الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التبيان - الشيخ الطوسي ج 8

التبيان

الشيخ الطوسي ج 8


[ 1 ]

التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍ تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الثامن

[ 3 ]

سورة الشعراء قال قتادة هي مكية. وقيل أربع آيات منها مدنية من قوله " والشعراء إلى آخرها " وهي مئتان وسبع وعشرون آية في الكوفي والمدني الاول وست في البصري والمدني الاخر بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (3). ثلاث آيات في الكوفى خاصة. واثنتان في الباقي. ولم يعد " طسم " آية إلا أهل الكوفة. قرأ حمزة والكسائي وخلف ويحيى والعليمي " طسم، وطس " بامالة الطاء فيهما. الباقون بالتفخيم، وأظهر - النون من هجاء سين عند الميم - حمزة وأبو جعفر إلا أن أبا جعفر يقطع الحروف. الباقون يخفونها قال ابوا علي الفارسي: تبيين النون من (طسم) على قراءة حمزة هو الوجه، لان حروف الهجاء في تقدير الانفصال والانقطاع مما بعدها، وإذا ثبت ذلك وجب أن تبين النون

[ 4 ]

لانها تخفى إذا اتصلت بحرف من حروف الفم، فإذا لم يتصل بها، لم يكن هناك ما يوجب إخفاؤها. ووجه إخفائها مع هذه الحروف أن همزة الوصل قد وصلت ولم تقطع، وهمزة الوصل إنما تذهب في الدرج فكما سقطت همزة الوصل، وهي لا تسقط إلا في الدرج مع هذه الحروف في (الف لام ميم) الله، كذلك لا تبين النون، ويقدر فيها الاتصال بما قبلها، ولا يقدر الانفصال. قيل إنما عد (طسم) آية، ولم يعد (طس) لان (طس) تشبه الاسم المنفرد، نحو (قابيل، وهابيل) وليس كذلك (طسم). ووجه الشبه بالزنة أن أوله لا يشبه حروف الزيادة التي هي حروف المد واللين، نحو (يس) وليس شئ على وزن المفرد يعد إلا (ياسين) لان الياء تشبه حروف الزيادة فقد رجع إلى انه ليس على زنة المفرد. وقد بينا فيما مضى معاني هذه الحروف المقطعة في أول سورة البقرة، فلا نطول باعادته. وقد بينا قول من قال. إنها اسماء السور. وقال قتادة والضحاك: ان (طسم، وطس) اسم من اسماء القرآن. وقوله " تلك آيات الكتاب المبين " انما أشار ب‍ (تلك) إلى ما ليس بحاضر لانه متوقع، فهو كالحاضر بحضور المعنى للنفس، وتقديره: تلك الآيات آيات الكتاب. وقيل: تلك الآيات التي وعدتم بها هي القرآن. وقيل: ان " تلك " بمعنى (هذا) ومعنى (الكتاب) القرآن، ووصفه بأنه (المبين) لان به تتبين الاحكام، لان البيان اظهار المعنى للنفس بما يتميز به عن غيره، وهو مأخوذ من البينونة، وهي التفرقة بين الشئ وغيره. فالمبين الذي يبين الحق من الباطل. وسمي أيضا فرقانا، لانه يفرق بين الحق والباطل. وقوله " لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين " قيل فيه قولا: الاول - قال ابن عباس وقتادة: معناه لعلك قاتل نفسك. والثاني قال ابن زيد: مخرج

[ 5 ]

نفسك من جسدك. والبخع القتل، قال ذو الرمة: الا أيهذا الباخع الوجد نفسه * لشئ نحته عن يديه المقادر (1) وقال ابن عباس معنى " أن لا يكونو مؤمنين " فيه أي في القرآن وقال الفراء موضع (أن) نصب ب‍ (باخع)، لان (أن) جزاء، كانه قال: ان لم يكونوا مؤمنين فانت قاتل نفسك، فلما كان ماضيا نصب (ان) كما تقول: اتيك (أن) تأتيني، ولو لم يكن ماضيا لقلت: آتيك ان تأتني، ولو كانت مجزومة مع كسر (ان) كان جائزا، ومثله (لا يجز منكم شنآن قوم أن) (2) بالفتح والكسر. قوله تعالى: * (إن نشا ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين (4) وما ياتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين) * (5) آيتان بلا خلاف. لما بين الله تعالى حرص النبي صلى الله عليه وآله على إيمان قومه، واجتهاده بهم حتى كاد أن يقتل نفسه تأسفا على تركهم الايمان، أخبره بأنه قادر على أن ينزل عليهم آية ودلالة من السماء تظل اعناقهم لها خاضعة بأن تلجئهم إلى الايمان، لكن ذلك نقيض الغرض بالتكليف، لانه تعالى لو فعل ذلك، لما استحقوا ثوابا ولا مدحا، لان الملجأ لا يستحق الثواب والمدح على فعله، لانه بحكم المفعول فيه. وقيل: المراد بالاعناق الرؤساء. وقال قتادة: المعنى لا يلوي أحد منهم


(1) شرح ألفية بن مالك (المنادى) 224 (2) سورة 5 المائد آية 3 (*)

[ 6 ]

عنقه إلى معصية. وقيل في وجه جمع " خاضعين " بالياء والنون وهو صفة (الاعناق) والاعناق لا تعقل، وهذا الجمع يختص بمن يعقل قيل فيه أربعة اقوال: احدهما - فظل اصحاب الاعناق لها خاضعين، وحذف المضاف، واقام المضاف إليه مقامه لدلالة الكلام عليه. الثاني - انه أراد بالاعناق الرؤساء والجماعات، كما يقال جاءه عنق من الناس أي جماعة. الثالث - ان يكون على الاقحام. قال أبو عبيدة، والمبرد " خاضعين " من صفة الهاء والميم، في قوله " اعناقهم " كما قال جرير: أرى مر السنين أخذن مني * كما أخذ السرار من الهلال (1) فعلى هذا يكون ترك الاعناق وأخبر عن الهاء والميم، وتقديره فظلوا خاضعين لها والاعناق مقحمة. الرابع - أنها ذكرت بصفة من يعقل لما نسب إليها ما يكون من العقلاء كما قال الشاعر: تمززتها والديك يدعو صياحه * إذا ما بنوا نعش دنوا فتصوبوا (2) ويروي نادى صباحه. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار الذين تأسف النبي صلى الله عليه وآله على عدولهم عن ايمانهم انه ليس يأتيهم ذكر من الرحمن يعني القرآن. كما قال تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " (3) وقال " إن


(1) ديوانه " دار بيروت " 341 (2) قائله النابغة الجعدي. اللسان (نعش) (3) سورة 15 الحجر آية 9 (*)

[ 7 ]

هو إلا ذكر وقرآن مبين " (1) ووصفه بأنه محدث، ولذلك جره، لانه صفة ل‍ (ذكر). وقوله " إلا كانوا عنه معرضين " أي يتولون عنه ولا ينظرون فيه. قال الفراء: انما قال " فظلت " ولم يقل " فتظل " لانه يجوز أن يعطف على مجزوم الجزاء ب‍ (فعل) لان الجزاء يصلح في موضع (فعل، يفعل) وفي موضع (يفعل، فعل) لانك تقول: إن زرتني زرتك وإن تزرني أزرك، والمعنى واحد قوله تعالى: * (فقد كذبوا فسيأتيهم أنبؤ ما كانوا به يستهزؤن (6) أو لم يروا إلى الارض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) أربع آيات بلا خلاف. اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأنهم كذبوا بايات الله وجحدوا رسوله وأنه سيأتيهم فيما بعد، يعني يوم القيامة " اخبار ما كانوا به يستهزون " وإنما خص المكذب باتيان الانباء، مع أنها تأتي المصدق والمكذب، من حيث أن المكذب يعلم بها بعد أن كان جاهلا. والمصدق كان عالما بها، فلذلك حسن وعيد المكذب بها، لان حاله يتغير إلى الحسرة والندم. والاستهزاء السخرية، وهو طلب اللهو بما عند الطالب صغير القدر. ثم قال " أو لم يروا " هؤلاء الكفار " إلى الارض كم انبتنا فيها من كل زوج كريم " من أنواع النبات، فيستدلوا على توحيده، بأن يعلموا أن ذلك


(1) سورة 36 يس آية 69 (*)

[ 8 ]

لا يقدر عليه غيره. ولا يتأتى من سواه، ممن هو قادر بقدرة، لانه لو تأتى من غيره لتأتى منا لانا قادرون أيضا بقدرة، فلما استحال منا علمنا استحالة ذلك ممن يجري مجرانا، فإذا الفاعل لذلك مخالف لنا، وانه قادر لنفسه. ثم اخبر تعالى ان فيما ذكره من انبات النبات من كل زوج كريم، لدلالة لمن يستدل بها، ومن يتمكن من ذلك، وإن اكثر الكفار لا يصدقون بذلك، ولا يعترفون به عنادا وتقليدا لاسلافهم، وحبا للراحة، وهربا من مشقة التكليف ومعنى " كل زوج كريم " يعني مما يأكل الناس والانعام، في قول مجاهد. وقيل: من الشئ ومشاكله في الانتفاع به. وقيل: من كل زوج كريم من انواع تكرم عند أهلها. وقيل: من كل نوع معه قرينه من أبيض وأحمر وأصفر. وحلو وحامض، وروائح وغير ذلك مختلفة. ثم قال " وإن ربك " يا محمد " لهو العزيز " الغني القادر الذى لا يعجز ولا بغلب " الرحيم " أي المنعم على عباده بأنواع النعم التي ذكرها. قوله تعالى: * (وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (10) قوم فرعون ألا يتقون (11) قال رب إني أخاف أن يكذبون (12) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هرون (13) ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون) * (14) خمس آيات بلا خلاف. قرأ " ويضيق صدري، ولا ينطلق لساني " بالنصب يعقوب، عطفا على " ان يكذبون " الباقون - بالرفع - عطفا على * (أخاف) * ويجوز أن يكون على

[ 9 ]

الاستئناف. والمعنى: واني يضيق صدري. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله واذكر يا محمد الوقت الذي نادى فيه ربك - الذي خلقك - موسى، ومعناه قال له: يا موسى، بأن ائت القوم الذين ظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي. ثم بين: من القوم الموصوفون بهذه الصفة ؟ بان قال * (قوم فرعون) * وهو عطف بيان * (ألا يتقون) * وإنما قال بالياء، لانه على الحكاية. وتقديره: فقل لهم: ألا تتقون، ومثله * (قل للذين كفروا سيغلبون) * (5) بالياء والتاء. ولو قرى بالتاء كان جائزا، والتقوى مجانبة القبائح بفعل المحاسن: اتقى الله يتقيه اتقاء أي اتقى عقابه بطاعته بدلا عن معصيته، واصله صرف الامر بحاجز بين الصارف وبينه. ثم حكى ما قال موسى وجوابه، فانه قال يا * (رب اني أخاف أن يكذبون) * ولا يقبلون مني. والخوف انزعاج النفس بتوقع الضرر، ونقيضه الامن وهو سكون النفس إلى خلوص النفع، ونظير الخوف الفزع والذعر والجزع. والتكذيب تصيير المخبر كاذبا باضافة الكذب إليه، كذبه تكذيبا وأكذبه إكذابا والكذب نقيض الصدق، والكذب كله قبيح، والتكذيب على وجهين: فتكذيب الصادق قبيح، وتكذيب الكاذب حسن. وقوله " ويضيق صدري ولا ينطلق لساني " حكاية أيضا عما قال موسى. وضيق الصدر غم يمنع من سلوك المعاني في النفس، لانه يمنع منه كما يمنع ضيق الطريق من السلوك فيه. وقوله " ولا ينطلق لساني " أي لا ينبعث بالكلام.


(1) سورة 3 آل عمران آية 12 (*)

[ 10 ]

وقد يتعذر ذلك لآفة في اللسان، وقد يتعذر لضيق الصدر، وغروب المعاني التي تطلب الكلام. وقوله " فارسل إلى هارون " يعني لمعاونتي، كما يقال: إذا نزلت بنا نازلة أرسلنا اليك أي لتعيننا. وقيل: انما طلب المعاونة حرصا على القيام بالطاعة. " ولا ينطلق لساني " للعقدة التي كانت فيه. قال الجبائي: لم يسأل موسى ذلك إلا بعد أن أذن الله تعالى له في ذلك، لان الانبياء لا يسألون الله إلا ما يؤذن لهم في مسألته. وقوله " ولهم علي ذنب " يعني قتل القبطي الذي قتله موسى حين استصرخ به واحد من أصحابه من بني اسرائيل - ذكره مجاهد وقتادة - وقوله " فأخاف أن يقتلون " بدل ذلك المقتول. قوله تعالى: * (قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (15) فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (16) أن أرسل معنا بني إسرائيل (17) قال ألم نربك فينا وليدا ولبثت فينا من عمرك سنين (18) وفعلت فعلتك التي فعلت وأنت من الكافرين (19) قال فعلتها إذا وأنا من الضالين) * (20) ست آيات. هذا خطاب من الله تعالى جوابا لموسى عماه حكاه ؟ ؟ * (قال كلا) * لا يقتلونك * (فاذهبا) * ومعنى (كلا) زجر أي لا يكون ذلك، ولا يقتلونك * (فاذهبا) * أمر لموسى وهارون على ما اقترحه موسى فاجيب إليه * (فاذهبا بآياتنا) * أي

[ 11 ]

بأدلتنا ومعجزاتنا التي خصكما الله بها، و * (انا معكم مستمعون) * أي نحن نحفظكم ونحن سامعون ما يجري بينكم، فهو (مستمع) في موضع (سامع) لان الاستماع طلب السمع بالاصغاء إليه، وذلك لا يجوز عليه تعالى، وانما قال بهذا اللفظ، لانه أبلغ في الصفة، وأشد في التعظيم - والله تعالى سامع بما يغني عن مذكر مستمع - لينبئ عن هذا المعنى، ووصفه بسامع يغني عن سماع الجماعة التي يقع سماعهم معاونة وإنما قال (مستمعون) بلفظ الجمع بناء على قوله * (إنا) * وأمرهما بأن يأتيا فرعون وأن يقولا له * (إنا رسول رب العالمين) * أرسلنا الله اليك لندعوك إلى عبادته، وترك الاشراك به، وانما قال * (رسول) * على التوحيد، وهو للاثنين، لان المعنى ان كل واحد منا رسول رب العالمين، وقد يكون الرسول في معنى الجمع قال الهذلي: الكني إليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر (1) أي وخير الرسل: وقيل: إنه في موضع رسالة، فكما يقع المصدر موقع الصفة كذلك تقع الصفة موقع المصدر. والارسال جعل الشئ ماضيا في الامر، ومثله الاطلاق والبعث، وانشد في ذلك: لقد كذب الواشون ما بحت عندهم * بسر ولا أرسلتهم برسول (2) أي برسالة، وقال الآخر: ألا من مبلغ عني خفافا * رسولا بيت أهلك منتهاها (3) فانثه تأنيث الرسالة. وقوله " أن ارسل معنا بني اسرائيل " أي أمرك الله بأن تطلق صراح بني إسرائيل ليجيئوا معنا، وفي الكلام حذف وتقديره: إنهما مضيا إلى فرعون، وقالا له ما أمرهم الله به


(1) تفسير القرطبي 13 / 93 (2) مر هذا البيت في 1 / 368 (3) قائله عباس بن مرداس تفسير الطبري 19 / 38 والقرطبي 13 / 94 (*)

[ 12 ]

فقال فرعون لموسى " ألم نربك فينا وليدا " فالتربية تنشئة الشئ حالا بعد حال: رباه يربيه، ومثله نماه ينميه نماء. وقوله " وليدا " أي حين كنت طفلا صغيرا " ولبثت فينا من عمرك سنين " أي اقمت سنين كثيرة عندنا، ومكثت. وفى (عمر) ثلاث لغات - ضم الميم وإسكانها مع ضم العين، وفتح العين وسكون الميم. ومنه قوله " لعمرك " (1)، وعمر الانسان بالفتح لا غير، وفى القسم ايضا بالفتح لا غير. وقوله " وفعلت فعلتك التي فعلت " يعني قتلك القبطي. وقرأ الشعبي " فعلتك " بكسر الفاء مثل الجلسة والركبة، وهو شاذ لا يقرأ به. وقوله " وانت من الكافرين " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن زيد أنت من الجاحدين لنعمتنا. الثاني - قال السدي أراد كنت على ديننا هذا الذي تعيبه كافرا بالله. وقال الحسن: وأنت من الكافرين أي في أني إلهك. وقيل: من الكافرين لحق تربيتي، فقال له موسى (ع) في الجواب عن ذلك " فعلتها " يعني قتل القبطي " وأنا من الضالين " قال قوم: يعني من الضالين أي من الجاهلين بأنها تبلغ القتل. وقال الجبائي " وأنا من الضالين " عن العلم بان ذلك يؤدي إلى قتله. وقال قوم: معناه " وأنا من الضالين " عن طريق الصواب، لاني ما تعمدته. وانما وقع مني خطأ، كما يرمي انسان طائرا فيصيب انسانا. قوله تعالى: * (ففررت منكم لما خفتكم فوهب لي ربي حكما وجعلني


(1) سورة 15 الحجر آية 72 (*)

[ 13 ]

من المرسلين (21) وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل (22) قال فرعون وما رب العالمين (23) قال رب السموات والارض وما بينهما إن كنتم موقنين (24) قال لمن حوله ألا تستمعون) * (25) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى حاكيا عن موسى أنه قال لفرعون: إني فررت منكم لما خفتكم، فالفرار الذهاب على وجه التحرز من الادراك، ومثله الهرب: فر يفر فرارا، ومنه يفتر أي يضحك، لانه يباعد بين شفتيه مباعدة الفرار. وقوله " فوهب لي ربي حكما " فالهبة الصلة بالنائل. وهب له يهب هبة فهو واهب، واستوهبه كذا إذا سأله هبته، وتواهبوا ما بينهم إذا اسقطوها عنهم على جهة الهبة. والحكم العلم بما تدعو إليه الحكمة، وهو الذي وهبه الله تعالى لموسى من التوراة. والعلم بالحلال والحرام وسائر الاحكام. والخبر عما يدعو إليه الحكم ايضا يسمى حكما. والحكم - ههنا - أراد به النبوة - في قول جماعة من المفسرين - وقوله " وجعلني من المرسلين " أي جعلني الله نبيا من جملة الانبياء. وقوله " وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني اسرائيل " قيل في معناه قولان: احدهما - ان اتخاذاك بني اسرائيل عبيدا قد أحبط ذلك، وإن كانت نعمة علي. الثاني - إنك لما ظلمت بني اسرائيل ولم تظلمني عددتها نعمة علي ؟ !

[ 14 ]

وقيل قول ثالث - انه لا يوثق بأنها نعمة منك مع ظلمك بني اسرائيل في تعبيدهم، وفى كل ذلك دلالة وحجة عليه، وتقريع له. ويجوز في * (أن) * النصب بمعنى لتعبيدك بني اسرائيل، والرفع بالرد على النعمة أي على تعبيدك بني اسرائيل. والتعبيد اتخاذ الانسان أو غيره عبدا تقول عبدته وأعبدته بمعنى واحد، قال الشاعر: علام يعبد في قومي وقد كثرت * فيهم أباعر ما شاءوا وعبدان (1) وقال الجبائى بين أنه ليس لفرعون عليه نعمة، لان الذي تولى تربيته أمه وغيرها من بني اسرائيل بأمر فرعون لما استعبدهم. وقال الحسن: أراد أخذت أموال بني اسرائيل، واتخذتهم عبيدا فأنفقت علي من أموالهم. فاراد أن لا يسوغه ما امتن به عليه. وقال قوم: أراد أو تلك نعمة ؟ ! مستفهما واسقط حرف الاستفهام. وقوله تعالى * (قال فرعون وما رب العالمين) * حكاية من الله أن فرعون قال لموسى أي شئ رب العالمين الذي تدعوني إلى عبادته، لان هذا القول من فرعون يدل على ان موسى كان دعاه إلى طاعة الله وعبادته. وقيل: ان فرعون عجب من حوله من جواب موسى، لانه طلب منه أي أجناس الاجسام هو ؟ جهلا منه بما ينبغي أن يسأل عنه، فقال موسى في جوابه " رب السموات والارض وما بينهما " أي رب العالمين هو الذي اخترع السموات والارض وخلقهما، وخلق ما بينهما من الحيوان والجماد والنبات " إن كنتم موقنين " بذلك مصدقين به فقال فرعون - عند ذلك - لمن حوله من أصحابه " ألا تستمعون " أي ألا تصغون إليه، وتفهمون ما يقول معجبا لهم من قوله، حين عجز عن محاورته ومجاوبته.


(1) تفسير القرطبي 13 / 96 والطبري 19 / 43 (*)

[ 15 ]

قوله تعالى: * (قال ربكم ورب آبائكم الاولين (26) قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون (27) قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون (28) قال لئن اتخذت إلها غيري لاجعلنك من المسجونين (29) قال أو لو جئتك بشئ مبين) * (30) خمس آيات بلا خلاف. قال لما قال فرعون لمن حوله " ألا تستمعون " إلى قول موسى فانه يقول ربه رب العالمين الذي خلق السموات والارض وما بينهما ! معجبا لهم من قوله، قال موسى " ربكم " الذي خلقكم ويملك تدبيركم وخلق آباءكم الاولين، وملك تدبيرهم، وتدبير جميع الخلق. والاول الكائن قبل غيره والآخر الكائن بعد غيره، والكائن على صفة أول في كونه على تلك الصفة، نحو الاول في دخول الدار، فقال فرعون - عند ذلك حين لم يجد جوابا لكلام موسى - لقومه " إن رسولكم الذي ارسل اليكم لمجنون " يموه عليهم، اني اسأله عن ماهية رب العالمين فيجيبني عن غير ذلك، كما يفعل المجنون. والجنون داء يعتري النفس يغطي على العقل، وأصله الستر من قولهم: جنه الليل وأجنه إذا ستره بظلمته والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فقال موسى عند ذلك ان الذي ذكرته انه " ربكم ورب آبائكم الاولين "... " هو رب المشرق والمغرب " فالمشرق الموضع الذي تطلع منه الشمس، والمغرب الموضع الذي تغرب فيه الشمس يقال:

[ 16 ]

شرقت الشمس شروقا إذا طلعت، وأشرقت إشراقا إذا أضاءت وصفت. " وما بينهما إن كنتم تعقلون " ذلك وتتدبرونه، فلما طال على فرعون الاحتجاج من موسى تهدده " قال لئن اتخذت الها غيري " يعني معبودا سواي " لاجعلنك " من المسجونين أي محبوسا من جملة المحبسين، فقال له موسى " أولو جئتك بشئ مبين " يعني بمعجزة تدل على صحة ما ادعيته تبينني من غيري والمعنى ان جئتك بشئ يدل على صدقي تحبسني ؟ ! قوله تعالى: * (قال فأت به إن كنت من الصادقين (31) فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين (32) ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (33) قال للملا حوله إن هذا لساحر عليم (34) يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون (35) قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين (36) يأتوك بكل سحار عليم (37) فجمع السحرة لميقات يوم معلوم (38) وقيل للناس هل أنتم مجتمعون (39) لعلنا نتبع السحرة إن كانوا هم الغالبين) * (40) عشر آيات بلا خلاف. لما قال موسى لفرعون " أو لو جئتك بشئ مبين قال " فرعون " فات به إن كنت من الصادقين " أي هات ما أدعيته من المعجزة إن كنت صادقا

[ 17 ]

" فألقى عصاد " حينئذ موسى " فإذا هي ثعبان مبين " وهي الحية العظيمة، ومنه المثعب وهو المجرى الواسع، وانثعب الماء انثعابا إذا جرى باتساع، ومنه الثعبان لانه يجري باتساع لعظمه. وفى قلب العصا حية دلالتان: إحداهما - دلالة على الله تعالى، لانه مما لا يقدر عليه إلا هو، وليس مما يلتبس بايجاب الطبائع، لانه اختراع، للانقلاب في الحال. والثاني - دلالة على النبوة بموافقته الدعوة مع رجوعها إلى حالتها الاولى لما قبض عليها. وقيل: الثعبان الحية الذكر، ووصفه تعالى العصا - ههنا - بأنها صارت مثل الثعبان، لا ينافي قوله " كأنها جان " من وجوه: احدها - انه تعالى لم يقل، فإذا هي جان، كما وصفها بأنها ثعبان، وانما شبهها بالجان، ولا يجوز أن تكون مثله على كل حال. والثاني - انه وصفها بالثعبان في عظمها، وبالجان في سرعة حركتها، فكأنها مع كبرها في صفة الجان لسرعة الحركة، وذلك أبلغ في الاعجاز. وثالثها - انه أراد أنها صارت مثل الجان في أول حالها، ثم تدرجت إلى ان صارت مثل الثعبان، وذلك ايضا أبلغ في باب الاعجاز. ورابعها - ان الحالين مختلفان، لان احداهما كانت حين ألقى موسى فصارت العصا كالثعبان، والحالة الاخرى حين أوحى الله إليه وناداه من الشجرة. ومعنى (مبين) قال ابن عباس: انه ثعبان لا شبهة فيه. وقيل: معناه مبين وجه الحجة به. وروي أنها غرزت ذنبها في الارض ورفعت رأسها نحو الميل إلى السماء، ثم انحطت فجعلت رأس فرعون بين نابيها، وجعلت تقول: مرني بما شئت،

[ 18 ]

فناداه فرعون أسألك بالذي أرسلك لما احذتها، فاخذها، فعادت عصا، كما كانت - ذكره ابن عباس، والمنهال -. وقوله " ونزع يده " أي أخرجها من جيبه أو من كمه على ما روي. ويجوز أن يكون المراد حسر عن ذراعه. والمعنى أنه نزعها عن اللباس التي كان عليها. والنزع إخراج الشئ مما كان متصلا به، وملابسا له. وقوله " فإذا هي بيضاء " يعني بياضا نوريا كالشمس في إشراقها * (للناظرين) * إليها من غير برص، فقال فرعون عند ذلك لاشراف قومه الذين حوله * (إن هذا) * يعنى موسى * (لساحر عليم) * أي عالم بالسحر والحيل * (يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره) * قيل معناه يريد أن يخرج عبيدكم بني اسرائيل قهرا. ويحتمل أن يكون أراد يخرجكم من دياركم ويتغلب عليكم * (فماذا تأمرون) * في تأديبه، وانما شاور قومه في ذلك مع أنه كان يقول لهم: انه إله، لانه يجوز أن يكون ذهب عليه وعلى قومه أن الاله لا يجوز أن يشاور غيره، كما ذهب عليهم أن الاله لا يكون جسما محتاجا، فاعتقدوا إلهيته لما دعاهم إليها مع ظهور حاجته التي لا اشكال فيها، فقال لفرعون اشراف قومه الذين استشارهم " أرجه واخاه " أي أخرهما، فالارجاء التأخير، تقول: ارجأت الامر ارجئه إرجاء، وهم المرجئة، لانهم قالوا بتأخير حكم الفساق في لزوم العقاب. وقيل: انما أشاروا بتأخيره ولم يشيروا بقتله، لانهم رأوا أن الناس يفتتنون به ان قتل، وإن السحرة إذا قاومته زال ذلك الافتتان، وكان له حينئذ عذر في قتله أو حبسه بحسب ما يراه. وقوله * (وابعث في المدائن حاشرين) * أي ارسل حاشرين يحشرون الناس من جميع البلدان. فالحشر السوق من جهات مختلفة إلى مكان واحد،

[ 19 ]

حشره يحشره حشرا، فهو حاشر والشئ محشور، وانحشر الناس إلى مكان إذا اجتمعوا إليه. والسحر لطف الحيلة حتى يتوهم المموه عليه أنه حقيقة. وقوله * (ياتوك) * أي يجيئوك * (بكل سحار) * مبالغة فيمن يعمل بالسحر * (عليم) * أي عالم بالسحر، وفي الكلام حذف، لان تقديره إنه انفذ الحاشرين في المدائن وانهم حشروهم * (فجمع السحرة) * على ما قالوه * (لميقات يوم معلوم) * لوقت يوم بعينه اختاروه وعينوه * (وقيل للناس هل انتم مجتمعون لعلنا نتبع السحرة) * ان غلبوا موسى، فالغلبة الاستعلاء بالقوة: غلبة يغلبه غلبة إذا قهره، وتغلب تغليبا وغالبه مغالبة وتغالبا تغالبا. وقد يوصف المستعلي على غيره بالحجة بأنه غلبه. قوله تعالى: * (فلما جاء السحرة قالوا لفرعون أئن لنا لاجرا إن كنا نحن الغالبين (41) قال نعم وإنكم إذا لمن المقربين (42) قال لهم موسى ألقوا ما أنتم ملقون (43) فألقوا حبالهم وعصيهم وقالوا بعزة فرعون إنا لنحن الغالبون (44) فألقى موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون (45) آيات بلا خلاف. قرأ حفص " تلقف " بتخفيف القاف، الباقون - بتشديدها - إلا أن البزي وإبن فليح وقنبل شددوا التاء. قال أبو علي: من خفف القاف، فهو الوجه، لان من شددها يريد تتلقف، فادغم، وانما أدغم، لانه يلزمه إذا ابتدأ

[ 20 ]

على هذه القراءة أن يجتلب همزة الوصل، وهمزه الوصل لا تدخل على الافعال المضارعة، كما لا تدخل على اسماء الفاعلين. حكى الله تعالى أن السحرة لما حشروهم إلى فرعون وحضروا بين يديه قالوا له " أئن لنا لاجرا ان كنا نحن الغالبين " اي هل لنا أجر جزاء على غلبنا اياه ان غلبناه. ومن قرأ على الخبر " إن لنا " أراد انهم لتيقنهم بالاجر أخبروا بذلك. والاول أقوى لقوله " قال نعم " وذلك جواب الاستفهام. والاجر الجزاء على العمل بالخير. والجزاء على الشر يسمى عقابا، ولذلك إذا دعي لانسان قيل: آجرك الله. والمعنى أئن لنا لاجرا عند الملك ؟ والغالب الذي يعلو على غيره الذي يمنع في نفسه بما يصير إليه في قبضة، فالله غالب كل شئ بمعنى أنه عال عليه لدخوله في مقدوره، لا يمكنه الخروج منه، فقال لهم فرعون في جواب ذلك: " نعم " لكم على ذلك الاجر الجزيل " وانكم " مع ما تعطون من الجزاء " إذا لمن المقربين ". والمقرب المدني من مجلس الكرامة، واختصاصه بها. ثم حكى ما قال موسى للسحرة، فانه قال لهم " ألقوا ما أنتم ملقون " وهذا بصورة الامر والمراد به التحدي، والمعنى اطرحوا ما انتم ملقوه " فالقوا حبالهم وعصيهم " أي طرحت السحرة ما كان معهم من السحر من الحبال والعصي التي سحروها وموهوا بأنها تسعى وتتحرك. وقيل: انهم جعلوا فيها زيبقا، وطرحوها في الشمس، فلما حميت بالشمس تحرك الزيبق، لانه إذا حمي من شأنه أن يصعد فتحركت لذلك الحبال والعصي، فظن الناظرون أنها تتحرك. وقالوا حين طرحوا ما معهم " بعزة فرعون " والعزة القوة التي يمتنع بها من لحاق الضيم بعلو منزلتها، وهذا القول قسم منهم وإن كان غير مبرور " إنا لنحن الغالبون " لموسى فيما أتى به " فالقى " عند ذلك " موسى عصاه فإذا هي تلقف ما يأفكون "

[ 21 ]

أي تناولت العصا ما موهوا به في ادنى مدة من الزمان، والتلقف تناول الشئ بالفم بسرعة، تقول: تلقف تلقفا والتقف التقافا واستلقف استلقافا. ومعنى (ما يأفكون) ما يوهمون الانقلاب زورا وبهتانا. وقيل كان عدد السحرة اثني عشر ألفا وكلهم أقر بالحق عند آية موسى. قوله تعالى: * (فالقي السحرة ساجدين (46) قالوا آمنا برب العالمين (47) رب موسى وهرون (48) قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون (49) لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولاصلبنكم أجمعين (50) قالوا لا ضير إنا إلى ربنا منقلبون) * (51) ست آيات. قرأ أهل الكوفة إلا حفصا وروح " أأمنتم " بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وروى حفص وورش ورويس بهمزة واحدة على الخبر. الباقون بهمزتين الاولى مخففة والثانية ملينة. ولم يفصل أحد بين الهمزتين بألف. وقد بينا نظائره فيما تقدم في الاعراف. حكى الله تعالى أن السحرة لما بهرهم ما أظهره موسى (ع) من قلب العصا حية وتلقفها جميع ما اتعبوا نفوسهم فيه علموا أن ذلك من فعل الله، وأن احدا من البشر لا يقدر عليه فآمنوا عند ذلك، وأذعنوا للحق وخروا ساجدين لله شكرا على ما أنعم به عليهم ووفقهم للايمان، وأنهم قالوا عند ذلك " آمنا " وصدقنا " برب العالمين " الذي خلق الخلق كلهم، الذي هو " رب موسى وهارون " وإنما

[ 22 ]

خص رب موسى وهارون بالذكر دون غيرهما، وان كان رب كل شئ، للبيان عن المعني الذي دعا إلى ربوبيته موسى وهارون، لان الجهال كانوا يعتقدون ربوبية فرعون، فكان إخلاصهم على خلاف ما يقوله الاغبياء، والمعنى الذي ألقاهم ساجدين قيل فيه قولان: احدهما - إن الحق الذي عرفوه القاهم ساجدين. الثاني - انهم ألقوا نفوسهم ساجدين لما عرفوا من صحة الدعاء إلى الدين. فقال عند ذلك فرعون مهددا لهم " أأمنتم له " أي صدقتم له فيما يدعو إليه منكرا عليهم " قبل أن آذن لكم " في تصديقكم. ثم قال " إنه لكبيركم " أي استاذكم وعالمكم " الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون " فيما بعد ما افعله بكم جزاء على تصديقكم إياه، ودخلت اللام في الكلام تأكيدا، ثم فسر ذلك، فقال " لاقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف " يعني قطع اليد من جانب، والرجل من الجانب الاخر كقطع الرجل اليسرى واليد اليمنى " ولاصلبنكم " مع ذلك " أجمعين " على الجذوع، ولا أترك واحدا منكم، لا تتناله عقوبتي، فقالوا له في الجواب عن ذلك " لا ضير " أي لا ضرر علينا بما تفعله يقال: ضره يضره ضرارا، وضاره يضير ضيرا، وضاره يضوره ضورا لغة قليلة. وقوله " انا إلى ربنا منقلبون " أي مصيرنا إلى ثواب الله لا يضرنا ما تفعله بنا. وقال الجبائي: في الآية دلالة على ان للانسان أن يظهر الحق وإن خاف القتل. وقال الحسن: لم يصل فرعون إلى قتل أحد منهم ولا قطعه. وقال قوم: أول من قطع الايدي والارجل فرعون. قوله تعالى: * (إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا أن كنا أول

[ 23 ]

المؤمنين (52) وأوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون (53) فأرسل فرعون في المدائن حاشرين (54) إن هؤلاء لشرذمة قليلون (55) وإنهم لنا لغائظون (56) وإنا لجميع حاذرون (57) فأخرجناهم من جنات وعيون (58) وكنوز ومقام كريم (59) كذلك وأورثناها بني إسرائيل (60) فأتبعوهم مشرقين) * (61) عشر آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة وابن عامر إلا الحلواني " حاذورن " بألف، الباقون بغير ألف. من قرأ بالالف قال: هو مثل شرب، فهو شارب، وحذر فهو حاذر. وقيل: رجل حاذر فيما يستقبل، وليس حاذرا في الوقت، فإذا كان الحذر له لازما قيل رجل حذر مثل سؤل وسائل، وطمع وطامع، وكان يجوز ضم الذال لانهم يقولون: حذر وحذر - بكسر الذال وضمها - مثل يقظ ويقظ وفطن وفطن. وقرأ عبد الله بن السائب " حادرون " بالدال - المهملة - بمعنى نحن أقوياء غلاظ الاجسام، يقولون: رجل حادر أي سمين، وعين حدرة بدرة إذا كانت واسعة عظيمة المقلة، قال امرؤ القيس: وعين لها حدرة بدرة * شقت مآقيهما من أخر (1) وقيل الفرق بين الحاذر والحذر أن الحاذر الفاعل للحذر، أن يناله مكروه والحذر.


(1) ديوانه 99 وتفسير القرطبي 13 / 104 (*)

[ 24 ]

المطبوع على الحذر وقيل: " حاذرون " مؤدون في السلاح أي ذووا أداة من السلاح المستعدون للحروب من عدو، والحذر اجتناب الشئ خوفا منه، حذر حذرا، فهو حاذر وحذره تحذيرا، وتحذر تحذرا وحاذره محاذرة وحذارا. اخبر الله تعالى عن السحرة انهم حين آمنوا وقالوا لفرعون: لا ضرر علينا بما تفعل بنا، لانا منقلبنا إلى الله وثوابه، قالوا " إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا " أي ما فعلنا من السحر وغيره، لانا كنا اول من صدق بموسى وأقر بنبوته، وبما دعا إليه من توحيد الله ونفي التشبيه عنه ممن كان يعمل بالسحر. وقيل: انهم اول من آمن عند تلك الآية. ومن قال: هم اول من آمن من قومه فقد غلط، لان بني اسرائيل كانوا آمنوا به. ولو كسرت الهمزة من (إن) على الشرط كان جائزا. والطمع طلب النفس للخير الذى يقدر فيها انه يكون. ومثله الامل والرجاء والخطايا جمع خطيئة، وهي الزوال عن الاستقامة المؤدية إلى الثواب. ثم حكى تعالى انه أوحى إلى موسى، وامره بأن يسري بعباد الله الذين آمنوا به، ويخرجوا من بلد فرعون، وهم بنوا إسرائيل المقرون بنبوته. يقال سرى وأسرى لغتان، فمن قطع الهمزة قال: هو من اسرى يسري، ومن وصلها فمن سرى يسري. واعلمهم أن فرعون وجنوده يتبعونهم، ويخرجون في طلبهم وتبع واتبع لغتان. ثم حكى ايضا ان فرعون ارسل برسله في المدائن حاشرين يحشرون الناس إليه الذين هم جنوده، وقيل: انه حشر جنده من المدائن التي حوله ليقبضوا على موسى وقومه، لما ساروا بأمر الله (عز وجل) فلما حضروا عنده، قال لهم " إن هؤلاء " يعني أصحاب موسى " لشرذمة قليلون " والشرذمة العصبة

[ 25 ]

الباقية من عصب كثيرة، وشر ذمة كل شئ بقيته القليلة، ومنه قول الراجز: جاء الشتاء وقميصي اخلاق * شراذم يضحك منه التواق (1) وقال عبد الله بن مسعود: الشرذمة الذين قللهم فرعون من بني اسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا، وانما استقلهم، لانه كان على مقدمته سبعة آلاف الف على ما قال بعض المفسرين. ثم قال " وانهم " مع قلتهم " لنا لغائظون " أي يغيظوننا بمخالفتهم إيانا، ويقال: جمع قليل وقليلون، كما يقال حي واحد، وواحدون. ثم اخبر تعالى عن فرعون أنه قال لجنده " انا لجميع حذرون " منهم قد استعددنا لقتالهم. ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم بأن قال " فاخرجناهم " يعني فرعون وقومه " من جنات " وهي البساتين التي تجنها الاشجار " وعيون " جارية فيها " وكنوز " يعني اموال لهم مخبئة بعضها على بعض في مواضع غامضة من الارض ومنه كناز التمر وغيره مما يعبأ بعضه على بعض " ومقام كريم " فالمقام الموضع الذي يقيمون فيه. ويجوز أن يكون مصدرا و " الكريم " هو الحقيق باعطاء الخير الجزيل، لانه اهل للكرم، وهي صفة تعظيم في المدح: كرم كرما واكرمه إكراما، وتكرم تكرما. وقيل: المقام الكريم المنابر. وقيل مجالس الامراء والرؤساء: التي كان يحف بها الاتباع. ثم قال تعالى " كذلك " أي مثل ذلك أي كما وصفنا لك اخبارهم " واورثناها بني اسرائيل " أي نعم آل فرعون بأن اهلكنا آل فرعون وملكنا ديارهم واملاكهم


(1) مر تخريجه في 6 / 328 (*)

[ 26 ]

لنبي اسرائيل. والارث تركة الماضي ممن هلك لمن بقي. وقيل صار ذلك في ايدي بني اسرائيل في ايام داود وغيره. وقال الحسن: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد اهلاك فرعون وقومه. وقوله " فاتبعوهم مشرقين " معناه تبعوا اثرهم وقت اشراق الشمس وظهور ضوئها وصفائه. وقيل معناه مصبحين، ويقال: اتبع فلان فلانا وتبعه إذا اقتفى اثره - لغتان -. قوله تعالى: * (فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون (62) قال كلا إن معي ربي سيهدين (63) فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (64) وأزلفنا ثم الاخرين (65) وأنجينا موسى ومن معه أجمعين (66) ثم أغرقنا الاخرين (67) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (68) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (69) واتل عليهم نبأ إبرهيم (70) إذ قال لابيه وقومه ما تعبدون) * (71) عشر آيات بلا خلاف. قرأ حفص " معي ربي " بفتح الياء، وكذلك في جميع القرآن. الباقون بسكونها، فمن سكن ذهب إلى التخفيف، ومن فتح فعلى أصل الكلمة لان الاسم على حرف واحد، فقراءته - بالفتح - ان كان متصلا بكلمة على حرفين.

[ 27 ]

وكان اصحاب موسى فزعوا من فرعون أن يلحقهم وحذروا موسى، فقالوا " انا لمدركون " فقال لهم موسى (ع) - ثقة بالله - " كلا " ليس كما تقولون " ان معي ربي سيهدين " وقرأ الاعرج " لمدركون " مفتعلون، من الادراك وادغم التاء في الدال. قال الفراء: دركت دراكا وادركت ادراكا بمعنى واحد، مثل حفرت واخفرت، بمعنى واحد. وقرأ حمزة وحده " تراء الجمعان " بالامالة. الباقون بالتفخيم على وزن (تراعى) لانه تفاعل من الرؤية، وهو فعل ماض موحد، وليس مثنى، لانه فعل متقدم على الاسم، ولو كان مثنى لقال تراءا ووقف حمزة " تراى " بكسر الراء ممدود قليلا، لان من شرطه ترك الهمزة في الوقف، فترك الهمزة التى آخر الالف، كأنه يريدها، فلذلك مد قليلا. ووقف الكسائي " ترآى " أي بالامالة على وزن تراعى، وتنادى. الباقون وقفوا بألفين على الاصل. وكذلك جميع ما في القرآن مثل " أنشأناهن انشاء " (1) و * (أنزل من السماء ماء) * (2) كل ذلك يقفون بالمد بألفين. وحمزة يقف على الف واحدة. وإذا كانت الهمزة للتأنيث أسقطت الهمزة في الوقف عند الجميع نحو * (بيضاء) * (3)


(1) سورة 56 الواقعة آية 35 (2) سورة 2 البقرة آية 22 وسورة 13 الرعد آية 19 وسورة 14 ابراهيم آية 32 وسورة 16 النحل آية 65 وسورة 20 طه آية 53 وسورة 22 الحج آية 63 وسورة 35 فاطر آية 27 وسورة 39 الزمر آية 21 (3) سورة 7 الاعراف آية 107 وسورة 20 طه آية 22 وسورة 26 الشعراء آية 33 وسورة 27 النمل آية 12 وسورة 28 القصص آية 32 وسورة 37 الصافات آية 46 (*)

[ 28 ]

و * (انها بقرة صفراء) * (1) و * (الاخلاء) * (2) فيشم الضمة في موضع الرفع ولا يشم الفتحة في موضع النصب. اخبر الله تعالى انه * (لما تراء الجمعان) * جمع فرعون وجمع موسى أي تقابلا بحيث يرى كل واحد منهما صاحبه. ويقال: ترآ نارهما أي تقابلا، وانما جاز تثنية الجمع، لانه يقع عليه صفة التوحيد، فتقول: هذا جمع واحد، ولا يجوز تثنية مسلمين، لانه لا يقع عليه صفة التوحيد، لانه على خلاف صفة التوحيد. * (قال أصحاب موسى انا لمدركون) * أي لملحقون. فالادراك الالحاق، وادركته ببصري إذا رأيته، وادرك قتادة الحسن أي لحقه، وادرك الزرع إذا لحق ببلوغه، وأدرك الغلام إذا بلغ، وادركت القدر إذا نضجت، فقال لهم: موسى " كلا " ليس الامر على ذلك " إن معي ربي " بنصره إياي " سيهدين " أي سيدلني على طريق النجاة من فرعون وقومه كما وعدني، لان الانبياء لا يخبرون بمالا دليل عليه من جهة العقل أو السمع. وقوله " فأوحينا إليه أن اضرب بعصاك البحر " اي امرناه بضرب البحر بعصاه، وقيل: هو بحر قلزم الذي يسلك الناس فيه من اليمن ومكة إلى مصر، وفيه حذف، لان تقديره فضرب البحر " فانفلق " وقيل: انه صار فيه إثنا عشر طريقا لكل سبط طريق " فكان كل فرق كالطود العظيم " فالطود الجبل، قال الاسود بن يعفر النهشلي: حلوا بانقرة يحيس عليهم * ماء الفرات يجئ من اطواد (3)


(1) سورة 2 البقرة آية 69 (2) سورة 43 الزخرف آية 67 (3) تفسير القرطبي 13 / 107 والطبري 19 / 46 واللسان (نقر) وروايته نزلوا بأنقرة يسيل عليهم * ماء الفرات يحئ من اطواد (*)

[ 29 ]

وقوله " وأزلفنا ثم الاخرين " قال ابن عباس وقتادة: معناه قربنا إلى البحر فرعون، ومنه قوله " وأزلفت الجنة للمتقين " (1) أي قربت وادنيت قال العجاج: ناج طواه الاين مما وجفا * طي الليالي زلفا فزلفا سمارة الهلال حتى احقوقفا (2) أي منزله يقرب من منزله، ومنه قيل ليلة المزدلفة. وقال أبو عبيدة: معنى أزلفنا جمعنا، وليلة مزدلفة ليلة جمع، والمعنى قربنا قوم فرعون إلى البحر كما يسرنا لبني اسرائيل سلوك البحر وكان ذلك سبب قربهم منهم حتى اقتحموه وقيل: معناه قربناهم إلى المنية لمجئ وقت هلاكهم قال الشاعر: وكل يوم مضئ أو ليلة سلفت * فيها النفوس إلى الاجال تزدلف (3) وانجينا موسى ومن معه يعني بني إسرائيل أنجيناهم جميعهم من الهلاك والغرق " ثم اغرقنا الباقين " من فرعون وأصحابه. وقال تعالى " إن في ذلك " يعني في فلق البحر فرقا، وانجاء موسى من البحر، وإغراق قوم فرعون، لدلالة واضحة على توحيد الله وصفاته التي لا يشاركه فيها أحد. ثم اخبر تعالى ان " اكثرهم لا يؤمنون " ولا يستدلون به بسوء اختيارهم كما يسبق في علمه. فالاخر - بفتح الخاء - الثاني من اثنين قسيم (احد) كقولك نجا الله أحدهما، وغرق الآخر، والآخر - بكسر الخاء - هو الثاني قسيم الاول كقولك نجا الاول وهلك الآخر. وقيل: معنى " وما كان اكثرهم مؤمنين " ان الناس مع هذا البرهان الظاهر، والسلطان القاهر، بالامر المعجز


(1) سورة 26 الشعراء آية 90 (2) مر تخريجه في 6 / 79 (3) تفسير القرطبي 13 / 107 (*)

[ 30 ]

الذي لا يقدر عليه أحد غير الله، ما آمن اكثرهم، فلا تستنكر أيها المحق استنكار استيحاش من قعودهم عن الحق الذي تأتيهم به، وتدلهم عليه، فقد جروا على عادة اسلافهم، في انكار الحق وقبول الباطل. وقوله " وإن ربك لهو العزيز الرحيم " أي هو القادر الذي لا يمكن معارضته في أمره، وهو مع ذلك رحيم بخلقه. وفى ذلك غاية الحث على طلب الخير من جهة الموصوف بهما. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " واتل " يا محمد على قومك " نبأ ابراهيم " أي خبره، حين " قال لابيه وقومه ما " الذي " تعبدون " من دون الله ؟ ! يعني أي شئ معبودكم على وجه الانكار عليهم، لانهم كانوا يعبدون الاصنام. قوله تعالى: * (قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (72) قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الاقدمون (76) فانهم عدو لي إلا رب العالمين (77) الذي خلقني فهو يهدين (78) والذي هو يطعمني ويسقين (79) وإذا مرضت فهو يشفين) * (80) تسع آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى ما أجاب به قوم ابراهيم حين قال لهم ابراهيم " ما تعبدون " ؟ فانهم " قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين " أي مقيمين مداومين علي عبادتنا (*)

[ 31 ]

يقال: عكف عكوفا، فهو عاكف، واعتكف اعتكافا. قال ابن عباس: معناه فنظل لها مصلين. وقيل: في وجه دخول الشبهة عليهم في عبادة الاصنام أشياء: احدها - انهم اعتقدوا أنها تقربهم إلى الله زلفى كما يتقرب بتقبيل بساط الملك إليه. ومنها - أنهم اتخذوا هياكل النجوم ليحظوا بتوجه العبادة إلى هياكلها، كما يفعل بالهند. ومنها - ارتباط عبادة الله بصورة يرى منها. ومنها - انهم توهموا خاصية في عبادة الصنم يحظى بها، كالخاصية في حجر المغناطيس. والشبهة الكبرى العامة في ذلك تقليد الذين دخلت عليهم الشبهة، ولذلك " قالوا وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " ولم يحتجوا بشئ سوى التقليد، الذي هو قبيح في العقول. والعبادة خضوع بالقلب في أعلى مراتب الخضوع، فلا تستحق إلا بأصول النعم وبما كان في أعلى المراتب من الانسان، فكل من عبد غير الله، فهو جاهل بموجب العبادة، كافر لنعم الله، لان من حقه إخلاص العبادة له. فقال لهم ابراهيم (ع) " هل يسمعونكم " هذه الاصنام التي تعبدونها إذا دعوتموها ! أي هل يسمعون أصواتكم، لان اجسامهم لا تسمع " أو ينفعونكم " بشئ من المنافع " أو يضرون " بشئ من المضار !. وانما قال ذلك، لان من لا يملك النفع والضر، لا تحسن عبادته، لانها ضرب من الشكر، ولا يستحق الشكر إلا بالنعم، فمن لا يصح منه الانعام يقبح شكره، ومن قبح شكره قبحت عبادته. فقالوا عند ذلك " وجدنا آباءنا كذلك يفعلون " أحالوا على مجرد

[ 32 ]

التقليد. فقال لهم ابراهيم منكرا عليهم التقليد " أفرايتم ما كنتم تعبدون " من الاصنام " أنتم " الآن " وآباؤكم الاقدمون " المتقدمون، فالاقدم الموجود قبل غيره، ومثله الاول والاسبق. والقدم وجود الشئ لا إلى أول ثم قال ابراهيم " فانهم " عدو لي يعني الاصنام جمعها جمع العقلاء، لما وصفها بالعداوه التي تكون من العقلاء، لان الاصنام كالعدو في الصورة بعبادتها، ويجوز أن يكون، لانه كان منهم من لا يعبد إلا الله مع عبادة الاصنام فغلب ما يعقل ولذلك استثناه، فقال " إلا رب العالمين " لانه استثناء من جميع المعبودين، وعلى الوجه الاول يكون الاستثناء منقطعا وتكون (إلا) بمعنى لكن ثم وصف رب العالمين فقال: هو " الذي خلقني " واخرجني من العدم إلى الوجود " فهو يهدين " لان هداية الخلق إلى الرشاد أمر يجل، فلا يكون إلا ممن خلق الخلق كأنه قيل من يهديك ؟ ومن يسد خلتك بما يطعمك ويسقيك ؟ ومن إذا مرضت يشفيك ؟ فقال - دالا بالمعلوم على المجهول " الذي خلقني، فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين " بمعنى أنه يزرقني ما يوصلني إلى ما فيه صلاحي " وإذا مرضت فهو يشفين " بان يفعل ما يحفظ بدني ويصح جسمي ويرزقني ما يوصلني إليه. قوله تعالى * (والذي يميتني ثم يحيين (81) والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين (82) رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين (83) واجعل لي لسان صدق في الاخرين (84) واجعلني من ورثة جنة النعيم (85) واغفر لابي إنه كان من الضالين (86) ولا تخزني

[ 33 ]

يوم يبعثون (87) يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89) تسع آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى عن ابراهيم (ع) أنه قال بعد قوله: إن الله الذي يشفيه إذا مرض " والذي يميتني " بعد أن كنت حيا " ثم يحيين " أي يحيني بعد أن اكون ميتا يوم القيامة * (والذي أطمع ان يغفر لي خطيئتي يوم الدين) * أي يوم الجزاء وهذا انقطاع منه (ع) إلى الله دون أن يكون له خطيئة يحتاج ان تغفر له يوم القيامة، لان عندنا أن القبائح كلها لا تقع منهم (ع)، وعند المعتزلة الصغائر التي تقع منهم محبطة، فليس شئ منها بمغفور يحتاج ان يغفر لهم يوم القيامة. وقيل: إن الطمع - ههنا - بمعنى العلم دون الرجاء وكذلك في قوله * (انا نطمع ان يغفر لنا ربنا خطايانا) * (1) كما ان الظن يكون بمعنى العلم. وقيل: ان ذلك خرج مخرج التلطف في الدعاء بذكر ما يتيقن انه كائن كما انه إذا جاء العلم على المظاهرة في الحجاج وذكر بالظن. ثم حكى انه سأل الله تعالى فقال * (رب هب لي حكما) * والحكم بيان الشئ على ما تقتضيه الحكمة، فسأل ذلك ابراهيم، من حيث كان طريقا للعلم بالامور. وقوله * (والحقني بالصالحين) * معناه افعل بي من اللطف ما يؤديني إلى الصلاح. والاجتماع مع النبيين في الثواب. وفى ذلك دلالة على عظم شأن الصلاح وصلاح العبد هو الاستقامة على ما أمر الله به ودعا إليه. وقوله * (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) * اي ثناء حسنا في آخر الامم، فأجاب


(1) سورة 26 الشعراء آية 52 (*)

[ 34 ]

الله تعالى دعاءه، لان اليهود يقرون بنبوته، وكذلك النصارى، واكثر الامم. وقيل: معنى " واجعل لي لسان صدق في الآخرين " أي اجعل من ولدي من يقوم بالحق، ويدعو إلى الله، وهو محمد صلى الله عليه وآله ثم سأله أن يجعله " من ورثة جنة النعيم، بأن يفعل معه من الالطاف ما يختار عنده الطاعات، لان الجنة لا يثاب فيها إلا بالاستحقاق. ثم قال " ولا تخزني يوم يبعثون " أي لا تفضحني بذنب، ولا تعيرني يوم يحشر الخلائق. و (الخزي) الفضيحة والتعيير بالذنب بما يردع النفس، يقال: خزي خزيا. وأخزاه الله إخزاء، وهذا موقف خزي. وهذا الدعاء منه (ع) إنقطاع منه إلى الله تعالى، لانا قد بينا أن القبائح لا تقع من الانبياء على حال. ثم وصف اليوم الذي يبعث فيه الخلائق بأنه " يوم لا ينفع " فيه " مال " فيفادي به الانسان نفسه من العقاب " ولا " ينفع " بنون " ينصرونه " إلا من أتى " أي وإنما ينفع من يأتي " الله بقلب سليم " أي سليم من الفساد والمعاصي، انما خص القلب بالسلامة، لانه إذا سلم القلب سلم سائر الجوارح من الفساد، من حيث أن الفساد بالجارحة لا يكون إلا عن قصد بالقلب الفاسد فان اجتمع مع ذلك جهل، فقد عدم السلامة من جهتين، وقيل: سلامة القلب سلامة الجوارج، لانه يكون خاليا من الاصرار على الذنب. وحكى انه سأل الله تعالى أن يغفر لابيه، وذكر انه من الضالين، قالوا: إنما سأل الله أن يغفر له يوم القيامة بشرط تقتضيه الحكمة. وهو أن يتوب قبل موته، فلما تبين انه عدو لله تبرأ منه، ووصفه بأنه ضال يدل على أنه كافر، كفر جهل لا كفر عناد. وقيل: انه إنما دعا لابيه لموعدة وعده بها، لانه كان يطمعه سرا في الايمان فوعده بالاستغفار، فلما تبين انه كان عن نفاق تبرأ منه. وقال الحسن: عاب الله

[ 35 ]

تعالى من فعل ابراهيم في قوله " إلا قول ابراهيم لابيه لاستغفرن لك " بعد قوله " قد كانت لكم أسوة حسنة في ابراهيم والذين معه " (1). وليس الامر على ما قاله. ونحن نبين الوجه في هذه الآية إذا انتهينا إليها إن شاء الله. وعند اصحابنا ان أباه الذي استغفر له، كان جده لامه، لان آباء النبي صلى الله عليه وآله إلى آدم كلهم مؤمنون موحدون - بأدلة ليس هذا موضع ذكرها، والدلالة عليها. قوله تعالى: * (وأزلفت الجنة للمتقين (90) وبرزت الجحيم للغاوين (91) وقيل لهم أينما كنتم تعبدون (92) من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون (93) فكبكبوا فيها هم والغاون (94) وجنود إبليس أجمعون (95) ست آيات. معنى " وازلفت الجنة للمتقين " قربت لهم ليدخلوها " وبرزت الجحيم للغاوين " أي أظهرت الجحيم للعاملين بالغواية وتركهم الرشاد، يقال: برز يبرز بروزا، وأبرزه إبرازا، وبرزه تبريزا، وبارزه مبارزة، وتبارزا تبارزا. وفى رؤية الانسان آلات العذاب التي أعدت لهم عذاب عظيم، وألم جسيم للقلب فبروز الجحيم للغاوين بهذه الصفة. و (الغاوي) العامل بما يوجب الخيبة من الثواب: غوى الرجل يغوى غيا وغواية، وأغواه غيره إغواء، واستغواه استغواء واصله الخيبة قال الشاعر:


(1) سورة 60 الممتحنة آية 4 (*)

[ 36 ]

فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (1) ثم اخبر أنه يقال لهم، يعني للغاوين على وجه التوبيخ لهم والتقريع " أين ما كنتم تعبدون من دون الله " وإنما وبخوا بلفظ الاستفهام، لانه لا جواب لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، كقولك اينما كنت تعبد من دون الله ؟ ! لا يخلصك من عقابه " هل ينصرونكم " ويدفعون عنكم العقاب في هذا اليوم " أو ينتصرون " لكم إذا عوقبتم !، فمن عبدها، فهو الغاوي في عبادته، لا يملك رفع الضرر عن نفسه، ولا عن عابده مع أنه لا حق به. ثم قال " فكبكبوا فيها " ومعناه كبوا إلا انه ضوعف، كما قال " بريح صرصر " (2) أي صر. وقيل: جمعوا بطرح بعضهم على بعض - عن ابن عباس - وقال مجاهد: هووا " هم والغاون " أي وكب الغاون معهم، وكب معهم " جنود ابليس " أي من اتبعه من ولده، وولد آدم. وقال أبو عبيدة (كبكبوا) معناه طرحوا فيها بعضهم على بعض جماعة جماعة. وقال المبرد: نكسوا فيها من قولهم: كبه الله لوجهه. قوله تعالى: * (قالوا وهم فيها يختصمون (96) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) إذ نسويكم برب العالمين (98) وما أضلنا إلا المجرمون (99) فما لنا من شافعين (100) ولا صديق حميم (101) فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (102) إن في ذلك لآية وما


(1) مر تخريجه في 2 / 312 و 4 / 391 و 5 / 548 و 6 / 366 (2) سورة 69 الحاقة آية 6 (*)

[ 37 ]

كان أكثرهم مؤمنين (103) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (104) تسع آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخبرا عن هؤلاء الكفار أنهم إذا حصلوا في الجحيم " يختصمون " والاختصام منازعة كل واحد منهم صاحبه بما فيه إنكار عليه واغلاظ له: يقال: اختصما في الامر اختصاما. وتخاصما تخاصما، وخاصمه مخاصمة. ويقول بعضهم لبعض " تالله إن كنا لفي ضلال مبين " قال الزجاج: معناه ما كنا الا في ضلال مبين. وقال غيره: اللام لام الابتداء التي تدخل في خبر (ان) و (ان) هذه في الخفيفة من الثقيلة، ويلزمها اللام في خبرها، فرقا بينها، وبين (ان) التي للجحد، وتقديره تالله ان كنا لفي ضلال مبين في الحال التي سويناكم - يخاطبون كل معبود من دون الله - " برب العالمين " الذي خلق الخلق، في توجيه العبادة اليكم. والتسوية اعطاء أحد الشيئين مثل ما يعطى الآخر، ومثله المعادلة والموازنة. والمراد - ههنا - الشركة في العبادة. ثم قال * (وما أضلنا الا المجرمون) * بأن دعونا إلى الضلال فتبعناهم، وقبلنا منهم. ثم يقولون * (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم) * أي لو كان لنا شفيع لسأل في أمرنا أو صديق لدفع عنا، فقد آيس الكفار من شافع، وانما يقولون ذلك إذا رأوا جماعة من فساق أهل الملة يشفع فيهم، ويسقط عنهم العقاب ويخرجون من النار، يتلهفون على مثل ذلك، ويتحسرون عليه. والصديق هو الصاحب الذي يصدق المودة وصدق المودة اخلاصها من شائب الفساد. و (الحميم) القريب الذي يحمى بغضب صاحبه، والحميم هو الحامي، ومنه الحمى. وأحم الله ذلك من لقائه: أي ادناه، بمعنى جعله كالذي بلغ بنصحه إياه، وحم

[ 38 ]

كذا أي قدر. ثم اخبر تعالى أنهم يتمنون فيقولون " فلو أن لنا كرة " أي رجعة إلى دار التكليف " فنكون من المؤمنين " وانما جاز التمني ب‍ (لو)، لانه التقدير، كما أن التمني ب‍ (ليت) مثل ذلك لتقدير المعنى، إلا أن التقدير ب‍ (لو) لموجب غيره والتقدير ب‍ (ليت) للامتناع بالمقدر، وانما جاز جواب التمني، لان المعنى متصور بالتمني غير انه إذا كان بالفاء، فهو نصب، فلذلك نصب (فنكون) لان الفاء إذا صرفت عن العطف أضمر معها (ان) للاشعار بالصرف. ثم قال تعالى " ان في ذلك لآية " أي ان فيما قصصناه، وذكرناه لدلالة لمن نظر فيها واعتبر بها، لكن اكثرهم لا يعتبرون بها، ولا يؤمنون بها، وأخبر " إن ربك " يا محمد " لهو العزيز الرحيم " وإنما جمع بين الصفتين: العزيز والرحيم، ليرغب في طلب ما عند الله أتم الترغيب من حيث هو عظيم الرحمة واسع المقدور، منيع من معاجزة غيره. وقيل في وجه اخبارهم بأنهم يكونون مؤمنين لو ردوا إلى دار التكليف قولان: احدهما - انهم يخبرون عن عزمهم، لان الله تعالى قد أخبر عنهم أنهم " لو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (1) ولا يجوز - ان يكونوا مع رفع التكليف وكمال عقولهم وحصول المعارف الضرورية - ان يكذبوا، لانهم ملجؤن إلى ترك القبيح بأن يخلق الله فيهم العلم الضروري، انهم لو راموا القبيح لمنعوا من ذلك، ولولا ذلك لكانوا مغزين بالقبيح وذلك لا يجوز. والثاني - ان يكون ذلك القول منهم قبل دخولهم النار، وقبل ان يصيروا ملجئين. والاول أقوى.


(1) سورة 6 الانعام آية 28 (*)

[ 39 ]

قوله تعالى: * (كذبت قوم نوح المرسلين (105) إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون (106) إني لكم رسول أمين (107) فاتقوا الله وأطيعون (108) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (109) فاتقوا الله وأطيعون) * (110) ست آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخبرا عن قوم نوح أنهم كذبوا الذين أرسلهم الله بالنبوة. وانما كذبوهم جميعهم، لانهم كذبوا كل من دعا إلى توحيد الله، وخلع عبادة الاصنام ممن مضى من الرسل، وغيرهم ممن يأتي. وقال الحسن: لانهم بتكذيبهم نوحا مكذبون من جاء بعده من المرسلين. ولو لم يكن قبله نبي مرسل. وقال الجبائي: كذبوا من أرسل قبله. وانما قال " كذبت " بالتأنيث، والقوم مذكر لانه بمعنى جماعة قوم نوح. ثم بين انهم انما كذبوه حين " قال لهم اني رسول " من قبل الله تعالى " أمين " على رسالته، والامين الذي يؤدي الامانة وضده الخائن، وقد أدى نوح الامانة في أداء الرسالة، والنصيحة لهم، فلذلك وصفه الله بأنه (أمين). وإنما سماه بأنه (أخوهم) لانه كان منهم في النسب، وذكر ذلك، لانهم به آنس وإلى إجابته أقرب فيما ينبغي أن يكونوا عليه، وهم قد صدفوا عنه " ألا تتقون " الله باجتناب معاصيه منكرا بهذا القول عليهم، وانما جاء الانكار بحرف الاستفهام لانهم لا جواب لهم عن ذلك إلا بما فيه فضيحتهم، لانهم: ان قالوا لا نتقي ما يؤدينا إلى الهلاك هتكوا نفوسهم وخرجوا عن عداد العقلاء. وان قالوا: بل نتقيه

[ 40 ]

لزمهم ترك عبادة الاصنام. ثم قال لهم " فاتقوا الله " واجتنبوا معاصيه وافعلوا طاعاته " واطيعون " فيما أمركم به، وأدعوكم إليه. ثم قال لهم * (وما اسألكم عليه) * على ما أدعوكم إليه. * (من أجر) * فيصرفكم ذلك عن الايمان، لانه ليس أجري، وثوابي * (الا على رب العالمين) * الذي خلق جميع الخلائق، ثم كرر عليهم قوله * (فاتقوا الله واطيعون) * لاختلاف المعنى فيه، لان التقدير، فاتقوا الله واطيعوني لاني رسول أمين، واتقوا الله وأطيعوني لاني لا أسألكم أجرا عليه فتخافون ثلم أموالكم. والطاعة اجابة الداعي بموافقة ارادته مع كون الداعي فوقه، فالرتبة معتبرة. قوله تعالى: * (قالوا أنؤمن لك واتبعك الارذلون (111) قال وما علمي بما كانوا يعملون (112) إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) وما أنا بطارد المؤمنين (114) إن أنا إلا نذير مبين (115) قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين (116) قال رب إن قومي كذبون (117) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (118) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (119) ثم أغرقنا بعد الباقين (120) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (121) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (122) اثنتا عشرة آية بلا خلاف.

[ 41 ]

قرأ يعقوب * (واتباعك) * على الجمع. الباقون * (واتبعك) * على الفعل الماضي قال الزجاج: من قرأ على الجمع فقراءته جيدة، لان الواو (واو) الحال، واكثر ما يدخل على الاسماء. تقول جئتك وأصحابك بنو فلان، وقد يقولون: وصحبك بنو فلان، واكثر ما يستعملونه مع (قد) في الفعل، حكى الله تعالى عن قوم نوح أنهم قالوا لنوح حين دعاهم إلى الله وخوفهم من معصيته: انصدقك فيما تدعونا إليه وقد اتبعك الارذلون ؟ ! يعني السفلة واوضاع الناس. والرذل الوضيع، ونقيض الرذيلة الفضيلة وجمعه الرذائل. وقيل: انهم نسبوهم إلى صناعات دنيئة، كالحياكة والحجامة. وانهم مع ذلك اهل نفاق ورذالة، فأنفوا من اتباعه لما اتبعوه هؤلاء، ولم يجز من نوح أن يقبل قول هؤلاء فيهم، لانهم كفار يعادونهم، فلا تقبل شهادتهم. ويجوز أيضا ان يكونوا لما آمنوا تابوا من قبيح ما عملوا، لان الايمان يجب الخطايا، ويوجب الاقلاع عنها. ولم يجز استصلاح هؤلاء باقصاء من آمن، كما لا يجوز استصلاحهم بفعل الظلم، لان في ذلك اذلالا للمؤمنين، وذلك ظلم لهم، لا يجوز أن يفعل بأهل الايمان، لانه قبيح. ومن قرأ - على الجمع - أراد ان الذين اتبعوك هم الارذلون. ومن قرأ على الفعل أراد: تبعك من هذه صفته. فقال لهم نوح (ع): لم أطردهم " وما علمي بما كانوا يعملون " فيما مضى، لاني ما كلفت ذلك، وانما أمرت بأن ادعوهم إلى الله، وقد اجابوني إليه، وليس حسابهم الا على ربي الذي خلقني وخلقهم لو علمتم ذلك وشعرتموه، وليس أنا بطارد المؤمنين، لاني لست الا نذيرا مخوفا من معصية الله مبين لطاعته،

[ 42 ]

داع إليه. و (الطرد) ابعاد الشئ على وجه التنفير، طرده يطرده، واطرده جعله طريدا، واطرد في الباب استمر في الذهاب كالطريد، وطارده مطاردة وطرادا. فقال له قومه عند ذلك * (لئن لم تنته) * وترجع عما تقوله، وتدعو إليه * (يا نوح لتكونن من المرجومين) * بالحجارة، وقيل: من المرجومين بالشتم، فالرجم الرمي بالحجارة، ولا يقال للرمي بالقوس رجم، ويسمى الشتوم مرجوما لانه يرمى بما يذم به. والانتهاء بلوغ الحد من غير مجاوزة إلى ما وقع عنه النهي. وأصل النهاية بلوغ الحد، والنهي الغدير، لانتهاء الماء إليه. فقال نوح عند ذلك يا رب * (إن قومي كذبون) * وانما قال ذلك مع أن الله تعالى عالم بأنهم كذبوه، لانه كالعلة فيما جاء بعده، فكأنه قال * (افتح بيني وبينهم فتحا) * لانهم كذبوني، إلا انه جاء بصيغة الخبر دون صيغة العلة. وإذا كان على معنى العلة حسن أن يأتي بما يعلمه المتكلم والمخاطب. ومعنى * (افتح بيني وبينهم فتحا) * احكم بيننا بالفعل الذي فيه نجاتنا، وهلاك عدونا وعامل كل واحد منا بما يستحقه، يقال للحاكم: الفتاح، لانه يفتح وجه الامر بالحكم الفصل، ويتقرر به الامر على أداء الحق، فقال الله تعالى له مجيبا لدعائه " فأنجيناه ومن معه " من المؤمنين * (في الفلك) * يعنى السفن، يقال شحنه يشحنه شحنا فهو شاحن إذا ملاه بما يسد خلاءه، وشحن الثغر بالرجال. ومنه الشحنة، قال الشاعر، في الفتح بمعنى احكم: ألا ابلغ بني عصم رسولا * فاني عن فتاحتكم غني (1) والفلك السفن يقع على الواحد والجمع. ثم اخبر تعالى انه لما أنجى نوحا


(1) مر تخريجه في 1 / 315، 345 و 4 / 500 (*)

[ 43 ]

واصحابه اغرق الباقين من الكفار بعد ذلك، واهلكهم. ثم قال تعالى: إن فيما اخبرنا به من قصة نوح وإهلاك قومه لآية واضحة على توحيد الله، وإن كان اكثرهم لا يؤمنون، ولا يعتبرون به. وقيل: إن قوله * (ان في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين) * في عدة مواضع ليس بتكرير وانما هو ذكر آية في قصة نوح، وما كان من شأنه مع قومه بعد ذكر آية فيما كان من قصة ابراهيم وقومه، وذكر قصة موسى وفرعون فيما مضى، فبين أنه إنما ذكر ذلك لما فيه من الآية الباهرة، وكرر * (وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * لان المعنى انه * (العزيز) * في الانتقام من فرعون وقومه * (الرحيم) * في نجاة موسى ومن معه من بني اسرائيل، وذكر - ههنا - * (العزيز) * في إهلاك قوم نوح بالغرق الذي طبق الارض * (الرحيم) * في إنجائه نوحا ومن معه في الفلك. والعزيز القادر الذي تتعذر مما نعته لعظم مقدوراته، فصفة (عزيز) وإن رجعت إلى معنى قادر، فمن هذا الوجه ترجع، ولا يوصف بالعزيز مطلقا الا الله، لانها تفيد معنى قادر، ولا يقدر أحد على ممانعته. والله تعالى قادر أن يمنع كل قادر سواه. ومعنى وصفه بانه عزيز مبالغة من ثلاثة أوجه: احدها - لانه بزنة (فعيل). والثاني - انه لا يوصف به مطلقا سواه. والثالث - لما فيه من التعريف بالالف والام. قوله تعالى: * (كذبت عاد المرسلين (123) إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون (124) إني لكم رسول أمين (125) فاتقوا الله

[ 44 ]

وأطيعون (126) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (127) أتبنون بكل ريع آية تعبثون (128) وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون (129) وإذا بطشتم بطشتم جبارين (130) فاتقوا الله وأطيعون (131)) * تسع آيات بلا خلاف اخبر الله تعالى عن عاد - وقيل: هم قبيلة - انهم كذبوا من أرسلهم الله حين قال لهم أخوهم هود. قال الحسن: كان أخاهم من النسب دون الدين * (ألا تتقون) * الله باجتناب معاصيه إلى قوله * (رب العالمين) * وقد فسرنا نظائره. وقوله " تبنون بكل ريع آية " فالبناء وضع ساف على ساف إلى حيث ينتهي. والريع الارتفاع من الارض، وجمعه آرياع وريعة قال ذو الرمة: طراق الخوافي مشرق فوق ريعة * ندى ليلة في ريشه يترقوق (2) ومنه الريع في الطعام، وهي الزيادة والنماء قال الاعشى: وبهما قفر تجاوزتها * إذا خب في ريعها أألها وفيه لغتان - فتح الراء، وكسرها - بمعنى المكان المرتفع، قال الفراء فيه لغتان * (ريع، وراع) * مثل زير، وزار قال أبو عبيدة هو الطريق بين الجبلين في ارتفاع. وقيل: هو الفج الواسع، وقال قتادة: معناه بكل آية طريق أي علامة " تعبثون " تلعبون، في قول ابن عباس. وقوله " وتتخذون " مصانع لعلكم تخلدون " قال المؤرج: لعلكم تخلدون: كأنكم تخلدون - بلغة قريش - وقال


(1) تفسير القرطبي 13 / 123 والطبري 19 / 53 (*)

[ 45 ]

الفراء: معناه كيما تخلدون. قال مجاهد: المصانع أراد بها حصونا مشيدة. وقال قتادة: مآخذ للماء، وهو جمع مصنع، ويقال مصنعة لكل بناء. وقيل: إنهم كانوا يبنون بالمكان المرتفع البناء العالي، ليدلوا بذلك على أنفسهم، وزيادة قوتهم وليفاخروا بذلك غيرهم من الناس، وكانوا جاوزوا في ايجاد المصانع إلى الاسواق فنهوا عن ذلك، وقال الزجاج: المصانع المباني " لعلكم تخلدون " معناه تفعلون ذلك لكي تبقوا فيها مؤبدين " وإذا بطشتم بطشتم جبارين " فالبطش العسف قتلا بالسيف وضربا بالسوط - في قول ابن عباس - والجبار العالي على غيره بعظم سلطانه، وهو في صفة الله تعالى مدح، وفي صفة غيره ذم، فإذا قيل للعبد جبار فمعناه انه يتكلف الجبرية. والجبار في النحل ما فات اليد، وقال الحسن: بطش الجبرية هو المبارزة من غير ثبت ولا توقف، فذمهم الله بذلك، ونهاهم هود فقال " اتقوا الله " باجتناب معاصيه و " اطيعوني " فيما أدعوكم إليه، ولم يكن هذا القول تكرارا من هود لانه متعلق بغير ما تعلق به الاول، لان الاول معناه، فاتقوا الله في تكذيب الرسل، واطيعوني فيما أدعوكم إليه من اخلاص عبادته، والثاني فاتقوا الله في ترك معاصيه في بطش الجبارين وعمل اللاهين واطيعوني في ذلك الامر الذي دعوتكم إليه. قوله تعالى: * (واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون (132) أمدكم بأنعام وبنين (133) وجنات وعيون (134) إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (135) قالوا سواء علينا أوعظت أم لم تكن من

[ 46 ]

الواعظين (136) إن هذا إلا خلق الاولين (137) وما نحن بمعذبين (138) فكذبوه فأهلكناهم إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (139) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (140) تسع آيات بلا خلاف. قرأ " خلق الاولين " - بفتح الخاء - ابن كثير وابو عمرو والكسائي وأبو جعفر. الباقون - بضم الخاء واللام - فمن قرأ - بفتح الخاء - أراد: ليس هذا إلا اختلاق الاولين - في قول ابن مسعود - ومن ضم الخاء واللام: أراد ليس هذا الاعادة الاولين، في أنهم كانوا يحيون ويموتون. وقال بعضهم: المعني في " خلق الاولين " خلق أجسامهم، وانكروا أن يكون المعنى إلا كذب الاولين لانهم يقولون " ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين " (1). وليس الامر على ما ظنه لانهم قد سمعوا بالدعاء إلى الدين، وكانوا عندهم كذا بين، فلذلك قال " كذبت عاد المرسلين " (2) وقال " إن هذا إلا اساطير الاولين " (3) وانما قالوا " ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين " أي ما سمعنا أنهم صدقوا بشئ منه، أو ذكروا آية حق وصواب، بل قالوا باطل، وخطأ. حكى الله تعالى عن هود أنه قال لقومه واتقوا معاصي الله الذي أمدكم بالذي


(1) سورة 23 المؤمنون آية 24 وسورة 28 القصص آية 36 (2) آية 123 من هذه السورة (3) سورة 6 الانعام آية 25 وسورة 8 الانفال آية 31 وسورة 23 المؤمنون آية 84 وسورة 27 النمل آية 68 (*)

[ 47 ]

تعلمون من انواع نعمه، فالامداد اتباع الثاني ما قبله شيئا بعد شئ، على انتظام فهؤلاء امدهم الله بالمال وبالبنين، يعني الذكور من الاولاد، وبالانعام من الابل والبقر والغنم والبساتين التي فيها شجر تحتها عيون جارية فيها، فآتاهم رزقهم على إدرار. فالعيون ينابيع ماء تخرج من باطن الارض، ثم تجري على ظاهرها وعين الماء مشبه بعين الحيوان في استدارته وتردد الماء إلا انه جامد في عيون الحيوان يتردد بالشعاع. ثم قال لهم " اني اخاف عليكم عذاب يوم عظيم " يعني يوم القيامة، والعظيم هو الموصوف بالعظم، وفيه مبالغة مثل ما أعظمه لعظم ما فيه من الاهوال. ثم حكى ما أجابه به قومه، فانهم قالوا له " سواء علينا أوعظت أم لم تكن من الواعظين " وإنما لم يقل سواء علينا أوعظت أم لم تعظ، ليتشاكل رؤس الآي، ومعناه إنا لسنا نقبل منك ما تقوله: سواء علينا وعظك وارتفاعه والوعظ حث بما فيه تليين القلب، للانقياد إلى الحق، والوعظ زجر عما لا يجوز فعله. ومعنى " سواء " أي كل واحد من الامرين مثل الآخر، حصول الوعظ وارتفاعه. ثم قالوا: ليس هذا الذي تدعوه " إلا خلق الاولين " أي كذبهم، فيمن فتح الخاء. والاعادة الاولين وخلقهم. والخلق المصدر من قولك: خلق الله العباد خلقا. والخلق المخلوق من قولهم: يعلم هذا من خلق الناس. قال الفراء: يقولون هذه الحاديث: خلق يعنون المختلقة. قال والقراءة بضم الخاء أحب إلي، لانها تتضمن المعنيين. والخلق الاختلاق، وهو افتعال الكذب على التقدير الذي يوهم الحق. ثم اخبروا: إنا لسنا بمعذبين على خلاف ما تدعونا إليه، على ما تدعيه

[ 48 ]

" فكذبوه " يعني هودا " فأهلكناهم إن في ذلك لآية " إلى آخر القصة. وقد فسرناه. قوله تعالى: * (كذبت ثمود المرسلين (141) إذ قال لهم أخوهم صالح ألا تتقون (142) إني لكم رسول أمين (143) فاتقوا الله وأطيعون (144) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (145) أتتركون في ما ههنا آمنين (146) في جنات وعيون (147) وزروع ونخل طلعها هضيم (148) وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) فاتقوا الله وأطيعون) * (150) عشر آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو " فرهين " بغير الف. الباقون " فارهين " بألف. حكى الله تعالى عن قوم صالح، وهم (ثمود) أنهم كذبوا المرسلين، ولم يصدقوهم فيما دعوهم إليه من توحيد الله وخلع الانداد وترك عبادة الاصنام، حتى قال لهم أخوهم في النسب صالح، وهو النبي المبعوث إليهم " ألا تتقون " الله باجتناب معصيته وترك عبادة من سواه " اني لكم رسول أمين " فالامين هو الذي استودع الشئ على من أمن منه الخيانة، فالرسول بهذه الصفة، لانه يؤدي الرسالة، كما حملها من غير تغيير لها، ولا زيادة، ولا نقصان.

[ 49 ]

ثم أمرهم فقال " فاتقوا " عقاب " الله " باجتناب معاصيه " واطيعون " فيما ادعوكم إليه، ولست اسألكم على ما ادعوكم إليه اجرا فيصرفكم عن القبول لانه ليس أجري وثوابي في ذلك إلا على رب العالمين الذي خلق الخلق. ثم قال لهم يا قوم " اتتركون فيما ههنا آمنين " منكرا عليهم، فان ما هم فيه من النعم لا تبقى عليهم، وانها تزول عنهم وأن أمنهم سيؤل إلى الخوف. والامن سكون النفس إلى السلامة، وهو نفيض الخوف. وقد يكون أمنا مع العلم بالسلامة. ومع الظن القوي. ثم عدد نعمهم التي كانوا فيها، فقال انتم " في جنات " وهي البساتين التي يسترها الشجر " وعيون " جارية " وزروع " وهو جمع زرع وهو نبات من الحب الذي يبذر في الارض: زرعه أي بذره في الارض كما يزرع البذر فالبذر المبدد في الارض على وجه مخصوص يسمى زرعا " ونخل طلعها هيضم " فالهضيم اللطيف في جسمه، ومنه هضيم الحشا أي لطيف الحشا، ومنه هضمه حقه: إذا ما نقصه، لانه لطف جسمه ينقصه، ومنه هضم الطعام إذا لطف واستحال إلى مشاكلة البدن. وقال ابن عباس: معنى " هضيم " أي قد بلغ واينع. وقال الضحاك: ضمر يزكون بعضه بعضا. وقال عكرمة: هو الرطب اللين، وقال مجاهد: هو الذي إذا مس تفتت. وقال أبو عبيدة والزجاج، والفراء: هو المتداخل بعضه في بعض. وقوله " وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين " قال ابن عباس: معناه حاذقين وقال ابن عباس ايضا (فرهين) أشرين بطرين. وقال الضحاك: معناه عليين. وقال ابن زيد: الفره القوي. وقيل: هو الفرح المرح، كما قال الشاعر:

[ 50 ]

لا أستكين إذا ما ازمة أزمت * ولن تراني بخير فاره اللبب (1) أي مرح اللبب. وقيل: فاره وفره مثل حاذق وحذق. والفاره النافذ في الصنعة بين الفراهة كحاذق بين الحذق، وعبد فاره نافذ في الامور. ثم قال لهم " اتقوا الله " في ترك عبادته والاشراك به واجتنبوا معاصيه " واطيعون " فيما أدعوكم إليه. قوله تعالى: * (ولا تطيعوا أمر المسرفين (151) الذين يفسدون في الارض ولا يصلحون (152) قالوا إنما أنت من المسحرين (153) ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين (154) قال هذه ناقة لما شرب ولكم شرب يوم معلوم (155) ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظم (156) فعقروها فأصبحوا نادمين (157) فأخذهم العذاب إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (158) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (159) تسع آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى أن صالحا قال لقومه " لا تطيعوا أمر المسرفين " وهم الذين تجاوزوا الحد بالبعد من الحق. وقيل عنى بالمسرفين: تسعة رهط من ثمود، كانوا


(1) اللسان (فره) وروايته (الطلب) بدل (اللبب) (*)

[ 51 ]

يفسدون في الارض ولا يصلحون، فنهاهم الله على لسان صالح عن اتباعهم. وقال " الذين يفسدون في الارض " بان يفعلوا فيها المعاصي، ويرتكبوا القبائح " ولا يصلحون " أي لا يفعلون شيئا من الافعال الحسنة. فقالوا له في الجواب عن ذلك " انما أنت من المسحرين " والمسحر: هو الذي قد سحر مرة بعد مرة، حتى يختل عقله ويضطرب رأيه. والسحر حيلة توهم قلب الحقيقة، وقال مجاهد: معناه من المسحورين. وقال ابن عباس: من المخلوقين، لانه يذهب إلى انه يخترع على أمر يخفى كخفاء السحر. وقيل: معناه انك ممن له سحر أي رئة، ومنه قولهم أنتفخ سحره قال لبيد: فان تسلينا فيم نحن فاننا * عصافير من هذا الانام المسحر (1) أي المعلل بالطعام وبالشراب، على أمر يخفى كخفاء السحر. ثم قالوا له " ما أنت إلا بشر مثلنا " أي ليس أنت إلا مخلوقا مثلنا، فلن نتبعك ونقبل منك، وقالوا له " فأت بآية " أي معجزة تدل على صدقك " إن كنت من " جملة " الصادقين " في دعواك، فقال لهم " هذه ناقة " وهي التي أخرجها الله من الصخرة عشراء ترعو على ما أقترحوا " لها شرب " أي حظ من الماء، قال الشاعر: لم يمنع الشرب منها غير أن نطقت * حمامة في غصون ذات أو قال (2) أي لم يمنع حظها من الماء و (الشرب) - بفتح الشين وضمها وكسرها - تكون مصادرا، على ما قاله الفراء والزجاج، وكانوا سألوا أن يخرج لهم من


(1) مر تخريجه في 1 / 372 و 6 / 485 (2) السان (وقل) وروايته: لم يمنع الشرب منها غير أن هتفت * حمامة في سحوق ذات أو قال (*)

[ 52 ]

الجبل ناقة عشراء فاخرجها الله حاملا كما سألوا، ووضعت بعد فصيلا، وكانت عظيمة الخلق جدا. ثم قال لهم صالح " ولا تمسوها " يعني الناقة " بسوء " أي بضر تشعر به، فالسوء هو الضرر الذي يشعر به صاحبه، لانه يسوء وقوعه، فإذا ضره من حيث لا يشعر به لم يكن قد ساءه، لكنه عرضه لما يسوؤه. وقوله " فيأخذكم عذاب يوم عظيم " معناه إنكم إن مسستم هذه بسوء أخذكم عذاب يوم عظيم، أي الصيحة التي أخذتهم. ثم اخبر فقال " فعقروها " أي انهم خالفوه وعقروا الناقة. فالعقر قطع الشئ من بدن الحي، فإذا كثر انتفت معه الحياة، وإن قل لم تنتف. والمراد - ههنا - انهم نحروها. وقيل: انهم عقروها، لانها كانت تضيق المرعى على مواشيهم. وقيل: كانت تضيق الماء عليهم، ولما عقروها رأوا آثار العذاب فيه جدا، ولم يتوبوا من كفرهم، وطلبوا صالحا ليقتلوه، فنجاه الله ومن معه من المؤمنين. ثم جاءتهم الصيحة بالعذاب، فوقع لجميعهم الاهلاك، ولو كانوا ندموا على الحقيقة، واقلعوا عن الكفر، لما أهلكهم الله. ثم قال تعالى إن فيما أخبرنا به وفعلناه بقوم صالح من إهلاكهم، لدلالة واضحة لمن اعتبر بها، لكن اكثرهم لا يؤمنون " وإن ربك " يا محمد " لهو العزيز " أي العزيز في انتقامه " الرحيم " بمن آمن من خلقه به. قوله تعالى: * (كذبت قوم لوط المرسلين (160) إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون (161) إني لكم رسول أمين (162) فاتقوا الله

[ 53 ]

وأطيعون (163) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (164) أتأتون الذكران من العالمين (165) وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون (166) قالوا لئن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين (167) قال إني لعملكم من القالين (168) رب نجني وأهلي مما يعملون (169) فنجيناه وأهله أجمعين (170) إلا عجوزا في الغابرين (171) ثم دمرنا الآخرين (172) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (173) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (174) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (175) ست عشرة آية بلا خلاف. حكى الله تعالى عن قوم لوط أنهم كذبوا الرسل الذين بعثهم الله، بترك الاشراك به وإخلاص العبادة له، حين " قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون " الله فتجتنبوا معاصيه والاشراك به، وانه قال لهم " اني لكم رسول أمين " وقد فسرناه. واخباره عن نفسه بأنه رسول أمين مدح له، وذلك جائز في الرسول كما يجوز أن يخبر عن نفسه بأنه رسول الله، وانما جاز أن يخبر بذلك لقيام الدلالة على عصمته من القبائح. وغيره لا يجوز أن يخبر بذلك عن نفسه لجواز

[ 54 ]

الخطأ عليه. واخبر ايضا انه قال لهم " فاتقوا الله " واجتنبوا معاصيه " واطيعون " فيما أمركم به وأدعوكم إليه ولست اسألكم على ما اؤديه اليكم وأدعوكم إليه، أجرا، ولا ثوابا، لانه ليس أجري إلا على الله الذي خلق العالمين، وانما حكى الله تعالى دعوة الانبياء بصغية واحدة، ولفظ واحد إشعارا بأن الحق الذي يأتي به الرسل، ويدعون إليه واحد من اتقاء الله تعالى وإجتناب معاصيه واخلاص عبادته، وطاعة رسله، وأن أنبياء الله لا يكونون إلا أمناء لله، وانه لا يجوز على واحد منهم أن يأخذ الاجر على رسالته، لما في ذلك من التنفير عن قبول قولهم، والمصير إليه إلى تصديقهم. ثم قال لهم منكرا عليهم " أتأتون الذكران من العالمين " ؟ ! يعني من جملة الخلائق " وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم " أي وتتركون ما خلقه لكم من الازواج والنساء، وتذرون استغني في ماضيه ب‍ (ترك) ولا يستعمل إلا في ضرورة الشعر. والزوجة المرأة التي وقع عليها العقد بالنكاح الصحيح، يقال: زوجة وزوج، قال الله تعالى " اسكن انت وزوجك الجنة " (1). ثم قال لهم منكرا عليهم " بل انتم قوم عادون " أي خارجون عن الحق بعيدون عنه. والعادي والظالم والجائر نظائر، والعادي من العدوان. وقد يكون من العدو، وهو الاسراع في السعي، فقال له قومه في جوابه " لئن لم تنته " وترجع عما تقوله " يا لوط " وتدعونا إليه وتنهانا عنه " لتكونن من المخرجين " أي نخرجك من بيننا وعن بلدنا. فقال لهم لوط عند ذلك " إني لعملكم من القالين " يعني من المبغضين: قلاه يقليه إذا أبغضه.


(1) سورة 2 البقرة آية 35 (*)

[ 55 ]

ثم دعا لوط ربه فقال " رب نجني واهلي مما يعملون " أي من عاقبة ما يعملونه، وهو العذاب النازل لهم فأجاب الله دعاءه وقال " فنجيناه واهله اجمعين " يعني من العذاب الذي وقع بهم. وقد يجوز أن يكون أراد النجاة من نفس عملهم، بأن يفعل لهم من اللطف ما يجتنبون مثل افعالهم، وتكون النجاة من العذاب النازل بهم تبعا لذلك. واستثنى من جملة أهله الذين نجاهم " عجوزا " فانه أهلكها. وقيل: انها كانت امرأة لوط تدل قومه على اضيافه " في الغابرين " يعني الباقين. فيمن هلك من قوم لوط، لانه قيل: هلكت هي فيما بعد مع من خرج عن القرية بما أمطر الله عليهم من الحجارة. وقيل أهلكو بالخسف، وقيل بالائتفاك وهو الانقلاب. ثم أمطر على من كان غائبا منهم عن القرية من السماء حجارة قال الشاعر في الغابر: فماونا محمد مذ أن غفر * له الاله ما مضى وما غبر (1) وقال الشاعر: لا تكسع الشول باغبارها * انك لا تدري من الناتج (2) فأعبارها بقية لبنها في اخلافها، والغابر الباقي في قلة، كالتراب الذي يذهب بالكنس، ويبقى غباره: غبر يغبر، فهو غابر، وغبر الجص بقيته. وغبر من الغبار تغبيرا، وتغبر تغبرا. والعجوز المرأة التي قد أعجزها الكبر عن أمور كثيرة، ومثله الكبيرة والمسنة. وقوله " ثم دمرنا الآخرين " فالتدمير هو الاهلاك بأهوال الامور، دمره تدميرا، ومثله تبره تتبيرا، ودمر عليه يدمر دمرا إذا هجم عليه بالمكروه


(1) مر تخريجه في 6 / 344 و 175 7 (2) تفسير القرطبي 13 / 133 (*)

[ 56 ]

والدامر الهالك. وقوله " وامطرنا عليهم مطرا " فالامطار الاتيان بالقطر العام من السماء، وشبه به امطار الحجارة. والاهلاك بالامطار عقاب اتي الذكران من العالمين " فساء مطر المنذرين " سماه (سوء) وإن كان حسنا، لانه كان فيه هلاك القوم ثم قال " إن في ذلك لآية " أي دلالة " وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " وقد فسرناه. قوله تعالى: * (كذب أصحاب الايكة المرسلين (176) إذ قال لهم شعيب ألا تتقون (177) إني لكم رسول أمين (178) فاتقوا الله وأطعون (179) وما أسئلكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين (180) أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين (181) وزنوا بالقسطاس المستقيم (182) ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الارض مفسدين (183) واتقوا الذي خلقكم والجبلة الاولين (184) قالوا إنما أنت من المسحرين (185) وما أنت إلا بشر مثلنا وإن نظنك لمن الكاذبين (186) فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين (187) قال ربي أعلم بما تعملون (188)

[ 57 ]

فكذبوه فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم (189) إن في ذلك لاية وما كان أكثرهم مؤمنين (190) وإن ربك لهو العزيز الرحيم) * (191) ست عشرة آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " أصحاب اليكة " على انه اسم المدينة معرفة لا ينصرف. قال أبو علي الفارسي: الاجود أن يكون ذلك على تخفيف الهمزة، مثل لحمر ونصبه يضعف، لانه يكون نصب حرف الاعراب في موضع الجر، مع لام التعريف، وذلك لا يجوز. وحجة من قرأ بذلك أنه في المصحف بلا ألف. وقالوا هو اسم المدينة بعينها. الباقون " أصحاب الايكة " بالالف واللام مطلقا مضافا. ومثله الخلاف في ص. وقرأ ابوا حفص " كفا " بفتح السين - ههنا - وفى (سبأ). الباقون باسكانها. حكى الله تعالى أن قوم شعيب، وهم أصحاب الايكة كذبوا المرسلين في دعائهم إلى خلع الانداد وإخلاص العبادة لله. والايكة الغيضة ذات الشجر الملتف. وجمعه الايك، قال النابغة الذبياني: تجلو بقادمتي حمامة أيكة * بردا أسف لشاته بالاثمد (1) وقال ابن عباس وابن زيد: اصحاب الايك هم أهل مدين. وانما قال " إذ قال لهم شعيب " ولم يقل أخوهم كما قال في سائر من تقدم من الانبياء لانه لم يكن منهم في النسب، وسائر من تقدم كانوا منهم في النسب، إلا موسى


(1) ديوانه (دار بيروت) 40 (*)

[ 58 ]

فانه كان من بني اسرائيل، وكانوا هم قبطا ولم يسمه الله بأنه أخوهم. ثم حكى عن شعيب انه قال لقومه مثل ما قاله سائر الانبياء وقد فسرناه. ثم قال لهم " اوفوا الكيل " أي اعطوا الواجب وافيا غير ناقص ويدخل الوفاء في الكيل والذرع والعدد، يقال: أوفى يوفي إيفاء ووفاء. ونهاهم أن يكونوا من المخسرين، فالمخسر المعرض للخسران في رأس المال بالنقصان أخسر يخسر إخسارا إذا جعله يخسر في ماله، وخسر هو يخسر خسرانا واخسره نقيض أربحه. وأمرهم أن يزنوا بالقسطاس المستقيم، فالوزن وضع شي بازاء المعيار، لما يظهر منزلته منه في ثقل المقدار إما بالزيادة أو النقصان أو التساوي. والقسطاس العدل في التقويم على المقدار، وهو على وزن (قرطاط) وجمعه قساطيس. وقال الحسن: القسطاس القبان. وقال غيره هو الميزان. وقال قوم هو العدل والسواء. ذكره أبو عبيدة. ثم قال لهم " ولا تبخسوا الناس اشياءهم " أي لا تنقصوها، " ولا تعثوا في الارض مفسدين " قال قوم: لا تعثوا فيها بالمعاصي. وقال سعيد ابن المسيب: معناه لا تفسدوا فيها بعد اصلاحها. وقال أبو عبيدة: عثا يعثا عثوا وهو أشد الفساد بالخراب. وقال غيره: عثا يعثوا عثوا، وعاث يعيث عيثا. ثم قال لهم " واتقوا الذي خلقكم " وأوجدكم بعد العدم " والجبلة الاولين " فالجبلة الخليقة التي طبع عليها الشئ - بكسر الجيم - وقيل ايضا بضمها ويسقطون الهاء أيضا فيخففون. ومنه قوله " ولقد أضل منكم جبلا كثيرا " (1) وقال أبو ذؤيب:


(1) سورة 36 يس آية 62 (*)

[ 59 ]

منايا يقربن الحتوف لاهلها جهارا * ويستمتعن بالانس الجبل (1) ومعناه اتقوا خليقة الاولين في عبادة غير الله والاشراك معه، فهو عطف على (الذي) فيها، ولا يجوز أن يكون منصوبا ب‍ " خلقكم " لان الله تعالى لم يخلق كفرهم، ولا ضلالهم، وإن جعلته منصوبا ب‍ " خلقكم " على أن يكون المعنى اتقوا الله الذي خلقكم وخلق الخلق الاولين، كان جائزا، واخلصوا العبادة لله. فقالوا في الجواب له " إنما انت من المسحرين " وقد فسرناه. " وما أنت إلا بشر مثلنا " أي مخلوقا من الناس مثلنا، ولست بملك حتى يكون لك فضل علينا. والبشر هو الانسان، والانسان مشتق من الانس ووزنه (فعليان) والاصل إنسيان غير أنه حذف منه الياء، فلما صغر رد إلى أصله، فقيل: انسيان. والبشر من البشرة الظاهرة. والمثل والشبه واحد. " وإن نظنك لمن الكاذبين " معناه إنا نحسبك كاذبا من جملة الكاذبين. و (إن) هي المخففة من الثقيلة. ولذلك دخلت اللام في الخبر. ثم قالوا له: إن كنت صادقا ومحقا في دعواك " فاسقط علينا كسفا من السماء " أي قطعا - في قول ابن عباس - وهو جمع كسفة، ومثله نمرة وتمر، فقال لهم في الجواب عن ذلك " ربي أعلم بما تعملون " ومعناه إنه إن كان في معلومه أنه: متى بقاكم انكم تتوبون أو يتوب تائب منكم، لم يقتطعكم بالعذاب، وإن كان في معلومه انه لا يفلح واحد منكم، فسيأتيكم عذاب الاستئصال. ثم قال تعالى " فكذبوه " يعني قوم شعيب كذبوا شعيبا، فعاقبهم الله بعذاب يوم الظلة، وهي سحابة رفعت لهم، فلما خرجوا إليها طلبا لبردها من شدة ما أصابهم من الحر مطرت عليهم نارا فاحرقتهم، فهؤلاء أصحاب الظلة، وهم


(1) تفسير الطبري 19 / 60 (*)

[ 60 ]

غير أهل مدين - في قول قتادة - قال: أرسل شعيب إلى أمتين. " إن في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين وإن ربك لهو العزيز الرحيم " وقد فسرناه وانما كر، " وإن ربك لهو العزيز الرحيم " للبيان عن انه رحيم بخلقه عزيز في انتقامه من الكفار. قوله تعالى: * (وإنه لتنزيل رب العالمين (192) نزل به الروح الامين (193) على قلبك لتكون من المنذرين (194) بلسان عربي مبين (195) وإنه لفي زبر الاولين (196) أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علمؤ بني إسرائيل (197) ولو نزلناه على بعض الاعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (200) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم (201) فيأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (202) فيقولوا هل نحن منظرون (203) أفبعذابنا يستعجلون (204) أفرأيت إن متعناهم سنين (205) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (206) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (207)) * ست عشرة آية بلا خلاف. (*)

[ 61 ]

قرأ ابن عامر واهل الكوفة الا حفصا ويعقوب " نزل " به بتشديد الزاي وفتحها * (الروح الامين) * بالنصب فيهما، الباقون بالتخفيف والرفع فيهما. وقرأ ابن عامر * (أو لم تكن) * بالتاء * (آية) * بالرفع. الباقون بالياء ونصب * (آية) * من شدد الزاي، فلقوله " فانه نزل على قلبك باذن الله " (1) * (وانه لتنزيل رب العالمين) * ومن خفف، فلان التنزيل فعل الله، وهذا فعل جبرائيل، يقال: نزل الله جبرائيل، ونزل جبرائيل. فاما قوله * (فانه نزله على قلبك باذن الله مصدقا) * بالتشديد، فلاجل حذف الباء، لانك تقول نزلت به وأنزلته. ومن شدد فانه أضاف الفعل إلى الله. ومن خفف أضاف الفعل إلى جبرائيل (ع) ومن قرأ * (أو لم تكن) * بالتاء ورفع * (آية) * جعلها اسم (كان) وخبره * (أن يعلمه) * لان (ان) مع الفعل بمنزلة المصدر، وتقديره: أو لم تكن لهم آية معجزة ودلالة ظاهرة علم بني اسرائيل بمحمد في الكتب. يعني كتب الانبياء (ع) قبله أنه نبي، وأن هذا القرآن من عند الله، لكنه لما جاءهم ما عرفوه على بصيرة كفروا به. ومن قرأ بالياء ونصب (آية) جعلها خبر (كان) واسمه (أن يعلمه) وهو الاقوى في العربية، لان (آية) نكرة، و (أن يعلمه) معرفة، وإذا اجتمعت معرفة ونكرة اختير أن يكون المعرفة اسم (كان) والنكرة خبرها، وسيبويه لا يجيز غير ذلك إلا في ضرورة الشعر كقول حسان: كأن سبيئة من بيت رأس * يكون مزاجها عسل وماء (2) من بيت رأس معناه من بيت رئيس، فسمى السيد رأسا، قال عمرو ابن كلثوم.


(1) سورة 2 البقرة آية 97 (2) (اللسان (رأس) (*)

[ 62 ]

برأس من بني جشم بن عمرو (1) وبيت رأس بيت بالشام، تتخذ فيه الخمور. والهاء في قوله " نزله... وانه لتنزيل " كناية عن القرآن في قول قتادة. وصفه الله تعالى أنه تنزيل من رب العالمين الذي خلق الخلائق. ووصفه بأنه تنزيل من رب العالمين، تشريف له وتعظيم لشأنه. ثم قال " نزل به الروح الامين " من خفف أسند الفعل إلى جبرائيل، ولذلك رفعه. ومن ثقل أسنده إلى الله تعالى، ونصب * (الروح الامين) * على انه مفعول به. والروح الامين جبرائيل (ع). وانما قال * (على قلبك) * لانه بقلبه يحفظه فكأنه المنزل عليه. و (الروح الامين) جبرائيل (ع) في قول ابن عباس والحسن وقتادة والضحاك وابن جريج. ووصف بأنه (روح) من ثلاثة وجوه: احدها - انه تحيا به الارواح بما ينزل من البركات. الثاني - لان جسمه روحاني. الثالث - ان الحياة عليه أغلب، فكأنه روح كله. وقوله * (على قلبك لتكون من المنذرين) * أي انزل هذا القرآن على قلبك لتخوف به الناس وتنذرهم. ثم عاد إلى وصفه فقال * (وإنه لفي زبر الاولين) * ومعناه إن ذكر القرآن في كتب الاولين على وجه البشارة به، لا لان الله أنزله على غير محمد صلى الله عليه وآله. وواحد (الزبر) زبور، وهي الكتب، تقول: زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا كتبته. واصله الجمع، ومنه الزبرة الكتبة، لانها مجتمعة. ثم قال تعالى * (أولم يكن لهم آية) * اي دلالة في علم بني اسرائيل واضحة


(1) ملحق ديوانه امرئ القيس اخبار عمرو بن كلثوم: 226 وروايته: برأس من بني جشم بن بكر * ندق به السهولة والحزونا (*)

[ 63 ]

على صحة أمره. ومن حيث أن مجيئه على ما تقدمت البشارة به بجميع أوصافه لا يكون إلا من جهة علام الغيوب. وقيل: من علماء بني اسرائيل عبد الله ابن سلام - في قول ابن مسعود وابن عباس ومجاهد - ثم قال " ولو نزلناه " يعني القرآن " على بعض الاعجمين " قيل: معناه على أعجم من البهائم أو غيره ما آمنوا به - ذكره عبد الله بن مطيع - وقيل: معناه " لو نزلناه على " رجل اعجم اللسان ما آمنوا به ولتكبروا عليه، لانه من غيرهم، وأن المعجزة تفارقه، وفي ذلك تسلية للنبي صلى الله عليه وآله حين لم يؤمنوا به، ولم يقبلوا منه. ونقيض الاعجم الفصيح، والاعجم الذي يمتنع لسانه من العربية. والعجمي نقيض العربي، وهو نسبة الولادة، قال الشاعر: من وائل لا حي يعدلهم * من سوقة عرب ولا عجم (1) وإذا قيل أعجمي، فهو منسوب إلى أنه من الاعجمين الذين لا يفصحون كما قال العجاج: والدهر بالانسان دواري (2) فنسبه إلى أنه من الدوارين بالانسان. وقوله " كذلك سلكناه في قلوب المجرمين " فالهاء كناية عن القرآن. ومعناه أقررناه في قلوبهم باخطاره ببالهم لتقوم به الحجة عليهم، ولله لطف يوصل به المعنى في الدليل إلى القلب، فمن فكر فيه أدرك الحق به. ومن أعرض عنه كان كمن عرف الحق وترك العمل به في لزوم الحجة عليه. والفرق بين من ادرك الحق لسلوكه في القلب، وبين من ادرك الحق بالاضطرار إليه في القلب، أن الاضطرار إليه يوجد الثقة به فيكون، صاحبه عالما به. واما


(1) تفسير الطبري 19 / 64 (2) مر تخريجه في 4 / 377، 505 (*)

[ 64 ]

بسلوكه، فيكون مع الشك فيه. وقال الحسن وابن جريج، وابن زيد: كذلك " سلكناه " أي الكفر. ولا وجه لذلك، لانه لم يجر ذكره، ولا حجة فيه وانما الحجة في القرآن واخطاره بالبال، فهو أحسن في التأويل. وقوله " لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الاليم " اخبار منه تعالى عن قوم من الكفار أنهم يموتون على كفرهم بأنهم لا يؤمنون حتى يشاهدوا العذاب المؤلم، فيصيرون عند ذلك ملجئين إلى الايمان، ومعنى " حتى يروا العذاب " أي حتى يشاهدوا أسبابه من نيران مؤججة لهم يساقون إليها، لا يردهم عنها شئ. ويحتمل حتى يعلموه في حال حلوله بهم علم ملابسته لهم. ثم قال تعالى " فيأتيهم بغتة " ومعناه: إن العذاب الذي يتوقعونه ويستعجلونه يجيئهم فجأة. والبغتة حصول الامر العظيم الشأن من غير توقع بتقديم الاسباب، وقيل البغتة الفجأة. والبادرة، بغته الامر يبغته بغتا وبغتة قال الشاعر: وافضع شئ حين يفجؤك البغت (1) واتاه الامر بغتة نقيض أتاه عن تقدمة " وهم لا يشعرون " أي لا يعلمون والشعور هو العلم بما يلطف، لطف الشعر. ثم اخبر تعالى انه إذا جاءهم العذاب بغتة قالوا " هل نحن منظرون " أي مؤخرون، فقال الله تعالى " افبعذابنا يستعجلون " على وجه التوبيخ لهم والانكار عليهم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " افرأيت " يا محمد " إن متعناهم سنين ثم جاءهم ما كانوا يوعدون " به من العذاب " ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون " معناه


(1) مر تخريجه في 4 / 122، 507 و 6 / 204 (*)

[ 65 ]

انه لم يغن عنهم ما كانوا يمتعون، لازديادهم من الآثام، واكتسابهم من الاجرام، أي أي شئ يغني عنهم ما يمتعون به من النعم، لانه فان كله، والاغناء عن الشئ صرف المكروه عنه بما يكفي عن غيره. والغنى به نقيض الغنى عنه، فالاغناء عنه الصرف عنه، والاغناء به الصرف به، والامتاع احضار النفس ما فيه اللذة بادراك الحاسة، يقال: أمتعه بالرياحين والطيب، وامتعه بالنزه والبساتين، وامته بالمال والبنين، وامتعه بالحديث الطريف الظريف. قوله تعالى: * (وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (208) ذكرى وما كنا ظالمين (209) وما تنزلت به الشياطين (210) وما ينبغي لم وما يستطيعون (211) إنهم عن السمع لمعزولون (212) فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (213) وأنذر عشيرتك الاقربين (214) واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (215) فان عصوك فقل إني برئ مما تعملون (216) وتوكل على العزيز الرحيم (217) الذي يريك حين تقوم (218) وتقلبك في الساجدين (219) إنه هو السميع العليم) * (220) إثنتا عشرة آية في المكي والمدني الآخر، وثلاث عشرة آية فيما عداه. عدوا

[ 66 ]

" الشياطين " ولم يعدها الاول. يقول الله تعالى " وما أهلكنا من " أهل " قرية " بالعذاب الذي أنزلناه عليهم فيما مضى من الامم السالفة * (الا) * وكان * (لها منذرون) * يخوفونهم بالله ويحذرونهم معاصيه. وقوله " ذكرى وما كنا ظالمين " معناه ذاك الذي قصصناه من إنزال العذاب بالامم الخالية " ذكرى " لكم تتعظون بها. ثم بين أن ذلك كان عدلا، ليكون أشد في الزجر، وإن الله تعالى لم يكن ظالما لاحد. وموضع " ذكرى " يجوز أن يكون نصبا بالانذار، ويجوز أن يكون رفعا بالاستئناف على ذلك (ذكرى). والذكرى: هو إظهار المعنى للنفس تقول: ذكرته ذكرى. وبين ان ذلك ليس مما ينزل به الشياطين ويغوون به الخلق، بل هو وحي من الله تعالى. ثم بين انه ليس ينبغي للشياطين أنزال ذلك. انهم لا يستطيعون على ذلك. ومعنى ينبغي لك كذا يطلب منه فعله في مقتضى العقل، فتقول: ينبغي لك أن تختار الحسن على القبيح، ولا ينبغي لك أن تختار القبيح على الحسن. واصله من البغية التي هي الطلب، وقرا الحسن و " ما تنزلت به الشياطون " بالواو، ظنا منه أنه مثل (المسلمين). وهذا لحن بلا خلاف، لانه جمع تكسير شيطان وشياطين. والاستطاعة هي القدرة التي ينطاع بها الفعل للجارحة. ثم قال: " انهم " يعني الشياطين " عن السمع لمعزولون " وقيل: معناه إنهم عن عن استراق السمع من السماء لمعزولون. وقيل: عن سمع القرآن - في قول قتادة - لمعزولون معناه منحون. فالعزل تنحية الشئ عن الموضع إلى خلافه، وهو ان يزيله عن أمر إلى نقيضه، كما قال الشاعر:

[ 67 ]

عزل الامير بالامير المبدل (1) وانما لم ينبغ لهم ذاك لحراسة المعجزة عن أن تتموه بالباطل، لان الله إذا أراد أن يدل بها على صدق الصادق أخلصها بمثل هذه الحراسة، حتى تصح الدلالة. ثم نهى نبيه صلى الله عليه وآله والمراد به المكلفين، فقال " ولا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين " وتقديره انك إن دعوت معه إلها آخر كنت من المعذبين. ثم امره أن ينذر عشيرته الاقربين قيل: انما خص في الذكر انذار عشيرته الاقربين، لانه يبدأ بهم، ثم الذين يلونهم، كما قال تعالى " قاتلوا الذين يلونكم من الكفار " (2) لان ذلك هو الذي يقتضيه حسن التدبير: الترتيب. ويحتمل أن يكون انذرهم بالافصاح عن قبيح ما هم عليه وعظم ما يؤدي إليه من غير تليين بالقول يقتضي تسهيل الامر لما يدعو إليه مقاربة العشيرة، بأن من نزل بهم الاغلاظ في هذا الباب أذلهم. وقيل: ذكر عشيرتك الاقربين أي عرفهم إنك لا تغني عنهم من الله شيئا إن عصوه. وقيل: انما خص عشيرته الاقربين لانه يمكنه أن يجمعهم ثم ينذرهم، وقد فعل صلى الله عليه وآله ذلك. والقصة بذلك مشهورة فانه روي أنه أمر صلى الله عليه وآله عليا بأن يصنع طعاما ثم دعا عليه بني عبد مناف وأطعمهم الطعام. ثم قال لهم: أيكم يؤازرني على هذا الامر يكن وزيري وأخي ووصيي، فلم يجبه أحد إلا علي (ع) والقصة في ذلك معروفة. ثم أمره صلى الله عليه وآله بأن يخفض جناحه للمؤمنين الذين اتبعوه، ومعناه ألن جانبك وتواضع لهم، وحسن أخلاقك معهم - ذكره ابن زيد - ثم قال " فان عصوك " يعني أقاربك بعد انذارك إياهم وخالفوك فيما تدعوهم إليه إلى


(1) مر في 7 / 97، 456 (2) سورة 9 التوبة آية 124 (*)

[ 68 ]

ما يكرهه الله، فقل لهم " اني برئ مما تعملون " أي من أعمالكم القبيحة وعبادتكم للاصنام. والبراءة المباعدة من النصرة عند الحاجة، فإذا برئ من عملهم فقد تباعد من النصرة لهم أو الموالاة. ثم أمره أن يتوكل على العزيز الرحيم ومعناه أن يفوض أمره إلى من يدبره. والتوكل على الله من الايمان، لانه أمر به، وحث عليه " على العزيز الرحيم " يعني القادر الذي لا يغالب، ولا يعاز الكبير الرحمة الواسع النعمة على خلقه " الذي يراك " يا محمد " حين تقوم وتقلبك في الساجدين " أي تصرفك في المصلين بالركوع والسجود والقيام والقعود - في قول ابن عباس وقتادة - وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إن معناه إنه أخرجك من نبي إلى نبي حين أخرجك نبيا. وقيل: معناه يراك حين تصلي وحدك، وحين تصلي في جماعة. وقال قوم من اصحابنا: إنه أراد تقلبه من آدم إلى أبيه عبد الله في ظهور الموحدين، لم يكن فيهم من يسجد لغير الله. والرؤية - ههنا هي ادراك البصر، دون رؤية القلب، لان (رأيت) بمعنى علمت، لا يتعدى إلى مفعول واحد، فهي من رؤية البصر، ثم قال " إنه هو السميع العليم " أي يسمع ما تتلو في صلاتك، العليم بما تضمر فيها في قلبك. وقيل معنى " وتوكل على العزيز الرحيم " ليظهرك على كيد أعدائك الذين عصوك فيما أمرتهم به. وقرأ ابن عامر ونافع " فتوكل " بالفاء، لانها في مصاحف أهل المدينة والشام كذلك. الباقون بالواو، وكذلك هو في مصاحفهم. والتوكل على الله: هو أن يقطع العبد جميع أماله من المخلوقين إلا منه تعالى، ويقطع رغبته من كل احد إلا إليه، فإذا كان كذلك رزقه الله من حيث لا يحتسب.

[ 69 ]

قوله تعالى: * (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين (221) تنزل على كل أفاك أثيم (222) يلقون السمع وأكثرهم كاذبون (223) والشعراء يتبعهم الغاون (224) ألم تر أنهم في كل واد يهيمون (225) وأنهم يقولون ما لا يفعلون (226) إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) * (227) سبع آيات بلا خلاف. لما اخبر الله تعالى أن القرآن ليس مما تنزل به الشياطين، وأنه وحي من الله تعالى على نبيه، نبه خلقه على من تنزل الشياطين عليه بقوله " هل انبئكم " أي هل أخبركم " على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم " أي كذاب أثيم، وقال مجاهد: الافاك الكذاب. ومعناه الكثير الكذب، والقلب للخبر من جهة الصدق إلى الكذب، وأصله الانقلاب من المؤتفكات وهي المنقلبات. والانباء الاخبار بما فيه من الغيوب وعظم الشأن، ومنه قولهم: لهذا الامر نبأ ومنه اشتق وصف الرسول بأنه نبي بعظم شأن ما اتى به من الوحي من الله. والآثم الفاعل للقبيح: أثم يأثم إثما إذا ارتكب القبيح، وتأثم إذا ترك الاثم مثل تحوب إذا ترك الحوب، وأثمه تأثيما إذا نسبه إلى الاثم، ثم قال " يلقون

[ 70 ]

لسمع، أي يلقون ما يسمعون باستراق السمع إلى كل افاك أيثم - في قول مجاهد - ثم اخبر تعالى أن اكثرهم كاذبون فيما يلقونه إليهم. وقوله " والشعراء يتبعهم الغاون " قال الحسن: هم الذين يسترقن السمع ويلقونه إلى الكهنة، وقال إنما يأخذون أخبارا عن الوحي " انهم عن السمع لمعرولون " أي عن سمع الوحي. وقيل: ان الشعراء المراد به القصاص الذين يكذبون في قصصهم ويقولون ما يخطر ببالهم. وقوله " ألم تر انهم في كل واد يهيمون " أي هم لما يغلب عليهم من الهوى كالهائم على وجهه في كل واد يعن له، وليس هذا من صفة من عليه السكينة والوقار ومن هو موصوف بالحلم والعقل. والمعنى أنهم يخوضون في كل فن من الكلام والمعاني التي يعن لهم ويريدونه. وقال ابن عباس وقتادة: معناه في كل لغو يخوضون: يمدحون ويذمون، يعنون الباطل. وقال الجبائي: معناه يصغون إلى ما يلقيه الشيطان إليهم على جهة الوسوسة لما يدعوهم إليه من الكفر والضلال. وقيل: انما صار الاغلب على الشعراء الغي باتباع الهوى، لان الذي يتلو الشعر - في الاكثر - العشاق ولذلك يقبح التشبيب. مع أن الشاعر يمدح للصلة ويهجو على جهة الحمية فيدعوه ذلك إلى الكذب، ووصف الانسان بما ليس فيه من الفضائل والرذائل. وقرأ نافع " يتبعهم " بتخفيف التاء من تبعه إذا اقتفى أثره، يقال تبع فلانا إذا سار في أثره واتبعه لحقه. الباقون: بالتشديد من الاتباع، ومعناهما واحد. والآية قيل نزلت في الشعراء الذين هجوا رسول الله صلى الله عليه وآله والمؤمنين، وهي تتناول كل شاعر يكذب في شعره - ذكره الفراء - وقيل: انها نزلت في ابن الزبعري وأمثاله.

[ 71 ]

ثم اخبر ان هؤلاء الشعراء يقولون ويحثون على اشياء لا يفعلونها هم، وينهون عن أشياء يرتكبونها، ثم استثنى من جملتهم الذين آمنوا منهم وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا، فأجتنبوا معاصيه، وانتصروا - لنفوسهم في الدين - من الذين ظلموهم. وقيل: أراد الشعراء الذين ردوا على المشركين هجاءهم للمؤمنين، فانتصروا بذلك للنبي والمؤمنين، ثم هدد الظالمين، فقال " وسيعلم الذين ظلموا " نفوسهم " أي منقلب ينقلبون " أي أي منصرف ينصرفون إليه لان منصرفهم إلى النار، نعوذ بالله منها. وقيل أراد الذين ظلموا نفوسهم بقول الشعر الباطل من هجو النبي والمؤمنين، ومن يكذب في شعره. وقوله " أي منقلب ينقلبون " نصب (أي) ب‍ (ينقلبون) ولا يجوز أن ان يكون منصوبا ب‍ (سيعلم)، لان أيا لا يعمل فيها ما قبلها، لان الاستفام له صدر الكلام حتى ينفصل من الخبر بذلك.

[ 73 ]

27 - سورة النمل مكية بلا خلاف وهي خمس وتسعون آية حجازي واربع وتسعون آية بصري وشامي وثلاث وتسعون آية في عدد الكوفيين بسم الله الرحمن الرحيم * (طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين (1) هدى وبشرى للمؤمنين (2) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالاخرة هم يوقنون (3) إن الذين لا يؤمنون بالاخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون (4) أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الاخرة هم الاخسرون) * (5) خمس آيات بلا خلاف. قد بينا معنا الحروف التي في أوائل السور فيما تقدم بمالا نحتاج معه إلى إعادته، وقد بينا قول من قال إنها أسماء للسور. وقال قوم " طس " اسم من اسماء القرآن. وقوله " تلك " إشارة إلى ما وعدوا بمجيئه من القرآن. وقيل ان " تلك "

[ 74 ]

بمعنى (هذا) وآيات القرآن هي القرآن، وانما أضافها إليه، كما قال " انه لحق اليقين " (1). والقرآن والكتاب معناهما واحد، ووصفه بالوصفين ليفيد أنه مما يظهر بالقراءة، ويظهر بالكتابة، وهو بمنزلة الناطق بما فيه من الامرين جميعا وذلك يبطل قول من قال: ان كلام الله شئ واحد لا يتصرف بالقراءة والكتابة. ووصفه بأنه مبين تشبيه له بالناطق بكذا، وإذا وصفه بأنه بيان جرى مجرى وصفه له بالنطق بكذا في ظهور المعنى به للنفس. والبيان هو الدلالة التي تبين بها الاشياء. والمبين المظهر، وحكم القرآن الموعظة بما فيها من الترغيب والترهيب والحجة الداعية إلى الحق الصارفة عن الباطل، وأحكام الشريعة التي فيها مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال، والمصلحة فيما يجب من حق النعمة لله تعالى ما يؤدي إلى الثواب ويؤمن من العقاب. ثم وصفه بأنه " هدى وبشرى للمؤمنين " وموضع " هدى " نصب على الحال، وتقديره هاديا ومبشرا، ويجوز أن يكون رفعا على تقدير هو " هدى وبشرى للمؤمنين " والمعنى ان ما فيه من البيان والبرهان يهديهم إلى الحق، وما لهم في وجه كونه معجزا الذي فيه من اللطف ما يؤديهم إلى الثواب ويبشرهم بالجنة. ثم وصف المؤمنين الذين بشرهم القرآن بأنهم " الذين يقيمون الصلاة " بحدودها ويداومون على أوقاتها ويخرجون ما يجب عليهم من الزكاة في أموالهم إلى مستحقها، وهم مع ذلك يوقنون بالآخرة، ويصدقون بها. ثم وصف تعالى من خالف ذلك ولم يصدق بالآخرة، فقال " إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم اعمالهم فهم يعمهون " قيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن والجبائي: زينا لهم اعمالهم التي أمرناهم بها، فهم


(1) سورة 69 الحاقة آية 51 (*)

[ 75 ]

يتحيرون بالذهاب عنها. الثاني - زينا لهم أعمالهم بخلقنا فيهم شهوة القبيح الداعية لهم إلى فعل المعاصي ليجتنبوا المشتهى " فهم يعمهون " عن هذا المعنى أي يتحيرون بالذهاب عنها. ثم اخبر تعالى ان من وصفه بذلك لهم " سوء العذاب " ووصفه بأنه سوء لما فيه من الالم و " هم في الاخرة هم الاخسرون " لانهم يخسرون الثواب ويحصل لهم بدلا منه العقاب فهو اخسر صفقة تكون. قوله تعالى: * (وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) إذ قال موسى لاهله إني آنست نارا سأتيكم منها بخبر أو آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون (7) فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها وسبحان الله رب العالمين (8) يا موسى إنه أنا الله العزيز الحكيم (9) وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فاني غفور رحيم) * (11) ست آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة " بشهاب قبس " منون غير مضاف جعلوا (قبسا) صفة للشهاب على تقدير منور. الباقون بالاضافة على تقدير (نار)

[ 76 ]

يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " انك " يا محمد " لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم " أي انك لتعطى لان الملك يلقيه إليه من قبل الله تعالى، من عند حكيم بصير بالصواب من الخطاء في تدبير الامور بما يستحق به التعظيم. وقد يفيد (الحكيم) العامل بالصواب المحكم للامور المتقن لها. وعليم بمعنى عالم إلا أن فيه مبالغة. وقال الرماني هو مثل سامع وسميع، فوصفنا له بأنه عالم يفيد أن له معلوما، كما أن وصفه بأنه سامع يفيد بأن له مسموعا. ووصفه بأنه عليم يفيد أنه متى صح معلومه. فهو عليم به، كما أن (سميعا) يفيد إنه متى وجد مسموع لابد أن يكون سامعا. وقوله " إذ قال موسى لاهله " قال الزجاج: العامل في إذ (اذكر) وهو منصوب به. وقال غيره: هو منصوب ب‍ (عليم) إذ قال اني آنست نارا. فالايناس الاحساس بالشئ من جهة ما يؤنس آنست كذا، أؤنسه ايناسا وما آنست به، فقد أحسست به، مع سكون نفسك إليه " سأتيكم منها بخبر " يعني بمن يدل على الطريق ويهدينا إليه، لانه كان قد ضل " أو آتيكم بشهاب قبس " قيل: لانهم كانوا قد أصابهم البرد، وكان شتاء فلذلك طلب نارا. والشهاب نور كالعمود من النار، وجمعه شهب. وقيل للكوكب الذي يمتد وينقض شهاب، وجمعه شهب، وكل نور يمتد مثل العمود يسمى شهابا، والقبس القطعة من النار قال الشاعر: في كفه صعدة مثقفة * فيها سنان كشعلة القبس (1) ومنه قيل اقتبس النار اقتباسا أي أخذ منها شعلة، واقتبس منه علما أي اخذ منه نورا يستضئ به كما يستضئ بالنار " لعلكم تصطلون " معناه، لكي


(1) تفسير القرطبي 13 / 157 (*)

[ 77 ]

تصطلوا. ومعناه لتدفئوا، والاصطلاء التدفي بالنار، وصلى النار يصلي صلا إذا لزمها، فاصله اللزوم. وقيل الصلاة منه للزوم الدعاء فيها. والمصلي الثاني بعد السابق للزومه صلو السابق. وإنما قال لامراته " لعلى آتيكم " لانه أقامها مقام الجماعة في الانس بها والسكون إليها في الامكنة الموحشة. ويجوز أن يكون على طريق الكناية على هذا التأويل. وقوله " فلما جاءها " معناه جاء النار " نودي أن بورك من في النار ومن حولها " وقيل في معناه قولان: احدهما - بورك نور الله الذي في النار، وحسن ذلك، لانه ظهر لموسى بآياته وكلامه من النار. في قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة والحسن. الثاني - الملائكة الذين وكلهم الله بها على ما يقتضيه. " ومن حولها " - في قول ابي علي الجبائي - ولا خلاف أن الذين حولها هم الملائكة الذين وكلوا بها. و " سبحان الله رب العالمين ". وقوله " ان بورك " يحتمل أن يكون نصبا على نودي موسى بأن بورك. ويحتمل الرفع على نودي البركة، والبركة ثبوت الخير النامي بالشئ. قال الفراء العرب تقول: بارك الله، وبورك فيك. وقوله " انه انا الله العزيز الحكيم " معناه ان الله قال لموسى ان الذي يكلمك هو الله العزيز القادر الذي لا يغالب، الحكيم في افعاله، المئزه من القبائح. قال الفراء: الهاء في قوله " انه " عماد، ويسميها البصريون إضمار الشأن والقصة. ثم أراد أن يبين له دلالة يعلم بها صحة النداء، فقال " والق عصاك " من يدك، وفي الكلام حذف، وهو أنه القى عصاه وصارت حية " فلما رآها تهتز كأنها جان " وهي الحية الصغيرة مشتق من الاجتنان، وهو الاستتار، وقال

[ 78 ]

الفراء: هي حية بين الصغيرة والكبيرة، قال الراجز: يرفعهن بالليل إذا ما أسدفا * أعناق جان وهاما رجفا (1) ووصف العصا في هذا الموضع " كأنها جان " وفى الشعراء بأنها ثعبان، وهي الحية الكبيرة، لانها جمعت صفة الجان في اهتزازه وسرعة حركته مع انه ثعبان في عظمه، ولذلك هاله ف‍ " ولى مدبرا ". وقيل انها أول شئ صارت جانا ثم تدرجت إلى ان صارت ثعبانا، وهم يشاهدونها، وذلك أعظم في الاعجاز. وقيل: ان الحالين مختلفان، لان الحال التي صارت فيها جانا هي الحال التي خاطبه الله في أول ما بعثه نبيا، والحال التي صارت ثعبانا هي الحال التي لقي فرعون فيها. فلا تنافي بينهما على حال. وقوله " ولم يعقب " معناه ولم يرجع - في قول قتادة - وقال الجبائي معناه لم يرجع على عقبيه. والمعاقبة ذهاب واحد ومجئ آخر على وجه المناوبة. وانما ولى منها موسى بالبشرية، لا انه شك في كونها معجزة له ولا يضره ذلك. وقوله " يا موسى لا تخف " نداء من الله تعالى لموسى وتسكين منه، ونهي له عن الخوف. وقال له انك مرسل و " لا يخاف لدي المرسلون " لانهم لا يفعلون قبيحا، ولا يخلون بواجب، فيخافون عقابه عليه، بل هم منزهون عن جميع ذلك. وقوله " إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء " صورته صورة الاستثناء، وهو منقطع عن الاول وتقديره لكن من ظلم نفسه بفعل القبيح، ثم بدل حسنا بعد سوء، بأن تاب من القبيح، وفعل الحسن، فانه يغفر له. وقال قوم:


(1) تفسير الطبري 19 / 76 وروايته: يرقلن بالليل إذا ما رجفا * اعناق جان وهاما رجفا (*)

[ 79 ]

هو استثناء متصل وأراد من فعل صغيرة من الانبياء. فعلى هذا يكون الاستثناء متصلا - ذكره الحسن - وهذا تأويل بعيد، لان صاحب الصغيرة لا خوف عليه أيضا لوقوعها مكفرة. والاستثناء وقع من المرسلين الذين لا يخافون، فالاول هو الصحيح. وقوله " ثم بدل حسنا بعد سوء " معناه ندم على ما فعله من القبيح، وتاب منه وعزم على أن لا يعود إلى مثله في القبح، فان من تلك صورته، فان الله يغفر له ويستر عليه لانه رحيم. وقيل: المعنى " لا يخاف لدي المرسلون " انما الخوف على من سواهم " إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء " قال الجبائي: في الآية دلالة على انه يسمى الحسن حسنا قبل وجوده وبعد تقضيه، وكذلك القبيح، وهذا إنما يجوز على ضرب من المجاز، دون الحقيقة، لان كون الشئ حسنا أو قبيحا بقيد حدوثه على وجه لا يصح في حال عدمه، وانما سمي بذلك بتقدير أنه متى وجد كان ذلك، وقال قوم " إلا " بمعنى الواو، فكأنه قال اني لا يخاف لدي المرسلون، ولا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء، فاني أغفر له. قوله تعالى: * (وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى فرعون وقومه إنهم كانوا قوما فاسقين (12) فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين (13) وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا فانظر كيف كان عاقبة

[ 80 ]

المفسدين (14) ولقد آتينا داود وسليمن علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين) * (51) أربع آيات بلا خلاف. امر الله تعالى موسى (ع) أن يدخل يده في جيبه. وقيل: أراد كمه. وقيل: ثيابه " تخرج بيضاء من غير سوء " يعني من غير برص. وقال المبرد: السوء إذا اطلق يراد به البرص، وإذا وصل بشئ، فهو كلما يسوء، قال: وتقديره كأن هاتين مع بقية الآيات تسع آيات. والتقدير ادخل يدلك في جيبك فان ذلك مع إلقائك العصا، وما بعد ذلك من الآيات تسع آيات، كما يقال جاء فلان في جمع كثير، وهو احد ذلك الجمع. وقيل: إن معنى (في) من. وقال ابن مسعود: اتى موسى فرعون وعليه جبة صوف. وقال مجاهد كان كمها إلى بعض يده. وقوله " إلى فرعون " تقديره مرسلا إلى فرعون وقومه في تسع آيات. وحذف كما قال الشاعر: رأتني بخيليها فصدت مخافة * وفي الخيل دوعاء الفؤاد فروق (1) اي رأتني مقبلا بخيليها. ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه بأنهم " كانوا قوما فاسقين " والآيات التسع التي كانت لموسى (ع): قلب العصا حية. واليد البيضاء. والجراد. والقمل. والضفادع، والدم. والبحر وانفلاقه. ورفع الطور فوق رؤسهم. وانفجار الحجر اثنتا عشرة عينا. وقيل: بدل البحر


(1) تفسير الطبري 19 / 78 (*)

[ 81 ]

والجبل الطوفان والطمس. ذكره ابن زيد. ثم اخبر تعالى عن فرعون وقومه أنه لما جاءتهم آيات الله ودلائله مبصرة. وقيل في معنى مبصرة قولان: احدهما - انها تبصر الصواب من الخطأ، يقال أبصرته وبصرته بمعنى واحد، كقولك أكفرته وكفرته، واكذبته وكذبته. الثاني - مبصرة للحق من الباطل، فهي تهدي إليه كأنها تراه. قالوا عند ذلك إنه هذه الآيات " سحر مبين " أي ظاهر. ثم قال " وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا " والمعنى انهم عرفوها وعلموها بقلوبهم، لكنهم جحدوا بها بألسنتهم طلبا للعلو والتكبر، ففي ذلك دلالة على أنهم كانوا معاندين إذ جحدوا ما عرفوا. وقال الرماني: لا تدل على ذلك، لان معرفتهم كانت بوقوعها على الحقيقة. فأما الاستدلال على أنها من فعل الله ومن قبله ليدل بها على صدق من أعطاها إياه فبعد العلم بوقوعها. وقال أبو عبيدة: الباء زائدة، والمعنى وجحدوها، كما قال العجاج: نضرب بالسيف ونرجوا بالفرح (1) وقيل انهم جحدوا ما دلت عليه من تصديق الرسول، كما تقول كذبت به أي بما جاء به. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " فانظر " يا محمد * (كيف كان عاقبة المفسدين) * لان الله أهلكهم وغرقهم ودمر عليهم. ثم اخبر تعالى بأنه اعطى داود وسليمان علما من عنده، وانهما قالا الحمد لله


(1) قد مر في 7 / 118 من هذا الكتاب (*)

[ 82 ]

الذي فضلنا على كثير من عباده المؤمنين، بأن جعلنا أنبياء واختارنا من بين الخلائق. والعلم الذي اوتياه قيل: هو علم الاحكام. وقيل: هو العلم بمنطق الطير، وكلام البهائم. قوله تعالى: * (وورث سليمن داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شئ إن هذا لهو الفضل المبين (16) وحشر لسليمن جنوده من الجن والانس والطير فهم يوزعون (17) حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمن وجنوده وهم لا يشعرون (18) فتبسم ضاحكا من قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضيه وأدخلني برحمتك في عبادك الصالحين) * (19) أربع آيات بلا خلاف. اخبر الله تعالى أن سليمان ورث داود. واختلفوا فيما ورث منه، فقال اصحابنا إنه ورث المال والعلم. وقال مخالفونا: انه ورث العلم، لقوله صلى الله عليه وآله نحن معاشر الانبياء لا نورث.

[ 83 ]

وحقيقة الميراث هو انتقال تركة الماضي بموته إلى الثاني من ذوي قرابته. وحقيقة ذلك في الاعيان، فإذا قيل ذلك في العلم كان مجازا. وقولهم: العلماء ورثة الانبياء، لما قلنا. والخبر المروي عن النبي صلى الله عليه وآله خبر واحد، لا يجوز أن يخص به عموم القرآن ولا نسخه به. وقال بعضهم: إن داود كان له تسعة عشر ولدا ذكورا وورثه سليمان خاصة، فدل على أنه إنما ورثه العلم والنبوة، فخبر واحد لا يلتفت إليه. وقوله * (يا أيها الناس علمنا منطق الطير) * أي فهمنا معاني منطقها وما نفهم به بعضها عن بعض، قال المبرد: والعرب تسمي كل مبين عن نفسه ناطقا ومتكلما قال رؤبة: لو انني اوتيت علم الحكل * علم سليمان كلام النمل (1) وقال الرماني * (منطق الطير) * صوت يتفاهم به معانيها على صيغة واحدة، بخلاف منطق الناس إذ هو صوت يتفاهمون به معانيهم على صيغ مختلفة، لذلك لم نفهم عنها مع طول مصاحبتها، ولم تفهم هي عنا، لان افهامها مقصورة على تلك الامور المخصوصة، ولما جعل سليمان يفهم عنها، كان قد علم منطقها. وقوله * (واوتينا من كل شئ) * لفظه لفظ العموم، والمراد به الخصوص لانه لم يؤت اشياء كثيرة. وقيل: المعنى * (وأوتينا من كل شئ) * يطلبه طالب لحاجته إليه وانتفاعه به، ويحتمل أن يكون المراد * (وأوتينا من كل شئ) * علما وتسخيرا في كل ما يصلح أن يكون معلوما لنا ومسخرا، غير ان مخرجه مخرج العموم أبلغ وأحسن. ثم اخبر ان سليمان كان قد قال هذا القول: إن هذا لهو الفضل الظاهر. اعترافا


(1) مقايبس اللغة (حكل) 2 / 91 (*)

[ 84 ]

بنعم الله. ويحتمل أن يكون ذلك اخبارا من الله بأن ما ذكره هو الفضل الظاهر. وقيل: معناه وأعطينا من كل شئ من الخيرات. وقوله " وحشر لسليمان جنوده " أي جمع له من كل جهة جنوده " من الجن والانس والطير " قال محمد بن كعب القرطي: كان عسكره مئة فرسخ، خمسة وعشرون من الانس، وخمسة وعشرون من الجن، وخمسة وعشرون من الطير، وخمسة وعشرون من الوحش، وقوله " فهم يوزعون " معناه قال ابن عباس: يمنع أولهم على آخرهم وقال ابن زيد: يساقون. وقال الحسن: معناه يتقدمون. وقول ابن عباس أقوى، لانه من قولهم: وزعه من الظلم إذا منعه من ذلك وكفه، قال النابغة: على حين عاتبت المشيب على الصبى * وقلت الما أصح والشيب وازع (1) ويقولون لابد للسلطان من وازعة أي يمنع الناس عنه، وقال الشاعر: لم يزع الهوى إذ لم توات * بلى وسلوت عن طلب العتاة (2) وقيل: معنى يوزعون يمنعون ان نزلوا عن مراتبهم بالجمع مرة، وبالتفريق أخرى، حتى يتقدموا في مسيرهم. والايزاع المنع من الذهاب، فانما منع أول الجنود على آخرهم ليتلاحقوا، ولا يتفرقوا، كما تقدم الجيوش إذا كثرت بمثل ذلك. وقوله " حتى اتوا على واد النمل " معناه سار سليمان وجنوده حتى بلغوا واديا فيه النمل و " قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون " قيل: كانت معرفة النمل بسليمان على طريق المعجزة الخارقة للعادة له (ع) على غيره. وهذا غير لازم لانه لا يمتنع ان تعرف البهيمة هذا الضرب كما تعرف كثيرا مما فيه نفعها وضرها فمن معرفة النملة انها تكسر الحبة بقطعتين لئلا تنبت، الا الكربزة فانها تكسرها باربع قطع، لانها تنبت إذا


(1) الطبري 19 / 80 والقرطبي 13 / 168 (2) تفسير الطبري 19 / 80 (*)

[ 85 ]

كسرت بقطعتين، فمن هداها إلى هذا هو الذي يهديها إلى ما يحطمها مما لا يحطمها. وقيل: جعل لها منطق تفهم به المعاني، لانه يفهم به المعاني كما تفهم به، كالفم وبكما الفرح قال الشاعر: عجبت لها أنى تكون غناؤها * فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما (1) وقيل: انه ظهر من النملة امارات من الرجوع إلى بيتها خوفا من حطم جنود سليمان إياها، فاعلم به سليمان انها تحرزت، فعبر عن ذلك بالقول مجازا كما قال الشاعر: امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (2) ولم يكن هناك قول من الحوض. ويقولون: عيناك تشهد بسهرك، ويريدون بذلك امارات السهر التي تظهر في العين، وقوله " لا يحطمنكم سليمان " أي يكسرنكم بأن يطأكم عسكره " وهم لا يشعرون " أي لا يعلمون بوطئكم، فلما فهم سليمان هذا " تبسم ضاحكا من قولها. وقال رب أوزعني " أي الهمني ما يمنع من ذهاب الشكر عني بما أنعمت به علي وعلى والدي، ووفقني " ان اعمل صالحا ترضاه وادخلني برحمتك في عبادك الصالحين " كالانبياء ومن يجري مجراهم ممن يعمل الاعمال الصالحة ولا يرتكب شيئا من القبائح. وقال ابن زيد: معنى في عبادك مع عبادك. قوله تعالى: * (وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من


(1) اللسان (غنا) (2) قد مر في 1 / 431 (*)

[ 86 ]

الغائبين (20) لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو لياتيني بسلطان مبين (21) فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبا بنبا يقين (22) إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم (231) وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون (24) ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخب ء في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (25) ألله لا إله إلا هو رب العرش العظيم) * (26) سبع آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير " أو ليأتينني بسلطان مبين " بنونين الاولى مشددة مفتوحة والثانية مكسورة. الباقون بنون واحدة مشددة مكسورة. وقرأ " مكث " عاصم وروح - بفتح الكاف - الباقون بضمها، وهما لغتان. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " من سبأ بنبأ " غير مصروف. الباقون مصروفا، منونا. من لم يصرفه فلانه معرفة ومؤنث، لانه قيل: ان (سبأ) حي من احياء اليمن. وقيل: هو اسم أمهم. وقد قال الزجاج: (سبأ) مدينة تعرف بمأرب من اليمن، وبينها وبين صنعاء مسيرة ثلاثة أيام، فإذا صرفته فعلى البلد، وإذا لم تصرفه، فعلى المدينة. وقيل: من صرفه جعله إسما للمكان، ومن لم يصرفه جعله اسما للبقعة.

[ 87 ]

قال جرير: الواردون وتيم في ذوي سبأ * قد عض أعناقهم جلد الجواميس (1) وقال آخر في ترك صرفه: من سبأ الحاضرين مأرب إذ * يبنون من دون سيله العرما (2) وقرأ الكسائي وابو جعفر ورويس " ألا يا اسجدوا " بتخفيف (ألا). الباقون " ألا يسجدوا " مشددة. وجه قراءة الكسائي أنه جعل (ألا) للتنبيه (يا) هؤلاء على حذف المنادي " اسجدوا " على الامر، قال الاخطل: ألا يا اسلمي يا هند هند بني بدر * وإن كان حيانا عدى آخر الدهر (3) أي ألا يا هند. وقرأ ابن مسعود " هلا " وذلك يقوى قراءة من قرأ بالتخفيف. ومن قرأ بالتشديد فمعناه وزين لهم الشيطان ضلالتهم لئلا يسجدوا لله، وشاهد الاول قول الشاعر: ألا اسلمي يا دارمي على البلى * ولا زال منهلا بجرعائك القطر (4) وقال العجاج: يا دار سلمي يا اسلمي ثم اسلمي * عن سمسم أو عن يمين سمسم اخبر الله سبحانه عن سليمان أنه " تفقد الطير، فقال مالي لا أرى الهدهد " قيل كان سبب تفقده الهدهد أنه احتاج إليه في سيره ليدله على الماء، لانه يقال: انه يرى الماء في بطن الارض. كما نراه في القارورة - وذكره ابن عباس - وقال وهب بن منية: كان تفقده إياه لاخلاله بنوبته. وقيل: كان سبب تفقده أن الطير كانت تظله من الشمس، فلما أخل الهدهد بمكانه بان بطلوع الشمس عليه


(1) مر تخريجه انظر 6 / 388 (2) تفسير القرطبي 13 / 181 (3) تفسير الطبري 19 / 84 (4) تفسير القرطبى 13 / 187 (*)

[ 88 ]

وقوله " أم كان من الغائبين " معنى (أم) بل. وقيل: " معناه أتأخر عصيانا " أم كان من الغائبين " لعذر وحاجة. ثم قال " لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين " وهذا وعيد منه للهدهد أنه متى لم يأت سليمان بحجة ظاهرة في تأخره يفعل به أحد ما قاله، عقوبة له على عصيانه. قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: تعذيب الهدهد نتف ريشه وطرحه في الشمس. قوله " فمكث غير بعيد " أي لبث غير بعيد، وفى ماضيه لغتان - فتح الكاف وضمها - ثم جاء سليمان، فقال معتذرا عن تأخره، واخلاله بموضعه " أحطت بما لم تحط به " أي علمت ما لم تعلم، وعلم الاحاطة هو أن يعلمه من جميع جهاته التي يمكن أن يعلم عليها تشبيها بالسور المحيط بما فيه. ثم قال له " وجئتك من سبأ " يا سليمان يا نبي الله " بنبأ " و (سبأ) مدينة أو قبيلة على ما بيناه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله ان (سبأ) رجل واحد له عشرة من العرب فتيامن ستة وتشاءم أربعة، فالذين تشاءموا: لخم، وجذام، وغسان، وعاملة. والذين تيامنوا: كندة، والاشعرون، والازد، ومذحج، وحمير، وانمار، ومن الانمار خثعم وبجيلة. وقوله " بنبأ يقين " أي بخبر لا شك فيه، وانه يحتاج إلى معرفته، لما فيه من الاصلاح لقوم قد تلاعب بهم الشيطان في ذلك، فعذره عند ذلك سليمان [. وقيل: عذر الهدهد بما أخبره بما يحبه لما فيه من الاجر وإصلاح الملك الذي وهبه الله ] (1) ثم شرح الخبر فقال " إني وجدت امرأة تملكهم " وتتصرف فيهم بحيث لا يعترض عليها أحد ومع ذلك " أوتيت من كل شئ " أي


(1) ما بين القوسين كان في المطبوعة متأخرا عن مكانه اسطرا (*)

[ 89 ]

أعطيت كل شئ، لفظه لفظ العموم والمراد به المبالغة في كثرة ما أوتيت من نعم الدنيا وسعة الملك. وقيل: انها أوتيت كل شئ يؤتى الملوك، والعرش العظيم سرير كريم معمول من ذهب وقوائمه من لؤلؤ وجوهر - في قول ابن عباس - ثم اخبر انه وجدها " وقومها يسجدون للشمس من دون الله " وأن الشيطان زين ذلك لهم فهم لا يهتدون إلى سبيل الحق والتوحيد واخلاص العبادة لله تعالى. ثم قال الهدهد على وجه التوبيخ والتهجين لفعلهم " ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبأ في السموات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون " والخب ء هو المخبوء، وهو ما أحاط به غيره حتى منع من إدراكه. وضع المصدر موضع الصفة خبأته اخبائه خبأ. وما يوجده الله ويخرجه من العدم إلى الوجود فهو بهذه المنزلة فخب ء السماء الامطار والرياح، وخب ء الارض الاشجار والنبات " ويعلم ما تخفون وما تعلنون " فمن قرأ بالتاء جعله للمخاطبين. ومن قرأ بالياء فللغائبين. والخب ء والخفاء نظائر، وقيل الخب ء الغيب، وهو كل ما غاب عن الادراك. وقوله " فهم لا يهتدون " دليل على أن المعارف ليست ضرورة، لانه اراد لا يهتدون إلى دين الله. وقال الجبائي: لم يكن الهدهد عارفا بالله وإنما أخبر بذلك، كما يخبر مراهقوا صبياننا، لانه لا تكليف عليهم ولا تكيف إلا على الملائكة والجن والانس، وهذا الذي ذكره خلاف الظاهر، لان الاحتجاج الذي حكاه الله عن الهدهد احتجاج عارف بالله وبما يجوز عليه ومالا يجوز، لانه قال " وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله " ولا يجوز أن يفرق بين الحق في السجود لله وبين الباطل الذي هو السجود للشمس، وان احدهما حسن

[ 90 ]

والآخر قبيح إلا من كان عارفا بالله وبما يجوز عليه وما لا يجوز، وذلك ينافي حال الصبيان، ثم نسب تزيين عملهم إلى الشيطان، وهذا قول من عرفه وعرف ما يجوز عليه في عدله، وأن القبيح لا يجوز عليه، ثم حكى أنه قال إن الشيطان صدهم عن السبيل: الحق باغوائهم، وانهم مع هذا الصد لا يهتدون إلى الحق من توحيد الله وعدله. وقال أبو عبد الله البصري في بعض المواضع: إن الهدهد كان رجلا من البشر اسمه هدهد، ولم يكن من الطير وهذا غلط لان الله تعالى قال " وتفقد " يعني سليمان تفقد " الطير فقال مالي لا أرى الهدهد " فكيف يحمل ذلك على انه إسم رجل ؟ ! إن هذا من بعيد الاقوال. وقال الفراء: من قرأ " ألا " بالتخفيف، فهو موضع سجدوا، ومن ثقل، فلا ينبغي أن يكون موضع سجدوا وقد يجوز السجود على مخالفة تزيين الشيطان. ومعنى " ويعلم ما يخفون وما يعلنون " أي ما يسرون في نفوسهم، وما يظهرونه. وقرأ الكسائي وحفص " ما تخفون وما تعلنون " بالتاء فيهما على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. ثم اخبر فقال " الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم " إلى ههنا تمام حكاية ما قاله الهدهد. و (العرش) سرير الملك الذي عظمه الله ورفعه فوق السموات السبع وجعل الملائكة تحف به وترفع أعمال العباد إليه، وتنشأ البركات من جهته فهو عظيم الشأن، كما وصفه تعالى. قوله تعالى: * (قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين (27) إذهب بكتابي هذا فالقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا

[ 91 ]

يرجعون (27) قالت يا أيها الملؤ إني ألقي إلي كتاب كريم (29) إنه من سليمن وإنه بسم الله الرحمن الرحيم (30) ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين) * (31) خمس آيات بلا خلاف. لما سمع سليمان ما اعتذر به الهدهد في تأخره بما قصه الله تعالى وذكرناه قال عند ذلك " سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين " في قولك الذي أخبرتنا به فأجازيك بحسب ذلك. وإنما لم يقل: أصدقت أم كذبت، وقال: أم كنت من الكاذبين، لانه أليق في الخطاب، لانه قد يكون من الكاذبين بالميل إليهم وقد يكون منهم بالقرابة التي بينه وبينهم. وقد يكون منهم بأن يكذب كما كذبوا ومثل ذلك في الخطاب ولينه قولهم: ليس الامر على ما تقول، فهو ألين من كذبت، لانه قد يكون ليس كما تقول من جهة الغلط الذي لا يوصف بالصدق ولا بالكذب. ثم أمر سليمان الهدهد بأن يذهب بكتابه الذي كتبه له وأشار إليه بقوله " هذا فألقه إليهم ثم تولى عنهم فانظر ماذا يرجعون " وقيل: في الكلام تقديم وتأخير، وتقديره فالقه إليهم فانظر ماذا يرجعون، ثم تولا عنهم، وهذا لا يحتاج إليه، لان الكلام صحيح على ما هو عليه من الترتيب. والمعنى فألقه إليهم ثم تول عنهم قريبا منهم، فانظر ماذا يرجعون - على ما قال وهب بن منية وغيره - فانهم قالوا معنى " تول عنهم استتر عنهم، وفي الكلام حذف، لان تقديره فمضى الهدهد بالكتاب. وألقاه إليهم، فلما رأته قالت لقومها " يا أيها الملاء " وهم أشراف اصحابها " إني ألقي إلي كتاب كريم " ومعنى كريم أنه حقيق بأن

[ 92 ]

يوصل الخير العظيم من جهته، فلما رأت آثار ذلك في كتاب سليمان وصفته بأنه كريم. وقيل: أرادت ب‍ (كريم) انه من كريم يطيعه الانس والجن والطير. والهاء في قوله " انه من سليمان " كناية عن الكتاب، والهاء في قوله " وإنه بسم الله الرحمن الرحيم " كناية عما في الكتاب. وقيل: إنه كان مختوما، فلذلك وصفته بأنه كريم. وقوله " بسم الله الرحمن الرحيم " حكاية ما قالته على المعنى باللغة العربية، وإن كانت لم تقل هي بهذا اللفظ، والحكاية على ثلاثة اوجه: حكاية على المعنى فقط، وحكاية على اللفظ فقط من غير أن يعلم معناه. وحكاية على اللفظ والمعنى وهو الاصل في الحكاية التي لا يجوز العدول عنها إلا بقرينة. وموضع " ان لا تعلوا " يجوز أن يكون رفعا بالبدل من (كتاب) ويحتمل النصب على معنى بأن لا تعلوا. والعلو على الشئ طلب القهر له بما يكون به بحسب سلطانه " لا تعلوا علي " أي لا تطلبوا تلك الحال، فانكم لا تنالونها مني، * (وأتوني مسلمين) * يحتمل وجهين: احدهما - واتوني مؤمنين بالله ورسوله. الثاني - مستسلمين لامري فيما أدعوكم إليه فاني لا أدعو إلا إلى الحق. قوله تعالى: * (قالت يا أيها الملؤ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون (32) قالوا نحن أولوا قوة وأولوا باس شديد * والامر إليك فانظري ماذا تأمرين (33) قالت إن الملوك إذا

[ 93 ]

دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة وكذلك يفعلون (34) وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون) * (35) خمس آيات حجازي. وأربع فيما عداه. عد الحجازيون شديد رأس آية ولم يعده الباقون. حكى الله تعالى ان المرأة لما وقفت على كتاب سليمان، ووصفته بأنه كتاب كر ؟ ؟، وعرفتهم ما فيه قالت لاشراف قومها * (افتوني في أمري) * اي أشيروا علي والفتيا هو الحكم بما هو صواب بدلا من الخطأ، وهو الحكم بما يعمل عليه كما يسأل العامي العالم ليعمل على ما يجيبه به، ثم قالت لهم لم أكن أقطع أمرا ولا أفصل حكما دونكم ولا أعمل به * (حتى تشهدون) * وتعاينوه. وهذا ملاطفة منها لقومها في الاستشارة منهم فيما يعمل عليه، فقالوا لها في الجواب عن ذلك انا * (نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد) * أي أصحاب قدرة وأصحاب بأس أي شجاعة شديدة * (والامر اليك فانظري ماذا تأمرين) * ما الذي تأمرينا به لنمتثله، وهذا القول منهم فيه عرض القتال عليها إن أرادت، فقالت لهم في الجواب * (ان الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها) * فكونوا على حذر من ذلك * (وجعلوا أعزة أهلها أذلة) * قيل بأن يستعبدوهم. فقال الله تعالى تصديقا لهذا القول * (وكذلك يفعلون) * قال ابن عباس: إنما يفعلون ذلك إذا دخلوها عنوة. ثم حكى انها قالت * (إني مرسلة إليهم بهدية) * فأذنوا للامر في ذلك لانظر ما عند القوم فيا يلتمسون من خير أو شر. وقيل إنها ارسلت بجوار وغلمان على زي واحد. فقالت ان ميز بينهم ورد الهدية وأبا إلا المتابعة، فهو نبي وإن قبل الهدية فانما هو من الملوك. وعندنا ما يرضيه - ذكره ابن عباس -

[ 94 ]

وقيل: انها أرسلت إليه بلبنة من ذهب فأمر سليمان أن تطرح بين أرجل الدواب وسراقينها استهانة بذلك. قوله تعالى: * (فلما جاء سليمن قال أتمدونن بمال فعا آتيني الله خير مما آتيكم بل أنتم بهديتكم تفرحون (36) إرجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون (37) قال يا أيها الملؤ أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين (38) قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين (39) قال الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان ربي غني كريم) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة ويعقوب " أتمدوني " بنون واحدة مشددة على الادغام وياء ثابتة في الوصل والوقف. الباقون بنونين. اخبر الله تعالى إن الهدية التي أنفذت بها المرأة، لما وصلت إليه، قال لموصلها

[ 95 ]

" أتمدونني بمال " والامداد الحاق الثاني بالاول، والثالث بالثاني إلى حيث ينتهي. والمعنى لست أرغب في المال الذي تمدونني به، وإنما أرغب في الايمان الذي دعوتكم إليه والاذعان بالطاعة لله ورسوله. ثم قال " فما آتاني الله خير مما آتاكم " بالتمكين من المال الذي لي أضعافه واضعاف أضعافه إلى ما شئت منه. ثم قال لهم " بل أنتم بهديتكم تفرحون " أي ما يهدى اليكم " لانكم أهل مفاخرة في الدنيا ومكاثرة. وقيل بهديتكم التي اهديتموها الي تفرحون. والهدية العطية على جهة الملاطفة من غير مئابة، تهدى هدية، لانها تساق إلى صاحبها على هداى، فالاصل الهداية وهي الدلالة على طريق الرشد. ثم حكى ما قال سليمان لرسولها الذي حمل الهدية " ارجع إليهم " وقل لهم " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها " أي لا طاقة لهم بهم ولا يقدرون على مقاومتهم " ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون " فالذليل هو الناقص القوة في نفسه بما لا يمكنه أن يدفع غيره عن نفسه. والصاغر هو الذليل الصغير القدر المهين، يدل على معنى التحقير بشيئين، ونقيض الذليل العزيز وجمعه أعزة،. جمع الذليل أذلة. ثم حكى تعالى أن سليمان قال لاشراف عسكره وأماثلة جنده " ايكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين " فاختلفوا في الوقت الذي قال سليمان " أيكم يأتيني بعرشها " فقال قوم قال ذاك حين جاءه الهدهد بالخبر، وهو الوقت الاول لانه يبين به صدق الهدهد من كذبه، ثم كتب الكتاب بعد - في قول ابن عباس - وقال وهب بن منية: انما قال ذلك بعد مجئ الرسل بالهدية. واختلفوا في السبب الذي لاجله خص بالطلب فقيل لانه أعجبته صفته فأحب أن يراه، وكان من ذهب وقوائمه مكلل من جوهر، على ما ذكره قتادة. وقال

[ 96 ]

ابن زيد: لانه أحب أن يعاينها ويختبر عقلها إذا رأته اتثبته أم تنكره. وقيل: ليريها قدرة الله في معجزة، يأتي بها في عرشها. واختلفوا في معنى " مسلمين " فقال ابن عباس: معناه طائعين مستسلمين وقال ابن جريج: هو من الاسلام الذي هو دين الله الذي أمر به عباده. ثم حكى تعالى انه أجاب سليمان عفريت من الجن. ومعنى عفريت مارد قوي داهية، يقال: عفريت وعفرية، ويجمع عفاريت وعفاري. قال سيبويه: هو مأخوذ من العفر. والمعنى كل سديد في مذهبه من الدهاء والنكارة والنجابة يقال: رجل عفرية نفرية على وزن (زبينة) لواحد الزبانية. وقوله " انا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك " أي من مجلسك الذي تقضي فيه - في قول قتادة - " وإني عليه " يعني على الاتيان به في هذه المدة " لقوي أمين " وفى ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: القدرة تتبع الفعل لانه أخبر انه قوي عليه، ولم يجئ بعد بالعرش. وقال ابن عباس: " أمين " على فرج المرأة. فقال عند ذلك " الذي عنده علم من الكتاب " قال ابن عباس وقتادة: هو رجل من الانس، كان عنده علم إسم الله الاعظم الذى إذا دعي به أجاب. وقيل: يا إلهنا وإله كل شئ يا ذا الجلال والاكرام، وقال الجبائي: الذى عنده علم من الكتاب سليمان (ع). وقال ذلك للعفريت ليريه نعمة الله عليه. والمشهور عند المفسرين هو الاول. وقد ذكر أن إسمه اصف بن برخيا. وقيل: هو الخضر. وقال مجاهد: اسمه أسطوع. وقال قتادة: اسمه مليخا. وقوله " انا آتيك به قبل ان يرتد اليك طرفك " قيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: إن ذلك على وجه المبالغة في السرعة. الثاني - قال قتادة: معناه قبل أن يرجع اليك ما يراه طرفك. وقيل:

[ 97 ]

قبل ان يرجع طرفك خاسئا إذا فتحتها وادمت فتحها. وقيل: قبل أن تفتحها وتطبقها. وقيل: حمل العرش من مأرب إلى الشام في مقدار رجع البصر. وقيل: شقت عنه الارض فظهر. وقيل يجوز أن يكون الله اعدمه ثم اوجده في الثاني بلا فصل بدعاء الذي عنده علم من الكتاب، وكان مستجاب الدعوة إذا دعا باسم الله الاعظم. ويكون ذلك معجزة له. وقال قوم: كان ذلك معجزة لسلمان. وفي الكلام حذف، لان تقديره " أنا آتيك به قبل أن يرتد اليك طرفك " فأتاه به " فلما رآه " سليمان " مستقرا عنده قال " معترفا بنعم الله عليه " هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر " أي أأشكر على نعمه أم أجحدها. ثم قال سليمان " ومن شكر فانما يشكر لنفسه " لان ثواب ذلك يعود عليه ومن جحد نعم الله فانما يضر نفسه، لان عقاب ذلك يحل به " فان الله غني " عن شكره وعن كل شئ. " كريم " في انعامه على خلقه. وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم - في رواية حفص - * (فما أتاني الله) * - بفتح الياء - في الوصل. الباقون " فما آتان " بغير ياء في الوصل. قوله تعالى: * (قال نكروا لها عرشها ننظر أتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون (41) فلما جاءت قيل لها أهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين (42) وصدها ما كانت

[ 98 ]

تعبد من دون الله إنها كانت من قوم كافرين (43) قيل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ساقيها قال إنه صرح ممرد من قوارير * قال رب إني ظلمت نفسي وأسلمت مع سليمن لله رب العالمين (44) ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (45) خمس آيات عند الكل ما عدا الكوفي، فانها في عدده ست آيات عد * (قوارير) * آية. ولم يعده الباقون. حكى الله تعالى ان سليمان أمر ان ينكروا لها عرشها، وهو أن يغيره إلى حال تنكره إذا رأته اراد بذلك اعتبار عقلها على ما قيل. والجحد والانكار: جحد العلم بصحة الشئ، ونقيضه الاقرار، والتنكير تغيير حال الشئ إلى حال ينكرها صاحبها إذا رآها. وقوله " ننظر اتهتدي أم تكون من الذين لا يهتدون " بيان من سليمان ان الغرض بتنكير عرشها ننظر اتهتدي بذلك أم تكون من الذين لا يهتدون إلى طريق الرشد، فلما جاءت المرأة، قال لها سليمان " أهكذا عرشك " فقالت في الجواب كأنه هو، ولم تقطع عليه، لما رأت من تغير احواله. فقال سليمان " واوتينا العلم من قبلها " قال مجاهد: هو من قول سليمان " وكنا مسلمين " اي مؤمنين بالله مستسلمين له. وقال الجبائي: هو من كلام قوم سليمان (ع). ثم اخبر تعالى فقال " وصدها ما كانت تعبد من دون الله " ومنعها

[ 99 ]

منه وتقديره وصدها سليمان عما كانت تعبد من دون الله، ومنعها منه " انها كانت من قوم كافرين " بنعم الله عليهم عابدين مع الله غيره. وقال الفراء: يجوز ان يكون المراد صدها عن عبادة ما كانت تعبد من دون الله من الشمس انها كانت من قوم كافرين يعبدون الشمس، فنشأت على ذلك. وكسر (انها) على الاستئناف، ولو نصب على معنى، لانها جاز. ثم حكى بأنه قيل لها " ادخلي الصرح " فالصرح هو الموضع المنبسط المنكشف من غير سقف، ومنه قولهم: صرح بالامر إذا افصح به، ولم يكن عنه. والتصريح خلاف التعريض، وفلان يكذب صراحا من هذا. " فلما رأته حسبته لجة " يعني ان المرأة لما رأت الصرح ظنته لجمة، واللجة معظم الماء. ومنه لجج البحر خلاف الساحل. ومنه لج في الامر إذا بالغ بالدخول فيه " وكشفت عن ساقيها " ظنا منها انها تريد ان تخوض الماء. وقيل: ان سليمان اجرى الماء تحت الصرح الذي هو كهيئة السطح. وقيل: الصرح صحن الدار يقال صرحة الدار، وراحة الدار، وقاعة الدار، وقارعة الدار كله بمعنى صحن الدار. وقيل صرح القصر، قال الشاعر: بهن نعام بناء الرجال * تشبه اعلامهن الصروحا (1) وقال أبو عبيدة: كل بناء من زجاج أو صخر أو غير ذلك موثق، فهو صرح، ومنه " يا هامان ابن لي صرحا " (2) وقيل: انه اراد ان يختبر عقلها. وقيل: لانهم كانوا قالوا: إن ساقيها مثل ساق الحمار برجل حمار، لانها من ولد بين الانس والجن، لانه قيل: ان الجن خافت ان يتزوج بها سليمان،


(1) تفسير القرطبي 13 / 209 والطبري 20 / 41 (2) سورة 40 المؤمن آية 36 (*)

[ 100 ]

فقالوا ذلك لينفروا عنها، فلما امتحن ذلك وجده على خلاف ما قيل فيه. وقيل: انه كان قيل: ان على ساقيها شعرا، فلما كشفته بان الشعر فساءه ذلك واستشار الجن في ذلك، فعملوا له النورة والزرنيخ. وقيل: انه اول من اتخذ له ذلك. وقيل: انما فعل ذلك ليريها عظيم آيات الله لتسلم وتهتدي إلى دين الله. ثم قال لها " انه صرح ممرد من قوارير " فالممرد المملس، ومنه الامرد. وشجرة مرداء ملساء لا ورق عليها، والمارد الخارج عن الحق المملس منه. فقالت عند ذلك يا رب " اني ظلمت نفسي " بما ارتكب من المعاصي بعبادة غيرك " واسلمت " الآن " مع سليمان لله رب العالمين " الذي خلق الخلق. وقيل: انها لما اسلمت تزوجها سليمان (ع). ثم اخبر تعالى انه ارسل " إلى ثمود اخاهم صالحا " يعني في النسب، لانه كان منهم " ان اعبدوا الله " موضع (ان) نصب، وتقديره ارسلناه بأن اعبدوا الله، وحده لا شريك له " فإذا هم فريقان يختصمون " يعني منهم مؤمن بصالح ومنهم كافر به، في قول مجاهد قوله تعالى: * (قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (47) وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الارض ولا يصلحون (48)

[ 101 ]

قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (49) ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون) * (50) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي وخلف * (لتبيتنه وأهله ثم لتقولن) * بالتاء فيهما جميعا. الباقون بالنون. وقرأ مجاهد بالياء. وقرأ أبو بكر عن عاصم * (مهلك) * بفتح الميم واللام، وفي رواية حفص - بفتح الميم وكسر اللام - الباقون - بضم الميم وفتح اللام - قال أبو على: من قرأ بضم الميم احتمل المرين: احدهما - اراد المصدر من إهلاك اهله أي لم نشهد اهلاكهم. الثاني - ان يكون المراد لم نشهد موضع إهلاكهم. وقراءة حفص ايضا تحتمل أمرين: احدهما - ما شهدنا موضع هلاكهم. والثاني - المصدر اي ما شهدنا هلاكهم. وقراءة ابى بكر معناها المصدر. لما اخبر الله تعالى انه ارسل صالحا إلى قومه، وانهم كانوا فريفين، مسلم وكافر، يخاصم بعضهم بعضا، قال لهم صالح * (يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة) * فالاستعجال طلب التعجيل، وهو الاتيان به قبل وقته. وكان هؤلاء الجهال إذا خوفوا بالعقاب قالوا، على جهة الانكار لصحته متي هو ؟ وهلا يأتينا به ؟، فقال لهم صالح * (لم تستعجلون) * ذلك: قال مجاهد. يعني العذاب قبل الرحمة، والسيئة - ههنا - المراد بها العقاب سماها سيئة لما فيها من الآلام ولانها جزاء على الافعال السيئة، لان السيئة هي الخصلة التي تسوء صاحبها حين

[ 102 ]

يجدها. والسيئة ايضا هي الفعل القبيح الذي، لا يجوز لفاعلها فعلها، ونقيضها الحسنة. فقال لهم * (لولا تستغفرون الله) * ومعناه هلا تسألون الله الغفران به بدلا من استعجال العقاب * (لعلكم ترحمون) * وإنما خرجت (لولا) إلى معنى (هلا) لانها كانت لامتناع الشئ لكون غيره، كقولك: لولا زيد لاتيتك، فخرجت إلى الانكار، لامتناع الشئ لفساد سببه فقال * (لولا تستغفرون الله) * منه. ثم اخبر بما اجابوه، لانهم قالوا * (اطيرنا بك وبمعنى معك) * أي وبمن هو على دينك، فالتطير التشاؤم، وهو نسبة الشؤم إلى الشئ على ما يأتي به الطير من ناحية اليد اليسرى وهو البارح، والسانح هو اتيانها من جهة اليد اليمنى. واصل، (اطيرنا) تطيرنا، دخلت فيه ألف الوصل، لما سكنت الطاء للادغام، فقال لهم صالح * (طائركم عند الله) * أي الشئ الذي تحذرونه بالتطير * (عند الله) * لانه القادر على عقابكم بما أنتم عليه من الكفر. والمعنى - في قول ابن عباس - معاقبتكم عند الله. ثم قال لهم: ليس ذلك للتشاؤم والتطير * (بل انتم قوم تفتنون) * فالفتنة - ههنا - قولهم ما زين لهم من الباطل. ثم اخبر تعالى أنه " كان في المدينة " التي بعث الله منها صالحا " تسعة رهط يفسدون في الارض " أي يفعلون فيها المعاصي " ولا يصلحون " أي لا يفعلون الطاعات. وقوله " قالوا تقاسموا بالله " قيل في معناه قولان: احدهما - قالوا متقاسمين إلا انه يحذف منه قد. والآخر - انه أمر، وليس بفعل ماض. " لنبيتنه وأهله " حكاية أنهم قالوا: * (لنبيتنه) * فمن قرأ بالنون اراد إنا نفعل بهم ذلك ليلا. ومن قرأ بالتاء، فعلى انه خاطب بعضهم بعضا بذلك. ولمعنى انهم تحالفوا: لنطرقنهم ليلا،

[ 103 ]

يقال لكل عمل بالليل تبييت، ومنه قوله * (إذ يبيتون مالا يرضى من القول) * (1) وانشد أبو عبيدة: اتوني فلم ارض ما بيتوا * وكانوا اتوني بامر نكر لانكح امهم منذرا * وهل ينكح العبد حر لحر (2) وقال ابن اسحاق انهم لما اتوا صالحا لتبييته، دفعتهم الملائكة بالحجارة، * (ثم لنقولون لوليه) * معناه إنهم قالوا إذا قال لنا وليه وناصره: من فعل هذا قلنا له * (ما شهدنا مهلك اهله) * فمن ضم الميم اراد ما رأينا إهلاكه. ومن فتح الميم اراد مكان هلاكهم أو اهلاكهم يريد المصدر * (وانا لصادقون) * في هذا القول. ثم اخبر تعالى انهم " مكروا " بهذا القول " ومكرنا " نحن ايضا مكرا بأن جازيناهم على مكرهم وجعلنا وباله عليهم فانا أهلكناهم عن آخرهم. وقيل: ان الله أرسل عليهم صخرة أهلكتهم. ويحتمل أن يكون المعنى في " مكرنا " انا انجينا المؤمنين بالمكر بالكفار بكل ما يقدرون عليه من الاضرار بهم، وإلجائهم إلى الايمان. وانما نسبه إلى نفسه لما كان بأمره. قوله تعالى: * (فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أن دمرناهم وقومهم أجمعين (51) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (52) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (53)


(1) سورة 4 النساء آية 107 (2) مر تخريجه في 3 / 269، 319 (*)

[ 104 ]

ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (54) أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون) * (55) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة ويعقوب " أنا دمرناهم " بفتح الالف. الباقون بكسرها ومن فتح احتمل وجهين: احدهما - النصب على البدل من (كيف) و (كيف) نصب ب‍ (انظر). والثاني - ان يكون (كيف) في موضع الحال و (دمرنا) خبر (كان) وتلخيصه، فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أي عاقبة امرهم التدمير. وقيل: هو نصب بتقدير بأنا، فلما حذف الباء نصب، وقال الكسائي: هو في موضع الجر. ويحتمل الرفع أيضا على البدل من (عاقبة). ويحتمل أيضا على الجواب، كأنه قيل: ما كان عاقبة أمرهم ؟ فقيل: تدميرنا لهم. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " انظر " يا محمد وفكر " كيف كان عاقبة مكرهم " أي هؤلاء الكفار الذين كفروا ودمرناهم. والعاقبة الحال التي يؤدي إليها البادئ تقول: اعقبني هذا الدواء صحة. وأعقب هذا الطعام الردئ مرضا، وكذلك المعاصي تعقب النار. وقيل: ان بيوتهم هذه المذكورة بوادي القرى موضع بين الشام والمدينة. والمكر الاخذ بالحيلة للايقاع في بلية، فلما مكر أولئك الكفار بصالح (ع) ليقتلوه، ومن آمن ولم يتم مكرهم، وأدى مكرهم إلى هلاكهم وتدميرهم والتدمير التقطيع بالعذاب، فدمر الله قوم صالح بأن قطعهم بعذاب الاستئصال في الدنيا قبل الآخرة، فلم يبق لهم باقية.

[ 105 ]

ثم اخبر تعالى ان بيوت أولئك الكفار " خاوية " أي خالية فارغة وكان رسمهم أن يكونوا فيها ويأوون إليها، فلما أهلكهم الله، صاروا عبرة لمن نظر إليها واعتبر بها. وقيل هذه البيوت المذكورة بوادي القرى. وقوله " وانجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون " اخبار منه تعالى انه انجى وخلص المؤمنين من قوم صالح لانهم كانوا يتقون معاصي الله، خوفا من عقابه، فالاتقاء الامتناع من البلاء بما يرد عن صاحبه ان ينزل به. والتقي هو العامل بما يتقي عنه العقاب. وقيل: ان الله تعالى دمر التسعة الرهط الذين يفسدون في الارض وقومهم. وقوله " ولوطا إذ قال لقومه " يحتمل امرين: احدهما - نصب (لوطا) بتقدير وأرسلنا لوطا. الثاني - واذكر لوطا حين قال لقومه منكرا عليهم افعالهم " اتأتون الفاحشة " يعني الخصلة القبيحة الشنيعة، الظاهرة القبح، وهي اتيانهم الذكران في أدبارهم " وانتم تبصرون " أي تعلمون أنها فاحشة. وقيل معناه: " وأنتم تبصرون " أي يرى بعضكم من بعض ان ذلك عتوا وتمردا. ثم بين الفاحشة التي كانوا يفعلونها بقوله " أئنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء " التي خلقهن الله لكم. ثم اخبر تعالى عن لوط انه قال لهم " بل أنتم قوم تجهلون " اي تفعلون أفعال الجهال لجهلكم بمواقع نعم الله سبحانه وتعالى عليكم. قوله تعالى: * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوا آل لوط من

[ 106 ]

قريتكم إنهم أناس يتطهرون (56) فأنجيناه وأهله إلا امرأته قدرناها من الغابرين (57) وأمطرنا عليهم مطرا فساء مطر المنذرين (58) قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى الله خير أما يشركون (59) أمن خلق السموات والارض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون) * (60) خمس آيات بلا خلاف. نصب (جواب قومه) بأنه خبر (كان) واسمعها (أن قالوا) ولا يجوز وقع جواب - ههنا - لان ما بعد الايجاب وما قبلها نفي، والنفي أحق بالخبر من الايجاب، ومثله " ما كان حجتهم إلا قالوا " (1). اخبر الله تعالى عن قوم لوط حين قال لهم لوط ما تقدم ذكره، منكرا عليهم انه لم يكن لهم جواب عن ذلك، بل عدلوا إلى أن قالوا، بعضهم لبعض خرجوا لوطا ومن تبعه " من قريتكم " فانهم " أناس يتطهرون " أي يتطهرون عن عملكم في إتيان الذكران من العالمين إذ تأمرونهم، ويتنزهون عن ذلك، فلا تجاوروهم وهذه صفتهم - وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - فأخبر الله تعالى أنه أهلك هؤلاء القوم بأجمعهم وأنجى لوطا وأهله الذين آمنوا به من


(1) سورة 45 الجاثية آية 24 (*)

[ 107 ]

ذلك الهلاك واستثنى من جملة أهله امرأته، واخبر انه " قدرناها من الغابرين " أي جعلها من الغابرين لان جرمها على مقدار جرمهم، فلما كان تقديرها كتقديرهم في الاشراك بالله جرت مجراهم في انزال العذاب بهم. وقيل: " قدرناها " أي بما كتبنا إنها من الغابرين، واخبر تعالى انه أمطر عليهم مطرا. قال الحسن: أمطرت الحجارة على من خرج من المدينة، وخسف المدينة باهلها، فهم يهوون إلى يوم القيامة " فساء مطر المنذرين " وهم الذين أبلغهم لوط النذارة، وأعلمهم بموضع المخافة ليتقوها، فخالفوا ذلك. ونقيض النذارة البشارة، وهي الاعلام بموضع الامن ليجتبى، والنذير البشير ينذر بالنار ويبشر بالجنة. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله قل يا محمد " الحمد لله " شكرا على نعمه بأن وفقنا للايمان " وسلام على عباده الذين اصطفى " يعني اجتباهم، الله واختارهم يقال: صفا يصفو صفاء، وأصفاه بكذا إصفاء، واصطفاه اصطفاء، ويصفى تصفيا وصفاء وتصفية، وصافاه مصافاة. وقوله " أما يشركون " من قرأ - بالتاء - وجهه إلى انه خطاب لهم. ومن قرأ - بالياء - فعلى الخبر. وقوله " آلله خير أما " معناه خير لنا منا لانفسا، ولفظ أفعل لا يدخل إلا بين شيئين يشتركان في حكم ويفضل أحدهما على صاحبه، وما يعبدون من دون الله لا خير فيه. قال أبو علي: يجوز أن يقع ذلك في الخير الذي لا شر فيه، والشر الذي لا خير فيه. وإن كان يتوهم بعض الجهال الامر على خلاف ما هو به، فتقول: هذا الخير خير من الشر. وانكر على من خالف هذا. واجاز قوم من اهل اللغة ذلك على ما مضى القول فيه في غير موضع. ثم قال لهم: أمن الذي " خلق السموات والارض " بأن انشأها واحترعها

[ 108 ]

" وانزل لكم من السماء ماء يعني غيثا ومطرا * (فأنبتنا به) * بذلك الماء * (حدائق) * وهي جمع حديقة، وهي البستان إذا كان عليه حائط يحوطه * (ذات بهجة) * انما وصف (الحدائق) بلفظ الواحد في قوله * (ذات) * لان معناه جماعة ذات بهجة. وقيل: الحديقة البستان الذي فيه النخل، و (البهجة) منظر حسن ابتهج به إذا سر. ثم قال * (ما كان لكم ان تنبتوا شجرها) * أي لم تكونوا تقدرون على انبات شجر الحديقة، لان الله تعالى هو القادر عليه لا غيره. ثم قال منكرا عليهم * (أإله مع الله) * يقدر على ذلك. ثم قال * (بل هم قوم يعدلون) * بالله غيره لجهلهم، وقيل: يعدلون عن الحق. ومعنى الآية التنبيه على أن من قدر على انبات الحدائق ذات الشجر واخراج الشجر باكرم الثمار، يجب اخلاص العبادة له، وإن من عدل إلى الاشراك به كافر بهذه النعمة الخفية. قوله تعالى: * (أمن جعل الارض قرارا وجعل خلالها أنهارا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزا أإله مع الله بل أكثرهم لا يعلمون (61) أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الارض أإله مع الله قليلا ما تذكرون (62) أمن يهديكم في ظلمات البر والبحر ومن يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته أإله مع الله تعالى الله عما يشركون (63) أمن

[ 109 ]

يبدؤ الخلق ثم يعيده ومن يرزقكم من السماء والارض أإله مع الله قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين (64) قل لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون) * (65) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل البصرة وعاصم " عما يشركون " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ أبو عمرو وهشام وروح " قليلا ما يذكرون " بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء في الموضعين جعله للمخاطبين ومن قرأ بالتاء فالى الغائبين. يقول الله تعالى منبها على مواقع نعمه على خلقه، ممتنا بها عليهم بأن قال " أمن " الذي " جعل الارض قرارا " بأن أسكنها للاستقرار عليها، وامكان التصرف عليها، فمن جعلها كذلك لمصالح عباده بها على ما يحتاجون إليه منها عالم حكيم، وهو أولى بالعبادة من الاصنام " وجعل خلالها أنهارا " يعني خلال الارض وهي المسالك في نواحيها " أنهارا " جمع نهر وهي المجرى الواسع من مجاري الماء، واصله الاتساع، فمنه النهار لاتساع ضيائه، ومنه انهار الدم إذا جرى، كالنهر " وجعل لها رواسي " يعني الجبال الثابتة، رست ترسو رسوا إذا ثبتت فلم تبرح من مكانها كالسفينة وغيرها، ومنه المراسي. وقوله " وجعل بين البحرين حاجزا " فالحاجز هو المانع بين الشيئين، أن يختلط احدهما بالآخر، وقد يكون ذلك بكف كل واحد منهما عن صاحبه. وفى ذلك دلالة على امكان كف النار عن الحطب، حتى لا تحرقه ولا تسخنه كما كف الماء المالح عن الاختلاط بالعذب. ثم قال " أإله مع الله " يقدر على ذلك،

[ 110 ]

تبكيتا لهم على الاشراك به. ثم قال " بل اكثرهم لا يعلمون " حقيقة ما ذكرناه لعدو لهم عن النظر في الدلالة المؤدية إليه. وقيل " بل اكثرهم لا يعلمون " ما لهم وعليهم في العبادة إن اخلصوها، أو اشركوا فيها. ثم قال " ام من يجيب المضطر إذا دعاه " فاجابة دعاء المضطر هو فعل ما دعا به، لاجل طلبه، وذلك لا يكون إلا من قادر عليه مختار له، لانه يقع على ما دعا به الداعي " ويكشف السوء " يعني الآلام يصرفها عنكم " ويجعلكم خلفاء الارض " أي يجعل أهل كل عصر يخلفون العصر الاول " أإله مع الله " يقدر على ذلك ثم قال " قليلا ما تذكرون " أي تفكرون قليلا بما قلناه ونبهنا عليه. ثم قال " أم من يهديكم في ظلمات البر والبحر " بما نصب لكم من الدلالات التي تستدلون بها، من الكواكب وغيرها * (ومن) * الذي * (يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته) * يعني بين يدي المطر والغيث. ومن قرأ بالنون أراد ملقحات. وقيل: معناه منتشرة. ومن قرأ بالباء أراد مبشرات بالمطر. ثم نزه نفسه عن الاشراك به واتخاذ إله معه فقال * (تعالى عما يشركون) * ثم قال * (أم من يبدؤ الخلق ثم يعيده) * يبدؤهم بأن يخترعهم ابتداء، ثم يعيدهم بعد أن يميتهم، ويعيدهم إلى ما كانوا عليه * (ومن يرزقكم من السماء والارض) * من السماء بالغيث والمطر. ومن الارض بالنبات وانواع الثمار * (أإله مع الله) * يقدر على ذلك * (قل) * لهم يا محمد * (هاتوا برهانكم) * وحجتكم * (ان كنتم صادقين) * في قولكم محقين في الاشراك معه، فإذا لم تقدروا على اقامة البرهان على ذلك، فاعلموا انه لا إله معه، ولا يستحق العبادة سواه، لان كان ما يكون حقا من أمر الدين لابد أن يكون عليه دلالة وبرهان.

[ 111 ]

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله * (قل) * يا محمد * (لا يعلم من في السموات والارض الغيب إلا الله) * يعني الغائب عن الخلق لا يعلم به إلا الله تعالى أو من أعلمه الله، ثم اخبر انهم لا يشعرون متى يبعثون ويحشرون يوم القيامة. قوله تعالى: * (بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أئنا لمخرجون (67) لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الاولين (68) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين (69) ولا تحزن عليهم ولا تكن في ضيق مما يمكرون) * (70) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير، وأهل البصرة بل " أدراك " بقطع الهمزة، يقال: تدارك زيد أمره وأدارك بمعنى واحد، ومثله " إنا لمدركون " (1) وقد شدد الاعرج وروى السموني - بكسر اللام - ووصل الهمزة وتشديد الدال من غير ألف. الباقون " بل ادارك " بمعنى تتابع علمهم وتلاحق حتى كمل. والمعنى بل ادارك في الآخرة أي حين لم ينفعهم اليقين مع شكهم في الدنيا - على ما ذكره ابن عباس - وقيل: انه قرأ " بلى ادارك " وادارك العلم لحاق الحال التي يظهر فيها


(1) سورة 26 الشعراء آية 62 (*)

[ 112 ]

معلومه، ففي الآخرة يظهر الحق بما يرى من الامور التي من شأنها أن يقع عندها علم بمقتضى ما يحدث من عظم الامور وقيل: معنى " بل " ههنا (هل) فكأنه قال: هل ادارك علمهم، ومعناه انهم لا يعلمون الآخرة " بل هم في شك منها " ومن شدد الدال قال أصله تدارك فأدغموا التاء في الدال وقلبوا ألف الوصل. وقرأ اهل المدينة " إذا " على الخبر. الباقون بهمزتين على الاستفهام، ويحقق الهمزتين ابن عامر وأهل الكوفة وروح، إلا أن هشاما يفصل بينهما بالف، وابن كثير وابو عمرو ورويس يخففون الاولى ويلينون الثانية. ويفصل بينهما بالف أبو عمرو، واما " ائنا " فقراءته على الخبر، وزاد فيه نونا ابن عامر والكسائي. الباقون بهمزتين وخففهما عاصم وحمزة وخلف وروح. الباقون يخففون الاولى ويلينون الثانية، ويفصل بينهما بالف أهل المدينة إلا ورشا، وابو عمرو. وقد مضى تعليل هذه القراءات فيما مضى. لما اخبر الله تعالى عن الكفار أنهم لا يشعرون متى يحشرون يوم القيامة وانهم ساخرون في ذلك، أخبر انهم يعلمون حقيقة ذلك يوم القيامة حين يبعثهم الله، وانه لا ينفعهم علمهم في ذلك الوقت مع شكهم في دار الدنيا. وأخبر انهم في شك من البعث في دار الدنيا، وأنهم عمون عن معرفة حقيقته. وهو جمع (عمى) وشبه جهلهم بذلك بالعمى، لان كل واحد منها يمنع بوجوده من ادراك الشئ على ما هو به، لان الجهل مضاد العلم، والعمى مناف للرؤية. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا متعجبين من البعث والنشور " أئذا كنا ترابا " ويكون " آباؤنا " ترابا ايضا " ائنا لمخرجون " من قبورنا ومبعوثون، يقولون ذلك مستهزئين منكرين. ثم اخبر انهم يحلفون ويقولون " لقد وعدنا هذا " البعث " نحن " فيما مضى وكذلك وعد به " آباؤنا " ولم نعرف حقيقة

[ 113 ]

ذلك، ثم حكى انهم يقولون ليس " هذا إلا اساطير الاولين " وانما اشتبه عليهم النشأة الثانية لطول المدة في النشأة الاولى على مجرى العادة، ولو نظروا في أن من اجرى هذه العادة حكيم، وانه قادر على نقض العادة، كما قدر على اجرائها لزالت شبهتهم. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم " سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة المجرمين " لانهم يرون آثار آبائهم وكيف أهلكهم الله وخرب ديارهم كعاد وثمود وغيرهم، فيعلمون عند ذلك صحة ما قلناه، ولا يأمنوا أن يحل بهم مثل ما حل بهم. ثم نهى نبيه صلى الله عليه وآله ان يحزن عليهم ويتأسف على تركهم الايمان وأن لا يكون في ضيق نفسه " مما يمكرون "، فان وبال مكرهم عائد عليهم. قوله تعالى: * (ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (71) قل عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون (72) وإن ربك لذو فضل على الناس ولكن أكثرهم لا يشكرون (73) وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (74) وما من غائبة في السماء والارض إلا في كتاب مبين) * (75) خمس آيات بلا خلاف.

[ 114 ]

حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم " يقولون متى هذا الوعد " الذي توعدنا به " ان كنتم صادقين " في اخباركم بذلك في البعث والنشور، والوعد من الحكيم على ضربين: احدهما - ان يكون مقيدا بوقت، فإذا جاء ذلك الوقت فلابد أن يفعل فيه ما وعد به. والثاني - ان يكون مطلقا غير موقت إلا انه لابد أن يكون معلوما لعلام الغيوب الوقت الذي يفعل فيه الموعد به، فإذا كان ذلك الوقت معلقا بزمان تعين عليه الفعل في ذلك الوقت، فلابد للموعود به من وقت، وإن لم يذكر مع الوعد. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله ان يقول لهم " عسى ان يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون " فعسى من الله واجبة، والمعنى ان الذي وعدكم الله به لابد أن يردفكم، والردف الكائن بعد الاول قريبا منه. والفرق بينه وبين التابع أن في التابع معنى الطلب لموافقة الاول، وترادف إذا تلاحق، تلاحقا ترادفا، واردفه اردافا. ومعنى " ردف لكم " قرب منكم ودنا - في قول ابن عباس - وقيل: تبع لكم. والاستعجال طلب الامر قبل وقته، فهؤلاء الجهال طلبوا العذاب قبل وقته تكذيبا به. وقد أقام الله عليهم الحجة فيه. و (ردف) من الافعال التي تتعدى بحرف وبغير حرف، كما قال الشاعر: فقلت لها الحاجات تطرحن بالفتى * وهم يعناني معنا ركائبه (1) وقيل: ان الباء انما دخلت للتعدية. وقيل: انما دخلت لما كان معنى تطرحن ترمين، وكذلك لما كان معنى " ردف لكم " دنا، قال " لكم " قال المبرد: معناه


(1) البيت في مجمع البيان 4 / 231 (*)

[ 115 ]

ردفكم واللام زائدة. وقيل " بعض الذي تستعجلون " يوم بدر. وقيل: عذاب القبر. ثم قال " وإن ربك لذو فضل على الناس " والفضل الزيادة على ما للعبد بما يوجبه الشكر، فالعدل حق العبد. والفضل فيه واقع من الله لا محالة إلا انه على ما يصح وتقتضيه الحكمة. ثم اخبر ان " اكثر الناس لا يشكرون " الله على نعمه بل يكفرونه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " وإن ربك " يا محمد " ليعلم ما تكن صدورهم " أي ما تخفيه صدورهم، يقال: كننت الشئ في نفسي، وأكننته إذا سترته في نفسك، فهو مكن ومكنون لغتان. قال الرماني: الاكنان جعل الشئ بحيث لا يلحقه أذى لمانع يصد عنه " وما يعلنون " أي يعلم ما يظهرونه ايضا. ثم قال " وما من غائبة في السماء والارض " أي ليس شئ يغيب علمه عن أهل السماء والارض " إلا " ويبينها الله " في كتاب مبين " وهو الكتاب المحفوظ. وقال الحسن: الغائبة القيامة. وقال النقاش: ما غاب عنهم من عذاب السماء والارض. وقيل: هو ما أخفاه الانسان عن قلبه وعينه. وقال البلخي: معنى " في كتاب مبين " أي هو محفوظ لا ينساه كما يقول القائل: أفعالك عندي مكنونة أي محفوظة. قوله تعالى: * (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (76) وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (77) إن

[ 116 ]

ربك يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم (78) فتوكل على الله إنك على الحق المبين (79) إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين) * (80) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير " ولا يسمع " بياء مفتوحة وفتح الميم " الصم " بالرفع. ومثله في الروم. الباقون " تسمع " بالتاء وكسر الميم " الصم " بالنصب، فوجه قراءة ابن كثير انه أضاف الفعل إلى الصم، فلذلك رفعه. ووجه قراءة الباقين أنهم أضافوا الفعل إلى النهي صلى الله عليه وآله وجعلوا الصم مفعولا ثانيا. اخبر الله تعالى أن هذا القرآن الذي انزله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله " يقص على بني اسرائيل أكثر " الاشياء التي اختلفوا فيها الكفار. والقصص كلام يتلو بعضه بعضا فيما ينبئ عن المعنى، ومن اجاب غيره عما سأل لم يقل له انه يقص لانه اقتصر على مقدار ما يقتضيه السؤال. والاختلاف ذهاب كل واحد إلى خلاف ما ذهب إليه صاحبه. والاختلاف ايضا امتناع احد الشيئين أن يسد مسد صاحبه فيما يرجع إلى ذاته. واختلاف بني اسرائيل نحو اختلافهم في المسيح حتى قالت اليهود فيه ما قالت، وكذبت بنبوته. وقالت النصارى ما قالته من نبوته، ووجوب إلهيته، وكاختلاف اليهود في نسخ الشريعة، فأجازه قوم في غير التوراة وأباه آخرون، فلم يجيزوا النسخ أصلا، واعتقدوا أنه بدأ. وكاختلافهم في المعجز، فقال بعضهم: لا يكون إلا بما لا يدخل تحت مقدور العباد. وقال آخرون: قد يكون إلا أنه ما يعلم أنه لا يمكن العباد الاتيان به،

[ 117 ]

وكاختلافهم في صفة المبشر به في التوراة، فقال بعضهم: هو يوشع بن نون. وقال آخرون: بل هو منتظر لم يأت بعد. وكل ذلك قد دل القرآن على الحق فيه. وقيل: قد بين القرآن اختلافهم في من سلف من الانبياء. وقيل: ان بني اسرائيل اختلفوا حتى لعن بعضهم بعضا كالاسماعيلية والعنانية والسامرة. ثم وصف تعالى القرآن ب‍ " انه لهدى ورحمة للمؤمنين " معناه انه بيان للحق فيما وقع الاختلاف فيه من بني اسرائيل وغيرهم إذا رجعوا إليه علموا مفهومه، وانه من عند حكيم، لا يقول إلا بالحق، فالهدى الدلالة على طريق الحق الذي من سلكه اداه إلى الفوز بالنعيم في جنة الخلد، فالقرآن هدى من هذا الوجه، ورحمة للمؤمنين في تأديته إلى ما فيه من مرضات الله تعالى. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال * (ان ربك) * يا محمد * (يقضي بينهم بحكمه وهو العزيز العليم) * أي العزيز في انتقامه من المبطلين العليم بالمحق المبين منهم من المبطل. وقيل: العليم بصحة ما يقضي به العزيز بما لا يمكن رد قضائه، فهو يقضي بين المختلفين بما لا يمكن أن يرد ولا يلتبس بغير الحق. وفى الآية تسلية للمحقين الذين خولفوا في أمر الدين، لان أمرهم يؤول إلى ان يحكم بينهم رب العالمين بمالا يمكن دفعه ولا تلبيسه. ثم خاطب بينه صلى الله عليه وآله فقال * (فتوكل على الله) * يا محمد * (انك على الحق المبين) * الظاهر البين في ما تدعو إليه، ثم شبه الكفار بالموتى الذين لا يسمعون ما يقال لهم، وبالصم الذين لا يدركون دعاء من يدعوهم، من حيث انهم لم ينتفعوا بدعائه ولم يصيروا إلى ما دعاهم إليه، فقال * (انك) * يا محمد * (لا تسمع الموتى) * لان ذلك محال * (ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولو مدبرين) * أي اعرضوا عن دعائك ولم يلتفتوا إليه ولم يفكروا في ما تدعوهم إليه، فهؤلاء الكفار بترك الفكر في ما يدعوهم

[ 118 ]

إليه النبي صلى الله عليه وآله بمنزلة الموتى الذين لا يسمعون، وبمنزلة الصم الذين لا يدركون الاصوات. قوله تعالى: * (وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الارض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون (82) ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (83) حتى إذا جاؤا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (84) ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون) * (85) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة " تهدي " بالتاء مفتوحة وبسكون الهاء " العمي " بنصب الياء. ويقف على " تهدي " بالياء. الباقون " بهاد " بباء مكسورة وبألف بعد الهاء، وخفض الياء من " العمي " على الاضافة في الموضعين. فقراءة حمزة تفيد الفعل المضارع. وقراءة الباقين اسم الفاعل. يقول الله تعالى لنبيه لست يا محمد تهدي العمي عن ضلالتهم. والهادي هو الذي يدعو غيره إلى الحق ويرشد إليه. وقد يدعو بالنطق بأن يقول: هو صواب وقد يدعو إليه بأن يبين أنه صواب، فانه ينبغي أن يعمل عليه ويعتقد صحته.

[ 119 ]

والضلالة الذهاب عن طريق الصواب وهو الهلاك بالذهاب عنه. وإنما شبه الله تعالى الكفار بأنهم عمي، لانهم من حيث لم يهتدوا إلى الحق، ولم يصيروا إليه فكأنهم عمي، وانما نفى أن يهديهم إلى الحق بأن يحملهم عليه أو يجبرهم عليه، ولم ينتف أن يكون هاديا لهم بالدعاء إليه، ويبين لهم الحق فيه. وقوله " ان تسمع إلا من يؤمن بآياتنا " معناه لا تسمع إلا من يطلب الحق بالنظر في آياتنا ولا يلبث أن يسلم، لان الدلائل تظهر له، وعقله يخاصمه حتى يقول بالحق ويعتقده. وانما قال انه يسمع المؤمنين، من حيث أنهم الذين ينتفعون به ويسلمون له. وقوله " وإذا وقع القول عليهم " قال قتادة: معناه وجب الغضب عليهم. وقال مجاهد: حق القول عليهم بأنهم لا يؤمنون. وقيل: معناه إذا وقع القول عليهم بأنهم قد صاروا إلى منزلة من لا يفلح أحد منهم ولا أحد بسببهم، أخذوا حينئذ بمنادي العقاب باظهار البراءة منهم. وقال ابن عمر، وعطية: إذا لم يأمر الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر تخرج الدابة. وقيل: انها تخرج من بين الصفا والمروة. وروى محمد بن كعب القرطي عن علي (عليه السلام) انه سئل عن الدابة، فقال: (اما والله مالها ذنب وإن لها لحية) وفي هذا القول منه (ع) إشارة إلى انه من ابن آدم. وقال ابن عباس: دابة من دواب الله لها زغب وريش لها أربعة قوائم. وقال ابن عمر: انها تخرج حتى يبلغ رأسها الغيم، فيراها جميع الخلق. ومعنى " تكلمهم " قيل فيه قولان: احدهما - تكلمهم بما يسوؤهم من انهم صائرون إلى النار، من الكلام بلسان الآدميين الذي يفهمونه ويعرفون معناه، فتخاطب واحدا واحدا، فتقول له: يا مؤمن يا كافر. وقيل " تكلمهم بأن الناس كانوا باياتنا لا يوقنون "

[ 120 ]

أي بهذا القول. ذكره ابن مسعود. الثاني - تكلمهم من الكلام. وقيل إنها تكتب على جبين الكافر أنه كافر وعلى جبين المؤمن أنه مؤمن. وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله. ثم قال " ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون " واستدل به قوم على صحة الرجعة في الدنيا، لانه قال: من كل أمة، وهي للتبعيض فدل على ان هناك يوما يحشر فيه قوم دون قوم، لان يوم القيامة يحشر فيه الناس عامة، كما قال " وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا " (1). ومن حمل الآية على أن المراد باليوم يوم القيامة قال: إن (من) زائدة، والتقدير ويوم نحشر كل أمة فوجا أي فوجا فوجا من الذين كذبوا بآيات الله ولقاء الآخرة " فهم يوزعون " أي يجمعون. وقال ابن عباس: معناه يدفعون. وقيل: يساقون. وقيل: يوقف أولهم على آخرهم. وقوله " ووقع القول عليهم بما ظلموا " أي صاروا إلى منزلة من لا يفلح احد منهم، ولا احد بسببهم، " فهم " في ذلك الوقت " لا ينطقون " بكلام ينتفعون به. ويجوز أن يكون المراد " لا ينطقون " أصلا لعظم ما يرونه ويشاهدونه من أهوال القيامة. وقرأ اهل الكوفة " تكلمهم أن الناس " بفتح الالف، لان ابن مسعود قرأ " بأن الناس " فلما سقطت الباء نصبوا (أن). الباقون بالكسر على الاستئناف. وروي عن ابن عباس " تكلمهم " مخففا اي تسمهم وتجرحهم تقول العرب كلمت زيدا إذا جرحته. وقد يقال ايضا بالتشديد من الجراح، ولا يقال في الكلام إلا بالتشديد.


(1) سورة 18 الكهف آية 48 (*)

[ 121 ]

قوله تعالى: * (ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (86) ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السموات ومن في الارض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين (87) وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شئ إنه خبير بما تفعلون (88) من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون (89) ومن جاء بالسيئة فكبت وجوهم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (90) إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شئ وأمرت أن أكون من المسلمين (91) وأن أتلوا القرآن فمن اهتدى فانما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (92) وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون) * (93) ثمان آيات بلا خلاف.

[ 122 ]

قرأ حمزة والكسائي وخلف وحفص عن عاصم " وكل أتوه " مقصورة على وزن (فلوه) الباقون " آتوه " ممدودة ومضمومة التاء على وزن * (فالوه) * وقرأ اهل الكوفة * (من فزع) * منونا * (يومئذ) * بفتح الميم. الباقون بغير تنوين على الاضافة إلا ورشا فانه نصب الميم من * (يومئذ) * مع الاضافة. ووجه هذه القراءة انه جعل (يوم) مع (إذ) كالاسم الواحد، لان إضافة (يوم) إلى (إذ) ليست محضة، لان الحروف لا يضاف إليها، ولا إلى الافعال، وانما أجازوا في اسماء الزمان الاضافة إلى الحروف وإلى الافعال نحو: هذا يوم ينفع، لما خص وكثر، وقرأ اهل البصرة وابن كثير وابو بكر إلا يحيى والداجوني عن ابن ذكوان * (يفعلون) * بالياء، الباقون بالتاء. وقرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب * (عما تعملون) * بالتاء. الباقون بالياء. يقول الله تعالى منبها لخلقه على وجه الاعتبار والتنبيه على النظر بالفكر بجعله تعالى الليل ليسكن فيه خلقه، من الحيوان من الحركات، لان من جعل الشئ لما يصلح له من الانتفاع، فانما ذلك باختياره دون الطبع، وما يجري مجراه مما ليس مختار، ففي ذلك بطلان قول كل مخالف فيه. وقوله * (والنهار مبصرا) * يحتمل أمرين: احدهما - انه جعل النهار ذا إبصار، كما قال * (عيشة راضية) * (1) أي ذات رضا، وكما قال النابغة: كليني لهم يا أمية ناصب (2) أي لهم ذي نصب.


(1) سورة 69 الحاقة آية 21 وسورة 101 الزلزال آية 7 (2) مر تخريجه في 5 / 95، 329 (*)

[ 123 ]

الثاني - لانه يريك الاشياء كما يراها من يبصرها بالنور الذي تجلى عنها فقيل هو كقول جرير: لقد لمتنا يا أم غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم (1) اي بالذي ينام فيه. ثم قال * (ان في ذلك لآيات) * يعني دلالات واضحات لقوم يصدقون بالله وبتوحيده. وقوله * (ويوم ينفخ في الصور) * منصوب بتقدير: واذكر * (يوم ينفخ في الصور) * أي وذلك يوم ينفخ في الصور، يعني قوله * (وقع القول عليهم بما ظلموا.... يوم ينفخ في الصور) * ويجوز أن يكون على حذف الجواب، وتقديره وتكون البشارة الثانية يوم ينفخ في الصور. وقيل: تقديره ويوم ينفخ في الصور يفزع، لان المعنى إذا نفخ في الصور فزع إلا أنه لما جاء الثاني بالفاء اغنى عن (يفعل) لانها ترتب. وقال الحسن وقتادة: الصور صور الخلق. وقال مجاهد: هو قرن كالبوق ينفخ فيه. وقيل: النفخة الاولى نفخة الفزع. والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين. وقيل: معنى * (ففزع من في السموات ومن في الارض) * من شدة الاسراع والاجابة، يقال: فزعت اليك في كذا إذا أسرعت إلى ندائه في معونتك. وقيل: هو ضد الامن، وهو الاولى. وقيل: وجه النفخ في الصور أنه على تصور ضرب البوق للاجتماع على المسير إلى أرض الجزاء بالحال التي تعرف في دار الدنيا. ومن ذهب إلى أنه جمع صورة قال: المعنى نفخ الارواح في الاجساد بردها إلى حال الحياة التي كانت عليها. وقوله * (إلا من شاء الله) * روي في الخبر أن الشهداء من جملة الخلق لا يفزعون ذلك اليوم. وقيل:


(1) مر تخريجه في 5 / 465 (*)

[ 124 ]

* (إلا من شاء الله) * يعني من الملائكة الذين يثبت الله قلوبهم. وقيل: اسرافيل هو النافخ في الصور بأمر الله تعالى. ثم قال * (وكل أتوه داخرين) * معناه إن جميع الخلق جاؤا لله داخرين أي صاغرين. فمن قصر، حمله على انهم اتوه أي جاؤه. ومن مد، حمله على أنهم جايؤه على وزن (فاعلوه). ولفظة (كل) ههنا معرفة، لانها قطعت عن الاضافة، كما قطع قوله * (من قبل ومن بعد) * (؟) إلا أنه لم يبن، لانه قطع عن متمكن التمكن التام. وليس كذلك * (من قبل ومن بعد) * لانه كان ظرفا لا يدخله الرفع. وقوله * (وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب) * قال ابن عباس: تحسبها قائمة وهي تسير سيرا حثيثا سريعا قال النابغة الجعدي: ناز عن مثل الطود يحسب أنهم * وقوف لحاح والركاب تهملج (2) أي من أجل كثرتهم وإلتفافهم يحسب انهم وقوف، فكذلك الجبال. وقوله * (صنع الله الذي أتقن كل شئ) * نصب (صنع الله) بما دل عليه ما تقدم من الكلام من قوله * (تمر مر السحاب) * فكأنه قال: صنع الله صنع الذي أتقن كل شئ إلا انه اظهر اسم الله في الثاني، لانه لم يذكر في الاول وانما دل عليه. والاتقان حسن إيناق وقوله * (انه خبير بما تفعلون) * أي عليم بأفعالهم فيجازيهم بحسبها على الطاعة بالثواب وعلى المعصية بالعقاب. ثم بين كيفية الجزاء، فقال * (من جاء بالحسنة) * يعني بالخصلة الحسنة * (فله خير منها) * أي خير يصيبه منها. وقيل: فله أفضل منها في عظم النفع لان له بقيمتها وبالوعد الذي وعده الله بها كأنه قال: من اتى بالحسنة التي هي الايمان والتوحيد والطاعة لله يوم القيامة يكون آمنا لا يفزع كما يفزع الكفار


(1) سورة 30 الروم آية 4 (2) تفسير الطبري 20 / 14 (*)

[ 125 ]

والفساق. وقيل: هم من فزع الموت في الدنيا آمنون في الآخرة. وقيل: من فزع يوم القيامة في الجنة آمنون. ثم قال * (ومن جاء بالسيئة) * يعني بالمعصية الكبيرة التي هي مثل الكفر والشرك، وما جرى مجراهما. وقال جميع المفسرين: إن السيئة - ههنا - الشرك، فان الله تعالى يكبه على وجهه في النار. ويقال: كبه واكبه إذا نكسه، ويقال لهم * (هل تجزون) * بهذا العقاب * (إلا) * مكافأة لما كنتم تفعلون وتعملون في دار التكليف من المعاصي. ثم قال لنبيه * (قل) * لهم * (انما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة) * يعني مكة - في قول ابن عباس - وقال غيره: منى، أي أمرت بعبادة رب هذه البلدة لم أؤمر بعبادة سواه * (التي حرمها) * وقيل: معنى (حرمها) عظم حرمتها من أن يسفك دم حرام فيها أو يظلم أحد فيها أو يصطاد صيدها أو يخلى خلاؤها وقيل: حرمها حتى أمن الوحش فيها، فلا يعدو الكلب على الغزال، ولا على الطير ولو خرج من الحرم لنفر أشد النفور، فذكر لهذه الآية في الحرم * (وله كل شئ) * أي يملك كل شئ بالتصرف فيه على وجه يريده ويختاره، وليس لاحد منعه منه * (وأمرت ان أكون من المسلمين) * الذين يسلمون بتوحيده واخلاص العبادة له مستسلمين له * (وأمرت أن أتلو القرآن) * عليكم وادعوكم إلى ما فيه * (فمن اهتدى) * إلى الحق والعمل بما فيه * (فانما يهتدي لنفسه) * لان جزاء ذلك وثوابه يصل إليه دون غيره * (ومن ضل) * عنه وجار ولم يعمل بما فيه ولم يهتد إلى الحق * (فقل) * له يا محمد * (انما أنا من المنذرين) * الذين يخوفون بعقاب الله من معاصيه، ويدعون إلى طاعته. وفي ذلك دلالة على فساد قول المجبرة الذين يقولون: ان الله يخلق الايمان والهداية والكفر والضلالة. ثم امر نبيه صلى الله عليه وآله بان يقول * (الحمد لله) * اعترافا بنعمه * (سيريكم

[ 126 ]

آياته) * يعني دلالاته التي ليس يمكنكم جحدها. وقال الحسن: معناه يريكم آياته في الآخرة فتعرفون انها على ما قال في الدنيا. وقيل: يركم في الدنيا ما ترون من الآيات في السماء والارض، فتعرفونها أنها حق. ذكره مجاهد. ئم قال وليس ربك يا محمد * (بغافل عما تعملون) * من قرأ بالياء يعني عما يفعله المشركون. ومن قرأ بالتاء، فعلى تقدير: قل لهم: ليس ربكم بغافل عما تعملونه بل هو عالم بجميع ذلك فيجازيكم عليه، وفى ذلك غاية التهديد.

[ 127 ]

28 - سورة القصص مكية في قول قتادة والحسن وعطاء وعكرمة ومجاهد ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وقال ابن عباس آية منها نزلت بالمدينة وقيل بالجحفة وهي قوله " ان الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد " وهي ثمانون وثمان آيات بلا خلاف في جملتها واختلفوا في رأس آيتين سأذكرها عند كتابتها بسم الله الرحمن الرحيم * (طسم (1) تلك آيات الكتاب المبين (2) نتلو عليك من نبا موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون (3) إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين (4) ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) * (5).

[ 128 ]

خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه. عد الكوفي " طسم " آية ولم يعدها الباقون. قد بينا معنى هذه الحروف في أوائل السور في عدة مواضع، فلا فائدة في إعادته، وقوينا قول من قال: إنها اسماء للسور. وقوله " تلك آيات الكتاب " أي تلك آيات الكتاب التي وعدتم بانزالها. وقيل معناه هذا القرآن هو الكتاب المبين - ذكره الحسن - وقيل: في معنى " المبين " قولان: احدهما - قال قوم: المبين أنه من عند الله. وقال قتادة: المبين الرشد من الغي. والمبين هو البين أيضا. وأضاف الآيات إلى الكتاب، وهي الكتاب كما قال " انه لحق القين " (1) ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله فقال " نتلو عليك " يا محمد طرفا من اخبار " موسى وفرعون بالحق " على حقيقة البيان وهو اظهار المعنى للنفس بما تميزه من غيره مشتق من أبنت كذا من كذا إذا فصلته منه. والبرهان إظهار المعنى للنفس بما يدعو إلى انه حق مما هو حق في نفسه. والتلاوة الاتيان بالثاني بعد الاول في القراءة بما يتلوه تلاوة، فهو تلل لمقدم، والمقدم والتالي مثل الاول والثاني. والنبأ الخبر عما هو أعظم شأنا من غيره. والحق هو ما يدعو إليه العقل، ونقيضه الباطل، وهو ما صرف عنه العقل. وقوله " لقوم يؤمنون " معناه إنا نتلو عليك هذه الاحبار لقوم يصدقون بالله، وبما أنزل عليك، لانهم المنتفعون به، والايمان الصديق بفعل ما يؤمن من العقاب. ثم اخبر تعالى فقال " ان فرعون علا في الارض " أي تجبر وبغي - في


(1) سورة 96 الحاقة آية 51 (*)

[ 129 ]

قول قتادة وغيره - ببغيه واستعباده بني إسرائيل، وقتل أولادهم. وقيل: بقهره وادعائه الربوبية. وقيل: بشدة سلطانه " وجعل اهلها شيعا " أي قوما يستضعف طائفة منهم " فيستعبدهم و " يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم " أي يستبقي بناتهم فلا يقتلهن، وقيل: إنه كان يأمر باخراج أحيائهن الذي فيه الولد والاول هو الصحيح. ثم اخبر تعالى وحكم بأن فرعون " كان من المفسدين " في الارض والعلملين بمعاصي الله. ثم وعد تعالى فقال " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الارض " وهو عطف على قوله " يستضعف طائفة منهم " ونحن نريد أن نمن. وقال قتادة: يعنى من بني اسرائيل " ونجعلهم أئمة " يقتدى بهم " ونجعلهم الوارثين " لمن تقدمهم من قوم فرعون. وروى قوم من أصحابنا أن الآية نزلت في شأن المهدي (ع) وأن الله تعالى يمن عليه بعد أن استضعف. ويجعله إماما ممكنا، ويورثه ما كان في ايدي الظلمة. قال السدي: إن فرعون رأى في منامه أن نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وتركت بني اسرائيل فسأل علماء قومه، فقالوا: يخرج من هذا البلد رجل يكون هلاك مصر على يده، فامر بذبح أبنائهم واستحياء نسائهم، وأسرع الموت في شيوخ بني إسرائيل، فقالت القبط لفرعون: ان شيوخ بني إسرائيل قد فنوا، وصغارهم قد قتلتهم فاستبقهم لعملنا وخدمتنا، فأمرهم أن يستحيوا في عام، ويقتلوا في عام، فولد في عام الاستحياء هارون، وولد في عام القتل موسى، قال الضحاك: عاش فرعون

[ 130 ]

أربع مئة سنة، وكان قصيرا وسيما، وهو أول من خضب بالسواد. وعاش موسى مئة وعشرين سنة. وقيل: ان فرعون كان من أهل الاصطخر. قوله تعالى: * (ونمكن لهم في الارض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (6) وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فالقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين (7) فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين (8) وقالت امرأت فرعون قرت عين لي ولك لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون (9) وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين) * (10) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " وحزنا " بضم الحاء، واسكان الزاي. الباقون بفتحهما، وهما لغتان. يقال: حزن وحزن مثل نجل ونجل. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " ويري فرعون وهامان " بالياء ورفع (فرعون، وهامان) باسناد الرؤية اليهما. الباقون بالنون، ونصب (فرعون وهامان) باسناد الفعل إلى الله، وكونهما مفعولين.

[ 131 ]

لما اخبر الله تعالى أنه يريد ان يمن على الذين استضعفوا في الارض ويجعلهم ائمة، أخبر في هذه الآية أنه يريد أن يمكنهم في الارض، والتمكين هو فعل جميع مالا يصح الفعل ولا يحصل إلا معه: من القدرة والآلة واللطف وغير ذلك. وقال الرماني: اللطف لا يدخل في التمكين، لانه لو دخل فيه لكان من لا لطف له لم يكن ممكنا، ولكن يقال: انه من باب ازاحة العلة. ثم بين انه تعالى " يري فرعون وهامان وجنودهما منهم " يعني من بني اسرائيل " ما كانوا يحذرون " من زوال ملكهم على يد رجل من بني اسرائيل، ولذلك ذبح فرعون أبناءهم. ومن قال: ان الآية في شأن المهدي (ع) حمل فرعون وهامان على فرعون هذه الامة وهامانها، والكناية في " منهم " عائدة على أنصار المهدي (ع) قالوا: وهذه أولى، لانه بلفظ الاستقبال، لان في أوله النون أو الياء على اختلاف القراءتين وهما للمضارعة. والحذر توقي ما فيه المضرة، فهؤلاء الذين طلبوا الحذر في غير وجهه، إذ قتلوا الاطفال ظلما لاجله، ولو طلبوه بالرجوع إلى الله، ودعائه ليكشف عنهم لكانوا طالبين له من وجهه. وقوله " وأوحينا إلى أم موسى " أي ألهمناها، وقذفنا في قلبها، وليس بوحي نوم، ولا نبوة - في قول قتادة وغيره - وقال الجبائي: كان الوحي رؤيا منام عبر منه مؤمن به من علماء بني إسرائيل. وقوله " أن ارضعيه " أي الهمناها إرضاع موسى " فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " فالخوف توقع ضرر لا يؤمن به. وقال الزجاج: معنى " أوحينا إلى أم موسى " اعلمناها، وقوله " فالقيه في اليم " أمر من الله تعالى لام موسى انها إذا خافت على موسى من فرعون أن ترضعه وتطرحه في اليم. واليم البحر، ويعني به النيل " ولا تخافي ولا تحزني " نهي من الله تعالى

[ 132 ]

لها من الخوف والحزن، فانه تعالى أراد أن ينزيل خوف أم موسى بما وعدها الله من سلامته على أعظم الامور في القائه في البحر الذي هو سبب الهلاك في ظاهر التقدير، لولا لطف الله تعالى بحفظه حتى يرده إلى أمه. ووعدها بأنه يرده عليها بقوله " انا رادوه اليك " ووعدها أيضا بان يجعله من جملة الانبياء المرسلين بقوله " وجاعلوه من المرسلين ". ثم اخبر ان آل فرعون التقطوه، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان أم موسى طرحته في البحر ومضى في البرح إلى أن بلغ قصر فرعون فالتقطه آل فرعون. والالتقاط هو اصابة الشئ من غير طلب، ومنه اللقطة قال الراجز: ومنهل وردته التقاطا * لم ألق إذ وردته فراطا (1) وقوله " ليكون لهم عدوا وحزنا " اللام لام العاقبة، لانهم لم يلتقطوه لان يصير لهم عدوا وحزنا، بل التقطوه ليكون قرة عين لهم، ومثله قول الشاعر: لدوا للموت وابنوا للخراب (2) ومنه قوله " ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا " (3). ثم اخبر تعالى " إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين " عاصين لله في أفعالهم، ثم حكى تعالى أن امرأة فرعون لما جيئ بموسى إليها ورأته وعطف الله بقلبها عليه جاءت به إلى فرعون، وقالت " قرة عين لي ولك " أي قرة عين هذا الولد لي ولك " لا تقتلوه عسى ان ينفعنا أو نتخذه ولدا " إذا ربيناه وكبر " وهم لا يشعرون " بأن هلاكهم على يديه، في قول قتادة. ثم قال " واصبح فؤاد ام موسى فارغا " قال ابن عباس وقتادة والضحاك:


(1) تفسير الطبري 20 / 19 والقرطبي 13 / 252 (2) مر في 3 / ؟ 6 و 5 / 43 (3) سورة 7 الاعراف آية 178 (*)

[ 133 ]

معناه فارغا من كل شئ إلا من ذكر موسى. وقال الحسن وابن زيد وابن اسحاق: فارغا من وحينا بنسيانه، فانها نسيت ما وعدها الله به. وقيل: فارغا من الحزن لعلمها بأن ابنها ناج سكونا إلى ما وعد الله وقبلت به. وقوله " إن كادت لتبدي به " قال ابن عباس وقتادة والسدي: معناه كادت لتبدي بذكر موسى. وتقول: يا ابناه. وقيل: ان كادت لتبدي بالوحي. وقوله " لولا أن ربطنا على قلبها " فالربط على القلب تقويته على الامر حتى لا يخرج منه إلى مالا يجوز. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره لولا أن ربطنا على قلبها لاظهرته. وقوله " لتكون من المؤمنين " معناه فعلنا ذلك بها لتكون من جملة المؤمنين المصدقين بتوحيد الله وعدله. قوله تعالى: * (وقالت لاخته قصيه فبصرت به عن جنب وهم لا يشعرون (11) وحرمنا عليه المراضع من قبل فقالت هل أدلكم على أهل بيت يكفلوله لكم وهم له ناصحون (12) فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن ولتعلم أن وعد الله حق ولكن أكثرهم لا يعلمون (13) ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين (14) ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها فوجد فيها رجلين يقتتلان

[ 134 ]

هذا من شيعته وهذا من عدوه فاستغاثه الذي من شعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان إنه عدو مضل مبين) * (15) خمس آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى عن أم موسى أنها قالت لاخت موسى: قصيه أي اتبعي اثره، يقال قصه يقصه قصا إذ اتبع اثره، ومنه القصص، لانه حديث يتبع بعضه بعضا يتبع الثاني للاول، والاقتصاص اتباع الجاني في الاخذ بمثل جنايته في النفس " فبصرت به عن جنب " معنى (فبصرت به) رأته، وهو لا يتعدى إلا بحرف الجر. والرؤية تتعدى بنفسها، وقال مجاهد: معناه عن بعد، ومثله أبصرته عن جنابة قال الاعشى: أتيت حريثا زائرا عن جنابة * فكان حريث عن عطائي جامدا (1) أي عن بعد، وقيل: معنى " عن جنب " عن مكان جنب، وهو الجانب لان الجنب صفة وقعت موقع الموصوف لظهور معناه، وكان ذلك احسن واوجز " وهم لا يشعرون " قال قتادة: معناه وآل فرعون لا يشعرون انها اخته. وقوله " وحرمنا عليه المواضع " وهي جمع مرضعة ومعناه منعناه منهن وبغضناهن إليه، فكان ذلك كالمنع والنهي، لا أن هناك نهيا عن الفعل، قال الشاعر: جاءت لتصرعني فقلت لها اقصري * اني امرء صرعي عليك حرام (2) اي ممتنع فاني فارس امنعك من ذلك، ومثله قولهم: فلان حرم على


(1) ديوانه * (دار بيروت) * 43 (2) مر هذا البيت في 3 / 489 (*)

[ 135 ]

نفسه كذا بالامتناع منه، كالامتناع بالنهي. وقوله " من قبل " أي من قبل رده على أمه " فقالت هل أدلكم على اهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون " معناه يضمنونه برضاعه والقيام عليه، وينصحونه في ذلك، فقيل لاخته من أين قلت: انهم ناصحون له أعرفت أهله، فقالت: إنما عنيت ناصحون للملك. والنصح اخلاص العمل من شائب الفساد، وهو نقيض الغش: نصح ينصح نصحا، فهو ناصح في عمله، وناصح في نفسه في توبته إذا اخلصها. وقوله " فرددناه إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن " قيل: ان فرعون سأل أمه كيف يرتضع منك، ولم يرتضع من غيرك ؟ ! قالت: لاني امرأة طيبة الريح طيبة اللبن لا اكاد أؤتى بصبي إلا ارتضع مني. وبين تعالى انه إنما فعل ذلك " كي تقر عينها " يعني عين أمه، فرده عليها " ولتعلم ان وعد الله حق " لابد من كونه. ثم قال " ولكن اكثرهم " أي الخلق " لا يعلمون " حقيقة ما يراد بهم. وقيل: من قوم فرعون ما علمته أم موسى، ومن لطيف تدبير الله تسخير فرعون لعدوه حتى تولى تربيته. وقوله " ولما بلغ أشده واستوى " قال قتادة: اشده ثلاث وثلاثون سنة، واستوائه اربعون سنة. وقيل استواء قوته * (آتيناه) * يعني أعطيناه * (حكما وعلما) * قال السدى: يعني النبوة. وقال عكرمة: يعني العقل. وقال مجاهد: الفرقان. والحكم الخبر بما تدعو إليه الحكمة. والمعنى علمناه من الحكمة ما تقتضي المصلحة، واوحينا إليه بذلك. ثم قال: ومثل ما فعلنا به نجزي أيضا من فعل الاحسان. وفعل الطاعات والافعال الحسنة. ثم اخبر تعالى ان موسى * (دخل المدينة) * يعني مصر، وقيل: غيرها * (على حين غفلة من اهلها) * قيل: إنه كان وقت القائلة. وقيل: لانهم

[ 136 ]

غفلوا عن ذكره لبعد عهدهم به. وقيل: انه كان يوم عيد لهم قد اشتغلوا بلهوهم ولعبهم. وقوله * (فوجد فيها رجلين يقتتلان هذا من شيعته وهذا من عدوه) * قال مجاهد: يعني من شيعته إنه كان اسرائيليا، والآخر إنه كان قبطيا. وقال ابن اسحاق: كان احدهما مسلما، والآخر كافرا * (فاستغاثه الذى من شيعته على الذي من عدوه) * أي استنصره لينصره * (فوكزه موسى) * أي دفع في صدره، وجميع كفه (ولكزه) مثل وكزه ولهزه * (فقضى عليه) * أي مات، فقال عند ذلك موسى * (هذا من عمل الشيطان) * أي من اغوائه حتى زدت من الايقاع به، وإن لم اقصد قتله. وقيل: ان الكناية عن المقتول، فكأنه قال: ان المقتول من عمل الشيطان اي عمله عمل الشيطان. ثم وصف الشيطان بأنه * (عدو) * للبشر ظاهر العداوة. وقوله * (هذا من شيعته وهذا من عدوه) * إشارة إلى الرجلين اللذين احدهما من شيعة موسى، والآخر من عدوه إنما هو على وجه الحكاية للحاضر إذا نظر اليهما الناظر قال هذا من شيعته وهذا من عدوه. قوله تعالى: * (قال رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم (16) قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين (17) فأصبح في المدينة خائفا يترقب فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه قال له موسى إنك لغوي مبين (18) فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدوه لهما قال

[ 137 ]

يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض وما تريد أن تكون من المصلحين (19) وجاء رجل من أقصا المدينة يسعى قال يا موسى إن الملا يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين) * (20) خمس آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى عن موسى انه حين قتل القبطي ندم على ذلك وقال يا " رب إني ظلمت نفسي " بقتله وسأله ان يغفر له، فحكى الله تعالى انه " غفر له " لان " الله هو الغفور " لعباده " الرحيم " بهم المنعم عليهم. وعند أصحابنا أن قتله القبطي لم يكن قبيحا، وكان الله أمره بقتله، لكن كان الاولى تأخيره إلى وقت آخر لضرب من المصلحة، فلما قدم قتله كان ترك الاولى والافضل. فاستغفر من ذلك لا أنه فعل قبيحا. وقال جماعة: ان ذلك كان منه صغيرة غير انها وقعت مكفرة لم يثبت عليها عقاب، ويكون قوله " رب إني ظلمت نفسي " على الوجه الاول أي بخست نفسي حقها بأن لم أفعل ما كنت أستحق به ثوابا زائدا. وعلى المذهب الثاني مذهب من يقول بالموازنة يقول: لانه نقص من ثوابه، وكان بذلك ظالما لنفسه. فأما من قال: إن ذلك كان كبيرة منه وظلما فخارج عما نحن فيه، لان ادلة العقل دلت على أن الانبياء لا يجوز عليهم شي من القبائح، لا كبيرها ولا صغيرها. ومن قال: إنه كان ذلك صغيرة، قال: كان دفعه له المؤدي إلى القتل صغيرة، لا أنه قصد القتل وكان صغيرة.

[ 138 ]

وقوله " قال رب بما أنعمت علي فلن اكون ظهيرا للمجرمين " معناه إن أنعمت علي فلن اكون، فهو مشبه بجواب الجزاء، ولذلك دخلت الفاء في الجواب، وإذا وقع الانعام قيل لما أنعمت، فلن اكون، لانها في كلا الموضعين تدل على أن الثاني وقع من أجل الاول. ويحتمل أن يكون ذلك قسما من موسى بنعم الله عليه، بمغفرته، وفنون نعمه بأن لا يكون معينا على خطيئة، ولا يكون ظهيرا. والظهير المعين لغيره بما به يصير كالظهر له الذي يحميه من عدوه. وقوله " فأصبح في المدينة خائفا يترقب " معناه إن موسى أصبح خائفا من قتل القبطي، يترقب الاخبار - في قول ابن عباس - والترقب التوقع. وقوله " فإذا الذي استنصره بالامس يستصرخه " يعني رأى من كان استنصره بالامس، بأن طلب نصرته على عدوه " يستصرخه " أي يطلب نصرته ايضا. وقيل: يطلب الصراخ على العدو بما يردعه عن الايقاع بمن قد تعرض له " قال له موسى انك لغوي مبين " أي عادل من الرشد، ظاهر الغواية، ومعناه انك لغوي في قتالك من لا تطيق دفع شره عنك، من أصحاب فرعون، خائب فيما تقدر أن تفعله. وقوله " فلما أن أراد أن يبطش بالذي هو عدو لهما " قيل: إن موسى هم أن يدفع العدو عن نفسه وعن صاحبه، ويبطش به " قال يا موسى أتريد أن تقتلني كما قتلت نفسا بالامس " قال الحسن: هو من قول الفرعوني، لانه كان قد اشتهر أمر القتل بالامس أنه قتله بعض بني إسرائيل. وقال ابن عباس واكثر اهل العلم انه من قول الاسرائيلي، لانه قال له موسى انك لغوي مبين، خاف على نفسه فظن أنه يريد الايقاع به، فقال ما قال. وقوله " إن تريد إلا أن تكون جبارا في الارض " اي لست تريد بقتل من قتلته

[ 139 ]

بالامس إلا أن تكون جبارا متكبرا في الارض " وما تريد " اي ولست تريد " أن تكون من " جملة " المصلحين ". وقوله " وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى " قيل هو مؤمن آل فرعون " قال يا موسى ان الملا يأتمرون بك ليقتلوك " أي يأمر بعضهم بعضا بقتلك. وقيل: يأتمرون معناه يرتاؤن، قال نمر بن تولب: أرى الناس قد احدثوا شيمة * وفى كل حادثه يؤتمر (1) أي يرتاء، وقال آخر: ما تأثمر فينا فأم‍ * - رك في يمينك أو شمالك فقوله " فاخرج اني لك من الناصحين " حكاية ما قال الرجل لموسى، وانه ناصح له بقوله، يحذره من اعدائه. وقال الزجاج: وقوله " اني لك " ليست من صلة " الناصحين " لان الصلة لا تقدم على الموصول، لكن تقديره: إني من الناصحين الذين ينصحون لك، يقال: نصحت لك ونصحتك، والاول اكثر. قوله تعالى: * (فخرج منها خائفا يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين (21) ولما توجه تلقاء مدين قال عسى ربي أن يهديني سواء السبيل * ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون (22) ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير (23) فسقى


(1) تفسير الطبري 20 / 31 والقرطبي 13 / 266 (*)

[ 140 ]

لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير (24) فجاءته إحديهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين) * (25). خمس آيات كوفي، وست فيما عداه، عد الكل " يسقون " آية إلا الكوفيبن فانهم عدوها وما بعدها إلى " كبير " آية. قرأ أبو عمرو، وابن عامر، وابو جعفر " حتى يصدر " بفتح الياء وضم الدال. الباقون - بضم الياء وكسر الدال - والصدر الانصراف عن الماء: صدر يصدر صدرا وأصدره غيره إصدارا، ومنه والصدر، لان التدبير يصدر عنه، والمصدر لان الافعال تصدر عنه. فمن فتح الياء أسند الفعل إلى الرعاء، ومن ضمه أراد اصدارهم عنه ومواشيهم. حكى الله تعالى ان موسى لما انذره مؤمن آل فرعون، وأن اشراف قومه ورؤساءهم قد ائتمروا على قتله، وأمره بالخروج من المدينة خرج (ع) " خائفا يترقب " أي يطلب ما يكون ويتوقعه، والترقب طلب ما يكون من المعنى على حفظه للعمل عليه، ومثله التوقع وهو طلب ما يقع من الامر متى يكون. وقال قتادة وخرج منها خائفا من قتله النفس يترقب الطلب. وقيل خرج بغير زاد وكان لا يأكل الاحشاش الصحراء إلى أن بلغ ماء مدين. وقوله " قال رب نجني من القوم الظالمين " حكاية ما دعا به موسى ربه، وانه سأله أن يخلصه من القوم الظالمين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر بالله، وذلك يدل على أن خوفه كان من القتل.

[ 141 ]

وقوله " ولما توجه تلقاء مدين " فالتوجه صرف الوجه إلى جهة من الجهات، ويقال: هذا المعنى يتوجه إلى كذا أي هو كالطالب له بصرف وجهه إليه، وتلقاء الشئ حذاه، ويقال: فعل ذلك من تلقاء نفسه أي من حذا داعي نفسه،. و (مدين) لا ينصرف، لانه إسم بلدة معرفة، قال الشاعر: رهبان مدين لو رأوك تنزلوا * والعصم من شعف العقول الغادر (1) الشعف أعلى الجبل، والغادر الكبير. وقال ابن عباس: بين مصر ومدين ثمان ليال، نحو ما بين الكوفة والبصرة. وقوله " عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " حكاية ما قال موسى في توجهه، فانه قال: عسى أن يدلني ربي على سواء السبيل، وهو وسط الطريق المؤدي إلى الجاة، لان الاخذ يمينا وشمالا يباعد عن طريق الصواب، ويقرب منه لزوم الوسط على السنن، فهذا هو المسعى في الهداية، وقال الشاعر: حتى اغيب في سواء الملحد اي في وسطه، وقال عطاء: عرضت له أربع طرق لم يدر أيها يسلك، فقال ما قال. ثم أخذ طريق مدين حتى ورد على شعيب، وهو قول عكرمة. ثم حكى تعالى أن موسى " لما ورد ماء مدين وجد عليه أمة " يعني جماعة " من الناس يسقون " بهائمهم ويستسقون الماء من البئر " ووجد من دونهم " يعني دون الناس " امرأتين تذودان " أي يحبسان غنمهما ويمنعانها من الورود إلى الماء يقال: ذاذ شاته وإبله عن الشئ يذودها ذودا إذا احبسها عنه بمنعها منه، قال سويد بن كراع:


(1) مر تخريجه في 3 / 601 (*)

[ 142 ]

أبيت على باب القوا في كأنما * أذود بها سربا من الوحش شرعا (1) وقال الآخر: وقد سلبت عصاك بن تميم * فما تدري بأي عصا تذود (2) وقال الفراء: لا يقال: ذدت الناس، وإنما قالوا ذلك في الغنم والابل، وقال قتادة: كانتا تذودان الناس عن شائهما. وقال السدي: تحبسان غنمهما فقال لهما موسى " ما خطبكما " أي ما شأنكما ؟ في قول ابن اسحاق، قال الراجز: يا عجبا ما خطبه وخطبي (3) والخطب الامر الذي فيه تفخيم، ومنه الخطبة، لانها في الامر المعظم، ومن ذلك خطبة النكاح والخطاب، كل ذلك فيه معنى العظم، فأجابتاه بأننا لا نسقي غنمنا حتى يصدر الرعاء وواحد الرعاء راع، ويجمع ايضا رعاة ورعيانا، والمعنى انا لا نسقي حتى ينصرف الرعاء - فيمن فتح الياء - أو يصرفون غنمهم - فيمن ضم الياء - لانا لا قوة بنا على الاسقاء، وإنما ننظر فضول الماء في الحوض - في قول ابن عباس وقتادة وابن اسحاق - " وابونا شيخ كبير " لا يقدر على أن يتولى ذلك بنفسه، وقوله " فسقى لهما " قال شريح: رفع لهما حجرا عن بئر لا يقدر على رفعه إلا عشرة رجال ثم استقى لهما. وقال ابن اسحاق: إنه زحم الناس عن الماء حتى آخرهم عنه حتى سقى لهما. وقوله " ثم تولى إلى الظل فقال رب اني لما أنزلت الي من خير فقير " معناه إني إلى ما أنزلت فاللام بمعنى إلى، و (ما) بمعنى الذي وما بعده من صلته و (لما) متعلق بقوله (فقير) وتقديره أي فقير


(1) تفسير الطبري 20 / 33 والقرطبي 13 / 266 (2) تفسير الطبري 20 / 33 والقرطبى 13 / 268 (3) قالمه رؤبة. تفسير القرطبى 13 / 268 والطبري 20 / 33 (*)

[ 143 ]

إلى ما أنزلت الي من خير. قال ابن عباس: أدرك موسى جزع شديد، فقال " رب اني لما انزلت الي من خير فقير " وفى الكلام حذف، لان التقدير إن المرأتين عادتا إلى أبيهما وشكرتا فعله، فقال أبوهما لاحداهما ادعية لي لاجزيه على فعله " فجاءت احداهما تمشي على استحياء " قيل: معناه متسترة بكم درعها أو قميصها، فقالت له " ان ابي يدعوك " ليكافبك على ما سقيت لنا وإن موسى مشى معها حتى وصل إليه " وقص عليه القصص " من اخباره وما مر عليه، فقال له الشيخ " لا تخف نجوت من القوم الظالمين " قال ابن عباس معناه ليس لفرعون سلطان بأرضنا. وقيل: كان الشيخ أبوهما شعيبا (ع) وقال الحسن: بل كان رجلا مسلما على دين شعيب اخذ الدين عنه، وشعيب مات قبل ذلك، وقال قوم: انه كان ابن اخي شعيب (ع). قوله تعالى: * (قالت إحديهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الامين (26) قال إني أريد أن أنكحك إحدي ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فان أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين (27) قال ذلك بيني وبينك أيما الاجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل (28) فلما قضى موسى الاجل وسار بأهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله

[ 144 ]

امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعلكم تصطلون (29) فلما أتيها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) * (30) خمس آيات بلا خلاف. قرأ عاصم * (جذوة) * بفتح الجيم، وقرأ حمزة وخلف بضمها. الباقون - بكسر الجيم - وفيه ثلاث لغات - فتح الجيم وضمها وكسرها. والكسر أكثر وافصح. والجذوة القطعة الغليظة من الحطب فيها النار، وهي مثل الحزمة من أصل الشجر، وجمعها جذي قال الشاعر: كانت حواطب ليلى يلتمس لها * جزل الجذى غير خوار ولا ذعر (1) وقال قتادة: الجذوة الشعلة من النار. حكى الله تعالى أن احدى المرأتين قالت لابيها " يا أبت استأجره " والاستئجار طلب الاجارة، وهي العقد على أمر بالمعاوضة، يقال: أجره أجرا، وآجره إجارة وايجارا، واستأجره استئجارا ومنه الاجير، والماجور. والاجر الثواب، وهو الجزاء على الخير. ثم حكى أنها قالت لابيها " ان خير من استأجرت القوي الامين " قال قتادة: عرفت قوته بأنه سقى الماشية بدلو واحد، وعرفت أمانته بغض طرفه، وامره إياها بأن تمشي خلفه. والقوي القادر العظيم المقدور، ومنه وصف الله تعالى بأنه القوي العزيز، وأصل القوة شدة الفتل من قوي الحبل، وهي طافاته التي يفتل عليها، ثم نقل إلى معنى القدرة على الفعل. والامانة خاصة للتأدية على ما يلزم فيها،


(1) تفسير القرطبي 13 / 281 والطبري 20 / 41 (*)

[ 145 ]

وهي ضد الخيانة، والثقة مثل الامانة. ثم حكى ما قال أبو المرأتين لموسى (ع)، فانه قال له " إني اريد أن انكحك احدى ابنتي هاتين " أي ازوجك احداهما، فالانكاح عقد ولي المرأة على غيره الزوجية، وهو تزويجه اياها، والنكاح تزوج الرجل المرأة، يقال نكحها نكاحا إذا تزوجها. وقوله " على أن تأجرني ثماني حجج " معناه على أن تجعل أجري على تزويجي إياك ابنتي رعي ماشيتي ثماني سنين، لانه جعل صداق ابنته هذا الذي عقد عليه، وجعل الزيادة على المدة إليه الخيار فيها، فلذلك قال " فان أتممت عشرا فمن عندك " أي هبة منك غير واجب عليك. ثم اخبر انه قال " وما اريد ان اشق عليك " بأن الزمك عشر سنين " ستجدني " فيما بعد * (ان شاء الله من) * جملة * (الصالحين) * الذين يفعلون الخيرات، وتعليق الصلاح بمشيئة الله في الآية يحتمل أمرين: احدهما - ان يريد بها الصلاح في الدنيا من صحة الجسم وتمام القوة، فان الله تعالى يجوز ان يفعل بأنبيائه أمراضا امتحانا لهم ولطفا، فلذلك قال إن شاء الله. والثاني - ان يكون أراد ان شاء الله تبقيتي، لانه يجوز أن يخترمه الله فلا يفعل الصلاح الديني، فلذلك علقه بمشيئة الله. ويحتمل أن يكون ذلك لاتفاق الكلام، ولا يكون خبرا قاطعا، فلا يكون بمشيئة الله شرط في فعل الصلاح وقال ابن عباس: ان موسى قضى أتما الاجلين وأوفاهما، وقيل: انه كان جعل لموسى كل سخلة تولد على خلاف شبه امها فأوحى الله (عز وجل) إلى موسى ان الق عصاك في الماء فولدت كلهن خلاف شبههن. وقيل: جعل له كل

[ 146 ]

بلقاء فولدن كلهن بلقا. ثم حكى تعالى ان موسى قال له * (ذلك بيني وبينك ايما الاجلين قضيت فلا عدوان علي) * أي لا تعدي علي لاني مخير في ذلك * (والله على ما نقول وكيل) * أي كاف وحسيب، وقيل: انه من قول الشيخ، ثم حكى تعالى ان موسى لما قضى الاجل تسلم زوجته وسار بها إلى أن * (آنس من جانب الطور نارا) * اي ابصر امرا يؤنس بمثله، والطور الجبل قال العجاج: آنس جربان فضاء فانكدر * دانى جناحيه من الطور فمر (1) فلما رأى ذلك قال لاهله: البثوا مكانكم، فاني ابصرت نارا، فامضي نحوها * (لعلي آتيكم منها بخبر) * يعرف منه الطريق، فانه روي انه كان قد ضل عن الطريق * (أو جذوة من النار) * أي قطعة من الحطب غليظة فيها النار، وقيل الجذوة الشعلة من النار، لكي تصطلوا بها. وقيل: انهما كانا وجدا البرد، فلذلك قال ما قال. ثم حكى تعالى ان موسى لما اتى النار بان قرب منها * (نؤدي من شاطئ الواد الايمن) * أي من جانبه وهو الشط، ويجمع شواطئ وشطانا * (من البقعة المباركة) * يقال: بقعة وبقعة بالضم والفتح، وجمعه بقاع، ووصفها بأنها مباركة لانه كلم الله فيها موسى * (من الشجرة) * قيل ان الكلام والنداء سمعه موسى من ناحية الشجرة، لان الله تعالى فعل الكلام فيها لا أن الله تعالى كان في الشجرة، لانه لا يحويه مكان، ولا يحل في جسم، فتعالى الله عن ذلك " أن يا موسى " أي ناداه بان قال له يا موسى * (اني أنا الله رب العالمين) *


(1) تفسير الطبري 20 / 40 وروايته " آنس جريان قض "، وقد مر قسم من هذا الرجز في 1 / 286 و 7 / 358 (*)

[ 147 ]

الذي خلقت جميع الخلائق وأخرجتهم من العدم إلى الوجود. قوله تعالى: * (وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين (31) أسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء واضمم إليك جناحك من الرهب فذانك برهانان من ربك إلى فرعون وملائه إنهم كانوا قوما فاسقين (32) قال رب إني قتلت منهم نفسا فأخاف أن يقتلون (33) وأخي هرون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني إني أخاف أن يكذبون (34) قال سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون إليكما بآياتنا أنتما ومن اتبعكما الغالبون) * (35) خمس آيات بلا خلاف قرأ * (من الرهب) * بفتح الراء والهاء - ابن كثير ونافع وابو جعفر وابو عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الهاء - إلا حفصا، فانه قرأ - بفتح الراء وسكون الهاء - وقرأ ابن كثير وابو عمرو * (فذانك) * مشددة النون. الباقون بالتخفيف. وقرأ نافع * (ردا) * بفتح الدال من غير همز منونا. وقرأه أبو جعفر بالف بعد الدال من غير همز وغير تنوين. الباقون بسكون الدال وبعدها همزة مفتوحة منونة. وقرأ عاصم وحمزة * (يصدقني) * بضم القاف.

[ 148 ]

الباقون بالجزم. الرهب والرهب لغتان مثل النهر والنهر، والسمع والسمع. وقيل في تشديد * (ذانك) * ثلاثة اقوال: احدها - للتوكيد، الثاني - للفرق بين النون التي تسقط للاضافة. وبين هذه النون. الثالث - للفرق بين بنية الاسم المتمكن وغير المتمكن. وروي عن ابن كثير انه قرأ * (فذانيك) * قال أبو علي: وجه ذلك انه أبدل من احدى النونين ياء، كما قالوا: تظنيت وتظننت. ومن جزم * (يصدقني) * جعله جوابا للامر وفيه معنى الشرط. وتقديره: إن ارسلته صدقني ومن رفع جعله صفة للنكرة. وتقديره ردءا مصدقا لي. وقال مقاتل: الرهب الكم، ويقال وضعت الشئ في رهبي اي في كمي، ذكر الشعبي انه سمع ذلك من العرب. ومن شدد * (ذانك) * جعله تثنية (ذلك) ومن خفف جعله تثنية (ذاك). اخبر الله تعالى انه لما قال لموسى * (اني انا الله رب العالمين) * أمره ايضا ان يلقي عصاه، وانه القاها أي طرحها واخرجها من يده إلى الارض فانقلبت باذن الله ثعبانا عظيما * (تهتز) * باذن الله * (كأنها جان) * في سرعة حركته، وشدة اهتزازه، فعلم موسى عند ذلك ان الذي سمعه من الكلام صادر من الله، وان الله هو المكلم له دون غيره، لان ذلك إنما يعلمه بضرب من الاستدلال. وقوله * (ولى مدبرا، ولم يعقب) * اي لم يرجع، اي خاف بطبع البشرية وتأخر عنها ولم يقف، فقال الله تعالى له * (يا موسى اقبل ولا تخف انك من الآمنين) * من ضررها. والعصا عود من خشب كالعمود، وفي انقلابه حية دليل على ان الجوهر من جنس واحد، لانه لا حال ابعد إلى الحيوان من حال الخشب. وما جرى مجراه من الجماد، وذلك يقتضي صحة قلب الابيض إلى

[ 149 ]

حال الاسود، والاهتزاز شدة الاضطراب في الحركة، والحيوان له حركة تدل عليه إذا رأي عليها لا يشك في انه حيوان بها. وهي التصرف بالنفس من غير ريح، ولا سبب يولد التصرف مع كونه على البنية الحيوانية. وقيل: ان الله امره ان يدخل يده في فيها، ففعل فعادت عصا كما كانت. ثم امره الله ان يسلك يده في جيبه، أي بأن يدخلها فيه، وكانت سمرة شديدة السمرة فلما اخرجها خرجت بيضاء نقية * (من غير سوء) * أي من غير برص. وقوله * (واضمم اليك جناحك) * قال ابن عباس ومجاهد: يعني يدك * (من الرهب) * يعني من الرعب، والفرق الذي لحقه لاجل الحية - في قول مجاهد، وقتادة - وقال قوم: ان معناه امر له بالعزم على ما اريد له مما امر به، وحثه على الجد فيه، ويمنعه ذلك من الخوف الذي لحقه، ولا يستعظم ذلك، فيكون ذلك مانعا مما امر به، كما قال * (سنشد عضدك بأخيك) * ولم يرد خلاف الحل فكذلك الضم ليس يراد به الضم المزيل للفرجة. ومثله قول الشاعر: اشدد حياز يمك للموت فان الموت لاقيك * ولا تجزع من الموت إذا حل يواديك (1) وانما يريد تأهب له. ثم قال " فذانك " يعني قلب العصا حية واخراج اليد البيضاء " برهانان " أي دليلان، واضحان من الله في ارسالك إلى فرعون واشراف قومه. ثم اخبر تعالى أن فرعون وقومه " كانوا قوما فاسقين " خارجين من طاعة الله إلى معاصيه. ثم حكى تعالى ما قال موسى، فانه قال يا رب " اني قتلت منهم نفسا " يعني القبطي الذي وكزه فقضى عليه " فأخاف ان يقتلوني " بدله.


(1) اللسان (حزم) نسبه إلى علي (ع) (*)

[ 150 ]

وقال ايضا " وأخي هارون هو افصح مني لسانا " لان موسى كان في لسانه عقدة ولم يكن كذلك هارون، وسأل الله تعالى أن يرسل هارون معه " ردءا " أي عونا، والردء العون الذي يدفع السوء عن صاحبه، ومنه ردء الشئ يردأه رداءا فهو ردئ، فالرد المعين في دفع الردا عن صاحبه. ويقال: ردأته اردأه ردءا إذا أعنته. واردأته ايضا لغتان. وقوله " يصدقني " من جزمه جعله جوابا للامر، ومن رفعه جعله صفة للنكرة، وتقديره ردءا مصدقا " إني اخاف أن يكذبون " في ادعاء النبوة والرسالة، وقيل: ان موسى ما سأل ذلك إلا باذن الله، لانه لا يجوز ان يسأل نبي أن يرسل معه إنسانا آخر نبيا، وهو لا يعلم أنه يصلح لذلك، فلا يجاب إليه، فان ذلك ينفر عنه. فقال الله تعالى " سنشد عضدك باخيك " أي سنقويك به بأن نقرنه اليك في الرسالة لنقوي بعضكما ببعض. " ونجعل لكما سلطانا " يعني حجة وقوة، وهي التي كانت لهما بالعصا. والسلطان القوة التي يدفع بها على الامر. والسلطان الحجة الظاهرة، وتقديره ونجعل لكما سلطانا ثابتا " فلا يصلون اليكما " فيه تقديم وتأخير. ثم قال تعالى " فلا يصلون اليكما " يعني فرعون، وقومه لا يتمكنون من قتلكما، ولا أذا كما، ثم قال " بآياتيا " أي بحججنا وبراهيننا " انتما ومن اتبعكما " من بني إسرائيل وغيرهم " الغالبون " لفرعون، فعلى هذا يكون " أنتما " مبتدءا، " ومن اتبعكما " عطفا عليه " والغالبون " خبره " وبآياتنا " متعلق بقوله " الغالبون ". وعلى الوجه الآخر يكون " بآياتنا " متعلقا بقوله " ويجعل لكما سلطانا.... بآياتنا " قال الزجاج: يجوز أن يكون " بآياتنا " متعلقا بقوله " فلا يصلون اليكما " بآياتنا وحججنا، وكل ذلك محتمل.

[ 151 ]

قوله تعالى: * (فلما جاءهم موسى بآياتنا بينات قالوا ما هذا إلا سحر مفترى وما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين (36) وقال موسى ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده ومن تكون له عاقبة الدار إنه لا يفلح الظالمون (37) وقال فرعون يا أيها الملا ما علمت لكم من آله غيري فأوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا لعلي أطلع إلى آله موسى وإني لاظنه من الكاذبين (38) واستكبر هو وجنوده في الارض بغير الحق وظنوا أنهم إلينا لا يرجعون (39) فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير " قال موسى " بلا واو، وكذلك هو في مصاحف أهل مكة. الباقون - بالواو - وكذلك هو في المصاحف. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " من يكون " بالياء. الباقون بالتاء من قرأ بالياء فلان تأنيث العاقبة ليس بحقيقي. ومن قرأ بالتاء، فلان لفظه مؤنث. وتقدير الكلام إن موسى مضى إلى فرعون " فلما جاءهم موسى بآياتنا " أي حججنا " بينات " أي ظاهرات " قالوا " يعني فرعون وقومه ليس " هذا " الذي يدعيه " إلا سحر مفترى " أي مختلق مفتعل. والفرق

[ 152 ]

بين (لو) و (لما) أن (لو) لتقدير وقوع الثاني بالاول، و (لما) للايجاب في وقوع الثاني بالاول. وقولك: ولو جاءهم موسى بآياتنا قالوا، ليس فيه دليل انهم قالوا وفي (لما) دليل على انهم قالوا عقيب مجئ الآيات. وقوله * (سحر مفترى) * اي سحر مختلق لم يبن على اصل صحيح، لانه حيلة موهم خلاف الحقيقة، فوصفوا الآيات بالسحر والاختلاق، على هذا المعنى جهلا منهم وذهابا عن الصواب. وقوله * (ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) * أي لم نسمع ما يدعيه ويدعو إليه في آبائنا الذين كانوا قبلنا، وانما قالوا * (ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين) * مع شهرة قصة قوم نوح وصالح وغيرهم من النبيين الذين دعوا إلى توحيد الله واخلاص عبادته لاحد امرين: احدهما - للفترة التي دخلت بين الوقتين وطول الزمان جحدوا أن تقوم به حجته. والآخر - إن آباءهم ما صدقوا بشئ من ذلك، ولا دانوا به، ووجه الشبهة في أنهم ما سمعوا بهذا في آبائهم الاولين أنهم الكثير الذين لو كان حقا لادركوه، لانه لا يجوز أن يدرك الحق الانقص في العقل والرأي، ولا يدركه الافضل منهما، وهذا غلط، لان ما طريقه الاستدلال قد يصيبه من سلك طريقه ولا يصيبه من لم يسلك طريقه. ثم حكى ما قال موسى بأنه قال * (ربي اعلم بمن جاء بالهدى) * أي بالدين الواضح والحق المبين من عنده، ووجه الاحتجاج بقوله * (ربي أعلم بمن جاء بالهدى من عنده) * أنه عالم بما يدعو إلى الهدى مما يدعو إلى الضلال، فلا يمكن من مثل ما أتيت به من يدعو إلى الضلال، لانه عالم بما في ذلك من فساد العباد

[ 153 ]

ثم بين هذا بقوله * (انه لا يفلح الظالمون) * وان عاقبة الصلاح لاهل الحق والانصاف، وهو كما تقول على طريق المظاهرة بحمل الخطاب: الله أعلم بالمحق منا من المبطل وحجتي ظاهرة، فاكسرها ان قدرت على ذلك * (ومن تكون له عاقبة الدار) * يعني الجنة والثواب في الآخرة * (انه لا يفلح) * أي لا يفوز بالخير من ظلم نفسه وعصى ربه وكفر نعمه. ثم حكى تعالى ما قال فرعون عند سماع كلام موسى لقومه فانه قال لهم * (يا ايها الملاء ما علمت لكم من إله غيري) * فلا تصغوا إلى قوله، حين أعياه الجواب وعجز عن محاجته. ثم قال لهامان * (اوقد لي يا هامان على الطين فاجعل لي صرحا) * قال فالصرح البناء العالي كالقصر، ومنه التصريح شدة ظهور المعنى قال الشاعر: بهن نعام بناها الرجا * ل تحسب اعلامهن الصروحا (1) جمع صرح وهي القصور، وقال قتادة: اول من طبخ الآجر وبنى به فرعون ويقال: الآجر بالتخفيف، والتثقيل والآجور ثلاث لغات. وقوله * (لعلي اطلع إلى اله موسى) * فالاطلاع الظهور على الشئ من عل، وهو الاشراف عليه. وقوله * (واني لاظنه من الكاذبين) * حكاية ما قال فرعون فانه قال: أظن موسى من جملة الذين يكذبون، ثم اخبر تعالى ان فرعون استكبر، وكذلك جنوده، واستكبروا * (في الارض بغير الحق، وظنوا انهم الينا لا يرجعون) * إلى الله وإلى ثوابه وعقابه. وقوله * (فاخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم) * اخبار منه تعالى انه اخذ فرعون وجنوده أي جمعهم وطرحهم في البحر، وغرقهم. والنبذ الالقاء، قال أبو الاسود الدؤلي:


(1) تفسير القرطبي 13 / 209 والطبري 20 / 41 (*)

[ 154 ]

نظرت إلى عنوانه فنبذته * كنبذك نعلا أخلقت من نعالكا (1) وقال قتادة: البحر الذى غرق فيه فرعون يقال له: اسناد، على مسيرة يوم من مصر. قوله تعالى: * (وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيمة لا ينصرون (41) وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيمة هم من المقبوحين (42) ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الاولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون (43) وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين (44) ولكنا أنشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين) * (45) خمس آيات بلا خلاف. اخبر الله تعالى انه جعل فرعون وقومه * (أئمة يدعون إلى النار) * وقيل في معناه قولان: احدهما - انا عرفنا الناس انهم كانوا كذلك، كما يقال: جعله رجل شر بتعريفه حاله. والثاني - انا حكمنا عليهم بذلك، كما قال * (ما جعل الله


(1) مر تخريجه في 1 / 367 (*)

[ 155 ]

من بحيرة ولا سائبة) * (1) وكما قال * (وجعلوا لله شركاء الجن) * (2) وانما قال ذلك، واراد انهم حكموا بذلك، وسموه. والجعل على اربعة اقسام: احدها - بمعنى الاحداث، كقوله * (وجعلنا الليل والنهار آيتين) * (3) وقوله * (وجعلنا السماء سقفا محفوظا) * (4) الثاني - بمعنى قلبه من حال إلى حال كجعل النطفة علقة إلى ان تصير انسانا الثالث - بمعنى الحكم انه على صفة، كما قال انه جعل رؤساء الضلالة يدعون إلى النار أي حكم بذلك. الرابع - بمعنى اعتقد انه على حال كقولهم جعل فلان فلانا راكبا إذا اعتقد فيه ذلك. والامام هو المقدح للاتباع يقتدون به، فرؤساء الضلالة قدموا في المنزلة لاتباعهم فيما يدعون إليه من المغالبة. وانما دعوهم إلى فعل ما يؤدي بهم إلى النار، فكان ذلك كالدعاء إلى النار. والداعي هو الطالب من غيره ان يفعل إما بالقول أو ما يقوم مقامه، فداعي العقل بالاظهار الذى يقوم مقام القول. وكذلك ظهور الارادة يدعو إلى المراد. وقوله * (ويوم القيامة لا ينصرون) * معناه: إنهم كانوا يتناصرون في الدنيا، وهم لا ينصرون في الآخرة بنصر بعضهم لبعض، ولا غيره ولا احد ينصرهم. وقوله * (واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة) * معناه الحقنا بهم في هذه الدنيا لعنة بأن لعناهم وابعدناهم من رحمتنا. وقال أبو عبيدة معناه ألزمناهم بأن امرنا بلعنهم، قوما بعد قوم * (ويوم القيامة هم من المقبوحين) * مع اللعنة.


(1) سورة 5 المائدة آية 106 (2) سورة 6 الانعام آية 100 (3) سورة 17 الاسرى آية 12 (4) سورة 21 الانبياء آية 32 (*)

[ 156 ]

والاتباع إلحاق الثاني بالاول، فهؤلاء الدعاة إلى الضلالة ألحقوا اللعنة تدور معهم حيث ما كانوا، وفى ذلك أعظم الزجر عن القبيح. وقيل: المقبوح المشوه بخلقته لقبيح عمله، ويقال: قبحه الله يقبحه قبحا، فهو مقبوح إذا جعله قبيحا وقال أبو عبيدة: معنى (المقبوحين) المهلكين. ثم اخبر تعالى انه أعطى موسى الكتاب يعني التوراة من بعد ان اهلك القرون الاولى من قوم فرعون وغيرهم، وانه فعل ذلك " بصائر للناس " وهي جمع بصيرة يتبصرون بها ويعتبرون بها وجعل ذلك هدى يعني ادلة وبيانا ورحمة اي ونعمة عليهم لكي يتذكروا ويتفكروا فيعتبروا به. وقوله " وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الامر وما كنت من الشاهدين " معناه ما كنت بجانب الغربي أي الجبل - في قول قتادة - حين قضينا إليه الامر أي فصلنا له الامر بما ألزمناه وقومه وعهدنا إليه فيهم، فلم تشهد انت ذلك " ولكنا انشأنا قرونا فتطاول عليهم العمر وما كنت ثاويا في اهل مدين " أي مقيما فالثاوي المقيم قال الاعشى: أثوى وقصر ليلة ليزودا * ومضى وأخلف من قتيلة وموعدا (1) " تتلو عليهم آياتنا ولكنا كنا مرسلين " والمعنى انك لم تشهد احساننا إلى إلى عبادنا بارسال الرسل ونصب الآيات وانزال الكتب بالبيان والهدى وما فيه الشفاء للعمى كأنه يقول لم تراي شئ كان هناك، تفخيما لشأنه مع إنك انما تخبر به عنا، ولولا ما أعلمناك منه لم تهتد له. قوله تعالى: * (وما كنت بجانب الطور إذ نادينا ولكن رحمة من ربك


(1) ديوانه * (دار بيروت) * 54 (*)

[ 157 ]

لتنذر قوما ما أتيهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون (46) ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك ونكون من المؤمنين (47) فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل قالوا سحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون (48) قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين (49) فان لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هويه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين) * (50) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة " سحران " بغير الف. الباقون " ساحران " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد اراد موسى وهارون، والثاني - قال ابن عباس: أراد موسى ومحمدا " تظاهرا ": اي تعاونا. ومن قرأ " سحران " قال ابن عباس: أراد التوراة والقرآن. وقال الضحاك: اراد الانجيل والقرآن. وقال عكرمة: أراد التوراة والانجيل. ومن اختار " ساحران " فلانه قال تظاهرا وذلك إنما يكون بين الساحرين دون

[ 158 ]

السحرين. ومن قرأ " سحران " قال: في ذلك ضرب من المجاز، كما قال " بكتاب من عند الله هو اهدى " (1) والكتاب يهتدى به، ولا يهدي. وانما يقال ذلك مجازا. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " ما كنت بجانب الطور " الذي كلم الله عليه موسى حين ناداه وكلمه. وقال له " إنني أنا الله " (2) " يا موسى أقبل ولا تخف انك من الآمنين " (3) " فخذها بقوة " (4) وقيل: إن هذه المرة الثانية التي كلم الله فيها موسى " ولكن رحمة من ربك " ومعناه لكن آتيناك علم ذلك رحمة من ربك، ونعة عليك، لما فيه من العبرة والموعظة، وإن سبيلك لسبيل غيرك من النبيين في التأييد والمعجزة الدالة على النبوة. وقوله " لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك " فالانذار الاعلام بموضع المخافة ليتقى، فالنبي صلى الله عليه وآله نذير لانه معلم بالمعاصي، وما يستحق عليها من العقاب، لتتقى بالطاعات، والنذر العقد على ضرب من البر بالسلامة من الخوف والمعنى إنا أعلمناك لتخوف قوما لم يأتهم مخوف قبلك ليتذكروا ويعتبروا، وينزعوا عن المعاصي. و (التذكر) طلب الذكر بالفكر والنظر. وقوله " ولولا ان تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم " أي لولا أن تلحقهم مصيبة جزاء على ما كسبت ايديهم فيقولوا حينئذ " لولا ارسلت الينا رسولا " اي هلا ارسلت الينا من ينهانا عن المعاصي ويدعونا إلى الطاعات * (فنتبع آياتك) * أي ادلتك وبيناتك * (ونكون من المؤمنين) * بوحدانيتك لما أهلكناهم عاجلا بكفرهم، فجواب (لولا) محذوف لدلالة الكلام عليه، لان


(1) آية 49 من هذه السورة (2) سورة 20 طه آية 14 (3) آية 31 من هذه السورة (4) سورة 7 الاعراف آية 144 (*)

[ 159 ]

معنى الكلام الامتنان عليهم بالامهال حتى يتذكروا ما أتى به الرسول صلى الله عليه وآله. وقال قوم جواب (لولا) * (ارسلت الينا رسولا) *. وفي الآية دلالة على وجوب فعل اللطف، لانه لو لم يكن فعله واجبا لم يكن للآية معنى صحيح. ثم اخبر تعالى انه * (فلما جاءهم) * يعني الكفار * (الحق من عندنا) * من عند الله من القرآن والادلة الدالة على توحيده * (قالوا) * عند ذلك: هلا أوتى محمد من المعجزات * (مثل ما أوتي موسى) * من قبل: من فلق البحر وقلب العصا حية وغير ذلك. فقال الله تعالى * (اولم يكفروا بما أوتي موسى من قبل) * قال الجبائي معنى * (اولم يكفروا) * اي اولم يكفر من كان في عصر موسى وهارون، ونسبوهما إلى السحر ف‍ * (قالوا ساحران تظاهرا) * اي موسى ومحمد - في قول ابن عباس، وفي قول مجاهد: موسى وهارون. ومن قرأ (سحران) أراد التوراة والقرآن أو التوراة والانجيل أو الانجيل والقرآن. على ما حكيناه بخلاف فيه وأنهم قالوا مع ذلك * (انا بكل كافرون) * اي بكل ما امر به، وذكر انه من عند الله. ويحتمل ان يكون المراد بموسى وهارون. وقال الحسن: المعني بقوله * (إنا بكل كافرون) * مشركوا العرب الذين كفروا بالتوراة والانجيل والقرآن. ثم امر تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لكفار قومه * (فأتوا بكتاب من عند الله هو اهدى منهما) * يعني من كتاب موسى وكتاب محمد - في قول ابن زيد - " اتبعه ان كنتم صادقين " فيما تدعونه، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " فان لم يستجيبوا لك " مع ظهور الحق " فاعلم انما يتبعون اهواءهم " أي ما تميل طباعهم إليه، لان الهوى ميل الطبع إلى المشتهى. وما عمل على انه حسن للهوى فلا يجوز أن يكون طاعة لكنه أبيح أن يفعله على هذا الوجه، كما أبيح أن

[ 160 ]

يفعله للذة والشهوة، والاستمتاع به. وانما يكون طاعة لله ما عمل على أنه حسن لان الحكم دعا إليه أو لان الحكمة دعت إليه إذ كلما دعت إليه الحكمة بالترغيب فيه فالحكم داع إليه. ثم اخبر تعالى فقال " ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله ان الله لا يهدي القوم الظالمين " أي لا يهديهم إلى طريق الجنة. ويجوز ان يكون المراد لا يحكم بهدايتهم، لانهم عادلون عن طريق الحق. قوله تعالى: * (ولقد وصلنا لهم القول لعلهم يتذكرون (51) الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون (52) وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين (53) أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين) * (55) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى إنا " وصلنا " لهؤلاء الكفار " القول " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال ابن زيد " وصلنا لهم القول " في الخبر عن أمر الدنيا والآخرة الثاني - قال الحسن البصري " وصلنا لهم القول " بما أهلكنا من القرون

[ 161 ]

قرنا من قرن فأخبرناهم أنا أهلكنا قوم نوح بكذا، وقوم هود كبذا، وقوم صالح بكذا " لعلهم يتذكرون " فيخافوا أن ينزل بهم ما نزل بمن كان قبلهم. واصل التوصيل من وصل الحبال بعضها بعض. ومنه قول الشاعر: فقل لبني مروان ما بال ذمة * وحبل ضعيف ما يزال يوصل (1) والمعنى انا اتبعنا القرآن بعضه بعضا. وقيل: معناه فصلنا لهم القول. وقوله " الذين آتيناهم الكتاب " يعني التوراة * (من قبله) * يعني من قبل القرآن وقد تقدم ذكره في قوله " فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا لولا أوتي مثل ما أوتي موسى أو لم يكفروا بما أوتي موسى من قبل ". وقوله " هم به يؤمنون " أي هم بالقرآن يصدقون من قبل نزوله وبعد نزوله. ويحتمل أن تكون الكناية عن النبي صلى الله عليه واله، وتقديره الذين آتيناهم الكتاب من قبل محمد هم بمحمد يؤمنون، لانهم كانوا يجدون صفته في التوراة ثم قال * (وإذا يتلى عليهم) * يعني القرآن " قالوا آمنا به " أي صدقنا به " انه الحق من ربنا انا كنا " من قبل نزوله " مسلمين " به مستمسكين بما فيه. ثم اخبر تعالى ان هؤلاء الذين وصفهم يعطيهم الله أجرهم اي ثوابهم على ما صبروا في جنب الله " مرتين " إحداهما - لفعلهم الطاعة، والثانية للصبر عليها لما يوجبه العقل من التمسك بها، والصبر حبس النفس عما تنازع إليه فيما لا يجوز أن يتخطأ إليه، ولذلك مدح الله الصابرين. والصبر على الحق مر إلا أنه يؤدي إلى الثواب الذي هو أحلى من الشهد، فهؤلاء صبروا على الامتناع من المعاصي، وعلى فعل الطاعات. وقيل: صبروا على الاذى في جنب الله.


(1) تفسير القرطبى 13 / 295 والطبري 20 / 51 مع اختلاف قليل في الرواية (*)

[ 162 ]

ثم وصف الصابرين الذين ذكرهم فقال " ويدرؤن بالحسنة السيئة " يعني يدفعون بالتوبة المعاصي، لان الله تعالى يسقط العقاب عندها. وقيل: معناه يدفعون بالكلام الجميل اللغو من كلام الكفار. وقيل: ان ذلك قبل الامر بقتالهم، ولا يمتنع أن يؤمروا، بالاعراض عن مكالمتهم مع الامر بقتالهم، ولا تنافي بينهما على حال. ثم قال " ومما رزقناهم ينفقون " أي جعلنا لهم التصرف فيها، وملكناهم إياها ينفقون في طاعة الله، وفي سبيل الخير، وإذا سمعوا لغوا من الكلام، ورأوا لغوا من الفعل أعرضوا عنه، ولم يخاصموا فيه فقالوا لفاعل اللغو " لنا أعمالنا ولكم اعمالكم " أي لنا جزاء اعمالنا ولكم جزاء اعمالكم " سلام عليكم " أي ويقولون لهم قولا يسلمون منه. ويقولون " لا نبتغي الجاهلين " أي لا نطلبهم ولا نجازيهم على لغوهم. واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه، وانما يفعله فاعله على توهم فاسد، واللغو واللغا بمعنى واحد. قال الشاعر: عن اللغا ورفث التكلم (1) ومن احسن الادب الاعراض عن لغو الكلام. وقيل: ان هذه الآيات نزلت في عبد الله بن سلام، وتميم الداري، والجارود العبدي، وسلمان الفارسي لما اسلموا نزلت فيهم هذه الآيات - على ما ذكره قتادة - وقال غيره: انها نزلت في أربعين رجلا من أهل الانجيل كانوا مسلمين بالنبي صلى الله عليه واله قبل مبعثه: اثنان وثلاثون رجلا من الحبشة أقبلوا مع جعفر بن ابي طالب وقت قدومه، وثمانية قدموا من الشام: منهم بحيرا، وابرهه، والاشرف، وعامر، وايمن وإدريس، ونافع، قال قتادة: آتاهم الله أجرهم مرتين، لايمانهم بالكتاب


(1) مر تخريجه في 2 / 132، 164، 230 من هذا الكتاب (*)

[ 163 ]

الاول وإيمانهم بالكتاب الثاني. قوله تعالى: * (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (56) وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أو لم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شئ رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعلمون (57) وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين (58) وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون (59) وما أوتيتم من شئ فمتاع الحيوة الدنيا وزينتها وما عند الله خير وأبقى أفلا تعقلون) * (60) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل المدينة ورويس " يجبي " بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ أبو عمرو إلا السوسي " يعقلون " بالياء. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله " إنك " يا محمد " لا تهدي من احببت " هدايته. وقيل: معناه من احببته لقرابته. والمراد بالهداية - ههنا - اللطف

[ 164 ]

الذي يحتاج إليه ليختار عنده الايمان، وذلك لا يقدر عليه غير الله لانه إما أن يكون من فعله خاصة أو باعلامه، لانه لا يعلم، ما يصلح العبد في دينه إلا الله تعالى، فإذا دبر الامور على ما فيه صلاحه كان لاطفا له، وهذا التدبير لا يتأتى من أحد سوى الله تعالى، فلذلك نفى الله ذلك عن نبيه، ويؤيد ما قلناه قوله " وهو أعلم بالمهتدين " ومعناه هو أعلم بمن يهتدي باللطف ممن لا يهتدي، فهو تعالى يدبر الامور على ما يعلم من صلاح العباد، على التفصيل من غير تعليم. وهذه الآية نزلت لان النبي صلى الله عليه واله كان يحرص على إيمان قومه ويؤثر أن يؤمنوا كلهم، ويجب أن ينقادوا له ويقروا بنبوته، وخاصة أقاربه. فقال الله تعالى له: إنك لا تقدر على ذلك، وليس في مقدورك ما تلطف بهم في الايمان ذلك بل في مقدور الله يفعله بمن يشاء إذا علم أنهم يهتدون عند شئ فعله بهم فلا ينفع حرصك على ذلك. وروي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم أنها نزلت في أبي طالب. وعن ابي عبد الله وابي جعفر إن أبا طالب كان مسلما وعليه اجماع الامامية، لا يختلفون فيه، ولهم على ذلك أدلة قاطعة موجبة للعلم ليس هذا موضع ذكرها. ثم قال تعالى حاكيا عن الكفار انهم قالوا: إن نتبع محمدا وما يدعونا إليه ونقول انه هدى وموصل إلى الحق " نتخطف من ارضنا " وقيل: انها نزلت في الحارث بن نوفل بن عبد مناف، فانه قال للنبي صلى الله عليه واله انا لنعلم أن قولك حق ولكن يمنعنا أن نتبع الذي معك، ونؤمن بك مخافة أن يتخطفنا العرب من أرضنا يعني مكة، ولا طاقة لنا بالعرب فقال الله تعالى * (أو لم نمكن لهم حرما آمنا) * فالتخطف اخذ الشئ على الاستلاب من كل وجه: تخطف تخطفا واختطف اختطافا وخطفه ويخطفه خطفا قال امرؤ القيس:

[ 165 ]

نخطف خزان الشربة بالضحى * وقد حجرت منها ثعالب أورال (1) فقال الله تعالى لهم " أو لم نمكن لهم حرما آمنا " وقيل في وجه جعله الحرم آمنا وجهان: احدهما - بما طبع النفوس عليه من السكون إليه بترك النفور مما ينفر عنه في غيره كالغزال مع الكلب، والحمام مع الناس وغيرهم. والوجه الآخر - بما حكم به على العباد وأمرهم أن يؤمنوا من يدخله ويلوذ به، ولا يتعرض له، وفائدة الآية إنا جعلنا الحرم آمنا لحرمة البيت مع أنهم كفار يعبدون الاصنام حتى أمنوا على نفوسهم وأموالهم، فلو آمنوا لكان أحرى بأن يؤمنهم الله، وأولى بأن يمكنهم من مراداتهم. وقوله " يجبى إليه ثمرات كل شئ " أي يجلب إلى هذا الذي جعلناه حرما ثمرات كل شئ. فمن قرأ بالتاء فلتأنيث الثمرات. ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث غير حقيقي. وقوله " رزقا من لدنا " نصب على المصدر، وتقديره رزقا رزقناه من عندنا " ولكن أكثرهم لا يعلمون " ما أنعمنا به عليهم. ثم قال " وكم أهلكنا من قرية " اي من أهل قرية استحقوا العقاب " بطرت معيشتها " قال الفراء: معناه أبطرتها معيشتها، كقولهم ابطرك مالك، فذكرت المعيشة، لان الفعل كان لها في الاصل فحول إلى ما أضيفت إليه فنصبت كما قال " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " (2) فالبطر والاشر واحد، وهو شق العصا بتضييع حق نعم


(1) شرح ديوانه 166 (حسن السندوبى) (2) سورة 4 النساء آية 3 (*)

[ 166 ]

الله، والطغيان فيها بجحدها، والكفر بها. ثم اخبر تعالى فقال " فتلك مساكنهم " يعني مساكن الذين أهلكهم الله " لم تسكن من بعدهم إلا قليلا " من الزمان. ثم هلكوا وورث الله تعالى مساكنهم لانه لم يبق منهم احد. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال " وما كان ربك " يا محمد " مهلك القرى، حتى يبعث في أمها رسولا " وقيل في معنى " أمها " قولان: احدهما - في أم القرى، وهي مكة. والآخر في معظم القرى في سائر الدنيا " يتلو عليهم آياتنا " اي يقرأ عليهم حجج الله وبيناته " وما كنا مهلكي القرى إلا واهلها ظالمون " لنفوسهم بارتكاب المعاصي، وكفران نعمه. ثم خاطب خلقه فقال " وما أوتيتم من شئ " اي ما اعطيتم من شئ " فمتاع الحياة الدنيا " اي هو شئ تنتفعون به في الحياة الدنيا، وتتزينون فيها * (وما عند الله) * من الثواب ونعيم الجنة * (خير وأبقى) * من هذه النعم، لانها باقية، وهذه فانية * (افلا تعقلون) * ذلك وتتفكرون فيه. وقوله * (ثمرات كل شئ) * قيل: ان (كل) ههنا البعض، لانا نعلم انه ليس يجبى إلى مكة كثير من الثمرات. وقال قوم: ظاهر ذلك يقتضى انه يجبى إليه جميع الثمرات إما رطبا أو يابسا، ولا مانع يمنع منه. ومن قرأ * (تعقلون) * بالتاء فلقوله * (وما أوتيتم) * ومن قرأ بالياء فتقديره * (أفلا يعقلون) * يا محمد. قوله تعالى: * (أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع

[ 167 ]

الحيوة الدنيا ثم هو يوم القيمة من المحضرين (61) ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون (62) قال الذين حق عليهم القول ربنا هؤلاء الذين أغوينا أغويناهم كما غوينا تبرأنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون (63) وقيل ادعوا شركاءكم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ورأوا العذاب لو أنهم كانوا يهتدون (64) ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين) * (65) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى منبها لخلقه على عظيم ما انعم به عليهم ورغبهم فيه من ثواب الجنه " أفمن وعدناه وعدا حسنا " يعني من ثواب الجنة جزاء على طاعاته يكون بمنزلة من متعناه متاع الحيا الدنيا ؟ ! وقال السدي المعني بقوله " أفمن وعدناه " حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن ابي طالب عليه السلام وعدهما الله الجنة. وقيل: النصر في الدنيا والجنة في الآخرة - ذكره الضحاك ومجاهد - " كمن متعناه متاع الحياة الدنيا " يعني به أبا جهل " ثم هو يوم القيامة من المحضرين " في النار. وقيل للجزاء. وقيل: نزلت في النبي صلى الله عليه واله وابي جهل والمتعة هي المنفعة. وقد فرق بينهما بأن المتعة منفعة توجب الالتذاذ في الحال، والنفع قد يكون بألم يؤدي إلى لذة في العاقبة، فكل متعة منفعة، وليس كل منفعة متعة. والمتاع على وجهين: احدهما - كالادوات التي يتمتع بها من نحو الفرس، والاثاث والثياب وغيرها

[ 168 ]

والثاني - يكون بمعنى المتعة. والمراد - ههنا - متعة الحياة الدنيا. وقوله - " ثم هو يوم القيامة من المحضرين " يعني من المحضرين للجزاء بالعقاب، لانه تعالى ذكر من وعد وعدا حسنا، فدل ذلك على أهل الثواب ثم ذكر انه لا يستوي أهل الثواب وغيرهم، فدل على اهل العقاب، لبعد حال كل فريق من الفريقين عن الآخر. والاحضار إيجاد ما به يكون الشئ بحيث يشاهد، فلما كان هؤلاء القوم يوجدون يوم القيامة ما به يكرهون بحيث يشاهدهم الخلائق، كانوا محضرين. ثم قال " ويوم يناديهم " وتقديره: واذكر يوم ينادي الله الكفار، وهو يوم القيامة " فيقول " لهم على وجه التوبيخ لهم والتقريع " اين الذين " اتخذتموهم شركائي فعبدتموهم معي على قولكم وزعمكم والزعم القول في الامر عن ظن أو علم، ولذلك دخل في باب العلم، واخواته قال الشاعر: فان تزعميني كنت أجهل فيكم * فاني شريت الحلم بعدك بالجهل (1) ثم حكى ان " الذين حق عليهم القول " بالعقاب: من الشياطين والانس والذين أغووا الخلق من الانس يقولون في ذلك اليوم " ربنا هؤلاء " يعني من ضل بهم من الناس واتخذوا شركاء من دون الله هم " الذين اغوينا اغويناهم كما غوينا تبرأنا اليك ما كانوا ايانا يعبدون " اي تبرأ بعضهم من بعض، وصاروا أعداء. ويقولون لم يكن الانس يعبدوننا. ثم حكى الله فقال " وقيل " لهم " ادعوا شركاءكم " الذين عبدتموهم من دون الله. ثم حكى انهم يدعونهم " فلا يستجيبون لهم ويرون العذاب لو انهم كانوا يهتدون " وقيل في معناه قولان:


(1) الكتاب لسيبويه 1 / 61 (*)

[ 169 ]

احدهما - لو أنهم كانوا يهتدون ما رأوا العذاب. والثاني - لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب. ثم قال " ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين " فيما دعوكم إليه من توحيد الله وعدله واخلاص العبادة له. قوله تعالى: * (فعميت عليهم الانباء يومئذ فهم لا يتساءلون (66) فأما من تاب وآمن وعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين (67) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون (69) وهو الله لا آله إلا هو له الحمد في الاولى والآخرة وله الحكم وإليه ترجعون) * (70) خمس آيات بلا خلاف. لما حكى الله تعالى أنه ينادي الكفار يوم القيامة ويقررهم عما أجابوا به المرسلين، أخبر انهم تعمى عليهم الحجج، فهم لا يسأل بعضهم بعضا. والعمى آفة تنافي صحة البصر " وعميت عليهم الانباء " فيه تشبيه بالعمى عن الابصار لانسداد طريق الاخبار عليهم، كما تنسد طرق الارض على الاعمى، ومعنى " فهم لا يتساءلون " أي هم لانسداد طرق الاخبار عليهم لم يجيبوا عما سئلوا

[ 170 ]

عنه، ولا يسأل بعضهم بعضا عنه، لانقطاعهم عن الحجة، ولا ينافي قوله " فهم لا يتساءلون " قوله في موضع آخر " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (1) لان يوم القيامة مواطن يختلف فيها حالهم، فمرة تطبق عليهم الحيرة، فلا يتساءلون، ومرة يفيقون فيتساءلون. وقال الحسن: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه شيئا كما كانوا في الدنيا. ثم اخبر تعالى " ان من تاب " من المعاصي ورجع عنها إلى الطاعات، واضاف إلى ذلك الاعمال الصالحات " فعسى أن يكون من المفلحين " وانما أدخل (عسى) في اللفظ مع انه مقطوع بفلاحه، لانه على رجاء أن يدوم على ذلك، فيفلح، وقد يجوز أن يزول فيما بعد، فيهلك، فلهذا قال " فعسى " على انه قيل: إن عسى من الله في جميع القرآن واجبة. ثم اخبر تعالى فقال " وربك " يا محمد " يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " قيل في معناه قولان: احدهما - يختار الذي كان لهم فيه الخيرة، فدل بذلك على شرف اختياره لهم. الثاني - أن تكون (ما) نفيا أي لم يكن لهم الخيرة على الله بل لله الخيرة عليهم، لانه مالك حكيم في تدبيرهم، فيكون على هذا الوجه الوقف على قوله " ويختار " وهو الذي اختاره الزجاج. وقال الحسن: معناه " ما كان لهم الخيرة " اي أن يختاروا الانبياء، فيبعثوهم. وقال مجاهد " لا يتساءلون " بالانساب والقرابات. وقيل " لا يتساءلون " بما فيه حجج لهم، وقوله " سبحانه وتعالى عما يشركون " معناه ما عظم الله حق عظمته من اشرك في عبادته، لان من تعظيمه اخلاص الالهية له، وانه الواحد فيما تفرد به على


(1) سورة 37 الصافات آية 27 وسورة 52 الطور آية 25 (*)

[ 171 ]

استحقاق العبادة، وانه لا يجوز أن يستغنى عنه بغيره، فمن اشرك في عباته فما عظمه حق تعظيمه، فهذا قد قبح فيما أتى وضيع حق نعمه. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه واله " وربك يا محمد يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون " أي عالم بما يخفونه وما يظهرونه. يقال: اكننت الشئ في صدري أي أخفيته و (كننته) بغير ألف صنته. وقيل: كننت الشئ واكننته لغتان. ثم اخبر تعالى انه إلاله الذي لا إله سواه، ولا يستحق العبادة غيره في جميع السموات والارض، وانه يستحق الثناء والحمد والمدح والتعظيم، على ما انعم به على خلقه في الدنيا والاخرة " وله الحكم " بينهم بالفصل بين المختلفين بما يميز به الحق من الباطل. وان جميع الخلق يرجعون إليه يوم القيامة الذي لا يملك احد الحكم غيره. وقيل قوله " وربك يخلق ما يشاء ويختار " ذلك في الوليد بن المغيرة حين قال " لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم " (1) فبين الله تعالى أن له أن يختار ما يشاء لنبوته ورسالته بحسب ما يعلم من يصلح لها. قوله تعالى: * (قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيمة من آله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون (71) قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيمة من إله غير الله ياتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون (72)


(1) سورة 43 الزخرف آية 31 (*)

[ 172 ]

رحمته ومن جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (73) ويوم يناديهم فيقول أين شركاءي الذين كنتم تزعمون (74) ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم فعلموا أن الحق لله وضل عنهم ما كانوا يفترون) * (75) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله " قل " يا محمد لهؤلاء الكفار الذين عبدوا معي آلهة تنبيها لهم على خطئهم * (أرايتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا) * أي دائما * (إلى يوم القيامة) * بلا نهار ولا ضياء * (من إله غير الله يأتيكم بضياء) * كضياء النهار تبصرون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بأنه لا يقدر على ذلك سوى الله تعالى، فحينئذ يلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة غير الله وهذا تنبيه منه لنبيه صلى الله عليه واله ولخلقه على وجه الاستدلال على توحيده ويبطل ذلك قول من قال: المعارف ضرورية. لانه لو كان تعالى معلوما ضرورة لما احتاج الامر إلى ذلك، لان كونه معلوما ضرورة يغني عن الاستدلال عليه، وما لا يعلم ضرورة من أمر الدين، فلا يصح معرفته إلا ببرهان يدل عليه. وقوله * (افلا تسمعون) * معناه أفلا تقبلونه وتتفكرون فيه ؟ وفى ذلك تبكيت لهم على ترك الفكر فيه، لانهم إذا لم يفكروا فيما يسمعونه من حجج الله فكأنهم ما سمعوه. وقيل في قوله * (أفلا تسمعون) * قولان: احدهما - افلا تسمعون هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذ كانت بمنزلة الناطقة بأن ما انتم عليه خطأ وضلال يؤدي إلى الهلاك.

[ 173 ]

والثاني - ان معناه أفلا تقبلون. ثم نبههم ايضا فقال * (أرايتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا) * أي دائما * (إلى يوم القيامة) * بلا ليل تسكنون فيه، فانهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بما يدل على فساد معتقدهم، وهو انه لا يقدر على ذلك غير الله، فحينئذ تلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة سواه. وقوله * (افلا تبصرون) * معناه أفلا تتفكرون فيما ترونه، لان من لا يتدبر بما يراه من الحجج والبراهين فكأنه لم يرها. وقيل معناه ألا تعلمون ثم قال * (ومن رحمته) * أي من نعمه عليكم أن * (جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا) * في الليل * (ولتبتغوا من فضله) * بالنهار بالسعي فيه، ولكي تشكروا هذه النعم التي أنعم بها عليكم، والهاء في قوله * (لتسكنوا فيه) * يحتمل وجهين احدهما - ان يعود إلى الليل خاصة، ويضمر مع الابتغاء هاء أخرى، الثاني - ان يعود الضمير اليهما إلا انه وحد، لانه يجري مجرى المصدر في قولهم: اقبالك وادبارك يؤذيني، والاول أصح، لان الليل للسكون فيه، والنهار للتصرف والحركة، ولكنه يحتمل ليكونوا في هذا على التصرف وفي ذاك على الهدوء وقطع التصرف، وانما كان الفساد في ادامة النهار في دار التكليف، ولم يكن في دار النعيم، لان دار التكليف لابد فيها من التعب والنصب الذي يحتاج معه إلى الاستجمام والراحة، وليس كذلك دار النعيم، لانه انما يتصرف فيها بالملاذ. وقوله " اين شركائي الذين كنتم تزعمون " قد مضى تفسيره، وانما كرر النداء ب‍ " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " لان النداء الاول للتقرير بالاقرار على اليقين بالغي الذي كانوا عليه ودعوا إليه. والثاني - للتعجيز عن اقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الاشهاد مع

[ 174 ]

تقريع حاصل به بالاشراك بعد تقريع. ثم اخبر تعالى انه نزع " من كل أمة " من الامم " شهيدا " يشهد على تلك الامة بما كان فيها، ومعنى * (نزعنا) * أخرجنا وأحضرنا يقال: فلان ينزع إلى وطنه بأن يحن إليه حنينا يطالبه بالخروج إليه. قال قتادة ومجاهد: شهيدها نبيها الذي يشهد عليها بما فعلوه، وقيل هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة الذين لا يخلو زمان منهم يشهدون على الناس بما عملوا من عصيانهم. وقوله * (هاتوا برهانكم) * حكاية عما يقول الله تعالى للكفار في الآخرة فانه يقول لهم هاتوا حجتكم على ما ذهبتم إليه * (إن كنتم صادقين) * ثم اخبر تعالى انهم عند ذلك يعلمون * (أن الحق لله) * أي ان التوحيد لله والاخلاص في العبادة له دون غيره لان معارفهم. ضرورة * (وضل عنهم ما كانوا يفترون) * أي بطل ما عبدوه من دون الله، وافتراءهم هو ادعاءهم الالهية مع الله تعالى قوله تعالى: * (إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين (76) وابتغ فيما آتيك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الارض إن الله لا يحب المفسدين (77) قال إنما أوتيته على علم عندي أولم يعلم أن الله

[ 175 ]

قد أهلك من قبله من القرون من هو أشد منه قوة وأكثر جمعا ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون (78) فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحيوة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم (79) وقال الذين أوتوا العلم ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقيها إلا الصابرون) * (80) خمس آيات بلا خلاف. هذا اخبار من الله تعالى * (أن قارون كان من قوم موسى) * قال ابن اسحاق: كان موسى ابن أخيه، وقارون عمه. وقال ابن جريج: كان ابن عمه لابيه وأمه * (فبغى عليهم) * قال قتادة: إنما بغى عليهم بكثرة ماله. والبغي طلب العلو بغير حق. ومنه قيل لولاة الجور: بغاة، يقال: بغى يبغي بغيا، فهو باغ وابتغى كذا ابتغاء إذا طلبه، ويبتغي فعل الحسن أي يطلب فعله بدعائه إلى نفسه. و (قارون) اسم أعجمي لا ينصرف. وروي أنه كان عالما بالتوراة فبغى على موسى وقصد إلى تكذيبه، والافساد عليه. وقوله * (وآتيناه من الكنوز) * أي اعطيناه كنوز الاموال والكنز جمع المال بعضه على بعض، وبالعرف عبارة عما يخبأ تحت الارض، ولا يطلق اسم الكنوز في الشرع الا على مال لا يخرج زكاته، لقوله تعالى * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم) * (1) فوجه الوعيد عليه منه تعالى


(1) سورة 9 التوبة آية 35 (*)

[ 176 ]

على فعلهم يدلك على صحة ما قلناه. وقوله * (ما ان مفاتحه) * المفتاح عبارة عما يفتح به الاغلاق، وجمعه مفاتيح ومفاتيح جمع مفتح، ومعناهما واحد، وقال قوم: كانت مفاتيحه من جلود وقال آخرون: مفاتحه خزائنه. قال الزجاج: وهو الاشبه. وقوله * (لتنوء بالعصبة) * أي ليثقل في حمله، يقال: ناء بحمله ينوء نوءا إذا نهض به مع ثقله عليه، ومنه أخذت الانواء، لانها تنهض من المشرق على ثقل نهوضها. وقال أبو زيد: ناءني الحمل إذا اثقلني. والعصبة الجماعة الملتفة بعضها ببعض. وقال قتادة: العصبة ما بين العشرة إلى الاربعين. وقال ابن عباس: قد يكون العصبة ثلاث. وانما قال لتنوء بالعصبة والمعني العصبة تنوء بها، لان المعنى تميل بها مثقلة. وقيل: هو يجري مجرى التقديم والتأخير كما قال الشاعر: ونركب خيلا لا هوادة بينها * وتشقى الرماح بالضياطرة الحمر (1) وانما تشقى الضياطرة بالرماح، وقال آخر: فديت بنفسه نفسي ومالي * وما آلوه إلا ما يطيق (2) والمعنى بنفسي ومالي نفسه، وقال الفراء: كان الاصل ان يقول لتنؤ العصبة أي يثقلهم، بحذف الياء ومثله قوله، وهو مقلوب: إن سراجا لكريم مفخرة * تحلى به العين إذا ما تجهره (3) فالوجه ان الرجل يعجب العين وكان ينبغي ان يقول يحلى بالعين، كقوله:


(1) قائله خداش بن زهير امالي الشريف المرتضى 1 / 466 واللسان (ضطر) (2) قائله عباس بن مرداس أمالي الشريف المرتضى 1 / 217 (3) مر تخريجه في 2 / 79، 196 (*)

[ 177 ]

حليت بعينك ريطة مطويه قال الرماني - التأويل الاول هو الصحيح، لانه ليس من باب التقديم والتأخير لما في ذلك من قلب المعنى وليس كالذي تبنيه الاعراب. وقوله * (إذ قال له قومه لا تفرح ان الله لا يحب الفرحين) * حكاية عما قال قوم قارون لقارون حين خوفوه بالله ونهوه عن الفرح بما آتاه الله من المال، وأمروه بالشكر عليه. والفرح المرح الذي يخرج إلى الانس، وهو البطر. ولذلك قال تعالى * (ان الله لا يحب الفرحين) * لانه إذا اطلقت صفة فرح فهو الخارج بالمرح إلى البطر، فأما قوله " فرحين بما آتاهم الله من فضله " (1) فحسن جميل بهذا التقييد، وقال مجاهد: الفرحين هو فرح البطر. وقال الشاعر: ولست بمفراح إذا الدهر سرني * ولا جازع من صرفه المتقلب (2) وقال آخر: ولا ينسيني الحدثان عرضي * ولا أرخي من الفرح الازارا (3) وقوله " وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة " حكاية عما قال لقارون قومه المؤمنون بموسى وبتوحيد الله. وقال قوم: إن المخاطب له كان موسى وإن ذكر بلفظ الجمع ومعناه اطلب فيما أعطاك الله من الاموال " الدار الآخرة " بأن ينفقها في وجوه البر وسبيل الخير " ولا تنس نصيبك من الدنيا " قال ابن عباس: منعاه أن يعمل فيها بطاعة الله، وقال الحسن معناه: أن يطلب الحلال


(1) سورة 3 آل عمران آية 170 (2) تفسير القرطبي 13 / 313 ويروى (المتحول) بدل (المتقلب) ومجاز القرآن 2 / 178 (3) قائله ابن احمر، مجاز القرآن 2 / 111 (*)

[ 178 ]

" وأحسن " اي افعل الجميل إلى الخلق. وتفضل عليهم، كما تفضل الله عليك " ولا تبغ الفساد في الارض " أي لا تطلب الفساد بمنع ما يجب عليك من الحقوق، وانفاق الاموال في المعاصي " ان الله لا يحب المفسدين " أي لا يريد منافع من يفسد في الارض، ولا يريد أن يفعل بهم ثواب الجنة. وقوله " قال إنما أوتيته على علم عندي " حكاية عما قال قارون في جواب قومه، فانه قال لهم: أوتيت هذه الاموال على علم بأني مستحق لذلك، لعلمي بالتوراة، وقال قوم: لاني أعمل الكيمياء، وقال قوم لعلمي بوجوه المكاسب، وبمالا يتهيأ لاحد أن يسلبني إياه، فقال الله تعالى موبخا على هذا القول " أو لم يعلم " قارون " ان الله قد أهلك من قبله من القرون من هو اشد منه قوة واكثر جمعا " كقوم عاد، وثمود، وقوم لوط وغيرهم، فما اغنى عنهم جمعهم ولا قوتهم حين أراد الله إهلاكهم، فكيف ينفع قارون ماله وجمعه. وقوله " ولا يسأل عن ذنوبهم المجرمون " قال الفراء تقديره: لا يسأل المجرمون عن ذنوبهم، فالهاء والميم للمجرمين، كما قال تعالى " فيومئذ لا يسأل عن ذنبه انس ولا جان " (1) وقال الحسن لا يسأل عن ذنوبهم المجرمون لنعلم ذلك من قبلهم، وإن سئلوا سؤال تقريع وتوبيخ. ثم حكى تعالى أن قارون " خرج على قومه في زينته " التي كان يتزين بها. وقيل: إنه كان خرج مع قومه عليهم في الديباج الاحمر على الخيل، فلما رآه الذين يريدون الحياة الدنيا من الكفار والمنافقين والضعيفي الايمان بما للمؤمنين عند الله من ثواب الجنة قالوا " يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون " تمنوا


(1) سورة 55 الرحمان آية 39 (*)

[ 179 ]

مثل منزلته، ومثل ماله وإنهم قالوا ان قارون " لذو حظ " من الدنيا ونعيمها " عظيم ". ثم حكى ما قال المؤمنون بثواب الله المصدقون بوعده في جوابهم " ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا " مما أوتي قارون، وحذف لدلالة الكلام عليه. وقوله " ولا يلقاها إلا الصابرون " أي ما يلقى مثل هذه الكلمة إلا الصابرون على أمر الله. وقيل: وما يلقى نعمة الله من الثواب إلا الصابرون. فان قيل: أليس عندكم أن الله لا يؤتي الحرام أحدا ؟ وقد قال - ههنا - " وابتغ فيما آتاك الله " فأخبر انه آتاه. قيل: لا يعلم أن ذلك المال كان حراما، ويجوز أن يكون حلالا ورثه أو كسبه بالمكاسب والمتاجر، ثم لم يخرج حق الله منه وطغى فسخط الله عليه وعاقبه لطغيانه وعصيانه لا على كسب المال. قوله تعالى: * (فخسفنا به وبداره الارض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين (81) وأصبح الذين تمنوا مكانه بالامس يقولون ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر لولا أن من الله علينا لخسف بنا ويكأنه لا يفلح الكافرون (82) تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين (83)

[ 180 ]

من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيآت إلا ما كانوا يعملون (84) إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين (86) ولا يصدنك عن آيات الله بعد إذ أنزلت إليك وادع إلى ربك ولا تكونن من المشركين (87) ولا تدع مع الله إلها آخر لا إله إلا هو كل شئ هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون) * (88) ثمان آيات بلا خلاف. روي عن الكسائي الوقف على " وي " من قوله تعالى " وي كان الله " ومن قوله " وي كأنه " وروي عن ابن عمر الوقف على الكاف منهما قال أبو طاهر: الاختيار اتباع المصحف، وهما فيه كلمة واحدة، وقرأ حفص ويعقوب " لخسف بنا " بفتح الخاء والسين. الباقون بضم الخاء وكسر السين على ما لم يسم فاعله. حكى الله تعالى أن خسف بقارون وبداره الارض، فمر يهوي فيها حتى زهقت نفسه على اسوء حالها، والخسف ذهاب في الارض في جهة السفل. ثم اخبر تعالى انه لم يكن لقارون * (فئة) * أي جماعة منقطعة إليه. والفئة

[ 181 ]

مشتق من فأوت رأسه بالسيف إذا قطعته، وتصغيرها فئية * (ينصرونه من دون الله) * أي يمنعونه من عذاب الله الذي نزل به، وانما ذكر امتناع النصرة من الله مع أنه معلوم أنه كذلك، لان المراد أنه لم يكن الامر على ما قدره من امتناعه بحاشيته وجنده، لان الذي غره قوته وتمكنه حتى تمرد في طغيانه. ثم اخبر انه كما لم يكن له من ينصره لم يكن هو ايضا ممن ينتصر بنفسه لضعفه عن ذلك وقصوره عنه. ثم حكى أن * (الذين تمنوا مكانه بالامس) * حين خرج عليهم على زينته لما رأوه خسف الله به، أصبحوا يقولون * (ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر) * أي يوسع رزقه على من يشاء ويضيق على من يشاء، اعترفوا بذلك. ومعنى * (وي) * التنبيه على أمر من الامور، وهي حرف مفصول من (كأن) - في قول الخليل وسيبويه - واختاره الكسائي. وذلك انهم لما رأوا الخسف تنبهوا فتكلموا على قدر علمهم عند التنبيه لهم، كما يقول القائل إذا تبين له الخطأ: وي كنت على خطأ، وقال زيد بن عمرو بن نفيل: سألتاني، الطلاق إذ رأتاني * قل مالي قد جئتماني بنكر وي كأن من يكن له نشب يح‍ * بب ومن بفتقر يعيش عيش ضر (1) وقيل (وي كأنه) بمنزلة (ألا كأنه، وأما كانه) وقيل هي: ويك إن الله، كأنه قال ينبهك بهذا إلا انه حذف، قال عنترة: ولقد شفى نفسي وأذهب سقمها * قيل الفوارس ويك عنتر أقدم (2) وقال قوم: هي بمنزلة (ويلك) إلا انه حذف اللام تخفيفا، ونصب انه بتقدير اعلم انه لا يفلح، وهذا ضعيف، لان العلم لا يضمر ويعمل. وقال


(1) تفسير القرطبي 13 / 318 (2) ديوانه 30 من معلقته (*)

[ 182 ]

الفراء: سألت امرأة زوجها عن أبيه فقال ويك إنه وراء الحائط، ومعناه ألا ترينه وراء الحائط. وقيل المعنى إن * (الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) * لا لكرامة عليه، كما بسط لقارون * (ويقدر) * أي يضيق لا لهوانة عليه، كما ضيق على أنبيائه. ثم قالوا * (لولا أن من الله علينا) * وعفى عنا لخسف بنا، كما خسف بقارون * (ويك أنه لا يفلح الكافرون) * أي لا يفوز بثوابه وينجو من عقابه من يجحد نعم الله ويعبد معه سواه. وقيل: إن قارون جعل لبغي جعلا على أن ترمي موسى بالفاحشة، فلما حضرت في الملا كذبت قارون واخبرت بالحق فخر موسى ساجدا يبكي، فأوحى الله إليه ما يبكيك قد سلطتك على الارض فمرها بما شئت، فقال موسى يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى ركبهم. ثم قال يا أرض خذيهم، فأخذتهم إلى حقرويهم ثم قال يا ارض خذيهم، فاخذتهم إلى اعناقهم وهم في كل ذلك ينادون يا موسى يا موسى ارحمنا - ذكره ابن عباس - وروي أن الله تعالى قال: لو قالوا مرة واحدة يا الله ارحمنا لرحمتهم. ثم قال تعالى * (تلك الدار الآخرة) * يعني الجنة * (نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض) * وانما قبح طلب العلو في الارض، لانه ركون إليها، وترك لطلب العلو في الآخرة، ومعاملة لها بخلاف ما أراده الله بها من أن تكون دار ارترحال لا دار، مقام فيها * (ولا فساد) * أي ولا يريدون فسادا في الارض بفعل المعاصي * (والعاقبة للمتقين) * اخبار منه تعالى بأن العاقبة الجميلة من الثواب للذين يتقون معاصي الله ويفعلون طاعاته. وقيل: علوا في الارض معناه تكبرا عن الحق. ثم اخبر تعالى ان من جاء بطاعة من الطاعات وحسنة من الحسنات

[ 183 ]

* (فله خير منها) * ثوابا عليها وجزاء عليها، لان له بالواحدة عشرا * (ومن جاء بالسيئة) * يعني بالمعصية * (فلا يجزى الذين عملوا السيئات) * يعني الذين عملوا المعاصي إلا على قدر استحقاقهم على ما فعلوه من غير زيادة. كما قال * (ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) * (1). وقوله * (إن الذي فرض عليك القرآن) * خطاب للنبي صلى الله عليه واله يقول الله له إن الذي أوجب عليك الامتثال بما يضمنه القرآن وأنزله عليك * (لرادك إلى معاد) * قال الحسن: معناه إلى المرجع يوم القيامة. وقال مجاهد: إلى الجنة. وقال ابن عباس: إلى الموت. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: إلى مكة. والاظهر من الاقوال: لرادك إلى معاد في النشأة الثانية إلى الجنة. واكثر أقوال المفسرين انه أراد إلى مكة قاهرا لاهلها. ثم قال له * (قل) * يا محمد * (ربي أعلم من جاء بالهدى) * الذي يستحق به الثواب ممن لم يجئ به، وضل عنه، لا يخفى عليه المؤمن من الكافر، ولا من هو على الهدى، ولا من هو ضال عنه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (وما كنت) * يا محمد * (ترجو أن يلقى اليك الكتاب إلا رحمة من ربك. فلا تكونن ظهيرا للكافرين) * قال الفراء: تقديره إلا أن ربك رحمك. فانزله عليك، فهو استثناء منقطع. ومعناه وما كنت ترجو أن تعلم كتب الاولين وقصصهم تتلوها على أهل مكة، ولم تشهدها ولم تحضرها بدلالة قوله * (وما كنت ثاويا في أهل مدين تتلو) * (2) أي انك تتلو على أهل مكة قصص مدين وموسى ولم تكن هناك ثاويا مقيما فتراه فتسمعه وكذلك


(1) سورة 6 الانعام آية 160 (2) سورة 28 القصص آية 45 (*)

[ 184 ]

قوله * (وما كنت بجانب الغربي) * (1) فها أنت تتلو قصصهم وأمرهم، فهذه رحمة من ربك. ومعنى * (فلا تكونن ظهيرا) * اي لا تكونن معينا لهم * (ولا يصدنك) * يعني هؤلاء الكفار أي لا يمنعك " عن " اتباع * (آيات الله) * وحججه * (بعد إذا أنزلت اليك) * على ما بينها في القرآن * (وادع إلى ربك) * الذي خلقك وأنعم عليك * (ولا تكونن من المشركين) * الذين يتخذون مع الله معبودا سواه * (ولا تدع مع الله إلها آخر) * فتستدعي حوائجك من جهته * (لا إله إلا هو) * اخبار منه تعالى أنه لا معبود إلا الله وحده لا شريك له. ثم اخبر أن كل من سوى الله هالك، فان * (كل شئ هالك إلا وجهه) * ومعناه إلا ذاته. وقيل: معناه كل شئ هالك إلا ما أريد به وجهه. قال الشاعر: استغفر الله ذنبا لست محصيه * رب العباد إليه الوجه والعمل (2) ثم قال * (له الحكم) * لانه ليس لاحد أن يحكم بشئ إلا بأمره الله تعالى. ويجعل الحكم له عقليا كان أو شرعيا و " إليه " إلى الله * (ترجعون) * يوم القيامة أي إلى الموضع الذي لا يملك أحد التصرف فيه سواه، لان الله تعالى قد ملك في الدنيا لكثير من البشر التصرف فيها.


(1) سورة 6 القصص آية 44 (2) تفسير القرطبي 13 / 328 (*)

[ 185 ]

29 - سورة العنكبوت قال قوم: هي مكية، وقال قتادة: العشر الاول مدني، والباقي مكي. وقال مجاهد: هي مكية. وهي تسع وستون آية بلا خلاف في جملتها، وفى تفصيلها خلاف بسم الله الرحمن الرحيم. * (الم (1) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (3) أم حسب الذين يعملون السيآت أن يسبقونا ساء ما يحكمون (4) من كان يرجو لقاء الله فان أجل الله لات وهو السميع العليم) * (5). خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا " الم " آية. ولم يعده الباقون. قال قتادة: نزلت في أناس من أهل مكة خرجوا للهجرة فعرض لهم

[ 186 ]

المشركون، فرجعوا، فنزلت الآية فيهم، فلما سمعوها خرجوا، فقتل منهم من قتل وخلص من خلص، فنزلت فيهم * (والذين جاهدوا فينا) * الآية (1) وقيل: نزلت في عمار، ومن كان بقرب مكة - ذكره ابن عمر - وقيل: نزلت في قوم أسلموا قبل فرض الجهاد والزكاة، فلما فرضا منعا، فنزلت الآية فيهم. قد بينا في غير موضع اختلاف الناس في ابتداء السور بحروف الهجاء وذكرنا أن أقوى الاقوال قول من قال: إنها اسماء للسور. وقال قوم: إنها اسماء للقرآن. وقوله * (الم أحسب الناس ان يتركوا) * اختلف الناس في * (الم) * وقد ذكرناه فيما مضى (2). وقوله * (أحسب الناس أن يتركوا) * خطاب من الله لخلقه على وجه التوبيخ لهم بأن قال أيظن الناس أن يتركهم الله إذا قالوا آمنا أي صدقنا ونقتصر منهم على هذا القدر، والحسبان والظن واحد. وقوله * (أحسب) * معناه التوهم والتخيل. وقيل: الحسبان مشتق من الحساب، لانه في حساب ما يعمل عليه. ومنه الحسيب، لانه في حساب ما يختبي، و " هم لا يفتنون " أي أيظنون أنهم لا يختبرون إذا قالوا آمنا ؟ !. والمعنى انهم يعاملون معاملة المختبر لتظهر الافعال التي يستحق عليها الجزاء. وقيل: في معنى " أن يقولوا آمنا " قولان: احدهما - يتركوا لان يقولوا. الثاني - أحسبوا أن يقولوا على البدل وقال مجاهد: معنى " يفتنون " يبتلون في أنفسهم واموالهم. وقيل: معنى يفتنون يصابون بشدائد الدنيا أي ان ذلك لا يجب أن يرفع في الدنيا لقولهم آمنا. وقال ابن عمر: أظنوا ان لا يؤمروا ولا ينهوا.


(1) آية 69 من هذه السورة (2) انظر 1 / 47 - 51 (*)

[ 187 ]

وقال الربيع: ألا يؤذوا ولا يقتلوا ؟ ! ثم اقسم تعالى انه فتن الذين من قبلهم " فليعلمن الله الذين صدقوا " في ايمانهم " وليعلمن الكاذبين " فيه. وانما قال " فليعلمن " مع أنه للاستقبال والله تعالى عليم فيما لم يزل، لحدوث المعلوم فلا تصح الصفة إلا على معنى المستقبل إذ لا يصلح ولا يصح لم يزل عالما بأنه حادث، لانعقاد معنى الصفة بالحادث، وهو إذا حدث علمه تعالى حادثا بنفسه. وقيل: معنى " وليعلمن الله الذين صدقوا " ليجازيهم بما يعلم منهم. وقيل: معناه يعلم الله الذين صدقوا في أفعالهم، كما قال الشاعر: [ ليث بعثر يصطاد الرجال ] إذا * ما الليث كذب عن أقرانه صدقا (1) وقال ابن شجرة " فليعلمن الله " معناه فليظهرن الله لرسوله صدق الصادق. وقال النقاش: معناه فليميزن الله الصادقين من الكاذبين. وهو قول الجبائي. ثم قال تعالى ممددا لخلقه " أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا " اي أيظن الذين يفعلون القبائح والمعاصي ان يفوتونا ؟ ! كما يفوت السابق لغيره. ثم قال " ساء ما يحكمون " اي بئس الشئ الذي يحكمون بظنهم. انهم يفوتونا. ثم قال " من كان يرجوا لقاء الله " أي من كان يأمل لقاء ثواب الله. وقال سعيد بن جبير والسدي: معناه من كان يخاف عقاب الله، كما قال الشاعر: إذا لسعته النحل لم يرج لسعها (2) أي لم يخف ف‍ (من) رفع بالابتداء، وخبرها (كان) وجواب الجزاء كقولك زيد إن كان في الدار فقد صدق الوعد. وقوله " فان أجل الله


(1) قائله زهير بن ابى سلمى ديوانه: 43 (2) قد مر تخريجه في 2 / 210 و 3 / 315 و 7 / 491 (*)

[ 188 ]

لآت " أي الوقت الذي وقته الله للثواب والعقاب آت لا محالة والله " هو السميع " لاقوالكم " العليم " بما تضمرونه في نفوسكم، فيجازيكم بحسب ذلك. قوله تعالى: * (ومن جاهد فانما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين (6) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيأتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون (7) ووصينا الانسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما إلي مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون (8) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصالحين (9) ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم أو ليس الله باعلم بما في صدور العالمين) * (10) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى " ومن جاهد " أي من جاهد نفسه بأن يصبر على ما أمره الله به، ويعمل بسنته، ومنه الجهاد، وهو الصبر في الحرب على ما جاء به الشرع " فانما يجاهد لنفسه " لان ثواب صبره عائد عليه وواصل إليه دون الله تعالى، لانه تعالى غني عن جميع الخلائق غير محتاج إلى طاعاتهم، ولا غير ذلك. ثم قال تعالى " والذين آمنوا " أي صدقوا بوحدانيته واقروا بنبوة

[ 189 ]

نبيه، واعترفوا بما جاء به من عند الله " لنكفرن عنهم سيئاتهم " التي اقترفوها قبل ذلك. ومن قال بالاحباط قال: تبطل السيئة الحسنة التي هي أكبر منها حتى يصير بمنزلة ما لم يعمل، كما قال " ان الحسنات يذهبن السيئات " (1) والاحباط هو ابطال الحسنة بالسيئة التي هي اكبر منها. والسيئة الخصلة التي يسوء صاحبها عاقبتها. والحسنة الخصلة التي يسر صاحبها عاقبتها. وكل حسنة طاعة لله، وكل سيئة هي معصية له تعالى. وقوله " لنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون " قال الجبائي: معناه أحسن ما كانوا يعملون: طاعاتهم لله، لانه لا شئ في ما يعمله العباد أحسن من طاعاتهم لله. وقال قوم: معناه ولتجزينهم بأحسن اعمالهم، وهو الذي أمرناهم به، دون المباح الذي لم نأمرهم به ولا نهيناهم عنه. وقوله " ووصينا الانسان بوالديه حسنا " معناه أمرناه أن يفعل حسنا وألزمناه ذلك. ثم خاطب كل واحد من الناس، فقال " وإن جاهداك " يعني الوالدين أيها الانسان " لتشرك بي " في العبادة " ما ليس لك به علم، فلا تطعهما " في ذلك. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص، لانه لما هاجر حلفت أمه انها لا يظلها سقف بيت حتى يعود. فنزلت الآية. ثم قال مهددا للجميع " الي مرجعكم " أي إلي مالكم " فانبئكم " أي اخبركم " بما كنتم تعملون " في دار التكليف، ثم اجازيكم بحسبه. ثم قال تعالى " والذين آمنوا " بتوحيد الله واخلاص العبادة له وصدق انبيائه واضافوا إلى ذلك الاعمال الصالحات " لندخلنهم في " جملة " الصالحين " الذين فعلوا الطاعات ويجازيهم الله ثواب الجنة.


(1) سورة 11 هود آية 115 (*)

[ 190 ]

ثم اخبر ان " من الناس من يقول " بلسانه " آمنا بالله فإذا أوذي في الله " أي إذا لحقه شدة في جنب الله " جعل فتنة الناس " أي عذاب الناس إياهم " كعذاب الله " اي خافوا عذاب الخلق، كما يخاف عذاب الله، فيرتدون. " ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم " وهذا الذي ذكره صفة المنافقين الذين إذا جاهدوا الكفار وكانت الدائرة على المسلمين جعلوا ذلك مثل ما يعذبهم الله، ومتى ظفروا بأعدائهم قالوا للمؤمنين " انا كنا معكم " في الجهاد فلنا مثل ما لكم من الغنيمة، فقال تعالى " أو ليس الله بأعلم بما في صدور العالمين " أي الله يعلم بواطن احوالهم وسرائر ما في نفوسهم، فيجازيهم على حسب ذلك. قوله تعالى: * (وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين (11) وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم وما هم بحاملين من خطاياهم من شئ إنهم لكاذبون (12) وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم وليسئلن يوم القيمة عما كانوا يفترون (13) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون (14) فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين) * (15) خمس آيات بلا خلاف.

[ 191 ]

اقسم الله تعالى بأنه يعلم الذين يؤمنون بالله على الحقيقة ظاهرا وباطنا فيجازيهم على ذلك بثواب الجنة، وذلك ترغيب لهم " وليعلمن المنافقين " فيه تهديد للمنافقين مما هو معلوم من حالهم التي يستترون بها ويتوهمون انهم نجوا من ضررها، باخفائها، وهي ظاهرة عند من يملك الجزاء عليها، وتلك الفضيحة العظمى بها. ثم حكى تعالى أن الذين كفروا نعم الله وجحدوها يقولون للذين آمنوا بتوحيده وصدق انبيائه " اتبعوا سبيلنا ولنحمل " نحن " خطاياكم " أي نحمل ما تستحقون عليها من العقاب يوم القيامة عنكم هزؤا بهم واشعارا بأن هذا لا حقيقة له، فالمأمور بهذا الكلام هو المتكلم به أمر نفسه في مخرج اللفظ ومعناه يضمن إلزام النفس هذا المعنى، كما يلزم بالامر، قال الشاعر: فقلت ادعي وادع فان اندى * لصوت أن ينادي داعيان (1) معناه ولادع. وفيه معنى الجزاء وتقديره ان تتبعوا ديننا حملنا خطاياكم. ثم نفى تعالى أن يكونوا هم الحاملين لخطاياهم من شئ، وانهم يكذبون في هذا القول، لان الله تعالى لا يؤاخذ أحدا بذنب غيره، فلا يصح إذا أن يتحمل احد ذنب غيره، كما قال تعالى " ولا تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للانسان إلا ما سعى " (2) وليس ذلك بمنزلة تحمل الدية عن غيره، ولان الفرض في الدية أداء المال عن نفس المقتول، فلا فضل بين ان يؤديه زيد عن نفسه، وبين ان يؤديه عمرو عنه، لانه بمنزلة قضاء الدين.


(1) شرح الفية بن مالك 267 وتفسير القرطبي 13 / 334 (2) سورة 6 الانعام آية 164 وسورة 17 الاسرى آية 15 وسورة 35 فاطر آية 18 وسورة 39 الزمر آية 7 وسورة 53 النجم آية 39 (*)

[ 192 ]

وقوله " وليحملن اثقالهم واثقالا مع اثقالهم " معناه انهم يحملون خطاياهم في أنفسهم التي لا يعملونها بغيرهم، ويحلون الخطايا التي ظلموا بها غيرهم، فحسن لذلك فيه التفصيل الذي ذكره الله. وقوله " وليسألن يوم القيامة عما كانوا يفترون " أي يعملون. ومعناه إنهم يسألون سؤال تعنيف وتوبيخ وتبكيت وتقريع، لا سؤال استعلام كسؤال التعجيز في الجدل، كقولك للوثني ما الدليل على جواز عبادة الاوثان، وكما قال تعالى " هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين " (1). ثم اخبر تعالى انه أرسل نوحا إلى قومه يدعوهم إلى توحيد الله وإخلاص العبادة له، وانه مكث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما، فلم يجيبوه، وكفروا به " فأخذهم الطوفان " جزاء على كفرهم، فأهلكهم الله تعالى " وهم ظالمون " لنفوسهم بما فعلوه من عصيان الله تعالى والاشراك به، والطوفان الماء الكثير الغامر، لانه يطوف بكثرته في نواحي الارض قال الراجز: افناهم طوفان موت جارف (2) شبه الموت في كثرته بالطوفان. ثم اخبر تعالى انه أنجى نوحا والذين ركبوا معه السفينة من المؤمنين به، وجعل السفينة آية أي علامة للخلائق يعتبرون بها إلى يوم القيامة، لانها فرقت بين المؤمنين والكفار والعاصين والاخيار، فهي دلالة للخلق على صدق نوح وكفر قومه. قوله تعالى: * (وإبرهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير


(1) سورة 2 البقرة آية 111 وسورة 27 النمل آية 64 (2) تفسير القرطبي 13 / 534 (*)

[ 193 ]

لكم إن كنتم تعلمون (16) إنما تعبدون من دون الله أوثانا وتخلقون إفكا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون (17) وإن تكذبوا فقد كذب أمم من قبلكم وما على الرسول إلا البلاغ المبين (18) أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير (19) قل سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شئ قدير) * (20) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " أو لم تروا " بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " النشاءة " بفتح الشين ممدودة - هنا - وفي النجم، والواقعة. الباقون - بسكون الشين مقصورا - ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب تقديره: قل لهم يا محمد " أو لم تروا " حين انكروا البعث والنشور " أو لم تروا كيف يبدئ الله الخلق " أي إذا انكرتم الاعادة كان الابتداء أولى بالنكرة. وحيث أقروا بان الله خالقهم ابتداء فيلزمهم أن يقروا بالاعادة ثانيا. ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم " ويبدئ " فيه لغتان اتى بهما القرآن بدأ الله الخلق، وأبدأهم، قال الله تعالى " وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده " فمصدر أبدأ يبدؤ إبداءا، فهو مبدئ. ومن قرأ (بدأ) يبدؤ

[ 194 ]

بدءا، فهو بادئ، وذاك مبدوء، ويقال: رجع عوده على بدئه بالهمز، وبدا يبدو، بغير همز: ظهر. وقال أبو عمرو (غلام تغلب): يجوز رجع عوده على بده - بغيره همز - بمعنى الظهور كقولهم: ما عدا مما بدا. والنشاءة والنشأة بالمد والقصر، لغتان. كقولهم: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة وهما مصدران. فالنشأة المرة الواحدة، يقال: نشأ الغلام، فهو ناشى، وامرأة ناشئة، والجمع نواشئ، ويقال للجواري الصغار نشأ قال نصيب: ولولا ان يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشأ الصغار (1) وانشأهم الله إنشاء، فهو منشئ، ونشت - بغير همز - ريحا طيبة، ورجل نشوان من الشراب. ورجل نشيان للخير إذا كان يتخير الخير، حكاه تغلب. قوله " وابراهيم إذ قال " يحتمل نصبه أمرين: احدهما - ان يكون عطفا على قوله " وارسلنا نوحا إلى قومه " وتقديره وأرسلنا إبراهيم أيضا. الثاني - بتقدير واذكر " ابراهيم " حين " قال لقومه أعبدوا الله " وحده لا شريك له، واتقوا عقابه باتقاء معاصيه " ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " ما هو خير لكم مما هو شر لكم. وقوله " انما تعبدون من دون الله اوثانا " حكاية عما قال ابراهيم لقومه كأنه قال لهم ليس تعبدون من دون الله إلا اوثانا، وهو جمع وثن، وهو ما يعبد من دون الله. وقيل: ما يعمل من حجر وطين يسمى وثنا. و (ما) في قوله " إنما " كافة، وليست بمعنى الذي، لانها لو كانت بمعنى الذي، لكان (اوثان) رفعا.


(1) مر تخريجه في 4 / 304 (*)

[ 195 ]

وقوله " وتخلقون إفكا " أي تعملون أصناما، وسماها إفكا لادعائهم انها آلهة - وهو قول قتادة، والجبائي - وقال ابن عباس: وتصنعون كذبا، وتحقيقه يصنعون على ما يقدرون، ثم قال لهم ابراهيم أيضا * (إن الذين تعبدون من دون الله) * يعني الاصنام * (لا يملكون لكم رزقا) * أي لا يقدرون على أن يرزقوكم، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع، وهو الله الرازق. والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتم التصرف، وليس ذلك إلا لله - عز وجل - على الحقيقة لان له التصرف والقدرة على جميع الاشياء بلا مانع، والانسان إنما يملك ما يملكه الله، ويأذن له في التصرف فيه. فأصل الملك لجميع الاشياء لله. ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة، لان العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة. والاصنام لا تقدر على ذلك، فإذا لا يحسن عبادتها. ثم قال لهم * (وابتغوا عند الله الرزق) * أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه * (واعبدوه) * على ما انعم به عليكم من أصول النعم، وأعلى مراتب الفضل * (واشكروا له) * ايضا، لانكم إليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على قدر اعمالكم. فمن عبده وشكره جازاه بالثواب. ومن عبد غيره وكفر نعمه جازاه بالعقاب. ويقال: شكرته وشكرت له يؤكد باللام. فمعنى الشكر له اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره. ثم قال * (وإن تكذبوا) * بما اخبركم به من عند الله، وما أدعوكم إليه من اخلاص عبادته * (فقد كذب أمم من قبلكم) * انبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس * (على الرسول إلا البلاغ المبين) * يعني الا أن يوصل إليهم ويؤدي إليهم ما أمر به لكونه بيانا ظاهرا يمكنهم معرفته وفهمه، وليس عليه حملهم على الايمان. ثم قال * (أو لم يروا كيف يبدؤا الله الخلق) * اي ألم يفكروا فيعلموا كيف

[ 196 ]

اخترع الله الخلق من العدم * (ثم يعيده) * ثانيا إذا اعدمهم بعد وجودهم. قال قتادة: معنى * (ثم يعيده) * بالبعث بعد الموت. وقيل ينشئه بالاحياء * (ثم يعيده " بالرد إلى حال الموت. والاول أصح * (ان ذلك على الله يسير) * غير متعذر، لان من قدر على الاختراع والانشاء أولا كان على الاعادة اقدر. ومعنى (يسير) لا تعب عليه فيه ولا نصب، وكل فعل كان كذلك، فهو سهل يسير. والاحتجاج في ذلك أن من قدر على ذلك قادر على ارسال الرسول إلى العباد. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه واله * (قل) * لهؤلاء الكفار * (سيروا في الارض فانظروا كيف بدأ الله الخلق) * وفكروا في آثار من كان قبلكم، وإلى اي شئ صار امرهم لتعتبروا بذلك فيما يؤديكم إلى العلم بربكم. وقوله * (ثم الله ينشئ النشأة الآخرة) * فالنشأة الآخرة اعادة الخلق كرة ثانية من غير سبب كما كان اول مرة، لان معنى الانشاء الايجاد من غير سبب * (ان الله على كل شئ قدير) * اخبار منه تعالى انه قادر على كل شئ يصح ان يكون مقدورا له. قوله تعالى: * (يعذب من يشاء ويرحم من يشاء وإليه تقلبون (21) وما أنتم بمعجزين في الارض ولا في السماء ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير (22) والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي وأولئك لهم عذاب أليم (23) فما

[ 197 ]

كان جواب قومه إلا أن قالوا قتلوه أو حرقوه فأنجيه الله من النار إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (24) وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحيوة الدنيا ثم يوم القيمة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا ومأويكم النار ومالكم من ناصرين) * (25) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو، والكسائي " مودة بينكم " بالرفع والاضافة. وقرأ نافع وابو بكر عن عاصم وابن عامر " مودة بينكم " منونا منصوبا. وروى الاعشى عن أبي بكر برفع " مودة " و " بينكم " نصب، وقرأ حفص عن عاصم وحمزة " مودة بينكم " نصبا غير منون مضاف. من رفع يحتمل وجهين احدهما - ان يجعل " انما " كلمتين يجعل (ما) بمعنى الذي، وهو اسم (ان) و (مودة) خبره، ومفعول اتخذتم (هاء) محذوفة، وتقديره: إن الذي اتخذتموه مودة بينكم، كما قال الشاعر: ذريني إنما خطائي وصوا * بي علي وانما اهلكت مالي يريد ان الذي أهلكته مالي. الثاني - ان يرفعها بالابتداء، " وفى الحياة الدنيا " خبرها. ومن نصب جعل (المودة) مفعول (اتخذتم). ومن أضاف جعل البين الوصل.

[ 198 ]

ومن لم ينون ولم يضف جعل (البين) ظرفا. وهو الفراق ايضا. يقال: بينهما بين بعيد، وبون بعيد، وجلس زيد بيننا، وبينا بالادغام، ذكره ابن زيد عن ابن حاتم عنا الاصمعي، يقال: بان زيد عمرا: إذا فارقه يبونه بونا قال الشاعر: كأن عيني وقد بانوني * غربا نصوح غير محنوني وقرأ ابي " اثما مودة بينكم ". اخبر الله تعالى انه " يعذب من يشاء " من عباده إذا استحقوا العقاب * (ويرحم من يشاء) * منهم فيعفو عنهم بالتوبة وغير التوبة * (واليه تقلبون) * معاشر الخلق أي إليه تحشرون وترجعون يوم القيامة. والقلب الرجوع والرد، فتقلبون أي تردون إلى حال الحياة في الآخرة بحيث لا يملك الضر والنفع فيه إلا الله. والقلب نفي حال بحال يخالفها. ثم قال: ولستم بمعجزين في الارض أي بفائتين، فالمعجز الفائت بما يعجز القادر عن لحاقه. ولهذا فسروا * (وما أنتم بمعجزين) * أي بفائتين، والمعنى لا تغتروا بطول الامهال * (في الارض ولا في السماء) * اي لستم تفوتونه في الارض، ولا في السماء لو كنتم فيها، فانه قادر عليكم حيث كنتم. وقيل في ذلك قولان: احدهما - لا يفوتونه هربا في الارض، ولا في السماء. الثاني - ولا من في السماء بمعجزين، كما قال حسان: أمن يهجوا رسول الله منكم * ويمدحه وينصره سواء (1) وتقديره ومن يمدحه وينصره سواء أم لا يتساوون ؟ ! وقوله * (وما لكم من دون الله من ولي ولا نصير) * أي وليس لكم ولي ولا ناصر من دون الله يدفع عنكم عقاب الله إذا أراد بكم، فالولي هو الذي


(1) مر تخريجه في 1 / 410 (*)

[ 199 ]

يتولى المعونة بنفسه، والنصير قد يدفع المكروه عن غيره تارة بنفسه وتارة بان يأمر بذلك. ثم قال تعالى * (والذين كفروا بآيات الله) * اي جحدوا أدلة الله ولقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة * (أولئك يئسوا من رحمتي) * اخبار عن اياسهم من رحمة الله، لعلمهم انها لا تقع بهم ذلك اليوم * (وأولئك لهم عذاب اليم) * اي مؤلم. وفى ذلك دلالة على ان المؤمن بالله واليوم الآخر لا يجوز ان ييأس من رحمة الله. ثم قال * (فما كان جواب قومه إلا أن قالوا اقتلوه أو حرقوه) * وفى ذلك دلالة على ان جميع ما تقدم حكاية ما قال ابراهيم لقومه، وانهم لما عجزوا عن جوابه بحجة عدلوا إلى ان قالوا اقتلوه أو حرقوه وفى الكلام حذف، وتقديره: إنهم اوقدوا نارا وطرحوه فيها * (فأنجاه الله من النار إن في ذلك لآية) * واضحة وحجة بينة * (لقوم يؤمنون) * بصحة ما اخبرناك به من توحيد الله واخلاص عبادته. ثم عاد إلى حكاية قول ابراهيم وانه قال لهم * (إنما اتخذتم من دون الله اوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا. ثم يوم القيامة يكفر بعضكم ببعض ويلعن بعضكم بعضا) * قال قتادة: كل خلة تنقلب يوم القيامة عداوة إلا خلة المتقين كما قال * (الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو الا المتقين) * (1) ومعنى الآية ان ابراهيم قال لقومه: انما اتخذتم هذه الاوثان آلهة من دون الله لتتوادوا بها في الحياة الدنيا، ثم يوم القيامة يتبرؤ بعضكم من بعض ويلعن بعضكم بعضا، ومستقركم النار، وما لكم من ينصركم بدفع عذاب الله عنكم. ثم قال لهم " ومأواكم النار " أي مستقركم و " ما لكم من ناصرين "


(1) سورة 43 الزخرف آية 67 (*)

[ 200 ]

يدفعون بالقهر والغلبة. وروى عبد الله بن احمد بن حنبل عن أبيه في كتاب التفسير أن جميع الدواب والهوام كانت تطفي عن ابراهيم النار إلا الوزغ فانها كانت تنفخ النار، فامر بقتلها. وروى أيضا انه لم ينتفع احد يوم طرح ابراهيم في النار بالنار في جميع الدنيا. قوله تعالى: * (فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم (26) ووهبنا له إسحق ويعقوب وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الاخرة لمن الصالحين (27) ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (28) أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين (29) قال رب انصرني على القوم المفسدين) * (30) خمس آيات بلا خلاف. ست آيات حجازي وخمس في ما عداه عدوا " السبيل " آية ولم يعدها الباقون. قرأ اهل الحجاز وابن عامر وحفص ويعقوب " إنكم لتأتون الفاحشة " بهمزة واحدة على الخبر. وقرأه اهل الكوفة. إلا حفصا بهمزتين مخففتين على الاستفهام. وقرأ أبو عمرو كذلك إلا انه بلين الثانية، ويفصل بينهما

[ 201 ]

بألف، وأما " انكم لتأتون الرجال " فانهم على اصولهم. حكى الله سبحانه ان ابراهيم لما دعا قومه إلى اخلاص عبادة الله وترك عبادة الاوثان، وقبح فعلهم في ذلك أنه صدق به لوط عليه السلام وآمن به. وكان ابن اخته، فابراهيم خاله وهو قول ابن عباس وابن زيد والضحاك وجميع المفسرين. وقال لوط " اني مهاجر إلى ربي " معناه اي خارج من جملة الظالمين على جهة الهجر لهم لقبح أفعالهم إلى حيث أمرني ربي، ومن هذا هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة وإلى أرض الحبشة، لانهم هجروا ديارهم وأوطانهم لاذى المشركين لهم فأمروا بأن يخرجوا عنها. وقيل: هاجر ابراهيم ولوط من كوثى، وهي من سواد الكوفة إلى أرض الشام في قول قتادة. وقال " إنه هو العزيز الحكيم " الذي لا تضيع الطاعة عنده، العزيز الذي لا يذل من نصره. ثم قال " ووهبنا له " يعني لابراهيم " إسحاق ويعقوب، وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب " قيل: إنما لم يذكر اسماعيل مع انه نبي معظم، لانه قد دل عليه بقوله " وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب " فترك ذكر اسمه لانه يكفي فيه الدلالة عليه لشهرته وعظم شأنه، وذكر ولد ولده في سياقه ذكر ولده، لانه يحسن اضافته إليه، لانه الاب الاكبر له. وقوله " وآتيناه أجره في الدنيا " قال ابن عباس: الاجر في الدنيا الثناء الحسن، والولد الصالح، وقال الجبائي: هو ما أمر الله به المكلفين من تعظيم الانبياء. قال البلخي: وذلك يدل على انه يجوز أن يثيب الله في دار التكليف ببعض الثواب. و (الكتاب) أريد به الكتب، من التوراة والانجيل والزبور والقرآن، غير انه خرج مخرج الجنس. " وإنه في الآخرة لمن الصالحين "

[ 202 ]

اخبار منه تعالى أن ابراهيم مع انه آتاه أجره وثوابه في الدنيا إنه في الآخرة يحشره الله من جملة الصالحين العظيمي الاقدار، لما قاموا به من النبوة على ما أمر الله به، وقوله " ولوطا إذ قال لقومه " يحتمل نصبه أيضا بشيئين: احدهما - و (أرسلنا لوطا) عطفا على (نوحا وابراهيم). والثاني - بتقدير واذكر لوطا حين قال لقومه " انكم لتأتون الفاحشة " من قرأ بلفظ الاستفهام أراد به الانكار دون الاستعلام. ومن قرأ على الخبر أراد إن لوطا أخبرهم بذلك منكرا لفعلهم لا مفيدا لهم، لانهم كانوا يعلمون ما فعلوه. والفاحشة - ههنا - ما كانوا يفعلونه من اتيان الذكران في أدبارهم " ما سبقكم بها " بهذه الفاحشة أحد من الخلائق. ثم فسر ما أراد بالفاحشة فقال " انكم لتأتون الرجال " يعني في أدبارهم، والفاحش الشنيع في القبح، فحش فلان يفحش فحشا وتفاحش تفاحشا إذا شنع في قبحه، وهو ظهوره بما تقتضي العقول بالبديهه رده وانكاره. وقوله " وتقطعون السبيل " قيل: انهم كانوا يقطعون الطريق لاخذ الاموال، وقيل: يقطعون سبيل الولد باتيان الذكران في الادبار، وقيل: بالعمل الخبيث، لانهم كانوا يطلبون الغرباء " وتأتون في ناديكم المنكر " قال ابن عباس: كانوا يضرطون في مجالسهم، وقال السدي: كانوا يحذفون من مر بهم. وقال مجاهد: كانوا يأتون الرجال في مجالسهم. وقال الكلبي: منها الحذف، والصفير، ومضغ العلك، والرمي بالبندق، وحل ازرار القبا والقميص. وهي ثماني عشرة خصلة. وقال غيره: هي عشرة خصال. وقوله " فما كان جواب قومه إلا ان قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت

[ 203 ]

من الصادقين " حكاية عما قال قوم لوط في جوابه حين عجزوا عن مقاومته بالحجة وانهم قالوا له " ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين " في دعواك النبوة وأن الله أرسلك وأمرك بما تدعو إليه، فقال عند ذلك لوط " رب انصرني على القوم المفسدين " الذين فعلوا المعاصي وارتكبوا القبائح وأفسدوا في الارض والمعنى اكفني شرهم وأذاهم، ويجوز أن يريد اهلكهم، وانزل عذابك عليهم. قوله تعالى: * (ولما جاءت رسلنا إبرهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكوا أهل هذه القرية إن أهلها كانوا ظالمين (31) قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين (32) ولما أن جاءت رسلنا لوطا سئ بهم وضاق بهم ذرعا وقالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين (33) إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون) * (35) خمس آيات قرأ حمزة والكسائي وخلف ويعقوب " لننجينه " بالتخفيف. الباقون بالتثقيل. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف وابو بكر ويعقوب " منجوك " غير متحرك بالتخفيف. الباقون بالتشديد وقرأ ابن عامر والكسائي

[ 204 ]

عن ابي بكر * (منزلون) * بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من قرأ " لننجينه " بالتشديد وبتحريك النون، فلقوله * (ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون) * (1) ولقوله * (إلا آل لوط نجيناهم بسحر) * (2) ومن خفف فلقوله * (فأنجاه الله من النار) * (3) يقال: نجا زيد وأنجيته ونجيته، مثل فرح وفرحته وأفرحته. ومن قرأ * (منزلون) * بالتشديد، فلان أصله نزل، كما قال * (نزل به الروح الامين) * (4). فإذا عديته ثقلته إما بالهمزة أو بالتضعيف والتضعيف يدل على التكرار. وقوله * (انا منجوك وأهلك) * نصب * (أهلك) * على انه مفعول به عطفا على موضع الكاف، وقوله * (قوا أنفسكم وأهليكم) * (5) انما كسر اللام وموضعها النصب، لان العرب تقول: رأيت أهلك يريدون جميع القرابات. ومنهم من يقول: أهليك، ويجمع اهل على أهلين، فإذا أضافه ذهبت النون للاضافة، فالياء علامة الجمع والنصب، وكسرت اللام لمجاورتها الياء. وفي الحديث (ان لله أهلين) قيل: من هم يا رسول الله ؟ قال (اهل القرآن هم اهل الله وخاصته) ومن العرب من يجمع (أهلا) أهلات انشد ابن مجاهد: فهم اهلات حول قيس بن عاصم * إذا ادلجوا بالليل يدعون كوثوا قال ابن خالويه: الصواب أن يجعل اهلات جمع اهلة. قال: فان قيل: هل يجوز أن تقول أهلون ؟ - بفتح الهاء - كما يقولون: أرضون إذ كان الاصل ارضات، قال: إن (أهلا) مدكر تصغيره أهيل، وارضا مؤنثة تصغيرها


(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 18 (2) سورة 54 القمر آية 34 (3) سورة 29 العنكبوت آية 24 (4) سورة 26 الشعراء آية 193 (5) سورة 66 التحريم آية 6 (*)

[ 205 ]

أريضة، والتاء سابقة في المؤنث ممتنعة في المذكر، فهذا يفصل ما بينهما، قال وما علمت احدا تكلم فيه. اخبر الله تعالى انه لما جاء ابراهيم رسل الله، وهم من الملائكة بالبشرى يبشرونه باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب، والبشرى البيان، وهو الخبر بما يظهر سروره في بشرة الوجه. وقيل: للاخبار بما يظهر سروره أو غمه في البشرة: بشرى، ويقوي ذلك قوله * (فبشرهم بعذا اليم) * (1) غير انه غلب عليه البشارة بما يسر به. وقوله * (قالوا إنا مهلكوا اهل هذه القرية) * حكاية ما قالت الملائكة لابراهيم فانهم قالوا له: بعثنا الله وارسلنا لاهلاك هذه القرية التي فيها قوم لوط. والاهلاك الا ذهاب بالشئ إلى مالا يقع به احساس، فلما كانوا بالعذاب قد اذهبوا هذا الا ذهاب كانوا قد اهلكوا، والقرية البلدة التي يجتمع إليها للايواء من جهات مختلفة، وهي من قريت الماء في الحوض أقريه قريا. إذا جمعته. ومنه قرى الضيف لانك تجمعه اليك بما تعده له من طعام. و (الظالم) من فعل الظلم وهو صفة ذم. فقال لهم ابراهيم عند ذلك * (إن فيها لوطا) * كيف تهلكونها، فقالوا في جوابه * (نحن أعلم بمن فيها) * والاعلم الاكثر معلوما، فإذا كان الشئ معلوما لعالم من جهات مختلفة ولعالم آخر من بعض تلك الوجوه دون بعض كان ذلك اعلم. ثم قالوا * (لننجينه) * أي لنخلصنه من العذاب * (وأهله) * أي ونخلص أيضا اهله المؤمنين منهم * (إلا امرأنه كانت من الغابرين) * أي من الباقين


(1) سورة 3 آل عمران آية 21 وسورة 9 التوبة آية 35 وسورة 84 الانشقاق آية 24 (*)

[ 206 ]

في العذاب، قال المبرد: و (أهلك) عطف على المعنى، لان موضع الكاف الخفض، ولا يجوز العطف على المضمر المخفوض على اللفظ، ومثل ذلك قول لبيد: فان لم تجد من دون عدنان والدا * ودون معد فلترعك العواذل (1) فنصب (ودون) على الموضع. ثم حكى تعالى أن رسل الله لما جاءت * (لوطا سئ بهم) * وقيل في معناه قولان: احدهما - سئ بالملائكة أي ساء مجيؤهم لما طلبوا منه الضيافة لما يعلم من خبث فعل قومه - في قول قتادة -. الثاني - سئ بقومه ذرعا أي ضاق بهم ذرعا، لما علم من عظم البلاء النازل بهم، فلما رأته الملائكة على تلك الصفة * (قالوا) * له * (لا تخف ولا تحزن انا منجوك) * اي مخلصوك ومخلصوا * (اهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين) * اي من الباقين في العذاب. وانما قال * (من الغابرين) * على جمع المذكر تغليبا للمذكر على المؤنث إذا اجتمعا. وقيل: كانت من الباقين لانه طال عمرها، ذكره أبو عبيدة، وقالوا له * (إنا منزلون على اهل هذه القرية رجزا) * اي عذابا رجزا * (بما كانوا يفسقون) * ويخرجون من طاعة الله إلى معصيته. ثم اخبر تعالى فقال * (ولقد تركنا منها) * يعني من القرية انه بينه، قال قتادة الآية البينة الحجارة التي أمطرت عليهم. وقال غيره عفو آثارهم مع ظهور هلاكهم * (لقوم يعقلون) * ذلك ويبصرونه ويتفكرون فيه ويتعظون به، فيزجرهم ذلك عن الكفر بالله واتخاذ شريك معه في العبادة.


(1) الكتاب لسيبويه 1 / 34 (*)

[ 207 ]

قوله تعالى: * (وإلى مدين أخاهم شعيبا فقال يا قوم اعبدوا الله واراجو اليوم الآخر ولا تعثوا في الارض مفسدين (36) فكذبوه فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين (37) وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (38) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الارض وما كانوا سابقين (39) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الارض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قوله " وإلى مدين أخاهم شعيبا " عطف على قوله " ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه " وتقديره وأرسلنا إلى مدين، وقد فسرنا معنى (مدين) فيما تقدم (1) " أخاهم شعيبا " وانه قال لهم " يا قوم اعبدوا الله " وحده لا شريك له ولا تشركوا معه في العبادة غيره " وارجوا اليوم الآخر " يحتمل أن


(1) انظر 6 / 47 (*)

[ 208 ]

يكون أراد وخافوا عقاب اليوم الآخرة بمعاصي الله، ويحتمل ان يكون أراد واطلبوا ثواب يوم القيامة بفعل الطاعات " ولا تعثوا في الارض مفسدين " معناه لا تضطربوا بحال الجهالة يقال: عثى يعثي عثى، كقولهم عاث يعيث عيثا وفيه معنى الامر بالاستقامة، لانه إنما يخرج عن اضطراب الجهال إلى الاستقامة، في الافعال. والفساد كل فعل ينافي العقل أو الشرع، فهو عبارة عن معاصي الله. ثم اخبر أن قومه كذبوه في ادعائه النبوة ولم يقبلوا منه فعاقبهم الله بعذاب الرجفة، وهي زعزعة الارض تحت القدم، يقال: رجف السطح من تحت أهله يرجف رجفا، ورجفة شديدة، والارجاف هو الاخبار بما يضطرب الناس لاجله من غير أن يحققونه " فأصبحوا في دارهم جاثمين " قال قتادة: ميتين بعضهم على بعض. وقيل: باركين على ركبهم، والجاثم البارك على ركبتيه مستقبلا بوجهه الارض. وقوله " وعادا وثمود " أي وأهلكنا أيضا عادا وثمود جزاء على كفرهم " وقد تبين لكم " معاشر الناس كثير " من مساكنهم ". ثم اخبر أنه " زين لهم الشيطان اعمالهم " التي كفروا بها وعصوا الله فيها، وذلك يدل على بطلان قول المجبرة الذين ينسبون ذلك إلى الله. ثم اخبر أن الشيطان صدهم ومنعهم عن طريق الحق " فهم لا يهتدون " إليه لاتباعهم دعاء الشيطان. وعدو لهم عن الطريق الواضح " وكانوا مستبصرين " أي وكانوا عقلاء يمكنهم تمييز الحق من الباط بابصارهم له وفكرهم فيه. وقال مجاهد وقتادة " وكانوا مستبصرين " في ضلالتهم لعجبهم به، فتصوروه بخلاف صورته.

[ 209 ]

ثم اخبر انه تعالى أهلك قارون، وفرعون، وهامان. ويجوز أن يكون عطفا على (الهاء والميم) في قوله " فصدهم عن السبيل " وكأنه قال فصد عادا وثمود، وصد قارون وفرعون وهامان. وأنهم " جاءهم موسى بالبينات " يعني بالحجج الواضحات: من فلق البحر وقلب العصا وغير ذلك " فاستكبروا في الارض " أي طلبوا التجبر فيها، ولم ينقادوا للحق وأنفوا من اتباع موسى " وما كانوا سابقين " أي فائتين لله، كما يفوت السابق. ثم اخبر تعالى فقال " فكلا أخذنا بذنبه " أي اخذنا كلا بذنبه " فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا " وهو الريح العاصفة التي فيها حصباء وهي الحصى الصغار، وشبه به البرد والجليد، قال الاخطل: ولقد علمت إذا العشار تروحت * هدج الرئال تكبهن شمالا ترمي الرياح بحاصب من ثلجها * حتى تبيت على العضاة جفالا (1) وقال الفرزدق: مستقبلين شمال الشام يضربنا * بحاصب كنديف القطن منثور (2) والذين أرسل عليهم الحاصب قوم لوط - في قول ابن عباس، وقتادة - والذين أخذتهم الصيحة ثمود وقوم شعيب - في قولهما - " ومنهم من خسفنا به الارض " يعني قارون، " ومنهم من أغرقنا " يعني قوم نوم وفرعون. ثم اخبر تعالى أنه لم يظلمهم بما فعل معهم " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " بجحدهم نعم الله واتخاذهم مع الله آلهة عبدوها، وطغيانهم وفسادهم في الارض. وذلك يدل على فساد قول المجبرة الذين قالوا: إن الظلم من فعل الله، لانه


(1) مر تخريجه في 7 / 8 (2) مر تخريجه في 6 / 502.

[ 210 ]

لو كان من فعله لما كانوا هم الظالمين لنفوسهم، بل كان الظالم لهم من فعل فيهم الظلم قوله تعالى: * (مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (41) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شئ وهو العزيز الحكيم (42) وتلك الامثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (43) خلق الله السموات والارض بالحق إن في ذلك لاية للمؤمنين (44) أتل ما أوحي إليك من الكتاب وأقم الصلوة إن الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون) * (45) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو ويعقوب وعاصم - في رواية حفص - والعليمي، والعبسي " ان الله يعلم ما يدعون من دونه " بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. قال أبو علي: (ما) استفهام وموضعها النصب ب‍ (يدعون) ولا يجوز أن يكون نصبا ب‍ (يعلم) ولكن صارت الجملة التي هي منها في موضع نصب، وتقديره إن الله يعلم أوثانا يدعون من دونه، لا يخفى عليه ذلك. ومثله " فسوف تعلمون من تكون له عاقبة الدار " (1) والمعنى سيعلمون آلمسلم


(1) سورة 6 الانعام آية 135 (*)

[ 211 ]

يكن له عقابة الدار أم الكافر ؟. وكل ما كان من هذا فهكذا القول فيه، وهو قياس قول الخليل. شبه الله سبحانه حال من اتخذ من دونه أولياء ينصرونه عند الحاجة في الوهن والضعف بحال العنكبوت الذي يتخذ بيتا ليأوى إليه، فكما أن بيت العنكبوت في غاية الوهن والضعف، فكذلك حال من اتخذ من دون الله أولياء مثله في الضعف والوهن. والمثل قول سائر يشبه به حال الثاني بالاول. و (الاتخاذ) أخذ الشئ على اعداده لنائبة، وهو (افتعال) من (الاخذ) فلما اخذوا عبادة غير الله إعدادا لنائبة كانوا اتخذوا الاولياء من دون الله، وذلك فاسد لان عبادة الله هي العاصمة من المكاره دون عبادة الاوثان. والمولي هو المتولي للنصرة، وهو أبلغ من الناصر، لان الناصر قد يكون ناصرا بأن يأمر غيره بالنصرة، والولي هو الذي يتولى فعلها بنفسه. والعنكبوت هو دابة لطيفة تنسج بيتا تأويه، في غاية الوهن والضعف، ويجمع عناكب، ويصغر عنيكب ووزنه (فعللوت) وهو يذكر ويؤنث، قال الشاعر: على هطأ لهم منهم بيوت * كأن العنكبوت هو ابتناها (1) ويقال: هو العنكباء. ثم اخبر تعالى " ان أوهن البيوت لبيت العنكبوت " الذي شبه الله حال من اتخذ من دونه أولياء به، فإذا حاله أضعف الاحوال. وقوله " لو كانوا يعلمون " صحة ما أخبرناهم به ويتحققونه، لكنهم كفار بذلك، فلا يعلمونه ف‍ (لو) متعلقة بقوله " اتخذوا " أي لو علموا أن اتخاذهم الاولياء كاتخاذ العنكبوت بيتا سخيفا لم يتخذوهم أولياء، ولا يجوز أن تكون متعلقة بقوله " وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت " لانهم كانوا عالمين بأن


(1) تفسير القرطبي 13 / 345 (*)

[ 212 ]

بيت العنكبوت واه ضعيف. ثم قال تعالى " إن الله يعلم ما تدعون من دونه من شئ " سواء كان صنما أو وثنا أو ما كان مثل ذلك " وهو العزيز " في انتقامه الذي لا يغالب في ما يريده " الحكيم " في جميع أحواله وأفعاله، واضع لها في مواضعها. ثم قال " وتلك الامثال " وهي الاشباه والنظائر، قال الشاعر: هل يذكر العهد في تنمص * إذ يضرب لي قاعدة بها مثلا (1) " يضر بها للناس وما يعقلها إلا العالمون " أي ما يدركها إلا من كان عالما بمواقعها. ثم اخبر تعالى انه " خلق السموات والارض " وأخرجهما من العدم إلى الوجود " بالحق " أي على وجه الحكمة دون العبث الذي لا فائدة فيه وانه قصد بها الدلالة على توحيده " إن في ذلك " يعني في خلق الله ذلك على ما ذكره " لآية للمؤمنين " المصدقين بتوحيد الله، لانهم المنتفعون بها دون الكفار الذين لم ينتفعوا بها لتفريطهم، فلذلك اسندها إلى المؤمنين ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " اتل ما أوحي اليك من الكتاب " يا محمد يعني القرآن - على المكلفين، واعمل بما تضمنه " وأقم الصلاة " بحدودها " ان الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر " يعني فعلها فيه لطف للمكلف في فعل الواجب والامتناع عن القبيح، فهي بمنزلة الناهي بالقول إذا قال: لا تفعل الفحشاء ولا المنكر، وذلك لان فيها: التكبير، والتسبيح، والقراءة، وصنوف العبادة، وكل ذلك يدعو إلى شكله ويصرف عن ضده، كالامر والنهي بالقول، وكل دليل مؤد إلى المعرفة بالحق، فهو داع إليه وصارف عن ضده من الباطل. وقال ابن مسعود: الصلاة تنهى عن المنكر وتأمر بالمعروف. وبه


(1) مجاز القرآن 2 / 116 (*)

[ 213 ]

قال ابن عباس. وقال ابن مسعود: الصلاة لا تنفع إلا من أطاع. وقوله " ولذكر الله اكبر " معناه ولذكر الله إياكم برحمته اكبر من ذكركم إياه بطاعته - ذكره ابن عباس، وسلمان، وابن مسعود، ومجاهد - وقيل: معناه ذكر العبد لربه أفضل من جميع عمله - في رواية أخرى - عن سلمان، وهو قول قتادة وابن زيد وابي الدرداء. وقال أبو مالك: معناه إن ذكر العبد لله تعالى في الصلاة أكبر من الصلاة. وقيل: ذكر الله بتعظيمه اكبر من سائر طاعاته. وقيل: ولذكر الله اكبر من النهي عن الفحشاء. وقوله " والله يعلم ما تصنعون " من خير وشر، فيجازيكم بحسبه. وفي الآية دلالة على بطلان قول من قال: ان المعرفة ضرورة، ودلالة على بطلان قول المجبرة في أن الله خلق الكافر للضلال. قوله تعالى:، * (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون (46) وكذلك أنزلنا إليك الكتاب فالذين آتيناهم الكتاب يؤمنون به ومن هؤلاء من يؤمن به وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون (47) وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون (48) بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم

[ 214 ]

وما يجحد بآياتنا إلا الظالمون (49) وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه قل إنما الآيات عند الله وإنما أنا نذير مبين) * (50) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو، وابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم وقتيبة عن الكسائي " لولا أنزل عليه آيات من ربه " على الجمع لقوله " قل إنما الآيات ". وقرأ الباقون " آية " على التوحيد. ومعناهما واحد، لانه لفظ جنس يدل على القليل والكثير. قال قتادة: الآية الاولى منسوخة بالجهاد والقتال. وقال غيره: هي ثابتة، وهو الاولى، لانه لا دليل على ما قاله. فكيف وقد أمر بالجدال بالذي هو أحسن، وهو الواجب الذي لا يجوز غيره كما قال " وجادلهم بالتي هي احسن " (1) فالآية خطاب من الله تعالى لنبيه وجميع المؤمنين ينهاهم أن يجادلوا أهل الكتاب: من اليهود والنصارى " إلا بالتي هي أحسن " وقيل: معناه إلا بالجميل من القول في التنبيه على آيات الله وحججه والاحسن الاعلى في الحسن من جهة تقبل العقل له،. وقد يكون الاعلى في الحسن من جهة تقبل الطبع له، وقد يكون في الامرين، و (الجدال) فتل الخصم عن مذهبه بطريق الحجاج فيه. وفي ذلك دلالة على حسن المجادلة، لانها لو كانت قبيحة على كال حال، لما قال " إلا بالتي هي أحسن ". وأصل الجدال شدة الفتل، يقال: جدلته أجدله جدلا إذا فتله فتلا شديدا، ومنه الاجدل: للصقر لشدة فتل بدنه. وقيل: انه يجوز أن يغلظ


(1) سورة 16 النحل آية 125 (*)

[ 215 ]

المحق في الجدل على الظالم فيه، بتأديب الله تعالى في الآية في قوله " إلا الذين ظلموا منهم " فاستثنى الظالم عن المجادلة بالتي هي أحسن. فان قيل: لم استثنى الذين ظلموا ؟ وكلهم ظالم لنفسه بكفره ! قيل: لان المراد " إلا الذين ظلموا " في جدالهم أو في غيره مما يقتضي الاغلاظ لهم، ولهذا يسع الانسان ان يغلظ على غيره، والا فالداعي إلى الحق يجب أن يستعمل الرفق في أمره. قال مجاهد: " إلا الذين ظلموا منهم " بمنع الجزية. وقال ابن زيد: الذين ظلموا بالاقامة على كفرهم بعد إقامة الحجة عليهم. ثم قال تعالى للمؤمنين " وقولوا آمنا بالذي انزل الينا " من القرآن " وانزل اليكم " من التوراة والانجيل، وقولوا " وإلهنا وإلهكم واحد " لا شريك له " ونحن له مسلمون " طائعون. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله ومثل ما أنزلنا الكتاب على موسى وعيسى من التوراة والانجيل " انزلنا اليك الكتاب " القرآن " فالذين آتيناهم الكتاب " يعني الذين آتيناهم علم الكتاب يصدقون بالقرآن لدلالته عليه " ومن هؤلاء من يؤمن به " أي من غير جهة علم الكتاب. وقيل " فالذين آتيناهم الكتاب " يعني به عبد الله بن سلام وأمثاله. و " من هؤلاء " يعني أهل مكة " من يؤمن به ". ويحتمل ان يكون أراد ب‍ (الذين آتيناهم الكتاب) الذين آتاهم القرآن: المؤمنين منهم و (ومن هؤلاء) يعني من اليهود والنصارى " من يؤمن به " أيضا، والهاء في قوله (به) يجوز أن تكون راجعة إلى النبي، ويجوز أن تكون راجعة إلى القرآن " وما يجحد بآياتنا إلا الكافرون " لان كل من جحد بآيات الله من المكلفين، فهو كافر: معاندا كان أو غير معاند. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال " وما كنت تتلو من قبله من كتاب " يعني

[ 216 ]

لم تكن تحسن القراءة قبل أن يوحى اليك بالقرآن " ولا تخطه بيمينك " معناه وما كنت أيضا تخط بيمينك. وفيه اختصار، وتقديره ولو كنت تتلو الكتاب وتخطه بيمينك " إذا لارتاب المبطلون " وقال المفسرون: إنه لم يكن النبي صلى الله عليه واله يحسن الكتابة. والآية لا تدل على ذلك بل فيها إنه لم يكن يكتب الكتاب وقد لا يكتب الكتاب من يحسنه، كمالا يكتب من لا يحسنه، وليس ذلك بنهي، لانه لو كان نهيا لكان الاجود أن يكون مفتوحا، وإن جاز الضم على وجه الاتباع لضمة الخاء، كما يقال: (رده) بالضم والفتح والكسر، ولكان أيضا غير مطابق للاول. ولو أفاد أنه لم يكن يحسن الكتابة قبل الايحاء، لكان دليله يدل على انه كان يحسنها بعد الايحاء إليه، ليكون فرقا بين الحالتين. ثم بين تعالى أنه لم يكتب، لانه لو كتب لشك المبطلون في القرآن وقالوا هو قرأ الكتب أو هو يصنفه، ويضم شيئا إلى شئ في حال بعد حال فإذا لم يحسن الكتابة لم تسبق إليه الظنة. ثم قال " بل هو آيات بينات في صدور الذين اوتوا العلم " وقيل: معناه بل هي آيات واضحات في صدور العلماء. بأنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، على صفته في التوراة والانجيل - في قول ابن عباس - وقال الحسن: بل القرآن آيات بينات في صدور العلماء. ثم قال * (وما يجحد بآياتنا) * أي لا ينكر حججنا ويجحدها إلا الذين ظلموا نفوسهم بترك النظر فيها، أو العناد لها بعد طول المدة وحصول العلم بها. ثم حكى عن الكفار انهم قالوا: هلا انزل على محمد آية من ربه ؟ يريدون آية يقترحونها، وآية كآية موسى: من فلق البحر وقلب العصا حية، فقال الله تعالى لهم * (قل) * لهم يا محمد * (انما الآيات عند الله) * ينزلها ويظهرها بحسب ما يعلم من مصالح خلقه * (وانما أنا نذير) * أي

[ 217 ]

منذر مخوف من معصية الله * (مبين) * طريق الحق من طريق الباطل. قوله تعالى: * (أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (51) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السموات والارض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (53) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (54) يوم يغشيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون) * (55) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة ونافع " يقول " بالياء على معنى: ويقول لهم الموكلون بعذابهم. الباقون - بالنون - على وجه الاخبار من الله تعالى عن نفسه. وفي قراءة عبد الله ويقال لهم: على ما لم يسم فاعله. لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: هلا أنزل على محمد آيات

[ 218 ]

اقترحوها أو آيات كما أنزل على موسى وعيسى، قال الله لهم " أو لم يكفهم أنا انزلنا عليك " يا محمد " الكتاب " يعني القرآن " يتلى عليهم " فبين أن في القرآن دلالة واضحة وحجة بالغة ينزاح معه العلة وتقوم به الحجة لا يحتاج معه إلى غيره في الوصول إلى العلم بصحة نبوته وأنه مبعوث من عند الله، مع أن اظهار المعجزات مع كونها لازاحة العلة يراعى فيها المصلحة. فإذا كانت المصلحة في اظهار نوع منها لم يجز إظهار غيرها، ولو اظهر الله الاعلام التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا، لاقتضت المصلحة استئصالهم كما اقتضت في الامم الماضية، وقد وعد الله أن هذه الامة لا تعذب بعذاب الاستئصال، كما قال " وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الاولون " (1). والكفاية بلوغ حد ينافي الحاجة، يقال: كفى بكفي كفاية، فهو كاف. وقيل: إن الآية نزلت في قوم كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب شبه الخرافات، فقال الله تعالى * (أولم يكفهم) * القرآن تهديدا لهم ومنعا من التعرض لغيره. وقولهم: كفى الله معناه أنه فعل ما ينافي الحاجة بالنصرة. والتلاوة هي القراءة وسميت تلاوة لانه يتلو حرف حرفا في التلاوة. والقرآن مشتق من جمع الحروف بعضها إلى بعض. ثم بين الله تعالى * (إن في ذلك) * أي القرآن * (لرحمة) * أي نعمة * (وذكرى) * اي ما يتذكر به ومعتبر * (لقوم يؤمنون) * يصدقون به ويعتبرون وانما أضافه إليهم، لانهم الذين ينتفعون به. ثم أمر نبيه صلى الله عليه واله أن يقول * (كفى بالله) * أي كفى الله. والباء زائدة * (بيني وبينكم شهيدا) * يشهد بالحق. والشاهد والشهيد واحد، وفيه مبالغة، والشهادة هي الخبر بالشئ عن مشاهدة تقوم به الحجة في حكم من أحكام الشرع، ولذلك لم يكن خبر من لا تقوم به


(1) سورة 17 الاسرى آية 59 (*)

[ 219 ]

الحجة - في الزنا - شهادة وكان قذفا، ثم بين أن الشهيد الذي هو الله * (يعلم ما في السموات والارض) * ويعلم الذين صدقوا بالبالطل وجحدوا وحدانيته. ثم اخبر عنهم انهم الخاسرون الذين خسروا ثواب الجنة بارتكابهم المعاصي وجحدهم بالله، فكان ذلك الخسران الذي لا يوازيه خسران مال. وقوله * (والذين آمنوا بالباطل) * انما وصفهم بالايمان مقيدا بالباطل، كما يقال: فلان كافر بالطاغوت مقيدا، وانما الاطلاق لا يجوز فيهما. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال * (ويستعجلونك بالعذاب) * يعني هؤلاء الكفار * (يستعجلونك بالعذاب) * أن ينزل عليهم بجحودهم صحة ما تدعوهم به، كما قالوا * (فأمطر علينا حجارة من السماء) * (1) و * (لو لا أجل مسمى) * يعني وقتا قدره الله أن يعاقبهم فيه وهو يوم القيامة وأجل قدره الله أن يبقيهم إليه لضرب من المصلحة. وقال الجبائي: ذلك يدل على أن التبقية لا تجب لكونه أصلح، لانه علله بأنه قدر له أجلا * (لجاءهم العذاب) * الذي استحقوه * (وليأتينهم) * العذاب الذي يوعدونه * (بغتة) * أي فجأة * (وهم لا يشعرون) * بوقت مجيئه. ثم قال * (يستعجلونك) * يا محمد * (بالعذاب) * أي يطلبون العذاب عاجلا قلة يقين منهم بصحته * (وإن جهنم لمحيطة بالكافرين) * أي كأنها محيطة بهم لما قد لزمهم بكفرهم من كونهم فيها. وقيل: معناه انه إذا كان يوم القيامة أحاطت بهم. ووجه ثالث - أنها تحيط بهم * (يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت ارجلهم ونقول ذوقوا ما كنتم تعملون) * أي تكسبون أي ذوقوا جزاء اعمالكم المعاصي التي اكتسبتموها.


(1) سورة 8 الانفال آية 32 (*)

[ 220 ]

قوله تعالى: * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فأياي فاعبدون (56) كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم) * (60) خمس آيات بلا خلاف قرأ يحيى والعليمي " ثم الينا يرجعون " بالياء على الخبر عن الغائب. الباقون بالتاء على الخطاب. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " لنثوينهم " بالثاء من أثويته منزلا أي جعلت له منزل مقام، والثواء المقام، الباقون بالباء من قولهم: بوأته منزلا، كما قال تعالى " مبوء صدق " في قوله " ولقد بوأنا بني اسرائيل مبوء صدق " (1) و " إذ بوأنا لابراهيم مكان البيت " (2) ويحتمل ان تكون اللام زائدة، كقوله * (ردف لكم بعض) * (3) ويحتمل ان يكون المراد * (بوأنا) * لدعاء إبراهيم * (مكان البيت) * ويقول القائل: اللهم بوئنا مبوء صدق أي انزلنا منزل صدق والتبوء اتخاذ منزل يرجع إليه من يأوى إليه، وأصله


(1) سورة 10 يونس آية 93 (2) سورة 22 الحج آية 26 (3) سورة 27 النمل آية 72 (*)

[ 221 ]

الرجوع من قوله * (باءوا بغضب من الله) * (1) أي رجعوا، ومنه قول الحارث ابن عباد: (بوئوا بشسع كليب) وقيل: معناه لننزلنهم من الجنة علالي. يقول الله تعالى لخلقه الذين صدقوا بوحدانيته وأقروا بنبوة نبيه * (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة) * لبعد أقطارها، فاهربوا من أرض من منعكم فيها من الايمان واخلاص عبادتي فيها. وقيل: نزلت في مؤمني مكة أمروا بالهجرة عنها، وهو قول سعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وابن زيد. وقيل * (أرضي واسعة) * بما أخرج فيها من الرزق لكم - ذكره مطرف بن عبد الله بن السخير العامري. وقال الجبائي: معناه إن ارض الجنة واسعة، واكثر اهل التأويل على ان المراد به ارض الدنيا. وقوله * (فاياي فاعبدون) * أي اعبدوني خالصا، ولا تطيعوا احدا من خلقي في معصيتي. وقيل: دخول الفاء في الكلام للجزاء وتقديره إن ضاق موضع بكم فاياي فاعبدون لان أرضي واسعة. و (إياي) منصوب بمضمر يفسره ما بعده. ثم اخبر تعالى ان * (كل نفس) * احياها الله بحياة خلقها فيها * (ذائقة الموت) * والذائق الواجد للجسم بحاسة إدراك الطعم * (ثم الينا ترجعون) * أي تردون إلينا فنجازيكم على قدر استحقاقكم من الثواب والعقاب. وفي ذلك غاية التهديد والزجر. ثم قال * (والذين آمنوا) * أي صدقوا بوحدانية الله، وأقروا بنبوة نبيه صلى الله عليه واله * (وعملوا) * مع ذلك الاعمال * (الصالحات لنبوءنهم) * أي لننزلنهم * (من الجنة) * التي وعدها الله المتقين * (غرفا) * أي مواضع عاليات * (تجري من تحتها الانهار) * لان الغرف تعلو عليها. وقيل: تجري من تحت


(1) سورة 2 البقرة آية 61 وسورة 3 آل عمران آية 112 (*)

[ 222 ]

أشجارها المياه. وقيل: انهار الجنة في أخاديد تحت الارض * (خالدين فيها) * أي يبقون فيها ببقاء الله. ثم اخبر تعالى ان ذلك * (نعم أجر العاملين) * أي نعم الثواب والاجر للعاملين بطاعة الله * (الذين صبروا) * على الاذى في الله، وصبروا على مشاق الطاعات، ووكلوا أمورهم إلى الله وتوكلوا عليه في ارزاقهم وجهاد اعدائهم ومهمات أمورهم. ثم قال تعالى " وكأين من دابة " معنى كاين (كم) وقد فسرناه في ما مضى (1) " لا تحمل رزقها " أي لا تدخره لغد - في قول علي بن الاقمر - وقال الحسن " لا تحمل رزقها " للادخار. وقيل: ان الحيوان أجمع من البهائم والطير ونحوهما لا تدخر القوت لغدها - إلا ابن آدم والنملة والفارة - بل تأكل منه كفايتها فقط. وقال مجاهد: معناه " لا تحمل رزقها " لا تطيق حمل رزقها لضعفها " الله يرزقها " يعني تلك الدابة الضعيفة التي لا تقدر على حمل رزقها " وإياكم " أي ويرزقكم أيضا " وهو السميع العليم " يعني " السميع " لما يقول القائل في فراق وطنه " العليم " بما في نفسه، لانه عالم بجميع الاشياء وقيل: الآية نزلت في أهل مكة: المؤمنين منهم، فانهم قالوا لرسول الله: ليس لنا بالمدينة اموال، ولا منازل، فمن أين المعاش، فأنزل الله الآية. قوله تعالى: * (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض وسخر


(1) انظر 3 / 10 و 6 / 202 (*)

[ 223 ]

الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون (61) ألله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له إن الله بكل شئ عليم (62) ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الارض من بعد موتها ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعقلون (63) وما هذه الحيوة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو كانوا يعلمون (64) فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين * فلما نجيهم إلى البر إذا هم يشركون (65) ليكفروا بما آتيناهم وليتمتعوا فسوف يعلمون) * (66) سبع آيات بصري وشامي، وست في ما عداه عدوا " مخلصين له الدين " ولم يعده الباقون. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف، والمسيبي، والاعشى، والبرجمي والكسائي عن أبي بكر * (ليكفروا، وليتمتعوا) * ساكنة اللام. الباقون بالكسر إلا نافعا، لانه اختلف عنه فيه. قال أبو علي: من كسرها وجعلها الجارة جعلها متعلقة بالاشراك، وكأن المعنى: يشركون ليكفروا، أي لا فائدة لهم في الاشراك إلا الكفر والتمتع بما يتمتعون به عاجلا من غير نصيب آجلا. ومن سكن جعل * (ليكفروا) * بمنزلة الامر، وعطف عليه، وكان

[ 224 ]

على وجه التهديد. وقال غيره: تحتمل هذه اللام أن تكون (لام كي) أي كأنهم اشركوا ليكفروا إذ لا يدفع الشرك في العبادة من كفر النعمة. ويجوز أن يكون لام الامر على وجه التهديد بدلالة قوله * (فسوف تعلمون) *. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله ولئن سألت هؤلاء الكفار الذين جحدوا توحيدي وكفروا بنبوتك * (من خلق السموات والارض) * والمنشئ لها والمخرج لها من العدم إلى الوجود * (وسخر الشمس والقمر) * في دورانها على طريقه واحدة لا تختلف ؟ ؟ * (ليقولن) * في جواب ذلك * (الله) * الفاعل لذلك لانهم كانوا يقولون بحدوث العالم. والنشأة الاولى، ويعترفون بأن الاصنام لا تقدر على ذلك. ثم قال * (فأنى يؤفكون) * هؤلاء أي كيف يصرفون عن صانع ذلك والاخلاص لعبادته - في قول قتادة -. ثم قال * (الله يبسط الرزق لمن يشاء) * أي يوسعه لمن يشاء من عباده بحسب ما تقتضيه المصلحة * (ويقدر) * أي يضيق مثل ذلك على حسب المصلحة ومنه قوله * (ومن قدر عليه رزقه) * (1) بمعنى ضيق على قدر ما فيه مصلحته. وقيل: معنى ويقدر - ههنا - ويقبض رزق العبد بحسب ما تقتضيه مصلحته. وخص بذكر الرزق على الهجرة لئلا يخلفهم عنها خوف العيلة. وقوله " ان الله بكل شئ عليم " أي عالم بما يصلح العبد وبما يفسده فهو يوسع الرزق ويبسط بحسب ذلك. ثم قال " ولئن سألتهم " يعني هؤلاء الذين ذكرناهم " من نزل من السماء ماء " ؟ يعني مطرا " فأحيا به الارض من بعد موتها ليقولن " في الجواب عن ذلك " الله " ف‍ " قل " يا محمد عند ذلك " الحمد لله " على فنون نعمه على ما وفقنا للاعتراف بتوحيده واخلاص


(1) سورة 65 الطلاق آية 7 (*)

[ 225 ]

عبادته. ثم قال " بل اكثرهم " يعني هؤلاء الخلق " لا يعقلون " ما قلناه لعدو لهم عن طريق المفضي إليه. ثم قال تعالى وليس " هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب " لانها تزول كما يزول اللهو واللعب، لا بقاء لها، ولا دوام، كما يزول اللهو واللعب " وإن الدار الآخرة لهي الحيوان " أي الحياة على الحقيقة لكونها دائمة باقية " لو كانوا يعلمون " صحة ما أخبرناك به. وقال أبو عبيدة: الحيوان والحياة واحد. ثم قال تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار انهم " إذا ركبوا في الفلك " وهي السفن وهاجت به الرياح وخافوا الهلاك " دعو الله مخلصين له الدين " لا يوجهون دعاءهم إلى الاصنام والاوثان " فلما نجاهم إلى البر " أي خلصهم إلى البر " إذا هم يشركون " أي يعودون إلى ما كانوا عليه من الاشراك معه في العبادة " ليكفروا بما آتيناهم " أي يفعلون ما ذكرناه من الاشراك مع الله ليجحدوا نعم الله التي أعطاهم إياها " وليتمتعوا " أي وليتلذذوا في العاجل من دنياهم، فالتمتع يكون بالمناظر الحسنة، والاصوات المطربة. والمشام الطيبة والمآكل الملذة، ثم قال مهددا لهم " فسوف يعلمون " أي لابد أن يعلموا جزاء ما يفعلونه من الافعال من طاعة أو معصية، فان الله يجازيهم بحسبها وذلك غاية التهديد. قوله تعالى: * (أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون (67) ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا أو كذب بالحق لما جاءه أليس في

[ 226 ]

جهنم مثوى للكافرين (68) والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين) * (69) ثلاث آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار " اولم يروا " ومعناه اولم يعلموا " أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم " أي يتناول الناس من حوالي مكة بسرعة، وتؤخذ أموالهم. ومنه خطف البصر لسرعته. ومنه اختطاف الطير لصيده ومنه الخطاف الذي يخرج الدلو. والمعنى بذلك تنبيههم على جميل صنع اله بهم، وسبوغ نعمه عليهم، بأن جعلهم في أمن مع ان الناس يؤخذون من حولهم. وذلك لا يقدر عليه غير الله. ثم قال مهددا لهم " أفبالباطل يؤمنون " ! أي يصدقون بعبادة الاصنام وهي باطلة مضمحلة " وبنعمة الله " التي انعم بها عليهم " يكفرون " ؟ ! ثم قال " ومن أظلم ممن افترى على الله كذبا " أي من اظلم لنفسه ممن جحد آيات الله واضاف إليه ما لم يقله ولم يأمر به من عبادة الاصنام وغيرها " أو كذب بالحق لما جاءه " من نبوة محمد صلى الله عليه واله من القرآن الذي أنزل عليه. ثم قال " أليس في جهنم مثوى للكافرين " أي موضع مقام للذين يجحدون نعم الله، ويكفرون بآياته. ثم قال " والذين جاهدوا فينا " يعني جاهدوا للكفار بأنفسهم، وجاهدوا نفوسهم بمنعها عن المعاصي وإلزامها فعل الطاعة لوجه الله " لنهدينهم سبلنا " أي نرشدهم السبيل الموصل إلى الثواب. وقيل: معناه لنوفقنهم لازدياد الطاعات فيزدادوا ثوابهم. وقيل: معناه لنرشدنهم إلى الجنة " وإن الله لمع المحسنين " أي ناصر الذين فعلوا الافعال الحسنة، ويدفع عنهم اعداءهم.

[ 227 ]

30 - سورة الروم وهي مكية في قول مجاهد وقتادة ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وقال الحسن: كلها مكية إلا قوله * (فسبحانه الله) * إلى قوله * (وحين تظهرون) * وهي ستون آية كوفي وبصري ومدني الاول وشامي. وتسع وخمسون في المدني الاخير والمكي. بسم الله الرحمن الرحيم * (آلم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الارض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الامر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله بنصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) * (5). خمس آيات كوفي وبصري وشامي، وأربع في ما عداه، عد الكوفيون * (ألم) * وعدوا * (غلبت الروم) * وعد البصري والشامي * (غلبت الروم) *

[ 228 ]

وعدوا * (في بضع سنين) * وعد المدني * (غلبت الروم) * وعد * (اسماعيل والمكى غلبت الروم، في بضع سنين) *. قرأ ابن عمر، وابو سعيد الخدري * (غلبت الروم) * بفتح الغين، فقيل لابن عمر: على أي شئ غلبوا قال على ريف الشام، وهذا غلط، فان عند جميع المفسرين القزاءة بالضم. والسبب في ذلك معروف، وهو ان الروم لما غلبهم فارس فرح مشركوا قريش بذلك من حيث ان اهل فارس لم يكونوا اهل كتاب، وساء ذلك المسلمين، فأخبر الله تعالى ان الروم وإن غلبهم فارس، فان الروم ستغلب في ما بعد فارس * (في بضع سنين) * أي في ما بين ثلاث سنين إلى عشر، فكان كما اخبر، وكان ذلك معجزة ظاهرة باهرة للنبي صلى الله عليه واله وروي أن جماعة من الصحابة راهنوا أبي بن خلف وقيل: أبا سفيان. إن لم يصح الخبر ووافقوهم على اربع سنين، فلما اخبروا النبي صلى الله عليه واله قال: (زيدوهم في الخطر واستزيدوا في الاجل) ففعلوا، فغلبت الروم لفارس قبل المدة. اخبر الله تعالى ان الروم غلبت عليها فارس في أدني الارض من أرض الشام إلى ارض فارس، وانهم من بعد غلبتهم فارس سيغلبون في ما بعد في بضع سنين. وروي عن النبي صلى الله عليه واله ان البضع - ههنا - ما بين الثلاث إلى العشر. وروي ان سبب ذلك ان الروم لما غلبتها فارس فرح المشركون بذلك وقالوا: أهل فارس لا كتاب لهم غلبوا اهل الروم، وهم اهل كتاب، فنحن لا كتاب لنا نغلب محمدا الذي معه كتاب، فانزل الله تعالى هذه الآيات تسلية للنبي والمؤمنين. وإن الروم وإن غلبها فارس، فانها ستغلب فارس في ما بعد في بضع سنين. قال أبو سعيد الخدري: كان النصر يوم بدر للفريقين للنبي صلى الله عليه واله

[ 229 ]

والروم على فارس، ففرح المؤمنون بالنصرين. وقيل: كان يوم الحديبية. وقال الفراء: قوله " من بعد غلبهم " تقديره غلبتهم، فخذف الهاء للاضافة. كما قال " وإقام الصلاة " (1). قال الزجاج: الغلب والغلبة مصدران، مثل الحلب والحلبة، والغلبة الاستيلاء على القرن بالقهر، غلب يغلب فهو غالب وذلك مغلوب، وتغلب تغلبا إذا تعرض للغلبة، غالبه معالبة. و (الادنى) الاقرب، ونقيض الادنى الاقصى، ونقيض الاقرب الابعد، والمراد أدنى الارض إلى جهة عدوهم. والبضع القطعة من العدد ما بين الثلاث إلى العشر، اشتقاقه من بضعته إذا قطعته تبضيعا، ومنه البضاعة القطعة من المال في التجارة، ومنه البضعة القطعة من البدن، والمبضع، لانه يقطع به العرق. والمباضعة الجماع. وقال المبرد البضع ما بين العقدين في جميع الاعداد. ثم اخبر تعالى بأن " لله الامر من قبل ومن بعد " تقديره من بعد غلبهم ومن قبل غلبهم، فقطع عن الاضافة وبني لانه على الغاية وتفسيرها انه ظرف قطع عن الاضافة التي هي غاية، فصار كبعض الاسم، فاستحق البناء وبني على الحركة، لان له اصلا في التمكن يستعمل. وبني على الضمة لانها حركة لا تكون له في حال الاعراب. فهي ادل على البناء. ثم قال " ويومئذ يفرح المؤمنون " أي يوم يغلب الروم لفارس يسر المؤمنون تفاؤلا بأن يغلبوا هم المشركين. ثم بين بماذا يفرحون، فقال " بنصر الله ينصر من يشاء من عباده وهو العزيز " في انتقامه من اعدائه " الرحيم " إلى من أناب إليه من خلقه.


(1) سورة 24 النور آية 37 (*)

[ 230 ]

قوله تعالى: * (وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحيوة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والارض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (8) أولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الارض وعمروها أكثر مما عمروها وجاءتهم رسلهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون (9) ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزؤن) * (10) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الحجاز والبصرة والبرجمي، والسموني، والكسائي عن ابي بكر " عاقبة الذين " بالرفع. الباقون بالنصب. من نصب جعلها خبر (كان) وقدمها على الاسم، واسمها يحتمل ان يكون السوء وتقديره: ثم كان السوء عاقبة الذين. ويحتمل ان يكون ما بعد (أن) في قوله " ان كذبوا ". ومن رفع [ عاقبة ] جعلها اسم (كان) والخبر السوء. ويحتمل ان يكون الخبر

[ 231 ]

(ان كذبوا) وتقديره ثم كان عاقبة المسئ التكذيب بآيات الله، أي لم يظفر في شركه وكفره إلا بالتكذيب، ويكون السوء على هذا نصبا على المصدر في قوله " وعد الله " نصب على المصدر، وتقديره: إن ما ذكره الله تعالى من ان الروم ستغلب فارس في ما بعد، وعد وعدا لله لا يخلف وعده، وتقديره وعدا لله وعده كما قال الشاعر: يسعى الوشاة جنابيها وقيلهم * إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول (1) أي ويقولون: قيلهم، والاخلاف فعل خلاف ما تقدم الوعد به، وسبيل الوعد بالخير والوعيد بالشر واحد في انه إذا وقع فيه خلاف ما تضمنه كان خلفا، ثم قال " ولكن اكثر الناس لا يعلمون " صحة ما اخبرناك به لجهلهم بالله وتفريطهم في النظر المؤدي إلى معرفة الله، ولا يناقض قوله " لا يعلمون " لقوله " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " لان ذلك ورد مورد المبالغة لهم بالذم لتضييعهم على ما يلزمهم من أمر الله، كأنهم لا يعلمون شيئا. ثم بين حالهم في ما عقلوا عنه، وما عملوه. ومعنى " يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا " أي عمران الدنيا متى يزرعون ومتى يحصدون، وكيف يبنون ومن أين يعيشون وهم جهال بأمر الآخرة، وله مضيعون - ذكره ابن عباس - أي عمروا الدنيا واخربوا الآخرة. والظاهر هو الذي يصح ان يدرك من غير كشف عنه. فالله تعالى ظاهر بالادلة. باطن عن حواس خلقه. والامور كلها ظاهرة له، لانه يعلمها من غير كشف عنها ولا دلالة تؤديه إليها. وكلما يعلم بأوائل العقول ظاهر وكلما يعلم بدليل العقل باطن، لان دليل العقل يجري مجرى الكشف عن صحة المعنى - في صفته - والغفلة ذهاب المعنى عن النفس كحال النائم، ونقيضه


(1) مر هذا البيت في 1 / 300 و 5 / 388 (*)

[ 232 ]

اليقظة. وهي حضور المعنى للنفس كحال المنتبه. ونقيضه السهو. ثم قال تعالى منبها لخلقه على وجه الدلالة على توحيده " اولم يتفكروا في انفسهم " فيعلموا ان الله لم يخلق " السموات والارض وما بينهما إلا بالحق " بمعنى الاستدلال بهما على توحيده " واجل مسمى " للاشياء التي للعباد فيها مصلحة بالاعتبار به إذا تصوروا ذلك في الاخبار عنه انه مع كثرته وعظمه محصل بتسمية تنبئ عنه، لا يتأخر ولا يتقدم، بالاوصاف التي ذكرها الله تعالى عالم بجميع ذلك لا يخفى عليه شئ منه. ثم قال " وان كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون " أي بلقاء ثواب الله وعقابه كافرون. يجحدون صحة ذلك ولا يعترفون به. ثم قال منبها لهم دفعة أخرى " اولم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم " من الامم " كانوا اشد منهم قوة وآثاروا الارض " أي حرثوها لعمارتها - في قول مجاهد والسدي - و " عمروها اكثر مما عمروها " هؤلاء يعني أهل مكة " وجاءتهم رسلهم بالبينات " يعني أتتهم الرسل بالدلالات من عند الله. وفي الكلام حذف، لان تقديره، فكذبوا بتلك الرسل، وجحدوا الآيات فأهلكهم الله بأنواع العذاب. ثم قال " فما كان الله ليظلمهم " بأن يهلكهم من غير استحقاق ابتداء، وفي ذلك بطلان قول المجبرة: ان الله يبتدئ خلقه بالهلاك. ثم قال " ولكن كانوا " هم " انفسهم يظلمون " بأن جحدوا نعم الله واشركوا في العبادة معه غيره، وكذبوا رسله وعصوه بأنواع العصيان، حتى استحقوا العقاب عاجلا وآجلا. ثم قال " ثم كان عاقبة الذين أساؤا السوء " اخبار منه تعالى بأن عاقبة

[ 233 ]

الذين أساؤا إلى نفوسهم بالكفر بالله تعالى، وتكذيب رسله وارتكاب معاصيه " السوء " وهي الخصلة التي تسوء صاحبها إذا أدركها، وهي عذاب النار - في قول ابن عباس وقتادة وغيرهما - " أن كذبوا " ومعناه لان كذبوا " بآيات الله " أي جحدوا أدلنه ولم يؤمنوا بها " وكانوا بها " بتلك الادلة " يستهزؤن " أي يسخرون منها ويتهزؤن بها. وقيل: معنى الآية أنهم حفروا الانهار وغرسوا الاشجار وشيدوا البنيان وصاروا إلى الهلاك على أسوء حال بالعصيان ولم يفكروا في الموت، وانهم يخرجون من الدنيا ويصيرون إلى الحساب والجزاء. قوله تعالى: * (ألله يبدؤ الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون (11) ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون (12) ولم يكن لهم من شركائهم شفعاؤ وكانوا بشركائهم كافرين (13) ويوم تقوم الساعة يومئذ يتفرقون (14) فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يحبرون (15) وأما الذين كفروا وكذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة فاولئك في العذاب محضرون (16) فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (17) وله الحمد في السموات والارض

[ 234 ]

وعشيا وحين تظهرون (18) يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الارض بعد موتها وكذلك تخرجون (19) ومن آياته أن خلقكم من تراب ثم إذا أنتم بشر تنتشرون (20) عشر آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو، وروح ويحيى والعليمي " ثم إليه يرجعون " بالياء على وجه الخبر. الباقون - بالتاء - على الخطاب. يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه أنه هو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده يبدؤهم إبتداء فيوجدهم بعد أن كانوا معدومين على وجه الاختراع ثم يعيدهم أي يميتهم ويفنيهم بعد وجودهم، ثم يعيدهم ثانيا كما بدأهم أولا، ثم يرجعون إليه يوم القيامة ليجازيهم على أفعالهم، على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب. واستدل قوم بهذه الآية على صحة الرجعة بأن قالوا " الله يبدؤ الخلق " معناه ابتداء خلقهم " ثم يعيده " إذا أماته في زمان الرجعة " ثم إليه ترجعون " يوم القيامة، وهذا ليس بمعتمد، لان لقائل أن يقول: قوله " ثم يعيده " يجوز أن يكون المراد به احياءهم في القبر للمسألة التي لا خلاف فيها " ثم إليه ترجعون " يوم القيامة، فلا يمكن الاعتماد عليه. و (البدء) أول الفعل وهو على وجهين: احدهما - انه اول الفعل وهو جزء منه مقدم على غيره. والثاني - انه موجود قبل غيره من غير طريق الفعلية، يقال: بدأ يبدؤ بدءا وابتدء يبتدئ ابتداء. والابتداء نقيض الانتهاء، والبدؤ نقيض العود. والخلق - ههنا

[ 235 ]

- بمعنى المخلوق. ومثله قوله " هذا خلق الله " وتقول هذا الخلق من الناس، وقد يكون الخلق مصدرا من خلق الله العباد، والخلق كالاحداث والمخلوق كالمحدث. والاعادة فعل الشئ ثانية. وقولهم: اعاد الكلام فهو على تقدير ذلك، كأنه قد اتى به ثانية إذا اتى بمثله، وإن كان الكلام لا يبقى ولا يصح اعادته. وقد يكون الاعادة فعل ما به يكون الشئ إلى ما كان من غير ايجاد عينه كاعادة الكتاب إلى مكانه. ومثل الاعادة الرجعة والنشأة الثانية. وقوله " ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون " قيل: معناه ييئسون، وقيل: يتحيرون، وقيل: تنقطع حججهم، فالابلاس التحير عند لزوم الحجة، فالمجرم يبلس يوم القيامة، لانه تظهر جلائل آيات الآخرة التي تقع عندها على الضرورة فيتحير أعظم الحيرة، قال العجاج: يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا (1) وقوله " ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء " أي لم يكن في أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، ويزعمون أنها تشفع لهم عند الله من يشفع لهم. وقيل: شركاؤهم لانهم كانوا يجعلون لها نصيبا في أموالهم. وقيل: شركاؤهم الذين جعلوهم شركاء في العبادة " وكانوا بشركائهم كافرين " أي يجحدون شركاءهم ذلك اليوم، لانه يحصل لهم المعرفة بالله ضرورة. وأصل الشرك إضافة الملك إلى اثنين فصاعدا على طريق القسمة التي تمنع من اضافته إلى الواحد، فالانسان على هذا يكون شريكا لانسان آخر في الشئ إذا ملكاه جميعا، والله تعالى مالك له، ملكه هذا الانسان


(1) قد مر في 1 / 153 و 2 / 309 و 3 / 578 و 4 / 504 (*)

[ 236 ]

أو لم يملكه. وقوله " ويوم تقوم الساعة " يعني القيامة " يومئذ يتفرقون " قيل: يتميز المؤمنون من الكافرين. وقيل: معناه لا يلوي واحد منهم على حاجة غيره، ولا يلتفت إليه، وفي ذلك نهاية الحث على الاستعداد والتأهب لذلك المقام. ثم قال " فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات " يعني صدقوا بتوحيد الله وصدق رسله، وعملوا الصالحات، وتركوا القبائح " فهم في روضة يحبرون " أي يسرون سرورا تبين أثره عليهم، ومنه الحبرة وهي المسرة، ومنه الحبر العالم، والتحبير التحسين الذى يسر به. وانما خص ذكر الروضة - ههنا - لانه لم يكن عند العرب شئ أحسن منظرا ولا اطيب ريحا من الرياض، كما قال الشاعر: ما روضة من رياض الحزن معشبة * خضراء جاد عليها مسبل هطل يضاحك الشمس منها كوكب شرق * مؤزر بعميم النبت مكتهل يوما بأطيب منها نشر رائحة * ولا بأحسن منها إذ دنا الاصل (1) والحبرة هي السرور والغبطة، قال العجاج: فالحمد لله الذى أعطى الحبر * موالي الحق إن المولى شكر (2) ثم بين تعالى أن الكفار في ضد ما فيه اهل الجنة، فقال " وأما الذين كفروا " بنعم الله وجحدوا آياته ثم انكروا لقاء ثوابه وعقابه يوم القيامة " فهم في العذاب محضرون " أي محضرون فيها، ولفظة الاحضار لا تستعمل إلا


(1) قائله الاعشى ديوانه (دار بيروت) 145 (2) اللسان (حبر) (*)

[ 237 ]

فيما يكرهه الانسان، ومنه حضور الوفاة، ويقال: احضر فلان مجلس السلطان إذا جئ به بما لا يؤثره، والاحضار إيجاد ما به يكون الشئ حاضرا إما بايجاد عينه كاحضار المعنى في النفس أو بايجاد غيره، كايجاد ما به يكون الانسان حاضرا. ثم قال تعالى " سبحان الله " أي تنزيها لله تعالى مما لا يليق به ولا يجوز عليه من صفات نقص أو ينافي عظمه، وما اختص به من الصفات. وقوله " حين تمسون وحين تصحبون " فالامساء الدخول في المساء، والمساء مجئ الظلام بالليل، والاصباح نقيضه، وهو الدخول في الصباح، وهو مجئ ضوء النهار. ثم قال " وله الحمد في السموات " يعني الثناء والمدح في السموات " والارض وعشيا " أي وفي العشي " وحين تظهرون " أي حين تدخلون في الظهيرة وهي نصف النهار. وإنما خص تعالى العشي والاظهار في الذكر بالحمد وإن كان الحمد واجبا في جميع الاوقات، لانها أحوال تذكر باحسان الله، وذلك أن انقضاء احسان اول إلى احسان يقتضي الحمد عند تمام الاحسان والاخذ في الآخر، كما قال تعالى " وآخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين " (1). وقيل: إن هذه الآية تدل على الصلوات الخمس في اليوم والليلة، لان قوله " حين تمسون " يقتضي المغرب والعشاء الآخرة " وحين تصبحون " يقتضي صلاة الفجر * (وعشيا) * يقتضي صلاة العصر * (وحين تظهرون) * يقتضي صلاة الظهر - ذكره ابن عباس، ومجاهد -. ثم اخبر تعالى انه الذى * (يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي) *


(1) سورة 10 يونس آية 10 (*)

[ 238 ]

قال ابن عباس وابن مسعود: معناه يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي فانه يخرج الانسان وهو الحي من النطفة، وهي الميتة، ويخرج الميتة وهي النطفة من الانسان وهو حي. وقال قتادة: يخرج المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقوله * (ويحي الارض بعد موتها) * اي يحييها بالنبات بعد جدوبها، ولا يجوز أن يكون المراد إحياء الارض حقيقة، كمالا يكون الانسان أسدا حقيقة إذا قيل فلان اسد، لانه يراد بذلك التشبيه والاستعارة، فكذلك احياء الارض بعد موتها، كأنها تحيا بالنبات الذى فيها. وقوله * (وكذلك تخرجون) * قرأ اهل الكوفة إلا عاصما والاعشى من طريق الطبري - بفتح التاء - أضاف الفعل الذى هو الخروج إليهم. الباقون - بالضم - بمعنى يخرجهم الله، والمعنيان قريبان، لانهم إذا أخرجوا، فقد خرجوا، والمعنى مثل ما يخرج النبات من الارض كذلك يخرجكم الله بعد ان لم يكن كذلك، تخرجون إلى دار الدنيا بعد ان لم تكونوا، ويعيدكم يوم القيامة بعد ان كنتم قد اعدمكم الله أي لا يشق عليه ذلك. كمالا يشق عليه هذا. ثم قال تعالى * (ومن آياته) * أي أدلته الواضحة * (ان خلقكم من تراب) * يعني انه خلق آدم الذى هو أبو كم وأصلكم - في قول قتادة وغيره - * (ثم إذا أنتم بشر تنتشرون) * من نسله وذريته، و * (تتفرقون) * في أطراف الارض فهلا دلكم ذلك على انه لا يقدر على ذلك غيره تعالى ؟ وانه الذى يستحق العبادة دون غيره من جميع خلقه. وفي هذه الآيات - دلالة واضحة على صحة القياس العقلي، وحسن النظر بلا شك، بخلاف ما يقول قوم: ان النظر باطل. فأما دلالته على القياس

[ 239 ]

الشرعي فبعيد لا يعول على مثله. قوله تعالى: * (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون (21) ومن آياته خلق السموات والارض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (22) ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (23) ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا وينزل من السماء ماء فيحيي به الارض بعد موتا إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (24) ومن آياته أن تقوم السماء والارض بأمره ثم إذا دعاكم دعوة من الارض إذا أنتم تخرجون) * (25) خمس آيات بلا خلاف. روى حفص عن عاصم " العالمين " بكسر اللام الاخيرة. الباقون بفتحها فمن كسرها اسند (الآيات) إلى العلماء، لانهم الذين ينظرون فيها، ويعتبرون بها، كما قال " هدى للمتقين " (1) ومن فتح اللام أسند (الآيات) إلى جميع


(1) سورة 2 البقرة 2 (*)

[ 240 ]

المكلفين الذين يتمكنون من الاستدلال بها والاعتبار بها، سواء كانوا عالمين بها أو جاهلين، لان الامكان حاصل لجميعهم وهو أعظم فائدة. يقول الله سبحانه مخاطبا لخلقه منبها لهم على توحيده وإخلاص العبادة له ب‍ " أن خلق لكم من أنفسكم ازواجا لتسكنوا إليها " والنفس هي الذات في الاصل ثم يستعمل على وجه التأكيد لقولهم: رأيت زيدا نفسه، ويعبر بها عن الروح وغير ذلك. وقد بيناه (1) وقال قتادة المعنى - ههنا - أنه خلقت حواء من ضلع آدم. وقال غيره: المعنى خلق لكم من شكل أنفسكم أزواجا، وقال الجبائي: المعنى خلق أزواجكم من نطفكم. قال البلخي: وذلك يدل على قوله " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، فلما تغشاها حملت حملا خفيفا " (2) انه يريد بعض الخلق دون بعض. والزوجة المرأة التي وقع عليها عقد النكاح. والزوج الرجل الذي وقع عليه عقد النكاح. وقد يقال: للمرأة زوج إذا لم يلبس للاشعار بأنهما نظيران في عقد النكاح عليهما قال الله تعالى " إسكن انت وزوجك الجنة " (3) وقوله * (لتسكنوا إليها) * يعني سكون إنس وطمأنينة، بأن الزوجة من النفس إذ هي من جنسها ومن شكلها فهو أقرب إلى الالفة والميل بالمودة منها لو كانت من غير شكلها. وقوله * (وجعل بينكم مودة ورحمة) * أي جعل بينكم رقة التعطف إذ كل واحد من الزوجين يرق على الآخر رأفة العطف عليه، بما جعله الله في قلب كل واحد لصاحبه ليتم سروره.


(1) انظر 5 / 63 - 64 (2) سورة 7 الاعراف آية 188 (3) سورة 2 البقرة آية 35 وسورة 7 الاعراف آية 18 (*)

[ 241 ]

ثم قال * (إن في ذلك) * يعني في خلق الازواج مشاكلة للرجال * (لآيات) * أي لدلالات واضحات * (لقوم يتفكرون) * في ذلك ويعتبرون به، والفكر والاعتبار والنظر واحد، فالفكر في أن الازواج لاي شئ خلقت ؟ ومن خلقها ؟ ومن انعم بها ؟ ومن جعلها على الاحوال التي يعظم السرور بها ؟ وكيف لا يقدر احد من العباد على ذلك ؟ وذلك من اعظم الدلالة على أن لها خالقا مخالفا لها ومنشئا حكيما يستحق العبادة، ولا يستحقها غيره. ثم نبه على آية أخرى فقال * (ومن آياته) * الدالة على توحيده ووجوب اخلاص العبادة له " خلق السموات والارض " وما فيهما من عجائب خلقه من النجوم والشمس والقمر وجريانها على غاية الحكمة والنظام الذي يعجز كل أحد عنها وبما في الارض من أنواع الاشجار والنبات وأصناف الجمادات التي ينتفع بها وفنون النعم التي يكثر الانتفاع بها " واختلاف ألسنتكم وألوانكم " فالالسنة جمع لسان، واختلافها ما بناها الله تعالى، وهيأتها مختلفة في الشكل والهيئة وتأتي الحروف بها " واختلاف السنتكم " أي اختلاف مخارجها التي لا يمكن الكلام إلا بكونها كذلك. وقال قوم: المراد بالالسنة اختلاف اللغات، وهو جواب من يقول: إن اللغات أصلها من فعل الله دون المواضعة. فأما من يقول: اللغات مواضعة فان تلك المواضعة من فعلهم دون فعل الله، غير أنه لما كانت الآلات التي تتأتى بها هذه الضروب لا يقدر على تهيئها كذلك غير الله جاز أن تضاف اللغات إليه تعالى على ضرب من المجاز " والوانكم " أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والشقرة والصفرة، وغير ذلك " ان في ذلك لآيات " أي إن في خلق جميع ذلك لدلالات واضحات لجميع خلقه الذين خلقهم، واكمل عقولهم

[ 242 ]

ومن كسر اللام اضاف الاعتبار بها إلى العلماء، لانهم المنتفعون بها دون غيرهم فكأنها خلقت لهم دون غيرهم، كما قال " هدى للمتقين " (1) وإن كانت لجميع المكلفين. ثم قال " ومن آياته " الدالة على توحيده واخلاص العبادة له * (منامكم بالليل والنهار) * فالمنام والنوم واحد، لان في النوم راحة للاجساد من الكد الذي يلحقها، والتعب الذي يصيبها * (وابتغاؤكم) * أي طلبكم المعاش وما ينفعكم * (من فضله) * أي مما يتفضل الله به عليكم. قال البلخي: ويجوز ان يكون المراد بالابتغاء المبتغا، فلذلك كان دلالة عليه دون فعل العباد، وانما يكون فعل الله دلالة عليه لما كان باقداره وإهدائه إلى مراشده وترغيبه فيه وتسهيله له * (إن في) * خلق الله تعالى * (ذلك لآيات) * واضحات على توحيده * (لقوم يسمعون) * ذلك ويقبلونه ويفكرون فيه، لان من لا يفكر فيه ولا ينتفع به كأنه لم يسمعه. ثم قال * (ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا) * والبرق نار تحدث في السحاب، بين تعالى أنه إنما يخلقه ليخافوا من عذابه بالنار على معصيته والكفر به، ويطمعوا في ان يتعقب ذلك مطر فينتفعون به * (وينزل من السماء ماء) * يعني غيثا ومطرا * (فيحيي به الارض بعد موتها) * أي بعد انقطاع الماء عنها وجدو بها. وقيل: * (خوفا) * من المطر في السفر * (وطمعا) * فيه في الحضر. وقيل: * (خوفا) * من الصاعقة * (وطمعا) * في الغيث * (إن في) * خلق الله * (ذلك لآيات) * أي دلالات واضحة * (لقوم يعقلون) * أي يفكرون فيه، لان من لا يفكر فيه ولا ينتفع به وإن كان عاقلا، فكأنه لا عقل له، وقيل:


(1) سورة 2 البقرة آية 2 (*)

[ 243 ]

في قوله * (ومن آياته يريكم البرق) * ثلاثة أقوال: احدهما - ان تقديره ومن آياته أن يريكم. فحذف (أن) كما قال طرفة: ألا ايهذا اللائمي احضر الوغى * وأن اشهد اللذات هل انت مخلدي (1) الثاني - انه حذف (أنه) لدلالة (من) عليها، كما قال الشاعر: وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت واخرى ابتغي العيش اكدح (2) أي فتارة أموت. وفي الآية حذف تقديره: ومن آياته آية يريكم البرق. الثالث - ويريكم البرق من آياته على التقديم والتأخير من غير حذف. ثم قال * (ومن آياته) * الدالة على ما ذكرناه * (أن تقوم السماء والارض بأمره) * بلا دعامة تدعمها ولا علاقة تعلق بها، بل لان الله تعالى يسكنها حالا بعد حال لاعظم دلالة على أنه لا يقدر عليه سواه * (ثم إذا دعاكم دعوة من الارض) * أي أخرجكم من الارض ومن قبوركم بعد أن كنتم أمواتا يبعثكم ليوم الحساب فعبر عن ذلك بما هو بمنزلة الدعاء، وبمنزلة * (كن فيكون) * في سرعة تأتي ذلك، وأمتناع التعذر عليه، وإنما ذكر هذه المقدورات على اختلافها وعظم شأنها ليدل على انه القادر الذي لا يعجزه شئ. وفي الآيات دلالة واضحة على فساد مذهب القائلين بان المعارف ضرورية لانها لو كانت ضرورة لم يكن للتنبيه على هذه الادلة وجه ولا فائدة فيه لان ما يعلم ضرورة لا يمكن الاستدلال عليه.


(1) ديوانه (دار بيروت) 32 وقد مر في 1 / 327 من هذا الكتاب (2) قائله ابن مقبل، الكتاب لسيبويه وقد مر في 3 / 212 و 4 / 77 من هذا الكتاب. (*)

[ 244 ]

قوله تعالى: * (وله من في السموات والارض كل له قانتون (26) وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الاعلى في السموات والارض وهو العزيز الحكيم (27) ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون (28) بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم فمن يهدي من أضل الله ومالهم من ناصرين (29) فأقم وجهك للدين حنيفا فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) * (30) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى بعد أن ذكر ما يدل على توحيده، وإخلاص العبادة له أن * (له من في السموات والارض) * من العقلاء فانه يملكهم ويملك التصرف فيهم، وليس لاحد منعه منه والاعتراض عليه، وخص العقلاء بذلك لان ما عداهم في حكم التبع. ثم اخبر عن جميع من في السموات والارض بأنهم قانتون له. قال مجاهد:

[ 245 ]

معناه مطيعون وقال ابن عباس: معناه مصلون. وقال عكرمة: مقرون له بالعبودية. وقال الحسن: كل له قائم بالشهادة فالقانت الدائم على أمر واحد فالملائكة وغيرهم من المؤمنين دائمون على أمر واحد في الذلة لله في لزوم الطاعة لله تعالى، والكافرون وغيرهم من الفساق دائمون على أمر واحد في الذلة لله - عز وجل - إلا أن منهم من هو بخلقته وفعله، ومنهم من هو بخلقته. ثم قال تعالى * (وهو الذي يبدؤ الخلق) * اي يخنرعهم ابتداء وينشئهم " ثم يعيده " إذا أعدمه * (وهو أهون عليه) * قال ابن عباس وقتادة ومجاهد: اي هو ايسر، وكل هين. وروي عن ابن عباس ايضا: ان معناه وهو هين عليه، ف‍ (افعل) بمعنى (فاعل) وقال بعضهم * (وهو اهون) * على الخلق، لان الانشاء أولا من نطفة إلى علقة ومن علقة إلى مضغة على التدريج، وفي الاعادة يعادون دفعة واحدة، وحكي عن ابن عباس: انه قال المعنى وهو أهون عليه عندكم، لانكم أقررتم بأنه يبدؤ الخلق، فاعادة الشئ عند المخلوقين أهون من ابتدائه، قال الشاعر - في أهون بمعنى هين: تمنى رجال أن أموت وان أمت * فتلك سبيل لست فيها باوحد (1) أي بواحد. وقال الراجز: قبحتموا يا آل زيد نفرا * الام قوم أصغرا واكبرا أي صغيرا وكبيرا، وقال معن بن أوس: لعمرك ما ادري واني لاوجل * على أينا تعدو المنية أول (2) أي لواجل. والله أكبر بمعنى تكبير. ويقال للسلطان: الاعظم


(1) قد مر في 7 / 161 (2) قد مر في 5 / 91 (*)

[ 246 ]

بمعنى عظيم. وقوله * (وله المثل الاعلى في السموات والارض) * قال قتادة وهو قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لانه دائم في السموات والارض، يقول الثاني فيه كما قال الاول. وقيل: المعنى وله الصفة العليا، لانها دائرة يصفه بها الثاني كما يصفه بها الاول. وقيل: النشأة الثانية يا أهل الكفر ينبغى أن تكون أهون عليه. ثم قال * (وله المثل الاعلى) * فذلك دليل على انه مثل ضربه الله. ذكره الفراء. وقوله * (وهو العزيز الحكيم) * يعني في انتقامه من اعدائه، الحكيم في تدبيره لخلقه. ثم قال * (ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت ايمانكم من شركاء في ما رزقناكم فأنتم فيه سواء) * المعنى إنكم إذا لم ترضوا في عبيدكم أن يكونوا شركاء لكم في أموالكم وأملاككم، فكيف ترضون لربكم ان يكون له شركاء في العبادة ! !. وقال قتادة: كما لا ترضون أن يكون عبيدكم شركاءكم في فراشكم وأزواجكم كذلك لا ترضوا في ربكم الذي خلقكم أن يعدل به أحد من خلقه فيشرك بينهما في العبادة. وقوله * (تخافونهم كخيفتكم انفسكم) * قال أبو مخلد: معناه تخافون عبيدكم أن يشاركوكم في أموالكم كما تخافون الشريك من نظرائكم. وقيل: تخافون ان يرثوكم كما يرث بعضكم من بعض - ذكره ابن عباس - وقيل: معناه تخافونهم كخيفتكم أنفسكم في اتلاف المال بانفاقه. ثم قال * (كذلك نفصل الآيات لقوم يعقلون) * أي كما ميزنا لكم هذه الادلة نفصل الادلة لقوم يعقلون، فيتدبرون ذلك ويفكرون فيها. وقال سعيد ابن جبير: كان اهل الجاهلية إذا لبو قالوا: لبيك اللهم لبيك لا شريك

[ 247 ]

لك إلا شريك هولك تملكه وما ملك. فأنزل الله الآية ردا. عليهم وإنكار لقولهم ثم قال تعالى * (بل اتبع الذين ظلموا أهواءهم بغير علم) * معناه إن هؤلاء الكفار لم يتفكروا في أدلة الله، ولا انتفعوا بها بل اتبعوا اهواءهم وشهواتهم بغير علم منهم بصحة ما اتبعوه. ثم قال * (فمن يهدي من أضل الله) * وقيل: المعنى من يهدي إلى الثواب من أضله الله عنه. وقيل: المعنى من يحكم بهداية من حكم الله بضلالته. ثم قال * (وما لهم من ناصرين) * أي ليس لهم من ينصرهم ويدفع عذاب الله إذا حل بهم. ثم قال تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين * (فأقم وجهك للدين حنيفا) * أمرهم الله بأن يوجهوا عبادتهم إلى الله على الاستقامة دون الاشراك في العبادة. ثم قال * (فطرة الله التي فطر الناس عليها) * قال مجاهد: فطرة الله الاسلام. وقيل: فطر الناس عليها ولها وبها بمعنى واحد، كما يقول القائل لرسوله: بعثتك على هذا ولهذا وبهذا بمعنى واحد. ونصب * (فطرة الله) * على المصدر، وقيل تقديره: اتبع فطرة الله التي فطر الناس عليها، لان الله تعالى خلق الخلق للايمان، ومنه قوله صلى الله عليه واله (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) ومعنى الفطر الشق ابتداء يقولون: أنا فطرت هذا الشئ اي أنا ابتدأته، والمعنى خلق الله الخلق للتوحيد والاسلام. وقوله * (لا تبديل لخلق الله) * قال مجاهد وقتادة وسعيد بن جبير والضحاك وابن زيد وابراهيم: لا تبديل لدين الله الذي أمركم به من توحيده وعدله وإخلاص العبادة له، وهو قول ابن عباس وعكرمة. وقيل: المراد نفي

[ 248 ]

الخطأ. ثم قال * (ذلك الدين القيم) * أي ما بيناه من التوحيد والعدل واخلاص العبادة لله هو الدين القيم أي المستقيم الذي يجب اتباعه * (ولكن اكثر الناس لا يعلمون) * صحة ذلك لعدولهم عن النظر فيه. قوله تعالى: * (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلوة ولا تكونوا من المشركين (31) من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كان حزب بما لديهم فرحون (32) وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون (33) ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون (34) أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به يشركون) * (35) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي وابن عامر * (فارقوا) * بألف وتخفيف الراء. الباقون بغير الف وتشديد الراء. من قرأ بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمروا باتباعه. ومن شدد اراد: انهم اختلفوا في دينهم. قوله * (منيبين إليه) * نصب على الحال وتقديره فاقم وجهك للدين يا محمد أنت والمؤمنون منيبين إلى الله، ولا يجوز أن يكون حالا * (من فطرة الله التي فطر الناس عليها) * لانه ما فطرهم منيبين، والانابة الانقطاع إلى الله تعالى

[ 249 ]

بالطاعة وأصله على هذا القطع. ومنه الناب، لانه قاطع، وأناب في الامر إذا نشب فيه، كما ينشب الناب المقاطع، ويجوز أن يكون من ناب ينوب إذا رجع مرة بعد مرة، فيكون على هذا الانابة التوبة التي يجددها مرة بعد مرة. ثم قال * (واتقوه) * أي اجتنبوا معاصيه، واتقوا عقابه * (وأقيموا الصلاة) * التي أمركم الله تعالى بها أي دوموا عليها، وقوموا بادائها، فالصلاة وإن كانت في حكم المجمل، ولم يبين شروطها - في الآية - فقد أحال على بيان النبي صلى الله عليه واله هذا إذا اراد بالصلاة تعريف الجنس، وإن أراد العهد الذي استقر في الشرع، فهو على ما قد استقر في الشرع * (ولا تكونوا من المشركين) * نهي لهم عن أن يكونوا من جملة من أشرك بعبادة الله سواه، ثم قال * (من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا) * قال الفراء: يجوز ان يكون التقدير: ولا تكونوا من المشركين من جملة الدين فرقوا دينهم، ويجوز أن يكون من الذين فرقوا ابتداء، وتقديره الذين تفرقوا وكانوا شيعا * (كل حزب بما لديهم فرحون) * فالتفريق جعل أحد الشيئين مفارقا لصاحبه وضده الجمع، وهو جمع أحد الشيئين إلى صاحبه، فتفريق الدين جعل احدهما ليس مع الآخر في معنى ما يدعو إليه العقل، وهو منكر لمخالفته داعي العقل، والدين العمل الذي يستحق به الجزاء، ودين الاسلام العمل الذي عليه الثواب. ولو جمعوا دينهم في أمر الله ونهيه لكانوا مصيبين، ولكنهم فرقوا بأخراجه عن حد الامر والنهي من الله وكانوا بذلك مبطلين خارجين عن الحق الذي أمر الله به. ومن قرأ * (فارقوا) * بألف أراد: فارقوا دينهم الذي أمرهم الله باتباعه.

[ 250 ]

وقوله * (وكانوا شيعا) * أي فرقا، والشيع الفرق التي يجتمع كل فريق منها على مذهب، خلاف مذهب الفريق الآخر، وشيعة الحق هم الذين اجتمعوا على الحق. وكذلك شيعة أمير المؤمنين عليه السلام هم الذين اجتمعوا معه على الحق وقال قتادة: المعنى بقوله * (من الذين فرقوا دينهم) * اليهود والنصارى، وقال غيره: كل من خالف دين الحق الذي أمر الله به داخل فيه وهو أعم فائدة. ثم اخبر تعالى ان * (كل حزب) * أي كل فريق * (بما لديهم فرحون) * من الاعتقاد الذي يعتقدونه يسرون به لاعتقادهم أنه الحق دون غيره. وقوله " وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه " قال الحسن: إذا أصابهم مرض أو فقر دعوا الله تعالى راجعين إليه مخلصين في الدعاء له " ثم إذا أذاقهم منه رحمة " بأن يعافيهم من المرض أو يغنيهم من الفقر نعمة منه تعالى عليهم " إذا فريق منهم بربهم يشركون " أي يعودون إلى عبادة غير الله بخلاف ما يقتضي العقل في مقابلة النعمة بالشكر. ثم بين أنهم يفعلون ذلك " ليكفروا بما آتيناهم " أي بما آتاهم الله من نعمه. ثم قال تعالى مهددا لهم " فتمتعوا " أي انتفعوا بهذه النعم الدنيوية كيف شئتم " فسوف تعلمون " ما فيه من كفركم ومعصيتكم أي تصيرون في العاقبة إلى عذاب الله وأليم عقابه. وقوله " أم انزلنا عليهم سلطانا " اي هل أنزلنا عليهم برهانا وحجة يتسلطون به على ما ذهبوا إليه، ويحتمل أن يكون المراد هل ارسلنا إليهم رسولا فإذا حمل على البرهان، فهو بمنزلة الناطق بالامر لاظهاره إياه. وقوله " فهو يتكلم بما كانوا به يشركون " اي هل انزلنا عليهم سلطانا اي رسولا يتكلم بأنا ارسلناه بما يدعونه من الاشراك مع الله في العبادة، فانهم لا يقدرون على ذلك ولا يمكنهم ادعاء حجة عليه ولا برهان، والكلام وإن خرج مخرج

[ 251 ]

الاستفهام فالمراد به التبكيت. قوله تعالى: * (وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون (36) أولم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (37) فلت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ذلك خير للذين يريدون وجه الله وأولئك هم المفلحون (38) وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكوة تريدون وجه الله فاولئك هم المضعفون (39) الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم هل من شركائكم من يفعل من ذلكم من شئ سبحانه وتعالى عما يشركون) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ نافع وابو جعفر " لتربوا " بالتاء وسكون الواو، الباقون بالياء وفتح الواو، وقرأ ابن كثير " وما أتيتم من ربا " بالقصر. الباقون بالمد. واتفقوا على المد في قوله " وما آتيتم من زكوة " وقرأ حمزة والكسائي وخلف " عما يشركون " بالياء. الباقون بالتاء. قال أبو علي: المعنى وما آتيتم من هدية

[ 252 ]

أهديتموها لتعوضوا اكثر منها، فلا يربو عند الله، لانكم قصدتم زيادة العوض دون وجه الله، وهو كقوله " ولا تمنن تستكثر " (1) فمن مد اراد أعطيتم من قوله " فآتاهم الله ثواب الدنيا " (2) ومن قصره فالمعنى يؤل إلى قول من مد إلا انه على لفظ (فعلتم) ومدهم لقوله " وما آتيتم من زكوة " فلقوله " وإيتاء الزكوة " (3) ولو قال أتيت الزكوة لجاز أن يعني به: فعلتها ولكن لفظ القرآن على الايتاء. ومن ضم " لتربوا " فالمعنى لتصيروا ذوي زيادة في ما آتيتم من أموال الناس أي يستدعونها من أربى إذا صار ذا زيادة مثل أقطف واضرب. ومن فتح أسند الفعل إلى الربوا المدكور وقدر المضاف، فحذفه كما قيل: اجتذاب أموال الناس واجتلابه. ويجوز ذلك. وسمي هذا المدفوع على هذا الوجه ربا لما كان فيه من الاستزادة. يقول الله تعالى مخبرا عن خلقه بأنه إذا أذاقهم رحمة من عنده بأن ينعم عليهم بضروب النعم ويصح أجسامهم ويدر أرزاقهم ويكثر. مواشيهم وغير ذلك من النعم، إنهم يفرحون بذلك ويسرون به ف‍ (إذا) شرط وجوابه " فرحوا بها " وإنما جاء الجزاء ب‍ (إذا) ولم يجئ ب‍ (حين)، لان (إذا) اشبه بالفاء من جهة البناء، والزم للفعل من جهة أنه لا يضاف إلى مفرد، فصار بمنزلة الفاء في ترتيب الفعل، وليس كذلك (حين). وشبه إدراك الرحمة بادراك الطعم، فسماه ذوقا. " وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم " هو اخبار منه تعالى أنه إن أصابهم عذاب من الله تعالى جزاء على ما كسبته أيديهم " إذا هم يقنطون "


(1) سورة 74 المدثر آية 6 (2) سورة 3 آل عمران آية 148 (3) سورة 24 النور آية 37 وسورة 21 الانبياء آية 73 (*)

[ 253 ]

أي ييأسون من رحمة الله، والقنوط اليأس من الفرج، قال جهد الارقط: قد وجدوا الحجاج غير قانط (1) وإنما قال " بما قدمت أيديهم " ولم يقل بما قدموا على التغليب للاكثر الاظهر، لان اكثر العمل وأظهره لليدين، والعمل بالقلب وإن كان كثيرا فهو أخفى، وانما يغلب الاظهر. ويجوز أن يكون ما يصيبهم - من مصائب الدنيا والآلام بها - بعض العقاب، فلذلك قال " بما قدمت ايديهم " ويجوز ان يكون لما فعلوا المعاصي اقتضت المصلحة أن يفعل بهم ذلك، وإن لم يكن عذابا. ثم قال تعالى منبها لهم على توحيده " اولم يروا " أي أو لم يفكروا فيعلموا " ان الله يبسط الرزق " اي يوسعه " لمن يشاء ويقدر " اي ويضيق على من يشاء على حسب ما تقتضيه مصالحهم، وبسط الرزق الزيادة على مقدار القوت منه بما يظهر حاله، واصل البسط نشر الشئ بما يظهر به طوله وعرضه، وبسط الرزق مشبه به. ثم قال " إن في ذلك " يعني في البسط للرزق لقوم وتضييقه لقوم آخرين " لآيات " اي لدلالات " لقوم يؤمنون " بالله، لانهم يعلمون ان ذلك من فضل الله الذي لا يعجزه شئ. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال " فلت ذا القربى حقه " اي اعط ذوي قرباك يا محمد حقوقهم التي جعلها الله لهم في الاخماس - وهو قول مجاهد - وقيل: إنه لما نزلت هذه الآية على النبي صلى الله عليه واله اعطى فاطمة فدكا، وسلمه إليها - روى ذلك أبو سعيد الخدري وغيره - وهو المشهور عن ابي جعفر، وابي عبد الله عليهما السلام. وقال السدى: الآية نزلت في قرابة النبي صلى الله عليه واله. وقال قوم:


(1) مجاز القرآن 2 / 122 (*)

[ 254 ]

المراد به قرابة كل انسان. والاول اظهر، لانه خطاب للنبي صلى الله عليه واله " والمسكين وابن السبيل " تقديره واعط - ايضا - المسكين، وهو الفقير، وابن السبيل وهو المنقطع به حقوقهم التي جعلها الله لهم في الصدقات وغيرها، والخطاب وإن كان متوجها إلى النبي صلى الله عليه واله فهو متوجه إلى جميع المكلفين. ثم قال " ذلك خير " يعني اعطاء الحقوق المستحقة خير " للذين يريدون وجه الله " بالاعطاء دون الرياء والسمعة " واولئك هم المفلحون " الفائزون بثواب الله. ثم قال " وما اتيتم من ربا ليربوا في اموال الناس " قال ابن عباس: هو اعطاء الرجل العطية ليعطى اكثر منها لانه لم يرد بها طاعة الله. وقال ابن عباس: وابو جعفر الربوا رباءان احدهما - حلال، والآخر حرام، فالاول هو ان يعطي الانسان غيره شيئا لا يطلب اكثر منه فهو مباح، ولا يربوا عند الله. والآخر - الربوا الحرام. وقال ابن طاوس عن أبيه: إذا أهدى الرجل الهدية ليهدى له أفضل منها فليس فيه أجر ولا وزر، وكلما فعله الفاعل على أن حسن للشهوة فليس فيه حد ولا أجر، وشهوته وشهوة غيره في هذا سواء. وقيل: المعني في الآية التزهيد في الربو، والترغيب في اعطاء الزكاة وقال الحسن: هو كقوله " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات " (1) ولا خير في العطية إذا لم يرد بها وجه الله. وقال الجبائي: وما أتيتم من ربا لتربوا بذلك أموالكم " فلا يربو " لانه لا يملكه المرابي بل هو لصاحبه، ولا يربو " عند الله " لانه يستحق به العقاب، واعطاء المال قد يقع على وجوه كثيرة فمنه إعطاؤه على وجه الصدقة. ومنه اعطاؤه على وجه الهدية. ومنه الصلة. ومنه الودائع. ومن ذلك قضاء


(1) سورة 2 البقرة آية 276 (*)

[ 255 ]

الدين، ومنه البر ومنه الزكاة. ومنه القرض. ومنه النذر وغير ذلك. ثم قال " وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله " أي ما اخرجتموه على وجه الزكاة واعطيتموه أهله تريدون بذلك وجه الله دون الربو " فأولئك هم المضعفون " أي يضاعف لهم الحسنات كقوله " من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها " (1) وقال الكلبي: تضاعف أمواله في الدنيا، فالمضعف ذو الاضعاف كما أن الميسر ذو اليسار. ثم خاطب تعالى خلقه فقال " الله الذي خلقكم " بعد ان لم تكونوا موجودين " ثم رزقكم " من أنواع الملاذ وملككم التصرف فيها وأباحها لكم " ثم يميتكم " بعد ذلك إذا شاء ليصح ايصالكم إلى ما عوضكم له من الثواب " ثم يحييكم " ليجازيكم على أفعالكم على الطاعات بالثواب وعلى المعاصي بالعقاب " هل من شركائكم " الذين عبدتموهم من دون الله " من يفعل من ذلكم من شئ " أو يقدر عليه فيجوز لذلك توجه العبادة إليه فانهم لا يقدرون على أن يقولوا: نعم يقدرون عليه وانما يعترفون بعجزها عن ذلك، فيعلموا عند ذلك انها لا تستحق العبادة فلذلك نزه نفسه عقيب ذلك عن أن يشرك معه في العبادة ويتخذ معه معبودا سواه فقال " سبحانه وتعالى عما يشركون " فمن قرأ بالياء وجه الخطاب إلى الغائب. ومن قرأ بالتاء وجهه إلى المخاطبين، وفي ذلك تنبيههم على وجوب ضرب الامثال لله تعالى دون غيره من المخلوقات. قوله تعالى: * (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس


(1) سورة 6 الانعام آية 160 (*)

[ 256 ]

ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون (41) قل سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين (42) فأقم وجهك للدين القيم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله يومئذ يصدعون (43) من كفر فعليه كفره ومن عمل صالحا فلانفسهم يمهدون (44) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله إنه لا يحب الكافرين) * (45) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير - في رواية ابن مجاهد - عن قنبل وروح " لنذيقهم " بالنون. الباقون بالياء. فمن قرأ بالنون فعلى وجه اخبار الله عن نفسه أنه الذي يذيقهم. ومن قرأ بالياء فالمعنى ليذيقهم الله بعض الذي عملوا. يقول الله تعالى " ظهر الفساد في البر والبحر " قيل: فساد البر هو ما يحصل فيها من المخاوف المانعة من سلوكه، ويكون بخذلان الله عز وجل لاهل العقاب به، وفساد البحر اضطراب أمره حتى لا يكون متصرفا فيه، وكل ذلك ليرتدعوا عن معاصيه. وقال قتادة: المعنى ظهر الفساد في أهل البر والبحر فأهل البر أهل البادية وأهل البحر أهل القرى الذين على الانهار العظيمة ويكون قوله " بما كسبت ايدي الناس " معناه يخلي الله بينهم وبين المعاصي جزاء على ما سبق منهم من المعاصي. وقال مجاهد: البر ظهر الارض والبحر هو

[ 257 ]

البحر المعروف، لانه يؤخذ فيه كل سفينة غصبا. وقيل: البر الارض القفر والبحر المجرى الواسع للماء عذبا كان أو ملحا، وسمي البر برا، لانه يبر بصلاح المقام فيه خلاف البحر، ومنه البر لانه يبر بصلاحه في الغذاء أتم الصلاح. وقيل: الفساد المعاصي ودليله قوله تعال " والله لا يحب الفساد " (1) والتقدير. ظهر عقاب الفساد في البر والبحر، والظهور خروج الشئ إلى حيث يقع عليه الاحساس والعلم به بمنزلة الادراك له. وقد يظهر الشئ بخروجه عن وعاء أو وجوده عن عدم أو ظهوره بدليل. وقيل: بالعدل ينبت الله الزرع ويدر الضرع، وبالظلم يكون القحط وضيق الرزق. وقوله " بما كسبت ايدي الناس " أي جزاء على ما فعله الناس. والكسب فعل الشئ لاجتلاب نفع إلى نفس الفاعل أو دفع ضرر عنه، فالقادر لنفسه يقدر على مثله في الحالتين لاجتلاب نفع إلى غيره أو دفع ضرر عنه، غير انه لا يوصف بهذه الصفة وإن قدر على مثله. وقوله " ليذيقهم بعض الذي عملوا " معناه ليصيبهم الله بعقوبة بعض أعمالهم التي عملوها من المعاصي " لعلهم يرجعون " أي ليرجعوا عنها في المستقبل، وتقديره فعل الله تعالى القحط والشدائد والجدب وقلة الثمار وهلاك النفوس عقوبة على معاصيهم ليذيقهم بذلك عقاب بعض ما عملوا من المعاصي ليرجعوا عنها في المستقبل، ليذيقهم عقابه غير انه اجري على بعض العمل لانهم بذواقهم جزاءه كأنهم ذاقوه. وهذا من الحذف الحسن، لانه حذف المسبب وإقامة السبب الذي أدى إليه مقامه. ثم بين تعالى انه فعل بهم هذا ليرجعوا عن معاصيه إلى طاعته.


(1) سورة 2 البقرة آية 205 (*)

[ 258 ]

ثم خاطب تعالى نبيه صلى الله عليه واله فقال له " قل " لهم يا محمد " سيروا في الارض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان اكثرهم مشركين " أي فكروا فيمن تقدم من الامم التي اشركت بالله أكثرهم، والمؤمنون كانوا قليلين فيهم كيف أهلكهم الله ودمر عليهم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " فأقم وجهك للدين القيم " ومعناه استقم للدين المستقيم بصاحبه إلى الجنة أي لا يعدل عنه يمينا ولا شمالا، فانك متى فعلت ذلك أداك إلى الجنة، وهو مثل قوله " ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم " (1) مجانس فيه للبلاغة ومنه قوله " يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " ومنه " يمحق الله الربوا ويربي الصدقات ". " من قبل أن يأتي يوم لامر دله من الله يومئذ يصدعون " أي استقيموا على الطريق المستقيم قبل يوم القيامة الذي تتفرفون فيه فرقتين، فريق في الجنة وفريق في السعير - ذكره قتادة - وقال الحسن: الدين القيم الطاعة لله. ثم قال " من كفر " بالله وجحد نعمه " فعليه كفره " أي فعليه جزاء كفره لا يعاقب أحد بذنب غيره، كما قال " ولا ترز وازرة وزر اخرى " (2) " ومن عمل صالحا " يعني الايمان بالله وأفعال الطاعات " فلانفسهم يمهدون " والتمهيد والتمكين والتوطيد نظائر أي ثواب ذلك واصل إليهم وتتمهد احوالهم الحسنة عند الله. وقوله " ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات من فضله " اخبار منه تعالى أنه الذي يجزي الذين يطيعون الله تعالى ويجتنبون معاصيه ثواب الجنة


(1) سورة 9 التوبة آية 128 (2) سورة 6 الانعام آية 164 وسورة 17 الاسرى آية 15 وسورة 35 فاطر آية 18 وسورة 39 الزمر آية 7 (*)

[ 259 ]

من فضله على خلقه " إنه لا يحب الكافرين " أي لا يريد منافعهم ولا ثوابهم، وانما يريد عقابهم جزاء على كفرهم. قوله تعالى: * (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (46) ولقد أرسلنا من قبلك رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين (47) ألله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا فيبسطه في السماء كيف يشاء ويجعله كسفا فترى الودق يخرج من خلاله فإذا اصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون (48) وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين (49) فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحيي الارض بعد موتها إن ذلك لمحبي الموتى وهو على كل شئ قدير) * (50) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو جعفر وابن ذكوان " كسفا " بسكون السين. الباقون بتحريكها. وقرأ اهل الكوفة وابن عامر " إلى آثار " على الجمع وآماله الكسائي إلا أيا

[ 260 ]

الحارث. الباقون على التوحيد. من سكن السين من كسف أراد جمع كسفة وهي القطعة الواحدة من السحاب، مثل سدرة وسدر. ويحتمل ان يكون الضمير في (خلاله) راجعا إليه. ويحتمل ان يكون راجعا إلى الخلال. ومن فتح السين أعاد الضمير إلى السحاب لا غير. ومن أفرد " اثر " فلانه مضاف إلى مفرد وجاز الجمع لان (رحمة الله) يجوز ان يراد بها الكثرة. يقول الله تعالى إن من الادلة الدالة على توحيدي ووجوب اخلاص العبادة لي إرسال الرياح مبشرات بالغيث والمطر. وإرسال الرياح تحريكها واجراؤها في الجهات المختلفة تارة شمالا وتارة جنوبا وصبا، وأخرى دبورا على حسب ما يريده الله ويعلم فيه من المصلحة، وذلك لا يقدر عليه غيره تعالى، لان العباد وإن قدروا على جنس الحركة فلو اجتمع جميع الخلائق من الجن والانس على ان يردوا الريح إذا هبت شمالا إلى كونها جنوبا وإذا هبت جنوبا إلى كونها شمالا أو صبا أو دبورا لما قدروا عليه، فمن قدر على ذلك يعلم أنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ مستحق للعبادة خالصة له، وانما سماها مبشرات، لانها بمنزلة الناطقة إذا بشرت بأنه يجيئ مطر وغيث يحيى به الارض لما فيها من إظهار هذا المعنى ودلالتها على ذلك بجعل جاعل، لانه من طريق العادة التي أجراها الله تعالى. وقوله " وليذيقكم من رحمته " معطوف على المعنى، وتقديره أن يرسل الرياح للبشارة والاذاقة من الرحمة " ولتجري الفلك " بها " بامره ولتبتغوا من فضله " أي تطلبوه، فارسال الرياح لهذه الامور، ومعنى " لعلكم تشكرون " لتشكرو الله على نعمه. وإنما اتى بلفظ (لعلكم) تلطف في الدعاء إلى الشكر كالتلطف في الدعاء إلى البر، في قوله " من ذا الذي يقرض الله قرضا

[ 261 ]

حسنا " (1) ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله على وجه التسلية عن قومه في تكذيبهم إياه فقال " ولقد أرسلنا من قبلك " يا محمد " رسلا إلى قومهم فجاؤهم بالبينات " يعني بالمعجزات، وفي الكلام حذف، لان تقديره فكذبوهم وجحدوا بهم فاستحقوا العذاب " فانتقمنا من الذين أجرموا وكان حقا علينا نصر المؤمنين " أي اوجبناه على نفوسنا أن ننصر المؤمنين من عبادنا. ثم قال تعالى " الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا " أي تنشئ سحابا فانشاء السحاب وإن كان من فعل الله لكن لما كان السحاب سببا منه جاز أن يسند إليها " فيبسطه في السماء " أي يبسط ذلك السحاب كيف شاء في السماء من كثافة ورقة وغير ذلك " ويجعله كسفا " أي قطعا - في قول قتادة - " فترى الودق " يعني المطر، قال الشاعر: فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض ابقل ابقالها (2) " يخرج من خلاله " يعني من خلال السحاب " فإذا اصاب به " يعني بذلك المطر " من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون " أي يفرحون ويبشر بعضهم بعضا به " وإن كانوا من قبل ان ينزل عليهم " المطر " من قبله لمبلسين " اي قانطين يائسبن - في قول قتادة - وقوله " من قبله " في الموضعين فيه قولان: احدهما - انه للتوكيد. والآخر من قبل الارسال، والاول من قبل الانزال. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين " فانظر " يا محمد " إلى آثار رحمة ربك كيف يحيي الارض بعد موتها " يحييها بالنبات بعد جدوبها


(1) سورة 2 البقرة آية 245 وسورة 57 الحديد آية 11 (2) مر هذا البيت في 1 / 126 و 5 / 361 و 7 / 446 (*)

[ 262 ]

" إن ذلك لمجيي الموتى " أي مثل ذلك يحيي الله الموتى بعد ان كانوا جمادا " وهو على كل شئ قدير " أي قادر وفيه مبالغة. قوله تعالى: * (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون (51) فانك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (52) وما أنت بهاد العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (53) ألله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير (54) ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون * ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون) * (55). ست آيات مدني وخمس في ما عداه عد المدني " يقسم المجرمون " ولم يعده الباقون. قرأ ابن كثير * (ولا تسمع) * بفتح التاء * (الصم) * رفعا الباقون - بضم التاء - * (الصم) * نصبا. وهذا مثل ضربه الله للكفار، والمعنى كما إنك يا محمد لا تسمع الميت لتعذر استماعه فكذلك لا تسمع الكفار. والمعنى انه لا ينتفع بسماعه، لانه لا يعمل به، فإذا كان كذلك فالمعنيان متقاربان، لان المعنى إنك

[ 263 ]

لا تسمع الكافر ما في القرآن من حكمة وموعظة، كما لا تسمع الاصم المدبر عنك. وضم التاء ونصب الميم أحسن لتشاكل ما قبله من اسناد الفعل اليك أيها المخاطب وحكم المعطوف يجب ان يكون مشاكلا حكم المعطوف عليه. وقرأ عاصم وحمزة * (من ضعف) * بفتح الضاد في الثلاثة. الباقون بالضم فيهن، وهما لغتان. يقول الله سبحانه * (ولئن أرسلنا ريحا) * مؤذنة بالهلاك * (فرأوه مصفرا) * فالهاء يجوز أن يكون كناية عن السحاب، وتقديره فرأوا السحاب مصفرا لانه إذا كان كذلك كان غير ممطر، ويحتمل أن يكون راجعا إلى الزرع، وتقديره، فرأوا الزرع مصفرا - والثاني قول الحسن - وجواب لئن في الشرط أغنى عنه جواب القسم، لان المعنى ليظلن كما أن (أرسلنا) بمعنى أن يرسل فجواب القسم قد ناب عن الامرين. وكان أحق بالحكم لتقدمه على الشرط ولو تقدم الشرط لكان الجواب له، كقولك: ان أرسلنا ريحا ظلوا والله يكفرون. و (الاصفرار) لون بين الحمرة والبياض، وهو من النبات الذي يصفر بالربح للجفاف ويحول عن حال الاخضرار، فيصير إلى الهلاك ويقنط صاحبه الجاهل بتدبير ربه في ما يأخذ به من الشدة بأمره تارة والرخاء أخرى ليصح التكليف بطريق الترغيب والترهيب، ومعنى (ظل يفعل) أي جعل يفعل في صدر النهار، وهو الوقت الذي فيه إلى ظل الشمس. و (أضحى يفعل) نظير ظل يفعل إلا أنه كثر حتى صار بمنزلة (جعل يفعل). ثم قال لنبيه " إنك " يا محمد " لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين " شبه الكفار في ترك تدبرهم لما يدعوهم الله النبي صلى الله عليه واله تارة بالاموات وتارة بالصم، لانهم لا ينتفعون بدعاء داع، لانهم لا يسمعونه،

[ 264 ]

وكذلك من يسمع ولا يصغى ولا يفكر فيه، ولا يتدبره فكأنه لم يسمعه. وقوله " إذا ولوا مدبرين " معناه إذا أعرضوا عن أدلتنا وعن الحق ذاهبين إلى الضلال غير طالبين لسبيل الرشاد. ولذلك لزمهم الذم وصفة النقص. وقوله " وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم " معناه ليس في هؤلاء حيلة أن يقبلوا الهداية فصار العمي بالضلال صنفين احدهما - يطلب الهداية فهو يجدها عندك. والآخر لا يطلب الهداية، فليس فيه حيلة. ثم قال * (إن) * يعني ليس * (تسمع إلا من يصدق بآياتنا وأدلتنا) * لانهم المنتفعون بدعائك واسماعك * (فهم مسلمون) * لك ما تدعوهم إليه. ثم قال * (الله الذي خلقكم من ضعف) * وفيه لغتان - الضم، والفتح - مثل الفقر والفقر، والكره والكره، والجهد والجهد، والمعنى انه خلقهم ضعفاء لانهم كانوا نطفا، فحولهم إلى أن صاروا أحياء أطفالا لا قدرة لهم * (ثم جعل) * لهم * (من بعد ضعف) * أي من بعد هذا الضعف * (قوة) * إذا شبوا وترعرعوا وكملوا * (ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة) * في حال الشيخوخة والشيب * (يخلق ما يشاء) * كيف يشاء * (وهو العليم) * بما فيه مصالح خلقه قادر على فعله فهو يفعل بحسب ما يعلمه من مصالحهم. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار أنهم * (يوم تقوم الساعة يقسم المجرمون) * انهم * (ما لبثوا غير ساعة) * وقيل: في قسمهم بذلك مع أن معارفهم ضرورية قولان: احدهما - قال أبو بكر بن الاخشاد: ذلك يقع منهم قبل اكمال عقولهم. ويجوز قبل الالجاء ان يقع منهم قبيح. والثاني - قال الجبائي: ان المراد أنه منذ ما انقطع عنا عذاب القبر

[ 265 ]

* (كذلك كانوا يؤفكون) * أي يكذبون لانه اخبار عن غالب الظن بما لا يعلمون قال: ولا يجوز أن يقع منهم القبيح في الآخرة، لان معارفهم ضرورة. وقيل: * (كذلك كانوا يؤفكون) * في دار الدنيا ويجحدون البعث والنشور مثل ما حلفوا أنهم لم يلبثوا إلا ساعة، قال الفراء: وتقديره كما كذبوا في الدنيا بالبعث كذلك يكذبون بقولهم ما لبثنا غير ساعة. ومن استدل بذلك على نفي عذاب القبر فقد أبطل، لان المراد أنهم ما لبثوا بعد انقطاع عذاب القبر إلا ساعة. قوله تعالى: وقال الذين أوتوا العلم والايمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (56) فيومئذ لا ينفع الذين ظلموا معذرتهم ولا هم يستعتبون (57) ولقد ضربنا للناس في هذا القرآن من كل مثل ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (58) كذلك يطبع الله على قلوب الذين لا يعلمون (59) فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين لا يوقنون) * (60) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة " لا ينفع " بالياء، لان تأنيث المعذرة غير حقيقي. الباقون

[ 266 ]

بالتاء، لان اللفظ لفظ التأنيث. يقول الله تعالى مخبرا عن الذين قد أعطاهم الله العلم وآتاهم إياه بما نصب لهم من الادلة الموجبة له، ونظروا فيها فحصل لهم العلم، فلذلك أضافه إلى نفسه لما كان هو الناصب للادلة الدالة على العلوم، والتصديق بالله ورسوله * (لقد لبثتم) * أي مكثتم * (في كتاب الله) * ومعناه إن لبثكم مذكور ثابت في كتاب الله بينه الله فيه، فصار من أجل ان بيانه في كتابه كأنه في الكتاب، كما تقول كلما يكون فهو في اللوح المحفوظ أي هو مبين فيه، وقيل * (في كتاب الله) * أي في كتابه الذي أخبرنا به، واللبث لا يكون إلا في المكان، كما لا يكون السكون إلا فيه، والبقاء قد يكون لا في مكان، ولذلك يوصف تعالى بالباقي، ولا يوصف ب‍ (لابث) و * (إلى يوم البعث) * يعني يوم يبعث الله فيه خلقه ويحشرهم. واصل البعث جعل الشئ جاريا في أمر، ومنه انبعث الماء إذا جرى وانبعث من بين الاموات إذا خرج خروج الماء، ويوم البعث يوم اخراج الناس من قبورهم إلى أرض المحشر. ثم يقول المؤمنون للكفار " فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون " صحة ذلك وكنتم شاكين فيه. وقال الحسن: لقد قدرنا اجالكم إلى يوم البعث ولكنكم لا تعلمون ان البعث حق. ثم اخبر تعالى ان ذلك اليوم لا تقبل معذرتهم، والمعذرة إظهار ما يسقط اللائمة، وانما لا تقبل معذرتهم لانهم ملجئون في تلك الحال، ولا يصح اعتذارهم وقوله " ولا هم يستعتبون " أي لا يقبل عتبهم، ولا يطلب منهم الاعتاب. والاستعتاب طلب صلاح المعاتب بالعتاب وذلك بذكر الحقوق التي تقتضي خلاف ما عمله العامل بما لا ينبغي أن يكون عليه مع الحق اللازم له وليس في قولهم

[ 267 ]

ما علمنا أنه يكون ولا أننا نبعث عذر، لانه قد نصب لهم الدلالة عليه ودعوا إليه. ثم اخبر تعالى انه ضرب للناس المكلفين في القرآن الذي أنزله على نبيه محمد صلى الله عليه واله من كل مثل، يحثهم به على الحق واتباع الهدى. ثم قال لنبيه " ولئن جئتهم بآية " يا محمد أي معجزة باهرة " ليقولن الذين كفروا ان انتم إلا مبطلون " في دعواكم البعث والنشور، عنادا وجحدا للامور الظاهرة. ثم قال مثل ما طبع الله على قلوب هؤلاء بأن حكم عليهم بانهم لا يؤمنون كذلك حكم في كل من لا يؤمن. وقيل: الطبع علامة يجعلها الله في قلوب الكافرين يفصل بها الملائكة بينه وبين المؤمن. ثم قال لنبيه " فاصبر " يا محمد على أذى هؤلاء الكفار ومقامهم على كفرهم " ان وعد الله حق " في ما وعدك به من النصر واعزاز دينك " ولا يستخفنك " أي ولا يستفزنك " الذين لا يوقنون " فالاستخفاف طلب الخفة.

[ 268 ]

31 - سورة لقمان هي مكية - في قول مجاهد وقتادة - ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وقال الحسن: هي مكية إلا آية واحدة وهي قوله * (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة) * لان الصلاة والزكاة مدنيتان وهي ثلاث وثلاثون آية حجازي وأربع وثلاثون آية في ما عدا الحجازي. بسم الله الرحمن الرحيم. * (الم (1) تلك آيات الكتاب الحكيم (2) هدى ورحمة للمحسنين (3) الذين يقيمون الصلوة ويؤتون الزكوة وهم بالآخرة هم يوقنون (4) أولئك هم على هوى من ربهم وأولئك هم المفلحون) * (5) خمس آيات كوفي وأربع بلا خلاف فيما عدا الكوفي. قرأ حمزة " هدى ورحمة " رفعا. الباقون نصبا. من رفع جعله خبر إبتداء محذوف، وتقديره هو هدى ورحمة، ويجوز أن يكون بدلا من " تلك آيات " أي تلك هدى ورحمة، ومن نصب فعلى المصد وتقديره يهدي به هدى ويرحم به رحمة، ويجوز أن يكون على الحال، وتقديره هاديا أي في حال الهداية والرحمة - ذكره الزجاج - " للمحسنين " الذين يفعلون الافعال الحسنة من الطاعات ويتفضلون على غيرهم. وقد بينا أن اقوى الاقوال في معنى " الم " قول من

[ 269 ]

قال هو اسم للسورة، وذكرنا ما في الاقوال في ما تقدم. قال الرماني: انما جعل اسم السورة على الاشتراك للمناسبة بينها وبين ما يتصل بها مع الفصل بالصفات وذلك انها استحقت بذكر الكتاب والمؤمنين به غير العادلين عنه، كما هو في البقرة. وقوله " تلك آيات الكتاب " اشارة إلى آيات الكتاب التي وعدهم الله بانزالها عليهم في الكتب الماضية، قال أبو عبيدة " تلك " بمعنى هذه " وآيات الكتاب " وإن كانت هي الكتاب فهو جائز، كما قال " حق اليقين " (1) وكما قالوا: مسجد الجامع، وغير ذلك. وقد بيناه في ما مضى " الحكيم " من صفة الكتاب، فلذلك جره وإنما وصف الكتاب بأنه (حكيم) مع انه محكم لانه يظهر الحق والباطل بنفسه، كما يظهره الحكيم بقوله، ولذلك يقال: الحكمة تدعو إلى الاحسان وتصرف عن الاساءة. وقال أبو صالح: احكمت آياته بالحلال والحرام. وقال غيره: احكمت بأن اتقنت " لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل " (2). ثم قال هذا الكتاب " هدى ورحمة للمحسنين " أي دلالة موصلة لهم إلى الصواب وما يستحق به الثواب، ورحمة رحمهم الله بها وأضافه إلى المحسنين وإن كان هدى لغيرهم لما كانوا هم المنتفعين به دون غيرهم كما قال " هدى للمتقين " (3) والاحسان النفع الذي يستحق به الحمد فكل محسن يستحق الحمد وكل مسيئ يستحق الذم، وما يفعله الفاعل على انه لا ظلم فيه لاحد لينقطع به عن قبيح في انه احسان فهو احسان يستحق عليه الحمد، لان الحكمة تدعو إلى


(1) سورة 56 الواقعة آية 95 (2) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 42 (3) سورة البقرة آية 2 (*)

[ 270 ]

فعله على هذا الوجه، ولا يدعو إلى ان يفعله للشهوة، ولا للهوى. ثم وصف المحسنين فقال " الذين يقيمون الصلاة " أي يديمون فعلها ويقومون بشرائطها واحكامها ويخرجون الزكاة الواجبة عليهم في أموالهم. وهم بالآخرة مع ذلك يوقنون، ولا يرتابون بها. ثم اخبر أن هؤلاء الذين وصفهم بهذه الصفات " على هدى من ربهم " أي على حجة من ربهم " وأولئك هم المفلحون " الفائزون بثواب الله ورحمته. قوله تعالى: * (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (6) وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرأ فبشره بعذاب أليم (7) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات النعيم (8) خالدين فيها وعد الله حقا وهو العزيز الحكيم (9) خلق السموات بغير عمد ترونها وألقى في الارض رواسي أن تميد بكم وبث فيها من كل دابة وأنزلنا من السماء ماء فأنبتنا فيها من كل زوج كريم) * (10) خمس آيات بلا خلاف قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر " ويتخذها " نصبا، الباقون رفعا من قرأ بالنصب عطفه على " ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها " أي يشتري لهو الحديث

[ 271 ]

للامرين. ومن رفع عطف على قوله " يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله... ويتخذها هزوا " ومن قرأ " ليضل " - بضم الياء وكسر الضاد - أراد يفعل ذلك ليضل غيره. ومن - فتح الياء - أراد ليضل هو نفسه بذلك. اخبر الله تعالى ان " من " جملة " الناس من يشتري لهو الحديث " أي يستبدل لهو الحديث. وقيل في معناه قولان: احدهما - انه يشتري كتابا فيه لهو الحديث. الثاني - انه يشتري لهو الحديث عن الحديث. واللهو الاخذ في ما يصرف الهم من غير الحق، تقول: لهى فلان يلهو لهوا، فهو لاه، وتلهى تلهيا وألهاه إلهاء، واللهو واللعلب والهزل نظائر. والحديث الخبر عن حوادث الزمان. وقال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد: لهو الحديث الغناء، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام. وقال قوم: هو شراء المغنيات. وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه واله تحريم ذلك. وقال قتادة: هو استبدال حديث الباطل على حديث الحق. وقيل: كلما كان من الحديث ملهيا عن سبيل الله الذي أمر باتباعه إلى ما نهى عنه، فهو لهو الحديث. وقيل: الآية نزلت في النضر ابن الحارث بن كلدة كان اشترى كتبا فيها أحاديث الفرس: من حديث رستم واسفنديار، فكان يلهيهم بذلك ويطرف به، ليصد عن سماع القرآن وتدبر ما فيه. وقوله " ليضل عن سبيل الله " أي ليتشاغل بما يلهيه عن سبيل الله. وقال ابن عباس: سبيل الله قراءة القرآن، وذكر الله، لان حجة الله قائمة عليه بالدواعي التي تزعجه إلى النظر فيما بؤديه إلى العلم بالواجب ليعمل، فيتشاغل ليخف ذلك الازعاج. ومن قرأ بالضم أراد ليضل غيره بذلك.

[ 272 ]

وقوله " ويتخذها هزوا " أي يتخذ سبيل الله سخرية، فلا يتبعها ويشغل غيره عن اتباعها. والضمير في قوله " ويتخذها " يجوز أن يكون راجعا إلى الحديث، لانه بمعنى الاحاديث، ويجوز أن يكون راجعا إلى (سبيل الله) والسبيل يؤنث ويذكر. ويجوز أن يكون راجعا إلى (آيات الله) في قوله " تلك آيات الكتاب ". ثم اخبر تعالى أن من هذه صفته " له عذاب مهين " أي عذاب بذله. والاذلال بالعداوة هو الهوان. فأما اذلال الفقر والمرض، فليس بهوان، ولا إذلال على الحقيقة. وإذلال العقاب لا يكون إلا هوانا، وإن كان العذاب على وجه الامتحان، فلا يكون هوانا أيضا. ثم اخبر تعالى عن صفة هذا الذي يتخذ آيات الله هزوا ويشتري لهو الحديث أنه " إذا تتلى عليه آياتنا " التي هي القرآن " ولى مستكبرا " أي اعرض عنها تكبرا عن استماعها. والكفر فيها، كأنه " لم يسمعها " من حيث لم يفكر فيها، ولم يعتبر بها و " كأن في اذنيه وقرا " أي ثقلا يمنع من سماعه. ثم امر نبيه صلى الله عليه واله أن يبشر من هذه صفة " بعذاب اليم " أي مؤلم موجع. ثم اخبر تعالى عن صفة المؤمنين للمصدقين بتوحيد الله وصدق انبيائه فقال " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي صدقوا بالله ونبيه وفعلوا الطاعات " لهم جنات النعيم " يوم القيامة يتنعمون فيها * (خالدين فيها) * أي مؤبدين في تلك البساتين * (وعد الله حقا) * أي وعده الله حقا، لا خلف لوعده * (وهو العزيز) * في انتقامه * (الحكيم) * في أفعاله، إذ لا يفعل إلا ما فيه المصلحة ووجه من وجوه الحكمة ثم اخبر تعالى عن نفسه بأنه * (خلق السموات) * فأنشاها واخترعها

[ 273 ]

* (بغير عمد ترونها) * أي ليس لها عمد يسندها، لانه لو كان لها عمد لرأيتموها فلما لم تروها دل على أنه ليس لها عمد، لانه لو كان لها عمد لكانت اجساما عظيمة حتى يصح منها إقلال السموات، ولو كانت كذلك لاحتاجت إلى عمد آخر، فكان يتسلسل. فإذا لا عمد لها، بل الله تعالى سكنها حالا بعد حال بقدرته التي لا توازيها قدرة قادر. وقال مجاهد: لها عمد لا ترونها، هذا فاسد لانه لو كان لها عمد لكانت أجساما عظيمة، لانه لا يقل مثل السموات والارض إلا ما فيه الاعتمادات العظيمة. ولو كانت كذلك لرأيت، وكان يؤدي إلى ما ذكرناه من التسلسل. ثم قال * (والقى في الارض رواسي) * يعني الجبال الثابتة * (أن تميد بكم) * وقيل معناه لئلا تميد بكم، كما قال الراجز: والمهر يأبى أن يزال ملهيا بمعنى لا يزال. وقال قوم: معناه كراهة أن تميد بكم * (وبث فيها من كل دابة) * أي فرق فيها من كل دابة أي من كل ما يدب على الارض " وأنزلنا من السماء ماء " يعني غيثا ومطرا " فأنبتنا فيها " بذلك الماء * (من كل زوج كريم) * أي من كل نوع حسن النبت طيب الريح والطعم. قوله تعالى: * (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه بل الظالمون في ضلال مبين (11) ولقد آتينا لقمان الحكمة أن

[ 274 ]

اشكر لله ومن يشكر فانما يشكر لنفسه ومن كفر فان الله غني حميد (12) وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (13) ووصينا الانسان بوالديه حلمته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير (14) وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إلي ثم إلي مرجعكم فانبئكم بما كنتم تعملون) * (15) خمس آيات بلا خلاف. هذا اشارة إلى ما تقدم ذكره من خلق السموات والارض على ما هي به من عظمها وكبر شأنها من غير عمد يمنع من انحدارها، وألقى الرواسي في الارض لئلا تميد بأهلها " وبث فيها من كل دابة " للاعتبار والانتفاع بها، وأنزل من السماء ماء لاخراج كل نوع كريم على ما فيه من بهجة ولذة يستمتع بها. فهذا كله خلق الله فأين خلق من اشركتموه في عبادته حتى جاز لكم أن تعبدوه من دونه وهذا لا يمكن معه معارضة، وفيه دليل على توحيده تعالى. ثم اخبر تعالى فقال " بل الظالمون " لانفسهم بترك الاعتبار بآيات الله " في ضلال مبين " أي عدول عن الحق بين ظاهر وما دعاهم إلى عبادتها انها تخلق شيئا ولكن ضلالهم بالجهل الذي اعتقدوه من التقرب بذلك إلى الله وانها

[ 275 ]

تقربهم إلى الله زلفى. ثم اخبر تعالى انه اعطى لقمان الحكمة، فقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: لم يكن لقمان نبيا. وقال عكرمة: كان نبيا. وقيل: انه كان عبدا أسودا حبشيا ذا سفة. فقال له بعض الناس: ألست الذي كنت ترعى معنا ؟ فقال: نعم. فقال له: من اين أوتيت ما أرى ؟ فقال: بصدق الحديث والصمت عما لا يعنيني. والحكمة التي آتى الله لقمان هو معرفته بتوحيده، ونفي الشرك عنه. وما فسرناه في ما بعد وهو ان أمره بأن يشكر لله على نعمه التي أنعم بها عليه. ثم اخبر تعالى فقال " ومن يشكر فانما يشكر لنفسه " أي من يشكر نعمة الله ونعمة من أنعم عليه، فانه يشكر لنفسه، لان ثواب شكره عائد عليه " ومن كفر فان الله غني حميد " أي من جحد نعمة الله، فانه تعالى غني عن شكره حميد على أفعاله، وعقاب ذلك عائد على الكفار دون غيرهم، والشكر لا يكون إلا على نعمة سبقت، فهو يقتضي منعما، فلا يصح على ذلك أن يشكر الانسان نفسه، لانه لا يجوز أن يكون منعما عليها، وهو جرى مجرى الدين في أنه حق لغيره عليه يلزمه أداؤه، فكما لا يصح أن يقرض نفسه فيجب أن يقضي ذلك الدين لنفسه، فكذلك لا يصح أن ينعم على نفسه فيلزمه شكر تلك النعمة ثم قال تعالى وأذكر يا محمد " إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم " إذ قال له لا تعبد مع الله غيره فان من فعل ذلك فقد ظلم نفسه ظلما عظيما. ويجوز أن يتعلق قوله " وإذ قال لقمان " بقوله " ولقد آتينا لقمان الحكمة... إذ قال لابنه... لا تشرك بالله " ثم قال تعالى " ووصينا الانسان بوالديه " أي وصيناه وأمرناه بالاحسان إلى والديه. والرفق بهما " حملته امه وهنا على وهن " قال الضحاك: معناه ضعفا على ضعف

[ 276 ]

أي ضعف نطفة الوالد إلى ضعف نطفة الام. وقيل: هو ما يلحقها بحملها إياه مرة بعد مرة من الضعف. وقيل: بل المعنى شدة الجهد، قال زهير: فان يقولوا بجعل واهن خلق * لو كان قومك في اسبابه هلكوا (1) وقال ابن عباس " وهن على وهن " أي شدة على شدة. وقيل: ضعف الولد حالا بعد حال، لانه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظما ثم مولودا. وقوله " وفصاله في عامين " يعني قطامه في انقضاء عامين. وقيل: نزلت في سعد بن ابي وقاص حلفت أمه لا تأكل طعاما حتى تموت أو يرجع سعد ابنها فلما رأته بعد ثلاث لا يرجع عن الاسلام أكلت. ثم قال " أن اشكر لي ولوالديك " أي وصيناه بأن اشكر لي على نعمي، واشكر والديك أيضا على ما أنعما عليك. ثم قال " إلي المصير " فيه تهديد أي إلي مرجعكم، فاجازيكم أيها الناس على حسب عملكم. ثم قال " وإن جاهداك " يعني الوالدين أيها الانسان " على أن تشرك بي " معبودا آخر " فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معرفا " أي احسن اليهما في الدنيا وارفق بهما. ثم قال " واتبع سبيل من أناب إلي " أي رجع إلى طاعتي من النبي والمؤمنين " ثم إلي مرجعكم " أي منقلبكم " فانبئكم " أي اخبركم " بما كنتم تعملون " في دار الدنيا من الاعمال. واجازبكم عليها بحسبه، وقرأ ابن كثير، إلا ابن فليح " يا بني لا تشرك بالله " بسكون الياء الباقون بتشديدها وكسرها، إلا حفصا فانه فتحها على اصله " يا بني أقم


(1) هو زهير بن ابي سلمى. ديوانه (دار بيروت) 51 وروايته (فلن) بدل (فان) (*)

[ 277 ]

الصلاة " بفتح الياء، وابن كثير إلا قنبلا وحفص، الباقون بكسر الياء. فوجه السكون أنه أجرى الوصل كالوقف، ووجه الفتح على الاضافة، وحذف ما قبلها لاجتماع ثلاث يا آت.. والكسر على الاجتزاء بها من ياء الاضافة، وعندنا أن الرضاع بعد الحولين يحرم لقوله " وفصاله في عامين " ولقوله عليه السلام لا رضاع بعد الحولين. قوله تعالى: * (يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الارض يأت بها الله إن الله لطيف خبير (16) يا بني أقم الصلوة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور (17) ولا تصعر خدك للناس ولا تمش في الارض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور (18) واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الاصوات لصوت الحمير (19) ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير) * (20) خمس آيات بلا خلاف.

[ 278 ]

قرأ ابن كثير وعاصم وابن عامر " ولا تصعر " بغير ألف في التصعير. الباقون " تصاعر " بألف. وقرأ اهل المدينة " مثقال حبة " رفعا. الباقون نصبا من رفعه جعل (كان) بمعنى حدث، ووقع، ولم يجعل لها خبرا. ومن نصب فعلى أنه خبر (كان) والاسم مضمر فيها أي إن تك الحبة مثقال. وقرأ نافع وأبو جعفر وابن كثير وابو عمرو وحفص عن عاصم " نعمه " على لفظ الجمع. الباقون " نعمة " على التوحيد. يقول الله تعالى مخبرا عن لقمان ووصيته لابنه، وأنه قال " يا بني أنها إن تك مثقال حبة من خردل " من خير أو شر (فتكن) عطف على الشرط فلذلك جزمه. وتقديره: إن تلك الحبة لو كانت في جوف صخرة، وهي الحجر العظيم أو تكون في السموات أو الارض " يأت بها الله " ويحاسب عليها ويجازي لانه لا يخفى عليه شئ منها، ولا يتعذر عليه الاتيان بها أي موضع كانت، لانه قادر لنفسه لا يعجزه شئ عالم لنفسه لا تخفى عليه خافية. وقوله " يأت بها الله " معناه إنه يجازي بها ويواقف عليها فكأنه أنى بها وإن كانت أفعال العباد لا يصح إعادتها، ولو صح اعادتها لما كانت مقدورة لله. وإنما أراد ما قلناه، وفي ذلك غاية التهديد والحث على الاخذ بالحزم. والهاء في قوله " انها " قيل: انها عماد وهو الضمير على شريطة التفسير. وقيل: (إنها) كناية عن الخطيئة أو الفعلة التي تقتضي الجزاء، وهي المضمرة في تلك وانما أنث مثقال، لانه مضاف إلى مؤنث وهي الحبة، كما قيل: ذهبت بعض اصابعه. وكما قيل: [ وتشرق بالقول الذي قد اذعته ] شرقت صدر القناة من الدم (1)


(1) قائله الاعشى، ديوانه 183، واللسان (شرق) (*)

[ 279 ]

والصخرة وإن كانت في الارض أو في السماء، فذكر السموات والارض بعدها مبالغة كقوله " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق " (1) وقد قال بعض المفسرين: ان الصخرة خارجة عن السموات والارض، وهو ايضا جائز. وقرأ قتادة " فتكن في صخرة " بكسر الكاف مخففا من (وكن يكن) أي جعل الصخرة كالوكنة. وهو عش الطائر. ذكره ابن خالويه. وحكاه عن ابن مجاهد سماعا، واستحسنه. وقوله " ان الله لطيف خبير " قال قتادة: معناه - ها هنا - لطيف باستخراجها، خبير بمستقرها. واللطيف القادر الذي لا يحفو عن عمل شئ، لان من القادرين من يحفو عن عمل اشياء كثيرة كاخراج الجزء الذي لا يتجزأ وتأليفه إلى مثله، فهو فان كان قادرا عليه، فهو ممتنع منه، لانه يحفو عن عمل مثله. والخبير العالم وفيه مبالغة في الصفة، مشتق من الخبر. ولم يزل الله خبيرا عالما بوجوه ما يصح أن يخبر به، والمثقال مقدار يساوي غيره في الوزن، فمقدار الحبة مقدار حبة في الوزن. وقد صار بالعرف عبارة عن وزن الدينار، فإذا قيل: مثقال كافور أو عنبر، فمعناه مقدار الدينار بالوزن. ثم حكى ما قاله لقمان لابنه ايضا قال له " يا بني اقم الصلاة " أي دم عليها وأقم حدودها وشرائطها " وأمر بالمعروف " والمعروف هو الطاعات " وانه عن المنكر " وهي القبائح سواء كانت قبائح عقلية أو شرعية " واصبر على ما أصابك " من الناس في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر من المشقة والاذى وفي ذلك دلالة على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وإن كان فيه


(1) سورة 96 العلق آية 2 (*)

[ 280 ]

بعض المشقة. ثم قال " إن ذلك " أي ما ذكره من الامر بالمعروف والنهي عن المنكر " من عزم الامور " من العقد الصحيح على فعل الحسن بدلا من القبيح، والعزم العقد على الامر لتوطين النفس على فعله وهي الارادة المتقدمة للفعل بأكثر من وقت، لان التلون في الرأي يناقض العزم. قال الله تعالى " فاصبر كما صبر اولوا العزم من الرسل " (1). ثم حكى ما قال لقمان لابنه، فانه قال له ايضا " ولا تصعر خدك للناس " ومعناه لا تعرض بوجهك عن الناس تكبرا - ذكره ابن عباس - واصل الصعر داء يأخذ الابل في اعناقها أو رؤسها حتى يلفت أعناقها فتشبه به الرجل المتكبر على الناس. وقال عمر بن جني الثعلبي واضافه المبرد إلى الفرزدق: وكنا إذا الجبار صعر خده * أقمنا له من مثله فتقوما (2) قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون تصعر وتصاعر بمعنى، كقولهم ضعف وضاعف، قال أبو الحسن (لا تصاعر) لغة اهل الحجاز و (لا تصعر) لغة بني تميم. والمعنى ولا تتكبر، ولا تعرض عنهم تكبرا " ولا تمش في الارض مرحا " أي مشي مختال متكبر " ان الله لا يحب كل مختال فخور " فالاختيال مشية البطر، قال مجاهد: المختال المتكبر، والفخر ذكر المناقب للتطاول بها على السامع، يقال: فخر يفخر فخرا وفاخره مفاخرة وفخارا، وتفاخرا تفاخرا وافتخر افتخارا. ثم قال له " واقصد في مشيك " أي اجعل مشيك مشي قصد، لا تمشي مشي مختال ولا متكبر " واغضض من صوتك " أي لا ترفع صوتك متطاولا لانه مذموم " ان انكر الاصوات لصوت الحمير " قال الفراء: معناه إن اشد


(1) سورة 46 الاحقاف آية 35 (2) مجاز القرآن 2 / 172

[ 281 ]

الاصوات. وقال غيره: معناه أقبح الاصوات - في قول مجاهد - كما يقال: هذا وجه منكر. ثم نبههم على وجوه نعم الله على خلقه. فقال " ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الارض " أي ذلله لكم تتصرفون فيه بحسب ما تريدون من أنواع الحالات من الثمار والبهائم، وغير ذلك " واسبغ عليكم نعمه " ظاهرة أي وسع عليكم نعمه، والسابغ الواسع الذي يفضل عن مقدار القوت. وقوله " ظاهرة وباطنة " أي من نعمه ما هو ظاهر لكم لا يمكنكم جحده: من خلقكم، واحيائكم واقداركم، وخلق الشهوة فيكم وضروب نعمه، ومنها ما هو باطن مستور لا يعرفها إلا من أمعن النظر فيها وقيل: النعم الباطنة مصالح الدين والدنيا، مما لا يشعرون به. وقيل: سخر لكم ما في السموات من شمس وقمر ونجم وسحاب، وما في الارض من دابة وشجر وثمار، وغير ذلك مما تنتفعون به في اقواتكم ومصالحكم. ثم قال تعالى * (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم) * اي يخاصم ولا علم له بما يقوله، ويجادل فيه * (ولا هدى) * أي ولا حجة على صحة ما يقوله * (ولا كتاب منير) * أي، ولا كتاب من عند الله منير أي ظاهر عليه نور وهدى. قوله تعالى: * (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (21) ومن يسلم وجهه إلى الله وهو محسن فقد استمسك

[ 282 ]

بالعروة الوثقى وإلى الله عاقبة الامور (22) ومن كفر فلا يحزنك كفره إلينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا إن الله عليم بذات الصدور (23) نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ (24) ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون) * (25) خمس آيات بلا خلاف. حكى الله سبحانه عن الكفار وسوء اختيارهم أنه * (إذا قيل لهم اتبعوا ما انزل الله) * من القرآن والاحكام واعملوا بموجبه واقتدرا به * (قالوا) * في الجواب عن ذلك * (بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا) * من عبادة الاصنام، ولا نتبع ذلك، فقال الله تعالى منكرا عليهم * (أو لو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير) * ومعناه إنكم تتبعون ما وجدتم عليه آباءكم، ولو كان ذلك يدعوكم إلى عذاب جهنم !. وادخل على واو العطف ألف الاستفهام على وجه الانكار. ثم قال * (ومن يسلم وجهه إلى الله) * أي يوجه طاعته إلى الله ويقصد وجهه بها دون الرياء والسمعة * (وهو محسن) * اي لا يخلط طاعاته بالمعاصي * (فقد استمسك بالعروة الوثقى) * أي من فعل ما وصفه فقد تعلق بالعروة الوثيقة التي لا يخشى انتقاضها، والتوثق امتناع سبب الانتقاض، لان البناء الموثق قد جعل على امتناع سبب الانتقاض، وما ليس بموثق على سبب الانتقاض. ثم قال * (والى الله عاقبة الامور) * أي إليه ترجع أواخر الامور على وجه

[ 283 ]

لا يكون لاحد التصرف فيها، ولا الامر والنهي. ثم قال لنبيه * (ومن كفر) * يا محمد من هؤلاء الناس * (فلا يحزنك كفره) * أي لا يغمك ذلك * (الينا مرجعهم فننبئهم بما عملوا) * أي نعلمهم باعمالهم ونجازيهم على معاصيهم بالعقاب، * (إن الله عليم بذات الصدور) * أي بما تضمره الصدور، لا يخفى عليه شئ منها. ثم قال * (نمتعهم قليلا) * أي نتركهم يتمتعون في هذه الدنيا مدة قليلة * (ثم نضطرهم) * أي نصيرهم مكرهين * (إلى عذاب غليظ) * يغلظ عليهم ويصعب وهو عذاب النار. ثم قال * (ولئن سألتهم) * يعني هؤلاء الذين كفروا بآيات الله * (من خلق السموات والارض) * ؟ ليقولن في جواب ذلك: الله خلق ذلك، لانهم لا يمكنهم أن يقولوا خلق ذلك الاصنام والاوثان، لانهم يقرون بالنشاة الاولى، ولانهم لو قالوا ذلك لعلم ضرورة بطلان قولهم، فقل عند ذلك يا محمد * (الحمد لله) * على هدايته وتوفيقه لنا بالمعرفة له * (بل اكثرهم لا يعلمون) * انكم وفقكم الله لمعرفته. قوله تعالى: * (لله ما في السموات والارض إن الله هو الغني الحميد (26) ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله إن الله عزيز حكيم (27) ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير (28) ألم تر أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر

[ 284 ]

الشمس والقمر كل يجري إلى أجل مسمى وأن الله بما تعملون خبير (29) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه الباطل وأن الله هو العلي الكبير) * (30) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو ويعقوب وابن شاهي * (والبحر يمده) * نصبا. الباقون رفعا. من نصبه عطفه على * (ما) * في قوله * (أن ما) * لان موضعها نصب ب‍ * (أن) * لان الكلام لم يتم عند قوله * (أقلام) * فاشبه المعطوف قبل الخبر. قال ابن خالويه: وهذا من حذق ابي عمرو، وجودة تمييزه. وإنما لم يتم الكلام مع الاتيان بالخبر لان (لو) يحتج إلى جواب. ومن رفع استأنف الكلام. اخبر الله تعالى أن له جميع ما في السموات والارض ملك له يتصرف فيه بحسب إرادته لا يجوز لاحد الاعتراض عليه. ثم اخبر انه تعالى * (هو الغني) * الذي لا يحتاج إلى شئ من جميع المخلوقات كما يحتاج غيره من الاحياء المخلوقين وأنه * (الحميد) * مع ذات، يعني المستحق للحمد العظيم، ونقيضه الدميم ويقال (محمود) بمعنى حميد. ومعناه أنه اهل الحمد. ثم قال تعالى * (ولو أن ما في الارض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر) * وفيه حذف، لان المعنى يكتب به كلام الله * (ما نفدت كلمات الله) * والآية تقتضي انه ليس لكلمات الله نهاية بالحكم، لانه يقدر منها على مالا نهاية له. وقال قوم: المعنى ان وجه الحكمة وعجيب الصنعة وإتقانها لا ينفد، وليس المراد به الكلام. وقال أبو عبيدة: المراد بالبحر - ههنا - العذب، لان المالح لا ينبت الافلام. وقال ابن عباس: نزلت الآية جوابا

[ 285 ]

لليهود، لما قالوا قد أوتينا التوراة، وفيها كل الحكمة، فبين الله تعالى أن ما يقدر عليه من الكلمات لا حصر لولا نهاية. والشجر جمع شجرة مثل تمرة وتمر، وهو كل نبات يقوم على ساق ويورق الاغصان. ومنه اشتقت المشاجرة بين الناس في الامر. ومنه قوله * (في ما شجر بينهم) * وشجر تشجيرا وتشاجروا تشاجرا، ومد البحر إذا جرى غيره إليه حالا بعد حال. ومنه المد والجزر. ومد النهر ومده نهر آخر يمده مدا. وقال الفراء: يقولون: أمدد تك الفا فمددت. * (ان الله عزيز حكيم) * معناه عزيز في انتقامه من اعدائه * (حكيم) * في أفعاله. ثم قال * (ما خلقكم) * معشر الخلق * (ولا بعثكم إلا كنفس واحدة) * أي إلا كبعث نفس واحدة أي لا يشق عليه ابتداء جميع الخلق ولا إعادتهم بعد إفنائهم، وأن جميع ذلك من سعة قدرة الله كالنفس الواحدة. إذ المراد أن خلقها لا يشق عليه. وقوله * (إن الله سميع) * أي يسمع ما يقول القائلون في ذلك * (بصير) * بما يضمرونه في قوله " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " وفي ذلك تهديد على المخالفة فيه. ثم قال " ألم تر " يا محمد، والمراد به جميع المكلفين " أن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل " قال قتادة: معناه ينقص من الليل في النهار، ومن النهار في الليل. وقال غيره: معناه إن كل واحد منهما يتعقب الآخر * (وسخر الشمس والقمر كل يجري) * لانهما يجريان على وتيرة واحدة لا يختلفان بحسب ما سخرهما له، كل ذلك يجري * (إلى أجل مسمى) * قدره الله ان يفنيه فيه. وقال الحسن: الاجل المسمى القيامة * (وإن الله) * عطف على * (ألم تر) * فلذلك نصبه، وتقديره: وتعلم * (أن الله بما تعملون خبير) * من

[ 286 ]

قرأ بالياء - وهو عياش عن أبي عمرو - أراد الاخبار. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب. وهو الاظهر. والمعنى * (ان الله بما تعملون) * معشر المكلفين * (خبير) * أي عالم، فيجازيكم بحسب ذلك ليطابق قوله * (الم تر أن الله يولج الليل في النهار) * ثم قال * (ذلك بأن الله هو الحق) * الذي يجب توجيه العبادة إليه * (وأن ما تدعون من دونه الباطل) *. ومن قرأ بالياء فعلى الاخبار عنهم. ومن قرأ بالتاء على وجه الخطاب. يقول الله تعالى: ألم تعلم ان ما يدعون هؤلاء الكفار من الاصنام هو الباطل. ومن قرأ بالياء فعلى: قل لهم يا محمد * (وأن الله هو العلي الكبير) * فالعلي هو الذي علا على الاشياء واقتدر عليها، والكبير معناه العظيم في صفاته لا يستحق صفاته غيره تعالى. وذكر أبو عبيدة - في كتاب المجاز - ان البحر المذكور في الآية البحر العذب، لان المالح لا ينبت الاقلام. قوله تعالى: * (ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (31) وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين * فلما نجيهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور (32) يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم

[ 287 ]

الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (33) إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير) * (34). خمس آيات بصرى وشامي واربع فيما عداهما عدوا * (مخلصين له الدين) * ولم يعده الباقون. يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين منبها لهم على جهات نعمه التي انعم بها عليهم وما يدلهم على انه يستحق العبادة خالصا، فقال * (الم تر) * ومعناه الم تعلم * (ان الفلك) * وهي السفن تجري في البحر بنعمة الله عليكم * (ليريكم من آياته) * اي ليريكم بعض ادلته الدالة على وحدانيته، ووجه الدلالة في ذلك ان الله تعالى يجري الفلك بالرياح التي يرسلها في الوجوه التي تريدون المسير فيها، ولو اجتمع جميع الخلق ليجروا الفلك في بعض الجهات مخالفا لجهة الرياح لما قدروا على ذلك. وفي ذلك اعظلم دلالة على ان المجري لها بالرياح هو القادر الذى لا يعجزه شئ، وذلك بعض الادلة التي تدل على وحدانيته، فلذلك قال * (من آياته) * ثم قال * (إن في ذلك لآيات) * يعني في تسخير الفلك وإجرائها في البحر على ما بيناه لدلالات * (لكل صبار) * يعني الصبار على مشاق التكليف. وعلى الم المصائب، وأذى الكفار * (شكور) * لنعم الله عليهم واضاف الآيات إليهم لما كانوا هم المنتفعين بها، وانما ذكر * (كل صبار شكور) * لان الصبر عليه بأمر الله، والشكر لنعم الله من افضل

[ 288 ]

ما في المؤمن. وقال الشعبي: الصبر نصف الايمان، والشكر نصف الايمان فكأنه قال: لكل مؤمن. ثم قال تعالى * (وإذا غشيهم موج) * يعني إذا غشي اصحاب السفن الراكبي البحر موج، وهو هيجان البحر * (كالظلل) * أي الماء في ارتفاعه وتغطيته ما تحته كالظلل، قال النابغة الجعدي: يصف البحر: يغاشيهن اخضر ذو ظلال * على حافاته فلق الدنان (1) شبه الموج لانه يجئ منه شئ بعد شئ بالسحاب الذي يركب بعضه فوق بعض، ويكون اسودا بما فيه من الماء " دعوا الله مخلصين له الدين " أي طاعة العبادة، فالاخلاص إفراد المعنى من كل شائب كان من غيره، أي يخلصون الدعاء في هذه الحال لله تعالى دون الاصنام وجميع ما يعبدونه من دون الله " فلما نجاهم " أي خلصهم إلى البر وسلمهم من هول البحر " فمنهم مقتصد " قال قتادة: يعني منهم مقتصد في قوله مضمر لكفره. وقال الحسن: المقتصد المؤمن. وقيل: مقتصد على طريقة مستقيمة " وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور " فالختار الغدار بعهده أقبح الغدر، وهو صاحب ختل وختر أي غدر قال عمرو ابن معدي كرب: فانك لو رأيت أبا عمير * ملات يديك من غدر وختر (2) وقال الحسن ومجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: الختار الغدار، ثم خاطب تعالى جميع المكلفين من الناس فقال " يا ايها الناس اتقوا ربكم " امرهم باجتناب معاصيه خوفا من عقابه " واخشوا يوما لا يجزي والد عن


(1، 2) مجاز القرآن 2 / 129 (*)

[ 289 ]

ولده... " يعني يوم القيامة الذي لا يغني فيه أحد عن احد، لا والد عن ولده ولا ولد عن والده، يقال: جزيت عنك أجزي إذا أغنيت عنك. وفيه لغة أخرى: أجزأ يجزئ من أجزأت بالهمزة. ثم قال " ان وعد الله حق " اي الذي وعدته من الثواب والعقاب حق لا خلف فيه " فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور " قال مجاهد وقتادة والضحاك: الغرور الشيطان. وقال سعيد بن جبير: هو يمنيك المغفرة في عمل المعصية. قال أبو عبيدة: الغرور كل شئ غرك حتى تعصي الله، وتترك ما أمرك به الله، شيطانا كان أو غيره، فهو غرور. وهو أحسن، لانه أعم. ثم قال تعالى " إن الله عنده علم الساعة " يعني وقت قيام القيامة يعلمه تعالى لا يعلمه سواه " وينزل الغيث " أي وهو الذي يعلم وقت نزول الغيث بعينه وهو الذي " يعلم ما في الارحام " من ذكر أو أنثى " وما تدرى نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت " يقال: بأي ارض وبأية ارض. من قال: بأي، فلان تأنيث الارض بالصيغة لا باللفظ. ومن قال: بأية ارض فلان الارض مؤنثة. والمعنى انه لا يعلم موت الانسان في أي موضع من البلاد يكون سواه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله إن هذه الخمسة اشياء مما لا يعلمها غيره تعالى على التفصيل والتحقيق " إن الله عليم " بتفصيل ذلك " خبير " به لا يخفي عليه شئ من ذلك. وسأل البلخي نفسه، فقال: إذا قلتم: إن من اعتقد الشئ على ما هو به تقليدا أو تخمينا أو تنجيما يكون عالما، فلو أن إنسانا أعتقد ان امرأة تلد ذكرا أو رجلا يموت في بلد بعينه أو يكسب في الغد كذا، فوافق ذلك اعتقداده، فيجب

[ 290 ]

ان يكون عالما، ويبطل الاختصاص في الآية ؟ ! وأجاب: إن ذلك وإن كان جائزا، فانه لا يقع لظاهر الآية. وهذا غير صحيح، لان من المعلوم ضرورة أن الانسان يخبر شيئا فيعتقده، فيكون على ما اعتقده من هذه الاشياء الخمسة. وانما لا يكون علما، لانه لا تسكن نفسه إلى ذلك، فأما المنع من وقوعه فمعلوم خلافه.

[ 291 ]

32 - سورة السجدة مكية في قول قتادة ومجاهد وغيرهما. وقال الكلبي ومقاتل: ثلاث آيات منها مدنية قوله " أفمن كان مؤمنا " إلى تمام ثلاث آيات. وهي ثلاثون آية كوفي وحجازي وشامي. وتسع وعشرون آية بصري. بسم الله الرحمن الرحيم * (الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (2) أم يقولون افتريه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتيهم من نذير من قبلك لعلهم يهتدون (3) ألله الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش مالكم من دونه من ولي ولا شفيع أفلا تتذكرون (4) يدبر الامر من السماء إلى الارض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون) * (5).

[ 292 ]

خمس آيات كوفي وأربع فيما عداه عدوا " ألم " آية ولم يعدها الباقون. روي عن النبي صلى الله عليه واله أنه كان يقرأ في كل ليلة سورة السجدة " الم تنزيل " و " تبارك الذي بيده الملك ". و " تنزيل " رفع على انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره " الم " هو تنزيل. ويجوز أن يكون (تنزيل) رفعا بالابتداء، وخبره " لا ريب فيه " ذكره الزجاج. وقد تكرر القول بأن أوائل امثال هذه السور أقوى الاقوال فيها انها أسماء للسورة، ورجحناه على غيره من الاقوال. والتلفظ بحروف الهجاء ينبغي ان يكون على الوقف، لانها مبنية على السكون من حيث كانت حكاية للاصوات. وقوله " تنزيل الكتاب " أي هذه الآيات هي تنزيل الكتاب الذي وعدتم به " لا ريب فيه " أي لا شك فيه أنه وحي من الله. والمعنى أنه لا ريب فيه عند المهتدين، وإن كان ارتاب به حلق من المبطلين. وهو مثل قول القائل: لا ريب في هذا انه ذهب أي عند من رآه واعتبره. وقيل: معنى " لا ريب فيه " خبر والمراد به النهي، والمعنى لا ترتابوا به، والريب الشك. وقيل: هو اقبح الشك. ووجوه الحكم في الكتاب البيان عن كل ما تدعو الحكمة إلى تميز الحق فيه من الباطل بالبرهان عليه مما يحتاج إليه في الدين الذي يرضى به رب العالمين، وهو على وجهين: حجة، وموعظة، واعتماد الحجة على تبين ما يؤدي إلى العلم بصحة الامر، واعتماد الموعظة على الترغيب والترهيب، وفي الموعظة من جهة التحذير بما تضمنه أي يقرب ما في السورة المسمى به من الحكم، وفيه حجة على العبد من جهة انه قد دل به على ما يجب أنه يعتقد تعظيمه وبعمل به. وقوله " من رب العالمين " أي هو تنزيل من عند الله الذي خلق الخلائق. وقوله " ام يقولون افتراه " فهذه (أم) منقطعة، ومعناها (بل) وتقديره:

[ 293 ]

بل يقولون افتراه، ففيها معنى (بل) والالف إذا كانت معادلة فمعناها (أو) مع الاستفهام، و (افتراه) معناه افتعله، بل قال تعالى ليس الامر على ما قالوه " بل هو الحق " من عند الله والحق هو كل شئ كان معتقده على ما هو به مما يدعو العقل إليه واستحقاق المدح عليه. وتعظيمه الكتاب حق، لان من اعتقد أنه من عند الله كان معتقده على ما هو به. والباطل نقيض الحق، وهو ما كان معتقده لا على ما هو به. وقوله " بل هو الحق من ربك " فيه دلالة على بطلان مذهب المجبرة لان الله تعالى أنزله ليهتدي به الخلق لا ليضلوا به عن الدين، والمجبرة تزعم انه أراد ضلال الكفار عن الدين فيجب كونه منزلا ليضل الكفار عن الدين. وقوله " لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك " لا ينافي قوله " وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " (1) لان الحسن، قال: المعنى وإن من امة أهلكت بالعذاب إلا من بعد أن جاءهم نذير ينذرهم بما حل بهم. وهذا خطاب للنبي صلى الله عليه واله يقول الله تعالى له " لتنذر " أي لتخوف يا محمد " قوما " لم يأتهم مخوف قبلك، يعني أهل الفترة من العرب، فكانوا كأنهم في غفلة عما لزمهم من حق نعم الله وما خلقهم له من العبادة. وقد كان اسماعيل عليه السلام نذيرا لمن أرسل إليه. ثم قال " الله الذي خلق السموات والارض " أي اخترعهما وانشأها وخلق " ما بينهما في ستة أيام " أي في ما قدره ستة أيام، لانه قبل خلق الشمس لم يكن ليل ولا نهار. وقوله " ثم استوى على العرش " أي استوى عليه بالقهر والاستعلاء، وقد فسرناه في ما مضى (2) ودخلت " ثم " على (استوى على العرش)


(1) سورة 35 فاطر آية 24 (2) انظر 4 / 452 (*)

[ 294 ]

وإن كان مستعليا على الاشياء قبلها، كما دخلت حتى في قوله " ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرى " (1) وتقديره ثم صح معنى استوى على العرش باحداثه، وكذلك حتى يصح معنى " نعلم المجاهدين " أي معنى وصفهم بهذا وذلك لا يكون إلا بعد وجود الجهاد من جهتهم. وقوله " مالكم من دونه من ولي ولا شفيع " نفي منه تعالى أن يكون للخلق ناصر ينصرهم من دون الله أو شفيع يشفع لهم، كما كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى. ثم قال " افلا تتذكرون " في ما قلناه وتعتبرون به، فتعلموا صحة ما بيناه لكم. وقوله " يدبر الامر من السماء إلى الارض " معناه ان الذي خلق السموات والارض وما بينهما في هذه المدة يدبر الامور كلها، ويقدرها على حسب إرادته في ما بين السماء والاض، وينزله مع الملك إلى الارض " ثم يعرج إليه " يعني الملك يصعد إلى المكان الذي أمره الله تعالى أن يعرج إليه، كما قال ابراهيم: " اني ذاهب إلى ربي " (2) أي ارض الشام التي امرني ربي. ولم يكن الله بأرض الشام، ومثله قوله تعالى " ومن بخرج من بيته مهاجرا إلى انه ورسوله " (3) يريد إلى المدينة. ولم يكن الله في المدينة. وقوله " في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون " قال ابن عباس، والضحاك: معناه يوم كان مقداره لو ساره غير الملك ألف سنة مما يعده البشر. وقيل: معناه خمس مئة عام نزول وخمس مئة عام صعود، فذلك ألف سنة. وقال قوم: يجوز ان يكون يوم القيامة يوما له اول وليس له آخر. وقته اوقاتا يسمى بعضها الف سنة وبعضها خمسين الف


(1) سورة 47 محمد آية 31 (2) سورة 37 الصافات آية 99 (3) سورة 4 النساء آية 99 (*)

[ 295 ]

سنة. وقيل: ان معنى " وإن يوما عند ربك كألف سنة " انه فعل في يوم واحد من الايام الستة التي خلق فيها السموات والارض ما لو كان يجوز أن يفعله غيره. لما فعله إلا في الف سنة. وقيل: ان معناه إن كل يوم من الايام الستة التي خلق فيها السموات كألف سنة من أيام الدنيا. قوله تعالى: * (ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم (6) الذي أحسن كل شئ خلقه وبدأ خلق الانسان من طين (7) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (8) ثم سويه ونفخ فيه من روحه وجعل لكم السمع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (9) وقالوا أإذا ضللنا في الارض أإنا لفي خلق جديد * بل هم بلقاء ربهم كافرون) * (10) خمس آيات عراقي لم يعدوا " جديد " آية. وست في ما عداه، لانهم عدوا " جديد " آية. قرأ ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر " احسن كل شئ خلقه " باسكان اللام. الباقون بفتحها. من سكن اللام فعلى تقدير: الذي أحسن خلق كل شئ اي جعلهم يحسنونه والمعنى انه ألهمهم جميع ما يحتاجون إليه. قال الزجاج: ويجوز ان يكون على البدل، والمعنى: احسن كل شئ. ويجوز أن يكون على المصدر وتقديره الذي خلق كل شئ خلقه. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضيا، ومعناه

[ 296 ]

احسن الله كل شئ خلقه على إرادته ومشيئته، وأحسن الانسان وخلقه في احسن صورة. وقيل: معناه إن وجه الحكمة قائم في جميع أفعاله، ووجوه القبح منتفية منها، ووجه الدلالة قائم فيها على صانعها، وكونه عالما. والضمير في قوله " خلقه " كناية عن اسم الله. لما اخبر الله تعالى انه الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام واستولى على العرش، وانه الذي يدبر الامور ما بين السموات والارض بين - ههنا - ان الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو " عالم الغيب والشهادة " أي يعلم السر والعلانية " العزيز " في انتقامه من أعدائه " الرحيم " بعباده، المنعم عليهم، و (الغيب) خفاء الشئ عن الادراك. والشهادة ظهوره للادراك فكأنه قال: يعلم ما يصح أن يشاهد، وما لا يصح أن يشاهد فيدخل في ذلك المعدوم والحياة والموت والقدرة وجميع ما لا يصح عليه الرؤية. والعزيز: هو القادر على منع غيره ولا يقدر الغير على منعه، وأصله المنع من قولهم: من عزبز، من غلب سلب، لان من غلب أسيره فمنعه أخذ سلبه. ثم قال الذي احسن كل شئ خلقه، ومعنى ذلك في جميع ما خلقه الله تعالى وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة، وليس فيه وجه من وجوه القبح. وذلك يدل على ان الكفر والضلال وسائر القبائح ليست من خلقه. ولفظة (كل) وإن كانت شاملة للاشياء كلها، فالمراد به الخصوص - ههنا - لانه أراد ما خلقه الله تعالى من مقدوراته دون مقدور غيره، ونصب قوله " خلقه " بالبدل من قوله " كل شئ " كما قال الشاعر: وظعني اليك الليل حضنيه انني * لتلك إذا هاب الهداي فعول (1)


(1) مجاز القرآن 2 / 130 (*)

[ 297 ]

وتقديره وظعني حضني الليل اليك. وقال الآخر: كأن هندا ثناياها وبهجتها * يوم التقينا على ادحال دباب (1) والمعنى كأن ثنايا هندو بهجة هند. وقوله " وبدأ خلق الانسان من طين " أي ابتدأ خلق الانسان من طين، يريد انه خلق آدم الذي هو أول الخلق من طين، لان الله تعالى خلق آدم من تراب، فقلبه طينا، ثم قلب الطين حيوانا، وكذلك قال " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " (2) وقال - ههنا - و " وبدأ خلق الانسان من طين " وكل ذلك لما في التصريفين دليل وقوله " ثم جعل نسله من سلالة " يعني نسل الانسان الذي هو آدم وولده من سلالة، وهي الصفوة التي تنسل من غيرها خارجة، قال الشاعر: فجاءت به عضب الاديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين (3) " من ماء مهين " قال قتادة: المهين الضعيف. وهو (فعيل) من المهنة. وقوله " ثم سواه " أي عدله ورتب جوارحه " ونفخ فيه " يعني في ذلك المخلوق * (من روحه) * فأضافه إلى نفسه اضافة اختصاص وإضافة ملك على وجه التشريف. ثم قال " وجعل لكم " معاشر الخلق " السمع " لتسمعوا به الاصوات " والابصار " لتبصروا بها المرئيات " والافئدة " أي وخلق لكم القلوب لتعقلوا بها * (قليلا ما تشكرون) * أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير و (ما) زائدة، ويجوز ان تكون مصدرية، والتقدير قليلا شكركم، لان نعم


(1) مجاز القرآن 2 / 130 (2) سورة 3 آل عمران آية 59 (3) مر تخريجه في 7 / 353 (*)

[ 298 ]

الله لا تحصى. ثم حكى عن الكفار فقال * (وقالوا أئذا ضللنا في الارض) * وفيه لغتان فتح اللام وكسرها، وكل شئ غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل فيه، قال الاخطل: كنت القذي في موج اكدر مزبد * قذف الاتي به فضل ضلالا (1) وقال مجاهد وقتادة: معنى * (ضللنا) * هلكنا. وقال أبو عبيدة: همدنا فلم يوجد لهم دم ولا لحم * (أئنا لفي خلق جديد) * حكاية عن تعجبهم وقولهم كيف نخلق خلقا جديدا، وقد هلكنا وتمزقت أجسامنا. ثم قال * (بل) * هؤلاء الكفار * (بلقاء ربهم) * بالعذاب والعقاب * (كافرون) * أي جاحدون، فلذلك قالوا: أإذا ضللنا في الارض أئنا لفي خلق جديد، جعل * (إذا) * منصوبة ب‍ (ضللنا) وتكون في معنى الشرط، ولا توصل إلا بذكر الفاء بعدها، لان * (إذا) * قد وليها الفعل الماضي ولا يجوز أن تنصب (إذا) بما بعدها إذ لا خلاف بين النحويين فيه. وقرأ الحسن * (صللنا) * بالصاد غير منقوطة. ومعناه احد شيئين: احدهما - انتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا، يقال صل اللحم، وأصل إذا أنتن، والثاني - صللنا صرنا من جنس الصلة وهي الارض اليابسة. قوله تعالى: * (قل يتوفيكم ملك الموت الذي وكل بكم ثم إلى ربكم ترجعون (11) ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (12) ولو


(1) مر في 1 / 404 (*)

[ 299 ]

شئنا لآتينا كل نفس هديها ولكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين (13) فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم وذوقوا عذاب الخلد بما كنتم تعملون (14) إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون) * (15) خمس آيات بلا خلاف. أمر الله نبيه صلى الله عليه واله أن يخاطب المكلفين بأن يقول لهم " يتوفاكم ملك الموت " أي يقبض أرواحكم، قال قتادة يتوفاكم ومعه أعوان من الملائكة، والتوفي أخذ الشئ على تمام، قال الراجز: ان بني أدرد ليسوا من أحد * ولا توفاهم قريش في العدد (1) ومنه قوله " الله يتوفى الانفس حين موتها " (2) ويقال: استوفى الدين إذا قبضه على كماله، فملك الموت يتوفى الانسان باخذ روحه على تمام فيعرج بها إلى حيث امره الله تعالى. وقوله " يتوفاكم " يقتضي أن روح الانسان هي الانسان فالاضافة فيها وقعت كما وقعت في نفس الانسان، والملك مشتق من الالوكة وهي الرسالة كما قال الهذلي. الكني إليها وخير الرسو * ل أعلمهم بنواحي الخبر (3) وقوله " الذي وكل بكم " صفة للملك الذي يتوفى الانفس، وأن الله


(1) مر في 3 / 304 و 4 / 169 (2) سورة 39 الزمر آية 42 (3) مر في 8 / 11 (*)

[ 300 ]

قد وكله بمعنى فوض إليه قبض الارواح. والتوكيل تفويض الامر إلى غيره للقيام به، وكله توكيلا، وتوكل عليه توكلا، ووكله يوكله وكالة. وقوله " ثم إلى ربكم ترجعون " معناه إنكم إلى جزاء الله من الثواب والعقاب تردون. وانما جعل الرجوع إلى الجزاء رجوعا إليه تفخيما للامر. وقيل: معناه تردون إلى ان لا يملك لكم أحد ضرا ولا نفعا إلا الله تعالى. وفيه تعظيم لهذه الحال. واقتضى الوعيد. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " ولو ترى " يا محمد " إذ المجرمون " فجواب (لو) محذوف وتقديره: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم إذا بعثوا، من الندم على تفريطهم في الايمان لرأيتم ما تعتبرون به. والخطاب للنبي صلى الله عليه واله والمراد به الامة " ناكسوا رؤسهم " من الغم. وقيل: من الحياء والخزي مما ارتكبوه من المعاصي " عند ربهم " يعني يوم القيامة الذي يتولى الله تعالى حساب خلقه. وفي الكلام حذف لان تقديره قائلين " ربنا أبصرنا وسمعنا " ومعناه أبصرنا الرشد وسمعنا الحق. وقيل: معناه أبصرنا صدق وعدك وسمعنا تصديق رسلك. وقيل معناه: إنا كنا بمنزلة العمي، فقد أبصرنا، وبمنزلة الصم، فسمعنا " فارجعنا " أي ردنا إلى دار التكليف " نعمل صالحا " من الطاعات غير الذي كنا نعمل من المعاصي " إنا موقنون " اليوم لا نرتاب بشئ من الحق والرسالة. ثم قال تعالى مخبرا عن نفسه " ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها " ومعناه الاخبار عن قدرته انه يقدر على إلجائهم إلى الايمان بان يفعل أمرا من الامور يلجئهم إلى الاقرار بتوحيد الله، لكن ذلك يبطل الغرض بالتكليف، لان المقصود استحقاق الثواب، والالجاء لا يثبت معه استحقاق الثواب وقال الجبائي يجوز أن يكون المراد ولو شئنا لاجبناهم إلى ما سألوا ولرددتهم إلى دار التكليف

[ 301 ]

ليعملوا بالطاعات " ولكن حق القول مني " أن اجازيهم بالعقاب، ولا أردهم وقيل: ولو شئنا لهديناهم إلى الجنة " ولكن حق القول مني " أي أخبرت وأوعدت أني " لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين " بكفرهم بالله وجحدهم وحدانيته وكفرانهم نعمه. ثم حكى تعالى ما يقال لمن تقدم ذكره الذين طلبوا الرجوع إلى دار التكليف، فانه يقال لهم يوم القيامة، إذا حصلوا في العذاب " فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا " أي انما فعلتم فعل من نسي لقاء جزاء هذا اليوم، فتركتم ما أمركم الله به وعصيتموه " انا نسيناكم " أي فعلنا معكم جزاء على ذلك فعل من نسيكم يعني من ثوابه، وترككم من نعيمه. والنسيان الترك. ومنه قوله " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي " (1) وقال النابغة: سفود شرب نسوه عند مفتأد (2) أي تركوه فلم يستعملوه، قال المبرد، لانه لو كان المراد النسيان الذي هو ضد الذكر لجاز أن يكونوا استعملوه " وذوقوا عذاب الخلد " الذي لا فناء له جزاء " بما كنتم تعملون " من المعاصي. ثم اخبر تعالى عن حال المؤمنين ووصفهم بأن المؤمن على الحقيقة الكامل الايمان بآيات الله وبحججه " هم الذين إذا ذكروا " بحجج الله وتليت عليهم آياته خروا سجدا شكرا على ما هداهم لمعرفته وأنعم عليهم من فنون نعمه ونزهوا الله تعالى عما لا يليق به من الصفات وعن الشرك به حامدين لربهم غير مستكبرين ولا مستنكفين من الطاعة.


(1) سورة 20 طه آية 115 (2) مر هذا البيت كاملا في 6 / 87 (*)

[ 302 ]

قوله تعالى: * (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا لا يستون (18) أما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم جنات المأوى نزلا بما كانوا يعملون (19) وأما الذين فسقوا فماويهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها وقيل لهم ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) * (20) خمس آيات بلا خلاف. قرأ " اخفي " باسكان الياء حمزة ويعقوب. الباقون - بفتح الياء - من سكن الياء جعله فعلا مستقبلا وحجته قراءة عبد الله " ما تخفي لهم " ومن فتح جعله فعلا ماضيا على ما لم يسم فاعله، فعلى قراءة حمزة (ما) نصب مفعول به، وعلى ما في القرآن إن موضع (ما) رفع بما لم يسم فاعله. والله فاعله و * (قرة أعين) * شئ أعده الله لعباده لم يطلعهم عليه في دنياهم، كما قال النبي صلى الله عليه واله (هو مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) وصف الله تعالى المؤمنين الذين ذكرهم في الآية الاولى في هذه الآية بأن قال: وهم الذين لا يستنكفون عن عبادته " تتجافى جنوبهم عن المضاجع " أي يرتفعون عن

[ 303 ]

مواضعهم التي ينامون عليها فالتجافي تعاطي الارتفاع عن الشئ، ومثله النبو يقال جفا عنه يجفو جفاء إذا نبا عنه. وتجافى عنه يتجافى تجافيا، واستجفاه استجفاء والمضجع موضع الاضجاع، والاضطجاع هو القاء النفس " يدعون ربهم " أي داعين ربهم الذي خلقهم وأوجدهم * (خوفا) * من عذابه يسألونه المغفرة * (وطمعا) * في ثوابه. وانتصب * (خوفا، وطمعا) * على انه مفعول له أي للخوف وللطمع * (ومما رزقناهم ينفقون) * في طاعة الله وسبيل ثوابه. ووجه المدح بذلك أن هؤلاء المؤمنين يقطعهم اشتغالهم بالدعاء لله عن طيب المضطجع لما يأملون به من الخير والبركة من الله تعالى، لان آمالهم مصروفة إليه، واتكالهم في أمورهم عليه، وقال الشاعر في التجافي: وصاحبي ذات هباب دمشق * وابن ملاط متجاف ادفق (1) أي متنح عن كركرتها، وقال أنس وقتادة: انه مدح قوما كانوا يتنفلون بين المغرب والعشاء. وقال الضحاك: انهم كانوا يذكرون الله بالدعاء والتعظيم وقال قتادة: * (خوفا) * من عذاب الله * (وطمعا) * في رحمة الله * (ومما رزقناهم ينفقون) * في طاعة الله. وقال أبو جعفر، وابو عبد الله عليهما السلام الآية متناولة لمن يقوم إلى صلاة الليل عن لذيذ مضجعه وقت السحر، وبه قال معاذ والحسن ومجاهد. وقال عبد الله بن رواحة في صفة النبي صلى الله عليه واله: يبيت يجافي جنبه عن فراشه * إذا استثقلت بالمشركين المضاجع ثم قال تعالى * (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين) * تحتمل (ما) في قوله * (ما أخفي) * أن تكون بمعنى الذي ويكون موضعها النصب، ويحتمل أن تكون بمعنى (أن) ويكون موضعها الرفع، وتكون الجملة في موضع نصب، والمعنى


(1) مجاز القرآن 2 / 132 (*)

[ 304 ]

ليس يعلم أحد كنه ما أعد الله لهؤلاء المؤمنين الذين تقدم وصفهم من انواع اللذات والاشياء التي تقر أعينهم بها على كنه معرفتها. وقولهم قرت عيناه أي فرحها الله. لان المستبشر الضاحك يخرج من عينه ماء بارد من شؤونه. والباكي جزعا يخرج من عينيه ماء سخن من الكبد، ومنه قولهم: سخنت عينه - بكسر الخاء - * (جزاء بما كانوا يعملون) * من الطاعات في دار التكليف، وانما نفى العلم عنهم مع أن المؤمن يعلم أنه مستحق للثواب، لان العلم بالشئ يكون من وجهين: احدهما - ان يعلم الشئ على طريق الجملة، وهو الذى يحصل للمؤمن في دار التكليف. والآخر - ان يحصل على طريق التفصيل، وذلك موقوف على مشاهدتهم للثواب الذي يرونه عند زوال التكليف وحضور الثواب. ثم قال تعالى * (أفمن كان مؤمنا) * مصدقا بالله عارفا به وبأنبيائه عاملا بما اوجبه الله عليه وندبه إليه * (كمن كان فاسقا) * خارجا عن طاعة الله بارتكاب معاصيه على وجه الانكار لذلك، فلذلك جاء به على لفظ الاستفهام، ثم اخبر تعالى بأنهم * (لا يستوون) * قط، لان منزلة المؤمن الثواب وانواع اللذات، ومنزلة الفاسق العذاب وفنون العقاب. ثم فسر ذلك بما قال بعده فقال * (اما الذين آمنوا) * بالله وصدقوه وصدقوا أنبياءه * (وعملوا الصالحات) * وهي الطاعات مع ذلك * (فلهم جنات المأوى) * فالمأوى المقام اي لهم هذه البساتين التي وعدهم الله بها يأوون إليها * (نزلا بما كانوا يعملون) * أي في مواضع لهم ينزلون فيها مكافأة لهم على طاعاتهم التي عملوها. وقال الحسن: * (نزلا) * أي عطاء نزلوه * (وأما الذين فسقوا) * بخروجهم عن طاعة الله إلى معاصيه * (فمأواهم النار) * يأوون إليها نعوذ بالله منها * (كلما أرادوا ان يخرجوا منها) * أي كلما كادوا وهموا

[ 305 ]

بالخروج منها لما يلحقهم من العذاب * (اعيدوا فيها) * أي ردوا فيها وقال الحسن: كلما كادوا الخروج منها لانها ترميهم بلهبها ضربوا بمقامع حتى يعودوا فيها، وقيل: لهم مع ذلك على وجه التقريع والتبكيت * (ذوقوا عذاب النار الذي كنتم به تكذبون) * اي العذاب الذي كنتم به تجحدون في دار الدنيا ولا تصدقون به. وقال ابن ابي ليلى: نزلت الآية في رجل من قريش وعلي عليه السلام وقال غيره: إن هذه الآيات نزلت في علي ابن أبي طالب عليه السلام والوليد بن عقبة بن ابي معيط، فالمؤمن المراد به علي عليه السلام والفاسق هو الوليد بن عقبة، روي انه لقيه يوما فقال لعلي: انا أبسط منك لسانا واحد منك سنانا، فقال علي: عليه السلام ليس كما قلت يا فاسق. فنزل قوله * (أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا....) * فقال قتادة: والله ما استووا، لا في الدنيا ولا في الآخرة ولا عند الموت. قوله تعالى: * (ولنذيقنهم من العذاب الادنى دون العذاب الاكبر لعلهم يرجعون (21) ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن في مرية من لقائه وجعلناه هدى لبني إسرائيل (23) وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون (24) إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيمة فيما كانوا

[ 306 ]

فيه يختلفون) * (25) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي ورويس * (لما صبروا) * بكسر اللام والتخفيف أي لصبرهم، الباقون بالتشديد وفتح اللام بمعنى حين صبروا. اقسم الله تعالى في هذه الآية، لان اللام في قوله * (ولنذيقنهم) * هي التي يتلقى بها القسم، وكذلك النون الثقيلة، بأنه يذيق هؤلاء الفساق الذين تقدم وصفهم العذاب الادنى بعض ما يستحقونه. وقيل: العذاب الادنى هو العذاب الاصغر وهو عذاب الدنيا بالقتل والسبي والقحط والفقر والمرض والسقم وما جرى هذا المجرى. وقيل: هو الحدود. وقيل: عذاب القبر. عن جعفر بن محمد عليهما السلام: ان العذاب الادنى هو القحط، والاكبر خروج المهدي بالسيف. والعذاب الاكبر عند المفسرين هو عذاب الآخرة بالنار التي يستفزع الانسان بالآلام وفي الادنى معنى الاقرب. وقد يكون الادنى من الاشياء في الحسن، وهو أن يفعل على انه ليس فيه ظلم لاحد إذا فعل للشهوة، والادنى في القبح ما يفعل وفيه ظلم يسير اتباعا للشهوة، والاعلى في الحسن هو ما ليس فوقه ما هو اعلى منه يستحق به العبادة. والادنى في العذاب اكبر في الآلام، لان العذاب استمرار الالم، وليس فوق عذاب الكفر عذاب، لان عذاب الفسق دونه. وقال ابن عباس: وابي بن كعب والحسن: العذاب الادنى مصائب الدنيا. وقال ابن مسعود: هو القتل يوم بدر. والعذاب الاكبر عذاب الآخرة. وهو قول الحسن ومجاهد وابن زيد وابن مسعود. وقوله * (لعلهم يرجعون) * إخبار منه تعالى أنه يفعل بهم ما ذكره من العذاب الادنى، ليرجعوا عن معاصي الله إلى طاعته ويتوبوا منها. وهو قول

[ 307 ]

عبد الله وابي العالية وقتادة. ثم قال الله تعالى على وجه التقريع لهم والتبكيت " ومن أظلم " لنفسه بارتكاب المعاصي وإدخالها في استحقاق العقاب " ممن ذكر بآيات ربه " أي ينبه على حججه تعالى التي توصله إلى معرفته ومعرفة ثوابه، " ثم أعرض عنها " جانبا، ولم ينظر فيها. ثم قال " إنا من المجرمين " الذين يفعلون المعاصي بقطع الطاعات وتركها " منتقمون " بأن نعذبهم بعذاب النار. ثم اخبر تعالى فقال " ولقد آتينا موسى الكتاب " يعني التوراة " فلا تكن في مرية من لقائه " أي في شك من لقائه يعني لقاء موسى ليلة الاسراء بك إلى السماء - على ما ذكره ابن عباس - وقيل: فلا تكن في مرية من لقاء موسى في الآخرة، وقال الزجاج: فلا تكن يا محمد في مرية من لقاء موسى الكتاب. والمرية الشك. وقال الحسن: فلا تكن في شك من لقاء الاذى، كما لقي موسى كأنه قال: فلا تكن في شك من أن تلقى كما لقي موسى " وجعلناه هدى لبني اسرائيل " قال قتادة: وجعلنا موسى هاديا لبني اسرائيل، وضع المصدر في موضع الحال. وقال الحسن: معناه جعلنا الكتاب هاديا لهم " وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا " قال قتادة: معناه جعلنا منهم رؤساء في الخير يقتدى بهم يهدون إلى فعل الخير بأمر الله " لما صبروا " قيل: فيه حكاية الجزاء، وتقديره قيل لهم: إن صبرتم جعلناكم أئمة، فلما صبروا جعلوا أئمة - ذكره الزجاج - و " كانوا بآياتنا " أي بحججنا " يوقنون " أي لا يشكون فيه. واليقين وجدان النفس بالثقة على خلاف ما كانت عليه من الاضطراب والحيرة. ثم قال لنبيه " إن ربك " يا محمد " هو " الذي " يفصل بينهم يوم القيامة " أي يحكم بينهم، يعني بين المؤمن والكافر والفاسق " في ما كانوا فيه يختلفون "

[ 308 ]

في دار الدنيا من التصديق بالله وبرسوله والايمان بالبعث والنشور وغير ذلك. قوله تعالى: * (أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لآيات أفلا يسمعون (26) أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (27) ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (29) فأعرض عنهم وانتظر إنهم منتظرون) * (30) خمس آيات بلا خلاف. القراء كلهم على الياء في قوله " أولم يهد لهم " بمعني اولم يهد إهلاكنا لهم لمن مضى من القرون. وقرئ بالنون بمعنى الاخبار عن الله تعالى أنه الذي بين لهم هلاك الماضين وأرشدهم بذلك إلى الحق وأتباعه، فاضافه إلى نفسه. يقول الله تعالى منبها لخلقة على وجه الاعتبار بحججه " أو لم يهد لهم " ومعناه أو لم يبصرهم ويرشدهم من غوايتهم، يقال: هداه يهديه في الدين هدى، وهدي إلى الطريق هداية، واهتدى إذا قبل الهداية. والواجب من الهدى: هو ما يؤدي إلى ما ليس للعبد عنه غنى في دينه، فاللطف على هذا هدى. والنظر المؤدي إلى معرفة الله هدى. وفاعل " يهد " مضمر فيه،

[ 309 ]

وتقديره أو لم يهد لهم إهلاكنا من أهلكناهم من القرون الماضية جزاء على كفرهم بالله وإرتكابهم لمعاصيه، ولا يجوز أن يكون فاعل " يهد " كم " في قوله " كم اهلكنا لان " كم " لا يعمل فيها ما قبلها إلا حروف الاضافة، لانها على تقدير الاستفهام الذي له صدر الكلام، واجاز الفراء أن يكون فاعل " يهد " " كم " ولم يجزه البصريون. وقوله " يمشون في مساكنهم " اي أهلكناهم بغتة وهم متشاغلين بنفوسهم ويمشون في منازلهم. ثم قال " إن في ذلك لآيات " أي لحججا واضحات " أفلا يسمعون " ومعناه أفلا يتدبرون ما يسمعونه من هذه الآيات، لان من لا يتدبر ما يسمعه، ولا يفكر فيه. فكأنه لم يسمعه. ثم نبههم على وجه آخر فقال " أو لم يروا " ومعناه أو لم يعلموا " أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه انعامهم وأنفسهم " فالسوق الحث على السير، ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق، يقول الله تعالى نسوق ماء المطر إلى هذه الارض الجرز، فننبت به ضروبا من النبات الذي يتغذى به الانسان والانعام وغيرهم والارض الجرز هي الارض اليابسة التي ليس فيها نبات، انقطع ذلك لانقطاع الامطار، وهو مشتق من قولهم: سيف جراز أي قطاع، لا يلقى على شئ إلا قطعه وناقة جراز، إذا كانت تأكل كل شئ لانها لا تبقي شيئا إلا قطعته بفيها وأرض جروز، وهي التي لا تبقي على ظهرها شيئا إلا أهلكته، كالناقة الجراز ورجل جروز أكول، قال الراجز: خب جروز إذا جاع بكا * ا يأكل التمر ولا يلقي النوى ا (1) وفيه أربع لغات أرض جرز - بضم الجيم والراء، وبضم الجيم واسكان


(1) تفسير القرطبي 14 / 110 (*)

[ 310 ]

الراء وبفتح الجيم والراء، وبفتح الجيم واسكان الراء. وقال ابن عباس * (نسوق الماء) * بالسيول، لانها مواضع عالية، قال وهي: قرى بين اليمن والشام. ثم قال * (أفلا يبصرون) * بأن يفكروا في ذلك فيدلهم على انه لا يقدر على ذلك أحد غير الله الذي لا شريك له. ثم حكى عنهم أنهم * (يقولون متى هذا الفتح ان كنتم صادقين) * مستعجلين لما وعد الله تعالى من الفصل بينهم في قوله * (ان ربك هو يفصل بينهم) * يعنون متى يجئ فتح الحكم بينا وبينكم في الثواب والعقاب، والفتح القضاء والحكم، وقيل: انه أراد به فتح مكة، فعلى هذا قوله * (يوم الفتح) * يوم فتح مكة * (لا ينفع الذين كفروا إيمانهم) * لا يليق به. وقيل: لا ينفع الذين قبلهم خلد - من بني كنانة - ايمانهم. والتأويل هو الاول، فقال الله تعالى لنبيه محمد * (قل) * لهم يا محمد * (يوم الفتح) * أي يوم القضاء والفصل. وقال مجاهد: يوم القيامة * (لا ينفع الذين كفروا) * بآيات الله * (إيمانهم) * لان التكليف قد زال عنهم، ومعارفهم تحصل ضرورة * (ولا هم ينظرون) * أي ولا يؤخرون ايضا، فلا ينبغي ان يستعجلوا مجيئه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (فأعرض عنهم) * يا محمد، فانه لا ينفع فيهم الدعاء والوعظ. وقيل: كان ذلك قبل أن يؤمر بالجهاد. وقيل: أعرض عن أذاهم * (وانتظر) * حكم الله تعالى فيهم وإهلاكه لهم * (فانهم منتظرون) * أيضا الموت الذي يؤديهم إلى ذلك. وقيل: انه سيأتيهم ذلك، فكأهم كانوا ينتظرونه.

[ 311 ]

33 - سورة الاحزاب مدنية في قول مجاهد والحسن وهي ثلاث وسبعون آية بلا خلاف. بسم الله الرحمن الرحيم * (يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله كان عليما حكيما (1) واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون خبيرا (2) وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (3) ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل (4) أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فان لم تعلموا آباءهم فاخوانكم في الدين ومواليكم وليس عليكم جناح

[ 312 ]

فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم وكان الله غفورا رحيما) * (5) خمس آيات. قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع وأبو جعفر * (اللاء) * بهمزة ليس بعدها ياء، إلا أن ابا عمرو لين الهمزة. وقرأ ابن عامر واهل الكوفة بهمزة بعدها ياء، وقرأ * (تظهرون) * بفتح التاء مشددة الظاء بغير ألف - ابن كثير ونافع وابو عمرو - وقرأ عاصم إلا الكسائي عنه * (تظاهرون) * بضم التاء خفيفة الظاء والف بعدها. وقرأ ابن عامر بتشديد الظاء والالف وفتح التاء. فمن قرأ * (تظاهرون) * بتشديد الظاء اراد تتظاهرون، فأدغم احدى التاءين في الظاء. ومن قرأ بغير الف مشددا اراد تتظهرون، وادغم احدى التاءين في الظاء، وعاصم جعل الفعل بين اثنين. فقال * (تظاهرون) * بضم التاء وتخفيف الظاء مع الالف. وقرأ أبو عمرو * (بما يعملون خبيرا) * و * (بما يعملون بصيرا) * بالياء فيهما. الباقون بالتاء. وجه قراءة أبي عمرو قوله " ولا تطع الكافرين والمنافقين " بأن الله يعلم ما يفعلونه، فيجازيهم بحسبه، ووجه التاء الخطاب لهم. هذا خطاب من الله تعالى للنبي صلى الله عليه واله والمراد به جميع الامة كما قال " يا أيها النبي إذا طلقتم " (1) فخصه بالخطاب، وأراد به جميع المكلفين، يأمرهم الله بتقواه، وتجنب معاصيه، وفعل طاعاته، فنهاهم عن طاعة الكافرين الذين يجحدون نعم الله ويتخذون معه إلها سواه، ومثل ذلك نهاه عن طاعة المنافقين ومتابعتهم لما يريدونه. وسبب نزول الآية أن أبا سفيان وجماعة من الكفار قدموا على النبي صلى الله عليه واله


(1) سورة 65 الطلاق آية 1 (*)

[ 313 ]

المدينة، ودعوه إلى اشياء عرضوها عليه، فأراد المسلمون قتلهم. فأنزل الله سبحانه " يا أيها النبي اتق الله " في نقض العهد، وقتل هؤلاء الكفار " ولا نطع الكافرين " في ما يدعونك إليه ولا " المنافقين " في قتلهم ونقض العهد. والمنافق هو الذي يظهر الايمان ويبطن الكفر، والكافر هو الذي يظهر الكفر ويبطنه. ثم قال " إن الله كان عليما حكيما " في ما يوحيه اليك من أمرهم ويامرك بالطاعة وترك المعصية في متابعتهم في ما يريدونه ولما نهاهم عن متابعة الكفار والمنافقين قال " واتبع ما يوحى اليك من ربك " امره ان يتبع الذي يوحي الله إليه من أمره ونهيه، فعلى موجب هذه الآية لا يجوز لاحد أن يطيع الكفار والمنافقين، وإن دعوهم إلى الحق، ولكن يفعل الحق، لانه حق لا لاجل دعائهم إليه " إن الله كان بما تعملون خبيرا " تهديدا لهم، لان المراد أنه لا يخفى عليه شئ من أعمالكم فيجازيكم بحسبها إن كان سوءا عاقبكم، وإن كان طاعة أثابكم عليها. ومن قرأ - بالياء - أراد الاخبار عن الكفار والخطاب متوجه إلى النبي صلى الله عليه واله. ومن قرأ - بالتاء - خاطب الجميع. ثم أمر النبي صلى الله عليه واله والمراد به جميع المكلفين فقال " وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا " أمرهم ان يتوكلوا على الله ويفوضوا أمورهم إليه، فان الله تعالى كاف في ما يوكل إليه. و (الوكيل) القائم بالتدبير لغيره بدعاء من له ذلك إليه، فالحكمة تدعو إلى أن الله تعالى الفائم بتدبير عباده، فهو وكيل عليهم من أوكد الوجوه. ثم قال تعالى " ما جعل الله لرجل من قبلين في جوفه " قال ابن عباس: كان المنافقون يقولون: لمحمد قلبان، فاكذبهم الله. وقال مجاهد وقتادة، وهو

[ 314 ]

في رواية عن ابن عباس: أنه كان رجل من قريش يدعى ذا القلبين من دهائه وهو أبو معمر جميل بن اسد، فنزلت هذه الآية فيه. وقال الحسن: كان رجل يقول: لي نفس تأمرني ونفس تنهاني، فأنزل الله فيه هذه الآية. وقال الزهري: هو مثل في ان هذا ممتنع كامتناع أن يكون ابن غيرك ابنك. وروي عن جعفر الصادق عليه السلام أنه قال: ما جعل الله لرجل من قبلين في جوفه يحب بهذا قوما ويحب بهذا اعداءهم. ولا يمكن أن يكون لانسان واحد قلبان في جوفه، لانه كان يمكن أن يوصل إنسانان فيجعلان إنسانا واحدا، وقد يمكن أن يوصلا بما لا يخرجهما عن أن يكونا انسانين، وليس ذلك إلا من جهة القلب الواحد أن القلبين، لانه إذا جعل لهما قلبان يريد أحدهما بقلبه مالا يريده الآخر ويشتهي مالا يشتهي الآخر، ويعلم مالا يعلم الآخر فهما حيان لا محالة، وليسا حيا واحدا. وقال الرماني: لا يجوز أن توجد الارادة والمعرفة في جزئين من القلب أو أجزاء وانما يصح أن توجد في جزء واحد، قال: لان ما يوجد في جزئين بمنزلة ما يوجد في قلبين، وقد بطل أن يكون لانسان واحد قلبان. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانه لا يمتنع أن يوجد معنيان مختلفان في جزئين من القلب، لانهما وإن وجدا في جزئين فالحالان الصادران عنهما يرجعان إلى الجملة وهي جملة واحدة وليسا يوجبان الصفة للمحل الواحد فيتنافى، فعلى هذا لا يجوز أن يوجد في جزئين من القلب معنيان ضدان، لاستحالة اجتماع معناهما في الحي الواحد، ويجوز أن يوجد معنيان مختلفان أو مثلان في جزئين من القلب ويوجبان الصفتين للحي الواحد، وعلى هذا القياس ليس يمتنع ان يوجد قلبان في جوف واحد إذا كان ما يوجد فيهما يرجع إلى حي واحد، وانما المتنافي أن يرجع ما يوجد منهما إلى حيين، وذلك محال.

[ 315 ]

وقوله " وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم " أي ليس نساؤكم وأزواجكم إذا قلتم لهن أنتن علي كظهر أمي يصرن أمهاتكم على الحقيقة لان أمهاتكم على الحقيقة هن اللائي ولدنكم وأرضعنكم. وقال قتادة: إذا قال لزوجته أنت علي كظهر أمي، فهو مظاهر، وعليه الكفارة. وعندنا إن الظهار لا يقع إلا ان تكون المرأة طاهرا، ولم يقربها في ذلك الطهر بجماع، ويحضر شاهدان رجلان مسلمان، ثم يقول لها أنت علي كظهر أمي، ويقصد التحريم. فإذا قال ذلك حرم عليها وحرمت عليه أن يطأها حتى يكفر. وإن اختل شئ من شرائطه، فلا يقع ظهار أصلا. وقوله " وما جعل أدعياءكم أبناءكم " قال قتادة ومجاهد وابن زيد: نزلت في زيد بن حارثة، فانه كان يدعى ابن رسول الله، والادعياء جمع دعي، وهو الذي تبناه الانسان. وبين الله تعالى أن ذلك ليس بابن على الحقيقة، ولذلك قال في آية أخرى " ما كان محمد أبا احد من رجالكم " (1) وقوله " ذلكم قولكم بأفوهكم " يعني أن قولكم في الدعي أنه ابن الرجل قول تقولونه بألسنتكم لا حقيقة له عند الله. ثم قال " والله يقول الحق " في ما يبينه " وهو يهدي السبيل " يعني طريق الحق الذي يفضي بكم إلى الثواب. ثم أمر المكلفين بأن يدعوا الادعياء " لآبائهم " الذين ولدوهم وينسبونهم إليهم أو إلى من ولدوا على فراشهم " اقسط " أي، فان ذلك اعدل عند الله، واقسط بمعنى أعدل " فان لم تعلموا آباءهم " ولا تعرفوهم باعيانهم فهم * (اخوانكم في الدين) * أي في الملة فادعوهم بذلك * (ومواليكم) * أي بنو عمكم أو لكم ولاءهم إذا كنتم اعتقمتموهم من رق. ثم قال " وليس عليكم جناح " اي حرج " في ما اخطأتم به " فنسبتموه


(1) سورة 33 الاحزاب آية 40 (*)

[ 316 ]

إلى من انتمي إليه وإن الله لا يؤاخذكم به " ولكن ما تعمدت قلوبكم " فقصدتموه من ذلك واردتموه هو الذي تؤاخذون به، وموضع (ما) جر، تقديره ولكن في ما تعمدت قلوبكم " وكان الله غفورا رحيما " يغفر لكم ما لم تتعمدوا من ذلك، ويستره عليكم ويرحمكم بترك مؤاخذتكم به. قوله تعالى: * (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتم وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا (6) وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبرهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (7) ليسئل الصادقين عن صدقهم وأعد للكافرين عذابا أليما (8) يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا (9) إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا) * (10) خمس آيات.

[ 317 ]

قرأ بن كثير والكسائي وحفص عن عاصم " الظنونا " بألف في الوقف دون الوصل. وقرأ نافع وابو جعفر وابو بكر عن عاصم وابن عامر - بالالف - فيهما وقرأ أبو عمرو ويعقوب وحمزة - بغير الف - فيهما وفي المصحف بألف. أثبت الالف أثبته لاجل الفواصل التي يطلب بها تشاكل المقاطع، ولان الالف ثابتة في المصاحف، فاتبعوا المصحف، ومن حذف قال: لان هذا الالف يكون بدلا من التنوين في حال الوقف، فإذا دخلت الالف واللام اسقطت التنوين، فقط ايضا ما هو بدل منه، ولان مثل ذلك إنما يجوز في القوافي وذلك لا يليق بالقرآن، قال الشاعر: اقلي اللوم عاذل والعتابا * [ وقولي ان اصبت لقد اصابا (1) اخبر الله تعالى ان " لنبي " صلى الله عليه واله " اولى بالمؤمنين من انفسهم " بمعنى احق بتدبيرهم، وبأن يختاروا ما دعاهم إليه. واحق بأن يحكم فيهم بما لا يحكم به الواحد في نفسه لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة الله، وهو اولى في ذلك واحق من نفس الانسان، لانها ربما دعته إلى اتباع الهوى، ولان النبي صلى الله عليه واله لا يدعو إلا إلى طاعة الله، وطاعة الله اولى ان تختار على طاعة غيره. وواحد الانفس نفس، وهي خاصة الحيوان الحساسة المدركة التي هي انفس ما فيه. ويحتمل ان يكون اشتقاقه من التنفس، وهو التروح، لان من شأنها التنفس به، ويحتمل ان يكون مأخوذا من النفاسة، لانها اجل ما فيه واكرمه. ثم قال " وأزواجه امهاتكم " والمعنى أنهن كالامهات في الحرمة، وتحريم العقد عليهن. ثم قال " وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين " أولوا الارحام هم أولوا الانساب. لما ذكر الله أن ازواج النبي أمهاتهم


(1) قائله جرير ديوانه 58 وسيبويه 2 / 28، 299 (*)

[ 318 ]

في الحكم من جهة عظم الحرمة، قال " وأولوا الارحام بعضهم اولى ببعض " أي الا ما بين الله في كتابه مما لا يجوز لازواج النبي صلى الله عليه واله أن يدعين أمهات المؤمنين. وقال قتادة: كان الناس يتوارثون بالهجرة فلا يرث الاعرابي المسلم المهاجر حتى نزلت الآية. وقيل: إنهم كانوا يتوارثون بالمؤاخاة الاولى. ثم نسخ ذلك، فبين الله تعالي أن " أولى الارحام بعضهم اولي ببعض " أي من كان قرباه أقرب فهو أحق بالميراث من الابعد، وظاهر ذلك يمنع أن يرث مع البنت والام احد من الاخوة والاخوات، لان البنت والام اقرب من الاخوة والاخوات، وكذلك يمنع أن يرث مع الاخت أحد من العمومة والعمات وأولادهم، لانها اقرب، والخبر المروي في هذا الباب أن (ما أبقت الفرائض فلاولي عصبة ذكر) خبر واحد مطعون على سنده، لا يترك لاجله ظاهر القرآن الذي بين فيه ان أولي الارحام الاقرب منهم اولى من الابعد " في كتاب الله من المؤمنين " الموآخين والمهاجرين. وقوله " إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا " استثناء منقطع، ومعناه لكن إن فعلتم إلى أوليائكم معروفا من المؤمنين وحلفائكم ما يعرف حسنه وصوابه فهو حسن، ولا يكون على وجه نهى الله تعالى عنه، ولا أذن فيه. وقال مجاهد معروفا من الوصية لهم بشئ، والعقل عنهم والنصرة لهم، ولا يجوز أن يكونوا القرابة المشركين على ما قال بعضهم، لقوله " لا تتخذوا عدوى وعدوكم اولياء " (1) وقد أجاز كثير من الفقهاء الوصية للقرابات الكفار. وعندنا ان ذلك جائز للوالدين والولد. وقوله " كان ذلك في الكتاب مسطورا " يعني أن ما ذكره الله كان مكتوبا


(1) سورة 60 الممتحنة آية 1 (*)

[ 319 ]

في الكتاب المحفوظ اثبته الله وأطلع عليه ملائكته لما لهم في ذلك من اللطف فلا يجوز خلاف ذلك، وقيل: مسطورا في القرآن. و (من) يحتمل أمرين: احدهما - أن يكون دخلت ل‍ (أولى) أي بعضكم اولى ببعض من المؤمنين والثاني - أن يكون التقدير، وأولوا الارحام من المؤمنين والمهاجرين أولى بالميراث. وقوله " وإذ اخذنا من النبيين " تقديره واذكر يا محمد حين اخذ الله من النبيين ميثاقهم، قال ابن عباس: الميثاق العهد والميثاق الغليظ اليمين بالله تعالى على الوفاء بما حملوا. وقوله " ومنك ومن نوح وابراهيم وموسى وعيسى ابن مريم واخذنا منهم ميثاقا غليظا " يعني ما عهد الله تعالى إلى الانبياء المذكورين وأمرهم به من اخلاص العبادة له، وخلع الانداد من دونه، والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم إليه، ونهاهم عن معاصيه، والاخلال بواجباته. وقال البلخي: معناه ما أمرهم الله به من أداء الرسالة والقيام بها. وقوله " ليسأل الصادقين عن صدقهم " قال مجاهد: معناه فعل ذلك ليسأل الانبياء المرسلين ما الذي أجاب به اممكم، ويجوز ان يحمل على عمومه في كل صادق، ويكون فيه تهديد للكاذب، فان الصادق إذا سئل عن صدقه على اي وجه قال فيجازي بحسبه، فكيف يكون صورة الكاذب. ثم قال " واعد للكافرين عذابا اليما " أي اعد لهم عذابا مؤلما، وهو عذاب النار - نعوذ بالله منها. ثم خاطب المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود " أي في حال ما جاءتكم جنود يعني يوم الاحزاب، وهو يوم الخندق حيث اجتمعت العرب على قتال النبي صلى الله عليه واله قريش وغطفان وبنو قريظة

[ 320 ]

وتضافروا على ذلك " فارسلنا عليهم " اي فارسل الله تعالى عليهم نصرة لنبيه ونعمة على المؤمنين " ريحا " استقبلتهم ورمت في اعينهم الحصباء واكفئت قدورهم واطفئت نيرانهم، وقلعت بيوتهم واطنابهم وارسل الله عليهم " جنودا " من الملائكة نصرة للمؤمنين، روى ذلك يزيد بن رومان " لم تروها " اي لم تروا الملائكة أنتم بأعينكم، لانها اجسام شفافة لا يصح إدراكها " وكان الله بما تعملون بصيرا " من قرء بالياء اراد ان الله عالم بما يعمله الكفار. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى المؤمنين. ثم قال واذكر " إذ جاؤكم " يعني جنود المشركين * (من فوقكم) * وهم عيينة بن حصين بن بدر في اهل نجد * (ومن اسفل منكم) * وهم أبو سفيان في قريش وواجهتهم قريظة، وهو قول مجاهد: * (وإذ زاغت الابصار) * أي اذكر إذ عدلت الابصار عن مقرها. قال قتادة معناه: شخصت من الخوف * (وبلغت القلوب الحناجر) * أي نأت عن أماكنها من الخوف. وقيل: قال المسلمون: يا رسول الله بلغت القلوب الحناجر فهل من شئ نقوله. قال: نعم قولوا * (اللهم استر عورتنا وأمن روعتنا) * فضرب الله وجوه أعدائه بريح الصبا، فهزمهم الله بها، والحناجر جمع حنجرة، وهي الحلق، قيل: لان الرئة عند الخوف تصعد حتى تلحق بالحلق * (وتظنون بالله الظنونا) * قال الحسن: كانت الظنون مختلفة، فظن المنافقون انه يستأصل، وظن المؤمنون انه سينصر. وقيل: كانت الريح شديدة البرد تمنع المشركين من الحرب وكانت الملائكة تفقد بعضهم عن بعض.

[ 321 ]

قوله تعالى: * (هنا لك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا (11) وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا (12) وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستاذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا (13) ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لاتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا (14) ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الادبار وكان عهد الله مسئولا) * (15) خمس آيات. قرأ حفص عن عاصم * (لا مقام) * بضم الميم أي لا إقامة لكم. الباقون - بفتح الميم يعني لا موضع لكم تقومون فيه. وقرأ ابن كثير ونافع وابو جعفر وابن عامر * (لاتوها) * قصرا بمعنى لجاؤها. الباقون بالمد، يعني لاعطوها. وقالوا: هو أليق بقوله " ثم سئلوا الفتنة " لان العطاء يطابق سؤال السائل. لما وصف الله تعالى شدة الامر يوم الخندق، وخوف الناس وأن القلوب بلغت الحناجر من الرعب. قال * (هنالك ابتلي المؤمنون) * أي اختبروا ليظهر بذلك حسن نياتهم وصبرهم على ما أمرهم الله به من جهاد اعدائه و (هنا) للقريب

[ 322 ]

من المكان و (هنا لك) للبعيد منه، و (هناك) للمتوسط بين القريب والبعيد وسبيله سبيل (ذا. وذاك وذلك). والابتلاء إظهار ما في النفس من خير أو شر، ومثله الاختبار والامتحان والبلاء النعمة، لاظهار الخير على صاحبه، والبلاء النقمة لاظهار الشر عليه. وقوله * (وزلزلوا زلزالا شديدا) * معناه وحركوا بهذا الامتحان تحريكا عظيما، فالزلزال الاضطراب العظيم ومنه قوله " إذا زلزلت الارض زلزالها " والزلزلة اضطراب الارض. وقيل: انه مضاعف زل، وزلزله غيره. والشدة قوة تدرك بالحاسة، لان القوة التي هي القدرة لا تدرك بالحاسة، وانما تعلم بالدلالة، فلذلك يوصف تعالى بأنه قوي، ولا يوصف بأنه شديد. ثم قال واذكر يا محمد * (إذ يقول المنافقون) * الذين باطنهم الكفر وظاهرهم الايمان * (والذين في قلوبهم مرض) * أي شك من الايمان بالله ورسوله * (ما وعدنا الله ورسوله) * اي لم يعدنا الله ورسوله من الظفر والظهور على الدين * (إلا غرورا) * وقيل: ان النبي صلى الله عليه واله بشرهم بأنه يفتح عليهم مدائن كسرى وبلاد قيصر وغير ذلك من الفتوح، فقالوا: يعدنا بهذا، والواحد منا لا يقدر على ان يخرج ليقضي حاجة * (ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا) * غرانا به، فالغرور ايهام المحبوب بالمكر، يقال: غره يغره غرورا، فهو غار، والغرور الشيطان قال الحارث بن حلزة: لم يغروكم غرورا ولكن * يرفع الآل جمعهم والضحاء وقال يزيد بن رومان: الذي قال هذا القول معتب بن قشيرة وقال العتابي: ليس عاقل يقول: إن الله وعد غرورا، لكنهم لما كذبوا رسوله وشكوا في خبره، فكأنهم كذبوا الله، وإذا نسبوا الرسول بأنه غرهم، فقد نسبوا الله إلى

[ 323 ]

ذلك في المعنى، وإن لم يصرحوا به. ثم قال واذكر يا محمد * (إذ قالت طائفة منهم) * يعني من المنافقين * (يا اهل يثرب) * أي يا اهل المدينة، قيل: ان يثرب اسم ارض المدينة. وقال أبو عبيدة: إن المدينة الرسول في ناحية من يثرب. وقيل: يثرب هي المدينة نفسها * (لا مقام لكم) * أي ليس لكم مكان تقومون فيه للقتال. ومن ضم أراد: لا إقامة لكم - ذكره الاخفش - وقال يزيد بن رومان: القائل لذلك أوس بن قبطي. ومن وافقه على رأيه * (فارجعوا) * اي امرهم بالرجوع إلى منازلهم. وحكى ان جماعة منهم جاؤا إلى النبي صلى الله عليه واله فاستأذنوه للرجوع. وقالوا * (إن بيوتنا عورة) * أي هي مكشوفة نخشى عليها السرق - ذكره ابن عباس ومجاهد - فكذبهم الله تعالى في قوله * (وما هي بعورة...) * وليس يريدون بهذا القول إلا الفرار، والهرب من القتال. ثم قال * (ولو دخلت عليهم من اقطارها) * اي من نواحيها يعني المدينة أو البيوت، فهو جمع قطر، وهو الناحية * (ثم سئلوا الفتنة) * يعني الكفر والضلال وقيل: انهم لو دعوا إلى القتال على وجه الحمية والعصبية لجاؤا إليها - على قراءة من قصر - ومن مد اراد لاعطوا ما سئلوا إعطاءه من ذلك * (وما تلبثوا بها إلا يسيرا) * قال الفراء: وما تلبثوا بالمدينة إلا قليلا حتى يهلكوا. وقال قتادة: معناه وما احتبسوا عن الاجابة إلى الكفر إلا قليلا. ثم قال * (ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل) * يعني عندما بايعوا النبي صلى الله عليه واله وحلفوا له انهم ينصرونه ويدفعون عنه، كما يدفعون عن نفوسهم، وانهم * (لا يولون الادبار) * اي لا يفرون من الزحف * (وكان عهد الله مسئولا) * يعني العهد الذي عاهدوا الله عليه، وحلفوا له به يسألهم عن الوفاء به يوم القيامة.

[ 324 ]

قوله تعالى: * (قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا (16) قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا (17) قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا ياتون الباس إلا قليلا (18) أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا (19) يحسبون الاحزاب لم يذهبوا وإن يات الاحزاب يودوا لو أنهم بادون في الاعراب يسئلون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا) * (20) خمس آيات. لما اخبر الله تعالى عن المنافقين الذين استأذنوا النبي صلى الله عليه واله في الرجوع واعتلوا بأن بيوتهم يخاف عليها، وكذبهم الله في ذلك، وبين أنهم يريدون

[ 325 ]

الهرب، قال لنبيه صلى الله عليه واله * (قل) * لهم * (لن ينفعكم الفرار إن فررتم) * يعني الهرب إن هربتم * (من الموت أو القتل) * فانه لابد من واحد منهما، وإن هربتم وبقيتم بعده فلا تبقون * (ولا تتمتعون إلا قليلا) * من الزمان. ثم لابد من الموت. والفرار الذهاب عن الشئ خوفا منه، ومثله الهرب، فر يفر فرارا وأفتر إذا باعد بين شفتيه كتباعد الفار، وانما فرق الله بين الموت والقتل لان القتل غير الموت، فالقتل نقض بينة الحي، والموت ضد الحياة عند من أثبته معنى، والقتل يقدر عليه غير الله، وانما رفع بعد (اذن) لوقوع (اذن) بين الواو والفعل، فصارت بمنزلة ما لم يقع بعده الفعل، كقولك أنا آتيك اذن لانه مما يجوز فيه الالغاء بأنه يصح الاستدراك، كالاستدراك بالظن، وقد اعملت بعد (ان) في قوله: لا تتركني فيهم شطيرا * إني اذن أهلك أو اطيرا (1) ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله قل لهم يا محمد من الذي يمنعكم من الله ان اراد أن يفعل بكم سوءا يعني عذابا أو اراد بكم رحمة، فان احدا لا يقدر على منعه مما يريد الله فعله به (ولا يجدون) هؤلاء * (لهم من دون الله وليا) * ينصرهم * (ولا نصيرا) * يدفع عنهم، ثم قال تعالى * (قد يعلم الله المعوقين منكم) * يعني الذين يعوقون غيرهم عن القتال ويثبطونهم عنه، فالتعويق التثبيط والشغل للقعود عن أمر من الامور، فكأن هؤلاء يدعون اخوانهم من المنافقين إلى القعود عن الجباد ويشغلونهم لينصرفوا عنه * (والقائلين لاخوانهم هلموا الينا) * أي يعلم القائلين لهم تعالوا * (ولا يأتون البأس) * يعني الحرب * (إلا قليلا) * أي ان يكلفوا الحضور إلى القتال فلا يحضرون إلا قدر ما يوهمون أنهم معكم، ولا يقاتلون


(1) قائله نهشل بن حرى، اللسان (شطر) (*)

[ 326 ]

معكم، فهو تعالى عالم بأحوال هؤلاء، لا يخفى عليه شئ منها. ثم قال * (اشحة عليكم) * بالغنيمة والنفقة في سبيل الله - في قول قتادة: ومجاهد - ونصبه على تقدير يأتونه أشحة وإن شئت على الذم. وقال ابن اسحاق * (اشحة عليكم) * بالضغن الذي في أنفسهم، فهو نصب على الحال - في قول الزجاج - وفي قول غيره على المصدر، وتقديره يشحون عليكم اشحة * (فإذا جاء الخوف) * يعني الفزع * (رأيتهم ينظرون اليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت) * يعني من شدة ما يخافون يلحقهم مثل ما يلحق من شارف الموت وأحواله، ويغشى عليه * (فإذا ذهب الخوف) * والفزع * (سلقوكم بالسنة حداد) * أي خصموكم طلبا للغنيمة أشد مخاصمة. وقال الحسن: سلقوكم حاوروكم يقال: خطيب مصقع ومسلق أي بليغ في الخطابة فصيح فيها * (أشحة على الخير) * يعني الغنيمة. ثم قال * (أولئك) * يعني من تقدم وصفه * (لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم) * يعني نفع أعمالهم على وجوه لا يستحق عليها الثواب لانهم لا يقصدون بها وجه الله. ثم قال * (وكان ذلك) * يعني احباط اعمالهم. وقيل: وكان نفاقهم * (على الله يسيرا) * قليلا. ثم وصف هؤلاء المنافقين الذين تقدم ذكرهم بالجبن، فقال * (يحسبون الاحزاب) * الذين انهزموا ورجعوا من شدة فزعهم انهم * (لم يذهبوا) * بعد. وقيل: لفرط جهلهم يعتقدون انهم لم يذهبوا بعد * (وإن يأت الاحزاب يودوا لو انهم بادون في الاعراب) * أي وإن جاؤا الاحزاب تمنوا أن يكونوا في البوادي مع الاعراب * (يسألون عن انبائكم) * أي أخباركم ولا يكونون معكم فيتربصون بكم الدوائر ويتوقعون الهلاك. ثم قال لنبيه * (ولو كانوا) * يعني هؤلاء المنافقون معكم " وفيكم ما قاتلوا إلا قليلا " أي قدرا يسيرا ليوهموا أنهم في جملتكم، لا لينصروكم ويجاهدوا معكم. وقال

[ 327 ]

عاصم الجحدري: يساءلون عن انبائكم بتشديد السين بمعنى يتساءلون، فيسأل بعضهم بعضا، وهو شاذ لا يقرأ به. وقرأ طلحة بن مصرف " يودوا لو انهم بدى في الاعراب " جمع باد، مثل غاز وغزى، وهي أيضا شاذة لا يقرء بها. و (هلم) بمعنى أقبل واهل الحجاز يقولون للواحد والاثنين والجمع والانثى (هلم) بلفظ واحد، وانما هي (لم) ضمت إليها (ها) التي للتنبيه، ثم حذفت الالف من (ها) إذ صارا شيئا واحدا، كقولهم (ويلمه) واصله (ويل أمه) فلما جعلوهما شيئا واحدا حذفوا، وغيروا. وأما بنوا تميم فيصرفونه تصريف الفعل، فيقولون: هلم يا رجل وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمي يا امرأة وهلميا يا امرأتان، وهلممن يا نساء، إلا انهم يفتحون آخر الواحد البتة، فيقولون: هلم يا رجل وهلم يا مرأة. قوله تعالى: * (لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (22) من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (23) ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم إن الله كان غفورا رحيما (24)

[ 328 ]

ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا) * (25) خمس آيات. قرأ عاصم " أسوة " - بضم الهمزة - الباقون بكسرها، وهما لغتان. والكسر اكثر. ومثله (كسوة، وكسوة، ورشوة ورشوة) هذا خطاب من الله تعالى للمكلفين، يقول لهم: ان لكم معاشر المكلفين " في رسول الله اسوة حسنة " أي اقتداء حسن، في جميع ما يقوله ويفعله متى فعلتم مثله كان ذلك حسنا، والمراد بذلك الحث على الجهاد والصبر عليه في حروبه، والتسلية لهم في ما ينالهم من المصائب، فان النبي صلى الله عليه واله شج رأسه وكسرت رباعيته في يوم احد وقتل عمه حمزة. فالتأسي به في الصبر على جميع ذلك من الاسوة الحسنة. وذلك يدل على ان الاقتداء بجميع افعال النبي صلى الله عليه واله حسن جائز إلا ما قام الدليل على خلافه، ولا يدل على وجوب الاقتداء به في افعاله. وإنما يعلم ذلك بدليل آخر. فالاسوة حال لصاحبها يقتدي بها غيره في ما يقول به، فالاسوة تكون في إنسان وهي اسوة لغيره، فمن تأسى بالحسن ففعله حسن " لمن كان يرجو الله " فالرجاء توقع الخير، فرجاء الله توقع الخير من قبله ومثل الرجاء الطمع والامل، ومتى طمع الانسان في الخير من قبل الله، فيكون راجيا له. وقوله " وذكر الله كثيرا " معناه يذكره تعالى بجميع صفاته، ويدعوه بها فيستحق بذلك الثواب من جهته. ثم قال وقد عاد تعالى إلى ذكر المؤمنين وانهم حين عاينوا الاحزاب التي اجتمعت على قتال النبي صلى الله عليه واله وتظافروا عليه، وهم أبو سفيان ومن معه من

[ 329 ]

المشركين " قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله " من الجهاد في سبيله " وصدق الله ورسوله " في ما اخبرا به، لان النبي صلى الله عليه واله كان اخبرهم انه يتظاهر عليكم الاحزاب، ويقاتلونكم فلما رآهم المؤمنون تبينوا صدق قوله وكان ذلك معجزا له " وما زادهم " مشاهدة عدوهم " إلا إيمانا " وتصديقا بالله ورسوله " وتسليما " لامره. ثم بين ان " من المؤمنين رجالا صدقوا ما عاهدوا الله عليه " من مجاهدة عدوه، وألا يولوا الادبار. وقيل: ذلك يوم تأخروا عن بدر، ثم عاهدوا ألا يفارقوا النبي صلى الله عليه وآله في غزواته. وقوله " فمنهم من قضى نحبه " أي منهم من صبر حتى قتل في سبيل الله، وخرج إلى ثواب ربه " ومنهم من ينتظر " ذلك " وما بدلوا تبديلا " أي لم يبدلوا الايمان بالنفاق ولا العهد بالحنث. وروي أن الآية نزلت في حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وعلي بن أبي طالب عليه السلام فالذي قضى نحبه حمزة، وجعفر والذي ينتظر علي عليه السلام ثم بين تعالى انه يجزي الصادقين على صدقهم في تنزيله فوعهدهم بالثواب الدائم والنعيم المقيم. وقوله * (ويعذب المنافقين إن شاء) * لا يدل على أن ما يجب غفرانه من الكبائر عند التوبة يجوز تعليقه بالمشيئة، لان على مذهبنا إنما جاز ذلك، لانه لا يجب اسقاط العقاب بالتوبة عقلا، وإنما جاز ذلك وعلمناه بالسمع وإن الله يتفضل بذلك. وقوله " أو يتوب عليهم " معناه إن شاء قبل توبتهم وأسقط عقابهم. إذا تابوا، وإن شاء لم يقبل ذلك. وذلك اخبار عن مقتضى العقل. وأما مع ورود السمع وهو قوله " وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات " (1) فنقطع على انه تعالى يغفر مع حصول التوبة.


(1) سورة 42 الشورى آية 25 (*)

[ 330 ]

وقوله " إن الله كان غفورا رحيما " يؤكد ذلك لانه انما يكون فيه مدح إذا غفر ماله المؤاخذة به، ويرحم من يستحق العقاب. وأما من يجب غفران ذنبه ويجب رحمته، فلا مدح في ذلك. وقال قوم: معناه " ويعذب المنافقين إن شاء " بعذاب عاجل في الدنيا أو يتوبوا، قالوا: وإنما علق بالشرط في قوله " إن شاء أو يتوب عليهم " لانه علم أن من المنافقين من يتوب، فقيد الكلام ليصح - المعنى - ذكره الجبائي - وقيل: إن الذي وعد الله المؤمنين في الاحزاب هو أنه وعدهم إذا لقوا المشركين ظفروا بهم واستعلوا عليهم في نحو قوله " ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون " (1) مع فرض الجهاد. وقيل: إن الذي وعدهم الله به في قوله " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا ان نصر الله قريب " (2) - ذكره قتادة - و (النحب) النذر أي قضى نذره الذي كان نذره في ما عاهد الله عليه. وقال مجاهد: قضى نحبه أي عهده. وقيل: ان المؤمنين كانوا نذروا إذا لقوا حزبا مع رسول الله أن يثبتوا ولا ينهزموا، وقال الحسن: قضى نحبه أي مات على ما عاهد عليه، والنحب الموت كقول ذي الرمة: قضى نحبه في ملتقى الخيل هوبر (3) أي منيته. وهو بر اسم رجل والنحب الخطر العظيم قال جرير: بطخفة جالدنا الملوك وخيلنا * عشية بسطام جرين على نحب (4)


(1) سورة 9 التوبة آية 34 وسورة 61 الصف آية 9 (2) سورة 2 البقرة آية 214 (3) مجاز القرآن 2 / 136 الشاهد (718) (4) ديوانه 54 ومجاز القرآن 2 / 135 (*)

[ 331 ]

أي على خطر والنحب المد في السير يوما وليلة، قال الفرزدق. وإذ نحبت كلب على الناس أنهم * أحق نتاج الماجد المتكرم (1) ثم اخبر تعالى أنه رد المشركين من الاحزاب عن قتال النبي صلى الله عليه واله بغيظهم الذي جاؤا به وخيبهم لم ينالوا خيرا أملوه من الظفر بالنبي صلى الله عليه واله وبالمؤمنين " وكفى الله المؤمنين القتال " عند رجوعهم، وقيل وكفى الله المؤمنين القتال بالريح والملائكة. وقيل: وكفى الله المؤمنين القتال بعلي عليه السلام وهي قراءة ابن مسعود، وكذلك هو في مصحفه، في قتله عمرو بن عبد ود، وكان ذلك سبب هزيمة القوم. " وكان الله قويا عزيزا " أي قادرا لا يغالب، وعزيزا لا يقهر، لانه قوي في سعة مقدوره، عزيز في انتقامه. قوله تعالى: * (وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا (26) وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطؤها وكان الله على كل شئ قديرا (27) يا أيها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحيوة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا (28) وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فان الله أعد


(1) ديوانه 2 / 759 وتفسير القرطبي 14 / 158 ومجاز القرآن 2 / 136 (*)

[ 332 ]

للمحسنات منكن أجرا عظيما (29) يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا) * (30) خمس آيات. قرأ ابن كثير، وابن عامر " نضعف " بالنون وتشديد العين " العذاب " نصبا، أسند الفعل إلى الله تعالى. وقرأ أبو عمرو " يضعف " بالياء وتشديد العين بلا ألف على ما لم يسم فاعله. الباقون (يضاعف) بالياء والالف. والذي عليه أكثر المفسرين إن المعني بقوله " وانزل الذين ظاهروهم من اهل الكتاب " هم بنو قريظة من اليهود، وكانوا نقضوا العهد بينهم وبين النبي صلى الله عليه واله وعاونوا أبا سفيان، فلما هزم الاحزاب امر النبي صلى الله عليه واله مناديه بأن ينادي لا يصلين أحد العصر إلا ببني قريظة، لان جبرائيل عليه السلام نزل عليه وقال إن الملائكة لم تضع أسلحتها بعد، ففيهم من لحق ذلك بعد وصلى العصر في الوقت، وفيهم من صلاها قبل ذلك. وكل صوبه رسول الله. ثم حكم سعد ابن معاذ فيهم رضوا بحكمه، فحكم سعد أن تقتل الرجال، وتسبى الذراري والنساء ونقسم الاموال وتكون الارض للمهاجرين دون الانصار، فقيل له في ذلك فقال لكم دار، وليس للمهاجرين دار، فقال رسول الله صلى الله عليه واله حكم فيهم بحكم الله تعالى، وفي بعض الاخبار لقد حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة، وهو جمع رقيع اسم من اسماء سماء الدنيا. وقال الحسن: الآية نزلت في بني النضير والاول أصح وأليق بسياق الآيات، لان بني الضير لم يكن لهم في قتال الاحزاب شئ، وكانوا قد انجلوا قبل ذلك.

[ 333 ]

والمظاهرة المعاونة، وهي زيادة القوة بأن يكون المعاون ظهرا لصاحبه في الدفع عنه، والظهر المعين. وفي قراءة ابن مسعود آزروهم، ومعناه عاونوهم. والصياصي الحصون التي يمتنع بها واحدها صيصية. ويقال جذ الله صيصية فلان أي حصنه الذي يمتنع به. والصيصية قرن البقرة وشوكة الديك أيضا، وهي شوكة الحائك أيضا، قال الشاعر: [ ما راعني إلا الرماح تنوشه ] * كوقع الصياصي في النسيج الممدد (1) وقوله " وقذف في قلوبهم الرعب " أي ألقى في قلوبهم يعني اليهود والمشركين خوفا من النبي صلى الله عليه واله " فريقا تقتلون " منهم يعني الرجال " وتأسرون فريقا " يعني النساء والذراري ثم قال " وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم " يعني ديار بني قريظة وأرضهم وأموالهم. جعلها الله للمسلمين مع ذلك ونقلها إليهم " وأرضا لم تطؤها " معناه وأورثكم أرضا لم تطؤها، قال الحسن: هي أرض فارس والروم. وقال قتادة: هي مكة. وقال يزيد بن رومان وابن زيد: هي خيبر " وكان الله على كل قديرا " أي قادرا على توريثكم أرض هؤلاء وأموالهم ونصركم وغير ذلك. إلى ههنا انتهت قصة الاحزاب. ثم انتقل إلى خطاب النبي صلى الله عليه واله فقال له " يا ايها النبي قل لازواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا " قال الحسن لم يكن ذلك تخيير طلاق، انما هو تخيير بين الدنيا والآخرة. وكان لنزول الآية سبب معروف من بعض أزواج النبي صلى الله عليه واله فعاتبهن الله تعالى وخيرهن بين المقام مع النبي صلى الله عليه واله واختيار ما عند الله من الثواب ونعيم الابد


(1) تفسير القرطبي 14 / 161 ومجاز القرآن 2 / 161 ويروى (فجئت إليه والرماح تنوشه) (*)

[ 334 ]

ومن مفارقته بالطلاق وتعجيل المنافع يأخذونها، وبين ذلك بقوله " وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار والآخرة، فان الله اعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " وقيد ذلك بالمحسنات لعلمه أن فيهن من ربما ارتكبت ما يستحق به الخروج عن ولاية الله تعويلا على ما وعد الله تعالى به من النعيم، فزجرهن بالتهديد المذكور في الآية. وروي أن سبب نزول هذه الآية أن كل واحدة من نسائه طلبت شيئا فسألت أم سلمة سترا معلقا وسألت ميمونة حلة وسألت زينب بنت جحش بردا يمانيا وسألت أم حبيبة ثوبا سحوانيا وسألت حفصة ثوبا من ثياب مصر وسألت حويرية معجرا وسألت سودة قطيفة خيبرية، فلم يقدر على ذلك، لان الله تعالى كان خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة فاختار الآخرة. وقال: (اللهم أحيني مسكينا وامتني مسكينا واحشرني مسكينا في جملة المساكن) فحينئذ أمره الله تعالى بتخيير النساء، فاخترن الله ورسوله فعوضهن الله عن ذلك أن جعلهن أمهات المؤمنين. وقيل: وأمر الله أن لا يطلقهن ولا يتزوج عليهن بقوله " لا يحل لك النساء من بعد " (1) ذكره ابن زيد. ثم خاطب نساء النبي صلى الله عليه واله فقال " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة يضاعف لها العذاب " من شدد أراد التكثير، ومن أثبت الالف أراد من المضاعفة، ومن قرأ بالنون أضاف الفعل إلى الله، لان الفاعل لذلك هو الله وإنما جاز ان يضعف عقابهن بالمعصية لعظم قدرهن، وأن معصيتهن تقع على وجه يستحق بها ضعف ما يستحق غيرهن، كما أن طاعاتهن يستحق بها ضعف


(1) آية 52 من هذه السورة (*)

[ 335 ]

ما يستحق به غيرهن، من حيث كن قدرة في الاعمال وأسوة في ذلك. ثم اخبر تعالى أن تضعيف ذلك عليه يسير سهل. والضعف مثل الشئ الذي يضم إليه، ضاعفته ازددت عليه مثله، ومنه الضعف، وهو نقصان القوة بأن يذهب احد ضعفيها، فهو ذهاب ضعف القوة. قال أبو عبيدة: يضاعف لها ضعفين أي يجعل لها العذاب ثلاثة أعذنة لان ضعف الشئ مثله، وضعفي الشئ مثلاه ومجاز يضاعف أن يجعل إلى الشئ شيئان حتى يكون ثلاثة، فأما من قرأ * (يضعف) * أراد أن يجعل الشئ شيئين، وذكر بعضهم أن ذلك غلط على أبي عمرو في تشديد يضعف، لان ذلك نقل عنه على حكاية الفرق بين يضاعف ويضعف بالتشديد، وليس بينهما فرق، لان المضاعفة والتضعيف شئ واحد وإنما قرأ أبو عمرو * (يضعف) * بضم الياء وتسكين الضاد وتخفيف العين وفتحها والفرق يقع بين هذه وبين يضاعف لانك تقول لمن اعطاك درهما فأعطيته مكانه درهمين: أضعفت لك العطية، فان اعطيته مكان درهم خمسة أو ستة قلت ضاعفت له العطية وضعفت بالتشديد أيضا، فلما رأى أبو عمرو أن من احسن من أزواج النبي أعطي اجرين علم آن من اذنب منهن عوقب عقوبتين، فقرأ يضعف لها العذاب ضعفين. وكان الحسن لا يرى التخيير شيئا. وقال: إنما خيرن بين الدنيا والآخرة لا في الطلاق، وكذلك عندنا ان الخيار ليس بشئ غير أن اصحابنا قالوا إنما كان ذلك لنبي الله خاصة، ولما خيرهن لو اخترن انفسهن لبن، فلما غيره فلا يجوز له ذلك. وقال قتادة: خيرهن الله تعالى بين الدنيا والآخرة في شئ كن أردن من الدنيا. وقال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة، وكان تحته يومئذ تسع نسوة خمس من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة بنت أبي سفيان

[ 336 ]

وأم سلمة بن ابي أميه، وسودة بنت زمعة. وكان تحته صفيه بنت حي ابن خطب وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت جحش الاسدية، وحويرية بنت الحارث من بني المصطلق، فلما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، فرح بذلك رسول الله صلى الله عليه واله. قوله تعالى: * (ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين وأعتدنا لها رزقا كريما (31) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى وأقمن الصلوة وآتين الزكوة وأطعن الله ورسوله إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (33) واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا (34) إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات

[ 337 ]

والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما) * (35) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي " ومن يقنت منكن لله ورسوله ويعمل صالحا " بالياء فيهما على اللفظ، لان لفظة (من مذكر. الباقون " ومن يقنت " - بالياء - حملا على اللفظ " وتعمل " بالتاء حملا على المعنى، لان المعنى من النساء، فكنى بلفظ التأنيث، ولانه قد ظهر علامة التأنيث في قوله " منكن " فكأن الرد عليه أولى من رده على اللفظ. وروي في الشواذ " ومن تقنت " بالتاء حملا على المعنى وذلك جائز في العربية غير انه ليس بمعروف، ولا يقرأ به. وقرأ عاصم ونافع " وقرن " بفتح القاف بمعنى أقرون " في بيوتكن " من قررت في المكان أقر قرارا إلا انه نقل حركة العين إلى القاف، فانفتحت وسقطت الراء الاولى لالتقاء الساكنين كقولهم: في ظللت ظلت. وفي أحسست احست، وقالوا في يحططن من الجبل يحطن. وقال الزجاج: فيه لغتان (قررت في المكان واقررت). الباقون بكسر القاف بمعنى كن أهل وقر، أي هدوء وسكينة من وقر فلان في منزله يقر وقورا إذا هدأ فيه واطمأن. ويجوز أن يكون المراد الاستقرار، على لغة حكاها الزجاج والكسائي. لما تهدد الله تعالى نساء النبي صلى الله عليه واله بأن من يأت منهن بفاحشة ظاهرة من ارتكاب محظور، وما نهى الله تعالى عنه انه يضاعف لها العذاب ضعفين لوقوع أفعالهن على وجه يستحق به ذلك من حيث كن سواء اسوة يتأسى بهن غيرهن ورغبهن في هذه الآية بأن قال " ومن يقنت منكن " أي من داوم منكن على

[ 338 ]

الطاعة لله ورسوله " وتعمل " مع ذلك الافعال " صالحا نؤتها " اي يعطيها الله " أجرها مرتين " كما لو عصت عاقبها ضعفين. والقنوت المداومة على العمل فمن داوم على العمل لله فهو مطيع. ومنه القنوت في صلاة الوتر، وهو المداومة على الدعاء المعروف. والعمل الصالح هو المستقيم الذي يحسن أن يحمد عليه ويستحق به الثواب. والاجر الجزاء على العمل، وهو الثواب، آجره يآجره اجرا والاجر مرتين ليس يجب بالوعد بل إنما هو مستحق، لان أفعالهن تقع على وجه يستحق مثلي مالو استحق الغير، لانه في مقابلة العذاب ضعفين، ولا يجوز أن يضاعف ضعفين إلا مستحقا، وكذلك الثواب المقابل له. وقوله " واعتدنا لها رزقا كريما " معنى اعتدنا اعددنا، وابدل من احدى الدالين تاء. والرزق الكريم هو الثواب الذي لا يحسن الابتداء بمثله. ثم قال " يا نساء النبي لستن كأحد من النساء " انما قال كأحد، ولم يقل كواحدة لان احدا نفي عام للمذكر والمؤنث والواحد والجماعة أي لا يشبهكن احد من النساء في جلالة القدر وعظم المنزلة ولمكانكن من رسول الله صلى الله عليه واله بشرط أن تتقين عقاب الله باجتناب معاصيه، وامتثال أوامره. وانما شرط ذلك بالاتقاء لئلا يعولن على ذلك، فيرتكبن المعاصي، ولولا الشرط كان يكون اغراء لهن بالمعاصي، وذلك لا يجوز على الله تعالى. ثم قال لهن " فلا تخضعن بالقول " أي لا تلين كلامكن للرجال، بل يكون جزلا قويا لئلا يطمع من في قلبه مرض. قال قتادة: ومعناه من في قلبه نفاق. وقال عكرمة: من في قلبه شهوة للزنا. ثم قال لهن " وقلن قولا معروفا " مستقيما جميلا بريئا من التهمة بعيدا من الريبة موافقا للدين والاسلام. ثم امرهن بالاستقرار في بيوتهن وألا يتبرجن

[ 339 ]

تبرج الجاهلية - على قراءة من فتح القاف. ومن كسر أرادكن وقورات عليكن سكينة ووقار " ولا تبرجن " قال قتادة: التبرج التبختر والتكبر، وقال غيره: هو اظهار المحاسن للرجال. وقوله " تبرج الجاهلية الاول " نصب تبرج على المصدر والمعنى مثل تبرج الجاهلية الاولى، وهو ما كان قبل الاسلام. وقيل ما كان بين آدم ونوح. وقيل ما كان بين موسى وعيسى، وقيل ما كان بين عيسى ومحمد. وقيل ما كان بفعله اهل الجاهلية، لانهم كانوا يجوزون لامرأة واحدة رجلا وخلا فللزوج النصف السفلاني وللخل الفوقاني من القبيل والمعانقة، فنهى الله تعالى عن ذلك ازواج النبي صلى الله عليه واله واشتقاق التبرج من البرج وهو السعة في العين وطعنة برجاء اي واسعة وفي اسنانه برج إذا تفرق ما بينها. واما الجاهلية الاخرى، فهو ما يعمل بعد الاسلام بعمل اولئك. ثم أمرهن باقامة الصلاة والدوام عليها بشروطها وايتاء الزكاة لمن وجبت عليه، وأمرهن بطاعة الله وطاعة رسوله، في ما يأمرانهن به. ثم قال " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " روى أبو سعيد الخدري وانس بن مالك وعائشة وأم سلمة وواثلة بن الاسقع أن الآية نزلت في النبي صلى الله عليه واله وعلي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام واهل البيت نصب على النداء أو على المدح، فروي عن أم سلمة انها قالت إن النبي صلى الله عليه واله كان في بيتي فاستدعا عليا وفاطمة والحسن والحسين، وجللهم بعباء خيبرية، ثم قال: اللهم هؤلاء اهل بيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فأنزل الله تعالى قوله " انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس اهل البيت ويطهركم تطهيرا " فقالت أم مسلمة قلت: يا رسول الله هل انا من اهل بيتك ؟ فقال: لا، ولكنك

[ 340 ]

إلى خير. واستدل أصحابنا بهذه الآية على ان في جملة اهل البيت معصوما لا يجوز عليه الغلط وان اجماعهم لا يكون إلا صوابا بأن قالوا ليس يخلو إرادة الله لاذهاب الرجس عن اهل البيت من ان يكون هو ما اراد منهم من فعل الطاعات واجتناب المعاصي، أو يكون عبارة عن انه اذهب عنهم الرجس بأن فعل لهم لطفا اختاروا عنده الامتناع من القبائح. والاول لا يجوز ان يكون مرادا، لان هذه الارادة حاصلة مع جميع المكلفين، فلا اختصاص لاهل البيت في ذلك ولا خلاف أن الله تعالى خص بهذه الآية اهل البيت بأمر لم يشركهم فيه غيرهم فكيف يحمل على ما يبطل هذا التخصيص ويخرج الآية من أن يكون لهم فيها فضيلة ومزية على غيرهم ؟ ! على ان لفظة (إنما) تجري مجرى ليس، وقد دللنا على ذلك في ما تقدم وحكيناه عن جماعة من اهل اللغة، كالزجاج وغيره، فيكون تلخيص الكلام: ليس يريد الله إلا إذهاب الرجس على هذا الحد عن أهل البيت، فدل ذلك على ان إذهاب الرجس قد حصل فيهم. وذلك يدل على عصمتهم، وإذا ثبث عصمتهم ثبت ما اردناه. وقال عكرمة هي في ازواج النبي خاصة. وهذا غلط، لانه لو كانت الآية فيهن خاصة لكنى عنهن بكناية المؤنث، كما فعل في جميع ما تقدم من الآيات نحو قوله " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن، واطعن الله واقمن الصلاة وآتين الزكاة " فذكر جميع ذلك بكناية المؤنث، فكان يجب أن يقول إنما يريد الله ليذهب عنكن الرجس اهل البيت ويطهركن، فلما كنا بكناية المذكر دل على ان النساء لا مدخل لهن فيها. وفي الناس من حمل الآية على النساء ومن ذكرناه من اهل البيت هربا

[ 341 ]

مما قلناه. وقال: إذا اجتمع المذكر والمؤنث غلب المذكر، فكنى عنهم بكناية المذكر. وهذا يبطل بما بيناه من الرواية عن أم سلمة وما يقتضيه من كون من تناولته معصوما. والنساء خارجات عن ذلك. وقد استوفينا الكلام في ذلك - في هذه الآيات - في كتاب الامامة من أراده وقف عليه هناك. ثم عاد تعالى إلى ذكر النساء فأمرهن بأن يذكرن الله تعالى بصفاته، وبالدعاء والتضرع إليه، وان يفكرون في آيات الله التي تتلى في بيوتهن من القرآن المنزل، ويعملن بها وبما فيها من الحكمة " ان الله كان لطيفا " في تدبير خلقه، وفي إيصال المنافع الدينية والدنيوية إليهم " خبيرا " اي عالما بما يكون منهم، وبما يصلحهم وبما يفسدهم، وأمرهم بأن يفعلوا ما فيه صلاحهم واجتناب ما فيه فسادهم. ثم اخبر تعالى ب‍ " إن المسلمين والمسلمات " وهم الذين استسلموا لاوامر الله وانقادوا له، وأظهروا الشهادتين، وعملوا بموجبه " والمؤمنين والمؤمنات " فالاسلام والايمان واحد، عند اكثر المفسرين، وإنما كرر لاختلاف اللفظين. وفي الناس من قال: المؤمن هو الذي فعل جميع الواجبات، وانتهى عن جميع المقبحات، والمسلم هو الملتزم لشرائط الاسلام المستسلم لها و " القانتين والقانتات " يعني الدائمين على الاعمال الصالحات " والصادقين " في اقوالهم " والصادقات " مثل ذات " والصابرين والصابرات " على طاعة الله وعلى ما يبتليهم لله من المصائب وما يأمرهم به من الجهاد في سبيله " والخاشعين " يعني المتواضعين غير المتكبرين " والخاشعات " مثل ذلك " والمتصدقين " يعني الذين يخرجون الصدقات والزكوات " والمتصدقات " مثل ذلك " والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم " من الزنا وإتكاب انواع الفجور والحافظات " فروجهن

[ 342 ]

وحذف من الثاني لدلالة الكلام عليه " والذاكرين الله كثيرا والذاكرات " الله كثيرا، وحذف مثل ما قلناه. ثم قال " اعد الله لهم " يعني من قدم ذكرهم ووصفهم " مغفرة واجرا عظيما " يعني ثوابا جزيلا. لا يوازيه شئ. وقيل: إن سبب نزول هذه الآية ان أم سلمة قالت: يا رسول الله ما للرجال يذكرون في القرآن ولا يذكر النساء ؟ فنزلت الآية. فلذلك قال " ان المسلمين والمسلمات " وإن كن المسلمات داخلات في قوله " المسلمين " تغليبا للمذكر فذكرهن بلفظ يخصهن إزالة للشبهة. قوله تعالى: * (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا (36) وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشيه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا (37) ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلو من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (38) الذين يبلغون رسالات

[ 343 ]

الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا (39) ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شئ عليما) * (40) خمس آيات. قرأ اهل الكوفة " ان يكون لهم الخيرة " بالياء، لان التأنيث غير حقيقي. الباقون بالتاء لتأنيث الخيرة. والخيرة جمع خير وحكي خيرة بفتح الياء وسكونها وقرأ عاصم " وخاتم " بفتح التاء. الباقون بكسرها. وهو الاقوى، لانه مشتق من ختم، فهو خاتم. وقال الحسن: خاتم وهو الذي ختم به الانبياء. وقيل: هما لغتان - فتح التاء وكسرها - وفيه لغة ثالثة (خاتام) وقرئ به في الشواذ. وحكي ايضا (ختام). وروي عن ابن عباس، وذهب إليه مجاهد، وقتادة أنه نزل قوله " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة.... " الآية، في زينب بنت جحش، لما خطبها رسول الله صلى الله عليه واله لزيد بن حارثة فامتنعت لنسبها من قريش وإن زيدا كان عبدا، فأنزل الله الآية فرضيت به. وقال ابن زيد: نزلت في أم كلثوم بنت عقبة ابن ابي معيط، وكانت وهبت نفسها لرسول الله صلى الله عليه واله فزوجها زيد بن حارثة. بين الله تعالى في هذه الآية انه لم يكن " لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله امرا " بمعنى إلزاما وحكما " أن يكون لهم الخيرة " اي ليس لهم ان يتخيروا مع امر الله بشئ يترك به ما امر به إلى ما لم يأذن فيه. والخيرة إرادة اختيار الشئ على غيره. وفي ذلك دلالة على فساد مذهب المجبرة في القضاء والقدر، لانه لو كان الله تعالى قضى المعاصي لم يكن لاحد الخيرة، ولوجب

[ 344 ]

عليه الوفاء به. ومن خالف في ذلك كان عاصيا، وذلك خلاف الاجماع. ثم قال " ومن يعص الله ورسوله " في ما قضيا به وامرا به وخالفهما " فقد ضل " عن الحق وخاب عنه " ضلالا مبينا " أي ظاهرا. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال واذكر يا محمد حين " تقول للذي انعم الله عليه " يعني بالهداية إلى الايمان " وانعمت عليه " بالعتق " أمسك عليك زوجك " اي احبسها، ولا تطلقها، لان زيدا جاء إلى النبي صلى الله عليه واله مخاصما زوجته زينب بنت جحش على ان يطلقها، فوعظه النبي صلى الله عليه واله، وقال له: لا تطلقها وامسكها " واتق الله " في مفارقتها " وتخفي في نفسك ما الله مبديه " فالذي اخفى في نفسه انه إن طلقها زيد تزوجها وخشي من إظهار هذا للناس، وكان الله تعالى امره بتزوجها إذا طلقها زيد، فقال الله تعالى له ان تركت إظهار هذا خشية الناس فترك اضماره خشية الله احق وأولى. وقال الحسن: معناه وتخشى عيب الناس. وروي عن عائشة انها قالت لو كتم رسول الله صلى الله عليه واله شيئا من الوحي لكتم " وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه " وقيل: إن زيدا لما جاء مخاصما زوجته، فرآها النبي صلى الله عليه واله استحسنها وتمنى ان يفارقها زيد حتى يتزوجها، فكتم. قال البلخي: وهذا جائز، لان هذا التمني هو ما طبع الله عليه البشر، فلا شئ على احد إذا تمنى شيئا استحسنه. ثم قال تعالى * (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) * فالوطر الارب والحاجة وقضاء الشهوة يقال: لي في هذا وطر، أي حاجة وشهوة، قال الشاعر: ودعني قبل ان اودعه * لما قضى من شبابنا وطرا (1) وقال آخر:


(1) مجاز القرآن 2 / 160 (*)

[ 345 ]

وكيف ثواي بالمدينة بعدما * قضى وطرا منها جميل بن معمر وقوله * (زوجناكها) * يعني لما طلق زيد إمرأته زينب بنت جحش اذن الله تعالى لنبيه في تزويجها، واراد بذلك نسخ ما كان عليه اهل الجاهلية من تحريم زوجة الدعي على ما بيناه، وهو قوله * (لكي لا يكون على المؤمنين حرج) * اي اثم في أزواج ادعيائهم أن يتزوجوهن * (إذا قضوا) * الادعياء * (منهن وطرا) * وفارقوهن، فبين الله تعالى ان الغرض بهذا ان لا يكون المتبنى به إذا طلق المرأة يجري مجرى تحريم إمراة الابن إذا طلقت أو مات عنها الابن. وقوله * (وكان امر الله مفعولا) * معناه وكان تزويج النبي صلى الله عليه واله زينب بنت جحش كائنا لا محالة. واستدل بقوله * (وكان أمر الله مفعولا) * على حدوث كلام الله، لان الله تعالى قص كلامه. وقد بين أنه مفعول، والمفعول والمحدث واحد. ثم قال تعالى * (ما كان على النبي من حرج في ما فرض الله له) * أي لم يكن عليه إثم في ما قدره الله أن يتزوج زينب بنت جحش التي كانت زوجة زيد، وإن كان دعيا له، وفي جمعه بين التسع. وقال * (سنة الله في الذين خلوا من قبل) * أي ما أمرنا به محمدا من هذه السنن والعادات مثل سنة من تقدم من الانبياء، وما أمرهم الله تعالى به. لانه تعالى أباح لكل نبي شيئا خصه به ورفع به شأنه من بين سائر الامم * (وكان أمر الله قدرا مقدورا) * فالقدر المقدور هو ما كان على مقدار ما تقدم من غير زيادة ولا نقصان، قال الشاعر: واعلم بان ذا الجلال قد قدر * في الصحف الاولى التي كان سطر (1)


(1) مر تخريجه في 6 / 492 (*)

[ 346 ]

وقوله * (الذين يبلغون رسالات الله) * ولا يكتمونها بل يؤدونها إلى من بعثوا إليهم * (ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله) * أي لا يخافون سوى الله احدا وقوله * (وكفى بالله حسيبا) * أي كافيا ومجازيا. ثم قال * (ما كان محمد أبا احد من رجالكم) * نزلت في زيد بن حارثة لانهم كانوا يسمونه: زيد بن محمد، فبين الله تعالى ان النبي ليس ب‍ (أب احد) منهم من الرجال وإنما هو أبو القاسم والطيب والمطهر وإبراهيم، وكلهم درجوا في الصغر. ذكره قتادة. ثم قال * (ولكن) * كان * (رسول الله) * ونصب باضمار (كان) وتقديره ولكن كان رسول الله صلى الله عليه واله، وروى عبد الوارث عن ابي عمرو * (ولكن) * بالتشديد * (رسول الله) * نصب ب‍ (لكن) * (وخاتم النبيين) * أي آخرهم، لانه لا نبي بعده إلى يوم القيامة * (وكان الله بكل شئ عليما) * أي عالما لا يخفى عليه شئ مما يصلح العباد. وقيل إنما ذكر * (وخاتم النبيين) * ههنا، لان المعنى أن من لا يصلح بهذا النبي الذي هو آخر الانبياء، فهو مأيوس من صلاحه من حيث انه ليس بعده نبي يصلح به الخلق. ومن استدل بهذه الآية، وهي قوله * (ما كان محمد أبا احد من رجالكم) * على انه لم يكن الحسن والحسين عليهما السلام ابنيه، فقد أبعد، لان الحسن والحسين كانا طفلين، كما انه كان أبا إبراهيم وإنما بقي أن لا يكون أبا للرجال البالغين. قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (41) وسبحوه بكرة وأصيلا (42) هو الذي يصلي عليكم وملئكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43)

[ 347 ]

تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما (44) يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (45) وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا (46) وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (47) ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذيهم توكل على الله وكفى بالله وكيلا) * (48) ثمان آيات. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بصدق أنبيائه، يأمرهم بأن يذكروا الله ذكرا كثيرا، والذكر الكثير أن نذكره بصفاته التي يختص بها، ولا يشاركه فيها غيره، وننزهه عما لا يليق به. وروي في اخبارنا أن من قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ثلاثين مرة، فقد ذكر الله كثيرا، وكل صفة لله تعالى فهى صفة تعظيم، وإذا ذكر بأنه شئ وجب أن يقال: إنه شئ لا كالاشياء، وكذلك احد ليس كمثله شئ وكذلك القديم هو الاول قبل كل شئ، والباقي بعد فناء كل شئ. ولا يجوز أن يذكر بفعل ليس فيه تعظيم، لان جميع ما يفعله يستحق به الحمد والوصف بالجميل على جهة التعظيم، مثل الذكر بالغنى والكرم بما يوجب اتساع النعم، والذكر احضار معنى الصفة للنفس إما بايجاد المعنى في النفس ابتداء من غير طلب. والآخر بالطلب من جهة الفكر. والذكر قد يجامع العلم، وقد يجامع الشك. والعلم لا يجامع الشك في الشئ على وجه واحد. والذكر أيضا يضاد السهو، ولا يضاد الشك، كما يضاده العلم. وقوله * (وسبحوه بكرة واصيلا) * أمر لهم بأن ينزهوا الله تعالى عن كل قبيح وجميع ما لا يليق به، بالغداة

[ 348 ]

والعشي: قال قتادة: يعني صلاة الغداة وصلاة العصر، والاصيل العشي وجمعه أصائل، ويقال اصل وآصال، وهو اصل الليل أي اوله ومبدؤه، وقوله * (هو الذي يصلي عليكم وملائكته) * يترحم عليكم بايجاب الرحمه، ويصلي عليكم الملائكة بالدعاء والاستغفار، فالاول كالدعاء، والثاني دعاء. وقيل: معناه يثني عليكم بطريقة الدعاء، كقوله عليك رحمتي ومغفرتي. وقيل: معناه هو الذي يوجب عليكم الصلاة، وهي الدعاء بالخير، ويوجبه الملائكة بفعل الدعاء، وهذا مما يختلف فيه معنى صفة الله تعالى وصفة العباد، كتواب بمعنى كثير القبول للتوبة وتواب بمعنى كثير فعل التوبة. وقال الاعشى: عليك مثل الذي صليت فاعتصمي * يوما فان لجنب المرئ مضطجعا (1) فمن رفع (مثل) فانما دعا لها مثل ما دعت له. ومن نصب أمرها بأن تزداد من الدعاء أي عليك بمثل ما قلت. وقوله * (ليخرجكم من الظلمات إلى النور) * معناه ليخرجكم من الجهل بالله إلى معرفته، فشبه الجهل بالظلمات، والمعرفة بالنور، وانما شبه العلم بالنور، لانه يقود إلى الجنة، فهو كالنور. والكفر يقود إلى النار - نعوذ بالله منها - وقال ابن زيد: معناه ليخرجكم من الضلالة إلى الهدى. ثم اخبر تعالى انه * (كان بالمؤمنين رحيما) * حين قبل توبتهم وخلصهم من العقاب إلى الثواب بما لطف لهم في فعله. وقوله * (تحيتهم يوم يلقونه سلام " أي يحيي بعضهم بعضا يوم يلقون ثواب الله بأن يقولوا السلامة لكم من جميع الافات والفوز بنعيم ثواب الله. ولقاء الله لقاء ثوابه لا رؤيته، لانه بمنزلة قوله


(1) ديوانه (دار بيروت) 106 وقد مر في 5 / 331 من هذا الكتاب (*)

[ 349 ]

* (فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه) * (1) وبمنزلة قول النبي صلى الله عليه وآله (من حلف على يمين كاذبة يقتطع بها مال امرئ مسلم لقي الله وهو عليه غضبان) ولا خلاف أن هؤلاء لا يرون الله. وقوله * (وأعد لهم أجرا كريما) * أي ثوابا جزيلا. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال * (يا ايها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا) * أي شاهدا على أمتك في ما يفعلونه من طاعة الله أو معصيته أو إيمان به أو كفر، لتشهد لهم يوم القيامة أو عليهم، فأجازيهم بحسبه، ومبشرا لهم بالجنة وثواب الابد إن أطاعوني واجتنبوا معصيتي. * (ونذيرا) * أي مخوفا من النار وعقاب الابد بارتكاب المعاصي وترك الواجبات * (وداعيا) * اي وبعثناك داعيا لهم تدعوهم * (إلى الله باذنه) * والاقرار بوحدانيته وأمتثال ما امرهم به، والانتهاء عما نهاهم عنه * (وسراجا منيرا) * أي انت بمنزلة السراج الذي يهتدي به الخلق. والمنير هو الذي يصدر النور من جهته إما بفعله، وإما لانه سبب له، فالقمر منير، والسراج منير بهذا المعنى، والله منير السموات والارض. وقال الزجاج * (وداعيا إلى الله باذنه وسراجا) * وبعثناك ذا سراج، وحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وأراد بالسراج القرآن الذي يحتاجون إلى العمل به. ثم امر نبيه صلى الله عليه واله بأن * (يبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا) * أي زيادة على ما يستحقونه من الثواب كثيرا، ثم نهاه عن طاعة الكفار الجاحدين لله والمنكرين لنبوته فقال * (ولا تطع الكافرين) * الذين يتظاهرون بالكفر، ولا " المنافقين " الذين يظهرون الاسلام، ويبطنون الكفر، ولا تساعدهم على ما يردونه * (ودع أذاهم) * أي اعرض عن اذاهم. فانا اكفيك أمرهم إذا توكلت علي، وعملت بطاعتي فان جميعهم في سلطاني


(1) سورة 9 التوبة آية 78 (*)

[ 350 ]

بمنزلة ما هو في قبضة غيري. ثم قال * (وتوكل على الله) أي اسند أمرك إليه واكتف به * (وكفى بالله وكيلا) * اي كافيا ومتكفلا ما يسنده إليه. وقوله * (وشاهدا ومبشرا ونذيرا، وداعيا، وسراجا) * كل ذلك نصب على الحال. قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فمالكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن وسرحوهن سراحا جميلا (49) يا أيها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك وبنات عمك وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكي لا يكون عليك حرج وكان الله غفورا رحيما) * (50) آيتان. قرأ حمزة والكسائي * (تماسوهن) * بألف. الباقون بلا الف. وقد مضى تفسيره في البقرة (1).


(1) انظر 2 / 268 - 272 (*)

[ 351 ]

خاطب الله نبيه بأنه إذا نكح واحد من من المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه مؤمنة نكاحا صحيحا، ثم طلقها قبل ان يمسها بمعنى قبل ان يدخل بها بأنه لا عدة عليها منه، ويجوز لها أن تتزوج بغيره في الحال. وأمرهم أن يمتعوها ويسرحوها سراحا جميلا، إلى بيت أهلها. وهذه المتعة واجبة إن كان لم يسم لها مهرا وإن كان سمى لها مهر الزمه نصف المهر، ويستحب المتعة مع ذلك، وفيه خلاف. وقال ابن عباس: إن كان سمى لها صداقا فليس لها إلا نصف المهر، وإن لم يكن سمى لها صداقا متعها على قدر عسره أو يسره وهو السراح الجميل. وهذا مثل قولنا سواء. وحكي عن ابن عباس أن هذه الآية نسخت بايجاب المهر المذكور في البقرة (1) ومثله روي عن سعيد بن المسيب والصحيح الاول. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال * (يا ايها النبي إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت اجورهن) * يعني مهورهن، لان النكاح لا ينفك من المهر واحللنا لك ما ملكت من الاماء أن تجمع منهن ما شئت * (مما افاء الله عليك) * من الغنائم والانفال * (وبنات عمك) * أي واحللنا لك بنات عمك * (وبنات عماتك وبنات خالك وبنات خالاتك اللاتي هاجرن معك) * أن تعقد عليهن وتعطيهن مهورهن. ثم قال * (وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي) * فالقراء كلهم على كسر (ان) على انه شرط، وقرأ الحسن بفتحها على انه بمعنى احللنا لك لان وهبت، والمعنى واحد، لانه بمنزلة قولك سرني إن ملكت وسرني أن ملكت أي سرني ما ملكت * (إن أراد النبي) * واحللنا لك المرأة إذا وهبت نفسها لك إن أردتها ورغبت فيها. فروي عن ابن عباس انه لا تحل امرأة بغير مهر وإن وهبت نفسها إلا للنبي


(1) انظر 2 / 272 (*)

[ 352 ]

صلى الله عليه واله خاصة. وقال ابن عباس: لم يكن عند النبي امرأة وهبت نفسها له، وفي رواية أخرى عن ابن عباس انه كانت عنده ميمونة بنت الحارث بلا مهر وكانت وهبت نفسها للنبي. وروي عن علي بن الحسين عليه السلام أنها امرأة من بني اسد يقال لها أم شريك. وقال الشعبي: هي امرأة من الانصار. وقيل زينب بنت خزيمة من الانصار. وعندنا أن النكاح بلفظ الهبة لا يصح وإنما كان ذلك للنبي صلى الله عليه واله خاصة. وقال قوم: يصح غير انه يلزم المهر إذا دخل بها، وإنما جاز بلا مهر للنبي صلى الله عليه واله خاصة غير انه يبين حجة ما قلناه. قوله * (إن اراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين) * فبين أن هذا الضرب من النكاح خاص له دون غيره من المؤمنين. وقوله * (قد علمنا ما فرضنا عليهم) * يعني على المؤمنين * (في أزواجهم) * قال قتادة: معناه أي لا نكاح الا بولي وشاهدين وصداق وألا يتجاوز الاربع. وقال مجاهد: ما فرضنا عليهم ألا يتزوجوا اكثر من أربع. وقال قوم * (ما فرضنا عليهم في أزواجهم) * من النفقة والقسمة وغير ذلك. وعندنا أن الشاهدين ليسا من شرط صحة انعقاد العقد، ولا الولي إذا كانت المرأة بالغة رشيدة، لانها ولية نفسها. والمعنى على مذهبنا إنا قد علمنا ما فرضنا على الازواج من مهرهن ونفقتهن وغير ذلك ومن الحقوق مع * (ما ملكت أيمانهم) * (ما) في موضع جر لانها عطف على (في) وتقديره: في أزواجهم وفي ما ملكت أيمانهم * (لكيلا يكون عليك حرج) * إذا تزوجت المرأة بغير مهر إذا وهبت لك نفسها وأردتها. ثم قال * (وكان الله غفورا رحيما) * أي ساترا للذنب على المسيئين رحيما بهم ومنعما عليهم.

[ 353 ]

قوله تعالى: * (ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك ذلك أدنى أن تقرأ عينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن والله يعلم ما في قلوبكم وكان الله عليما حليما (51) لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك وكان الله على كل شئ رقيبا (52) يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سألتموهن متاعا فسئلوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما (53) إن تبدوا شيئا أو تخفوه فان الله كان بكل شئ

[ 354 ]

عليما (54) لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا) * (55) خمس آيات. قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر وابو بكر عن عاصم * (ترجئ) * مهموزة. الباقون بغير همز. من همز خففها ومن ترك الهمز لين، وهما لغتان يقال: أرجئت وأرجيت. وقرأ أبو عمرو وحده * (لا تحل) * بالتاء. الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء، فلان النساء مؤنثة. ومن قرأ بالياء حمله على اللفظ لان المعنى: لا يحل لك شئ من النساء. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله يخيره في نسائه بين أن يرجئ منهن من شاء أي تؤخر وتبعد. قال ابن عباس: خيره الله بين طلاقهن وإمساكهن. وقال قوم: معناه تترك نكاح من شئت وتنكح من شئت من نساء أمتك. وقال مجاهد: معناه تعزل من شئت من نسائك فلا تأتيها وتأتي من شئت من نسائك فلا تقسم لها، فعلى هذا يكون القسم ساقطا عنه فكان ممن أرجى ميمونه وأم حبيبة وصفية وسودة، فكان يقسم لهن من نفسه وماله ما شاء، وكان ممن يأوي عائشة وحفصة وأم سلمة وزينب، فكان يقسم نفسه وماله بينهن بالسوية. وقال زيد بن اسلم: نزلت في اللاتي وهبن انفسهن فقال الله له تزوج من شئت منهن واترك من شئت، وهو اختيار الطبري وهو أليق بما تقدم. فالارجاء هو التأخير وهو من تبعيد وقت الشئ عن

[ 355 ]

وقت غيره ومنه الارجاء في فساق أهل الصلاة، وهو تأخير حكمهم بالعقاب إلى الله * (وتؤوي منهن من تشاء) * فالايواء: ضم القادر غيره من الاحياء الذين من جنس ما يعقل إلى غيره أو ناحيته، تقول آويت الانسان آويه إيواء وأوى هو يأوي أويا إذا انضم إلى مأواه. وقوله * (ومن ابتغيت) * يعني من طلبت * (ممن عزلت) * قال قتادة: كان نبي الله يقسم بين أزواجه فأحل الله تعالى له ترك ذلك. وقيل * (ومن ابتغيت) * اصابته ممن كنت عزلت عن ذلك من نسائك. وقال الحسن * (ترجي من تشاء منهن) * تذكر المرأة للتزويج ثم ترجيها فلا تتزوجها * (فلا جناح عليك) * أي لا جناح عليك في ابتغاء من شئت وإرجاء من عزلت وإيواء من شئت * (ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن) * أي اقرب إذا علمن أن الرخصة من قبل الله كان ذلك اقر لعينهن، وإنهن لا يطلقن وأشد لسرورهن وهو قول قتادة. وقيل * (ذلك أدنى ان تقر أعينهن) * إذا طمعت في ردها إلى فراشها بعد عزلها * (ويرضين بما آتيتهن كلهن) * رفع (كلهن) على تأكيد الضمير وهو النون في (يرضين) لا يجوز غير ذلك، لان المعنى عليه. ثم قال * (والله يعلم ما في قلوبكم) * من الرضا والسخط والميل إلى بعض النساء دون بعض * (وكان الله عليما) * بذلك * (حليما) * عن ان يعاجل أحدا بالعقوبة. وقوله * (لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن) * قال ابن عباس والحسن: بعد التسع اللاتي كن عنده واخترنه مكافأة لهن على اختيارهن الله ورسوله. وقال ابي بن كعب لا يحل لك من بعد أي حرم عليك ما عدا اللواتي ذكرن بالتحليل في " إنا احللنا لك.... " الآية. وهن ست أجناس النساء اللاتي هاجرن معك وإعطائهن مهورهن وبنات عمه وبنات عماته وبنات خاله

[ 356 ]

وبنات خالاته اللاتي هاجرن معه، ومن وهبت نفسها له بجميع ما شاء من العدد، ولا يحل له غيرهن من النساء. وقال مجاهد: " لا يحل لك النساء " من أهل الكتاب ويحل لك المسلمات. وروى أن حكم هذه الآية نسخ، وأبيح له ما شاء من النساء أي أي جنس أراد، وكم أراد، فروي عن عائشة انها قالت: لم يخرج النبي صلى الله عليه واله من دار الدنيا حتى حلل الله له ما أراد من النساء، وهو مذهب اكثر الفقهاء. وهو المروي عن أصحابنا في أخبارنا. " ولا ان تبدل بهن من أزواج " قال ابن زيد: معناه أن تعطي زوجتك لغيرك وتأخذ زوجته. لان أهل الجاهلية كانوا يتبادلون الزوجات. وقيل: معناه تطلق واحدة وتتزوج أخرى بعدها " ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكت يمينك " استثناء الاماء أي اللاتي تملكهن من جملة ما حرم عليه من النساء " وكان الله على كل شئ رقيبا " أي عالما حافظا، فالرقيب الحفيظ - في قول الحسن وقتادة - قال الشاعر: لواحد الرقباء للضرباء ايديهم نواهد (1) ثم خاطب المؤمنين فقال " يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم " نهاهم عن دخول دور النبي بغير اذن " إلى طعام غير ناظرين إناه " أي بلوغه، وكان يداريهم، وهو نصب على الحال، يقال في الطعام: أناى يأني إذا بلغ حال النضج، قال الشاعر [ الشيباني ]. تمخضت المنون له بيوم * اني ولكل حادثة تمام (2) وقال الحطيئة:


(1) مجاز القرآن 2 / 140 (2) تفسير القرطبي 14 / 226 (*)

[ 357 ]

وأخرت العشاء إلى سبيل * أو الشعري فطال بي الاناء (1) وقال البصريون: لا يجوز (غير ناظرين) بالجر على صفة (طعام) لان الصفة إذا جرت على غير من هي له لم يضمر الضمير، واجاز ذلك الفراء وانشد الاعشى: فقلت له هذه هاتها. الينا بأدماء مقتادها (2). والمعنى على يدي من اقتادها، وقال الكسائي: سمعت العرب تقول: يدك باسطها، أي انت. وقال الزجاج: لو جر (غير) لقال: إلى طعام غير ناظرين إناه انتم، لا يجوز إلا ذلك. والمعنى غير منتظرين بلوغ الطعام. ثم قال " ولكن إذا دعيتم فادخلوا " والمعنى إذا دعيتم إلى طعام فادخلوا " فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث " أي تفرقوا ولا تقيموا ولا تستأنسوا بطول الحديث، وإنما منعوا من الاستئناس من اجل طول الحديث لان الجلوس يقتضي ذلك، والاستئناس هو ضد الاستيحاش، والانس ضد الوحشة، وبين تعالى فقال " لان ذلك " الاستئناس بطول الجلوس " كان يؤذي النبي فيستحيي منكم " أي من الحاضرين، فيسكت على مضض ومشقة " والله لا يستحيي من الحق " ثم قال " وإذا سألتموهن متاعا " يعني إذا سألتم أزواج النبي شيئا تحتاجون إليه " فاسألوهن من وراء حجاب " وستر " ذلكم اطهر لقلوبكم وقلوبهن " من الميل إلى الفجور. ثم قال " وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله " قال أبو عبيدة (كان) زائدة والمعنى ليس " لكم ان تؤذوا رسول الله " بطول الجلوس عنده، ومكالمة نسائه


(1) تفسير القرطبي 14 / 226 (2) ديوانه (دار بيروت) روايته: فقلنا له هذه هاتها * بأدماء في حبل مقتادها (*)

[ 358 ]

" ولا " يحل لكم ايضا " أن تنكحوا أزواجه من بعده ابدا " لانهن صرن بمنزلة أمهاتكم في التحريم. وقال السدي: لما نزل الحجاب قال رجل من بني تيم أنحجب من بنات عمنا إن مات عرسنابهن، فنزل قوله " ولا أن تنكحوا ازواجه من بعده ابدا إن ذلكم " إن فعلتموه " كان عند الله عظيما ". ثم قال لهم " إن تبدوا شيئا " أي إن اظهرتموه من مواقعة النساء " أو تخفوه فان الله كان بكل شئ عليما " لا يخفى عليه شئ من أعمالكم لا ظاهرة ولا باطنة. ثم استثنى لازواج النبي صلى الله عليه واله من يجوز لها محادثتم ومكالمتهم، فقال " لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن " ولم يذكر العم والخال لانه مفهوم من الكلام، لان قرباتهم واحدة، لانهن لا يحللن لواحد من المذكورين بعقد نكاح على وجه، فهن محرم لهن " ولا نسائهن ولا ما ملكت ايمانهن " قال قوم: من النساء والرجال. وقال آخرون من النساء خاصة. وهو الاصح. وقال مجاهد: رفع الجناح - ههنا - في وضع الجلباب للمذكورين. وقال قتادة: في ترك الاحتجاب، ثم أمرهن بأن يتقين الله ويتركن معاصيه فقال " واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيدا " أي عالما لا يخفى عليه شئ من ذلك. وقال الشعبي وعكرمة: وإنما لم يذكر العم والخال، لئلا ينعتاهن لابنائهما. وكان سبب نزول الآية لما نزل الحجاب، قوله " فاسألوهن من وراء حجاب " قال آباء النساء وابناؤهن: ونحن ايضا مثل ذلك، فانزل الله الآية وبين أن حكم هؤلاء بخلاف حكم الاجانب.

[ 359 ]

قوله تعالى: * (إن الله وملئكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما (56) إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا (57) والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا (58) يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلا بيبهن ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين وكان الله غفورا رحيما (59) لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا) * (60) خمس آيات يقول الله تعالى مخبرا انه يصلي وملائكته على النبي صلى الله عليه واله وصلاة الله تعالى هو ما فعله به من كراماته وتفضيله وإعلاء درجاته ورفع منازله وثنائه عليه وغير ذلك من انواع إكرامه. وصلاة الملائكة عليه مسألتهم الله تعالى أن يفعل به مثل ذلك، وزعم بعضهم أن " يصلون " فيه ضمير الملائكة دون اسم الله مع إقراره بأن الله سبحانه يصلي على النبي لكنه يذهب في ذلك إلى انه في افراده بالذكر تعظيما، ذكره الجبائي.

[ 360 ]

ثم امر تعالى المؤمنين المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه أن يصلوا ايضا عليه، وهو أن يقولوا: اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على ابراهيم وآل إبراهيم - في قول ابن عباس. ثم أمر المؤمنين أيضا، ان يسلموا لامره تعالى وأمر رسوله تسليما، في جميع ما يأمرهم به. والتسليم هو الدعاء بالسلامة كقولهم سلمك الله. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. وكقولك: السلام عليك يا رسول الله. ثم اخبر تعالى " ان الذين يؤذون الله ورسوله " وأذى الله يقال هو اذى أوليائه، وانما أضافه إلى نفسه تعظيما لاوليائه ومبالغة في عظم المعصية به " لعنهم الله " أي يستحقون اللعنة من الله، لان معنى " لعنهم الله " أي حل بهم وبال اللعن بالابعاد من رحمة الله. وقول القائل: لعن الله فلانا معناه الدعاء عليه بالابعاد من رحمته. وقوله " في الدنيا والآخرة " أي هم مبعدون من رحمته تعال في الدنيا والآخرة، ومع ذلك " اعد لهم " في الآخرة " عذابا مهينا " اي مذلا لهم. والهوان الاحتقار، يقال: اهانه اهانة، وإنما وصف العذاب بأنه مهبن، لانه تعالى يهين الكافرين والفاسقين به، حتى يظهر الذلة فيه عند العقاب. ثم قال " والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا " يعني يؤذونهم من غير استحقاق على شئ فعلوه يستوجبون به ذلك " فقد احتملوا بهتانا.... ". وكان سبب نزول الآية ان قوما من الزناة كانوا يمشون في الطرقات فإذا رأوا امرأة غمزوها. وقال النقاش: نزلت في قوم كانوا يؤذون عليا عليه السلام وقيل: نزلت في من تكلم في عائشة في قصة الافك.

[ 361 ]

وقوله " فقد احتملوا بهتانا " اي كذبا " واثما مبينا " اي ظاهرا - ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله يقوله " يا ايها النبي " وامره بأن يقول لازواجه وبناته ونساء المؤمنين، ويأمرهم بأن يدنين عليهم من جلابيبهن، قالجلابيب جمع جلباب وهو خمار المرأة وهي المقنعة تغطي جبيتها ورأسها إذا خرجت لحاجة بخلاف خروج الاماء اللاتي يخرجن مكشفات الرؤس والجباه - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال الحسن: الجلابيب الملاحف تدينها المرأة على وجهها " ذلك أدنى أن يعرفن فلا يؤذين " ثم قال " وكان الله غفورا رحيما " اي ستار الذنوب على عباده " رحيما " بهم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله " لئن لم ينته المنافقون " أي لئن لم يرجعوا " والذين في قلوبهم مرض " اي شك ونفاق. وقيل: شهوة الزنا " والمرجفون في المدينة " فالارجاف اشاعة الباطل للاعتمام به. والمرجفون هم الذين كانوا يطرحون الاخبار الكاذبة بما يشغلون به قلوب المؤمنين " لنغرينك بهم " يا محمد، والاغراء الدعاء إلى تناول الشئ بالتحريض عليه اغراه يغريه إغراء وغري به يغرى مثل اولع به كأنه أخذ بلزومه. وقيل: معناه لسنلطنك عليهم - في قول ابن عباس -. وقوله " ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا " يعني ينفون عن المدينة ولا يجاورونك يا محمد فيها. قوله تعالى: * (ملعونين أين ما ثقفوا أخذوا وقتلوا تقتيلا (61) سنة

[ 362 ]

الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا (62) يسئلك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (63) إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا) * (65) خمس آيات. لما أخبر الله تعالى، وتوعد " المنافقين والذين في قلوبهم مرض " أي شك " والمرجفون في المدينة " بما يشغل قلوب المؤمنين وأنهم إن لم يتوبوا عن ذلك نفوا عنها، وصفهم بانهم " ملعونين " أي مبعدون " أينما ثقفوا " ونصب (ملعونين) على الحال من الضمير في قوله " يجاورونك " وقيل: انه نصب على الذم، والصفة ل‍ (قليلا)، كأنه قال: إلا أذلاء ملعونين، (وأينما) منصوب ب‍ (ثقفوا)، وانجزم به (ثقفوا) على طريق الجزاء. وإنما جاز ذلك، لان الجازم في الاصل (إن) المحذوفة. وصار (أينما) تقوم مقامها، وتغني عنها ولا يجوز ان يعمل فيه (اخذوا) لانه جواب الجزاء، ولا يعمل الجواب فيها قبل الشرط، لئلا يختلط احد الامرين بالآخر. وفي الآية دلالة على انهم انتهوا، وإلا كان يوقع الاغراء بهم ويجعلهم بالصفة التي ذكرها. وقوله " سنة الله التي قد خلت من قبل " فالسنة الطريقة في تدبير الحكيم ومنه سنة رسول الله، وهي الطريقة التي أجراها بأمر الله تعالى، فأضيفت إليه

[ 363 ]

لانه فعلها بأمر الله. واصل السنة الطريقة. ومن عمل الشئ مرة أو مرتين لا يقال: إن ذلك سنة، لان السنة الطريقة الجارية، ولا تكون جارية بمالا يعتد به من العمل القليل، وسنة الله في المتمردين في الكفر - الذين لا يقلع احد منهم ولا من نسلهم - الاهلاك في العذاب في الدنيا والآخرة. وقوله " ولن تجد لسنة الله تبديلا " معناه إن السنة التي اراد الله أن يسنها في عباده لا يتهيأ لاحد تغييرها، ولا قلبها عن وجهها لانه تعالى القادر الذي لا يتهيأ لاحد منعه مما اراد فعله. ثم قال " يسألك الناس عن الساعة " يعني عن يوم القيامة " قل " لهم " انما علمها عند الله " لا يعلمها أحد غيره " وما يدريك " يا محمد " لعل الساعة تكون قريبا " مجيئها. ثم قال تعالى مخبرا " إن الله لعن الكافرين " يعني أبعدهم من رحمته " وأعد لهم سعيرا " يعني النار التي تستعر وتلتهب " خالدين فيها أبدا " أي مؤبدين فيها لا يخرجون منها " ولا يجدون وليا " ينصرهم من دون الله " ولا نصيرا " يدفع عنهم. واستدل قوم بذلك على النار أنها مخلوقة الآن، لان مالا يكون مخلوقا لا يكون معدا. وهذا ضعيف، لانه يجوز أن يكون المراد إن الجنة والنار معدتان في الحكم كائنتان لا محالة، فلا يمكن الاعتماد على ذلك. قوله تعالى: * (يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا (66) وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا

[ 364 ]

فأضلونا السبيلا (67) ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا (68) يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذوا موسى فبرأه الله مما قالوا وكان عند الله وجيها) * (69) آيات أربع. قرأ ابن عامر ويعقوب " ساداتنا " بألف بعد الدال. الباقون بغير الف على جمع التكسير، والاول على جمع الجمع، وقرأ عاصم وابن عامر - في رواية الداحوني عن هشام " لعنا كبيرا " بالباء. بالباقون بالثاء. العامل في قوله " يوم تقلب " قوله " واعد لهم سعيرا... يوم تقلب وجوههم " فالتقليب تصريف الشئ في الجهات، ومثله التنقيل من جهة إلى جهة فهؤلاء تقلب وجوههم في النار، لانه ابلغ في ما يصل إليهم من العذاب. وقوله " يقولون يا ليتنا اطعنا الله واطعنا الرسولا " حكاية ما يقول هؤلاء الكفار الذين تقلب وجوههم في النار، فانهم يقولون متمنين: يا ليتنا كنا اطعنا الله في ما امرنا به ونهانا عنه، ويا ليتنا أطعنا الرسول في ما دعانا إليه. وحكى ايضا انهم يقولون يا " ربنا إنا اطعنا " في ما فعلنا " سادتنا وكبراءنا " والسادة جمع سيد، وهو الملك المعظم الذي يملك تدبير السواد الاعظم، ويقال للجمع الاكثر السواد الاعظم يراد به السواد المنافي لشدة البياض والضياء الاعظم " فأضلونا السبيلا " يعني هؤلاء الرؤساء اضلونا عن سبيل الحق. وقيل الآية نزلت في الاثنى عشر الذين أطعموا الكفار يوم بدر من قريش. ثم حكى انهم يقولون " ربنا آتهم ضعفين من العذاب " لضلالهم في

[ 365 ]

نفوسهم وإضلالهم إيانا. وقيل معناه عذاب الدنيا والآخرة " والعنهم لعنا كثيرا " أي مرة بعد اخرى. ومن قرأ بالباء اراد اللعن الذي هو اكبر من لعن الفاسق، لان لعنة الكافر أعظم. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين آذءا موسى " أي لا تؤذوا نبيكم مثل ما اوذي موسى يعني آذاه قومه بعيب اضافوه إليه لم يقم حجة بتعييبه. وقيل: إن الآية نزلت في المنافقين عابوا النبي صلى الله عليه واله باصطفائه صفيه بنت حي، فنهاهم الله عن ذلك. واختلف المفسرون في العيب الذي اضافه قوم موسى إليه. فقال قوم: انهم آذوا موسى بأن اشاعوا أن هارون قتله موسى فأحياه الله - عز وجل - حتى أخبرهم ان موسى لم يقتله وأن الله تعالى هو الذي اماته عند انقضاء أجله، وهو معنى قوله " فبرأه الله مما قالوا " وقيل: انهم قالوا: إنه ابرص. وقيل: انهم اضافوه إلى انه ادر الخصيتين، فبرأه الله من ذلك، واجاز البلخي حديث الصخرة التي ترك موسى ثيابه عليها على ان يكون ذلك معجزا له. وقال قوم: ذلك لا يجوز لان فيه اشتهار النبي وابداء سوأته على رؤس الاشهاد. وذلك ينفر عنه، فبرأه الله من ذلك. وقوله " وكان عند الله وجيها " أي عظيم القدر، رفيع المنزلة إذا سأل الله تعالى شيئا أعطاه. وأثبت الالف في قوله " الرسولا.... والسبيلا " لاجل الفواصل في رؤس الآي تشبيها بالقوافي. قوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا (70)

[ 366 ]

يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما (71) إنا عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الانسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما) * (73) أربع آيات. امر الله تعالى المصدقين بوحدانيته المقرين بنبوة نبيه بأن يتقوا عقابه باجتناب معاصيه وفعل واجباته وأن يقولوا " قولا سديدا " أي صوابا بريئا من الفساد خالصا من شائب الكذب والتمويه واللغو. وقوله " يصلح لكم اعمالكم " جزم بأنه جواب للامر، وفيه معنى الجزاء. وتقديره: إن فعلتم ما امرتكم به يصلح لكم اعمالكم. وإصلاحه أعمال العباد أن يلطف لهم فيها حتى تستقيم على الطريقة السليمة من الفساد، وذلك مما لا يصح إلا في صفات الله تعالى، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ العالم الذي لا يخفى عليه شئ " ويغفر لكم ذنوبكم " قيل: إنما وعد الله بغفران الذنوب عند القول السديد، ولم يذكر التوبة، لان التوبة داخلة في الاقوال السديدة، كما يدخل فيه تجنب الكذب في كل الامور فيدخل فيه الدعاء إلى الحق وترك الكفر والهزل واجتناب الكلام القبيح. ثم قال " ومن يطع الله ورسوله " في ما أمراه به ونهياه عنه ودعواه إليه

[ 367 ]

" فقد فاز فوزا عظيما " أي افلح فلاحا عظيما، لانه يفوز بالجنة، والثواب الدائم. وقيل: معناه فقد ظفر بالكرامة من الله والرضوان، وهو الفوز العظيم. ثم اخبر تعالى بأنه عرض الامانة على السموات والارض، فالامانة هي العقد الذي يلزم الوفاء به مما من شأنه أن يؤتمن على صاحبه، وقد عظم الله شأن الامانة في هذه الآية وأمر بالوفاء بها، وهو الذي امر به في اول سورة المائدة وعناه بقوله " يا ايها الذين آمنوا اوفوا بالعقود " وقيل في قوله " عرضنا الامانة على السموات والارض والجبال " مع أن هذه الاشياء جمادات لا يصح تكليفها أقوال: احدها - ان المراد عرضنا على اهل السموات واهل الارض واهل الجبال وثانيها - ان المعني في ذلك تفخيم شأن الامانة وتعظيم حقها، وأن من عظم منزلتها انها لو عرضت على الجبال والسموات والارض مع عظمها، وكانت تعلم بأمرها لاشفقت منها، غير انه خرج مخرج الواقع لانه ابلغ من المقدر. وقوله " فأبين ان يحملنها " أي منعن ان يحملن الامانة " واشفقن منها " أي خفن من حملها " وحملها الانسان انه كان ظلوما جهولا " أي ظلوما لنفسه بارتكاب المعاصي، جهولا بموضع الامانة واستحقاق العقاب على ارتكاب المعاصي وقال ابن عباس: معنى الامانة الطاعة لله، وقيل لها أمانة لان العبد اؤتمن عليها بالتمكين منها ومن تركها. وقال تعالى " ليبلوكم أيكم احسن عملا " (1) فرغب في الاحسن، وزهد في تركه. وقيل: من الامانة ان المرأة اؤتمنت على فرجها والرجل على فرجه ان يحفظاهما من الفاحشة. وقيل: الامانة ما خلق الله تعالى في هذه الاشياء من الدلائل على ربوبيته وظهور ذلك منها، كأنهم أظهروها


(1) سورة 11 هود آية 7 (*)

[ 368 ]

والانسان جحد ذلك وكفر به. وفائدة هذا العرض إظهار ما يجب من حفظها وعظم المعصية في تضييعها. وقيل معنى " حملها الانسان " أي خانها، لان من خلق الامانة فقد حملها وكذلك كل من اثم فقد حمل الاثم، كما قال تعالى " وليحملن أثقالهم واثقالا مع اثقالهم " (1) وقال البلخي: يجوز ان يكون معنى العرض والاباء ليس هو ما يفهم بظاهر الكلام، بل انما أراد تعالى أن يخبر بعظم شأن الامانة وجلالة قدرها " وفظاعة خيانتها وترك ادائها، وانه لوجد السموات مع عظمها لا تحملها وإن الانسان حملها، وليس الانسان - ههنا - واحدا بعينه، ولا هو المطيع المؤمن، بل هو كل من خان الامانة ولم يرد الحق فيها، وحمل الانسان الامانة هو ضمانة القيام بها وإداء الحق فيها، لان ذلك طاعة منه لله، واتباع لامره والله لا يعتب على طاعته وما امر به ودعا إليه لكن معنى " حملها " انه ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ؟ ثم خانها ولم يؤد الحق فيها، كأن ه حملها فذهب بها واحتمل وزرها، كما يقولون فلان أكل امانته أي خان فيها، والعرب تقول: سألت الربع، وخاطبت الدار فأجابني بكذا، وقالت كذا، وربما قالوا: فلم يجب، وامتنعت من الجواب. وليس هناك سؤال ولا جواب، وإنما هو اخبار عن الحال التي تدل عليه، وعبر عنه بذكر السؤال والجواب، كما قال تعالى " ائتيا طوعا لو كرها " للسموات والارض " قالتا أتينا طائعين " (2) وهو تعالى لا يخاطب من لا يفهم ولا يعقل، وقال تعالى * (لقد جئتم شيئا إدا تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا) * (3) ونحن نعلم ان السموات لم تشعر بما كان من


(1) سورة 29 العنكبوت آية 13 (2) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 12 (3) سورة 19 مريم آية 91 - 92 (*)

[ 369 ]

الكفار وانه لا سبيل لها إلى الانفطار في ذات نفسها، ويقول القائل أتيت بكذب لا تحتمله الجبال الراسيات، قال الشاعر: فقال لي البحر إذ جئته * كيف يجيز ضرير ضريرا وقال جرير: لما اتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (1) وقال آخر: فاجهشت للتوباد حين رأيته * وكبر للرحمن حين رآني فقلت له أين الذين عهدتهم * بجنبيك في حضن وطيب زمان فقال مضوا فاستودعوني بلادهم * ومن ذا الذي يبقى على الحدثان والتوباد جبل، وقال آخر: امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (2) وقال بعض المحدثين: يا قصر ويحك هل اوعيت من خبر * فقال هل خبر أنبأ من العبر قد كان يسكنني قوم ذو خطر * بادوا على الدهر والايام والغير وقد أتاني وقرب العهد يذكرني * منصور أمتكم في الشوك والشجر حتى أناخ على بابي فقلت له * أما كفاك الذي نبئت من خبري إن لا اكن قلته نطقا فقد كتبت * به الحوادث في صخري وفي حجري خطا قديما جليلا غير ذي عوج * يقرأ بكل لسان ظاهر الاثر


(1) ديوانه 270 وقد مر في 1 / 312، 204 و 7 / 152، 209 (2) مر في 1 / 431 (*)

[ 370 ]

فحلني ثم أفناه الزمان ولم يطق * دفاعا لما قد حم من قدر وكلهم قائل لي أنت لي ولمن * خلفت من ولدي حظرا على البشر فما تملى بنو الآباء بعدهم * ولا هم سكنوا إلا على غرر وقد قال بعض الحكماء: سل الارض من شق انهارك وغرس اشجارك وجنى ثمارك ؟ فان لم تجبك حوارا أجابتك اعتبارا، والعرض على وجوه يقال: عرضت المال والعمل على فلان، فهذا بالقول والخطاب، وعرضت هذا الامر على فكري البارحة، وهذا أمر إن عرض على العقول لم تقبله، ومنه قولهم: عرضت الناقة على الحوض، يريدون عرضت الحوض على الناقة و (الاباء) على وجوه: فمنه الامتناع وإن لم يكن قصد لذلك، ومنه ألا يصلح لما يريده، تقول: أردت سل سيفي فأبى علي. وتقول: هذه الارض تأبى الزرع والغرس أي لا تصلح لهما، فعلى هذا يكون معنى قوله " فأبين أن يحملنها " أي لا تصلح لحملها، وليس في طباعها حمل ذلك، لانه لا يصلح لحمل الامانة إلا من كان حيا عالما قادرا سميعا بصيرا. بل لا يلزم أن يكون سميعا بصيرا، وإنما يكفي ان يكون حيا عالما قادرا. وقال قوم: معناه إنا عرضنا الامانة على أهل السموات وأهل الارض واهل الجبال، كما قال " فما بكت عليهم السماء والارض " (1) يعني اهل السماء واهل الارض، فأبوا حملها على أن يؤدوا حق الله فيها إشفاقا من التقصير في ذلك * (وحملها الانسان) * يعني الكافر جهلا بحق الله واستخفافا بعرضه * (إنه كان ظلوما) * لنفسه * (جهولا) * بما يلزمه القيام بحق الله، وإنما قال * (فأبين) * ولم يقل: فأبوا حملا على اللفظ، ولم يرده إلى معنى الآدميين، كما قال * (والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) * (2) وقوله


(1) سورة 44 الدخان آية 29 (2) سورة 12 يوسف آية 4 (*)

[ 371 ]

* (فظلت اعناقهم لها خاضعين) * (1) حملا على المعنى دون اللفظ، وكل ذلك واضح بحمد الله. ثم قال * (ليعذب المنافقين والمنفقات والمشركين والمشركات) * يعني بتضييع الامانة، وقال الحسن وقتادة: كلاهما خانا الامانة * (ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات) * بحفظهما الامانة لانهما كليهما أديا الامانة * (وكان الله غفورا رحيما) * أي ستارا لعيوب خلقه رحيما بهم في اسقاط عقابهم إذا تابوا ورجعوا إلى الطاعة.


(1) سورة 26 الشعراء آية 4 (*)

[ 372 ]

34 - سورة سبأ مكية في قول مجاهد وقتادة: والحسن وغيرهم ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وقيل إن آية واحدة منها مدنية، وهي قوله " وترى الذين آوتوا.... " وهي أربع وخمسون آية عند الكل إلا الشامي فانها عنده خمس وخمسون آية. بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الارض وله الحمد في الآخرة وهو الحكيم الخبير (1) يعلم ما يلج في الارض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (2) وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الارض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (3) ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم

[ 373 ]

مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم) * (5) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي " علام الغيب " بتشديد اللام وألف بعدها وخفض الميم. وقرأه اهل المدينة وابن عامر ورويس بألف قبل اللام وتخفيف اللام وكسرها ورفع الميم. الباقون كذلك إلا أنهم خفضوا الميم، وهم ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وخلف وروح. وقرأ ابن كثير وحفص ويعقوب * (من رجز اليم) * برفع الميم - ههنا - وفي الجناثية، و * (معجزين) * قد مضى ذكره، (1) وقرأ الكسائي وحده (يعزب) بكسر الزاي. الباقون بضمها. و * (الحمد) * رفع بالابتداء و * (لله) * خبره. والحمد هو الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. والحمد هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم، ونقيضه الذم، وهو الوصف بالقبيح على جهة التحقير، ولا يستحق الحمد إلا على الاحسان، فلما كان احسان الله لا يوازيه احسان احد من المخلوقين، فكذلك لا يستحق الحمد احد من المخلوقين مثل ما يستحقه، وكذلك يبلغ شكره إلى حد العبادة ولا يستحق العبادة سوى الله تعالى، وإن استحق بعضنا على بعض الشكر والحمد. ومعنى قوله * (الحمد لله) * أي قولوا * (الحمد لله الذي له ما في السموات وما في الارض) * معناه الذي يملك التصرف في جميع ما في السموات، وجميع ما في الارض، وليس لاحد منعه منه ولا الاعتراض عليه * (وله الحمد) * في الاولى يعني بما أنعم عليه من فنون الاحسان و * (في الآخرة) * بما يفعل بهم من الثواب


(1) انظر 7 / 329 (*)

[ 374 ]

والعوض وضروب التفضل في الآخرة، والآخرة وإن كانت ليست دار تكليف فلا يسقط فيها الحمد والاعتراف بنعم الله تعالى، بل العباد ملجأون إلى فعل ذلك لمعرفتهم الضرورية بنعم الله تعالى عليهم وما يفعل من العقاب بالمستحقين فيه أيضا إحسان لما للمكلفين به في دار الدنيا من الالطاف والزجر عن المعاصي ويفعل الله العقاب بهم لكونه مستحقا على معاصيه في دار الدنيا، ومن حمد أهل الجنة قولهم: الحمد لله الذي صدقنا وعده. وقولهم: الحمد لله الذي هدانا لهذا. وقيل: إنما يحمده أهل الآخرة من غير تكليف على وجه السرور به * (وهو الحكيم) * في جميع أفعاله، لانها كلها واقعة موقع الحكمة * (الخبير) * العالم بجميع المعلومات. ثم وصف نفسه بأنه * (يعلم ما يلج في الارض) * من سائر انواع الاشياء * (وما يخرج منها) * كذلك. وقال الحسن: معناه يعلم ما يلج في الارض من المطر، وما يخرج منها من النبات، والولوج الدخول، ولج يلج ولوجا، قال الشاعر: رأيت القوافي يلجن موالجا * تضايق عنه ان تولجه الابر (1) ومعنى * (ما ينزل من السماء) * قال الحسن: يعني من الماء * (وما يعرج فيها) * من ملك فهو يجري جميع ذلك على تدبير عالم به وتوجبه المصلحة فيه. ثم حكى عن الكفار أنهم يقولون * (لا تأتينا الساعة) * يعني القيامة تكذيبا للنبي صلى الله عليه واله في ذلك ف‍ * (قل) * لهم يا محمد * (بلى) * تأتيكم * (و) * حق الله * (ربي) * الذي خلقني وأخرجني من العدم إلى الوجود * (لتأتينكم) * الساعة * (عالم الغيب) * من جر * (عالم) * جعله صفة لقوله * (وربي) * وهو في موضع جربوا والقسم. ومن رفعه، فعلى انه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هو عالم


(1) تفسير الطبري 22 / 37 (*)

[ 375 ]

الغيب. ومن قرأ * (علام) * أراد المبالغة في وصفه بأنه عالم الغيب، والغيب كل شئ غاب عن العباد علمه * (لا يعزب عنه) * أي لا يفوته * (مثقال ذرة في السموات ولا في الارض) * بل هو عالم بجيع ذلك، يقال: عزب عنه الشئ يعزب ويعزب لغتان، في المضارع * (ولا اصغر من ذلك ولا أكبر) * أي ولا يعزب عنه علم ما هو اصغر من مثقال ذرة، ولا علم ما هو اكبر منه * (إلا في كتاب مبين) * يعني اللوح المحفوظ الذي أثبت الله تعالى فيه جميع ما هو كائن إلى يوم القيامة ليطلع عليه ملائكته، فيكون لطفا لهم، ويكون للمكلفين أيضا في الاخبار عنه لطف لهم. ثم بين أنه إنما أثبت ذلك في الكتاب المبين * (ليجزي) * على ذلك * (الذين آمنوا وعملوا الصالحات) * بنعيم الجنة وهو قوله * (أولئك لهم مغفرة) * لذنوبهم وستر لها، ولهم مع ذلك * (رزق كريم) * قال قتادة: الرزق الكريم الجنة. وقال غيره: هو الهنئ الذي ليس فيه تنغيص، ولا تكدير. ثم بين أن الذين يسعون في آيات الله وحججه * (معاجزين) * له أي متعاونين مجاهدين في ابطال آياته * (أولئك لهم عذاب) * على ذلك * (من رجز اليم) * فمن جر * (أليم) * جعله صفة * (رجز) * والرجز هو الرجس، وقال قوم: هو شئ العذاب وقال آخرون: هو العذاب. والرجز بضم الراء الصنم ومنه قوله * (والرجز فاهجر) * (1) وقال أبو عبيدة * (معاجزين) * بمعنى سابقين و * (معجزين) * معناه مثبطين - في قول الزجاج. قوله تعالى: * (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك


(1) سورة 74 المدثر آية 5 (*)

[ 376 ]

هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (6) وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (7) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (8) أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والارض إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم كسفا من السماء إن في ذلك لآية لكل عبد منيب (9) ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له الحديد (10) أن أعمل سابغات وقدر في السرد واعملوا صالحا إني بما تعملون بصير) * (11) ست آيات. قرأ حمزة والكسائي * (إن يشأ يخسف بهم) * بالياء كناية عن الله تعالى أنه إن شاء خسف. الباقون بالنون كناية على انه إخبار منه تعالى عن نفسه. يقول الله تعالى مخبرا أن الذين أوتوا العلم والمعرفة بوحدانية اللله تعالى. قال قتادة: هم أصحاب محمد صلى الله عليه واله وقال غيره: يجوز أن يكون المراد كل من أوتي العلم بالدين، وهو الاولى، لانه أعم * (الذي أنزل اليك من ربك) * يعني القرآن * (هو الحق) * ف‍ * (الذي) * في موضع نصب بأنه المفعول ب‍ * (يرى) * وقوله * (هو) * فصل، ويسميه الكوفيون عمادا، قال الشاعر:

[ 377 ]

ليت الشباب هو الرجيع إلى الفتى * والشيب كان هو البدء الاول أنشده الكسائي على أن * (هو) * الاول عماد والثاني اسم. و * (الحق) * هو الفعول الثاني، و * (يرى) * في الآية بمعنى * (يعلم) * وموضعه يحتمل أن يكون نصبا عطفا على * (ليجزي) * ويحتمل ان يكون رفعا بالاستئناف، وإيتاء العلم اعطاؤه إما بخلق العلم أو بنصب الادلة المسببة له، فهو لطف الله تعالى لهم بما أداهم إلى العلم، فكان كأنه قد أتاهم * (الذي أنزل اليك) * يعني القرآن وما أنزله الله عليه من الاحكام يعلمونه حقا صحيحا لمعرفتهم بالله وآياته الدالة على صدق نبيه * (ويهدي) * يعني القرآن ويرشد إلى * (صراط العزيز الحميد) * يعني إلى دين الله القادر الذي لا يغالب، والحميد يعني المحمود على جميع أفعاله، وهو الله تعالى. ثم حكى ان الكفار يقول بعضهم لبعض * (هل ندلكم على) * ونرشدكم إلى * (رجل ينبئكم) * أي يخبركم * (إذا مزقتم كل ممزق) * أي مزقت أعضاؤكم بعد الموت، وصرتم ترابا ورميما * (إنكم لفي خلق جديد) * ابتداء بأن لم يعمل فيها * (ينبئكم) * لانه لو أعمل فيها لنصبها، يعيدكم ويحييكم، ويقولون: هذا على وجه الاستبعاد له والتعجب من هذا القول. ومعنى * (مزقتم) * بليتم وتقطعت أجسامكم. والعامل في (إذ) يقول - في قول الزجاج - وتقديره هل ندلكم على رجل يقول لكم إنكم إذا مزقتم تبعثون، وبكون (إذا) بمعنى الجزاء تعمل فيها التي تليها، قال قيس: إذا قصرت أسيافنا كان وصلها * خطانا إلى اعدائنا فنضارب والمعنى يكن وصلها، فلذلك جزم فنضارب. وقيل العامل فيه معنى الجملة كأنه قيل: يجدد خلقكم، ولا يجوز أن يعمل فيه ما بعد لام الابتداء، ولا ما

[ 378 ]

بعد ان لانها حروف لا تتصرف في نفسها ولا في معمولها. وقوله " أفترى على الله كذبا " قال قوم: اسقط ألف الاستفهام من (أفترى) لدلالة (أم) عليه. وقال الرماني: هذا غلط، لان الف الاستفهام لا تحذف إلا في ضرورة وإنما القراءة بقطع الالف، فألف الاستفهام ثابتة وألف (افتعل) سقطت، لانها زائدة، ومثله قوله * (بيدي أستكبرت) * (1) وقوله * (أصطفى النبات) * (2) وقوله " سواء عليهم أستغفرت لهم " (3) ونظائره كثيرة. ولم يفصل بينها بمدة لان الثانية مكسورة ففارق همزة " آلله خير اما يشركون " (4) ولو لم تقطع لكان خبرا بعده استفهام، والمعنى إن هؤلاء الكفار الذين يتعجبون من قول النبي صلى الله عليه واله إن الله يعيد الخلق بعد اماتتهم خلقا جديدا، هل كذب على الله متعمدا " أم به جنة " يعنون جنونا فيتكلم بمالا يعلم فقال الله تعالى ليس كما يقولون: " بل الذين لا يوقنون " أي لا يصدقون بالآخرة وبما فيها من الثواب والعقاب " في العذاب والضلال البعيد " يعني العدول البعيد عن الحق، فلذلك يقولون ما يقولون، بل نبههم على صحة ما يقول النبي صلى الله عليه واله من الاعادة فقال " افلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والارض " فيفكروا فيه ويعتبروا به وإن الله تعالى خلقه واخترعه وأنه " ان نشأ نخسف بهم الارض " من تحت أرجلهم " أو نسقط عليهم كسفا " يعني قطعة من السماء ثم قال " إن في ذلك لآية " ودلالة " لكل عبد منيب " أي راجع إلى الله تعالى. ووجه التنبيه بالآية أن ينظروا فيعلموا أن السماء تحيط بهم، والارض حاملة لهم، وفهم في قبضتنا " إن نشأ نخسف بهم الارض أو نسقط عليهم السماء " أفما يحذرون


(1) سورة 38 ص آية 75 (2) سورة 37 الصافات آية 153 (3) سورة 63 المنافقون آية 6 (4) سورة 27 النمل آية 59 (*)

[ 379 ]

هذا فيرتدعون عن التكذيب بآيات الله. و (المنيب) المقبل التائب - في قول قتادة -. ثم اخبر تعالى فقال " ولقد آتينا داود " يعني أعطاه " منا فضلا " من عند الله. وقيل: معناه النبوة. وقيل: الزبور. وقيل: حسن الصوت. وقيل: هو ما فسره أي قلنا " يا جبال أوبي معه " ومعناه أنه نادى الجبال وأمرها بأن أوبي معه أي ارجعي بالتسبيح معه، قال الشاعر: يومان يوم مقامات واندية * ويوم سير إلى الاعداء تأويب (1) أي رجوع بعد رجوع. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك: أمر الله الجبال أن تسبح معه إذا سبح " والطير " في نصبه وجهان: أحدهما وسخرنا الطير والثاني - بالعطف على موضع المنادى الاول كما قال الشاعر: ألا يا زيد والضحاك سيرا * [ فقد جاوزتما حد الطريق ] (2) والاول أقوى عندهم لان الحمل على لفظة المنادى أشكل. ويكون كقولهم (أطعمتها تبنا وماء باردا) أي وسقيتها. وقيل معنى " أوبي " سيري معه حيث شاء، وليس المعنى إن الله خاطب الجبال، وهي جماد بذلك، بل المراد أنه فعل في الجبال ما لو كانت حية قادرة لكان يتأني منها ذلك. وقوله " وألنا له الحديد " قال قتادة: كان الحديد في يده مثل الشمع يصرفه كيف يشاء من غير نار ولا تطريق. ثم قال وقلنا له " أن اعمل سابغات " وهي الدروع التامة والسابغ التام من اللباس، ومنه اسباغ النعمة إتمامها، وثوب سابغ تام " وقدر في السرد " معناه لا تجعل الحلقة واسعة لا تقي صاحبها


(1 - 2) تفسير الطبري 22 / 41 (*)

[ 380 ]

وسرد الحديد نظمه. وقيل: السرد حلق الدرع - في قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر: اجاد السدي سردها وأدالها (1) وقال قتادة: السرد المسامير التي في حلق الدرع، وهو مأخوذ من سرد الكلام سرده يسرده سردا إذا تابع بين بعض حروفه وبعض كالتابعة في الحلق والمسامير، ومنه السرد للطعام وغيره للاستتباع في خروج ما ليس منه، قال الشاعر: وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع (2) ويقولون: درع مسرودة أي مسمورة الحلق. وقيل: معنى " وقدر في السرد " عدل المسمار في الحلقة لا يدق فينكسر أو يغلظ فيفصم، ذكره مجاهد والحكم. " واعملوا صالحا " أمر لهم بأن يعملوا الاعمال الحسنة التي ليست قبيحة وما يكون بفعله مطيعا لله " إني بما تعملون بصير " أي عالم بما تفعلونه، لا يخفى عليه شئ من أعمالكم، فالبصير العليم بالامور بما يتبين في تميزه بعضه من بعض وكان الكسائي يدغم الفاء في الباء في قوله " ان نشأ نخسف بهم " وهذا لا يجوز عند البصريين، لان الفاء من باطن الشفة العليا، واطرف الثنايا العليا، والباء يخرج من بين الشفتين، ولان الفاء فيه نفس، فإذا أدغم في الباء بطل، وأيضا فهو من مخرج التاء، فكما لا يجوز ادغامه في التاء، فكذلك لا يجوز ادغامه في الباء، وأجاز ذلك الفراء. وأما إدغام التاء في الفاء، فلا خلاف فيه.


(1) تفسير الطبري 22 / 41 (2) مر في 7 / 190 (*)

[ 381 ]

قوله تعالى: * (ولسليمن الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلناله عين القطر ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير (12) يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور (13) فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الارض تأكل منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين (14) لقد كان لسبا في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور) * (15). خمس آيات شامي، لانهم عدوا " عن يمين وشمال " وأربع في ما عداه، لانهم لم يعدوا ذلك. قرأ نافع " من ساته " بغير همز. الباقون " من سأته " بالهمزة. وقرأ الكسائي وحده " مسكنهم " بكسر الكاف. وقرأ حمزة بفتحها. الباقون (مساكنهم) على الجمع. ونصب الريح في قوله " ولسليمان الريح " على تقدير:

[ 382 ]

وسخرنا لسليمان الريح. وقرأ أبو بكر عن عاصم بضم الحاء، والمعنى في ذلك أنه اضاف الريح إليه إضافة الملك يصرفه كيف شاء. وقوله " غدوها شهر ورواحها شهر " قال قتادة: كان مسيرها به إلى انتصاف النهار مقدار مسير شهر " ورواحها شهر " من انتصاف النهار إلى الليل - في مقدار مسير شهر - وقال الحسن كان يغدو من الشام إلى بيت المقدس، فيقيل باصطخر من ارض اصبهان ويروح منها، فيكون بكابل. وقوله " واسلنا له عين القطر " قال ابن عباس وقتادة: أذبنا له النحاس والقطر النحاس. ثم قال " ومن الجن من يعمل بين يديه باذن ربه " أي بأمر الله " ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير " معناه من يعدل من هؤلاء الجن الذين سخرناهم لسليمان حتى يعملوا بين يديه عما أمرهم الله به من طاعته " نذقه من عذاب السعير " يعني عذاب النار تقول: زاغ يزيغ زيغا وأزاغه إزاغة. ثم اخبر تعالى ان الجن الذين سخرهم الله لسليمان " يعملون له ما يشاء من محاريب " قيل: معناه شريف البيوت. وقال قتادة: قصور ومساجد، قال المبر: لا يسمى محرابا إلا ما يرتقى إليه بدرج، لقوله " إذ تسوروا المحراب " (1) قال عدى بن زيد: كدمي العاج في المحاريب أو كال‍ * بيض في الروض زهره مستنير (2) وقال وضاح اليمن: ربة محراب إذا جئتها * لم القها أو ارتقي سلما (3)


(1) سورة 38 ص آية 21 (2) تفسير الطبري 22 / 43 والقرطبي 14 / 271 (3) مجاز القرآن 2 / 144 (*)

[ 383 ]

و " تماثيل " جمع تمثال وهو صورة. فبين أنهم كانوا يعملون أي صورة أرادها سليمان. وقال قوم: كانوا يعملون له صورة الملائكة. وقال آخرون: كانوا يعملون له صورة السباع والبهائم على كرسيه ليكون أهيب له، فذكر أنهم صوروا أسدين وفوق عمودي الكرسي نسرين، فكان إدا أراد صعود الكرسي بسط له الاسد ذراعه، فإذا علا فوق الكرسي نشر النسران جناحيهما، فظللا عليه لئلا يسقط عليه شئ من الشمس، ويقال: إن ذلك ممالا يعرفه أحد من الناس، فلما حاول بخت نصر صعود الكرسي بعد سليمان حين غلب على بني إسرائيل لم يعرف كيف كان يصعد سليمان، فرفع الاسد ذراعه فضرب ساقه فقدها فوقع مغشيا عليه، فما جسر أحد بعده أن يصعد على ذلك الكرسي. " وجفان كالجواب " واحدها جفنة وهي القصعة الكبيرة، والجوابي جمع جابية، وهي الحوض الذي يجئ الماء فيه، قال أبو علي النحوي: إثبات الياء مع الالف واللام أجود، وحذفها يجوز، وقال الاعشى في جفنة: تروح على آل المحلق جفنة * كجابية الشيخ العراقي تفهق (1) وقال آخر: فصبحت جابية صها وجا * كانه جلد السماء خارجا (2) وقال ابن عباس: الجوابي الحياض " وقدور راسيات " يعني عاليات ثابتات لا تنزل، ثم نادى آل داود وأمرهم بالشكر على ما أنعم عليهم من هذه النعمة العجيبة التي أنعم بها عليهم، لان نعمته على داود نعمة عليهم، فقال " اعملوا آل داود شكرا " ثم قال تعالى " وقليل من عبادي الشكور " أي من يشكر نعمي قليل، والاكثر يجحدون نعم الله لجهلهم به، وتركهم معرفته.


(1) تفسير القرطبي 14 / 275 (2) تفسير الطبري 22 / 43 (*)

[ 384 ]

ثم اخبر تعالى أنه لما قضى على سليمان الموت وقدره عليه وقبضه إليه لم يعلموا بذلك من حاله حتى دلهم على موته دابة الارض وهي الارضة، فأكلت عصاه فانكسرت، فوقع لانه روي أنه قبض وهو في الصلاة، وكان قال للجن اعملوا ما دمتم تروني قائما، واتكأ على عصاه من قيام، وقبضه الله إليه وبقي مدة فيجئ الجن فيطالعونه فيرونه قائما فيعودون فيعملون إلى أن دبت الارضة فاكلت عصاه فوقع وخر، فعلموا حينئذ موته وتبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ما غاب عنهم من موت سليمان لم يلبثوا في العذاب الذي أهانهم وأذلهم والمنسأة العصا الكبيرة التي يسوق بها الراعي غنمه قال أبو عبيدة: معنى " تبينت الجن " أي أبانت الجن للناس " أن لو كانوا " الجن " يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " والمنسأة أصلها الهمزة من نسأت إلى سقت، وقد يترك الهمز، قال الشاعر: إذا دببت على المنساة من هرم * فقد تباعد عنك اللهو والغزل (1) إلا أنه يترك همزها، كما يترك في (البرية) وهي من برأت، وقيل: إنه كان متوكئا على عصاه سنة لا يدرك أنه مات. وقيل: المعنى " فلما خر تبينت " جماعة من عوام " الجن " أغواهم مردتهم أن المتمردين " لو كانوا يعلمون الغيب " لانهم كانوا يقولون لهم نحن نعلم الغيب، وفي قراءة أهل البيت " فلما خر تبينت الانس أن لو كان الجن يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين " قالوا: لان الجن كانت تعلم أنها لا تعلم الغيب قبل ذلك. وإنما تبينت الانس ذلك من حال الجن. ثم اخبر تعالى فقال " لقد كان لسبا في مسكنهم آية " أي دلالة وعلامة


(1) تفسير الطبري 22 / 44 والقرطبي 14 / 279 (*)

[ 385 ]

ف‍ (سبأ) قيل: إنه أبو عرب اليمن كلها، فقد تسمى به القبيلة نحو هذه تميم. فمن قرأ على التوحيد، فلانه يدل على القليل والكثير. ومن جمع أراد المساكن المختلفة، والفرق بين فتح الكاف وبين كسرها في (مسكنهم) أن الفتح تفيد المصدر، والكسر تفيد الموضع، وقيل: إنهما لغتان في الموضع. والآيتان قيل: إنهم لم يكن بينهم شئ من هوام الارض، نحو البق والبرغوث والعقرب وغير ذلك. وكان الغريب إذا دخل بلدهم وفي ثيابه قمل متن فهذه آية. والثانية أن المرأة كانت تأخذ على رأسها مكتلا فيمتلئ بالفواكه من غير أن تمس بيدها شيئا، ثم فسر الآيتين فقال " جنتان " أي هي جنتان. " عن يمين وشمال " قيل: عن يمين الوادي وشماله. " كلوا من رزق ربكم " أي كلوا من رزق الله الذي رزقكم في هاتين الجنتين، فلفظه لفظ الامر والمراد به الاباحة " واشكروا له " هذه النعمة التي انعم بها عليكم. ثم بين أن تلك الجنتين " بلدة طيبة " التربة. وقيل البلدة الطيبة صنعاء أرضها طيبة ليس فيها سبخة و " رب غفور ". قوله تعالى: * (فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشئ من سدر قليل (16) ذلك جزيناهم بما كفروا وهل نجازي إلا الكفور (17) وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة وقدرنا فيها السير

[ 386 ]

سيروا فيها ليالي وأياما آمنين (18) فقالوا ربنا باعد بين أسفارنا وظلموا أنفسهم فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور (19) ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين) * (20) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو " ذواتي أكل خمط " مضافا. الباقون " أكل خمط " منونا. والاختيار عندهم التنوين، لان الاكل نفس الخمط والشئ لا يضاف إلى نفسه، ومن أضاف قال (الخمط) هو جنس مخصوص من المأكولات، والاكل أشياء مختلفة فأضيفت إلى الخمط، كما تضاف الانواع إلى الاجناس، والخمط ثمر الاراك وهو البربر أيضا، واحدها بربرة وسميت به جارية عائشة. والبربر شجر السواك و (الاثل) شجر، واحدها أثلة. وقرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر " وهل نجازى " بالنون " إلا الكفور " نصبا أضافوا الفعل إلى الله تعالى. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله " الكفور " بالرفع، وقرأ أبو عمرو وابن كثير " بعد بين أسفارنا " بالتشديد من التبعيد. الباقون " باعد " من المباعدة على لفظ الامر، إلا يعقوب، فانه قرأ " باعد " على لفظ الخبر، لانهم لما سألوا أن يبعد الله بينهم، ففعل ذلك بينهم جاز حينئذ الاخبار بأنه تعالى فعل ذلك. وقرأ اهل الكوفة (ولقد صدق) بتشديد الدال. الباقون بتخفيفها. لما اخبر الله سبحانه عن " سبأ " وهي القبيلة من اليمن انه أنعم عليهم

[ 387 ]

بالجنتين وبالبلدة الطيبة، وأمرهم بشكر نعمه " فأعرضوا " عن ذلك، فلم يشكروه وكفروه وجحدوا نعمه، ولم يقبلوا ممن دعاهم إلى الله من أنبيائه ورسله جازاهم الله على ذلك بأن ارسل عليهم سيل العرم، وسلبهم تلك النعمة وانزل بهم البلية، فالسيل الماء الكثير الذي لا يمكن ضبطه ولا دفعه، وقيل: انه كانت تجتمع مياه وسيول في هذا الوادي فسدوه بين جبلين بالحجارة والقار وجعلوا له ابوابا يأخذون منه ما شاءوا، فلما تركوا أمر الله بعث عليهم جرذا فنقبه فأغرق الله عليهم جنتهم وأفسد ارضهم. وقيل: العرم: ماء كثير ارسله الله في السد فشقه وهدمه. قال الراجز: اقبل سيل جاء من أمر الله * يحرد حرد الجنة المغله (1) وقيل: ان العرم المسناة التي تحبس الماء، واحدها عرمة وهو مأخوذ من عرامة الماء وهو ذهابه كل مذهب، قال الاعشى ! ففي ذاك للمؤتسي اسوة * ومأرب قفى عليه العرم رجام بنته لهم حمية * إذا جاء ماؤهم لم ترم (2) وقيل: كان سببه زيادة الماء حتى غرقوا. وقيل: كان سببه نقب جرذ نقب عليهم السكر. وقيل العرم السكر. وقيل المطر الشديد. وقيل هو اسم وادي وقيل: هو الجرذ الذي نقب السكر، قال كثير: ايادي سبا يا عزما كنت بعدكم * فلم يحل للعينين بعدك منظر (3) وقال آخر: من صادر أو وارد ايدي سبا (4)


(1) اللسان (غلل) (2) تفسير الطبري 22 / 47 (3) اللسان (صبأ) وروايته (منزل) بدل (منظر) (4) اللسان (سبأ) (*)

[ 388 ]

وقال جرير: الواردون وتتم في ذرى سبأ * قد عض اعناقهم جلد الجواميس (1) ثم قال " وبدلناهم بجنتيهم " التي فيها أنواع الفواكه والخيرات " جنتين " أخراوين وسماها جنتين لازدواج الكلام، كما قال " ومكروا ومكر الله " (2) و " يخادعون الله وهو خادعهم " (3) " ذواتي أكل خمط " أي صاحبتي خمط فالاكل جني الثمار الذي يؤكل، والخمط نبت قد أخذ طعما من المرارة حتى لا يمكن أكله - في قول الزجاج - وقال أبو عبيدة هو كل شجر ذي شوك. وقال ابن عباس والحسن: هو شجر الاراك، وهو معروف. والاثل الطرفا قال قتادة: بدلوا بخير الشجر شر الشجر، فالخمط شجر له ثمر مر. والاثل ضرب من الخشب كالطرفا، إلا انه أكبر. وقيل: الاثل التمر " وشئ من سدر قليل " أي فيهما مع الخمط، والاثل قليل من السدرة. ثم قال " ذلك جزيناهم بما كفروا " في نعم الله " وهل نجازي " بهذا الجزاء " إلا الكفور " من كفر نعم الله، فمن قرأ بالنون فلقوله " جزيناهم ". ولا يمكن الاستدلال بذلك على أن مرتكب الكبيرة كافر من حيث هو معذب، لان الله تعالى بين أنه لا يجازي بهذا النوع من العذاب الذي هو الاستئصال إلا من هو كافر، وإن جاز أن يعذب الفاسق بغير ذلك من العذاب. وقال الفراء: المجازاة المكافأة، ومن الثواب الجزاء، تقول: جازاه على معصيته، وجزاه على طاعته. وقال غيره: لا فرق بينهما. ثم بين تعالى انه جعل بين سبأ، وبين القرى التي يارك فيها. قال قتادة


(1) مر تخريجه في 6 / 388 (2) سورة 3 آل عمران آية 54 (3) سورة 4 النساء آية 141 (*)

[ 389 ]

ومجاهد: هي قرى الشام، وقال ابن عباس: هي بيت المقدس " قرى ظاهرة " قال قتادة: معناه متواصلة، لانه يظهر الثانية من الاولى لقربها منها " وقدرنا فيها السير " معناه جعل بين القرية الاولى والثانية مسيرة يوم لراحة المسافر ونزوله فيها " سيروا فيها ليالي وأياما آمنين " لا تخافون جوعا ولا عطشا ولا ظلما من أحد، كأنه قيل لهم سيروا كذا، فقالوا " ربنا باعد بين أسفارنا " معناه إنهم نظروا وملوا النعمة، فقالوا لو كان جني ثمارنا أبعد مما هي كان أجدر أن نشتهيه، كما قالت بنو إسرائيل " فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الارض من بقلها " (1) بدلا من المن والسلوى " وظلموا أنفسهم " بارتكاب المعاصي " فجعلناهم أحاديث " فضرب بهم المثل فيقال (تفرقوا أيادي سبأ) أي تشتتوا أعظم التشتت قال الشعبي: أما غسان فلحقوا بالشام، وأما الانصار فلحقوا بيثرب، وأما خزاعة فلحقوا بتهامة، وأما الازد فلحقوا بعمان. وقيل: معنى " جعلناهم احاديث " أي اهلكناهم والهمنا الناس حديثهم ليعتبروا " ومزقناهم كل ممزق " قال ابن عباس: مزقوا بين الشام وسبأ كل ممزق. ثم قال تعالى " إن " في ما ذكر " لآيات " ودلالات " لكل صبار شكور " أي صبار على الشدائد شكور على النعماء. ثم قال تعالى " ولقد صدق عليهم إبليس " صدق " ظنه " فيهم باجابتهم إلى معصية الله وقبولهم منه " فاتبعوه " باجمعهم " إلا فريقا من المؤمنين " العارفين بالله وبوحدانيته، فخالفوه فلم يتبعوه. فمن شدد (صدق) اسند الفعل إلى إبليس وجعل الظن المفعول به، لان إبليس لما قال تظننا * (ولآمرنهم


(1) سورة 2 البقرة آية 61 (*)

[ 390 ]

فليبتكن آذان الانعام) * (1) فلما تبعه قوم على ذلك صدق ظنه. ومن خفف فالمعنى مثله، لانهما لغتان يقال: صدقت زيدا وصدقته، وكذبته وكذبته وينشد: وصدقتني وكذبتني * والمرء ينفعه كذابه (2) وقرأ أبو الهجهاج * (إبليس) * بالنصب * (ظنه) * بالرفع جعل الظن الفاعل وإبليس المفعول به، وذلك جائز عند النحويين. لانهم يقولون: صدقني ظني وكذبني إلا انه شاذ لا يقرأ به، وقيل: ان إبليس لما اغوى آدم قال ذريته أولى بأن أغويهم، وقال * (لاحتنكن ذريته إلا قليلا) * (3) قصدق ذلك ظنه حتى تابعوه. وقال * (فوعزتك لاغوينهم أجمعين) * (4) وكانت أجابتهم له تصديقا لظنه. قوله تعالى: * (وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك وربك على كل شئ حفيظ (21) قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وما لهم فيهما من شرك وماله منهم من ظهير (22) ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له حتى إذا فزع


(1) سورة 4 النساء آية 118 (2) اللسان (صدق) (3) سورة 17 الاسرى آية 62 (4) سورة 28 ص آية 82 (*)

[ 391 ]

عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير (23) قل من يرزقكم من السموات والارض قل الله وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين (24) قل لا تسئلون عما أجرمنا ولا نسئل عما تعملون) * (25) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن عمر وحمزة والكسائي وخلف، والاعشى والبرجي عن أبي بكر * (أذن له) * بضم الهمزة، الباقون بفتحها. وقرأ ابن عامر ويعقوب * (فزع) * بفتح الفاء والزاي. الباقون * (فزع) * بضم الفاء وكسر الزاي. فمن فتح الهمزة من * (أذن) * فمعناه أذن الله له، ومن ضمها جعله لما لم يسم فاعله، يقال: أذنت للرجل في ما يفعله اي اعلمته وأذنته أيضا، وأذن زيد إلى عمرو، إذا استمع إليه. روي في الحديث ما أذن الله لشئ قط كأذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن. ومثل ذلك القول في فزع عن قلوبهم، ومعنى فزع. قال أبو عبيدة: فزع عن قلوبهم نفس عنها. وقال أبو الحسن: المعنى حكى عنها. وقال أبو عبيدة: معناه أذهب، وقال قوم: الذين فزع عن قلوبهم الملائكة، ويقال: فزع وفزع إذا أزيل الفزع عنها، ومثله جاء في (افعل) يقولون: أشكاه إذا أزال عنه ما يشكو منه انشد أبو زيد: تمد بالاعناق أو تلويها * وتشتكي لو أننا نشكيها (1) والمعنى فلما ان اشكيت أزالت الشكوى، كذلك فزع وفزع أزال الفزع وقال قتادة: معنى فزع عن قلوبهم خلا من قلوبهم، قال يوحي الله تعالى إلى


(1) اللسان (شكا) وروايته (تثنيها) بدل (تلويها) (*)

[ 392 ]

جبرائيل فيعرف الملائكة، ويفزع عن أن يكون شئ من امر الساعة، فإذا * (خلا عن قلوبهم) * وعلموا أن ذلك ليس من امر الساعة * (قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق) * وتقديره قالوا قال الحق. فمن قرأ بفتح الفاء أسند الفعل إلى الله، ومن ضمها بنى الفعل للمفعول به، وكان الجار والمجرور في موضع رفع. وقال الحسن: فزع بمعنى كشف الفزع عن قلوبهم، وفزعت منه، والمفزع على ضربين: احدهما - من ينزل به الافزاع. الثاني - من يكشف عنه الفزع. وقوله * (وفزع) * له معنيان احدهما بمعنى ذعر، والثاني - ازال الفزع وقال اليربوعي: حللنا الكثيب من زرود لنفزعا أي لنغيث. لما اخبر الله تعالى ان إبليس صدق ظنه في الكفار باجابتهم له إلى ما دعاهم إليه من المعاصي بين انه لم يكن لابليس عليهم سلطان. و (من) زائدة تدخل مع النفي نحو قولهم ما جاءني من احد. والسلطان الحجة، فبين بهذا ان الشيطان لم يقدر على اكثر من أن يغويهم ويوسوس إليهم ويزين لهم المعاصي، ويحرضهم عليها. وقوله * (إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك) * تقديره إنا لم نمكنه من اغوائهم ووسوستهم إلا لنميز من يقبل منهم ومن يمتنع ويأبى متابعته، فنعذب من تابعه ونثيب من خالفه، فعبر عن تمييزه بين الفريقين بالعلم، وهو التمييز مجردا، لانه لا يكون العذاب والثواب إلا بعد وقوع ما يستحقون به ذلك، فأما العلم، فالله تعالى عالم بأحوالهم، وما يكون منها في ما لم يزل، وقيل: إن معناه إلا لنعلم طاعاتهم موجودة أو عصيانهم إن عصوا فنجاز بهم يحسبها، لانه تعالى لا يجازي احدا على ما يعلم من حاله إلا بعد ان يقع منهم ما يستحق به من ثواب أو عقاب، وقيل: معناه إلا لنعامل معاملة

[ 393 ]

من كأنه لا يعلم، وانم نعمل لنعلم * (من يؤمن بالآخرة) * أي من يصدق بها ويعترف ممن يشك فيها ويرتاب. ثم قال * (وربك) * يا محمد * (على كل شئ حفيظ) * أي رقيب عالم لا يفوته علم شئ من أحوالهم من ايمانهم وكفرهم أو شكهم. ثم أمر نبيه صلى الله عليه واله بأن يقول لهؤلاء الكفار * (ادعوا الذين زعمتم من دون الله) * أنهم آلهة ومعبود، هل يستجيبون لكم ؟ إلى ما تسألونهم، لانه لا يستحق العبادة إلا من كان قادرا على إجابة من يدعوه. ثم اخبر تعالى عنها فقال * (لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الارض وما لهم فيها من شرك) * يعني وما لله في السموات والارض شريك * (وماله منهم من ظهير) * أي معاون، والملك هو القدرة على ما للقادر عليه التصرف فيه، وليس لاحد منعه منه، وذلك - في الحقيقة - لا يستحق الوصف به مطلقا إلا الله، لان كل من عداه يجوز أن يمنع على وجه. ثم اخبر تعالى فقال * (ولا تنفع الشفاعة عنده) * أي عند الله * (إلا لمن اذن) * الله * (له) * في الشفاعة من الملائكة والنبيين والائمة والمؤمنين، لانهم كانوا يقولون: نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى، فحكم الله تعالى ببطلان ذلك. وقوله * (حتى إذا فزع عن قلوبهم) * قال ابن عباس وقتادة: حتى إذا خلي عن قلوبهم الفزع، كقولك رغب عنه أي رفعت الرغبة عنه فلا يرغب، بخلاف رغب فيه، ففي أحد الامرين وضع وفي الآخر رفع. وقيل: هم الملائكة يلحقهم غشى عن سماع الوحي من الله بالآية العظيمة، فإذا * (فزع عن قلوبهم) * اي خلي عنها * (قالوا ماذا قال ربكم) * - ذكره ابن مسعود ومسروق وابن عباس في رواية - وقال الحسن: حتى إذا كنف عن قلوب المشركين الفزع، قالت

[ 394 ]

الملائكة * (ماذا قال ربكم) * في الدنيا * (قالوا) * قال * (الحق وهو العلي الكبير) * اي الله تعالى المستعلي على الاشياء بقدرته، لا من علو المكان * (الكبير) * في اوصافه دون ذاته، لان كبر الذات من صفات الاجسام. ثم قال له * (قل) * لهم * (من يرزقكم من السموات والارض) * فانهم لا يمكنهم ان يقولوا يرزقنا آلهتنا التي نعبدها ف‍ " قل " لهم عند ذلك الذي يرزقكم * (الله) * وقل * (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) * وقيل: إنما قال * (وإنا أو إياكم) * على وجه الانصاف في الحجاج دون الشك، كما يقول القائل لغيره: احدنا كاذب، وإن كان هو عالما بالكاذب، وعلى هذا قال أبو الاسود الدؤلي يمدح اهل البيت: يقول الارذلون بنو قشير * طوال الدهر ما تنسى عليا احب محمدا حبا شديدا * وعباسا وحمزة والوصيا بنو عم النبي وأقربوه * احب الناس كلهم اليا فان بك حبهم رشدا أصبه * ولست بمخطئ ان كان غيا (1) ولم يقل هذا مع أنه كان شاكا في محبتهم، وانه هدى وطاعة، وقال اكثر المفسرين: إن معناه إنا لعلى هدى وإياكم لعلى ضلال وقال أبو عبيدة (أو) بمعنى الواو، كما قال الاعشى: اتغلبة الفوارس أو رياحا * عدلت بهم طهية والحشايا (2) بمعنى اتغلبة ورياحا ثم قال * (قل) * لهم يا محمد * (لا تسألون) * معاشر الكفار * (عما اجرمنا) * اي عما اقترفناه من المعاصي * (ولا نسأل) * نحن ايضا * (عما تعملون) * انتم بل كل إنسان يسأل عما يعمله، وهو يجازى على أي فعل فعله دون غيره.


(1) تفسير الطبري 22 / 57 (2) مجاز القرآن 2 / 148 (*)

[ 395 ]

وتقدير قوله " ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له " ان يشفع له، فزع بسماعه أذنه حتى إذا فزع عن قلوبهم وخلي عنها وكشف الفزع عنهم قالوا ماذا قال ربكم قالت الملائكة قال الحق وهو العلي الكبير. قوله تعالى: * (قل يجمع بيننا ربنا ثم يفتح بيننا بالحق وهو الفتاح العليم (26) قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (27) وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون (28) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (29) قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (30) خمس آيات بلا خلاف. لما امر الله تعالى نبيه ان يخاطب الكفار ويقول لهم ان كل إنسان يسئل عما عمله دون ما عمل غيره، قال له ايضا * (قل) * لهم * (يجمع بيننا ربنا) * يوم القيامة * (ثم يفتح بيننا) * اي يحكم والفتح الحكم، والفتاح الحاكم بالحق، لا بالظلم * (وهو الفتاح) * أي الحاكم * (العليم) * بما يحكم به لا يخفى عليه شئ منه. ثم قال * (قل اروني الذين الحقتم به شركاء) * تعبدونهم معه وتشركون بينهم في العبادة على وجه التوبيخ لهم في ما اعتقدوه من الاشراك مع الله، كما يقول القائل لمن أفسد عملا: ارني ما عملته توبيخا له بما افسده، فانهم سيفتضحون بذلك إذا اشاروا إلى الاصنام والاوثان ويضمونها إلى الله ويشركون بينهما في

[ 396 ]

العبادة فقال تعالى * (كلا) * ومعناه الردع والتنبيه أي ارتدعوا عن هذا القول وتنبهوا عن ضلالكم * (بل هو الله) * الذي يستحق العبادة وحده لا شريك له * (العزيز) * يعني القادر الذي لا يغالب * (الحكيم) * في جميع افعاله. وقيل * (العزيز) * في انتقامه ممن كفر به * (الحكيم) * في تدبيره لخلقه، فكيف يكون له شريك في ملكه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (وما ارسلناك) * يا محمد بالرسالة التي حملناكها * (إلا كافة) * ومعناه ارسلناك إلى الخلق كافة بأجمعهم. وقيل: معناه إلا مانعا لهم وكافا لهم من الشرك ودخلت الهاء للمبالغة * (للناس بشيرا) * لهم بالجنة اي مبشرا بها * (ونذيرا) * أي مخوفا بالنار * (ولكن اكثر الناس لا يعلمون) * صدق قولك وإنك رسول إليهم، لتفريطهم في النظر في معجزك. ثم حكى عن الكفار انهم يستبطؤن العذاب الذي يخوفهم به النبي صلى الله عليه واله والمؤمنون، فانهم كانوا يحذرونهم نزول العذاب عليهم * (ويقولون متى هذا الوعد) * الذي تعدونا به * (إن كنتم صادقين) * في ما تقولونه معاشر المؤمنين ثم امره ان يقول لهم في الجواب عن ذلك * (قل لكم ميعاد يوم) * ينزل عليكم ما وعدتم به من الثواب والعقاب * (لا تستأخرون عنه ساعة) * أي لا تؤخرون من ذلك اليوم لحظة * (ولا تستقدمون) * عليه، وهو يوم القيامة. قوله تعالى: وقال الذين كفروا لن نؤمن بهذا القرآن ولا بالذي بين يديه ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى

[ 397 ]

بعض القول يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا لولا أنتم لكنا مؤمنين (31) قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم بل كنتم مجرمين (32) وقال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكر الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا وأسروا الندامة لما رأوا العذاب وجعلنا الاغلال في أعناق الذين كفروا هل يجزون إلا ما كانوا يعملون (33) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (34) وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (35) خمس آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى عن الكفار أنهم يقولون لن نصدق بهذا القرآن الذي أنزل عليك وتدعيه انه من عند الله ولا بالذي بين يدي القرآن من أمر الآخرة والنشأة الثانية، فجحدوا أن يكون القرآن من الله أو أن يكون لما دل عليه من الاعادة للجزاء حقيقة. وقيل: معناه الكتب التي قبله من التوراة والانجيل وغيرهما. ثم قال " ولو ترى " يا محمد " إذ " أي حين " الظالمون موقوفون عند ربهم يرجع بعضهم إلى بعض القول " أي يرد بعضهم على بعض " يقول الذين استضعفوا للذين استكبروا " قيل: كانوا رؤساء الضلالة يأمرون الاتباع بعبادة الاوثان لضعفهم عن استخراج صواب الرأي عند أنفسهم،

[ 398 ]

فالاستضعاف طلب الضعف فكل من يجاهر غيره بما يقتضي ضعفه يقال قد استضعفه، والاستكبار طلب الكبر بغير حق، وكانوا يتعظمون هؤلاء الكفار بالجهل الذي صمموا عليه وصاروا رؤساء فيه ليحققهم به " لولا أنتم لكنا مؤمنين " لكن بسببكم يمنع، فهؤلاء إذا أخبروا عن ظنهم، فقد صدقوا كأنهم قالوا في ما نظن، لانه هكذا يقتضي ظاهر خبرهم، كما إذا أخبروا عما يفعلونه في المستقبل، فهو اخبار عن عزمهم، ولو كان كذبا لانكر الله ذلك واتبعه بما يدل على انكاره، كما قال " انظر كيف كذبوا على انفسهم " (1) ثم حكى ما أجابهم به المستكبرون فانهم يقولون في جوابهم " أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ جاءكم " ؟ ! منكرين عليهم قولهم انهم منعوهم من الايمان بعد تبين الحق فيه، وليس الامر على ما تقولونه " بل كنتم " أنتم " مجرمين " ثم حكى تعالى ما يقول الذين استضعفوا فانهم يقولون " بل مكر الليل والنهار " معناه مكركم في الليل والنهار - في قول الحسن - كما قال الشاعر: لقد لمتنا يا ام غيلان في السرى * ونمت وما ليل المطي بنائم (2) أي بنائم فيه. وقيل: كأن الليل والنهار يمكران بطول السلامة فيهما. و (المترف) المنعم البطر بالنعمة " إذ تأمروننا " أي حين تأمروننا " أن نكفر بالله " أي ان نجحد بالله " ونجعل له اندادا " أي امثالا في العبادة " واسروا الندامة " أي اخفوا الندامة بينهم " لما رأوا العذاب " نزل بهم، ولام بعضهم بعضا. وقال الجبائي: معناه اظهروا الندامة، قال: وهذا مشترك. وهذا غلط، لان لفظة الاخفاء هي المشتركة دون لفظ الاسرار، فحمل أحدهما على الآخر قياس في اللغة " وجعلنا الاغلال في اعناق الذين كفروا " الاغلال جمع غل والله


(1) سورة 6 الانعام آية 24 (2) مر تخريجه في 5 / 645 (*)

[ 399 ]

تعالى يجعل الغل في رقاب الكفار عقوبة لهم. ثم قال موبخا لهم " هل يجزون إلا ما كانوا يعملون " أي يجزون على قدر استحقاقهم لا يجازفون، فلفظه لفظ الاستفهام والمراد به النفي، فكأنه قال: لا يجزون إلا على قدر اعمالهم التي عملوها. ثم اخبر تعالى انه ما يرسل في قرية نذيرا أي مخوفا بالله في ما مضى إلا إذا سمع أهلها المترفون منهم المنعمون " قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون " أي جاحدون، ثم حكى بأنهم " قالوا نحن اكثر أموالا واولادا " منكم " وما نحن بمعذبين " على ما تقولونه، لانه لو أراد عقابنا لما أنعم علينا في الدنيا وجعلنا أغنياء وجعلهم فقراء، فقال الله تعالى ردا عليهم " قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ". قوله تعالى: * (قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ولكن أكثر الناس لا يعلمون (36) وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا فاولئك لهم جزاء الضعف بما عملوا وهم في الغرفات آمنون (37) والذين يسعون في آياتنا معاجزين أولئك في العذاب محضرون (38) قل إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر له وما أنفقتم من شئ فهو يخلفه وهو خير الرازقين (39) ويوم يحشرهم

[ 400 ]

جميعا ثم يقول للملئكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة وحده " وهم في الغرفة آمنون " لقوله تعالى " أولئك يجزون الغرفة بما صبروا " (1) وفي الجنة غرفات وغرف، غير أن العرب تجتزئ بالواحد عن الجماعة إذا كان اسم جنس كما قالوا: اهلك الناس الدينار والدرهم. الباقون على الجمع " غرفات " على وزن (ظلمة، وظلمات) وحجتهم " لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف " (2). لما حكى الله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: إن الله لا يعذبنا على ما تقولونه لانه أغنانا في دار الدنيا، ولم يجعلنا فقراء، فكذلك لا يعذبنا في الآخرة، قال الله ردا عليهم " قل " لهم يا محمد " إن ربي " الذي خلقني " يبسط الرزق " أي يوسع الرزق لمن يشاء على حسب ما يعلم من مصلحته ومصلحة غيره " ويقدر " أي يضيق. وهو مثل قوله " الله يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر " (3) أي يوسع ويضيق، ومنه قوله " ومن قدر عليه رزقه " (4) أي ضيق، وعلى هذا: يحتمل قوله " فظن أن لن نقدر عليه " (5) أي لن نضيق عليه، فبسط الرزق هو الزيادة فيه على قدر الكفاية، والقدر تضييقه على قدر الكفاية. ثم قال " ولكن اكثر الناس لا يعلمون " ما قلناه لجهلهم بالله وبحكمته.


(1) سورة 25 الفرقان آية 75 (2) سورة 39 الزمر آية 20 (3) سورة 29 العنكبوت آية 62 (4) سورة 65 الطلاق آية 7 (5) سورة 21 الانبياء آية 87 (*)

[ 401 ]

ثم قال تعالى " وما أموالكم " أي ليس اموالكم التي خولتموها " واولادكم " التي رزقتموها " بالتي تقربكم عندنا زلفى " قال الفراء: (التي) يجوز أن يقع على الاموال والاولاد، لان الاولاد يعبر عنها ب‍ (التي)، وقال غيره: جاء الخبر بلفظ احدهما - وإن دخل فيه الآخر، ولو قال بالذي يقربكم لكان جائزا و (زلفى) قربى، وإنما يقربكم إليه تعالى أفعالكم الجميلة وطاعاته الحسنة. ثم قال " إلا من آمن وعمل صالحا " معناه، لكن من آمن بالله وعرفه وصدق نبيه وعمل الصالحات التي أمره بها، وانتهى عن القبائح التي نهاه عنها، فان لهؤلاء " جزاء الضعف بما عملوا " ومعناه انه تعالى يجازيهم أضعاف ما عملوا، فانه يعطي بالواحد عشرة، والضعف من الاضعاف، لانه اسم جنس يدل على القليل والكثير. ويجوز في اعراب (جزاء) أربعة أوجه: الرفع والنصب بالتنوين وتركه. وفي (الضعف) ثلاثة أوجه: الجر والنصب والرفع إلا أن القراءة بوجه واحد وهو رفع (جزاء) على الاضافة بلا تنوين، وجر " الضعف " بالاضافة إليه. ثم قال إن هؤلاء مع أن لهم جزاء الضعف على ما عملوه " هم في الغرفات " جمع غرفة وهي العلية " آمنون " فيها لا يخافون شيئا مما يخاف مثله في دار الدنيا. ثم قال " والذين يسعون في آياتنا معاجزين " أي مسابقين: في من قرأه بألف. ومثبطين غيرهم عن افعال الخير عند من قرأه بغير ألف " أولئك في العذاب محضرون " أي يحصلون في عذاب النار. ثم قال " قل " يا محمد " إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء " أي يوسعه " ويقدر " أي يضيقه لمن يشاء. وإنما كرر قوله " قل إن ربي يبسط الرزق "

[ 402 ]

لاختلاف الفائدة، لان الاول على معنى إن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر من غير أن يعلم اكثر الناس لم فعل ذلك، والثاني - بمعنى أن ربي يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر له على أن ما انفقه في ابواب البر فالله يخلفه عليه وهو قوله " وما انفقتم من شئ فهو يخلفه " أي يعطيكم عوضه، وليس المراد ان يخلف في دار الدنيا على كل حال، لان الله يفعل ذلك بحسب المصلحة، وإنما أراد انه يعوض عليه إما في الدنيا بأن يخلف بدله أو يثيب عليه " وهو خير الرازقين " أي الله تعالى خير من يرزق غيره، لانه يقال: رزق السلطان الجند، ثم قال * (ويوم يحشرهم جميعا) * يعني يوم القيامة الذي يبعث الله فيه الخلائق * (ثم يقول للملائكة) * الذين عبدهم جماعة من الكفار * (اهؤلاء) * يعني الكفار الذين عبدوهم * (إياكم كانوا يعبدون) * على وجه التقرير لهم وإن كان بلفظ الاستفهام، كما قال لعيسى * (أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله) * (1) وقرأ حفص * (ويوم يحشرهم ثم يقول) * بالياء ردا على قوله * (قل ان ربي) * الباقون بالنون على الجمع. قوله تعالى: * (قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (41) فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا ونقول للذين ظلموا ذوقوا عذاب النار التي كنتم


(1) سورة 5 المائدة آية 119 (*)

[ 403 ]

بها تكذبون (42) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم وقالوا ما هذا إلا إفك مفترى وقال الذين كفروا للحق لما جاءهم إن هذا إلا سحر مبين (43) وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (44) وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير) * (45) خمس آيات بلا خلاف. لما حكى الله تعالى انه يقول للملائكة إن هؤلاء الكفار إياكم كانوا يوجهون عبادتهم، حكى ما يجيب به الملائكة، فانهم يقولون * (سبحانك أنت ولينا) * تنزيها لك أن نعبد سواك، ونتخذ معك معبودا غيرك، ويقولون: أنت يا ربنا ولينا أي ناصرنا وأولى بنا * (من دونهم) * يعني دون هؤلاء الكفار ودون كل احد وأنت الذي تقدر على ذلك من دونهم، فما كنا نرضى بعبادتهم مع علمنا بأنك ربنا وربهم، ما أمرناهم بهذا ولا رضينا به لهم " بل كانوا يعبدون الجن " بطاعتهم إياهم في ما يدعونهم إليه من عبادة الملائكة. وقيل: انهم صوروا لهم صورة قوم من الجن، وقالوا هذه صورة الملائكة فاعبدوها، وهم وإن عبدوا الملائكة، فان الملائكة لم يرضوا بعبادتهم إياهم ولا دعوهم إليها، والجن دعوهم إلى عبادتهم ورضوا به منهم فتوجه الذم إلى العابد والمعبود، وفي الملائكة لا يستحق الذم غير العابد، فلذلك أضرب عن ذكر الملائكة.

[ 404 ]

ثم حكى تعالى ما يقول للكفار يوم القيامة، فانه يقول لهم " فاليوم لا يملك بعضكم لبعض نفعا ولا ضرا " ولا يقدر على ذلك " ونقول للذين ظلموا " نفوسهم بارتكاب المعاصي ذوقوا عذاب النار التي كنتم بها تكذبون " أي تجحدونه، ولا تعترفون به. ثم عاد تعالى إلى الحكاية عن حال الكفار في الدنيا فقال " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات " أي تقرأ عليهم حججنا واضحات من القرآن الذي أنزله على نبيه " قالوا " عند ذلك " ما هذا الا رجل يريد ان يصدكم عما كان يعبد أباؤكم " أي يمنعكم عن عبادة ما كان يعبده أباؤكم " وقالوا " أيضا " ما هذا " القرآن " إلا إفك مفترى " يعني كذب تخرصه وافتراه " وقال الذين كفروا للحق " يعني القرآن " لما جاءهم إن هذا " أي ليس هذا " إلا سحر مبين " أي ظاهر. والسحر حيلة خفية توهم المعجزة. ثم قال تعالى " وما آتيناهم من كتب يدرسونها " قال الحسن: معناه ما آتيناهم من كتب قبل هذا الكتاب، فصدقوا به وبما فيه ان هذا كما زعموا " وما ارسلنا إليهم قبلك من نذير " ويجوز ان يكون المراد وما أرسلنا إليهم قبلك يا محمد من نذير إلا وفعلوا به وقالوا له مثل ما قالوا لك، وحذف لدلالة الكلام عليه، وذلك عليه بقوله " وكذب الذين من قبلهم " بما أتاهم الله من الكتب، وبما بعث إليهم من الرسل " وما بلغوا " أي وما بلغ هؤلاء * (معشار ما آتيناهم) * أولئك الكفار، قال الحسن: معنى معشار أي عشر، والمعنى ما بلغ الذين ارسل إليهم محمد صلى الله عليه واله من اهل مكة عشر ما اوتي الامم قبلهم من القوة والعدة - في قول ابن عباس وقتادة - * (فكذبوا رسلي) * أي كذبوا بآيات الله وجحدوا رسله * (فكيف كان نكير) * أي عقوبتي وتغييري لان الله أهلكهم واستأصلهم وهو نكير الله تعالى في الدنيا.

[ 405 ]

قوله تعالى: * (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادي ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شئ شهيد (47) قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب (48) قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (49) قل إن ضللت فانما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي إنه سميع قريب) * (50) خمس آيات بلا خلاف. هذا امر من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله أن يقول للكفار * (إنما أعظكم بواحدة..) * والمعنى يكفيني منكم أن يقوم الرجل وحده أو هو وغيره ثم تتساءلون هل جربنا على محمد كذبا أو هل رأينا به جنة ؟ ! ففي ذلك دلالة على بطلان ما أنتم عليه وما ذكرتم فيه، فالوعظ الدعاء إلى ما ينبغي أن يرغب في ما ينبغي أن يجوز منه مما يلين القلب إلى الاستجابة للحق بالنبي صلى الله عليه واله والنبي اجل وأعظم واكبر داع بما اعطاه الله من الحكمة. وقوله * (مثنى وفرادى) * معناه ان تقوموا اثنين اثنين، وواحدا واحدا ليذاكر أحدهما صاحبه، فيستعين برأيه على هذا الامر. ثم يجول بفكرته حتى يكرره حتى يتبين له الحق من الباطل وبني * (مثنى) * وإن لم يكن صفة لانه مما

[ 406 ]

يصلح ان يوحد، كما قال تعالى * (أولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (1) وهو - ههنا - في موضع حال، وقال مجاهد في قوله * (اعظكم بواحدة) * أي بطاعة الله تعالى وقال غيره (بواحدة) بتوحيد الله خصلة واحدة، فقولوا: لا إله إلا الله. وقوله * (ثم تتفكروا ما بصاحبكم) * في موضع نصب عطفا على * (أن تقوموا لله) * وتتفكروا أي وتنظروا وتعتبروا، ليس بصاحبكم يعني محمدا صلى الله عليه واله * (من جنة) * أي جنون، لانهم كانوا ينسبونه إلى الجنون وحاشاه من ذلك. ثم بين انه ليس * (إلا نذير) * إي مخوف من معاصي الله وترك طاعاته * (بين يدي عذاب شديد) * يعني عذاب القيامة. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله يا محمد * (قل) * لهم * (ما سألتكم من أجر فهو لكم) * وليس * (اجري إلا على الله) * والمعنى أني ابلغكم الرسالة، ولا اجر إلى نفسي عرضا من اعراض الدنيا بل ثمرة ذلك لكم، وليس أجري إلا على الله. وقال ابن عباس * (من أجر) * اي من مودة، لان النبي صلى الله عليه واله سأل قريشا أن يكفوا عن أذاه حتى يبلغ رسالات ربه * (وهو على كل شئ شهيد) * أي عالم به. ثم قال أيضا * (قل) * لهم يا محمد * (إن ربي يقذف بالحق) * أي يلقيه على الباطل، كما قال تعالى * (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه) * (2) * (علام الغيوب) * إنما رفع بتقدير هو علام الغيوب، ولو نصب على انه نعت ل‍ (ربي) لكان جائزا، لكن هذا اجود، لانه جاء بعد تمام الكلام كقوله * (إن ذلك لحق تخاصم أهل النار) * (3) والمعنى انه عالم بجميع ما غاب عن جميع الخلائق علمه.


(1) سورة 35 فاطر آية 1 (2) سورة 21 الانبياء آية 18 (3) سورة 38 ص آية 64 (*)

[ 407 ]

ثم أمره صلى الله عليه واله أن يقول لهم قد * (جاء الحق) * يعني أمر الله بالاسلام والتوحيد * (وما يبدئ الباطل وما يعيد) * لان الحق إذا جاء اذهب الباطل فلم يبق له بقية يبدئ بها ولا يعيد. وقال قتادة: الباطل إبليس لا يبدؤ الخلق ولا يعيدهم. وقيل: إن المراد به كل معبود من دون الله بهذه الصفة. وقال الحسن: وما يبدئ الباطل لاهله خيرا ولا يعيد بخير في الآخرة. ثم قال * (قل) * لهم * (إن ضللت) أي ان عدلت عن الحق * (فانما اضل على نفسي) * لان ضرره يعود علي، لاني أوآخذ به دون غيري * (وإن اهتديت) * إلى الحق * (فبما يوحي الي ربي إنه سميع قريب) * أي يسمع دعاء من يدعوه قريب إلى إجابته. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة، لانه قال * (إن ضللت) * فأضاف الضلال إلى نفسه، ولم يقل فبقضاء ربي وإرادته. قال الزجاج: وما يبدئ الباطل أي اي شئ يبدئ الباطل ؟ وأي شئ يعيد ؟ ويجوز ان تكون (ما) نافية، والمعنى وليس يبدئ ابليس ولا يعيد. قوله تعالى: * (ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا في شك مريب) * (54) أربع آيات بلا خلاف.

[ 408 ]

قرأ حمزة والكسائي وابو عمرو * (التناؤش) * بالهمز. الباقون بغير همز. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله * (ولو ترى) * يا محمد * (إذ فزعوا) * من العذاب يوم القيامة * (فلا فوت) * أي لا مهرب ولا يفوتونه. فالفوت خروج وقت الشئ كفوت الصلاة، وفوت وقت التوبة وفوت عمل اليوم بانقضائه. والفزع والجزع والخوف والرعب واحد. والفزع يتعاظم في الشدة بحسب اسبابه وقوله * (وأخذوا من مكان قريب) * قال ابن عباس والضحاك: أخذوا من عذاب الدنيا. وقال الحسن: حين يخرجون من قبورهم. وقيل: من بطن الارض إلى ظهرها. والمعنى انهم إذا بعثوا من قبورهم، ولو ترى فزعهم يا محمد حين لا فوت ولا ملجأ. وجواب (لو) محذوف، والتقدير لرأيت ما تعتبر به عبرة عظيمة. وقوله * (وقالوا آمنا به) * أي يقولون ذلك الوقت آمنا به وصدقنا به. فقال تعالى * (وأنى لهم التناوش من مكان بعيد) * قيل: معناه بفوتهم تناول التوبة في الآخرة إلى الدنيا، والتناوش التناول من قولهم نشته أنوشه إذا تناولته من قريب قال الشاعر: فهي تنوش الحوض نوشا من علا * نوشا به تقطع اجواز الفلا (1) وتناوش القوم إذا دنا بعضهم إلى بعض، ولم يلتحم ببنهم قتال، وقد همز بعضهم، فيجوز أن يكون من هذا، لان الواو إذا انضمت همزت كقوله * (أقتت) * (2) ويجوز أن يكون من النش وهو الابطاء، وانتاشه اخذ به من مكان بعيد، ومثله نأشه قال الشاعر: تمنى نئيشا أن يكون اطاعني * وقد حدثت بعد الامور امور (3)


(1) تفسير الطبري 22 / 65 (2) سورة 77 المرسلات آية 11 (3) تفسير القرطبي 14 / 317 (*)

[ 409 ]

وقال رؤبة: اقحمني جارابي الجاموش * اليك نأش القدر المنؤش (1) * (وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان بعيد) * معناه كيف تقبل توبتهم أو يردون إلى الدنيا، وقد كفروا بالله ورسله من قبل ذلك، وهو قوله * (بالغيب من مكان بعيد) * يعني قولهم هو ساحر وهو شاعر وهو مجنون. وقيل: هو قولهم لا بعث ولا جنة ولا نار - ذكره قتادة - وقال البلخي: يجوز ان يكون اراد انهم يفعلون ذلك بحجة داحضة وأمر بعيد. وقال قوم: يقذفون بالظن ان التوبة تنفعهم يوم القيامة عن مكان بعيد الا ان في العقل انها لا تقبل. ثم قال * (وحيل بينهم وبين ما يشتهون) * أي فرق بينهم وبين شهواتهم، من قبول توبتهم وايصالهم إلى ثواب الجنة أو ردهم إلى دار الدنيا * (كما فعل) * مثل ذلك * (باشياعهم من قبل) * وهو جمع الجمع تقول شيعة وشيع واشياع، ولان أشياعهم تمنوا أيضا مثل ذلك فحيل بينهم وبين تمنيهم، ثم اخبر * (انهم كانوا في شك من ذلك) * في الدنيا * (مريب) * والريب أقبح الشك الذى يرتاب به الناس. وقال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير قوله " ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت " نزلت في الجيش الذى يخسف بهم بالبيداء فيبقى رجل يخبر الناس بما رآه، ورواه حذيفة عن النبي صلى الله عليه واله


(1) مجاز القرآن 2 / 151 (*)

[ 410 ]

35 - سورة فاطر مكية في قول مجاهد وقتادة: لا ناسخ فيها ولا منسوخ، وبه قال الحسن إلا آيتين قوله " إن الذين يتلون كتاب الله " إلى قوله " الفضل الكبير " وهي خمس وأربعون آية عراقي وحجازي إلا اسماعيل. وست واربعون في عدد اسماعيل والشاميين. بسم الله الرحمن الرحيم * (الحمد لله فاطر السموات والارض جاعل الملئكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شئ قدير (1) ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم (2) يا أيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (3) وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك

[ 411 ]

وإلى الله ترجع الامور (4) يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحيوة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور) * (5) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي " هل من خالق غير الله " جرا على أنه صفة ل‍ (خالق) الباقون - بالرفع - على تقدير هل من خالق هو غير الله، ويجوز ان يكون التقدير: هل غير الله من خالق، ويجوز أن يكون رفعا على موضع (من) وتقديره هل خالق غير الله. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله قل يا محمد " الحمد لله " أي الشكر له على جميع نعمه " فاطر السموات والارض " أي خالقهما ومخترعهما. والفطر الشق عن الشئ باظهاره للحس، ومعنى فطر السموات والارض أي خلقهما وأظهرهما للحس بعد ان لم تكونا ظاهرتين، وروي عن ابن عباس أنه قال: ما كنت أدري ما معنى فطر السموات حتى احتكم إلي اعرابيان في بئر، فقال أحدهما أنا فطرتها، أي اخترعتها وابتدأتها. ومن كان خالق السموات والارض لا يفعل إلا ما يستحق به الشكر والحمد، لانه غني حكيم، فلا يعدل عما يستحق به الحمد إلى مالا يستحق به ذلك. وقوله " جاعل الملائكة رسلا " أي جعل الملائكة رسلا بعضهم إلى بعض وبعضهم إلى البشر. ثم ذكر اوصافهم وهو أنهم " أولي اجنحة " أي اصحاب اجنحة " مثنى وثلاث ورباع.... " أي اثنين اثنين وثلاثة ثلاثة واربعة اربعة، فهذه الالفاط معدولة عن الاثنين والثلاث والاربع، مع انها

[ 412 ]

صفات فلذلك ترك صرفها قال الشاعر: ولكنما اهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغي الناس مثنى وموحد (1) وإنما جعلهم أولي أجنحة، ليتمكنوا بها من العروج إلى السماء ومن النزول إلى الارض، قال قتادة: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة ومنهم من له أربعة، ثم قال " يزيد في الخلق ما يشاء " قيل حسن الصوت وقيل من الاجنحة من حيث خلق للملائكة زيادة عما خلق لسائر الخلق من البشر والامم. فان قيل: الطائر لا يحتاج إلى اكثر من جناحين فما معنى خلق الملائكة أولي ثلاث واربع ؟ قيل: يجوز أن يكون كل جناح بعلوه باثنين، ويجوز أن يكون للزينة الزائدة، وقد يكون للسمكة أجنحة في ظهرها. ثم بين " أن الله على كل شئ قدير " أي لا شئ إلا وهو تعالى قادر عليه بعينه أو قادر على مثله. ثم قال تعالى " ما يفتح الله للناس من رحمة " معنى (ما) الذي وتقديره الذي يفتح الله للناس من نعمة ورحمة " فلا ممسك لها وما يمسك " من نعمة على خلقه " فلا مرسل له من بعده " أي من بعد الله " وهو العزيز " يعني القادر الذي لا يقهر " الحكيم " في جميع افعاله، إن انعم وإن امسك، لانه عالم بمصالح خلقه لا يفعل إلا ما لهم فيه مصلحة في دينهم أو دنياهم. ثم خاطب المؤمنين فقال " يا ايها الناس اذكروا نعمة الله عليكم " بأن خلقكم وأوجدكم وأحياكم وأقدركم وشهاكم، وخلق لكم المنافع التي تنتفعون بها " هل من خالق غير الله " تقريرا لهم على انه لا خالق غير الله في السموات والارض " يرزقكم من السماء " بالمطر ومن " الارض " بالنبات " لا إله إلا هو " أي لا معبود يستحق العبادة سواه تعالى " فأنى تؤفكون " أي كيف تقلبون


(1) الكتاب ليبويه 2 / 15 (*)

[ 413 ]

عن طريق الحق إلى الضلال. وانما قال " هل من خالق غير الله " وإن كان احدنا يخلق الشئ لان هذه الصفة لا تطلق إلا عليه تعالى، فاما غيره فانها تقيد له. وايضا فقد فسر ما أراد وهو أنه هل من خالق رازق للخلق من السموات والارض غير الله أي لا خالق على هذه الصفة إلا هو. هذا صحيح لانه لا احد يقدر على ان يرزق غيره من السماء والارض بالمطر والنبات وأنواع الثمار. ثم قال تعالى تعزية للنبي صلى الله عليه واله وتسلية له عن تكذيب قومه إياه " وإن يكذبوك " يا محمد هؤلاء الكفار " فقد كذبت رسل من قبلك " أرسلهم الله فكذبوهم ولم يقبلوا منهم فلك اسوة بمن كان قبلك " وإلى الله ترجع الامور " يعني ترد الامور إلى حيث لا يملك التصرف فيها مطلقا غير الله يوم القيامة. ثم خاطب الخلق فقال " يا أيها الناس إن وعد الله حق " يعني ما وعدهم به من البعث والنشور والجنة والنار صحيح كائن لا محالة " فلا تغرنكم الحياة الدنيا " فتغترون بملاذها وزينتها وتتركون ما امركم الله به وترتكبون ما نهاكم عنه * (ولا يغرنكم بالله الغرور) * فالغرور هو الذي عادته ان يغر غيره، والدنيا وزينتها بهذه الصفة، لان الخلق يغترون بها، وقال الحسن الغرور الشيطان الذى هو إبليس، وهو قول مجاهد. والرزق يطلق على وجهين: احدهما - ان الله جعله يصلح للغذاء يتغذى به الحيوان وللملبس يلبسونه فالعباد من هذا الوجه لا يأكلون ولا ينتفعون إلا بما جعله الله رزقا لهم. والثاني - انه ملكه الله وحكم انه له فهم يتظالمون من هذا الوجه.

[ 414 ]

قوله تعالى: * (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (6) الذين كفروا لهم عذاب شديد والذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة وأجر كبير (7) أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فان الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الارض بعد موتها كذلك النشور (9) من كان يريد العزة فلله العزة جميعا إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) * (10). خمس آيات حجازي وكوفي، وست بصري وشامي، عد البصريون والشاميون * (شديد) * ولم يعده الباقون. قرأ أبو جعفر * (فلا تذهب) * بضم التاء وكسر الهاء * (نفسك) * بنصب السين. الباقون - بفتح التاء والهاء، ورفع السين. يقول الله تعالى مخبرا لخلقه من البشر * (إن الشيطان لكم عدو) * فيعدل

[ 415 ]

بكم عن افعال الخير ويدعوكم إلى ما فيه الهلكة، فالعداوة ضد الولاية، ولا يجوز ان يكون احد عدوا من وجه وليا من وجه، كما لا يجوز أن يكون موجودا من وجه معدوما من وجه، لان الصفتين متنافيتان. ثم امرهم بأن يتخذوا الشيطان عدوا كما هو عدو لهم، وبين تعالى أن الشيطان ليس يدعو إلا حزبه أي اصحابه وجنده، وهم الذين يقبلون منه ويتبعونه. وبين انه إنما يدعوهم ليكونوا من اصحاب السعير بارتكاب المعاصي والكفر بالله تعالى، والسعير النار المستعرة. ثم اخبر تعالى * (إن الذين كفروا) * بآيات الله ويكذبون رسله * (لهم عذاب شديد) * جزاء على كفرهم وتكذيبهم، وإن * (الذين آمنوا وعملوا) * الافعال * (الصالحات لهم مغفرة) * من الله لذنوبهم ولهم * (أجر) * أي ثواب * (كبير) * ثم قال مقررا لهم * (أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا) * يعني الكفار زينت نفوسهم لهم أعمالهم السيئة فتصوروها حسنة أو الشيطان يزنيها لهم فيميلهم إلى الشبهة وترك النظر في الادلة الدالة على الحق باغوائه حتى يتشاغلوا بما فيه اللذة وطرح الكلفة. وخبر (من) في قوله * (أفمن زين له سوء عمله) * محذوف وتقديره يتحسر عليه، وقيل: إن الخبر قوله * (فان الله يضل من يشاء) * إلا أنه وقع * (من يشاء) * موقعه. وقيل: جواب * (افمن زين) * محذوف بتقدير: كمن علم الحسن من القبيح، وعمل بما علم. وقيل: كمن هداه الله. وفي ذلك دلالة على بطلان قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لانه دل على انهم رأوا اعمالهم السيئة حسنة. وهذا رأي فاسد، ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله ناهيا له * (فلا تذهب نفسك عليهم) * يا محمد * (حسرات) *. ومن فتح التاء جعل

[ 416 ]

الفعل للنفس. والحسرة شدة الحزن على ما فات من الامر * (إن الله عليم بما يصنعون) * من المعاصي والطاعات فيجازيهم بحسبها. ثم قال * (والله الذي ارسل الرياح فتثير سحابا) * أي تنشئه وتجمعه وتجئ به وتحركه * (فسقناه) * إي فساقه الله * (إلى بلد ميت) * لم يمطر أي قحط وجدب فيمطر على تلك الارض فيحيي بذلك الماء والمطر الارض بعد موتها بالزرع بعد أن لم يكن فيها زرع. ثم قال: كما فعل هذا بهذه الارض الجدبة القحطة من احيائها بالزرع بعد أن لم يكن فيها زرع مثل ذلك ينشر الخلائق بعد موتهم ويحشرهم إلى الموقف للجزاء من ثواب وعقاب. وقيل: إن الله تعالى إذا اراد احياء الخلق امطر السماء أربعين يوما فينبت بذلك الخلق نباتا. ثم قال تعالى * (من كان يريد العزة) * يعني القدرة على القهر والغلبة * (فلله العزة جميعا) * أي له القهر على جميع الاشياء لا يقدر احد ان يمنعه مما يريد فعله به. وقيل: معناه من كان يريد علم العزة لمن هي، فهي لله. وقيل: معناه من اراد العزة فليطع الله حتى يعزه. وقوله * (إليه يصعد الكلم الطيب) * قيل: معناه انه تعالى يقبله ويثيب عليه. وقيل: إليه يصعد اي إلى حيث لا يملك الحكم فيه إلا الله، كما يقال: ارتفع امرهم إلى القاضي. وقوله * (والعمل الصالح يرفعه) * أي يقبله. وقيل: في الضمير الذى في * (يرفعه) * ثلاثة اوجه: احدها - يرفع الكلم الطيب من الفعل. الثاني - يرفعه الكلم الطيب. الثالث - يرفعه الله. ثم قال * (والذين يمكرون السيئات) * اي يحتالون لفعل السيئات من الشرك والكبائر. وقيل: هم اصحاب الرياء * (لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور) * قال قتادة: معناه مكرهم يفسد. وقيل: معنى يبور يكسد، فلا ينفذ في ما يريدون

[ 417 ]

وقال مجاهد: هو ما عمل للرياء فانه يفسد، قال ابن الزبعرى: يا رسول المليك ان لساني * راتق ما فتقت إذ انا بور (1) قوله تعالى: * (والله خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير (11) وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها وترى الفلك فيه مواخر لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (12) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير (13) إن تدعوهم لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم ويوم القيمة يكفرون بشرككم ولا ينبئك مثل خبير (14) يا أيها


(1) مر تخريجه في 6 / 294 و 7 / 479 (*)

[ 418 ]

الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (15) إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (16) وما ذلك على الله بعزيز) * (17) ست آيات بصرى وسبع في ما عداه عدوا * (بخلق جديد) * ولم يعده البصريون. قرأ يعقوب ولا * (ينقص من عمره) * بفتح الياء وضم القاف. الباقون على ما لم يسم فاعله. وقرأ قتيبة * (والذين تدعون) * بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر. هذا خطاب من الله سبحانه لجميع خلقه من البشر انه خلقهم من تراب، ويريد ان آدم الذى هو أبو هم ومنه انتسلوا خلقه من تراب ومنه توالدوا. وقيل: إن المراد به جميع الخلق، لانهم إذا خلقهم من نطفة والنطفة تستحيل من الغذاء، والغذاء يستحيل من التراب، فكأنه خلقهم من تراب، ثم جعل التراب نطفة بتدريج. وعلى الاول يكون قوله " ثم من نطفة " معناه ثم خلق اولاد آدم من نطفة ثم استثنا منه عيسى في قوله " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب " (1) فقوله " ثم جعلكم ازواجا " أي اشكالا لان الزوج هو الذى معه آخر من شكله، والاثنان زوجان " وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه " معناه ليس تحمل الانثى من حمل يولد ولا تضعه لتمام ولغير تمام إلا والله تعالى عالم به، لا أن علمه آلة في ذلك، ولا يدل ذلك على أن له علما يعلم به، لان المراد ما ذكرناه من انه لا يحصل شئ من ذلك إلا وهو عالم به. وقوله " وما يعمر من معمر " والعمر مدة الاجل للحياة وهو تفضل من


(1) سورة 3 آل عمران آية 59 (*)

[ 419 ]

الله سبحانه وتعالى يختلف مقداره بحسب ما يعلم من مصالح خلقه، كما يختلف الغنى والفقر، والقوة والضعف، والمعنى: وليس يطول عمر احد ولا ينقص من عمره بأن يذهب بعضه بمضي الليل والنهار إلا وذلك في الكتاب المحفوظ أثبته الله تعالى قبل كونه. وقال الحسن والضحاك وابن زيد: معنى " ولا ينقص من عمره " أي من عمر معمر آخر، وقال أبو مالك: معناه ولا ينقص من عمره ينقضي ما ينقضي منه. وقال الفراء: هو كقولك: عندي درهم ونصفه أي ومثل نصف الدرهم من غيره. ثم قال * (إن ذلك على الله يسير) * يعني تعمير من يعمره ونقصان من ينقصه وإثبات ذلك في الكتاب سهل على الله غير متعذر. ثم قال تعالى * (وما يستوي البحران) * أي لا يستويان لان * (هذا عذب فرات سائغ شرابه) * اي مرئ شهي * (وهذا) * الآخر * (ملح أجاج) * فالفرات أعذب العذب والاجاج أشد المر. والاجاج مشتق من أججت النار كأنه يحرق من مرارته. و * (اللؤلؤ والمرجان) * (1) يخرج من الملح دون العذب. وقيل: في الملح عيون عذبة، وفي ما بينهما يخرج اللؤلؤ. ثم قال * (ومن كل) * يعني من البحرين العذب والاجاج * (تأكلون لحما طريا) * يعني سمكا * (وتستخرجون حلية تلبسونها) * من اللؤلؤ والمرجان * (وترى الفلك) * يعني السفن * (فيه مواخر) * اي تشق الماء في جريانها شقا. وقيل: معناه إنها تذهب وتجئ، بلغة قريش وهذيل. وقال الحسن: يعني مواقير كقوله * (الفلك المشحون) * (2) * (لتبتغوا من فضله) * معناه إنه تعالى خلق ذلك لخلقه


(1) سورة 55 الرحمان آية 22 (2) سورة 26 الشعراء آية 119 وسورة 36 يس آية 41 وسورة 37 الصافات آية 140 (*)

[ 420 ]

ليلتمسوا من فضل الله بركوب البحر للتجارة والمسير فيها طلبا للمنافع وما يخرجون منها من انواع الاشياء لكي يشكروا الله على نعمه ويحمدوه على فضله ثم قال * (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل) * معناه انه ينقص من الليل في النهار عند منقلب الصيف، ومن النهار في الليل عند منقلب الشتاء. وقيل: معناه انه يدخل كل واحد منهما على صاحبه ويتعقبه * (وسخر الشمس والقمر كل يجري لاجل مسمى) * قدره الله لهما بحسب ما علم من مصالح خلقه إلى الوقت الذي يفنيهما الله فيه. فتسخير الشمس نزولها في بروج مخصوصة في أوقات مخصوصة كل فصل منها لنوع آخر من المنافع لا يختلف الحال فيه، وتسخير القمر جريانه على وتيرة واحدة، فيستدل به على السنين والشهور وذلك يدل على أن مدبره عالم حكيم. ثم قال * (ذلكم الله ربكم) * الذي يقدر على تسخير الشمس والقمر، وايلاج الليل في النهار والنهار في الليل وخلق البحرين العذب والمالح، ومنع احدهما أن يختلط بالآخر لا يقدر عليه غيره * (والذين يدعون من دونه) * وتوجهون عبادتكم إليهم من الاصنام والاوثان * (ما يملكون من قطير) * وهو قشر النواة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وعطية - فدل على أن من لا يملك هذا القدر لا يستحق العبادة ولا يكون إلها. ثم قال * (إن تدعوهم) * يعني الاصنام * (لا يسمعوا دعاءكم ولو سمعوا ما استجابوا لكم) * لانها جمادات يستحيل ذلك عليها، ولا يقدرون على ضرر ولا نفع * (ويوم القيامة يكفرون بشرككم) * قيل: إن الله تعالى يحيي الاصنام يوم القيامة لينكروا على المشركين، ويوبخوهم على عبادتهم إياهم. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد به الملائكة وعيسى. وقوله * (لا يسمعوا

[ 421 ]

دعاءكم) * أي هم بحيث لا يسمعونه أو هم مشتغلون عنهم لا يلتفتون إليهم ولا يصغون ويجوز ان يكون المراد بها الاصنام ويكون ما يظهرونه من بطلان ما ظنوه كفرا بشركهم وجحدا له كما حصل ما في الجماد من الدلالة على الله مسبحا له وهو كقولهم: سل الارض من شق أنهارك وغرس أشجارك وجنى ثمارك، فان لم تجبك حوارا اجابتك عتبار * (ولا ينبئك) * يا محمد بالشئ على حقيقته * (مثل خبير) * عالم بما اخبر، والله تعالى هو العالم بالاشياء على حقائقها. ثم قال تعالى * (يا ايها الناس أنتم الفقراء إلى الله) * اي محتاجون إليه * (والله هو الغني) * عن جميع المخلوقات لا تجوز عليه الحاجة، لانه ليس بجسم فالحاجة من صفة الاجسام * (الحميد) * يعني المحمود المستحق للحمد على جميع افعاله، والله تعالى لا يفعل إلا ما يستحق به حمدا. ثم اخبر تعالى عن قدرته فقال * (إن يشأ يذهبكم) * معاشر الخلق ويفنيكم * (ويأت بخلق) * آخر * (جديد) * وهو ما كان قريب عهد بانقطاع العمل عنه، واصله القطع من جده يجده إذا قطعه. والجد أبو الاب لانقطاعه عن الولادة بالاب والجد المضي فيه بقطعه أولا اولا من غير تفتير * (وما ذلك على الله بعزيز) * أي بممتنع فالعزيز المنيع بوجه من الوجوه الذي يتعذر معها الفعل. قوله تعالى: * (ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلوة ومن تزكى فانما يتزكى لنفسه

[ 422 ]

وإلى الله المصير (18) وما يستوي الاعمى والبصير (19) ولا الظلمات ولا النور (20) ولا الظل ولا الحرور (21) وما يستوي الاحياء ولا الاموات إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (22) إن أنت إلا نذير) * (23). ست آيات حجازي وكوفي وخمس آيات شامي واربع آيات بصري عد الحجازيون والكوفي والشامي " البصير " و " النور " ولم يعده البصري وعد الحجازيون والعراقيون " القبور " ولم يعده الشامي. يقول الله تعالى مخبرا حسب ما تقتضيه حكمته وعدله أنه " لا تزر وازرة وزر اخرى " معناه أنه لا تحمل حاملة حمل أخرى من الذنب، والوزر الثقل، ومنه الوزير لتحمله ثقل الملك بما يتحمله من تدبير المملكة، وتقديره أنه لا يؤاخذ احد بذنب غيره، وإنما يؤاخذ كل مكلف بما يقترفه من الاثم. وقوله " وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شئ ولو كان ذا قربى " معناه وإن تدع مثقلة بالآثام غيرها لتحمل عنها بعض الاثم لا يحمل عنها شيئا من آثامها، وإن كان أقرب الناس إليها، لما في ذلك من مشقة حمل الآثام ولو تحملته لم يقبل تحملها، لما فيه من مجانبة العدل ومنافاته له، فكل نفس بما كسبت رهينة، لا يؤاخذ أحد بذنب غيره، ولا يؤخذ إلا بجنايته. وقوله " إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب " معناه ليس بنتفع بتخويفك يا محمد إلا الذين يخافون ربهم في غيبتهم وخلواتهم فيجتنبون معاصيه في سرهم ويصدقون بالآخرة.

[ 423 ]

وقوله " واقاموا الصلاة " قال أبو عبيدة في مجازه: اي ويقيمون، فوقع الماضي مقام المستقبل، والمعنى يديمون فعلها ويقومون بشرائطها. وإنما عطف الماضي على المستقبل إشعارا باختلاف المعنى، لان الحسنة لازمة في كل وقت والصلاة لها اوقات مخصوصة، واضاف الانذار إلى الذين يخشون ربهم من حيث كانوا هم المنتفعون بها، وإن كان النبي صلى الله عليه واله ينذر كل مكلف. ثم قال " ومن تزكى " أي فعل الطاعات وقام بما يجب عليه من الزكاة وغيرها من الواجبات فانما يتزكى لنفسه، لان ثواب ذلك ونفعه عائد عليه. وقوله " وإلى الله المصير " معناه يرجع الخلق كلهم إلى حيث لا يملك الامر والنهي إلا الله، فيجازي كل مكلف على قدر عمله. وقوله " وما يستوي الاعمى والبصير " معناه لا يتساوى الاعمى عن طريق الحق والعادل عنها، والبصير الذي يهتدي إليها قط، لان الاول يستحق العقاب، والثاني يستحق الثواب " ولا الظلمات ولا النور " يعني وكذلك لا يستوي المؤمن والكافر والمطيع والعاصي فشبه الايمان بالنور والكفر بالظلمات، وكذلك لا يستوي " الظل ولا الحرور " فالظل هو الستر عن موقع الشمس ومنه الظلة، وهي السترة عن موقع الشمس، ومنه قولهم: ظل يفعل كذا إذا فعل نهارا في الوقت الذي يكون للشمس ظل، والحرور السموم وهو الريح الحارة في الشمس، وقال الفراء: الحرور يكون بالليل والنهار والسموم لا يكون إلا بالنهار. وقيل: الظل الجنة والحرور النار " وما يستوي الاحياء ولا الاموات " أي هما ايضا لا يتساويان ولا يتماثلان، فالاسواء حصول أحد الشيئين على مقدار الآخرة، ومنه الاستواء في العود والطريق خلاف الاعوجاج، لممره على مقدار أوله من غير انعدال. وهذه الامثال أمثال ضربها الله لعبادة الله وعبادة الاوثان، وبين أنه كما

[ 424 ]

لا تتماثل هذه الاشياء، ولا تتشاكل ولا تتساوى، فكذلك عبادة الله لا تشبه عبادة الاصنام. ثم قال تعالى " إن الله يسمع من يشاء " ومعناه أن الله ينفع باسماع ذلك من يشاء ممن يعلم أن له لطفا يفعله به دون غيره " وما أنت بمسمع من في القبور " أي لانك لا تقدر على نفع الكفار باسماعك إياهم إذا لم يقبلوا، كمالا تسمع من في القبور من الاموات " ان أنت إلا نذير " أي لست إلا نذيرا مخوفا بالله. شبه الكفار في تركهم قبول ما يسمعون وذهابهم عن تفهمه وتدبره بالموتى، كما شبههم بالصم والعمي، يقال: أصمهم وأعمى أبصارهم ليس أنهم كانوا لا يسمعون ولا يفهمون أو كان النبي صلى الله عليه واله لا ينذرهم لكن على ما بيناه من التشبيه. وقيل في (لا) قولان: أحدهما - أنها زائدة مؤكدة للنفي. الثاني - انها باقية لاستواء كل واحد منهما لصاحبه على التفصيل. فمن قال: إنها زائدة قال في مثل قولهم لا يستوي زيد ولا عمرو في هذا المعنى، فلا تكون هنا إلا زائدة. ومن قال: ليست زائدة، قال تقديره لا يستوي الاعمى والبصير ولا يساوي البصير الاعمى. قوله تعالى: * (إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (24) وإن يكذبوك فقد كذب الذين من قبلهم جاءتهم رسلهم بالبينات وبالزبر وبالكتاب المنير (25) ثم أخذت الذين كفروا فكيف كان نكير) * (26) ثلاث آيات بلا خلاف.

[ 425 ]

لما قال الله تعالى لنبيه إن أنت إلا نذير، ومعناه لست إلا مخوفا من عقاب الله ومعاصيه قال له " انا ارسلناك " يا محمد " بالحق " أي بالدين الصحيح " بشيرا " أي مبشرا بالجنة وثواب الله لمن أطاعه " ونذيرا " أي مخوفا من عقابه لمن عصاه " وإن من أمة " أي ليس من أمة في ما مضى إلا مضى فيها مخوف من معاصي الله. وقال قوم: المعنى " إلا خلا فيها نذير " منهم وقال آخرون: نذير من غيرهم، وهو رسول إليهم، كما أرسل نبينا صلى الله عليه واله إلى العرب والعجم. وقال الجبائي: في ذلك دلالة على أنه لا أحد من المكلفين إلا وقد بعث الله إليهم رسولا، وأنه أقام الحجة على جميع الامم. ثم قال على وجه التسلية له والتعزية عن تكذيب قومه اياه " فان كذبوك " يا محمد ولم يصدقوك في انك نبي من قبل الله " فقد كذب الذين من قبلهم " من الكفار أنبياء أرسلوا إليهم " جاءتهم رسلهم " من الله " بالبينات " أي الحجج الواضحات " وبالزبر " يعني بالكتب " وبالكتاب المنير " الموضح بمنزلة ما فيه من نور يستضاء به. والزبر هي الكتب، وانما كرر ذكر الكتاب، وعطف عليه، لاختلاف الصنفين، لان الزبر الكتابة الثابتة كالنقر في الحجر، ثم بين تعالى ان الكفار لما كذبوا رسل الله الذين جاؤهم بالبينات ولم يعترفوا بنبوتهم انه اخذهم بالعذاب وبالعقوبة العاجلة واهلكهم ودمر عليهم. قوله تعالى: * (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها

[ 426 ]

وغرابيب سود (27) ومن الناس والدواب والانعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (28) إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلوة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور (29) ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله إنه غفور شكور) * (30) أربع آيات بلا خلاف. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه والمراد به جميع المكلفين منبها لهم على طريق الاستدلال على وحدانيته واختصاصه من الصفات بما لا يختص به سواه بأن قال " ألم تر " يا محمد ومعناه ألم تعلم " ان الله أنزل من السماء ماء " يعني غيثا ومطرا " فاخرجنا به " اخبار منه تعالى عن نفسه انه أخرج بذلك الماء " ثمرات " جمع ثمرة، وهي ما يجتنى من الشجر " مختلفا ألوانها " لان فيها الاحمر والابيض والاصفر والاخضر وغير ذلك ولم يذكر اختلاف طعومها وروائحها لدلالة الكلام عليه. والاختلاف هو امتناع الشئ من ان يسد مسد صاحبه في ما يرجع إلى ذاته ألا ترى أن السواد لا يسد مسد البياض، وذلك لا يقدر عليه سواه تعالى من جميع المخلوقين " ومن الجبال جدد " واحده جده نحو مدة ومدد واما جمع جديد فجدد - بضم الدال - مثل سرير وسرر. والجدد الطرائق * (بيض وحمر مختلف الوانها وغرابيب سود) * واحد الغرابيب غربيب وهو الذي لونه كلون الغراب من شدة سواده، ولذلك قال * (سود) * لانه دل عليه من هذا

[ 427 ]

الوجه، ثم بين بالافصاح أنها سود، قال امرؤ القيس: كأن سراته وجدة متنه * كنائن يحرى فوقهن دليص (1) يعني بالجدة الخطة السوداء تكون في متن الحمار، والكنائن جمع كنانه، والدليص الذي يبرق من الذهب والفضة وما أشبهها، فالجدد هي الوان الطريق. ثم قال * (ومن الناس) * أيضا * (ومن الدواب) * التي تدب على وجه الارض * (والانعام) * كالابل والبقر والغنم * (مختلف ألوانه) * ايضا مثل ذلك مما في الجبال والثمار * (كذلك) * أي مثل ما قدمنا ذكره. ثم قال * (انما يخشى الله من عباده العلماء) * ومعناه ليس يخاف الله حق خوفه ولا يحذر معاصيه خوفا من عقابه إلا العلماء الذين يعرفون حقيقة ذلك فأما الجهال ومن لا يعرف الله فلا يخافونه مثل ذلك، وكذلك ينظر العلماء في حجج الله وبيناته ويفكرون في ما يفضي بهم إلى معرفته من جميع ما تقدم ذكره ثم اخبر تعالى فقال * (إن الله عزيز) * في انتقامه من اعدائه * (غفور) * لاوليائه والتائبين من خلقه الراجعين إلى طاعته. ثم قال * (إن الذين يتلون كتاب الله) * يعني يقرؤن القرآن ويعملون بما فيه * (واقاموا الصلاة وانفقوا) * في طاعة الله * (مما رزقناهم) * أي مما رزقهم الله وملكهم التصرف فيه * (سرا وعلانية) * أي في حال سرهم، وفي حال علانيتهم * (يرجون) * في موضع الحال أي راجيين بذلك * (تجارة لن تبور) * أي لا تكسد. وقيل: لا تفسد، يقال بارت السوق إذا كسدت وبار الطعام، وبار الشئ إذا فسد، قال الشاعر:


(1) ديوانه (شرح السندوسي) 124 وروايته (ظهره) بدل (متنه) (*)

[ 428 ]

يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذ أنابور (1) ثم بين انهم يقصدون بذلك أن يوفيهم الله أجور ما عملوا من الطاعات بالثواب ويزيدهم من فضله زيادة على قدر استحقاقهم، لانه وعد بأن يعطي الواحد عشرة * (إنه غفور) * لعباده ساتر لذنوبهم * (شكور) * معناه إنه يعامل بالاحسان معاملة الشاكر. وقال الجبائي: وصفه بأنه شكور مجاز، لان معناه انه يجازي على الطاعات. قوله تعالى: * (والذي أوحينا إليك من الكتاب هو الحق مصدقا لما بين يديه إن الله بعباده لخبير بصير (31) ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات باذن الله ذلك هو الفضل الكبير (32) جنات عدن يدخلونها يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (33) وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور (34) الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب) * (35). خمس آيات بلا خلاف.


(1) قد مر في 6 / 294 و 7 / 479 (*)

[ 429 ]

قرأ أبو عمرو * (يدخلونها) * بضم الياء على ما لم يسم فاعله ليشاكل قوله تعالى * (يحلون) *. الباقون بفتح الياء، لانهم إذا أدخلوها فقد دخلوها، والمعنيان متقاربان. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله * (والذي أوحينا اليك) * يا محمد وأنزلناه عليك * (من الكتاب) * يعني القرآن * (هو الحق) * معناه هو الصحيح الذي معتقده على ما هو به. وضده الباطل، وهو ما كان معتقده لا على ما هو به. والعقل يدعو إلى الحق ويصرف عن الباطل، وقوله * (مصدقا لما بين يديه) * معناه مصدقا لما قبله من الكتب بأنه جاء موافقا لما بشرت به تلك الكتب من حاله وحال من أتى به. ثم قال * (إن الله) * تعالى بعباده * (لخبير) * أي عالم بهم * (بصير) * بأحوالهم لا يخفى عليه شئ منها فيجازيهم على استعمال الحق بالثواب وعلى استعمال الباطل بالنار. ثم قال * (ثم أورثنا الكتاب) * يعني القرآن أورثناه من أصطفيناه من عبادنا. ومعنى الارث انتهاء الحكم إليه ومصيره لهم، كما قال تعالى * (وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون) * (1) وقيل المراد أورثناهم الايمان بالكتب السالفة وكان الميراث انتقال الشئ من قوم إلى قوم. والاول أصح. والاصطفاء الاختيار باخراج الصفوة من العباد، فاصطفى الله المؤمن يحمل على ثلاث طبقات مؤمن ظالم لنفسه بفعل الصغيرة، ومقتصد بالطاعات في المرتبة الوسطى، وسابق بالخيرات في الدرجة العليا، وهم الذين لم يرتكبوا شيئا من المعاصي، وكل وعد الله الحسنى، والذين اصطفاهم الله وأورثهم الكتاب قيل: هم الانبياء فمنهم ظالم لنفسه يعني أصحاب الصغائر. وقيل: هم اصحاب النار، هذا من قول من أجاز على الانبياء الصغائر دون الكبائر، فأما


(1) سورة 43 الزخرف آية 72 (*)

[ 430 ]

من لا يجوز عليهم شيئا من المعاصي أصلا لا صغيرة ولا كبيرة يقول: معنى الآية إن الله تعالى أورث علم الكتاب الذي هو القرآن الذين اصطفاهم واجتباهم واختارهم على جميع الخلق من الانبياء المعصومين، والائمة المنتجبين الذين لا يجوز عليهم الخطا ولا فعل القبيح لا صغيرا ولا كبيرا، ويكون قوله * (فمنهم ظالم لنفسه) * راجعا إلي * (عباده) * وتقديره فمن عبادنا ظالم لنفسه، ومن عبادنا مقتصد، ومن عبادنا سابق بالخيرات، لان من اصطفاه الله لا يكون ظالما لنفسه، فلا يجوز أن ترجع الكناية إلى الذين اصطفينا وقوله " بالخيرات " يعني يعلم من اقتصد أو ظلم نفسه أو سبق بالخيرات. ثم قال * (ذلك هو الفضل الكبير) * يعني السبق بالخيرات هو الفضل العظيم الذي لا شئ فوقه. وقال ابن عباس: الذين أورثهم الله الكتاب هم أمة محمد، ورثهم الله كل كتاب أنزله، فظالمهم يغفر له، ومقتصدهم يحاسبهم حسابا يسيرا وسابقهم يدخلون الجنة بغير حساب. وقال ابن مسعود - بذلك - وكعب الاحبار. وقال الثلاث فرق - المذكورة في هذه الآية كلهم في الجنة. وقال عكرمة عن ابن عباس: إن المصطفين من هذه الامة الانبياء، والظالم لنفسه هو المنافق والمقتصد والسابق بالخيرات في الجنة. والمنافق في النار. وقال الحسن ومجاهد: السابق بالخيرات من جميع الناس، والظالم لنفسه أصحاب المشئمة، والمقتصد اصحاب الميمنة من الناس كلهم. وهذا مثل ما قلناه من ان الكناية راجعة إلى العباد دون المصطفين، وقال البلخي: الاصطفاء - ههنا - التكليف دون الثواب، فعلى هذا يجوز أن ترجع الكناية إلى المصطفين. ثم قال " جنات عدن " فرفع جنات على تفسير الفوز، كأنه قيل: ما ذلك الفوز ؟ فقال هي جنات أي جزاء جنات أو دخول جنات، ويجوز أن يكون

[ 431 ]

بدلا من الفوز، كأنه قال ذلك جنات أي دخول جنات، والجنات هي البساتين التي يجنها الشجر، والعدن الاقامة " يدخلونها " يعني من تقدم ذكره من الذين سبقوا بالخيرات والمقتصدين " يحلون فيها " بمعنى يلبسون فيها الحلي " من اساور من ذهب " وأساور جمع اسوار، ومن قال سوار جمعه على أسورة " من ذهب ولؤلؤ " فيمن جر، ومن نصب " لؤلؤا " وهو نافع وعاصم فعلى تقدير ويحلون فيها لؤلؤا " ولباسهم فيها حرير " معناه إن ما يلبسه أهل الجنة من اللباس ابريسم محض. ثم اخبر تعالى عن حال من يدخل الجنة أنهم إذا دخلوها " قالوا الحمد لله " أي اعترافا بنعمة الله وشكرا له على نعمه، وهو الاعتراف منهم على وجه الالجاء، لهم في ذلك سرور لا على وجه التكليف " الذي أذهب عنا الحزن " ومعناه أذهب الغم عنا بخلاف ما كنا عليه في دار الدنيا، وقيل: الحزن الذي اصابهم قبل دخول الجنة، فانهم يخافون من دخول النار إذا كانوا مستحقين لها، فإذا تفضل الله عليهم بأن يسقط عقابهم ويدخلهم الجنة حمدوا الله على ذلك. وقيل: ما كان ينالهم في دار الدنيا من أنواع الاحزان والاهتمام بأمر المعاش والخوف من الموت وغير ذلك " إن ربنا لغفور شكور " لذنوب عباده إذا تابوا مجاز لهم على شكرهم لنعمه. وقيل: إن مكافاته لهم على الشكر لنعمه والقيام بطاعاته جرى مجرى أن يشكره لهم وإن كان حقيقة لا يجوز عليه تعالى. من حيث كان اعترافا بالنعمة، ولا يصح عليه تعالى أن يكون منعما عليه، ثم وصفوا الله تعالى بأن قالوا " الذي أحلنا " أي انزلنا دار المقامة يعني دار الاقامة وإذا فتحت الميم كان المراد موضع القيام قال الشاعر:

[ 432 ]

يومان يوم مقامات واندية * ويوم سير إلى الاعداء تأويب (1) و " من فضله لا يمسنا فيها نصب " يعني تعب. وقال قتادة: معناه وجع " ولا يمسنا فيها لغوب " يعني اعياء. وقيل: اللغوب العناء. ومنه قوله تعالى " وما مسنا من لغوب " (2). قوله تعالى: * (وألذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (36) وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر وجاءكم النذير فذوقوا فما للظالمين من نصير (37) إن الله عالم غيب السموات والارض إنه عليم بذات الصدور (38) هو الذي جعلكم خلائف في الارض فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خسارا (39) قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الارض أم لهم شرك في السموات أم آتيناهم كتابا


(1) اللسان (أوب) (2) سورة 50 ق آية 38 (*)

[ 433 ]

فهم على بينت منه بل إن يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو وحده " يجزى " بضم الياء على ما لم يسم فاعله. الباقون. بالنون على وجه الاخبار من الله عن نفسه. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وحفص " على بينة " بالتوحيد لقوله " قد جاءكم بينة من ربكم " (1) الباقون " بينات " على الجمع، لانها مكتوبة في المصاحف بالالف والتاء، والبينة والبينات القرآن، وفي قوله " حتى تأتيهم البينة رسول من الله " (2) وهو محمد صلى الله عليه واله. ويقال: بان الشئ وأبان إذا تبين، فهو باين ومبين، وأبنته أنا وبينته لا غير والبينة وزنها (فيعلة) فاجتمع ياآن فأدغم احداهما في الاخرى. لما اخبر الله تعالى عن أحوال اهل الآخرة وما أعده لاهل الجنة من أنواع الثواب أخبر - ههنا - عن حال الكفار وما أعده لهم من أليم العقاب فقال " والذين كفروا " بوحدانية الله وجحدوا نبوة نبيه " لهم نار جهنم " عقوبة لهم على كفرهم يعذبون فيها " لا يقضى عليهم فيموتوا " أي لا يحكم عليهم بالموت فيموتوا فيستريحوا، يقال قضى فلان إذا مات " ولا يخفف عنهم من عذابها " معناه ولا ييسر عليهم عذاب النار ولا يسهل عليهم ومثل هذا العذاب ونظيره " كذلك نجزى كل كفور " جاحد لوحدانيته تعالى ومكذب لانبيائه. ثم اخبر تعالى عن حال من هو في النار فقال " وهم يصطرخون فيها " أي


(1) سورة 6 الانعام آية 157 (2) سورة 98 البينة آية 2 (*)

[ 434 ]

يتصايحون بالاستغاثة، فالاصطراخ الصياح والنداء بالاستغاثة، وهو افتعال من الصراخ قلبت التاء طاء لاجل الصاد الساكنة قبلها، وإنما فعل ذلك لتعديل الحروف بحرف وسط بين حرفين يوافق الصاد بالاستعلاء والاطباق ويوافق التاء بالمخرج. ويقولون " ربنا أخرجنا " من عذاب النار " نعمل صالحا " يعني نعمل بالطاعات والاعمال الصالحات التي أمرنا بها " غير الذي كنا نعمل " من المعاصي، فيقول الله لهم - في جوابه تبكيتا لهم وإنكارا عليهم " أو لم نعمركم " في دار الدنيا. وقال ابن عباس، ومسروق: العمر الذي ذكره الله أربعون سنة، وفي رواية أخرى ستون سنة، وهو قول علي عليه السلام " ما يتذكر فيه من تذكر " أي عمرناكم مقدار ما يمكن أن يتذكر ويعتبر وينظر ويفكر من يريد أن يتفكر ويتذكر " وجاءكم النذير " يعني المخوف من معاصي الله، قال ابن زيد: يعني به محمدا صلى الله عليه واله وقال غيره: أراد الشيب. وقيل: الحمى " فذوقوا " معاشر الكفار عقاب كفركم ومعاصيكم " فما للظالمين من نصير " اي ليس لمن ظلم - وبخس نفسه حقها بارتكاب المعاصي - ناصر يدفع عنه العذاب. ثم اخبر تعالى بأنه " عالم غيب السموات والارض " لا يخفى عليه شئ مما غاب عن جميع الخلائق علمه " إنه عليم بذات الصدور " ومعناه اتقوا واحذروا أن تضمروا في أنفسكم ما يكرهه الله تعالى، فانه عليم بما في الصدور لا يخفى عليه شئ منها. وقوله " هو الذي جعلكم خلائف في الارض " معناه جعلكم معاشر الكفار أمة بعد أمة وقرنا بعد قرن. وهو قول قتادة " فمن كفر " أي جحد وحدانيته وأنكر نبوة نبيه صلى الله عليه واله " فعليه " عقاب " كفره " دون غيره " ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتا " أي لا يزيدهم كفرهم بالله عند الله

[ 435 ]

إلا أشد البغض لان المقت اشد البغض " ولا يزيد الكافرين " أيضا " كفرهم إلا خسارا " لانهم يخسرون الجنة ويحصل لهم النار بدلا منها " وذلك هو الخسران المبين " ثم قال موبخا لهم " قل ارأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله " قيل: معناه إدعوا شركاءكم في الاموال التي جعلتم لها قسطا من السائبة والوصيلة والانعام والحر ث، وهي الاوثان. وقيل: شركاءكم الذين اشركتموهم في العبادة مع الله " اروني ماذا خلقوا من الارض " معناه أي شئ اخترعوه وانشؤه فيدخل عليكم بذلك شبهة " أم لهم شرك في السموات ؟ " أي لهم شركة في خلق السموات ؟ على وجه المعاونة لله ؟ * (أم آتيناهم كتابا) * ؟ أي أعطيناهم كتابا أمرناهم فيه بما يفعلونه * (فهم على بينة منه) * اي من ذلك الكتاب، فان جميع ذلك محال لا يمكنهم ادعاء شئ من ذلك، ولا إقامة حجة ولا شبهة عليه * (بل ان يعد الظالمون بعضهم بعضا إلا غرورا) * ومعناه ليس شئ من ذلك لكم، ليس يعد الظالمون أنفسهم بعضهم بعضا إلا غرورا يغترون به وزورا يتعدون به، يقال: غره يغره غرورا إذا أطمعه في ما لا يطمع فيه. فان قيل: الآية تدل أن الله سبحانه ينفرد بالخلق دون العباد، لانه بين أن من تهيأ له الخلق فهو إله. قلنا: هذا كقوله * (ألهم أرجل يمشون بها ؟ أم لهم أيد يبطشون بها) * (1) فكما لا يدل على ان من كان له يد أو رجل يكون إلها، فكذلك لا يجب ان يكون من يخلق يكون الها على انه بين المراد بالخلق، فقال * (ماذا خلقوا من الارض) * لا يقدر على خلق الارض ولا على شئ منه إلا الله تعالى على أنا


(1) سورة 7 الاعراف آية 194 (*)

[ 436 ]

لا نطلق اسم خالق إلا على الله، ونقيده في الواحد منا. قوله تعالى: * (إن الله يمسك السموات والارض أن تزولا * ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا (41) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا (42) إستكبارا في الارض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون إلا سنت الاولين فلن تجد لسنت الله تبديلا * ولن تجد لسنت الله تحويلا (43) أو لم يسيروا في الارض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا أشد منهم قوة وما كان الله ليعجزه من شئ في السموات ولا في الارض إنه كان عليما قديرا (44) ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم فان الله كان بعباده بصيرا) * (45). خمس آيات كوفي ومكي ومدني الاول. وست شامي، وفي عدد اسماعيل.

[ 437 ]

وسبع بصري. عد البصري والشامي واسماعيل * (تبديلا) * وعد البصري قبله * (تزولا) * ولم يعد ذلك الباقون. لما بين الله تعالى أن الاصنام لا تقدر على شئ وأن ليس لها شرك في السموات والارض، أخبر عن عظيم قدرته وسعة سلطانه فقال * (إن الله يمسك السموات) * بأن يسكنها حالا بعد حال، ولا يقدر على تسكينها غيره تعالى حال بعد حال، لانه يسكنها بغير عمد، فالارضون ساكنة بلا عمد والسموات ساكنة باسكانه. وهي غير الافلاك التي تجري فيها النجوم، قال عبد الله بن مسعود ان السموات لا تدور، ولو كانت تدور لكانت قد زالت. ومنعهما بهذا التسكين من أن تزولا عن مواضعها أو تهوي أو تسقط، ومعنى * (أن تزولا) * كراهة أن تزولا. وقال الكوفيون: معناه ألا تزولا عن مراكزهما، فحذف (لا). ثم قال * (ولئن زالتا) * معنى (لئن) (لو) ويوضع كل واحد منهما مكان الآخر، لانهما يجابان بجواب واحد. ومثله * (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا) * (1) ومعناه و (لو) ومعنى * (ولئن زالتا) * يعني عن مقرهما * (إن امسكهما من احد من بعده) * أي ليس يسكنها احد ولا يقدر عليه احد بعد الله تعالى * (انه كان حليما) * يعني القادر الذي لا يعاجل واحدا بالعقوبة، ولا يحلم إلا قادر، لان من ليس بقادر، لا يصح ان يعاقب، فلا يحلم وإنما حلمه أناة بمن استحق العقوبة * (غفورا) * أي ستارا لذنوبهم إذا تابوا لا يفضحهم بها على رؤس الاشهاد، و (الغفور) الكثير الغفران لذنوب عباده بالتوبة وبالتفضل لمن يشاء منهم. ثم حكى عن الكفار أنهم * (أقسموا بالله) * يعني حلفوا به * (جهد أيمانهم) *


(1) سورة 30 الروم آية 51 (*)

[ 438 ]

أي غاية وسعهم وطاقتهم * (لئن جاءهم نذير) * أي مخوف من جهة الله يخوفهم من معاصيه * (ليكونن أهدى) * إلى اتباعه والقبول منه * (من احدى الامم) * الماضية وأسبق إلى اتباعه * (فلما جاءهم نذير) * أي محمد صلى الله عليه واله جاءهم يخوفهم بالله " ما زادهم " مجيئه " إلا نفورا " أي ازدادوا عند مجيئه نفورا من عن الحق وهربا منه لا أن مجيئه زادهم ذلك. ثم بين تعالى انهم ينفرون عند مجئ النبي " استكبارا " أي طلبا للكبر والتجبر على غيرهم " في الارض " من أن يقروا بالحق " ومكر السئ " أي وحيلة الافعال القبيحة والمعاصي لانهم قصدوا بذلك الفرار من اتباع محمد والايمان به، والسئ الشرك - في قول قتادة - واضيف إليه كما قال " لحق اليقين " (1) وفي قراءة عبد الله بن مسعود " ومكرا سيئا " وقد سكن حمزة وحده الهمزة. الباقون جروها بالاضافة. والتسكين لحن عندهم اعني البصريين، لا يجوز ان يقرأ به. وقيل الوجه في تسكين حمزة كثرة الحركات في الكلام، كما قال الشاعر: إذا اعوججن قلت صاحب قوم فسكن الباء لكترة الحركات، والصحيح الاول، لان مثل هذا إنما يجوز في ضرورة الشعر، قال أبو علي النحوي: يجوز أن يكون أجراه في الوصل مجرى الوقف، وتقدير ومكررا المكر السئ، فأضيف المصدر إلى صفة المصدر، وتقديره ومكروا المكر السئ بدلالة قوله " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله " ومعناه لا ينزل باحد جزاء المكر السئ إلا بمن فعله " فهل ينظرون " أي فهل ينتظرون " إلا سنة الاولين " من نزول العقاب بهم وحلول النقمة عليهم جزاء على كفرهم، فان كانوا ينتظرون ذلك " فلن تجد " يا محمد والمراد به


(1) سورة 69 الحاقة 51 (*)

[ 439 ]

الكفار " لسنة الله تبديلا " أي لا يغير الله عادته من عقوبة من جحد ربوبيته " ولن تجد لسنة الله تحويلا " ولا يبدلها بغيرها، فالتبديل تصير الشئ مكان غيره، والتحويل تصير الشئ في غير المكان الذي كان فيه، والتغيير تصيير الشئ على خلاف ما كان. ثم قال " اولم يسيروا في الارض " يعني هؤلاء الكفار الذين انكروا إهلاك الله الامم الماضية. أما سا روا في الارض " فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم وكانوا " أولئك " اشد منهم " من هؤلاء " قوة وما كان الله ليعجزه من شئ " إذ لم يكن يفوته شئ " في السموات ولا في الارض انه كان عليما " عالما بجميع الاشياء * (قديرا) * قادرا على مالا نهاية له، ويقدر على اجناس لا يقدرون عليها. ثم اخبر تعالى ممننا على الناس بتأخير عقابهم بان قال * (ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا) * أي جزاء على معاصيهم عاجلا * (ما ترك على ظهرها) * ظهر الارض * (من دابة) * ندب على رجليها * (ولكن يؤخرهم إلى أجل) * يعني إلى الوقت المعلوم الذي قدره لتعذيبهم * (فإذا جاء أجلهم) * يعني الوقت المقدر المعلوم * (فان الله) * تعالى * (كان بعباده بصيرا) * أي عالما بأحوالهم لا يخفى عليه شئ منها فيجازي كل انسان على قدر فعله من طاعة أو معصية، والضمير في قوله * (على ظهرها) * عائد إلى الارض وإن لم يجر لها ذكر لدلالة الكلام عليه، لانه معلوم أنهم على ظهر الارض دون غيرها، على أنه قد تقدم قوله * (أو لم يسيروا في الارض) * وفي قوله * (إن الله يمسك السموات والارض) * فيجوز أن يرد الكناية إليها.

[ 440 ]

36 - سورة يس في قول مجاهد وقتادة والحسن: ليس فيها ناسخ ولا منسوخ. وقال ابن عباس: آية منها مدنية وهي قوله * (وإذا قيل لهم انفقوا مما رزقكم الله) * وهي ثلاث وثمانون آية كوفي. واثنان وثمانون آية في ما عداه. بسم الله الرحمن الرحيم * (يس (1) والقرآن الحكيم (2) إنك لمن المرسلين (3) على صراط مستقيم (4) تنزيل العزيز الرحيم (5) لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (6) لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (7) إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الاذقان فهم مقمحون (8) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (9) وسواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون) * (10) عشر آيات كوفي وتسع في ما عداه عد الكوفي (يس) ولم يعده الباقون.

[ 441 ]

قرأ الكسائي بامالة الالف من (ياسين) وكذلك حمزة إلا انه أقل إمالة الباقون بغير امالة. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابو بكر عن عاصم * (تنزيل العزيز الرحيم) * بالرفع الباقون بالنصب. فمن رفع، فعلى تقدير (ذلك) تنزيل العزيز، ومن نصب، فعلى تقدير (نزل) تنزيل العزيز الرحيم. وقرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر * (سدا) * بفتح السين في الموضعين. الباقون بضمها، وهما لغتان، وقال أبو عمرو: وما كان من فعل الله، فهو بالفتح. وعد أهل الكوفة (يس) آية ولم يعدوا (طس) لان (طاسين) أشبه قابيل وهابيل في الوزن، والحروف الصحاح، ولم يشبهها (ياسين) لان أوله حرف من حروف العلة وليس مثل ذلك في الاسماء المفردة، فاشبه الجملة والكلام التام وشاكل ما بعده من رؤس الآي. وقد مضى في ما تقدم أن افتتاح أوائل السور بأمثال هذه الحروف الاقوى فيها أنها اسماء للسور. وقيل: إنها اسماء القرآن، وقيل إنها حروف إذا جمعت انبأت عن اسم الله الاعظم، وغير ذلك من الاقاويل لا نطول بذكره. وقال الحسن: معناه يا رجل. وقال محمد بن الحنفية (يس) معناه يا إنسان يا محمد، وروي عن علي عليه السلام أنه قال سمى الله تعالى النبي صلى الله عليه واله في القرآن بسبعة اسماء: محمد، وأحمد، وطه، ويس، والمزمل، والمدثبر، وعبد الله، وقيل: معناه بالسريانية يا إنسان. وقيل: معناه يا سيد الاولين والآخرين. وأخفى النون من (ياسين) الكسائي وابو بكر عن عاصم. الباقون ببيان النون، وهو الاجود لان حروف الهجاء ينوى بها السكت والانقطاع عما بعدها. ومن قال بالاول قال لان النون والتنوين إنما يظهران عند حروف الحلق

[ 442 ]

وليس ههنا شئ منها. وقوله * (والقرآن الحكيم) * قسم من الله تعالى بهذا القرآن وصفه بأنه حكيم من حيث أن فيه الحكمة، فصار ذلك بمنزلة الناطق به للبيان عن الحق الذي يعمل به. والحكمة قد تكون المعرفة، وقد تكون ما يدعو إلى المعرفة، وأصله المنع من الخلل والفساد، فالمعرفة تدعو إلى ما أدى إلى الحق من برهان أو بيان قال الشاعر: أبني حنفية احكموا سفهاءكم * إني اخاف عليكم أن اغضبا (1) أي امنعوهم. وقال قوم: إنما أقسم الله بالقرآن الحكيم لعظم شأنه وموضع العبرة به والفائدة فيه، والمقسم عليه قوله * (إنك لمن المرسلين) * أقسم تعالى أن النبي صلى الله عليه واله ممن أرسله الله بالنبوة والرسالة، وأنه * (على صراط مستقيم) * وهو طريق الحق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة * (تنزيل العزيز الرحيم) * من رفع فعلى تقدير ذلك تنزيل، ومن نصب فعلى تقدير نزل تنزيل. وموضع * (على صراط مستقيم) * يجوز ان يكون رفعا على انه خبر، كأنه قال إنك على صراط مستقيم، ويجوز أن يكون نصبا على الحال للارسال، كأنه قال: أرسلوا مستقيما طريقتهم. وقوله * (لتنذر قوما) * معناه إنه أنزل القرآن لتخوف به من معاصي الله قوما * (ما أنذر آباؤهم) * من قبل اراد به قريشا أنذروا بنبوة محمد، وقيل: في معناه قولان: احدهما - قال عكرمة: معناه لتنذر قوما مثل الذي أنذر آباؤهم. الثاني - قال قتادة: معناه لتنذر قوما لم ينذر آباؤهم قبلهم - يعني في


(1) مر في 1 / 142 و 2 / 188 و 4 / 496 و 5 / 512 و 6 / 440 (*)

[ 443 ]

زمان الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام * (فهم غافلون) * عما تضمنه القرآن وعما أنذر الله من نزول العذاب. ومثل الغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ومثله النسيان وهو ذهاب الشئ عن النفس بعد حضوره فيها. ثم اخبر تعالى مقسما انه * (لقد حق القول على اكثرهم) * اي وجب باستحقاق العقاب بادخالهم النار * (فهم لا يؤمنون) * لذلك، وقد سبق في علم الله. ثم اخبر تعالى فقال * (إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا) * أي جعل الغل في اعناقهم وهو جمع عنق * (فهي إلى الاذقان) * والاذقان جمع ذقن وهو مجمع اللحيين. وقيل بأيمانهم إلى اذقانهم، فكنى عنها، لانها معلومة. وقيل: التقدير بالاغلال بالايمان إلى الاذقان فهو محذوف، قال الشاعر: وما أدري إذا يممت أرضا * أريد الخير أيهما يليني أألخير الذي أنا ابتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني (1) * (فهم مقمحون) * فالمقمح الغاض بصره بعد رفع رأسه، وقيل هو المقنع وهو الذي يجذب ذقنه حتى تصير في صدره ثم يرفع. والقمح من هذا وهو رفع الشئ إلى الفم، والبعير القامح الذي إذا أورده الماء في الشتاء رفع رأسه وشال به نصبا لشدة البرد، قال الشاعر: ونحن على جانبها قعود * نغض الطرف كالابل القماح (2) وقيل: قد رفعوا رؤسهم وشخصوا بأبصارهم - ذكره مجاهد - ثم قال * (وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا) * ومعناه سدا عن الحق - في قول مجاهد وقتادة - اي على جهة الذم لهم، وصفهم بذلك لا أنهم منعوا منه وكذلك ذكر الاغلال كما قال الافوه الازدي:


(1) مر في 2 / 113 و 5 / 529 و 6 / 391 (2) اللسان (قح) (*)

[ 444 ]

كيف الرشاد إذا ما كنت في نفر * لهم عن الرشد اغلال واقياد وفي تأويل الآيات قولان: احدهما - انه جعل جهلهم وذهابهم عن معرفة الحق غلا وسدا إذ كان المغلول الممنوع من التصرف امامه ووراءه ذاهب عما قد منع منه وحيل بينه وبين الدليل عليه إن الله تعالى لم يجعل الكافر مغلولا في الحقيقة ولا مسدودا بين يديه ومن خلفه ولا في عينه غشاوة، كقوله تعالى * (وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في اذنيه وقرا) * (1) شبهه بمن في اذنيه وقر، فعلمنا بهذا التشبيه أنه إنما يريد بوصف الكفار بالوقر والكن والغل والسد التشبيه الذي عناه - ههنا - ولو كان في إذن الكافر وقر على الحقيقة لم يجز تشبيهه بمن في اذنيه وقر، وهو كقولهم للجاهل: حمار وثور، وإنما يريدون المبالغة في وصفه بالجهل، ومعنى (جعلنا) يحتمل وجهين احدهما - انه كما شبههم بمن جعله مغلولا مقيدا أجرى عليه صفة الجعل بأنه مشبه للمجعول مغلولا مقيدا. والثاني - انه اراد البيان عن الحالة التي شبه بها المغلول المقيد، كما يقول القائل: جعلني فلان حمارا وجعلني ميتا إذا وصفه بالحمارية والموت وشبهه بالحمار والميت وهذا واضح. والوجه الثاني - في تأويل الآيات انه أراد وصف حالهم في الآخرة، لانه تعالى يوثقهم في الاغلال والسلاسل، ما قال تعالى * (خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه) * (2) وقال * (إذ الاغلال في اعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون) * (3) وقال في السد الذي جعله لهم: فلا يبصرون كما قال * (يوم


(1) سورة 31 لقمان آية 7 (2) سورة 69 الحاقة آية 30 - 31 (3) سورة 40 المؤمن آية 71 - 72 (*)

[ 445 ]

يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهرة من قبله العذاب) * (1) وقال * (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصماما مأواهم جهنم) * (2) فلما كانت هذه حال الكفار في الآخرة، وصف حالهم في الدنيا. وقوله * (فهم مقمحون) * فقد فسرناه في آية اخرى وهي قوله * (مهطعين مقنعي رؤسهم) * (3) والاقناع هو رفع الرأس واشخاصه فقد صح بما بيناه كلا الوجهين في الآية وزالت الشبهة بحمد الله. وقال السدي: إن ناسا من قريش ائتمروا على قتل النبي صلى الله عليه واله فلما جاءوه جعلت ايديهم إلى اعناقهم فلم يستطيعوا ان يبسطوا إليه يدا. وقال قوم: حال الله بينهم وبين ما أرادوا فعبر عن ذلك بأنه غلت ايديهم. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد * (جعلنا في اعناقهم اغلالا) * من الآيات والبينات * (وجعلنا من بين ايديهم سدا ومن خلفهم سدا) * منها * (فاغشيناهم) * بها * (فهم) * مع ذلك * (لا يبصرون) * بدليل قوله * (أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والارض) * (4) وقرأ ابن مسعود وابن عباس * (انا جعلنا في ايمانهم اغلالا) * لان الغل لا يكون في العنق دون اليد، ولا في اليد دون العنق، والمعنى إنا جعلنا في اعناقهم وفي أيمانهم اغلالا وقوله * (فهي) * كناية عن الايدي لا عن الاعناق، لان الغل يجعل اليد تلي الذقن، والعنق والعنق هو مقارب الذقن، لان الغ يجعل العنق إلى الذقن.


(1) سورة 57 الحديد آية 13 (2) سورة 17 الاسرى آية 97 (3) سورة 14 ابراهيم آية 43 (4) سورة 34 سبأ آية 9 (*)

[ 446 ]

وقرأ الحسن * (فأغشيناهم) * بالعين المهملة، وهو ما يلحق من ضعف البصر وقيل: الآية نزلت في ابي جهل، لانه هم بقتل النبي صلى الله عليه واله فكان إذا خرج بالليل لا يراه، ويحول الله بينه وبينه. وقيل: السد فعل الانسان، والسد بالضم خلقه تعالى * (فاغشيناهم فهم لا يبصرون) * أي حكمنا عليهم بأنهم كمن غشي بصره فهم لا يبصرون لذلك. وقيل: اغشيناهم بظلمة الكفر فهم لا يبصرون الهدى. وقيل: بظلمة الليل فهم لا يبصرون النبي صلى الله عليه واله. ثم قال * (سواء عليهم أأنذرتهم) * يا محمد وخوفتهم * (أم لم تنذرهم) * وتخوفهم بالعقاب * (فهم لا يؤمنون) * للعناد وترك الالتفات والفكر في ما يخوفهم منه، فاستوى علمه تعالى في تركهم الايمان وعدو لهم عنه إلى الكفر بسوء اختيارهم. قوله تعالى: * (إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم (11) إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شئ أحصيناه في إمام مبين (12) واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون (13) إذا أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون (14) قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون) * (15) خمس آيات.

[ 447 ]

قرأ أبو بكر عن عاصم * (فعززنا) * مخففا بمعنى فقهرنا من قولهم: من عزيز الباقون بالتشديد يعني قوينا الاثنين بثالث معينا، لما قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله إن هؤلاء الكفار لا يؤمنون أبدا واخبره بأنه سواء عليهم الانذار وترك الانذار بين ههنا حال من ينتفع بالانذار فقال * (إنما تنذر من اتبع الذكر) * ومعناه إنما ينتفع بانذارك وتخويفك من اتبع الذكر، لان نفس الانذار قد حصل للجميع وأضافه - ههنا - إلى من اتبع الذكر لما كانوا المنتفعين به، كما قال * (هدى للمتقين) *. والذكر المذكور - ههنا - القرآن - في قول قتادة - * (وخشي الرحمن بالغيب) * قيل في معناه قولان: احدهما - وخشى الرحمن وخاف ارتكاب معاصيه في غيبه عن الناس. والثاني - وخشي الرحمن في ما غاب عنه من الآخرة وأمرها. ثم قال لنبيه من هذه صفته * (فبشره بمغفرة) * من الله لذنوبه * (واجر) * أي ثواب * (كريم) * وهو ما يفعله الله على وجه الاجلال والاكرام. وقيل: الاجر الكريم الجنة. ثم اخبر تعالى عن نفسه فقال * (إنا نحن نحي الموتي) * بعد أن افنيناهم * (ونكتب ما قدموا) * من طاعاتهم ومعاصيهم في دار الدنيا، وهو قول مجاهد وقتادة * (وآثارهم) * قال مجاهد: يعني خطاهم إلى المساجد، لان نبي سلمة من الانصار شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه واله بعد منازلهم من المسجد والصلاة مع رسول الله، فنزلت فيهم الآية وقيل: معناه وآثارهم التي تبقى بعدهم ويقتدى بهم فيها. ثم قال * (وكل شئ أحصيناه في إمام مبين) * ومعناه أحصيناه في كتاب ظاهر، وهو اللوح المحفوظ. والوجه في احصاء ذلك في إمام مبين اعتبار

[ 448 ]

الملائكة به إذا قابلوا به ما يحدث من الامور، وكان فيه دليل على معلومات الله على التفصيل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (واضرب لهم مثلا) * معناه اذكر لهم مثلا. وقيل: معناه مثل لهم مثلا، من قولهم: هؤلاء اضراب أي امثال. وقوله * (اصحاب القرية) * قال عكرمة والفراء: هي انطاكية * (إذ جاءها المرسلون) * اي حيث بعث الله إليهم بالرسل * (إذ ارسلنا إليهم اثنين) * يعني رسولين. وقال قوم: كانا رسولي عيسى من حواريه. وقال آخرون: كانا رسولين من رسل الله وهو الظاهر * (فكذبوهما) * أي جحدوا نبوتهما * (فعززنا بثالث) * أي فعززهما الله بثالث فيمن قرأ بالتشديد وشد ظهرهما به - في قول مجاهد وابن زيد - ومن خفف أراد فغلب الله بثالث أرسله إليهم * (فقالوا) * لهم يا اهل القرية * (إنا اليكم مرسلون) * ارسلنا الله اليكم * (قالوا) * لهم * (ما أنتم إلا بشر مثلنا) * أي ليس أنتم إلا بشر أمثالنا، فدخلت عليهم الشبهة فاعتقدوا أنه من حيث انهم امثالهم في البشرية لا يصلح ان يكونوا رسلا كمالا يصلحون هم لذلك * (وما انزل الرحمن من شئ) * مما تذكرونه وتدعونا إليه * (ان انتم إلا تكذبون) * أي ليس انتم إلا كاذبون على الله ومتخرصون عليه في ادعائكم الرسالة، وذهب عنهم معنى * (اخترناهم على علم على العالمين) * (1) وأنه تعالى علم من حال هؤلاء صلاحهم للرسالة وتحملهم لاعبائها ولم يعلم ذلك من حالهم بل على خلاف ذلك.


(1) سورة 44 الدخان آية 32 (*)

[ 449 ]

قوله تعالى: * (قالوا ربنا يعلم إنا إليكم لمرسلون (16) وما علينا إلا البلاغ المبين (17) قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (18) قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون (19) وجاء من أقصا المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين) * (20) خمس آيات لما حكى الله تعالى عن اهل القرية انهم قالوا للرسل * (إن انتم إلا تكذبون) * في ادعائكم الرسالة على الله حكى ما اجابهم به الرسل فانهم * (قالوا ربنا يعلم إنا اليكم لمرسلون) * ووجه الاحتجاج بذلك انه يلزمهم بقولهم الحذر من مخالفتهم والنظر في معجزاتهم ليعلموا انهم صادقون على الله، ففي ذلك تحذير شديد. ثم قال الرسل لهم أيضا * (وما علينا إلا البلاغ المبين) * أي ليس يلزمنا اكثر من البلاغ المبين، والمعنى انه لو جاءكم رسول غيرنا هل كان عليه إلا البلاغ ؟ على حد ما بلغنا. والبلاغ مجئ الشئ إلى حد يقف عنده، بلغ الشئ يبلغ بلوغا وبلاغا، فهو بالغ. ومنه البلاغة، ومثل الابلاغ الافهام والايصال. والمبين صفة للبلاغ، وهو الظاهر الذي لا شبهة فيه، فقالوا لهم في الجواب عن ذلك حين عجزوا عن إيراد شبهتم، وعدلوا عن النظر في معجزهم * (انا تطيرنا بكم) * أي تشاءمنا بكم، والتطير التشاؤم. ثم هددوهم فقالوا * (لئن لم تنتهوا) * عن

[ 450 ]

ما تدعونه من النبوة والرسالة * (لنرجمنكم) * بالحجارة - في قول قتادة - وقال مجاهد: معناه لنشتمنكم: فالرجم الرمي بالحجارة، يقال: رجم يرجم رجما، ورجم بالغيب ترجيما * (وليمسنكم منا عذاب اليم) * عند ذلك، فقال لهم الرسل * (طائركم معكم) * أي الشؤم كله معكم باقامتكم على الكفر بالله. وقال الفراء: معنى * (طائركم معكم) * أي اعمالكم في رقابكم تجازون عليها. وقال المبرد: معنى (طائركم) حظكم ونصيبكم من الخير والشر. وهو قول ابي عبيدة. والطيرة الشؤم. ومنه قوله صلى الله عليه واله * (لا عدوى ولا هامه ولا صقر ولا غلول) * وفلان لا يطير غرابه، وهو ساكن الطائر، إذا كان ساكنا وقورا، وفلان لا يطور بنا أي لا يقربنا، وما في الدار طوري ولا طوراني أي لا أحد. وعدا فلان طوره إذا جاوز قدره. وقوله * (ائن ذكرتم) * قرأه ابن كثير ونافع وابو عمرو والمفضل عن عاصم - بهمزة بعدها ياء - وهي همزة بين بين. والباقون بهمزتين مخففتين: احداهما همزة الاستفهام، والاخرى - همزة (إن) وجواب (ائن ذكرتم) محذوف وتقديره أئن ذكرتم هذا القول. وقال قوم: معناه أئن ذكرتم طائركم معكم وقال قوم: جعله جزاء قدم خبره عليه لما كان غير مجزوم اللفظ. وقيل: أئن ذكرتم تطيركم قلتم ما قلتم، * (بل انتم قوم مسرفون) * على نفوسكم، لانكم تجاوزتم حد العصيان حين كفرتم بالله وبوحدانيته. وقيل: كان اسم صاحب (يس) الذي قتله قومه حبيب بن مرى. حكى الله تعالى انه * (جاء من اقصى المدينة رجل يسعى) * أي رجل من أبعد المدينة جاء يعدوا ويشتد * (فقال يا قوم اتبعوا المرسلين) * الذين أرسلهم الله اليكم واقروا بنبوتهم وبرسالتهم. وقرأ أبو جعفر (أئن) بفتح الهمزة الثانية.

[ 451 ]

وبه قال زوين بن حبيش. ومعناه لان ذكرتم. الباقون بكسرها. وقرأ أبو جعفر (ذكرتم) بالتخفيف. الباقون بتشديدها. قوله تعالى: * (إتبعوا من لا يسئلكم أجرا وهم مهتدون (21) ومالي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (22) أتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (23) إني إذا لفي ضلال مبين (24) إني آمنت بربكم فاسمعون (25) قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون (26) بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين (27) وما أنزلنا على قومه من بعده من جند من السماء وما كنا منزلين (28) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم خامدون (29) يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزؤن) * (30) عشر آيات. قرأ ابوا جعفر * (ان كانت إلا صيحة) * بالرفع في الموضعين جعلها اسم (كان). الباقون بالنصب على انها خبر كان. لما حكى الله تعالى ما قال لهؤلاء الكفار الرجل الذي جاءهم من اقصى المدينة وأمرهم بأن يتبعوا الرسل قال لهم ايضا * (اتبعوا) * معاشر الكفار * (من

[ 452 ]

لا يسألكم أجرا) * أي لا يطلب الاجر والجزاء والمكافأة على ما يدعوكم إليه ويحثكم عليه، وإنما يدعوكم نصيحة لكم * (وهم) * مع ذلك * (مهتدون) * إلى طريق الحق سالكون سبيله. ثم قال لهم الذي وعظهم وحثهم على طاعة الله واتباع رسله * (ومالي لا أعبد الذي فطرني) * ومعناه ولم لا أ عبد الله واتبع رسله، ومالي لا أعبد الذي فطرني، ومعناه ولم لا أ عبد الله الذي خلقني وابتداني وهداني * (واليه ترجعون) * أي الذي تردون إليه يوم القيامة حيث لا يملك الامر والنهي غيره. ثم قال لهم منكرا على قومه عبادتهم غير الله * (أأتخذ) * أنا على قولكم * (من دون الله) * الذي فطرني وأنعم علي * (آلهة) * اعبدهم ؟ ! فهذه همزة الاستفهام والمراد بها الانكار، لانه لا جواب لها على اصلهم إلا ما هو منكر في العقول ثم قال * (إن يردني الرحمن بضر) * معناه ان أراد الله إهلاكي والاضرار بي لا ينفعني شفاعة هذه الآلهة شيئا، ولا يقدرون على انقاذي من ذلك الضرر. ولا يغنون عني شيئا في هذا الباب. وإذا كانوا بهذه الصفة كيف يستحقون العبادة ؟ ! ثم قال * (إني إذا لفي ضلال مبين) * أي إذا لو فعلت ما تفعلونه وتدعون إليه من عبادة غير الله أكن في عدول عن الحق. والوجه في هذا الاحتجاج أن العبادة لا يستحقها إلا من أنعم بأصول النعم ويفعل من التفضل مالا يوازيه نعم منعم، فإذا كانت هذه الاصنام لا يصح فيها ذلك كيف تستحق العبادة ؟ ! ثم قال مخبرا عن نفسه مخاطبا لقومه * (إني آمنت) * أي صدقت * (بربكم) * الذي خلقكم وأخرجكم من العدم إلى الوجود * (فاسمعون) * مني هذا القول. وقيل: انه خاطب الرسل بهذا القول ليشهدوا له بذلك عند الله. وقال ابن مسعود: إن قومه لما سمعوا منه هذا القول وطؤه بأرجلهم حتى مات. وقال

[ 453 ]

قتادة: رجموه حتى قتلوه. وقال الحسن: لما أراد القوم أن يقتلوه رفعه الله إليه فهو في الجنة، ولا يموت إلا بفناء السماء وهلاك الجنة. قال مجاهد: مثل ذلك. وقالا الجنة التي دخلها يجوز هلاكها. وقال قوم: إنهم قتلوه إلا أن الله أحياه وادخله الجنة وقال الحسن * (من بعده) * يعني من بعد رفعه. وقال غيره: من بعد قتله. ثم حكى الله تعالى ما يقول الملائكة لهذا الداعي من البشارة له بعد موته فانهم يقولون له * (ادخل الجنة) * مثابا مستحقا للثواب الجزيل على إيمانك بالله فيقول حينئذ * (يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي) * من الذنوب * (وجعلني من المكرمين) * عنده. فهذا المؤمن تمنى أن يعلم قومه بما أعطاه الله تعالى فيرغبوا فيه ويؤمنوا به لينالوا مثله. والاكرام هو اعطاء المنزلة الرفيعة على وجه التعظيم والتبجيل. وقد فاز من أكرمه الله بالرضوان، كما قال تعالى * (ورضوان من الله اكبر) * () لانه سبب يؤدي إلى الجنة. ثم حكى ما قال وانزل بهؤلاء الكفار من العذاب والاستئصال، فقال * (وما انزلنا على قومه من بعده من جند من السماء) * أي كان إهلاكهم عن آخرهم بأيسر أمر: صيحة واحدة حتى صاروا خامدين ذكره ابن مسعود ومعنى " خامدين " هالكين بتلف أنفسهم، والمعنى إنا لم نستعن على إهلاكهم بانزال الجند من السماء " وما كنا منزلين " لهم ليهلكوهم، وما كان إهلاكهم " إلا صيحة واحدة " عظيمة فحين سمعوها هلكوا من عظمها، وماتوا من فزعها. وقوله " يا حسرة على العباد " قيل: هو قول الذي جاء من أقصى المدينة


(1) سورة 9 التوبة آية 73 (*)

[ 454 ]

- ذكره البلخي - وقال غيره: معناه يحتمل شيئين: احدهما - يا حسرة من العباد على أنفسهم - ذكره قتادة ومجاهد -. الثاني - انهم قد حلوا محل من يتحسر عليه. وقال ابن عباس: معناه يا ويلا للعباد " ما يأتيهم من رسول " أي ليس يأتيهم من رسول من عند الله " إلا كاوا به يستهزؤن " أي يسخرون منه ويهزؤن به، والذي حكى الله تعالى عنه مخاطبا قومه هو ما قدمنا ذكره: حبيب بن مري - في اقوال المفسرين. قوله تعالى: * (ألم يروا كم أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون (31) وإن كل لما جميع لدينا محضرون (32) وآية لهم الارض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا فمنه يأكلون (33) وجعلنا فيها جنات من نخيل وأعناب وفجرنا فيها من العيون (34) ليأكلوا من ثمره وما عملته أيديهم أفلا يشكرون) * (35) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة " لما " بتشديد الميم، الباقون بتخفيفها. وقرأ اهل المدينة " الميتة " بالتشديد، لانه يقال: لما كان حيا ومات ميت بالتشديد، ولما لم يكن حيا بالتخفيف - ذكره الفراء - وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " وما عملت " بغير هاء. الباقون بالهاء. من قرأ (لما) بالتخفيف فانه يكون (ما) في قوله (لما) صلة مؤكدة، وتكون (ان) هي المخففة من الثقيلة

[ 455 ]

وتقديره، وإن كل لجميع لدينا محضرون، ومن قرأ بالتشديد يحتمل شيئين: احدهما - ان يكون بمعنى (إلا) وتقديره وان كل إلا لجميع لدينا محضرون وتكون (إن) بمعنى الجحد، وكأنه جحد دخل على جحد، فخرج إلى معنى الاثبات. ومثله في الاستعمال سألتك لما فعلت، بمعنى الا فعلت. والوجه الثاني - أن يكون معنى (لما) بمعنى (لمن ما) فحذفت احدى الميمات، لاجل التضعيف كما قال الشاعر: غداة طفت علماء بكر بن وائل * وعجنا صدور الخيل نحو تميم اراد على الماء، فحذف لالتقاء المضاعف، وأما (ما) في قوله " وما عملت أيديهم " يحتمل ثلاثة اوجه: احدها - ان يكون بمعنى الجحد. وتقديره ليأكلوا من ثمره، ولم تعمله أيديهم، ويقوى ذلك قوله " أفرايتم ما تحرثون أانتم تزرعونه أم نحن الزارعون " (1). والثاني - ان يكون بمعنى الذي. والثالث - ان يكون مع ما بعده بمعنى المصدر، فعلى هذا يكون في موضع جر، وتقديره ليأكلوا من ثمره ومن الذي عملته أو من عمل ايديهم من انواع الطعوم الذي أنبتوه، والذى غرسوه، ومن الذي يطحنونه ويخبزونه، فمن أثبت الهاء أو حذفها تبع المصاحف، لان المصاحف مختلفة. والهاء عائدة على (ما) و (عملت) صلتها. ومن حذف اختصر، لانها للمفعول به، وكل مفعول يجوز حذفه، كقوله " ما ودعك ربك وما قلي " (2) يريد وما قلاك


(1) سورة 56 المواقعة آية 63 - 64 (2) سورة 93 الضحى آية 3 (*)

[ 456 ]

ومثله " منهم من كلم الله " (1) يريد كلمه الله، وكقوله " أهذا الذى بعث الله رسولا " (2) يريد بعثه الله. يقول الله تعالى منبها للكفار على وجه الاستدلال على وحدانيته بأن يقول " ألم يروا " ومعناه ألم يعلم هؤلاء الكفار " كم اهلكنا قبلهم من القرون " فمعنى (كم) ههنا للتكثير، ويفسرها (من القرون) وتقديره ألم يروا كم قرنا أهلكنا قبلهم من القرون، وموضع (كم) نصب ب‍ (يروا) - في قول الكوفيين، وعند البصريين ب‍ (أهلكنا) على تقدير القرون اهلكنا أو اكثر " انهم إليهم لا يرجعون " ونصب (انهم) لانه مفعول (الم يروا) وكسره الحسن على وجه الاستئناف، ووجه الاحتجاج بذلك هو انه قيل لهم: انظروا لم لا يرجعون فانكم تجدون ذلك في قبضة مالكهم يردهم في الآخرة إذا شاء ردهم، لانه لا يخلو اهلاكهم اما بالاتفاق من غير اضافة أو بالطبيعة أو بحي قادر، ولو كان بالاتفاق أو بالطبيعة لم يمتنع ان يرجعوا إلى الدنيا، فإذا بطل ذلك، ثبت أن إهلاكهم بحي قادر إذا شاء ردهم وإذا شاء لم يردهم. ووجه التذكر بكثرة المهلكين أي انكم ستصيرون إلى مثل حالهم، فانظروا لانفسكم واحذروا أن يأتيكم الا هلاك، وانتم في غفلة عما يراد بكم. والقرون جمع (قرن) وأهل كل عصر يسمى قرنا، لاقترانهم في الوجود والقرن - بكسر القاف - هو المقاوم في الحرب، ومنه قرن الشاة لمقارنته القرن الآخر، وكذلك كل ذى قرنين. وقال قتادة " انهم إليهم لا يرجعون " عاد وثمود، وقرون بين ذلك كثيرة. ثم قال وهؤلاء الذين لا يرجعون كلهم " لدينا محضرون " يوم القيامة يحضرهم الله ويبعثهم ليجازيهم على اعمالهم.


(1) سورة 2 البقرة آية 253 (2) سورة 25 الفرقان آية 41 (*)

[ 457 ]

وقوله * (وآية لهم) * على ذلك أي دلالة وحجة قاطعة * (الارض) * يعني هي الارض * (الميتة) * القحطة المجدبة وهي التي لا تنبت * (احييناها) * بالنبات * (واخرجنا منها حبا فمنه يأكلون) * من انواع ما يأكلون * (وجعلنا فيها) * أي وخلقنا في الارض * (جنات) * يعني بساتين * (من نخيل) * جمع نخل * (واعناب) * جمع عنب * (وفجرنا فيها) * في تلك الجنات * (من العيون) * وهي عيون الماء تنبع فيها وتجري ثم بين انه إنما خلق ذلك * (ليأكلوا من ثمره) * أي غرضنا نفعهم بذلك وانتفاعهم بأكل ثمار تلك الجنات * (وما عملته ايديهم) * أي ولم تعمل تلك الثمار ايديهم إذا (ما) كانت بمعنى النفي، وإذا كانت معناها معنى الذي يكون تقديره، والذي عملته ايديهم من انواع الاشياء المتخذة من النخل والعنب وكثرة منافعه. وقوله * (من ثمره) * رد الكناية إلى احدهما كما قال * (والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله) * (1) كما قال الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف (2) وقوله * (افلا تشكرون) * معناه هلا تشكرونه على هذه النعم التي عددتها. قوله تعالى: * (سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون (36) وآية لهم الليل نسلخ منه النهار فإذا هم مظلمون (37) والشمس تجري لمستقر لها ذلك


(1) سورة 9 التوبة آية 35 (2) مر في 1 / 117، 220، 263 و 5 / 246، 289 (*)

[ 458 ]

تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون) * (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وروح " والقمر قدرناه " رفعا على الاستئناف لان الفعل مشغول بالضمير العائد إلى القمر. وقال أبو علي: الاجود أن يكون رفعا على تقدير وآية لهم القمر قدرناه، لانه اشبه بالجمل قبلها. ومن رفعه بالابتداء جعل (لهم) صفة للنكرة والخبر مضمر، وتقديره " وآية لهم " في المشاهدة أو الوجود، ويكون قوله " الليل نسلخ منه النهار " تفسير للآية. الباقون بالنصب بتقدير فعل مضمر، ما بعده تفسيره، وتقديره: وقدرنا القمر قدرناه. يقول الله تعالى منزها نفسه ومعظما لها ودالا بأنه هو الذي يستحق الحمد بما نبه بقوله " سبحان الذي " أي تنزيها للذي " خلق الازواج كلها " أي تعظيما وتبجيلا له بجميع ما خلق من الازواج، وهي الاشكال، والحيوان على مشاكلة الذكر للانثى، وكذلك النخل والحبوب اشكال، والتين والكرم ونحوه اشكال، فلذلك قال " مما تنبت الارض " يعني من سائر النبات " ومن انفسهم " من الذكر والانثى " ومما لا يعلمون " مما لم يشاهدوه ولم يصل خبره إليهم. ثم قال " وآية لهم " يعني دلالة وحجة على صحة ذلك " الليل نسلخ منه النار " أي نخرج منه النهار " فإذا هم مظلمون " أي داخلون في الظلمة لا ضياء

[ 459 ]

لهم فيه بالشمس، فالسلخ إخراج الشئ من لباسه، ومنه إخراج الحيوان من جلده، يقال سلخ يسلخ سلخا فهو سالخ، ومنه قوله * (فانسلخ منها) * (1) أي فخرج منها خروج الشئ مما لابسه، ثم قال * (والشمس تجري لمستقر لها) * آية اخرى. وقيل في معنى المستقر ثلاثة اقوال: احدها - لانتهاء أمرها عند انقضاء الدنيا. الثاني - قال قتادة: لوقت واحد لها لا تعدوه ولا تختلف. الثالث - إلى ابعد منازلها في الغروب. وقال المبرد معنى * (لمستقر لها) * أي إلى. ومن قال الشمس لا تستقر بل تتحرك أبدا قال معنى * (لمستقر لها) * أنها كلما انتهت إلى منقلب الصيف عادت في الرجوع وإذا بلغت منقلب الشتاء عادت إلى الصعود. ثم قال * (ذلك تقدير العزيز العليم) * أي من قدر الشمس على ذلك إلا القادر الذي لا يضام، العالم بما يفعله ؟، ثم قال * (والقمر قدرناه) * فمن رفع عطف على قوله * (والشمس تجري) * ومن نصب قدر له فعلا يفسره وقوله * (قدرناه منازل) * كل يوم ينزل منزلا غير المنزل الاول لا يختلف حاله إلى ان يقطع الفلك * (حتى عاد كالعرجون القديم) * فالعرجون العذق الذي فيه الشماريخ، فإذا تقادم عهده يبس وتقوس، فشبه به. وقال الفراء: العرجون ما بين الشماريخ إلى المنابت في النخلة من العذق، والقديم الذي اشرف على حول. وقوله * (لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر) * حتى يكون نقصان ضوئها كنقصان القمر، وقال أبو صالح: معناه لا يدرك احدهما ضوء الآخر، وقيل معناه: * (لا الشمس ينبغي لها ان تدرك القمر) * في سرعة سيره * (ولا الليل سابق النهار) * اي ولا يسبق الليل النهار. وقيل: إن احدهما لا يذهب إلى معنى


(1) سورة 7 الاعراف آية 174 (*)

[ 460 ]

الآخر وكل له مقادير قدرها الله عليه. ثم قال * (وكل في فلك يسبحون) * يعني الشمس والقمر والكواكب يسبحون في الفلك. وإنما جمعها بالواو والنون لها أضاف إليها افعال الآدميين. وقيل: الفلك مواضع النجوم من الهواء الذي يجري فيه. ومعنى يسبحون يسيرون فيه بانبساط، وكل ما انبسط في شئ فقد سبح فيه، ومنه السباحة في الماء. قوله تعالى: * (وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (41) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (42) وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون (43) إلا رحمة منا ومتاعا إلى حين (44) وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل المدينة وابن عامر ويعقوب * (ذرياتهم) * على الجمع. الباقون * (ذريتهم) * على التوحيد. يقول الله تعالى ممتنا على خلقه بضروب نعمه، ودالا لهم على وحدانيته بأن حمل ذريتهم في الفلك المشحون. وقيل: معنى * (حملنا ذريتهم) * أي قويناهم وهديناهم، كما يقول القائل: حملني فلان إذا اعطاه ما يحمل عليه أو هداه إلى ما يحمل عليه. ومن جمع (ذرياتهم) فلان كل واحد له ذرية. ومن وحد فلانه لفظ جنس يدل على القليل والكثير، فالحمل منع الشئ أن يذهب إلي

[ 461 ]

جهة السفل، يقال: حمله حملا، فهو حامل والشئ محمول. و (الذرية) فعلية من الذر. وقيل: هو مشتق من (الذرء) الذي هو الخلق. وقد بيناه في ما مضى (1) والفلك السفن، لانها تدور في الماء، ومنه الفلكة لانها تدور بالمغزل والفلك لانه يدور بالنجوم، وفلك ثدي المرأة إذا استدار و (المشحون) المملؤ يقال: شحنت الثغر بالرجال أشحنه شحنا إذا ملاته، ومنه الشحنة، لانه يملا بهم البلد، وإنما خص الذرية - وهم الصبيان والنساء - باللفظ، لانهم لا قوة لهم على السفر كما يقوى الرجال، فسخر الله لهم السفن بما جعلها على الماء وعدل الريح ليمكن الحمل في البحر، وجعل الابل في البر. وقال قتادة والضحاك: المعني بقوله " حملنا ذريتهم في الفلك المشحون " سفينة نوح. و " خلقنا لهم من مثله ما يركبون " قال ابن عباس، وهو قول مجاهد: ان المراد به الابل وهي سفن البر. وقوله " وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم " معناه إنا لو شئنا إذا حملناهم في السفن أن نغرقهم فعلنا " فلا صريخ لهم " أي لا مغيث لهم ولا صارخ بالاستغاثة قال الشاعر: كنا إذا ما اتانا صارخ فزع * كان الصراخ له قرع الطنابيب أي لا شئ اعانته إلا الجد في نصرته، والطنبوب عظم الساق. وقيل: معنى الصريخ المعين عند الصراخ بالاستغاثة، وكأنه قال: لا معين لهم يعينهم عند ذلك " ولا هم ينقذون " أي ولا يخلصون ايضا من الغرق إذا اردناه. وقوله " إلا رحمة منا " معناه إلا أن نرحمهم رحمة منا ونمتعهم " متاعا " ويحتمل إلا لرحمة منا، فيكون مفعولا له، و " إلى حين " أي إلى وقت ما قدرناه


(1) انظر 2 / 441 و 3 / 124 و 4 / 303 و 5 / 32، 48 (*)

[ 462 ]

لاهلاكهم وتقضي آجالهم، ونخلصهم في الحال من اهوال البحر. وقوله " وإذا قيل لهم اتقوا ما بين ايديكم " قال قتادة: معناه ما بين أيديكم من عذاب الله لمن خلا قبلكم اتقوا مثله باجتناب معاصيه " وما خلفكم " من أمر الساعة " لعلكم ترحمون " لكي ترحموا عند ذلك وحذف الجواب، كأنه إذا قيل: لهم هذا اعرضوا. وقال مجاهد: معنى " ما بين ايديكم " هو ما يأتي من الذنوب اجتنبوه في المستقبل " وما خلفكم " يعني ما مضى من ذنوبكم تلافوه بالتوة لترحموا. قوله تعالى: * (وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (46) وإذا قيل لهم أنفقوا مما رزقكم الله قال الذين كفروا للذين آمنوا أنطعم من لو يشاء الله أطعمه إن أنتم إلا في ضلال مبين (47) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (48) ما ينظرون إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون (49) فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون) * (50) خممس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو " يخصمون " بفتح الخاء وتشديد الصاد إلا أن أبا عمرو يختلس حركة الخاء. وقرأ نافع - بفتح الياء وتسكين الخاء مشدد الصاد - يجمع بين ساكنين. وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي - بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد - وقرأ حمزة - بفتح الياء وتسكين الخاء وتخفيف الصاد -

[ 463 ]

فمعنى هذه القراءة: وهم يخصمون عند انفسهم في دفع النشأة الثانية والقراءتان الاوليتان بمعنى يختصمون، فأدغمت الياء في الصاد بعد أن اسكنت. فمن أسكن الخاء، فلانها في الاصل ساكنة، ومن فتحها نقل حركة الياء إليها. ومن كسر الخاء اتبع كسرتها كسرة الصاد. وفي القراء من كسر الياء اتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا يهدي، وهو يجئ عن أبي بكر. يقول: الله تعالى مخبرا عن عناد هؤلاء الكفار وشدة جهلهم بأنه * (ما تأتيهم من آية) * أي دلالة وحجة من حجج الله و (من) تزاد في النفي إذا أريد بها الاستغراق، كقولهم: ما جاءني من احد ومعناه ما جاءني احد. و (من) الثانية للتبعيض، لانه ليس كل آيات الله جاءتهم، غير انه تعالى قال ليس تأتيهم من آية أي أي آية كانت * (من آيات ربهم إلا كانوا) * هؤلاء الكفار * (عنها معرضين) * أي ذاهبين عنها وتاركين لها ومعرضين عن النظر فيها، وكل من اعرض عن الداعي إلى كتاب الله وآياته التي نصبها لعباده ليعرفوه بها فقد ضل عن الهدى وخسر الدنيا والآخرة. ثم اخبر تعالى انه إذا قيل لهم: ايضا * (انفقوا مما رزقكم الله) * في طاعته واخرجوا ما اوجب الله عليكم في أموالكم - من الزكوات وغيرها وضعوها في مواضعها * (قال الذين كفروا) * بوحدانية الله وجحدوا ربوبيته وكذبوا بنبوة نبيه * (انطعم من لو يشاء الله أطعمه) * احتجاجا منهم في منع الحقوق، بأن يقولوا كيف نطعم من الله قادر على أطعامه ؟ ! ولو شاء إطعامه أطعمه، فإذا لم يطعمه دل على انه لم يشأ إطعامه فنحن إذا أحق بذلك. وذهب عليهم أن الله تعبدهم بذلك، لما فيه من المصلحة واللطف في فعل الواجبات وترك المقبحات، فلذلك كلفهم إطعام غيرهم. و (الرزق) هو ما خلق الله لخلقه لينتفعوا به على وجه

[ 464 ]

لا يكون لاحد منعه منه فعلى هذا الوجه لا يكون الحرام رزقا، فان الله تعالى قد منع منه بالنهي وقد سمي رزقا ما يصلح للانتفاع به مجازا، فعلى هذا ليس كل ما رزقه الله العبد جعل له الانفاق منه والتصرف فيه، وعلى الاول - وهو الاصح - جعل له ذلك. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله قل لهم يا محمد * (إن انتم إلا في ضلال مبين) * أي ليس لكم هداية وما انتم إلا في ذهاب عن الحق وعدول عنه بين، فعلى هذا قول من قال: هو من قول الله تعالى صحيح. وقال قوم: هو من قول المشركين كأنهم لما قالوا: انطعم من لو يشاء الله اطعمه ؟ قالوا لرسله ليس انتم إلا في ضلال مبين في ما تدعونا إليه. ثم اخبر تعالى عن الكفار انهم * (يقولون متى هذا الوعد) * الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا استهزاء بخبره صلى الله عليه واله وخبر المؤمنين وتجريا على الله * (إن كنتم صادقين) * في ما تدعونا إليه وتخوفونا منه. فقال الله تعالى في جوابهم * (ما ينظرون) * أي لا ينتظرون * (إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون) * في هل ينزل العذاب بهم أم لا ؟ وإنما جعلهم منتظرين لما قالوا: متى هذا الوعد، لان من يلتمس الوعد يكون متنظرا لما وعد به * (تأخذهم) * في حال خصامهم * (فلا يستطيعون توصية) * أي لا يقدر بعضهم على ان يوصي إلى بعض * (ولا إلى اهلهم يرجعون) * أي لا يردون إلى اهلهم فيوصون إليهم. والصيحة التي تأخذهم هي الصيحة الاولى في الدنيا عند قيام الساعة * (تأتيهم بغتة) * والرجل يسقي أبله وآخر يبيع سلعته على عادتهم في تصرفاتهم، فإذا اخذتهم ونزلت بهم لم يستطيعوا توصية ولم يرجعوا إلى أهلهم للمعاجلة، وروي عن النبي صلى الله عليه واله انه قال (هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين).

[ 465 ]

قوله تعالى: * (ونفخ في الصور فاذهم من الاجداث إلى ربهم ينسلون (51) قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (52) إن كانت إلا صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا محضرون (53) فاليوم لا تظلم نفس شيئا ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون (54) إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون (55) هم وأزواجهم في ظلال على الارائك متكؤن (56) لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون (57) سلام قولا من رب رحيم (58) وامتازوا اليوم أيها المجرمون (59) ألم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين) * (60) عشر آيات بلا خلاف قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو " في شغل " خفيفة. الباقون بضم الغين مثقلة " وهما لغتان. وقرأ أبو جعفر " فكهون " بغير ألف حيث وقع، وافقه حفص والداحوني عن ابن ذكوان في (المطففين). وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " في ضلل " على انه جمع ظلة مثل ظلمة وظلم وتحفة وتحف، الباقون " في ظلال " مثل برمة وبرام، وقلة وقلال. وقيل: هو جمع ظل وضلال، وهو الكن، كما

[ 466 ]

قال * (يتفيؤ ظلاله) * (1) وقال أبو عبيدة: هو جمع الظل أظلال. يقول الله تعالى مخبرا * (ونفخ في الصور) * وقيل: إن الصور قرن ينفخ فيه إسرافيل فيخرج من جوفه صوت عظيم يميل العباد إليه، لانه كالداعي لهم إلى نفسه. وقال أبو عبيدة: الصور جمع صورة مثل بسرة وبسر، ولو جعلوه مثل (ظلمة، وظلم) لقالوا: صور بفتح الواو، وهو مشتق من الميل، صاره يصوره صورا إذا أماله ومنه قوله * (فصرهن اليك) * (2) أي أملهن اليك ومنه الصورة، لانها تميل إلى مثلها بالمشاكلة. وقوله * (فإذا هم من الاجداث) * وهو جمع جدث، وهو القبر، فلغة اهل العالية بالثاء، ولغة أهل السافلة بالفاء يقولون: جدف إلى ربهم ينسلون أي يسرعون والنسول الاسراع في الخروج كما قال الشاعر: عسلان الذئب أمسى قاربا * برد الليل عليه فنسل (3) يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: وإن تك قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (4) وقال قتادة: الموتة بين النفختين. ثم حكى ما يقول الخلائق إذا حشروا، فانهم * (يقولون يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) * أي من حشرنا من منامنا الذي كنا فيه نياما، ثم يقولون * (هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون) * في ما أخبرونا عن هذا المقام وعن هذا البعث. فان قيل: هذا ينافي قول المسلمين الذين يقولون: الكافر يعذب في قبره، لانه لو كان معذبا لما كان في المنام !. قيل: يحتمل ان يكون العذاب في القبر ولا يتصل إلى يوم البعث، فتكون النومة


(1) سورة 16 النحل آية 48 (2) سورة 2 البقرة آية 260 (3 و 4) مر في 7 / 279 (*)

[ 467 ]

بين الحالين. يحتمل لو كان متصلا أن يكون ذلك عبارة عن عظم ما يشاهدونه ويحضرون فيه يوم القيامة، فكأنهم كانوا قبل ذلك في مرقد، وإن كانوا في عذاب لما كان قليلا بالاضافة إلى الحاضر. وقال قتادة: قوله * (هذا ما وعد الرحمن) * حكاية قول المؤمن. وقال ابن زيد والجبائي: هو قول الكفار، وهو أشبه بالظاهر، لانه تعالى حكى عنهم انهم يقولون: يا ويلنا، والمؤمن لا يدعو بالويل لعلمه بماله من نعيم الجنة. وقال الفراء: هو من قول الملائكة. وقال تعالى مخبرا عن سرعة بعثهم وسرعة اجتماعهم * (إن كانت إلا صيحة واحدة) * والمعنى ليست المدة إلا مدة صيحة واحدة * (فإذا هم جميع لدينا محضرون) * ثم حكى تعالى ما يقوله - عزل وجل - يومئذ للخلائق فانه يقول لهم * (فاليوم لا تظلم نفس شيئا) * أي لا ينقص من له حق من حقه شيئا من ثواب أو عوض أو غير ذلك، ولا يفعل به مالا يستحقه من العقاب بل الامور جارية على العدل * (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون) * ومعناه لا يجازى الانسان إلا على قدر عمله، إن كان عاملا بالطاعة جوزي بالثواب. وإن كان عاصيا جوزي بالعقاب على قدر عمله من غير زيادة عليه ولا نقصان، إلا أن يتفضل الله باسقاط عقابه. ثم قال تعالى * (إن اصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون) * يعني يشغلهم النعيم الذي يغمرهم بسرورهم به عن غيره. وقال ابن مسعود وابن عباس: الشغل كناية عن افتضاض الابكار. وقيل استماع الالحان * (فاكهون) * قال ابن عباس: معناه فرحون. وقال مجاهد: عجبون، وقيل: ذو فاكهة، كما يقال لاحم شاحم أي ذو لحم وشحم، وعاسل ذو عسل، قال الحطيئة:

[ 468 ]

وعززتني وزعمت انك لابن في الصيف تامر (1) أي ذو لبن وتمر. وقيل: فاكه وفكه مثل حاذر وحذر. والفكه الذي يتمرى بالشئ. ثم اخبر عن حال أهل الجنة فقال * (هم وأزواجهم في ظلال على الارائك) * فالازواج جمع زوجة وهي حرة الرجل الذي يحل له وطؤها. ويقال للمرأة زوج ايضا بغير هاء في الموضع الذي لا يلتبس بالذكر، والظلال الستار عن وهج الشمس وسمومها، فاهل الجنة في مثل ذلك الحال في الطيبة من الظلال الذي لا حر فيه ولا برد. وقيل: الظل الكن وجمعه ظلال. وقيل هو جمع ظلة وظلال، مثل قلة وقلال، ومن قرأ ظلل، فعلى وزن ظلمة وظلم، وقلة وقلل. والارائك جمع أريكة وهي الوسادة، وجمعها وسائد، ويجمع أيضا أرك كقولهم سفينة وسفن وسفائن، وهذه جلسة الملوك العظماء من الناس. وقيل الارائك الفرش، قال ذو الرمة: خدودا جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الارائك (2) وقال عكرمة وقتادة: الارائك الحجال على السرر * (متكئون) * فمتكئ مفتعل من توكأت، إلا أن الواو أبدلت تاء. ثم قال * (لهم فيها) * في الجنة * (فاكهة، ولهم ما يدعون) * أي ما يتمنون، وقال أبو عبيدة: يقول العرب: ادع على ما شئت أي تمن ما شئت، وقيل: معناه إن من ادعى شيئا فهو له بحكم الله تعالى، لانه قد هذبت طباعهم، فلا يدعون إلا ما يحسن منهم. وقوله * (سلام قولا من رب رحيم) * معناه ولهم سلام قولا من رب رحيم


(1) مجاز القرآن 2 / 164 (2) مجاز القرآن 1 / 401 و 2 / 164 (*)

[ 469 ]

يسمعونه من الله تعالى ويؤذنهم بدوام الامن والسلامة ودوامهما مع سبوغ النعمة والكرامة. ثم يقول للعصاة * (أمتازوا اليوم أيها المجرمون) * ومعناه انفصلوا معاشر العصاة وامتازوا، الذين اجترموا وارتكبوا من المعاصي من جملة المؤمنين، وقال قتادة: معناه اعتزلوا معاشر العصاة عن كل خير، يقال تميز الشئ تميزا، وميزته تمييزا، وأنماز انميازا. ثم حكى ما يقول تعالى لهم فانه يقول لهم * (ألم اعهد اليكم يا بني آدم) * يعني على لسان أنبيائه * (ان لا تعبدوا الشيطان) * فجعل عبادتهم للاوثان بأمر الشيطان عبادة له * (إنه لكم عدو مبين) * أي، وقلت لكم أن الشيطان لكم عدو مبين أي ظاهرة عداوته لكم. قوله تعالى: * (وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (61) ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (62) هذه جهنم التي كنتم توعدون (63) اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون (64) أليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون) * (65) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي وخلف ورويس * (جبلا) * بضم الجيم والباء خفيفة اللام. وقرأ نافع وابو جعفر وعاصم بكسر الجيم والباء مشددة. وقرأ أبو عمرو وابن عامر بضم الجيم ساكنة الباء خفيفة. هذه كلها لغات

[ 470 ]

والمعنى واحد. قال النوري يقال: جبلا وجبلا وجبلا وجبلا. وحكى غيره التشديد. لما حكى الله تعالى ما يقوله الكفار يوم القيامة ويواقفهم عليه من انه عهد إليهم أن لا تعبدوا الشيطان وانه عدوهم، حكى انه كان أمرهم أيضا بأن يعبدوا الله وأن عبادته صراط مستقيم، فوضف عبادته تعالى بأنه طريق مستقيم من حيث كان طريقا مستقيما إلى الجنة. وانه لا تخليط فيه ولا تعريج. ثم قال * (ولقد أضل منكم) * يعني أضل عن الدين الشيطان منكم * (جبلا كثيرا) * أي خلقا كثيرا وإضلاله إياهم هو إغواؤه لهم، كما أضل السامري قوم موسى لما دعاهم إلى عبادة العجل، فكان الاضلال على هذا الوجه قبيحا، فأما إضلال الله تعالى للكفار عن طريق الجنة إلى طريق النار أو إضلالهم بمعنى الحكم عليهم بالضلال، فهو حسن. وأمر الشيطان بالضلال الذي يقع معه القبول إضلال كما يسمى الامر بالاهتداء الذي يقع عنده القبول هدى. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في إرادة الله اضلالهم، لان ذلك اضر عليهم من إرادة الشيطان واشد عليهم في إيجاد العداوة قبل أن يكفروا. و (الجبل) الجمع الذين جبلوا على خليقة، وجبلوا أي طبعوا. وأصل الجبل الطبع ومنه جبلت التراب بالماء إذا صيرته طينا يصلح أن يطبع فيه، ومنه الجبل لانه مطبوع على الثبات * (افلم تكونوا تعقلون) * أنه يغويكم ويصدكم عن دين الحق فتنتبهون عليه، فهو بصورة الاستفهام ومعناه الانكار عليهم والتبكيت لهم. ثم يقول الله لهم * (هذه جهنم التي كنتم توعدون) * بها في دار التكليف حاضرة تشاهدونها * (اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون) * معناه الزموا العذاب

[ 471 ]

بها، وأصل الصلو اللزوم فمنه المصلي الذي يجئ في أثر السابق للزومه أثره والصلوان مكتنفا ذنب الفرس للزومها وموضعها. وقولهم: صلى على عادتها للزومه الدعاء، وسميت الصلاة صلاة للزوم الدعاء فيها. وقوله * (بما كنتم تكفرون) * أي جزاء على كفركم بالله وجحدكم لوحدانيته وتكذيبكم انبياءه. ثم اخبر تعالى بأنه يختم على افواه الكفار يوم القيامة فلا يقدرون على الكلام والنطق " وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون " قيل: في معنى شهادة الايدى قولان: احدهما - إن الله تعالى يخلقها خلقة يمكنها أن تتكلم وتنطق وتعترف بذنوبها والثاني - انه يجعل الله فيها كلاما ونسبه إليها لما ظهر من جهتها، وقال قوم: انه يظهر فيها من الامارات ما تدل على ان اصحابها عصوا وجنوا بها أقبح الجنايات فسمى ذلك شهادة، كما يقال: عيناك تشهد لسهرك، وقال الشاعر: امتلا الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملات بطني (1) وغير ذلك مما قد بيناه في ما تقدم، وكل ذلك جائز، وقال آخر: وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحدرتا كالدر لما يثقب (2) قوله تعالى: * (ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستقبوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا


(1) مر في 1 / 431 (2) مر في 1 / 43 و 6 / 45 (*)

[ 472 ]

مضيا ولا يرجعون (67) ومن نعمده ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (68) وما علمناه الشعر وما ينبغي له إن هو إلا ذكر وقرآن مبين (69) لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (70) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو بكر عن عاصم * (مكاناتهم) * على الجمع. الباقون على التوحيد، لانه يدل على القليل والكثير. وقرأ عاصم وحمزة * (ننكسه) * بضم النون الاولى وفتح الثانية وتشديد الكاف. الباقون بفتح النون الاولى وتخفيف الثانية وتخفيف الكاف، وهما لغتان تقول: نكست ونكست مثل رددت ورددت غير ان التشديد للتكثير، والتخفيف يحتمل القليل والكثير، وقال أبو عمرو بالتشديد إن ترك الرجل من دأبه، وبالتخفيف ان يرده إلى ارذل العمر، ففرق بينهما. وقرأ نافع وابوا جعفر والداحوني عن هشام والنقار ويعقوب * (أفلا تعقلون) * بالتاء. الباقون بالياء، والاول على الخطاب، والثاني على الخبر عن الغائب. وقرأ اهل المدينة وابن عامر " لتنذر " بالتاء. الباقون بالياء. يقول الله تعالى مخبرا عن قدرته على إهلاك هؤلاء الكفار الذين جحدوا وحدانيته وعبدوا سواه وجحدوا رسله إنا * (لو نشاء لطمسنا على أعينهم) * قال ابن عباس: معناه إنا لو شئنا أعميناهم عن الهدى. وقال الحسن وقتادة: معناه لتركناهم عميا يترددون والطمس محو الشئ حتى يذهب أثره، فالطمس على العين كالطمس على الكتاب، ومثله الطمس على المال: إذهابه حتى لا يقع على إدراكه * (فاستبقوا الصراط) * ومعناه طلبوا النجاة. والسبق إليها ولا بصر

[ 473 ]

لهم * (فانى تبصرون) وقيل: معناه فاستبقوا الطريق إلى منازلهم فلم يهتدوا إليها. وقال ابن عباس: معناه طلبوا طريق الحق وقد عموا عنها. والطمس على العين إذهاب الشق الذي بين الجفنتين، كما تطمس الريح الاثر يقال أعمى مطموس، وطمس أي عمي * (فاستبقوا) * معناه فابتدروا، وهذا بيان من الله أنهم في قبضته، وهو قادر على ما يريد بهم، فليحذروا تنكيله بهم. ثم قال زيادة في التحذير والارهاب * (ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم) * والمسخ قلب الصورة إلى خلقة مشوهة كما مسخ قوما قردة وخنازير، والمسخ نهاية التنكيل. وقال الحسن وقتادة: معناه لمسخناهم على مقعدهم على أرجلهم والمكانة والمكان واحد، ولو فعلنا بهم ذلك * (فما استطاعوا مضيا) * أي لما قدروا أن يذهبوا أصلا ولا أن يجيئوا ثم قال * (ومن نعمره ننكسه في الخلق) * معناه إن من طولنا عمره نصيره بعد القوة إلى الضعف وبعد زيادة الجسم إلى النقصان وبعد الجدة والطراوة إلى البلى والخلاقة. وقيل معناه: نصيره ونرده إلى حال الهرم التي تشبه حال الصبي وغروب العلم وضعف القوى ذكره قتادة. وقوله * (افلا تعقلون) * يعني ما ذكرناه بأن تفكروا فيه فتعرفوا صحة ما قلناه. ثم اخبر تعالى عن نبيه صلى الله عليه واله فقال * (وما علمناه الشعر وما ينبغي له) * ومعناه ما علمناه الشعر لانا لو علمناه ذلك لدخلت به الشبهة على قوم في ما اتي به من القرآن وأنه قدر على ذلك لما في طبعه من الفطنة للشعر. وقيل: لما لم يعط الله نبيه العلم بالشعر وإنشائه لم يكن قد علمه الشعر، لانه الذي

[ 474 ]

يعطي فطنة ذلك من يشاء من عباده. ثم قال * (إن هو إلا ذكر وقرآن مبين) * يعنى ليس الذي أنزلناه عليه شعرا بل ليس إلا ذكر من الله * (وقرآن مبين لتنذر به) * يعني واضح، وفعلنا ذلك وغرضنا أن تنذر به أي تخوف به من معاصي الله * (من كان حيا) * قيل: معناه من كان مؤمنا، لان الكافر شبهه ومثله بالاموات في قوله * (أموات غير أحياء) * (1) ويقويه قوله * (ويحق القول على الكافرين) * ويجوز أن يكون أراد من كان حيا عاقلا دون من كل جمادا لا يعقل، ويحق القول على الكافرين إذا لم يقبلوه وخالفوا فيه. ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه واله لانه الذي يخوف. ومن قرأ بالياء معناه إن الله الذي يخوفهم ويرهبهم بالقرآن، لانه الذي أنشأه، ويجوز أن يكون القرآن هو الذي ينذر من حيث تضمن الانذار. قوله تعالى: * (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون (71) وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون (72) ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون (73) واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون (74) لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون) * (76) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى منبها لخلقه على الاستدلال على معرفته * (اولم يروا) *


(1) سورة 16 النحل آية 21 (*)

[ 475 ]

ومعناه أو لم يعلموا * (أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما) * ومعناه إنا عملناه من غير أن نكله إلى غيرنا، فهو بمنزلة ما يعمله العباد بأيديهم في انهم تولوا فعله ولم يكلوه إلى غيرهم، وتقديره انا تولينا خلق الانعام لهم بأنفسنا. والانعام جمع النعم، وهي الابل والبقر والغنم * (فهم لها مالكون) * معناه. لو لم يخلق ذلك لما صح ملكهم لها، وكذلك سائر أملاك العباد بهذه الصفة فهو المنعم على عباده بكل ما ملكوه، وبحسب ما ينتفعون به يكون حاله حال المنعم. واليد في اللغة على أربعة أقسام: احدهما - الجارحة. والثاني - النعمة. والثالث - القوة. والرابع - بمعنى تحقيق الاضافة. تقول: له عندي يد بيضاء أي نعمة، وتلقى قولي باليدين أي بالقوة والتقبل، وقول الشاعر: دعوت لما نابني مسورا * فلبى فلبى يدي مسور فهذا بمعنى تحقيق الاضافة. وتقول هذا ما جنت يدك، وما كسبت يدك أي ما كسبت أنت. وقوله * (وذللناها لهم) فتذليل الانعام تسخيرها بالانقياد ورفع النفور لان الوحشي من الحيوان نفور، والانسي مذلل بما جعله الله فيه من الانس والسكون، ورفع عنه من الاستيحاش والنفور. وقوله * (فمنها ركوبهم ومنها يأكلون) * قسمة الانعام، فان الله تعالى جعل منها ما يركب ومنها ما يذبح وينتفع بلحمه ويؤكل، فالركوب - بفتح الراء - صفة. يقال: دابة ركوب أي تصلح للركوب، والركوب - بضم الراء - مصدر ركبت. وقرأت عائشة * (فمنها ركوبتهم) * مثل الحلوبة. وقوله * (ولهم فيها منافع ومشارب) * فمن منافعها لبس اصوافها وشرب ألبانها واكل لحومها وركوب ظهورها إلى غير ذلك من انواع المنافع الكثيرة فيها. ثم قال * (أفلا تشكرون) * الله على هذه

[ 476 ]

النعم المختلفة المتقنة. ثم اخبر عن حال الكفار فقال * (واتخذوا من دون الله آلهة لعلهم ينصرون) * يعبدونها لكي ينصروهم. ثم قال تعالى * (فلا يستطيعون نصرهم) * يعني هذه الآلهة التي اتخذوها وعبدوها لا تقدر على نصرهم والدفع عنهم ما ينزل بهم من عذاب الله * (وهم لهم جند محضرون) * ومعناه إن هذه الآلهة معهم في النار محضرون، لان كل حزب مع ما عبد من الاوثان في النار، كما قال * (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) * إلا من استثناه بقوله * (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون) * (1) فاما الاصنام فان الله تعالى يجعلها مع من عبدها في النار، فلا الجند يدفعون عنها الاحراق بالنار ولا هم يدفع عنهم العذاب. وقال قتادة: يعني وهم لهم جند محضرون أي وهم يغضبون للاوثان في الدنيا. قوله تعالى: * (فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) أو لم ير الانسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (77) وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم (78) قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم (79) الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا


(1) سورة 21 الانبياء آية 98 - 101 - 102 (*)

[ 477 ]

أنتم منه توقدون (80) أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم (81) إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (82) فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ وإليه ترجعون) * (83) ثمان آيات بلا خلاف. قرأ رويس * (يقدر) * بالياء وجعله فعلا مستقبلا. وقرأ الكسائي وابن عباس * (فيكون) * نصبا عطفا على * (أن نقول.... فيكون) * الباقون بالرفع بتقدير، فهو يكون. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله على وجه التسلية له عن تكذيب قومه إياه، فقال * (فلا يحزنك قولهم) * وضم الياء نافع، وحزن وأحزن لغتان. والحزن ألم القلب بما يرد عليه مما ينافي الطبع، ومثله الغم، وضده السرور والفرح والمعني في صرف الحزن عن النبي صلى الله عليه واله في كفر قومه هو أن ضرر كفرهم عائد عليهم، لانهم يعاقبون به دون غيرهم. ثم قال * (انا نعلم ما يسرون وما يعلنون) * أي ما يظهرونه وما يبطنونه فنجازي كلا منهم على قدره لا يخفى علينا شئ منها. ثم قال منبها لخلقه على الاستدلال على صحة الاعادة والنشأة الثانية، فقال * (أولم ير الانسان) * ومعناه أولم يعلم * (أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) * ومعناه إنا نقلناه من النطفة إلى العلقة ومن العلقة إلى المضغة ومن المضغة إلى العظم ومن العظم إلى أن جعلناه خلقا سويا وجعلنا فيه الروح وأخرجناه من بطن أمه وربيناه ونقلناه من حال إلى حال إلى أن كمل عقله وصار متكلما خصيما عليما،

[ 478 ]

فمن قدر على جميع ذلك كيف لا يقدر على الاعادة، وهي أسهل من جميع ذلك ؟ ! ولا يجوز أن يكون خلق الانسان ولا خالق له، ولا أن يكون واقعا بالطبيعة، لانها في حكم الموات في أنها ليست حية قادرة، ومن كان كذلك لا يصح منه الفعل ولا أن يكون كذلك بالاتفاق لان المحدث لابد له من محدث قادر وإذا كان محكما فلابد من كونه عالما. وفي الآية دلالة على صحة استعمال النظر، لان الله تعالى أقام الحجة على المشركين بقياس النشأة الثانية على النشأة الاولى، وأنه يلزم من أقر بالاولى أن يقر بالثانية. ثم حكى تعالى عن بعض الكفار انه * (ضرب لنا) * أي ضرب لله * (مثلا ونسي خلقه) * كيف كان في الابتداء * (فقال من يحيي العظام وهي رميم) * فقال قتادة، ومجاهد: كان القائل ابي بن خلف. وقال سعيد بن جبير: هو العاص بن وابل السهمي. وقال ابن عباس: هو عبد الله بن أبي ابن سلول. وقال الحسن: جاء أمية إلى النبي صلى الله عليه واله بعظم بال قد بلي، فقال يا محمد أتزعم ان الله يبعث هذا بعدما بلي !. قال: نعم، فنزلت الآية. والرميم هو البالي، فقال الله تعالى في الرد عليه * (قل) * يا محمد لهذا المتعجب من الاعادة * (يحييها الذي انشأها أول مرة) * لان من قدر على الاختراع لما يبقى من غير تغيير عن صفة القادر، فهو على اعادته قادر لا محالة * (وهو بكل خلق عليم) * أي عالم بكل جنس من أجناس الخلق. ثم وصف نفسه فقال * (الذي جعل لكم من الشجر الاخضر نارا فإذا انتم منه توقدون) * فبين أن من قدر على ان يجعل في الشجر الا حضر الذي هو في غاية الرطوبة نارا حامية مع تضاد النار للرطوبة حتى إذا احتاج الانسان حك بعضه ببعض وهو

[ 479 ]

المزح والعفار وغير ذلك من انواع الشجر فيجرج منه النار وينقدح، فمن قدر على ذلك لا يقدر الاعادة ؟ ! ثم نبههم على دليل آخر فقال * (أو ليس الذي خلق السموات والارض بقادر على ان يخلق مثلهم) * ومعناه من قدر على اختراع السموات والارض كيف لا يقدر على أمثاله ؟ ! وقد ثبت أن من شأن القادر على الشئ أن يكون قادرا على جنس مثله وجنس ضده. ودخول الباء في خبر (ليس) لتأكيد النفي. ثم قال تعالى مجيبا عن هذا النفي فقال * (بلى وهو الخلاق العليم) * أي هو خالق لذلك عالم بكيفية الاعادة. ثم قال تعالى * (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون) * والمعنى بذلك الاخبار عن سهولة الفعل عليه وانه إذا اراد فعل شئ فعله بمنزلة ما يقول للشئ كن فيكون في الحال، وهو مثل قول الشاعر: وقالت له العينان سمعا وطاعة * وحدرتا كالدر لما يثقب (1) وإنما اخبر عن سرعة دمعه دون ان يكون قبولا على الحقيقة. * (فسبحان الذي بيده ملكوت كل شئ) * ومعناه تنزيها له عن نفي القدرة على الاعادة وغير ذلك مما لا يليق به الذي يقدر على الملك، وفيه مبالغة * (واليه ترجعون) * يوم القيامة الذي لا يملك فيه الامر والنهي سواه، فيجازيكم على قدر اعمالكم من الطاعات والمعاصي بالثواب والعقاب.


(1) مر في 1 / 431 و 6 / 45 و 8 / 471 (*)

[ 480 ]

37 - سورة الصافات مكية في قول مجاهد وقتادة والحسن وهي مئة واثنان وثمانون آية في المدنيين وإحدى وثمانون في البصري وليس فيها ناسخ ومنسوخ. بسم الله الرحمن الرحيم * (والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا (3) إن إلهكم لواحد (4) رب السموات والارض وما بينهما ورب المشارق (5) إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) لا يسمعون إلى الملاء الاعلى ويقذفون من كل جانب (8) دحورا ولهم عذاب واصب (9) إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب) * (10) عشر آيات بلا خلاف. ادغم أبو عمرو - إذا أدرج - التاء في الصاد، والتاء في الزاي، والتاء في الذال في قوله * (والصافات صفا فالزاجرات زجرا فالتاليات ذكرا) * لقرب

[ 481 ]

مخرجهما إذا كانا من كلمتين، وافقه حمزة في جميع ذلك. الباقون بالاظهار لان قبل التاء حرفا ساكنا، وهو الالف، لان مخارجها متغايرة. وقرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر * (بزينة الكواكب) * ولذلك كان يجوز أن يقرأ برفع الكواكب غير أنه لم يقرأ به أحد، ولو قرئ به لجاز. وقرأ أبو بكر عن عاصم * (بزينة) * منونا * (الكواكب) * نصبا على معنى تزييننا الكواكب. الباقون * (بزينة) * منونا * (الكواكب) * خفضا على البدل، وهو بدل الشئ من غيره، وهو بعينه، لان الزينة هي الكواكب، وهو بدل المعرفة من النكرة، ومثله قوله * (لنسفعا بالناصية ناصية) * (1) فابدل النكرة من المعرفة. وقرأ الكسائي وحمزة وخلف وحفص عن عاصم * (لا يسمعون) * بالتشديد، وأصله لا يتسمعون، فأدغم التاء في السين. الباقون بالتخفيف لان معنى سمعت إلى فلان وتسمعت إلى فلان واحد. وإنما يقولون تسمعت فلانا بمعنى أدركت كلامه بغير (إلى). ومن شدد كرر، لئلا يشتبه. قال ابن عباس: كانوا لا يتسمعون ولا يسمعون. هذه اقسام من الله تعالى بالاشياء التي ذكرها، وقد بينا أن له تعالى أن يقسم بما شاء من خلقه، وليس لخلقه أن يحلفوا إلا بالله. وقيل إنما جاز أن يقسم تعالى بهذه الاشياء، لانها تنبئ عن تعظيمه بما فيها من القدرة الدالة على ربها. وقال قوم: التقدير: ورب الصافات، وحذف لما ثبت من أن التعظيم بالقسم لله. وجواب القسم قوله * (إن الهكم لواحد) * وقال مسروق وقتادة والسدي: إن الصافات هم الملائكة مصطفون في السماء


(1) سورة 96 العلق آية 15 (*)

[ 482 ]

يسبحون الله. وقيل: صفوف الملائكة في صلاتهم عند ربهم - ذكره الحسن - وقيل: هم الملائكة تصف أجنحتها في الهواء واقفة حتى يأمرها الله بما يريد، كما قال * (وإنا لنحن الصافون) * (1) وقال أبو عبيدة: كل شئ من السماء والارض لم يضم قطريه فهو صاف، ومنه قوله * (والطير صافات) * (2) إذا نشرت أجنحتها، والصافات جمع الجمع، لانه جمع صافة. وقوله * (فالزاجرات زجرا) * قال السدي ومجاهد: هم الملائكة يزجرون الخلق عن المعاصي زجرا يوصل الله مفهومه إلى قلوب العباد، كما يوصل مفهوم اغواء الشيطان إلى قلوبهم ليصح التكليف، وقيل: إنها تزجر السحاب في سوقها. وقال قتادة: * (الزاجرات زجرا) * آيات القرآن تزجر عن معاصي الله تعالى، والزجر الصرف عن الشئ لخوف الذم والعقاب، وقد يكون الصرف عن الشئ بالذم فقط على معنى انه من فعله استحق الذم. وقوله * (فالتاليات ذكرا) * قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - قال مجاهد والسدي: هم الملائكة تقرأ كتب الله. وقال قتادة: هو ما يتلى في القرآن. وقال قوم: يجوز أن يكون جماعة الذين يتلون القرآن. وإنما قال * (فالتاليات ذكرا) * ولم يقل تلوا، كما قال * (فالزاجرات زجرا) * لان التالي قد يكون بمعنى التابع تقول: تلوت فلانا إذا تبعته بمعنى جئت بعده، ومنه قوله * (والقمر إذا تلاها) * (3) فلما كان مشتركا، بينه بما يزيل الابهام، وكل هذه اقسام على أن الآله الذي يستحق العبادة واحد لا شريك له. وقوله * (رب السموات والارض وما


(1) آية 165 من هذا السورة (2) سورة 24 النور آية 41 (3) سورة 91 الشمس آية 2 (*)

[ 483 ]

بينهما ورب المشارق) * معناه إن إلهكم الذي يستحق العبادة واحد وهو الذي خلق السموات والارض وما بينهما من سائر الاجناس من الحيوان والنبات والجماد * (ورب المشارق) * ومعناه ويملك التصرف فيها، والمشارق هي مشارق الشمس، وهي مطالعها بعدد ايام السنة ثلاثمائة وستون مشرقا وثلاثمائة وستون مغربا، ذكره السدي. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال * (إنا زينا السماء الدنيا) * والتزبين التحسين للشئ وجعله صورة تميل إليها النفس، فالله تعالى زين السماء الدنيا على وجه يمتع الرائي لها، وفي ذلك النعمة على العباد مع ما لهم فيها من المنفعة بالفكر فيها والاستدلال على صانعها. والكواكب هي النجوم كالبدر والسماء بها زينة قال النابغة. بانك شمس والملوك كواكب * إذا طلعت لم يبق منهن كوكب وقوله * (وحفظا من كل شيطان مارد) * معناه وحفظناها حفظا. والحفظ المنع من ذهاب الشئ، ومنه حفظ القرآن بالدرس المانع من ذهابه. والمارد الخارج إلى الفساد العظيم، وهو وصف للشياطين وهم المردة، واصله الانجراد، ومنه الامرد، والمارد المتجرد من الخير، وقوله * (لا يسمعون) * من شدد أراد لا يتسمعون وأدغم التاء في السين، ومن خفف أراد ايضا لا يتسمعون في المعنى * (إلى الملا الاعلى) * يعني الملائكة الذين هم في السماء وقوله * (ويقذفون من كل جانب) * معناه يرمون بالشهب من كل جانب إذا ارادوا الصعود إلى السماء للاستماع * (دحورا) * أي دفعا لهم بعنف، يقال: دحرته دحرا ودحورا، وانما جاز أن يريدوا استراق السمع مع علمهم بأنهم لا يصلون، وانهم يحرقون بالشهب، لانهم تارة يسلمون إذا لم يكن من

[ 484 ]

الملائكة هناك شئ لا يجوز أن يقفوا عليه، وتارة يهلكون كراكب البحر في وقت يطمع في السلامة. وقوله * (ولهم عذاب واصب) * قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد: معناه إن لهم مع ذلك ايضا عذابا دائما يوم القيامة، ومنه قوله تعالى * (وله الدين واصبا) * (1) أي دائما قال أبو الاسود: لا ابتغي الحمد القليل بقاؤه * يوما بذم الدهر اجمع واصبا (2) اي دائما. وقوله * (إلا من خطف الخطفة) * لما اخبر الله تعالى أن الشياطين لا يستمعون إلى الملا الاعلى ولا يصغون إليهم أخبر انهم متى راموا رموا من كل جانب دفعا لهم على اشد الوجوه. ثم قال * (إلا من خطف الخطفة) * أي استلب السماع استلابا، والخطفة الاستلاب بسرعة، فمتى فعل أحدهم ذلك * (اتبعه شهاب ثاقب) * قال قتادة: والشهاب كالعمود من نار، وثاقب مضى كأنه يثقب بضوئه يقال أثقب نارك واستثقبت النار إذا استوقدت وأضاءت، ومنه قولهم: حسب ثاقب أي مضى شريف، قال أبو الاسود: أذاع به في الناس حتى كأنه * بعلياء نار اوقدت بثقوب (3) أي بحيث يضئ ويعلو. قوله تعالى: * (فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من


(1) سورة 16 النحل آية 52 (2) مر في 6 / 390 (3) مجاز القرآن 1 / 133 و 2 / 167 (*)

[ 485 ]

طين لازب (11) بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (4) وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أو آباؤنا الاولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فانما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين) * (20) عشر آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا عاصما * (بل عجبت) * بضم التاء. الباقون بفتحها. قال أبو علي: من فتح التاء أراد: بل عجبت يا محمد من إنكارهم البعث أو من نزول الوحي على قلبك وهم يسخرون، ومن ضم قال: معناه إن إنكار البعث مع بيان القدرة على الابتداء وظهور ذلك من غير استدلال عجيب عندك. وقال قوم: إن ذلك اخبار من الله عن نفسه بأنه عجيب، وذلك كما قال * (وإن تعجب فعجب قولهم) * (1). وهذا غير صحيح، لان الله تعالى عالم بالاشياء كلها على تفاصيلها، وإنما يعجب من خفي عليه اسباب الاشياء، وقوله * (فعجب قولهم) * معناه عندكم. وقرأ ابن عامر * (إذا) * على الخبر. الباقون على الاستفهام على أصولهم في التحقيق والتخفيف والفصل وقرأ * (إنا) * على الخبر اهل المدينة والكسائي ويعقوب. وقرأ الباقون بهمزتين على أصولهم في التحقيق والتليين والفصل. وقرأ اهل المدينة وابن


(1) سورة 13 الرعد آية 5 (*)

[ 486 ]

عامر * (أو آباؤنا) * بسكون الواو - هنا وفي الواقعة - إلا أن ورشا على اصله في إلقاء حركة الهمزة على الواو. الباقون بفتح الواو. وهذا خطاب من الله تعالى لنبيه يأمره بأن يستفتي هؤلاء الكفار وهو أن يسألهم أن يحكموا بما تقتضيه عقولهم، ويعدلوا عن الهوى واتباعه، فالاستفتاء طلب الحكم * (أهم اشد خلقا ام من خلقنا) * يعني من قبلهم من الامم الماضية والقرون الخالية، فانه تعالى قد أهلك الامم الماضية الذين هم اشد خلقا منهم لكفرهم، ولهم مثل ذلك إن أقاموا على الكفر. وقيل: المعنى أهم اشد خلقا منهم بكفرهم، وهم مثل ذلك أم من خلقنا من الملائكة والسموات والارضين، فقال: أم من خلقنا، لان الملائكة تعقل، فغلب ذلك على مالا يعقل من السموات، والشدة قوة الفتل وهو بخلاف القدرة والقوة. وكل شدة قوة، وليس كل قوة شدة، واشد خلقا ما كان فيه قوة يمنع بها فتله إلى المراد به. ثم اخبر تعالى انه خلقهم من طين لازب. والمراد انه خلق آدم من طين، وإن هؤلاء نسله وذريته، فكأنهم خلقوا من طين، ومعنى * (لازب) * لازم فأبدلت الميم باء، لانها من مخرجها، يقولون: طين لازب وطين لازم قال النابغة: ولا يحسبون الخير لا شر بعده * ولا يحسبون الشر ضربة لازب (1) وبعض بني عقيل يبدلون من الزاي تاء. فيقولون: لاتب، ويقولون: لزب، ولتب، ويقال: لزب يلزب لزوبا. وقال ابن عباس: اللازب الملتصق من الطين الحر الجيد. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقال مجاهد: معناه لازق: وقيل:


(1) مجاز القرآن 2 / 167 القرطبى 15 / 69 (*)

[ 487 ]

معناه من طين علك خلق آدم منه ونسب ولده إليه. وقوله * (بل عجبت ويسخرون) * فمن ضم التاء اراد أن النبي صلى الله عليه واله أمره الله أن يخبر عن نفسه انه عجب من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه أهل الضلالة. قال المبرد: وتقديره قل بل عجبت. ومن فتح التاء أراد ان الله تعالى خاطبه بذلك. والعجب تغير النفس بما خفي فيه السبب في: ما لم تجر به العادة، يقال: عجب يعجب عجبا وتعجب تعجبا. والمعنى في الضم على ما روي عن علي عليه السلام وابن مسعود ليس على انه بعجيب كما يعجب، لان الله تعالى عالم بالاشياء على حقائقها، وإنما المعنى انه يجازي على العجب كما قال * (فيسخرون منهم سخر الله منهم) * (1) (ومكروا ومكر الله) * (2) ويجوز أن يكون المعنى قد حلوا محل من يعجب منهم. والفتح على عجب النبي صلى الله عليه واله * (ويسخرون) * معناه يهزؤن بدعائك إياهم إلى الله. والنظر في دلائله وآياته. * (وإذا ذكروا) * بآيات الله وحججه وخوفوا بها * (لا يذكرون) * أي لا يتفكرون، ولا ينتفعون بها * (وإذا رأوا آية) * من آيات الله تعالى * (يستسخرون) * أي يسخرون وهما لغتان. وقيل: معناه يطلب بعضهم من بعض أن يسخروا ويهزؤا بآيات الله، فيقولون ليس هذا الذي تدعونا إليه من القرآن وتدعيه أنه من عند الله * (إلا سحر مبين) * أي ظاهر بين. وحكى انهم يقولون ايضا * (آئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون) * بعد ذلك ومحشورون ومجازون ؟ ! * (أو آباؤنا الاولون) * الذين تقدمونا بهاه الصفة، واللفظ لفظ الاستفهام والمراد بذلك التهزي والاستبعاد لان يكون


(1) سورة 9 التوبة آية 80 (2) سورة 3 آل عمران آية 54 (*)

[ 488 ]

هذا حقيقة وصحيحا. فمن فتح الواو فلانها واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله * (قل) * لهم * (نعم) * الامر على ذلك، فانكم تحشرون وتسألون وتجازون على اعمالكم من الطاعات بالجنة والثواب، وعلى المعاصي بالنار والعقاب فيها * (وانتم داخرون) * أي صاغرون أذلاء - وهو قول الحسن وقتادة والسدي - وقيل: الداخر الصاغر الذليل اشد الصغر والصاغر الذليل لصغر قدره. ثم قال ايضا وقل لهم * (فانما هي زجرة واحدة) * فقال الحسن: يعني النفخة الثانية. والزجرة الصرفة عن الشئ بالمخافة، فكأنهم زجروا عن الحال التي هم عليها إلى المصير إلى الموقف للجزاء والحساب * (فإذا هم ينظرون) * أي يشاهدون ذلك ويرونه. وقيل: معناه فإذا هم أحياء ينتظرون ما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه، ويقولون معترفين على نفوسهم بالعصيان * (يا ويلنا هذا يوم الدين) * اي يوم الجزاء والحساب. و (الويل) كلمة يقولها القائل إذا وقع في الهلكة، ومثله يا ويلنى، ويا حسرتى، ويا عجبا. وقال الزجاج: والمعنى في جميع ذلك ان هذه الاشياء حسن نداؤها على وجه التنبيه والتعظيم على عظم الحال، والمعني يا عجب اقبل ويا حسرة اقبلي فانه من أو انك واوقاتك، ومثله قوله * (يا ويلتى الد وانا عجوز) * (1) وقوله * (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) * (2). قوله تعالى: * (هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (21) أحشروا


(1) سورة 11 هود آية 72 (2) سورة 39 الزمر آية 56 (*)

[ 489 ]

الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (22) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (23) وقفوهم إنهم مسؤلون (24) ما لكم لا تناصرون (25) بل هم اليوم مستسلمون (26) وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل كنتم قوما طاغين) * (30) عشر آيات في الكوفي والمدنيين عدوا قوله * (وما كانوا يعبدون) * رأس آية. والبصريون لم يعدوها، فهي عندهم تسع آيات. لما اخبر الله تعالى عن الكفار انهم إذا حشروا وشاهدوا القيامة وقالوا * (يا ويلنا هذا يوم الدين) * يعني الجزاء حكى ما يقول الله لهم فانه تعالى يقول لهم * (هذا يوم الفصل) * بين الخلائق والحكم وتميز الحق من الباطل على وجه يظهر لجميعهم الحال فيه. وانه تعالى يدخل المطيعين الجنة على وجه الاكرام والاعظام، ويدخل العصاة النار على وجه الاهانة والاذلال * (هذا هو يوم الفصل) * وهو اليوم * (الذي كنتم) * معاشر الكفار * (به تكذبون) * وتجحدونه وتقابلون من اخبر عنه بالتكذيب وتنسبونه إلى ضد الصدق ثم حكى ما يقول الله للملائكة المتولين لسوق الكفار إلى النار، فانه

[ 490 ]

يقول لهم " أحشروا الذين ظلموا " انفسهم بارتكاب المعاصي بمعنى اجمعوهم من كل جهة، فالكفار يحشرون من قبورهم إلى أرض الموقف للجزاء والحساب، ثم يساق الظالمون مع ما كانوا يعبدون من الاوثان والطواغيت إلى النار وكذلك أزواجهم الذين كانوا على مثل حالهم من الكفر والضلال وقال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: معنى " وازواجهم " اشباههم، وهو من قوله " وكنتم أزواجا ثلاثة " (1) أي اشكالا واشباها. وقال قتادة: معناه وأشياعهم من الكفار. وقيل: من الاتباع. وقال الحسن: يعني " وأزواجهم " المشركات. وقيل: اتباعهم على الكفر من نسائهم. وقوله " فاهدوهم إلى صراط الجحيم " إنما عبر عن ذلك بالهداية من حيث كان بدلا من الهداية إلى الجنة، كما قال " فبشرهم بعذاب اليم " (2) لهذه العلة من حيث ان البشارة بالعذاب الاليم وقعت لهم بدلا من البشارة بالنعيم، يقال: هديته الطريق أي دللته عليها وأهديت الهدية. ثم حكى الله تعالى ما يقوله للملائكة الموكلين بهم فانه يقول لهم " وقفوهم " أي قفوا هؤلاء الكفار أي احبسوهم " انهم مسؤلون " عما كلفهم الله في الدنيا من عمل الطاعات واجتناب المعاصي هل فعلوا ما أمروا به أم لا ؟ على وجه التقرير لهم والتبكيت دون الاستعلام، يقال: وقفت انا ووقفت الدابة بغير الف. وبعض بني تميم يقولون: اوقفت الدابة والدار. وزعم الكسائي انه سمع ما اوقفك ههنا، وانشد الفراء: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا * وإن نحن اومأنا إلى الناس اوقفوا بالف. ويقال لهم ايضا على وجه التبكيت " ما لكم " معاشر الكفار


(1) سورة 56 الواقعة آية 7 (2) سورة 3 آل عمران آية 21 (*)

[ 491 ]

" لا تناصرون " بمعنى لا تتناصرون، ولذلك شدد بعضهم التاء، ومن لم يشدد حذف إحداهما، والمعنى لم لا يدفع بعضكم عن بعض ان قدرتم عليه. ثم قال تعالى انهم لا يقدرون على التناصر والتدافع لكن " هم اليوم مستسلمون " ومعنا مسترسلون مستحدثون يقال: استسلم استسلاما إذا القي بيده غير منازع في ما يراد منه. وقيل: معناه مسترسلون لما لا يستطيعون له دفعا ولا منه امتناعا. وقوله " واقبل بعضهم على بعض يتساءلون " اخبار منه تعالى إن كل واحد من الكفار يقبل على صاحبه الذي اغواه على وجه التأنيب والتضعيف له يسأله لم غررتني ؟ ويقول ذاك لم قبلت مني. وقوله " قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين " حكاية ما يقول الكفار لمن قبلوا منهم إنكم: كنتم تأتوننا من جهة النصيحة واليمن والبركة، فلذلك اغتررنا بكم والعرب تتيمن بما جاء من جهة اليمين. وقال الفراء: معناه إنكم كنتم تأتوننا من قبل اليمين، فتخدعوننا من اقوى الوجوه. واليمين القوة ومنه قوله " فراغ عليهم ضربا باليمين " (1) أي بالقوة ثم حكى ما يقول اولئك لهم في جواب ذلك: ليس الامر على ما قلتم بل لم تكونوا مصدقين بالله ولم يكن لنا عليكم في ترك الحق من سلطان ولا قدرة فلا تسقطوا اللوم عن أنفسكم فانه لازم لكم ولا حق بكم. وقال قتادة: أقبل الانس على الجن يتساءلون بأن كنتم أنتم معاشر الكفار قوما طاغين أي باغين، تجاوزتم الحد إلى افحش الظلم، واصله تجاوز الحد في العظم ومنه قوله " إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية " (2) وطغيانهم كفرهم بالله، لانهم تجاوزوا في ذلك الحد.


(1) آية 93 من هذه السورة (2) سورة 69 الحاقة آية 11 (*)

[ 492 ]

إلى أعظم المعاصي، وقال الزجاج: معنى لا تناصرون ما لكم غير متناصرين فهو نصب بانه حال. قوله تعالى: * (فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) فانهم يومئذ في العذاب مشتركون (33) إنا كذلك نفعل بالمجرمين (34) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (35) ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون (36) بل جاء بالحق وصدق المرسلين (37) إنكم لذائقوا العذاب الاليم (38) وما تجزون إلا ما كنتم تعملون (39) إلا عباد الله المخلصين) * (40) عشر آيات. هذا تمام ما حكى الله عن المغاوين للكفار يوم القيامة بأنهم إذا قالوا لهم لم يكن لنا عليكم من سلطان، وإنما أنتم كنتم قوما طاغين، اخبروا أيضا وقالوا " فحق علينا " أي وجب علينا " قول ربنا " بأنا لا نؤمن، ونموت على الكفر أو وجب علينا قول ربنا بالعذاب الذى يستحق على الكفر والاغواء " إنا لذائقون " العذاب يعني إنا ندركه كما ندرك المطعوم بالذوق، ثم يعترفون على انفسهم بأنهم كانوا غاوين، أي دعوناكم إلى الغي وقيل: معناه خيبناكم طرق الرشاد فغوينا نحن ايضا وخيبنا، فالاغواء الدعاء

[ 493 ]

إلى الغي، والغي نقيض الرشد، وأصله الخيبة من قول الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (1) ويكون (أغوى) بمعنى خيب، ومنه قوله " رب بما أغويتني " (2) أي خيبتني. ثم اخبر تعالى انهم في ذلك اليوم مشتركون في العذاب، ومعنى اشتراكهم اجتماعهم في العذاب الذي هو يجمعهم. ثم اخبر تعالى فقال إن مثل فعلنا بهؤلاء نفعل بجميع المجرمين، وبين أنه إنما فعل بهم ذلك، لانهم " كانوا إذا قيل لا إله " معبود يستحق العبادة " إلا الله يستكبرون " عن قبول ذلك، وطلبوا التكبر، وهذه لفظة ذم من حيث استكبروا عن قول الحق. وحكى ما كانوا يقولون إذا دعوا إلى عبادة الله وحده فانهم كانوا " يقولون أإنا لتاركوا آلهتنا " ومعنى ذلك إنا نترك عبادة آلهتنا " لشاعر مجنون " يدعونا إلى خلافه، يعنون بذلك النبي صلى الله عليه واله يرمونه بالجنون تارة وبالشعر أخرى - وهو قول الحسن وقتادة - لفرط جهلهم حتى قالوا هذا القول الفاحش الذي يفضح قائله، لان المعلوم انه صلى الله عليه واله كان بخلاف هذا الوصف، والجنون آفة تغطي على العقل حتى يظهر التخليط في فعله، وأصله تغطية الشئ: جن عليه الليل إذا غطاه، ومنه المجن لانه يستر صاحبه، ومنه الجنان الروح، لانها مستورة بالبدن، ومنه الجنة لانها تحت الشجر. ثم اخبر تعالى تكذيبا لهم بأن قال ليس الامر على ما قالوه " بل "


(1) مر في 2 / 312 و 4 / 391 و 5 / 548 و 6 / 336 و 7 / 136، 218 و 8 / 36 (2) سورة 15 الحجر آية 39 (*)

[ 494 ]

النبي صلى الله عليه واله " جاء بالحق " من عند الله وهو ما يجب العمل به " وصدق " مع ذلك " المرسلين " جميع من أرسله الله قبله، ثم خاطب الكفار، فقال " إنكم لذائقوا العذاب الاليم " يعني المؤلم الموجع جزاء على تكذيبكم بآياتنا وليس " تجزون إلا " على قدر " ما كنتم تعملون " من المعاصي ثم استثنى من جملة المخاطبين " عباد الله المخلصين " وهم الذين أخلصوا العبادة لله واطاعوه في كل ما أمرهم به، فانهم لا يذوقون العذاب وإنما ينالون الثواب الجزيل. قوله تعالى: * (أولئك لهم رزق معلوم (41) فواكه وهم مكرمون (42) في جنات النعيم (43) على سرر متقابلين (44) يطاف عليهم بكأس من معين (45) بيضاء لذة للشاربين (46) لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (47) وعندهم قاصرات الطرف عين (48) كأنهن بيض مكنون (49) فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) * (50) عشر آيات. قرأ حمزة والكسائي وخلف " ينزفون " بكسر الزاي على اسناد الفعل إليهم الباقون بفتح الزاي - على ما لم يسم فاعله - ومن فتح فانه مأخوذ من نزف الرجل، فهو منزوف ونزيف، إذا ذهب عقله بالسكر، وانزف فهو منزف به إذا فنيت خمره، ويقال أنزف أيضا إذا سكر لما استثنى الله تعالى من جملة من يعاقبهم من الكفار المخلصين الذين

[ 495 ]

أخلصوا عبادتهم لله وحده، بين ما اعد لهم من انواع الثواب، فقال " اولئك لهم رزق معلوم " يعني عطاء جعل لهم التصرف فيه وحكم لهم به في الاوقات المستأنفة في كل وقت شيئا معلوما مقدرا. ثم فسر ذلك الرزق، فقال ذلك الرزق " فواكه " وهي جمع فاكهة وهي تكون رطبا ويابسا يتفكهون. بها وينتفعون بالتصرف فيها " وهم " مع ذلك " مكرمون " أي معظمون مبجلون، وضد الاكرام الاهانة وهي الانتقام وهم مع ذلك " في جنات النعيم " أي بساتين فيها انواع النعيم التي يتنعمون بها " على سرر " وهو جمع سرير " متقابلين " يستمتع بعضهم بالنظر إلى وجوه بعض " يطاف عليهم بكأس من معين " أي بكأس من خمر جارية في أنهار ظاهرة للعيون - في قول الحسن وقتادة والضحاك والسدي - والكأس اناء فيه شراب. وقيل: لا يسمى كأسا إلا إذا كان فيه شراب وإلا فهو اناء. وقوله " معين " يحتمل ان يكون (فعيلا) من العين، وهو الماء الشديد الجري من أمعن في الامر إذا اشتد دخوله فيه ويحتمل ان يكون وزله (مفعولا) من عين الماء لانه يجري ظاهرا للعين. ثم وصف الخمر الذي في الكأس، فقال " بيضاء " ووصفها بالبياض لانها تجري في انهار كاشرف الشراب. وهي خمر فيها اللذة والامتاع فترى بيضاء صافية في نهاية الرقة واللطافة مع النورية التي لها والشفافة، لانها على احسن منظر. مخبر. وقال قوم: بيضاء صفة للكأس، وهي مؤنثة. واللذة نيل المشتهى بوجود ما يكون به صاحبه ملتذا. والشراب مأخوذ من الشرب. وقوله " لا فيها غول " معناه لا يكون في ذلك الشراب غول أي فساد يلحق العقل خفيا، يقال: اغتاله اغتيالا إذا أفسد عليه أمره، ومنه الغيلة

[ 496 ]

وهي القتل سرا. وقال ابن عباس " لا فيها غول " معناه لا يكون فيها صداع ولا أذى، كما يكون في خمر الدنيا، وقال الشاعر: وما زالت الكأس تغتالنا * ونذهب بالاول الاول (1) هذا من الغيلة أي نصرع واحد بعد واحد " ولا هم عنها ينزفون " أي لا يسكرون والنزيف السكران، لانه ينزف عقله، قال الابرد الرياحي: لعمري لئن انزفتم أو ضحوتم * لبئس التداني كنتم آل ابحرا (2) فالبيت يدل على ان أنزف لغة في نزف إذا سكر، لانه جعله في مقابلة الصحو. ومن قرأ بالسكر فعلى معنى: إنهم لا ينزفون خمرهم أي لا يفنى عندهم. وقوله " وعندهم قاصرات الطرف عين " معنى قاصرات الطرف تقصر طرفهن على أزواجهن - في قول الحسن وغيره - وقال بعضهم: معنى قاصرات راضيات من قولهم: اقتصرت على كذا، ومعنى " عين " الشديدة كبياض العين الشديدة سوادها - في قول الحسن - والعين النجل وهي الواسعة العين. وقوله " كأنهن بيض مكنون " شبههن ببيض النعام يكن بالريش من الريح والغبار - في قول الحسن وابن زيد - وقال سعيد بن جبير والسدي: شبههن ببطن البيض قبل ان يقشر وقبل أن تمسه الايدي، والمكنون المصون يقال: كننت الشئ إذا صنته، واكننته إذا سترته من كل شئ قال الشاعر: وهي زهراء مثل لؤلوة الغ‍ * واص ميزت من جوهر مكنون (3)


(1) مجاز القرآن 2 / 169 (2) اللسان (نزف) وتفسير القرطبى 15 / 79 والطبري 23 / 31 ومجاز القرآن 2 / 169 (3) مجاز القران 2 / 170 وتفسير القرطبى 15 / 81 والطبري 23 / 34 (*)

[ 497 ]

ثم قال " فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " يعني ان اهل الجنة يقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن احوالهم وما تفضل الله عليهم من انواع الكرامات قوله تعالى: * (قال قائل منهم إني كان لي قرين (51) يقول أإنك لمن المصدقين (52) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمدينون (53) قال هل أنتم مطلعون (54) فاطلع فرآه في سواء الجحيم (55) قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الاولى وما نحن بمعذبين (59) إن هذا لهو الفوز العظيم) * (60) عشر آيات لما حكى الله تعالى أن اهل الجنة يقبل بعضهم على بعض يتساءلون عن اخبارهم وأحوالهم، ذكر أن قائلا منهم يقول " إني كان لي قرين " في دار الدنيا أي صاحب يختص بي إما من الانس - على ما قال ابن عباس - أو من الجن - على ما قال مجاهد - " يقول " لي على وجه الانكار علي والتهجين لفعلي " ائنك لمن المصدقين " بيوم الدين بان الله يبعث الخلق بعد أن يصيروا ترابا وعظاما وانهم يحشرون بعد ذلك ويحاسبون ويجازون إن هذا لبعيد، فألف الاستفهام دخلت - ههنا - على وجه الانكار، وإنما دخلت ألف الاستفهام للانكار من حيث أنه لا جواب لقائله إلا ما يفتضح به، وهؤلاء

[ 498 ]

الكفار غلطوا في هذه الانكار وتوهموا أن من يقول في جواب ذلك نعم يأتي بقبيح من القول. وقوله " أئنا لمدينون " معناه لمجزيون مشتق من قولهم: كما تدين تدان. أي كما تجزي تجزى، والدين الجزاء، والدين الحساب، ومنه الدين، لان جزاءه القضاء، وقال ابن عباس: القرين الذي كان له شريكا من الناس. وقال مجاهد: كان شيطانا. ثم حكى انه يقال لهذا القائل على وجه العرض عليه " هل أنتم مطلعون " أي يؤمرون أن يروا مكان هذا القرين في النار، فيقول: نعم، فيقال له: اطلع في النار، فيطلع في الجحيم فيراه في سوائه أي وسطه - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وإنما قيل للوسط: سواء لاستوائه في مكانه بأن صار بدلا منه، وقد كثر حتى صار بمعنى غير، وروى حسين عن أبي عمرو " مطلعوني فاطلع " بكسر النون وقطع الالف، وهو شاذ، لان الاسم إذا أضيف حذفت منه النون، كقولك: مطلعي، وإنما يجوز في الفعل على حذف احدى النونين، وقد انشد الفراء على شذوذه قول الشاعر: وما أدرى وظني كل ظن * أسلمني إلى قوم شراح (1) يريد شراحل، وانشده المبرد (أأسلمني) وانشد الزجاج: هم القائلون الخير والامر دونه * إذا ما خشوا من محدث الامر معظما (2) وقيل: ان لاهل الجنة في توبيخ أهل النار لذة وسرورا. وقال الحسن: الجنة في السماء والنار في الارض، فلذلك صح منهم، الاطلاع. ثم حكى تعالى ما يقوله المؤمن إذا اطلع عليه ورآه في وسط الجحيم


(1) تفسير الطبري 23 / 36 (2) تفسير القرطبي 15 / 83 (*)

[ 499 ]

فانه يقول " تالله إن كدت لتردين " ومعنى (تالله) القسم على وجه التعجب وإنما كان كذلك، لان التاء بدل من الواو في القسم على وجه النادر، ولذلك اختصت باسم الله ليدل على المعنى النادر. وقوله " إن كدت لتردين " وهي التي في قوله " إن كل نفس لما عليها حافظ " (1) إلا أنها دخلت في هذا على (فعل) ومعنى " لتردين " لتهلكني كهلاك المتردي من شاهق، ومنه قوله " وما يغني عنه ماله إذا تردى " (2) في النار، وتقول ردي يردى إذا هلك وأرداه غيره إرداء إذا أهلكه ثم يقول " فلو لا نعمة ربي " علي ورحمته لي بأن لطف لي في ترك متابعتك والقبول منك " لكنت " أنا ايضا " من المحضرين " معك في النار فالاحضار الاتيان بالشئ إلى حضرة غيره، وقال الشاعر: افي الطوف خفت علي الردى * وكم من رد أهله ولم يرم (3) أي من هالك، وقوله " أفما نحن بميتين إلا موتتنا الاولى وما نحن بمعذبين " هذا تقريع لهم وتوبيخ، لان هذا الكافر كان يقول كثيرا ذلك في دار الدنيا، ومثله قول الشاعر: قالت له ويضيق ضنك * لا تكثري لومي اخلي عنك ومعناه إنها كانت تلومه على الانفاق، فكان يقول لا تكثري لومي فاطلقك فلما انفق عيرته بذلك ووبخته وحكت ما كان يقول عند توبيخها وعذلها. وقال الجبائي: هذا يقوله المؤمن على وجه الاخبار بأنه لا يموت بعد هذا النعيم لكن الموتة الاولى قد مضت، فتلخيص معنى الآية قولان:


(1) سورة 86 الطارق آية 4 (2) سورة 92 الليل آية 11 (3) الطبري 23 / 36 (*)

[ 500 ]

أحدهما - انه يقوله المؤمن على وجه السرور بنعم الله في أنه لا يموت ولا يعذب. الثاني - أن المؤمن يقوله على وجه التوبيخ لقرينة بما كان ينكره. وقوله " إن هذا لهو الفوز العظيم " إخبار منه تعالى بأن هذا الثواب الذي حصل له لهو الفلاح العظيم. قوله تعالى: * (لمثل هذا فليعمل العاملون (61) أذ لك خير نزلا أم شجرة الزقوم (62) إنا جعلناها فتنة للظالمين (63) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) فانهم لآكلون منها فمالؤن منها البطون (66) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (67) ثم إن مرجعهم لالى الجحيم (68) إنهم ألفوا آباءهم ضالين (69) فهم على آثارهم يهرعون) * (70) عشر آيات. يقول الله تعالى في تمام الحكاية عن قول المؤمن للكافر " لمثل هذا " يعني لمثل ثواب الجنة ونعيمها " فليعمل العاملون " في دار التكليف، ويحسن من العامل أن يعمل العمل للثواب إذا أوقعه على الوجه الذي تدعو إليه الحكمة من وجوب أو ندب، قال الرماني: ألا ترى أنه لو عمل القبيح ليثاب على ما تدعو إليه الحكمة لاستحق الثواب إذا خلص من الاحباط. وهذا الذي

[ 501 ]

ذكره غير صحيح، لان القبيح لا يجوز أن يستحق عليه الثواب على وجه وإن عرض في القبيح وجوه كثيرة من وجوه الحسن، فانه لا يعتد بها، فان علمنا في ما ظاهره القبيح أنه وقع على وجه يستحق فيه الثواب، علمنا انه خرج من كونه قبيحا. ومثال ذلك إظهار كلمة الكفر عند الاكراه عليها أو الانكار لكون نبي بحضرته لمن يظلبه ليقتله فان هذا وإن كان كذبا في الظاهر فلابد أن يوري المظهر بما يخرجه عن كونه كاذبا، ومتى لم يحسن التورية منع الله من إكراهه عليه. وفي الناس من يقول: يجب عليه الصبر على القتل، ولا يحسن منه الكذب، ومتى كان من يحسن التورية، ولم يور كان القول منه كذبا وقبيحا ولا يستحق به الثواب، فاما الاكراه على أخذ مال الغير وإدخال ضرر عليه دون القتل، متى كان قد علمنا بالشرع وجوب فعل ذلك عند الاكراه أو حسنه علمنا انه خرج بذلك عن كونه قبيحا وإن الله تعالى ضمن من العوض عليه ما يخرجه عن كونه قبيحا، كما تقول: في ذبح البهائم، ومتى لم يعلم بالشرع ذلك، فانه يقبح إدخال الضرر على الغير واخذ ماله، فأما إدخال الضرر على الغير ونفسه ببذل مال أو تحمل خراج ليدفع بذلك عن نفسه ضررا أعظم منه، فانه يحسن، لانه وجه يقع على الاثم فيصير حسنا، وهذا باب احكمناه في كتاب الاصول. لا يحتمل هذا الموضع أكثر من هذا. وقوله " أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم " إنما جاز ذلك مع انه لا خير في شجرة الزقوم لامرين: أحدهما - على الحذف بتقدير أسبب هذا الذي أدى إليه خير أم سبب أدى. لى النار، كأنهم قالوا هو فيه خير، لما عملوا ما أدى إليه. والنزل

[ 502 ]

الفضل طعام له نزل، ونزل أي فضل وريع. وقيل: معناه خير نزلا من الانزال التي تقيم الابدان وتبقى عليها الارواح و (الزقوم) قيل: هو ثمر شجرة منكرة جدا من قولهم يزقم هذا الطعام إذا تناوله على تكره ومشقة شديدة. وقيل: شجرة الزقوم ثمرة مرة خشنة منتنة الرائحة. وقوله " إنا جعلناها فتنة لظالمين " معناه إنا جعلنا شجرة الزقوم محنة لشدة التعبد، وقال قتادة: لما نزلت هذه الآية قال المشركون: النار تحرق الشجرة، وكيف تنبت هذه في النار، فكان ذلك تغليظا للمحنة، لانه يحتاج إلى الاستدلال على انه قادر لا يمتنع عليه أن يمنع النار من احراقها حتى تنبت الشجرة فيها. وقيل: معناه إنها عذاب للظالمين من قوله " يومهم على النار يفتنون " (1) أي يعذبون، وقيل: هو قول أبي جهل في التمر والزبد انه يتزقمه. روى أنه لما سمع هذه الآية دعا الكفار واحضر التمر والزبد وقال تعالوا نتزقم هذا بخلاف ما يهددنا به محمد. ثم قال تعالى " إنها شجرة " يعني الزقوم " تخرج في أصل الجحيم " أي تنبت في قعر جهنم " طلعها كأنه رؤس الشياطين " قيل: في تشبيه ذلك برؤس الشياطين مع أن رؤس الشياطين لم ترقط ثلاثة أقوال: أحدها - ان قبح صورة الشياطين متصور في النفس ولذلك يقولون لشئ يستقبحونه جدا كأنه شيطان. وقال امرؤ القيس: أيقتلني والمشرفي مضاجعي * ومسنونة زرق كأنياب اغوال (2) فشبه النصول بأنياب الاغوال، وهي لم تر، ويقولون: كأنه رأس شيطان وانقلب علي كأنه شيطان.


(1) سورة 51 الذاريات آية 13 (2) ديوانه 162 وتفسير القرطبي 15 / 86 (*)

[ 503 ]

الثاني - انه شبه برأس حية يسميها العرب شيطانا، قال الراجز: منجرد يحلف حين أحلف * كمثل شيطان الحماط أعرف (1) الثالث - انه شبه بنبت معروف برؤس الشياطين. وقيل: قد دل الله أنه يشوه خلق الشياطين في النار حتى لو رآهم راء من العباد لاستوحش منهم غاية الاستيحاش، فلذلك يشبه برؤوسهم. ثم أخبر تعالى أن اهل النار ليأكلون من تلك الشجرة ويملئون بطونهم منها لشدة ما يلحقهم من ألم الجوع، والملا الطرح في الوعاء مالا يحتمل الزيادة عليه، فهؤلاء حشيت بطونهم من الزقوم بمالا يحتمل زيادة عليه. ثم قال " إن لهم عليها " يعني الزيادة على شجرة الزقوم " لشوبا من حميم " فالشوب خلط الشئ بما ليس منه مما هو شر منه، ويقال هذا الطعام مشوب، وقد شابه شئ من الفساد، والحميم إذا شاب الزقوم اجتمعت المكاره فيه من المرارة والخشونة ونتن الرائحة، والحرارة المحرقة - نعوذ بالله منها - والحميم الحار الذي له من الاحراق المهلك أدناه قال الشاعر: احم الله ذلك من لقاء * أحاد أحاد في الشهر الحلال (2) أي ادناه وحمم ريش الفرخ إذا نبت، حتى يدنو من الطيران والمحموم المقترب من حال الاحراق. وقال ابن عباس: يشربون الحميم المشروب من الزقوم أي قد شيب مع حرارته بما يشتد تكرهه. والحميم الصديق القريب أي الداني من القلب. وقوله " ثم ان مرجعهم لالى الجحيم " معناه أنهم يردون بعد ذلك إلى النار الموقدة. وفي ذلك دلالة على أنهم في وقت ما يطعمون للزقوم


(1) تفسير القرطبى 15 / 87 (2) اللسان (حمم) (*)

[ 504 ]

بمعزل عنها، كما قال " يطوفون بينها وبين حميم آن " (1) ثم حكى تعالى ان هؤلاء الكفار " الفوا " يعني صادفوا " آباءهم ضالين " عن الطريق المستقيم الذي هو طريق الحق " فهم على آثارهم يهرعون " في الضلال أي يقلدونهم ويتبعونهم، قال أبو عبيدة: معنى يهرعون يستحثون من خلفهم. وقيل: معناه يزعجون إلى الاسراع، هرع وأهرع لغتان. قوله تعالى: * (ولقد ضل قبلهم أكثر الاولين (71) ولقد أرسلنا فيهم منذرين (72) فانظر كيف كان عاقبة المنذرين (73) إلا عباد الله المخلصين (74) ولقد نادينا نوح فلنعم المجيبون (75) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) وجعلنا ذريته هم الباقين (77) وتركنا عليه في الآخرين (78) سلام على نوح في العالمين (79) إن كذلك نجزي المحسنين) * (80) عشر آيات. اقسم الله تعالى انه " لقد ضل قبلهم " قبل هؤلاء الكفار الذين هم في عصر النبي صلى الله عليه واله عن طريق الحق واتباع الهدى " أكثر الاولين " من كان قبلهم لان اللام في (لقد) هي لام القسم وتدخل على الجواب لقولك: والله لقد كان كذا، وقد تدخل للتأكيد. والضلال الذهاب عن الحق إلي طريق الباطل، تقول: ضل عن الحق يضل ضلالا. والاضلال قد يكون


(1) سورة 55 الرحمن آية 44 (*)

[ 505 ]

بمعنى الذم بالضلال والحكم عليه به، وقد يكون بمعنى الامر به والاغراء كقوله " وأضلهم السامري " (1). والاكثر هو الاعظم في العدد، والاول الكائن قبل غيره. وأول كل شئ هو الله تعالى، لان كل ما سواه فهو موجود بعده. ثم أقسم انه أرسل فيهم منذرين من الانبياء والرسل يخوفونهم بالله ويحذرونهم معاصيه. ثم قال " فانظر " يا محمد " كيف كان عاقبة المنذرين " والتقدير ان الانبياء المرسلين لما خوفوا قومهم فعصوهم ولم يقبلوا منهم أهلكهم وأنزل عليهم العذاب، فانظر كيف كان عاقبتهم. ثم استثنى من المنذرين في الاهلاك عباده المخلصين الذين قبلوا من الانبياء، وأخلصوا عبادتهم لله تعالى، فان الله تعالى خلصهم من ذلك العذاب ووعدهم بالثواب. ثم أخبر ان نوحا نادى الله ودعاه واستنصره على قومه، وأنه تعالى أجابه، وانه - عز وجل نعم المجيب لمن دعاه وتقديره فلنعم المجيبون نحن له ولما أجابه نجاه وخلصه وأهله من الكرب العظيم، فالنجاة هي الرفع من الهلاك واصله الرفع، فمنه النجوة المرتفع من المكان ومنه النجا النجا كقولهم الوحا الوحا. والاستنجاء رفع الحدث. والكرب الحزن الثقيل على القلب، قال الشاعر: عسى الكرب الذي أمسيت فيه * يكون وراءه فرج قريب (2) والكرب تحرير الارض باصلاحها للزراعة. والكرب هو الذي يحمي قلب النخلة باحاطته بها وصيانته لها. والعظيم الذي يصغر مقدار غيره عنه. وقد


(1) سورة 20 طه آية 85 (2) مر في 6 / 283 (*)

[ 506 ]

يكون التعظيم في الخير والعظم في الشر والعظم في النفس. وقال السدي: معناه نجيناه وأهله من الغرق. وقال غيره: بل نجاهم من الاذى والمكروه الذي كان ينزل بهم من قومه، لانه بذلك دعا ربه فأجابه. وقيل: الذين نجوا مع نوح شيعته. وقوله * (وجعلنا ذريته هم الباقين) * قال ابن عباس وقتادة: الناس كلهم من ذرية نوح بعد نوح. وقال قوم: العجم والعرب أولاد سام بن نوح والترك والصقالبة والخزر أولاد يافث بن نوح، والسودان أولاد حام ابن نوح. وقوله * (وتركنا عليه في الآخرين) * قيل في معناه قولان: قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: * (وتركنا عليه في الآخرين) * يعني ذكرا جميلا، وأثنينا عليه في أمة محمد. ومعنى * (تركنا) * أبقينا، فحذف، فيكون * (سلام على نوح في العالمين) * من قول الله على غير جهة الحكاية. الثاني - قال الفراء: تركنا عليه قولا هو أن يقال في آخر الامم: سلام على نوح في العالمين. ثم قال * (إنا كذلك نجزي المحسنين) * كما فعلنا بنوح من الثناء الجميل، مثل ذلك نجزى من احسن أفعاله وتجنب المعاصي. قوله تعالى: * (إنه من عبادنا المؤمنين (81) ثم أغرقنا الآخرين (82) وإن من شيعته لابرهيم (83) إذ جاء ربه بقلب سليم (84)

[ 507 ]

إذ قال لابيه وقومه ماذا تعبدون (85) أئفكا آلهة دون الله تريدون (86) فما ظنكم برب العالمين (87) فنظر نظرة في النجوم (88) فقال إني سقيم (89) فتولوا عنه مدبرين) * (90) عشر آيات. هذا رجوع من الله تعالى إلى ذكر وصف نوح بأنه كان * (من عبادنا المؤمنين) * الذين يصدقون بتوحيد الله ووعده ووعيده وجميع أخباره. والعباد جمع عبد، وهو الذليل لملكه بالعبودية. والخلق كلهم عباد الله فمنهم عابد له ومنهم عابد لغيره تضييعا منهم لحق نعمه وجهلا بما يجب له عليهم. والمؤمن هو المصدق بجميع ما اوجب الله عليه أو ندبه إليه. وقال قوم: هو العامل بجميع ما أوجب الله عليه العامل بما يؤمنه من العقاب. ثم اخبر تعالى انه أغرق الباقين من قوم نوح بعد إخلاصه نوحا وأهله المؤمنين. ثم قال * (وإن من شيعته لابراهيم) * فالشيعة الجماعة التابعة لرئيس لهم، وصاروا بالعرف عبارة عن شيعة علي عليه السلام الذين معه على اعدائه. وقيل من شيعة نوح إبراهيم يعني إنه على منهاجه وسنته في التوحيد والعدل واتباع الحق. وقال الفراء: معناه وإن من شيعة محمد صلى الله عليه واله لابراهيم، كما قال * (أنا حملنا ذريتهم) * (1) أي ذرية من هو أب لهم، فجعلهم ذرية لهم وقد سبقوهم، وقال الحسن: معناه على دينه وشريعته ومنهاجه، قال الرماني: هذا لا يجوز، لانه لم يجر لمحمد ذكر، فهو ترك الظاهر، وقد روي عن اهل


(1) سورة 36 يس آية 41 (*)

[ 508 ]

البيت عليهم السلام إن من شيعته علي لابراهيم. وهذا جائز إن صح الخبر المروي في هذا الباب، لان الكناية عمن لم يجر له ذكر جائزة إذا اقترن بذلك دليل، كما قال * (حتى توارث بالحجاب) * (1) ولم يجر للشمس ذكر ويكون المعنى انه على منهاجه وطريقته في اتباع الحق والعدول عن الباطل، وكان ابراهيم وعلي عليهما السلام بهذه المنزلة. وقوله * (إذ جاء ربه بقلب سليم) * معناه حين جاء إلى الموضع الذي أمره الله بالرجوع إليه بقلب سليم عن الشرك برئ من المعاصي في الوقت الذي قال لابيه وقومه حين رآهم يعبدون الاصنام من دون الله على وجه التهجين لفعلهم والتقريع لهم * (ماذا تعبدون) * أي اي شئ تعبدون من هذه الاصنام التي لا تنفع ولا تضر، وقال لهم * (أئفكا آلهة دون الله تريدون) * فالافك هو اشنع الكذب وأفظعه، والافك قلب الشئ عن جهته التي هي له، فلذلك كان الافك كذبا، وإنما جمع الآلهة مع أنه لا إله إلا إله واحد. على اعتقادهم في الالهية. وإن كان توهمهم فاسدا، لما اعتقدوا أنها تستحق العبادة، وكان المشركون قد اوغروا باتخاذ الآلهة إلى ان جاء دين الاسلام وبين الحق فيه وعظم الزجر. وقوله * (دون الله تريدون) * معناه إنكم أتربدون عبادة آلهة دون عبادة الله، فخذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، كما قال * (واسأل القرية) * (2) أي أهلها، لان الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه. وهذه الاجسام ليست مما يحدث، فلا يصح إرادتها. وقوله * (فما ظنكم برب العالمين) * قيل: معناه أي شئ ظنكم به أسوء


(1) سورة 38 ص آية 32 (2) سورة 12 يوسف آية 82 (*)

[ 509 ]

ظن ؟ ! وقيل معنى * (فنظر نظرة في النجوم) * أي انه استدل بها على وقت حمى كانت تعتاده * (فقال أني سقيم) * ومن أشرف على شئ جاز أن يقال انه فيه، كما قال تعالى * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (1) ولم يكن نظره في النجوم على حسب المنجمين طلبا للاحكام، لان ذلك فاسد، ومثله قول الشاعر: اسهري ما سهرت أم حكيم * واقعدي مرة لذاك وقومي وافتحي الباب فانظري في النجوم * كم علينا من قطع ليل بهيم وقال الزجاج نظره في النجوم كنظرهم، لانهم كانوا يتعاطون علم النجوم فتوهموا هم أنه يقول مثل قولهم، فقال عند ذلك * (إني سقيم) * فتركوه ظنا منهم أن نجمه يدل على سقمه. وقال أبو مسلم: معناه إنه نظر فيها نظر مفكر فاستدل بها على أنها ليست آلهة له، كما قال تعالى في سورة الانعام * (فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي....) * تمام الآيات (2) وكان هذا منه في زمان مهلة النظر. وهذا الذي ذكره يمنع منه سياق الآية، لان الله تعالى حكى عن ابراهيم أنه * (جاء ربه بقلب سليم) * يعني سليم من الشرك، وذلك لا يليق بزمان مهلة النظر. ثم أنه قال لقومه على وجه التقبيح لفعلهم * (ماذا تعبدون أئفكا آلهة دون الله تريدون. فما ظنكم برب العالمين) * وهذا كلام عارف بالله مستبصر، وكيف يحمل على زمان مهلة النظر. وقيل: في معنى قوله * (إني سقيم) * إني سقيم القلب مما أرى من أحوالكم القبيحة من عبادة غير الله وعدو لكم عن عبادته مع وضوح الادلة الدالة على توحيده واستحقاقه للعبادة منفردا بها. وقيل: إنه كان عرضت له


(1) سورة 39 المزمل آية 30 (2) سورة 6 الانعام آية 76 (*)

[ 510 ]

علة في الحال، وكان صادقا في ذلك. وقيل: معناه إن عاقبتي الموت، ومن كان عاقبته الموت جاز أن يعبر عن حال حياته بأنه مريض. وقيل: معناه إني سأسقم في المستقبل، وقيل: إنه أراد بقوله: سقيم مطعون، فلذلك تركوه خوفا من أن يتعدى إليهم الطاعون. فأما من قال: إنه لم يكن سقيما وإنما كذب فيه ليتأخر عن الخروج معهم إلى عيدهم لتكسير أصنامهم وانه يجوز الكذب في المكيدة والتقية، فقوله باطل، لان الكذب قبيح لا يحسن على وجه. فأما ما يرونه من أن النبي صلى الله عليه واله قال (ما كذب أبي إبراهيم الا ثلاث كذبات يحاجز بها عن ربه: قوله إني سقيم ولم يكن كذلك، وقوله * (بل فعله كبيرهم هذا) * وقوله في سارة انها أختى وكانت زوجته) *. فأول ما فيه أنه خبر واحد لا يعول عليه. والنبي صلى الله عليه واله أعرف بما يجوز على الانبياء ومالا يجوز من كل واحد، وقد دلت الادلة العقلية على أن الانبياء لا يجوز أن يكذبوا في ما يؤدونه عن الله من حيث أنه كان يؤدي إلى ان لا يوثق بشئ من اخبارهم وإلى أن لا ينزاح علة المكلفين، ولا في غير ما يؤدونه عن الله من حبث أن تجويز ذلك ينفر عن قبول قولهم، فإذا يجب ان يقطع على ان الخبر لا أصل له. ولو سلم لجاز أن يكون المعنى مع ظاهره مظاهر للكذب، وإن لم يكن في الحقيقة كذلك، لان قوله * (إني سقيم) * قد بينا الوجه فيه. وقوله * (بل فعله كبيرهم) * بيناه في موضعه. وقوله في سارة إنها اختي معناه إنها اختي في الدين، وقد قال الله تعالى إنما المؤمنون أخوة، وإن لم يكونوا بني أب واحد. وقوله * (فتولوا عنه مدبرين) * اخبار منه تعالى أنه حين قال لهم إني

[ 511 ]

سقيم أعرضوا عنه وتركوه وخرجوا إلى عيدهم وهو متخلف عنهم، قوله تعالى: * (فراغ إلى آلهتهم فقال ألا تأكلون (91) مالكم لا تنطقون (92) فراغ عليهم ضربا باليمين (93) فأقبلوا إليه يزفون (94) قال أتعبدون ما تنحتون (95) والله خلقكم وما تعملون (96) قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه في الجحيم (97) فأرادوا به كيدا فجعلناهم الاسفلين (98) وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (99) رب هب لي من الصالحين (100) فبشرناه بغلام حليم) * (101) احدى عشر آية. قرأ حمزة والمفضل عن عاصم * (يزفون) * بضم الياء. الباقون بفتحها، وهما لغتان. وزففت اكثر. ويجوز أن يكون المراد زف الرجل في نفسه وأزف غيره، والتقدير فأقبلوا إليه يزفون أنفسهم. قوله * (فراغ إلى آلهتهم) * معناه مال إليها بحدة، تقول: راغ يروغ روغا وروغانا مثل حاد يحيد حيدا وحيدانا، والرواغ الحياد، قال عدي ابن زيد: حين لا ينفع الرواغ ولا * ينفع إلا الصادق النحرير (1).


(1) تفسير الطبري 23 / 41 (*)

[ 512 ]

وإنما مال إليها بحدة غضبا على عابديها، وقوله * (إلى آلهتهم) * معناه إلى ما يدعون أنها آلهتهم أي إلى ما اتخذوها آلهة لهم، كما تقول. للمبطل: هات حجتك مع علمك انه لا حجة له. وقوله * (فقال ألا تأكلون) * إنما جاز ان يخاطب الجماد بذلك تهجينا لعابديها وتنبيها على أن من لا يتكلم ولا يقدر على الجواب كيف تصح عبادتها، فاجراها مجرى من يفهم الكلام ويحسن ذكر الجواب استظهارا في الحجة وإيضاحا للبرهان، لكل من سمع ذلك ويبلغه. وقوله * (ما لكم لا تنطقون) * معناه تهجينا لعابديها كأنهم حاضرون بها. وقوله * (فراغ عليهم ضربا باليمين) * قيل في معناه قولان: احدهما - انه مال عليهم بيده اليمنى، لانها اقوى على العمل من الشمال. الثاني - بالقسم ليكسرنها، لانه كان قال * (وتالله لاكيدن أصنامكم) * (1) وقال الفراء: اليمين القوة، ومنه قول الشاعر: [ إذ ما راية رفعت لمجد ] * تلقاها عرابة باليمين (2) أي بالقوة. وقوله * (فاقبلوا إليه يزفون) * قال ابن زيد: معناه يسرعون. وقال السدي: يمشون. وقيل: يتسللون بحال بين المشي والعدو، ومنه زفت النعامة، وذلك أول عدوها، وهو بين العدو والمشي، وقال الفرزدق: وجاء فزيع الشول قبل أوانها * تزف وجاءت خلفه وهي زفف (3) ومنه زففت العروس إلى زوجها، ومعنى يزفون يمشون على مهل، قال الفراء: لم أسمع إلا زففت، قال ولعل من قرأ بالضم اراد من قولهم طردت الرجل إذا أخسأته


(1) سورة 21 الانبياء آية 57 (2) تفسير القرطبى 15 / 75 (3) تفسير الطبري 23 / 42 والقرطبي 15 / 95 (*)

[ 513 ]

واطردته جعلته طريدا. وقرأ بعضهم (يزفون) يفتح الياء وتخفيف الفاء من (وزف، يزف) قال الكسائي والفراء: لا اعرف هذه إلا أن يكون احدهم سمعها. فلما رآهم ابراهيم صلى الله عليه واله اقبلوا عليه قال لهم على وجه الانكار عليهم والتبكيت لهم بفعلهم * (اتعبدون ما تنحتون) * فالالف ألف الاستفهام ومعناها الانكار ووجه التوبيخ انه كيف يصح أن يعبد الانسان ما يعمله بيده ! فانهم كانوا ينحتون الاصنام بأيديهم، فكيف تصح عبادة من هذه حاله مضافا إلى كونها جمادا !. ثم نبهم فقال * (والله) * تعالى هو الذي * (خلقكم) * وخلق الذي * (تعملون) * فيه من الاصنام، لانها اجسام والله تعالى هو المحدث لها، وليس للمجبرة أن تتعلق بقوله * (والله خلقكم وما تعملون) * فتقول: ذلك يدل على ان الله خالق لافعالنا، لامور: احدها - ان موضوع كلام ابراهيم لهم بني على التقريع لهم لعبادتهم الاصنام، ولو كان ذلك من فعله تعالى لما توجه عليهم العيب، بل كان لهم ان يقولوا: لم توبخنا على عبادتنا للاصنام والله الفاعل لذلك، فكانت تكون الحجة لهم لا عليهم. الثاني - انه قال لهم * (اتعبدون ما تنحتون) * ونحن نعلم أنهم لم يكونوا يعبدون نحتهم الذي هو فعلهم، وإنما كانوا يعبدون الاصنام التي هي الاجسام وهي فعل الله بلا شك. فقال لهم * (والله خلقكم) * وخلق هذه الاجسام. ومثله قوله * (فإذا هي تلقف ما يأفكون) * (1) ومثله قوله * (وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا) * (2) وعصا موسى لم تكن تلقف افكهم، وإنما


(1) سورة 7 الاعراف آية 116 (2) سورة 20 طه آية 69 (*)

[ 514 ]

كانت تتلقف الاجسام التي هي العصا والحبال. ومنها ان (ما) في قوله * (وما تعملون) * لا يخلو من ان تكون بمعنى (الذي) أو تقع مع بعدها بمنزلة المصدر، فان كانت بمعنى (الذي) ف‍ (تعملون) صلتها، ولابد لها من عائد يعود إليها، فليس لهم أن يقدروا فيها ضميرا لها ليصح ما قالوه، لان لنا أن نقدر ضميرا فيه فيصح ما نقوله، ويكون التقدير: وما يعملون فيه، والذي يعملون فيه هي الاجسام وإن كانت مصدرية فانه يكون تقديره: والله خلقكم وعملكم، ونفس العمل يعبر به عن المعمول فيه بل لا يفهم في العرف إلا ذلك، يقال فلان يعمل الخوص، وفلان يعمل السروج، وهذا الباب من عمل النجار، والخاتم من عمل الصانع، ويريدون بذلك كله ما يعملون فيه، فعلى هذا تكون الاوثان عملا لهم بما يحدثون فيها من النحت والنجر، على أنه تعالى اضاف العمل إليهم بقوله * (وما تعملون) * فكيف يكون ما هو مضاف إليهم مضافا إلى الله تعالى وهل يكون ذلك إلا متناقضا. ومنها أن الخلق في أصل اللغة هو التقدير للشئ وترتيبه، فعلى هذا لا يمتنع أن نقول: إن الله خالق افعالنا بمعنى أنه قدرها للثواب والعقاب، فلا تعلق للقوم على حال. ثم حكى تعالى ما قال قوم ابراهيم بعضهم لبعض فانهم * (قالوا إبنوا له بنيانا) * قيل: انهم بنوا له شبه الحظيرة. وقيل مثل التنور وأججوا نارا ليلقوه فيها. والبناء وضع الشئ على غيره على وجه مخصوص، ويقال لمن رد الفرع إلى الاصل بناه عليه. * (فالقوه في الجحيم) * بمعنى اطرحوه في النار التي اججوها له. والجحيم عند العرب النار التي تجتمع بعضها على بعض.

[ 515 ]

ثم اخبر تعالى ان كفار قوم ابراهيم انهم * (ارادوا به كيدا) * وحيلة وهو وما ارادوا من إحراقه بالنار * (فجعلناهم الاسفلين) * بأن اهلكهم الله ونجا ابراهيم وقيل منع الله - عز وجل - النار منه بل صرفها في خلاف جهته، فلما أشرفوا على ذلك علموا انهم لا طاقة لهم به. ثم حكى ما قال ابراهيم حين ارادوا كيده، فانه قال * (إني ذاهب إلى ربي) * ومعناه إلي مرضات الله ربي بالمصير إلى المكان الذي أمرني ربي بالذهاب إليه. وقيل: إلى الارض المقدسة وقيل إلى ارض الشام. وقال قتادة: معناه * (إني ذاهب إلى ربي) * أي بعملي ونيتي، ومعنى * (سيهدين) * يعني يهديني في ما بعد إلى الطريق الذى امرني بالمصير إليه أو إلى الجنة بطاعتي إياه. ثم دعا ابراهيم ربه فقال * (ربي هب لي من الصالحين) * يعني ولدا صالحا من الصالحين، كما تقول: اكلت من الطعام، وحذف لدلالة الكلام عليه، فأجابه الله تعالى إلى ذلك وبشره بغلام حليم اي حليما لا يعجل في الامور قبل وقتها، وفي ذلك بشارة له على بقاء الغلام حتى يصير حليما. وقال قوم: المبشر به اسحاق وقال آخرون اسماعيل، ونذكر خلافهم في ذلك في ما بعد. قوله تعالى: * (فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام إني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت أفعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين (102) فلما أسلما وتله للجبين (103)

[ 516 ]

وناديناه أن يا إبراهيم (104) قد صدقت الرءيا إنا كذلك نجزي المحسنين (105) إن هذا لهو البلؤ المبين (106) وفديناه بذبح عظيم (107) وتركنا عليه في الآخرين (108) سلام على إبراهيم (109) كذلك نجزي المحسنين (110) إنه من عبادنا المؤمنين) * (111) عشر آيات. قرأ اهل الكوفة إلا عاصما * (ماذا ترى) * بضم التاء وكسر الراء. الباقون بفتح التاء. من ضم التاء اراد ماذا تشير، وقال الفراء: يجوز ان يكون المراد ماذا ترى من صبرك وجلدك، لانه لا يستشيره في أمر الله. واصله ترئي فنقلوا كسرة الهمزة إلى الراء، وحذفت الهمزة لسكونها وسكون الياء. ومن فتح جعله من الرأى والرؤية، لا من المشورة. لما اخبر الله تعالى انه اجاب دعوة إبراهيم في طلب الولد وبشره بولد حليم اخبر ان من وعده به ولد له وكبر وترعرع، فلما بلغ مع ابيه السعي يعني في طاعة الله، قال الحسن سعى للعمل الذي تقوم به الحجة. وقال مجاهد: بلغ معه السعي. معناه أطاق ان يسعى معه ويعينه على أموره، وهو قول الفراء قال: وكان له ثلاث عشرة سنة، وقال ابن زيد: السعي في العبادة * (قال يا بني اني أرى في المنام اني اذبحك فانظر ماذا ترى) * وكان الله تعالى أوحى إلى ابراهيم في حال اليقظة، وتعبده أن يمضي ما يأمره في حال نومه من حيث ان منامات الانبياء لا تكون إلا صحيحة، ولو لم يأمره

[ 517 ]

به في اليقظة لما جاز أن يعمل على المنامات، أحب ان يعلم حال ابنه في صبره على أمر الله وعزيمته على طاعته. فلذلك قال له ماذا ترى، وإلا فلا يجوز أن يوآمر في المضي في امر الله ابنه، لانه واجب على كل حال. ولا يمتنع ايضا أن يكون فعل ذلك بأمر الله ايضا، فوجده عند ذلك صابرا مسلما لامر الله. * (وقال يا ابت افعل ما تؤمر) * اي ما امرت به * (ستجدني انشاء الله من الصابرين) * ممن يصبر على الشدائد في حب الله ويسلم أمره إليه * (فلما اسلما) * يعني ابراهيم وابنه اي استسلما لامر الله ورضيا به اخذ ابنه * (وتله للجبين) * معنى تله صرعه. والجبين ما عن يمين الجبهة أو شمالها وللوجه جبينان الجبهة بينهما. وقال الحسن: معنى وتله اضجعه للجبين. ومنه التل من التراب وجمعه تلول. والتليل العنق، لانه يتل له، * (وناديناه ان يا ابراهيم) * و (ناديناه) هو جواب (فلما) قال الفراء: العرب تدخل الواو في جواب (فلما) و (حتى) و (إذا) كما قال * (حتى إذا جاؤها فتحت ابوابها) * (1) وفي موضع آخر * (وفتحت) * (2) وفي قراءة عبد الله * (فلما جهزهم بجهازهم وجعل السقاية) * (3) وفي المصاحف (جعل) بلا واو وموضع ان نصب بوقوع النداء عليه وتقديره وناديناه بأن يا ابراهيم أي هذا الضرب من القول فلما حذف الباء نصب. وعند الخليل انه في موضع الجر * (قد صدقت الرؤيا) * ومعناه فعلت ما امرت به في الرؤيا واختلفوا في الذبيح. فقال ابن عباس وعبد الله بن عمر ومحمد بن كعب القرطي وسعيد ابن المسيب والحسن في احدى الروايتين عنه والشعبي: انه كان اسماعيل وهو الظاهر في روايات اصحابنا ويقويه قوله بعد هذه القصة وتمامها


(1، 2) سورة 39 الزمر آية 71، 73 (3) سورة 12 يوسف آية 70 (*)

[ 518 ]

* (وبشرناه باسحاق نبيا من الصالحين) * فدل على ان الذبيح كان اسماعيل. ومن قال: إنه بشر بنبوة اسحاق دون مولده، فقد ترك الظاهر لان الظاهر يقتضي البشارة باسحاق دون نبوته، ويدل ايضا عليه قوله * (فبشرناها باسحاق ومن وراء اسحاق يعقوب) * ولم يذكر اسماعيل، فدل على انه كان مولودا قبله وايضا فانه بشره باسحاق وانه سيولد له يعقوب، فكيف يأمره بذبحه مع ذلك. واجابوا عن ذلك بأن الله لم يقل إن يعقوب يكون من ولد اسحاق. وقالوا ايضا يجوز أن يكون أمره بذبحه بعد ولادة يعقوب، والاول هو الاقوى على ما بيناه. وقد روى عن النبي صلى الله عليه واله انه قال: انا ابن الذبيحين، ولا خلاف انه كان من ولد اسماعيل والذبيح الآخر عبد الله ابوه. وروي عن ابن عباس وعلي وابن مسعود وكعب الاحبار انه كان اسحاق. وروي ذلك ايضا في اخبارنا. وفى الناس من استدل بهذه الآية على جواز النسخ قبل وقت فعله من حيث ان الله تعالى كان قد امره بذبح ولده ثم نسخ عنه قبل ان يفعله، ولا يمكننا ان نقول ان الوقت كان قد مضى، لانه لو أخره عن الوقت الذي امره به فيه لكان عاصيا، ولا خلاف أن ابراهيم لم يعص بذلك. فدل على انه نسخ عنه قبل وقت فعله. ومن لم يجز النسخ قبل وقت فعله اجاب عن ذلك بثلاثة أجوبة: احدها - ان الله تعالى أمر ابراهيم ان يقعد منه مقعد الذابح ويشد يديه ورجليه ويأخذ المدية ويتركها على حلقه وينتظر الامر بامضاء الذبح على ما رأى في منامه وكل ذلك فعله، ولم يكن أمره بالذبح، وإنما سمي مقدمات الذبح بالذبح لقربه منه وغلبة الظن انه سيؤمر بذلك على ضرب من المجاز.

[ 519 ]

الثاني - انه إنما أمره بالذبح وذبح، وكل ما فرى جزء من حلقه وصله الله بلا فصل حتى انتهى إلى آخره فاتصل به، وصله الله تعالى، فقد فعل ما أمر به ولم يبن الرأس ولا انتفى الروح. الثالث - انه امر بالذبح بشرط التخلية والتمكين، فكان كما روي انه كلما أعمد بالشفرة انقلبت وجعل على حلقه صفحة من نحاس، وهذا الوجه ضعيف، لان الله تعالى لا يجوز ان يأمر بشرط، لانه عالم بالعواقب، وإنما يأمر الواحد منا بشرط ذلك لانه لا يعلم العواقب، ولان فيه انه أمر بما منع منه وهذا عيب فاما قول من قال: انه فداه بذبح، فدل ذلك على انه كان مأمورا بالذبح على الحقيقة، اعتراضا على الوجه الاول، لان من شأن الفداء أن يكون من جنس المفدي، فليس بشئ، لانه لا يلزم ذلك الا ترى ان من حلق رأسه وهو محرم يلزمه ذلك، وكذلك إذا لبس ثوبا مخيطا أو شم طيبا أو جامع. وإن لم يكن جميع ذلك من جنس المفدي. وقوله * (إنا كذلك نجزي المحسنين) * معناه إنا جازينا ابراهيم على فعله بأحسن الجزاء. ومثل ذلك نجزي كل من فعل طاعة، فانا نجازيه على فعله بأحسن الجزاء. ثم اخبر تعالى بأن هذا الذي تعبد به إبراهيم هو البلاء المبين أي الاختبار الظاهر وقيل: هو النعمة البينة الظاهرة، وتسمى النعمة بلاء والنقمة ايضا بلاء من حيث انها سميت بسببها المؤدي إليها، كما يقال لاسباب الموت هو الموت بعينه * (والمبين) * هو البين في نفسه الظاهر، ويكون بمعنى الظاهر، ويكون بمعنى المظهر ما في الامر من خير أو شر. ثم قال تعالى * (وفديناه) * يعني ولد إبراهيم * (بذبح عظيم) * فالفداء جعل

[ 520 ]

الشئ مكان غيره لدفع الضرر عنه، ومنه فداء المسلمين بالمشركين لدفع ضرر الاشد عنهم، فكذلك فداء الله ولد إبراهيم بالكبش لدفع ضرر الذبح عنه. والعظيم هو الكبير. وقيل: لان الكبش الذي فدي به يصغر مقدار غيره من الكباش عنه بالاضافة إليه. وقال ابن عباس: فدي بكبش من الغنم. وهو قول مجاهد والضحاك وسعيد بن جبير. وقال الحسن: فدي بوعل أهبط به عليه جبرائيل. وقيل: إنه لا خلاف انه لم يكن من الماشية التي كانت لابراهيم أو غيره في الدنيا. وقيل: إنه رعى في الجنة أربعين خريفا. وقال مجاهد: وصفه بأنه عظيم، لانه متقبل. والذبح بكسر الذال المهيأ، لان يذبح. وبفتح الذال المصدر. وقوله * (وتركنا عليه في الآخرين) * يعني على إبراهيم في الآخرين يعني اثبتنا عليه الثناء الحسن في أمة محمد لانهم آخهر الامم بأن قلنا * (سلام على إبراهيم) * وقد بينا ما في ذلك ثم قال مثل ذلك نجزي كل محسن، فاعل لما أمر الله به كما جازينا ابراهيم صلى الله عليه واله. ثم أخبر تعالى ان إبراهيم كان من جملة عباده الذين يصدقون بتوحيد الله وبجميع ما اواجبه عليهم، ومن جملة المصدقين بوعد الله ووعيده والبعث والنشور والجنة والنار. وانما قال * (انه من عبادنا المؤمنين) * مع انه افضل المؤمنين ترغيبا في الايمان بأن مدح مثله في جلالته بأنه من المؤمنين، كما يقال هو من الكرماء وكذلك قوله * (ونبيا من الصالحين) * (1) وإذا مدح بأنه يصلح وحده فلانه لا يقوم غيره مقامه ويستغنى به عنه.


(1) سورة 3 آل عمران آية 39 (*)

[ 521 ]

قوله تعالى: * (وبشرناه باسحق نبيا من الصالحين (112) وباركنا عليه وعلى إسحق ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (113) ولقد مننا على موسى وهرون (114) ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (115) ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (116) وآتيناهما الكتاب المستبين (117) وهديناهما الصراط المستقيم (118) وتركنا عليهما في الآخرين (119) سلام على موسى وهرون (120) إنا كذلك نجزي المحسنين (121) إنهما من عبادنا المؤمنين (122) احدى عشرة آية. يقول الله تعالى بعد ان ذكر قصة ابراهيم وولده الذى اخبر الله بذبحه على ما فسرناه، بشره باسحاق ولدا له آخر، نعمة عليه مجددة لما فعل من المسارعة إلى ما أمره الله به وصبره على احتمال المشقة فيه، وبين انه نبيا من الصالحين، وأنه بارك عليه يعني على يعقوب وعلى إسحاق وخلق من ذريتهما الخلق الكثير، فمنهم محسن بفعل الطاعات ومنهم ظالم لنفسه بارتكاب المعاصي بسوء أختياره، مبين أي بين ظاهر. ثم اقسم تعالى بأنه من على موسى وهارون أي انعم عليهما نعمة قطعث عنهما

[ 522 ]

كل اذبة، فأصل المن القطع من قوله * (فلهم أجر غير ممنون) * (1) أي غير مقطوع، وحل منين متقطع والمنية الموت، لانها قاطعة عن تصرف الحي والبركة ثبوت الخير النامي على مرور الاوقات فبركته على إبراهيم واسحاق باللطف في دعائهما إلى الحق، وبالخبر عن أحوال جليلة في التمسك بطاعة الله * (ونجيناهما وقومهما) * ومعناه إنا خلصنا موسى وهارون، ومن كان آمن بهما * (من الكرب العظيم) * أي الاذى الذي كان يؤذونهم بأن أهلك الله فرعون وقومه وغرقهم * (ونصرناهم) * يعني موسى وهارون وقومهما، * (فكانوا هم الغالبين) * لاعدائهم بالحجج الظاهرة وبالقهر، من حيث أن الله غرق أعداءهم * (وآتيناهما) * يعني موسى وهارون * (الكتاب المستبين) * يعني التوراة الداعي إلى ما فيه من البيان بالمحاسن التي تظهر منه في الاستماع، فكل كتاب لله بهذه الصفة من ظهور الحكمة فيه * (وهديناهما الصراط المستقيم) * يعني أرسلنا موسى وهارون ودللناهما على الطريق المؤدي إلى الحق الموصل إلى الجنة باخلاص الطاعة لله تعالى. وقال قتادة: الطريق المستقيم الاسلام * (وتركنا عليهما في الآخرين) * أي الثناء الجميل. بأن قلنا * (سلام على موسى وهارون) * كما قلنا * (سلام على نوح في العالمين) * (2). ثم اخبر تعالى ان مثل ما فعل لهما يفعل بالمحسنين المطيعين ويجزيهم بمثل ذلك على طاعاتهم، ودل ذلك على ان ما ذكره الله كان على وجه الثواب على الطاعات لموسى وهارون ومن تقدم ذكره، لان لفظ الجزاء يفيد ذلك. ثم اخبر ان موسى من جملة عباده المصدقين بجميع ما اوجبه الله عليهم العالمين بذلك.


(1) سورة 95 التين آية 6 (2) آية 79 من هذه السورة (*)

[ 523 ]

قوله تعالى: * (وإن إلياس لمن المرسلين (123) إذ قال لقومه ألا تتقون (124) أتدعون بعلا وتذرون أحسن الخالقين (125) الله ربكم ورب آبائكم الاولين (126) فكذبوه فانهم لمحضرون (127) إلا عباد الله المخلصين (128) وتركنا عليه في الآخرين (129) سلام على إل ياسين (130) إنا كذلك نجزي المحسنين (131) إنه من عبادنا المؤمنين) * (132) عشر آيات. قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر * (الله ربكم ورب آبائكم) * نصبا. الباقون بالرفع. من نصب جعله بدلا من قوله * (أحسن الخالقين) * ومن رفع استأنف الكلام، وقرأ نافع وابن عامر ويعقوب * (سلام على آل ياسين) * على إضافة (آل) إلى (ياسين). الباقون * (على ألياسين) * موصولة. من أضاف اراد به على آل محمد صلى الله عليه واله لان (يس) اسم من اسماء محمد على ما حكيناه. وقال بعضهم: أراد آل الياس عليه السلام. وقال الجبائي اراد أهل القرآن، ومن لم يضف أراد الياس. وقال: الياسين، لان العرب تغير الاسماء العجمية بالزيادة كما يقولون: ميكائيل وميكائين، وميكال وميكائل، وفي أسماعيل اسماعين قال الشاعر: يقول اهل السوق لماجينا * هذا ورب البيت اسرائينا (1)


(1) تفسير الطبري 23 / 55 (*)

[ 524 ]

وفي قراءة عبد الله * (وإن إدريس لمن المرسلين سلام على إدراسين) * وقيل أيضا إنه جمع، لانه اراد الياس ومن آمن معه من قومه، وقال الشاعر: قدني من نصر الخبيبين قدي (1) فجعل ابن الزبير أبا خبيبا ومن كان على رأيه عددا ولم يضفهم بالياء فيقول: خبيبين، فخفف في الشعر مثل الاشعرين، وكما قالوا: سيرة العمرين وخير الزهدمين، وإنما أحدهما زهدم والآخر كردم. وقال قوم: تقديره على * (آل ياسين) * فخفف، لانه أراد الياسا وقومه، كما قالوا: الاشعرون والمهليون. قال الشاعر: انا ابن سعد اكرم السعدينا. وكلهم قرأ * (وإن الياس) * بقطع الهمزة إلا ان أبا عامر، فانه فصل الهمزة وأسقطها في الدرج، فإذا ابتدأ فتحها، قال أبو علي النحوي: يجوز أن يكون حذف الهمزة حذفا، كما حذفها أبو جعفر في قوله * (إنها لاحدى الكبر) * (2) ويحتمل أن تكون الهمزة التي تصحب لام التعريف، وهي تسقط في الدرج، وأصله (ياس). اخبر الله تعالى أن الياس من جملة من أرسله الله إلى خلقه نبيا داعيا إلى توحيده وطاعته حين * (قال لقومه ألا تتقون) * الله بترك معاصيه وفعل طاعاته، فاللفظ لفظ الاستفهام والمراد به الانكار، كما يقول القائل ألا تتقي الله يا فلان في أن تظلم أو تزني، وما اشبه ذلك، وإنما يريد بذلك الانكار. ثم قال لهم * (أتدعون بعلا) * قال الحسن والضحاك وابن زيد: المراد بالبعل - ههنا - صنم كانوا يعبدونه، والبعل في لغة اهل اليمن هو


(1) تفسير القرطبي 15 / 118 (2) سورة 74 المدثر آية 35 (*)

[ 525 ]

الرب، يقولون من بعل هذا الثوب أي من ربه - وهو قول عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي - ويقولون: هو بعل هذه الدابة أي ربها، كما يقولون: رب الدار ورب الفرس، وزوج المرأة بعلها، والنخل والزرع إذا استقى بماء السماء فهو بعل، وهو العذي، خلاف السقي. والاصل في الرب المالك فالزوج رب البضع، لانه مالكه. ومعنى الآية أتدعون بالالهية صنما عادلين عن أحسن الخالقين، وهذا إنكار عليهم أن يعتقدوا أن غير الله إله أو يقولون لغيره يا إلهي. وقال قتادة: الياس وهو إدريس، وقال ابن اسحاق: هو من ولد هارون، وهو اسم نبي وهو أعجمي، فلذلك لم ينصرف، ولو جعل (افعالا) من الاليس وهو الشجاع الجرئ لجاز. ثم بين لهم الذي هو أحسن الخالقين، فقال * (الله ربكم الذي خلقكم ورب آبائكم) * أي الذي دبركم وخلقكم، وخلق آباءكم * (الاولين) * يعني من مضى من آبائكم وأجدادكم. ثم حكى ان قومه كذبوه ولم يصدقوه، وأن الله أهلكهم وأنهم لمحضرون عذاب النار. ثم استثنى من جملتهم عباده الذين اخلصوا عبادتهم لله وبين انه أثنى عليهم في آخر الامم بأن قال * (سلام على ألياسين) * وآل محمد صلى الله عليه واله هم كل من آل إليه بحسب أو بقرابة، وقال قوم: آل محمد كل من كان على دينه، ولا خلاف بين النحويين أن اصل (آل) اهل فغلبوا الهاء همزة وجعلوها مدة لئلا يجتمع ساكنان، ألا ترى أنك إذا صغرت قلت أهيل ولا يجوز أويل، لانه رد إلى الاصل لا إلى اللفظ. وقوله * (افلا تعقلون) * معناه تتدبرون وتتفكرون في ما نزل بهؤلاء

[ 526 ]

القوم وتعتبرون به لتجتنبوا ما كانوا يفعلونه من الكفر والضلال. وفي قوله * (لمحضرون) * حذف، لان تقديره فانهم لمحضرون العقاب واليم العذاب لتكذيبهم والجزاء بما تقتضيه الحكمة فيهم. وهذا الابهام تغليظ في الوعيد بالعذاب، لانه لعظمه معلوم لا يخفى أمره، ووجه الحجة عليهم في قوله * (ورب آبائكم الاولين) * انه إذا كان الرب واحدا وجب اخلاص العبادة لواحد، لانه الذي يملك الضر والنفع في جميع الامور، وذلك يبطل عبادة الاوثان. ثم قال كما جازينا هؤلاء بهذا الجزاء وهو ان أثنينا عليهم في آخر الامم مثل ذلك نجزي من فعل الطاعات واجتنب المعاصي. ثم اخبر ان الياس كان جملة عباده المصدقين بجميع ما اخبر الله به من وعد ووعيد وغير ذلك، العاملين بما اوجب الله عليهم. قوله تعالى: * (وإن لوطا لمن المرسلين (133) إذ نجيناه وأهله أجمعين (134) إلا عجوزا في الغابرين (135) ثم دمرنا الآخرين (136) وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (137) وبالليل أفلا تعقلون (138) وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون (140) فساهم فكان من المدحضين (141) فالتقمه الحوت وهو مليم (142) فلولا أنه كان من المسبحين (143)

[ 527 ]

للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) فنبذناه بالعراء وهو سقيم (145) وأنبتنا عليه شجرة من يقطين (146) وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) فآمنوا فمتعناهم إلى حين) * (148) ست عشرة آية. أخبر الله تعالى أن لوطا كان من جملة من أرسله الله نبيا إلى خلقه داعيا لهم إلى طاعة الله ومنبها لهم على وجه وحدانيته، وإن قومه كذبوه وجحدوا نبوته فأهلكهم الله ونجا لوطا وأهله اجمعين، واستثنى من جملة اهله الناجين (عجوزا) أهلكها الله، لكونها على مثل ما كان قومه عليه * (في الغابرين) * أي في الباقين الذين اهلكوا، فالغابر الباقي قليلا بعد ما مضى، ومنه الغبار، لانه يبقى بعد ذهاب التراب قليلا. والتغبير التلحين لانه يبقى الصوت فيه بالترديد قليلا، ومنه قول الشاعر: به غبر من دأبه وهو صالح ثم انه لما نجى لوطا وأهله وخلصهم، دمر الآخرين من قومه. والتدمير الاهلاك على وجه التنكيل دمر عليهم إذا غير حالهم إلى حال التشويه، فالله تعالى اهلك قوم لوط بما أرسل عليهم من الحجارة، وبما فعل بهم من انقلاب قراهم. وقوله * (وإنكم لتمرون عليهم مصبحين وبالليل أفلا تعقلون) * توبيخ من الله للكفار الذين عاصروا النبي صلى الله عليه واله وتعنيف لهم على ترك اعتبارهم وإيقاظهم بمواضع هؤلاء الذين أهلكهم الله ودمر عليهم مع كثرة مرورهم

[ 528 ]

عليها صباحا ومساء وليلا ونهارا. وفي كل وقت. ومن كثر مرورهم بمواضع العبرة فلم يعتبر كان الوم ممن قل ذلك منه. وقوله * (أفلا تعقلون) * معناه أفلا تتدبرون فتتفكرون في ما نزل بهؤلاء القوم من الكفر والضلال. وقيل: وجه القصص وتكريرها، كتشويق إلى مثل ما كانوا عليه من مكارم الاخلاق ومحاسن الافعال وصرف الناس عن مساوي الاخلاق وقبائح الافعال قال الشاعر: تلك المكارم لاقعبان من لبن * شيبا بماء فعادا بعد أبو الا ثم قال تعالى مخبرا عن يونس عليه السلام انه كان من جملة من أرسل الله إلى خلقه وجعله نبيا يدعو إلى توحيده وخلع الانداد دونه. وقوله * (إذ أبق إلى الفلك المشحون) * معناه حين هرب إلى السفن المملوءة، فالاباق الفرار، فالآبق الفار إلى حيث لا يهتدي إليه طالبه يقال: أبق العبد يأبق أباقا فهو آبق إذا فر من مولاه. والآبق والهارب والفار واحد. قال الحسن: فر من قومه * (إلى الفلك المسثحون) * أي المحمل الموقر. وقوله * (فساهم) * قال ابن عباس معناه قارع، وهو قول السدي * (فكان من المدحضين) * قال مجاهد: يعني من المسهومين، والمساهمة المقارعة، فلما ساهم يونس قومه وقع السهم عليه، فالقي في البحر، فالتقمه الحوت، فكان من المدحضين، قال الحسن كان من المقروعين. وقيل: معناه فكان من الملقين في البحر، والدحض الزلق لانه يسقط عنه المار فيه. ومنه قوله * (حجتهم داحضة) * (1) أي ساقطة، ودحض يدحض دحضا فهو داحض، وأدحضته ادحاضا، وقيل: كان يونس عليه السلام قد توعدهم بالعذاب


(1) سورة 42 الشوري آية 16 (*)

[ 529 ]

ان أقاموا على ما هم عليه، فلما رأوا مخايل العذاب واماراته دعوا الله أن يكشف عنهم وتابوا إليه، فكشفه. وكان يونس قد خرج قبل ان يأمره الله - عز وجل - بالخروج من بين قومه استظهارا، فلما كشف الله عنهم لام نفسه على الخروج ومضى على وجهه إلى ان ركب البحر. وقيل: إنما تساهموا لانهم أشرفوا على الغرق فرأوا ان طرح واحد أيسر من غرق الجميع. وقيل: لا بل لما رأوا الحوت قد تعرضت لهم، قالوا فينا مذنب مطلوب فتقارعوا فلما خرج على يونس رموا به في البحر فالتقمه الحوت. ومعناه ابتلعه يقال التقمه التقاما ولقم يلقم لقما وتلقم تلقما. وقوله * (وهو مليم ؟ معناه أتى بما يلام عليه، وإن وقع مكفرا عند من قال بتجويز الصغائر على الانبياء، وعندنا قد يلام على ترك الندب، يقال ألام الرجل إلامة فهو مليم، وقال مجاهد وابن زيد: المليم المذنب قال لبيد: سفها عذلت ولمت غير مليم * وهداك قبل اليوم غير حكيم (1) ثم قال * (فلولا أنه كان من المسبحين) * قال قتادة: كان من المصلين في حال الرخاء فنجاه الله من البلاء. وقال سعيد بن جبير: كان يقول لا إله إلا انت سبحانك إني كنت من الظالمين، والتسبيح التنزيه عما لا يليق ولا يجوز في صفته، ويقال: سبح الله يسبح تسبيحا إذا قال: سبحان الله معظما له بما هو عليه من صفات التعظيم نافيا عنه مالا يليق به ولا يجوز عليه من صفات المخلوقين والمحتاجين.


(1) مجاز القرآن 2 / 174 واللسان (لوم) (*)

[ 530 ]

وقوله * (للبث في بطنه إلى يوم يبعثون) * إخبار منه تعالى انه لو لا تسبيح يونس لتركه إليه أي كان يبقى في بطنه إلى يوم القيامة الذي يحشر الله فيه الخلائق، وقوله * (فنبذناه بالعراء وهو سقيم) * إخبار منه تعالى انه لما اراد تخليصه طرحه بالعراء وهو الفضاء الذي لا يواريه شجر ولا غيره. قال الشاعر: فرفعت رجلا لا اخاف عثارها * ونبذت بالبلد العراء ثيابي (1) وقال السدي: لبث في بطن الحوت اربعين يوما * (وهو سقيم) * أي هو مريض حين القاه الحوت. ثم اخبر تعالى انه انبت عليه شجرة من يقطين تكنه من حر الشمس. اليقطين كل شجرة ليس لها ساق يبقى من الشتاء إلى الصيف، فهي يقطين وقال ابن عباس وقتادة: هو القرع. وقال مجاهد وسعيد بن جبير كل شجر لا يقوم على ساق كالبطيخ والدبا والقرع فهو يقطين. وهو تفعيل من قطن بالمكان إذا اقام إقامة زائل لا إقامة راسخ كالنخل والزيتون ونحوه والقطاني من الحبوب التي تقيم في البيت، قال أمية بن ابي الصلت. فانبت يقطينا عليه برحمة * من الله لولا الله القى ضاحيا (2) وروي عن ابن عباس ان اليقطين كل شجرة لها ورق عريض. وقوله * (وأرسلناه إلى مئة الف أو يزيدون) * قيل: أرسل الله يونس إلى أهل نينوى من أرض الموصل - في قول قتادة - وقال ابن عباس: كانت رسالته بعدما نبذه الحوت، فيجوز على هذا انه أرسل إلى قوم بعد قوم ويجوز أن يكون ارسل إلى الاولين بشريعة فآمنوا بها. وقيل: إن قوم يونس لما رأوا إمارات العذاب ولم يكونوا قد بلغوا حد الاجبار واليأس من البقاء


(1) مجاز القرآن 2 / 175 واللسان (عمرا) (2) تفسير الطبري 23 / 59 (*)

[ 531 ]

آمنوا، وقبل الله إيمانهم، لانهم لو كانوا حصلوا في العذاب لكانوا ملجئين ولما صح إيمانهم على وجه يستحق به الثواب. وقوله * (أو يزيدون) * قيل في معنى * (أو) * ثلاثة اقوال: احدها - ان تكون بمعنى الواو، وتقديره إلى مئة الف وزيادة عليهم. الثاني - ان تكون بمعنى (بل) على ما قال ابن عباس. الثالث - ان تكون بمعنى الابهام على المخاطبين، كأنه قال أرسلناه إلى احدى العدتين. ثم حكى تعالى عنهم أنهم آمنوا بالله وأقروا له بالوحدانية وراجعوا التوبة، وكشف الله عنهم العذاب ومتعهم إلى وقت فناء آجالهم، فالتمتيع والامتاع هو التعريض للمنافع الحاصلة كالامتاع بالبساتين والرياض وشهي الطعام والشراب. قوله تعالى: * (فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (149) أم خلقنا الملئكة إناثا وهم شاهدون (150) ألا إنهم من إفكهم ليقولون (151) ولد الله وإنهم لكاذبون (152) أصطفى البنات على البنين (153) مالكم كيف تحكمون (154) أفلا تذكرون (155) أم لكم سلطان مبين (156) فأتوا بكتابكم إن كنتم صادقين (157) وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (158) سبحان الله عما يصفون (159) إلا عباد الله المخلصين) * (160)

[ 532 ]

اثنتا عشرة آية. كلهم قرأ * (أصطفى) * بفتح الهمزة إلا ورشا واسماعيل عن نافع، فانهما وصلاه على الخبر. وبه قرأ أبو جعفر قال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون على تقدير لكاذبون في قولهم قالوا: اصطفى، ويجوز ان يكون اصطفى النبات على ما يقولونه، والوجه قطع الهمزة، لانه على وجه التقريع، ويقويه قوله * (أم اتخذ مما يخلق بنات) * قال قتادة والسدي: ان قريشا كانت تقول: الملائكة بنات الله تعالى، فأمر الله نبيه صلى الله عليه واله أن يستفتهم بمعنى ان يطلب الحكم منهم في هذه القضية على وجه التقريع لهم والتوبيخ على قولهم بأن يقول لهم ألربكم البنات ؟ ! يعني كيف يقولوا لربك البنات يا محمد ولهم البنون ؟ ومن أين علموا ان الملائكة إناثا اشاهدوا خلق الله لهم ؟ ! فرأوهم اناثا ؟ فانهم لا يمكنهم ادعاء ذلك. ثم اخبر تعالى فقال * (ألا انهم من إفكهم) * أي من كذبهم - في قول قتادة والسدي - هذا القول.، وهو ان يقولوا * (ولد الله. وإنهم لكاذبون) * في هذا القول. ثم قال * (آصطفى البنات على البنين) * من قطع الهمزة أراد الانكار بلفظ الاستفهام، والمعنى كيف يكون هذا، وكيف يختار البنات على البنين، ومن وصل الهمزة اراد الاخبار بذلك، فالاصطفاء إخراج الصفوة من الشئ، وهي خالصه. وإنما يصطفي الله تعالى افضل الاشياء، ومن اصطفى الادون على الافضل مع القدرة على الاعلى كان ناقصا. والله تعالى لا يليق بصفات النقص في اصطفاء النبات على البنين مع استحالة اتخاذ الولد عليه، لما في ذلك من معنى التشبيه، لانه إنما يتخذ

[ 533 ]

الولد من يجوز أن يكون مثل ذلك ولد له، ولذلك لا يجوز أن يتخذ الشاب شيخا ولدا، ولا أن يتخذ الانسان بعض البهائم ولدا، لما لم يكن ذلك ممكنا، فإذا أستحال الولد عليه تعالى، فما هو مشبه به أولى بأن يستحيل عليه. وأصل (اصطفى) (اصتفى) فقلبت التاء طاء لتعدل الحروف في الاطباق والاستعلاء بما هو من مخرج التاء، فالطاء وسط بين الحرفين لمناسبتها التاء بالمخرج، والصاد بالاستعلاء والاطباق. قوله * (مالكم كيف تحكمون) * تهجين لهم بوضعهم الشئ في غير موضعه لانهم وضعوه موضع الحكمة، وليس الامر كذلك إذ انتم على فاحش الخطأ الذي يدعو إليه الجهل. وقوله * (أم لكم سلطان مبين) * معناه هل لكم حجة ظاهرة وبرهان بين في ما تدعونه وتحكمون به. وسمي البرهان سلطانا، لانه يتسلط به على الانكار لمخالفة الحق والصواب. والبيان إظهار المعنى للنفس. ثم قال على وجه الانكار عليهم * (فأتوا بكتابكم) * إن كان معكم حجة من كتاب انزله الله اليكم فهاتوه * (إن كنتم صادقين) * في هذا القول، فانهم لا يقدرون على ذلك ابدا. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء الكفار أنهم * (جعلوا بينه وبين الجنة نسبا) * قال الحسن: اشركوا الشيطان في عبادة الله، فهو النسب الذي جعلوه. وقال قوم: بل لانهم قالوا: إنه تعالى تزوج من الجن - تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا - وقيل: سميت الملائكة جنة لاستتارهم عن العيون. ومعنى الآية أن هؤلاء الكفار بجعلهم الملائكة بنات الله جعلوا بينه وبينهم نسبا، وهو قول مجاهد وقتادة. ثم قال تعالى على وجه الرد عليهم * (ولقد علمت الجنة انهم لمحضرون) *

[ 534 ]

وقال مجاهد وقتادة: قال ذلك لانهم علموا أنهم يحضرون الحساب. وقال السدي: علموا أن قائل هذا القول يحضر الحساب والعذاب. ثم نزه تعالى نفسه عن قولهم وصفتهم، فقال * (سبحان الله عما يصفون إلا عباد الله المخلصين) * استثنى عباده الذين أخلصوا نفوسهم فوجهوا العبادة إليه تعالى ووصفوه بما يليق به من جملة الكفار القائلين بمالا يليق به. قوله تعالى: * (فانكم وما تعبدون (161) ما أنتم عليه بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) وما منا إلا له مقام معلوم (164) وإنا لنحن الصافون (165) وإنا لنحن المسبحون (166) وإن كانوا ليقولون (167) لو أن عندنا ذكرا من الاولين (168) لكنا عباد الله المخلصين (169) فكفروا به فسوف يعلمون) * (170) عشر آيات. قرأ الحسن * (صائل الجحيم) * بالرفع وهي تحتمل شيئين: احدهما. الجمع. والثاني - القلب، كقولهم: شاك، وشائك في السلاح، وهار وهائر. الباقون * (صال) * بكسر اللام على وزن (فاعل). هذا خطاب من الله تعالى للكفار الذين كانوا يعبدون الاصنام بأن قال لهم * (فانكم وما تعبدون) * فموضع (ما) نصب عطفا على الكاف والميم، وهو في موضع نصب ب‍ (أن) والتقدير إنكم يا معشر الكفار والذين تعبدونه

[ 535 ]

* (ما انتم عليه بفاتنين) * وقال الفراء: تقديره، وإنكم وآلهتكم ما أنتم عليه بفاتنين أي بمفتنين * (وما انتم عليه) * أي وما أنتم على ذلك الدين بمصلين عليه وبه وله سواء في المعنى. وأهل نجد يقولون: أفتنت، وأهل الحجاز فتنت أي لستم عليه بفاتنين، والفاتن الداعي إلى الضلالة بتزيينه له، فكل من دعا إلى عبادة غير الله بالاغواء والتزيين فاتن، لانه يخرجه إلى الهلاك، وأصل الفتنة من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخرجته إلى حال الخلاص * (وفتناك فتونا) * (1) أي أخرجناك بالامر الحق إلى حال الخلاص. وقوله * (إلا من هو صال الجحيم) * أي لستم تفتنون إلا من يصلى الجحيم، ومعناه إلا من يلزم النار ويحترق بها، ومنه المصطلي، وهو المستدفئ بالنار، ومنه الصلاة للزوم الدعاء فيها، والمصلي الذي يجئ بعد السابق للزومه أثره. والمعنى ان من يقبل من هذا الفاتن وينقاد له، فهو يصلى الجحيم وقوله * (وما منا إلا له مقام معلوم) * معناه ما منا ملك إلا له مقام، فحذف ومعناه لا يتجاوز ما أمر به ورتب له، كما لا يتجاوز صاحب المقام مقامه الذي حد له، فكيف يجوز ان يعبد من هو بهذه الصفة، وهو عبد مربوب ووصف المقام بأنه معلوم، لانه معلوم لله على ما تقتضيه الحكمة، وهو محدود لا يتجاوز ما علم منه ولا يخرج منه. وقوله * (وإنا لنحن الصافون) * قيل: صافون حول العرش ينتظرون الامر والنهي من الله تعالى، وقيل: الصافون في الصلاة: وقوله * (وإنا لنحن المسبحون) * معناه المصلون من قولهم: فرغت من سبحتي أي من


(1) سورة 20 طه آية 40 (*)

[ 536 ]

صلاتي، وسميت الصلاة تسبيحا لما فيها من تسبيح الله وتعظيم عبادته. و (المسبحون) القائلون سبحان الله على وجه التعظيم له تعظيم العبادة، وقوله * (وإن كانوا ليقولون) * ف‍ (إن) هذه المخففة من الثقيلة بدلالة دخول اللام في خبرها، كما قال * (وإن ربك ليحكم بينهم) * (1) ويلزمها هذه اللام ليفرق بين (إن) الثقيلة والخفيفة التي للجحد في مثل قوله * (إن الكافرون إلا في غرور) * (2) والمعنى إن هؤلاء الكفار كانوا يقولون * (لو ان عندنا ذكرا) * أي كتابا فيه ذكر من كتب الاولين الذي أنزله على انبيائه. وقيل: يعني علما يسمى العلم ذكرا، لان الذكر من اسبابه، فسمى بأسمه * (من الاولين) * الذين تقدمونا وما فعل الله بهم * (لكنا) * نحن ايضا من * (عباد الله المخلصين) * الذين أخلصوا العبادة له، فجعلوا العذر في امتناعهم من الايمان أنهم لا يعرفون اخبار من تقدمهم، وهل حصلوا في جنة أو نار، فقال الله تعالى * (فكفروا به) * يعني بالذكر، لانهم طلبوا كتابا كما للاولين التوراة دالا على توحيد الله، فلما جاءهم القرآن كفروا به، وبمن جاء بالقرآن - في قول ابن عباس والسدي - فهددهم الله على هذا، الكفر فقال * (فسوف يعلمون) * في ما بعد إذا عاقبناهم بعقاب النيران. قوله تعالى: * (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) فتول عنهم


(1) سورة 16 النحل آية 124 (2) سورة 67 الملك آية 20 (*)

[ 537 ]

حتى حين (174) وأبصرهم فسوف يبصرون (175) أفبعذابنا يستعجلون (176) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (177) وتول عنهم حتى حين (178) وأبصر فسوف يبصرون (179) سبحان ربك رب العزة عما يصفون (180) وسلام على المرسلين (181) والحمد لله رب العالمين) * (182) اثنتا عشرة آية بلا خلاف. اقسم الله تعالى، لان هذه اللام لام القسم بأنه * (سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين) * الذين بعثهم الله إلى خلقه * (أنهم هم المنصرون) * سينصرون بنصرهم على أقوامهم بالحجج وإنما قدم الله تعالى الكلمة للمرسلين بأنهم سينصرون، لما في ذلك من اللطائف للملائكة والسامعين لها، وسميت جملة من الكلام بانها كلمة لانعقاد بعض معانيه ببعض حتى صار يلحقه صفة التوحيد كخبر واحد وقضية واحدة. وقال السدي: النصر للمرسلين بالحجة لان منهم من قتل. وقال الحسن: ما غلب نبي في حرب، ولا قتل قط. ثم اخبر تعالى أن جنود الله للكفار لغالبون أي يقهرونهم تارة بالحجة واخرى بالقتل. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (فتول عنهم) * يعني اعرض عن هؤلاء الكفار * (حتى حين) * إلى ان آمرك بقتالهم، يعني يوم بدر - في قول السدي - وقال قتادة: إلى الموت. وقال قوم: إلى يوم القيامة. وقال قوم: إلى انقضاء مدة الامهال.

[ 538 ]

وقوله * (وابصرهم فسوف يبصرون) معناه انظرهم فسوف يرون العذاب - في قول ابن زيد - وقال غيره أبصر حالهم بقليل. وقيل: ابصرهم في وقت البصر، وفي الآية دلالة على المعجز، لانه تعالى وعد نبيه بالنصر، فكان الامر على ما قال. وقوله * (أفبعذابنا يستعجلون) * معناه الانكار عليهم بأنهم يطلبون العذاب عاجلا قبل وقته. ثم قال * (فإذا نزل) * يعني العذاب * (بساحتهم) * أي بفنائهم فساء صباح المنذرين أي بئس الصباح صباح من خوف وحذر، فلم يحذر، ولم يخف، فالساحة ناحية الدار، وهو فناؤها، وهو الفناء الواسع فلذلك وصف بأنه نازل به العذاب لعظمه ولا يسعه إلا الساحة ذات الفناء الواسع. وقال السدي: نزل بساحتهم أي بدارهم وساء إذا كانت بمعنى بئس لا تتصرف مثل هذه. ومثل قوله * (ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا) * (1) ولو كان بمعنى الاخبار المحض لجاز أن يقال: ساءه يسوءه سوءا أي اوقع به ما يسوءه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه واله * (فتول عنهم حتى حين) * أي اعرض عنهم إلى حين وقد فسرناه. و * (ابصر فسوف يبصرون) * وقد مضى معناه، وإنما كرر لانهما عذابان عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فكأنه قال وابصرهم في عذاب الآخرة وابصرهم في عذاب الدنيا. ثم قال " سبحان ربك رب الغرة عما يصفون " أي التنزيه لربك عما لا يليق به من الصفات، ربك الذي خلقك ويملك التصرف فيك رب العزة يعني العزة التي يعز الله بها الانبياء والمرسلين، رهي صفة القادر الذي


(1) سورة 7 الاعراف آية 176 (*)

[ 539 ]

لا يضام ولا يرام، فالعزة لله - جل عز - وهو ربها، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ منها، ولا من غيرها جل وعلا " عما يصفون " يعني ما يصفه به الكفار من اتخاذ الاولاد واتخاذ الشريك " وسلام على المرسلين " الذين أرسلهم الله إلى عباده " والحمد لله رب العالمين " أي والشكر والحمد لله الذي خلق جميع العالم وملك التصرف فيهم.

[ 540 ]

38 - سورة ص هي مكية في قول مجاهد وقتادة والحسن ليس فيها ناسخ ولا منسوخ وهي ثمان وثمانون آية في الكوفي وخمس وثمانون في البصري وست في المدني. بسم الله الرحمن الرحيم * (ص والقرآن ذي الذكر (1) بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (3) وعجبوا أن جاءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب (4) أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشئ عجاب) * (5) خمس آيات. قرأ الحسن (صاد) بكسر الدال. وقال عيسى بن عمر بفتحها. الباقون بالوقف، وهو الصحيح، لان حروف الهجاء يوقف عليها. ومن كسر

[ 541 ]

فلاجتماع الساكنين. وقيل: إنه جعل من المصاداة وهي المعارضة. ومن فتح فلان الفتحة أخف من الكسرة، ولم يعدوا (صاد) آية، لانه يشبه الاسم المفرد في انه على ثلاثة احرف في هجاء حروف المعجم، نحو (باب، وذات، وناب) وإنما يعد آية ما يشبه الجملة وشاكل آخره رؤس الآي التي بعده بالردف ومخرج الحروف. وليس - ههنا - شئ من ذلك. واختلفوا في معنى (صاد) فقال قوم: هو اسم السورة على ما أخبرناه في ما مضى. وقال ابن عباس: هو اسم من اسماء الله أقسم به. وقال السدي: هو من حروف المعجم. وقال الضحاك: معناه صدق، وقال قتادة: هو اسم من اسماء القرآن اقسم الله تعالى به. وقال الحسن: هو من المصاداة وهو (صاد) بالكسر أمر للنبي صلى الله عليه واله أي عارض القرآن بعملك (والقرآن) قسم. فلذلك جر " ذي الذكر " قال ابن عباس: ذي الشرف، وقال الضحاك وقتادة: ذي التذكر. وقيل: معناه ذى الذكر للبيان والبرهان، المؤدي إلى الحق الهادي إلى الرشد الرادع عن الغي، وفيه ذكر الادلة التي من تمسك بها سعد. ومن عدل عنها شقي. ومن عمل بها نجا. ومن ترك العمل بها هلك. واختلفوا في جواب القسم، فقال قوم: هو محذوف وتقديره لجاء الحق وظهر، لان حذف الجواب في مثل هذا أبلغ، لان الذكر يقصر المعنى على وجه. والحذف يصرف إلى كل وجه فيعم. وقال قوم: جوابه ما دل عليه قوله " بل الذين كفروا " كأنه قال: والقرآن ذي الذكر ما الامر على ما قالوا - ذكر ذلك قتادة - وقال الفراء والزجاج: الجواب (كم) وتقديره لكم أهلكناه، فلما طال الكلام حذفت اللام وصارت (كم) جوابا للقسم

[ 542 ]

واليمين. ومثله قوله " ونفس وما سواها فألهما " (1) فصارت " قد افلح " تابعة لقوله " فألهمها " وكفى عن جواب القسم، وكأنه قال: والشمس وضحاها. لقد افلح، وقال قوم: الجواب قوله " إن ذلك لحق تخاصم أهل النار " إلا انه قد بعد عن أول الكلام. وقوله " بل الذين كفروا في عزة وشقاق " اخبار منه تعالى أن هؤلاء الكفار قد مكنهم واعطاهم القوة ليقووا بها على الطاعات، فتقووا - بسوء اختيارهم - بها على المعاصي وعلى دفع الحق الذي اتاهم وصاروا في شق غير شق رسولهم الذي من قبل ربهم. ثم اخبر تعالى انه اهلك أمما كثيرة قبل هؤلاء الكفار حين عصاه الذين كفروا، فلما نزل بهم العذاب نادوا واستغاثوا " ولات حين مناص " معناه لات حين فرار من العذاب. وقيل: المناص المنجاة يقال: ناص ينوص نوصا إذا تأخر وباص يبوص بوصا إذا تقدم قال امرؤ القيس: أمن ذكر ليلى ان ناتك تنوص * فتقصر عنها خطوة وتبوص (2) ونصب (لات حين) لانها مشبة ب‍ (ليس) من جهة أنها نفي ولا تعمل إلا في (الحين) خاصة لضعف الشبه عن منزلة (ما) إذ كانت (ما) تشبه (ليس) من جهة النفي والحال قال الشاعر: تذكر حب ليلى لات حينا * واضحى الشيب قد قطع القرينا (3) والوقف على (لات) بالتاء على قياس نظيرها من (ثمت، وربت) لان ما قبلها ساكن - وهو قول الفراء - والكسائي يقف بالهاء (لاه) يجعل الالف


(1) سورة 91 الشمس آية 7 (2) تفسير القرطبي 15 / 146 (3) تفسير القرطبى 15 / 147 (*)

[ 543 ]

في نية الحركة. ومن زعم انه (لا تحين) موصوله، فقد غلط، لانها في المصحف وتأويل العلماء مفصولة. وقيل: ان (مناص) جر ب‍ (لات) وانشدوا لابي زيد. طلبوا صلحنا ولات اوان * فاجبنا أن ليس حين بقاء (1) وقال الزجاج: انشده أبو العباس بالرفع، وقد روي بالكسر. وقال الزجاج: من كسر رأى ان يجعله مبنيا بمنزلة نداء ذلك الاقوام وبناه، فحذف المضاف إليه وكسر دون ان يضم، لانه نونه، فأجراه على نظائره من المنون المبني وأراد ولات أوانا. ثم اخبر تعالى ان الكفار عجبوا " حين جاءهم منذر " أي مخوف من جهة الله يحذرهم معاصيه ويدعوهم إلى طاعته، وقالوا: هذا شئ عجاب، وعجيب وعجاب وعجاب بمعنى واحد، مثل كريم وكرام، فعجب هؤلاء الكفار من أن الله بعث نبيهم وهو منهم، وقالوا: كيف خص بذلك، وليس باشرفنا ولا اغنانا. وقيل: إن أبا جهل وجماعة من أشراف قريش مشوا إلى أبي طالب وشكوا إليه النبي صلى الله عليه واله وقالوا له: قد سفه احلامنا وشتم الالهة، فدعاه أبو طالب وقال له: ما لا هلك يشكونك، فقال النبي صلى الله عليه واله أدعوهم إلى كلمتين حقيقتين يسودون على العرب بها، ويؤدى الخراج إليهم بها العجم، فقال أبو جهل وغيره: ما هما فقال صلى الله عليه واله: تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله: فقال أبو جهل: أتجعل الالهة إلها واحدا ؟ ! فانزل الله الآية.


(1) تفسير القرطبى 15 / 147 (*)

[ 544 ]

قوله تعالى: * (وانطلق الملا منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشئ يراد (6) ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق (7) أأنزل عليه الذكر من بيننا بل هم في شك من ذكري بل لما يذوقوا عذاب (8) أم عندهم خرائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السموات والارض وما بينهما فليرتقوا في الاسباب) * (10) خمس آيات في الكوفي واربع في الباقي. اخبر الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم انهم انطلقوا اي ذهبوا فالانطلاق ذهاب بسهولة، ومنه طلاقة الوجه وهي سهولة وبشر خلاف العبوس وقوله " أن امشوا " قال الزجاج: أي بهذا القول، وتقديره بأن امشوا وقال قوم: معنى (أن) أي التي للتفسير لانه صار انطلاقهم لدلالته على هذا المعنى بمنزلة الناطق به، كما يقولون: قام يصلي أي أنا رجل صالح. وقال بعضهم: معناه الدعاء لهم بأن يكثر ماشيتكم، وهذا باطل لفظا ومعنى فاللفظ لانه لو كان كما قالوه لكانت الهمزة من (أن امشوا) إذا أمر منها مفتوحة، لانه من امشى يمشي إذا كثرت ماشيته والامر منه امشوا بقطع الهمزة، والقراءة بكسرها، قال الشاعر:

[ 545 ]

وكل فتى وإن أثرى وامشي * ستسلخه من الدنيا المنون (1) واما المعنى، فلانه لا يشاكل ما قبله ولا ما بعده. وقوله " واصبروا على آلهتكم " أمر منهم بعضهم لبعض أن يصبروا على عبادة آلهتهم وتحمل المشاق لاجلها. وقال مجاهد: القائل لذلك عقبة بن أبي معيط فالصبر محمود إذا كان في حبس النفس عن المحارم، فهؤلاء الجهال اعتقدوا أن الحق في الصبر على آلهتهم، ولم يعلموا ان ذلك كفر. وفي ذلك دلالة على فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، قال الحسن: إن هذا يكون في آخر الزمان. وقوله " إن هذا لشئ يراد " معناه هذا الذي يدعيه محمد ويدعوهم إليه لشئ يراد به أمر ما من الاستعلاء علينا والرياسة فينا والقهر لنا. ثم حكى ما قالوه فانهم قالوا " ما سمعنا بهذا " يعنون ما يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه واله من التوحيد وخلع الانداد من دون الله " في الملة الآخرة " قال ابن عباس يعنون في النصرانية، لانها آخر الملل. وقال مجاهد: يعنون في مكة وقريش. ثم قالوا " إن هذا إلا اختلاق " قال ابن عباس ومجاهد: معناه ليس هذا إلا تخرص وكذب. ثم تعجبوا فقالوا " أأنزل عليه الذكر من بيننا " يعنون كيف خص محمد بانزال القرآن دوننا ؟ ! فقال الله تعالى " بل هم في شك من ذكري " معناه ليس يحملهم على هذا القول إلا الشك في الذكر الذي أنزلت على رسولي " بل لما يذوقوا عذاب " ثم قال " أم عندهم خزائن رحمة ربك " ؟ قال الفراء: الاستفهام إذا توسط الكلام


(1) قائله النابغة الذبيانى. اللسان (مشى) (*)

[ 546 ]

ابتدئ بألف وب‍ (أم)، وإذا لم يسبق كلام لم يكن إلا بألف أو ب‍ (هل). ووجه اتصال هذا القول بما تقدم هو إتصال الانكار لما قالوا فيه، أي ذلك ليس إليهم، وإنما هو إلى من يملك هذه الامور. و (خزائن رحمة ربك) معناه مقدوراته التي يقدر بها على أن ينعم بها عليهم. وقوله " العزيز " يعني القادر الذي لا يغالب ولا يقهر " الوهاب " لضروب النعم " أم لهم ملك السموات والارض وما بينهما " فان كان لهم ذلك " فليرتقوا في الاسباب " وهي جمع سبب وكل ما يتوصل به إلى المطلوب - من حبل أو سلم أو وسيلة أو رحم أو قرابة أو طريق أو جهة - فهو سبب، ومنه قيل: تسببت بكذا إلى كذا أي توصلت به إليه. قوله تعالى: * (جند ما هنالك مهزوم من الاحزاب (11) كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الاوتاد (12) وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة أولئك الاحزاب (13) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (14) وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فواق (15) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي " فواق " بضم الفاء. الباقون بفتحها. فالفواق بفتح الفاء معناه مالها من راحة، وإذا ضممت الفاء، فالمعنى مالها من فواق ناقة وهو قدر ما بين الحبلتين. وقيل: هو ما بين الرضعتين. وقيل: هما لغتان

[ 547 ]

مثل قصاص الشعر وقصاصه، وحمام الماء وحمامه، وهو الآفة، وهو الابانة بعد الفترة و (ما) في قوله " جند ما " صلة، وتقديره: جند هنالك، و (هنالك) للمكان البعيد و (هناك) للمتوسط بين القرب والبعد و (هنا) للقريب ونظيره (ذا) و (ذاك) و (ذلك) ومثل (ما) في كونها صلة قولهم: لامر ما جدع قصير أنفه. وعندي طعام ما، قال الاعشى: فاذهبي ما اليك أدركني الح‍ * لم عداني عن ذكركم اشغالي (1) وقيل: إنها تقوية للنكرة المبتدأة في (ما) والجند جمع معد للحرب جمعه اجناد وجنود، وجند الاجناد أي جيش الجيوش. ومنه قوله صلى الله عليه واله (الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف)، وقوله " مهزوم " يعني مغلوب عن أن يصعدوا إلى السماء، والمهزوم من وقعت بهم الهزيمة، وهي الفرار من الحرب، ولو فر انسان من ضرب لم يكن ذلك هزيمة، وكذلك من فر من الحبس. وقوله " من الاحزاب " معناه من حزب إبليس وإتباعه. ثم اخبر تعالى انه كذب مثل هؤلاء الكفار، فأنث لانه أراد العشيرة " قوم نوح " فأغرقهم الله، وقوم " عاد " فاهلكهم الله " وفرعون " وقوم فرعون " ذا الاوتاد " وقيل: في معناه أقوال: منها - انه كانت له ملاعب من اوتاد يلعب له عليها، وهو قول ابن عباس وقتادة. وقال السدى والربيع بن أنس: انه كانت له أوتاد يعذب الناس بها. وقال الضحاك: معناه ذو البنيان، والبنيان اوتاد، ثم قال " وثمود وقوم لوط وأصحاب الايكة " أيضا هم الاحزاب يعني


(1) ديوانه 164 (*)

[ 548 ]

احزاب إبليس: و (الايكة) الغيضة. وقال أبو عمرو بن العلا: هي الملتفت من النبع والسدر. وقال السدي: هي الحرجة، قال الشاعر: افمن بكاء حمامة في أيكة * يرفض دمعك فوق ظهر المحمل يعني محمل السيف. وقوله " إن كل الا كذب الرسل " معناه ليس كلهم إلا كذبوا أنبياء الله وجحدوا نبوتهم فاستحقوا عقابي. ثم قال " وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة " أي ليس ينظر هؤلاء إلا صيحة عذاب لا يكون لتلك الصيحة " من فواق " أي مالها من افاقة بالرجوع إلى الدنيا وهو قول قتادة، والسدي وقال ابن زيد " مالها من فواق " أي من فتور كما يفيق المريض. قوله تعالى: * (وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (16) إصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الايد إنه أواب (17) إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) وشددنا ملكه وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب) * (20) خمس آيات. يقول الله مخبرا عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم بأنهم يقولون على وجه الاستهزاء بعذاب الله يا " ربنا عجل لنا قطنا " أي قدم لنا نصيبنا من العذاب، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة:، طلبوا حظهم من العذاب تهزءا

[ 549 ]

بخبر الله وشكا فيه. وقال السدي: إنما سألوا أن يريهم حظهم من النعيم في الجنة حتى يؤمنوا. وقيل: إنما سألوا أن يعجل كتبهم التي يقرؤنها في الآخرة استهزاء منهم بهذا الوعيد. والقط الكتاب قال الاعشى: ولا الملك النعمان يوم لقيته * بأمته يعطي القطوط ويأفق (1) أي كتب الجوائز، لانها قطع نصيب لكل واحد بما كتب. والتعجيل فعل الشئ قبل وقته الذي ينبغي أن يفعل فيه. والقط النصيب وأصله القطع من قولك قطه يقطه قطا مثل قده يقده قدا، ومنه قولهم: ما رأيته قط أي قطع الدهر الذي مضى " قبل يوم الحساب " أي قبل اليوم الذي يحاسب فيه الخلق ويجازون فيه على أعمالهم على ما يقولونه فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه واله " اصبر على ما يقولون " أي احبس نفسك على اذاهم وصبرها على أقوالهم " واذكر عبدنا داود ذا الايد " ترغيبا له في الصبر المأمور به وإن لك يا محمد فيه من إحسان الله اليك على نحو إحسانه إلى داود قبلك، وأنه لو شاء لا عطاك في الدنيا مثل ما أعطى داود ولكنه دبر لك ما هو أعودلك. وقوله " ذا الايد " قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: معناه ذا القوة، ومنه قوله " والسماء بنيناها بأيد " (2) أي بقوة، وقوله " إنه اواب " قال ابن زيد: معناه تواب وبه قال مجاهد، وهو من آب يؤب أي رجع إلى الله فلذلك مدحه. ثم اخبر تعالى عن نعمه التي أنعم بها على داود، فقال " إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والاشراق " ومعناه إنها كانت تسير بأمر الله معه حيث سار بالغداة والعشي فسمى الله ذلك تسبيحا لما في ذلك من


(1) ديوانه 117 * (دار بيروت) * (2) سورة 51 الذاريات آية 47 (*)

[ 550 ]

دلالته على قدرته وغناء من خلقه وصفاته التي لا يشاركه فيها غيره، والاشراق وقت طلوع الشمس يقال: شرقت الشمس إذا طلعت وأشرقت إذا اضاءت " والطير محشورة " وتقديره وسخرنا الطير محشورة أي مجموعة من كل ناحية إليه يعني الطير والجبال " له أواب " أي رجاع إلى ما يريد. وقيل: مسخرة - ذكره قتادة - وقال الجبائي لا يمتنع أن يكون الله خلق في الطيور من المعارف ما تفهم به مراده وأمره من نهيه فتطيعه في ما يريده منها. وإن لم تكن كاملة العقل، ولا مكلفة. ثم قال " وشددنا ملكه " يعني قوينا ملكه بالجنود والهيبة " وآتيناه الحكمة " أي علمناه الحكمة " وفصل الخطاب " ومثله قول البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه أي إصابة الحكم بالحق. وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد بتسبيح الجبال معه هو ما أعطى الله تعالى داود من حسن الصوت بقراءة الزبور، فكان إذا قرأ الزبور أو ذكر ما هو تسبيح لله ورفع صوته بين الجبال رد الجبال عليه مثله كما يرد الصدى، فسمى الله ذلك تسبيحا لما تضمنه من الدلالة والاول أحسن. قوله تعالى: * (وهل أتيك نبؤ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك

[ 551 ]

بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) * (25) خمس آيات. هذا خطاب من الله تعالى لنبيه وصورته صورة الاستفهام والمراد اخباره بما كان من قصة داود من الحكم بين الخصمين وتنبيهه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله فقال " وهل أتاك نبؤ الخصم " يعني خبره فالنبأ الخبر بما يعظم حاله " إذ تسوروا المحراب " يعني حين صعدوا إليه. والخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق المنازع له فيه، ويعبر به عن الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، لان أصله المصدر، فتقول: رجل خصم، ورجلان خصم، ورجال خصم، ولذلك قال " إذ تسوروا المحراب " لانه أراد المدعي والمدعى عليه ومن أتبعهما، فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان، لما قال " خصمان بغى بعضنا على بعض " لانه أراد بذلك الفريقين، والخصم من خصمته اخصمه خصما. والتسور الاتيان من جهة السور، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها، وكانوا أتوه من اعلى المحراب، فلذلك فزع منهم، والمحراب مجلس الاشراف الذى يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمى المصلي محرابا وموضع القبلة ايضا محراب وقوله " إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض " معناه إن هؤلاء حين دخلوا على داود من غير الجهة التي اعتاد

[ 552 ]

الدخول عليه منها فزع منهم، لانه ظنهم أعداء يريدون به سوء فقالوا له (خصمان) ولم يقولا: نحن خصمان يعني فريقان لانهما كانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا بغى احدهما على الآخر، وإنما هو على المثل " فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " معناه ولا تجاوز الحق ولا تجر ولا تسرف في حكمك بالميل مع أحدهما - على الآخر، يقال أشط في حكمه إذا جار يشط فهو مشط وشططت علي في السوم تشط شططا قال الشاعر: ألا يا لقومي قد اشطت عواذلي * ويزعمن أن اودى بحقي باطلي (1) وقال آخر: يشط غدا دار جيراننا * وللدار بعد غد بعد وقوله " وأهدنا إلى سواء الصراط " معناه أرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو طريق الحق ووسطه، كما قال " فاطلع فرآه في سوء الجحيم " (2) ثم حكى تعالى ما مكان أحد الخصمين لصاحبه، فقال " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " قال وهب بن منية: يعني أخي في ديني وقال اكثر المفسرين انه كنى بالنعاج عن تسع وتسعين إمرأة كانت له وان الآخر له نعجة واحدة يعني امرأة واحدة. وقال الحسن: لم يكن له تسع وتسعون امرأة وإنما هو على وجه المثل. وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: أراد النعاج باعيانها، وهو الظاهر غير انه خالف أقوال المفسرين. وقال هما من ولد آدم، ولم يكونا ملكين وإنما فزع منهما لانهما دخلا عليه في غير الوقت المعتاد، وهو الظاهر غير انه خلاف أقوال المفسرين على ما قلناه. وقوله " فقال اكفلنيها " معناه اجعلني كفيلا بها أي ضامنا لامرها.


(1) مر في 7 / 15 (2) سورة 37 الصافات آية 55 (*)

[ 553 ]

ومنه قوله " وكفلها زكريا " (1) وقال أبو عبيدة معناه ضمها إليها، وقال ابن عباس وابن مسعود معنى اكفلنيها انزل لي عنها " وعزني في الخطاب " أي غلبني في المخاطبة من قولهم: من عز بز أي من غلب سلب. وقال ابن زيد: معناه قهرني. وقال أبو عبيدة: معناه صار أعز مني، فقال له داود " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " ومعناه إن كان الامر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فاضاف السؤال إلى المفعول به وهي النعجة وإن أضيف إليها. ثم اخبر ان كثيرا من الشركاء والخلطاء ليبغي بعضهم على بعض فيظلمه. وقال أصحابنا: كان موضع الخطيئة أنه قال للخصم لقد ظلمك من غير ان يسأل خصمه عن دعواه وفي آداب القضاء ألا يحكم بشئ ولا يقول حتى يسأل خصمه عن دعوى خصمه، فما أجاب به حكم به. وهذا ترك الندب في ذلك، وفي ذلك قول آخر، وهو إن في الناس من قال: إن ذلك كان صغيرة منه وقعت مكفرة، والشرط الذي ذكرناه لابد فيه، لانه لا يجوز ان يخبر النبي ان الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع، وإنما يجوز مع تقرير الشرط الذي ذكرناه. ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين بعضهم يبغي على بعض الذين آمنوا بالله وعملوا بما يوجب عليهم، فانهم لا يفعلون ذلك. ثم قال وقليل الذين كذلك، فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن عند ذلك أن الله اختبره بهذه الحكومة وابتلاه. وقرئ (فتناه) بالتخفيف بمعنى أن الملكين فتناه بها. وقال قوم الظن العلم كأنه قال: وعلم داود ذلك


(1) سورة 3 آل عمران آية 37 (*)

[ 554 ]

وقال آخرون: إنما ظن ظنا قويا وهو الظاهر. وقوله " فاستغفر ربه " معناه سأل الله المغفرة والستر عليه " وخر راكعا وأناب إليه " أي رجع إليه بالتوبة. ثم اخبر تعالى انه أجاب دعوته وغفر له ذلك، وأخبر ان له مع المغفرة عند الله لزلفى، والزلفى القربة من رحمة الله، وثوابه في جنته " وحسن مآب " فالمآب والمرجع والمصير والمال واحد. ومن قال ان ذلك كان صغيرة وقعت مكفرة يقول: معنى قوله " فغفرنا له " بعد الانابة، وإن كانت الخطيئة غفرت في الدنيا. وقيل: انه خطب امرأة كان اوريا ابن حيان قد خطبها فدخل في سومه، فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك، لان الانبياء يتنزهون عن ذلك، وإن كان مباحا لانه مما ينفر على بعض الوجوه. وقيل: بل انفذ به إلى غزوة، وكان يحب ان يستشهد ليتزوج امرأته لانهما كانا تحاكما إليه فوقعت امرأته في قلبه واشتهاها شهوة الطباع من غير أن يحدث أمرا قبيحا. وأولى الوجوه ما قدمناه انه ترك الندب في ما يتعلق بأدب القضاء. لان باقي الوجوه ينبغي ان ينزه الانبياء عنها لانها تنفر في العادة عن قبول أقوالهم، فأما ما يقول بعض الجهال من القصاص أن داود عشق امرأة أوريا، وأنه امره بأن يخرج إلى الغزو، وأن يتقدم امام التابوت وكان من يتقدم التابوت من شرطه ألا يرجع إلى أن يغلب أو يقتل، فخبر باطل موضوع، وهو مع ذلك خبر واحد لا أصل له ولا يجوز أن تقبل اخبار الآحاد في ما يتضمن في الانبياء ما لا يجوز على ادون الناس، فان الله نزههم عن هذه المنزلة واعلى قدرهم عنها. وقد قال الله تعالى " الله يصطفي من

[ 555 ]

الملائكة رسلا ومن الناس " (1) وقال " ولقد اخترناهم على علم على العالمين " (2) فكيف يختار تعالى من يتعشق نساء اصحابه ويعرضهم للقتل من غير استحقاق ولا يجوز مثل هذا على الانبياء إلا من لا يعرف مقدارهم ولا يعتقد منزلتهم التي خصهم الله فيها نعوذ بالله من سوء التوفيق. وقد روي عن علي عليه السلام انه قال: لا أوتى برجل يقول إن داود ارتكب فاحشة إلا ضربته حدين احدهما للقذف والآخر لاجل النبوة. وقرأ ابن مسعود " تسع وتسعون نعجة " انثى، قال النحويون: هذا تأكيد، كما قال النبي: ابن لبون ذكر، وكما قال " طائر يطير بجناحية " وقال ابن جرير: معناه تسع وتسعون نعجة انثى أي حسناء، قال ابن خالويه هذا حسن جدا. قوله تعالى: * (يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب (26) وما خلقنا السماء والارض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (27) أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل


(1) سورة 22 الحج آية 75 (2) سورة 44 الدخان آية 32 (*)

[ 556 ]

المتقين كالفجار (28) كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الالباب) * (29) أربع آيات. قرأ يحيى عن ابي بكر " لتدبروا " بالتاء وتقديره لتتدبروا من التدبر فحذف تاء الفعل وبقي تاء المضارعة، وتقديره: لتتدبر انت يا محمد والمسلمون ومن قرأ بالياء، فعلى ليتدبر المسلمون فيتقرر عندهم صحتها وتسكن أنفسهم إلى العلم بها. لما اخبر الله تعالى عن داود انه رجع إليه وتاب واستغفر ربه عن التقصير الذي وقع منه في الحكم، وانه تعالى غفر له ذلك وأجاب دعوته، ووعده بالزلفى عنده والقربة من ثوابه ناداه ايضا فقال له " يا داود إنا جعلناك خليفة في الارض " والخليفة هو المدبر للامور من قبل غيره بدلا من تدبيره، فداود لما جعل الله إليه تدبير الخلق فكان بذلك خليفة، ولذلك يقال: فلان خليفة الله في أرضه إذا جعل إليه تدبير عباده بأمره. وقيل: معناه جعلناك خليفة لمن كان قبلك من رسلنا. ثم أمره فقال " فاحكم بين الناس " ومعناه افصل بين المختلفين من الناس والمتنازعين " بالحق " بوضع الاشياء مواضعها على ما أمرك الله " ولا تتبع الهوى " أي ما يميل طبعك إليه ويدعوك هواك إليه إذا كان مخالفا للحق، فلا تمل إليه " فيضلك عن سبيل الله " ومعناه انك متى اتبعت الهوى في ذلك عدل بك الهوى عن سبيل الله الذي هو سبيل الحق. ثم اخبر تعالى " ان الذين يضلون عن سبيل الله " يعنى يعدلون عن العمل بما أمرهم الله به " لهم عذاب شديد " يعني شديد ألمه " بما نسوا يوم الحساب "

[ 557 ]

وقيل في معناه قولان: احدهما - لهم عذاب شديد يوم الحساب بما تركوا طاعاته في الدنيا، فعلى هذا يكون يوم الحساب متعلقا ب‍ (عذاب شديد) وهو قول عكرمة والسدي: الثاني - قال الحسن " لهم عذاب شديد بما نسوا يوم الحساب " أي بما اعرضوا عنه، صاروا بمنزلة الناسي، فيكون على هذا العامل في (يوم) قوله " نسوا ". ثم اخبر تعالى انه لم يخلق السماء والارض وما بينهما باطلا، بل خلقهما وما بينهما بالحق لغرض حكمي، وهو ما في ذلك من إظهار الحكمة وتعريض انواع الحيوان للمنافع الجليلة وتعويض العقلاء لمنافع الثواب، وذلك يفسد قول المجبرة الذين قالوا: إن كل باطل وضلال من فعل الله. وقوله " ذلك ظن الذين كفروا " معناه إن خلق السماء والارض وما بينهما باطلا ظن من يكفر بالله ويجحد وحدانيته وحكمته، ثم توعد من هذه صفته فقال " فويل للذين كفروا من النار " ثم قال على وجه التوبيخ والتقريع للكفار بلفظ الاستفهام " أم نجعل الذين آمنوا... " معناه هل نجعل الذين صدقوا بالله وأقروا برسله وعملوا الصالحات مثل الذين أفسدوا في الارض وعملوا بالمعاصي ؟ ! ام هل نجعل الذين اتقوا معاصي الله خوفا من عقابه كالفجار الذين عملوا بمعاصيه وتركوا طاعته ؟ ! فهذا لا يكون ابدا. وكيف يكون كذلك وهؤلاء يستحقون الثواب بطاعتهم وأولئك يستحقون العقاب بمعاصيهم. وقال أبو عبيدة: ليس لها جواب استفهام فخرجت مخرج الوعيد. وقال الزجاج: تقديره، أنجعل الذين آمنوا وعموا الصالحات كالمفسدين في الارض أم نجعل المتقين كالفجار، فهو استفهام بمعنى التقرير.

[ 558 ]

ثم خاطب نبيه صلى الله عليه واله فقال " كتاب انزلناه اليك مبارك " أي هذا كتاب انزلناه، يعني القرآن الذي أنزله الله عليه، ووصفه بأنه مبارك، لان به يستديم الناس ما أنعم الله عليهم به، وبين أن غرضه تعالى بانزال هذا القرآن " ليدبروا آياته " بأن يتفكروا في أدلته " وليتذكر أولو الالباب " يعني أولو العقول. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة في خلق القبائح من حيث بين الله انه يعاقبهم جزاء بما نسوا طاعاته في الدنيا. وقوله " ذلك ظن الذين كفروا " يدل على فساد قول من يقول: ان المعارف ضرورة، لانهم لو كانوا عارفين ضرورة لما كانوا ظانين. قوله تعالى: * (ووهبنا لداود سليمن نعم العبد إنه أواب (30) إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد (31) فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب (32) ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والاعناق (33) ولقد فتنا سليمن وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب (34) قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي إنك أنت الوهاب (35) فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (36) والشياطين كل

[ 559 ]

بناء وغواص (37) وآخرين مقرنين في الاصفاد (38) هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) * (40) احدى عشرة آية. قرأ ابن كثير وحده " بالسؤق " مهموزة. وقال ابن مجاهد: الرواية الصحيحة عنه " بالسوق " على فعول، ولما ضمنت الواو همزها، مثل وفيت وأفيت، فهذه رواية قنبل. وقرأ البزي " بالسوق " مثل أبي عمرو، جمع ساق مثل باح وبوح. والباحة والصرح والعرصة والفناء واحد. ومثله قارة وقور للخيل الصغير. ومن همز سوق فعلى لغة من قال: (أحب المؤفدين إلى موسى)، فهمز انشده أبو الحسن لابي حبة النميري، ولانه لما لم يكن بينها وبين الضمة حاجز صار كأن الضمة عليه فهمز. اخبر الله تعالى انه وهب لداود سليمان. فقال " نعم العبد " كان سليمان " انه اواب " أي رجاع إلى طاعة الله وطلب ثوابه. وقوله " إذ غرض " يجوز أن يتعلق بقوله " نعم العبد " أي نعم العبد حين عرض عليه، ويجوز ان يكون العامل فيه واذكر يا محمد إذ عرض على سليمان " بالعشي " يعني آخر النهار * (الصافنات الجياد) * والصافنات جمع صافنة، قال ابن زيد: صفن الخيل قيامها على ثلاث مع رفع رجل واحدة. يكون طرف الحافر على الارض وقال مجاهد: صفون الفرس رفع احدى يديه حتى يكون على طرف الحافر صفنت الخيل تصفن صفونا إذا وقفت كذلك قال الشاعر: الف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا (1)


(1) مر في 7 / 319 (*)

[ 560 ]

وقال الزجاج والفراء وغيرهما: كل قائم على ثلاث صافن. والجياد السراع من الخيل فرس جواد كأنه يجود بالركض، كأنه جمع جود كما يقال: مطر جود إذا كان مدرارا ونظيره سوط وسياط. والعرض إظهار الشئ بحيث يرى ليميز من غيره، ومنه قوله * (وعرضوا على ربك صفا) * واصله الاظهار قال عمرو بن كلثوم: واعرضت اليمامة واشمخرت * كأسياف بأيدى مصلتينا (1) أي ظهرت وأعرض عني معناه أظهر جفوة بتوليه عني، وعرض الشئ إذا صار عريضا. وقوله تعالى * (إني أحببت حب الخير) * قال قتادة والسدي المراد بالخير - ههنا - الخيل والعرب تسمي الخيل الخير، وبذلك سمي (زيد الخيل) أي زيد الخير، وقيل في ذلك وجهان: احدهما - انه أراد احببت الخير، ثم اضاف الحب إلى الخير. والثاني - انه أراد احببت اتخاذ الخير، لان ذوات الخير لا تراد ولا تحب فلابد من شئ يتعلق بها، والمعنى آثرت حب الخيل على ذكر ربي ويوضع الاستحباب موضع الايثار. كما قال تعالى * (الذين يستحبون الحياة الدنيا على الآخرة) * (2) أي يؤثرون، وقوله * (عن ذكر ربي) * معناه إن هذا الخيل شغلني عن صلاة العصر حتى فات وقتها، وهو قول علي عليه السلام وقتادة والسدي، وروي أصحابنا انه فاته الوقت الاول، وقال الجبائي: انه لم يفته الفرض، وإنما فاته نفل كان يفعله آخر النهار ففاته لاشتغاله بالخيل. وقوله * (حتى توارت بالحجاب) * معناه توارت الشمس بالحجاب يعنى بالغيبوبة


(1) مر في 7 / 96 (2) سورة 14 ابراهيم آية 3 (*)

[ 561 ]

وجاز الاضمار قبل الذكر، لانه معلوم قال لبيد: حتى إذا القت يدا في كافر * وأجن عورات الثغور ظلامها (1) وقال أبو مسلم محمد بن بحر وغيره: وذكر الرماني أن الكناية عن الخيل وتقديره حتى توارت الخيل بالحجاب بمعنى أنها شغلت فكره إلى تلك الحال. ثم قال لاصحابه * (ردوها علي) * يعني الخيل فلما ردت عليه * (طفق مسحا بالسوق والاعناق) * وقيل: ان الخيل هذه حربها من غنيمة جيش فتشاغل باعتراضها حتى غابت الشمس وفاتته العصر، قال الحسن: كشف عراقيبها وضرب اعناقها، وقال لا تشغلني عن عبادة ربي مرة اخرى. وقيل: انه إنما فعل ذلك على وجه القربة إلى الله تعالى بأن ذبحها ليتصدق بلحومها لا لعقوبتها بذلك. وإنما فعل ذلك لانها كانت أعز ماله فاراد بذلك ما قال الله تعالى * (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) * (2) وقال أبو عبيدة: يقولون: مسح علاوته أي ضربها. وقال ابن عباس: جعل يمسح أعراف الخيل وعراقيبها حبا لها. وقال أبو مسلم محمد بن بحر: غسل اعرافها وعراقيبها إكراما لها، قال: لان المسح يعبر به عن الغسل من قولهم: تمسحت للصلاة. ثم قال تعالى على وجه القسم * (ولقد فتنا سليمان) * ومعناه اختبرناه وابتليناه وشددنا المحنة عليه * (والقينا على كرسيه جسدا) * قال ابن عباس: القي شيطانا اسمه صخر على كرسيه. وقال مجاهد: كان اسمه أصف. وقال السدي: كان اسمه خنفيق وكان ملكه في خاتمه يخدمه الجن والشياطين مادام في يده، فلما أذنب سليمان نزع الله منه الخاتم، وجعل مع الجني فاجتمعت


(1) اللسان (كفر) (2) سورة 3 آل عمران آية 92 (*)

[ 562 ]

عليه الجن والشياطين. وقيل: انه كان ذنبه انه وطئ في ليلة عدة كثيرة من جواريه حرصا على كثرة الولد. وقيل: كان ذنبه انه وطئ امرأته في الحيض. وقوله * (ثم اناب) * يعني تاب إلى الله من خطيئته، فرد الله عليه الملك لان الجني لما اخذ خاتمه رمى به في البحر فرده عليه من بطن سمكة - ذكر ما قلناه المفسرون - والذي قاله المفسرون من أهل الحق ومن نزه الانبياء عن القبائح ونزه الله تعالى عن مثل ذلك هو انه لا يجوز أن يمكن الله تعالى جنيا ليتمثل في صورة نبي لما في ذلك من الاستبعاد. وإن النبوة لا تكون في الخاتم وانه تعالى لا يسلب النبي نبوته، وليس في الآية شئ من ذلك، وإنما قال فيها انه ألقى على كرسيه جسدا. وقيل في معنى ذلك الجسد اقوال: منها - إن سليمان قال يوما في مجلسه وفيه جمع كثير لاطوفن الليلة على مئة امرأة تلد كل امرأة منهن غلاما يضرب بالسيف في سبيل الله، وكان له في ما يروى عدد كثير من السراري، فاخرج الكلام على سبيل المحبة لهذا الحال، فنزهه الله عما ظاهره الحرص على الدنيا، لئلا يقتدى به في ذلك، فلم يحمل من نسائه إلا امرأة واحدة ولدا ميتا، فحمل حتى وضع على كرسيه جسدا بلا روح، تنبيها له على انه ما كان يجب ان يظهر منه ما ظهر، فاستغفر الله وفزع إلى الصلاة والدعاء على وجه الانقطاع، لا على أن ذلك كان صغيرة، ومن قال من حيث انه لم يستثن مشيئة الله في ذلك، فقوله فاسد، لانه وإن لم يذكر مشيئة الله لفظا فلابد من تقديرها في المعنى وإلا لم يأمن أن يكون خبره كذبا، وذلك لا يجوز على الانبياء عند من جوز الصغائر عليهم. قال الحسن وغيره لا يجوز على الانبياء.

[ 563 ]

ومنها - انه روي ان الجن لما ولد لسليمان ولد قالوا: لنلقين منه ما لقينا من سليمان، فلما ولد له ولد اشفق منهم، فاسترضعه في المزن، فلم يشعر إلا وقد وضع على كرسيه ميتا تنبيها على ان الحذر لا ينفع مع القدر. ومنها - انه ذكر انه ولد لسليمان ولد ابتلاه بصبره في إماتة ولده على كرسيه. وقيل: انه أماته في حجره، وهو على كرسيه، فوضعه من حجره. ومنها - ما ذكره أبو مسلم فأنه قال: يجوز ان يكون الجسد جسد سليمان وأن يكون ذلك لمرض امتحنه الله به، وتقديره والقينا منه على كرسيه جسدا لشدة المرض، كما يقولون: فلان لحم على وضم إذا كان ضعيفا، وجسد بلا روح تغليظا للعلة، وقوة الضعف. ثم حكى ما قاله سليمان حين أناب إلى الله، فانه سأل الله تعالى وقال * (رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي) * أي لا تسلبنه كما سلبته في الدفعة الاولى، وقال أبو عبيدة معنى (لا ينبغي) لا يكون، وانشد لابن احمر: ما ام غفر على دعجاء ذي علق * تنفي القراميد عنها الاعصم الوقل في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة * لا ينبغي دونها سهل ولا جبل (1) وقال أبو عبيدة: أي لا يكون فوقها سهل ولا جبل احصن منها. فان قيل: أليس ظاهر هذه الآية يقتضي الشح والضن لانه لم يرض بأن سأل الملك، حتى اضاف إلى ذلك ألا يكون لاحد بعده مثله ؟ ! قلنا قد ثبت أن الانبياء لا يجوز أن يسألوا بحضرة قومهم ما لم يأذن الله لهم في ذلك، فعلى هذا لم لا يجوز ان يكون الله تعالى أعلم سليمان أنه إن سأل ملكا لا يكون


(1) مر في 7 / 153 (*)

[ 564 ]

لغيره كان لطفا له في الدين، وأعلمه أن غيره لو سأل ذلك لم يجب إليه، لانه يكون مفسدة لغيره ولا صلاح له فيه، ولو أن احدنا صرح بمسألة بهذا الشرط بأن يقول: اللهم اجعلني ايسر اهل زماني وارزقني مالا يساويني فيه احد إذا كانت المصلحة لي في ذلك لكان هذا جائزا حسنا، ولم يكن منسوبا إلى بخل، فلا يمتنع أن يسأل النبي ايضا مثل ذلك. وقيل: انه لا يمتنع أن يسأل النبي مثل هذه المسألة من غير إذن إذا لم يكن بمحضر من قومه بعد ان يكون الشرط فيه مقدرا. وقيل فيه وجه أخر، وهو انه عليه السلام إنما سأل ان يكون ملكه معجزة لنبوته يبين بها من غيره ممن ليس بنبي. وقوله * (لا ينبغي لاحد من بعدي) * معناه لا ينبغي لاحد غيري ممن أنا مبعوث إليه، ولم يرد من بعدي إلى يوم القيامة من النبيين. وقيل: انه لا يمتنع ان يكون المراد انه سأل ملك الآخرة وثواب الجنة الذي لا يناله المستحق إلا بعد أنقطاع التكليف. ومعنى * (لا ينبغي لاحد من بعدي) * لا يستحقه بعد وصولي إليه أحد من حيث لا يصح أن يعمل ما يستحق به الثواب لانقطاع التكليف. ثم بين بعد ذلك انه اعطاه ما سأله فقال * (فسخرنا له الريح) * أي ذللناها له، والتسخير التذليل * (تجري بأمره) * يعني الريح تتوجه إلى حيث شاء * (رخاء) * قال قتادة معناه طيبة سريعة، وقال ابن زيد: لينة. وقال ابن عباس: مطيعة، وبه قال الضحاك والسدي والرخاء الريح: اللينة وهو رخاوة المرور سهولته ووصفت باللين، لانها إذا عصفت لم يتمكن منها، وإذا لانت أمكنت.

[ 565 ]

وقوله * (حيث أصاب) * قال ابن عباس ومجاهد والضحاك والسدي: معناه حيث أرار، يقول القائل: اصاب الله بك الرشاد أي اراد الله، والمعنى انها تنطاع له كيف أراد، وقال الحسن: كان يغدو من أبله، ويقيل بغزوين ويبيت بكابل. والاصابة لحاق البغية، يقال اصاب الهدف بالسهم يصيبه إصابة. ومنه الصواب إدراك الحق بالميل إليه، وقوله * (والشياطين) * نصبه بالعطف على مفعول * (فسخرنا) * وتقديره وسخرنا له الشياطين كل بناء وغواص ونصب (كل) على البدل من الشياطين وهو بعضه فالغواص هو الذي يغوص في الماء أي ينزل فيه تقول: غاص يغوص غوصا فهو غائص وغوصه تغويصا وكل الشياطين يغوصون له في البحار وغيرها من الانهار بحسب ما يريد منهم ويبنون له الابنية العجيبة التي يعجز الناس عن مثلها. وقال قتادة: كانوا يغوصون في البحار يستخرجون له الحلي منها، وغير ذلك * (وآخرين مقرنين في الاصفاد) * الاصفاد واحدها صفاد، وهو الغل وجمعه اغلال. وقال السدي: السلاسل تجمع اليدين إلى العنق والصفد الغل. والصفد العطاء، وبعضهم يقول: اصفدني قال الاعشى: [ تضيفته يوما فقرب مقعدي ] * واصفدني على الزمانة قائدا (1) وذلك انه ارتبط من شكره بمثل الغل، و * (مقرنين) * هم الذين قرن بعضهم إلى بعض بالسلاسل. ثم قال تعالى * (هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب) * قال الحسن: معناه هذا الملك الذي اعطيناك، فاعط ما شئت وامنع ما شئت. وقال قتادة والضحاك: معناه لا تحاسب على ما تعطي وتمنع منه يوم القيامة ليكون اهنأ لك


(1) ديوانه 44 وقد مر في 6 / 310 (*)

[ 566 ]

ومعناه ليس عليك تبعة. وقيل: معناه بغير مقدار يجب عليك إخراجه من يدك، ويكون بغير حساب، فامنن أو أمسك وقال الزجاج: المعنى سخرنا لك الشياطين عطاء لك منا فاطلق منهم من شئت واحبس من شئت فلا حساب عليك منه. ثم قال تعالى * (وإن له) * يعني سليمان * (عندنا لزلفى) * أي لقربي زيادة على ما أعطيناه في الدنيا * (وحسن مآب) * أي وحسن مآل في العاقبة. قوله تعالى: * (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لاولي الالباب (43) وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب) * (44) أربع آيات. قرأ أبو جعفر * (بنصب) * بضم النون والصاد. وقراءة يعقوب بفتحهما. الباقون بضم النون وإسكان الصاد، وهي لغات أربع. وقراءة هبيرة بفتح النون وإسكان الصاد. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله * (واذكر) * يا محمد * (عبدنا أيوب إذ نادى ربه) * فقال يا رب، لان النداء هو الدعاء بطريقة يا فلان ومتى قال اللهم افعل بي وارزقني وعافنى كان داعيا ولا يكون مناديا * (اني مسني

[ 567 ]

الشيطان) * (اني) في موضع نصب لان تقديره، انه نادى بهذا القول، وتقديره بأني مسني فلما حذف الياء نصب (أني) و * (مسني الشيطان) * أي وسوسني وذكرني ما كنت فبه من نعم الله في الاهل والولد والمال، وكيف زال ذلك كله وما حصل فيه من البلية طمعا فيه ليزله بذلك ويجد طريقا إلى اضلاله وتضجره وتبرمه، فوجده صابرا عند ذلك مسلما لامر الله تعالى. وقيل: انه كان وسوس إلى قومه أن يستقذروه ويخرجوه من بيتهم ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم، لان فيه برصا وجذاما ربما عدا إليهم وكان أيوب ينادى بذلك ويألم به. والنصب والوصب والتعب نظائر، وفيه لغات اربع على ما حكيناه نصب ونصب مثل حزن وحزن ورشد ورشد ورشد، وعدم وعدم، ثم تسكن الصاد مع فتح النون تخفيفا وتضم النون والصاد اتباعا لما قبله. ونقيض النصب الراحة وأصله ألا نصاب يقال انصبني أي عذبني، وبرح بي، ومنهم من يقول: نصبني قال بشر بن أبي حازم: تعناك نصب من أميمة منصب وقال النابغة: كليني لهم يا أميمة ناصب * وليل أقاسية بطئ الكواكب (1) و * (عذاب) * اراد به ماكا يدخل عليه من ألم الوسوسة، فأجاب الله تعالى دعاه وقال * (اركض برجلك) * أي ادفع برجلك الارض، فالركض الدفع بالرجل على جهة الاسراع، ومنه ركض الفرس لاسراعه ذا دفعه برجله. يقال: ركضت الدابة وركضتها أنا مثل جبر العظم وجبرته أنا، وحزن وحزنته انا، وفي الكلام حذف وتقديره فركض برجله وظهر عين ماء، فقال الله


(1) مر في 5 / 368 و 6 / 95، 329 (*)

[ 568 ]

له * (هذا مغتسل) * أي ماء مغتسل * (بارد وشراب) * وقال الحسن وقتادة: نبعت له عينان، فاغتسل من احداهما وشرب من الاخرى، فالمغتسل موضع الاغتسال. وقيل: كل ماء يغتسل فيه فهو مغتسل وغسول - ذكره أبو عبيدة - وفي الكلام حذف، وتقديره إن أيوب اغتسل من تلك العين، فأزال الله تعالى عنه جميع ما كان فيه من الامراض. ثم اخبر بما من عليه زيادة على صلاح جسمه، وزوال ألمه فقال * (ووهبنا له أهله) * لانه لما رد عليه أهله كان ذلك هبة منه مجددة * (ومثلهم معهم) * وتقديره ووهبنا له مثل أهله دفعة اخرى. وقد ذكرنا اختلاف المفسرين في ذلك - في سورة الانبياء - ون فيهم من قال اعطاه بكل امرأة امرأتين وبكل ولد ولدين في دار الدنيا. ومنهم من قال ذلك اخبار عما يهبه الله له في الآخرة. وقيل: إن الله تعالى أمطر عليه جرادا من ذهب وقوله * (رحمة منا) * معناه فعلنا ذلك لرحمتنا إياه، فهو نصب على انه مفعول له، ويجوز أن يكون نصبا على المصدر * (وذكرى لاولى الالباب) * أي وليتذكر به ويعتبر ذووا العقول فيصبروا كما صبر. ثم حكى ما قال له فانه قال له * (خذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث) * فالضغث مل ء الكف من الحشيش أو الشماريخ وما أشبه ذلك قال عوف بن الجزع: وأسفل مني فهدة قدر بطنها * والقيت ضغثا من حلا متطيب أي تطيبت لها. وقيل إنه كان حلف على امرأته لامر أنكره من قولها لئن عوفي ليضربنها مئة، فقيل له * (خذ ضغثا) * بعدد ما حلفت، فاضرب به دفعة واحدة، فانك إذا فعلت ذلك، فقد بررت قسمك، ولم تحنث، وهو قول قتادة والضحاك.

[ 569 ]

وقوله * (ولا تحنث) نهي له عن الحنث. ثم اخبر تعالى عن حال ايوب وعظم منزلته، فقال * (انا وجدناه صابرا) * لبلائنا مسلما لامرنا. ثم أثنى عليه فقال * (نعم العبد انه أواب) * أي رجاع إلى الله منقطع إليه، وعندنا ان من حلف ان يضرب غيره مئة فضربه بشمراخ فيه مئة طاقة، فقد بر في يمينه، وفيه خلاف بين الفقهاء. قوله تعالى: * (واذكر عبادنا إبرهيم وإسحق ويعقوب أولي الايدي والابصار (45) إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار (46) وإنهم عندنا لمن المصطفين الاخيار (47) واذكر إسمعيل واليسع وذا الكفل وكل من الاخيار (48) هذا ذكر وإن للمتقين لحسن مآب (49) جنات عدن مفتحة لهم الابواب (50) متكئين فيها يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب (51) وعندهم قاصرات الطرف أتراب (52) هذا ما توعدون ليوم الحساب (53) إن هذا لرزقنا ماله من نفاد) * (54) عشر آيات. قرأ ابن كثير * (واذكر عبدنا ابراهيم) * على التوحيد. والباقون على الجمع. وقرأ نافع * (بخالصة ذكرى الدار) * مضافا. الباقون بالتنوين. من

[ 570 ]

نون جعل * (ذكرى) * بدلا من (خالصة) وموضعه جر، ويجوز أن يكون نصبا باضمار (اعني) أو يكون معمول خالصة - في قول ابي عبيدة - ويجوز أن يكون رفعا باضمار هي ذكرى، كما قال * (قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار) * (1) اي هي النار، قال أبو علي: (الدار) يحتمل ان يكون الدنيا ويحتمل أن يكون الآخرة اي باخلاصهم ذكرى في الدنيا، فإذا حملت على دار الاخرة، فعلى تقدير إخلاصهم ذكرى الدار. ويكون ذكرهم لها وجل قلوبهم منها ومن حسابها، كما قال * (وهم من الساعة مشفقون) * (2) فالدار عندهم على هذا مفعول به، وليست كالوجه المتقدم. فأما من اضاف فانه يكون قد اضاف إلى المفعول، كأنهم باخلاصهم ذكرى الدار والخوف منها اخلصوا ذكرها والخوف منها لله تعالى، ويكون على اضافة المصدر إلى الفاعل وتقديره بأن خلصت لهم ذكرى الدار. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما * (والليسع) * بلامين. الباقون بلام واحدة من قرأ بلامين ادخل على اللام الالف واللام، ثم ادغم احداهما في الاخرى كما قال الشاعر: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا بأعباء الخلافة كاهله (3) لانه قدره تقدير النكرة، وقرأ * (هذا ما يوعدون) * بالياء ابن كثير وابو عمرو، وفي سورة ق ابن كثير وحده. الباقون بالتاء. من قرأ بالياء فللغيبة، ومن قرأ بالتاء فعلى الخطاب، ومن قرأ (عبدنا) على التوحيد يجوز ان يكون خص به ابراهيم بكونه عبدا له كما خصه بالخلة، ويجوز أن يكون


(1) سورة 23 الحج آية 72 (2) سورة 21 الانبياء آية 49 (3) مر في 4 / 208 و 7 / 35 (*)

[ 571 ]

لان لفظه يدل على القليل والكثير. ومن جمع فلانه ذكر جماعة. يقول الله تعالى مخاطبا لنبيه * (واذكر) * يا محمد * (عبادنا ابراهيم واسحاق ويعقوب) * فمن قرأ بالجمع فلانه ذكر جماعة. ومن قرأ بالتوحيد فلان لفظة (عبد) لفظ جنس يقع على القليل والكثير، ثم وصفهم فقال * (اولي الايدي) * يعني اولي القوة على العبادة * (والابصار) * الفقه في الدين - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - وقيل: * (اولي الايدي) * معناه اولي الاعمال الصالحة، وقيل معناه اولي النعم في الدين، قال الشاعر: فاعمل لما يعلو فمالك بال‍ * ذي لا تستطيع من الامور تدان ثم اخبر تعالى عن حال هؤلاء الذين وصفهم، فقال * (انا أخلصناهم) * فالاخلاص إخراج كل شائب من الشئ ليس من شكله، فهؤلاء الابرار قد اخلصهم الله لنعيم الجنان بلطفه في ما لازموه من الاحسان. وقوله * (بخالصة ذكرى الدار) * معناه إنا اخلصنا ابراهيم وإسحاق ويعقوب بخلة خلصت لهم. ثم قال * (ذكرى الدار) * بدلا من * (خالصة) * اي يذكرون بدار الآخرة ويزهدون في الدنيا، ويجوز ان يكون المعنى إنهم يكثرون ذكر الآخرة والرجوع إلى الله، ومعنى * (أخلصناهم) * اصفيناهم، قال الطبري: معناه اخلصناهم بأفضل ما في الآخرة، هذا على قول من اضاف، وهو قول ابن زيد. ومن نون فالمعنى الخالصة التي اخلصناهم بها هي ذكرى الدار للعمل لها فناهيك بها من خالصة ادت إليها وهي الجنة. ثم قال * (وانهم عندنا لمن المصطفين الاخيار) * والاصطفاء إخراج الصفوة من كل شئ فهم صفوة وغيرهم كدر، فالله تعالى اصطفى هؤلاء الانبياء بأن اختارهم لنبوته بحسب ما سبق في علمه انه يكون منهم من القيام باعباء

[ 572 ]

النبوة والمسارعة إلى الخير والتبرز في الفضل. والذكر الذي يحتاج إليه على وجهين: ذكر ما يجب بالرغبة فيه والدعاء إليه وذكر ما يتقى بالرهبة منه والتحذير منه. وفي ذلك تمام الداعي والصارف اللذين تقتضيهما الحكمة. و * (الاخيار) * جمع خير على وزن (أموات) جمع (ميت) وهو من يفعل الافعال الكثيرة الحسنة. وقيل هو جمع (خير) ومثله (الابرار) جمع (بر) وصفوا بالمصدر. وقال مجاهد وقتادة: * (ذكرى الدار) * دار الآخرة وقال ابن زيد: هي دار الجنة. كما قال تعالى * (ولنعم دار المتقين) * (1) قيل: إنهم كانوا يذكرونها للعمل لها ودعاء الناس إليها. وقيل: ذكرى الدار بالثناء الذي ليس لغيرهم من اجل قيامهم بالنبوة. وقيل: الاصطفاء الاختصاص بمدحهم بأنهم هم الصفوة. وقيل: إنما خاطب الله النبي صلى الله عليه واله أن يذكرهم بصبرهم وفضلهم ليسلك طريقهم ثم قال له صلى الله عليه واله * (واذكر) * أيضا * (اسماعيل واليسع وذا الكفل) * بمثل ذلك. ثم اخبر عنهم بأنهم كلهم من الاخيار. وقيل ذو الكفل ذو الضعف من الثواب. وقيل كان اسمه ذلك. وقيل: سمي بذلك لانه تكفل بأمر انبياء خلصهم الله من القتل به. وقيل تكفل بعمل صالح فسمي به. ثم قال تعالى * (هذا ذكر) * ومعناه إن ما اخبرنا عنهم ذكر أي شرف لهم وذكر جميل وثناء حسن يذكرون به في الدنيا * (وإن للمتقين لحسن مآب) * يعني حسن المرجع في الآخرة، لانهم يرجعون إلى الجنة. ثم بين ذلك المآب، فقال * (جنات عدن) * وهو في موضع جر على البدل من (مآب) والجنات جمع جنة وهي البستان التي يجنها الشجر * (عدن) * يعني موضع إقامة وخلود * (مفتحة لهم الابواب) * قيل تنفتح من غير كلفة، قال الحسن تكلم: انفتحي


(1) سورة 16 النحل آية 30 (*)

[ 573 ]

انغلقي، ورفعت (الابواب) لان تقديره مفتحة لهم ابوابها، فدخلت الالف واللام بدلا من الاضافة، كما يقولون: مررت برجل حسنة عينه قبيح أنفه يريدون قبيح الانف - ذكره الفراء - وقال الزجاج: تقديره مفتحة لهم الابواب منها، ولو نصب (الابواب) لجاز، كقول الشاعر: فما قومي بتغلبة بن سعد * ولا بفزارة الشعث الرقابا هذا على شبه المفعول. ثم وصف تعالى الذين يحصلون في الجنة فقال * (متكئين فيها على الارائك) * فالاتكاء الاستناد إلى المساند، ومنه الوكاء لانه يستمسك به ما في الوعاء * (يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب) * أي يستدعون الفواكه للاكل والشراب للشرب * (وعندهم قاصرات الطرف اتراب) * يعني قصرن على ازواجهن فمالهن في غيرهم بغية، فالقاصر نقيض الماد، يقال هو قاصر طرفه عن فلان وماد عينه إلى فلان قال امرؤ القيس: من القاصرات الطرف لودب محول * من الذر فوق الاتب منها لاثرا (2) والاتراب الاقران على سن واحد ليس فيهن هرمة ولا عجوز. قال الفراء: لا يقال الاتراب إلا في الاناث، ولا يقال في الذكران قال ابن أبي ربيعة: ابرزوها مثل المهاة تهادى * بين عشر كواعب اتراب (1) والترب اللذة وهو مأخوذ من اللعب بالتراب. وقيل: اتراب على مقدار سن الازواج من غير زيادة ولا نقصان. ثم قال تعالى * (هذا ما توعدون) * فمن قرأ بالتاء فعلى انه يقال لهم ويخاطبون بهذا القول. ومن قرأ بالياء فعلى الخبر عن حالهم * (ليوم الحساب) * يعني يوم الجزاء. ثم قال تعالى * (إن


(1) ديوانه 91 * (شرح السندوسي) * (2) ديوانه 59 * (دار بيروت) * (*)

[ 574 ]

هذا) * يعني الذي وصفته من الجنة وما فيها من نواع اللذات * (لرزقنا ماله من نفاد) * يعني من انقطاع لانه على سبيل الدوام، وهو قول قتادة. قوله تعالى: * (هذا وإن للطاغين لشر ماب (55) جهنم يصلونها فبئس المهاد (56) هذا فليذوقوه حميم وغساق (57) وآخر من شكله أزواج (58) هذا فوج مقتحم معكم لا مرحبا بهم إنهم صالوا النار (59) قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم أنتم قدمتموه لنا فبئس القرار) * (60) ست آيات بلا خلاف. لما وصف الله تعالى اهل الجنة وما أعده لهم من انواع النعيم فيها وصف ما أعده لاهل النار والعصاة من انواع العقاب، فقال * (هذا) * يعني هذا ما ذكرنا لاهل الجنة. ثم ابتدأ فقال * (وإن للطاغين) * وهم الذين طغوا في معاصي الله * (لشر مآب) * يعني شر مرجع. ثم بين ذلك المرجع فقال * (جهنم يصلونها فبئس المهاد) * وإنما وصف جهنم بأنها مهاد لما كانت عوضا لهم عن المهاد، فسميت باسمه، كما قال * (فبشرهم بعذاب اليم) * (1) وقال قوم: هو على تقدير بئس موضع المهاد، والمهاد الفراش الموطأة تقول: مهدت له تمهيدا كقولك وطأت له توطئة، ومه مهد الصبي، لانه يوطأ له. ثم قال * (هذا فليذوقوه حميم وغساق) * وتقديره هذا عذاب جهنم


(1) سورة آل عمران آية 21 (*)

[ 575 ]

فليذوقوه حميم وغساق. ويجوز أن تجعله مستأنفا كانك قلت هذا فليذوقوه. ثم قلت منه حميم وغساق. أمرهم الله بذواق الحميم، لان الذواق ابتداء إدراك الطعم على طلبه بالفم، ولذلك يقال: ذقته فلم اجد له طعما لما فيه من طلب ادراك الطعم بالفم. ومن طلب إدراك الشئ كان أشد احساسا به. والحميم الحار الشديد الحرارة، ومنه الحمى لشدة حرارتها وحم الشئ إذا دنا وأحمه لهذا أي ادناه قال الشاعر: احم الله ذلك من لقاء * احاد احاد في الشهر الحلال (1) والغساق ما يسيل من صديد أهل النار. وقال ابن عمر: هو القيح الذي يسيل منهم يجمع فيسقونه، وقال كعب الاحبار: الغساق عين في جهنم يسيل إليها سم كل ذات حمة من عقرب وحية. وقيل: هو قيح شديد التن، يقال: غسقت القرحة تغسق غسوقا. والتشديد والتخفيف لغتان. وقيل: الغساق الزمهرير - في قول ابن مسعود - فلبرده يحرق كما تحرق النار. ثم قال * (وآخر من شكله أزواج) * معناه انواع أخر من شكل العذاب أزواج اي امثال. وقال الحسن: ذكر السلاسل والاغلال ونحوه، ثم قال * (وآخر من شكله) * مما لم ير في الدنيا. والشكل - بفتح الشين - الضرب المشابه. والشكل - بكسر الشين - النظير في الحسن، ومن قرأ * (وآخر) * أراد الواحد. ومن قرأ * (وأخر) * اراد الجمع * (ازواج) * معناه اشكال. ثم قال * (هذا فوج مقتحم معكم) * قال الحسن يعني به بني إبليس، والآخر بنو آدم يقتحمون معكم النار وعذابها * (لا مرحبا بهم) * أي لا اتسعت لهم أماكنهم * (إنهم صالوا النار) * أي لازموها. قال الفراء:


(1) اللسان * (حمم) *

[ 576 ]

هي الامة بعد الامة تدخل النار. وقوله * (لا مرحبا بهم) * من قول أهل النار، كما قال * (كلما دخلت أمة لعنت اختها) * (1) وقيل هم اتباع الرؤساء في الضلالة قيل لهم لا مرحبا بهم، وهو نصب على المصدر * (قالوا بل أنتم لا مرحبا بكم انتم قدمتموه لنا فبئس القرار) * حكاية ما يردون عليهم من الجواب فانهم يقولون: بل انتم لا اتسعت عليكم أماكنكم قدمتموه لنا فبئس القرار الذي استقررنا عليه، وهو مثل قوله " ربنا إنا اطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا " (2) وقرأ حمزة والكسائي وخلف (غساق) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف وهما لغتان. وقرأ أبو عمرو وابن كثير * (واخر) * مضمومة الالف على الجمع. الباقون * (وآخر) * بفتح الالف ممدودة على التوحيد. ومن قرأ على الجمع، فلقوله * (ازواج) * وهما لا ينصرفان، لان (آخر) وزنه افعل واما أخر فلانه معدول عن الالف والام، لانه لا يستعمل في الجارية الكبرى والمرأة الاخرى إلا بالالف واللام، فلما عدلوه وعرفوه تركوا صرفه مثل (سحر) إذا أردت سحر يوم بعينه تركت صرفه لانه معدول عن الالف واللام في السحر. قوله تعالى: * (قالوا ربنا من قدم لنا هذا فزده عذابا ضعفا في النار (61) وقالوا ما لنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار (62) أتخذناهم


(1) سورة 7 الاعراف آية 37 (2) سورة 33 الاحزاب آية 68 (*)

[ 577 ]

سخريا أم زاغت عنهم الابصار (63) إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (64) قل إنما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار) * (65) خمس آيات. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي اتخذناهم موصولة على وجه الاخبار. الباقون بقطع الهمزة على الاستفهام. وقرأ نافع وحمزة والكسائي * (سخريا) * بضم السين. الباقون بكسرها. حكى الله تعالى عن الكفار الذين اتبعوا غيرهم في الضلال وانقادوا لرؤسائهم فيه انهم يقولون يوم القيامة إذا حصلوا في عذاب جهنم يا * (ربنا من قدم لنا هذا) * أي من سبب لنا هذا العذاب ودعانا إلى ما قد استوجبنا به ذلك " فزده عذابا ضعفا " أي مثلا مضاعفا إلى مثل ما يستحقه " في النار " احد الضعفين لكفرهم بالله تعالى والضعف الآخر لدعائهم إيانا إلى الكفر، ثم حكى عنهم ايضا انهم يقولون " مالنا لا نرى رجالا كنا نعدهم من الاشرار " قال مجاهد نزلت في أبي جهل والوليد بن المغيرة وذويهما انهم يقولون مع قرنائهم: ما لنا لا نرى عمارا وخبابا وصهيبا وبلالا الذين كنا نعدهم في الدنيا من جملة الاشرار الذين يفعلون الشر والقبيح ولا يفعلون الخير. وفي تفسير اهل البيت إن هذا حكاية عما يقوله اعداء أهل الحق، فانهم لا يرون أهل الحق يوم القيامة لكونهم في الجنة وكون اعدائهم في النار وكانوا يعدونهم في الدنيا من الاشرار. ثم حكى انهم يقولون ايضا " اتخذناهم سخريا " فمن قطع الهمزة أراد

[ 578 ]

الاستفهام الذي معناه التعجب والتوبيخ، ومن وصل أراد الاخبار، يعنون الذين كنا نعدهم من الاشرار " أتخذناهم سخريا " فمن كسر السين جعله من الهزء أي كنا نسخر منهم في الدنيا، ومن ضم السين جعله من السخرة أي كنا نسخرهم ونستذلهم " أم زاغت عنهم الابصار " ومن قطع الهمزة جعل (أم) معادلة ومن وصلها جعل (أم) بمعنى بل، قال مجاهد والضحاك " أم زاغت عنهم الابصار " أي ابصارنا، فلا ندري اين هم. وقال الحسن: كل ذلك قد مثلوا بهم اتخذوها سخريا وزاغت عنهم ابصارهم محقرة لهم. ثم اقسم تعالى ان الذي حكاه من تخاصم اهل النار ومجادلة بعضهم لبعض " لحق " أي كائن لا محالة. ثم أمر نبيه صلى الله عليه واله فقال " قل " يا محمد " إنما أنا منذر " أي مخوف من معاصي الله ومحذر من عقابه " وما من إله " أي وليس من يحق له العبادة " إلا الله الواحد " الفرد " القهار " لجميع خلقه المستعلي عليهم بسعة مقدوره لا يقدر احد على الخلاص من عقوبته إذا اراد عقابه، ومن اختار وصل الهمزة في قوله " اتخذناهم " قال لانهم علموا انهم اتخذوهم سخريا في دار الدنيا وإنما اعترفوا بذلك يوم القيامة، يقولون اتخذناهم سخريا بل زاغت عنهم ابصارنا محقرة لهم. ومن قطع الهمزة قال: هذا على وجه التوبيخ لنفوسهم والتبكيت لها. ثم قال ذلك أي ثم يقولون بل زاغت عنهم ابصارنا فلا نراهم. قوله تعالى: * (رب السموات والارض وما بينهما العزيز الغفار (66) قل هو نبؤ عظيم (67) أنتم عنه معرضون (68) ما كان لي من

[ 579 ]

علم بالملاء الاعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين) * (70) أربع آيات. قرأ أبو جعفر " إنما انا نذير مبين " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. لما وصف الله تعالى نفسه بأنه الواحد القهار وصفها ايضا بأنه " رب السموات والارض " أي مالكهما ومدبرهما ومدبر ما بينهما " العزيز " الذي لا يغالب لسعة مقدوراته " الغفار " لذنوب عباده إذا تابوا. ثم قال قل لهم يا محمد " هو نبأ عظيم " قال مجاهد والسدي يعني القرآن " هو نبأ عظيم " أي الخبر العظيم وقال الحسن: هو يوم القيامة. ثم خاطب الكفار فقال " انتم " معاشر الكفار " عنه معرضون " عن هذا النبأ العظيم لا تعلمون بما يوجب مثله من اجتناب المعاصي وفعل الطاعات. ثم أمر نبيه صلى الله عليه واله ان يقول أيضا " ما كان لي من علم بالملا الاعلى إذ يختصمون " يعني بالملا الاعلى الملائكة اختصموا في آدم حين قيل: لهم " إني جاعل في الارض خليفة " في قول ابن عباس وقتادة والسدي، فما علمت ما كانوا فيه إلا بوحي من الله تعالى. وقيل: كان اختصام الملائكة في ما كان طريقه الاجتهاد. وقيل: بل طريقه إستخراج الفائدة، ولا يجوز ان يختصموا في دفع الحق. وقوله " إن يوحى إلي إلا أنما انا نذير مبين " قيل في معناه قولان: احدهما - ليس يوحى إلى إلا لاني انا نذير مبين أي مخوف من المعاصي مظهر للحق. الثاني - ليس يوحى الي إلا الانذار البين الواضح.

[ 580 ]

قوله تعالى: * (إذ قال ربك للملئكة إني خالق بشرا من طين (71) فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين (72) فسجد الملئكة كلهم أجمعون (73) إلا إبليس استكبر وكان من الكافرين (74) قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين) * (75) خمس آيات. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه واله قل يا محمد " ما كان لي من علم بالملا الاعلى " من الملائكة " إذ يختصمون.... إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من طين " يعني آدم عليه السلام، لان الله تعالى خلقه من طين، فالخلق فعل الشئ على تقدير وترتيب وكان جعل آدم على مقدار ما تقتضيه الحكمة واصل الخلق التقدير. والبشر مأخوذ من البشرة، وهي الجلدة الظاهرة، والانسان مأخوذ من الانس، لانه يأنس بمثله في ما يؤنس به، فجرى عليه الاسم، لان هذا من شأنه " فإذا سويته " أي سويت خلق هذا البشر وتممت أعضاه وصورته " فقعوا له ساجدين " أي اسجدوا له. وقد بينا في ما مضى أن السجود كان لله تعالى وعبادة له وفيه تفضيلا لآدم على الملائكة وقوله " ونفخت فيه من روحي " فالروح جسم رقيق هوائي بها يتم كون الحي حيا لتخرقه في مخارق الانسان وهو مشتق من الريح، ومنه الراحة والاستراحة من الكد للخفة على النفس كالريح، ومنه الا ريحة، والراحة كف

[ 581 ]

الانسان لما يتراوح الناس إليها في العمل، ومنه الرواح إلى المنزل للاستراحة ومعنى " ونفخت فيه من روحي " أي توليت خلقها من غير سبب كالولادة التي تؤدي إليها، لان الله تعالى شرف آدم بهذه الحال وكرمه. وفي الكلام حذف وتقديره إن الله خلق آدم الذي وعدهم بخلقه ثم إن الملائكة سجدت بأجمعها له إلا إبليس الذي أمتنع، وقد بينا اختلاف الناس في أن إبليس هل كان من جملة الملائكة، ومن قبلهم أو كان في جملتهم يتناول الامر له بالسجود فلا نطول باعادته فمن قال لم يكن منهم، قال (إلا) بمعنى (لكن) وتقديره: لكن إبليس استكبر وتجبر وامتنع من السجود له، وكان بذلك الاباء والمخالفة من جملة الكافرين. ثم حكى ما خاطب الله تعالى إبليس به حين امتنع من السجود لآدم " ما منعك ان تسجد لما خلقت بيدي " على وجه التقريع له والتهجين لفعله، وإنما قال " بيدى " على وجه تحقيق الاضافة لخلقة الله تعالى، لا انه أمر به أو كان على سبب أدى إليه تعالى، والتثنية أشد مبالغة، كما قال الشاعر: دعوت لما نابني مسورا * فلبي فلبي يدي مسور (1) لتحقيق اضافة المبالغة إلى مسور، ومثله قولهم: هذا ما كسبت يداك أي ما كسبته أنت قال الشاعر: ايها المبتغي فناء قريش * بيد الله عمرها والفناء فوحد لتحقيق الاضافة. ثم قال له بلفظ الاستفهام والمراد به الانكار " استكبرت " يا إبليس أي طلبت التكبر بامتناعك من السجود له " أم كنت من العالين " الذين يعلون على الخلق تجبرا وتكبرا. وقرئ في الشواذ " بيدي


(1) اللسان (سور، لبب) (*)

[ 582 ]

أستكبرت " على وصل الهمزة. وروي ذلك عن مجاهد عن شبل ابن كثير اجتزاء ب‍ (أم) عن الف الاستفهام. ويحتمل أن يكون على اليمين، كأنه اقسم فقال بنعمتي الدينية والدنياوية تكبرت بل كنت من العالين بهذا الفعل فتكون على هذا (أم) منقطعة وعلى الاول وهو المعروف تكون معادلة لهمزة الاستفهام: قوله تعالى: * (قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (76) قال فاخرج منها فانك رجيم (77) وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين (78) قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون (79) قال فانك من المنظرين (80) إلى يوم الوقت المعلوم (81) فبعزتك لاغوينهم أجمعين (82) إلا عبادك منهم المخلصين (83) قال فالحق والحق أقول (84) لاملان جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (85) قل ما أسئلكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين إن هو إلا ذكر للعالمين (87) ولتعلمن نبأه بعد حين) * (88). ثلاث عشرة آية في الكوفي واثنتا عشرة اية في ما عداه عد الكوفي " فالحق أقول " ولم يعده الباقون.

[ 583 ]

قرأ عاصم إلا هيبرة وخلف وحمزة " قال فالحق " بالرفع " والحق " بالنصب. الباقون بالنصب فيهما، من رفع تقديره فأنا الحق، ويجوز على تقدير فالحق لاملان كما تقول: عزيمة صادقة لآتينك، ويجوز على تقدير حذف الخبر، وتقديره: فالحق مني لاملان. ومن نصب فعلى فالحق لاملان على القسم، كما تقول: والله لافعلن، ويجوز في مثله حقا لاملان، ويكون (والحق أقول) اعتراضا بين الكلامين، ويجوز أن يكون النصب على تقدير اتبعوا الحق، أو أقول الحق. وقال أبو علي: من نصب (الحق) الاول فعلى اضمار (فعل) نحو ما ظهر في قوله " ليحق الحق " (1) وفي قوله " ويحق الله الحق " (2). لما حكى تعالى ما قال لابليس على وجه الانكار عليه " استكبرت أم كنت من العالين " حكى ما أجاب به إبليس، فانه قال " انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " وقيل إن الله تعالى خلق الملائكة من الريح فسموا بذلك روحانيبن، وخلق آدم من الطين وخلق إبليس من النار، فظن إبليس إن النار أشرف من الطين لما فيها من النور، ولما يكون بها من الانضاح لاكثر ما يحتاج إليه ومن الاحراق الذي يقع به الزجر من العقاب فدخلت عليه الشبهة بهذا، وظن أنه افضل منه من حيث كان أصله افضل من اصل آدم، وكيف يجوز أن يفضل آدم عليه السلام عليه. وهذا يدل على ان السجود لآدم كان على وجه التفضيل له على جميع من أمر بالسجود له، وإلا لم يكن يمتنع من ذلك، ولم يعلم إبليس أن الله تعالى إنما امرهم بالسجود لآدم عبادة له، وإن كان تفضيلا لآدم وإن لهم في ذلك لطفا في تكليفهم فلذلك أمرهم الله بالسجود له، ولو أنعم النظر في ذلك لزالت شبهته. فقال


(1) سورة 8 الانفال آية 8 (2) سورة 10 يونس آية 82 (*)

[ 584 ]

الله تعالى له " فاخرج منها " قال الحسن: يعني من السماء. وقال غيره: من الجنة " فانك رجيم " أي مرجوم إن رجعت إليها بمثل الشهب التي ترجم به الشياطين. وأصل الرجيم المرجوم، وهو المرمي بالحجر " وإن عليك لعنتي " يا إبليس ابعادي لك من رحمتي " إلى يوم الدين " يعني يوم القيامة الذي هو يوم الجزاء. فقال إبليس عند ذلك يا " رب فانظرني " أي اخرني " إلى يوم يبعثون " أي يوم يحشرون للحساب، وهو يوم القيامة فقال الله تعالى له " فانك من المنظرين " أي من المؤخرين " إلى يوم الوقت المعلوم " أي اليوم الذي قدر الله فيه اماتتك، فعلى هذا لا يلزم أن يكون إبليس مغرى بالقبائح لعلمه بأنه يبقى، لانه لا وقت إلا وهو يجوز أن يخترم فيه، ولا يقدر على التوبة فالزجر حاصل له. ومن قال إنه اجابه إلى يوم القيامة يقول: كما أعلمه انه يبقيه إلى يوم يبعثون، اعلمه ايضا انه من أهل النار لا محالة، وانه لا يتوب وصح مع ذلك تكليفه، لانه يلزمه بحكم العقل أن لا يفعل القبيح من حيث انه متى فعله زاد عقابه، ويضاعف على ما يستحق له وتخفيف العقاب عن النفس واجب بحكم العقل، كما يجب اسقاط العقاب جملة. ثم حكى تعالى ما قال إبليس فانه اقسم وقال " فبعزتك " يا الهي " لاغوينهم أجمعين " فالعزة القدرة التي يقهر بها غيره من القادرين، و (الاغواء) التخيب، وإبليس يغوي الخلق بأن يزين لهم القبيح ويرغبهم فيه. والغي خلاف الرشد، وهو الخيبة، يقال: أغواه يغويه إغواء، فهو مغوي إذا دعاه إلى ما فيه الخيبة. ثم استثنى من جملة من يغويهم " عباد الله المخلصين " مع حرصه على اغواء الجميع من حيث أنه يئس منهم من حيث علم انهم لا يقبلون منه ولا

[ 585 ]

ينقادون لاغوائه، وانه ليس له عليهم سلطان إلا بالاغواء، فإذا علم أن منهم من لا يقبل منه عرف ذلك عنه ليأسه منه. ومن فتح اللام من " المخلصين " أراد إن الله تعالى اخلصهم بما فعل لهم من اللطف الذي امتنعوا عنده من القبائح، ومن كسر اللام أراد انهم اخلصوا عبادتهم لله، لم يشركوا معه غيره. ثم حكى تعالى ما أجاب به - عز وجل - لابليس، فانه قال له " فالحق والحق اقول لاملان " فمن رفع الاول اراد، فأنا الحق أو فالحق لاملان واقول الحق. ومن نصب فعلى تقدير. فالحق لاملان، كما تقول حقا لاملان، ويكون " والحق اقول " اعتراض بين الكلامين ويكون العامل في (الحق) الثاني قوله " اقول " لاملان جهنم منك " يا إبليس " وممن تبعك منهم اجمعين " أي من تابعك على دعائك إلى المعاصي. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال " قل " يا محمد " ما أسألكم عليه من اجر " أي ليس اسألكم أجرا على دعائكم إلى الله " وما أنا من المتكلفين " أي ولست ممن يتعسف في طلب الامر الذي لا يقتضيه العقل، وصفة (متكلف) صفة تجري مجرى الذم، فلذلك قال " وما انا من المتكلفين "، لانه لا يدعو إلا إلى الامر الجميل الذي يقتضيه الحق. ثم قال " إن هو الا ذكر للعالمين " أي ليس هذا القرآن إلا شرف للعالمين " ولتعلمن نبأه بعد حين " قال الفراء: معناه ولتعلمن خبر القرآن وانه حق أو خبر محمد أنه صادق بعد حين، قال الحسن: عند الموت يأتيك الخبر

[ 586 ]

القين. وقال ابن زيد: يوم القيامة، والحين الوقت، وقال عكرمة: هو كقوله " تؤتي أكلها كل حين باذن ربها " (1) وذلك حين تصرم النخلة إلى حين تطلع في (الحق) الثاني قوله " اقول " لاملان جهنم منك " يا إبليس " وممن تبعك منهم اجمعين " أي من تابعك على دعائك إلى المعاصي. ثم خاطب النبي صلى الله عليه واله فقال " قل " يا محمد " ما أسألكم عليه من اجر " أي ليس اسألكم أجرا على دعائكم إلى الله " وما أنا من المتكلفين " أي ولست ممن يتعسف في طلب الامر الذي لا يقتضيه العقل، وصفة (متكلف) صفة تجري مجرى الذم، فلذلك قال " وما انا من المتكلفين "، لانه لا يدعو إلا إلى الامر الجميل الذي يقتضيه الحق. ثم قال " إن هو الا ذكر للعالمين " أي ليس هذا القرآن إلا شرف للعالمين " ولتعلمن نبأه بعد حين " قال الفراء: معناه ولتعلمن خبر القرآن وانه حق أو خبر محمد أنه صادق بعد حين، قال الحسن: عند الموت يأتيك الخبر

[ 586 ]

القين. وقال ابن زيد: يوم القيامة، والحين الوقت، وقال عكرمة: هو كقوله " تؤتي أكلها كل حين باذن ربها " (1) وذلك حين تصرم النخلة إلى حين تطلع ستة أشهر وهو مثل ما رواه أصحابنا سواء.


(1) سورة 14 ابراهيم 25 آية تم المجلد الثامن من التبيان ويليه المجلد التاسع وأوله اول سورة الزمر طبع في مطابع النعمان في النجف الاشرف في شعبان سنة 1382 ه‍ وفي كانون الثاني سنة 1963 م

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية