التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد العاشر دار احياء التراث العربي
[ 3 ]
62 - سورة الجمعة بسم الله الرحمن الرحيم (يسبح لله ما في السموات وما في الارض الملك القدوس العزيز الحكيم (1) هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين (2) وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم (3) ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (4) مثل الذين حملوا التورية ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين) (5) خمس آيات بلا خلاف. لا خلاف بين القراء في هذه السورة إلا ماروي عن الاعمش انه قرأ
(الجمعة) بسكون الميم. الباقون بضمها. وقد بينا معنى قوله (يسبح لله ما في السموات وما في الارض) وبينا وجه التكرار فيه. وإنما جاء - ههنا - على لفظ المضارعة. وقوله (الملك) يعني المالك للاشياء كلها ليس لاحد منعه منها (القدوس) المستحق
[ 4 ]
للتعظيم بتطهير صفاته من كل صفة نقص (العزيز) معناه القادر الذي لا يقهر ولا يغلب (الحكيم) في جميع افعاله. وقوله (هو الذي بعث) يعني الله الذي وصفه بالصفات المذكورة هو الذي أرسل (في الاميين) قال قتادة ومجاهد: الاميون العرب. وقال قوم: هم أهل مكة، لانها تسمى أم القرى، والامي منسوب إلى انه ولد من أمه لا يحسن الكتابة. ووجه النعمة في جعل النبوة في أمي موافقة ما تقدمت البشارة به في كتب الانبياء السالفة، ولما فيه من انه أبعد من توهم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة. وقوله (رسولا) مفعول (بعث) و (منهم) يعني من سميتهم الاميين ومن جملتهم (يتلو عليهم) أي يقرأ عليهم (آياته) أي حججه وبيناته من القرآن وغيرها (ويزكيهم) أي ويطهرهم من دنس الشرك بما يهدبهم إلى الايمان فيجعلهم أزكياء. وإنما يجعلهم كذلك بأن يدعوهم إلى طاعة الله التي يقع فيها الاجابة لانه لو دعاهم ولم يجيبوا لما قيل: إنه زكاهم، ويعلمهم الكتاب والحكمة) قال قتادة: يعلمهم القرآن والسنة، والحكمة نعم الكتاب والسنة، وكل ما أراده الله، فان الحكمة هي العلم الذي يعمل عليه فيما يخشى أو يحبب من أمر الدين والدنيا (وإن كانوا من قبل) يعني من قبل أن يبعث فيهم ويتلو عليهم القرآن (لفي ضلال مبين) أي في عدول عن الحق جائرين عن الصراط المستقيم مبين أي ظاهر. وقوله (وآخرين منهم لما يلحقوا بهم) قال ابن زيد ومجاهد: هم كل من بعد الصحابة إلى يوم القيامة، فان الله بعث النبي منهم وشريعته تلزمهم، وإن لم
يلحقوا بزمان الصحابة. (وآخرين) نصب على تقدير ويزكي آخرين منهم، لما يلحقوا بهم. ويجوز ان يكون جرا، وتقديره هو الذي بعث في الاميين وفي آخرين، (وهو العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم) في جميع أفعاله ومايأمر به.
[ 5 ]
وقوله (ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (ذلك) إشارة إلى بعث الرسول بين الله تعالى ان إرساله الرسول (فضل) من (الله) ونعمة (يؤتيه) أي يعطيه (من يشاء) بحسب ما يعلمه من صلاحه مبعثة، وتحمل أعباء الرسالة (والله ذو الفضل العظيم) على عباده بما يفعل بهم من التفضل والاحسان ساعة بعد ساعة. وقوله (مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها) معنا (مثل الذين حملوا التوراة) يعني العمل بها وبما فيها، فحفظوها ودونوها في كتبهم ثم لم يعملوا بما فيها (كمثل الحمار يحمل اسفارا) قال ابن عباس: الاسفار الكتب واحدها سفر، لانها تكشف عن المعنى باظهار حاله، يقال: سفر الرجل عن عمامته إذا كشف، وسفرت المرأة عن وجهها وهي سافرة، وإنما مثلهم بالحمار لان الحمار الذي يحمل كتب الحكمة على ظهره لا يدري بما فيها، ولا يحس بها كمثل من يحفظ الكتاب ولا يعمل به، وعلى هذا من تلا القرآن ولم يفهم معناه وأعرض عن ذلك اعراض من لا يحتاج إليه كان هذا المثل لاحقا به. وإن من حفظه وهو طالب لمعناه وقد تقدم حفظه فليس من أهل هذا المثل. وقوله (بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله) معناه بئس القوم قوم هذا مثلهم، وهم الذين كذبوا بحجج الله وبيناته. ثم قال (والله لا يهدي القوم الظالمين) يعني الذين يظلمون نفوسهم بارتكاب المعاصي لا يحكم بهدايتهم، ولا يرشدهم إلى طريق الجنة. قوله تعالى: (قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من
دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين (6) ولا يتمنونه
[ 6 ]
أبدا بما قدمت أيديهم والله عليم بالظالمين (7) قل إن الموت الذي تفرون منه فأنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون (8) يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (9) فإذا قضيت الصلوة فانتشروا في الارض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (10) وإذا رأوا تجارة أولهوا أنفضوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين (11) ست آيات. هذا أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه وآله أن يخاطب اليهود، فيقول لهم (إن زعمتم انكم أولياء لله) فالزعم قول عن ظن أو علم، ولهذا صارت من أخوات (ظن) في الظن والعلم وعملت ذلك العمل من الاعراب قال الشاعر: فان تزعميني كنت أجهل فيكم * فأني شريت الحلم بعدك بالجهل (1) والاولياء جمع ولي، وهو الحقيق بالنصرة التي يوليها عند الحاجة، فالله ولي المؤمنين، لانه يوليهم النصرة عند حاجتهم. والمؤمن ولي الله لهذه العلة. ويجوز أن يكون لانه يولي المطيع له بنصرته عند جاجته، فقال الله لهؤلاء اليهود: إن كنتم تظنون على زعمكم أنكم انصار الله وأن الله ينصركم (فتمنوا الموت ان كنتم * (الهامش) * (1) مر في 8 / 168 (*)
[ 7 ]
صادقين) في ادعائكم أنكم أولياؤه دون الناس، فالتمني هو قول القائل - لما كان -
ليته لم يكن، ولمالم يكن: ليته كان. وهو من صفات الكلام. وقال بعضهم: هو معنى في النفس. ثم اخبر تعالى عن حالهم وكذبهم واضطرابهم في دعواهم، وانهم غير واثقين بما يدعونه فقال (ولا يتمنونه ابدا بما قدمت ايديهم) ومعناه لا يتمنون الموت أبدا فيما بعد (بما قدمت أيديهم) مما لا يرجعون فيه إلى ثقة من التكذيب بالنبي صلى الله عليه واله والتحريف لصفته في التوراة (والله عليم بالظالمين) أي عالم بأحوالهم وافعالهم، لا يخفى عليه شئ منها. وفي الاية دليل على النبوة لانه اخبر بأنهم لا يتمنون الموت ابدا، وما تمنوه فكان ذلك اخبارا بالصدق قبل كون الشئ، وذلك لا يعلمه، إلا الله تعالى. وفيها بطلان ما ادعوه من انهم أولياء الله. ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله (قل) لهم (إن الموت الذي تفرون منه) أي تهربون منه (فانه ملاقيكم) وإنما قال (فانه) بالفاء، وسواء فروا منه أو لم يفروا منه فانه ملاقيهم، مبالغة في الدلالة على أنه لا ينفع الفرار منه لانه إذا كان الفرار منه بمنزلة السبب في ملاقاته فلا معنى للتعرض له لانه لا يباعد منه قال زهير: ومن هاب اسباب المنايا ينلنه * ولو رام أن يرقى السماء بسلم (1) وهن ينلنه هابها اولم يهبها، ولكنه إذا كانت هيبته بمنزلة السبب للمنية كان لا معنى للهيبة، وقال قوم: تقديره قل إن الموت هو الذي تفرون منه فجعلوا (الذي) في موضع الخبر لاصلة: ويكون (فانه) مستأنف. وقوله (ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة) معناه ثم ترجعون إلى الله تعالى * (الهامش) * (1) مر في 5 / 526 (*)
[ 8 ]
يوم القيامة الذي يعلم سركم وعلانيتكم وظاهركم وباطنكم، لا يخفى عليه شئ من
أحوالكم (فينبئكم) أي يخبركم (بما كنتم تعملون) في دار الدنيا ويجازيكم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، ثم خاطب المؤمنين فقال (يا ايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله) معناه إذا سمعتم، أذان يوم الجمعة فامضوا إلى الصلاة. قال قتادة: معناه امضوا إلى الصلاة مسرعين غير متثاقلين وبه قال ابن زيد والضحاك. وقال الزجاج: المعنى فامضوا إلى السعي الذي هو الاسراع قال وقرأ ابن مسعود (فامضوا) إلى ذكر الله ثم قال: لو علمت الاسراع لا سرعت حتى يقع ردائي عن كتفي. قال: وكذلك كان يقرأ (وأن ليس للانسان إلا ما سعى وأن سعيه سوف يرى) (1) يريد مضى فيه دون الاسراع. ومثله قوله (إن سعيكم لشتى) (2) وفرض الجمعة لازم على جميع المكلفين إلا صاحب العذر: من سفر أو مرض أو عمى أو عرج أو آفة وغير ذلك. وعند اجتماع شروط وهي: كون سلطان عادل أو من نصبه السلطان للصلاة، وتكامل العدد - عندنا - سبعة، وعند قوم اربعين. وعند آخرين أربعة، وثلاثة. وقد بينا الخلاف في ذلك في (خلاف الفقهاء) وظاهر الاية متوجه إلى المؤمنين وإنما يدخل فيه الفاسق على التغليب، كما يغلب المذكر على المؤنث، هذا على قول من يقول إن الفاسق ليس بمؤمن. فأما من قال: إنه مؤمن مع كونه فاسقا، فالاية متوجهة إليهم كلهم. وقال مجاهد وسعيد ابن المسيب: المراد بالذكر موعظة الامام في خطبته. وقال غيرهما: يعني الصلاة التي فيها ذكر الله. وقوله (وذروا البيع) معناه إذا دخل وقت الصلاة اتركوا البيع والشراء. * (الهامش) * (1) سورة 53 النجم آية 39 (2) سورة 92 الليل آية 4 (*)
[ 9 ]
قال الصحاك: إذا زالت الشمس حرم البيع والشراء. وقال الحسن: كل بيع تفوت
فيه الصلاة يوم الجمعة فانه بيع حرام، لا يجوز، وهو الذي يقتضيه ظاهر مذهبنا، لان النهي يدل على فساد المنهي عنه. ثم قال (ذلكم) يعني ما ذكره من السعي إلى الصلاة (خير لكم) في دينكم وانفع لكم عاقبة (إن كنتم تعلمون) صحة ما قلناه أي اعلموه. وقوله تعالى (فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض) أي إذا صليتم الجمعة فانتشروا في الارض طلبا لرزق الله. وصورته صورة الامر وهو إباحة وإذن ورخصة - في قول الحسن والضحاك وابن زيد وغيره - (وابتغوا من فضل الله) أي اطلبوا من فضل الله بعمل الطاعة والدعاء به (واذكروا الله كثيرا) يا محمد على إحسانه وبالشكر على نعمه والتعظيم لصفاته (لعلكم تفلحون) ومعناه لتفلحوا وتفوزوا بثواب النعيم. ثم اخبر تعالى عن حال جماعة كانوا مع النبي صلى الله عليه واله وهو يخطب وهم معه يصلي بهم، فقال (وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها) قال جابر بن عبد الله والحسن: قدم عير لدحية الكلبي فيها طعام المدينة بعدما أصابتهم مجاعة، فاستقبلوه باللهو والمزامير والطبول - في قول جابر بن عبد الله ومجاهد - وكانوا مع النبي صلى الله عليه واله في الصلاة فلما سمعوا صوت الطبول والمزامير (انفضوا) أي تفرقوا إلى العير يبصرونه وتركوا النبي صلى الله عليه واله وحده قائما، فقال الله لنبيه صلى الله عليه واله (قل) لهم يا محمد (ما عند الله) من الثواب على سماع الخطبة وحضور الموعظة (خير من اللهو ومن التجارة) وانفع واحمد عاقبة (والله خير الرازقين) أي ليس يفوتهم بترك البيع شئ من رزق الله والتقدير وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك (ج 10 م 2 من التبيان)
[ 10 ]
أي إليه، وإنما قيل (إليها) لانها كانت أهم إليهم، ذكره الفراء. وقيل: تقديره وإذا
رأوا لهوا أو تجارة انفضوا إليها، فرد الضمير إلى اقرب المذكورين، لانه كان أهم إليهم، وكذلك قرأ ابن مسعود في مصحفه. 63 - سورة المنافقون مدنية بلا خلاف وهو قول ابن عباس وعطا والضحاك وهي احدى عشرة آية بلا خلاف. بسم الله الرحمن الرحيم (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون (1) إتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون (2) ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون (3) وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم كأنهم خشب مسندة يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون (4) وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم
[ 11 ]
رسول الله لووا رؤسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون) (5) خمس آيات. قرأ (خشب) خفيفة ابن كثير وابو عمرو والكسائي. وقرأ الباقون (خشب) مثقل. وقرأ نافع وروح وزيد (لووا رؤسهم) خفيفة. الباقون (لووا) مشددة. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (إذا جاءك) يا محمد (المنافقون) وهم الذين يطهرون الايمان ويبطنون الكفر (قالوا نشهد إنك لرسول الله) أي اخبروا بأنهم يعتقدون إنك رسول الله. فقال الله تعالى لنبيه (والله يعلم انك لرسوله) على
الحقيقة (والله يشهد ان المنافقين لكاذبون) في قولهم إنهم يعتقدون إنك لرسول الله، وكان إكذابهم في اعتقادهم وأنهم يشهدون ذلك بقلوبهم ولم يكونوا فيما يرجع إلى ألسنتهم، لانهم شهدوا بها بألسنتم وهم صادقون في ذلك وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول إن المعرفة ضرورية. وكسرت (إن) لاجل اللام التي هي لام الابتداء التي في الخبر، لان لها صدر الكلام. وإنما زحلقت عن موضعها إلى موضع الخبر لئلا تجمع بين حرفي تأكيد، وكانت احق بالتأخير، لانها غير عامة. وإنما كان لها صدر الكلام، لانها نقلت الجملة إلى معنى التأكيد وكل حرف نقل الجملة عن معنى إلى معنى كان له صدر الكلام، لئلا تختلط الجمل. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المنافقين فقال (اتخذوا أيمانهم جنة) أي سترة يتسترون بها من الكفر لئلا يقتلوا ولا يسبوا ولا تؤخذ أموالهم. والجنة السترة المتخذة لدفع الاذية كالسلاح المتخذ لدفع الجراح، فالجنة السترة، والجنة البستان الذى يجنه الشجر. الجنه والجنون الذى يغطي على العقل. واصل ذلك كله الستر (فصدوا عن سبيل الله) أي منعوا غيرهم عن اتباع سبيل الحق. وقال الضحاك:
[ 12 ]
أيمانهم حلفهم إنهم لمنكم. وقرئ (إيمانهم) بكسر الهمزة بمعنى أنهم اتخذوا تصديقهم ظاهرا جنة، فقال تعالى) انهم ساء ما كانوا يعملون) ومعناه بئس الذي يعملونه من اظهار الايمان مع إبطان الكفر والصد عن السبيل. وقال زيد بن أرقم: نزلت الاية في عبد الله بن ابي بن سلول، لما قال: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا وقال لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاغر منها الاذل، فملا وقف على ذلك جحده وحلف انه ماقاله حتى نزلت السورة. وقوله) ذلك بأنهم آمنوا) بألسنتهم عند الاقرار ب (لا إله إلا الله محمد رسول الله) (ثم كفروا) بقلوبهم لما كذبوا بهذا وهو قول قتادة (فطبع على قلوبهم) أي ختم عليها بسمة تميز الملائكة بينهم وبين
المؤمنين على الحقيقة (فهم لا يفقهون) ذلك بجحدهم توحيد الله ونفاقهم وإنكارهم نبوة رسوله الذى دعاهم إلى الحق. ثم قال: وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم) بحسن منظرهم وجميل زيهم (وان يقولوا) يعنى هؤلاء المنافقون (تسمع لقولهم) أي تصغي إليهم وتسمع ما يقولون بحسن بيانهم وبلاغة لسانهم، فقال تعالى (كأنهم خشب مسندة) فشبههم الله بالخشب المسندة، قيل: إنهم شبهو بخشب نخرة متأكله لا خير فيها إلا أنها مسندة يحسب من يراها أنها صحيحة سليمة. وخشب جمع خشبة مثل بدن وبدنة فيمن سكن. ومن ضم قال: مثل ثمرة وثمر ثم وصفهم بالخور والهلع فقال (يحسبون كل صحيحة عليهم) أي يظنون أنها مهلكتهم، وأنهم المقصودون بها جبنا وخورا. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (هم العدو) لك وللمؤمنين (فاحذرهم) وتوقهم (قاتلهم الله) وقيل: معناه أخزاهم الله. وقيل: معناه أحلهم الله محل من يقاتله عدو قاهر له، وهذا اشد ما يكون من الذم والبلاء الذي ينزل بهم وأبلغ ما يكون في البيان عن مكروههم (أنى يؤفكون) أي كيف يصرفون عن الحق. وإنما قال (فاحذرهم)
[ 13 ]
لانهم كانوا ينقلون الاسرار إلى الكفار ويحيون من قدروا عليه من أهل الكفر. ثم اخبر تعالى فقال (وإذا قيل لهم) يعني لهؤلاء المنافقين (تعالوا) أي هلموا (يستغفر لكم رسول الله لووا رؤسهم) ومعناه أكثروا تحريكها بالهز لها استهزاء بدعائهم إلى ذلك. فمن شدد أراد تكثير الفعل. وممن خفف فلانه يدل على القليل والكثير. ثم قال: ورأيتهم يا محمد (يصدون) عن سبيل الحق (وهم مستكبرون) أي يطلبون الكبر ويتجبرون عن إتباع الحق. قوله تعالى:
(سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر ا لله لهم إن الله لا يهدي القوم الفاسقين (6) هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السموات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون (7) يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون (9) يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فاولئك هم الخاسرون (9) وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخر تني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين (10)
[ 14 ]
ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون) (11) ست آيات. قرأ أبو عمرو وحده (وأكون) بالواو، الباقون (واكن) وفى المصاحف بلا واو فقيل لابي عمرو: لم سقطت من المصاحف ؟. فقال كما كتبوا: (كلهن) وقرأ يحيى عن أبي بكر (يعملون) بالياء. الباقون بالتاء. ومن قرأ بالياء فعلى الخبر، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب. لما اخبر الله تعالى عن حال المنافقين، وانه (إذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله) حركوا رؤسهم استهزاء بهذا القول، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) أي يتساوى الاستغفار لهم وعدم الاستغفار (فلن يغفر الله لهم) لانهم يبطنون الكفر وإن اظهروا الايمان، وبين انه تعالى (لا يهدي القوم الفاسقين) إلى طريق الجنة، فلهذا يجب ان ييأسوا من المغفرة بالاستغفار.
وقال الحسن: اخبر الله تعالى أنهم يموتون على النفاق، فلم يستغفر لهم بعد. وقيل: المعنى لا يحكم الله بهدايتهم، وقد كان النبي صلى الله عليه واله يستغفر لهم على ظاهر الحال بشرط حصول التوبة وأن يكون باطن المستغفر له مثل ظاهره، فبين بها أن ذلك لا ينفع مع ابطانهم الكفر والنفاق. ثم حكى تعالى عنهم فقال (هم الذين يقولون) يعني بعضهم لبعض لا تنفقوا على من عند رسول الله صلى الله عليه واله من المؤمنين المحتاجين (حتى ينفضوا) عنه ومعناه حتى يتفرقوا عنه لفقرهم وحاجتهم. والانفضاض التفرق، وفض الكتاب إذا فرقه ونشره، وسميت الفضة فضة لتفرقها في اثمان الاشياء المشتراة.
[ 15 ]
فقال الله تعالى (ولله خزائن السموات والارض) بمعنى له مقدوراته في السموات والارض، لان فيها كل ما يشاء إخراجه، وله خزائن السموات والارض يخرج منهما ما يشاء. وهي داخلة في مقدوراته، والخزانة - بكسر الخاء - موضع يخبأ فيه الامتعة، وإذا كان لله خزائن السموات والارض، فلا يضرك يا محمد ترك انفاقهم بل لا يضرون إلا أنفسهم دون اولياء الله والمؤمنين الذين يسبب الله قوتهم ولو شاء الله تعالى لاغنى المؤمنين، ولكن فعل ما هو اصلح لهم وتعبدهم بالصبر على ذلك لينالوا منزلة الثواب (ولكن المنافقين لا يفقهون) ذلك على الحقيقة لجهلهم بعقاب الله تعالى. ثم اخبر عنهم فقال (يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز) يعنون نفوسهم (منها الاذل) يعنون رسول الله والمؤمنين. وقيل: إن القائل لذلك في غزوة المريسيع، كان عبد الله بن ابي بن سلول، فقال الله تعالى (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) دون المنافقين والكفار (ولكن المنافقين لا يعلمون) ذلك فيظنون ان العزة لهم، وذلك بجهلهم بصفات الله وما يستحقه أولياؤه وما يعمل
بهم. والاعز الاقدر على منع غيره وأصل الصفة المنع فلذلك لم يكن أحد اعز من الله ولا أذل من المنافق. ثم خاطب المؤمنين فقال (يا ايها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم) أي لا تشغلكم أموالكم (ولا أولادكم عن ذكر الله) قال قوم: الذكر المأمور به هو ذكر الله بالحمد والشكر والتعظيم بصفاته العليا واسمائه الحسنى، ويقال: ألهيته عن الامر إذا صرفته عنه بما يمنعه قال امرؤ القيس: فمثلك حبلى قد طرقت ومرضع * فألهيتها عن ذي تمائم محول (1) * (آلهامش) * (1) ديوانه (السندوبى) 147 (*)
[ 16 ]
وقال قوم: ذكر الله جميع فرائضه ثم قال (ومن يفعل ذلك) أي من شغله ماله أو ولده عن ذكر الله (فاولئك هم الخاسرون) الذين خسروا ثواب الله وحصل لهم عقابه. ثم أمرهم بأن ينفقوا مما رزقهم الله فيما تجب عليهم النفقة فيه من الزكاة والجهاد والحج والكفارات وغير ذلك من الواجبات. وفي ذلك دليل على ان الحرام ليس برزق من الله، لان الله لا يأمر بالمعصية بالانفاق، ولانه ينهى عن التصرف فيه بلا خلاف (من قبل ان يأتي احدكم الموت فيقول لولا أخرتني إلى اجل قريب) أي هلا. وقيل: معناه إنه يتمنى أن يرد إلى دار الدنيا، وانما جاز التمني ب (لولا)، لان اصلها التقدير، والتمنى تقدير الخير للاستمتاع (فاصدق) ومعناه فأتصدق، وانفق في سبيل الله (وأكن من الصالحين) أي من الذين يعملون الافعال الحسنة. وفي ذلك دليل على ان القدرة قبل الفعل، لانهم تمنوا ان يؤخروا ليعملوا ما كانوا قادرين عليه متمكنين منه. ودليل على ان الله تعالى لا يخلق الكفر والنفاق فيهم، لانه لو فعل ذلك كان لا معنى لتمني التأخير والرد بل الواجب أن يطلبوا منه تعالى ان يكف عنهم الكفر ويخلق فيهم الايمان وقدرته
بدل الكفر وقدرته. وقوله (فاصدق) انتصب بأنه جواب التمني بالفاء، وكل جواب بالفاء نصب، إلا جواب الجزاء، فانه رفع على الاستئناف، لان الفاء في الجزاء وصلة إلى الجواب بالجملة من الابتداء والخير. وانما نصب الجواب بالفاء للايذ ان بأن الثاني يجب بالاول بدلالة الفاء في الجواب، وليس يحتاج إلى ذلك في الجزاء من قبل ان حرف الجزاء يكفي في الدلالة. ومن قرأ (واكن) فجزم عطف على موضع الفاء، لانها في موضع جزم. ومن قرأ (واكون) عطف على لفظ (فأصدق). ثم قال (ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها) يعني الاجل المطلق الذى
[ 17 ]
حكم بأن الحي يموت عنده. والاجل المقيد هو الوقت المحكوم بأن العبد يموت عنده ان لم يقتطع عنه اولم يزد عليه أو لم ينقص منه على ما يعلمه الله من المصلحة. ثم قال (والله خبير) أي عالم (بما يعملون) فمن قرأ بالياء أراد عالم بعملهم على لفظ الغيبة. ومن قرأ بالتاء أراد بعملكم على الخطاب أي قل لهم. 64 - سورة التغابن. مدنية بلا خلاف - في قول ابن عباس وعطاء والضحاك - وهي ثمان عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم. (يسبح لله ما في السموات وما في الارض له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير (1) هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن والله بما تعملون بصير (2) خلق السموات والارض بالحق وصوركم فأحسن صوركم وإليه المصير (3) يعلم ما في السموات والارض ويعلم ما تسرون وما تعلنون والله عليم بذات الصدور (4) ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل
فذاقوا وبال أمرهم ولهم عذبا أليم) (5) خمس آيات. (ج 10 م 3 من التبيان)
[ 18 ]
قد فسرنا معنى قوله (يسبح لله ما في السموات وما في الارض) وأن المراد بها ما في خلق السموات والارض، وما فيهما من الادلة الدالة على توحيده وصفاته التي باين بها خلقه، وأنه لا يشبه شيئا ولا يشبهه شئ وأنه منزه عن القبائح وصفات النقص، فعبر عن ذلك بالتسبيح من حيث كان معنى التسبيح التنزيه لله عما لا يليق به. وقوله (له الملك) معناه انه المالك لجميع ذلك والمتصرف فيه بما شاء، ولا أحد يمنعه منه، وله الحمد على جميع ذلك، لان خلق ذلك اجمع للاحسان إلى خلقه به والنفع لهم فاستحق بذلك الحمد والشكر (وهو على كل شئ قدير) يعني مما يصح أن يكون مقدورا له، فلا يدخل في ذلك مقدور العباد، لانه يستحيل أن يكون مقدورا لله. وقوله (هو الذي خلقكم) معناه هو الذي اخترعكم وأنشأكم بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود (فمنكم كافر ومنكم مؤمن) معناه فمنكم من يختار الكفر بسوء اختياره ومنكم مؤمن بحسن اختياره للايمان. وقال الحسن: فيه محذوف وتقديره فمنكم كافر ومنكم مؤمن ومنكم فاسق. وقال غيره: ليس فيه حذف، لان الغرض ذكر الطرفين لا المنزلة بين المنزلتين كما أن قوله (خلقكم) خطاب يتوجه إلى جميع الخلق. وإن كان منهم الاطفال والمجانين الذين لا حكم لهم بالايمان ولا بالكفر وقال الزجاج: معناه (فمنكم كافر) بالله بأن الله خلقه (ومنكم مؤمن) بذلك. وقوله (والله بما تعملون بصير) معناه - ههنا - أنه خلق الكافر، وهو عالم بما يكون منه من الكفر، وكذلك خلق المؤمن وعلم بما يكون منه من الايمان،
وكل ذلك على وجه الاحسان في الفعل الذي يستحق به الحمد والشكر. ثم قال (خلق السموات والارض) بمعنى اخترعهما وانشأهما (بالحق) أي للحق وهو انه
[ 19 ]
خلق العقلاء تعريضا لهم للثواب العظيم، وما عداهم خلق تبعا لهم لما فيه من اللطف، وهذا الغرض لا يتأتى إلا على مذهب العدل، وأما على مذهب الجبر فلا. (وصوركم متوجه إلى البشر كلهم (فأحسن صوركم) معناه من الحسن الذي يقتضيه العقل لا في قبول الطبع له عند رؤيته، لان فيهم من ليس بهذه الصفة. وقال قوم: لا بل هو من تقبل الطبع لانه إذا قيل: حسن الصورة لا يفهم منه إلا تقبل الطبع، وسبيله كسيل قوله لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم) (1) وإن كان فيهم المشوه الخلق لان هذا عارض لا يعتد به في هذا الوصف، والله تعالى خلق الانسان على أحسن صورة الحيوان كله. والصورة عبارة عن بنية مخصوصة كصورة الانسان والفرس والطير وما أشبه ذلك. ثم قال (واليه المصير) يعني إليه المرجع يوم القيامة واليه المآل. ثم قال (يعلم) يعني الله تعالى بعلم (ما في السموات والارض) من الموجودات (ويعلم ما تسرون وما تعلنون) أي ما تظهرونه وما تخفونه. وقيل: ما يسره بعضكم إلى بعض وما تخفوه في صدوركم عن غيركم. والفرق بين الاسرار والاخفاء أن الاخفاء أعم لانه قد يخفى شخصه وقد يخفى المعنى في نفسه والاسرار والمعنى دون الشخص (والله عليم بذات الصدور) معناه وهو عالم باسرار الصدور وبواطنها. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله والمؤمنين فقال (ألم يأتكم نبؤ الذين كفروا من قبل) يعني من قبل هؤلاء الكفار (فذاقوا وبال أمرهم) أي بما سلطه الله عليهم بأن أهلكهم الله عاجلا واستأصلهم (ولهم عذاب اليم) أي مؤلم يوم القيامة. قوله تعالى: (ذلك بأنه كانت تأتيهم رسلهم بالبينات فقالوا
* (الهامش) * (1) سورة 95 التين آية 4 (*)
[ 20 ]
أبشر يهدوننا فكفروا وتولوا واستغنى الله والله غني حميد (6) زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئون بما عملتم وذلك على الله يسير (7) فآمنوا بالله ورسوله والنور الذي أنزلنا والله بما تعملون خبير (8) يوم يجمعكم ليوم الجمع ذلك يوم التغابن ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يكفر عنه سيأته ويدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا ذلك الفوز العظيم (9) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) (10) خمس آيات. قرأ رويس عن يعقوب (نجمعكم) بالنون على الاخبار من الله عن نفسه. الباقون بالياء على تقدير يوم يجمعكم الله. (أبشر) لفظه لفظ الواحد والمراد به الجمع بدلالة قوله (يهدوننا) لانه على طريق الجنس الذي لا يجمع ولا يثنى. لما قرر الله تعالى خلقه بأنهم جاءهم اخبار من مضى من الكفار وأن الله تعالى أهلكهم بكفرهم، بين لم أهلكهم فقال (ذلك بأنهم كانت تأتيهم رسلهم) أي تجيئهم رسلهم من الله بالحجج الواضحات (فقالوا) لهم (أبشر يهدوننا) وقد بينا أن لفظ (بشر) واحد والمراد به الجمع، ومعناه أخلق مثلنا يهدوننا إلى الحق ؟ ! متعجبين من ذلك مستهزئين به (فكفروا) بالله وجحدوا رسله (وتولوا) أي اعرضوا عن القبول منهم (واستغنى الله) ومعناه أن الله لم يدعهم إلى عبادته لحاجته إليهم، لان الله تعالى غني عنهم وعن غيرهم، وإنما دعاهم لما يعود عليهم بالنفع حسب
[ 21 ]
ما تقتضيه حكمته في تدبيرهم (والله غني) عن جميع خلقه (حميد) على جميع افعاله لانها كلها إحسان. وقيل (حميد) يدل على أنه يجب على عباده أن يحمدوه. ثم حكى ما يقول الكفار فقال (زعم الذين كفروا بالله) وجحدوا رسله فقال المؤرج: (زعم) معناه كذب في لغة حمير. وقال شريح (زعم) كنية الكذب والحدة كنية الجهل (أن لن يبعثوا) أي لا يحشرهم الله في المستقبل للحساب والجزاء ف (قل) لهم يا محمد صلى الله عليه وآله (بلى وربي) أي وحق ربي، على وجه القسم (لتبعثن) أي لتحشرن (ثم لتنبؤن) أي لتخبرن (بما عملتم) من طاعة ومعصية (وذلك على الله يسير) سهل لا يتعذر عليه ذلك، وإن كثروا وعظموا فهو كالقليل الذي لا يشق على من يأخذه لخفة أمره، ومثله قوله (ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) (1) واصله من تيسير الشئ بمروره على سهولة. ثم قال (فآمنوا بالله) معاشر العقلاء (ورسوله) أي وآمنوا برسوله (النور الذي أنزلنا) يعني القرآن، سماه نورا لما فيه من الادلة والحجج الموصلة إلى الحق فشبهه بالنور الذي يهتدى به على الطريق (والله بما تعملون خبير) أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه خافية منها. وقوله (يوم يجمعكم) تقديره واذكروا يوم يجمعكم (ليوم الجمع) وهو يوم القيامة. وقوله (ذلك يوم التغابن) والتغابن هو التفاوت في اخذ الشئ بدون القيمة، والذين اخذوا الدنيا بالاخرة بهذه الصفة في أنهم اخذوا الشئ بدون القبمة، فقد غبنوا أنفسهم بأخذ النعيم المنقطع بالدائم واغبنهم الذين اشتروا الاخرة بترك الدنيا المنقطع إليها من هؤلاء الذين تغابنوا عليها، وقال مجاهد وقتادة: يوم التغابن غبن أهل الجنة أهل النار. ثم قال (ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا) أي من يصدق بالله ويعترف * (الهامش) * (1) سورة 31 لقمان آية 28 (*)
[ 22 ]
بوحدانيته وإخلاص العبادة له ويقر بنبوة نبيه ويضيف إلى ذلك افعال الطاعات (يكفر عنه سيئاته) أي يكفر عنه سيئاته التي هي دونها، ويتفضل عليه باسقاط عقاب ما دونها من المعاصي (ويدخله جنات تجري من تحتها الانهار) يعني بساتين تجرى من تحت أشجارها الانهار (خالدين فيها) أي مؤبدين لا يفنى ماهم فيه من النعيم أبدا (ذلك الفوز العظيم) أي النجاح الذي ليس وراءه شئ من عظمه. ثم قال (والذين كفروا) بالله وجحدوا وحدانيته وأنكروا نبوة نبيه وكذبوا بمعجزاته التي هي آيات الله (أولئك اصحاب النار خالدين فيها وبئس المصير) أي بئس المآل والمرجع. وقرأ (نكفر، وندخله) بالنون أهل المدينة واهل الشام على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء على تقدير يكفر الله عنهم ويدخلهم. قوله تعالى: (ما أصاب من مصيبة إلا باذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شئ عليم (11) وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول فان توليتم فانما على رسولنا البلاغ المبين (12) الله لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون (13) يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم وإن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فان الله غفور رحيم (14) إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم) (15) خمس آيات. يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه انه ليس يصيبكم مصيبة إلا باذن الله. والمصيبة
[ 23 ]
المضرة التي تلحق صاحبها كالرمية التي تصيبه. ومنه الصواب بأنه أصابه الحق
كالرمية في اصابة البغية. وقيل: إنما عمم قوله (ما اصاب من مصيبة إلا باذن الله) وفي المصائب ما هو ظلم، والله لا يأذن في الظلم، لانه لا يحسن في الحكمة، الا ترى انه ليس منها إلا ما أذن الله في وقوعه أو التمكن منه وذلك أذن للملك الموكل به كأنه قبل له لا تمنع من وقوع هذه المصيبة. وقد يكون ذلك بفعل التمكن من الله كأنه يأذن له ان يكون. وقال البلخي: معناه إلا بتخلية الله بينكم وبين من يريد فعلها. وقال قوم: هو خاص فيما يفعله الله تعالى أو يأمر به، ويجوز ايضا ان يكون المراد بالاذن - ههنا - العلم، فكأنه قال لا يصيبكم من مصيبة إلا والله تعالى عالم بهاه ثم قال (ومن يؤمن بالله) أي من يصدق بالله ويعترف بواحدانيته (يهد قلبه) أي يحكم بهدايته. ويجوز ان يكون المراد يشرح صدره للايمان. وقيل: معناه يهدي قلبه بأن المصيبة باذن الله ذكره ابن عباس وعلقمة - قال هو الرجل تصيبه المصيبة فيسلم ويرضى ويعلم أنها من عند الله، وقال الفراء: هو أن يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وقال غيره: معناه إذا ابتلي صبر، وإذا انعم عليه شكر، وإذا ظلم غفر. وقرأ أبو بكر (يهد قلبه) - بفتح الدال - بمعنى يسكن قلبه (والله بكل شئ عليم) لا يخفى عليه شئ من ذلك. ثم أمرهم فقال (واطيعوا الله) فيما أمركم به (واطيعوا الرسول) فيما أمركم به ونهاكم عنه (فان توليتم) أي فان أعرضتم عن القبول منه وتوليتم عن الحق فليس على رسولنا قهركم إلى الرد إلى الحق (فانما على الرسول البلاغ المبين) الظاهر، وحذف ايجازا ثم قال (الله) الذي يحق له العبادة (لا إله إلا هو وعلى الله فليتوكل المؤمنون) فالتوكل هو تفويض الامر إلى الله بأنه يتولاه على الحق فيه وقد أمر الله بالتوكل عليه فينبغي للمسلم أن يستشعر
[ 24 ]
ذلك في سائر احواله وقال قوم: التوكل تفويض الامر إلى مالكه لتدبره بالحق
فيه. والوكيل المالك للتدبير فيمن فوض الامر إليه فيه. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال (يا ايها الذين آمنوا إن من أزواجكم واولادكم عدوا لكم فاحذروهم) قال ابن عباس: نزلت الاية في قوم اسلموا بمكة وأرادوا الهجرة فمنعوهم من ذلك، وقال عطاء بن بشار: نزلت في قوم أرادوا البر فمنعهم هؤلاء. وقال مجاهد: هي في قوم إذا أرادوا طاعة الله منعهم أزواجهم واولادهم فبين الله تعالى أن في هؤلاء من هو عدولكم في الدين فاحذروهم فيه. و (من) دخلت لتبعيض لانه ليس حكم جميع الازواج والاولاد هذا الحكم. والعداوة المباعدة من الخير بالبغضة ونقيضها الولاية وهي المقاربة من الخير بالمحبة. والاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن، فهذا أصله، ثم قد يتسع فيه بما يقارب هذا المعنى. ثم قال (وإن تعفوا) يعني تتركوا عقابهم (وتصفحوا) وتعرضوا عما كان منهم (وتغفروا) أي تستروا ذنوبهم إذا تابوا واقلعوا عنها (فان الله غفور) أي ستار على خلقه (رحيم) بهم. ثم قال (إنما أموالكم وأولادكم فتنة) اي محنة وابتلاء. وقال قتادة: يعني بلاء. والفتنة المحنة التي فيها مشقة تمنع النفس عما تدعو إليه الشهوة (والله عنده أجر عظيم) أي ثواب جزيل على الصفح والعفو وغيرهما من الطاعات. قوله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا وأنفقوا خيرا لا نفسكم ومن يوق شح نفسه فاولئك هم المفلحون (16) إن
[ 25 ]
تقرضوا الله قرضا حسنا يضاعفه لكم ويغفر لكم والله شكور حليم (17) عالم الغيب والشهادة العزيز الحكيم) (18) ثلاث آيات.
هذا أمر من الله تعالى للمكلفين يأمرهم بأن يتقوه بأن يتركوا معاصيه ويفعلوا طاعاته. فالاتقاء الامتناع من الردى باجتناب ما يدعو إليه الهوى. يقال: اتقاه بالترس إذا امتنع منه بأن جعله حاجزا بينه وبينه. وقوله (ما ستطعتم) معناه اتقوه بحسب طاقتكم، فان الله تعالى لا يكلف نفسا ما لا تطيقه، وإنما يكلفها ماتسعه له، ولا ينافي هذا قوله (اتقوا الله حق تقاته) (1) لان كل واحد من الامرين إنما هو إلزام ترك جميع معاصيه فمن ترك جميع المعاصي فقد اتقى عقاب الله، لان من لم يفعل قبيحا ولا أخل بواجب فلا عقاب عليه إلا أن في احد الكلامين تبيين أن التكليف لا يلزم العبد إلا فيما يطيق. وهذا يقتضي أن اتقاءه فيما وقع من القبيح ليس بأن لا يكون وقع وإنما هو بالندم عليه مع العزم على ترك معاودته. وكل أمر يأمر الله به فلا بد من أن يكون مشروطا بالاستطاعة، فان كانت الاستطاعة غير باقية على مذهب من يقول بذلك، فالامر بما يفعل في الثالث. وما بعده مشروط بأن يفعل له إستطاعة قبل الفعل بوقت وإلا لا يكون مأمورا بالفعل، وإن كانت ثابتة فالامر على صفة الاستطاعة، لانه لا يصح الشرط بالموجود، لان الشرط يحدث، فليس يخلو من ان يكون على شريطة وقوع القدرة أو على صفة وجود القدرة وقال قتادة قوله تعالى (فاتقوا الله ما استطعتم) ناسخ لقوله (اتقوا الله حق تقاته) كأنه يذهب إلى أن فيه رخصة لحال التقية وما جرى مجراها مما يعظم فيه المشقة * (الهامش) * (1) سورة 3 آل عمران آية 102 (ج 10 م 4 من التبيان) (*)
[ 26 ]
وإن كانت معه القدرة على الحقيقة. وقال غيره: ليس بناسخ، وإنما هو مبين لا مكان العمل بهما جميعا. وهو الصحيح، لان تقديره: اتقوا الله حق تقاته فيما استطعتم قوله (واسمعوا) أي اصغوا إلى ما يأمركم الله به (واطيعوا) فيما آمركم
به (وانفقوا) فيما أمركم بالانفاق فيه من الزكاة والانفاق فيه سبيل الله وغير ذلك (خيرا لا نفسكم) انتصب (خيرا) بفعل محذوف يدل عليه (انفقوا) وتقديره وأنفقوا الانفاق خيرا لا نفسكم، ومثله انتهوا خيرالكم، وهو كقولهم: وذاك أوسع لك لانك إذا أمرته بشئ فهو مضمن بأن يأتي خيرا له. وقوله (ومن يوق شح نفسه) أي من منع ووقى شح نفسه. والشح منع الواجب في الشرع. وقيل: الشح منع النفع على مخالفة العقل لمشقة البذل، ومثله البخل يقال: شح يشح شحا فهو شحيح وشحاح. وقال ابن مسعود: من الشح أن تعمد إلى مال غيرك فتأكله. وقوله (فاولئك هم المفلحون) معنان إن من وقى شح نفسه وفعل ما اوجبه الله عليه فهو من جملة المنجحين الفائزين بثواب الله. وقوله (إن تقرضوا الله قرضا حسنا) والقرض أخذ قطعة من المال بتمليك الاخذ له على رد مثله وأصله القطع: من قرض الشئ يقرضه قرضا إذا قطع منه قطعة. وذكر القرض في صفة الله تلطفا في الاستدعاء إلى الانفاق في سبيل الله، وهو كالقرض في مثله مع اضعافه ولا يجوز أن يملك الله - عزوجل - لانه مالك للاشياء من غير تمليك ولان المالك لا يملك ما هو مالكه. وقوله (يضاعفه لكم) أي يضاعف ثوابه لكم بامثاله. ومن قرأ (يضعفه) بالتشديد، فلان الله تعالى بذل بالواحد عشرة إلى سبعين وسبعمائة (ويغفر لكم) أي ويستر عليكم ذنوبكم ولا يفضحكم بها (إن الله شكور حليم) أي يجازي على الشكر (حليم) لا يعاجل العباد بما يستحقونه من العقاب. وقوله
[ 27 ]
(عالم الغيب والشهادة) أي يعلم السر والعلانية وهو (العزيز) الذي لا يغالب (الحكيم، في جميع افعاله و (الشكور) في صفة الله مجاز ومعناه إنه يعامل المطيع في حسن الجزاء معاملة الشاكر و (الحلم) ترك المعاجلة بالعقوبة لداعي الحكمة.
و (الغيب) كون الشئ بحيث لا يشاهده العبد. و (الغائب) نقيض الشاهد وهو (الحكيم) في جميع أفعاله. وقرأ (يضعفه) بالتشديد ابن كثير وابن عامر. الباقون (يضاعفه) وقد مضى تفسيره. 65 - سورة الطلاق مدنية في قول ابن عباس وعطاء والضحاك وغيرهم وهي اثنتا عشرة آية في الكوفي والمدنيين وعشر في البصري. بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن وأحصوا العدة واتقوا الله ربكم لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا (1) فإذا
[ 28 ]
بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف و أشهدوا ذوي عدل منكم وأقموا الشهادة الله ذلكم يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الاخر ومن يتق الله يجعل له مخرجا (2) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شئ قدرا (3) واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلثة أشهر واللائي لم يحضن وأولات الاحمال أجلهن أن يضعن حملهن ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (4) ذلك أمر الله أنزله إليكم ومن يتق الله يكفر عنه سيأته ويعظم له أجرا) (5) خمس آيات.
قرأ حفص عن عاصم ونافع (بالغ أمره) على الاضافة. الباقون (بالغ) منون (أمره) منصوب. وقد بينا نظائر ذلك فيما مضى. وقيل: إنه إذا نون معناه انه تعالى بالغ مراده، وإذا اضيف فمعناه أن امره تعالى يبلغ، فيكون اضافة إلى الفاعل. يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه والمراد به أمته (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) ومعناه إذا أردتم طلاق النساء، كما قال (إذا قمتم إلى الصلاة) (1) وروي عن ابن عباس انه قال: نزل القرآن باياك أعني واسمعي يا جارة، فيكون الخطاب للنبي والمراد به الامة من ذلك. وقال قوم: تقديره يا أيها النبي قل لامتك إذا طلقتم * (الهامش) * (1) سورة المائدة آية 7 (*)
[ 29 ]
النساء، فعلى هذا القول: النبي يكون خارجا من الحكم. وقال آخرون: هو على خطاب الرئيس الذي يدخل فيه الاتباع، فعلى هذا حكم النبي حكم أمته في هذا الحكم وأجمعت الامة على أن حكم النبي حكم الامة في الطلاق. والطلاق في الشرع عبارة عن تخلية المرأة بحل عقدة من عقد النكاح بأن يقول: أنت طالق يخاطبها أو يقول هذه طالق ويشير إليها أو فلانة طالق بنت فلان. وعندنا لا يقع الطلاق إلا بهذا اللفظ المخصوص، ولا يقع بشئ من الكنايات طلاق أراد بها الطلاق أو لم يرد. وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. واما الفراق فقد يحصل بغير الطلاق، كالارتداد واللعان والخلع - عند كثير من أصحابنا - وإن لم يسم ذلك طلاقا. وأما فسخ النكاح بالرد بالعيب. فقد يحصل بأشياء ولا يسمى طلاقا. ومن شرط وقوع الطلاق - عندنا - أن تكون المراة طاهرا طهرا لم يقر بها فيه بجماع بمحضر من شاهدين، ويقصد به ايقاع الطلاق، ويتلفظ بما قدمناه، فحينئذ يقع طلاقه تطليقة واحدة وهو أملك برجوعها ما لم تخرج من العدة. فان خرجت قبل ان يراجعها كان كواحد
من الخطاب. ومتى تلفظ بثلاث تطليقات، فان كانت المرأة طاهرا مع باقي الشروط وقعت واحدة. وخالف جميع الفقهاء في ذلك. وقالوا: يقع الثلاث. ثم اختلفوا فقال الشافعي، ومن وافقه: ويكون ذلك مسنونا. وقال اهل العراق: المسنون ان يطلقها طلقة واحدة بلفظ واحد، ومتى اوقع ثنتين أو ثلاثا وقع. وأما غير المدخول بها فعند جميعهم يقع الثلاث، ولا عدة عليها، وعندنا لا يقع إلا واحدة، وفي أصحابنا من يقول: من تلفظ بالثلاث لا يقع شئ، والاعتماد على ما قلناه أولا، ومتى طلقها ثلاثا أو واحدة، وهي حائض وكان قد دخل بها ولا يكون غائبا عنها شهرا فصاعدا لا يقع عندنا شئ اصلا. وقال جميع الفقهاء: هو بدعة. وتبين المرأة بذلك.
[ 30 ]
وقوله تعالى (فطلقوهن لعدتهن) معناه أن يطلقها وهي طاهر من غير جماع ويستوفي باقي الشروط. وقال ابن عباس: هو أن يطلقها طاهرا من غير جماع. وبه قال مجاهد والحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي، فعلى هذا متى طلقها في الحيض فلا يقع طلاقها، لانه خلاف المأمور به، وهو منهي عنه، والنهي يدل على فساد المنهي عنه وعند الفقهاء إنه يقع الطلاق، وإن كان بدعة. ثم قال (واحصوا العدة) فالعدة قعود المرأة عن الزواج حتى تنقضي المده المرتبة في الشريعة، وعدة المرأة على ضروب: احدها - عدة التي لم تبلغ المحيض، ومثلها لا تحيض، وهي التي لم تبلغ تسع سنين، فهذه لا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وفيهم من قال عدتها بالشهور، وبه قال باقي الفقهاء. وعدة التي لا تحيض ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وعدة التي تحيض ثلاثة أقراء وهي الاطهار - عندنا وعند كثير من الفقهاء - وعند قوم انها الحيض.
وعدة التي ارتفع حيضها ومثلها تحيض ثلاثة اشهر بلا خلاف. وقد حد ذلك أصحابنا بأن يكون سنها أقل من خمسين سنة. وعدة الايسة من المحيض ومثلها لا تحيض، فلا عدة عليها - عند اكثر اصحابنا - وقال قوم: عدتها بالاشهر، وحد ذلك أصحابنا بأن يزيد سنها على خمسين سنة، والقرشية حدوها بستين سنة فصاعدا. وعدة الحامل وضع ما في بطنها إذا كانت عدة الطلاق، فان كانت عدة الوفاة فأبعد الاجلين من وضع الحمل أو مضي أربعة اشهر وعشرة أيام. وهو مذهب علي عليه السلام وابن عباس. وقال الفقهاء عدة المتوفى عنها زوجها وضع ما في بطنها وقوله (واحصوا العدة) يعني مدة زمان العدة.
[ 31 ]
ثم قال (واتقوا الله ربكم) بان لا ترتكبوا المعاصي (لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن) يعني زمان العدة، لانه لا يجوز إخراجها من بيتها - وعندنا وعند جميع الفقهاء - يجب عليه السكنى والنفقة والسكوة إذا كانت المطلقة رجعية، فان كانت بائنا فلا نفقة لها ولا سكنى. وقال الشافعي: فلا نفقة لها ولا سكنى إذا كانت بائنا. وقال أهل العراق: لها السكنى والنفقة. وقوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) من فتح الياء أراد فاحشة أظهرت. ومن خفض الياء أراد بفاحشة ظاهرة. وقال عطاء والضحاك وقتادة: لا يجوز ان تخرج من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا عند الفاحشة. وقال الحسن وعامر والشعبي ومجاهد وابن زيد: الفاحشة - ههنا - الزنا تخرج لاقامة الحد. قال ابن عباس: الفاحشة النداء على أهلها، وهو المروي عن ابي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وقال قتادة: الفاحشة هو النشوز. وقال ابن عمر: هو خروجها قبل انقضاء العدة - وفي رواية عن ابن عباس - ان كل معصية لله ظاهرة فهي فاحشة.
وقوله (وتلك حدود لله) يعني ما تقدم ذكره من كيفية الطلاق والعدة وترك إخراجها عن بيتها إلا عند فاحشة حدود الله، فالحدود نهايات تمنع أن يدخل في الشئ ما ليس منه أو يخرج منه ما هو منه، فقد بين الله بالامر والنهي الحدود في الطاعات والمعصية بما ليس لاحد ان يدخل في شئ من ذلك ما ليس منه أو يخرج عنه ما هو منه. وقوله تعالى (ومن يتعد حدود الله) معناه من يجاوز حدود الله بأن يخرج عن طاعته إلى معصيته، فقد تعدى حدا من حدود الله وكذلك من دخل في معصية، فقد خرج عن الطاعة. وليس كل من دخل في طاعة فقد خرج إليها عن معصية، لانها قد تكون نافلة. ثم بين تعالى فقال: ومن يجاوز حدود الله
[ 32 ]
(فقد ظلم نفسه) بأن فعل ما يستحق معه العقاب ويحرم معه الثواب وقوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا) قال قوم: معناه لا تدري لعل الله يغير رأي الزوج في محبة الطلاق، فتكون مطلقة على ما أمر الله به ويملك الرجعة فيما بين والواحدة والثانية وما بين الثانية والثالثة. وقال الضحاك والسدي وابن زيد (لعل الله يحدث بعد ذلك امرا) يعني الرجعة في العدة. وقيل معناه (لعل الله يحدث بعد ذلك) شهوة المراجعة. وقوله (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) معناه فإذا قاربن أجلهن الذي هو الخروج عن عدتهن، لانه لا يجوز ان يكون المراد فإذا انقضى أجلهن، لانه عند انقضاء اجلهن لا يملك رجعتها. وقد ملكت نفسها وقد بانت منه بواحدة. ثم تتزوج من شاءت هو أو غيره. وإنما المعنى إذا قاربن الخروج من عدتهن فامسكوهن بأن تراجعوهن بمعروف بما يجب لها من النفقة والكسوة والمسكن وحسن الصحبة (أو قارقوهن بمعروف) بأن تتركوهن حتى يخرجن من العدة.
وقوله (واشهدوا ذوي عدل منكم) فعند أصحابنا أن الاشهاد شرط في وقوع الطلاق، لان ظاهر الامر بذلك يقتضيه. والامر عندنا على الوجوب. وقال قوم: إن ذلك راجع إلى الرجعة، وتقديره واشهدوا على الامساك إن أمسكتم ذوي عدل منكم وهو الرجعة - في قول ابن عباس. وقال الشافعي: الاشهاد على الرجعة أولى. ويجوز عند اكثرهم بغير إشهاد، وإنما ذكر الله الاشهاد كما ذكر في قوله (واشهدوا إذا تبايعتم) (1) وهو على الندب، وهذا ترك الظاهر ومتى حملنا الاشهاد على الفراق، وهو الطلاق حملناه على ظاهره من الوجوب وجعلناه * (الهامش) * (1) سورة 2 البقرة آية 282 (*)
[ 33 ]
شرطا في وقوع الطلاق. ثم قال (واقيموا الشهادة لله) إذا طولبتم باقامتها (ذلكم) معاشر المكلفين (يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الاخر) فالوعظ معنى يدعو إلى الحق بالترغيب والترهيب. وإنما اضاف الوعظ إلى من يؤمن بالله واليوم الاخر دون غيره، لانه الذي ينتفع به دون الكافر الجاحد لذلك، فالطاعة الواجبة فيها وعظ بالترغيب فيها باستحقاق الثواب وفي تركها بالعقاب. والمندوبة فيها وعظ باستحقاق المدح والثواب على فعلها والمعاصي فيها وعظ بالزجر عنها والتخويف من فعلها باستحقاق العقاب والذم على فعلها والترغيب في تركها بما يستحق على الاخلال به من الثواب. ثم قال (ومن يتق الله) يعني باجتناب معاصيه (يجعل له مخرجا) من عقابه (ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي من حيث لا يتوقعه ولا يظنه (ومن يتوكل على الله) أي من اسند أمره إلى الله ووثق بحكمه وسكن إلى رحمته (فهو حسبه) أي كافيه جميع ذلك (إن الله بالغ أمره) أي يبلغ ما يريد ويشاء من أمره وتدبيره (قد جعل الله لكل شئ قدرا) أي قدر الله لكل شئ مقدارا واجلا، لا زيادة فيه ولا نقصان.
ثم بين كيفية العدد باختلاف احوال النساء، فقال (واللائي يئسن من المحيض من نسائكم ان ارتبتم فعدتهم ثلاثة اشهر) يعني ان اليائسة من المحيض إذا كانت ترتاب بنفسها ولا تدري أرتفع حيضها لكبر أو عارض (فعدتها ثلاثة اشهر) وهي التي قلنا اولا أن مثلها تحيض، لانها لو كانت في سن من لا تحيض لم يكن لريبتها معنى. وقال الزهري وعكرمة وقتادة (إن ارتبتم) فلم تدروا: للكبر أو لدم الاستحاضة، فالعدة ثلاثة اشهر. وقال قوم: ان ارتبتم فلم تدروا الحكم في ذلك فعدتهن ثلاثة اشهر. (ج 10 م 5 من التبيان)
[ 34 ]
وقوله (واللائي لم يحضن) تقديره واللائي لم يحضن إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة اشهر، وحذف لدلالة الكلام الاول عليه والكلام فيها كالكلام في اليائسة. وقال قتادة: اللائي يئسن الكبار، واللائي لم يحضن الصغار. ثم قال (واولات الاحمال أجلهن ان يضعن حملهن) بين ان عدة الحامل من الطلاق وضع الحمل الذي معها، فان وضعت عقيب الطلاق فقد ملكت نفسها. ويجوز لها أن تعقد لغيره على نفسها، غير أنه لا يجوز له وطؤها، لان نفاسها كالحيض سواء، وإذا طهرت من نفاسها حل له ذلك، فان كانت حاملا باثنين ووضعت واحدا لم تحل للازواج حتى تضع جميل الحمل، لقوله تعالى (أن يضعن حملهن) فاما انقطاع الرجعة، فقد روى أصحابنا أنها إذا وضعت واحدا انقطعت عصمتها من الاول، ولا يجوز لها العقد بغيره حتى تضع الاخر. فاما إذا توفى عنها زوجها، فعدتها - عندنا - أبعد الاجلين إن وضعت قبل الاربعة أشهر وعشر استوفت اربعة اشهر وعشرة أيام، وإن مضى بها أربعة اشهر وعشر ولم تضع انتظرت وضع الحمل. وقال ابن عباس: الاية في المطلقة خاصة، كما قلناه. وقال ابن مسعود وابي بن كعب وقتادة
والسدي واكثر الفقهاء: إن حكم المطلقة والمتوفى عنها زوجها واحد في أنها متى وضعت حلت للازواج. والذي اخترناه هو مذهب علي عليه السلام. ثم قال (ومن يتق الله) باجتناب معاصيه (يجعل له من أمره يسرا) يعني سهولة في أموره ولا يعسر عليه أمره. وقوله (ذلك أمر الله أنزله اليكم) يعني حكم الطلاق والرجعة والعدة فيما أنزله الله وحكم به وأمركم بالعمل به. ثم قال (ومن يتق الله) باجتناب معاصيه وفعل طاعاته (يكفر عنه شيئاته) لتي هي دونها ويتفضل عليه باسقاط عقابها (ويعظم له اجرا) على ذلك يعني ثوابه
[ 35 ]
ونعيمه في الجنة. قوله تعالى: (أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن فان أرضعن لكم فآتوهن أجورهن وائتمروا بينكم بمعروف وإن تعاسر تم فستر ضع له أخرى (6) لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتيه الله لا يكلف الله نفسا إلا ما آتيها سيجعل الله بعد عسر يسرا (7) وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا (8) فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرا (9) أعد الله لهم عذابا شديدا فاتقوا الله يا أولي الالباب الذين آمنوا قد أنزل الله إليكم ذكرا) (10) خمس آيات في الكوفي والبصرى والمدني الاخير: وست آيات في المدني
الاول. عدوا (يا أولى الالباب) رأس آية. قرأ (من وجدكم) بكسر الواو، روح. الباقون بضمها، و هما لغتان. وحكى الفراء - فتح الواو - لغة ولم يحك الكسر. وحكى الزجاج: الكسرة ولم يحك بالفتحة. وقرأ ابن كثير (وكاين) خفيفة على وزن (كاهن) الباقون
[ 36 ]
(كأين) مشددة الياء، والاصل (أي) إلا انه حذف للتضعيف، كما يحذف من رب، وقدمت الياء وأخرت الهمزة نحو شاك وشائك. ثم قلبت الياء ألفا، لانها في موضع حركة وقبلها فتحة نحو: رمي، وإنما احتمل هذا التغيير للعدول به عن معنى الاستفهام إلى معنى (كم) في التكثير على وجه الابهام. وقال قوم: في (كأين) لغتان (كأين) مشددة الياء و (كاين) على وزن (قايل) وقد قرأ بهما. وحكي ان أهل الحجاز يقولون: بكاين تبيع هذا الثوب. أي بكم تبيعه. يقول: الله تعالى مخاطبا لمن طلق زوجته يأمره أن يسكنها حيث يسكنه، وقد بينا أن السكني والنفقة يجب للرجعية بلا خلاف. فاما البائنة فلا سكنى لها ولا نفقة - عندنا - وهذا مذهب الحسن. وقد روت فاطمة بنت قيس عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: لا نفقة للمبتوتة. وقال الشافعي ومالك لها السكنى والنفقة وهو قول معاوية وابن مسعود وعمر بن الخطاب. وقوله (من وجدكم) قال السدي معناه من ملككم. وقال ابن زيد: هو إذا قال صاحب المسكن لا أترك هذه في بيتي فليس من وجده. ويجوز له حينئذ أن ينقلها إلى غيره، والوجد ملك ما يجده المالك، وذلك أنه قد يملك المالك ما يغيب عنه. وقد يملك ما هو حاضر له، فذلك وجده، يقال: وجدت في المال وجدا ووجدة، ووجدت الضالة وجدانا، ووجدت الرجل صالحا وجودا. وقوله (ولا تضاروهن لتضيقوا عليهن) معناه لا تدخلوا الضرر عليهن
بالتقصير في النفقة والسكنى والكسوة وحسن العشرة لتضيقوا عليهن في السكنى والنفقة، وأمر بالسعة. والمضارة المعاملة بما يطلب به ايقاع الضرر والمضارة المعاملة بما يطلب به إيقاع الضرر بصاحبه. وقد تكون المضارة من واحد كما يقال: طارقت النعل، وعافاه الله، ويمكن أن يكون من كل واحد منهما لصاحبه. والتضيق تقليل
[ 37 ]
ما يحتاج إلى التصرف فيه عن مقدار الكفاية. وقد يكون التضييق في الرزق وفى المكان وفى الامر. و (ان كن) يعني النساء المطلقات (أولات حمل فانفقوا عليهن حتى يضعن حملهن) أمر من الله تعالى بالانفاق على الحامل المطلقة سواء كانت رجعية أو مبتوتة، ولا خلاف في ذلك، وإنما يجب ان ينفق عليها بسبب ما في بطنها، وإنما تسقط نفقتها بالوضع. والحمل - بفتح الحاء - يكون على الظهر وفى البطن، ويقال للعدل - الحمل - بكسر الحاء. وقوله (فان ارضعن لكم فآتوهن اجورهن) أمر من الله تعالى بأن الام المطلقة متى ولدت ورغبت في رضاع ولدها، كان على الاب أجرة الرضاع أجرة المثل، فان رضيت الاجنبية بشئ معلوم لاجرة الرضاع ورضيت بمثله الام كانت الام أولى، وإن لم ترض الام بذلك القدر كان للاب تسليمه إلى الا جنبية، وان كان الولد لا يقبل إلا لبن الام أجبرت عليه. وإلا أدى إلى هلاك الولد. والرضاع سقي المرأة من لبنها للولد. ومنه قول النبي صلى الله عليه وآله (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) يعني ان المرضعة تصير بمنزلة الام، وأمها بمنزلة الجدة واختها خالة، وبنتها اختا وابنها اخا، وهكذا سائر المحرمات. وقوله (واتمروا بينكم بمعروف) فالا ئتمار أمر كل واحد لصاحبه بفعل من الافعال كالائتمار بالمعروف الذي يصطلحان عليه. وقوله (وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى) خطاب للرجل ولزوجته المطلقة
أنهما متى اختلفا في رضاع الصبي واجرته أرضعته امرأة اخرى فالتعاسر التمانع يتعذر من الامر كالتمانع بما يتعسر به رضاع الام، فمتى كان كذلك فالحكم فيه أن ترضعه امرأة اخرى ثم امر تعالى فقال (لينفق ذو سعة من سعته...) ومعناه ان كل انسان يجب عليه النفقة بحسب حاله فالغنى ينبغي ان يوسع في النفقة والفقير بحسب حاله.
[ 38 ]
وقوله (ومن قدر عليه زرقه) معناه من ضيق عليه، لانه أتى على مقدار البلغة التي تضيق عن غيره، فمن هذه صورته (فلينفق مما آتاه الله) على حسب امكانه وطاقته (لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها) يعني إلا بقدر ما أعطاها من الطافة. وفي ذلك دلالة على انه تعالى لا يكلف أحدا مالا يقدر عليه ولا يطيفه. ثم قال (سيجعل الله بعد عسر يسرا) أي سيفعل الله بعد شدة سهولة، فاليسر اتيان الامر من غير مشفة، وهو سهولة الامر، وضده العسر، وهو صعوبة الامر. وقوله (وكأين من قرية) معناه و (كم من قرية) على التكثير، لانه يخبر ب (كم) عن الكثرة (عتت عن امر ربها) والعتو الخروج إلى فاحش الفساد. والمعنى كم من أهل القرية كفروا بالله وتجبروا عن طاعته وخرجوا بذلك إلى افحش الفساد (ورسله) معناه عتوا عن امر الله وامر رسوله (فحاسبناها حسابا شديدا) فالحساب الاعمال مقابلة ما يستحق على الطاعة وبما يستحق على المعصية والحساب الشديد مقابلة ذلك من غير تجاوز عن صغيرة ولا عفو عن ذنب، وذلك أن الكافر يعاقب على كل صغيرة وكبيرة من حيث انه لا طاعة معه تكفر معاصيه. وقوله (وعذبناها عذابا نكرا) معناه عذبنا أهل تلك القرية العاتية عذابا نكرا، وهو الذي ينكره الطبع وتأباه النفوس لصعوبته وشدته. والامر النكر الذي ينكره العقل. وقوله (فذاقت وبال أمرها) فالوبال عاقبة السوء، أسند الفعل إلى القرية، فلذلك أنث قوله (فذاقت) ولو قال: (عتوا، عن أمر ربهم، وعذبناهم فذاقوا) على المعنى
كان جائزا. والوبال ثقل العائد من الضر. وقيل: ان معنى نكر أنه متجاوز في الشدة لكل ما عرفوه في الدنيا من العقوبة (وكان عاقبة أمرها حسرا) أي وكان آخر أمر تلك القرية العاتية خسرا أي هلاك أنفسهم، وأصله هلاك رأس المال. ثم بين مالهم في الاخرة، فقال (اعد الله لهم عذابا شديدا) من عذاب النار
[ 39 ]
يعاقبهم به على طريق التأبيد موجعا شديد الالم (فاتقوا الله) يا معاشر العقلاء (يااولوا الالباب الذين آمنوا) يعني المؤمنين منهم، وخصهم بالذكر والخطاب، لانهم المنتفعون بذلك دون الكفار. وقوله تعالى (قد أنزل الله اليكم ذكرا) قال قوم: أراد بالذكر القرآن لانه سماه ذكرا في قوله (إنا نحن نزلنا الذكر) (1) ذهب إليه السدي وابن زيد، فعلى هذا تقديره انزل الله اليكم ذكرا وارسل اليكم رسولا، وسماه ذكرا لانه يتذكر به ما يجب العمل به والانتهاء عنه. وقيل إن معنى الذكر الشرف كأنه قال: أنزل الله اليكم شرفا. وقيل: المراد بالذكر الرسول لقوله (فاسألوا أهل الذكر) (2) ذهب إليه الحسن، فعلى هذا يكون (رسولا) بدلا منه، وتقديره أنزل الله اليكم ذكرا هو رسوله. قال الزجاج: تقديره فأنزل الله اليك ان ذكر رسولا هو جبرائيل عليه السلام. قوله تعالى: (رسولا يتلو عليكم آيات الله مبينات ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات إلى النور ومن يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا قد أحسن الله له رزقا (11) ألله الذي خلق سبع سموات ومن الارض مثلهن يتنزل الامر بينهن لتعلموا أن الله على كل شئ قدير وأن الله قد أحاط بكل شئ علما) (12) آيتان.
* (الهامش) * (1) سورة 15 الحجر آية 9 (2) سورة 16 النحل آية 43 وسورة 21 الانبياء آية 7 (*)
[ 40 ]
قرئ (ندخله) مدني وشامي على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. الباقون بالياء بمعنى يدخل الله. والياء أشبه بما قبله. قيل في انتصاب قوله (رسولا) وجهان: احدهما - أن يكون بدلا من ذكر، وهو بدلا الاشتمال، ويكون الذكر القرآن، كأنه قال رسولا ذكرا. الثاني - ان يكون الذكر بمعنى الشرف، فيكون الذكر هو الرسول، كما قال (وإنه لذكر لك ولقولك) (1) وفيه وجه ثالث وهو أنه لما قال: انزل ذكرا دل على انه جعل رسولا، وكأنه قيل وبعث رسولا كما قال الشاعر: يا رب غير آيهن مع البلى * إلا رواكد جمرهن هباء ومشجج اما سواء قذاله * فبدا وغيب ساره المغراء (2) لانه لما قال: إلا رواكد دل على ان بها رواكد فحمل مشجج على المعنى. وقال الزجاج: يحتمل ان يكون نصبا بذكر، كأنه قال ذكر رسول، بمعنى أن ذكرا رسولا، يكون ذكر مصدر، والذي انزل جبرائيل لقوله (نزل به الروح الامين) (4) وقوله (يتلو عليكم) أي يقرأ عليكم آيات الله يعني دلائله وحججه مبينات أي واضحات في من يفتح الياء ومن كسرها أراد انها تبيين الايات والتلاوة. من قولهم جاء فلان ثم تلاه فلان أي جاء بعده، ومنه قوله تعالى (ويتلوه شاهد منه) (3) أي يأتي بعده، فالتلاوة جعل كلمة بعد كلمة على ما وضعت عليه من المرتبة في اللغة. والقراءة جمع كلمة إلى كلمة بما يسمع من الحروف المفصلة، وهو قولهم
* (الهامش) * (1) سورة 43 الزخرف آية 44 (2) قد مر في 2 / 125 (3) سورة 11 هود آية 1 7 (4) سورة 26 الشعراء آية 193 (*)
[ 41 ]
قرأت النجوم إذا اجتمعت وظهرت، ويقولون: ما قرأت الناقة سلاقط أي ما جمعت رحمها على ولد. والبيا هو الادلة. وقيل: هو ما أبان المعنى للنفس بما يفصل من غيره، وهو من قولهم: أبان العضو من غيره إذا قطعه منه. وقوله (ليخرج الذين آمنوا وعملوا الصالحات من الظلمات) يعني ظلمات الكفر إلى نور الايمان، وذلك يدل على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى بعث الانبياء ليكفر بهم قوم ويؤمن آخرون. وإنما خص (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) بالاخراج، لانهم الذين خرجوا بدعائهم من الكفر إلى الايمان. والنور - ههنا - نور الحق الذي يهدي إلى الرشد والجنة، كما يهدي نور الشمس إلى المواضع المقصودة والظلمة - ههنا - الباطل الذي يعود إلى الغي، كما يعود الظلام من مر فيه من غير دليل إلى الهلاك. ثم قال (ومن يؤمن بالله) أي من يصدق بوحدانيته وإخلاص العبادة له (ويعمل صالحا) أي يعمل الاعمال الصالحات (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار) جزاء على ذلك وثوابا عليه (خالدين فيها) نصب على الحال (أبدا) أي مؤبدين لا آخر لنعيمهم (قد أحسن الله لهم رزقا) أي اجزل الله لهم ما ينتفعون به ولا يمنعون منه، فالرزق النفع الجاري في الحكم، فلما كان النفع للؤمنين في الجنة جاريا في حكم الله كان رزقا لهم منه. وقوله (الله الذي خلق سبع سموات) اخبار من الله تعالى انه الذي انشأ سبع سموات (ومن الارض مثلهن) أي وخلق من الارض مثلهن في العدد لا في الكيفية، لان كيفية السماء مخالفة لكيفية الارض. والمثل ما سد مسد غيره فيما يرجع
إلى ذاته. (ج 10 م 6 من التبيان)
[ 42 ]
وقوله (يتنزل الامر بينهن) معناه يتنزل الامر بالتدبير من الله بين السموات وبين الارضين، بحياة بعض وموت بعض، وغنى إنسان وفقر غيره، وسلامة حي وهلاك آخر، وتصريف الامور على الحكمة لا يكون إلا من قادر عالم وهو معنى قوله (لتعلموا ان الله على كل شئ قدير) فالقادر، هو من كان له مقدور يصح منه إيقاعه على بعض الوجوه كما ان السامع هو من له مسموع موجود والقدير عبارة عمن يجب أن يكون قادرا على ما يصح ان يكون مقدورا له ك (سميع) يفيد أنه على صفة يجب ان يسمع لا جلها ما يصح ان يكون مسموعا. وقوله (وإن الله قد أحاط بكل شئ علما) معناه إن معلوماته متميزة له بمنزلة ما قد أحاط به فلم يفته منه شئ، ومثله (ولا يحيطون به علما) (1) أي إنه ليس بمنزلة ما يحضره العلم بمكانه، فيكون كأنه قد احاط به وقوله (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما شاء) (2) معناه ولا يحيطون بشئ من معلومه إلا بما شاء أن يضطرهم إليه أو يدلهم عليه، فهو تذكير بالنعمة أي لا ينالون هذه المنزلة إلا بمشيئة، ولولا ذللك لا يعلمون شيئا من معلوماته إلا بما شاء، لكن لما دخل التذكير بالنعمة حسن من هذه الجهة وليس في القرآن آية تدل على أن الارضين سبع، غير هذه - ذكره الجبائي - وقوله (لتعلموا ان الله على كل شئ قدير) دليل على بطلان مذهب المجبرة في أن الله أراد من قوم أن يجهلوا كونه على هذه الصفة، لانه تعالى بين انه ذكر ما تقدم وصفه ليعلم المكلفون أجمعون (أن الله على كل شئ قدير وانه) تعالى قادر (قد أحاط بكل شئ علما) وعلى مذهب المجبرة إن الله تعالى أراد من جماعة الكفار خلاف ذلك وأراد منهم ان يجهلوه ويجهلوا صفاته
وذلك خلاف الظاهر. وقوله (علما) نصب على المصدر ودل عليه قوله تعالى * (الهامش) * (1) سورة 20 طه آية 110 (2) سورة 2 البقرة آية 255 (*)
[ 43 ]
(أحاط بكل شئ علما) كأنه قال: علم كل شئ علما. 66 - سورة التحريم مدنية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتا عشرة آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم (1) قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله موليكم وهو العليم الحكيم (2) وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنباك هذا قال نبأني العليم الخبير (3) إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فان الله هو موليه وجبريل وصالح المؤمنين والملئكة بعد ذلك ظهير (4) عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات
[ 44 ]
وأبكارا) (5) خمس آيات. قرأ اهل الكوفة (تظاهرا) خفيفة. الباقون بالتشديد، يعني (تتظاهرا) فأدغم. ومن خفف حذف أحداهما. وقرأ الكسائي وحده (عرف بعضه) خفيفا وهي قراءة الحسن وابي عبد الرحمن، وكان أبو عبد الرحمن إذا قرأ إنسان بالتشديد خطأه. وقرأ ابن كثير (جبريل) بفتح الجيم وكسر الراء من غير همزة. وقرأ
- بكسر الجيم والراء من غير همز - نافع وابو عمرو وابن عامر وحفص عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء وكسر الهمزة مقصور على وزن (جحمرش) أبو بكر عن عاصم. وقرأ بفتح الجيم والراء مهموزة بين الراء والياء على وزن (خزعيل) حمزة والكسائي وقد بينا الوجه في ذلك في سورة البقرة. قال أبو علي: جبريل - بكسر الجيم - بلا همزة على وزن (قنديل) وبفتح الجيم والراء والهمزة مع المد على وزن (عندليب) وبفتح الجيم والراء وكسر الهمزة على وزن (جحمرش) وليس في العربية على وزن (قنديل) بفتح القاف غير أنه جاء خارجا على أوزان العربية. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله وعتاب له على تحريم ما أباحه الله له وأحله له، ولا يدل على انه وقعت منه معصية، لان العتاب قد يكون على أمر قد يكون الاولى خلافه، كما يكون على ترك الواجب. وقيل في سبب نزول قوله (يا ايها النبي) قولان: احدهما - قال زيد بن أسلم ومسروق وقتادة والشعبي وابن زيد والضحاك: ان النبي صلى الله عليه واله حرم على نفسه مارية القبطية بيمين انه لا يقربها طلبا لمرضاة حفصة زوجته، لانها غارت عليه من أجلها، وقال الحسن: حرم رسول الله أم ولده إبراهيم، وهي مارية القبطية على نفسه فأسر بذلك إلى زوجته حفصة فأفضت به إلى
[ 45 ]
عائشة وكانت حفصة بنت عمر قد زارت عائشة، فحلا بيتها، فوجه رسول الله إلى مارية القبطية، وكانت معه وجاءت حفصة فأسر إليها التحريم. والقول الثاني - ما رواه عبد الله بن شداد بن الهلال: ان النبي صلى الله عليه واله كان شرب عند زينب شراب عسل كانت تصلحه له، فكان يطول مكثه عندها فكره ذلك عائشة وحفصة، فقالت له إنا نشم منك ريح المغافير، وهي بقلة متغيرة الرائحة - في قول المفسرين - وقال الزجاج: هي بقلة منتنة، فحرم النبي صلى الله عليه واله شراب
العسل الذي كان يشربه عند زوجته زينب بنت جحش. وقيل: ذكرت ذلك له حفصة، فحرمه النبي صلى الله عليه واله على نفسه. ومن قال: انها نزلت بسبب مارية قال: انه قال: هي علي حرام، فجعل الله فيه كفارة يمين - ذكره ابن عباس والحسن - ومن قال: إن التحريم كان في شراب كان يعجبه قال: إنه حلف على انه لا يشربه فعاتبه الله على تحريم ما أحل الله له. والتحريم تبيين ان الشئ حرام لا يجوز، ونقيضه الحلال. والحرام هو القبيح الممنوع بالنهي عنه، والحلال الحسن المطلق بالاذن فيه. وعندنا أنه لا يلزم بقوله أنت علي حرام شئ، ووجوده كعدمه، وهو مذهب مسروق. وفيه خلاف بين الفقهاء ذكرناه في الخلاف. وإنما اوجب الله الكفارة، لانه صلى الله عليه وآله كان حلف ألا بقرب جاريته أو لا يشرب الشراب المذكور، فعاتبه الله على ذلك وأوجب عليه ان يكفر عن يمينه ويعود إلى استباحة ما كان يفعله. وبين أن التحريم لا يحصل إلا بأمر الله ونهيه، وليس يصير الشئ حراما بتحريم محرم، ولا باليمين على تركه، فلذلك قال (لم تحرم ما أحل الله لك). وقوله (تبتغي مرضات أزواجك) معناه إنك تطلب رضاء أزواجك في تحريم ما أحله الله لك. فالا بتغاء الطلب، ومنه البغي طلب الاستعلاء بغير حق،
[ 46 ]
والبغية معتمد الطلب والبغي الفاجرة لطلبها الفاحشة. وقوله (والله غفور رحيم) معناه ارجع إلى الاولى والاليق، فان الله يرجع للتائب إلى التولي، لانه غفور رحيم. وقوله (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) أي قد قدر الله تعالى ما تحلون به يمينكم إذا فعلتموه، وذلك يدل على انه صلى الله عليه واله كان حلف دون ان يكون قال: هي علي حرام، لان ذلك ليس بيمين - عند اكثر الفقهاء - وقال الحسن: فرض الله
تحلة اليمين في الكفارة للؤمنين. فأما النبي صلى الله عليه واله فلا كفارة عليه، لان الله تعالى غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وتحلة اليمين هو فعل ما يسقط تبعته في اليمين إما بكفارة أو بتناول شئ من المحلوف عليه، فمن حلف ألا يأكل من هذا الطعام، فمتي أكله حنث، ولزمته كفارة، وينحل اليمين بها، ومن حلف أنه يأكل من هذا الطعام وأكل منه شيئا قليلا فقد انحلت يمينه، فلذلك سمي تحلة اليمين. وقوله (والله مولاكم) معناه الله ناصركم، وهو أولى بكم منكم بأنفسكم، ومن كل احد (وهو العليم) بجميع الاشياء (الحكيم) في جميع أفعاله. وقوله (وإذ أسر النبي) معناه واذكروا حين أسر النبي (إلى بعض أزواجه حديثا) فالاسرار القاه المعنى إلى نفس المحدث على وجه الاخفاء عن غيره، يقال: أسر إليه كذا وكذا إسرارا والاسرار نقيض الاعلان. وقيل: إنه كان أسر إلى حفصة ألا تخبر عائشة بكونه مع مارية في يوم عائشة وقال إنه حرمها على نفسه، فأطلعت عليه عائشة. وقيل: إنه كان يوم حفصة، فأطلعت عليه عائشة فاستكتمها النبي فأخبرت حفصة بذلك فانتشر الخبر فعاتبهم الله على ذلك. وقال الزجاج والفراء: أسر إليها بأنه سيلي الامر بعده أبو بكر وعمر وعثمان فتباشروا بذلك فانتشر الخبر. وروى أصحابنا انه أسر إلى عائشة بما يكون بعده من قيام من
[ 47 ]
يقوم بالامر ورفع علي عليه السلام عن مقامه فبشرت بذلك أباها فعاتبهم الله على ذلك. وقوله (فلما نبأت به واظهره الله عليه عرف بعضه واعرض عن بعض) معناه لما أخبرت التي اسر إليها الذي خبرها به إلى غيرها وأعلم الله تعالى نبيه ذلك واظهره له (عرف بعضه وأعرض عن بعض) فمن قرأ بالتخفيف قال الفراء: معناه إنه عاتب على بعض ذلك وصفح عن الباقي. وروي انه طلق حفصة تطليقة جزاء على ذلك ثم راجعها بأمر الله تعالى، وقيل: معنى قراءة من شدد أراد انه صلى الله عليه وآله أعلمها جميع ذلك وعرفها إياه، فلما نبأها به يعني لما أخبر النبي صلى الله عليه وآله، زوجته بذلك وعرفها
أنها افشت سره (قالت) له في الجواب (من أنبأك هذا) أي من اخبرك بهذا فقال النبي صلى الله عليه واله (نبأني) أي اخبرني بذلك واعلمني (العليم) بجميع المعلومات (الخبير) بسرائر الصدور الذي لا يخفى عليه شئ من أمور عباده ظاهرا وباطنا. ثم خاطبهما يعني عائشة وحفصة وقال قل لهما (إن تتوبا إلى الله) وترجعا إلى طاعته (فقد صغت قلوبكما) قال ابن عباس ومجاهد: معناه زاغت قلوبكما إلى الاثم. وقال عمر بن الخطاب وجميع أهل التأويل: انه عنى عائشة وحفصة، وقال بعضهم: معناه مالت قلوبكما إلى ما كرهه الله من تحريم ما حرمه. وقوله (فقد صغت قلوبكما) من صلة (إن تتوبا إلى الله) والجواب محذوف، وتقديره إن تتوبا إلى الله قبلت توبتكما، وقال قوم (فقد صغت قلوبكما) جواب كقول القائل إن تتابع المجئ الي فلقد جفوتني وقطعتني دهرا أي يحق لك ان تفعل ذلك، فقد صرمت فيما قبل. وإنما قال (قلوبكما) مع أن لهما قلبين، لان كلما تثبت الاضافة فيه معنى التثنية، فلفظ الجمع أحق به، لانه أمكن واخف باعراب الواحد وقلة الزائد. وذلك في كل شيئين من شيئين، ويجوز التثنية لانها الاصل، كما قال الراجز:
[ 48 ]
ظهراهما مثل ظهور الترسين (1) فجمع المذهبين. وقوله (وإن تظاهرا عليه) معناه وإن تعاونا على خلافه (فان الله هو مولاه) يعني الله الذي يتولى حفظه وحياطته ونصرته (وجبريل) ايضا معين له وناصره (وصالح المؤمنين) قال الضحاك: يعنى خيار المؤمنين. وقال قتادة: يعني أتقياء المؤمنين. وقال الزجاج: (صالح المؤمنين) واحد في موضع الجمع، وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: هو صالحوا المؤمنين على الجمع، غير انه حذفت الواو للاضافة، وهذا غلط، لان النون سقطت للاضافة، فكان يجب ان يثبت الواو في الحظ، وفي المصاحف بلا واو،
وروت الخاصة والعامة أن المراد بصالح المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وذلك يدل على انه أفضلهم، لان القائل إذا قال: فلان فارس قومه أو شجاع قبيلته أو صالحهم، فانه يفهم من جميع ذلك انه افرسهم واشجعهم واصلحهم. وقوله (والملائكة بعد ذلك ظهير) معناه إن الملائكة بعد من ذكره معينون له، فالظهير المعين الذي هو كالظهر له في القوة. وقوله (عسى ربه إن طلقكن) معاشر نساء النبي (ان يبدله أزواجا خيرا منكن) فمن خفف الدال، فلا نه يدل على القليل والكثير، ومن شدد أراد ان الله يبدلهن اكثر منهن. ومعنى (خيرا منكن) أي افضل منكن وأصلح له. ثم وصفهن تعالى فقال (مسلمات) وهن اللواتي يظهرن الاسلام والشهادتين مستسلمات لما أمر الله به (مؤمنات) أي مصدقات بتوحيد الله واخلاص العبادة له مقرات بنبوة نبيه صلى الله عليه واله وقيل: معناه مصدقات في قولهن وفعلهن (قانتات) أي خاضعات متذللات لله تعالى. وقيل: معنى (قانتات) راجعات إلى الله بفعل ما يجب له * (الهامش) * (1) مرفى 3 / 513 (*)
[ 49 ]
- عزوجل - (عابدات) لله بما تعبدهن به من العبادات متذللات له (سائحات) معناه ماضيات في طاعة الله. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: معنى سائحات صائمات. وقال زيد ابن اسلم: معنى (سائحات) مهاجرات، وهو اختيار الجبائي وقيل: للصائم سائح، لانه يستمر في الامساك عن الطعام والشراب، كمايستمر السائح في الارض (ثيبات) وهن الراجعات من عند الازواج بعد افتضاضهن مشتق من ثاب يثوب إذا رجع (وابكارا) جمع بكر، وهي التي على أول حالها قبل الافتضاض. قوله تعالى:
(يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملئكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون (6) يا أيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون (7) يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك على كل شئ قدير (8) يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأويهم جهنم وبئس (ج 10 م 7 من التبيان)
[ 50 ]
المصير (9) ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرات لوط كانتا تحت عبد ين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين) (10) قرأ (نصوحا) بضم النون حماد ويحيى الباقون بفتحها، وهما لغتان. وقال قوم: من فتح النون جعله نعتا للتوبة وحمله على الكثرة. ومن ضمه جعله مصدرا هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين الذين صدقوا بتوحيد الله واخلاص العبادة له وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه واله يأمرهم بأن يقوا أنفسهم أي يمنعونها، ويمنعون أهليهم نارا، وانما يمنعون نفوسهم بأن يعملوا الطاعات، ويمنعون أهليهم بأن يدعوهم إليها ويحثوهم على فعلها، وذلك يقتضي أن الامر بالمعروف والنهي عن المنرك ينبغي ان يكون للاقرب فالاقرب. وقال مجاهد وقتادة: معنى (قوا انفسكم واهليكم نارا) مروهم بطاعة الله وانهوهم عن معصيته.
ثم وصف تعالى النار التي حذرهم منها فقال (وقودها الناس والحجارة) قيل حطب تلك النار الناس والحجارة كوقود الكبريب وهو اشد ما يكون من العذاب (عليها ملائكة غلاظ) في الاخلاق وإن كانوا رقاق الاجسام، لان الظاهر من حال الملك انه روحاني فخروجه عن الروحانية كخروجه عن صورة الملائكة (شداد) في القوى (لا يعصون الله ما أمرهم) به. وفي ذلك دلالة على ان الملائكة المؤكلين بالنار وبعقاب العصاة معصومون عن فعل القبيح لا يخالفون الله في أمره ويمتثلون كل ما يأمرهم به، وعمومه يقتضي انهم لا يعصونه في صغيرة ولا كبيرة. وقال الرماني: لا يجوز أن يعصي الملك في صغيرة ولا كبيرة لتمسكه بما يدعو إليه العقل دون الطبع. وكل من تمسك بما يدعو إليه العقل دون الطبع، فانه لا يقع
[ 51 ]
منه قبيح. وقد اختارهم الله على ما في المعلوم منهم وقيل: هم غلاظ شداد يعذبون على قدر قواهم بأنواع العذاب. وقال الجبائي قوله (لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون) يعني - في دار الدنيا - لان الاخرة ليست دار تكليف. وإنما هي دار جزاء. وإنما أمرهم الله بتعذيب اهل النار على وجه الثواب لهم بأن جعل سرورهم ولذاتهم في تعذيب أهل النار، كما جعل سرور المؤمنين ولذاتهم في الجنة. ثم حكى ما يقال للكفار يوم القيامة فان الله تعالى يخاطبهم فيقول (يا ايها الذين كفروا) نعمتي وجحدوا ربوبيتي وأشركوا في عبادتي من لا يستحقها، وكذبوا أنبيائي ورسلي (لا تعتذروا اليوم) فان اليوم دار جزاء لا دار توبة واعتذار (إنما تجزون) على قدر (ما كنتم تعملون) في الدنيا على الطاعات بالثواب ولا طاعة معكم، وعلى المعاصي بالعقاب ودخول النار، وانتم مستحقون لذلك. ثم عاد إلى خطاب المؤمنين في دار التكليف فقال (يا ايها الذين آمنوا توبوا إلى الله) من معاصيه وأرجعوا إلى طاعته (توبة نصوحا) أي توبة خالصة لوجه
الله. فمن قرأ - بضم النون - وهو أبو بكر عن عاصم أراد المصدر، ومن فتح النون جعله صفة للتوبة ونعتا لها. والتوبة النصوح هي التي يناصح فيها الانسان نفسه باخلاص الندم مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح. وقوله (عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم) معناه متى تبتم توبة نصوحا كفر الله عنكم سيئاتكم، وغفرلكم فان (عسى) من الله واجبة (ويدخلكم جنات تجري من تحتها الانهار) مضافا إلى تكفير السيئآت والعفو عنها (يوم لا يخزي الله النبي) ولا يخزي (الذين آمنوا معه) أي لا يذلهم ولا يعاقبهم بل يعزهم بادخال الجنة. ثم وصف النبي صلى الله عليه واله والمؤمنين معه فقال (يسعى نورهم بين أيديهم وبايمانهم) قال ابن عباس: معناه يسعى نور كتابهم الذي فيه البشرى (يقولون ربنا) في
[ 52 ]
موضع الحال، وتقديره قائلين (ربنا أتمم لنا نورنا) قال: يقول ذلك المؤمنون حين يطفئ نور المنافقين ويبقون في الظلمة فيسأل المؤمنون حينئذ إتمام نورهم (واغفر لنا) أي استر علينا معاصينا ولا تهلكنا بها (إنك على كل شئ قدير) لا يعجزك شئ. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال (يا ايها النبي جاهد الكفار والمنافقين) قيل: معناه جاهد الكفار بالقتال والحرب، والمنافقين بالقول الذي يردع عن القبيح لا بالحرب إلا أن فيه بذل المجهود، فلذلك سماه جهادا. وفي قراءة اهل البيت (جاهد الكفار بالمنافقين) لانه صلى الله عليه وآله كان يجاهد الكفار وفي عسكره جماعة من المنافقين يقاتلون معه وقوله (واغلظ عليهم) أي اشدد عليهم. قال الحسن: اكثر من كان يصيب الحدود في ذلك الزمان المنافقون. فأمر الله أن يغلظ عليهم في إقامة الحدود. ثم قال (ومأواهم) يعني مأوى الكفار والمنافقين ومستقرهم (جهنم وبئس المصير) لما فيها من أنواع العقاب.
وقوله (ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين) قال ابن عباس: كانت امرأة نوح وأمرأة لوط منافقتين (فخانتاهما) قال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة، تقول للناس انه مجنون، وكانت امرأة لوط تدل على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما لهما، وما زنت امرأة نبي قط، لما في ذلك من التنفير عن الرسول وإلحاق الوصمة به، فمن نسب أحدا من زوجات النبي إلى الزنا، فقد أخطأ خطاء عظيما، وليس ذلك قولا لمحصل. ثم قال (فلم يغنيا عنهما، أي لم يغن نوح ولوط عن المرأتين (من الله شيئا) أي لم ينجياهما من عقاب الله وعذابه (وقيل) لهما يوم القيامة (ادخلا النار مع الداخلين من الكفار. وقال الفراء: هذا مثل ضربه الله تعالى لعائشة وحفصة، وبين انه لا يغنيهما ولا
[ 53 ]
ينفعهما مكانهما من رسول الله إن لم يطيعا الله ورسوله، ويمتثلا أمرهما، كما لم ينفع امرأة نوح وامرأة لوط كونهما تحت نبيين. وفي ذلك زجر لهما عن المعاصي وامر لهما أن يكونا كآسية امرأة فرعون ومريم بنت عمران في طاعتهما لله تعالى وإمتثال أمره ونهيه. قوله تعالى: (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأت فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين (11) ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) (12) آيتان. قرأ اهل البصرة وحفص عن عاصم ونافع في رواية خارجة (وكتبه) على الجمع. الباقون (وكتابه) على واحد، لانه اسم جنس يقع على القليل والكثير.
والفائدة في هذه الاية، وفي الاية التي قبلها: أن احدا لا ينفعه إلا عمله ولا يؤخذ بجرم غيره، ولا يثاب على طاعة غيره، وإن كان خصيصا به وملازما له. وتبين ان امرأة نوح وامرأة لوط لم ينفعهما قربهما من نبيين واختصاصهما والتصاقهما بهما، لما كانتا كافرتين عاصيتين لله تعالى بل عاقبهما الله بالنار بكفرهما وسوء أفعالهما. وبين في هذه الاية أن كفر فرعون لم يتعد إلى زوجته لما كانت مؤمنة طائعة لله تعالى خائفة من عقابه، بل نجاها الله من عقابه وأدخلها الجنة على إيمانها وطاعتها، فضرب المثل الاول للكفار لما كانت المرأتان كافرتين، وضرب المثل
[ 54 ]
الثاني للمؤمنين، لما كانت امرأة فرعون مؤمنة، فقال (وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون) واسمها آسية. والمثل قول سائر يشبه فيه حال الثاني بالاول. فهذه الاية فيها قول فيه تشبيه حال المؤمنة التي زوجها كافر بحال امرأة فرعون في انه لا يضرها كفره مع قربها منه، كما أن امرأة نوح وأمرأة لوط، لم ينفعهما نبوتهما وإيمانهما حين كانتا كافرتين. وقوله (إذ قالت) أي حين قالت امرأة فرعون داعية الله (رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني) أي وخلصني (من فرعون وعمله) يعني من مثل سوء عمله (ونجني من القوم الظالمين) يعني الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله واستحقوا لذلك العقاب. وإنما دعت بالخلاص من عمل الكفار بأن سألت الله تعالى أن يلطف لها في التمسك بالايمان، وألا تعتر بتمكين الله لفرعون وكفار قومه وطول سلامته وسوابغ نعمته عليهم والانس به لطول مخالطته وصحبته، فربما أفتنت من هذه الوجوه، فدعت بهذا ليلطف الله لها في ذلك وتبقى على التمسك بالايمان. وقوله (ومريم ابنت عمران) يحتمل ان يكون عطفا على قوله (امرأة فرعون) فلذلك نصبه. والعامل (وضرب) فكأنه قال: وضرب مثلا مريم ابنت
عمران، ويحتمل ان يكون نصبا على تقدير واذكر أيضا مريم بنت عمران (التي احصنت فرجها) فاحصان الفرج منعه من دنس المعصية يقال: أحصن يحصن إحصانا، ومنه الحصن الحصين، لانه بناء منيع، والفرس الحصان الذي يمنع من ركوبه إلا مقتدرا على تلك الحال، وامرأة حصان - بفتح الحاء - لانها تمنع من لمس الحرام. وقوله (فنفخنا فيه من روحنا) قال قتادة معناه فنفخنا في جيبها من روحنا وقال الفراء: كل شق فهو فرج فاحصنت فرجها منعت جيب درعها من جبرائيل عليه السلام والظاهر انه أراد الفرج الذي يكنى عنه. وقوله (فيه) يعني في الفرج، فلذلك
[ 55 ]
ذكر في الانبياء (فيها) لانه رده إلى التي أحصنت فرجها. وقيل: إن جبرائيل عليه السلام نفخ في فرجها، فخلق الله - عزوجل - فيه المسيح (وصدقت بكلمات ربها) يعني بما تكلم الله به، وأوحاه إلى انبيائه وملائكته (وكتبه) أي وصدقت بكتبه التي أنزلها على انبيائه. فمن قرأ (وكتبه) جمع لانها كتب مختلفة. ومن وحد ذهب إلى الجنس، وهو يدل على القليل والكثير (وكانت من القانتين) وإنما لم يقل من القانتات لتغليب المذكر على المؤنث، فكأنه قال من القوم القانتين، فالقانت المقيم على طاعة الله. وقيل: معناه الداعي لله في كل حال. وقال الحسن: رفع الله آسية إمرأة فرعون إلى الجنة، فهي تأكل وتشرب وتنعم فيها إلى يوم القيامة، فنجاها الله أكرم النجاة. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال (حسبك من نساء العالمين أربع: مريم ابنت عمران، وآسية إمرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد صلى الله عليه واله) وروي أن فرعون امر أن تسمر آسية بأربع مسامير ويرفع فوقها حجر الرخام، فان رجعت عن قولها وإلا أرسل عليها الحجر فأراها الله منزلها من الجنة، فاختارت الجنة فنزع الله روحها، فلما ارسل الحجر وقع على جسد ميت
[ 56 ]
67 - سورة الملك مكية في قول ابن عباس والضحاك وعطاء وغيرهم وهي ثلاثون آية في الكوفي والبصري والمدني الاول واحد وثلاثون في المدني الاخير وقال الفراء: سورة الملك تسمى المنجبة لانها تنجي قاريها من عذاب القبر وروي إن في التوراة مثل (سورة الملك) بسم الله الرحمن الرحيم. (تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شئ قدير (1) الذي خلق الموت والحيوة وليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور (2) الذي خلق سبع سموات طباقا ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور (3) ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (4) ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين وأعتدنا لهم عذاب السعير) (5) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي (من تفوت) بتشديد الواو بلا ألف. الباقون (تفاوت) على وزن تفاعل. ومعناهما واحد. وهو مثل: تصعر وتصاعر، وتعهد وتعاهد. والتفاوت إختلاف التناقض، وهو تباعد مابين الشيئين في الصحة. والتباين
[ 57 ]
امتناع كل واحد من المعنبين ان يصح مع الاخر. يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وعلو شأنه (تبارك الذي بيده الملك) فمعنى تبارك بأنه الثابت الذي لم يزل ولا يزال. وأصل الصفة من الثبوت من البرك وهو ثبوت الطائر على الماء. ومنه البركة ثبوت الخير بنمائه. وقيل: معناه تعاظم بالحق من لم يزل ولا يزال، وهو راجع إلى معنى الثابت الدائم. وقيل: المعنى تبارك من ثبوت الاشياء به إذ لولاه لبطل كل شئ لانه لا يصح شئ سواه
إلا مقدوره أو مقدور مقدوره، الذي هو القدرة، لان الله تعالى هو الخالق لها. وقيل: إن معناه تبارك لان جميع البركات منه، إلا ان هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به، وإنما المصرح به تعالى بستحقاق التعظيم. وقوله (الذي بيده الملك) معناه الذي يجب كونه قادرا وانه السلطان العظيم الذي كل ملك له، ليس من ملك إلا داخل فيه لان الله تعالى مالك الملوك، وممكنهم منها. والملك هو إتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير. وقوله (وهو على كل شئ قدير) معناه إن الذي بيده الملك والسلطان القادر على كل شئ يصح ان يكون مقدورا له وهو أخص من قولنا: وهو بكل شئ عليم، لانه تعالى يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما في نفسه، ولا يوصف بكونه قادرا إلا على ما يصح ان يكون مقدورا له، لان مقدور القدرة لا يصح أن يكون مقدورا له، وكذلك ما تقضى وقته مما لا يبقى لا يصح ان يكون مقدورا في نفسه. ثم وصف تعالى نفسه فقال (الذي خلق الموت والحياة) أي خلق الموت للتعبد بالصبر عليه، والحياة للتعبد بالشكر عليها. وقيل: وجه خلق الموت والحياة للابتلاء هو ما فيها من الاعتبار المؤدي إلى تثبيت قادر على الاضداد مع التحذير (ج 10 م 8 من التبيان)
[ 58 ]
في كل حال من مجيئ الموت الذي ينقطع به استدراك ما فات، ومع التسوية بين الغني والفقير والملك والسوقة في الموت بما يقتضي قاهرا للجميع قد عمهم بحسن التدبير فقد أذل الله ابن آدم بالموت ليكون أبعد من الطغيان في حال التمكين من العصيان. وفى كون الموت معنى خلاف بين الشيخين: أبي، وأبي هاشم. وقوله (ليبلوكم) معناه ليعاملكم معاملة المختبر بالامر والنهي فيجازي كل عامل على قدر عمله، الابتلاء الاختبار. وقال الفراء والزجاج: في الكلام اضمار
وتقديره ليبلوكم فيعلم أيكم، لان حروف الاستفهام لا تشغل إلا بفعل يتعلق بالجملة على تقدير المفرد كقولك: علمت أزيد في الدار أم عمرو، وتقديره وقد علمت ان احدهما في الدار (وعرفت، ونظرت) بمنزلة (علمت) في هذا، لانها توافقها في (عرفت انه في الدار) و (نظرت بقلبي انه في الدار) ومثله (سلهم أيهم بذلك زعيم) (1) أي سؤال من يطلب ان يعلم ايهم بذلك زعيم، ولو قلت اضرب ايهم ذهب لم يكن إلا نصبا، لانه بمعنى الذي. والقديم تعالى وإن كان عالما بالاشياء قبل كونها، فانما يبتلي الخلق ويختبرهم اختبار من يطلب العلم، حتى يجازي على الفعل بحسبه، ولما كان لم يحسن الثواب والعقاب والتعظيم والا جلال إلا بعد وجود الطاعة والمعصية لم يكن بد من التكليف، والامر والنهي فاجرى عليه الاختبار مجازا. وقوله (وهو العزيز) في انتقامه من اعدائه والكافرين لنعمه، لا يقدر أحد على مغالبته ومقاهرته، غفور لمن تاب إليه، أو إن يريد التفضل باسقاط عقابه ولا يصح التكليف إلا مع الترغيب والترغيب، لان التمكين من الحسن والقبيح يقتضي ذلك، والتكليف تحميل المشقة في الامر والنهي. ثم عاد إلى صفات نفسه فقال (الذي خلق سبع سموات طباقا) أي انشأ * (الهامش) * (1) سورة 68 القلم آية 40 (*)
[ 59 ]
واخترع سبع سموات واحدة فوق الاخرى (ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت) يعني من اختلاف وتناقض، وذلك يدل على ان ما فيه تفاوت من الكفر والمعاصي ليس من خلق الله، لانه نفى نفيا عاما أن يكون فيما خلقه تفاوت. وتفاوت وتفوت مثل تصاغر وتصعر. ثم نبه تعالى العاقل على صحة ما قاله من انه ليس في خلق الله تفاوت. فقال (فارجع البصر) أي فرد البصر وأدرها في خلق الله من السموات (هل
ترى من فطور) أي من شقوق وصدوع يقال: فطره يفطره، فهو فاطر إذا شقه ومنه قوله (تكاد السموات يتفطرن منه) (1) أي يتصدعن. وقال ابن عباس: معناه هل ترى من وهن، وقال قتادة: من خلل. وقال سفيان: من شقوق. ثم أكد ذلك بقوله (ثم ارجع البصر كرتين) أي دفعة ثانية، لان من نظر في الشئ كرة بعد أخرى بان له ما لم يكن بايناله. ثم بين انه إذا فعل ذلك وتردد بصره في خلق الله انقلب إليه بصره ورجع إليه خاسئا يعني ذليلا صاغرا - في قول ابن عباس - وذلك كذلة من طلب شيئا لم يجده وأبعد عنه (وهو حسير) قال قتادة: معناه كال معيى، فالحسير الكليل، كما يحسر البعير. ثم أقسم الله تعالى بقوله (ولقد زينا السماء الدنيا...) لان لام (لقد) هي التي يتلقى بها القسم بأنه زين السماء أي حسنها وجملها أي السماء الدنيا بالمصابيح، يعني الكواكب وسميت النجوم مصابيح لاضاءتها، وكذلك الصبح. والمصباح السراج وواحد المصابيح مصباح. قال قتادة: خلق الله تعالى النجوم لثلاث خصال: احدها زينة السماء. وثانيها رجوما للشياطين. وثالثها علامات يهتدى بها، فعلى هذا يكون * (الهامش) * (1) سورة 19 مريم آية 91 (*)
[ 60 ]
تقديره وجعلنا فيها. وقوله (واعتدنا لهم عذاب السعير) معناه إنا جعلنا الكواكب رجما للشياطين أعتدنا لهم وادخرنا لاجلهم عذاب السعير يعني النار المسعرة، فالسعير النار المسعرة المشتعلة. وقيل: ينفصل من الكواكب شهاب بأن يكون رجوما للشياطين، فأما الكوكب نفسه، فليس يزول إلى أن يريد الله فناءه، ففي هذه الايات بيان ما يجب من تعظيم الله تعالى لم يزل ولا يزال، وأن له الملك الكبير، وانه على كل شئ
قدير. وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله فللا بتلاء، بما يصح معه التكليف للعمل الذي يوجب الثواب جزاء على الاحسان مع رحمة من تاب بالغفران وشدة الانتقام ممن أقام على معصيته وفيها بيان ما يجب اعتقاده من أن جميع ما خلقه الله محكم لا تفاوت فيه، لانه على ما تقتضيه الحكمة في المتعة والعبرة وما يصح به الزجر من السيئة. وفيها بيان ما يجب اعتقاده مما اقتضت الحكمة فيه التلاؤم من غير فطور، ولا عدول عن الصواب من أمر السموات والافلاك والنجوم، وما خلق فيها من المصابيح زينة لها ورجوما للشياطين مع ان عاقبتهم إلى عذاب السعير. قوله تعالى: (وللذين كفروا بربهم عذاب جهنم وبئس المصير (6) إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهي تفور (7) تكاد تميز من الغيظ كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير (8) قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا وقلنا ما نزل الله من شئ إن أنتم إلا في ضلال كبير (9) وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ماكنا في
[ 61 ]
أصحاب السعير (10) فاعترفوا بذنبهم فسحقا لاصحاب السعير) (11) ست آيات. قرأ أبو جعفر والكسائي (فسحقا) بضم الحاء مثقل. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. لما ذكر الله تعالى ما أعد للشياطين من عذاب السعير، ذكر عقيبه وعيد الكفار وما أعد لهم لاتصال ذلك بوعيد النار، فقال (وللذين كفروا) يعني بتوحيد الله وإخلاص عبادته وجحدوا نبوة رسله وما جاءوا به (عذاب جهنم) ثم قال (وبئس المصير) أي بئس المآل والمرجع. وإنما وصفه ب (بئس) وهي من صفات
الذم، والعقاب حسن، لما في ذلك من الضرر الذي يجب على كل عاقل أن يتقيه بغاية الجهد واستفراغ الوسع ومع هذا ليس يخفى المراد في ذلك على أحد ولا يجوز قياسا على ذلك أن يوصف به الفاعل، لانه لا يوصف به الفاعل إلا على وجه الذم، لانه لا يقال: بئس الرجل إلا لمن كان مستحقا للذم من حيث أن القادر قادر على الضدين. ووجه الحكمة في فعل العقاب ما فيه من الزجر المتقدم للمكلف، ولا يمكن ان يكون مزجورا إلا به ولولاه لكان مغرى بالقبيح. ثم قال تعالى (إذا ألقوا فيها) ومعناه إذا طرح الكفار في النار (سمعوا لها) يعني للنار (شهيقا) وصوتا فظيعا بنفس كالنزع، فإذا اشتد لهيب النار سمع لها ذلك الصوت كأنها تطلب الوقود، قال رؤبة: حشرج في الجوف سحيلا أو شهق * حتى يقال ناهق ومانهق (1) * (الهامش) * (1) مرفى 6 / 67 (*)
[ 62 ]
وقال أبو العالية: الشهيق في الصدر، والزفير في الحلق وقوله (وهي تفور) أي ترتفع، فالفور ارتفاع الشئ بالغليان، يقال: فارت القدر تفور فورا ومنه الفوارة لارتفاعها بالماء ارتفاع الغليان. وفار الدم فورانا، وفار الماء يفور فورا. وقوله (تكاد تميز من الغيظ) أي تكاد النار تتفرق وتنقطع من شدتها، وسمى شدتها والتهابها غيظا لان المغتاظ هو المتقطع بما يجد من الالم الباعث على الايقاع لغيره، فحال جهنم كحال المغتاظ، فالتميز التفرق والتمييز التفريق. وقال ابن عباس (تميز) أي تفرق، وهو قول الضحاك وابن زيد. وقوله (كلما القي فيها فوج) يعني كلما طرح في النار فوج من الكفار (سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير) يعني تقول لهم الملائكة الموكلون بالنار على وجه التبكيت
لهم في صيغة الاستفهام: ألم يجئكم مخوف من جهة الله يخوفكم عذاب هذه النار ؟ ! فيقولون في جوابهم (بلى قد جاء نانذير) أي مخوف معلم (فكذبنا) ولم نصدقه ولم نقبل منه (وقلنا ما أنزل الله من شئ) مما تدعوننا إليه وتحذروننا منه فتقول لهم الملائكة (ان أنتم إلا في ضلال كبير) أي لستم اليوم إلا في عذاب عظيم. (وقالوا) أيضا يعني الكفار (لوكنا نسمع) من النذر ماجاؤنا به (اونعقل) ما دعونا إليه وعملنا به (ماكنا في أصحاب السعير) فقال الله تعالى (فاعترفوا بذنبهم) يعني أقر اهل النار بمعاصيهم في ذلك الوقت الذي لم ينفعهم الاعتراف. فالاعتراف هو الاقرار بالشئ عن معرفة، وذلك ان الافرار مشتق من قر الشئ يقر قرا إذا ثبت، فالمقر في المعنى مثبت له والاعتراف مأخوذ من المعرفة. فقال الله تعالى (فسحقا لاصحاب السعير) أي بعدا لهم عن الخير وعن ثواب الله ونعمه، فكأنه قال اسحقهم الله سحقا أو ألزمهم الله سحقا عن الخير فجاء المصدر على غير
[ 63 ]
لفظه، كما قال الله تعالى (والله أنبتكم من الارض نباتا) (1) وتقديره فأسحقهم الله إسحاقا لانه مأخوذ منه فأما سحقته سحقا فمعناه باعدته بالتفريق عن حال اجتماعه بما صار إليه كالغبار. وليس لاحد أن يقول: ما وجه اعترافهم بالذنب مع ما عليهم من الفضيحة به ؟ ! وذلك أنهم قد علموا انهم قد حصلوا على الفضيحة اعترفوا أو لم يعترفوا وانهم سواء عليهم أجزعوا أم صبروا، فليس يدعوهم إلى أحد الامرين إلا بمثل ما يدعوهم إلى الاخر في أنه لا فرج فيه، فلا يصلح أن يقال لم جزعوا إلا بمثل ما يصلح أن يقال لم صبروا، وكذلك لم اعترفوا بمنزلة لم لم يعترفوا على ما بيناه، والذنب مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومتى جمع فلا ختلاف جنسه، كما يقال غطاء الناس واغطيتهم. قوله تعالى:
(إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (12) وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور (13) ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير (14) هو الذي جعل لكم الارض ذلولا فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه وإليه النشور) (15) أربع آيات. لماوصف الله تعالى الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب، ذكر المؤمنين وما أعده لهم من جزيل الثواب، فقال (إن الذين يخشون ربهم) أي يخافون عذاب ربهم باتقاء معاصيه وفعل طاعاته (بالغيب) أي على وجه الاستسرار بذلك * (الهامش) * (1) سورة 17 نوح آية 17 (*)
[ 64 ]
لان الخشية متي كانت بالغيب على ما قلناه كانت بعيدة من النفاق، وخالصة لوجه الله. وخشية الله بالغيب تنفع بأن يستحق عليها الثواب، والخشية في الظاهر وترك المعاصي لا يستحق بها الثواب وإنما لا يستحق عليها العقاب. وإنما الخشية في الغيب أفضل لا محالة. وقوله (لهم مغفرة وأجر كبير) أي لمن خشي الله واتقاه بالغيب ستر الله على معاصيه ولهم ثواب كبير لافناء له. وقيل: معنى (يخشون ربهم بالغيب) أي يخافونه، وهم لا يرونه. وقيل (بالغيب) أي في سرهم وباطنهم، ومن علم ضمائر الصدور علم إسرار القائل إلى غيره. وقال الحسن: معناه يخشون ربهم بالاخرة لانها غيب يؤمنون به، وكل من خشي ربه بالغيب خشيه بالشهادة، وليس كل من خشيه بالشهادة يخشى بالغيب. ثم قال مهددا للعصاة (وأسروا قولكم أو اجهروا به) ومعناه إن شئتم أظهروه وإن شئتم ابطنوه فانه عالم بذلك ل (انه عليم بذات الصدور) فمن علم
ضمائر الصدور علم إسرار القول. وقوله (ألا يعلم من خلق) معناه من خلق الصدور يعلم ما في الصدور ويجوز ان يكون المراد ألا يعلم من خلق الاشياء ما في الصدور. وقيل تقديره ألا يعلم سر العبد من خلقه يعني من خلق العبد، ويجوز أن يكون المراد ألا يعلم سر من خلق، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه. ولايجوز أن يكون المراد ألا يعلم من خلق افعال القلوب، لانه لو أراد ذلك لقال ألا يعلم ما خلق، لانه لا يعبر عما لا يعقل ب (من) ولا يدل ذلك على أن الواحد منا لا يخلق أفعاله من حيث أنه لا يعلم الضمائر، وإنا بينا أن المراد ألا يعلم من خلق الصدور أي خلق الاشياء والواحد منا لا يخلق ذلك فلا يجب أن يكون عالما بالضمائر.
[ 65 ]
وقوله (وهو اللطيف الخبير) معناه هو اللطيف بعباده من حيث يدبرهم بلطف التدبير، فلطيف التدبير هو الذي يدبر تدبيرا نافذا لا يخفو عن شئ يدبره به (الخبير) معناه العالم بهم وبأعمالهم. ثم قال تعالى ممتنا على خلقه ومعددا لانواع نعمه عليهم (هو الذي جعل لكم الارض ذلولا) يعني سهلا سهلها لكم تعملون فيها ما تشتهون (فامشوا في مناكبها) قال مجاهد: مناكبها طرقها وفجاجها. وقال ابن عباس وقتادة: مناكبها جبالها (وكلوا من رزقه) صورته صورة الامر والمراد به الاباحة والاذن، أذن الله تعالى أن يأكلوا مما خلقه لهم وجعله لهم رزقا على الوجه الذي أباحه لهم (واليه النشور) أي إلى الله المرجع يوم القيامة واليه المآل والمصير فيجازي كل واحد حسب عمله. وفي ذلك تهديد. قوله تعالى: (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض فإذا هي
تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا فستعلمون كيف نذير (17) ولقد كذب الذين من قبلهم فكيف كان نكير (18) أولم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبضن ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شئ بصير (19) أمن هذا الذي هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن إن الكافرون إلا في غرور (20) أمن هذا الذي يرزقكم إن أمسك رزقه بل لجوا في (ج 10 م 9 من التبيان)
[ 66 ]
عتو ونفور) (21) ست آيات. قرأ ابن كثير (واليه النشور وأمنتم) بواو في الوصل قلبا لهمزة الاستفهام واوا لضم ما قبلها. وقرأ اهل الكوفة واهل الشام بهمزتين على أصولهم. الباقون بتحقيق الاولى وتخفيف الثانية. يقول الله تعالى مهددا للمكلفين وزاجرا لهم عن إرتكاب معاصيه والجحد لربوبيته على لفظ الاستفهام والمراد به تفخيم الامر وتعظيم التبكيت (أأمنتم من في السماء) فالا من هو اطمينان النفس إلى السلامة من الخوف، والامن علم بسلامة النفس من الضرر يقال أمن يأمن أمنا وأمنه يؤمنه إيمانا وأمانا، والمعنى أأمن من في السماء سلطانه وامره ونهيه كما قال (وهو الله في السموات وفي الارض يعلم سركم وجهركم) (1) أي وهو الله في السموات وفي الارض معلومه، لا يخفى عليه شئ منه. وقيل: ايضا يجوز ان يكون المراد (أأمنتم من في السماء) يعني الملك الكائن في السماء (ان يخسف بكم الارض) بأمر الله، فإذا هي تمور أي تردد، فالمور هو التردد في الذهاب والمجيئ، يقال: مار يمور مورا فهو مائر، ومثله ماج يموج موجا.
وقوله (أأمنتم من السماء أن يرسل عليكم حاصبا) فالحاصب الحجارة التي يرمى بها كالحصباء، حصبه بالحصباء يحصبه حصبا إذا رماه بها. ويقال الذي يرمى به حاصب أي ذو حصب كأن الحجر هو الذي يحصب. وقيل: تقديره آمنوا قبل ان يرسل عليكم حاصبا، كما أرسل على قوم لوط حجارة من السماء. وقوله (فستعلمون كيف نذير) فيه تهديد أي ستعرفون كيف تخويفي * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 3 (*)
[ 67 ]
وترهيبي إن عصيتموني إذا صرتم إلى عذاب النار. ثم قال مقسما (ولقد كذب الذين من قبلهم) أي جحد من قبل هؤلاء الكفار من الامم وحدانيتي واشركوا بي غيري في العبادة وكذبوا رسلي (فاهلكتهم) واستأصلتهم (فكيف كان نكير) أي ألم اهلكهم بضروب النقمات والمثلاث. ثم قال منبها لهم على توحيده (اولم يروا إلى الطير فوقهم صافات) أي مصطفاة فوق رؤسهم في الجو باسطات أجنحتهم (ويقبضن) أي يضربن بها. أي من الطير ما يضرب بجناحيه فيدف، ومنه الصفيف والدفيف (ما يمسكهن إلا الرحمن) أي ليس يمنعهن من السقوط إلى الارض إلا الرحمن الذى خلق لهم الالات التي يصفون بها ويدفون، وما خلق فيها من القدرة على ذلك، ولولا ذلك لسقطت إلى الارض. وقيل معنى ما يمسكهن إلا الرحمن بتوطئة الهواء لها، ولولا ذلك لسقطت، وفي ذلك أكبر دلالة، وأوضح عبرة بأن من سخر الهواء هذا التسخير هو على كل شئ قدير. والصف وضع الاشياء المتوالية على خط مستقيم، والقبض جمع الشئ من حال البسط. والامساك اللزوم المانع من السقوط. وقوله (إنه بكل شئ بصير) اخبار منه تعالى انه عالم بجميع الاشياء لا يخفى عليه شئ منها (بصير) بماللخلق من النفع والضر. ثم قال (أمن هذا الذي
هو جند لكم ينصركم من دون الرحمن) أي من لكم معاشر الكفار يدفع عنكم عذاب الله إذا حل بكم (إن الكافرون إلا في غرور) معناه ليس الكافرون بالله العابدون للاوثان إلا في غرور أي يتوهمون أن ذلك أنفع لهم والامر على خلاف ذلك من المكروه. ثم قال (أم من هذا الذى يرزقكم إن أمسك) الله (رزقه) بأنت يزيله ويمنعه منكم، فينزل عليكم رزقه (بل لجوا في عتو ونفور) فاللجاج تقحم الامر
[ 68 ]
كثيرا ردا للصارف عنه، يقال لجج في الامر يلج لجاجا، وقد لاجه ملاجة ولجج فلان في الحرب فهو يلج تلجيجا. ولما كان لهؤلاء المشركين صوارف كثيرة من عبادة الاوثان وهم يتقحمون على ذلك العصيان كانوا قد لجوا في عتوهم. والعتو الطغيان وهو الخروج إلى فاحش الفساد، يقال: عتا يعتو عتوا فهوعات وجمعه عتاة. والنفور الخروج عن الشئ هربا من الشعور بضرورة، ونقيض النفور القبول وقال الجبائي: قوله (أمن هذا الذى) إلى قوله (إن امسك رزقه) تعريف حجة عرفها الله لعباده فعرفوا وأقروا بها، ولم يردوا لها جوابا فقال الله (بل لجوا في عتو ونفور). قوله تعالى: (أفمن يمشي مكبا على وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم (22) قل هو الذي أنشأكم وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (23) قل هو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون (24) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (25) قل إنما العلم عند الله وإنما أنا نذير مبين) (26) خمس آيات.
قوله (أفمن يمشي....) مثل ضربه الله قال ابن عباس: هو مثل ضربه الله عزوجل للكافر وشبهه بمن يمشى مكبا على وجهه. والمؤمن شبهه بمن يمشي سويا على صراط مستقيم. وقال قتادة: الكافر يحشر يوم القيامة يمشي على وجهه مكبا، والمؤمن يمشى على صراط مستقيم.
[ 69 ]
وفى الاية دلالة على وجوب النظر في الدين، لانه تعالى ضرب المثل بالناظر في ما يسلكه حتى خلص إلى الطريق المستقيم فمدحه بهذا وذم التارك للنظر مكبا على وجهه لا يثق بسلامة طريقه، يقال: اكب يكب اكبابا فهو مكب في مالا يتعدى قال الاعشى: مكبا على روقيه يحفر عرقها * على ظهر عريان الطريقة أهيما (1) فإذا تعدى قيل: كببت فلانا على وجهه، وأكبه الله لوجهه. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه واله (قل) لهؤلاء الكفار إن الله تعالى (هو الذي أنشاكم) بأن أخرجكم من العدم إلى الوجود واخترعكم (وجعل لكم السمع والابصار) تسمعون بالسمع المسموعات وتبصرون بالبصر المبصرات (والافئدة) يعني القلوب تعقلون فيها أي بما فيها من المعلوم تعلمون بها وتميزون بها، فهذه نعم من الله تعالى يجب عليكم أن تشكروها وتحمدوا الله عليها فانتم (قليلا ما تشكرون) أي قليلا شكركم، ويجوز أن يكون المعنى إنكم تشكرون قليلا. ثم قال (قل) لهم يا محمد (هو) الله تعالى (الذي ذرأكم في الارض) أي خلقكم أولا وأوجدكم (واليه تحشرون) أي تبعثون إليه يوم القيامة فيجازيكم على أعمالكم على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم حكى تعالى ما كان يقوله الكفار فانهم كانوا (يقولون) مستهزئين مكذبين بأنه من عند الله (متى هذا الوعد) الذي تعدوننا به من العذاب والهلاك (إن كنتم صادقين) معاشر
المؤمنين والمسلمين، فقال الله تعالى (قل) لهم يا محمد (إنما العلم عند الله) يعني علم وقت قيام الساعة على اليقين عند الله لم يطلع عليه احدا من البشر، كما قال (إن الله عنده علم الساعة) (2) (وإنما أنا نذير) لكم مخبر مخوف من عقاب الله تعالى * (الهامش) * (1) ديوانه (دار بيروت) 188 (2) سورة 31 لقمان آية 34 (*)
[ 70 ]
(مبين) مالكم فيه من الصلاح والنجاة من العقاب. والنذير هو الدال على موضع المخافة فكل من دعا إلى حق إما رغبة أو رهبة فهو نذير إلا انه صار علما في صفات الانبياء عليهم السلام. قوله تعالى: (فلما رأوه زلفة سيئت وجوه الذين كفروا وقيل هذا الذي كنتم به تدعون (27) قل أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي أورحمنا فمن يجير الكافرين من عذاب أليم (28) قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا فستعلمون من هو في ضلال مبين (29) قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين) (30) أربع آيات. قرأ يعقوب (تدعون) خفيفة. الباقون بالتشديد. وقرأ الكسائي (فسيعلمون من هو) بالياء على الغيبة. الباقون بالتاء على الخطاب، أي قل لهم. لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم استبطؤا عذاب الله واهلاكه لهم مستهزئين بذلك، فقالوا متي هذا الوعد، قال الله تعالى حاكيا عنهم إذا رأوا ما يوعدون به (فلما رأوه زلفة) قال الحسن: معناه معاينة. وقال مجاهد: يعني قريبا. والزلفة المنزلة القريبة والاصل فيه القرب، يقال: أزدلف إليه أزدلافا إذا تقرب إليه. ومنه (مزدلفة) لانها منزلة قريبة من مكة، وجمع زلفة زلف، قال العجاج:
ناج طواه الاين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا
[ 71 ]
سماوة الهلال حتى احقوقفا (1) وقوله (سئت وجوه الذين كفروا، أي ظهر فيها ما يفهم من الكآبة والحزن تقول: ساء يسوء سوأ، ومنه السوائي، ومنه أساء يسئ إساءة، فهو مسئ إذا فعل قبيحا يؤدي إلى الغم (وقيل هذا الذي كنتم به تدعون) أي ويقال لهؤلاء الكفار إذا شاهدوا العذاب (هذا الذي كنتم به تدعون) أي تطلبون به خلاف ما وعدتم به على طريق التكذيب بالوعد: كأنه قيل هذا الذي كنتم به تكذبون في إدعائكم انه باطل. والادعاء الاخبار بما يوعد إليه القائل دون المعنى، فإذا ظهر دليله خرج من الادعاء لانه حينئذ يدعو إليه المعنى، وكذلك الاخبار بما يدعو إلى نفسه في الفعل ليس بدعوى، قال الزجاج: (تدعون) يجوز ان يكون يريد يفعلون من الدعاء، ويجوز أن يكون من الدعوى، قال الفراء: والتشديد والتخفيف واحد مثل تذكرون وتذكرون وتدخرون وتدخرون. ثم قال للنبي صلى الله عليه واله (قل) لهم يا محمد (أرأيتم إن أهلكني الله ومن معي) بان يميتنا (أورحمنا) بتأخير آجالنا ما الذى ينفعكم من ذلك في رفع العذاب الذى استحققتموه من الله فلا تعللوا في ذلك بما لا يغني عنكم شيئا. وقيل إن الكفار كانوا يتمنون موت النبي وموت أصحابه فقيل لهم (أرأيتم إن أهلكني الله) باماتتي وإماتة اصحابي فما الذى ينفعكم ذلك في النجاة من عذاب أليم. وقل لهم (فمن) الذي (يجير الكافرين من عذاب أليم) حتى لا يعذبوا ولا يعاقبوا، فلا يمكنهم الاحالة على من يجيرهم من الله ويخلصهم من عذابه. ثم قال (قل) لهم على وجه الانكار عليهم والتوبيخ لهم على فعلهم (هو الرحمن) يعني الله تعالى هو الذي عمت نعمه جميع الخلائق واستحق الوصف بالرحمن
* (الهامش) * (1) مر في 6 / 79 و 8 / 29 و 9 / 280، 370 (*)
[ 72 ]
(آمنا به) أي صدقنا بوحدانيته (وعليه توكلنا) أي اعتمدنا عليه وفوضنا أمورنا إليه، فالتوكل الاعتماد على تفضل الله وحسن تدبيره وقل لهم (فستعلمون) معاشر الكفار (من) الذى (هو في ضلال مبين) أي بين. ومن قرأ بالياء معناه فسيعلم الكفار ذلك. ثم قال (قل) لهم يا محمد (أرأيتم) معاشر الكفار (إن أصبح ماؤكم غورا) أي غائرا وصف الغائر بالغور الذى هو المصدر مبالغة، يقال ماء غور، وما آن غور، ومياه غور كما يقال: هؤلاء زور فلان وضيفه، لانه مصدر - في قول الفراء وغيره - (فمن يأتيكم بماء معين) معناه من الذى يجيئكم بماء معين إذا غارت مياهكم. قال قوم: الماء المعين الذى تراه العيون. وقال قتادة والضحاك: هو الجارى، فالاول مفعول من العين، كمبيع من البيع، والثاني من الامعان في الجرى، ووزنه (فعيل) كأنه قال ممعن في الجرى والظهور، وقال الحسن أصله من العيون. قال الجبائي قوله (قل أرايتم إن اصبح ماؤكم غورا) تعريف حجة الله لعباده عرفوها وأقروا بها ولم يردوا لها جوابا.
[ 73 ]
68 سورة القلم مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتان وخمسون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم (ن والقلم وما يسطرون (1) ما أنت بنعمة ربك بمجنون (2) وإن لك لاجرا غير ممنون (3) وإنك لعلى خلق عظيم (4) فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) إن ربك هو أعلم بمن ضل
عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (7) فلا تطع المكذبين (8) ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ولا تطع كل حلاف مهين (10) هماز مشاء بنميم (11) مناع للخير معتد أثيم (12) عتل بعد ذلك زنيم (13) أن كان ذا مال وبنين (4) إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الاولين (15) سنسمه على الخرطوم) (16) ست عشرة آية. قرأ الكسائي وابو بكر عن عاصم (ن والقلم) بالاخفاء. الباقون بالاظهار. والاظهار اقوى، لان النية بها الوقف إذ هي حرف هجاء. ويجوز ادغام النون الثانية (ج 10 م 10 من التبيان)
[ 74 ]
في الواو المقارنة على قياس (من واقد) ولم يقرأ به احد. وقرأ (آن كان ذا مال) بهمزة واحدة ممدودة يعقوب وابو جعفر وابن عامر - وبهمزتين - حمزة وابو بكر، الباقون بهمزة واحدة. واختلفوا في معنى (ن) في هذا الموضع. فقال قوم: هو اسم من أسماء السورة مثل (حم، والم وص، وق) وما اشبه ذلك. وهو الذى قلنا إنه اقوى الاقوال. وقال ابن عباس - في رواية عنه - إن النون الحوت الذى عليه الارضون. وفي رواية أخرى عنه إن النون الدواة. وهو قول الحسن وقتادة، وروي في خبر عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: (نون) لوح من نور. وقال قوم: تقديره ورب نون والقلم. والقلم آلة مبرية للكتابة. والمقلمة وعاء القلم، وجمعه أقلام، ومنه قلامة الظفر، لانه يؤخذ منه كالاخذ بالقط. وانجر القلم بالقسم. وقوله (وما يسطرون) (ما) في موضع جر بالعطف على (والقلم) وكان القسم بالقلم ومايسطر بالقلم، ويجوز ان تكون (ما) مصدرية، وتقديره: ن والقلم وسطركم، فيكون القسم بالكتابة، وعلى الاول بالمكتوب والسطر الكتابة، وهو وضع الحروف على خط مستقيم: سطر يسطر سطرا إذا كتب، وأسطر إذا كتب.
وجمع السطر سطور واسطار، قال رؤبة: اني وأسطار سطرن سطرا (1) والمسطرة آلة التسطير. وقوله (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) هو المحلوف عليه، وهو جواب القسم، ومعناه لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك، كما تقول ما انت بنعمة ربك بجاهل، وجاز تقديم معمولها بعد الباء، لانها زائدة مؤكدة في ما أنت بنعمة ربك بمجنون، وتقديره انتفى عنك الجنون بنعمة ربك، وإنما قال (ما أنت بنعمة ربك بمجنون) مع ان الجنة قد تكون نعمة، لان الجنة لا تكون * (الهامش) * (1) مر في 4 / 110 (*)
[ 75 ]
نعمة من حيث هي جنة، وإنما تكون نعمة من حيث تؤدي إلى مصلحة في الدين. والعافية تكون نعمة من حيث هي عافية، فلهذا حسن ما أنت بنعمة ربك بمجنون والجنون غمور العقل بستره عن الادراك به بما يخرج عن حكم الصحيح، وأصله الستر من قوله (جن عليه الليل) (1) إذا ستره. وقيل إن قوله (ما انت بنعمة ربك بمجنون) جواب لقول المشركين حين قالوا (يا ايها الذى نزل عليه الذكر إنك لمجنون) (2) فقال الله تعالى (ما انت بنعمة ربك بمجنون) وقوله (وإن لك) خطاب للنبي صلى الله عليه واله يقول له (وإن لك) يا محمد (لاجرا) أي ثوابا من الله على قيامك بالنبوة وتحملك بأعبائها (غير ممنون) أي غير مقطوع من قولهم منه السير يمنه منا إذا قطعه، ويقال: ضعفت منتي عن السفر، ورجل منين أي ضعيف، ويجوز ان يكون المراد به إنه غير مكدر بالمن الذى يقطع عن لزوم الشكر، من قولهم: المنة تكدر الصنيعة. وقال الحسن: معناه لا يمن عليك بأجرك. ثم وصف النبي صلى الله عليه واله فقال (وإنك) يا محمد (لعلى خلق عظيم) قال الحسن: على دين عظيم، وهو الاسلام. وقيل أدب القرآن. وقال المؤرج:
معناه على دين عظيم بلغة قريش. وقالت عائشة: كانت خلق النبي صلى الله عليه واله ما تضمنه العشر الاول من سورة (المؤمنون)، فالخلق المرور في الفعل على عادة، فالخلق الكريم الصبر على الحق وسعة البذل، وتدبير الامور على مقتضى العقل وفي ذلك الرفق والاناة والحلم والمداراة. ومن وصفه الله بأنه على خلق عظيم فليس وراء مدحه مدح. وقيل: وإنك لعلى خلق عظيم بحكم القرآن وكل ذلك عطف على جواب القسم. وقوله (فستبصر ويبصرون) معناه فستعلم يا محمد يوم القيامة ويعلمون، يعني هؤلاء الكفار الذين يرمونك بالجنون تارة وبالكهانة أخرى (بأيكم المفتون) * (الهامش) * (1) سورة 6 الانعام آية 76 (2) سورة 15 الحجر آية 6 (*)
[ 76 ]
وقيل في معناه قولان: احدهما - باي فرقكم المفتون بما يجري مجرى الجنون. والثاني - ان يكون معنى (بأيكم المفتون) كما يقال: ليس له معقول أي عقل وتقديره ستعلم ويعلمون بمن منكم الجنون، وقيل: معنى الباء (في) وكأنه قال في أيكم الجنون المفتون المبتلى بتخييل الرأي كالمجنون، وذلك كما يبتلى بشدة الهوى المجنون. فيقال: فتن فلان بفلانة، وعلى هذا المعنى قال ابن عباس: بايكم المجنون وقال قتادة: معناه أيكم اولى بالشيطان جعل الباء زائدة كما قال الراجز: نحن بنو جعدة اصحاب الفلج * نضرب بالسيف ونرجوا بالفرج (1) ومعناه ونرجوا الفرج. وقال مجاهد: معناه أيكم المفتون كأنه قال في أيكم المفتون. ثم قال (ان ربك يا محمد هو أعلم بمن ضل عن سبيله) الذي هو سبيل الحق أي بمن عدل عنها وجار عن السلوك فيها (وهو اعلم بالمهتدين) أي بمن اهتدى إليها وعمل، بموجبها. ثم نهى النبي صلى الله عليه واله فقال له (فلا تطع المكذبين) بتوحيد الله والجاحدين لنبوتك ولا توافق ما يريدونه. وقوله (ودوا لو تدهن فيدهنون) قال
ابن عباس: معناه ودوا لو تكفر فيكفرون، وهو قول الضحاك، وفى رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه ود هؤلاء الكفار لوتلين في دينك، فيلينون في دينهم، فشبه التليين في الدين بتليين الدهن. وقيل: معناه ودوا لو تركن إلى عبادة الاوثان فيما لونك. والادهان الجريان في ظاهر الحال على المقاربة مع إضمار العداوة. وهو مثل النفاق. ورفع (فيدهنون) بالعطف على قوله (لو تدهن) ولم يجعله جواب التمني. ثم قال له صلى الله عليه واله (ولا تطع) يا محمد (كل حلاف) أي من يقسم كثيرا * (الهامش) * (1) مر في 7 / 118، 358 و 8 / 81 (*)
[ 77 ]
بالكذب (مهين) يعني مكشار في الشر - في قول الحسن وقتادة - والمهين الوضيع باكثاره من القبيح، ومن عرف بأنه يحلف على الكذب، فهو مهين. وقال البلخي: المهين الفاجر - في هذا الموضع -. وقوله (هماز مشاء بنميم) أي وقاع في الناس بما لى له أن يعيبهم به. والاصل فيه الدفع بشدة اعتماد، ومنه الهمزة حرف من حروف المعجم، وهي همزة تخرج من الصدر بشدة اعتماد، وقال ابن عباس: الهماز المغتاب. وقوله (مشاء بنميم) فالنميم التضريب بين الناس بنقل الكلام يغلظ لقلوب بعضهم على بعض ومنه النمام المشموم، لانه يججد ريحه كالمخبر عن نفسه، والنميم والنميمة مصدران. وهو نقل الاحاديث بالتضريب: نم ينم نميما ونميمة (مناع للخير) أي يمنع خيره ونفعه، فلا ينتفع أحد به (معتد) قال قتادة: معناه متجاوز للحد في المعاملة (أثيم) أي آثم فهو (فعيل) بمعنى (فاعل) وهو الذي فعل ما يأثم به (عتل بعد ذلك) فالعتل الجافي الغليظ. ومنه قوله (خذوه فاعتلوه إلى سواء الجحيم) (1) أي اذهبوا به بعنف وغلظة يقال: عتله يعتله ويعتله عتلا إذا زعزعه بغلظ وجفاء. وقال
ذو الاصبع: والدهر يغدو معتلا جذعا (2) وقيل: العتل الفاحش اللئيم. وروي عن النبي صلى الله عليه واله ذلك. و (الزنيم) الدعي وهو الملصق بالقوم، وليس منهم. وأصله الزنمة وهي الهينة التي تتحرك تحت حلق الجدى وقال حسان: وانت زنيم نيط في آل هاشم * كما نيط خلف الراكب القدح الفرد (3) * (الهامش) * (1) سورة 44 الدخان آية 47 (2) مجاز القرآن 2 / 264 (3) ديوانه 160 اللسان (زنم) (*)
[ 78 ]
و (بعد) هاهنا معناه (مع) وقال آخر زنيم ليس يعرف من أبوه * بغي الام ذو حسب لئيم (1) ويقال للتيس: زنيم له زنمتان، والزنيم الدعي - عن ابن عباس - وقيل: هو الذي يعرف بالشر، كما تعرف الشاة بزنمتها. وقوله (أن كان ذا مال وبنين) من قرأ على الاستفهام، وهو حمزة وابو بكر عن عاصم أراد، ألان كان ذا مال وبنين ؟ ! على وجه التوبيخ له (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) ويحتمل ان يكون المراد لان كان ذا مال وبنين يطاع. وقيل: كان له ألف دينار وعشرة بنين (إذا تتلى عليه آياتنا قال اساطير الاولين) أي أحاديث الاولين التي سطرت وكتبت لا أصل لها وواحد الاساطير أسطورة - في قول الزجاج. وقرأ حمزة وابو بكر عن عاصم (أأن كان ذا مال وبنين) بهمزتين. وقرأ ابن عامر بهمزة ممدودة. الباقون بهمزة واحدة. وقد فسرناه. فقال الله تعالى مهددا له ومتوعدا (سنسمه على الخرطوم) أي سنعلم على أنفه علامة يعرف بها الملائكة انه من أهل النار، فالسمة العلامة المفرقة بالرؤية بين
الاشياء المختلطة، كسمة الخيل إذا أرسلت في المروج، وسمه يسمه توسما وسمة، فهو مرسوم. والخرطوم الانف، وهو الناتئ في الوجه الذي يقع به الشم. ومنه خرطوم الفيل، وخرطمه إذا قطع أنفه وجعله خراطيم. وقال ابن عباس: معنى (سنسمه على الخرطوم) نحطمه بالسيف في القتال، كما فعل بهم يوم بدر. وقال قتادة: معناه سنعلمه بشئ يبقى على الابد. وقال بعضهم معناه: سنسود وجهه فعبر عن الوجه بالخرطوم، لانه فيه. وقيل: نزلت هذه الايات في الوليد بن المغيرة المخزومي، وقيل: نزلت * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 29 / 14 والقرطبي 18 / 234 (*)
[ 79 ]
في الاخنس بن شريق الثقفي، كانت به زنمة يعرف بها - ذكره ابن عباس - قوله تعالى: (إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصر منها مصبحين (17) ولا يستثنون (18) فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون (19) فأصبحت كالصريم (20) فتنادو ا مصبحين (21) أن اغدوا على حرثكم إن كنتم صارمين (22) فانطلقوا وهم يتخافتون (23) أن لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين (24) وغدوا على حرد قادرين) (25) تسع آيات. يقول الله تعالى (إنا بلوناهم) يعني هؤلاء الكفار أي اختبرناهم (كما بلونا أصحاب الجنة) يعني البستان (إذ أقسموا) أي حين اقسموا فيما بينهم (ليصر منها مصبحين) ووجه الكلام إنا بلونا أهل مكة بالجدب والقحط، كما بلونا اصحاب الجنة بهلاك الثمار التي كانت فيها حين دعا النبي صلى الله عليه واله عليهم، فقال (اللهم أشدد
وطأتك على مضر واجعلها عليهم سنين كسني يوسف) فالبلوى المحنة بشدة التعبد على ما يقتضيه الحال في صحة التكليف. والصرم قطع ثمر النخل: صرم النخلة يصرمها صرما، فهو صارم، ومنه الصريمة القطيعة عن حال المودة. وهم عشرة أولاد كانوا لرجل من بني إسرائيل، وكان يأخذ من بستانه كفاية سنته ويتصدق بالباقي، فقال أولاده: ليس يكفينا، وحلفوا أنهم يصرمون بستانهم ليلا وابى عليهم ابوهم، فأقسموا أنهم ليصرمون ثمر نخل البستان إذا اصبحوا، ولم يستثنوا، ومعناه لم يقولوا إن شاء الله فقول القائل: لا فعلن كذا إلا أن يشاء الله استثناء ومعناه إن شاء الله منعي أو تمكين ما نعي، فقال الله تعالى (فطاف عليها) يعني على
[ 80 ]
تلك الجنة (طائف من ربك) أي طرقها طارق من أمر الله، فالطائف الطارق ليلا، فإذا قيل أطاف به صلح في الليل والنهار، وانشد الفراء: اطفت به نهارا غير ليلى * والهي ربها طلب الرخال (1) الرخال أولاد الضان واحدها رخل وفى الانثى رخلة (وهم نائمون) أي في حال نومهم (فاصبحت) يعني الجنة (كالصريم) أي كالليل الاسود - في قول ابن عباس - وانشد أبو عمرو بن العلا: ألا بكرت وعاذلنى تلوم * تجهلني وما انكشف الصريم (2) وقال: تطاول ليلك الجون البهيم * فيما ينجاب عن صبح صريم إذا ما قلت اقشع أو تناهى * جرت من كل ناحية غيوم (3) وقال قوم: الصريم هو المصروم، وقال سعيد بن جبير: الصريم أرض معروفة باليمين لا نبات فيها تدعى صروان، وإنما قيل لليل صروم، لانه يقطع بظلمته عن التصرف في الامور. وقيل: إنما فعل الله بهم ذلك لانهم منعوا الحقوق
اللازمة من ثمار هذه الجنة. والصرم قطع الثمر. والصريم المصروم جميع ثماره. وقوله (فتنادوا مصبحين) اخبار عن حالهم أنهم لما اصبحوا نادى بعضهم بعضا يا فلان يا فلان، والتنادي دعاء بعض الناس بعضا بطريقة يا فلان وأصله من الندى بالقصر، لان النداء الدعاء بندى الصوت الذي يمتد على طريقة يا فلان، لان الصوت إنما يمتد للانسان بندى حلقه. والنادي مجلس الرفد وهو الندي (ان اغدوا على حرثكم) أي نادى بعضهم بعضا بأن اغدوا، أو قالوا: (اغدوا على حرثكم) والحرث الزرع الذي قد حرثت له الارض، حرث يحرث حرثا والحراث * (الهامش) * (1، 2، 3) تفسير الطبري 19 / 17 واللسان (صرم) (*)
[ 81 ]
الذى يحرث الارض، ومنه الحارث، ومنه الحرث، كناية عن الجماع. ويقال: احترث لاهله إذا اكتسب بطلب الرزق، كما يطلب الحراث (إن كنتم صارمين) أي قاطعين لثماركم، فالصارم قاطع ثمر الشجر على الاستئصال. واكثر ما يستعمل ذلك في النخل، ويجوز في الشجر، وأصله القطع. وقد تصرم النهار إذا مضى قطعة قطعة حتى انقضى. وقيل: معناه إن كنتم حاصدين زرعكم. ثم قال (فانطلقوا) أي ذهبوا، وهم (يتخافتون) فالتخافت التقابل في اخفاء الحركة، وأصله الخفاة من خفت فلان يخفت إذا اخفى نفسه ومعناه - ههنا - يتسارون بينهم (ألا يدخلنها اليوم عليكم مسكين) في - قول قتادة - وقوله (وغدوا على حرد) فالحرد القصد، حرد يحرد حردا فهو حارد. قال الشاعر: اقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغلة (1) أي يقصد، وقال الحسن: معناه على جهة من الفاقة. وقال مجاهد: معناه على جد من أمرهم، وهو قول قتادة وابن زيد: وقال سفيان: معناه على حنق، وذلك من قول الاشهب بن رميلة:
اسود شرى لاقت اسود خفية * فساقوا على حرد دماء الاساود (2) أي على غضب. وقيل: معناه على منع من قولهم حاردت السنة إذا منعت قطرها، وحاردت الناقة إذا منعت لبنها. والاصل القصد. وقوله (قادرين) معناه مقدرين انهم يصرمون ثمارهم، ويجوز ان يكون المراد وغدوا على حرد قادرين عند انفسهم على صرام جنتهم. * (الهامش) * (1) مر في 6 / 217 (2) اللسان (حرد) (ج 10 م 11 من التبيان) (*)
[ 82 ]
قوله تعالى: (فلما رأوها قالوا إنا لضالون (26) بل نحن محرومون (27) قال أو سطهم ألم أقل لكم لولا تسبحون (28) قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين (29) فأقبل بعضهم على بعض يتلاومون (30) قالوا يا ويلنا إنا كنا طاغين (31) عسى ربنا أن يبد لنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون (32) كذلك العذاب ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) (33) ثمان آيات. يقول الله تعالى مخبرا إن أولئك الكفار بنعم الله لما نادى بعضهم بعضا وانطلقوا إلى صرم ثمارهم وتساروا ألا يدخل عليهم مسكين يطلب منهم (فلما رأوها) أي حين جاؤا وجدوا البستان كالليل الاسود قالوا أهلكه الله وطرقه طارق من أمر الله فاهلكه، فلما رأوا تلك الجنة على تلك الصورة (قالوا إنا لضالون) أي اعترفوا بأنهم قد عدلوا عن طريق الحق وجازوا عن سبيل الواجب وذهبوا عن طريق الرشاد. ثم استدركوا فقالوا (بل نحن محرومون) ما كان لنا في جنتنا،
وتقديره إنا لضالون عن الحق في أمرنا فلذلك عوقبنا بذهاب ثمرها، والضلال الذهاب عن طريق الرشاد إلى طريق الهلاك بالفساد. والحرمان منع الخير الذي كان ينال لولا ما حدث من سبب الانقطاع، يقال: حرمه يحرمه حرمانا فهو محروم في خلاف المرزوق. وقال قتادة: معنى قوله (إنا لضالون) أي اخطأنا الطريق ما هذه جنتنا، فقال بعضهم لبعض (بل نحن محرومون) وقوله (قال اوسطهم) معناه قال أعدلهم قولا - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد وقتادة والضحاك - والاوسط
[ 83 ]
الكائن بين الاكبر والاصغر. والمراد ههنا بين الاكبر والاصغر في الخروج عن القصد (ألم أقل لكم) على وجه التهجين لهم أما قلت لكم (لولا تسبحون) أي هلا تستثنون، والتسبيح التنزيه لله عما لا يجوز عليه من صفة، وهو التنزيه عن كل صفة ذم ونقص، فلذلك جاز أن يسمى الاستثناء بأن يشاء الله تسبيحا. وقيل معناه لولا تصلون. ثم حكى انهم (قالوا سبحان ربنا إنا كنا ظالمين) ومعناه إنهم اعترفوا أن الله لم يظلمهم وانهم ظلموا انفسهم في عزمهم على حرمان المساكين من حصتهم عند الصرام من غير استثناء، فحرموا قطعها والانتفاع بها، ثم قال (فاقبل بعضهم على بعض يتلاومون) أي يلوم بعضهم بعضا ويذم بعضهم بعضا. ثم (قالوا يا ويلنا) والويل غلظ المكروه الشاق على النفس، والويس دونه. والويح وسط بينهما، وإنما نودي بالويل بيانا عن حال الشدة، كأنه يقول ياويل تعال فانه من أحيانك (إنا كنا طاغين) أي علونا في الظلم وتجاوزنا الحد فيه، فالطغيان العلو في الظلم والداعي إليه طلب الارتفاع بغير استحقاق بالقهر والاعتصاب. وقيل: الطاغي المتجاوز للحد في الفساد وقال عمر وبن عبيد: يجوز أن يكون ذلك منهم توبة وإيمانا، ويجوز أن يكون ذلك على حد ما يقول الكافر إذا
وقع في الشدة. ثم قالوا (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها) أي لما تابوا ورجعوا إلى الله قالوا لعل الله تعالى يخلف علينا ويولينا خيرا من الجنة التي هلكت (إنا إلى ربنا راغبون) أي ترغب إليه ونسأله ونتوب إليه مما فعلناه. فالتبديل تثبيت شئ مكان غيره مما ينافيه، بدله تبديلا فهو مبدل. ومثله التغير إلا أن التبديل لا يكون إلا في شيئين والتغير قد يكون للشئ الواحد. وقرئ بالتشديد والتخفيف، فالتخفيف من الابدال، والتشديد من التبديل
[ 84 ]
ومعناهما واحد. وقوله (كذلك العذاب) معناه مثل ما فعلنا بهؤلاء هذا العذاب عاجلا في دار الدنيا، ثم قال (ولعذاب الاخرة أكبر لو كانوا يعلمون) إن هناك عقابا وعذابا. وخير من كذا أي اعظم نفعا منه وأحسن في العقل، ومثله الاصلح والاولى والاجل، والاكبر هو الذي يصغر مقدار غير منه بالاضافة إليه. وقد يكون أكبر شأنا واكبر شخصا. قوله تعالى: (إن للمتقين عند ربهم جنات النعيم (34) أفنجعل المسلمين كالمجرمين (35) مالكم كيف تحكمون (36) أم لكم كتاب فيه تدرسون (37) إن لكم فيه لما تخيرون (38) أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيمة إن لكم لماتحكمون (39) سلهم أيهم بذلك زعيم) (40) سبع آيات. لما اخبر الله تعالى ما حل بالكفار، وما هو معد لهم في الاخرة أخبر بما للمؤمنين من أهل الطاعات، فقال (ان للمتقين) يعني للذين أمنوا عقاب الله باتقاء معاصيه وفعل طاعاته (عند ربهم جنات النعيم) أي بساتين يتنعمون فيها ويتلذذون بها.
ثم قال على وجه الانكار على الكفار وانه لا يسوى بينهم وبين المؤمنين فقال (افنجعل المسلمين) الذين أسلموا لله وانقادوا لطاعته وامتثلوا ما أمرهم به (كالمجرمين) أي مثل من عصاه وخرج عن طاعته وارتكب ما نهاه عنه ؟ ! فهذا لا يكون أبدا. وقوله (مالكم كيف تحكمون) تهجين لهم وتوبيخ. ومعناه أعلى حال الصواب أم
[ 85 ]
على حال الخطاء ؟ وعلى حال الرشاد أم الغي، فعلى أي حال تحكمون في الاحوال التي تدعون إلى الفعل أحال الباطل أم حال الحق ؟ وقوله (أم لكم كتاب فيه تدرسون) معناه ألكم كتاب تدرسون فيه خلاف ما قد قامت عليكم الحجة به فأنتم متمسكون به ولا تلتفتون إلى خلافه ؟ ! وليس الامر على ذلك فإذ قد عدمتم الثقة بما أنتم عليه، وفي هذا عليكم أكبر الحجة وأوكد الموعظة، لان الكتاب الذي تقوم به الحجة حتى لا يجوز خلافه إلى أن تقوم الساعة هو الذي تشهد له المعجزة من غير اجازة نسخ له في حال ثانية، وهو القرآن الذي فيه معنى الاعجاز من غير نسح له فيما بعد في باقى الزمان. وقوله (إن لكم فيه لما تخيرون) يحتمل امرين: احدهما - أن يكون تقديره أم لكم كتاب فيه تدرسون بأن لكم ما تخيرون إلا انه حذفت الباء وكسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، الثاني - ان يكون ذلك خرج مخرج التوبيخ، وتقديره وإن لكم لما تخيرون عند أنفسكم، والامر بخلاف ظنكم،، لانه لا يجوز ان يكون ذلك خبرا مطلقا. وقوله (أم لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة إن لكم لما تحكمون) كسرت (إن) لدخول اللام في الخبر، والحكم خبر بمعنى يفصل الامر على جهة القهر والمنع وأصله المنع من قول الشاعر: ابني حنيفة احكموا سفهاءكم * إني اخاف عليكم ان اغضبا (1)
أي امنعوهم. ومنه الحكمة، لانها معرفة تمنع الفساد يصرفها عنه بما يذم به. والحكمة في الفعل المنعة من الفساد منه، ومنه حكمة الدابة لمنعها إياها من الفساد. وقوله (سلهم ايهم بذلك زعيم) قال ابن عباس وقتادة: زعيم أي كفيل * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 2 / 188 (*)
[ 86 ]
والزعيم والكفيل والضمين والقبيل نظائر والمعنى سلهم أيهم زعيم ضامن يدعي علينا ان لهم علينا أيمانا بالغة ؟ فلا يمكنهم ادعاء ذلك. قوله تعالى: (أم لهم شركاء فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين (41) يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون (42) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون (43) فذرني (ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون (44) وأملي لهم إن كيدي متين) (45) خمس آيات. قوله (أم لهم شركاء) توبيخ لهؤلاء الكفار وإنكار عليهم إتخاذ إله مع الله وتوجيه عبادتهم إليه، فقال (أم لهم شركاء) في العبادة مع الله (فليأتوا بشركائهم إن كانوا صادقين) أي شركاؤهم الذين تفوم بهم الحجة، فلا سبيل لهم إلى ذلك فالحجة لازمة عليهم لان كل دعوى لم يكن صاحبهاأن يقيم البينة عليها فيلزمه أن يقيمها بغيره. والشريك عبارة عمن يختص بمعنى هو له ولغيره من غير إنفراد به. وإنما قلنا من غير إنفراد به لنفرق بين ما هو له ولغيره وهوله ايضا كالغفران هو لهذا التائب ولتائب آخر، ولهذا التائب مطلقا، فليس فيه شريك، وكذلك هذا العبد هو ملك لله تعالى، ولهذا المولى، وهو لله على الاطلاق، فليس في هذا شركة
وإنما قيل الشركاء في الدعوى، لانها مما لو انفرد بعضهم عن ان يدعيها لم يدعها الاخر، كأنهم تعاونوا عليها، فعلى هذا يحتمل أن يكون المعنى في الاية أم لهم
[ 87 ]
شركاء يدعون مثل ما يدعيه هؤلاء الكفار، فليأتوا بهم إن كانوا صادقين أي شركاء هم الذين تقوم بهم الحجة، ولا سبيل لهم إلى ذلك فهو لازم عليهم. وقوله (يوم يكشف عن ساق) قال الزجاج: هو متعلق بقوله (فليأتوا بشركائهم.. يوم يكشف عن ساق) وقال ابن عباس والحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة والضحاك: معنا يوم يبدو عن الامر الشديد كالقطيع من هول يوم القيامة. والساق ساق الانسان وساق الشجرة لما يقوم عليه بدنها وكل نبت له ساق فهو شجر قال الشاعر: للفتى عقل يعيش به * حيث يهدي ساقه قدمه (1) فالمعنى يوم يشتد الامر كما يشتد ما يحتاج فيه إلى ان يقوم على ساق، وقد كثر في كلام العرب حتي صار كالمثل فيقولون: قامت الحرب على ساق وكشفت عن ساق قال (زهير بن جذيمة). فإذا شمرت لك عن ساقها * فويها ربيع ولاتسأم (2) وقال جد ابي طرفة: كشفت لهم عن ساقها * وبدا من الشر الصراح (3) وقال آخر: قد شمرت عن ساقها فشدوا * وجدت الحرب بكم فجدوا والقوس فيها وتر غرد (4) وقوله (ويدعون إلى السجود) قيل: معناه إنه يقال لهم على وجه التوبيخ: اسجدوا (فلا يستطيعون) وقيل: معناه إن شدة الامر وصعوبة الحال تدعوهم
* (الهامش) * (1) اللسان (سوق) (2) مجاز القرآن 2 / 266 (3) اللسان (سوق) والقرطبي 18 / 248 (4) القرطبي 18 / 48 (*)
[ 88 ]
إلى السجود، وإن كانوا لا ينتفعون به. ثم قال (خاشعة ابصارهم) أي ذليلة ابصارهم لا يرفعون نظرهم عن الارض ذلة ومهانة (ترهقهم ذلة معناه تغشاهم ذلة يقال: رهقه يرهقه رهقا، فهو رهق إذا غشيه، ورهقه الفارس إذا أدركه، وراهق الغلام إذا أدرك. وقوله (وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون) يعني دعاهم الله تعالى إلى السجود والخضوع له في دار الدنيا وزمان التكليف، فلم يفعلوا، فلا ينفعهم السجود في ذلك الوقت. وقوله (فذرني ومن يكذب بهذا الحديث) تهديد، ومعناه ذرني والمكذبين أي اوكل أمرهم إلي كما يقول القائل ادعني وإياه. وقوله (سنستدرجهم من حيث لا يعلمون) معناه سآخذهم إلى العقاب حالا بعد حال. وقوله (واملي لهم) أي واطيل آجالهم وأؤخرها (إن كيدي متين) أي قوي، فكأنه قال سنستدرج أعمالهم إلى عقابهم وإن أطلناها لهم نستخرج ما عندهم قليلا قليلا. وأصله من الدرجة، لان الراقي ينزل منها مرقاة مرقاة فأشبه هذا. ووجه الحكمة في ذلك أنهم لو عرفوا الوقت الذي يؤخذون فيه لكانوا آمنين إلى ذلك الوقت، وصاروا مغربين بالقبيح، والله تعالى لا يفعل ذلك. قوله تعالى: (أم تسئلم أجرا فهم من مغرم مثقلون (46) أم عندهم الغيب فهم يكتبون (47) فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب
الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) لو لا أن تداركه نعمة من ربه
[ 89 ]
لنبذ بالعراء وهو مذموم (49) فاجتبيه ربه فجعله من الصالحين (50) وإن يكاد الذين كفروا ليزلفونك بابصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون (51) وما هو إلا ذكر للعالمين) (52) ست آيات. قرأ نافع وحده (ليزلقونك) بفتح الياء من زلفت. الباقون بضمها من أزلقت، وهما لغتان: زلقت، وأزلفت. قال الفراء: يقولون: زلقت شعره وأزلقته إذا حلقته. والمعنى ليرمون بك ويلقونك. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله على وجه التوبيخ للكفار (أم تسألهم) اي هل تسألهم (أجرا) يعني ثوابا وجزاء على دعائك إياهم إلى الله وتخويفك إياهم من المعاصي وأمرك إياهم بطاعة الله (فهم من مغرم) أي هم من لزوم ذلك (مثقلون) أي محملون، فالاجر القسط من الخير الذي يستحق بالعمل. والمغرم ما يلزم من الدين الذي يلج في اقتضائه. وأصله اللزوم بالالحاح، ومنه قوله (إن عذابها كان غراما) (1) أي لازما ملحا قال الشاعر: يوم الجفار ويوم النسار * كانا عذابا وكانا غراما (2) وقولهم دفع مغرم أي دفع الاقتضاء بالالحاح. والغرم ما يلزم بالاقتضاء على وجه الالحاح فقط. والمثقل المحمل للثقل وهو ما فيه مشقة على النفس كالمشقة بالحمل الثقيل على الظهر، يقال: هو مثقل بالدين، ومثقل بالعيال ومثقل بما عليه من * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 65 (2) مر في 7 / 505 و 9 / 505 (ج 10 م 12 من التبيان) (*)
[ 90 ]
الحقوق اللازمة والامور الواجبة. وقوله (أم عندهم الغيب فهم يكتبون) معناه هل عندهم علم أختصوا به لا يعلمه غيرهم، فهم يكتبونه ويتوارثونه بصحة ما يدعونه فينبغي ان يبرزوه ثم قال للنبي صلى الله عليه واله (فاصبر لحكم ربك) الذي حكم عليك بالصبر وأمهلهم إلى وقت آجالهم (ولا تكن كصاحب الحوت) يعني ولا تكن في استعجال عقابهم مثل يونس حين طلب من الله تقديم عقاب قومه وإهلاكهم، ولا تخرج من بين ظهراني قومك قبل ان يأذن الله لك في ذلك كما فعل يونس (إذ نادى وهو مكظوم) قال ابن عباس ومجاهد: معناه مغموم، كأن الغم قد حبسه عن الانبساط في أمره، والمكظوم المحبوس عن التصرف في الامور، ومنه كظمت رأس القربة إذا شددت رأسها، وكظم غيظه إذا حبسه بقطعه عما يدعو إليه. وقال قتادة: لا تكن مثله في العجلة والمغاضبة، حتى نادى يونس وهو ممنوع بقعطه عن شفاء غيظه، والذى نادى به (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) فجعله الله من الصالحين، بما بين لعباده من صلاحه، ويجوز بما لطف له حتى صلح في كل ما امره الله به. وفي الكلام حذف، وتقديره: ولا تكن كصاحب الحوت في استعجاله الخروج من بين قومه انتظارا لنزول العذاب بهم، فلما رفع الله عنهم العذاب مضى على وجهه، فعاتبه على ذلك وحبسه في بطن الحوت، فلجأ إلى الله تعالى. وقوله (إذ نادى) متعلق بتقدير: إذكر يا محمد حاله إذ نادى. ولا يجوز ان يكون متعلقا بقوله (ولا تكن كصاحب الحوت) حين نادى، لان الله لا ينهى نبيه أن يقول مثل ما قال يونس من الدعاء. وقوله (لولا ان تداركه نعمة من ربه) معناه لولا أن الله رحم يونس ولحقته نعمة من جهته (لنبذ بالعراء) أي لطرح بالصحراء الواسعة (وهو مذموم) قالوا
[ 91 ]
هي الارض العارية من النبات والابنية وكل حال ساترة. وقال الفراء: الفضاء من الارض العاري، قال الشاعر وهو قيس بن جعدة: ورفعت رجلا لا أخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي (1) وقوله (وهو مذموم) قال ابن عباس: وهو مليم أي أتى بما يلام عليه، ولكن الله تعالى تداركه برحمة من عنده، فطرح بالعراء وهو غير مذموم. وقوله (فاجتباه ربه فجعله من الصالحين) معناه اختار الله يونسا فجعله من جملة الصالحين المطيعين لله التاركين لمعاصيه. وقوله (وإن يكاد الذين كفروا) قال النحويون: (إن) هذه المخففة عن الثقيلة، لانها لو كانت للشرط لجزم (يكد) وتقديره، وإن يكاد الذين كفروا أي قارب الذين كفروا (ليزلقونك بابصارهم) أي يرمون بك عند نظرهم غيظا عليك قال الشاعر: يتلاحظون إذا التقوا في محفل * نظرا يزيل مواقع الاقدام (2) ويكاد يصرعه بحدة نظره. وقيل كان الرجل إذا أراد ان يصيب صاحبه بالعين تجوع ثلاثة أيام ثم نظره فيصرعه بذلك، والمفسرون كلهم على المراد بازلاقهم له بأبصارهم من الاصابة بالعين. وقال الجبائي منكرا لذلك: إن هذا ليس بصحيح، لان هذا من نظر العداوة وذلك عندهم من نظر المحبة على أن إصابة العين ليس بصحيح. قال الرماني: وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يكون الله تعالى أجرى العادة بصحة ذلك لضرب من المصلحة، فلا وجه للامتناع من ذلك، وعليه اجماع المفسرين، وهو المعروف بين العقلاء والمسلمين وغيرهم، فينبغي ان يكون مجوزا. وروي أن اسماء بنت عيس قالت: يا رسول الله صلى الله عليه واله * (الهامش) * (1) مر في 8 / 530 (2) القرطبى 18 / 256 وهو مروي مع اختلاف (*)
[ 92 ]
إن بني جعفر يصيبهم العين، فأسترقي لهم، قال: نعم، فلو كان شئ سابق القدر سبقة العين. وقيل: إنهم كانوا يقولون ما اظهر حججه، وما افصح كلامه، وما ابلغ خطابه، يريدون بذلك ان يعينوه به، قال البلخي: المعنى إنهم كانوا ينظرون إليه نظر عداوة وتوعد، ونظر من بهم به، كما يقول القائل: يكاد يصرعني بشدة نظره قال الشاعر: يتعارضون إذا التقوا في موطن * نظرا يزيل مواضع الاقدام (1) أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالبغضاء والعداوة، ونظر يزيل الاقدام عن مواضعها أي يكاد يزيل. وقوله (لما سمعوا الذكر) يعني القرآن (ويقولون) مع ذلك (إنه لمجنون) قد غلب على عقله، قالوا ذلك فيه مع علمهم بوقارة عقله تكذبا عليه ومعاندة له، فقال الله تعالى ردا عليهم (وما هو) أي ليس هذا القرآن (إلا ذكر للعالمين) أي شرف إلى ان تقوم الساعة. * (الهامش) * (1) مر في الصفحة التي قبلها. وقد روي في غير هذا الكتاب مع هذا الاختلاف في الكلمات. (*)
[ 93 ]
69 - سورة الحاقة: مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي اثنتان وخمسون آية في الكوفي والمدنيين. واحدى وخمسون في البصري. بسم الله الرحمن الرحيم. (ألحاقة (1) ما الحاقة (2) وما أدريك ما الحاقة (3) كذبت ثمود وعاد بالقارعة (4) فأما ثمود فاهلكوا بالطاغية (5) وأما عاد
فاهلكوا بريح صرصر عاتية (6) سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية (7) فهل ترى لهم من باقية (8) وجاء فرعون ومن قبله والمؤتفكات بالخاطئة (9) فعصوا رسول ربهم فأخذهم أخذة رابية) (10) عشر آيات قرأ اهل البصرة والكسائي (ومن قبله) بكسر القاف. الباقون بفتحها. قال ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد وغيرهم: إن الحاقة اسم من اسماء القيامة وسميت بذلك لانها الساعة التي يحق فيها الجزاء على الاعمال: الضلال والهدى. وقال الفراء: تقول العرب الحقة متى هربت والحقة والحاقة، كل ذلك بمعنى واحد. والعامل في (الحاقة) أحد شيئين:
[ 94 ]
احدهما - الابتداء، والخبر (ما الحاقة) كأنه قال: الحاقة أي شئ هي. الثاني - أن يكون خبر ابتداء محذوف، كأنه قيل هذه الحاقة، ثم قيل أي شئ الحاقة، تفخيما لشأنها، وتقديره هذه سورة الحاقة وقوله (ما أدراك ما الحاقة) قال سفيان: يقال للمعلوم ما أدراك، ولما ليس بمعلوم: وما يدريك في جميع القرآن. وإنما قال لمن يعلمها: ما أدراك لانه إنما يعلمها بالصفة، فعلى ذلك قال تفخيما لشأنها أي كأنك لست تعلمها إذا لم تعاينها وترى ما فيها من الاهوال. وقوله (كذبت ثمود وعاد بالقارعة) اخبار من الله تعالى أن ثمود - وهم قوم صالح - وعادا - وهم قوم هود - كذبوا بيوم القيامة فأنكروا البعث والنشور والثواب والعقاب. قال ابن عباس وقتادة: القارعة إسم من اسماء القيامة، وسميت القارعة، لانها تقرع قلوب العباد بالمخافة إلى أن يصير المؤمنون إلى الامن. وإنما حسن أن يوضع القارعة موضع الكنية لتذكر بهذه الصفة الهائلة بعد ذكرها بأنها الحاقة، وإلا كان يكفي ان يقول: كذبت ثمود وعاد بها. وقوله الحاقة، والطامة (1)
والصاخة (2)، اسماء يوم القيامة. والوقف على الحاقة حسن وأتم منه (ما الحاقة) و (ما أدراك) كل ما في القرآن بلفظ الماضي، فقد أدراه صلى الله عليه وآله، وما كان بلفظ يدريه، فلم يعلمه، يقال: دريت الشئ دراية أي علمته، ودريت الصيد أي ختلته ودرأته دفعته. ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم، فقال (فاما ثمود فأهلكوا بالطاغية) فالطاغية مصدر مثل العاقبة، والمعنى فأهلكوا بطغيانهم - في قول ابي عبيدة - وقيل: معناه أهلكوا بالخصلة المتجاوزة لحال غيرها في الشدة، أهلك الله تعالى بها اهل الفساد. وقد مضى فيما تقدم أن الله أهلك ثمود بالصيحة العظيمة التي اصبحوا بها * (الهامش) * (1) سورة 79 النازعات آية 34 (2) سورة 80 عبس آية 33 (*)
[ 95 ]
جاثمين (1) أي ميتين هالكين قال الزجاج: تقديره فأهلكوا بالرجفة الطاغية. ثم اخبر تعالى عن كيفية هلاك عاد، فقال (وأما عاد فاهلكوا بريح صرصر) فالريح عبارة عن الهواء إذا كانت فيها حركة باعتماد ظاهرة فإذا سكن لا يسمى ريحا واشتقاقه من راح يروح روحا إذا رجع إلى منزله. والصرصر الريح الشديدة الصوت بما يسمع لها من الصرير في شدة حركتها، يقال: صر وصرصر، كأنه مضاعف منه فالصرصر الشديد العصوف المجاوزة لحدها المعروف وقال قتادة: صرصر باردة فكأنه يصطل الاسنان بما يسمع من صوتها لشدة بردها، ويقال: صرصر وصلصل إذا تكرر الصوت، وهو مضاعف صر وصل - في قول الزجاج - وقوله (عاتية) قيل عتت تلك الرياح على خزانها في شدة الهبوب. والعاتي الخارج إلى غلظ الامر الذى يدعو إليه قساوة القلب، يقال: عتا يعتو عتوا فهو عات والريح عاتية تشبيها بحال العاتي في الشدة. وقوله (سخرها عليهم سبع ليال وثمانية ايام) اخبار منه تعالى انه أهلكهم
بهذه الريح في مدة سبع ليال، وثمانية أيام، لما في ذلك من الارهاب والتخويف، وما يتعلق به من المصلحة لغيرهم في التكليف. وقوله (حسوما) أي قاطعة قطع عذاب الاستئصال، واصله القطع حسم طمعه من كذا إذا قطعه، حسم يحسم حسما إذا قطع، وانحسم الشر إذا انقطع. وقال عبد الله بن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة: معنى (حسوما) تباعا متوالية مأخوذا من حسم الداء بمتابعة الكي عليه، فكأنه تتابع الشر عليهم حتى استأصلهم. وقيل (حسوما) قطوعا لم يتق منهم أحد، ونصب (حسوما) على المصدر أي يحسمهم حسوما. * (الهامش) * (1) انظر 4 / 485 و 6 / 22 (*)
[ 96 ]
ثم قال (فترى القوم فيها) أي تشاهد القوم الهلكى في تلك الايام والليالي صرعى مطرحين (كأنهم اعجاز نخل خاوية) أي كأنهم أصول نخل نخرة - في قول قتادة - وقال السدي: الخاوي الفارغ. وقوله (فهل ترى لهم من باقية) أي من نفس باقية، وقيل: معناه فهل ترى لهم من بقاء، فالباقية بمعنى المصدر مثل العافية والطاغية. ومعناه فهل ترى لهم من بقية. وقوله (وجاء فرعون ومن قبله) أي جاء فرعون ومن معه من قومه، على قراءة من قرأ (قبله) بكسر القاف وفتح الباء، ومن قرأ بفتح القاف وسكون الباء أراد والذين قبله من الكفار (والمؤتفكات) يعني وجاء اهل القرى المؤتفكات أي المنقلبات بأهلها - في قول قتادة - وهي قرى قوم لوط (بالخاطئة) أي بالافعال الخاطئة أو بالنفس الخاطئة، وقيل بالخاطئة أي اخطأت الحق إلى الباطل والفساد (فعصوا رسول ربهم فاخذهم) الله على كفرهم وعصيانهم (أخذة رابية) أي
زائدة في الشدة من ربا يربو إذا زاد، وقرأ أبو عمرو، والكسائي، وابو بكر عن عاصم (ومن قبله) بكسر القاف وفتح الباء. الباقون بفتح القاف وسكون الباء. وحجة أبي عمرو أن في قراءة أبي (جاء فرعون ومن معه). وقرأ أبو موسى (ومن تلقاه). وأراد الباقون انه جاء فرعون ومن قبل فرعون من الكفار. قوله تعالى: إنا لما طغا الماء حملناكم في الجارية (11) لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية (12) فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة (13) وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة (14)
[ 97 ]
فيومئذ وقعت الواقعة (15) وانشقت السماء فهي يومئذ واهية (16) والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية (17) يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) (18) ثمان آيات. قرأ (لا يخفى) بالياء أهل الكوفة، لان تأنيث (خافية) ليس بحقيقي. وقد فصل بينها وبين الفعل فاصل. الباقون بالتاء على لفظ التأنيث. والتقدير لا يخفى عليه شئ منكم نفس خافية. يقول الله تعالى مخبرا عما فعل بقوم نوح وفرعون وقومه على وجه الامتنان على خلقه بما فعل بهم من الهلاك الذي فيه زجر لغيرهم عن الكفر وإرتكاب المعاصي (إنا لما طغى الماء) ومعناه لما تجاوز الماء الحد المعروف في العظم حتى غرقت الارض بمن عليها إلا من شاء الله نجاته، وذلك في زمن نوح عليه السلام وغرق فرعون وقومه بانطباق البحر عليهم، وقال ابن عباس ومجاهد: معنى طغى الماء كثر، وغرق الله - عزوجل - قوم نوح. وقال قتادة: ارتفع على كل شئ خمس عشرة ذراعا. وقوله (حلمناكم في الجارية) أي حملنا أباكم نوحا ومن كان معه من ولده المؤمنين في
السفينة، فالجارية السفينة التي من شأنها أن تجري على الماء، ومنه قوله (وله الجوار المنشآت في البحر كاعلام) (1) والجارية المرأة الشابة تسمى بذلك، لانها يجري فيها ماء الشباب. والحمل امساك الشئ بالوضع على غيره، تقول حملته حملا، والحمل - بفتح الحاء - ما كان في البطن أو الشجر - وبكسر الحاء - ما كان على الظهر. * (الهامش) * (1) سورة 5، الرحمن آية 24 (ج 10 م 13 من التبيان) (*)
[ 98 ]
ووجه التذكرة بذلك أن نجاة من فيها وتغريق من سواهم يقتضي أنه من مدبر مختار وفي امر لم تجربه عادة، فيلتبس انه من فعل الطبيعة. ثم بين تعالى الغرض بما فعله فقال (لنجعلها) يعني السفينة (لكم تذكرة) تتذكرون بها أنعم الله وتشكرونه عليها وتتفكرون فيها (وتعيها أذن واعية) أي وتحفظها اذن حافظة، يقال: وعيت العلم، وأوعيت المتاع في الوعاء، ويقال: وعي قلبه العلم يعيه وعيا، وقال الشاعر إذا لم تكن واعيا حافظا * فجمعك للكتب لا ينفع فمعنى (واعية) ممسكة ما يحصل فيها. وقال ابن عباس: حافظة. وقيل قابلة سامعة. وقيل: إنه لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه واله (اللهم اجعلها اذن علي عليه السللام) ورواه الطبري باسناده عن مكحول. ثم قال علي عليه السلام (فما سمعت من رسول الله صلى الله عليه واله شيئا فنسيته) ورى الحلواني عن ابن كثير (وتعيها) بسكون العين جعله مثل فخذ وفخذ. الباقون بكسرها، لانه مضارع وعى يعي. واصله يوعي فحذفت الواو لوقوعها بين فتحة وكسرة ومعنى الاية تحفظها كل أذن ليكون عظة لمن يأتي بعدهم. روى الطبري باسناده عن عكرمة عن بريدة قال: سمعت رسول الله عليه واله يقول لعلى عليه السلام (يا على ان الله أمرني ان أدنيك ولا اقصيك وأن أعلمك)
وقوله (فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة) فهي النفخة الاولى التي يصعق لها من في السموات ومن في الارض (وحملت الارض والجبال فدكتا دكة واحدة) قال: ابن زيد: ضرب بعضها على بعض حتى صارتا غبارا. وقيل: معناه بسطتا بسطة واحدة، ومنه الدكان، ويقال: اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره. وقيل: المعنى حملت الارض والجبال فصك بعضها على بعض حتى تندك، وإنما قيل: فدكتا لانه جعل الجبال جملة والارض جملة. ومثله (أن السموات والارض كانتا
[ 99 ]
رتقا) (1) لان السموات جملة واحدة. ثم قال (فيومئذ) أي يوم تدك السموات والارض وتنفخ النفخة الواحدة (وقعت الواقعة) يعني القيامة وسميت واقعة لشدة وقعتها بما ليس لغيرها مثل تلك الشدة. ثم قال (وانشقت السماء) أي انفرج بعضها عن بعض، يقال: انشق الشئ ينشق انشقاقا، وتشقق تشققا إذا تفطر واشتق منه كذا اشتقاقا، ومنه اشتقاق الصفة من المصدر، لان معناه وحروفه فيها دون صورته، فهي مأخوذة منه على هذا الوجه. وقوله (فهي يومئذ واهية) أي شديدة الضعف بانتقاض بنيتها ولا ينظر أهول من رؤية السماء في هذه الهيأة، يقال: وهى الشئ يهي وهيا، فهو واه أي لا يستمسك لضعفه بنقض بنيته. وقيل: هو تغير السماء بعد صلابتها بمنزلة الصوف في الوهي والضعف، وقيل: السماء مكان الملائكة، فإذا وهت صارت في نواحيها. وقوله (والملك على أرجائها) فالارجاء النواحي واحدها رجا، مقصور وتثنى رجوان بالواو، والرجا جانب البئر قال الشاعر: فلا ترمي بي الرجوان اني * أقل القوم من يغني مكاني (2)
وهو من رجوت، لان الجانب يرجى فيه السلامة مع خوف السقوط، والملائكة ذلك اليوم على جوانب السماء تنتظر ما تؤمر به في اهل النار من السوق إليها، وفي اهل الجنة من التحية والتكرمة فيها. وقوله (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) يعني فوق الخلائق (يومئذ) يعني يوم القيامة (ثمانية) من الملائكة. وقيل: على أرجائها، لان الناس إذا رأوا * (الهامش) * (1) سورة 21 الانبياء آية 30 (2) تفسير القرطبي 18 / 266 (*)
[ 100 ]
جهنم بدروا هاربين فتردهم الملائكة - في قول الضحاك - وقال الحسن وقتادة وسفيان (على أرجائها) يعني نواحيها. وقال ابن عباس (يحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية) صفوف من الملائكة لا يعلم عددهم إلا الله. وروي في خبر مرفوع عن النبي صلى الله عليه واله أنه يحمل العرش ثمانية أملاك، وهو قول ابن زيد، والمعنى في حمل العرش بثمانية أملاك. هو الاخبار بأنه عظيم محتاج أن يحمله من كل زاوية ملكان، لا يفي به لعظمه أقل من ذلك، وبهذا يتصور عظمه في النفس. وقوله (يومئذ تعرضون) يعني يوم القيامة تعرضون معاشر المكلفين (لا يخفى منكم خافية) فروى في خبر مرفوع - ذكره ابن مسعود وقتادة - ان الخلق يعرضون ثلاث عرضات اثنتان فيها معاذير وجدال، والثالثة تطاير الصحف في الايدي فآخذ بيمينه وآخذ بشماله، وليس يعرض الله الخلق ليعلم من حالهم ما لم يعلمه بل هو عالم بجميع ما كان منهم، لانه عالم لنفسه لكن ليظهر ذلك لخلقه. قوله تعالى: فأما من أوتي كتابه بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه (19) إني ظننت أني ملاق حسابيه (20) فهو في عيشة راضية (21) في جنة عالية (22) قطوفها دانية (23) كلوا واشربوا هنيئا بما
أسلفتم في الايام الخالية) (24) ست آيات قال الفراء: نزلت هذه الاية في أبي سلمة بن عبد الاسود، وكان مؤمنا، وكان أخوة الاسود بن عبد الاسود كافرا، نزلت فيه الاية التي بعدها. قسم الله تعالى حال المكلفين يوم القيامة، فقال (فأما من أوتي) أي اعطي
[ 101 ]
(كتابه) الذي فيه أعماله (بيمينه فيقول هاؤم اقرأوا) قال ابن زيد: يقول المكلف تعالوا اقرأوا (كتابيه) ليعلمهم انه ليس فيه إلا الطاعات، فلا يستحيون أن ينظر، فيها غيرهم، واهل الحجاز يقولون: ها يارجل، وللاثنين هاؤما، وللجمع هاءموا، وللمرأة هاء - بهمزة - وليس بعدها ياء، وللمرأتين هاؤما، وللجماعة هاؤن يانسوة. وتميم وقيس يقولون: ها يارجل مثل قول أهل الحجاز، وللاثنين هاءا، وللثلاثة هاءوا، وللمرأة هائي، وربما قالوا: هاء يا هذه، وللثلاثة هان. وبعض العرب يجعل مكان الهمزة كافا، فيقول: هاك بغير همزة، ويؤمر بها ولا ينهى و (هاء) بمنزلة خذ وتناول. ووقف الكسائي على (هاؤم) وابتدأ (اقرء واكتابيه) ويقول أيضا (اني ظننت أني ملاق حسابيه) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه إني علمت، وإنما حسن هذا فيما يلزم العمل فيما يلزم العمل به لتأكد امره بالظن، كما يلزم بالعلم مع مقاومة الظن للعلم بالقوة في النفس إلا أن العلم معه قوة ينتهي إلى الثقة الثابتة بسكون النفس. والمعنى اني كنت متيقنا في دار الدنيا بأني ألقى حسابي يوم القيامة، واعلم أني اجازى على الطاعة بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب، وأعمل بما يجب علي من الطاعات واجتناب المعاصي. ثم اخبر تعالى عن حال من أعطي كتابه بيمينه فقال (فهو في عيشة راضية) أي في عيشة مرضية تقول: عاش يعيش عيشا وعيشة، وهي الحالة التي تستمر بها الحياة ومنه المعاش الذي يطلب التصرف له بعائد النفع عليه، وراضية معناه مرضية.
ف (فاعلة) بمعنى (مفعولة) لانه في معنى ذات رضا، كما قيل: لابن وتامر، أي ذو لبن وذو تمر. قال النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل اقاسيه بطئ الكواكب (1) * (الهامش) * (1) مر في 5 / 368 و 6 / 90، 329 و 8 / 122، 567 (*)
[ 102 ]
أي ذو نصب، فكأن العيشة أعطيت حتى رضيت، لانها بمنزلة الطالبة كما أن الشهوة بمنزلة الطالبة للمشتهى. وقيل: هو كقولهم: ليل نائم وسر كاتم وماء دافق، على وجه المبالغة في الصفة من غير التباس في المعنى: فعلى هذا جاء عيشة راضية ولا. يجوز على هذا القياس زيد ضارب بمعنى مضروب لانه يلتبس به. وقوله (في جنة عالية) أي بستان أجنه الشجر مرتفعة، فالعلو الجهة المقابلة لجهة السففل. والعلو والسفل متضمن بالاضافة فيكون الغلو سفلا إذا أضفته إلى ما فوقه، ويكون علوا إذا اضيف إلى ما تحته، وقوله (قطوفها دانية) أي اخذ ثمرها، فالقطف اخذ الثمرة بسرعة من موضعها من الشجر، وهو قطوفها، كأنه قال دانية المتناول، قطف يقطف قطفا فهو قاطف، وقطف تقطيفا. والدنو القرب، دنا يدنو دنوا فهو دان، وتدانيا تدانيا وأحدهما أدنى الينا من الاخر. وقال قتادة: معناه قطوفها دانية لا يرد أيديهم عن ثمرها بعد ولا شوك. ثم حكى تعالى ما يقال لهم فانه يقال لهم (كلوا واشربوا هنيئا بما اسلفتم) وصورته صورة الامر والمراد به الاباحة، كما قال (وإذا حللتم فاصطادوا) (1) وقال قوم: انه أمر على الحقيقة، لان الله يريد من أهل الجنة الاكل والشرب لما لهم في ذلك من زيادة السرور إذا علموا ذلك. وإنما لا يريد ذلك في الدنيا، لانه عبث لا فائدة فيه.
وقوله (هنيئا) معناه مريئا ليس فيه ما يؤذي، فليس يحتاج فيه إلى اخراج فضل لغائط ولا بول. وقوله (بما اسلفتم) أي جزاء على ما عملتموه من الطاعة (في الايام الخالية) * (الهامش) * (1) سورة المائدة آية 3 (*)
[ 103 ]
أي الماضية في دار التكليف. قوله تعالى: (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه (25) ولم أدر ما حسابيه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغني عني ماليه (28) هلك عني سلطانيه (29) خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه (32) إنه كان لا يؤمن بآلله العظيم (33) ولا يحض على طعام المسكين (34) فليس له اليوم ههنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) لا يأكله إلا الخاطؤن) (37) ثلاث عشرة آية. لما حكى الله تعالى قصة أهل الجنة وشرح أحوالهم، حكى - ههنا - قصة أهل النار وشرح أحوالهم، فقال (وأما من أوتي كتابه) يعني من أعطي كتابه الذي فيه أعماله مثبتة (بشماله) وإنما يعطي الله هؤلاء كتابهم بشمالهم، لانه جعل ذلك إمارة للملائكة والخلائق على أن صاحبه من أهل النار، فهو إذا اعطي كتابه في شماله يقول عند ذلك متميا متحسرا على ما فرط (يا ليتني لم أوت كتابيه....) أي ليتني لم اعط هذا الكتاب، والتمني هو قول القائل لما كان: ليته لم يكن، ولما لم يكن: ليته كان: فهو من صفات الكلام. وقال قوم: هو معنى في النفس
فهؤلاء الذين يعطون كتابهم بشمالهم يتمنون أن لم يعطوا كتابهم أصلا، ولم يعلموا
[ 104 ]
ما لهم وما عليهم، لان اعمالهم كلها معاصي، وهم يستحقون العقاب لا غير فلذلك يتمنون أن لا يعرفوا حسابهم، والحساب اخراج الكثير مما تضمن معنى العدة، وهو محتمل الزيادة والنقصان، والتمني في قول الكفار معناه التحسر والتندم وإن خرج مخرج التمني. ثم حكى تعالى أنهم لعظم ما دفعوا إليه من العقاب والاهوال ينتدمون ويتحسرون ويتمنون أن لو كانت القاضية بدلا مما هم فيه. قال الفراء: معناه ليت الموتة الاولى التي متناها لم نجئ بعدها. والقاضية الفاصلة بالامانة، يقال: قضى فلان إذا مات، واصله فصل الامر، ومنه قضية الحاكم، وجمعها قضايا، ومنه قضاء الله وهو الاخبار بأنه يكون على القطع والهاء في (يا ليتها) كناية عن الحالة التي هم فيها، وقيل كناية عن الموتة. قال قتادة: يعني الموت ولم يكن عنده في الدنيا شئ اكره منه. ثم حكى انه يقول (ما أغنى عني ماليه) ومعناه ما كفاني في صرف المكروه ولا صرف عني شيئا من عقاب الله تعالى يقال: أغنى يغني غنى واغناء، قال ابن زيد: معناه ما نفعني ملكي الذي كان لي في الدنيا. وقوله (هلك عني سلطانيه) قال ابن عباس ومجاهد والضحاك: هلك عني حجتي. وقال الحسن: قد جعل الله لكل إنسان سلطانا على نفسه ودينه وعيشه. وقال قوم: معناه هلك عني تسلطي وأمري ونهيي في دار الدنيا على ما كنت مسلطا عليه لا أمر لي ولا نهي، فالهلاك ذهاب الشئ بحيث لا يقع عليه احساس، هلك يهلك هلوكا، فهو هلك، قال الزجاج: والوجه أن يوقف على هذه الهاآت، ولا توصل، لانها ادخلت للوقف، وقد حذفها قوم. وفي ذلك مخالفة المصحف، فلا احب حذفها. قال: ولا احب ان اصل وأثبت الهاء، فان هذه رؤس الاي فالوجه
[ 105 ]
الوقف عندها، وكذلك قوله (وما ادراك ماهيه) وقد وصل بلاهاء الكسائي. الباقون بالهاء في الحالين. ثم حكى ما يقول الله تعالى للملائكة ويأمرهم به، فانه يقول لهم (خذوه) يعني الكفار الذي أعطي كتابه بشماله (فغلوه) أي اوثقوه بالغل، وهو أن يشد احدى يديه أو رجليه إلى عنقه بجامعة (ثم الجحيم صلوه) فالجحيم هي النار الغليظة لان النار قد تكون ضعيفة كنار السراج ونار القدح، وقد تكون قوية كنار الحريق فلا يقال لنار السراج: جحيم، وهو اسم علم على نار جهنم التي أعدها الله للكفار والعصاة، والتصلية إلزام النار، ومنه الاصطلاء وهو القعود عند النار للدفا، واصله لزوم الامر، فمنه المصلي الذي في أثر السابق ومنه قول الشاعر: وصلى على دنها وارتسم (1) أي لزم الدعاء لهاء. وقوله (ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه) تقديره: ثم اسلكوه في سلسلة طولها سبعون ذراعا فاسلكوه فيها، فالسلسلة حلق منتظمة كل واحدة منها في الاخرى، ومنه يقال: سلسل كلامه إذا عقده شيئا بعد شئ، وتسلسل إذا استمر شيئا قبل شئ على الولاء والانتظام. والذرع اخذ قدر الذراع مرة أو أكثر، ذرع الرجل الثوب يذرعه ذرعا، فهو ذراع، والثوب مذروع، مأخوذ من الذراع وهو العضو الذي يكون في طرف الكف من الانسان. وقيل: اسلكوه في السلسلة، لانه يأخذ عنقه فيها، ثم يجر بها. وقال الضحاك: إنها تدخل في فيه وتخرج من دبره. وقيل: المعنى ثم اسلك السلسلة فيه فقلب كما يقال: ادخلت القلنسوة في رأسي، وإنما أدخل رأسه فيها، وكما قال الاعشي: * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 2 / 41 (ج 10 م 14 من التبيان) (*)
[ 106 ]
(غضوب من السوط زيافة) * إذا ما أرتدى بالسراه الاكم) (1) وإنما السراة ترتدي بالاكم، ولكنه قلب، فهو يجري مجرى التقديم والتأخير اتساعا في اللغة من غير اخلال بالمعنى. ويقولون أيضا: ادخلت الخاتم في يدي، والخف في رجلي، وإنما تدخل اليد والرجل في الخاتم والخف، فقلب: ثم بين تعالى لم فعل به ذلك ؟ وعلى أي شئ استحقه، فقال (إنه كان لا يؤمن بالله) أي لم يكن يوحد الله في دار التكليف ولم يصدق بالله (العظيم) في صفاته التي لا يشاركه فيها غيره (ولا يحض على طعام المسكين) أي لا يحث على ذلك مما يجب عليه من الزكاة والكفارات والنذور. ثم قال تعالى (فليس له) يعني للكافر (اليوم ههنا) يعني يوم القيامة (حميم) وهو القريب الذى يحمي لغضب صاحبه (ولاطعام الامن غسلين) يعنى من صديد أهل النار وما يجري منهم، فالطعام هو ما هيئ للاكل، فلذلك لا يسمى التراب طعاما للانسان، والخشب طعام الارضة، وليس من طعام أكثر الحيوان. فلما هيئ الصديد لاكل أهل النار كان ذلك طعاما لهم. والغسلين هو الصديد الذى يتغسل بسيلانه من ابدان أهل النار. ووزنه (فعلين) من الغسل وقال ابن عباس: هو صديد أهل النار. وقيل: اهل النار طبقات منهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، لانه قال في موضع آخر (ليس لهم طعام الامن ضريع) (2) وقال قطرب: يجوز أن يكون الضريع هو الغسلين، فعبر عنه بعبارتين، وقال قوم: يجوز ان يكون المراد ليس لهم طعام إلا من ضريع ولا شراب الا من غسلين، فسماه طعاما كما قال الشاعر: * (الهامش) * (1) ديوانه (دار بيروت) 197 (2) سورة 88 الغاشية آية 6 (*)
[ 107 ]
علفتها بتنا وماء باردا (1) ثم قال تعالى (لا يأكله) أي لا يأكل هذا الغسلين (إلا الخاطئون) وهم الجائرون عن طريق الحق عامدين. والفرق بين الخاطئ والمخطئ أن المخطئ قد يكون من غير تعمد لما وقع به من ترك اصابة المطلوب، وخطئ خطأ فهو خاطئ قال امرؤ القيس: يا لهف نفسي إذ خطئن كاهلا * القائلين الملك الحلا حلا (2) فهؤلاء الكفار قد جاروا عن طريق الحق وضلوا عن الصراط المستقيم وتبعوا الضلال في الدين. قوله تعالى: (فلا أقسم بما تبصرون (38) وما لا تبصرون (39) إنه لقول رسول كريم (40) وما هو بقول شاعر قليلا ما تؤمنون (41) ولا بقول كاهن قليلا ما تذكرون (42) تنزيل من رب العالمين (43) ولو تقول علينا بعض الاقاويل (44) لا خذنا منه باليمين (45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) وإنه لتذكرة للمتقين (48) وإنا لنعلم أن منكم مكذبين (49) وإنه لحسرة على الكافرين (50) وإنه لحق اليقين (51) * (الهامش) * (1) مر في 1 / 65 و 3 / 456 و 5 / 469 وعجزه: حتى شتت همالة عيناها (2) ديوانه 176 واللسان (حلل). (*)
[ 108 ]
فسبح باسم ربك العظيم) (52) خمس عشرة آية. قرأ (قليلا ما يؤمنون، ويذكرون) بالياء فيهما مكي شامي ويعقوب،
وسهل على الخبر عن الكفار. الباقون بالتاء على الخطاب لهم أي قل لهم. وقيل في قوله (فلا اقسم) ثلاثة اقوال: احدها - قال الفراء: انه رد لكلام قائل، فكأنه قال: ليس الامر على ما يقال أقسم إنه (لقول رسول كريم). والثاني - قال قوم (لا) صلة مؤكدة وتقديره فأقسم. الثالث - قال قوم: إنها نفي للقسم، ومعناه لا يحتاج إلى القسم لوضوح الحق في انه (لقول رسول كريم) وفى هذا الوجه يقع جوابه كجواب غيره من القسم. وقيل: هو كقول القائل: لا والله لافعل ذاك، ولا والله لافعلن ذاك. وقال قتادة: أقسم تعالى بالاشياء كلها ما يرى ومالا يرى، وقال الجبائي: إنما أراد إنه لا يقسم بالاشياء المخلوقات ما يرى وما لا يرى، وإنما يقسم بربها، لان القسم لا يجوز إلا بالله. وقوله (إنه لقول رسول كريم) جواب القسم، قال الجبائي: هو قول الله على الحقيقة، وإنما الملك وجبرائيل والرسول يحكون ذلك، وإنما أسنده إليهم من حيث أن ما يسمع منهم كلامهم ولما كان حكاية كلام الله قيل: هو كلام الله على الحقيقة في العرف، وقرئ (إنه من قول رسول كريم) جواب القسم. وقال الحسن: فالرسول الكريم محمد صلى الله عليه واله الذي أتى بهذا القرآن. وقال غيره: هو جبرائيل عليه السلام والاول اظهر، والكريم الخليق بالخير الواسع من قبله، يقال: كرم يكرم كرما فهو كريم، وضده لؤم يلؤم لؤما، فهو لئيم. ولما اقسم تعالى أن هذا القرآن هو قول رسول كريم نفى بعده أن يكون
[ 109 ]
قول شاعر فقال (وما هو بقول شاعر) فالشاعر هو المبتدئ بانشاء الشعر، ولا يكون حاكي الشعر شاعرا، كما يكون حاكي الكلام متكلما، لانه يحكي شعرا انشأه غيره، وإنما نزه الله تعالى نبيه عن الشعر ومنعه منه، لان الغالب من حال الشاعر
أنه يدعو إلى الهوى، والرسول بأني بالحكمة التي يدعو إليها العقل للحاجة إلى العمل عليها والاهتداء بها، مع انه بين أن القرآن صنف من الكلام خارج عن الانواع المعتادة، وذلك أدل على إعجازه لبعده عما جرت به العادة في تأليف الكلام قال قتادة: طهر الله نبيه من الشعر والكهانة وعصمه منهما. وقوله تعالى (قليلا ما تؤمنون) معناه قليلا بما ذكرناه إيمانكم (وما) مصدرية وقال قوم (ما) صلة، وتقديره قليلا تؤمنون بما ذكرناه أي لستم تؤمنون به. وقوله (ولا بقول كاهن) فالكاهن هو الذي يسجع في كلامه على ضرب من التكلف لتشاكل المقاطع، وهو ضد ما توجبه الحكمة في الكلام، لانها تقتضي أن يتبع اللفظ المعنى، لانه إنما يحتاج إلى الكلام للبيان به عن المعنى، وإنما البلاغة في الفواصل التي يتبع اللفظ فيها المعنى، فتشاكل المقاطع على ثلاثة أضرب: فواصل بلاغة، وسجع كهانة، وقواف تتبع الزنة، والكاهن الذي يزعم ان له خدمة من الجن تأتيه بضرب من الوحي. وقوله (قليلا ما تذكرون) أي تتفكرون قليلا فيما ذكرناه، فلذلك لا تعلمون صحة ما قلناه، ولو انعمتم النظر لعلمتم صحته. ثم قال (تنزيل من رب العالمين) أي هو تنزيل نزله الله رب العالمين على رسوله. وقوله (ولو تقول علينا بعض الاقاويل) اخبار من الله تعالى على وجه القسم أن هذا الرسول الذي حكى بأن القرآن نزل عليه من عند الله وهو محمد صلى الله عليه واله لو تقول على الله في بعض كلامه، ومعناه لو كذب علينا في بعض ما لم يؤمر به،
[ 110 ]
فالتقول تكلف القول من غير رجوع إلى حق، والتقول والتكذب والتزيد بمعنى واحد (لاخذنا منه باليمين) جواب القسم، ومعناه أحد وجهين: احدهما - لاخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الاذلال، كما يقول السلطان
يا غلام خذ بيده فانه على وجه الاهانة، قال الحسن: معناه لقطعنا يده اليمين. والثاني - لاخذنا منه بالقوة كما قال الشاعر: إذا ما راية رفعت لمجد * تلقاها عرابة باليمين (1) وقوله (لقطعنا منه الوتين) قال ابن عباس وسعيد بن جبير: الوتين نياط القلب. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: هو عرق في القلب متصل بالظهر إذا قطع مات الانسان، قال الشماخ بن ضرار الثعلبي: إذا بلغتني وحملت رحلي * عرابة فأشر في ندم الوتين (2) وقوله (فما منكم من أحد عنه حاجزين) معناه ليس أحد يمنع غيره من عقاب الله بأن يكون حائلا بينه وبينه، فالحاجز هو الحائل بين الشيئين. وإنما قال (حاجزين) بلفظ الجمع، لان (أحدا) يراد به الجمع وإن كان بصيغة الواحد. ثم قال (وانه لتذكرة للمتقين) قسم من الله تعالى أن هذا القرآن تذكرة وعظة للمتقين، وهو قول قتادة، وإنما اضافه إلى المتقين، لانهم المنتفعون به، فالتذكرة العلامة التي يذكر بها المعنى، ذكره تذكرة، فهو مذكر، كقولك جزاه تجزية وجزاه تجزية، فالمتقى يتذكر القرآن بأن يعمل عليه في أمر دينه في اعتقاد أو عمل به فيتميز الجائز مما لا يجوز، والواجب مما ليس بواجب، والصحيح مما لا يصح. وقوله (وإنا لنعلم أن منكم مكذبين) عطف على جواب القسم، ومعناه * (الهامش) * (1) مر في 8 / 512 و 9 / 46 وقائله الشماخ (2) مجاز القرآن 2 / 268 والطبري 21 / 37 (*)
[ 111 ]
التحذير من التكذيب بالحق وأنه ينبغي أن يتذكر أن الله تعالى يعلمه ويجازي عليه. وقوله (وانه لحسرة على الكافرين) معناه إن هذا القرآن حسرة على الكافرين يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا، فالحسرة الغم من أجل ما انحسر وقته كيف
فات العمل الذي كان ينبغي فيه أن يفعل، فيحسر السرور عن النفس إلى الغم بانحساره. وقيل: إن التكذيب به حسرة على الكافرين. ثم اقسم تعالى فقال (وانه) يعني القرآن الذي انزله والاخبار بما اخبر به وذكره (لحق اليقين) ومعناه الحق اليقين، وإنما اضافه إلى نفسه، والحق هو اليقين، كما قيل مسجد الجامع ودار الاخرة وبارحة الاولى ويوم الخميس وما اشبه ذلك، فيضاف الشئ إلى نفسه إذا اختلف لفظه كما اختلف الحق واليقين. والحق هو الذي معتقده على ما اعتقده، واليقين هو الذي لا شبهة فيه، ثم قال لنبيه (فسبح) يا محمد والمراد به جميع المكلفين ومعناه نزه الله تعالى (باسم ربك العظيم) ومعناه نزهه عما لا يجوز عليه من صفات خلقه و (العظيم) هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه بما يستحق من أوصافه. وروي انه لما نزلت هذه الاية قال النبي صلى الله عليه واله: اجعلوها في ركوعكم.
[ 112 ]
70 - سورة المعارج: مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما وهي أربع واربعون آية بلا خلاف. بسم الله الرحمن الرحيم. (سأل سائل بعذاب واقع (1) للكافرين ليس له دافع (2) من الله ذي المعارج (3) تعرج الملئكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة (4) فاصبر صبرا جميلا (5) إنهم يرونه بعيدا (6) ونريه قريبا (7) يوم تكون السماء كالمهل (8) وتكون الجبال كالعهن (9) ولا يسئل حميم حميما) (10) عشر آية. قرأ اهل المدينة وأهل الشام (سال) بغير همز وهو يحتمل أمرين:
احدهما - ان يكون من السيل تقول: سال يسيل سيلا فهو سائل، وسايل واد في جهنم، كما قال (اعوذ برب الفلق) والفلق جب في جهنم. واجمعوا على همزة (سائل) لانه ولو كان من (سال) بغير همز، فالياء تبدل همزة إذا وقعت بعد الالف مثل البائع والسائر من (باع، وسار). والثاني - بمعنى سأل بالهمزة، لانها لغة يقولون سلت أسال، وهما يتسالان.
[ 113 ]
قال الشاعر: سالت هذيل رسول الله فاحشة * ضلت هذيل بما سالت ولم تصب (1) فهي لغة أخرى، وليست مخففة من الهمزة الباقون بالهمز من السؤال الذي هو الطلب. وقرأ الكسائي وحده (يعرج) بالياء، لان تأنيث الملائكة ليس بحقيقي، الباقون - بالتاء وقرأ ابن كثير - في رواية البزي - وعاصم في رواية البرجمي عن ابي بكر (ولا يسأل) بضم الياء. الباقون بفتح الياء اسندوا السؤال إلى الحميم. حكى الله تعالى انه (سأل سائل بعذاب واقع) قال الفراء: الداعي بالعذاب هو النضر بن كلدة أسر يوم بدر وقتل صبرا، هو وعقبة بن أبي معيط. وقال: تقديره سأل سائل بعذاب (واقع للكافرين) قال ابن: خالويه قال النحويون: إن الباء بمعنى (عن) وتقديره: سأل سائل عن عذاب واقع وانشد: دع المعمر لا تسأل بمصرعه * واسأل بمصقله البكري ما فعلا (2) أي لا تسأل عن مصرعه، وهذا الذي سأل العذاب الواقع إنما تجاسر عليه لما كذب بالحق ليوهم أنه ليس فيه ضرر، ولم يعلم انه لازم له من الله. وقال مجاهد: سؤاله في قوله (اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء) (3) وقال الحسن: سأل المشركون، فقالوا: لمن هذا العذاب الذي يذكره
محمد ؟ فجاء جوابهم بأنه (للكافرين ليس له دافع) وقيل: معناه دعا داع بعذاب للكافرين، وذلك الداعي هو النبي صلى الله عليه واله، واللام في قوله (للكافرين) قيل في * (الهامش) * (1) تفسير القرطبى 18 / 280 (2) قائله الاخطل اللسان (صقل) (3) سورة 8 الانفال آية 32 (ج 10 م 15 من التبيان) (*)
[ 114 ]
معناها قولان: أحدهما - إنها بمعنى (على) وتقديره سأل سائل بعذاب واقع على الكافرين، ذهب إليه الضحاك. والثاني - إنها بمعنى (عن) أي ليس له دافع عن الكافرين، وإنما ذكر وعيد الكافر - ههنا - مع ذكره في غير هذا الموضع، لان فيه معنى الجواب لمن سأل العذاب الواقع، فقيل له: ليس لعذاب الكافرين دافع، فاعمل على هذا، وتقدم نظيره وتأخر، والدافع هو الصارف للشئ عن غيره باعتماد يزيله، عنه دفعه عن كذا يدفعه دفعا، فهو دافع وذاك مدفوع. وقوله (من الله ذي المعارج) يعني مصاعد الملائكة. وقيل: معناه ذي الفواضل العالية، فيكون وصفا لله تعالى، وتقديره من الله ذي المعالي التي هي الدرجات التي يعطيها أولياءه من الانبياء والمؤمنين في الجنة، لانه يعطيهم درجات رفيعة ومنازل شريفة، والمعارج مواضع العروج، واحدها معرج، عرج يعرج عروجا والعروج الصعود مرتبة بعد مرتبة، ومنه الاعرج لارتفاع احدى رجليه عن الاخرى وقال قتادة: معنى ذي المعارج ذي الفواضل والنعم، لانها على مراتب. وقال مجاهد: هي معارج السماء. وقيل: هي معالى الدرجات التي يعيها الله تعالى اولياءه في الجنة. وقال الحسن: معناه ذي المراقي إلى السماء. والذي اقتضى ذكر المعارج البيان عن العقاب الذي يجب ان يخافه، على خلاف هذا الجاهل الذي سأل العذاب
الواقع على من كفر نعمته. وقوله (تعرج الملائكة) معناه تصعد الملائكة (والروح) أي يصعد الروح أيضا معهم (إليه) والمعنى تعرج الملائكة والروح الذي هو جبرائيل إلى الموضع الذي يعطيهم الله فيه الثواب في الاخرة (في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة) لعلو
[ 115 ]
درجاتهم، وإنما قال (إليه) لانه هناك يعطيهم الثواب، كما قال في قصة إبراهيم (اني ذاهب إلى ربي) (1) أي الموضع الذى وعدني ربي، وكذلك الموضع الذى وعدهم الله بالثواب فيه. وقيل: تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره من عروج غيرهم خمسين الف سنة، وذلك من اسفل الارضين السبع إلى فوق السماوات السبع - ذكره مجاهد - وقوله (يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره الف سنة مما تعدون) (2) فهو لما بين السماء الدنيا والارض في الصعود والنزول الف سنة: خمسمائة صعودا وخمسمائة نزولا - ذكره مجاهد - ايضا. وقيل: المعنى ان يوم القيامة يفعل فيه من الامور ما لو فعل في الدنيا كان مقداره خمسين الف سنة. وقال قوم: المعنى إنه من شدته وهو له وعظم العذاب فيه على الكافرين كانه خمسون الف سنة، كما يقول القائل: ما يومنا إلا شهر أي في شدته، وعلى هذا قول امرء القيس: ألا ايها الليل الطويل ألا انجل * بصبح وما الاصباح منك بأمثل ويالك من ليل كأن نجومه * بكل مغار الفتل شدت بيذبل (3) ويؤكد هذا ما روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه لما نزلت هذه الاية قيل له ما أطول هذا اليوم ؟ ! فقال رسول الله صلى الله عليه واله (والذي بعثني بالحق نبيا إنه ليخف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة مكتوبة يصليها في الدنيا) وقال الضحاك وقتادة: هو يوم القيامة. وقال الزجاج: يجوز أن يكون (يوما) من صلة (واقع) فيكون
المعنى سأل سائل بعذاب واقع في يوم كان مقداره خمسين الف سنة وذلك العذاب يقع يوم القيامة. وقال الحسن: تعرج الملائكة بأعمال بني آدم في الغمام، كما قال * (الهامش) * (1) سورة 37 ص آية 99 (2) سورة 32 ألم السجدة آية 5 (3) ديوانه 152 (*)
[ 116 ]
(ويوم تشقق السماء بالغمام) (1) وقال الزجاج: سماه يوما، لان الملائكة تعرجه في مقدار يوم واحد. ثم أمر نبيه فقال (فاصبر صبرا جميلا) أي لا شكوى فيه على ما تقاسيه من أذى قومك، وتكذيبهم إياك فيما تخبر به من أمر الاخرة. قال الزجاج: ذلك قبل أن يؤمر بالقتال. وقوله تعالى (إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا) اخبار من الله تعالى أنه يعلم مجئ يوم القيامة وحلول العقاب بالكفار قريبا، ويراه أي يظنه الكفار بعيدا، لانهم لا يعتقدون صحته، وكل ما هو آت قريب، وهذا على وجه الانكار عليهم استبعادهم يوم الجزاء، وتوهمهم أنه بعيد. وبين أنه تعالى يراه قريبا بما يعلمه من حصوله، وإنما جاز أن يقال في توهمهم: يرونه لانهم يتوهمونه، وهم عند أنفسهم يرونه، فجاء على مزاوجة الكلام الذي ينبئ عن المعنى من غير اخلال. وقيل: معنى إنهم يرون العذاب الذي سألوا عنه بعيدا، لانهم لا يؤمنون به، ونراه قريبا لان كل ما هو آت قريب. ثم وصف الله تعالى يوم القيامة فقال (يوم تكون السماء كالمهل) قال الزجاج: المهل دردي الزيت، وقال مجاهد: هو عكر الزيت. وقال قوم: هو الصفر المذاب. وقال قوم: المهل هو الجاري بغلظة وعكرة على رفق: من أمهله إمهالا، وتمهل تمهلا (وتكون الجبال كالعهن) فالعهن الصوف المنفوش، وذلك ان الجبال تقطع حتى تصير بهذه الصفة، كما أن السماء تشقق بالغمام وتكون كالمهل.
وقوله (ولا يسأل حميم حميا) فالحميم القريب النسب إلى صاحبه الذي يحمى لغضبه وأصله القرب قال الشاعر: احم الله ذلك من لقاء * أحاد احاد في الشهر الحلال (2) * (الهامش) * (1) سورة 25 الفرقان آية 25 (2) مر 8 / 503، 575 (*)
[ 117 ]
وقال مجاهد: لا يسأل حميم حميما لشغل كل إنسان بنفسه عن غيره. وقال الحسن: لا يسأله ان يحمل عنه من اوزار ليأسه من ذلك في الاخرة. وقيل (لا يسأل حميم حميما) لانه (يعرف المجرمو بسيماهم) (1) ومن ضم الياء أراد لا يطالب قريب بأن يحضر قريبه كما يفعل أهل الدنيا بأن يؤخذ الحميم بحميمه والجار بجاره، لانه لا جور هناك، ويجوز أن يكون المراد لا يسأل حميم عن حميمه ليعرف شأنه من جهته، كما يتعرف خبر الصديق من جهة صديقه، والقريب من قريبه. ثم يحذف الجار ويوصل الفعل إلى المفعول به، ويقوي ذلك قوله (يبصرونهم) أي يبصر الحميم حميمه. والفعل فيه قبل تضعيف العين بصرت به، كما قال حكاية عن السامري (بصرت بما لم يبصروا به) (2). قوله تعالى: (يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه (11) وصاحبته وأخيه (12) وفصيلته التي تؤيه (13) ومن في الارض جميعا ثم ينجيه (14) كلا إنها لظى (15) نزاعة للشوى (16) تدعو من أدبر وتولى (17) وجمع فأوعى (18) إن الانسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير منوعا (21) إلا المصلين (22) الذين هم على صلاتهم دائمون (23) والذين في أموالهم حق معلوم (24) للسائل
* (الهامش) * (1) سورة 55 الرحمن آية 41 (2) سورة 20 طه آية 96 (*)
[ 118 ]
والمحروم) (25) خمس عشرة آية. قرأ (نزاعة) - بالنصب - حفص عن عاصم على الحال. الباقون بالضم جعلوه بدلا من (لظى) و (لظى) اسم من اسماء جهنم معرفة، و (نزاعة) نكرة فلذلك نصبه حفص على الحال ومن جعلها بدلا من (لظى) وتقديره كلا إنها لظى، كلا إنها نزاعة للشوى، وضعف أبو علي نصبه على الحال، قال: لانه ليس في الكلام ما يعمل في الحال، ولظى اسم معرفة لا يمكن أن يكون بمعنى التلظي، فلا يعمل فيه الاعلى وجه ضعيف بأن يقال: مع انها معرفة فمعناها بمعنى التلظي. قال والاجود أن ينصب بفعل آخر، وتقديره أعني نزاعة. لما وصف الله تعالى القيامة وأهوالها، واخبر أن الحميم لا يسأل حميا لشغله بنفسه، قال (يبصرونهم) قال ابن عباس وقتادة: يعرف الكفار بعضهم بعضا، ثم يفر بعضهم عن بعض، وقال مجاهد: يعرفهم المؤمنون، وقال قوم: يعرف اتباع الضلال رؤساءهم، وقول ابن عباس أظهر، لانه عقيب ذكر الكفار. وقال هو كناية ينبغي ان يرجع إليهم. وقوله (يود المجرم لو يفتدى من عذاب يومئذ ببنيه) أي بتمني العاصي، فالمودة مشتركة بين التمنى وبين المحبة تقول: وددت الشئ إذا تمنيته ووددته إذا احببته أود فيهما جميعا، وصفة ودود من المحبة. وقوله (لو يفتدي)، فالافتداء افتداء الضرر عن الشئ يبدل منه، فهؤلاء تمنوا سلامتهم من العذاب النازل بهم باسلام كل كريم عليهم. والفرق بين (يود لو يفتدي) و (يود أن يفتدي) أن (لو) تدل على التمني من جهة أنها لتقدير المعنى، وليس كذلك (أن) لانها لا ستقبال الفعل و (لو) للماضي، فلما كان الاعتماد على تصور المعنى صارفي حكم
[ 119 ]
الواقع، فلو قال قائل: حسبت أن يقوم زيد، لما دل على التمنى، ولو قال حسبت لو يقوم زيد لدل على التمني فبان الفرق بينهما. وقوله (ببنيه) يعني بأولاده الذكور (وصاحبته) يعني زوجته (واخيه) يعني ابن أبيه وأمه (وفصيلته التي تؤويه) فافصيلة هي المنقطعة عن جملة القبيلة برجوعها إلى ابوة خاصة، وهي الجماعة التي ترجع إلى أبوة خاصة عن ابوة عامة (ومن في الارض جميعا ثم ينجيه) أي يتمنى هذا الكافر بان يتخلص من بعذاب الله بأن يفتدى بهؤلاء كلهم، فقال الله تعالى (كلا) أي ليس ينجيه من عقاب الله شئ وقال الزجاج (كلا) ردع وتنبيه أي لا ينجيه احد من هؤلاء فارتدعوا. وقوله (إنها لظى) فلظى اسم من اسماء جهنم مأخوذ من التوقد، ومنه قوله (فانذرتكم نارا تلظى) (1) وموضع (لظى) رفع، لانها خبر (ان) و (نزاعة للشوى) خبر آخر - على قول من رفع - ومن نصب جعله حالا، ويجوز أن تكون الهاء في (إنها) عمادا،، و (لظى) ابتداء وخبرها (نزاعة) إذا رفع، قال الزجاج: ويجوز أن يكون كقولهم: هذا حلو حامض، وتقديره النار لظى، وهي انزاعة ايضا. ومعنى نزاعة كثيرة النزع وهو اقتلاع عن شدة. والاقتلاع أخذ بشدة اعتماد، والشوى جلدة الرأس. والشوى الكوارع والاطراف، والشوى ما عدا المقتل من كل حيوان، يقال: رمى فأشوى إذا اصاب غير المقتل، ورمى فأصمى إذا اصاب المقتل، ومنه الشوي، لان النار تأخذ الجلدة والاطراف بالتغير. والشوى الخسيس من المال. وقيل: ان جهنم تنزع جلدة الرأس واطراف البدن، والشوى جمع سواة قال الاعشى: قالت قتيلة ماله * قد حللت شيبا شواته (2) * (الهامش) * (1) سورة 92 الليل آية 14 (2) اللسان (شوا) (*)
[ 120 ]
وقال ابن عباس: نزاعة للشوى للجلد وأم الراس. وقال أبو صالح: لحم الساق، وقال قتادة: الهام والاطراف. وقال الفراء: كل ما كان غير مقتل فهو شوى. وقال أبو عمر الدوري: كان الكسائي لا يقف على (كلا) في شئ من القرآن إلا على هذين في هذه السورة. وقال ابن خالويه: أعلم أن في القرآن ثلاثا وثلاثين موضعا (كلا) فليس في النصف الاول منه شئ، فمن وقف عليه جعله رد للكلام. ومن لم يقف جعله بمعنى حقا، قال الشاعر: يقلن لقد بكيت فقلت كلا * وهل تبكي من الطرب الجليد (1) فالطرب خفة تصيب الانسان لشدة الخوف قال الشاعر: وأراني طربا في أثرهم * طرب الواله أو كالمختبل (2) وقال في السرور: اطربا وأنت قنسري * والدهر بالانسان دواري (3) يقول أطربا وأنت شيخ. وقوله تعالى (تدعو من أدبر وتولى) قيل في معناه قولان: احدهما - إنه لا يفوت هذه النار كافر، فكأنها تدعوه فيجيبها كرها. والثاني - ان يخرج لسان من النار فيتناوله كأنها داعية بأخذها، وهو كقوله (تكاد تميز من الغيظ) (4) وقال الفراء: وغيره: إن النار تدعو الكافر والفاسق، فتقول إلي الي، وهذا يجوز إذا فعل الله تعالى فيها الكلام، ويضاف إليها مجازا. وقال قتادة: تدعو من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقال مجاهد: من تولى عن الحق وقيل: معناه تدعو زبانيتها من أدبر وتولى عن طاعة الله. وقوله (وجمع فاوعى) * (الهامش) * (1) مقاييس اللغة 3 / 454 (2) مر في 3 / 21 و 5 / 247 (3) مر في 4 / 377، 505 و 8 / 63 (4) سورة 67 الملك آية 8 (*)
[ 121 ]
معناه عمل فجمع المال في الدنيا وأدبر عن الحق وتولى، فالنار تدعوه بما يظهر فيها من انه أولى بها. وقال مجاهد (جمع) المال (فاوعى) ولم يخرج حق الله منه، فكأنه جعله في وعاء على منع الحقوق منه. وقوله (إن الانسان خلق هلوعا) اخبار منه تعالى بان الانسان خلق هلوعا والهلوع هو الشديد الحرص، الشديد الجزع من الضجر - في قول ابن عباس وعكرمة - وقيل: معناه خلق ضعيفا عن الصبر على الجزع والهلع، لانه لم يكن في ابتداء خلقه يهلع ولا يجزع ولا يشعر بذلك حال الطفولية، وإنما جاز ان يخلق الانسان على هذه الصفة المذمومة، لانها تجري مجرى خلق سهوه القبيح ليجتنب المشتهى، لان المحنة في التكليف لا تتم إلا بمنازعة النفس إلى القبيح ليجتنب على وجه الطاعة لله تعالى، كما لايتم إلا بتعريف الحسن من القبيح في العقل ليجتنب أحدهما ويفعل الاخر (إذا مسه الشر جزوعا) لو كان منقطعا عن الاول لكان مرفوعا، والجزع ظهور الفزع بحال تنبئ عنه (وإذا مسه الخير منوعا) معناه إذا نال الانسان الخير والسعة في الدنيا منع حق الله فيه من الزكاة وغيرها مما فرض الله عليه، فالمس الملاقاة من غير فعل، ويقال: مسه يمسه، وتماسا إذا التقيا من غير فعل، وماسه مماسة. والمنع هو القطع عن الفعل بما لا يمكن وقوعه معه، وهو على وجهين: احدهما - منع القادر ان يفعل. والاخر - منع صاحب الحق أن يعطى حقه. والبخل منع الحق صاحبه. لما وصف الله تعالى الانسان بالصفات المذمومة اسنثنى من جملتهم من لا يستحق الذم، لان الانسان عبر به عن الناس، فهو لعموم الجنس، كما قال (إن الانسان لفي خسر ألا الذين) (1) وكذلك - ههنا - قال (إلا المصلين الذين هم * (الهامش) * (1) سورة 103 العصر آية 2 (*)
[ 122 ]
على صلاتهم دائمون) ومعناه الذين يستمرون على اداء الصلاة التي أوجبها الله عليهم لا يخلون بها ولا يتركونها. وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن ذلك في النوافل يديمون عليها وقوله (والذين هم على صلواتهم يحافظون) (1) في الفرائض والواجبات (والذين في أموالهم حق معلوم) فالحق وضع الشئ في موضعه على ما يقتضيه العقل والشرع من قولهم: حق الشئ يحق حقا، وحقه كقولك تحققه. والمال عبارة في الشرع عن مقدار معين من العين أو الورق يتعلق به وجوب الزكاة واكثر ما يستعمل في اللغة في المواشي من الابل والبقر والغنم. وقال ابن عباس: الحق المعلوم هو البر الذي يخرج في صدقة أو صلة رحم. وقال قتادة: هو الزكاة المفروضة (للسائل والمحروم) والسائل هو الذي يسأل ويطلب. والمحروم، قال ابن عباس: هو المحارف وقال الحسن: هو الذي حرم أن يعطى الصدقة بتركه المسألة. وقيل: هو الذي قد حرم الرزق وهو لا يسأل الناس. وقوله (عذاب يومئذ) قرئ بالفتح والكسر من (يومئذ) فمن كسر الميم فعلى أصل الاضافة، لان الذي أضيف إليه الاول مخفوض أيضا بالاضافة فهذا مضاف إلى مضاف. ومن فتح فلانه مضاف إلى غير متمكن مضاف إلى (إذ) و (إذ) مبهمة ومعناه يوم إذ يكون كذا ويكون كذا فلما كانت مبهمة وأضيف إليها بني المضاف إليها على الفتح وانشد: لم يمنع الشرب منها غيران نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال (2) لما اضاف (غير) إلى (ان) بناها على الفتح، وهي في موضع رفع، وروي (غير أن) نطقت بالرفع. * (الهامش) * (1) سورة 23 المؤمنون آية 9 (2) مر في 4 / 479 و 8 / 51 و 9 / 383 (*)
[ 123 ]
قوله تعالى:
(والذين يصدقون بيوم الدين (26) والذين هم من عذاب ربهم مشفقون (27) إن عذاب ربهم غير مامون (28) والذين هم لفروجهم حافظون (29) إلا على أزواجهم أوما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين (30) فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون (31) والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون (32) والذين هم بشهاداتهم قائمون (33) والذين هم على صلاتهم يحافظون (34) أولئك في جنات مكرمون) (35) عشر ايات. قرأ (شهاداتهم) على الجمع حفص ويعقوب وعياش وسهل، لا ختلاف الشهادات. الباقون (بشهادتهم) على التوحيد، لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. وقرأ ابن كثير وحده (لامانتهم) على التوحيد، لانه اسم جنس. الباقون على الجمع لا ختلاف الامانات. عطف الله تعالى على صفات المؤمنين وزاد في مدحهم، فقال (والذين يصدقون بيوم الدين) أي يؤمنون بأن يوم الجزاء والحساب يوم القيامة حق، ولا يشكون في ذلك، والتصديق الاقرار بأن الخبر صادق، فلما كان المؤمنون قد أقروا ان كل من اخبر بصحة يوم الدين فهو صادق، كانوا مصدقين به، فأما المصدق بيوم الدين تقليدا، فمن الناس من قال: هو ناج. ومنهم من قال: لا يطلق عليه مصدق بيوم الدين، لانها صفة مدح، وذلك أنه من أخلص هذا المعنى على جهة الطاعة لله تعالى
[ 124 ]
به استحق المدح والثواب، والمقلد عاص بتقليده، لانه لا يرجع فيه إلى حجة. وقوله (والذين هم من عذاب ربهم مشفقون) فالاشفاق رقة القلب عن تحمل ما يخاف من الامر، فإذا قسا قلب الانسان بطل الاشفاق، وكذلك إذا أمن كحال أهل الجنة إذ قد صاروا إلى غاية الصفة بحصول المعارف الضرورية. وقيل:
من اشفق من عذاب الله لم يتعد له حدا ولم يضيع له فرضا. وقوله (إن عذاب ربهم غير مأمون) اخبار منه تعالى بأن عذاب الله لا يوثق بأنه لا يكون، بل المعلوم أنه كائن لا محالة. والمعنى إن عذاب الله غير مأمون على العصاة، يقال: فلان مأمون على النفس والسر والمال، وكل ما يخاف انه لا يكون، ونقيضه غير مأمون. وقوله (والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) ومعناه إنهم يمنعون فروجهم على كل وجه وسبب إلا على الازواج وملك الايمان فكأنه قال: لا يبذلون الفروج إلا على الازواج أو ملك الايمان، فلذلك جاز ان يقول (حافظون إلا على أزواجهم) وهم حافظون لها على الازواج، فانما دخلت (إلا) للمعنى الذي قلناه، وقال الزجاج تقديره: إلا من أزواجهم ف (على) بمعنى (من) أو تحمله على المعنى، وتقديره فانهم غير ملومين على أزواجهم ويلامون على غير أزواجهم، وقال الفراء: لا يجوز أن تقول: ضربت من القوم إلا زيدا، وانت تريد إلا أني لم اضرب زيدا. والوجه في الاية أن نحملها على المعنى، وتقديره والذين هم لفروجهم حافظون، فلا يلامون إلا على غير أزواجهم. ومثله أن يقول القائل: أصنع ما شئت إلا على قتل النفس، فانك غير معذب، فمعناه إلا إنك معذب في قتل النفس. وقوله (فانهم غير ملومين) أي لا يلامون هؤلاء إذا لم يحفظوا فروجهم
[ 125 ]
من الازواج، وما ملكت أ يمانهم من الاماء على ما أباحه الله لهم. ثم قال (فمن ابتغى وراء ذلك) ومعناه فمن طلب وراء ما أباحه الله له من الفروج إما بعقد الزوجية أو بملك اليمين (فأولئك هم العادون) الذين تعدوا حدود الله وخرجوا عما أباحه الله لهم فالابتغاء الطلب ومعنى (وراء ذلك) ما خرج
عن حده من أي جهة كان، وقد يكون وراءه بمعنى خلفه نقيض أمامه إلا أنه - ههنا - الخارج عن حده كخروج ما كان خلفه. والعادي الخارج عن الحق، يقال: عدا فلان فهو عاد إذا اعتدى، وعدا في مشيه يعدو عدوا إذا أسرع فيه، وهو الاصل. والعادي الظالم بالاسراع إلى الظلم. وقوله (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون) فالامانة المعاقدة بالطمأنينة على حفظ ما تدعو إليه الحكمة. وقيل: الامانة معاقدة بالثقة على ما تدعو إليه الحكمة. وقد عظم الله أمر الامانة بقوله (إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فابين أن يحملنها واشفقن منها وحملها الانسان) (1) ومن وحد لفظ الامانة، فلانها للجنس تقع على القليل والكثير، ومن جمع أراد اختلاف ضروبها. وقال قوم: المراد بالامانة الايمان وما أخذه الله على عباده من التصديق بما أوجب عليهم والعمل بما يجب عليهم العمل به، ويدخل في ذلك الايمان وغيره، وقوله (راعون) معناه حافظون. وقوله (والذين هم بشهاداتهم قائمون) مدح للمؤمنين بأنهم يقيمون الشهادة التي يلزمهم إقامتها. ومن وحد لفظ الشهادة، فكما قلناه في الامانة سواء، والشهادة الاخبار بالشئ على أنه على ما شاهده، وذلك أنه يكون عن مشاهدة للخبر به، وقد يكون عن مشاهدة ما يدعو إليه. وقوله (والذين هم على صلاتهم يحافظون) وصف لهم بأنهم يحافظون على * (الهامش) * (1) سورة 33 الاحزاب آية 72 (*)
[ 126 ]
صلاتهم فلا يضيعونها وقيل إنهم يحافظون على مواقيتها فلا يتركونها حتى تفوت ثم قال (أولئك) يعني المؤمنين الذين وصفهم بالصفات المتقدمة (في جنات) أي بساتين يجنها الشجر (مكرمون) أي معظمون مبجلون بما يفعل بهم من الثواب والاكرام وهو الاعظام على الاحسان، والاكرام قد يكون بالاحسان، وقد يكون بكبر الشأن
في صفة العالم القادر الغني الذي لا يجوز عليه صفات النقص، فالاعظام بالاحسان وبكبر الشأن في أعلى المراتب لله تعالى لا يستحقه سواه. قوله تعالى: فمال الذين كفروا قبلك مهطعين (36) عن اليمين وعن الشمال عزين (37) أيطمع كل أمرئ منهم أن يدخل جنة نعيم (38) كلا إنا خلقناهم مما يعلمون (39) فلا أقسم برب المشارق والمغارب إنا لقادرون (40) على أن نبدل خيرا منهم وما نحن بمسبوقين (41) فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (42) يوم يخرجون من الاجداث سراعا كأنهم إلى نصب يوفضون (43) خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون) (44) تسع آيات. قرأ (نصب) بضمتين أهل الشام، وحفص عن عاصم، وسهل، على انه جمع (نصب) مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وقال غيره: هما لغتان، مثل ضعف وضعف. الباقون بفتح النون خفيفة. والنصب الصنم الذي كانوا يعبدونه،
[ 127 ]
سمي بذلك. وقيل: النصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل: معناه إلى علم يسبقون إليه قد نصب لهم. وقرأ الاعشى (يخرجون) بضم الياء. الباقون بفتحها أضافوا الخروج إليهم. يقول الله تعالى على وجه الانكار على الكفار (فما للذين كفروا) ومعناه أي شئ للذين كفروا بتوحيد الله وجحدوا نبوتك (قبلك مهطعين) أي نحوك مسرعين - في قول ابي عبيدة - وقال الحسن: معناه منطلقين. وقال قتادة: عامدين وقال ابن زيد: معناه لا يطرقون أي شاخصون. وجميع ذلك بمعنى الاسراع إلى
الشئ فمرة بتشوقه ومرة بقصده ومرة بشخوصه. وقال الزجاج: المهطع المقبل ببصره على الشئ لا يزايله، وذلك من نظر العدو، وإنما أنكر عليهم الاسراع إليه لانهم أسرعوا إليه ليأخذوا الحديث منه ثم يتفرقون عزين بالتكذيب عليه - ذكره الحسن - وقيل: أسرعوا إليه شخوص المتعجب منه. وقيل: أسرعوا إليه لطلب عيب له. وقيل: معناه فما للذين كفروا مسرعين في نيل الجنة مع الاقامة على الكفر والاشراك بالله في العبادة. وقوله (عن اليمين وعن الشمال عزين) قال ابن عباس: عن اليمين والشمال معرضين يستهزؤن، ومعنى (عزين) جماعات في تفرقة نحو الكراريس واحدهم عزة، وجمع بالواو والنون، لانه عوض مما حذف منه، ومثله سنة وسنون وأصل عزة عزوة من عزاه يعزوه إذا أضافه إلى غيره، وكل واحدة من هذه الجماعة مضافة إلى الاخرى، وقال الراعي: أخليفة الرحمن إن عشيرتي * أمسى سوامهم عزين فلولا (1) وقوله (ايطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم) فمن ضم الياء، * (الهامش) * (1) مجاز القرآن 2 / 27 والطبري 29 / 47 (*)
[ 128 ]
وهم أكثر القراء جعل الفعل لما لم يسم. فاعله. وفتح الحسن الياء لانهم إذا أدخلوا فقد دخلوا. ومعنى الاية الانكار عليهم قولهم: إن دخل أصحاب محمد الجنة، فانا ندخلها قبلهم لا محالة، فقيل وأي شئ لكم عند الله يوجب هذا ؟ ولم تحتقرون هؤلاء ؟ وقد خلقناهم جميعا مما يعلمون أي من تراب. وقوله (كلا إنا خلقناهم مما يعلمون) قال الحسن: خلقناهم من النطفة. وقال قتادة: إنما خلقت من قذر يابن آدم فاتق الله. وقال الزجاج: أي من تراب، ثم من نطفة، فأي شئ لهم يدخلون به الجنة، وهم لك على العداوة، وهذا
حجاج لان خلقهم من ماء مهين يقتضى أنهم خلقوا للعبادة، فجعل في خلقهم من هذا عبرة، ولولا ذلك لابتدأهم في نعيم الجنة، ولم يكن لتنقلهم في الصور والاحوال معنى في الحكمة، وقال بعضهم: المعنى خلقناهم من الذين يعلمون أو من الخلق أو الجنس الذي يعلمون ويفقهون، وتلزمهم الحجة، ولم يخلقهم من الجنس الذي لا يفقه كالبهائم والطير، وإنما قال (مما يعلمون) فجمع، لانه قال قبل ذلك (خلقناهم) فجمع (يعلمون) ووجه أخر وهو أنه خلقهم من أجل ما يعلمون من الثواب والعقاب والتكليف للطاعات تعريضا للثواب، كما يقول القائل: غضبت عليك مما تعلم أي من أجل ما تعلم قال الاعشى: أأزمعت من آل ليلى ابتكارا * وشطت على ذى هوى أن تزاوا (1) على انه لم يزمع من عندهم، وإنما أزمع من أجلهم للمصير إليهم. وقوله (فلا أقسم برب المشارق والمغارب) قسم من الله تعالى برب المطالع والمغارب، و (لا) مفخمة وقد بينا القول في ذلك. وقال ابن عباس: الشمس لها ثلثمائة وستون مطلعا كل يوم مطلع لاتعود إليه إلا إلى قابل. وقوله (إنا لقادرون) * (الهامش) * (1) ديوانه 80 واللسان (زمع) (*)
[ 129 ]
جواب القسم وفيه إخبار من الله تعالى بأنه قاد (على أن نبدل) بالكفار (خيرا منهم) فالتبديل تصبير الشئ موضع غيره، بدله تبديلا وأبدله إبدالا، والبدل الكائن في موضع غيره. وقوله (وما نحن بمسبوقين) عطف على جواب القسم، ومعناه إن هؤلاء الكفار لا يفوتون بأن يتقدموا على وجه يمنع من لحاق العذاب بهم فلم يكونوا سابقين، ولا العقاب مسبوقا منهم، فالسبق نقدم الشئ في وقت قبل وقت غيره. والتقدير وما نحن بمسبوقين بفوت عقابنا إياهم، وكأنه لوفاتهم عقابنا لكنا قد سبقنا، وما نحن بمسبوقين. وقيل: معناه وما أهل سلطاننا بمسبوقين. وقيل:
وما نحن بمغلوبين بالفوت. ثم قال على وجه التهديد لهم بلفظ الامر للنبي صلى الله عليه واله (فذرهم) أي اتركهم (يخوضوا ويلعبوا) فان وبال ذلك عائد عليهم والعقاب المستحق على كفرهم حال بهم، واللعب عمل للترويج عن النفس بما هو حقير في العقل، كلعب الصبيان ومن جرى مجراهم من ناقصي العقل، ولا يجوز من الحكيم أن يفعل اللعب لغيره، لانه عمل وضيع في الحكمة (حتى يلافوا يومهم الذي يوعدون) ومعناه حتى يروا اليوم الذي يوعدون فيه بالعقاب على المعاصي والثواب على الطاعات ثم بين صفة ذلك اليوم، فقال (يوم يخرجون من الاجداث) يعني من القبور وأحدها جدث وجدث. ونصب (سراعا) على الحال، ومعناه مسرعين (كأنهم إلى نصب يوفضون) شبههم في اسراعهم من قبورهم إلى أرض المحشر بمن نصب له علم أو صنم يستبقون إليه، والايفاض الاسراع أو فض يوفض ايفاضا إذا أسرع قال رؤبة. يمشي بنا الجد على أو فاض (1) * (آلهامش) * (1) اللسان (وفض) (ج 10 م 17 من التبيان) (*)
[ 130 ]
إى على عجلة. والنصب نصب الصنم الذى كانوا يعبدونه. وقيل اسم الصنم نصب وجمعه نصب مثل رهن ورهن - في قول ابي عبيدة - وأنشد الفراء في الايفاض: لانعتن نعامة ميفاضا * خرجاء ظلت تطلب الافاضا (1) فخرجاء ذات لونبن، ويقال للقميص المرقع برقعة حمراء أخرج، لانه خرج عن لونه، والافاض طلب ملجأ يلجأ إليه، وقال بشر بن ابي حازم: أهاجك نصب أم بعينك منصب
وقال الاعشي: وذا النصب المنصوب لا تنسكنه * لعافية والله ربك فاعبدا (2) وقوله (خاشعة أبصارهم) أي ذليلة خاضعة (ترهقهم ذلة) أي يغشاهم ويركبهم ذل وصغار وخزي لما يرون نفوسهم مستحقة للعقاب واللعن من الله. ثم قال تعالى (ذلك هو اليوم الذى كانوا يوعدون) به في دار التكليف فلا يصدقون به ويجحدونه، وقد شاهدوه في تلك الحال. وقوله (إنا لقادرون على ان نبدل خيرا منهم) لا يدل على أنه تعالى قادر على ان يبدل بالكفار من هو خيرا منه ولم يخلقهم، فيكون قد أخل بالاصلح لانه اخبر عن انه قادر على خير منهم وقد خلق قوما آمنوا بالنبي صلى الله عليه واله وبذلوا نفوسهم وأموالهم. * (الهامش) * (1) اللسان (وفض) (2) مر في 1 / 465 و 4 / 18 (*)
[ 131 ]
71 - سورة نوح: مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وهي ثمان وعشرون آية في الكوفي، وتسع عشرون في البصري، وثلاثون في المدنيين بسم الله الرحمن الرحيم (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه أن أنذر قومك من قبل أن ياتيهم عذاب اليم (1) قال يا قوم إني لكم نذير مبين (2) أن اعبدوا الله واتقوه وأطيعون (3) يغفر لكم من ذنوبكم ويؤخركم إلى أجل مسمى إن أجل مسمى إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون (4) قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا (5) فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) (6) ست آيات.
قرأ (ان عبدوا الله) بكسر النون عاصم وحمزة وابو عمرو، على اصل التقاء الساكنين. الباقون بالضم اتباعا للضمة على الباء في (عبدوا الله) وقرأ الفراء (دعائي) ممدوا إلا شبلا عن ابن كثير، فانه قصر، وفتح الياء مثل عصاي قال أبو علي: فتح الياء وإسكانها حسنان، فاما قصر الكلمة فلم اسمعها، ويجوز أن
[ 132 ]
تكون لغة. يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه (إنا أرسلنا نوحا) أي بعثنا نوحا نبيا (إلى قومه أن انذر قومك) أي بأن انذر قومك، فموضع (أن) نصب بسقوط الباء. وقال قوم: موضعه الجر لقوة حذفها مع (أن). وقال آخرون: يجوز أن تكون (أن) بمعنى أي المفسره، فلا يكون لها موضع من الاعراب. وقرأ ابن مسعود (أرسلنا نوحا إلى قومه أنذر) بلا (أن) لان معنى الارسال معنى القول فكأنه قال: قلنا له: أنذر قومك. والانذار التخويف بالاعلام بموضع المخافة ليتقى. ونوح عليه السلام قد انذر قومه بموضع المخافة وهي عبادة غير الله، وإنتهاك محارمه، وأعلمهم وجوب طاعته وإخلاص عبادته. وقوله (من قبل أن يأتيهم عذاب اليم) معناه اعلمهم وجوب عبادة الله وخوفهم خلافه من قبل أن ينزل عليهم العذاب المؤلم، فانه إذا نزل بهم العذاب لم ينتفعوا با لانذار ولا تنفعهم عبادة الله حينئذ، لانهم يكونون ملجئين إلى ذلك. وقال الحسن: أمره بأن ينذرهم عذاب الدنيا قبل عذاب الاخرة. ثم حكى أن نوحا عليه السلام امتثل ما أمره الله به و (قال) لقومه (يا قوم إني لكم نذير مبين أن اعبدوا الله واتقوه) أي مخوفكم عبادة غير الله اوأحذركم معصية الله مظهر ذلك لكم (واتقوه) بترك معاصيه (وأطيعون) فيما أمركم به لان طاعتي مقرونة بطاعة الله، وتمسككم بطاعتي لطف لكم في التمسك بعبادة الله، واتقاء معاصيه،
فلذلك وجب عليكم ما أدعوكم إليه على وجه الطاعة، وطاعة الله، واجبة عليكم لمكن النعمة السابغة عليكم التي لا يوازيها نعمة منعم. ثم بين لهم ما يستحقون على طاعة الله وطاعة رسوله فقال متى فعلتم ذلك (يغفر لكم من ذنوبكم) ودخلت (من) زائدة وقيل (من) معناها (عن)
[ 133 ]
والتقدير يصفح لكم عن ذنوبكم، وتكون عامة. وقيل: إنها دخلت للتبعيض، ومعناها يغفر لكم ذنوبكم السالفة، وهي بعض الذنوب التي تضاف إليهم، فلما كانت ذنوبهم التي يستأنفونها لا يجوز الوعد بغفرانها مطلقا - لما في ذلك من الاغراء بالقبيح - قيدت هذا التقييد. وقيل: معناها (يغفر لكم من ذنوبكم) بحسب ما تكون التوبة متعلقة بها، فهذا على التبعيض إن لم يقلعوا إلا عن البعض. وهذا على مذهب من يقول: تصح التوبة من قبيح مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه. وقال الزجاج: دخلت (من) لتخص الذنوب من سائر الاشياء، لا لتبعيض الذنوب. وأكثر النحويين وأكثر القراء على إظهار الراء عند اللام في (يغفر لكم) وأختار أبو عمرو الادغام، لان إذهاب التكرير لا يخل، لان الثاني مثل الاول. وإنما يخل إذهاب ماله حس في المسموع، كالذي لحروف الصفير وبحروف المد واللين وقوله (ويؤخركم إلى أجل مسمى) عطف على الجزاء فلذلك جزمه، والمعنى إنكم إن اطعتم الله ورسوله غفر لكم ذنوبكم وأخركم إلى الاجل المسمى عنده وفي الاية دليل على الاجلين، لان الوعد بالاجل المسمى مشروط بالعبادة والتقوى، فلما لم يقع اقتطعوا بعذاب الاستئصال قبل الاجل الاقصى بأجل أدنى. وكل ذلك مفهوم هذا الكلام. وقيل تقديره إن الاجل الاقصى لهم إن آمنوا، وليس لهم إن لم يؤمنوا، كما أن الحنة لهم إن آمنوا وليست لهم إن لم يؤمنوا. ثم اخبر (ان أجل الله) الاقصى إذا جاء لا يؤخر (لو كنتم تعلمون)
صحة ذلك وتؤمنون به، ويجوز ذلك أن يكون اخبارا من الله عن نفسه، ويجوز ان يكون حكاية عن نوح أنه قال ذلك لقومه. ثم حكى تعالى ما قال نوح لله تعالى فانه قال يا (رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا) إلى عبادتك وخلع الانداد من دونك والى الاقرار بنبوتي (فلم يزدهم دعائي
[ 134 ]
الا فرارا) أي لم يزدادوا بدعائي الا فرارا عن قبوله وبعدا عن استماعه، وانما سمي كفرهم عند دعائه زيادة في الكفر، لانهم كانوا على كفر بالله وضلال عن حقه، ثم دعاهم نوح إلى الاقرار به وحثهم على الاقلاع عن الشرك، فلم يقبلوا، فكفروا بذلك، فكان ذلك زيادة في الكفر، لان الزيادة اضافة شئ إلى مقدار بعد حصوله منفردا، ولو حصلا ابتداء في وقت واحد لم يكن أحدهما زيادة على الاخر، ولكن قد يكون زيادة على العطية. قيل: وإنما جاز أن يكون الدعاء إلى الحق يزيد الناس فرارا منه للجهل الغالب على النفس، فتارة يدعو إلى الفرار مما نافره، وتارة يدعو إلى الفساد الذي يلائمه ويشاكله فمن ههنا لم يمتنع وقوع مثل هذا، والفرار ابتعاد عن الشئ رغبة عنه أو خوفا منه، فلما كانوا يتباعدون عن سماع دعائه رغبة عنه كانوا قد فروا منه. قوله تعالى: (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا (7) ثم إني دعوتهم جهارا (8) ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرارا (9) فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا (10) يرسل السماء عليكم مدرارا (11) ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا (12) مالكم لا ترجون لله وقارا (13) وقد خلقكم
أطوارا) (14) ثمان آيات.
[ 135 ]
لما حكى الله تعالى عن نوح أنه قال يا رب اني دعوت قومي إلى طاعتك ليلا ونهارا فلم يزدادوا عند دعائي إلا بعدا عن القبول قال (وإني كلما دعوتهم) إلى اخلاص عبادتك (لتغفر لهم) معاصيهم جزاء على ذلك (جعلوا أصابعهم في آذانهم) لئلا يسمعوا كلامي ودعائي (واستغشوا ثيابهم) أي طلبوا ما يستترون به من الثياب ويختفون به لئلا يرونه. وقال الزجاج: معناه إنهم كانوا يسدون آذانهم ويغطون وجوههم لئلا يسمعوا كلامه. فالاستغشاء طلب الغشى، فلما طلبوا التغشي بثيابهم فرارا من الداعي لهم، كانوا قد استغشوا (وأصروا) أي اقاموا على كفرهم ومعاصيهم عازمين على فعل مثله، فالاصرار الاقامة على الامر بالعزيمة عليه فلما كانوا مقيمين على الكفر بالعزم عليه كانوا مصرين. وقيل إن الرجل منهم كان يذهب بابنه إلى نوح، فيقول لابنه: احذر هذا لا يغوينك، فان ابي قد ذهب بي إليه وأنا مثلك، فحذرني كما حذرتك، ذكره قتادة. وقوله (واستكبروا استكبارا) أي طلبوا بامتناعهم من القبول مني واخلاص عبادتك تجبرا في الارض وعلوا فيها. ثم حكى أنه قال (ثم اني دعوتهم جهارا) أي اعلانا (ثم اني أعلنت لهم) أي أظهرت الدعاء لهم إلى عبادتك تارة (وأسررت لهم) أي وأخفيت لهم الدعاء إلى مثل ذلك كرة أخرى (فقلت) لهم (واستغفروا ربكم) أي اطلبوا المغفرة على كفركم ومعاصيكم من الله تعالى (إنه كان غفارا) لكل من طلب منه المغفرة ويغفر فيما بعد لمن يطلب منه ذلك ومتى فعلتم ذلك واطعمتوه ورجعتم عن كفركم ومعاصيكم (يرسل) الله تعالى (السماء عليكم مدرارا) أي كثيرة الدرور بالغيث والمطر، وقيل: إنهم كانوا قحطوا وأجدبوا وهلكت اولادهم ومواشيهم، فلذلك رغبهم في ترك ذلك بالرجوع إلى الله، والدرور تجلب الشئ حالا بعد حال على
الاتصال يقال: در درا ودرورا فهو دار، والمطر الكثير الدرور مدرارا. وقيل:
[ 136 ]
ان عمر لما خرج يستسقي لم يزد على الاستغفار وتلا هذه الاية. وقوله (ويمددكم بأموال وبنين) عطف على الجزاء. وتقديره إنكم متى اطعتموه وعبدتموه مخلصين أرسل عليكم المطر مدرارا وأمدكم بأموال وبنين، فالامداد إلحاق الثاني بالاول على النظام حالا بعد حال، يقال: أمده بكذا يمده امدادا، ومد النهر وأمده نهر آخر. والاموال جمع الحال، وهو عند العرب النعم. والبنون جمع إبن، وهو الذكر من الولد (ويجعل لكم جنات) أي بساتين تجنها الاشجار (ويجعل لكم أنهارا) وهو جمع نهر وهو المجرى الواسع للماء دون سعة البحر وفوق الجدول في الاتساع لان الجدول النهر الصغير يرى شدة جرية لضيقه ويخفى في النهر ضربا من الخفاء لسعته ثم قال لهم على وجه التبكيت (مالكم) معاشر الكفار (لا ترجون لله وقارا) أي عظمة - في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك - والمراد - ههنا - سعة مقدوراته تعالى، وأصل الوقار ثبوت ما به يكون الشئ عظيما من الحكم والعلم الذي يمتنع معه الخرق، ومنه قره في السمع ووعاه في القلب إذا ثبت في السمع وحفظه القلب. وقيل: معنى ترجون تخافون. قال أبو ذؤيب: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل (1) أي لم يخف، وكأنه قال: مالكم لا ترجون لله عاقبة عظيمة من الثواب بالخلود في النعيم أو تخافون عاقبة عصيانه بالدخول في عذاب النار (وقد خلقكم أطوارا) فالاطوار انتقال الاحوال حالا بعد حال. وقيل: معناه صبيا ثم شابا ثم شيخا ثم غير عاقل ثم عاقلا وضعيفا ثم قويا. وقال: ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك وابن زيد: نطفة ثم علقة ثم مضغة. وقيل: معناه على ألوان مختلفة بيضاء وسوداء وشقراء وصفراء.
* (الهامش) * (1) مر في 2 / 210 و 3 / 315 و 7 / 491 و 8 / 187 (*)
[ 137 ]
قوله تعالى: (ألم تروا كيف خلق الله سبع سموات طباقا (15) وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا (16) والله أنبتكم من الارض نباتا (17) ثم يعيد كم فيها ويخرجكم إخراجا (18) والله جعل لكم الارض بساطا (19) لتسلكوا منها سبلا فجاجا) (20) ست آيات. يقول الله تعالى مخاطبا لخلقه المكلفين، ومنبها لهم على توحيده وإخلاص عبادته (ألم تروا) ومعناه ألم تعلموا (كيف خلق الله سبع سموات) أي اخترع سبع سموات (طباقا) أي واحدة فوق الاخرى فالطباق مصدر طابقت مطابقة وطباقا والطباق منزلة فوق منزلة. ونصب (طباقا) على احد وجهين: احدهما - على الفعل وتقديره وجعلهن طباقا. والاخر - جعله نعتا ل (سبع). وجعل (القمر فيهن نورا) روي أن الشمس يضئ ظهرها لما يليها من السموات، ويضئ وجهها لاهل الارض، وكذلك القمر. والمعنى وجعل الشمس والقمر نورا في السموات والارض. وقال قوم: معنى (فيهن) معهن، وحروف الصفات بعضها يقوم مقام بعض. وقال قوم: معناه في حيزهن، وإن كان في واحدة منها، كما يقول القائل: إن في هذه الدور لبئرا وإن كان في واحدة منها، وكذلك يقولون: هذا المسجد في سبع قبائل وإن كان في احداها. والجعل حصول الشئ على المضى بقادر عليه. وقد يكون (ج 10 م 18 من التبيان)
[ 138 ]
ذلك بحدوث نفسه. وقد يكون بحدوث غيره له. والجعل على أربعة اوجه: اولها - أحداث النفس، كجعل البناء والنساجة وغير ذلك. والثاني - بقلبه، كجعل الطين خزفا. والثالث - بالحكم كجعله كافرا أو مؤمنا والرابع - بالدعاء إلى الفعل كجعله صادقا وداعيا. والنور جسم شعاعي فيه ضياء كنور الشمس، ونور القمر، ونور النار، ونور النجوم، وشبه بذلك نور الهدى إلى الحق، فالله تعالى جعل القمر ضياء في السموات السبع - في قول عبد الله بن عمر - وقيل: جعله نورا في ناحيتهن (وجعل الشمس سراجا) فالسراج جسم يركبه النور للاستصباح به، فلما كانت الشمس قد جعل فيها النور للاستضاءة به كانت سراجا، وهي سراج العالم كما أن المصباح سراج هذا الانسان. وقوله (والله أنبتكم من الارض نباتا) فالانبات إخراج النبات من الارض حالا بعد حال. والنبات هو الخارج بالنمو حالا بعد حال، والتقدير في (أنبتكم نباتا) أي فنبتم نباتا، لان أنبت يدل على نبت، من جهة انه متضمن به. وقوله (ثم يعيدكم فيها) فالاعادة النشأة الثانية، فالقادر على النشأة الاولى قادر على الثانية، لانه باق قادر على اختراعه من غير سبب يولده، والمعنى إن الله يردكم في الارض بأن يميتكم فتصيروا ترابا كما كنتم أول مرة (ويخرجكم اخراجا) منها يوم القيامة كما قال (منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (1) ثم قال (والله جعل لكم الارض بساطا) أي مبسوطة يمكنكم المشي عليها والاستقرار فيها. وبين أنه إنما جعلها، كذلك (لتسلكوا منها سبلا فجاجا) فالفجاج * (الهامش) * (1) سورة 20 طه آية 55 (*)
[ 139 ]
جمع (فج) وهى الطريقة المتسعه المتفرقة، وقيل: طرقا مختلفة - ذكره ابن عباس - والفج المسلك بين جبلين، ومنه الفج الذي لم يستحكم أمره، كالطريق بين جبلين. وإنما عدد تعالى هذه الضروب من النعم امتنانا على خلقه وتنبيها لهم على استحقاقه للعبادة الخالصة من كل شرك، ودلالة لهم على انه عالم بمصالح خلقه، ومدبر لهم على ما تقتضيه الحكمة، فيجب أن يشكروه على هذه النعمة ولا يقابلونها بالكفر والجحود. قوله تعالى: (قال نوح رب إنهم عصوني واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا (21) ومكروا مكرا كبارا (22) وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا * ولا يغوث ويعوق ونسرا (23) وقد أضلوا كثيرا ولا تزد الظالمين إلا ضلالا (24) مما خطيئاتهم أغرقوا فادخلوا نارا * فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا (25) وقال نوح رب لا تذر على الارض من الكافرين ديارا (26) إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا (27) رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تبارا) (28). قرأ (ماله وولده) بالفتح نافع وعاصم وابن عامر. والباقون بضم الواو وسكون اللام، وهما لغتان مثل حزن وحزن ونخل ونخل وعدم وعدم. وقال قوم: الولد - بالضم - جمع ولد مثل رهن ورهن وعرب وعرب وعجم وعجم. وقرأ نافع
[ 140 ]
(ودا) بضم الواو. الباقون بفتحها، وهما لغتان، وهو اسم الصنم. وقال قوم: بالضم المحبة، وبالفتح الصنم. والسواع - ههنا - صنم، وفى غير هذا الساعة من الليل. ومثله السعواء. وقرأ أبو عمرو (خطاياهم) على جمع التكسير. الباقون
(خطيئاتهم) على جمع السلامة. حكى الله تعالى عن نوح أنه (قال) داعيا الله (يا رب انهم) يعني قومه (عصوني) فيما آمرهم به وأنهاهم عنه، فالمعصية مخالفة المراد إلى المكروه المزجور عنه. ومخالفة ما أراده الحكيم تكون على وجهين: احدهما - على المأذون فيه من غير أن يريده. والاخر - إلى المكروه المزجور عنه، فهو بالاول مقصر عن ما هو الاولى فعله. وبالثاني عاص. وقوله (واتبعوا من لم يزده ماله وولده إلا خسارا) تمام الحكاية عن نوح أنه وصف به قومه بأنهم عصوه فيما دعاهم إليه واتبعوا الذي لم يزده ماله وولده إلا خسارا يعني هلاكا، فالخسار الهلاك بذهاب رأس المال ففيه معنى الهلاك وليس كذلك الخسران، لانه محتمل للقليل الذي لا يجحفه ذهابه والكثير الذي يجحف وأما الخسار ففيه معنى ذهاب الكثير، ولهذا بني على صفة الهلاك. وقوله (ومكروا مكرا كبارا) فالمكر الفتل بالحيلة الخفية إلى خلاف الجهة الموافقة بما فيها من المضرة، مكر يمكر مكرا، فهو ماكر، والشئ ممكور به، قال ذو الرمة: عجزاء ممكورة خمصانة قلق * عنها الوشاح وتم الجسم والقصب (1) أي ملتفة مفتولة. والكبار الكبير - في قول مجاهد وابن زيد - يقولون عجيب * (الهامش) * (1) مر في 4 / 513، 541 و 5 / 128 (*)
[ 141 ]
. وعجاب بالتخفيف والتشديد. ومثله جميل وجمال وجمال وحسن وحسان. (وقالوا) يعني الكفار بعضهم لبعض (لا تذرن آلهتكم) أي لا تتركوا عبادة أصنامكم (ولا تذرن ودا ولا سواعا) وهما صنمان لهم كانوا يعبدونهما، فكانت (ود) لكلب
(وسواع) لهمدان (ويغوث) لمذحج (ويعوق) لكنانة (ونسرا) لحمير - في قول قتادة -. وقوله (قد أضلوا كثيرا) معناه ضل بهم خلق كثير. وقيل: معناه إن عبادتهم أضلت خلقا عن الثواب لمن استحق العقاب، وأضلهم بالذم والتحسر عن حال أهل الفلاح، وإنما جمع الاصنام بالواو لما أسند إليها ما يسند إلى العالم من استحقاق العبادة، ولم يصرفوا (يغوث) و (يعوق) لانه على لفظ المضارع من الافعال، وهي معرفة، وقد نونهما الاعمش، واخراجهما مخرج النكرات أي صنما من الاصنام. ثم قال نوح (ولا تزد الظالمين إلا ضلالا) ومعناه إلا عذابا وسمي العذاب ضلالا كقوله (إن المجرمين في ضلالا وسعر) (1) وقيل: كانت هذه الاصنام المذكورة يعبدها قوم نوح، ثم عبدتها العرب فيما بعد - في قول ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد - ولا يجوز في صفة الحكيم الاضلال عن الايمان. وقوله (مما خطاياهم) (ما) صلة وتقديره من خطاياهم بمعنى من أجل ما ارتكبوه من الخطايا والكفر (أغرقوا) على وجه العقوبة (فادخلوا) بعد ذلك (نارا) ليعاقبوا فيها (فلم يجدوا لهم من دون الله أنصارا) أي من يدفع عنهم ما نزل بهم من العقاب المستحق على كفرهم. ثم حكى ما قال نوح أيضا فانه قال (رب لا تذر على الارض من الكافرين * (الهامش) * (1) سورة 54 القمر آية 47 (*)
[ 142 ]
ديارا) قال قتادة: ما دعا عليهم إلا بعد ما أنزل عليه (أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) (1) فلذلك قال (إنك) يا رب (ان تذرهم) يعني تتركهم ولا تهلكهم (يضلوا عبادك) عن الدين بالاغواء عنه والدعاء إلى خلافه (ولا يلدوا
إلا فاجرا كفارا) وإلا فلم يعلم نوح الغيب، وإنما قال ذلك بعد أن اعلمه الله ذلك وإنما جاز أن يقول (ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا) فيسيمهم بالكفر والفجور قبل أن يعملوه، لانه على وجه الحكاية والاخبار بما يكون منهم لو وجدوا لا على وجه الذم لهم، لاقتضاء العقل على أنه لا يذم على الكفر من لم يكن منه كفر، فكأنه قال ولا يلدوا إلا من إذا بلغ كفر، و (الديار) فيعال من الدوران، أي ولا تذر على الارض منهم أحدا يدور في الارض بالذهاب والمجئ قال الشاعر: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا * ألا يجاورنا إلاك ديار (2) أي إلا ياك، فجعل المتصل موضع المنفصل ضرورة. وقال الزجاج: تقول ما في الدار أحد، ولا بها ديار، وأصله ديوار (فيعال) فقلبت الواو ياء. وأدغمت احداهما في الاخرى. والفاجر من فعل الفجور، وهي الكبيرة التي يستحق بها الذم. و (الكفار) من اكثر من فعل الكفر لانه لفظ مبالغة. وكافر يحتمل القليل والكثير. ثم حكى ان نوحا سأل الله تعالى فقال (رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات) قيل المراد بالبيت مسجده. وقيل أراد سفينته. وذلك على وجه الانقطاع إليه تعالى، لانه لا يفعل معصية يستحق بها العقاب. فأما والده والمؤمنون والمؤمنات الذين استغفر لهم فيجوز أن يكون منهم معاص يحتاج أن يستغفرها لهم. * (الهامش) * (1) سورة 11 هود آية 36 (2) أوضح المسالك 1 / 60 (*)
[ 143 ]
وقوله (ولا تزد الظالمين إلا تبارا) فالتبار الهلاك والعقاب، وكل من أهلك فقد تبر، ولذلك سمي كل شئ مكسر تبرا، ويجوز أن يكون معناه لا تزدهم إلا ضالا أي عذابا على كفرهم. وقال البلخي: لا تزدهم إلا منعا من الطاعات
عقوبة لهم على كفرهم، فانهم إذا ضلوا استحقوا منع الالطاف التي يعفل بالمؤمنين فيطيعون عندها، ويمتثلون أمر الله، ولا يجوز أن يفعل بهم الضلال عن الحق، لانه سفه فتعال الله عن ذلك علوا كبيرا.
[ 144 ]
72 - سورة الجن مكية في قول قتادة وابن عباس والضحاك وغيرهم وهي ثمان وعشرون آية ليس فيها اختلاف. قال الحسن: نزلت هذه السورة فقرأها رسول الله صلى الله عليه واله على نفر من الجن فآمنوا به فأتوا قومهم فقالوا (إنا سمعنا قرآنا عجبا) وكان يقول بعث الله محمدا إلى الجن والانس وقال غيرهم من المفسرين: لما رميت الشياطين بالشهب ومنعوا من صعود السماء، قال لهم ابليس ما هذا الحادث ؟ فبث شياطينه في الارض فبعث قوما من جن اليمن فلقوا النبي صلى الله عليه واله بمكة يصلي بأصحابه ويقرأ القرآن فاعجبهم ذلك وآمنوا به، وأخبروا قومهم فقال ابليس لهذا رجمتم. بسم الله الرحمن الرحيم (قل أوحي إلى أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا (1) يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا (2) وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا (5) وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن
[ 145 ]
فزادوهم رهقا (6) وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الان
يجد له شهابا رصدا (9) وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الارض أم أراد بهم ربهم رشدا) (10) عشر آيات. قال الفراء: قرأ حوبة بن عابد (قل أحي إلي) أراد وحي الي مثل وعد فقلبت الواو همزة، كما قلبها في قوله (وإذا الرسل اقتت) (1) وأصله وقتت. والعرب تقول: وحيت إليه، واوحيت بمعنى واحد وومأت إليه وأومات، قال الراجز: وحى لها القرار فاستقرت (2) وقرأ ابن كثير وابو عمرو (قل أوحى إلى أنه استمع) و (أن لو استقاموا) (وأن المساجد لله) و (أنه لما قام عبد الله) أربعة أحرف - بفتح الالف - والباقي من أول السورة إلى ههنا بكسر الالف. وقرأ نافع وعاصم في رواية أبي بكر كذلك، إلا قوله (وانه لما قام عبد الله) فانه قرأ بالكسر. الباقون بفتح جميع ذلك إلا ما جاء بعد (قول) أو (فاء جزاء) فانهم يكسرونه من فتح جميع ذلك جعله عطفا علي (أوحي إلي انه) وأنه. ومن كسر عطف على قوله (إنا) وإنا. قال * (الهامش) * (1) سورة 77 المرسلات آية 11 (2) مر في 2 / 459 و 3 / 84 و 4 / 61 و 6 / 403 (ج 10 م 19 من التبيان) (*)
[ 146 ]
قوم: ومن نصب فعلى تقدير آمنا به وبكذا فعطف عليه. قال الزجاج: إن عطف على الهاء كان ضعيفا، لان عطف المظهر على المضمر ضعيف، ومن جعله مفعول (آمنا) فنصبه به كأنه قال: آمنا بكذا وكذا، وأسقط الباء فنصب على المعنى، لان معنى (آمن) صدق، فكأنه قال: صدقنا بكذا وكذا، وحذف الجار. ومن كسر من هؤلاء بعد القول أو فاء الجزاء، فلانه لا يقع بعد القول والفاء إلا ما هو ابتداء،
أو ما هو في حكم الابتداء. ومن كسر جميع ذلك جعله مستأنفا، ولم يوقع (آمنا) عليه، وما نصب من ذلك جعله مفعولا بايقاع فعل عليه. فأما قوله (أوحي الي انه استمع) فمفعول (أوحي) لا غير بلا خلاف. وقرأ أبو جعفر (أن لن تقول الانس) على معنى تكذب. الباقون بتخفيف الواو من القول. يقول الله تعالى آمرا لمحمد نبيه صلى الله عليه واله (قل) يا محمد لقومك ومن بعثت إليه (اوحي الي) فالايحاء القاء المعنى إلى النفس خفيا كالالهام، وانزال الملائكة به لخفائه عن الناس إلا على النبي الذي انزل إليه كالايماء الذي يفهم به المعنى. والمراد - ههنا - انزال الملك به عليه. ثم بين ما أوحي إليه فقال (انه استمع نفر من الجن) فالاستماع طلب سماع الصوت بالاصغاء إليه، وهو تطلب لفهم المعنى، وتطلب ليستدل به على صاحبه. وقيل: ان الجن لما منعوا من استراق السمع طافوا في الارض، فاستمعوا القرآن، فآمنوا به، فانزل بذلك الوحي على النبي صلى الله عليه اله ذكره ابن عباس ومجاهد والضحاك وغيرهم. والنفر الجماعة. والجن جيل رقاق الاجسام خفية على صور مخصوصة بخلاف صورة الملائكة والناس. وقيل: العقلاء من الحيوان ثلاثة اصناف: الملائكة، والناس، والجن. والملك مخلوق من النور، والانس من الطين والجن من النار. ثم ذكر انه قالت الجن بعضها لبعض (إنا سمعنا قرآنا عجبا) والعجب هو
[ 147 ]
كل شئ لا يعرف سببه. وقيل: هو ما يدعو إلى التعجب منه لخفاء سببه وخروجه عن العادة في مثله، فلما كان القرآن قد خرج بتأليفه عن العادة في الكلام، وخفي سببه عن الانام كان عجبا، وقوله (يهدي إلى الرشد) حكاية ما قالت الجن ووصفت به القرآن، فانهم قالوا: هذا القرآن يهدي إلى ما فيه الرشاد والحق (فآمنا به) أي صدقنا بأنه من
عند الله (ولن نشرك) فيما بعد (بربنا احدا) فنوجه العبادة إليه بل نخلص العبادة له تعالى (وانه تعالى جد ربنا) من كسر الهمزة عطفه على قوله (إنا سمعنا) وحكى أنهم قالوا (إنه) ويجوز أن يكون استأنف الاخبار عنهم، ومن فتح فعلى تقدير فآمنا بأنه تعالى جد ربنا، ومعناه تعالى عظمة ربنا، لانقطاع كل شئ عظمة عنها لعلوها عليه. ومنه الجد أبو الاب، والجد الحظ لانقطاعه بعلو شأنه. والجد ضد الهزل لانقطاعه عن السخف، ومنه الجديد لانه حديث عهد بالقطع في غالب الامر. وقال الحسن - في رواية - ومجاهد وقتادة: معناه تعالى جلالته وعظمته. وفى رواية اخرى عن الحسن: تعالى غني ربنا، وكل ذلك يرجع إلى معنى وصفه بأنه عظيم غني. ويقال: جد فلان في قومه إذا عظم فيهم. وروي عن أحدهما عليهم السلام انه قال: ليس لله جد وإنما قالت ذلك الجن بجهلها فحكاه كما قالت. وقال الحسن: ان الله تعالى بعث محمدا صلى الله عليه واله إلى الانفس والجن، وانه لم يرسل رسولا قط من الجن ولا من أهل البادية، ولا من النساء، لقوله (وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى) (1). وقوله (ما اتخذ صاحبة ولا ولدا) على ما قال قوم من الكفار. وقوله (وانه كان يقول سفيهنا على الله شططا) من كسر استأنف. ومن * (الهامش) * (1) سورة 12 يوسف آية 109 (*)
[ 148 ]
نصب عطف على قوله (وانه تعالى جد ربنا) ونصب ذلك بتقدير آمنا، وقدر للباقي فعلا يليق به، ويمكن أن يعمل فيه، كما قال الشاعر: إذا ما الغانيات برزن يوما * وزججن الحواجب والعيونا (1) على تقدير: وكحلن العيون، وقال مجاهد وقتادة: أرادوا ب (سفيههم) ابليس و (الشطط) السرف في ظلم النفس والخروج عن الحق، فاعترفوا بأن ابليس
كان يخرج عن الحد بما يغري به الخلق ويدعوهم إلى الضلال. وقوله (وأنا ظننا أن لن تقول الانس والجن على الله كذبا) اخبار عن اعترافهم بأنهم ظنوا أن لا يقول أحد من الجن والانس كذبا على الله في اتخاذ الشريك معه والصاحبة والولد، وأن ما يقولونه من ذلك صدق حتى سمعنا القرآن وتبينا الحق به. وقوله (وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن) قال البلخي: قال قوم: المعنى إنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الانس من أجل الجن، لان الرجال لا يكون إلا في الناس دون الجن. ومن قال بالاول قال في الجن رجال مثل ما في الانس. وقال الحسن وقتادة ومجاهد: كان الرجل من العرب إذا نزل الوادي في سفره قال: أعوذ بعزيز هذا الوادي من شر سفهاء قومه. ومعنى (يعوذون) يستجيرون، وهذا اخبار من الله تعالى عن نفسه دون الحكاية عن الجن. والعياذ الاعتصام وهو الامتناع بالشئ من لحاق الشر. والرجال جمع رجل وهو الذكر البالغ من الذكران. والانسان يقع على الذكر والمرأة، والصغير والكبير ثم ينفصل كل واحد بصفة تخصه وتميزه من غيره. وقوله (فزادوهم رهقا) أي اثما إلى اثمهم الذي كانوا عليه من الكفر والمعاصي - في قول ابن عباس وقتادة - وقال مجاهد: يعني طغيانا. وقال الربيع وابن زيد: * (الهامش) * (1) مر في 9 / 492 (*)
[ 149 ]
يعني فرقا. وقيل سفها. قال الزجاج: يجوز ان يكون الجن زادوا الانس، ويجوز أن يكون الانس زادوا الجن رهقا. والرهق لحاق الاثم، وأصله اللحوق. ومنه راهق الغلام إذا لحق حال الرجال قال الاعشى: لا شئ ينفعني من دون رؤيتها * هل يشتفى وامق ما لم يصب رهقا (1) أي لم يعش اثما. ثم حكى تعالى (وأنهم ظنوا كما ظننتم) معاشر الانس
(ان لن يبعث الله احدا) أي لا يحشره يوم القيامة ولا يحاسبه. وقال الحسن: ظن المشركون من الجن، كما ظن المشركون من الانس (ان لن يبعث الله احدا) لجحدهم بالبعث والنشور، واستبعدوا ذلك مع اعترافهم بالنشأة الاولى، لانهم رأوا إمارة مستمرة في النشأة الاولى، ولم يروها في النشأة الثانية، ولم ينعموا النظر فيعلموا أن من قدر على النشأة الاولى يقدر على النشأة الاخرى. وقال قتادة: ظنوا أن لا يبعث الله احدا رسولا. ثم حكى ان الجن قالت (إنا لمسنا السماء) أي مسسناها بايدينا. وقال الجبائي: معناه إنا طلبنا الصعود إلى السماء، فعبر عن ذلك باللمس مجازا، وانما جاز من الجن تطلب الصعود مع علمهم بأنهم يرمون بالشهب لتجويزهم أن يصادفوا موضعا يصعدون منه ليس فيه ملك يرميهم بالشهب، أو اعتقدوا أن ذلك غير صحيح، ولم يصدقوا من أخبرهم بأنهم رموا حين أرادوا الصعود (فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا) نصب (حرسا) على التمييز و (شديدا) نعته و (شهبا) عطف على (حرسا) فهو نصب ايضا على التمييز. وتقديره ملئت من الحرس. والشهب جمع شهاب، وهو نور يمتد من السماء من النجم كالنار. قال الله تعالى (ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين) (2) والحرس جمع * (الهامش) * (1) ديوانه (دار بيروت) 124 (2) سورة 67 الملك آية 5 (*)
[ 150 ]
حارس. وقيل: إن السماء لم تحرس قط إلا لنبوة أو عقوبة عاجلة عامة. ثم حكى أنهم قالوا ايضا (إنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الان يجد له شهابا رصدا) أي لم يكن فيما مضى منع من الصعود في المواضع التي يسمع منها صوت الملائكة وكلامهم، ويسمع ذلك، فالان من يستمع منا ذلك يجدله شهابا يرمى به ويرصد و (شهابا) نصب على أنه مفعول به و (رصدا) نعته.
ثم حكى انهم قالوا (وإنا لا ندري) بما ظهر من هذه الاية العجيبة (أشر أريد بمن في الارض) من الخلق أي اهلاكا لهم بكفرهم وعقوبة على معاصيهم (أم أراد بهم ربهم رشدا) وهداية إلى الحق بأن بعث نبيا، فان ذلك خاف عنا وقال قوم: إنا الشهب لم تكن قبل النبي صلى الله عليه واله وإنما رموا به عند بعثه صلى الله عليه وا له وقال آخرون: الشهب معلوم أنها كانت فيما مضى من الزمان، ولكن كثرت في زمن النبي صلى الله عليه واله وعمت لا أنها لم تكن أصلا. قال البلخي: الشهب كانت لا محالة غير انه لم تكن تمتنع بها الجن عن صعود السماء، فلما بعث النبي صلى الله عليه واله منع الجن من الصعود قوله تعالى: (وأنا منا الصالحون ومنا دون ذلك كنا طرائق قدادا (11) وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الارض ولن نعجزه هربا (12) وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا (13) وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فاولئك تحروا رشدا (14) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (15) وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقينا هم ماء غدقا (17) لنفتنهم فيه ومن
[ 151 ]
يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا (17) وأن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا (19) قل إنما أدعو ربي ولا أشرك به أحدا) (20) عشر آيات. قرأ اهل الكوفة ويعقوب وسهل (يسلكه) بالياء بمعنى يسلكه الله. الباقون بالنون على وجه الاخبار منه تعالى عن نفسه بنون العظمة. وقرأ أبو جعفر وعاصم وحمزة (قل إنما ادعوا ربي) بلفظ الامر. الباقون (قال) على فعل ماض. وقرأ هشام بن عماد عن ابن عامر (لبدا) بضم اللام. الباقون بكسر اللام. واللبد
واللبد بمعنى واحد، وجمع اللبدة لبد، مثل ظلمة وظلم. ويقال: لابد ولبد، مثل راكع وركع. يقول الله تعالى في تمام الحكاية عما قالته الجن الذين امنوا عند سماع القرآن فانهم قالوا (وانا منا الصالحون) وهم الذين عملوا الصالحات وسمي صالحا، لانه عمل ما يصلح به حاله في دينه. وأما المصلح فهو فاعل الصلاح الذي يقوم به أمر من الامور، ولهذا وصف تعالى بأنه مصلح، ولم يجز وصفه بأنه صالح. والصلاح يتعاظم استحقاق المدح عليه والثواب كما يختلف استحقاق الشكر بالنعم، ففي النعم ما يستحق به العبادة وفيها ما لا يستحق به ذلك وإن استحق به الشكر، فلذلك قال (ومنادون ذلك) والمعنى ان منا الصالحين في مراتب عالية ومنادون ذلك في الرتبة. وقوله (كنا طرائق قددا) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني على مذاهب مختلفة: مسلم، وكافر، وصالح، ودون الصالح. والطرائق جمع طريقة وهي الجهة
[ 152 ]
المستمرة مرتبة بعد مرتبة. والمعنى فيها إنا كنا في طرق مختلفة. والقدد جمع قدة. وهي المستمرة بالقد في جهة واحدة. والقدد مضمن بجعل جاعل، وهو القاد، وليس كذلك الطريقة في تضمن الصفة، وإنما هي كالمذهب الذي يمكن فيه على استمرار إلى حيث انتهى إليه. والمعنى إنا كنا على طرائق متباينة كل فرقة يتباين صاحبها كما بين المقدود بعضه من بعض. وقوله (وأنا ظننا أن لن نعجز الله في الارض) فالظن - ههنا - بمعنى العلم والمعنى اعترافهم بأن علموا أنه لا يفوت الله شئ يذهب في الارض، ولا إذا هرب منه بسائر ضروب الهرب، واعترفوا ايضا فقالوا (وانا لما سمعنا الهدى) يعنون القرآن الذي فيه هدى كل حي (آمنا به) أي صدقناه. ثم قالوا (فمن يؤمن بربه) أي من يصدق بتوحيد الله وعرفه على صفاته (فلا يخاف بخسا) أي نقصانا فيما
يستحقه من الثواب (ولارهقا) أي ولا يخاف ظلما، فالرهق لحاق السرف في الامر، وكأنه قال لا يخاف نقصا قليلا ولا كثيرا، وذلك أن اجره وثوابه موفر على أتم ما يكون فيه. وقال ابن عباس: معناه لا يخاف نقصا من حسناته ولا زيادة في سيئاته، وهو قول الحسن وقتادة وابن زيد، والتقدير فمن يؤمن بربه فانه لا يخاف ثم قالوا ايضا (وانا منا المسلمون) يعني الذين استسلموا لما أمرهم الله به، وانقادوا له (ومنا القاسطون) يعني الجائرون عن طريق الحق. والقاسط الجائر عن طريق الحق (فمن اسلم) أي استسلم لامر الله (فأولئك تحروا رشدا) أي طلبوا الهدى إلى الحق، (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) أي استحقوا بذلك أن يكونوا وقود النار يوم القيامة يحرقون بها. وقوله (وأن لو استقاموا على الطريقة) اخبار من الله تعالى عن نفسه. وقيل (ان) يجوز أن تكون المخففة من الثقيلة، فيكون محمولا على الوحي، فكأنه قال (اوحي الي أن لو استقاموا) وفصل لو بينها وبين
[ 153 ]
الفعل، كما فصل (السين) و (لا) في قوله (علم ان سيكون منكم مرضى) (1) وقوله (ان لا يرجع إليهم) (2) ويحتمل أن تكون (لو) بمنزلة اللام في قوله (لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم) (3) فيسقط مرة ويلحق أخرى، لان (لو) بمنزلة فعل الشرط، فكما لحقت اللام زائدة قبل (إن) الداخلة على الشرط قبل فعل الشرط، كذلك لحقت (أن) هذه قبل (لو) ومعنى (وأن لو استقاموا) أحد أمرين: احدهما - لو استقاموا على طريقة الهدى بدلالة قوله (ولو أنهم أقاموا التوراة والانجيل وما انزل إليهم من ربهم لا كلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم) (4) وقوله (ولو ان اهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا) (5)،
الثاني - لو استقاموا على طريقة الكفر بدلالة قوله (ولولا أن يكون الناس امة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة) (6) وقيل: انه دخلت (ان) في (وأن لو استقاموا) لانه جواب القسم. ويجوز أن يحذف، كما قال الشاعر: فأقسم لو شئ أتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد لك مدفعا (7) وقال آخر: * (الهامش) * (1) سورة 73 المزمل آية 20 (2) سورة 20 طه آية 89 (3) سورة 33 الاحزاب 60 (4) سورة 5 المائدة آية 69 (5) سورة 7 الاعراف آية 95 (6) سورة 43 الزخرف آية 33 (7) مر في 5 / 529 و 6 / 253 و 7 / 341 و 9 / 12 (ج 10 م 20 من التبيان) (*)
[ 154 ]
اما والله إن لو كنت حرا * وما بالحر انت ولا العتيق (1) والاستقامة الاستمرار في جهة العلو. والمستقيم من الكلام المستمر على طريقة الصواب. وهو نقيض المحال. والاستقامة على طريق الحق التي يدعو إليها العقل طاعة الله. والمعنى - ههنا - في قول أكثر المفسرين: إنه لو استقام العقلاء على طريقة الهدى استمروا عليها وعملوا بموجبها لجازاهم على ذلك بأن اسقاهم ماء غدقا، يعني كثيرا. والغدق بفتح الدال المصدر، وبكسرها اسم الفاعل، وفي ذلك ترغيب في الهدى. قال الفراء: معناه وأن لو استقاموا على طريقة الكفر لفعلنا بهم ما ذكرناه تغليظا للمحنة في التكليف، ولذلك قال (لنفتنهم فيه) أي نختبرهم بذلك ونبلوهم به وغدق المكان يغدق غدقا إذا كثر فيه الماء والندى، وهو غدق - في قول الزجاج - وقوله (لنفتنهم فيه) معناه لنختبرهم ونعاملهم معاملة المختبر في شدة
التعبد بتكليف الانصراف عما تدعو شهواتهم إليه، على ما تقتضيه الحكمة في ذلك والفتنة المحنة الشديدة، والمثوبة على قدر المشقة في الصبر عما تدعوا إليه الشهوة. ثم قال تعالى مهددا لهم ومتوعدا (ومن يعرض عن ذكر ربه) والمعنى من يعدل عن الفكر فيما يؤديه إلى معرفة الله وتوحيده واخلاص عبادته، فالذكر حضور المعنى الدال على المذكور للنفس، وضده السهو، ومثله حضور المعنى بالقلب. والفكر في وجوه السؤال عن المعنى طلب للذكر له. والفكر في البرهان طلب للعلم بصحة المعنى المذكور وأنه حق ونقيضه باطل. وقوله (يسلكه عذبا صعدا) أي متصعدا في العظم. وقيل: متصعدا قد غمره وأطبق عليه. ومعناه عذبا أشهد العذاب من قوله (سأرهقه صعودا) (2) فاما قول العرب: تنفس الصعداء على وزن (فعلاء) أكثر كلامهم، ومنه قيل تنفس صعدا على وزن غرب والصعود العقبة الشاقة. وقال الفراء: * (الهامش) * (1) تفسير القرطبى 18 / 17 (2) سورة 74 المدثر آية 17 (*)
[ 155 ]
الصعود صخرة ملساء في النار ويكلف الصعود عليها، فكلما بلغ رأسها أحد هوى إلى أسفلها وقوعا. وقوله (وان المساجد لله فلا تدعو مع الله احدا) عطف عند جميع المفسرين على قوله (أوحي) كأنه قال: أوحي الي أن المساجد لله، وقال الخليل: التقدير، ولان المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا مثل قوله (وان هذه أمتكم) وتقديره: ولان هذه أمتكم (أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (1) والمعنى الاخبار منه تعالى بأن لا يذكر مع الله في المساجد - وهي المواضع التي وضعت للصلاة - أحد على وجه الاشتراك في عبادته، كما يدعوا النصارى في بيعهم والمشركون في الكعبة. وقال الحسن: من السنة إذا دخل المسجد أن يقول: لا إله الا الله، لا أدعو مع الله أحدا. وقيل: معناه إنه يجب أن يدعوه بالوحدانية. وقال الفراء والزجاج: المساجد
مواضع السجود من الانسان: الجبهة، واليدان، والرجلان وزاد أصحابنا عيني الركبتين. والمعنى انه لا ينبغي أن يسجد بهذه الاعضاء لاحد سوى الله تعالى. وقوله (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا) معناه إنه لما قام محمد صلى الله عليه واله يدعو الله، فيقول: لا إله الا الله كادوا يكونون عليه جماعات متكاثفات بعضها فوق بعض ليزيلوه بذلك عن دعوته باخلاص الالهية. وقال ابن عباس والضحاك: معناه إن الجن كادوا يركبونه حرصا على سماع القرآن منه. وقال الحسن وقتادة: معناه تلبدت الانس والجن على هذ الامر ليطفئوه فابي الله الا أن ينصره ويظهره على من ناواه، كما قال (يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون) (2) وقال ابن عباس: هذا من قول الجن، لما رجعوا إلى قومهم أخبروهم بما رأوا من طاعة أصحاب رسول الله وإئتمامهم به في الركوع * (الهامش) * (1) سورة 21 الانبياء آية 92 (2) سورة 61 الصف آية 8 (*)
[ 156 ]
والسجود، وهو قول سعيد بن جبير: واللبد القطع المتكاثفة على الشئ واحدها لبد، ومنه اللبد لتكاثف صفوفه بعضه على بعض. ولبد رأسه إذا ألصق بعض شعره ببعض قال عبد مناف بن ربع: صابوا بستة أبيات واربعة * حتى كأن عليهم جابيا لبدا. (1) فالجابي الجراد الذي يجبي كل شئ يأكله. ثم حكى ان النبي صلى الله عليه واله قال (انما أدعوا ربي) ومن قرأ (قل) فمعناه إن الله أمره بأن يقول: إنما أدعو ربي وحدة ولا أشرك به أحدا من الاصنام والاوثان. والمعنيان متقاربات، لان الله تعالى إذا أمره بأن يقول فانه يقول لا محالة فقد حصل الامران. قوله تعالى:
(قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فان له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه * (الهامش) * (1) اللسان (لبد) (*)
[ 157 ]
رصدا (27) ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كل شئ عددا) (28) ثمان آيات. قرأ (ليعلم) بضم الياء يعقوب. الباقون بفتح الياء. أمر الله تعالى نبيه محمد صلى الله عليه واله أن يقول للمكلفين (اني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا) ومعناه إني لا أقدر على دفع الضرر عنكم ولا إيصال الخير اليكم، وانما يقدر على ذلك الله تعالى. وانما أقدر على أن ادعوكم إلى الخير وأهديكم إلى طريق الرشاد، فان قبلتم نلتم الثواب والنفع، وان رددتموه نالكم العقاب وأليم العذاب، ثم قال ايضا (قل) لهم يا محمد (اني لن يجيرني من الله احد) أي لا يقدر أن يجير على الله حتى يدفع عنه ما يريده به من العقاب (ولن اجدا) أيضا انا (من دنه) أي من دون الله (ملتحدا) يعنى ملتجأ ألجأ إليه أطلب به السلامة مما يريد الله تعالى فعله من العذاب والالم. وأضافه إلى نفسه، والمراد به أمته، لانه لا يفعل قبيحا فيخاف العقاب. والمعنى ليس من دون الله ملتحد أي ملجأ. وقوله (الابلاغ من الله ورسالاته) معناه لكن املك البلاغ من الله الذي هو
بلاغ الحق لكل من ذهب عنه وأعرض عن اتباعه بأن أرشده إلى الادلة التي نصبها الله له وأمر بالدعاء إليها سائر عباده المكلفين، كما أمر أنبياءه بتبليغ رسالاته، فيكون التقدير لا أملك إلا بلاغا من الله ورسالاته. وقيل يجوز ان يكون المراد لن يجيرني من الله أحد إن لم أبلغ رسالاته، فيكون نصب البلاغ على اضمار فعل من الجزاء، كقولك إن لا قياما فقعودا وان لا عطاء فردا جميلا فتكون (لا) منفصلة من (إن) وتقديره إن لا أبلغ بلاغا من الله ورسالاته. ثم قال (ومن يعص الله ورسوله) بأن خالف ما أمراه به وارتكب مانهياه
[ 158 ]
عنه (فان له نار جهنم) جزاء على ذلك (خالدين فيها ابدا) أي مقيمين فيها على وجه التأبيد والقراء على كسر (فان) على الابتداء. وروي عن طلحة بن مصروف انه فتح على تقدير فجزاءه أن له. وقال ابن خالويه: سألت ابن مجاهد عن ذلك، فقال: هو لحن. وقال بعض أهل النظر: زعم أبو عبيدة: ان ما كان من قول الجن فهو مكسور نسقا على قوله (إنا سمعنا) ومن فتح فعلى قوله (قل اوحي) الي، وهو اختيار ابن خالويه. وقوله (حتى إذا رأوا ما يوعدون) يعني ما يوعدون به من العقاب على المعاصي (فسيعلمون) عند ذلك (من اضعف ناصرا) يدفع منه عقاب الله ومن (أقل عددا) يستنصر بهم آلكفار أم المؤمنون ؟. وقيل معناه أجند الله أم الذين عبده المشركون ؟ وإنما قال (من أضعف ناصرا) ولا ناصر لهم في الاخرة، لانه جاء على جواب من توهم انه إن كانت لهم أخوة فناصرهم أقوى وعددهم اكثر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله (قل إن ادري) أي قل لهم لست اعلم (أقريب ما توعدون) به من العقاب (أم يجعل له ربي امدا) أي غاية ينتهي إليها بعينها أم يؤخره الله تعالى إلى مدة لا يعلمها بعينها إلا الله تعالى الذي هو (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا) ثم قال (إلا من ارتضى من رسول) فانه ربما أطلعه على ما غاب
عن غيره من الخلائق بأن يوحي إليهم بما شاء من الغيب - ذكره قتادة - (فانه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا) ومعناه إن الله إذا نزل الملك بالوحي ارسل معه رصدا يحفظون الملك من أن يأتي احد من الجن ويسمع الوحي، ونصب (رصدا) على المفعول، كأنه قال يجعل رصدا يسلك من بين يديه ومن خلفه (ليعلم ان قد ابلغوا) معناه ليظهر المعلوم من التبليغ. وقال قتادة: معناه ليعلم محمد أن الرسل قبله قد ابلغوا رسالات ربهم. وقال سعيد بن جبير: ليعلم الرسل أن قد ابلغوا رسالات
[ 159 ]
ربهم على احاطة بهم وتحصين لما بلغوا من رسالاته. وقال الزجاج: ليعلم الله أن قد ابلغوا. وقوله (واحاط بما لديهم) معناه انه يعلم ما عندهم فيحيط بما لديهم فيصير في معلومه بمنزلة ما احيط به (وأحصى كل شئ عددا) معناه انه يعلم الاشياء مفصلة بمنزلة من يحصيها ليعلمها كذلك. وقال الزجاج: نصب (عددا) يحتمل شيئين احدهما - واحصى كل شى في حال العدد، فيكون العدد بمعنى المعدود، كما يقال: للمنقوص نقص، فلا يخفى عليه شئ من الاشياء، لا سقوط ورقة، ولا حبة في ظلمات الارض. والثاني - ان يكون بمعنى المصدر، وتقديره وأحصى كل شئ احصاء. وقال الجبائي معنى (ليعلم ان قد ابلغوا) أي ليبلغوا (رسالات ربهم) فعبر عن المعلوم بالعلم كما يقال: ما علم الله مني ذلك أي ما فعلته، لانه لو فعله لعلم الله ذلك (واحصى كل شئ عددا) معناه انه لا شئ يعلمه عالم أو يذكره ذاكر إلا وهو تعالى عالم به ومحص له. والاحصاء فعل، وليس هو بمنزلة العلم، فلا يجوز ان يقال احصى مالا يتناهى كما يجوز ان يقال: علم ما لا يتناهى، لان الاحصاء مثل المحصي لا يكون إلا فعلا متناهيا، فإذا لم يجز ان يفعل ما لا يتناهى لم يجز ان يقال يحصي ما لا يتناهى. والفرق بينهما واضح.
[ 160 ]
73 - سورة المزمل: مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي عشرون آية في الكوفي والمدني الاول وتسع عشرة في البصري وثماني عشرة في المدني الاخير بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها المزمل (1) قم الليل إلا قليلا (2) نصفه أو انقص منه قليلا (3) أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا (4) إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا (5) إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا (6) إن لك في النهار سبحا طويلا (7) واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (8) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (9) واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا) (10) عشر آيات. قرأ ابن عامر وابو عمرو (وطاء) بكسر الواو والمد جعله مصدرا ل (واطأ) يواطئ مواطأة، ووطاء. ومعناه إن ناشئة الليل وعمل ناشئة الليل يواطئ لسمع القلب اكثر مما يواطئ ساعات النهار، لان البال افرغ للانقطاع عن كثير مما يشغل
[ 161 ]
بالنهار. الباقون - بفتح الواو - مقصورة، وروي عن الزهري - بكسر الواو - مقصورة، ومنه قوله صلى الله عليه واله: اللهم اشدد وطاءك على مضر، وقرأ (رب المشرق) بالجر كوفي غير حفص ويعقوب بدلا من (ربك). الباقون بالرفع على الاستئناف، فيكون رفعا بالابتداء وخبره (لا إله إلا هو) ويجوز أن يكون خبر الابتداء بتقدير هو رب المشرق. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله وقيل: إن المؤمنين داخلون فيه
على وجه لتبع. يقول الله له (يا أيها المزمل) ومعناه الملتف في ثيابه، يقال تزمل في ثيابه، فهو متزمل إذا التف. والاصل (متزمل) فأدغم التاء في الزاي لان الزاي قريبة المخرج من التاء، وهو ابدى في المسموع من التاء. وقال قتادة: معناه المتزمل بثيابه، وقال عكرمة: المتزمل بعباء النبوة، وكل شئ لفف، فقد تزمل، قال امرء القيس: كأن ابانا في أفانين ودقه * كبير اناس في بجاد مزمل (1) يعني كبير اناس مزمل في يجاد وهو الكساء، وجره على المجاورة للبجاد. وقوله (قم الليل إلا قليلا) أمر من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله بقيام الليل إلا القليل منه، وقال الحسن: إن الله فرض على النبي والمؤمنين أن يقوموا ثلث الليل فما زاد، فقاموه حتى تورمت أقدامهم، ثم نسخ تخفيفا عنهم. وقال غيره: هو نفل لم ينسخ، لانه لو كان فرضا لما كان مخيرا في مقداره - ذكره الجبائي - وإنما بين تخفيف النفل. وقال قوم: المرغب فيه قيام ثلث الليل أو نصف الليل أو الليل كله إلا القليل. ولم يرغب بالاية في قيام جميعه لانه تعالى قال (إلا قليلا نصفه * (الهامش) * (1) ديوانه (السندوبي) 158 (ج 10 م 21 من التبيان) (*)
[ 162 ]
أو انقص منه قليلا أو زد عليه) يعني على النصف. وقال الزجاج (نصفه) بدل من (الليل) كقولك ضربت زيدا رأسه. والمعنى: قم نصف الليل إلا قليلا أو انقص منه قليلا. والمعنى قم نصف الليل أو انقص من نصف الليل أو زد على نصف الليل، وذلك قبل ان يتعبد بالخمس صلوات. وقال ابن عباس والحسن وقتادة: كان بين أول السورة وآخرها - الذي نزل فيه التخفيف - سنة. وقال سعيد بن جبير: عشر سنين. وقال الحسن وعكرمة: نسخت الثانية بالاولى. والاولى أن يكون على
ظاهره، ويكون جميع ذليك على ظاهرة مرغبا في جميع ذلك إلا أنه ليس بفرض وإن كانت سنة مؤكدة. والنصف أحد قسمي الشئ المساوى للاخر في المقدار. والقليل من الشئ الناقص عن قسمه الاخر، وكلما كان أنفص كان أحق باطلاق الصفة، وما لا يعتد به من النقصان لا يطلق عليه. (ورتل القرآن ترتيلا) أمر من الله تعالى له بأن يرتل القرآن والترتيل ترتيب الحروف على حقها في تلاوتها، وتثبت فيها، والحدر هو الاسراع فيها وكلاهما حسنان إلا أن الترتيل - ههنا - هو المرغب فيه. وقال مجاهد: معناه ترسل فيه ترسلا. وقال الزجاج: معناه بينه تبيينا أي بين جميع الحروف، وذلك لا يتم بأن يعجل في القراءة. وقوله (انا سنلقي عليك قولا ثقيلا) اخبار من الله تعالى لنبيه أنه سيطرح عليه قولا ثقيلا. وقال الحسن وقتادة: إنه يثقل العمل به لمشقة فيه. وقال ابن زيد: معناه العمل به ثقيل في الميزان والاجر، ليس بشاق. وقيل: معناه قول عظيم الشأن، كما تقول هذا الكلام رزين، وهذا قول له وزن إذا كان واقعا موقعه. وقوله (إن ناشئة الليل هي أشد وطأ) قال مجاهد: ناشئة الليل التهجد في الليل. وقال الحسن وقتادة: هو ما كان بعد العشاء الاخرة، وعن ابي جعفر
[ 163 ]
وابي عبد الله عليهما السلام أنهما قالا: هو القيام آخر الليل إلى صلاة الليل. وقال قوم: ناشئة الليل ابتداء عمل الليل شيئا بعد شئ إلى آخره. والناشئة الظاهرة بحدوث شئ بعد شئ، واضافته إلى الليل توجب انه من عمل الليل الذي يصلح أن ينشأ فيه. وقوله (هي أشد وطأ) من قرأ - بالفتح - مقصورا، قال معناه: لقوة الفكر فيه أمكن موقعا. وقيل: هو أشد من عمل النهار، وقال مجاهد: معناه واطأ
اللسان القلب مواطأة ووطاء والوطاء المهاد المذلل للتقلب عليه، فكذلك عمل الليل الذي هو أصلح له فيه تمهيد للتصرف في الدلائل وضروب الحكم ووجوه المعاني. وقوله (واقوم قيلا) أي أشد استقامة وصوابا لفراغ البال، وانقطاع ما يشغل القلب. والمعنى إن عمل الليل أشد ثباتا من عمل النهار، وأثبت في القلب من عمل النهار، والاقوم الاخلص استقامة، لانه القول يشمل المعنى على ما فيه استقامة. وفيه اضطراب. وقد يقل ذلك ويكثر، وهو في القول ظاهر كما هو في الخط، ففيه الحرف المقوم وفيه الحرف المضطرب. وقال ابن زيد: معناه أقوم قراءة لفراغه من شغل الدنيا، وقال أنس: معناه أصوب. وقال مجاهد: معناه اثبت. وقوله (إن لك في النهار سبحا طويلا) قال قتادة: معناه إن لك يا محمد في النهار متصرفا ومنقلبا أي ما تقضي فيه حوائجك. وقرأ يحيى ابن معمر بالخاء، وكذلك الضحاك، ومعناه التوسعة. يقال اسبخت القطعن إذا وسعته للندف: ويقال لما تطاير من القطن وتفرق عند الندف سبائخ، والسبح المر السهل في الشئ، كالمر في الماء، والسبح في عمل النهار هو المر في العمل الذي يحتاج فيه إلى الضياء. وأما عمل اللياء فلا يحتاج فيه إلى ضياء لتمكن ذلك العمل كالفكر في وجوه البرهان وتلاوة القرآن. وقال الجبائي في نوادره (لك في النهار سبحا) أي نوما، وقال الزجاج:
[ 164 ]
معناه إن فاتك شئ بالليل فلك في النهار فراغ تقضيه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله (واذكر اسم ربك) يعني اسماء الله الحسنى التي تعبد بالدعاء بها (وتبتل إليه تبتيلا) أي انقطع إليه انقطاعا، فالتبتل الانقطاع إلى عبادة الله، ومنه مريم البتول وفاطمة البتول، لانقطاع مريم إلى عبادة الله، وانقطاع فاطمة عن القرين، ومنه قول الشاعر: كأن لها في الارض نسيا تقصه * إذا ماغدت وإن تكلمك تبلت (1)
أي بقطع كلامها رويدا رويدا، وقيل: الانقطاع إلى الله تأميل الخير من جهته دون غيره، وجاء المصدر على غير الفعل، كما قال (انبتكم من الارض نباتا) (2) وقيل: تقديره تبتل نفسك إليه تبتيلا، فوقع المصدر موقع مقاربه. وقوله (رب المشرق والمغرب) من رفع فعلى انه خبر مبتدا محذوف، وتقديره: هو رب المشرق، ومن جر جعله بدلا من قوله (ربك) وتقديره إذكر اسم رب المشرق وهو مطلع الشمس موضع طلوعها ورب المغرب، يعني موضع غروبها، وهو المتصرف فيها والمدبر لما بينهما (لا إله إلا هو) أي لا احد تحق له العبادة سواه (فاتخذه وكيلا) أي حفيظا للقيام بامرك فالوكيل الحفيظ بأمر غيره. وقيل: معناه اتخذه كافلا لما وعدك به. ثم قال (واصبر) يا محمد (على ما يقول) هؤلاء الكفار من أذاك وما يشغل قلبك (واهجرهم هجرا جميلا) فالهجر الجميل اظهار الجفوة من غير ترك الدعاء إلى الحق على وجه المناصحة. * (الهامش) * (1) مر في 7 / 117 (2) سورة 71 نوح آية 17 (*)
[ 165 ]
قوله تعالى: (وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا (11) إن لدينا أنكالا وجحيما (12) وطعاما ذا غصة وعذابا أليما (13) يوم ترجف الارض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (14) إنا إرسلنا إليكم رسولا شاهدا عليكم كما أرسلنا إلى فرعون رسولا (15) فعصى فرعون الرسول فأخذناه أخذا وبيلا (16) فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا (17) السماء
منفطر به كان وعده مفعولا (18) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) (19) تسع آيات. لما امر الله تعالى النبي صلى الله عليه واله بالصبر على اذى قومه، وأن يهجرهم هجرا جميلا قال على وجه التهديد للكفار (وذرني) يا محمد (والمكذبين) الذين يكذبونك فيما تدعوهم إليه من التوحيد وإخلاص العبادة والاعتراف بالبعث والنشور، والثواب والجزاء، كما يقول القائل: دعني وإياه إذا أراد أن يهدده، يقال: يذر بمعنى يترك، ويدع، ولا يستعمل ماضيه، ولا ماضي (يدع) ولا يقال: وذر، ولا ودع، استغناء بقولهم ترك عن ذلك، لان الابتداء بالواو عندهم مكروه، ولذلك أبدلوا منها الهمزة في قولهم (أقتت) والاصل (وقتت)، وقالوا (تخمة) والاصل (وخمة) وكذلك كل ما يصرف منه مما في أوله واو إلا قولهم: وادع من الدعة فلم يستغنوا عنه بتارك.
[ 166 ]
وقوله (اولي النعمة) معناه ذوي النعمة أي اصحاب النعمة، والنعمة - بفتح النون - لين الملمس وضدها الخشونة، ومعناه (وذرني والمكذبين) أي ارض بعقاب المكذبين لست تحتاج إلى اكثر من ذلك كما يقال: دعني وإياه، فانه يكفيه ما ينزل به من غير تقصير مما يقع به، وهذا تهدد شديد. وقوله (ومهلهم قليلا) أي اخرهم في المدة قليلا فالتمهيل التأخير في المدة، وقد يكون التأخير في المكان، فلا يسمى تمهيلا، فإذا كان في المدة فهو تمهيل كما ان التأخير في الاجل تأجيل آخر. وقوله (إن لدينا انكالا) أي قيودا - في قول مجاهد وقتادة - واحدها نكل (وجحيما) أي نارا عظيمة، وجحيم اسم من اسماء جهنم (وطعاما ذا غصة) قال ابن عباس: معناه ذا غصة بشوك يأخذ الحلق، فلا يدخل ولا يخرج. وقيل:
معناه يأخذ بالحلقوم لخشونته وشدة تكرهه (وعذابا اليما) أي عقابا موجعا مؤلما. ثم بين متى يكون ذلك فقال (يوم ترجف الارض) أي اعتدنا هذه الانواع من العذاب في يوم ترجف الارض أي تتحرك باضطراب شديد (والجبال) أي وترجف الجبال معها إيضا (وكانت الجبال كثيبا مهيلا) قال ابن عباس: تصير الجبال رملا سائلا متناثرا، فالكثيب الرمل المجتمع الكثير، ومهيل مفعول من هلت الرمل اهيله وذلك إذا حرك اسفله فسال أعلاه، ويقال: مهيول كما يقال مكيل ومكيول، وانهال الرمل انهيالا و (الغصة) تردد اللقمة في الفم لا يسيغها الذي يروم أكلها قال الشاعر: لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري (1) * (الهامش) * (1) مر في 1 / 130، 421 و 6 / 151 (*)
[ 167 ]
يقال غص بريقه يغص غصصا، وفي قلبه غصة من كذا، وهي كاللذغة التي لا يسيغ معها الطعام ولا الشراب. وقوله (إنا أرسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم) اخبار من الله تعالى وخطاب للمكلفين في عصر النبي صلى الله عليه وآله ومن بعده بأنه أرسل إليهم رسولا يدعوهم إلى عبادته وإخلاص توحيده (شاهدا عليكم) بقبولهم إن قبلوا وعليهم إن لم يقبلوا (كما أرسلنا) أي ارسلناه اليكم مثل ما أرسلنا (إلى فرعون رسولا) يعني موسى ابن عمران عليه السلام. ثم اخبر عن فرعون فقال (فعصى فرعون الرسول) يعني موسى، فلم يقبل منه ما أمره به ودعاه إليه (فأخذناه أخذا وبيلا) أي اخذا ثقيلا شديدا عقوبة له على عصيانه موسى رسول الله، وكل ثقيل وبيل، ومنه: كلا مستوبل أي متوخم لا يستمرء لثقله، ومنه الوبل، والوابل، وهو المطر العظيم القطر، ومنه الوبال وهو ما يغلظ على النفس وأصله الغلظ قال طرفة:
فمرت كهاة ذات خيف جلالة * عقيلة شيخ كالوبيل يلندد (1) الوبيل - ههنا - الغليظ من العصى و (كهاة) ناقة مسنة و (الخيف) جلد الضرع و (يلندد) شديد الخصومة. قوله (فكيف تتقون إن كفرتم يوما يجعل الولدان شيبا) أي إن كفرتم بالله وجحدتم نعمه، وكذبتم رسوله، وإنما جعل الولدان، وهم الاولاد الصغار شيبا لشدته، وعظم أهواله، كما يقال: قد حدث أمر تشيب منه النواصي. وقيل: (يوما يجعل الولدان شيبا) على وجه المثل، والشيب جمع أشيب، يقال: شاب الانسان يشيب شيبا إذا ابيض شعره. ثم زاد في صفة شدة ذلك اليوم أيضا فقال (السماء منفطر به) أي متصدع بشدة ذلك اليوم، وإنما لم يقل منفطرة، لانه جرى * (الهامش) * (1) ديوانه 38 وتفسير القرطبي 18 / 48 (*)
[ 168 ]
على طريق النسبة أي ذات انفطار، ولم يجر على طريق (فاعلة) كما قالوا للمرأة: مطفل أي ذات طفل. وقال الزجاج: تقديره السماء منفطر باليوم مثقلة به. وقال الحسن: معناه السماء مثقل به. وقال غيره: السماء مثقلة بذلك اليوم من شدته. وقال قوم: معناه متشقق بالامر الذي يجعل الولدان شيبا. والسماء يؤنث ويذكر، فمن ذكر أراد السقف. وقوله (كان وعده مفعولا) معناه إن ما وعد الله به فلا بد من كونه، فلذلك عبر عنه بلفظ الماضي فكأنه قد وجد. ثم قال (إن هذه تذكرة) أي هذه القصة التي ذكرناها وبيناها (تذكرة) أي عظة لمن انصف من نفسه وفكر فيها، فالتذكرة التبصرة، وهي الموعظة التي يذكر بها ما يعمل عليه. وقوله (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) معناه إن من شاء من المكلفين اتخذ إلى ثواب ربه سبيلا، لانه قادر على الطاعة التي لو فعلها وصل إلى الثواب. والله
تعالى قد دعاه إلى ما يوصله إليه ورغبه فيه، وبعث رسولا يدعوه ايضا إليه. وإن لم يفعل فسبوء اختياره انصرف عنه. قوله تعالى: (إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدر الليل والنهار علم أن لن تحصوه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن علم أن سيكون منكم مرضى وآخرون يضربون في الارض يبتغون من فضل الله وآخرون يقاتلون في سبيل الله فاقرؤا ما تيسر منه
[ 169 ]
وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأقرضوا الله قرضا حسنا وما تقدموا لانفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيرا وأعظم أجرا واستغفروا الله إن الله غفور رحيم) (20) آية واحدة. قرأ نافع وابو عمرو وابن عامر (ونصفه وثلثه) بكسر الفاء والثاء بمعنى إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ومن نصفه ومن ثلثه أي وادني من نصفه وأدنى من ثلثه. الباقون بالنصب بمعنى أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصف وثلثه. والثلث يخفف ويثقل، لغتان، ومثله ربع وعشر. وقال أبو عبيدة: الاختيار الخفض في (ثلثه ونصفه) لانه قال (علم أن لن تحصوه) وكيف يقدرون على أن يقوموا نصفه أو ثلثه، وهم لا يحصونه، وقال غيره: ليس المعنى على ما قال. وإنما المعنى علم أن لن يطيقوه، يعني قيام الليل، فخفف الله ذلك، قال والاختيار النصب، لانها أوضح في النظر، لانه قال لنبيه صلى الله عليه واله (قم الليل إلا قليلا) ثم نقله عن الليل، كله إلا شيئا يسيرا ينام فيه، وهو الثلث. والثلث يسير عند الثلثين. ثم قال (نصفه) أي قم نصفه (أو انقص منه قليلا) أي قم نصفه، واكتفى بالفعل الاول من الثاني، لانه دليل عليه أو انقص من النصف قليلا إلى الثلث (أو زد)
هكذا إلى الثلثين جعله موسعا عليه. وفى الناس من قال: هذه الاية ناسخة لما ذكره في أول السورة من الامر الحتم بقيام الليل إلا قليلا أو نصفه أو انقص منه. وقال آخرون: إنما نسخ ما كان فرضا إلى ان صار نفلا. وقد قلنا: ان الامر في أول السورة على وجه الندب، فكذلك - ههنا - فلا وجه للتنافي حتى ينسخ بعضها ببعض يقول الله تعالى لنبيه ان ربك يا محمد ليعلم انك (ج 10 م 22 من التبيان)
[ 170 ]
تقوم اقل من ثلثي الليل واقل من نصفه ومن ثلثه فيمن جر ذلك، ومن نصب فمعناه إنك تقوم أقل من ثلثي الليل وتقوم نصفه وثلثه وتقوم طائفة من الذين معك على الايمان (والله يقدر الليل والنهار) لتعملوا فيه بالصواب على ما يأمركم به (علم أن لن تحصوه) قال الحسن: معناه علم أن لن تطيقوه (فتاب عليكم) أي لم يلزمكم إثما كما لا يلزم التائب أي رفع التبعة فيه كرفع التبعة عن التائب. وقوله (فاقرءوا ما تيسر من القرآن علم ان سيكون منكم مرضى) فتاب عليكم بما رغبتم فيه وذلك يقتضي التخفيف عنكم (وآخرون يضربون في الارض) أي ومنكم قوم آخرون يضربون أي يسافرون في الارض ومنكم قوم (آخرون يقاتلون في سبيل الله) وكل ذلك يقتضي التخفيف عنكم (فاقرءوا ما تيسر منه واقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) ومعناه اقيموا الصلاة بحدودها التي أوجبها الله عليكم واستمروا عليها وأعطوا ما وجب عليكم من الزكوة المفروضة (واقرضوا الله قرضا حسنا) أي وانفقوا في سبيل الله والجهات التي أمركم بها وندبكم إلى النفقة فيها، وسمي ذلك (قرضا) تلطفا في القول، لان الله تعالى من حيث أنه يجازيهم على ذلك بالثواب، فكأنه استقرض منهم ليرد عوضه وإنما قال (حسنا) أي على وجه لا يكون فيه وجه من وجوه القبح. ثم قال (وما تقدموا لانفسكم من خير) أي ما فعلتم من الطاعات (تجدوه)
أي تجدوا ثوابه وجزاءه (عند الله) وقوله (هو خيرا وأعظم أجرا) أي تجدوه خيرا لكم، وهو أفضل واعظم ثوابا، وهو عطف على (خير). ثم قال (واستغفروا الله) على معاصيكم معاشر المكلفين (إن الله غفور) أي ستار لذنوبكم صفوح لاجرامكم إذا تبتم واقلعتم ورجعتم إليه (رحيم) بكم منعم عليكم. وقال ابن زيد: القرض في الاية النوافل سوى الزكاة.
[ 171 ]
74 - سورة المدثر: مكية في قول ابن عباس وقال الضحاك هي مدنية وهي خمسون وست آيات في الكوفي والبصري والمدني الاول، وخمس في المدني الاخير. وقال ابوسلمكة ابن عبد الرحمن أول ما نزل من القرآن (يا أيها المدثر) وحكى ذات أبو سلمة عن جابر بن عبد الله. قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله (جاوزت بحراء فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئا فنظرت عن شمالي فلم أر شيئا فنظرت أمامي فلم أر شيئا فنظرت خلفي فلم أر شيئا، فرفعت رأسي فلم أر شيئا، فاتيت خديجة فقلت دثروني وصبواعلي ماء باردا قال فدثروني فصبوا علي ماء باردا فنزلت (يا ايها المدثر) وقال الزهري: أول ما نزل قوله (اقرأ باسم ربك الذي خلق). بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها المدثر (1) قم فانذر (2) وربك فكبر (3) وثيابك فطهر (4) والرجز فاهجر (5) ولا تمنن تستكثر (6) ولربك فاصبر (7) فإذا نقر في الناقور (8) فذلك يومئذ يوم عسير (9) على الكافرين غير يسير) (10) عشر آيات.
[ 172 ]
هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يقول له (يا أيها المدثر) واصله
المتدثر بثيابه، فادغمت التاء في الدال، لانها من مخرجها مع أن الدال اقوى بالجهر فيها، يقال: تدثر تدثرا ودثره تدثيرا، ودثر الرسم يدثر دثورا إذا محي أثره، فكأنه قال: يا ايها الطالب صرف الاذى بالدثار اطلبه بالانذار. وقوله (قم فانذر) أمر من الله تعالى له أن يقوم وينذر قومه، والانذار الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فلما كان لا مخافة أشد من الخوف من عقاب الله كان الانذار منه اجل الانذار، وتقديره قم إلى الكفار فانذر من النار. وقوله (وربك) منصوب ب (كبر) والتكبير وصف الاكبر على اعتقاد معناه كتكبير المكبر في الصلاة بقوله الله اكبر، والتكبير نقيض التصغير، ومثله التعظيم. والكبير الشأن هو المختص باتساع المقدور والمعلوم من غير مانع من الجود فالله تعالى قادر لا يعجزه شئ، وعالم لا يخفى عليه شئ لا يمنعه من الجود على عباده شئ، فهو اكبر من كل كبير بما لا يساويه شئ، واختصاصه بالمقدور والمعلوم بأنه ما صح من مقدور أو معلوم فهو قادر عليه عالم به فهو لنفسه كبير واكبر من كل كبير سواه. وقوله (وثيابك فطهر) أي وطهر ئيابك فهو منصوب به. والطهارة النظافة بانتفاء النجاسة، لان النظافة قد تكون بانتفاء الوسخ من غير نجاسة، وقد تكون بانتفاء النجاسة. فالطهارة في الاية هو القسم الاخير. وقال ابن عباس (وثيابك فطهر) معناه من لبسها على معصيته، كما قال سلامة بن غيلان الثقفي - انشده ابن عباس: وإني بحمد الله لا ثوب فاجر * لبست ولا من غدة أتقنع (1) * (الهامش) * (1) مر في 6 / 489 (*)
[ 173 ]
وقال الزجاج: معناه لم أكن غادرا، قال يقال: للغادر دنس الثياب أي
لم أعص قط وقيل: معناه شمر ثيابك - وفي رواية عن ابن عباس وإبراهيم وقتادة - ان معناه وثيابك فطهر من الذنوب. وقال ابن سيرين وابن زيد: اغسلها بالماء. وقيل معناه شمر ثيابك، وقيل: معناه وثيابك فطهر للصلاة فيها. وقوله (والرجز) منصوب بقوله (فاهجر) وقال الحسن: كل معصية رجز وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والزهري: معناه فاهجر الاصنام. وقال ابراهيم والضحاك: الرجز الاثم. وقال الكسائي: الرجز - بكسر الراء - العذاب، وبفتحها الصنم والوثن. وقالوا: المعنى اهجر ما يؤدي إلى العذاب، ولم يفرق احد بينهما. وبالضم قرأ حفص ويعقوب وسهل. الباقون بالكسر إما لانهما لغتان مثل الذكر والذكر أو بما قاله الكسائي. وقال قوم: الرجز بالضم الصنم. وقال: كان الرجز صنمين: أساف ونائلة، نهى الله تعالى عن تعظيمهما. وقوله (ولا تمنن تستكثر) قال ابن عباس وابراهيم والضحاك وقتادة ومجاهد: معناه لا تعط عطية لتعطى أكثر منها، وقال الحسن والربيع وانس: معناه لا تمنن حسناتك على الله مستكثرا لها، فينفصل ذلك عبد الله. وقال ابن زيد: معناه لا تمنن ما أعطاك الله من النبوة والقرآن مستكثرا به الاجر من الناس. وقال ابن مجاهد: معناه لا تضعف في عملك مستكثرا لطاعتك، وقال قوم: معناه لا تمنن على الناس بما تنعم به عليهم على سبيل الاستكثار لذلك. وقال جماعة من النحويين: إن (تستكثر) في موضع الحال ولذلك رفع. وأجاز الفراء الجزم على أن يكون جوابا للنهي، والرفع هو الوجه. والمن ذكر النعمة بما يكدرها، ويقطع حق الشكر بها، يقال: من بعطائه يمن منا إذا فعل ذلك، فأما من على الاسير إذا أطلقه، فهو قطع أسباب الاعتقال عنه. ويقال: لمن أنعم على وجه المن، لانه بهذه المنزلة، وأصله
[ 174 ]
القطع من قوله (فلهم أجر غير ممنون) (1) أي غير مقطوع. والاستكثار طلب
الكثرة يقال: استكثر فلان من المال والعلم، والمراد - ههنا - هو طلب ذكر الاستكثار للعطية. وقوله (ولربك فاصبر) قال ابراهيم: من أجل ربك فاصبروا على عطيتك. وقال مجاهد: لاجل الله فاصبر على أذى المشركين. وقيل: معناه (ولربك فاصبر) على ما أمرك به من أداء الرسالة وتعليم الدين، وماينالك من الاذى والتكذيب، فاحتمله لتنال الفوز من الله بالنعيم والصبر الذى هو طاعة الله هو الصبر على الضرر الذى يدعو إليه العقل، لان ما يدعو إليه العقل فخالق العقل يريده، لانه بمنزلة دعاء المر إلى الفعل، والسبب الذى يتقوى به على الصبر هو التمسك بداعي العقل دون داعي الطبع، لان العقل يدعو بالترغيب فيما ينبغي أن يرغب فيه. والطبع داعي الهوى يدعو إلى خلاف ما في العقل. وقوله (فإذا نقر في الناقور) معناه إذا نفخ في الصور، وهو كهيأة البوق - في قول مجاهد - وقيل: ان ذلك في اول النفختين، وهو أول الشدة الهائلة العامة، والناقور على وزن (فاعول) من النقر، كقولك: هاضوم من الهضم وحاطوم من الحطم، وهو الذي من شأنه أن ينقر فيه للتصويت به. وقوله (فذلك يومئذ) يعني اليوم الذي ينفر فيه في الناقور (يوم عسير) أي يوم شديد عسر (على الكافرين) لنعم الله الجاحدين لاياته (غير يسير) فاليسير القليل الكلفة، ومنه اليسار وهو كثرة المال لقلة الكلفة به في الانفاق، ومنه تيسر الامر لسهولته وقلة الكلفة فيه. وقال الزجاج: قوله (يوم عسير) مرتفع بقوله (فذلك) والمعنى فذلك يوم عسير يوم النفخ في الصور، ويومئذ يجوز أن يكون * (الهامش) * (1) سورة 95 التين آية 6 (*)
[ 175 ]
نصبا على معنى فذلك يوم عسير في يوم ينفخ في الصور، ويجوز الرفع، وإنما بني على
الفتح لاضافته إلى (إذ) لان (إذ) غير متمكنة. قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا (11) وجعلت له مالا ممدودا (12) وبنين شهودا (13) ومهدت له تمهيدا (14) ثم يطمع أن أزيد (15) كلا إنه كان لا ياتنا عنيدا (16) سارهقه صعودا (17) إنه فكر وقدر (18) فقتل كيف قدر (19) ثم قتل كيف قدر (20) ثم نظر (21) ثم عبس وبسر (22) ثم أدبر واستكبر (23) فقال إن هذا إلا سحر يؤثر (24) إن هذا إلا قول البشر) (25) خمس عشرة آية. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله على وجه التهديد للكافر الذى وصفه (ذرني ومن خلقت وحيدا) ومعناه دعني وإياه فاني كاف في عقابه كما تقول العرب: دعني وإياه لا أن الله تعالى يجوز عليه المنع حتى يقول: ذرني وإياه. ولكن المعنى ما قلناه. وقوله (وحيدا) قال الزجاج: يحتمل ان يكون من صفة الخالق، ويحتمل أن يكون من صفة المخلوق، فإذا حملناه على صفة الخالق كان معناه دعني ومن خلقته متوحدا بخلقه لا شريك لي في خلقه وجعلته على الاوصاف التي ذكرتها، وإذا حمل على صفه المخلوق، كان معناه ومن خلقته في بطن أمه وحده لا شئ له ثم جعلت له كذا وكذا - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله (وجعلت له مالا ممدودا) أي مالا كثيرا له مدد يأتي شيئا بعد شئ، فوضفه بأنه ممدود يقتضي هذا المعنى. وقال مجاهد
[ 176 ]
وسعيد بن جبير: نزلت الاية في الوليد بن المغيرة المخزومي. وقالا: كان ماله الف دينار. وقال سفيان: كان ماله أربعة آلاف دينار. وقال النعمان بن سالم: كان أبرص. وقال عطاء عن عمر: كان غلة شهر شهر. وقال مجاهد: كان بنوه
عشرة (وبنين شهودا) أي واولادا ذكورا معه يستمتع بمشاهدتهم، وينتفع بحضورهم. وقيل كان بنوه لا يغيبون عنه لغنائهم عن ركوب السفر في التجارة بخلاف من هو غائب عنهم. وقوله (ومهدت له تمهيدا) أي سهلت له التصرف في الامور تسهيلا وقد يكون التسهيل من المصيبة ليخف الحزن بها، وقد يكون لما يتصرف فيه من المبالغة. وقوله (ثم يطمع أن ازيد) أي لم يشكرني على هذه النعم، وهو مع ذلك يطمع ان أزيد في إنعامه. والتمهيد والتوطئة والتذليل والتسهيل نظائر. ثم قال تعالى على وجه الردع والزجر (كلا) كأنه قال: ارتدع عن هذا وانزجر كما ان (صه) بمنزلة اسكت (ومه) بمنزلة اكفف. إنما هي أصولت سمي الفعل بها، فكأنه قال: انزجر، فليس الامر على ما تتوهم. ثم بين لم كان كذلك فقال (إنه كان لا ياتنا) أي إنما لم أفعل به ذلك، لانه لحجتنا وأدلتنا (عنيدا) أي معاندا، فالعنيد الذاهب عن الشئ على طريق العداوة له، يقال عند العرق يعند عنودا، فهو عاند إذا نفر، وهو من هذا، والمعاندة منافرة المضادة، وكذلك العناد، وهذا الكافر يذهب عن آيات الله ذهاب نافر عنها. وقيل معنى (عنيد) عنود أي جحود بتكذيب المعاندة - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه معاند، وبعير عنود أي نافر قال الشاعر: إذا نزلت فاجعلوني وسطا * إني كبير لا أطيق العندا (1) * (الهامش) * (1) مر في 6 / 14، 283 (*)
[ 177 ]
أي نفرا، وقوله (سأرهقه صعودا) فالارهاق الاعجال بالعنف والصعود العقبة التي يصعب صعودها، وهي الكؤد والكدود في ارتقائها ونقيض الصعود الهبوط، وقيل: صعود جبل من نار في جهنم يؤخذون بارتقائه، فإذا وضع يديه
ذابت، فإذا رفعها عادت وكذلك رجلاه، في خبر مرفوع. وقيل: صعود جبل في جهنم من نار يضرب بالمقامع حتى يصعد عليه، ثم يضرب حتى ينزل ذلك دأبه ابدا. ثم قال (إنه فكر) أي فكر فكرا يحتال به للباطل، لانه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموما بل كان ممدوحا، ولذلك مدح الله قوما فقال (إن في ذلك لايات لقوم يتفكرون) (1) أي على وجه طلب الحق. وقوله (وقدر) أي قدر فقال: إن قلنا شاعر كذبتنا العرب باعتبار ما أتى به، وإن قلنا كاهن لم يصدقونا، لان كلامه لا يشبه كلام الكهان، فنقول ساحر يأثر ما أتى به عن غيره من السحرة. فقال الله تعالى (فقتل) أي لعن (كيف قدر) هذا. ثم كرر تعالى فقال (ثم قتل كيف قدر) أي عوقب بعقاب آخر كيف قدر من ابطال الحق تقديرا آخر. وقيل: لعن بما يجري مجرى القتل، ومثله (قتل الخراصون) (2) وقال الحسن: هو شتم من الله لهذا الكافر. وقوله (ثم نظر) نظر من ينكر الحق وبدفعه، ولو نظر طلبا للحق كان ممدوحا وكان نظره صحيحا. وقوله (ثم عبس) أي قبض وجهه تكرها للحق، يقال: عبس يعبس عبوسا، فهو عابس وعباس فالعبوس والتكليح والتقطيب نظائر * (الهامش) * (1) سورة 13 الرعد آية 3 وسورة 30 الروم آية 21 وسورة 39 الزمر آية 42 وسورة 45 الجائية آية 12 (2) سورة 51 الذاريات آية 10 (ج 10 م 23 من التبيان) (*)
[ 178 ]
في اللغة، وضده الطلاقة والبشاشة. وقوله (وبسر) فالبسور بدو التكره الذى يظهر في الوجه وأصله من قولهم: بسر بالامر إذا عجل به قبل حينه، ومنه البسر لتعجيل حاله قبل الارطاب قال توبة:
وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها (1) فكأنه قيل: قبض وجهه وبدي التكره فيه. وقوله (ثم أدبر) فالادبار الاخذ في جهة الدبر خلاف جهة الاقبال، فذلك ادبار وهذا إقبال، يقال: دبر يدبر دبورا وأدبر إدبارا، وتدبر نظر في عاقبة الامر، ودبره أي عمله على إحكام العاقبة وكل مأخوذ من جهة الخلف مدبر. وقوله (واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر) أي طلب كبرا ليس له، ولو طلب كبرا هو له لم يكن مذموما، وفي صفات الله تعالى (الجبار المتكبر) (2) لان له الكبرياء، وهو كبير الشأن في أعلى المراتب لاختصاصه باتساع مقدوراته والمعلوم في أعلى المراتب. وقيل: ان الوليد قال في القرآن: والله ليعلو وما يعلا وما هو بشعر ولا كهانة، ولكنه سحر يؤثر من قول البشر، والسحر حيلة يخفى سببها فيوهم الشئ على خلاف ما هو به وذلك منفي عن كل ما يشاهد ويعلم انه قد خرج عن العادة مما لا يمكن عليه معارضة، ولو كان القرآن من قول البشر لا مكنهم أن يأتوا بمثله، كما لو كان قلب العصاحية من فعل ساحر لا مكن السحرة أن يأتوا بمثله. ثم قال يعني الوليد (إن هذا إلا قول البشر) أي ليس هذا إلا قول البشر وليس من كلام الله عنادا منه وبهتانا. * (الهامش) * (1) مجاز القرآن 2 / 275 والقرطبي 19 / 74 (2) سورة 59 الحشر آية 23 (*)
[ 179 ]
قوله تعالى: (ساصليه سقر (26) وما أدريك ما سقر (27) لا تبقي ولا تذر (28) لواحة للبشر (29) عليها تسعة عشر (30) وما جعلنا أصحاب النار إلا ملئكة وما جعلنا عدتهم إلا فتنة للذين كفروا
ليستيقن الذين أوتوا الكتاب ويزداد الذين آمنوا إيمانا ولا يرتاب الذين أوتوا الكتاب والمؤمنون وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون ماذا أراد الله بهذا مثلا كذلك يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء وما يعلم جنود ربك إلا هو وما هي إلا ذكرى للبشر (31) كلا والقمر (32) والليل إذ أدبر (33) والصبح إذا أسفر (35) إنها لا حدى الكبر) (35) عشر ايات. قرأ نافع وحمزة وحفص عن عاصم (إذ أدبر) باسكان الذال وقطع الهمزة من (أدبر) الباقون بفتح الذال والالف معها (دبر) بغير الف. وقرأ ابن مسعود بزيادة الف، ومن قال (دبر، وأدبر) فهما لغتان. قيل: هو مثل قبل واقبل والاختيار عندهم (أدبر) لقوله (إذا أسفر) ولم يقل إذا سفر، لان ابن عباس، قال لعكرمة: حين دبر الليل، لان العرب تقول: دبر فهو دابر، وحجة نافع وحمزة قول النبي صلى الله عليه واله (إذا اقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا فقد أفطر الصيام) ثم قال أبو عبيدة: أدبر ولى، ودبرني جاء خلفي. لما حكى الله تعالى صفات الكافر الذي ذكره، وهو الوليد بن المغيرة، وانه
[ 180 ]
فكر وقدر إلى ان قال: هذا القرآن سحر مأثور، وهو قول البشر، قال الله تعالى مهددا له ومتوعدا (سأصليه سقر) أي ألزمه جهنم، والاصلاء إلزام موضع النار أصلاه يصليه إصلاه واصطلى فهو يصطلي اصطلاء، وصلاه يصليه، واصله اللزوم. وسقر اسم من اسماء جهنم، ولم يصرف للتعريف والتأنيث وأصله من سقرته الشمس تستقره سقرا إذا آلمت دماغه. وقد سميت النار سقر لشدة إيلامها، ومنه الصقر بالسين والصاد، لان شدته في نفسه كشدة الالم في أذى صيده. وقوله (وما أدراك ما سقر) إعظاما للنار وتهويلا لها أي ولم يعلمك الله
سقر على كنهها وصفتها، ثم وصف بعض صفاتها فقال (لا تبقي ولا تذر) وقال مجاهد: معناه لا تبقي من فيها حيا، ولا تذره ميتا. وقال غيره: لا تبقي احدا من أهلها إلا تناولته، ولا تذره من العذاب. والابقاء ترك شئ مما اخذ، يقال أبقى شيئا يبقيه ابقاء، وأبقاه الله أي اطال مدته. والباقي هو المستمر الوجود. وقوله (لواحة للبشر) أي مغيرة لجلد الانسان الذي هو البشرة - في قول مجاهد - وقال المؤرج: لواحة بمعنى حراقة، وبه قال الفراء. وقال غيرهما: معناه تلوح لجميع الخلق حتى يروها، كما قال (وبرزت الجحيم لمن يرى) (1) لانه لا يجوز أن يصفها بأنها تسود البشرة مع قوله (إنها لا تبقي ولا تذر) والتلويح تغير اللون إلى الاحمر والتلويح بالنار تغير بشرة أهلها إلى الاحمرار، يقال: لوحته الشمس تلوحه تلويحا فهي لواحة على المبالغة في كثرة التلويح، والبشر جمع بشرة، وهي ظاهر الجلدة، ومنه سمي الانسان بشرا، لانه ظاهر الجلدة، بتعريه من الوبر والريش والشعر الذي يكون في غيره من الحيوان في غالب أمره. وقوله (عليها تسعة عشر) أي على سقر تسعة عشر من الملائكة. وإنما خص بهذه العدة لتوافق صحة الخبر لما جاء به الانبياء قبله صلى الله عليه واله، ويكون في * (الهامش) * (1) سورة 79 النازعات آية 36 (*)
[ 181 ]
ذلك مصلحة للمكلفين. وقد بين ذلك بقوله (وما جعلنا أصحاب النار إلا ملائكة وما جعلنا عدتهم) أي لم نجعل من يتولى تدبير النار إلا من الملائكة ولم نجعلهم على هذه العدة (إلا فتنة) ومحنة وتشديدا في التكليف (للذين كفروا) نعم الله وجحدوا ربوبيته ليلزمهم النظر في ذلك، فلما كانت هذه العدة التي جعلت عليها الملائكة يظهر عندها ما كان في نفس الكافر مما يقتضيه كفره، كان فتنة له، لان الفتنة هي المحنة التي تخرج ما في النفس من خير أو شر باظهار حاله كاظهار الحكاية للمحكي والملك
عبارة عما كان على خلاف صورة الجن والانس من المكلفين. وقال قوم: لا يكون ملكا إلا رسولا لانه من الرسالة، كما قال الهذلي: الكني إليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر (1) واصله ملاك بالهمز كما قال الشاعر: فلست لا نسى ولكن بملاك * تنزل من جو السماء يصوب (2) والملك عظيم الخلق شديد البطش كريم النفس. والاصل نفسه منشرحة بالطاعة إنشراح الكريم بالجود، وأصله من النور، ووجه دلالة هذه العدة من الملائكة على نبوة النبي صلى الله عليه واله هو انه إذا كان الله - عزوجل - قد اخبر به في الكتب المتقدمة ولم يكن محمد صلى الله عليه واله ممن قرأها ولا تعلمها من أحد من الناس دل على أن الله أعلمه وانزل عليه به وحيا أبانه به من جميع الخلق ليدل على صدقه مع انه احد الاشياء التي أخبر بها على هذه الصفة (ليستيقن الذين أوتوا الكتاب) والتقدير ليعلم أهل الكتاب يقينا ان محمدا صادق من حيث اخبر بما هو في كتبهم من غير قراءة لكتبهم ولا تعلم منهم (ويزداد الذين آمنوا إيمانا) أي ويزداد بذلك ايضا المؤمنون الذين عرفوا الله إيمانا مضافا إلى ايمانهم. ووجه المحنة على الكفار بتكليفهم ان يستدلوا حتى * (الهامش) * (1) مر في 8 / 11، 299 (2) اللسان (ملك) (*)
[ 182 ]
يعرفوا ان الله تعالى قادر ان يقوي هذه العدة من الملائكة بما يفي بتعذيب أهل النار على ما هم عليه من الكثرة (ولا يرتاب) أي لا يشك (الذين أوتوا الكتاب) في خبره ولا يرتاب أيضا (المؤمنون) في خبره. وقوله (وليقول الذين في قلوبهم مرض والكافرون) ومعناه لئلا يقول الذين في قلوبهم شك ونفاق (ماذا أراد الله بهذا مثلا) اي أي شئ اراد الله بهذا مثلا، وقيل اللام في قوله (وليقول الذين في قلوبهم مرض) لام العاقبة كما قال (فالتقطه آل فرعون
ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) فقال الله تعالى (كذلك يضل الله من يشاء ويهدى من يشاء) أي مثل ما فضح الله هؤلاء الكفار وذمهم مثل ذلك يضل من يشاء من الكفار. والاضلال - ههنا - اظهار فضيحة الكفار بما يوجب الذم، ومعناه الحكم عليهم بالضلال عن الحق، والاخبار بأنهم يستحقون اللعن بتكذيبهم النبي صلى الله عليه واله، وما انزل عليه. ونقيضه الهداية أي ويحكم بهداية المؤمنين إلى الحق ومصيرهم إلى الطاعة، وتصديقهم بالحق عند نزوله وقبولهم له. وقال ابن عباس وقتادة والضحاك: عدة الملائكة الموكلين بالنار في التوراة والانجيل تسعة عشر. ثم اخبر تعالى فقال (وما يعلم جنود ربك إلا هو) أي لا يعلم جنود الله إلا الله. ثم قال (وما هي إلا ذكرى للبشر) قيل معناه إن النار في الدنيا تذكير بالنار في الاخرة. وقال قتادة ومجاهد: النار الموصوفة بهذه الصفة ذكرى للبشر وعظة لهم. وقال البلخي: إلا ذكرى للبشر أي الجنود ذكرى أي عظة للبشر، لان الله تعالى لا يحتاج إلى ناصر ومعين. ثم قال (كلا والقمر) أي حقا ثم اقسم بالقمر (والليل إذ ادبر) قيل معناه إذا ولى يقال: دبر وادبر، وقد قرئ بهما. وقيل: إنما دبر الليل بان جاء * (الهامش) * (1) سورة 28 القصص آية 8 (*)
[ 183 ]
بعده النهار وآخره. وتقول العرب: قبح الله ما قبل منك وما دبر (والصبح إذا اسفر) أي اضاء وأنار - في قول قتادة - وهو قسم آخر. وقال قوم: التقدير ورب هذه الاشياء، لان اليمين لا يكون إلا بالله. وقال قوم: معنى قوله (والصبح إذا اسفر) أي كشف عن الظلام وأنار الاشخاص. وقوله (انها لاحدى الكبر) جواب القسم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: معناه إن النار لاحدي الكبر. وقال قوم: ان هذه الاية لاحدى الكبر. والكبر جمع الكبرى، وهي العظمى
وروي عن ابن كثير أنه (قرأ إنها لحدي الكبر) لا يهمزه ولا يكسر يسقط الهمزة تخفيفا، كقولهم في زيد الاحمر زيد لحمر. وفي أصحاب الايكة اصحاب ليكة. والاختيار قطع الالف، لان العرب إذا حذفت مثل هذا نقلت حركة الهمزة إلى ما قبلها، واللام قبل هذه الهمزة متحركة، واللام في الاحمر لام التعريف ساكنة. قوله تعالى: (نذيرا للبشر (36) لمن يشاء منكم أن يتقدم أو يتأخر (37) كل نفس بما كسبت رهينة (38) إلا أصحاب اليمين (39) في جنات يتساءلون (40) عن المجرمين (41) ما سلككم في سقر (42) قالوا لم نك من المصلين (43) ولم نك نطعم المسكين (44) وكنا نخوض مع الخائضين (45) وكنا نكذب بيوم الدين (46) حتى أتينا اليقين (47) فما تنفعهم شفاعة الشافعين (48) فما لهم عن التذكرة معرضين (49) كأنهم حمر مستنفرة (50) فرت من
[ 184 ]
قسورة (51) بل يريد كل امرئ منهم إن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون الاخرة (53) كلا إنه تذكرة (54) فمن شاء ذكره (55) وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة) (56) احدى وعشرون آية. قرأ نافع وابن عامر وابو جعفر (مستنفرة) بفتح الفاء. الباقون بكسرها ومعناهما متقارب، لان من فتح الفاء أراد أنه نفرها غيرها، ومن كسر الفاء اراد أنها نافرة، وانشد الفراء: امسك حمارك إنه مستنفر * في أثر أحمرة عمدن لغرب (1) والنفور الذهاب عن المخوف بانزعاج، نفر عن الشئ ينفر نفورا فهو نافر،
والتنافر خلاف التلاؤم، واستنفر طلب النفور (ومستنفرة) طالبة للنفور. وقرأ نافع ويعقوب (وما تذكرون) بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. لما اخبر الله تعالى ان الاية التي ذكرها لاحدى الكبر، بين أنه بعث النبي (نذيرا للبشر) أي منذرا مخوفا معلما مواضع المخافة، والنذير الحكيم بالتحذير عما ينبغي ان يحذر منه، فكل نبي نذير، لانه حكيم بتحذيره عقاب الله تعالى على معاصيه. (ونذيرا) نصب على الحال. وقال الحسن: إنه وصف النار وقال ابن زيد: هو وصف النبي. وقال أبو رزين: هو من صفة الله تعالى، فمن قال: هو للنبي قال كأنه قيل: قم نذيرا. وقوله (لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر) معناه إن هذا الانذار متوجه إلى من يمكنه ان يتقي عذاب النار بأن يجتنب معاصيه ويفعل طاعاته، فيقدر * (الهامش) * (1) اللسان (نفر)
[ 185 ]
على التقدم والتأخير في أمره بخلاف ما يقوله المجبرة الذين يقولون بتكليف ما لا يطاق لمنع القدرة. وقال قتادة: معناه لمن شاء منكم أن يتقدم في طاعة الله أو يتأخر عنها بمعصيته. والمشيئة هي الارادة. وقوله (كل نفس بما كسبت رهينة) معناه إن كل نفس مكلفة مطالبة بما عملته وكسبته من طاعة أو معصية، فالرهن أخذ الشئ بأمر على أن لا يرد إلا بالخروج منه رهنه يرهنه رهنا قال زهير: وفارقتك برهن لا فكاك له * يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا (1) وكذلك هؤلاء الضلال قد أخذوا برهن لا فكاك له. قال الرماني: في ذلك دلالة على القائلين باستحقاق الذم، لانه عم الارتهان بالكسب في هذا الموضع، وهم يزعمون انه يرتهن بأن لم يفعل ما وجب عليه من غير كسب شئ منه، فكانت الاية حجة على فساد مذهبهم. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان الذي في الظاهر ان
الانسان رهن بما كسبت يداه. ولم يقل: ولا يرهن إلا بما كسب له إلا من جهة دليل الخطاب الذي هو فاسد عند اكثر الاصوليين، على ان الكسب هو ما يجتلب به نفع أو يدفع به ضرر، ويدخل في ذلك الفعل، وألا يفعل، فلا تعلق في الاية. ولما ذكر تعالى أن (كل نفس بما كسبت رهينة) استثنى من جملة النفوس فقال (إلا اصحاب اليمين) والاستثناء منقطع، لان اصحاب اليمين ليسوا من الضلال الذين هم رهن بما كسبوه، وتقديره لكن أصحاب اليمين (في جنات) أي بساتين آجنها الشجر، واصحاب اليمين هم كل من لم يكن من الضالين: وقال الحسن: هم اصحاب الجنة. وقال قوم: هم الذين ليس لهم شئ من الذنوب. وقال قوم: * (الهامش) * (1) ديوانه 39 (دار بيروت) (ج 10 م 24 من التبيان) (*)
[ 186 ]
هم اطفال المؤمنين. وقوله (يتساءلون) أي يسأل بعضهم بعضا (عن المجرمين) العصاة في طاعة الله، فيقولولن لهم (ما سلككم في سقر) أي ما أدخلكم في جهنم فالمجرم هو القاطع بالخروج عن أمر الله ونهيه إلى إرتكاب الكبائر من القبيح، والجاروم القاطع. والسلوك الدخول. وسقر اسم من السماء جهنم. ثم حكى ما يجيبهم به اصحاب النار فانهم يقولون لهم: ادخلنا في النال لانا (لم نك من المصلين) أي لم نك نصلى ما أوجب علينا من الصلاة المفروضة على ما قررها الشرع، وفي ذات دلالة على ان الخلال بالواجب يستحق به الذم والعقاب، لانهم لم يقولوا انا فعلنا تركا للصلاة بل علقوا استحقاقهم للعقاب بالاخلال بالصلاة وفيها دلالة على أن الكفار مخاطبون بالعبادة. لان ذلك حكاية عن الكفار بدلالة قوله في آخر الاية (كنا نكذب بيوم الدين). وقوله (ولم نك نطعم المسكين) أي لم نكن نخرج الزكوات التي وجبت علينا، والكفارات التي يلزمنا دفعها إلى المساكين. وهم الفقراء. وهم الفقراء، فالمسكين الذي
سكنته الحاجة إلى ما في ايدي الناس عن حال النشط. وحال الفقير اشد من حال المسكين. قال الله تعالى (أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) (1) فسماهم الله مساكين مع أن لهم مركبا في البحر قال الشاعر: أنا الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سبد (2) (وكنا نخوض مع الخائضين) قال قتادة: معناه كلما غوي غاويا لدخول في الباطل غوينا معه أي كنا نلوث انفسنا بالمرور في الباطل كتلويث الرجل بالخوض فلما كان هؤلاء يخرجون مع من يكذب بالحق مشيعين لهم في القول كانوا خائضين معهم (وكنا) مع ذلك (نكذب بيوم الدين) اي كنا نجحد يوم الجزاء وهو يو القيامة، فالتكذيب تنزيل الخبر على انه كذب باعتقاد ذلك فيه أو الحكم به. * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 80 (2) مر تخريجه في 5 / 283 (*)
[ 187 ]
فهؤلاء اعتقدوا ان الخبر يكون يوم الدين كذب. والدين الجزاء، وهو الايصال إلى كل من له شئ أو عليه شئ ما يستحقه، فلذلك يوم الدين، وهو يوم الجزاء وهو يوم أخذ المستحق بالعدل. وقوله (حتى أتانا اليقين) معناه حتى جاءنا العلم واليقين الذي يوجد برد الثقة به في الصدر أو دليله، يقال: وجد فلان برد اليقين وثلج في صدره، ولذلك لا يوصف الله تعالى بأنه متيقن، فقال الله تعالى لهم (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) الذين يشفعون لهم، لان عذاب الكفر لا يسقطه الله بالشفاعة بالاجماع. ثم قال (فما لهم عن التذكرة) أي أي شئ لهم ؟ ولم أعرضوا وتولوا عن النبوة والرشد ؟ ! ولم يتعظوا به إلى ان صاروا إلى جهة الضلال على وجه الانكار عليهم. ثم شبههم، فقال (كأنهم حمر مستنفرة) أي مثلهم في النفور عما تدعوهم إليه من الحق واعراضهم، مثل الحمر إذا نفرت ومرت على وجهها إذا (فرت من قسورة) وهو السبع يعني الاسد، يقال نفر، واستنفر، مثل علامتنه واستعلاه
وسمع إعرابي رجلا يقرأ (كأنهم حمر مستنفرة) فقال: طلبها قسورة، فقيل له: ويحك إن في القرآن (فرت من قسورة) قال (مستنفرة) إذا، فالفرار الذهاب عن الشئ خوفا منه، فريفر فرا وفرارا، فهو فار إذا هرب والفار الهارب. والهرب نقيض الطلب، واصل الفرار الانكشاف عن الشئ، ومنه فر الفرس يفره فرا إذا كشف عن سنه. والقسورة الاسد. وقيل: هو الرامي للصيد. وأصله الاخذ بالشدة من قسره يقسره قسرا أي قهره. وقال ابن عباس: القسورة الرماة وقال سعيد بن جبير: هم القناص. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: جماعة الرجال وقال أبو هريرة: هو الاسد. وهو قول زيد بن اسلم، وفى رواية عن ابن عباس وابي زيد: القسور بغير هاء تأنيث. وقوله (بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة) اخبار من الله
[ 188 ]
تعالى بأنهم ليسوا كالحمر المستنفرة الفارة من القسورة، بل لان كل رجل منهم يريد أن يعطى صحفا منشرة. قال قال الحسن وقتادة ومجاهد: انهم يريدون صحفا منشرة اي كتبا تنزل من السماء كتابا إلى فلان وكتابا إلى فلان: أن آمنوا بمحمد صلى الله عليه واله. وقيل: إنهم قالوا كانت بنو إسرائيل إذا اذنب منهم مدنب أنزل الله كتابا أن فلانا أذنب فما بالنا لا ينزل علينا مثل ذلك إن كنت صادقا به ؟ والصحف جمع صحيفة، وهي الورقة التي من شأنها ان تقلب من جهة إلى جهة، لما فيها من الكتابة، وتجمع الصحيفة صحفا وصحائف، ومنه مصحف ومصاحف. والنشر بسط ما كان مطويا أو ملتفا من غير التحام. وقيل: معناه إنهم يريدون صحفا من الله تعالى بالبراءة من العقوبة واسباغ النعمة حتى يؤمنوا وإلا أقاموا على أمرهم. وقيل: تفسيره ما ذكره الله تعالى في قوله (ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه) (1) فقال الله تعالى (كلا) أي حقا ليس الامر على ما قالوه (بل لا يخافون) هؤلاء الكفار (الاخرة)
بجحدهم صحته. ثم قال (انه تذكرة) يعني القرآن تبصرة وموعظة لمن عمل به واتعظ بما فيه، وهو قول قتادة. ثم قال (فمن شاء ذكره) أي من شاء أن يتعظ بما فيه وهو يتذكر به، فعل، لانه قادر عليه. ثم قال (وما يذكرون إلا ان يشاء الله) من قرأ بالتاء، فعلى الخطاب، ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم. ومعناه ليس يتذكرون ولا يتعظون بالقرآن إلا ان يشاء الله، ومعناه إلا والله شاءه له، لانه طاعة والله يريد الطاعات من خلقه. وقوله (هو اهل التقوى واهل المغفرة) معناه هو اهل ان يتقى عقابه، واهل ان يعمل بما يؤدي إلى مغفرته. وقيل: معناه هو اهل ان يغفر المعاصي إذا تاب المذنب من معاصيه. * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى آية 93 (*)
[ 189 ]
75 - سورة القيامة: مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي أربعون آية في الكوفي وتسع وثلاثون في البصري والمدنيين. بسم الله الرحمن الرحيم. (لا أقسم بيوم القيمة (1) ولا أقسم بالنفس اللوامة (2) أيحسب الانسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل يريد الانسان ليفجر أمامه يسئل أيان يوم القيمة (6) فإذا برق البصر (7) وخسف القمر (8) وجمع الشمس والقمر (9) يقول الانسان يومئذ أين المفر) (10) عشر آيات. قرأ (برق) بفتح الراء اهل المدينة وأبان عن عاصم، الباقون بكسر الراء وقرأ القواس عن ابن كثير (لا قسم) باثبات القسم جعل اللام لام تأكيد، واقسم،
والاختيار لمن قصد هذا (لا قسمن) وقد روي ذلك عن الحسن، قال: لان الله تعالى اقسم بيوم القيامة، ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال مقاتل: لم يقسم الله تعالى
[ 190 ]
بالقيامة إلا في هذه السورة فقط. الباقون (لا اقسم) التقدير بنفي اليمين في اللفظ واختلف في ذلك النحويون فقال أبو عبيدة والكسائي (لا) صلة والتقدير اقسم. وقال قوم (لا) تزيدها العرب لا إبتداء، لكن (لا) ههنا رد لقوم انكروا البعث وكفروا بالتنزيل. فقال الله (لا) أي ليس كما تقولون. ثم قال (اقسم بيوم القيامة) قال ابن خالويه: (لا) تنقسم اربعين قسما ذكرته في كل مفرد. قوله (لا أقسم) معناه اقسم و (لا) صلة في قول سعيد بن جبير. وقال ابن عباس (لا) تأكيد كقولك: لا والله. بلى والله ما كان كذا، فكأنه قال لا، اقسم بيوم القيامة ما الامر على ما توهموه. والقسم تأكيد الخبر بما جعله في حيز المتحقق. والمعنى اقسم بيوم القيامة ويوم القيامة هو النشأه الاخيرة التي تقوم فيها الناس من قبورهم للمجازاة، وبذلك سميت القيامة، ويومها يوم عظيم، على خطر عظيم جسيم. وقوله (ولا اقسم بالنفس اللوامة) قسم ثان، ومعناه معنى الاول. وقال الحسن: أقسم تعالى بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة، بل نفى ان يقسم بها. قال الرماني: وهذا يضعف، لانه يخرج عن تشاكل الكلام. وقيل: ان جواب القسم محذوف، وتقديره ما الامر على ما تتوهمون. وقال قوم: جواب القسم قوله (بلى قادرين) واللوامة الكثيرة اللوم لقلة رضاها بالامر وتمييز ما يرضى مما لا يرضى، وما يلام عليه مما لا يلام عليه. وقال ابن عباس: اللوامة من اللوم. وقال مجاهد: تلوم على ما مضى وفات. وقال قتادة: اللوامة الفاجرة،
كأنه قال ذات اللوام الكثير. وقال سعيد بن جبير: هي التي تلوم على الخير والشر وقيل: معناه لا صبر لها على محن الدنيا وشدائدها، فهي كثيرة اللوم فيها. وقال
[ 191 ]
الحسن: اللوامة هي التي تلوم نفسها على ما ضيعت من حق الله يوم القيامة، وهي نفس الكافر. وقيل: معناها أنها تلوم نفسها في الاخرة على الشر لم عملته وعلى الخير هلا استكثرت منه. وقوله (ايحسب الانسان أن لن نجمع عظامه) صورته صورة الاستفهام ومعناه الانكار على من أنكر البعث والنشور، فقال الله له ايظن الانسان الكافر أن لن نجمع عظامه ونعيده إلى ما كان أولا عليه. ثم قال: ليس الامر على ما ظنه (بلى قادرين على أن نسوي بنانه) قال ابن عباس: يجعل بنانه كالخف والحافر فيتناول المأكول بفيه، ولكننا مننا عليه. وقال قتادة كخف البحير أو حافر الدابة. ونصب (قادرين) على أحد وجهين: احدهما - على تقدير بلى نجمعها قادرين. والاخر - بلى نقدر قادرين إلا أنه لم يظهر (نقدر) لدلالة (قادرين) عليه، فاستغني به. وقيل: معناه بلى قادرين على ان نسوي بنانه حتى نعيده على ما كان عليه خلقا سويا. وقوله (بل يريد الانسان ليفجر أمامه) اخبار منه ان الانسان يفجر أمامه ومعناه يمضي أمامه راكبا رأسه في هواه - في قول مجاهد - أي فهذا الذي يحمله على الاعراض عن مقدورات ربه، فلذلك لا يقر بالبعث والنشور. وقال الزجاج: إنه يسوف بالتوبة ويقدم الاعمال السيئة. قال: ويجوز أن يكون المراد ليكفر بما قدامه من البعث بدلالة قوله (يسأل أيان يوم القيامة) فهو يفجر أمامه بأن يكذب بما قدامه من البعث. وقوله (يسأل أيان يوم القيامة) معناه ان الذي يفجر أمامه
يسأل متى يكون يوم القيامة ؟ فمعنى (أيان) (متى) إلا ان السؤال ب (متى) اكثر من السؤال ب (أيان)، فلذلك حسن ان يفسر بها لما دخلها من الابهام الذي يحتاج
[ 192 ]
فيه إلى بيان ما يتصل بها من الكلام. والسؤال على ضربين: سؤال تعجيز، وسؤال طلب للتبيين. وقوله (فإذا برق البصر) فالبرق اللمعان بالشعاع الذي لا يلبث، لانه مأخوذ من البرق، يقال: برق يبرق برقا، وإنما قيل (برق البصر) لان ذلك يلحقه عند شدة الامر، والبارقة الذين تلمع سيوفهم إذا جردوها كالبرق، وانشد ابو عبيدة للكلابي: لما اتاني ابن عمير راغبا * اعطيته عيسا صهابا فبرق (1) بكسر الراء وانشد الفراء: نعاني حنانة طوبا له * يسف يبسا من العشرق فنفسك فانع ولا تنعنى * وداو الكلوم ولا تبرق (2) بالفتح، أي لا تفزع من هول الجراح، و (حنانة) اسم رجل و (طويا) له نعجة، وقال ابن خالويه: من كسر قال: لان (برق) بالفتح لا يكون إلا في الضوء يقال برق البرق إذا لمع، وبرق الحنظل، فاما برق بالكسر، فمعناه تحير والذي قاله اهل اللغة إنهما لغتان، وتقول العرب، لكل داخل: برقة أي دهشة. وقال الزجاج: برق إذا فزع وبرق إذا حار. وقوله (وخسف القمر) أي ذهب نوره بغيبة النور عن البصر، وخسف وكسف بمعنى كأنه يذهب نوره في خسف من الارض فلا يرى. وقوله (وجمع الشمس والقمر) أي جمعا في ذهاب نورهما بما يراه الانسان والجمع جعل احد الشيئين مع الاخر. والجمع على ثلاثة اقسام: جمع في المكان، وجمع
* (الهامش) * (1) مجاز القرآن 2 / 277 والقرطبي 19 / 94 (2) قائله طرفة بن العبد ديوانه 70 (دار بيروت) البيت الثاني فقط (*)
[ 193 ]
في الزمان، وجمع الاعراض في المحل. وجمع الشيئين في حكم أو صفة مجاز، وقوله (يقول الانسان يومئذ اين المفر) اخبار من الله تعالى بأن الانسان يقول في ذلك الوقت: اين المهرب ؟ والفرار بفتح الفاء. وروي عن ابن عباس (أين المفر) بكسر الفاء، قال الزجاج: المفر بفتح الفاء مصدر، وبالكسر مكان الفرار. وهذا سؤال تعجيز عن وجود مفر يهرب إليه من عذاب الله في ذلك اليوم. وقيل فيه معنى جواب هذا السائل، كأنه قيل يوم القيامة إذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس والقمر. والمفر مصدر. ويجوز فيه الكسر، ومثله مدب ومدب وقال البصريون: الكسر لمكان الفرار. وقال الفراء الفتح والكسر لغتان. قوله تعالى: (كلا لا وزر (11) إلى ربك يومئذ المستقر (12) ينبأ الانسان يومئذ بما قدم وأخر (13) بل الانسان على نفسه بصيرة (14) ولو ألقى معاذيره (15) لا تحرك به لسانك لتعجل به (16) إن علينا جمعه وقرآنه (17) فإذا قرأناه فاتبع قرآنه (18) ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) وتذرون الاخرة (21) وجوه يومئذ ناضرة (22) إلى ربها ناظرة (23) ووجوه يومئذ باسرة (24) تظن أن يفعل بها فاقرة) (25) خمس عشرة آية قرأ (كلا بل يحبون العاجلة ويذرون الاخرة) بالياء فيهما ابن كثير (ج 10 م 25 من التبيان)
[ 194 ]
وابو عمرو وابن عامر على وجه الاخبار عنهم. الباقون بالتاء على وجه الخطاب لهم، لما حكى الله تعالى عن الكافر انه يقول يوم القيامة (اين المفر) والمهرب حكى ما يقال له، فانه يقال له (كلا لا وزر) أي لا ملجأ. والوزر الملجأ من جبل يتحصن به أو غيره من الحصون المنيعة. ومنه الوزير المعين الذي يلجأ إليه في الامور، يقال وزرت الحائط إذا قويته بأساس يعتمد عليه. وقال ابن عباس ومجاهد: لا وزر، معناه لا ملجا. وقال الحسن: لا جبل، لان العرب إذا دهمتهم الخيل بغتة، قالوا: الوزر، يعنون الجبل، قال ابن الدمينة: لعمرك ما للفتى من وزر * من الموت ينجو به والكبر (1) وقال الضحاك: معناه لا حصن. وقيل معناه لا منجا ينجو إليه، وهو مثل الملجأ. ثم قال تعالى (إلى ربك يومئذ المستقر) أي المرجع الذي يفر فيه. ومثله المأوى والمثوى، وخلافه المرتحل. والمستقر على وجهين: مستقر إلى أمد، ومستقر على الابد. وقوله (ينبؤ الانسان يومئذ بما قدم واخر) أي يخبر بجميع ما عمله، وما تركه من الطاعات والمعاصي، فالنبأ الخبر بما يعظم شأنه، وحسن في هذا الموضع لان ما جرى مجرى اللغو والمباح لا يعتد به في هذا الباب. وإنما الذي يعظم شأنه من عمل الطاعة والمعصية هو ما يستحق عليه الجزاء. فأما ما وجوده كعدمه، فلا اعتبار به. والتقديم ترتيب الشئ قبل غيره. وضده التأخير وهو ترتيب الشئ بعد غيره، ويكون التقديم والتأخير في الزمان، وفى المكان، وفى المرتبة، كتقديم المخبر عنه في المرتبة، وهو مؤخر في الذكر، كقولك: في الدار زيد، وكذلك الضمير في (غلامه ضرب زيد) وهو مقدم في اللفظ ومؤخر في المرتبة. وقال ابن عباس: ينبأ بما قدم * (الهامش) * (1) مجاز القرآن 2 / 277 والقرطبى 19 / 96 (*)
[ 195 ]
من المعصية وأخر من الطاعة. وقال مجاهد: يعني بأول عمله وآخره. وقال ابن زيد: ما أخذ وترك. وفي رواية عن ابن عباس، وهو قول ابن مسعود: بما قدم قبل موته، وما اخر من سنة يعمل بها بعد موته، وقيل ما قدم وأخر جميع أعماله التي يستحق بها الجزاء. وقوله (بل الانسان على نفسه بصيرة) أي شاهد على نفسه بما تقوم به الحجة - ذكره ابن عباس - كما يقال: فلان حجة على نفسه. وقد قال تعالى (اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا) (1) وقال الزجاج: معناه بل الانسان تشهد عليه جوارحه كما قال (يوم تشهد عليهم) (2) والهاء في (بصيرة) مثل الهاء في (علامة) للمبالغة. وقيل شهادة نفسه عليه اولى من اعتذاره. وقيل تقديره بل الانسان على نفسه من نفسه بصيرة: جوارحه شاهدة عليه يوم القيامة ولو اعتذر كان شاهدا عليه من يكذب عذره. وقوله (ولو القى معاذيره) معناه ولو اقام الاعتذار عند الناس، وفى دار التكليف واستسر بالمعاصي بارخاء الستر. وقال ابن عباس: معناه ولو اعتذر. وقال السدي: معناه ولو ارخى الستور وأغلق الابواب. وقال الزجاج: معناه لو أتى بكل حجة عنده. والمعاذير التنصل من الذنوب بذكر العذر، واحدها معذرة من قوله (لا ينفع الظالمين معذرتهم) (3) وقيل: المعاذير ذكر مواقع تقطع عن الفعل المطلوب. والعذر منع يقطع عن الفعل بالامر الذي يشق. والاعتذار الاجتهاد في تثبيت العذر. وقوله (لا تحرك به لسانك لتعجل به) قال ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك: كان النبي صلى الله عليه واله إذا نزل عليه القرآن عجل بتحريك لسانه لحبه إياه، * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى آية 14 (2) سورة 24 النور آية 24 (3) سورة 40 المؤمن آية 52 (*)
[ 196 ]
فنهاه الله عن ذلك. والتحريك تغيير الشئ من مكان إلى مكان أو من جهة إلى جهة بفعل الحركة فيه والحركة ما به يتحرك المتحرك. والمتحرك هوالمنتقل من جهة إلى غيرها. واللسان آلة الكلام. والعجلة طلب عمل الشئ قبل وقته الذي ينبغي أن يعمل فيه. ونقيضه الابطاء، والسرعة عمل الشئ في أول وقته الذي هو له، وضده الاناة. وقوله (إن علينا جمعه وقرآنه) قال ابن عباس والضحاك: معناه ان علينا جمعه في صدرك، وقراءته عليك حتى يمكنك تلاوته. وقال قتادة: معناه إن علينا جمعه في صدرك وتأليفه على ما نزل عليك. وقال ابن عباس - في رواية اخرى - إن معناه إن علينا بيانه من حلاله وحرامه بذكره لك. وقال قتادة: معناه نذكر احكامه ونبين لك معناه إذا حفظته. وقال البلخي: الذي أختاره انه لم يرد القرآن وإنما اراد قراءة العباد لكتبهم يوم القيامة، لان ما قبله وبعده يدل على ذلك، وليس فيه شئ يدل على انه القرآن، ولا على شئ من أحكام الدنيا، وفي ذلك تقريع للعبد وتوبيخ له حين لا تنفعه العجلة. والقرآن من الضم والتأليف، قال عمرو بن كلثوم: ذراعي عيطل أدماء بكر * هجان اللون لم تقرأ جنينا (1) أي لم تضم رحما على ولد. وقوله (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) قال ابن عباس: معناه إذا قرأناه أي تلوناه فاتبع قراءته بقرائتك، وقال قتادة والضحاك: معناه بأن يعمل بما فيه من الاحكام والحلال والحرام. وقيل: معناه فإذا قرأه جبرائيل عليك فاتبع قراءته. والاتباع مراجعة الثاني للاول في ما يقتضيه، ومثله الاقتداء والاحتذاء والائتمام، ونقيضه الخلاف. والبيان إظهار المعنى للنفس بما يتمير به من غيره بان الشئ يبين إذا ظهر وأبانه غيره أي اظهره بيانا وإبانة، ونقيض البيان * (الهامش) * (1) مر تخريجه في 2 / 238 (*)
[ 197 ]
الاخفاء والاغماض. وقال قتادة (ثم إن علينا بيانه) معناه إنا نبين لك معناه إذا حفظته. وقوله (كلا بل تحبون العاجلة) معناه الاخبار من الله تعالى أن الكفار يريدون المنافع العاجلة ويركنون إليها ويريدونها (وتذرون الاخرة) أي وتتركون عمل الاخرة الذي يستحق به الثواب، وتفعلون ما يستحق به العقاب من المعاصي والمحارم. ثم قسم تعالى اهل الاخرة فقال (وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) أي مشرقة مضيئة، فالنضرة الصورة الحسنة التي تملا القلب سرورا عند الرؤية نضر وجهه ينضر نضرة ونضارة فهو ناضر. والنضرة مثل البهجة والطلاقة، وضده العبوس والبسور، فوجوه المؤمنين المستحقين للثواب بهذه الصفة بما جعل الله عليها من النور علامة للخلق، والملائكة على انهم مؤمنون مستحقون الثواب. وقوله (إلى ربها ناظرة) معناه منتظرة نعمة ربها وثوابه ان يصل إليهم. وقيل (ناضرة) أي مشرفة (إلى) ثواب ربها (ناظرة) وليس في ذلك تنغيص لان الانتظار إنما يكون فيه تنغيص إذا كان لا يوثق بوصوله إلى المنتظر أو هو محتاج إليه في الحال. والمؤمنون بخلاف ذلك، لانهم في الحال مستغنون منعمون، وهم ايضا واثقون انهم يصلون إلى الثواب المنتظر. والنظر هو تقليب الحدقة الصحية نحو المرئي طلبا للرؤية ويكون النظر بمعنى الانتظار، كما قال تعالى (واني مرسلة إليهم بهدية فناظرة) (1) أي منتظرة وقال الشاعر: وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمن تأتي بالفلاح (2) أي منتظرة للرحمة التي تنزل عليهم، وقد يقول القائل: انما عيني ممدودة * (الهامش) * (1) سورة 27 النمل آية 35 (2) مر في 1 / 229 (*)
[ 198 ]
إلى الله، والى فلان، وانظر إليه أي انتظر خيره ونفعه وأؤمل ذلك من جهته، وقوله (ولا ينظر إليهم يوم القيامة) (1) معناه لا ينيلهم رحمته. ويكون النظر بمعنى المقابلة، ومنه المناظرة في الجدل، ومنه نظر الرحمة أي قابله بالرحمة، ويقال: دور بني فلان تتناظر أي تتقابل، وهو وينظر إلى فلان أي يؤمله وينتظر خيره، وليس النظر بمعنى الرؤية اصلا، بدلالة انهم يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره فلو كان بمعنى الرؤية لكان متناقضا، ولانهم يجعلون الرؤية غاية للنظر يقولون: مازلت أنظر إليه حتى رأيته، ولا يجعل الشئ غاية لنفسه لا يقال: بمازلت أراه حتى رأيته، ويعلم الناظر ناظرا ضرورة، ولا يعلم كونه رائيا بل يسأل بعد ذلك هل رأيت أم لا ؟ ودخل (إلى) في الاية لا يدل على ان المراد بالنظر الرؤية، ولا تعليقه بالوجوه يدل على ذلك، لانا أنشدنا البيت، وفيه تعليق النظر بالوجه وتعديه بحرف (إلى) والمراد به الانتظار، وقال جميل بن معمر: وإذا نظرت اليك من ملك * والبحر دونك جدتني نعماء (2) والمراد به الانتظار والتأميل، وايضا، فانه في مقابلة قوله في صفة اهل النار (تظن أن يفعل بها فاقرة) فالمؤمنون يؤمنون بتجديد الكرامة وينتظرون الثواب، والكفار يظنون الفاقرة، وكله راجع إلى فعل القلب، ولو سلمنا أن النظر يعد الرؤية لجاز أن يكون المراد أنها رؤية ثواب ربها، لان الثواب الذي هو انواع اللذات من المأكول والمشروب والمنكوح تصح رؤيته. ويجوز ايضا أن يكون إلى واحد إلا لاء وفى واحدها لغات (ألا) مثل قفا، و (ألى) مثل معى و (إلى) مثل حدى و (ألى) مثل حسى، فإذا اضيف إلى غيره سقط التنوين، ولا يكون (إلى) حرفا في الاية وكل ذلك يبطل قول من أجاز الرؤية على الله تعالى. * (الهامش) * (1) سورة 3 آل عمران آية 77 (2) مر في 1 / 229 (*)
[ 199 ]
وليس لاحد ان يقول: إن الوجه الاخير يخالف الاجماع، أعني اجماع المفسرين، وذلك لانا لا نسلم لهم ذلك، بل قد قال مجاهد وابو صالح والحسن وسعيد بن جبير والضحاك: إن المراد نظر الثواب. وروي مثله عن علي عليه السلام، وقد فرق اهل اللغة بين نظر الغضبان ونظر الراضي، يقولون: نظر غضبان، ونظر راض، ونظر عداوة ونظر مودة، قال الشاعر: تخبرني العينان ما الصدر كاتم * ولا حن بالبعضاء والنظر الشزر والرؤية ليست كذلك فانهم لا يضيفونها، فدل على أن النظر غير الرؤية، والمرئي هو المدرك، والرؤية هي الادراك بالبصر، والرائي هو المدرك، ولا تصح الرؤية وهي الادراك إلا على الاجسام أو الجوهر أو الالوان. ومن شرط المرئي أن يكون هو أو محله مقابلا أو في حكم المقابل، وذلك يستحيل عليه تعالى، فكيف تجيز الرؤية عليه تعالى ؟ ! ! ! ثم ذكر القسم الاخر فقال (وجوه يومئذ باسرة تظن أن يفعل بها فاقرة) يعني وجوه اهل الكفر. والبسور ظهور حال الغم في الوجه معجلا قبل الاخبار عنه ومثله العبوس إلا انه ليس فيه معنى التعجيل. والفاقرة الكاسرة لفقار الظهر بشدة ومثل الفاقرة الداهية والابدة. وقال الحسن: ناظرة بهجة حسنة. وقال مجاهد: مسرورة. وقال ابن زيد: ناعمة. وقال مجاهد وقتادة: معنى باسرة كاشرة كالحة. وقال مجاهد: الفاقرة الداهية. وقال ابن زيد الابدة بدخول النار. قوله تعالى: (كلا إذا بلغت التراقي (26) وقيل من راق (27) وظن أنه الفراق (28) والتفت الساق بالساق (29) إلى ربك يومئذ
[ 200 ]
المساق (30) فلا صدق ولا صلى (31) ولكن كذب وتولى (32)
ثم ذهب إلى أهله يتمطى (33) أولى لك فاولى (34) ثم أولى لك فاولى (35) أيحسب الانسان أن يترك سدى (36) ألم يك نطفة من مني يمنى (37) ثم كان علقة فخلق فسوى (38) فجعل منه الزوجين الذكر والانثى (39) أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) (40) خمس عشرة آية. قرأ ابن عامر وحفص ورويس (من مني يمنى) بالياء على التذكير ردوه إلى المني. الباقون بالتاء حملا على النطفة. يقول الله تعالى (كلا إذا بلغت) يعني النفس أو الروح، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه كما قال (ما ترك على ظهرها) (1) يعني على ظهر الارض. وإنما لم يذكر لعلم المخاطب به، و (التراقي) جمع ترقوة وهي مقدم الحلق من أعلى الصدر، تترقى إليه النفس عند الموت، واليها يترقى البخار من الجوف، وهناك تقع الحشرجة، وقوله (وقيل من راق) فالراق طالب الشفاء يقال: رقاه يرقيه رقية إذا طلب له شفاء باسماء الله الجليلة وآيات كتابه العظيمة. وأما العوذة فهي رفع البلية بكلمات الله تعالى. وقال أبو قلابة والضحاك وابن زيد وقتادة: معنى (راق) طبيب شاف. أي اهله يطلبون له من يطببه ويشفيه ويداويه فلا يجدونه. وقال ابن عباس وابو الجوزاء: معناه قالت الملائكة: من يرقا بروحه أملائكة الرحمة أم ملائكة العقاب. * (الهامش) * (1) سورة 35 فاطر آية 45 (*)
[ 201 ]
وقال الضحاك: أهل الدنيا يجهزون البدن، وأهل الاخرة يجهزون الروح. وقوله (وظن أنه الفراق) معناه علم عند ذلك انه فراق الدنيا والاهل والمال والولد. والفراق بعاد الالاف وهو ضد الوصال يقال: فارقه يفارقه فراقا. وقد صار علما على تفرق الاحباب وتشتت الالاف.
وقوله (والتفت الساق بالساق) قال ابن عباس ومجاهد: معناه التفت شدة أمر الاخرة بأمر الدنيا. وقال الحسن: التفت حال الموت بحال الحياة. وقال الشعبي وابو مالك: التفت ساقا الانسان عند الموت - وفي رواية أخرى عن الحسن - انه قال: إلتفات الساقين في الكفن. وقيل: ساق الدنيا بساق الاخرة. وهو شدة كرب الموت بشدة هول المطلع. وقال الحسن: معناه التفت شدة أمر الدنيا بشدة أمر الاخرة. وقيل: معناه اشتداد الامر عند نزع النفس حتى التفت ساق على ساق عند تلك الحال، يقولون: قامت الحرب على ساق عند شدة الامر قال الشاعر: فإذا شمرت لك عن ساقها * فويها ربيع ولا تسأم (1) وقوله (إلى ربك يومئذ المساق) معناه إن الخلائق يساقون إلى المحشر الذي لا يملك فيه الامر. النهي غير الله. والمساق مصدر مثل السوق. وقوله (فلا صدق ولا صلى) قال الحسن: معناه لم يتصدق ولم يصل (ولكن كذب) بالله (وتولى) عن طاعته. وقال قوم (فلا صدق) بربه (ولا صلى) وقال قتادة: معناه فلا صدق بكتاب الله ولا صلى لله (ولكن كذب) به (وتولى) عن طاعته. وقال قوم: معناه (فلا صدق) بتوحيد الله، ولا نبيه بل كذب به. والصدقة العطية للفقراء والزكاة الصدقة الواجبة على المال المعلق بنصاب مخصوص. * (الهامش) * (1) تفسر الطبري 29 / 107 وقد مر في 10 / 87 (ج 10 م 26 من التبيان) (*)
[ 202 ]
والصلاة عبادة أولها التكبير وآخرها التسليم، وفيها قراءة وأركان مخصوصة. والتولي هو الاعراض عن الشئ، فلما كان هذا الجاهل معرضا عن الحق بتركه إلى خلافه من الباطل لزمه الذم بهذا الوصف. وقوله (ثم ذهب إلى أهله يتمطى) فالتمطي تمدد البدن من الكسل إما كسل
مرض أو كسل تثاقل عن الامر. والذم بكسل التثاقل عن الداعي إلى الحق. وقال مجاهد وقتادة: معنى يتمطى بتختر. وقيل: الاصل في يتمطى يلوي مطاه، والمطاء الظهر، ونهي عن مشية المطيطيا، وذلك ان يلقي الرجل بدنه مع التكفي في مشيه. وقيل: نزلت الاية في أبي جهل بن هشام بن المغيرة المخزومي. وقوله (أولى لك فاولى ثم اولى لك فاولى) قال قتادة: هو وعيد على وعيد. وقيل معنى (أولى لك) وليك الشر يا أبا جهل، وقيل: معناه الذم اولى لك من تركه إلا انه حذف، وكثر في الكلام حتى صار بمنزلة الويل لك. وصار من المتروك المحذوف الذي لا يجوز اظهاره. وقيل أولى لك، فاولى لك على الاول والذم لك على الثاني والثالث. والاولى في العقل هو الاحق بالقرب من داعي العقل، كأنه أحق بوليه. ثم قال على وجه الوعيد والتهديد للكفار (ايحسب الانسان) ومعناه أيظن الانسان الكافر بالبعث والنشور الجاحد لنعم الله (أن يترك سدى) ومعناه أن يترك مهملا عن الامر والنهي، فالسدي همل من غير أمر يؤخذ به، ويكون فيه تقويم له، واصلاح لما هو أعود عليه في عاقبة أمره واجمل به في دنياه وآخرته. وقال ابن عباس ومجاهد: معنى (أن يترك سدى) أي هملا لا يؤمر ولا ينهى. وقيل: أيحسب الانسان أن يترك مهملا فلا يؤمر ولا ينهى مع كمال عقله وقدرته. ثم قال على وجه التنبيه على أن الله خلقه للتكليف والعبادة، وعلى انه قادر
[ 203 ]
على اعادته واحيائه بعد موته (ألم يك نطفة من مني يمني) فالمني نطفة الذكر التي يجيئ منها الولد (ثم كان علقة) أي قطعة من الدم المنعقد جامدة لا تجري فخلق الله منها هذا الانسان الذي هو في احسن تقويم، فسبحان من قدر على ذلك. وقوله (فخلق فسوى) أي خلق من العلقة خلق سويا شق له السمع والبصر. وقال الفراء:
معنى (فسوى) فسواه (فجعل منه) من ذلك المني (الزوجين الذكر والانثى) فمن قدر على ذلك لا يقدر على ان يحيي الموتى بعد ان كانوا أحياء ؟ ! بلى والله قادر على ذلك، لان جعل النطفة علقة وخلق العلقة مضغة وخلق المضغة عظما وكسو العظم لحما ثم إنشاؤه خلقا آخر حيا سليما مركبا فيه الحواس الخمس كل واحدة منها يصلح لما لا يصلح له الاخرى، وخلق الذكر والانثى اللذين يصح منهما التناسل على ما قدره الله أعجب وابدع من اعادة الميت إلى ما كان من كونه حيا، فمن قد ر على الاول أولى بأن يكون قادرا على الثاني، فالاحياء ايجاد الحياة، والاماتة ايجاد الموت عند من قال أن الموت معنى، ومن قال: ليس بمعنى، قال: هو نقض بنية الحي على وجه الاختراع. وقوله (فجعل منه) قيل يعني من الانسان (الزوجين الذكر والانثى) وقيل من المني (أليس ذلك بقادر على ان يحيي الموتى) وقال قتادة: كان رسول الله صلى الله عليه وا له إذا ختم السورة، يقول: سبحانك الله بلى، وهو المروي عن أبي جعفر وابي عبد الله عليهما السلام وفي الاية دلالة على صحة القياس العقلي، وهو أن من قدر على احياء الانسان قادر على احيائه بعد الاماتة، وقال الفراء: يجوز في العربية يحيي الموتى بالادغام بأن ينقل الحركة إلى الحاء وتدغم احدى اليائين في الاخرى وانشد: وكأنها بين النساء سبيكة * تمشي بسدة بيتها بتعي (1) * (آلهامش) * (1) مر في 5 / 147 (*)
[ 204 ]
76 - سورة الدهر: وتسمى سورة الانسان، وتسمى سورة الابرار، وهي مكية في قول ابن عباس والضحاك وغيرهما. وقال قوم: هي مدنية وهي احدى وثلاثون آية بلا خلاف بسم الله الرحمن الرحيم
(هل أتى على الانسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا (1) إنا خلقنا الانسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا (2) إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا (3) إنا أعتدنا للكافرين سلاسل وأغلالا وسعيرا (4) إن الابرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا (5) عينا يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيرا (6) يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا (7) ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا (8) إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا (9) إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا) (10) عشر آيات. قرأ (سلاسلا) منونا نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم اتباعا للمصحف
[ 205 ]
ولتشاكل ما جاوره من رأس الاية. الباقون بغير تنوين، لان مثل هذا الجمع لا ينصرف في معرفة ولا في نكرة، لانه على (فعائل) بعد الفه حرفان. يقول الله تعالى (هل أتي على الانسان) قال الزجاج: معناه ألم يأت على الانسان (حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا) يعني قد كان شيئا إلا انه لم يكن مذكورا، لانه كان ترابا وطينا إلى أن نفخ فيه الروح. وقال قوم (هل) يحتمل معناه أمرين: احدهما - أن يكون بمعنى (قد أتى) والثاني أن يكون معناها اتى على الانسان، والاغلب عليها الاستفهام والاصل فيها معنى (قد) لتجرى على نظائرها بمعنى ضمن معنى الالف واصله من ذلك قول الشاعر: أم هل كبير بكى لم تقض عبرته * أثر الاحبة يوم البين مشكوم والمعنى بالانسان - ههنا - آدم - في قول الحسن - والمعنى قد أنى على آدم
(حين من الدهر) وبه قال قتادة وسفيان. وقيل: ان آدم لما خلق الله جثته بقي أربعين سنة لم تلج فيه الروح كان شيئا، ولم يكن مذكورا، فلما نفخ فيه الروح وبلغ إلى ساقه كاد ينهض للقيام، فلما بلغ عينيه ورأى ثمار الجنة بادر إليها ليأخذها فلذلك قال الله تعالى (خلق الانسان من عجل) (1) وقال غيره: هو واقع على كل إنسان، والانسان في اللغة حيوان على صورة الانسانية، وقد تكون الصورة الانسانية، ولا إنسان، وقد يكون حيوان ولا إنسان، فإذا حصل المعنيان صح إنسان لا محالة. والانسان حيوان منتصب القامة على صورة تنفصل من كل بهيمة. و (الحين) مدة من الزمان، وقد يقع على القليل والكثير. قال الله سبحانه (فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون) (2) أي وقت تمسون ووقت تصبحون. وقال (تؤتي أكلها كل حين) يعني كل ستة أشهر، وقال قوم: كل سنة. وقال - ههنا * (الهامش) * (1) سورة 21 الانبياء آية 37 (2) سورة 30 الروم آية 17 (*)
[ 206 ]
(هل أتى على الانسان حين) أي مدة طويلة. والدهر مرور الليل والنهار وجمعه أدهر ودهور، والفرق بين الدهر والوقت أن الوقت مضمن بجعل جاعل، لان الله جعل لكل صلاة مفروضة وقتا، وجعل للصيام وقتا معينا، وقد يجعل الانسان لنفسه وقتا يدرس فيه ما يحتاج إلى درسه ووقتا مخصوصا لغذائه. وقوله (لم يكن شيئا مذكورا) أي لم يكن ممن ذكره ذاكر، لانه كان معدوما غير موجود، وفي الاية دلالة على أن المعدوم لا يسمى شيئا، وإنما سمى زلزلة الساعة شيئا مجازا. والمعنى إنها إذا وجدت كانت شيئا عظيما. وقوله (إنا خلقنا الانسان من نطفة) اخبار من الله تعالى أنه خلق الانسان سوى آدم وحواء من نطفة، وهو ماء الرجل والمرأة الذي يخلق منهما الولد، فالنطفة الماء القليل في أناء كان أو غير إناء قال الشاعر:
وما النفس إلا نطفة بقراره * إذا لم تكدر صار صفوا غديرها وقوله (امشاج) قال ابن عباس أخلاط من ماء الرجل وماء المرأة. وقال الحسن والربيع بن أنس ومجاهد مثل ذلك. وقال قتادة: معنى أمشاج أطوار طورا نطفة وطورا مضغة وطورا عظما إلى أن صار إنسانا ليختبره بهذه الصفات. وقال مجاهد: معناه ألوان النطفة. وقال عبد الله: عروق النطفة وواحد الامشاج مشيج، وهو الخلط، وسمى النطفة بذلك، لانه جعل فيها اخلاطا من الطبائع التي تكون في الانسان من الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة. ثم عداها له، ثم بناه البنية الحيوانية المعدلة الاخلاط. ثم جعل فيها الحياة ثم شق له السمع والبصر فتبارك الله رب العالمين، وذلك قوله (فجعلناه سميعا بصيرا). وقوله (نبتليه) أي نختبره بما نكلفه من الافعال الشاقة لننظر ما طاعته وما عصيانه فنجازيه بحسب ذلك، ويقال مشجت هذا بهذا إذ اخلطته به، وهو ممشوج به
[ 207 ]
ومشيج أي مخلوط به قال رؤبة: يطرحن كل معجل نشاج * لم تكس جلدا في دم أمشاج (1) وقال أبو ذؤيب: كأن الريش والفوقين منه * خلاف النصل سيط به مشيج (2) وقوله (إنا هديناه السبيل) معناه انا أرشدناه إلى سبيل الحق وبيناه له ودللناه عليه. وقال الفراء: معناه هديناه إلى السبيل أو للسبيل. والمعنى واحد. وقوله (اما شاكرا واما كفورا) قال الفراء: معناه إن شكر وإن كفر على الجزاء ويجوز أن يكون مثل قوله (إما يعذبهم وإما يتوب عليهم) (3) والمعنى اما يختار يحسن اختياره الشكر لله تعالى والاعتراف بنعمه فيصيب الحق، واما أن يكفر نعمه ويجحد إحسانه فيكون ضالا عن الصواب، وليس المعنى انه مخير في ذلك، وإنما
خرج ذلك مخرج التهديد، كما قال (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (4) بدلالة قوله (انا اعتدنا للظالمين نارا) وإنما المراد البيان عن انه قادر عليهما فابهما اختار جوزي بحسبه. وفي الاية دلالة على انه تعالى قد هدى جميع خلقه المكلفين، لان قوله (انا هديناه السبيل) عام في جملتهم وذلك يبطل قول المجبرة: إن الله لم يهد الكافر بنصب الدلالة له على طريق الحق واجتناب الباطل، وليس كل من ترك الشكر كان كافرا، لانه قد يترك في بعض الاحوال على سبيل التطوع، لان الشكر قد يكون تطوعا كما يكون واجبا، وإنما لم يذكر الله الفاسق، لانه اقتصر على اعظم الحالين * (الهامش) * (1) مجاز القرآن 2 / 279 والطبري 29 / 109 (2) مجاز القرآن 2 / 279 والقرطبي 19 / 119 (3) سورة 9 التوبة آية 107 (4) سورة 18 الكهف آية 29 (*)
[ 208 ]
وألحق الادون على التبع، ويجوز أن يدخل في الجملة، ولا يفرد، فليس للخوارج أن يتعلقوا بذلك في انه ليس بين الكفر والايمان واسطة. ثم بين انه تعالى إنما ذكره على وجه التهديد بقوله (انا اعتدنا للكافرين) أي ادخرنا لهم جزاء على كفرهم ومعاصيهم وعقوبة لهم (سلاسل وأغلالا وسعيرا) يعذبهم بها يعاقبهم فيها، والسلاسل جمع سلسلة والاغلال جمع غل، والسعير هي النار المسعرة الملهبة. ولما اخبر بما للكافرين من العقوبات على كفرهم، ذكر ايضا ما للمؤمنين على إيمانهم فقال (إن الابرار) وهو جمع البر، وهو المطيع لله المحسن في أفعاله (يشربون من كأس) والكاس اناء الشراب إذا كان فيه، ولا يسمى كأسا إذا لم يكن فيه شراب - ذكره الزجاج - قال الشاعر: صددت الكأس عنا أم عمرو * وكان الكأس مجراها اليمينا (1)
وقوله (كان مزاجها كافورا) قيل مايشم من ريحها لا من جهة طعمها وقوله (عينا يشرب بها عباد الله) قوله (عينا) نصب على البدل من (كافورا) ويجوز أن يكون على تقدير ويشربون عينا، ويجوز أن يكون نصبا على الحال من (مزاجها) وقال الزجاج: معناه من عين. وقال الفراء: شربها وشرب منها سواء في المعنى كما يقولون: تكلمت بكلام حسن وكلاما حسنا. وقيل: يمزج بالكافور، ويختم بالمسك وقيل: تقديره يشربون بها وأنشد الفراء: شربن بماء البحر ثم ترفعت * متى لجج خضر لهن نئيج (2) متى لجج. أي من لجج. وعين الماء حفيرة في الارض ينبع منها، وهذه العين المذكورة في أرض الجنة في كونها فوارة بالماء متعة، لا هلها. ثم يفجر فيجري لهم * (الهامش) * (1) القرطبي 19 / 123 والشوكاني 5 / 336 (2) الطبري 29 / 112 والقرطبي 19 / 125 (*)
[ 209 ]
إلى حيث شاؤا منها. قال مجاهد: معناه إنهم يقودونها حيث شاؤا والتفجير تشقيق الارض بجري الماء ومنه انفجار الصبح، وهو انشقاقه من الضوء، ومنه الفجور، وهو الخروج من شق الالتئام إلى الفساد. وعباد الله المراد به المؤمنون المستحقون للثواب ثم وصف هؤلاء المؤمنين فقال (يوفون بالنذر ويخافون) ويجوز أن يكون ذلك في موضع الحال، فكأنه قال يشرب بها عباد الله الموفون بالنذر الخائفون (يوما كان شره مستطيرا) فالمستطير الظاهر. والتقدير القائلون إنما نطعمكم القائلون إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا فمطريرا، ويجوز ان يكون على الاستئناف، وتقديره هم الذين يوفون بالنذر وكذلك في ما بعد، فالوفاء بالنذر هو أن يفعل ما نذر عليه فالوفاء إمضاء العقد على الامر الذي يدعو إليه العقل، ومنه قوله (يا ايها الذين آمنوا أوفوا بالعقود) (1) أي الصحيحة، لانه لا يلزم أحدا أن يفي بعقد فاسد، وكل
عقد صحيح يجب الوفاء به، يقال أوفي بالعقد، ووفى به، فأوفى لغة أهل الحجاز وهي لغة القرآن، و (وفى) لغة أهل تميم واهل نجد، وقد بينا فيما مضى شواهده. والنذر عقد على فعل على وجه البر بوقوع أمر يخاف ألا يقع، نذر ينذر نذرا فهو ناذر، وقال عنترة: الشاتمي عرضي ولم أشتمهما * والناذرين إذا لم ألقهمادمي (2) أي يقولان: لئن لقينا عنترة لنقتلنه، ومنه الانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليعقد على التحرز منها. وروي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال (لانذر في معصية) وعند الفقهاء إن كفارة النذر مثل كفارة اليمين. والذي رواه أصحابنا إن كفارة النذر مثل كفارة الظهار، فان لم يقدر عليه كان عليه كفارة اليمين. والمعنى انه إذا * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية (1) مر في 4 / 526 (ج 10 م 27 من التبيان) (*)
[ 210 ]
فات الوقت الذي نذر فيه صار بمنزلة الحنث. وقوله (ويخافون يوما) من صفة المؤمنين (كان شره مستطيرا) أي منتشرا فاشيا ذاهبا في الجهات بلغ أقصى المبالغ، قال الاعشى: فبانت وقد أورثت في الفؤا * د صدعا على نأيها مستطيرا (1) والمراد بالشر - ههنا - أهوال القيامة وشدائدها. وقوله (ويطعمون الطعام على حبه) قال مجاهد: معناه على شهوتهم له، ويحتمل أن يكون المراد على محبتهم لله (مسكينا) أي يطعمونه فقيرا (ويتيما) وهو الذي لا والد له من الاطفال (واسيرا) والاسير هو المأخوذ من أهل دار الحرب - في قول قتادة - وقال مجاهد: وهو المحبوس. وقوله (إنما نطعمكم لوجه الله) اخبار عما يقوله المؤمنون بأنا إنما نطعمكم معاشر الفقراء واليتامى والاسرى لوجه الله، ومعناه لله، وذكر الوجه الذكره بأشرف الذكر تعظيما له، ومنه قوله (فاينما تولوا فثم
وجه الله) وقيل: معناه فثم جهة الله التي ولاكم إليها ومنه قوله (ويبقى وجه ربك) (2) أي ويبقي الله. وقال مجاهد وسعيد بن جبير: علم الله ما في قلوبهم فأثنى عليهم من غير أن يتكلموا به (لا نريد منكم جزاء) أي لا نطلب بهذا الاطعام مكافأة عاجلة (ولا شكورا) أي لا نطلب أن تشكرونا عليه عند الخلائق بل فعلناه لله (إنا نخاف من ربنا) أي من عقابه (يوما عبوسا) أي مكفهرا عابسا (قمطريرا) أي شديدا، والقمطرير الشديد في الشر. وقد اقمطر اليوم اقمطرارا، وذلك أشد الايام وأطوله في البلاء والشر، ويوم قمطرير وقماطير كأنه قد التف شر بعضه على بعض، قال الشاعر: * (الهامش) * (1) ديوانه 85 (دار بيروت) (2) سورة 55 الرحمن آية 27 (*)
[ 211 ]
بني عمنا هل تذكرون بلاءنا * عليكم إذاما كان يوم قماطر (1) وقد روت الخاصة والعامة أن هذه الايات نزلت في علي عليه السلام وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، فانهم آثروا المسكين واليتيم والاسير ثلاث ليال على إفطارهم وطووا عليهم السلام، ولم يفطروا على شئ من الطعام فأثنى الله عليهم هذا الثناء الحسن، وأنزل فيهم هذه السورة وكفاك بذلك فضيلة جزيلة تتلى إلى يوم القيامة، وهذا يدل على أن السورة مدنية. قوله تعالى: (فوقيهم الله شر ذلك اليوم ولقيهم نضرة وسرورا (11) وجزيهم بما صبروا جنة وحريرا (12) متكئين فيها على الارائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا (13) ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا (14) ويطاف عليهم بآثية من فضة وأكواب كانت
قواريرا (15) قوارير من فضة قدروها تقديرا (16) ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا (17) عينا فيها تسمى سلسبيلا (18) ويطوف عليهم ولدان مخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا (19) وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) (20) عشر آيات. قرأ الشعبي وعبيد بن عمير (قدروها) بضم القاف. الباقون بفتحها. من فتح القاف قال معناه قدروها في أنفسهم، فجاءت كما قدروا، ومن ضم أراد ان * (الهامش) * (1) الشوكاني 5 / 338 والقرطبي 19 / 133 (*)
[ 212 ]
ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك. قرأ نافع والكسائي وابو بكر عن عاصم (قواريرا قواريرا) بالتنوين فيهما. وقرأ بغير تنوين ولا الف في الوقف حمزة وابن عامر، وقرأ الاولى بالتنوين والثانية بغير تنوين ابن كثير. وقرأ أبو عمرو فيهما بغير تنوين إلا انه يقف عليه بالالف. من نون الاولى اتبع المصحف، ولانه رأس آية، ثم كرهوا أن يخالفوا بينهما فنونوا الثانية، وكذلك قرأ الكسائي (ألا ان ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) (1) صرفهما لئلا بخالف بينهما مع قربهما، ومن لم يصرفهما فعلى موجب العربية، لانه جمع على (فواعيل) بعد ألفه حرفان. ومن صرف الاولى فلانها رأس آية ولم يصرف الثانية على أصل العربية. لما اخبر الله تعالى عن المؤمنين الذين وصفهم في الايات الاولى وما اوفوا به من النذر في إطعامهم لوجه الله مااطعموه وإيثارهم على نفوسهم المسكين واليتيم والاسير وإنهم فعلوا ذلك لوجه الله خالصا، ومخافة من عذاب يوم القيامة، اخبر بما أعد لهم من الجزاء على ذلك، فقال (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي كفاهم الله ومنع عنهم أهوال يوم القيامة وشدائده، فالوقاء المنع من الاذى يقال: وقاه يقيه وقاء، فهو واق، ووقاه توقية قال رؤبة.
إن الموقي مثل ما وقيت (2) ومنه اتقاه اتقاء وتوقاه توقيا، والشر ظهور الضر، وأصله الظهور من قولهم: وحتى أشرت بالاكف المصاحف (3) أي اظهرت، ومنه شررت الثوب إذا اظهرته للشمس أو الريح، ومنه شرار * (الهامش) * (1) سورة 11 هود آية 68 (2) اللسان (وقى) (3) قائله كعب بن جعيل، مقاييس اللغة 3 / 181 وصده: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم (*)
[ 213 ]
النار لظهوره بتطايره وانتشاره، وقيل: الشر الضر والقبيح، ويستعار في غيره، وليس ما يوجب هذا. والمراد - ههنا - أهوال يوم القيامة وشدائده فالوقاء المنع من الاذى يقال: وقاه يقيه وقاء فهو واق ووقاه توقية وقوله (ولقاهم نضرة وسرورا) مغنى لقاهم استقبلهم به، والنضرة حسن الالوان، ومنه نبت نضر وناضر ونضر والنضار الذهب. وقيل: ناضرة ناعمة. وقيل: حسنة الصورة. والسرور اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل. وقال قوم: هو لذة في القلب بحسب متعلقه بما فيه النفع، سره يسره سرورا وكل سرور فلا بدله من متعلق، كالسرور بالمال والولد والسرور بالا كرام والا جلال، والسرور بالشكر والحمد، والسرور بالثواب. وقوله (وجزاهم بما صبروا) أي كافاهم واثابهم على صبرهم على محن الدنيا وشدائدها وتحمل مشاق التكليف (جنة) أي بستانا أجنة الشجر (وحريرا) يلبسونه. وقوله (متكئين) نصب على الحال (فيها) يعني في الجنة (على الارائك) وهي الحجال فيها الاسرة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - واحدها اريكة وهي الحجلة سرير عليه شبه القبة. وقال الزجاج: الاريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها، وقد شوق الله تعالى إلى تلك الحال وهي غاية الرفاهية
والامتاع (لا يرون فيها) يعني في الجنة (شمسا) يتأذون بحرها (ولا زمهريرا) يتأذون ببرده، فالزمهريرا شد ما يكون من البرد، وقال مجاهد: الزمهرير البرد الشديد وقوله (ودانية عليهم ظلالها) يعني افياء اشجار تلك الجنة قريبة منهم، ونصب (دانية) بالعطف على (متكئين) ويجوز ان يكون عطفا على موضع (لا يرون فيها شمسا) فان موضعها النصب على الحال، ويجوز على المدح كقولهم عند فلان جارية جميلة وشابة طرية. وقوله (وذللت قطوفها تذليلا) معناه إن قام ارتفعت بقدرة الله وإن قعد نزلت حتى ينالها وإن اضطجع نزلت حتى ينالها - ذكره مجاهد - وقيل: معناه لا يرد
[ 214 ]
أيديهم عنها بعد ولا شوك. وقوله (ويطاف عليهم) يعني على هؤلاء المؤمنين الذين وصفهم الله (بآنية من فضة واكوب) وهو جمع كوب وهو إناء الشراب من غير عروة. وقال مجاهد: الاكواب الاقداح. وقال ابن عباس ومجاهد: هي صغار القوارير وهي فضة، فلذلك قال (كانت قواريرا) وقيل: الاكواب الاباريق التي ليس لها خراطيم. وقيل: الاكواب من فضة في صفاء القوارير لا تمنع الرؤية. وقوله (قوارير من فضة) أي هي من فضة. وقوله (قدروها تقديرا) معناه إنها على قدر ما يشتهون من غير زيادة ولا نقصان حتى تستوفي الكمال، ويجوز ان يكونوا قدروها قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا جنسه لشبه التمنى، وقال الحسن: على قدرهم، والتقدير وضع المعنى على المقدار الذي يتخيل فيه المساواة للاعتبار بالمعاني العقلية بقدر عرف التقدير على طريقة لو كان كذا لكان كذا، وإذا كان كذا كان كذا، وبهذا يظهر القياس يميز به ما يلزم على الاصل مما لا يلزم، والطوف الدور بالنقل من واحد إلى واحد. وقد يكون الدور بالطبع من غير تنقل من واحد إلى آخر، فلا يكون طوافا، طاف يطوف طوفا، واطاف بها إطافة وتطوف تطوفا واطوف اطوافا
وقوله (ويسقون فيها) يعني في الجنة (كأسا) وهي الانية إذا كان فيها شراب (كان مزاجها زنجبيلا) فالزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعام يلذع اللسان يربى بالعسل يستدفع به المضار إذا مزج به الشراب فاق في الالذاذ. والعرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر: كأن القرنفل والزنجبي * ل باتا بفيها واريا مشورا (1) قيل: إن هذا الشراب في برد الكافور وذكاء المسك ولذع الزنجبيل، كما * (الهامش) * (1) قائله الاعشى ديوانه 85 واللسان (شور) وفيه اختلاف في الرواية. (*)
[ 215 ]
قال في صفة القوارير إنها في صفاء الفضة وجوهرها يرى ما وراءها كالقوارير. وقيل: الكافور والزنجبيل من اسماء العين التي يسقون منها وقوله (عينا) نصب على انه بدل من الزنجبيل (فيها تسمى سلسبيلا) فالسلسبيل الشراب السهل اللذيذ، وقيل: سلسبيل معناه منقاد ماؤها حيث شاؤا - عن قتادة - وقيل شديد الحربة. وقيل: يتسلسله. وقيل: سمي سلسبيلا من لزوم الطيب والالذاذ بها، وانشد يونس: صفراء من نبع يسمى سهمها * من طول ماصرع الصيود الصيب (1) فرفع الصيب على صفة السهم. وقيل: اسم العين معرفة إلا أنه نون لانه رأس آية. ثم قال (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) قال قتادة: لا يموتون. وقال الحسن: خلدوا على هيئة الوصفاء، فلا يشبون أبدا. وقيل: مخلدون مستورون بلغة حمير قال بعض شعرائهم: ومخلدات باللجين كأنما * اعجازهن اقاوز الكثبان (2) وكأنه يرجع إلى بقاء الحسن (إذا رأيتهم) يعني إذا رأيت هؤلاء الولدان (حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي من كثرتهم وحسنهم، فكأنهم اللؤلؤ المنثور - ذكره قتادة - وقوله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) تقديره وإذا رأيت
الاشياء ثم رأيت نعيما لاهل الجنة عظيما وملكا كبيرا. قال سفيان: من الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم واستقبالهم لهم بالتحية. وقوله (وإذا رأيت ثم) ف (ثم) يريد به الجنة. والعامل فيه معنى (رأيت) وتقديره وإذا رأيت ببصرك ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. وقال الفراء: وإذا رأيت ماثم رأيت نعيما. وانكره الزجاج وقال (ما) موصولة يتم على تفسيره، ولا يجوز اسقاط الموصول مع بقاء الصلة، ولكن (رأيت) متعد في المعنى إلى (ثم). * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 29 / 118 (2) مقاييس اللغة 2 / 208 واللسان (خلد، قوز) (*)
[ 216 ]
قوله تعالى: (عاليهم ثياب سندس خضر وإستبرق وحلوا أساور من فضة وسقيهم ربهم شرابا طهورا (21) إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا (22) إنا نحن نزلنا عليك القران تنزيلا (23) فاصبر لحكم ربك ولا تطع منهم آثما أو كفورا (24) واذكر اسم ربك بكرة واصيلا (25) ومن الليل فاسجد له وسبحه ليلا طويلا (26) إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما ثقيلا (27) نحن خلقناهم وشددنا أسرهم وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا (28) إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبييلا (29) وما تشاؤن إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما (30) يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما) (31) احدى عشرة آية. قرأ (عاليهم) باسكان الياء أهل المدينة وحمزة وعاصم - في رواية حفص وأبان والمفضل - جعلوه اسما لا ظرفا كما تقول: فوقك واسع ومنزلك باب البرد،
بأن يجعل الباب هو المنزل، وكذلك يجعل الثياب هي العالي. الباقون بالنصب على الظرف، لانه ظرف مكان. وهو الاحسن، لان الثاني غير الاول. وإنما يجوز في مثل ما كان آخر الكلام هو الاول كقولهم: أمامك صدرك، وفوقك رأسك،
[ 217 ]
فان قلت فوقك السقف وأمامك الاسد بالنصب لا غير. وقرأ نافع وحفص عن عاصم (خضر واستبرق) بالرفع فيهما. وقرأ حمزة والكسائي بالجر فيهما. وقرأ ابن كثير وعاصم - في رواية أبي بكر (خضر) جرا (واستبرق) رفعا. وقرأ ابن عامر وابو عمرو (خضر) رفعا و (استبرق) جرا، من رفعهما جعل (خضر) نعتا للثياب، وعطف عليه (واستبرق) ومن جرهما جعل (خضر) من نعت (سندس) وعطف عليه (استبرق) وتقديره عاليهم ثياب استبرق. ومن رفع الاول جعله من نعت الثياب وجر الثاني على انه عطف على (سندس) كأن عليهم ثياب سندس. ومن جعل (خضر) نعتا ل (سندس)، فلانه اسم جنس يقع على الجميع، فلذلك قال (خضر) ومن جعله نعتا للثياب فعلى اللفظ. وقرأ ابن كثير وابو عمرو (وما يشاؤن) بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. لما قال الله تعالى على وجه التعظيم لشأن المؤمنين الذين وصفهم وعظم ما اعطوا من أنواع النعيم والولدان وأنواع الشراب وغير ذلك مما وصف، ووصف ذلك بأنه ملك كبير قال (عاليهم) وقيل معناه عالي حجالهم السندس. وفى نصب (عاليهم) قولان: قال الفراء: هو نصب على الظرف كقولك: فوقهم، وحكى ان العرب تقول: قومك داخل الدار. وانكر الزجاج ذلك وقال نصبه لا يجوز إلا على الحال من الضمير في (عاليهم) أو من ضمير الولدان في (رايتهم) وانما انكر ذلك لانه ليس باسم مكان كقولك هو خارج الدار وداخل الدار، وهذا لا يجوز على الظرف عند سيبويه، وما حكاه الفراء شاذلا يعول عليه. ومن أسكن الياء أراد
رفعه على الابتداء وخبره (ثياب سندس) والسندس الديباج الرقيق الفاخر الحسن (ج 10 م 28 من التبيان)
[ 218 ]
وهو (فعلل) مثل برثن. وقوله (خضر) فمن جر جعله صفة ل (سندس) خضر ووصف (سندس) بخضر وهو لفظ جمع، لان سندنا اسم جنس يقع على الكثير والقليل. ومن رفعه جعله نعتا ل (ثياب) كأنه قال: ثياب خضر من سندس. وقوله (واستبرق) من رفعه عطفه على (ثياب سندس) فكأنه قال عليهم ثياب سندس، وعاليهم استبرق. ومن جره عطفه على (سندس) فكأنه قال: عاليهم ثياب سندس وثياب استبرق. والاستبرق الديباج الغليظ الذي له بريق، فهم يتصرفون في فاخر اللباس كما يتصرفون في لذيذ الطعام والشراب. وقيل الاستبرق له غلظ الصفاقة لا غلظ السلك كغلظ الديبقي، وإن كان رقيق السلك. وقوله (وحلوا اساور من فضة) فالتحلية الزينة بما كان من الذهب والفضة والتحلية تكون للانسان وغير الانسان كحلية السيف وحلية المركب والفضاضة الشفافة هي التي يرى ما وراءها كما يرى البلورة، وهي أفضل من الدر والياقوت، وهما افضل من الذهب فتلك الفضة افضل من الذهب، والفضة والذهب في الدنيا هما أثمان الاشياء، وإن كان قد ثمن بغيرهما شاذا. وقيل: يحلون الذهب تارة وتارة الفضة ليجمعوا محاسن الحلية، كما قال تعالى (يحلون فيها من اساور من ذهب) (1) والفضة وإن كانت دنية في الدنيا، فهي في غاية الحسن خاصة إذا كانت بالصفة التي ذكرها والغرض في الاخرة ما يكثر الالتذاذ والسرور به لا باكثر الثمن، لانه ليست هناك أثمان. وفى الناس من ترك صرف (استبرق) وهو غلط، لان الاعجمي إذا عرب في حال تنكيره انصرف، ودليله الاستبرق، وهما مما يحكى عن ابن محيص.
وقوله (وسقاهم ربهم شرابا طهورا) قيل معناه يسقون شرابا طهورا ليس * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 31 وسورة 22 الحج آية 23 وسورة 35 فاطر آية 33 (*)
[ 219 ]
كالذي يخالطه الانجاس من أنهار الدنيا. وإن قل ذلك وكان مغمورا. وقيل انه ليس كشراب الدنيا الذي قد نجسه الفساد الذي فيه، وهو السكر الداعي إلى القبائح، فقد طهره الله في الجنة من ذلك لتخلص به اللذة، كما قال (من خمر لذة للشاربين) (1) وقيل: شرابا طهورا لا ينقلب إلى البول بل يفيض من أعراضهم كرشح المسك ذكره ابراهيم التيمي. وقوله (إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا) اخبار من الله تعالى انه يقال للمؤمنين إذا فعل بهم ما تقدم من انواع اللذات وفنون الثواب: إن هذا كان لكم جزاء على طاعاتكم واجتناب معاصيكم في دار التكليف، وإن سعيكم في مرضات الله وقيامكم بما أمركم الله به كان مشكورا أي جوزيتم عليه، فكأنه شكر لكم فعلكم. ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال (إنا نحن نزلنا عليك) يا محمد (القرآن تنزيلا) فيه شرف وتعظيم لك. ثم أمره بالصبر على ما أمره من تحمل اعباء الرسالة فقال (فاصبر) يا محمد (لحكم ربك ولا تطع منهم) يعني من قومه الذين بعث إليهم (آثما أو كفورا) وهو نهي عن الجمع والتفريق أي لا تطع آثما ولا كفورا، كما يقول القائل: لا تفعل معصية صغيرة أو كبيرة أي لا تفعلهما ولا واحدة منهما. ثم امره بان يذكر الله بما يستحقه من الصفات والاسماء الحسنى، فقال (واذكر اسم ربك بكرة واصيلا) والبكرة الغداة والاصيل العشي، وهو اصل الليل وجمعه آصال. وقوله (ومن الليل فاسجد) دخلت (من) للتبعيض بمعنى فاسجد له في بعض
الليل، لانه لم يأمره بقيام جميع الليل، كما قال (إن ربك يعلم أنك تقوم ادنى من * (الهامش) * (1) سورة 47 محمد آية 15 (*)
[ 220 ]
ثلثي الليل ونصفه وثلثه) (1) والسجود وضع الجبهة على الارض على وجه الخضوع وأصله الانخفاض كما قال الشاعر: ترى الاكم فيها سجدا للحوافر (2) والسجود من العبادة التي اكد الله الامر بها لما فيها من صلاح العباد. ثم قال (وسبحه ليلا طويلا) أي نزهه عمالا يليق به في الليل الطويل. ثم قال (إن هؤلاء) يعني الكفار والذين يجحدون نبوتك (يحبون العاجلة) أي يؤثرون اللذات والمنافع العاجلة في دار الدنيا من إرتكاب شهواتهم. والعاجلة المقدمة قبل الكرة الثانية (ويذرون) أي ويتركون (وراءهم) أي خلفهم (يوما ثقيلا) أي هو ثقيل على اهل النار أمره، وإن خف على اهل الجنة للبشارة التي لهم فيه. والثقيل ما فيه اعتمادات لازمة إلى جهة السفل على جهة يشق حمله. وقد يكون ثقيلا على انسان خفيفا على غيره بحسب قدرته، فيوم القيامة مشبه بهذا. وقيل: معنى (وراءهم) أي خلف ظهورهم العمل للاخرة. وقيل (وراءهم) أمامهم الاخرة، وكلاهما محتمل، والاول أظهر. ثم قال تعالى (نحن خلقناهم) أي نحن الذين اخترعنا هؤلاء الخلائق (وشددنا أسرهم) قال ابن عباس الاسر الخلق، وهو من قولهم: أسر هذا الرجل فأحسن اسره أي خلق فأحسن خلقه أي شد بعضه إلى بعض أحسن الشد، وقال أبو هريرة: الاسر المفاصل. وقال ابن زيد: الاسر القوة. وقولهم: خذ بأسره أي بشده قبل ان يحل، ثم كثر حتى جاء بمعنى خذ جميعه قال الاخطل: * (الهامش) * (1) سورة 73 المزمل آية 20
(2) مر في 1 / 148، 263، 311 و 4 / 233، 383 و 6 / 95 وغيرها (*)
[ 221 ]
من كل مجتلب شديد أسره * سلس القياد تخاله مختالا (1) واصل الاسر الشد، ومنه قتب مأسور أي مشدود، ومنه الاسير، لانهم كانوا يشدونه بالقيد، وجاء في التفسير وشددنا مفاصلهم. ثم قال (وإذا شئنا بدلنا أمثالهم تبديلا) معناه إذا شئنا أهلكنا هؤلاء وأمثالهم وجئنا بقوم آخرين بدلهم نخلفهم ونوجدهم. وقوله (إن هذه تذكرة) قال قتادة: معناه إن هذه السورة تذكرة، والتذكرة دلالة تخص بها المعاني الحكمية، وكل موعظة تدعو إلى مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال تذكرة (فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا) أي اتخذ إلى رضا ربه طريقا بأن يعمل بطاعته وينتهي عن معصيته، وذلك يدل على انه قادر على ذلك قبل ان يفعله بخلاف ما يقوله المجبرة. وقوله (وما تشاؤن إلا ان يشاء الله) أي وليس تشاؤن شيئا من العمل بطاعته وبما يرضاه ويوصلكم إلى ثوابه إلا والله يشاؤه ويريده لانه يريد من عباده أن يطيعوه، وليس المراد أن يشاء كل ما يشاؤه العبد من المعاصي والمباحات، لان الحكيم لا يجوز أن يريد القبائح ولا المباح، لان ذلك صفة نقص ويتعالى الله عن ذلك. وقد قال الله تعالى (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (2) والمعصية والكفر من اعظم العسر فكيف يكون الله تعالى مشيئا له وهل ذلك إلا تناقض ظاهر ؟ ! وقوله (إن الله كان عليما حكيما) اخبار بأنه - عزوجل - كان عالما بجميع المعلومات وبما يفعله عباده من الطاعة والمعصية (حكيما) في جميع ما يفعله ويأمر به. ثم قال (يدخل من يشاء في رحمته) من الجنة وثوابها إذا أطاعوه في عمل ما رغبهم * (الهامش) * (1) القرطبي 19 / 149 والطبري 29 / 122
(2) سورة 2 البقرة آية 185 (*)
[ 222 ]
فيه (والظالمين أعد لهم عذابا اليما) نصب (الظالمين) على تقدير وعاقب الظالمين باعداد العذاب الاليم أي أعد للظالمين اعد لهم، وحذف لدلالة الثاني عليه ولا يظهر ذلك، لان تفسيره يغني عن إظهاره. 77 - سورة المرسلات: مكية في قول ابن عباس وهي خمسون آية بلا خلاف. بسم الله الرحمن الرحيم والمرسلات عرفا (1) فالعاصفات عصفا (2) والناشرات نشرا (3) فالفارقات فرقا (4) فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) إنما توعدون لواقع (7) فإذا النجوم طمست (8) وإذا السماء فرجت (9) وإذا الجبال نسفت (10) وإذا الرسل أقتت (11) لاي يوم أجلت (12) ليوم الفصل (13) وما أدريك ما يوم الفصل (14) ويل يومئذ للمكذبين) (15) خمس عشرة آية. قرأ (عذرا) مثقل أبو جعفر والبرجمي وقرأ (اونذرا) خفيف أهل الكوفة غير ابي بكر وابو عمرو. من ثقل الاول فلان الثاني مثقل، ومن خفف الثاني فلان
[ 223 ]
الاول مخفف. والعذر بالتخفيف والنذر بمعنى الاعذار والانذار. ومن ثقل (نذرا) أراد جمع نذير. والعذر والمعذرة والتعذير بمعنى قال أبو علي النحوي: النذر بالتثقيل والنذير مثل النكر والنكير جميعا مصدران، ويجوز في النذر أمران: احدهما - ان يكون معناه المنذر. والثاني - أن يكون مصدار. وقرأ أبو عمرو وحده (وقتت) بالواو على الاصل، وافقه أبو جعفر في ذلك إلا انه خفف الواو. الباقون (أقتت) بالهمزة
أبدلوها من الواو كراهة الضمة على الواو، كما قالوا في (وحد) وقال الشاعر: يحل أخيذه ويقال ثعل * بمثل تمول منه افتقار (1) هذا قسم من الله تعالى بالمرسلات، كما اقسم بصاد وقاف ويس وغير ذلك وقال قوم: تقديره ورب المرسلات، لانه لا يجوز القسم إلا بالله. وقال ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وقتادة وابو صالح: المرسلات - ههنا - الرياح، وفى رواية اخرى عن ابن مسعود وأبي صالح انها الملائكة. وقال قوم (المرسلات عرفا) الانبياء جاءت بالمعروف. والارسال نقيض الامساك ومثله الاطلاق ونقيضه التقييد والارسال ايضا انفاد الرسول. وقوله (عرفا) أي متتابعة كعرف الفرس. وقيل: معروفا إرسالها. وإرسال الرياح اجراء بعضها في أثر بعض (فالعاصفات عصفا) يعني الرياح الهابة بشدة. والعصوف مرور الريح بشدة، عصفت الريح تعصف عصفا وعصوفا إذا اشتدت هبوبها، فعصوف الريح شدة هبوبها. وقوله (والناشرات نشرا) قال ابن مسعود ومجاهد وقتادة وابوص الح: هي الرياح، لانها تنشر السحاب للغيث، كما تلحقه للمطر. وقال أبو صالح - في رواية - هي الملائكة تنشر الكتب عن الله. وفي رواية اخرى عن ابي صالح إنها الامطار لانها تنشر النبات. وقيل الرياح تنشر السحاب في الهواء. * (الهامش) * (1) الطبري 29 / 126 (*)
[ 224 ]
وقوله (فالفارقات فرقا) قال ابن عباس وابو صالح: هي التي تفرق بين الحق والباطل، وهي الملائكة وقال قتادة: هي آيات القرآن. وقال الحسن: هي آي القرآن تفرق بين الهدى والضلال (فالملقيات ذكرا) قال ابن عباس وقتادة هم الملائكة. والالقاء طرح الشئ على غيره، والالقاء الشئ على غيره، فالذكر يلقى بالبيان والافهام وهو من صفة الملائكة فيما تلقيه إلى الانبياء، ومن صفة الانبياء
فيما تلقيه إلى الامم، ومن صفة العلماء فيما تلقيه إلى المتعلمين وقيل لما جمعت الاوصاف للرياح لاختلاف فوائدها. وقال بعضهم (المرسلات عرفا) الانبياء جاءت بالمعروف (فالعاصفات عصفا) الرياح (والناشرات نشرا) الامطار نشرت النبات (فالفارقات فرقا) آي القرآن (فالملقيات ذكرا) الملائكة تلقي كتاب الله تعالى إلى الانبياء. وقوله (عذرا أو نذرا) يحتمل نصبه وجهين: احدهما - على انه مفعول له أي للاعذار والانذار. والثاني - مفعول به أي ذكرت العذر والنذر. واختار أبو علي أن يكون بدلا من قوله (ذكرا) وقيل معناه اعذارا من الله وانذارا إلى خلقه ما القته الملائكة من الذكر إلى أنبيائه والعذر أمر في امر ظهوره دفع اللوم بأنه لم يكن يستحق لاجل تلك الحال مع وقوع خلاف المراد. فالعقاب على القبيح بعد الانذار يوجب العذر في وقوعه. وإن كان بخلاف مراد العبد الذي استحقه. قال الحسن (عذرا) معناه يعتذر به إلى عباده في العقاب أنه لم يكن الا على وجه الحكمة. والنذر والانذار وهو الاعلام بموضع المخافة ليتقي. ومن خفف (عذرا) كره توالى الضمتين. وقوله (إنما توعدون لواقع) جواب القسم ومعناه إن الذي وعدكم الله به من البعث والنشور والثواب والعقاب: كائن لا محالة. وقيل: الفرق بين الواقع
[ 225 ]
والكائن أن الواقع لا يكون إلا حادثا تشبيها بالحائط الواقع، لانه من أبين الاشياء في الحدوث، والكائن أعم منه لانه بمنزلة الموجود الثابت يكون حادثا وغير حادث. وقوله (فإذا النجوم طمست) معناه محيت آثارها وذهب نورها. والطمس محو الاثر الدال على الشئ فالطمس على النجوم كالطمس على الكتاب، لانه يذهب نورها والعلامات التي كانت تعرف بها (وإذا السماء فرجت) أي شققت وصدعت
(وإذا الجبال نسفت) نسف الجبال إذهابها حتى لا يبقى لها في الارض أثر، والنسف تحريك الشئ بما يخرج ترابه وما اختلط به مما ليس منه، ومنه سمي المنسف ونسف الحبوب كلها تجري على هذا الوجه، وقوله (نسفت) من قولهم: أنسفت الشئ إذا اخذته بسرعة. وقوله (وإذا الرسل أقتت) أي أعلمت وقت الثواب ووقت العقاب، فالتوقيت تقدير الوقت لوقوع الفعل، ولما كانت الرسل عليهم السلام قد قدر أرسالها لاوقات معلومة بحسب صلاح العباد فيها كانت قد وقتت لتلك الاوقات بمعنى اعلمت وقت الثواب ووقت العقاب. وقال مجاهد وابراهيم وابن زيد: أقتت بالاجتماع لوقتها يوم القيامة قال تعالى (يوم يجمع الله الرسل) (1) والمواقيت الاجال ومثله (يسألونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) (2) وقيل: معنى اقتت اجلت لوقت ثوابها، وهو يوم الفصل. وقيل: معناه أجلت فيما بينها وبين أمتها (ليوم الفصل) ثم بين تعالى فقال (لاي يوم اجلت) أي أخرت إلى اجل فالتأجيل التأخير إلى أجل، فالرسل قد أجلت بموعودها إلى يوم الفصل، وهو يوم القيامة وسمي يوم الفصل، لانه يفصل فيه بين حال المهتدي والضال بما يعلم الله لاحدهما من * (الهامش) * (1) سورة 5 المائدة آية 112 (2) سورة 2 البقرة آية 189 (ج 10 م 29 من التبيان) (*)
[ 226 ]
حال الثواب بالاجلال والاكرام، وللاخر من حال العقاب بالاستخفاف والهوان بما لا يخفى على انسان. وقيل: الوجه في تأجيل الموعود إلى يوم الفصل تحديد الامر للجزاء على جميع العباد فيه بوقوع اليأس من الرد إلى دار التكليف، لان في تصور هذا ما يتأكد به الدعاء إلى الطاعة والانزجار عن المعصية. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) تهديد ووعيد لمن جحد يوم القيامة وكذب
بالثواب والعقاب، وإنما خص الوعيد في الذكر بالمكذبين لان التكذيب بالحق يتبعه كل شئ، فخصال المعاصي تابعة له وإن لم يذكر معه، مع أن التكذيب قد يكون في القول والفعل المخالف للحق، ومنه قولهم: حمل فما كذب حتى لقي العدو فهزمه. قوله تعالى: (ألم نهلك الاولين (16) ثم نتبعهم الاخرين (17) كذلك نفعل بالمجرمين (18) ويل يومئذ للمكذبين (19) ألم نخلقكم من ماء مهين (20) فجعلناه في قرار مكين (21) إلى قدر معلوم (22) فقدرنا فنعم القادرون (23) ويل يومئذ للمكذبين (24) ألم نجعل الارض كفاتا (25) أحياء وأمواتا (26) وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء فراتا (27) ويل يومئذ للمكذبين (28) ثلاث عشرة آية. قرأ أهل المدينة والكسائي (فقدرنا) مشددة. الباقون بالتخفيف وهما لغتان. ومن اختار التخفيف فلقوله (فنعم القادرون). يقول الله تعالى على وجه التهديد للكفار (ألم نهلك الاولين) يعني قوم نوح
[ 227 ]
وعاد وثمود، والاخرون قوم لوط وابراهيم إلى فرعون ومن معه من الجنود أهلكهم الله تعالى بأنواع الهلاك جزاء على كفرهم لنعم الله وجحدهم لتوحيده واخلاص عبادته وقوله (ثم نتبعهم الاخرين) إنما رفعه عطفا على موضع (ألم) كأنه قال: لكنا نهلك الاولين ثم نتبعهم الاخرين. وقال المبرد تقديره ثم نحن نتبعهم لا يجوز غيره. لان قوله (ألم نهلك) ماض، وقوله (ثم نتبعهم) مستقبل فلا يكون عطفا على الاول ولا على موضعه. والاهلاك إبطال الشئ بتصييره إلى حيث لا يدرى اين هو إما باعدامه أو باخفاء مكانه. وقد يكون الاهلاك بالاماتة، وقد يكون بالنقل
إلى حال الجمادية. والاول هو الكائن قبل غيره. والثاني هو الكائن بعد غيره. والاول قبل كل شئ هو الله تعالى الذي لم يزل. (والاولين) في الاية هم الذين تقدموا على أهل العصر الثاني، والاخر الكائن بعد الاول من غير بقية منه، وبهذا ينفصل عن الثاني، لان الثاني قد يكون بعد بقية من الشئ ثالثا ورابعا وخامسا إلى حيث انتهى، فإذا صار إلى الاخر فليس بعده شئ كالكتاب الذي هو أجزاء كثيرة وقوله (كذلك نفعل بالمجرمين) أي مثل ما فعلنا بأولئك نفعل مثله بالعصاة ثم قال (ويل يومئذ) يعني يوم الجزاء والثواب والعقاب (للمكذبين) فانهم يجازون بأليم العقاب. والاتباع الحاق الثاني بالاول بدعائه إليه، والتبع الحاق الثاني بالاول باقتضائه له، تبع تبعا فهو تابع وأتبع اتباعا. وقوله (ألم نخلقكم من ماء مهين) والمهين القليل الغناء، ومثله الحقير الذليل وفى خلق الانسان على هذا الكمال من الحواس الصحيحة والعقل والتميز من ماء مهين أعظم الاعتبار وأبين الحجة على ان له مدبرا وصانعا وخالقا خلقه وصنعه فمن جحده كان كالمكابر لما هو من دلائل العقول. ثم قال الله تعالى مبينا انه جعل ذلك الماء المهين الحقير (في قرار مكين)
[ 228 ]
فالقرار المكان الذي يمكن أن يطول فيه مكث الشئ، ومنه قولهم: قر في المكان إذا ثبت على طول المكث فيه يقر قرارا، ولا قرار لفلان في هذا المكان أي لا ثبات له. وقوله (إلى قدر معلوم) فالقدر المقدار المعلوم الذي لا زيادة فيه ولا نقصان وكأنه قال إلى مقدار من الوقت المعلوم، والقدر مصدر من قولهم: قدر يقدر قدرا وقدر يقدر - بالتخفيف، والتشديد - إلا أن التشديد للتكثير. وقوله (فقدرنا فنعم القادرون) معناه في قول من خفف فقدرنا من القدرة، فنعم القادرون على تدبيره. ومن شدد أراد فقدرنا، فنعم المقدرون لاحوال النطفة
ونقلها من حال إلى حال حتى صارت إلى حال الانسان. والعرب تقول: قدر عليه الموت وقدر: بالتخفيف والتشديد. ومن شدد وقرأ القادرون جمع بين اللغتين كما قال الاعشى: وانكرتني وما كان الذي نكرت * من الحوادث إلا الشيب والصلعا (1) وقوله (ألم نجعل الارض كفاتا) نصب (كفاتا) على الحال، وتقديره ألم نجعل الارض لكم ولهم كفاتا، والكفات الضمام فقد جعل الله الارض للعباد تكفتهم (احياء وامواتا) أي تضمهم في الحالين كفت الشئ يكفته كفتا وكفاتا إذا ضمه وقيل (كفاتا) وعاء وهذا كفته أي وعاؤه، ويقال كفيته أيضا، وقال الشعبي ومجاهد: فظهرها للاحياء وبطنها للاموات، وهو قول قتادة ونصب أحياء وامواتا على الحال، ويجوز على المفعول به، قال أبو عبيدة وغيره (كفاتا) أي اوعية يقال: هذا النحى كفت هذا وكفيته. وقوله (احياء وأمواتا) أي منه ما ينبت، ومنه ما لا ينبت. وقوله (وجعلنا فيها رواسي شامخات) أي وجعلنا في الارض جبالا ثابتة * (الهامش) * (1) مر في 6 / 28 (*)
[ 229 ]
عالية، فالشامخات العاليات، شمخ يشمخ شمخا، فهو شامخ، ومنه شمخ بأنف إذا رفعه كبرا، وجبل شامخ وشاهق وبازخ كله بمعنى واحد والرواسي الثوابت. وقوله (واسقيناكم ماء فراتا) أي وجعلنا لكم شرابا من الماء الفرات، وهو العذاب وهو صفة يقال: ماء فرات وماء زلال وماء غدق وماء نمير كله من العذوبة والطيب، وبه سمي النهر العظيم المعروف بالفرات قال الشاعر: إذا غاب عنا غاب عنا فراتنا * وإن شهد أجدى فضله وجداوله (1) وقال ابن عباس أصول الانهار العذبة أربعة: جيحان ومنه دجلة، وسيحان
نهر بلخ، وفرات الكوفة، ونيل مصر. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد فسرناه. قوله تعالى: (إنطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) إنطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب (30) لا ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر (33) ويل يومئذ للمكذبين (34) هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ويل يومئذ للمكذبين (37) هذا يوم الفصل جمعناكم والاولين (38) فان كان لكم كيد فكيدون (39) ويل يومئذ للمكذبين) (40) اثنتا عشرة آية. * (الهامش) * (1) مر في 4 / 194 (*)
[ 230 ]
قرأ رويس (انطلقوا إلى ظل) على فتح اللام بلفظ الماضي. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر (جمالة) وضم الجيم يعقوب. الباقون (جمالات) من قرأ (جمالة) على لفظ الواحد قال معناه الجمع لقوله (صفر) ومن قرأ (جمالات). بكسر الجيم قال: جمالة وجمالات جميعا جمعان، كأنه جمع الجمع مثل: رجال ورجالات، وبيوت وبيوتات، والهاء في قوله (كأنه) كناية عن الشرر. وهذا حكاية ما يقول الله تعالى للكفار المكذبين بيوم الدين يوم القيامة فانه يقول لهم (انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون) من العقاب على الكفر ودخول النار جزاء على المعاصي، فكنتم تجحدون ذلك وتكذبون به ولا تعترفون بصحته، فامضوا اليوم إليه. فالانطلاق الانتقال من مكان إلى مكان من غير مكث الاعتقال، وهو من الاطلاق خلاف التقييد، والانتقال من حال إلى حال، ومن اعتقاد إلى اعتقاد
لا يسمى انطلاقا. ثم ذكر الموضع الذي أمرهم بالانطلاق إليه، فقال (انطلقوا إلى) ظل ذي ثلاث شعب) قيل: معناه يتشعب من النار ثلاث شعب: شعبة فوقه، وشعبة عن يمينه وشعبة عن شماله فيحيط بالكافر. وقال مجاهد وقتادة (ظل) دخان من جهنم ينقسم ثلاث شعب كما قال تعالى (أحاط بهم سرادقها) (1) أي من الدخان الاخذ بالانفاس (لا ظليل) معناه غير مانع من الاذى يستر عنه، فالظليل المانع من الاذى بستره عنه، ومثله الكنين، فالظليل من الظلة، وهي السترة، والكنين من الكن، فظل هذا الدخان لا يغني الكفار من حر النار شيئا. وبين ذلك بقوله (ولا يغني من اللهب) والاغناء إيجاد الكفاية بما يكون وجود غيره وعدمه سواء يقال: أغنى عنه أي كفى في الدفع عنه. واللهب إرتفاع الشرر، وهو اضطرام النار، إلتهب يلتهب إلتهابا وألهبتها إلهابا ولهبا. * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 29 (*)
[ 231 ]
وقوله (انها) يعني النار (ترمي بشرر) وهي قطع تطاير من النار في الجهات وأصله الظهور من شررت الثوب إذا اظهرته للشمس والشرر يظهر متبددا من النار. وقوله (كالقصر) أي ذلك الشرر كالقصر أي مثله في عظمه، وهو يتطاير على الكافرين من كل جهة - نعوذ بالله منه - والقصر واحد القصور من البنيان - في قول ابن عباس ومجاهد - وفي رواية أخرى عن ابن عباس وقتادة والضحاك: القصر أصول الشجر واحدته قصرة مثل جمرة وجمر، والعرب تشبه الابل بالقصور، قال الاخطل: كأنه برج رومي يشيده * لز بجص وآجر وأحجار (1) والقصر في معنى الجمع إلا انه على طريق الجنس. ثم شبه القصر بالجمال، فقال (كأنه جمالات صفر) قال الحسن وقتادة: كأنها انيق سود، لما يعتري سوادها
من الصفرة. وقال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: قلوس السفن، وفي رواية أخرى عن ابن عباس: هي قطع النحاس. قال الزجاج (جمالات) بالضم جمع جمالة وهو القلس من قلوس البحر، ويجوز أن يكون جمع (جمل) وجمالات، كما قيل (رحال) جمع (رحل) ومن كسر فعلى انه جمع جمالة، وجمالة جمع جمل مثل حجر وحجارة، وذكر وذكارة. وقرئ في الشواذ (كالقصر) بفتح الصاد جمع كأنها أعناق الابل (وجمالات) جمع جمل كرجل ورجالات، وبيت وبيوتات، ويجوز أن يكون جمع جمالة. وقرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (جملة) بغير الالف على التوحيد لانه لفظ جنس يقع على القليل والكثير. الباقون جمالات بألف، مكسور الجيم. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد فسرناه ثم قال تعالى (هذا يوم لا ينطقون * (الهامش) * (1) مر في 7 / 53 (*)
[ 232 ]
ولا يؤذن لهم فيعتذرون) اخبار من الله تعالى أن ذلك اليوم لا ينطق الكفار. وقيل في معناه قولان: احدهما - ان ذلك اليوم مواطن، فموطن لا ينطقون، لانهم مبلسون من هول ما يرونه، وموطن يطلق فيه عن ألسنتهم فينطقون، فلذلك حكى عنهم أنهم (قالوا ربنا أمتنا إثنتين واحييتنا إثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل) (1) وقد يقال هذا يوم لا ينطقون إذا لم ينطقوا في بعضه كما يقال: كان كذا يوم قدم فلان وإن كان قدم في بعضه، لان المعنى مفهوم. والثاني - انهم ينطقون بنطق لا ينتفعون به، وكأنهم لم ينطقوا، واضاف الزمان إلى الافعال كقولك أتيتك يوم قدم زيد، وآتيك يوم يخرج عمرو، وأجاز النحويون هذا يوم لا ينطقون بالنصب على انه يشير إلى الجزاء، ولا يشير إلى اليوم
وقوله (ولا يؤذن لهم) فالاذن الاطلاق في الفعل، تقول: يسمع بالاذن فهذا أصله وقد كثر استعماله حتى صار كل دليل ظهر به أن للقادر أن يفعل كذا فهو أذن له، وكل ما اطلق الله فيه بأي دليل كان، فقد أذن فيه. وقوله تعالى (فيعتذرون) فالاعتذار الانتفاء من خلاف المراد بالمانع من المراد، وليس لاحد عذر في معصية الله، لانه تعالى لا يكلف نفسا ما لا يطاق. وقد يكون له عذر في معصية غيره، لانه قد يكلف خلاف الصواب وقد يكلف ما لا يمكن لعارض من الاسباب. وقوله (فيعتذرون) رفع عطفا على قوله (لا يؤذن) قال الفراء: تقديره لا ينطقون ولا يعتذرون، وقد يجوز في مثله النصب علي جواب النفي، ومعنى الاية لا يؤذن لهم في الاعتذار فكيف يعتذرون. * (الهامش) * (1) سورة 40 المؤمن آية 11 (*)
[ 233 ]
وقوله (هذا يوم الفصل) يعني يفصل بين الخلائق بالحكم لكل أحد بما له وعليه. والفصل قطع علق الامور بتوفية الحقوق، وهذا الفصل الذي هفصل القضاء يكون ذلك في الاخرة على ظاهر الامر وباطنه، وأما في الدنيا، فهو على ظاهر الامر، لان الحاكم لا يعرف البواطن. وقوله (جمعناكم والاولين) معناه إن الله يجمع فيه الخلائق في يوم واحد في صعيد واحد، والجمع جعل الشئ مع غيره إما في مكان واحد أو محل واحد أو في يوم واحد أو وقت واحد، أو يجعل مع غيره في حكم واحد أو معنى واحد كجمع الجماد والحيوان في معنى الحدوث. وقوله (فان كان لكم كيد فكيدون) معناه توبيخ من الله تعالى وتقريع للكفار واظهار عجزهم عن الدفع عن أنفسهم فضلا عن أن يكيدوا غيرهم، وإنما هو على أنكم
كنتم في دار الدنيا تعملون ما يغضبني، فالان عجزتم عن ذلك وحصلتم على وبال ما عملتم. وقيل: المعنى إن كان لكم حيلة تحتالونها في التخلص فاحتالوا. والكيد الحيلة و (ويل يومئذ للمكذبين) قد مضى تفسيره. قوله تعالى: (إن المتقين في ضلال وعيون (41) وفواكه مما يشتهون (42) كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون (43) إنا كذلك نجزي المحسنين (44) ويل يومئذ للمكذبين (45) كلوا وتمتعوا قليلا إنكم مجرمون (46) ويل يومئذ للمكذبين (47) وإذا قيل لهم (ج 10 م 30 من التبيان)
[ 234 ]
اركعوا لا يركعون (48) ويل يومئذ للمكذبين (49) فبأي حديث بعده يؤمنون) (50) عشر آيات. لما ذكر الله تعالى الكفار وما أعد لهم من ضروب العقاب وانواع العذاب ترهيبا وتزهيدا في مثله، ذكر المؤمنين المتقين للمعاصي وبين ما أعده لهم من أنواع النعيم وضروب اللذات فقال (إن المتقين) ومعناه الذين اتقوا عقاب الله باجتناب معاصيه وطلبوا ثوابه بفعل طاعاته (في ظلال) وهو جمع ظل، وهو الحجاب العالي المانع من كل أذى، فلاهل الجنة حجاب من كل أذى لان هواء الجنة مناف لكل أذى، فهم من طيبة على خلاصة. وقيل في ظلال من قصور الجنة وأشجارها (وعيون) وهي ينابيع الماء التي تجري في ظل الاشجار. وقيل: ان تلك العيون جارية في غير أخدود، لان ذلك امتع بما يرى من حسنه وصفأته على كنهه من غير ملابسة شئ له، وليس هناك شئ إلا على أحسن صفاته، لان الله تعالى قد شوق إليه أشد التشويق ورغب فيه أتم الترغيب (وفواكه) وهي جمع فاكهة، وهي
ثمار الاشجار التي من شأنها أن تؤكل، وقد يكون من الثمر ما ليس كذلك كالثمر المر، فانه ليس من الفاكهة. وقوله (مما يشتهون) يعني لهم فاكهة من جنس ما يشتهونه. ثم قال تعالى (كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون) صورته صورة الامر والمراد به الاباحة. وقال قوم: هو أمر على الحقيقة، لان الله تعالى يريد منهم الاكل والشرب في الجنة، وإنهم إذا علموا ذلك زاد في سرورهم، فلا تكون إرادته لذلك عبثا، والهنئ هو الذي لا أذى فيه فيما بعد. وقيل: الهنئ النفع الخالص من شائب الاذى. والشهوة معنى في القلب إذا صادفت المشتهى كان لذة، وضده النفار إذا
[ 235 ]
صادفه كان ألما، وجاء الكلام على التقابل للكافرين من قوله (في ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب) مقابل أهل الجنة في ظلال قصور الجنة واشجارها وقوله (انا كذلك نجزي المحسنين) اخبار منه تعالى أنه كما جازى هؤلاء المتقين بما ذكره من النعيم مثل ذلك يجازي كل محسن عامل بطاعة الله. وفى ذلك دلالة على أن كل احسان خالص للعبد فله به الثواب والحمد، وانه طاعة لله، وإن ما ليس باحسان من فعل خارج عن هذا الحكم. وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد مضى تفسيره. ثم عاد إلى خطاب الكفار فقال لهم على وجه التهديد والوعيد (كلوا وتمتعوا) في دار الدنيا وتلذذوا بما تريدون وانتفعوا بم اتشتهون (قليلا) لان أيام الدنيا قليلة، فالتمتع الحصول في أحوال تلذ، تمتع تمتعا واستمتع استمتاعا وأمتعه غيره امتاعا والتمتع والتلذذ واحد ونقيضه التألم. وقوله (إنكم مجرمون) اخبار منه تعالى للكفار بأنكم وإن تمتعتم قليلا في الدنيا فانكم عصاة وكفار وما لكم إلى النار وعذابها. والاجرام فعل ما يقطع المدح
ويحصل بدله الذم، يقال: أجرم إجراما واجترم اجتراما وتجرم عليه أي تطلب له الجرم (ويل يومئذ للمكذبين) بينا معناه. وقوله (وإذا قيل لهم إركعوا لا يركعون) فالركوع هو الانخفاض على وجه الخضوع، ويعبر به عن نفس الصلاة ويقال: قد ركعت وبقي على ركوع أي صلاة والمراد به ههنا - الصلاة، والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا دعوا إلى الصلاة لا يصلون لجهلهم بما في الصلاة من الخير والبركة. وقيل: انه يقال لهم ذلك في الاخرة كما قال (يدعون إلى السجود فلا يستطيعون) ذكره ابن عباس. وقال قتادة، يقال لهم ذلك في الدنيا، فان الصلاة من الله بمكان. وقال مجاهد: عنى بالركوع - هنا - الصلاة
[ 236 ]
وقوله (ويل يومئذ للمكذبين) قد فسرناه، فكأنه قيل لهم يجب عليكم الركوع بالخضوع لله فاركعوا فأخبر عنهم أنهم لا يركعون تكذيبا بهذا الخبر، فلذلك قال عقيب ذلك (ويل يومئذ للمكذبين) وإلا فقوله (اركعوا) أمر من الله تعالى، ولا يقال فيمن أمر بالشئ فلم يفعل انه كذب، وقيل: إن ما تكرر في هذه السورة من قول (ويل يومئذ للمكذبين) ليس على وجه التكرار في المعنى، لان معناه ويل للمكذبين بما ذكره قبله من الاخبار، وقيل يريد أنه كذب بالمخبر الذي يليه، وهو وجه القول الثاني والثالث والرابع إلى آخر السورة، على هذا المنهاج من أنه يلزمه الويل بالتكذيب بالذي يليه والذي قبله على التفصيل لا على الاجمال في أنه لا يلزمه حتى يكذب بالجميع. وقوله (فبأي حديث بعده يؤمنون) معناه إنه إذا أتى القرآن باظهر البرهان وكفروا به فليس ممن يفلح بالايمان بكلام غيره، لان من لم يؤمن بما فيه المعجزة الظاهرة والاية الباهرة لا يؤمن بغيره.
[ 237 ]
78 - سورة النبا:
مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي أربعون آية في الكوفي والمدنيين واحدى وأربعون في البصري بسم الله الرحمن الرحيم (عم يتساءلون (1) عن النبا العظيم (2) الذي هم فيه مختلفون (3) كلا سيعلمون (4) ثم كلا سيعلمون (5) ألم نجعل الارض مهادا (6) والجبال أوتادا (7) وخلقناكم أزواجا (8) وجعلنا نومكم سباتا (9) وجعلنا الليل لباسا (10) وجعلنا النهار معاشا (11) وبنينا فوقكم سبعا شدادا (12) وجعلنا سراجا وهاجا (13) وأنزلنا من المعصرات ماء ثجاجا (14) لنخرج به حبا ونباتا (15) وجنات ألفافا) (16) ست عشرة آية. وقف يعقوب على (عم) بالهاء، الباقون بلا هاء وقرأ ابن عامر (كلا ستعلمون) بالتاء على الخطاب فيهما أي قل لهم ستعلمون عاقبة أمركم الباقون - بالياء - على الغيبة، وهو الاقوى لقوله (عم
[ 238 ]
يتساءلون) وقوله (الذي هم فيه مختلفون) ولم يقل أنتم، وإن كانت التاء جائزة لان العرب تنتقل من غيبة إلى خطاب، ومن خطاب إلى غيبة. قيل في سبب نزول هذه الاية: إن رسول الله صلى الله عليه واله كان إذا حدث قريشا وعرفهم أخبار الامم السالفة ووعظهم كانوا يهزؤن بذلك، فنهاه الله تعالى أن يحدثهم فقال (وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزء) إلى قوله (حتى يخوضوا في حديث غيره) (1) فكان رسول الله صلى الله عليه واله يحدث اصحابه فإذا أقبل واحد من المشركين أمسك فاجتمعوا على بكرة أبيهم وقالوا: والله يا محمد إن حديثك عجب، وكنا نشتهي أن نسمع كلامك وحديثك، فقال إن رب نهاني
أن أحدثكم، فأنزل الله تعالى (عم يتساءلون عن النبأ العظيم) وقوله (عم يتساءلون) أصله عن ما، فحذفت الالف لاتصالها بحرف الجر حتى صارت كالجزء منه لتدل على شدة الاتصال مع تخفيف المركب في الكلام، فحذف حرف الاعتلال وأدغمت النون في الميم لقربها منها من غير أخلال، وصورته صورة الاستفهام والمراد تفخيم القصة والانكار والتهديد. وقوله (يتساءلون) معناه عن ماذا يسأل بعضهم بعضا، فالتساؤل سؤال احد النفيسين للاخر، تساءلا تساؤلا وسأله مسألة، والسؤال طلب الاخبار بصيغة مخصوصة في الكلام، وكل ما يزجر العقل عنه بما فيه من الداعي إلى الفساد لا يجوز السؤال عنه كسؤال الجدل لدفع الحق ونصرة الباطل، وكالسؤال الذي يقتضي فاحش الجواب، لانه كالامر بالقبيح. والنبأ معناه الخبر العظيم الشأن كمعنى الخبر عن التوحيد في صفة الاله وصفة الرسول، والخبر عما يجوز عليه وما لا يجوز. وقال مجاهد: النبأ العظيم الشأن القرآن، وقال قتادة وابن زيد: هوالسؤال عن البعث بعد الموت، لانهم كانوا يجمعون على التكذيب بالقرآن * (الهامش) * (1) سورة 4 النساء آية 139 وقريب منه في سورة 6 الانعام آية 68 (*)
[ 239 ]
(الذي هم فيه مختلفون) قال قتادة: معناه الذي هم فيه بين مصدق ومكذب، فقال الله سبحانه مهدد الهم ومتوعدا (كلا سيعلمون ثم كلا سيعلمون) ومعنى (كلا) ردع وزجر، كأنه قال أرتدعوا وانزجر واليس الامر كما ظننتم. وقال قوم: معناه حقا سيعلمون عاقبة أمرهم وعائد الوبال عليهم. وقال الضحاك: معناه كلا سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم. وقال قوم: كلا سيعلمون ما ينالهم يوم القيامة من العذاب، ثم كلا سيعلمون ما ينالهم في جهنم من العذاب، فلا يكون تكرارا. والاختلاف ذهاب كل واحد من النفيسين إلى نقيض ما ذهب إليه الاخر، يقال: اختلفا في المعنى فذهب أحدهما إلى كذا، وذهب الاخر إلى كذا.
ثم نبههم على وجه الاستدلال على صحة ذلك فقال (ألم نجعل الارض مهادا) أي وطاء، وهو القرار المهيأ للتصرف فيه من غير أذية. وقال قتادة: للهاد البساط ومهد الارض تمهيدا مثل وطأه توطئة، لان ذلك لا يقدر عليه غير الله، لانه الذي يسكن الارض حالا بعد حال حتى يمكن الاستقرار عليها والتصرف فيها (والجبال أوتادا) أي وجعلنا الجبال أوتادا للارض لئلا تميد بهم، فالجبال جمع جبل، وهو بغلظه وثقله يبلغ أن يكون ممسكا للارض عن أن تميد بثقله، فعلى ذلك دبره الله، وذكر العباد به وما فيه من العبرة بعظمة من يقدر عليه. والوتد المسمار إلا أنه اغلظ منه، لذلك يقال: مسامير العناء إذا دقت كالمسمار من الحديد في القوة والدقة، ولو غلظت صارت أو تادا فكذلك وصفت الجبال بأنها أوتاد للارض إذ جعلت بغلظها ممسكة لها عن أن تميد باهلها. وقوله (وجعلناكم أزواجا) أي اشكالا كل واحد يشاكل الاخر. وقيل: معناه ذكرا وأنثى حتى يصح منكم التناسل. وقوله (وجعلنا نومكم سباتا) أي نعاسا في أوله تطلب النفس الراحة به.
[ 240 ]
وقيل: معناه جعلنا نومكم راحة. وقيل: معناه جعلنا نومكم طويلا ممتدا تعظم به راحة أبدانكم ويكثر به انتفاعكم، ومنه سبت من الدهر أي مدة طويلة منه. وقال أبو عبيدة: معناه جعلنا نومكم سباتا ليس بموت، ورجل مسبوت فيه روح، والسبات قطع العمل للراحة، ومنه سبت أنفه إذا قطعه، ومنه يوم السبت أي يوم قطع العمل للراحة على ما جرت به العادة في شرع موسى، وصار علما على اليوم الذي بعد الجمعة بلا فصل. وقوله (وجعلنا الليل لباسا) فاللباس غطاء ساتر مماس لما ستر، فالليل ساتر للاشخاص بظلمته مماس لها بجسمه الذي فيه الظلمة قال الشاعر:
فلما لبسن الليل أوجن نصبت * له من حذا آذانها وهي جنح (1) (وجعلنا النهار معاشا) أي متصرفا للعيش والعيش الانعاش الذي تبقى معه الحياة على حال الصحة عاش يعيش عيشا والنهار اتساع الضياء المنبث في الافاق وأصله من انهر الدم إذا وسع مجراه، ومنه النهر وهو المجرى الواسع من مجاري الماء، ومنه الانتهار الاتساع في الاغلاظ، وفى خلق النهار تمكين من التصرف للمعاش وفي ذلك أعظم النعمة واكبر الاحسان. وقوله (وبنينا فوقكم سبعا شدادا) يعني سبع سموات. والبناء جعل الطاق الاعلى على الادنى، فالسماء مبنية كهيئة القبة مزينة بالكواكب المضيئة، فسبحان الذي زينها وخلقها وبناها على هذه الصفة لعباده. وإنما جعلها سبع سموات لما في ذلك من الاعتبار للملائكة، ولما في تصور الطبقات من عظم القدرة، وهول تلك الامور، وما فيه من تمكين البناء حتى وقفت سماء فوق سماء، فسبحان من يمسكها بما هو قادر عليها ومدبر لها. * (الهامش) * (1) الطبري 30 / 3 (*)
[ 241 ]
وقوله (وجعلنا سراجا وهاجا) يعني الشمس جعلها الله سراجا للعالم يستضيئون به، فالنعمة عامة لجميع الخلق. والوهاج الوقاد، وهو المشتعل بالنور العظيم وقال مجاهد وقتادة: يعني وهاجا متلا لئا. وقوله (وأنزلنا من المعصرات) قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: يعني الرياح، كأنها تعصر السحاب. وقيل هي السحاب تتحلب بالمطر. وقوله (ماء ثجاجا) فالثجاج الدفاع في انصبابه كثج دماء البدن، يقال ثججت دمه أثجه ثجا، وقد ثج الدم يثج ثجوجا (لنخرج به حبا ونباتا) أي نخرج بذلك الماء حبا وهو كل ما تضمنه الزرع الذي يحصد. والنبات الكلا من الحشيش والزرع (وجنات الفافا) أي بساتين
ملتفة بالشجر يخرجها الله تعالى لعباده بالمطر. وإنما قال (جنات) لان الشجر يجنها أي يسترها و (الالفاف) الاخلاط المتداخلة يدور بعضها على بعض واحدها (لف) يقال: شجر ملتف وأشجار ملتفة. والمعاني الملففة المتداخلة باستتار بعضها ببعض حتى لا تبين إلا في خفى. وقيل: واحده لف ولفف. وقيل: في واحده شجرة لفا، وشجر لف. وقال مجاهد وقتادة وابن عباس: ألفافا ملتفة. والتقدير فيه ويخرج به شجر جنات الفافا ملتفة إلا انه حذف لدلالة الكلام عليه. قوله تعالى: (إن يوم الفصل كان ميقاتا (17) يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا (18) وفتحت السماء فكانت أبوابا (19) وسيرت الجبال فكانت سرابا (20) إن جهنم كانت مرصادا (21) للطاغين (ج 10 م 31 من التبيان)
[ 242 ]
مآبا (22) لا بثين فيها أحقابا (23) لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا (24) إلا حميما وغساقا (25) جزاء وفاقا (26) إنهم كانوا لا يرجون حسابا (27) وكذبوا بآياتنا كذابا (28) وكل شئ أحصيناه كتابا (29) فذقوا فلن نزيدكم إلا عذابا) (30) اربع عشرة آية. قرأ (وفتحت) بالتخفيف أهل الكوفة إلا الاعشى والبرجمي. الباقون بالتشديد. وقرأ حمزة وروح (لبثين فيها) بغير الف مثل (مزجين، وفرهين) الباقون (لا بثين) بألف على اسم الفاعل، وهو الاجود، لانه من (لبث) فهو (لابث) وحجة حمزة أنه مثل (طمع) و (طامع). واللبث البطئ. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما عن المفضل (غساقا) مشددة. الباقون بالتخفيف، وهما لغتان. فالغساق صديد أهل النار - في قول ابراهيم وقتادة وعكرمة وعطية - وقال أبو عبيدة:
الغساق ماء وهو من الغسل أي سيال. وقال غيره: هو البارد. وقيل: المنتن. يقول الله تعالى (إن يوم الفصل) يعني يوم الدين وهو يوم القيامة الذي يفصل الله فيه بالحكم بين الخلائق (كان ميقاتا) أي جعله الله وقتا للحساب والجزاء فالميقات منتهى المقدار المضروب لوقت حدوث أمر من الامور، وهو مأخوذ من الوقت، كما أن الميعاد من الوعد، والميزان من الوزن والمقدار من القدر. والمفتاح من الفتح. وقوله (يوم ينفخ في الصور) فالنفخ إخراج ريح الجوف من الفم، ومنه نفخ الزق، والنفخ في البوق، ونفخ الروح في البدن يشبه بذلك، لانها تجري فيه كما تجري الريح، يجرى مجرى الريح في الشئ، والصور قرن ينفخ فيه في حديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه واله
[ 243 ]
وقال الحسن: هو جمع صورة. وبه قال قتادة. ومعناه: إذكر يوم ينفخ في الصور (فتأتون أفواجا) فالفوج جماعة من جماعة. والافواج جماعات من جماعات، فالناس يأتون على تلك الصفة إلى أن يتكاملوا في أرض القيامة. وكل فريق يأتي مع شكله. وقيل تأتي كل أمة مع نبيها، فلذلك جاؤا أفواجا أي زمرا. وقوله (وفتحت السماء فكانت أبوابا) معناه وشققت السماء، فكانت كقطع الابواب. وقيل: صار فيها طرق ولم يكن كذلك قبل. وقوله (وسيرت الجبال فكانت سرابا) معناه زيلت الجبال عن أماكنها وأذهب بها حتى صارت كالسراب. وقوله (ان جهنم كانت مرصادا) إخبار منه تعالى بأن جهنم تكون يومئذ مرصادا. والمرصاد هو المعد لامر على ارتقابه الوقوع فيه، وهو مفعال من الرصد. وقيل: المعنى ذات ارتقاب لاهلها تراصدهم بنكالها. والرصد عمل ما يترقب به الاختطاف.
وقوله (للطاغين) يعني جهنم للذين طغوا في معصية الله وتجاوزوا الحد (مآبا) أي مرجعا، وهو الموضوع الذي يرجع إليه، فكأن المجرم قد كان باجرامه فيها ثم رجع إليها، ويجوز أن يكون كالمنزل الذي يرجع إليه. وقوله (لابثين فيها أحقابا) أي ما كثين فيها أزمانا كثيرة، وواحد الاحقاب حقب من قوله (أو أمضي حقبا) (1) أي دهرا طويلا. وقيل واحده حقب، وواحد الحقب حقبة، كما قال الشاعر: وكنا كندماني جذيمة حقبة * من الدهر حتى قيل لن يتصدعا وإنما قال (لابثين فيها احقابا) مع انهم مخلدون مؤبدون: لا انقضاء لها * (الهامش) * (1) سورة 18 الكهف آية 61 (*)
[ 244 ]
إلا انه حذف للعلم بحال أهل النار من الكفار باجماع الامة عليه (لابثين فيها احقابا لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا) ثم يعذبون بعد ذلك بضرب آخر كالزقوم والزمهرير ونحوه من أصناف العذاب، ومن قرأ (لبثين) بلا الف استشهد في تعدي (فعل) بقول الشاعر: ومسحل سح عضاده سحج * بسراتها ندب له وكلوم (1) وقال ابن عباس: الحقب ثمانون سنة. وقال الحسن: سبعون سنة. وقال قوم: هو اكثر من ذلك. وقوله (لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا) قال أبو عبيدة: البرد ههنا النوم قال الكندي: فيصدني عنها وعن قبلتها البرد أي النوم، قكأنهم لا ينامون من شدة ما هم فيه من العذاب، ولا يجدون شرابا يشربوه (إلا حميما وغساقا) فالحميم الحار الشديد الحرارة والغساق صديد
أهل النار - في قول إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة - يقال: غسقت القرحة غسقا إذا سال صديدها، وكذلك الجروح، ومنه قوله (ومن شر غاسق إذا وقب) (2) والغاسق الليل إذا لبس الاشياء بظلمته. كأنه يسيل عليه بظلامه، وقال الحسن: الجنة والنار مخلوقتان في الايام الستة الاول، وهي الجنة التي سكنها آدم، وهي الجنة التي يسكنها المتقون في الاخرة. ثم يفنيها الله لهلاك الخلائق. ثم يعيدها، فلا يفنيها أبدا. وقال قوم: المخلوقتان، ولا يفنيهما الله. وقال آخرون: هما غير مخلوقتين. والجنة التي كان فيها جنة أخرى ليست جنة الخلد. وقوله (جزاء وفاقا) قال ابن عباس ومجاهد والربيع وقتادة: معناه وافق * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 30 / 7 (2) سورة 113 الفلق آية 3 (*)
[ 245 ]
الجزاء أعمالهم، فالوفاق الجاري على المقدار، فالجزاء وفاق لانه جار على مقدار الاعمال في الاستحقاق، وذلك أنه يستحق على الكفر أعظم مما يستحق على الفسق الذي ليس بكفر. ويستحق على الفسق أعظم مما يستحق على الذنب الصغير. وقوله (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) أي لا يرجون المجازاة على الاعمال ولا يتوقعونه - وهو قول الحسن وقتادة - وقيل: معناه إنهم كانوا: لا يرجون حسن الجزاء في الحساب لتكذيبهم فالرجاء التوقع لوقوع أمر يخاف ألا يكون، فهؤلاء كان يجب عليهم أن يتوقعوا الحساب على يقين أنه يكون، فلم يفعلوا الواجب في هذا، ولا قاربوه لا عتقادهم أنه لا يكون فاللوم أعظم لهم والتقريع لهم أشد. وقيل: معنى لا يرجون لا يخافون كما قال الهذلي: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها * وحالفها في بيت نوب عوامل (1) وقوله (وكذبوا بآياتنا كذابا) معناه جحدوا بآيات الله وحججه، ولم يصدقوا بها. وإنما جاء المصدر على فعال للمبالغة مع اجرائه على نظيره الذي يطرد قبل
آخره الف نحو الانطلاق والاقتدار والاستخراج والقتال والكرام، والمصدر الجاري على فعل التفعيل نحو التكذيب والتحسين والتقديم، وقد خرج التفعيل عن النظير لما تضمن من معنى التكثير، كما خرج التفاعل والمفاعلة للزيادة على أقل الفعل، فانه من اثنين. ومثل كداب، حملته حمالا وحرقته حراقا. وقوله (وكل شئ احصيناه كتابا) معناه وأحصينا كل شئ أحصيناه في كتاب، فلما حدف حرف الجر نصبه، وقيل: إنما نصبه لان في احصيناه معنى كتبناه، فكأنه قال كتبناه كتابا، ومثل كذبته كذابا قصيته قصاء قال الشاعر: * (الهامش) * (1) مر في 2 / 210 و 3 / 315 و 7 / 491 و 8 / 187 (*)
[ 246 ]
لقد طال ما تبطتني عن صحابتي * وعن جوح قصاؤها من شقائيا (1) والوجه في إحصاء الاشياء في الكتاب ما فيه من الاعتبار للملائكة بموافقة ما يحدث لما تقدم به الاثبات مع أن تصور ذلك يقتضي الاستكثار من الخير والاجتهاد فيه، كما يقتضي إذا قيل للانسان ما تعمله فانه يكتب لك وعليك. وقوله (فذوقوا) أي يقال لهؤلاء الكفار ذوقوا ما كنتم فيه من العذاب (فلن نزيدكم إلا عذبا) لان كل عذاب يأتي بعد الوقت الاول فهو زائد عليه. قوله تعالى: (إن للمتقين مفازا (31) حدائق وأعنابا (32) وكواعب أترابا (33) وكأسا دهاقا (34) لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا (35) جزاء من ربك عطاء حسابا (36) رب السموات والارض وما بينهما الرحمن لا يملكون منه خطابا (37) يوم يقوم الروح والملئكة صفا لا يتكلمون إلا من أذنت له الرحمن وقال صوابا (38) ذلك اليوم الحق فمن شاء اتخذا إلى ربه مآبا (39) إنا أنذرناكم عذابا قريبا *
يوم ينظر المرء ما قدمت يداه ويقول الكافر ياليتني كنت ترابا) (40) أحدى عشرة آية في البصري وعشر آيات عند الباقين قرأ (ولا كذابا) خفيفا الكسائي (رب السموات) بالرفع محارب وابو بكر، و (الرحمن) جرا عن عاصم وابن عامر ويعقوب وسهل. * (الهامش) * (1) القرطبي 19 / 179 والطبري 30 / 10 (*)
[ 247 ]
لما ذكر الله تعالى حال الكفار وما أعده لهم من أنواع العقاب ذكر ما للمؤمنين المتقين لمعاصي الله تعالى، فقال (إن للمتقين) الذين يتقون عقاب الله باجتناب معاصيه وفعل طاعته (مفازا) وهو موضع الفوز بخلوص الملاذ. وأصل الفوز النجاة إلى حال السلامة والسرور، ومنه قيل للمهلكة مفازة على وجه التفاؤل، لانه قيل منجاة وقيل مفازا منجى إلى مبرة. ثم بين ذلك فقال (حدائق واعنابا) فالحدائق جمع حديقة، وهي البستان المحوط، ومنه أحدق به حائطه. والحديقة الجنة المحوطة، ومنه أحدق القوم بفلان إذا أطافوا به، وسميت الحدقة حدقة لما يحيط بها من جفنها والاعناب جمع عنب، وهو ثمر الكرم قبل أن يجف فإذا جف فهو الزبيب، ونظيره الرطب ثمر النخل قبل أن يصير تمرا فإذا صار تمرا زال عنه اسم الرطب. وقوله (وكواعب أترابا) قال ابن عباس: الكواعب النواهد، والكاعب الجارية قد نهد ثدياها، يقال: كعب ثدي الجارية ونهد إذا ابتدأ بخروج حسن. والاتراب جمع ترب، وهي التي تنشأ مع لدتها على سن الصبي الذي يلعب بالتراب فكأنه قيل هم على سن واحدة قال قتادة: أترابا يعني في سن واحدة. وقوله (وكأسا دهاقا) فالكأس الاناء إذا كان فيه شراب. وقيل الكاس أناء الخمر الذي يشرب منه، قال الشاعر: يلذه بكأسه الدهاق (1)
فان لم يكن فيه الخمر لم يسم كأسا، والدهاق ملاى بشدة الضغط، والدهق شدة الضغط في الكأس ملاى مترعة ليس فيها فرجة ليستوفي حال اللذة. وقال قتادة: دهاقا مترعة. وقال مجاهد: معناه متتابعة على شاربها مأخوذ من متابعة الشد في الدهن. * (الهامش) * (1) القرطبي 19 / 181 (*)
[ 248 ]
وقوله (لا يسمعون فيها لغوا) أي لا يسمعون في الجنة كلاما لا فائدة فيه (ولا كذابا) أي ولا تكذيب بعضهم لبعض. ومن قرأ (كذابا) بالتخفيف أراد مصدر كاذبه مكاذبة، وكذابا قال الشاعر: فصدقتني وكذبتني * والمرء ينفعه كذابه (1) وقال الفراء: قال اعرابي في طريق مكة: يا رب القصار أحب اليك أم الحلق يريد أقصر شعري أم احلق. وقوله (جزاء من ربك عطاء حسابا) أي فعلنا بالمؤمنين المتقين ما فعلنا جزاء على تصديقهم بالله ونبيه، فالجزاء إعطاء المستحق بعمل الطاعة أو المعصية. وقوله (عطاء حسابا) أي بحساب العمل كل إنسان على قدر عمله من النبيين والصديقين والشهداء الصالحين، ثم سائر أخيار المؤمنين، وعند الله المزيد. وقيل: معناه عطاء كافيا من قولهم: أعطاني ما أحسبني أي كفاني، وحسبك أي اكتف، وحسبي الله أي كفاني الله. وقال الحسن: معناه إنه أعطاهم ذلك محاسبة. وقوله (رب السموات والارض) من رفع استأنف الكلام وجعله مبتدأ. وقوله (الرحمن) خبره، ومن جره رده على قوله (من ربك) رب السموات، وجعل (الرحمن) جرا بأنه نعته. ومن رفع الرحمن وجر الاول قطعه عن الاول وتقديره: هو الرحمن. والمعنى إن الذي يفعل بالمؤمنين ما تقدم ذكره هو الله رب
السموات والارض ومديرهما، ومدبر ما بينهما، والمصرف لهما على ما يريده (لا يملكون منه خطابا) ومعناه لا يملكون أن يسألوا إلا فيما أذن لهم فيه، كما قال (لا يشفعون إلا لمن ارتضى) (2) وفي ذلك أتم التحذير من الاتكال. والخطاب توجيه الكلام إلى مدرك بصيغة مبينة كاشفة عن المراد بخلاف صيغة الغائب عن الادراك * (الهامش) * (1) مر في 8 / 390 و 9 / 425 (2) سورة 21 الانبياء آية 28 (*)
[ 249 ]
على طريقة أنت وبك. والاضمار على ثلاثة أضرب: إضمار المتكلم، وإضمار المخاطب وإضمار الغائب. وقوله (يوم يقوم الروح والملائكة) معناه إذكر يوم يقوم الروح، قال الضحاك والشعبي: الروح هو جبرائيل عليه السلام وقال ابن مسعود وابن عباس: هو ملك من أعظم الملائكة خلقا، وهو المروي في أخبارنا. وقال الحسن وقتادة: الروح بنو آدم وقال ابن عباس: أرواح بني آدم مع الملائكة فيما بين النفختين قبل رد الارواح إلى الاجساد. وقوله (والملائكة صفا لا يتكلمون) أي مصطفين لا يتكلم احد بشئ (إلا من أذن له الرحمن) أي أذن الله له في الكلام (وقال صوابا) والصواب موافقة الغرض الحكمي كأنه إصابة ذلك الغرض الذي تدعو إليه الحكمة. ونقيضه الخطأ، وهو مخالفة الغرض الحكمي ولما كانت الحكمة قد تدعو إلى أمر بأوكد مما تدعو إلى أمر، كدعائها إلى الفعل الاصلح، والفعل الادون، صح ان صوابا أصوب من صواب. ثم قال (ذلك اليوم) يعني اليوم الذي وصفه وأخبر عنه هو (الحق) الذى لا شك في كونه وحصوله. وقوله (فمن شاء اتخذ إلى ربه مآبا) فيه دلالة على أن العباد قادرون على اتخاذ المآب وتركه. وإنما قال (فمن شاء اتخذ) لانه قادر عليه ومزاح العلة فيه.
والمآب المرجع، وهو (مفعل) من آب يؤب أوبا. وقال سفيان: معناه مرجعا. قال عبيد: وكل ذى غيبة يؤوب * وغائب الموت لا يؤوب (1) * (الهامش) * (1) مر في 6 / 468 (ج 10 م 32 من التبيان) (*)
[ 250 ]
وقوله (إنا انذرناكم عذابا قريبا) معناه الاخبار من الله تعالى أنه خوف عباده وأعلمهم المواضع التي ينبغي أن يحذروها. ثم بين ما يكون بعد ذلك فقال (يوم ينظر المرؤ ما قدمت يداه) ومعناه ينتظر جزاء ما قدمه، فان قدم طاعة انتظر الثواب، وإن قدم معصية انتظر العقاب (ويقول الكافر) في ذلك اليوم (ياليتني كنت ترابا) أي يتمنى أن لو كان ترابا لا يعاد ولا يحاسب ليتخلص من عقاب ذلك اليوم، لانه ليس معه شئ يرجوه من الثواب. وقيل: ان الله يحشر البهائم وينتصف للجماء من القرناء فإذا انصف بينها جعلها ترابا فيتمنى الكافر عند ذلك لو كان مثل أولئك ترابا. وقيل: هو مثل قوله (ياليتني لم أوت كتابيه) (1) 79 - سورة النازعات مكية في قول ابن عباس والضحاك وهي ست وأربعون آية في الكوفي وخمس وأربعون في البصري والمدنيين. بسم الله الرحمن الرحيم (والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا (3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) يوم ترجف * (الهامش) * (1) سورة 69 الحاقة آية 25 (*)
[ 251 ]
الراجفة (6) تتبعها الرادفة (7) قلوب يومئذ واجفة (8) أبصارها خاشعة (9) يقولون ءإنا لمردودون في الحافرة (10) ءإذا كنا عظاما نخرة (11) قالوا تلك إذا كرة خاسرة (12) فانما هي زجرة واحدة (13) فاذاهم بالساهرة) (14) أربع عشرة آية. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (عظاما ناخرة) بألف، الباقون (نخرة) بلا ألف من قرأ (ناخرة) اتبع رؤس الاي نحو (الساهرة، والحافرة) ومن قرأ نخرة - بلا ألف - قال لانه الاكثر في كلام العرب، ولما روي عن علي عليه السلام انه قرأ (نخرة) وقال النحويون: هما لغتان مثل ياخل وبخل، وطامع وطمع وقال الفراء النخرة البالية والناخرة المجوفة. وقوله (والنازعات) قسم من الله تعالى بهذه الاشياء التي عددها. وقال قوم: تقديره ورب النازعات وما ذكر بعدها، لانه لا يجوز اليمين إلا بالله تعالى. وهو ترك الظاهر. وقد روينا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام أن لله تعالى أن يقسم بما يشاء من خلقه، وليس لخلقه أن يقسموا إلا به. وإنما كان كذلك، لانه من باب المصالح التي يجوز أن تختلف به العبادات، وإنما جاز أن يقسم هو تعالى بما شاء من خلقه، للتنبيه على موضع العبرة فيه إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به. ومعنى (النازعات) الملائكة تنزع الارواح من الابدان، فالنازعات الجاذبات الشئ من أعماق ما هو فيه. وقال الحسن وقتادة: هي النجوم أي تنزع من أفق السماء إلى أفق آخر. وقال عطاء: هي القسى تنزع بالسهم. وقال السدي: هي النفوس تنزع بالخروج من البدن.
[ 252 ]
وقوله (غرقا) معناه إغراقا أي ابعادا في النزع. وقوله (والناشطات نشطا) قيل: هي الخارجات من بلد إلى بلد بعيد
الاقطار ينشط كما ينشط الوحش بالخروج من بلد إلى بلد. والهموم تنشط بصاحبها أي تخرج به من حال إلى حال، قال هيبان بن قحافة: أمست همومي تنشط المناشطا * الشام طورا ثم طورا واسطا (1) وقال ابن عباس: هي الملائكة أي تنشط بأمر الله إلى حيث كان. وقال قوم: هو ملك الموت ينشط روحه من خلقه، وقال قوم: هي النجوم تنشط من المشرق إلى المغرب. وقال عطاء: هي الوحش تنشط من بلد إلى بلد قال رؤية: تنشط منها كل معلاه الوهق. يعني بقر الوحش. قال الفراء: تنشط نفس المؤمن كما ينشط العقال من يد البعير. قال ابن خالويه، واكثر ما سمعته أنشطته بالالف، قالوا: كأنه انشط من عقال. فإذا شددت الحبل في يد البعير قلت: نشطته وإذا حللته قلت أنشطته. وقوله (والسابحات سبحا) معناه المارات بغوص معظمها في المائع وقد يكون ذلك في الماء وقد يكون فيما جرى مجراه، وذلك كسبح دود الخل، وقد يكون السبح في الهواء تشبيها بالماء. وقال مجاهد: السابحات الملائكة، لانها تسبح في نزولها بأمر الله كما يقال: الفرس يسبح في جريه إذا أسرع. وقال قتادة: هي النجوم أي تسبح في فلكها. وقال عطاء: هي السفن. وقال قوم: هو ملك الموت يقبض روح المؤمن وحده سهلا سرحا كالسابح في الماء. وقوله (فالسابقات سبقا) يعني الكائنات قبل غيرها على معنى صفة من الصفات. وقال مجاهد: هي الملائكة، لانها سبقت إلى طاعة الله. وقال قوم: لانها * (الهامش) * (1) القرطبي 19 / 190 ومجاز القرآن 2 / 284 (*)
[ 253 ]
تسبق الشياطين إلى الوحي. وقال عطاء: هي الخيل السابقة. وقيل: هي النجوم - ذكره قتادة - أي يسبق بعضها بعضا في السير.
وقوله (فالمدبرات أمرا) قال ابن عباس وقتادة وعطاء بن السائب: هي الملائكة تدبر الاشياء. وقيل: تدبير الملائكة في ما وكلت به من الرياح والامطار ونحو ذلك من الامور. وجواب القسم محذوف، كأنه قال: ليبعثن للجزاء والحساب ثم بين أي وقت يكون الجزاء والثواب والعقاب، فقال (يوم ترجف الراجفة) فالرجف حركة الشئ من تحت غيره بترديد واضطراب، وهي الزلزلة العظيمة رجف يرجف رجفا ورجفا ورجوفا، وأرجفوا إذا أزعجوا الناس باضطراب الامور، كما ينزعج الذي يرجف ما تحته، ومنه الرجفة وهي الزعزعة الشديدة من تحت ما كان من الحيوان. وقيل: ان الارض مع الجبال تتزعزع. وقوله (تتبعها الرادفة) ومعناه تتبع الراجفة الرادفة أي تجئ بعدها، وهي الكائنة بعد الاول في موضع الردف من الراكب، ردفهم الامر ردفا فهو رادف، وارتدف الراكب إذا اتخذ رديفا، وقال الحسن وقتادة: هما النفختان: أما الاولى فتميت الاحياء، وأما الثانية فتحي الموتى باذن الله. وقوله (قلوب يومئذ واجفة) أي كائنة على الانزعاج والاضطراب، وجفت تجف وجفا ووجيفا وأوجف في السير إذا أزعج الركاب فيه. وقال ابن عباس: معنى (واجفة) أي خائفة. وقوله (أبصارها خاشعة) أي خاضعة ذليلة من هول ذلك اليوم قال الشاعر: لما اتى خبر الزبير تهدمت * سور المدينة والجبال الخشع (1) وقوله (يقولون أإنا لمرددون في الحافرة) حكاية عما قاله الكافرون * (الهامش) * (1) مر في 1 / 312، 204 و 7 / 152، 209 و 8 / 369 (*)
[ 254 ]
المنكرون للبعث والنشور، فانهم ينكرون النشر ويتعجبون من ذلك، ويقولون على وجه الانكار أئنا لمردودون في الحافرة. وقيل: حافرة، بمعنى محفورة، مثل (ماه
دافق) (1) بمعنى مدفوق. وقال ابن عباس والسدي: الحافرة الحياة الثانية. وقيل: الحافرة الارض المحفورة. أي نرد في قبور نابعد موتنا احياء ؟ ! قال الشاعر: احافرة على صلع وشيب * معاذ الله من جهل وعار (2) فالحافرة الكائنة على حفر أول الكرة يقال: رجع في حافرته إذا رجع من حيث جاء، وذلك كرجوع القهقرى، فردوا في الحافرة أي ردوا كما كانوا أول مرة، ويقال: رجع فلان على حافرته أي من حين جاء. وقولهم: النقد عند الحافرة معناه إذا قال بعتك رجعت عليه بالثمن. وقال قوم: معناه النقد عند حافر الدابة. وقوله (فانما هي زجرة واحدة) أي النفخة الثانية (فاذاهم بالساهرة) أي على وجه الارض، فالعرب تسمي وجه الارض من الفلاة ساهرة أي ذات سهر لانه يسهر فيها خوفا قال أمية بن أبي الصلت: وفيها لحم ساهرة وبحر * وما فاهوا به لهم مقيم (3) وقال آخر: فانما قصرك ترب الساهره * ثم تعود بعدها في الحافره من بعد ما كانت عظاما ناخره (4) وقال الحسن وقتادة ومجاهد والضحاك: الساهرة وجه الارض. وقال قوم * (الهامش) * (1) سورة 86 الطارق آية 8 (2) تفسير القرطبي 19 / 195 والطبري 30 / 19 (3) القرطبي 19 / 197 (4) اللسان (نخر) (*)