الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




التبيان - الشيخ الطوسي ج 7

التبيان

الشيخ الطوسي ج 7


[ 1 ]

التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه‍ تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصر العاملي المجلد السابع

[ 3 ]

18 - سورة الكهف قال مجاهد وقتادة: هي مكية، وهي مئة وعشرون آية في الكوفي وأحدى عشرة في البصري وخمس في المدنيين. بسم الله الرحمن الرحيم (الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا (1) قيما لينذر باسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا حسنا (2) ماكثين فيه ابدا (3) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ أبو بكر (لدنه) باسكان الدال واشمال الضمة، وكسر النون والهاء وإيصالها بياء. الباقون بضم الدال وسكون النون وضم الهاء من غير واو، إلا ابن كثير، فانه كان يصل الهاء بواو. واعلم أن (لدن) اسم غير متمكن، ومعناه (عند)، قال الله تعالى " من

[ 4 ]

لدن حكيم خبير " (1) فالنون ساكنة في كل أحوالها، والهاء إذا أتت بعد حرف ساكن لم يجز فيها إلا الضم نحو (منه) فالاصل (منهو) و (لهو) فهو كقول ابن كثير، غير أنهم حذفوا الواو اختصارا، وإنما أسكن أبو بكر الدال استثقالا للضم كما قالوا " في كرم زيد ": قد كرم زيد، فلما سكن الدال التقى ساكنان، النون والدال، فكسر النون لالتقاء الساكنين، وكسر الهاء لمجاورة حرف مكسور، ووصلها بهاء كما تقول: مررت به، ولو فتح النون لالتقاء الساكنين لجاز، بعد أن أسكن الثاني كقول الشاعر: عجبت لمولود وليس له أب * ومن ولد لم يلده ابوان (2) يعني آدم وعيسى. فلا يتوهم أن عاصما كسر النون علامة للجزم، لان (لدن) لا تعرب. وحكى أبو زيد: جئت فلانا لدن غدوة - بفتح الدال -. يقول الله تعالى لخلقه قولوا (الحمد لله الذي) خص برسالته محمدا صلى الله عليه وآله وانتجبه لابلاغها عنه، وبعثه إلى خلقه نبيا رسولا، وانزل عليه كتابا قيما، ولم يجعل له عوجا. وقيل في معنى قوله (قيما) قولان: أحدهما - معتدلا مستقيما. الثاني - أنه قيم على سائر الكتب يصدقها ويحفظها. والاول قول ابن عباس. فعلى هذا " قيما " مؤخر، والمراد به التقدم، وتقديره أنزل الكتاب قيما، ولم يجعل له عوجا أي اختلافا. وقال الضحاك: معناه مستقيما. وقال ابن اسحاق: معناه معتدلا لا اختلاف فيه. وقال قتادة: أنزل الله الكتاب قيما، ولم يجعل عوجا. وفي بعض القراءات " ولكن جعله قيما " وكسرت العين من قوله " عوجا " لان العرب تقول: عوجا


(1) سورة 11 هود آية 1 (2) تفسير الطبري 15 / 119 وهو في مجمع البيان 3: 446

[ 5 ]

- بكسر العين - في كل اعوجاج كان في دين أو فيما لا يرى شخصه قائما ولا يدرك عيانا منتصبا كالعوج في الدين، ولذلك كسرت العين في هذا الموضع. وكذلك العوج في الطريق، لانه ليس بالشخص المنتصب. فأما ما كان في الاشخاص المنتصبة فان عينها تفتح كالعوج في القناة والخشبة ونحوها. وقال ابن عباس: معنى قوله " ولم يجعل له عوجا " أي لم يجعله ملتبسا. ولا خلاف بين أهل العربية ان قوله (قيما) وإن كان مؤخرا فتقديره إلى جنب الكتاب. وإنما افتتح الله تعالى هذه السورة بذكر نفسه بما هو أهله، وبالخبر عن انزال كتابه على رسوله، ليخبر المشركين من أهل مكة بأن محمدا صلى الله عليه وآله رسوله، لان المشركين كانوا سألوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن أشياء لقنوها إياهم اليهود، من قريظه والنضير، وأمروهم أن يسألوه عنها، وقالوا: إن اخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم فهو مقتول، فوعدهم رسول الله صلى الله عليه وآله الجواب عنها، موعدا فأبطأ - على قول بعضهم - الوحي عنه بعض الابطاء وتأخر مجئ جبرائيل (ع) عنه، عن ميعاده القوم فتحدث المشركون بأنه اخلفهم موعده، وأنه مقتول، فأنزل الله هذه السورة جوابا عن مسائلهم، وافتتح أولها بذكره تكذببا للمشركين فيما تحدثوا بينهم من احدوثتهم - ذكر ذلك محمد بن اسحاق باسناده عن عكرمة عن ابن عباس - وكان الذين ذهبوا إلى اليهود وسألوهم عن أمر النبي صلى الله عليه وآله النضر بن الحارث بن كلدة، وعقبة بن أبي معيط، وكانت المسائل التي لقنوهم إياها: أن قالوا: سلوه عن ثلاثة اشياء، فان أخبركم بهن، فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فانه مقتول، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الاول، ما كان أمرهم ؟ فانه كان لهم حديث عجيب. وسلوه عن رجل طواف بلغ مشارق الارض ومغاربها، ما كان نبؤه ؟ وسلوه عن الروح ما هو ؟ فان اخبركم بذلك فانه نبي مبعوث، فاتبعوه، وإن لم يخبر كم فانه مقتول. فرجعا إلى مكة

[ 6 ]

واجتمعا مع قريش فجاؤا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فسألوه عنها، فقال النبي صلى الله عليه وآله اخبركم بذلك. وقال بعضهم: انه قال اخبركم غدا بما سألتم، ولم يستثن، وانصرفوا عن النبي صلى الله عليه وآله فمكث رسول الله خمس عشرة ليلة لا ينزل الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبرائيل (ع) حتى اوجف أهل مكة، وتكلموا في ذلك، فشق ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله فأنزل الله عليه جبرائيل ومعه (سورة الكهف) يخبره فيها عما سألوه عنه من أمر الفتية، والرجل الطواف، وانزل عليه " ويسألونك عن الروح... " (1) الآية. فروى ابن إسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وآله أفتتح السورة، فقال " الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " أي معتدلا، لا اختلاف فيه. وقوله " لينذر بأسا شديدا من لدنه، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم اجرا حسنا ماكثين فيه ابدا " معناه أنزل على عبده القرآن معتدلا مستقيما لا عوج فيه، لينذركم أيها الناس بأسا شديدا من أمر الله. ومعنى البأس العذاب العاجل والنكال الحاضر، والسطوة. ومعنى " من لدنه " من عند الله، وهو قول ابن اسحاق، وقتادة. ومفعول " لينذر " محذوف، لدلالة الكلام عليه، وتقديره: لينذركم بأسا كلما قال " يخوف أولياءه " (2) وتقديره يخوفكم أولياءه، ومعنى " ويبشر المؤمنين " يعني المصدقين بالله ورسوله " الذين يعملون الصالحات " يعني ما أمرهم الله به من الطاعات، وهي الاعمال الصالحات، والانتهاء عما نهاهم عنه " أن لهم اجرا حسنا " يعني ثوابا جزيلا من الله على ايمانهم بالله ورسوله، وعملهم في الدنيا بالطاعات واجتناب المعاصي، وذلك الثواب هو الجنة. وقوله " ما كثين فيه أبدا " أي لابثين فيه ابدا خالدين مؤبدين لا ينتقلون * (الهامش) * (1) سورة 17 الاسرى آية 85 (2) سورة 3 آل عمران آية 175

[ 7 ]

عنه ولا ينقلبون، ونصب (ماكثين) على الحال من قوله " إن لهم أجرا حسنا " في هذه الحال، في حال مكثهم في ذلك الاجر. قوله تعالى: (وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدا (4) مالهم به من علم ولا لآبائهم كبرت كلمة تخرج من افواههم إن يقولون إلا كذبا (5) آيتان. يقول الله تعالى أنه يحذر ايضا محمد صلى الله عليه وآله القوم " الذين قالوا اتخذ الله ولدا " من مشركي قومه وغيرهم - عقاب الله، وعاجل نقمته وأليم عذابه على قولهم ذلك. وقوله " ما لهم به من علم " (معناه ما لقائلي القول هذا يعني قولهم " اتخذا الله ولدا " به من علم) (1) يعني ليس لهم بالله من علم. ومعنى الكلام ما لهؤلاء القائلين هذا القول بالله من علم بأنه لا يجوز أن يكون له ولد. وفلجهلهم بالله وعظمته قالوا ذلك. وقوله " ولا لآبائهم " معناه ولا لاسلافهم الذين مضوا قبلهم على مثل الذي هم عليه اليوم، ما كان لهم بالله وعظمته علم. وقوله " كبرت كلمة تخرج من افواههم " نصب (كلمة) عل التمييز، وتقديره كبرت كلمتهم التي قالوها كلمة، كما تقول: نعم رجلا عمرو، ونعم الرجل رجلا قام. وقال بعضهم: نصب (كلمة) لانها في معنى: اكبر بها كلمة، كقوله " وساءت * (الهامش) * (1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة.

[ 8 ]

مرتفقا " (1) وهي في النصب كقول الشاعر: ولقد علمت إذا الرياح تروحت * هدج الرئال تكبهن شمالا (2) أي تكبهن الرياح شمالا، فكأنه قال كبرت تلك الكلمة. وروي عن بعض المكيين انه قرأ ذلك بالرفع، كقولهم: كبر قولك، وكبر شأنك، فعلى هذا لا يكون في قوله (كبرت) مضمر، بل يكون صفة الكلمة، والاول أقوى، لاجماع القراء على النصب، وهذا شاذ، وتأويل الكلام: عظمت الكلمة كلمة تخرج من افواه هؤلاء القوم " الذين قالوا اتخذ الله ولدا " أو الملائكة بنات الله. وقوله " إن يقولون إلا كذبا " معناه ليس يقول هؤلاء القائلون " اتخذ الله ولدا " إلا كذبا " وفرية افتروها على الله - عز وجل -. قوله تعالى: (فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث اسفا (6) إنا جعلنا ما على الارض زينة لها لنبلوهم ايهم احسن عملا (7) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (8) ثلاث آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " فلعلك " يا محمد قاتل نفسك ومهلكها على آثار قومك الذين قالوا: " لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا... " (3) تمردا منهم على ربهم بأنهم لم يؤمنوا بهذا الكتاب الذي أنزلته عليك، فيصدقوا بأنه * (الهامش) * (1) سورة 18، الكهف آية 29 (2) تفسير الطبري 15 / 119 وهو في مجمع البيان 3 / 449 (3) سورة 17، الاسرى الاية 90

[ 9 ]

من عند الله - حزنا وتلهفا ووجدا - بادبارهم عنك واعراضهم عن قبول ما اتيتهم به. و (أسفا) نصب على المصدر. يقال بخع نفسه يبخعها بخعا وبخوعا، قال ذو الرمة: ألا ايهذا الباخع الوجد نفسه * لشئ نحته عن يديه المقادر (1) يريد (نحته) فخفف. وما ذكرناه قول قتادة وغيره. وقوله " اسفا " قال قتادة: معناه غضبا وتقديره: فلعلك باخع نفسك إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا يعنى غضبا. وقال مجاهد: معناه جزعا. وفى رواية أخرى عن قتادة: حزنا عليهم. وفى رواية ثالثة عن قتادة حذرا. وكسرت (إن) لانها في معنى الجزاء ولو فتحت لجاز قال الشاعر: اتجزع أن بان الخليط المودع * وحبل الصفا من عزة المتقطع (2) وهذا معاتبة من الله لرسوله على وجده بمباعدة قومه إياه فيما دعاهم إليه من الايمان به والبراءة والآلهة والانداد، وكان بهم رحيما، وهو قول ابن اسحاق. وقوله " إنا جعلنا ما على الارض زينة لها " معناه انا جعلنا الذي على الارض من انواع المخلوقات جمادها وحيوانها ونباتها " زينة لها " يعني للارض " لنبلوهم ايهم " أي لنختبر عبادنا " ايهم أحسن عملا " يعني من اتبع امرنا ونهينا وعمل فيها بطاعتنا، وهو قول مجاهد. قوله تعالى " وإنما لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا " فيه اخبار من الله تعالى انا مخربوها بعد عمارتنا إياها بما جعلنا عليها من الزينة فنصيرها صعيدا جرزا، والصعيد * (الهامش) * مجاز القرآن 1 / 393 وتفسير الطبري 15 / 120 وهو في مجمع البيان 3 / 448 (2) مر هذا البيت في 1 / 349 من هذا الكتاب. (*)

[ 10 ]

ظهر الارض، والجرز الذي لا نبات عليه ولا زرع ولا غرس. وقيل انه أراد بالصعيد - ههنا - المستوي من وجه الارض. وقال ابن عباس: معناه نهلك كل شئ عليها زينة. وقال مجاهد: " جرزا " أي بلقعا. وقال قتادة: هو ما لا شجر فيه ولا نبات. وقال ابن زيد: الجرز الارض التي ليس فيها شئ، بدلالة قوله " أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الارض الجرز فنخرج به زرعا " (1) يعنى الارض التي ليس فيها شئ من النبات. والصعيد المستوي قال: وهو كقوله تعالى " لا ترى فيها عوجا ولا أمتا " (2) قال سيبويه: يقال جرزت الارض فهي مجروزة وجرزها الجراد والنعم، وارضون اجراز إذا كان لا شئ فيها، ويقال للسنة المجدبة جرز، وسنون أجراز لجدوبها ويبسها وقلة امطارها. قال الراجز: قد جرفتهن السنون الاجراز (3) ويقال: أجرز القوم إذا صارت ارضهم جرزا، وجرزواهم أرضهم أكلوا نباتها كله. قوله تعالى: (أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (9) إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيى لنا من امرنا رشدا) (10). آيتان بلا خلاف. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " أم حسبت " يا محمد، والمراد به أمته أي * (الهامش) * (1) سورة 32، الم السجدة آية 27 (2) سورة 20، طه آية 107 (3) تفسير الطبري 15 / 121 وروايته (حرقتهن) بدل (جرفتهن) (*)

[ 11 ]

أحسبت " أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " بل ما خلقت من السموات والارض وما بينهن من العجائب اعجب من اصحاب اهل الكهف، وحجتي بذلك ثابتة (1) على هؤلاء المشركين من قومك وغيرهم من جميع عبادي، وهو قول مجاهد وقتادة وابن اسحاق. وقال قوم: معناه " أم حسبت " يا محمد " أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " فان الذي آتيتك من العلم والحكمة أفضل منه، وهو قول ابن عباس. وقال الجبائي: المعنى أحسبت " أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " ولو لم نعلمك ذلك لما علمته. والاول أشبه، لان الله تعالى جعل انزال سورد الكهف احتجاجا على الكفار بما واطأهم عليه اليهود، والمراد بالكهف في الآية كهف الجبل الذي أوى إليه القوم الذين قص الله شأنهم وذكر اخبارهم في هذه السورة. واختلفوا في معنى " الرقيم " فقال قوم: هو اسم قرية - ذهب إليه ابن عباس - وفى رواية أخرى عنه: أنه واد بين غضبان، وايلة، دون فلسطين، وهو قريب من ايلة. وقال عطية: " الرقيم " واد. وقال قتادة: " الرقيم " اسم الوادي الذي فيه اصحاب الكهف. وقال مجاهد: " الرقيم " كتاب تبيانهم. وفي رواية ايضا عن ابن عباس أن " الرقيم " هو الكتاب. وقال سعيد بن جبير: هو لوح من حجارة كتبوا فيه قصص اصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف، وهو اختيار البلخي والجبائي وجماعة. وقيل: جعل ذلك اللوح في خزائن الملوك، لانه من عجائب الامور. وقيل بل جعل على باب كهفهم. وقال ابن زيد: " الرقيم " كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبر الله عن ذلك الكتاب وما فيه. وقرأ قوله " وما أدراك ما عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون " (2) وقال: هو اسم جبل اصحاب الكهف، * (الهامش) * (1) في المخطوطة (قائمة) بدل (ثابتة) (2) سورة 83، المطففين آية 19 - 21 (*)

[ 12 ]

روى ذلك عن ابن عباس. وقيل: إن اسم ذلك الجبل (تيحلوس) (1) وقيل تياحلوس (2). وقد روي عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن أعلمه إلا (حنان) و (الاواه) و " الرقيم ". واختار الطبري أن يكون ذلك اسما لكتاب أو لوح أو حجر كتب فيه. والرقيم (فعيل) أصله مرقوم، صرف إلى فعيل مثل جريح بمعنى مجروح وقتيل بمعنى مقتول يقال: رقمت الكتاب أرقمه إذا كتبته ومنه الرقيم في الثوب لانه خط يعرف به ثمنه. وقيل للحبة أرقم لما فيها من الآثار، وتقول العرب عليك بالرقمة (بمعنى عليك برقمة الوادي حيث الماء) (3) ودع الضفة أي الجانب. والضفتان جانبا الوادي، ولعل من ذهب إلى أن الرقيم الوادي: ذهب إلى رقمة الوادي. وقوله " إذ أوى الفتية إلى الكهف " معناه " أم حسبت أن اصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا " حين " أوى الفتية إلى الكهف " أي حين جاء أصحاب الكهف إلى الكهف، كهف الجبل هربا بدينهم إلى الله، قالوا إذ أووه " ربنا آتنا من لدنك رحمة " رغبة منهم إلى ربهم في أن يرزقهم من عنده رحمة. وقوله " وهئ لنا من أمرنا رشدا " معناه انهم قالوا يسر لنا ما نبتغي ونلتمس من رضاك أي دلنا على ما فيه نجاتنا والهرب من الكفر بك ومن عبادة الاوثان التي يدعونا إليها قومنا " رشدا " أي رشدا إلى العمل الذي تحب. وقيل إن هؤلاء الفتية كانوا مسلمين على دين عيسى (ع) وكان ملكهم يعبد الاصنام، فهربوا بدينهم منه. وقال آخرون: هربوا من الملك بجناية اتهموا بها * (الهامش) * (1) في المخطوطة (بجلوس) (2) في المخطوطة (بنا جلوس) (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

[ 13 ]

فدخلوا الكهف. ويجوز " رشدا " - بضم الراء وتسكين الشين - غير أنه لم يقرأ به - ههنا - أحد، لان أو اخر الآيات كلها على وزن (فعل) فلم يخالفوا بينها. قوله تعالى: (فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (12) آيتان. يقول الله تعالى " فضربنا على آذانهم في الكهف " يعني بالنوم، كما يقول القائل لآخر: ضربك الله بالفالج بمعنى أبلاك الله به. وقيل معناه منعناهم أن يسمعوا، والمعنى انمناهم. وقوله " سنين عددا " معناه سنين معدودة. ونصب (سنين) على الظرف بقوله " فضربنا " و " عددا " بمعنى معدود، والعد المصدر ومثله نقضت الشئ نقضا، والمنقوض نقض، وكذلك قبضته قبضا، والمقبوض قبض. وقوله تعالى " ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا " معناه بعثنا هؤلاء الفتية الذين أووا إلى الكهف بعد ما ضربنا على آذانهم فيه سنين عددا، من رقدتهم لينظر عبادي فيعلموا بالبعث أي الطائفتين اللتين اختلفتا في قدر مبلغ مكث الفتية في كهفهم رقودا " أحصى لما لبثوا " بمعنى أصوب لقدر لبثهم فيه أمدا. والامد الغاية قال النابغة: ألا لمثلك أو من أنت سابقه * سبق الجواد إذا استولى على الامد (2) وقال قوم: الحزبان جميعا كانا كافرين. وقال آخرون: كان أحدهما مسلما * (الهامش) * (1) تفسير الطبري 15 / 127 ومجمع البيان 3 / 451 (*)

[ 14 ]

والآخر كافرا، فالاول قول مجاهد. وقال: الحزبان من قوم الفتية. وقال قتادة: أحدهما كان كافرا، والآخر كان مؤمنا، ولم يكن لواحد منهما عليم بمقدار زمان لبثهم. وقال قوم: الحزبان هم اصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم. وقال قوم: احد الحزبين اصحاب الكهف، والآخر اصحابهم وقومهم. ومعنى " أمدا " قال ابن عباس يعني بعيدا. وقال مجاهد: يعني عددا. ويحتمل نصب " أمدا " وجهين: احدهما - التمييز في قوله (أحصى) كأنه قال أي الحزبين اصوب عددا. والثاني - أن يكون نصبا بوقوع قوله " لبثوا " عليه، كأنه قال: أي الحزبين أحصى للبثهم غاية أي في الامد. والفتية جمع فتى مثل صبي وصبية وغلام وغلمة. قوله تعالى: (نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (13) وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (14) هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا (15). ثلاث آيات في عدد الكل - إلا الشامي - آخر الاولى " هدى " وعند الشامي شططا. يقول الله تعالى إنا نخبرك يا محمد ونقص عليك نبأ هؤلاء الفتية الذين اووا إلى

[ 15 ]

الكهف على وجه الصحة. والقصص الخبر بمعاني يتلو بعضها بعضا واصله الاتباع من قولهم: قص أثره يقصه قصصا إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى " وقالت لاخته قصيه " أي اتبعي أثره. والنبأ الخبر. وفتية جمع فتى،. وهوجمع لا يقاس عليه لانه غير مطرد، وقد جاء غلام وغلمة وصبي وصبية، ولا يجوز غراب وغربة. ثم اخبر عنهم بانهم فتية آمنوا بربهم، واعترفوا بتوحيده " وزدناهم هدى " والمعنى وزدناهم المعارف بما فعلنا لهم من الالطاف لما فيها من الآيات التي رأوها، ومن الربط على قلوبهم حتى تمسكوا بها. وقوله " إذ قاموا فقالوا " معناه حين قاموا بحضرة الملك الجبار، فقالوا هذا القول الذي أفصحوا فيه عن الحق في الديانة ولم يستعملوا التقية، فقالوا: ربنا الذي نعبده هو الذي خلق السموات والارض لن ندعوا من دونه إلها آخر، فنوجه العبادة إليه، ومتى قلنا غير ذلك ودعونا معه إلها آخر " لقد قلنا إذا شططا ". والشطط الخروج عن الحد بالغلو فيه، فقلنا شططا أي غلوا في الكذب والبطلان. قال الشاعر: ألا يالقوم قد شطت عواذلي * ويزعمن أن أودي بحقي باطلي ويلحينني في اللهو ألا أحبه * وللهو داع دائب غير غافل (1) ومنه اشط فلان في السوم إذا تجاوز القدر بالغلو فيه يشط إشطاطا وشططا وشط منزل فلان يشط شطوطا إذا جاوز القدر في البعد، وشطت الجارية تشط شطاطا وشطاطة إذا جاوزة القدر في الطول. وقوله " هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة " إخبار من الفتية بخضرة الملك على وجه الانكار على قومه " إن هؤلاء " قومك اتخذوا من دون الله آلهة يعبدونها * (الهامش) * (1) قائله الاحوص. مجاز القرآن 1 / 394 والكامل للمبرد 49 وتفسير الطبري 15 / 128 واللسان والتاج (شطط). (*)

[ 16 ]

" لولا يأتون عليهم بسلطان بين فمن اظلم ممن افترى على الله كذبا. معناه هلا يأتون على عبادتهم إياهم بحجة واضحة ودلالة بينة. وحذف لدلالة الكلام عليه ثم قالوا: فمن اظلم لنفسه ممن يتخرص على الله كذبا، ويضيف إليه ما لا اصل له. وفي ذلك دلالة على أن التقليد في الدين لا يجوز وانه لا يجوز أن يقبل دين إلا بحجة واضحة. وفى قصة اصحاب الكهف دلالة على أنه لا يجوز المقام في دار الكفر إذا كان لا يمكن المقام فيه إلا باظهار كلمة الكفر وانه يجب الهجرة إلى دار الاسلام أو بحيث لا يحتاجون إلى التلفظ بكلمة الكفر. قوله تعالى: (وإذ اعتز لتموهم وما يعبدون إلا الله فاووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من امركم مرفقا (16) وترى الشمس إذا طلعت تزاو رعن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (17) وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال وكلبهم باسط ذراعية بالوصيد لو اطلعت عليهم لو ليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا (18)) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر واهل الكوفة، وابو بكر والاعشى إلا يحيى والعليمي " مرفقا " بفتح

[ 17 ]

الميم وكسر الفاء. الباقون - بكسر الميم وفتح الفاء - وقرأ ابن عامر ويعقوب (تزور) - بتخفيف الزاي وتسكينها وتشديد الراء من غير ألف - وقرأ أهل الكوفة بتخفيف الزاي والف بعدها وتخفيف الراء. الباقون كذلك إلا أنهم شددوا الزاي. وقرأ أهل الحجاز " لمليت " بتشديد اللام. الباقون بتخفيفها وبالهمز. قال أبو عبيدة: المرفق ما ارتفقت به وبعضهم يقول: المرفق. فأما في اليدين فهو (مرفق) بكسر الميم وفتح الفاء، وهو قول الكسائي، واجاز الفراء الفتح أيضا. وقال أبو زيد يقال: رفق الله عليك أهون المرفق والرفق. قال أبو علي: ما حكاه أبو زيد في (المرفق) فانه جعله مصدرا، لانه جعله كالرفق، وكان القياس الفتح لانه من (يرفق) لكنه كقوله " مرجعكم " (1) " ويسألونك عن المحيض " (2) وقال أبو الحسن: (مرفقا) أي شيئا يرتفقون به مثل المقطع. و (مرفقا) جعله اسما مثل المسجد أو يكون لغة يعنى في اسم المصدر مثل المطلع ونحوه. ولو كان على القياس لفتحت اللام. وقال الحسن ايضا: مرفق - بكسر الميم وفتحها - لغتان لا فرقق بينهما انما هما اسمان مثل المسجد والمطبخ. ومن قرأ " تزور " فانه مثل تحمر وتصفر، ومعناه تعدل وتميل قال عنترة: فازور من وقع القنا بلبانه * وشكى الي بعبرة وتحمحم (3) وقرأ عاصم والجحدري " تزوار " مثل تحمار وتصفار. * (الهامش) * (1) سورة 3، آل عمران آية 55 وسورة 5، المائدة آية 51، 108 وسورة 6، الانعام آية 60، 164 وسورة 10 يونس آية 23 وسورة 11، هو آية 4 وسورة 29، العنكبوت آية 8 وسورة 31، لقمان آية 15. (2) سورة 2 البقرة آية 222 (3) ديوانه 30 من معلقته المشهورة (ج 7 م 3 من التبيان) (*)

[ 18 ]

ومن قرأ " تزاور " أراد تتزاور فأدغم التاء في الراء. ومن خفف اراد ذلك، وحذف إحدى التائين وهي الثانية مثل تساقط، وتساقط، وتظاهرون، وتظاهرون. قال أبو الزحف: ودون ليلى بلد سمهدر * جدب المندى عن هوانا ازور (1) يقال: هو أزور عن كذا أي مائل. وفى فلان زور أي عوج، والزور - بسكون الواو - هو المصدر، ومثله الجوشن، والكلكل، والكلكال، كل ذلك يراد به المصدر وقال أبو الحسن: قراءة ابن عامر " تزور " لا توضع في ذا المعنى، انما يقال: هو مزور عني أي منقبض. وقال أبو علي: يدل على أن (ازور) بمعنى انقبض - كما قال أبو الحسن - قول الشاعر: وأزور من وقع بلبانه (2) والذي حسن القراءة به قول جرير: عسفن على الاداعس من مهيل * وفى الاظغان عن طلح ازورار (3) فظاهر استعمال هذا (الاظغان) مثل استعماله في (الشمس). ويقال: ملئ فلان وعيا وفزعا، فهو مملؤ، وملي، فهو مملي - بالتشديد، للتكثير من ملات الاناء فهو ملآن، وامتلا الحوض يمتلئ امتلاءا، وقولهم: تمليت طويلا، وعانقت حبيبا، ومت شهيد ا، وابليت جديدا، فهو غير مهموز. قال أبو الحسن: الخفيفة أجود في كلام العرب، لانهم يقولون ملاته رعبا، فلا يكادون يعرفون (ملاتني). * (الهامش) * (1) ابوالزحف الكلبي مترجم في الشعراء 462. والبيت في مجاز القرآن 1 / 395 وتفسير القرطبى 10 / 350 وجمهرة اشعار العرب 1 / 443، 3 / 370 واللسان والتاج (زور سمهد، عشنزر). (2) قد مر في الصفحة التي قبلها (3) ديوانه (دار بيروت) 182 وروايته (على إلا ما عز من حبى). (*)

[ 19 ]

قال أبو علي: يدل على قول أبي الحسن قولهم (فيملا بيتنا اقطاوسمنا) وقال الاعشى: وقد ملات بكر ومن لف لفها وقال الآخر: لا تملا الدلو وعرق فيها وقولهم: (امتلات) يدل على (ملئ) لان مطاوع (فعلت) (افتعلت) وقد انشدوا في التثقيل قول المخبل السعدي: فملا من كعب سلاسله وقوله " وإذ اعتزلتموهم " خطاب من اهل الكهف بعضهم لبعض، ودعاء بعضهم بعضا إلى أن يأووا إلى الكهف، رجاء من الله أن ينشر لهم من رحمته ويبسطها عليهم، ويهيئ لهم من أمرهم مرفقا اي شيئا يرتفق به ويستعان به كالمقطع والمجزر. وقوله " وما يعبدون إلا الله " (ما) في موضع نصب ومعناه وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون من دون الله من الاصنام والاوثان، ويحتمل الاستثناء امرين: أحدهما - أن يكون متصلا، فيجوز على ذلك أن يكون فيهم من يعبد الله مع عبادة الوثن، فيكون اعتزالهم للاوثان دون الله. والثاني - يجوز أن يكون جميعهم كان يعبد الاوثان دون الله فعلى هذا يكون الاستثناء منقطعا. وقوله " فأووا إلى الكهف " أي اجعلوه مأواكم ومقركم " ينشر " الله " لكم من رحمته ويهيئ لكم من امركم " ما ترتفقون به.

[ 20 ]

وقوله " فأووا " جواب (إذ) كما تقول: إذ فعلت قبيحا، فتب. وقوله " وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين " أي تعدل عنهم وتميل، يقال: ازور ازورارا، وفيه زور أي ميل. وقوله " وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال " قيل في معناه قولان: أحدهما - تقطعهم في ذات الشمال أي انها تجوزهم منحرفة عنهم، من قولك قرضته بالمقراض أي قطعته. الثاني - تعطيهم اليسير من شعاعها ثم تأخذه بانصرافها، ومن قرض الدراهم التي تسترد. وقال مجاهد: تقرضهم تتركهم. وقال أبو عبيدة كذلك هو في كلامهم يقال: قرضت الموضع إذا قطعته وجاوزته. وقال الكسائي والفراء: هو المجاوزة يقال: قرضني فلان يقرضني وجازني يجوزني بمعنى واحد، قال ذو الرمة: إلى قرض يقرض اجواز مشرف * شمالا وعن ايمانهن الفوارس (1) والقرض يستعمل في اشياء غير هذا، فمنه القطع للثوب وغيره، ومنه سمي المقراض، ومنه قرض الفار. وقال أبو الدرداء: (إن قارضتهم قارضوك وإن تركتهم لم يتركوك) ومعناه إن طعنت فيهم وعبتهم فعلوا بك مثله وإن تركتهم منه لم يتركوك. والقرض، من يتقارض الناس بينهم الاموال، وقد يكون ذلك في الثناء تثني عليه كما يثني عليك. والقرض بلغة أهل الحجاز المضاربة، والقرض قول الشعر القصيد منه خاصة دون الرجز، وقيل للشعر قريض. ومن ذلك قول الاغلب العجلي: * (الهامش) * (1) ديوانه 313 وتفسير الطبري 15 / 130 وتفسير القرطبي 10 / 469 والصحاح والتاج، واللسان (قرض) ومجمع البلدان 4 / 463 ومجاز القرآن 1 / 400 وغيرها. (*)

[ 21 ]

أرجزا يريد أو قريضا والمعنى في الآية ان الشمس لا تصيبهم البتة أو في اكثر الامر، فتكون صورهم محفوظة. وقيل ان الكهف الذي كانوا فيه كان محاذيا لبنات النعش إذا جازت خط نصف النهار. والفجوة: المتسع من الارض. وقال قتادة: في فضاء منه، وتجمع فجوات وفجاء ممدود، وقيل الفجوة متسع داخل الكهف بحيث لا يراه من كان ببابه، وكان الكلب بباب الفجوة. وقوله " ذلك من آيات الله " أي ادلته وبراهينه " من يهد الله فهو المهتد " معناه من يسمه الله هاديا ويحكم بهدايته " فهو المهتد ". ويحتمل أن يكون اراد: من يهده الله إلى الجنة، فهو المهتدي في الحقيقة. ويحتمل أن يكون: من يلطف الله له بما يهتدى عنده، فهو المهتدي " ومن يضلل " أي يحكم بضلاله أو يسميه ضالا أو من يضله عن طريق الجنة، ويعاقبه " فلن تجد له وليا مرشدا " أي معينا وناصرا يرشده إلى الجنة والثواب. ثم قال تعالى " وتحسبهم " يعني وتحسب يا محمد أهل الكهف إذا رأيتهم " ايقاظا " أي منتبهين " وهم رقود " أي نيام. وقيل انهم كانوا في مكان موحش منه، أعينهم مفتوحة يتنفسون ولا يتكلمون. وواحد (رقود) راقد أي نائم. وقوله " ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال " اخبار منه تعالى عما يفعل بهم وكيفية حفظ اجسادهم بأن يقلبهم من جنب إلى جنب إلى اليمين تارة وإلى الشمال أخرى. وقوله " وكلبهم باسط ذراعية بالوصيد " قال ابن عباس: الوصيد الفناء، وبه قال مجاهد وقتادة والضحاك. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: انه هو الباب إذا

[ 22 ]

أغلمته، ومنه " نار موصدة " (2). ويجمع (وصيد) وصائد ووصد، وفى واحد لغتان: وصيد، وأصيد. وأوصدت وآصدت. وليس أحدهما مؤخوذا من الآخر، بل هما لغتان مثل ورخت الكتاب وأرخته، ووكدت الامر وأكدته. وقوله " لو اطلعت عليهم لو ليت منهم فرارا " نصب على المصدر، ومعناه لو اشرفت عليهم لا عرضت عنهم هربا استيحاشا للموضع " ولملئت منهم رعبا " نصب على الحال، والمعنى لما ألبسهم الله تعالى من الهيبة لئلا يصل إليهم احد حتى يبلغ الكتاب اجله فيهم، فينتبهون من رقدتهم باذن الله عند ذلك من امرهم. وقيل انه: كانت اضفارهم قد طالت، وكذلك شعورهم، فلذلك يأخذه الرعب منهم. وقال الجبائي: نومهم ثلثمائة سنة وتسع سنين - لا تتغير احوالهم ولا يطعمون ولا يشربون - معجزة لا تكون إلا لنبي. وقيل النبي كان احدهم، وهم الرئيس الذى اتبعوه وآمنوا به. قوله تعالى: (وكذلك بعثناهم ليتساءلوا بينهم قال قائل منهم كم لبثتم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم قالوا ربكم اعلم بما لبثتم فابعثوا احدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ايها ازكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم احدا (19) انهم ان يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن


(1) سورة 90 البلد آية 20 (*)

[ 23 ]

تفلحوا إذا ابدا (20) وكذلك اعثرنا عليهم ليعلموا ان وعد الله حق وان الساعة لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم امرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا (21) ربهم اعلم بهم قال الذين غلبوا على امرهم لنتخذن عليهم مسجدا (22) قرأ " بورقكم " - بسكون الراء - أبو عمرو وحده وأبو بكر عن عاصم الباقون بكسر الراء. وروي عن أبي عمرو بورقكم " بادغام القاف في الكاف. وفي (ورقكم) اربع لغات - فتح الواو وكسر الراء - وهو الاصل. وفتح الواو وسكون الراء. وكسر الواو وسكون الراء. والادغام. وفالورق الدراهم، ويقال ايضا بفتح الراء، ويجمع اوراق. ورجل رواق كثير الدراهم. فأما ما يكتب فيه فهو (الورق) بفتح الراء لا غير. والورق الغلمان الملاح. وقيل الورق - بفتح الراء - المال كله المواشي وغيرها قال العجاج: اغفر خطاياي وطوح ورقي في قصة أهل الكهف اعتبار ودلالة على أن من قدر على نقض العادة - بتلك المعجزة - قادر لا يعجزه شئ، وإن التدبير يجري بحسب الاختيار، لا بايجاب الطبائع، كما يتوهمه بعض الجهال، لانه على تدبير مختار، كما يدل على تدبير عالم. ووجه التشبيه في قوله " وكذلك بعثناهم " أي كما حفظنا احوالهم تلك المدة " بعثناهم " من تلك الرقدة، لان أحد الامرين كالآخر في أنه لا يقدر عليه إلا الله تعالى. بين الله تعالى أنه بعث أهل الكهف بعد نومهم الطويل ورقدتهم البعيدة ليسأل بعضهم بعضا عن مدة مقامهم، فيتنبهوا بذلك على معرفة صانعهم إن كانوا كفارا.

[ 24 ]

وإن كانوا مؤمنين تثبتوا زيادة على ما معهم، ويزدادوا يقينا إلى يقينهم. وقال البلخي: اللام في قوله " ليتسألوا " لام العاقبة، لان التساؤل بينهم قد وقع. ثم اخبر تعالى أن قائلا منهم قال: للباقين " كم لبثتم " مستفهما لهم، فقالوا في جوابه: " لبثنا يوما أو بعض يوم " وانما اخبروا بذلك من غير أن يعلموا صحته، لان الاخبار في مثل هذا عن غالب الظن وعلى ذلك وقع السؤال، لان النائم لا يدري، ولا يتحقق مقدار نومه إلا على غالب الظن. وقيل أنهم لما ناموا كان عند طلوع الشمس فلما انتبهوا كانت الشمس دنت للغروب بقليل. فلذلك قالوا: يوما أو بعض يوم - ذكره الحسن -. وقيل ايضا إن الخبر بأنهم قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم ليس ينافى انهم لبثوا مدة طويلة، لان المدة الطويلة تأتي على قصيرة وتزيد عليها لا محالة. ثم قالوا " ربكم اعلم بما لبثتم " ومعناه ان الذي خلقكم اعرف بمدة لبثكم على التحقيق. والاعلم هو من كانت علومه اكثر أو صفاته في كونه عالما أزيد. وقيل: إن الاعلم هو من كانت معلوماته اكثر، وهذا ليس بصحيح، لانه يلزم انه عالم من اجل العلوم. ثم قال بعضهم لبعض " فابعثوا احدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر ايها ازكى طعاما " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة: " ازكى " أجل وخير. والثاني - ايها أنمى طعاما بأنه طاهر حلال، لانهم كانوا يذبحون للاوثان، وهم كفار أرجاس. وقيل معناه ايها اكثر فان الزكاء والنماء الزيادة. " فليأتكم برزق منه وليتلطف " في شرائه واخفاء أمره " ولا يشعرن بكم احدا " أي لا يعلمن بمكانكم أحدا. وقيل: المعنى وإن ظهر عليه فلا يوقعن اخوانه فيما وقع فيه لانهم " إن يظهروا عليكم " ويعلموا بمكانكم " يرجموكم ". قال الحسن: معناه يرجموكم بالحجارة. وقال ابن جريج: يشتموكم ويؤذوكم بالقول القبيح " أو يعيدوكم في ملتهم " اي

[ 25 ]

يردوكم في عبادة الاصنام. ومتى فعلتم ذلك " لن تفلحوا " بعد ذلك " ابدا " ولا تفوزوا بشئ من الخير. ثم قال: " وكذلك اعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق " ومعناه انا كما فعلنا بهم ما مضى ذكره، مثل ذلك اظهرنا عليهم واطلعنا عليهم، ليعلم الذين يكذبون بالعث " أن وعد الله حق " ويزداد المؤمنون ايمانا، والتقدير، ليستدلوا بما يؤديهم إلى العلم بأن الوعد في قيام الساعة حق كما قبضت ارواح هؤلاء الفتية تلك المدة. ثم بعثوا كأنهم لم يزالوا أحياء على تلك الصفة. وقوله " إذ يتنازعون بينهم امرهم " يجوز أن تكون (إذ) نصبا ب‍ " يعلموا " في وقت منازعتهم. ويجوز أن يكون بقوله " أعثرنا " والتقدير: وكذلك اطلعنا إذ وقعت المنازعة في امرهم. والمعنى انهم لما ظهروا عليهم وعرفوا خبرهم اماتهم الله في الكهف، فاختلف الذين ظهروا على امرهم من اهل مدينتهم من المؤمنين وهم الذين غلبوا على امرهم. وقيل رؤساؤهم الذين استولوا على امرهم. فقال بعضهم: ابنوا عليهم مسجدا ليصلي فيه المؤمنون تبركا بهم (1). وقيل إن النزاع كان في ان بعضهم قال: قد ماتوا في الكهف. وبعضهم قال: لابل هم نيام كما كانوا، فقال عند ذلك بعضهم: إن الذي خلقهم وانامهم وبعثهم اعلم بحالهم وكيفية امرهم، فقال عند ذلك الذين غلبوا على امرهم من رؤسائهم لنتخذن عليهم مسجدا. وروي انهم لما جاؤا إلى فم الغار دخل صاحبهم إليهم واخبرهم بما كانوا عنه غافلين مدة مفامهم، فسألوا الله


(1) وفي المخطوطة زيادة وقال بعضهم: " ابنوا عليهم مسجدا " ليصلوا فيه إذا انتبهوا). (ج 7 م 4 من التبيان) (*)

[ 26 ]

تعالى ان يعيدهم إلى حالتهم الاولى فاعادهم إليها، وحال بين من قصدهم وبين الوصول الهيم بأن اضلهم عن الطريق إلى الكهف الذي كانوا فيه، فلم يهتدوا إليهم. وقيل انهم لما دخلوا الغار سدوا على نفوسهم بالحجارة فلم يهتد احد إليهم لذلك. قوله تعالى: (سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربى اعلم بعدتهم ما يعلمهم الا قليل فلا تمار فيهم الا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم احدا (23) ولا تقولن لشئ إنى فاعل ذلك غدا الا ان يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت وقل عسى أن يهدين ربى لاقرب من هذا رشدا (24)) يقول الله لنبيه صلى الله عليه وآله انه سيقول قوم من المختلفين في عدد اصحاب الكهف في هذا الوقت: انهم ثلاثة رابعهم كلبهم، وطائفة أخرى يقولون: خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب، وتقول طائفة ثالثة: انهم سبعة وثامنهم كلبهم. وذهب بعضهم إلى انهم سبعة لدخول واو العطف بعده في قوله " وثامنهم كلبهم " ولم يقل ذلك في الاول. وهذا ليس بشئ، لانه انما لم يدخل الواو في الاول، لانه جاء على الصفة بالجملة، والثاني على العطف على الجملة. قال الرماني: وفرق بينهما، لان السبعة أصل للمبالغة في العدة، كما قال (عز وجل): استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن

[ 27 ]

يغفر الله لهم " (1) وحكى البلخي عن بعض أهل العلم أنه قال: الواجب أن يعد في الحساب: واحد اثنان ثلاثة اربعة، فإذا بلغت إلى السبعة قلت: وثمانية - بالواو - اتباعا للآية. وقوله " رجما بالغيب " قال قتادة: معنا قذفا بالظن. وقال المؤرج: ظنا بالغيب بلغة هذيل. وقال قوم: ما لم تستيقنه فهو الرجم بالغيب قال الشاعر: واجعل مني الحق غيبا مرجما (2) وقال زهير: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم * وما هو عنها بالحديث المرجم (3) ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله: قل لهم يا محمد: ربي اعلم بعدتهم، من الخائضين في ذلك والفائلين في عددهم بغير علم. ثم قال تعالى: ليس يعلم عددهم إلا قليل من الناس، وهم النبي ومن أعلمه الله من نبيه. وقال ابن عباس: أنا من القليل الذين يعلمون ذلك: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم. ثم قال تعالى، ناهيا لنبيه - والمراد به امته - " فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ". قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك: معناه إلا بما أظهرنا لك من امرهم، والمعنى انه لا يجوز أن تماري وتجادل إلا بحجة ودلالة، واخبار من الله، وهو المراء الظاهر. وقال الضحاك: معناه حسبك ما ما قصصنا عليك. وقال البلخي: وفى ذلك دلالة على أن المراء قد يحسن إذا كان بالحق وبالصحيح من القول. وإنما المذموم منه ما كان باطلا والغرض المبالغة لا بيان الحق. والمراء الخصومة والجدل.


(1) سورة 9 التوبة آية 8 (2) قد مر هذا البيت كاملا في 1 / 205 من هذا الكتاب وقد نسبه هناك إلى عمير بن طارق. وروايته (الظن) بدل (الحق) (3) ديوانه (دار بيروت) 81 وهو في تفسير القرطبى 10 / 383 (*)

[ 28 ]

وقوله " ولا تستفت فيهم " يعني في أهل الكهف، وفى مقدار عددهم " منهم " يعني من اهل الكتاب " أحدا " ولا تستفهم من جهتهم. وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. وقوله " ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " نهي من الله تعالى لنبيه ان يقول: اني افعل شيئا في الغد إلا أن يقيد قوله بمشيئة الله، فيقول: ان شاء الله، لانه لا يأمن اخترامه، فيكون خبره كذبا. وإذا قيده بقوله إن شاء الله، ثم لم يفعل، لم يكن كاذبا. والمراد بالخطاب جميع المكلفين، ومتى اخبر المخبر عن ظنه وعزمه بأنه يفعل شيئا فيما بعد ثم لم يفعل لا يكون كاذبا، لانه اخبر عن ظنه وهو صادق فيه. وقال قوم: إلا أن يشاء الله، معناه إلا أن يشاء الله أن يلجئني إلى تركه. وقال الفراء: قوله " إلا أن يشاء الله " بمعنى المصدر، فكأنه قال إلا مشيئة الله والمعنى إلا ما يريده الله. وإذا كان الله تعالى لا يشاء إلا الطاعات فكأنه قال: لا تقل اني افعل إلا الطاعات وما يقرب إلى الله. هذا وجه حسن. ولا يطعن في ذلك جواز الاخبار عما يريد فعله من المباحات التي لا يشاؤها الله، لان هذا النهي ليس نهي تحريم، وانما هو نهي تنزيه، لانه لو لم يقل ذلك لما أتم بلا خلاف وانما هو نهي تحريم فيما يتعلق بالقبيح فانه لا يجوز أن يقول اني افعل ذلك بحال. والآية تضمنت أن لا يقول الانسان اني افعل غدا شيئا إلا أن يشاء الله. فأما أن يعزم عليه من ذكر ذلك، فلا يلزم المشيئة فيه إلا ندبا. بغير الآية. وقوله " واذكر ربك إذا نسيت " قال الحسن: معناه انه إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقل ان شاء الله. وقال ابن عباس: له ان يستثني ولو إلى سنة. وقال بعضهم: وله أن يستثني بعد الحنث إلا انه لا تسقط عنه الكفارة في اليمين، إلا إن يكون الاستثناء موصولا بالاجماع. وقال الحسن له أن يستثني ما لم يقم من

[ 29 ]

مجلسه الذي هو فيه، فان قام بطل استثناؤه. وقال قوم " واذكر ربك إذا نسيت " أمرا ثم تذكرته، فان لم تذكره فقل " عسى أن يهديني ربي لاقرب من هذا رشدا ". وقال بعضهم: عسى أن يعطيني ربي من ارشد ما هو أولى من قصة اصحاب الكهف. والذي نقوله: ان الاستثناء متى لم يكن متصلا بالكلام أو في حكم المتصل، لم يكن له تعلق بالاول ولا حكم له، وانه يجوز دخول الاستثناء بمشيئة الله في جميع انواع الكلام: من الامر. والنهي، والخبر، والايمان، وغير ذلك. ومتى استثنى ثم خالف لم يكن حانثا في يمينه ولا كاذبا في خبره. ومتى هو استثناه بعد مدة بعد انفصال الكلام لم يبطل ذلك حنثه ولزمته الكفارة. ولو لم نقل ذلك أدى إلى ان لا يصح يمين ولا خبر ولا عقد، فان الانسان متى شاء استثنى في كلامه ويبطل حكم كلامه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (من حلف على أمر يفعله ثم رأى ما هو خير له فليحنث وليكفر عن يمينه) ولو كان الاستثناء جائزا بعد مدة، لكان يقول فليستثني ولا يحتاج إلى الكفارة ولا يلزمه الحنث. وقد روي في اخبارنا مثل ما حكيناه عن ابن عباس. ويشبه أن يكون المراد به أنه إذا استثنى وكان قد نسي من غير تعمد فانه يحصل له ثواب المستثني دون أن يؤثر في كلامه، وهو الاشبه بابن عباس وأليق بعمله وفعله، فان ما حكي عنه بعيد جدا. وقال المبرد، وجماعة: إن قوله " ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله " ضم الاستثناء إلى الكلام الذي قبله. ثم قال " واذكر ربك إذ نسيت وقل عسى " استأنف كلاما آخر وقصة أخرى. وقال الجبائي هذا استئناف كلام من الله، وأمر منه لنبيه صلى الله عليه وآله أنه إذا أراد فعلا من الافعال فنسيه فليذكر الله وليقل عسى أن يهديني ربي لاقرب مما نسيته رشدا. وقال عكرمة: " اذكر ربك إذا نسيت " معناه إذا نسيت امرا فاذكر ربك تتذكره، وهذا يدل على أنه لم يرد اليمين

[ 30 ]

في الاستثناء. وقيل سبب نزول ذلك أن قريشا لما جاءت وسألت النبي صلى الله عليه وآله عن قصة اصحاب الكهف وقصة ذي القرنين، فقال لهم: غدا اخبركم، فأبطأ عنه جبرائيل. وقيل تأخر عنه اياما ثم أتاه بخبرهم. وهذا ليس بصحيح، لانه لو كان كذلك بأن وعدهم بأن يخبرهم غدا ثم لم يخبرهم لكان كذبا، وهو منه محال. وقال ابراهيم: إذا حلف الحالف والكلام متصل فله استئناؤه إذا قال ان شاء الله. وقال الكسائي والفراء: التقدير: ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا إلا أن تقول ان شاء الله فأضمر القول، وانما كان الاستثناء مؤثرا إذا كان الكلام متصلا لانه يدل على انه يؤل كلامه، وإذا لم يكن متصلا فقد استقرت نيته وثبتت فلا يؤثر الاستثناء فيها. (1) وروي عن ابن عباس انه قال: " رابعهم كلبهم " يعني راعيا يتبعهم، حكاه قطرب. وقال اخبر عن الكلب وأراد صاحبه، كقوله " واسأل القرية ". وانما اراد اهلها. (وهذا لا يصح مع ظاهر قوله " وكلبهم باسط ذارعيه ") وقال الجبائي: لما اجتازوا على الراعي، فقال لهم اين تريدون قالوا: نفر بديننا، فقال الراعي: انا أولى بذلك، فتبعهم وتبعه الكلب. وفي اصحاب الحديث من يقول: ان الكلب خاطبهم بالتوحيد والاعتراف بما اعترفوا به، ولذلك تبعهم. وهذا خرق عادة يجوز أن يكون الله فعله لطفا لهم، ومعجزة لبعضهم على ما حكي ان بعضهم كان نبيا، وهو رئيسهم، فيكون ذلك معجزة له، غير انه ليس بمقطوع به. وقوله " عسى أن يهديني ربي لاقرب من هذا رشدا " معناه قل يا محمد عسى ان يعطيني ربي من الآيات على النبوة ما يكون اقرب وأدل من قصة اصحاب الكهف.


(1) كان في هذه الفقرات المتقدمة وما بعدها، اخطاء كثيرة ونقص واضح في المطبوعة فصحح على المخطوطة ولكثرة الاخطاء نبهنا عليها جملة. (*)

[ 31 ]

قوله تعالى: (ولبثوا في كهفهم ثلاث مائة سنين وازدادوا تسعا (25) قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والارض أبصر به واسمع ما لهم من دونه من ولى ولا يشرك في حكمه أحدا (26) واتل ما اوحى إليك من كتاب ربك لا مبدل لكلماته ولن تجد من دونه ملتحدا (27)) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي " ثلاثمائة سنين " مضافا. الباقون بالتنوين، قال الفراء: من العرب من يضع (سنين) في موضع (سنة) فهي في موضع خفض على قراءة من أضاف قال عنترة: فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا كخافية الغراب الاسحم (1) فمن نون نصب سنين ب‍ " لبثوا " وتقديره سنين ثلاثمائة، ف‍ (سنين) مفعول (لبثوا) و (ثلاثمائة) بدل، كما تقول خرجت أياما خمسة وصمت سنين عشرة. وان شئت نصبت " ثلاثمائة " ب‍ (لبثوا) وجعلت (سنين) بدلا ومفسرة لها. ومن أضاف قال ابن خالوية: هي قراءة غير مختارة، لانهم لايضيفون مثل هذا العدد إلا إلى الافراد فيقولون ثلاثمائة درهم ولا يقولون ثلاثمائة دراهم قال أبو علي الفارسي قد جاء مثل ذلك مضافا إلى الجمع، قال الشاعر: فما زودوني غير سحق عمامة * وخمس مئ منها قسي وزائف (2)


(1) ديوانه (دار بيروت) 71 من معلقته الشهيرة (2) لسان العرب قسا) نسبه إلى مزرد (*)

[ 32 ]

جمع على فعل. وقد كسر القاف كما كسر في (حلى) وقرأ ابن عامر، " ولا تشرك " بالتاء على الخطاب. الباقون بالياء على الخبر، فمن قرأ على النهي قال تقديره " لا تشرك " ايها الانسان. ومن قرأ على الخبر، فلتقدم الغيبة. وهو قوله " ما لهم من دونه من ولي " والهاء للغيبة. وقرأ الحسن " تسع وتسعون " (1) بفتح التاء - يقال تسع بكسر التاء وفتحها، وهما لغتان. والكسر اكثر وافصح. قوله " ولبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعا " الآية معناه إخبار من الله تعالى وبيان عن مقدار مدة لبثهم يعني أصحاب الكهف إلى وقت إنتباههم. ثم قال لنبيه، فان حاجك المشركون فيهم من أهل الكتاب، فقل " الله اعلم بما لبثوا " وهو قول مجاهد، والضحاك، وعبيد بن عمير، كما قال " عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا " (2) ومن قرأ بالتاء، قال معناه لاتنسبن احدا إلى عالم الغيب. ويحتمل أن يكون المعنى لا يجوز لحاكم أن يحكم إلا بما حكم الله به أو بما دل على حكم الله، وليس لاحد أن يحكم من قبل نفسه، فيكون شريكا لله في أمره وحكمه. وقيل إن معناه " قل الله أعلم بما لبثوا " إلى أن ماتوا. وحكى عن قتادة أن ذلك حكاية عن قول اليهود فانهم الذين قالوا لبثوا في كهفهم ثلثمائة سنين وازدادوا تسعا. وقوى ذلك بقوله " قل الله اعلم بما لبثوا " فذكر تعالى أنه العالم بذلك دون غيره. وقد ضعف جماعة هذا الوجه قالوا: لان الوجه الاول أحسن، لانه ليس لنا أن نصرف اخبار الله إلى أنه حكاية إلا بدليل قاطع، ولانه معتمد الاعتبار الذي بينه الله (عزوجل) للعباد. وقوله " له غيب السموات والارض " فالغيب يكون للشئ بحيث لا يقع


(1) سورة 38 صلى الله عليه وآله آية 23 (2) سورة 72 - الجن - آية 26 (*)

[ 33 ]

عليه الادراك، ولا يغيب عن الله تعالى شئ، لانه لا يكون بحيث لا يدركه. وقيل " عالم الغيب والشهادة " (1) معناه ما يغيب عن احساس العباد وما يشاهدونه. وقيل ما يصح ان يشاهد وما لا يصح أن يشاهد. وقوله " اسمع به وابصر " (2) معناه ما أسمعه وما أبصره بأنه لا يخفى عليه شئ فخرج التعجب على وجه التعظيم له تعالى. وقوله " ما لهم من دونه من ولي " اي ليس للخلق وقيل إنه راجع إلى اهل الكهف أي ليس لهم من دون الله ولي ولا ناصر " ولا يشرك " يعني الله " في حكمه " بما يخبر به من الغيب " احدا ". ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " اتل ما أوحي اليك " أي اقرأ عليهم ما أوحى الله اليك من اخبار اصحاب الكهف وغيرهم. وقوله " لا مبدل لكلماته " أي لا مغير لما أخبر الله تعالى به، لانه صدق ولا يجوز أن يكون بخلافه " ولن تجد من دونه ملتحدا " ومعناه ملتجأ تهرب إليه وقال مجاهد: ملجأ، وقال قتادة: موئلا. وقيل: معدلا. وهذه الاقوال متقاربة المعنى وهو من قولهم لحدت إلى كذا أي ملت إليه، ومنه اللحد، لانه في ناحية القبر وليس بالشق الذي في وسطه، ومنه الالحاد في الدين، وهو العدول عن الحق فيه. (وسنين) فيه لغتان تجمع جمع السلامة وجمع التكسير فالسلامة هذه سنون ورأيت سنين وجمع التكسير بتنوين النون تقول هذه سنون وصمت سنينا وعجبت من سنين. وقوله " وازدادوا تسعا " يعني تسع سنين، فاستغنى بالتفسير في الاول عن اعادته ههنا.


(1) سورة 6 الانعام آية 73 وسورة 13 - الرعد - آية 10 وغيرهما كثيرا في القرآن (2) سورة 19 مريم آية 38 (ج 7 م 5 من التبيان) (*)

[ 34 ]

قوله تعالى: (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحيوة الدنيا ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هويه وكان أمره فرطا (28) وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا (29) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (30)) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر وحده " بالغدوة والعشي " بضم الغين والواو، وإسكان الدال. الباقون بفتح الغين والدال، ومع الالف، ولا يجوز عند أهل العربية إدخال الالف واللام على غدوة، لانها معرفة، ولو كانت نكرة لجاز فيها الاضافة ولا يجوز غدوة يوم الجمعة كما يجوز غداة يوم الجمعة. وقال أبو علي النحوي من أدخل الالف واللام، فانه يجوز - وإن كان معرفة - أن تنكر، كما حكى أبو زيد لقيته فينة. والفينة بعد الفينة، ففينة مثل غدوة في التعريف، ومثل قولهم: اما النضرة، فلا نضرة، فأجري مجرى ما يكون سائغا في الجنس. ومن قرأ بالغداة، فقوله أبين. وقال ابن خالويه: العرب تدخل الالف واللام على

[ 35 ]

المعرفة إذا جاؤا بما فيه الالف واللام ليزدوج الكلام، قال الشاعر: وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا * شديدا باعباء الخلافة كاهله (1) فادخل الالف واللام على اليزيد لما جاور الوليد، فلذلك أدخل ابن عامر الالف واللام في (الغدوة) لما جاور العشي. والعرب تجعل (بكرة وغدوة وسحر) معارف إذا أرادوا اليوم بعينه. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله بالصبر على جملة المؤمنين الذين يدعون الله بالغداة والعشي، والصبر على ثلاثة اقسام: صبر واجب مفروض وهو ما كان على اداء الواجبات التي تشق على النفس وتحتاج إلى التكلف. والثاني - ما هو مندوب فان الصبر عليه مندوب إليه. والثالث مباح جائز، وهو الصبر على المباحات التي ليست بطاعة لله. وقوله " يريدون وجهه " معناه يريدون تعظيمه والقربة إليه دون الرياء والسمعة، فذكر الوجه بمعنى لاجل التعظيم، كما يقال اكرمته لوجهك أي لتعظيمك لان من عادتهم أن يذكروا وجه الشئ ويريدون به الشئ المعظم. كقولهم هذا وجه الرأي أي هذا الرأي الحق المعظم. وقوله " ولا تعد عيناك عنهم " معناه لا تتجاوز عيناك إلى غيرهم ولا تنصرف وقيل انها نزلت في سلمان واصحابه إلى سواهم من أرباب الدنيا الممرحين فيها " تريد " بذلك " زينة الحياة الدنيا. ولا تطع من اغفلنا قلبه عن ذكرنا " نزلت في عيينة بن حصين. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: احدها - لا تطع من صادفناه غافلا عن ذكرنا كقولهم احمدت فلانا أي صادفته محمودا فهو من باب صادفناه على صفة. الثاني - لا تطع من سميناه غافلا، ونسبناه إلى الغفلة كقولهم أكفرناه أي


مر تخريجه في 4 / 208 من هذا الكتاب (*)

[ 36 ]

نسبناه إلى الكفر. والثالث - لا تطع من أغفلنا قلبه أي جعلناه غافلا بتعرضه للغفلة. وقيل لم يسمه الله بما يسم به قلوب المؤمنين مما ينبئ عن فلاحهم، كما قال " كتب في قلوبهم الايمان " (1). " واتبع هواه " يعني الذي أغفلناه عن ذكرنا " اتبع هواه، وكان أمره فرطا " معناه تجاوزا للحق وخروجا عنه، من قولهم أفرط إفراطا إذا أسرف، فاما فرط فمعناه قصر عن التقدم إلى الحق الذي يلزمه. وقيل معناه وكان أمره سرفا. ثم أمر الله نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم الذي أتيتكم به هو الحق من ربكم الذي خلقكم " فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر " صورته صورة الامر والمراد به التهديد وهو آكد في التهدد من جهة أنه كأنه مأمور بما يوجب اهانته. ثم أخبر أنه أعد للظالمين العصاة نارا أحاط بهم سرادقها فالسرادق المحيط بما فيه مما ينقل معه والاصل سرادق الفسطاط قال رؤبة: يا حكم بن المنذر بن الجارود * سرادق المجد إليك ممدود (2) وقال ابن عباس سرادقها حائط من نار يطيف بهم، وقيل سرادقها دخانها قبل وصولهم إليها. وقيل السرادق ثوب يدار حول الفسطاط. وقوله " وإن يستغيثوا " معناه إن طلبوا الغوث والنجاة، وطلبوا ماء لشدة ما هم فيه من العذاب " اغيثوا بماء كالمهل " والمهل كل شئ أذيب حتى ماع، كالصفر والرصاص والذهب والحديد، وغير ذلك - في قول ابن مسعود - وقال مجاهد: هو القيح والدم. وقال ابن عباس هو دردي الزيت.


(1) سورة 58 المجادلة، آية 22 (2) تفسير القرطبى 10 / 393 ومجاز القرآن 1 / 399 واللسان (سردق) وسيبويه 1 / 272 (*)

[ 37 ]

وقال سعيد بن جبير هو الشئ الذي قد انتهى حره " يشوي الوجوه " أي يحرقها من شدة حره إذا قربت منه. ثم قال تعالى مخبرا عن ذلك بأنه " بئس الشراب " يعني ذلك المهل " وساءت مرتفقا " وقيل معناه المتكأ من المرفق، كما قال أبو ذؤيب: بات الخلي وبت الليل مرتفقا * كان عيني فيها الصاب مذبوح (1) وقيل هو من الرفق. وقال مجاهد معناه مجتمعا كأنه ذهب به إلى معنى مرافقة. ثم أخبر تعالى عن المؤمنين الذين يعملون الصالحات من الطاعات ويجتنبون المعاصي بأنه لا يضيع أجر من أحسن عملا ولا يبطل ثوابه. وقيل في خبر " إن الذين آمنوا " ثلاثة أقوال: احدها - ان خبره قوله " اولئك لهم جنات عدن " ويكون قوله " إنا لا نضيع اجرمن احسن عملا " اعتراضا بين الاسم والخبر. الثاني - ان يكون الخبر إنا لا نضيع أجره، إلا انه وقع المظهر موقع المضمر. والثالث - أن يكون على البدل، فلا يحتاج الاول إلى خبر، كقول الشاعر: إن الخليفة ان الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم فاخبر عن الثاني وأضرب عن الاول. قوله تعالى: (أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الانهار يحلون


(1) ديوان الهذليبن 1 / 104 وتفسير الطبري 15 / 148 ومجاز القرآن 1 / 400 وتفسير القرطبي 10 / 395 والتاج واللسان والصحاح (صوب) وغيرها (*)

[ 38 ]

فيها من أساور من ذهب ويلبسون ثيابا خضرا من سندس وإستبرق متكئين فيها على الارائك نعم الثواب وحسنت مرتفقا (31) واضرب لهم مثلا رجلين جعلنا لاحدهما جنتين من أعناب وحففنا هما بنخل وجعلنا بينهما زرعا (32) كلتا الجنتين آتت اكلها ولم تظلم منه شيئا (33) وفجرنا خلا لما نهرا (34) وكان له ثمر فقال لصاحبه وهو يحاوره أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا (35)) أربع آيات في الكوفي والبصري وثلاث في المدنى تمام الثانية (زرعا). قرأ عاصم وأبو جعفر وروح " وكان له ثمر ". " واحيط بثمره " بفتح الثاء والميم فيهما، وافقهم رويس في الاولى. وقرأ أبو عمرو - بضم الثاء وسكون الميم - فيهما. الباقون بضمهما فيهما. قال أبو علي: الثمر ما يجتنى من ذي الثمر وجمعه ثمرات مثل رحبة ورحبات: ورقبة ورقبات، ويجوز في جمع (ثمرة) ضربان: احدهما - على ثمر، كبقرة وبقر والاخر - على التكسير، فتقول ثمار كرقبة ورقاب، فيشبه المخلوقات بالمصنوعات وشبه كل واحد منهما بالآخر. ويجوز في القياس أن يكسر (ثمار) الذي هو جمع ثمرة على ثمر، ككتاب وكتب، ويجوز أن يكون ثمر جمع ثمرة كبدنة وبدن وخشبة وخشب، ويجوز أن يكون ثمر واحدا كعنق وطنب، فعلى جميع هذه الوجوه يجوز

[ 39 ]

اسكان العين منه. ومثله في قوله " واحيط بثمره ". وقال بعض أهل اللغة: الثمر المال، والثمر المأكول. وجاء في التفسير (إن الثمر النخل والشجر) ولم يرد به الثمر. فالثمر - على ما روي عن جماعة من السلف - الاصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة بدلالة قوله " فاصبح يقلب كفيه على ما انفق فيها " أي في الجنة والنفقة انما تكون على ذوات الثمر في الاكثر، فكأن الآية التي أرسلت عليها اصطلمت الاصول وإجتاحتها، كما قال تعالى في صفة الجنة الاخرى " فأصبحت كالصريم " (1) أي كالليل في سواده لاحتراقها بعد أن كانت كالنها في بياضها. وحكي عن أبي عمرو، إن الثمرة والثمر أنواع المال من الذهب والفضة وغيرهما يقال: فلان مثمر أي كثير المال، ذهب إليه مجاهد وغيره. اخبر الله تعالى في الآية الاولى عما للمؤمنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات الذين أخبر عنهم بأنه لا يضيع عملهم الحسن، وما قد أعد لهم، فقال " لهم جنات عدن " والجنات جمع جنة، وهي البستان الذي فيها الشجر. ومعنى (عدن) أي موضع اقامة، وانما سمي بذلك. لانهم يبقون فيها ببقاء الله دائما وأبدا، والعدن الاقامة. وقيل: هو اسم من اسماء الجنة - في قول الحسن - ويقال عدن بالمكان يعدن عدنا إذا أقام فيه، فسمى الجنة عدنا من اقامة الخلق فيها. ثم وصف هذه الجنة، فقال " تجري من تحتهم الانهار " وقيل في معنا ذلك قولان: احدهما - إن انهار الجنة في اخاديد من الارض، فلذلك قال من تحتهم. الثاني - انهم على غرف فيها فالانهار تجري من تحتهم، كما قال تعالى " وهم في الغرفات آمنون " (2).


(1) سورة 68 - القلم آية 20 (2) سورة 34 سبأ آية 37 (*)

[ 40 ]

وقوله " يحلون فيها من اساور من ذهب " أي يجعل لهم فيها حليا من زينة من أساور، وهو جمع اسوار على حذف الزيادة، لان مع الزيادة أساوير، في قول قطرب. وقيل هو جمع اسورة، واسورة جمع سوار، يقال بكسر السين وضمها - في قول الزجاج - والسوار زينة تلبس في الزند من اليد. وقيل هو من زينة الملوك يسور في اليد ويتوج على الرأس. " ويلبسون ثيابا خضرا من سندس واستبرق " فالسندس مارق من الديباج واحده سندسة وهي الرقيقة من الديباج، على أحسن ما يكون وأفخره، فلذلك شوق الله إليه. والاستبرق الغليظ من الديباج. وقيل هو الحرير قال المرقش: تراهن يلبسن المشاعر مرة * واستبرق الديباج طورا لباسها (1) وقوله تعالى " متكئين " نصب على الحال " فيها " يعني في الجنة " على الارائك " جمع أريكة، وهي السرير قال الشاعر: خدودا جفت في السير حتى كأنما * يباشرن بالمعزاء مس الارائك (2) وقال الاعشى: بين الرواق وجانب من سيرها * منها وبين أريكة الانضاد (3) أي السرير في الحجلة. وقال الزجاج: الارائك الفرش في الحجال. ثم قال تعالى إن ذلك " نعم الثواب " والجزاء على الطاعات " وحسنت مرتفقا " يعني


(1) تفسير القرطبي 10 / 397 وتفسير الطبري 15 / 148 وهو في مجمع البيان 3 / 466 (2) قائله دون الرمة ديوانه 442 ومجاز القرآن 1 / 401 وتفسير الطبري 15 / 148 (3) ديوان الاعشيين (طبع بيانة) 344 وتفسير الطبري 15 / 148 ومجاز القرآن 1 / 401. (*)

[ 41 ]

حسنت الجنة مرتفقا، فلذلك أنث الفعل، ومعنى " مرتفقا " اي مجلسا، وهو نصب على التمييز. ثم قال " واضرب لهم مثلا رجلين " أي اضرب رجلين لهم مثلا " جعلنا لاحدهما جنتين من اعناب وحففناهما بنخل " أي جعلنا النخل مطيفا بهما يقال حفه القوم يريد إذا طافوا به " وجعلنا بينهما زرعا " اعلام بأن عمارتها كاملة متصلة لا يفصل بينمها إلا عمارة. واعلمنا أنهما كاملتان في تأدية كل حملهامن غلتها، فقال " كلتا الجنتين آتت اكلها " أي طعمها وما يؤكل منها " ولم تظلم منه شيأ " أي لم تنقص بل أخرجت ثمرها على الكمال والتمام، قال الشاعر: يظلمني ما لي كذا ولوى يدي * لوى يده الله الذي هو غالبه (1) أي ينقصني ما لي. وقال الحسن: معناه لم ينقص " وفجرنا خلالهما نهرا " أي شققنا نهرا بينهما، وفائدتهما أنهما يشربان من نهر واحد. " وكان له ثمر " وقرئ (ثمر) قال مجاهد هو ذهب، وفضة. وقال ابن عباس وقتادة: هو صنوف الاموال، يقال: ثمار وثمر مثل حمار وحمر، ويجوز أن يكون جمع ثمر، مثل خشب وخشب، وانما قال " كلتا الجنتين آتت " على لفظ كلتا، لانه بمنزلة (كل) في مخرج التوحيد. ولو قال آتتا، على الجنتين كان جائزا قال الشاعر في التوحيد: وكلتاهما قد خط لي في صحيفتي * فلا العيش اهواه ولا الموت أروح (2) ويجوز كلاهما في الحديث قال الشاعر: كلا عقبيه قد تشعث رأسها * من الضرب في جنبي ثقال مباشر والالف واللام في كلتا ليست ألف التثنية، ولذلك يجوز أن تقول الاثنتان


(1) مر تخريجه في 2 / 508 (2) البيت في مجمع البيان غير منسوب (ج 7 م 6 من التبيان) (*)

[ 42 ]

قام، ويجوز ان يقال كل الجنة آتت. ولا يجوز كل المرأة قامت، لان بعض الامرأة ليس بامراة وبعض الجنة جنة، فكأنه قال كل جنة من جملة ما آتت. وقوله " فقال لصاحبه وهو يحاوره " أي يقول احد الرجلين لصاحبه يعني صاحبي الجنتين اللتين ضرب بهما المثل، يقول لصاحبه الآخر " وهو يحاوره " أي يراجعه الكلام " أنا اكثر منك مالا وأعز نفرا " أي أجمع مالا وأعز عشيرة واكثر انصارا، وقد فسرناه فيما مضى وإنما قال " وفجرنا خلالهما نهرا " والنهر يتفجر من موضع واحد لان النهر يمتد حتى يصير التفجر كانه فيه كله، فالتخفيف والتثقيل فيه جائزان ومنه " حتى تفجر لنا من الارض ينبوعا " (1) يخفف ويثقل على ما مضى القول فيه. قوله تعالى: (ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (36) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربى لاجدن خيرا منها منقلبا (37) قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سويك رجلا (38) آيتان في عدد اسماعيل وشامي وثلاثة في ما عداه لانهم عدوا ابدا اية ولم يعدها اسماعيل ولا الشامي وثلاثة آيات في الكوفي والمدنى الاول واثنتان في المدنى الاخير. قرأ اهل الحجاز وابن عامر " خيرا منهما " بزيادة ميم على التثنية.


(1) سورة 17 - الاسرى آية 90 (*)

[ 43 ]

الباقون بلا ميم. اخبر الله تعالى عن أحد الرجلين اللذين ضرب بهما المثل، وهو صاحب الجنتين انه دخل جنته وهي البستان الذي يجنه الشجر ويحفه الزهر، " وهو ظالم لنفسه " أي باخس لها حقها بارتكاب القبيح والاخلال بالواجب اللذين يستحق بهما العقاب ويفوته بهما الثواب، فلما رأى هذا الجاهل ما راقه وشاهد ما أعجبه، وكبرفي نفسه توهم أنه يدوم، وأن مثله لا يفنى، فقال " ما أظن ان تبيد هذه أبدا " أي تهلك هذه الجنة أبدا " وما أظن الساعة قائمة " يعني يوم القيامة أي تقوم، كما يدعيه الموحدون. ثم قال " ولئن رددت إلى ربي " وجدت " خيرا منها " يعني من الجنة. ومن قرأ " منهما " أراد الجنتين " منقلبا " أي في المرجع إليه. وانما قال هذا مع كفره بالله تعالى، لان المعنى ان رددت إلى ربي، كما يدعى من رجوعي، فلي خير من هذه، تحكما سولته له نفسه، لا مطمع فيه. وقال ابن زيد: شك، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه ما أعطاني هذه الاولى عنده خير منها " فقال له صاحبه وهو يحاوره " أي يراجعه الكلام " اكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا " ومعنى خلقك من تراب أن اصلك من تراب إذ خلق اباك آدم (ع) من تراب، فهو من تراب ويصير إلى التراب، وقيل لما كانت النطفة يخلقها الله بمجرى العادة من الغذاء، والغذاء نبت من التراب، جاز أن يقال: خلقك من تراب، لان أصله تراب كما قال من نطفة، وهو في هذه الحال خلق سوي حي، لكن لما كان أصله كذلك جاز أن يقال ذلك. وفى الآية دلالة على ان الشك في البعث والنشور كفر، والوجه في خلق البشر وغيره من الحيوان وتنقله من تراب إلى نطفة، ثم إلى علقة، ثم إلى صورة، ثم إلى طفولية، ثم إلى حال الرجولية، ما في ذلك من الاعتبار الذي هو دال على تدبير مدبر

[ 44 ]

مختار يصرف الاشياء من حال إلى حال، لان ما يكون في الطبع يكون دفعة واحدة كالكتابة التي يوجدها بالطبائع من لا يحسن الكتابة، فلما انشأ الخلق حالا بعد حال دل على أنه عالم مختار. و (المحاورة) مراجعة الكلام و (المنقلب) المعاد، و (التسوية) جعل الشئ على مقدار سواه، فقوله " سواك رجلا " أي كملك رجلا. قوله تعالى: (لكنا هو الله ربى ولا اشرك بربي أحدا (39) ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله إن ترن أنا أقل منك مالا وولدا (40) فعسى ربى أن يؤتين خيرا من جنتك ويرسل عليها حسبانا من السماء فتصبح صعيدا زلقا (41) أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (42)) أربع آيات بلا خلاف. قرأ نافع - في رواية المسيبي - وابن عامر، وابو جعفر، ورويس، والبرجمي، والعبسي " لكنا هو الله ربي " باثبات الالف في الوصل، وهي قراءة ورش عن نافع. والباقون بغير الف في الوصل. ولم يختلفوا في الوقف أنه بألف. وقد جاء الاثبات في الوصل، قال الاعشى: فكيف أنا وانتحالي القوافي * بعد المشيب كفى ذاك عارا (1)


(1) ديوانه (دار بيروت) 84 وطبع (بيانه) 41 والقرطبي 10 / 405 وروايته (فما انا أم ما انتحالي القوافى) (*)

[ 45 ]

غير ان ذلك من ضروة الشعر، ويجوز في " لكنا هو الله ربي " خمسة أوجه في العربية. احدها - لكن هو الله - بالتشديد - من غير الف في الوصل والوقف. الثاني - بالف في الوصل والوقف. الثالث - لكننا باظهار النونين وطرح الهمزة. الرابع - لكن هو الله ربي بالتخفيف. الخامس - لكن انا على الاصل. وقال الكسائي: العرب تقول: أن قائم بمعنى أنا قائم، فهذا نظير " لكن هو الله " ومن قرأ لكنا في الوصل احتمل امرين: أحدهما - أن يجعل الضمير المتصل مثل المنفصل الذي هو نحن، فيدغم النون من " لكن " - لسكونها - في النون من علامة الضمير، فيكون على هذا باثبات الالف وصلا ووقفا، لان أحدا لا يحذف الالف من (انا فعلنا). وقوله " هو الله " فهو ضمير علامة الحديث والقصة. كقوله " فإذا هي شاخصة " (1) وقوله " قل هو الله احد " والتقدير: الامر: الله احد، لان هذا الضمير يدخل على المبتدإ والخبر، فيصير المبتدأ والخبر في موضع خبر وعاد على الضمير الذي دخلت عليه (لكن) على المعنى، ولو عاد على اللفظ لقال: لكنا هو الله ربنا. ودخلت (لكن) مخففة على الضمير، كما دخلت في قوله " انا معكم " (2) والوجه الاخر - أن يكون ما حكاه سيبويه أنه سمع من يقول أعطني يبضة فشدد وألحق الهاء بالتشديد الموقف، والهاء مثل الالف في سبساء، والياء في (عيهل) واجري الهاء مجراهما في الاطلاق، كما كانت مثلهما في نحو قوله:


(1) سورة 21 الانبياء آية 97 (2) سورة 2 البقرة آية 14 (*)

[ 46 ]

صفية قومي ولا تجزعي * وبكى النساء على حمزة (1) وهذا الذي حكاه سيبويه ليس في شعر، فكذلك الآية يكون الالف فيها كالهاء، ولا تكون الهاء للوقف لان هاء الوقف لا يبين بها المعرب، ولا ما ضارع المعرب فعلى احد هذين الوجهين يكون قول من اثبت الالف في الوصل أو عليهما جميعا، ولو كانت فاصلة، لكان مثل " فاضلونا السبيلا " (2) وفى (أنا) في الاصل ثلاث لغات أجودها (أنا قمت) كقوله " أنا ربكم الاعلى " بغير ألف في اللفظ، ويجوز (أنا قمت) باثبات الالف، وهو ضعيف جدا وحكوا أن قمت باسكان النون، وهو ضعيف أيضا وأما " لكنا هو الله ربي " باثبات الالف فهو الجيد، لان الهمزة قد حذفت من انا فصار اثبات الالف عوضا عن الهمزة، وحكي أن أبيا قرأ " لكن انا هو الله " قال الزجاج وهو الجيد البالغ، وما قرأه القراء ايضا جيد. وقوله " قلت ما شاء الله " تحتمل (ما) أن تكون رفعا، وتقديره قلت الامر ما شاء الله، ويجوز ان تكون نصبا على معنى الشرط والجزاء. والجواب مضمر وتقديره أي شئ شاء الله كان، وتضمر الجواب، كما تضمر جواب (لو) في قوله " ولو أن قرآنا سيرت به الجبال " (3) والمعنى كان هذا القرآن. ومعنى " لاقوة إلا بالله " لا يقدر أحد إلا بالله، لان الله هو الذي يفعل القدرة للفعل. وقوله " ان ترني انا اقل " منصوب بأنه مفعول ثان ل‍ (ترني) و " أنا " تصلح لشيئين: احدهما - ان تكون توكيدا للنون والياء. والثاني - ان تكون فصلا كما تقول: كنت انت القائم يا هذا، ويجوز رفع (اقل) وبه قرأ عيسى بن عمر على


(1) البيت في مجمع البيان 3 / 470 (2) وسورة 33 - الاحراب آية 67 (3) سورة 13 - الرعد - آية 33 (*)

[ 47 ]

ان يكون (أنا) مبتدأ و (اقل) خبره. والجملة في موضع المفعول الثاني - ل‍ (ترني) وقوله " غورا " قراه البرجمي بضم الغين - ههنا - وفي الملك، وانما جاز ان يقع المصدر في موضع الصفة في ماء غور، للمبالغة، كما تقول في الحسن وجهه: نور ساطع، وقال الشاعر: تظل جياده نوحا عليه * مقلدة أعنتها صفونا (1) حكى الله تعالى عن الذي قال لصاحبه " اكفرت بالذي خلقك من تراب " أنه قال " لكن هو الله ربي " ومعناه لكن أنا هو الله ربي إلا أنه حذف الهمزة، والقى حركتها على الساكن الذي قبلها، فالتقت النونان، وأدغمت احداهما في الاخرى، كما قال الشاعر: ويرمينني بالطرف أي انت مذنب * ويقلينني لكن إياك لا أقلى (2) أي لكن أنا. وقوله " ولا أشرك بربي احدا " أي لا أشرك بعبادتي أحدا مع الله بل أوجهها إليه خالصة له وحده. وإنما استحال الشرك في العبادة، لانها لا تستحق إلا باصول النعم التي لاتواز بها نعمة منعم، وذلك لا يقدر عليه أحد إلا الله. ثم قال له " ولو لا إذ دخلت جنتك " والمعنى هلا حين دخلت جنتك " قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله " لاحد من الخلق " ان ترني أنا اقل منك مالا وولدا فعسى ربي أن يؤتيني " بمعنى ان يعطيني خيرا من جنتك جنة في الدار الآخرة " وأن يرسل عليها " أي على جنتك حسبانا من السماء. قال ابن عباس، وقتادة: عذابا. وقيل نارا من السماء تحرقها. وقيل أصل الحسبان السهام التي ترمى لتجري في طلق واحد، وكان ذلك من رمي الاساورة. والحسبان المرامي الكثيرة مثل كثرة الحساب واحده حسبانة.


(1) قيل ان البيت لعمر بن كلثوم من معلقته وهو في أمالي السيد المرتضى 1 / 105، 201 (2) تفسير القرطبى 10 / 405، ومجمع البيان 3 / 470 (*)

[ 48 ]

وقوله " فتصبح صعيدا زلقا " أي ترابا محترقا. والزلق الذي لانبات فيها. وقال الزجاج: الصعيد الطريق الذي لانبات فيه أي ملساء ما أنبتت من شئ قد ذهب. وقال الزجاج: المعنى ويرسل عليها عذاب حساب بما كسبت يداك، لان الحسبان هو الحساب. وقوله " أو يصبح ماؤها غورا " أي ذاهبا في باطن غامض. والمعنى غائرا، فوضع المصدر موضع الصفة ونصب على الحال ولذلك لا يثني ولا يجمع. وقوله " فلن تستطيع له طلبا " أي لا تقدر على طلب الماء إذا غار، والطلب تقليب الامر لوجدان ما يهلك. قال الرماني هذا أصله، ثم قيل للمريد من غيره فعلا: طالب لذلك الفعل بارادته أو أمره والمفكر في المعنى (طالب) لادراك ما فيه وكذلك السائل. قوله تعالى: (وأحيط بثمرة فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهى خاوية على عروشها ويقول يا ليتنى لم أشرك بربي أحدا (43) ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (44) هنالك الولاية لله ألحق هو خير ثوابا وخير عقبا (45) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير، وابن عامر، ونافع وعاصم " الولاية " بفتح الواو " لله الحق " بكسر القاف، وقرأ حمزة بكسرهما. وقرأ أبو عمرو: بفتح الواو، وضم القاف. وقرأ الكسائي بكسر الواو وضم القاف. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " ولم يكن " بالياء

[ 49 ]

الباقون بالتاء. من قرأ بالتاء فلتأنيث الفئة، والفئة الجماعة، وقد يسمى الرجل الواحد فئة، كما ان الطائفة تكون جماعة وواحدا. قال ابن عباس في قوله " وليشهد عذابهما طائفة " فالطائفة قد تكون الرجل الواحد. ومن قرأ بالياء فلقوله " ينصرونه " ولان التأنيث غير حقيقي. واما (الولاية بفتح الواو، وكسرها فلغتان مثل الوكالة والوكالة والدلالة والدلالة. وقال قوم: هما مصدران فالمكسور مصدر الوالي من الامارة والسلطان. والمفتوح مصدر الولي ضد العدو، تقول: هذا ولي بين الولاية. واما قوله " الحق " فمن خفض قال الحق هو الله فخفضه نعتا لله، واحتج بقراءة ابن مسعود " هنالك الولاية لله وهو الحق " وفى قراءة ابي " هنالك الولاية الحق لله " ومن رفع جعله نعتا للولاية، وأجاز الكوفيون والبصريون النصب بمعنى أحق ذلك حقا، والحق اليقين بعد الشك. قوله " واحيط بثمره " معناه هلكت ثمرهم عن آخرها، ولم يسلم منها شئ كما يقال أحاط بهم العدو إذا هلكوا عن آخرهم والاحاطة ادارة الحائط على الشئ. ومنه قوله " ولا يحيطون بشئ من علمه " (1) أي لا يعلمون معلوماته، والحد محيط بجميع المحدود. وقوله " فاصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها " أي يتحسر على ما انفق في عمارتها " وهي خاوية على عروشها " معناه حيطانها قائمة لا سقوف عليها، لانها انهارت


(1) سورة 2 - البقرة - آية 256 (ج 7 م 7 من التبيان) (*)

[ 50 ]

فصارت في قرارها، وخوت فصارت خاوية من الاساس. ومثله قولهم وقعت: الدار على سقوفها أي أعلاها على أسفلها. وقيل خاوية على بيوتها، والعروش الابنية أي قد ذهب شجرها وبقيت جدر انها، لاخير فيها. وقيل العروش السقوف، فصارت الحيطان على السقوف. وقوله " ويقول ياليتني لم اشرك بربي احدا " اخبار منه تعالى عما يقول صاحب الجنة الهالكة، وانه يندم على ما كان منه من الشرك بالله. ثم قال تعالى " ولم يكن له فئة " اي جماعة " ينصرونه من دون الله " قال العجاج: كما يجوز الفئة الكمي وقوله تعالى " وما كان منتصرا " قال قتادة: معنا ما كان ممتنعا. وقيل معناه ما كان منتصرا بان يسترد بدل ما كان ذهب منه. وقوله (هنالك الولاية لله الحق) اخبار منه تعالى ان في ذلك الموضع الولاية بالنصرة والاعزاز لله (عز وجل) لا يملكها احد من العباد يعمل بالفساد فيها، كما قد مكن في الدنيا على طريق الاختيار، فيصح الجزاء في غيرها. وقوله (هو خير ثوابا وخير عقبا) انما قال هو خير ثوابا مع أنه لا يثيب أحد إلا الله لامرين: احدهما - انه على رد ادعاء الجهال انه قد يثيب غير الله، فتقديره لو كان غيره يثيب، لكان هو خير ثوابا. والثاني انه خير جزاء على العمل. وعاقبة ما يدعو إليه خير من عاقبة ما لا يدعو إليه. والولاية بفتح الواو ضد العداوة، وبكسرها الامارة والسلطان. وقرأ عاصم وحمزة " عقبا " بسكون القاف. الباقون بضمتين وهما لغتان بمعنى العاقبة، وهو نصب على التمييز (وهنالك) اشارة إلى يوم القيامة. والمعنى ان يوم القيامة تتبين نصرة الله،

[ 51 ]

لاوليائه. و (عقبا أي عاقبة يقال عقبى الدار، وعقب الدار، وعقب الدار، وعاقبة الدار بمعنى واحد. قوله تعالى: (واضرب لهم مثل الحيوة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فاصبح هشيما تذروه الرياح وكان الله على كل شئ مقتدرا (46) المال والبنون زينة الحيوة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (47)) آيتان بلا خلاف. أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يضرب المثل للدنيا تزهيدا فيها، وترغيبا في الآخرة بأن قال: إن مثلها كمثل ماء أنزله الله من السماء " فاختلط به نبات الارض " أي نبت بذلك الماء المنزل من السماء نبات، فالتفت بعضه ببعض يرون حسنا وغضاضة. ثم عاد (هشيما) أي مكسورا مفتتا " تذروه الرياح " فتنقله من موضع إلى موضع فانقلاب الدنيا بأهلها كانقلاب هذا النبات. ثم قال " وكان الله على كل شئ " اراده " مقتدرا " أي قادرا، لا يجوز عليه المنع منه. والتذرية تطيير الريح الاشياء الخفيفة على كل جهة، يقال: ذرته الريح تذروه ذروا، وذرته تذريه وأذرته اذراء قال الشاعر: فقلت له صوب ولا تجهدنه * فيذرك من أخرى القطاة فتزلق (1)


(1) تفسير القرطبى 10 / 413 وهو في مجمع البيان 3 / 470 (*)

[ 52 ]

وأذريت الرجل عن الدابة إذا ألقيته عنها، والهشيم النبات اليابس المتفتت. وقال الحسن: معنى " وكان الله على كل شئ مقتدرا " أي كان قادرا ان يكونه قبل أن يكون، وقيل أن يكون. وهو اخبار عن الماضي ودلالة على المستقبل، وهذا المثل للمتكبرين الذين اغتروا بأموالهم، واستنكفوا من مجالسة فقراء المؤمنين، فأخبرهم الله أن ما كان من الدنيا لايراد به الله، فهو كالنبت الحسن على المطر لامادة له فهو يروق ما خالطه ذلك الماء، فإذا انقطع عنه عاد هشيما تذروه الرياح لا ينتفع به. وقوله " المال والبنون زينة الحياة الدنيا " اخبار منه تعالى أن كثرة الاموال التي يتمولها الانسان ويملكها في الدنيا. والبنين الذين يرزقهم الله زينة الحياة الدنيا، أي جمال الدنيا وفخرها " والباقيات الصالحات " يعني الطاعات لله تعالى، لانه يبقى ثوابها أبدا، فهي خير من نفع منقطع لا عاقبة له، والباقبات يفرح بها ويدوم خيرها، وهي صالحات بدعاء الحكيم إليها وأمره بها. وقال ابن عباس " الباقيات الصالحات " الطاعات لله. وروي في أخبارنا أن من الباقيات الصالحات، والامور الثابتات: القيام بالليل لصلاة الليل. والامل الرجاء، ومعنى " خير أملا " أن الرجاء للعمل الصالح والامل له خير من الامل للعمل الطالح. قوله تعالى: (ويوم نسير الجبال وترى الارض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (48) وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (49) ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا مال

[ 53 ]

هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصيها ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا (50) ثلاث آيات قرأ ابن كثير وابن عامر وأبو عامر " تسير " لتأنيث الجبال ورفع الجبال، لانه اسم ما لم يسم فاعله، ولانه قال " وسيرت الجبال فكانت سرابا " (1)، ولان ابيا قرأ " ويوم سيرت الجبال، فإذا كان الماضي (سيرت) كان المضارع تسير. الباقون " نسير " بالنون، اخبار من الله تعالى عن نفسه. ونصب الجبال وهو مفعول به ل‍ (نسير) وحجتهم قولهم " وحشرناهم فلم نغادر منهم احدا " ونصب " ويوم نسير " باضمار فعل، وتقديره واذكر يا محمد صلى الله عليه وآله يوم نسير الجبال. وقوله " وترى الارض بارزة " أي ظاهرة فلا يتستر منها شئ، لان الجبال إذا سيرت عنها وصارت دكا ملساء ظهرت وبرزت. وقيل " وترى الارض بارزة " أي يبرز ما فيها من الكنوز والاموات، فهو مثل قول النبي صلى الله عليه وآله (ترمي الارض بافلاذ كبدها) وأجاز بعض البصريين ان ينصب " ويوم " بقوله " والباقيات الصالحات خير ثوابا " في يوم تسير الجبال ف‍ " الباقيات الصالحات " قيل الطاعات. وقيل الصلوات الخمس وقيل سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر. وروي عن أبي جعفر (ع) أنه قال (القيام بالليل لصلاة الليل). وسمع بعضهم عزى صديقا له، فقال: ابنك كان زينة الدنيا، ولو بقي كان سيدا مثلك، وإذ استأثر الله به، فجعله من الباقيات الصالحات، والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا، فتسلى بذلك. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله اذكر يوم نسير الجبال، والتسيير تطويل السير


(1) سورة 78 - النبأ - آية 20 (*)

[ 54 ]

وقد يكون بمعنى ان يجعله يسير، وهذا هو معنى تسيير الجبال، وانما يسيرها (الله تعالى، ويخبر به، لما في ذلك من الاعتبار في الدنيا. وقيل يسيرها) (1) بأن يجعلها هباء منبثا، ومعنى " وترى الارض بارزة " أي لا شئ يسترها، يحشر الخلائق حتى بكونوا كلهم على صعيد واحد، ويرى بعضهم بعضا، وكل ذلك من هول يوم القيامة، أخبر الله به للاعتبار به والاستعداد بما يخلص من أهواله. وقوله " وحشرناهم " أي بعثناهم وأحييناهم بعد أن كانوا أمواتا " فلم نغادر منهم احدا " أي لم نترك واحدا منهم لا نحشره. والمغادرة الترك، ومنه الغدر ترك والوفاء، ومنه الغدير لترك الماء فيه. وقيل: نغادر نخلف. وقيل: أغدرت وغادرت واحد. وقوله " وعرضوا على ربك صفا " قيل معناه انهم يعرضون صفات بعد صف كالصفوف في الصلاة. وقيل المعنى انهم يعرضون على ربهم لا يخفى منهم أحد فكأنهم صف واحد. وقيل: انهم يعرضون، وهم صف، ويقال لهم " لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " يعني جئتم إلى الموضع الذي لا يملك الامر فيه أحد إلا الله، كما خلقناكم أول مرة لا تملكون شيئا. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (يحشرون حفاة عراة عزلا) فقالت عائشة: أفما يحتشمون يومئذ، فقال النبي صلى الله عليه وآله (لكل امرء منهم يومئذ شأن يغنيه) ويقال لهم أيضا " بل زعمتم " في دار الدنيا " أن لن نجعل لكم موعدا " يعني يوم القيامة، وانكم انكرتم البعث والنشور. ثم قال الله تعالى " ووضع الكتاب " يعني الكتب التي فيها أعمالهم مثبتة " فترى المجرمين مشفقين مما فيه " اي يخافون من وقوع المكروه بهم والاشفاق الخوف من وقوع المكروه مع تجويز ألا يقع، وأصله الرقة، ومنه الشفق: الحمرة الرقيقة التي


(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

[ 55 ]

تكون في السماء، وشفقة الانسان على ولده رقته عليه. وقوله " ويقولون " الواو واو الحال وتقديره قائلين " يا ويلتنا " وهذه لفظة، من وقع في شدة دعا بها و " ما لهذا الكتاب " اي شئ لهذا الكتاب " لا يغادر صغيرة ولا كبيرة " أي لا يترك صغيرة ولا كبيرة من المعاصي " إلا احصاها " بالعدد وحواها. و (لا يغادر) في موضع نصب على الحال " ووجدوا ما عملوا حاضرا " اخبار منه تعالى أنهم يجدون جزاء ما عملوا في ذلك الموضع، ولا يبخس الله أحدا حقه في ذلك اليوم ولا ينقصه ثوابه الذي استحقه. وقيل معناه ووجدوا أعمالهم مثبتة كلها ويعاقب كل واحد على قدر معصيته. قوله تعالى: وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (15) ما أشهدتهم خلق السموات والارض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (52) ويوم يقول نادوا شركاءي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (53) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ حمزة وحده " ويوم نقول " بالنون، على أن الله تعالى هو المخبر عن نفسه بذلك، لانه قال قبل ذلك " وما كنت متخذ المضلين عضدا، ويوم نقول " حمله على ما تقدم، والجمع والافراد بذلك المعنى. الباقون بالياء، بمعنى قل يا محمد

[ 56 ]

يوم يقول الله أين شركائي الذين زعمتم، ولو كان بالنون لكان الاشبه بما بعده ان يكون جمعا، فيقول شركاؤنا، فأما قوله " الذين زعمتم " فالراجع إلى الموصول محذوف، والمعنى الذين زعمتموهم اياهم أي زعمتموهم شركاء، فحذف الراجع من الصلة، ولابد من تقديره كقوله " أهذا الذي بعث الله رسولا " (1) يقول الله تعالى لنبيه واذكر الوقت الذي قال الله فيه " للملائكة اسجدوا لآدم " وانهم " سجدوا إلا ابليس " وقد فسرناه فيما تقدم. (2) وقيل: إنما كرر هذا القول في القرآن لاجل ما بعده مما يحتاج إلى اتصاله به، فهو كالمعنى الذي يفيد أمرا في مواضع كثيرة، والاخبار عنه باخبار مختلفة، كقولهم برهان كذا كذا وبرهان كذا كذا، للمعنى الذي يحتاج إلى احكامه في أمور كثيرة. وقوله " كان من الجن " قيل معناه صار من الجن المخالفين لامر الله. وقال قوم: ذلك يدل على أنه لم يكن من الملائكة، لان الجن جنس غير الملائكة، كما ان الانس غير جنس الملائكة والجن، ومن زعم انه كان من الملائكة يقول: معنى كان من الجن يعنى من الذين يستترون عن الابصار (3) لانه مأخوذ من الجن وهو الستر، ومنه المجن لانه يستر الانسان. وقال ابن عباس: نسب إلى الجنان التي كان فيها، كقولك كوفي وبصري، وقال قوم: بل كانت قبيلته التى كان فيها يقال لهم الجن، وهم سبط من الملائكة، فنسب إليهم. وقال ابن عباس: لو لم يكن ابليس في الملائكة ما أمر بالسجود. وقال وهم يتوالدون كما يتوالد بنو آدم. وروى عكرمة عن ابن عباس في قوله تعالى " كان من الجن "


(1) سورة 25 - الفرقان - آية 41 (2) سورة البقرة آية 34 المجلد الاول صفحة 147 وقد مر أيضا في 4 / 383 في تفسير آية 10 من سورة الاعراف (3) في المخطوطة (الانسان) بدل (الابصار) (*)

[ 57 ]

قال: كان ابليس من الملائكة فلما عصى لعن فصار شيطانا. ومن قال إن ابليس له ذرية والملائكة لاذرية لهم ولا يتناكحون ولا يتناسلون عول على خبر غير معلوم. فأما الاكل والشرب ففي الملائكة ولو علم انه مفقود، فانا لا نعلم أن ابليس كان يأكل ويشرب، فأما من قال إن الملائكة رسل الله، ولا يجوز عليهم أن يرتدوا. فلا نسلم لهم أن جميع الملائكة رسل الله، وكيف نسلم ذلك، وقد قال الله تعالى " الله يصطفى من الملائكة رسلا " (1) فأدخل (من) للتبعيض، فدل على أن جميعهم لم يكونوا رسلا أنبياء، كما انه تعالى قال " ومن الناس " (2) فدل على أن جميع الناس لم يكونوا انبياء. وقوله " ففسق عن أمر ربه " معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته بترك السجود لآدم. وأصل الفسق الخروج إلى حال تضر، يقال: فسقت الرطبة إذا خرجت من قشرها وفسقت الفارة إذا خرجت من حجرها قال رؤبة: يهوين في نجد وغورا غايرا * فواسقا عن قصدها جوائرا (3) وقال أبو عبيدة: هذه التسمية لم أسمعها في شئ من أشعار الجاهلية، ولا أحاديثها، وانما تكلمت بها العرب بعد نزول القرآن، قال المبرد: والامر على ما ذكر أبو عبيدة، وهي كلمة فصيحة على ألسنة العرب، وأوكد الامور ما جاء في القرآن. وقال قطرب: معنا " ففسق عن امر ربه " عن رده أمر ربه، كقولهم كسوته عن عرى وأطعمته عن جوع، ثم خاطب تعالى الخلق الذين أشركوا بالله غيره، فقال " أفتتخذونه يعنى ابليس وذريته أولياء " أي أنصارا توالونهم من دون الله " وهم "


(1، 2) سورة 22 - الحج - آية 75 (3) ملحق ديوانه 190 ومجاز القرآن 1 / 406 وتفسير الطبري 51 / 158 والكشاف 3 / 110 واللسان والتاج (فسق) وغيرها. (ج 7 م 8 من التبيان) (*)

[ 58 ]

يعني ابليس " وذريته عدو لكم " يريدون بكم الهلاك والدمار " بئس " البدل " للظالمين بدلا " ونصب (بدلا) على التمييز. ثم قال " ما اشهدتهم خلق السموات " وقيل معناه ما أشهدتهم ذلك مستعينا بهم، وقيل معناه ما أشهدت بعضهم خلق بعض. ووجه اتصال ذلك بما قبله اتصال الحجة التي تكشف حيرة الشبهة، لانه بمنزلة ما قيل إنكم قد أقبلتم على اتباع ابليس وذريته حتى كأن عندهم ما تحتاجون إليه، فلو اشهدتهم خلق السموات والارض وخلق أنفسهم، فلم يخف عليهم باطن الامور وظاهرها لم تزيدوا على ما أنتم عليه في امركم. ثم قال تعالى " وما كنت متخذ المضلين عضدا " يعني اعوانا، وهو قول قتادة وهو من اعتضد به إذا استعان به. وفي عضد خمس لغات، وهي عضد وعضد وعضد وعضد وعضد. ثم اخبر تعالى عن حالهم يوم القيامة فقال واذكر يوم يقول الله تعالى للمشركين نادوا شركائي الذين زعمتم - على وجه التقريع والتوبيخ - واستغيثوا بهم، فدعوهم يعني المشركين يدعون أولئك الشركاء الذين عبدوهم مع الله، فلا يستجيبون لهم ثم قال تعالى " وجعلنا بينهم موبقا " قال ابن عباس أي مهلكا، وبه قال قتادة والضحاك وابن زيد، وهو من أو بقته ذنوبه أي اهلكته. وقال الحسن معنا " موبقا " أي عداوة، كأنه قال عداوة مهلكة. وقال أنس بن مالك: هو واد في جهنم من قيح ودم. وحكى الكسائي وبق يبق وبوقا، فهو وابق إذا هلك، وحكى الزجاج: وبق الرجل يوبق وبقا. والوبق مصدر وبق. قوله تعالى: (ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها

[ 59 ]

مصرفا (54) ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الانسان أكثر شئ جدلا (55) وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الاولين أو يأتيهم العذاب قبلا (56)) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة " قبلا " بضم القاف والباء. الباقون بكسر القاف وفتح الياء. فمن قرأ بضم القاف والباء أراد جمع قبيل نحو قميص وقمص. وقال قوم: القبيلة بنو أب. والقبيل يعبر بها عن الجماعة وإن اختلفت أنسابهم واحتجوا بقول النابغة: جوانح قد أيقن ان قبيله * إذا ما التقى الجمعان اول غالب (1) وجمع القبيلة قبائل. والقبائل أيضا قبائل الرأس، وهي عروق مجرى الدمع من الرأس، وسمي أيضا شئونا، واحدها شأن. ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء أراد مقابلة، أي معاينة. ويحتمل أيضا الضم، ذلك، ذكره الفراء والزجاج، وهما لغتان. اخبر الله تعالى عن المجرمين والعصاة أنهم إذا شاهدوا نار جهنم ورأوها " فظنوا " اي علموا " انهم مواقعوها " ولم يجدوا عن دخلولها معدلا ولا مصرفا، لان معارفهم ضرورية، فالظن ههنا بمعنى العلم. وقد يكون الظن غير العلم، وهو ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون على خلافه. والاجرام قطع العمل إلى الفساد. واصله القطع، يقال: هذا زمن الجرام أي زمن الصرام يعني زمان قطع الثمرة عن النخل. والمواقعة ملابسة الشئ، بشدة، ومنه وقائع الحروب وأوقع به ايقاعا. وتواقعوا تواقعا. والتوقع الترقب لوقوع الشئ، والمصرف


(1) ديوانه (دار بيروت) 10 (*)

[ 60 ]

المعدول. وهو موضع الذي يعدل إليه، صرفه عن كذا يصرصرفا. والموضع مصرف قال أبو كثير: ازهير هل عن شيبة من مصرف * أم لا خلود لباذل متكلف (1) وقوله " ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل " اخبار من الله تعالى انه نقل المعاني في الجهات المختلفة في هذا القرآن، فتصريف المثل فيه تنقيله في وجوه البيان على تمكين الافهام. والمعنى بينا للناس من كل مثل يحتاجون إليه. ثم اخبر تعالى عن حال الانسان فقال " وكان الانسان اكثر شئ جدلا " أي خصومة. والجدل شدة الفتل عن المذهب بطريق الحجاج. واصله الشدة، ومثه الاجدل الصقر لشدته، وسير مجدول شديد الفتل. وقوله " وما منع الناس ان يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الاولين " معناه ما منعهم من الايمان بعد مجئ الدلالة وان يستغفروا ربهم على سبق من معاصيهم إلا طلب ان يأتيهم سنة الاولين، من مجئ العذاب من حيث لا يشعرون، أو مقابلة من حيث يرون. وإنما هم بامتناعهم من الايمان بمنزلة من يطلب هذا حتى يؤمن كرها، لانهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الاليم، كما يقول القائل لغيره ما منعك ان تقبل قولي إلا ان تضرب، إلا انك لم تضرب، لان مشركي العرب طلبوا مثل ذلك، فقالوا " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فامطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم " (2)


(1) ديوان الهذليين 2 / 104 وتفسير الطبري 15 / 160 واللسان (صرف) وشواهد الكشاف 192 ومجاز القرآن 1 / 407 (2) سورة 8 الانفال آية 32 (*)

[ 61 ]

قوله تعالى: (وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق واتخذوا آياتى وما أنذروا هزوا (57) ومن أظلم ممن ذكر بايات ربه فأعرض عنها ونسى ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (58) وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (59) ثلاث آيات بلا خلاف أخبر الله تعالى أنه لم يرسل رسله إلى الخلق، إلا مبشرين لهم بالجنة إذا أطاعوا، ومخوفين لهم من النار إذا عصوا، فالبشارة الاخبار بما يظهر سرورة في بشرة الوجه يقال بشره تبشيرا وبشارة، وأبشره إبشارا إذا استبشر بالامر. ومنه البشر لظهور بشرته. ثم قال " ويجادل الذين كفروا بالباطل " أي يناظر الكفار دفعا عن مذاهبهم بالباطل. وذلك انهم ألزموه أن يأتيهم أو يريهم العذاب على ما توعدهم ما هو لاحق بهم إن أقاموا على كفرهم. والباطل المعني الذي معتقده على خلاف ما هو به، كالمعني في انه ينبغي أن تكون آيات الانبياء على ما تقتضي الاهواء، كالمعني في أنه: يجب عبادة الاوثان على ما كان عليه الكبراء " ليدحضوا به الحق " والادحاض الا ذهاب بالشئ إلى الهلاك، ودحض هو دحضا. ومكان دحض أي مزلق مزل، لا يثبت فيه خف ولا حافر، ولاقدم، قال الشاعر:

[ 62 ]

وردت ونحن اليشكري حذاره * وحاد كما حاد البعير عن الدحض (1) ثم اخبر تعالى عنهم أنهم " اتخذوا آيات الله " ودلالته وما خوفوا به من معاصية " هزوا " اي سخرية يسخرون منه. ثم قال تعالى " ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه " اي من أظلم لنفسه ممن نبه على أدلته وعرفه الرسل اياها " فاعرض عنها " جانبا، ولم ينظر فيها " ونسي ما قدمت يداه " أي نسي ما فعله من المعاصي التي يستحق بها العقاب. وقال البلخي: معناه تذكر واشتغل عنه استخفافا به، وقلة معرفة بعاقبته، لا انه نسيه. ثم قال تعالى " انا جعلنا على قلوبهم أكنة " وهي جمع كنات كراهية أن يفقهوه، وقيل لئلا يفقهوه " وفي آذانهم وقرا " أي ثقلا. وقد بينا معنى ذلك فيما مضى وجملته أنه على التشبيه في جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه كقوله " وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كان لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا " (2) والمعنى كأن قلوبهم في أكنة عن أن تفقه. وفى آذانهم وقرا أن تسمع، وكأنه مستحيل أن يجيبوا الداعي إلى الهدى. ويقوي ذلك قوله " ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فاعرض عنها " فدل انه كان يسمعها حتى صح إعراضه عنها. وقال البلخي: يجوز ان يكون المراد انا إذا فعلنا ذلك ليفقهوا فلن يفقهوا، لانه شبههم بذلك ويجوز ان يكون المراد بذلك الحكاية عنهم انهم قالوا ذلك، كما حكى تعالى " وقالوا قلوبنا في اكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقرو من بيننا وبينك حجاب " (3) ثم قال إن كان الامر على ذلك فلن يهتدوا إذا أبدا.


(1) تفسير الطبري 15 / 61 (2) سورة 31 - لقمان آية 7 (3) سورة 41، حم السجدة فصلت) آية 5 (*)

[ 63 ]

وقوله " وإن تدعهم إلى الهدى " مع ما جعلنا فيهم " فلن يهتدوا إذا ابدا " ولا يرجعون إليها، بسوء اختيارهم، وسوء توفيقهم، من الله جزاء على معاصيهم، وذلك يختص بمن علم الله أنه لا يؤمن منهم، ويجوز أن يكون الجعل في الآية بمعنى الحكم والتسمية، ثم قال " وربك " يا محمد " الغفور ذو الرحمة " يعني الساتر على عباده إذا تابوا، ذو الرحمة بهم " لو يؤاخذهم بما كسبوا " عاجلا " لعجل لهم العذاب " لكن لا يؤاخذهم، لان لهم موعدا وعدهم الله ان يعاقبهم فيه وهو يوم القيامة " لن يجدوا من دونه موئلا " اي ملجأ - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد - وقال مجاهد: يعني محرزا، وقال أبو عبيدة: يعني منجا ينجيهم، ويقال: لا وألت نفسه بمعنى لانجت قال الاعشى: وقد اخالس رب البيت غفلته * وقد يحاذر مني ثم ما يئل (1) وقال الآخر: لاوألت نفسك خليتها * للعامريين ولم تكلم (2) أي لانجت نفسك: قوله تعالى: (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (60) وإذ قال موسى لفتيه لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو


(1) ديوانه 147 وتفسير الطبري 15 / 163 وتفسير القرطبى 11 / 8 ومجاز القرآن 1 / 408 (2) تفسير الطبري 15 / 162 وتفسير القرطبي 11 / 8 ومجمع البيان 3 / 475 (*)

[ 64 ]

أمضى حقبا (61) فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا (62)) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ عاصم " لمهلكهم " بفتح الميم. واللام، في رواية أبي بكر عنه. وفي رواية حفص - بفتح الميم وكسر اللام - الباقون بضم الميم وفتح اللام، من فتح الميم واللام جعله مصدرا، لهلك يهلك مهلكا، مثل طلع مطلعا، ومن كسر اللام جعله وقت هلاكهم أو موضع هلاكهم مثل مغرب الشمس. وحكى سيبويه عن العرب: أتت الناقة على مضربها ومنتجها - بالكسر - أي وقت ضرابها ونتاجها. وإن في الف (لمضربا) بفتح الراء أي ضربا جعلها مصدرا ومن ضم الميم وفتح اللام - وهو الاختيار - فلان المصدر من (أفعل) والمكان يجئ على (مفعل) كقوله " ادخلني مدخل صدق " (1) كذلك: أهلكه الله مهلكا. وكل فعل كان على (فعل يفعل) مثل ضرب يضرب فالمصدر مضرب بالفتح، والزمان والمكان (مفعل) بكسر العين، وكل فعل كان مضارعه (يفعل) بالفتح نحو يشرب ويذهب، فهو مفتوح أيضا نحو المشرب والمذهب. وكل فعل كان على (فعل يفعل) بضم العين في المضارع نحو يدخل ويخرج، فالمصدر والمكان منه بالفتح نحو المدخل والمخرج إلا ما شذ منه نحو المسجد، فانه من سجد يسجد، وربما جاء في (فعل يفعل) المصدر بالكسر كقوله " إلى الله مرجعكم " (2) أي رجوعكم، ونحو قوله " ويسئلونك عن المحيض " (3) ونحو قوله " وجعلنا النهار معاشا " (4) فهذا مصدر وربما جاء على المعيش مثل المحيض كما قال الشاعر:


(1) وسورة 17 - الاسرى - آية 80 (2) سورة - 5 - المائدة آية 51، 108 (3) سورة 2 - البقرة آية 222 (4) سورة 78 (عم) - النبأ - آية 11 (*)

[ 65 ]

اليك أشكوا شدة المعيش * ومر ايام نتفن ريشي اخبر الله تعالى أن تلك القرى أهلكناهم يعني أهل القرية، ولذلك قال: (هم): ولم يقل (ها) لان القرية هي المسكن مثل المدينة والبلدة. والبلدة لا تستحق الهلاك، وانما يستحق العذاب اهلها، ولذلك قال " لما ظلموا " يعني أهل القرية الذين أهلكناهم. والاهلاك اذهاب الشئ بحيث لا يوجد، فيقل هؤلاء أهلكوا بالعذاب. والاهلاك والاتلاف واحد، وقولهم الضائع هالك من ذلك لانه بحيث لا يوجد. وقوله " وجعلنا لمهلكهم " أي لوقت اهلاكهم - في من ضم الميم - أو لوقت هلاكهم - في من فتحها - " موعدا " أي ميقاتا وإجلا فلما بلغوه جاءهم العذاب. والموعد الوقت الذي وعدوا فيه بالاهلاك. وقوله " وإذ قال موسى لفتاه " معناه واذكر إذ قال موسى لفتاه لما في قصته من العبرة بأنه قصد السفر فوفق الله (عزوجل) في رجوعه أكثر مما قصد له ممن أحب موسى أن يتعلم منه ويستفيد من حكمته التي وهبها الله له. وقيل إن فتى موسى (ع) كان يوشع بن نون. وقيل ابن يوشع، وسمي فتاه لملازمته إيلاه " لا ابرح " أي لا ازال كما قال الشاعر: وابراح ما أدام الله قومي * بحمد الله منتطقا مجيدا (1) أي لا ازال، ولايجوز أن يكون بمعنى لا أزول، لان التقدير، لا أزال أمشي حتى أبلغ. ومعنى (لا يزال يفعل كذا) أي هو دائب فيه. وقيل انه كان وعد بلقاء الخضر عند مجمع البحرين. وقوله " أو امضي حقبا " معناه لا أبرح حتى ابلغ مجمع البحرين إلى أن


(1) قائله خداش بن زهير: تفسير القرطبي 11 / 9 ومجمع البيان 3 / 479 واللسان (نطق. (ج 7 م 9 من التبيان) (*)

[ 66 ]

امضي حقبا. قال ابن عباس: والحقب الدهر. وقيل هو سنة بلغة قيس. وقيل سبعون سنة - ذكره مجاهد - وقال عبد الله بن عمر: هو ثمانون سنة. وقال قتادة: الحقب الزمان. وقال قتادة: مجمع البحرين: بحر فارس والروم. وقوله " فلما بلغا مجمع بينهما " يعني بين البحرين " نسيا حوتهما " وانما نسيه يوشع بن نون وأضافه اليهما، كما يقال نسي القوم زادهم، وانما نسيه بعضهم. وقيل نسي يوشع أن يحمل الحوت، ونسي موسى أن يأمره فيه بشئ. وقوله " فاتخذ سبيله " يعني الحوت " في البحر سربا " قال ابن عباس وابن زيد ومجاهد: أحيا الله الحوت، فاتخذ طريقه في البحر مسلكا. وقيل ان الحوت كانت سمكة مملحة فطفرت من موضعها إلى البحر ذاهبة. وقال الفراء: كان مالحا، فلما حيي بالماء الذي أصابه من العين، وقع في البحر. ووجد مذهبه، فكان كالسرب. وروي عن أبي بن كعب أن مجمع بينهما أفريقية، وأراد الله أن يعلم موسى أنه وإن آتاه التوراة، فانه قد آتى غيره من العلم ما ليس عنده، فوعده بلقاء الخضر. وقوله " مجمع بينهما " يعني موسى وفتاه بلغا مجمع البحرين. وقال قتادة قيل لموسى آية لقياك إياه أن تنسى بعض متاعك، وكان موسى وفتاه تزودا حوتا مملوحا حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله إلى الحوت روحه فسرب في البحر، فذالك قوله " فاتخذ سبيله في البحر سربا " أي مذهبا يقال سرب يسرب سربا إذا مضى لوجهه في سفر غير بعيد ولا شاق وهي السربة فإذا كانت شاقة، فهي (السبأ) ة بالهمزة. وروي ان الله تعالى بعث ماء من عين الجنة، فاصاب ذلك الماء تلك السمكة فحييت وطفرت إلى البحر، ومضت. وروي عن ابن عباس أنه قال: لما وفد موسى إلى طور سيناء، قال رب أي عبادك أعلم ؟ قال الذي يبغي علم الناس إلى علمه، لعله يجد كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى. قال رب من هو ؟ قال الخضر تلقاه عند الصخرة التي

[ 67 ]

عندها العين التي تنبع من الجنة. وقال الحسن: كان موسى سأل ربه هل أحد أعلم مني من الآدميين فأوحى الله إليه: نعم عبدي الخضر (ع)، فقال موسى (ع): كيف لي بلقائه ؟ فأوحى الله إليه أن يحمل حوتا في متاعه ويمضي على وجهه حتى يبلغ مجمع البحرين، بحر فارس والروم، وهما المحيطان بهذا الخلق. وجعل العلم على لقائه أن يفقد حوته، فإذا فقدت الحوت فاطلب حاجتك عند ذلك فانك تلقى الخضر عند ذلك. وقال الحسن كان الحوت طريا. وقال ابن عباس: كان مملوحا. قال الحسن: فمضى على وجهه هو وفتاه حتى " بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما فاتخذ سبيله في البحر سربا " يعنى الحوت. ثم " قال لفتاه آتنا غداءنا " ففتش متاعه ففقد الحوت، قال " أرأيت إذ أو ؟ ؟ إلى الصخرة " وكانت الصخرة عند مجمع البحرين " فاني نسيت الحوت وما انسانية إلا الشيطان أن أذكره فاتخذ سبيله في البحر " يعني الحوت وانقطع الكلام. فقال موسى (ع) عند ذلك " عجبا " كيف كان ذلك. وقال لفتاه " ذلك ما كنا نبغ فارتدا على اثارهما قصصا " وقال الزجاج: يحتمل أن يكون ذلك من قول صاحبه فانه أخبر بأن اتخاذ الحوت طريقا في البحر كان عجبا. قوله تعالى: (فلما جاوزا قال لفتيه آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا (63) قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فاني نسيت الحوت وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره واتخذ سبيله في البحر عجبا (64) قال ذلك ما كنا نبغ فارتدا على آثارهما قصصا (65)) ثلاث آيات

[ 68 ]

اخبر الله تعالى ان موسى وفتاه لما جاوزا أي خرجا من ذلك الموضع. والمجاوزة الخروج عن حد الشئ، يقال: تجاوز الله عن فلان أي تجاوز عن عقابه بمعنى أزل الله العقاب عنه. والفتى الرجل الشاب وجمعه فتية وفتيان مثل صبية وصبيان. وانما أضيف إلى موسى، لانه كان يلزمه ليتعلم منه العلم وصحبه في سفره. وقيل انه كان يخدمه، والعرب تسمي الخادم للرجل فتى، وإن كان شيخا، والامة فتاة وإن كانت عجوزا، ويسمى التلميذ فتى، وإن كان شيخا، والفتى عند العرب السخي على الطعام وعلى المال والشجاع. و (الغداء) طعام الغداة و (العشاء) طعام العشي. والتغدي أكل طعام الغداة والتعشي أكل طعام العشي، و (النصب) التعب والوهن يكون عند الكد، ومثله الوصب. فقال له فتاه في الجواب " أرأيت " الوقت الذي اوينا إلى الصخرة " أي اقمنا عندها " فاني نسيت الحوت " ثم قال " وما انسانية " يعني الحوت " إلا الشيطان اذكره " أي وسوسني وشغلني بغيره حتى نسيت، فلذلك اضافة إلى الشيطان، لما كان عند فعله. ومعنى " وما انسانية " أي الحوت، يعني نسيت أن اذكر كيف اتخذ سبيله في البحر. وجاز نسيان مثل ذلك مع كمال العقل لانه كان معجزا. وضم الهاء من (انسانية) حفص عن عاصم، لان الاصل في حركة الهاء الضم. ومن كسرها فلان ما قبلها (ياء) فحركها بما هو من جنسها. وقوله " واتخذ سبيله في البحر عجبا " يعني أن موسى (ع) لما رأى الحوت قد حيي وهو يسلك الطريق إلى البحر، عجب منه ومن عظم شأنه، وهو قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد. وقوله " ذلك ما كنا نبغي " حكاية عما قال موسى عند ذلك من أن ذلك الذي كنا نطلب من العلامة، يعني نسيانك الحوت، لانه قيل له: صاحب الذي تطلبه

[ 69 ]

- وهو الخضر - حيث ينسى الحوت. ذكره مجاهد. فارتدا يقصان أي يتبعان آثارهما حتى انتهيا إلى مدخل الحوت. ذكره ابن عباس. وقيل نسي ذكر الحوت لموسى (ع) فرجعا إلى الموضع الذي حييت فيه السمكة وهو الذي كان يطلب منه العلامة فيه. وقيل الصخرة موضع الوعد. قوله تعالى: (فوجدا عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (66) آية. قوله " فوجدا عبدا من عبادنا " أي صادفاه وادر كاه، وهو الوجود، ومنه وجدان الضالة أي مصادفتها وادراكها. والعبد المملوك من الناس، فكل انسان عبد لله، لانه مالك له، وقادر عليه وعلى أن يصرفه اتم التصريف، وهو يملك الانسان وما يملك وقوله " آتيناه رحمة من عندنا " أي اعطيناه رحمة أي نعمة من عندنا " وعلمناه من لدنا علما " والتعلم تعريض الحي لان يعلم، إما بخلق في قلبه، وإما بالبيان الذي يرد عليه كما أن من أرى الانسان شيئا فقد عرضه، لان يراه، إما بوضع الرؤية في بصره عند من قال الادراك معنى، أو بالكشف له عن المرئي. قوله تعالى: (قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا (67) قال إنك لن تستطيع معي صبرا (68) آيتان. قال أبو علي يحتمل أن (رشدا) منصوبا على انه مفعول له ويكون متعلقا

[ 70 ]

ب‍ (اتبع) كأنه قال اتبعك للرشد، أو طلب الرشد على أن تعلمني، فيكون على هذا حالا من قوله (اتبعك) ويجوز أن يكون مفعولا به، وتقديره اتبعك على أن تعلمني رشدا مما علمته، ويكون العلم الذي يتعدى إلى مفعول واحد يتعدى بالتضعيف إلى مفعولين. والمعنى على ان تعلمني امرا ذا رشد أو علما ذا رشد. " قال له " يعني لذلك العبد الذي علمه الله العلم " هل اتبعك على أن تعلمني مما علمت رشدا ". والاتباع والانقياد واحد، اتبعه في مسيره، واتبعه في مذهبه، واتبعه في أمره ونهيه، واتبعه فيما دعاه إليه، والرشد - بفتح الراء والشين - قراءة ابي عمرو. الباقون - بضم الراء وسكون الشين - إلا ابن عامر - في رواية ابن ذكوان - فانه ضمهما، وهما لغتان، مثل أسد وأسد، ووثن ووثن. واختلفوا في الذي كان يتعلم موسى منه، هل كان نبيا ؟ أم لا ؟ فقال الجبائي: كان نبيا، لانه لا يجوز ان يتبع النبي من ليس بنبي، ليتعلم منه العلم، لما في ذلك من الغضاضة على النبي. وقال ابن الاخشاد: ويجوز أن لا يكون نبيا على أن لا يكون فيه وضع من موسى. وقال قوم: كان ملكا. وقال الرماني: لا يجوز أن يكون إلا نبيا، لان تعظيم العالم المعلم فوق تعظيم المتعلم منه. وقيل إنه سمي (خضرا) لانه كان إذا صار في مكان لا نبات فيه اخضر ما حوله، وكان الله تعالى قد اطلعه من علم بواطن الامور على ما لم يطلع عليه غيره. فان قيل: كيف يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي ؟ في وقته. قيل عن ذلك ثلاثة اجوبة: أحدها - انه يجوز أن يكون نبي اعلم من نبي في وقته عند من قال: ان الخضر كان نبيا. والثاني - أن يكون موسى اعلم من الخضر بجميع ما يؤدي عن الله على عباده،

[ 71 ]

وفى كل ما هو حجة فيه، وانما خص الخضر بعلم ما لا يتعلق بالاداء. الثالث - إن موسى استعلم من جهة ذلك العلم فقط، وإن كان عنده علم ما سوى ذلك. فقال الخضر لموسى (ع) " انك لن تستطيع معي صبرا " ومعناه يثقل عليك الصبر ولايخف عليك، ولم يرد أنه لا يقدر عليه، لان موسى (ع) كان قادرا متصرفا، وانما قال له ذلك لان موسى كان يأخذ الامور على ظواهرها، والخضر كان يحكم بما أعلمه الله من بواطن الامور، فلا يسهل على موسى مشاهدة ذلك، ولو اراد نفي الاستطاعة التي هي القدرة لما قال: " وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا " لانه دل على انه لهذا لا يصبر ولو كان على نفي القدرة، سواء علم أو لم يعلم لم يستطع. قوله تعالى: (وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا (69) قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا (70) قال فان اتبعتني فلا تسئلني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا (71) ثلاث آيات بلا خلاف. هذا حكاية ما قال الخضر لموسى (ع) حين قال " انك لمن تستطيع معي صبرا " اي كيف تصبر على ما لم تعلم من بواطن الامور، ولاتخبرها، فقال له موسى (ع) عند ذلك " ستجدني " اي ستصادفني إن شاء الله صابرا، ولم يقل ذلك على وجه التكذيب، لكن لما اخبر به على ظاهر الحال فقيده بالمشيئة لله، لانه جوز

[ 72 ]

أن لا يصبر فيما بعد بأن يعجز عنه ليخرج بذلك من كونه كاذبا " ولا اعصي لك امرا " اي لا اخالف أو امرك، ولا اتركها. فقال الخضر: " فان اتبعتنى " واقتفيت اثري " فلا تسألني عن شئ حتى احدث لك منه ذكرا " معناه لا تسألني عن باطن امر حتى اكون انا المبتدئ لك بذلك. والصبر تجرع مرارة تمنع النفس عما تنازع إليه. واصله حبس النفس عن امر من الامور. و (الذكر) العلم، والذكر ادراك النفس للمعنى بحضوره كحضور نقيضه، ويمكن ان يجامعه علم يصحبه أو جهل أو شك. و " خبرا " نصب على المصدر. والتقدير لم تخبره خبرا. وقرأ نافع " تسألن " بتشديد النون. الباقون بتخفيفها وإثبات الياء إلا ابن عامر، فانه حذف الياء. قال أبو علي قول ابن كثير ومن اتبعه: انهم عدوا (تسأل) إلى المفعول الذي هو المتكلم مثل (لا تضربني) و (لا تظلمنى) ونافع إنما فتح اللام، لانه لما ألحق الفعل النون الثقيلة بنى الفعل معها على الفتح وحذف الياء، وكسرت النون ليدل على الياء المحذوفة. قوله تعالى: (فانطلقا حتى إذا ركبا في السفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا (72) قال ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا (73) قال لا تؤاخذني بما نسيت ولا ترهقني من أمري عسرا (74) فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكية بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا (75)) أربع آيات

[ 73 ]

قرأ اهل الكوفة إلا عاصما " ليغرق أهلها " بالياء، ورفع أهلها. الباقون بالتاء ونصب الاهل. فمن قرأ بالتاء ونصب الاهل، فلقوله " أخرقتها لتغرق " بذلك " اهلها " أي فعلت ذلك وغرضك اهلاك اهلها على وجه الانكار. ومن قرأ بالياء أسند الغرق إلى الاهل، فكأنه قال: فعلت ذلك ليغرقوا هم. وقرأ اهل الكوفة وابن عامر " زكية " بلا الف. وقرأ الباقون زاكية بألف. وقرأ ابن عامر ونافع - في رواية الاصمعي عنه وابو بكر عن عاصم - " نكرا " بضم النون والكاف. الباقون بتخفيف الكاف. قال الكسائي (زاكية، وزكية) لغتان مثل قاسية وقسية. قال أبو عمرو: الزاكية التي لم تذنب قط، والزكية التي إذا أذنبت تابت، و (النكر) بالتثقيل والتخفيف لغتان مثل الرعب والرعب. اخبر الله تعالى عن موسى (ع) وصاحبه الذي تبعه ليتعلم منه أنهما ذهبا حتى إذا بلغا البحر، فركبا في السفينة فخرق صاحبه السفينة أي شق فيها شقا، لما أعلمه الله من المصلحة في ذلك، فقال له موسى منكر لذلك على ظاهر الحال: " أخرقتها لتغرق أهلها " أي غرضك بذلك أن تغرق أهلها الذين ركبوها. ويحتمل أن يكون قال ذلك مستفهما أي فعلت ذلك لتغرق أهلها أم لغير ذلك. والاول أقوى لقوله بعد ذلك " لقد جئت شيئا امرا " فالامر المنكر - في قول مجاهد وقتادة - وقال أبو عبيدة: داهية عظيمة وانشد: لقد لقي الاقرآن منه نكرا * داهية دهياء إدا إمرا (1)


(1) تفسير القرطبى 11 / 19 ومجاز القرآن 1 / 409 وتفسير الطبري 15 / 169 واللسان والصحاح والتاج (أمر) وشواهد الكشاف 30 (ج 7 م 10 من التبيان) (*)

[ 74 ]

ومن سكن (النكر) فعلى لغة من سكن (رسل). و (الامر) مأخوذ من الامر، لانه الفاسد الذي يحتاج أن يؤمر بتركه إلى الصلاح، ومنه رجل إمر إذا كان ضعيف الرأي، لانه يحتاج أن يؤمر حتى يقوي رأيه. ومنه آمر القوم إذا كثروا حتى احتاجوا إلى من يأمرهم وينهاهم، ومنه الامر من الامور أي الشئ الذى من شأنه ان يؤمر فيه، ولهذا لم يكن كل شئ أمرا. فقال له الخضر " ألم أقل لك " فيما قبل " انك لن تستطيع معي صبرا " أي لا يخف عليك ما تشاهده من أفعالي ويثقل عليك، لانك لا تعرف المصلحة فيه، ولم يرد بالاستطاعة المقدرة، لان موسى كان قادرا في حال ما خاطبه بذلك، ولم يكن عاجزا، وهذا كما يقول الواحد منا لغيره أنا لا أستطيع النظر اليك، وانما يريد أنه يثقل علي، دون نفي القدرة في ذلك. فقال له موسى في الجواب عن ذلك " لا تؤاخذني بما نسيت " وروي أنه قال ذلك لما رأى الماء لا يدخل السفينة مع خرقها. فعلم أن ذلك لمصلحة يريدها الله، فقال " لا تؤاخذني بما نسيت " وقيل في معنى نسيت ثلاثة أقوال: احدها - ما حكي عن أبي بن كعب، أنه قال: معناه بما غفلت من النسيان الذي هو ضد الذكر. والثاني - ما روي عن ابن عباس أنه قال معناه: بما تركت من عهدك. الثالث - لا تؤاخذني بما كأني نسيته، ولم ينسه في الحقيقة - في رواية أخرى - عن ابي بن كعب الانصاري. وقوله " ولا ترهقني من أمري عسرا " قيل معناه لا تغشني، من قولهم رهقه الفارس إذا غشيه وادركه، وغلام مراهق إذا قارب أن يغشاه حال البلوغ. والارهاق ادراك الشئ بما يغشاه. وقيل معنى أرهقه الامر إذا ألحقه اياه.

[ 75 ]

ثم أخبر تعالى انهما مضيا " حتى إذا لقيا غلاما " أي رأيا غلاما " فقتله " قال له موسى " اقتلت نفسا زاكية " ومعناه طاهرة من الذنوب. ومن قرأ " زكية " فمعناه بريئة من الذنوب. وذلك انها كانت صغيرة لم تبلغ حد التكليف على ما روي في الاخبار. وقوله " بغير نفس " أي بغير قود، ثم قال له " لقد جئت شيئا نكرا " أي منكرا. وقيل معناه جئت بما ينبغي أن ينكر، وقال قتادة النكر أشد من الامر، وانما قيل لما لا يجوز فعله منكرا، لانه مما تنكر صحته العقول ولا تعرفه. قوله تعالى: (قال ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا (76) قال إن سألتك عن شئ بعدها فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا (77) فانطلقا حتى إذا أتيا أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فاقامه قال لو شئت لتخذت عليه أجرا (78) ثلاث آيات بلا خلاف. معنى قوله " ألم اقل لك إنك لن تستطيع معي صبرا " تحقيق ما قال له أولا مع نهيه عن العود لمثل سؤاله، لانه لا يجوز أن يكون توبيخا، لانه جار مجرى الذم في أنه لا يجوز على الانبياء (ع) فقال له موسى في الجواب عن ذلك " ان سألتك " أي ان استخبرتك عن شئ تعمله بعد هذا " فلا تصاحبني قد بلغت من لدني عذرا " ومعناه إقرار من موسى بأن صاحبه قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكره. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه تلا هذه الآية، فقال: (استحيى نبي الله

[ 76 ]

موسى). والعذر وجود ما يسقط اللوم من غير جهة التكفير بتوبة واجتناب كبير لوقوع سهولم يتعرض له. وفي (لدن) خمس قراءات، فقرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحمزة والكسائي بالتثقيل. الثاني - بضم الدال وتخفيف النون قرأ به نافع. الثالث - قرأ أبو بكر بضم اللام وسكون الدال واشمام من غير اشباع، الرابع - قرأ الكسائي عن أبي بكر بضم اللام وسكون الدال. الخامس - في رواية عن أبي بكر بفتح اللام وسكون الدال، وهذه كلها لغات معروفة. ثم أخبر الله تعالى عنهما ايضا أنهما مضيا حتى " أتيا أهل قرية استعطعما أهلها " أي طلبا منهم ما يا كلانه فامتنعوا من تضييفهما " فوجدا فيها " يعني القرية " جدارا " يريد ان ينقض. فاقامه " ومعناه وجدا حائطا قارب أن ينقض فشبهه بحال من يريد أن يفعل في التباني، كما قال الشاعر: يريد الرمح صدر ابي براء * ويرغب عن دماء بني عقيل (1) ومثله تراني آثارهما، ودار فلان ينظر إلى دار فلان. وقال سعيد بن جبير: معنى قوله " فأقامه " انه رفع الجدار بيده فاستقام. والانقضاض السقوط بسرعة، يقال انقضت الدار إذا سقطت وتهدمت قال ذو الرمة: فانقض كالكوكب الدري منصلتا فقال له موسى " لو شئت لاتخذت عليه أجرا " وقد قرأ ابن كثير وأبو عمرو


(1) تفسير الطبري 15 / 171 والقرطبي 11 / 26 ومجاز القرآن 1 / 410 والكشاف 1 / 577 واللسان (رود) وغيرها وقد مر في 6 / 121 من هذا الكتاب (*)

[ 77 ]

" لتخذت " الباقون " لاتخذت " يقال: تخذ يتخذ بالتخفيف قال الشاعر: وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها * نسيفا كافحوص القطاة المطرق (1) المطرق التي تريد أن تبيض، وقد تعسر عليها، والافحوص والمفحص عش الطائر، وابن كثير يظهر الذال، وابو عمرو يدغم. والباقون على وزن (افتعلت) مثل اتقى يتقي. وقد حكي تقى يتقي خفيفا، قال الشاعر: جلاها الصيقلون فاخلصوها * خفافا كلها يتقى باثر ومن ادغم فلقرب مخرجيهما ومن اظهر فلتغاير مخرجيهما وقال الفراء في قوله " لو شئت " قال موسى لو شئت لم تقمه حتى يقرونا، فهو الاجر وانشدوا في " يريد أن ينقض " قول الشاعر: إن دهرا يلف شملي بجمل * لزمان يهم بالاحسان (2) أي كانه يهم، وانما هو سبب الاحسان المؤدي إليه وقال آخر: يشكو إلى جملي طول السرى * صبرا جميلا فكلانا مبتلى (3) والجمل لم يشك شيئا. وقال عنترة: وشكا إلى بعبرة وتحتحم (4) وكل ذلك يراد به ما ظهر من الامارة الدالة على المعاني. قوله تعالى: (قال هذا فراق بيني وبينك سانبئك بتأويل ما لم تستطع


(1) مجاز القرآن 1 / 411 وتفسير الطبري 15 / 172 والاصمعيات 47 واللسان والتاج (فحص، طرق، نسف). (2) تفسير الطبري 15 / 171 والقرطبى 11 / 26 ومجمع البيان 3 / 487 (3) مر هذا البيت في 6 / 112 من هذا الكتاب (4) ديوانه 30 من معلقته. وتفسير الطبري 15 / 172 (*)

[ 78 ]

عليه صبرا (79) أما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر فاردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (80) وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا (81) فاردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكوة وأقرب رحما (82) واما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فاراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبرا (83) خمس آيات بلا خلاف قرأ اهل المدينة وابو عمرو " أن يبدلهما " - بفتح الياء وتشديد الدال - هنا - وفى التحريم " أن يبدله " وفي نون " أن يبدلنا " بالتشديد فيهن. الباقون بالتخفيف. فاما التي في سورة النور " وليبدلنهم " فخففها ابن كثير وابو بكر ويعقوب. وشدده الباقون. وقرأ ابن عامر وابو جعفر ويعقوب " رحما " بضم الحاء الباقون باسكانها. وروى العبسي (ما لم تسطع) بتشديد الطاء. الباقون بتخفيفها. قال أبو علي (بدل، وابدل) متقاربان مثل (نزل، وانزل) إلا ان (بدل) ينبغي ان يكون أرجح، لقوله تعالى " لا تبديل لكلمات الله " (1) ولم يجئ الابدال كما جاء التبديل، ولم يجئ الابدال في موضع من القرآن، وقد جاء " وإن


(1) سورة 10 - يونس - آية 64 (*)

[ 79 ]

اردتم استبدال زوج مكان زوج " (1) فهذا قد يكون بمعنى الابدال كما ان قوله الشاعر: فلم يستجبه عنك ذاك مجيب (2) بمعنى فلم يجبه. وقال قوم: ابدلت الشئ من الشئ إذا ازلت الاول وجعلت الثاني مكانه. كقول ابي النجم: عزل الامير للامير المبدل (3) وبدلت الشئ من الشئ إذا غيرت حاله وعينه. والاصل باق، كقولهم بدلت قميصي جبة، واستدلوا بقوله " كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها " (4) فالجلد الثاني هو الاول، ولو كان غيره لم يجز عقابه. واما (رحم ورحم) فلغتان مثل العمر والعمر، والرعب والرعب. وحكي لغة ثالثة - بفتح الراء واسكان الحاء - كما يقال: اطال الله عمرك وعمرك. والمعنى واقرب رحمة وعطفا، وقربى وقرابة قال الشاعر: ولم تعوج رحم من تعوجا (5) وقال آخر: يا منزل الرحم على ادريس (6) حكى الله تعالى عن صاحب موسى انه قال له " هذا فراق بيني وبينك " ومعناه هذا وقت فراق اتصال ما بيني وبينك، فكرر (بين) تأكيدا، كما يقال: أخزى الله


(1) سورة 4 - النساء - آية 19 (2) مر هذا البيت كاملا في 1 / 36، 86 و 2 / 131 و 3 / 88 و 4 / 182 و 5 / 119 و 6 / 233 (3) تفسير الطبري 18 / 110 (4) سورة 4 - النساء - آية 55 (5) تفسير الطبري 16 / 4 (6) مجمع البيان 3 / 485 وبعده (ومنزل اللعن على ابليس). وهو في القرطبي 18 / 37 إديسا، ابليسا) (*)

[ 80 ]

الكاذب مني ومنك أي أخزى الله الكاذب منا. وقيل في " هذا " انها اشارة إلى احد شيئين: احدهما - هذا الذى قلته فراق بيني وبينك. والثاني - هذا الوقت فراق بيني وبينك. ثم قال له " سأنبئك " أي سأخبرك " بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا " ولم يخف عليك رؤيته، ثم بين واحدا واحدا، فقال " اما " السبب في خرقي " السفينة " انها " كانت لمساكين " أي للفقراء الذين لا شئ لهم يكفيهم، قد اسلمتهم قلة ذات أيديهم " يعملون في البحر " أي يعملون بها في البحر ويتعيشون بها " فاردت أن اعيبها " والسبب في ذلك انه " كان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا " فقيل إن الملك كان يأخذ السفينة الصحيحة، ولا يأخذها إذا كانت معيبة. وقد قرئ في الشواذ " يأخذ كل سفينة صحيحة غصبا " روى ذلك عن أبي، وابن مسعود. والوراء والخلف واحد، وهو نقيض جهة القدام على مقابلتها. وقال قتادة: وراءهم - ههنا - بمعنى أمامهم. ومنه قوله " من ورائهم جهنم " (1) و " من ورائهم برزخ " (2) وذلك جائز على الاتساع، لانها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين وراء الآخر قال لبيد: أليس ورائي ان تراخت منيتي * لزوم العصا تحنو عليها الاصابع (3) وقال آخر: ايرجوا بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا (4) وقال الفراء: يجوز ذلك في الزمان دون الاجسام، تقول: البرد والحر وراءنا


(1) سورة 45 الجاثية آية 9 (2) سورة 23 المؤمنون آية 101 (3) البيت في مجمع البيان 3 / 467 (4) قائله سوار بن المضرب. تفسير الطبري 16 / 2 وتفسير القرطبى 11 / 35، واكثر كتب النحو

[ 81 ]

ولا تقول: زيد وراءك. وقال الرماني وغيره: يجوز في الاجسام التي لا وجه لها كحجرين متقابلين كل واحد منهما وراء الآخر. وقرأ ابن عباس " وكان أمامهم ملك " وقال الزجاج (وراءهم) خلفهم، لانه كان رجوعهم عليه. ولم يعلموا به. ثم قال " وأما الغلام فكان ابواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا " وقيل: إن قوله " فخشينا " من قول الخضر. وقيل: انه من قول الله تعالى، ومعناه علمنا. وقيل: معنى خشينا كرهنا، فبين أن الوجه في قتله ما لابويه من المصلحة في ثبات الدين، لانه لو بقي حيا لارهقهما طغيانا وكفرا أي اوقعهما فيه، فيكون ذلك مفسدة، فأمر الله بقتله لذلك، كما لو أماته. وفى قراءة أبي " واما الغلام فكان كافرا وكان ابواه مؤمنين ". ثم قال " فأردنا أن يبدلهما " يعني أن يبدل الله لابويه خيرا من هذا الغلام (زكاة) يعنى صلاحا وطهارة (وأقرب رحما) أي ابر بوالديه من المقتول - في قول قتادة - يقال: رحمه رحمة ورحما. وقيل: الرحم والرحم القرابة قال الشاعر: ولم يعوج رحم من تعوجا (1) وقال آخر: وكيف بظلم جارية ومنها اللين والرحم (2) وقيل معناه وأقرب أن يرحما به. ثم أخبر الخضر عن الحال الجدار الذى اقامه وأعلم انه (كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما) فقال ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد: كانت صحف من علم. وقال الحسن: كان لوحا من ذهب مكتوب فيه الحكم. وقال قتادة وعكرمة: كان كنز مال. والكنز في اللغة هو


(1) تفسير الطبري 6 / 4 (2) تفسير القرطبى 11 / 37 (ج 7 م 11 من التبيان) (*)

[ 82 ]

كل مال مذخور من ذهب وفضة وغير ذلك. وقوله " وكان أبوهما صالحا " يعني أبا اليتيمين فأراد الله " أن يبلغا اشدهما " يعنى كما لهما من الاحتلام وقوة العقل " ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك " أي نعمة من ربك. ثم قال صاحب موسى: وما فعلت ذلك من قبل نفسي وأمري بل بأمر الله فعلت. ثم قال " ذلك " الذي قلته لك " تأويل ما لم تسطع عليه صبرا " وثقل عليك مشاهدته واستبشعته. وفي الآية دلالة على وجوب اللطف، لان مفهومه أنه تدبير من الله في عباده لم يكن يجوز خلافه، وقد عظم الله شأنه بما يفهم منه هذا المعنى. وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون صاحب موسى الخضر، لان خضرا كان من الانبياء الذين بعثهم الله من بني اسرائيل بعد موسى. قال: ولا يجوز ايضا أن يبقى الخضر إلى وقتنا هذا، كما يقوله من لا يدري، لانه لا نبي بعد نبينا، ولانه لو كان لعرفه الناس، ولم يخف مكانه. وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لانا لا نعلم أولا أن خضرا كان نبيا، ولو ثبت ذلك لم يمتنع أن يبقى إلى وقتنا هذا، لان تبقيته في مقدرر الله تعالى، ولا يؤدي إلى انه نبي بعد نبينا، لان نبوته كانت ثابتة قبل نبينا. وشرعه - إن كان شرعا خاصا - انه منسوخ بشرع نبينا. وإن كان يدعو إلى شرع موسى أو من تقدم من الانبياء، فان جميعه منسوخ بشرع نبينا صلى الله عليه وآله فلا يؤدي ذلك إلى ما قال. وقوله: لو كان باقيا لرؤي ولعرف غير صحيح، لانه لا يمتنع أن يكون بحيث لا يتعرف إلى احد، فهم وإن شاهدوه لا يعرفونه. وفى الناس من قال: إن موسى الذي صحب الخضر ليس هو موسى بن عمران

[ 83 ]

وانما هو بن ميشا، رجل من بني اسرائيل. والله اعلم بذلك. وروي عن جعفر بن محمد (ع) في قوله تعالى " وكان تحته كنز لهما " قال: سطران ونصف ولم يتم الثالث، وهي (عجبا للموقن بالرزق كيف يتعب وعجبا للموقن بالحساب كيف يغفل وعجبا للموقن بالموت كيف يفرح) وفى بعض الروايات زيادة على ذلك (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله) وذكر أنهما حفظا، لصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاح. وكان بينهما وبين الاب الذي حفظا به سبعة أباء، وكان سياحا. واستشهد على أن الخشية بمعنى العلم بقوله تعالى " إلا أن يخافا الا يقيما حدود الله " (1) وقوله " وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا " (2) أي علمت. واستشهد على أنه بمعنى الكراهية بقول الشاعر: يا فقعسي لم اكلته لمه * لو خافك الله عليه حرمه (3) قال قطرب يريد لو كره أن تأكله لحرمه عليك. قوله تعالى: (ويسئلونك عن ذي القرنين قل ساتلو عليكم منه ذكرا (84) إنا مكنا له في الارض وآتيناه من كل شئ سببا * فاتبع سببا (85) حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة ووجد عندها قوما (86) قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب


(1) سورة 2 البقرة آية 229 (2) سورة 4 النساء آية 124 (3) مر هذا الرجز في 2 / 245 من هذا الكتاب. (*)

[ 84 ]

وإما أن تتخذ فيهم حسنا (87) قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا (88) خمس آيات كوفي وحجازي وست بصري وشامي. عد اسماعيل والكوفيون والبصري والشامي " من كل شئ سببا آية وعد المدني الاخر والمكي والبصري والشامي عندها قوما " آية جعلوا (فاتبع سببا " بعض الآية الاولى ولم يعد أهل الكوفة " قوما " آخر آية بان جعلوا آخر الآية حسنا ". قرأ ابن عامر وأهل الكوفة " فأتبع " بقطع الهمزة، وفتحها، وتخفيف التاء وسكونها، فيهن الباقون " فاتبع " جعلوها ألف وصل وشددوا التاء، وفتحوها. وقرأ ابن عامر وأهل الكوفة إلا حفصا وابو جعفر " حامية " بالف وتخفيف الهمزة. الباقون " حمئة " بلا الف، مهموز. قال أبو علي النحوي (تبع) فعل يتعدى إلى مفعول واحد، فإذا نقلته بالهمزة يتعدى إلى معفولين. قال الله تعالى " واتبعناهم في هذه الدنيا لعنة " (1) وقال " واتبعوا في هذه الدنيا لعنة " (2) لما نبى الفعل للمفعولين قام أحد المفعولين مقام الفاعل. واما (اتبعوا) فافتلعوا، فتعدى إلى مفعول واحد، كما تعدى افعلوا إليه، مثل شويته واشتويته، وحفرته واحتفرته. وقوله " فاتبعوهم مشرقين " (3) تقديره فاتبعوهم جنودهم فحذف أحد المفعولين، كما حذف من قوله " لينذر بأسا شديدا من لدنه " (4) ومن قوله


(1) سورة 28 (القصص) آية 42 (2) سورة 11 (هود) آية 60 (3) سورة 26 (الشعراء) آية 61 (4) سورة 8 (الكهف) آية 2 (*)

[ 85 ]

" لا يكادون يفقهون قولا " (1) والمعنى لا يكادون يفقهون أحدا، ولينذر الناس بأسا شديدا، فمن قطع الهمزة فتقديره فاتبع أمره سببا أو اتبع ما هو عليه سببا (والسبب ههنا الطريق مثل السبيل. والسبب الحبل. والسبب القرابة). (2) وقال أبو عبيدة " في عين (حمئة " بالالف ذات حمأة. وقال أبو علي من قرأ حمئه بغير الف فهي فعله. ومن قرأ (حاميه) (3) فهي فاعلة من حميت فهي حامية، قال الحسن: يعني حارة. ويجوز فيمن قرأ (حامية) أن تكون فاعلة من الحمأة، فخفف الهمزة وقلبها ياء على قياس قول أبي الحسن. وإن خفف الهمزة على قول الخليل كانت بين بين. وقرأ ابن عباس " في عين حمئة " وقال هي ماء وطين. وتقول العرب: حمأت البئر إذا أخرجت منها الحمأة، واحمأتها إذا طرحت فيها الحمأة. وحمئت تحمأ ومعنى حمئة صار فيها الحمأه. فاما قولهم هذا حم لفلان، ففيه أربع لغات حمو وحمو وحماء وحم. وذكر اللحياني لغة خامسة وسادسة: الحمو مثل العفو، والحمأ مثل الخطأ. وكل قرابة من قبل الزوج، فهم الاحماء وكل قرابة من قبل النساء فهم الاختان والصهر يجمعهما، وأم الرجل ختنه وابوه ختنه وام الزوج حماة وأبوها حمو. وقال أبو الاسود الدؤلي شاهد لابي عمرو في عين حمئة: تجئ بملئها طورا وطورا * تجئ بحمأة وقليل ماء يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله يسألونك يا محمد عن ذي القرنين واخباره وسيرته، وكان السائل عن ذلك قوما من اليهود. وقيل كانوا قوما من مشركي العرب، فقل لهم يا محمد، سأتلوا عليكم " يعني سأقرأ عليكم من خبره ذكرا.


(1) سورة 18 (الكهف) آية 94 (2) سورة 18 (الكهف) آية 94 (2) هذه الجملة التى بين القوسين كانت متأخرة في المطبوعة عن هذا الموضع اسطر (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

[ 86 ]

ثم قال تعالى مخبرا له " انا مكنا له في الارض " أي بسطنا يده فيها وقويناه " وآتيناه من كل شئ سببا " ومعناه علما يتسبب به إلى ما يريده - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد والضحاك وابن جريج - و " قيل آتيناه من كل شئ سببا " يعني ما يتوصل به إلى مراده. ويقال للطريق إلى الشئ سبب وللحبل سبب وللباب سبب " فاتبع سببا " أي سببا من الاسباب التي أوتي. ومن قرأ بقطع الهمزة أراد فلحق سببا، يقال ما زلت أتبعه حتى اتبعته أي لحقته. وقوله " فاتبع سببا " قال مجاهد وقتادة والضحاك وابن زيد: معناه طرقا من المشرق والمغرب. وقيل معنى " وآتيناه من كل شئ سببا " ليسيعين به على الملوك وفتح الفتوح، وقتل الاعداء في الحروب " فاتبع سببا " أي طريقا إلى ما أريد منه. وقيل سمي (ذي القرنين) لانه كان في رأسه شبه القرنين. وقيل سمي بذلك لانه ضرب على جابي رأسه. وقيل: لانه كانت له ضفيرتان. وقيل لانه بلغ قرئي الشمس مطلعها ومغربها. وقيل: لانه بلغ قطري الارض من المشرق والمغرب. وقوله " حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة " أي في عين ماء ذات حمأة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وسعيد بن جبير - ومن قرأ " حامية " أراد حارة، في قول الحسن. وقرئ به في احدى الروايتين عن ابن عباس كقول ابي الاسود الدؤلي. تجئ بملئها طورا وطورا * تجئ بحمأة وقليل ماء وقال أبو علي الجبائي، والبلخي: المعنى وجدها كأنها تغرب في عين حمئة، وإن كانت تغيب وراءها. قال البلخي لان الشمس اكبر من الارض بكثير، وأنكر ذلك ابن الاخشاد. وقال: بل هي في الحقيقة تغيب في عين حمئة على ظاهر القرآن. وقوله " ووجدنا عندها قوما قلنا يا ذا القرنين اما أن تعذب واما ان تتخذ

[ 87 ]

فيهم حسنا " معناه إما أن تعذبهم بالقتل لاقامتهم على الشرك بالله " وإما ان تتخذ فيهم حسنا " بان تأسرهم فتعلمهم الهدى وتستنقذهم من العمى، فقال ذو القرنين - لما خيره الله في ذلك " اما من ظلم نفسه " بأن عصى الله وأشرك به " فسوف نعذبه " يعني بالقتل ويرد فيما بعد " إلى ربه فيعذبه، يوم القيامة " عذابا نكرا " أي عظيما منكرا تنكره النفس من جهة الطبع، وهو عذاب النار، وهو أشد من القتل في الدنيا. قوله تعالى: (وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى * وسنقول له من أمرنا يسرا (89) ثم أتبع سببا (90) حتى إذا بلغ مطلع الشمس وجدها تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا (91) كذلك وقد أحطنا بما لديه خبرا (92)) خمس آيات في الكوفي والبصري وأربع في المدنيين عدا " ثم اتبع سببا " آية. قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر " فله جزاء الحسنى " بالنصب والتنوين. الباقون بالرفع، والاضافة. فمن أضاف احتمل أن يكون أراد فله جزاء الطاعة، وهي الحسنى. ويحتمل أن يكون أراد فله الجنة وأضافه إلى الحسنى وهي الجنة، كما قال " وانه لحق اليقين " (1) ومن نون أراد فله الحسنى أي الجنة، لان الحسنى هي الجنة لا محاله. ونصبه يحتمل أمرين: أحدهما - ان يكون نصبا على المصدر في موضع الحال أي فلهم الجنة يجزون


(1) سورة 69 الحاقة) آية 51 (*)

[ 88 ]

بها جزاء. والثاني - قال قوم: هو نصب على التمييز وهو ضعيف، لان التمييز يقبح تقديمه كقولك تفقأزيد شحما، وتصبب عرقا، وله دن خلا، ولا يجوز له دن، وأما عرقا فما أحد اجازه إلا المازني. وشاهد الاضافة قوله " لهم جزاء الضعف " (1) والحسنى ههنا الجزاء. لما حكى الله تعالى ما قال ذو القرنين إن من ظلم نعذبه، وإن له عند الله عذابا نكرا، أخبر ان من صدق بالله ووحده وعمل الصالحات التي أمر الله بها " فله جزاء الحسنى وسنقول له من امرنا يسرا " اي قولا جميلا ثم قال " ثم اتبع سببا حتى إذا بلغ مطلع الشمس " أي الموضع الذي تطلع منه مما ليس وراءه أحد من الناس فوجد الشمس " تطلع على قوم لم نجعل لهم من دونها سترا " اي انه لم يكن بتلك الارض جبل ولا شجر، ولا بناء، لان أرضهم لم يكن يبنى عليها بناء، فكانوا إذا طلعت الشمس عليهم يغورون في المياه والاسراب، وإذا غربت تصرفوا في أمورهم - في قول الحسن وقتادة وابن جريج - وقال قتادة هي الزنج. وقوله " كذلك " معناه كذلك هم. ثم قال " وقد أحطنا بما لديه خبرا " أي كذلك علمناهم وعلمناه. ويحتمل أن يكون المراد كذلك، اتبع سببا " إلى مطلع الشمس، كما اتبعه إلى مغربها. وقوله " ثم اتبع سببا " يعني طريقا ومسلكا لجهاد الكفار. وقال الحسن ان ذا القرنين كان نبيا ملك مشارق الارض ومغاربها. وقال عبد الله بن عمر كان ذو القرنين والخضر نبيين وكذلك لقمان كان نبيا. قوله تعالى: (ثم أتبع سببا حتى إذا بلغ بين السدين وجد من دونهما


(1) سورة 34 (سبأ) آية 27 (*)

[ 89 ]

قوما لا يكادون يفقهون قولا (94) قالوا يا ذا القرنين إن ياجوج ومأجوج مفسدون في الارض فهل نجعل لك خرجا على أن تجعل بيننا وبينهم سدا (95) قال ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما (96)) أربع آيات. قرأ ابن كثير وابو عمرو وعاصم في رواية حفص " السدين " - بالفتح - الباقون بالضم. وقرأ أهل الكوفة إلا عاصما وحده " يفقهون " بضم الياء وكسر القاف. الباقون بفتح الياء والقاف. وقرأ عاصم وحده " يأجوج ومأجوج " بالهمز. الباقون بلا همز. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " خراجا " بالف. الباقون " خرجا " بغير الف. اخبر الله تعالى عن حال ذي القرنين أنه اتبع طريقا إلى جهاد الكفار إلى ان بلغ بين السدين ووصل إلى ما بينهما، وهما الجبلان اللذان جعل الردم بينهما - في قول ابن عباس وقتادة والضحاك. والسد وضع ما ينتفي به الخرق، يقال: سده يسده سدا فهو ساد، والشئ مسدود، وانسد انسدادا، ومنه سدد السهم، لانه سد عليه طرق الاضطراب. ومنه السداد الصواب، والسد الحاجز بينك وبين الشئ. قال الكسائي: الضم والفتح في السد بمعنى واحد. وقال أبو عبيدة وعكرمة: (السد) - بالضم - من فعل الله، وبالفتح من فعل الآدميين. وقوله " وجد من دونهما " يعني دون السدين " قوما لا يكادون يفقهون قولا " اي لا يفهمونه. ومن ضم الياء أراد لا يفهمون غيرهم، لاختلاف (ج 7 م 12 من التبيان)

[ 90 ]

لغتهم عن سائر اللغات، وانما قال " لا يكادون " لانهم فقهوا بعض الشئ عنهم، وإن كان بعد شدة، ولذلك حكي عنهم أنهم قالوا " إن ياجوج وماجوج مفسدون في الارض " والفقه فهم متضمن المعنى، والفهم للقول هو الذي يعلم به متضمن معناه يقال: فقه يفقه وفقه يفقه. وقوله " قالوا يا ذا القرنين إن ياجوج ومأجوج مفسدون في الارض " حكاية عما قال القوم الذين وجدهم ذو القرنين من دون السدين، فقالوا إن هؤلاء مفسدون في الارض أي في تخريب الديار، وقطع الطرق، وغير ذلك. " فهل نجعل لك خراجا " فمن قرأ بالالف، فانه أراد الغلة. ومن قرأ بلا ألف أراد الاجر " على أن تجعل بيننا وبينهم " يعني بيننا وبين يأجوج ومأجوج " سدا " قال لهم ذو القرنين " ما مكني فيه ربي خير " من الاجر الذي تعرضون علي " فاعينوني بقوة اجعل بينكم وبينهم ردما " فالردم أشد الحجاب - في قول ابن عباس -، يقال: ردم فلان موضع كذا يردمه ردما، وردم ثوبه ترديما إذا اكثر الرقاع فيه، ومنه قول عنترة: هل غادر الشعراء من متردم * أم هل عرفت الدار بعد توهم (1) اي هل تركوا من قول يؤلف تأليف الثوب المرقع. وقيل الردم السد المتراكب وقرأ ابن كثير " مكنني " بنونين. الباقون بنون واحدة مشددة. من شدد أدغم كراهية المثلين. ومن لم يدغم قال: لانها من كلمتين، لان النون الثانية للفاعل، والياء للمتكلم، وهو مفعول به. وقوله " اعينوني بقوة " أي برجال يبنون، و (الخرج) المصدر لما يجرج من


(1) ديوانه (دار بيروت) 15 وهو مطلع معلقته، وتفسير الطبري 16 / 17 والقرطبي 11 / 59 (*)

[ 91 ]

المال، والخراج الاسم لما يخرج عن الارض ونحوها. وترك الهمزة في (ياجوج وما جوج) هو الاختيار، لان الاسماء الاعجمية لا تهمز مثل (طالوت، وجالوت، وهاروت، وماروت). ومن همز قال: لانه ماخوذ من اجج الثار ومن الملح الاجاج، فيكون (مفعولا) منه في قول من جعله عربيا، وترك صرفه للتعريف والتأنيث، لانه اسم قبيلة ولو قال: لو كان عربيا لكان هذا اشقتاقه ولكنه أعجمي فلا يشتق لكان أصوب قال رؤبة: لو ان ياجوج وماجوج معا * وعاد عاد واستجاشوا تبعا (1) فترك الصرف في الشعر، كما هو في التنزيل، وجمع يأجوج يآجيج، مثل يعقوب ويعاقيب لذكر الحجل، وولد القبج السلك والانثى سلكة ومن جعل (ياجوج وماجوج) فاعولا جمعه يواجيج بالواو، مثل طاغوت وطواغيت. وهاروت وهواريت. واما مأجوج في قول من همز، ف‍ (مفعول) من أج، كما أن ياجوج (يفعول) منه. فالكلمتان على هذا من أصل واحد في الاشتقاق، ومن لم يهمز ياجوج، كان عنده (فاعول) من (يج) كما ان ماجوج (فاعول) من (مج) فالكلمتان على هذا من أصلين، وليسا في أصل واحد، كما كانا كذلك فيمن همزهما، وإن كانا من العحمي فهذه التقديرات لا تصح فيهما. وانما مثل بها على وجه التقدير على ما مضى. وقال الجبائي والبخلي وغيرهما: إن ياجوج وماجوج قبيلان من ولد آدم. وقال الجبائي: قيل: انهما من ولد يافث بن نوح، ومن نسلهم الاتراك. وقال سعيد ابن جبير: قوله " مفسدون في الارض " معناه يأكلون الناس. وقال قوم: معناه انهم سيفسدون، ذهب إليه قتادة.


(1) ديوانه 92 ومجاز القرآن 1 / 414 تفسير الطبري 16 / 12 والقرطبي 11 / 55 واللسان والتاج (اجج) (*)

[ 92 ]

قوله تعالى: (آتوني زبر الحديد حتى إذا ساوى بين الصدفين قال انفخوا حتى إذا جعله نارا قال آتوني أفرغ عليه قطرا (97) فما اسطاعوا أن يظهروه وما استطاعوا له نقبا (98) قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربى جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (99) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ " الصدفين " - بضم الصاد والدال - ابن كثير، وابو عمرو، وابن عامر، الباقون - بفتح الصاد والدال - إلا أبا بكر عن عاصم، فانه ضم الصاد وسكن الدال. وقرأ أهل الكوفة إلا حفصا " قال آتوني " قصرا. الباقون ممدودا. وقرأ حمزة وحده " فما اسطاعوا " مشددة الطاء بالادغام، وهو ضعيف - عند جميع النحويين - لان فيه جمعا بين ساكنين. حكى الله تعالى عن ذي القرنين أنه قال للقوم الذين شكوا إليه فساد ياجوج وماجوج في الارض وبذلوا له المال، فلم يقبله، وقال لهم اعينوني برجال واعطوني وجيئوا بزبر الحديد، لاعمل منه - في وجوه ياجوج وماجوج - الردم. والزبرة الجملة المجتمعة من الحديد والصفر ونحوهما، واصله الاجتماع، ومنه (الزبور) وزبرت الكتاب إذا كتبته، لانك جمعت حروفه. والحديد معروف حددته تحديدا إذا أرهتفه، ومنه حد الشئ نهايته. وقال ابن عباس ومجاهد: زبر الحديد قطع الحديد. وقال قتادة: فلق الحديد.

[ 93 ]

وقوله " حتى إذا ساوى بين الصدفين " تقديره انهم جاؤا بزبر الحديد وطرحوه حتى إذا ساوى بين الصدفين مما جعل بينهما أي وازى رؤسهما. والصدفان جبلان - في قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وابراهيم - وقيل: هما جبلان كل واحد منهما منعزل عن الآخر كأنه قد صدف عنه، وفيه ثلاث لغات - ضم الصاد والدال وفتحهما وتسكين الدال وضم الصاد - فال الراجز: قد أخذت ما بين عرض الصدفين * ناحيتيها وأعالي الركنين (1) وقال أبو عبيدة: الصدفان جانبا الجبل. وقوله " قال انفخوا " يعني قال ذو القرنين انفخوا النار على الحديد، والزبر فنفخوا " حتى إذا جعله نارا " أي مائعا مثل النار، قال لهم " آتوني " اي اعطوني. وقرئ بقطع الهمزة ووصلها، فمن قطع، فعلى ما قلناه، ومن وصل خفض وقصر، وقيل معناه جيؤني " افرغ عليه قطرا " نصب (قطرا) ب‍ (أفرغ) ولو نصبه ب‍ (آتوني) لقال أفرغه. والقطر النحاس في قول ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة - وأراد بذلك أن يلزمه. وقال أبو عبيدة: القطر الحديد المذاب وانشد: حساما كلون الملح صاف حديده * جرازا من اقطار الحديد المنعت (2) وقال قوم: هو الرصاص النقر، واصله القطر، وكل ذلك إذا أذيب قطر كما يقطر الماء. وقوله فما اسطاعوا أن يظهروه أي لم يقدروا أن يعلوه " وما استطاعوا له نقبا " من اسفله - في قول قتادة. وفي (استطاع) ثلاث لغات، استطاع يستطيع، واسطاع يسطيع، بحذف


(1) تفسير الطبري 16 / 8 (2) مجاز القرآن 1 / 415 وتفسير الطبري 16 / 19 (*)

[ 94 ]

التاء، واستاع يستيع بحذف الطاء، استثقلوا اجتماعهما من مخرج واحد. فأما اسطاع يسطيع، فهي من أطاع يطيع، جعلوا السين عوضا من ذهاب حركة العين. ثم " قال " ذو القرنين " هذا " الذي يسهل فعله من الردم بين الجبلين نعمة " من ربي " عليكم " فإذا جاء وعد ربي " لاهلاكه عند اشراط الساعة " جعله دكاء " أي مدكوكا مستويا بالارض، من قولهم: ناقة دكاء، لاسنام لها، بل هي مستوية السنام. ومن قرأ " دكا " منونا أراد دكه دكا، وهو مصدر. ومن قرأ بالمد أراد جعل الجبل أرضا دكاء منبسطة وجمعها دكاءات. وقال ابن مسعود: في حديث مرفوع إن ذلك يكون بعد قتل عيسى الدجال. وقيل إن هذا السد وراء بحر الروم بين جبلين هناك يلي مؤخرهما البحر المحيط. وقيل: إنه وراء در بند، وبحر خزران من ناحية (أرمينية وآذر بيجان) يمضي إليه. وقيل: ان مقدار ارتفاع السد مئتي ذرع وإنه من حديد يشبه الصمت وعرض الحائط نحو من خمسين ذراعا. وقوله " وكان وعد ربي حقا " معناه ما وعد الله بأنه يفعله، لابد من كونه، فانه حق لا يجوز ان يخلف وعده وروي ان رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اني رأيت سد يأجوج ومأجوج، فقال صلى الله عليه وآله فكيف رأيته قال رأيته كأنه رداء محبر، فقال له رسول لله صلى الله عليه وآله قد رأيته. قوله تعالى: (وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (100) وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (101) الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون

[ 95 ]

سمعا (102) ثلاث آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخبرا عن حال تلك الامم انهم تركوا أي بقوا ولم يخترموا، بل اديموا على الصفات التي يبقون بها " يومئذ يموج " بضعهم " في بعض " فلو اقتطعوا عنها لكان قد أخذوا عن تلك الاحوال، وبعض الشئ ما قطع منه، يقال: بعضته أي فرقته بأن قطعته ابعاضا، والبعض جزء من كل، فان شئت قلت البعض مقدار من الكل وإن شئت قلت: هو مقدار ينقص بأخذه من الجميع، و (الموج) اضطراب الماء بتراكب بعضه على بعض، والمعنى انهم يموجون في بناء السد، ويخوضون فيه متعجبين من السد. ومعنى " يومئذ " يوم انقضاء السد، فكانت حال هؤلاء كحال الماء الذي يتموج باضطراب أمواجه. والترك في الحقيقة لا يجوز على الله إلا أنه يتوسع فيه فيعبر به عن الاخلال بالشئ بالترك. وقوله " ونفخ في الصور " فالنفخ اخراج الريح من الجوف باعتماد، يقال نفخ ينفخ نفخا ومنه انتفخ إذا امتلا ريحا ومنه النفاخة التي ترتفع فوق الماء بالريح. والصور قال عبد الله بن عمر في حديث يرفعه: انه قرن ينفخ فيه، ومثله روي عن ابن عباس وأبي سعيد الخدري. وقيل انه ينفخ فيه ثلاث نفخات: الاولى - نفخة الفزع التي يفزع من في السماوات والارض. والثانية - نفخة الصعق. والثالثة - نفخة القيام لرب العالمين، وقال الحسن: الصور جمع صورة فيحيون بأن ينفخ في الصور الارواح، وهو قول أبي عبيدة: وقوله " فجمعناهم جمعا " يعني يوم القيامة يحشرهم الله أجمع " وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا " أي ابرزناها واظهرناها حتى يروها فإذا استبانت وظهرت

[ 96 ]

قيل اعرضت، ومنه قول عمرو: واعرضت اليمامة واشمخرت * كأسياف بايدي مصلتينا (1) وقوله " الذين كانت اعينهم في غطاء عن ذكري " شبه الله أعين الكفار الذين لم ينظروا في أدلة الله وتوحيده ولم يعرفوا الله، بأنها كانت في غطاء. ومعناه كأنها في غطاء، " وكانوا لا يستطيعون سمعا " معناه إنه كان يثقل عليهم الاستماع. وقال البلخي: يجوز أن يكون المراد إنهم لا يسمعون، كما قال تعالى " هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة " (2) وانما أراد بذلك هل يفعل أم لا ؟ لانهم كانوا مقرين بأن الله قادر، لانهم كانوا مقرين بعيسى (ع). قوله تعالى: (أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (103) قل هل ننبئكم بالاخسرين أعمالا (104) الذين ضل سعيهم في الحيوة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (105) ثلاث آيات في الكوفي والبصري وشامي، تمام الثانية قوله " اعمالا " وآيتان في المدنيين. قرأ الاعشى ويحيى بن يعمر إلا النقار " افحسب " بتسكين السين وضم الباء، وهي قراءة علي (ع) الباقون بكسر السين وفتح الباء. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " افحسب الذين كفروا " بتوحيد الله وجحدوا


(1) تفسير الطبري 16 / 22 (2) سورة 5 (المائدة) آية 115 (*)

[ 97 ]

ربوبيته " أن يتخذوا عبادي من دونه أولياء " أي انصارا يمنعونهم من عقابي لهم على كفرهم، وقد أعددت " جهنم للكافرين نزلا " أي مأوى ومنزلا - في قول الزجاج وغيره - وقال قوم: النزل الطعام جعل الله لهم طعاما والنزل الربع. ومن ضم الباء من " أحسب " معناه حسبهم على اتخاذهم عباد الله من دونه أولياء أن جعل لهم جهنم نزلا ومأوى. وقيل بل هم لهم اعداء يعني، الذين عبدوا المسيح والملائكة " ثم أمر نبيه (ع) أن يقول " لهم هل ننبئكم بالاخسرين " أي نخبركم بالاخسرين " أعمالا " وهم " الذين يحسبون انهم يحسنون صنعا " وإن افعالهم طاعة وقربة وقيل انهم اليهود والنصارى، وقيل الرهبان منهم. وروى عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: هم أهل حروراء من الخوارج وسأله ابن الكوا عن ذلك، فقال (ع): انت واصحابك منهم وهم " الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا " أي جاز عنهم وهلك، وهم مع ذلك " يحسبون " أي يظنون أنهم يفعلون الافعال الجميلة والحسبان هو الظن وهو ضد العلم. وفى الآية دلالة على أن المعارف ليست ضرورية، لانهم لو عرفوا الله تعالى ضرورة لما حسبوا غير ذلك، لان الضروريات لا يشك فيها. وقوله " الاخسرين اعمالا " نصب على التمييز. ومن قرأ " أفحسب " بضم البا. وسكون السين كما عنده " أن يتخذوا " في موضع رفع، ومن جعلها فعلا ماضيا جعل (أن) في موضع نصب بوقوع حسب عليه. قوله تعالى: (أولئك الذين كفروا بايات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم (ج 7 م 13 من التبيان)

[ 98 ]

فلا نقيم لهم يوم القيمة وزنا (106) ذلك جزاؤهم جهنم بما كفروا واتخذوا آياتي ورسلي هزوا (107) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (108) ثلاث آيات بلا خلاف. اخبر الله تعالى عن الكفار الذين تقدم وصفهم بأنهم الذين جحدوا أدلة ربهم وأنكروا " لقاءه " أي لقاء ثوابه وعقابه في الآخرة من حيث انكروا البعث والنشور بأنهم " قد حبطت اعمالهم " لانهم أوقعوها على غير الوجه الذي أمرهم الله به " فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا " وصفهم الله بأنهم لا وزن لهم، كما يقال في التحقير للشئ: هذا لا شئ من حيث أنه لا يعتد به. ويقال للجاهل لا وزن له لخفته وسرعة طيشه وقلة تثبته فيما ينبغي أن يتثبت فيه. وقال قوم: معناه لا نقيم لهم وزنا لطاعتهم، لانهم أحبطوها. وقال البلخي: معناه إن اعمالهم لا يستقيم وزنها لفسادها. ثم قال: وانما كان " ذلك " كذلك، لان جهنم " جزاؤهم بما كفروا " أي جحدوا الله واتخذوا آياته ورسله هزوا أي سخرية، يقال هزئ يهزء هزوا، فهو هازئ. ثم أخبر عن حال الذين صدقوا النبي وآمنوا بالله وعملوا الصالحات إن " لهم جنات الفردوس نزلا " أي مأوى. والفردوس البستان الذي يجمع الزهر والثمر وسائر ما يمتع ويلذ، وقال كعب: هو البستان الذي فيه الاعناب. وقال مجاهد: الفردوس البستان بالرومية. وقال قتادة: هو أطيب موضع في الجنة. وروي انه أعلى الجنة وأحسنها في خبر مرفوع. وقال الزجاج: الفردوس البستان الذي يجمع محاسن كل بستان.

[ 99 ]

وقوله " نزلا " أي مأوى وقيل نزلا أي ذات نزول. وحكى الزجاج أن الفردوس الاودية التي تنبت ضروبا من النبت. والنزل - بضم النون والزاي - من النزول والنزل بفتحهما الربع. قوله تعالى: (خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (109) قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (110) قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (111) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفه إلا عاصما " قبل أن ينفد " بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ بالتاء، فالتأنيث الكلمات، ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث ليس بحقيقي. وقد مضى نظائر ذلك. اخبر الله تعالى عن أحوال المؤمنين الذين وصفهم بالاعمال الصالحة وأن لهم جنات الفردوس جزاء على أعمالهم بانهم خالدون في تلك الجنات. ونصب " خالدين " على الحال. وقوله " لا يبغون عنها حولا " أي لا يطلبون عنها التحول والانتقال إلى مكان غيرها. وقال مجاهد: الحول التحول أي لا يبغون متحولا. وقد يكون معناه التحول من حال إلى حال، ويقال حال عن مكانه حولا مثل صغر صغر أو كبر كبرا. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لجميع المكلفين: قل لو كان ماء البحر مدادا في

[ 100 ]

الكثرة لكتابة كلمات الله لنفد ماء البحر ولم تنفد كلمات الله بالحكم، والبحر مستقر الماء الكثير الواسع الذي لا يرى جانباه من وسطه وجمعه أبحر وبحار وبحور، والمداد هو الجائي شيئا بعد شئ على اتصال. والمداد الذي يكتب به. والمدد المصدر. وهو مجئ شئ بعد شئ. وقال مجاهد: هو مداد العلم. والكلمة الواحدة من الكلام، ولذلك يقال للقصيدة: كلمة، لانها قطعة واحدة من الكلام، والصفة المفردة: كلمة. و (مددا) نصب على التمييز، وهذا مبالغة لوصف ما يقدر الله تعالى عليه من الكلام والحكم. ثم قال قل لهم " انما انا بشر مثلكم " لست بملك. آكل واشرب " يوحى إلي انما الهكم إله واحد " أي يوحى الي بأن معبودكم الذي يحق له العبادة واحد " فمن كان " منكم " يرجو لقاء ربه " لقاء ثوابه أو عقابه ويرجو معناه يأمل. وقيل معناه يخاف " فليعمل عملا صالحا " أي طاعة يتقرب بها إليه " ولا يشرك بعبادة " الله أحدا غيره: من ملك ولا بشر ولا حجر، ولا مدر ولا شجر، فتعالى الله عن ذلك علو كبيرا. وقال سعيد بن جبير معنى " لا يشرك بعبادة ربه أحدا " أي لا يرائي بعبادة الله غيره. وقال الحسن: لا يعبد معه غيره. وقيل إن هذه الآية آخر ما نزل من القرآن. وقال ابن جريج قال حي بن اخطب: تزعم يا محمد إنا لم نؤت من العلم إلا قليلا، وتقول ومن يؤتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا، فكيف يجتمعان، فنزل قوله تعالى " قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي " ونزل " ولو أن ما في الارض من شجرة اقلام... " (1) الآية.


(1) سورة 31 (القمان) آية 27 (*)

[ 101 ]

19 - سورة مريم هي مكية في قول قتادة ومجاهد وهي ثمان وتسعون آية في المدني الاول والكوفي والبصري والشامي. وتسع وتسعون في المكي والمدني الاخير وفى عدد إسماعيل. بسم الله الرحمن الرحيم (كهيعص * ذكر رحمت ربك عبده زكريا (1) إذ نادى ربه نداء خفيا (2)) ثلاث آيات في الكوفي خاصة عدوا " كهيعص " آية. وآيتان في الباقي. قرأ أبو عمرو " كهيعص " بامالة الهاء وفتح الياء، وقرأ ابن عامر إلا الداجوني عن هشام وحمزة إلا العبسي وخلف في اختياره بفتح الهاء، وامالة الياء. وقرأ الكسائي ويحيى والعليمي والعبسي بامالة الهاء والياء. الباقون بفتحهما، وهم أهل الحجاز والداجوني عن هشام وعاصم إلا يحيى والعليمي ويعقوب وابو جعفر بقطع الحروف على أصله ويظهر الدال من هجاء (صاد) عند ذلك. وكذلك أهل الحجاز وعاصم

[ 102 ]

ويعقوب. قال أبو علي امالة هذه الحروف سائغه، لانها ليست بحروف معنى وانما هي اسماء لهذه الاصوات. وقال سيبوبه: قالوا (با، يا) لانها اسماء ما يتهجأ به. فلما كانت اسماء غير حروف جازت فيها الامالة كما جازت في الاسماء، ويدلك على انها اسماء انك إذا اخبرت عنها أعربتها (وإن كنت لا تعربها اسماء قبل ذلك) (1) فكما أن اسماء العدد قبل أن تعربها اسماء كذلك هذه الحروف. وإذا كانت اسماء ساغت فيها الامالة. فاما من لم يمل فعلى مذهب أهل الحجاز، وكلهم أخفى (نون، عين) إلا حفصا عن عاصم فانه بينها. وقال أبو عثمان بيان النون مع حروف الفم لحن إلا أن هذه الحروف تجري على الوقف عليها، والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان، وإن لا تخفى، فقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك اسماء العدد حكمها على الوقف، وعلى انها منفصلة عما بعدها. وقال أبو الحسن تبيين النون أجود في العربية، لان حروف العدد والهجاء منفصل بعضها عن بعض. وروي عن أبي عمرو واليزيدي - في رواية أبي عمرو - عنه كسر الهاء والياء. وقال قلت له لم كسرت الهاء ؟ قال: لئلا تلتبس بهاء التنبيه، فقلت لم كسرت اليا ؟. قال: لئلا تلتبس ب‍ (يا) التي للنداء إذا قلت: ها زيد ويا رجل. ومن أدغم الدال في الذل، فلقرب مخرجهما، ومن اظهر، فلانهما ليسا من جنس واحد. وليسا اختين. وقرأ الحسن بضم الهاء، حكى سيبويه أن في العرب من يقول في الصلاة بما ينحو نحو الصلوة الضم، وحكى (هايا) باشمام الضم. قال الزجاج من حكى ضم الياء، فهو شاذ لانه اجتمعت الرواة على ان الحسن ضم الهاء لاغير وقد بينا في أول سورة البقرة اخلاف العلماء في أوائل امثال هذه السور وشرحنا أقوالهم، وبينا أن أقوى ما قيل فيه انها اسماء السور، وهو قول الحسن وجماعة، وقيل ان كل حرف منها حرف من اسم من


(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

[ 103 ]

اسماء الله تعالى، فالكاف من كبير، والهاء من هاد، والعين من عالم، والصاد من صادق، والياء من حكيم. وروى ذلك عن علي (ع) وابن عباس وغيرهما. وروي عن علي (ع) انه دعا فقال اللهم سألتك يا كهيعص. وقوله " ذكر رحمة ربك عبده زكريا " رفع (ذكر) على أنه خبر للابتداء وتقديره هذا أو فيما يتلى عليكم " ذكر رحمة " أي نعمة ربك " عبده " منصوب ب‍ (رحمة). وقال الفراء الذكر مرفوع ب‍ (كهيعص) والمعنى ذكر ربك عبده برحمته، فهو تقديم وتأخير، ونصب " زكريا " لانه بدل من (عبده). " إذ نادى ربه نداء خفيا " أي حين دعا ربه دعاء خفيا أي سرا غير جهر، لا يريد به رياء، ذكره ابن جريج. واصل النداء مقصور من ندى الصوت بندى الحلق قوله تعالى: (قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (3) وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لي من لدنك وليا (4) يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا (5) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو والكسائي " يرثني " جزما على أنه جواب الامر. الباقون بالرفع على أنه صفة ل‍ (وليا). وفمن رفع قال " وليا " نكرة فجعل " يرثني " صلة له، كما تقول أعرني دابة اركبها، ولو كان الاسم معرفة، لكان الاختيار الجزم، كقوله " فذروها تأكل في أرض الله " (1) والنكرة كقوله " خذ من اموالهم صدقة


(1) سورة 7 (الاعراف) آية 72 وسورة 1 (هود) آية 64 (*)

[ 104 ]

تطهرهم " (1) وقال مجاهد: من جزم جاز ان يقف على " وليا ". ومن رفع لم يجز لانه صلة، ولان المفسرين قالوا: تقديره " هب لي " الذي " يرثني " أي وارثا فكل ذلك يقوي الرفع. حكى الله تعالى ما نادى به زكريا ودعى ربه به، وهو أن قال " رب " أي يا رب وأصله ربي، وانما حذف الياء تخفيفا وبقيت الكسرة تدل عليها " اني وهن العظم مني " أي ضعف، والوهن الضعف، وهو نقصان القوة، يقال وهن الرجل يهن وهنا إذا ضعف. ومنه قوله (لا تهنوا ولا تحزنوا وانتم الاعلون) (2) وإنما اضاف الوهن إلى العظم، لان العظم مع صلابته إذا كبر ضعف، وتناقص، فكيف باللحم والعصب. وقيل شكى البطش وهو قلة العطس وهو لا يكون إلا بالعظم. وقوله (واشتعل الرأس شيبا) معناه انتشر الشيب في الرأس، كما ينتشر شعاع النار، وهو من أحسن الاستعارات. والاشتعال انتشار شعاع النار، والشيب مخالطة الشعر الابيض للاسود في الرأس وغيره من البدن، وهو مثل الشائب الذي يخالط الشئ من غيره (ولم أكن بدعائك رب شقيا) تمام حكاية ما دعا به زكريا، وانه قال لم اكن يا رب بدعائي اياك شقيا أي كنت ادعوك وحدك واعترف بتوحيدك. وقيل معناه اني إذا دعوتك اجبتني، والدعاء طلب الفعل من المدعو، وفي مقابلته الاجابة، كما أن في مقابلة الامر الطاعة. ويحتمل نصب " شيبا " أمرين: احدهما - ان يكون نصبا على المصدر كأنه قال شاب شيبا. والثاني - التمييز كقولهم تصببت عرقا وامتلات ماء وقوله " واني خفت الموالي من وارئى " قال مجاهد وأبو صالح، والسدي: الموالي ههنا العصبة. وقيل خفت الموالي بني عمي على الدين، لانهم كانوا شرار بني اسرائيل، وانما قيل لبني العم


(1) سورة 9 (التوبة) آية 104 (2) سورة 3 (آل عمران) آية 139 (*)

[ 105 ]

موالي لانهم الذين يلونه في النسب بعد الصلب. وقيل معنى الموالي الاولياء ان يرثوا علمي دون من كل من نسلي وانشدوا في أن الموالي بنو العم قول الشاعر: مهلا نبي عمنا مهلا موالينا * لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا (1) والمولى المعتق، والمعتق، والمولى الناصر، والمولى الولي والمولى الاولى. وروي عن عثمان أنه قرأ " واني خفت الموالي " بفتح الخاء وتشديد الفاء. وقوله " وكانت امرأتي عاقرا " يعني لا تلد، ويقال للمرأة التي لا تلد: عاقر والرجل الذي لا يولد له: عاقر قال الشاعر: لبئس الفتى إن كنت اسود عاقرا * جبانا فما عذري لدى كل محضر (2) والعقر في البدن الجرح ومنه اخذ العاقر، لانه نقص أصل الخلقة إما بالجراحة، وإما بامتناع الولادة، ومنه العقار، لان فساده نقص لاصل المال. وقوله " يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا " والميراث تركة الميت ما كان يملكه لمن بعده من مستحقيه بحكم الله فيه، يقال: ورث يرث ارثا وميراثا توارثوا توارثا وورثه توريثا، وأورثه علما ومالا. و (الآل) خاصة الرجل الذين يؤل أمرهم إليه. وقد يرجع إليه أمرهم بالقرابة تارة وبالصحبة أخرى، وبالدين والموافقة، ومنه قيل (آل النبي) صلى الله عليه وآله. وقوله " يرثني ويرث من آل يعقوب " قال أبو صالح: معناه يرثني مالي، ويرث من آل يعقوب النبوة. وقال الحسن يرثني العلم والنبوة، وقال مجاهد يرث علمه. وقال


(1) قد مر تخريجه انظر 3 / 187 من هذا الكتاب. والبيت في تفسير الشوكاني 3 / 311 (2) قائله عامر بن الطفيل ديوانه 64 وتفسير الشوكاني 3 / 311 والقرطبي 11 / 78 وتفسير الطبري 16 / 32 وغيرها. (ج 7 م 14 من التبيان) (*)

[ 106 ]

السدي: يرث نبوته ونبوة آل يعقول، وكان آل يعقوب أخواله، وهو يعقوب ابن ماتان، وكان قيم الملك منهم، وكان زكريا من ولد هارون بن عمران أخي موسى ابن عمران. قال مقاتل: يعقوب بن ما ثان اخو عمران ابي مريم، وهما ابنا ما ثان. وقوله " واجعله رب رضيا " والجعل على اربعة اقسام: احدها - بمعنى الاحداث كقولهم جعل البناء أي احدثه. والثاني - احداث ما يتغير به كقولهم: جعل الطين خزفا أي احدث ما به يتغير الثالث - ان يحدث فيه حكما كقولهم: جعل فلان فلانا فاسقا أي بما أحدث فيه من حكمه وتسميته. الرابع - أن يحدث ما يدعوه إلى ان يفعل كقولهم: جعله يقتل زيدا اي بما أمره به ودعاه إلى قتله. ومعنى " واجعله رب رضيا " أي اجعل ذلك الولي الذي يرثني مرضيا عندك ممتثلا لامرك عاملا بطاعتك. وفي الآية دلالة على ان الانبياء يورثون المال بخلاف ما يقول من خالفنا انهم لا يورثون، لان زكريا صرح بدعائه وطلب من يرثه ويحجب نبي عمه وعصبته من الولد. وحقيقة الميراث انتقال ملك المورث إلى ورثته بعد موته بحكم الله. وحمل ذلك على العلم والنبوة على خلاف الظاهر، لان النبوة والعلم لا يورثان، لان النبوة تابعة للمصلحة لا مدخل للنسب فيها، والعلم موقوف على من يتعرض له ويتعلمه، على أن زكريا إنما سأل وليا من ولده يحجب مواليه من نبي عمه وعصبته من الميراث وذلك لا يليق إلا بالمال، لان النبوة والعلم لا يحجب الولد عنهما بحال، على أن اشتراطه ان يجعله (رضيا) لا يليق بالنبوة، لان النبي لا يكون إلا رضيا معصوما، فلا معنى لمسألته ذلك، وليس كذلك المال، لانه يرثه الرضي وغير الرضي. واستدل المخالف بهذه

[ 107 ]

الآية على أن البنت لا تحوز المال دون بني العم والعصبة، لان زكريا طلب وليا يمنع مواليه، ولم يطلب ولية. وهذا ليس بشئ، لان زكريا إنما طلب وليا، لان من طباع البشر الرغبة في الذكور دون الاناث من الاولاد، فلذلك طلب الذكر، على أنه قيل ان لفظ الولي يقع على الذكر والانثى، فلا نسلم أنه طلب الذكر بل يقتضي الظاهر أنه طلب ولدا سواء كان ذكرا أو انثى. والوراء الخلف والوراء القدام ممدود وكذلك الوراء ولد الولد ممدود. والورى مقصورا: داء في الجوف. والورى ايضا الخلق مقصور، وكلهم قرأ " ورائي " ممدودا ساكن الياء إلا ما رواه ابن مجاهد عن قنبل بفتح الياء مع المد، وروي عن شبل عن ابن كثير (وراي) مقصورا مثل هداي بغير همز، وفتح الياء. قال أبو علي لا أعلم أحدا من اهل اللغة حكى القصر في هذه اللفظة، ولعلها لغة جاءت، وقد جاء في الشعر قصر الممدود، وقياسه رد الشئ إلى أصله، واللام في هذه الكلمة همزة، وليس من باب الورى. وقال أبو عبيدة وغيره " من ورائي " يعني من قدامي، ومثله " وكان وراءهم ملك " (1) أي بين أيديهم. وحكي عن الثوري وراء الرجل خلفه وقدامه. وقوله " ومن ورائه عذاب " (2) أي قدامه. وقوله " واني خفت الموالي " فان الخوف لا يكون من الاعيان وإنما يكون من معان فيها، فقولهم خفت الله أي خفت عقابه، وخفت الموالي خفت تضييعهم مالي وانفاقه في معصية الله. قوله تعالى: (يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من


(1) سورة 18 (الكهف) آية 80 (2) سورة 14 (ابراهيم) آية 17 (*)

[ 108 ]

قبل سميا (6) قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (7) قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (8) قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (9) أربع آيات بلا خلاف. قرأ حمزة " نبشرك " وفي آخرها (1) (لتبشر به) بالتخفيف فيهما الباقون بالتثقيل. وقرأ حمزة والكسائي (عتيا، وصليا، وبكيا، وجثيا) بكسر أوائلهن وافقهما حفص إلا في بكيا الباقون بضم اوائلهن. من كسر اوائل هذه الحروف فلمجاورة الياء. والاصل الضم، لانه جمع فاعل مثل جالس وجلوس، وكذلك صال وصلي، والاصل صلوى ويكون على وزن فعول، فانقلبت الواو ياء وادغمت الياء في الياء. والاصل في " عتيا " عتوا، لانه من عتا يعتو " وبكيا " من بكى يبكي، كما قال تعالى " وعتوا عتوا كبيرا " (2) وانما قيل " عتيا " ههنا بالياء، لانه جمع عات، وأصله عاتو فانقلبت الواو ياء، لانكسار ما قبلها فبنوا الجمع على الواحد في قلب الواو (ياء) لان الجمع أثقل من الواحد. وقوله " وعتوا عتوا " مصدر، والمصدر يجري مجرى الواحد حكما: وإن كان في اللفظ مشاركا للجمع، لانك تقول: قعد يقعد قعودا، وقوم قعود. وفى حرف أبي " وقد بلغت من الكبر عسيا " يقال للشيخ إذا كبر عسى يعسو، وعتا يعتو إذا يبس. وقرأ حمزة والكسائي " وقد خلقناك " على الجمع. الباقون - بالتاء - على التوحيد


(1) آخر هذه السورة آية 98 (2) سورة 25 (الفرقان) آية 21 (*)

[ 109 ]

فمن قرأ بالنون فلقوله " وحنانا من لدنا " ومن قرأ بالتاء فلقوله " وهو علي هين " ولم يقل علينا، وهما سواء في المعنى. هذا حكاية ما قال الله تعالى لزكريا حين دعاه، فقال له " يا زكريا إنا نبشرك " والبشارة الاخبار بما بظاهر سروره في بشرة الوجه، يقال: بشره بشارة، وتبشيرا وأبشر بالامر ابشارا إذا استبشر به. وقوله " بغلام اسمه يحيى " فالغلام اسم للذكر أول ما يبلغ، وقيل: إنه منه اشتق اغتلم الرجل إذا اشتدت شهوته للجماع. وقيل اما سمي يحيى، لان الله تعالى أحياه بالايمان - في قول قتادة - وقوله (لم نجعل له من قبل سميا) قال ابن عباس: معناه لم تلد مثله العواقر ولدا. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلا. وقال ابن جريج وقتادة و عبد الرحمن بن زيد بن اسلم، والسدي: معناه لم يسم أحدا باسمه. وقيل انه لم يسم احدا من الانبياء باسمه قبله، فقال زكريا عند ذلك (انى يكون لي غلام) أي كيف يكون لي غلام (وامرأتي عاقر) لا يلد مثلها " وقد بلغت " أنا ايضا " من " السن و " الكبر عتيا " فالعتي والعسي واحد، يقال عتاعتوا وعتيا، وعسى يعسو عسيا وعسوا فهو عات وعاس بمعنى واحد، والعاسي هو الذي غيره طول الزمان إلى حال اليبس والجفاف. وقال قتادة: كان له بضع وسبعون سنة، فقال الله تعالى له " كذلك " هوان الامر على ما اخبرتك " قال ربك هو علي هين " أي ليس يشق علي خلق الولد من بين شيخ وعاقر لاني قادر على كل شئ وكيف يعسر علي ذلك " وقد خلقتك " يا زكريا " من قبل " ذلك " ولم تك شيئا " أي لم تكن موجودا ومن نفى ان يكون المعدوم شيئا استدل بذلك، فقال لو كان المعدوم شيئا لما نفى ان يكون شيئا قبل ذلك وحمل قوله " إن زلزلة الساعة شئ عظيم " (1) على المجاز، والمعنى انها إذا وجدت كانت


(1) سورة 22 (الحج) آية 1 (*)

[ 110 ]

شيئا عظيما، ومن قال: المعدوم شئ قال: اراد ولم يكن شيئا موجودا. ولم يكن قول زكريا " انى يكون لي ولد " على وجه الانكار بل كان ذلك على وجه التعجب من عظم قدرة الله. وقيل: انه قال ذلك مستخبرا، وتقديره ابتلك الحال أو بقلبه إلى حال الشباب، ذكره الحسن، فقال زكريا يا عند ذلك يا " رب اجعل لي آية " أي دلالة وعلامة استدل بها على وقت كونه، فقال الله تعالى له " آيتك " أي علامتك على ذلك " ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا " فقال ابن عباس اعتقل لسانه من غير مرض ثلاثة ايام. وقال قتادة والسدى وابن زيد اعتقل لسانه من غير خرس. وفي زكريا ثلاث لغات (زكرياء) ممدود (وزكريا) مقصور و (زكرى) مشدد. (وقرئ بالمقصور والمدور دون اللغة الثالثة) (1) قوله تعالى: (فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (10) يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (11) وحنانا من لدنا وزكوة وكان تقيا (12) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (13) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (14) خمس آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى ان زكريا " خرج على قومه من المحراب " وهو الموضع الذي يتوجه إليه للصلاة. وقال ابن زيد محرابه مصلاه. والاصل فيه مجلس الاشراف الذي


(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

[ 111 ]

يحارب دونه ذبا عن أهله " فأوحى إليهم " قيل: معناه اشار الهيم وأومأ بيده يقال: أوحى يوحي ايحاء ووحى يحي ويحا مثل أومى يومي ايماء، وومى يمي وميا. والايحاء إلقاء المعنى إلى النفس في خفى بسرعة من الامر. واصله السرعة من قولهم: الوحي الوحا أي الاسراع. وقيل: كتب لهم على الارض، والوحي الكتابة. وقوله " ان سبحوا بكرة وعشيا " أي اوحى إليهم بأن سبحوا، ومعناه صلوا بكرة وعشيا - في قول الحسن وقتادة - وقيل للصلاة تسبيح، لما فيها من الدعاء والتسبيح، ويقال: فرغت من سبحتي أي صلاتي. وقوله " يا يحيى خذ الكتاب " يعني التوارة التي انزلتها على موسى " بقوة " أي بجد " وآتيناه الحكم صبيا " معناه أعطيناه الفهم لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة. وروي عن معمر: أن الصبيان، قالوا ليحيى أذهب بنا نلعب، فقال ما للعب خلقت. فانزل الله " وآتيناه الحكم صبيا ". وقوله " وحنانا من لدنا " معناه وآتيناه رحمة من عندنا - في قول ابن عباس وقتادة والحسن - وقال الفراء: فعلنا ذلك رحمة لابويه " وزكوة " أي وصلاحا. وقال الضحاك رحمة منا لا يملك إعطاء ها احد غيرنا. وقال مجاهد: معناه تعطفا. وقال عكرمة: معناه محبة. واصل الحنان الرحمة، يقال: حنانك وحنانيك قال أمروء القيس: ويمنعها بنو شمجى بن جرم * معيزهم حنانك ذا الحنان (1) وقال الآخر: فقالت حنان ما أتى بك ههنا * أذو نسب ام انت بالحي عارف (2) أي امرنا حنان، وتحنن علينا تحننا أي تعطف قال الشاعر:


(1) ديوانه 216 (2) تفسير القرطبي 11 / 87 والطبري 16 / 32 (*)

[ 112 ]

تحنن علي هداك المليك * فان لكل مقام مقالا (1) وحننت عليه أحن حنينا، وحنانا، وحنت على الرجل إمراته. وقال أبو عبيدة معمر ابن المثنى أكثر ما يستعمل بلفظة التثنية، قال طرفة: أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا * حنانيك بعض الشر أهون من بعض (2) وقوله " وزكاة " أي وعملا صالحا زكيا - في قول قتادة والضحاك وابن جريج - وقال الحسن معناه: وزكاة لمن قبل عنه حتى يكونوا أزكياء. وقال الجبائي: معناه آتيناه تحننا على العباد ورقة قلب عليهم ليحرص على دعائهم إلى طاعة ربهم " وزكاة " أي إنا زكيناه بحسن الثناء عليه، كما يزكي الشهود الانسان (وكان تقيا) أي يتقي معاصي الله وترك طاعته (وبرا بوالديه) أي كان بارا محسنا إلى والديه، (ولم يكن جبارا) متكبرا (عصيا) فعيل بمعنى فاعل، ثم قال تعالى " وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا) في يوم القيامة، ومعناه ان رحمة الله وسلامه اللذين هما تفضل من الله، هما على يحيى يوم ولد، وإن رحمة الله وسلامه اللذين هما حزاء لا عماله الصالحة، هما عليه يوم يموت ويوم يبعث حيا، في الآخرة. قال قوم معناه: أمان الله له وسلامه يوم ولد من عبث الشيطان له واغوائه اياه، ويوم يموت من عذاب القبر وهول المطلع، ويوم يبعث حيا من عذاب النار واهوال المحشر. قوله تعالى: (واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا


(1) قائله الحطيئة تفسير الشوكاني 3 / 311 وتفسير الطبري 16 / 38 والقرطبي 11 / 87 (2) ديوانه (دار بيروت) 66 وتفسير الطبري 16 / 38 والقرطبى 11 / 87. (*)

[ 113 ]

شرقيا (15) فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا (16) قالت إني أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقيا (17) قال إنما أنا رسول ربك لاهب لك غلاما زكيا (18) قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (19)) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وقالون عنه (ليهب لك) بالياء (ربك غلاما) الباقون (لاهب) بالهمزة على الحكاية، وتقديره قال ربك لاهب لك. وقال الحسن: معناه لاهب لك باذن الله (غلاما زكيا) أي صار بالبشارة كأنه وهب لها. وضعف أبو عبيدة قراءة أبي عمرو، لانها خلاف المصحف. قال ابن خالوية: حجة ابي عمرو أن حروف المد واللين وذوات الهمز يحول بعضها إلى بعض، كما قرئ (ليلا) بالياء - والاصل الهمزة: (لئلا) قال أبو علي النحوي: من قرأ - بالياء - يجوز أن يكون أراد الهمزة، وانما قلبها ياء على مذهب ابي الحسن أو جعلها بين بين قول الخليل. وفى قراءة أبي وابن مسعود (ليهب) بالياء، وهو الاجود، ومعنى " زكيا " ناميا على الخير والبركة يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " اذكر في الكتاب مريم " والذكر إدراك النفس للمعنى بحضوره في القلب، والاذكار احضار النفس المعنى، وقد يكون الذكر قولا يحضر المعنى للنفس، والمراد بالكتاب - ههنا - القرآن وإنما سمي كتابا، لانه مما يكتب. (ج 7 م 15 من التبيان)

[ 114 ]

وقوله " إذ انتبذت من اهلها " فالانتباذ اتخاذ الشئ بالقاء غيره عنه، والاصل الالقاء من قولهم: نبذه وراء ظهره أي القاه، وفي هذا الطعام نبذ من شعير اي مقدار كف منه، والنبذ الطرح. وقال قتادة: معنى انتبذت انفردت. وقيل: معناه اتخذت مكانا تنفرد فيه بالعبادة. وقيل معناه تباعدت. وقوله " مكانا شرقيا " يعني الموضع الذي في جهة الشرق، قال جرير: هبت جنوبا فذكرى ما ذكرت لكم * عند الصفاة التي شرقي حورانا (1) وقال السدي: معنى " فاتخذت من دونهم حجابا " أي حجابا من الجدران. قال ابن عباس: انما جعلت النصارى قبلتهم إلى المشرق، لان مريم اتخذت من جهة المشرق موضع صلاتها. وقال ابن عباس: معنى " من دونهم حجابا " أي من الشمس جعله الله لها ساترا. وقوله " فارسلنا إليها روحنا " قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي، وابن جريج، ووهب بن منية: يعني جبرائيل (ع) وسماه الله (روحا) لانه روحاني لا يشبه شيئا من غير الروح. وخص بهذه الصفة تشريفا له. وقيل لانه تحيا به الارواح بما يؤديه إليهم من أمر الاديان والشرائع. وقوله " فتمثل لها بشرا سويا " أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر " سويا " أي معتدلا، فلما رأته مريم، " قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا " تخاف عقوبة الله. فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا ؟ والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه، وانما يتعوذ من غير التقي ! ! قيل المعنى في ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط


(1) ديوانه (دار بيروت) 493 وروايته (ذكرتكم) بدل (ذكرت لكم) (*)

[ 115 ]

الله، ففي ذلك تخويف وترهيب، كما يقول القائل: إن كنت مؤمنا، فلا تظلمنى، وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا، فلما سمع جبرائيل منها هذا القول، قال لها: " انما أنا رسول ربك " ارسلني الله لابشرك بأنه يهب " لك غلاما " ذكرا " زكيا " طاهرا من الذنوب. وقيل: ناميا في أفعال الخير. فقالت مريم عند ذلك متعجبة من هذا القول: " أنى يكون لي غلام " أي كيف يكون ذلك " ولم يمسسني بشر " بالجماع على وجه الزوجية " ولم أك بغيا " أي لم أكن زانية - في قول السدى وغيره -. و (البغي) التي تطلب الزنا، لان معنى تبغيه تطلبه، و " لم اك " اصلها لم اكن لانه من (كان، يكون) وإنما حذفت النون، لاستخفافها على ألسنتهم، ولكثرة استعمالهم لها، كما حذفوا الالف في (لم أبل) واصله (لم أبالي) لانه من المبالاة وكقولهم: (لا أدر) وقولهم: (أيش) واصله أي شئ، ومثله: لا أب لشانئك واصله لا أبا لشانئك، ومثله كثير. قوله تعالى: (قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (20) فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (21) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (22) فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (33) وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (24)) خمس آيات بلا خلاف. قرأ حمزة وحفص عن عاصم " نسيا " بفتح النون. الباقون بكسرها، وهما

[ 116 ]

لغتان. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص " من تحتها " على أن (من) حرف جر. الباقون " من تحتها " يعني الذي تحتها قال أبو علي النحوي: ليس المراد بقوله " من تحتها " الجهة السفلى، وانما المراد من دونها، بدلالة قوله " قد جعل ربك تحتك سريا " ولم يكن النهر محاذيا لهذه الجهة، وإنما المعنى جعل دونك. وقرأ " تساقط " - بالتاء وضمها، وكسر القاف مخففه السين - حفص عن عاصم. وقرأ حمزة " تساقط " بفتح التاء وتخفيف السين. الباقون، وهم ابن كثير ونافع وابو عمرو وابن عامر والكسائي وابو بكر عن عاصم، بفتح التاء وتشديد السين وفتح القاف. وقرأ يعقوب والعليمي ونصير - بياء مفتوحة، وتشديد السين وفتح القاف - وكلهم جزم الطاء. حكى الله تعالى ما قال لها جبرائيل حين سمع تعجبها من هذه البشارة " قال كذلك " يعني الله تعالى قال ذلك " قال ربك هو علي هين " أي سهل متأت لا يشق علي ذلك " ولنجعله آية للناس " أي نجعل خلقه من غير ذكر آية باهرة، وعلامة ظاهرة للناس " ورحمة منا " أي ونجعله نعمة من عندنا " وكان أمرا مقضيا أي وكان خلق عيسى من غير ذكر أمرا قضاه الله وقدره وحتم كونه أي هو المحكوم بأنه يكون، وما قضاه الله بأنه كائن، فلابد من كونه. وقوله (فحملته) يعني حملت عيسى في بطنها، والحمل رفع الشئ من كانه، وقد يكون رفع الانسان في مجلسه، فيخرج عن حد الحمل. ويقال له (حمل) بكسر الحاء لما يكون على الظهر، وبالفتح لما يكون في البطن (فانتبذت به مكانا قصيا) أي انفردت به مكانا بعيدا، ومعناه قاصيا، وهو خلاف الداني. قال الزاجز: لتقعدن مقعد القصي * مني كذي القاذورة المقلي (1)


(1) تفسير الطبري 16 / 42 (*)

[ 117 ]

يقال قصا المكان يقصوه قصوا إذا تباعد، واقصيت الشئ إذا أبعدته، واخرته اقصاء. وقوله " فأجاءها المخاض " أي جاء بها المخاض وهو مما يعدى تارة بالباء وأخرى بالالف. مثل ذهبت به وأذهبته وآتيتك بعمرو وآتيتك عمرا. وخرجت به وأخرجته قال زهير: وجار سار معتمدا اليكم * أجاءته المخافة والرجاء (1) أي جاءت به. قال الكسائي تميم تقول: ما أجاءك إلى هذا وما أشاء بك إليه. أي صيرك تشاء. ومن أمثالهم (شر أجاءك إلى مخة عرقوب) وتميم تقول: شر أشاءك إلى مخة عرقوب. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: معنى " فأجاءها " الجأها. وقال السدي: إنها قالت في حال الطلق " يا ليتني مت قبل هذا " استحياء من الناس " وكنت نسيا منسيا " فالنسي الشئ المتروك حتى ينسى - بالفتح والكسر - مثل الوتر والوتر. وقيل النسي - بالفتح - المصدر، يقال: نسيت الشئ نسيا ونسيانا - وبالكسر - الاسم إذا كان لقي لا يؤبه به، وقيل النسي خرقة الحيض التي تلقيها المرأة، قال الشاعر: كأن لها في الارض نسيا تقصه * إذا ما غدت وإن تكالمك تبلت (2) أي نسيا تركته، ومعنى (تبلت) أي تقطع كلامها رويدا رويدا وتقف وتصدق. وقوله " فناداها من تحتها " قال ابن عباس والسدي والضحاك وقتادة: المنادي كان جبرائيل (ع). وقال مجاهد والحسن ووهب بن منية، وسعيد بن جبير وابن زيد والجبائي: كان المنادي لها عيسى (ع).


(1) ديوانه (دار بيروت) 13 وتفسير الشوكاني 3 / 317 والطبري 16 / 42 والقرطبي 11 / 72 (2) الطبري 16 / 44 ومجمع البيان 3 / 509 (*)

[ 118 ]

وقوله " ألا تحزني " أي لا تغتمي " قد جعل ربك تحتك سريا " قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير: السري هو النهر الصغير. وقال قوم: هو النهر بالسريانية. وقال آخرون: هو بالنبطية. وقال ابراهيم والضحاك وقتادة: هو النهر الصغير بالعربية، مثل قول ابن عباس، وقال البراء بن عازب: هو الجدول وقال الحسن وابن زيد: السري عيسى (ع). وقيل للنهر (سري) لانه يسري بجريانه كما قيل جدول لشدة جريه. قال لبيد: فتوسطا عرض السري فصدعا * مسجورة متجاوز أقدامها (1) وقال آخر: سلم ترى الدالي منه ازورا * إذا يعج في السري هرهرا (2) وقوله " وهزي اليك بجذغ النخلة " معناه هزى النخلة اليك، ودخلت الباء تأكيدا، كما قال تعالى " تنبت بالدهن " (3) قال الشاعر: نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج (4) أي نرجو الفرج، وقال آخر: بواد يمان ينبت السدر صدره * وأسفله بالمرخ والشبهان (5) وفى رواية ينبت الشث حوله. وقوله (تساقط عليك) من شدد، أراد تتساقط فادغم احد التاءين في السين، ومن خفف حذف احد التاءين. ومن قرأ - بالياء -


(1) تفسير الطبري 16 / 47 والقرطبي 11 / 94 (2) تفسير القرطبي 11 / 94 وروايته (يعب) بدل (يعج) (3) سورة 23 المؤمنون آية 20 (4) قائله النابغة الجعدي تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة: 193 (5) تفسير الطبري 16 / 48 (*)

[ 119 ]

أسند الفعل إلى الجذع ومن قرأ - بالتاء - اسنده إلى النخلة. ومن قرأ تساقط أراد من المساقطة. وقرأ ابوحيويه (تسقط عليك). وروي عنه (يسقط) وهو شاذ والمعاني متقاربة. وقال أبو علي: من قرأ (تساقط) عدى (فاعل) كما عدى (يتفاعل) وهو مطاوع (فاعل) قال الشاعر: تطالعنا خيالات لسلمى * كما يتطالع الدين الغريم (1) وانشد أبو عبيدة: تخاطأت النبل أحشاءه * وأخريومي فلم أعجل (2) قال في موضع (اخطأت) كقوله (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) (3) ومعنى الآية يتواقع عليك رطبا جنيا. والجني المجني (فعيل) بمنى (مفعول) وهو المأخوذ من الثمرة الطرية، اجتناه اجتنا. إذا اقتطعه، قال ابن اخت جذيمة: هذا جناي وخياره فيه * إذ كل جان يده إلى فيه (4) وفي نصب (رطب) قولان: احدهما - قال المبرد: هو مفعول به، وتقديره هزى بجذع النخلة رطبا تساقط عليك. وقال غيره: هو نصب على التمييز والعامل فيه تساقط. وقال أبو علي: يجوز أن يكون نصبا على الحال، وتقديره تساقط عليك ثمر النخلة رطبا، فحذف المضاف الذي هو الثمرة، ونصب رطبا على الحال. وقيل: لم يكن للنخلة رأس وكان في الشتاء، فجعله الله تعالى آية، وانما تمنت الموت قبل تلك الحال التي قد علمت انها من قضاء الله لكراهتها أن يعصى الله بسببها


(1) البيت في مجمع البيان 3 / 507 (2) مر تخريجه في 6 / 472 من هذا الكتاب (3) سورة 4 النساء آية 3 (4) تفسير الطبري 16 / 49 (*)

[ 120 ]

إذا كان الناس يتسرعون إلى القول فيها بما يسخط الله. وقال قوم: انها قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة. وقال قوم: المعنى في ذلك اني لو خيرت قبل ذلك بين الفضيحة بالحمل والموت لاخترت الموت. واختلفوا في مدة حمل عيسى، فقال قوم: كان حمله ساعة ووضعت في الحال. وقال آخرون: حملت به ثمانية أشهر ولم يعش مولود لثمانية أشهر غيره (ع)، فكان ذلك آية له. وفي بعض الروايات أنه ولد لستة أشهر. وقوله " فاجاءها المخاض " يدل على طول مكث الحمل، فاما مقداره فلا دليل يقطع به. قوله تعالى: (فكلي واشربي وقري عينا قوما ترين من البشر أحدا (25) فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (26) فأتت به قومها تحمله قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا (27) يا أخت هرون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (28) فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا (29) قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (30)) خمس آيات بلا خلاف. لما قال جبرائيل لمريم " هزي اليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا " قال لها بعد ذلك " فكلي " من ذلك الرطب " واشربي " من السري " وقري

[ 121 ]

عينا " ونصبه على التمييز كقوله " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " (1) وقيل في معنا " قري عينا " قولان: احدهما - لتبرد عينك برد سرور بما ترى. الثاني - لتسكن سكون سرور برؤيتها ما تحب، يقال قررت به عينا أقر قرورا وهي لغة قريش. وأهل نجد يقولون: قررت به عينا - بفتح العين - اقر قرارا، كما يقولون قررت بالمكان - بالفتح. وقوله (فاما ترين من البشر أحدا فقولي اني نذرت للرحمن صوما) قال الجبائي: كان الله تعالى أمرها بأن تنذر الله تعالى الصمت، فإذا كلمها احد تومي بأنها نذرت صوما صمتا، لانه لا يجوز ان يأمرها بان تخبر بانها نذرت ولم تنذر، لان ذلك كذب. وقال انس بن مالك وابن عباس والضحاك: تريد بالصوم الصمت. وقال قتادة: يعني صمتا عن الطعام والشراب والكلام أي إمساكا. وانما أمرها بالصمت ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ ساحتها - في قول ابن مسعود وابن زيد ووهب ابن منية وقيل: من كان صام في ذلك الوقت لا يكلم الناس، فاذن لها في هذا المقدار من الكلام، في قول السدي. فان قيل كيف تكون نذرت الصمت وألا تكلم أحدا مع قولها واخبارها عن نفسها بانها نذرت وهل ذلك إلا تناقض ؟ قيل من قال: انه أذن لها في هذا القدر فحسب، يقول: انها نذرت لاتلكم بما زاد عليه. ومن قال: انها نذرت نذرا عاما، قال: أومت بذلك ولم تتلفظ به. وقيل: أمرها الله أن تشير إليهم بهذا المعنى، وانها ولدته بناحية بيت المقدس، وفى موضع يعرف ب‍ (بيت لحم).


(1) سورة 4 النساء آية 3 (ج 7 م 16 من التبيان) (*)

[ 122 ]

ثم اخبر الله تعالى عن حال مريم أنها اتت بعيسى إلى قومها تحمله، فلما رأوها قالوا لها " لقد جئت شيئا فريا " أي عملا عجيبا قال الراجز: قد اطعمتني دقلا حوليا * مسوسا مدودا حجريا قد كنت تفرين به الفريا (1) قال قتادة ومجاهد والسدي: معنى الفري العظيم من الامر. وقيل الفري القبيح من الافتراء، فقال لها قومها " يا اخت هارون " وقيل في هارون الذي نسبت إليه بالاخوة أربعة أقوال: فقال قتادة: وكعب وابن زيد والمغيرة بن شعبة يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وآله: انه كان رجلا صالحا في بني اسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح. وقال السدي: نسبت إلى هارون أخي موسى (ع) لانها كانت من ولده كما يقال يا أخا بني فلان. وقال قوم: كان رجلا فاسقا معلنا بالفسق، فنسبت إليه. وقال الضحاك: كان أخاها لابيها وأمها، وكان بنو إسرائيل يسمون أولادهم باسماء الانبياء كثيرا. وقوله " ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت امك بغيا " اي لم يكن أبواك إلا صالحين، ولم يكونا فاجرين، فكيف خالفتيهما " فاشارت إليه " اي أو مأت عند ذلك مريم إلى عيسى (ع) أن كلموه، واستشهدوه على براءة ساحتي " فقالوا " في جوابها " كيف نكلم من كان في المهد صبيا " قال قوم: دخلت (كان) ههنا زائدة ونصب (صبيا) على الحال. وانشد أبو عبيدة في زيادة (كان): إلى كناس كان مستعدة وقال آخر:


(1) تفسير الطبري 16 / 51 والقرطبي 11 / 100 (*)

[ 123 ]

فكيف إذا رأيت ديار قومي * وجيران لنا كانوا كرام (1) والمعنى وديار جيران كرام و (كانوا) فضلة، فلذلك لم تعمل. وقيل معنى (كان) صار وانشد لزهير: اجزت إليه حرة أرجية * وقد كان لون الليل مثل الارندج اي قد صار. وقال المبرد: معنى (كان) حدث. وقال الزجاج: معناه على الشرط، وتقديره من كان في المهد صبيا نكلمه على التقديم والتأخير. وقال قتادة: المهد حجر أمه، واصله ما وطئ للصبي. وقيل: انهم غضبوا عند اشارتها إلى ذلك وقالوا: لسخريتها بنا أشد علينا من زناها، فلما تكلم عيسى، قالوا: إن هذا الامر عظيم - ذكره السدي - فقال عيسى (ع) عند ذلك " اني عبد الله آتاني الكتاب " قال عكرمة: معناه فيما مضى " وجعلني نبيا " لان الله أكمل عقله وأرسله إلى عباده ولذلك كانت له تلك المعجزة - في قول الحسن وابي علي الجبائي - وقال قوم: معناه " اني عبد الله " سيؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا فيما بعد، وكان ذلك معجزة لمريم على براءة ساحتها على قول من أجاز اظهار المعجزات على يد غير الانبياء من الصالحين. وقال ابن الاخشاذ: كان ذلك إنذارا لنبوته. وقال الجبائي معنى " وجعلني نبيا " أي وجعلني رفيعا لان النبي هو الرفيع. قوله تعالى: (وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصيني بالصلوة والزكوة ما دمت حيا (31) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (32)


(1) قائله الفرزدق. ديوانه (دار بيروت) 2 / 290 وقد مر في 3 / 155 من هذا الكتاب. (*)

[ 124 ]

والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (33) ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (34) ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فانما يقول له كن فيكون) (35) خمس آيات بلا خلاف. قرأ الكسائي " آتاني، واوصاني " بالامالة. الباقون بالتفخيم، فمن أمال، فلان هذه الالف تنقلب ياء في (أوصيت) فأمال لمكان الياء. ومن لم يمل، فلمكان الالف. والامالة في (آتاني) احسن من الامالة في (أوصاني) لان في (أوصاني) حرفا مستعليا يمنع من الامالة، ومع ذلك، فهو جائز كصفي وطغي. وقرأ عاصم وابن عامر ويعقوب " قول الحق " بالنصب على المصدر. الباقون بالرفع على أنه خبر الابتداء. وتقديره ذلك الذي تلوناه من صفته " قول الحق " وقيل هو تابع ل‍ (عيسى) كأنه قيل كلمة الحق وروي عن عبد الله انه قرأ " قول الحاق " بمعنى قول الحق ومعناه يحق نحو العاب والعيب والذام والذيم. لما حكى الله تعالى عن عيسى أنه قال لقومه " اني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا " أخبر أنه قال " وجعلني مباركا " قال مجاهد: معناه معلما للخير اينما كنت. وقيل نفاعا، والبركة نماء الخير، والمبارك الذى ينمى الخير به. والتبرك طلب البركة بالشئ وأصله التبرك من البرك وهو ثبوت الطير على الماء. وقوله " واوصاني بالصلاة والزكاة " معناه أمرني بهما. والوصية التقدم في الامر الذى يكون بعدما وقت له، كتقدم الانسان في التدبير بعد خروجه، وكتقدمه في أموره بعد موته. والصلاة في أصل اللغة: الدعاء، وفي الشرع عبارة عن هذه العبادة

[ 125 ]

التي فيها الركوع والسجود. وقيل عبارة عن عبادة افتتاحها التكبير وخاتمتها التسليم. وقيل في معنى الزكاة - ههنا - قولان: احدهما - زكوة المال. والثاني - التطهير من الذنوب. " ما دمت حيا " أي أوصاني بذلك مدة حياتي " وبرا بوالدتي " أي واوصاني بأن اكون بارا بوالدتي أي محسنا إليها " ولم يجعلني جبارا " أي متجبرا، لم يحكم علي بالتجبر، والشقاء، ولم يسمني بذلك " والسلام علي " أي والرحمة من الله بالسلامة والنعمة بها علي " يوم ولدت ويوم أموت ويوم ابعث حيا ". وقوله " ذلك عيسى ابن مريم قول الحق أي الذى تلوناه من صفة عيسى " قول الحق " أي كلمة الحق " الذى فيه يمترون " أي يشكون فيه " ما كان لله أن يتخذ من ولد " اخبار منه تعالى بأنه لم يكن الله أن يتخذ من ولد على ما يقوله النصارى. ثم قال منزها لنفسه عن ذلك " سبحانه إذا قضى امرا فانما يقول له كن فيكون " أي يفعله لا يشق عليه بمنزلة ما يقال كن فيكون، وقد بينا فيما مضى وحكينا ما قال بعضهم إن قول (كن) عند خلق ما يريد خلقه ليعلم الملائكة أنه لا يتعذر عليه شئ يريد فعله. والسلام مصدر سلمت سلاما، ومعناه عموم العافية والسلامة. والسلام جمع سلامة. والسلام اسم من اسماء الله وسلام يبتدأ به في النكرة، لانه يكثر استعماله، تقول: سلام عليكم والسلام عليكم، وأسماء الاجناس يحسن الابتداء بها، لان فائدتها واحدة، ولما جرى ذكر (سلام) أعيد - ههنا - بالالف واللام ليرد على الاول. قوله تعالى: وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم (36)

[ 126 ]

فاختلف الاحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (37) أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (38) وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الامر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون (39) إنا نحن نرث الارض ومن عليها وإلينا يرجعون (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع ويعقوب إلا روحا " وأن الله " بفتح الهمزة الباقون بكسرها. من نصب الهمزة احتمل أربعة أوجه: احدها - إن المعنى وقضى الله " أن الله ربى وربكم " في قول ابى عمرو بن العلا والثاني - أنه معطوف على كلام عيسى، أي واوصاني " أن الله ربى وربكم " والثالث - قال الفراء: إنه معطوف على " ذلك عيسى بن مريم " وذلك " أن الله ". ويكون موضعه الرفع بأنه خبر المبتدأ. الرابع - ولان الله ربى وربكم فاعبدوه. والعامل فيه (فاعبدوه). ومن كسر (إن) استأنف الكلام. ويقوي الكسر انه روي ان أبيا قرأ " ان الله " بلا واو ويجوز ان يكون عطفا على قوله " قال انى عبد الله " وقوله " هذا صراط مستقيم " معناه عبادتكم لله وحده لا شريك له هو الصراط المستقيم الذى لا اعوجاج فيه. وقوله " فاختلف الاحزاب من بينهم " فالاختلاف في المذهب هو ان يعتقد كل قوم خلاف ما يعتقده الآخرون. والاحزاب جمع حزب. والحزب جمع المنقطع في رأيه عن غيره، يقال تحزب القوم إذا صاروا حزابا. وحزب عليهم

[ 127 ]

الاحزاب أي جمع. والمعنى في الآية اختلف الاحزاب من أهل الكتاب في عيسى (ع)، فقال قتادة ومجاهد قال قوم: هو الله وهم اليعقوبية. وقال آخرون: هو ابن الله وهم النسطورية. وقال قوم: هو ثالث ثلاثة وهم الاسرائيلية. وقال قوم: هو عبد الله وهم المسلمون. ثم قال تعالى " فويل للذين كفروا " بآيات الله، وجحدوا وحدانيته من حضور يوم عظيم يعني يوم القيامة. وقوله " اسمع بهم وابصر يوم يأتوننا " معناه ما أسمعهم وابصرهم على وجه التعجب، والمعنى انهم حلوا في ذلك محل من يتعجب منه، وفيه تهدد ووعيد أن سيسمعون ما يصدع قلوبهم ويردون ما يهيلهم. وقال الحسن وقتادة: المعنى لان كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق، فما اسمعهم به، وما أبصرهم به يوم القيامة " يوم يأتوننا " أي يوم يأتون المقام الذي لا يملك أحد فيه الامر والنهي غير الله. ثم قال تعالى " لكن الظالمون " انفسهم بارتكاب معاصيه وجحد آياته والكفر بأنبيائه " اليوم " يعني في دار الدنيا " في ضلال " عن الحق وعدول عنه " بعيد " من الصواب. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " وانذرهم " يا محمد أي خوفهم هول " يوم الحسرة " أي اليوم الذى يتحسر فيه الناس على ما فرطوا فيه من طاعة الله، وعلى ما ارتكبوا من معاصيه في الوقت الذى " قضي الامر " وحكم بين الخلائق بالعدل " وهم في غفلة " اليوم عما يفعل بهم من العقاب على معاصيهم، وهم لا يصدقون بما يقال لهم ويخبرون به. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال " انا نحن نرث الارض ومن عليها " أي يعود إلينا التصرف في الارض وفيمن عليها من العقلاء، وغيرهم، لا يبقى لاحد ملك " والينا يرجعون " أي يردون يوم القيامة إلى الموضع الذى لا يملك الامر والنهي غيرنا.

[ 128 ]

قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (41) إذ قال لابيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عليك شيئا (42) يا أبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (43) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (44) يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا) (45) خمس آيات في الكوفي والبصري، وست آيات في المدنيين عدوا " في الكتاب ابراهيم " آية. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يذكر ابراهيم في الكتاب الذى هو القرآن، وسماه كتابا، لانه مما يكتب. والمعنى اقصص عليهم أواتل عليهم. وكذلك فيما بعد. ثم قال " انه " يعنى ابراهيم " كان صديقا نبيا " والصديق هو الكثير التصديق بالحق حتى صار علما فيه. وكل نبي صديق لكثرة الحق الذى يصدق فيه مما هو علم فيه وامام يقتدى به، من توحيد الله وعدله، حين " قال لابيه يا أبت " والاصل يا ابتي، فحذف ياء الاضافة وبقيت كسرة التاء تدل عليها. وقيل ان التاء دخلت للمبالغة في تحقيق الاضافة، كما دخلت في (علامة، ونسابة) للمبالغة في الصفة. ومثله يا أمت. والوقف بالتاء لهذه العلة. واجاز الزجاج الوقف بالهاء. وقيل ان التاء عوض من ياء الاضافة. وقوله " لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا " من امور الدنيا

[ 129 ]

وإنما هو حجر منقور، أو صنم معمول " يا أبت إنى قد جاءني من العلم " بمعرفة الله وتوحيده ووجوب اخلاص العبادة له، وقبح الاشراك " ما لم يأتك فاتبعني " على ذلك واقتد بى " اهدك صراطا سويا " معتدلا غير جائر بك عن الحق إلى الضلال " يا ابت لا تعبد الشيطان ان الشيطان كان للرحمن عصيا " اي عاصيا (فعيل) بمعنى فاعل. " يا ابت اني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن " قال الفراء: أخاف بمعنى أعلم - ههنا - ومثله " فخشينا أن يرهقهما " (1) أي علمنا " أن يمسك " أي يلحقك عذاب من الله على إشراكك معه في العبادة غيره. ومتى فعلت ذلك كنت وليا للشيطان وناصرا ومساعدا، ونصب " فتكون " عطفا على (ان يمسك) وقيل: إن معناه أنه يلزمك ولاية الشيطان لعبادتك له ذما لك وتقريعا، إذا ظهر عقاب الله لك، وسخطه عليك. وقيل: فتكون موكولا إلى الشيطان، وهو لا يغني عنك شيئا. وقال قوم: هذه المخاطبة من ابراهيم كان لابيه الذي هو والده. والذي يقوله اصحابنا انه كان جده لامه، لان آباء النبي صلى الله عليه وآله كلهم كانوا مسلمين إلى آدم، ولم يكن فيهم من يعبد غير الله تعالى، لقوله صلى الله عليه وآله (لم يزل الله ينقلني من اصلاب الطاهرين إلى ارحام الطاهرات) والكافر لا يوصف بالطهارة، لقوله تعالى " إنما المشركون نجس " (2) قالوا وابوه الذي ولده كان اسمه تارخ. وهذا الخطاب منه كان لآزر قوله تعالى: (قال أراغب أنت عن آلهتي يا إبراهيم لئن لم تنته


(1) سورة 18 الكهف آية 81 (2) سورة 9 التوبة آية 29 (ج 7 من 17 من التبيان)

[ 130 ]

لارجمنك واهجرني مليا (46) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (47) وأعتز لكم وما تدعون من دون الله وأدعو ربي عسى ألا أكون بدعاء ربي شقيا (48) فلما اعتز لهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له إسحق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا (49) ووهبنا لهم من رحمتنا وجعلنا لهم لسان صدق عليا) (50) خمس آيات بلا خلاف. لما حكى الله تعالى ما قال ابراهيم لابيه، وتوبيخه له على عبادة الاصنام، وتقريعه اياه على ذلك، حكي في هذه الآيات ما أجاب به أبوه، فانه قال له يا ابراهيم " أراغب أنت عن آلهتي " ومعناه أزاهد في عبادة آلهتي، والرغبة اجتلاب الشئ لما فيه من المنفعة. والرغبة فيه نقيض الرغبة عنه. والترغيب الدعاء إلى الرغبة في الشئ. ثم قال له مهددا " لئن لم تنته " أي لم تمتنع من ذلك، يقال نهاه فانتهى. واصله النهاية، فالنهي زجر عن الخروج عن النهاية المذكورة. والتناهي بلوغ نهاية الحد. وقوله " لارجمنك " قال الحسن: معناه لارمينك بالحجارة حتى تباعد عني. وقال السدي وابن جريج والضحاك: معناه لارمينك بالذم والعيب. وقوله " واهجرني مليا " قيل في معناه قولان: قال الحسن ومجاهد " مليا " دهرا (قال الفراء: ويقال: كنت عنده ملوة وملوة وملوة - بتثليث الميم - وملاوة بالفتح وملاوة بالضم أي) (1) دهرا ملاوة، وكله من طول المقام


(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

[ 131 ]

وبه قال سعيد بن جبير والسدي، وهو بمعنى الملاوة من الزمان وهو الطويل منه. والثاني - قال ابن عباس وقتادة وعطية والضحاك: معنى " مليا " سويا سليما من عقوبتي، وهو من قولهم: فلان ملي بهذا الامر إذا كان كامل الامر فيه مضطلعا به، فقال له ابراهيم " سلام عليك " أي سلامة عليك، أي اكرام وبربحق الابوة وشكر التربية. وقال ذلك على وضع التواضع له ولين الجانب لموضعه " سأستغفر لك ربي " قال قوم: انما وعده بالاستغفار على مقتضى العقل، ولم يكن قد استقربعد قبح الاستغفار للمشركين. وقال قوم: معناه سأستغفر لك إذا تركت عبادة الاوثان وأخلصت العبادة لله تعالى. ومعنى قوله " انه كان بي حفيا " إن الله كان عالما بي لطيفا، والخفي اللطيف بعموم النعمة، يقال: تخفني فلان إذا اكرمني وألطفني، وحفي فلان بفلان حفاوة إذا ابره وألطفه. والحفى أذى يلحق باطن القدم للطفه عن المشي بغير نعل ثم قال " وأعتزلكم " أي اتنحى عنكم جانبا، واعتزل عبادة " ما تدعون من دون الله. وادعوا ربي " وحده (عسى أن لا اكون بدعاء ربي شقيا). وقوله (فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله) قيل انه اعتزلهم بأن خرج إلى ناحية الشام (وهبنا له اسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا) أي لما اعتزلهم آنسنا وحشته بأولاد كرام على الله رسل لله، وجعلناهم كلهم أنبياء معظيمن (ووهبنا لهم من رحمتنا) أي من نعمتنا (وجعلنا لهم لسان صدق عليا) قال ابن عباس والحسن: معناه الثناء الجميل الحسن من جميع أهل الملل، لان أهل الملل على اختلافهم يحسنون الثناء عليهم، وتقول العرب: جاءني لسان من فلان تعنى مدحه أو ذمه قال عامر ابن الحارث: اني اتتني لسان لا اسربها * من علو لاعجب منها ولا سخر

[ 132 ]

جاءت مرجمة قد كنت احذرها * لو كان ينفعني الاشفاق والحذر (1) وقيل: معناه انا جعلناهم رسل الله يصدقون عليه أعالي الصفات. قوله تعالى: (واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (51) وناديناه من جانب الطور الايمن وقربناه نجيا (52) ووهبنا له من رحمتنا أخاه هرون نبيا (53) واذكر في الكتاب إسمعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (54) وكان يأمر أهله بالصلوة والزكوة وكان عند ربه مرضيا) (55) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر (مخلصا) - بفتح اللام - بمعنى اخلصه الله للنبوة. الباقون - بالكسر - بمعنى أخلص هو العبادة لله. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (واذكر) موسى (في الكتاب) الذي هو القرآن. وسماه كتابا لما ذكرناه: أنه يكتب. واخبر أن موسى كان مخلصا بطاعاته وجه الله تعالى دون رياء الناس، وانه لم يشرك في عبادته سواه. ومن فتح اللام أراد ان الله اخلصه لطاعته بمعنى أن لطف له ما اختار عنده اخلاص الطاعة. وانه لم يشب ذلك بمعصيته له، وأنه مع ذلك كان رسولا لله تعالى إلى خلقه، قد حمله رسالة يؤديها إليهم (وكان نبيا) وهو العلي برسالة الله إلى خلقه، وبما نصب له من المعجزة الدالة


(1) تفسير الطبري 16 / 62 وهو في مجمع البيان 3 / 516 (*)

[ 133 ]

على تعظيمه وتبجيله، وعظم منزلته. وهو مأخوذ من النبأ، وهو الخبر بالامر العظيم. ثم اخبر الله تعالى انه ناداه (من جانب الطور الايمن) فانه قال له (اني انا الله رب العالمين) والطور جبل بالشام ناداه من ناحيته اليمنى، وهو يمين موسى (ع). وقوله (وقربناه نجيا) معناه قربناه من الموضع الذي شرفناه وعظمناه بالحصول فيه ليسمع كلامه تعالى. وقال ابن عباس ومجاهد قرب من اهل الحجب حتى سمع صريف القلم. وقيل معناه إن محله منا محل من قربه مولاه من مجلس كرامته. وقيل قربه حتى سمع صرير القلم الذي كتب به التوراة. وقوله (نجيا) معناه انه اختصه بكلامه بحيث لم يسمع غيره، يقال: ناجاه يناجيه مناجاة إذا اختصه بالقاء كلامه إليه. واصل النجوة الارتفاع عن الهلكة، ومنه النجاة ايضا، والنجاء السرعة، لانه ارتفاع في السير، ومنه المناجاة. وقال الحسن: لم يبلغ موسى (ع) من الكلام الذي ناجاه شيئا قط. ثم اخبر تعالى انه وهب له من رحمته ونعمته عليه اخاه هارون نبيا، شد أزره كما سأله. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (واذكر في الكتاب) الذي هو القرآن أيضا (اسماعيل) ابن ابراهيم وأخبر (انه كان صادق الوعد) بمعنى إذا وعد بشئ وفى به، ولم يخلف (وكان) مع ذلك (رسولا) من قبل الله إلى خلقه (نبيا) معظما بالاعلام المعجزة. وأنه " كان يأمر اهله بالصلاة والزكاة " قال الحسن: أراد بأهله أمته، والمفهوم من الاهل في الظاهر اقرب أقاربه. و " كان " مع هذه الاوصاف " عند ربه مرضيا " قد رضي اعماله لانها كلها طاعات لم يكن فيها قبائح. وانما أراد بذلك افعاله الواجبات والمندوبات دون المباحات، لان المباحات لا يرضاها الله ولا يسخطها. واصل (مرضي) مرضو فقلبت الضمة كسرة والواو ياء وادغمت في الياء.

[ 134 ]

قوله تعالى: (واذكر في الكتاب إدريس إنه كان صديقا نبيا (56) ورفعناه مكانا عليا (57) أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا (58) فخلف من بعد هم خلف أضاعوا الصلوة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا) (60) خمس آيات. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " اذكر في الكتاب " الذي هو القرآن " إدريس " واخبرانه كان كثير التصديق بالحق، وكان " نبيا " معظما مبجلا مؤيدا بالمعجزات الباهرة. ثم أخبر تعالى أنه رفعه مكانا عليا. قال انس بن مالك: رفعه الله إلى السماء الرابعة. وروى ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وبه قال كعب ومجاهد: وابو سعيد الخدري. وقال ابن عباس والضحاك: رفعه الله إلى السماء السادسة. واصل الرفع جعل الشئ في جهة العلو، وهي نقيض السفل، يقال: رفعه يرفعه رفعا، فهو رافع وذاك مرفوع. والعلي العظيم العلو والعالي العظيم فيما يقدر به على الامور، فلذلك وصف تعالى بأنه علي. والفرق بين العلي والرفيع أن العلي قد يكون بمعنى الاقتدار وعلو المكان. و (الرفيع) من رفع المكان لا غير. ولذلك

[ 135 ]

لا يوصف تعالى بأنه رفيع. وقوله " رفيع الدرجات " (1) انما وصف الدرجات بأنها رفعية. وانما أخذ من علو معنى الصفة بالاقتدار، لانها بمنزلة العالي المكان. ثم اخبر تعالى عن الانبياء الذين تقدم وصفهم فقال " اولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين " فان حملنا (من) على التبعيض لم تدل على أن من عداهم لم ينعم عليهم، بل لا يمتنع أن يكون انما افردهم بأنه انعم عليهم نعمة مخصوصة عظيمة رفعية، وإن كان غيرهم ايضا قد أنعم عليهم بنعمة دونها. وإن حملنا (من) على انها لتبيين الصفة لم يكن فيه شبهة، لان معنى الآية يكون اولئك الذين أنعم الله عليهم من جملة النبيين. وقوله " من ذرية آدم " (لان الله تعالى بعث رسلا ليسوا من ذرية آدم بل هم من الملائكة كما قال " يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " (2) وقوله " وممن حملنا " في السفينة " مع نوح " أي ابوهم نوح وهو من ذرية آدم كما قال) (3) " ومن ذرية ابراهيم واسرائيل " يعنى يعقوب " وممن هدينا " هم إلى الطاعات فاهتدوا إليها واجتبيناهم اي اخترناهم واصطفيناهم " إذا تتلى عليهم آيات الرحمن " اي أعلامه وادلته " خروا سجدا وبكيا " أي سجدوا له تعالى وبكوا، وبكى جمع باك ونصبهما على الحال، وتقديره: خروا ساجدين باكين. وبكي (فعول) ويجوز ان يكون جمع باك على (فعول). ويجوز ان يكون مصدرا بمعنى البكاء. قال الزجاج: لا يجوز النصب على المصدر، لانه عطف على قوله " سجدا ". وانما فرق ذكر نسبهم، وكلهم لآدم، ليبين مراتبهم في شرف النسب، فكان لادريس شرف القرب من آدم، لانه جد نوح. وكان ابراهيم من ذرية من حمل مع نوح، لانه من ولد سام بن نوح. وكان اسماعيل


(1) سورة 40 المؤمن آية 15 (2) سورة 22 الحج آية 75 (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

[ 136 ]

واسحاق ويعقوب من ذرية ابراهيم، لما تباعدوا من آدم حصل لهم شرف ابراهيم، وكان موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى من ذرية إسرائيل، لان مريم من ذريته. وقيل انما وصف الله صفة هؤلاء الانبياء ليقتد بهم ويتبع اثارهم في اعمال الخير ثم اخبر تعالى انه خلف من بعد المذكورين خلف. والخلف - بفتح اللام - يستعمل في الصالحين، وبتسكين اللام في الطالح قال لبيد: ذهب الذين يعاش في اكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب (1) وقال الفراء والزجاج: يستعمل كل واحد منهما في الآخر. وفى الآية دلالة على أن المراد بالخلف من لم يكن صالحا، لانه قال " أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات " وقال القرطي: تركوها. وقال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز: أخروها عن مواقيتها. وهو الذي رواه أصحابنا. وقال قوم خلف - بفتح اللام - إذا خلف من كان من أهله - وبسكون اللام - إذا كان من غير أهله. ثم قال تعالى " فسوف يلقون غيا " والغي الشر والخيبة - في قول ابن عباس وابن زيد - قال الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس امره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (2) اي من يخب. وقال عبد الله بن مسعود: الغي واد في جهنم. وقيل معناه يلقون مجازاة غيهم. ثم استثنى من جملتهم من يتوب فيما بعد ويرجع إلى الله ويؤمن به ويصدق أنبياءه، ويعمل الاعمال الصالحة من الواجبات والمندوبات، ويترك القبائح فان " اولئك يدخلون الجنة " من ضم الياء أراد أن الله يدخلهم الجنة بأن يأمرهم بدخولها، فضم لقوله " ولا يظلمون " ليتطابق اللفظان. ومن فتح الياء أراد أنهم


(1) مر تخريجه 5 / 25 من هذا الكتاب (2) مر هذا البيت في 2 / 312، 4 / 391، 5 / 6 548 / 336 (*)

[ 137 ]

يدخلون بأمر الله. والمعنيان واحد. وقوله " ولا يظلمون شيئا " معناه لا يبخسون شيئا من ثوابهم بل يوفر عليهم على التمام والوفاء. قوله تعالى: (جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيما بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا (64) رب السموات والارض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا) (65) خمس آيات بلا خلاف. " جنات " في موضع نصب بدلا من قوله " الجنة " في قوله " يدخلون الجنة " وكان يجوز الرفع بتقدير هي جنات. والجنة البستان الذي يجنه الشجر، فإذا لم يكن في البستان شجر، ويكون من خضرة، فهو روضة، ولا يسمى جنة. وانما قيل " جنات " على لفظ الجمع، لان كان واحد من المؤمنين له جنة تجمعها الجنة العظمى. والعدن الاقامة يقال: عدن بالمكان يعدن عدنا إذا أقام به. والاقامة كون بالمكان على مرور الازمان. والوعد الاخبار بما يتضمن فعل الخير، ونقيضه الوعيد، وهو الاخبار عن فعل الشر. وقد يقال: وعدته بالشر، ووعدته بالخير، وأوعدته بالشر. وأوعدته (ج 7 م 18 من التبيان)

[ 138 ]

لا يكون إلا في الشر، والمراد بالوعد - ههنا - الموعود. ومعنى مأتيا مفعولا. ويجوز في مثل هذا (آتيا) و (مأتيا) لان ما أتيته، فقد اتاك وما أتاك فقد أتيته، كما يقال أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة. وقيل معناه إنه كقولك اتيت خير فلان وأتاني خير فلان. وقوله " بالغيب " معناه أن الجنة التي وعدهم بها ليست حاضرة عندهم بل هي غائبة. وقوله " لا يسمعون فيها لغوا " معناه لا يسمعون في تلك الجنة القول الذي لا معنى له يستفاد، وهو اللغو. وقد يكون اللغو الهذر من الكلام. واللغو، واللغا بمعنى واحد قال الشاعر: عن اللغا ورفث التكلم (1) وقوله " إلا سلاما " يعني لكن سلاما وتحية من بعضهم لبعض، قال أبو عبيدة: تقديره لا يسمعون فيها لغوا إلا انهم يسمعون سلاما. وقال الزجاج: المعنى لا يسمعون كلاما يؤثمهم إلا كلاما يسلمهم، فيكون استثناء منقطعا. وقوله " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " قيل معناه في مقدار اليوم من أيام الدنيا، فذكر (الغداة والعشي) ليدل على المقدار، لانه ليس في الجنة ليل، ولانهار، وقيل: انما ذكر ذلك، لان اسلم الا كلات اكلة الغداة والعشي، فهو اسلم من الاكل دائما أي وقت وجده، أو تكون اكلته واحدة. وقوله " تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا " معناه انما نملك تلك الجنة من كان تقيا في دار الدنيا بترك المعاصي، وفعل الطاعات. وانما قال " نورث " مع انه ليس بتمليك نقل من غيرهم إليهم، لانه مشبه بالميراث من جهة أنه تمليك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا، كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا.


(1) مر تخريجه في 2 / 132، 164، 230 (*)

[ 139 ]

وقيل: انه أورثهم من الجنة المساكن التي كانت لاهل النار لو أطاعوا. وقوله " وما نتنزل إلا بامر ربك " قيل في معناه أن النبي صلى الله عليه وآله استبطأ جبرائيل (ع) فقال (ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا) فاتاه بهذا الجواب وحيا من الله بأنا لانتنزل إلا بأمر الله، وهو قول ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك ومجاهد وابراهيم. وقوله " له ما بين ايدينا وما خلفنا وما بين ذلك " قال ابن عباس والربيع وقتادة والضحاك وأبو العالية: له ما بين أيدينا: الدنيا، وما خلفنا: الآخرة، وما بين ذلك: ما بين النفختين. وقوله " وما كان ربك نسيا " أي ليس الله تعالى ممن ينسى ويخرج عن كونه عالما، لانه عالم لنفسه، وتقديره - ههنا - وما نسيك وإن أخر الوحي عنك. وقوله " رب السموات والارض " معناه إن الله تعالى هو المالك المتصرف في السموات والارض، ليس لاحد منعه منه " وما بينهما " يعني وله ما بين السموات والارض. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " فاعبده " وحده لا شريك له " واصطبر لعبادته " أي اصبر على تحمل مشقة عبادته، وقال لنبيه صلى الله عليه وآله " هل تعلم له سميا " أي مثلا وشبها. وهو قول ابن عباس ومجاهد وابن جريج. وقيل المعنى انه لا يستحق احد ان يسمى إلها إلا هو. ومن أدغم اللام في التاء، فلان مخرج اللام قريب من مخرج التاء. وقال أبو علي: ادغام اللام في الطاء والدال والتاء والصاد والزاي والسين جائز لقرب مخرج بعضها من بعض.

[ 140 ]

قوله تعالى: (ويقول الانسان أ إذا مامت لسوف أخرج حيا (66) أولا يذكر الانسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (67) فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (68) ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (69) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا) (70) خمس آيات بلا خلاف. قرأ نافع وابن عامر وعاصم " أولا يذكر " خفيفا. الباقون بالتشديد. من شدد: أراد أولا يتذكر، فادغم التاء في الذال لقرب مخرجيهما. ومن خفف، فلقوله " فمن شاء ذكره " (1) والخفيفة دون ذلك في الكثرة في هذا المعنى. هذا حكاية من الله تعالى عن قول من ينكر البعث والنشور من الكفار، وهم المعنيون بقوله " اولا يذكر الانسان " بانهم يقولون على وجه الانكار والاستعباد: أ إذا متنا يخرجنا الله احياء ويعيدنا كما كنا ؟ ! فقال الله تعالى منبها على دليل ذلك " اولا يذكر الانسان ". من شدد أراد اولا يتفكر، ومن خفف أراد اولا يعلم " أنا خلقناه من قبل " هذا " ولم يك شيئا " موجودا، فمن قدر على أن يخلق ويوجد ما ليس بشئ، فيجعله شيئا موجودا، فهو على إعادته بعد عدمه إلى الحالة الاولى أقدر. ثم اقسم تعالى فقال " فو ربك لنحشرنهم " أي لنبعثنهم من قبورهم مقرنين


(1) سورة 74 المدثر آية 55 وسورة 80 عبس آية 12 (*)

[ 141 ]

يأوليائهم من الشياطين. ويحتمل (الشياطين) أن يكون نصبا من وجهين: احدهما - ان يكون مفعولا به بمعنى ونحشر الشياطين. الثاني - ان يكون مفعولا معه بمعنى لنحشرنهم مع الشياطين " ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا " جمع جائي وهو الذي برك على ركبتيه. وقوله " ثم لننزعن عن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا " يعني تمردا أي نبدأ بالاكبر جرما فالاكبر، في قول أبي الاحوص، ومجاهد. والشيعة هم الجماعة المتعاونون على أمر واحد من الامور، ومنه تشايع القوم إذا تعاونوا، ويقال للشجاع: شيع أي معان، وفى رفع (أيهم) ثلاثة اقوال: أولها الحكاية على تقدير، فيقال لهم أيهم أشد على الرحمن عتيا ؟ فليخرج. الثاني - انه مبني على الضم، ومعناه الذي هو اشد على الرحمن عتيا، إلا أنه مبني لما حذف منه (هو)، واطرد الحذف به فصار كبعض الاسم. فالاول قول الخليل. والثاني مذهب سيبويه. والثالث - أن يكون (لننزعن) معلقة كتعليق علمت أيهم في الدار، وهو قول يونس. وأجاز سيبويه النصب على أن يكون (أي) بمعنى الذي. وذكر انها قراءة هارون الاعرج. وقوله " ولم يك شيئا " أي لم يكن شيئا موجودا كائنا. ثم أخبر تعالى أنه اعلم بالذين عملوا المعاصي وارتكبوا الكفر والكبائر، والذين هم اولى بالنار صليا، لا يخفى عليه خافية. قوله تعالى: (وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (71) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (72) وإذا تتلى

[ 142 ]

عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (74) قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا (75) حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا) (76) خمس آيات. قرأ نافع وابن عامر " وريا " بغير همز. الباقون بهمز، من همز فمعناه المنظر الحسن (فعيل) من الرؤية، ومن لم يهمز احتمل أن يكون خفف الهمزة كما قالوا في البريئة برية ويحتمل أن يكون مأخوذا من الري، وهو امتلاء الشباب والنظارة، أي ترى الري في وجوههم. وقرأ سعيد بن جبير " وريا " جعله من الرى وقرئ بالزاي، ومعناه ما يتزيابه. وقرأ ابن كثير " مقاما " - بضم الميم - الباقون بفحتها. فالمقام - بضم الميم - مصدر الاقامة. وبفتحها المكان، كقوله " مقام ابراهيم " (1) وقرأ يعقوب الحضرمي وعاصم والجحدري وابن أبي ليلى وابن عباس " ثم ننجي " بفتح الثاء بمعنى هناك ننجي المتقين. والباقون (ثم) بضم التاء حرف عطف. يقول الله تعالى للمكلفين انه ليس منكم أحد إلا وهو يرد جهنم، فان الكناية في قوله " إلا واردها " راجعة إلى جهنم بلا خلاف، إلا قول مجاهد، فانه قال: هي كناية عن الحمى والامراض. وروى في ذلك خبرا عن النبي صلى الله عليه وآله عن ابي هريره. وقال قوم: هو كناية عن القيامة. واقوى الاقوال الاول، لقوله تعالى " ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا " يعني في جهنم.


(1) سورة 3 آل عمران آية 97 (*)

[ 143 ]

واختلفوا في كيفية ورودهم إليها، فقال قوم - وهو الصحيح -: إن ورودهم هو وصولهم إليها واشرافهم عليها من غير دخول منهم فيها، لان الورود في اللغة هو الوصول إلى المكان. واصله ورود الماء، وهو خلاف الصدور عنه. ويقال: ورد الخبر بكذا، تشبيها بذلك. ويدل على أن الورود هو الوصول إلى الشئ من غير دخول فيه قوله تعالى " ولما ورد ماء مدين " وأراد وصل إليه. وقال زهير: فلما وردن الماء زرقا جمامه * وضعن عصي الحاضر المتخيم (1) وقال قتادة وعبد الله بن مسعود: ورودهم إليها، هو ممرهم عليها. وقال عكرمة يردها الكافر دون المؤمن، فخص الآية بالكافرين. وقال قوم شذاذ: ورودهم إليها: دخولهم فيها ولو تحلة القسم. روي ذلك عن ابن عباس وكان من دعائه: اللهم أزحني من النار سالما وادخلني الجنة غانما. وهذا الوجه بعيد، لان الله قال " إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون " (2) فبين تعالى أن من سبقت له الحسنى من الله يكون بعيدا من النار، فيكف يكون مبعدا منها مع أنه يدخلها. وذلك متناقض، فإذا المعني بورودهم أشرافهم عليها، ووصولهم إليها. وقوله " كان على ربك حتما مقضيا " معناه إن ورودهم إلى جهنم على ما فسرناه حتم من الله وقضاء قضاه لابد من كونه. والحتم القطع بالامر، وذلك حتم من الله قاطع. والحتم والجزم والقطع بالامر معناه واحد. والمقضي الذي قضى بأنه يكون. ثم قال تعالى " ثم نبخي الذين اتقوا " معاصي الله وفعلوا طاعاته من دخول النار " ونذر الظالمين " أي ندعهم فيها ونقرهم على حالهم " جثيا " باركين على ركبهم " في جهنم ". ثم قال " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات " اي إذا قرئت على المشركين


(1) هو زهير ابن ابي سلمى. ديوانه (دار بيروت): 78 (2) سورة 21 الانبياء آية 101 (*)

[ 144 ]

أدلة الله الظاهرة وحججه الواضحة " قال الذين كفروا " بوحدانيته وجحدوا أنبياءه للذين صدقوا بذلك مستفهمين لهم وغرضهم الانكار عليهم " أي الفرقين خير مقاما " أي منزل اقامة في الجنة أو في النار " واحسن نديا " اي مجلسا وقيل معناه اوسع مجلسا واحسن نديا، فالندي المجلس الذي قد اجتمع فيه أهله، يقال: ندوت القوم اندوهم ندوا إذا جمعتهم في مجلس. وفلان في ندى قومه وناديهم بمعنى واحد واصله مجلس الندى وهو الكرم، وقال حاتم: ودعوت في اولى الندي ولم * ينظر الي بأعين خزر (1) والمراد بالفريقين فريق المشركين وفريق المؤمنين، فيفتخرون على المؤمنين بكثرة نعمهم وحسن احوالهم وحال مجلسهم، فقال الله تعالى " وكم اهلكنا قبلهم من قرن هم احسن اثاثا ورئيا " والاناث المتاع والرئي المنظر، وهو قول ابن عباس. وقال ابن الاحمر: واحد الاثاث اثاثة كحمام وحمامة. وقال الفراء: لا واحد له، ويجمع اثة وأثث. ويجوز في " رئيا " ثلاثة اوجه في العربية: رئيا بالهمز قبل الياء، وريئا بياء قبل الهمزة وهو على قولهم راءني علي وزن راعني، وريا بترك الهمزة - في قول الزجاج - ويجوز أن يكون من الزاي انشد لابن دريد: اهاجتك الضغائن يوم بانوا * بذي الزي الجميل من الاثاث (2) ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد " من كان في الضلالة " عن الحق والعدول عن اتباعه " فليمدد له الرحمن مدا " أي يمدهم ويحلم عنهم فلا يعاجلهم بالعقوبة، كما قال " ويمدهم في طغيانهم يعمهون " (3) وانما ذكر بلفظ الامر ليكون


(1) تفسير الطبري 16 / 77، واللسان (خزر) (2) القرطبي 11 / 143 والشوكاني 3 / 336 وقد نبسوه إلى (محمد بن نمير الثقفي) وروايته (اشاقتك) ويمكن أن يكون هذا غير ذاك. (3) سورة 2 البقرة آية 15 (*)

[ 145 ]

آكد كأنه ألزم نفسه إلزاما كما يقول القائل: آمر نفسي، ويقول من زارني فلاكرمه، فيكون الزم من قوله اكرمه. ويجوز أن يكون أراد " فليمدد له الرحمن مدا " في عذابهم في النار، كما قال " ونمد له من العذاب مدا " (1) وقوله " حتى إذا رأوا ما يوعدون " أي شاهدوا ما وعدهم الله به " إما العذاب " والعقوبة على المعاصي " وإما " القيامة والمجازاة لكل أحد على ما يستحقه " فسيعلمون " حينئذ ويتحققون " من هو شر مكانا وأضعف جندا " آلكفار أم المؤمنين. وفى ذلك غاية التهديد في كونهم على ما هم عليه. وقيل العذاب - ههنا - المراد به ما وعد المؤمنون به من نصرهم على الكفار فيعذبونهم قتلا واسرا، فسيعلمون بالنصر والقتل انهم أضعف جندا من جند النبي والمسلمين، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة، من هو شر مكانا. قوله تعالى: (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوبا مردا (77) أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لاوتين مالا وولدا (78) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (79) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (80) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا) (81) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى انه " يزيد الذين اهتدوا " إلى طاعة الله واجتناب معاصيه


(1) سورة 19 مريم آية 80 (ج 7 م 19 من التبيان) (*)

[ 146 ]

" هدى " ووجه الزيادة لهم فيه ان يفعل بهم الالطاف التي يستكثرون عندها الطاعات بما يبينه لهم من وجه الدلالات والامور التي تدعوا إلى أفعال الخيرات. وقيل: زيادة الهدى هو بايمانهم بالناسخ والمنسوخ. واخبر تعالى أن " الباقيات " الصالحات " وهي فعل جميع الطاعات واجتناب جميع المعاصي. وقيل: هو قول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر ولله الحمد، وروي عن أبي عبد الله (ع) أن الباقيات الصالحات القيام آخر الليل لصلاة الليل والدعاء في الاسحار. وسميت باقيات بمعنى أن منافعها تبقى وتنفع أهلها في الدنيا والاخرة، بخلاف ما نفعه مقصور على الدنيا فقط. وقوله " خير عند ربك ثوابا " أي أكثر ثوابا من غيرها. وقيل معناه خير ثوابا من مقامات الكفار التي لها عندهم الافتخار. وقيل: خير من اعمال الكفار على تقدير: إن كان فيها خير. وقوله " وخير مردا " أي خير نعيما ترده الباقيات الصالحات على صاحبه، كأنه ذاهب عنه لفقده له، فترده عليه حتى يجده في نفسه. وقوله " أرأيت الذي كفر بآياتنا، وقال لاوتين مالا وولدا " قيل نزلت في العاص بن وائل السهمي - في قول ابن عباس، وخباب ابن الارت، ومجاهد - وقال الحسن: نزلت في الوليد بن المغيرة، فانه قال - استهزاء - لاوتين مالا وولدا في الجنة، ذكره الكبي. وقيل أراد في الدنيا، يعني إن اقمت على دين آبائي وعبادة آلهتي " لاوتين مالا وولدا ". وقرأ حمزة والكسائي " وولدا " بضم الواو. الباقون بفتحها. وقيل في ذلك قولان: احدهما - انهما لغتان كالعدم والعدم، والحزن والحزن، قال الشاعر: فليت فلانا كان في بطن أمه * وليت فلانا كان ولد حمارا (1)


(1) تفسير الطبري 16 / 81 والقرطبي 11 / 146، 155 وتفسير الشوكاني 3 / 337 (*)

[ 147 ]

وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشرا * قد ثمروا مالا وولدا (1) وقال رؤبة: الحمد لله العزيز فردا * لم يتخذ من ولد شئ ولدا (2) والثاني - إن (قيسا) تجعل (الولد) بالضم جمعا، وبالفتح واحدا، كقولهم: اسد واسد، ووثن ووثن. فقال الله تعالى " اطلع الغيب " أي اشرف على علم الغيب وعرفه حتى قال ما قال ؟ ! وهذه الف الاستفهام دخلت على الف الوصل المكسورة فسقطت المكسورة مثل " أصطفى البنات على البنين " (3) وقوله " أم اتخد عند الرحمن عهدا " قال قتادة: معناه آتخذ عهدا للرحمن بعد صالح قدمه ؟. وقال غيره: معناه " أم اتخذ عند الرحمن عهدا " أي قولا قدمه إليه بما ذكره. ثم قال تعالى " كلا " أي حقا وهو قسم " سنكتب ما يقول " أي نثبته ليواقف عليه يوم القيامة " ونمد له من العذاب مدا " أي نؤخر عنه عذابه، ولا نعاجله. ويجوز أن يكون المراد إنا نطيل عذابه. وقوله " ونرثه ما يقول " قال ابن عباس وقتادة وابن زيد: نرثه نحن المال والولد بعد اهلاكنا إياه وإبطالنا ما ملكناه " ويأتينا فردا " أي يجيئنا يوم القيامة فردا لا أحد معه، ولا شئ يصحبه. قوله تعالى: (واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (82) كلا


(1) نفس المصادر المتقدمة في الصفحة قبلها (2) تفسير الطبري 16 / 81 (3) سورة 37 (الصافات) آية 153 (*)

[ 148 ]

سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (83) ألم ترأنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (84) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (85) يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (86) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ان نهيك " كلا سيكفرون " - بضم الكاف - بمعنى جميعا سيكفرون. الباقون بفتح الكاف. اخبر الله تعالى أن هؤلاء الكفار الذين ذكرهم ووصفهم بأنهم " اتخذوا من دون الله آلهة " عبدوها ووجهوا عبادتهم نحوها " ليكونوا لهم عزا " والاتخاذ اعداد الشئ ليأتيه في العاقبة، فهؤلاء اتخذوا الآلهة ليصيروا إلى العز فصاروا بذلك إلى الذل، فسخط الله عليهم وأذلهم. والعز الامتناع من الضيم عز يعز عزا، فهو عزيز أي منيع من أن ينال بسوء. فقال الله تعالى " كلا سيكفرون بعبادتهم " أي حقا ليس الامر على ما قالوه بل سيكفرون بعبادتهم. وقيل في معناه قولان: احدهما - إن معناه سيجحدون أن يكونوا عبدوها، لما يرون من سوء عاقبتها. وهذا جواب من اجاز وقوع القبائح والكذب من أهل الآخرة. الثاني - سيكفرو ما اتخذوه آلهة بعبادة المشركين لها، كما قال الله تعالى " تبرأنا اليك ما كانوا إيانا يعبدون " (1) أي بأمرنا وإرادتنا " ويكونون عليهم ضدا " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال مجاهد: يكونون عونا في خصومتهم وتكذيبهم.


(1) سورة 28 القصص آية 63 (*)

[ 149 ]

الثاني - قال قتادة يكونون قرناءهم في النار يلعنونهم ويتبرؤن منهم. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله (ألم تر) يا محمد (أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين). أي لما سلط الكفار الشياطين على نفوسهم وقبلوا منهم واتبعوهم خلينا بينهم وبينهم حتى اغووهم، ولم نحل بينهم بالالجاء، ولا بالمنع، وعبر عن ذلك بالارسال على ضرب من المجاز. ومثله قوله (فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الاخرى إلى اجل مسمى) (1) ويحتمل ان يكون أراد به يرسل الشياطين عليهم في النار بعد موتهم يعذبوهم ويلعنونهم، كما قال (فو ربك لنحشرنهم والشياطين) (2) ويقال أرسلت الباز والكلب على الصيد إذا خليت بينه وبينه. وقوله " تؤزهم أزا " أي تزعجهم ازعاجا. والاز الازعاج إلى الامر، أزه أزا وأزيزا إذا هزه بالازعاج إلى أمر من الامور. ثم قال تعالى " فلا تعجل " على هؤلاء الكفار " انما نعد لهم عدا " الايام والسنين. وقيل الانفاس. وقوله (يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا) أي اذكر يوم نحشر الذين اتقوا معاصي الله وفعلوا طاعاته إلى الرحمن وفدا اي ركبانا في قدومهم، ووحد لانه مصدر وفد، ويجمع وفودا، تقول: وفدت أفد وفدا فأنا وافد. وقيل: انهم يؤتون بنوق لم ير مثلها، عليها رحال الذهب وأزمتها الزبرجد، فيركبون عليها حتى يصيروا إلى ابواب الجنة - في قول ابن عباس - وقيل: معناه يحشرهم الله جماعة جماعة. قوله تعالى: (ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (78) لا يملكون


(1) سورة 39 الزمر آية 42 (2) سورة 19 مريم آية 68 (*)

[ 150 ]

الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا (88) وقالوا اتخذ الرحمن ولدا (89) لقد جئتم شيئا إدا (90) تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا (91) أن دعوا للرحمن ولدا (92) وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا) (93) سبع آيات بلا خلاف. قرأ الكسائي ونافع (يكاد) بالياء. الباقون بالتاء. وقرأ ابن كثير ونافع والكسائي وحفص (يتفطرن) بياء وتاء من:: تفطر يتفطر تفطرا. الباقون (ينفطرن) من انفطر كقوله (إذا السماء انفطرت). وتفطر مطاوع فطر. والتشديد يفيد التكثير اخبر الله تعالى أنه يسوق المجرمين إلى جهنم وردا يوم القيامة. والسوق الحث على السير، ساقه يسوقه سوقا، فهو سائق ومنه الساق، لاستمرار السير بها، ومنه السوق لانه يساق به البيع والشراء شيئا بعد شئ. وقال الفراء: يسوقهم مشاة. وقال الاخفش: عطاشا. وقيل افرادا. ومعنى (وردا) أي عطاشا. كالابل التي ترد عطاشا الماء، إلا أن هؤلاء يمنعون منه، لانه لا يشرب من الحوض الا مؤمن. وهو قول ابن عباس والحسن وقتادة. وقوله (لا يملكون الشفاعة) أي لا يقدرون عليها، والملك القدرة على ماله التصرف فيه أن يصرفه أتم التصريف في الحقيقة أو الحكم. وقوله (إلا من اتخد عند الرحمن عهدا) أي عملا صالحا - في قول ابن جريج - فموضع (من) نصب على أنه استثناء منقطع، لان المؤمن ليس من المجرمين. وقد قيل: انه نصب على حذف اللام بمعنى لا يملك المتقون الشفاعة إلا لمن اتخد عند الرحمن

[ 151 ]

عهدا. والعهد المراد به الايمان. والاقرار بواحدنيته وتصديق أنبيائه، فان الكفار لا يشفع لهم. وقال الزجاج (من) في موضع رفع بدلا من الواو والنون في قوله (لا يملكون الشفاعة). والمعنى لا يملك الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا وهو الايمان. ثم اخبر تعالى عن الكفار بأنهم (قالوا اتخذ الرحمن ولدا) كما قال النصارى: إن المسيح ابن الله، واليهود قالت عزير ابن الله. فقال الله لهم على وجه القسم (لقد جئتم) بهذا القول (شيئا ادا) أي منكرا عظيما - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد، قال الراجز: لقد لقي الاعداء مني نكرا * داهية دهياء إدا إمرا (1) وقال الآخر: في لهب منه وحبل إد (2) ثم قال تعالى تعظيما لهذا القول " تكاد السموات " وقرئ بالتاء والياء. فمن قرأ بالتاء فلتأنيث السموات ومن ذكر، فلان التأنيث غير حقيقي. وقال أبو الحسن: معنى تكاد السموات تريد كقوله " كدنا ليوسف " أي أردنا، وانشد: كادت وكدت وتلك خير أرادة * لو عاد من لهو الصبابة ما مضى (3) ومثله قوله تعالى (اكاد أخفيها) أي أريد ومعنى (تكاد) في الآية تقرب لان السموات لا يجوز ان ينفطرن ولا يردن لذلك، ولكن هممن بذلك، وقربن منه اعظاما لقول المشركين. وقال قوم: معناه على وجه المثل، لان العرب تقول إذا أرادت امرا عظيما منكرا: كادت السماء تنشق والارض تنخسف، وأن يقع السقف.


(1) مر تخريجه في 7 / 73 من هذا الكتاب (2) تفسير الطبري 16 / 86 (3) تفسير القرطبى 11 / 184 وهو في مجمع البيان 3 / 530 (*)

[ 152 ]

فلما افتروا على الله الكذب، ضرب الله المثل لكذبهم بأهول الاشياء، وقريب من هذا قول الشاعر: ألم تر صدعا في السماء مبينا * على ابن لبينى الحارث بن هشام (1) وقريب منه ايضا قول الشاعر: واصبح بطن مكة مقشعرا * كان الارض ليس بها هشام (2) وقال آخر: بكا حارث الجولان من فقد ربه * وحوران منه خاشع متضائل (3) وقال آخر: لما اتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (4) وقال قوم: المعنى لو كان شئ يتفطر استعظاما لما يجري من الباطل لتفطرت السموات والارض استعظاما، واستنكارا لما يضيفونه إلى الله تعالى من اتخاذ الولد، ومثله قوله " ولو ان قرآنا سيرت به الجبال " (5) ومعنى يتفطرن يتشققن والانفطار الانشقاق في قول ابن جريج، يقال: فطر ناب البعير إذا انشق، وقرئ ينفطرن بمعنى يتشققن منه، يعني من قولهم اتخذ الرحمن ولدا، والمراد بذلك تعظيما واستنكارا لهذا القول، وانه لو كانت السموات يتفطرن تعظيما لقول باطل لانشقت لهذا القول، ولو كانت الجبال تخر لامر، لخرت لهذا القول. و (الهد) تهدم بشدة صوت. وقوله " أن دعوا للرحمن ولدا " أي لان دعوا، أو من ان دعوا، أو المعنى ان السموات تكاد ينفطرن والجبال تنهد والارض تنشق لدعواهم لله ولدا، أي


(1) مر هذا البيت في 6 / 307 (2) مجمع البيان 3 / 530 (3) مر تخريجه في 6 / 307 (4) مر تخريجه في 1 / 204، 312 (5) سورة 13 الرعد آية 33 (*)

[ 153 ]

لتسميتهم له ولدا، فهؤلاء سموا لله ولدا كما جعلوا المسيح ابن الله. والمشركون جعلوا الملائكة بنات الله. وقيل: معناه ان جعلوا للرحمن ولدا، لان الولد يستحيل عليه تعالى. ثم اخبر تعالى انه لا ينبغي له ان يتخذ ولدا، ولا يصلح له، كما يقال ابن احمر: في رأس حلقاء من عنقاء مشرفة * ما ينبغي دونها سهل ولا جبل (1) وقال الآخر في الدعاء بمعنى التسمية: ألا رب من تدعوا نصيحا وإن تغب * تجده بغيب غير منتصح الصدر (2) وقال ابن احمر ايضا: هوى لها مشقصا حشرا فشبرقها * وكنت أدعوا قذاها الاثمد الفرد (3) قوله تعالى: (إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا (94) لقد أحصيهم وعدهم عدا (95) وكلهم آتيه يوم القيمة فردا (96) إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (97) فانما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (98) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا) (99) ست آيات بلا خلاف.


(1) تفسير الطبري 16 / 56، 87 (2) تفسير الطبري 16 / 87 (3) تفسير الطبري 16 / 87 (ج 7 م 20 من التبيان) (*)

[ 154 ]

يقول الله تعالى ليس كل من في المسوات والارض من العقلاء إلا وهو يأتي الرحمن عبدا مملوكا لا يمكنهم جحده، ولا الامتناع منه، لانه يملك التصرف فيهم كيف شاء. ثم قال تعالى إنه " قد احصاهم وعدهم عدا " أي علم تفاصيلهم وأعدادهم فكأنه عدهم، لا يخفى عليه شئ من أحوالهم. ثم قال: وجميعهم يأتي الله يوم القيامة فردا مفردا، لا أحد معه ولاناصر له ولا أعوان، لان كل احد مشغول بنفسه لا يهمه هم غيره. ثم قال تعالى " إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات " أي آمنوا بالله ووحدانيته وصدقوا أنبياءه، وعملوا بالطاعات سيجعل الله لهم ودا أي سيجعل بعضهم يحب بعضا، وفي ذلك أعظم السرور وأتم النعمة، لانها كمحبة الوالد لولده البار به. وقال ابن عباس ومجاهد: " سيجعل لهم الرحمن ودا " في الدنيا. وقال الربيع بن أنس إذا أحب الله عبدا طرح محبته في قلوب أهل السماء، وفى قلوب أهل الارض. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " انما يسرناه بلسانك " يعني القرآن " لتبشر به المتقين " لمعاصي الله بالجنة " وتنذر به " أي تخوف به (قوما لدا) أي قوما ذوي جدل مخاصمين - في قول قتادة - وهو من اللدد، وهو شدة الخصومة، ومنه تعالى " وهو الد الخصام " (1) أي أشد الخصام خصومة وهو جمع ألد. ك‍ (أصم، وصم) قال الشاعر: إن تحت الاحجار حزما وعزما * وخصيما ألد ذا معلاق (2) ثم اخبر الله تعالى فقال " وكم اهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد " أي هل تدرك احدا منهم " أو تسمع لهم ركزا " قال ابن عباس وقتادة والضحاك: الركز الصوت. وقال ابن زيد: هو الحس، والمراد - ههنا - الصوت، ومنه الركاز، لانه يحس به حال من تقدم بالكشف عنه، قال الشاعر:


(1) سورة 2 البقرة آية 204 (2) قائله المهلهل. اللسان (علق) ورايته (وجودا) بدل (وعزما) (*)

[ 155 ]

فتوجست ركز الانيس فراعها * عن ظهر غيب والانيس سقامها (1) والمعنى: إنا قد اهلكنا امما كثيرة اعظم منهم كثرة، واكثر اموالا واشد خصاما فلم يغنهم ذلك لما اردنا اهلاكهم، فكيف ينفع هؤلاء ذلك، وهم اضعف منهم في جميع الوجوه، وبين ان حكم هؤلاء حكم اولئك في ان لا يبقى لهم عين ولا اثر. * * *


(1) تفسير الطبري 16 / 89 (*)

[ 157 ]

20 - سورة طه وهي مكية في قول قتادة ومجاهد. وهي مائة وخمس وثلاثون آية في الكوفى واربع في المدنيين واثنان في البصري. بسم الله الرحمن الرحيم (طه (1) ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (2) إلا تذكرة لمن يخشى (3) تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى (4) الرحمن على العرش استوى (5) خمس آيات في الكوفي، لانهم عدوا (طه) آية وأربع في الباقين. قرأ ابن عمرو (طه) بفتح الطاء وامالة الهاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف وابو بكر إلا الاعشى والبرجمي بامالتهما. الباقون بفتحهما. وقرأ عيسى بن عمر ضد قراءة أبي عمرو - بكسر الطاء وفتح الهاء - وقرأ الحسن باسكان الهاء، وفسره يا رجل. وقرأ أبو جعفر بتقطيع الحروف، ورواه الاصمعي عن نافع، وروي عن نافع بين

[ 158 ]

الكسر والفتح في الحرفين، وروي الفتح فيهما، وهو الاظهر. فمن فخم فلانها لغة النبي صلى الله عليه وآله وهي لغة اهل الحجاز، ومن أمال، فهو حسن. قال أبو عمرو: املت الهاء لئلا تلتبس بهاء الكناية. وقد بينا في اول سورة البقرة معنى اوائل السور واختلاف الناس فيه، وأن أقوى ما قيل فيه: إنها اسماء للسور ومفتاح لها. وقال قوم: هو اختصار من كلام خص بعلمه النبي صلى الله عليه وآله. وقال ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن ومجاهد: معنى (طه) بالسريانية يا رجل. ومنهم من قال هو بالنبطية. وقال الحسن: هو جواب المشركين لما قالوا: انه شقي فقال الله تعالى يا رجل ما انزلنا عليك القرآن لتشقى، وقيل: إن طه بمعنى يا رجل في لغة عك وانشد لمتمم بن نويرة: هتفت بطه في القتال فلم يجب * فخفت عليه ان يكون موائلا (1) وقال آخر: إن السفاهة طه من خلائقكم * لا بارك الله في القوم الملاعين (2) ومن قرأ (طه) بتسكين الها تحتمل قراءته امرين: احدهما - ان تكون الهاء بدلا من همزة طاء، كقولهم في أرقب هرقب، والآخر ان يكون على ترك الهمز (ط) يا رجل، وتدخل الهاء للوقف. والشقاء استمرار ما يشق على النفس، يقال: شقي يشقى شقا، وهو شقي ونقيض الشقاء السعادة. وقيل في قوله " ما انزلنا عليك القرآن لتشقى " قولان: احدهما - قال مجاهد وقتادة: إنه نزل بسبب ما كان يلقى من التعب والسهر في قيام الليل.


(1) تفسير الطبري 16 / 90 والقرطبي 11 / 165 والشوكانى 3 / 343 (2) تفسير الطبري 16 / 90 والقرطبي 11 / 166 والكشاف 3 / 39 (*)

[ 159 ]

والثاني - قال الحسن: انه جواب للمشركين لما قالوا: انه شقي. وقوله " إلا تذكرة لمن يخشى " معناه لكن انزلناه تذكرة أي ليتذكر به من يخشى الله ويخاف عقابه، يقال: ذكره تذكيرا وتذكرة، ومثله " وما لاحد عنده من نعمة تجزي إلا ابتعاء وجه ربه الاعلى " (1) اي لكن ابتغاء وجه ربه، وما فعله إلا ابتغاء وجه ربه، ومثله قول القائل: ما جئت لاسوءك إلا إكراما لزيد، يريد ما جئت إلا اكراما لزيد، وكذلك المصادر التي تكون عللا لوقوع الشئ نحو جئتك ابتغاء الخير اي لا بتغاء الخير. وقوله " تنزيلا ممن " معناه نزل تنزيلا. وقيل تقديره " إلا تذكرة... تنزيلا ممن خلق الارض والسموات العلى " أي أبدعهن وأحدثهن و " العلى " جمع عليا، مثل ظلمة وظلم، وركبة وركب، ومثل الدنيا والدنى. والقصوى والقصى. وقوله " الرحمن " رفع بأنه خبر مبتدأ، لانه لما قال " تنزيلا ممن خلق " بينه فكأنه قال: هو الرحمن، كقوله " بشر من ذلكم النار " (2) وقال أبو عبيدة: تقديره " ما انزلنا عليك القرآن... إلا تذكرة لمن يخشى " لا لتشقى. (ويحتمل أن يكون المراد ما انزلنا عليك القرآن لتشقى) (3) وما انزلناه إلا تذكرة لمن يخشى. " الرحمن على العرش استوى " قيل في معناه قولان: احدهما - انه استولى عليه، وقد ذكرنا فيما مضى شواهد ذلك. الثاني - قال الحسن " استوى " لطفه وتدبيره، وقد ذكرنا ذلك أيضا فيما مضى، وأوردنا شواهده في سورة البقرة (4) فأما الاستواء بمعنى الجلوس على الشئ


(1) سورة 92 الليل آية 19 - 20 (2) سورة 22 الحج آية 72 (3) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (4) في تفسير آية 29 من سورة البقرة، المجلد الاول صفحة 124 (*)

[ 160 ]

فلا يجوز عليه تعالى، لانه من صفة الاجسام، والاجسام كلها محدثة. ويقال: استوى فلان على مال فلان وعلى جميع ملكه أي احتوى عليه. وقال الفراء: يقال: كان الامر في بني فلان ثم استوى في بني فلان أي قصد إليهم وينشد: أقول وقد قطعن بنا شرورى * ثواني واستوين من النجوع (1) أي خرجن واقبلن قوله تعالى: (له ما في المسوات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى (6) وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر وأخفى (7) ألله لا إله إلا هو له الاسماء الحسني (8) وهل أتيك حديث موسى (9) إذ رأى نارا فقال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى) (10) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى إن " له ما في السموات وما في الارض وما بينهما وما تحت الثرى " المعنى انه مالك لجيمع الاشياء واجتزى بذكر بعض الاشياء عن ذكر البعض لدلالته عليه، كما قال " الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم " (2) ولم يقل وعلى ظهورهم، لان المفهوم انهم يذكرون الله على كل حال. ومثله قوله " والله ورسوله أحق أن يرضوه " (3)


(1) لم اجده في مظانه، وهذه رواية المخطوطة. أما المطبوعة فانها اشارت إلى خلاف في روايته كما يلي: (ظعن) بدل (قطعن) و (سرورا) بدل (شرورى) و (سوامد) بدل (ثواني) و (الضجوع) بدل (النجوع) (2) سورة 3 آل عمران آية 191 (3) سورة 9 التوبة آية 63 (*)

[ 161 ]

لما كان رضا احدهما رضا الآخر، ومثله قوله " والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله " (1) ولم يقل ينفقونهما لدلالته على ذلك و " الثرى " التراب الندي، فله تعالى " ما تحت الثرى " إلى حيث انتهى، لانه مالكه وخالقه ومدبره، وكل شئ ملكه يصح، والله تعالى مالكه بمعنى أن له التصرف فيه كيف شاء. وقوله " وإن تجهر بالقول فانه يعلم السر واخفى " معناه وإن تجهر بالقول لحاجتك لسمعه أي تجهر به، فانه تعالى يعلم السر وأخفى من السر. ولم يقل وأخفى منه، لانه دال عليه، كما يقول القائل: فلان كالفيل أو اعظم، وهذا كالحبة أو اصغر. والجهر رفع الصوت يقال: جهر يجهر جهرا، فهو جاهر والصوت مجهور، وضده الهمس. و (السر) ما حدث به الانسان غيره في خفية، وأخفى منه ما أضمره في نفسه ولم يحدث به غيره - هذا قول ابن عباس - وقال قتادة وابن زيد وسعيد بن جبير: السر ما أضمره العبد في نفسه. وأخفى منه ما لم يكن ولا أضمره أحد. وقال قوم: معناه يعلم السر والخفي. وضعف هذا لانه ترك الظاهر وعدول بلفظه (أفعل) إلى غير معناها من غير ضرورة، ولان حمله على معنى أخفى أبلغ إذا كان بمعنى أخفى من السر، فلما قول الشاعر: تمنى رجال ان اموات وإن امت * فتلك سبيل لست فيها بأوحد (2) انما حمل على ان المراد (بأوحد) احد، لان الوحدة لا يقع فيها تعاظم، فاخرجه الشاعر مخرج ما فيه تعاظم ورد المعنى إلى الواحد. ثم اخبر تعالى بانه " الله " الذى تحق له العبادة " لا إله " يحق له العبادة " إلا هو له الاسماء الحسنى " وانما ذكر الحسنى بلفظ التوحيد ولم يقل الاحاسن، لان الاسماء مؤنثة يقع عليها (هذه) كما


(1) سورة 9 التوبة آية 35 (2) تفسير الطبري 16 / 93 (ج 7 م 21 من التبيان) (*)

[ 162 ]

يقع على الجماعة (هذه) كأنه اسم واحد للجميع قال الشاعر: وسوف يعتبنيه إن ظفرت به * رب كريم وبيض ذات اطهار (1) وفي التنزيل " حدائق ذات بهجة " (3) " ومآرب اخرى " (2) فقد جاز صفة جمع المؤنث بصفة الواحد. وقوله وهل " اتاك حديث موسى " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله وتسلية له مما ناله من اذى قومه. والتثبيت له بالصبر على امر ربه، كما صبر اخوه موسى (ع) حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة. وقوله " إذ رأى نارا " اي حديث موسى حين رأى نارا " فقال لاهله امكثوا " اي البثوا مكانكم " إني آنست نارا " اي رأيت نارا. والايناس وجدان الشئ الذي يؤنس به، لانه من الانس ويقال: آنس البازي إذا راى صيدا قال العجاج: آنس خربان فضاء فانكدر وكان في شتاء، وقد امتنع عليه القدح وضل عن الطريق، فلذلك قال " أو اجد على النار هدى " وقوله " لعلي آتيكم منها بقبس فالقبس الشعلة، وهو نار في طرف عود أو قصبة، يقول: القائل لصاحبه: اقبسني نارا فيعطيه إياها في طرف عود أو قصبة أي لعلي آتيكم بنار تصطلون به أو اجد من يدلني على الطريق الذي أضللناه أو ما استدل به عليه ويقال اقبسته نارا إذا اعطيته قبسا منها، وقبسته للعلم، فرق بين النوعين، والاصل واحد وكلاهما يستضاء به.


(1) تفسير الطبري 16 / 93 ومجمع البيان 4 / 3 (2) سورة 27 النمل آية 60 (3) سورة 20 طه آية 18 (*)

[ 163 ]

قوله تعالى: (فلما أتيها نودي يا موسى (11) إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى (12) وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى (13) إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني * وأقم الصلوة لذكري (14) إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى) (15) خمس آيات. قرأ ابن كثير وابوعمور " اني أنا ربك " بفتح الهمزة والياء. الباقون بكسرها وسكون الياء إلا نافعا فانه فتح الياء. وقرأ ابن كثير وابو عمرو ونافع وعاصم وحمزة والكسائي " طوى " بضم الطاء مصروفا. وروى بكسر الطاء غير مصروف أبو زيد عن أبي عمرو. وقال: هي أرض. وقرأ " وانا اخترناك " بالتشديد بالف حمزة، واصله واننا اخترناك والنون والالف نصب ب‍ (إن) و (ان) مع ما بعدها في موضع نصب بتقدير، نودي " إنا اخترناك ". وقرأ الباقون " وأنا اخترتك " على التوحيد ف‍ (أنا) رفع بأنه ابتداء و " اخترتك " خبره. وفى قراءة أبي " وإنني اخترتك " فهذه تقوي قراءة حمزة والكسائي. من لم يصرف " طوى " يجوز أن يكون اعتقد انه معدول عن (طاو) وهو معرفة، ويجوز أن يكون نكرة، لانه اسم البقعة. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إن موسى (ع) لما أتى النار التي آنسها نودي، فقيل له يا موسى، والنداء الدعاء على طريقة يا فلان، وهو مد الصوت بنداء على هذه الطريقة

[ 164 ]

يقال: صوت نداء، وذلك أنه بندائه يمتد " إني انا ربك " فيمن فتح الهمزة. فالمعنى نودي بأني أنا، ولما حذف الباء فتح. ومن كسرها فعلى الاسنئناف أو على تقدير قيل له إني أنا ربك الذي خلقك ودبرك " فاخلع نعليك " وانما علم موسى (ع) أن هذا النداء من قبل الله تعالى بمعجزة أظهرها الله، كما قال في موضع آخر " نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى اني أنا الله رب العالمين * وان ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب " حتى قيل له " يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الآمنين " (1) وقيل السبب الذي لاجله أمر بخلع النعلين فيه قولان: احدهما - ليباشر بقدميه بركة الوادي المقدس في قول علي (ع) والحسن وابن جريج. وقال كعب وعكرمة: لانها كانت من جلد حمار ميت. وحكى البلخي أنه امر بذلك على وجه الخضوع والتواضع، لان التحفي في مثل ذلك أعظم تواضعا وخضوعا. والخلع نزع الملبوس يقال: خلع ثوبه عن بدنه وخلع نعله عن رجله. وقد ينزع المسمار، فلا يكون خلعا، لانه غير ملبوس ويقال: خلع عليه رداءه كأنه نزعه عن نفسه وألبسه اياه. والوادي سفح الجبل. ويقال للمجرى العظيم من مجاري الماء واد واصله عظم الامر. ووديته إذا أعطيته ديته، لانها عطية عن الامر العظيم من القتل. والمقدس المبارك - في قول ابن عباس ومجاهد - وقيل هو المطهر، قال امرؤ القيس: كما شبرق الولدان ثوب المقدس (2) يريد بالمقدس: العابد من النصارى، كالقسيس ونحوه و (شبرق) أي شق.


(1) سورة 28 القصص آية 30 - 31 (2) شرح ديوانه: 120 وصدره: فأدركنه يأخذن بالساق والنسا (*)

[ 165 ]

وقيل في معنى (طوى) قولان: احدهما - قال ابن عباس ومجاهد وابن زيد: هو اسم الوادي. وقال الحسن: لانه طوي بالبركة مرتين، فعلى هذا يكون مصدر طويته طوى، وقال عدي بن زيد: آعاذل ان اللوم في غير كنهه * علي طوى من غيك المتردد (1) وقوله " وأنا اخترتك " اي اصطفيتك " فاستمع لما يوحى " اليك من كلامي واصغ إليه وتثبت " إني انا الله لا إله إلا انا " أي لا إله يستحق العبادة غيري " فاعبدني " خالصا، ولا تشرك في عبادتي احدا " واقم الصلاة لذكري " أي لتذكرني فيها بالتسبيح والتعظيم - في قول الحسن ومجاهد - وقيل: معناه لان أذكرك بالمدح والثناء. وقيل المعنى متى ذكرت ان عليك صلاة كنت في وقتها أو فات وقتها، فأقمها. وقرئ - بفتح الراء - قال أبو علي: يحتمل أن يكون قلب الكسرة فتحة مع ياء الاضافة. ثم اخبر الله تعالى بأن الساعة يعني القيامة " آتية " أي جائية " اكاد أخفيها " معناه أكاد لا أظهرها لاحد - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - أي لا أذكرها بأنها آتية، كما قال تعالى " لا تأتيكم إلا بغتة " (2) وقيل " اخفيها " بضم الالف بمعنى أظهرها، وانشد بيتا لامرئ القيس بن عابس الكندي: فان تدفنوا الداء لانخفه * وإن تبعثوا الحرب لا نقعد (3) فضم النون من نخفه - ذكره أبو عبيدة - قال انشدنيه أبو الخطاب هكذا، وانشده


(1) تفسير الطبري 16 / 96 ومجمع البيان 4 / 4 (2) سورة 7 الاعراف آية 186 (3) شرح ديوان امرئ القيس: 77 والطبري 16 / 100 والقرطبي 11 / 182 والشوكاني 3 / 347 وغيرها (*)

[ 166 ]

الفراء بفتح النون. وقال ابي بن كعب: المعنى " أكاد اخفيها " من نفسي. قال ابن الانباري تأويله من نفسي " أكاد اخفيها " أي من قبلي، كما قال " تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك " (1). وقوله " لتجزي كل نفس بما تسعى " اي تجازي كل نفس بحسب عملها، فمن عمل الطاعات اثيب عليها، ومن عمل المعاصي عوقب بحسبها قوله تعالى: (فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هويه فتردى (16) وما تلك بيمينك يا موسى (17) قال هي عصاي أتوكؤ عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى (18) قال ألقها يا موسى (19) فألقيها فإذا هي حية تسعى) (20) خمس آيات بلا خلاف. قوله " فلا يصدنك عنها " نهي متوجه إلى موسى من الله تعالى والمراد به جميع المكلفين، نهاهم الله ان يصدهم عن ذكر الساعة، والمجازاة فيها من لا يصدق بها من الكفار. و (الصد) الصرف عن الخير يقال: صده عن الايمان وصده عن الحق، ولا يقال: صده عن الشر، ولكن يقال: صرفه عن الشر، ومنعه منه. وقوله " واتبع هواه " يعني من لا يؤمن بالقيامة و (الهوى) ميل النفس إلى الشئ بأريحية تلحق فيه. وهواء الجو ممدود، وهوى النفس مقصور. وقوله " فتردى " معناه فتهلك، يقال: ردي يردى ردى، فهو رد. إذا هلك، أي ان صددت عن الساعة بترك التأهب لها هلكت، وتردى هلك بالسقوط. وقوله " وما تلك بيمينك يا موسى " قال الفراء: (تلك) تجري مجرى (هذه) وهي بمعنى الذي و (بيمينك) صلته وتقديره، وما الذي بيمينك يا موسى وأنشد:


سورة 5 المائدة آية 119 (*)

[ 167 ]

عدس ما لعباد عليك امارة * أمنت وهذا تحملين طليق (1) يعني الذي تحملين. وهو في صورة السؤال لموسى عما في يده اليمنى. والغرض بذلك تنبيهه له عليها ليقع المعجز بها بعد التثبت فيها، والتأمل لها. وقوله " قال هي عصاي " جواب من موسى ان الذي في يدي " عصاي اتوكؤ عليها " في مشيي " واهش بها على غنمي " اي اخبط بها ورق الشجر اليابس لترعاه غنمي يقال: هش يهش هشا: قال الراجز: أهش بالعصا على اغنامي * من ناعم الاراك والبشام (2) (ولي فيها مآرب أخرى) اي حوائج أخر من قولهم: لا أرب لي في هذا أي لا حاجة. وللعرب في واحدها ثلاث لغات: مأربة بضم الراء وفتهحا وكسرها. وقوله " قال ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى " حكاية ما امر الله تعالى موسى بأن يلقى العصا من يده وأن موسى القاها، فلما ألقاها صارت في الحال حية تسعى، خرق الله العادة فيها وجعلها معجزة ظاهرة باهرة. قوله تعالى: (قال خذها ولا تخف سنعيدها سيرتها الاولى (21) واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى (22) لنريك من آياتنا الكبرى (23) إذهب إلى فرعون إنه طغى (24) قال رب اشرح لي صدري) (25) خمس آيات بلا خلاف.


(1) تفسير الطبري 16 / 102 واكثر كتب النحو يأتون به شاهدا على أن (هذا) أسم موصول بمعنى الذي. (2) تفسير الشوكاني 3 / 349 والقرطبى 11 / 187 والطبري 16 / 102 (*)

[ 168 ]

اخبر الله تعالى أن العصا حين صارت حية تسعى خاف موسى منها فقال الله له " خذها " يا موسى فانا " سنعيدها " إلى ما كانت اول شئ في يدك عصى. ومعنى " خذها " تناولها بيدك. و (الخوف) انزعاج النفس بتوقع الضرر، خافه خوفا، فهو خائف وذاك مخوف. وضد الخوف الامن، ومثل الخوف الفرغ والذعر، والاعادة رد الشئ ثانية إلى ما كان عليه أول مرة. ومثل الاعادة التكرير والترديد. والمعنى سنعيدها خلقتها الاولى، وقد يقال: إلى سيرتها. والسيرة مرور الشئ في جهة، من سار يسير سيرة حسنة أو قبيحة. وكان مستمر على حال العصا فاعيدت إلى تلك الحال. ونظير السيرة الطريقة. وقيل المعنى سنعيدها إلى سيرتها، فانتصب باسقاط الخافض. وقوله " واضمم يدك إلى جناحك تخرج بيضاء من غير سوء " قيل في معناه قولان: احدهما - إلى جنبك، قال الراجز: اصمه للصدر والجناح (1) الثاني - إلى عضدك واصل الجنوح الميل، ومنه جناح الطائر، لانه يميل به في طيرانه حيث شاء. والجنب فيه جنوح الاضلاع. واصل العضد من جهته تميل اليد حيث شاء صاحبها. وقال أبو عبيدة: الجناحان الناحيتان. وقوله " تخرج بيضاء من غير سوء " اي من غير برص - في قول ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي والضحاك - وقوله " آية اخرى " قيل في نصبها قولان: احدهما - على الحال. والاخر على المفعولية، اي نعطيك آية أخرى، فحذف لدلالة الكلام عليه، فالآية الاولى قلب العصاحية والاخرى اليد البيضاء من غير سوء. وقيل انه امره ان يدخل يده في فمها فيقبض عليها، فادخل يده في فمها


(1) تفسير القرطبى 11 / 191 (*)

[ 169 ]

فصارت يده بين الشعبتين اللتين كانتا في العصا، وصارت الحية في يده عصا كما كانت. وقوله لنريك من آياتنا الكبرى) معناه قلب العصاحية لنريك من آياتنا وحججنا الكبرى منها، ولو قال الكبر على الجمع كان وصفا لجميع الآيات، وكان جائزا. ثم قال تعالى له (إذهب إلى فرعون) اي امض إليه وادعه إلى الله، وخوفه من عقابه، فانه طغى، أي تجاوز قدره في عصيان الله، وتجاوز به قدر معاصي الناس، يقال: طغى يطغى طغيانا، فهو طاغ، ونظيره البغي على الناس، وهم الطغاة والبغاة. فقال عند ذلك موسى يا (رب اشرح لي صدري) أي وسع صدري، ومنه شرح المعنى أي بسط القول فيه. قوله تعالى: (ويسر لي أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي (28) واجعل لي وزيرا من أهلي (29) هرون أخي) (30) خمس آيات. وهذا ايضا اخبار عما سأل الله تعالى موسى، فانه سأل ان ييسر له أمره، أي يسهله عليه ويرفع المشقة عنه ويضع المحنة، يقال: يسره تيسيرا، فهو ميسر ونقيضه التعسير، ومنه اليسر واليسير. والحل نفي العقد بالفرق، حله يحله حلا، فهو حال والشئ محلول. وضد الحل العقد، ونظيره الفصل والقطع. والعقدة جملة مجتمعة يصعب حلها متفلكة، عقد يعقد عقدا وعقدة، فهو عاقد والشئ معقود، (ج 7 م 22 من التبيان) (*)

[ 170 ]

ويقال: انه كان في لسان موسى (ع) رثة وهي التي لا يفصح معها بالحروف شبه التمتمة وغيرها. وقيل: إن سبب العقدة في لسانه أنه طرح جمرة في فيه لما اراد فرعون قتله، لانه اخذ لحيته وهو طفل فنتفها، فقالت له آسية: لا تفعل، فانه صي لا يعقل، وعلامته انه اخذ جمرة من طست فجعلها في فيه. ذكره سعيد بن جبير ومجاهد والسدي. وقوله " يفقهوا قولي " أي يفقهوه إذا حللت العقدة من لساني افصحت بما اريد. وسأله ايضا أن يجعل له وزيرا يؤازره على المضي إلى فرعون ويعاضده عليه. والوزير حامل الثقل عن الرئيس، مشتق من الوزر الذي هو الثقل، واشتقاقه ايضا من الوزر، وهو الذى يلجأ إليه من الجبال والمواضع المنيعة. وقوله " هارون اخي " قيل في نصب (هارون) وجهان: احدهما - على انه مفعول (اجعل) الاول و (وزيرا) المفعول الثاني على جهة الخبر. والوجه الثاني - ان يكون بدلا من (وزيرا) وبيانا عنه. فقيل: ان الله حل اكثر ما كان بلسانه إلا بقية منه بدلالة قوله " ولا يكاد يبين " (1) في قول ابي علي. وقال الحسن: ان الله استجاب دعاءه، فحل العقدة من لسانه. وهو الصحيح، لقوله تعالى " قد أوتيت سؤلك يا موسى " ويكون قول فرعون " ولا يكاد يبين " (1) انه لا يأتي ببيان يفهم كذبا عليه ليغوي بذلك الناس ويصرف به وجوههم عنه. قوله تعالى: (أشدد به أزري (31) وأشركه في أمري (32) كي


(1) سورة 43 الزخرف آية 52 (*)

[ 171 ]

نسبحك كثيرا (33) ونذكرك كثيرا (34) إنك كنت بنا بصيرا (35) قال قد أوتيت سؤلك يا موسى) (36) ست آيات. قرأ ابن عامر وحده " اشدد به ازري " بقطع الهمزة " واشركه " بضم الالف. الباقون بوصل الهمزة الاولى، وفتح الثانية. فوجه قراءة ابن عامر: أنه جعله جزاء. الباقون جعلوه: دعاء. وضم الف (اشركه) في قراءة ابن عامر ضعيف، لانه ليس إليه اشراكه في النبوة بل ذلك إلى الله تعالى. والوجه فتح الهمزة على الدعاء إلا ان يحمل على أنه أراد اشراكه في أمره في غير النبوة وذلك بعيد، لانه جاء بعده ما يعلم به مراد موسى، لانه قال " واخي هارون هو أفصح مني لسانا فارسله معي ردءا يصدقني " (1) فقال الله تعالى " سنشد عضدك باخيك " (2). قوله " اشدد به أزري " فالشد جمع يستمسك به المجموع يقال: شده يشده شدا، فهو شاد وذاك مشدود، ومثله الربط والعقد. والازر الظهر يقال: آزرني فلان على أمري أي كان لي ظهرا، ومنه المئزر، لانه يشد على الظهر، والازار لانه يشد على الظهر، والتأزير لانه تقوية من جهة الظهر. ويجوز ان يكون ازر لغة في وزر، مثل أرخت وورخت، واكدت ووكدت. وقوله " واشركه في امري " فالاشراك الجمع بين الشيئين في معنى على انه لهما، بجعل جاعل. وقد أشرك الله بين موسى وهارون في النبوة. وقوى الله به أزره، كما دعاه. وقوله " كي نسبحك كثيرا " فالتسبيح التنزيه لله عما لا يجوز عليه من وصفه بما لا يليق به، فكل شئ عظم به الله بنفي ما لا يجوز عليه، فهو تسبيح، مثل: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله اكبر. وقوله " ونذكرك كثيرا " معناه


(1، 2) سورة 28 القصص آية 35 - 36 (*)

[ 172 ]

نذكرك بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ومننت به علينا من تحميل رسالتك " انك كنت بما بصيرا " أي عالما بأحوالنا وأمورنا. فقال الله إجابة له " لقد أوتيت سؤلك يا موسى " أي أعطيت مناك فيما سألته. والسؤل المنى فيما يسأله الانسان، مشتق من السؤال. ويجوز بالهمز وترك الهمز. قوله تعالى: (ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا * فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) إذهب أنت وأخوك باياتي ولا تنيا في ذكري (42) إذهبا إلى فرعون إنه طغى (43) فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى) (44) ثمان آيات بلا خلاف. إلا أن في تفصيلها خلافا لا نطول بذكره. لما أخبر الله تعالى موسى بأنه قد آتاه ما طلبه واعطاه سؤله، عدد ما تقدم

[ 173 ]

ذلك من نعمه عليه ومننه لديه. فقال " ولقد مننا عليك مرة اخرى " والمن نعمة يقطع صاحبها بها عن غيره باختصاصها به. يقال: من عليه يمن منا إذا انعم عليه نعمة يقطعه إياها. واصله القطع، ومنه قوله " لهم اجر غير ممنون " (1) اي غير مقطوع. وحبل منين: أي منقطع. والمرة الكرة الواحدة من المر، وذلك ان نعمة الله (عز وجل) عليه مستمرة، فذكره الاجابة مرة وقبلها مرة أخرى. وقوله (إذ أوحينا إلى امك ما يوحى) أي كانت هذه النعمة عليك حين أوحينا إلى أمك ما يوحى، قال قوم: اراد انه ألهمها ذلك. وقال الجبائي: رأت في المنام أن اقذفيه في التابوت، ثم اقذفيه في اليم، والقذف هو الطرح، واليم البحر قال الراجز: كنازح اليم سقاه اليم (2) وقيل: المراد به ههنا النيل. وقوله " فليلقه اليم بالساحل " جزاء وخبر أخرج مخرج الامر ومثله " اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم " والتقدير فاطر حيه في اليم فليلقه اليم بالساحل. وقوله " ياخذه عدو لي وعدو له " يعني فرعون. وكان عدو الله بكفره وحدانيته وادعائه الربوبية، وكان عدو موسى، لتصوره أن ملكه ينقرض على يده. وقوله " والقيت عليك محبة مني " معناه إني جعلت من رآك احبك حتى احبك فرعون، فسلمت من شره، واحبتك امرأته آسية بنت مزاحم فتبنتك. وقوله " ولتصنع على عيني) قال قتادة: معناه لتغذى على محبتي وارادتي، وتقديره وأنا اراك، يجري امرك على ما اريد بك من الرفاهة في غذائك، كما يقول القائل لغيره: أنت مني بمرءا ومستمع أي انا مراع لاحوالك. وقوله " إذ تمشي اختك فتقول هل أدلكم على من يكفله " قيل ان موسى امتنع أن يقبل ثدي مرضعة


(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 8 وسورة 84 الانشقاق آية 25 وسورة 95 التين آية 6 (2) مر تخريجه في 4 / 557 من هذا الكتاب (*)

[ 174 ]

الاثدي امه لما دلتهم عليهم أخته، فلذلك قال (فرجعناك إلى امك كي تقر عينها ولا تحزن). وقوله " وقتلت نفسا فنجيناك من الغم " وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أن قتله النفس كان خطأ. وقال جماعة من المعتزلة: انه كان صغيرة. وقال اصحابنا: انه كان ترك مندوب إليه، لان الله تعالى قد كان حكم بقتله لكن ندبه إلى تأخير قتله إلى مدة غير ذلك، وانما نجاه من الفكر في قتله، كيف لم يؤخره إلى الوقت الذى ندبه إليه. وقال قوم: أراد نجيناك من القتل لانهم طلبوه ليقتلوه بالقبطي. وقوله (وفتناك فتونا) أي اختبرناك اختبارا. والمعنى انا عاملناك معاملة المختبر حتى خلصت للاصطفاء بالرسالة، فكل هذا من اكبر نعمه. وقيل: الفتون وقوعه في محنة بعد محنة حتى خلصه الله منها: اولها - أن امه حملته في السنة التي كان فرعون بذبح فيها الاطفال، ثم القاؤه في اليم، ثم منعه من الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة، فدرأ الله بذلك عنه قتل فرعون، ثم مجئ رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله. وذلك عن ابن عباس فالمعنى على هذا وخلصناك من المحن تخليصا. وقيل: معناه اخلصناك إخلاصا. ذكره مجاهد. وقوله " فلبثت سنين في أهل مدين " يعني اقمت سنين عند شعيب، يعني احوالا اجيرا له ترعى غنمه، فمننا عليك وجعلناك نبيا حتى " جئت على قدر " أي في الوقت الذي قدر لا رسالك، قال الشاعر: نال الخلافة إذ كانت له قدرا * كما اتى ربه موسى على قدر (1) وقال الجبائي معنى " وفتناك فتونا " أي شددنا عليك التعب في أمر المعاش


(1) مر تخريجه في 1 / 307 من هذا الكتاب (*)

[ 175 ]

حتى رعيت لشعيب عشر سنين، ويؤكده قوله " فلبثت سنين في اهل مدين " وهي مدينة شعيب " ثم جئت على قدر يا موسى " وقوله " واصطنعتك " أي اصطفيتك واخلصتك بالالطاف التي فعلتها بك، اخترت عندها الاخلاص لعبادتي. وقوله " لنفسي " أي لتنصرف على ارادتي ومحبتي يقال: اصطنعه يصطنعه اصطناعا، وهو (افتعال) من لصنع، والصنع اتخاذ الخير لصاحبه. ووجه قوله " لنفسي " يعني محبتي، لان المحبة لما كانت أخص شئ بالنفس حنس أن يجعل ما اختص بها مختصا بالنفس على هذا الوجه. وقوله " اذهب انت واخوك بآياتي " أي بعلاماتي وحججي " ولا تنيا " أي لا تفترا، يقال: ونى في الامريني ونيا إذا فتر فيه، فهو وان ومتوان. وقيل: معناه لا تضعفا قال العجاج: فما ونى محمد مذ أن غفر * له إلا له ما مضى وما غبر (1) وقوله " في ذكري. اذهبا إلى فرعون انه طغى " أي عتا وخرج عن الحد في المعاصي " فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى " معناه ادعواه إلى الله والى الايمان به وبما جئتما به، على الرجاء والطمع، لا على اليأس من فلاحه. فوقع التعبد لهما على هذا الوجه، لانه أبلغ في دعائه إلى الحق، بالحرص الذي يكون من الراجي للامر. وقال السدي: معنى قوله " فقولا له قولا لينا " أي كنياه. وقيل: انه كانت كنية فرعون ابا الوليد. وقيل: أبا مرة. قيل: معناه وقراه وقارباه. وقوله " لعله يتذكر " معناه ليتذكر " أو يخشى " معناه أو يخاف. والمعنى انه يكون أحدهما إما التذكر أو الخشية. وقيل المعنى على رجائكما أو طمعكما، لانهما لا يعلمان هل يتذكر أولا. و (لعل) للترجي إلا أنه يكون لترجي المخاطب تارة ولترجي المخاطب أخرى


(1) مر تخريجه في 6 / 344 من هذا الكتاب (*)

[ 176 ]

قوله تعالى: (قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى (45) قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى (46) فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فارسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك باية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (47) إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (48) قال فمن ربكما يا موسى (49) قال ربنا الذي اعطى كل شئ خلقه ثم هدى) (50) ست آيات بلا خلاف. لما امر الله موسى وهارون (ع) أن يمضيا إلى فرعون ويدعواه إلى الله " قالا اننا نخاف أن يفرط علينا " ومعناه ان يتقدم فينا بعذاب، ويعجل علينا، ومنه الفارط المتقدم امام القوم إلى الماء، قال الشاعر: قد فرط العجل علينا وعجل (1) ومنه الافراط الاسراف، لانه تقدم تين يدي الحق. والتفريط التقصير في الامر، لانه تأخير عما يجب فيه التقدم. فالاصل فيه التقدم " أو ان يطغي " أو يعتوا علينا ويتجبر، فقال الله تعالى لهما " لا تخافا " ولا تخشيا " انني معكما " أي عالم بأحوالكما، لا يخفى علي شئ من ذلك. وإني ناصر لكما، وحافظ لكما " اسمع " ما


(1) تفسير الشوكاني 3 / 355 والقرطبى 11 / 198 (*)

[ 177 ]

يقول لكما " وارى " ما يفعل بكما. وقال ابن جريج " انني معكما اسمع " ما يحاوركما به " وأرى " ما تجيئان به. فالسامع هو المدرك للصوت. والرائي المدرك للمريئات. ثم امرهما بأن ياتياه، ويقولا له " انا رسولا ربك " بعثنا الله اليك والى قومك لندعوكم إلى توحيد الله واخلاص عبادته، ويأمرك أن ترسل " معنا بني اسرائيل " اي تخليهم وتفرج عنهم، وتطلقهم من اعتقالك " ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك " اي بمعجزة ظاهرة، ودلالة واضحة من عند ربك " والسلام " يعني السلامة والرحمة " على من اتبع " طريق الحق و (الهدى)، و (على) بمعنى اللام وتقديره السلامة لمن اتبع. والمعنى ان من اتبع طريق الهدى سلم من عذاب الله. وقوله (انا قد اوحي الينا) معناه قولا: (انا قد أوحي الينا ان العذاب على من كذب) بآيات الله واعرض عن اتباعها. وفى الكلام محذوف، وتقديره فاتياه فقولا له ذلك. قال " فمن ربكما يا موسى " وقيل: انه: قال فمن ربكما ؟ على تغليب الخطاب، والمعنى فمن ربك وربه يا موسى، فقال موسى مجيبا له " ربنا الذي أعطى كل شئ خلقه ثم هدى " ومعناه أعطى كل شئ حي صورته التي قدر له ثم هداه إلى مطعمه ومشربه ومسكنه ومنكحه، إلى غير ذلك من ضروب هدايته - في قول مجاهد - وقيل: معناه أعطى كل شئ مثل خلقه من زوجة، ثم هداه لمنكحه من غير أن رأى ذكرا اتى انثى قبل ذلك. وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه وغير ذلك من هدايته. وقرأ نصير عن الكسائي " خلقه " بفتح اللام والخاء، على انه فعل ماض. الباقون بسكونها على انه مفعول به. والمعنى إنه خلق كل شئ على الهيئة التي بها ينتفع والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته ومنافعه لدينه ودنياه، (ج 7 م 23 من التبيان) (*)

[ 178 ]

قوله تعالى: (قال فما بال القرون الاولى (51) قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى (52) الذي جعل لكم الارض مهدا وسلك لهم فيها سبلا وأنزل من المساء ماء فاخرجنا به أزواجا من نبات شتى (53) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لايات لاولي النهى (54) منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) (55) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة (مهدا) على التوحيد. الباقون " مهادا " على الجمع، وهو مثل فرش وفراش. ومن قرأ " مهدا " قال ليوافق رؤس الآي. والمعنى " لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل لكم الارض " مستقرا يمكنكم من التصرف عليها. وقال الزجاج: القرن اهل كل عصر فيهم نبي أو إمام أو عالم يقتدى به، وإن لم يكن واحد منهم لم يسم قرنا. حكى الله تعالى ما قال فرعون لموسى " ما بال القرون الاولى " وهي الامم الماضية، وكان هذا السؤال منه معاياة لموسى، فأجابه موسى بأن قال " علمها عند ربي " لانه لا يخفى عليه شئ من المعلومات. وقوله " في كتاب " اي اثبت ذلك في الكتاب المحفوظ لتعرفه الملائكة. و (الاولى) تأنيث (الاول) وهو الكائن على صفة قبل غيره. فإذا لم يكن قبله شئ، فهوقبل كل شئ، واراد ذاك على ما في معلوم الله من امرها، وقيل انه اراد من يؤدبهم ويجازيهم. وقيل: ان معنى " لا يضل ربي ولا ينسى " اي لا يذهب

[ 179 ]

عليه شئ، والعرب تقول الكل ما ذهب على الانسان مما ليس بحيوان: ضله، كقولهم: ضل منزله إذا اخطأه يضله بغير الف، فإذا ضل منه حيوان فيقولون: أضل - بألف بعيره أو ناقته أو شاته بالالف. والاصل في الاول ضل عنه. وقرأ الحسن " يضل " بضم الياء وكسر الضاد. وقوله " الذي جعل لكم الارض مهدا " موضع (الذي) رفع بدل عن قوله " ربي. ولا ينسى الذي جعل لكم الارض مهدا " أي جعله لكم مستقرا تستقرون عليه " وسلك لكم فيها سبلا " معناه انه جعل لكم في الارض سبلا تسلكوا فيها في حوائجكم من موضع إلى موضع، وانهج لكم الطرق " وأنزل من السماء ماء فاخرجنا به ازواجا من نبات شتى " كل ذلك من صفات قوله " لا يضل ربي ولا ينسى الذي جعل " جميع ما ذكر صفاته. وقوله " كلوا وارعوا انعامكم " لفظه لفظ الامر والمراد الاباحة. وقوله (إن في ذلك لآيات لاولى النهى) أي أن في جميع ما عددناه دلالات لاولى العقول، والنهى جمع نهية نحو كسية. وكسى، وهو شحم في جوف الضب، وانما خص أولى النهى، لانهم أهل الفكر والاعتبار وأهل التدبير والاتعاظ. وقيل لهم: اهل النهى، لانهم ينهون النفوس عن القبائح وقيل لانه ينتهى إلى رأيهم. وقوله (منها خلقناكم وفيها نعيدكم) يعني من الارض خلقناكم وفي الارض نعيدكم إذا امتناكم (ومنها نخرجكم تارة اخرى) دفعة اخرى إذا حشرناكم. قوله تعالى: (ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (56) قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى (57) فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لانخلفه نحن ولا أنت

[ 180 ]

مكانا سوى (58) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (59) فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى) (60) خمس آيات بلا خلاف. قوله (ولقد اريناه آياتنا كلها) تقديره أريناه آياتنا التي اعطيناها موسى واظهرناها عليه (كلها) لما يقتضيه حال موسى (ع) معه، ولم يرد جميع آيات الله التي يقدر عليها، ولا كل آية خلقها الله، لان المعلوم أنه لم يرد به جميعها. وقوله (فكذب وأبى) معناه نسب الخبر الذي أتاه إلى الكذب (وابى) امتنع مما دعي إليه من توحيد الله واخلاص عبادته والطاعة لما أمر به. وقال فرعون لموسى (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى) والسحر حيلة يخفى سببها ويظن بها المعجزة، ولذلك يكفر المصدق بالسحر، لا نه لا يمكنه العلم بصحة النبوة مع تصديقه بأن الساحر يأتي بسحره بتغيير الثابت. ثم قال فرعون لموسى (فلنأتينك) يا موسى (بسحر) مثل سحرك (فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى) اي عدنا مكانا نجتمع فيه ووقتا نأتي فيه (مكانا سوى) أي مكانا عدلا بيننا وبينك - في قول قتادة والسدي - وقيل معناه مستويا يتبين الناس ما بيننا فيه - ذكره ابن زيد - وقيل: معناه يستوي حالنا في الرضا به. وفيه إذا قصر لغتان - كسر السين، وضمها - وإذا فتحت السين مددته نحو قوله (إلى كلمة سواء بيننا وبينكم) (1) ومثله عدى وعدى. وطوى وطوى، وثنى وثنى. وقال أبو عبيدة: (سوى) النصف والوسط قال الشاعر: وإن ابانا كان حل ببلدة * سوى بين قيس غيلان والفزر (2)


(1) سورة 3 آل عمران آية 64 (2) تفسير الطبري 11 / 198 والطبري 16 / 119 (*)

[ 181 ]

قيس وفزر قبيلتان هنا. والفزر القطيع من الشاء. والقيس القردة. والقيس مصدر قاس خطاه قيسا إذا سوى بينها. ويقال جارية تميس ميسا وتقيس قيسا، فمعنى تميس تتبختر. وسأل رجل اعرابيا: ما اسمك قال محمد، قال: والكنية، قال: أبو قيس. قال قبحك الله اتجمع بين اسم النبي والقرد. وقرأ ابن عامر وعاصم وحمزة (سوى) بضم السين، الباقون بالكسر. فقال له موسى " موعدكم يوم الزينة " وهو يوم عيد كان لهم - في قول قتادة وابن جريج والسدي وابن زيد وابن اسحاق - وقال الفراء " يوم الزينة " يوم شرف كانوا يتزينون بها. وقوله " وأن يحشر الناس ضحى " يحتمل أن يكون في موضع رفع، وتقديره موعدكم حشر الناس. ويحتمل ان يكون في موضع جر وتقديره يوم يحشر الناس. وقوله " فتولى فرعون " أي اعرض عن موسى على هذا الوعد " فجمع كيده " من السحر و " اتى " يوم الموعد. وقرأ هبيرة عن حفص عن عاصم " يوم " بفتح الميم على الظرف. الباقون بضمها على أنه خبر (موعدكم) فجعلوا الموعد هو اليوم بعينه. قوله تعالى: (قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى (61) فتنازعوا أمرهم بينهم وأسروا النجوى (62) قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحر هما ويذهبا بطريقتكم المثلى (63) فأجمعوا كيدكم ثم اأتوا صفا وقد أفلح اليوم من استعلى (64) قالوا

[ 182 ]

يا موسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (65) قال بل ألقوا فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (66) ست آيات بلا خلاف. قرأ " فيسحتكم " - بضم الياء وكسر الحاء - أهل الكوفة إلا أبا بكر. الباقون بفتح الياء والحاء. وهما لغتان. يقال: سحت وأسحت إذا استأصل. وقرأ أبو عمرو " إن هذين " بتشديد (إن) ونصب (هذين). وقرأ نافع وحمزة والكسائي وابو بكر عن عاصم - بتشديد (ان) والالف في (هذان). وقرأ ابن كثير (ان) مخففة (هذان) مشددة النون. وقرأ ابن عامر بتخفيف نون (إن) وتخفيف نون (هذان). وقرأ أبو عمرو وحده " فاجمعوا " بهمزة الوصل. الباقون بقطع الهمزة من اجمعت الامر إذا عزمت عليه، قال الشاعر: يا ليت شعري والمنى لا تنفع * هل اغدون يوما وأمري مجمع (1) وقيل: إن جمعت وأجمعت لغتان في العزم على الامر يقال: جمعت الامر، واجمعت عليه، بمعنى ازمعت عليه وفى الكلام حذف، لان تقديره انهم حضروا واجتمعوا يوم الزينة، فقال لهم حينئذ موسى يعني للسحرة الذين جاؤا بسحرهم " لا تفتروا على الله " اي لا تكذبوا عليه كذبا بتكذيبي، وتقولوا إن ما جئت به السحر. والافتراء اقتطاع الخبر الباطل بادخاله في جملة الحق وأصله القطع من فراه يفريه فريا. وافترى افتراء، والافتراء والافتعال والاختلاق واحد وقوله " فيسحتكم بعذاب " قال قتادة وابن زيد والسدي معناه فيستأصلكم بعذاب. والسحت استقصاء الشعر في الحلق: سحته سحتا واسحته


(1) مر تخريجه في 5 / 468 من هذا الكتاب (*)

[ 183 ]

اسحاتا لغتان، قال الفرزدق: وعض زمان يا ابن مروان لم يدع * من المال إلا مسحتا أو مجلف (1) وينشد (مسحت) بالرفع على معنى لم يدع أي لم يبق. ومن نصب قال أو مجلف، كذلك روي مسحتا ومجلف. وسئل الفرزدق على ما رفعت إلا مسحتا أو مجلف. فقال للسائل على ما يسؤك وينؤك. ويقال: سحت شعره إذا استقصى حلقه. والمعنى إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم واهلكهم عن آخرهم. وقوله " وقد خاب من افترى " أي انقطع رجاء من افترى الكذب. والخيبة الامتناع على الطالب ما أمل، والخيبة انقطاع الرجاء يقال: رجع بخيبة، وهو إذا رجع بغير قضاء حاجته. واشد ما يكون إذا أمل خيرا من جهة، فانقلب شرا منها. وقوله " فتنازعوا أمرهم " معناه اختلفوا فيما بينهم. والتنازع محاولة كل واحد من المختلفين نزع المعنى عن صاحبه، تنازعا في الامر تنازعا، ونازعه منازعة. وقوله " واسروا النجوى " أي اخفوها فيما بينهم. قال قتادة: انهم قالوا: إن كان هذا ساحرا فسنغلبه، وإن كان من السماء، فله أمره. وقال: وهب بن منية: لما قال لها " ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى " قالوا " ما هذا بقول ساحر. وقيل: اسرارهم كان أنهم قالوا: ان غلبنا موسى اتبعناه. وقيل أسروا النجوى دون موسى وهارون بقوله " إن هذين لساحران.... " الآية. وهو قول السدي. وقوله " ان هذان لساحران " قيل فيه أوجه: اولها - إنه ضعف عمل (إن) لانها تعمل وليست فعلا لشبهها بالفعل، وليست


(1) مر تخريجه في 3 / 523 وفي ديوان الفرزدق طبع (دار صادر، دار بيروت) 2 / 26 (مجرف) بدل (مجلف) وهو خطأ (*)

[ 184 ]

باصل في العمل، كما انها لما خففت لم تعمل أصلا. والثاني - " إن هذان " أشبه (الذين) في البناء، لان أصله الذي فزادوا نونا للجمع، وتركوه على حالة واحدة في النصب والجر والرفع. فكذلك كان أصله (هذا) فيه ألف مجهولة فزادوا نونا للتثنية وتركوها على حالة واحدة في الاحوال الثلاثة. والثالث - إن (ان) بمعنى (إنه) إلا انها حذفت الهاء. والرابع - انه لما حذفت الالف من (هذا) صارت ألف التثنية عوضا منها، فلم تزل على حالها. وهي لغة بني الحارث بن كعب، وخثعم، وزبيد، وجماعة من قبائل اليمن. وقال بعض بني الحارث بن كعب: واطرق اطراق الشجاع ولو يرى * مساغا لناباه الشجاع لصمما (1) وقال آخر: إن اباها وابا اباها * قد بلغا في المجد غايتاها (2) وقال آخر: تزود منا بين اذناه ضربة * دعته إلى هابي التراب عقيم (3) الخامس - وقال المبرد واسماعيل بن اسحاق القاضي: أحسن ما قيل في ذلك ان (ان) تكون بمعنى نعم ويكون تقديره نعم هذان لساحران، فيكون ابتداء وخبرا قال الشاعر: ظل العواذل بالضحى * يلحينني والومهنه


(1) تفسير القرطبي 11 / 215 وتفسير الطبري 16 / 119 (2) تفسير القرطبي 11 / 217 والشوكاني 3 / 361 (3) تفسير القرطبى 11 / 217 ومجمع البيان 4 / 16 (*)

[ 185 ]

ويقلن شيب قد علاك * وقد كبرت فقلت انه (1) ووجه قراءة حفص انه جعل (إن) بمعنى (ما) وتقديره: ما هذان ساحران. وروي ان ابن مسعود قرأ (ان هذان ساحران) بغير لام. وقرأ ابي (إن هذان إلا ساحران). ومن جعل (ان) بمعنى (نعم) جعل حجته في دخول اللام في الخبر قول الشاعر: خالي لانت ومن جرير خاله * ينل العلا وتكرم الاخوال (2) وقال آخر: ام الحليس لعجوز شهربة * ترضى من اللحم بعظم الرقبة (3) هذه الآية حكاية عن قول فرعون أنه قال لهم " إن هذين " يعني موسى وهارون " لساحران يريدان أن يخرجاكم من ارضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى " قال مجاهد: معناه يذهبا بطريقة اولى العقل والاشراف والانساب. وقال أبو صالح: ويذهبا بسراة الناس. وقال قتادة: ويذهبا ببني اسرائيل، وكانوا عددا يسيرا. وقال ابن زيد: معناه ويذهبا بالطريقة التى أنتم عليها في السيرة (وقيل: المعنى يذهبان بأهل طريقتكم المثلى. والامثل الاشبه بالحق الثابت، والصواب الظاهر. وهو الاولى به) (4). وقال لهم فرعون ايضا " فاجمعوا كيدكم " فمن قطع الهمزة أراد فاعزموا على أمركم وكيدكم وسحركم. وقيل: جمع وأجمع لغتان في العزم على الشئ يقال: جمعت


(1) تفسير القرطبى 11 / 218 ومجمع البيان 4 / 15 (2) تفسير الشوكاني 3 / 433 وتفسير القرطبي 11 / 219 (3) تفسير القرطبى 11 / 219 (4) ما بين القوسين كان في المطبوعة متأخرا عن موضعه مع اخطاء كثيرة فيه (ج 7 م 24 من التبيان) (*)

[ 186 ]

الامر وأجمعت عليه. " ثم ائتوا صفا " ومعناه مصطفين. وقال الزجاج: هو كقولهم: أتيت الصف أي الجماعة. ولم يجمع (صفا) لانه مصدر. وقال قوم: إن هذا من قول فرعون للسحرة. وقال آخرون: بل هو من قول بعض السحرة لبعض. وقوله " وقد افلح اليوم من استعلى " معناه قد فاز اليوم من علا على صاحبه بالغلبة. و " قالوا يا موسى اما أن تلقي واما أن نكون أول من القى " حكاية عما قالت السحرة لموسى فانهم خيروه في الالقاء بين أن يلقوا أولا ما معهم أو يلقي موسى عصاه، ثم يلقون ما معهم، فقال لهم " بل القوا " أنتم ما معكم " فإذا حبالهم وعصيتهم " أي القوا ما معهم، فإذا حبالهم وعصيتهم. وحبال جمع حبل، وعصى جمع عصا، ويجع الحبل حبلا والعصى أعصيا ويثنى عصوان. وانما أمرهم بالالقاء، وهو كفر منهم، لانه ليس بأمر، وانما هو تهديد. ومعناه الخبر، بان من كان إلقاؤه منكم حجة عنده ابتدأ بالالقاء، ذكره الجبائي. وقال قوم: يجوز أن يكون ذلك أمرا على الحقيقة أمرهم بالالقاء على وجه الاعتبار، لاعلى وجه الكفر. وقيل كان عدة السحرة سبعين ألفا - في قول القاسم بن ابي برة وقال ابن جريج: كانوا تسعمائة. وقوله " فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى " وانما قال يخيل، لانها لم تكن تسعى حقيقة، وانما تحركت، لانه قيل إنه كان جعل داخلها زئبق، فلما حميت بالشمس طلب الزئبق الصعود، فتحركت العصي والحبال، فظن موسى أنها تسعى. وقوله " يخيل إليه " قيل إلى فرعون. وقيل إلى موسى. وهو الاظهر. لقوله " فاوجس في نفسه خيفة موسى " وانما خاف دخول الشبهة على قومه. وقيل خاف بطبع البشرية.

[ 187 ]

قوله تعالى: (فأوجس في نفسه خيفة موسى (67) قلنا لا تخف إنك أنت الاعلى (68) وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر ولا يفلح الساحر حيث أتى (69) فالقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هرون وموسى) (70) اربع آيات. قرأ ابن عامر " تلقف " بتشديد القاف ورفع التاء. وقرأ حفص عن عاصم ساكنة الفاء مجزومة خفيفة القاف. الباقون مشددة القاف مجزومة الفاء. وقرأ حمزة والكسائي " كيد سحر " على (فعل) الباقون " ساحر " على (فاعل) قال أبو علي: حجة من قال (ساحر) أن الكيد للساحر، لا للسحر إلا أن يريد كيد ذي سحر، فيكون المعنيان واحدا، ولا يمتنع ان يضاف الكيد إلى السحر مجازا. قوله " فأوجس في نفسه خيفة موسى " قيل في وجه خيفته قولان: احدهما - قال الجبائي والبلخي خاف أن يلتبس على الناس أمرهم، فيتوهموا أنه كان بمنزلة ما كان من أمر عصاه. الثاني - انه خاف بطبع البشرية لما رأى من كثرة ما تخيل من الحيات العظام، فقال الله تعالى له " لا تخف إنك انت الاعلى " أي انك انت الغالب لهم والقاهر لامرهم، ثم أمره تعالى فقال له " ألق ما في يمينك " يعني العصا " تلقف ما صنعوا " أي تأخذها بفيها ابتلاعا و (ما) هاهنا بمعنى الذي، وتقديره تلقف الذي صنعوا فيه، لان فعلهم لا يمكن ابتلاعه، لانها اعراض. ويقال: لقف يلقف وتلقف يتلقف. ومن قرأ (تلقف) مضمومة الفاء مشددة القاف، أراد تتلقف فاسقط احد التائين، وكذلك

[ 188 ]

روى ابن فليح عن البزي عن ابن كثير بتشديد التاء، لانه ادغم احداهما في الاخرى. ومن سكن الفاء جعلها جواب الامر. ومن رفع، فعلى تقدير، فهي تلقف. وقيل: إنها ابتلعت حمل ثلاث مئة بعير من الحبال والعصي. ثم اخذها موسى فرجعت إلى حالها عصا، كما كانت. ثم اخبر تعالى، بأن الذي صنعوه كيد سحر، أو كيد ساحر، على اختلاف القراءتين. وانما رفع " كيد ساحر " لانه خبر (ان). والمعنى إن الذي صنعوه كيد ساحر، ويجوز فيه النصب على أن تكون (ما) كافة لعمل (إن) كقولك إنما ضربت زيدا، ومثله " انما تعبدون من دون الله أوثانا " (1) ثم اخبر تعالى أن الساحر لا يفلح أي لا يفوز بفلاح أي بنجاة " حيث أتى " أي حيث وجد. وقال بعضهم، لانه يجب قتله على كل حال، فلما رأت السحرة ما فعله الله من قلب العصا ثعبانا وابطال سحرهم علموا انه من قبل الله، وانه ليس بسحر، فالقوا نفوسهم ساجدين لله، مقرين بنبوة موسى (ع) مصدقين له. و " قالوا آمنا " أي صدقنا " برب هارون وموسى " وقيل معناه صدقنا بالرب الذي يدعو إليه هارون وموسى، لانه رب الخلائق اجمعين. قوله تعالى: (قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلا قطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولا صلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى (71) قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض


(1) سورة 29 العنكبوت آية 17

[ 189 ]

ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحيوة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) إنه من يأت ربه مجرما فان له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (74) ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فاولئك لهم الدرجات العلى) (75) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وحفص وورش " آمنتم " على لفظ الخبر. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا بهمزتين. الباقون بهمزة واحدة بعدها مدة. قال أبو علي: من قرأ على الخبر، فوجهه أنه قرعهم على تقدمهم بين يديه، وعلى استبدارهم بما كان منهم من الايمان بغير اذنه وأمره، والاستفهام يؤل إلى هذا المعنى. ووجه قراءة أبي عمرو انه أتى بهمزة الاستفهام وهمزة الوصل، وقلب الثانية مدة، كراهية اجتماع الهمزتين. وقد مضى شرح ذلك فيما مضى. حكى الله تعالى ما قال فرعون للسحرة حين آمنوا بموسى وهارون " آمنتم له " أي صدقتموه واتبعتموه " قبل ان آذن لكم " وقال في موضع آخر " آمنتم به " (1) وقيل في الفرق بينهما " ان آمنتم له " يفيد الاتباع، وليس كذلك " آمنتم به " لانه قد يوقن بالخير من غير اتباع له فيما دعا إليه إلا أنه إذا قبل قول الداعي إلى أمر أخذ به. ومن قرأ " آمنتم على الخبر " كأن فرعون أخبر بذلك. ومن قرأ على لفظ الاستفهام كأنه استفهم عن ايمانهم على وجه التقريع لهم. والفرق بين الاذن والامر، أن في الامر دلالة على إرادة الفعل المأمور به، وليس


(1) سورة 7 الاعراف آية 122 (*)

[ 190 ]

في الاذن دلالة على إرادة المأذون فيه، كقوله " وإذا حللتم فاصطادوا " (1) فهذا إذن. ثم قال فرعون " انه " يعني موسى " لكبيركم " اي رئيسكم ومتقدمكم " الذي علمكم السحر " ثم هددهم فقال " لاقطعن ايديكم وارجلكم من خلاف " يعني قطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو اليد اليسرى والرجل اليمنى. وقيل أول من فعل ذلك فرعون، وأول من صلب في جذوع النخل هو، و (في) بمعنى (على) قال الشاعر: وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة * فلا عطست شيبان إلا بأجدعا (2) وقوله " ولتعلمن اينا اشد عذابا وأبقى " قال ابن اسحاق ومحمد بن كعب القرطي معناه: ابقى عقابا ان عصي وثوابا ان اطيع، ورفع " أينا " لانه وقع موقع الاستفهام، ولم يعمل فيه ما قبله من العلم. وقيل انما نسبهم إلى اتباع رئيسهم في السحر ليصرف بذلك الناس عن اتباع موسى (ع) فأجابته السحرة فقالوا " لن نؤثرك " أي لا نختارك يا فرعون " على ما جاءنا من البينات " يعني الادلة الدالة على صدق موسى وصحة نبوته. وقوله " والذي فطرنا " يعني وعلى الذي خلقنا فيكون عطفا على " ما جاءنا من البينات " فيكون جرا، ويحتمل أن يكون جرا بأنه قسم. وقوله " فاقض ما انت قاض " معناه فاصنع ما انت صانع على تمام من قولهم: قضى فلان حاجتي إذا صنع ما اريد على اتمام، قال أبو ذؤيب: وعليهما مسرودتان قضاهما * داود أو صنع السوابغ تبع (3) وقوله " انما تقضي هذه الحياة الدنيا " يعنى انما تصنع بسلطانك وعذابك في هذه الحياة الدنيا دون الاخرة. وقيل: معناه ان الذي يفنى وينقضي هذه الحياة


(1) سورة، 5، المائدة آية 3 (2) تفسير الشوكاني 3 / 363 والقرطبى 11 / 224 والطبري 16 / 126 (3) مر هذا البيت في 1 / 429 و 4 / 88 و 165 و 5 / 398 (*)

[ 191 ]

الدنيا دون حياة الآخرة. وقوله " انا آمنا بربنا " اي صدقنا به، نطلب بذلك أن يغفر لنا خطايانا ويغفر لنا ما اكرهتنا عليه من السحر. قال ابن زيد وابن عباس: إن فرعون رفع غلمانا إلى السحرة يعلمونهم السحر بالغرائم قالوا " والله خير " لنا منكم " وابقى " لنا ثوابا من ثوابك. ثم حكى قول السحرة انهم قالوا " انه من يأت ربه مجرما " وقيل انه خبر من الله تعالى بذلك دون الحكاية عن السحرة " فان له جهنم " جزاء على جرمه وعصيانه " لا يموت فيها " يعني جهنم " ولا يحيى " اي لا يموت فيها فيستريح من العذاب، ولا يحيى حياة فيها راحة، بل هو معاقب بأنواع العقاب. ثم اخبر تعالى فقال " ومن يأته مؤمنا " أي مصدقا بتوحيده وصدق أنبيائه و " قد عمل " الطاعات التى أمره بها (فاولئك لهم الدرجات العلى) أي العاليه والعلى جمع عليا مثل ظلمة وظلم والكبرى والكبر. قوله تعالى: (جنات عدن تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك جزاء من تزكى (76) ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (77) فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (78) وأضل فرعون قومه وما هدى (79) يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الايمن ونزلنا عليكم

[ 192 ]

المن والسلوى) (80) خمس آيات. قرأ حمزة وحده (لا تخف دركا) على النهي، أو على الجزاء لقوله " فاضرب لهم طريقا " الباقون " لا تخاف " بالرفع " ولا تخشى " بألف بلا خلاف على الاستئناف. ومثله قوله " يولوكم الادبار ثم لا ينصرون " (1). وقيل انه يحتمل ان يكون " لا تخش " مجزوما، وزيد الالف ليوافق رؤس الآي كما، قال الشاعر: الم يأتيك والابناء تنمي * بما لاقت لبون بني زياد (2) ومن قرأ " لا تخاف " بالرفع، و " لا تخشى " مثله، فهو على الخبر. وقال ابو علي: هو في موضع نصب على الحال، وتقديره طريقا في البحر يبسا غير خائف دركا. وقرأ حمزة والكسائي " انجيتكم، ووعدتكم " بالتاء فيهما بغير الف. الباقون بالالف والنون. وقرأ أبو عمرو وحده " ووعدناكم " بغير الف. الباقون " وواعدناكم " بالف. ولم يختلفوا في " نزلنا " انه بالنون. ومعنى التاء والنون قريب بعضه من بعض، لكن النون لعظم حال المتكلم. لما اخبر الله تعالى ان لمن آمن بالله الدرجات العلى، قال ولهم " جنات عدن " اي بساتين إقامة " تجري من تحتها الانهار خالدين فيها " وقد فسرناه في غير موضع. ثم قال " وذلك " الذي وصفه " جزاء من تزكى " فالتزكي طلب الزكا بارادة الطاعة، والعمل بها. والزكا النماء في الخبر، ومنه الزكاة، لان الميل ينمو بها في العاجل والاجل، لما لصاحبها عليها من ثواب الله تعالى. وقيل: معنى " تزكى " تطهر من الذنوب بالطاعة بدلا من تدنيسها بالمعصية. والخلود المكث في الشئ إلى غير غاية.


(1) سورة 3 آية آل عمران آية 111 (2) مر هذا البيت 6 / 190 وهو في تفسير القرطبي 11 / 224 وتفسير الشوكاني 3 / 433 (*)

[ 193 ]

ثم أخبر تعالى فقال (ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي) أي سربهم ليلا لان الاسراء السير بالليل (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) والمعنى: اضرب بعصاك البحر تجعل طريقا، فكأنه قيل: اجعل طريقا بالضرب بالعصا، فعداه إلى الطريق لما دخله هذا العنى فكأنه قد ضرب الطريق، كضربه الدينار. واليبس اليابس وجمعه ايباس، وجمع اليبس - بسكون الباء - يبوس. وقال ابو عبيدة: اليبس - بفتح الباء - المكان الجاف. وإذا كان اليبس في نبات الارض فهو اليبس - بسكون الباء - قال علقمة بن عبده: تخشخش أبدان الحديد عليهم * كما خشخشت يبس الحصاد جنوب وقوله (لا تخاف دركا ولا تخشى) معناه لا تخف أن يدركك فرعون، ولا تخش الغرق من البحر - في قول ابن عباس وقتادة - وقيل: معناه لا تخف لحوقا من عدوك، ولا تخش الغرق من البحر الذي انفرج عنك. والمعنيان متقاربان. وكان سبب ذلك أن اصحاب موسى قالوا له: هذا فرعون قد لحقنا، وهذا البحر قد غشينا يعنون اليم، فقال الله تعالى " لا تحف دركا ولا تخش ". ثم اخبر تعالى فقال (فأتبعهم فرعون بجنوده) أي دخل خلف موسى وبني إسرائيل، وفى الكلام حذف لان تقديره: فدخل موسى وقومه البحر ثم أتبعهم فرعون بجنوده ومن اتبعهم. فمن قطع الهمزة جعل الباء زائدة. ومن وصلها أراد: تبعهم وسار في أثرهم، والباء للتعدية. وقوله (فغشيهم من اليم ما غشيهم) يعني الذي غشيهم. وقيل: معناه تعظيم للامر لان (غشيهم) قد دل على (ما غشيهم) وإنما ذكره تعظيما. وقيل: ذكره تأكيدا. وقال قوم: معناه فغشيهم الذي عرفتموه. كما قال أبو النجم: (ج 7 م 25 من التبيان)

[ 194 ]

أنا أبو النجم وشعري شعري (1) وقال الزجاج: فغشيهم من اليم ما غرقهم. وقال الفراء: معناه " فغشيهم من اليم ما غشيهم " لانه ليس الماء كله غشيهم، وانما غشيهم بعضه. وقال قوم: معناه " فغشيم " يعني أصحاب فرعون " من اليم " ما غشي قوم موسى إلا أن الله غرق هؤلاء، ونجا أولئك. ويجوز أن يكون المراد: فغشيهم من قبل اليم الذي غشيهم من الموت والهلاك، فكأنه قال: الذي غشيهم من الموت والهلاك كان من قبل البحر إذ غشيهم، فيكون (غشيهم) الاول للبحر، و (غشيهم) الثاني للهلاك والموت. وقوله " وأضل فرعون قومه وما هدى " معناه أنه دعاهم إلى الضلال واغواهم، فضلوا عنده، فنسب إليه الضلال. وقيل: إن معناه أستمر بهم على الضلالة فلذلك قيل " وما هدى ". ثم عدد الله على بني إسرائيل نعمه، بأن قال " يا بني اسرائيل قد أنجيناكم " أي خلصناكم " من عدوكم " فرعون " وواعدناكم جانب الطور الايمن " معناه إن الله واعدكم جانب الجبل الذي هو الطور، لتسمعوا كلام الله لموسى بحضرتكم هناك " ونزلنا عليكم المن والسلوى " يعني في زمان التيه أنزل عليهم المن، وهو الذي يقع على بعض الاشجار، والسلوى طائر أكبر من السمان. قوله تعالى: (كلوا من طيبات ما رزقناكم ولا تطغوا فيه فيحل عليكم غضبي ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى (81) وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (82) وما أعجلك عن


(1) آمالى السيد المرتضى 1 / 350. وبعد: (لله دري ما يجن صدري) (*)

[ 195 ]

قومك يا موسى (83) قال هو أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (84) قال فانا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري) (85) خمس آيات. قرأ الكسائي وحده " فيحل عليكم " بضم الحاء وكذلك " من يحلل " بضم اللام. الباقون - بكسرها - ولم يختلفوا في الكسر من قوله " ان يحل عليكم غضب من ربكم " (1) يقال حل بالمكان يحل إذا نزل به، وحل يحل - بالكسر - بمعنى وجب. قوله " كلوا من طيبات ما رزقناكم " صورته صورة الامر والمراد به الاباحة، لان الله تعالى لا يريد المباحات من الاكل والشرب في دار التكليف. والطيبات معناه الحلال. وقيل معناه المستلذات. وقوله " ولا تطغوا فيه " معناه لاتتعدوا فيه فتأكلوه على وجه حرمه الله عليكم، فتتعدون فيه بمعصية الله، ويمكن ترك الاكل على وجه حرمه الله إلى وجه أباحه الله على الوجه الذي أذن فيه، وعلى وجه الطاعة أيضا، للاستعانة به على غيره من طاعة الله. وقوله " فيحل عليكم غضبي " معناه متى طغيتم فيه واكلتموه على وجه الحرام، نزل عليكم غضبي، على قراءة من ضم الحاء، ومن كسره: معناه يجب عليكم غضبي الذي هو عقاب الله. ثم اخبر تعالى أن من حل غضب الله عليه " فقد هوى " يعني هلك، لان من هوى من علو إلى سفل، فقد هلك. وقيل: هو بمعنى تردى وقيل: معناه هوى إلى النار.


(1) سورة 20 طه آية 86 (*)

[ 196 ]

ثم أخبر تعالى عن نفسه أنه " غفار " أي ستار " لمن تاب من المعاصي " فاسقط عقابه وستر معاصيه إذا أضاف إلى إيمانه الاعمال الصالحات " ثم أهتدى " قال قتادة: معناه ثم لزم الايمان إلى أن يموت، كأنه قال: ثم استمر على الاستقامة. وانما قال ذلك، لئلا يتكل الانسان على انه قد كان أخلص الطاعة. وفى تفسير أهل البيت (ع) ان معناه " ثم أهتدى " إلى ولاية أوليائه الذين أوجب الله طاعتهم والانقياد لامرهم. وقال ثابت البنائي: ثم أهتدى إلى ولاية أهل بيت النبي صلى الله عليه وآله. ثم خاطب موسى (ع)، فقال " وما أعجلك عن قومك يا موسى " قال ابن اسحاق: كانت المواعدة أن يوافي هو وقومه، فسبق موسى إلى ميقات ربه، فقرره الله على ذلك لم فعله ؟ وقال موسى في جوابه " هم أولاء على أثري وعلجت اليك رب لترضى " فقال الله " فانا قد فتنا قومك من بعدك " أي عاملناهم معاملة المختبر بان شددنا عليهم في التعبد بأن ألزمناهم عند اخراج العجل أن يستدلوا على أنه لا يجوز أن يكون إلها، ولا أن يحل الاله فيه، فحقيقة الفتنة تتشديد العبادة. وقوله " واضلهم السامري " معناه أنه دعاهم إلى عبادة العجل، فضلوا عند ذلك، فنسب الله الاضلال إليه لما ضلوا بدعائه. قوله تعالى: (فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (86) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أو زارا من زينة القوم

[ 197 ]

فقذفناها فكذلك ألقى السامري (87) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (88) أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (89) ولقد قال لهم هرون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري) (90) خمس آيات. قرأ ابن كثير وابو عمرو وابن عامر " بملكنا " بكسر الميم - وقرأ نافع وعاصم - بفتح الميم - وقرأ حمزة والكسائي - بضم الميم - من ضم الميم فمعناه بسلطاننا وقيل إن في ذلك ثلاث لغات: فتح الميم وضمها وكسرها. وقرأ أبو عمرو، وحمزة وابو بكر " حملنا " - بفتح الحاء والميم - مخففا. الباقون - بضم الحاء وكسر الميم - مشددا. اخبر الله تعالى أن موسى رجع من ميقات ربه " إلى قومه غضبان أسفا " والغضب ضد الرضا، وهو ما يدعو إلى فعل العقاب، والاسف أشد الغضب. وقال ابن عباس: معنى " أسفا " اي حزينا. وبه قال قتادة والسدي. والاسف أشد الغضب. وقال بعضهم: قد يكون بمعنى الغضب، ويكون بمعنى الحزن. قال الله تعالى " فلما أسفونا انتقمنا منهم " (1) أي أغضبونا، فقال موسى لقومه " يا قوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا " لان الله تعالى كان وعد موسى بالنجاة من عدوهم، ومجيئهم إلى جانب الطور الايمن، ووعده بأنه تعالى " غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم


(1) سورة 43 الزخرف آية 55 (*)

[ 198 ]

أهتدى " ثم قال " أفطال عليكم العهد " أي عهدي ولقائي فنسيتموه " أم أردتم أن يحل عليكم " اي يجب عليكم " غضب " اي عقاب " من ربكم فاخلفتم موعدي " أي ما وعدتموني من المقام على الطاعات. وقال الحسن: معنى " ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا " في الآخرة على التمسك بدينه في الدنيا. وقيل الذي وعدهم الله به التوراة، وفيها النور والهدى ليعملوا بما فيها، ويستحقوا عليه الثواب. وكانوا وعدوه أن يقيموا على أمرهم، فأخلفوا، وقالوا جوابا لموسى " ما أخلفنا موعدك بملكنا " أي قال المؤمنون: لم نملك أن نرد عن ذلك السفهاء. قال قتادة والسدي: معنى " بملكنا " بطاقتنا. وقال ابن زيد: معناه لم نملك أنفسنا للبلية التي وقعت بنا. فمن فتح الميم: أراد المصدر. ومن كسرها أراد: ما يتملك. ومن ضم أراد: السلطان والقوة به. وقوله " ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم " معناه إنا حملنا أثقالا من حلي آل فرعون، وذلك أن موسى أهرم ان يستعيروا من حليهم - في قول ابن عباس ومجاهد والسدي وابن زيد - وقيل: جعلت حلالا لهم. ومن قرأ بالتشديد أراد ان غيرنا حملنا ذلك بأن أمرنا بحمله. وقوله " فقذفناها " أي طرحنا تلك الحلي، ومثل ذلك " ألقى السامري " ما كان معه من الحلي. وقيل " أوزارا " أي اثقالا من حلي آل فرعون، لما قذفهم البحر أخذوها منهم. ثم اخبر تعالى فقال: إن السامري أخرج لقوم موسى عجلا جسدا له خوار، فقيل ان ذلك العجل كان في صورة ثور صاغها من الحلي التي كانت معهم، ثم ألقى عليها من أثر جبرائيل شيئا، فانقلب حيوانا يخور - ذكره الحسن وقتادة والسدي - و (الخور) الصوت الشديد كصوت البقرة. وقال مجاهد: كان خواره بالريح إذا دخلت في جوفه. وأجاز قوم الاول، وقالوا: إن ذلك معجزة تجوز

[ 199 ]

في زمن الانبياء. وقول مجاهد أقوى، لان إظهار المعجزات لا يجوز على أيدي المبطلين، وإن كان في زمن الانبياء. وقال الجبائي: انما صوره على صورة العجل وجعل فيه خروقا إذا دخله الريح أو هم انه يخور. وقيل: انه خار دفعة واحدة " فقالوا هذا إلهكم وإله موسى " يعني قال ذلك السامري ومن تابعه ان هذا العجل معبودكم ومعبود موسى، " فنسي " أي نسي موسى أنه إلهه، وهو قول السامري - في قول ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن زيد والضحاك - وقال ابن عباس في رواية أخرى: معناه، فنسى السامري ما كان عليه من الايمان، لانه نافق لما عبر البحر. ومعناه ترك ما كان عليه. وقال قوم: معناه " فنسي " موسى أنه أراد هذا العجل، فنسي وترك الطريق الذي يصل منه إليه، ويكون حكاية قول السامري. ثم قال تعالى تنبيها لهم على خطئهم " أفلا يرون " أي أفلا يعلمون أنه " لا يرجع إليهم قولا " أي لا يجيبهم إذا خاطبوه، ولا يقدر لهم على ضر ولا نفع. ثم اخبر ان هارون قال لهم قبل ذلك " يا قوم إنما فتنتم به " أي ابتليتم واختبرتم به " وإن ربكم الرحمن " اي الذين يستحق العبادة عليكم هو الرحمن الذي أنعم عليكم بضروب النعم " فاتبعوني " فيما أقول لكم " واطيعوا أمري " فيما آمركم به. قوله تعالى: (قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (91) قال يا هرون ما منعك إذا رأيتهم ضلوا (92) ألا تتبعن أفعصيت أمري (93) قال يا بنؤم لاتأ خذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت

[ 200 ]

أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (94) قال فما خطبك يا سامري) (95) خمس آيات. قرأ " يا ابن أم " - بفتح الميم - ابن كثير وأبو عمرو، وعاصم في رواية حفص. الباقون - بكسر الميم - من فتح الميم جعل " ابن أم " اسما واحدا وبناهما على الفتح مثل (خمسة عشر) إلا ان (خمسة عشر) تضمن معنى الواو، وتقديره خمسة وعشرة، و " ابن أم " بمعنى اللام وتقديره: لامي، وكلاهما على تقدير الاتصال بالحرف على جهة الحذف، ويجوز " يا ابن أم " على الاضافة، ولم يجئ هذا البناء إلا في يا أبن ام، ويا عم، لانه كثر حتى صار يقال للاجنبي، فلما عدل بمعناه عدل بلفظه، قال الشاعر: رجال ونسوان يودون أنني * وإياك يا ابن عم ونفضح ويحتمل ان يكون (اراد يابن أماه) فرخم. ويحتمل ان يكون أراد (يابن اما) (فخفف، ومن كسر اراد ياين امي (1) لان العرب تقول: يا ابن اما بمعنى يا ابن امي ويا ربا بمعنى يا ربي. فمن كسر اراد: يا ابن امي، فحذف الياء وابقى الكسرة تدل عليها. حكى الله تعالى ما اجاب به قوم موسى لهارون حين نهاهم عن عبادة العجل وأمرهم باتباعه، فانهم " قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع الينا موسى " أي لن نزال لازمين لهذا العجل إلى أن يعود الينا موسى، فننظر ما يقول قال الشاعر: فما برحت خيل تثوب وتدعي * ويلحق منها لاحق وتقطع (2)


(1) ما بين القوسين ساقط من الطبوعة. (2) مر تخريجه في 6 / 182 وروايته هناك - (فتئت) بدل (برحت) (*)

[ 201 ]

والعكوف لزوم الشئ مع القصد إليه على مرور الوقت، ومنه الاعتكاف في المسجد. ثم اخبر تعالى أن موسى لما رجع إلى قومه، قال لهارون " يا هارون ما منعك ألا تتبعني " قال ابن عباس: معناه بمن أقام على إيمانه. وقال إبن جريج: معناه ألا تتبعني في شدة الزجر لهم عن الكفر. ومعنى (ألا تتبعني) ما منعك أن تتبعني و (لا) زائدة، كما " قال ما منعك ألا تسجد إد امرتك " (1) وقد بينا القول في ذلك. وإنما جاز ذلك لانه المفهوم أن المراد ما منعك بدعائه لك إلى أن لا تتبعني فدخلت (لا) لتنبئ عن هذا المعنى، وهو منع الداعي دون منع الحائل. وقوله " أفعصيت أمري " صورته صورة الاستفهام، والمراد به التقرير، لان موسى كان يعلم أن هارون لا يعصيه في أمره، فقال له هارون في الجواب " لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي " حين اخذ موسى بلحيته ورأسه. وقيل في وجه ذلك قولان: احدهما - ان عادة ذلك الوقت أن الواحد إذا خاطب غيره قبض على لحيته، كما يقبض على يده في عادتنا، والعادات تختلف ولم يكن ذلك على وجه الاستخفاف. والثاني - انه أجراه مجرى نفسه إذا غضب، في القبض على لحيته، لانه لم يكن يتهم عليه، كما لايتهم على نفسه. وقوله " إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل " معناه إني خفت أني أن فعلت ذلك على وجه العنف والاكراه أن يتفرقوا وتختلف كلمتهم ويصيروا أحزابا، حزبا يلحقون بموسى وحزبا يقيمون مع السامري على اتباعه، وحزبا يقيمون على الشك في أمره. ثم لا يؤمن إذا تركتهم كذلك أن يصيروا بالخلاف إلى سفك الدماء، وشدة التصميم على أمر السامري، فاعتذر بما مثله يقبل، لانه وجه


(1) سورة 7 الاعراف آية 11 (ج 7 م 26 من التبيان) (*)

[ 202 ]

من وجوه الرأي. قوله " ولم ترقب قولي " أي لم تحفظ قولي - في قول ابن عباس - فعدل عن ذلك موسى إلى خطاب السامري، فقال له " ما خطبك يا سامري " أي ما شأنك وما دعاك إلى ما صنعت ؟ ! وأصل الخطب: الجليل من الامر، فكأنه قيل: ما هذا العظيم الذي دعاك إلى ما صنعت. قوله تعالى: (قال بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سؤلت لي نفسي (96) قال فاذهب فان لك في الحيوة أن تقول لامساس وإن لك موعدا لن تخلفه وانظر إلى إلهك الذي ظلت عليه عاكفا لنحرقنه ثم لننسفنه في اليم نسفا (97) إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شئ علما (98) كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق وقد آتيناك من لدنا ذكرا (99) من أعرض عنه فانه يحمل يوم القيمة وزرا (100) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي " ما لم تبصروا " بالتاء. الباقون بالياء المعجمة من اسفل. من قرأ بالتاء حمله على خطابه لجميعهم. ومن قرأ بالياء اراد: بصرت بما لم يبصروا بنو إسرائيل. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " لن تخلفه " بكسر اللام.

[ 203 ]

الباقون بفتح اللام. والمعنى: لان الله يكافيك على ما فعلت يوم القيامة، لانه بذلك وعد. يقال: اخلفت موعد فلان إذا لم تف بما وعدته. ومن قرأ - على ما لم يسم فاعله - جعل الخلف من غير المخاطب، والهاء كناية عن الموعد، وهو المفعول به، والفاعل لم يذكر. حكى الله تعالى قول موسى للسامري وسؤاله إياه بقوله " ما خطبك يا سامري " وحكى ما أجاب به السامري، فانه قال " بصرت بما لم يبصروا به " والمعنى رأيت ما لم يروه. فمن قرأ بالياء اراد ما لم يبصروا هؤلاء. ومن قرأ بالتاء حمله على الخطاب وبصرا لا يتعدى، وإن كانت الرؤية متعدية، لان ما كان على وزن (فعل) بضم العين لا يتعدى. غير انه وان كان غير متعد، فانه يتعدى بحرف الجر، كما عداه - ههنا - بالباء. وقيل بصرت - ههنا - بمعنى علمت من البصيرة. يقال: بصر يبصر إذا علم. وابصر ابصارا إذا رأى. وقوله " فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها " قرأ الحسن بالصاد غير المعجمة. والقراء على القراءة بالضاد المنقطة، والفرق بينهما ان (القبضة) بالضاد بملئ الكف، وبالصاد غير المعجمة بأطراف الاصابع، وقيل: انه قبض قبضة من اثر جبرائيل (ع) " فنبذتها " في الحلي على ما اطمعتني نفسي من انقلابه حيوانا. وقال ابن زيد: معنى " سولت لي نفسي " حدثتني. وقيل: معناه زينت لي نفسي. فان قيل: لم جاز إنقلابه حيوانا - مع انه معجز - لغير نبي ؟ ! قلنا: في ذلك خلاف، فمنهم من قال: انه كان معلوما معتادا في ذلك الوقت انه من قبض من اثر الرسول قبضة فألقاها على جماد صار حيوانا - ذكره أبو بكر ابن الاخشاذ - فعلى هذا لا يكون خرق عادة بدل بل كان معتادا. وقال الحسن: صار لحما ودما. وقال الجبائي: المعنى سولت له نفسه مالا حقيقة له وانما خار بحيلة: جعلت

[ 204 ]

فيه خروق إذا دخلتها الريح سمع له خوار منه. فقال له موسى عند ذلك " فاذهب " يا سامري " فان لك في الحياة أن تقول لامساس " واختلفوا في معناه، فقال قوم: معناه تقول لا أمس ولا أمس، وكان موسى امر بني إسرائيل ألا يؤاكلوه ولا يخالطوه ولا يبايعوه، فيما ذكر. وقال الجبائي: معناه انه لا مساس لاحد من الناس، لانه جعل يهيم في البرية مع الوحش والسباع. وقوله " لامساس " بالكسر والفتح، فان كسرت فمثل لا رجال، وإذا فتحت الميم بنيت على الكسر مثل نزال، قال رؤية: حتى تقول الازد لا مساسا (1) وقال الشاعر: تميم كرهط السامري وقوله * ألا لا يريد السامري مساسا (2) وكله بمعنى المماسة والمخالطة. ثم قال " وان لك موعدا لن تخلفه " من جهتنا فيمن قرأ بالفتح، ومن قرأ بالكسر معناه لا تخلفه انت، وهما متقاربان، ويريد بالموعد البعث والنشور والجزاء، اما جنة واما نارا. ثم قال " انظر إلى الهلك " يعني معبودك عند نفسك أبصره " الذي ظلت عليه عاكفا " قال ابن عباس: معناه اقمت عليه عاكفا، واصله ظللت، فحذف اللام المكسورة للتخفيف وكراهية التضعيف، وللعرب فيها مذهبان، فتح الظاء، وكسرها، فمن فتح تركها على حالها، ومن كسر نقل حركة اللام إليها للاشعار باصلها. ومثله مست ومست في مسست. وهمت وهمت، في هممت، وهل احست في احسست، قال الشاعر:


تفسير القرطبي 11 / 241 / والشوكاني 3 / 371 (2) تفسير القرطبي 11 / 240 (*)

[ 205 ]

خلا ان العتاق من المطايا * أحس به فهن إليه شوس (1) وقوله " لنحرقنه " يعني بالنار يقال: انه حرقه ثم ذراه في البحر - في قول ابن عباس - يقال حرقته بتشديد الراء إذا حرقته بالنار وحرقته بتخفيف الراء بمعنى بردته بالمبرد، وذلك لانه يقطع به كما يقطع المحرق بالنار يقال حرقته واحرقته حرقا، كما قال الشاعر: بذي فرفير يوم بنو حبيب * بيوتهم علينا يحرقونا (2) وقال زهير: ابى الضيم والنعمان يحرق نابه * عليه فأفضى والسيوف معاقله (3) وقرأ أبو جعفر المدني " لنحرقنه " بفتح النون وسكون الحاء وضم الراء بمعنى لنبردنه. وروي ذلك عن علي (ع)، ويقال نسف فلان الطعام بالمنسف إذا ذراه لتطير عنه قشوره. وقال سعيد بن جبير: كان السامري رجلا من اهل كرمان. وقال قوم: كان من بني اسرائيل، واليه تنسب (السامرة) من اليهود. وحكى قوم: ان قبيلته إلى اليوم يقولون في كلامهم: لا مساس. ثم اقبل على قومه فقال " انما الهكم الله الذي لا اله الا هو " اي ليس لكم معبود الا الله الذي " وسع كل شئ علما " اي يعلم كل شئ، لا يخفى عليه شئ منها، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة. ثم قال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله مثل ذلك " نقص عليك من ابناء " يعني اخبار " ما قد سبق " وتقدم " وقد آتيناك من لدنا ذكرا " اي اعطيناك من عندنا


(1) تفسير الطبري 16 / 137 والقرطبى 11 / 242 (2) تفسير الطبري 16 / 138 (3) ديوان (دار بيروت) 69 وهذا البيت برمته ساقط من المطبوعة (*)

[ 206 ]

علما بأخبار الماضين. وقال الجبائي: اراد آتيناك من عدنا القرآن لانه سماه ذكرا. ثم قال " من اعرض " عن التصديق بما اخبرناك به وعن توحيد الله، واخلاص عبادته " فانه يحمل يوم القيامة وزرا " اي اثما، واصل الوزر الثقل، في قول مجاهد. قوله تعالى: (خالدين فيه وساءلهم يوم القيمة حملا (101) يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ رزقا (102) يتخافتون بينهم إن لبثهم إلا عشرا (103) نحن أعلم بما يقولون إذ يقول أمثلهم طريقة إن لبثتم إلا يوما (104) ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) (107) سبع آيات. قرأ أبو عمرو وحده " يوم ننفخ " بفتح النون مع قوله " ونحشر ". الباقون " ينفخ " بالياء على ما لم يسم فاعله. قوله " خالدين " نصب على الحال، والعامل فيه (العذاب) الذي تقدم ذكره من الوزر، والمعنى في عذاب الاثم (وساء لهم يوم القيامة حملا) نصب (حملا) على التمييز. وفاعل (ساء) مضمر، وتقديره: ساء الحمل حملا، الا انه استغني بالمفسر عن اظهار المضمر، كقولهم بئس رجلا صاحبك. وانما اضمر، ثم فسره، لانه افخم واهول، والمعنى وساء ذلك الحمل الوزر لهم يوم القيامة حملا، فيما ينزل بهم. وقوله (يوم ينفخ في الصور) فالنفخ اخراج الريح من الجوف بالدفع من

[ 207 ]

الفم، فهذا اصله، ثم قد يسمى احداث الريح من الزق أو البوق نفخا، لانه كالنفخ المعروف. و (الصور) قيل في معناه قولان: احدهما - انه جمع صورة، كل حيوان تنفخ فيه الروح، فتجري في جسمه، ويقوم حيا باذن الله. والثاني - انه قرن ينفخ فيه النفخة الثانية ليقوم الناس من قبورهم عند تلك النفخة تصويرا لتلك الحال في النفوس بما هو معلوم، مما عهدوه من بوق الرحيل وبوق النزول. وقوله (ونحشر المجرمين يومئذ زرقا) قيل: معناه إنه أزرقت عيونهم من شدة العطش. وقيل: معناه عميا، كما قال (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا) (1) كأنها ترى زرقا وهي عمي. وقيل: المعني في (زرقا) تشويه الخلق: وجوههم سود وأعينهم زرق. وقوله (يتخافتون بينهم) معناه يتشاورون بينهم - في قول ابن عباس - ومنه قوله (ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها) ومعناه لاتعلن صوتك بالقراءة في الصلاة كل الاعلان ولا تخفها كل لا خفاء (وابتغ بين ذلك سبيلا) (2) وقوله (إن لبثتم إلا عشرا) يعني ما أقمتم في قبوركم إلا عشرا. وانما يقولون ذلك القول لانهم لشدة ما يرونه من هول القيامة ينسون ما لبثوا في الدنيا، فيقولون هذا القول. وقيل: معناه وتأويله انه يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لما يرون من أحوالهم التي رجعت إليهم، كأنهم كانوا نياما، فانتبهوا. وقال الحسن: إن لبثتم إلا عشرا يقللون لبثهم في الدنيا لطول ما هم لا بثون في النار. ثم قال تعالى (نحن اعلم بما يقولون إذ يقول امثلهم طريقة) أي اصلحهم


(1) سورة 17 الاسرى آية 97 (2) سورة 17 الاسرى آية 110 (*)

[ 208 ]

طريقة وأوفرهم عقلا. وقيل: أكثرهم سدادا، يعني عنه نفسه (إن لبثتم إلا يوما) قال أبو علي الجبائي: معناه (إن لبثتم إلا يوما) بعد انقطاع عذاب القبر عنهم، وذلك ان الله يعذبهم ثم يعيدهم. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا) قيل: انه يجعلها بمنزلة الرمل، ثم يرسل عليها الرياح فتذريها كتذرية الطعام عن القشور والتراب. وقيل: ان الجبال تصير كالهباء (فيذرها قاعا صفصفا) قال ابن عباس: الصفصف الموضع المستوي الذي لانبات فيه، وهو قول مجاهد وابن زيد. وقيل هو المكان المستوي كانه على صف واحد في استوائه، والقاع قيل: هو الارض الملساء. وقيل مستنقع الماء وجمعه اقواع قال الشاعر: كان أيدهن بالقاع القرق * أيدي جوار يتعاطين الورق (1) وقال الكلبي: الصفصف ما لا تراب فيه. (لا ترى فيها عوجا ولا أمتا) يعني واديا ولا رابية - في قول ابن عباس - وقيل (عوجا) معناه صدعا (ولا أمتا) يعني اكمة. وقيل: معنى (عوجا) ميلا و (أمتا) اثرا. وقال أبو عبيدة: (صفصفا) اي مستويا املسا. و (العوج) مصدر ما اعوج من المجاري، والمسايل والاودية والارتفاع يمينا وشمالا و " لا أمتا " اي لا ربا ولا وهاد، أي لا ارتفاع فيه ولا هبوط، يقال: مد حبله حتى ما ترك فيه امتا، وملا سقاه حتى ما ترك فيه أمتا أي انثناء، قال الشاعر: ما في انحداب سيره من أمت (2)


(1) امالي الشريف المرتضى 1 / 561 واللسان (قرق) (2) تفسير الطبري 16 / 141 والشوكاني 3 / 372 (*)

[ 209 ]

قوله تعالى: (يومئذ يتبعون الداعي لاعوج له وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) (110) ثلاث آيات. يقول الله تعالى إن اليوم الذي ينسف الله فيه الجبال نسفا. ويذرها قاعا صفصفا، حتى لا يبقى فيه عوج ولا امت، تتبع الخلائق يومئذ الداعي لهم إلى المحشر (لا عوج له) اي لا يميلون عنه، ولا يعدلون عن ندائه، ولا يعصونه كما يعصون في دار الدنيا (وخشعت الاصوات للرحمن) اي تخضع له بمعنى انها تسكن، ولا ترتفع - في قول ابن عباس - والخشوع الخضوع قال الشاعر: لما اتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (1) وقوله تعالى " فلا تسمع إلا همسا " فالهمس صوت الاقدام - في قول ابن عباس وابن زيد - وقال مجاهد: الهمس إخفاء الكلام، قال الراجز في الهمس: وهن يمشين بنا هميسا (2) يعني صوت اخفاف الابل في سيرها. وقوله (يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا) اخبر الله تعالى أن ذلك اليوم لا تنفع شفاعة احد في


(1) قائله جرير ديوانه (دار بيروت) 270 وقد مر في 1 / 204، 312 من هذا الكتاب (2) تفسير القرطبي 11 / 249 والشوكاني 3 / 372 والطبري 16 / 114 (ج 7 م 27 من التبيان) (*)

[ 210 ]

غيره، إلا شفاعة من أذن الله له أن يشفع، ورضي قوله فيها: من الانبياء والاولياء والصديقين والمؤمنين. ثم قال (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم) أي يعلم ما بين أيدي الخلائق من أمور القيامة واحوالهم، ويعلم ما سبقهم فيما تقدمهم (ولا يحيطون) هم (به) بالله (علما). والمعنى انهم لا يعلمون كل ما هو تعالى عالم به لنفسه، فلا يعمله أحد علم إحاطة، وهو تعالى يعلم جميع ذلك، وجميع الاشياء علم إحاطة، بمعنى انه يعلمها على كل وجه يصح أن تعلم عليه مفصلا. وقال الجبائي: معناه ولا يحيطون بما خلفهم علما، ولا بما بين أيديهم. قوله تعالى: (وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) وكذلك انزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا (113) فتعالى الله الملك الحق ولا تعجل بالقران من قبل ان يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (114) ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) (115) خمس آيات. قرأ ابن كثير وحده (فلا يخف ظلما) على النهي. الباقون على الخير. قال ابو علي النحوي: قوله (وهو مؤمن) جملة في موضع الحال والعامل فيها (يعمل) وذو الحال الذكر الذي في يعمل من (من)، وموضع الفاء، وما بعدها من قوله

[ 211 ]

(فلا يخاف) الجزم، لكونه في موضع جواب الشرط. والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، وتقديره: فهو لا يخاف، والامر في ذلك حسن، لان تقديره من عمل صالحا فليأمن، ولا يخف. والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه. وقوله (وعنت الوجوه) أي خضعت وذلت خضوع الاسير في يد القاهر له، والعاني الاسير، ويقال: عنا وجهي لربه يعنو عنوا اي ذل وخضع ومنه: أخذت الشئ عنوة أي غلبة بذل المأخوذ منه، وقد يكون العنوة عن تسليم وطاعة، لانه على طاعة الذليل للعزيز قال الشاعر: هل انت مطيعي ايها القلب عنوة * ولم تلح نفس لم تلم في اخيتالها (1) وقال آخر: فما اخذوها عنوة عن مودة * ولكن بضرب المشرفي استقالها (2) و (عنت) ذلت - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة. و (القيوم) قيل في معناه قولان: احدهما - انه العالم فيما يستقيم به تدبير جميع الخلق، فعلى هذا لم يزل الله قيوما والثاني - انه القائم بتدبير الخلق، وهي مثل صفة حكيم على وجهين. وقال الجبائي: القيوم القائم بأنه دائم لا يبيد ولا يزول. وقال الحسن: هو القائم على كل نفس بما كست حتى يجزيها. ووجه (عنت الوجوه للحي القيوم) انها تدل عليه، لان الفعل منه تعالى يدل على انه قادر وكونه قادرا يدل على انه عالم. وقيل: معنى (وعنت الوجوه) هو وضع الجبهة والانف على الارض في السجود - في قول طلق ابن حبيب


(1) تفسير الطبري 16 / 142 (2) تفسير الطبري 16 / 142 والقرطبى 11 / 249 واللسان (عنو) (*)

[ 212 ]

وقوله (وقد خاب من حمل ظلما) أي خسر الثواب من جاء يوم القيامة كافرا ظلما مستحقا للعقاب. و (من) في قوله (من الصالحات) زائدة عند قوم والمراد من يعمل الصالحات. ويحتمل ان تكون للتبعيض، لان جميع الصالحات لا يمكن احد فعلها، فأخبر الله تعالى ان من يعمل الاعمال الصالحات، وهو مؤمن عارف بالله تعالى مصدق بأنبيائه (فلا يخاف ظلما ولا هضما) اي لا يخاف ظلما بالزيادة في سيأته، ولا زيادة في عقابه الذي يستحقه على معاصيه (ولا هضما) أي ولا نقصانا من حسناته ولا من ثوابه - في قول ابن عباس والحسن وقتادة - وقيل (لا يخاف ظلما) بأن لا يجزى بعمله (ولا هضما) بالانتقاص من حقه - في قول ابن زيد. فمن قرأ " فلا يخاف " أراد الاخبار بذلك. ومن قرأ " فلا يخف " معناه معنى النهي للمؤمن الذي وصفه عن أن يخاف ظلما أو هضما. وأصل الهضم النقص، يقال: هضمني فلان حقى اي نقصني. وامرأة هضيم الحشا أي ضامرة الكشحين بنقصانه عن حد غيره. ومنه هضمت المعدة الطعام اي نقصت مع تغييرها له. وقوله " وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا " أي كما اخبرناك باخبار القيامة أنزلنا عليك يا محمد القرآن " وصرفنا فيه من الوعيد " اي ذكرناه على وجوه مختلفة، وبيناه بألفاظ مختلفة، لكي يتقوا معاصيه ويحذروا عقابه " أو يحدث " القرآن " لهم ذكرا " ومعناه ذكرا يعتبرون به. وقيل " ذكرا " أي شرفا بايمانهم به. ثم قال تعالى " فتعالى الله الملك الحق " اي ذو الحق، ومعناه ارتفع - معنى صفته - فوق كل شئ سواه، لانه اقدر من كل قادر، واعلم من كل عالم سواه لان كل قادر عالم سواه يحتاج إليه، وهو غني عنه. وقوله (ولا تجعل بالقرآن من قبل ان يقضى اليك وحيه " أي لا تسأل إنزاله قبل ان يأتيك وحيه. وقيل: معناه لا تلقه إلى الناس قبل ان يأتيك بيان

[ 213 ]

تأويله. وقيل: لا تعجل بتلاوته فبل ان يفرغ جبرائيل من ادائه اليك. وقوله " وقل رب زدني علما " اي استزد من الله علما إلى علمك. وقال الحسن: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا نزل عليه الوحي عجل بقراءته مخافة نسيانه. وقوله " ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما " قال ابن عباس ومجاهد: معناه عهد الله إليه، بأن امره به ووصاه به " فنسي " اي ترك. وقيل إنما اخذ الانسان من انه عهد إليه فنسي - في قول ابن عباس - وقوله " ولم نجد له عزما " أي عقدا ثابتا. وقال قتادة: يعني صبرا. وقال عطية: أي لم تجد له حفظا. والعزم الارادة المتقدمة لتوطين النفس على الفعل. وقرأ يعقوب " من قبل ان نقضي " بالنون وكسر الضاد وفتح الياء بعدها " وحيه " بنصب الياء. الباقون " يقضى " بناه لما لم يسم فاعله ورفع الياء في قوله " وحيه "، قوله تعالى (وإذ قلنا للملئكة اسجدوا لادم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا ادم ان هذا عدولك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لاتظمؤ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى) (120) خمس آيات قرأ نافع وأبو بكر عن عاصم " وإنك لا تظمؤ " بكسر الهمزة على الاستئناف

[ 214 ]

وقطعه عن الاول. الباقون بالنصب عطفا على اسم (أن). يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله يا محمد واذكر حين قال الله تعالى " للملائكة اسجدوا لآدم " أي أمرهم بالسجود له، وانهم سجدوا له بأجمعهم إلا إبليس وقد بينا - فيما تقدم - أن أمر الله تعالى للملائكة بالسجود لآدم يدل على تفضيله عليهم، وإن كان السجود لله تعالى لا لآدم، لان السجود عبادة، لا يجوز أن يفعل إلا لله، فأما الخلوقات فلا تستحق شيئا من العبادة بحال، لان العبادة تستحق بأصول النعم وبقدر من النعم لا يوازيها نعمة منعم. وقال قوم: ان سجود الملائكة لآدم كان كما يسجد إلى جهة الكعبة - وهو قول الجبائي - والصحيح الاول، لان التعظيم الذي هو في أعلى المراتب حاصل لله لا لآدم باسجاد الملائكة له. ولو لم يكن الامر على ما قلناه من أن في ذلك تفضيلا لآدم عليهم، لما كان لامتناع إبليس من السجود له وجه، ولما كان لقوله " أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين " (1) وجه. فلما احتج إبليس بأنه أفضل من آدم - وان أخطأ في الاحتجاج - علمنا أن موضوع الامر بالسجود لآدم على جهة التفضيل، وإلا كان يقول الله لابليس: إني ما فضلته على من أمرته بالسجود لآدم وإنما السجود لي، وهو بمنزلة القبلة، فلا ينبغي أن تانف من ذلك. وقد بينا أن الظاهر - في روايات أصحابنا - أن ابليس كان من جملة الملائكة وهو المشهور - في قول ابن عباس - وذكره البلخي - فعلى هذا يكون استثناء إبليس من جملة الملائكة استثناء متصلا. ومن قال: إن ابليس لم يكن من جملة الملائكة قال: هو استثناء منقطع، وانما جاز ذلك، لانه كان مأمورا ايضا بالسجود له، فاستثني على المعنى دون اللفظ، كما يقال: خرج أصحاب الامير إلا الامير، وكما قال عنتر


(1) سورة 7 الاعراف آية 11 (*)

[ 215 ]

ابن دجاجة: من كان أشرك في تفرق مالح * فلبونه جربت معا واغذت الا كنا شرة الذي ضيعتم * كالغصن في غلوائه المتثبت والمعنى لكن هذا كناشرة. وتقول: قام الاشراف للرئيس، إلا العامي الذي لا يلتفت إليه. قال الرماني: وإذا أمر الملائكة بالسجود اقتضى أمن من دونهم داخل معهم، كما أنه إذا أمر الكبراء بالقيام للامير اقتضى أن الصغار القدر، قد دخلوا معهم. وقوله " أبى " معناه امتنع " فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك " حكاية عما قال الله تعالى لآدم: إن إبليس عدوك وعدو زوجتك يريد إخراجكما من الجنة، ونسب الاخراج إلى ابليس إذ كان بدعائه واغوائه. وقوله " فتشقى " قيل: معناه تتعب بأن تأكل من كديدك وما تكتسبه لنفسك. وقيل: فتشقى على خطاب الواحد، والمعنى فتشقى أنت وزوجك، لان امرهما في السبب واحد، فاستوى حكمهما لاستوائهما في العلة. وقيل: خص بالشقاء لان الرجل يكد على زوجته. وقوله " إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى " يعني في الجنة ما دمت على طاعتك لي والامتثال لامري وانك " لا تعرى " فيها من الكسوة " وإنك لا تظمأ فيها " اي لا تعطش فيها " ولا تضحى " أي لا يصيبك حر الشمس - وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة - وقال عمر بن ابي ربيعة: رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت * فيضحى وأما بالعشي فيخضر (1) أي يخضر من البرد. وقيل: ليس في الجنة شمس انما فيها نور وضياء. وانما


(1) ديوانه (دار بيروت) 121 وروايته (يخصر) بدل (يخضر) ومعناها واحد (*)

[ 216 ]

الشمس في سماء الدنيا خاصة. وضحى الرجل يضحى إذا برز للشمس. قال أبو علي: إنما لم يجز أن يقول انك لا تجوع وإنك لا تظمأ. بغير فصل كراهة اجتماع حرفين متقاربين في المعنى، فإذا فصل بينهما لم يكره ذلك، كما كرهوا: إن لزيدا قائم، ولم يكرهوا " إن في ذلك لآيات " مع الفصل. وقال الرماني إنما جاز أن تعمل (ان) في (أن) بفصل ولم يجز من غير فصل كراهية التعقيد بمداخلة المعاني المتقاربة، فاما المتباعدة فلا يقع بالاتصال فيها تعقيد، لانها متباينة مع الاتصال لالفاظها، فلذلك جاز " إن لك ان لا تظمؤا فيها " ولم يجز ان انك لا تظمؤ، لانه بغير فصل. ثم اخبر تعالى أن إبليس وسوس لادم، فقال له " هل أدلك على شجرة الخلد... " أي على شجرة إن تناولت منها بقيت في الجنة مخلدا لا تخرج منها، وحصل لك ملك وسلطان لا يبلى على آلابد، ولا يهلك، وهي الشجرة التي نهاه الله تعالى عن تناولها. وقد قدمنا أختلاف المفسرين في ماهية تلك الشجرة فيما مضى فلا وجه لاعادته. قوله تعالى: (فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتبيه ربه فتاب عليه وهدى (122) قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو فاما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (123) ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا

[ 217 ]

ونحشره يوم القيمة أعمى (124) قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا) (125) خمس آيات. اخبر الله تعالى عن آدم وحواء أنهما أكلا من الشجرة التي نهى الله عن أكلها، وعندنا أن النهي كان على وجه التنزيه. والاولى أن يكون على وجه الندب دون نهي الحظر والتحريم، لان الحرام لا يكون إلا قبيحا، والانبياء لا يجوز عليهم شئ من القبائح لاكبيرها ولاصغيرها. وقال الجبائي: لا تقع معاصي الانبياء إلا سهوا، فأما مع العلم بأنها معاصي فلا تقع. وقال قوم آخرون: إنه وقع من آدم أكل الشجرة خطأ. لانه كان نهي عن جنس الشجرة فظن انه نهي عن شجرة بعينها، فأخطأ في ذلك. وهذا خطأ لانه تنزيه له من وجه المعصية، ونسبة المعصية إليه من وجهين: أحدهما - أنه فعل القبيح. والثاني - أنه أخطأ في الاستدلال. وقال قوم: انها وقعت منه عمدا، وكانت صغيرة، وقعت محبطة وقد بينا أن ذلك لا يجوز عليهم (ع) عندنا بحال. وقال الرماني: لما حلف ابليس لهما لم يقبلا منه، ولم يصدقاه، ولكن فعلا ذلك لغلبة شهوتهما، كما يقول الغاوي للانسان إزن بهذه المرأة فانك ان أخذت لم تحد، فلا يصدقه، ويزني بها لشهوته. وقال الحسن: أكلت حواء أولا وابت عليه ان يجامعها حتى يأكل منها، فأكل حينئذ. وقوله " فبدت لهما سؤاتهما " أي ظهرت لهما عوراتهما، لان ما كان عليهما من اللباس نزع عنهما، ولم يكن ذلك على وجه العقوبة بل لتغيير المصلحة في نزعهما وإخراجهما من الجنة وإهباطهما الارض وتكليفهما فيها. وانما جمع سوآتهما، وهو لاثنين، لان كل شيئين من شيئين، فهو من موضع التثنية جمع، لان الاضافة تثنية (ج 7 م 28 من التبيان

[ 218 ]

مع أنه لا إخلال فيه لمناسبة الجمع للتثنية. وقال السدي: كان لباس سوآتهما الظفر. وقوله " طفقا " يعني ظلا، وجعلا يفعلان. وقوله " يخصفان عليهما من ورق الجنة " فالخصف خيط الشئ بقطعة من غيره، يقال: خصفه يخصفه خصفا، فهو خاصف وخصاف. وقيل: انهما كانا يطبقان ورق الجنة بعضه على بعض ويخيطان بعضه إلى بعض ليسترا به سوآتهما. وقوله " وعصى آدم ربه فغوى " معناه خالف ما أمره الله به فخاب ثوابه. والمعصية مخالفة الامر سواء كان واجبا أو ندبا قال الشاعر: أمرتك امرا جازما فعصيتني (1) ويقال ايضا: أشرت عليك بكذا، فعصيتني، ويقال غوى يغوي غواية وغيا إذا خاب، قال الشاعر: فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (2) أي من يخب، وفي الكلام حذف، لان تقديره ان آدم تاب إلى الله وندم على ما فعل، فاجتباه الله واصطفاه " وتاب عليه " أي قبل توبته. وهداه إلى معرفته والى الثواب الذي عرضه له. وقوله " قال اهبطوا منها جميعا بعضكم لبعض عدو " يعني آدم وحواء وابليس وذريته. وقد بينا معنى الهبوط فيما تقدم (3) واختلاف الناس فيه. والمعنى أنه أخرج هؤلاء من الجنة بأن أمرهم بالخروج منها على وجه تغيير المصلحة في أمره، ولا بليس على وجه العقوبة. وقد بينا فيما تقدم ان إخراج ابليس من الجنة، كان قبل ذلك حين أمره الله بالسجود لآدم فامتنع فلعنه وأخرجه، وانما أغوى آدم من


(1) مر هذا البيت كاملا في 6 / 355 (2) مر هذا البيت في 2 / 302 و 4 / 391 و 5 / 548 و 6 / 336 (3) انظر 1 / 162 و 4 / 298 (*)

[ 219 ]

خارج الجنة، لانه قيل: ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة. وذكرنا أقوال المفسرين في ذلك فيما مضى (1). وقوله " فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا يضل ولا يشقى " معناه ان أتاكم هدى مني بأن أكلفكم، وانصب لكم الادلة على ما آمركم به من معرفتي وتوحيدي والعمل بطاعتي، فمن اتبع أدلتي وعمل بما آمره به، فانه " لا يضل " في الدنيا " ولا يشقى " في الآخرة. وقال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقوله " ومن اعرض عن ذكري " (أي من لم ينظر في ذكري الذي هو القرآن والادلة المنصوبة على الحق وصدف عنها) (2) " فان له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى " فالضنك الضيق الصعب، منزل ضنك أي ضيق، وعيش ضنك، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، لان أصله المصدر. ثم وصف به، قال عنترة: إن يلحقوا أكرر وان يستلحموا * أشدد وان يلفوا بضنك أنزل وقال ايضا: ان المنية لو تمثل مثلت * مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل (3) والضنك: الضيق، في قول مجاهد وقتادة: وقال الحسن وابن زيد: المعيشة الضنك هو الضريع، والزقوم في النار. وقيل: الضريع شوك من نار. وقال عكرمة والضحاك: هو الحرام في الدنيا الذي يؤدي إلى النار. وقال ابن عباس: لانه غير موقن بالخلف، فعيشه منغص. وقال أبو سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبو


(1) انظر 1 / 162 و 4 / 298 (2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (3) البيت الاول في ديوان (دار بيروت): 57 والثاني في 58 (*)

[ 220 ]

صالح، والسدي، ورواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه عذاب القبر، ولقوله تعالى " ولعذاب الآخرة أشد وابقى " يقتضي انه عذاب القبر. وقوله " ونحشره يوم القيامة أعمى " قيل معناه نحشره يوم القيامة أعمى البصر. وقيل أعمى الحجة. وقيل أعمى عن جهات الخير لا يهتدي إليها. والاول هو الظاهر إذا اطلق. فمن قال: أعمى البصرقال: معناه لا يبصر في حال ويبصر العذاب في حال. ومن قال: بالآخرة قال: هو أعمى عن جهات الخير لا يهتدي لشئ منها. وقوله قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا " حكاية عما يقول الذي يحشره أعمى " لم حشرتني أعمى " ذاهب البصر " وقد كنت بصيرا " أبصر بها. وهذا يقوي أنه أراد عمى البصر دون عمى البصيرة، لان الكافر لم يكن بصيرا في الدنيا الاعلى وجه صحة الحاسة. وقيل معناه كنت بصيرا بحجتي عند نفسي. قوله تعالى: (قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى (126) وكذلك نجزي من أسرف ولم يؤمن بايات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (127) أفلم يهدلهم كم أهلكنا قبلم من القرون يمشون في مساكنهم إن في ذلك لايات للاولي النهى (128) ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) فاصبر على ما يقولون

[ 221 ]

وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ومن آنائي الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى) (130) خمس آيات. قرأ الكسائي وابو عمرو عن عاصم " ترضى " بضم التاء. الباقون بفتحها. هذا جواب من الله تعالى لمن يقول " لم حشرتني أعمى، وقد كنت بصيرا " فيقول الله له في جواب ذلك كما حشرتك أعمى مثل ذلك " أتتك آياتنا " يعنى أدلتنا وحججنا " فنسيتها " أي تركتها ولم تعتبر بها، وفعلت معها ما يفعله الناسي الذي لم يذكرها اصلا، ومثل ذلك اليوم تترك من ثواب الله ورحمته وتحرم من نعمه، وتصير بمنزلة من قد ترك في المنسى بعذاب لا يفنى. ثم قال ومثل ذلك " نجزي من أسرف " على نفسه بارتكاب المعاصي، وترك الواجبات ولم يصدق بآيات ربه وحججه. ثم قال " ولعذاب الآخرة " بالنار " أشد وابقى " لانه دائم، وعذاب القبر وعذاب الدنيا يزول. وهذا يقوى قول من قال: إن قوله " معيشة ضنكا " أراد به عذاب القبر. ولا يجوز أن يكون المراد بقوله " فنسيتها " النسيان الذي ينافى العلم لان ذلك من فعل الله لا يعاقب العبد عليه، اللهم إلا ان يراد ان الوعيد على التعرض لنسيان آيات الله. فأجري في الذكر على نسيان الآيات للتحذير من الوقوع فيه. ثم قال تعالى " أولم يهد لهم كم أهلكنا قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم " قيل: ان قريشا كانت تتجر إلى الشام فتمر بمساكن عاد وثمود، فترى آثار اهلاك الله اياهم، فنبههم الله بذلك على معرفته وتوحيده. وفاعل " يهد " مضمر يفسره " كم أهلكنا " والمعنى أو لم يهد لهم اهلاكنا من قبلهم من القرون. ويجوز أن يكون المضمر المصدر يفسره (كم اهلكنا) وموضع (كم) نصب ب‍ (أهلكنا) في قول الفراء

[ 222 ]

والزجاج. وقال بعضهم: انه رفع ب‍ (يهد) وهذا خطأ، لانه خرج مخرج الاستفهام، كما يقول القائل: قد تبين لي أقام زيد أم عمرو ؟. وقوله " ان في ذلك " يعني في اهلاكنا القرون الماضية " لآيات " وحججا لاولي العقول. والنهى العقول، على ما بيناه في غير موضع (1). وقوله " ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما واجل مسمى " فيه تقديم وتأخير وتقديره: ولولا كلمة سبقت من ربك واجل مسمى لكان لزاما ومعناه: لولا ما سبق من وعد الله بأن الساعة تقوم في وقت بعينه وان المكلف له اجل مقدر معين، لكان هلاكهم " لزاما " أي لازما ابدا. وقيل: معناه فيصلا يلزم كل انسان طائره، ان خيرا فخيرا وان شرا، فشرا، فالاول قول الزجاج، والثاني قول أبي عبيدة. وقال قوم: عذاب اللزام كان يوم بدر، قتل الله فيه الكفار، ولولا ما قدر الله من آجال الباقين ووعدهم من عذاب الآخرة، لكان لازما لهم ابدا في سائر الازمان. وقال قتادة: الاجل الاول يعني في قيام الساعة والثاني الذى كتبه الله للانسان انه يبقيه إليه. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " فاصبر على ما يقولون " من كفرهم بتوحيد الله وجحدهم لنبوتك وأذاهم اياك بكلام يسمعونك يثقل عليك " وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس " يعنى صلاة الفجر " وقبل غروبها " يعني صلاة العصر " ومن آناء الليل " يعني صلاة المغرب والعشاء " وأطراف النهار " صلاة الظهر - في قول قتادة - " وآناء الليل " ساعات الليل. واحدها إني، قال السعدي: حلو ومر كعصف القدح مرته * بكل إني حذاه الليل ينتعل (2) وقيل في قوله " واطراف النهار " لم جمع ؟ ثلاثة اقوال:


(1) انظر 7 / 179 (2) انظر 2 / 564 (*)

[ 223 ]

اولها - انه أراد اطراف كل نهار، فالنهار في معنى الجمع. الثاني - انه بمنزلة قوله " فقد صغت قلوبكما " (1) الثالث - انه أراد طرف اول النصف الاول، وآخر النصف الاول، واول النصف الاخير، وآخر النصف الاخير، ولذلك جمع. وقوله " لعلك ترضى " معناه افعل ما امرتك به لكي ترضى بما يعطيك الله من الثواب على ذلك. ومن ضم التاء أراد: لكي نفعل معك من الثواب ما ترضى معه. وقيل: لكي ترضى بالشفاعة. والمعاني متقاربة، لانه إذا أرضى الله النبي صلى الله عليه وآله فانه يرضى. قوله تعالى: (ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحيوة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى (131) وأمر أهلك بالصلوة واصطبر عليها لانسئلك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى (132) وقالوا لولا يأتينا باية من ربه أو لم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى (133) ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخرى (134) قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى) (135) خمس آيات.


(1) سورة 66 التحريم آية 4 (*)

[ 224 ]

قرأ " زهرة " - بفتح الهاء - يعقوب. وقرأ الباقون بسكونها، وهما لغتان. وقرأ نافع وابو جعفر - من طريق إبن العلاف - وأهل البصرة وحفص " أو لم تأتهم " بالتاء. الباقون بالياء. وقد مضى نظائره. نهى الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين عن ان يمدوا أعينهم، وينظروا إلى ما متع الله الكفار به، من نعيم الدنيا ولذاتها، والامتاع الالذاذ بما يدرك، وذلك بما يرى من المناظر الحسنة ويسمع من الاصوات المطربة، ويشم من الروائح الطيبة، يقال: أمتعه امتاعا، ومتعه تمتيعا، إلا ان في متعه تكثر الامتاع. وقوله " ازواجا منهم " معناه أشكالا منهم، من المزاوجة بين الاشياء، وهي المشاكلة، وذلك أنهم اشكال في الذهاب عن الصواب وقوله " زهرة الحياة الدنيا " (فالزهرة الانوار التي تروق عند الرؤية، ومن ذلك قيل للكوكب يزهر، لنوره الذي يظهر. والمعاني الحسنة زهرة النفوس. وقوله " لنفتنهم فيه " معناه لنعاملهم معاملة المختبر، بشدة التعبد في العمل بالحق في هذه الامور التي خلقناها لهم. وقوله " ورزق ربك " يعني الذي وعدك به في الآخرة من الثواب " خير وأبقى " مما متعنا به هؤلاء في الدنيا. وقبل إن هذه الآية نزلت على سبب، وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله استسلف من يهودي طعاما فأبى أن يسلفه إلا برهن، فحزن رسول الله صلى الله عليه وآله، فأنزل الله هذه الآية تسلية له. وروى ذلك أبو رافع مولاه. وقيل " زهرة الحياة الدنيا " زينة الحياة الدنيا - في قول قتادة -. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " وأمر " يا محمد " أهلك بالصلاة " وقيل: المراد به أهل بيتك، واهل دينك، فدخلوا كلهم في الجملة " واصطبر عليها " بالاستعانة بها على

[ 225 ]

الصبر عن محارم الله. ثم قال له " لا نسألك رزقا نحن نرزقك " الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع الخلق، فان الله تعالى يرزق خلقه، ولا يسترزقهم، فيكون أبلغ في المنة " والعاقبة للتقوى " يعني العاقبة المحمودة لمن اتقى معاصي الله واجتنب محارمه. وفى الآية دلالة على وجوب اللطف، لما في ذلك من الحجة، لمن في المعلوم انه يصلح به، ولو لم يكن فيه حجة لجرى مجرى أن تقول: لولا فعلت بنا ما لا يحتاج إليه في الدين، ولا الدنيا، من جهة أنه لا حجة فيه، كمالا حجة في هذا. وقوله " ولو انا أهلكناهم بعذاب من قبله " اخبار منه تعالى أنه لو أهلكهم بعذاب أنزله عليهم جزاء على كفرهم " لقالوا " يوم القيامة " لولا أرسلت " اي هلا ارسلت " الينا رسولا " يدعونا إلى الله ويأمرنا بتوحيده (فنتبع) ادلتك و (آياتك من قبل ان نذل ونخزى) اي قبل أن نهون، يقال: خزي يخزى إذا هان وافتضح وقوله (وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه) حكاية عما قال الكفار للنبي صلى الله عليه وآله هلا ياتينا بآية من ربه يريدون الآية التي يقترحونها، لانه اتى بالآيات. ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب إليه. ومن قرأ - بالياء - حكى بأنهم قالوا فيما بينهم هلا يأتينا بالمعجز. أو دلالة تدل على صدق قوله، فقال الله لهم (ألم تأتهم بينة ما في الصحف الاولى) يعني ألسنا بينا ذلك في الكتب التي انزلناها على موسى وعيسى، فلم لم يؤمنوا بها ويصدقوا بها ؟ ومن قرأ - بالتاء - وجه الخطاب إليه، فقال الله تعالى لنبيه (قل) لهم يا محمد (كل متربص) اي كل واحد منا ومنكم متربص، فنحن نتربص بكم وعد الله لنا فيكم وانتم تتربصون بنا ان نموت، فتستريحوا (فستعلمون) اي سوف تعلمون فيما بعد (من اصحاب الصراط السوي) يعني الصراط المستقيم و (من) الذي (اهتدي) إلى طريق الحق. (من) يحتمل ان تكون نصبا إن كانت بمعنى الذي وان تكون رفعا على طريقة الاستفهام. (ج 7 م 29 من التبيان) (*)

[ 227 ]

21 - سورة الانبياء هي مكية في قول قتادة ومجاهد وهي مائة واثنتا عشرة آية في الكوفي واحدى عشرة في البصري والمدنيين. بسم الله الرحمن الرحيم إقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون (1) ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون (2) لاهية قلوبهم وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (3) قال ربي يعلم القول في السماء والارض وهو السميع العليم (4) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتريه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أرسل الاولون) (5) خمس آيات. قرأ اهل الكوفة إلا أبا بكر وخلفا " قال ربي " على وجه الخبر.. الباقون

[ 228 ]

" قل ربي " على وجه الامر. هذا اخبار من الله تعالى بأنه " اقترب للناس " يعني دنا وقت " حسابهم " ومعناه دنا وقت اظهار ما للعبد وما عليه ليجازى به وعليه. والحساب اخراج مقدار العدد بعقد يحصل. ويقال: هو إخراج الكمية من مبلغ العدة. وقيل انه دنا لانه بالاضافة إلى ما مضى يسير. وقيل: نزلت الآية في أهل مكة استبطؤا عذاب الله تكذيبا بالوعيد، فقتلوا يوم بدر، والاقتراب قصرمدة الشئ بالاضافة إلى ما مضى من زمانه. وحقيقة القرب قلة مابين الشيئين، يقال: قرب ما بينهما تقريبا إذا قلل ما بينهما من مدة أو مساقة أو اي فاصلة، والقرب قد يكون في الزمان، وفى المكان، وفي الحال. وقد قيل: كل آت قريب، فلذلك وصف الله تعالى القيامة بالاقتراب، لانها جائية بلا خلاف. وقوله " وهم في غفلة معرضون " فالغفلة السهو، وهو ذهاب المعنى عن النفس ونقيضها اليقظة، ونقيض السهو الذكر، وهوحضور المعنى للنفس، والنسيان، هو غروب المعنى عن النفس بعد حضوره. وقوله " معرضون " يعني عن الفكر في ذلك، والعمل بموجبه. وقيل: هم في غفلة بالاشتغال بالدنيا، معرضون عن الآخرة. وقيل: هم في غفلة بالضلال، معرضون عن الهدى. وهو مثل ما قلناه. وقوله " ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث " معناه اي شئ من القرآن محدث بتنزيله سورة بعد سورة وآية بعد آية " إلا استمعوه وهم يلعبون " اي كل ما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل - في قول الحسن وقتادة - وفي هذه الآية دلالة على ان القرآن محدث، لانه تعالى اخبر انه ليس يأتيهم ذكر محدث من ربهم إلا استمعوه وهم لا عبون. والذكر: هو القرآن قال الله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر

[ 229 ]

وإناله لحافظون " (1) وقال " وانزلنا اليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم " (2) يعني القرآن، ويقويه في هذه الآية قوله " الا استمعوه " والاستماع لا يكون إلا في الكلام، وقد وصفه بأنه محدث، فيجب القول بحدوثه ويجوز في (محدث) الجر على انه صفة. ويجوز الرفع والنصب فالنصب على الحال والرفع على تقدير هو محدث. ولم يقرأ بهما، وقوله " لاهية قلوبهم " نصب (لاهية) على الحال. وقال قتادة: معناه غافلة. وقال غيره: معناه طالبة للهو، هازلة. واللهو الهزل الممتع. وقوله (واسروا النجوى الذين ظلموا) فموضع (الذين ظلموا) من الاعراب يحتمل أن يكون رفعا على البدل من الضمير في قوله " واسروا " كما قال تعالى " ثم عموا وصموا كثير منهم " (3) ويجوز ان يكون رفعا على الاستئناف، وتقديره وهم الذين ظلموا. ويحتمل وجها ثالثا - أن يكون خفضا بدلا من الناس. والمعنى ان الذين ظلموا أنفسهم بكفرهم بالله وجحدهم أنبيائه، وأخفوا القول فيما بنيهم. وقالوا " هل هذا " يعنون رسول الله " إلا بشر مثلكم ". وقال قوم: معناه انهم أظهروا هذا القول لان الفظة (أسروا مشتركة بين الاخفاء والاظهار، والاول أصح. وقوله " أفتأتون السحر " معناه أفتقبلون السحر " وأنتم تبصرون " أي وانتم تعلمون انه سحر. وقيل: معناه أفتعدلون إلى الباطل وأنتم تعلمون الحق وتنكرون ثبوته. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله فقال " قل " يا محمد " ربي " الذي خلقني واصطفاني " يعلم القول في السماء والارض " لا يخفى عليه شئ من ذلك بل يعلمه جمعيه " وهو السميع العليم " أي هومن يجب أن يسمع المسموعات إذا وجدت عالم بجميع المعلومات


(1) سورة 15 / الحجر آية 9 (2) سورة 16 النحل آية 44 (3) سورة المائدة آية 74 (*)

[ 230 ]

وقوله (بل قالوا أضغاث احلام بل افتراه " فالمعني في (بل) الاضراب بها عما حكى انهم قالوه أولا، والاخبار عما قالوه ثانيا، لانهم اولا قالوا: هذا الذي اتانا به من القرآن (أضغاث احلام) اي تخاليط رؤيا، رآها في المنام - في قول قتادة - قال الشاعر: كضغث حلم عزمته حالمة (1) ثم قالوا: لا (بل افتراه) اي تخرصه وافتعله. ثم قالوا: (بل هو شاعر) وانما قالوا: هو شاعر، قول متحير، قد بهره ما سمع، فمرة يقول ساحر، ومرة يقول شاعر. ولا يجزم على أمر واحد. قال المبرد: في (أسروا) اضمار هؤلاء اللاهية قلوبهم، والذين ظلموا بدلا منه. وقال قوم: قدم علامة الجمع، لان الواو علامة الجمع، وليست بضمير، كقولهم: انطلقوا أخوتك، وانطلقا صاحباك، تشبيها بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك، وهذا يجوز، لكن لا يختار في القرآن مثله. قوله تعالى: (ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها أفهم يؤمنون (6) وما أرسلنا قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون (7) وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام وما كانوا خالدين (8) ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (9) لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم


(1) تفسير القرطبي 11 / 270 (*)

[ 231 ]

أفلا تعقلون) (10) خمس آيات. قرأ عاصم " نوحي " بالنون. الباقون - بالياء - على ما لم يسم فاعله. من قرأ بالنون اراد الاخبار من الله تعالى عن نفسه، بدلالة قوله " وما أرسلنا " لان النون والالف اسم الله. لما حكى الله تعالى ما قال الكفار في القرآن، الذي أنزله الله على نبيه محمد صلى الله عليه وآله من أنهم قالوا تارة: هو اضغاث احلام، يريدون أقاويله، وتارة قالوا: بل اختلقه وافتعله. وتارة قالوا: هو شاعر، لتحيرهم في امره. ثم قالوا (فليأتنا بآية) غير هذا على ما يقترحونها (كما أرسل) الانبياء (الاولون) بمثلها، فقال الله تعالى (ما آمنت قبلهم من قرية اهلكناها افهم يؤمنون) اي انا أظهرنا الآيات التي اقترحوها على الامم الماضية، فلم يؤمنوا عندها، فأهلكناهم، فهؤلاء ايضا لا يؤمنون لوانزلنا ما ارادوه. وأراد الله بهذا الاحتجاج عليهم ان يبين ان سبب مجئ الآيات ليس لانه سبب يؤدي إلى ايمان هؤلاء، وانما مجيئها لما فيها من اللطف والمصلحة، بدلالة انها لو كانت سببا لايمان هؤلاء لكانت سببا لايمان اولئك، فلما بطل ان تكون سببا لايمان اولئك، بطل ان تكون سببا لايمان هؤلاء على هذا الوجه. وقيل: ان معناه إنا لما اظهرنا الآيات التي اقترحوها على الامم الماضية، فلم يؤمنوا اهلكناهم، فلو اظهرنا على هؤلاء مثلها لم يؤمنوا وكانت تقتضي المصلحة ان نهلكهم. ومثله قوله (وما منعنا ان نرسل بالآيات إلا ان كذب بها الاولون وآتينا ثمود الناقة مبصرة) (1) وقال الفراء: المعنى ما آمنت قبلهم امة جاءتهم آية، فكيف يؤمن هؤلاء !. ثم اخبر تعالى انه لم يرسل قبل نبيه محمد صلى الله عليه وآله إلى الامم الماضية (إلا رجالا


(1) سورة 17 الاسري آية 59 (*)

[ 232 ]

يوحى إليهم) ووجه الاحتجاج بذلك انه لو كان يجب ان يكون الرسول إلى هؤلاء الناس من غير البشر، كما طلبوه، لوجب ان يكون الرسول إلى من تقدمهم من غير البشر، فلما صح إرسال رجال إلى من تقدم، صح إلى من تأخر. وقال الحسن: ما ارسل الله إمراة، ولا رسولا من الجن، ولا من اهل البادية. ووجه اللطف في إرسال البشر ان الشكل إلى شكله آنس. وعنه افهم ومن الانفة منه ابعد، لانه يجري مجرى النفس، والانسان لا يأنف من نفسه. ثم قال هلم " فاسألوا أهل الذكر " عن صحة ما أخبرتكم به من انه لم يرسل إلى من تقدم إلا الرجال من البشر. وفى الآية دلالة على بطلان قول ابن حائط: من أن الله تعالى بعث إلى البهائم والحيوانات كلها رسلا. واختلفوا في المعني بأهل الذكر، فروي عن أمير المؤمنين (ع) انه قال: (نحن اهل الذكر) ويشهد لذلك أن الله تعالى سمى نبيه ذكرا بقوله " ذكرا رسولا " (1) وقال الحسن: وقتادة: هم أهل التوارة والانجيل. وقال ابن زيد: أراد اهل القرآن، لان الله تعالى سمى القرآن ذكرا في قوله " انا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " (2) وقال قوم: معناه واسألوا اهل العلم باخبار من مضى من الامم هل كانت رسل الله رجالا من البشر أم لا ؟. وقيل في وجه الامر بسؤال الكفار عن ذلك قولان: احدهما - انه يقع العلم الضروري بخبرهم إذا كانوا متواترين، واخبروا عن مشاهدة، هذا قول الجبائي. والثاني - ان الجماعة الكثيرة إذا أخبرت عن مشاهدة حصل العلم بخبرها إذا


(1) سورة 65 الطلاق آية 10 - 11 (2) سورة 15 الحجر آية 9 (*)

[ 233 ]

كانوا بشروط المتواترين وإن لم يوجب خبرهم العلم الضروري. وقال البلخي: المعنى انك لو سألتهم عن ذلك لاخبروك أنا لم نرسل قبلك إلا رجالا. وقال قوم: أراد من آمن منهم. ولم يرد الامر بسوءال غير المؤمن. ثم اخبر تعالى انه لم يبعث رسولا ممن أرسله إلا وكان مثل سائر البشر يأكل الطعام، وانه لم يجعلهم مثل الملائكة لا يأكلون الطعام، وأنهم مع ذلك لم يكونوا خالدين مؤبدين، بل كان يصيبهم الموت والفناء كسائر الخلق. وانما وحد " جسدا " لانه مصدر يقع على القليل والكثير، كما لو قال: وما جعلناهم خلقا. ثم قال تعالى " ثم صدقناهم الوعد " يعني الانبياء الماضين ما وعدناهم به من النصر والنجاة، والظهور على الاعداء، وما وعدناهم به من الثواب، فانجيناهم من اعدائهم، ومعهم من نشاء من عبادنا، واهلكنا المسرفين على انفسهم، بتكذيبهم للانبياء. وقال قتادة: المسرفون هم المشركون. والمسرف الخارج عن الحق إلى ما تباعد عنه. يقال: اسراف إسرافا إذا جاوز حد الحق وتباعد عنه. ثم اقسم تعالى بقوله " لقد أنزلنا اليكم "، لان هذه اللام يتلقى بها القسم، بأنا أنزلنا عليكم " كتابا " يعني القرآن (فيه ذكركم) قال الحسن: معناه فيه ما تحتاجون إليه من أمر دينكم. وقيل: فيه شرعكم إن تمسكتم به، وعملتم بما فيه. وقيل: ذكر، لما فيه من مكارم الاخلاق، ومحاسن الافعال (أفلا تعقلون) يعني أفلا تتدبرون، فتعلموا أن الامر على ما قلناه. قوله تعالى: (وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشانا بعدها قوما (ج 7 م 30 من التبيان)

[ 234 ]

آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) فما زالت تلك دعويهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين) (15) خمس آيات. يقول الله تعالى مخبرا انه قصم قرى كثيرة، ويريد أهلها. وقوله " كانت ظالمة " لما اضاف الهلاك إلى القرية اضاف الظلم إليها. والتقدير قصمنا اهل قرية كانوا ظالمين لنفوسهم، بمعاصي الله، وارتكاب ما حرمه. و (كم) للكثرة وهي ضد (رب) لان (رب) للتقليل. و (كم) في موضع نصب ب‍ (قصمنا). والقصم كسر الصلب قهرا، قصمه يقصمه قصما، فهو قاصم الجبابرة، وانقصم انقصاما مثل انقصف انقصافا. وقوله " وانشانا بعدها قوما آخرين " يعني أو جدنا بعد هلاك أولئك قوما آخرين. والانشاء إيجاد الشئ من غير سبب يولده، يقال انشأه إنشاء والنشأة الاولى الدنيا، والنشأة الثانية الآخرة. ومثل الانشاء الاختراع والابتداع - هذا في اللغة - فأما في عرف المتكلمين، فالاختراع هو ابتداع الفعل في غير محل القدرة عليه. وقوله " فلما أحسوا بأسنا " معناه لما أدركوا بحواسهم عذابنا، والاحساس الادراك بحاسة من الحواص الخمس: السمع، والبصر، والانف، والفم، والبشرة. يقال: أحسه إحساسا وأحس به. وقال قوم: أراد عذاب الدنيا. وقال آخرون: أراد عذاب الآخرة. وقوله " إذا هم منها يركضون " فالركض العدو بشدة الوطئ، ركض فرسه

[ 235 ]

إذا حثه على المر السريع، فمعنى " يركضون " يهربون من العذاب سراعا، كالمنهزم من عدو. فيقول الله تعالى لهم " لا تركضوا " أي لا تهربوا من الهلاك " وارجعوا إلى ما أترفتم فيه " أي ارجعوا إلى ما كنتم تنعمون فيه، توبيخا لهم وتقريعا على ما فرط منهم. ومعنى " ما أترفتم فيه " نعمتم، فالمترف المنعم والتترف التنعم، وهي طلب النعمة. " ومساكنكم لعلكم تسألون " أي ارجعوا إلى مساكنكم لكي تفيقوا بالمسألة - في قول مجاهد - وقال قتادة: إنما هو توبيخ لهم في الحقيقة. والمعنى تسألون من انبيائكم ؟ على طريق الهزء بهم، فقالوا عند ذلك معترفين على نفوسهم بالخطأ " يا ويلنا إنا كنا ظالمين " لنفوسنا بترك معرفة الله وتصديق أنبيائه، وركوب معاصيه. والويل الوقوع في الهلكة. ونصب على معنى ألزمنا ويلنا. ثم اخبر الله تعالى عنهم بأن ما حكاه عنهم من الويل " دعواهم " ونداؤهم أبدا " حتى جعلناهم حصيدا خامدين " بالعذاب - في قول الحسن - وقال مجاهد: يعني بالسيف، وهو قتل (بخت نصر) لهم. والحصيد قتل الاستئصال، كما يحصد الزرع بالمنجل، والخمود كخمود النار إذا طفيت. قوله تعالى: (وما خلقنا السماء والارض وما بينهما لا عبين (16) لو أرادنا أن نتخذ لهوا لا تخذناه من لدنا إن كنا فاعلين (17) بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) وله من في السموات والارض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون (19) يسبحون الليل

[ 236 ]

والنهار ولا يفترون) (20) خمس آيات بلا خلاف. بقول الله تعالى مخبرا على وجه التمدح: إنا " ما خلقنا السموات والارض وما بينهما " أي ما أنشأناها " لاعبين " ونصبه على الحال. واللعب الفعل الذي يدعو الله الجهل بما فيه من النقص، لان العلم يدعو إلى أمر، والجهل يدعو إلى خلافه. والعلم يدعو إلى الاحسان. والجهل يدعو إلى الاساءة لتعجيل الانتفاع. واللعب يستحيل في صفة القديم تعالى، لانه عالم لنفسه. بجميع المعلومات غني عن جميع الاشياء، ولا يمتنع وصفه بالقدرة عليه كما نقول في سائر القبائح، وإن كان المعلوم أنه لا يفعله، لما قدمناه. ثم قال تعالى " لو أردنا آن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا " قال الحسن ومجاهد: اللهو المرأة. وقال قتادة: اللهو المرأة بلغة أهل اليمين - وهو من اللهو المعروف، لانه يطلب بها صرف الهم. وهذا إنكار لقولهم: الملائكة بنات الله، والمسيح ابن الله تعالى الله عن ذلك، وروي عن الحسن البصري أيضا انه قال: اللهو الولد. ووجه اتصال الآية بما قبلها أن هؤلاء الذين وصفوهم أنهم بنات الله، وأبناء الله هم عبيد الله، على أتم وجه العبودية، وذلك يحيل معنى الولادة لانها لا تكون إلا مع المجانسة. ومعنى " لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا. الانكار على من أضاف ذلك إلى الله، ومحاجته بأنه لو كان جائزا في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لكم أو لغيركم من العباد، لما في ذلك من خلاف صفة الحكيم الذي يقدر أن يستر النقص، فيظهره. وانما استحال اللهو على الله تعالى، لانه غني بنفسه عن كل شئ سواه، يستحيل عليه المرح. واللاهي المارح والملتذ بالمناظر الحسنة والاصوات المؤنقة.

[ 237 ]

وقوله " إن كنا فاعلين " قيل في معنى (ان) قولان: احدهما - انها بمعنى (ما) التي للنفي، والمعنى لم نكن فاعلين. والآخر - انها بمعنى التي للشرط، والمعنى إن كنا نفعل ذلك، فعلناه من لدنا، على ما أردناه إلا انا لا نفعل ذلك. وقوله " من لدنا " قيل: معناه مما في السماء من الملائكة. وقال الزجاج: معناه مما نخلقه. ثم قال تعالى " بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه " معناه إنا نلقي الحق على الباطل فيهلكه، والمراد به إن حجج الله تعالى الدالة على الحق تبطل شبهات الباطل. ويقال: دمغ الرجل إذا شج شجة تبلغ أم الدماغ، فلا يحيا صاحبها بعدها. وقوله " فإذا هو زاهق " أي هالك مضمحل، وهو قول قتادة. يقال: زهق زهوقا إذا هلك. ثم قال لهم، يعني الكفار " ولكم الويل مما تصفون " يعنى الوقوع في العقاب، جزاء على ما تصفون الله به من اتخاذ الاولاد. ثم اخبر الله تعالى بأن " له من في السموات والارض ومن عنده " يعني الملائكة أي يملكهم بالتصرف فيهم (لا يستكبرون) هؤلاء عن عبادة الله (ولا يستحسرون) قال قتادة: معناه لا يعيون. وقال ابن زيد: لا يملون، من قولهم: بعير حسير إذا أعيا ونام. ومنه قول علقمة بن عبدة: بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض واما جلدها فصليب (1) وقيل: معناه يسهل عليهم التسبيح، كسهولة فتح الطرف والنفس - في قول كعب - والاستحسار الانقطاع من الاعياد مأخوذ من قولهم حسر عن ذراعه إذا كشف عنه. ثم وصف تعالى الذين ذكرهم بأنهم (يسبحون الليل والنهار) اي ينزهونه عما أضافه هؤلاء الكفار إليه من اتخاذ الصاحبة والولد، وغير ذلك من


(1) تفسير الطبري 17 / 9 (*)

[ 238 ]

القبائح (لا يفترون) أي يملونه فيتركونه بل هم دائمون عليه. قوله تعالى: (أم اتخذوا آلهة من الارض هم ينشرون (21) لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون (22) لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون (23) أم اتخذوا من دونه آلهة قل هاتوا برهانكم هذا ذكر من معي وذكر من قبلي بل أكثرهم لا يعلمون الحق فهم معرضون (24) وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (25) خمس آيات يقول الله تعالى إن هؤلاء الكفار الذين اتخذوا مع الله شركاء عبدوهم وجعلوها آلهة " هم ينشرون " أي هم يحبون ؟ ؟ تقريرعا لهم وتعنيفا لهم على خطئهم - في قول مجاهد - يقال: أنشر الله الموتى فنشروا أي أحياهم فحيوا وهو النشر بعد الطي، لان المحيا كأنه كان مطويا بالقبض عن الادراك، فأنشر بالحياة. والمعنى في ذلك أن هؤلاء إذا كانوا لا يقدرون على الاحياء الذي من قدر عليه قدر على أن ينعم بالنعم التى يستحق بها العبادة فيكف يستحقون بها العبادة ؟ !. وحكى الزجاج: انه قرئ - بفتح الشين - والمعنى هل اتخذوا آلهة لا يموتون أبدا، ويبقون أحياء ابدا ؟ ! أي لا يكون ذلك. ثم قال تعالى " لو كان فيهما آلهة " يعني في السماء والارض آلهة أي من يحق له العبادة " غير الله لفسدتا " لانه لو صح إلهان أو آلهة لصح بينهما التمانع

[ 239 ]

فكان يؤدي ذلك إلى ان احدهما إذا أراد فعلا، وأراد الآخر ضده، إما ان يقع مرادهما فيؤدي إلى اجتماع الضدين أولا يقع مرادهما، فينتقض كونهما قادرين، أو يقع مراد أحدهما، فيؤدي إلى نقض كون الآخر قادرا. وكل ذلك فاسد، فإذا لا يجوز أن يكون الآله إلا واحدا. وهذا مشروح في كتب الاصول. ثم نزه تعالى نفسه عن ان يكون معه إله يحق له العبادة، بأن قال " فسبحان الله رب العرش عما يصفون " وانما أضافه إلى العرش، لانه أعظم المخلوقات. ومن قدر على اعظم المخلوقات كان قادرا على ما دونه. ثم قال تعالى " لا يسأل عما يفعل " لانه لا يفعل إلا ما هو حكمة وصواب، ولايقال للحكيم لو فعلت الصواب " وهم يسألون " لانه يجوز عليهم الخطأ. ثم قال " أم اتخذوا من دونه آلهة " معنى (ام) بل. ثم قال: قل لهم يا محمد " هاتوا برهانكم " على ذلك وحججكم على صحة ما فعلتموه. فالبرهان هو الدليل المؤدي إلى العلم، لانهم لا يقدرون على ذلك ابدا. وفى ذلك دلالة على فساد التقليد، لانه طالبهم بالحجة على صحة قولهم قال الرماني (إلا) في قوله " إلا الله " صفة، وليست باستثناء، لانك لا تقول لو كان معناه إلا زيد لهلكنا، على الاستثناء. لان ذلك محال، من حيث انك لم تذكر ما تستثني منه كما لم تذكره في قولك كان معنا إلا زيد، فهلكنا قال الشاعر: وكل اخ مفارقه اخوه * لعمر ابيك الا الفرقدان (1) اراد وكل اخ يفارقه اخوه غير الفرقدين. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله وقل لهم: " هذا ذكر من معي " بما يلزمهم من الحلال والحرام والخطأ والصواب، (وذكر من قبلي) من الامم، ممن نجا بالايمان أو هلك بالشرك - في قول قتادة - وقيل:


(1) انظر 6 / 69 (*)

[ 240 ]

معناه ذكر من معي بالحق في اخلاص الالهية والتوحيد في القرآن، وعلى هذا (ذكر من قبلي) في التوراة والانجيل. ثم اخبر ان (اكثرهم لا يعلمون الحق) ولا يعرفونه، فهم يعرضون عنه إلى الباطل. ثم قال لنبيه (وما ارسلنا من قبلك) يا محمد (من رسول) اي رسولا، و (من) زائدة (الا نوحي إليه) نحن، فيمن قرأ بالنون. ومن قرأ - بالياء - معناه الا يوحي الله إليه، بأنه لا معبود على الحقيقة سواه (فاعبدون) اي وجهوا العبادة إليه دون غيره. قوله تعالى: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (26) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (27) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون (28) ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (29) أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما وجعلنا من الماء كل شئ حي أفلا يؤمنون) (30) خمس آيات. حكى الله تعالى عن الكفار الذين تقدم ذكرهم أنهم " قالوا اتخذ الرحمن ولدا " أي تبنا الملائكة بناتا، فنزه الله تعالى نفسه عن ذلك بأن قال " سبحانه بل عباد مكرمون " أي هؤلاء الذين جعلوهم أولاد الله هم عبيد لله مكرمون لديه، و (عباد)

[ 241 ]

رفع بأنه خبر ابتداء وتقديره هم عباد، ولا يجوز عليه تعالى التبني، لان التبني إقامة المتخذ لولد غيره مقام ولده لو كان له، فإذا استحال أن يكون له تعالى ولد على الحقيقة استحال أن يقوم ولد غيره مقام ولده، ولذلك لا يجوز أن يشبه بخلقه على وجه المجاز، لما لم يكن مشبها به على الحقيقة. والفرق بين الخلة والنبوة أن الخلة إلخلاص المودة بما يوجب الاخلاص والاختصاص بتخلل الاسرار، فلما جاز أن يطلع الله ابراهيم على أسرار لا يطلع عليها غيره تشريفا له اتخذه خليلا على هذا الوجه، والبنوة ولادة ابن أو إقامته مقام ابن لو كان للمتخذ له. وهذا المعنى لا يجوز عليه تعالى كما يستحيل أن يتخذ إلها تعالى الله عن ذلك. ثم وصف تعالى الملائكة بأنهم " لا يسبقونه بالقول " ومعناه لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به، طاعة لربهم، وناهيك بهذا إجلالا لهم وتعظيما لشأنهم " وهم بأمره يعملون " أي لا يعملون القبائح وإنما يعملون الطاعات التي أمرهم بها. وقوله " يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم " قال ابن عباس: معناه يعلم ما قدموا وما أخروا من أعمالهم. وقال الكلبي " ما بين أيديهم " يعني القيامة وأحوالها " وما خلفهم " من أمر الدنيا " ولا يشفعون إلا لمن ارتضى " قال أهل الوعيد: معناه لا يشفع هؤلاء الملائكة الا لمن ارتضى الله جميع عمله. قالوا: وذلك يدل على أن اهل الكبائر لا يشفع فيهم، لان أعمالهم ليست رضا لله. وقال مجاهد: معناه الا لمن رضي عنه. وهذا الذي ذكروه ليس في الظاهر، بل لا يمتنع ان يكون المراد لا يشفعون الا (ج 8 م 31 من التبيان) (*)

[ 242 ]

لمن رضي الله ان يشفع فيه، كما قال تعالى " من ذا الذي يشفع عنده الا باذنه " (1) والمراد أنهم لا يشفعون الا من بعد اذن الله لهم، فيمن يشفعون فيه، ولو سلمنا أن المراد الا لمن رضي عمله، لجاز لنا أن نحمل على أنه رضي ايمانه، وكثيرا من طاعاته. فمن أين أنه أراد: الا لمن رضي جميع اعماله ؟ ! ومعنى - رضا الله - عن العبد إرادته لفعله الذي عرض به للثواب. وقوله " وهم من خشيته مشفقون " يخافون من عقاب الله من مواقعة المعاصي. ثم هدد الملائكة بقوله " ومن يقل منهم اني إله " تحق لي العبادة من دون الله " فذلك نجزيه جهنم " معناه إن ادعى منهم مدع ذلك فانا نجزيه بعذاب جهنم، كما نجازي الظالمين بها. وقال ابن جريج، وقتادة: عنى بالآية ابليس، لانه الذي ادعى الالهية من الملائكة دون غيره، وذلك يدل على ان الملائكة ليسوا مطبوعين على الطاعات، كما يقول الجهال. وقوله " كذلك نجزي الظالمين " معناه مثل ما جازينا هؤلاء نجزي الظالمين أنفسهم بفعل المعاصي. ثم قال " أو لم ير الذين كفروا " أي أو لم يعلموا " ان السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما " وقيل في معناه اقوال: قال الحسن وقتادة " كانتا رتقا " اي ملتصقتين ففصل الله بينهما بهذا الهواء. وقيل " كانتا رتقا " السماء لا تمطروا الارض لا تنبت، ففتق الله السماء بالمطر والارض بالنبات، ذكره ابن زيد وعكرمة. وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقيل معناه: كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما عما يخرج منهما. وانما قال: السموات، والمطر والغيث ينزل من سماء الدنيا، لان كل قطعة منها سماء، كما يقال:


سورة 2 البقرة آية 265 (*)

[ 243 ]

ثوب أخلاق، وقميص اسمال. وقيل الرتق الظلمة ففتقهما بالضياء. وانما قال " كانتا " والسموات جمع، لانهما صنفان، كما قال الاسود بن يعفر النهشلي: إن المنية والحتوف كلاهما * يوقي المحارم يرقبان سوادي (1) لانه على النوعين، وقال القطامي: ألم يحزنك أن جبال قيس وتغ‍ * لب قد تباينتا انقطاعا (2) فثنى الجمع لما قسمه صنفين لقيس وصنف لتغلب، و (الرتق) السد رتق فلا الفتق رتقا إذا سده، ومنه الرتقاء: المرأة التي فرجها ملتحم. ووحد لانه مصدر وصف به. وقوله " وجعلنا من الماء كل شئ حي " والمعنى إن كل شئ صار حيا، فهو مجعول من الماء. ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع. وقال بعضهم: اراد بالماء النطف التى خلق الله منها الحيوان. والاول أصح. وقوله " أفلا يؤمنون " معناه أفلا يصدقون بما أخبرتهم. وقيل: معناه أفلا يصدقون بما يشاهدونه، من أفعال الله الدالة على أنه المستحق للعبادة لا غير والمختص بها، وانه لا يجوز عليه اتخاذ الصاحبة والولد. وقرأ ابن كثير وحده " ألم ير الذين كفروا " بغير واو. الباقون " أو لم " بالواو. والالف التي قبل الواو، الف توبيخ وتقرير. قوله تعالى: (وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (31) وجعلنا السماء سقفا محفوظا


(1، 2) تفسير الطبري 17 / 14 (*)

[ 244 ]

وهم عن آياتها معرضون (32) وهو الذي خلق الليل والنار والشمس والقمر كل في فلك يسبحون (33) وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفان مت فهم الخالدون (34) كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون) (35) خمس آيات. قال المبرد: معنى " أن تميد " أي منع الارض " أن تميد " أي لهذا خلقت الجبال. ومثله قوله " أن تضل احداهما " (1) والمعنى عدة أن تضل أحداهما، كقول القائل: أعددت الخشبة أن يميل الحائل فأدعمه. وهو لم يعدها ليميل الحائط، وانما جعلها عدة، لان يميل، فيدعم بها. يقول الله تعالى انا " جعلنا في الارض رواسي " وهي الجبال، واحدها راسية يقال: رست ترسو رسوا إذا ثبتت بثقلها، وهي راسية. كما ترسو السفينة إذا وقفت متمكنة في وقوفها " أن تميد بكم " معناه ألا تعيد بكم، كما قال " يبين الله لكم أن تضلوا " (2) والمعنى ألا تضلوا. وقال الزجاج: معناه كراهة أن تميد بكم. والميد الاضطراب، بالذهاب في الجهات، يقال: ماد يميد ميدا، فهو مائد. وقيل: إن الارض كانت تميد وترجف، رجوف السفينة بالوطئ، فثقلها الله تعالى بالجبال الرواسي - لتمتنع من رجوفها. والوجه في تثقيل الله تعالى الارض بالرواسي مع قدرته على امساك الارض أن تميد، ما فيه من المصلحة والاعتبار، وكان ابن الاخشاذ


(1) سورة 2 البقرة آية 282 (2) سورة 4 النساء آية 175 (*)

[ 245 ]

يقول: لو لم يثقل الله الارض بالرواسي لامكن العباد أن يحركوها بما معهم من القدر، فجعلت على صفة ما لا يمكنهم تحريكها. وقال قتادة: تميد بهم معناه تمور، ولا تستقر بهم. وقوله " وجعلنا فيها فجاجا " يعني في الارض طرقا، والفج الطريق الواسع بين الجبلين. وقوله " لعلكم تهتدون " أي لكي تهتدوا فيه إلى حوائجكم ومواطنكم، وبلوغ أغراضكم. ويحتمل أن يكون المراد لتهتدوا، فتستدلوا بذلك على توحيد الله وحكمته. وقال ابن زيد: معناه ليظهر شكركم، فيما تحبون، وصبركم فيما تكرهون. وقوله " وجعلنا السماء سقفا محفوظا " وانما ذكرها، لانه أراد السقف، ولو أنث كان جائزا. وقيل: حفظها الله من أن تسقط على الارض. وقيل: حفظها من أن يطمع احد ان يتعرض لها بنقض، ومن ان يلحقها ما يلحق غيرها من الهدم أو الشعث، على طول الدهر. وقيل: هي محفوظة من الشياطين بالشهب التي يرجمون بها. وقوله " وهم عن آياتها معرضون " اي هم عن الاستدلال بحججها وادلتها، على توحيد الله معرضون. ثم قال تعالى مخبرا، بأنه " هو الذي خلق الليل والنهار والشمس والقمر " واخبر ان جميع ذلك " في فلك يسبحون " فالفلك هو المجرى الذي تجري فيه الشمس والقمر، بدورانها عليه - في قول الضحاك - وقال قوم: هو برج مكفوف تجريان فيه. وقال الحسن: الفلك طاحونة كهيئة فلك المغزل. والفلك في اللغة كل شئ دائر، وجمعه افلاك قال الراجز:

[ 246 ]

باتت تناصي الفلك الدوارا * حتى الصباح تعمل الاقتارا (1) ومعنى " يسبحون " يجرون - في قول ابن جريج - وقال ابن عباس " يسبحون " بالخير والشر، والشدة والرخاء. وانما قال " يسبحون " على فعل ما يعقل، لانه أضاف إليها الفعل الذي يقع من العقلاء، كما قال " والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين " (2) وقال " ولقد علمت ما هؤلاء ينطقون "، (3) وقال النابغة الجعدي: تمززتها والديك يدعو صباحه * إذا ما بنو نعش دنوا فتصوبوا (4) وقوله " كل في فلك يسبحون " أراد الشمس والقمر والنجوم، لان قوله " الليل " دل على النجوم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله و " ما جعلنا لبشر من قبلك الخلد " أي البقاء دائما في الدنيا " أفان مت فهم الخالدون " اي لم يجعل لهم الخلود، حتى لو مت أنت لبقوا أولئك مخلدين، بل ما أولئك مخلدين. ثم أكد ذلك، وبين بأن قال " كل نفس ذائقة الموت " والمعنى لابد لكل نفس حية بحياة أن يدخل عليها الموت، وتخرج عن كونها حية. وانما قال (ذائقة) لان العرب تصف كل أمر شاق على النفس بالذوق كما قال " ذق انك انت العزيز الكريم " (5). وقال الفراء: إذا كان اسم الفاعل لما مضى جازت الاضافة، وإذا كان للمستقبل، فالاختيار التنوين، ونصب ما بعده. ثم قال تعالى " ونبلوكم " اي نختبركم معاشر العقلاء بالشر والخير، يعني بالمرض والصحة. والرخص والغلاء، وغير ذلك من انواع الخير والشر " فتنة "


(1) تفسير الطبري 17 / 16 (2) سورة 12 يوسف آية 4 (3) سورة 21 الانبياء آية 65 (4) هو في مجمع البيان 4 / 46 (5) سورة 44 الدخان آية 49 (*)

[ 247 ]

أي اختبارا مني لكم، وتكليفا لكم. ثم قال " والينا ترجعون " يوم القيامة، فيجازى كل انسان على قدر عمله. ودخلت الفاء في قوله " أفان " وهي جزاء، وفى جوابه، لان الجزاء متصل بكلام قبله. ودخلت في (فهم) لانه جواب الجزاء، ولو لم يكن في (فهم) الفاء، كان جائزا على وجهين: احدهما - ان تكون مرادة، وقد حذفت. والآخري - أن تكون قد قدمت على الجزاء، وتقديره (أفهم الخالدون) إن مت. قوله تعالى: (وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (36) خلق الانسان من عجل ساوريكم آياتي فلا تستعجلون (37) ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين (38) لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولاهم ينصرون (39) بل تأتيهم بغتة فتبهتهم فلا يستطيعون ردها ولاهم ينظرون (40) خمس آيات. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله إنه " إذا رآك الذين كفروا " وجحدوا وحدانية الله، ولم يقروا بنبوتك " إن يتخذونك " اي ليس يتخذونك " إلا هزوا " يعني سخرية، جهلا منهم وسخفا وفي ذلك تسلية لكل محق يلحقه أذى

[ 248 ]

من جاهل مبطل. والهزؤ إظهار خلاف الابطان، لايهام، النقص عن فهم القصد. يقال: هزئ منه يهزؤ هزؤا، فهو هازئ، ومثله السخرية " أهذا الذي يذكر آلهتكم " حكاية، أي يقولون ذلك، ومعناه إنهم يعيبون من جحد إلهية من لا نعمة له، وهم يجحدون إلهية من كل نعمة، فهي منه، وهذا نهاية الجهل. والمعنى أهذا الذي يعيب آلهتكم، تقول العرب، فلان يذكر فلانا أي يعيبه، قال عنتره: لا تذكري مهري وما أطعمته * فيكون جلدك مثل جلد الاجراب (1) وقوله " وهم بذكر الرحمن " معناه وهم بذكر توحيد الرحمن " هم كافرون ". وقوله " خلق الانسان من عجل " قال قتادة: معناه خلق الانسان عجولا. والمراد به جنس الانسان. وقال السدي: المعني به آدم (ع). وقال مجاهد: خلق الانسان على تعجيل، قبل غروب الشمس يوم الجمعة. وقال أبو عبيدة: معناه خلقت العجلة من الانسان، على القلب. وهو ضعيف، لانه لاوجه لحمله على القلب. وقال قوم: معناه على حب العجلة، لانه لم يخلقه من نطفة ومن علقة بل خلقه دفعة واحدة. والذي قاله قتادة، أقوى الوجوه. وقيل خلق الانسان من عجل مبالغة، كأنه قيل هو عجلة، كما يقال: انما هو إقبال وادبار. وقال المبرد: خلق على صفة من شأنه ان يعجل في الامور. وقال الحسن: معناه خلق الانسان من ضعف، وهو النطفة. وقال قوم: العجل هو الطين الذي خلق آدم منه، قال الشاعر: والنبع ينبت بين الصخر ضاحيه * والنخل ينبت بين الماء والعجل (2) يعني الطين. والاستعجال طلب الشئ قبل وقته الذي حقه أن يكون فيه دون غيره. والعجول الكثير الطلب للشئ قبل وقته. والعجلة تقديم الشئ قبل


(1) ديوانه: 33 (2) تفسير القرطبي 11 / 289 والشوكاني 3 / 394 وروايته: (والنبع في الصخرة الصماء منبتة..... (*)

[ 249 ]

وقته، وهو مذموم. والسرعة تقديم الشئ في أقرب أوقاته، وهو محمود. وقوله " سأوريكم آياتي فلا تستعجلون " أي سأظهر بيناتي وعلاماتي، فلا تطلبوه قبل وقته. ثم أخبر تعالى عن الكفار أنهم " يقولون متى هذا الوعد " يريدون ما توعد الله به من الجزاء والعقاب على المعاصي بالنيران وانواع العذاب " إن كنتم صادقين " يعني يقولون " إن كنتم صادقين " ومحقين فيما تقولون متى يكون ما وعدتموه، فقال الله تعالى " لو يعلم الذين كفروا " الوقت الذي " لا يكفون فيه " أي لا يمنعون فيه " عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم " يعني إن النار تحيط بهم من جميع وجوههم " ولا هم ينصرون " أي لا يدفع عنهم العذاب بوجه من الوجوه. وجواب (لو) محذوف، وتقديره: لعلموا صدق ما وعدوا به من الساعة. ثم قال " بل تأتيهم " يعني الساعة، والقيامة " بغتة " أي فجأة " فتبهتهم " أي تحيرهم والمبهوت المتحير " فلا يستطيعون ردها " ومعناه: لا يقدرون على دفعها " ولا هم ينظرون " أي لا يؤخرون إلى وقت آخر. وقال البلخي: ويجوز أن تكون العجلة من فعل الله وهو ما طبع الله على الخلق من طلب سرعة الاشياء. وهو كما خلقهم يشتهون أشياء ويميلمون إليها، ويحسن أمرهم بالتأني عنها، والتوقف عند ذلك، فلاجل ذلك قال " فلا تستعجلون " كما حسن نهيهم عن ارتكاب الزنا الذي تدعوهم إليه الشهوة. قوله تعالى: (ولقد استهزى برسل من قبلك فحلق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن (41) قل من يكلؤكم بالليل والنهار (ج 7 م 32 من التبيان) (*)

[ 250 ]

من الرحمن بل هم عن ذكر ربهم معرضون (42) أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنسفهم ولا هم منا يصحبون (43) بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر أفلا يرون أنا نأتي الارض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (44) قل إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) (45) خمس آيات. قرأ ابن عامر " ولا تسمع " بالتاء وضمها وكسر الميم " الصم " بالنصب. الباقون - بالياء - مفتوحة، وبفتح الميم، وضم " الصم ". فوجه قراءة ابن عامر، أنه وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله فكأنه قال " ولا تسمع " أنت يا محمد " الصم " كما قال " وما أنت بمسمع من في القبور " (1) لان الله تعالى، لما خاطبهم، فلم يلتفتوا إلى ما دعاهم إليه، صاروا بمنزلة الميت الذي لا يسمع ولا يعقل. ووجه قراءة الباقين أنهم جعلوا الفعل لهم، ويقويه قوله (إذا ما ينذرون) قال أبو علي: ولو كان على قراءة ابن عامر، لقال: إذا ينذرون. و (الصم) وزنه (فعل) جمع أصم. وأصله (أصمم) فادغموا الميم في الميم وتصغير (أصم) (أصيمم). و (الصمم) ثقل في الارض، فإذا كان لا يسمع شيئا قيل أصلج. وقال ابن زيد: (أصم) أصلج بالجيم. والوقر المثقل في الاذن.


(1) سورة 35 فاطر آية 22 (*)

[ 251 ]

لما قال الله تعالى لنبيه محمد: إن الكفار إذا ما رأوك اتخذوك هزوا وسخرية علم ان ذلك يغمه فسلاه عن ذلك بأن اقسم بأن الكفار فيما سلف استهزؤا بالرسل الذين بعث الله فيهم. وسخروا منه (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن) أي حل بهم عقوبة ما كانوا يسخرون منهم، وحاق معناه حل، حاق يحق حيقا. ومنه قوله " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله " (1) أي يحل وبال القبيح بأهله الذين يفعلونه، فكان كما أرادوه بالداعي لهم إلى الله بهم. والفرق بين الهزء والسخرية، أن في السخرية معنى الذلة، لان التسخير التذليل والهزء يقتضي طلب صغر القدر مما يظهر في القول. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار " من يكلؤكم بالليل والنهار " أي من يحفظكم من بأس الرحمن وعذابه. وقيل: من عوارض الآفات، يقال: كلاه يكلؤه، فهو كالئ قال ابن هرمة: إن سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها (2) ومعنى (يكلؤكم... من الرحمن) اي من يحفظكم من أن يحل بكم عذابه وقوله (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) معناه كأنه قال: ما يلتفتون إلى شئ من الحجج والمواعظ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. وقيل: من يحفظكم مما يريد الله إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. ثم قال على وجه التوبيخ لهم والتقريع (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أي من عذابنا وعقوباتنا. ثم أخبر أنهم (لا يستطيعون نصر انفسهم). وقيل: ان المعنى إن آلهتهم لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف يقدرون على نصر غيرهم ؟ ! وقيل ان الكفار (لا يستطيعون نصر


(1) سورة 35 فاطر 43 (2) تفسير القرطبي 11 / 291 والطبري 17 / 20 والشوكاني 3 / 395 (*)

[ 252 ]

أنفسهم) وهو الاشبه اي لا يقدرون على دفع ما ينزل بهم عن نفوسهم " ولا هم منا يصحبون " معناه لا يصحبهم صاحب يمنعهم منا. وقيل ولا هم منا يصحبون بأن يجيرهم مجير علينا. وقال ابن عباس: معناه ولا الكفار منا يجارون، كما يقولون: ان لك من فلان صاحبا، أي من يجيرك ويمنعك. وقال قتادة: معناه (ولا هم منا يصحبون) بخير ثم قال تعالى (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) فلم نعاجلهم بالعقوبة حتى طالت اعمارهم. ثم قال موبخا لهم (أفلا يرون) اي ألا يعلمون (انا نأتي الارض ننقصها من اطرافها) قيل: بخرابها. وقيل: بموت اهلها. وقيل: بموت العلماء. وقوله (افهم الغالبون) قال قتادة: افهم الغالبون رسول الله مع ما يشاهدونه من نصر الله له في مقام بعد مقام، توبيخا لهم، فكأنه قال: ما حملهم على الاعراض الا الاغترار بطول الامهال حيث لم يعاجلوا بالعقوبة. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (قل) لهم (انما انذركم بالوحي) اي اعلمكم واخوفكم بما اوحى الله الي. ثم شبههم بالصم الذين لا يسمعون النداء إذا نودوا، فقال (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) اي يخوفون، من حيث لم ينتفعوا بدعاء من دعاهم، ولم يلتفتوا إليه، فسماهم صما مجازا وتوسعا. قوله تعالى: (ولئن مستهم نفحة من عذاب ربك ليقولن يا ويلنا إنا كنا ظالمين (46) ونضع الموازين القسط ليوم القيمة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (47) ولقد آتينا موسى وهرون الفرقان وضياء وذكرا

[ 253 ]

للمتقين (48) الذين يخشون ربهم بالغيب وهم من الساعة مشفقون (49) وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (50) خمس آيات. قرأ اهل المدينة (مثقال حبة) برفع اللام - ههنا - وفي القمر. الباقون بنصبها. من رفع اللام جعل (كان) تامة بمعنى حدث، كما قال (الا ان تكون تجارة) (1) ولا خبر لها. ومن نصبه جعل في (كان) ضميرا ونصب (مثقال) بأنه خبر (كان) وتقديره فلا تظلم نفس شيئا وان كان الشئ (مثقال حبة من خردل) وانما قال (بها) بلفظ التأنيث والمثقال مذكر، لان مثقال الحبة وزنها، ومثله قراءة الحسن (تلتقطه بعض السيارة) (2) لان بعض السيارة سيارة. وروي ان مجاهد قرأ (آتينا) ممدودا بمعنى جازينا بها. اخبر الله تعالى انه لو مس هؤلاء الكفار (نفحة من عذاب الله) ومعناه لو لحقهم واصابهم دفعة يسيرة، فالنفحة الدفعة اليسيرة، يقال: نفح ينفح نفحا، فهو نافح، لايقنوا بالهلاك، ولقالوا (يا ويلنا) اي الهلاك علينا (انا كنا ظالمين) لنفوسنا بارتكاب المعاصي اعترافا منهم بذلك. ومعنى (يا ويلنا) يا بلاءنا الذي نزل بنا. وانما يقال استغاثه مما يكون منه، كما يستغيث الانسان بنداء من يرفع به. ثم قال تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) قال قتادة: معناه نضع


(1) سورة 2 البقرة آية 282 (2) سورة 12 يوسف آية 10 (*)

[ 254 ]

العدل في المجازاة بالحق لكل احد على قدر استحقاقه، فلا يبخس المثاب بعض ما يستحقه، ولا يفعل بالمعاقب فوق ما يستحقه. وقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان، يذهب إلى انه علامة جعلها للعباد يعرفون بها مقادير الاستحقاق. وقال قوم: ميزان ذو كفتين توزن بها صحف الاعمال. وقال بعضهم: يكون في احدى الكفتين نور، وفي الاخرى ظلمة، فايهما رجح، علم به مقدار ما يستحقه، وتكون المعرفة في ذلك ما فيه من اللطف والمصلحة في دار الدنيا. وقوله " ليوم القيامة " معناه لاهل يوم القيامة. وقيل في يوم القيامة. وقوله " وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها " معناه أنه لا يضيع لديه قليل الاعمال والمجازاة عليه، طاعة كانت أو معصية " وكفى بنا حاسبين " أي وكفى المطيع أو العاصي بمجازاة الله وحسبه ذلك. وفي ذلك غاية التهديد، لانه إذا كان الذي يتولى الحساب لا يخفى عليه قليل ولا كثير، كان اعظم. والباء في قوله " كفى بنا " زائدة. و " حاسبين " يحتمل أن يكون نصبا على الحال أو المصدر - في قول الزجاج. ثم اخبر الله تعالى فقال: " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان " قال مجاهد وقتادة: هو التوراة التي تفرق بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: هو البرهان الذي فرق بين حقه وباطل فرعون، كما قال تعالى " وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (1). وقوله " وضياء " أي وآتيناه ضياء يعني أدلة يهتدون بها. كما يهتدون بالضياء. وآتيناه " ذكرا للمتقين " أي مذكرا لهم، يذكرون الله به. ومن جعل الضياء والذكر حالا للفرقان قال: دخلته واو العطف، لاختلاف الاحوال، كقولك جاءني زيد الجواد والحليم والعالم. وأضافه إلى المتقين، لانهم المتنفعون به دون غيرهم. ثم وصف المتقين بأن قال " الذين يخشون " عذاب الله فيجتنبون معاصيه في


(1) سورة 8 الانفال آية 41 (*)

[ 255 ]

حال السر والغيب. وقال الجبائي: معناه يؤمنون بالغيب الذي أخبرهم به، وهم من مجازاة يوم القيامة " مشفقون " أي خائفون. ثم اخبر عن القرآن، فقال " وهذا ذكر مبارك " يعني القرآن " أنزلناه " عليك يا محمد. وخاطب الكفار فقال " أفانتم له منكرون " أي تجحدونه، على وجه التوبيخ لهم، والتقرير، وفى ذلك دلالة على حدوثه، لان ما يوصف بالانزال وبأنه مبارك يتنزل به، لا يكون قديما، لان ذلك من صفات المحدثات. قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (51) إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (52) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (53) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (54) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (55) خمس آيات. لما اخبر الله تعالى أنه آتى موسى وهارون الفرقان، والضياء، والذكر. وبين أن القرآن ذكر مبارك أنزله على محمد صلى الله عليه وآله، أخبر انه آتى إبراهيم أيضا قبل ذلك (رشده) يعني آتيناه من الحجج والبينات ما يوصله إلى رشده، من معرفة الله وتوحيده. والرشد هو الحق الذي يؤدي إلى نفع يدعو إليه. ونقيضه الغي، رشد يرشد رشدا ورشدا، فهو رشيد. وفى نقيضه: غوى يغوى غيا، فهو غاو. وقال قتادة ومجاهد: معنى (آتيناه رشده) هديناه صغيرا. وقال قوم: معنى (رشده)

[ 256 ]

النبوة. وقوله (من قبل) يعني من قبل موسى وهارون. وقوله (وكنا به عالمين) أي كنا عالمين بأنه موضع لايتاء الرشد، كما قال تعالى (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) (1) وقيل: كنا نعلم أنه يصلح للنبوة (إذ قال لابيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون). (إذ) في موضع نصب، والعامل فيه (آتيناه رشده... إذ قال) أي في ذلك الوقت، وفيه إخبار عما أنكر ابراهيم على قومه وأبيه حين رآهم يعبدون الاصنام والاوثان، فانه قال لهم: أي شئ هذه الاصنام ؟ ! يعني الصور التي صرتم لازمين لها بالعبادة، والعكوف اللزوم لامر من الامور: عكف عليه عكوفا، فهو عاكف. وقيل في معنى (لها عاكفون) لاجلها. قال مجاهد (هذه التماثيل) الاصنام. ثم حكى ما أجابه به قومه، فانهم قالوا " وجدنا آباءنا لها " لهذه الاصنام " عابدين " فأحالوا على مجرد التقليد. فقال لهم ابراهيم " لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين " فذمهم على تقليد الآباء، ونسب الجيمع إلى الضلالة والعدول عن الحق. فقالوا له عند ذلك " أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين " ومعناه أجاد أنت فيما تقول محق عند نفسك أم أنت لاعب مازح ؟ وذلك أنهم كانوا يستبعدون إنكار عبادتها عليهم. قوله تعالى: (قال بل ربكم رب السموات والارض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (56) وتالله لاكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين (57) فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل بالهتنا إنه لمن الظالمين (59)


(1) سورة 44 الدخان آية 32 (*)

[ 257 ]

قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) (60) خمس آيات. قرأ الكسائي " جذاذا " بكسر الجيم. الباقون بضمها. فمن ضم الجيم أراد جعلهم قطعا، وهو (فعال) على وزن الرفات والفتات والرقاق، وجذذته أجذه جذا أي قطعته. وقال ابن عباس: الجذاذ الحطام. ومن كسر الجيم فانه أراد جمع جذيذ (فعيل) بمعنى مجذوذ. ومثله كريم وكرام، وخفيف وخفاف، وبالضم مصدر لا يثنى ولا يجع. قال جرير: آل المهلب جذ الله دابرهم * أمسوا رمادا فلا أصل ولا طرف (1) حكى الله تعالى ما رد به إبراهيم على كفار قومه حين قالوا له " أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين " فانه قال لهم " بل ربكم السموات والارض الذي " خلقكم ودبركم والذي خلق السموات والارض و " فطرهن " معناه ابتدأهن والفطر شق الشئ من امر ظهر منه يقال: فطره يفطره فطرا وانفطر انفطارا، ومنه تفطر الشجر بالورق، فكأن السماء تشق عن شئ فظهرت بخلقها. ثم قال ابراهيم " وأنا على ذلكم من الشاهدين " يعني أنا على ما قلت لكم: من انه تعالى خالقكم وخالق السموات شاهد بالحق لانه دال، والشاهد الدال على الشئ عن مشاهدة، فابراهيم (ع) شاهد بالحق دال عليه بما يرجع إلى ثقة المشاهدة. ثم أقسم إبراهيم فقال " وتالله لاكيدن أصنامكم " وذلك قسم، والتاء في القسم لا تدخل إلا في اسم الله تعالى، لانها بدل من الواو والواو بدل من الباء، فهي بدل من بدل، فلذلك أختصت باسم الله. وقال قتادة: معناه لاكيدن أصنامكم في سر من قومه. والكيد ضر الشئ بتدبير عليه، يقال:


(1) ديوانه (دار بيروت) 308 (ج 7 م 33 من التبيان) (*)

[ 258 ]

كاده يكيده كيدا فهو كائد. وقوله " بعد أن تولوا مدبرين " يقال: انه انتظرهم حتى خرجوا إلى عيد لهم فحينئذ كسر اصنامهم. ثم أخبر تعالى انه " جعلهم جذاذا " أي قطعا " إلا كبيرا لهم " تركه على حاله. ويجوز أن يكون كبيرهم في الخلقة. ويجوز أن يكون أكبرهم عندهم في التعظيم " لعلهم إليه يرجعون " أي لكي يرجعوا إليه فينتبهوا على ما يلزمهم فيه من جهل من اتخذوه إلها، إذا وجدوه على تلك الصفة. وكان ذلك كيدا لهم. وفي الكلام حذف، لان تقديره إن قومه رجعوا من عيدهم، فوجدوا أصنامهم مكسرة " قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الضالمين " ف‍ (من) بمعنى الذي، وتقديرها الذي فعل هذا بمعبودنا، فانه ظلم نفسه. وقوله " قالوا سمعنا فنى يذكرهم يقال له ابراهيم " قيل تخلف بعضهم فسمع إبراهيم يذكرها بالعيب، فذكر ذلك، ورفع (ابراهيم) بتقدير، يقال له هذا إبراهيم، أو ينادى يا إبراهيم، ذكره الزجاج. قوله تعالى: (قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون (61) قالوا أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم (62) قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون (64) ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) (65) خمس آيات.

[ 259 ]

لما قال بعضهم انه سمع ابراهيم يعيب آلهتهم وحكاه لقومه قالو: جيئوا " به على اعين الناس لعلهم يشهدون " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا جيئوا به بحيث يراه الناس، ويكون بمرءا منهم " لعلهم يشهدون " بما قاله إني أكيد اصنامهم شهادة تكون حجة عليه. الثاني - قال ابن اسحاق " لعلهم يشهدون " عقابه. وقيل " لعلهم يشهدون " حجته وما يقال له من الجواب، فلما جاؤا به قالوا له (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) مقررين له على ذلك، فأجابهم إبراهيم بأن قال (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وإنما جاز أن يقول (بل فعله كبيرهم هذا) وما فعل شيئا لاحد امرين: احدهما - انه قيده بقوله (إن كان ينطقون) فقد فعله كبيرهم. وقوله (فاسألوهم) اعتراض بين الكلامين، كما يقول القائل: عليه الدارهم فاسأله إن أقر. والثاني - انه خرج الخبر وليس بخبر، وانما هو إلزام دل على تلك الحال، كأنه قال بل ما تنكرون فعله كبيرهم هذا. فالالزام تارة يأتي بلفظ السؤال وتارة بلفظ الامر، كقوله (فأتوا بسورة مثله) وتارة بلفظ الخبر. والمعنى فيه أنه من اعتقد كذا لزمه كذا وقد قرئ في الشواذ (فعله كبيرهم) - بتشديد اللام - بمعنى فلعل كبيرهم، فعلى هذا لا يكون خبرا، فلا يلزم ان يكون كذبا، والكذب قبيح لكونه كذبا، فلا يحسن على وجه، سواء كان فيه نفع أو دفع ضرر، وعلى كل حال، فلا يجوز على الانبياء القبائح، ولا يجوز ايضا عليهم التعمية في الاخبار، ولا التقية


(1) سورة 10 يونس آية 38 (*)

[ 260 ]

في اخبارهم، لانه يؤدي إلى التشكيك في اخبارهم، فلا يجوز ذلك عليهم على وجه. فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله بأن قال (لم يكذب ابراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في الله) فانه خبر لا أصل له، ولو حسن الكذب على وجه، كما يتوهم بعض الجهال، لجاز من القديم تعالى ذلك. وزعموا ان الثلاث كذبات هي قوله " فعله كبيرهم هذا " وما كان فعله. وقوله " اني سقيم " (1) ولم يكن كذلك. وقوله في سارة لما اراد الجبار أخذها: إنها اختي، وكانت زوجته. حتى قال بعضهم: كان الله أذن له في ذلك. وهذا باطل، لانه لو اذن الله له فيه، لكان الكذب حسنا. وقد بينا أنه قبيح على كل حال. وقيل: معنى قوله " اني سقيم " اي سأسقم، لانه لما نظر إلى بعض الكواكب علم انه وقت نوبة حمى كانت تجيئه، فقال: إني سقيم. وقيل معناه: اني سقيم، اي غما بضلالكم. وقيل: معناه سقيم عندكم، فيما أدعوكم إليه من الدين. وقيل: ان من كانت عاقبته الموت جاز ان يقال فيه سقيم، مثل المريض المشفي على الموت. وأما قوله في سارة إنها أختي فانه أراد في الدين. واما قول يوسف لاخوته " انكم لسارقون " (2) فقد قال قوم: هو من قول مؤذن يوسف على ظنه فيما يقتضيه الحال من الظن الذي يعمل عليه. وقيل معناه: (إنكم لسارقون) يوسف (ع) وقوله تعالى (فرجعوا إلى انفسهم) اي عادوا إلى نفوسهم يعني بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض: (انكم انتم الظالمون) في سؤاله، لانها لو كانت آلهة لم يصل ابراهيم إلى كسرها. وقوله (ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فالنكس هو جعل الشئ أسفله أعلاه، ومنه النكس في العلة إذا رجع إلى اول حاله. والمعنى ادركتهم حيرة سوء، فنكسوا لاجلها رؤسهم. ثم أقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا لابراهيم


(1) سورة 37 الصافات آية 89 (2) سورة 12 يوسف آية 70 (*)

[ 261 ]

(لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فأقروا بهذا للحيرة التى لحقتهم، فكان ذلك دلالة على خطئهم، لكنهم أصروا على العناد. قوله تعالى: (قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم (966 أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون (67) قالوا حر قوة وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (68) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (69) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الاخسرين (70) خمس آيات. يقول الله تعالى لما قال كفار قوم إبراهيم (ع) (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فقال لهم إبراهيم منبها لهم على خطئهم وضلالهم (أفتعبدون من دون الله أي توجهون عبادتكم إلى الاصنام التي لا تنفعكم شيئا ولا تدفع عنكم ضرا، لانها لو قدرت على نفعكم وضركم. لدفعت عن نفسها، حتى لم تكسر، ولاجابت حين سئلت (من دون الله) الذي يقدر على ضركم ونفعكم من ثوابكم وعقابكم، وإنه يفعل معكم ما لا يقدر عليه سواه. وليس كل من قدر على الضر والنفع يستحق العبادة، وانما يستحقها من قدر على اصول النعم التى هي خلق الحياة، والشهوة، والقدرة، وكمال العقل، ويقدر على الثواب والعقاب أو لمنافع تقع على وجه لا يقدر على ايقاعها على ذلك الوجه سواه. قال الرماني: لانه تعالى لو فعل حركة فيها لطف في إيمان زيد كزلزلة الارض في بعض الاحوال. ثم ان عندها ايمانا يتخلص به من

[ 262 ]

العقاب. ويستحق الثواب الذي ضمنه بالايمان، لا يستحق - بفعل الحركة على هذا الوجه - العبادة. ثم قال مهجنا لافعالهم مستقذرا لها (اف لكم ولما تعبدون من دون الله) فمعنى (أف) الضجر بما كان من الامر وهي كلمة، مبنية، لانها وضعت وضع الصوت الخارج عن دلالة الاشارة والافادة، فصارت كدلالة الحرف، لانه يفهم المعنى بالحال المقارنة لها، وبنيت على الحركة لالتقاء الساكنين إذ لا اصل لها في التمكن مستعمل، فتستحق به البناء على الحركة. وكسرت على اصل الحركة لالتقاء الساكنين. وقال الزجاج: معنى (اف لكم) نتنا لافعالكم، ويجوز - ضم الفاء - للاتباع لضمة الهمزة ويجوز - الفتح - لثقل التضعيف. ويجوز التنوين - على التنكير. وقوله " أفلا تعقلون " معناه أفلا تتفكرون بعقولكم في أن هذه الاصنام لا تستحق العبادة، ولا تقدر على الضر والنفع، فلما سمعوا منه هذا القول قال بعضهم لبعض " حرقوه " يعني بالنار " وانصروا آلهتكم " أي عظموها وادفعوا عنها وعن عبادتها " إن كنتم فاعلين " معناه إن كنتم ناصريها، ولم تريد واترك عبادتها. والتحريق هو التقطيع بالنار، يقال: حرقه تحريقا وأحرقه إحراقا، وثوب حرق أي متقطع كالتقطع بالنار. واحترق الشئ احتراقا، وتحرق على الامر تحرقا. وقال ابن عمر: الذي أشار بتحريق إبراهيم رجل من اكراد فارس. وفي الكلام حذف لان تقديره أوثقوا إبراهيم وطرحوه في النار، فقال الله تعالى عند ذلك للنار " كوني بردا وسلاما على ابراهيم " وقيل في وجه كون النار بردا وسلاما قولان: احدهما - انه تعالى أحدث فيها بردا بدلا من شدة الحرارة التي فيها،

[ 263 ]

فلم تؤذه. والثاني - انه تعالى حال بينها وبين جسمه، فلم تصل إليه، ولو لم يقل سلاما لاهلكه بردها، ولم يكن هناك أمر على الحقيقة. والمعنى أنه فعل ذلك، كما قال " كونوا قردة خاسئين " (1) أي صيرهم كذلك من غير أن أمرهم بذلك. وقال قتادة: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال قوم: ان إبراهيم لما أوثقوه ليلقوه في النار قال (لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين. لك الحمد ولك الملك لا شريك لك). ثم اخبر تعالى ان الكفار أرادوا بابراهيم كيدا وبلاء، فجعلهم الله " الاخسرين " يعني بتأييد ابراهيم وتوفيقه، ومنع النار من إحراقه حتى خسروا وتبين كفرهم وضلالهم. قوله تعالى: (ونجيناه ولوطا إلى الارض التي باركنا فيها للعالمين (71) ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (72) وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة وكانوا لنا عابدين (73) ولوطا آتيناه حكما وعلما ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث إنهم كانوا قوم سوء فاسقين (74) وأدخلناه في رحمتنا إنه من الصالحين (75) خمس آيات.


(1) سورة 2 البقرة آية 65 (*)

[ 264 ]

يقول الله تعالى إنا نجينا ابراهيم ولوطا من الكفار الذين كانوا يخافوهم، وحملناهما " إلى الارض التى باركنا فيها للعالمين " قال قتادة: نجيا من ارض كوثا ريا إلى الشام. وقال أبو العالية: ليس ماء عذب الا من الصخرة التى في بيت المقدس. وقال ابن عباس: نجاهما إلى مكة، كما قال " ان اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " (1) وقيل: إلى أرض بيت المقدس. وقال الزجاج: من العراق إلى ارض الشام. وقال الجبائي: أراد ارض الشام. وانما قال للعالمين " لما فيها من كثرة الاشجار والخيرات التي ينتفع جميع الخلق بها إذا حلوا بها. وانما جعلها مباركة، لان اكثر الانبياء بعثوا منها، فلذلك كانت مباركة. وقيل: لما فيها من كثرة الاشجار والثمار، والنجاة هو الدفع عن الهلاك، فدفع الله ابراهيم ولوطا عن الهلكة إلى الارض المباركة. والبركة ثبوت الخير النامي ونقيضها الشؤم وهو إمحاق الخير وذهابه. وقيل في هذه الآية دلالة على نجاة محمد صلى الله عليه وآله كما نجا ابراهيم من عبدة الاصنام، إلى الارض التى اختارها له. ثم قال " ووهبنا له " يعني ابراهيم اي أعطيناه اجتلابا لمحبته، فالله تعالى يحب انبياءه ويحبونه، ويحب إن يزدادوا في محبته بما يهب لهم من نعمه " اسحاق ويعقوب " اي أعطيناه اسحاق ومعه يعقوب " نافلة " اي زيادة على ما دعا الله إليه. وقوله " نافلة " اي فضلا - في قول ابن عباس وقتادة وابن زيد - لانه كان سأل الله ان يرزقه ولدا من سارة، فوهب له اسحاق، وزاده يعقوب ولد ولده. وقيل جميعا نافلة، لانهما عطية زائدة على ما تقدم من النعمة - في قول مجاهد وعطاء - والنفل النفع الذي يوجب الحمد به لانه مما زاد على حد الواجب، ومنه صلاة النافلة اي فضلا على الفرائض. وقيل: نافلة اي غنيمة قال الشاعر:


(1) سورة 3 آل عمران آية 96 (*)

[ 265 ]

لله نافلة الاعزالافضل وقوله (وكلا جعلنا صالحين) يحتمل امرين: احدهما - انه جعلهم بالتسمية على وجه المدح بالصلاح أي سميناهم صالحين. والثاني - انا فعلنا بهم من اللطف الذي صلحوا به. ثم وصفهم بأن قال (وجعلناهم أئمة) يقتدى بهم في افعالهم (يهدون) الخلق إلى طريق الحق (بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات) اي أوحينا إليهم بأن يفعلوا الخيرات " واقام الصلاة " اي وبأن يقيموا الصلاة بحدودها وانما قال " واقام الصلاة " بلا (هاء) لان الاضافة عوض الهاء " وإيتاء الزكاة " أي بأن يؤتوا الزكاة، التي فرضها الله عليهم. ثم اخبر: أنهم كانوا عابدين لله وحده لا شريك له، لا يشركون بعبادته سواه. وقوله " ولوطا آتيناه حكما وعلما " نصب (لوطا) ب‍ (آتينا) وتقديره: وآتينا لوطا آتيناه، كقوله " والقمر قدرناه منازل " (1). ويجوز ان يكون نصبا بتقدير اذكر " لوطا " إذ " آتيناه حكما " اي اعطيناه الفصل بين الخصوم بالحق أي جعلناه حاكما، وعلمناه ما يحتاج إلى العلم به. وقوله " ونجيناه من القرية التي كانت تعمل الخبائث " يعني انهم كانوا يأتون الذكران، في أدبارهم ويتضارطون في انديتهم، وهي قرية (سدوم) على ما روي. ثم اخبر " انهم كانوا قوم سوء فاسقين " اي خارجين عن طاعة الله إلى معاصيه. ثم عاد إلى ذكر لوط فقال " وادخلناه في رحمتنا " أي نعمتنا " انه من الصالحين " الذين أصلحوا أفعالهم. فعملوا بما هو حسن منها، دون ما هو قبيح.


(1) سورة 36 يس آية 39 (ج 7 م 34 من التبيان) (*)

[ 266 ]

قوله تعالى: (ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (76) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (77) وداود وسليمن إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (78) ففهمناها سليمن وكلا آتينا حكما وعلما وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير وكنا فاعلين (79) وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون) (80) خمس آيات. قرأ " لنحصنكم " بالنون أبو بكر عن عاصم. وقرأ ابن عامر وحفص عن عاصم بالتاء. الباقون بالياء. فمن قرأ بالتاء، فلان الدروع مؤنثة، فأسند الفعل إليها. ومن قرأ بالياء اضافه إلى (لبوس)، وهو مذكر ويجوز ان يكون اسند الفعل إلى الله. ويجوز أن يضيفه إلى التعليم - ذكره أبو علي - ومن قرأ بالنون اسند الفعل إلى الله ليطابق قوله " وعلمناه ". يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله واذكر يا محمد " نوحا " حين " نادى من قبل " ابراهيم. والنداء الدعاء على طريقة (يا فلان) فأما على طريقة (افعل) و (لا تفعل) فلا يسمى نداء، وإن كان دعاء. والمعنى إذ دعا ربه، فقال: رب، أي

[ 267 ]

يا رب نجني واهلي من الكرب العظيم فقال الله تعالى " فاستجبنا له " اي اجبناه إلى ما التمسه " فنجيناه واهله من الكرب العظيم ". والكرب الغم الذي يحمى به القلب، ويحتمل ان يكون غمه كان لقومه. ويجوز ان يكون من العذاب الذي نزل بهم. وقوله " ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا " اي منعناه منهم ان يصلوا إليه بسوء. ومعنى نصرته عليه أعنته على غلبه. ثم اخبر تعالى " انهم كانوا قوم سوء " فأغرقهم الله اجمعين بالطوفان. ثم قال واذكر يا محمد " داود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ " في الوقت الذي " نفشت فيه غنم القوم " والنفش لا يكون الا ليلا على ما قاله شريح. وقال الزهري: الهمل والنشر بالنهار، والنفش بالليل، والحرث الذى حكاه فيه: قال قتادة: هو زرع وقعت فيه الغنم ليلا، فأكلته. وقيل: كرم قد نبتت عناقيده - في قول ابن مسعود - وشريح. وقيل: ان داود كان يحكم بالغنم لصاحب الكرم. فقال سليمان: غير هذا يا نبي الله. قال: وما ذاك ؟ قال: يدفع الكرم إلى صاحب الغنم فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيصيب منها، حتى إذا عاد الكرم كما كان دفع كل واحد إلى صاحبه - ذكره ابن مسعود - وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقال أبو علي الجبائي: أوحى الله إلى سليمان مما نسخ به حكم داود الذي كان يحكم به قبل. ولم يكن ذلك عن اجتهاد، لان الاجتهاد لا يجوز ان يحكم به الانبياء. وهذا هو الصحح عندنا. وقال ابن الاخشاذ، والبلخي والرماني: يجوز أن يكون ذلك عن اجتهاد، لان رأي النبي افضل من رأي غيره، فكيف يجوز التعبد بالتزام حكم غيره من طريق الاجتهاد، ويمتنع من حكمه من هذا الوجه. والدليل على صحة الاول ان الانبياء (ع) يوحى إليهم، ولهم طريق إلى العلم بالحكم، فكيف

[ 268 ]

يجوز أن يعملوا بالظن ؟ ! والامة لا طريق لها إلى العلم بالاحكام فجاز ان يكلفوا ما طريقه الظن ؟ ! على ان عندنا لا يجوز في الامة ايضا العمل على الاجتهاد. وقد بينا ذلك في غير موضع. ومن قال: انهما اجتهدا، قال أخطأ داود وأصاب سليمان. وذكروا في قوله " إذ يحكمان " ثلاثة أوجه: أحدها - إذ شرعا في الحكم فيه من غير قطع به في ابتداء الشرع. وثانيها - ان يكون حكمه حكما معلقا بشرط لم يفعله بعد. وثالثها - أن يكون معناه طلبا بحكم في الحرث، ولم يبتديا به بعد. ويقوي ما قلناه قوله تعالى " ففهمناها سليمان " يعني علمنا الحكومة في ذلك سليمان. وقيل: ان الله تعالى " فهم سليمان " قيمة ما أفسدت الغنم. ثم أخبر تعالى بأنه آتى كلا حكما وعلما، فدل على ان ما حكم به داود كان بوحي الله، وتعليمه. وقيل: معنى قوله " ففهمناها سليمان " أي فتحنا له طريق الحكومة، لما اجتهد في طلب الحق فيها، من غير عيب على داود فيما كان منه في ذلك، لانه اجتهد، فحكم بما أدى اجتهاده إليه. وقوله " وسخرنا مع داود الجبال " معناه سير الله تعالى الجبال مع داود حيث سار، فعبر عن ذلك بالتسبيح، لما فيها من الآية العظيمة التي تدعو له بتعظيم الله وتنزيهه عن كل ما لا يليق به، ولا يجوز وصفه به. وكذلك سخر له الطير، وعبر عن ذلك التسخير بأنه تسبيح من الطير، لدلالته على أن من سخرها قادر لا يجوز عليه العجز، كما يجوز على العباد. وقوله " وكنا فاعلين " أي وكنا قادرين على ما نريده. وقال الجبائي: اكمل الله تعالى عقول الطير حتى فهمت ما كان سليمان يأمرها به وينهاها عنه، وما يتوعدها به متى خالفت.

[ 269 ]

وقوله " وكنا لحكمهم شاهدين " انما جمعه في موضع التثنية، لان داود وسليمان كان معهما المحكوم عليه، ومن حكم له. فلا يمكن الاستدلال به على أن اقل الجمع اثنان. ومن قال: إنه كناية عن الاثنين، قال: هو يجري مجرى قوله " فان كان له أخوة " (1) في موضع فان كان له أخوان. وهذا ليس بشئ، لان ذلك علمناه بدليل الاجماع، ولذلك خالف فيه ابن عباس، فلم يحجب ما قل عن الثلاثة. وقوله " وعلمناه " يعني داود " صنعة لبوس لكم " اي علمناه كيف يصنع الدرع. وقيل: ان اللبوس - عند العرب - هو السلاح كله، درعا كان، أو جوشنا، أو سيفا، أو رمحا، قال الهذلي. ومعي لبوس للبنين كأنه * روق بجبهة ذي نعاج مجفل (2) يصف رمحا. وقال قتادة، والمفسرون: المراد به في الآية الدروع. والاحصان الاحراز، والباس شدة القتال. وقوله " فهل أنتم شاكرون " تقرير للخلق على شكره تعالى على نعمه التي انعم بها عليهم بأشياء مختلفة. قوله تعالى: (ولسليمن الريح عاصفة تجري بأمره إلى الارض التي باركنا فيها وكنا بكل شئ عالمين (81) ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (82) وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (83) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم


(1) سورة 4 النساء آية 10 (2) تفسير القرطبى 11 / 320 والطبري 17 / 37 (*)

[ 270 ]

رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (84) وإسمعيل وإدريس وذا الكفل كل من الصابرين) (85) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى وسخرنا " لسليمان الريح عاصفة " من رفع (الريح) وهو عبد الرحمن الاعرج: أضاف الريح إلى سليمان إضافه الملك، كأنه قال له الريح. و " عاصفة " نصب على الحال في القراءتين، والريح هو الجو، يشتد تارة ويضعف أخرى. وحد الرماني الريح بأن قال: هو جسم منتشر لطيف، يمتنع بلطفه من القبض عليه ويظهر للحس بحركته. وقولهم: سكنت الريح مثل قولهم: هبت الريح، وإلا فانها لا تكون ريحا إلا بالحركة. ويقولون: أسرع فلان في الحاجة كالريح، وراح فلان إلى منزله. و (العصوف) شدة حركة الريح، وعصفت تعصف عصفا وعصفة، وعصف عصفا وعصوفا إذا اشتد، والعصف التبن، لان الريح تعصفه بتطييرها. وقيل: عصوف الريح شدة هبوبها. وذكران الريح كانت تجري لسليمان إلى حيث شاء، فذلك هو التسخير " تجري بأمره " يعني بأمر سليمان " إلى الارض التي باركنا فهيا " يعني الشام، لانها كانت مأواه، فأي مكان شاء مضى إليه، وعاد إليها بالعشي. وقوله " وكنا بكل شئ عالمين " معناه علمنا معه على ما يعلمه من صحة التدبير، فان ما أعطيناه من التسخير يدعوه إلى الخضوع له. ويدعو طالب الحق إلى الاستبصار في ذلك، فكان لطفا يجب فلعه. وقوله " ومن الشياطين من يغوصون له " أي وسخرنا لسليمان قوما من الشياطين يغوصون له في البحر " ويعملون عملا دون ذلك " قال الزجاج: معناه سوى ذلك " وكنا لهم حافظين " أي يحفظهم الله من الافساد لما عملوه. وقيل: كان حفظهم لئلا يهربوا من العمل. وقال الجبائي: كشف الله تعالى أجسام الجن حتى

[ 271 ]

تهيأ لهم تلك الاعمال، معجزة لسليمان (ع) قال: انهم كانوا يبنون له البنيان، والغوص في البحار، وإخراج ما فيه من اللؤلؤ وغيره، وذلك لا يتأتى مع رقة أجسامهم. قال: وسخر له الطير بأن قوى أفهامها، حتى صارت كصبياننا الذين يفهمون التخويف والترغيب. ثم قال واذكر يا محمد " أيوب إذ نادى ربه " أي حين دعاه، فقال يا رب " أني مسني الضر " أي نالني الضر يعني ما كان ناله من المرض والضعف. قال الجبائي: كان به السلعة " وأنت ارحم الراحمين " فارحمني. وقيل انما فعل ذلك بايوب، ليبلغ بصبره على ذلك المنزلة الجليلة التي أعدها الله - عز وجل - له ولكل مؤمن فيما يلحقه من مصيبة اسوة بايوب، قال الجبائي: لم يكن ما نزل به من المرض فعلا للشيطان، لانه لا يقدر على ذلك، وإنما آذاه بالوسوسة وما جرى مجراها. قال الحسن: وكان الله تعالى أعطاه ما لا وولدا، فهلك ما له ومات ولده، فصبر، فأثنى الله عليه. ثم قال تعالى " فاستجبنا له " يعني أجبنا دعاءه ونداءه " فكشفنا ما به من ضر " أي أزلنا عنه ذلك المرض " وآتيناه أهله ومثلهم معهم " قيل: رد الله إليه أهله الذين هلكوا بأعيانهم، وأعطاه مثلهم معهم - في قول ابن مسعود وابن عباس - وقال الحسن وقتادة: إن الله أحيا له أهله بأعيانهم وزاده إليهم مثلهم. وقال عكرمة ومجاهد - في رواية - أنه خبر فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم في الدنيا، فأوتي على ما اختار. وقال ابن عباس: أبد له الله تعالى بكل شئ ذهب له ضعفين " رحمة من عندنا " أي نعمة منا عليه " وذكرى للعابدين " اي عظة يتذكر به العابدون لله تعالى مخلصين. وقوله " واسماعيل وإدريس وذا الكفل " أي اذكر هؤلاء الذين عددتهم لك من الانبياء، وما أنعمت عليهم من فنون النعمة. ثم أخبر أنهم كانوا كلهم

[ 272 ]

" من الصابرين " يصبرون على بلاء الله، والعمل بطاعته. دون معاصيه. وأختلفوا في ذي الكفل، فقال أبو موسى الاشعري، وقتادة، ومجاهد: كان رجلا صالحا، كفل لنبي بصوم النهار، وقيام الليل، وألا يغضب، ويقضي بالحق، فوفى لله بذلك، فأثنى الله عليه. وقال قوم: كان نبيا، كفل بأمر وفى به. وقال الحسن: هو نبي اسمه ذو الكفل. وقال الجبائي: هو نبي، ومعنى وصفه بالكفل أنه ذو الضعف أي ضعف ثواب غيره، ممن في زمانه لشرف عمله. قوله تعالى: (وأدخلناهم في رحمتنا إنهم من الصالحين (86) وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (88) وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين (89) فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه إنهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين) (90) خمس آيات. قرأ يعقوب " فظن ان لن يقدر عليه " بالياء مضمومة. وفتح الدال. الباقون بالنون، وكسر الدال، والمعنيان متقاربان.

[ 273 ]

يقول الله تعالى إنا ادخلنا هؤلاء الذين ذكرناهم من الانبياء " في رحمتنا " أي في نعمتنا، ومعنى (أدخلناهم في رحمتنا) غمرناهم بالرحمة. ولو قال رحمناهم لما أفاد الاغمار، بل أفاد انه فعل بهم الرحمة، التي هي النعمة. وقوله (انهم من الصالحين) معناه إنما ادخلناهم في رحمتنا، لانهم كانوا ممن صلحت أعمالهم، وفعلوا الطاعات، وتجنبوا المعاصي. و (صالح) صفة مدح في الشرع. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله واذكر (ذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه) والنون الحوت، وصاحبها يونس بن متى، غضب على قومه - في قول ابن عباس والضحاك - فذهب مغاضبا لهم، فظن ان الله لا يضيق عليه، لانه كان ندبه إلى الصبر عليهم والمقام فيهم من قوله " ومن قدر عليه رزقه " (1) أي ضيق، وقوله " الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر " (2) أي يضيق، وهو قول ابن عباس ومجاهد والضحاك، واكثر المفسرين. وقال الزجاج والفراء: معناه " ظن أن لن نقدر عليه " ما قدرناه. وقال الجبائي: ضيق الله عليه الطريق حتى ألجأه إلى ركوب البحر حتى قذف فيه، وابتلعته السمكة. ومن قال: ان يونس (ع) ظن أن الله لا يقدر عليه من القدرة، فقد كفر. وقيل إنما عوتب على ذلك، لانه خرج مغاضبا لهم قبل أن يؤذن له، فقال قوم: كانت خطيئة، من جهة تأويله أنه يجوز له ذلك. وقد قلنا: انه كان مندوبا إلى المقام فلم يكن ذلك محظورا، وانما كان ترك الاولى. فأما ما روي عن الشعبي وسعيد بن جبير من انه خرج مغاضبا لربه فلا يجوز ذلك على نبي من الانبياء، وكذلك لا يجوز أن يغضب لم عفى الله عنهم إذ آمنوا، لان هذا اعتراض


(1) سورة 65 الطلاق آية 7 (2) سورة 13 الرعد آية 28 (ج 7 م 35 من التبيان) (*)

[ 274 ]

على الله بما لا يجوز في حكمته. وقوله " فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " فالظلمات قيل: إنها ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت، على ما قاله ابن عباس وقتادة. وقيل: حوت في بطن حوت، في قول سالم بن أبي حفصة. وقيل: ان أكثر دعائه كان في جوف الليل في الظلمات. والاول أظهر في اقوال المفسرين. وقال الجبائي: الغضب عداوة لمن غضب عليه، وبقاؤه في بطن الحوت حيا معجز له. ولم يكن يونس في بطن الحوت على جهة العقوبة، لان العقوبة عداوة للمعاقب، لكن كان ذلك على وجه التأديب، والتأديب يجوز على المكلف وغير المكلف، كتأديب الصبي وغيره. وقال قوم: معنى قوله " فظن أن لن نقدر " الاستفهام، وتقديره أفظن. وهذا ضعيف، لانهم لا يحذفون حرف الاستفهام إلا وفي الكلام عوض عنه من (أم) أو غيرها. وقوله " اني كنت من الظالمين " أي كنت من الباخسين نفسي ثوابها، لو أقمت، لانه كان مندوبا إليه، ومن قال يجوز الصغائر على الانبياء، قال: كان ذلك صغيرة نقصت ثوابه. فأما الظلم الذي هو كبيرة، فلا يجوزها عليهم إلا الحشوية الجهال، الذين لا يعرفون مقادير الانبياء، الذين وصفهم الله بأنه اصطفاهم واختارهم. ثم اخبر تعالى انه استجاب دعاءه ونجاه من الغم الذي كان فيه. ووعد مثل ذلك أن ينجي المؤمنين. وقد قرأ أبو بكر عن عاصم " نجى المؤمنين " بنون واحدة مشددة الجيم. الباقون بنونين. وهي في المصحف بنون واحدة حذف الثانية كراهة الجمع بين المثلين في الخط، ولان النون الثانية تخفى مع الجيم، ومع حروف الفم، ولا تظهر، ولذلك ظن قوم أنها ادغمت في الجيم، فقرؤها مدغما، وليس بمدغم. ولا وجه لقراءة عاصم هذه

[ 275 ]

ولا لقول أبي عبيدة حاكيا عن أبي عمرو: ان النون مدغمة، لانها لا تدغم في الجيم. وقال الزجاج: هذا لحن، ولا وجه لمن تأوله: نجى النجا المؤمنين، كما لا يجوز ضرب زيدا بمعنى ضرب الضرب زيدا. وقال الفراء: هو لحن. وقال قوم - محتجين لابي بكر - انه أراد فعلا ماضيا، على ما لم يسم فاعله، فاسكن الياء، كما قرأ الحسن " وذروا ما بقي من الربا " (1) أقام المصدر مقام المعفول الذي لا يذكر فاعله، فكذلك نجى النجا المؤمنين، واحتجوا بأن أبا جعفر قرأ " لنجزى قوما " (2) في الجاثية على تقدير لنجزي الجراء قوما قال الشاعر. ولو ولدت قفيرة جر وكلب * لسب بذلك الجر والكلابا (3) ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر " زكريا إذ نادى ربه " أي دعاه، فقال يا " رب لا تذرني فردا " أي وحيدا، بل ارزقني ولدا. ثم قال " وأنت خير الوارثين " ومعناه أنت خير من يرث العباد من الاهل والولد، فقال الله تعالى إنا استجبنا دعاءه " وهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه " قال قتادة: إنها كانت عقيما فجعلها الله ولودا. وقيل: كانت سيئة الخلق، فرزقها الله حسن الخلق. ثم اخبر " انهم كانوا يسارعون في الخيرات " أي يبادرون في فعل الطاعات " ويدعون " الله " رغبة " في ثوابه " ورهبة " من عقابه " وكانوا " لله " خاشعين " متواضعين. وقال الجبائي: إجابة الدعاء لا تكون إلا ثوابا. وقال ابن الاخشاذ: يجوز أن تكون استصلاحا لاثوابا، ولذلك لا يمتنع أن يجيب الله دعاء الكافر والفاسق. فأما قولهم: فلان مجاب الدعوة، فلا يجوز اطلاقه على الكفار والفساق، لان فيه تعظيما وأن له منزلة جليلة عند الله. والامر بخلاف ذلك.


(1) سورة 2 البقرة آية 278 (2) سورة 45 الجاثية آية 13 (3) تفسير القرطبى 11 / 335 (*)

[ 276 ]

قوله تعالى: (والتي أحصنت فرجها فنفخنا فيها من روحنا وجعلناها وابنها آية للعالمين (91) إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (92) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (93) فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون (94) وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) خمس آيات. قرأ اهل الكوفة إلا حفصا عن عاصم " وحرم " بكسر الحاء بلا الف. الباقون بفتح الحاء. وإثبات الالف، وهما بمعنى واحد. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر ايضا " التي أحصنت فرجها " يعني مريم بنت عمران. والاحصان إحراز الشئ من الفساد، فمريم أحصنت فرجها بمنعه من الفساد فأثنى الله عليها، ورزقها ولدا عظيم الشأن، لا كالاولاد المخلوقين من النطفة. وجعله نبيا. وقوله " فنفخنا فيها من روحنا " معناه أجرينا فيها روح المسيح، كما يجري الهواء بالنفخ، وأضاف الروح إلى نفسه، على وجه الملك تشريفا له في الاختصاص بالذكر. وقيل: إن الله تعالى أمر جبرائيل بنفخ الروح في فرجها، وخلق المسيح في رحمها. وقوله " وجعلناها وابنها آية للعالمين " معناه إنا جعلنا مريم وابنها عيسى آية للعالمين. وانما قال " آية " ولم يثن، لانه في موضع دلالة لهما، فلا يحتاج أن يثنى. والآية فيهما أنها جاءت به من غير فحل، فتكلم في المهد بما يوجب

[ 277 ]

براءة ساحتها من العيب، وفي ذلك دليل واضح على سعة مقدوراته تعالى، وأنه يتصرف كيف شاء. وقوله " وإن هذه أمتكم أمة واحدة " قال ابن عباس ومجاهد والحسن: معناه دينكم دين واحد. واصل الامة الجماعة التي على مقصد واحد، فجعلت الشريعة أمة، لاجتماعهم بها على مقصد واحد. وقيل: معناه جماعة واحدة في أنها مخلوقة مملوكة لله. ونصب " أمة " على الحال، ويسميه الكوفيون قطعا. ثم قال " وأنا ربكم " الذي خلقكم " فاعبدوني " ولا تشركوا بي احدا. وقوله " وتقطعوا أمرهم بينهم " معناه اختلفوا في الدين بما لا يسوغ، ولا يجوز - في قول ابن زيد - ثم قال مهددا لهم " كل الينا راجعون " أي إلى حكمنا، في الوقت الذي لا يقدر على الحكم فيه سوانا، كما يقال: رجع أمرهم إلى القاضي أي إلى حكمه. وقوله " فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن " قيل: الصالحات - ههنا - صلة الرحم، ومعونة الضعيف، ونصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، والكف عن الظلم، ونحو ذلك من اعمال الخير، وانما شرط الايمان، لان هذه الاشياء لو فعلها الكافر لم ينتفع بها عند الله. وقوله " فلا كفران لسعيه " معناه لا جحود لاحسانه في عمله، وهو مصدر كفر كفرا وكفرانا، قال الشاعر: من الناس ناس لا تنام خدودهم * وخدي ولا كفران لله نائم (1) وقوله " وإنا له كاتبون " أي ملائكتنا يثبتون ذلك ويكتبونه، فلا يضيع له لديه شئ. وقوله " وحرام على قرية أهلكناها انهم لا يرجعون " قيل: (لا) صلة،


(1) تفسير الطبري 17 / 61 (*)

[ 278 ]

والمعنى: حرام رجوعهم. وقيل " انهم لا يرجعون " أي حال قبول التوبة. وقال قوم: حرام على قرية أهلكناها، لانهم لا يرجعون. وقال الزجاج: المعنى وحرام على قرية أهلكناها أن نتقبل منهم عملا لانهم لا يرجعون، أي لا يتوبون أبدا. وحرم وحرام لغتان مثل حل وحلال. وقيل: في معنى " وحرام على قرية " معناه واجب عليهم ألا يرجعون إلى تلك القرية أبدا. وقال الجبائي: معناه وحرام على قرية أهلكناها عقوبة لهم ان يرجعوا إلى دار الدنيا. قوله تعالى: (حتى إذا فتحت يأجوج وماجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب الوعد الحق فإذا هي شاخصة أبصار الذين كفروا يا ويلنا قد كنا في غفلة من هذا بل كنا ظالمين (97) إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون (98) لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون (99) لهم فيها زفير وهم فيها لا يسمعون) (100) خمس آيات. قرأ ابن عامر " فتحت " مشددة، على التكثير. الباقون بالتخفيف. يقول الله تعالى: إنه حرام على أهل قرية أهلكناها رجوعهم، " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج " أي ينفرج السدان (يأجوج وماجوج) ويظهروا، والتقدير فتحت

[ 279 ]

جهة يأجوج ومأجوج، والفتح أنفراج الشئ عن غيره. وقوله " وهم من كل حدب ينسلون " قال مجاهد: ان قوله " وهم " كناية عن الناس، يحشرون إلى أرض الموقف يوم القيامة. وقال عبد الله بن مسعود: هو كناية عن يأجوج ومأجوج. ويأجوج ومأجوج إسمان أعجميان، وهما قبيلان. ولو كانا عربيين لكانا من أج النار، أو الماء الاجاج. وقال قتادة: الحدب الاكم. وقيل: هو الارتفاع من الارض بين الانخفاض، ومعناهما واحد. والحدبة خروج الظهر، يقال: رجل أحدب إذا احدودب كبرا. وقوله " ينسلون " فالنسول الخروج عن الشئ الملابس، يقال: نسل ينسل وينسل نسولا، قال امرؤ القيس: وان كنت قد ساءتك مني خليقة * فسلي ثيابي من ثيابك تنسل (1) ونسل ريش الطائر إذا سقط. وقيل: النسول الخروج باسراع مثل نسلان الذئب، قال الشاعر: عسلان الذئب أمسى قاريا * برد الليل عليه فنسل (2) وقوله تعالى " واقترب الوعد الحق " قال قوم: الواو مقحمة والتقدير اقترب الوعد الحق، يعني القيامة. وقال آخرون: ليست مقحمة، بل الجواب محذوف، وهو الاجود، والتقدير على قول الاولين " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون... اقترب الوعد الحق " ذكره الفراء قال: وهومثل قوله " وتله للجبين وناديناه " (3) وكقوله (حتى إذا جاؤها وفتحت) (4) والمعنى فتحت. وعلى قول البصريين الواو مرادة والتقدير حتى إذا فتحت، واقترب الوعد الحق، قالوا يا ويلنا قد كنا في غفلة. وقيل: خروج يأجوج ومأجوج من اشراط الساعة.


(1) شرح ديوانه 147 (2) تفسير الطبري 17 / 66 (3) سورة 37 الصافات آية 103 (4) سورة 39 الزمر آية 73 (*)

[ 280 ]

وقوله (فإذا هي شاخصة) قيل ان الضمير في قوله (فإذا هي) عائد إلى معلوم ينبه عليه ابصار الذين كفروا، كما قال الشاعر: لعمر ابيها لا تقول ظعينتي * إلا فرعني مالك ابن أبي كعب (1) فكنى في ابيها ثم بين ذكرها. وقال قوم: إضمار العماد على شروط التفسير كقوله تعالى (فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) (2) وقوله (يا ويلنا) أي يقول الكفار الذين شخصت أبصارهم: الويل لنا إنا قد كنا في غفلة من هذا اليوم، وهذا المقام، بل كنا ظالمين لنفوسنا بارتكاب معاصي الله، فيقول الله تعالى لهم (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم انتم لها واردون) والمعنى انكم ايها الكافرون والذي عبدتموه من الاصنام والاوثان حصب جهنم. وقال ابن عباس: وقودها. وقال مجاهد: حطبها. وقيل: انهم يرمون فيها، كما يرمى بالحصباء - في قول مجاهد، وقال: إنما يحصب بهم أي يرمى بهم. وقرأ (على) (ع)، وعائشة (حطب). وقرأ الحسن (حضب) بالضاد. ومعناه ما تهيج به النار وتذكابه. والحضب الحية. وقوله (انتم لها واردون) خطاب لجميع الكفار انهم يردون جهنم ويدخونها لا محالة، فالورود قد يكون الدخول، كقولهم وردت الدار، أي دخلتها، ويكون بالاشراف، كقوله (ولما ورد ماء مدين) (3) ومعناه أشرف عليه. والمراد في الآية الدخول، لان الكفار يدخلون النار لا محالة. ثم قال تعالى: لو كان هذه الاصنام والاوثان آلهة لم يردوا جهنم. ويحتمل:


(1) تفسير الطبري 17 / 66 والقرطبى 11 / 342 (2) سورة 22 الحج آية 46 (3) سورة 28 القصص آية 22

[ 281 ]

أن يكون أراد ما وردت الاصنام جهنم، لانه كان يكون عبادتهم واقعة موقعها، ولكانوا يقدرون على الدفاع عنهم والنصرة لهم. ثم اخبر تعالى ان كل في جهنم خالدون، مؤبدون فيها. وأن لهم في جهنم زفيرا، وهو شدة التنفس. وقيل: هو الشهيق لهول ما يرد عليهم من النار (وهم فيها) يعني في جهنم (لا يسمعون) قال الجبائي: لا يسمعون ما ينتفعون به، وإن سمعوا ما يسؤهم. وقال ابن مسعود: يجعلون في توابيت من نار، فلا يسمعون شيئا. وقال قوم: المراد بقوله (وما يعبدون من دون الله) الشياطين الذين دعوهم إلى عبادة غير الله، فأطاعوهم، فكأنهم عبدوهم، كما قال (يا أبت لا تعبد الشيطان) (1) أي لا تطعه. قوله تعالى: (إن الذين سبقت لهم منا الحسني أولئك عنها مبعدون (101) لا يسمعون حسيسها وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون (102) لا يحزنهم الفزع الاكبر وتتلقيهم الملئكة هذا يومكم الذي كنتم توعدن (103) يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين (104) ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الارض يرثها عبادي


(1) سورة 19 مريم آية 44 (ج 7 م 36 من التبيان) (*)

[ 282 ]

الصالحون) (105) خمس آيات. قرأ اهل الكوفة إلا ابا بكر (للكتب) على الجمع. الباقون (للكتاب) على التوحيد. وقرأ حمزة وحده (الزبور) بضم الزاي. من ضم الزاي أراد الجمع. ومن فتحها اراد الواحد. يقال: زبرت الكتاب أزبره زبرا إذا كتبته. لما اخبر الله تعالى: ان الكفار حصب جهنم وانهم واردون النار، وداخلون فيها مؤبدين، اخبر (ان الذين سبقت لهم منا الحسنى) يعني الوعد بالجنة. وقيل: الحسنى الطاعة لله تعالى يجازون عليها قي الآخرة بما وعدهم الله به. واخبر تعالى ان من هذه صفته مبتعد عن النار ناء عنها، ويكونون بحيث (لا يسمعون حسيسها) يعني صوتها، الذي يحس، وإنهم في ما تشتهيه أنفسهم من الثواب والنعيم خالدون والشهوة طلب النفس للذة يقال: اشتهى شهوة وتشهى تشهيا، ونقيض الشهوة تكره النفس، فالغذاء يشتهى والدواء يتكره. وقيل: الحسنى الجنة التي وعد الله بها المؤمنين. وقال ابن زيد: الحسنى السعادة لاهلها من الله، وسبق الشقاء لاهله، كأنه يذهب إلى ان معنى الكلمة انه: سيسعد أو أنه سيشقى. وقال الحسن ومجاهد: الذين سبقت لهم منا الحسنى عيسى، وعزير، والملائكة الذين عبدوا من دون الله، وهم كارهون، استثناهم من جملة من اخبر انهم مع الكفار في جهنم. وقوله " لا يحزنهم الفزع الاكبر " معناه لا يغم الذين سبقت لهم من الله الحسنى الفزع الاكبر. ومن ضم الياء أراد لا يفزعهم الفزع الاكبر. قال ابن جبير، وابن جريج: هو عذاب النار، على أهلها. وقال ابن عباس: هي النفخة الاخيرة. وقال الحسن: هو حين يؤمر بالعبد إلى النار " وتتلقاهم الملائكة " قيل تتلقاهم الملائكة بالتهنئة ويقولون لهم " هذا يومكم الذي كنتم توعدون " به أي تخوفون بما فيه من

[ 283 ]

العقاب، وترغبون فيما فيه من الثواب. وقوله " يوم نطوي السماء " يحتمل نصب (يوم) وجهين: احدهما - أن يكون بدلا من (توعدون) لان تقديره توعدونه. الثاني - انه نعدكم يوم نطوي السماء. وقوله " كطي السجل للكتاب " فالسجل الصحيفة تطوى على ما فيها من الكتابة، فشبه الله تعالى طي السماء يوم القيامة بطي الكتاب - في قول ابن عباس ومجاهد - وقال ابن عمر، والسدي: السجل ملك يكتب اعمال العباد. وقال ابن عباس - في رواية أخرى - السجل كاتب كان لرسول الله صلى الله عليه وآله والتقدير كطي الكتاب السجل، واللام مؤكدة. ويحتمل أن يكون المعنى كطي السجل، وقدتم الكلام. ثم قال للكتب أي لما كتبناه وعلمناه، فعلنا ذلك، كما قال " ولو لا كلمة سبقت " (1) وقوله " كما بدأنا أول خلق نعيده " المعنى نعيد الخلق كما بدأناه. قال ابن عباس: معناه انه يهلك كل شئ، كما كان أول مرة. ثم قال: إن الذي ذكرناه وعيد منا لازم نفعله لا محالة. ثم قال تعالى " ولقد كتبنا في الزبور " قيل الزبور كتب الانبياء " من بعد الذكر " من بعد كتبه في أم الكتاب - في قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. وقيل: الزبور، زبور داود، من بعد الذكر في توراة موسى - في قول الشعبي - وقال قوم " من بعد الذكر " معناه قبل الذكر الذي هو القرآن، حكاه ابن خالوية. وقوله " ان الارض يرثها عبادي الصالحون " قال ابن عباس وسعيد بن جبير وابن زيد: يعني أرض الجنة يرثها الصالحون من عباد الله، كما قال " وأورثنا الارض


(1) سورة 10 يونس آية 19، وسورة 11 هود آية 111، وسورة 20 طه آية 129، وسورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 45، وسورة، 24 الشورى آية 14 (*)

[ 284 ]

نتبوأ من الجنة حيث نشاء " (1) وقيل: هي الارض في الدنيا تصير للمؤمنين في أمة محمد صلى الله عليه وآله من بعد اجلاء الكفار عنها - في رواية اخرى - عن ابن عباس. وقيل: يعني أرض الشام، يرثها الصالحون من بني اسرائيل ذكره الكبي. وعن ابي جعفر (ع) إن ذلك وعد للمؤمنين بأنهم يرثون جميع الارض. قوله تعالى: (إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (106) وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (107) قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) فان تولوا فقل آذنتكم على سواء وإن أدري أقريب أم بيعد ما توعدون (109) إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) (112) سبع آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى " إن في هذا " المعنى الذي أخبرتكم به، مما توعدنا به الكفار، من النار والخلود فيها، وما وعدنا به المؤمنين من الجنة والكون فيها " لبلاغا " وقيل: " ان في هذا " يعني القرآن " لبلاغا " أي لما يبلغ إلى البغية من أخذ به، وعمل عليه. والبلوغ الوصول. والبلاغ سبب الوصول إلى الحق، ففي البرهان بلاغ، والقرآن


(1) سورة 39 الزخرف آية 74 (*)

[ 285 ]

دليل وبرهان. وقيل: معناه إنه يبلغ رضوان الله ومحبته وجزيل ثوابه " لقوم عابدين " لله مخلصين له. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (وما أرسلناك) يا محمد (إلا رحمة للعالمين) أي نعمة عليهم، ولان ترحمهم. وفي الآية دلالة على بطلان قول المجبرة في أنه: ليس لله على الكافرين نعمة. لانه تعالى بين ان إرسال الله رسوله نعمة على العالمين. وعلى كل من أرسل إليهم. ووجه النعمة على الكافر انه عرضه للايمان ولطف له في ترك معاصيه. وقيل: هي نعمة على الكافر بأن عوفي مما اصاب الامم قبلهم من الخسف والقذف - في قول ابن عباس - ثم قال له صلى الله عليه وآله قل لهم (انما يوحي الي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون) اي مسلمون لهذا الوحي الذي أوحي الي، من اخلاص الالهية والعبادة لله تعالى. ثم قال (فان تولوا) يعني إن اعرضوا عن هذا الذي تدعوهم إليه من إخلاص التوحيد، فقل لهم (آذنتكم على سواء) أي اعلمتكم على سواء في الايذان تتساوون في العلم به لم اظهر بعضكم على شئ كتمته عن غيره، وهو دليل على بطلان قول أصحاب الرموز، وأن للقرآن بواطن خص بالعلم بها اقوام. وقيل على سواء (في العلم اني صرت مثلكم، ومثله قوله " فانبذ إليهم على سواء) (1) أي ليستوي علمك وعلمهم. وقيل معناه: لتستووا في الايمان به. وقوله (وإن أدري اقريب أم بعيد ما توعدون) معناه لست اعلم ان ما وعدكم الله به من العقاب اقريب مجيؤه ام بعيد. وقوله (وإن ادري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين) اي لست ادري لعل التأخير شدة في عبادتكم يظهر بها ما هو كالسر فيكم من خير أو شر، فيخلص الجزاء بحسب العمل. واصل الفتنة التخليص


(1) سورة 8 الانفال آية 59. وما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

[ 286 ]

بالشدة، كتخليص الذهب بشدة النار من كل شائب من غيره. وقيل (فتنة لكم) اي اختبار لكم (ومتاع إلى حين) أي تتمتعون إلى الوقت الذي قدره الله لاهلاككم. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (قل) يا محمد (رب احكم بالحق) انما أمره أن يدعو بما يعلم انه لابد أن يفعله تعبدا، لانه إذا دعا بهذا ظهرت رغبته في الحق الذي دعا به. وقال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا شهد قتالا قال (رب احكم بالحق) بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع. وقرأ حفص وحده (قال رب أحكم) على الخبر. الباقون على الامر، وضم الباء أبو جعفر اتباعا لضم الكاف. الباقون بكسرها على أصل حركة إلتقاء الساكين. وقوله (وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون) أي على ما تذكرون، مما ينافي التوحيد. وحكي عن الضحاك انه قرأ (قال ربي أحكم) باثبات الياء، وهو خلاف ما في المصاحف، ويكون على هذا (ربي) مبتدأ و (أحكم) خبره، كقوله (الله احسن الخالقين) (1). وقرا ابن ذكران عن ابن عامر (عما يصفون) بالياء يعني على ما يكذب هؤلاء الكفار من انكار البعث. الباقون بالتاء على الخطاب لهم بذلك.


(1) سورة 13 المؤمنين آية 14 (*)

[ 287 ]

22 - سورة الحج قال قتادة هي مدنية إلا اربع آيات فانها مكيات من قوله " وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي " إلى قوله (عذاب مقيم) وقال مجاهد وعياش بن ابي ربيعة: هي مدنية كلها. وهي ثمان وسبعون آية في الكوفي وست في المدنيين وخمس في المكي. بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شئ عظيم (1) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (2) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (3) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير) (4) أربع آيات بلا خلاف.

[ 288 ]

قرا اهل الكوفه إلا عاصما " سكرى " بلا الف بسكون الكاف في الموضعين. الباقون " سكارى ". هذا خطاب من الله تعالى لجيمع المكلفين من البشر يأمرهم بأن يتقوا معاصي الله لانه يستحق بفعل المعاصي والاخلال بالواجبات العقوبات يوم القيامة. ثم اخبر " ان زلزلة الساعة " يعني القيامة " شئ عظيم " والزلزلة شدة الحركة على حالة هائلة، ومنه زلزلة الارض لما يلحق من الهول، وكان اصله زلت قدمه إذا زالت عن الجهة بسرعة. ثم ضوعف فقيل: زلزل الله اقدامهم، كما قيل: دكة ودكدكة، والزلزلة والزلزال - بكسر الزاي - مصدر. والزلزال - بالفتح - الاسم قال الشاعر يعرف الجاهل المضلل ان الدهر * فيه النكراء والزلزال (1) وقال علقمه والشعبي: الزلزلة من اشراط القيامة. وروى الحسن في حديث رفعه عن النبي صلى الله عليه وآله انها يوم القيامة. والعظيم المختص بمقدار يقصر عنه غيره، وضده الحقير. والكبير نقيض الصغير. وفي الآية على أن المعدوم يسمى شيئا، لان الله تعالى سمى الزلزلة يوم القيامة شيئا، وهي معدومة اليوم. وقوله " يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ارضعت " قال الفراء والكوفيون: يجوز ان يقال: مرضع بلا هاء، لان ذلك لا يكون في الرجال، فهو مثل حائض وطامث. وقال الزجاج وغيره من البصريين: إذا أجريته على الفعل قلت ارضعت فهي مرضعة، فإذا قالوا مرضع، فالمعنى انها ذات رضاع. وقيل في قولهم: حائض وطامت معناه انها ذات حيض وطمث. وقال قوم: إذا قلت: مرضعة، فانه يراد


(1) تفسير الطبري 17 / 80 (*)

[ 289 ]

بها ام الصبي المرضع. وإذا اسقطت الهاء، فانه يراد بها المرأة التي معها صبي مرضعة لغيرها. والمعنى ان الزلزلة هي شئ عظيم، في يوم ترون فيها الزلزلة، على وجه " تذهل كل مرضعة " اي يشغلها عن ولدها اشتغالها بنفسها، وما يلحقها من الخوف. وقال الحسن: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل لغير تمام. والذهول الذهاب عن الشئ دهشا وحيرة، تقول: ذهلت عنه ذهولا، وذهلت - بالكسر - ايضا، وهو قليل، والذهل السلو، قال الشاعر: صحا قلبه يا عز أو كاد يذهل (1) وهذا تهويل ليوم القيامة، وتعظيم لما يكون فيه من الشدة على وجه لو كان هناك مرضعة لشغلت عن الذي ترضعه، ولو كان هناك حامل لا سقطت من هول ذلك اليوم، وإن لم يكن هناك حامل ولا مرضعة. وقوله (وترى الناس سكارى وما هم بسكارى) معناه تراهم سكارى من الفزع، وما هم بسكارى من شرب الخمور. وانما جاز " وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى "، لانها رواية تخيل. وقيل: معناه كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم، فيضطربون كاضطراب السكران من الشراب. وقرأ أبو هريرة (وترى الناس) بضم التاء، والناس منصوب على أنه مفعول ثان. وتقديره وترى أن الناس. وتكون " سكارى " نصبا على الحال. ومن قرأ " سكرى " جعله مثل جرحى وقتلى. وقيل: هما جمعان كسكران وسكرانة، قال أبو زيد: يقولون: مريض ومراضى، ومرضى. فمن قرأ " سكرى " فلان السكر كالمرض والهلاك، فقالوا:


(1) تفسير الطبري 17 / 80 (ج 7 م 37 من التبيان) (*)

[ 290 ]

(سكرى) مثل هلكى ومثل عكلى. ومن قرأ " سكارى " فلانه روي أن النبي صلى الله عليه وآله قرأ كذلك. ثم علل تعالى ذلك، فقال ليس هم بسكارى " ولكن عذاب الله شديد " فمن شدته يصيبهم ما يصيبهم من الاضطراب. ثم اخبر تعالى ان " من الناس من يجادل " أي يخاصم " في الله " فيما يدعوهم إليه من توحيد الله ونفي الشرك عنه " بغير علم " منه بل للجهل المحض " ويتبع " في ذلك " كل شيطان مريد " يغويه عن الهدى ويدعوه إلى الضلال. وذلك يدل على أن المجادل في نصرة الباطل مذموم، وأن من جادل بعلم ووضع الحجة موضعها بخلافه. و (المريد) المتجرد للفساد. وقيل أصله الملاسة، فكأنه متملس من الخير، ومنه صخرة مرداء أي ملساء، ومنه الامرد. والمريد الداهية المنكرة. ويقال: تمرد فلان. والممرد من البناء المتطاول المتجاوز. وقوله " كتب عليه انه من تولاه فانه يضله ويهديه إلى عذاب السعير " يقول الله تعالى انه كتب في اللوح المحفوظ ان من تولى الشيطان واتبعه واطاعه فيما يدعوه إليه، فانه يضله. وقال الزجاج: معناه كتب عليه أنه من تولاه يضله، فعطف (أن) الثانية على الاولى تأكيدا، فلذلك نصبت (أن) الثانية. والاكثر في التأكيد أن لا يكون معه حرف عطف غير انه جائز: كما يجوز: زيد - فانهم - في الدار. وقال قوم: نصبت (أن) الثانية، لان المعنى فلانه يضله عن طريق الحق " ويهديه إلى عذاب السعير " أي عذاب النار الذي يستعر ويلتهب. والهاء في " كتب عليه " راجعة إلى الشيطان، وتقديره كتب على الشيطان أنه من تولى الشيطان واتبعه، فان الشيطان يضله، فالهاء في يضله عائدة إلى (من) في قوله " من تولاه ".

[ 291 ]

قوله تعالى: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فانا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الارض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (5) آية واحدة بلا خلاف. قرأ أبو جعفر " وربأت ". الباقون (ربت). خاطب الله تعالى بهذه الآية جميع المكلفين من البشر. فقال لهم " ان كنتم في ريب من البعث " والنشور. والريب اقبح الشك " فانا خلقناكم من تراب " قال الحسن: المعنى خلقنا آدم من تراب الذي هو أصلكم وأنتم نسله. وقال قوم: أراد به جميع الخلق، لانه إذا أراد خلقهم من نطفة، والنطفة يجعلها الله من الغذاء، والغذاء ينبت من التراب والماء، فكان أصلهم كلهم التراب، ثم احالهم بالتدريج: إلى النطفة، ثم أحال النطفة علقه، وهي القطعة من الدم جامدة. ثم أحال العلقة مضغة، وهي شبه قطعة من اللحم مضوغة. والمضغة مقدار ما يمضغ من اللحم. وقوله " مخلقة وغير مخلقة " قال قتادة: تامة الخلق، وغير تامة. وقيل: مصورة وغير مصورة. وهي السقط - في قول مجاهد -.

[ 292 ]

وقوله " لنبين لكم " معناه لندلكم على مقدورنا، بتصريفه في ضروب الخلق وقوله " ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى " مستأنف، فلذلك رفع. وقال مجاهد: معناه نقره إلى وقت تمامه. وقوله " ثم نخرجكم طفلا يعني نخرجكم " من بطون أمهاتكم، وانتم أطفال. والطفل الصغير من الناس، ونصب طفلا على المصدر، وهو في موضع جمع. وقيل: هو نصب على التمييز، وهو جائز، وتقديره نخرجكم أطفالا، وقيل الطفل إلى قبل مقاربة البلوغ. وقوله " ثم لتبلغوا أشدكم " يعني وقت كمال عقولكم وتمام خلقكم. وقيل: وقت الاحتلام والبلوغ، وهو جمع (شد). والاشد في غير هذا الموضع قد بينا اختلاف المفسرين فيه (1). وقوله " ومنكم من يتوفى " يعني قبل بلوغ الاشد. وقيل: قبل أن يبلغ أرذل العمر " ومنكم من يرد إلى ارذل العمر " وقيل معناه أهونه واخسه عند أهله. وقيل: احقره. وقيل هي حال الخرف. وانما قيل: ارذل العمر، لان الانسان لا يرجو بعده صحة وقوة، وانما يترقب الموت والفناء، بخلاف حال الطفولية، والضعف الذي يرجو معها الكمال والتمام والقوة، فلذلك كان أرذل العمر. وقوله " لكيلا يعلم من بعد علم شيئا " معناه إنا رددناه إلى أرذل العمر لكي لا يعلم، لانه يزول عقله من بعد أن كان عاقلا عالما بكثرة من الاشياء، ينسا جميع ذلك. وقوله " وترى الارض هامدة " اي دارسة داثرة يابسة، يقال: همد يهمد همودا إذا درسته ودثرته. قال الاعشي:


(1) انظر 4 / 343 و 6 / 117، 476 (*)

[ 293 ]

قالت فتيلة ما لجسمك شاحبا * وأرى ثيابك باليات همدا (1) وقوله تعالى " فإذا انزلنا عليها الماء " يعني الغيث والمطر " اهتزت وربت " فالاهتزاز شدة الحركة في الجهات. والربو الزيارة فيها اي تزيد بما يخرج منها من النبات، وتهتز بما يذهب في الجهات " وانبتت " يعني الارض " من كل زوج بهيج " فالبهيج الحسن الصورة، الذي يمتع في الرؤية. وقال الزجاج: (ربت) و (ربأت) لغتان. وقال الفراء: ان ذهب أبو جعفر في قراءته (ربأت) إلى انه من الربئة التي تجربين الناس، فهو مذهب. وإلا فهو غلط، ويلغط العرب كقولهم: حلات السويق، ولبأت بالحج، ورثأت الميت. وقد قرأ الحسن البصري في يونس " ولا أدرأكم به " وهو مما يرخص في القراءة. قوله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شئ قدير (6) وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور (7) ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولاهدى ولا كتاب منير (8) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيمة عذاب الحريق (9) ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد) (10) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى ان الذي ذكرناه انما دللنا به لتعلم ان " الله هو الحق " وانه


(1) ديوانه 54 وروايته (سايئا) بدل (شاحبا) (*)

[ 294 ]

الواحد الذي لا يستحق العبادة سواه، ومن اعتقده كذلك، فمعتقده على ما هو به، وهو محق، والحق هو ما كان معتقده على ما أعتقده " وانه يحيي الموتى " لان من قدر على انشاء الخلق إبتداء ونقله من حال إلى حال على ما وصف، فانه يقدر على إعادته حيا بعد كونه ميتا، ويعلم ايضا انه قادر على كل ما يصح أن يكون مقدورا له، واصل الوصف بالحق من قولهم: حقه يحقه حقا، وهو نقيض الباطل. والفرق بين الحق والعدل أن العدل جعل الشئ على قدر ما تدعوا إليه الحكمة، والحق في الاصل جعل الشئ لماهوله في ما تدعو إليه الحكمة غير انه نقل إلى معنى مستحق لصفات التعظيم، فالله تعالى لم يزل حقا أي انه لم يزل مستحقا لمعنى صفة التعظيم بأنه الاله الواحد الذي هو على كل شئ قدير. ثم اخبر تعالى ان في جملة الناس من يخاصم " ويجادل في الله " وصفاته " بغير علم " بل للجهل المحض " ولا هدى " أي ولا حجة " ولا كتاب منير " أي ولا حجة كتاب ظاهر، وهذا يدل ايضا على ان الجدال بالعلم صواب، وبغير العلم خطأ، لان الجدال بالعلم يدعو إلى اعتقاد الحق، وبغير العلم يدعو إلى الاعتقاد بالباطل، ولذلك قال تعالى " وجادلهم بالتي هي احسن " (1) " وقوله " ثاني عطفه " نصب على الحال يعني الذي يجادل بغير علم يثني عطفه. قال مجاهد وقتادة: يلوي عنقه كبرا. وقيل انها: نزلت في النضر بن الحارث ابن كلدة - ذكره ابن عباس -. وقوله " ليضل عن سبيل الله " من فتح الياء معناه يفعل هذا ليضل عن طريق الحق المؤدي إلى توحيد الله. ومن ضم الياء اراد انه يفعل ذلك ليضل غيره. ثم اخبر تعالى ان من هذه صفته " له في الدنيا خزي " وأنه يذيقه " عذاب


سورة 16 النحل آية 125 (*)

[ 295 ]

الحريق " يوم القيامة أي العذاب الذي يحرق بالنار. ثم قال " ذلك بما قدمت يداك " أي يقول الله تعالى عند نزول العذاب به (ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد " ومعناه إن ما يفعل بالظالم نفسه من عذاب الحريق جزاء على ما كسبت يداه، فذكر اليدين مبالغة في إضافة الجرم إليه، وهذا يدل على أن ذكر اليدين قد يكون لتحقيق الاضافة. وقوله " وإن الله " اي ولان الله " ليس بظلام للعبيد " وإنما ذكره بلفظ المبالغة، وإن كان لا يفعل القليل من الظلم لامرين: احدهما - انه خرج مخرج الجواب للمجبرة، وردا عليهم، لانهم ينسبون كل ظلم في العالم إليه تعالى، فبين أنه لو كان، كما قالوا لكان ظلاما وليس بظالم. والثاني - أنه لو فعل أقل قليل الظلم لكان عظيما منه، لانه يفعله من غير حاجة إليه، فهو أعظم من كل ظلم فعله فاعله لجاجته إليه. قوله تعالى: (ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة ذلك هو الخسران المبين (11) يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (12) يدعو لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى ولبئس العشير (13) إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار إن الله يفعل ما يريد (14) من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر

[ 296 ]

هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) وكذلك أنزلناه آيات بينات وأن الله يهدي من يريد) (16) ست آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر وأبو عمرو، ورويس، وورش " ثم ليقطع " ثم " ليقضوا " (1) - بسكون اللام - فيهما، ووافقهم قنبل في " ثم ليقضوا ". الباقون بسكون اللام. معنى قوله " ومن الناس من يعبد الله على حرف " أي في الناس من يوجه عبادته إلى الله على ضعف في العبادة، كضعف القيام على حرف جرف، وذلك من اضطرابه في استيفاء النظر المؤدي إلى المعرفة. فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها، ولا يعمل في حلها. والحرف والطرف والجانب نظائر. والحرف منتهى الجسم، ومنه الانحراف الانعدال إلى الجانب. وقلم محرف قد عدل بقطعته عن الاستواء إلى جانب، وتحريف القول هو العدول به عن جهة الاستواء، فالحرف معتدل إلى الجانب عن الوسط. وقال مجاهد: معنى على حرف شك. وقال الحسن: يعبد الله على حرف يعني المنافق يعبده بلسانه دون قلبه. وقيل على حرف الطريقة لا يدخل فيها على تمكين. وقوله " فان أصابه خير اطمان به وإن أصابته فتنة انقلب على وجه " قال ابن عباس: كان بعضهم إذا قدم المدينة فان صح جسمه ونتجت فرسه مهرا حسنا وولدت امرأته غلاما رضي به واطمأن إليه، وإن اصابه وجع المدينة، وولدت امرأته جارية، وتأخرت عنه الصدقة، قال ما اصبت منذ كنت على ديني هذا إلا شرا. وكل ذلك من عدم البصيرة. وقيل: انها نزلت في بني أسد كانوا نزلوا حول المدينة. و (الفتنة) - ههنا - معناه المحنة بضيق المعيشة، وتعذر المراد من


(1) سورة 22 الحج آية 29 (*)

[ 297 ]

أمور الدنيا. ثم اخبر الله تعالى أن من هذه صفته على خسران ظاهر، لانه يخسر الجنة، وتحصل له النار. ثم اخبر عن ذكره انه " يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه " يعني الاصنام والاوثان، لانها جماد لا تضر ولا تنفع، فانه يعبدها دون الله. ثم قال تعالى " ذلك هو الضلال البعيد " يعني عبادة مالا يضر ولا ينفع من العدول عن الصواب، والانحراف عن الطريقة المستقيمة إلى البعيد عن الاستقامة. و " ذلك " في موضع نصب ب‍ (يدعو) ومعناه (الذي) كأنه قال: الذي هو الضلال البعيد يدعوه. وقوله " يدعو لمن " مستأنف على ما ذكره الزجاج. وقوله " يدعو لمن ضره أقرب من نفعه " يعني يدعوا هذه الاصنام التي ضررها أقرب من نفعها، لان الضرر بعبادتها عذاب النار، والنفع ليس فيها. وإنما جاز دخول اللام في " لمن ضره " لان (يدعو) معلقة، وإنما هي تكرير للاولى، كأنه قال: يدعو - للتأكيد - للذي ضره أقرب من نفعه يدعو. ثم حذفت (يدعو) الاخيرة اجتزاء بالاولى. ولا يجوز قياسا على ذلك ضربت لزيد، ولو قلت بدلا من ذلك يضرب لمن خيره اكثر من شره يضرب، ثم حذفت الخبر جاز. والعرب تقول عندي لما غيره هو خير منه، كأنه قال للذي غيره خير منه عندي، ثم حذف الخبر من الثاني، والابتداء من الاول، كأنه قال عندي شئ غيره خير منه وعلى هذا يقال: اعطيك لما غيره خير منه، على حذف الخبر. وقيل: في خبر (لمن ضرره) أنه (لبئس المولى). وقيل: يدعو بمعنى يقول. والخبر محذوف. وتقديره يقول لمن ضره أقرب من نفعه: هو آلهة، قال عنترة: (ج 7 م 38 من التبيان) (*)

[ 298 ]

يدعون عنتر والرماح كأنها * أشطان بئر في لبان الادهم (1) اي يقولون يا عنتر، وقيل تقدر اللام التأخر، وإن كانت متقدمة. والمعنى يدعو من لضره أقرب من نفعه. وقوله " لبئس المولى ولبئس العشير " فالمولى هو الولي، وهو الناصر الذي يولي غيره نصرته إلا أنها نصرة سوء، والعشير الصاحب المعاشر أي المخالط - في قول ابن زيد - وقال الحسن: المولى - ههنا - الولي. وقيل: ابن العم اي بئس القوم لبني عمهم بما يدعونهم إليه من الضلال. وقيل: اللام لام اليمين، والتقدير يدعو وعزتي لمن ضره أقرب من نفعه. ثم اخبر تعالى انه " يدخل الذين آمنوا " بالله وأقروا بوحدانيته وصدقوا رسله " وعملوا " الاعمال " الصالحات " التي امرهم بها " جنات " أي بساتين " تجري من تحتها الانهار ان الله يفعل ما يريد " من ذلك لا اعتراض عليه في ذلك. ثم قال " من كان يظن ان لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظرها يذهبن كيده ما يغيظ " فالهاء في قوله " ينصره الله " قال ابن عباس وقتادة: عائدة إلى النبي صلى الله عليه وآله، والمعنى من كان يظن أن الله لا ينصرنبيه ولا يعينه على عدوه، ويظهر دينه فليمت غيظا. والنصرة المعونة - في قول قتادة - وقال مجاهد والضحاك: أن الكناية عائدة إلى (من) والمعنى إن من ظن أن لا ينصره الله. وقال ابن عباس: النصرة - ههنا - الرزق. والمعنى من ظن ان الله تعالى لا يرزقه، والعرب تقول: من ينصرني نصره الله أي من يعطيني أعطاه الله. وقال الفقعسي:


(1) ديوانه (دار بيروت) 29 من معلقته (*)

[ 299 ]

وإنك لا تعط امرءا فوق حظه * ولا تملك الشق الذي الغيث ناصره (1) اي معطيه وجايده، ويقال نصر الله أرض فلان أي جاد عليها بالمطر وقوله " فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع " قيل في معنى (المساء) قولان: احدهما - قال ابن عباس: اراد سقف البيت. والسبب الحبل. وقال ابن زيد: إلى السماء سماء الدنيا والسبب المراد به الوحي إلى النبي صلى الله عليه وآله " ثم ليقطع " الوحي عن النبي صلى الله عليه وآله والمعنى من ظن أنه لايرزقه الله على وجه السخط لما اعطى " فليمدد " بحبل إلى سماء بيته واضعا له في حلقه، على طريق كيد نفسه ليذهب غيظه به. وهذا مثل ضربه الله لهذا الجاهل. والمعنى مثله مثل من فعل بنفسه هذا، فما كان إلا زائدا في بلائه وقيل: هذا مثل رجل وعدته وعدا، ووكدت على نفسك الوعد، وهو يراجعك. لا يثق بقولك له، فتقول له: فاهب فاختنق، يعني اجهد جهدك فلا ينفعك، وهذه الآية نزلت في قوم من المسلمين نفروا من اتباع النبي صلى الله عليه وآله خيفة من المشركين يخشون أن لا يتم له أمره. وقرأ ابن مسعود " يدعو من ضره أقرب من نفعه " بلا لام. الباقون باثبات اللام، ووجهه أن (من) كلمة لا يبين فيها الاعراب فاستجازوا الاعتراض باللام دون الاسم الذي يبين فيه الاعراب، ولذلك قالت العرب: عندي لما غيره خير منه. وقد يجوز أن يكون (يدعو) الثانية من صلة الضلال البعيد، ويضمر في يدعو الهاء ثم يستأنف الكلام باللام. ولو قرئ بكسر اللام كان قويا. قال الفراء: كأن يكون المعنى يدعو إلى ما ضره أقرب من نفعه، كما قال تعالى " الحمد لله الذي هدانا لهذا " (2) أي إلى هذه إلا انه لم يقرأ به احد.


(1) تفسير القرطبي 12 / 22 والطبري 17 / 87 (2) سورة 7 الاعراف آية 42 (*)

[ 300 ]

وقوله " وكذلك أنزلناه " اي مثل ما ذكرنا من الادلة الواضحة أنزلناه " آيات " واضحات، لان " الله يهدي من يريد " منه فعل الطاعات ويدله عليها. قوله تعالى: (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئن والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيمة إن الله على كل شئ شهيد (17) ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب ومن يهن الله فما له من مكرم إن الله يفعل ما يشاء (18) هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤسهم الحميم (19) يصهر به ما في بطونهم والجلود (20) ولهم مقامع من حديد (21) كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق) (22) ست آيات. اقسم الله تعالى لان (إن) يتلقى بها القسم، فأسم تعالى " إن الذين آمنوا " بالله وصدقوا بوحدانيته وصدقوا أنبياءه " والذين هادوا " يعني اليهود " والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا " مع الله غيره " إن الله يفصل بينهم يوم القيامة "

[ 301 ]

فخبر " ان الذين آمنوا " قوله " إن الله يفصل " فدخل (إن) على الخبر تأكيدا، كما يقول القائل: إن زيدا إن الخبر عنده لكثير، وقال جرير: إن الخليفة ان الله سربله * سربال ملك به ترجى الخواتيم (1) وقال الفراء لا يجوز أن تقول: إن زيدا انه صائم لاتفاق الاسمين. قال الزجاج: يجوز ذلك، وهو جيد بالغ. ومعنى قوله " يفصل بينهم " يعني إن الله يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح ويبيض وجه المحق، ويسود وجه المبطل. والفصل هو التمييز بين الحق والباطل. وإظهار احدهما من الآخر. وقوله " إن الله على كل شئ شهيد " أي عالم بما من شأنه أن يشاهد، فالله تعالى يعلمه قبل أن يكون، لانه علام الغيوب. ثم خاطب نبيه صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين فقال " ألم تر " ومعناه ألم تعلم " أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض " من العقلاء. ويسجد له " الشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب " فسجود الجماد هو ما فيه من ذلة الخضوع التي تدعو العارفين إلى السجود، سجود العبادة لله المالك للامور، وسجود العقلاء هو الخضوع له تعالى والعبادة له. وقوله " من في السموات ومن في الارض " وإن كان ظاهره العموم، فالمراد به الخصوص إذا حملنا السجود على العبادة والخضوع، لانا علمنا أن كثيرا من الخلق كافرون بالله تعالى. فلذلك قال (وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب) ارتفع (كثير) بفعل مقدر، كأنه قال (وكثير) أبي السجود، ف‍ (حق عليه العذاب) دل عليه، لانهم يستحقون العقاب بجحدهم وحدانية الله، وإشراكهم معه غيره. وقيل: سجود كل شئ - سوى


(1) ديوانه (دار بيروت) 431 وروايته: (يكفي الخليفة) (*)

[ 302 ]

المؤمنين - سجود ظله حين تطلع الشمس وحين تغيب - في قول مجاهد - كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودا. وقوله (وكثير حق عليه العذاب) يعني لابائه السجود. وقيل: بل هو يسجد بما يقتضيه عقله من الخضوع، وإن كفر بغير ذلك من الامور، وأنشدنا في السجود بمعنى الخضوع قول الشاعر: بجمع تضل البلق في حجراته * ترى الاكم فيها سجدا للحوافر (1) وقوله (ومن يهن الله فما له من مكرم) معناه من يهنه الله بالشقوة بادخاله جهنم (فما له من مكرم) بالسعادة بادخاله الجنة، لانه الذي يملك العقوبة والمثوبه (ان الله يفعل ما يشاء) يعني يكرم من يشاء، ويهين من يشاء إذا استحق ذلك. وقوله (هذان خصمان) يعنى الفريقين من المؤمنين والكفار يوم بدر، وهم حمزة بن عبد المطلب قتل عتبة بن أبي ربيعة، وعلي بن أبي طالب (ع) قتل الوليد بن عتبة، وعبيدة بن الحارث قتل شيبة بن ربيعة - في قول ابي ذر - وقال ابن عباس: هم اهل الكتاب، وأهل القرآن. وقال الحسن ومجاهد وعطاء: هم المؤمنون والكافرون " اختصموا في ربهم " لان المؤمنين قالوا بتوحيد الله وأنه لا يستحق العبادة سواه. والكفار اشركوا معه غيره، وانما جمع قوله " اختصموا " لانه أراد ما يختصون فيه أو أراد بالخصمين القبيلتين وخصومهم. ثم قال تعالى " فالذين كفروا " بالله وجحدوا وحدانيته " قطعت لهم ثياب من نار " ومعناه إن النار تحيط بهم كاحاطة الثياب التي يلبسونها. و " يصب من فوق رؤسهم الحميم " روي في خبر مرفوع: انه يصب على رؤسهم الحميم، فينفذ إلى أجوافهم فيسلب ما فيها. والحميم الماء المغلي. وقيل: ثياب نحاس من نار تقطع لهم، وهي أشد ما يكون حمى. وقوله " يصهر به


(1) انظر 1 / 311 تعليقة 5 (*)

[ 303 ]

ما في بطونهم والجلود " فالصهر الاذابة. والمعنى يذاب بالحميم الذي يصب من فوق رؤسهم ما في بطونهم من الشحوم وتساقط من حره الجلود. تقول: صهرت الالية بالنار إذا أذبتها، أصهرها صهرا قال الشاعر: تروي لقى ألقي في صفصف * تصهره الشمس فما ينصهر (1) يعني ولدها، وتروي معناه أن تحمل له الماء في حوصلتها، فتصير له رواية كالبعير الذي يحمل عليه الماء، يقال: رويت للقوم إذا حملت لهم الماء. واللقي كل شئ ملقى من حيوان أو غيره، وقال الآخر: شك السفافيد الشواء المصطهر وقوله تعالى " ولهم مقامع من حديد " فالمقامع جمع مقمعة، وهي مدقة الرأس ومثله المنقفة، قمعه قمعا إذا ردعه عن الامر. فالزبانية بأيديهم عمد من حديد يضربون بها رؤسهم إذا أرادوا الخروج من النار من الغم الذي يلحقهم، والعذاب الذي ينالهم ردوا بتلك المقاطع فيها وأعيدوا إلى حالتهم التي كانوا فيها من العقاب. وقيل: يرفعهم زفيرها حتى إذا كادوا أن يخرجوا منها ضربوا بالمقامع، حتى يهووا فيها. وقيل: لهم ذوقوا عذاب الحريق، فالذوق طلب ادراك الطعم، فهو اشد لاحساسه عند تفقده وطلب ادراك طعمه. فأهل النار يجدون ألمها وجدان الطالب لا دراك الشئ، والحريق الغليظ من النار المنتشر العظيم الاهلاك. وقيل: هو بمعنى محرق كأليم بمعنى مؤلم، فهؤلاء أحد الخصمين، والآخرون هم المؤمنون الذين وصفهم في الآية بعدها.


(1) تفسير القرطبي 12 / 27 والطبري 17 / 92 وللسان (صهر) نسبه لابن أحمر (*)

[ 304 ]

قوله تعالى: (إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (23) وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد (24) إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بالحاد بظلم نذقه من عذاب أليم) (25) ثلاث آيات قرأ نافع وأبو بكر " ولؤلؤا " بالنصب. الباقون بالجر. لما حكى الله تعالى أمر الخصمين اللذين يختصمان، من الكفار، والمؤمنين. ثم بين ما للكفار من عذاب النار، وإصهار ما في بطونهم، والمقامع من الحديد، وغير ذلك، بين ما للمؤمنين، وهم الفريق الآخر في هذه الآية، فقال: " إن الله يدخل الذين آمنوا " بالله وأقروا بواحدانيته، وصدقوا رسله " وعلموا " الاعمال " الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار يحلون فيها " أي يلبسون الحلي " من أساور من ذهب " والاساور جمع أسوار، وفيه ثلاث لغات اسوار - بالالف - وسوار وسورا. فمن جعله أسوار، جمعه على أساورة. ومن جعله سورا، وسورا، جمعه أسورة. وفى قراءة عبد الله " أساوير " واحدها إسوار أيضا، وسوار وأساور، مثل كراع وأكارع، وجمع الاسورة سورا " ولؤلؤا " فمن جره عطفه على " من ذهب " وتقديره: يحلون أساور من ذهب ولؤلئ، ومن نصبه عطفه على الموضع، لان (من) وما بعدها

[ 305 ]

في موضع نصب، فعطف " ولؤلؤا " على الموضع، وتقديره: ويحلون لؤلوا. وقد روي عن عاصم همز الاولى وتليين الثانية. وروي ضده، وهو تليين الاولى وهمز الثانية. الباقون يهمزونهما. وكل ذلك جائز في العربية. واللؤلؤ الكبار، والمرجان الصغار. ويجوز أن يكون اللؤلؤ مرصعا في الذهب، فلذلك قال: يحلون لؤلؤا وقوى القراءة بالنصب أنه في المصاحف مكتوبا بالالف، قال أبو عمرو: كتب كذلك، كما كتبوا كفروا بالالف. ثم اخبر ان لباسهم في الجنة حرير، فحرم الله على الرجال لبس الحرير في الدنيا وشوقهم إليه في الآخرة. ثم قال " وهدوا " يعني أهل الجنة إلى الصواب من القول. قال الجبائي: هدوا إلى البشارات من عند الله بالنعيم الدائم. وقيل: معناه إلى القرآن. وقيل: إلى الايمان. وقال الكلبى إلى قول لا إله إلا الله. وقال قوم: هو القول الذي لا فحش فيه، ولا صخب " وهدوا إلى صراط الحميد " قيل: إلى الاسلام وقيل: إلى الجنة. فالحميد هو الله المستحق الحمد. وقيل: المستحمد إلى عباده بنعمه - في قول الحسن - أي الطالب منهم أن يحمدوه. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال ما احد أحب إليه الحمد من الله - عز وجل -. ثم قال تعالى (إن الذين كفروا) بوحدانيته واختصاصه بالعبادة. (ويصدون) أي ويمنعون غيرهم (عن) اتباع (سبيل الله) بالقهر والاغواء (والمسجد الحرام) أي ويمنعونهم عن المسجد الحرام أن يجيئوا إليه حجاجا وعمارا (الذي) جعله الله تعالى (للناس) كافة قبلة لصلاتهم ومنسكا لحجهم، والمراد بالمسجد الحرام المسجد بقبة. وقيل الحرام كله " سواء العاكف فيه والباد " قال ابن عباس وقتادة: العاكف المقيم فيه، والباد الطارئ. ونصب (سواء) حفص عن (ج 7 م 39 من التبيان)

[ 306 ]

عاصم على انه مفعول ثان من قوله (جعلناه للناس سواء) أي مساويا، كما قال (انا جعلناه قرآنا عربيا). (1) ويرتفع (العاكف) في هذه القرءاة بفعله أي يستوي العاكف والبادي. ومن رفع (سواء) جعله ابتداءا وخبرا، كما تقول: مررت برجل سواء عنده الخير والشر، وتقديره العاكف والبادي سواء فيه بالنزول فيه. وقال مجاهد: معناه إنهم سواء في حرمته وحق الله عليهما فيه. واستدل بذلك قوم على أن أجرة المنازل في أيام الموسم محرمة، وقال غيرهم: هذا ليس بصحيح، لان المراد به سواء العاكف فيه والباد، في ما يلزمه من فرائض الله تعالى فيه، فليس لهم أن يمنعوه من الدور، والمنازل، فهي لملاكها. وهو قول الحسن. وانما عطف بالمستقبل على الماضي من قوله (كفروا، ويصدون) لان المعنى ومن شأنهم الصد، ونظيره (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله) (2) ويجوز في (سواء) الرفع والنصب والجر، فالنصب على أن يكون المفعول الثاني ل‍ (جعلناه) على ما بيناه، والرفع على تقدير: هم سواء فيه. والجر على البدل من قوله (للناس سواء). وقوله (ومن يرد فيه بالحاد بظلم) معناه من أرادته فيه بالحاد كما قال الشاعر: اريد لانسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل (3) ذكره الزجاج. والباء في قوله (بالحاد) مؤكدة. والباء في قوله (بظلم) للتعدية، ومثله قول الشاعر: بواد يمان ينبت الشث صدره * واسفله بالمرخ والشبهان (4)


(1) سورة 43 الزخرف آية 3 (2) سورة 13 الرعد آية 30 (3) مر هذا البيت في 3 / 174 و 4 / 184 (4) تفسير القرطبي 12 / 36 والطبري 17 / 94 واللسان (شثث) وروايته (فرعه) بدل (صدره) (*)

[ 307 ]

والمعنى ينبت المرخ. ومثله قوله (تنبت بالدهن) (1). أي تنبت الدهن. وقال الاعشى: ضمنت برزق عيالنا أرماحنا * نيل المراجل والصريح الاجردا (2) وقال امرؤ القيس: ألا هل أتاها والحوادث جمة * بأن امرأ القيس بن تملك بيقرا (3) وقال الآخر: فلما جزت بالشرب هزلها العصا * شجيح له عند الازاء نهيم (4) وقال الآخر: ألم يأتيك والابناء تنمى * بما لاقت لبون بني زياد (5) ويجوز ان يكون المعنى، ومن يرد فيه منعا (بالحاد) أي يميل بظلم، فتكون حينئذ معدية للارادة، وذلك انه يمكن أن يريد منعا لا بالحاد، كما يمكن أن يميل لابظلم، وكما يمكن أن يمر لا بشئ. وقال ابن عباس: المعنى فيه من يرد استحلال ما حرم الله. و (الالحاد) هو الميل عن الحق. وقوله " نذقه من عذاب اليم " يعني مؤلم. وحكى الفراء: انه قرئ " ومن يرد " بفتح الياء - من الورود، ومعناه من ورده ظلما على غير ما أمر الله به، إلا انه شاذ. وقال مجاهد: معناه من ظلم فيه وعمل شينا واشرك بالله غيره. وقال ابن


(1) سورة 23 المؤمنون آية 20 (2) ديوانه 57 وروايته: ضمنت لنا اعجاز هن قدورنا * وضروعهن لنا الصريح الاجردا (3) شرح ديوانه (للسندوبى) 86 (4) تفسير الطبري 17 / 95 (5) مر تخريجه في 6 / 190 (*)

[ 308 ]

مسعود: من استحل ما حرمه الله. وقال ابن عباس: هو استحلال الحرم متعمدا. وقال حسان بن ثابت: هو احتكار الطعام بمكة. وقيل نزلت في ابي سفيان وأصحابه، حين صدوا رسول الله صلى الله عليه وآله عن عمزة الحديبية. قوله تعالى: (وإذ بو أنا لابرهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (26) وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (27) ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (28) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم ولطوفوا بالبيت العتيق (29) ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه وأحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الاوثان واجتنبوا قول الزور) (30) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله واذكر يا محمد " إذ بوأنا لابراهيم مكان البيت " ومعناه جلعنا له علامة يرجع إليها. وقال قوم: معنى بوأنا وطأناله. وقال السدي: كانت العلامة ريحا هبت، فكشف حول البيت، يقال لها الحجوج. وقال قوم: كانت:

[ 309 ]

سحابة تطوقت حيال الكعبة، فبنى على ظلها. واصل بوأنا من قوله " باؤا بغضب من الله " أي رجعوا بغضب منه. ومنه قول الحارث بن عباد (بؤ بشسع كليب) أي ارجع، قال الشاعر: فان تكن القتلى بواء فانكم * فتى ما قتلتم آل عوف ابن عامر (1) اي قد رجع بعضها ببعض في تكافئ. وتقول: بوأته منزلا أي جعلت له منزلا يرجع إليه، والمكان والموضع والمستقر نظائر. والبيت مكان مهيأ بالبناء للبيتوتة، فهذا اصله. وجعل البيت الحرام على هذه الصورة. وقوله " ألا تشرك بي شيئا " معناه وأمرناه ألا تشرك بي شيئا في العبادة (وطهر بيتي) قال قتادة: يعني من عبادة الاوثان. وقيل: من الادناس. وقيل من الدماء، والفرث، والاقذار التى كانت ترمى حول البيت، ويلطخون به البيت إذا ذبحوا. وقوله (للطائفين) يعني حول البيت (والقائمين والركع السجود) يعني طهر حول البيت للذين يقومون هناك للصلاة والركوع والسجود. وقال عطاء: والقائمين في الصلاة. وإذا قال: طاف، فهو من الطائفين، وإذا قعد، فهو من العكف، وإذا صلى، فهو من الركع السجود. وفى الآية دلالة على جواز الصلاة في الكعبة. وقوله (وأذن في الناس بالحج) قال الحسن: والجبائي: هو أمر للنبي صلى الله عليه وآله أن يؤذن للناس بالحج ويأمرهم به، وانه فعل ذلك في حجة الوداع. وقال ابن عباس: ان إبراهيم قام في المقام، فنادى (يا أيها الناس إن الله قد دعاكم إلى الحج) فأجابوا (بلبيك اللهم لبيك). وقوله (يأتوك رجالا) أي مشاة على أرجلهم، فرجال جمع رجال مثل


(1) انظر 6 / 158 (*)

[ 310 ]

صاحب وصحاب، وقائم وقيام (وعلى كل ضامر) أي على كل جمل ضامر، وهو المهزول، أضمره السير (من كل فج عميق) أي طريق بعيد، قال الراجز: يقطعن بعد النازح العميق وإنما قال (يأتين) لانه في معنى الجمع. وقيل: لان المعنى وعلى كل ناقة ضامر. وقوله (ليشهدوا منافع لهم) قيل الاجر والثواب في الآخرة، والتجارة في الدنيا. وقال أبو جعفر (ع): المغفرة. وقوله (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات) قال الحسن وقتادة: الايام المعلومات عشر من ذي الحجة، والايام المعدودات أيام التشريق. وقال أبو جعفر (ع) الايام المعلومات أيام التشريق، والمعدودات العشر، لان الذكر الذي هو التكبير في أيام التشريق. وانما قيل لهذه الايام: معدودات، لقلتها. وقيل لتلك: معلومات، للحرص على علمها بحسابها، من أجل وقت الحج في آخرها. وقوله (على ما رزقهم من بهيمة الانعام) يعني مما يذبح من الهدي. وقال ابن عمر: الايام المعلومات أيام التشريق، لان الذبح فيها الذي قال الله تعالى (ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الانعام). وقوله (فكلوا منها واطعموا البائس الفقير) قال مجاهد وعطاء: أمرنا بأن نأكل من الهدي. وليس بواجب. وهو الصحيح، غير انه مندوب إليه. والبائس الذي به ضر الجوع، والفقير الذي لا شئ له، يقال: بؤس فهو بائس إذا صار ذا بؤس، وهو الشدة. أمر الله تعالى أن يعطى هؤلاء من الهدي. وقوله " ثم ليقضوا تفثهم " فالنفث مناسك الحج، من الوقوف، والطواف، والسعي، ورمي الجمار، والحلق بعد الاحرام من الميقات. وقال ابن عباس وابن

[ 311 ]

عمر: التفث جمع المناسك. وقيل التفث قشف (1) الاحرام، وقضاؤه بحلق الرأس، والاغتسال، ونحوه. قال الازهري: لا يعرف التفث في لغة العرب إلا من قول ابن عباس. وقوله " وليوفوا نذورهم " أي يوفوا بما نذروا، من نحر البدن - في قول ابن عباس - وقال مجاهد: كل ما نذر في الحج. وقرأ أبو بكر عن عاصم " وليوفوا " مشدة الفاء، ذهب إلى انه التكبير. وقوله " وليطوفوا بالبيت العتيق " أمر من الله تعالى بالطواف بالبيت. قال ابن زيد: سمي البيت عتيقا، لانه أعتق من ان تملكه الجبابرة عن آدم. وقيل: لانه اول بيت بني. كقوله تعالى " إن اول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركا " (2) ثم حدده إبراهيم (ع). وقيل: لانه أعتق من الغرق أيام الطوفان، فغرقت الارض كلها إلا موضع البيت، روي عن أبي جعفر (ع). والطواف المأمور به من الله في هذه الآية، قال قوم: هو طواف الافاضة بعد التعريف إما يوم النحر، وإما بعده، وهو طواف الزيارة، وهو ركن بلا خلاف. وروى أصحابنا ان المراد - ههنا - طواف النساء الذي يستباح به وطؤ النساء، وهو زيادة على طواف الزيارة. وقوله " ذلك ومن يعظم حرمات الله " بأن يترك ما حرمه الله. وقوله " واحلت لكم الانعام إلا ما يتلى عليكم " يعني إلا ما يتلى عليكم في كتاب الله: من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، والموقوذة، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السبع، وما ذبح على النصب. وقيل: واحلت لكم الانعام، من الابل، والبقر، والغنم، في حال إحرامكم " إلا ما يتلى عليكم " من الصيد، فانه يحرم على المحرم. وقوله " فاجتنبوا الرجس من الاوثان " معنى (من) لتبيين الصفة، والتقدير


(1) وفي المخطوطة فشق) (2) سورة 3 آل عمران آية 96 (*)

[ 312 ]

فاجتنبوا الرجس الذي هو الاوثان. وروى أصحابنا أن المراد به اللعب بالشطرنج، والنرد، وسائر انواع القمار " واجتنبوا قول الزور " يعني الكذب. وروى اصحابنا أنه يدخل فيه الغناء وسائر الاقوال الملهية بغير حق. قوله تعالى: (حنفاء لله غير مشركين به ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (31) ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب (32) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق (33) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام فالهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلوة ومما رزقناهم ينفون) (35) خمس آيات بلا خلاف. قوله " حنفاء " نصب على الحال من الضمير في قوله " واجتنبوا قول الزور " ومعنى " حنفاء " مستقيمي الطريقة، على أمر الله. وأصل الحنف الاستقامة. وقيل للمائل القدم: أحنف تفاؤلا بالاستقامة. وقيل: أصله الميل. والحنيف المائل إلى العمل بما أمر الله، والاول أقوى، لانه أشرف في معنى الصفة. وقوله " غير مشركين به " أي غير مشركين بعبادة الله غيره. والاشراك تضييع حق عباده الله بعبادة غيره.

[ 313 ]

أو ما يعظم عظم عبادة غيره، وكل مشرك كافر، وكل كافر مشرك. ثم قال تعالى " ومن يشرك بالله فكانما خر من السماء " أي من أشرك بعبادة الله غير الله، كان بمنزلة من وقع من السماء، " فتخطفه الطير " أي تتناوله بسرعة وتستلبه. والاختطاف والاستلاب واحد. يقال: خطفه يخطفه خطفا، وتخطفه تخطفا إذا أخذه من كل جهة بسرعة. وقرا ابن عامر " فتخطفه " بتشديد الطاء، بمعنى فتختطفه، فنقل فتحة الطاء إلى الخاء، وأدغم التاء في الطاء. الباقون بالتخفيف، وهو الاقوى لقوله " الا من خطف الخطفة " (1). وقوله (أو تهوي به الريح في مكان سحيق) والسحيق البعيد. والمعنى أن من أشرك بالله غيره كان هالكا بمنزلة من زل من السماء، واستلبه الطير ورمى به الريح في مكان بعيد، فانه لا يكون إلا هالكا. وقيل: شبه المشرك بحال الهاوي في أنه لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا يوم القيامة. وقيل: شبه أعمال الكفار أنها تذهب فلا يقدر على شئ منها - في قول الحسن - وقوله " ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب " قال سيبويه: تقديره ذلك الامر من يعظم، قالشعائر علامات مناسك الحج كلها، منها رمي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة وغير ذلك - في قول ابن زيد - وقال مجاهد: هي البدن، وتعظيمها استسمانها واستحسانها. والشعيرة العلامة التي تشعر بها، لما جعلت له، وأشعرت البدن إذا علمتها بما يشعر أنها هدي. وقوله " فانها من تقوى القلوب " فالكناية في قوله " فانها " تعود إلى التعظيم. ويجوز أن تعود إلى الخصلة من التعظيم. وقيل: شعائر الله دين الله. وقوله " فانها من تقوى القلوب " معناه إن تعظيم الشعائر من تقوى القلوب أي من خشيتها.


(1) سورة 37 الصافات آية 10 (ج 7 م 40 من التبيان) (*)

[ 314 ]

ثم قال " لكم فيها منافع إلى أجل مسمى " قال ابن عباس، ومجاهد: ذلك ما لم يسم هديا أو بدنا. وقال عطاء: ما لم يقلد، وقيل: منافعها ركوب ظهرها وشرب ألبانها إذا احتاج إليها. وهو المروي عن ابي جعفر صلى الله عليه وآله. وقوله " إلى اجل مسمى " قال عطاء بن ابي رياح: إلى أن تنحر. وقيل: المنافع التجارة. وقيل: الاجر، وقيل: جميع ذلك. وهو أعم فائدة. وقوله (ثم محلها إلى البيت العتيق) معناه إن محل الهدي والبدن إلى الكعبة. وعند اصحابنا: إن كان الهدي في الحج، فمحله منى، وإن كان في العمرة المفردة، فمحله مكة قبالة الكعبة بالخرورة. وقيل: الحرم كله محل لها، والظاهر يقتضي أن المحل البيت العتيق، وهو الكعبة. وقال قوم " إلى اجل مسمى " يعني يوم القيامة. ثم اخبر تعالى انه جعل لكل أمة من الامم السالفة منسكا. وقرأ حمزة والكسائي " منسكا " بكسر العين. الباقون بالفتح، وهما لغتان، وهو المكان للعبادة المألوفة الذي يقصده الناس. وقال الحسن: المنسك المنهاج وهو الشريعة جعل الله لكل أمة من الامم السالفة منسكا أي شريعة. كقوله " لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه " (1) وقال مجاهد " منسكا " يعني عبادة في الذبح، والنسكة الذبيحة. يقال: نسكت الشاة أي ذبحتها فكأنه المذبح، وهو الموضع الذي يذبح فيه. وقال محمد بن ابي موسى: محل المناسك الطواف بالبيت. وقوله " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام " أي جعلنا ذلك للامم وتعبدناهم به " ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الانعام " يعني من الابل والبقر والغنم إذا ارادوا تذكيتها. وفي ذلك دلالة على وجوب التسمية عند الذبيحة.


(1) سورة 22 الحج آية 67 (*)

[ 315 ]

ثم اخبر تعالى فقال " فالهكم إله واحد " أي معبودكم الذي ينبغي أن توجهوا العبادة إليه واحد لا شريك له " فله اسلموا " أي استسلموا " وبشر المخبتين " قال قتادة: يعنى المتواضعين. وقال مجاهد: يعني المطمئنين إلى ذكر ربهم. واشتقاق المخبت من الخبت، وهو المكان المطمئن. وقيل: المنخفض، ومعناهما واحد، ثم وصف تعالى المخبتين، فقال " الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " والمعنى إذا ذكر ثواب الله، على طاعاته، وعقابه على معاصيه، خافوا عقابه وخشيوا من ترك طاعاته " والصابرين على ما اصابهم " يعني يصبرون على ما يبتليهم الله، من بلائه في دار الدنيا من أنواع المصائب والامراض والاوجاع " والمقيمي الصلاة " يعني الذين يقيمون الصلاة، فيؤدونها بحقوقها، ويداومون عليها. " ومما رزقناهم ينفقون " أي مما ملكهم الله وجعل لهم التصرف فيه ينفقون في مرضاته. وفى ذلك دلالة على أن الحرام ليس برزق الله. لان الله مدح من ينفق في سبيل الله مما رزقه، والحرام ممنوع من التصرف فيه، والانفاق منه فكيف يكون رزقا. قوله تعالى: (والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر كذلك سخر ناها لكم لعلكم تشكرون (36) لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هديكم وبشر

[ 316 ]

المحسنين (37) إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور (38) أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (39) الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز) (40) خمس آيات بلا خلاف. قرأ يعقوب " لن تنال الله لحومها ولكن تناله " بالتاء فيهما. الباقون بالياء فيهما. وقد مضى ذكر نظائره. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " أذن " بفتح الالف " يقاتلون " بكسر التاء. وقرأ نافع وحفص " أذن " بضم الالف " يقاتلون " بفتح التاء. وقرأ أبو عمرو، وابو بكر عن عاصم " أذن " بضم الالف " يقاتلون " بكسر التاء. وقرأ ابن عامر " أذن " بفتح الالف " يقاتلون " بفتح التاء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " إن الله يدفع، ولولا دفع الله " بغير ألف في الموضعين الباقون " يدافع "، " ولولا دفاع الله " باثبات الالف في الموضعين. وقرأ أهل الكوفة وإبن كثير وابو جعفر " لهدمت " بتخفيف الدال. الباقون بتشديدها، وهما لغتان. والتشديد للتكثير. قال الحسن: هدمها تعطيلها، فإذا هدمت مواضع الصلاة فكأنهم هدموا الصلاة. وقيل: إن الصلوات بيوت النصارى، يسمونها صلوتا، وقال أبو العالية

[ 317 ]

الصلوات بيوت الصابئين وانشد: اتق الله والصلوت فدعها * إن في الصوم والصلوت فسادا (1) يريد بيت النصارى ومعنى الصوم - في البيت - ذرق النعام. و " ودفع الله، ودفاع الله " (لغتان والاغلب أن يكون (فعال) بين اثنين. وقد يكون للواحد مثل عافاه الله وطارقت النعل) (2) وقال ابن عمر: دفاع الله، ويدافع: لحن. ومن فتح الالف في (اذن) وكسر التاء في (يقاتلون) فالمعنى أذن الله للذين يقاتلون أن يقاتلوا من ظلمهم، وكذلك المعنى في قراءة الباقين. ومعنى (بأنهم ظلموا) أي من أجل انهم ظلموا. يقول الله تعالى (والبدن جعلناها) فنصب البدن بفعل مضمر يدل عليه (جعلناها) ومثله " والقمر قدرناه " (3) فيمن نصب القمر والبدن جمع بدنة، وهي الابل المبدنة بالسمن. قال الزجاج: يقولون: بدنت الناقة إذا سمنتها. ويقال لها بدنة من هذه الجهة. وقيل: أصل البدن الضخم، وكل ضخم بدن. وبدن بدنا إذا ضخم، وبدن تبدينا، فهو بدن، ثقل لحمه للاسترخاء كما يثقل الضخم. والبدنة الناقة، وتجمع على بدن وبدن. وتقع على الواحد والجمع قال الراجز: على حين تملك الامورا * صوم شهور وجبت نذورا وحلق رأسي وافيا مغضورا * وبدنا مدرعا موفورا (4) قال عطاء: البدن البقرة والبعير. وقيل: البدنة إذا نحرت علقت يد واحدة، فكانت على ثلاث، وكذلك تنحر، وعند أصحابنا تشد يداها إلى إبطيها، وتطلق رجلاها. والبقر تشديد يداها ورجلاها ويطلق ذنبها، والغنم تشد يداها ورجل واحدة


(1) لم أجد في مظانه (2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (3) سورة 36 يس آية 29 (4) تفسير الطبري 17 / 107 (*)

[ 318 ]

وتطلق الرجل الاخرى. وقوله " جعلناها لكم من شعائر الله " معناه جعلناها لكم فيها عبادة لله بما في سوقها إلى البيت وتقليدها بما ينبئ أنها هدي. ثم نحرها للاكل واطعام القانع والمعتر. وقيل " من شعائر الله " معناه من معالم الله " لكم فيها خير " أي منافع في دينكم ودنياكم، مثل ما فسرناه. وقوله " فاذكروا اسم الله عليها صواف " أمر من الله أن يذكر اسم الله عليها إذاإقيمت للنحر، صافة. وصواف جمع صافة، وهي المستمرة في وقوفها على منهاج واحد، فالصف استمرار جسم يلي جسماعلى منهاج واحد. والتسمية إنما تجب عند نحرها دون حال قيامها. وقوله " فإذا وجبت جنوبها " معناه وقعت لنحرها، والوجوب الوقوع، ومنه يقال: وجبت الشمس إذا وقعت في المغيب للغروب، ووجب الحائط إذا وقع، ووجب القلب إذا وقع فيه مايضطرب به. ووجب الفعل إذا وقع ما يلزم به فعله. ووجبت المطالبة إذا وقع ما يدعوا إلى قبولها. ووجب البيع إذا وقع. وقال أوس ابن حجر: ألم تكسف الشمس والبدرو ال‍ * كواكب للجبل الواجب (1) أي الواقع، وقرئ " صواف " على ثلاثة أوجه: صواف بمعنى مصطفة، وعليه القراء " وصوافي " بمعنى خالصة لله. وهي قراءة الحسن. " صوافن " بمعنى معلقة في قيامها، بازمتها وهي قراءة ابن مسعود، وهو مشتق من صفن الحصان إذا ثنى احدى يديه حتى قام على ثلاث، ومنه قوله " والصافنات الجياد " (2)


(1) ديوانه (دار بيروت): 10 وتفسير القرطبي 12 / 62 (2) سورة 38 ص آية 30 (*)

[ 319 ]

قال الشاعر: الف الصفون فما يزال كأنه * مما يقوم على الثلاث كسيرا (1) والصافن من الخيل الذي يقوم على ثلاث، ويثني سنبك الرابعة. وقوله " فكلوا منها واطعموا القانع والمعتر " فقال قوم: الاكل والاطعام واجبان. وقال آخرون: الاكل مندوب والاطعام واجب. وقال قوم: لو اكل جميعه جاز، وعندنا يطعم ثلثه، ويعطى ثلثه القانع والمعتر. ويهدي الثلث الباقي. والقانع الذي يقنع بما أعطي أو بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ان تطعمه من اللحم. وقال ابن عباس ومجاهد وقتادة: المعتر الذي يسأل، والقانع الذي لا يسأل، وقال الحسن وسعيد بن جبير: القانع الذي يسأل قال الشماخ: لمال المرئ يصلحه فيغني * مفاقرة أعف من الفنوع (2) أي من السؤال. وقال الحسن: المعتر يتعرض، ولا يسأل. وقال مجاهد: القانع جارك الغني، والمعتر الذي يعتريك من الناس. ويقال قنع الرجل إلى فلان قنوعا إذا سأل قال لبيد: وأعطاني المولى على حين فقره * إذا قال الصبر حلتي وقنوعي (3) وقنعت بكسر النون اقنع قناعة وقناعا إذا اكتفيت. وقوله " كذلك سخرناها لكم " أي مثل ذلك ذللنا هذه الانعام لكم تصرفوها على حسب اختياركم، بخلاف السباع الممتنعة بفضل قوتها، لكي تشكروه على نعمه


(1) تفسير القرطبي 12 / 62 (2) تفسير الطبري 17 / 190 واللسان (فقر) وتفسير القرطبى 12 / 64 (3) تفسير الطبري 17 / 10 وروايته (اصبر) بدل (الصبر) وشرح ديوانه (طبع الكويت: 71) روايته (إذا أبصر خلتي وخشوعي) (*)

[ 320 ]

التي أنعم بها عليكم ء ثم قال تعالى " لن ينال الله لحومها... " والمعنى لن يتقبل الله اللحوم، ولا الدماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها، بأن يوجب في مقابلتها الثواب. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها، ولا دماؤها، ولكن ينالها التقوى منكم. ثم قال " كذلك سخرها لكم " يعني الانعام " لتكبروا الله على ما هداكم " أي لتعظموه ثم تشكروه على هدايته إياكم إلى معرفته وطريق ثوابه. وقيل: معناه لتسموا الله تعالى على الذباحة. وقيل: لتكبروا الله في حال الاحلال بما يليق به في حال الاحرام. ثم قال تعالى " وبشر المحسنين " يا محمد، الذين يفعلون الافعال الحسنة وينعمون على غيرهم. ثم قال " إن الله يدافع عن الذين آمنوا " أي نصرهم ويدفع عنهم عدوهم، تارة بالقهر، وأخرى بالحجة " إن الله لا يحب كل خوان كفور " إخبار منه تعالى أنه لا يحب الخوان، وهو الذي يظهر النصيحة، ويضمر الغش للنفاق، أو لاقتطاع المال. وقيل: إن من ذكر اسم غير الله على الذبيحة، فهو الخوان، والكفور هو الجحود لنعم الله وغمط آياديه. ثم اخبر انه " اذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا " قيل: إن هذه الآية نزلت في المهاجرين الذين أخرجهم أهل مكة من أوطانهم، فلما قووا، أمره الله بالجهاد، وبين أنه أذن لهم في قتال من ظلمهم واخرجهم من أوطانهم. ومعنى " بأنهم ظلموا " أي من أجل أنهم ظلموا. ثم أخبر أنه " على نصرهم لقدير " ومعناه انه سينصرهم. قال الجبائي: لا فائدة له الا هذا المعنى.

[ 321 ]

وهذه الآية اول آية نزلت في الامر بالقتال. ثم بين حالهم فقال " الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق " بل ظلما محضا " الا أن يقولوا ربنا الله " والمعنى الا أن يقولوا الحق، فكأنه قال الذين أخرجوا بغير حق، الا الحق الذي هو قولهم ربنا الله. وقال سيبويه (إلا) بمعنى (لكن) وتقديره لكنهم يقولون: ربنا الله، فهو استثناء منقطع، وهو كقولك ما غضبت علي إلا أني منصف، وما تبغض فلانا إلا أنه يقول الحق، أي جعلت ذلك ذنبه. وقال الفراء: تقديره إلا بأن يقولوا، فتكون (أن) في موضع الجر. ثم قال " ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع " في أيام شريعة موسى " وبيع " في ايام شريعة عيسى " ومساجد " في ايام شريعة محمد صلى الله عليه وآله - في قول الزجاج - وقال مجاهد: صوامع الرهبان، وبيع النصارى، وهو قول قتادة. وعن مجاهد ايضا ان البيع كنائس اليهود. وقال الضحاك: الصلوات كنائس اليهود يسمونها صلوتا. وقيل مواضع صلوات المسلمين مما في منازلهم. وقيل: الصلوات أراد والظاهر انه أراد نفس الصلاة لا يقر بها سكران. وقيل تقديره: وتركت صلوات - ذكره الاخفش - وقوله " يذكر فيها اسم الله كثيرا " يعني في المساجد والمواضع التي ذكرها. ثم قال " ولينصرن الله من ينصره " أي من نصر أولياء الله، ودفع عنهم فان الله ينصره، ويدفع عنه. ويجوز أن يكون المراد: من ينصر دين الله ويذب عنه فان الله ينصره " إن الله لقوي عزيز " أي قادر قاهر، لا ينال أحد منه مالا يريده،


(1) سورة 4 النساء آية 42 (ج 7 م 41 من التبيان) (*)

[ 322 ]

ولا يتعذر عليه من يريد ضره. وقال الحسن: إن الله يدفع عن هدم مصليات أهل الذمة بالمؤمنين. وقرأ عاصم الجحدري " وصلوت " بالتاء - في رواية هارون - وقال غيره: صلوت بالتاء والصاد واللام مضمومتان، وقال: هي مسجاد للنصارى. وقرأ الضحاك (صلوث) بثلاث نقط، وقال: هي مساجد اليهود. وهذه شواذ لا يقرأ بها، ولا يعرف لها في اللغة اصل. قوله تعالى: (الذين إن مكناهم في الارض أقاموا الصلوة وآتوا الزكوة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الامور (41) وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (42) وقوم إبراهيم وقوم لوط (43) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (44) فكاين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد) (45) خمس آيات في الكوفي والمدنيين. وفي الباقي أربع آيات. قرأ أبو عمرو وحده " أهلكتها " بالتاء. لقوله في الآية التي فيما بعد (فأمليت) الباقون (اهلكناها) بالنون. يقول الله تعالى (الذين ان مكناهم في الارض) ف‍ (الذين) صفه من تقدم ذكره من المهاجرين في سبيل الله، وموضعه النصب، وتقديره (لينصرن الله من ينصره... الذين ان مكناهم) ومعناه أعطيناهم كل ما لا يصح الفعل إلا معه، لان

[ 323 ]

التمكين إعطاء ما يصح معه الفعل، فان كان هذا الفعل لا يصح إلا بآلة، فالتمكين باعطاء تلك الآلة لمن فيه القدرة، وكذلك ان كان لا يصح الفعل إلا بعلم، ونصب دلالة، وصحة سلامة، ولطف وغير ذلك، فاعطاء جميع ذلك واجب. وإن كان الفعل يكفي - في صحة وجوده - مجرد القدرة، فخلق القدرة هو التمكين. ثم وصفهم. فقال: هؤلاء الذين هاجرو في سبيل الله، (إن مكناهم في الارض أقاموا الصلاة) يعني ادوها بحقوقها، وقيل: معناه داموا عليها (وآتوا الزكاة) أي واعطوا ما افترض الله عليهم في أموالهم من الزكوات وغيرها (وامروا بالمعروف ونهوا عن المنكر). وفي ذلك دلالة على أن الامر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، لان ما رغب الله فيه، فقد اراده، وكل ما أراده من العبد، فهو واجب إلا أن يقوم دليل على ذلك انه نفل، لان الاحتياط يقتضي ذلك. و (المعروف) هو الحق، وسمي معروفا لانه تعرف صحته. وسمي المنكر منكرا، لانه لا يمكن معرفة صحته. وقوله " ولله عاقبة الامور " معناه تصير جميع الاملاك لله تعالى، لبطلان كل ملك سوي ملكه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله مسليا له عن تكذيب قومه له وقلة قبولهم منه: " وان يكذبوك " يا محمد في ما تدعيه من النبوة " فقد كذبت قبلهم قوم نوح " نوحا، وكذبت قوم " عاد " هودا وقوم " ثمود " صالحا " وقوم أبراهيم " ابراهيم " وقوم لوط " لوطا " واصحاب مدين " شعيبا " وكذب " اصحاب موسى " موسى " وانما قال " وكذب موسى " ولم يقل وقوم موسى، لان قومه بني اسرائيل، وكانوا آمنوا به وإنما كذبه قوم فرعون " فامليت للكافرين " اي أخرت عقابهم وحلمت عنهم " ثم أخذتهم " فاستاصلتهم بانواع الهلاك " فيكف كان نكير " أي عذابي لهم، وانما اقتصر على ذكر أقوام بعض الانبياء، ولم يسم أنبياءهم، لدلالة الكلام عليه. ثم قال تعالى " وكأين من قرية " معناه وكم من أهل قرية " اهلكناها " لما

[ 324 ]

استحقوا الاهلاك في حال كونها " ظالمة " لنفسها " فهي خاوية على عروشها " أي اهلكناها في حال كونها ظالمة لنفسها حتى تهدمت الحيطان على السقوف. وقال الضحاك على عروشها سقوفها. وقوله " وبئر معطلة وقصر مشيد " معناه وكم من بئر معطلة أي لا أهل لهاء والتعطيل ابطال العمل بالشئ ولذلك قيل للدهري: معطل، لانه، أبطل العمل بالعلم على مقتضى الحكمة. ويقال: خوت الدار خواء، ممدود وهي خاوية، وخوى جوف الانسان من الطعام خوى، مقصور، وهو خاو. وقيل في خفض " وبئر معطلة وقصر مشيد " قولان: احدهما - بالعطف على قرية، فيكون المعنى إهلاكا كالقرية. والثاني - بالعطف على العروش، فيكون المعنى ان بها البئر المعطلة والقصر المشيد. ومعنى وقصر مشيد أي مجصص، والشيد الجص - في قول عكرمة ومجاهد - وقال قتادة: معناه رفيع، وهو المرفوع بالشيد. وقال عدي بن زيد: شاده مرمرا وجلله كا * سا فللطير في ذراه وكور (1) وقال امرؤ القيس: وتيماء لم يترك بها جذع نخلة * ولا أجما إلا مشيدا بجندل (2) وقال آخر: كحية الماء بين الطين والشيد (3)


(1) شرح ديوان امرئ القيس (اخبار المراقسة) 360 وتفسير القرطبى 12 / 74 والطبري 17 / 116 واللسان (شيد) (2) شرح ديوانه: 157 وروايته (أطما) بدل (أجما) (3) تفسير الطبري 17 / 116 والقرطبي 12 / 74 وتمامه: لا تحسبين وان كنت امرءا غمرا * كحية الماء بين الطين والشيد (*)

[ 325 ]

ويقال شدته أشيده إذا زينته. وقال الكلبي قصر مشيد: معناه حصين. وقيل: ان البئر والقصر معروفان باليمين. وفي تفسير أهل البيت إن معنى " وبئر معطلة " أي ولكم من عالم لا يرجع إليه، ولا ينتفع بعلمه، ولا يلتفت إليه. ومعنى الآية: أفلم يسيروا في الارض فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بكفرهم وأبادهم بمعصيتهم، ليروا من تلك الاثار بيوتا خاوية، قد سقطت على عروشها، وبئر الشرب قد باد أهلها وعطل رساوها وغار معينها وقصرا مشيدا مزينا بالجص، قد خلا من السكن، وتداعي بالخراب، فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله، وبأسه الذي نزل بهم. قوله تعالى: (أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فانها لا تعمى الابصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (46) ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده وإن يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون (47) وكاين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (48) قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (49) فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم) (50) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي " مما يعدون " بالياء، على الخبر عن

[ 326 ]

الكفار. الباقون بالتاء، على الخطاب. لما اخبر الله تعالى عن اهلاك الامم الماضية جزاء على كفرهم ومعاصيهم، نبه الذين يرتابون بذلك. فقال " أفلم يسيروا في الارض فتكون لهم قلوب يعقلون بها " إذا شاهدوا آثار ما أخبرنا به، وسمعوا صحة ما ذكرناه عمن أخبرهم بصحته من الذين عرفوا أخبار الماضين. وفيها دلالة على أن العقل هو العلم، لان معنى (يعقلون بها) يعلمون بها مدلول ما يرون من العبرة. وفيها دلالة على أن القلب محل العقل والعلوم، لانه تعالى وصفها بأنها هي التي تذهب عن إدراك الحق، فلولا أن التبيين يصح أن يحصل فيها * لما وصفها بأنها تعمى، كما لا يصح أن يصف اليد والرجل بذلك. والهاء في (انها لا تعمى) هاء عماد، وهو الاضمار على شروط التفسير، وانما جاز أن يقول: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور، للتأكيد لئلا يتوهم بالذهاب إلى غير معنى القلب، لانه قد يذهب إلى ان فيه اشتراكا كقلب النخلة، فإذا قيل هكذا كان أنفى للبس بتجويز الاشتراك واما قوله (يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم) (1) فلان القول قد يكون بغير الفم. والمعنى في الآية ان الابصار وإن كانت عميا، فلا تكون في الحقيقة كذلك، إذا كان عارفا بالحق. وانما يكون العمى عمى القلب الذي يجحد معه معرفة الله ووحدانيته. ثم قال (ويستعجلونك) يا محمد (بالعذاب) أن ينزل عليهم، ويستبطؤنه، وان الله لا يخلف ما يوعد به (وان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون) قال ابن عباس ومجاهد وعكرمة: يوم من أيام الآخرة، يكون كألف سنة من ايام الدنيا. وقال ابن زيد، وفى رواية اخرى عن ابن عباس: انه أراد يوما من الايام التي خلق الله فيها السموات والارض. والمعنى (وان يوما عند ربك) من ايام العذاب، في


(1) سورة 3 آل عمران آية 167 (*)

[ 327 ]

الثقل والاستطالة (كألف سنة مما تعدون) في الدنيا، فكيف يستعجلونك بالعذاب لولا جهلهم، وهو كقولهم: ايام الهموم طوال، وايام السرور قصار. قال الشاعر: يطول اليوم لا القاك فيه * ويوم نلتقي فيه قصير (1) وأنشد أبو زيد: تطاولن أيام معن بنا * فيوم كشهرين إذ يستهل (2) وقال جرير: ويوم كأبهام الحبارى لهوته (3) وقيل " وان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون " في طول الامهال للعباد لصلاح من يصلح منهم، أو من نسلهم، فكأنه ألف سنة لطوال الاناة. وقيل (وان يوما عند ربك كالف سنة مما تعدون) في مقدار العذاب في ذلك اليوم، أي انه لشدته وعظمه كمقدار عذاب ألف سنة من ايام الدنيا على الحقيقة. وكذلك نعيم الجنة، لانه يكون في مقدار يوم السرور والنعيم مثل ما يكون في الف سنة من أيام الدنيا لو بقي ينعم ويلتذ فيها. ثم قال تعالى (وكم من قرية أمليت لها) فلاملاء والاملال والتأخير نظائر (وهي ظالمة) اي مستحقة لتعجيل العقاب، لكن اخذتها وأهلكتها والي المصير،


(1) هذا البيت ساقط من المطبوعة. (2) هو في مجمع البيان 4 / 90 (3) وفي المخطوطة (ويوم كأبهام الحبارى لطوله) ولم اجده في ديوان جرير وانما يوجد ابيات تشبه هذا وهي: ويوم كابهام القطاء مزين * إلى صاه غالب لي باطله لهوت بجني عليه سموطه * وإنس مجاليه وانس شمائله (*)

[ 328 ]

لكل أحد، بأن يزول ملك كل مالك ملك شيئا في دار الدنيا. ثم قال لنبيه (قل يا أيها لناس انما أنا لكم نذير مبين) اي مخوف من معاصي الله بعقابه، مبين لكم ما يجب عليكم فعله، وما يجب عليكم تجنبه (فالذين آمنوا) اي صدقوا بالله واقروا برسله (لهم مغفرة) من الله تعالى لمعاصيهم ولهم (رزق كريم) اي مع اكرامهم بالثواب الذي لا يقاربه تعظيم وتبجيل. قوله تعالى: (والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (51) وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (52) ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد (53) وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم (54) ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) (55) خمس آيات بلا خلاف.

[ 329 ]

قرأ ابن كثير وابو عمرو (معجزين) بالتشديد، بمعنى مثبطين ومبطئن، وهو قول مجاهد. الباقون (معاجزين) بالالف. قال قتادة: معناه مشاقين معاندين. يقول الله تعالى ان (الذين سعوا في آيات الله معجزين) ومعناه إن الذين يعجزون المؤمنين في قبول هذه الآيات اي يعجزونهم عن اقامتها بجحدهم تدبير الله (عز وجل) لها. ويحتمل ان يكون معناه يعجزونهم عن تصحيحها. والسعي الاسراع في المشي، ومن قوله (يا ايها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع) (1) وسعى يسعى سعيا، فهو ساع، وجمعه سعاة، واستسعاه في الامر استسعاء. وقال قتادد: ظنوا انهم يعجزون الله أي يفوتونه وأن يعجزوه. وقال مجاهد: معناه مبطئين عن اتباع آيات الله. ومن قرأ (معاجزين) اراد انهم يجادلون عجز الغالب. ومن قرأ (معجزين) بالتشديد اراد طلب اظهار العجز. وقال ابن عباس: معنى (معاجزين) مشاقين. وقيل معنى (معجزين) مسابقين، يقال: اعجزني الشئ بمعني سبقني وفاتني. وقال أبو علي: معاجزين ظانين ومعتقدين انهم يفوتونا، لانكارهم البعث. ومعجزين أي ينسبون من اتبع النبي صلى الله عليه وآله إلى العجز. وقال مجاهد: معناه مثبطين للناس عن النبي صلى الله عليه وآله واتباعه. وقوله " أولئك أصحاب الجحيم " معناه الذين يسعون في آيات الله طالبين إظهار عجزه ان لهم عذاب الجحيم، وهم ملازمون لها. وقوله " وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته " روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير والضحاك ومحمد بن كعب ومحمد ابن قيس: انهم قالوا: كان سبب نزول الآية انه لما تلى النبي صلى الله عليه وآله " افرأيتم اللات


(1) سورة الجمعة آية 9 (ج 7 م 42 من التبيان) (*)

[ 330 ]

والعزى ومنوة الثالثة الاخرى " (1) القى الشيطان في تلاوته (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي) ومعنى الآية التسلية للنبي صلى الله عليه وآله وانه لم يبعث الله نبيا، ولا رسولا إلا إذا تمنى - يعني تلا - القى الشيطان في تلاوته بما يحاول تعطيله، فيرفع الله ما القاه بمحكم آياته. وقال المؤرج: الامنية الفكرة، بلغة قريش. وقال مجاهد: كان النبي صلى الله عليه وآله إذا تأخر عنه الوحي تمنى أن ينزل عليه فيلقي الشيطان في أمنيته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان ويحكم آياته. وقال أبو علي الجبائي: انما كان يغلط في القراءة سهوا فيها، وذلك جائز على النبي، لانه سهو لا يعرى منه بشر، ولا يلبث ان ينبهه الله تعالى عليه. وقال غيره: إنما قال ذلك في تلاوته بعض المنافقين عن اغواء الشياطين، وأوهم أنه من القرآن. وقال الحسن: انما قال: هي عند الله كالغرانيق العلى، يعني الملائكة في قولكم، وإن شفاعتهن لترتجي في اعتقادكم. والتمني في الآية معناه التلاوة، قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة * وآخره لاقى حمام المقادر (2) وقال الجبائي: انما سها النبي صلى الله عليه وآله في القراءة نفسها. فأما الرواية بأنه قرأ تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي، فلا أصل لها، لان مثله لا يغلط على طريق السهو، وانما يغلط في المتشابه. وقوله " فينسخ الله ما يلقي الشيطان " أي يزيل الله ما يلقيه الشيطان من الشبهة " ثم يحكم الله آياته " حتى لا يتطرق عليها ما يشعثها. وقال البلخي: ويجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله سمع هاتين الكلمتين من قومه وحفظهما فلما قرأ النبي صلى الله عليه وآله وسوس بهما إليه الشيطان، وألقاهما في فكره، فكاد أن يجريهما على لسانه، فعصمه الله، ونبهه، ونسخ وسواس الشيطان، وأحكم آياته، بأن قرأها النبي صلى الله عليه وآله محكمة


(1) سورة 53 النجم آية 19 - 20 (2) مر هذا البيت في 1 / 319 (*)

[ 331 ]

سليمة مما أراد الشيطان. ويحوز أن يكون النبي صلى الله عليه وآله حين اجتمع إليه القوم، واقترحوا عليه أن يترك ذكر آلهتهم بالسوء، أقبل عليهم يعظهم ويدعوهم إلى الله، فلما انتهى رسول الله إلى ذكر اللات والعزى. قال الشيطان هاتين الكلمتين رافعا بها صوته، فالقاهما في تلاوته في غمار من القوم وكثرة لغطهم، فظن الكفار ان ذلك من قول النبي، فسجدوا عند ذلك. وقوله " والله عليم حكيم " معناه إنه عالم بجيمع المعلومات، واضع الاشياء مواضعها. والآية تدل على أن كل رسول نبي، لانه تعالى ذكر انه أرسلهم، وانما قال من رسول ولا نبي، لاختلاف المعنيين، لان الرسول يفيد أن الله أرسله، والنبي يفيد أنه عظيم المنزلة يخبر عن الله. وقد قال بعض المفسرين: إن المراد بالتمني في الآية تمني القلب، والمعنى انه ما من نبي ولا رسول إلا وهو يتمنى بقلبه ما يقربه إلى الله من طاعاته، وإن الشيطان يلقي في أمنيته بوسوسته واغوائه ما ينافي ذلك، فينسخ الله ذلك عن قلبه بأن يلطف له ما يختار عنده ترك ما اغواه به. وقوله " ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض " بيان من الله تعالى أنه يجعل ما يلقيه الشيطان من الامنية فتنة، فمعنى (ليجعل) يحتمل امرين: احدهما - الحكم والتسمية، كما تقول جعلت حسني قبيحا، ويكون المراد انه ينسخ ما يلقي الشيطان طلبا للفتنة والاغواء. والثاني - انه أراد ليجعل نسخ ما يلقي الشيطان فتنة، لان نفس فعل الشيطان لا يجعله الله فتنة، لان ذلك قبيح، والله تعالى منزه عن القبائح اجمع، فمعنى الفتنة في الآية المحنة، وتغليظ التكليف " للذين في قلوبهم مرض " أي شك ونفاق وقلة معرفة " والقاسية قلوبهم " يعني من قسى قلبه عن اتباع الحق. وقيل: هم الظالمون. ثم اخبر تعالى " إن الظالمين " لنفوسهم " لفي شقاق بعيد " أي مشاقة

[ 332 ]

بعيدة من الله تعالى، وبين انه يفعل ذلك " ليعلم الذين أوتوا العلم " بالله وصفته وأن أفعاله صواب " انه الحق من ربك " فيصدقوا به " فتخبت له قلوبهم " أي تطمئن إليه وتسكن. وبين ان الله تعالى يهدي من يؤمن إلى صراط مستقيم، بأن يلطف له ما يعلم انه يهتدي عنده " إلى صراط مستقيم ". ثم قال " ولا يزال الذين كفروا في مرية منه " يعني من القرآن. ومعناه الاخبار عمن علم الله تعالى من الكفار انهم لا يؤمنون بالآية خاصة. وهو قول ابن جريج إلا أن (تأتيهم الساعة) يعني القيامة (بغتة) أي فجأة، وعلى غفلة (أو يأتيهم عذاب يوم عقيم) قال الضحاك: هو عذاب يوم القيامة. وقال مجاهد وقتادة: هو عذاب يوم بدر. وقيل معنى (عقيم) أي لا مثل له في عظم امره لقتال الملائكة قال الشاعر: عقم النساء بأن يلدن شبيهه * إن النساء بمثله لعقيم (1) قوله تعالى: (الملك يومئذ لله يحكم بينهم فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (56) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فاولئك لهم عذاب مهين (57) والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (58) ليدخلنهم مدخلا يرضونه وإن الله لعليم


(1) البيت في مجمع البيان 4 / 92 (*)

[ 333 ]

حليم (59) ذلك ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور) (60) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر " ثم قتلوا " بالتشديد. الباقون بالتخفيف. من شدد أراد التكثير. ومن خفف، فلانه يحتمل القليل والكثير. يقول الله تعالى إن الملك في اليوم الذي وصفه بأنه " عقيم " وانه لامثل له في عظم الاهوال، فيه الملك لله تعالى وحده. لاملك لاحد معه. وانما خص ذلك به، لان في الدنيا قد ملك الله تعالى أقواما أشياء كثيرة. والملك اتساع المقدور لمن له تدبير الامور، فالله تعالى يملك الامور لنفسه، وكل مالك سواه، فانما هو مملك له بحكمه، اما بدليل السمع أو بدليل العقل. وقوله (يحكم بينهم) أي يفصل في ذلك اليوم بين الخلائق، وينصف بينهم في الحكم، والحكم الخبر بالمعنى الذي تدعو إليه الحكمة، ولهذا قيل: الحكم له، لان كل حاكم غيره، فانما يحكم باذنه واعلام من جهته إما من جهة العقل أو جهة السمع. ثم اخبر تعالى ان (الذين آمنوا) اي صدقوا بواحدنيته، وصدقوا أنبياءه (وعملوا الصالحات) التي أمر الله بها انهم (في جنات النعيم) منعمين فيها. (وإن الذين كفروا) اي جحدوا ذلك (وكذبوا) بآيات الله، فان لهم عذابا مهينا، يهينهم ويذلهم. والهوان الاذلال بتصغير القدر، ومثله الاستخفاف والاحتقار، أهانه يهينه إهانة فهو مهان مذلل. وقيل نزلت الآية في قوم من المشركين أتوا جماعة من المسلمين، فقاتلوهم في الاشهر الحرم بعد ان نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا، فنصروا عليهم. وقيل إن النبي صلى الله عليه وآله عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من اصحابه يوم أحد.

[ 334 ]

وقوله (والذين هاجروا في سبيل الله) يعني الذين خرجوا من ديارهم واوطانهم بغضا للمشركين الذين كانوا يؤذونهم بمكة (ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا) يعني الجنة (وان الله لهو خيرا الرازقين) ثم اقسم تعالى انه ليدخلن هؤلاء المهاجرين في سبيل الله الذين قتلوا (ليدخلنهم مدخلا يرضونه) ويؤثرونه يعني الجنة، وما فيها من انواع النعيم. وقرأ نافع " مدخلا " بفتح الميم، يريد المصدر أو اسم المكان، وتقديره: ليدخلنهم فيدخلون مدخلا يرضونه أو مكانا يرضونه. والباقون بضم الميم وهو الاجود، لانه من ادخل يدخل مدخلا لقوله " وأدخلني مدخل صدق " (1) وإن الله لعليم بأحوالهم، حليم عن معاجلة الكفار بالعقوبة. وقوله " ذلك ومن عاقت بمثل ما عوقب به ثم بغي عليه لينصرنه الله " قيل نزلت في قوم من المشركين لقوا جماعة من المسلمين فقاتلوهم في الاشهر الحرم بعد أن نهاهم المسلمون عن ذلك، فأبوا. فنصروا عليهم. وقيل: إن النبي صلى الله عليه وآله عاقب بعض المشركين لما مثلوا بقوم من أصحابه يوم أحد، والاول لم يكن عقوبة، وإنما هو كقولهم الجزاء بالجزاء. والاول ليس بجزاء، وانما هو لازدواج الكلام. قوله تعالى: (ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (61) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (62) ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الارض مخضرة إن الله


(1) سورة 17 الاسرى آية 80 (*)

[ 335 ]

لطيف خبير (63) له ما في السموات وما في الارض وإن الله لهو الغني الحميد (64) ألم تر أن الله سخر لكم ما في الارض والفلك تجري في البحر بأمره ويمسك السماء أن تقع على الارض إلا باذنه إن الله بالناس لرؤف رحيم) (65) خمس آيات بلا خلاف قرأ أهل العراق إلا ابا بكر " وإن ما يدعون " بالياء. الباقون بالتاء. معنى ذلك ان " ذلك " الامر " بأن الله يولج الليل في النهار " أي يدخل الليل على النهار، والايلاج الادخال باكراه، ولج يلج ولوجا وأولج إيلاجا واتلج اتلاجا. وانما قال يولج الليل في النهار - ههنا - لان ذلك يقتضي أن ذلك صادر من مقتدر لولاه لم يكن كذلك. وقيل: معنى " يولج الليل في النهار " أن يدخل ما انتقص من ساعات الليل في النهار، وما انتقص من ساعات النهار في الليل. ومعنى " وإن الله سميع بصير " - ههنا - أنه يسمع ما يقول عباده في هذا بصير به، لا يخفى عليه شئ منه حتى يجازي به. وقوله " بأن الله هو الحق " وصفه بأنه الحق يحتمل أمرين: احدهما - انه ذو الحق في قوله وفعله. الثاني - انه الواحد في صفات التعظيم التي من اعتقدها، فهو محق، وقوله " وإن ما يدعون من دونه هو الباطل " من قرأ بالتاء خاطب بذلك الكفار. ومن قرأ بالياء أخبر عنهم بأن ما يدعونه من دون الله من الاصنام والاوثان هو الباطل، على الحقيقة " وإن الله هو العلي الكبير " فالعلي القادر الذي كل شئ سواه تحت معنى صفته، بأنه قادر عليه، ولا يجوز وصفه ب‍ (رفيع) على هذا المعنى،

[ 336 ]

لان صفة علي منقولة إليه، ولم تنقل صفة (رفيع) ووصفه بأنه الكبير، يفيد أن كل شئ سواه يصغر مقداره عن معنى صفته، لانه القادر الذي لا يعجزه شئ، العالم الذي لا يخفى عليه شئ. وقوله " ألم تر " خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به جميع المكلفين يقول الله لهم ألم تعلموا " أن الله أنزل من السماء ماء " يعني غيثا ومطرا " فتصبح الارض " بذلك " مخضرة " بالنبات " ان الله لطيف خبير " فاللطيف معناه أنه المختص بدقيق التدبير الذي لا يخفى عنه شئ ولا يتعذر عليه، فهو لطيف باستخراج النبات من الارض بالماء، وابتداع ما يشاء " خبير " بما يحدث عنه وما يصلح له. وقوله " فتصبح الارض " انما رفع (فتصبح) لانه لم يجعله جوابا للاستفهام، لان الظاهر وإن كان الاستفهام فالمراد به الخبر، كأنه قال: قد رأيت أن الله ينزل من السماء ماء، فتصبح الارض مخضرة، إلا انه نبه على ما كان رآه ليتأمل ما فيه قال الشاعر: ألم تسأل الربع القواء فينطق * وهل يخبرنك اليوم بيدا سملق (1) لان المعنى قد سألته فنطق. ثم أخبر تعالى أن " له " ملك " ما في السماوات وما في الارض " لا ملك لاحد فيه. ومعناه إن له التصرف في جميع ذلك لا اعتراض عليه. وأخبر " إن الله هو الغني الحميد " فالغني هو الحي الذي ليس بمحتاج، فهو تعالى المختص بأنه لو بطل كل شئ سواه لم تبطل نفسه القادرة العالمة. الذي لا يجوز عليه الحاجة بوجه من الوجوه، وكل شئ سواه يحتاج إليه، لانه لولاه لبطل، لانه لا يخلو من مقدوره أو مقدور مقدوره. و (الحميد) معناه الذي يستحق الحمد على أفعاله، وهو بمعنى انه محمود. (هامش) * (1) تفسير الطبري 17 / 134 (*)

[ 337 ]

ثم قال " ألم تر " يا محمد والمراد جميع المكلفين " ان الله سخر لكم ما في الارض " من الجماد والحيوان اي قد ذلله لكم، تتصرفون فيه كيف شئتم، وينقاد لكم، على ما تؤثرونه. وان الفلك تجري في البحر بأمر الله اي بفعل الله، لانها تسير بالريح، وهو تعالى المجري لها و (يمسك السماء أن تقع على الارض) أي يمنعها من الوقوع على الارض، ولا يقدر على إمساكها أحد سواه مع عظمها وثقلها " الا باذنه " اي لا تقع السماء على الارض إلا إذا أذن الله في ذلك بأن يريد ابطالها واعدامها. ومعنى (أن تقع) ألا تقع. وقيل معناه كراهية أن تقع. ثم أخبر انه تعالى (بالناس) لرؤف رحيم) أي متعطف منعم عليهم. قوله تعالى: (وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الانسان لكفور (66) لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه فلا ينازعنك في الامر وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (67) وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (68) ألله يحكم بينكم يوم القيمة فيما كنتم فيه تختلفون (69) ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والارض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير) (70) خمس آيات بلا خلاف. لما ذكر الله تعالى انه الذي سخر للخلق ما في الارض من الحيوان وذللها لهم واجري (ج 7 م 43 من التبيان) (*)

[ 338 ]

الفلك في البحر، كنا عنه بأن قال " وهو الذي أحياكم " ايضا بعد ان لم تكونوا كذلك، يقال أحياه الله، فهو محي له " ثم يميتكم " بعد هذا الاحياء " ثم يحييكم " يوم القيامة للحساب إما إلى الجنة، وإما إلى النار ثم اخبر عن الانسان بانه (كفور) أي جحود لنعم الله بما فعل به من انواع النعم، وجحوده ما ظهر من الآيات الدالة على الحق في كونه قادرا على الاحياء والاماتة. والاحياء بعدها، لا يعجزه شئ من ذلك. ثم اخبر تعالى أن " لكل أمة منسكا " أي مذهبا " هم ناسكوه " أي يلزمهم العمل به. وقيل: المنسك جميع العبادات التي أمر الله بها. وقيل: المنسك الموضع المعتاد لعمل خير أو شر، وهو المألف لذلك. ومناسك الحج من هذا، لانها مواضع العبادات فيه، فهي متعبدات الحج. وفيه لغتان فتح السين، وكسرها. وقال ابن عباس " منسكا " اي عيدا. وقال مجاهد وقتادة: متعبدا في إراقة الدم بمنى، وغيرها. وقوله " فلا ينازعنك في الامر " لانهم كانوا يقولون " أتأكلون ما قتلتم، ولا تأكلون الميتة التى قتلها الله. وقيل: لا ينازعنك في الامر " نهي لهم عن منازعة النبي صلى الله عليه وآله وقيل: نهي له لان المنازعة تكون من اثنين، فإذا وجه النهي إلى من ينازعه، فقد وجه إليه. وقرئ " فلا ينزعنك " والمعنى لا يغلبنك على الامر. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " وادع إلى ربك " يا محمد " انك لعلى هدى مستقيم " أي على طريق واضح. ثم قال " وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون " معناه إن جادلوك على وجه المراء والتعنت الذي يعمله السفهاء، فلا تجادلهم على هذا الوجه، وادفعهم بهذا القول. وقل " الله أعلم بما تعملون " وهذا أدب من الله حسن، ينبغي أن يأخذ به كل احد " الله يحكم بينكم " أي يفصل بينكم " يوم القيامة فيما كنتم فيه تختلفون " من توحيد الله وصفاته واخلاص عبادته، وألا نشرك به غيره.

[ 339 ]

ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " ألم تعلم " والمراد به جميع المكلفين " أن الله يعلم ما في السماء والارض " من قليل وكثير، لا يخفى عليه شئ من ذلك " إن ذلك في كتاب " يعني مثبتا في اللوح المحفوظ الذي أطلع عليه ملائكته " ان ذلك على الله يسير " أي سهل غير متعذر. قوله تعالى: (ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير (71) وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفانبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير (72) يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (73) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (74) الله يصطفي من الملئكة رسلا ومن الناس إن الله سمعيع يصير) (75) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخبرا عن حال الكفار الذين يعبدون مع الله الاصنام، والاثان:

[ 340 ]

انهم " يعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا " أي لا حجة ولا برهانا، وإنما قيل للبرهان سلطان، لانه يتسلط على انكار المنكر، فكل محق في مذهبه، فله برهان يتسلط به على الانكار لمذهب خصمه. وقوله " وما ليس لهم به علم " معناه ولا هو معلوم لهم ايضا من جهة الدلالة، لان الانسان قد يعلم صحة أشياء يعمل بها من غير برهان أدى إليها كعلمه بوجوب شكر المنعم، ووجوب رد الوديعة، ومدح الحسن وذم المسئ، وغير ذلك، مما يعلمه بكمال عقله، وإن لم يكن معلوما بحجة، فلذلك قال " وما ليس لهم به علم ". ثم اخبر انه ليس " للظالمين " أنفسهم بارتكاب المعاصي وترك المعرفة بالله من ينصرهم ويدفع عنهم عذاب الله إذا نزل بهم. ثم اخبر تعالى عن حال الكفار وشدة عنادهم، فقال " وإذا تتلى عليهم آياتنا " يعني من القرآن وغيره من حجج الله تعالى الظاهرات البينات " تعرف " يا محمد " في وجوه الذين كفروا " بنعم الله، وجحدوا ربوبيته " المنكر " من القول " يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا " فالسطوة اظهار الحال الهائلة للاخافة، يقال: سطا عليه سطوة وسطوا وسطا به ايضا فهو ساط. والانسان مسطو به. والانسان يخاف سطوات الله ونقماته. والسطوة والاستطالة والبطشة نظائر في اللغة. والمعنى إن هؤلاء الكفار إذا سمعوا آيات الله تتلى عليهم، قاربوا أن يوقعوا بمن يتلوها المكروه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد " أفأنبؤكم بشر من ذلكم " أي بشر من اعتدائكم على التالي لآيات الله. وقيل: بشر عليكم مما يلحق التالي منهم. ثم ابتدأ فقال " النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير " وقيل التقدير كان قائلا قال ما ذلك الشر ؟ فقيل " النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير " اي بئس

[ 341 ]

الموضع، وكان يجوز في (النار) الجر على البدل من (ذلكم) لانه في موضع جر ب‍ (من) وكان يجوز النصب بمعنى أعرفكم شرا من ذلكم النار، والذي عليه القراء الرفع. ثم اخبر تعالى عن النار بأن الله وعدها الذين كفروا وبئس المرجع. ثم خاطب جميع المكلفين من الناس، فقال " يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له " يعني ضرب مثل، جعل، كقولهم ضرب على أهل الذمة الجزية، لانه كالتثبيت شبهه بالضرب المعروف، وكذلك الضربة. والمثل: شبه حال الثاني بالاولى في الذكر الذي صار كالعلم. ومن حكم المثل أن لا يتغير، لانه صار كالعلم. كقولهم " أطري انك فاعلة ". ثم قال " ان الذين تدعون من دون الله " قرأ يعقوب بالياء على الخبر الباقون بالتاء على الخطاب، كقوله " يا أيها الناس ". والذي عبدوه من دون الله الاصنام والاوثان " لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له " على ذلك وعاون بعضهم بعضا مع صغر الذباب، فكيف بالعظيم من الاشياء. ثم زاد في ضرب المثل، فقال " وإن يسلبهم الذباب شيئا... " يعني هؤلاء الكفار، ومن جرى مجراهم لو سلبهم الذباب شيئا وطار، لما قدروا على استنقاذه منه وتخليصه من يديه. ثم اخبر تعالى بانه " ضعف الطالب " يعني من الاوثان " والمطلوب " من الذباب - وهو قول ابن عباس - ولم يأت بالمثل، لان في الكلام دلالة عليه، كأنه قال يا أيها الناس مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت لان تخلق ذبابا، فلم يقدروا عليه، وإن يسلبها الذباب شيئا، فلم تستنقذه منه. ومثل ذلك في الحذف قول امرئ القيس: وجدك لو شئ اتانا رسوله * سواك ولكن لم نجد عنك مدفعا (1) وتقديره لو أتانا رسول غيرك لرددناه وفعلنا به، ولكن لم نجد عنك مدفعا،


(1) شرح ديوانه 131 وقد مر في 5 / 529 و 6 / 253 مع اختلاف يسير (*)

[ 342 ]

فاختصر لدلالة الكلام عليه. وقال قوم: اراد أن الكافرين جعلوا لي الامثال من الاصنام التي عبدوها فاستمعوا لما ضرب لي من الامثال. ثم أخبر عنها كيف هي، وكيف بعدها مما جعلوه مثلا، ويدل عليه قوله " ما قدروا الله حق قدره " واختلفوا في معنى " ما قدروا الله حق قدره " فقال الحسن: معناه ما عظموه حق عظمته، إذ جعلوا له شريكا في عبادته. وهو قول المبرد والفراء. وقال قوم: معناه ما عرفوه حق معرفته. وقال آخرون: ما وصفوه حق صفته. وهو مثل قول أبي عبيدة. قال: يقول القائل: ما عرفت فلانا على معرفته، اي ما عظمته حق تعظيمه. وفي ذلك دلالة على أن من جوز عبادة غير الله فهو كافر، وكذلك من جوز ان يكون المنعم - بخلق النفس، والبصر، والسمع، والعقل - غير الله، فهو كافر بالله. ثم اخبر تعالى عن نفسه، فقال " ان الله لقوي " أي قادر على ما يصح ان يكون مقدورا " عزيز " لا يقدر احد على منعه. ثم قال تعالى " الله يصطفى من الملائكة رسلا " أي يختار منهم من يصلح للرسالة " ومن الناس " أي ويختار من الناس ايضا مثل ذلك. وفى ذلك دلالة على انه ليس جميع الملائكة رسلا، لان (من) للتبعيض عند اهل اللغة، وكما ان الناس ليس جميعهم أنبياء فكذلك الملائكة. وقوله " إن الله سميع بصير " أي يسمع جميع ما يدرك بالسمع من الاصوات ودعاء من يدعوه خالصا، ودعاء من يدعو على وجه الاشراك به بصير بأحوالهم. قوله تعالى (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم وإلى الله ترجع الامور (76) يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير

[ 343 ]

لعلكم تفلحون (77) وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتبيكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سميكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس فأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة واعتصموا بالله هو موليكم فنعم المولى ونعم النصير) (78) ثلاث آيات بلا خلاف لما اخبر الله تعالى عن نفسه بأنه " سميع بصير " وصف أيضا نفسه بأنه " يعلم ما بين أيديهم " يعني ما بين أيدي الخلائق من القيامة وأحوالها، وما يكون في مستقبل أحوالهم، " وما خلفهم " أي ما يخلفونه من دنياهم. وقال الحسن: يعلم مابين أيديهم: أول اعمالهم، وما خلفهم آخر أعمالهم " واليه ترجع الامور " يعني يوم القيامة ترجع جميع الامور إلى الله تعالى بعد ان كان ملكهم في دار الدنيا منها شيئا كثيرا. ثم خاطب تعالى المؤمنين فقال " يا ايها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا " أي صلوا، على ما امرتكم به، من الركوع والسجود فيها (واعبدوا ربكم) الذي خلقكم ولا تشركوا به شيئا (وافعلوا الخير) والخير النفع الذي يجل موقعه، وتعم السلامة به، ونقيضه الشر، وقد أمر الله بفعل الخير، ففعله طاعة له. وقوله (لعلكم تفلحون) أي افعلوا الخير لكي تفوزوا بثواب الجنة وتتخلصوا من عذاب النار. وقيل معناه افعلوه على رجاء الصلاح منكم بالدوام على افعال الخير واجتناب المعاصي والفوز بالثواب. ثم أمرهم بالجهاد فقال (وجاهدوا في الله حق جهاده) قال ابن عباس: معناه

[ 344 ]

جاهدوا المشركين، ولا تخافوا في الله لومة لائم، وقال الضحاك: معناه اعملوا بالحق لله حق العمل. وقوله (هو اجتباكم) فالاجتبا هو اختيار الشئ لما فيه من الصلاح. وقيل: معناه اختاركم لدينه. وجهاد اعدائه، والحق يجتبى، والباطل يتقى، ولا بد أن يكون ذلك خطابا متوجها إلى من اختاره الله بفعل الطاعات، دون أن يكون ارتكب الكبائر الموبقات. وإن كل سبق منه جهاد في سبيل الله. وقوله (وما جعل عليكم في الدين من حرج) معناه لم يجعل عليكم ضيقا في دينكم، ولا ما لا مخرج منه. وذلك أن منه ما يتخلص منه بالتوبة، ومنه ما يتخلص منه برد المظلمة، وليس في دين الاسلام ما لا سبيل إلى الخلاص من عقابه. وفيه من الدليل - كالذي في قوله (ولو شاء الله لاعنتكم) (1) - على فساد مذهب المجبرة في العدل. ومثله قوله (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) (2) وقوله (ملة ابيكم ابراهيم) يحتمل نصب (ملة) وجهين: احدهما - اتبعوا (ملة أبيكم) وإلزموا، لان قبله (جاهدوا في الله حق جهاده) والاخر - كملة أبيكم إلا انه لما حذف حرف الجر اتصل الاسم بالفعل فنصب. وقال الفراء: نصبه بتقدير: وسع ملتكم، كما وسع ملة أبيكم. وقوله (ملة أبيكم ابراهيم) معناه انه يرجع جميعهم إلى ولادة ابراهيم، وافاد هذا ان حرمة ابراهيم على المسلمين كحرمة الوالد على الولد، كما قال (وازواجه امهاتهم) (3) - في قول الحسن. وقوله " هو سماكم المسلمين " قال ابن عباس ومجاهد: الله سماكم المسلمين، فهو كناية عن الله. وقال ابن زيد: هو كناية عن ابراهيم وتقديره ابراهيم سماكم المسلمين


(1) سورة 2 البقرة آية 220 (2) سورة 2 البقرة آية 286 (3) سورة 33 الاحزاب آية 6 (*)

[ 345 ]

بدليل قوله " ومن ذريتنا أمة مسلمة لك " (1). وقوله " من قبل " اي من قبل القرآن. - في قول مجاهد - وقيل: ملة ابراهيم داخلة في ملة محمد صلى الله عليه وآله، فلذلك قال " ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل. وفي هذا " يعني القرآن. وقال السدي: معناه: وفي هذا الاوان ليكون الرسول شهيدا عليكم بطاعة من أطاع في تبليغه، وعصيان من عصى " وتكونوا شهداء على الناس " بأعمالهم في ما بلغتوهم من كتاب بربهم وسنة نبيهم. ثم أمرهم باقامة الصلاة، فقال " فاقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله " أي بدين الله الذي لطف به لعباده - في قول الحسن - وقيل: معناه امتنعوا بالله من أعدائكم " هومولاكم " أي أولى بكم، وبتدبيركم، وتصريفكم " فنعم " ما لككم " المولى " يعني الله " ونعم النصير " أي الناصر، والدافع عن الخلق الله تعالى. وقيل: " نعم المولى " من لم يمنعكم الرزق لما عصيتموه " ونعم النصير " حين أعانكم لما أطعتموه. وروي أن الله أعطى هذه الامة ثلاث اشياء لم يعطها أحدا من الامم: جعلها الله شهيدا على الامم الماضية، وقال لهم " ما جعل عليكم في الدين من حرج " (2) وقال (ادعوني استجب لكم) (3). * * *


(1) سورة 2 البقرة آية 128 (2) سورة 22 الحج آية 78 (3) سورة 40 المؤمن آية 60 (ج 7 م 44 من التبيان) (*)

[ 347 ]

23 - سورة المؤمنون مكية بلا خلاف، وهو قول قتادة ومجاهد: وهي مئة وثمان عشرة آية في الكوفي، وتسع عشرة في البصري، والمدنيين، وليس فيها ناسخ ولا منسوخ، إلا ما روي أنهم كانوا يجيزون الالتفات يمينا وشمالا وإلى ما وراء نسخ ذلك بقوله " في صلاتهم خاشعون " فلم يجيزوا أن ينظر المصلي إلا إلى موضع سجوده. بسم الله الرحمن الرحيم (قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكوة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فانهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فاولئك هم العادون) (7) سبع آيات يقول الله تعالى (قد أفلح المؤمنون) أي فازوا بثواب الله، الذين صدقوا

[ 348 ]

بالله واقروا بواحدانيته وصدقوا رسله. وقيل: معناه، قد سعدوا، قال لبيد: فاعقلي ان كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل (1) وقيل معنى (أفلح) بقي أي بقيت أعمالهم الصالحة، ومنه قولهم (حي على الفلاح) أي على بقاء أعمال الخير، ومعنى (قد) تقريب الماضي من الحال، فدل على أن فلاحهم قد حصل بما هم عليه في الحال، وهذا أبلغ في الصفة من تجريد ذكر الفعل. ثم وصف هؤلاء المؤمنين بأوصاف، فقال (الذين هم في صلاتهم خاشعون) أي خاضعون متذللون لله فيها. وقيل: معناه يسعون، مقبلون على الصلاة بالخضوع والتدلل لربهم. وقيل: معناه خائفون. وقال مجاهد: هو غض الطرف وخفض الجناح. وقيل: أن ينظر المصلي إلى موضع سجوده. وكان النبي صلى الله عليه وآله برفع بصره إلى السماء. فلما نزلت هذه الآية طأطأ رأسه، ونظر إلى مصلاه. والخشوع في الصلاة هو الخضوع بجمع الهمة لها، والاعراض عما سواها، لتدبر ما يجري فيها: من التكبير، والتسبيح، والتحميد لله، وتلاوة القرآن. وهو موقف الخاضع لربه الطالب لمرضاته بطاعاته. ثم زاد في صفاتهم فقال (والذين هم عن اللغو معرضون) واللغو هو القول والفعل الذي لا فائدة فيه يعتد بها، وهو قبيح على هذا الوجه. وقال ابن عباس: اللغو - ههنا - الباطل. وقال السدي: هو الكذب. وقال الكلبي هو الحلف. وحكى النقاش: انهم نهوا عن سباب الكفار إذا سبوهم، وعن محادثتهم. ثم قال (والذين هم للزكاة فاعلون) أي يؤدون ما يجب عليهم في أموالهم من الصدقات، وسميت زكاة، لانه يزكوبها المال عاجلا وآجلا. ثم قال (والذين هم لفروجهم حافظون) قيل عنى بالفروج - ههنا - فرج الرجل خاصة بدلالة قوله (الاعلى أزواجهم


(1) مر هذا البيت في 1 / 59 من هذا الكتاب (*)

[ 349 ]

أو ما ملكت ايمانهم) ثم استثنى من الحافظين لفروجهم من لا يحفظ فرجه عن زوجته، أو ما تملك يمينه من الاماء على ما أباحه الله له، لان التزويج ينبغي أن يكون، على وجه اباحة الله تعالى. و (ملك اليمين) في الآية المراد به الاماء لان الذكور من المماليك لا خلاف في وجوب حفظ الفرج منهم. ومن ملك الايمان، لا يجمع بين الاختين في الوطئ، ولابين الام والبنت. وكل ما لم يجز الجمع بينهم في العقد، فلا يجوز الجمع بينهم في الوطئ بملك اليمين. ولا يخرج من الآية وطؤ المتمتع بها، لانها زوجة عندنا، وإن خالف حكمها حكم الزوجات في احكام كثيرة، كما أن حكم الزوجات مختلف في نفسه. وذكره تعالى هذه الاوصاف ومدحه عليها يكفي ويغني عن الامر بها، لما فيها من الترغيب كالترغيب في الامر، وأنها مرادة، كما أن المأمور به مراد، وكلها واجب. وانما قيل للجارية (ملك يمين) ولم يقل في الدار (ملك يمين) لان ملك الجارية أخص من ملك الدار إذ له نقض بنية الدار، وليس له نقض بنية الجارية، وله عارية الدار، وليس له عارية الجارية، حتى توطأ بالعارية، فلذلك خص الملك في الامة، وانما قال " إلا على أزواجهم أو ما ملكت ايمانهم فانهم غير ملومين " مع تحريم وطئها على وجوه: كتحريم وطئ الزوجة. والامة في حال الحيض، ووطئ الجارية إذا كان لها زوج، أو كانت في عدة من زوج. وتحريم وطئ المظاهرة قبل الكفارة، لان المراد بذلك على ما يصح ويجوز، مما بينه الله، وبينه رسوله في غير هذا الموضع، وحذف لانه معلوم، وهي من الامور العارضة في هذه الوجوه ايضا، فان من وطأ الزوجة أو الامة في الاحوال التي حرم عليه وطؤها، فانه لا يلزمه اللوم من حيث كانت زوجة أو ملك يمين وإنما يستحق اللوم من وجه آخر. واللوم والذم واحد، وضدهما الحمد والمدح.

[ 350 ]

ثم قال تعالى " فمن ابتغى وراء ذلك " ومعناه من طلب سوى ذلك يعني الزوجية، وملك اليمين، فهو عاد. والابتغاء والبغية الطلب. والبغاء طلب الزنا، والباغي طالب الاعتداء. و (العادون) هم الذين يتعدون الحلال إلى الحرام. وقوله " وراء " - ههنا - قيل: معناه غير. وقال الفراء معناه " إلا على أزواجهم " إلا من أزواجهم " أو ما ملكت أيمانهم " في موضع خفض. قوله تعالى: (والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) (11) أربع آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وحده " لامانتهم " على التوحيد. الباقون " لاماناتهم " على الجمع، لقوله " إن الله يأمركم أن تؤدوا الآمانات إلى أهلها " (1) وقرأ ابن كثير ذلك اختيارا ليطابق قوله (وعهدهم). وقرأ حمزة والكسائي (على صلاتهم) على التوحيد، لان الصلاة اسم جنس يقع على القليل والكثير، فكذلك قوله (أمانتهم) والاصل فيه المصدر كالعمل. الباقون (صلواتهم) على الجمع، ومن جمع جعله بمنزلة الاسم، لاختلاف انواعها، لقوله (حافظوا على الصلوات) (2) قال أبو علي النحوي: الجمع أقوى، لانه صار اسما شائعا شرعيا، وقد بينا الوجه فيه. ثم زاد الله تعالى في صفات المؤمنين الذين وصفهم بالفلاح فقال والذين هم لاماناتهم وعهدهم راعون) ومعناه الذين يراعون الامانات التي يؤتمنون عليها ولا


(1) سورة 4 النساء آية 57 (2) سورة 2 البقرة آية 238 (*)

[ 351 ]

يحزنون فيها، ويحفظون ما يعاهدون عليه من الايمان والنذور، فلا يحنثون ولا ينكثون. والمراعات قيام الراعي باصلاح ما يتولاه. ثم قال (والذين هم) على صلواتهم يحافظون) أي لا يضيعونها. ويواظبون على أدائها. وفى تفسير أهل البيت إن معناه: الذين يحافظون على مواقيت الصلوات فيؤدونها في أوقاتها، ولا يؤخرونها حتى يخرج الوقت. وبه قال مسروق وجماعة من المفسرين. وانما أعيد ذكر الصلاة - ههنا - لانه أمر - ههنا - بالمحافظة عليها، كما امر بالخشوع فيها، في ما تقدم، كما أعيد ذكر الفلاح، لانه يجب بالخصال المذكورة بعده كما وجب في - سورة البقرة - (1) بالخصال المذكورة قبله. ثم اخبر تعالى عمن اجتمعت فيه هذه الخصال، فقال " أولئك هم الوارثون " وقيل في معناه قولان: احدهما - انه يؤل أمره إلى النعيم في الجنة، ويملك ما يعطيه الله، كما يؤل أمر الواورث الثاني - روى أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (ما منكم أحد إلا وله منزلان منزل في الجنة ومنزل في النار، فان مات على الضلال ورث منزله أهل الجنة، وإن مات على الايمان، ورث هو منزل اهل النار). وقال مجاهد: يهدم منزله في النار، ثم وصف الله تعالى الوارثين، فقال (الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون) وحقيقة الارث ملك ما يتركه الميت لمن بعده، ممن هو أولى به في حكم الله، فهذا أصله، ثم يشبه به، فيقال: ورث فلان علم فلان أي صار إليه، ومعنى (يرثون الفردوس) اي يصيرون إليها بعد الاحوال المتقدمة. والفردوس البستان الذي يجمع محاسن النبات. وقيل اصله رومي. وقيل: بل هو عربي ووزنه (فعلول) وقيل الفردوس البستان. الذي فيه كرم قال جرير:


(3) انظر 1 / 48 في تفسير آية 5 من سورة البقرة (*)

[ 352 ]

ما بعد يبرين ما باب الفراديس (1) وقال الجبائي (يرثون الفردوس) على التشبيه بالميراث المعروف من جهة الملك الذي ينتهي إليه أمره. قوله تعالى: (ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين (12) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (13) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (14) ثم إنكم بعد ذلك لميتون (15) ثم إنكم يوم القيمة تبعثون) (16) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم " عظما " في الموضعين على التوحيد. الباقون على الجمع. فمن وحد، فلانه اسم جنس يقع على القليل والكثير. ومن جمع، فلقوله " أ إذا كنا عظاما ورفاتا " (2) وقوله " أ إذا كنا عظاما نخرة " (3) وقوله " من يحيي العظام " (4) وما أشبه ذلك.


(1) ديوانه 250 وصدره: (فقلت للرحل إذ جد الرحيل بنا) ويبرين اسم بلد من بلاد بني سعد. وباب الفراديس بدمشق. (2) سورة 17 الاسرى آية 49، 98 (3) سورة 79 النازعات آية 11 (4) سورة 36 يس آية 78 (*)

[ 353 ]

يقول الله تعالى على وجه القسم، انه: خلق " الانسان من سلالة من طين " فقال ابن عباس ومجاهد: المراد بالانسان كل انسان، لانه يرجع إلى آدم الذي خلق من سلالة. وقال قتادة: المراد بالانسان آدم، لانه استل من أديم الارض. وقيل: استل من طين. والسلالة صفوة الشئ التي تخرج منه، كأنها تستل منه. والسلالة صفوة الشئ التي تجري قبل ثفله، وكدره، لانها متقدمة على ثفله، كتقديم السلف والاجر على الآخرة. وقد تسمى النطفة سلالة والولد أيضا سلالة وسليلة. والجمع سلالات، وسلائل، قال الشاعر: وهل كنت إلا مهرة عربية * سليلة أفراس تجللها بغل (1) وقال آخر: فجاءت به عضب الاديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين (2) وقال آخر: يقذفن في أسلابها بالسلائل (3) وقال آخر: إذا نتجت منها المهارى تشابهت * على القود لا بالانوف سلائله (4) وفي الآية دلالة على أن الانسان هو هذا الجسم المشاهد، لانه المخلوق من نطفة، والمستخرج من سلالة، دون ما يذهب إليه قوم: من انه الجوهر البسيط، أو شئ لا يصح عليه النركيب والانقسام، على ما يذهب إليه معمر وغيره.


(1) تفسير القرطبي 12 / 109 والطبري 18 / 6 (2) تفسير الطبري 18 / 6 وتفسير القرطبي 12 / 109 وقد نسبه لحسان، وروايته (حملت) بدل (فجاءت) (3، 4) تفسير الطبري 18 / 6 (ج 7 م 45 من التبيان) (*)

[ 354 ]

وقوله " ثم جعلناه نطفة في قرار مكين " المعنى جعلنا الانسان، وهو من ولد من نسل آدم " نطفة " وهي القطرة من ماء المني التي يخلق الله منها الحيوان، على مجرى العادة في التناسل، فيخلق الله من نطفة الانسان إنسانا ومن نطفة كل حيوان ما هو من جنسه. ومعنى " مكين " أي مكين لذاك، بأن هيئ لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له. وقوله " ثم خلقنا النطفة علقة " فالعلقة القطعة من الدم إذا كانت جامدة، فبين الله تعالى أنه يصير تلك النطفة علقة، ثم يجعل العلقة مضغة، وهي القطعة من اللحم. ثم اخبر انه يجعل المضغة " عظاما ". وقرئ " عظما " وهي قراءة ابن عامر وأبي بكر عن عاصم. فمن قرأ " عظاما " أراد ما في الانسان من أقطاع العظم. ومن قرأ " عظما " فلانه اسم جنس يدل على ذلك. ثم بين تعالى انه يكسو تلك " العظام لحما " ينشئه فوقها، كما تكسى الكسوة. وقوله ثم " انشأناه خلقا آخر " يعني بنفخ الروح فيه - في قول ابن عباس ومجاهد - وقيل: نبات الاسنان والشعر، واعطاء العقل والفهم. وقيل " خلقا آخر " معناه ذكر أو انثى. ثم قال " فتبارك الله أحسن الخالقين " ومعنى (تبارك) استحق التعظيم بأنه قديم لم يزل، ولا يزال، وهو مأخوذ من البروك، وهو الثبوت. وقوله " احسن الخالقين " فيه دلالة على ان الانسان قد يخلق على الحقيقة، لانه لو لم يوصف بخالق إلا الله، لما كان لقوله " أحسن الخالقين " معنى. وأصل الخلق التقدير، كما قال الشاعر: ولانت تفري ما خلقت وبع‍ * ض القوم يخلق ثم لا يفري (1) ثم خاطب الخلق. فقال (ثم إنكم) معاشر الخلق بعد هذا الخلق والاحياء


(1) * مر تخريجه في 6 / 369 (*)

[ 355 ]

(لميتون) أي تموتون عند انقضاء آجالكم. يقولون لمن لم يمت ويصح عليه الموت: ميت ومائت. ولا يقولون لمن مات: مائت. وكذلك في نظائره سيد وسائد. وقوله (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) أي تحشرون إلى الموقف والحساب والجزاء بعد أن كنتم أمواتا، ولا يدل ذلك على أنه لايحييهم في القبور للمسألة، لان قوله: انه يميتهم عند فناء آجالهم ويبعثهم يوم القيامة، لا يمنع من أن يحييهم فيما بين ذلك، ألا ترى أن القائل لو قال: دخلت بغداد في سنة مئة. وخرجت منها في سنة عشر ومئة، لم يدل على أنه لم يخرج فيما بينهما وعاد، فكذلك الآية. على ان الله تعالى اخبر انه أحيا قوما، فقال لهم الله موتوا، ثم أحياهم، فلابد من تقدير ما قلناه للجميع. وفيه دلالة على بطلان قول معمر، والنظام في الانسان. قوله تعالى: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (17) وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الارض وإنا على ذهاب به لقادرون (18) فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (19) وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للاكلين) (20) أربع آيات بلا خلاف. قرأ اين كثير ونافع وابو عمرو " سيناء " بكسر السين، ولم يصرف، لانه إسم البقعة. الباقون بفتح السين. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " تنبت " بضم التاء (*)

[ 356 ]

وكسر الباء. الباقون بفتح التاء وضم الياء. من كسر السين من " سيناء "، فلقوله " طور سينين " (1) والسيناء الحسن، وكل جبل ينبت الثمار فهو سينين. ومن فتح السين، فلانه لغتان. وأصله سرياني، ومن فتح السين لا يصرفه في المعرفة ولا النكرة، لان الهمزة في هذا البناء لا تكون إلا للتأنيث، ولا تكون للالحلاق، لان (فعلال) لا يكون إلا في المضاعف مثل (الزلزال والقلقال) ومن كسر السين، فالهمزة عنده منقلبة عن الياء ك‍ (علياء، وحوباء) وهي التي تظهر في قولك (سيناية) لما بنيت للتأنيث. وانما لم يصرف على هذا القول، وإن كان غير مؤنث، لانه جعل اسم بقعة أو ارض، فصار بمنزلة امرأة سميت ب‍ (جعفر). ومن ضم التاء من " تنبت " لم يعده بالباء، وأراد تنبت الدهن. قال أبو علي الفارسي: ويحتمل أن يكون الباء متعلقا بغير هذا الفعل الظاهر، وتقدر مفعولا محذوفا، وتقديره: تنبت ثمرها وفيها دهن وصبغ. ومن فتح التاء عدى الفعل بالباء. كقولهم: ذهبت يزيد وأذهبت زيدا، ويجوز أن يكون الباء في موضع الحال، ولايكون للتعدي. مثل ما قلناه في الوجه الاول وتقديره تنبت وفيها دهن. يقول الله تعالى " ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق " يعني سبع سماوات، خلقها الله فوق الخلائق، وسماها طرائق، لان كل طبقة طريقة. وقال الجبائي: لانها طرائق للملائكة، وقال ابن زيد: الطرائق السماوات الطباق. وقال الحسن: ما بين كل سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام وكذلك ما بين السماء والارض. وقوله " وما كنا عن الخلق غافلين " معناه ما كنا غافلين ان ينزل عليهم ما يحييهم من المطر. ويحتمل أن يكون أراد ما كنا غافلين عن أفعالهم، وما يستحقون بها من الثواب والعقاب، بل نحن عالمون بجميع ذلك. وقيل " وما كنا عن الخلق


(1) سورة 95 التين آية 2 (*)

[ 357 ]

غافلين " بل كنا حافظين للسماء من أن تسقط عليهم، فتهلكهم. والغفلة ذهاب المعنى عن النفس. ومثله السهو، فالعالم لنفسه لا يجوز عليه الغفلة، لانه لا شئ إلا وهو عالم به. وإنما ذكر الغفلة بعد الطرائق، لان من جاز عليه الغفلة عن العباد جاز عليه الغفلة عن الطرائق التي فوقهم، فتسقط عليهم، فأمسك الله تعالى طرائق السموات أن تقع على الارض إلا باذنه. ولولا إمساكه لها لم تقف طرفة عين. وقوله " وأنزلنا من السماء ماء بقدر " أي أنزلنا المطر والغيث بقدر الحاجة، لا يزيد على قدر الحاجة، فيفسد، ولا ينقص عنها فيهلك، بل وفق الحاجة. وقوله " فاسكناه في الارض " يعني انه تعالى أسكن الماء المنزل من السماء في الارض واثبته في العيون والاودية. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (أربعة أنهار من الجنة: النيل، والفرات، وسيحان، وجيحان). ثم قال تعالى " وإنا على ذهاب به لقادرون " لا يعجزنا عن ذلك شئ، ولو فعلناه لهلك جميع الحيوان، فنبههم بذلك على عظم نعمة الله على خلقه، بانزال الماء من السماء. ثم اخبر تعالى انه ينشئ للخلق بذلك الماء (جنات) وهي البساتين (من نخيل وأعناب) لتنتفعوا بها معاشر الخلق (لكم فيها فواكه كثيرة) تفكهون بها (ومنها تأكلون) وانما خص النخيل والاعناب، لانها ثمار الحجاز، من المدنية والطائف. فذكرهم الله تعالى بالنعم التي يعرفونها. وقوله (وشجرة تخرج من طور سيناء) انما خص الشجرة التي تخرج من طور سيناء، لما في ذلك من العبرة، بأنه لا يتعاهدها إنسان بالسقي، ولا يراعيها احد من العباد، تخرج الثمرة التي يكون فيها الدهن الذي تعظم الفائدة وتكثر المنفعة به. وسيناء البركة، كأنه قال جبل البركة - وهو قول ابن عباس ومجاهد - وقال قتادة

[ 358 ]

والضحاك: معناه الحسن. وقال ابن عباس: طور سيناء إسم الجبل الذي نودي منه موسى (ع) وهو كثير الشجر قال العجاج: دانى جناحيه من الطور فمر (1) وقيل يحتمل ان يكون (سيناء: فيعالا) من السنة، وهو الارتفاع. والشجرة قيل انها شجرة الزيتون. وقوله (تنبت بالدهن) أي تنبت ثمرها بالدهن. ومن فتح التاء فمعناه تنبت بثمر الدهن. وقيل نبت وأنبت لغتان قال زهير: رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطينا بها حتى إذا أنبت البقل (2) وقيل الباء زائدة، والمعنى تنبت ثمر الدهن، كما قال الراجز: نحن بنو جعدة أرباب الفلج * نضرب بالبيض ونرجوا بالفرج (3) أي نرجوا الفرج. وقوله (وصبغ للآكلين) أي وجعلناه مما يتأدم به الانسان ويصطبغون به من الزيت والزيتون. والاصطباغ ان يغمز فيه ثم يخرجه ويأكله. قوله تعالى: (وإن لكم في الانعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (21) وعليها وعلى الفلك تحملون (22) ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملؤ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو


(1) مر هذا الرجز في 1 / 286 (2) ديوانه (دار بيروت) 62 (3) تفسير الطبري 18 / 10 والقرطبي 12 / 115 (*)

[ 359 ]

شاء الله لانزل ملئكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الاولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين) (25) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن عامر ونافع وابو بكر عن عاصم " نسقيكم " بفتح النون. الباقون بضمها. قال بعضهم: هم لغتان سقيت وأسقيت، قال الشاعر: سقى قومي بني مجد واسقي * نميرا والقبائل من هلال (1) ولا يجوز ان يكون المراد في البيت (وأسقى) مثل قوله " وأسقيناكم ماء فراتا " (2) لانه لا يكون قد دعا لقومه وخاصته بدون ما دعا للاجنبي البعيد عنه. والصحيح ان سقيت للشفة واسقيت للانهار والانعام تقول: دعوت الله ان يسقيه. ومن قرأ بضم النون أراد: انا جعلنا ما في ضروعها من الالبان سقيا لكم، كما يقال: أسقيناهم نهرا إذا جعلته سقيا لهم، وهذا كأنه اعم، لان ما هو سقيا لا يمتنع أن يكون للشفة، وما يكون للشفة - فقط - يمتنع أن يكون سقيا. وما أسقانا الله من البان الانعام أكثر مما يكون للشفة ومن فتح النون جعل ذلك مختصا به الشفاه دون المزارع والمراعي، فلم يكن مثل الماء في قوله " فأسقينا كموه " (3) وقوله " وأسقيناكم ماء فراتا " لان ذلك يصلح للامرين، ومن ثم قال " وسقاهم ربهم شرابا طهورا " (4) وانما قال ههنا " مما في بطونها " وفي النحل " بطونه " (5) لانه إذا أنث، فلا كلام لرجوع ذلك إلى الانعام. وإذا ذكر فلان النعم والانعام بمعنى واحد، ولئن التقدير:


(1) مر تخريجه في 6 / 399 " 2 " سورة 77 المرسلات آية 27 " 3 " سورة 15 الحجر آية 22 " 4 " سورة 76 الدهر آية 21 (5) سورة 16 النحل آية 66 (*)

[ 360 ]

ونسقيكم من بعض ما في بطونه. يقول الله تعالى " وإن لكم " معاشر العقلاء " في الانعام " وهي الماشية التي تمشي على نعمة في مشيها، خلاف الحافر في وطئها، وهي الابل والبقر والغنم (لعبرة) يعني دلالة تستدلون بها على توحيد الله، وصفاته التي يختص بها دون سواه. وقوله (نسقيكم مما في بطونها) فالسقي اعطاء ما يصلح للشرب، فلما كان الله تعالى قد أعطى العباد ألبان الانعام، باجرائه في ضروعها، وتمكينهم منها، من غير حظر لها، كان قد سقاهم اياها. ثم قال (ولكم فيها) يعني في الانعام " منافع كثيرة " ولذات عظيمة، ببيعها والتصرف فيها وأكل لحومها، وشرب ألبانها، وغير ذلك من الانتفاع باصوافها وأوبارها، واشعارها، وغير ذلك (ومنها تأكلون) يعني اللحم، وغيره من الالبان وما يعمل منها. ثم قال: ومن منافعها انكم تحملون عليها الاثقال في اسفاركم بأن تركبوها وتحملوا عليها اثقالكم. ومثل ذلك على الفلك، وهي السفن. ثم اقسم تعالى انه أرسل نوحا إلى قومه، يدعوهم إلى الله، ويقول لهم (اعبدوا الله) وحده لا شريك له، فانه لا معبود لكم غيره. ويحذرهم من عقابه، ويقول (أفلا تتقون) نقمة الله بالاشراك معه في العبادة. ثم حكى أن الملا وهم - جماعة اشراف قومه - الكفار، قال بعضهم لبعض: ليس نوح هذا إلا مخلوقا مثلكم، وبشر مثلكم، وليس بملك (يريد أن يتفضل عليكم) فيسودكم ويترأسكم وان يكون افضل منكم " ولو شاء الله " ما قاله من توحيده واختصاصه بالعبادة (لانزل ملائكة) عليكم يدعونكم إلى ذلك. ثم قالوا " ما سمعنا بهذا " يعني بما قال نوح، وبمثل دعوته. وقيل بمثله بشرا أتى برسالة من ربه في اسلافنا الماضين وابائنا واجدادنا الذين تقدمونا. ثم قالوا: (إن هو الا رجل به جنة) اي ليس

[ 361 ]

هذا - يعنون نوحا - إلا رجلا به جنة أي تعتاده غمرة تنفي عقله حتى يتخيل إليه ما يقوله ويخرجه عن حال الصحة وكمال العقل، فكان اشراف قومه يصدون الناس عن اتباعه، بما حكى الله عنهم، وقالوا: انه لمجنون يأتي بجنونه بمثل هذا. ويحتمل أن يكونوا أرادوا كأنه في طعمه فيما يدعو إليه مجنون. ثم قال بعضهم لبعض: (تربصوا به حتى حين) اي إلى وقت ما، كأنهم قالوا لهم تربصوا به الهلاك وتوقعوه. قوله تعالى: (قال رب انصرني بما كذبون (26) فأوحينا إليه أن اصنع الفلك باعيننا ووحينا فإذا جاء أمرنا وفار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون (27) فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك فقل الحمد لله الذي نجينا من القوم الظالمين (28) وقل رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين (29) إن في ذلك لايات وإن كنا لمبتلين) (30) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو بكر عاصم (منزلا) بفتح الميم. الباقون بضمها. من فتح الميم جعله اسم المكان أو مصدرا ثلاثيا. ومن ضم الميم، فلانه مصدر (أنزل إنزالا) (ج 7 م 46 من التبيان)

[ 362 ]

لقوله (انزلني) ومثله (ادخلني مدخل صدق) (1) ولو قرئ. (وأنت خير المنزلين) لكان صوابا بتقدير أنت خير المنزلين به، كما تقول: أنزلت حوائجي بك. وقرا حفص عن عاصم (من كل زوجين) منونا على تقدير اسلك فيها زوجين اثنين من كل، اي من كل جنس، ومن كل الحيوان، كما قال تعالى (ولكل وجهة) اي لكل انسان قبلة (هو موليها (2)) لان (كلا، وبعضا) يقتضيان مضافا إليهما. الباقون بالاضافة إلى (زوجين) ونصب (اثنين) على انه مفعول به يقول الله تعالى ان نوحا (ع) لما نسبه قومه إلى الجنة، وذهاب العقل، ولم يقبلوا منه، دعا الله تعالى، فقال " رب انصرني بما كذبون " أي اعني عليهم، فالنصرة المعونة على العدو. فأجاب الله تعالى دعاءه. وأهلك عدوه، فأغرقهم ونجاه من بينهم بمن معه من المؤمنين. وقوله " بما كذبون " يقتضي أن يكون دعا عليهم بالاهلاك جزاء على تكذيبهم إياه. فقال الله تعالى انا " أوحينا إليه أن اصنع الفلك " وهو السفينة " باعيننا " وقيل في معناه قولان: احدهما - بحيث نراها، كما يراها الرائي من عبادنا بعينه، ليتذكر انه يصنعها، والله (عز وجل) يراه. الثاني - بأعين أوليائنا من الملائكة والمؤمنين، فانهم يحرسونك من منع مانع لك. وقوله " ووحينا " أي باعلامنا إياك كيفية فعلها. وقوله " فإذا جاء أمرنا " يعني إذا جاء وقت اهلاكنا لهم " وفار التنور " روي انه كان جعل الله تعالى علامة


(1) سورة 17 الاسراء آية 80 (2) سورة 2 البقرة آية 148 (*)

[ 363 ]

وقت الاهلاك فوران التنور بالماء. فقال له: إذا جاء ذلك الوقت " فاسلك فيها " يعني في السفينة، وكان فوران الماء من التنور المسجور بالنار، معجزة لنوح (ع) ودلالة على صدقه، وأكثر المفسرين على أنها التنور التي يخبز فيها. وروي عن علي (ع) انه أراد طلوع الفجر. ويقال: سلكته وأسلكته، فيه لغتان، كما قال الشاعر: وكنت لزاز خصمك لم أعرد * وقد سلكوك في يوم عصيب (1) وقال الهذلي: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا (2) وقيل: سلكته فيه حذف، لان تقديره سلكت به فيه. ومعنى " فأسلك فيها " احمل فيها وادخل إلى السفينة " من كل زوجين اثنين " أي من كل زوجين، من الحيوان. اثنين: ذكرا وانثى. والزوج واحد له قرين من جنسه وقوله " واهلك " أي اجمل اهلك معهم، يعني الذين آمنوا معك (إلا من سبق عليه القول) بالاهلاك منهم (ولا تخاطبني في الذين ظلموا) اي لا تسلني في الظالمين أنفسهم بالاشراك معي ف‍ (إنهم مغرقون) هالكون. ثم قال له (فإذا استويت انت) يا نوح (ومن معك على الفلك) واستقررتم فيه وعلوتم عليه، وتمكنتم منه فقل شكرا لله (الحمد لله الذيي نجانا) وخلصنا (من القوم الظالمين) لنفوسهم بجحدهم توحيد الله. وقل داعيا (رب أنزلني منزلا مباركا وانت خير المنزلين) وقال الجبائي: المنزل المبارك هو السفينة. وقال مجاهد: قال ذلك حين خرج من السفينة. وقال الحسن: كان في السفينة. سبعة انفس من المؤمنين، ونوح ثامنهم. وقيل: ستة. وقيل:


(1) انظر 6 / 38، 321 (2) مر تخريجه في 1 / 128، 149 و 6 / 322، 459 (*)

[ 364 ]

ثمانين. وقيل: انه هلك كل ما كان على وجه الارض إلا من نجامع نوح في السفينة. وقال الحسن: كان طول السفينة الفا ومئتي ذراع، وعرضها ستمائة ذراع. وكانت مطبقة تسير بين ماء السماء وبين ماء الارض. ثم قال تعالى (ان في ذلك) يعني فيما اخبرناك به وقصصنا عليك (لآيات) ودلالات للعقلاء، يستدلون بها على توحيد الله وصفاته (وإن كنا لمبتلين) أي وإن كنا مختبرين عبادنا بالاستدلال على خالقهم بهذه الآيات، ومعرفته وشكره على نعمه عليهم، وبعبادته وطاعته وتصديق رسله. قوله تعالى: (ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين (31) فارسلنا فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (32) وقال الملا من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الاخرة وأترفناهم في الحيوة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون (33) ولئن أطعتم بشرا مثلكم إنكم إذا لخاسرون (34) أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون (35) هيهات هيهات لما توعدون) (36) ست آيات بلا خلاف. قرأ أبو جعفر (هيهات هيهات) بكسر التاء. الباقون بفتحها. ولا خلاف

[ 365 ]

في ترك التنوين فيهما. يقول الله تعالى (انا انشانا) واخترعنا، من بعد إهلاك قوم نوح بالطوفان (قوما آخرين) والانشاء والاختراع واحد، وكلما يفعل الله تعالى، فهو إنشاء واختراع. وقد يفعل الله تعالى الفعل عن سبب بحسب ما تقتضيه المصلحة. والقرن أهل العصر لمقارنة بعضهم لبعض، ومنه قرن الكبش لمقارنته القرن الآخر، ومنه القرينة، وهي الدلالة التي تقارن الكلام. وقوله " فارسلنا فيهم رسولا منهم " اخبار منه تعالى انه أرسل رسولا في القرن الذي انشاهم من بعد قوم نوح. وقال قوم: هو صالح وقيل: هود، لانه المرسل بعد نوح " ان اعبدو الله ما لكم من اله غيره " أي ارسلناه بأن يقول لهم: اعبدوا الله وحده لا شريك له. ويقول لهم: مالكم معبود سواه، وأن يخوفهم إذا خالفوه. ويقول لهم " أفلا تتقون " عذاب الله، واهلاكه بارتكاب معاصيه، فموضع (أن) من الاعراب نصب. وتقديره بأن اعبدوا الله، فلما حذفت الباء نصب ب‍ (أرسلنا). وقوله " وقال الملا من قومه " يعني - الاشراف، ووجوههم - قالوا لغيرهم " الذين كفروا " بالله وكذبوا بآياته وحججه وبيناته، وجحدوا " وكذبوا بلقاء الآخرة " والبعث والنشور يوم القيامة. وقوله " واترفناهم في الحياة الدنيا " والاتراف التنعم بضروب الملاذ، وذلك أن التنعيم قد يكون بنعيم العيش، وقد يكون بنعيم الملبس، فالاتراف بنعيم العيش قال الراجز: وقد أراني بالديار مترفا وقوله " ما هذا إلا بشر مثلكم " أي ليس هذا الذي يدعي النبوة من قبل الله إلا بشرا مثلكم " يأكل مما تأكلون منه " من الاطعمة " ويشرب مما تشربون منه " من الاشربة. ثم قالوا لهم " لئن أطعتم بشرا مثلكم " وعلى هيئتكم وأحوالكم " إنكم

[ 366 ]

إذا لخاسرون " فجعلوا اتباع الرسول خسرانا، لانه بشر مثلهم، ولم يجعلوا عبادة الصنم خسرانا، لانه جسم مثلهم، وهذا مناقضة ظاهرة. ثم حكى انهم قالوا لغيرهم " ايعدكم " هذا الذي يدعي النبوة من قبل الله " أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما " ورفاتا " انكم مخرجون " وقيل في خبر (ان) الاول قولان: احدهما - انه قوله (مخرجون) وتكون الثانية للتأكيد. والثاني - ان يكون الخبر الجملة، وتقديره: أيعدكم انكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما إخراجكم. ونظير تكرير (ان) قوله " ألم يعلموا انه من يحادد الله ورسوله فان له نار جهنم " (1) يعني فله نار جهنم - ذكره الزجاج - إلا ان هذه الثانية عملت في غير ما عملت فيه الاولى. وإنما هي بمنزلة المكرر في المعنى. وموضع " انكم " الاولى نصب، وتقديره: ايعدكم بأنكم. وموضع (ان) الثانية كموضع الاولى، وانما ذكرت تأكيدا، والمعنى: أيعدكم أنكم تخرجون إذا متم، فلما بعد ما بين (ان) الاولى، والثانية بقوله " إذا كنتم ترابا وعظاما " أعيد ذكر (أن). ثم قالوا لهم " هيهات هيهات لما توعون " من البعث، والنشور، والجزاء بالثواب والعقاب. ومعنى " هيهات " بعد الامر جدا حتى امتنع، وهو بمنزلة صه. ومه) إلا ان هذه الاصوات الاغلب عليها الأمر والنهي وهذا في الخبر ونظيره (شتان) أي بعدما بينهما جدا، وانما لم تتمكن هذه الاصوات في الاسماء يخروجها إلى شبه الافعال التي هي معانيها، وليست مع ذلك افعالا، لانه لا يضمر فيها، ولا لها تصرف الافعال في أصلها، وانما جعلت هكذا، للافهام بما تفهم به البهيمة من الزجر بالاصوات، على هذه الجملة. وقال ابن عباس: معنى (هيهات)


(1) سورة 9 التوبة آية 64 (*)

[ 367 ]

بعيد بعيد. والعرب تقول: (هيهات) لما تبغي، وهيهات ما تبعي، قال جرير: فهيهات هيهات العقيق ومن به * وهيهات وصل بالعقيق نواصله (1) ويروى أيهات. وكان الكسائي: يقف بالهاء، فيقول: هيهاة، على قياس هاء التأنيث في الواحد زائدة نحو (علقاة) واختار الفراء الوقف بالتاء، لان قبلها ساكنا، فصارت كما تقول: بنت وأخت. قال: ولان من العرب من يخفض التاء، فدل ذلك على انها ليست بهاء التأنيث، وانما هي بمنزلة دراك، ونظار ماله. ومن وقف بالهاء جعلها كالادارة وقال الزجاج: يجوز هيهات وهيهتا وهيهاتا بالتنوين، وترك التنوين. قال الاخفش: يجوز فتح التاء وكسرها ومنهم من يجعل بدل الهاء همزة، فيقول: أيهات، وهي لغة تميم، غير انهم يكسرون التاء. ومن العرب من إذا جعلها في موضع إسم قال: لم أره مذ أيهات من النهار - بضم التاء - وتنوينها. ومنهم من يجعل مكان التاء نونا، فيقول: ايهان واحدها أيها، قال الشاعر: ومن دوني الاعيار والقيع كله * وكتمان أيهانا أشت وأبعدا (2) قوله تعالى: (إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين (37) إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا وما نحن له بمؤمنين (38) قال رب انصرني بما كذبون (39) قال عما قليل ليصبحن نادمين) (40) أربع آيات بلا خلاف. حكى الله تعالى عن الملا الذين قالوا " هيهات هيهات لما توعدون " لقومهم


(1) ديوانه 385 " دار بيروت " (2) تفسير القرطبي 12 / 123 (*)

[ 368 ]

الذين أغووهم، وقالوا أيضا ليست الحياة " إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين " أي لسنا نبعث يوم القيامة على ما يقول هذا المدعي للنبوة من قبل الله. ومعنى " نموت ونحيا " أي يموت منا قوم ويحيا قوم، لانهم لم يكونوا يقرون بالنشأة الثانية، فلذلك قالوه على هذا الوجه، وشبههتم في انكار البعث طول المدة في القرون الخالية، فظنوا أنه ابدا على تلك الصفة، وهذا أبلغ، لانه إذا اقتضت الحكمة طول المدة لما في ذلك من المصلحة للمكلفين، فلا بد منه، لان الحكيم لا يخالف مقتضى الحكمة، فقال النبي المرسل عند ذلك يا " رب انصرني بما كذبون " أي اهلك هؤلاء جزاء على تكذيبي ونصرة لي، ومعونة على صحة قولي. فقال الله تعالى له " عما قليل " أي عن قليل و (ما) زائدة " ليصبحن " هؤلاء القوم " نادمين " على ما فعلوه من تكذيب الرسل، وجحد وحداينة الله، والاشراك مع الله في عبادته غيره واللام في قوله " ليصبحن " لام القسم يجوز أن يقدم ما بعدها عليها وتقدير الكلام: ليصبحن هؤلاء نادمين عن قليل. قوله تعالى: (فأخذتهم الصيحة بالحق فجعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين (41) ثم أنشأنا من بعدهم قرونا آخرين (42) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون (43) ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (44) ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون (45) باياتنا وسلطان مبين (46) إلى فرعون وملائه فاستكبروا وكانوا قوما

[ 369 ]

عالين (47) ست آيات في الكوفي والبصري، وسبع في المدنيين، عدوا قوله ثم أرسلنا موسى وأخاه هرون " آية. لما قال الله تعالى لصالح (ع) انه عما قليل يصبح هؤلاء الكفار نادمين، على ما فعلوا. حكى الله أنهم " أخذتهم الصيحة بالحق " والصيحة الصوت الشديد الذي يفزع منها، فأهلك الله تعالى (ثمود) بالصيحة وهي صيحة تصدعت منها القلوب. وقوله " بالحق " معناه على وجه الحق، وهو أخذهم بالعذاب من أجل ظلمهم، باذن ربهم وهو وجه الحق. ولو أخذوا بغير هذا، لكان أخذا بالباطل، وهو كأخذ كل واحد بذنب غيره. وقوله " فجعلناهم غثاء " فالغثاء القش الذي يجئ به السيل على رأس الماء: قصب وحشيش وعيدان شجر وغير ذلك. وقيل: الغثاء البالي من ورق الشجر، إذا جرى السيل رأيته مخالطا زبده. وقوله " فبعدا لقوم لا يؤمنون " معناه بعدا لهم من الرحمة، وهي كاللعنة التي هي ابعاد من رحمة الله، وقالوا في الدعاء على الشئ: بعدا له، ولم يقولوا في الدعاء له قربا له أي من الرحمة لانهم طلبوا الانغماس في الرحمة، فتركوا التقابل لهذه العلة. وقال ابن عباس ومجاهد. وقتادة: الغثاء المتفتت البالي من الشجر يحمله السيل. وقيل: ان الله بعث ملكا صاح بهم صيحة ماتوا عندها عن آخرهم. ثم اخبر تعالى فقال " وانشأنا من بعدهم " يعني بعد هؤلاء الذين أهلكهم بالصيحة " قرونا " أي أمما " آخرين " واخبر انه " ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون " وهذا وعيد لهؤلاء المشركين، ومعناه إن كل أمة لها أجل ووقت (ج 7 م 47 من التبيان)

[ 370 ]

مقدر قدره الله لها إذا بلغته لا تؤخر عنه ولا تقدم عليه، بل تهلك عنده. والاجل: هو الوقت المضروب لحدوث أمر من الامور، وليس الاجل الوقت المعلوم أنه يحدث فيه أمر من الامور، لان التأجيل فعل يكون به الوقت أجلا لامر، وما في المعلوم ليس بفعل. والاجل المحتوم لا يتأخر ولا يتقدم. والاجل المشروط بحسب الشرط. والمعنى في الاجل المذكور - في الآية - الاجل المحتوم. ثم اخبر تعالى انه ارسل بعد ان أهلك من ذكره (رسلا تترا) وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالتنوين. الباقون بغير تنوين، ولا خلاف في الوقف انه بألف. فمن نون لم يمل في الوقف، ومن لم ينون فمنهم من يميل، ومنهم من لا يميل. والمواترة المتابعة. وقيل: هي المواصلة يقال: واترت بين الخبرين أي تابعت بينهما. وقال ابن عباس ومجاهد، وابن زيد: معنى " تترا " أي متواترين يتبع بعضهم بعضا، وهي (فعلى) من المواترة فمن صرفها جعل الالف للالحاق، ومن لم يصرفها للتأنيث، ويقال: جاءت كتبه تترى. وأصل (تترى، وترى) من وترت، فقلبت الواو تاء لكراهتهم الواو أولا، حتى لم يزيدوها هناك البتة مع شبهها بالتاء في اتساع المخرج، والقرب في الموضع. وأصله في المعنى الاتصال، فمنه الوتر الفرد عن الجمع المتصل، ومنه الوتر لاتصاله بمكانه من القوس. ومنه وترت الرجل أي قطعته بعد اتصال. ثم اخبر تعالى انه " كلما جاء أمة رسولها " الذي بعثه الله إليهم " كذبوه " ولم يقروا بنبوته. وقوله " فاتبعنا بعضهم بعضا " يعني في الاهلاك أي أهلاكنا قوما بعد قوم " وجعلناهم أحاديث " يتحدثون بهم على وجه المثل في الشر، وهو جمع احدوثة. ولا يقال في الخيرلان الناس يفسرون في الحديث بأسباب الشر أكثر وأغلب. ثم قال تعالى " فبعدا " من رحمة الله ورسوله " لقوم لا يؤمنون " أي

[ 371 ]

لا يصدقون بواحدنيته فيقرون بالبعث والنشور والجزاء. ثم اخبر تعالى انه أرسل - بعد إهلاك من ذكره - " موسى وهارون " نبيين " بآياتنا وسلطان مبين " بأدلة من الله وحجج ظاهرة " إلى فرعون وملائه " يعني قومه " فاستكبروا وكانو قوما عالين " والملا الجماعة التي تملا الصدر هيبتهم، وهم أشراف القوم ورؤساؤهم، وخصوا بالذكر، لان من دونهم أتباع لهم. فلما استكبروا وردوا دعوة الحق تبعهم غيرهم ممن هو دونهم. وقوله " فاستكبروا " أي تكبروا وتجبروا عن الاجابة لهما، وطلبوا بذلك الكبر، فكل مستكبر من العباد جاهل، لانه يطلب أن يعظم بما فوق العبد، وهو عبد لله مملوك يلزمه التذلل له والخضوع، فهي صفة ذم للعبد. وكذلك جبار ومتجبر، وهو مدح في صفات الله تعالى، لان صفته تجل عن صفات المخلوقين، وتعلو فوق كل صفة. وقوله " وكانوا قوما عالين " أي كانوا قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم ولهذا كانت صفة ذم. والعالي القاهر القادر الذي مقدوره فوق مقدور غيره لعظمه يقال: علا فلان إذا ترفع وطغا وتجاوز، ومنه قوله " ألا تعلوا علي " (1) وقوله " إن فرعون علا في الارض " (2) وقوله " قد أفلح اليوم من استعلى " (3) أي من علا على صاحبه وقهره بالحجة. قوله تعالى: (فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون (48) فكذبوهما فكانوا من المهلكين (49) ولقد آتينا موسى الكتاب


(1) سورة 27 النمل آية 31 (2) سورة 28 القصص آية 4 (3) سورة 20 طه آية 64 (*)

[ 372 ]

لعلهم يهتدون (50) وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين (51) أربع آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى حكاية عن فرعون وقومه بعد ما أخبر عنهم بالاستكبار، والعلو على موسى وهارون، وترك اجابتهما انهم " قالوا أنؤمن " أي نصدق " لبشرين مثلنا " أي انسانين خلقهم مثل خلقنا، وسمي الانسان بشرا، لانكشاف بشرته، وهي جلدته الظاهرة، حتى احتاج إلى لباس يكنه، لان غيره من الحيوان مغطى البشرة بريش أو صوف أو شعر أو وبر أو صدف، لطفا من الله تعالى لهم إذ لم يكن هناك عقل يدبر أمره مع حاجته إلى ما يكنه. وهدى الانسان إلى ما يستغني به في هذا الباب. وقوله " وقومهما لنا عابدين " معناه انهم لنا مطيعون طاعة العبد لمولاه. وقال قوم: معناه إنهم يذلون لنا ويخضعون. وقال أبو عبيدة: كل من دان لملك، فهو عابد له، ومنه سمي أهل الحيرة العباد، لانهم كانوا يطيعون ملوك العجم. قال الحسن: كان بنوا إسرائيل يعبدون فرعون. وفرعون يعبد الاوثان. ثم اخبر عنهم انهم كذبوا موسى وهارون، فكان عاقبة تكذيبهما أن اهلكهم الله وغرقهم. والاهلاك إلقاء الشئ بحيث لا يحس به، فهؤلاء هلكوا بالعذاب ويقال للميت: هالك من هذا المعنى. ثم اقسم تعالى انه آتى موسى الكتاب يعني التوراة التى فيها ما يحتاجون إليه لكي يهتدوا إلى طريق الحق، من معرفة الله وخلع الانداد. وقوله " وجعلنا ابن مريم وأمه آية " معناه جعلناهما حجة، على أنه تعالى قادر على اختراع الاجسام من غير شئ، كما اخترع عيسى من غير أب. والاية - ههنا - في عيسى (ع) أنه ولد من غير فحل، ونطق في المهد. وفى أمه أنها حملته

[ 373 ]

من غير ذكر وبرأها كلامه في المهد من الفاحشة. وقوله " وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " يقال: آوى إليه يأوي، وآواه غيره ويؤويه ايواء أي جعله مأوى له. (والربوة) المكان المرتفع على ما حوله، ويجوز ضم الراء وفتحها وكسرها، وبالفتح قرأ عاصم وابن عامر. الباقون بالضم أيضا. ولم يقرأ احد بالجر. ويقال: رباوة بفتح الراء وكسرها والف بعد الباء. فصار خمس لغات. والربوة التي أويا إليها هي الرملة - في قول ابي هريرة - وقال سعيد بن المسيب: هي دمشق، وقال ابن زيد: هي مصر. وقال قتادة هي بيت المقدس. وقال أبو عبيدة: يقال: فلان في ربوة من قومه أي في عز وشرف، وعدد. وقوله " ذات قرار " أي تلك الربوة لها ساحة وسعة أسفل منها. و " ذات معين " أي ماء جار، ظاهر بينهم. وقيل: معنى " ذات قرار " ذات استواء يستقر عليه. ومعين ماء جار ظاهر للعيون - في قول سعيد والضحاك - وقال قتادة " ذات قرار " ذات ثمار، ذهب إلى انه لاجل الثمار يستقر فيها ساكنوها. ومعين (مفعول) من عنته اعينه، ويجوز أن يكون (فعيلا) من معن يمعن، وهو الماعون، وهي الشئ القليل - في قول الزجاج - قال الراعي: قوم على الاسلام لما يمنعوا * ما عونهم ويبدلوا التنزيلا قيل معناه وفدهم. وقيل: زكاتهم. وأمعن في كذا إذا لم يترك منه إلا القليل. وقال الفراء: المعن الاستقامة. قال عبيد بن الابرص: واهية أو معين ممعن * أو هضبة دونها لهوب (1) واحدها لهب، وهو شق في الجبل، واهية أي وهت. ومطر ممعن أي مار.


(1) ديوانه " دار بيروت " 25 (*)

[ 374 ]

قوله تعالى: (يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (52) وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (53) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (54) فذرهم في غمرتهم حتى حين (55) أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (56) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (57) ست آيات. قرأ اهل الكوفة وابن عامر (وإن) بكسر الهمزة، وخفف ابن عامر النون وسكنها. وقرأ الباقون بفتح الهمزة مشددة النون. قال قوم: هذا خطاب لعيسى (ع) حكاه الله تعالى، قالوا: وذلك لما جرى ذكره كأنه قال: يا عيسى " كلوا من الطيبات " وقال: آخرون: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله خاصة خاطبه بلفظ الجمع، كما يقال للرجل الواحد: أيها القوم كفوا عنا. وقال قوم: لما ذكر بعض الانبياء، كأنه قال: وقلنا لهم " يا ايها الرسل كلوا من الطيبات " والاكل تناول الطعام بالفم، ومضغه وابتلاعه. وصورة " كلوا " صورة الامر، والمراد به الاباحة. وأصل " كلوا " أؤ كلوا، فحذفت الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال. والمعنى مفهوم، لانه من الاكل. و (الطيبات) الحلال، وقيل: هو المستلذ. فعلى الوجه الاول يكون أمرا بنفل. لان تقديره كلوا من الحلال على الوجه الذي يستحق به الحمد. وعلى الثاني يكون على الاباحة، كما قال

[ 375 ]

تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (1). وقوله " واعملوا صالحا " أمر من الله لهم بأن يعملوا الطاعات، واجباتها ونوافلها. والصلاح الاستقامة، على ما تدعو إليه الحكمة. وقال قوم: انما هذا حكاية لما قيل لجميع الرسل. وهو الوجه. وقال آخرون: المعنى وقلنا لعيسى " يا أيها الرسل " على الجمع على ما ذكرناه من المثال. وقوله " وإن هذه أمتكم " موضع (ان) نصب، لان تقديره، ولان (هذه أمتكم أمة واحدة وانا ربكم فاتقون) أي لهذه فاتقون: وقيل: موضعه الجر بالعطف على (بما تعملون عليم). ومن كسر الهمزة استأنف الكلام. ومعنى الامة - ههنا - الملة سماها بذلك للاجماع عليها بأمر الله. وقال الحسن وابن جريج: معنى (وإن هذه امتكم أمة واحدة) أي دينكم دين واحد. وقيل: جماعتكم جماعة واحدة في الشريعة التي نصبها الله لكم. ونصب (أمة واحدة) على الحال. وقال الجبائي: معناه (وإن هذه امتكم امة واحدة) في أنهم عبيد الله، وخلقه وتدبيره. وقوله " فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا " فالزبر الكتب - في قول الحسن وقتادة ومجاهد وابن زيد - وهو جمع زبور، كرسول ورسل. والمعنى تفرقوا كتبا دانوا بها، وكفروا بما سواها، كاليهود دانوا بالتوراة وكفروا بالانجيل، والقرآن. وكالنصارى دانوا بالانجيل وكفروا بالقرآن. ومن قرأ (زبرا) بفتح الباء، وهو ابن عامر فمعناها جماعات، لانه جمع زبرة، وزبر، كبرمة وبرم. وقوله (كل حزب بما لديهم فرحون) أي كل طائفة بما عندها تفرح لاعتقادها بأن الحق معها. فقال الله تعالى لنبيه (فذرهم) يا محمد (في غمرتهم) أي جهلهم وضلالتهم. وقيل: في حيرتهم. وقيل: في غفلتهم. والمعاني متقاربة (حتى حين)


(1) سورة 7 الاعراف آية 31 (*)

[ 376 ]

أي حين وقت الموت. وقيل: حين العذاب. ثم قال تعالى منكرا عليهم (أيحسبون) أي يظنون هؤلاء الكفار (أنما نمدهم به من مال وبنين) تمام الكلام أحد شيئين: احدهما - أيحسبون ان الذي نمدهم به من اجل مالهم وبنيهم، بل إنما نفعل ذلك لما فيه من المصلحة. والثاني - أن يكون فيه حذف، وتقديره أيحسبون أن الذي نمدهم به من المال والبنين حق لهم لكرامتهم عندنا، لا، بل نفعل ذلك لما فيه من المصلحة التي ذكرناها، ويكون قوله (نسارع لهم في الخيرات) ابتداء كلام، ولا يجوز أن يكون الانكار وقع لظنهم ان ذلك مسارعة لهم في الخيرات، لانه تعالى قد سارع لهم في الخيرات، بما فعل بهم من الاموال والبنين، لما لهم في ذلك من اللطف والمصلحة. والغرض في ذلك ان يعرفوا الله ويؤدوا حقوقه (بل لا يشعرون) أي وهم لا يشعرون بذلك، ولا يفهمونه لتفريطهم في ذلك. والمسارعة تقديم العمل في اوقاته التي تدعوا الحكمة إلى وقوعه فيه، وهي سرعة العمل. ومثله المبادرة. وانما بني على (مفاعلة) لان الفعل كأنه يسابق فعلا آخر. والخيرات المنافع التي يعظم شأنها، ونقيضها الشرور. وهي المضار التي يشتد أمرها. والشعور العلم الذي يدق معلومه، وفهمه على صاحبه دقة الشعر. وقيل: هو العلم من جهة المشاعر، وهي الحواس، ولهذا لا يوصف الله تعالى به. وقيل: نسارع لهم في الخيرات أي نقدم لهم ثواب اعمالهم لرضانا عنهم، ومحبتنا إياهم، كلا، ليس الامر كذلك، بل نفعله ابتلاء في التعبد لهم.

[ 377 ]

قوله تعالى: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (58) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (59) والذين هم بربهم لا يشركون (60) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (61) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (62) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى (إن الذين هم من خشية ربهم) اي خوفا من عقابه (مشفقون) والخشية ظن لحوق المضرة. ومثلها المخافة، ونقيضها الامنة، فالخشية إنزعاج النفس بتوهم المضرة، والظن كذلك يزعج النفس، فيسمى باسمه على طريق البلاغة، والخشية من الله خشية من عقابه وسخطه على معاصيه، (والذين هم بآيات ربهم يؤمنون) وبحججه من القرآن وغيره يصدقون (والذين هم بربهم لا يشركون) أي لا يشركون بعباة الله غيره، من الاصنام والاوثان، لان خصال الايمان لا تتم إلا بترك الاشراك دون ما يقول أهل الجاهلية إنا نؤمن بالله. وقوله (والذين يؤتون ما آتوا) اي يعطون ما اعطوا، من الزكاة والصدقة، وينفقونه في طاعة الله (وقلوبهم وجلة) أي خائفة من عقاب الله لتفريط يقع منهم. قال الحسن: المؤمن جمع إحسانا وشفقة. وقال ابن عمر: ما آتوا من الزكاة (وقلوبهم وجلة) أي خائفة (انهم إلى ربهم راجعون) اي يخافون من رجوعهم إلى الله (ج 7 م 48 من التبيان)

[ 378 ]

يوم القيامة، والى مجازاته اي يخافون ذلك، لانهم لا يأمنون التفريط. ثم أخبر عمن جمع هذه الصفات وكملت فيه، فقال (اولئك يسارعون في الخيرات) أي يبادرون إلى الطاعات، ويسارعون إليها: من الايمان بالله، ويجتهدون في السبق إليها رغبة فيها ولعلمهم بما لهم بها من حسن الجزاء. وقوله (وهم لها سابقون) قيل في معناه ثلاثة اقوال: احدها - قال ابن عباس انهم: سبقت لهم السعاة. الثاني - وهم من اجل تلك الخيرات سابقون إلى الجنة. الثالث - وهم إلى الخيرات سابقون. قوله تعالى: (ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (63) بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون (64) حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجئرون (65) لا تجئروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (66) قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (67) مستكبرين به سامرا تهجرون) (68) ست آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخبرا عن نفسه " لا نكلف نفسا إلا وسعها " يعنى إلا على قدر طاقتها وقوتها، ومثله قوله تعالى " لا يكلف الله نفسا إلا وسعها " (1) والوسع


(1) سورة 2 البقرة آية 286 (*)

[ 379 ]

الحال التي يتسع بها السبيل إلى الفعل. وقيل: إن الوسع دون الطاقة. والتكليف تحميل ما فيه المشقة بالامر والنهي والاعلام، وهو مأخوذ من الكلفة في الفعل، والله تعالى مكلف عباده تعريضا لهم للنفع الذي لا يحسن الابتداء بمثله، وهو الثواب. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: في تكليف ما لا يطاق، لانه لو كلف ما لا يطيقه العبد لكان قد كلفه ما ليس في وسعه. والآية تمنع من ذلك. وقوله " ولدينا كتاب ينطق بالحق " يريد الكتاب الذي فيه اعمال العباد مكتوبة من الطاعة والمعصية تكتبه عليه الملائكة الموكلون به كما قال " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " (1) ثم أخبر تعالى " انهم لا يظلمون " أي لا يؤاخذون بما لا يفعلونه ولا ينقصون عما استحقوه. ثم اخبر تعالى فقال " بل قلوبهم في غمرة من هذا " أي في غفلة من هذا اليوم، وهذه المجازاة. وقال الحسن: معناه في حيرة. وهذا اخبار منه تعالى بما يكون منهم في المستقبل من الاعمال القبيحة، زائدة على ما ذكره وحكاه أنه فعلهم " ولهم اعمال من دون ذلك هم لها عاملون " قيل في معناه قولان: احدهما - قال قتادة وابو العالية - وفى رواية عن مجاهد - ان لهم خطايا من دون الحق. والثاني - قال الحسن وابن زيد - وفى رواية عن مجاهد - ايضا: أعمالا من دون ما هم عليه لابد من ان يعملوها. وقوله " حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون " فالمترف المتقلب في لين العيش ونعومته. ومنه قوله " واترفناهم في الحياة الدنيا " (2) و (يجأرون) معناه يضجون، لشدة العذاب. وقال ابن عباس:


(1) سورة 50 ق آية 18 (2) سورة 23 المؤمنون آية 33 (*)

[ 380 ]

يستغيثون. وقال مجاهد: كان ذلك بالسيوف يوم بدر، والجؤار: رفع الصوت، كما يجأر الثور، قال الاعشى: يراوح من صلوات الملي‍ * ك طورا سجودا وطورا جؤارا (1) وقيل معنى " يجأرون " يصرخون بالتوبة، فيقول الله لهم " لا تجأروا اليوم " أي لا تصرخوا في هذا اليوم " إنكم منا لا تنصرون " بقبول التوبة، ولا لكم من يدفع عنكم ما أفعله من العذاب. ثم يقول الله تعالى لهم " قد كانت آياتي " أي حججي وبراهيني " تتلى عليكم " من القرآن وغيره " فكنتم على أعقابكم تنكصون " فالنكص الرجوع القهقرى وهو المشي على الاعقاب إلى خلف، وهو أقبح مشية. مثل شبه الله به أقبح حال في الاعراض عن الداعي إلى الحق. وقال سيبويه: لانه يمشي ولا يرى ما وارءه، فهو النكوص. وقال مجاهد: ينكصون معناه يستأخرون. وقيل: يدبرون. وقوله " مستكبرين " نصب على الحال، ومعناه " تنكصون " في حال تكبركم عن الانقياد للحجج الله، والاجابة لانبيائه. وقال ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والضحاك: " مستكبرين به " أي يحرم الله أنه لا يظهر عليكم فيه أحد. وقوله " سامرا تهجرون " فالسامر الذي يحدث بالسمر ليلا، ومنه السمرة والسمار، لان جميع ذلك من اللون الذي بين السواد والبياض. وقيل: السمر ظل القمر، ويقال له الفخت، ومعنى " سامرا " أي سمارا، فوضع الواحد موضع الجمع لانه في موضع المصدر، كما يقال قوموا قائما أي قياما قال الشاعر: من دونهم إن جئتم سمرا * عزف القيان ومجلس غمر (2)


(1) ديوانه (دار بيروت) 84 وقد مر في 1 / 263 (2) اللسان (سمر). وتفسير الطبري 18 / 26 والقرطبي 12 / 137 (*)

[ 381 ]

وكانوا يسمرون حول الكعبة بالليل. وقيل: انما وحد، لانه في موضع الوقت وتقديره لئلا تهجرون، والهجر الكلام المرفوض، وهو المهجور منه، لانه لا خير فيه. والنائم يهجر في نومه أي يأتي بكلام مختلط لا فائدة فيه. وفى معنى تهجرون قولان: احدهما - تهجرون الحق بالاعراض عنه، في قول ابن عباس. الثاني - تقولون الهجر، وهو السئ من القول، في قول سعيد بن جبير ومجاهد وابن زيد. وقرأ نافع وحده " تهجرون " بضم التاء أراد من الهجر، وهو الكلام السئ. الباقون بفتح التاء وضم الجيم، على ما فسرناه، يقال: هجر يهجر هجرا إذا هذى. قوله تعالى: (أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يات آباءهم الاولين (69) أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (70) أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (71) ثلاث آيات بلا خلاف يقول الله تعالى منكرا على هؤلاء الكفار " أفلم يدبروا القول " الذي أتاهم به من القرآن ويتفكروا فيه، فيعلموا انه من قبل الله، لعجز الجميع عن الاتيان بمثله. وقوله " أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الاولين " توبيخ لهم على انكار الدعوة من هذه الجهة، ومع ذلك، فقد جاءت الرسل الامم قبله، متواترة، فهو عيب وخطأ من كل جهة " ألم لم يعرفوا رسولهم " لكونه غريبا فيهم، فلا يعرفون صدقه، ولا أمانته

[ 382 ]

" فهم له منكرون " لذلك ؟ ! ثم اخبر تعالى أن النبي صلى الله عليه وآله " جاءهم بالحق " من عند الله " واكثرهم " يعني اكثر الناس " للحق كارهون " أي يكرهونه بمجيئه بما ينافي عادتهم. قوله تعالى: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والارض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (72) أم تسئلهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (73) وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (74) وإن الذين لا يؤمنون بالاخرة عن الصراط لناكبون (75) ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون) (76) خمس آيات بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو، ونافع، وعاصم " خرجا " بلا ألف " فخراج " بألف. وقرأ حمزة والكسائي " خراجا فخراج " بالالف فيهما. وقرأ ابن عامر " خرجا فخرج " بلا ألف فيهما. معنى قوله " ولو اتبع الحق أهواءهم " ان الحق لما كان يدعو إلى الافعال الحسنة. والاهواء تدعو إلى الافعال القبيحة، فلو اتبع الحق داعي الهوى لدعاه إلى قبيح الاعمال والى ما فيه الفساد والاختلاط، ولو جرى الامر على ذلك " لفسدت السماوات والارض ومن فيهن " ووجه فساد العالم بذلك: انه يوجب بطلان الادلة وامتناع الثقة بالمدلول عليه، وانه لا يؤمن وقوع الظلم، الذي لا ينصف منه، وتختلط

[ 383 ]

الامور أقبح الاختلاط ولا يوثق بوعد، ولا وعيد، ولا يؤمن إنقلاب عدل الحكيم. وهذا معنى عجيب. وقال قوم من المفسرين: إن الحق - في الآية - هو الله والتقدير: ولو اتبع الحق أعني الله أهواء هؤلاء الكفار، وفعل ما يريدونه لفسدت السموات والارض. وقال الجبائي: المعنى لو اتبع الحق - الذى هو التوحيد - أهواءهم في الاشراك معه معبودا سواه، لوجب ان يكون ذلك المعبود مثلا له ولصح بينهما الممانعة، فيؤدي ذلك إلى الفساد، كما قال تعالى " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (1). والهوى ميل النفس إلى المشتهى من غير داعي الحق، كما قال تعالى " وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي المأوى " (2)، فلا يجوز لاحد أن يفعل شيئا لانه يهواه. ولكن يفعله لانه صواب، على انه يهواه أو لانه يهواه مع أنه صواب حسن جائز. وقال أبو صالح. وابن جريج: الحق هو الله، وقال الجبائي معنى " ولو اتبع الحق أهواءهم " فيما يعتقدون من الآلهة " لفسدت السماوات والارض " كقوله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ". وقوله " بل اتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ". قال ابن عباس: معنى الذكر البيان الحق. وقال غيره: الذكر الشرف. كقوله " وانه لذكر لك ولقومك " (3) ولك ذلك يراد به القران. ثم قال " أم تسألهم " يا محمد " خرجا " أي اجرا على العمل - في قول الحسن - وأصل الخرج والخراج واحد، وهو الغلة التي تخرج على سبيل الوظيفة منه. ومنه خراج الارض، وهما مصدران لا يجمعان. ثم قال " فخراج ربك " أي أجر ربك " خير وهو خير الرازقين " يعني الله خير من يرزق. وفى ذلك دلالة على أن


(1) سورة 21 لانبياء آية 22 (2) سورة 79 النازعات آية 41 (3) سورة 43 الزخرف آية 44 (*)

[ 384 ]

غير الله قد يرزق باذنه، ولولا لم يجز (خير الرازقين). ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (وانك) يا محمد (لتدعوهم) أي هؤلاء الكفار (إلى صراط مستقيم) من التوحيد، واخلاص العبادة، والعمل بالشريعة (وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة) يعني من لا يصدقون بالبعث يوم القيامة (عن الصراط) صراط الحق (لناكبون) أي عادلون عن دين الحق. وقال الجبائي: معناه لناكبون في الآخرة عن طريق الجنة، بأخذهم يمنة ويسرة إلى النار. ثم قال تعالى (ولو رحمناهم) في الاخرة ورددناهم إلى دار الدنيا، وكلفناهم فيها (للجوا في طغيانهم يعمهون) كما قال (ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه) (1) وقال ابن جريج يريد في الدنيا أي (لوانا رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر) وجوع ونحوه (للجوا في طغيانهم) أي في غوايتهم (يعمهون) أي يترددون. قوله تعالى: (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (77) حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون (78) وهو الذي أنشأ لكم المسع والابصار والافئدة قليلا ما تشكرون (79) وهو الذي ذرأكم في الارض وإليه تحشرون (80) وهو الذي يحيي ويميت وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون) (81) خمس آيات. يقول الله تعالى انا اخذنا هؤلاء الكفار الذين ذكرناهم بالعذاب. وقيل:


(1) سورة 6 الانعام اية 28 (*)

[ 385 ]

هو الجدب وضيق الرزق، والقتل بالسيف (فما استكانوا لربهم) أي لم يذلوا عند هذه الشدائد، ولم يتضرعوا إليه، فيطلبوا كشف البلاء منه تعالى عنهم بالاستكانة له، والاستكانة طلب السكون خوفا من السطوة. يقال: استكان الرجل استكانة إذا ذل عند الشدة. وقوله (حتى إذا فتحنا عليهم بابا ذا عذاب شديد إذا هم فيه مبلسون) فالفتح فرج الباب بطريق يمكن السلوك فيه، فكأنه فتح عليهم بابا أتاهم منه العذاب. وقيل: ان ذلك حين دعا النبي صلى الله عليه وآله فقال: (اللهم سنين كسني يوسف) فجاعوا حتى أكلوا العلهز وهو الوبر بالدم في قول مجاهد. وقال ابن عباس: هو القتل يوم بدر. وقال الجبائي فتحنا عليهم بابا من عذاب جهنم في الآخرة. والابلاس الحيرة لليأس من الرحمة، يقال: أبلس فلان إبلاسا إذا بهت عند انقطاع الحجة. وقوله (وهو الذي أنشأكم) أي أوجدكم، واخترعكم من غير سبب " وجعل لكم السمع والابصار " أي وخلق لكم السمع تسمعون به الاصوات والابصار تبصرون بها المرئيات وخلق لكم (الافئدة) وهو جمع فؤاد، وهو القلب (قليلا ما تشكرون) نصب (قليلا) على المصدر و (ما) صلة، وتقديره تشكرون قليلا لهذه النعم التي أنعم بها عليكم. ثم قال (وهو الذي ذرأكم) اي خلقكم وأوجدكم (وفى الارض واليه تحشرون) يوم القيامة، فيجازيكم على أعمالكم إما الثواب أو العقاب. والمراد إلى الموضع الذي يختص تعالى بالتصرف فيه، ولا يبقى لاحد هناك ملك. وقال الفراء: وهو الذي خلق السماوات والارض أي اختراعهما، وانشأهما، وقدرهما على ما فيهما (ج 7 م 49 من التبيان) (*)

[ 386 ]

من انواع المخلوقات، ليدل بها على توحيده وألا إله سواه " وله اختلاف الليل والنهار " اي له مرورهما يوما بعد ليلة. وليلة بعد يوم، كما يقال إذا اتى الرجل الدار مرة بعد مرة: هويختلف إلى هذه الدار. وقيل: معناه وله تدبيرهما بالزيادة والنقصان. ثم قال (افلا تعقلون) فتفكرون في جميع ذلك، فتعلمون انه لا يستحق الالهية سواه، ولا تحسن العبادة إلا له. قوله تعالى: (بل قالوا مثل ما قال الاولون (82) قالوا أ إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أ إنا لمبعوثون (83) لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الاولين (84) قل لمن الارض ومن فيها إن كنتم تعلمون (85) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (86) قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم (87) سيقولون لله قل أفلا تتقون (88) قل من بيده ملكوت كل شئ وهو يجير ولايجار عليه إن كنتم تعلمون (89) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (90) بل أتيناهم بالحق وإنهم لكاذبون) (91) عشر آيات بلا خلاف. قرأ أبو عمرو " سيقولون الله " في الاخيرتين. الباقون " لله " بغير الف،

[ 387 ]

ولا خلاف في الاولى أنها بغير الف. اخبر الله تعالى حاكيا عن الكفار ممن عاصر النبي صلى الله عليه وآله أنهم لم يؤمنوا بالله ولم يصدقوا رسوله في اخلاص العبادة له تعالى " بل قالوا مثل ما قال الاولون " أي مثل الذي قاله الكفار الاولون: من انكار البعث والنشور والحساب والجنة والنار، فأقوال هؤلاء مثل أقوال أولئك. وانما دخلت عليهم الشبهة في انكار البعث، لانهم لم يشاهدوا ميتا عاش، ولاجرت به العادة، وشاهد والنشأة الاولى من ميلاد من لم يكن موجودا. ولو فكروا في أن النشأة الاولى أعظم منه لعلموا أن من انكره فقد جهل جهلا عظيما، وذهب عن الصواب ذهابا بعيدا، لان من قدر على اختراع الاجسام لامن شئ، قدر على إعادتها إلى الصفة التي كانت عليها، مع وجودها. ثم حكى ما قال كل منهم، فانهم قالوا منكرين " أ إذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون " أي كيف نصير أحياء بعد ان صرنا ترابا ورمما وعظاما نخرة ؟ ! ثم قالوا " لقد وعدنا " بهذا الوعد " نحن وآباؤنا " من قبل هذا الموعد، فلم نر لذلك صحة، ولا لهذا الوعد صدقا، وليس " هذا إلا أساطير الاولين " أي ما سطره الاولون مما لا حقيقة له، وانما يجري مجرى حديث السمر الذي يكتب للاطراف به. والاساطير هي الاحاديث المسطرة في الكتب، واحدها أسطورة. فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد لهؤلاء المنكرين للبعث والنشور " لمن الارض ومن فيها " أي من يملك الارض ويملك من فيها من العقلاء (وقوله " إن كنتم تعلمون " موافقة لهم في دعواهم. ثم قال في الجواب " سيقولون لله " أي سيقولون إن السموات والارض ومن فيهما الله، لانهم لم يكونوا يجحدون الله. وانما كذبوا الرسول. وقوله " قل افلا تذكرون " أي افلا تتفكرون في مالكها. وتتذكرون قدرته وانه لا يعجزه شئ عن إعادتكم بعد الموت، مرة ثانية كما انشأكم

[ 388 ]

أول مرة) (1) ثم قال له " قل " يا محمد لهم ايضا " من رب السماوات السبع " أي من مالكها والمتصرف فيها ؟ ولولاه لبطل كل شئ سواه، لانه لا يصح إلا مقدوره أو مقدور مقدوره، فقوام كل ذلك به، ولا تستغني عنه طرفة عين لانها ترجع إلى تدبيره على ما يشاء (عزوجل) وكذلك هو تعالى " رب العرش العظيم " وانما وجب أن يكون رب السماوات والعرش، من حيث كانت هذه الاشياء جميعها محدثة، لا بدلها من محدث اخترعها وانشأها، ولابد لها من مدبر يدبرها ويمسكها، ويصرفها على ما تتصرف عليه، ولابد أن يختص بصفات: من كونه قادرا عالما لنفسه ليتأتى منه جميع ذلك، على ما دبره. ولو لا كونه على هذه الصفات، لما صح ذلك. ثم اخبر أنهم يقولون في الجواب عن ذلك رب السماوات ورب العرش هو " الله " ومن قرأ بلا ألف فمعناه انهم يقولون إنها " لله " فعند ذلك " قل " لهم " افلا تتقون " الله، ولا تخافون عقابه على جحد توحيده والاشراك في عبادته ؟ ! ثم أمره بان يقول لهم أيضا " من بيده ملكوت كل شئ " والملكوت عظم الملك ووزنه (فعلوت) وهو من صفات المبالغة نحو (جبروت) ومن كلامهم (رهبوت خير من رحموت) أي ترهب خير من ان ترحم. وقال مجاهد: ملكوت كل شئ خزائن كل شئ، والمعنى أنه قادر على كل شئ إذا صح أن يكون مقدورا له. وقوله " وهو يجير " معناه أنه يعيذ بالمعنع من السوء، لما يشاء " ولايجار عليه " أي لا يمكن منع من أراده بسوء منه. وقيل " هو يجير " من العذاب " ولا يجار عليه " منه. والاجارة الاعاذة، والجار المجير المعيذ، وهو الذي يمنعك ويؤمنك ومن استجار بالله اعاذه، ومن أعاذه الله لم يصل إليه احد. فانهم " سيقولون الله " الذي له


(1) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (*)

[ 389 ]

ملكوت كل شئ وهو يجير ولايجار عليه. فقل لهم عند ذلك " أنى تسحرون " ومعناه كيف يخيل اليكم الحق باطلا، والصحيح فاسدا، مع وضوح الحق وتمييزه عن الباطل. ومن قرأ (الله) باثبات الالف، فلانه يطابق السؤال في قوله (من رب السموات السبع ورب الارض... ومن بيده ملكوت كل شئ) لان جواب ذلك على اللفظ أن يقولوا (الله). ومن قرأ " لله " باسقاط الالف، حمله على المعنى دون اللفظ، كقول القائل لمملوك: من مولاك ؟ فيقول انا لفلان، وانشد الفراء لبعض بني عامر: واعلم انني سأكون رمسا * إذا سار النواعج لا يسير فقال السائلون لمن حفرتم * فقال المخبرون لهم وزير (1) لانه بمنزلة من قال: من الميت ؟ فقالوا له: وزير، وذكر أنها في مصاحف أهل الامصار بغير الف، ومصحف أهل البصرة فانها بالف. (2) فأما الاولى فلا خلاف أنها بلا ألف لمطابقة السؤال في قول (قل لمن الارض) والجواب يقتضي أن يقولوا: لله. وإنما أخبر الله تعالى عنهم، بأنهم يقولون في جواب السؤال: لله، لانهم لو أحالوا على غير الله في انه مالك السموات والارض، وأن غيره بيده ملكوت كل شئ وأن غيره رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، لظهر كذبهم. ولعلم كل احد بطلان قولهم، لظهور الامر في ذلك. وقربه من دلائل العقول. وقوله (فأنى تسحرون) أي كيف تعمهون عن هذا، وتصدون عنه، من قولهم: سحرت أعيننا عن ذلك، فلم نبصره. وقيل معنى ذلك: فأنى تخدعون، كقول امرئ القيس:


(1) تفسير الطبري 18 / 32 (2) وفي المخطوطة (في مصاحف اهل الشام بغير الف وفى مصاحف أهل الامصار بالالف) (*)

[ 390 ]

ونسحر بالطعام وبالشراب (1) أي نخدع، وقيل معناه أنى تصرفون، يقال: ما سحرك عن هذا الامر أي ما صرفك عنه. ثم أخبر تعالى إنه أتى هؤلاء الكفار بالحق الواضح: من توحيد الله وصفاته وخلع الانداد دونه وأنه يبعث الخلق بعد موتهم، ويجازيهم على طاعاتهم بالثواب، وعلى معاصيهم بالعقاب، وان الكفار كاذبون فيما يخبرون بخلافه. قال المبرد: معنى (أنى) كيف، ومن أين. قوله تعالى: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (92) عالم الغيب والشهادة فتعالى عما يشركون (93) قل رب إما تريني ما يوعدون (94) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (95) وإنا على أن نريك ما نعدهم لقادرون (96) خمس آيات بلا خلاف. قرأ (عالم الغيب) بالجر ابن كثير وأبو عمرو، وابن عامر وحفص عن عاصم. الباقون بالرفع. من جر رده على قوله (سبحان الله.... عالم الغيب) فجعله صفة لله. ومن رفعه، فعلى تقدير هو (عالم الغيب). يقول الله تعالى مخبرا أنه لم يتخذ ولدا اي لم يجعل ولد غيره ولد نفسه، لاستحالة ذلك عليه، لانه محال أن يكون له ولد، فلا يجوز التشبيه بما هومستحيل ممتنع


(1) مر تخريجه في 1 / 372 و 5 / 268 و 6 / 485 (*)

[ 391 ]

إلا على النفي والتبعيد. واتخاذ الولد: أن يجعل الجاعل ولد غيره يقوم مقام ولده لو كان له. وكذلك التبني إنما هو جعل الجاعل ابن غيره يقوم مقام ابنه الذي يصح أن يكون ولدا له. ولذلك لا يقال: تبنى شاب شيخا، ولا تبنى الانسان بهيمة، لما استحال ان يكون ذلك ولدا له، ولايجوز أن يقال: اتخذه ولدا، إذا اختصه بضرب من المحبة، لان في ذلك إخراج الشئ عن حقيقته كما أن تسمية ما ليس بطويل عريض عميق جسما إخراج له عن حقيقته. ثم اخبر انه كما لم يتخذ ولدا، لو يكن معه إله. وهذا جواب لمحذوف، وتقديره: لو كان معه إله آخر " إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلى بعضهم على بعض " وفيه إلزام لمن يعبد الاصنام. وقوله " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (1) دليل عام في نفي مساو للقديم فيما يقدر عليه من جميع الاجناس والمعاني. ومعنى " إذا لذهب كل إله بما خلق " أي لا نفرد به ولحوله من خلق غيره، لانه لا يرضى أن يضاف خلقه وانعامه إلى غيره. فان قيل: لم لا يكون كل واحد منهم حكيما، فلا يستعلي على حكيم غيره ؟ قلنا: لانه إذا كان جسما وكل جسم محتاج، جاز منه أن يستعلي لحاجته، بل لابد من أن يقع ذلك منه، لانه ليس له مدبر يلطف له حتى يمتنع من القبيح الذي يحتاج إليه، كما يلطف الله لملائكته وانبيائه بما في معلومه انهم يصلحون به. ثم نزه نفسه تعالى عن اتخاذ الولد وأن يكون معه إله غيره، فقال " سبحان الله عما يصفون " من الاشراك معه، واتخاذ الولد له. وقوله " عالم الغيب والشهادة " فلذلك يأتي بالحق، وهم يأتون بالجهل. ويحتمل ان يكون معناه إن عالم الغيب والشهادة لا يكون له شريك، لانه أعلى من كل شئ


(1) سورة 21 انبياء آية 22 (*)

[ 392 ]

في صفته. قال الحسن: هو رد لقول المشركين: الملائكة بنات الله. وقال الجبائي: في الآية دلالة على انه يجوز ان يدعو الانسان بما يعلم انه يكون لا محالة وأن الله لابد أن يفعله. ثم قال تعالى (فتعالى عما يشركون) أي تعاظم الله عن ان يشرك هؤلاء الكفار معه من الاصنام والاوثان. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله (قل رب اما تريني ما يوعدن) ومعناه إن أريتني ما وعد هؤلاء الكفار به من العذاب والاهلاك. فقل يا (رب فلا تجعلني في القوم الظالمين) أي لا تجعلني في جملة من يشملهم العذاب بظلمهم، وتقديره: إن انزلت بهم النقمة، فاجعلني خارجا منهم. فقال الله تعالى (وإنا على ان نريك ما نعدهم لقادرون) معناه إن ما وعدتهم به من العذاب والاهلاك على كفرهم قادر عليه، لكني لا أفعله وأؤخره إلى يوم القيامة لما في تأخيره من المصلحة. قوله تعالى: (إدفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (97) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (98) وأعوذ بك رب أن يحضرون (99) حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (100) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) (101) خمس آيات بلا خلاف. امر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يدفع السيئة من إساءة الكفار إليه بالتي هي أحسن

[ 393 ]

منها. ومعنى ذلك انهم إذا ذكروا المنكر من القول - الشرك - ذكرت الحجة في مقابلته وذكرت الموعظة التي تصرف عنه إلى ضده من الحق، على وجه التلطف في الدعاء إليه، والحث عليه، كقول القائل: هذا لا يجوز، وهذا خطأ، وعدول عن الحسن. وأحسن منه أن يوصل بذكر الحجة والموعظة كما بينا. وقال الحسن: " بالتي هي أحسن " الاغضاء والصفح. وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وآله والمراد به الامة، والمعنى إدفع الافعال السيئة بالافعال الحسنة التي ذكرها. وقوله " نحن اعلم بما يصفون " معناه نحن اعلم منهم بما يستحقون به من الجزاء في الوقت الذي يصلح الاخذ بالعقوبة إذا انقضى الاجل المضروب بالامهال. ثم قال له " قل " يا محمد، وادع فقل يا " رب اعوذ بك من همزات الشياطين " أي نزغاتهم ووساوسهم، فمعنى (أعوذ) اعتصم بالله من شر الشياطين، في كل ما يخاف من شره. والمعاذة هي التي يستدفع بها الشر، والهمزات دفعهم بالاغواء إلى المعاصي، والهمز شدة الدفع. ومنه الهمزة: الحرف الذي يخرج من أقصى الحلق باعتماد شديد. والعياذ طلب الاعتصام من الشر " واعوذ بك رب أن يخضرون " هؤلاء الشياطين فيوسوسون لي ويغووني عن الحق. وقوله " حتى إذا جاء احدهم الموت قال رب ارجعون " اخبار من الله تعالى عن أحوال هؤلاء الكفار، وانه إذا حضر أحدهم الموت، واشرف عليه سأل الله عند ذلك و " قال رب ارجعون " أي ردني إلى دار التكليف " لعلي أعمل صالحا " من الطاعات وأتلافى ما تركته، وانما قال " رب ارجعون " على لفظ الجمع لاحد امرين: احدهما - انهم استعانوا أولا بالله، ثم رجعوا إلى مسألة الملائكة بالرجوع إلى (ج 7 م 50 من التبيان) (*)

[ 394 ]

الله - في رواية ابن جريج. والثاني - انه جرى على تعظيم الذكر في خطاب الواحد بلفظ الجمع لعظم القدر كما يقول ذلك المتكلم، قال الله تعالى " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " (1) وقال " ولقد خلقنا الانسان " (2) وما جرى مجراه. وروى النضر بن سمأل قال: سئل الخليل عن قوله " رب ارجعون " ففكر ثم قال: سألتموني عن شئ لا أحسنه ولا أعرف معناه، والله أعلم، لانه جمع، فاستحسن الناس منه ذلك. فقال الله تعالى في الجواب عن سؤالهم " كلا " وهي كلمة ردع وزجر أي حقا " إنها كلمة " فالكناية عن الكلمة والتقدير: ان الكلمة التي قالوها " كلمة هو قائلها " بلسانه. وليس لها حقيقة، كما قال " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " (3) وقوله " ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون " فالبرزخ الحاجز - وههنا - هو الحاجز بين الموت والبعث - في قول ابن زيد - وقال مجاهد: هو الحاجز بين الموت والرجوع إلى الدنيا. وقال الضحاك: هو الحاجز بين الدنيا والاخرة: وقيل البرزخ الامهال. وقيل: كل فصل بين شيئين برزخ. وفى الآية دلالة على أن احدا لا يموت حتى يعرف اضطرارا منزلته عند الله وانه من أهل الثواب أو العقاب - في قول الجبائي وغيره - وفيها دلالة أيضا على انهم في حال التكليف يقدرون على الطاعة بخلاف ما تقول المجبرة. ومعنى " ومن وارئهم " أي أمامهم وقد امهم، وقال الشاعر: ايرجو بنو مروان سمعي وطاعتي * وقومي تميم والفلاة ورائيا ومعنى " يبعثون " يوم يحشرون للحساب والمجازاة، وأضيف إلى الفعل لان ظرف الزمان يضاف إلى الافعال.


(1، 2) سورة 15 الحجر آية 9، 26 (3) سورة 6 الانعام آية 28 (*)

[ 395 ]

قوله تعالى (فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (102) فمن ثقلت موازينة فأولئك هم المفلحون (103) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (104) تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (105) ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون) (106) خمس آيات بلا خلاف. قوله تعالى " فإذا نفخ في الصور " ليوم الحشر والجزاء ومعنى نفخ الصور: هو علامة لوقت اعادة الخلق. وفي تصورهم الاخبار عن تلك الحال صلاح لهم في الدنيا، لانهم على ما اعتادوه في الدنيا من بوق الرحيل والقدوم. وقال الحسن: الصور جمع صورة أي إذا نفخ فيها الارواح واعيدت احياء. وقال قوم: هوقرن بنفخ فيه إسرافيل بالصوت العظيم الهائل، على ما وصفه الله. وقوله " فلا انساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون " اخبار منه تعالى عن هول ذلك اليوم، فانهم لا يتواصلون هناك بالانساب، ولا يحنون إليها، لشغل كل انسان بنفسه. وقيل معناه: انهم لا يتناسبون في ذلك اليوم، ليعرف بعضهم بعضا من أجل شغله بنفسه عن غيره. وقال الحسن: معناه لا أنساب بينهم يتعاطفون بها، وإن كانت المعرفة بأنسابهم حاصلة بدلالة قوله " يوم يفر المرء من اخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه " (1) فاثبت انهم يعرفون أقاربهم وإن هربهم منهم لاشتغالهم بنفوسهم، والنسب هو إضافة إلى


(1) سورة 80 عبس آية 34 - 36 (*)

[ 396 ]

قرابة في الولادة. وقوله " ولا يتساءلون " معناه لا يسأل بعضهم بعضا عن خبره وحاله، كما كانوا في الدنيا، لشغل كل واحد منهم بنفسه. وقيل: لا يسأل بعضهم بعضا أن يحمل عنه من ذنوبه شيئا. ولا يناقض ذلك قوله " وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون " (1) لان هناك مواطن، فمنها ما يشغلهم من عظيم الامر الذي ورد عليهم عن المسألة، ومنها حال يفيقون فيها فيتساءلون. وقال ابن عباس: قوله " فإذا نفخ في الصور، يعني النفخة الاولى التي يهلك عندها الخلق، فلا احد يبقى، ولا نسب هناك ولا تساؤل. وقوله (وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون) فذلك عند دخولهم الجنة، فانه يسأل بعضهم بعضا، وهو قول السدي. وقوله " فمن ثقلت موازينه فاولئك هم المفلحون " اخبار منه تعالى أن من عظمت طاعاته وسملت من الاحباط - في قول من يقول بذلك - ومن لا يقول بالاحباط فمعناه عندهم: إن من كثرت طاعاته، وهو غير مستحق للعقاب، فان اولئك هم المفلحون الفائزون. " ومن خفت موازينه " بأن يكون احبطت طاعاته، لكثرة معاصيه. ومن لا يقول بالاحباط، قال: معناه من لم يكن معه شئ من الطاعات وإنما معهم المعاصي، لان الميزان إذا لم يكن فيه شئ يوصف بالخفة، كما يوصف بالخفة إذا كان فيه شئ يسير في مقابلته ما هو أضعافه، فان من هذه صورته (فأولئك الذين خسروا انفسهم) لانهم أهلكوها بالمعاصي التي استحقوا بها العقاب بالدائم، وهم (في جهنم) مؤبدون (خالدون). وقال الحسن والجبائي وغيرهما: هناك ميزان له كفتان ولسان. واختلفوا:


(1) سورة 37 الصافات آية 27 (*)

[ 397 ]

فمنهم من قال: يوزن بها صحف الاعمال. وقال بعضهم: يظهر في احدى الكفتين النور، وفي الاخرى الظلمة، فأيهما رجح تبينت الملائكة المستحق للثواب من المستحق للعقاب. وقال قتادة والبلخي: الميزان عبارة عن معادلة الاعمال بالحق. وبيان أنه ليس هناك مجازفة ولا تفريط. ثم اخبر تعالى بأن النار التي يجعلون فيها (تلفح وجوههم) وانهم فيها (كالحون) يقال: لفح ونفح بمعنى واحد، غير أن اللفح أعظم من النفخ. واشد تأثيرا، وهو ضرب من السموم للوجه، والنفح ضرب الريح للوجه، والكلوح تقلص الشفتين عن الاسنان حتى تبدو الاسنان، قال الاعشى: وله المقدم لامثل له * ساعة الشدق عن الناب كلح (1) قوله تعالى: (قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (107) ربنا أخرجنا منها فان عدنا فانا ظالمون (108) قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (109) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (110) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون) (111) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا عاصما (شقاوتنا) باثبات الالف. الباقون (شقوتنا).


(1) ديوانه (دار بيروت) 40 وروايته " في الحرب " بدل " لا مثل له " (*)

[ 398 ]

وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما ونافع (سخريا) بضم السين. الباقون بكسرها. حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار انهم يعترفون على نفوسهم بالخطأ، ويقولون (ربنا غلبت علينا شقوتنا) والشقوة المضرة اللاحقة في العاقبة. والسعادة المنفعة اللاحقة في العاقبة، وقد يقال لمن حصل في الدنيا على مضرة فادحة: شقي، من حيث أنه يؤدي إلى أمر شديدة، فالمعاصي شقوة، تؤدي إلى العقاب الدائم. ويجوز أن يكون المراد بالشقوة العذاب الذي يفعل الله بهم ويغلب عليهم. وقوله " وكنا قوما ضالين " اعتراف منهم على نفوسهم أنهم ضلوا عن الحق في الدنيا وزمان التكليف، ويسألون الله تعالى فيقولون " ربنا أخرجنا منها " أي من هذه النار " فان عدنا فانا ظالمون " ولايجوز أن يكونوا لو أخرجوا إلى دار التكليف لما عادوا، لان الشهوة العاجلة والاغترار بالامهال يعود إليهم فلا يكونون ملجئين. وقد قال الله تعالى " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وانهم لكاذبون " (1). وقال الحسن: هو آخر كلام يتكلمون به أهل النار، فيقول الله تعالى لهم في جوابهم " اخسئوا فيها " يعني في النار " ولا تكلمون " أي ابعدوا، بعد الكلب. وإذا قيل للكلب اخسأ، فهو زجر بمعنى ابعد بعد غيرك من الكلاب، وإذا خوطب به انسان، فهو إهانة له، ولايكون ذلك إلا عقوبة، وخسأت فلانا أخسأه خسأ، فهو خاسئ إذا أبعدته بمكروه، ومنه قوله " كونوا قردة خاسئين " (2) وقوله " ولا تكلمون " قيل في معناه قولان: احدهما - ان ذلك على وجه الغضب اللازم لهم، فذكر ذلك ليدل على هذا المعنى، لان من لا يكلم اهانة له وغضبا، فقد بلغ به الغاية في الاذلال. والثاني - ولا تكلمون في رفع العذاب عنكم، فاني لا أرفعه عنكم، ولا افتره


(1) سورة 6 الانعام آية 28 " 2 " سورة 2 البقرة آية 65 (*)

[ 399 ]

وهو على صيغة النهي، وليس بنهي. ثم يقول الله تعالى لهؤلاء الكفار على وجه التهجين لهم والتوبيخ (انه كان فريق من عبادي) يعني المؤمنين في دار الدنيا (يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وانت خير الراحمين) أي يدعون بهذه الدعوات، عبادة لله، وطلبا لما عنده من الثواب (فاتخذتموهم) انتم يا معشر الكفار (سخريا) اي كنتم تستهزؤن بهم وتسخرون منهم. وقيل (السخري) بضم السين من التسخير و (السخري) بكسر السين من الهزء. وقيل: هما لغتان. وقوله (حتى انسوكم ذكري) معناه لتشاغلكم بالسخرية نسيتم ذكري (وكنتم منهم تضحكون) فلذلك نسب إليهم انهم انسوهم ذكر الله، لما كان بسببهم، والاشغال باغوائهم نسوا ذكر الله. قوله تعالى: (إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (112) قال كم لبثتم في الارض عدد سنين (113) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فسئل العادين (114) قال إن لبثتم إلا قليلا لو أنكم كنتم تعلمون (115) أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (116) فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (117) ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فانما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (118) وقل رب اغفر

[ 400 ]

وارحم وأنت خير الراحمين) (119) ثمان آيات بلا خلاف. قرأ حمزة والكسائي وخارجة عن نافع " انهم هم الفائزون " بكسر الهمزة. الباقون بفتحها. وقرأ ابن كثير " قل كم لبثتم " على الامر. الباقون " قال كم لبثتم " على الخبر. وقرأ حمزة والكسائي " قل " فيهما على الامر. الباقون " قال " فيهما على الخبر. وقرأ " ترجعون " بفتح التاء وكسر الجيم حمزة والكسائي. الباقون بضم التاء وفتح الجيم. اخبر الله تعالى " اني جزيتهم اليوم " يعني المؤمنين الذين سخر منهم الكفار في دار التكليف، وأكافيهم على صبرهم ومضضهم في جنب الله، على أقوال الكفار وهزؤهم بهم ب‍ " أنهم هم الفائزون " وحذف الباء، ونصب الهمزة، وقيل: إنها في موضع جر، وتقديره جزيتهم بفوزهم بالجنة. وقيل تقديره: لانهم هم الفائزون. ومن خفض الهمزة فاستأنف، فالجزاء مقابلة العمل بما يستحق عليه من ثواب أو عقاب كما يقال: الناس مجزيون بأعمالهم إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا. والصبر حبس النفس عما تنازع إليه مما لا يحسن، أو ليس بأولى، لان الصبر طاعة الله لما وعد عليه من الجزاء، والطاعة قد تكون فرضا، وقد تكون نفلا. وقوله " اليوم " يريد به أيام الجزاء لا يوما بعينه، لان اليوم هو ما بين طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس وليس المراد في الآية ذلك. قوله " قال كم لبثتم في الارض عدد سنين " فمن قرأ " قال " فمعناه قال الله لهم كم لبثتم. ومن قرأ " قل " معناه قل لهم يا محمد، واللبث هو المكث وهو حصول الشئ على الحال اكثر من وقت واحد، والابث هو الكائن على الصفة، على مرور الاوقات. والعدد عقد يظهر به مقدار المعدود، يقال: عده يعده عدا وعددا،

[ 401 ]

فهو عاد. والحساب واخراج المقدار في الكمية وهي العدة، وهذا السؤال لهم على وجه التوبيخ لانكارهم البعث والنشور، فيقول الله لهم إذا بعثهم (كم لبثتم في الارض عدد سنين) اي اين ما كنتم تنكرون من اجابت الرسل وما جاءت به وتكذبون به. وقوله " قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم) فسأل العادين قال مجاهد: معناه فسأل العادين من الملائكة لانهم يحصون أعمال العباد. وقال قتادة: العادين هم الحساب الذين يعدون الشهور والسنين، ولا يدل ذلك على بطلان عذاب القبر، لانهم لم يكونو يعدون كاملي العقول، وقد صح عذاب القبر بتضافر الاخبار عن النبي صلى الله عليه وآله واجماع الامة عليه - ذكره الرماني - ولايحتاج إلى هذا، لانه لا يجوز أن يعاقب الله العصاة إلا وهم كاملوا العقول ليعلموا أن ذلك واصل إليهم على وجه الاستحقاق. ووجه اخبارهم بيوم أو بعض يوم، هو الاخبار عن قصر المدة، وقلته، لما مضى لسرعة حصولهم في ما توعدهم الله تعالى، فيقول الله تعالى في الجواب (ان لبثتم الا قليلا) اي لم تلبثوا إلا قليلا، والمراد ما قلناه من قصر المدة كما قال (اقترب للناس حسابهم) (1) وكما قال (اقتربت الساعة) (2) وكما قال (وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو اقرب) (3) وقال الحسن: معناه (إن لبثتم إلا قليلا) في طول لبثكم في النار، والقلة والكثرة يتغير ان بالاضافة، فقد يكون الشئ قليلا بالاضافة إلى ما هو أكثر منه، ويكون كثيرا بالاضافة إلى ما هو أقل منه (لو انكم كنتم تعلمون) صحة ما أخبرناكم به. ثم قال لهم (أفحسبتم) معاشر الجاحدين للبعث والنشور (أنما خلقناكم عبثا) لا لغرض ! ؟ ! أي ظنتتم، والحسبان والظن واحد، أحد ظننتم انا خلقناكم لا لغرض،


(1) سورة 21 الانبياء آية 1 (2) سورة 54 القمر آية 1 (3) سورة 16 النحل آية 77 (ج 7 م 51 من التبيان (*)

[ 402 ]

وحسبتم (أنكم الينا لا ترجعون) أي إلى الحال التي لا يملك نفعكم وضركم فيها إلا الله، كما كنتم في ابتداء خلقكم قبل أن يملك أحدا شيئا من أمركم. ثم نزه تعالى نفسه عن كل دنس، واخبرانه (فتعالى الله الملك الحق) ومعناه: علا معنى صفته، فوق كل صفة لغيره، فهو تعظيم الله تعالى بأن كل شئ سواه يصغر مقداره عن معنى صفته. (والملك الحق) هو الذي يحق له الملك، بأنه ملك غير مملك، وكل ملك غيره، فملكه مستعار له، وانما يملك ما ملكه الله، فكأنه لا يعتد بملكه في ملك ربه، والحق هو الشئ الذي من اعتقده كان على ما اعتقده، فالله الحق، لانه من اعتقد انه لا إله إلا هو، فقد اعتقد الشئ على ما هو به. وقوله (رب العرش الكريم) أي خالقه، ووصفه العرش بأنه كريم تعظيم له باتيان الخير من جهته، بما دبره الله لعباده، والكريم في أصل اللغة القادر على التكرم من غير مانع. ثم قال " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به " ومعناه إن من دعا مع الله إلها سواه لا يكون له على ذلك برهان ولا حجة، لانه باطل، ولو دعا الله ببرهان لكان محقا، واجري على ذلك قوله " ويقتلون النبيين بغير حق " (1) وقول الشاعر: على لاحب لا يهتدى بمناره (2) وقوله " فانما حسابه على ربه " يعني الله الذي يبين له مقدار ما يستحقه من ثواب أو عقاب. ثم اخبر تعالى بأنه " لا يفلح الكافرون " يعني الجاحدين لنعم الله، والمنكرين لتوحيده، والدافعين للبعث والنشور. ثم امرنبيه صلى الله عليه وآله فقال له " قل " يا محمد " رب اغفر وارحم " أي اغفر الذنوب، وانعم على خلقك. " وانت خير الراحيم " معناه افضل من رحم وانعم على غيره، واكثرهم نعمة وأوسعهم فضلا.


(1) سورة 3 آل عمران آية 21 (2) انظر 2 / 356، 423 و 6 / 213 (*)

[ 403 ]

24 - سورة النور مدنية بلا خلاف، وهي أربع وستون آية في البصري والكوفي واثنتان في المدنيين. بسم الله الرحمن الرحيم (سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون) (1) آية واحدة بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو عمرو (وفرضناها) بتشديد الراء. الباقون بتخفيفها. وفسر أبو عمرو قراءته بمعنى فصلناها (1) وبيناها بفرائض مختلفه، والتقدير هذه (سورة) لان النكرة لا يبتدأ بها. وقال غيره: معنى التشديد حددنا فيها الحلال والحرام. وقال قتادة: معنى التشديد: قد بيناها. وقيل: معنى التشديد: جعلناها عليكم وعلى من بعدكم إلى قيام الساعة، ومن خفف أراد من الفريضة أي فرض فيها الحلال والحرام، والفرض مأخوذ من فرض القوس وهو الحز الذي فيه الوتر، والفرض ايضا نزول القرآن قال


(1) وفى بعض النسخ الخطية (فمعنى قراءة ابي عمرو: وفصلناها) (*)

[ 404 ]

الله تعالى (ان الذي فرض عليك القرآن) أي انزل. وارتفع (سورة) على تقدير هذه (سورة) إلا انه حذف على تقدير التوقع لما ينزل من القرآن. والسورة المنزلة الشريفة قال الشاعر: ألم تر أن الله اعطاك سورة * ترى كل ملك دونها يتذبذب (2) فسميت السورة من القرآن بذلك لهذه العلة. والفرض هو التقدير - في اللغة - وفصل بينه وبين الواجب، بأن الفرض واجب بجعل جاعل، فرضه على صاحبه، كما انه أوجبه عليه، والواجب قد يكون واجبا من غير جعل جاعل، كوجوب شكر المنعم، فجرى مجرى دلالة الفعل على الفاعل في انه يدل من غير جعل جاعل كما تجعل العلامة الوضعية، إلا أن الله تعالى لا يوجب على العبد الا ما له صفة الوجوب في نفسه، كما لا يرغب الا في ما هومرغوب في نفسه. وقوله (انزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون) فمعنى (الآيات) الدلالات على ما يحتاج إلى علمه مما قد بينه الله في هذه السورة، ونبه على ذلك من شأنها لينظر فيه طالب العلم ويفوز ببغيته منه، والتقدير، وفرضنا فرائضها. واضاف الفرائض إلى السورة، وهي بعضها، لدلالة الكلام عليه، لانها مفهومة منها و (بينات) معناه ظاهرات واضحات. وقوله (لعلكم تذكرون) معناه لكي تذكروا الدلائل التي فيها، فتكون حاضرة لكم لتعملوا بموجبه وتلتزموا معانيه. قوله تعالى: (ألزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة


(1) سورة 28 القصص آية 85 (2) قائله النابغة الذبياني ديوانه " دار بيروت " 18 وقد مر في 1 / 19، 3 / 366 من هذا الكتاب. (*)

[ 405 ]

ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين (2) الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين) (3) آيتان بلا خلاف. قرأ ابن كثير الا ابن فليح (رآفة) بفتح الهمزة على وزن (فعالة). الباقون بسكونها، وهما لغتان في المصدر، يقال: رأف رأفة مثل كرم كرما. وقيل: رآفة مثل سقم سقامة. والرأفة رقة الرحمة. أمر الله تعالى في هذه الآية: أن يجلد الزاني، والزانية إذا لم يكونا محصنين (كل واحد منهما مئة جلدة) وإذا كانا محصنين أو أحدهما، كان على المحصن الرجم بلا خلاف. وعندنا انه يجلد اولا مئة جلدة ثم يرجم، وفي اصحابنا من خص ذلك بالشيخ والشيخة إذا زنيا وكانا محصنين، فأما إذا كانا شابين محصنين لم يكن عليهما غير الرجم، وهو قول مسروق. وفي ذلك خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء. والاحصان الذي يوجب الرجم هو أن يكون له زوج يغدو إليه ويروح على وجه الدوام، وكان حرا. فأما العبد، فلا يكون محصنا، وكذلك الامة لا تكون محصنة، وانما عليهما نصف الحد: خمسون جلدة، والحر متى كان عنده زوجة يتمكن من وطئها مخلى بينه وبينها سواء كانت حرة أو أمة، أو كان عنده أمة يطؤها بملك اليمين، فانه متى زنا وجب عليه الرجم، ومن كان غائبا عن زوجته شهرا فصاعدا أو كان محبوسا أو هي محبوسة هذه المدة، فلا أحصان. ومن كان محصنا على ما قدمناه ثم ماتت زوجته أو طلقها بطل احصانه. وفى جميع ذلك خلاف بين الفقهاء ذكرناه

[ 406 ]

في الخلاف. والخطاب بهذه الآية وان كان متوجها إلى الجماعة، فالمراد به الائمة بلا خلاف، لانه لا خلاف أنه ليس لاحد اقامة الحدود إلا للامام أو من يوليه الامام. ومن خالف فيه لا يعتد بخلافه. والزنا هو وطؤ المرأة في الفرج من غير عقد شرعي ولا شبهة عقد شرعي مع العلم بذلك أو غلبة الظن. وليس كل وطئ حرام زنا، لانه قد يطؤ امرأته في الحيض والنفاس، وهو حرام، ولايكون زنا، وكذلك لو وجد امرأة على فراشه، فظنها زوجته أو أمته فوطأها لم يكن ذلك زنا، لانه شبهة. وقوله " ولا تأخذهم بهما رأفة في دين الله " قال مجاهد وعطاء ابن أبي رياح وسعيد بن جبير وابراهيم: معناه لا تمنعنكم الرأفة والرحمة من اقامة الحد. وقال الحسن وسعيد بن المسيب وعامر الشعبي وحماد: لا يمنعكم ذلك من الجلد الشديد. (والرأفة) بسكون الهمزة. والرآفة - بفتح الهمزة - مثل الكأبة والكآبة، والسأمة والسآمة، وهما لغتان، وبفتح الهمزة قرأ ابن كثير على ما قدمناه. وقوله " إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " أي إن كنتم تصدقون بما وعد الله وتوعد عليه، وتقرون بالبعث والنشور، فلا تأخذكم في من ذكرناه الرأفة، ولا تمنعكم من اقامة الحد على من ذكرناه، وقوله " وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين " قال مجاهد وابراهيم: الطائفة رجل واحد. وعن ابي جعفر (ع) ان اقله رجل واحد. وقال عكرمة: الطائفة رجلان فصاعدا. وقال قتادة والزهري: هم ثلاثة فصاعدا. وقال ابن زيد: اقله اربعة. وقال الجبائي: من زعم ان الطائفة اقل من ثلاثة فقد غلط من جهة اللغة، ومن جهة المراد بالآية، من احتياطه بالشهادة. وقال: ليس لاحد ان يقيم الحد

[ 407 ]

إلا الائمة وولاتهم، ومن خالف فيه فقد غلط، كما انه ليس للشاهد ان يقيم الحد. وقد دخل المحصن في حكم الآية بلا خلاف. وكان سيبويه يذهب إلى ان التأويل: في ما فرض عليكم، الزانية والزاني، ولولا ذلك لنصب بالامر. وقال المبرد: إذا رفعته ففيه معنى الجزاء، ولذلك دخل الفاء في الخبر، والتقدير التي تزني، والذي يزني، ومعناه من زنى فاجلدوه، فيكون على ذلك عاما في الجنس. وقال الحسن: رجم النبي صلى الله عليه وآله الثيب (1) وأراد عمر ان يكتبه في آخر المصحف ثم تركه، لئلا يتوهم انه من القرآن. وقال قوم: إن ذلك منسوخ التلاوة دون الحكم. وروي عن علي (ع) ان المحصن يجلد مئة بالقرآن، ثم يرجم بالسنة. وانه امر بذلك. وقوله " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك... " الآية. قيل: انها نزلت على سبب، وذلك انه استأذن رجل من المسلمين النبي صلى الله عليه وآله ان يتزوج امرأة من اصحاب الرايات، كانت تسافح، فأنزل الله تعالى الآية. وروي ذلك عن عبد الله بن عمر، وابن عباس: وقال حرم الله نكاحهن على المؤمنين، فلا يتزوج بهن الا زان أو مشرك. وقال مجاهد والزهري والشعبي: ان النى استؤذن فيها ام مهزول. وقيل النكاح - ههنا - المراد به الجماع، والمعنى الاشتراك في الزنا، يعني انهما جميعا يكونان زانيين، ذكر ذلك ابن عباس. وقد ضعف الطبري ذلك، قال: لا فائدة في ذلك. ومن قال بالاول، قال: الآية وان كان ظاهرها الخبر، فالمراد به النهي. وقال سعيد بن جبير: معناه انها زانية مثله. وهو قول الضحاك وابن زيد. وقال سعيد ابن المسيب: كان ذلك حكم كل


(1) في المخطوط (البنت) (*)

[ 408 ]

زان وزانية، ثم نسخ بقوله (وانكحوا الايامى منكم والصالحين) (1)، وبه قال اكثر الفقهاء. وقال الرماني: وجه التأويل انهما مشتركان في الزنا، لانه لاخاف انه ليس لاحد من اهل الصلاة ان ينكح زانية وان الزانية من المسلمات حرام على كل مسلم من اهل الصلاة، فعلى هذا له ان يتزوج بمن كان زنى بها. وعن ابي جعفر (ع) (ان الآية نزلت في اصحاب الرايات، فأما غيرهن فانه يجوز ان يتزوجها، وان كان الافضل غيرها، ويمنعها من الفجور). وفى ذلك خلاف بين الفقهاء. قوله تعالى: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فان الله غفور رحيم) (5) آيتان بلا خلاف. قال سعيد بن جبير: هذه الآية نزلت في عائشة. وقال الضحاك في نساء المؤمنين: وهو الاولى، لانه اعم فائدة، وإن كان يجوز أن يكون سبب نزولها في عائشة، فلا تقصير الآية على سببها. يقول الله تعالى ان " الذين يرمون المحصنات " أي يقذفون العفائف من النساء بالزناء، والفجور، وحذف قوله بالزنا لدلالة الكلام عليه، ولم يقيموا على ذلك أربعة من الشهود، فانه يجب على كل واحد منهم ثمانون جلدة. وقال الحسن: يجلد


(1) سورة 24 النور آية 32 (*)

[ 409 ]

وعليه ثيابه. وهو قول ابي جعفر (ع). ويجلد الرجل قائما، والمراة قاعدة. وقال ابراهيم ترمى ثيابه في حد الزنا. وقوله " ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا " نهي من الله تعالى عن قبول شهادة القاذف على التأبيد، وحكم عليهم بأنهم فساق. ثم استثنى من ذلك الذين تابوا من بعد ذلك. واختلفوا في الاستثناء إلى من يرجع، فقال قوم: انه من الفساق، فإذا تاب قبلت شهادته حد اولم يحد. وهو قول سعيد بن المسيب. وقال عمر لابي بكرة: إن تبت قبلت شهادتك. فأبى أبو بكرة أن يكذب نفسه. وهو قول مسروق والزهري والشعبي وعطاء وطاوس ومجاهد وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز والضحاك، وهو قول ابي جعفر وابي عبد الله (ع). وبه قال الشافعي من الفقهاء وأصحابه، وهو مذهبنا. وقال الزجاج: يكون تقديره، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا إلا الذين تابوا. ثم وصفهم بقوله " وأولئك هم الفاسقون " وقال شريح وسعيد بن المسيب، والحسن وابراهيم: الاستثناء من الفاسقين دون قوله " ولا تقبلوا لهم شهادة ابدا " وبه قال أهل العراق، قالوا: فلا يجوز قبول شهادة القاذف ابدا. ولا خلاف في انه إذا لم يحد - بأن تموت المقذوفة ولم يكن هناك مطالب، ثم تاب - أنه يجوز قبول شهادته. وهذا يقتضي الاستثناء من المعنيين على تقدير: وأولئك هم الفاسقون في قذفهم، مع امتناع قبول شهادتهم إلا التائبين منهم. والحد حق المقذوفة لا يزول بالتوبة. وقال قوم: توبته متعلقة باكذابه نفسه. وهو المروي في أخبارنا، وبه قال الشافعي. وقال مالك بن أنس: لا يحتاج إلى ذلك فيه. قال أبو حنيفة: ومتى كان القاذف عبدا أو أمة فعليه أربعون جلدة. وقد (ج 7 م 52 من التبيان)

[ 410 ]

روى أصحابنا: أن الحد ثمانون في الحر والعبد، وظاهر العموم يقتضي ذلك، وبه قال عمر بن عبد العزيز، والقاسم بن عبد الرحمن. قوله تعالى: (والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين (6) والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين (7) ويدرؤ عنها العذاب أن تشهدا أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (8) والخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين (9) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله تواب حكيم) (10) خمس آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر " فشهادة احدهم اربع شهادات " برفع العين. الباقون بفتحها. وقرأ نافع ويعقوب " ان لعنة الله.... وان غضب الله عليها " بتخفيف النون فيهما، وسكونها، ورفع " لعنة الله " وقرأ نافع " غضب الله " - بكسر الضاد وفتح الباء، ورفع الهاء - من اسم الله. وقرأ يعقوب - بفتح الضاد ورفع الباء وخفض الهاء - من اسم الله. الباقون بفتح الضاد ونصب الباء وخفض الهاء. وقرأ حفص " الخامسة ان غضب الله " بالنصب. الباقون بالرفع. من رفع قوله " اربع " جعله خبر الابتداء، والابتداء " فشهادة احدهم " قال أبو حاتم: من رفع فقد لحن، لان الشهادة واحدة، وقد أخبر عنها بجمع، فلا يجوز ذلك، كما لا يجوز (زيد أخوتك) وهذا خطأ، لان الشهادة، وإن كانت بلفظ الوحدة فمعناها

[ 411 ]

الجمع، كقولك صلاتي خمس، وصومي شهر. وقال الزجاج: تقديره " فشهادة أحدهم " التي تدرؤ العذاب " أربع شهادات " ومن قرأ بالنصب جعله مفعولا به أي يشهد أربع شهادات. وقال أبو علي الفارسي: ينبغي أن يكون قوله " فشهادة احدهم " مبنيا على ما يكون مبتدأ، وتقديره: فالحكم أو فالفرض ان يشهد أحدهم أربع شهادات، أو فعليهم أن يشهدوا، ويكون قوله " انه لمن الكاذبين " على هذا من صلة (شهادة أحدهم)، وتكون الجملة التي هي قوله " انه لمن الصادقين " في موضع نصب، لان الشهادة كالعلم، والجملة في موضع نصب، بأنه مفعول به " واربع شهادات تنتصب انتصاب المصادر. ومن رفع " أربع شهادات " لم يكن قوله " انه لمن الصادقين " إلا من صلة " شهادات " دون " شهادة " كما أن قوله " بالله " من صلة (شهادات) دون صلة (شهادة) لانك لو جعلته من صلة (شهادة) فصلت بين الصلة والموصول. ومن نصب " أربع شهادات " فقياسه ان ينصب " والخامسة " لانها شهادة، وإذا رفع " أربع شهادات " ونصب " الخامسة " قدر له فعلا ينصبها به، وتقديره ويشهد الخامسة. ومن رفع " أربع شهادات " ورفع " الخامسة " جعلها معطوفة عليه، وإذا نصب الخامسة، لم يجعلها معطوفة عليه وجعلها مفعولا، وقدر فعلا ينصبها به. وقال: أبو علي: قراءة نافع في تخفيف (ان) الوجه فيها أنها المخففة من الثقيلة، ولا تخفف في الكلام أبدا وبعدها اسم إلا ويراد إضمار القصة، ومثله قوله " وآخر دعواهم أن الحمد لله " (1). وانما خففت الثقيلة المفتوحة على اضمار القصة والحديث، ولم تكن المكسورة كذلك، لان الثقيلة المفتوحة موصولة. ويستقبح النحويون قراءة نافع في قوله " ان غضب الله " لان من شأن المخففة من الثقيلة ألا تلي فعلا إلا وفي الكلام عوض، كقوله " ألا يرجع " (2) وقوله " علم ان


(1) سورة 10 يونس آية 10 (2) سورة 20 طه آية 89 (* 9

[ 412 ]

سيكون " (1) فان (لا) و (السين) عوض من الثقيلة. ووجه قراءة نافع انه قد جاء في الدعاء ولفظه لفظ الخبر، وقد يجئ في الشعر وإن لم يفصل بين (ان) وبين ما يدخل عليها من الفعل، فعلى قول نافع (لعنة الله) رفع بالابتداء و (غضب) فعل ماض، واسم الله رفع بفعله. ومعنى الآية ان من قذف محصنة حرة مسلمة بفاحشة من الزنا، ولم يأت بأربعة شهداء جلد ثمانين. ومن رمى زوجته بالزنا تلاعنا. والملاعنة أن يبدأ الرجل فيحلف اربع مرات بالله الذي لا إله إلا هو انه صادق فيما رماها به، ويحتاج ان يقول أشهد بالله أني صادق، لان شهادته أربع مرات تقوم مقام أربعة شهود في دفع الحد عنه، ثم يشهد الخامسة ان لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين فيما رماها به. (وإذا جحدت المرأة ذلك شهدت أربع شهادات بالله انه لمن الكاذبين فيما رماها به و) (2) تشهد الخامسة أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين. ثم يفرق بينهما، ولا يجتمعان أبدا، كما فرق رسول الله صلى الله عليه وآله بين هلال بن أمية وزوجته. وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لاب، ولاترمى هي، ولا يرمى ولدها. وقال ابن عباس: متى لم تحلف وجمت، وإن لم يكن دخل بها جلدت الحد، ولم ترجم إذا لم تلتعن، وعند أصحابنا: انه لا لعان بينهما ما لم يدخل بها، فمنى رماها قبل الدخول وجب عليه حد القاذف، ولا لعان بينهما. وفرقة اللعان تحصل عندنا بتمام اللعان من غير حكم الحاكم، وتمام اللعان إنما يكون إذا تلاعن الرجل والمرأة معا. وقال قوم: تحصل بلعان الزوج الفرقة. وقال أهل العراق: لا تقع الفرقة إلا بتفريق الحاكم بينهما. ومتى رجمت عند النكول ورثها الزوج، لان زناها لا يوجب التفرقة بينهما. ولو جلدت - إذا لم يكن دخل بها - فهما على الزوجية. وذلك يدل على ان الفرقة انماتقع


(1) سورة 73 المزمل آية 20 (2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة (*)

[ 413 ]

بلعان الرجل والمرأة معا. قال الحسن: إذا تمت الملاعنة بينهما ولم يكن دخل بها، فلها نصف الصداق، لان الفرقة جاءت من قبله. وإذا تم اللعان اعتدت عدة المطلقة عند جميع الفقهاء، ولا يتزوجها أبدا بلا خلاف. وآية اللعان نزلت في عاصم بن عدي. وقيل: نزلت في هلال ابن امية - في قول ابن عباس - ومتى فرق بينهما اثم اكذب نفسه جلد الحد ولا ترجع إليه امرأته. وقال أبو حنيفة ترجع إليه. وإذا أقر بالولد بعد اللعان ألحق به يرثه الابن ولا يرثه الاب. وقال الشافعي: يتوارثان. و (الدرؤ) الدفع و (العذاب) الذي يدرؤ عنهما بشهادتهما (الحد)، لانه بمنزلة من يشهد عليها أربعة شهود بالزنا. وقال قوم: هو الحبس لانه لم تتم البينة بأربعة شهود، وانما إلتعان الرجل درأ عنه الحد في رميه. قال الجبائي: في الآية دلالة على ان الزنا ليس بكفر، لانه ليس لصاحبه حكم المرتد. وفيها دلالة على انه يستحق اللعن من الله بالزنا. وقوله (ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله تواب رحيم) نصب قوله (وان الله) لانه عطف على موضع (أن) الاولى. وجواب (لولا) محذوف، وتقديره: لولا فضل الله عليكم ورحمته لفضحكم بما ترتكبون من الفاحشة، ولعاجلكم بالعقوبة أو لهلكتم وما يجري مجراه. ومثله قولهم: لو رايت فلانا وفى يده السيف اي لرأيت شجاعا ولرأيت هائلا، قال جرير: كذب العواذل لو رايت مناخنا * بحزيز رامة والمطي سوام (1) وفى المثل (لو ذات سوار لطمتني)


(1) ديوانه " دار بيروت " 452 (*)

[ 414 ]

قوله تعالى: (إن الذين جاؤا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم (11) لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين (12) لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك عند الله هم الكاذبون (13) ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم (14) إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بافواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم) (15) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى مخاطبا لامة محمد صلى الله عليه وآله " إن الذين جاؤا بالافك " يعني الذين أتوا بالافك، وهو الكذب الذي قلب فيه الامر عن وجهه، واصله الانقلاب، ومنه (المؤتفكات) وأفك يأفك افكا إذا كذب. لانه قلب المعنى عن حقه إلى باطله، فهو آفك، مثل كاذب، وقوله " عصبة منكم " يعني جماعة منكم، ومنه قوله " ليوسف واخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة " (1) ويقال: تعصب القوم إذا اجتمعوا على هيئة، فشد


(1) سورة 12 يوسف آية 8 (*)

[ 415 ]

بعضهم بعضا. والعصبة في النسب العشيرة المقتدرة، لانه يجمعها التعصب. وقال ابن عباس: منهم (عبد الله بن أبي بن سلول) وهو الذي تولى كبره، وهو من رؤساء المنافقين. و (مسطح بن اثاثة، وحسان بن ثابت، وحمنة بنت جحش) وهو قول عائشة، وكان سبب الافك ان عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، وكانت تباعدت لقضاء الحاجة، فرجعت تطلبه، وحمل هودجها على بعيرها ظنا منهم بها أنها فيه، فلما صارت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا عنه، وكان صفوان ابن معطل السلمي الذكواني من وراء الجيش فمر بها، فلما عرفها أناخ بعيره حتى ركبته، وهو يسوقه حتى أتى الجيش بعد ما نزلوا في قائم الظهيرة. هكذا رواه الزهري عن عائشة. وقوله " لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم " خطاب لمن قرب بالافك من عائشة، ومن اغتم لها، فقال الله تعالى لا تحسبوا غم الافك شرا لكم بل هو خير لكم، لان الله (عزوجل) يبرئ ساحته ببراءتها، وينفعها بصبرها واحتسابها، وما ينل منها من الاذى والمكروه الذي نزل بها، ويلزم أصحاب الافك ما استحقوه بالاثم الذى ارتكبوه في أمرها. ثم اخبر تعالى فقال " لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم " أي له جزاء ما اكتسب من الاثم من العقاب. ثم قال " والذي تولى كبره منهم " يعني (ان ابي بن سلول) تحمل ومعظمه و (كبره) مصدر من معنى الكبير من الامور. قال أبو عبيدة: فرقوا بينه وبين مصدر الكبر في السن، يقال: فلان ذو كبر أي ذو كبرياء. وقرأ أبو جعفر المدني بضم الكاف. الباقون بكسرها، فالكبر بضم الكاف من كبر السن، وهو كبير قومه أي معظمهم، والكبر والعظم واحد. وقيل: دخل حسان على عائشة فانشدها قوله في بيته:

[ 416 ]

حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم القوافل (1) فقالت له: لكنك لست كذلك. وقوله " له عذاب عظيم " يعني جزاء على ما اكتسبه من الاثم. وقوله " لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسهم خيرا " معناه هلا حين سمعتم هذا الافك من القائلين ظن المؤمنون بالمؤمنين الذين هم كانفسهم خيرا، لان المؤمنين كلهم كالنفس الواحدة فيما يجري عليها من الامور، فإذا جرى على أحدهم محنة، فكأنه جرى على جماعتهم، وهو كقوله " فسلموا على أنفسكم " (2) وهو قول مجاهد، قال الشاعر في (لولا) بمعنى (هلا): تعدون عقر النيب أفضل مجدلكم * بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا (3) اي فهلا تعدون قتل الكمي. وقوله تعالى " وقالوا هذا افك مبين " معناه وهلا قالوا هذا القول كذب ظاهر. ثم قال تعالى " لولا جاؤا عليه بأربعة شهداء " أي هلا جاؤا على ما قالوه ببينة أربعة من الشهداء " فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك " الذين قالوا هذا الافك " هم الكاذبون " عند الله، والمعنى انهم كاذبون في عيبهم، فمن جوز صدقهم، فهو راد لخبر الله تعالى، فالآية دالة على كذب من قذف عائشة، وافك عليها. فأما في غيرها إذا رماها الانسان، فانا لا نقطع على كذبه عند الله، وإن اقمنا عليه الحد، وقلنا هو كاذب في الظاهر، لانه يجوز أن يكون صادقا عند الله، وهو قول الجبائي. ثم قال تعالى على وجه الامتنان على المؤمنين " ولولا فضل الله عليكم ورحمته


(1) تفسير القرطبي 12 / 200 (2) سورة 24 النور آية 61 (3) قائلة جرير ديوانه (دار بيروت) 265، وقد مر في 1 / 319، 435 و 6 / 319 ورواية الديوان: تعدون عقر النيب افضل سعيكم * بني ضوطرى هلا الكمي المقنعا (*)

[ 417 ]

في الدنيا والاخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم " جزاء على خوضكم في قصة الافك وافاضتكم فيه. وقيل في الآية تقديم وتأخير، وتقديره: ولولا فضل الله عليكم ورحمته لمسكم في ما افضتم فيه عذاب عظيم في الدنيا والاخرة. وقوله " إذ تلقونه بالسنتكم " تقديره: لمسكم عذاب عظيم حين تلقونه بالسنتكم، ومعناه برواية بعضكم عن بعض لتشييعه - في قول مجاهد - وروي عن عائشة أنها قرأت " تلقونه " من ولق الكذب، وهو الاستمرار على الكذب ومنه: ولق فلان في السير إذا استمر به، ويقال. في الولق من الكذب: الالق والالق، تقول: ألقت وانتم تألقونه. أنشد الفراء: من لي بالمرر واليلامق * صاحب أدهان وألق آلق (1) فتح الالف من ادهان، وقال الراجز: إن الحصين زلق وزملق * جاءت به عيس من الشام تلق وينشد ايضا: ان الحصين زلق وزملق * جاءت به عنس من الشام تلق مجوع البطن كلاليم الحلق وقوله " تقولون بافواكم ما ليس به علم " من وجه الافك " وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم " اي تظنونه حقيرا وهو عند الله عظيم لانه كذب وافتراء.


(1) تفسير الطبري 18 / 70 (ج 7 م 53 من التبيان) (*)

[ 418 ]

قوله تعالى (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين (17) ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (18) إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون (19) ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم) (20) خمس آيات بلا خلاف. يقول الله تعالى للمؤمنين: وهلا حين سمعتم من هؤلاء العصبة ما قالوا من الافك " قلتم " في جوابهم " ما يكون لنا ان نتكلم بهذا " أي ليس لنا ذلك بل هو محرم علينا، وقلتم " سبحانك " يا ربنا " هذا " الذي قالوه " بهتان عظيم " أي كذب وزور عظيم عقابه في الظاهر. فالبهتان الكذب الذي فيه مكابرة تحير، يقال: بهته يبهته بهتا وبهتانا إذا حيره بالكذب عليه. ثم قال تعالى " يعظكم الله ان تعودوا " أي كراهة أن تعودوا " لمثله " أو لئلا تعودوا إلى مثله من الافك " أبدا " أي طول اعماركم، لا ترجعوا إلى مثل هذا القول " إن كنتم مؤمنين " مصدقين بالله ونبيه، قابلين وعظ الله. وقال ابن زيد: الوعظ يمنع ان يقول القائل أنا سمعته، ولم أختلقه. " ويبين الله لكم الايات " يعني الدلالات والحجج " والله عليم حكيم " أي عالم بما يكون منكم، حكيم فيما يفعله،

[ 419 ]

ولا يضع الشئ إلا في موضعه. ثم اخبر تعالى " ان الذين يحبون " ويؤثرون " ان تشيع الفاحشة " أي تظهر الافعال القبيحة " في الذين آمنوا لهم عذاب اليم " أي موجع جزاء على ذلك " في الدنيا " باقامة الحد عليهم، وفي " الاخرة " بعذاب النار " والله يعلم " ذلك وغيره " وانتم لا تعلمون " ان الله تعالى يعلم ذلك. ثم قال " ولولا فضل الله عليكم ورحمته وان الله رؤف رحيم " لاهلككم وعاجلكم بالعقوبة، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. وفي الآية على أن العزم على الفسق فسق، لانه إذا الزمه الوعيد على محبة شياع الفاحشة من غيره، فإذا أحبها من نفسه وأرادها كان أعظم. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فانه يأمر بالفحشاء والمنكر ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (21) ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (22) إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا

[ 420 ]

والاخرة ولهم عذاب عظيم (23) يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (24) يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين) (25) خمس آيات بلا خلاف. قرأ أبو جعفر المدني " ولا يتأل " على وزن (يتفعل) الهمزة مفتوحة بعد التاء، واللام مشددة مفتوحة. الباقون " يأتل " على وزن (يفتعل). الهمزة ساكنة. وقرأ اهل الكوفة إلا عاصما " يوم يشهد " بالياء، لان تأنيث الالسنة ليس بحقيقي، ولانه حصل فصل بين الفعل والفاعل. الباقون بالتاء، لان الالسنة مؤنثة. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين المعترفين بتوحيد الله المصدقين لرسله، ينهاهم فيه عن اتباع خطوات الشيطان، وخطوات الشيطان تخطية الحلال إلى الحرام. والمعنى لا تسلكوا مسالك الشيطان، ولا تذهبوا مذهبه، والاتباع الذهاب فيما كان من الجهات التي يدعو الداعي إليها بذهابه فيها، فمن وافق الشيطان فيما يدعو إليه من الضلال، فقد اتبعه. والاتباع اقتفاء أثر الداعي إلى الجهة بذهابه فيها، وهو بالتثقيل والتخفيف بمعنى الاقتداء به. والمعنى لا تتبعوا الشيطان بموافقته فيما يدعو إليه. ثم قال " ومن يتبع خطوات الشيطان " فيما يدعوه إليه " فانه " يعني الشيطان " يأمر بالفحشاء " يعني القبائح " والمنكر " من الافعال. والفحشاء كل قبيح عظيم. والمنكر الفساد الذي ينكره العقل ويزجر عنه. ثم قال تعالى " ولو لا فضل الله عليكم ورحمته " بان يلطف لكم، ويزجركم عن ارتكاب المعاصي " ما زكى منكم من أحدا ابدا " ف‍ (من) زائدة، والمعنى ما فعل احد منكم الافعال الجميلة إلا بلطف من جهته أو وعيد من قبله. وقال ابن زيد: معناه لولا فضل الله ما أسلم احد منكم.

[ 421 ]

وفى ذلك دلالة على أن احدا لا يصلح في دينه إلا بلطف الله (عزوجل) له، لان ذلك عام لجميع المكلفين الذين يزكون بهذا الفضل من الله. وقوله " ولكن الله يزكي من يشاء " معناه من يعلم أن له لطفا يفعله به ليزكو عنده. وقيل: يزكي من يشاء بالثناء عليه. والاول أجود (والله سميع عليم) معناه إنه يفعل المصالح والالطاف على ما يعلمه من المصلحة للمكلفين. لانه يسمع أصواتهم ويعلم أحوالهم. وفي الآية دلالة على أنه تعالى يريد لخلقه خلاف ما يريده الشيطان، لانه ذكره عقيب قوله (يأمر بالفحشاء والمنكر). وقوله (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة) فالايتلاء القسم، يقال آلى يؤلي إيلاء إذا حلف على أمر من الامور، ويأتل (يفتعل) من الالية على وزن (يقتضي) من القضية، ومن قرأ (يتأل) فعلى وزن (يتفعل)، والمعنى لا يحلف أن لا يؤتي. وقال ابن عباس وعائشة وابن زيد: إن الآية نزلت في أبي بكر، ومسطح بن أثاثة، وكان يجري عليه، ويقوم بنفقته، فقطعها وحلف ان لا ينفعه أبدا، لما كان منه من الدخول مع أصحاب الافك في عائشة، فلما نزلت هذه الآية عاد أبو بكر له إلى ما كان، وقال: والله اني لاحب ان يغفر الله لي، والله لا أنزعها عنه ابدا. وكان مسطح ابن خالة أبي بكر، وكان مسكينا ومهاجرا من مكة إلى المدينة، ومن جملة البدريين. وقال الحسن ومجاهد: الآية نزلت في يتيم كان في حجر أبي بكر، حلف الا ينفق عليه. وروي عن ابن عباس وغيره: أن الآية نزلت في جماعة من اصحاب - رسول الله حلفوا أن لا يواسوا أصحاب الافك. وقال قوم: هذا نهي عام لجميع أولي الفضل والسعة أن يحلفوا ألا يؤتوا أولي القربى والمساكين والفقراء، وهو أولى

[ 422 ]

واعم فائدة، ويدخل فيه ما قالوه. وكان مسطح احد من حده النبي صلى الله عليه وآله في قذف الافك. وقال أبو علي الجبائي: قصة مسطح دالة على انه قد يجوز أن تقع المعاصي ممن شهد بدرا بخلاف قول النوابت. وقوله تعالى (وليعفوا وليصفحوا) أمر من الله تعالى للمرادين بالآية بالعفو عمن أساء إليهم، والصفح عنهم. واصل العافي التارك للعقوبة على من اذنب إليه، والصفح عن الشئ ان يجعله بمنزلة ما مر صفحا. ثم قال لهم (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) معاصيكم جزاء على عفوكم وصفحكم عمن اساء اليكم (والله غفور رحيم) اي ساتر عليكم منعم. ثم اخبر تعالى (إن الذين يرمون المحصنات) ومعناه الذين يقذفون العفائف من النساء (الغافلات) عن الفواحش (لعنوا في الدنيا والآخرة) اي أبعدوا من رحمة الله (في الدنيا) باقامة الحد عليهم ورد شهادتهم (وفي الآخرة) بأليم العقاب، والابعاد من الجنة (ولهم) مع ذلك (عذاب عظيم) عقوبة لهم على قذفهم المحصنات. وهذا وعيد عام لجميع المكلفين، في قول ابن عباس وابن زيد واكثر اهل العلم. وقال قوم: في عائشة، لما رأولها نزلت فيها هذه الآية توهموا ان الوعيد خاص فيمن قذفها، وهذا ليس بصحيح، لان عند اكثر العلماء المحصلين: ان الآية إذا نزلت على سبب لم يجب قصرها عليه، كآية اللعان، وآية القذف، وآية الظهار، وغير ذلك. ومتى حملت على العموم دخل من قذف عائشة في جملتها. وقوله (يوم تشهد عليهم السنتهم وأيديهم وارجلهم) تقديره: ولهم عذاب عظيم في هذا اليوم. وهو يوم القيامة. وشهادة الايدي والارجل باعمال الفجار. قيل في كيفيتها ثلاثة اقوال:

[ 423 ]

احدها - ان الله تعالى يبنيها بنية يمكنهم النطق بها والكلام من جهتها. الثاني - ان يفعل الله تعالى في هذه البنية كلاما يتضمن الشهادة، فكأنها هي الناطقة. والثالث - ان يجعل فيها علامة تقوم مقام النطق بالشهادة، وذلك إذا جحدوا معاصيهم. واما شهادة الالسن فيجوز ان يكونوا يشهدون بألسنتم إذا رأوا ان لا ينفعهم الجحد. واما قوله تعالى (اليوم نختم على افواههم) فقالوا: إنه يجوز ان يخرج الالسنة ويختم على الافواه، ويجوز ان يكون الختم على الافواه إنما هو في حال شهادة الايدي والارجل. وقال الجبائي: ويجوز ان يبنيها بنية مخصوصة، ويحدث فيها شهادة تشهد بها. وقوله (يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق) يعني جزاءهم الحق، والدين - ههنا - الجزاء، ويجوز ان يكون المراد جزاء دينهم الحق، وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه (ويعلمون ان الله هو الحق المبين) اي يعلمون الله ضرورة في ذلك اليوم، ويقرون انه الحق، الذين ابان الحجج والآيات في دار التكليف، وهو قول مجاهد، وقرئ (الحق) بالرفع، والنصب، فمن رفعه جعله من صفة الله، ومن نصبه جعله صفة للدين. قوله تعالى: (ألخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم) (26) آية بلا خلاف.

[ 424 ]

قيل في معنى الآية أربعة اقوال: احدها - قال ابن عباس ومجاهد والحسن والضحاك: معناه (الخبيثات) من الكلم (للخبيثين) من الرجال أي صادرة منهم. الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس: أن (الخبيثات) من السيآت (للخبيثين) من الرجال، والطيبات من الحسنات للطيبين من الرجال. الثالث - قال ابن زيد: (الخبيثات) من النساء (للخبيثين) من الرجال، كأنه ذهب إلى اجتماعها للمشاكلة بينهما. والرابع - قال الجبائي: (الخبيثات) من النساء الزواني (للخبيثين) من الرجال الزناة، على التعبد الاول ثم نسخ، وقيل الخبيثات من الكلم إنما تلزم الخبيثين من الرجال وتليق بهم. والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات عكس ذلك على السواء في الاقوال الاربعة. والخبيث الفاسد الذي يتزايد في الفساد تزايد النامي في النبات، ونقضيه الطيب. والحرام كله خبيث. والحلال كله طيب. وقوله " أولئك مبرؤن مما يقولون " قال مجاهد معناه: الطيبون من الرجال مبرؤن من خبيثات القول، يغفرها الله لهم. ومن كان طيبا، فهو مبرؤ من كل قبيح. ومن كان خبيثا، فهو مبرؤ من كل طيب بأن الله يرده عليه. ولا يقبله منه. وقال الفراء وغيره: يرجع ذلك إلى عائشة، وصفوان بن معطل كما قال " فان كل له أخوة " (1) والام تحجب بالاخوين، فجاء على تغليب لفظ الجمع الذي يجري مجرى الواحد في الاعراب، وانما قال " مبرؤن.... " الآية، لانه ذكر صفة الجمع، والمبرأ المنزه عن صفة الذم، المنفي عنه صفة العيب، يقال: برأه الله من كذا، إذا


(1) سورة 4 النساء آية 10 (*)

[ 425 ]

نفاه عنه. والله تعالى يبرئ المؤمنين من العيوب التي يضيفها إليهم أعداؤهم، ويفضح من يكذب عليهم. وقوله " لهم مغفرة ورزق كريم " أي لهؤلاء الطيبين من الرجال والنساء مغفرة من الله لذنوبهم، وعطية من الله كريمة، فالرزق الكريم هو الذي يعطي الخير على الادرار المهنأ، من غير تنغيص الامتنان، وهو رزق الله تعالى الذي يعم جميع العباد، ويخص من يشاء بالزيادة في الافعال. وقال قتادة " لهم مغفرة من الله ورزق كريم " في الجنة. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (27) فان لم تجدوا فيها أحدا فلا تدخلوها حتى يؤذن لكم وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم والله بما تعملون عليم (28) ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم والله يعلم ما تبدون وما تكتمون (29) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون) (30) أربع آيات بلا خلاف. (ج 7 م 54 من التبيان)

[ 426 ]

هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين ينهاهم أن يدخلوا بيوتا لا يملكونها، وهي ملك غيرهم إلا بعد أن يستأنسوا، ومعناه يستأذنوا، والاستئناس الاستئذان - في قول ابن عباس وابن مسعود وابراهيم وقتادة - وكأن المعنى يستأنسوا بالاذن. وروي عن ابن عباس أنه قال: القراءة " حتى تستأذنوا " وانما وهم الكتاب. وهو قول سعيد ابن جبير، وبه قرأ أبي بن كعب. وقال مجاهد: حتى تستأنسوا بالتنحنح والكلام الذي يقوم مقام الاستئذان. وقد بين الله تعالى ذلك في قوله " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا " (1) قال عطاء: وهو واجب في أمه وسائر أهله والاستئناس طلب الانس بالعلم أو غيره، كقول العرب: اذهب فاستأنس هل ترى احدا، ومنه قوله " فان آنستم منهم رشدا " (2) اي علمتم. وقوله " وتسلموا على أهلها " معناه على أهل البيوت ينبغي أن تسلموا عليهم وإذا أذنوا لكم في الدخول فادخلوها. وروى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (الاستئذان ثلاث، فان اذنوا، وإلا فارجع) فدعاه عمر، فقال لتأتيني بالبينة وإلا عاقبتك، فمضى أبو موسى، فأتى بمن سمع الحديث معه. والفرق بين الاذن في الدخول، وبين الدعاء إليه، أن الدعاء إليه، يدل على ارادة الداعي، وليس كذلك الاذن. وفى الدعاء رغبة الداعي أو المدعو، وليس كذلك الاذن وقوله " ذلكم خير لكم " يعني الاستئذان خير لكم من تركه، لتتذكروا في ذلك، فلا تهجموا على العورات. وقوله " فان لم تجدوا فيها احدا " يعني ان لم تعلموا في البيوت احدا يأذن لكم في الدخول " فلا تدخلوها " لانه ربما كان فيما مالا يجوز أن تطلعوا عليه إلا بعد أن يأذن اربابها في ذلك، يقال: وجد إذا علم.


(1) سورة 24 النور آية 59 (2) سورة 4 النساء آية 5 (*)

[ 427 ]

وقوله (وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا) أي لا تدخلوا إذا قيل لكم: لا تدخلوا، فان ذلك (أزكى لكم) اي اطهر (والله بما تعملون عليم) أي عالم بأعمالكم لا يخفى عليه شئ منها. ثم قال (ليس عليكم جناح) أي حرج وإثم (ان تدخلوا بيوتا غيرمسكونة فيهامتاع لكم) أي منافع. وقيل: في معنى هذه البيوت أربعة اقوال: احدها - قال قتادة: هي الخانات، فان فيها استمتاعا لكم من جهة نزولها، لا من جهة الاثاث الذي لكم فيها. والثاني - قال محمد بن الحنفية: هي الخانات التي تكون في الطرق مسبلة. ومعنى (غير مسكونة) اي لا ساكن لها معروف. والثالث - قال عطاء: هي الخرابات للغائط والبول. والرابع - قال ابن زيد: هي بيوت التجار التي فيها امتعة الناس. وقال قوم: هي بيوت مكة. وقال مجاهد: هي مناخات الناس في اسفارهم يرتفقون بها. وقال قوم: هي جميع ذلك حملوه على عمومه لان الاستئذان إنما جاء لئلا يهجم على ما لا يجوز من العورة. وهو الاقوى، لانه اعم فائدة. وقوله (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) اي لا يخفى عليه ما تظهرونه، ولا ما تكتمونه، لانه عالم بجميع ذلك. ثم خاطب النبي صلى الله عليه وآله فقال (قل) يا محمد (للمؤمنين يغضوا من ابصارهم) عن عورات النساء وما يحرم النظر إليه. وقيل: العورة من النساء ما عدا الوجه والكفين والقدمين، فأمروا بغض البصر عن عوراتهن، ودخلت (من) لا بتداء الغاية. ويجوز ان تكون للتبعيض، والمعنى أن يطرق وإن لم يغمض. وقيل: العورة من الرجل العانة إلى مستغلظ الفخذ من أعلى الركبة، وهو العورة من الاماء، قالوا:

[ 428 ]

ويدل على ان الوجه والكفين والقدمين ليس من العورة من الحرة، ان لها كشف ذلك في الصلاة، وإذا كانت محرمة مثل ذلك، بالاجماع، والقدمان فيهما خلاف. وقوله (ويحفظوا فروجهم) أمر من الله تعالى أن يحفظ الرجال فروجهم عن الحرام، وعن إبدائها حيث ترى فانهم متى فعلوا ذلك كان ازكى لاعمالهم عند الله وإن الله خبير بما يعملون ويصنعون اي عالم بما يعملونه اي على اي وجه يعملونه. وقال مجاهد: قوله (فان لم تجدوا فيها احدا) معناه فان لم يكن لكم فيها متاع، فلا تدخلوها إلا باذن، فان قيل لكم ارجعوا فارجعوا، وهذا بعيد، لان لفظة (احد) لا يعبر بها إلا عن الناس، ولا يعبر بها عن المتاع. قوله تعالى: (وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين أولي الاربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا آية المؤمنون لعلكم تفلحون) (31) آية بلا خلاف.

[ 429 ]

قرأ ابن عامر وابو بكر عن عاصم وابو جعفر (غير اولي الاربة) نصبا. الباقون بالجر. وقرأ ابن عامر (أيه المؤمنون) بضم الهاء، ومثله (يا أيه الساحر) (1) و (أيه الثقلان) (2). الباقون (ايها) بفتح الهاء مع الالف فيها. وكلهم وقف بلا الف إلا الكسائي، واهل البصرة والزبيبي من طريق العطار، والمالكي، فانهم وقفوا بالف. قال أبو علي: الوقف بالالف أجود، لانها سقطت في الوصل لاجتماع الساكنين. لما امر الله تعالى الرجال المؤمنين في الآية الاولى بغض أبصارهم عن عورات النساء، وامرهم بحفظ فروجهم عن ارتكاب الحرام، أمر المؤمنات في هذه الآية ايضا من النساء بغض أبصارهن عن عورات الرجال، وما لا يحل النظر إليه. وامرهن ان يحفظن فروجهن إلا عن ازواجهن على ما اباحه الله لهم، ويحفظن ايضا اظهارها بحيث ينظر إليها، ونهاهن عن إبداء زينتهن إلا ما ظهر منها. قال ابن عباس: يعني القرطين والقلادة والسوار والخلخال والمعضد والمنحر، فانه يجوز لها إظهار ذلك لغير الزوج، فاما الشعر فلا يجوز ان تبديه إلا لزوجها. والزينة المنهي عن إبدائها زينتان، فالظاهرة الثياب، والخفية الخلخال، والقرطان والسوار - في قول ابن مسعود - وقال ابراهيم: الظاهر الذي ابيح الثياب فقط. وعن ابن عباس - في رواية أخرى - أن الذي ابيح الكحل والخاتم والحذاء والخضاب في الكف. وقال قتادة: الحذاء والسوار والخاتم. وقال عطاء: الكفان والوجه. وقال الحسن: الوجه والثياب. وقال قوم: كلما ليس بعورة يجوز اظهاره. واجمعوا أن الوجه والكفين ليسا بعورة، لجواز اظهارها في الصلاة، والاحوط قول ابن مسعود، والحسن بعده.


(1) سورة 43 الزخرف آية 49 (2) سورة 55 الرحمن آية 31 (*)

[ 430 ]

وقوله " وليضربن بخمرهن على جيوبهن " فالخمار غطاء رأس المرأة المنسبل على جبينها وجمعه خمر، وقال الجبائي: هي المقانع. ثم كرر النهي عن اظهار الزينة تأكيدا وتغليظا واستثنى من ذلك: الازواج وآباء النساء. وإن علوا، وآباء الازواج وابنائهم، أو اخوانهن وبني أخوانهن أو بني اخواتهن، أو نسائهن يعني نساء المؤمنين دون نساء المشركين إلا إذا كانت أمة وهو معنى قوله " أو ما ملكت أيمانهن " أي ما الاماء - في قول ابن جريج - فانه لا باس باظهار الزينة لهؤلاء المذكورين، لانهم محارم. وقوله " أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال " قال ابن عباس: هو الذي يتبعك ليصيب من طعامك ولا حاجة له في النساء، وهو الابلة. وبه قال قتادة وسعيد بن جبير وعطاء. وقال مجاهد: هو الطفل الذي لا أرب له في النساء لصغره. وقيل: هو العنين، ذكره عكرمة، والشعبي. وقيل: هو المجبوب. وقيل: هو الشيخ الهم. والاربة الحاجة، وهي فعلة من الارب، كالمشية من المشي، والجلسة من الجلوس. وقد أربت لكذا آرب له أربا إذا احتجت إليه، ومنه الاربة - بضم الالف - العقدة، لان ما يحتاج إليه من الامور يقتضي العقدة عليه، ولان الحاجة كالعقدة حتى تنحل بسد الخلة، ولان العقدة التي تمنع من المنفعة يحتاج إلى حلها، ولان العقدة عمدة الحاجة. وقوله " أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء " يعني الصغار الذين لم يراهقوا، فانه يجوز إبداء الزينة لهم. وقوله " ولا يضربن بارجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن " معناه لا تضرب إمرأة برجلها، ليعلم صوت الخلخال في رجلها، كما كان يفعله نساء أهل الجاهلية. وذلك

[ 431 ]

يدل على ان إظهار الخلخال لا يجوز. ثم أمر الله تعالى المكلفين، فقال " وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون " أي لتفوزوا بثواب الجنة. ومن نصب (غير) يجوز أن يكون على الاستثناء، ويجوز أن يكون على الحال. ومن كسرجعله نعتا ل‍ " التابعين، غير " وإن لم يوصف به المعارف، فانما المراد ب‍ (التابعين) ليس بمعين. وابن عامر انما ضم الهاء ووقف بلا ألف في (أيه) اتباعا للمصحف. قال أبو علي: وقراءته ضعيفة، لان آخر الاسم هو الياء الثانية في أي، فينبغي أن يكون المضموم آخر الاسم ولا يجوز ضم الهاء، كما لا يجوز ضم الميم في قوله " اللهم " ولانه آخر الكلام، وها للتنبيه، فلا يجوز حذف الالف بحال. قوله تعالى: (وأنكحوا الايامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم (32) وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله والذين يبتغون الكتاب مما ملكت أيمانكم فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا واتوهم من مال الله الذي آتيكم ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن اردن تحصنا لتبتغوا عرض الحيوة الدنيا ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم) (33) آيتان بلا خلاف.

[ 432 ]

هذا خطاب من الله للمكلفين من الرجال يأمرهم الله تعالى أن يزوجوا الايامى اللواتي لهم عليهن ولاية، وأن يزوجوا الصالحين المستورين الذين يفعلون الطاعات من المماليك والاماء إذا كانوا ملكا لهم، والايامى جمع (أيم) وهي المرأة التي لا زوج لها سواء كانت بكرا أو ثيبا. ويقال للرجل الذي لا زوجة له: أيم ايضا ووزن أيم (فيعل) بمعنى (فعيل) فجمعت كجمع يتيم ويتيمة ويتامى، وقال جميل: احب الايامى إذ بثينة ايم * وأحببت لما أن غنيت الغوانيا (1) ويجوز جمعه أيايم، ويقال: امرأة أيم وايمة إذا لم يكن لها زوج، قال الشاعر: فان تنكحي أنكح وإن تتأيمي * يدا الدهر ما لم تنكحي أتأيم (2) وقال قوم: الايم التي مات زوجها، ومنه قوله (عليه السلام): (والايم أحق بنفسها) يعني الثيب. ومعنى أنكحوا زوجوا، يقال: نكح إذا تزوج، وأنكح غيره إذا زوجه. وقيل: ان الامر بتزويج الايامى إذا أردن ذلك أمر فرض، والامر بتزويج الامة إذا أرادت ندب، وكذلك العبد. وقوله " ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله والله واسع عليم " معناه لا تمتنعوا من انكاح المرأة أو الرجل إذا كانوا صالحين، لاجل فقرهما، وقلة ذات أيديهما، فانهم وإن كانوا كذلك، فان الله تعالى يغنيهم من فضله، فانه تعالى واسع المقدور، كثير الفضل، عليم بأحوالهم وبما يصلحهم، فهو يعطيهم على قدر ذلك. وقال قوم: معناه إن يكونوا فقراء إلى النكاح يغنهم الله بذلك عن الحرام. فعلى الاول تكون الآية خاصة في الاحرار. وعلى الثاني عامة في الاحرار، والمماليك. وقوله " وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله " أمر


(1) ديوانه (دار بيروت) 48 (2) لسان العرب (أيم) وتفسير الطبري 18 / 88 والقرطبي 12 / 240 (*)

[ 433 ]

من الله تعالى لمن لا يجد السبيل إلى أن يتزوج، بأن لا يجد طولا من المهر، ولا يقدر على القيام بما يلزمها من النفقة والكسوة، أن يتعفف، ولا يدخل في الفاحشة، ويصبر حتى يغنيه الله من فضله. وقوله " والذين يبتغون الكتاب مما ملكت ايمانكم " معناه إن الانسان إذا كانت له أمة أو عبد يطلب المكاتبة. وهي أن يقوم على نفسه وينجم عليه ليؤدي قيمة نفسه إلى سيده، فانه يستحب للسيد أن يجيبه إلى ذلك ويساعده عليه لدلالة قوله تعالى " فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا " وهذا أمر ترغيب بلا خلاف عند الفقهاء. وقال عمرو بن دينار، وعطاء والطبري: هو واجب عليه إذا طلب. وصورة المكاتبة أن يقول الانسان لعبده، أو امته: قد كاتبتك على ان تعطيني كذا وكذا دينارا أو درهما في نجوم معلومة على أنك إذا أديت ذلك فانت حر، فيرضى العبد بذلك، ويكاتبه عليه ويشهد بذلك على نفسه، فمتى أدى ذلك، وهو مال الكتابة في النجوم التي سماها صار حرا، وان عجز عن اداء ذلك كان لمولاه أن يرده في الرق. وعندنا ينعتق منه بحساب ما أدى ويبقى مملوكا بحساب ما بقي عليه إذا كانت الكتابة مطلقة، فان كانت مشروطة بأنه متى عجز رده في الرق، فمتي عجز جاز له رده في الرق. و (الخير) الذي يعلم منه هو القوة على التكسب. وتحصيل ما يؤدي به مال الكتابة. وقال الحسن: معناه ان علمتم منهم صدقا. وقال ابن عباس وعطاء: ان علمتم لهم مالا. وقال ابن عمرو: ان علمتم فيهم قدرة على التكسب، قال: لانه إذا لم يقدر على ذلك قال اطعمني (1) اوساخ أيدي الناس، وبه قال سلمان.


(1) في المخطوطة (استطعم) بدل (قال اطعمني) (ج 7 م 55 من التبيان) (*)

[ 434 ]

واختلفوا في الامر بالكتابة مع طلب المملوك لذلك وعلم مولاه أن فيه خيرا. فقال عطاء: هو الفرض. وقال مالك، والثوري، وابن زيد: هو على الندب. وهو مذهبنا. وقوله " وآتوهم من مال الله الذي آتاكم " أمر من الله تعالى أن يعطي السيد مكاتبه من ماله الذي أنعم الله عليه، بأن يحط شيئا منه. وروى عبد الرحمن السلمي عن علي (ع) أنه قال: يحط عنه ربع مال الكتابة. وقال سفيان احب ان يعطيه الربع، أو أقل، وليس بواجب وقال ابن عباس وعطاء وقتادة: أمره بأن يضع عنه من مال الكتابة شيئا. وقال الحسن وابراهيم: حثه الله تعالى على معونته. وقال قوم: المعنى آتوهم سهمهم من الصدقة الذي ذكره في قوله " وفي الرقاب " (1) ذكره ابن زيد عن أبيه، وهو مذهبنا. واختلفوا في الحط عنه، فقال قوم: هو واجب. وقال آخرون - وهو الصحيح - انه مرغب فيه. وقوله " ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء ان اردن تحصنا " نهي عن اكراه الامة على الزنا. قال جابر بن عبد الله: نزلت في عبد الله بن ابي بن سلول، حين اكره أمته مسيكة على الزنا، وهذا نهي عام لكل مكلف عن أن يكره أمته على الزنا طلبا لمهرها وكسبها. وقوله " ان اردن تحصنا " صورته صورة الشرط وليس بشرط وانما ذكر لعظم الافحاش في الاكراه على ذلك. وقيل: انها نزلت على سبب فوقع النهي عن المعني على تلك الصفة. وقوله " ومن يكرههن " يعني على الفاحشة " فان الله من بعد اكراههن غفور رحيم " اي لهن " غفور رحيم " ان وقع منها صغير في ذلك، والوزر على المكره.


(1) سورة 9 التوبة آية 61 (*)

[ 435 ]

قوله تعالى: ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (34) ألله نور السموات والارض مثل نوره كمشكوة فيها مصباح المصباح في زجاجة ألزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الامثال للناس والله بكل شئ عليم (35) آيتان بلا خلاف. قرأ " دري " مشددة، بضم الدال من غير همز، ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص عن عاصم. وقرأ - بكسر الدال والهمز - أبو عمرو، والكسائي. وقرأ - بضم الدال والهمز - حمزة وعاصم، في رواية ابي بكر. وقرأ ابن كثير وابو عمرو " توقد " بفتح التاء والدال. وقرأ - بالياء مخففة مرفوع مضموم الياء - نافع وابن عامر وحفص عن عاصم والكسائي. - وقرأ - بضم التاء والدال مخففة مرفوعة - حمزة، وابو بكر عن عاصم. فمن قرأ " دري " بكسر الدال، فهو من (درأت) اي رفعت. والكوكب (دري) لسرعة رفعه في الانقضاض، والجمع الدراري، وهي النجوم التى تجئ وتذهب. وقال قوم: هي احد الخمسة المضيئة: زحل، والمشتري، والمريخ، والزهرة، وعطارد.

[ 436 ]

ومن قرأ - بضم الدال - نسبه إلى الدر في صفائه وحسنه. ومن ضم الدال وهمز، فهو غير معروف عند أهل اللغة، لانه ليس في الكلام (فعيل) - ذكره الفراء - وقال أبو عبيدة: وجهه ان يكون - بفتح الدال - كأنه (فعيل). قال سيبويه: ليس في الكلام (فعيل) وانما تكسر الفاء مثل (سكيت). وروى المفضل عن عاصم انه قرأ - بكسر الدال - من غير همز، ولا مد، ومعناه: انه جاز كالنجوم الدراري الجارية. مأخوذ من در الوادي إذا جرى، ووجه قراءة ابن كثير في " توقد " أنه على (فعل) ماض، وضم الدال ابن محيصن اراد (تتوقد). ومن ضم الياء مثل نافع وابن عامر، رده على الكوكب. وقال الفراء: رده على المصباح. ومن ضم التاء والدال رده على الزجاجة. اقسم الله تعالى انها انزل " آيات " يعني دلالات " مبينات " يعني مفصلات، بينهن الله وفصلهن، فيمن قرأ - بفتح الياء - ومن كسر الياء: معناه ان هذه الآيات والحجج تبين المعاني وتظهر ما بطن فيها. وقوله " ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين " معناه انه انزل اليكم اخبار من كان قبلكم من امم الرسل، وجعل ذلك عبرا لنا. وقيل لتعتبروا بذلك وتستدلوا به على ما يرضاه الله منكم فتفعلوه وعلى ما يسخطه فتتجنبوه. وقوله " الله نور السموات والارض مثل نوره كمشكاة " قيل في معناه قولان: احدهما - ان الله هادي اهل السموات والارض - ذكره ابن عباس - في رواية، وأنس. والثاني - انه منور السموات والارض بنجومها وشمسها وقمرها - في رواية اخرى - عن ابن عباس، وقال أبو العالية والحسن مثل ذلك. ثم قال تعالى " مثل نوره كمشكاة فيها مصباح " الهاء في قوله " نوره " قيل

[ 437 ]

إنها تعود على المؤمن، وتقديره مثل النور الذي في قلبه بهداية الله، وهو قول ابي ابن كعب والضحاك. وقال ابن عباس: هي عائدة على اسم الله، ومعناه مثل نور الله الذي يهدي به المؤمن. وقال الحسن: مثل هذا القرآن في القلب كمشكاة. وقيل: مثل نوره وهو طاعته - في قول ابن عباس - في رواية: وقيل: مثل نور محمد صلى الله عليه وآله. وقال سعيد بن جبير: النور محمد، كأنه قال مثل محمد رسول الله صلى الله عليه وآله فالهاء كناية عن الله. والمشكاة الكوة التي لا منفذ لها - في قول ابن عباس وابن جريج - وقيل: هو مثل ضرب لقلب المؤمن، والمشكاة صدره، والمصباح القرآن، والزجاجة قلبه - في قول ابي ابن كعب، وقال: فهو بين اربع خلال إن أعطي شكر، وإن ابتلي صبر، وإن حكم عدل، وإن قال صدق. وقيل: المشكاة عمود القنديل الذي فيه الفتيلة، وهو مثل الكوة. وقال كعب الاحبار: المشكاة محمد صلى الله عليه وآله والمصباح قلبه، شبه صدر النبي بالكوكب الدري. ثم رجع إلى المصباح أي قلبه شبهه بالمصباح كأنه في زجاجة و " الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضئ " اي يتبين للناس ولو لم يتلكم انه نبي. ومن قال " الله نور السموات " يعني منورها بالشمس والقمر والنجوم، ينبغي ان يوجه ضرب المثل بالمشكاة على ان ذلك مثل ما في مقدوره، ثم تنبث الانوار الكثيرة عنه. ضرب الله تعالى المثل لنوره الدي هو هدايته في قلوب المؤمنين بالمشكاة، وهي الكوة التي لا منفذ لها إذا كان فيها مصباح، وهو السراج، ويكون المصباح في زجاجة، وتكون الزجاجة مثل الكوكب الدري - فمن ضم الدال - منسوب إلى الدر في صفائه ونوره. ومن كسر الدال شبهها بالكوكب في سرعة تدفعه بالانقضاض. ثم عاد إلى وصف المصباح، فقال " يوقد من شجرة مباركة زيتونة " اي

[ 438 ]

يشتعل من دهن شجرة مباركة، وهي الزيتونة الشامية، قيل لان زيتون الشام ابرك. وقيل: وصفه بالبركة لان الزيتون يورق من اوله إلى آخره. وقوله " لا شرقية ولا غربية " قال ابن عباس - في رواية - معناه لا شرقية بشروق الشمس عليها فقط ولا غربية بغروبها عليها فقط، بل هي شرقية غربية تأخذ حظها من الامرين، فهو اجود لزيتها. وقيل: معناه انها وسط البحر، روي ذلك عن ابن عباس أيضا. وقال قتادة: هي ضاحية للشمس، وقال الحسن: ليست من شجر الدنيا " يكاد زيتها يضئ ولو لم تمسسه نار " اي زيتها من صفائه وحسنه يكاد يضئ من غير ان تمسه نار وتشتعل فيه. وقال ابن عمر الشجرة ابراهيم (ع) والزجاجة التي كأنها كوكب دري محمد صلى الله عليه وآله. وقوله " نور على نور " قيل: معناه نور الهدى إلى توحيده، على نور الهدى بالبيان الذي اتى به من عنده. وقال زيد بن اسلم " نور على نور " معناه يضئ بعضه بعضا. وقيل " نور على نور " معناه انه يتقلب في خمسة انوار، فكلامه نور، وعلمه نور، ومدخله نور، ومخرجه نور، ومسيره نور إلى النور يوم القيامة إلى الجنة. وقال مجاهد: ضوء النار على ضوء النور على ضوء الزيت على ضوء المصباح على ضوء الزجاجة. وقوله " يهدي الله لنوره من يشاء " أي يهدي الله لدينه وإيمانه من يشاء بأن يفعل له لطفا يختار عنده الايمان إذا علم ان له لطفا. وقيل: معناه يهدي الله لنبوته من يشاء، ممن يعلم انه يصلح لها. وقيل: معناه " يهدي الله لنوره " اي يحكم بايمانه لمن يشاء، ممن آمن به. وقوله " ويضرب الله الامثال للناس " معناه يضرب الله الامثال للذين يفكرون فيها ويعتبرون بها " والله بكل شئ عليم " لا يخفى عليه خافية.

[ 439 ]

قوله تعالى: (في بيوت أذن الله ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال (36) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلوة وإيتاء الزكوة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب) (38) ثلاث آيات في الكوفي والبصري تمام الآية الاولى " الآصال " وفي الباقي آيتان آخرهما الابصار " و " حساب ". قرأ ابن عامر وابو بكر وابن شاهي عن حفص " يسبح " بفتح الباء. الباقون بكسرها، فمن فتح الباء، وقرأ على ما لم يسم فاعله احتلمت قراءته في رفع (رجال) وجهين: احدهما - أن يكون الكلام قدتم عند قوله " والاصال " ثم قال " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " فالتجارة الجلب، والبيع ما يبيع الانسان على يده. والوجه الثاني - أن يرفع (رجال) باضمار فعل يفسره الاول، فيكون الكلام تاما عند قوله " والاصال " يم يبتدئ " رجال " بتقدير يسبحه رجال. وقال أبو علي: يكون أقام الجار والمجرور مقام الفاعل، ثم فسر من يسبحه، فقال " رجال " أي يسبحه رجال، ومنه قول الشاعر:

[ 440 ]

ليبك يزيد ضارع لخصومة (1) كأنه قال ليبك يزيد. قيل من يبكيه ؟ فقال: يبكيه ضارع. وقال المبرد: يجوز ان يكون يسبح نعتا للبيوت، وتقديره في بيوت اذن الله برفها وذكر اسمه ويسبح له فيها رجال لا تلهيهم تجارة. ومن قرأ بكسر الباء - ورفع رجالا بفعلهم، فعلى هذه القراءة لا يجوز الوقف إلا على " رجال " وعلى الاول على قوله " والاصال ". والآصال جمع أصيل. وقرأ أبو محلم " الاصال " بكسر الالف جعله مصدرا. وقوله " في بيوت اذن الله " قيل في العامل في (في) قولان: احدهما - (المصابيح) في بيوت، والعامل استقرار المصابيح، وهو قول ابن زيد. والثاني - توقد في بيوت، وهذه البيوت هي المساجد - في قول ابن عباس والحسن ومجاهد - وقال عكرمة: هي سائر البيوت وقال الزجاج: يجوز ان تكون (في) متصلة وبيسبح ويكون فيها كقولك في الدار قام زيد فيها. وقوله " اذن الله ان ترفع " قال مجاهد: معناه أذن الله أن تبنى، وترفع بالبناء، كما قال " واذ يرفع ابراهيم القواعد من البيت واسماعيل " (2) وقال الحسن: معناه أن تعظم، لانها مواضع الصلوات. وقوله " ويذكر فيها اسمه " أي يذكر الله في هذه البيوت. وقيل تنزه من النجاسات والمعاصي. وقوله " يسبح له فيها بالغدو والاصال " قال ابن عباس: معناه يصلي له فيها بالغداة والعشي، وهو قول الحسن والضحاك. وقال ابن عباس: كل تسبيح في القرآن فهو صلاة.


(1) انظر 4 / 310 تعليقة 2 و 6 / 329 (2) سورة 2 البقرة آية 127 (*)

[ 441 ]

وقوله " رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " أي لا تشغلهم ولا تصرفهم التجارة والبيع عن ذكر الله وتعظيمه. وروي عن ابي جعفر وابي عبد الله (ع) انه تعالى مدح قوما إذا دخل وقت الصلاة تركوا تجارتهم وبيعهم، واشتغلوا بالصلاة. وقوله " واقام الصلاة وايتاء الزكاة " أي لا تصرفهم تجارتهم عن ذكر الله، وعن اقامة الصلاة، وحذف التاء لان الاضافة عوض عنها، لانه لا يجوز أن تقول: اقمته إقاما، وانما يجوز إقامة، والهاء عوض عن محذوف، لان أصله اقوام، فلما اضافه قامت الاضافة مقام الهاء " وايتاء الزكاة " أي ولايصرفهم ذلك عن اعطاء الزكاة التي افترضها الله عليهم. وقال ابن عباس: الزكاة الطاعة لله وقال الحسن: هي الزكاة الواجبة في المال قال الشاعر (في حذف الهاء والعوض عنها بالاضافة). إن الخليط اجد والبين فانجردوا * واخلفوك عدى الامر الذي وعدوا (1) يريد عدة الامر فحذف الهاء لما اضاف. وقوله تعالى " يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والابصار " أي يخافون عذاب يوم أو اهوال يوم تتقلب فيه القلوب من عظم اهواله، والابصار من شدة ما يعاينوه. وقيل تتقلب فيه القلوب ببلوغها الحناجر، وتقلب الابصار بالعمى بعد النظر وقال البلخي: معناه إن القلوب تنتقل من الشك الذي كانت عليه، إلى اليقين والايمان. وإن الابصار تتقلب عما كانت عليه، لانها تشاهد من أهوال ذلك اليوم ما لم تعرفه، ومثله قوله " لقد كنت في غفلة من هذا " (2) الآية. وقال الجبائي:


(1) تفسير الطبري 18 / 102 واللسان (وعد) " 2 " سورة 50 ق آية 22 (ج 7 م 56 من التبيان) (*)

[ 442 ]

تتقلب القلوب والابصار عن هيئاتها بأنواع العقاب كتقلبها على الجمر. وقوله " ليجزيهم الله أحسن ما عملوا " أي يفعلون ذلك طلبا لمجازات الله إياهم بأحسن ما عملوا من ثواب الجنة، ويزيدهم على ذلك من فضله وكرمه. ثم اخبر تعالى انه " يرزق " على العمل بطاعته تفضلا منه تعالى " من يشاء بغير حساب " والثواب لا يكون إلا بحساب والتفضل يكون بغير حساب. قوله تعالى: (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفيه حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشيه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يريها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) (40) آيتان بلا خلاف. ثم اخبر تعالى عن احوال الكفار، فقال والذين كفروا بتوحيد الله واخلاص العبادة وجحدوا انبياءه " اعمالهم " التي عملوها يعني التي يعتقدون أنها طاعات وقربات " كسراب بقيعة " فالسراب شعاع يتخيل كالماء يجري على الارض نصف النهار حين يشتد الحر والآل شعاع يرتفع بين السماء والارض - كالماء - ضحوة النهار، والال يرفع الشخص فيه. وانما قيل سراب، لانه يتسرب أي يجري كالماء و (قيعة) جمع قاع، وهو المنبسط من الارض الواسع. وفيه يكون السراب

[ 443 ]

ومثله جار وجيرة، ويجمع ايضا على (اقواع، وقيعان)، والشعاع بالقاع يتكثف فيرى كالماء، فإذا قرب منه صاحبه انفش كالضباب، فلم يرده شيئا، كما كان. وقال ابن عباس: القيعة الارض المستوية. والمعنى: إن الكافر لم يجد شيئا على ما قدر. وقوله " ووجد الله عنده فوفاه حسابه " والمعنى ان الذي قدره من جزاء أعماله لا يجده، ويعلمه الله عند عمله فيوفيه جزاءه على سوء أفعاله. وقوله " والله سريع الحساب " أي سريع المجازاة، لان كل ما هو آت سريع قريب. وقال الجبائي:، لانه تعالى يحاسب الجميع في وقت واحد، وذلك يدل على انه لا يتكلم بآلة. وانه ليس بجسم، لانه لو كان متكلما بآلة لما تأتى ذلك إلا في أزمان كثيرة. ثم شبه الله تعالى أفعال الكافر بمثال آخر، فقال " أو كظلمات في بحر لجي " أي افعاله مثل ظلمات، يعني ظلمة البحر وظلمة السحاب، وظلمة الليل، لان الكافر حاله ظلمة، واعتقاده ظلمة، ومصيره إلى ظلمة، وهو في النار يوم القيامة نعوذ بالله منها. وتلخيص الكلام أن اعمال هؤلاء الكفار كالسراب يحسبه الظمآن - من بعد - ماء يرويه حتى إذا دنى منه لم يجده شيئا أي حتى إذا مات لم يجد عمله شيئا لانه بطل بكفره، ووجد الله عند عمله يجازيه عليه. ثم ضرب مثلا آخر فقال أو كظلمات يعني انه في حيرة من كفره مثل هذه الظلمات " ومن لم يجعل الله له نورا " في قلبه ويهديه به " فما له من نور " يهتدي به. وقوله " في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض " مبالغة في تشبيه هذه الافعال بالظلمات المتكاثفة على ما وصفه الله تعالى، ولجة البحر معظمة، الذي تتراكب فيه امواجه لا يرى ساحله. والظلمات مثل التحير، والتحير الجهل الذي يغشى القلب. وقوله " حتى إذا أخرج يده لم يكد يراها " انما قال لم يكد يراها مع أنه

[ 444 ]

بدون هذه الظلمات لا يراها، لان (كاد يراها) معناه قارب ان يراها، ولم يكد يراها لم يقارب أن يراها، فهي نفي مقاربة الرؤية على الحقيقة. وقيل دخل (كاد) بمعنى النفي كما يدخل الظن بمعنى اليقين، كأنه قال: يكفيه ان يكون على هذه المنزلة فكيف أقصى المنازل. وقيل يراها بعد جهد وشدة، رؤية تخيل لصورتها. وقال الحسن لم يكد يراها لم يقارب الرؤية قال الشاعر: ما كدت اعرفه إلا بعد الانكار وقالوا كاد العروس يكون أميرا. وكاد النعام يطير. وقوله " ومن لم يجعل الله له نورا، فما له من نور " معناه من لم يجعل الله له هداية إلى الرشد، فما له من نور، أي فما له ما يفلح به على وجه من الوجوه. وقيل: من لم يجعل الله له نورا يوم القيامة يهديه إلى الجنة، فما له من نور يهديه إليها. وفي الآية دلالة على فساد قول من يقول: إن المعارف ضرورة، لانه لا يصح مع المعرفة الضرورية الحسبان. قوله تعالى: (ألم تر أن الله يسبح له من في السموات والارض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السموات والارض وإلى الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من

[ 445 ]

يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالابصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لاولي الابصار) (44) أربع آيات في البصري والكوفي وثلاث في غيرها. لانهم لم يعدوا " بالابصار " آخر آية. قرأ أبو جعفر المدني " يذهب بالابصار " بضم الياء. الباقون بفتحها. وقد مضى ذكر مثله. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " ألم تر " يا محمد والمراد به جميع المكلفين أي ألم تعلم ان الذي ذكره في الآية لا يرى بالابصار وانما يعلم بالادلة، " أن الله يسبح له من في السموات والارض " فالتسبيح التنزيه لله تعالى عن جميع ما لا يجوز عليه، ولا يليق به، فمن نفى عنه الصاحبة والولد، فقد سبحه، لانه يرأه مما لا يجوز عليه، ومن نفى عنه أن يكون له شريك في ملكه أو عبادته، فقد سبحه، لانه برأه مما لا يجوز عليه، وكذلك من نفى عنه فعل القبيح، فقد سبحه، لانه برأه مما لا يجوز عليه. وتسبيح من في السموات والارض إنما هو بما فيها من الدلالات على توحيده، ونفي الصاحبة عنه، ونفي تشبيهه بخلقه وتنزيهه عما لا يليق به، مما يدل على ذلك ويدعو إليه، كأنه المسبح له. وقوله " والطير صافات " معناه وتسبحه الطير صافات في حال اصطفافها في الهواء، لانها إذا صفت اجنحتها في الهواء وتمكنت من ذلك كان في ذلك دلالة وعبرة على أن ممكنها من ذلك لا يشبه شيئا من الخلوقات. وقوله " كل قد علم صلاته وتسبيحه " معناه: إن جميع ذلك قد علم الله تعالى

[ 446 ]

صلاته، يعني دعاءه إلى توحيده، وتسبيحه، وتنزيهه عما لا يليق به. وقال مجاهد: الصلاة للانسان، والتسبيح لكل شئ. وقيل: كل قد علم صلاته أي صلاة نفسه، وتسبيح نفسه، فيكون الضمير في علم ل‍ (كل)، وعلى الاول يعود على اسم الله، والاول أجود، لان هذه الاشياء كلها لا يعلم كيفية دلالتها غير الله. وانما الله تعالى عالم بذلك، ويقويه قوله " والله عليم بما يفعلون " أي عالم بأفعالهم، لا يخفى عليه شئ منها، فيجازيهم بحسبها. ثم اخبر تعالى فقال " ولله ملك السموات والارض "، والملك المقدور الواسع لمن يملك السياسة والتدبير، فملك السموات والارض لا يصح إلا لله وحده لا شريك له، لانه لا يقدر على خلق الاجسام غيره، وليس مما يصح أن يملكه العبد، لانه لا يمكنه أن يصرفه أتم التصريف، فالملك التام، لا يصح الا لله تعالى. وقوله " والى الله المصير " اي إليه المرجع يوم القيامة، إلى ثوابه أو عقابه. ثم قال " الم تر " اي الم تعلم (ان الله يزجي سحابا) أي يسوق سحابا إلى حيث يريده، ومنه زجا الخراج إذا انساق إلى أهله وازجاه فلان أي ساقه " ثم يؤلف بينه " أي بين بعضه وبعض، لان لفظ سحاب جمع، واحده سحابة، وهو كقولهم: جلس بين النخل، لان لفظ بين لا تستعمل إلا في شيئين فصاعدا. وقوله " ثم يجعله ركاما " وهو المتراكب بعضه فوق بعض " فترى الودق " يعني المطر، يقال: ودقت السحابة، تدق ودقا إذا أمطرت قال الشاعر: فلا مزنة ودقت ودقها * ولا ارض ابقل إبقالها (1) " يخرج من خلاله " فالخلال جمع خلل. وقوله " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " معنى (من) الاولى، لا بتداء الغاية، لان (من السماء) ابتداء


(1) مر تخريجه في 1 / 216 و 5 / 361 (*)

[ 447 ]

الانزال بالمطر، والثانية للتبعيض، لان البرد بعض الجبال التي في السماء، والثالثة لتبيين الجنس، لان جنس الجبال جنس البرد. وقيل في السماء جبال برد مخلوقة في السماء. وقال البلخي: يجوز أن يكون البرد يجتمع في السحاب كالجبال ثم ينزل منها. وقيل السماء هو السحاب، لان كل ما علا مطبقا فهو سماء. وقال الفراء: يجوز أن يكون المراد وينزل من السماء قدر جبال من برد، كما تقول: عندي بيتان من تبن أي قدر بيتين. وقال الحسن: في السماء جبال برد، وقيل المعنى: قدر جبال يجعل منها بردا على ما حكيناه عن الفراء. وقوله " فيصيب به " يعني بذلك البرد " فيصيب به من يشاء " ان يهلك أو يهللك ماله " ويصرفه عمن يشاء " على حسب اقتضاء المصلحة. وقوله " يكاد سنا برقه " أي ضياء البرق، فسنا البرق مقصور، وسناء المجد ممدود. وقال ابن عباس وابن زيد: يعني ضوء برقه يكاد يختطف الابصار. وقال قتادة: لمعان برقه. وقوله " يقلب الله الليل والنهار " يعني يجئ بالنهار عقيب الليل، وباليل عقيب النهار. وقيل: يزيد من هذا في ذاك وينقص من ذاك في هذا " ان في ذلك لعبرة " اي دلالة (لاولي الابصار) يعني ذوي العقول الذين يبصرون بقولهم. وفي الآية دلالة على وجوب النظر، وفساد التقليد، لانه تعالى مدح المعتبرين بعقولهم بما نبه من الدلالات والآيات الدالة على توحيده وعدله وغير ذلك. قوله تعالى (والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع يخلق الله

[ 448 ]

ما يشاء إن الله على كل شئ قدير) (45) آية بلا خلاف. قرا حمزة والكسائي وخلف (والله خالق) على وزن (فاعل). الباقون (خلق) على فعل ماض. من قرأ (خالق) فلقوله (خالق كل شئ) (1) ومن قرأ خلق، فلانه فعل ذلك فيما مضى، ولقوله (ألم تر ان الله خلق السموات) (2) وقوله (خلق كل شئ فقدره تقديرا) (3). اخبر الله تعالى انه خالق كل شئ يدب من الحيوان من ماء. ثم فصله فقال منهم من يمشي على بطنه كالحياة والسمك والدود، وغير ذلك. ومنهم من يمشي على رجلين كالطير وابن آدم، وغير ذلك، ومنهم من يمشي على أربع كالبهائم والسباع وغير ذلك. ولم يذكر ما يمشي على أكثر من أربع، لانه كالذي يمشي على أربع في مرءى العين، فترك ذكره، لان العبرة تكفي بذكر الاربع. وقال البلخي: لان عند الفلاسفة أن ما زاد على الاربع لا يعتمد عليها. واعتماده على الاربع فقط، وانما قال (من ماء) لان أصل الخلق من ماء، ثم قلب إلى النار، فخلق الجن منه، وإلى الريح فخلق الملائكة منه، ثم إلى الطين فخلق آدم (ع). ودليل أن اصل الحيوان كله الماء قوله تعالى (وجعلنا من الماء كل شئ حي) (4) وانما قال منهم تغليبا لما يعقل على ما لا يعقل إذا اختلط في خلق كل دابة. وقيل (من ماء) أي من نطفة، ذكره الحسن، وجعل قوله (كل دابة) خاصا، فيمن خلق من نطفة. وقوله (يخلق الله ما يشاء) أي يخترع ما يشاء، وينشئه من الحيوان،


(1) سورة 40 المؤمن آية 62 وسورة 6 الانعام آية 102 وسورة 13 الرعد آية 18 (2) سورة 14 إبراهيم آية 19 (3) سورة 25 الفرقان آية 2 " 4 " سورة 21 الانبياء آية 30 (*)

[ 449 ]

وغيره (ان الله على كل شئ قدير) لا يتعذر عليه شئ يريده. قوله تعالى: (لقد أنزلنا آيات مبينات والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (46) ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين (47) وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون (48) وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين (49) أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون (50) خمس آيات بلا خلاف. اقسم الله تعالى في هذه الآية انه انزل (آيات مبينات) أي دلالات واضحات تظهر بها المعاني، وتتميز، مما خالفها حتى تعلم مفصلة. ومن كسر الياء، جعلها من المبينة المظهرة مجازا، من حيث يتبين بها، فكأنها المبينة. وقوله (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) معناه والله يلطف لمن يشاء بما يعلم انه يهتدي عنده (إلى صراط مستقيم) واضح: من توحيده وعد له وصدق أنبيائه. والهداية الدلالة التي يهتدي بها صاحبها إلى الرشد، وقد تطلق على ما يصح أن يهتدى بها، كما قال تعالى (وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على (ج 7 م 57 من التبيان)

[ 450 ]

الهدى) (1) لان المراد في الآية اللطف على ما قلناه. وقال الجبائي: قوله (يهدي من يشاء) يعني المكلفين دون من ليس بمكلف، ويجوز أن يكون المراد هدايتهم في الآخرة إلى طريق الجنة، والصراط المستقيم الايمان لانه يؤدي إلى الجنة. وقوله (ويقولون آمنا بالله وبالرسول واطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين) قيل انها نزلت في صفة المنافقين، لانهم يقولون بألسنتهم: آمنا بالله وصدقنا رسوله، فإذا انصرفوا إلى أصحابهم قالوا خلاف ذلك، فأخبر الله تعالى أن هؤلاء ليسوا بمؤمنين على الحقيقة. ثم اخبر عن حال هؤلاء فقال: " وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم " في شئ يختلفون فيه " إذا فريق منهم " يعني المنافقين " معرضون " عن ذلك. ولا يختارونه، لانه يكون الحق عليهم. ثم قال " وإن يكن لهم الحق " وتتوجه لهم الحكومة " يأتوا إليه " يعني إلى النبي صلى الله عليه وآله منقادين " مذعنين " والاذعان هو الانقياد من غير اكراه، فهؤلاء المنافقون إذا دعوا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ليحكم بينهم في شئ اختلفوا فيه، امتنعوا ظلما، لانفسهم، وكفروا بنبيهم، ففضحهم الله بما أظهر من جهلهم ونفاقهم. و قيل انها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين رجل من اليهود حكومة، فدعاه اليهودي إلى رسول الله، ودعاه المنافق إلى كعب بن الاشرف. وقيل انها نزلت في علي (ع) ورجل من بني أمية دعاه علي إلى رسول الله، ودعاه الاموي إلى اليهود، وكان بينهما منازعة في ماء وأرض. وحكى البلخي انه كانت بين علي (ع) وعثمان منازعة في أرض اشتراها من علي، فخرجت فيها أحجار، واراد ردها بالعيب، فلم يأخذها، فقال بيني وبينك رسول الله، فقال الحكم ابن أبي العاص ان حاكمته إلى ابن عمه حكم له، فلا تحاكمه إليه، فانزل الله الآية.


(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 17 (*)

[ 451 ]

ثم قال تعالى منكرا عليهم " أفي قلوبهم مرض " أي شك في قلوبهم، وسمي الشك مرضا، لانه آفة تصد القلب عن ادراك الحق، كالآفة في البصر تصد عن ادراك الشخص، وانما جاء على لفظ الاستفهام، والمراد به الانكار، لانه أشد في الذم والتوبيخ أي ان هذا كفر، قد ظهر حتى لا يحتاج فيه إلى البينة، كما جاز في نقيضه على طريق الاستفهام، لانه أشد مبالغة في المدح، كما قال جرير: ألستم خير من ركب المطايا * واندى العالمين بطون راح (1) فقال الله تعالى " أفي قلوبهم مرض " أي شك في النبي " أم ارتابوا " بقوله وبحكمه (أم يخافون أن يحيف الله ورسوله عليهم) أي يجور عليهم، والحيف الجور بنقض الحق، ويحيف عليهم: يظلمهم، لانه لا وجه للامتناع عن المجئ إلا أحد هذه الثلاثة. ثم اخبر تعالى فقال: ليس لشئ من ذلك، بل لانهم الظالمون نفوسهم وغيرهم، والمانعون لهم حقوقهم، وإنما افرد قوله (ليحكم بينهم) بعد قوله (إلى الله ورسوله)، لانه حكم واحد يوقعه النبي صلى الله عليه وآله بأمر الله. قوله تعالى: (إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون (51) ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون (52) وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروقة إن الله خبير بما تعملون (53) قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول


" 1 " قائله جرير، ديوانه (دار بيروت) 77 (*)

[ 452 ]

فان تولوا فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين) (54) أربع آيات بلا خلاف قرأ أبو بكر وأبو عمرو (ويتقه) ساكنة القاف. لان الهاء لما اختلطت بالفعل وصارت مزدوجة ثقلت الكلمة، فخففت بالاسكان. وقيل: انهم توهموا أن الجزم واقع عليها. وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وورش (ويتقهي) بكسر الهاء لمجاورة القاف المكسورة، وبعد الهاء ياء. وروى قالون باختلاس الحركة، وهو الاجود عند النحويين، لان الاصل يتقيه باختلاس الحركة، فلما سقطت الياء للجزم بقيت الحركة مختلسة، كما كانت. وروى حفص باسكان القاف وكسر الهاء، لانه كره الكسرة في القاف واسكنها تخفيفا، كما قال الشاعر: عجبت لمولود وليس له أب * ومن والد لم يلده ابوان (1) ويجوز أن يكون أسكن القاف والهاء ساكنة، فكسر الهاء لالتقاء الساكنين، ولان من العرب من يقول لم يتق مجزوم القاف بعد حذف الياء. لما اخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله في الحكم بينهم فيما يتنازعون فيه، فانهم عند ذلك يعرضون عن ذلك، ولا يجيبون إليه، أخبر أن المؤمنين بخلافهم وانهم إذا قيل لهم تعالوا (إلى الله ورسوله ليحكم بينهم) ينبغي (ان يقولوا) في الجواب عن ذلك (سمعنا وأطعنا) أي قبلنا هذا القول وانقدنا إليه وأجبنا إلى حكم الله ورسوله. ثم اخبر تعالى عن هؤلاء المؤمنين بانهم (هم الفائزون) الذين فازوا بثواب الله وكريم نعمه. وعن أبي جعفر (ع) أن المعني بالآية أمير المؤمنين (ع) وصفه


(1) مر تخريجه في 7 / 4 (*)

[ 453 ]

بخلاف ما وصف خصمه الذي ذكره في الآية الاولى. ثم قال تعالى (ومن يطع الله ورسوله) بان يفعل ما أمره به ويبادر إليه (ويخشى الله ويتقه) بأن يخاف عقابه، فيجتنب معاصيه، فان من هذه صفته من الفائزين. و (الفوز) اخذ الحظ الجزيل من الخير، تقول: فاز يفوز فوزا، فهو فائز. وسميت المهلكة مفازة تفاؤلا، فكأنه قيل: منجاة. ثم أخبر تعالى عن جماعة من المنافقين بأنهم " أقسموا بالله جهد أيمانهم " أي حلفوا به أغلظ أيمانهم، وقدر طاقتهم " لئن امرتهم " يا محمد بالخروج " ليخرجن " يعني إلى الغزو، فقال الله تعالى لهم " لا تقسموا " أي لا تحلفوا " طاعة معروفة " وقيل: في معناه قولان: احدهما - هذه طاعة معروفة منكم يعني بالقول دون الاعتقاد. أي إنكم تكذبون ذكره مجاهد. والثاني - طاعة وقول معروف أمثل من هذا القسم، والقول المعروف هو المعروف صحته. فان ذلك خير لكم من هذا الحلف. ثم اخبر تعالى بأنه " خبير " أي عالم " بما تعملون " لا يخفى عليه شئ على أي وجه توقعون أفعالكم، فيجازيكم بحسبها. وفى ذلك تهديد. ثم قال " فان تولوا فانما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم " أي تتولوا، فحذفت التاء، وليس كقوله " فان تولوا فانما هم في شقاق " (1) لان الاول مجزوم، وهو للمخاطبين، لانه قال " وعليكم ما حملتم " ولو كان لغير المخاطبين، لقال وعليهم، كما قال " فان تولوا فانما هم في شقاق " وكان يكون في موضع نصب لانه بمنزلة قولك: فان قاموا، والجزاء يصلح فيها لفظ المستقبل والماضي من (فعل يفعل) كما قال (فان فاؤا فان الله) (2). وقوله (فان


(1) سورة 2 البقرة آية 137 (2) سورة 2 البقرة آية 226 (*)

[ 454 ]

تولوا فانما هم في شقاق) في موضع نصب ذكره الفراء، وقوله (فانما عليه) يعني على المتولي جزاء ما حمل أي كلف، فانه يجازى على قدر ذلك، وعليكم جزاء ما كلفتم إذا خالفتم (وإن تطيعوه تهتدوا) يعني ان اطعتم رسوله تهتدوا. ثم اخبر انه ليس (على الرسول إلا البلاغ) الظاهر والقبول يتعلق بكم، ولا يلزمه عهدته، ولا يقبل منكم اعتذار تركه بامتناع غيره. قوله تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فاولئك هم الفاسقون (55) آية بلا خلاف. قرأ ابن كثير وابو بكر عن عاصم (وليبدلنهم) بالتخفيف. الباقون بالتشديد. وقرأ أبو بكر عن عاصم (كما استخلف) بضم التاء على ما لم يسم فاعله. الباقون بفتحها. قال أبو علي: الوجه فتح التاء، لان اسم الله قد تقدم ذكره، والضمير في (يستخلفنهم) يعود إلى الاسم، فكذلك قوله (كما استخلف) لان المعنى ليستخلفنهم استخلافا كاستخلافه الذين من قبلهم. ومن ضم التاء ذهب إلى ان المراد به مثل المراد بالفتح. في هذه الآية وعد من الله تعالى للذين آمنوا من اصحاب النبي صلى الله عليه وآله وعملوا

[ 455 ]

الصالحات، بأن يستخلفهم في الارض، ومعناه يورثهم أرض المشركين من العرب والعجم (كما استخلف الذين من قبلهم) يعني بني اسرائيل بأرض الشام بعد اهلاك الجبابرة بأن أورثهم ديارهم وجعلهم سكانها. وقال الجبائي: (استخلف الذين من قبلهم) يعني في زمن داود وسليمان. وقال النقاش: يريد بالارض أرض مكة، لان المهاجرين سألوا ذلك، والاول قول المقداد بن الاسود، وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال: (لا يبقى على الارض بيت مدر، ولا وبر إلا ويدخله الاسلام بعز عزيز أو ذل ذليل). وفي ذلك دلالة على صحة نبوة النبي صلى الله عليه وآله لانه أخبر عن غيب وقع مخبره على ما أخبر، وذلك لا يعلمه إلا الله تعالى (وليمكنن لهم دينهم الذي أرتضى لهم) يعني يمكنهم من إظهار الاسلام الذي ارتضاه دينا لهم (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) أي نصرهم بعد أن كانوا خائفين بمكة وقت غلبة المشركين آمنين بقوة الاسلام وانبساطه. ثم اخبر عن المؤمنين الذين وصفهم بأنهم يعبدون الله تعالى وحده لا يشركون بعبادته سواه من الاصنام والاوثان وغيرهما. ويجوز ان يكون موضعه الحال. ويجوز أن يكون مستأنفا. ثم قال (ومن كفر بعد ذلك) يعني بعد الذي قصصنا عليك ووعدناهم به (فاولئك هم الفاسقون) وانما ذكر الفسق بعد الكفر مع أن الكفر أعظم من الفسق، لاحد امرين: احدهما - انه أراد الخارجين في كفرهم إلى أفحشه، لان الفسق في كل شئ هو الخروج إلى اكبره. الثاني - أراد من كفرتلك النعمة بالفساد بعدها، فسق وليس يعني الكفر بالله، ذكره أبو العالية.

[ 456 ]

والتبديل - تغيير حال إلى حال أخرى، تقول: بدل صورته تبديلا، وتبدل تبدلا، والابدال رفع الشئ بأن يجعل غيره مكانه، قال أبو النجم: عزل الامير بالامير المبدل (1) والتبديل رفع الحال إلى حال أخرى. والابدال رفع النفس إلى نفس أخرى. والاصل واحد، وهو البدل. واستدل الجبائي، ومن تابعه على إمامة الخلفاء الاربعة بأن قال: الاستخلاف المذكور في الآية لم يكن إلا لهؤلاء، لان التمكين المذكور في الآية إنما حصل في أيام ابي بكر وعمر، لان الفتوح كانت في أيامهم، فأبو بكر فتح بلاد العرب وطرفا من بلاد العجم، وعمر فتح مداين كسرى إلى حد خراسان وسجستان وغيرهما، فإذا كان التمكين والاستخلاف ههنا ليس هو إلا لهؤلاء الائمة الاربعة. واصحابهم علمنا أنهم محقون. والكلام على ذلك من وجوه: احدها - ان الاستخلاف - ههنا - ليس هو الامارة والخلافة. بل المعنى هو ابقاؤهم في أثر من مضى من القرون، وجعلهم عوضا منهم وخلفا، كما قال " هو الذي جعلكم خلائف في الارض " (2) وقال " عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض " (3) وقال " وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء " (4) وكقوله " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة " (5) أي جعل كل واحد منهما خلف صاحبه، وإذا ثبت ذلك، فلاستخلاف والتمكين الذي ذكره الله


(1) قد مر تخريجه في 7 / 79 (2) سورة 35 فاطر آية 39 (3) سورة 7 الاعراف آية 128 (4) سورة 6 الانعام آية 133 (5) سورة 25 الفرقان آية 62 (*)

[ 457 ]

في الآية، كانا في أيام النبي صلى الله عليه وآله حين قمع الله اعداءه وأعلا كلمته ونشر ولايته، واظهر دعوته، وأكمل دينه، ونعوذ بالله أن نقول: لم يمكن الله دينه لنبيه في حياته حتى تلا في ذلك متلاف بعده، وليس ذلك التمكين كثرة الفتوح والغلبة على البلدان، لان ذلك يوجب أن دين الله لم يتمكن بعد إلى يومنا هذا لعلمنا ببقاء ممالك للكفر كثيرة لم يفتحها المسلمون، ويلزم على ذلك إمامة معاوية وبني أمية، لانهم تمكنوا اكثر من تمكن أبي بكر وعمر، وفتحوا بلادا لم يفتحوها. ولو سلمنا أن المراد بالاستخلاف الامالة للزم أن يكون منصوصا عليهم، وذلك ليس بمذهب اكثر مخالفينا، وإن استدلوا بذلك على صحة إمامتهم احتاجوا أن يدلوا على ثبوت امامتهم بغير الآية، وانهم خلفاء الرسول حتى تتناولهم الآية. فان قالوا: المفسرون ذكروا ذلك. قلنا: لم يذكر جميع المفسرين ذلك، فان مجاهدا قال: هم أمة محمد صلى الله عليه وآله. وعن ابن عباس وغيره: قريب من ذلك. وقال أهل البيت (ع) إن المراد بذلك المهدي (ع) لانه يظهر بعد الخوف، ويتمكن بعد ان كان مغلوبا، فليس في ذلك اجماع المفسرين. وهذا أول ما فيه. قد استوفينا ما يتعلق بالآية في كتاب الامامة، فلا نطول بذكره - ههنا - وقد تكلمنا على نظير هذه الآية، وان ذلك ليس بطعن على واحد منهم، وانما المراد الممانعة من أن يكون فيها دلالة على الامامة، وكيف يكون ذلك. ولو صح ما قالوه لما احتيج إلى اختياره، ولكان منصوصا عليه، وليس ذلك مذهبا لاكثر العلماء، فصح ما قلناه. (ج 7 م 58 من التبيان) (*)

[ 458 ]

قوله تعالى: (وأقيموا الصلوة وآتوا الزكوة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (56) لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الارض ومأويهم النار ولبئس المصير) (57) آيتان بلا خلاف. قرأ حفص وابن عامر وحمزة " لا يحسبن " بالياء. الباقون بالتاء. فمن قرأ - بالياء - فموضع (الذين) رفع. ومن قرأ - بالتاء - فموضعه نصب، و (معجزين) المفعول الثاني، والمفعول الثاني لمن قرأ - بالياء - قوله " في الارض ". وقال أبو علي: المفعول الثاني على هذه القراءة محذوف، وتقديره: ولا يحسبن الذين كفروا اياهم معجزين. وقال الاخفش: من قرأ - بالياء - يجوز أن يكون (الذين) في موضع نصب، على تقدير لا يحسبن محمد الذين، فيكون محمد الفاعل. امر الله تعالى في الآية الاولى جميع المكلفين باقامة الصلاة وايتاء الزكاة اللذين أوجبهما عليهم وان يطيعوا الرسول فيما يأمرهم به ويدعوهم إليه، ليرحموا جزاء على ذلك، ويثابوا بالنعم الجزيلة. ثم قال " لا تحسبن " يا محمد أي لا تظنن " الذين كفروا معجزين في الارض " اي لا يفوتوني. ومن قرأ - بالياء - قال تقديره: لا يظنن من كفرأنه يفوتني، ويعجزني أي مكان ذهب في الارض. ثم اخبر تعالى: ان مأوى الكافرين ومستقرهم النار، عقوبة لهم على كفرهم وانها بئس المرجع وبئس المستقر والمأوى. وانما وصفها بذلك لما ينال الصائر إليها من العذاب والآلام والشدائد، وإن كانت من فعل الله وحكمته صوابا.

[ 459 ]

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلث مرات من قبل صلوة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء ثلث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم بعضكم على بعض كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم (58) وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم كذلك يبين الله لكم آياته والله عليم حكيم (59) والقواعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وأن يستعففن خير لهن والله سميع عليم (60) ثلاث آيات بلا خلاف. قرأ اهل الكوفة إلا حفصا " ثلاث عورات " بفتح الثاء. الباقون بالرفع. قال أبو علي النحوي: من رفع، فعلى أنه خبرابتداء محذوف، وتقديره هذه ثلاث عورات، لانه لما قال " الذين ملك ايمانكم، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات " وفصل الثلاث بقوله " من قبل صلاة الفجر، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء " صار كأنه قال: هذه ثلاث عورات، فاجمل بعد التفصيل. ومن

[ 460 ]

نصب جعله بدلا من قوله " ثلاث مرات " وإنما أبدل " ثلاث عورات " وليس بزمان من (ثلاث مرات) وهي زمان، لانه مشتمل على زمان من حيث ان التقدير: أوقات ثلاث عورات، فلما حذف المضاف أقام المضاف إليه مقامه. و (العورات) جمع عورة، وحكم ما كان على وزن (فعلة) من الاسماء أن تحرك العين منه، نحو صفحة وصفحات، وجفنة وجفنات إلا ان عامة العرب يكرهون تحريك العين فيما كان عينه واوا أو ياء، لانه كان يلزمه الانقلاب إلى الالف، فاسكنوا لذلك، فقالوا عورات وجوزات وبيضات. وقرأ الاعمش - بفتح الواو - من (عورات) ووجهه ما حكاه المبرد أن هذيلا يقولون في جمع جوزة وعورة ولوزة: جوزات، وعورات، ولوزات، فيحركون العين فيها، وأنشد بعضهم: ابوبيضات رائح متأوب * رفيق بمسح المنكبين سبوح (1) فحرك الياء من بيضات، والاجود عند النحويين ما ذكرناه. هذه الآية متوجهة إلى المؤمنين بالله المقرين برسوله، يقول الله لهم: مروا عبيدكم واماءكم أن يستأذنوا عليكم إذا أرادوا الدخول إلى مواضع خلواتكم. وقال ابن عباس وابو عبد الرحمن: الآية في النساء والرجال من العبيد. وقال ابن عمر: هي في الرجال خاصة. وقال الجبائي: الاستئذان واجب لى كل بالغ في كل حال، ويجب على الاطفال في هذه الاوقات الثلاثة بظاهر هذه الآية. وقال قوم: في ذلك دلالة على انه يجوز أن يؤمر الصبي الذي يعقل، لانه أمره بالاستئذان. وقال آخرون: ذلك أمر للآباء أن يأخذوا الاولاد بذلك، فظاهر الآية يدل على وجوب الاستئذان ثلاث مرات في ثلاث أوقات من ساعات الليل والنهار. ثم فسر الاوقات فقال " من قبل صلاة الفجر وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة ومن بعد صلوة العشاء " الاخرة


(1) تفسير القرطبي 12 / 305 واللسان (بيض) (*)

[ 461 ]

لان الغالب على الناس أن يتعروا في خلواتهم في هذه الاوقات ذكره مجاهد. ثم بين أنه ليس عليكم ولا عليهم جناح فيما بعد ذلك من الاوقات أن يدخلوا عليكم من غير اذن، يعني في الذين لم يبلغوا الحلم، وهو المراد بقوله " طوافون عليكم بعضكم على بعض " ثم قال: مثل ما بين لكم هذه العورات بين الله لكم الدلالات على الاحكام " والله عليم " بما يصلحكم " حكيم " فيما ذكره وغيره من أفعاله. ثم قال " وإذا بلغ الاطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما استأذن الذين من قبلهم " يعني يرتفع من دخوله بغير اذن إذا بلغ، وصار حكمه حكم الرجال في وجوب الاستئذان على كل حال. ثم قال مثل ما بين لكم هذا بين لكم ادلته " والله عليم حكيم " ثم قال " والقداعد من النساء اللاتي لا يرجون نكاحا " يعني المسنات من النساء اللاتي قعدن عن التزويج، لانه لا يرغب في تزويجهن. وقيل: هن اللاتي ارتفع حيضهن، وقعدن على ذلك، اللاتي لا يطمعن في النكاح أي لا يطمعع في جماعهن لكبرهن " فليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن " قيل هو القناع الذي فوق الخمار وهو الجلباب، والرداء الذي يكون فوق الشعار. وفى قراءة أهل البيت (ع) " ان يضعن من ثيابهن " وبه قرأ ابي. وقوله " غير متبرجات بزينة " أي لا تقصد بوضع الجلباب اظهار محاسنها، وما ينبغي لها أن تستره. والتبرج إظهار المرأة من محاسنها ما يجب عليها ستره. ثم اخبر تعالى أن الاستعفاف عن طرح الجلباب خير لهن في دينهن " والله سميع " لاقوالكم " عليم " بما تضمرونه " حليم " عليكم لا يعاجلكم بالعقوبة على معاصيكم. وانما ذكر القواعد من النساء، لان الشابة يلزمها من التستر اكثر مما يلزم العجوز، ومع ذلك فلا يجوز للعجوز أن تبدي عورة لغير محرم، كالساق والشعر والذراع.

[ 462 ]

قوله تعالى: (ليس على الاعمى حرج ولا على الاعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخونكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة كذلك يبين الله لكم الايات لعلكم تعقلون) (61) آية بلا خلاف. يقول الله تعالى انه " ليس على الاعمى حرج " وهو الذي كف بصره " ولا على الاعرج حرج " وهو الذي يعرج من رجليه أو احداهما " ولا على المريض حرج " وهو الذي يكون عليلا، والحرج الضيق في الدين، مشتق من الحرجة، وهي الشجر الملتف بعضه ببعض لضيق المسالك فيه. وحرج فلان إذا أثم. وتحرج من كذا إذا تأثم من فعله. نفى الله الحرج عن هؤلاء لما يقتضيه حالهم من الافات التى بهم مما تضيق على غيرهم. واختلفوا في تأويل ذلك، فقال الحسن وابن زيد والجبائي: ليس عليهم حرج في التخلف عن الجهاد، ويكون قوله " ولا على انفسكم " كلاما متسأنفا. وقال

[ 463 ]

ابن عباس: ليس من مؤاكلتهم حرج، لانهم كانوا يتحرجون من ذلك. قال الفراء: كانت الانصار تتحرج من ذلك، لانهم كانوا يقولون: الاعمى لا يبصر فتأكل جيد الطعام دونه ويأكل رديئة. والاعرج لا يتمكن من الجلوس. والمريض يضعف عن المأكل. وقال مجاهد: ليس عليكم في الاكل من بيوت من سمي على جهة حمل قراباتهم إليهم يستتبعونهم في ذلك حرج. وقال الزهري: ليس عليهم حرج في أكلهم من بيوت الغزاة إذا خلفوهم فيه باذنهم. وقيل: كان المخلف في المنزل المأذون له في الاكل يتحرج، لئلا يزيد على مقدار المأذون له فيه. وقال الجبائي: الآية منسوخة بقوله " يا ايها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين أناه " (1) ويقول النبي صلى الله عليه وآله (لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفسه) والذي روي عن أهل البيت (ع): انه لا بأس بالاكل لهؤلاء من بيوت من ذكرهم الله بغير اذنهم، قدر حاجتهم من غير اسراف. وقوله " ولا على انفسكم ان تأكلوا من بيوتكم " قال الفراء: لما نزل قوله " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا ان تكون تجارة " (2) ترك الناس مؤاكلة الصغير والكبير ممن أذن الله تعالى في الاكل معه، فقال تعالى وليس عليكم في أنفسكم، وفي عيالكم حرج أن تأكلوا منهم ومعهم إلى قوله " أو صديقكم " أي بيوت صديقكم " أو ما ملكتم مفاتحه " أي بيوت عبيدكم وأموالهم. وقال ابن عباس: معنى ما ملكتم مفاتحه هو الوكيل وما جرى مجراه. وقال مجاهد والضحاك: هو ما ملكه الرجل نفسه في بيته. وواحد المفاتح مفتاح - بكسر الميم - وفي المصدر (مفتح) بفتح الميم. وقال قتادة: معنى قوله " أو صديقكم " لانه لا بأس في الاكل من بيت صديقه بغير اذنه.


(1) سورة 33 الاحزاب آية 53 (2) سورة 4 النساء آية 28 (*)

[ 464 ]

وقوله " ليس عليكم جناح ان تأكلوا جميعا أو اشتاتا " قيل: يدخل فيه أصحاب الآفات على التغليب للمخاطب كقولهم: انت وزيد قمتما، ولا يقولون قاما. وقال ابن عباس: معناه لا بأس ان يأكل الغني مع الفقير في بيته. وقال ابن عباس والضحاك: هي في قوم من العرب كان الرجل منهم يتحرج أن يأكل وحده. وقال ابن جريج: كانوا من كنانة. وقال أبو صالح: كانوا إذا نزل بهم ضيف تحرجوا أن يأكلوا معه، فأباح الله الاكل منفردا ومجتمعا. والاولى حمل ذلك على عمومه، وانه يجوز الاكل وحدانا وجماعا. وقوله " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على انفسكم " قال الحسن: معناه ليسلم بعضكم على بعض. وقال ابراهيم: إذا دخلت بيتا ليس فيه أحد فقل: السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وقال قوم: أراد بالبيوت المساجد. والاولى حمله على عمومه. فاما رد السلام، فهو واجب على المسلمين. وقال الحسن: يجب الرد على المعاهد، ولا يقول الراد ورحمة الله. وقوله تعالى " تحية من عند الله مباركة طيبة " يعني هذا السلام تحيون به تحية من عند الله مباركة طيبة، لما فيها من الاجر الجزيل والثواب العظيم. ثم قال كما يبين الله لكم هذه الاحكام والآداب " كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تعقلون " أي يبين الله لكم الادلة على جميع الاحكام، وجميع ما يتعبدكم به لتعقلوا ذلك، وتعملوا بموجبه. قوله تعالى (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنوك

[ 465 ]

أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم (62) لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (63) ألا إن لله ما في السموات والارض قد يعلم ما أنتم عليه ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شئ عليم) (64) ثلاث آيات بلا خلاف يقول الله تعالى ليس المؤمنون على الحقيقة إلا " الذين آمنوا بالله " أي صدقوا بتوحيده وعد له، وأقروا بصدق رسوله وإذا كانوا مع رسوله " على أمر جامع " وهو الذي يقتضي الاجتماع عليه والتعاون فيه: من حضور حرب أو مشورة في أمر، أو في صلاة جمعة، وما اشبه ذلك، لم ينصرفوا عن رسوله أو عن ذلك الامر، إلا بعد أن يأذن لهم الرسول في الانصراف متى طلبوا الاذن من قبله. والاستئذان طلب الاذن من الغير. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " إن الذين يستأذنوك " يا محمد، فهم الذين يصدقون بالله ورسوله على الحقيقة، دون الذين ينصرفون بلا استئذان. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله أيضا متى ما استأذنوك هؤلاء المؤمنون أن يذهبوا لبعض مهماتهم وحاجاتهم " فأذن لمن شئت منهم " فخيره بين ان يأذن وألا يأذن، وهكذا (ج 7 م 59 من التبيان)

[ 466 ]

حكم الامام. وقوله " واستغفر لهم الله " أي اطلب لهم المغفرة من الله. واستغفار النبي صلى الله عليه وآله هو دعاؤه لهم باللطف الذي تقع معه المغفرة " إن الله غفور رحيم " أي ساتر لذنوبهم منعم عليهم. ثم أمر المكلفين فقال تعالى " لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا " وقيل في معناه قولان: احدهما - احذروا دعاءه عليكم إذا أسخطتموه، فان دعاءه موجب، ليس كدعاء غيره، ذكره ابن عباس. والثاني - قال مجاهد وقتادة: ادعوه بالخضوع والتعظيم، وقولوا له " يا رسول الله، ويا نبي الله، ولا تقولوا: يا محمد، كما تقول بعضكم لبعض. وقوله " قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا " معناه إذا تسلل واحد منكم من عند النبي صلى الله عليه وآله فان الله عالم به. وقال الحسن: معنى " لواذا " فرارا من الجهاد. قال الفراء: كان المنافقون يحضرون مع النبي الجمعة، فإذا نزلت آية فيها ذم للمنافقين ضجروا، وطلبوا غره (1) واستتر بعضهم ببعض، يقال: لا وذت بفلان ملاوذة، ولواذا. قال الزجاج: الملاوذة المخالفة، ولذت به ألوذ لياذا. ثم حذرهم من مخالفة رسوله بقوله " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " وانما دخلت (عن) في قوله " عن أمره " لان المعنى يعرضون عن أمره. وفى ذلك دلالة على أن أوامر النبي صلى الله عليه وآله على الايجاب، لانها لو لم تكن كذلك لما حذر من مخالفته، وليس المخالف هو ان يفعل خلاف ما أمره فقط، لان ذلك ضرب من المخالفة. وقد يكون مخالفا بألا يفعل ما أمره به. ولو كان الامر على الندب لجاز


(1) معناه طلبوا اختصار الحديث أي طيه على غره (*)

[ 467 ]

تركه، وفعل خلافه. وقوله " أن تصيبهم فتنة " أي فليحذروا من أن تصيبهم فتنة: أي بلية تظهر ما في قلوبهم من النفاق. والفتنة شدة في الدين تخرج ما في الضمير " أو يصيبهم عذاب اليم " في الآخرة جزاء على خلافهم الرسول. ويجوز أن يكون المراد: ان تصيبهم عقوبة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب مؤلم في الآخرة. وقيل: معناه " أن تصيبهم فتنة " أي قبل أن يصيبهم عذاب في الآخرة. وقوله " ألا إن لله ما في السموات والارض " المعنى ان له ملك ما في السموات والارض، والتصرف في جميع ذلك، ولايجوز لاحد الاعترض عليه، ولايجوز مخالفة أمر رسوله، ولا يخالف أمره، لان الهاء في قوله " عن أمره " يحتمل أن تكون راجعة إلى الرسول ويحتمل أن تكون راجعة إلى الله، وقد مضى ذكرهما قبلها. ثم بين انه " يعلم ما انتم عليه " من الايمان والنفاق، لا يخفى عليه شئ من احوالكم لا سرا ولا علانية. وقوله " ويوم يرجعون إليه " أي يوم يردون إليه يعني يوم القيامة، الذي لا يملك فيه احد شيئا سواه. ومن ضم الياء: أراد يردون. ومن فتحها نسب الرجوع إليهم. وقوله " فينبئهم بما عملوه " أي يعلمهم جميع ما عملوه من الطاعات والمعاصي ويوافيهم عليها. " والله بكل شئ عليم " لا يخفى عليه شئ من ذلك الذي عملوه سرا وجهرا.

[ 469 ]

25 - سورة الفرقان قال مجاهد وقتادة: هي مكية. وقال ابن عباس نزلت ثلاث آيات منها بالمدينة من قوله " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر " إلى قوله " رحيما " عدد آياتها سبع وسبعون آية ليس فيها خلاف. بسم الله الرحمن الرحيم (تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (1) الذي له ملك السموات والارض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شئ فقدره تقديرا (2) واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لانفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حيوة ولا نشورا (3) وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتريه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاؤا ظلما وزورا (4) وقالوا أساطير الاولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة

[ 470 ]

وأصيلا (5) قل أنزله الذي يعلم السر في السموات والارض إنه كان غفورا رحيما) (6) ست آيات. معنى تبارك: تقدس وجل، بما لم يزل عليه من الصفات، ولا يزال كذلك، ولا يشاركه فيها غيره. وأصله من بروك الطير على الماء، فكأنه قال: ثبت فيما لم يزل ولا يزال الذي نزل الفرقان على عبده. وقال ابن عباس: تبارك (تفاعل) من البركة، فكأنه قال ثبت بكل بركة أو حل بكل بركة. وقال الحسن: معناه الذي تجئ البركة من قبله، والبركة الخير الكثير. والفرقان هو القرآن، سمي فرقانا لانه يفرق به بين الصواب والخطأ، والحق والباطل في امور الدين، بما فيه من الوعظ والزجر عن القبائح والحث على افعال الخير. ثم بين تعالى انه انما نزل هذا القرآن، وغرضه أن يكون نذيرا للعالمين، أي مخوفا وداعيا لهم إلى رشدهم، وصارفا لهم عن غيهم وضلالتهم، يقال: أنذره إنذارا إذا دعاه إلى الخير، بأن يخوفه من تركه: إذا كان غافلا عنه، وقال ابن زيد: النذير هو النبي صلى الله عليه وآله. وقال آخرون: هو القرآن. ثم وصف تعالى (الذي نزل الفرقان) بأنه (الذي له ملك السموات والارض) والتصرف فيهما، بسعة مقدورة بسياستها. وانه (لم يتخذ ولدا) كما يدعيه النصارى في أن المسيح ابن الله، ويزعم جماعة من العرب أن الملائكة بنات الله. وأنه ليس له شريك في الملك، بل هو المالك لجميع ذلك وحده، وانه (خلق كل شئ) وقيل في معناه قولان: احدهما - ان كل شئ يطلق عليه اسم مخلوق، فانه خلقه، لان أفعالنا لا يطلق عليها اسم الخلق حقيقة، لان الخلق يفيد الاختراع، وانما يسمونا بذلك مجازا.

[ 471 ]

والثاني - انه لا يعتد بما يخلقه العبد في جنب ما خلقه الله، لكثرة ذلك وقلة ما يخلقه العبد. ويحتمل ان يكون المراد قدر كل شئ، لان أفعال العباد مقدرة لله، من حيث بين ما يستحق عليها فاعلها من الثواب والعقاب أولا يستحق شيئا من ذلك. ويقوي ذلك قوله (فقدره تقديرا) لان المعنى فيه، وكل شئ على مقدار حاجتهم إليه وصلاحه لهم. ثم اخبر تعالى عن الكفار، فقال (واتخذوا من دون الله آلهة) من الاصنام والاوثان، ووجهوا عبادتهم إليها من دون الله. ثم وصف آلهتهم بما ينبئ أنها لا تستحق العبادة، بأن قال (لا يخلقون شيئا) ولا يقدرون عليه، وهم مع ذلك مخلوقون، ومصرفون، وانهم (لا يملكون) أي لا يقدرون (لانفسهم) على ضر ولا على نفع (ولا يملكون) أي لا يقدرون على موت، ولا على حياة، ولا على بعث بعد الموت. والنشور هو البعث بعد الموت، يقال: نشر الميت، فهو ناشر نشورا، وانشره الله انشارا، ومنه قوله (ثم إذا شاء أنشره) (1) وجميع ذلك يختص الله بالقدرة عليه، والعبادة تستحق بذلك، لانها أصول النعم، ثم أخبر عن الكفار بأنهم يقولون: ليس هذا القرآن الذي أنزلناه (إلا إفك) يعني كذب افتعله النبي صلى الله عليه وآله (واعانه عليه قوم آخرون) قال الحسن: قالوا أعانه عليه عبد حبشي يعني الحضرمي. وقال مجاهد: قالوا أعانه عليه اليهود. ثم حكى تعالى عنهم بأنهم قالوا ذلك و (جاؤا) في هذا القول (ظلما وزورا) أي جاؤا بظلم، فلما حذف الباء نصبه أي انهم أضافوه إلى غير من صدر عنه، وكذبوا فيه.


(1) سورة 80 عبس آية 22 (*)

[ 472 ]

وحكى عنهم انهم قالوا أيضا: هذا القرآن (أساطير الاولين) ورفع (أساطير) بأنه خبر ابتداء محذوف، وتقديره هذا أساطير الاولين. قال ابن عباس: الذى قال ذلك النضر بن الحارث بن كلدة، يعني اخبار قد سطرها الاولون من الامم اكتتبها هو، وانتسخها (فهي تملى عليه) حتى ينسخها) بكرة وأصيلا) يعني غداة وعشيا. والاصيل العشي، لانه أصل الليل وأوله. ومعناه: إنه يقرأ عليه على هوى النفس، فأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله أن يقول لهم، تكذيبا لقولهم (قل انزله) يعني القرآن (الذي يعلم السر) يعني الخفايا (في السموات والارض) والمعنى انه أنزله على ما يعلم من المصلحة وبواطن الامور وخفاياها، لا على ما تقتضيه أهواء النفوس وشهواتها. وقال الجبائي: السر - ههنا - الغيب. والسر اخفاء المعنى في القلب اسر إليه إسرارا أي ألقى إليه ما يخفيه في قلبه، وساره مسارة وسرارا: إذا اخفى ما يلقيه إليه من السر عن غيره. وقوله (انه كان غفورا) معناه الذي يعلم السر في السموات والارض لا يعاجلهم بالعقوبة، بل يستر عليهم، وهكذا كان على من تقدم من الكفار والعصاة (رحيما) أي منعما عليهم. قوله تعالى: (وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (7) أو يلقي إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (8) أنظر كيف ضربوا لك الامثال فضلوا فلا يستطيعون

[ 473 ]

سبيلا (9) تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الانهار ويجعل لك قصورا) (10) أربع آيات. قرأ حمزة والكسائي (نأكل) بالنون. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو بكر عن عاصم (ويجعل لك قصورا) بالرفع. الباقون بالجزم. من قرأ (ياكل) بالياء أراد النبي صلى الله عليه وآله فانهم كرهوا أن يكون نبي من قبل الله يأكل الطعام ويمشي في الاسواق، وقالوا: هلا كان معه ملك ؟ فيكون معه معينا مخوفا لعباده (وداعيا) لهم. ومن قرأ بالنون اراد: نأكل نحن، فيكون له بذلك مزية علينا في الفضل بأكلنا من جنته. ومن جزم (ويجعل) عطفه على موضع (جعل) لان موضع (جعل) جزم، لانه جزاء الشرط، فعطف (ويجعل) على الموضع كما قرأ من قرأ قوله (من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم) (1) بالجزم ومن رفع استفأنفه وقطعه عن الاول، كمن قرأ (ويذرهم) بالرفع. حكى الله تعالى عن هؤلاء الكفار الذين وصفهم أنهم قالوا أي شئ " لهذا الرسول يأكل الطعام " كما نأكل " ويمشي في الاسواق " في طلب المعاش، كما نمشي " لولا انزل إليه " ومعناه هلا أنزل الله عليه ملكا ان كان صادقا، فيكون معينا له على الانذار والتخويف. وإن لم ينزل إليه ملك، هلا " يلقى إليه كنز " يستغني به ويكون عونا له على دنياه وما يريده " أو تكون له جنة " اي بستان " ياكل منها " هو نفسه. ومن قرأ - بالنون - اراد نأكل نحن معه، ونتبعه. ثم حكي: ان الظالمين نفوسهم بارتكاب المعاصي والكفر، قالوا لاتباعهم ومن سمع منهم (إن تتبعون) اي ليس تتبعون إن تبعتموه (الا رجلا مسحورا) وقيل


(1) سورة 7 الاعراف آية 185 (ج 7 م 60 من التبيان) (*)

[ 474 ]

إنما يخاطبون بذلك المؤمنين المقربن بنبوته، ليصرفوهم عنه. ومعنى (مسحورا) انه قد سحر. والسحر ما خفي سببه حتى يظن انه معجز. فقال الله لنبيه صلى الله عليه وآله (انظر كيف ضربوا لك الامثال) يعني الاشباه، لانهم قالوا تارة: هو مسحور. وتارة مثلوه بالمحتاج المتروك، حتى تمنوا له الكنز. وتارة بأنه ناقص عن القيام بالامور، وكل ذلك جهل منهم وذهاب عن وجه الصواب. فقال الله تعالى (فضلوا) بضرب هذه الامثال عن طريق الحق (فلا يستطيعون سبيلا) معناه لا يستطيعون طريقا إلى الحق، مع تمسكهم بطريق الجهل وعدولهم عن الداعي إلى الرشد. وقيل معناه (لا يستطيعون سبيلا) إلى ابطال امرك. ثم قال تعالى (تبارك الذي) أي تقدس وتعاظم الله الذي (ان شاء جعل لك خيرا من ذلك) يعني مما قالوه - في قول مجاهد - ثم فسر (ذلك) فقال الذي هو خير مما قالوه (جنات تجري من تحتها الانهار. ويجعل لك قصورا) وهو جمع قصر، وهو البيت المشيد المبني - في قول مجاهد - وسمي القصر قصرا، لانه يقصر من فيه عن أن يوصل إليه. ومن جزم " يجعل " عطفا على موضع (جعل)، لانه جواب الشرط. ومن رفع استأنف. وكان يجوز النصب على الظرف (1). قوله تعالى: (بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (11) إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) وإذا ألقوا منا مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (13) لا تدعوا اليوم


(1) يقصد بالظرف (واو المعية) (*)

[ 475 ]

ثبورا واحد وادعوا ثبورا كثيرا (14) قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (15) لهم فيها ما يشاؤن خالدين كان على ربك وعدا مسؤلا) (16) ست آيات. يقول الله تعالى مخبرا عن حال هؤلاء الكفار الذين وصفهم وذكرهم بأنهم كفروا بالله وجحدوا البعث والنشور، أنهم لم يكفروا لانك تأكل الطعام وتمشي في الاسواق، بل لانهم لم يقروا بالبعث والنشور، والثواب والعقاب، وهو معنى قوله " بل كذبوا بالساعة " يعني بالقيامة، وما فيها من الثواب والعقاب. ثم اخبر تعالى انه اعد " لمن كذب بالساعة سعيرا " و (أعتدنا) أصله أعددنا فقلبت احدى الدالين تاء، لقرب مخرجهما. و (السعير) النار الملتهبة، يقال: اسعرتها اسعارا، واستعرت استعارا، وتسعرت تسعرا، وسعرها الله تسعيرا. والاسعار تهيج النار بشدة الايقاد. ثم وصف تلك النار المستعرة، فقال " إذا رأتهم من مكان بعيد " ونسب الرؤية إلى النار - وانما هم يرونها - لان ذلك أبلغ، كأنها تراهم رؤية الغضبان الذي يزفر غيظا، فهم يرونها على تلك الصفة، ويسمعون منها تلك الحال الهائلة. و (التغيظ) انتفاض الطبع لشدة نفور النفس. والمعنى صوت التغيظ من التلهب والتوقد. وقال الجبائي: معناه " إذا رأتهم " الملائكة الموكلون بالنار " سمعوا لها " للملائكة " تغيظا وزفيرا " للحرص على عذابهم. وهذا عدول عن ظاهر الكلام مع حسن ظاهره وبلاغته من غير حاجة داعية ولا دلالة صارفة. وانما شبهت النار بمن له تلك الحال، وذلك في نهاية البلاغة. وقوله " وإذا القوا " يعني الكفار " منها " يعني من النار " مكانا ضيقا " أي

[ 476 ]

في مكان ضيق " مقرنين " قيل: معناه مغللين، قد قرنت أعناقهم إلى ايديهم في الاغلال، كما قال " مقرنين في الاصفاد " (1) وقيل: مقرنين مع الشياطين في السلاسل والاغلال. وقيل يقرن الانسان والشيطان الذي كان يدعوه إلى الضلال " دعوا هنالك " يعني في ذلك الموضع، يدعون " ثبورا " قال ابن عباس: الثبور الويل، وقال الضحاك: هو الهلاك. وقيل: أصله الهلاك من قولهم ثبر الرجل إذا هلك. قال ابن الزبعري. إذا جاري الشيطان في سنن ال‍ * غي فمن مال ميله مثبور (2) ويقال: ما ثبرك عن هذا الامر ما صرفك عنه صرف المهلك عنه، فيقولوا: واإنصرفاه عن طاعة الله. وقيل: واهلاكاه. فقال الله تعالى انه يقال لهم عند ذلك " لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا " أي لا تدعوا ويلا واحدا، بل أدعوا ويلا كثيرا. والمعنى إن ذلك لا ينفعكم سواء دعوتم بالويل قليلا أو كثيرا. ثم قال تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " لهم يا محمد " أذلك خير " يعني ما ذكره من السعير وأوصافه خير " أم جنة الخلد " وانما قال ذلك على وجه التنبيه لهم على تفاوت مابين الحالين. وانما قال " أذ لك خير أم جنة الخلد " وليس في النار خير، لان المراد بذلك أي المنزلين خير ؟ ! تبكتا لهم وتقريعا. وقوله " التي وعد المتقون " أي وعد الله بهذه الجنة من يتقي معاصيه ويخاف عقابه " كانت لهم جزاء ومصيرا " يعني الجنة مكافأة وثوابا على طاعانهم، ومرجعهم إليها ومستقرهم فيها، و " لهم فيها ما يشاؤن " ويشتهون من اللذات والمنافع " خالدين " أي مؤبدين لا يفنون فيها " كان على ربك وعدا مسؤلا " وقيل في معناه قولان:


(1) سورة 14 ابراهيم آية 49 وسورة 38 ص آية 38 " 2 " مر تخريجه في 6 / 528 (*)

[ 477 ]

احدهما - ان المؤمنين يسألون الله عزوجل الرحمة في قولهم " ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا " (1) وقولهم: (وآتنا ما وعدتنا على رسلك) (2). والثاني - انه بمنزلة قولك: لك ما تمنيت مني أي متى تمنيت شيئا فهو لك، فكذلك متى سألوا شيئا، فهو لهم بوعد الله (عزوجل) اياهم. وقرأ ابن كثير (ضيقا) بتخفيف الياء. الباقون بالتشديد، وهما لغتان بالتشديد والتخفيف، مثل سيد وسيد، وميت وميت. وقيل: ذلك هو الوعد المسول في دار الدنيا. قوله تعالى: (ويوم يحشرهم وما يعبدون من دون الله فيقول ء أنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (17) قالوا سبحانك ما كان بنبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (18) فقد كذبوكم بما تقولون فما تستطيعون صرفا ولا نصرا * ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (19) وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الاسواق وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيرا) (20) اربع آيات.


(1) سورة 23 المؤمنون آية 110 " 2 " سورة 3 آل عمران آية 194 (*)

[ 478 ]

قرأ ابن كثير وابو جعفر وحفص ويعقوب (ويوم يحشرهم) بالياء. الباقون بالنون. وقرأ ابن عامر (فنقول) بالنون. الباقون بالياء. وقرأ أبو جعفر (ان نتخذ) بضم النون وفتح الخاء. الباقون بفتح النون وكسر الخاء. وقرأ حفص (فما تستطيعون) بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ (يحشرهم) بالياء فتقديره: قل يا محمد يوم يحشرهم الله ويحشر الاصنام التي يعبدونها من دون الله. قال قوم: حشر الاصنام افناؤها. وقال آخرون يحشرها كما يحشر سائر الحيوان ليبكت من جعلها آلهة. ومن قرأ بالنون اراد: ان الله المخبر بذلك عن نفسه وابن عامر جعل المعطوف مثل المعطوف عليه في أنه حمله على انه إخبار من الله. ومن قرأ الاولى بالنون والثانية بالياء عدل من الاخبار عن الله إلى الاخبار عن الغائب. يقول الله تعالى (ويوم يحشرهم) يعني هؤلاء الكفار الجاحدين للبعث والنشور ويحشر (ما يعبدون من دون الله) قال مجاهد: يعني عيسى وعزير. وقال قوم: هو كل ما عبدوه من دون الله ليبكتوا بذلك (فيقول) اي فيقول الله لهم (أأنتم اضللتم عبادي هؤلاء) يعني الكفار أي يقول الله للذين عبدوهم أأنتم الذين دعوتم الكفار إلى عبادتكم، فأجابوكم (أم هم ضلوا السبيل) من قبل نفوسهم عن طريق الحق واخطؤا طريق الصواب ؟ ؟ فيجيب المعبودون بما حكاه الله فيقولون: (سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من اولياء) ندعوهم إلى عبادتنا. ومن ضم النون أراد: لم يكن لنا ان نتخذ اولياء من دونك، وضعف هذه القراءة النحويون. فقالوا: لان (من) هذه تدخل في الاسم دون الخبر، نحو ما علمت من رجل راكبا. ولا تقول: ما علمت رجلا من راكب. وقال الزجاج: لا يجوز ذلك

[ 479 ]

كما لا يجوز في قوله (فما منكم من احد عنه حاجزين) (1) ما احد عنه منكم من حاجزين. وقال الفراء يجوز ذلك على ضعف، ووجهه أن يجعل الاسم في (من أولياء)، وإن كانت وقعت موقع الفعل (وقوله (ما كان ينبغي لنا)، (كان) زائدة، والتقدير: ما ينبغي لنا - ذكره أبو عبيدة - وهذا لا يحتاج إليه، لان هذا إخبار عنهم يوم القيامة انهم يقولون: " ما كان ينبغي لنا " في دار الدنيا ان نتخذ اولياء من دونك) (2) وقوله " ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا " تمام الحكاية عما يقول المعبودون من دون الله، فانهم يقولون يا ربنا انك متعت هؤلاء الكفار ومتعت آباءهم في نعيم الدنيا " حتى نسوا الذكر " أي ذكرك " وكانوا قوما بورا " أي هلكى فاسدين. والبور الفاسد، ويقال: بارت السلعة تبور بورا إذا بقيت لا تشترى بقاء الفاسد الذي لا يراد. والبائر الباقي على هذه الصفة. والبور مصدر كالزور، لا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث. وقيل هو جمع (بائر) قال ابن الزبعري: يا رسول المليك إن لساني * راتق ما فتقت إذا أنابور (3) ونعوذ بالله من بوار الاثم. وقوله " فقد كذبوكم بما تقولون " قيل في معناه قولان: احدهما - كذبكم الملائكة والرسل، في قول مجاهد. والثاني - قال ابن زيد: أيها المؤمنون كذبكم المشركون بما تقولون: عن نبوة محمد صلى الله عليه وآله وغيره من انبياء الله. قال الفراء: من قرأ بالياء معناه كذبوكم بقولهم. وقوله " فما تستطيعون صرفا


(1) سورة 69 الحاقة آية 47 (2) ما بين القوسين كان في المطبوعة مؤخرا عن موضعه. (3) انظر 6 / 249 من هذا الكتاب. (*)

[ 480 ]

ولا نصرا " قال مجاهد: يعني بذلك، فما يستطيع هؤلاء الكفار صرف العذاب عن انفسهم، ولانصر أنفسهم من عذاب الله تعالى. وقيل: معناه فما يستطيعون لك يا محمد صرفا عن الحق، ولانصر أنفسهم من البلاء الذي هم فيه، من التكذيب لك. وليس: ما يستطيعون نصرا من بعض لبعض. ومن قرأ - بالتاء - خاطبهم بذلك بتقدير قل لهم. ثم قال تعالى " ومن يظلم منكم " نفسه بارتكاب المعاصي وحجد آيات الله " صرفه " في مقابلة ذلك جزاء عليه " عذابا كبيرا " أي عظيما. ثم خاطب نبيه محمدا صلى الله عليه وآله فقال " وما أرسلنا قبلك " يا محمد " من المرسلين إلا انهم ليأكلون الطعام " مثلك " ويمشون في الاسواق " طلبا للمعايش، كما تطلبها (؟ ؟ ؟)، وهو جواب لقولهم " ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق " (1) وكسرت (إن) في قول " الا انهم " لانه موضع ابتداء، كأنه قال: إلا هم يأكللون الطعام، كما تقول: ما قدم علينا أمير الا إنه مكرم لي، ولا يجوز أن تكون مكسورة لاحل اللام، لان دخولها وخروجها واحد في هذا الموضع. وقال قوم (من) محذوفة والتقدير إلا من انهم ليأكلون الطعام نحو " وما منا إلا له مقام معلوم " (2) اي الا من له مقام معلوم، ذكره الفراء. وقال الزجاج: هذا لا يجوز، لان قوله " انهم ليأكلوا الطعام " صلة (من) ولا يجوز حذف الموصول وبقاء الصلة، ومثل الآية قول الشاعر: ما أعطياني ولا سألتهما * إلا وأني لحاجز كرمي (3) وقوله " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " قال الحسن: معناه يقول هذا الاعمى: لو شاء لجعلني بصيرا مثل فلان، ويقول هذا الفقير: لو شاء لجعلني غنيا مثل فلان


(1) سورة 25 الفرقان آية 7 (2) سورة 37 الصافات آية 164 (3) البيت في مجمع البيان 4 / 163 (*)

[ 481 ]

ويقول هذا السقيم: لو شاء لاصحني مثل فلان. وقوله " وكان ربك بصيرا " أي بصيرا بمن يصبر ممن يجزع، في قول ابن جريج. وقال الفراء: كان الشريف إذا أراد أن يسلم، وقد سبق المشروف إلى الاسلام، فيقول: أسلم بعد هذا ؟ ! فكان ذلك فتنة. وقيل " وجعلنا بعضكم لبعض فتنة " للعداوات التي كانت بينهم في الدين. والفتنة شدة في التعبد تظهر ما في نفس العبد من خير وشر، وهي الاختبار. وأصله اخلاص الشئ باحراق ما فيه من الفساد من قولهم: فتنت الذهب بالنار إذا أخلصته من الغش باحراقه، ومنه قوله " يومهم على النار " يفتنون " (1) أي يحرقون إحراق ما يطلب اخلاصه من الفساد. وقوله " أتصبرون وكان ربك بصيرا " معناه اصبروا فقد عرفتم ما وعد الصابرون به من الثواب، والله بصير بمن يصبر ومن يجزع. قوله تعالى: (وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (21) يوم يرون الملئكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (24) ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملئكة تتزيلا) (25) خمس آيات. حكى الله تعالى عن الكفار الذين لا يرجون لقاء ثواب الله، ولا يخافون عقابه


(1) سورة 51 الذاريات آية 13 (ج 7 م 61 من التبيان) (*)

[ 482 ]

أنهم قالوا ما ذكره. والرجاء ترقب الخير الذي يقوى في النفس وقوعه، تقول: رجا يرجو رجاء وارتجى ارتجاء، وترجى ترجيا، ومثل الرجاء الطمع والامل. والمعنى لا يرجون لقاء جزائنا، وإذا استعملوا الرجاء مع النفي أرادوا به الخوف، كقوله " لا ترجون لله وقارا " (1) وهي لغة تهامة وهذيل. واللقاء المصير إلى الشئ من غير حائل ولهذا صح لقاء الجزاء من الثواب والعقاب، لان العباد يصيرون إليه في الآخرة وعلى هذا يصلح أن يقال: لابد من لقاء الله تعالى. وقوله " لولا انزل علينا الملائكة أو نرى ربنا " معناه هلا أنزل الملائكة لتخبرنا بأن محمد نبي " أو نرى ربنا " فيخبرنا بذلك. قال الجبائي: وذلك يدل على انهم كانوا مجسمة، فلذلك جوزوا الرؤية على الله التي تقتضي التشبيه. ثم اقسم تعالى فقال " لقد استكبروا " بهذا القول " في أنفسهم " أي طلبوا الكبر والتجبر بغير حق، تقول: استكبر استكبارا " وعتوا " بذلك أي طغوا به " عتوا كبيرا " والعتو الخروج إلى أفحش الظلم. وقوله " يرم يرون الملائكة " يجوز أن يكون المراد به اليوم الذي تقبض فيه أرواحهم، ويعلمون أين مستقرهم. ويجوز أن يكون يوم القيامة " لا بشرى يومئذ للمجرمين " أي لا بشرى لهم في ذلك اليوم. قال الفراء: ليس (اليوم) من صلة (بشرى) ولا منصوبا به، بل اضمرت (الفاء) كقولك: أما اليوم، فلا مال لك. وقال الزجاج: يجوز على تقدير لا بشرى تكون للمجرمين يوم يرون الملائكة، ويكون (يومئذ) مؤكدا ل‍ (يوم)، ولا يكون منصوبا ب‍ (لا بشرى) لان ما يتصل ب‍ (لا) لا يعمل فيما قبلها، لكن لما قيل: " لا بشرى للمجرمين " بين في أي يوم ذلك فكأنه قال يمنعون البشرى يوم يرون الملائكة، وهو يوم القيامة و (المجرمين) معناه


(1) سورة 71 نوح آية 13 (*)

[ 483 ]

الذين أجرموا وارتكبوا المعاصي " ويقولون حجرا محجورا " حراما محرما. وقال قتادة، والضحاك: هو من قول الملائكة يقولون لهم: حراما محرما عليكم البشرى. وقال مجاهد وابن جريج: هو من قول المجرمين، كما كانوا يقولون في الدنيا إذا لقوا من يخافون منه القتل، قالوا " حجرا محجورا " أي حراما محرما دماؤنا. واصل الحجر الضيق، يقال: حجر عليه يحجر حجرا إذا ضيق. والحجر الحرام لضيقه بالنهي عنه، قال المتلمس: حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها * حجر حرام ألا تلك الدها ريس (1) وقال آخر: فهممت ان ألقي إليها محجرا * ولمثلها يلقى إليه المحجر (2) أي حراما. ومنه حجر القاضي عليه يحجر. وحجر فلان على أهله. ومنه حجر الكعبة، لانه لا يدخل إليه في الطواف، وانما يطاف من وارئه، لتضيقه بالنهي عنه وقوله " لذي حجر " (3) أي لذي عقل، لما فيه من التضييق في القبيح، والحجر الانثى من الخيل، ومنه الحجرة، وحجر الانسان. وقوله " وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا " قال البلخي: معناه قدم أحكامنا بذلك. وقال مجاهد: معنى " قدمنا " عمدنا قال الراجز: وقدم الخوارج الضلال * إلى عباد ربهم فقالوا إن دماءكم لنا حلال (4) وفي الكلام بلاغة حسنة، لان التقدير: كان قصدنا إليه قصد القادم على ما يكرهه، ما لم يكن رآه قبل فيغيره. والهباء غبار كالشعاع، لا يمكن القبض عليه


(1) أنظر 4 / 313 تعليقة 1 من هذا الكتاب. (2) تفسير الطبري 19 / 2 (3) سورة 89 الفجر آية 5 (4) تفسير القرطبي 13 / 21 والطبري 19 / 3 (*)

[ 484 ]

وقال الحسن ومجاهد وعكرمة: هو غبار يدخل الكوة في شعاع الشمس. وقال عكرمة: هو رهج الخيل. وقال ابن عباس وغيره: هو الماء المهراق. ثم قال تعالى " أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا " ومعناه: إن الذين يحصلون في الجنة - مثابين منعمين في ذلك اليوم - مستقرهم خير من مستقر الكفار في الدنيا والآخرة. وانما قال ذلك على وجه المظاهرة، بمعنى أنه لو كان لهم مستقر خير ومنفعة، لكان هذا خيرا منه، " واحسن مقيلا " معناه أحسن موضع قائلة، وإن لم يكن في الجنة نوم، إلا أنه من تمهيده يصلح للنوم، لانهم خوطبوا بما يعرفون، كما قال " ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا " (1) على ما اعتادوه. وقال البلخي: معنى " مستقرا واحسن مقيلا " انه خير في نفسه، وحسن في نفسه، لا انه أفضل من غيره، كما قال " وهو أهون عليه " (2) أي هو هين. وقال قوم: معنى " خير مستقرا وأحسن " أي انفع من مستقرهم. وقال ابن عباس وابراهيم وابن جريج: لانه يفرغ من حسابهم إلى وقت القائلة. وقوله " يوم تشقق السماء بالغمام " أي عن الغمام، وهو كقولهم: رميت بالقوس، وعن القوس بمعنى واحد. وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر " تشقق " مشددة ومعناه تتشقق، فادغم احدى التائين في الشين لقرب مخرجيهما. ومن قرأ بالتخفيف أراد ايضا ذلك. ولكنه حذف أحدى التائين، وهي تاء (تفعل) لان الاخرى علامة الاستقبال، لا يجوز حذفها. وقال أبو علي الفارسي: المعنى " تشقق السماء " وعليها الغمام. وفى التفسير: انه يتشقق سماء سماء. وقال الفراء: تتشقق السماء عن الغمام الابيض. وقرأ الباقون بالتخفيف. وقرأ ابن كثير " وننزل الملائكة " بنونين. وقرأ الباقون بنون


(1) سورة 19 مريم آية 62 (2) سورة 30 الروم آية 27

[ 485 ]

واحدة مشددة. والمعني بذلك الاخبار عن هول ذلك اليوم وعظم شدائده، وان الملائكة تنزل للمؤمنين بالاكرام والاعظام، وللكافرين بالاستخفاف والاهانة. ومن قرا بالنونين أراد ان الله المخبر بذلك عن نفسه. ومن قرأ بنون واحدة فعلى ما لم يسم فاعله. والمعنيان واحد. والتشديد أجود لقوله " تنزيلا " والآخر يجوز، كما قال " وتبتل إليه تبتيلا) (1) وقوله (والله أنبتكم من الارض نباتا) (2) فجاء المصدر على غير الفعل وذلك سائغ جيد. قوله تعالى: (الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (26) ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (27) يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للانسان خذولا (29) وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا) (30) خمس آيات. يقول الله تعالى إن (الملك) الذي هو السلطان بسعة المقدور وتدبير العباد في ذلك اليوم ووصفه بأنه الحق " للرحمن " الذي أنعم على جميع خلقه، وأن ذلك


(1) سورة 73 المزمل آية 8 (2) سورة 71 نوح آية 17 (*)

[ 486 ]

اليوم كان على الكافرين عسيرا، يعني صعبا شديدا، والعسير هو الذي يتعذر طلبه، ونقيضه اليسير. والحق هو ما كان معتقده على ما هو به، معظم في نفسه، ولذلك وصفه تعالى بأنه الحق ووصف ملكه ايضا بأنه الحق لما ذكرناه. وقيل " الملك " على ثلاثة أضرب: ملك عظمة، وهو لله تعالى وحده. وملك ديانة بتمليك الله تعالى. وملك جبرية بالغلبة. ثم قال تعالى أن في ذلك اليوم " يعض الظالم على يديه " تلهفا على ما فرط في جنب الله، في ارتكاب معصيته. وقيل: إن الآية نزلت في أبي بن خلف، وعقبة ابن ابي معيط، وكانا خليلين ارتد أبي، لما صرفه عن الاسلام عقبة. وقتل عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبرا. وقتل أبي بن خلف يوم احد، قتله النبي صلى الله عليه وآله بيده، ذكره قتادة. وقال مجاهد: الخليل - ههنا - الشيطان، وفلان كناية عن واحد بعينه من الناس، لانه معرفة. وقال ابن دريد، عن أبي حاتم عن العرب: أنهم يكنوا عن كل مذكر بفلان، وعن كل مؤنث بفلانة. وإذا كنوا عن البهائم أدخلوا الالف واللام، فقالوا الفلان والفلانة. ثم بين أنه يتبرأ منه بأن يقول: والله " لقد اضلني عن الذكر بعد إذ جاءني " يعني أغواني عن اتباع الذكر الذي هو النبي صلى الله عليه وآله ويحتمل أن يكون اراد القرآن. ثم بين فقال " وكان الشيطان للانسان خذولا " يخذله في وقت حاجته ومعاونته، لانه على باطل " وقال الرسول " أي ويقول الرسول " ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا " وقيل في معناه قولان: احدهما - قال محمد، وابراهيم: انهم قالوا فيه هجرا أي شيئا من القول القبيح لزعمهم انه سحر، وانه اساطير الاولين. والثاني - قال ابن زيد: هجروا القرآن باعراضهم عنه، وترك ما يلزمهم فيه

[ 487 ]

ويشهد لهذا قوله " لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه " (1) ومثل (قال) بمعنى (يقول) قول الشاعر: مثل العصافير أحلاما ومقدرة * لو يوزنون بزف الريش ما وزنوا (2) اي ما يوزنون، واما قول الشاعر: إن يسمعوا ريبة طاروا بها فرحا * مني وما سمعوا من صالح دفنوا (3) فهذا في الجزاء. قوله تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (31) وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا (33) الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا) (34) أربع آيات. معنى قوله " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين " قيل فيه قولان: احدهما - قال ابن عباس: جعل لمحمد صلى الله عليه وآله عدوا من المجرمين، كما جعل لمن قبله.


(1) سورة 41 حم السجدة (فصلت) آية 26 (2) مجمع البيان 4 / 168 (3) مجاز القرآن 1 / 177 إنظر 5 / 44 تعليقة 2 من هذا الكتاب (*)

[ 488 ]

والثاني - كما جعلنا النبي يعادي المجرم مدحا له وتعظيما، كذلك جعلنا المجرم يعادي النبي ذما له وتحقيرا. والمعنى إن الله تعالى حكم بأنه على هذه الصفة. وقيل " جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين " ببياننا أنهم أعداؤهم، كما يقال جعله لصا أو خائنا. وقيل: معناه أمرنا بأن يسموهم أعداء. والجعل وجود ما به يصير الشئ على ما لم يكن، ومثله التصيير، والعدو المتباعد من النصرة للبغضة، ونقيضه الولي، واصله البعد. ومنه عدوتا الوادي أي جانباه، لانهما بعداه ونهايتاه، وعدا عليه يعدو عدوا إذا باعد خطوة للايقاع به، وتعدى في فعله إذا أبعد في الخروج عن الحق. ثم قال تعالى " وكفى بربك " يا محمد " هاديا ونصيرا " اي حسبك الله الهادي إلى الحق، والناصر على العدو، و (هاديا) منصوب على الحال أو التمييز، فالحال كفى به في حال الهداية والنصرة، والتمييز من الهادين والناصرين - ذكره الزجاج - ولا يقدر أحد أن يهدي كهداية الله، ولا أن ينصر كنصرته، فلذلك قال " وكفى بربك هاديا ونصيرا " ثم حكى أن الكفار، قالو " لولا " اي هلا " نزل عليه القرآن " على النبي " جملة واحدة " فقيل لهم إن التوراة انزلت جملة، لانها أنزلت مكتوبة على نبي يكتب ويقرأ وهو موسى، واما القرآن، فانما انزل متفرقا، لانه أنزل غير مكتوب على نبي أمي، وهو محمد صلى الله عليه وآله وقيل: انما لم ينزل جملة واحدة، لان فيه الناسخ والمنسوخ، وفيه ما هو جواب لمن سأل عن أمور، وفيه ما هو إنكار لما كان. وفي الجملة المصلحة معتبرة في إنزال القرآن، فإذا كانت المصلحة تقتضي انزاله متفرقا كيف ينزل جملة واحدة ! ؟ فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله إنا أنزلناه متفرقا (لنثبت به فؤادك) وقال أبو عبيدة: معناه لنطيب به نفسك ونشجعك. وقوله (ورتلناه ترتيلا) فالترتيل التبيبن في تثبت وترسل. وقوله (ولا يأتونك بمثل الا جئناك بالحق) أي لم ننزل القرآن جملة واحدة لانهم لا ياتونك بشئ

[ 489 ]

يريدون به ابطال امرك (الا جئناك بالحق) الذي يبطله (واحسن تفسيرا) أي نجيؤك بأحسن تفسيرا مما يأتونك به واجود معاني. ثم قال (الذين يحشرون على وجوههم) يوم القيامة (إلى جهنم) يعني الكفار يسحبون على وجوههم. وفى الحديث أن الذي امشاهم على أقدامهم، قادر على أن يمشيهم على وجوههم. ثم أخبر تعالى عن هؤلاء الذين يحشرون على وجوههم بأنهم (شر مكانا وأضل سبيلا) عن الحق وعن الثواب والجنة. قوله تعالى: (ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هرون وزيرا (35) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (36) وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية وأعتدنا للظالمين عذابا أليما (37) وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (38) وكلا ضربنا له الامثال وكلا تبرنا تتبيرا (39) ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا) (40) ست آيات. أقسم الله تعالى بأنه آتى موسى الكتاب يعني التوراة، وأنه جعل معه (أخاه (هارون وزيرا، يحمل عنه أثقاله، وأنه قال لهما وأوحى اليهما وأمرهما بأن يذهبا إلى القوم (ج 7 م 62 من التبيان) (*)

[ 490 ]

الذين كذبو بآيات الله وجحدوا أدلته، يعني فرعون وقومه، وأخبر أنهم لم يقبلوا منهما وجحدوا نبوتهما، فأهلكهم الله ودمرهم تدميرا، والتدمير الاهلاك بأمر عجيب ومثله التنكيل، يقال: دمر على فلان إذا هجم عليه بالمكروه. ثم قال " وقوم نوح " أي اغرقنا قوم نوح لما كذبوا الرسل " أغرقناهم وجعلناهم للناس آية " وعلامة. والتغريق الاهلاك بالماء الغامر، وقد غرق الله تعالى قوم نوح بالطوفان، وهو مجئ ماء السماء المنهمر، وماء الارض الذي فجر الله تعالى عيونها حتى التقى الماء، أي أتى على أمر على قد قدره الله، فطبق الارض ولم ينج إلا نوحا ومن كان معه راكبا في السفينة، ويقال: فلان غريق في النعمة تشبيها بذلك. وقوله " لما كذبوا الرسل " يعني نوحا ومن تقدم من الانبياء. وقيل: المعني نوحا والرسل من الملائكة. وقيل: نوحا ومن بعده من الرسل، لان الانبياء يصدق بعضهم بعضا في توحيد الله وخلع الانداد، فمن كذب بواحد منهم فقد كذب بهم جميعهم، وقال الحسن: تكذيبهم بنوح تكذيب لسائر الرسل. ثم قال تعالى: إنا مع إهلاكهم العاجل (اعتدنا للظالمين) نفوسهم (عذابا اليما) أي مؤلما موجعا. وقوله (وعادا وثمود واصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا) معناه أهلكنا هؤلاء ايضا، يقال: (عاد) هم القوم الذين بعث الله إليهم هودا، و (ثمود) هم الذين بعث الله إليهم صالحا، واصحاب الرس قال عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم أي ألقوه فيها. وقال قتادة: هي قرية باليمامة، يقال لها: (فلج) وقال ابوا عبيدة: الرس كل محفور - في كلام العرب - وهو المعدن، قال الشاعر: سبقت إلى فرط ناهل * تنابلة يحفرون الرساسا (1)


(1) قائله لنابغة الجعدي. تفسير القرطبي 13 / 32 والطبري 19 / 9 واللسان (رسس) (*)

[ 491 ]

اي المعادن. وقيل: الرس البئر التي لم تطو بحجارة، ولا غيرها، يقال: رسه يرسه رسا إذا دسه. وقيل: اصحاب الرس هم اصحاب (ياسين) بانطاكية الشام، ذكره النقاش. وقال الكلبي: هم قوم بعث الله تعالى إليهم نبيا فاكلوه، وهم اول من عمل نساؤهم السحر. وعن اهل البيت (ع) انهم قوم كانت نساؤهم سحاقات. وقوله (وقرونا بين ذلك كثيرا) اي اهلكنا قرونا بين هؤلاء الذين ذكرناهم كثيرا. وقيل: القرن سبعون سنة. وقال ابراهيم: أربعون سنة. وقوله (وكلا ضربنا له الامثال) تقديره ودللنا كلا ضربنا له الامثال، فلما كفروا بها دمرناهم تدميرا (وكلا تبرنا تتبيرا) اي اهلكنا كلا منهم إهلاكا. والتتبير تكبير الاهلاك، والتبر مكسر الزجاج، ومكسر الذهب. وقوله (ولقد اتوا على القرية التي امطرت مطر السوء) يعني ان هؤلاء الكفار قد جاؤا إلى القرية التي اهلكها الله بالمطر السوء (أفلم يكونوا يرونها) فيعتبروا بها. والقرية هي قرية (سدوم) قرية قوم لوط، والمطر السوء الحجارة التي رموا بها - في قول ابن عباس - ثم قال (بل) رأوها، وانما لم يعتبروا بها، لانهم (كانوا لا يرجون نشورا) اي لا يخافون البعث لاعتقادهم جحده، قال الهذلي: إذا لسعته الدير لم يرج لسعها * وخالفها في بيت نوب عوامل (1) فالدبر النحل اي لم يخف. وقيل: ركبوا المعاصي، لانهم لا يرجون ثواب من عمل خيرا بعد البعث.


(1) مر تخريجه في 2 / 210 و 3 / 315 (*)

[ 492 ]

قوله تعالى: (وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (41) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا (42) أرأيت من اتخذ إلهة هويه أفأنت تكون عليه وكيلا (43) أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالانعام بل هم أضل سبيلا) (44) أربع آيات. يقول الله تعالى حاكيا عن الكفار الذين وصفهم بأنه " إذا رأوك " يا محمد وشاهدوك لا يتخذونك " إلا هزوا " أي سخريا، والهزو إظهار خلاف الابطان لاستصغار القدر على وجه اللهو. وانهم ليقولون " أهذا الذي بعث الله رسولا " متعجبين من ذلك، ومنكرين له، لانهم يعتقدون في الباطن انه ما بعثه الله. وقوله " إن كاد ليضلنا عن آلهتنا " أي قد قارب أن يأخذ بنا في غير جهة عبادة آلهتنا، على وجه يؤدي إلى هلاكنا. والاضلال الاخذ بالشئ إلى طريق الهلاك. وقوله " لولا أن صبرنا عليها " أي على عبادتها لازلنا عن ذلك، وحذف الجواب لدلالة الكلام عليه. فقال الله تعالى متوعدا لهم " وسوف يعلمون " فيما بعد إذا رأوا العذاب الذي ينزل بهم " من أضل سبيلا " عن طريق الحق: هم أم غيرهم ؟ ثم قال لنبيه يا محمد " ارأيت من اتخذ إلهه هواه " لانه ينقاد له ويتبعه في جميع ما يدعوه إليه. وقيل: المعني من جعل إلهه ما يهوى، وذلك نهاية الجهل،

[ 493 ]

لان ما يدعو إليه الهوى باطل، والاله حق يعظم بما لا شئ أعظم منه، فليس يجوز أن يكون الاله ما يدعو إليه الهوى، وانما الاله ما يدعوا إلى عبادته العقل. ومعنى " أفانت تكون عليه وكيلا " أي لا تكون له انت حافظا من الخروج إلى هذا الفساد. قال المبرد: الوكيل أصله واحد، ويشتمل على فروع ترجع إليه، فالوكيل من تتكل عليه وتعتمد في امورك عليه. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " أم تحسب " يا محمد وتظن " أن اكثر " هؤلاء الكفار " يسمعون " ما تقول سماع طالب للافهام " أو يعقلون " ما تقوله لهم ؟ بل سماعهم كسماع الانعام، وهم أضل سبيلا من الانعام، لانهم مكنوا من طريق الفهم، ولم تمكن النعم من ذلك، وهم مع ذلك لا يعقلون ما تقول، إذ لو عقلوا عقل الفهم به لدعاهم عقلهم إليه، لانه نور في قلب المدرك له. وقيل " بل هم اضل سبيلا " لانها لا تعتقد بطلان الصواب وإن كانت لا تعرفه، وهم قد اعتقدوا ضد الصواب الذي هو الجهل. وقيل: كان أحدهم يعبد الحجر، فإذا رأى أحسن صورة منه ترك الاول وعبد الثاني. وقيل: لان الانعام تهتدي إلى منافعها ومضارها. وهولاء لا يهتدون إلى ما يدعون إليه من طريق الحق، فهم اضل. قوله تعالى: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) (46) آيتان. يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وهو متوجه إلى جميع المكلفين " ألم تر " يا محمد " إلى ربك " ومعناه ألم تعلم ربك " كيف مد الظل " قال ابن عباس والضحاك وسعيد

[ 494 ]

ابن جبير: الظل حده من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. وقال أبو عبيدة: الظل بالغداة، والفي بالعشي، لانه يرجع بعد زوال الشمس وقوله " ولو شاء لجعله ساكنا " أي دائما لا يزول، في قول ابن عباس ومجاهد. وقوله " ثم جعلنا الشمس عليه دليلا " قال ابن زيد: يعني باذهابها له عند مجيئها. وقيل: لان الظل يتبع الشمس في طوله وقصره، فإذا أرتفعت في اعلا ارتفاعها قصر، وإن انحطت طال بحسب ذلك الانحطاط ولو شاء لجعله ساكنا بوقوف الشمس. والظل يتبع الدليل الذي هو الشمس، كما يتبع السائر في المفازة الدليل. وقوله " ثم قبضناه " يعني الظل يقبضه الله، من طلوع الشمس. وقيل: بغروبها، فالقبض جمع الاجزاء المنبسطة قبضه يقبضه قبضا، فهو قابض والشئ مقبوض، وتقابضا تقابضا، وقبضه تقبضا، وتقبض تقبضا، وانقبض انقباضا. واليسير السهل القريب واليسير نقيض العسير، يسر ييسر يسرا، وتيسر تيسرا، ويسره تيسرا، وأيسر ايسارا أي ملك من المال ما تتيسر به الامور عليه. واليد اليسرى لانها يتيسر بها العمل مع اليمنى، وتياسر أخذ في جهة اليد اليسرى. وقيل: معناه قبضا خفيفا، لان ظلمة الليل تجئ شيئا بعد شئ، فلا تهجم دفعة واحدة عقيب غروب الشمس. وقيل: معناه قبضا سريعا. قوله تعالى: (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (47) وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته وأنزلنا من السماء ماء طهورا (48) لنحيي به بلدة ميتا ونسقيه

[ 495 ]

مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا (49) ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا) (50) اربع آيات. قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو " نشرا " بضم النون والشين. وقرأ ابن عامر - بضم النون وسكون الشين - وروى ذلك هارون عن أبي عمرو. وقرأ حمزة والكسائي - بفتح النون وسكون الشين - وقرأ عاصم " بشرا " بالباء وسكون الشين. قال أبو علي النحوي: من ثقل أراد جمع (نشور) مثل رسول ورسل، ومن سكن الشين، فعلى قول من سكن (كتب) في (كتب) و (رسل) في (رسل). ومن فتح النون جعله مصدرا واقعا موقع الحال، وتقديره يرسل الرياح حياة أي يحيي بها البلاد الميتة. ومن قرأ بالباء أراد جمع (بشور) أي تبشر بالغيث من قوله " الرياح مبشرات " (1) يعني بالغيث المحيي للبلاد. وقرأ حمزة والكسائي " ليذكروا " خفيفة الذال. الباقون بتشديدها. من شدد الذال أراد (ليتذكروا) فأدغم التاء في الذال، وهو الاجود لان التذكير والاذكار في معنى واحد وهوفي معنى الاتعاظ، وليس الذكر كذلك. وقد حكى أبو علي ان الذكر يكون بمعنى التذكر، كقوله تعالى " إنها تذكرة فمن شاء ذكره " (2) وقوله " خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه " (3)، والاول أكثر. والمعنى ليتفكروا في قدرة الله، وموضع نعمته بما أحيا بلادهم به من الغيث. يقول الله تعالى معددا لنعمه على خلقه منها أنه " جعل لكم الليل لباسا " ومعناه أن ظلمته تلبس كل شخص، وتغشيه حتى تمنع من ادراكه. وانما جعله كذلك للهدوء فيه والراحة من كد الاعمال، مع النوم الذي فيه صلاح البدن. وقوله " والنوم سباتا "


(1) سورة 30 الروم آية 46 (2) سورة 80 عبس آية 11 - 12 (3) سورة 2 البقرة آية 63 وسورة 7 الاعراف آية 170 (*)

[ 496 ]

أي جعل نومكم ممتدا طويلا تكثر به راحتكم وهدوؤكم. وقيل: انه اراد جعله قاطعا للاعمال التي يتصرف فيها. والسبات قطع العمل، ومنه سبت رأسه يسبته سبتا إذا حلقه، ومنه يوم السبت، وهو يوم ينقطع فيه العمل. قال المبرد: يعني سباتا سكوتا يقال: أسبت الرجل إذا اخذته سكتة. وقوله " وجعل النهار نشورا " أي للانبساط والتصرف في الحوائج. والنشور الانبساط في تصرف الحي، يقال: نشر الميت إذا حيي وانشره الله فنشر، قال الاعشى: حتى يقول الله مما رأوا * يا عجبا للميت الناشر (1) ثم قال " وهو الذي ارسل الرياح بشرا بين يدي رحمته " وفى الرحمة تجمع الرياح، لانه جمع الجنوب والشمال والصبا. وفي العذاب (ريح) لانها هي الدبور وحدها وهي عقيم، لا تلقح، فكل الرياح لواقح غيرها. والرحمة التي ينزلها من السماء هي الغيث، وذكر انه قد يرسل الرياح لينشئ السحاب. ثم ينزل " من السماء ماء طهورا " أي طاهرا مطهرا مزيلا للاحداث والنجاسات مع طهارته في نفسه. وانما نزل هذا الماء " ليحيي به بلدة ميتا " قد مات بالجدب. قال أبو عبيدة: زعم بعضهم انه اراد إذا لم يكن فيها نبات، فهو بغير (هاء) وإذا كانت حية روحانية فماتت، فهي ميتة. وقال غيره: اراد بالبلدة المكان، فلذلك قال ميتا بالتذكير، ومعنى نسقيه نجعله سقيا للانعام التي خلقها الله تعالى. وقوله " واناسي كثيرا " جمع إنسان الياء جعلت عوضا من النون، وقد قالوا: (أناسين) نحو بستان وبساتين. ويجوز أن يكون (أنسي) نحو كرسي وكراسي. وقد قالوا: أناسية كثيرة.


(ديوانه (دار بيروت) 93 وقد مر في 4 / 460 (*)

[ 497 ]

ثم قال تعالى " ولقد صرفناه بينهم " قيل: معناه قسمناه بينهم يعني المطر قال ابن عباس: ليس من غمام إلا يمطر، وإنما يصرف من موضع إلى موضع. والتصريف تصيير الشئ دائرا في الجهات. فالمطر يصرف بدوره في جهات الارض. ثم بين انه صرفه كذلك " ليتذكروا " ويتفكروا، قيستدلوا على سعة مقدور الله وانه لا يستحق العبادة سواه. ثم اخبر عن حال الكفار، فقال " فأبى اكثر الناس إلا كفورا " أي جحودا لهذه النعم التي عددناها وانكارها. ويقولون: مطرنا بنوء كذا وكذا. قوله تعالى: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم وكان الكافر على ربه ظهيرا) (55) خمس آيات. يقول الله تعالى " لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا " يخوفهم بالله ويحذرهم من معاصيه. والمعنى: لو شئنا لقسمنا النذر بينهم، كما قسمنا الامطار بينهم، ففي ذلك اخبار عن قدرته على ذلك، لكن دبرنا على ما اقتضته مصلحتهم، وما هو أعود (ج 7 م 63 من التبيان) (*)

[ 498 ]

عليهم في دينهم ودنياهم. وفيه امتنان على النبي صلى الله عليه وآله بأنا " لو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا " فيخف عنك كثير من عب ء ما حملته، لكنا حملناك ثقل أوزار جميع القرى لتستوجب بصبرك عليه إذا صبرت عظيم المنزلة وجزيل الكرامة. والنذير هو الداعي إلى ما يؤمن معه الخوف من العقاب، والانذار الاعلام بموضع المخافة. والنذر عقد البرعلى انتفاء الخوف، يقال تناذر القوم تناذرا إذا انذر بعضهم بعضا. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " فلا تطع الكافرين " يا محمد بالاجابة إلى ما يريدون " وجاهدهم " في الله " جهادا كبيرا " شديدا، والهاء في قوله " به " عائدة إلى القرآن - في قول ابن عباس والحسن - وقال الحسن: معنى " فلا تطع الكافرين " لا تطعهم فيما يصرفك عن طاعة الله. وقيل: فلا تطعهم: بمعاونتهم فيما يريدونه مما ببعد عن دين الله، وجاهدهم بترك طاعتهم. ثم عاد تعالى إلى تعديد نعمه عليهم فقال (وهو الذي مرج البحرين) ومعناه أرسلهما في مجاريهما، كما ترسل الخيل في المرج، فهما يلتقيان، فلا يبغي الملح على العذب ولا العذب على الملح، بقدرة الله. والعذب الفرات: وهو الشديد العذوبة، والملح الاجاج يعني المر. ثم قال (وجعل بينهما برزخا) أي حاجزا يمنع كل واحد منهما من تغيير الآخر (وحجرا محجورا) معناه يمنع أن يفسد احدهما الآخر. وقال المبرد: شبه الخلط بحجر البيت الحرام. وأصل المرج الخلط. ومنه قوله " في امر مريج " (1) أي مختلط. وفى الحديث: مرجت عهودهم أي اختلطت، وسمي المرج بذلك، لانه يكون فيه اخلاط من الدواب. ومرجت دابتك إذا ذهبت بتخليتك حيث شاءت قال الراجز: رعى بها مرج ربيع ممرجا (2)


(1) سورة 50 ق آية 5 (2) اللسان (مرج) (*)

[ 499 ]

و (مرج البحرين) معناه خلا بينهما، تقول: مرجت الدابة وأمرجتها إذا خليتها ترعى. ثم قال تعالى (وهو الذي خلق من الماء بشرا) يعني من النطفة. وقيل الماء الذي خلق الله منه آدم بشرا أي انسانا، فجعل ذلك الانسان (نسبا وصهرا) فالنسب ما رجع إلى ولادة قريبة، والصهر خلطة تشبه القرابة. وقيل الصهر المتزوج بنت الرجل أو اخته. وقال الفراء: النسب الذي لا يحل نكاحه، والصهر النسب الذي يحل نكاحه، كبنات العم، وبنات الخال ونحوهما. وقيل: النسب سبعة أصناف ذكرهم الله في (حرمت عليكم امهاتكم...) إلى قوله (وبنات الاخت). والصهر خمسة أصناف ذكرهم في (أمهاتكم اللاتي ارضعنكم...) إلى قوله (وحلائل ابنائكم الذين من اصلابكم) (1) ذكره الضحاك. وقوله (وكان ربك قديرا) أي قادرا على جميع ما انعم به عليكم. ثم اخبر عن الكفار فقال (ويعبدون من دون الله) الاصنام والاوثان التي لا تنفعهم ولاتضرهم، لان العبادة ينبغي أن توجه إلى من يملك النفع والضر مطلقا. ثم قال (وكان الكافر على ربه ظهيرا) قال الحسن ومجاهد وابن زيد: يظاهر الشيطان على معصية الله. وقيل: (ظهيرا) معناه هينا كالمطرح. والاول هو الوجه. وقيل: معنى (ظهيرا) معينا. ووصف الاصنام بأنها لا تضر ولا تنفع، يدل على بطلان فعل الطباع، لانها موات مثلها. والفعل لا يصح إلا من حي قادر. قوله تعالى: (وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (56) قل ما أسئلكم


(1) سورة 4 النساء آية 22 (*)

[ 500 ]

عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (57) وتوكل على الحي الذي لا يموت وسبح بحمده وكفى به بذنوب عباده خبيرا (58) الذي خلق السموات والارض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش الرحمن فسئل به خبيرا (59) وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا) (60) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي لما " يأمرنا " بالياء. الباقون بالتاء. من قرأ - بالتاء - جعل الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وقيل: معناه أنسجد لامرك فجعلوا (ما) مع ما بعدها بمنزلة المصدر، ومن قرأ - بالياء - جعل الياء لمسيلمة الكذاب، لانه كان يسمي نفسه الرحمن فقالوا للنبي صلى الله عليه وآله إنا لا نعرف الرحمن إلا نبي اليمامة. فقال الله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الاسماء الحسنى " (1). وقال أبو علي: من قرأ - بالتاء - اراد انسجد لما تأمرنا يا محمد على وجه الانكار، لانهم أنكروا أن يعرف الرحمن، فلا يحمل على رحمان اليمامة. يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " ما أرسلناك " يا محمد " إلا مبشرا " بالجنة وثواب الله لمن أطاعه ومخوفا لمن عصاه بعقاب الله. وقال الحسن: ما بعث الله نبيا قط إلا وهو يبشر الناس إن أطاعوا الله بالمتعة في الدنيا والآخرة، وينذر الناس إن


(1) سورة 17 الاسرى آية 110 (*)

[ 501 ]

عصوا عذاب الله في الآخرة. والبشارة الاخبار عما يظهر سروره في بشرة الوجه، تقول: بشره تبشيرا وبشارة. وبشارة الانبياء مضمنة باخلاص العبادة لله تعالى. والنذارة هو الاخبار بما فيه المخافة، ليحذر منه. انذره إنذارا ونذارة، وتناذر القوم إذا أنذر بعضهم بعضا. ثم امره، فقال: يا محمد " قل " لهؤلاء الكفار: إني لست اسألكم على ما أبشركم به واحذركم منه " اجرا " تعطوني " إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا " استثناء من غير الجنس، ومعناه انه جعل أجره على دعائه اتخاذ المدعو سبيلا إلى ربه وطاعته اياه كقول الشاعر: وبلدة ليس بها انيس * إلا اليعافير وإلا العيس (1) جعلها انيس ذلك المكان. وقيل: " إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا " بانفاقه ماله في طاعة الله، وابتغاء مرضاته. ثم امره ان يتوكل على ربه " الحي الذي لا يموت " والمراد به جميع المكلفين لانه يجب على كل أحد ان يتوكل على الله، ويسلم لامره، ومعنى " وسبح بحمده " أي احمده منزها له مما لا يجوز عليه في صفاته، بان تقول: الحمد لله رب العالمين، الحمد لله على نعمه واحسانه الذي لا يقدر عليه غيره، الحمد لله حمدا يكافئ نعمه في عظم المنزلة وعلو المرتبة، وما اشبه ذلك. وقوله " وكفى به " اي كفى الله " بذنوب عبادة خبيرا " أي عالما " الذي خلق السموات والارض وما بينهما " يعني بين هذين الصنفين، كما قال القطامي: ألم يحزنك أن جبال قيس * وتغلب قد تباينتا انقطاعا (2) وقال الآخر:


(1) قد مر في 1 / 151 و 3 / 327 و 5 / 498 (2) تفسير القرطبي 13 / 63 والطبري 19 / 17 (*)

[ 502 ]

إن المنية والحتوف كلاهما * توقي المحارم يرقبان سوادي وقوله في ستة أيام قيل: كان ابتداء الخلق يوم الاحد، وانتهاؤه يوم الجمعة " ثم استوى على العرش " وقيل " ثم استوى على العرش " تمام الحكاية. ثم ابتدأ فقال " الرحمن فسأل به خبيرا " ومعنى " فسأل به خبيرا " أي فاسأل سؤالك إياه خبيرا، قال ابن جريج: الخبير - ههنا - هو الله. وقيل معناه فاسال به ايها الانسان عارفا يخبرك بالحق في صفته. ثم حكى انه إذا قيل لهؤلاء الكفار " اسجدوا للرحمن " الذي انعم عليكم " قالوا وما الرحمن " أي أي شئ الرحمن ؟ أي لا نعرفه " أنسجد لما تأمرنا " وقد فسرناه " وزادهم نفورا " أي ازدادوا عند ذلك نفورا عن قبول قول النبي صلى الله عليه وآله والرجوع إلى طاعة الله. قوله تعالى: (تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (61) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا (62) وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما (63) والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (64) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما) (65) خمس آيات. قرأ حمزة والكسائي " سرجا " على الجمع. الباقون " سراجا " على التوحيد.

[ 503 ]

وقرأ حمزة وحده " أن يذكر " خفيفة. الباقون بالتشديد. من قرأ على التوحيد فلقوله " وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ". ومن قرأ على الجمع، فلقوله " زينا السماء الدنيا بمصابيح " (1) تشبيها بالكواكب أعني المصابيح كما شبهت المصابيح بالكواكب، في قوله " الزجاجة كأنها كوكب دري " (2) وقيل: من وحد أراد الشمس وحدها. ومن جمع أراد الكواكب المضيئة كلها. واتفقوا على " وقمرا " إلا الحسن، فانه قرأ - بضم القاف والميم - ويجوز أن يكون فيه لغتان مثل (ولد، وولد) ويجوز أن يكون أراد الجمع غير ان العرب لا تعرف جمع القمر قمرا، وانما يجمعونه أقمارا. قوله تعالى " تبارك " قيل في معناه قولان: احدهما - تقدس الله، وجل بما هو ثابت لم يزل ولا يزال، لان أصل الصفة الثبوت. والثاني - انه من البركة، والتقدير جل تعالى، وتقدس بما به تقدر على جميع البركات " الذي جعل في السماء بروجا " والبروج منازل النجوم الظاهرة، وهي اثنتا عشرة برجا معروفة أولها الحمل وآخرها الحوت. وقيل: البروج منازل الشمس والقمر، وقال ابراهيم: البروج القصور العالية، واحدها برج، ومنه قوله (ولو كنتم في بروج مشيدة) (3) قال الاخطل: كأنها برج رومي يشيده * لزبحص وآجر واحجار (4) وقال قتادة: البروج النجوم. وقال أبو صالح: هي كبار النجوم، والبرج تباعد ما بين الحاجبين قال: الزجاج: كل ظاهر مرتفع يقال له: برج، وسميت


(1) سورة 67 تبارك (الملك) آية 5 (2) سورة 24 النور آية 35 (3) سورة 4 النساء آية 77 (4) تفسير الطبري 19 / 18 (*)

[ 504 ]

الكواكب بروجا لظهورها. وقوله (وجعل فيها سراجا) يعني الشمس التي يستضئ بها جميع الخلق. وقوله (وقمرا منيرا) أي مضيئا بالليل، إذا لم يكن شمس. فمن قرأ (سراجا) أراد الشمس وحدها. ومن قرأ (سراجا) أراد جميع النجوم، لانه يهتدى بها، كما يهتدى بضوء السراج. وقوله (وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة) أي يخلف كل واحد منهما صاحبه، فيما يحتاج أن يعمل فيه، فمن فاته الليل استدركه بالنهار، ومن فاته عمل النهار استدركه بالليل. قال عمر بن الخطاب، وابن عباس، والحسن: يخلف احدهما الآخر في العمل. وقال مجاهد: معناه أحدهما اسود الآخر ابيض، فهما مختلفتان. وقال أبو زيد: معناه احدهما يذهب ويجئ الآخر قال زهير: بها العين والارآم يمشين خلفة * واطلاؤها ينهضن من كل مجثم (1) وقوله (لمن اراد أن يذكر) أي خلقناه كذلك لمن أراد ان يتفكر ويستدل بها على ان لها مدبرا ومصرفا، لا يشبهها ولا تشبهه فيوجه العبادة إليه. وقوله (أو اراد شكورا) أي يشكر الله، على ما انعم به عليه فيتمكن من ذلك، لان بهذه الادلة وامثالها يتوصل إلى ما قلناه. وقوله (وعباد الرحمن) يعني عباده المخلصين، الذين يعبدونه، المعظمون ربهم (الذين يمشون على الارض هونا) يعني بالسكينة والوقار - في قول مجاهد - وقال الحسن: معناه حلما وعلما، لا يجهلون وإن جهل عليهم. وقال ابن عباس: بالتواضع لا يتكبرون على أحد (وإذا خاطبهم الجاهلون) بما يكرهونه أو يثقل عليهم، قالوا في جوابه (سلاما) أي سدادا من القول - ذكره مجاهد - وقيل:


(1) ديوانه " دار بيروت " 75 (*)

[ 505 ]

معناه إنهم قالوا قولا يسلمون به من المعصية لله. وقال قوم: هذا منسوخ بآية القتال. وليس الامر على ذلك، لان الامر بالقتال لا ينافي حسن المحاورة في الخطاب وحسن العشرة. وقوله (والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما) يعني يعبدون الله في لياليهم ويقومون بالصلاة، ويسجدون فيها " والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم ان عذابها كان غراما " أي يدعون بهذا القول، ومعنى " غراما " لازما ملحا دائما ومنه الغريم، لملازمته وإلحاحه، وفلان مغرم بالنساء أي ملازم لهن، لا يصبر عنهن قال الشاعر: إن يعاقب يكن غراما وإن يع‍ * ط جزيلا فانه لا يبالي (1) وقال بشر بن ابي حازم: فيوم النسار ويوم الجفا * ركانا عذابا وكانا غراما (2) وقال الحسن: ليس غريم إلا مفارق غريمه غير جهنم، فانها لا تفارق غريمها. قوله تعالى: (إنها ساءت مستقرا ومقاما (66) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (67) والذين لا يدعون


(1) قائله الاعشى ديوانه: 167 (2) اللسان (جفر) وتفسير الطبري 19 / 21 وروايته (النشار) بدل (النسار) (ج 7 م 64 من التبيان) (*)

[ 506 ]

مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما (68) يضاعف له العذاب يوم القيمة ويخلد فيه مهانا (69) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فاولئك يبدل الله سيأتهم حسنات وكان الله غفورا رحيما) (70) خمس آيات. قرأ أهل المدينة وابن عامر والكسائي عن أبي بكر " يقتروا " بضم الياء وكسر التاء، وقرأ اهل البصرة وابن كثير بفتح الياء وكسر التاء. الباقون بفتح الياء وضم التاء، وهم أهل الكوفة إلا الكسائي عن أبي بكر. وقرأ ابن عامر، وأبو بكر " يضاعف... ويخلد " بالرفع فيهما. وقرأ ابن كثير وابن عامر وابو جعفر ويعقوب " يضعف " بتشديد العين وإسقاط الالف. الباقون " يضاعف " باثبات الالف وتخفيف العين. تقول: قتر يقتر ويقتر - بكسر التاء، وضمها - لغتان. واقتر إقتارا لغة. واختلفوا في (السرف) في النفقة، فقال قوم: كلما أنفق في غير طاعة الله، فهو سرف، لقوله تعالى " إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين " (1). وقال علي (ع): ليس في المأكول والمشروب سرف وإن كثر. وقال قوم: الاسراف في الحلال فقط، لان الحرام لا يجوز الانفاق فيه ولو ذرة.


(1) سورة 17 الاسرى آية 27 (*)

[ 507 ]

ومن قرأ " يضاعف " فمن المضافة. ومن شدد، فمن التضعيف ذهب إلى التكثير، والمعنيان متقاربان. ومن - جزم - جعله بدلا من جواب الشرط، لان الشرط قوله " ومن يفعل ذلك " وجزاءه " يلق أثاما " وعلامة الجزم سقوط الالف من آخره. و (يضاعف) بدل منه و (يخلد) عطف عليه. ومن - رفع - استأنف لان الشرط والجزاء قدتم. وكان يجوز النصب على الظرف - في مذهب الكوفيين. وباضمار (ان) على مذهب البصريين - ولم يقرأ به احد. لما اخبر الله تعالى أن عذاب جهنم كان غراما، بين بأنها " ساءت مستقرا ومقاما " أي موضع قرار واقامة لما فيها من أنواع العذاب، ونصبها على التمييز. ثم عاد إلى وصف المؤمنين فقال " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا " أي لم يخرجوا عن العدل في الانفاق يقال: فلان مسرف على نفسه إذا أكثر من الحمل على نفسه في المعصية، فشبه بالمسرف في النفقة " ولم يقتروا " أي لم يقصروا عن العدل في الانفاق، وهو مأخوذ من القترة، وهي الدخان. والاقتار مشبه به في الامحاق والاضرار. وفيه ثلاث لغات: قتر يقتر، ويقتر، وأقتر إقتارا. وقال أبو علي الفارسي: من قرأ " يقتروا " بضم التاء أراد لم يقتروا في إنفاقهم، لان المسرف مشرف على الافتقار، لسرفه، ومن فتح التاء أراد لم يضيقوا في الانفاق، فيقصروا عن المتوسطين، فمن كان في هذا الطرف، فهو مذموم، كما أن من جاوز الاقتصاد كان كذلك مذموم. وبين ذلك بقوله " وكان بين ذلك قواما " أي كان إنفاقهم بين ذلك، لا إسرافا يدخل في حد التبذير، ولا تضييقا يصير به في حد المانع لما يجب. وقال ابن عباس: الاسراف الانفاق في معصية الله، قل أو كثر، والاقتار منع حق الله من المال. وقال ابراهيم: السرف مجاوزة الحد في النفقة، والاقتار التقصير فيما لابد منه. والقوام - بفتح القاف - العدل، - وبكسرها - السداد، يقال:

[ 508 ]

هو قوام الامر وملاكه، ويقال: هي حسنة القوام في اعتدالها، قال الحطيئة: طافت امامة بالركبان آونة * يا حسنها من قوام زان منتقبا (1) ثم زاد في وصفهم بأن قال " والذين لا يدعون مع الله الها آخر " يوجهون عبادتهم إليه " ولا يقتلون النفس التي حرم الله الا بالحق " والنفس المحرمة هي نفس المسلم والمعاهد والمستثنى نفس الحربي، ومن يجب عليه القتل على وجه القود، والارتداد، والزنا مع الاحصان (ولا يزنون) فالزنا هو الفجور بالمرأة في الفرج. ثم قال (ومن يفعل ذلك يلق أثاما) قال قوم: يلقى جزاء الاثام. وقال آخرون: الاثام العقاب، قال بلعا بن قيس الكناني. جزى الله ابن عروة حيث أمسى * عقوقا والعقوق له أثام (2) أي عقاب، وقال ابن عمر، وقتادة: هو اسم واد في جهنم، وهو قول مجاهد وعكرمة. وقال اهل الوعيد: ان قوله (ومن يفعل ذلك) راجع إلى كل واحد من المعاصي المذكورة. وقال اهل الارجاء انما يرجع إلى جميعه، ويجوز - أن يكون راجعا - إلى الكفر وحده، لان الفسوق لا يستحق به العقاب الدائم والا لادى إلى اجتماع الاستحقاقين على وجه الدوام. وذلك خلاف الاجماع، لان الاحباط عندهم باطل، والكلام على ذلك استوفيناه في كتاب الاصول. ثم زاد في الوعيد، فقال (ومن يفعل ذلك يلق) جزاء اثامه ويضاعف له العذاب في كثرة الاجزاء لا انه يضاعف استحقاقه، لان الله تعالى لا يعاقب باكثر من المستحق، لان ذلك ظلم يتعالى الله عن ذلك. وقيل يضاعف عذابه على عذاب الدنيا، وبين تعالى أنه (يخلد) مع ذلك في النار (مهانا) مستخفا به.


(1) تفسير الطبري 19 / 23 (2) تفسير القرطبي 13 / 76 والطبري 19 / 24 (*)

[ 509 ]

ثم استثنى من جملتهم من تاب وندم على معاصيه، وعمل عملا صالحا، فان الله تعالى (يبدل سيأته حسنات) أي يجعل مكان عقاب سيأته ثواب حسناته قال الشاعر في التبديل: بدلن بعد خره صريعا * وبعد طول النفس الوجيعا (1) وقوله تعالى (وكان الله غفورا رحيما) أي ساترا لمعاصي عباده إذا تابوا منها، منعما عليهم بالثواب والتفضل. قوله تعالى: (ومن تاب وعمل صالحا فانه يتوب إلى الله متابا (71) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما (72) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (83) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما (74) أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما (75) خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (76) قل ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما) (77) سبع آيات. قرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي وخلف وابو بكر إلا حفصا " وذريتنا " على


" 1 " تفسير الطبري 19 / 28 (*)

[ 510 ]

التوحيد، الباقون على الجمع. وقرأ اهل الكوفة إلا حفصا " ويلقون " بفتح الياء وسكون اللام وتخفيف القاف. الباقون بضم الياء وفتح اللام وتشديد القاف. من وحد " الذرية " فلانه في معنى الجمع لقوله " ذرية من حملنا مع نوح " (1) ومن جمع فكما تجمع الاسماء الدالة على الجمع، نحو (قوم، واقوام) وقد يعبر ذلك عن الواحد، كقوله " هب لي من لدنك ذرية طيبة " (2) ويعبر به عن الجمع كقوله " وليخش الذين لم تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم " (3) ومن جمع فللا زدواج. ومن شدد " يلقون " فعلى أن المعنى يلقون التحية والسلام مرة بعد مرة لان التشديد للتكثير، وشاهده قوله " ولقاهم نضرة وسرورا " (4). ومن خفف أراد يلقون هم تحية، كما قال " فسوف يلقون غيا " (5) وقال بعضهم: لو كان بالتشديد لقال (ويتلقون) لانهم يقولون تلقيته بالتحية، و (لقى) فعل متعد إلى مفعول واحد فإذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين، وقوله " تحية " المفعول الثاني. يقول الله تعالى " ومن تاب " من معاصيه واقلع عنها، وندم عليها وأضاف إلى ذلك الاعمال الصالحات " فانه يتوب إلى الله متابا " أي يرجع إليه مرجعا عظيما جميلا، وفرق الرماني بين التوبة إلى الله، والتوبة من القبيح لقبحه، بان التوبة إلى الله تقتضي طلب الثواب، وليس كذلك التوبة من القبيح لقبحه. ثم عاد تعالى إلى وصف المؤمنين فقال " والذين لا يشهدون الزور " أي لا يحضرونه، ولايكون بحيث يذكرونه بشئ من حواسهم الخمس: البصر، والسمع،


" 1 " سورة 17 الاسرى آية 3 (2) سورة 3 آل عمران آية 38 (3) سورة 4 النساء آية 8 (4) سورة 76 الدهر (الانسان) آية 11 (5) سورة 19 مريم آية 59 (*)

[ 511 ]

والانف، والفم، والبشرة. ومن لا يشهد الزور، فهو الذي لا يشهد به ولا يحضره لانه لو شهده لكان قد حضره، فهو أعم في الفائدة من أن لا يشهد به. و (الزور) تمويه الباطل بما يوهم أنه حق. وقال مجاهد: الزور - ههنا - الكذب. وقال الضحاك: هو الشرك. وقال ابن سييرين: هو أعياد أهل الذمة كالشعانين وغيرها. وقيل: هو الغناء، ذكره مجاهد. واهل البيت (ع). وقوله " وإذا مروا باللغو مروا كراما " معناه: مروا من جملة الكرماء الذين لا يرضون باللغو، لانهم يجلون عن الاختلاط بأهله، والدخول فيه، فهذه صفة الكرام، وقيل: مرورهم كراما كمرورهم بمن يسبهم فيصفحون عنه، وكمرورهم بمن يستعين بهم على حق فيعينونه. وقيل: هم الذين إذا أرادوا ذكر الفرج كنوا عنه. ذكره محمد بن علي (ع) ومجاهد. واللغو الفعل الذي لا فائدة فيه. وليس معناه أنه قبيح، لان فعل الساهي لغو، وهو ليس بحسن ولا قبيح - عند قوم - ولهذا يقال: الكلمة التي لا تفيد لغو. وقوله " والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " معناه انهم إذا ذكروا بأدلة الله تعالى التي نصبها لهم نظروا فيها، وفكروا في مقتضاها، ولم يكونوا كالمشركين في ترك التدبر لها حتى كأنهم صم وعميان عنها، ذكره الحسن، وقيل معناه يخرون سجدا وبكيا سامعين لله مطيعين. قال الشاعر: بايدي رجال لم يشيموا سيوفهم * ولم تكثروا القتلى بها حين سلت (1) أي بايدي رجال شاموا سيوفهم، وقد كثرت القتلى، ومعنى شاموا أغمدوا ذكره الزجاج.


(1) اللسان (شيم) نسبه إلى الفرزدق، ولم اجده في ديوانه (طبع - دار صادر - دار بيروت) (*)

[ 512 ]

ثم وصف المؤمنين بأنهم يدعون " يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين " ومعناه بأن نراهم مطيعين لله، في قول الحسن. و " قرة أعين " يكون من القر، وهو بردها عند السرور، ويكون من استقرارها عنده. وقوله " واجعلنا للمتقين إماما " أي يسألون الله تعالى أن يجعلهم ممن يقتدى بأفعالهم الطاعات. وفي قراءة اهل البيت (ع) و " اجعل لنا من المتقين إماما " وإنما وحد (إماما) لانه مصدر، من قولهم: أم فلان فلانا إماما، كقولهم: قام قياما وصام صياما. ومن جمعه فقال: (أئمة) فلانه قد كثر في معنى الصفة. وقيل: إنه يجوز أن يكون على الجواب، كقول القائل: من أميركم ؟ فيقول: هؤلاء أميرنا قال الشاعر: يا عاذلاتي لا تردن ملامتي * إن العواذل ليس لي بأمير (1) ثم اخبر تعالى عمن جمع هذه الاوصاف من المؤمنين بأن قال " اولئك يجزون الغرفة بما صبروا " على طاعاتهم التي ذكرها. و (الغرفة) في الجنة المنازل العالية ثوابا على ما صبروا في جنب الله، وعلى مشاق الدنيا. وصعوبة التكليف، وغير ذلك وانهم " يلقون فيها تحية وسلاما " من الملائكة، بشارة لهم بعظيم الثواب. وقوله " خالدين فيها " نصب على الحال أي هم في الجنة مؤبدين، لا يخرجون منها ولايفنون. وأخبر أن الجنة مستقرهم، وانها " حسنت مستقرا " من مواضع القرار، وموضع الاقامة ونصب على التمييز. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد لهؤلاء " ما يعبؤبكم ربي " ومعناه ما يصنع بكم ربي - في قول مجاهد وابن زيد - واصله تهيئة الشئ، ومنه عبأت الطيب أعبؤه عباء، إذا هيأته، قال الشاعر:


(1) تفسير الطبري 19 / 32 والقرطبي 13 / 83 (*)

[ 513 ]

كأن بنحره وبمنكبيه * عبيرا بات يعبؤه عروس (1) أي تهيئه، وعبأت الجيش - بالتشديد، والتخفيف - إذا هيأته. والعب ء الثقل. وما أعبأ به أي لا أهئ به امرا. وقال قوم: مالا يعبأ به، فوجوده وعدمه سواء. وقوله " لولا دعاؤكم " قال مجاهد: معناه لولا دعاؤه إياكم إلى طاعته، لم يكن في فعلكم ما تطالبون به، وهو مصدر أضيف إلى المفعول، كقولهم: اعجبني بناء هذه الدار، وخياطة هذا الثوب. وقال الزجاج: معناه لولا توحيدكم وايمانكم، وقال البلخي: معناه لولا كفركم وشرككم ما يعبأ بعذابكم، وحذف العذاب وأقام المضاف إليه مقامه. ثم قال " فقد كذبتم " يا معاشر الكفار بآيات الله، وجحدتم رسوله " فسوف يكون لزاما " عليكم، ويكون تأويله، فسوف يكون تكذيبكم (لزاما) فلا تعطون الثواب عليه، وتكون العقوبة لزاما تلزمكم على ذلك. وقال مجاهد: معناه القتل يوم بدر ويكون الخطاب متوجها إلى الذين قتلوا يوم بدر. وقيل (اللزام) عذاب الآخرة، وقال أبو ذؤيب - في اللزام: ففاجأه بعادية لزاما * كما يتفجر الحوض اللقيف (2) لزام: كثيرة يلزم بعضها بعضا، ولقيف متساقط متهدم، وقال صخر الغي - في اللزام:


(1) تفسير الطبري 19 / 32 والقرطبي 13 / 84 واللسان (عبأ) (22) اللسان (لزم) (ج 7 م 65 من التبيان) (*)

[ 514 ]

فاما ينجوا من حتف ارض * فقد لقيا حتوفهما لزاما (1) أي انه واقع لا محالة. وقال الضحاك: هو لزوم الحجة لهم في الآخرة. وقال ابو عبيدة: معناه فيصلا. وقوله " أولئك يجزون الغرفة " قال الزجاج: الاحسن أن يكون خبرا ل‍ (عباد الرحمن) (2) فيكون قوله " الذين يمشون على الارض هونا " وما بعده صفة له ويجوز أن يكون " الذين يمشون على الارض هونا " خبر، وما بعده عطف عليه (3) " فسوف يكون لزاما " عليكم، ويكون تأويله، فسوف يكون تكذيبكم (لزاما) فلا تعطون الثواب عليه، وتكون العقوبة لزاما تلزمكم على ذلك. وقال مجاهد: معناه القتل يوم بدر ويكون الخطاب متوجها إلى الذين قتلوا يوم بدر. وقيل (اللزام) عذاب الآخرة، وقال أبو ذؤيب - في اللزام: ففاجأه بعادية لزاما * كما يتفجر الحوض اللقيف (2) لزام: كثيرة يلزم بعضها بعضا، ولقيف متساقط متهدم، وقال صخر الغي - في اللزام:


(1) تفسير الطبري 19 / 32 والقرطبي 13 / 84 واللسان (عبأ) (22) اللسان (لزم) (ج 7 م 65 من التبيان) (*)

[ 514 ]

فاما ينجوا من حتف ارض * فقد لقيا حتوفهما لزاما (1) أي انه واقع لا محالة. وقال الضحاك: هو لزوم الحجة لهم في الآخرة. وقال ابو عبيدة: معناه فيصلا. وقوله " أولئك يجزون الغرفة " قال الزجاج: الاحسن أن يكون خبرا ل‍ (عباد الرحمن) (2) فيكون قوله " الذين يمشون على الارض هونا " وما بعده صفة له ويجوز أن يكون " الذين يمشون على الارض هونا " خبر، وما بعده عطف عليه (3) تم المجلد السابع من التبيان ويليه المجلد الثامن وأوله أول سورة الشعراء ربيع الاول سنة 1382 ه‍ آب سنة 1962 م


(1) اللسان (لزم) (2) آية 63 من هذه السورة (3) هذه الثلاثة أسطر ملفقة من المخطوطة والمطبوعة (*)

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية