ابي عمرو. والباقون بالكسر والاشباع. الحجة. اما سكون الهاء فان أگثر النحويين على انه لا يجوز. وغلط الزجاج

[ 325 ]

الراوي فيه أبي عمروا قال: وحكى سيبويه عنه، وهو ضابط لمثل هذا أنه كان يكسر كسرا خفيفا. وقال الفراء: هذا مذهب لبعض العرب، يسكنون الهاء إذا تحرك ما قبلها، يقولون: ضربته كما يسكنون ميم أنتم وقمتم. وأما الإختلاس فإنه للإكتفاء بالكسرة على الياء. وأما الإشباع فعلى الأصل. اللغة القنطار: قد ذكرنا الخلاف في مقداره في أول السورة. والدينار: أصله دنر بنونين، فقلبت إحدى النونين ياء لكثرة الإستعمال، طلبا للخفة، وجمعه دنانير. ودمت ودمت لغتان، مثل مت ومت. ولكن من كسر الدال والميم قال في المضارع تمات وتدام، وهي لغة أزاد السراة. ووفى وأوفى لغتان. وأهل الحجاز يقولون: أوفيت. وأهل نجد يقولون: وفيت. الاعراب: الفرق بين أن تقول: (تأمنه بقنطار)، وبين أن تقول (على قنطار): أن معنى الباء إلصاق الأمانة، ومعنى (على) إستعلاء الأمانة، وهما يتعاقبان في هذا الموضع، لتقارب المعنى كما تقول: مررت به، ومررت عليه. وبلى: يحتمل معنيين أحدهما: الإضراب عن الأول على جهة الإنكار للأول، وعلى هذا الوجه يكون (من أوفى بعهده) مكتفية، نحو قولك: ما قدم زيد (1) فيقال بلى أي: بلى قد قدم زيد. قال الزجاج: هاهنا وقف تام، ثم استأنف (من أوفى) إلى الآخرة لأنهم لما قالوا: (ليس علينا في الأميين سبيل) قيل: بلى (2) عليهم في سبيل الثاني: الإضراب عن الأول، والإعتماد على البيان الثاني. وعلى هذا الوجه لا تكون مكتفية. والفرق بين بلى ونعم أن بلى: جواب النفي. ونعم: جواب الإثبات. إنما جاز إمالة (بلى) لمشابهتها الإسم من وجهين: أحدهما: إنه توقف عليها كما توقف على الإسم. والآخر: إنها على ثلاثة أحرف ولذلك خالفت (لا) في الإمالة. النزول: عن ابن عباس قال: يعني بقوله (من ان تأمنه بقنطار يؤده إليك) عبد الله بن سلام، أودعه رجلا ألفا ومائتي أوقية من ذهب، فأداه إليه، فمدحه الله سبحانه، ويعني بقوله: (من ان تأمنه بدينار لا يؤده (3) إليك) فنحاص بن عازوراء، وذلك أن رجلا من قريش استودعه دينارا، فخانه. وفي بعض التفاسير: إن الذي يؤدي الأمانة النصارى، والذين لا يؤدونه اليهود.


(1) [ القنطار ]. (1) [ أي: بلى ]. (3) [ أي يرده ]. (*)

[ 326 ]

المعنى: ثم ذكر سبحانه معائب القوم، وأن فيهم من تحرج عن العيب، فقال: (ومن أهل الكتاب من أن تأمنه بقنطار) أي: تجعله أمينا على قنطار أي: مال كثير على ما قيل فيه من الأقوال التي مضى ذكرها في أول السورة (يؤده إليك) عند المطالبة، ولا يخون فيه. (ومنهم من إن تأمنه بدينار) أي: على ثمن دينار. والمراد: تجعله أمينا على قليل من المال، (لا يؤده إليك) عند المطالبة، وهم كفار اليهود بالإجماع (إلا ما دمت عليه قائما) معناه: إلا أن تلازمه وتتقاضاه، عن الحسن وابن زيد. قيل: إلا أن تدوم قائما بالتقاضي والمطالبة، عن قتادة ومجاهد. وقيل: إلا ما دمت عليه قائما بالإجتماع معه والملازمة، عن السدي قال: مادمت عليه قائما أي: ملحا عن ابن عباس (ذلك) أي: ذلك الإستحلال والخيانة. (بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل) هذا بيان العلة التي كانوا لأجلها لا يؤدون الأمانة، ويميلون إلى الخيانة أي: قالت اليهود ليس علينا في أموال العرب التي أصبناها سبيل، لأنهم مشركون، عن قتادة والسدي. وقيل: لأنهم تحولوا عن دينهم الذي عاملناهم عليه، وذلك أنهم عاملوا جماعة منهم، ثم أسلم من له الحق، وامتنع من عليه الحق، من أداء الحق. وقالوا: إنما عاملناكم، وأنتم على ديننا، فإذا فارقتموه سقط حقكم. وادعوا أن ذلك في كتبهم فأكذبهم الله في ذلك بقوله ويقول على الله الكذب وهم يعلمون) أنهم يكذبون، لأن الله أمرهم بخلاف ما قالوا، عن الحسن وابن جريج. وإنما سموهم (أميين) لعدم كونهم من أهل الكتاب، أو لكونهم من مكة، وهي أم القرى. ثم الله تعالى رد عليهم قولهم فقال: (بلى) وفيه نفي لما قبله، وإثبات لما بعده، كأنه قال: ما أمر الله بذلك، ولا أحبه، ولا أراده، بل أوجب الوفاء بالعهد، وأداء الأمانة (من أوفى بعهده) يحتمل أن يك. ن الهاء في بعده، عائدة على اسم الله في قوله (ويقولون على الله الكذب) فيكون معناه بعهد الله، وعهد الله إلى عباده: أمره ونهيه. ويحتمل أن يكون عائدة إلى (من) ومعناه: من أوفى بعهد نفسه، لأن العهد تارة إلى العاهد، وتارة إلى المعهود له (واتقى) الخيانة، ونقض العهد (فإن الله يحب المتقين) معناه: فإن الله يحبه، إلا أنه عدل إلى ذكر المتقين ليبين الصفة التي يجب بها محبة الله، وهذه صفة المومن، فكأنه قال: والله يحب

[ 327 ]

المؤمنين، ولا يحب اليهود. وروي عن النبي أنه قال، لما قرأ هذه الآية قال: " كذب أعداء الله ! ما من شئ كان في الجاهلية إلا وهو تحت قدمي، إلا الأمانة فإنها مؤداة إلى البر والفاجر ". وعنه قال: " ثلاث من كن فيه فهو منافق، وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن: من إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". وعنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: من ائتمن على أمانة فأداها، ولو شاء لم يؤدها، زوجه الله من الحور العين ما شاء. (إن الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا أولئك لا خلاق لهم في الأخرة ولا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم [ 77 ]). النزول: نزلت في جماعة من أحبار اليهود أبي رافع، وكنانة بت أبي الحقيق، وحيي بن الأخطب، وكعب بن الأشرف، كتموا ما في التوراة من أمر محمد، وكتبوا بأيديهم غيره، وحلفوا أنه من عند الله، لئلا تفوتهم الرياسة، وما كان لهم على أتباعهم، عن عكرمة. وقيل: نزلت في اللاشعث بن قيس، وخصم له في أرض، قام ليحلف عند رسول الله. فلما نزلت الأية نكل الآشعث، واعترف بالحق، ورد الأرض عن ابن جريج. وقيل: نزلت في رجل حلف يمينا فاجرة، في تنفيق سلعة، عن مجاهد والشعبي. المعنى: ثم ذكر تعالى الوعيد لهم على أفعالهم الخبيثة، فقال: (إن الذين يشترون بعهد الله) أي: يستبدلون (بعهد الله) أي: بأمر الله، وما يلزمهم الوفاء به. وقيل: معناه إن الذين يحصلون بنكث عهد الله، ونقضه (وأيمانهم) أي: وبالايمان الكاذبة (ثمنا قليلا) أي: عوضا نزرا، وسماه (قليلا) لأنه قليل في جنب ما يفوتهم من الثواب، ويحصل لهم من العقاب. وقيل: العهد ما أوجبه الله على الإنسان من الطاعة، والكف عن المعصية. وقيل: هو ما في عقل الإنسان من الزجر عن الباطل، والإنقياد للحق. (أولئك لا خلاق لهم) أي: لا نصيب وافر لهم (في) نعيم (الآخرة) (ولا يكلمهم الله) فيه قولان أحدهما: إنه لا يكلمهم بما يسرهم، بل بما يسوءهم وقت

[ 328 ]

الحساب لهم، عن الجبائي. والآخر: إنه لا يكلمهم أصلا، وتكون المحاسبة بكلام الملائكة لهم، بأمر الله إياهم، استهانة بهم (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) معناه: لا يعطف عليهم ولا يرحمهم، كما يقول القائل للغير: انظر إلي يريد: إرحمني. وفي هذا دلالة على أن النظر إذا عدي بحرف (إلى) لا يفيد الرؤية، لأنه لا يجوز حملها هنا على أنه لا يراهم بلا خلاف. (ولا يزكيهم) أي: لا يطهرهم. وقيل ك لا ينزلهم منزلة الأزكياء، عن الجبائي. وقيل: لا يطهرهم من دنس الذنوب والأوزار بالمغفرة، بل يعاقبهم. وقيل: لا يحكم بأنهم أزكياء، ولا يسميهم بذلك، بل يحكم بأنهم كفرة فجرة، عن القاضي (ولهم عذاب أليم) مؤلم موجع. وفي تفسير الكلبي عن ابن مسعود قال: سمعت رسول الله يقول: " من حلف على يمين كاذبة، ليقطع بها مال أخيه المسلم، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان، وتلا هذه الآية. وروى مسلم بن الحجاج في الصحيح بإسناده من عدة طرق، عن أبي ذر الغفاري، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المنان الذي لا يعطي شيئا إلا منة. والمنفق سلعته بالحلف الفاجر. والمسبل إزاره ". وعن عبد الله بن مسعود، عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " من حلف على يمين صبر، يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر، لقي الله وهو غضبان ". أورده مسلم أيضا فط الصحيح. (وإن منهم لفريقا يلون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون [ 78 ]). اللغة: أصل اللي: القتل من قولك: لويت يده: إذا فتلتها. ومنه لويت الغريم لويا وليانا: إذا مطلته حقه، قال الشاعر: * تطيلين لياني، وأنت ملية، * وأحسن، يا ذات الوشاح، التقاضيا * ومنه الحديث: " لي الواجد ظلم ". والألسنة: جمع اللسان على التذكير، كحمار وأحمرة. ويقال: ألسن على التأنيث، كعناق وأعنق. والفرق بين حسبت

[ 329 ]

وزعمت: أن زعمت يحتمل أن يكون يقينا وظنا. وحسبت لا يحتمل اليقين أصلا. الاعراب: (لفريقا): نصب بأنه اسم (أن). واللام: للتأكيد على اسم (أن) إذا كان مؤخرا، ولا يجوز: إن لزيدا في الدار، لئلا يجتمع حرفا تأكيد. كما لا يجوز دخول التعريف على التعريف. فأما قولهم: جاءني القوم كلهم أجمعون. فكلهم: تأكيد للقوم. وأجمعون: تأكيد للكل. النزول: قيل: نزلت في جماعة من أحبار اليهود، كتبوا بأيديهم ما ليس في كتاب الله، من نعت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وغيره وأضافوه إلى كتاب الله. وقيل: نزلت في اليهود والنصارى، حرفوا التوراة والإنجيل، وضربوا كتاب الله بعضه ببعض، وألحقوا به ما ليس منه، وأسقطوا منه الدين الحنيف، عن ابن عباس. المعنى: (وإن منهم) أي: من أهل الكتاب، وهو عطف على قوله: (وإن من أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار). (لفريقا) أي: طائفة (يلوون ألسنتهم بالكتاب) معناه: يحرفون الكتاب عن جهته، ويعدلون به عن القصد بألسنتهم. فجعل الله تحريف الكتاب عن الجهة ليا باللسان، وهذا قول مجاهد وقتادة وابن جريج والربيع. وقيل: يفسرونه بخلاف الحق. (لتحسبوه من الكتاب) أي: لتظنوه أيها المسلمون من كتاب الله تعالى، (وما هو من الكتاب) المنزل على موسى، ولكنهم يخترعونه ويبتدعونه، (ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله) وفي هذا دليل على أن المعاصي ليست من عند الله، ولا من فعله، لأنها لو كانت من فعله، لكانت من عنده، على آكد الوجوه. فلم يجز إطلاق النفي بأنها ليست من عند الله. وكما لا يجوز أن يكون من الكتاب على وجه من الوجوه لإطلاق النفي بأنه ليس من الكتاب كله، لا يجوز أن يكون من عند الله، لإطلاق النفي بأنه ليس من عند الله. (ويقولون على الله الكذب) في نسبتهم ذلك إلى الكتاب. (وهم يعلمون) أن ذلك كذب. وقيل: وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من العقاب. 0 ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون [ 79 ] ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم

[ 330 ]

بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون [ 80 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وأهل الكوفة: (تعلمون) بالتشديد. والباقون (تعلمون). وقرء عاصم غير الأعشى والبرجمي (1) وحمزة وابن عامر ويعقوب: (ولا يأمركم) بنصب الراء. والباقون بالرفع. الحجة: حجة من قال (تعلمون) بالتشديد أن التعليم أبلغ في هذا الموضع، لأنه إذا علم الناس، ولم يعمل بعمله، كان مع استحقاق الذم بترك عمله داخلا في جملة من وبخ بقوله: (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم). وحجة من قرأ (تعلمون) أن العالم الدارس قد يدرك بعلمه ودرسه مما يكون داعيا إلى التمسك بعلمه، والعمل به ما لا يدركه العالم المعلم في تدريسه. ومن قرأ (يأمركم) فعلى القطع من الأول، ولا يأمركم الله. ومن نصبه فعلى قوله: (وما كان لبشر أن يأمركم أن تتخذوا). ومما يقوي الرفع ما روي في حرف ابن مسعود (يأمركم). فهذا يدل على الإنقطاع من الأول. ومما يقوي النصب ما جاء في السير أن اليهود قالوا للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": يا محمد ! أتريد أن نتخذك ربا ؟ فقال الله عز وجل: (ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب): ولا أن يأمركم. اللغة: البشر يقع على القليل والكثير، فهو بمنزلة المصدر مثل الخلق، تقول: هذا بشر، وهؤلاء بشر. كما تقول: هذا خلق، وهؤلاء خلق. وإنما وقع المصدر على القليل والكثير، لأنه جنس الفعل، فصار كأسماء الأجناس، مثل الماء والتراب ونحوه. والرباني: هو الرب يرب أمر الناس بتدبيره وإصلاحه إياه. يقال: رب فلان أمره ربابة، وهوربان: إذا دبره وأصلحه. ونظيره نعس وينعس وهو نعسان. وأكثر ما يجئ فعلان من فعل يفعل، فيكون العالم ربانيا، لأنه بالعلم يرب الأمر ويصلحه. وقيل: إنه مضاف إلى علم الرب، وهو علم الدين الذي يأمره به، إلا أنه غير في الإضافة، ليدل على المعنى، كما قيل في الإضافة إلى البحرين: بحراني، وكما قيل للعظيم الرقبة: رقباني، وللعظيم اللحية: لحياني فقيل لصاحب علم الدين الذي أمر به الرب: رباني. النزول: قيل: إن أبا رافع القرضي من اليهود، ورئيس وفد نجران قالا: يا


(1) أي: من جميع طرقه إلا من طريق هذين. (*)

[ 331 ]

محمد ! أتريد أن نعبدك ونتخذك إلها ؟ فقال: معاذ الله أن أعبد غير الله، أو آمر بعبادة غير الله ! ما بذلك بعثني، ولا بذلك أمرني. فأنزل الله الآية، عن ابن عباس وعطاء. وقيل: نزلت في نصارى نجران، عن الضحاك ومقاتل. وقيل: إن رجلا قال: يا رسول الله ! نسلم عليك كما يسلم بعضنا على بعض، أفلا نسجد لك ؟ قال: " لا ينبغي أن يسجد لأحد من دون الله، ولكن أكرموا نبيكم، واعرفوا الحق لأهله ". فأنزل الله الآية. المعنى: لما تقدم ذكر أهل الكتاب، وأنهم أضافوا ما يتدينون به إلى الأنبياء، نزههم الله عن ذلك، فقال: (ما كان لبشر) يعني: ما ينبغي لبشر كقوله: (وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا). و (ما كان لنا أن نتكلم بهذا) أي: لا ينبغي. وقيل: لا يجوز معناه لبشر، ولا يحل له (أن يؤتيه الله) أن: يعطيه الله (الكتاب والحكمة والنبوة) أي: العلم أو الرسالة إلى الخلق. (ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله) أي: اعبدوني من دونه، أو اعبدوني معه، عن الجبائي. وقيل: معناه ليس من صفة الأنبياء الذين خصهم الله لرسالته، واجتباهم لنبوته، وأنزل عليهم كتبه، وجعلهم حكماء علماء، أن يدعوا الناس إلى عبادتهم. وإنما قال ذلك على جهة التنزيه للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن مثل هذا القول، لا على وجه النهي. وقوله: (عبادا) هو من العبادة، قال القاضي: وعبيد بخلافه، لأنه بمعنى العبودية. ولا يمتنع أن يكونوا عبادا لغيره. (ولكن كونوا ربانيين) فيه حذف أي: لا ينبغي لهذا القول أن يقول للناس اعبدوني، ولكن ينبغي أن يقول لهم كونوا ربانيين. وفيه أقوال أحدها: إن معناه كونوا علماء فقهاء، عن علي وابن عباس والحسن. وثانيها: كونوا علماء حكماء، عن قتادة والسدي وابن أبي رزين. وثالثها: كونوا حكماء أتقياء، عن سعيد بن جبير ورابعها: كونوا مدبري أمر الناس في الولاية بالإصلاح، عن ابن زيد وخامسها: كونوا معلمين للناس من علمكم، كما يقال: أنفق بمالك أي: أنفق من مالك، عن الزجاج. وروي عن النبي أنه قال: " ما من مؤمن، ولا مؤمنة، ولا حر، ولا مملوك، إلا ولله عليه حق واجب أن يتعلم من العلم، ويتفقه فيه ". وقال أبو عبيدة: سمعت رجلا عالما يقول: الرباني العالم بالحلال الحرام، والأمر والنهي، وما كان وما يكون. وقال أبو عبيدة: لم تعرف العرب الرباني. وهذا فاسد، لأن القرآن نزل

[ 332 ]

بلغتهم. وروي عن محمد بن الحنفية أنه قال يوم مات ابن عباس: مات رباني هذه الأمة. وقد ذكرنا اشتقاقه قبل. (بما كنتم تعلمون الكتاب) أي: القرآن (وبما كنتم تدرسون) أي: الفقه. ومن قرأ بالتشديد أراد: تعلمونه لسواكم. فيفيد أنهم يعلمون ويعلمون غيرهم. والتخفيف لا يفيد أكثر من كونهم عالمين. ودخلت الباء في قوله (بما كنتم تعلمون) لأحد ثلاثة أشياء: إما أن يريد كونوا معلمي الناس بعلمكم، كما يقال: أنفقوهم بمالكم، أو يريد: كونوا ربانيين في علمكم ودراستكم. ووقعت الباء موقع في. أو يريد كونوا ممن يستحق أن يطلق له صفة عالم بعلمه على جهة المدح، بأن تعملوا بما علمتم، وذلك أن الإنسان إنما يستحق الوصف لأنه عالم، إذا عمل بعلمه. ويدل عليه قوله (إنما يخشى الله من عباده العلماء). (ولا يأمركم) أي: ولا يأمركم الله، عن الزجاج. وقيل: ولا يأمركم محمد، عن ابن جريج. وقيل: ولا يأمركم عيسى. ومن نصب الراء عطفه على أن يؤتيه الله فمعناه: ولا كان لهذا النبي أن يأمركم (أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا) أي: آلهة، كما فعله الصابئون والنصارى (أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون) ألف إنكار أصله الإستفهام، وإنما استعمل في الإنكار لأنه مما لو أقر به المخاطب، لظهرت فضيحته. فلذلك جاء على السؤال، وإن لم يكن الغرض تعرف الجواب ومعناه: إن الله تعالى إنما يبعث النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ليدعوا الناس إلى الإيمان، فلا يبعث من يدعو المسلمين إلى الكفر. (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصرى قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين [ 81 ] فمن تولى بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون [ 82 ]). القراءة: قرأ حمزة وحده: (لما آتيتكم) بكسر اللام. والباقون بفتحها. وقرأ نافع: (آتيناكم) على الجمع. والباقون: (آتيتكم) على التوحيد. الحجة: الوجه في قراءة حمزة (لما آتيتكم) بكسر اللام أنه يتعلق بالأخذ،

[ 333 ]

كأن المعنى: أخذ ميثاقهم لهذا. ويكون (ما) على هذا موصولة. والعائد إلى الموصول من الجملة المعطوفة على صلته، وهي قوله: (جاءكم رسول مصدق لما معكم) مظهر بمنزلة المضمر، وهي قوله: (ما معكم)، لأنه بمنزلة ما أوتوه من الكتاب والحكمة. فهذا يكون مثل قوله: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين) لأنه في معنى لا يضيع أجرهم. ويجوز أن يكون (ما) على هذه القراءة حرفا، فيكون بمعنى المصدر. قال أبو علي: ومن فتح اللام فقال: (لما آتيتكم) فإن (ما) فيه يحتمل تأويلين أحدهما: أن يكون موصولة والآخر: أن يكون للجزاء. فمن قدر (ما) موصولة فالقول فيما يقتضيه قوله: (ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم) من الراجع إلى الموصول، ما تقدم ذكره في قراءة حمزة. وأما الراجع إلى الموصول من الجملة الأولى، فالضمير المحذوف من الصلة، تقديره: لما آتيتكموه. واللام في (لما) فيمن قدر (ما) موصولة: لام ابتداء، وهي المتلقية لما أجري مجرى القسم من قوله: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) وموضع (ما) رفع بالإبتداء. والخبر (لتؤمنن به) ولتؤمنن: متعلق بقسم محذوف. والمعنى: والله لتؤمنن به. والذكر الذي في (به) يعود إلى الذي آتيتكموه الذي هو المبتدأ، ونحوه قولك: لعبد الله، والله لتأتينه. والذكر الذي في (لتنصرنه) يعود إلى رسول الله المتقدم ذكره. وإذا قدرت (ما) للجزاء كانت (ما) في موضع نصب بآتيتكم. وآتيتكم في موضع جزم بالشرط. وجاءكم في موضع جزم بالعطف، على (آتيتكم). واللام الداخلة على (ما) لا يكون المتلقية للقسم، ولكن يكون بمنزلة اللام في لئن لم ينته المنافقون. والمتلقية قوله: (لتؤمنن به) كما أنها في قوله: (لئن لم ينته المنافقون) قوله: (لنغرينك بهم). وهذه اللام الداخلة على (أن) لا يعتمد القسم عليه، فلذلك جاز حذفها تارة، وإثباتها تارة كما قال: (وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا) فيلحق هذه اللام إن مرة، ولا تلحق أخرى، كما أن (ان) كذلك في قوله: والله إن لو فعلت لفعلت، ووالله لو فعلت لفعلت. المعنى: لما تقدم ذكر النبيين، عقبه سبحانه بذكر نبينا، وما أخذ من عهده عليه أجمعين، فقال: (وإذ أخذ الله ميثاق النبين) العامل في (إذ) محذوف، وتقديره واذكر إذ أخذ الله. وقيل: هو عطف على ما تقدم من قوله: (وإذ قالت

[ 334 ]

الملائكة) وروى عن أمير المؤمنين عليه السلام وابن عباس وقتادة أن الله أخذ ميثاق على الأنبياء قبل نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم "، أن يخبروا أممهم بمبعثه ونعته، ويبشرهم به، ويأمرهم بتصديقه. وقال طاووس: أخذ الله الميثاق على الأنبياء " عليهم السلام على الأول والآخر، فأخذ الله ميثاق الأول لتؤمنن بما جاء به الآخر. وقال الصادق: تقديره وإذ أخذ الله ميثلق أمم النبيين، بتصديق نبيها، والعمل بما جاءهم به، وأنهم خالفوهم فيما بعد، وما وفوا به، وتركوا كثيرا من شريعته، وحرفوا كثيرا منها. وقوله: (لما آتيتكم) بفتح اللام إذا كانت (ما) موصولة فتقديره للذي آتيتكموه أي: أعطيتكموه (من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول) أي: نبي. وقيل: يعني محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (مصدق لما معكم) أي: لما آتيتكم من الكتب. (لتؤمنن به) أي: لتؤمنن بالرسول ولتنصره، أو يريد: لتؤمنن بالذي آتيتكموه، ولتنصرن الرسول. وعلى هذا يكون المعنى أنه إنما أخذ الميثاق على الأنبياء، ليصدق بعضهم بعضا، ويأمر بعضهم بالإيمان ببعض، ويكون النصرة بالتصديق والحجة، وهو المروي عن الحسن وسعيد بن جبير وطاووس. وإذا كانت (ما) للجزاء فتقديره: أي شئ آتيتكم، ومهما آتيتكم من كتاب، لتؤمنن. فالشرط: إيتاؤه إياهم الكتاب والحمة، ومجئ الرسول. والجزاء: القسم والمقسم عليه، وهو قوله (لتؤمنن به) فأغنى جواب القسم عن الجزاء، كقوله: (لئن أشركت ليحبطن عملك). وقوله (من كتاب) (من) هذه لتبيين لما نحو قولك: ما عندك من ورق وعين، وهذا خاتم من فضة. ويكون على هذا تقديره: إن الله تعالى قال لهم: مهما أوتيم كتابا وحكمة، ثم يجيئكم به رسول مصدق لما معكم من ذلك الكتاب والحكمة، والله لتؤمنن به، ولتنصرنه. فأقروا بذلك، وأعطوا عليه مواثيقهم. وهذا أشبه بما ذكر أن الميثاق أخذ على الأنبياء ليأخذوا على أممهم بتصديق محمد إذا بعث، ويأمروهم بنصرته على أعدائه، إن أدركوه، وهو المروي عن علي وابن عباس وقتادة واسدي واختار أبوا علي الجبائي، وأبوا مسلم، ويكون معنى قوله: (جاءكم) جاء أممكم وأتباعكم. وإنما خرج الكلام على النبيين لأن ما لزمهم لزم أممهم. ومن قرأ (لما آتيتكم) بكسر اللام. فالمعنى أخذ الله ميثاقهم لما أتوه أي: لأجل ما أوتوه من الكتاب والحكمة، ولأنهم الأفاضل، وخيار الناس. ويكون اللام للتعليل، فيقضي أن يكون الإيتاء سابقا لأخذ

[ 335 ]

الميثاق. وقوله (لتؤمنن): متعلق بأخذ الميثاق، وهو في الحاصل راجع إلى معنى الشرط والجزاء. وقوله: (ولتنصرنه) أي: البشارة للأمم به قال، أي: قال الله لأنبيائه: (أأقررتم) به وصدقتموه (وأخذتم على ذلك إصري) معناه: وقبلتم على ذلك عهدي، ونظيره: (فإن أوتيتم هذا فخذوه). وقيل: معناه وأخذتم العهد بذلك على أممكم (قالوا) أي: قال الأنبياء وأممهم (أقررنا) بما أمرتنا بالإقرار به (قال) الله (فاشهدوا) بذلك على أممكم (وأنا معكم من الشاهدين) عليكم، وعلى أممكم، عن علي. وقيل: فاشهدوا أي: فاعلموا ذلك أنا معكم أعلم، عن ابن عباس. وقيل: معناه ليشهد بعضكم على بعض. وقيل: قال الله للملائكة: اشهدوا عليهم. فيكون ذلك كناية عن غير مذكور، عن سعيد بن المسيب. وهذه الآية من مشكلات آيات القرآن، وقد غاص النحويون في وجوه إعرابها وتحقيقها، وشقوا الشعر في تدقيقها، ولا تراها في موضع أوجز لفظا، وأكثر فائدة، وأشد تهذيبا مما ذكرته هنا، وبالله التوفيق. (فمن تولى بعد ذلك) أي: فمن أعرض عن الإيمان بمحمد بعد هذه الدلالات والحجج، وبعد أخذ الميثاق على النبيين الذين سبق ذكرهم، والمقصود بهذه الأمم دون النبيين، لأنه قد مضى أزمانهم، وجاز ذلك، لأن أخذ الميثاق على النبيين يتضمن الأخذ على أممهم. وقد روي عن علي " عليه السلام " أنه قال: لم يبعث الله نبيا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد: لئن بعث الله محمدا وهو حي، ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمره بأن يأخذ العهد بذلك على قومه. (فأولئك هم الفاسقون) ولم يقل الكافرون، لأن المراد الخارجون في الكفر إلى أفحش مراتب الكفر، بتمردهم، وذلك أن أصل الفسق: الخروج عن أمر الله إلى حال توبقه. وفي الكفر ما هو أكبر، وما هو أصغر بالإضافة إليه. (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون [ 83 ] قل ءامنا بالله وما أنزل علينا وما أنزل على إبراهيم وإسماعيل ويعقوب والأسباط وما أوتى

[ 336 ]

موسى وعيسى والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [ 84 ] ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الأخرة من الخاسرين [ 85 ]). القراءة: قرأ أبوا عمرو: (يبغون) بالياء، (وإليه ترجعون) بالتاء مضمومة. وقرأ بالياء فيهما ابن عباس وحفص ويعقوب وسهل. والباقون بالتاء فيهما جميعا. الحجة: من قرأ بالتاء فيهما فلأن أول الآية خطاب للنبي. ومن قرأ بالياء فعلى تقدير: قل لهم أفغير دين الله يبغون. فجاء على لفظ الغيبة، لأنهم غيب. وقد تقدم القول في يرجعون وترجعون. الاعراب: (أفغير دين الله يبغون): عطف جملة على جملة، كما لو قيل: أو غير دين الله يبغون، إلا أن الفاء رتبت، فكأنه قيل: أبعد تلك الآيات غير دين الله يبغون. و (طوعا وكرها): مصدران وقعا مصدر الحال، وتقديره: طائعين وكارهين، كما يقال: أتاني ركضا أي: راكضا. ولا يجوز أن تقول: أتاني كلاما أي: متكلما، لأن الكلام ليس بضرب من الإتيان. والركض: ضرب منه. النزول: عن ابن عباس قال: اختصم أهل الكتاب إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فيما اختلفوا بينهم من دين إبراهيم، كل فرقة زعمت أنهم أولى بدينه، فقال النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كلا الفريقين برئ من دين إبراهيم ! فغضبوا وقالوا: والله مانرضى بقضائك، ولا نأخذ بدينك، فأنزل الله (أفغير دين الله يبغون). المعنى: لما بين سبحانه بطلان اليهودية، وسائر الملل غير الإسلام، بين عقيبه أن من يبتغي غير دينه فهو ضال، لا يجوز القبول منه فقال: (أفغير دين الله يبغون) أي: أفبعد هذه الآيات والحجج، يطلبون دينا غير دين الله (وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها) قيل فيه أقوال: أحدها: إن معناه أسلم من في السماوات والأرض بحاله الناطقة عنه، الدالة عليه عند أخذ الميثاق عليه، عن ابن عباس وثانيها: أسلم أي: أقر بالعبودية، وإن كان فيهم من أشرك بالعبادة، كقوله تعالى: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) ومعناه: ما ركب الله في عقول الخلائق من الدعاء إلى الإقرار له بالربوبية ليتنبهوا على

[ 337 ]

ما فيه من الدلالة، عن مجاهد، وأبي العالية وثالثها: أسلم المؤمن طوعا وكرها، والكافر كرها عند موته، كقوله: (فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا) عن قتادة، واختاره البلخي، ومعناه التخفيف لهم من التأخير عما هذه سبيله ورابعها: إن معناه استسلم له بالإنقياد والذكر (1) كقوله: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) أي استسلمنا، عن الشعبي والجبائي والزجاج. وخامسها: إن معناه أكرم أقوام على الإسلام، وجاء أقوام طائعين، عن الحسن، وهو المروي عن أبي عبد الله، قال: كرها أي: فرقا من السيف. وقال الحسن والمفضل: الطوع لأهل السماوات خاصة. وأما أهل الأرض فمنهم من أسلم طوعا، ومنهم من أسلم كرها. (وليه ترجعون) أي: إلى جزائه تصيرون، فبادروا إلى دينه، ولا تخالفوا الإسلام. (قل آمنا بالله) خطاب للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأمر له بأن يقول عن نفسه، وعن أمته: آمنا بالله. (وما أنزل علينا) الآية. كما يخاي ب رئيس قوم بأن يقول عن نفسه، وعن رعيته. وقد سبق معنى الآية في سورة البقرة. فإن قيل: ما معنى قوله (ونحن له مسلمون) بعد ما سبق من الإقرار بالإيمان على التفصيل ؟ قلنا: معناه ونحن له مسلمون بالطاعة والإنقياد في جميع ما أمر به، ونهى عنه. وأيضا فإن أهل الملل المخالفة للإسلام، كانوا يقرون كلهم بالإيمان، ولكن لم يقروا بلفظ الإسلام. فلهذا قال: (ونحن له مسلمون). (ومن يبتغ غير الإسلام) أي: يطلب (دينا) يدين به (فلن يقبل منه) بل يعاقب عليه. ويدل عليه قوله: (وهو في الآخرة من الخاسرين) أي: من الهلكين، لأن الخسران ذهاب رأس المال. وفي هذه الآية دلالة على أن من ابتغى الإسلام دينا، يقبل منه. فدل ذلك على أن الدين والإسلام والإيمان واحد، وهي عبارات من معبر واحد. (كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدى القوم الظالمين [ 86 ] أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين [ 87 ] خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون [ 88 ] إلا من بعد ذلك وأصلحوا


(1) وفي بعض النسخ الخطية: " المذلة " بدل " الذكر "، وهو الظاهر، وفي التبيان: " الذلة ". (*)

[ 338 ]

فإن الله غفور رحيم [ 89 ]). اللغة: الخلود في اللغة: طول المكث، ولذلك يقال: خلد فلان في السجن. وقيل للأثافي خوالد ما دامت في مواضعها. وإذا زالت لا يسمى خوالد. والفرق بين الخلود والدوام أن الخلود يقتضي طول المكث في نحو قولك: خلد فلان في الحبس، ولا يقتضي ذلك الدوام. ولذلك وصف سبحانه بالدوام دون الخلود، إلا أن خلود الكفار المراد به التأييد، بلا خلاف بين الأمة. والإنطار: التأخير للعبد لينظر في أمره. والفرق بينه وبين الإمهال هو تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. الاعراب: (كيف) أصله الإستفهام، والمراد به هنا الإنكار، لأنه لا تقع هذه الهداية من الله أي: لا يهديهم الله كقوله (كيف يكون للمشركين عهد عند الله وعند رسوله) أي: لا يكون، قال الشاعر: * كيف نوما على الفراش، ولما * يشمل الشام غارة شعواء (1) * وإنما دخله معنى الإنكار مع أن أصله الإستفهام، لأن المسؤول يسأل عن أغراض مختلفة، فقد يسأل للتعجيز إقامة البرهان، وقد يسأل للتوبيخ مما يظهر من معنى الجواب في السؤال، وقد يسأل لما يظهر فيه من الإنكار. وإنما عطف قوله (شهدوا) وهو فعل على إيمانهم، وهواسم، لأن الإيمان مصدر، والمراد به الفعل. والتقدير: بعد أن آمنوا وشهدوا. و (أجمعين): تأكيد للناس. ودخلت الفاء في قوله: (فإن الله غفور رحيم) لأنه يشبه الجزاء إذ كان الكلام قد تضمن معنى إن تابوا فإن اللهيغفر لهم. ولا يجوز أن يكون في موضع خبر الذين، لأن (الذين) في موضع نصب بالإستثناء من الجملة التي هي قوله (أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله). ولا يحمل على المنقطع مع حسن الإتصال، لأنه الأصل في الكلام، والأسبق إلى الأفهام. النزول: قيل: نزلت الآيات في رجل من الأنصار، يقال له: حارث بن سويد بن الصامت. وكان قتل المحذر بن زياد البلوي غدرا، وهرب وارتد عن الإسلام، ولحق بمكة ثم ندم، فأرسل إلى قومه أن يسألوا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": هل


(1) غارة شعواء: متفرقة ممتدة. (*)

[ 339 ]

لي من توبة ؟ فسألوا. فنزلت الآية إلى قوله (إلا الذين تابوا) فحملها إليه رجل من قومه، فقال: إني لأعلم أنك لصدوق، ورسول الله أصدق منك، وأن الله أصدق الثلاثة. ورجع إلى المدينة، وتاب، وحسن إسلامه، عن مجاهد والسدي، وهو المروي عن أبي عبد الله " عليه السلام ". وقيل: نزلت في أهل الكتاب الذين كانوا يؤمنون بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه، ثم كفروا بعد البعثة، حسدا وبغيا، عن الحسن والجبائي وأبي مسلم. المعنى: لما بين تعالى أن الإسلام هو الدين الذي به النجاة، بين حال من خالفه فقال: (كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم) فيه وجوه أحدها: إن معناه كيف يسلك الله بهم سبيل المهتدين بالإثابة لهم، والثناء عليهم، وقد كفروا بعد إيمانهم. وثانيها: إنه على طريق التبعيد، كما يقال: كيف أهديك إلى الطريق وقد تركته ؟ أي: لا طريق يهديهم به إلى الإيمان، إلا من الوجه الذي هداهم به، وقد تركوه، ولا طريق غيره. وثالثها: إن المراد: كيف يهديهم الله إلى الجنة، ويثيبهم والحال هذه. وقوله: (وشهدوا أن الرسول حق) عطف على قوله (بعد إيمانهم) دون قوله (كفروا)، وتقديره بعد أن آمنوا وشهدوا أن الرسول حق. (وجاءهم البينات) أي: البراهين والحجج. وقيل: القرآن. وقيل: جاءهم ما في كتبهم من البشارة لمحمد (والله لا يهدي القوم الظالمين) أي: لا يسلك بالقوم الظالمين مسلك النهتدين، ولا يثيبهم، ولا يهديهم إلى طريق الجنة، لأن المراد الهداية المختصة بالمهتدين، دون الهداية العامة المرادة في قوله (وأما ثمود فهديناهم). والمراد بالإيمان هاهنا: إظهار الإيمان دون الإيمان الذي يستحق به الثواب، وليس في الآية ما يدل على أنهم قد كانوا في باطنهم مؤمنين مستحقين الثواب، فزال ذلك بالكفر. فلا متعلق للمخالف به (أولئك جزاؤهم) على أعمالهم (أن عليهم لعنة الله) وهي: إبعاده إياهم من رحمته ومغفرته (والملائكة والناس أجمعين) وهي: دعاؤهم عليهم باللعنة، وبأن يبعدهم الله من رحمته (خالدين فيها) أي: في اللعنة لخلودهم فيما استحقوا باللعنة، وهو العذاب (لا يخفف عنهم العذاب) ولا يسهل عليهم (ولا هم ينظرون) أي ولا يمهلون للتوبة ولا يؤخر عنهم العذاب من وقت إلى وقت آخر، ونما نفى إنظارهم للتوبة والإنابة، لما علم من حالهم، أنهم لا ينيبون ولا يتوبون،

[ 340 ]

كما قال: (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) على أن التبقية ليست بواجبة، وإن علم أنه لو أبقاه لتاب وأناب عند أكثر المتكلمين. (إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا) أي: تابوا من الكفر، ورجعوا إلى الإيمان، وأصلحوا ضمائرهم، وعزموا على أن يثبتوا على الإسلام. وهذا أحسن من قول من قال وأصلحوا أعمالهم بعد التوبة، وصلوا وصاموا، فإن ذلك ليس بشرط في صحة التوبة. إذ لو مات قبل فعل الصالحات، مات مؤمنا بالإجماع (فإن الله غفور) يغفر ذنوبهم (رحيم) يوجب الجنة لهم. وذكر المغفرة دليل على أن إسقاط العقاب بالتوبة تفضل منه سبحانه، وأن ما لا يجوز تعليقه بالمغفرة، وأن ما يعلق بالمغفرة، ما يكون له المؤاخذة به. (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون [ 90 ]). النزول: قيل: نزلت في أهل الكتاب الذين آمنوا برسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قبل مبعثه، ثم كفروا به بعد مبعثه، عن الحسن. وقيل: نزلت في اليهود كفروا بعيسى والإنجيل بعد إيمانهم بأنبيائهم وكتبهم ثم ازدادوا كفرا بكفرهم بمحمد والقرآن، عن قتادة وعطاء. وقيل: نزلت في أحد عشر من أصحاب الحرث بن سويد، لما رجع الحرث قالوا: نقيم بمكة على الكفر ما بدا لنا، فمتى ما أردنا الرجعة رجعنا، فينزل فينا ما نزل في الحرث. فلما افتتح رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " مكة، دخل في الإسلام من دخل منهم، فقبلت توبته، فنزل في من مات منهم كافرا: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) الآية. المعنى: لما تقدم ذكر التوبة المقبولة، عقبه الله بما لا يقبل منها، فقال: (إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا) قد ذكرنا الإختلاف في سبب نزوله، وعلى ذلك يدور معناه. وقيل: كلما نزلت آية كفروا بها، فازدادوا كفرا إلى كفرهم (لن تقبل توبتهم) لأنها لم تقع على وجه الإخلاص، ويدل عليه قوله (وأولئك هم الضالون). ولو حققوا في التوبة لكانوا مهتدين. وقيل: لن تقبل توبتهم عند رؤية البأس، لأنها تكون في حال الإلجاء، ومعناه: إنهم لا يتوبون إلا عند حضور الموت والمعاينة، عن الحسن وقتادة والجبائي. وقيل: لأنها أظهرت الإسلام تورية، فأطلع

[ 341 ]

الله تعالى رسوله على سرائرهم، عن ابن عباس. وقد دل السمع على وجوب قبول التوبة إذا حصلت شرائطها، عليه إجماع الإمة (وأولئك هم الضالون) عن الحق والصواب. وقيل: الهالكون المعذبون. (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا ولو افتدى به أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من ناصرين [ 91 ]). اللغة: المل ء: أصله الملأ، وهو تطفيح الإناء. ومنه الملأ: الأشراف، لأنهم يملأون العين هيبة وجلالة. ومنه رجل ملئ بالأمر، وهو أملأ به من غيره. فالمل ء: اسم للمقدر الذي يملأ. والملؤ: المصدر. والفدية: البدل من الشئ في إزالة الأذية، ومنه فداء الأسير، لأنه بدل في إزالة القتل، والأسر عنه. إذا كسر مد، وإذا فتح قصر، تقول: فدى لك، أو فداء لك. ويجوز قصر هذا الممدود للضرورة. والإفتداء: افتعال من الفدية. الاعراب: (ذهبا): منصوب على التمييز، وإنما استحق النصب لاشتغال العامل بالإضافة، أو ما عاقبها من النون الزائدة، فجرى ذلك مجرى الحال في اشتغال العامل بصاحبها، ومجرى المفعول في اشتغال العامل عنه بالفاعل. وقوله (ولو افتدى به) قال الفراء: هذه الواو زائدة، وغلطه الزجاج، لأن الكلام إذا أمكن حمله على فائدة، يحمل عليها، ولا يحمل على الزيادة. وقال: إذا دخلت الواو في مثل هذا كان أبلغ في التأكيد، كقولك: لا آتيك وإن أعطيتني، لأنها دخلت لتفصيل نفي القبول بعد الإجمال. ولو جعلنا الواو زائدة، لأوهم ذلك أنه لا يقبل منه مل ء الأرض ذهبا في الإفتداء، ويقبل في غيره. المعنى: (إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار) أي: على كفرهم (فلن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا) أي: مقدار ما يملأ الأرض من الذهب (ولو افتدى به) بذله عوضا. ومعناه: إن الكافر الذي يعتقد الكفر، وإن أظهر الإيمان، لا ينفعه الإنفاق بمعنى أنه لا يوجب له الثواب. وقيل: معناه انه لا يقبل منه في الآخرة لو وجد إليه السبيل. قال قتادة: يجاء بالكافر يوم القيامة، فيقال له: أرأيت لو كان لك مل ء الأرض ذهبا، لكنت تفتدي به ؟ فيقول: نعم. فيقال له: لقد سئلت أيسر من ذلك فلم تفعل ! ورواه أيضا أنس عن النبي (أولئك لهم عذاب أليم وما لهم من

[ 342 ]

ناصرين) قد ذكرنا معناه. (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم [ 92 ]). اللغة: البر: أصله من السعة. ومنه البر: خلاف البحر. والفرق بين البر والخير: أن البر هو النفع الواصل إلى الغير مع القصد إلى ذلك. والخير يكون خيرا، وإن وقع عن سهو. وضد البر: العقوق. وضد الخير: الشر. المعنى: (لن تنالوا البر) أي: لن تدركوا بر الله تعالى بأهل طاعته. واختلف في البر هنا فقيل: هو الجنة، عن ابن عباس ومجاهد. وقيل: هو الطاعة والتقوى، عن مقاتل وعطاء. وقيل: معناه لن تكونوا أبرارا أي: صالحين أتقياء، عن الحسن (حتى تنفقوا مما تحبون) أي: حتى تنفقوا المال. وإنما كني بهذا اللفظ عن المال، لأن جميع الناس يحبون المال. وقيل: معناه ما تحبون من نفائس أموالكم، دون أرذالها. كقوله تعالى: (ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون) وقيل: هو الزكاة الواجبة، وما فرضه الله في الأموال، عن ابن عباس والحسن. وقيل: هو جميع ما ينفقه المرء في سبيل الخيرات، عن مجاهد وجماعة. وقد روي عن أبي الطفيل قال: اشترى علي " عليه السلام " ثوبا فأعجبه، فتصدق به، وقال: سمعت رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يقول: " من آثر على نفسه آثره الله يوم القيامة بالجنة (1)، ومن أحب شيئا فجعله لله قال الله تعالى يوم القيامة: قد كان العباد يكافؤون فيما بينهم بالمعروف، وأنا أكافيك اليوم بالجنة ". وروي أن أبا طلحة قسم حائطا له في أقاربه عند نزول هذه الآية، وكان أحب أمواله إليه، فقال له رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " بخ بخ ذلك مال رابح لك ". وجاء زيد بن حارثة بفرس له كان يحبها، فقال: هذه في سبيل الله فحمل عليها رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أسامة بن زيد، فكأن زيدا وجد في نفسه وقال: إنما أردت أن أتصدق به ! فقال رسول الله: أما إن الله قد قبلها منك. وأعتق ابن عمر جارية كان يحبها، وتلا هذه الآية، وقال: لولا أني لا أعود في شئ جعلته لله تعالى لنكحتها.


(1) [ وقيل: هو الثواب في الجنة ]. (*)

[ 343 ]

وأضاف أبو ذر الغفاري ضيفا، فقال للضيف: إني مشغول، وإن لي إبلا، فاخرج وأتني بخيرها. فذهب فجاء بناقة مهزولة، فقال له أبو ذر: خنتني بهذه. فقال: وجدت خير الإبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه. فقال أبو ذر: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي مع أن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وقال أبو ذر: في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمرك (1) أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت. والوارث ينتظرك أن تضع رأسك، ثم يستاقها، وأنت ذميم. وأنت الثالث: فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن، إن الله يقول: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون). وإن هذا الجمل كان مما أحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي. وقال بعضهم: دلهم بهذه الآية على الفتوة فقال: (لن تنالوا البر) أي: بري بكم، إلا ببركم بإخوانكم، والإنفاق عليهم من مالكم وجاهكم وما تحبون، فإذا فعلتم ذلك، نالكم بري وعطفي. (وما تنفقوا من شئ فإن الله به عليم) جاء بالفاء على جواب الشرط، وإن كان الله يعلم ذلك على كل حال. وفيه وجهان أحدها: إن تقديره: وما تنفقوا من شئ فإن الله يجازيكم به، قل أو كثر، لأنه عليم لا يخفى عليه شئ منه. والآخر: إن تقديره: فإنه يعلمه الله موجودا على الحد الذي تفعلونه من حسن النية أو قبحها. فإن قيل: كيف قال سبحانه (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) والفقير ينال الجنة، وإن لم ينفق ؟ قيل: الكلام خرج مخرج الحث على الإنفاق، وهو مقيد بالإمكان. وإنما أطلق على سبيل المبالغة في الترغيب. والأولى أن يكون المراد: لن تنالوا البر الكامل الواقع على أشرف الوجوه، حتى تنفقوا مما تحبون. وروي عن ابن عمر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " سئل عن هذه الآية فقال: " هو أن ينفق العبد المال وهو شحيح يأمل الدنيا، ويخاف الفقر ". النظم: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنه لما ذكر في الآية الأولى (لن يقبل من أحدهم مل ء الأرض ذهبا) وصل ذلك بقوله: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا) لئلا يؤدي امتناع غناء الفدية إلى الفتور في الصدقة، وما جرى مجراها من وجوه الطاعة.


(1) أي: لا يستشيرك. (*)

[ 344 ]

(كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين [ 93 ] فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون [ 94 ]). اللغة: الإفتراء: اقتراف الكذب، وأصله قطع ما قدر من الأديم (1) يفريه فريا: إذا قطعه. وعلى: للإستعلاء ومعناه هنا: إضافة الكذب إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من جهة أنه أمر بما لم يأمر به الله، وأوجب ما لم يوجبه الله. وفرق بين من كذب عليه، وكذب له، لأن من كذب عليه يفيد أنه ككذب فيما يكرهه، وكذب له يجوز أن يكون فيما يريده. النزول: أنكر اليهود تحليل النبي لحوم الإبل، فقال: كل ذلك كان حلا لإبراهيم. فقالت اليهود: كل شي تحرمه فإنه محرم على نوح وإبراهيم وهلم جرا، حتى انتهى إلينا. فنزلت الآية، عن الكلبي وأبي روق. المعنى: (كل الطعام) أي: كل المأكولات (كان حلا) أي: كان حلالا (لبني إسرائيل) وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (إلا ما حرم إسرائيل) أي: يعقوب (على نفسه) اختلفوا في ذلك الطعام فقيل: إن يعقوب أخذه وجع العرق الذي يقال له عرق النسا، فنذر إن شفاه الله أن يحرم العروق، ولحوم الإبل، وهو أحب الطعام إليه، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. وقيل: حرم إسرائيل على نفسه لحم الجزور تعبدا لله تعالى، وسأل الله أن يجيز له. فحرم الله ذلك على ولده، عن الحسن. وقيل، حرم زائدتي الكبد، والكليتين، والشحوم، إلا ما حملته الظهور، عن عكرمة. واختلف في أنه كيف حرمه على نفسه فقيل: بالإجتهاد. وقيل: بالنذر. وقيل: بنص ورد عليه. وقيل: حرمه كما يحرمه المستظهر في دينه من الزهاد، اللذة على نفسه (من قبل أن تنزل التوراة) معناه: إن كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل، قبل أن تنزل التوراة على موسى، فإنها تضمنت تحريم بعض ما كان حلالا لبني إسرائيل. واختلفوا فيما حرم عليهم، وحالها بعد نزول التوراة، فقيل: إنه حرم


(1) [ يقال فرى الأديم ]. (*)

[ 345 ]

عليهم ما كانوا يحرمونه قبل نزولها اقتداء بأبيهم يعقوب " عليه السلام " عن السدي. وقيل: لم يحرم الله عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم، وكانت بنو إسرائيل إذا إذا أصابوا ذنبا عظيما حرم الله عليهم طعاما طيبا، وصب عليهم رجزا من الموت، وذلك قوله (فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم) عن الكلبي. وقيل: لم يكن شئ من ذلك حراما عليهم في التوراة، وإنما هو شئ حرموه على أنفسهم اتباعا لأبيهم، وأضافوا تحريمه إلى الله تعالى، عن الضحاك. فكذبهم الله وقال (قل) يا محمد: (فأتوا بالتوراة فاتلوها) حتى يتبين أنه كما قلت، لا كما قلتم (إن كنتم صادقين) في دعواكم. فاحتج عليهم بالتوراة، وأمرهم بالإتيان بها، وإن لم يقرأوا ما فيها. فإن كان في التوراة أنها كانت حلالا للأنبياء وإنما حرمها إسرائيل، فلم يجسروا على إتيان التوراة لعلمهم بصدق النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وبكذبهم. وكان ذلك دليلا ظاهرا على صحة نبوة نبينا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، إذ علم بأن في التوراة ما يدل على كذبهم من غير تعلم التوراة وقراءتها. (فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك) أي: فمن افترى الكذب على الله تعالى من بعد قيام الحجة، وظهور البينة. (فأولئك) هم المفترون على الله الكذب، و (هم الظالمون) لأنفسهم بفعل ما أوجب العقاب عليهم. وإنما قال (من بعد ذلك)، مع أنه يستحق الوعيد بالكذب على الله على كل حال، لأنه أراد بيان أنه إنما يؤاخذ به بعد إقامة الحجة عليه، من كذب فيما ليس بمحجوج فيه، جرى مجرى الصبي الذي لا يستحق الوعيد بكذبه. النظم: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها أنها تفصيل للجملة المتقدمة، فإنه ذكر الترغيب في الإنفاق من المحبوب والطعام مما يجب، فرغب فيه، وذكر حكمه، عن علي بن عيسى. وقيل: إنه لما تقدم محاجتهم في ملة إبراهيم، وكان فيما أنكروا على نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " تحليل لحم الجزور، وادعوا تحريمه على إبراهيم " عليه السلام "، وأن ذلك مذكور في التوراة، فأنزل الله هذه الآية تكذيبا لهم.. (قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين [ 95 ]). اللغة: الإتباع: لحاق الثاني بالأول لما به من التعلق فالقوة للأول، والثاني يستمد منه. والتابع: ثان متدبر بتدبير الأول، متصرف بتصرفه في نفسه. وأصل

[ 346 ]

الحنيف: الإستقامة، وإنما وصف المائل القدم بأحنف تفاؤلا. وقيل: أصله الميل. فالحنيف: هو المائل إلى الحق فيما كان عليه إبراهيم من الشرع. المعنى: ثم بين تعالى أن الصدق فيما أخبر به، فقال: (قل صدق الله) في أن (كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه) وفي أن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " على دين إبراهيم، وأن دينه الإسلام. (فاتبعوا ملة إبراهيم) في استباحة لحوم الإبل وألبانها. (حنيفا) أي: مستقيما على الدين الذي هو شريعته في حجه، ونسكه، وطيب مأكله، وتلك الشريعة هي الحنيفية. وقيل: مائلا عن سائر الأديان الباطلة إلى دين الحق. (وما كان من المشركين) برأ الله تعالى إبراهيم مما كان ينسبه اليهود والنصارى إليه بزعمهم أنهم على دينه، وكذلك مشركوا العرب. وأخبر أن إبراهيم كان بريئا من المشركين ودينهم. والصحيح أن نبينا " صلى الله عليه وآله وسلم " لم يكن متعبدا بشريعة من تقدم من الأنبياء، ولكن وافقت شريعته شريعة إبراهيم، فلذلك قال: (فاتبعوا ملة إبراهيم) وإلا فالله تعالى هو الذي أوحى بها إليه، وأوجبها عليه، وكانت شريعة له، وإنما رغب الله في شريعة الإسلام بأنها ملة إبراهيم، لأن المصالح إذا وافقت ما تسكن إليه النفس، ويقبله العقل بغير كلفة، كانت أحق بالرغبة فيها. وكان المشركون يميلون إلى اتباع ملة إبراهيم " عليه السلام " فلذلك خوطبوا بذلك. (إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين [ 96 ] فيه ءايات بينات مقام إبراهيم من دخله كان ءامنا ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين [ 97 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير أبي بكر وأبي جعفر: (حج البيت) بكسر الحاء والباقون بفتحها. الحجة: قال سيبويه: حج حجا مثل ذكر ذكرا، فحج على هذا: مصدر فهذا حجة لمن كسر الحاء. وقال أبو زيد: الحجج السنون، واحدتها حجة. قال أبو علي: يدل على ذلك قوله (ثماني حجج). قال: الحجة من حج البيت الواحدة. قال سيبويه: قالوا حجة أرادوا عمل سنة، ولم يجيئوا بها على الأصل، ولكنه اسم

[ 347 ]

له. فقوله: لم يجيئوا بها على الأصل أراد أنه للدفعة من الفعل، ولكن كسروه فجعلوه إسما لهذا المعنى، كما قالوا غزاة لعمل وجه واحد، ولم يجئ فيه الغزوة، وكان القياس. اللغة: أول الشئ: ابتداؤه. ويجوز أن يكون المبتدأ له آخر، ويجوز أن لا يكون آخر له، لأن الواحد أول العدد ولا نهاية لآخره. ونعيم أهل الجنة، له أول، ولا نهاية له. وأصل بكة: البك وهو الزحم، يقال بكه يبكه بكا: إذا رحمه. ويباك الناس: إذا ازدحموا. فبكة: مزدحم الناس للطواف، وهو ما حول الكعبة من داخل المسجد الحرام. وقيل: سميت بكة لأنها تبك أعناق الجبابرة إذا ألحدوا فيها بظلم، ولم يمهلوا. والبك: دق العنق. وأما مكة فيجوز أن يكون اشتقاقها كاشتقاق بكة، وإبدال الميم من الباء، كقوله: ضربة لازب ولازم. ويجوز أن يكون من قولهم: أمتك الفصيل ما في ضرع الناقة: إذا مص مصا شديدا، حتى لا يبقى منه شئ. ومك المشاش مكا: إذا تمشش بفيه، فسميت مكة بذلك لقلة مائها. وأصل البركة: الثبوت من قولهم: برك وبروكا، أو بركا: إذا ثبت على حاله. فالبركة: ثبوت الخير بنموه. ومنه البركة: شبه الحوض، يمسك الماء لثبوته فيه. ومنه قول الناس: تبارك الله لثبوته، لم يزل، ولا يزال وحده. الاعراب: قوله تعالى (مباركا) نصب على الحال بالظرف من (ببكة) على معنى الذي استقر (ببكة مباركا). ويجوز أن يكون من الضمير في (وضع) كأنه قيل: وضعا مباركا. وعلى هذا يجوز أن يكون قد وضع قبله بيت، ولا يجوز في التقدير الأول. وأما رفع (مقام إبراهيم): فلأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره هي مقام إبراهيم، عن الأخفش. وقيل: هو بدل من (آيات)، عن أبي مسلم. و (من استطاع إليه سبيلا): في موضع جر بدلا من (الناس)، وهو بدل البعض من الكل. النزول: قال مجاهد: تفاخر المسلمون واليهود، فقالت اليهود: بيت المقدس أفضل وأعظم من الكعبة، لأنه مهاجر الأنبياء، والأرض المقدسة. وقال المسلمون: بل الكعبة أفضل، فأنزل الله تعالى: (إن أول بيت). المعنى: (إن أول بيت وضع للناس) أي: بني للناس، ولم يكن قبله بيت مبني. وإنما دحيت الأرض من تحتها، وهو أول بيت ظهر على وجه الماء عند خلق

[ 348 ]

الله تعالى السماء والأرض من تحتها، وهو خلقه الله قبل الأرض بألفي عام، وكانت زبدة بيضاء على الماء، عن مجاهد، وقتادة، والسدي. وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: إنها كانت مهاة بيضاء - يعني درة بيضاء -. وروى أبو خديجة عنه " عليه السلام " قال: إن الله أنزله لآدم من الجنة، وكان درة بيضاء، فرفعه الله تعالى إلى السماء، وبقي رأسه وهو بحيال هذا البيت، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يرجعون إليه أبدا. فأمر الله تعالى إبراهيم " عليه السلام " وإسماعيل " عليه السلام " ببنيان البيت على القواعد. وقيل: معناه إن أول بيت وضع للعبادة، ولم يكن قبله بيت يحج إليه إلا البيت الحرام. وقد كانت قبله بيوت كثيرة، ولكنه أول بيت مبارك وهدى وضع للناس، عن علي " عليه السلام " والحسن. وقيل: أول بيت رغب فيه، وطلب منه البركة، مكة، عن الضحاك. وروى أصحابنا: إن أول شئ خلقه الله من الأرض، موضع الكعبة، ثم دحيت الأرض من تحتها. وروى أبو ذر أنه سئل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " عن أول مسجد وضع للناس، فقال: المسجد الحرام، ثم بيت المقدس. (للذي ببكة) قيل: بكة المسجد، ومكة الحرام كله، يدخل في البيوت، عن الزهري، وضمرة بن ربيعة، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام ". وقيل: بكة بطن مكة، عن أبي عبيدة. وقيل: بكة موضع البيت والمطاف، ومكة اسم البلدة، وعليه الأكثر. وقيل: بكة هي مكة والعرب، تبدل الباء ميما مثل: سبد رأسه، وسمده، عن مجاهد، والضحاك (مباركا): يعني كثير الخير والبركة. وقيل: مباركا لثبوت العبادة فيه دائما، حتى يحكى على أن الطواف به لا ينقطع أبدا. وقيل: لأنه يضاعف فيه ثواب العبادة، عن ابن عباس، ورووا فيه حديثا طويلا. وقيل: لأنه يغفر فيه الذنوب. ويجوز حمله على الجميع، إذ لا تنافي. (وهدى للعالمين) أي: دلالة لهم على الله تعالى لإهلاكه كل من قصده من الجبابرة، كأصحاب الفيل وغيرهم، وباجتماع الظبي في حرمه مع الكلب والذئب، فلا ينفر عنه مع نفرته عنه في غيره من البلاد، وبانمحاق الجمار على كثرة الرماة، فلولا أنها ترفع لكان يجتمع هناك من الحجارة مثل الجبال، وباستئناس الطيور فيه بالناس، وباستشفاء المريض بالبيت، وبأن لا يعلوه طير إعظاما له، إلى غير ذلك من الدلالات. وقيل: معناه أنهم يهتدون به إلى جهة صلاتهم، أو يهتدون إلى الجنة

[ 349 ]

بحجه وطوافه (فيه آيات بينات) أي: دلالات واضحات. والهاء في (فيه): عائد إلى البيت. وروي عن ابن عباس أنه قرأ فيه آية بينة. (مقام إبراهيم) فجعل مقام إبراهيم وحده هو الآية. وقال: أثر قدميه في المقام آية بينة. والأول عليه القراء. والمفسرون أرادوا مقام إبراهيم، والحجر الأسود، والحطيم، وزمزم، والمشاعر كلها، وأركان البيت، وازدحام الناس عليها، وتعظيمهم لها. وقد مضى ذكر مقام إبراهيم في سورة البقرة. وسئل الصادق " عليه السلام " عن الحطيم فقال ؟ هو ما بين الحجر الأسود والباب. قيل: ولم سمي الحطيم ؟ قال: لأن الناس يحطم بعضهم بعضا، وهو الموضع الذي فيه تاب الله على آدم. وقال " عليه السلام ": إن تهيأ لك أن تصلي صلاتك كلها الفرائض وغيرها عند الحطيم، فافعل، فإنه أفضل بقعة على وجه الأرض، وبعده الصلاة في الحجر أفضل. وروي عن أبي حمزة الثمالي قال: قال لنا علي بن الحسين: أي البقاع أفضل ؟ فقلنا: الله تعالى ورسوله وابن رسوله أعلم. فقال لنا: أفضل البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يصوم النهار، ويقوم الليل، في ذلك المكان، ثم لقي الله تعالى بغير ولايتنا، لا ينفعه ذلك شيئا. وقال الصادق " عليه السلام ": الركن اليماني بابنا الذي ندخل منه الجنة. وروي أنه من روي من ماء زمزم، أحدث له به شفاء، وصرف عنه داء قال المفسرون ومن تلك الآيات مقام إبراهيم " عليه السلام "، وأمن الداخل فيه، وأمن الوحوش من السباع الضارية، وأنه ما علا عبد على الكعبة إلا عتق، وإذا كان الغيث من ناحية الركن اليماني، كان الخصب باليمن، وإذا كان من ناحية الركن الشامي، كان الخصب بالشام، وإذا عم البيت كان في جميع البلدان، وسائر ما ذكرناه قبل، من الآيات. وقوله: (ومن دخله كان آمنا) عطف على مقام إبراهيم. وفي مقام إبراهيم دلالة واضحة، لأنه حجر صلد، يرى فيه أثر قدميه، ولا يقدر أحد أن يجعل الحجر كالطين إلا الله. وروي عن ابن عباس أنه قال: إن الحرم كله مقام إبراهيم، ومن دخل مقام إبراهيم يعني الحرم كان آمنا. وقيل: فيه أقوال أحدها: إن الله عطف قلوب العرب في الجاهلية على ترك التعرض لمن لاذ بالحرم، والتجأ إليه، وإن كثرت جريمته، ولم يزده الإسلام إلا شدة، عن الحسن وثانيها: إنه خبر، والمراد

[ 350 ]

به الأمر، ومعناه: إن من وجب عليه حد، فلاذ بالحرم، لا يبايع ولا يشارى ولا يعامل حتى يخرج من الحرم، فيقام عليه الحد، عن ابن عباس، وابن عمر، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام "، وأبي عبد الله " عليه السلام ". وعلى هذا يكون تقديره: ومن دخله فأمنوه. وثالثها: إن معناه من دخله عارفا بجميع ما أوجبه الله عليه، كان آمنا في الآخرة من العذاب الدائم، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام ". وأجمعت الأمة على أن من أصاب فيه ما يوجب الحد، أقيم عليه الحد فيه. ثم لما بين الله فضيلته بيته الحرام، عقبه بذكر وجوب حجة الإسلام، فقال: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا) ومعناه: ولله على من استطاع إلى حج البيت سبيلا من الناس، حج البيت أي: من وجد إليه طريقا بنفسه وماله. واختلف في الإستطاعة فقيل: هي الزاد والرحلة، عن ابن عباس وابن عمر. وقيل: ما يمكنه معه بلوغ مكة بأي وجه يمكن، عن الحسن، ومعناه القدرة على الوصول إليه، والمروي عن أئمتنا أمه وجود الزاد والراحلة، ونفقة من يلزمه نفقته، والرجوع إلى كفاية إما من مال أو ضياع أو حرفة، مع الصحة في النفس، وتخلية السرب من الموانع، وإمكان السير (ومن كفر) معناه: ومن جحد فرض الحج، ولم يره واجبا، عن ابن عباس والحسن. (فإن الله غني عن العالمين) لم يتعبدهم بالعبادة لحاجته إليها، وإنما تعبدهم بها لما علم فيها من مصالحهم. وقيل: إن المعني به اليهود، فإنه لما نزل قوله (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه) قالوا: نحن مسلمون، فأمروا بالحج فلم يحجوا، وعلى هذا يكون معنى (من كفر): من ترك الحج من هؤلاء فهو كافر. و (الله غني عن العالمين). وقيل: المراد به كفران النعمة، لأن امتثال أمر الله شكر لنعمته. وقد روي عن أبي أمامة، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " من لم يحبسه حاجة ظاهرة من مرض حابس، أو سلطان جائر، ولم يحج، فليمت إن شاء يهوديا وإن شاء نصرانيا ". وروي عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " " الحج والعمرة ينفيان الفقر والذنوب، كما ينفي الكير خبث الحديد ". وفي هذه الآية دلالة على فساد قول من قال: إن الإستطاعة مع الفعل، لأن الله أوجب الحج على المستطيع، ولم يوجب على غير المستطيع، وذلك لا يمكن إلا قبل فعل الحج.

[ 351 ]

النظم: وجه اتصال الاية بما قبلها أن الله تعالى أمر أهل الكتاب باتباع ملة إبراهيم، ومن ملته تعظيم بيت الله الحرام، فذكر تعالى البيت وفضله وحرمته، وما يتعلق به في قوله (إن أول بيت وضع للناس). (قل يأهل الكتب لم تكفرون بئايت الله والله شهيد على ما تعملون (98) قل يأهل الكتب لم تصدون عن سبيل الله من ءامن تبغونها عوجا وأنتم شهداء وما الله بغفل عما تعملون (99)). اللغة: البغية: الطلب. يقال: بغيت الشئ أبغيه. قال عبد بني الحسحاس: بغاك وما تبغيه، حتى وجدته، كأنك قد واعدته أمس موعدا أي: طلبك وما تطلبه. ويقال: إبغني بكذا بسكر الهمزة أي: اطلبه لي. وأصله إبغ لي، فحذفت اللام لكثرة الاستعمال. وإذا قلت: أبغني بفت الهمزة فمعناه: أعني على طلبه، ومثله إحملني واحمل لي، واحلب لي واحلبني أي: أعني على الحلبة. والعوج بفتح العين: ميل كل شئ منتصب نحو القناة والحائط. وبكسر العين: هو الميل عن طريق الاستواء في طريق الدين، وفي القول وفي الارض ومنه قوله: (لا ترى فيه عوجا ولا أمتا). الاعراب: (من آمن): في موضع نصب بأنه مفعول (تصدون). والكناية في قوله (تبغونها) راجعة إلى السبيل. المعنى: ثم عاد سبحانه الكلام إلى حجاج أهل الكتاب، فقال مخاطبا للنبي يأمره بخطاب اليهود والنصارى. وقيل: اليهود خاصة (قل يا أهل الكتاب) أي: قل يا محمد لهم: (لم تكفرون بآيات الله) أي: بالمعجزات التي أتاها محمد صلى الله عليه وآله وسلم، والعلامات التي وافقت في صفته ما تقدمت البشارة به. وسماهم أهل الكتاب، وإن لم يعملوا به، ولم يجز مثل ذلك في أهل القرن، لوجهين أحدهما: إن القرآن إسم خاص لكتاب الله تعالى، وأما الكتاب فلا ينبي عن ذلك، بل يجوز أن يراد به: يا أهل الكتاب المحرف عن وجهته. والثاني: الاحتجاج عليهم بالكتاب لاقرارهم به، فكأنه قيل: يا من يقر بأنه من أهل كتاب الله ! لم تكفرون بآيات الله ؟ واللفظ لفظ الاستفهام، والمراد به التوبيخ. وإنما جاز التوبيخ على لفظ الاستفهام، من حيث إنه

[ 352 ]

سؤال يعجز عن إقامة العذر، فكأنه قال هاتوا العذر في ذلك إن أمكنكم (والله شهيد على ما تعملون) أي: حفيظ على أعمالكم، محض لها، ليجازيكم عليها. قيل معناه: مطلع عليها، عالم بها، مع قيام الحجة عليكم فيها. وقال عز اسمه في هذا الوضع: (قل يا أهل الكتاب) في موضع آخر: (يا أهل الكتاب)، لانه تعالى خاطبهم في موضع على جهة التلطف في استدعائهم (1) إلى الايمان، وأعرض عن خطابهم في موضع آخر، وأمر سبحانه نبيه استخفافا بهم لصدهم عن الق. (قل) يا محمد: (يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن) أي: لم تمنعون المؤمنين عن دين الاسلام الذي هو دين الله وسبيله. واختلف في كيفية صدهم عن سبيل الله فقيل: إنهم كانوا يغرون بين الاوس والخزرج بتذكيرهم الحربو التي كانت بينهم في الجاهلية، حتى تدخلهم الحمية والعصبية، فينسلخون عن الدين، عن زيد بن أسلم. فعلى هذا يكون الاية في اليهود خاصة. وقيل: الاية في اليهود والنصارى ومعناه: لم تصدون بالتكذيب بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأن صفته ليست في كتبكم، عن الحسن. وقيل: بالتحريف والبهت، عن الاصم. (تبغونها عوجا) أي: تطلبون لسبيل الله عوجا عن سمت الحق، وهو الضلال، فكأنه قال: تبغونها ضلالا بالشبه التي تدخلونها على الناس. وقيل: معناه تطلبون ذلك السبيل لا على وجه الاستقامة أي على غير الوجه الذي ينبغي أن يطلب. وقوله: (وأنتم شهداء) فيه قولان أحدهما: إن معناه أنتم شهداء بتقديم البشارة بمحمد في كتبكم، فكيف تصدون عنه من يطلبه، وتريدون عدوله عنه. والاخر: إن المراد: وأنتم عقلاء كما قال: (أو ألقى السمع وهو شهيد) أي: عاقل، وذلك أنه يشهد الذي يميز به بين الحق والباطل، فيما يتعلق بالدين. (وما الله بغافل عما تعملون) هذا تهديد لهم على الكفر. (يأيها الذين ءامنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتب يردوكم بعد إيمنكم كفرين (100) وكيف تكفرون وأنتم تتلى عليكم ءايت الله وفيكم

[ 353 ]

رسوله ومن يعتصم بالله فقد هدى إلى صرط مستقيم (101)). اللغة: الطاعة: موافقة الارادة الجاذبة للفعل بالترغيب فيه والاجابة: موافقة الارادة الداعية إلى الفعل. ولذلك يجوز أن يكون الله مجيبا إلى عبده إذا فعل ما دعا العبد به. ولم يجز أن يكون مطيعا له. وأصل الاعتصام: الامتناع. وعصمه يعصمه: إذا منعه. (لا عاصم اليوم من أمر الله) أي: ولا مانع. والعصام: الحبل لانه يعتصم به. والعصم: الاوعال لامتناعها بالحبال. النزول: نزلت في الاوس والخزرج لما أغرى قوم من اليهود بينهم بذكر حروبهم في الجاهلية، ليفتنوهم عن د ينهم، عن زيد بن أسلم والسدي. وقيل: نزل قوله: (وكيف تكفرون) في مشركي العرب، عن الحسن. المعنى: ثم حذر المؤمنين عن قبول قولهم، فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله، وهو خطاب للاوس والخزرج، ويدخل غيرهم من المؤمنين في عموم اللفظ. (إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب) معناه: إن تطيعوا هؤلاء اليهود في قبول قولهم، وإحياء الضغائن التي كانت بينكم في الجاهلية (يردوكم بعد إيمانكم كافرين) أي: يرجعوكم كفارا بعد إيمانكم. ثم أكد تعالى الامر وعظم الشأن فقال: (وكيف تكفرون) أي: وعلى أي حال يقع منكم الكفر (وأنتم تتلى عليكم آيات الله) وهذا استبعاد أن يقع منهم الكفر مع معرفتهم بآيات الله، وفيهم داع يدعوهم إلى الايمان. وقيل: هو على التعجيب أي: لا ينبغي لكم أن تكفرون مع ما يقرأ عليكم في القرآن المجيد، من الايات الدالة على وحدانية الله ونبوة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم. (وفيكم رسوله) يعني محمدا ترون معجزاته. والكفر إن كان فظيعا في كل حال، فهو في مثل هذه الحالة أفظع. ويجوز أن يكون المراد بقوله: (وفيكم رسوله): القوم الذين كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أظهرهم خاصة. ويجوز أن يكون المراد به جميع أمته، لان آثاره وعلاماته من القرآن وغيره فينا قائمة باقية، وذلك بمنزلة وجوده فينا حيا. (ومن يعتصم بالله) أي: يتمسك بكتابه وآياته وبدينه. وقيل: من يمتنع بالله عمن سواه، بأن يعبده لا يشرك به شيئا. وقيل: من يمتنع عن الكفر والهلاك بالايمان بالله

[ 354 ]

وبرسوله، (فقد هدي إلى صراط مستقيم) أي: إلى طريق واضح. قال قتادة: في هذه الاية علمان بينان: كتاب الله، ونبي الله. فأما نبي الله فقد مضى وأما كتاب الله فأبقاه الله بين أظهركم رحمة منه ونعمة، فيه حلاله وحرامه، وطاعته ومعصيته. وقيل: إنهم قد شاهدوا في نفسه صلى الله عليه وآله وسلم معجزات كثيرة منها أنه كان يرى من خلقه كما يرى من قدامه. ومنها أنه كان ينام عينه، ولا ينام قلبه. ومنها أن ظله لم يقع على الارض. ومنها أن الذباب لم يقع عليه. ومنها أن الارض كانت تبتلع ما يخرج منه، وكان لا يرى له بول، ولا غائط. ومنها أنه كان لا يطوله أحد وإن طال. ومنها أنه كان بين كتفيه خاتم النبوة. ومنها أنه كان إذا مر بموضع يعلمه الناس لطيبه. ومنها أنه كان يسطع نور من جبهته في الليلة المظلمة. ومنها أنه قد ولد مختونا. إلى غير ذلك من الايات. (يأيها الذين ءامنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (102) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخونا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم ءايته لعلكم تهتدون (103)). اللغة: تقاة: من وقيت. قال الزجاج: يجوز فيه ثلاثة أوجه تقاة ووقاة وأقاة، حمله على قياس وجوه وأجوه. وإن كان هذا المثال لم يجئ منه شئ على الاصل نحو: تخمة وتكاة. غير أنه حمله على الاكثر من نظائره. والحبل: السبب الذي يوصل به إلى البغية، كالحبل الذي يتمسك به للنجاة من بئر، أو نحوها. ومنه الحبل للامان، لانه سبب النجاة. قال الاعشى: وإذا تجوزها حبال قبيلة أخذت من الاخرى إليك حبالها (1) ومنه الحبل للحمل في البطن. وأصل الحبل: المفتول. قال ذو الرمة:


(1) أي: إذا فاتها الامان من قبيلة، توصلت إليك لامان الاخرى. (*)

[ 355 ]

هل حبل خرقاء (1) بعد اليوم مرموم ؟ أم هل لها آخر الايام تكليم ؟ وشفا الشئ مقصور: حرفه، ويثنى شفوان، وجمعه أشفاء. وأشفى على الشئ: أشرف عليه. وأشفى المريض على الموت من ذلك. الاعراب: قوله (وأنتم تعلمون): جملة في موضع الحال. وقوله: (جميعا) نصب على الحال أيضا أي: واعتصموا في حال اجتماعكم أي: كونوا مجتمعين على الاعتصام لا تفرقوا، أصله أي: لا تتفرقوا. فحذف أحد التاءين كراهة لاجتماع المثلين والمحذوفة الثانية، لان الاولى علامة للاستقبال، وهو مجزوم بالنهي. وعلامة الجزم سقوط النون. وقوله تعالى: (فأنقذكم منها) الكناية في (منها): عادت إلى الحفرة. وترك (شفا). ومثله قول العجاج: طول الليالي أسرعت في نقضي، طوين طولي، وطوين عرضي فترك الطول، وأخبر عن الليالي. النزول: قال مقاتل: افتخر رجلان من الاوس والخزرج: ثعلبة بن غنم من الاوس، وأسعد بن زرارة من الخزرج، فقال الاوسي: منا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، ومنا حنظلة غسيل الملائكة، ومنا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين، ومنا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمن له، ورضي الله بحكمه في بني قريظة. وقال الخزرجي: منا أربعة أحكموا القرآن: أبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد، ومنا سعد بن عبادة خطيب الانصار ورئيسهم. فجرى الحديث بينهما، فغضبا وتفاخرا وناديا. فجاء الاوس إلى الاوسي، والخزرج إلى الخزرجي، ومعهم السلاح. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فركب حمارا وأتاهم. فأنزل الله هذه الايات، فقرأها عليهم فاصطلحوا. المعنى: لما نهى تعالى عن قبول أقوال الكافرين، بين في هذه الاية ما يجب قبول فقال: (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته) معناه: اتقوا عذاب الله أي: احترسوا وامتنعوا بالطاعة من عذاب الله، كما يحق. فكما يجب أن يتقى، ينبغي أن يحترس منه. وذكر في قوله (حق تقاته) وجوه أحدهما: إن معناه أن يطاع فلا يعصى،


(1) الخرقاء: حاصبة ذي الرمة: رم البناء والامر أصله. (*)

[ 356 ]

ويشكر فلا يكفر، ويذكر فلا ينسى، عن ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وثانيها: إنه اتقاء جميع معاصيه، عن أبي علي الجبائي وثالثها: إنه المجاهدة في الله تعالى، وأن لا تأخذه فيه لومة لائم، وأن يقام له بالقسط في الخوف والامن، عن مجاهد. ثم اختلف فيه أيضا على قولين أحدهما: إنه منسوخ بقوله (فاتقوا الله ما استطعتم)، عن قتادة والربيع والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله والاخر: إنه غير منسوخ، عن ابن عباس وطاووس. وأنكر الجبائي نسخ الاية لما فيه من إباحة بعض المعاصي، قال الرماني: والذي عندي أنه إذا وجه قوله (واتقوا الله حق تقاته) على أن يقوموا له بالحق في الخوف والامن، لم يدخل عليه ما ذكره أبو علي، لانه لا يمتنع أن يكون أوجب عليهم أن يتقوا الله على كل حال، ثم أباح ترك الواجب عند الخوف على النفس، كما قال (إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان). وقوله: (ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) وقد ذكرنا في سورة البقرة أن معناه لا تتركوا الاسلام، وكونوا عليه، حتى إذا ورد عليكم الموت، صادفكم عليه. وإنما كان بلفظ النهي عن الموت، من حيث أن الموت لا بد منه، وإنما النهي في الحقيقة عن ترك الاسلام، لان لا يهلكوا بالانقطاع عن التمكن منه بالموت، إلا أنه وضع كلام موضوع كلام على جهة التصرف والابدال بحسن الاستعارة وزوال اللبس. وروي عن أبي عبد الله عليه السلام (وأنتم مسلمون) بالتشديد، ومعناه: مستسلمون لما أتى به النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مقادون له. (واعتصموا بحبل الله) أي: تمسكوا به. وقيل: امتنعوا به من غيره. وقيل في معنى حبل الله أقوال أحدها: إنه القرآن، عن أبي سعيد الخدري وعبد الله وقتادة والسدي، ويروى ذلك مرفوعا. وثانيها: إنه دين الله الاسلام، عن ابن عباس وأبي زيد وثالثها: ما رواه ابان بن تغلب عن جعفر بن محمد عليه السلام قال: نحن حبل الله الذي قال: (واعتصموا بحبل الله جميعا). والاولى حمله على الجميع. والذي يؤيده ما رواه أبو سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أيها الناس ! إني قد تركت فيكم حبلين إن أخذتم بهما، لن تضلوا بعدي، أحدهما أكبر من الاخر: كتاب الله، حبل ممدود من السماء إلا الارض، وعترتي أهل بيتي، ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا عليي الحوض. (ولا تفرقوا) معناه: ولا تتفرقوا عندين الله الذي

[ 357 ]

أمركم فيه بلزوم الجماعة، والائتلاف على الطاعة، واثبتوا عليه، عن ابن مسعود وقتادة. وقيل: معناه لا تتفرقوا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، عن الحسن وقيل: عن القرآن بترك العمل به. (واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم) قيل: أراد ما كان بين الاوس والخزرج، من الحروب التي تطاولت مائة وعشرين سنة، إلى أن ألف الله بين قلوبهم بالاسلام، فزالت تلك الاحقاد، عن ابن عباس. وقيل: هو ماكان بين مشركي العرب من الطوائل، عن الحسن. والمعنى: إحفظوا نعمة الله ومنته عليكم بالاسلام، وبالائتلاف، ورفع ما كان بينكم من التنازع والاختلاف، فهذا هو النفع الحاصل لكم في العاجل، مع ما أعد لكم من الثواب الجزيل في الاجل، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم بجمعكم على الاسلام، ورفع البغضاء والشحناء عن قلوبكم. (فأصبحتم بنعمته) أي: بنعمة الله (إخوانا) متواصلين، وأحبابا متحابين بعد أن كنتم متحاربين متعادين، وصرتم بحيث يقصد كل واحد منكم مراد الاخرين، لان أصل الاخ من توخيت الشئ: إذا قصدته وطلبته. (وكنتم على شفا حفرة من النار) أي: وكنتم يا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم على طرف حفرة من جهنم، لم يكن بينها وبينكم إلا ا لموت، فأنقذكم الله منها بأن أرسل إليكم رسولا، وهداكم للايمان، ودعاكم إليه، فنجوتم بإجابته من النار. وإنما قال (فأنقذكم منها) وإن لم يكونوا فيها، لانهم كانوا بمنزلة من هو فيها، من حيث كانوا مستحقين لدخولها. قال أبو الجوزاء: قرأ ابن عباس (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها)، واعرابي يسمع، فقال: والله ما أنفذهم منها، وهو يريد أن يقحمهم فيها ! فقال ابن عباس: اكتبوها من غير فقيه. (كذلك يبين الله لكم آياته) أي: مثل البيان الذي تلي عليكم، يبين الله لكم الايات أي: الدلالات والحجج فيما أمركم به، ونهاكم عنه، (لعلكم تهتدون) أي: لكي تهتدوا إلى الحق والصواب. (ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون (104) ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينت وأولئك لهم عذاب عظيم (105)).

[ 358 ]

اللغة: الامة: اشتقاقها من الام الذي هو القصد. في اللغة تستعمل على ثمانية أوجه منها: الجماغعة. ومنها: أتباع الانبياء لاجتماعهم على مقصد واحد. ومنها. القدوة لانه يأتم به الجماعة. ومنها: الدين والملة كقوله (إنا وجدنا آباءنا على أمة). ومنها: الحين والزمان. كقوله تعالى: (وادكر بعد أمة) و (إلى أمة معدودة). ومنها: القامة يقال رجل حسن الامة أي: القامة. ومنها: النعمة. ومنها: الامة بمعنى الام. الاعراب: (منكم أمة) من هاهنا: للتبعيض على قول أكثر المفسرين، لان الامر بالمعروف، وإنكار المنكر، ليسا بفرضين على الاعيان، وهما من فروض الكفايات. فأي فرقة قامت بهما سقطا عن الباقين. ومن قال: إنهما من فروض الاعيان، قال: إن (من) ههنا للتبيين ولتخصيص المخاطبة دون سائر الاجناس، كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان)، وقول الشاعر: أخو رغائب يعطيها ويسلبها، يأبى الظلامة منه النوفل الزفر (1) لانه وصفه بإعطاء الرغائب. والنوفل: الكثير الاعطاء. الزفر: الذي يحمل الاثقال. المعنى: (ولتكن منكم أمة) أي: جماعة (يدعون إلى الخير) أي: إلى الدين (ويأمرون بالمعروف) أي: بالطاعة (وينهون عن المنكر) أي: عن المعصية (وأولئك هم المفلحون) أي: الفائزون. وقيل: كل ما أمر الله ورسوله به، فهو معروف، وما نهى الله ورسوله عنه، فهو منكر. وقيل: المعروف: ما يعرف حسنه عقلا أو شرعا. والمنكر: ما ينكره العقل أو الشرع. وهذا يرجع في المعنى إلى الاول. ويروى عن أبي عبد الله عليه السلام: (ولتكن منكم أئمة)، و (كنتم خير أئمة أخرجت للناس). وفي هذه الاية دلالة على وجوب الامر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وعظم موقعهما ومحلهما من الدين، لانه تعالى علق الفلاح بهما. وأكثر المتكلمين على أنهما من فروض الكفايات. ومنهم من قال: إنهما من فروض الاعيان، واختاره الشيخ أبو جعفر (ره).


(1) قائله الاعشى. الرغائب جمع الرغيبه: العطاء الكثير. (*)

[ 359 ]

والصحيح أن ذلك إنما يجب في السمع، وليس في العقل ما يدل على وجوبه، إلا إذا كان على سبيل دفع الضرر. وقال أبو علي الجبائي: يجب عقلا، والسمع يؤكده، ومماورد فيه ما رواه الحسن عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر، فهو خليفة الله في أرضه، وخليفة رسول الله، وخليفة كتابه ". وعن درة ابنة أبي لهب قالت: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وهو على المنبر، فقال: يا رسول الله ! من خير الناس ؟ قال: " آمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر، وأتقاهم لله، وأرضاهم ". وقال أبو الدرداء: لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله عليكم سلطانا ظالما، لا يجل كبيركم، ولا يرحم صغيركم، وتدعو خياركم فلا يستجاب لهم، وتستنصرون فلا تنصرون، وتستغيثون فلا تغاثون، وتستغفرون فلا تغفرون. وقال حذيفة: يأتي على الناس زمان لان يكن فيهم جيفة حمار، أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر. ثم أمر سبحانه بالجماعة، وترك التفرق، فقال سبحانه: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا في الدين، وهم اليهود والنصارى (واختلفوا) قيل معناه: تفرقوا أيضا وذكرهما للتأكيد واختلاف اللفظين، كقول الشاعر: " متى أدن منه ينأ عني ويبعد ". وقيل: معناه كالذين تفرقوا بالعداوة، واختلفوا في الديانة (من بعد ما جاءهم البيانات) أي: الحجج والكتب، وبين لهم الطرق (وأولئك لهم عذاب عظيم) عقوبة لهم على تفرقهم واختلافهم، بعد مجئ الايات والبيانات. والاية تدل على تحريم الاختلاف في الدين، وأن ذلك مذموم قبيح، منهي عنه. (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمنكم فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون (106) وأما الذين أبيضت وجوههم ففى رحمة الله هم فيها خلدون (107)). الاعراب: العامل في قوله (يوم) قوله (عظيم)، وتقديره عظيم عذابهم يوم تبيض وجوه. ولا يجوز أن يكون العامل فيه (عذاب) لانه موصوف قد فصلت صفة بينه وبين معموله. لكن يجوز أن تعمل فيه الجملة، لانها في معنى يعذبون كما يقال: المال لزيد يوم الجمعة. فالعامل الفعل والجملة خلف منه. وجواب (أما)

[ 360 ]

في قوله (فأما الذين اسودت وجوههم) (1) فيقال لهم: أكفرتم، فحذف لدلالة اسوداد الوجوه على حال التوبيخ، حتى كأنه ناطق به. وقد يحذف القول في مواضع كثيرة استغناء بما قبله من البيان كقوله: (ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا) أي: يقولون ربنا أبصرنا لدلالة تنكيس الرأس من المجرمين على سؤال الاقالة، ومثله كثير. المعنى: (يوم تبيض وجوه وتسود وجوه) أخبر سبحانه بوقت ذلك العذاب أي: ثبت لهم العذاب في يوم هذه صفته. وإنما تبيض فيه الوجوه للمؤمنين ثوابا لهم على الايمان والطاعة، وتسود فيه الوجوه للكافرين عقوبة لهم على الكفر والسيئات، بدلالة ما بعده وهو قوله: (فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم) أي: يقال لهم: أكفرتم (بعد إيمانكم). واختلف فيمن عنوا به على أقوال أحدها: إنهم الذين كفروا بعد إظهار الايمان بالنفاق، عن الحسن. وثانيها: إنهم جميع الكفار لاعراضهم عما وجب عليهم الاقرار به من التوحيد، حين أشهدهم على أنفسهم (ألست بربكم قالوا بلى) فيقول: أكفرتم بعد إيمانكم يوم الميثاق، عن أبي بن كعب وثالثها: إنهم أهل الكتاب كفروا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد إيمانهم به أي: بنعته وصفته قبل مبعثه، عن عكرمة، واختاره الزجاج والجبائي ورابعها: إنهم أهل البدع والاهواء من هذه الامة، عن علي عليه السلام، ومثله عن قتادة أنهم الذين كفروا بالارتداد، ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " والذي نفسي بيده ليردن علي الحوض ممن صحبني أقوام حتى إذا رأيتهم اختلجوا دوني، فلاقولن: أصحابي أصحابي أصحابي ! فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعد إيمانهم ارتدوا على أعقابهم القهقرى ". ذكره الثعلبي في تفسيره، فقال أبو أمامة الباهلي: هم الخوارج. ويروى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. والالف في أكفرتم أصله الاستفهام والمراد به هنا التقريع أي: لم كفرتم. وقيل: المراد التقرير أي: قد كفرتم. (فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون) أي: بلفظ الذوق على التوسع ومعناه: أنظروا ما صار إليه عاقبتكم من عذاب الله بما كنتم تكفرون أي: بكفركم (وأما الذين ابيضت وجوههم) وهم المؤمنون (ففي رحمة الله) أي: ثواب الله. وقيل: جنة الله (هم فيها خالدون) أعاد كلمة الظرف وهي قوله (فيها) تأكيدا لتمكين المعنى في


(1) [ محذوف وتقديره: فأما الذين اسودت وجوههم ]. (*)

[ 361 ]

النفس. وقيل: إنما أعادها لانه دل بقوله ففي رحمة الله على إدخاله إياهم في الرحمة. وبقوله (هم فيها خالدون) على خلودهم فيها. وسمى الله تعالى الثواب رحمة، والرحمة نعمة يستحق بها الشكر، وكل نعمة تفضل. والوجه في ذلك أن سبب الثواب الذي هو التكليف تفضل، فيكون الثواب على هذا الوجه تفضلا. وقيل: إنما جاز أن يكون تفضلا، لانه بمنزلة إنجاز الوعد في أنه تفضل مستحق، لان المبتدئ به قد كان له أن لا يفعله، فلما فعله وجب عليه الوفاء به، لان الخلف قبيح، وهو مع ذلك تفضل لانه جر إليه تفضل. وقال بعضهم: المراد بابيضاض الوجوه إشراقها وإسفارها بالسرور بنيل البغية، والظفر بالمنية، والاستبشار بما يصير إليه من الثواب، كقوله (وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة)، والمراد باسودادها ظهور أثر الحزن عليها لما يصير إليه من العقاب، كقوله: (وجه يومئذ باسرة ووجوه يومئذ عليها غبرة). وفي هذا القول عدول عن حقيقة اللفظ من غير ضرورة. والاصح الاول. (تلك ءايت الله نتلوها عليك بالحق وما الله يريد ظلما للعلمين (108) ولله ما في السموت وما في الارض وإلى الله ترجع الامور (109)). المعنى: (تلك آيات الله) أي: تلك التي قد جرى ذكرها حجج الله وعلاماته وبيناته (نتلوها عليك بالحق) نقرأها عليك بالحق يا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وعلى أمتك ونذكرها لك، ونعرفك إياها، ونقصها عليك، (بالحق) أي: بالحكمة والصواب (وما الله يريد ظلما للعالمين) معناه: لا يظلمهم بأن يحملهم من العقاب ما لم يستحقوه، أو ينقصهم من الثواب عما استحقوه. وإنما يظلم من يظلم لجهله بقبح الظلم، أو لحاجة إليه من دفع ضرر، وجر نفع. وتعالى الله عن صفة الجهل والحاجة، وسائر صفات النقص، علوا كبيرا. وكيف يجوز أن يظلم أحدا، وهو الذي خلقهم وأنشأهم وابتدعهم، وآتاهم من النعم ما لا تسموا إليه هممهم، وعرضهم بها لما هو أعظم منها قدرا، وأجل خطرا، وهو نعيم الاخرة. ثم ذكر سبحانه وجه غناه عن الظلم، فقال: (ولله ما في السماوات وما في الارض) ملكا وملكا وخلقا (وإلى الله ترجع الامور) اختلفوا في كيفية رجوع الامر إلى الله تعالى، فقيل: إن الامور تذهب بالفناء، ثم يعيدها ا لله للمجازاة. وقيل:

[ 362 ]

إن الله تعالى قد ملك عباده في الدنيا أمورا، وجعل لهم تصرفا، ويزول جميع ذلك في الاخرة، ويرجع إليه كله، كما قال: (لمن الملك اليوم). وفي وقوع المظهر موقع المضمر في قوله (وإلى الله ترجع الامور) قولان أحدهما: ليكون كل واحد من الكلامين مكتفيا بنفسه والاخر: ليكون أفخم في الذكر والموضع موضع التفخيم، وليس كقول الشاعر: لا أرى الموت يسبق الموت شئ نغص الموت ذا الغنى، والفقيرا لان البيت مفتقر إلى الضمير. والاية مستغنية عنه. (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ولو ءامن من أهل الكتب لكان خيرا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفسقون (110)). المعنى: لما تقدم ذكر الامر والنهي، عقبه تعالى بذكر من تصدى للقيام بذلك، ومدحهم ترغيبا في الاقتداء بهم، فقال: (كنتم خير أمة أخرجت للناس) قيل فيه أقوال أحدها: إن معناه أنتم خير أمة، وإنما قال (كنتم) لتقدم البشارة لهم في الكتب الماضية، عن الحسن، ويعضده ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " أنتم وفيتم سبعين أمة، أنتم خيرها وأكرمها على الله " وثانيها: إن المراد كنتم خير أمة عند الله في اللوح المحفوظ، عن الفراء والزجاج. وثالثها: إن كا هاهنا تامة. و (خير أمة): نصب على الحال، ومعناه: وجدتم خير أمة، وخلقتم خير أمة ورابعها: إن كان مزيدة دخولها كخروجها، إلا أن فيها تأكيدا لوقوع الامر لا محالة، لانه بمنزلة ما قد كان في الحقيقة، فهي بمنزلة قوله تعالى: (واذكروا إذ أنتم قليل). وفي مواضع آخر: (إذ كنتم قليلا فكثركم) ونظيره قوله: (وكان الله غفورا رحيما) لانه مغفرته المستأنفة كالماضية في تحقيق الوقوع وخامسها: إن كان بمعنى صار، كما في قول الشاعر: فخر على الالاء توسدته، وقد كان الدماء له خمارا (1)


(1) الالاء كسحاب: شجر مر دائم الخضرة. توسدته: أي: صارت وسادة له. (*)

[ 363 ]

ومعناه: صرتم خير أمة خلقت لامركم بالمعروف، ونهيكم عن المنكر، وإيمانكم بالله. فتصير هذه الخصال على هذا القول شرطا في كونهم خيرا. وقد روي عن بعض الصحابة أنه قال: من أراد أن يكون خير هذه الامة، فليود شرط الله فيه من الايمان بالله، والامر بالمعروف، والنهي عن المنكر. واختلف في المعني بالخطاب فقيل: هم المهاجرون خاصة، عن ابن عباس والسدي. وقيل: نزلت في ابن مسعود، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة، عن عكرمة. وقيل: أراد بهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خاصة، عن الضحاك. وقيل: هو خطاب للصحابة، ولكنه يعم سائر الامة. ثم ذكر مناقبهم فقال (تأمرون بالمعروف) بالطاعات (وتنهون عن المنكر) عن المعاصي. ويسأل فيقال: إن القبيح أيضا يعرف أنه قبيح، فلم خص الحسن باسم المعروف ؟ وجوابه: إن القبيح جعل بمنزلة ما لا يعرف لخموله وسقوطه، وجعل الحسن بمنزلة النبيه الجليل القدر، يعرف لنباهته، وعلو قدره. (وتؤمنون بالله) أي بتوحيده وعدله ودينه (ولو آمن أهل الكتاب) أي: لو صدقوا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، وبما جاء به (لكان خيرا لهم) أي: لكان ذلك الايمان خيرا لهم في الدنيا والاخرة، لانهم ينجون بها في الدنيا من القتل، وفي الاخرة من العذاب، ويفوزون بالجنة. (منهم) أي: من أهل الكتاب (المؤمنون) أي: المعترفون بما دلت عليه كتبهم من صفة نبينا، والبشارة به كعبد الله بن سلام وأصحابه من اليهود، والنجاشي وأصحابه من النصارى. (وأكثرهم الفاسقون) أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى. وإنما وصفهم بالفسق دون الكفر الذي هو أعظم، لان الغرض الايذان بأنهم خرجوا عما يوجبه كتابهم من الاقرار بالحق في نبوة نبينا. وقيل: لانهم في الكفار بمنزلة الفساق العصاة، لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي أشنع. وأفظع. (لن يضروكم إلا أذى وإن يقتلوكم يولوكم الادبار ثم لا ينصرون (111) ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس وباء و بغضب من الله وضربت عليهم المسكنة ذلك بأنهم كانوا يكفرون بئايت الله ويقتلون الانبياء بغير حق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون (112)).

[ 364 ]

الاعراب: (إلا أذى): استثناء متصل. وقوله (أذى) في تقدير النصب، ومعناه: لن يضروكم إلا ضررا يسيرا. فالاذى وقع موقع المصدر. وقيل: هو استثناء منقطع، لان الاذى ليس من الضرر، كقوله (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا). قال علي بن عيسى: هذا ليس بصحيح، لان الكلام إذا أمكن فيه الاستثناء الحقيقي، لم يجز حمله على المنقطع. (وإن يقاتلوكم): شرط. و (يولوكم) جزاء، وعلامة الجزم فيهما سقوط النون. وقوله (ثم لا ينصرون): رفع على الاستئناف، ولم يجزم على العطف، لان سبب التولية القتال، وليس كذلك منع النصر، لان سببه الكفر، ولان الرفع أشكل برؤوس الاي المتقدمة، وهو مع ذلك عطف جملة على جملة، والعامل في الباء من قوله (بحبل من الله). (ضربت): على معنى ضربت عليهم الذلة بكل حال، (إلا بحبل). وقال الفراء: العامل فيه محذوف وتقديره: إلا أن يعتصموا بحبل من الله وأنشد: رأتني (1) بحبليها فصدت مخافة، وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق أراد: رأتني أقبلت بحبليها، فحذف الفاعل في الباء وقال آخر: قصير الخطو يحسب من رآني، ولست مقيدا أني بقيد (2) أراد: إنني قيدت بقيد. قال علي بن عيسى: ما ذكره الفراء ضعيف من وجهين أحدهما: إن حذف الموصول عند البصريين لا يجوز، لانه إذا احتاج إلى الصلة تبين عنه. فالحاجة إلى البيان عنه بذكره أشد، وإنما يجوز الشي للاستغناء عنه، بدلالة غيره عليه. ولو دل عليه، لحذف مع صلته، لانه معها بمنزلة شئ واحد، والوجه الاخر: إن الكلام إذا صح معناه من غير حذف، لم يجز تأويله على الحذف. وقيل في هذا الاستثناء إنه منقطع لان الذلة لازمة لهم على كل حال فجرى مجرى قوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ، فعامل الاعراب موجود، والمعنى على الانقطاع. ومثله: (لا يسمعون فهيا لغوا) قد يوهم أنهم من حيث لا يسمعو فيها لغوا، لا يسمعون كلاما. فقيل لذلك إلا سلاما. وكذلك قوله: (وما


(1) امرأة روعاء: بينة الروع أي: الفزع، والفروق: الشديد الفزع. (2) وفي جملة من النسخ كنسخة (التبيان): " قريب الخطو ". (*)

[ 365 ]

كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا) قد يتوهم أنه لا يقتل مؤمن مؤمنا على وجه. فقيل لذلك إلا خطأ، وكذلك (ضربت عليهم الذلة): قد يتوهم أنه من غير جواز موادعة فقيل: (إلا بحبل من الله). وقيل: إن الاستثناء متصل، لان عز المسلمين عز لهم بالذمة، وهذا لا يخرجهم من الذلة في أنفسهم. النزول: قال مقاتل: إن رؤوس اليهود مثل كعب وأبي رافع وأبي ياسر وكنانة وابن صوريا، عمدوا إلى مؤمنيهم كعبد الله بن سلام وأصحابه، فأنبوهم لاسلامهم، فنزلت الاية. المعنى: (لن يضروكم إلا أذى) وعد الله المؤمنين أنهم منصورون، وأن أهل الكتاب لا يقدرون عليهم، ولا ينالهم من جهتهم إلا أذى من جهة القول. ثم اختلفوا في هذا القول فقيل: هو كذبهم على الله وتحريفهم كتاب الله. وقيل: هو ما كانوا يسمعون المؤمنين من الكلام المؤذي (وإن يقاتلوكم) أي: وإن يجاوزوا عن الايذاء باللسان إلى القتال والمحاربة (يولوكم الادبار) منهزمين. (ثم لا ينصرون) أي: ثم لا يعانون لكفرهم. ففي هذه الاية دلالة على صحة نبوة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم لوقوع مخبره على وفق خبره، لان يهود المدينة من بني قريظة والنضير وبني قينقاع، ويهود خيبر، الذين حاربوا النبي والمسلمين، لم يثبتوا لهم قط، وانهزموا ولم ينالوا من المسلمين إلا بالسبب والطعن (ضربت عليهم الذلة) أي: أثبت عليهم الذلة، وأنزلت بهم، وجعلت محيطة بهم، وهو استعارة من ضرب القباب والخيام، عن أبي مسلم. وقيل: معناه ألزموا الذلة، فثبتت فيه من قولهم: ضرب فلان الضريبة على عبده أي: ألزمها إياه. قال الحسن: ضربت الذلة على اليهود، فلا يكون لها منعة أبدا. وقيل معناه فرضت عليهم الجزية والهوان، فلا يكونون في موضع إلا بالجزية. ولقد أدركهم الاسلام وهم يؤدون الجزية إلى المجوس (أينما ثقفوا) أي وجدوا، ويقال: أخذوا وظفر بهم. (إلا بحبل من الله) أي: بعهد من الله (وحبل من الناس) أي: وعهد من الناس على وجه الذمة وغيرها من وجوه الامان، عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة. وسمي العهد حبلا لانه يعقد به الامان، كما يعقد الشئ بالحبل (وباءوا بغضب من الله) أي: رجعوا بغضب الله الذي هو عقابه ولعنه. وقيل: معناه

[ 366 ]

استوجبوا غضبا من الله (وضربت عليهم المسكنة) أي: الذلة لان المسكين لا يكون إلا ذليلا، فسمى الذلة مسكنة، عن أبي مسلم. وقيل: المراد به الفقر، لان اليهود أبدا يتفاقرون، وإن كانوا أغنياء. وقد ذكرنا تفسير ما بقي من الاية في سورة البقرة. النظم: وجه اتصال الاية بما قبلها اتصال البشارة بالظفر، لما تقدم أمر المحاربة، لان الامر قد تقدم بإنكار المنكر. وقيل: إنه لما تقدم أن أكثرهم الفاسقون، اتصل به ما يسكن قلوب المؤمنين من عاديتهم، ويؤمن مضرتهم. (* ليسوا سواء من أهل الكتب أمة قائمة يتلون ءايت الله ءاناء اليل وهم يسجدون (113) يؤمنون بالله واليوم الاخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسرعون في الخيرت وأولئك من الصلحين (114)). اللغة: قيل في واحد آناء قولان أحدهما: إني مثل نحي (1)، والاخر: إنى مثل معى، قال الشاعر: حلو، ومر، كعطف القدح مرته، بكل إني قضاه الليل ينتعل (2) وحكى الاخفش: أنو بالواو. والمسارعة: المبادرة، وهي من السرعة. والفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة هي التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة. وضدها الابطاء، وهو مذموم. والعجلة: هي التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، وهي مذمومة، وضدها الاناة، وهي محمودة. النزول: قيل: سبب نزول هذه الاية: أنه لما أسلم عبد الله بن سلام وجماعة، قالت أحبار اليهود: ما آمن بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلا شرارنا. فأنزل الله: (ليسوا سواء) إلى قوله: (من الصالحين) عن ابن عباس وقتادة وابن جريج. وقيل: إنها نزلت في أربعين من أهل نجران، واثنين وثلاثين من الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على عهد عيسى عليه السلام، فصدقوا بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، عن عطا. المعنى: (ليسوا سواء) اختلفوا في تقديره، والقول الصحيح أن هذا وقف تام. وقوله: (من أهل الكتاب) ابتداء كلام، ومعناه: ليس الذين ذكرنا من أهل


(1) النحي بالكسر: الزق للسمن والجمع أنحاء. (2) وفي نسختين " حزاه " بدل " قضاه " (*)

[ 367 ]

الكتاب سواء أي: ليس الذين آمنوا من أهل الكتاب (أمة قائمة) كعبد الله بن سلام وأصحابه، والذين لم يؤمنوا، سواء في الدرجة والمنزلة، ثم استأنف، وبين افتراقهم فقال: (من أهل الكتاب أمة قائمة) فحصل بهذا بيان الافتراق. وهذا كما لو أخبر القائل عن قوم بخبر فقال: بنو فلان يعملون كذا وكذا، ثم قال: ليسوا سواء، فإن منهم من يفعل كذا وكذا، وكذلك لو ذم قبيلة بالبخل والجبن، فقال غيره: ليسوا سواء، منهم الجواد، ومنهم الشجاع. فيكون منهم الجواد، ومنهم الشجاع، ابتداء كلام. وقال أبو عبيدة: هو على لغة أكلوني البراغيث. ومثله قوله تعالى: (ثم عصوا وصموا كثير منهم) وقال الشاعر: رأين الغواني الشيب لاح بعارضي، فأعرضن عني بالخدود النواضر (1) قال الزجاج والرماني: وليس الامر كما قال، لان ذكر أهل الكتاب قد جرى، فأخبر الله أنهم غير متساويين، ولان هذه اللغة رديئة في القيام والاستعمال. وقال الفراء: المعنى منهم أمة قائمة، وأمة غير قائمة، اكتفاء بذكر أحد الفريقين، كما قال أبو ذويب: عصيت إليها القلب، إني لامرها مطيع، فما أدري أرشد طلابها ولم يقل أم غي. وقال آخر: أواك فلا أدري أهم هممته وذو الهم قدما خاشع متضائل (2) ولم يقل: أم غيره، لان حاله في التغير ينبئ أن الهم غيره أم غيره، فعلى هذا يكون رفع أمة على معنى الفعل، وتقديره: لا يستوي أمة هادية، وأمة ضالة. وعلى القول الاول رفع بالابتداء. وأنكر الزجاج هذا القول، وقال: ما بنا حاجة هنا إلى محذوف، لان ذكر الفريقين قد جرى في قوله منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. ثم قال: ليسوا سواء. ولا يحتاج إلى أن يقدروا أمة غير قائمة، وقد تقدم صفتهم في قوله: (ويكفرون بآيات الله ويقتلون الانبياء). وقوله: أمة قائمة فيه وجوه أحدها: إن معناها جماعة ثابتة على أمر الله، عن ابن عباس وقتادة والربيع. وثانيها: عادلة، عن الحسن ومجاهد وابن جريج وثالثها: قائمة بطاعة الله، عن السدي. ورابعها: إن التقدير: ذو أمة قائمة أي: ذو طريقة مستقيمة، عن الزجاج. وأنشد للنابغة:


(1) الغانية: المرأة الغنية بحسنها وجمالها عن الزينة. (2) التضاؤل: التصاغر. (*)

[ 368 ]

" وهل يأتمر ذو أمة وهو طائع " أي: ذو طريقة من طرائق الدين. قال علي بن عيسى: وهذا القول ضعيف لانه عدول عن الظاهر. وحكم بالحذف من غير دلالة. (يتلون آيات الله): يقرأون كتاب الله وهو القرآن (آناء الليل) ساعاته وأوقاته، عن الحسن والربيع. وقيل: يعني جوف الليل، عن السدي. وقيل: أراد به وقت صلاة العتمة، لان أهل الكتاب لا يصلونها، يعني أنهم يصلون صلاة العتمة، عن ابن مسعود. وقيل: إنه اصلاة ما بين المغرب والعشاء الاخرة، عن الثوري، وهي الساعة التي تسمى ساعة الغفلة. (وهم يسجدون) قيل: أراد السجود المعروف في الصلاة. فعلى هذا يكون معناه: وهم مع ذلك يسجدون، ويكون الواو لعطف جملة على جملة. وقيل: معناه يصلون بغير السجود، فعبر بالسجود عن الصلاة، لان السجود أبلغ الاركان في التواضع، عن الزجاج والفراء والبلخي، قالوا: لان القراءة لا تكون في السجود، ولا في الركوع. وعلى هذا يكون الواو للحال أي: يتلون آيات الله بالليل في صلاتهم، هو قول الجبائي أيضا. (يؤمنون بالله) أي: بتوحيده وصفاته (واليوم الاخر) المتأخر عن الدنيا، يعني البعث يوم القيامة. (ويأمرون بالمعروف) بالاقرار بنبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، (وينهون عن المنكر) عن إنكار نبوته. (ويسارعون في الخيرات) أي: يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات، خوف الفوات بالموت. وقيل: معناه يعملون الاعمال الصالحة غير متثاقلين فيها، لعلمهم بجلالة موقعها، وحسن عاقبتها. (وأولئك من الصالحين) أي: من جملتهم، وفي عدادهم. وهذا نفي لقولهم: " ما آمن به إلا شرارنا ". وفي هذه الاية دلالة على عظم موقع صلاة الليل من الله تعالى. وقد صح عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: " ركعتان يركعهما العبد في جوف الليل الاخير، خير له من الدنيا وما فيها، ولولا أني أشق على أمتي لفرضتها عليهم ". وقال أبو عبد الله: إن البيوت التي يصلى فيها بالليل بتلاوة القرآن، تضئ لاهل السماء، كما تضئ نجوم السماء لاهل الارض. وقال عليه السلام: عليكم بصلاة الليل، فإنها سنة نبيكم، ودأب الصالحين قبلكم، ومطردة الداء عن أجسادكم. (وما يفعلوا من خير فلن يكفروه والله عليم بالمتقين (115)).

[ 369 ]

القراءة: قرأ أهل الكوفة إلا أبا بكر بالياء فيهما. والباقون بالتاء، إلا أبا عمرو، فإنه كان يحير. الحجة: وجه القراءة بالياء أن يكون كناية عمن تقدم ذكره من أهل الكتاب، ليكون الكلام على طريقه واحدة. ووجه التاء: أنه خلطهم بغيرهم من المكلفين، ويكون خطابا للجميع في أن حكمهم واحد. الاعراب: (وما يفعلوا): ما للمجازاة و (يفعلوا): مجزوم بالشرط، وإنما جوزي بما، ولم يجاز بكيف، لان (ما) أمكن من (كيف) لانها تكون معرفة ونكرة، لانها للجنس. و (كيف): لا تكون إلا نكرة، لانها للحال. والحال لا يكون إلا نكرة، لانها للفائدة. المعنى: (وما تفعلوا من خير) أي: من طاعة (فلن تكفروه) أي: لم يمنع عنكم جزاؤه. وسمي منع الجزاء كفرا على الاتساع، لانه بمنزلة الجحد، والستر له، ومعناه: لا تجحد طاعتكم، ولا تستر بمنع الجزاء. وهذا كما يوصف الله تعالى بأنه شاكر، وحقيقته أنه يثيب على الطاعة ثواب الشاكرين على النعمة. فلما استعير للثواب للشكر، استعير لنقيضه من منع الثواب الكفر، لان الشكر في الاصل هو الاعتراف بالنعمة. والكفر: ستر النعمة في المنعم عليه بتضييع حقها. (والله عليم بالمتقين) أي: بأحوالهم فيجازيهم، وإنما خص المتقين بالذكر، وإن كان عليما بالكل، لان الكلام اقتضى ذكر جزاء المتقين. فنبه بذلك على أنه لا يضيع شئ من عملهم، قل أم كثر، لان المجازي عليهم بكل ذلك. وهذه الاية تدل على أن شيئا من أعمال الخير والطاعة لا يبطل البتة، خلافا لقول من قال بالاحباط. (إن الذين كفروا لن تغنى عنهم أمولهم ولا أولدهم من الله شيئا وأولئك أصحب النار هم فيها خلدون (116) مثل ما ينفقون في هذه الحيوة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون (117)). اللغة: يقال: أغنى عنه إذا دفع عنه ضررا لولاه لنزل به. وإذا قيل: أغناه كذا عن كذا أفاد أن أحد الشيئين صار بدلا من الاخر في نفي الحاجة. والغنى:

[ 370 ]

الاختصاص بما ينفي الحاجة، فإن اختص بمال ينفي الحاجه، فذلك غنى. وكذلك الغنى بالجاه، والاصحاب، وغير ذلك فأما الغني في صفات الله، فهو اختصاصه بكونه قادرا على وجه لا يعجزه شئ. وقولنا فيه إنه غني معناه أنه لا تجوز عليه الحاجة. أصحاب النار: إنما سموا بذلك لملازمتهم فيها، كما يقال هؤلاء أصحاب الصحراء: إذا كانوا ملازمين لها. وقد يقال أصحاب العقار بمعنى ملاكه، وأصحاب الرجل أتباعه وأعوانه، وأصحاب العالم المتعلمون منه، فالاضافات مختلفة. وأصل المصاحبة: الملازمة. والنار: أصله من النور، وهو جسم لطيف فيه حرارة ونور واعتماد علوي. والريح: واحدة الرياح، ومنه الروح لدخول الريح الطيبة على النفس، وكذلك الارتياح والتروح. والراحه من التعب، ومنه الروح: لانها كالريح في اللطافة، ومنه الرائحة، لان الرى تحملها إلى الحس. والصر: البرد الشديد، وأصله من الصرير: وهو الصوت. قال الزجاج: الصر: صوت لهب النار التي كانت في تلك الريح. ويجوز أن يكون الصر: صوت الريح الباردة الشديدة، وذلك من صفات الشمال، فإنها توصف بأن لها قعقعة. والصر: شدة الصياح. المعنى: لما تقدم وصف المؤمنين، عقبه سبحانه ببيان حال الكافرين فقال: (إن الذين كفروا) بالله ورسوله (لن تغني عنهم) أي: لن تدفع عنهم (أموالهم ولا أولادهم من) عذاب (الله شيئا). وإنما خص الاموال والاولاد بالذكر، لان هذين معتمد الخلق، وأعز الاشياء عليهم. فإذا لم يغنيا عن الانسان شيئا، فغيرهما غناؤه أبعد (وأولئك أصحاب النار) أي: ملازموها (هم فيها خالدون) أي: دائمون. ثم ضرب مثلا لانفاقهم فقال: (مثل ما ينفقون) أي: شبه ما ينفقون من أموالهم (في هذه الحياة الدنيا) قيل: هو ما ينفقون على الكفار في عداوة الرسول. وقيل: هو ما أنفقه أبو سفيان وأصحابه ببدر وأحد، لما تظاهروا على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ونفقاتهم في الدنيا، عن مجاهد، وفي الاية حذف وتقديره: مثل اهلاك ما ينفقون (كمثل) اهلاك (ريح) فيها صر، فحذف الاهلاك لدلالة آخر الكلام عليه، وفيه تقدير آخر: مثل ما ينفقون كمثل مهلك ريح، فيكون تشبيه ذلك الانفاق (1) من الحرث بالريح.


(1) (بالمهلك).

[ 371 ]

(فيها صر) قيل: برد شديد، عن ابن عباس والحسن وقتادة وجماعة. وقيل: السموم الحارة القاتلة، عن ابن عباس أيضا. (أصابت حرث قوم) أي: زرع قوم (ظلموا أنفسهم) بالمعاصي. فظلمهم اقتضى هلاك حرثهم عقوبة لهم. وقيل: ظلموا أنفسهم بأن زرعوا في غير موضع الزراعة أو في غير وقتها فجاءت الريح (فأهلكته) تأديبا لهم من الله في وضع الشئ غير موضعه الذي هو حقه (وما ظلمهم الله) في اهلاك زرعهم، لانهم استحقوا ذلك بظلمهم. وقيل: في قتلهم وسبيهم، لانهم استحقوهما بكفرهم (ولكن أنفسهم يظلمون) حيث فعلوا ما استحقوا به ذلك. (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت الغضاء من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر قد بينا لكم الايات ان كنتم تعقلون 118). اللغة: البطانة: خاصة الرجل الذين يستبطنون أمره، مأخوذة من بطانة الثوب: الذي يلي البدن لقربه منه، وهي نقيض الظهارة. ويسمى بها الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، قال الشاعر: أولئك خلصاني نعم، وبطانتي، وهم عيبتي من دون كل قريب لا يألونكم أي: لا يقصرون في أمركم خبالا، ولا يتركون جهدهم. يقال: ألا يألوا ألوا: إذا فتر وضعف وقصر. وما ألوته خيرا وشرا أي: ما قصرت في فعل ذلك. وقال امرؤ القيس: وما المرة مادامت حشاشة نفسه بمدرك أطراف الخطوب، ولا ألي (1) أي: مقصر في الطلب. والخبال: الشر والفساد، ومنه الخبل بفتح الباء وسكونها: للجنون، لانه فساد العقل. ورجل مخبل الرأي أي: فاسد الرأي، ومنه الاستخبال: طلب اعارة المال لفساد الزمان، قال زهير: هنالك ان يستخبلوا المال يخبلوا، وان يسألوا يعطوا، وان ييسروا يغلوا * هامش * (1) الحشاشة بقية النفس. والخطوب جمع الخطب: الشأن والامر. (*)

[ 372 ]

وأصل العنت: المشقة عنت الرجل يعنت عنتأ: دخلت عليه المشقة. وأكمة عنوت: صعبة المسلك لمشقة السلوك فيها. وأعنت فلان فلانا: حمله على المشقة الشديدة فيما يطالبه فيه. ومنه قوله تعالى: (ولو شاء الله لاعنتكم). الاعراب: (من دونكم): من للتبعيض، والتقدير: لا تتخذوا بعض المخالفين في الدين بطانة. ويجوز ان يكون لتبيين الصفة، فكأنه قال: لا تتخذوا بطانة من المشركين. وهذا أولى لانه أعم. ولا يجوز ان يتخذ المؤمن الكافر بطانة على كل حال. وقيل: ان (من) ها هنا زائدة، وهذا غير حسن، لان الحرف إذا صح حمله في الفائدة، لا يحكم فيه بالزيادة. وقوله: (خبالا): نصب بأنه المفعول الثاني، لان الالو يتعدى الى مفعولين. ويجوز ان يكون مصدرا لان المعنى يخبلونكم خبالا. وموضع قوله (ودوا ما عنتم): يجوز ان يكون نصبا بأنه صفة لبطانة، ويجوز ان يكون لا موضع له من الاعراب، لانه استئناف جملة. و (ما) في قوله (ما عنتم) مصدرية، وتقديره: ودوا عنتكم. النزول: نزلت في رجال من المسلمين، كانوا يواصلون رجالا من اليهود، لما كان بينهم من الصداقة والقرابة والجوار والحلف والرضاع، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين كانوا يصادقون المنافقين، عن مجاهد. المعنى: نهى الله المؤمنين عن موالاة الكفار ومخالطتهم، خوف الفتنة منهم عليهم فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا (لا تتخذوا بطانة من دونكم) أي: لا تتخذوا الكافرين أولياء، وخواص من دون المؤمنين تفشون إليهم أسراركم. وقوله (من دونكم) أي: من غير أهل ملتكم. ثم بين تعالى العلة في منع مواصلتهم، فقال: (لا يألونكم خبالا) أي: لا يقصرون فيما يؤدي الى فساد أمركم، ولا يدعون جهدهم في مضرتكم. وقال الزجاج: لا يتقون في القائكم فيما يضركم. قال: وأصل الخبال ذهاب الشئ. وقوله: (ودوا ما عنتم) معناه تمنوا ادخال المشقة عليكم. وقيل: تمنوا اضلالكم عن دينكم، عن السدي. وقيل: تمنوا أن يعنتوكم في دينكم أي: يحملونكم على المشقة فيه، عن ابن عباس. وقوله (قد بدت البغضاء من أفواههم) معناه: ظهرت امارة العداوة لكم على ألسنتهم، وفي فحوى أقوالهم، وفلتات كلامهم. (وما تخفي صدورهم من البغضاء أكبر) مما يبدون بألسنتهم (قد بينا لكم الايات) أي: أظهرنا لكم الدلالات

[ 373 ]

الواضحات التي بها يتميز الولي من العدو (ان كنتم تعقلون) أي: تعلمون الفضل بين الولي والعدو. وقيل: ان كنتم تعلمون مواعظ الله ومنافعها. وقيل: ان كنتم عقلاء فقد آتاكم الله من البيان الشافي. (ها أنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الانامل من الغيظ قل موتوا بغيظكم ان الله عليم بذات الصدور 119). اللغة: العض بالاسنان معروف، ومنه العض علف الامصار، لان له مضغة في العض يسمن عليها المال. ورجل عض لزاز الخصم، لانه يعضه بالخصومة. والانامل: أطراف الاصابع. وأصله النمل المعروف، فهي مشبهة به في الدقة والتصرف بالحركة، ومنه رجل نمل أي: نمام لانه ينقل الاحاديث الكرهة كنقل النملة في الخفاء والكثرة. الاعراب: قال الازهري: يحتمل أن يكون أولاء منادى، كأنه قال: يا أولاء ! وقال غيره: ها للتنبيه، وأنتم: مبتدأ، وأولاء: خبره، وتحبونهم: حال. وقال الزجاج: جائز ان يكون (اولاء) في معنى الذين: حالا، (وتؤمنون): عطف على يحبون. ولا يجوز أن يقول: ها قومك أولاء (1)، لان المضمر أحق بالهاء التي للتنبيه، لانه كالمبهم في عموم ما يصلح له، وليس كذلك الظاهر. المعنى: ثم بين سبحانه ما هم عليه من عداوة المؤمنين، تأكيدا للنهي عن مصافاتهم، فقال: (ها أنتم أولاء تحبونهم). وقد مر ذكر معناه في الاعراب، وتقديره: ها أنتم الذين تحبونهم، أو ها أنتم أولاء محبين إذا قلنا انه بمعنى الحال أي: تنبهوا في حال محبتكم اياهم، ولا يحبونكم هم لما بينكم من مخالفة الدين. وقيل: تحبونهم تريدون لهم الاسلام، وتدعونهم الى الجنة (ولا يحبونكم) لانهم يريدون لكم الكفر والضلال، وفيه الهلاك. (وتؤمنون بالكتاب كله) الكتاب واحد في معنى الجمع، لانه أراد الجنس، كما يقال: كثر الدرهم في أيدي الناس. * هامش * (1) (كما جازها: أنتم أولاء). (*)

[ 374 ]

ويجوز ان يكون مصدرا من قولك: كتبت كتابا، والمراة به كتب الله التي أنزلها على أنبيائه. وفي افراده ضرب من الايجاز، واشعار بالتفصيل في الاعتقاد، ومعناه: انكم تصدقون بها في الجملة والتفصيل من حيث تؤمنون بما أنزل على ابراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليه وآله، وعليهم وسائر الانبياء، وهم لا يصدقون بكتابكم. (وإذا لقوكم قالوا آمنا) معناه: إذا رأوكم قالوا: صدقنا (وإذا خلوا) مع أنفسهم (عضوا عليكم الانامل أي: أطراف الاصابع (من الغيظ) أي: من الغضب والحنق، لما يرون من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، ونصرة الله اياهم. وهذا مثل: وليس هناك عض، كقول الشاعر: إذا رأوني أطال الله غيظهم، عضوا من الغيظ، أطراف الاباهيم وقول ابي طالب: (يعضون غيظا خلفنا بالانامل). (قل) يا محمد لهم (موتوا بغيظكم) صيغته صيغة الامر، والمعنى الدعاء، فكأنه قال: أماتكم الله بغيظكم. وفيه معنى الذم لهم، لانهم لا يجوز أن يدعي عليهم هذا الدعاء، الا وقد استحقوه بما أتوه من القبيح. وقيل: معناه دام هذا الغيظ لما ترون من علو كلمة الاسلام الى أن تموتوا (ان الله عليم بذات الصدور) أي: بما يضمرونه من النفاق والغيظ على المسلمين. وان تمسسكم حسنة تسؤهم وان تصبكم سيئة يفرحوا بها وان تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ان الله بما يعملون محيط 120). القراءة: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (لا يضركم) خفيفة مكسورة الضاد. والباقون مشددة مضمومة الضاد والراء. وقرأ الحسن وأبو حاتم: (تعلمون) بالتاء على الخطاب. والقراءة المشهورة بالياء. الحجة: من قرأ (لا يضركم) فهو من ضاره يضيره ضيرا. ومن قرأ (لا يضركم) فهو من ضره يضره ضرا. والضير والضر بمعنى واحد. وقد جاء في القرآن (لا ضير)، و (إذا مسكم الضر). ولا يضركم أصله لا يضرركم، نقلت ضمة الراء الاولى الى الضاد، وأدغمت في الراء الثانية بعد أن ضمت اتباعا لأقرب الحركات إليها. والعرب تدغم في موضع الجزم، وأهل الحجاز يظهرون التضعيف. قال

[ 375 ]

الزجاج: وهذه الاية جاءت فيها اللغتان جميعا، فقوله: (ان تمسسكم) على لغة أهل الحجاز. وقوله: (يضركم) على لغة غيرهم من العرب. ويجوز لا يضركم ولا يضركم. فمن قال بالفتح فلأن الفتح خفيف يستعمل في التقاء الساكنين في التضعيف. ومن قال بالكسر، فعلى أصل التقاء الساكنين. اللغة: الكيد والمكيدة: المكر الذي يغتال به صاحبه من جهة حيلة عليه ليقع في مكروه به. وأصله الشقة، يقال: رأيت فلانا يكيد بنفسه أي: يقاسي المشقة في سياق المنية. ومنه المكاءدة لايراد ما فيه من المشقة. المعنى: ثم أخبر سبحانه عن حال من تقدم ذكرهم، فقال: (ان تمسسكم حسنة) أي: تصبكم أيها المؤمنون نعمة من اله تعالى عليكم بها من الفه، أو اجتماع كلمة، أو ظفر بالاعداء (تسؤهم) أي: تحزنهم (وان تصبكم سيئة) أي: محنة باصابة العدو منكم لاختلاف الكلمة، وما يؤدي إليه من الفرقة، (يفرحوا بها)، هذا قول الحسن وقتادة والربيع، وجماعة من المفسرين. (وان تصبروا) على أذاهم، وعلى طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله، والجهاد في سبيله (وتتقوا) الله بالامتناع عن معاصيه، وفعل طاعته (لا يضركم) أيها الموحدون (كيدهم) أي: مكر المنافقين، وما يحتالون به عليكم (شيئا) أي: لا قليلا، ولا كثيرا، لانه تعالى ينصركم، ويدفع شرهم عنكم (ان الله بما يعملون محيط) أي: عالم بذلك من جميع جهاته، مقتدر عليه، لان أصل المحيط بالشئ: هو المطيف به من حواليه، وذلك من صفات الاجسام، فلا يليق به سبحانه. (واذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم 121 إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون 122). اللغة: التبوءة: اتخاذ الموضع للغير، يقال: بوأت القوم منازلهم، وبوأت لهم أيضا أي: أوطنتهم وأسكنتهم اياها. تبوأوهم أي: توطنوا. ومنه المباءة: المراح، لانه رجوع الى المستقر المتخذ. ومنه بوأت بالذنب أي: رجعت به محتملا له. الفشل: الجبن، يقال فشل يفشل فشلا والفشل: الرجل الضعيف.

[ 376 ]

الاعراب: العامل في (إذ) محذوف، وتقديره واذكر إذ غدوت. وقيل: هو عطف على ما تقدم في السورة من قوله (قد كان لكم آية في فئتين التقتا) أي: في نصرة تلك الطائفة القليلة على الطائفة الكثيرة، إذ غدا النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عن أبي مسلم. وقيل: العامل فيه قوله (محيط) وتقديره والله عالم بأحوالكم وأحوالهم (إذ غدوت من أهلك). و (تبوئ): حال من (غدوت). المعنى: (و) اذكر يا محمد (إذ غدوت من أهلك) أي: خرجت من المدينة غدوة (تبوئ المؤمنين مقاعد) أي تهئ للمؤمنين مواطن (للقتال) وقيل: معناه تجلسهم وتقعدهم في مواضع القتال، ليقفوا فيها، ولا يفارقوها. واختلف في أي يوم كان ذلك، فقيل يوم أحد، عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والسدي وان اسحاق، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقيل: كان يوم الاحزاب، عن مقاتل. وقيل: يوم بدر عن الحسن. (والله سميع) أي: يسمع ما يقوله النبي صلى الله عليه وآله وسلم. (عليم) بما يضمرونه، لانهم اختلفوا. فمنهم من أشار بالخروج، ومنهم من اشار بالمقام. وفيه تزكية للزاكي، وتهديد للغاوي. وقيل: سميع بقول المشيرين على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عليهم بضمائرهم. وقيل: سميع بجميع المسموعات، عليم بجميع المعلومات. (إذا همت) أي: قصدت وعزمت (طائفتان) أي: فرقتان (منكم) أي: من المسلمين (أن تفشلا) أي: تجبنا. والطائفتان هما بنو سلمة، وبنو حارثة، حيان من الانصار، عن ابن عباس، وجابر بن عبد الله، والحسن وقتادة ومجاهد والربيع، وأبي جعفر عليه السلام، وابي عبد الله عليه السلام. وقال الجبائي: نزلت في طائفة من المهاجرين، وطائفة من الانصار، وكان سبب همهم بالفشل أن عبد الله بن أبي سلول، دعاهما الى الرجوع الى المدينة، عن لقاء المشركين يوم أحد، فهما به، ولم يفعلاه. (والله وليهما) أي: ناصرهما. روي عن جابر بن عبد الله أنه قال: فينا نزلت، وما أحب انها لم تكن، لقوله (والله وليهما). وقال بعض المحققين: هذا هم خطرة، لا هم عزيمة، لان الله تعالى مدحهما، وأخبر أنه وليهما، ولو كان هم عزيمة وقصد، لكان ذمهم أولى من مدحهم. (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) في جميع أحوالهم وأمورهم. ذكر غزوة أحد: عن ابي عبد الله عليه السلام انه قال: كان سبب غزوة أحد أن قريشا

[ 377 ]

لما رجعت من بدر الى مكة، وقد أصابهم ما أصابهم من القتل والاسر، لانه قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، قال أبو سفيان: يا معشر قريش ! لا تدعوا نساءكم يبكين على قتلاكم، فان الدمعة إذا خرجت أذهبت الحزن والعداوة لمحمد. فلما غزوا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم أحد، أذنوا لنسائهم في البكاء والنوح، وخرجوا من مكة في ثلاثة آلاف فارس، وألفي راجل، وأخرجوا معهم النساء. فلما بلغ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، جمع أصحابه، وحثهم على الجهاد، فقال عبد الله بن ابي سلول: يارسول الله ! لا نخرج من المدينة حتى نقاتل في أزقتها، فيقاتل الرجل الضعيف والمرأة والعبد والامة، على أفواه السكك، وعلى السطوح. فما أرادها قوم قط فظفروا بنا، ونحن في حصوننا، ودروبنا، وما خرجنا الى عدو لنا قط، الا كان الظفر لهم علينا. فقام سعد بن معاذ وغيره من الاوس فقالوا: يارسول الله ! ما طمع فينا أحد من العرب، ونحن مشركون نعبد الاصنام، فكيف يطمعون فينا وأنت فينا، لا حتى نخرج إليهم فنقاتلهم، فمن قتل منا كان شهيدا، ومن نجا منا كان قد جاهد في سبيل الله. فقبل رسول الله رأيه، وخرج مع نفر من اصحابه يتبوأون موضع القتال، كما قال تعالى: (واذ غدوت من أهلك) الاية. وقعد عنه عبد الله بن أبي سلول، وجماعة من الخزرج اتبعوا رأيه، ووافت قريش الى أحد، وكان رسول الله عبأ أصحابه، وكانوا سبع مائة رجل، ووضع عبد الله بن جبير في خمسين من الرماة على باب الشعب، وأشفق أن يأتي كمينهم من ذلك المكان، فقال لعبد الله بن جبير وأصحابه: ان رأيتمونا قد هزمناهم حتى أدخلناهم مكة، فلا تبرحوا من هذا المكان. وان رأيتموهم قد هزمونا حتى أدخلونا المدينة فلا تبرحوا والزموا مراكزكم. ووضع أبو سفيان خالد بن الوليد في مائتي فارس كمينا وقال: إذا رأيتمونا قد اختلطنا، فاخرجوا عليهم من هذا الشعب حتى تكونوا وراءهم. وعبأ رسول الله اصحابه، ودفع الراية الى أمير المؤمنين عليه السلام، وحمل الانصار على مشركي قريش، فانهزموا هزيمة قبيحة، ووقع اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في سوادهم، وانحط خالد بن الوليد في مائتي فارس، على عبد الله بن جبير، فاستقبلوهم بالسهام، فرجع.

[ 378 ]

ونظر اصحاب عبد الله بن جبير الى اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينتهبون سواد القوم، فقالوا لعبد الله بن جبير: قد غنم اصحابنا ونبقى نحن بلا غنيمة ؟ فقال لهم عبد الله: اتقوا الله فان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قد تقدم الينا أن لا نبرح. فلم يقبلوا منه، وأقبلوا ينسل رجل فرجل حتى أخلوا مراكزهم، وبقي عبد الله بن جبير في اثني عشر رجلا. وكانت راية قريش مع طلحة بن أبي طلحة العبدي، من بني عبد الدار، فقتله علي عليه السلام، وأخذ الراية أبو سعد بن ابي طلحة، فقتله علي. وسقطت الراية فأخذها مسافع بن ابي طلحة فقتله علي، حتى قتل تسعة نفر من بني عبد الدار. حتى صار لواؤهم الى عبد لهم أسود يقال له ثواب، فانتهى إليه علي عليه السلام فقطع يده اليمنى، فأخذ اللواء باليسرى، فضرب يسراه فقطعها، فاعتنقها بالجذماوين (1) الى صدره. ثم التفت الى أبي سفيان فقال: هل أعذرت في بني عبد الدار ؟ فضربه علي على رأسه فقتله، وسقط اللواء فأخذتها عمرة بنت علقمة الكنانية فرفعتها، وانحط خالد بن الوليد على عبد الله بن جبير، وقد فر أصحابه، وبقي في نفر قليل، فقتلهم على باب الشعب، ثم أتى المسلمين من أدبارهم. ونظرت قريش في هزيمتها الى الراية قد رفعت، فلاذوا بها، وانهزم اصحاب رسول الله هزيمة عظيمة، وأقبلوا يصعدون في الجبال، وفي كل وجه. فلما رأى رسول الله الهزيمة كشف البيضة عن رأسه وقال: الي أنا رسول الله، الي أين تفرون عن الله تعالى، وعن رسوله ! وكانت هند بنت عتبة في وسط العسكر، فكلما انهزم رجل من قريش، دفعت إليه ميلا ومكحلة، وقالت: انما أنت امرأة فاكتحل بهذا. وكان حمزة بن عبد المطلب يحمل على القوم فإذا رأوه انهزموا، ولم يثبت له أحد. وكانت هند قد أعطت وحشيا عهدا لئن قتلت محمدا، أو عليا، أو حمزة، لاعطينك كذا وكذا. وكان وحشي عبدا لجبير بن مطعم حبشيا، فقال وحشي: أما محمد فلم أقدر عليه وأما علي فرأيته حذرا كثير الالتفات، فلا مطمع فيه. فكمنت لحمزة فرأيته يهد الناس هدا، فمر بي فوطئ على جرف نهر، فسقط. وأخذت حربتي فهززتها ورميته بها، فوقعت في خاصرته، وخرجت من ثنته (2) فسقط. فأتيته فشققت بطنه، وأخذت كبده، وجئت به الى هند، فقلت: هذه كبد حمزة. فأخذتها * هامش * (1) تثنية جذماء: أي باليدين المقطوعتين. (2) الثنة بالضم: العانة. (*)

[ 379 ]

في فمها، فلاكتها، فجعله الله في فمها مثل الداعضة: وهي عظم رأى الركبة. فلفظتها ورمت بها. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: فبعث الله ملكا فحمله، ورده الى موضعه. قال: فجاءت إليه فقطعت مذاكيره، وقطعت أذنيه، وقطعت يده ورجله، ولم يبق مع رسول الله الا أبو دجانة سماك بن خرشة، وعلي. فكلما حملت طائفة على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استقبلهم علي، فدفعهم عنه، حتى تقطع سيفه. فدفع إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سيفه ذا الفقار، وانحاز رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى ناحية أحد، فوقف. وكان القتال من وجد واحد. فلم يزل علي عليه السلام يقاتلهم حتى أصابه في رأسه ووجهه ويديه وبطنه ورجليه، سبعون جراحة. كذا أورده علي بن ابراهيم في تفسيره، فقال جبرائيل: ان هذه لهي المواساة يا محمد، فقال محمد: انه مني وأنا منه. فقال جبرائيل: وأنا منكما. قال أبو عبد الله: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى جبرائيل بين السماء والارض، على كرسي من ذهب، وهو يقول: لا سيف الا ذو الفقار، ولا فتى الا علي. وروى ابن ابي اسحاق والسدي والواقدي وابن جرير وغيرهم قالوا: كان المشركون نزلوا بأحد يوم الاربعاء، في شوال، سنة ثلاث من الهجرة. وخرج رسول الله إليهم يوم الجمعة. وكان القتال يوم السبت، للنصف من الشهر. وكسرت رباعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وشج في وجهه. ثم رجع المهاجرون والانصار بعد الهزيمة، وقد قتل من المسلمين سبعون، وشد رسول الله بمن معه حتى كشفهم، وكان الكفار مثلوا بجماعة. وكان حمزة أعظم مثلة، وضربت يد طلحة فشلت، وسعد بن أبي وقاص كان يرمي بين يديه، وهو عليه السلام يقول: ارم فداك أبي وأمي. النظم: لما أمر تعالى بالصبر في قوله (وان تصبروا وتتقوا) عقبه بنصرة المسلمين يوم بدر، وصبرهم على القتال. ثم ذكر امتحانهم يوم أحد لما تركوا الصبر. وقيل: نظمه وان تصبروا ينصركم كما نصركم يوم بدر، وان لم تصبروا نزل بكم ما نزل يوم أحد حيث خالفتم أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وذكر أبو مسلم انه متصل بقوله: (قد كان لكم آية في فئتين) كما تقدم ذكره. (ولد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون 123 إذ تقول

[ 380 ]

للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين 124 بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين 125 وما جعله الله الا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر الا من عند الله العزيز الحكيم 126). القراءة: قرأ ابن عامر: (منزلين) مشددة الزاي. وقرأ الاخرون: (منزلين) مخففة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (مسومين) بكسر الواو. وقرأ الباقون بفتحها. الحجة: حجة من قرأ (منزلين) بالتخفيف: قوله: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك)، و (لو أنزلنا ملكا). ولأن الانزال يعم التنزيل وغيره. وحجة ابن عامر: (ما تنزل الملائكة)، و (تنزل الملائكة والروح فيها). لان تنزل مطاوع نزل و (لو اننا نزلنا إليهم الملائكة). وقال أبو الحسن: من قرأ (مسومين) بالكسر فلأنهم سوموا الخيل. ومن قرأ (مسومين) فلانهم سوموا. وقال مسومين: معلمين. ويكون مرسلين من سوم الخيل: إذا أرسلها. ومنه السائمة. وقال علي بن عيسى: ان اختيار الكسر لتظاهر الاخبار بأنهم سوموا خيلهم بعلامة. وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (سوموا فان الملائكة قد سومت). اللغة: بدر: ما بين مكة والمدينة. وقال الشعبي: سمي بدرا لان هناك ماء لرجل يسمى بدرا. فسمي الموضع باسم صاحبه. وقال الواقدي: هو اسم للموضع، وكل شئ تم فهو بدر. وسمي بدر السماء بدرا لتمامه وامتلائه. وعين بدرة: ممتلئة. يقال استكفيته الامر فكفاني وكفاك هذا الامر أي: حسبك. والفرق بين الاكتفاء والاستغناء ان الاكتفاء هو الاقتصار على ما ينفي الحاجة. والاستغناء: الاتساع فيما ينفي الحاجة. والامداد هو اعطاء الشئ حالا بعد حال. والمد في السير هو الاستمرار عليه. وامتد بهم السير: إذا طال واستمر. وأمددت الجيش بمدد. وأمد الجرح فهو ممد: إذا صارت فيه المدة. ومد النهر: إذا جرى. يقال مد النهر، ومده نهر آخر. ويقال مده في الشر، وأمده في الخير. وأصل الفور: فور القدر، فهو غليانها عند شدة الحمى. ومنه فورة الغضب، لانه كفور القدر، ومنه

[ 381 ]

فارت العين بالماء: إذا جاشت به. ومنه الفوارة لانها تفور بالماء، كما تفور القدر بما فيها. ومنه جاء على الفور أي: على ابتداء الحمى قبل أن تبرد عنه نفسه. وقيل: الفور القصد الى الشئ بحدة. الاعراب: (وانتم أذلة): فيى موضع نصب على الحال. و (أن يمدكم ربكم): في موضع رفع بأنه فاعل: ألن يكفيكم (1) امدادكم. وقوله: (من فورهم هذا): هذا في موضع جر صفة لفورهم. وقوله (ولتطمئن قلوبكم به): معطوف على قوله (بشرى لكم) لان تقديره لتبشروا به، ولتطمئن. المعنى: ثم بين الله تعالى ما فعله بهم من النصر يوم بدر فقال: (ولقد نصركم الله) أيها المؤمنون (ببدر) بتقوية قلوبكم، وبما أمدكم به من الملائكة، وبالقاء الرعب في قلوب أعدائكم (وأنتم أذلة) أي: ضعفاء عن المقاومة، قليلو العدد، قليلو العدة، جمع ذليل. وروي عن ابن عباس انه قال: كان المهاجرون يوم بدر سبعة وسبعين رجلا، والانصار مائتين وستة وثلاثين رجلا، والجميع ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون نحوا من ألف رجل. وروي عن بعض الصادقين انه قرأ (وأنتم ضعفاء) وقال: لا يجوز وصفهم بأنهم أذلة وفيهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وكان صاحب راية رسول الله يوم بدر أمير المؤمنين على بن ابي طالب عليه السلام، وصاحب راية الانصار سعد بن عبادة. وقيل: سعد بن معاذ. (فاتقوا الله) أي: اجتنبوا معاصيه، واعملوا بطاعته. (لعلكم تشكرون) أي: لتقوموا بشكر نعمته (إذا تقول) خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم أي: إذ تقول يا محمد (للمؤمنين) من أصحابك: ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة) هو اخبار بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لقومه: ألن يكفيكم يوم بدر ان جعل ربكم ثلاثة آلاف من الملائكة مددا لكم ؟ قال ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم: ان الامداد بالملائكة كان يوم بدر. وقال ابن عباس: لم تقاتل الملائكة الا يوم بدر، وكانوا في غيره من الايام عدة ومددا. وقال الحسن: كان جميعهم خمسة آلاف، فمعناه: يمددكم ربكم بتمام خمسة آلاف. وقال غيره: كانوا ثمانية آلاف، فمعناه بخمسة آلاف أخر. وقيل: ان

[ 382 ]

الوعد بالامداد بالملائكة كان يوم أحد، وعدهم الله المدد ان صبروا، عن عكرمة والضحاك. (منزلين) أنزلهم الله من السماء الى الارض لنصرتكم. (بلى) تصديق للوعد أي: يفعل كما وعدكم، ويزيدكم (ان تصبروا) معناه: ان صبرتم على الجهاد، وعلى ما أمركم الله تعالى (وتتقوا) معاصي الله، ومخالفة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. (ويأتوكم) يعني المشركين ان رجعوا اليكم (من فورهم هذا) أي: من وجههم هذا، عن ابن عباس والحسن وقتادة والربيع والسدي. وعلى هذا فانما هو من فور الابتدار لهم، وهو ابتداؤه. وقيل: معناه من غضبهم هذا، عن مجاهد وأبي صالح والضحاك. وكانوا قد غضبوا يوم أحد ليوم بدر، مما لقوا، فهو من فور الغضب وهو غليانه (يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة) أي: يعطكم مددا لكم ونصرة. وانما قال ذلك، لان الكفار في غزوة أحد ندموا بعد انصرافهم لم لم يغيروا على المدينة، وهموا بالرجوع، فأوحى الله الى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أن يأمر أصحابه بالتهيؤ للرجوع إليهم. وقال لهم: (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله). ثم قال: ان صبرتم على الجهاد، وراجعتم الكفار، أمدكم الله بخمسة آلاف من الملائكة مسومين. فأخذوا في الجهاد، وخرجوا يتبعون الكفار على ما كان بهم من الجراح. فأخبر المشركين من مر برسول الله، أنه خرج يتبعكم. فخاف المشركون ان رجعوا أن تكون الغلبة للمسلمين، وان يكون قد التأم إليهم من كان تأخر عنهم، وانضم إليهم غيرهم، فدسوا نعيم بن مسعود الاشجعي، حتى يصدهم بتعظيم أمر قريش، وأسرعوا في الذهاب الى مكة، وكفى الله المسلمين أمرهم، والقصة معروفة. ولذلك قال قوم من المفسرين: ان جميعهم ثمانية آلاف. وقال الحسن: خمسة آلاف جميعهم، منهم ثلاثة آلاف المنزلين. على أن الظاهر يقتضي أن الامداد بثلاثة آلاف كان يوم بدر، لان قوله (إذ تقول للمؤمنين) الاية يتعلق بقوله: (ولقد نصركم الله ببدر) الاية. ثم استأنف حكم يوم أحد فقال: (بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا) أي: ان يرجعوا اليكم بعد انصرافهم، أمدكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين، وهذا قول البلخي، ورواه عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال: لم يمدوا يوم أحد، ولا بملك واحد. وعلى هذا فلا تنافي بين الايتين.

[ 383 ]

فمتى يسأل: كيف لم يمدوا بالملائكة في سائر الحروب ؟ فالجواب: ان ذلك تابع للمصلحة، فإذا علم الله في امدادهم المصلحة أمدهم. وقوله (مسومين) بالكسر أي: معلمين أعلموا أنفسهم. ومسومين بالفتح: سومهم الله أي: أعلمهم. قال ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم: كانوا أعلموا بالصوف في نواصي الخيل وأذنابها. وقال عروة: نزلت الملائكة يوم بدر على خيل بلق، وعليهم عمائم صفر. وقال علي وابن عباس: كانت عليهم عمائم بيض، وأرسلوا أذنابها بين أكتافهم. قال السدي: معنى مسومين بالفتح: مرسلين من الناقة السائمة أي: المرسلة في المرعى. (وما جعله الله الا بشرى لكم) أي: وما جعل الله الامداد والوعد به. فالهاء عائدة على غير مذكور باسمه، وهو معلوم بدلالته عليه، لان يمدد يدل على الامداد. وبشرى لكم أي: بشارة لكم لتستبشروا به، (ولتطمئن قلوبكم به) أي: ولتسكن قلوبكم فلا تخافوا كثرة عدد العدو، وقلة عددكم. (وما النصر) أي: وما المعونة (الا من عند الله) ومعناه: ان الحاجة الى الله تعالى لازمة في المعونة، وان أمدكم بالملائكة فلا استغناء لكم عن معونته طرفة عين، في تقوية قلوبكم، وخذلان عدوكم، بضعف قلوبهم الى غير ذلك. وقيل: ان معناه وما هذا النصر بامداد الملائكة، الا من عند الله (العزيز) أي: القادر على انتقامه من الكفار بأيدي المؤمنين (الحكيم) في تدبيره للمؤمنين وللعالمين. وانما قال ذلك ليعلمهم أن حربهم للمشركين انما هو لاعزاز الدين. وقيل: العزيز المنيع باقتداره، والحكيم: في تدبيره للخلق. فصل وجيز في ذكر مغازي رسول الله (ص): قال المفسرون: جميع ما غزا رسول الله بنفسه ستة وعشرون غزاة، وأول غزاة غزاها غزوة الابواء، ثم غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، ثم غزوة بدر الاولى، ثم غزوة بدر الكبرى، ثم غزوة بني سليم، ثم غزوة السويق، ثم غزوة ذي أمر، ثم غزوة أحد (1)، ثم غزوة الاسد، ثم غزوة بني النضير، ثم غزوة ذات الرقاع، ثم غزوة بدر الاخيرة، ثم غزوة دومة الجندل (2)، ثم غزوة بني قريظة، ثم غزوة بني * هامش * (1) (ثم غزوة نجران). (2) (ثم غزوة الخندق).

[ 384 ]

لحيان، ثم غزوة بني قرد، ثم غزوة بني المصطلق، ثم غزوة الحديبية، ثم غزوة خيبر، ثم غزوة الفتح فتح مكة، ثم غزوة حنين، ثم غزوة الطائف، ثم غزوة تبوك. قاتل منها في تسع غزوات: غزوة بدر الكبرى، وهو يوم الجمعة، السابع عشر من رمضان، سنة اثنتين من الهجرة وأحد وهو في شوال، سنة ثلاث من الهجرة. والخندق وبني قريظة، في شوال سنة أربع. وبني المصطلق وبني لحيان، في شعبان سنة خمس. وخيبر، سنة ست. والفتح، في رمضان (1) ثمان. وحنين والطائف، في شوال سنة ثمان. فأول غزوة غزاها بنفسه، فقاتل فيها بدر، وآخرها تبوك. وأما عدد سراياه فستة وثلاثون سرية، على ما عد في مواضعه. (ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين 127 ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم أو يعذبهم فانهم ظالمون 128). اللغة: الكبت: الخزي، وهو مصدر كبت الله العدو أي: أخزاه وأذله. وقال الخليل: الكبت صرع الشئ على وجهه. كبتهم الله فانكبتوا. وحقيقة الكبت: شدة الوهن الذي يقع في القلب، وربما صرع الانسان لوجهه للخور الذي يدخله. والخائب: المنقطع عما أمل، ولا يكون الخيبة الا بعد الامل، لانها امتناع نيل ما أمل. واليأس: قد يكون قبل الامل، وقد يكون بعده. واليأس والرجاء نقيضان يتعاقبان كتعاقب الخيبة والظفر. الاعراب: نصب (أو يتوب عليهم) على وجهين: أحدهما: أن يكون عطفا على (ليقطع) ويكون قوله (ليس لك من الامر شئ) اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه، كما تقول: ضربت زيدا، فافهم ذلك وعمرا. والاخر: ان يكون أو بمعنى الا أن فكأنه قال: ليس لك من الامر شئ الا ان يتوب الله عليهم، أو يعذبهم. فيكون أمرك تابعا لامر الله لرضاك بتدبيره فيهم. المعنى: (ليقطع طرفا من الذين كفروا) اختلف في وجه اتصاله بما قبله، فقيل: يتصل بقوله (وما النصر الا من عند الله) ومعناه: أعطاكم الله هذا النصر، وخصكم به، ليقطع طائفة من الذين كفروا بالاسر والقتل. وقيل: هو متصل بقوله * هامش * (1) (سنة). (*)

[ 385 ]

(ولقد نصركم الله ببدر) أي: ولقد نصركم الله ببدر، ليقطع طرفا. وقيل: معناه ذلك التدبير ليقطع طرفا أي: قطعة منهم. والمعنى: ليهلك طائفة منهم. وقيل: ليهدم ركنا من أركان الشرك بالقتل والاسر. وأما اليوم الذي قطع الله فيه الطرف من الذين كفروا، فيوم بدر، قتل فيه صناديدهم، ورؤساءهم، وقادتهم الى الكفر، في قول الحسن والربيع وقتادة. وقيل: هو يوم أحد، قتل فيه منهم ثمانية عشر رجلا. وانما قال: (لقطع طرفا منهم)، ولم يقل ليقطع وسطا منهم، لانه لا يوصل الى الوسط منهم الا بقطع الطرف، ولأن الطرف أقرب الى المؤمنين، فهو كما قال (قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) (أو يكبتهم) معناه: أو يخزيهم بالخيبة مما أملوا من الظفر بكم، عن قتادة والربيع. وقيل: معناه يردهم عنكم منهزمين، عن الجبائي والكلبي. وقيل: يصرعهم الله على وجوههم. وقيل: يظفركم عليهم، عن المبرد. وقيل: يلعنهم، عن السدي. وقيل: يهلكهم، عن أبي عبيدة. (فينقلبوا خائبين) لم ينالوا مما أملوا شيئا. (ليس لك من الامر شئ) قيل: هو متصل بقوله: (وما النصر الا من عند الله) فيكون معناه: نصركم الله ليقطع طرفا منهم ويكبتهم وليس لك ولا لغيرك من هذا النصر شئ، عن ابي مسلم. وقيل: انه اعتراض بين الكلامين. وقوله: (أو يتوب عليكم) متصل بقوله: (ليقطع طرفا)، فيكون التقدير: ليقطع طرفا منهم أو يكبتهم، أو يتوب عليهم، أو يعذبهم، فانهم قد استحقوا العذاب، وليس لك أي: ليس اليك من هذه الاربعة شئ، وذلك الى الله تعالى. واختلف في سبب نزوله: فروي عن أنس بن مالك وابن عباس والحسن وقتادة والربيع انه لما كان من المشركين يوم أحد، ما كان من كسر رباعية الرسول، وشجه حتى جرت الدماء على وجهه، قال: كيف يفلح قوم نالوا هذا من نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وهو مع ذلك حريص على دعائهم الى ربهم، فأعلمه الله أنه ليس إليه فلاحهم، وأنه ليس إليه الا أن يبلغ الرسالة، ويجاهد حتى يظهر الدين، وانما ذلك الى الله تعالى. وكان الذي كسر رباعيته وشجه في وجهه، عتبة بن أبي وقاص. فدعا عليه بأن لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا، فمات كافرا قبل أن يحول الحول. وأدمى وجهه رجل من هذيل يقال له عبد الله بن قمية، فدعا عليه فكان حتفه ان سلط الله عليه تيسا فنطحه حتى قتله. وروي انه كان يمسح الدم على وجهه، ويقول: (اللهم

[ 386 ]

اهد قومي فانهم لا يعلمون). فعلى هذا يمكن أن يكون على وجل من عنادهم واصرارهم على الكفر، فاخبره تعالى انه ليس إليه الا ما أمر به من تبليغ الرسالة، ودعائهم الى الهدى، وذلك مثل قوله: (فلعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين) وقيل: انه استأذن ربه في يوم أحد في الدعاء عليهم، فنزلت الاية، فلم يدع عليهم بعذاب الاستيصال، وانما لم يؤذن له فيه، لما كان في المعلوم من توبة بعض، عن ابي علي الجبائي. وقيل: أراد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعو على المنهزمين عنه من اصحابه يوم أحد، فنهاه الله عن ذلك، وتاب عليهم، ونزلت الاية: (ليس لك من الامر شئ) أي: ليس لك أن تلعنهم، وتدعو عليهم، عن عبد الله بن مسعود. وقيل: لما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمون ما فعل بأصحابه، وبعمه حمزة، من المثلة من جدع الانوف والاذان، وقطع المذاكير، قالوا: لئن أدالنا الله منهم لنفعلن بهم مثل ما فعلوا بنا، ولنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط. فنزلت الاية، عن محمد بن اسحاق والشعبي. وقيل: نزلت في أهل (بئر معونة) وهم سبعون رجلا من قراء اصحاب رسول الله، وأميرهم المنذر بن عمرو، بعثهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الى (بئر معونة) في صفر، سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أخد، ليعلموا الناس القرآن والعلم، فقتلهم جميعا عامر بن الطفيل، وكان فيهم عامر بن فهيرة، مولى ابي بكر، فوجد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك وجدا شديدا، وقنت عليهم شهرا. فنزل: (ليس لك من الامر شئ)، عن مقاتل. والاصح انها نزلت في أحد، لان أكثر العلماء عليه، ويقتضيه سياق الكلام، وانما قال: ليس لك من الامر شئ، مع ان له صلى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم الى الله. ويؤدي إليهم بتبليغهم، لان معناه ليس لك شئ من أمر عقابهم، واستيصالهم، أو الدعاء عليهم، أو لعنهم حتى تقع انابتهم، فجاء الكلام على الايجاز، لان المعنى مفهوم لدلالة الكلام عليه، وأيضا فانه لا يعتد بما له صلى الله عليه وآله وسلم في تدبيرهم، مع تدبير الله لهم، فكأنه قال: ليس لك من الامر شئ على وجه من الوجوه. وقوله: (أو يتوب عليهم) قيل في معناه وجهان أحدهما: أو يلطف لهم بما يقع معه توبتهم، فيتوب عليهم بلطفه لهم. والاخر: أو يقبل توبتهم إذا تابوا كقوله: (غافر الذنب وقابل التوب). ولا يصح هذه الصفة الا لله تعالى، لانه يملك الجزاء بالثواب، والعقاب (أو يعذبهم) أي: يعذبهم الله تعالى ان لم يتوبوا (فانهم

[ 387 ]

ظالمون) أي: مستحقون للعذاب بظلمهم. وفي هذه الاية دلالة على ان ما يتعلق بالنصر والظفر، وقبول التوبة والتعذيب، فانما هو الى الله، وليس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك شئ، وانما إليه الهداية والدعاء، فكأنه قال: لا ترفع عنهم السيف الى أن يتوبوا فيتوب عليهم، أو يقوموا على كفرهم، فيعذبهم بظلمهم. (ولله ما في السموات وما في الارض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله غفور رحيم 129). اللغة: انما ذكر لفظ (ما) لانها أعم من من، فانها تتناول ما يعقل، وما لا يعقل، لانها تفيد الجنس. ولو قال: من في السماوات، لم يدخل فيه الا العقلاء، الا أن يحمل على التغليب، وذلك ليس بحقيقة. المعنى: لما قال تعالى: (ليس لك من الامر شئ) عقب ذلك بأن الامر كله له فقال: (ولله ما في السموات وما في الارض) ملكا وملكا، وخلقا واقتدارا، على الجميع، يصرفهم كيف يشاء، ايجادا وافناء واعادة (يغفر لمن يشاء) من المؤمنين ذنوبهم، فلا يؤاخذهم بها، ولا يعاقبهم عليها، رحمة منه وفضلا. (ويعذب من يشاء) أي: ويعذب الكافرين، ومن يشاء من مذنبي المؤمنين، ان مات قبل التوبة عدلا. ويدل عليه مفسرا قوله: (ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء). ولولا ذلك لكنا نجوز العفو على الجميع عقلا. وقيل: انما أبهم الله الامر بالتعذيب والمغفرة، فلم يبين من يغفر له، ومن يشاء تعذيبه، ليقف المكلف بين الخوف والرجاء، فلا يأمن من عذاب الله تعالى، ولا ييأس من روح الله (1) الا القوم الكافرون. ويلتفت الى هذا قول الصادق عليه ا لسلام: لو وزن رجاء المؤمن وخوفه لاعتدلا. وقيل: انما علق الغفران أو العذاب بالمشيئة، لان المشيئة مطابقة للحكمة، فلا يشاء الا ما تقتضي الحكمة مشيئة. وسئل بعضهم: كيف يعذب الله عباده بالاجرام مع سعة رحمته ؟ فقال: رحمته لا تغلب حكمته، إذ لا تكون رحمته برقة القلب، كما تكون الرحمة منا. وعن ابن عباس قال: معنى الاية يغفر لمن يشاء، ويعذب من يشاء، ممن لم يتب. * هامش * (1) (إذ الامن من عذاب الله خسر، واليأس من رحمته كفر، كما قال سبحانه (فلا يأمن مكر الله الا القوم الخاسرون)، (ولا ييأس من روح الله). (*)

[ 388 ]

(يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعاعفا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون 130 واتقوا النار التي أعدت للكافرين 131 وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون 132). المعنى: لما ذكر سبحانه ان له التعذيب لمن يشاء، والمغفرة لمن يشاء، وصل ذلك بالنهي عما لو فعلوا لاستحقوا عليه العذاب، وهو الربا، فقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (لا تأكلوا الربا) ذكر الاكل لانه معظم الانتفاع، وان كان غيره من التصرفات أيضا منهيا عنه. والرباء: الزيادة على أصل المال بالتأخير عن الاجل الحال. وقيل: هو ربا الجاهلية، عن عطا ومجاهد (أضعافا مضاعفة) قيل في معناه قولان أحدهما: أن يضاعف بالتأخير أجلا بعد أجل، كلما أخر عن أجل الى غيره زيد زيادة على المال. والثاني: معناه تضاعفون به أموالكم، ويدخل فيه كل زيادة محرمة في المعاملة من جهة المضاعفة. ووجه تحريم الربا هو المصلحة التيى علمها الله، وذكر فيه وجوه على وجه التقريب منها أنه للفصل بينه وبين البيع. ومنها أنه يدعو الى العدل، ويحض عليه. ومنها أنه يدعو الى مكارم الاخلاق بالاقراض، وانظار المعسر من غير زيادة، وهو المروي عن أبي عبد الله عليه السلام. وانما أعاد تحريم الربا مع ما سبق ذكره في سورة البقرة لأمرين أحدهما: التصريح بالنهيى عنه بعد الاخبار بتحريمه، لما في ذلك من تصريف الخطر له، وشدة التحذير منه. والثاني: لتأكيد النهي عن هذا الضرب منه الذي يجري على الاضعاف المضاعفة. (واتقوا الله) أي: اتقوا معاصيه. وقيل: اتقوا عقابه بترك معاصيه (لعلكم تفلحون) لكي تنجحوا بادراك ما تأملونه، وتفوزوا بثواب الجنة (واتقوا النار) أي: اتقوا الافعال الموجبة لدخول النار (التي أعدت للكافرين) أي: هيئت واتخذت للكافرين. والوجه في تخصيص الكفار باعداد النار لهم أنهم معظم أهل النار، فهم العمدة في اعداد النار لهم، وغيرهم من الفاسقين يدخلونها على وجه التبع، فهو كقوله (1) (أعدت للمتقين). ومعلوم أنه قد يدخلها غير المتقين من الاطفال والمجانين. وقال الحسن: تخصيص الكفار باعداد النار لهم، لا يمنع من مشاركة * هامش * (1) (في صفة الجنة). (*)

[ 389 ]

غيرهم اياهم، كما ان تخصيص المرتدين باسوداد الوجوه، لا يمنع من مشاركة سائر الكفار اياهم، ومثله في القرآن كثير. والاصل أن تخصيص الشئ بالذكر لا يدل على أن ما عداه بخلافه. (وأطيعوا الله) فيما أمركم به، (و) أطيعوا (الرسول) فيما شرع لكم. (لعلكم ترحمون) أي: لكي ترحموا فلا يعذبكم. ومما يسأل على هذا أن يقال: إذا كانت طاعة الرسول طاعة الله، فما وجه التكرار ؟ فالجواب عنه شيئان أحدهما: ان المقصد بها طاعة الرسول فيما دعا إليه مع القصد لطاعة الله والثاني: انما قال ذلك ليعلم أن من أطاعه فيما دعا إليه، فهو كمن أطاع الله، فيسارع الى ذلك بأمر الله. النظم: وقد قيل في وجه اتصال هذه الاية بما قبلها قولان أحدهما: لاتصال الامر بالطاعة بالنهي عن أكل الربا، فكأنه قال: وأطيعوا الله فيما نهاكم عنه من أكل الربا وغيره والثاني: ما قاله محمد بن اسحاق بن يسار: انه معاتبة للذين عصوا رسول الله لما أمرهم به (يوم أحد) من لزوم مراكزهم، فخالفوا واشتغلوا بالغنيمة (1)، وكان ذلك سبب هزمية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. (وسارعوا الى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والارض أعدت للمتقين 133 الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين 134). القراءة: قرأ أهل المدينة، والشام: (سارعوا) بغير واو، وكذلك هو في مصاحفهم. والباقون بالواو. وكذلك هو في مصاحف مكة والعراق. الحجة: والفرق بينهما استئناف الكلام إذا كان بغير واو، ووصلها بما تقدم إذا قرئ بواو، لانه يكون عطفا على ما تقدم. ويجوز أيضا ترك الواو لان الجملة الثانية متلبسة بالاولى، مستغنية عن عطفها بالواو، كما جاء في التنزيل: (ثلاثة رابعهم كلبهم) وقال (سبعة وثامنهم كلبهم). اللغة: أصل الكظم: شد رأس القربة عن ملئها، تقول كظمت القربة: إذا * هامش * (1) (الا طائفة منهم قتلوا). (*)

[ 390 ]

ملأتها ماء ثم شددت رأسها. وفلان كظيم ومكظوم: إذا كان ممتلئا حزنا، وكذلك إذا كان ممتلئا غضبا لم ينتقم. وكظم البعير: إذا لم يجتر. والكظامة: القناة التي تجري تحت الارض، سميت بذلك لامتلائها تحت الارض. وفي (غريب الحديث) لابي عبيدة: (عن أوس بن أبي أوس، أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتى كظامة قوم، فتوظأ ومسح على قدميه). ويقال: أخذ بكظمه أي: مجرى نفسه لانه موضع الامتلاء بالنفس. والفرق بين الغيظ والغضب أن الغضب ضد الرضا: وهو ارادة العقاب المستحق بالمعاصي ولعنه، وليس كذلك الغيظ: لانه هيجان الطبع بتكره ما يكون من المعاصي، ولذلك يقال: غضب الله على الكفار، ولا يقال: اغتاظ منهم. المعنى: لما حذر الله تعالى عن الافعال الموجبة للعقاب، عقبه بالحث على الافعال الموجبة للثواب، فقال: (وسارعوا) أي: بادروا (الى مغفرة من ربكم) باجتناب معاصيه، ومعناه الى الاعمال التي توجب المغفرة. واختلف في ذلك فقيل: سارعوا الى الاسلام، عن ابن عباس. وقيل: الى أداء الفرائض عن علي بن أبي طالب عليه السلام. وقيل: الى الهجرة، عن ابي العالية. وقيل: الى التكبيرة الاولى، عن أنس بن مالك. وقيل: الى أداء الطاعات، عن سعيد بن جبير. وقيل: الى الصلوات الخمس، عن يمان. وقيل: الى الجهاد، عن الضحاك. وقيل: الى التوبة، عن عكرمة (وجنة) أي: والى جنة (عرضها السماوات والارض). واختلف في معناه على أقوال أحدها: ان المعنى عرضها كعرض السماوات السبع، والارضين السبع، إذا ضم بعض ذلك الى بعض، عن ابن عباس والحسن، واختاره الجبائي والبلخي. وانما ذكر العرض بالعظم دون الطول، لانه يدل على أن الطول أعظم من العرض، وليس كذلك لو ذكر الطول دون العرض. ومثل الاية قوله: (ما خلقكم ولا بعثكم الا كنفس واحدة) ومعناه: الا كخلق وبعث نفس واحدة، وقال الشاعر: كأن عذيرهم بجنوب سلى، نعام قاق في بلد قفار (1) أي: عذير نعام، وقال آخر: * هامش * (1) قائله شفيق، وبنسب الى أعشى أيضا. العذير: الحال التي يحاولها المرء يعذر عليها. وسلى: اسم موضع. وقاق الطائر: صوت، وكأنه يقول: هزمناهم شر هزيمة، وكانت حالهم مثل حال الطائر الذي في أرض قفرة، إذا أتاه الصياد. (*)

[ 391 ]

حسبت بغام راحلتي عناقا، وما هي ويب غيرك بالعناق (1) أي: صوت عناق. وثانيها: ان معناه ثمنها لو بيعت كثمن السماوات والارض لو بيعتا، كما يقال: عرضت هذا المتاع للبيع، والمراد بذلك: عظم مقدارها، وجلالة قدرها، وأنه لا يساويها شئ، وان عظم، عن ابي مسلم الاصفهاني، وهذا وجه مليح الا أن فيه تعسفا. وثالثها: ان عرضها لم يرد به العرض الذي هو خلاف الطول، وانما أراد سعتها وعظمها. والعرب إذا وصفت الشئ بالسعة، وصفته بالعرض، قال امرؤ القيس: بلاد عريضة وأرض أريضة (2) مواقع عيث في فضاء عريض وقال ذو الرمة: (فأعرض في المكارم واستطالا) أي: توسع فيها. ويسأل فيقال: إذا كانت الجنة عرضها كعرض السماء والارض، فأين تكون النار ؟ فجوابه: انه روي ان النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن ذلك، فقال: سبحان الله إذا جاء النهار فأين الليل ؟ وهذه معارضة فيها اسقاط المسألة، لان القادر على أن يذهب بالليل حيث شاء، قادر على أن يخلق النهار حيث شاء. ويسأل أيضا فيقال: إذا كانت الجنة في السماء، فكيف يكون لها هذا العرض ؟ والجواب: انه قيل: ان الجنة فوق السماوات السبع تحت العرش، عن أنس بن مالك. وقيل: ان الجنة فوق السماوات السبع، عن قتادة. وقيل: ان معنى قولهم: ان الجنة في السماء انها في ناحية السماء. وجهة السماء، لا أن السماء تحويها. ولا ينكر ان يخلق الله في العلو أمثال السماوات والارضين. فان صح الخبر أنها في السماء الرابعة، كان كما يقال: في الدار بستان، لاتصاله بها، وكونه في ناحية منها، أو يشرع إليها بابها، وان كان أضعاف الدار. وقيل: ان الله يريد في عرضها يوم القيامة، فيكون المراد عرضها السماوات والارض يوم القيامة، لا في الحال، عن ابي بكر أحمد بن علي، مع تسليم أنها في السماء. وقوله (أعدت للمتقين) أي: المطيعين لله ولرسوله، لاجتنابهم المقبحات، وفعلهم الطاعات. ويجوز لاحتجازهم بالطاعة عن العقوبة. وانما * هامش * (1) قائلة الطهوي. البغام: صوت الظبية أو الناقة واستعاره هنا للمعز. والعناق: أنثى المعز. (2) أرض أريضة: زكية بينة الاراضة. (*)

[ 392 ]

أضيفت الى المتقين لانهم المقصودون بها، وان دخلها غيرهم من الاطفال والمجانين، فعلى وجه التبع. وكذلك حكم الفساق لو عفي عنهم. وقيل معناه: انه لولا المتقون لما خلقت الجنة، كما يقال: وضعت المائدة للامير. وهذا يدل على ان الجنة مخلوقة اليوم، لانها لا تكون معدة الا وهي مخلوقة (الذين ينفقون في السراء والضراء) صفة للمتقين. وفي معنى السراء والضراء قولان أحدهما: ان معناه في اليسر والعسر، عن ابن عباس. أي: في حال كثرة المال، وقلته والثانيى: في حال السرور والاغتمام أيى: لا يقطعهم شئ من ذلك، عن انفاق المال في وجوه البر. (والكاظمين الغيظ) أي: المتجرعين للغيظ عند امتلاء نفوسهم منه، فلا ينتقمون ممن يدخل عليهم الضرر، بل يصبرون على ذلك (والعافين عن الناس) يعني: الصافحين عن الناس، المتجاوزين عما يجوز العفو والتجاوز عنه، مما لا يؤدي الى الاخلال بحق الله تعالى. وقيل: العافين عن المملوكين (والله يحب المحسنين) أي: من فعل ذلك فهو محسن، والله يحبه بايجاب الثواب له. ويحتمل أن يكون الاحسان شرطا مضموما الى هذه الشرائط، قال الثوري: الاحسان أن تحسن الى من أساء اليك، فأما من أحسن اليك فانه متاجرة كنقد السوق، خذ مني وهات. فصل: فأول ما عدد الله من أخلاق أهل الجنة السخاء، ومما يؤيد ذلك من الاخبار ما رواه أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (السخاء شجرة في الجنة، أغصانها في الدنيا من تعلق بغصن من أغصانها قادته الى الجنة. والبخل شجرة في النار، أغصانها في الدنيا، فمن تعلق بغصن من أغصانها، قادته الى النار). وقال علي عليه السلام: الجنة دار الاسخياء. وقال عليه السلام: السخي قريب من الله، قريب من الجنة، قريب من الناس، بعيد من النار، والبخيل (1) بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار. ثم عد تعالى بعد ذلك من أخلاق أهل الجنة كظم الغيظ، مما جاء فيه من الاخبار ما رواه أبو امامة قال: قال رسول الله: (من كظم غيظه وهو قادر على انفاذه، * هامش * (1) (بعيد من الله). (*)

[ 393 ]

ملأه الله يوم القيامة رضا). وفي خبر آخر: (ملأه الله يوم القيامة أمنا وايمانا). وقال أيضا: (كاظم الغيظ كضارب السيف في سبيل الله في وجه عدوه وملأ الله قلبه رضا). وفي خبر آخر: (ملأ الله قلبه يوم القيامة أمنا وأمانا). وقال عليه السلام: (ليس الشديد بالصرعة، انما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب). ثم ذكر العافين عن الناس وروى ان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ان هؤلاء في أمتي قليل، الا من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الامم التي مضت). وفي هذا دليل واضح على ان العفو عن المعاصي مرغب فيه، مندوب إليه، وان لم يكن واجبا. قال النبي صلى الله عليه واله وسلم: (ما عفا رجل عن مظلمة قط، الا زاده الله بها عزا). ثم ذكر سبحانه أنه يحب المحسنين والمحسن هو المنعم على غيره على وجه عار من وجوه القبح، ويكون المحسن أيضا هو الفاعل للافعال الحسنة من وجوه الطاعات والقربات. وروي ان جارية لعلي بن الحسين، جعلت تسكب عليه الماء ليتهيأ للصلاة، فسقط الابريق من يدها فشجه، فرفع رأسه إليها، فقالت له الجارية: ان الله تعالى يقول: (والكاظمين الغيظ) فقال لها: قد كظمت غيظي. قالت: (والعافين عن الناس) قال: قد عفا الله عنك. قالت: (والله يحب المحسنين) قال: اذهبي فأنت حرة لوجه الله. (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب الا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون 135 أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين 136). اللغة: أصل الفاحشة الفحش: وهو الخروج الى عظيم القبح، أو رأي العين فيه، ولذلك قيل للطويل المفرط: انه لفاحش الطول. وأفحش فلان: إذا أفصح بذكر الفحش. والاصرار: أصله الشد من الصرة. والصر: شدة البرد، فكأنما هو ارتباط الذنب بالاقامة عليه. وقيل: أصله الثبات على الشئ. وقال الحطيئة يصف الخيل:

[ 394 ]

عوابس بالشعث الكماة إذا انتقوا علالتها بالمخصرات أصرت (1) أي: إذا اختاروا بقية جريها بالسياط، ثبتت على جريها. الاعراب: (والذين): عطف على المتقين. وقيل: رفع على الاستئناف، كأنه عطف جملة على جملة. فعلى القول الاول: هم فرقة واحدة. وعلى القول الثانيى: هم فرقتان. ويجوز أن يكون راجعا الى الاولين. ويكون محله رفعا على المدح. وقوله: (الا الله) يرتفع الله حملا على المعنى، لا على اللفظ، إذ قبله جحد وتقديره: وهل يغفر الذنوب أحد الا الله، أو هل رأى أحد يغفر الذنوب الا الله. ومعناه: لا يغفر الذنوب الا الله، لان الاستفهام قد يقع موقع النفي (ونعم أجر العاملين): المخصوص بالمدح محذوف، وتقديره ونعم أجر العاملين أجرهم. النزول: روي ان قوما من المؤمنين قالوا: يا رسول الله ! بنو اسرائيل أكرم على الله منا، كان أحدهم إذا أذنب أصبحت كفارة ذنبه مكتوبة على عتبة بابه: (اجدع أنفك، أو أذنك، افعل كذا) فسكت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فنزلت الاية، فقال: ألا أخبركم بخير من ذلكم ؟ وقرأ عليهم هذه الاية، عن ابن مسعود. وفي ذلك تسهيل لما كان قد شدد فيه على بني اسرائيل، إذ جعل الاستغفار بدلا منه. وقيل: نزلت في نبهان التمار، أتته امرأة تبتاع منه تمرا، فقال لها: ان هذا التمر ليس بجيد، وفي البيت أجود منه. وذهب بها الى بيته، فضمها الى نفسه، فقبلها، فقالت له: اتق الله. فتركها وندم، وأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم وذكر له ذلك. فنزلت الاية، عن عطاء المعنى: (والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم) اختلفوا في الفاحشة وظلم النفس، فقيل: الفاحشة الزنا. وظلم النفس: سائر المعاصي، عن السدي وجابر. وقيل: الفاحش: الكبائر، وظلم النفس: الصغائر، عن القاضي عبد الجبار ابن أحمد الهمداني. وقيل: الفاحشة: اسم لكل معصية ظاهرة وباطنة، الا أنها لا تكاد تقع الا على الكبيرة، عن علي بن عيسى. وقيل: فعلوا فاحشة فعلا، أو ظلموا أنفسهم قولا. (ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم) أي: ذكروا وعيد الله فانزجروا عن المعصية، واستغفروا لذنوبهم، فيكون من الذكر بعد النسيان، وانما مدحهم لانهم * هامش * (1) الشعث: من لم يتعاهد شعره بالمشط، والكماة جمع الكمي: الشجاع. والانتقاء: الاختيار. العلالة: بقية جري الفرس. (*)

[ 395 ]

تعرضوا للذكر. وقيل: ذكروا الله بأن قالوا: اللهم اغفر لنا ذنوبنا فانا تبنا نادمين عليها، مقلعين عنها. وقوله: (ومن يغفر الذنوب الا الله) من لطيف فضل الله تعالى، وبليغ كرمه، وجزيل منته، وهو الغاية في ترغيب العاصين في التوبة، وطلب المغفرة، والنهاية في تحسين الظن للمذنبين، وتقوية رجاء المجرمين. وهذا كما يقول السيد لعبده، وقد أذنب ذنبا: اعتذر الي ومن يقبل عذرك سواي. وإذا سئل: ان العباد قد يغفر بعضهم لبعض الاساءة ؟ فالجواب: ان الذنوب التي يستحق عليها العقاب، لا يغفرها الا الله. وأيضا فانه أراد سبحانه غفران الكبائر العظام، والاساءة من بعضنا على بعض صغيرة بالاضافة إليها (ولم يصروا على ما فعلوه) أي: لم يقيموا على المعصية، ولم يواظبوا عليها، ولم يلزموها. وقال الحسن: هو فعل الذنب من غير توبة، وهو قريب من الاول، وذلك لا يكفي، فان التوبة مجرد الاستغفار مع الاصرار، وذلك ان الاستغفار انما يؤثر عند ترك الاصرار. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انه قال: (لا صغيرة مع الاصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار) يعني لا تبقى الكبيرة كبيرة مع التوبة والاستغفار، ولا تبقى الصغيرة صغيرة مع الاصرار. وفي تفسير ابن عباس: الاصرار السكون على الذنب بترك التوبة، والاستغفار منه. وقوله (وهم يعلمون) يحتمل وجوها أحدها: ان معناه وهم يعلمون الخطيئة ذاكرين لها، غير ساهين ولا ناسين، لانه تعالى يغفر للعبد ما نسيه من ذنوبه، وان لم يتب منه بعينه، عن الجبائي والسدي. وثانيها: ان معناه وهم يعلمون الحجة في أنها خطيئة، فإذا لم يعلموا، ولا طريق لهم الى العلم به، كان الاثم موضوعا عنهم، كمن تزوج أمة من الرضاع والنسب، وهو لا يعلم به، فإذا لا يأثم. وهذا معنى قول ابن عباس والحسن. وثالثها: ان المراد وهم يعلمون أن الله يملك مغفرة ذنوبهم، عن الضحاك. (أولئك): اشارة الى من تقدم وصفهم من المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء الى آخر الكلام أي: هؤلاء (جزاؤهم) على أعمالهم وتوبتهم (مغفرة من ربهم) أي: ستر لذنوبهم (وجنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) قد مر تفسيرها في سورة البقرة (ونعم أجر العاملين) هذا يعني ما وصفه من الجنات، وأنواع الثواب، والمغفرة بستر الذنوب، حتى تصير كأنها لم تعمل في زوال العار

[ 396 ]

بها، والعقوبة عليها، والله تعالى متفضل بذلك، لان اسقاط العقاب عند التوبة، تفضل منه. وأما استحقاق الثواب بالتوبة، فواجب لا محالة عقلا، لانه لو لم يكن مستحقا بالتوبة، لقبح تكليفه التوبة، لما فيها من المشقة. النظم: قيل: ان الاية اتصلت بما قبلها، لانها من صفة المتقين. وقيل: بل هما فرقتان بين تعالى أن الجنة للمتقين المنفقين في السراء والضراء، الى آخر الاية. ولمن عثر ثم تاب، ولم يصر. (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين 137 هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين 138). اللغة: السنة: الطريقة المجعولة ليقتدى بها، ومن ذلك سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبيد: من معشر سنت لهم آباؤهم، ولكل قوم سنة، وامامها وقال سليمان بن قتة: وان الاولى بالطف من آل هاشم تآسوا فسنوا للكرام التآسيا وأصل السنة: الاستمرار في جهة، يقال: سن الماء: إذا صبه حتى يفيض من الاناء. وسن السكين بالمسن: إذا أمره عليه لتحديده، ومنه السن: واحد الاسنان لاستمرارها على منهاج. والسنان: لاستمرار الطعن به. والسنن: استمرار الطريق. والعاقبة: ما يؤدي إليها السبب المتقدم وليس كذلك الاخرة، لانه قد كان يمكن ان تجعل هي الاولى في العدة. والموعظة: ما يلين القلب، ويدعو الى التمسك بما فيه من الزجر عن القبيح والدعاء الى الجميل. وقيل: الموعظة هو ما يدعو بالرغبة والرهبة الى الحسنة، بدلا من السئية. المعنى: لما بين سبحانه ما يفعله بالمؤمن والكافر في الدنيا والاخرة، بين أن ذلك عادته في خلقه، فقال: (قد خلت) أي: قد مضت (من قبلكم) يا أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم. وقيل: هو خطاب لمن انهزم يوم أحد (سنن) من الله في الامم السالفة، إذا كذبوا رسله، وجحدوا نبوتهم بالاستئصال، وتبقية آثارهم في الديار للاعتبار والاتعاظ، عن الحسن وابن اسحاق. وقيل: سنن أي أمثال، عن ابن زيد.

[ 397 ]

وقيل: سنن أمم، والسنة: الامة، عن المفضل. وقال الشاعر ما عاين الناس من فضل كفضلكم، ولا رأوا مثلكم في سالف السنن وقيل: معناه أهل سنن. وقيل: معناه قد مضت لكل امة سنة ومنهاج، إذا اتبعوها، رضي الله عنهم، عن الكلبي (فسيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) أي: تعرفوا أخبار المكذبين، وما أنزل بهم، لتتعظوا بذلك، وتنتهوا عن مثل ما فعلوه، ولا تسلكوا في التكذيب والانكار طريقتهم، فيحل بكم من العذاب ما حل بهم. وأراد بالمكذبين الجاحدين للبعث والنشور، والثواب والعقاب، جازاهم الله تعالى في الدنيا بعذاب الاستئصال، وفي الاخرة بأليم العذاب، وعظيم النكال (هذا) اشارة الى القرآن (بيان للناس) أي: دلالة وحجة لهم كافة، عن الحسن، وقتادة. وقيل: اشارة الى ما تقدم من قوله (قد خلت من قبلكم سنن) أي هذا الذي عرفتكم بيان للناس، عن ابن ابي اسحاق، واختاره البلخي والطبري. (وهدى) قال علي بن عيسى: الفرق بين البيان والهدى أن البيان اظهار المعنى للغير كائنا ما كان. والهدى بيان لطريق الرشد ليسلك دون طريق الغي. (وموعظة للمتقين) وانما خص المتقين به مع كونه بيانا وهدى وموعظة للناس كافة، لان المتقين هم المنتفعون به، والمهتدون بهداه، والمتعظون بمواعظه. (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الاعلون ان كنتم مؤمنين 139 ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الايام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين 140). القراءة: قرأ أهل الكوفة، غير حفص: (قرح) بضم القاف فيهما، وكذلك قوله: (من بعد ما أصابهم القرح). والباقون: بفتح القاف. الحجة: قال أبو على ى: قرح وقرح مثل ضعف وضعف. والكره والكره، والدف ء والدف ء، والشهد والشهد. قال أبو الحسن: قرح يقرح قرحا وقرحا، فهذا يدل على أنهما مصدران. ومن قال ان القرح: الجراحات بأعيانها، والقرح: ألم

[ 398 ]

الجراحات قبل ذلك منه، إذا أتى فيه برواية، لان ذلك مما لا يعلم بالقياس. اللغة: الوهن: الضعف. والوهن والموهن: ساعة تمضي في الليل. الاعلون: واحدة الاعلى، ومؤنثة العلياء، وجمعه العليات والعلى. والفرق بين اللمس والمس ان اللمس لصوق باحساس. والمس: لصوق فقط. والدولة: الكرة لفريق بنيل المراد. وأدال الله فلانا من فلان: إذا جعل الكرة له عليه. وتداول القوم الشئ: إذا صار من بعضهم الى بعض. وضم الدال في الدولة وفتحها لغتان. وقيل: الضم في المال، والفتح في الحرب. الاعراب: (وأنتم الاعلون): جملة في موضع الحال: كأنه قال: لا تحزنوا عالين أي: منصورين على الاعداء. ويحتمل ان يكون لا موضع لها في الاعراب، لانها اعتراض بوعد مؤكد، وتقديره: ولا تهنوا، ولا تحزنوا ان كنتم مؤمنين وأنتم الاعلون مع ذلك. وقوله (وليعلم الله): العامل في اللام محذوف، يدل عليه أول الكلام، وتقديره وليعلم الله الذين آمنوا نداولها. ويجوز أن يعمل فيه نداولها الذي في اللفظ، وتقديره نداولها بين الناس بضروب من التدبير، وليعلم الله الذين آمنوا. النزول: قيل: نزلت الاية تسلية للمؤمنين، لما نالهم يوم أحد من القتل والجراح، عن الزهري، وقتادة، وابن أبي نجيح. وقيل: لما انهزم المسلمون في الشعب، وأقبل خالد بن الوليد بخيل من المشركين، يريد أن يعلو عليهم الجبل، فقال النبي: اللهم لا يعلن علينا، اللهم لا قوة لنا الا بك. اللهم ليس يعبدك بهذه البلدة الا هؤلاء النفر. فأنزل الله تعالى الاية. وتاب نفر رماة، فصعدوا الجبل، ورموا خيل المشركين حتى هزموهم، وعلا المسلمون الجبل، فذلك قوله: (وأنتم الاعلون) عن ابن عباس. وقيل: نزلت الاية بعد يوم أحد، حين أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اصحابه بطلب القوم، وقد أصابهم من الجراح ما أصابهم. وقال صلى الله عليه وآله وسلم: لا يخرج الا من شهد معنا بالامس. فاشتد ذلك على المسلمين، فأنزل الله تعالى هذه الاية، عن الكلبي. ودليله قوله تعالى: (ولا تهنوا) في ابتغاء القوم الاية. المعنى: ثم حث الله تعالى المسلمين على النجدة، ونهاهم عن الوهن والحزن، ووعدهم الغلبة في الحال، وحسن العاقبة في المآل، فقال: (ولا تهنوا) أي: ولا تضعفوا عن قتال عدوكم (ولا تحزنوا) بما يصيبكم في أموالكم وأبدانكم. وقيل: لا تضعفوا بما نالكم من الجراح، ولا تحزنوا على ما نالكم من المصائب بقتل

[ 399 ]

الاخوان. وقيل: لا تهنوا بما نالكم من الهزيمة، ولا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة (وأنتم الاعلون) أي: الظافرون المنصورون، الغالبون عليهم في العاقبة. وقيل: أراد وأنتم الاعلون في المكان. (ان كنتم مؤمنين) معناه: ان من كان مؤمنا يجب أن لا يهن، ولا يحزن، لثقته بالله. ويحتمل أن يكون معناه: ان كنتم مصدقين بوعدي لكم بالنصرة والظفر على عدوكم، فلا تهنوا، ولا تحزنوا. ثم أخذ سبحانه في تسلية المؤمنين، فقال: (ان يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) معناه: ان يصبكم جراح، فقد أصاب القوم جراح مثله، عن ابن عباس. وقيل: ان يصبكم ألم وجراح يوم أحد، فقد أصاب القوم ذلك يوم بدر. وقال أنس بن مالك: أتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعلي عليه السلام يومئذ، وفيه نيف وستون جراحة من طعنة وضربة ورمية، فجعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يمسحها، وهي تلتئم باذن الله، كأن لم تكن. وعن ابن عباس قال: لما كان يوم أحد، صعد أبو سفيان الجبل، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (اللهم انه ليس لهم أن يعلونا) فمكث أبو سفيان ساعة وقال: يوما بيوم، وان الايام دول، وان الحرب سجال. فقال عليه السلام: أجيبوه. فقالوا: لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار. فقال: لنا عزى، ولا عزى لكم ! فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (والله مولانا ولا مولى لكم). فقال أبو سفيان: أعل هبل. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (الله تعالى أعلى وأجل). (وتلك الايام نداولها بين الناس) أي: نصرفها (1) مرة لفرقة، ومرة عليها، عن الحسن وقتادة والربيع والسدي وابن اسحاق. وانما يصرف الله الايام بين المسلمين، وبين الكفار، بتخفيف المحنة عن المسلمين أحيانا، وتشديدها عليهم أحيانا، لا بنصرة الكفار عليهم، لان الله لا ينصر الكفار على المسلمين، لان النصرة تدل على المحبة، والله تعالى لا يحب الكافرين، وانما جعل الله الدنيا متقلبة، لكيلا يطمئن المسلم إليها، ولتقل رغبته فيها، أو حرصه عليها، إذ تفنى لذاتها، ويظعن مقيمها، ويسعى للاخرة التي يدوم نعيمها. وانما جعل الدولة مرة للمؤمنين، ومرة عليهم، ليدخل الناس في الايمان على الوجه الذي يجب الدخول فيه كذلك، وهو قيام الحجة، فانه لو كانت الدولة أبدا للمؤمنين، لكان الناس يدخلون في الايمان على سبيل اليمن والفال. على أن كل * هامش * (1) أي: مرة لنا، ومرة علينا. (*)

[ 400 ]

موضع حضره النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يخل من ظفر، اما في ابتداء الامر، واما في انتهائه، وانما لم يستمر ذلك لما بيناه. وقوله (وليعلم الله الذين آمنوا) المفعول الثاني ليعلم محذوف، وتقديره وتلك الايام نداولها بين الناس لوجوه من المصالح، وضروب من الحكمة، وليعلم الله الذين آمنوا متميزين بالايمان من غيرهم. وعلى هذا لا يكون يعلم بمعنى يعرف، لانه ليس المعنى أنه يعرف الذوات، بل المعنى أنه يعلم تميزها بالايمان. ويجوز ان يكون المعنى ليعلم الله الذين آمنوا بما يظهر من صبرهم على جهاد عدوهم أي: يعاملهم معاملة من يعرفهم بهذه الحال. وإذا كان الله تعالى يعلمهم قبل اظهارهم الايمان، كما يعلمهم بعده، فانما يعلم قبل الاظهار أنهم سيميزون، فإذا أظهروه علمهم متميزين. ويكون التغير حاصلا في المعلوم، لا في العالم، كما ان أحدنا يعلم الغد قبل مجيئه، على معنى أنه سيجئ. فإذا جاء علمه جائيا، وعلمه يوما لا غدا. فإذا انقضى، فانما يعلمه الامس، لا يوما، ولا غدا. ويكون التغير واقعا في المعلوم لا في العالم. وقيل: معناه وليعلم أولياء الله الذين آمنوا، وانما أضاف الى نفسه تفخيما. وقيل: معناه ليظهر المعلوم من صبر من يصبر، وجزع من يجزع، وايمان من يؤمن. وقيل: ليظهر المعلوم من الاخلاص والنفاق، ومعناه: ليعلم الله المؤمن من المنافق، فاستغنى بذكر أحدهما عن الاخر. وقوله: (ويتخذ منكم شهداء) قيل فيه قولان أحدهما: ان معناه ليكرم بالشهادة من قتل يوم أحد، عن الحسن وقتادة وابن اسحاق والاخر: ويتخذ منكم شهداء على الناس، بما يكون منهم من العصيان، لما لكم في ذلك من جلالة القدر، وعلو المرتبة، والشهداء يكون جمع شاهد. وجمع شهيد عن أبي علي الجبائي. وانما سموا شهداء لمشاهدتهم الاعمال التي يشهدون بها. وأما في جمع الشهيد، فلأنهم بذلوا الروح عند شهود الوقعة، ولم يفروا. (والله لا يحب الظالمين) ظاهر المعنى وفائدته: انه تعالى بين أنه لا يمكن الظالمين منهم لمحبته لهم، ولكن لأحد المعاني التي ذكرها، وليمحص ذنوب المؤمنين، كما قاله فيما بعد. (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين 141).

[ 401 ]

اللغة: أصل التمحيص: التخليص. قال الخليل: المحص الخلوص من العيب. ومحصته أمحصه محصا: إذا خلصته من كل عيب. ويقال: اللهم محص عنا ذنوبنا أي: أذهبها عنا. لأنه تخليص الحسنات بتكفير السيئات. وأصل المحق: فناء الشئ حالا بعد حال، ولهذا دخله معنى النقصان. وانمحق الشئ انمحاقا، وامتحق الشئ وتمحق: إذا ذهبت بركته حالا بعد حال. والمحاق: آخر الشهر لذهاب ضوء الهلال، حالا بعد حال. المعنى: ثم بين تعالى وجه المصلحة في مداولة الأيام بين الناس، فقال: (وليمحص الله الذين آمنوا) قيل في معنى الآية أقوال أحدها: وليمحص الله أي: وليبتلي الله الذين آمنوا (ويمحق الكافرين) ينقصهم، عن ابن عباس ومجاهد والسدي. وثانيها: ليخلص الله ذنوب المؤمنين، عن الزجاج وثالثها: ينجي الله الذين آمنوا من الذنوب بالإبتلاء، ويهلك الكافرين بالذنوب عند الإبتلاء، عن علي بن عيسى. وإنما قابل بين التمحيص والمحق، لأن محص هؤلاء بإهلاك ذنوبهم، نظير محق أولئك بإهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة في المعنى. وفي هذه الآية دلالة على أنه تعالى إنما يداول بين الناس لتمحيص ذنوب المؤمنين، ومحق الكافرين، وإنما يمحصهم بالمداولة لشيئين: أحدهما: إن في تخليتهم وتمكين الكافرين منهم، تعريضا لهم للصبر الذي يستحقون به عظيم الأجر، ويحط به عنهم كثيرا من أثقال الوزر. والثاني: إن في ذلك لطفا لهم يعصمهم عن اقتراف نفوسهم الإثم. (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين [ 142 ] ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون [ 143 ]). اللغة: الفرق بين التمني والإرادة أن الإرادة من أفعال القلوب، والتمني: قول القائل ليت كان كذا، أو ليت لم يكن. وقيل: إن التمني معنى في القلب يطابق هذا القول، والصحيح هو الأول. الاعراب: (أم) في قوله (أم حسبتم): هي المنقطعة، وتقديره: بل

[ 402 ]

أحسبتم، وهو استفهام على وجه الإنكار. والفرق بين لم ولما أن (لما) جواب لقول القائل: قد فعل فلان يريد به الحال. وإذا قال: فعل فجوابه: لم يفعل، لما كان أصلها لم مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف. وقوله: (ويعلم الصابرين): نصب على الصرف عن العطف، إذ ليس المعنى على نفي الثاني والأول. وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والأول، وتقديره: وأن يعلم فيكون منصوبا بإضمار أن، والمعنى: ولما يقع العلم بالجهاد والعلم بصبر الصابرين. وروي عن الحسن أنه قرأ. (ويعلم الصابرين) بالكسر، عطفا على الأول. المعنى: لما حث الله على الجهاد، ورغب فيه، زاد في البيان والإخبار بأن الجنة لا تنال إلا بالبلوى والإختبار، فقال: (أم حسبتم ان تدخلوا الجنة) المراد به الإنكار أي: أظننتم أيها المؤمنون أنكم تدخلون الجنة (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) أي: ولما يجاهد المجاهدون منكم، فيعلم الله جهادهم، ويصبر الصابرون منكم فيعلم صبرهم على القتال. وإنما جاز (ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم) على معنى نفي الجهاد، دون العلم، لما في ذلك من الإيجاز في انتفاء جهادهم، لأنه لو كان لعلمه، وتقديره: ولما لم يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم، لأن المعنى مفهوم لا يشتبه. (ولقد كنتم) يا أصحاب محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (تمنون الموت) أي: تتمنون الموت، فحذف إحدى التائين للتخفيف، وذلك أن قوما ممن فاتهم شهود بدر، كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر، قبل أحد. فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه، فانهزموا، فعاتبهم الله على ذلك، عن الحسن ومجاهد والربيع وقتادة والسدي. (من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه) الهاء في تلقوه ورأيتموه راجعة إلى الموت أي: من قبل أن تلقوا أسباب الموت، وهو الحرب فقد رأيتموها لأن الموت لا يرى، ونحو ذلك قول الشاعر: (والموت تحت لواء آل محلم) أي: أسباب الموت. وقيل: الهاء راجعة إلى الجهاد (وأنتم تنظرون) قيل: إنه تأكيد للرؤية كما يقال: رأيته عيانا، فرأيته بعيني، وسمعته بأذني، لأن لا يتوهم رؤية القلب وسمع العلم. وقيل: معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، فعلى هذا يكون النظر بمعنى الفكر. وقيل: معناه وأنتم تنظرون إلى محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وفيه حذف أي: فلم انهزمتم لأنه موضع عتاب. فإن قيل: كيف يتمنى قتل المشركين لهم لينالوا منزلة الشهادة ؟

[ 403 ]

وهل يجوز ذلك ؟ قلنا: ذلك لا يجوز، لأن قتل المشركين لهم معصية، ولا يجوز تمني المعاصي، كما لا يجوز إرادتها، ولا الأمر بها، فإذا ثبت ذلك فإنما تمنوا الشهادة بالصبر على الجهاد، إلى أن يقتلوا. (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزى الله الشاكرين [ 144 ]). اللغة: محمد: أخذ من الحمد. والتحميد: فوق الحمد، فمعناه: المستغرق لجميع المحامد، لأن التحميد لا يستوجبه إلا المستولي على الأمر في الكمال. فأكرم الله عز اسمه نبيه وحبيبه " صلى الله عليه وآله وسلم " باسمين مشتقين من اسمه تعالى: محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " وأحمد. وإليه أشار حسان بن ثابت في قوله: * نبي أتانا بعد بأس، وفترة، * من الدين، والأوثان في الأرض تعبد * * ألم تر أن الله أرسل عبده * ببرهانه، والله أعلى وأمجد * * وشق له من إسمه ليجله، * فذو العرش محمود، وهذا محمد * الاعراب: إنما دخل حرف الإستفهام على حرف الشرط، وتقديره: أتنقلبون إن مات أو قتل، لأن الشرط لما انعقد به صار جملة واحدة، وخبرا واحدا، فكان بمنزلة تقديم الإسم على الفعل في الذكر، إذا قيل: أزيد قام، فكذلك تقديمه في القسم، والإكتفاء بجواب الشرط عن جواب القسم، كما قال الشاعر: * حلفت له إن (1) تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر * النزول: قال أهل التفسير: سبب نزول هذه الآية أنه لما أرجف بأن الني " صلى الله عليه وآله وسلم " قد قتل يوم أحد، وأشيع ذلك، قال أناس: لو كان نبيا لما قتل. وقال آخرون: نقاتل على ما قاتل عليه، حتى نلحق به، وارتد بعضهم وانهزم بعضهم. وكان سبب انهزامهم وتضعضعهم، إخلال الرماة لمكانهم من الشعب. وكان رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " نهاهم عن الإخلال به، وأمر عبد الله بن جبير وهو أخو خوات بن جبير،


(1) أدلج القوم: ساروا ليلا. (*)

[ 404 ]

على الرماة، وهم خمسون رجلا، وقال: لا تبرحوا مكانكم، فإنا لا نزال غالبين ما ثبتم بمكانكم. وجاءت تريش على ميمنتهم خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبي جهل، ومعهم النساء يضربن بالدفوف، وينشدن الأشعار، فقالت هند: * نحن بنات طارق * نمشي على النمارق (1) * * إن تقبلوا نعانق * أو تدبروا نفارق * * فراق غير وامق * وكان أبو عامر، عبد عمرو بن الصيفي، أول من لقيهم بالأحابيش (2)، وعبيد أهل مكة، فقاتلهم قتالا شديدا، وحميت الحروب. فقال رسول الله: (من يأخذ هذا السيف بحقه، ويضرب به العدو، أو العبيد، حتى ينحني " فأخذه أبو دجانة سماك بن خرشة الأنصاري. فلما أخذ السيف اعتم بعمامة حمراء، وجعل يفتخر تبخترا، ويقول: * أنا الذي عاهدني خليلي * أن لا أقيم الدهر في الكيول (3) * * أضرب بسيف الله، والرسول * فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إنها لمشية يبغضها الله ورسوله إلا في هذا الموضع ". ثم حمل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " وأصحابه على المشركين فهزموهم. وقتل علي بن أبي طالب " عليه السلام " أصحاب اللواء كما تقدم بيانه، وأنزل الله نصرته على المسلمين. قال الزبير: فرأيت هندا وصواحبها هاربات مصعدات في الجبال، نادية خدامهن ما دون أخذهن شئ. فلما نظرت الرماة إلى القوم قد انكشفوا، ورأوا النبي وأصحابه ينتهبون الغنيمة، أقبلوا يريدون النهب، واختلفوا. فقال بعضهم: لا تتركوا أمر الرسول. وقال بعضهم: ما بقي من الأمر شئ. ثم انطلق عامتهم، ولحقوا بالعسكر. فلما رأى خالد بن الوليد قلة الرماة، واشتغال المسلمين بالغنيمة، ورأى ظهورهم خالية، صاح في خيله من المشركين، وحمل على أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من خلفهم، فهزموهم وقتلوهم، ورمى عبد الله بن قمية الحارثي رسول الله بحجر،


(1) النمرقة: البساط. الوامق: المحب. (2) الأحابيش. موضع بينه وبين مكة ستة أميال. (3) الكيول: آخر صفوف الجيش في الحرب. (*)

[ 405 ]

وكسر أنفه ورباعيته، وشجه في وجهه فأثقله، وتفرق عنه أصحابه. وأقبل يريد قتله. فذب مصعب بن عمير، وهو صاحب راية رسول الله، يوم بدر، ويوم أحد. وكان اسم رايته العقاب، عن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى قتل مصعب بن عمير، قتله ابن قمية. فرجع وهو يرى أنه قتل رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقال: إني قتلت محمدا وصاح صائح: ألا إن محمدا قد قتل. ويقال: إن ذلك الصائح كان إبليس لعنه الله، فانكف الناس، وجعل رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يدعو الناس، ويقول: إلي عباد الله. فاجتمع إليه ثلاثون رجلا، فحموه حتى كشفوا عنه المشركين. ورمى سعد بن أبي وقاص حتى اندقت سية قوسه، وأصيبت يد طلحة بن عبيد الله فيبست، وأصيبت عين قتادة بن النعمان يومئذ، حتى وقعت على وجنته. فردها رسول الله مكانها، فعادت كأحسن ما كانت. فلما انصرف رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أدركه أبي بن خلف الجمحي، وهو يقول: لا نجوت إن نجوت. فقال القوم: يا رسول الله ! ألا يعطف عليه أحد منا ؟ فقال: دعوه حتى إذا دنا منه، وكان أبي قبل ذلك يلقى رسول الله، فيقول: عندي رمكة أعلفها كل يوم فرق ذرة أقتلك عليها. فقال رسول الله: بل أنا أقتلك إن شاء الله. فلما كان يوم أحد، ودنا منه، تناول رسول الله الحربة من الحرث بن الصمة، ثم استقبله فطعنه في عنقه، وخدشه خدشة، فتدهده عن فرسه، وهو يخور كما يخور الثور، وهو يقول: قتلني محمد ! فاحتمله أصحابه وقالوا: ليس عليك بأس. قال: بلى، لو كانت هذه بربيعة ومضر لقتلتهم. أليس قال لي: أقتلك. فلو بزق علي بعد تلك المقالة لقتلني. فلم يلبث إلا يوما حتى مات. قال: وفشا في الناس أن رسول الله قد قتل، فقال بعض المسلمين: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي فيأخذ لنا أمانا من أبي سفيان. وبعضهم جلسوا وألقوا بأيديهم. وقال أناس من أهل النفاق: إن كان محمد قد قتل فالحقوا بدينكم الأول. فقال أنس بن نضر، عم أنس بن مالك: يا قوم ! إن كان قد قتل محمد، فرب محمد لم يقتل، وما تصنعون بالحياة بعد رسول الله، فقاتلوا على ما قاتل عليه رسول الله، وموتوا على ما مات عليه. ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما يقول هؤلاء - يعني

[ 406 ]

المسلمين - وأبرأ إليك مما جاء به هؤلاء - يعني المنافقين -. ثم شد بسيفه فقاتل حتى قتل. ثم إن رسول الله انطلق إلى الصخرة، وهؤ يدعو الناس، فأول من عرف رسول الله كعب بن مالك، قال: عرفت عينيه تحت المغفر، تزهران، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين ! أبشروا فهذا رسول الله. فأشار إلي أن أسكت. فانحازت إليه طائفة من أصحابه، فلامهم النبي على الفرار، فقالوا: يا رسول الله ! فديناك بآبائنا وأمهاتنا. أتانا الخبر بأنك قتلت فرعبت قلوبنا، فولينا مدبرين. فأنزل الله تعالى: (وما محمد إلا رسول) الآية. المعنى: ثم بين سبحانه أنه لا ينبغي أن يترك أمر الله تعالى، كان الرسول بين أظهرهم، أو لم يكن، فقال: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل) يعني أنه بشر اختاره الله لرسالته إلى خلقه، قد مضت قبله رسل، بعثوا فأدوا الرسالة ومضوا وماتوا، وقتل بعضهم، وأنه يموت كما ماتت الرسل قبله، فليس الموت بمستحيل عليه، ولا القتل. وقيل: أراد أن أصحاب الأنبياء لم يرتدوا عند موتهم، أو قتلهم، فاقتدوا بهم. ثم أكد ذلك فقال (أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) معناه: أفإن أماته الله، أو قتله الكفار، ارتددتم كفارا بعد إيمانكم. فسمي الإرتداد انقلابا على العقب: وهو الرجوع القهقرى، لأن الردة خروج إلى أقبح الأديان، كما أن الإنقلاب خروج إلى أقبح ما يكون من المشي. والألف في قوله (أفإن مات): ألف إنكار صورته صورة الإستفهام، ومثله: أتختار الفساد على الصلاح، والخطأ على الصواب. وفي قوله (مات أو قتل): دلالة على أن الموت غير القتل، لأن الشئ لا يعطف على نفسه. فالقتل هو نقض بنية الحياة. والموت: فساد البنية التي تحتاج إليها الحياة (1). وقيل: الموت معنى يضاد الحياة، والصحيح الأول (ومن ينقلب على عقبيه) يعني من يرتد عن دينه (فلن يضر الله شيئا) لأنه لا يجوز عليه المضار، بل مضرته عائدة عليه، لأنه مستحق للعقاب الدائم (وسيجزي الله الشاكرين) أي: يثيب الله الشاكرين على شكرهم، لنعم الله واعترافهم بها. وقيل: المراد بالشاكرين المطيعين، لأن الطاعات هي شكر الله على نعمه، وهذا يتصل بما قبله اتصال الوعد


(1) [ قيل فيه معان تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة ]. (*)

[ 407 ]

بالوعيد، لأن قوله (فلن يضر الله شيئا): دليل على معنى الوعيد، فكأنه قال: من يرتد عاد ضرره عليه، ومن شكر وآمن فنفعه يعود إليه. فصل في ذكر ما جاء في اسم محمد (ص): كانت كفار قريش يشتمون مذمما يعنون اسم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". فروى أبو هريرة عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: ألم تروا كيف صرف الله عني لعن قريش وشتمهم يشتمون مذمما، وأنا محمد. وفي مسند علي بن موسى الرضا، عن آبائه، عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: (إذا سميتم الولد محمدا فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجها، وما من قوم كان لهم مشورة فحضر معهم من اسمه محمد، أو أحمد، فأدخلوه في مشورتهم، إلا خير لهم. وما من مائدة وضعت فحضرها من اسمه محمد أو أحمد، إلا قدس في كل يوم ذلك المنزل مرتين ". وعن أنس بن مالك قال: كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في السوق، فقال رجل: يا أبا القاسم ! فالتفت إليه رسول الله، فقال الرجل: إنما أدعو ذاك. فقال رسول الله: تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يعطي، وأنا أقسم " ثم رخص في ذلك لعلي " عليه السلام " وابنه. وعن علي بن أبي طالب قال: قال لي رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " إن ولد لك غلام نحلته إسمي وكنيتي ". (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الأخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين [ 145 ]). الاعراب: (كتابا): نصب على المصدر لفعل محذوف، دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كل ما يكون فقد كتبه الله، فتقديره: كتب الله ذلك كتابا. وقال الأخفش: اللام في قوله: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) منقولة عما دخل عليه في غيره، وتقديره: وما كان لنفس لتموت أي: لأن تموت. المعنى: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) ومعناه: ما كان نفس لتموت إلا بإذن الله، ومثله: (وما كان لله أن يتخذ من ولد) أي: وما كان الله ليتخذ

[ 408 ]

ولدا. وقوله: (وما كان لكم أن تنبتوا شجرها) معناه: ما كنتم لتنبتوا شجرها، لأن إنبات الشجر لا يدخل تحت قدرة البشر. ففي الآية إخبار بأن الموت لا يكون إلا بإذن الله. وهذا تسلية عما لحق النفوس بموت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من جهة أنه بإذن الله، ومعناه: إنه إن مات فإنما يموت بإذن الله وعلمه كغيره من الناس، فلا عذر لأحد في ترك دينه بعد موته. وقيل: إن فيه حضا على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا بإذن الله أي: لا تتركوا الجهاد خشية القتل، فإن ذلك لا يؤخر أجلا قد حضر، ولا يقدم الجهاد أجلا لم يحضر، فلا معنى للإنهزام وقوله (بإذن الله) يحتمل أمرين أحدهما: بعلم الله والثاني: بأمر الله. وقال أبو علي الجبائي: فيه دلالة على أنه لا يقدر على الموت غير الله، كما لا يقدر على ضده من الحياة غير الله. ولو كان من مقدور غيره، لم يكن باذنه. وقوله (كتابا مؤجلا) معناه: كتب الله لكل حي أجلا ووقتا لحياته، ووقتا لموته، لا يتقدم ولا يتأخر. وقيل: حتما موقتا، وحكما لازما مبرما. (ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها) قيل في معناه أقوال أحدها: إن المراد من عمل للدنيا، لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة، عن ابن إسحاق أي: فلا يغتر بحاله في الدنيا وثانيها: من أراد بجهاده ثواب الدنيا، وهو النصيب من الغنيمة، نؤته منها. فبين أن حصول الدنيا للإنسان، ليس بموضع غبطة لأنها مبذولة للبر والفاجر، عن أبي علي الجبائي وثالثها: من تعرض لثواب الدنيا بعمل النوافل، مع مواقعة الكبائر، جوزي بها في الدنيا دون الآخرة، لإحباط عمله بفسقه. وهذا على مذهب من يقول بالإحباط. (ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها) أي: ومن يرد بالجهاد وأعماله ثواب الآخرة، نؤته منها، فلا ينبغي لأحد أن يطلب بطاعاته غير ثواب الله. ومثله قوله تعالى: (من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه) الآية. وقريب منها قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من طلب الدنيا بعمل الآخرة فما له في الآخرة من نصيب " ومن في قوله (منها) يحتمل أن تكون زائدة، ويحتمل أن تكون للتبعيض، لأنه إنما يستحق الثواب على قدر العمل. (وسنجزي الشاكرين) أي: نعطيهم جزاء الشكر. وفي تكراره قولان أحدهما: إنه للتأكيد وللتنبيه على عظم منزلة الشاكرين والثاني: إن معناه وسنجزي

[ 409 ]

الشاكرين من الرزق في الدنيا، لئلا يتوهم أن الشاكر يحرم ما يعطى الكافر من نعيم الدنيا، عن ابن إسحاق. وروى أبان بن عثمان، عن أبي جعفر " عليه السلام " أنه أصاب عليا " عليه السلام " يوم أحد ستون جراحة، وأن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أمر أم سليم وأم عطية أن تداوياه فقالتا: إنا لا نعالج منه مكانا إلا انفتق مكان آخر، وقد خفنا عليه ! فدخل رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " والمسلمون يعودونه، وهو قرحة واحدة، فجعل يمسحه بيده، ويقول: إن رأل لم طء رجلا لقي هذا في الله فقد أبلى وأعذر. وكان القرح الذي يمسحه رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يلتئم. فقال علي " عليه السلام ": الحمد لله إذ لم أفر، ولم أولي الدبر. فشكر الله له ذلك في موضعين من القرآن وهو قوله (وسيجزي الله الشاكرين) من الرزق في الدنيا (وسنجزي الشاكرين). قال أبو علي الجبائي: وفي هذه الآية دلالة على أن أجل الانسان إنما هو أجل واحد، وهو الوقت الذى يموت فيه، لأنه لا ينقطع بالقتل عن الأجل الذي أخبر الله بأنه أجل لموته. وقال ابن الأخشيد: لا دليل فيه على ذلك، لأن للإنسان أجلين: أجلا يموت فيه لا محالة، وأجلا هو موهبة من الله له، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الأجل الذي جعله الله أجلا لموته، والأقوى الأول. النظم: إتصل قوله: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله) بما قبله لأنه حث على الجهاد. وقيل: لأنه تسلية عما لحق النفوس من الوجوم بموت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: للبيان بأن حالهم لا تختلف في التكليف بأن يموت النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، فينبغي أن يتمسك بأمره في حياته، وبعد وفاته. (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين [ 146 ] وما كان قولهم إلآ أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين [ 147 ] فأتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين [ 148 ]). القراءة: قرأ ابن كثير: (كائن) على وزن كاعن. وأبو جعفر يلين الهمزة، وهو قراءة الحسن. والباقون: (كأين) على وزن كعين. وقرأ أهل البصرة وابن كثير

[ 410 ]

ونافع: (قتل) بضم القاف بغير ألف، وهي قراءة ابن عباس. والباقون: (قاتل) بالألف، وهي قراءة ابن مسعود. الحجة: أصل كائن أي، دخلت عليه كاف التشبيه، كما دخلت على (ذا) من كذا، وعلى (أن) من كأن. وكثر استعمال الكلمة، فصارت ككلمة واحدة، فقلبت قلب الكلمة الواحدة فصار (كيأن)، فحذفت الياء الثانية، كما حذفت في كينونة، فصار كيإن مثل كيعن، ثم أبدلت من الياء الألف، كما أبدلت من طائي، فصار (كائن). ثم لينت الهمزة على قراءة أبي جعفر. قال الشاعر: * وكائن رددنا عنكم من مدجج * يجئ أمام القوم يردي مقنعا (1) * وقال آخر: * وكائن إليكم عاد من رأس فنية * جنودا، وأمثال الجبال كتائبه * وقد حذفت الياء من أي في قول الفرزدق: * تنورت نسرا، والسماكين، أيهما * علي من الغيث استهلت مواطره (2) * وأما (قتل) فيجوز أن يكون مسندا إلى ضمير نبي، وإذا أسند هذا إلى الضمير احتمل هذا (معه ربيون) أمرين أحدهما: أن يكون صفة لنبي، فإذا قدرته هذا التقدير كان قوله (ربيون) مرتفعا بالظرف بلا خلاف، لأن الظرف إذا اعتمد على ما قبله، جاز أن يرفع على مذهب سيبويه أيضا والآخر: ألا تجعله صفة، ولكن حالا من الضمير في قتل. والأحسن أن يكون الإسم الذي أسند إليه (قتل) قوله (ربيون)، فيكون على هذا التقدير قوله (معه) متعلقا بقتل. وعلى القبيلين الآخرين اللذين هما الصفة والحال، متعلقا في الأصل بمحذوف. وكذلك من قرأ (قاتل معه ربيون): فهو يجوز فيه ما جاز في قراءة من قرأ (قتل). وحجة من قرأ (قتل) قوله (أفإن مات أو قتل). وحجة من قرأ (قاتل) أن القاتل قد مدح كما يمدح المقتول. قال تعالى: (وقاتلوا وقتلوا). ومن جعل قوله (معه ربيون) صفة، أضمر للمبتدأ الذي هو (كأين) خبرا.


(1) المدجج: اللابس السلاح. المقنع: الذي عليه بيضة الحديد. (2) تنورت أي: نظرت من بعد. والنسر: كوكب. والسماكان أيضا كوكبان نيران، يقال لأحدهما الرامح، وللآخر الأعزل، والمراد بالغيث هنا: السحاب. استهل المطر: انصب مع صوت. مواطر جمع الماطره: ذات المطر. والضمير يرجع إلى الغيث. (*)

[ 411 ]

وموضع الكاف الجارة هي في (كأين) مع المجرور رفع، كما أن موضع الكاف في قوله كذا، وكذا رفع، ولا معنى للتشبيه فيها، كما أنه لا معنى للتشبيه في كذا وكذا. اللغة: الوهن: الضعف. وقال وما ضعفوا، من حيث إن انكسار الجسم بالخوف وغيره. والضعف: نقصان القوة. والإستكانة: أصلها من الكينة، وهي الحالة السيئة، يقال: فلان بات بكينة أي: بنية سوء. والإسراف: مجاوزة المقدار. والإفراط بمعناه، وضدهما التقتير. وقيل الإسراف: مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان. والأول أظهر، يقال: أسرفت الشئ أي: نسيته، لأنه جاوزه إلى غيره بالسهو عنه. المعنى: ثم أكد سبحانه ما تقدم بقوله (وكأين من نبي) أي: وكم من رسول (قاتل) أي: حارب، أو قتل (معه ربيون كثير) ذكرنا تقديره في الحجة. وقيل في ربيون أقوال أحدها: إنهم علماء فقهاء صبر (1)، عن ابن عباس والحسن، وثانيها: إنهم جموع كثيرة، عن مجاهد وقتادة وثالثها: إنهم منسوبون إلى الرب، ومعناه المتمسكون بعبادة الله، عن الأخفش. وقال غيره: إنهم منسوبون إلى علم الرب ورابعها: إن الربيون عشرة آلاف، عن الزجاج، وهو المروي عن أبي جعفر وخامسها: إن الربيون الأتباع، والربانيون الولاة، عن ابن زيد. ومن أسند الضمير الذي في (قتل) إلى نبي، فالمعنى: كم من قتل ذلك النبي، وكان معه جماعة كثيرة، فقاتل أصحابه بعد. (فما وهنوا): ما فتروا. ومن أسند قتل إلى الربيين دون ضمير نبي، فالمعنى: ما وهن باقيتهم بعد ما قتل كثير منهم في سبيل الله. إلى هذا ذهب الحسن، لأنه كان يقول: لم يقتل نبي قط في معركة. وإلى الأول ذهب ابن إسحاق وقتادة والربيع والسدي. فعلى هذا يكون النبي المقتول والذين معه لا يهنون. بين الله سبحانه أنه لو قتل النبي كما أرجف بذلك يوم أحد، لما أوجب ذلك أن يضعفوا ويهنوا، كما لم يهن من كان مع الأنبياء بقتلهم، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام ". وقيل: معناه فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم، ولا استكانوا (لما أصابهم


(1) وفي بعض النسخ المخظوطة: " خبر " بدل " صبر ". (*)

[ 412 ]

في سبيل الله) في الجهاد عن دينهم، عن ابن عباس. وقيل: فما وهنوا أي: فما جبنوا عن قتال عدوهم. (وما ضعفوا) أي: ما فتروا (وما استكانوا) أي: وما خضعوا لعدوهم، عن الزجاج (والله يحب الصابرين) في الجهاد. قال ابن الأنباري: أي: فقد كان واجبا عليكم أن تقاتلوا على أمر نبيكم لو قتل، كما قاتل أمم الأنبياء بعد قتلهم، ولم يرجعوا عن دينهم. (وما كان قولهم) عند لقاء العدو (إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا) والمعنى ما كان قولهم إلا استغفارهم أي: إلا قولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا. وقوله: أن قالوا اسم كان، وقولهم: خبره. والضمير يعود إلى النبي ومن معه، على أحد القولين، وإلى الربيين في قول الآخر. وقوله: اغفر لنا ذنوبنا أي: استرها علينا بترك عقابنا ومجازاتنا عليها. (وإسرافنا في أمرنا) أي: تجاوزنا الحد وتفريطنا وتقصيرنا. رغب الله تعالى أصحاب الرسول في أن يقولوا هذا القول، ولا يقولوا قولا يدل على الضعف، فيطمع الأعداء فيهم (وثبت أقدامنا) في جهاد عدوك بتقوية القلوب، وفعل ألالطاف التي معها تثبت الاقدام، فلا تزول للإنهزام. وقيل: معناه ثبتنا على الدين، فتثبت به أقدامنا (وانصرنا) على القوم وأعنا (على القوم الكافرين) بإلقاء الرعب في قلوبهم، وإمدادنا بالملائكة. ثم بين تعالى ما آتاهم عقيب دعائهم، فقال: (فآتاهم الله) يعني الذين وصفهم أعطاهم الله (ثواب الدنيا) وهو نصرهم على عدوهم، حتى ظفروا بهم، وقهروهم، وغلبوهم، ونالوا منهم الغنيمة، (وحسن ثواب الآخرة)، وهو الجنة والمغفرة. ويجوز أن يكون ما آتاهم في الدنيا من الظفر والفتح والنصر وأخذ الغنيمة، ثوابا مستحقا لهم على طاعاتهم، لأن في ذلك التعظيم لهم والإجلال، ولذلك تقول: إن المدح على فعل الطاعة، والتسمية بالأسماء الشريفة، بعض الثواب. ويجوز أن يكون أعطاهم الله ذلك تفضلا منه تعالى، أو لما لهم فيه من اللطف، فيكون تسميته بأنه ثواب مجازا وتوسعا. والثواب: هو النفع الخالص المستحق المقارن للتعظيم والتبجيل (والله يحب المحسنين) في أقوالهم وأفعالهم. والمحسن: فاعل الحسن. وقيل: المحسن الذي يحسن إلى نفسه بطاعة ربه. وقيل: الذي يحسن إلى غيره. (يا أيها الذين ءامنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم

[ 413 ]

على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين [ 149 ] بل الله مولاكم وهو خير الناصرين [ 150 ]). اللغة: الطاعة: موافقة الإرادة المرغبة في الفعل، وبالترغيب ينفصل عن الإجابة، وإن كان موافقة الإرادة حاصلة. وفي الناس من قال: الطاعة هي موافقة الأمر، والأول أصح، لأن من فعل ما يقتضي العقل وجوبه أو حسنه كان مطيعا لله، وإن لم يكن هناك أمر. الاعراب: (يردوكم): جزم لأنه جواب الشرط. (فتنقلبوا): عطف عليه. و (خاسرين): نصب على الحال. و (بل): حقيقته الإضراب عن الأول إلى الثاني. النزول: قيل: نزلت في المنافقين، إذ قالوا للمؤمنين يوم أحد عند الهزيمة: إرجعوا إلى اخوانكم، وارجعوا إلى دينهم، عن علي " عليه السلام ". وقيل: هم اليهود والنصارى، عن الحسن وابن جريج. المعنى: ثم أمر سبحانه بترك الإئتمار لمن ثبطهم عن الجهاد من الكفار وقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (إن تطيعوا الذين كفروا) أي: إن أصغيتم إلى قول اليهود والمنافقين أن محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " قتل، فارجعوا إلى عشائركم (يردوكم على أعقابكم) أي: يرجعوكم كفارا كما كنتم (فتنقلبوا) أي: ترجعوا (خاسرين) لأنفسكم، فلا خسران أعظم من أن تبدلوا الكفر بالإيمان، والنار بالجنة. (بل الله مولاكم) أي: لهو أولى بأن تطيعوه، وهو أولى بنصرتكم (وهو خير الناصرين). إنما قال ذلك، وإن كان نصر غيره لا يعتد به مع نصره، استظهارا في الحجة أي: إن اعتد بنصرة غيره، فهو خير ناصر، لأنه لا يجوز أن يغلب، وغيره يجوز أن يغلب. وإن نصر فهو الناصر في الحقيقة، إن شاء أمدكم (1) بأهل الأرض، وإن شاء نصركم بإلقاء الرعب في قلوب أعدائكم. (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بمآ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين [ 151 ]).


(1) [ بأهل السماء، وإن شاء أمدكم ]. (*)

[ 414 ]

القراءة: قرأ ابن عامر وأبو جعفر والكسائي ويعقوب وأبو حاتم: (الرعب) بضمتين. والآخرون بتسكين العين. وقد تقدم القول في مثله. اللغة: السلطان هنا معناه: الحجة والبرهان، وأصله القوة. فسلطان الملك قوته. والسلطان: البرهان لقوته على دفع الباطل. والتسليط على الشئ: التقوية على الشئ مع الإغراء به. والسلاطة: حدة اللسان مع شدة الصحب للقوة على ذلك مع إيثار فعله. والسليط: الزيت، لقوة استعماله بحدته. والإلقاء أصله في الأعيان، يدل عليه قوله: (وألقى الألواح)، (فألقوا حبالهم). واستعمل في غير عين اتساعا، إذ ليس الرعب. وكذلك قوله: (وألقيت عليك محبة مني) ومثل الإلقاء في ذلك الرمي، قال سبحانه (الذين يرمون أزواجهم) أي بالزنا. فهذا اتساع لأنه ليس بعين، وكذلك قوله: * رماني بأمر كنت منه، ووالدي * بريا، ومن حول الطوي رماني (1) * والمثوى: المنزل، وأصله من الثواء: وهو طول الإقامة. وأم المثوى: ربة البيت. والثوي: الضيف لأنه مقيم مع القوم. النزول: قال السدي: لما ارتحل أبو سفيان والمشركون، يوم أحد، متوجهين إلى مكة، قالوا: بئس ما صنعنا ! قتلناهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد، تركناهم، إرجعوا فاستأصلوهم. فلما عزموا على ذلك. ألقى الله في قلولهم الرعب حتى رجعوا عما هموا به. وستأتي هذه القصة فيما بعد إن شاء الله، فنزلت الآية. المعنى: ثم بين سبحانه أن من جملة نصرته للمؤمنين، إلقاؤه الرعب في قلوب المشركين فقال: (سنلقي) أي: سنقذف (في قلوب الذين كفروا الرعب) أي: الخوف والفزع (بما أشركوا بالله) أي: بشركهم بالله، وقولهم عليه ما لا يجوز من الند والشريك (ما لم ينزل به سلطانا) أي: برهانا وحجة، يعني: لم يجعل لهم في ذلك حجة (ومأواهم) أي: مستقرهم (النار) يعذبون بها (وبئس مثوى الظالمين) معناه: وبئس مقام الظالمين النار. وروي أن الكفار دخلوا مكة كالمنهزمين، مخافة أن يكون لرسول الله وأصحابه الكرة عليهم. وقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": " نصرت بالرعب مسيرة شهر ".


(1) الطوي: هو من طويت البئر: إذا بنيتها بالحجارة. (*)

[ 415 ]

(ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد مآ أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين [ 152 ]). اللغة: الحس: القتل على وجه الإستئصال، وأصله من الإحساس، ومنه: (هل تحس منهم من أحد). وسمي القتل حسا، لأنه يبطل الحس. والفشل: الجبن. الاعراب: (صدق) يتعدى إلى مفعولين. وجواب (إذا) في قوله: (حتى إذا فشلتم) قيل فيه وجهان أحدهما: إنه محذوف وتقديره: حتى إذا فشلتم امتحنهم والثاني: إنه على زيادة الواو، والتقديم والتأخير، وتقديره: حتى إذا تنازعتم في الأمر فشلتم، عن الفراء وقال: هذا كقوله: (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه) ومعناه: ناديناه. والواو زيادة. و (حتى جاءوها وفتحت أبوابها) وأنشد: * حتى إذا قملت (1) بطونكم، * ورأيتم أبناءكم شبوا * * وقلبتم ظهر المجن لنا * إن اللئيم العاجز الخسب (2) * والبصريون لا يجيزون هذا، ويؤولون جميع ما استشهد به على الحذف، لأنه أبلغ في الكلام وأحسن. النزول: ذكر ابن عباس، والبراء بن عازب، والحسن وقتادة أن الوعد المذكور في الآية، كان يوم أحد، لأن المسلمين كانوا يقتلون المشركين، حتى إذا أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم الرسول بالمقام عنده، فأتاهم خالد من ورائهم، وقتل عبد الله بن جبير ومن معه، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين سبعون رجلا، ونادى مناد: قتل محمد. ثم من الله على المسلمين، فرجعوا. وفي ذلك نزلت الآية.


(1) قمل بطنه: ضخم. (2) المجن: الترس يقال: قلب له ظهر المجن: إذا تحول عن الصداقة إلى العداوة. الخب: الخداع. (*)

[ 416 ]

المعنى: ثم بين تعالى أنه صدقهم وعده فقال: (ولقد صدقكم الله وعده) معناه: وفى الله لكم بما وعدكم من النصر على عدوكم في قوله (بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم) الآية. وقيل: كان الوعد قول رسول الله للرماة: لا تبرحوا هذا المكان، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم (إذ تحسونهم) أي: تقتلونهم (بإذنه) أي: بعلمه. وقيل: بلطفه، لأن أصل الإذن هو الإطلاق في الفعل. واللطف: تيسير للفعل كما أن الإذن كذلك. فحسن إجراء اسمه عليه. (حتى إذا فشلتم) معناه: جبنتم عن عدوكم وكففتم. (وتنازعتم في الأمر) أي: اختلفتم (وعصيتم) أمر نبيكم في حفظ المكان (من بعد ما أراكم ما تحبون) من النصرة على الكفار، وهزيمتهم، والظفر بهم والغنيمة. وأكثر المفسرين على أن المراد بالجميع يوم أحد. وقال أبو علي الجبائي: معناه إن تحسونهم يوم بدر حتى إذا فشلتم يوم أحد، وتنازعتم وعصيتم يوم أحد من بعد ما أراكم ما تحبون يوم بدر. والأولى أن يكون حكاية عن يوم أحد، على ما بيناه. وجواب (إذا) ها هنا محذوف يدل الكلام عليه، وتقديره: حتى إذا فعلتم ذلك، ابتلاكم وامتحنكم، ورفع النصرة عنكم (منكم من يريد الدنيا) يعني الغنيمة، وهم الذين أخلوا المكان الذي رتبهم النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فيه، وأمرهم بلزومه. (ومنكم من يريد الآخرة) أراد عبد الله بن جبير، ومن ثبت مكانه أي: يقصد بجهاده إلى ما عند الله. وروي عن ابن مسعود قال: ما كنت أدري أن أحدا من أصحاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " يريد الدنيا، حتى نزلت فينا هذه الآية يوم أحد. (ثم صرفكم عنهم) قد ذكرنا في إضافة انصرافهم إلى الله سبحانه وجوه أحدها: إنهم كانوا فريقين: منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لأنهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة، فانصرفوا بإذن الله، لئلا يقتلوا، لأن الله تعالى أوجب ثبات المائة للمأتين. فإذا نقصوا لا يجب عليهم ذلك. فجاز أن يذكر الفريقين بأنه صرفهم، وعفا عنهم: يعني صرف بعضهم، وعفا عن بعض، عن أبي علي ا لجبائي. وثانيها: إن معناه رفع النصرة عنكم، ووكلكم إلى أنفسكم بخلافكم للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فانهزمتم، عن جعفر بن حرب. وثالثها. إن معناه لمن يأمركم بمعاودتهم من فورهم، ليبتليكم بالمظاهرة في الإنعام عليكم، والتخفيف عنكم، عن

[ 417 ]

البلخي. وقوله: (ليبتليكم) معناه: ليختبركم أي: يعاملكم معاملة المختبر، مظاهرة في العدل، وذلك أنه تعالى إنما يجازي عباده على ما يفعلونه، دون ما قد علمه منهم. (ولقد عفا عنكم) أي: صفح عنكم بعد أن خالفتم أمر الرسول. وقيل: عفا عنكم تتبعهم، بعد أن أمركم بالتتبع لهم، عن البلخي قال: لما بلغوا (حمراء الأسد)، عفا عنهم في ذلك. وقال أبو علي الجبائي: هو خاص بمن لم يعص الله بانصرافه. والأولى أن يكون عاما في الجميع فإنه لا يمتنع أن يكون الله تعالى قد عفا لهم عن المعصية. (والله ذو فضل على المؤمنين) أي: ذو من ونعمة عليهم بنعم الدنيا والدين. وقيل: بغفران ذنوبهم. وقيل: بأن لا يستأصلهم كما فعل بمن كان قبلهم. وروى الواحدي بإسناده عن سهل بن سعد الساعدي قال: جرح رسول الله يوم أحد، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، فكانت فاطمة بنته تغسل عنه الدم، وعلي بن أبي طالب " عليه السلام " يسكب عليها بالمجن. فلما رأت فاطمة ان الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة حصير فأحرقته، حتى إذا صار رمادا، ألزمته الجرح، فاستمسك الدم. (* إذ تصعدون ولا تلون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا مآ أصابكم والله خبير بما تعملون [ 153 ] ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهتم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شئ قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلى الله ما في صدوركم وليمحص ما في

[ 418 ]

قلوبكم والله عليم بذات الصدور [ 154 ]). القراءة: قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (تغشى طائفة) بالتاء. والباقون (يغشى) بالياء. وقرأ أهل البصرة: (كله لله) بالرفع. والباقون: بالنصب. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ يغشى بالياء: (إذ يغشيكم النعاس أمنة) والنعاس هو الغاشي، ولأن يغشى أقرب إلى النعاس فإسناد الفعل إليه أولى. ويقال: غشيني النعاس، وغلب علي النعاس. ولا يقال غشيتني الأمنة. وحجة من قرأ بالتاء أن النعاس، وإن كان بدلا من الأمنة، فليس المبدل منه في طريق ما يسقط من الكلام، يدلك على ذلك قولهم: الذي مررت به زيد أبو عبد الله. وقال: * وكأنه لهق السراة، كأنه * ما حاجبيه مغير بسواد (1) * فجعل الخبر على الذي أبدل منه. وحجة من نصب (كله): أن كله بمنزلة أجمعين في أنه الإحاطة والعموم. فالوجه أن لا يلي العوامل، كما لا يليها أجمعون. وحجة أبي عمرو في رفعه (كله) وابتداؤه به أنه لان كان في أكثر الأمر بمنزلة أجمعين لعمومها، فقد ابتدئ بها كما ابتدئ بسائر الأسماء نحو قوله (وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) فابتدأ به في الآية. اللغة: الفرق بين الإصعاد والصعود أن الإصعاد في مستوى من الأرض. والصعود في ارتفاع. يقال: أصعدنا من مكة إذا ابتدأنا السفر منها، ومنه قول الشاعر: * هواي مع الركب اليمانين مصعد * جنيب، وجثماني بمكة موثق (2) * وروي عن الحسن أنه قرأ (تصعدون) بفتح التاء والعين. وقال: إنهم صعدوا في الجبل فرارا. وقال الفراء: الإصعاد الإبتداء في كل سفر. والإنحدار: الرجوع عنه. (ولا تلوون) أي: لا تعرجون على أحد، كما يفعله المنهزم. ولا يذكر هذه إلا


(1) اللهق: الأبيض. سراة كل شئ: ظهره ووسطه قوله ما حاجبيه: ما زائدة. و (حاجبيه) بدل من الضمير في (كأنه) اي: كأن حاجبيه مغير بسواد. والشاهد في إتيان الخبر أعني " مغيرا " مفردا، حملا على المبدل منه، دون البدل. (2) الشعر في (جامع الشواهد). (*)

[ 419 ]

في النفي. لا يقال: لويت على كذا. وأصله من لي العنق للإلتفات. والنعاس: الوسن. وناقة نعوس توصف بالسماحة في الدر. الاعراب: قوله (إذ تصعدون): العامل في (إذ) قوله: (ولقد عفا عنكم). واللام في قوله (لكيلا تحزنوا) يتعلق به أيضا. وقيل: يتعلق بقوله (فأثابكم). و (لا تحزنوا): منصوب بكي. و (أمنة): مفعول (أنزل). و (نعاسا): بدل منها. و (طائفة) الأولى: مفعول يغشى. و (طائفة) الثانية: مرفوعة بالإبتداء وخبرها: (يظنون). و (قد أهمتهم أنفسهم): في موضع رفع بالصفة. ويجوز أن يكون (قد أهمتهم أنفسهم) خبرا. والواو في (طائفة): واو الحال على تقدير: يغشى النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. فالجملة في موضع الحال. ويجوز النصب على أن يجعل الواو واو العطف، كما تقول: ضربت زيدا، وعمرا أكرمته. فيكون منصوبا علي إضمار فعل الذي قد ظهر تفسيره. المعنى: ثم ذكر تعالى المنهزمين من أصحاب رسول الله يوم أحد، فقال: (إذ تصدون) معناه: ولقد عفا عنكم إذ تذهبون في وادي أحد للإنهزام، فرارا من العدو، عن قتادة والربيع. (ولا تلوون على أحد) أي: لا تقيمون على من خلفتم في الحرب، ولا تلتفتون إليهم، ولا يقف أحد منكم على أحد. (والرسول) يعني محمدا " صلى الله عليه وآله وسلم " (يدعوكم في أخراكم) أي: يناديكم من ورائكم فيقول: ارجعوا إلي عباد الله ! ارجعوا إلي أنا رسول الله ! يقال: فلان جاء في آخر الناس، وآخرة الناس، وأخرى الناس: إذا جاء خلفهم. (فأثابكم غما بغم) اختلف فيه على أقوال أحدها: إن معناه جعل مكان ما ترجونه من الثواب، أن غمكم بالهزيمة وظفر المشركين بكم، بغمكم رسول الله إذ عصيتموه، وضيعتم أمره. فالغم الأول لهم، والثاني للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، واختاره الزجاج وثانيها: إن معناه غما على غم، أو غما مع غم، أو غما بعد غم، كما يقال: نزلت بفلان، وعلى فلان، حتى فعل كذا. ويقال: ما نزلت بزيد حتى فعل أي: مع زيد. وأراد به كثرة الغم بالندم على ما فعلوا، وبما أصابهم من الشدائد، وأنهم لا يدرون ما استحقوا به من عقاب الله وثالثها: إن الغم الأول: القتل والجراح. والثاني: الإرجاف بقتل محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن قتادة والربيع. ورابعها: أثابكم غما يوم أحد بغم ألحق المشركين يوم بدر، عن الحسن. وفي هذا القول نظر، لأن ما

[ 420 ]

لحق المشركين من الغم يوم بدر من جهة المسلممن، إنما توجب المجازاة بالكرامة دون الغم وخامسها: إن المراد غم المشركين، بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم، وخروجهم إلى (حمراء الأسد) فجعل هذا الغم عوضا عن غم المسلمين، بما نيل منهم، عن الحسين بن علي المغربي. وإنما قيل في الغم ثواب، لأن أصله ما يرجع إلى المجازاة على الفعل، طاعة كان أو معصية، ثم كثر في جزاء الطاعة، فهو كما قال الشاعر: * وأراني طربا في إثرهم * طرب الواله، أو كالمختبل * وقيل: إنه مما وضع مكان غيره، كقوله تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) أي: ضعه موضع البشارة، فهو كما قال الشاعر: أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * أداهم سودا، أومدحرجة سمرا (1) * (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم) معناه: فعل بكم هذا الغم لئلا تحزنوا على ما فاتكم من الغنيمة، ولا تتركوا أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولئلا تحزنوا على ما أصابكم من الشدائد في سبيل الله، وليكن غمكم بأن خالفتم النبي فقط. وتقديره: ليشغلكم حزنكم على سوء ما صنعتم، عن الحزن على غيره. وقيل: معناه ولقد عفا عنكم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم، فإن عفو الله تعالى يذهب كل حزن. (والله خبير بما تعملون) فيه ترغيب في الطاعة، وترهيب عن المعصية. ثم ذكر ما أنعم به عليهم بعد ذلك حتى تراجعوا وأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فأنزل النعاس عليهم في تلك الحالة، حتى كانوا يسقطون على الأرض. وكان المنافقون لا يستقرون، حتى طارت عقولهم، فقال: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا): لفظ الإنزال توسع ومعناه: ثم وهب الله لكم أيها المؤمنون بعد ما نالكم من يوم أحد من الغم، أمنة يعني أمنا. نعاسا أي: نوما. وهو بدل الإشتمال عن (أمنة) لإن النوم يشتمل على الأمن، لأن الخائف لا ينام. ثم ذكر سبحانه أن تلك الأمنة لم تكن عامة، بل كانت لأهل الإخلاص، وبقي لأهل النفاق الخوف والسهر، فقال: (يغشى طائفة منكم) يعني المؤمنين ألقى عليهم النوم، وكان السبب في ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع إلى القتال، فقعد


(1) الأدهم: القيد. المدحرجة: المدورة كنى بها عن المعلق. (*)

[ 421 ]

المسلمون تحت الجحف، متهيئين للحرب، فأنزل الله الأمنة على المؤمنين فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف، بأن يرجع الكفار عليهم، أو يغيروا على المدينة، لسوء الظن. فطير عنهم النوم، عن ابن إسحاق وابن زيد وقتادة والربيع. (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) أي: وجماعة قد شغلتهم أنفسهم. وقيل: حملتهم على الهم. ومنه قول العرب: همك ما أهمك. ومعناه: كان همهم خلاص أنفسهم. والعرب تطلق هذا اللفظ على كل خائف وجل، شغله هم نفسه عن غيره. (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية) أي: يتوهمون أن الله لا ينصر محمدا وأصحابه، كظنهم في الجاهلية. وقيل: كظن أهل الجاهلية، وهم الكفار والمكذبون بوعد الله ووعيده، فكان ظن المنافقين كظنهم. وقيل: ظنهم ما ذكر بعده من قوله (يقولون هل لنا من الأمر من شئ) فهذا تفسير لظنهم، يعني: يقول بعضهم لبعض: هل لنا من النصر والفتح والظفر نصيب، قالوا ذلك على سبيل التعجب والإنكار أي: أنطمع أن يكون لنا الغلبة على هؤلاء أي: ليس لنا من ذلك شئ. وقيل: إن معناه إنا أخرجنا كرها، ولو كان الأمر إلينا ما خرجنا، عن الحسن. وكان هذا القائل عبد الله بن أبي، ومعتب بن قشير وأصحابهما، عن الزبير بن العوام وابن جريج. (قل) يا محمد (إن الأمر كله لله) ينصر من يشاء، ويخذل من يشاء، لا خاذل لمن نصره، ولا ناصر لمن خذله. وربما عجل النصر وربما أخره، لضرب من الحكمة. ولا يكون لوعده خلف. والمراد بالأمر في الموضعين: النصر. (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) أي: يخفون في أنفسهم الشك والنفاق، وما لا يستطيعون إظهاره لك (يقولون لو كان لنا من الأمر) أي: من الظفر كما وعدنا (شئ ما قتلنا هاهنا) أي: ما قتل أصحابنا، شكا منهم فيما وعده الله تعالى نبيه من الاستعلاء على أهل الشرك، وتكذيبا به (قل) يا محمد لهم في جواب ذلك: (لو كنتم في بيوتكم) ومنازلكم (لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) قيل فيه قولان أحدهما: إن معناه لو لزمتم منازلكم أيها المنافقون والمرتابون، وتخلفتم عن القتال، لخرج إلى البراز المؤمنون الذين فرض عليهم القتال، صابرين محتسبين، فيقتلون ويقتلون. والتقدير: ولو تخلفتم عن القتال لما تخلف المؤمنون والثاني: إن معناه لو كنتم في منازلكم، لخرج الذين كتب عليهم

[ 422 ]

القتل أي: كتب آجالهم وموتهم وقتلهم، في اللوح المحفوظ، في ذلك الوقت إلى مصارعهم، وذلك أن ما علم الله كونه، فإنه يكون كما علمه لا محالة. وليس في ذلك أن المشركين غير قادرين على ترك القتال، من حيث علم الله ذلك منهم وكتبه، لأنه كما علم أنهم لا يختارون ذلك، علم أنهم قادرون. ولو وجب ذلك، لوجب أن يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله، والقول بذلك كفر (وليبتلي الله ما في صدوركم) أي: يختبر الله ما في صدوركم بأعمالكم، لأنه قد علمه غيبا، فيعلمه شهادة، لأن المجازاة إنما تقع على ما علم مشاهدة، لا على ما هو معلوم منهم، غير معمول، عن الزجاج. وقيل: معناه ليعاملكم معاملة المبتلين، مظاهرة في العدل عليكم. وقيل: إنه عطف على قوله: (ثم صرفهم عنكم ليبتليكم وليبتلي ما في صدوركم) (وليمحص ما في قلوبكم) أي: يخلص. وقيل: هذا خطاب للمنافقين أي: يأمركم بالخروج، فلا تخرجون، فيطهر للمسلمين معاداتكم لهم، وتنكشف أسراركم فلا يعدكم المسلمون من جملتهم. وقيل: معناه ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم كما في قوله: (الذين يحاربون الله ورسوله ويؤذون الله ورسوله) وقيل: إنه عطف على قوله (أمنة نعاسا) أي: ليظهر عند هذه الأحوال موافقة باطنكم ظاهركم، وليمحص ما في قلوبكم أي: يطهرها من الشك بما يريكم من عجائب صنعه، ويخلص نياتكم. وهذا التمحيص خاص للمؤمنين دون المنافقين (والله عليم بذات الصدور) معناه: إن الله لا يبتليكم ليعلم ما في صدوركم، فإن الله عليم بذلك، وإنما ابتلاكم ليظهر أسراركم، فيقع الجزاء على ما ظهر. (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم [ 155 ]). المعنى: ثم ذكر الله الذين انهزموا يوم أحد أيضا فقال: (إن الذين تولوا منكم) أي: إن الذين ولوا الدبر على المشركين بأحد منكم أيها المسلمون، عن قتادة والربيع. وقيل: هم الذين هربوا إلى المدينة في وقت الهزيمة، عن السدي. (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وسيدهم رسول الله، وجمع المشركين ورئيسهم أبو سفيان. (إنما استزلهم الشيطان) أي: طلب زلتهم، عن القتيبي. وقيل: أزل واستزل بمعنى (ببعض ما كسبوا) من معاصيهم السالفة، فلحقهم

[ 423 ]

شؤمها. وقيل: استزلهم بمحبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة، عن الجبائي قال: وفي ذلك الزجر عما يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الأمور. وقيل: استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم، فكرهوا القتل قبل إخلاص التوبة منها، والخروج من المظلمة فيها، عن الزجاج. (ولقد عفا الله عنهم) أعاد تعالى ذكر العفو تأكيدا لطمع المذنبين في العفو، ومنعا لهم عن اليأس، وتحسينا لظنون المؤمنين. (إن الله غفور حليم) قد مر معناه. وذكر أبو القاسم البلخي أنه لم يبق مع النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يوم أحد إلا ثلاثة عشر نفسا: خمسة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. فأما المهاجرون فعلي " عليه السلام " وأبو بكر وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص. وقد اختلف في الجميع إلا في علي " عليه السلام " وطلحة. وقد روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: ورأيتني أصعد في الجبل، كأني أروى (1)، ولم يرجع عثمان من الهزيمة إلا بعد ثلاث. فقال له النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ": " لقد ذهبت فيها عريضة " ! (يا أيها الذين ءامنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيى ويميت والله بما تعملون بصير [ 156 ] ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون [ 157 ] ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون [ 158 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأهل الكوفة غير عاصم: (بما يعملون) بالياء. والباقون بالتاء. وقرأ نافع وأهل الكوفة غير عاصم: (متم) بالكسر. ووافقهم حفص في سائر المواضع إلا هاهنا. وقرأ الباقون: (متم) بضم الميم. وقرأ: (مما يجمعون) بالياء، حفص عن عاصم. والباقون: (تجمعون) بالتاء. الحجة: قال أبو علي: حجة من قرأ بالتاء قوله: (ولا تكونوا كالذين


(1) أي: معز الجبل. (*)

[ 424 ]

كفروا). وحجة من قرأ بالياء أن قبلها أيضا غيبة وهو قوله: (وقالوا لإخوانهم) وما بعده، فحمل الكلام على الغيبة. والأشهر الأقيس في (متم): ضم الميم. والكسر شاذ في القياس، ونحوه مما شذ: فضل يفضل في الصحيح، وأنشدوا: * ذكرت ابن عباس بدار ابن عامر، * وما مر من عمري. ذكرت، وما فضل * وأما (تجمعون) بالتاء فالمعنى على تجمعون أيها المقتولون في سبيل الله، أو المائتون. ومعنى الياء أنه لمغفرة من الله خير مما يجمعه غيركم. اللغة: الضرب في الأرض: السير فيها. وأصله: الضرب باليد. وقيل: هو الإيغال في السير (1). وغزى: جمع غاز، نحو ضارب وضرب، وطالب وطلب. الاعراب: قوله (وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض) وضع (إذا) موضع إذ لأحد أمرين: إما لأنه متصل بلا تكونوا كهؤلاء إذا ضرب إخوانهم في الأرض. وإما لأن الذي إذا كان مبهما غير موقت، يجري مجرى ما في الجزاء، فيقع الماضي فيه موضع المستقبل، نحو: (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) معناه: يكفرون ويصدون. ويجوز: لأكرمن الذي أكرمك إذا زرته، لإبهام الذي. ولا يجوز لأكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته، لتوقيت الذي من أجل الاشارة إليه بهذا. وقوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) اللام فيه يتعلق بلا تكونوا أي: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول، ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم دونكم. وقيل: إنه يتعلق بقوله: (وقالوا لإخوانهم) فيكون لام العاقبة، عن أبي علي الجبائي. وقوله. (لئن قتلتم) استغنى عن جواب الجزاء فيه بجواب القسم في قوله: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) وقد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى جواب، وكان جواب القسم أولى بالذكر، لأن له صدر الكلام مما يذكر في حشوه. واللام في قوله (ولئن متم) تحتمل أمرين أحدهما: أن يكون خلفا من القسم، ويكون اللام في قوله (لإلى الله) جوابا كقولك: والله إن متم أو قتلتم لتحشرون إلى الله والثاني: أن تكون مؤكدة لما بعدها، كما تؤكد أن ما بعدها،


(1) أي: الإسراع فيه. (*)

[ 425 ]

وتكون الثانية جوابا لقسم محذوف، والنون لا بد منها في الفعل المضارع، مع لام القسم، لأن القسم أحق بالتأكيد من كل ما يدخله النون من جهة أن ذكر القسم دليل على أنه من مواضع التأكيد. فإذا جازت في غيره من الأمر والنهي والإستفهام والعرض والجزاء، مع ما لزمت (1) في القسم، لأنه أحق بها من غيره. والفرق بين لام القسم، ولام الإبتداء أن لام الابتداء يصرف الإسم إليه، فلا يعمل فيه ما قبلها نحو: قد علمت لزيد خير منك، وقد علمت أن زيدا ليقوم. وليس كذلك لام القسم، لأنها لا تدخل على الإسم ولا يكسر لها إن نحو: قد علمت أن زيدا ليقومن، ويلزمها النون في المستقبل. المعنى: ثم نهى الله سبحانه المؤمنين عن الإقتداء بالمنافقين في أقوالهم وأفعالهم فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا) يريد عبد الله بن أبي سلول، وأصحابه من المنافقين، عن السدي ومجاهد. وقيل: هو عام (وقالوا لإخوانهم) من أهل النفاق (إذا ضربوا في الأرض) أي: سافروا فيها لتجارة، أو طلب معاش، فماتوا، عن السدي وابن إسحاق. وإنما خص الأرض بالذكر، لأن أكثر أسفارهم كان في البر. وقيل: إكتفى بذكر البر عن ذكر البحر كقوله تعالى: (سرابيل تقيكم الحر). وقيل: لأن الأرض تشتمل على البر والبحر. (أو كانوا غزى) أي: غزاة محاربين للعدو فقتلوا (لو كانوا) مقيمين (عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) معناه: قالوا هذا القول ليثبطوا المؤمنين عن الجهاد، فلم يقبل المؤمنون ذلك، وخرجوا ونالوا العز والغنيمة، فصار حسرة في قلوبهم. واللام على هذا في (ليجعل) لام العاقبة. وقيل: معناه ولا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذه المقالة، لكي يجعل الله تلك المقالة سببا لإلزام الحسرة والحزن في قلوبهم، لما يحصل لهم من الخيبة فيما أملوا من الموافقة، ولما فاتهم من عز الظفر والغنيمة. (والله يحيي ويميت) أي: هو الذى يحي ويميت في السفر والحضر، عند حضور الأجل، لا مقدم لما أخر، ولا مؤخر لما قدم، ولا راد لما قضى، ولا محيص عما قدر. وهذا يتضمن منع الناس عن التخلف في الجهاد خشية القتل، فإن


(1) وفي (التبيان) هكذا: " مع (ما) إذ كان ذكر القسم قد أنبأ أنه من مواضع التأكيد، لزمت فيه 1. ه‍ ". (*)

[ 426 ]

الإحياء والإماتة بيد الله سبحانه، فلا حياة لمن قدر الله موته، ولا موت لمن قدر الله حياته (والله بما تعملون بصير) أي: مبصر. وقيل: عليم. وهذا يتضمن الترغيب في الطاعة، والترهيب عن المعصية. ثم حث سبحانه على الجهاد، وبين أن الشهادة خير من أموال الدنيا المستفادة بأن قال: (ولئن قتلتم) أيها المؤمنون (في سبيل الله) أي: في الجهاد (أو متم) قاصدين مجاهدة الكفار، استوجبتم (مغفرة من الله ورحمة) والمغفرة: الصفح عن الذنوب. والرحمة: الثواب والجنة. وهاتان (خير مما يجمعون) من الأموال والمقاصد الدنيوية. وهذا يتضمن تعزية المؤمنين وتسليتهم عما أصابهم في سبيل الله. وفيه تقوية لقلوبهم، وتهوين للموت والقتل عليهم. ثم قال: (ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون) أي: سواء متم، أو قتلتم، فإن مرجعكم إلى الله، فيجزي كلا منكم كما يستحقه المحسن على إحسانه، والمسئ على إساءته، فآثروا ما يقربكم منه، ويوجب لكم رضاه من العمل بطاعته، والجهاد في سبيله، ولا تركنوا إلى الدنيا. وفي هذا المعنى البيت الذي ينسب إلى الإمام الحسين بن علي: * فإن تكن الأبدان للموت أنشئت، * فقتل امرئ بالسيف في الله أفضل * (سؤال): إن قيل كيف عادل بين مغفرة الله ورحمته، وبين حطام الدنيا، مع تفاوت ما بينهما، ولا يقول أحد الدرة خير من البعرة ؟ (فجوابه): إن الناس يؤثرون الدنيا على الآخرة حتى إنهم يتركون الجهاد في سبيل الله، محبة للإستكثار من الدنيا، وإيثارا للمقام فيها، فعلى هذا جاز ذلك. (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين [ 159 ]). اللغة: (الفظ الغليظ) الجافي القاسي القلب. يقال منه: فظظت تفظ فظاظة، وأنت فظ على وزن فعل، إلا أنه أدغم كصب. والفظاظة: خشونة الكلام. والإفتظاظ: شرب ماء الكرش لجفائه على الطبائع، فإن أصل الفظاظة: الجفوة.

[ 427 ]

والفظ: ماء الكرش. والفض بالضاد: تفريق الشئ. والإنفضاض: التفرق. وشاورت الرجل مشاورة وشوارا. والإسم المشورة. وقيل: المشورة. وفلان حسن الشورة والصورة أي: الهيئة واللباس. وإنه لصير شير، وهو حسن الشارة. ومعنى قولهم. شاورت فلانا: أظهرت في الرأي ما عندي وما عنده. وشرت الدابة أشورها: إذا امتحنتها، فعرفت هيئتها في سيرها. وشرت العسل وأشرته: إذا أخذته من مواضع النحل، وعسمل مشور ومشار، قال الشاعر: * كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها أريا مشورا (1) * وقال عدي بن زيد: * وغناء يأذن الشيخ له * وحديث مثل ماذي مشار (2) * والعزم: عقد القلب على الشئ، تريد أن تفعله. والعزيمة كذلك. قال ابن دريد: يقال عزمت عليك يعني: أقسمت عليك. والتوكل: إظهار العجز، والإعتماد على الغير والتوكل على الله هو تفويض الأمر إليه، والثقة بحسن تدبيره، وأصله الإتكال وهو الإكتفاء في فعل ما يحتاج إليه ممن يستند إليه، ومنه الوكالة، لأنه عقد على الكفاية بالنيابة. والوكيل: هو المتكل عليه بتفويض الأمر إليه. الاعراب: (فبما رحمة): ما زائدة بإجماع المفسرين، ومثله قوله: عما قليل. جاءت ما مؤكدة للكلام، ودخولها تحسن النظم، كدخولها لاتزان الشعر في نحو قول عنترة (3): * يا شاة ! ما قنص (4) لمن حلت له * حرمت علي، وليتها لم تحرم * وقال الفرزدق: * ناديت أنك إن نجوت، فبعدما * يأس، وقد نظرت إليك شعوب (5) * وذلك ليتمكن المعنى في النفس، فجرى مجرى التكرير.


(1) الأري: العسل. (2) وفى (الصحاح): " في سماع " بدل " وغناء ". أذن له: استمع له. الماذي: العسل الأبيض. (3) في معلقته. (4) القنص: الصيد. و (ما) زائدة. والمراد بالشاة امرأة شبهها بها. (5) الشعوب: اسم للمنية. (*)

[ 428 ]

المعنى: ثم بين سبحانه أن مساهلة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " إياهم، ومجاوزته عنهم من رحمته تعالى، حيث جعله لين العطف، حسن الخلق (1): (فبما رحمة) أي: فبرحمة (من الله لنت لهم) معناه: إن لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين، لأنك تأتيهم مع سماحة أخلاقك، وكرم سجيتك، بالحجج والبراهين (ولو كنت) يا محمد (فظا) أي: جافيا سئ الخلق. (غليظ القلب) أي: قاسي الفؤاد، غير ذي رحمة ولا رأفة (لانفضوا من حولك) أي: لتفرق أصحابك عنك، ونفروا منك. وقيل: إنما جمع بين الفظاظة والغلظة، وإن كانتا متقاربتين، لأن الفظاظة في الكلام، فنفى الجفاء عن لسانه، والقسوة عن قلبه. (فاعف عنهم) ما بينك وبينهم (واستغفر لهم) ما بينهم وبيني. وقيل: معناه فاعف عنهم فرارهم من أحد، واستغفر لهم من ذلك الذنب (وشاورهم في الأمر) أي: استخرج آراءهم، واعلم ما عندهم. واختلفوا في فائدة مشاورته إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد على أقوال أحدها: إن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتألف لهم، والرفع من أقدارهم، ليبين أنهم ممن يوثق بأقوالهم، ويرجع إلى آرائهم، عن قتادة والربيع وابن إسحاق وثانيها: إن ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة، ولم يروها نقيصة، كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم، عن سفيان بن عيينة. وثالثها: إن ذلك ليمتحنهم بالمشاورة، ليتميز الناصح من الغاش. وخامسها: إن ذلك في أمور الدنيا، ومكائد الحرب، ولقاء العدو. وفي مثل ذلك يجوز أن يستعين بآرائهم، عن أبي علي الجبائي. (فإذا عزمت) أي: فإذا عقدت قلبك على الفعل وإمضائه. ورووا عن جعفر بن محمد، وعن جابر بن يزيد: (فإذا عزمت) بالضم. فعلى هذا يكون معناه: فإذا عزمت لك ووفقتك وأرشدتك (فتوكل على الله) أي: فاعتمد على الله، وثق به، وفوض أمرك إليه (إن الله يحب المتوكلين) يعني الواثقين به، والمعتمدين عليه، والمنقطعين إليه، الواكلين أمرهم إلى لطفه وتدبيره. وفي هذه الآية دلالة على اختصاص نبينا بمكارم الأخلاق، ومحاسن الأفعال، ومن عجيب أمره " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه كان


(1) [ فقال ]. (*)

[ 429 ]

أجمع الناس لدواعي الترفع، ثم كان أدناهم إلى التواضع، وذلك أنه كان أوسط الناس نسبا، وأوفرهم حسبا، وأسخاهم وأشجعهم، وأزكاهم وأفصحهم. وهذه كلها من دواعي الترفع. ئم كان من تواضعه أنه كان يرقع الثوب، ويخصف النعل، ويركب الحمار، ويعلف الناضح، ويجيب دعوة المملوك، ويجلس في الأرض، ويأكل على الأرض، وكان يدعو إلى الله من غير زأر، ولا كهر، ولا زجر (1). ولقد أحسن من مدحه في قوله: * فما حملت من ناقة فوق ظهرها * أبر، وأوفى ذمة، من محمد * وفي الآية أيضا ترغيب للمؤمنين في العفو عن المسئ، وحثهم على الإستغفار لمن يذنب منهم، وعلى مشاورة بعضهم بعضا فيما يعرض لهم من الأمور، ونهيهم عن الفظاظة في القول، والغلظة والجفاء في الفعل، ودعائهم إلى التوكل عليه، وتفويض الأمر إليه. وفيها أيضا دلالة على ما نقوله في اللطف، لأنه سبحانه نبه على أنه لولا رحمته لم يقع اللين والتواضع، ولو لم يكن كذلك، لما أجابوه. فبين أن الأمور المنفرة منفية عنه، وعن سائر الأنبياء، ومن يجري مجراهم في أنه حجة على الخلق، وهذا يوجب تنزيههم أيضا عن الكبائر، لأن التنفير في ذلك أكثر. (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذى ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون [ 160 ]). المعنى: لما أمر الله سبحانه نبيه بالتوكل، بين معنى وجوب التوكل عليه فقال: (إن ينصركم الله) على من ناوأكم (فلا غالب لكم) أي: فلا يقدر أحد على غلبتكم، وإن كثر عدد من يناوئكم، وقل عددكم (وإن يخذلكم) أي: يمنعكم معونته، ويخل بينكم وبين أعدائكم بمعصيتكم إياه (فمن ذا الذي ينصركم من بعده) الهاء عائدة إلى إسم الله على الظن، والمعنى على حذف المضاف، وتقديره: من بعد خذلانه يعني أنه لا ناصر لكم ينصركم بعد خذلان الله إياكم. ومن هاهنا معناه التقرير بالنفي في صورة الإستفهام أي: لا ينصركم أحد من بعده. وإنما تضمن حرف الإستفهام معنى النفي، لأن جوابه يجب أن يكون بالنفي، فصار ذكره


(1) زأر زأرا: صاح وغضب. كهر كهرا: استقبله بوجه عابس. (*)

[ 430 ]

يغني عن ذكر جوابه، وكان أبلغ لتقرير المخاطب فيه (وعلى الله فليتوكل المؤمنون) ظاهر المراد. وتضمنت الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة، والتحذير من معصية الله التي يستحق بها الخذلان، مع ايجاب التوكل عليه، الذي يؤمن معه أن يكلهم إلى أنفسهم فيهلكوا. قال أبو علي الجبائي: وفي الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين، لم ينصره الله، لأنه لو نصره لما غلبوه، وذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد، مع تعريض المؤمنين لمنازل الأبرار بالصبر على الجهاد، مع خوف القتل من حيث لم يجعل على أمان من غلبة الفجار، وهذا إنما هو في النصرة بالغلبة. فأما النصرة بالحجة فإن الله نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق، بما نصب لهم من الأدلة الواضحة، والبراهين القاطعة، ولولا ذلك لما حسن التكليف. وقال أبو القاسم البلخي: المؤمنون منصورون أبدا، إن غلبوا فهم المنصورون بالغلبة، وإن غلبوا فهم المنصورون بالحجة، ولا يجوز أن ينصر الله الكافر على وجه. وقال الجبائي: النصرة بالغلبة ثواب لأنه لا يجوز أن ينصر الله الظالمين من حيث لا يريد استعلاءهم بالظلم على غيرهم. وقال ابن الأخشيد: ليس بصواب، كيف تصرفت الحال، لأن الله تعالى أمرنا أن ننصر الفئة المبغي عليها، وقد لا تكون مستحقة للثواب. فأما الخذلان، فلا خلاف أنه عقاب. والخذلان هو الإمتناع من المعونة على عدو في وقت الحاجة إليها، لأنه لو امتنع إنسان من معونة من يستغني عن معونته، لم يكن خاذلا له. (وما كان لنبى أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون [ 161 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم (أن يغل) بفتح الياء وضم الغين. وقرأ الباقون بضم الياء، وفتح الغين. الحجة: من قرأ (يغل) فمعناه: يخون. يقال: غل في الغنيمة يغل: إذا خان فيها. وأغل بمعناه. وقال النمر بن تولب:

[ 431 ]

* جزى الله عنا جمرة بنت نوفل، * جزاء مغل بالأمانة كاذب * * بما سألت عني الوشاة ليكذبوا * علي، وقد أوليتها في النوائب * ومن قرأ (يغل) فمعناه على وجهين أحدهما: ما كان لنبي أن يخون أي: ينسب إلى الخيانة أي: يقال له غللت، كقولك: أسقيته أي: قلت له سقاك الله. قال ذو الرمة: * وأسقيه حتى كاد مما أبثه * تكلمني أحجاره، وملاعبه (1) * وقال الكميت: * وطائفة قد أكفرتني بحبكم، * وطائفة قالت: مسئ ومذنب * أي نسبتني إلى الكفر. والآخر: ما كان لنبي أن يخان بمعنى يسرق منه، ويؤخذ من الغنيمة التي حازها. ويكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب. قال أبو علي الفسوي: الحجة لمن قرأ (أن يغل) أنما جاء في التنزيل من هذا النحو أسند الفعل فيه إلى الفاعل نحو (ما كان لنا أن نشرك بالله من شئ). و (ما كان ليأخذ أخاه). و (ما كان لنفس أن تموت). و (ما كان الله ليضل قوما). و (ما كان الله ليطلعكم على الغيب) ولا يكاد يقال: ما كان لزيد أن يضرب. وما كان لزيد ليضرب. فيسند الفعل فيه إلى المفعول به، فكذلك قوله: (وما كان لنبي أن يغل) يسند الفعل فيه إلى الفاعل. ويروى عن ابن عباس أنه قرأ (يغل) فقيل له: إن عبد الله قرأ (يغل) فقال ابن عباس: بلى والله ويقتل. وروي عن ابن عباس أيضا أنه قال: وقد كان النبي يقتل، فكيف لا يخون ! ؟ اللغة: أصل الغلول من الغلل، وهو دخول الماء في خلل الشجر، يقال: انغل الماء في أصول الشجر. والغلول: الخيانة، لأنها تجري في الملك على خفاء من غير الوجه الذي يحل كالغلل. ومنة الغل: الحقد، لأنه يجري في النفس كالغلل. ومنه الغليل: حرارة العطش. والغلة كأنها تجري في الملك من جهات مختلفة. والغلالة: لأنها شعار تحت البدن.


(1) قوله: وأسقيه أي: قلت للدار الذي فيه المحبوبة: سقاك الله. قوله: مما أبثه أي: من تهييجي إياه. (*)

[ 432 ]

النزول: روي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير أنها نزلت في قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم: لعل النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أخذها. وفي رواية الضحاك عنه: إن رجلا غل بمخيط أي: بإبرة من غنائم هوازن، يوم حنين، فنزلت الآية. وعن مقاتل: إنها نزلت في غنائم أحد، حين ترك الرماة المركز طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أن يقول رسول الله من أخذ شيئا فهو له، ولا يقسم كما لم يقسم يوم بدر، ووقعوا في الغنائم، فقال رسول الله: أظننتم أنا نغل، ولا نقسم لكم ؟ فأنزل الله الآية. وقيل: إنه قسم المغنم، ولم يقسم للطلائع. فلما قدمت الطلائع قالوا: أقسم الفئ ولم يقسم لنا ؟ فعرفه الله الحكم. فنزلت الآية. وقيل: نزلت في أداء الوحي، كان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " يقرأ القرآن، وفيه عيب دينهم، وسب آلهتهم، فسألوه أن يطوي ذلك. فأنزل الله الآية. المعنى: لما قدم تعالى أمر الجهاد، وذكر بعده ما يتعلق به من حديث الغنائم، والنهي عن الخيانة فيها فقال: (وما كان لنبي أن يغل) وتقديره: وما كان لنبي الغلول، لأن أن مع الفعل بمعنى المصدر أي: لا تجتمع النبوة والخيانة. وقيل: معناه ما كان له أن يكتم شيئا من الوحي، عن ابن إسحاق، وتقديره: ما كان له أن يغل أمته فيما يؤدي إليهم. وقيل: اللام منقولة، وتقديره: ما كان النبي ليغل كقوله: (ما كان لله أن يتخذ من ولد) معناه: ما كان الله ليتخذ ولدا. وعلى القراءة الأخرى: ما كان لنبي أن يخون أي: يخونه أصحابه، أو بمعنى يكتمونه شيئا من المغنم على ما مضى القول فيه. وخضه بالذكر، وإن كان لا يجوز أن يغل غيره من إمام، أو أمير للمسلمين، لوجهين أحدهما: لعظم خيانته، وأنها أعظم من خيانة غيره، وهذا كقوله (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) وإن كان اجتناب جميع الأرجاس واجبا والآخر: إن النبي إنما خص بالذكر، لأنه القائم بأمر الغنائم، فإذا حرمت الخيانة عليه، وهو صاحب الأمر، فحرمتها على غيره أولى وأجدر. وقوله: (ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة) معناه: إنه يأتي حاملا على ظهره، كما روي في حديث طويل: " ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره يوم القيامة له رغاء ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي به على ظهره له حمحمة، فيقول: يا محمد. يا محمد ! فأقول: قد بلغت. قد بلغت، لا أملك لك من الله شيئا " عن ابن عباس وأبي حميد وأحمد الساعدي وابن عمر وقتادة. وقال الجبائي: وذلك

[ 433 ]

ليفضح به على رؤوس الأشهاد. وقال البلخي: فيجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له، وله صوت. وقد روي في خبر آخر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " كان يأمر مناديا فينادي في الناس: ردوا الخيط والمخيط، فإن الغلول عار وشنار يوم القيامة. فجاء رجل بكبة شعر، فقال: إني أخذتها لأخيط بردعة بعيري. فقال النيي " صلى الله عليه وآله وسلم ": أما نصيبي منها فهو لك. فقال الرجل: أما إذا بلغ الأمر هذا المبلغ فلا حاجة لي فيها. والاولى أن يكون معناه: ومن يغلل يواف بما غل يوم القيامة، فيكون حمل غلوله على عنقه إمارة يعرف بها، وذلك حكم الله تعالى في كل من وافى يوم القيامة بمعصيته، لم يتب منها، أو أراد الله تعالى أن يعامله بالعدل، أظهر عليه من معصيته علامة تليق بمعصيته، ليعلمه أهل القيامة بها، ويعلموا سبب استحقاقه العقوبة، كما قال تعالى: (فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) وهكذا حكمه تعالى في كل من وافى القيامة بطاعة، فإنه تعالى يظهر من طاعته علامة يعرف بها. (ثم توفى كل نفس ما كسبت) أي: يعطي كل نفس جزاء ما عملت، تاما وافيا (وهم لا يظلمون) أي: لا ينقص أحد مقدار ما يستحقه من الثواب، ولا يزاد أحد عن مقدار ما استحقه من العذاب. وفي هذه الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله لو عذب أولياءه لم يكن ذلك منه ظلما، لأنه قد بين أنه لو لم يوفها ما كسبت، لكان ظلما. (أفمن اتبع رضوان الله كمن بآء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير [ 162 ] هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون [ 163 ]). اللغة: باء أي: رجع. يقال: باء بذنبه يبوء بوءا: إذا رجع به. وبوأته منزلا أي: هيأته له، لأنه يرجع إليه. والسخط من الله هو إرادة العقاب لمستحقه ولعنه، وهو مخالف للغيظ، لأن الغيظ هو هيجان الطبع، وانزعاج النفس، فلا يجوز إطلاقه على الله تعالى. والمصير: المرجع. ويفرق بينهما بأن المرجع هو انقلاب الشئ إلى حال قد كان عليها. والمصير: انقلاب الشئ إلى خلاف الحال التي هو عليها، نحو مصير الطين خزفا، ولا يقال: رجع الطين خزفا، لأنه لم يكن قبل خزفا. والدرجة: الرتبة. والدرجان: مشي الصبي لتقارب الرتب. والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة المعروفة.

[ 434 ]

النزول: لما أمر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالخروج إلى أحد، قعد عنه جماعة من المنافقين، واتبعه المؤمنون. فأنزل الله تعالى هذه الآية. المعنى: لما بين تعالى أن كل نفس توفى جزاء ما كسبت من خير وشر، عقبه ببيان من كسب الخير والشر، فقال: (أفمن اتبع رضوان الله) وفيه أقوال أحدها: إن معناه أفمن اتبع رضوان الله في العمل بطاعته كمن باء بسخط منه في العمل بمعصيته، عن ابن إسحاق. وثانيها: أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول، كمن باء بسخظ من الله في فعل الغلول، عن الحسن والضحاك، واختاره الطبري لأنه أشبه بما تقدم وثالثها: أفمن اتبع رضوان الله بالجهاد في سبيله (كمن باء بسخط من الله) في الفرار منه، رغبة عنه، عن الزجاج والجبائي. وهذا الوجه يطابق ما سبق ذكره من سبب النزول (ومأواه جهنم) أي: مصيره ومرجعه جهنم (وبئس المصير) أي: المكان الذي صار إليه والمستقر. والآية استفهام، والمراد به التقرير. والفرق بين الفريقين أي: ليس من اتبع رضوان الله أي: رضاءه، كمن باء بسخطه (هم درجات) أي: هم ذوو درجات (عند الله) فالمؤمنون ذوو درجة رفيعة، والكافرون ذوو درجة خسيسة. وقيل في معناه قولان أحدهما: إن المراد اختلاف مرتبتي أهل الثواب والعقاب بما لهؤلاء من النعيم والكرامة، ولاؤلئك من العقاب والمهانة. وعبر عن ذلك بدرجات مجازا وتوسعا والثاني: إن المراد اختلاف مراتب كل من الفريقين، فإن الجنة طبقات، بعضها أعلى من بعض، كما جاء في الخبر: " إن أهل الجنة ليرون أهل عليين كما يرى النجم في أفق السماء ". والنار دركات، بعضها أسفل من بعض، ومثله في حذف المضاف قول ابن هرمة أنشده سيبويه: * أنصب للمنية تعتريهم * رجالي، أم هم درج السيول (1) * أي: هم ذوو درج (والله بصير بما يعملون) أي: عليم. وفي هذا ترغيب للناس في اتباع مرضاة الله تعالى، وتحذيرهم عما يوجب سخطه، وإعلام بأن أسرار العباد عنده علانية. وفيه توثيق بأنه لا يضيع عمل عامل لديه، إذ لا يخفى شئ من ذلك عليه، فيثيب على الطاعة، ويعاقب على المعصية. (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم


(1) أي: أمتوقف رجالي للموت الذي يعتريهم ؟ أم هم يدرجون درج السيل. (*)

[ 435 ]

ءاياته ويزكيهم ويعلمهم الكتب والحكمة وإن كانوا من قبل لفى ضلال مبين [ 164 ]). اللغة: أصل المن: القطع، يقال: منه يمنه: إذا قطعه. والمن: النعمة. لأنه يقطع بها عن البلية، يقال: من فلان علي بكذا أي: استنقذني به مما أنا فيه. والمن: تكدير النعمة، لأنه قطع لها عن وجوب الشكر عليها. والمنة: القوة لأنه يقطع بها الأعمال. المعنى: ثم ذكر سبحانه عظيم نعمته على الخلق ببعثه نبينا فقال: (لقد من الله) أي: أنعم الله (على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا) منهم. خص المؤمنين بالذكر، وإن كان " صلى الله عليه وآله وسلم " مبعوثا إلى جميع الخلق، لأن النعمة عليهم أعظم لاهتدائهم به، وإنتفاعهم ببيانه. ونظير ذلك ما تقدم بيانه من قوله (هدى للمتقين). وقوله (من أنفسهم) فيه أقوال أحدها: إن المراد به من رهطهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته، وكونه أميا لم يكتب كتابا، ولم يقرأه، ليعلموا أن ما أتى به وحي منزل، ويكون ذلك شرفا لهم، وداعيا إياهم إلى الإيمان وثانيها: إن المراد به أنه يتكلم بلسانهم، فيسهل عليهم تعلم الحكمة منه، فيكون خاصا بالعرب. وثالثها: إنه عام لجميع المؤمنين، والمراد بأنفسهم أنه من جنسهم، لم يبعث ملكا ولا جنيا. وموضع المنة فيه أنه بعث فيهم من عرفوا أمره، وخبروا شأنه. وقوله (يتلو عليهم آياته) يعني القرآن (ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة) مضى بيانه في سورة البقرة (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) يعني أنهم كانوا في ضلال ظاهر بين أي: كفارا، وكفرهم هو ضلالهم، فأنقذهم الله بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن ا لله على كل شئ قدير [ 165 ]). الاعراب: إنما دخلت الواو في (أو لما) لعطف جملة على جملة، إلا أنه تقدمها ألف الإستفهام، لأن له صدر الكلام. وإنما وصلت هذه الواو الكلام الثاني بالأول، ليدل على تعلقه به في المعنى، وذلك أنها وصلت التفريع على الخطيئة بالتذكير بالنعمة، لفرقة واحدة.

[ 436 ]

المعنى: ثم عاد الكلام إلى ذكر الجهاد فقال: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها) أي: حين أصابكم القتل والجرح، وذلك ما أصاب المسلمين يوم أحد، فإنه قتل من المسلمين سبعون رجلا، وكانوا هم أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فإنهم كانوا قتلوا من المشركين سبعين رجلا، وأسروا سبعين، عن قتادة وعكرمة والربيع والسدي. أي: وقد أصبتم أيها المسلمون يوم بدر مثليها. وقيل: قتلتم منهم ببدر سبعين، وبأحد سبعين، عن الزجاج. وهذا ضعيف لأنه خلاف ما ذكره أهل السير، فإنه لا خلاف بينهم أنه قتل منهم بأحذ نفر يسير، فقوله خلاف الجمهور. (قلتم أنى هذا) أي: من أي وجه أصابنا هذا، ونحن مسلمون، وفينا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وينزل عليه الوحي، وهم مشركون ؟ وقيل: إنهم إنما استنكروا ذلك لأنه وعدهم بالنصر من الله إن أطاعوه، عن الجبائي. وقوله: (قل هو من عند أنفسكم) أي: قل يا محمد: ما أصابكم من الهزيمة والقتل، من عند أنفسكم أي: بخلافكم أمر ربكم، وترككم طاعة الرسول " صلى الله عليه وآله وسلم "، وفيه أقوال أحدها: إن ذلك بمخالفتهم الرسول في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد، وكان النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " دعاهم إلى أن يتحصنوا بها، ويدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا: كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية، ونحن الآن في الإسلام، وأنت يا رسول الله نبينا، أحق بالإمتناع وأعز، عن قتادة والربيع وثانيها: إن ذلك باختيارهم الفداء من الأسرى يوم بدر، وكان الحكم فيهم القتل، وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء، قتل منكم في القابل بعدتهم. فقالوا: رضينا، فإنا نأخذ الفداء، وننتفع به. وإذا قتل منا فيما بعد، كنا شهداء، عن علي " عليه السلام " وعبيدة السلماني، وهو المروى عن الباقر " عليه السلام ". وثالثها: إن ذلك بخلاف الرماة يوم أحد، لما أمرهم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " به من ملازمة مراكزهم (إن الله على كل شئ قدير) أي: فهو قادر على نصركم فيما بعد، وإن لم ينصركم في الحال لمخالفتكم. (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين [ 166 ] وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما

[ 437 ]

ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون [ 167 ]). الاعراب: الفاء إنما دخلت في قوله (فبإذن الله) لأن خبر (ما) الذي بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء، لأنه معلق بالفعل في الصلة، كتعليقه بالفعل في الشرط، كقولك: الذي قام فمن أجل أنه كريم أي: لأجل قيامه صح أنه كريم، ومن أجل كرمه قام. المعنى: (وما أصابكم) أيها المؤمنون (يوم التقى الجمعان) جمع المسلمين وجمع المشركين، يعني يوم أحد من النكبة بقتل من قتل منكم (فبإذن الله) أي: بعلم الله ومنه قوله (وأذان من الله) أي: إعلام. وقيل: بتخلية الله بينكم وبينهم التي تقوم مقام الإطلاق في الفعل، برفع الموانع، والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف. وقيل: بعقوبة الله، فإن الله تعالى جعل لكل ذنب عقوبة، وكان ذلك عقوبة لهم من الله، على ترك أمر رسول الله، ولا يجوز أن يكون المراد بالإذن هاهنا الإباحة والإطلاق، كما يقتضيه (1) اللفظ، لأن الله لا يبيح المعاصي، ولا يطلقها. وقتل الكافر المسلم من أعظم المعاصي، فكيف يأذن فيه ؟ (وليعلم) الله (المؤمنين وليعلم الذين نافقوا) معناه: وليميز المؤمنين من المنافقين، لأن الله عالم بالأشياء قبل كونها، فلا يجوز أن يعلم عند ذلك ما لم يكن عالما به، إلا أن الله أجرى على المعلوم لفظ العلم مجازا أي: ليظهر المعلوم من المؤمن والمنافق (وقيل لهم) أي: للمنافقين (تعالوا قاتلوا في سبيل الله) قالوا: إن عبد الله بن أبي، والمنافقين معه من أصحابه، انخذلوا يوم أحد نحوا من ثلاثمئة رجل، وقالوا: علام نقتل أنفسنا ؟ وقال لهم عبد الله بن عمرو بن حزام الأنصاري: تعالوا قاتلوا في سبيل الله، واتقوا الله، ولا تخذلوا نبيكم. (أو ادفعوا) عن حريمكم وأنفسكم، إن لم تقاتلوا في سبيل الله. وقيل: معناه أقيموا معنا وكثروا سوادنا. وهذا يدل على أن تكثير سواد المجاهدين معدود في الجهاد، وبمنزلة القتال. (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) يعني قال المنافقون: لو علمنا قتالا لقاتلناهم. قالوا ذلك إبلاء لعذرهم في ترك القتال، والرجوع إلى المدينة. فقال لهم: أبعدكم الله. الله يغني عنكم ! وقيل: إنما القائل لذلك رسول الله، يدعوهم إلى القتال،


(1) [ ظاهر ]. (*)

[ 438 ]

عن الأصم (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان) يعني بإظهار هذا القول، صاروا أقرب إلى الكفر، إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم أقرب إلى الإيمان حتى هتكوا الستر، فعلم المؤمنون منهم ما لم يعلموه. واللام بمعنى إلى يعني: هم إلى الكفر أقرب منهم إلى الإيمان، كقوله تعالى: (الحمد لله الذى هدانا لهذا) أي: إلى هذا. (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) ذكر الأفواه تأكيدا لأن القول قد يضاف إليها. وقيل: إنما ذكر الأفواه فرقا بين قول اللسان، وقول الكتاب. والمراد به قولهم: لو نعلم قتالا لاتبعناكم. وإضمارهم أنه لو كان قتال لم يقاتلوا معهم، ولم ينصروا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ". وقيل: معناه يقولون بأفواههم من التقرب إلى الرسول والإيمان، ما ليس في قلوبهم، فإن في قلوبهم الكفر. (والله أعلم بما يكتمون) أي: بما يضمرونه من النفاق والشرك. (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين [ 168 ]). اللغة: الدرء: الدفع، يقال درأ عنه أي: دفع عنه. قال الشاعر: * تقول إذا درأت لها وضيني (1): * أهذا دينه أبدا، وديني * الاعراب: موضع (الذين) يحتمل أن يكون نصبا على البدل (2) من الضمير في (يكتمون)، ويحتمل أن يكون رفعا على خبر الإبتداء على تقدير هم الذين قالوا. المعنى: (الذين قالوا) يعني المنافقين (لإخوانهم) في النسب، لا في الدين، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه، قالوا في قتلى أحد (وقعدوا) هم يعني هؤلاء القائلون، عن جابر وقتادة والسدي والربيع (لو أطاعونا) في القعود في البيت، وترك الخروج إلى القتال (ما قتلوا قل) لهم يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " (فادرؤوا) أي: فادفعوا (عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) في هذه المقالة، ولا يمكنهم


(1) الوضين: البطان العريض المنسوج من سيور، أو شعر. وقيل: إن الوضين للهودج بمنزلة الحزام للسرج. (2) [ من الذين نافقوا، ويحتمل ان يكون رفعا على البدل ]. (*)

[ 439 ]

دفع الموت، لأنه يجوز أن يدخل عليهم العدو فيقتلهم في قعر بيوتهم. وإنما ألزمهم الله دفع الموت عن أنفسهم بمقالتهم أنهم لو لم يخرجوا لم يقتلوا، لأن من علم الغيب في السلامة من القتل، يجب أن يمكنه أن يدفع عن نفسه الموت، فينبغي أن يدفعه هذا القائل، فإنه أجدى عليه. وفي هذا ترغيب في الجهاد، وبيان أن كل أحد يموت بأجله، فلا ينبغي أن يجعل ذلك عذرا في القعود عن الجهاد، لأن المجاهد ربما يسلم، والقاعد ربما يموت. فيجب أن يكون على الله التكلان. (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون [ 169 ] فرحين بمآ ءاتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون [ 170 ] * يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين [ 171 ]). القراءة: قرأ ابن عامر (قتلوا) بالتشديد. والباقون بالتخفيف. وقرأ الكسائي وحده: (إن الله لا يضيع) بكسر الألف. والباقون بالفتح. الحجة: من قرأ (قتلوا) بالتخفيف، فالوجه فيه أن التخفيف يصلح للقليل والكثير (1). ووجه الفتح في (أن)، أن المعنى ويستبشرون بأن الله لا يضيع أجرهم، ويتوفر ذلك عليهم، ويوصله إليهم من غير نقص وبخس. ووجه الكسر على الإستئناف. اللغة: أصل البشارة من البشرة، لظهور السرور فيها. ومنه البشر: لظهور بشرته. والمستبشر: من طلب السرور في البشارة فوجده. ولحقت الشئ وألحقته غيري. وقيل: لحقت وألحقت لغتان بمعنى واحد. وجاء في الدعاء: " إن عذابك بالكفار ملحق " بكسر الحاء أي: لاحق. والنعمة: هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لأن المنفعة على ضربين أحدهما: منفعة


(1) [ تقول: قتلت القوم فيصلح للكثرة، كما تقول: ضربت زيدا ضربة، فيصلح للقلة. ووجه التثقيل أن المقتولين كثير وفعل يختص به الكثير دون القليل ]. (*)

[ 440 ]

إغترار وحيلة. والآخر: منفعة خالصة من شائبة الإساءة، والنعمة تعظم بفعل غير المنعم كنعمة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " على من دعاه إلى الإسلام، فاستجاب له، لأن دعاءه أنفع من وجهين أحدهما: حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له والآخر: بقصده الدعاء إلى حق يعلم أن يستجيب له المدعو. وإنما يستدل بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة، وعظم المنزلة. الاعراب: (أحياء): رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف أي: بل هم أحياء. ولا يجوز النصب فيه بحال، لأنه يصير التقدير فيه: بل أحسبهم أحياء. والمراد: بل أعلمهم أحياء. و (يرزقون): في موضع رفع صفة لأحياء. و (فرحين): نصب على الحال من (يرزقون)، وهو أولى من رفعه عطفا على (بل أحياء) لأن النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على الإستئناف لكان جائزا. وقال الخليل: موضع (أن لا خوف عليهم). جر بالباء على تقدير: بأن لا خوف عليهم. وقال غيره: موضعه نصب على أنه (1) بدل من قوله: (الذين لم يلحقوا)، وهو بدل الإشتمال مثل قوله: (يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه). النزول: قيل: نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين. وقيل: نزلت في شهداء أحد، وكانوا سبعين رجلا: أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شماس، وعبد الله بن جحش، وسائرهم من الأنصار، عن ابن مسعود والربيع وقتادة. وقال الباقر " عليه السلام " وكثير من المفسرين: إنها تتناول قتلى بدر وأحد معا. وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة، وكان سبب ذلك ما رواه محمد بن إسحاق بن يسار بإسناده عن أنس بن مالك وغيره، قالوا: قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة، وكان سيد بني عامر بن صعصعة، على رسول الله المدينة، وأهدى له هدية. فأبى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يقبلها، وقال: يا أبا براء ! لا أقبل هدية مشرك. فأسلم إن أردت أن أقبل هديتك. وقرأ عليه القرآن فلم يسلم، ولم يعد (2)، وقال: يا محمد ! إن أمرك هذا الذي تدعو إليه حسن جميل، فلو بعثت رجالا من


(1) [ لما حذف حرف الجر، وصل الفعل إليه، فنصبه كما قيل: أمرتك الخير أي: بالخير. وقيل: موضع (أن لا خوف عليهم) جر على أنه ]. (2) أي: من الإسلام. (*)

[ 441 ]

أصحابك إلى اهل نجد، فدعوتهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": إني أخشى عليهم أهل نجد. فقال أبو براء: أنا لهم جار فابعثهم، فليدعوا الناس إلى أمرك. فبعث رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة، في سبعين رجلا من خيار المسلمين، منهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان، وعروة ابن اسما بن صلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، وذلك في صفر، سنة أربع من الهجرة، على رأس أربعة أشهر من أحد. فساروا حتى نزلوا بئر معونة. فلما نزلوا قال بعضهم لبعض: أيكم يبلغ رسالة رسول الله أهل هذه الماء ؟ فقال حرام بن ملحان: أنا. فخرج بكتاب رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى عامر بن الطفيل. فلما أتاهم لم ينظر عامر في كتاب رسول الله، فقال حرام: يا أهل بئر معونة ! إني رسول رسول الله إليكم، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، فآمنوا بالله تعالى ورسوله. فخرج إليه رجل من كسر البيت برمح، فضرب به في جنبه، حتى خرج من الشق الآخر. فقال: الله أكبر، فزت ورب الكعبة. ثم استصرخ عامر بن الطفيل بني عامر على المسلمين، فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه، وقالوا: لن نخفر أبا براء (1)، قد عقد لهم عقدا وجوارا. فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم: عصية ورعلا وذكوانا فأجابوه إلى ذلك، فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم. فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم، حتى قتلوا عن آخرهم، إلا كعب بن زيد، فإنهم تركوه، وبه رمق. فارتث بين القتلى (2)، فعاش حتى قتل يوم الخندق. وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار، أحد بني عمرو بن عرف. فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير، يحوم حول العسكر. فقالوا: والله إن لهذا الطير لشأنا. فأقبلا لينظرا إليه، فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة. فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى ؟ قال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر. فقال الأنصاري: لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن


(1) أخفره: نقض عهده وغدره. (2) ارتث مجهولا: حمل من المعركة جريحا، وفيه رمق. (*)

[ 442 ]

قتل فيه المنذر بن عمرو، ثم قاتل القوم حتى قتل، وأخذوا عمرو بن أمية أسيرا. فلما أخبرهم أنه من ضمر، أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أبيه. فقدم عمرو بن أمية على رسول الله، وأخبره الخبر، فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": هذا عمل أبي براء، وقد كنت لهذا كارها متخوفا. فبلغ ذلك أبا براء، فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب رسول الله بسببه. فقال حسان بن ثابت، يحرض أبا براء على عامر بن الطفيل: * بني أم البنين ألم يرعكم، * وأنتم من ذوائب أهل نجد (1) * * تهكم عامر بأبي براء * ليخفره، وما خطأ كعمد (2) * * ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي، * فما أحدثت في الحدثان بعدي * * أبوك، أبو الحروب، أبو براء، * وخالك ماجد حكم بن سعد * وقال كعب بن مالك: * لقد طارت شعاعا كل وجه * خفارة ما أجار أبو براء * * بني أم البنين أما سمعتم * دعاء المستغيث مع النساء * * وتنوية الصريخ ؟ بلى. ولكن * عرفتم أنه صدق القاء (3) * فلما بلغ ربيعة بن أبي براء قول حسان، وقول كعب، حمل على عامر بن الطفيل، وطعنه فخر عن فرسه، فقال: هذا عمل أبي براء، إن مت فدمي لعمي، ولا يتبعن سواي (4). وإن عشت فسأرى فيه رأي قال: فأنزل الله في شهداء بئر معونة قرآنا: بلغوا قومنا عنا بأنا قد لقينا ربنا، فرضي عنا، ورضينا عنه. ثم نسخت ورفعت بعد ما قرأناها، وأنزل الله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله) ا لآية. المعنى: لما حكى الله سبحانه قول المنافقين في المقتولين الشهداء، تثبيطا للمؤمنين عن جهاد الأعداء، ذكر بعده ما أعد الله للشهداء من الكرامة، وخصهم به من النعيم في دار المقامة، فقال: (ولا تحسبن) والخطاب للنبي، أو يكون على معنى: لا تحسبن أيها السامع، أو أيها الإنسان (الذين قتلوا في سبيل الله) أي: في


(1) الذوائب: الأشراف. (3) تنويه الصريخ: دعاؤه إلى القتال. (2) تهكم بفلان: استهزأ به. (4) والظا هر " سواه ". (*)

[ 443 ]

الجهاد وفي نصرة دين الله. (أمواتا) أي: موتى، كما مات من لم يقتل في سبيل الله في الجهاد (بل أحياء) أي: بل هم أحياء. وقد مر تفسيره في سورة البقرة عند قوله: (ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات) (1) الآية. وقوله: (عند ربهم) فيه وجهان أحدهما: إنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولا ضرا، إلا ربهم. وليس المراد بذلك قرب المسافة، لأن ذلك من صفة الأجسام، وذلك مستحيل على الله تعالى. والآخر: إنهم عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس، عن أبي علي الجبائي. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وجابر أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: " لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمارها ". وروي عنه أنه قال لجعفر بن أبي طالب، وقد استشهد في غزاة مؤته: " رأيته وله جناحان يطير بهما مع الملائكة في الجنة ". وأنكر بعضهم حديث الأرواح، وقال: الروح عرض لا يجوز أن يتنعم. وهذا لا يصح، لأن الروح جسم رقيق هوائي، مأخوذ من الريح، ويدل على ذلك أنه يخرج من البدن، ويرد إليه، وهي الحساسة الفعالة دون البدن، وليست من الحياة في شئ، لأن ضد الحياة الموت، وليس كذلك الروح، وهذا قول علي بن عيسى. (يرزقون) من نعيم الجنة، غدوا وعشيا. وقيل: يرزقون النعيم في قبورهم (فرحين بما آتاهم الله من فضله) أي: يسرون بما أعطاهم الله من ضروب نعمه في الجنة. وقيل: في قبورهم. وقيل: معناه بما نالوا من الشهادة وجزائها (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) أي: يسرون بإخوانهم الذين فارقوهم، وهم أحياء في الدنيا، على مناهجهم من الإيمان والجهاد، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا لحقوا بهم، وصاروا من كرامة الله إلى مثل ما صاروا هم إليه، يقولون: إخواننا يقتلون كما قتلنا، فيصيبون من النعيم مثل ما أصبنا، عن ابن جريج وقتادة. وقيل: إنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من تقدم عليه من إخوانه، فيسر بذلك، ويستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا، عن السدي. وقيل: معناه لم يلحقوا بهم في الفضل، إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم، عن الزجاج. (ان لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي: يستبشرون بأن لاخوف عليهم، وذلك لأنه بدل من قوله: (الذين لم يلحقوا بهم من خلفهم) لأن الذين يلحقون


(1) أي في ص 433. (*)

[ 444 ]

بهم، مشتملون. على عدم الحزن. فالإستبشار هنا إنما يقع بعدم خوف هؤلاء اللاحقين، ومعناه: لا خوف عليهم فيمن خلفوه من ذريتهم، لأن الله تعالى يتولاهم، ولا هم يحزنون على ما خلفوا من أموالهم، لأن الله قد أجزل ما عوضهم. وقيل معناه: لا خوف عليهم فيما يقدمون عليه، لأن الله محص ذنوبهم بالشهادة، ولا هم يحزنون على مفارقة الدنيا، فرحا بالآخرة. (يستبشرون) يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله، الذين وصفهم الله بأنهم (يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله). (بنعمة من الله وفضل) الفضل والنعمة عبارتان يعبر بهما عن معنى واحد. قيل في تكراره قولان أحدهما: إن المراد أنها ليست نعمة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة. فالنعمة ما استحقوه بطاعتهم. والفضل ما زادهم من المضاعفة في الأجر والآخر: إنه للتأكيد، وتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. (وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين) أي: يوفر جزاءهم. وإنما ذكر ذلك، وإن كان غيرهم يعلم ذلك، لأنهم يعلمونه بعلم الموت ضرورة. وإنما يعلمونه في دار التكليف استدلالا، وليس الإستدلال كالمشاهدة، ولا الخبر كالمعاينة. فإن مع الضرورة والعيان، يتضاعف سرورهم، ويشتد ارتباطهم. وفيه دلالة على أن الثواب مستحق، وأن الله لا يبطله البتة، وأن الإتابة لا تكون إلا من قبله تعالى. ولذلك أضاف نفي الإضاعة إلى نفسه. وما روي في الأخبار من ثواب الشهداء أكثر من أن يحصى أعلاها إسنادا، ما رواه علي بن موسى الرضا " عليه السلام "، عن الحسين بن علي " عليه السلام " قال: بينما أمير المؤمنين يخطب، ويحضهم على الجهاد، إذ قام إليه شاب فقال: يا أمير المؤمنين ! أخبرني عن فضل الغزاة في سبيل الله ؟ فقال: كنت رديف رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " على ناقته العضباء، ونحن منقلبون عن غزوة (ذات السلاسل)، فسألته عما سألتني عنه فقال: الغزاة إذا هموا بالغزو، كتب الله لهم براءة من النار، فإذا تجهزوا لغزوهم، باهى الله بهم الملائكة. فإذا ودعهم أهلوهم بكت عليهم الحيطان والبيوت. ويخرجون من الذنوب كما تخرج الحية من سلخها، ويوكل الله بكل رجل أربعين ملكا يحفظونه من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله. ولا يعمل حسنة إلا ضغف له، ويكتب له كل يوم عبادة ألف رجل، يعبدون الله ألف سنة، كل سنة ثلاثمائة وستون يوما، اليوم مثل عمر الدنيا. وإذا صاروا بحضرة عدوهم، انقطع علم

[ 445 ]

أهل الدنيا عن ثواب الله إياهم. فإذا برزوا لعدوهم، وأشرعت الأسنة، وفوقت السهام، وتقدم الرجل إلى الرجل، حفتهم الملائكة بأجنحتها، يدعون الله بالنصرة والتثبيت، فينادي مناد: الجنة تحت ظلال السيوف. فتكون الطعنة والضربة على الشهيد أهون من شرب الماء البارد في اليوم الصائف. وإذا زال الشهيد من فرسه بطعنة أو ضربة، لم يصل إلى الأرض حتى يبعث الله إليه زوجته من الحور العين، فتبشره بما أعد الله له من الكرامة. فإذا وصل إلى الأرض، تقول له الأرض: مرحبا بالروح الطيب الذي أخرج من البدن الطيب، أبشر فإن لك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. ويقول الله عز وجل: أنا خليفته في أهله، من أرضاهم فقد أرضاني، ومن أسخطهم فقد أسخطني. ويجعل الله روحه في حواصل طير خضر، تسرح في الجنة حيث يشاء. تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل من ذهب، معلقة بالعرش. ويعطى الرجل منهم سبعين غرفة من غرف الفردوس، سلوك كل غرفة ما بين صنعاء والشام، يملأ نورها ما بين الخافقين، في كل غرفة سبعون بابا، على كل باب سبعون مصراعا من ذهب، على كل باب سبعون غرفة مسبلة (1)، في كل غرفة سبعون خيمة، في كل خيمة سبعون سريرا من ذهب، قوائمها الدر والزبرجد، مرمولة (2) بقضبان الزمرد، على كل سرير أربعون فراشا، غلظ كل فراش أربعون ذراعا، على كل فراش زوجة من الحور العين، عربا أترابا. فقال: أخبرني يا أمير المؤمنين عن العروبة ؟ فقال: هي الغنجة الرضية الشهية، لها سبعون ألف وصيف، وسبعون ألف وصيفة، صفر الحلى، بيض الوجوه، عليهن تيجان اللؤلؤ، على رقابهم المناديل، بأيديهم الأكوبة والأباريق. فإذا كان يوم القيامة، فوالذي نفسي بيده، لو كان الأنبياء على طريقهم لترجلوا لهم، لما يرون من بهائهم، حتى يأتوا إلى موائد من الجواهر، فيقعدون عليها، ويشفع الرجل منهم في سبعين ألفا من أهل بيته وجيرانه، حتى أن الجارين يتخاصمان أيهما أقرب جوارا، فيقعدون معي، ومع إبراهيم على مائدة الخلد، فينظرون إلى الله، عز وجل، في كل يوم بكرة وعشيا.


(1) أسبل الستر: أرخاه. (2) المرمولة: المزينة. (*)

[ 446 ]

(الذين استجابوا لله والرسول من بعد مآ أصابهم القرح للدين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم [ 172 ] الذين قال لهم الناس إن الناس قذ جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ 173 ] فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم [ 174 ]). اللغة: إستجاب وأجاب بمعنى. وقيل: استجاب طلب الإجابة. وأجاب: فعل الإجابة. والقرح: الجرح، وأصله الخلوص من الكدر، ومنه ماء قراح أي: خالص. والقراج من الأرض: ما خلص طينه من السبخ وغيره. والقريحة: خالص الطبيعة. واقترحت عليه كذا أي: اشتهيته عليه لخلوصي على ما تتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته. وفرس قارح: طلع نابه لخلوصه عن نقص الصغار، ببلوغ تلك الحال. والقرح: الجراح لخلوص ألمه إلى النفس. والإحسان: هو النفع الحسن. والإفضال: النفع الزائد على أقل المقدار. حسبنا الله أي: كافينا الله، وأصله من الحساب، لأن الكفاية بحسب الحاجة وبحساب الحاجة، ومنه الحسبان وهو الظن. والوكيل: الحفيظ. وقيل: هو الولي، وأصله القيام بالتدبير. فمعنى الوكيل في صفات الله: هو المتولي للقيام بتدبير خلقه، لأنه مالكهم الرحيم بهم، وهو في صفة غيره. لانما يعتد بالتوكيل. الاعراب: موضع (الذين) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر على أن يكون نعتا للمؤمنين، والأحسن والأشبه بالآية أن يكون موضع الرفع على الإبتداء، وخبره الجملة التي هي (للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم). ويجوز النصب على المدح، وتقديره: أعني الذين استجابوا إذا ذكروا. وكذلك القول في موضع (الذين) في الآية الثانية، لأنهما نعت لموصوف واحد. وقوله (لم يمسسهم سوء): في موضع نصب على الحال، وتقديره: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل سالمين، والعامل فيه (فانقلبوا). النزول: لما انصرف أبو سفيان وأصحابه من أحد فبلغوا الروحاء، ندموا على انصرافهم عن المسلمين، وتلاوموا فقالوا: لا محمدا قتلهم، ولا الكواعب

[ 447 ]

أردفتهم، قتلتموهم حتى إذا لم يبق منهم إلا الشريد، تركتموهم فارجعوا فاستأصلوهم. فبلغ ذلك الخبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، فأراد أن يرهب العدو، ويريهم من نفسه وأصحابه قوة. فندب أصحابه للخروج في طلب أبي سفان. وقال: ألا عصابة تشدد لأمر الله، تطلب عدوها، فإنها أنكا للعدو، وأبعد للسمع ؟ فانتدب عصابة منهم، مع ما بهم من القراح والجراج الذي أصابهم يوم أحد، ونادى منادي رسول الله: ألا لا يخرجن أحد إلا من حضر يومنا بالأمس، وإنما خرج رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " ليرهب العدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم، فيظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم من عدوهم، فينصرفوا. فخرج في سبعين رجلا حتى بلغ (حمراء الأسد)، وهي من المدينة على ثمانية أميال. وذكر علي بن إبراهيم بن هاشم في تفسيره أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: هل من رجل يأتينا بخبر القوم ؟ فلم يجبه أحد. فقال أمير المؤمنين: أنا آتيك بخبرهم. قال: إذهب فإن كانوا ركبوا الخيل وجنبوا الإبل، فإنهم يريدون المدينة. وإن كانوا ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل، فإنهم يريدون مكة. فمضى أمير المؤمنين " عليه السلام " على ما به من الألم والجراح، حتى كان قريبا من القوم، فرآهم قد ركبوا الإبل، وجنبوا الخيل. فرجع وأخبر رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك. فقال: أرادوا مكة. فلما دخل رسول الله المدينة، نزل جبرائيل فقال: يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله، عز وجل، يأمرك أن تخرج ولا يخرج معك إلا من به جراخة. فأقبلوا يكمدون جراحاتهم، ويداوونها. فأنزل الله تعالى على نبيه " صلى الله عليه وآله وسلم ": (ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون).. فخرجوا على ما بهم من الألم والجراج، حتى بلغوا (حمراء الأسد). وروى محمد بن إسحاق بن يسار، عن عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب أن رجلا من أصحاب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " من بني عبد الأشهل، كان شهد أحدا، قال: شهدت أحدا أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالخروج في طلب العدو، قلنا: لا تفوتنا غزوة مع رسول الله، فوالله ما لنا دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وكنت أيسر جرحا من أخي. فكنت إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة، حتى انتهينا مع رسول الله إلى (حمراء الأسد) فمر برسول الله معبد الخزاعي بحمراء الأسد، وكانت

[ 448 ]

خزاعة مسلمهم وكافرهم عيبة رسول الله بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عنه شيئا. ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " والله لقد عز علينا، ما أصابك في قومك وأصحابك، ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم. ثم خرج من عند رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، حتى لقي أبا سفيان، ومن معه بالروحاء، وأجمعوا الرجعة إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقالوا: قد أصبنا حد أصحابه، وقادتهم وأشرافهم. ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم ! فلما رأى أبو سفيان معبدا قال: ما وراك يا معبد ؟ قال: محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا. وقد اجتمع عليه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على صنيعهم، وفيه من الحنق عليكم ما لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول ؟ قال: فأنا والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قالى: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فأنا والله أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت أبياتا من شعر. قال: وما قلت ؟ قال قلت: * كادت تهد من الأصوات راحلتي * إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل (1) * * تردى بأسد كرام لا تنابلة * عند اللقاء، ولا خرق معازيل * * فظلت عدوا أظن الأرض مائلة * لما سموا برئيس غير مخذول * * وقلت: ويل لابن حرب من لقائكم * إذا تغطمطت البطحاء بالخيل * * إني نذير لأهل السبل ضاحية، * لكل ذي إربة منهم، ومعقول * * من جيش أحمد، لا وخش تنابلة، * وليس يوصف ما أثبت بالقيل * قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد قيس فقال: أين تريدون ؟ فقالوا: نريد المدينة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه زبيبا بعكاظ، غدا إذا وافيتمونا ؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا الكرة عليه، وعلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم. وانصرف أبو سفيان إلى مكة، ومر الركب برسول الله وهو بحمراء الأسد،


(1) الأجرد: الفرس القصير الشعر. وأبابيل: الفرق. وردى الفرس: رجمت الأرض بحوافرها. والتنابلة جمع تنبال: القصير القامة. ومعازيل جمع معزل: الضعيف الأحمق وكذا الخرق. وتغطمط البحر: اضطرب وعلت أمواجه. والوخش: رذال الناس وأسقاطهم. (*)

[ 449 ]

فأخبره بقول أبي سفيان، فقال رسول الله وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل. ثم انصرف رسول الله إلى المدينة بعد الثالثة، وقد ظفر في وجهه ذلك بمعونة ابن المغيرة بن العاص، وأبي قرة الجمحي. وهذا قول أكثر المفسرين. وقال مجاهد وعكرمة: نزلت هذه الآيات في غزوة بدر الصغرى، وذلك أن أبا سفيان قال يوم أحد، حين أراد أن ينصرف: يا محمد ! موعد بيننا وبينك موسم بدر الصغرى القابل إن شئت. فقال رسول الله: ذلك بيننا وبينك. فلما كان العام المقبل خرج أبو سفيان في أهل مكة، حتى نزل (مجنة) من ناحية (الظهران) ثم ألقى الله عليه الرعب. فبدا له، فلقي نعيبم بن مسعود الأشجعي، وقد قدم معتمرا، فقال له أبو سفيان: إني واعدت محمدا وأصحابه أن نلتقي بموسم بدر الصغرى، وأن هذه عام جدب، ولا يصلحنا إلا عام نرعى فيه الشجر، ونشرب فيه اللبن، وقد بدا لي أن لا أخرج إليها، وأكره أن يخرج محمد، ولا أخرج أنا، فيزيدهم ذلك جرأة. فالحق بالمدينة فثبطهم ولك عندي عشرة من الإبل أضعها على يد سهيل بن عمرو. فأتى نعيم المدينة، فوجد الناس يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال لهم: بئس الرأي رأيكم، أتوكم في دياركم وقراركم، فلم يفلت منكم إلا شريد، فتريدون أن تخرجوا، وقد جمعوا لكم عند الموسم، فوالله لا يفلت منكم أحد ! فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": والذي نفسي بيده، لأخرجن ولو وحدي ! فأما الجبان فإنه رجع، وأما الشجاع فإنه تأهب للقتال، وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل. فخرج رسول الله في أصحابه، حتى وافوا (بدر الصغرى) وهو ماء لبني كنانة، وكانت موضع سوق لهم في الجاهلية، يجتمعون إليها في كل عام، ثمانية أيام. فأقام ببدر ينتظر أبا سفيان، وقد انصرف أبو سفيان من (مجنة) إلى (مكة) فسماهم أهل مكة جيش السويق، ويقولون إنما خرجتم تشربون السويق. ولم يلق رسول الله وأصحابه أحدا من المشركين ببدر، ووافق السوق، وكانت لهم تجارات، فباعوا وأصابوا للدرهم درهمين، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين. وقد روى ذلك أبو الجارود، عن الباقر " عليه السلام ". المعنى: (الذين استجابوا لله والرسول) أي: أطاعوا الله في أوامره، وأطاعوا رسوله. (من بعد ما أصابهم القرح) أي: نالهم الجراح يوم أحد (للذين أحسنوا منهم) بطاعة رسول الله وإجابته إلى الغزو (واتقوا) معاصي الله لهم (أجر عظيم)

[ 450 ]

أي: ثواب جزيل (الذين قال لهم الناس) في المعني بالناس الأول ثلاثة أقوال أحدها: إنهم الركب الذين دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد، لما أرادو الرجوع إليهم، عن ابن عباس وابن إسحاق. وقد مضت قصتهم والثاني: إنه نعيم بن مسعود الأشجعي وهو قول أبي جعفر، وأبي عبد الله والثالث: إنهم المنافقون، عن السدي. (إن الناس قد جمعوا لكم) المعني به هو أبو سفيان وأصحابه عند أكثر المفسرين أي: جمعوا جموعا كثيرة لكم. وقيل: جمعوا الآلات والرجال. وإنما عبر بلفظ الواحد عن الجمع في قوله: (قال لهم الناس) لأمرين أحدهما: إنه قد جاءهم من جهة الناس فأقيم كلامه مقام كلامهم، وسمي باسمهم والآخر: إنه لتفخيم الشأن (فاخشوهم) أي: خافوهم. ثم بين تعالى أن ذلك القول زادهم إيمانا وثباتا على دينهم، وإقامة على نصرة نبيهم، بأن قال: (فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل). أي: كافينا الله، وولينا وحفيظنا، والمتولي لأمرنا، ونعم الوكيل أي: نعم الكافي والمعتمد، والملجأ الذي يوكل إليه الأمور. (فانقلبوا) أي: فرجع النبي ومن معه من أصحابه (بنعمة من الله وفضل) أي: بعافية من السو، وتجارة رابحة (لم يمسسهم سوء) أي: قتل، عن السدي ومجاهد. وقيل: النعمة ها هنا: الثبوت على الإيمان في طاعة الله، والفضل: الربح في التجارة، عن الزجاج. وقيل: إن أقل ما يفعله الله فهو نعمة، وما زاد على ذلك فهو الموصوف بأنه فضل. والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة. والمنفعة قد تكون حسنة، وقد تكون قبيحة، وهذا لأن النعمة يستحق بها الشكر، ولا يستحق الشكر بالقبيح. (واتبعوا رضوان الله) بالخروج إلى لقاء العدو (والله ذو فضل عظيم) على المؤمنين. وقد تضمنت الآية التنبيه على ان كل من دهمه أمره، فينبغي أن يفزع إلى هذه الكلمة. وقد صحت الرواية عن الصادق " عليه السلام " أنه قال: عجبت لمن خاف كيف لا يفزع إلى قوله: (حسبنا الله ونعم الوكيل) فإني سمعت الله يقول بعقبها: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء). وروي عن ابن عباس أنه قال: آخر كلام إبراهيم " عليه السلام " حين ألقي في النار: (حسبنا الله ونعم الوكيل)، وقال نبيكم مثلها. وتلا هذه الآية.

[ 451 ]

(إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياؤه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين [ 175 ]). الاعراب: (كم) من (ذلكم): للخطاب لا للضمير. فلا موضع لها من الإعراب. وقوله: يخوف يتعدى إلى مفعولين يقال: خاف زيد القتال، وخوفته القتال. المعنى: ثم ذكر أن ذلك التخويف والتثبيط عن الجهاد، من عمل الشيطان فقال: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه). والمعنى: إنما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود، من فعل الشيطان، وبإغوائه وتسويله، يخوف أولياءه المؤمنين. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: ويخوف المؤمنين بالكافرين. وقال الزجاج وأبو علي الفارسي وغيرهما: إن تقديره: ويخوفكم أولياءه أي: من أوليائه بدلالة قوله: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي: إن كنتم مصدقين بالله، فقد أعلمتكم أني أنصركم عليهم. ومثله قوله (لينذر بأسا شديدا) أي: لينذركم ببأس شديد. فلما حذف الجار نصبه. وقيل: معناه إن الشيطان يخوف المنافقين الذين هم أولياؤه، وإنهم هم الذين يخافون من ذلك التخويف، بأن يوسوس إليهم ويرهبهم، ويعظم أمر العدو في قلوبهم، فيقعدوا عن متابعة الرسول، والمسلمون لا يخافونه، لأنهم يثقون بالنصر الموعود، ونظيره قوله: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون). والأول أصح. (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الأخرة ولهم عذاب عظيم [ 176 ] إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب أليم [ 177 ]). القراءة: قرأ نافع في جميع القرآن (يحزن) بضم الياء وكسر الزاي إلا قوله: (لا يحزنهم الفزع الأكبر) فإنه فتحها وضم الزاي. وقرأ الباقون في جميع القرآن بفتح الياء وضم الزاي. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع، فإنه فتح الياء في جميع

[ 452 ]

القرآن، إلا قوله: (لا يحزنهم) فإنه ضم الياء. الحجة: قال أبو علي: قال سيبويه تقول: فتن الرجل وفتنته، وحزن الرجل وحزنته، وزعم الخليل أنك حيث قلت فتنته وحزنته، لم ترد أن تقول جعلته حزينا، وجعلته فاتنا، كما أنك حين تقول: أدخلته جعلته داخلا، ولكنك أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا وفتنة، كما تقول: كحلته جعلت فيه كحلا، ودهنته جعلت فيه دهنا. فجئت بفعلته على حدة، ولم ترد بفعلته ها هنا تغيير قولك حزن وفتن. ولو أردت ذلك لقلت: أحزنته وأفتنته قال: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته: إذا جعلته فاتنا وحزينا، فغيروا فعل. قال أبو علي: فهذا الذي حكيته عن بعض العرب حجة نافع. فأما قراءة (لا يحزنكم الفزع الأكبر): فيشبه أن يكون اتبع فيه أثرا وأحب الأخذ بالوجهين. الاعراب: قوله (شيئا): نصب على أنه وقع موقع المصدر، ويحتمل أن يكون نصبا بحذف الباء، كأنه قال: بشئ مما يضر به، كما يقال: ما ضررت زيدا شيئا من نقص مال، ولا غيره. المعنى: لما علم الله تعالى المؤمنين ما يصلحهم عند تخويف الشيطان إياهم، خص رسوله بضرب من التعليم في هذه الآية فقال: (ولا يحزنك) أيها الرسول (الذين يسارعون قي الكفر) يعني المنافقين، عن مجاهد، وابن إسحاق، وقوما من العرب، ارتدوا عن الإسلام، عن أبي علي الجبائي (إنهم لن يضروا الله شيئا) بكفرهم ونفاقهم وارتدادهم، لأن الله تعالى لا يجوز عليه المنافع والمضار. وإنما قال ذلك على جهة التسلية لنبيه " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأنه كان يصعب عليه كفر هؤلاء، ويعظم عليه امتناعهم عن الإيمان. ولا يبعد أنه ربما كان يخطر بباله أن مسارعتهم إلى الكفر، وامتناعهم عن الإيمان،. لتفريط حصل من قبله، فأمنه الله من ذلك، وأخبر أن ضرر كفرهم راجع إليهم، ومقصور عليهم. (يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة) أي: نصيبا في الجنة. وإذا كانت الإرادة تتعلق بما يصح حدوثه، ولا يتعلق بأن لا يكون الشئ، فلا بد من حذف في الكلام، ومعناه: إنه يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذي عرضوا له في تكليفهم، وأن يعاقبهم في الآخرة على سبيل الجزاء، لكفرهم ونفاقهم (ولهم عذاب عظيم) هذا ظاهر المعنى. وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة، لأنه تعالى نسب إليهم

[ 453 ]

المسارعة إلى الكفر، وإذا كان ذلك قد خلقه فيهم، فكيف يصح نسبته إليهم ؟ ثم استأنف تعالى الإخبار بان من اشترى الكفر بالإيمان، وهم جميع الكفار بهذه الصفة فقال: (إن الذين اشتروا الكفر بالإيمان) أي: استبدلوا الكفر بالإيمان، وقد بينا فيما تقدم أن إطلاق لفظ الشراء على ذلك مجاز وتوسع، وإنما شبه استبدالهم الكفر بالإيمان بشراء السلعة بالثمن (لن يضروا الله شيئا) إنما هذا لأنه إنما ذكر ذلك في الآية الأولى على طريقة العلة لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة، وذكر في هذه الآية على وجه العلة لاختصاص المضرة بالعاصي دون المعصي. والفرق بين المضرة والإساءة أن الإساءة لا تكون إلا قبيحة. والمضرة قد تكون حسنة إذا كانت مستحقة، أو على وجه اللطف، أو فيها نفع يوفي عليها، أو دفع ضرر أعظم منها (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم. (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوآ إثما ولهم عذاب مهين [ 178 ]). القراءة: قرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (ولا يحسبن الذين كفروا)، (ولا يحسبن الذين يبخلون)، (ولا يحسبن الذين يفرحون) كلهن بالياء وكسر السين وكذلك (فلا يحسبنهم) بضم الباء وبالياء وكسر السين. وقرأ حمزة كلها بالتاء وفتح السين وفتح الباء من (يحسبنهم). وقرأ أهل المدينة والشام ويعقوب كلها بالياء إلا قوله (فلا تحسبنهم) بالتاء وفتح الباء، إلا أن أهل المدينة ويعقوب، كسروا السين وفتحها الشامي. وقرأ عاصم والكسائي وخلف، كل ما في هذه السورة بالتاء إلا حرفين (ولا يحسبن الذين كفروا)، (ولا يحسبن الذين يبخلون) فإنهما بالياء غير ان عاصما فتح السين، وكسرها الكسائي. الحجة والاعراب: من قرأ بالياء فالذين في هذه الآي في موضع الرفع بأنه فاعل. وإذا كان الذين فاعلا، ويقتضي حسب مفعولين، أو ما يسد مسد المفعولين، نحو: حسبت أن زيدا منطلق، وحسبت أن يقوم عمرو، فقوله تعالى: (إنما نملي لهم خير لأنفسهم) قد سد مسد مفعولين اللذين يقتضيهما (يحسبن) " وما " يحتمل أمرين أحدهما: أن يكون بمعنى الذي فيكون تقديره: لا يحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه لهم خير لأنفسهم والآخر: أن يكون ما نملي بمنزلة الإملاء، فيكون

[ 454 ]

مصدرا. وإذا كان مصدرا لم يقتض راجعا إليه. وقال المبرد من قرأ يحسبن بالياء فتح إن، ويقبح الكسر مع الياء، وهو جائز على قبحه، لأن الحسبان ليس بفعل حقيقي، فهو يبطل عمله مع إن المكسورة، كما يبطل مع اللام. كما يجوز: حسبت لعبد الله منطلق، يجوز على بعد: حسبت أن عبد الله منطلق. وقال أبو علي: الوجه فيه أن أن يتلقى بها المسم، كما يتلقى بلام الإبتداء. وتدخل كل واحد منهما على الإبتداء والخبر، فكأنه قال: لا يحسبن الذين كفروا للآخرة خيرا لهم. وأما قراءة حمزة بالتاء من (تحسبن) وبفتح إن فقد خطأه البصريون في ذلك، لأنه يصير المعنى: ولا تحسبن الذين كفروا إملاءنا، وذلك لا يصح. غير أن الزجاج قال: يجوز على البدل من الذين، والمعنى: ولا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرا لهم، ومثله في الشعر: * وما كان قيس هلكه هلك واحد، * ولكنه بنيان قوم تهدما * قال أبو علي: لا يجوز ذلك، لأنك إذا أبدلت (إن) من (الذين كفروا) لزمك أن تنصب (خيرا) من حيث كان المفعول الثاني، ولم ينصبه أحد من القراء. وإذا لم يصح البدل، لم يجز فيه إلا كسر إن على أن يكون إن وخبرها في موضع المفعول الثاني من (تحسبن). اللغة: الإملاء: إطالة المدة. والملي: الحين الطويل. والملأ: الدهر. والملوان: الليل والنهار لطول تعاقبهما. النزول: نزلت في مشركي مكة عن مقاتل وفي قريظة والنضير عن عطاء. المعنى: ثم بين سبحانه أن إمهال الكفار لا ينفعهم، إذا كان يؤدي إلى العقاب، فقال: (ولا يحسبن) أي: لا يظنن (الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم) أي: إن إطالتنا لأعمارهم، وإمهالنا إياهم خير لهم من القتل في سبيل الله بأحد، لأن قتل الشهداء أداهم إلى الجنة، وبقاء هؤلاء في الكفر يؤديهم إلى العقاب. ثم ابتدأ سبحانه فقال: (إنما نملي لهم) أي: إنما نطيل عمرهم، ونترك المعاجلة لعقوبتهم (ليزدادوا إثما) أي: لتكون عاقبة أمرهم بازديادهم الإثم، فيكون اللام لام العاقبة، مثل اللام في قوله (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) وهم إنما أخذوه ليكون لهم سرورا وقرة عين، ولكن لما علم الله أنه يصير في آخر

[ 455 ]

أمره عدوا وحزنا، قال كذلك، ومثله في قول الشاعر: * أموالنا لذوي الميراث نجمعها، * ودورنا لخراب الدهر نبنيها * وقول الآخر: * ءأم سماك ! فلا تجزعي، * فللموت ما تلد الوالدة * وقول الآخر: * فللموت تغذو الوالدات سخالها، * كما لخراب الدهر تبنى المساكن * وقول الآخر: " لدوا للموت وابنوا للخراب ". ولا يجوز أن يكون اللام لام الإرادة والغرض لوجهين أحدهما: إن إرادة القبيح قبيحة، وتلك عنه سبحانه منفية والآخر: إنها لو كانت لام الإرادة، لوجب أن يكون الكفار مطيعين لله تعالى، من حيث فعلوا ما وافق إرادته، وذلك خلاف الإجماع. وقد قال عز اسمه (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)، (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، (وما أمروا إلا ليعبدوا الله) والقرآن يصدق بعضه بعضا. وعلى هذا فلا بد من تخصيص الآية فيمن علم منه أنه لا يؤمن، لأنه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص. وقال أبو القاسم البلخي معناه: ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم رضا بأفعالهم، وقبول لها، بل هو شر لهم، لأنا نملي لهم، وهم يزدادون إثما يستحقون به العذاب الأليم، ومثله. (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس) أي: ذرأنا كثيرا من الخلق، سيصيرون إلى جهنم بسو أفعالهم. وقد يقول الرجل لغيره وقد نصحه فلم يقبل نصحه: ما زادك نصحي إلا شرا، ووعظي إلا فسادا. ونظيره قوله: (حتى أنسوكم ذكري). ومعلوم أن الرسل ما أنسوهم ذكر الله على الحقيقة، وما بعثوا إلا للتذكير والتنبيه دون الإنساء، مع أن الإنساء ليس من فعلهم، فلا يجوز إضافته إليهم، ولكنه إنما أضيف إليهم، لأن دعاءه إياهم لما كان لا ينجع فيهم، ولا يردهم عن معاصيهم، فأضيف الإنساء إليهم. وفي هذا المعنى قوله حكاية عن نوح: (فلم يزدهم دعائي إلا فرارا). وروي عن أبي الحسن الأخفش والإسكافي أنهما قالا: إن في الآية تقديما وتأخيرا، وتقديره: ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما، إنما نملي لهم خير لأنفسهم. وهذا بعيد، لأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون إنما الأخيرة مفتوحة الهمزة، لأنها معمول ليحسبن على

[ 456 ]

هذا القول، وأن يكون إنما الأولى مكسورة الهمزة، لأنها مبتدأ على هذا القول. والتقديم والتأخير لا يغيران الإعراب عن استحقاقه، وذلك خلاف ما عليه القراءة، لأن القراء قد أجمعوا على كسر الثانية، وأكثرهم على فتح الأولى. (ولهم عذاب مهين) يهينهم في نار جهنم. (ما كان الله ليذر المؤمنين على مآ أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبى من رسله من يشآء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم [ 179 ]). القراءة: قرأ أهل الحجاز والشام وأبو عمرو وعاصم: حتى يميز وليميز بالتخفيف. والباقون بالتشديد وضم الياء الأولى. الحجة: ماز يميز: فعل متعد إلى مفعول واحد، كما أن ميز فعل متعد إلى مفعول واحد، ويقال: مزته فلم يتميز، وزلته فلم يتزل. والتضعيف في ميز ليس للتعدي والنقل، كما أن التضعيف في عوض ليس للنقل من عاض، لأن عاض متعد إلى مفعولين، كما في قول الشاعر: * عاضها الله غلاما بعدما * شابت الأصداغ، والضرس نقد (1) * فلو كان التضعيف في عوض للنقل، لتعدى إلى ثلاثة مفاعيل. فعوض وعاض لغتان في معنى واحد مثل ميز وماز. النزول: قيل: إن المشركين قالوا لأبي طالب: إن كان محمد صادقا، فليخبرنا من يؤمن منا ومن يكفر، فإن وجدنا مخبره كما أخبر آمنا به. فذكر ذلك للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فأنزل الله هذه الآية، عن السدي والكلبي. وقيل: سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق، فنزلت الآية، عن أبي العالية والضحاك. المعنى: (ما كان الله ليذر المؤمنين) أي: ليدع ومعناه: لا يدع الله المؤمنين


(1) الصدغ: ما بين العين والأذن والشعر المتدلي على هذا الموضع. ونقد الضرس: انكسر وائتكل. (*)

[ 457 ]

(على ما أنتم عليه) يا أهل الكفر من الإبهام، واشتباه المخلص بالمنافق أي: لم يكن يجوز في حكم الله أن يذرهم على ما كنتم عليه قبل مبعث النبي، بل يتعبدكم (حتى يميز الخبيث من الطيب) أي: الكافر من المؤمن، عن قتادة والسدي. وقيل: حتى يميز المنافق من المخلص يوم أحد، على ما مضى شرحه، عن مجاهد وابن إسحاق وابن جريج. وقيل: هو خطاب للمؤمنين وتقديره: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من التباس المؤمن بالمنافق. وعلى هذا فيكون قد رجع من الخبر إلى الخطاب، كقوله: (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم). واختلف في أنه بأي شئ ميز بين الخبيث والطيب فقيل: بالإمتحان وتكليف الجهاد، ونحوه مما يظهر به الحال، كما ظهر يوم أحد، بأن ثبت المؤمنون وتخلف المنافقون، عن الجبائي. وقيل: بالآيات والدلالات التي يستدل بها عليهم. وقيل: بأن ينصر الله المؤمنين ويكثرهم، ويعز الدين، ويذل الكافرين والمنافقين، عن أبي مسلم. وقيل: بأن يفرض الفرائض، فيثبت المؤمن على إيمانه، ويتميز ممن ينقلب على عقبيه. (وما كان الله ليطلعكم على الغيب) أي: ما كان الله ليظهر على غيبه أحدا منكم، فتعلموا ما في القلوب أن هذا مؤمن، وهذا منافق (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) أي: يختار من يشاء فيطلعه على الغيب أي: يوقفه على علم الغيب، ويعرفه إياه. (فآمنوا بالله ورسله) كما أمركم (وإن تؤمنوا) أي: تصدقوا (وتتقوا) عقابه بلزوم أمره، واجتناب نهيه (فلكم) في ذلكم (أجر عظيم) وقيل: معناه يصطفي من رسله من يشاء، ممن يصلح له، ولا يطلعه على الغيب، عن السدي. وفي هذه الآية دلالة على أنه يجوز أن يصلح جماعة لرسالته، فيختار منهم من يشاء، إما لأنه أصلح، وبالتأدية أقوم، وعن المنفرات أبعد. وإما لأنهم قد تساووا في جميع الوجوه، فيختار من يشاء من بينهم، لأن النبوة ليست مستحقة، ولا جزاء. وفيها دلالة على أن الثواب مستحق بالإيمان والتقوى، خلافا لمن قال إنه تفضل. (ولا يحسبن الذين يبخلون بمآ ءاتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير [ 180 ]).

[ 458 ]

القراءة: ذكرنا اختلاف القراءة فيه: فمن قرأ (يحسبن) بالياء فالذين يبخلون فاعل (يحسبن). والمفعول الأول محذوف من اللفظ لدلالة اللفظ عليه، وهو مثل قولك: من كذب كان شرا له أي: كان الكذب شرا له. وكذلك في الآية (لا يحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) البخل (هو خير لهم). فدخلت (هو) فصلا لأن تقدم يبخلون بمنزلة تقدم البخل. ومن قرأ بالتاء فالفاعل المخاطب وهو النبي، (والذين يبخلون): مفعول أول لتحسبن. و (خيرا لهم): المفعول الثاني. وفي الكلام حذف تقديره: ولا تحسبن يا محمد بخل الذين يبخلون خيرا لهم، وهو فصل. وإنما احتجت إلى هذا المحذوف ليكون المفعول الثاني هو الأول في المعنى، لأن هذه الأفعال إنما تدخل على المبتدأ والخبر. وإذا كان الخبر مفردا، فيجب أن يكون هو المبتدأ في المعنى. والبخل هو منع الواجب، لأنه توعد عليه، وذم به، وأصله في اللغة المشقة في الإعطاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: (يعملون) بالياء كناية عن الذين يبخلون. والباقون بالتاء على الخطاب. المعنى: (ولا يحسبن) الباخلون (الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله) أي: أعطاهم الله من الأموال، فيبخلون بإخراج الحقوق الواجبة فيها ذلك البخل (هو خيرا لهم بل هو شر لهم) وعلى القراءة الأخرى: لا تحسبن أيها السامع، أو لا تظنن يا محمد. فالخطاب له، والمراد غيره. بخل الذين يبخلون خيرا لهم، بل هو شر لهم أي: ليس كذلك كما يظنون بل ذلك البخل شر لهم (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) اختلف في معناه فقيل: يجعل ما بخل به من المال طوقا في عنقه. والآية نزلت في مانعي الزكاة، وهو المروي عن أبي جعفر " عليه السلام "، وهو قول ابن مسعود وابن عباس والسدي والشعبي وغيرهم. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " ما من رجل لا يؤدى الزكاة إلا جعل في عنقه شجاع يوم القيامة ". ثم تلا هذه الآية. وقال: " ما من ذي رحم يأتي ذا رحمه، يسأله من فضل أعطاه الله إياه، فيبخل به عنه، إلا أخرج الله له من جهنم شجاعا يتلمظ بلسانه حتى يطوقه ". وتلا هذه الآية. وقيل: معناه يجعل في عنقه يوم القيامة طوقا من نار، عن النخعي. وقيل: معناه يكلفون يوم القيامة أن يأتوا بما بخلوا به من أموالهم، عن مجاهد. وقيل: هو كقوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) فمعناه: إنه يجعل طوقا فيعذب بها، عن الجبائي. وقيل: معناه إنه يعود عليهم وباله، فيصير طوقا لأعناقهم، كقوله: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) عن ابن

[ 459 ]

مسلم، قال: والعرب تعبر بالرقبة والعنق عن جميع البدن، ألا ترى إلى قوله: (فتحرير رقبة). ويروى عن ابن عباس أيضا: أن المراد بالآية الذين يبخلون ببيان صفة محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، والفضل هو التوراة التي فيها صفته. والأول أليق بسياق الآية. (ولله ميراث السماوات والأرض) معناه: يموت من في السماوات والأرض، ويبقى تعالى هو، جل جلاله، لم يزل ولا يزال، فيبطل ملك كل مالك إلا ملكه. وقد تضمنت الآية الحث على الإنفاق، والمنع عن الإمساك من قبل أن الأموال إذا كانت بمعرض الزوال إما بالموت أو بغيره من الآفات، فأجدر بالعاقل أن لا يبخل بإنفاقه، ولا يحرص على إمساكه، فيكون عليه وزره، ولغيره نفعه. (والله بما تعملون خبير) هذا تأكيد للوعد والوعيد في إنفاق المال، لإحراز الثواب والأجر، والسلامة من الإثم والوزر. النظم: الوجه في اتصال الآية بما قبلها هو: أنهم كما بخلوا بالجهاد بخلوا بالإنفاق والزكاة، عن علي بن عيسى. وقيل: إنهم مع ما تقدم من أحوالهم كتموا أمر محمد " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبخلوا ببيانه. (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق [ 181 ] ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد [ 182 ]). القراءة: قرأ حمزة: (سيكتب) بضم الياء، (وقتلهم، بالرفع، (ويقول) بالياء. وقرأ الباقون: (سنكتب) بالنون، (وقتلهم) بالنصب، (ونقول) بالنون. الحجة: الوجه في قراءة من قرأ (سنكتب): أن النون هاهنا بعد الإسم الموضوع للغيبة فهو مثل قوله (بل الله مولاكم) ثم قال: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب) ولو قال: سيكتب بالياء، لكان في الإفراد كقوله: (وقذف في قلوبهم الرعب) وقوله: (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي). وقوله: (ونقول): معطوف على (سنكتب)، والوجه في قراءة حمزة (وقتلهم) أنه عطف على ما قالوا، وهو في موضعع رفع. ومن قال (وقتلهم): فإنه عطفه على ما قالوا أيضا، وهو في موضع نصب بأنه مفعول به.

[ 460 ]

اللغة: يقال سمع يسمع سمعا: إذا أدرك بحاسة الأذن، والله يسمع من غير إدراك بحاسة. والسميع: من هو على حالة يسمع لأجلها المسموعات إذا وجدت. والسامع: المدرك لذلك. وقال المحققون: إن الله تعالى سميع فيما لم يزل، وسامع عند وجود المسموع، وكونه سميعا بصيرا، ليس بصفة زائدة على كونه حيا، وكونه مدركا بصفة زائدة على كونه حيا، وكونه سامعا مبصرا عالما بمعناه. وقال أبو القاسم البلخي: فائدة كونه سميعا بصيرا، أنه يعلم المسموعات والمبصرات، وهو لا يثبت للقديم تعالى صفة الإدراك. وقال الخليل: كل ما نزل بإنسان من مكروه، فقد ذاقه إلا أنه توسع. وجاء في الخبر: " حتى تذوقي من عسيلته، ويذوق من عسيلتك " كنى بذلك عن الجماع، وهذا من الكنايات المليحة. والحريق: النار، وكذلك الحرق بفتح الراء. والحرق بسكونه المصدر لقولهم: حرقت الشئ إذا بردته بالمبرد. الاعراب: موضع (الباء) في قوله: (بما قدمت أيديكم) رفع، لأنها في موضع خبر المبتدأ، وهو (ذلك). وهي متصلة بالإستقرار كأنه قيل: ذلك استقر بما قدمت أيديكم. (وأن الله): إنما فتح إن لأنه معطوف على ما عمل فيه الباء، وتقديره: وبان الله، فموضعه جر. النزول: لما نزلت (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا)، قالت اليهود: إن الله فقير يستقرض منا، ونحن أغنياء، وقائله حي بن أخطب، عن الحسن ومجاهد. وقيل: كتب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " مع أبي بكر إلى يهود بني قينقاع، يدعوهم إلى إقامة الصلاة، وايتاء الزكاة، وأن يقرضوا الله قرضا حسنا. فدخل أبو بكر بيت مدارستهم، فوجد ناسا كثيرا منهم اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص بن عازورا، فدعاهم إلى الإسلام والصلاة والزكاة، فقال فنحاص: إن كان ما تقول حقا، فإن الله إذا لفقير ونحن أغنياء، ولو كان غنيا لما استقرضنا أموالنا ! فغضب أبو بكر وضرب وجهه. فأنزل الله هذه الآية، عن عكرمة والسدي ومقاتل ومحمد بن إسحاق. المعنى: ثم ذكر سبحانه خصلة أخرى من خصالهم الذميمة فقال: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير) قيل: معناه أدرك قولهم. وقيل: علم ذلك، عن البلخي (إن الله فقير) أي: ذو حاجة لأنه يستقرض منا (ونحن أغنياء) عن

[ 461 ]

الحاجة. وقد علموا أن الله لا يطلب القرض، وإنما ذلك تلطيف في الإستدعاء إلى الإنفاق. وإنما قالوه تلبيسا على عوامهم. وقيل: معناه قالوا إن الله فقير، لأنه يضيق علينا الرزق، ونحن أغنياء لأنا نوسع الرزق على أهالينا. (سنكتب ما قالوا) قيل: معناه سنحفظ ما قالوا وكني بالكتابة عن الحفظ، لأنه طريق إلى الحفظ. وقيل: نأمر بكتب ذلك في صحائف أعمالهم. وإنما يفعل ذلك مبالغة في الزجر عن المعصية، لأن المكلف إذا علم أن أفعاله وأقواله مكتوبة في الصحائف، وأنه لا بد من عرضها عليه، ومن قراءته على رؤوس الأشهاد يوم التناد، كان ذلك أبلغ له في الزجر عن المآثم، وأمنع عن ارتكاب الجرائم. (وقتلهم الأنبياء بغير حق) أي: وسنكتب قتل أسلافهم الأنبياء، ورضى هؤلاء به، فنجازي كلا بفعله. وفيه دلالة على أن الرضا بفعل القبيح، يجري مجراه في عظم الجرم، لأن اليهود الذين وصفوا بقتل الأنبياء، لم يتولوا ذلك بأنفسهم، وإنما ذموا بذلك لأنهم بمنزلة من تولاه في عظم الإثم. (ونقول ذوقوا عذاب الحريق) يعني المحرق. وإنما الفائدة فيه أن يعلم أن العذاب بالنار التي تحرق، وهي الملتهبة، لأن ما لم تلتهب لا يسمى حريقا. وقد يكون العذاب بغير النار، ويفيد قوله: (ذوقوا انكم لا تتخلصون من ذلك) يقال: ذق هذا البلاء أي: إنك لست بناج منه (ذلك) إشارة إلى ما سبق أي: ذلك العقاب. (بما قدمت أيديكم) معناه: بما كنتم عملتموه وجنيتموه على أنفسكم (وأن الله ليس بظلام للعبيد) أي: بأن الله لا يظلم أحدا من عباده. وإنما أضافه إلى اليد، وإن كانت تكتسب الذنوب بجميع الجوارح، لأن عامة ما يكسبه الإنسان إنما يكسبه بيده، ولأن العادة قد جرت بإضافة الأعمال التي يلابسها الإنسان إلى اليد، وإن كان اكتسبها بجارحة أخرى. فجرى خطاب القديم تعالى على عادتهم. وفي هذا دلالة على بطلان مذهب المجبرة لأنه يدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلما، وذلك على خلاف ما يذهبون إليه من أنه سبحانه يعذب الكفار من غير جرم سلف منهم، وأنه يخلق فيهم الكفر، ثم يعذبهم عليه، لأنه لا ظلم أعظم من ذلك. وإنما ذكر لفظ الظلام، وهو للتكثير، تأكيدا لنفي الظلم عنه. (الذين قالوآ إن الله عهد إلينآ ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلى بالبينات وبالذي قلتم

[ 462 ]

فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين [ 183 ] فإن كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاءوا بالبينات والكتاب المبين [ 184 ]). القراءة: قرأ ابن عامر وحده: (وبالزبر) بالباء، وكذلك هي في مصاحف الشام، كما في فاطر. والباقون بغير باء. الحجة: من حذف فلأن واو العطف أغنت عن تكرار العامل. ومن أثبتها فإنما كرر العامل تأكيدا. وكلاهما حسن. اللغة: القربان: مصدر على وزن عدوان وخسران، تقول ؟ قربت قربانا. وقد يكون اسما كالبرهان والسلطان: وهو كل بر يتقرب به العبد إلى الله. والزبر: جمع زبور وكل كتاب فيه حكمة فهو زبور، قال امرؤ القيس: * لمن طلل أبصرته فشجاني، * كخط زبور في في عسيب يمان (1) * تقول: زبرت الكتاب: إذا كتبته. وزبرت الرجل: إذا زجرته. والزبره: مجتمع الشعر على كتف الأسد. وزبرت البئر: إذا أحكمت طيها بالحجارة، فهي مزبورة. والزبر: العقل. وإنما جمع بين الزبر والكتاب، ومعناهما واحد، لأن أصلهما يختلف فهو كتاب بضم حروف بعضها إلى بعض، وزبور: لما فيه من الزجر على خلاف الحق. وإنما سمي كتاب داود زبورا، لكثرة ما فيه من المواعظ والزواجر. الاعراب: (الذين قالوا) محله جر ردا على الذين قالوا إن الله فقير على تقدير: وسمع قول الذين. النزول: قيل: نزلت الآية في جماعة من اليهود، منهم كعب بن الأشرف، ومالك بن الضيف، ووهب بن يهودا، وفنحاص بن عازورا، قالوا: يا محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " إن الله عهد إلينا في التوراة أن لا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، فإن زعمت أن الله بعثك إلينا، فجئنا به نصدقك. فأنزل الله هذه الآية، عن الكلبي.


(1) الطلل: الموضع المرتفع. وشجا الرجل: أحزنه. أطربه (ضد). والعسيب اليماني: سعف النخل. (*)

[ 463 ]

وقيل: إن الله أمر بني إسرائيل في التوراة من جاءكم يزعم أنه نبي، فلا تصدقوه، حتى يأتي بقربان تأكله النار، حتى يأتيكم عيسى ومحمد. فإذا أتياكم فآمنوا بهما بغير قربان. المعنى: ثم ذكر قولهم الآخر فقال: (الذين قالوا) لنبيهم (إن الله عهد إلينا) أي أمرنا. وقيل: أوصانا في كتبه، وعلى ألسن رسله (أن لا نؤمن لرسول) أي: لا نصدق رسولا فيما يقول من أنه جاء به من عند الله تعالى (حتى يأتينا بقربان) أي: حتى يجيئنا بما يتقرب به إلى الله من صدقة أو بر، تتقبل منه. وقوله: (تأكله النار) بيان لعلامة التقبل. فإنه كان علامة قبول قربانهم أن تنزل النار من السماء فتأكله. وكان يكون ذلك دلالة على صدق المقرب فيما ادعاه، عن ابن عباس (قل) يا محمد لهؤلاء اليهود (قد جاءكم رسل من قبلي) يعني جاء أسلافكم (بالبينات) أي: بالحجج الدالة على صدقهم، وصحة رسالتهم، وحقيقة قولهم كما كنتم تقترحون، وتطلبون منهم (وبالذي قلتم) معناه وبالقربان الذي قلتم. (فلم قتلتموهم) أراد بذلك زكريا ويحيى، وجميع من قتلهم اليهود من الأنبياء. يعني لم قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذي جاؤوكم به من ذلك كان حجة لهم عليكم (إن كنتم صادقين) فيما عهد إليكم مما ادعيتموه. وهذا تكذيب لهم في قولهم، ودلالة على عنادهم، وعلى أن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " لو أتاهم بالقربان المتقبل كما أرادوه، لم يؤمنوا به، كما لم يؤمن آباؤهم بالأنبياء الذين أتوا به وبغير من المعجزات. وإنما لم يقطع الله عذرهم بما سألوه من القربان الذي تأكله النار، لعلمه تعالى بأن في الإتيان به مفسدة لهم، والمعجزات تابعة للمصالح، ولأن ذلك اقتراج في الأدلة على الله. والذي يلزم في ذلك أن يزيح علتهم بنصب الأدلة فقط. (فإن كذبوك فقد كذب رسل من فبلك) هذا تسلية للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم " في تكذيب الكفار إياه، وذلك بانه تعالى أخبر بأنه ليس بأول مكذب من الرسل، بل كذب قبله رسل (جاؤوا بالبينات) أي: بالمعجزات الباهرات (والزبر) أي: الكتب التي فيها الحكم والزواجر (والكتاب المنير) قيل: المراد به التوراة والإنجيل، لأن اليهود كذبت عيسى وما جاء به من الإنجيل، وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وبدلت عهده إليهم فيه. والنصارى أيضا جحدت ما في الإنجيل من نعته، وغيرت ما أمرهم به فيه. والمنير: الذي ينير الحق لمن اشتبه عليه. وقيل

[ 464 ]

المنير الهادي إلى الحق. (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيآ إلا متاع الغرور [ 185 ]). اللغة: يقال لكل من نجا من هلكة، وكل من لقي ما يغتبط به: فقد فاز. وتأويل فاز: تباعد عن المكروه، ولقي ما يحب. ومعنى قولهم مفازة للمهلكة التفأل، وإنما المفازة المنجاة كما سموا اللذيع سليما، والأعمى بصيرا. المعنى: ثم بين سبحانه أن مرجع الخلق إليه، فيجازي المكذبين رسله على أعمالهم، من حيث حتم الموت على جميع خلقه فقال: (كل نفس ذائقة الموت) أي: ينزل بها الموت لا محالة، فكأنها ذاقته. وقيل: معناه كل نفس ذائقة مقدمات الموت، وشدائده وسكراته كقوله تعالى: (حتى إذا جاء أحدهم الموت). وعلى هذا جاء قوله: " لقنوا أمواتكم شهادة أن لا إله إلا الله ". وهذا الظاهر يدل على أن كل نفس تذوق الموت، وإن كانت مقتولة، وإن القتل لا ينفك عن الموت الذي هو فعل الله. وقيل: إن المراد بالموت هنا: إنتفاء الحياة والقتيل قد انتفت الحياة منه. والقتيل فهو داخل في الآية. (وإنما توفون أجوركم) معناه: وإنما تعطون جزاء أعمالكم وافيا (يوم القيامة) إن خيرا فخيرا وثوابا، وإن شرا فشرا وعقابا. فإن الدنيا ليست بدار جزاء، وإنما هي دار عمل. والآخرة دار جزاء، وليست بدار عمل. (فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة) أي: بوعد عن نار جهنم، ونخي عنها، وادخل الجنة (فقد فاز) أي نال المنية، وظفر بالبغية، ونجا من الهلكة. (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) معناه: ما لذات الدنيا وشهواتها وزينتها، إلا متعة متعكموها الغرور والخداع المضمحل الذي لا حقيقة له عند الإختبار، لأنكم تلتذون بها، ثم إنها تعود عليكم بالرزايا والفجائع، ولا تركنوا إليها، ولا تغتروا بها، فإنها هي غرور، وصاحبها مغرور. وقيل: متاع الغرور القوارير، وهي في الأصل ما لا بقاء له، عن عكرمة. وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة، خير من نعيم الدنيا بأسره،

[ 465 ]

ولذلك قال " عليه السلام ": موضع سوط في الجنة، خير من الدنيا وما فيها. وفيها دلالة على أن كل حي سيموت، ولولا ورود السمع بذلك، لكان يجوز في العقل أن يتصل حياتهم إلى وقت المجازاة. وإذا قيل: أليس من قولكم لا بد من القطع بين حال التكليف، وحال المجازاة ؟ فجوابه: إن ذلك القطع كان يجوز أن يحصل مع بقاء الحياة. وفيها دلالة على أن المقتول يحصل فيه الموت. وقد اختلف في الموت قول أبي علي، وأبي هاشم، فعند أبي علي: الموت معنى يضاد الحياة. وعند أبي هاشم: عدم الحياة. فعلى كلا المذهبين يجوز حصوله في المقتول. (* لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوآ أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور [ 186 ]). الاعراب: اللام في قوله (لتبلون): لام التأكيد، وفيه معنى القسم. والنون. تأكيد للقسم. وإنما ضمت الواو في (لتبلون) ولم تكسر لالتقاء الساكنين، لأنها واو الضمير، حركت بما كان يجب لما قبلها من الضم ومثله: (اشتروا الضلالة بالهدى). ولو كانت الواو حرف الإعراب لفتحت نحو هل تغزون زيدا. النزول: نزلت الآية في كعب بن الأشرف، وكان يهجو النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والمؤمنين، ويحرض المشركين عليهم، ويشبب (1) بنساء المسلمين، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم ": " من لي بابن الأشرف " ؟ فقال محمد بن سلمة: أنا يا رسول الله. فخرج هو وأبو نائلة مع جماعة فقتلوه غيلة، وأتوا برأسه إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " آخر الليل، وهو قائم يصلي، عن الزهري. وقيل: نزلت في فنحاص اليهودي، سيد بني قينقاع، لما بعث رسول الله أبا بكر إليه ليستمده، وكتب إليه كتابا. فلما قرأه قال: قد احتاج ربكم إلى أن نمده ! فهتم أبو بكر بضربه، ثم ذكر قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم ".: (لا تفتاتن بشئ حتى ترجع " (2). فكف عنه، عن عكرمة ومقاتل. المعنى: ثم بين تعالى أن الدنيا دار محنة وابتلاء، وأنها إنما زويت عن


(1) شبب الشاعر بفلانة: قال فيها النسيب ووصف محاسنها. (2) افتات برأيه: استبد به. (*)

[ 466 ]

المؤمنين ليصبروا فيؤجروا، فقال: (لتبلون) أي: لتوقع عليكم المحن. وتلحقكم الشدائد (في أموالكم) بذهابها ونقصانها (و) في (أنفسكم) أيها المؤمنون بالقتل والمصاب، مثل ما نالكم يوم أحد. ويقال بفرض الجهاد وغيره من الفرائض، والقرب التي أمرنا بها. وإنما سماه بلوى مجازا. فإن حقيقة الإختبار والتجربة، لا يجوز على الله، لأنه العالم بالأشياء قبل كونها. لانما يفعل ذلك ليتميز المحق من المبطل، عن أبي علي الجبائي. (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) يعني اليهود والنصارى (ومن الذين أشركوا) يعني كفار مكة وغيرهم (أذى كثيرا) يعني ما سمعوه من تكذيب النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ومن الكلام الذي يغمه (وإن تصبروا وتتقوا) يعني: إن صبرتم على ذلكم، وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعا يبلغ الإثم (فإن ذلك من عزم الأمور) أي: مما بان رشده وصوابه، ووجب على العاقل العزم عليه. وقيل: من محكم الأمور. (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون [ 187 ]). القراءة: قرأ ابن كثير وأبو عمرو وأبو بكر عن عاصم: (ليبيننه) بالياء (ولا يكتمونه) بالياء أيضا. والباقون بالتاء فيهما. الحجة: حجة من قرأ بالتاء قوله: (وإذ أخذ ميثاق النبيين لما آتيتكم). والإتفاق عليه، وكذلك قوله: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله) وقد تقدم القول في ذلك. وحجة من قرأ بالياء أن الكلام حمل على الغيبة لأنهم في. المعنى: ثم حكى سبحانه عنهم نقض الميثاق والعهود، بعد حكايته عنهم التكذيب بالرسل فقال: (وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب) قيل: أراد به اليهود خاصة. وقيل: أراد اليهود والنصارى. وقيل: أراد به كل من أوتي علما بشئ من الكتب (لتبيننه للناس) أي: لتظهرنه للناس، والهاء عائدة إلى محمد " صلى الله عليه وآله وسلم " في قول سعيد بن جبير والسدي، لأن في كتابهم أن محمدا رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأن الدين هو الإسلام. وقيل: الهاء عائدة إلى الكتاب فيدخل فيها بيان أمر النيي " صلى الله عليه وآله وسلم "، لأنه في الكتاب، عن الحسن وقتادة (ولا تكتمونه) أي: ولا تخفونه عند الحاجة (فنبذوه وراء ظهورهم) ومعناه: ضيعوه وتركوه وراء ظهورهم، فلم يعلموا به، وإن

[ 467 ]

كانوا مقرين به، عن ابن عباس. ويقال لمن يطرح الشئ ولا يعبأ به: رماه بظهره. قال الفرزدق: * تميم بن قيس، لا تكونن حاجتي * بظهر، ولا يعبأ علي جوابها (1) * (واشتروا به ثمنا قليلا) أي: استبدلوا بعهد الله عليه، ومخالفته وميثاقه، عوضا يسيرا من حطام الدنيا، يعني: ما حصلوه لأنفسهم من المأكلة والرشا والهدايا التي أخذوها من تحوتهم (فبئس ما يشترون) أي: بئس الشئ ذلك إذ يستحقون به العذاب الأليم، وإن كان نفعا عاجلا. ودلت الآية على وجوب إظهار الحق، وتحريم كتمانه. فيدخل فيه بيان الدين والأحكام والفتاوى والشهادات، وغير ذلك من الأمور التي يختص بها العلماء. وروى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن الحسن بن عمارة قال: أتيت الزهري بعد أن ترك الحديث، فألفيته على بابه فقلت: إن رأيت أن تحدثني. فقال: أو ما علمت أني تركت الحديث. فقلت: إما أن تحدثني، وإما أن أحدثك. فقال: حدثني. فقلت: حدثني الحكم بن عيينة، عن نجم الجزار قال: سمعت علي بن أبي طالب " عليه السلام " يقول: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلموا. قال: فحدثني أربعين حديثا. (لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم [ 188 ]). القراءة: قد ذكرنا اختلاف القراءة في تحسبن، وتحسبنهم فيما قبل. الحجة: قال أبو علي: من قرأ (لا يحسبن) بالياء (فلا يحسبنهم)، فالذين في موضع رفع بأنه فاعل (يحسبن)، ولم يوقع (يحسبن) على شئ. قال أبو الحسن: لا يعجبني قراءة من قرأ الأولى بالياء، لأنه لم يوقعه على شئ، ويرى أنه لم يستحسن أن لا يعدي حسب، لأنه قد جرى مجرى اليمين في نحو: علم الله لأفعلن، ولقد علمت لتأتين منيتي، وظنوا ما لهم من محيص. فكما أن القسم لا يتكلم به حتى يعلق بالمقسم عليه، فكذلك ظننت وعلمت في هذا الباب. وأيضا فقد جرى في كلامهم لغوا، وما جرى لغوا لا يكون في حكم الجمل المفيدة، ومن ثم


(1) [ أي طرحوه خلف ظهورهم ]. (*)

[ 468 ]

جاء نحوه: * وما خلت أبقى بيننا من مودة * عراض المذاكي المسنفات القلايصا (1) * وإنما هو وما أبقى بيننا. فالوجه في هذه القراءة أنه لم يعد حسبت إلى مفعوليه اللذين يقتضيهما، لأن حسبت في قوله: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) لما جعل بدلا من الأول وعدي إلى مفعوليه استغنى بهما عن تعدية الأول إليهما، كما استغنى في قوله: * بأي كتاب، أو بأية سنة، * ترى حبهم عارا علي، وتحسب * بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليهما. والفاء زائدة، فالتقدير: لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا (2) بمفازة من العذاب. وأما قراءة (فلا تحسبنهم) بضم الباء، فإن فعل الفاعل الذي هو يحسبن تعدى إلى ضميره، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة. فإن قيل: هلا لم تحذف الواو من تحسبون وأثبتها كما ثبتت في تمود بالثوب (3)، أتحاجوني، ونحو ذلك مما يثبت فيه التقاء الساكنين لما في الساكن الأول من زيادة المد التي تقوم مقام الحركة. فالقول فيه: إنه حذفت كما حذفت مع الخفيفة. ألا ترى أنك لو قلت: لا تحسبن زيدا ذاهب، لم يلزمك الحذف، فأجرى الثقيلة مجرى الخفيفة في هذا. وقوله (بمفازة من العذاب) في موضع المفعول الثاني، وفيه ذكر للمفعول الأول، وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه، نحو: ظننتني أخاك، لأن هذه الأفعال لما كانت تدخل على المبتدأ والخبر، أشبهت أن وأخواتها في دخولها على المبتدأ والخبر، كدخول هذه الأفعال عليهما، وذلك قولك: ظننتني ذاهبا، كما تقول إني ذاهب. ومما يدل على ذلك قبح دخول النفس عليها لو قلت: أظن نفسي تفعل كذا، لم يحسن كما يحسن أظنني فاعلا.


(1) عارضه عراضا في المسير: صار حياله. المذاكي من الخيل التي قد أتى عليها بعد قروحها سنة أو سنتان، المسنفات بفتح النون: الناقة التي شد عليها السناف وهو حبل يشد على البعير حتى يثبت التصدير وإنما يفعل ذلك إذا خمص بطن البعير واضطرب تصديره. والمسنفات مفعول عراض وهو وفاعل أبقى. القلوص من الإبل: الطويلة القوائم أو الشابة منها. (2) [ أنفسهم ]. (3) على بناء المفعول من تماد الثوب: تجاذباه. (*)

[ 469 ]

فأما قراءة نافع وأبي جعفر وابن عامر (لا يحسبن) بالياء، فلا تحسبنهم بالتاء وفتح الياء فمثل قراءة ابن كثير، وأبي عمرو إلا في قوله (فلا تحسبنهم). والمفعولان اللذان يقتضيهما الحسبان في قوله (لا يحسبن الذين يفرحون) محذوفا لدلالة ما ذكر من بعد عليهما، ولا يجوز البدل هنا كما جاز هناك، لاختلاف الفعلين باختلاف فاعليهما. وأما قراءة حمزة بالتاء فيهما فحذف المفعول الثاني الذي يقتضيه (تحسبن) لأن ما يجئ من بعد قوله (فلا لحسبنهم بمفازة من العذاب) يدل عليه. ويجوز أن يجعل (تحسبنهم) بدلا من (تحسبن)، والفاء زائدة كما في قوله: " فإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي ". النزول: نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون بإجلال الناس لهم، ونسبتهم إياهم إلى العلم، عن ابن عباس. وقيل: نزلت في أهل النفاق، لأنهم كانوا يجمعون على التخلف عن الجهاد مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ". فإذا رجعوا اعتذروا وأحبوا أن يقبل منهم العذر، ويحمدوا بما ليسوا عليه من الإيمان، عن أبي سعيد الخدري، وزيد بن ثابت. وقيل: أتت يهود خيبر إلى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " فقالوا: نحن نعرفك ونؤمن بك، وليس ذلك في قلوبهم. فحمدهم المسلمون. فنزلت فيهم الآية، عن قتادة. المعنى: ثم بين سبحانه خصلة أخرى ذميمة من خصال اليهود فقال: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) أي: الفارحون الذين يفرحون بالنفاق (ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا) أي: بالإيمان. وقيل: هم اليهود الذين فرحوا بكتمان أمر النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، وأحبوا أن يحمدوا بأنهم أئمة، وليسوا كذلك. وقد عرفت المعنى في القراءة بالتاء والياء في الحجة، فلا معنى لإعادته. وقال أبو القاسم البلخي: إن اليهود قالوا نحن أبناء الله وأحباؤه، وأهل الصلاة والصوم، وليسوا أولياء الله، ولا أحباءه، ولا أهل الصلاة والصوم، ولكنهم أهل الشرك والنفاق، وهو المروي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام ". وقيل: معناه إنهم يحبون أن يحمدوا على إبطالهم أمر محمد، وتكذيبهم به. والأقوى أن يكون المعني بالآية من أخبر الله عنهم، أنه أخذ ميثاقهم في أن يبينوا أمر محمد، ولا يكتموه. وعليه أكثر أهل التأويل. وقوله: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) أي: لا تطننهم بمنجاة، وبعد من النار (ولهم عذاب أليم) أي: مؤلم موجع.

[ 470 ]

(ولله ملك السموات والأرض والله على كل شئ قدير [ 189 ]). المعنى: لما ذكر سبحانه في الآية المتقدمة من فرح بمعصية ركبها، وأحب أن يحمد بما لم يفعله، وأخبر أنه لا نجاة لهم من عذابه قال: (ولله ملك السماوات والأرض) أي: هو مالك ما في السموات والأرض، بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصرفهما على ما يشاء من جميع الوجوه، ليس لغيره الإعتراض عليه. فكيف يطمع والحال هذه في الخلاص منه. (والله على كل شئ قدير) فيه تنبيه على أنه قادر على إهلاك من أراد إهلاكه، وعلى الإنشاء والإفناء كما يشاء. (إن في خلق السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لأيات لأولى الألباب [ 190 ] الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ماخلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار [ 191 ] ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من أنصار [ 192 ] ربنا إننا سمعنا مناديا ينادى للإيمان أن ءامنوا بربكم فئامنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار [ 193 ] ربنا وءاتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد [ 194 ]). فضلها: روى الثعلبي في تفسيره بإسناده عن محمد بن الحنفية، عن علي بن أبي طالب " عليه السلام " أن رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " كان إذا قام من الليل استاك (1)، ثم ينظر إلى السماء ثم يقول: (إن في خلق السماوات والأرض) إلى قوله: (فقنا عذاب النار). وقد اشتهرت الرواية عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه لما نزلت الآيات قال: " ويل لمن لاكها بين فكيه، ولم يتأمل ما فيها ". وورد عن الأئمة من آل محمد " صلى الله عليه واله وسلم " الأمر بقراءة هذه الآيات الخمس، وقت القيام بالليل للصلاة، وفي الضجعة بعد ركعتي الفجر.


(1) أي يستاك. (*)

[ 471 ]

وروى محمد بن علي بن محبوب، عن العباس بن معروف، عن عبد الله بن المغيرة، عن معاوية بن وهب قال: سمعت أبا عبد الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وذكر أن النبي قال: كان يؤتى بطهور فيخمر عند رأسه، ويوضع سواكه تحت فراشه، ثم ينام ما شاء الله. فإذا استيقظ جلس ثم قلب بصره إلى السماء وتلا الآيات من آل عمران: (إن في خلق السماوات والأرض) الآيات. ثم يستن ويتطهر. ثم يقوم إلى المسجد فيركع أربع ركعات، على قدر قراءته ركوعه، يركع حتى يقال متى يرفع رأسه، ويسجد (1) حتى يقال متى يرفع رأسه. ثم يعود إلى فراشه فينام ما شاء الله. ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلب بصره في السماء. ثم يستن ويتطهر ويقوم إلى المسجد، فيصلي أربع ركعات، كما ركع قبل ذلك. ثم يعود إلى فراشه، فينام ما شاء الله. ثم يستيقظ فيجلس فيتلو الآيات من آل عمران، ويقلب بصره في السماء. ثم يستن ويتطهر، ويقوم إلى المسجد فيوتر ويصلي ركعتين. ثم يخرج إلى الصلاة. اللغة: اللب: العقل سمي به لأنه خير ما في الإنسان. واللب من كل شئ: خيره وخالصه. سبحانك معناه: تنزيها لك من أن تكون خلقتها باطلا، وبراءة مما لا يليق بصفاتك. قال الشاعر: * سبحانه ثم سبحانا يعود له، * وقبلنا سبح الجودي، والحجر * والأبرار: جمع بر، وهو الذي بر الله بطاعته إياه حتى أرضاه. وأصل البر الإتساع فالبر الواسع من الأرض: خلاف البحر. والبر: صلة الرحم. والبر: العمل الصالح. والبر: الحنطة. وأبر الرجل على أصحابه أي: زاد عليهم. الاعراب: (الذين يذكرون): في موضع جر صفة (لأولي الألباب). (قياما وقعودا): نصب على الحال. (وعلى جنوبهم) أيضا في موضع نصب على الحال، ولذلك عطف على قياما وقعودا أي: ومضطجعين لأن الظرف يكون حالا للمعرفة، كما يكون نعتا للنكرة، لما فيه من معنى الإستقرار. تقول: مررت برجل على الحائط أي: مستقر على الحائط. وكذا مررت برجل في الدار. وتقول: أنا أصير إلى فلان ماشيا، وعلى الفرس، فيكون موضع على الفرس نصبا على الحال من الضمير في أصير.


(1) [ وسجوده على قدر ركوعه ثم ]. (*)

[ 472 ]

وقوله: (ما خلقت هذا باطلا) أي: يقولون ما خلقت هذا الخلق، ولذلك لم يقل هذه ولا هؤلاء. و (باطلا) نصب على أنه المفعول الثاني. وقيل: تقديره بالباطل وللباطل. ثم نزع الحرف فوصل الفعل خبر إن في قوله: (إنك من تدخل النار فقد أخزيته): جملة مركبة من الشرط والجزاء، والأصل فيهما جملتان كل واحدة منهما من فعل وفاعل، لأن موضع من نصب بتدخل على أنه مفعول به. وقوله: (أن آمنوا): يحتمل أن يكون أن هذه هي المفسرة بمعنى أي ويحتمل أن يكون الناصبة للفعل، لأنه يصلح في مثله دخول الباء نحو: ينادي بأن آمنوا. المعنى: لما بين سبحانه بأن له ملك السماوات والأرض، عقبه ببيان الدلالات على ذلك، فقال: (إن في خلق السماوات والأرض) أي: في إيجادهما بما فيهما من العجائب والبدائع (واختلاف الليل والنهار) أي: تعاقبهما، ومجئ كل واحد منهما خلف الآخر (لآيات) أي: دلالات على توحيد الله، وصفاته العلى (لأولي الألباب) أي: لذوي البصائر والعقول. ووجه الدلالة في خلق السماوات والأرض: إن وجودهما متضمن باعراض حادثة، وما لا ينفك عن الحادث، فهو حادث مثله. والمحدث لا بد من محدث يحدثه، وموجد يوجده. فدل وجودهما وحدوثهما على أن لهما محدثا قادرا. ودل إبداعهما بما فيهما من البدائع والأمور الجارية، على الإنتظام والإتساق، على أن مبدعهما عالم، لأن الفعل المحكم المنتظم، لا يصح إلا من عالم كما أن الإيجاد لا يصح إلا من قادر. ودل ذلك أيضا على أن صانعهما قديم لم يزل، لأنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، فيؤدي إلى التسلسل. ووجه الدلالة في تعاقب الليل والنهار أن في ترادفهما على مقدار معلوم، لا يزيدان عليه ولا ينقصان منه، ونقصان كل واحد منهما عن الآخر في حال، وزيادته عليه في حال، وازدياد أحدهما بقدر نقصان الآخر، دلالة ظاهرة على أن لهما صانعا قادرا حكيما، لا يدركه عجز، ولا يلحقه سهو. ثم وصف سبحانه أولي الألباب فقال: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) أي: هؤلاء الذين يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والأرض، هم الذين يذكرون الله قائمين وقاعدين ومضطجعين أي في سائر الأحوال، لأن أحوال المكلفين لا تخلو من هذه الأحوال الثلاثة، وقد أمروا بذكر الله تعالى في جميعها. وقيل: معناه يصلون لله على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم. فالصحيح يصلي

[ 473 ]

قائما، والسقيم يصلي جالسا وعلى جنبه أي: مضطجعان. فسمى الصلاة ذكرا، رواه علي بن إبراهيم في تفسيره. ولا تنافي بين التفسيرين، لأنه غير ممتنع وصفهم بالذكر في هذه الأحوال، وهم في الصلاة، وهو قول ابن جريج وقتادة. (ويتفكرون في خلق السماوات والأرض) أي: ومن صفة أولي الألباب أن يتفكروا في خلق السماوات والأرض، ويتدبروا في ذلك، ليستدلوا به على وحدانية الله تعالى، وكمال قدرته، وعلمه وحكمته ثم يقولون: (ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك) أي: ما خلقت هذا الخلق عبثا. وقيل: بالباطل وللباطل، بل لغرض صحيح، وحكمة ومصلحة، ليكون دليلا على وحدانيتك، وحجة على كمال حكمتك. ثم ينزهونه عن كل ما لا يليق بصفاته، أو يلحق نقصا بذاته فيقولون (سبحانك) أي: تنزيها لك عما لا يجوز عليك، فلم تخلقهما عبثا، ولا لعبا، بل تعريضا للثواب والأمن من العقاب (فقنا عذاب النار) بلطفك الذي يتمسك معه بطاعتك. وفي هذه الآية دلالة على أن الكفر والقبائح والضلال ليست خلقا لله، لأن هذه الأشياء كلها باطلة بلا خوف. وقد نفى الله تعالى ذلك بحكايته عن أولي الألباب الذين رضي أقوالهم، بأنه لا باطل فيما خلقه، فيجب بذاك القطع على أن القبائح كلها غير مضافة إليه، ومنفية عنه، تعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا. ثم حكى عن أولي الألباب الذين وصفهم بأنهم أيضا يقولون (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) قيل فيه وجوه أحدها: إن معناه فضحته وأهنته، فيكون منقولا من الخزي، ونظيره قوله: (ولا تخزون في ضيفي). وثانيها: قول المفضل إن معناه أهلكته، وأنشد: * أخزى الإله من الصليب إلهه، * واللابسين ملابس الرهبان * وثالثها: إن معناه أحللته محلا، ووقفته موقفا يستحيا منهم، فيكون منقولا من الخزاية التي معناها الإستحياء. وقال ذو الرمة: * خزاية أدركته بعد جولته * من جانب الدف مخلوطا به الغضب * واختلف أهل التأويل في المعني بهذه الآية: فروي عن أنس بن مالك، وسعيد بن المسيب، وقتادة وابن جريج: أن الإخزاء يكون بالتأبيد في النار، وهي

[ 474 ]

خاصة بمن لا يخرج منها. وقال جابر بن عبد الله: إن الخزي يكون بالدخول فيها. وروى عنه عمرو بن دينار وعطاء، أنه قال: وما أخزاه حين أحرقه بالنار، وإن دون ذا لخزيا. وهذا هو الأقوى، لأن الخزي إنما هو هتك المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه. وهذا غير مناف لما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لأن على قول من قال: إن الخزي هو الخلود في النار، فمن عفا الله عنه لا يكون أخزاه إن أدخله النار، ثم أخرجه منها بعد استيفاء العقاب. وعلى قول من أثبت الخزي بنفس الدخول، فإنه وإن كان خزيا، فليس كمثل خزي الكفار. ويجوز حمل قوله (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) على كلا الوجهين، وعلى قول من جعله من الخزاية التي هي الاستحياء، فيكون إخزاء المؤمنين محمولة على الإستحياء، وإخزاء الكافرين على الإهانة والخلود في النار. وقوله (وما للظالمين من أنصار) أي: ليس لهم من يدفع عنهم عذاب الله على وجه المغالبة والقهر، لأن الناصر هو الذي يدفع عن المنصور على وجه المغالبة، ولا ينافي ذلك ما صح من شفاعة النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " والأولياء لأهل الكبائر، لأن الشفاعة على سبيل المسألة والخضوع والتضرع إلى الله، وليست من النصرة في شئ. وصح عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: " ليصيبن أقواما شفع بذنوب أصابوها، ثم يخرجون فيسميهم أهل الجنة الجهنميين ". رواه البخاري بإسناده في الصحيح، عن أنس بن مالك. وفيما رواه أبو سعيد الخدري عنه " عليه السلام " قال: " فيخرجون قد امتحشوا وعادوا حمما، قال: فيلقون في نهر يقال له نهر الحياة، قال: فينبتون فيه كما تنبت الحبة في جميل السيل " ورواه البخاري ومسلم أيضا في الصحيح وما روي في مثل ذلك من الأخبار لا يحصى. وهذا كما تراه صريح في وقوع العفو عن مرتكبي الكبائر. (ربنا إننا سمعنا مناديا) قيل: المنادي محمد، عن ابن عباس وابن مسعود وابن جريج واختاره الجبائي. وقيل: إنه القرآن عن محمد بن كعب القرظي وقتادة، واختاره الطبري قال: لأنه ليس يسمع كل أحد قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، ولا يراه، والقرآن سمعه من رآه ولم يره، كما قال مخبرا عن الجن (إنا سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) ولمن نصر القول الأول أن يقول من بلغه قول النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " ودعوته، جاز أن يقول سمعنا مناديا، وإن كان فيه ضرب من التجوز، ومعنى قوله (سمعنا مناديا) نداء

[ 475 ]

مناد، لأن المنادي لا يسمع. وقوله (ينادي للإيمان) معناه إلى الإيمان، كقوله (الحمد لله الذي هدانا لهذا) ومعناه: إلى هذا، وكقول الراجز: * أوحى لها القرار فاستقرت، * وشدها بالراسيات الثبت * ومثله قوله: (بأن ربك أوحى لها) فالمعنى: ربنا إننا سمعنا داعيا يدعو إلى الإيمان والتصديق بك، والإقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك، واتباع أمره ونهيه. وقوله (أن آمنوا بربكم) معناه: بأن آمنوا بربكم، فحذف الباء. وقيل: معناه قال لنا آمنوا بربكم (فآمنا) أي: فصدقنا الداعي فيما دعا إليه من التوحيد والدين وأجبناه (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) معناه: أسترها علينا، ولا تفضحنا بها يوم القيامة على رؤوس الأشهاد بعقوبتك (وكفر عنا سيئاتنا) معناه: امحها بفضلك ورحمتك إيانا (وتوفنا مع الأبرار) معناه: واقبضنا إليك في جملة الأبرار، واحشرنا معهم. فإن قيل: ما معنى قوله (وكفر عنا سيئاتنا) وقد أغنى عنه قوله (فاغفر لنا) ؟ فالجواب عنه من وجهين أحدهما: إن معناه إغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة، وكفر عنا إن تبنا. والثاني: إن معناه إغفر لنا ذنوبنا بالتوبة، وكفر عنا باجتناب الكبائر من السيئات، لأن الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب، والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد، والأول أليق بمذهبنا. (ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك) هذه حكاية عمن تقدم وصفهم، بأنهم يقولون: أعطنا ما وعدتنا على لسان رسلك من الثواب (ولا تخزنا) أي: لا تفضحنا، أو لا تهلكنا (يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) وهو كلام مستأنف بدلالة أنه كسر إن. والمعنى: إنك وعدت الجنة لمن آمن بك، وأنت لا تخلف وعدك. فإن قيل: ما وجه المسألة في إنجاز الوعد والمعلوم أنه يفعله لا محالة ؟ فالجواب عنه من وجوه أحدها: إن ذلك على وجه الإنقطاع إلى الله، والتضرع له والتعبد كما قال: (وقل رب احكم بالحق)، واختاره علي بن عيسى والجبائي. والثاني: إن الكلام خرج مخرج المسألة، والمراد الخبر أي: توفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا به على رسلك، ولا تخزنا يوم القيامة، لأنهم علموا أن ما وعد الله به حق، ولا بد أن ينجزه والثالث: معناه السؤال والدعاء بأن يجعلهم ممن أتاهم ما وعدهم من الكرامة، على ألسن رسله، لا أنهم قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم.

[ 476 ]

ثم سألوه أن يأتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، لأنه لو كان كذا، لكانوا قد زكوا أنفسهم، وشهدوا بأنهم استوجبوا كرامة الله. ولا يليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين. والرابع: إنهم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إلى الله، في أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر، وإعلاء كلمة الحق على الباطل، ليعجل ذلك لهم. لأنه لا يجوز أن يكونوا مع ما وصفهم الله به غير واثقين، ولا على غير يقين أن الله لا يخلف الميعاد، فرغبوا إليه في تعجيل ذلك. ولكنهم كانوا وعدوا النصر، ولم يوقت لهم في ذلك وقت، فرغبوا إليه في تعجيل ذلك لهم، لما لهم في ذلك من السرور بالظفر، وهو اختيار الطبري، وقال: الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي الذين رغبوا في تعجيل النصرة على أعدائهم، وقالوا: لا صبر لنا على أناتك وحلمك. وقوي ذلك بما بعد هذه الآية من قوله (فاستجاب لهم ربهم) الآيات. وإلى هذا أومى أبو القاسم البلخي أيضا. (فاستجاب لهم ربهم أنى لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلى وقاتلوا وقتلوا لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجرى من تحتها الأنهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب [ 195 ]). القراءة: قرأ حمزة، والكسائي وخلف: (وقتلوا وقاتلوا) بتقديم الفعل المبني للمفعول به على الفعل المبني للفاعل، والتخفيف. وقرأ الباقون بتقديم (قاتلوا) على (قتلوا). وشدد التاء من (قتلوا) ابن كثير وابن عامر. الحجة: أما تقديم (قاتلوا) على (قتلوا) فلأن القتال قبل القتل، وحسن التشديد لتكرر الفعل، فهو مثل: (مفتحة لهم الأبواب). ومن خفف (قتلوا) فلأن فعلوا يقع على الكثير والقليل، والتشديد يختص بالكثير. وأما تقديم (قتلوا) على (قاتلوا) فلأن المعطوف بالواو يجوز أن يكون أولا في المعنى، وإن كان مؤخرا في اللفظ. ويمكن أن الوجه فيه أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا للقتل الذي وقع بهم كقوله (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله).

[ 477 ]

اللغة: الإضاعة: الإهلاك. ضاع الشئ يضيع ضياعا: إذا هلك. وأضاع وضيع بمعنى. ومنه الضيعة: للقرية. وأما قولهم كل رجل وضيعته فإن الضيعة هاهنا بمعنى الحرفة. هاجر: فاعل من الهجر، وهو ضد الوصل، يقال: هاجر القوم من دار إلى دار أي: تركوا الأولى للثانية. وتهجر الرجل أي: تشبه بالمهاجرين. الاعراب: (من) في قوله (من ذكر أو أنثى): للتبيين والتفسير عن قوله (منكم) أي: لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والإناث، فهو بيان لجنس من أضيف إليه العمل. ويقال: إنها مؤكدة بمعنى النفي في لا أضيع أي: لا أضيع عمل ذكر وأنثى منكم. و (بعضكم): مبتدأ وقوله: (من بعض) في موضع رفع بأنه خبره. و (ثوابا): مصدر مؤكد لأن معنى (ولأدخلنهم جنات): ولأثيبنهم، ومثله قوله: (كتاب الله عليكم) لأن معنى قوله (حرمت عليكم أمهاتكم): كتب الله عليكم هذا. فكتاب الله مصدر مؤكد. النزول: روي أن أم سلمة قالت: يا رسول الله ! ما بال الرجال يذكرون في الهجرة دون النساء ؟ فأنزل الله هذه الآية. قال البلخي: نزلت الآية وما قبلها في المتبعين للنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، والمهاجرين معه. ثم هي في جميع من سلك سبلهم، وحذا حذوهم من المسلمين. المعنى: ثم عقب سبحانه دعوة المؤمنين بذكر الإجابة فقال: (فاستجاب لهم ربهم) أي: أجاب المؤمنين الذين تقدم الخبر عنهم (أني لا أضيع) أي: بأني لا أبطل (عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى) رجل أو امرأة (بعضكم من بعض) في النصرة والدين والموالاة، فحكمي في جميعكم حكم واحد، فلا أضيع عمل واحد منكم، لاتفاقكم في صفة الإيمان. وهذا يتضمن الحث على مواظبة الأدعية التي في الآيات المتقدمة، والإشارة إلى أنها مما تعبد الله تعالى بها، وندب إليها وذلك لأنه تضمن الإجابة لمن دعا بها. (فالذين هاجروا) إلى المدينة، وفارقوا قومهم من أهل الكفر (وأخرجوا من ديارهم) أخرجهم المشركون من مكة (وأوذوا في سبيلي) أي: في طاعتي وعبادتي وديني، وذلك هو سبيل الله، فتحملوا الأذى لأجل الدين (وقاتلوا) في سبيل الله (وقتلوا) فيها (لأكفرن عنهم سيئاتهم) يعني لأمحونها، ولأتفضلن عليهم بعفوي

[ 478 ]

ومغفرتي ورحمتي. وهذا يدل على أن إسقاط العقاب تفضل من الله. (ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار) أي: من تحت أبنيتها وأشجارها (ثوابا) أي: جزاء لهم (من عند الله) على أعمالهم (والله عنده حسن الثواب) أي: عنده من حسن الجزاء على الأعمال، ما لا يبلغه وصف واصف، ولا يدركه نعت ناعت، مما لا رأت عين، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقيل: حسن الثواب في دوامه، وسلامته عن كل شوب من النقصان والتكدير. (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد [ 196 ] متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد [ 197 ] لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار [ 198 ]). القراءة: قرأ يعقوب برواية رويس وزيد (لا يغرنك، ولا يحطمنكم، ولا يستخفنك، وأما نذهبن بك أو نرينك) خفيفة في الجميع. والباقون بالتشديد. وقرأ أبو جعفر: (لكن الذين اتقوا) بتشديد النون. والباقون: (لكن) بالتخفيف. اللغة: الغرور: إيهام حال السرور فيما الأمر بخلافه في المعلوم، وليس كل إيهام غرورا، لأنه قد يتوهمه تخوفا، فيحذر منه. فلا يقال غره. والغرر: نظير الخطر. والفرق بينهما أن الغرر قبيح كله، لأنه ترك الجزم فيما يمكن أن يتوثق منه. والخطر: قد يحسن على بعض الوجوه، لأنه من العظم من قولهم: رجل خطير أي: عظيم. والمتاع: النفع الذي يتعجل به اللذة إما بوجود اللذة، أو بما يكون به اللذة، نحو المال الجليل والملك والأولاد والإخوان، والمهاد الذي يسكن فيه الإنسان ويفترشه. وواحد الأبرار: بر. تقول: بررت والدي فأنا بر، وأصله: برر، ولكن الراء أدغمت للتضعيف. الاعراب: بني المضارع مع نون التأكيد، لأنه بمنزلة ضم اسم إلى اسم كخمسة عشر ونحوه. و (متاع): خبر مبتدأ محذوف وتقديره: تقلبهم متاع قليل. حذف المبتدأ لدلالة ما تقدمه عليه. (وبئس المهاد): حذف المخصوص بالذم من الكلام، لدلالة ما تقدمه عليه، تقديره: بئس المهاد جهنم. و (نزلا): مصدر

[ 479 ]

مؤكد أيضا مثل ما تقدم ذكره في قوله: (ثوابا) من عند الله لأن خلودهم في الجنة إنزالهم فيها، فصار كأنه قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها إنزالا. وقيل: هو نصب على التفسير، كما يقال: هو لك هبة أو صدقة، عن الفراء. و (خالدين فيها): منصوب على الحال أي: مقدرا لهم الخلود فيها. النزول: نزلت في مشركي العرب، وكانوا يتجرون ويتنعمون بها، فقال بعض المسلمين: إن أعداء الله في العيش الرخي، وقد هلكنا من الجوع ! فنزلت الآية. وقال الفراء: كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فأنزل الله تعالى: (لا يغرنك) الآية. المعنى: (لا يغرنك) يا محمد. الخطاب له، والمراد غيره. وقيل: معناه لا يغرنك أيها الإنسان، أو أيها السامع. (تقلب الذين كفروا) أي: تصرفهم (في البلاد) سالمين غانمين، غير مؤاخذين بإجرامهم. أعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لأن مأواهم ومصيرهم إلى النار بكفرهم، ولا خير بخير بعده النار. وقوله: (متاع قليل) معناه: تصرفهم في البلاد والنعم، متاع قليل أي: يتنعمون بذلك قليلا، ثم يزول. وسماه متاعا، لأنهم متعوا به في الدنيا. (ثم مأواهم) أي: مصيرهم ومرجعهم (جهنم وبئس المهاد) أي: ساء المستقر هي. ثم أعلم تعالى أن من أراد الله واتقاه، فله الجنة فقال: (لكن الذين اتقوا ربهم) لكن للإستدراك، فيكون بخلاف المعنى المتقدم. فمعناه: ليس للكفار عاقبة خير إنما هي للمؤمنين المتقين الذين اتقوا ربهم بفعل الطاعات، وترك المعاصي. (لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله) بين سبحانه ما يصيرون إليه من النعيم المقيم في دار القرار المعدة للأبرار، والنزل: ما يعد للضيف من الكرامة والبر والطعام والشراب. (وما عند الله) من الثواب والكرامة (خير للأبرار) مما يتقلب فيه الذين كفروا، لأن ذلك عن قريب سيزول، وما عند الله تعالى دائم لا يزول. ويروى عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما من نفس برة ولا فاجرة، إلا والموت خير لها من الحياة. فأما الأبرار فقد قال الله: (وما عند الله خير للأبرار) وأما الفجار، فقال تعالى: (ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم) الآية. وقوله في النفس الفاجرة: إن الموت خير لها، إنما يعني بذلك إذا كانت تدوم على فجورها.

[ 480 ]

(وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكتم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب [ 199 ]). اللغة: أصل الخشوع: السهولة من قولهم الخشعة: وهي السهولة في الرمل، كالربوة. والخاشع من الأرض: الذي لا يهتدى له، لأن الرمل يعفي آثاره. والخاشع: الخاضع ببصره. والخشوع هو التذلل خلاف التصعب. الاعراب: (خاشعين): نصب على الحال من الضمير في (يؤمن)، وهو عائد إلى (من). وقيل: هو حال من الضمير في (أنزل إليهم) المجرور بإلى. والأول أحسن. النزول: إختلفوا في نزولها فقيل: نزلت في النجاشي ملك الحبشة، واسمه أصحمة وهو بالعربية عطية. وذلك أنه لما مات نعاه جبرائيل لرسول الله في اليوم الذي مات فيه، فقال رسول الله: أخرجوا فصلوا على أخ لكم مات بغير أرضكم. قالوا: ومن ؟ قال: النجاشي. فخرج رسول الله إلى البقيع، وكشف له من المدينة إلى أرض الحبشة، فأبصر سرير النجاشي، وصلى عليه. فقال المنافقون: أنظروا إلى هذا يصلي على علج نصراني حبشي لم يره قط، وليس على دينه ! فأنزل الله هذه الآية، عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، وأنس، وقتادة. وقيل: نزلت في أربعين رجلا من أهل نجران، من بني الحرث بن كعب، وإثنين وثلاثين من أرض الحبشة، وثمانية من الروم، كانوا على دين عيسى، فآمنوا بالنبي " صلى الله عليه وآله وسلم "، عن عطاء. وقيل: نزلت في جماعة من اليهود، كانوا أسلموا منهم: عبد الله بن سلام ومن معه، عن ابن جريج وابن زيد وابن إسحاق. وقيل: نزلت في مؤمني أهل الكتاب كلهم، لأن الآية قد تنزل على سبب، وتكون عامة في كل ما يتناوله، عن مجاهد. المعنى: لما ذم تعالى أهل الكتاب فيما تقدم، وصف طائفة منهم بالإيمان، وإظهار الحق والصدق فقال: (وإن من أهل الكتاب) أي: من اليهود والنصارى (لمن يؤمن بالله) أي: يصدق بالله، ويقر بوحدانيته (و) ب‍ (ما أنزل إليكم) أيها المؤمنون وهو القرآن. (وما أنزل إليهم) وهو التوراة والإنجيل (خاشعين لله) أي:

[ 481 ]

خاضعين له، مستكينين له بالطاعة، متذللين بها. قال ابن زيد: الخاشع المتذلل الخائف. وقال الحسن: الخشوع الخوف اللازم للقلب من الله. (لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا) أي: لا يأخذون عوضا يسيرا على تحريف الكتاب، وكتمان الحق من الرشى والمأكل، كما فعله غيرهم ممن وصفهم تعالى في قوله: (أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى ولكن ينقادون إلى الحق يعملون بما أمرهم الله به وينتهون عما نهاهم عنه). ثم قال (أولئك) يعني هؤلاء الذين وصفناهم (لهم أجرهم عند ربهم) معناه: لهم ثواب أعمالهم، وأجر طاعاتهم عند الله مذخور، حتى يوفيهم الله يوم القيامة. (إن الله سريع الحساب) وصف الحساب بالسرعة، لأنه تعالى لا يؤخر الجزاء عمن يستحقه بطول الحساب، لأنه لا يخفى عليه شئ من أعمالهم قبل أن يعملوها، وبعد أن عملوها، فلا حاجة به إلى إحصاء عدد، فيقع في الإحصاء إبطاء. وقيل: معناه إنه يحاسب كل الخلق معا، فإذا حاسب واحدا فقد حاسب الجميع، لأنه قادر على أن يكلمهم في حالة واحدة، كل واحد بكلام يخصه، لأنه القادر لنفسه، عن أبي علي الجبائي. وإنما خص الله تعالى هذه الطائفة بالوعيد، ليبين أن جزاء أعمالهم موفر عليهم، ولا يضرهم كفر من كفر منهم. (يا أيها الذين ءامنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون [ 200 ]). اللغة: أصل الرباط: ارتباط الخيل للعدو. والربط: الشد. ومنه قولهم: ربط الله على قلبه بالصبر. ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراءه ممن أرادهم بسوء. والرباط أيضا: اسم لما يشد به. المعنى: لما حكى الله تعالى أحوال المؤمنين والكافرين فيما تقدم، حث بعد ذلك على الصبر على الطاعة، ولزوم الدين في الجهاد في سبيل الله فقال: (يا أيها الذين آمنوا) أي: صدقوا الله ورسوله (اصبروا وصابروا ورابطوا) اختلف في معناه على وجوه أحدها: إن المعنى اصبروا على دينكم أي: اثبتوا عليه، وصابروا الكفار، ورابطوهم في سبيل الله، عن الحسن وقتادة وابن جريج والضحاك. فعلى هذا يكون معناه: اصبروا على طاعة الله، وعن معاصيه، وقاتلوا العدو، واصبروا

[ 482 ]

على قتالهم في الحق، كما يصبرون على قتالكم في الباطل. وإنما أتى بلفظ صابروا هاهنا، لأن فاعل إنما يأتي لما يكون بين اثنين. والرباط هو المرابطة. فيكون بين اثنين أيضا، يعني: أعدوا لهم من الخيل ما يعدونه لكم، كقوله: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة). وثانيها: إن المراد اصبروا على دينكم، وصابروا وعدي إياكم، ورابطوا عدوي وعدوكم، عن محمد بن كعب القرظي وثالثها: إن المراد اصبروا على الجهاد، عن زيد بن أسلم. وقيل: إن معنى رابطوا أي: رابطوا الصلوات، ومعناه: انتظروها واحدة بعد واحدة، لأن المرابطة لم تكن حينئذ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات. وعن جابر بن عبد الله، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: " إسباغ الوضوء في السبرات (1)، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " وروي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنه قال: " معناه اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم ". وهو قريب من القول الأول. وقوله: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) معناه: واتقوا أن تخالفوا الله فيما يأمركم به، لكي تفلحوا بنعيم الأبد. وقيل: معناه اتقوا عذاب الله بلزوم أمره، واجتناب نهيه، لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية، ودرك البغية، والوصول إلى النجح في الطلبة، وذلك حقيقة الفلاح. وهذه الآية تتضمن جميع ما يتناوله المكلف لأن قوله: (اصبروا) يتناول لزوم العبادات، واجتناب المحرمات. (وصابروا) يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والإنس، وما هو أعظم منها من جهاد النفس. ورابطوا يدخل فيه الدفاع عن المسلمين، والذب عن الدين. (واتقوا الله): يتناول الإنتهاء عن جميع المناهي وثانيها: إن المراد اصبروا على دينكم، وصابروا وعدي إياكم، ورابطوا عدوي وعدوكم، عن محمد بن كعب القرظي وثالثها: إن المراد اصبروا على الجهاد، عن زيد بن أسلم. وقيل: إن معنى رابطوا أي: رابطوا الصلوات، ومعناه: انتظروها واحدة بعد واحدة، لأن المرابطة لم تكن حينئذ، روي ذلك عن علي بن أبي طالب عليه أفضل الصلوات، وأكمل التحيات. وعن جابر بن عبد الله، وأبي سلمة ابن عبد الرحمن. وروي عن النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه سئل عن أفضل الأعمال، فقال: " إسباغ الوضوء في السبرات (1)، ونقل الأقدام إلى الجماعات، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط " وروي عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام " أنه قال: " معناه اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم ". وهو قريب من القول الأول. وقوله: (واتقوا الله لعلكم تفلحون) معناه: واتقوا أن تخالفوا الله فيما يأمركم به، لكي تفلحوا بنعيم الأبد. وقيل: معناه اتقوا عذاب الله بلزوم أمره، واجتناب نهيه، لكي تظفروا وتفوزوا بنيل المنية، ودرك البغية، والوصول إلى النجح في الطلبة، وذلك حقيقة الفلاح. وهذه الآية تتضمن جميع ما يتناوله المكلف لأن قوله: (اصبروا) يتناول لزوم العبادات، واجتناب المحرمات. (وصابروا) يتناول ما يتصل بالغير كمجاهدة الجن والإنس، وما هو أعظم منها من جهاد النفس. ورابطوا يدخل فيه الدفاع عن المسلمين، والذب عن الدين. (واتقوا الله): يتناول الإنتهاء عن جميع المناهي والزواجر، والإئتمار بجميع الأوامر، ثم يتبع جميع ذلك الفلاح والنجاح. هذا آخر المجلدة الثانية من كتاب مجمع البيان لعلوم القرآن من المجلدات العشر من الأصل


(1) السبرات جمع السبرة: الغداة الباردة. (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية