التبيان في تفسير القرآن تأليف شيخ الطائفة أبى جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه تحقيق وتصحيح أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الثالث
[ 3 ]
قوله تعالى: (وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين) (141) آية. المعنى، واللغة: قيل: في معنى قوله: " وليمحص الله " أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: ليبتلي، " ويمحق الكافرين " بنقصهم في قول ابن عباس، وقال غيره يهلكهم، وقال الفراء: " معنى " وليمحص الله " يعني ذنوب المؤمنين، وقال الزجاج: يخلصهم من الذنوب وهذا قريب من قول الفراء: وقال الرماني معناه " ولميحص الله الذين آمنوا " ينجيهم من الذنوب بالابتلاء ويهلك الكافرين بالذنوب عند الابتلاء، وأصل التمحيص التخليص في قول أبي العباس تقول محصت الشئ أمحصه محصا: إذا خصلته. وقال الخليل: المحص الخلوص من العيب. محصته محصا أي خلصته من كل عيب، ومحص الجمل: إذا ذهب وبره يمحص. وجبل محص أي ملص، ومحص الظبي، يمحص إذا عدا عدوا شديدا محصا، ويستحب أن تمحص قوائم الفرس أي تخلص من الرهل. وتقول: اللهم محص عنا ذنوبنا
أي اذهبها عنا، لانه تخليص الحسنات بتكفير السيئات. ويقال تمحص الفرس: إذا ذهب شحمه الردئ، وبقي لحمه، وقوته بالضمور. وأصل المحق فناء الشئ حالا بعد حال، ولهذا دخله معنى النقصان، وأمحق الشئ امحاقا، والمحاق: آخر الشهر إذا أمحق الهلال، فلم ير، لذهاب ضوئه حالا بعد حال. وامتحق الشئ وتمحق: إذا ذهبت بركته بنقصانها حالا بعد حال. ومحقه تمحيقا. وإنما قابل بين التمحيص، والمحق، لان محص هؤلاء باهلاك ذنوبهم نظير محق أولئك باهلاك أنفسهم، وهذه مقابلة في المعنى. وقيل في تمحيص المؤمنين بالمداولة قولان: أحدهما - لما في تخليتهم مع تمكين الكافرين منهم من التعريض للصبر الذي يستحقون به عظيم الاجر، ويحط كثيرا من الذنوب. الثاني - لما في ذلك من اللطف الذي يعصم من اقتراف المعصية.
[ 4 ]
قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) (142) آية بلا خلاف. القراءة والمعنى واللغة: قرأ الحسن " ويعلم الصابرين " بكسر الميم. الباقون بفتحها. ووجه قراءة الحسن أنه عطف على، ولما يعلم الله كأنه قال، ولما يعلم الله ويعلم الصابرين. وقوله: " أم حسبتم " معناه: أحسبتم " ان تدخلوا الجنة " وقيل معنى (أم) معنى بل على جهة الانكار، لان يحسبوا ذلك الحسبان، كما يقال: قد صممت على الخلاف أم تتوهم الاهمال، والفرق بين لم ولما أن لما جواب، لقول القائل: قد فعل فلان يريد به الحال، فجوابه (لما فعل) وإذا قال: فعل فجوابه (لم يفعل)، فلما كانت (لما) مؤكدة بحرف كانت جوابا لما هو مؤكد بحرف وأيضا، فانه يجوز
الوقف على (لما) في مثل أن يقول القائل: قد جاء فلان، فيجيبه آخر فيقول: لما أي لما يجئ، ولا يجوز ذلك في (لم). ومعنى " ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " أي لما يعلم الله جهادكم يعني أنهم لا يدخلون الجنة إلا بفعل الجهاد، لانه من أعظم أركان الشرع. وقوله: " ويعلم الصابرين " نصب على الصرف عن العطف إذ ليس المعنى على نفي الثاني، والاول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والاول، نحو قولهم: لا يسعني شئ ويعجز عنك. وقال الشاعر: لا تنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم (1) وانما جاز " ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم) على معنى نفي الجهاد دون
" 1 " قائله أبو الاسود الدؤلي، ونسب للمتوكل الكناني معجم البلدان 7: 384، والاغاني 11: 39 طبعة بولاق، والبيت من الابيات الحكمية المشهورة وقبله ابدأ بنفسك فانهها عن غيها * فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
[ 5 ]
العلم، لما فيه من الايجاز في انتفاء الجهاد، لانه لو كان لعلمه، وتقديره ولما يكن المعلوم من الجهاد الذي أوجب عليكم، لان المعنى مفهوم لا يشتبه. قوله تعالى: (ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون) (143) آية. المعنى: قال الحسن، ومجاهد، والربيع: وقتادة، والسدي: كانوا يتمنون الموت بالشهادة بعد بدر قبل أحد، فلما رأوه يوم أحد أعرض كثير منهم عنه، فانهزموا فعاتبهم الله على ذلك. وقوله: " فقد رأيتموه " فيه حذف ومعناه رأيتم أسباب الموت، لان الموت لا يرى كما قال الشاعر:
ومحلما يمشون تحت لوائه * والموت تحت لواء آل محلم أي أسباب الموت. وقال البلخي: معنى " رأيتموه " أي علمتم، وأنتم تنظرون أسباب الموت من غير أن يكون في الاول حذف. فان قيل هل يجوز أن يتمنى قتل المشركين لهم ليناوا منزلة الشهادة ؟ قلنا: لا، لان قتل المشركين لهم معصية، ولا يجوز تمني المعاصي، كما لا يجوز إدارتها، ولا الامر بها. فإذا ثبت ذلك، فتمنيهم الشهادة بالصبر على الجهاد إلى أن يقتلوا، وقال الجبائي: إنما تمنوا الموت دون القتل إذا كانوا مجاهدين قال الازهري قوله: " رأيتموه وأنتم تنظرون " معناه وأعينكم صحيحة، كما يقول القائل رأيت كذا، وليس في عينك سوء. والفرق بين التمني والارادة أن الارادة من أفعال القلوب، والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا وليت لم يكن كذا. وقوله: " وأنتم تنظرون " بعد، قوله " فقد رأيتموه " يحتمل أمرين ". أحدهما - أن يكون تأكيدا للرؤية، كما تقول: رأيته عيانا ورأيته بعيني.
[ 6 ]
وسمعته باذني، لئلا يتوهم رؤية القلب، وسمع العلم. والثاني - أن يكون معناه وأنتم تتأملون الحال في ذلك كيف هي، لان النظر هو تقليب الحدفة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته، وليس معناه الرؤية على وجه الحقيقة. قوله تعالى: (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفان مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين) (144) آية بلا خلاف. القصة، والنزول:
قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد: إن سبب نزول هذه الآية انه لما ارجف بان النبي صلى الله عليه وآله قتل يوم أحد واشيع ذلك، قال ناس لو كان نبيا ما قتل. وقال آخرون نقاتل على ما قاتل عليه حتى نلحق به، وكان سبب انهزامهم وتضعضهم اخلال الرماة بمكانهم من فم الشعب، وكان النبي صلى الله عليه وآله نهاهم عن الاخلال به، وحذرهم من الانصراف عن الشعب مخافة أن يخرج منه كمين عليهم. فلما انهزم المشركون في الجولة الاولى، فتبعوهم المسلمون وتواقعوا في غنائمهم فقال الموكلون بالشعب: يغنمون ولا نغنم. فقال لهم رئيسهم: الله الله لا تفعلوا فان النبي صلى الله عليه وآله أمرنا ألا نبرح، فلم يقبلوا منه وانصرفوا، وثبت رئيسهم مع إثني عشر رجلا، فقتلوا، خرج عليهم خالد بن الوليد في مأتي فارس من الشعب، وكان كامنا فيه، وكان ذلك سبب هزيمة المسلمين، وإصابة رباعية النبي صلى الله عليه وآله وجرحه، وكان الذي جرحه وكسر رباعيته عتبة بن أبي وقاص، وقيل إن عبد الله ابن قمية ضربه على حبل عاتقه، ومضى إلى المشركين، وقال قتلت محمدا وشاع ذلك فأنزل الله هذه الآية
[ 7 ]
فان قيل: كيف دخل الاستفهام على الشرط، وإنما هو كغيره من الانقلاب والتقدير أتنقلبون إن مات أو قتل ؟ قيل: لانه لما انعقد الشرط به صار جملة واحدة وخبرا واحدا بمنزلة تقدير الاسم قبل الفعل في الذكر إذا قيل أزيد قام، وكذلك تقديمه في القسم، والاكتفاء بجواب الشرط من جواب القسم، كما قال الشاعر: (1). حلفت له إن تدلج الليل لا يزل * أمامك بيت من بيوتي سائر (2) أي حلفت له لا يزال امامك بيت وأجاز الفراء في مثله أفان مات أو قتل " تنقلبون بالرفع، والجزم ومعنى " انقلبتم على أعقابكم " أي ارتددتم كفارا بعد
إيمانكم، لان الرجوع عن الحق إلى الباطل بمنزلة رجوع القهقرى في القبح، والتنكيل (3) بالنفس فجرى كالمثل في هذا المعنى، والالف في قوله " أفان " ألف انكار بصورة ألف استفهام، لان التقرير به يظهر ما فيه من المنكر، فلذلك أخرج مخرج الاستفهام مع أن معناه الانكار. ومثله أتختار الفساد على الصلاح والخطأ على الصواب. وقوله: (أفان مات أو قتل) يدل عى أن الموت غير القتل لانه لو كان هو إياه لما عطف به عليه، لان الشئ لا يعطف على نفسه. والقتل هو نقض بنيه الحياة، والموت في الناس من قال: هو معنى يضاد الحياة وفيهم من قال: هو افساد البنية التي تحتاج الحياة إليها بفعل معان فيه تضاد المعاني التي تحتاج إليها الحياة. وقوله: " ومن ينقلب على عقبيه " أي من يرتد ويرجع عن الاسلام " فلن يضر الله شيئا " لانه لا يجوز عليه المضار بل مضرته عائدة عليه، لانه يستحق العقاب الدائم. وقوله: " وسيجزي الله الشاكرين " معناه يثيب
" 1 " هو الراعي " 2 " معاني القرآن للفراء 1: 69 - 236 والمعاني الكبير: " 805. وخزانة الادب 4. 450 ورواية المعاني الكبير (عائر) بدل (سائر) وقال: أي بيت هجاء عائر. من قولهم: عار الفرس: إذا ذهب وجاء مترددا ويقال: قصيدة عائرة أي سائرة في كل وجه. ادلج: سار في أول الليل. " 3 " في المخطوطة (والسيل) والصحيح ما في المطبوعة
[ 8 ]
الله الشاكرين على شكرهم لنعم الله واعترافهم بها. ووجه اتصال هذا بما قبله اتصال الوعد بالوعيد، لان قوله: " فلن يضر الله شيئا " دليل على معنى الوعيد، لان معناه انما يضر نفسه باستحقاقه العقاب " وسيجزي الله الشاكرين " بما يستحقونه من الثواب.
قوله تعالى: (وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين) (145) آية بلا خلاف. المعنى، والاعراب، واللغة: قيل في السبب الذي اقتضى قوله: " وما كان لنفس أن تموت إلا باذن الله " قولان: أحدهما - التسلية عما يلحق النفس بموت النبي صلى الله عليه وآله من جهة أنه باذن الله عز وجل. الثاني - للحض على الجهاد من حيث لا يموت أحد إلا باذن الله تعالى. وقوله: " إلا باذن الله " يحتمل أمرين " أحدهما - إلا بعلمه. والثاني إلا بأمره. وقال أبو علي: الآية تدل على أنه لا يقدر على الموت غير الله، كما لا يقدر على ضده من الحياة إلا الله، ولو كان من مقدور غيره لم يكن باذنه، لانه عاص لله في فعله. وقوله: " كتابا مؤجلا " نصب على المصدر بفعل محذوف دل عليه أول الكلام مع العلم بأن كلما يكون فقد كتبه الله، فتقديره كتب الله ذلك " كتابا مؤجلا ". ويجوز أن يدل على الفعل المحذوف مصدره المنتصب به. وقوله: " ومن
[ 9 ]
يرد ثواب الدنيا نؤته منها " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - من عمل للدنيا لم نحرمه ما قسمنا له فيها من غير حظ في الآخرة - في قول ابن اسحاق - أي فلا يغتر بحاله في الدنيا. [ الثاني ] - (1) من أراد بجهاده ثواب الدنيا أي النصيب من الغنيمة في قول أبي علي الجبائي.
الثالث - من يرد ثواب الدنيا بالتعرض له بعمل النوافل مع مواقعة الكبائر جوزي بها في الدنيا من غير حظ في الآخرة لاحباط عمله بفسقه على مذهب من يقول بالاحباط، ومن يرد بعمله ثواب الآخرة نؤته إياها. و (من) في قوله: " منها " تكون زائدة. ويحتمل أن تكون للتبعيض، لانه يستحق الثواب على قدر عمله. وإنما كرر قوله: " وسنجزي الشاكرين " ها هنا، وفي الآية الاولى، لامرين: أحدهما - للتأكد ليتمكن المعنى في النفس. الثاني - " وسنجزي الشاكرين " من الرزق في الدنيا، عن ابن اسحاق لئلا يتوهم ان الشاكر يحرم ما يعطاه الكافر مما قسم له في الدنيا. وقال الجبائي في الآية دلالة على أن اجل الانسان إنما هو أجل واحد. وهو الوقت الذي يموت فيه، لانه لا يقتطع بالقتل عن الاجل الذي أخبر الله أنه اجل لموته، وقال ابن الاخشاذ: لا دليل فيه على ذلك لان للانسان أجلين أجل يموت فيه لا محالة، وأجل هو موهبة من الله تعالى له، ومع ذلك فلن يموت إلا عند الاجل الذي جعله الله أجلا لموته والاقوى الاول، لان الاجل عبارة عن الوقت الذي يحدث فيه الموت أو القتل، وبالتقدير لا يكون الشئ أجلا كما لا يكون بالتقدير ملكا، وقد بينا في شرح الجمل ذلك مستوفى.
" 1 " في المطبوعة (الثاني) ساقطة.
[ 10 ]
قوله تعالى: (وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (146) آية بلا خلاف.
القراءة واللغة: قرأ ابن كثير " كاين " على وزن كاعن. الباقون " كأين " مشددة على وزن كعين، ومعناهما واحد، وهو بمعنى كما قال جرير: وكائن بالاباطح من صديق * يراني لو اصبت هو المصابا (1) وقال آخر: وكائن رددنا عنكم من مدحج * يجئ أمام الالف يردي مقنعا (2) ومثل المشدد قول الشاعر: كاين في المعاشر من اناس * اخوهم فوقهم وهم كرام وأصل كاين (أي) دخلت عليها كاف التشبيه، كما أن أصل (كذا) (ذا) دخلت عليها كاف التشبيه. وانما غيرت في اللفظ لتغيرها في المعنى، لانها نقلت إلى معنى (كم) في التكثير. ومن خفف فلكراهية التضعيف، كما خفف لا سيما. وقرأ أهل الكوفة، وابن عامر (قاتل) الباقون (قتل) فمن قرأ (قتل) نفى الوهن عمن بقي. ومن قرأ (قاتل) نفاه عمن ذكر. المعنى، واللغة: وقوله: (ربيون) قيل في معناه أقوال. أحدها - قال ابن عباس، والحسن: علماء فقهاء، وقال مجاهد، وقتادة:
" 1 " ديوانه 1: 9. " 2 " الكامل للمبرد: 1072.
[ 11 ]
جموع كثيرة. وقال الاخفش: هم منسوبون إلى الرب. ومعناه المتمسكون بعبادة الله. وقال غيره: منسوبون إلى علم الرب. وقال الزجاج: الربو عشرة آلاف، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وارتفاعه يحتمل أمرين: أحدهما - على مذهب الحسن في أنه لم يقتل نبي قط في معركة فيرتفع بأنه لم
يسم فاعله في (قتل) وعلى مذهب ابن اسحاق، وقتادة، والربيع، والسدي: رفع بالابتداء، فقدم عليه الخبر بمعنى قتل، ومعه ربيون كثير، فعلى هذا يكون النبي المقتول، والذين معه لا يهنون، وذلك أن يوم أحد كان أرجف بأن النبي صلى الله عليه وآله قتل، فبين الله تعالى أنه لو قتل لما أوجب ذلك أن تهنوا وتضعفوا، كما لم يهن من كان مع الانبياء بقتلهم، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). والوهن هو الضعف وإنما قال: فما وهنوا، وما ضعفوا من حيث أن الوهن انكسار الجد بالخوف، ونحوه والضعف: نقصان القوة وقوله: " وما إستكانوا " معناه ما ظهروا الضعف، وقيل معناه ما خضعوا، لانه يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد، فلم يهنوا بالخوف، ولا ضعفوا بنقصان العدة، ولا استكانوا بالخضوع. وقال ابن اسحاق: فما وهنوا بقتل نبيهم، ولا ضعفوا عن عدوهم. ولا استكانوا لما أصابهم في الجهاد عن دينهم. وقال الزجاج معنى ما وهنوا ما فتروا، وما ضعفوا وما جبنوا عن قتال عدوهم، وما استكانوا ما خضعوا. وقال الازهري: الاستكانة أصلها من الكنية، وهي الحالة السيئة يقال بات بكنية يعني بيتة سوء، ومجيئة سوء أي بحال سوء وقوله: " والله يحب الصابرين " معناه يريد ثواب من صبر في جنبه في امتثال أمره، والقيام بواجباته التي من جملتها الجهاد في سبيل الله. قوله تعالى: (وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين) (147) آية
[ 12 ]
المعنى واللغة: هذا إخبار عن الربيين الذين ذكرهم في الآية الاولى بأنهم كانوا يقولون في أكثر أحوالهم " ربنا اغفر لنا ذنوبنا " لان من المعلوم أنهم قد كانوا يقولون
أقوالا غير هذا، لكن لما كان هذا هو الاكثر لم يعتد بذلك. وقيل: معناه وما كان قولهم حين قتل نبيهم إلا هذا القول انقطاعا إلى الله وطلبا لمغفرته. وقوله: " اغفر لنا ذنوبنا " أي استرها علينا بترك عقابنا، ومجازاتنا عليها " واسرافنا في امرنا " فالاسراف هو مجاوزة المقدار الذي تقتضيه الحكمة. والاسراف مذموم، كما أن الاقتار مذموم، كما قال تعالى: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط " (1) وكما قال " والذين إذا انفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما " (2) والاسراف، والافراط بمعنى، وضدهما التقصير والتقتير. وقيل الاسراف مجاوزة الحق إلى الباطل بزيادة أو نقصان والاول أظهر. وأصل الاسراف مجاوزة الحد يقال: سرفت القوم إذا جاوزتهم، وأنت لا تعرف مكانهم وسرفت الشئ إذا نسيته لانك جاوزته إلى غيره بالسهو عنه. ويقال: أصنع من سرفة، وهي دويبة صغيرة تنقب الشجر، وتبني فيه بيتا. إن قيل: كيف قوبل الذنوب والاسراف في الامر ؟ قلنا: قال الضحاك: هو بمنزلة اغفر لنا الصغير والكبير من خطايانا. الاعراب، والمعنى: و " قولهم " نصب بأنه خبر (كل) والاسم (أن قالوا)، وانما اختير ذلك، لان ما بعد الايجاب معرفة، فهو أحق بأن يكون الاسم، كقول الشاعر: وقد علم الاقوام ما كان داءها * بثهلان إلا الخزي ممن يقودها (3)
" 1 " سورة الاسرى آية: 29 " 2 " سورة الفرقان آية: 67. " 3 " سيبويه 1: 24 ولم ينسبه. يصف كتيبة منهزمة يقول: لم يكن سبب انهزامها الا جبن من يقودها، فجعل الخزي كناية عن الجبن.
[ 13 ]
ويجوز الرفع على أنه اسم (كان) وقد قرئ به في الشواذ. ومثله قوله:
" ما كان حجتهم إلا أن قالوا " (1) " وما كان جواب قومه إلا أن قالوا " (2) وقوله: " وثبت أقدامنا " أي أعنا وألطف لنا بما تثبت معه أقدامنا وإن كان ثبوت القدم من فعل العباد لكن لما كان بلطفه ومعونته جاز نسبته إليه مجازا. قوله تعالى: (فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة والله يحب المحسنين) (148) آية. المعنى، واللغة: قوله: " فآتاهم الله " يعني من تقدم ذكره من الربيين الذين وصفهم. وقال الجبائي: يعني به المسلمين الذين صفتهم ما تقدم ذكره أي أعطاهم الله ثواب الدنيا قال قتادة، والربيع: هو نصرهم على عدوهم حتى ظفروا بهم، وقهروهم. " وثواب الآخرة ": الجنة. وزاد ابن جريج الغنيمة، ويجوز أن يكون ما آتاهم الله في الدنيا من الظفر والنصر وأخذ الغنيمة ثوابا مستحقا لهم على طاعاتهم، لان في ذلك تعظيما لهم وتبجيلا، ولذلك تقول: إن المدح على أفعال الطاعة والتسمية بالاسماء الشريفة بعض الثواب، ويجوز أن يكون الله تعالى أعطاهم ذلك تفضلا منه تعالى، أو لما لهم فيه من اللطف، فتكون تسميته بأنه ثواب مجازا، وحد الثواب هو النفع الخالص المستحق الذي يقارنه تعظيم وتبجيل، والعوض هو النفع المستحق الخالي من التعظيم والتبجيل، والتفضل هو النفع الذي ليس بمستحق ولا معه تعظيم وتبجيل. وانما جاز تأخير الثواب المستحق مع ثبوت الاستحقاق له عقيب الطاعة الامرين: أحدهما - قال أبو علي: لانه يوفر عليه ما يفوته في زمان التكليف إلى خير الثواب: وقال الرماني: لانه إذا أخر عظم ما يستحقه بالتأخر على ما كان
" 1 " سورة الجاثية آية: 24 " 2 " سورة الاعراف آية: 81
[ 14 ]
لو قدم، لانه إذا استحق مثلا مائة جزء عاجلا، فإذا أخر استحق مائة وعشرة أو مائة وجزء، وقيل في وجه حسن تأخيره أنه لو كان عقيب الطاعة لادى إلى أن يكون المكلف ملجأ إلى فعل الطاعة، لان المنافع الكثيرة تلجئ إلى الفعل كما أن دفع المضار العظيمة تلجئ إلى مثله، وذلك ينافي التكليف، وقوله: " والله يحب المحسنين " أي يريد ثوابهم وتعظيمهم وتبجيلهم والفرق بين الاحسان والانعام أن الاحسان قد يكون إنعاما بأن يكون نفعا للمنتفعين به، وقد يكون احسانا بأن يكون فعلا حسا، ومن القسم الاخير يقال هو تعالى محسن بفعل العقاب، ولا يقال محسن من القسم الاول، ويقال هو محسن بفعل الثواب على الوجهين معا (1). قوله تعالى: (يا ايها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين (149) بل الله مولاكم وهو خير الناصرين) (150) آيتان بلا خلاف. المعنى: هذا خطاب للمؤمنين حذرهم الله من أن يطيعوا الكفار، وبين أنهم إن أطاعوهم ردوهم كافرين. والمعني ب " الذين كفروا " قيل فيهم قولان: أحدهما - قال الحسن، وابن جريج إنهم اليهود، والنصارى أي إن تستنصحوهم وتقبلوا رأيهم يردوكم خاسرين، وقال السدي: أراد إن تطيعوا أبا سفيان وأصحابه يرجعوكم كافرين. والطاعة موافقة الارادة المرغبة في الفعل، وبالترغيب ينفصل من الاجابة، وإن كان موافقة الارادة حاصلة، وفي الناس من قال: الظاعة في موافقة الامر، والاول أصح، لان من فعل ما يقتضي العقل وجوبه أو حسنه يقال: إنه
" 1 " في المخطوطة باسقاط (معا).
[ 15 ]
مطيع لله، وان لم يكن هناك أمر على أن من امتثل الامر إنما سمي مطيعا لموافقة الارادة المرغبة من حيث أن الامر لا يكون أمرا إلا بارادة المأمور به، والطاعة تكون بمتابعة الواجب والندب معا، لان الارادة تتناولها الاعراب، والحجة، واللغة، والمعنى: وقوله: (إن تطيعوا) جزم بأنه شرط. وقوله: " يردوكم " جزم بأنه جواب الشرط. وقوله: " فتنقلبوا " جزم بالعطف عليه. وقوله: " خاسرين " نصب على الحال. وقوله: " بل الله " فحقيقة (بل) الاضراب عن الاول إلى الثاني سواء كانا موجبين أو نفيين أو احداهما موجبا والآخر نفيا قول: جاء زيد بل عمرو، وما جاء زيد بل عمرو لم يجئ، وما أتى زيد بل خالد. فان قيل: كيف عطف ببل وهي لا تشرك الثاني مع الاول في المعنى ؟ قلنا: لان الاضراب عن الاول كالبدل، ولذلك وجب العطف بالاشراك في الاعراب كما يجب في البدل غير أن البدل لم يحتج إلى حرف، لان الثاني هو الاول أو في تقدير ما هو كالاول، و (لكن) للاستدراك أيضا، وهو يقتضي نفيا إما متقدما أو متأخرا كقولك ما جاءني زيد، لكن عمرو، وجاء زيد لكن عمرو لم يأت، وبهذا فارقت بل. وقوله: " بل الله " كان يجوز النصب في (الله) قال الفراء: على معنى أطيعوا الله مولاكم، لان قبله " إن تطيعوا " ثم أضرب عن الاول وأوجب الثاني بل أطيعوا الله (مولاكم). والرفع يحتمل أن يكون على الابتداء ومولاكم خبره، ويحتمل أن يكون مولاكم مبتدأ، و (الله) خبره، وقد قدم عليه. ومعنى مولاكم أي هو أولى بطاعتكم ونصرتكم. وقيل معناه وليكم بالنصرة بدلالة قوله: " هو خير الناصرين " والاصل فيه، ولي الشئ الشئ من غير فصل بينه وبينه، فالولاية إيلاء النصرة، ويجوز لانه يتولى فعل النصرة، وان لم يكله إلى غيره، لان من
فعل شيئا فقد تولى فعله. فان قيل: كيف قال " وهو خير الناصرين " مع أنه لا يعتد بنصر غير الله مع نصرته ؟ قيل: معناه إنه إن اعتد بنصرة غير الله فنصرة
[ 16 ]
الله خير منها، لانه لا يجوز أن يغلب، وغيره يجوز أن يغلب، وان نصر فالثقة بنصرة الله تحصل، ولا تحصل بنصرة غيره. قوله تعالى: (سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين) (151) - آية بلا خلاف -: ذكر ابن اسحاق أنه لما نال المسلمين ما نالهم يوم أحد بمخالفة الرماة أمر نبيهم صلى الله عليه وآله وكان من ظهور المشركين عليهم ما كان عرفهم الله عز وجل الحال في ذلك ثم وعدهم بالنصر لهم، والخذلان، لاعدائهم بالرعب، وذكر السدي: أن أبا سفيان وأصحابه هموا بالرجوع بعد أحد لاستئصال المسلمين عند أنفسهم، فالقى الله الرعب في قلوبهم حتى انقلبو خائبين عقوبة على شركهم " بالله ما لم ينزل به سلطانا " يعني برهانا. اللغة، والحجة: فالسلطان معناه هاهنا الحجة، والبرهان، وأصله القوة، فسلطان الملك قوته. والسلطان: البرهان لقوته على دفع الباطل. والسلطان: التوكيل على المطالبة بالحق، لانه تقوية عليه، والتسليط على الشئ: التقوية عليه مع الاغراء به. والسلاطة: حدة اللسان مع شدة الصخب للقوة على ذلك مع إثبات (1) فعله: والسليط: الزيت لقوة اشتعاله بحدته. والالقاء حقيقته في الاعيان، كقوله: " وألقى الالواح " (2) واستعمل في الرعب مجازا، ومثل قوله: " وألقيت عليك
محبة مني " (3) وقوله: " ومأواهم النار " أي مستقرهم وفي الآية دلالة على
" 1 " في المخطوطة (ايثار) " 2 " سورة الاعراف آية: 149. " 3 " سورة طه آية: 39.
[ 17 ]
فساد التقليد، لانه لا برهان مع صاحبه على صحة مذهبه، فكل من قال بمذهب لا برهان عليه، فمبطل بدلالة الآية، وقوله: " وبئس مثوى الظالمين " فالمثوى: المنزل، وأصله الثواء، وهو طول الاقامة ثوى يثوي ثواء: إذا طال مقامه وأثواني فلان مثوي أي أنزلني منزلا وربة البيت: أم مثواه. والثوي: الضيف لانه مقيم مع القوم. وانما قيل لجهنم " بئس مثوى الظالمين " وبئس للذم، كما أن نعم للحمد لامرين: أحدهما - إن الضرر تنفر منه النفس كما ينفر العقل من القبح فجرى التشبيه على وجه المجاز - هذا قول أبي علي - وقال البلخي: لان الذم يجري علي النقص كما يجري على القبح حقيقة فيهما، نحو قولهم: الاخلاق المحمودة والاخلاق المذمومة وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: (نصرت بالرعب مسيرة شهر) وقد رعبته رعبا أي أفزعته، والاسم الرعب ورعبت الاناء إذاملاته فهو مرعوب. قوله تعالى: (ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم باذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الامر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين) (152) آية. المعنى، والقصة: ذكر ابن عباس، والبراء بن عازب، والحسن، وقتادة، والسدي، والربيع،
وابن اسحاق: أن الوعد المذكور كان يوم أحد، لان المسلمين كانوا يقتلون المشركين قتلا ذريعا حتى أخل الرماة بمكانهم الذي أمرهم النبي صلى الله عليه وآله بملازمته، فحينئذ حمل خالد بن الوليد من وراء المسلمين، وتراجع المشركون، وقتل من المسلمين
[ 18 ]
سبعون رجلا ثم هزموا، وقد نادى مناد قتل محمد ثم من الله على المسلمين، فرجعوا وقويت نفوسهم، ونزل الخذلان بعدوهم، حتى ولوا عنهم، ومعنى " تحسونهم " تقتلونهم. اللغة: والحس هو القتل على وجه الاستئصال قال جرير: تحسهم السيوف كما تسامى * حريق النار في أجم الحصيد (1) وأصله الاحساس ومنه قوله: " هل تحس منهم من أحد " (2) وقوله: " فلما أحس عيسى منهم الكفر " (3) أي وجده من جهة الحاسة، وحسه يحسه: إذا قتله، لانه أبطل حسه بالقتل، والتحسس طلب الاخبار، وفي التنزيل: " يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه " (4) وذلك لانه طلب لهما بحاسة السمع. والمحسة التي ينفض بها التراب عن الدابة، لانه يحس بها من جهة حكها لجلدها. وقوله: " باذنه " معناه بعلمه، ويجوز أن يكون المراد بلطفه، لان أصل الاذن الاطلاق في الفعل، فاللطف تيسر (5) له، كما أن الاذن كذلك إلا أن اللطف تدبير يقع معه الفعل لا محالة اختيارا كما يقع في أصل الاذن اختيارا. المعنى: قال أبو علي قوله: " إذ تحسونهم " يعني يوم بدر " حتى إذا فشلتم " يوم أحد " من بعد ما أراكم ما تحبون " يوم بدر. والاولى أن يكون هذا حكاية عن يوم
أحد على ما بيناه. وقوله: " حتى إذا فشلتم " معناه جبنتم عن عدوكم وكعتم
" 1 " ديوانه 1: 47 من قصيدة يمدح بها الحجاج. " 2 " سورة الكهف آية: 99 " 3 " سورة آل عمران آية: 52. " 4 " سورة يوسف آية: 87. " 5 " في المخطوطة (تفسير).
[ 19 ]
" وتنازعتم " في الامر يعني اختلفتم " من بعد ما أراكم ما تحبون " معناه أنهم أعطوا النصر، فخالفوا في ما قيل لهم من لزوم فم الشعب. واختلفوا، فعوقبوا بأن ديل عليهم في قول الحسن، وقوله: " منكم من يريد الدنيا " أي منكم من قصده الغنيمة في حربكم " ومنكم من يريد الآخرة " أي بثبوته في موضعه بقصده بجهاده إلى ما عند الله في قول ابن مسعود، وابن عباس، والربيع. الاعراب. والمعنى: فان قيل أين جواب " حتى إذا " ؟ قلنا: فيه قولان: أحدهما - إنه محذوف، وتقديره امتحنتم. والآخر - على زيادة الواو والتقديم والتأخير، وتقديره حتى إذا تنازعتم في الامر، فشلتم - في قول الفراء -، كما قال (فلما أسلما وتله للجبين وناديناه أن يا ابراهيم) (1) ومعناه ناديناه، والواو زائدة. ومثله (حتى إذا فتحت ياجوج وما جوج... واقترب) (2) ومعناه اقترب. ومثله قوله: (حتى إذا جاؤها وفتحت) (3) وأنشد: حتى إذا قملت بطونكم * ورأيتم ابناءكم شبوا قلبتم ظهر المجن لنا * ان اللئيم العاجز الخب (4) والبصريون لا يجيزون زيادة الواو ويتأولون جميع ما استشهد به على الحذف لانه أبلغ في الكلام، وأحسن من جهة الايجاز. وقوله: (ثم صرفكم عنهم) قيل
في إضافة انصرافهم إلى الله مع أنه معصية قولان:
(1) سورة الصافات: آية 103 - 105. (2) سورة الانبياء: آية 76 - 77. (3) سورة الزمر: آية 73. (4) قائلهما الاسود بن يعفر النهشلي وهو في اكثر الكتب غير منسوب معاني القران: للفراء 1: 107، 238 واللسان: (قمل) وتأويل مشكل القرآن 381 2. المعاني الكبير: 533 واللسان: (وقب) قملت بطونكم: كثرت قبائلكم المجن: الترس. الخب: المخادع.
[ 20 ]
أحدهما - إنهم كانوا فريقين منهم من عصى بانصرافه، ومنهم من لم يعص، لانهم قلوا بعد انهزام تلك الفرقة، فانصرفوا باذن الله بأن التجأوا إلى أحد، لان الله إنما أوجب ثبات المائة للمئتين فادا نقصوا، لا يجب عليهم ذلك. وجاز أن يذكر الفريقين في الجملة بأنه صرفهم، وبأنهم عفا عنهم، ويكون على ما بيناه في التفصيل هذا قول أبي علي. وقال البلخي (ثم صرفكم عنهم) معناه لم يأمركم بمعاودتهم من فورهم (ليبتليكم) بالمظاهرة في الانعام عليكم، والتخفيف عنكم. وقوله (ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين. إذ تصعدون) فإذ تصعدون متعلق بقوله: (ولقد عفا) في قول الزجاج. وقال الجبائي قوله: (ولقد عفا عنكم) خاص لمن لم يعص بانصرافه، والاولى أن يكون عاما في جميعهم، لانه لا يمتنع أن يكون الله عفا لهم عن هذه المعصية. وقال البلخي: معناه (ولقد عفا عنكم) بتتبعهم بعد أن كان أمرهم بالتتبع لهم، فلما بلغوا حمراء الاسد أعفاهم من ذلك، ولايجوز أن يكون، صرفهم فعل الله، لانه قبيح والله تعالى لا يفعل القبيح. قوله تعالى:
(إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في اخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولاما أصابكم والله خبير بما تعملون) (153) آية. القراءة، والحجة، واللغة، والمعنى: التقدير اذكروا (إذ تصعدون) ويجوز أن يكون متعلقا بقوله: (ولقد عفا عنكم.. إذ تصعدون)، والقراء كلهم على ضم التاء من الاصعاد. وقرأ الحسن بفتح التاء والعين من الصعود، وقيل: الاصعاد في مستوى الارض، والصعود في
[ 21 ]
ارتفاع يقال أصعدنا من مكة إذا ابتد أنا السفر منهاو كذلك أصعدنا من الكوفة إلى خراسان على قول الفراء، والمبرد، والزجاج. ووجه ذلك أن الاصعاد إبعاد في الارض كالابعاد في الارتفاع، وعلى ذلك تأويل (تصعدون) أي أصعدوا في الوادي يوم أحد عن قتادة، والربيع. وقال ابن عباس والحسن انهم صعدوا في أحد في الجبل فرارا، فيجوز أن يكون ذلك بعد أن أصعدوا في الوادي. وقوله (ولا تلوون على أحد) معناه لا تعرجون على أحد. وقوله: (والرسول يدعوكم في أخراكم) قال ابن عباس والسدي، والربيع: إن النبي صلى الله عليه وآله كان يدعوهم، فيقول: ارجعوا أي عباد الله ارجعوا أنا رسول الله. وقوله: (فأثابكم غما بغم) في معناه قولان: أحدهما - إنه إنما قيل في الغم ثواب، لان أصله ما يرجع من الجزاء على الفعل طاعة كان أو معصية ثم كثر في جزاء الطاعة كما قال الشاعر: واراني طربا في إثرهم * طرب الواله أو كالمختبل فعلى هذا يكون الغم عقوبة لهم على فعلهم، وهزيمتهم. والثاني - أن يكون وضع الشئ مكان غيره كما قال (فبشرهم بعذاب أليم) (1) أي ضعه موضع
البشارة، كما قال الشاعر: أخاف زيادا أن يكون عطاؤه * اداهم سودا أو محدرجة سمرا (2) أراد بقوله سودا قيودا. وقيل في معنى قوله: (غما بغم) قولان: أحدهما - غما على غم، كما يقال: نزلت ببني فلان وعلى بني فلان. وقال قتادة، والربيع: الغم الاول: القتل والجراح. والثاني: الارجاف بقتل محمد صلى الله عليه وآله. والقول الثاني - غما بغم أي مع غم كما يقال: ما زلت بزيد حتى فعل أي
(1) سورة الانبياء: 3، والتوبة آية: 35، والانشقاق آية: 24. (2) قائله الفرزدق. ديوانه: 227، والنقائض: 618 وطبقات فحول الشعراء: 256، وتاريخ الطبري 6: 139، ومعاني القرآن للفراء 1: 239. وروايته مختلفة. وفي أغلب المصادر وهكذا: ولما خشيت أن يكون عطاؤه
[ 22 ]
مع زيد. وقال الحسن غما يوم أحد بعد غم يعني يوم بدر. أي كله للاستصلاح وان احتلف الحال. وقال الحسين بن علي المغربي: معنى (غما بغم) يعني غم المشركين بما ظهر من قوة المسلمين على طلبهم على حمراء الاسد، فجعل هذا الغم عوض غم المسلمين بما نيل منهم. وقوله: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) معناه ما فاتكم من الغنيمة (ولاما أصابكم) من الهزيمة في قول ابن زيد. واللام في قوله: (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) يحتمل أن يكون متعلقا بقوله: (عفا عنكم) (لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) ويحتمل أن يتعلق ب (أثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم) من الغنيمة ولا ما أصابكم من الشدة في طاعة الله، لان ذلك يؤديكم إلى مضاعفة الغم عليكم. وقوله: (والله خبير بما تعملون) فيه تجديد تحذير بأنه لا يخفى عليه شئ
من أعمال العباد. قوله تعالى: (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الامر من شئ قل إن الامر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الامر شئ ما قتلنا ههنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور) (154) آية بلا خلاف. القراءة والمعنى والحجة والاعراب والقصة: قرأ حمزة، والكسائي: تغشى بالتاء الباقون بالياء. فمن قرأ بالتذكير أراد
[ 23 ]
النعاس، ومن أنث أراد الامنة، ومثله (ألم يك نطفة من مني يمنى) (1) (وان شجرة الزقوم طعام الاثيم كالمهل يغلي) (2) بالتاء، والياء. وقرأ أبو عمرو، وحده (إن الامر كله) بالرفع. الباقون بالنصب، ووجه الرفع أنه على الابتداء، كما قال: (وكل اتوه داخرين) (3) ويكون (لله) خبره، لانه لما وقع الامر في الجواب اديت صورته في الاسم ثم جاءت الفائدة في الخبر، ولانه نقيض بعض، فكما يجوز الرفع في (بعض) يجوز في (كل) نحو إن الامر بعضه لزيد. والنصب على أنه تأكيد للامر (وامنة) منصوب، لانه مفعول به، ونعاسا بدلا منه، والنعاس هو الامنة. وهذه الامنة التي ذكرها الله في هذه الآية نزلت يوم أحد في قول عبد الرحمن ابن عوف وأبي طلحة، والزبير بن العوام، وقتادة، والربيع، وكان السبب في
ذلك توعد المشركين لهم بالرجوع، فكانوا تحت الجحف متهيئين للقتال فأنزل الله تعالى الامنة على المؤمنين، فناموا دون المنافقين الذين أزعجهم الخوف بأن يرجع الكفار عليهم أو يغيروا على المدينة لسوء الظن، فطير عنهم النوم على ما ذكره ابن اسحاق وابن زيد، وقتادة، والربيع. وقوله: (يغشى طائفة منكم) يعني النعاس يغشى المؤمنين (وطائفة قد اهمتهم) القراء على الرفع. والواو واو الحال كأنه قال: يغشى النعاس طائفة في حال ما أهمت طائفة منهم أنفسهم. ورفعه بالابتداء، والخبر يظنون، ويصلح أن يكون الخبر (قد أهمتهم أنفسهم) والجملة في موضع الحال. ولا يجوز النصب على أن يجعل واو العطف كما تقول ضربت زيدا وعمرا كلمته. والتقدير وأهمت طائفة أهمتهم أنفسهم. المعنى: وقوله: (يقولون هل لنا من الامر من شئ) قيل في معناه قولان:
(1) سورة القيامة آية: 27. (2) سورة الدخان: 43 - 45. (3) سورة النمل آية: 87.
[ 24 ]
أحدهما - قال الحسن أخرجنا كرها، ولو كان الامر إلينا ما خرجنا. وذلك من قبل عبد الله بن أبي بن سلول، ومعتب بن قشير على قول الزبير بن العوام، وابن جريج. والآخر - أي ليس لنا من الظفر شئ كما وعدنا على وجه التكذيب بذلك (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) أي من الشك، والنفاق، وتكذيب الوعد بالاستعلاء على أهل الشرك ذكره الجبائي. وقوله: (وليبتلي الله ما في صدوركم) يحتمل أمرين:
أحدهما - ليعاملكم معاملة المبتلى المختبر لكم مظاهرة في العدل عليكم وإخراج مخرج كلام المختبر لهذه العلة، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها، فلا يبتلي ليستفيد علما. والثاني - ليبتلي أولياء الله ما في صدوركم إلا أنه اضيف الابتلاء إلى الله عز وجل تفخيما لشأنه. وقوله: (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) يحتمل أمرين: أجدهما - لو تحلتفتم لخرج منكم الذين كتب عليهم القتل ولم يكن لينجيه قعودكم - عن أبي علي -. الثاني - لو تخلفتم لخرج المؤمنون، ولم يتخلفوا بتخلفكم ذكره البلخي، ولا يوجب ذلك أن يكون المشركون غير قادرين على ترك القتال من حيث علم الله منهم ذلك، وكتبه، لانه كما علم أنهم لا يختارون ذلك بسوء اختيارهم علم انهم قادرون. ولو وجب ذلك لوجب أن لا يكون تعالى قادرا على ما علم أنه لا يفعله وذلك كفر بالله. قوله تعالى: (إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور رحيم) (155) آية.
[ 25 ]
المعنى، واللغة: روي عن عمر بن الخطاب، وقتادة، والربيع: ان المعني بالمتولي في هذه الآية هم الذين ولوا الدبر عن المشركين بأحد. وقال السدي: هم الذين هربوا إلى المدينة في وقت الهزيمة. وقوله: (إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا) قيل في الكسب الذي أداهم إلى الفرار الذي اقترفوه قولان:
أحدهما - محبتهم للغنيمة مع حرصهم على تبقية الحياة، وفي ذلك الوجه عما يؤدي إلى الفتور فيما يلزم من الامور على قول الجبائي. والثاني - ذكره الزجاج، استزلهم بذكر خطايا سلفت لهم، فكرهوا القتل قبل اخلاص التوبة منها، والخروج من المظلمة فيها. وقوله: (ولقد عفا الله عنهم) يحتمل أمرين: أحدهما - قال ابن جريج، وابن زيد: حلم عنهم إذ لم يعاجلهم بالعقوبة به، ليدل على عظم تلك المعصية. والآخر - عفا لهم تلك الحطيئة ليدل على أنهم قد أخلصوا التوبة. وقوله: (إن الله غفور رحيم) فحلمه تعالى عنهم هو امهاله بطول المدة بترك الانتقام مع ما فعل بهم من ضروب الانعام. وأصل الحلم الاناة، وهي ترك العجلة، فالامهال بفعل النعمة بدلا من النقمة كالاناة بترك العجلة. ومنه الحلم في النوم، لان حال السكون والدعة كحال الاناة. ومنه الحلمة: رأس الثدي، لخروج اللبن الذي يحلم الصبي. وذكر البلخي أن الذين بقوا مع النبي صلى الله عليه وآله يوم أحد فلم ينهزموا ثلاثة عشر رجلا: خمسة من المهاجرين: علي (ع) وأبو بكر، وطلحة، وعبد الرحمن ابن أبي عوف، وسعد بن أبي وقاص، والباقون من الانصار. فعلي وطلحة لا خلاف فيهما. والباقون فيهم خلاف. وأما عمر، فروي عنه أنه قال: رأيتني
[ 26 ]
أصعد في الجبل كأني أروى (1). وعثمان انهزم، فلم يرجع إلا بعد ثلاثة [ أيام ] (2) فقال له النبي صلى الله عليه وآله: لقد ذهبت فيها عريضة. وفي الآية دليل على فساد قول المجبرة: من أن المعاصي من الله، لانه تعالى نسب ذلك في الآية إلى استزلال الشيطان.
قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير) (156) آية. المعنى، واللغة، والاعراب: هذا خطاب متوجه إلى المؤمنين الذين نهاهم الله أن يكونوا مثل الذين كفروا، وقالوا لاخوانهم، وهم عبد الله بن أبي بن سلول، وأصحابه - في قول السدي ومجاهد -: (إذا ضربوا في الارض) أي سافروا فيها لتجارة أو طلب معيشة - في قول ابن اسحاق، والسدي -، فأصله الضرب باليد. وقيل الاصل في الضرب في الارض الايغال في السير (أو كانوا غرى) أي جمع غاز كما قالوا: شاهد وشهد، وقائل وقول، قال رؤبة: فاليوم قد نهنهني تنهنهي * وأول حلم ليس بالمسفه وقول: الاده فلاده (3)
((1) اروى: ضأن الجبل. ج أروية - بضم الهمزة وكسرها -. (2) (ايام) ساقطة من المطبوعة (3) ديوانه: 166 ومجاز القرآن لابي عبيدة 1: 106 واللسان: (قول)، (ده) وخزانة الادب 3: 90 وغيرها وهو من قصيدة يذكر فيها شبابه. نهنهت فلانا عن الشئ -
[ 27 ]
ويجوز فيه غزاة كقاض، وقضاة. وغزاء ممدود كمخارب وخراب، وكاتب وكتاب. ويجوز (قالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض،) ولا يجوز اكرمتك إذا زرتني على أن توقع إذا موضع إذ، لامرين: أحدهما لانه متصل ب (لا تكونوا) كهؤلاء إذا ضرب اخوانكم في
الارض. الثاني - لان (الذي) إذا كان مبهما غير موقت يجري مجرى ما في الجزاء، فيقع الماضي فيه. وقع المستقبل، نحو (إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله) (1) معناه يكفرون، ويصدون. ومثله (إلا من تاب وآمن) (2) معناه إلا من يتوب. ومثله كثير. ويجوز لاكرمن الذي أكرمك إذا زرته، لابهام الذي، ولا يجوز لاكرمن هذا الذي أكرمك إذا زرته، لتوقيت الذي من أجل الاشارة إليه بهذا ولانه دخله معنى كلما ضربوا في الارض، فلا يصح على هذا المعنى إلا باذا دون إذ قال الشاعر: واني لاتيكم تشكر ما مضى * من الامر واستيجاب ما كان في غد (3) أي ما يكون في غد، وهذا قول الفراء واللام في قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) متعلقة ب (لا تكونوا) كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم، (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) دونكم. والثاني - قالوا ذلك ليجعله حسرة على لام العاقبة - وهذا قول أبي علي - والحسرة عليهم في ذلك من وجهين: أحدهما - الخيبة فيما أملوا من الموافقة لهم من المؤمنين، فلما لم يقبلوا منهم،
فتنهنه زجرته فانزجر. والاول: الرجوع وقد اختلف في تفسير (الاده فلاده). قال أبو عبيدة: ان لم يكن هذا، فلا ذا وقال ابن قتية: ان لم يكن هذا الامر لم يكن غيره. ويروي أهل العربية ان الدال مبدلة من ذال. قال بعضهم: هذا مثل يضرب للرجل يطلب شيئا فإذا منعه، طلب غيره. وقال الاصمعي: لا أدري ما أصله. قال بعضهم: (ده) كلمة فارسية: (1) سورة الحج: آية 25. (2) سورة مريم: آية 60. (3) انظر 1: 351.
[ 28 ]
كان ذلك حسرة في قلوبهم. والآخر - ما فاتهم من عز الظفر والغنيمة. وقوله: (والله يحيي ويميت) معناه ههنا الاحتجاج على من خالف أمر الله في الجهاد طلبا للحياة، وهربا من الموت، لان الله تعالى إذا كان هو الذي يحيي ويميت لم ينفع (1) الهرب من أمره بذلك خوف الموت، وطلب الحياة (والله بما يعملون بصير) أي مبصر. ويحتمل أن يكون بمعنى عليم. وفيه تهديد، لان معناه أن الله يجازي كلا منهم بعمله ان خيرا فحيرا وان شرا فشرا. قوله تعالى: (ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) (157) آية. المعنى، والاعراب: إن قيل كيف قال: (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) مع تفاوت ما بينهما ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الانسان للدرة (2) خير من البعرة ؟ ! قيل: إنما جاز ذلك لان الناس يؤثرون حال الدنيا على الآخرة حتى أنهم يتركون الجهاد في سبيل الله محبة للدنيا، والاستكثار منها، وما جمعوا فيها. فان قيل أين جواب الجزاء ب (إن) ؟ قيل: استغني عنه بجواب القسم في قوله: (لمغفرة من الله ورحمة خير) وقد اجتمع شيئان كل واحد منهما يحتاج إلى جواب، فكان جواب القسم أولى بالذكر - لان له صدر الكلام - مما يذكر في حشوه. فان قيل: لم شرط (لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون) وهو خير كيف
(1) في المخطوطة (لم يمنع).
(2) في المخطوطة (الذرة).
[ 29 ]
تصرفت الحال ؟ قلنا: لانه لا يكون (لمغفرة) بالتعرض للقتل في سبيل الله خيرا من غير أن يقع التعرض لذلك لاستحالة استحقاقها بما لم يكن منه، لانه لم يفعل. فان قيل: لم جاز جواب القسم مع الماضي في الجزاء دون المستقبل في نحو قولهم لئن قتلتم لمغفرة خير ؟ قلنا: لان حرف الجزاء إذا لم يعمل في الجواب لم يحسن أن يعمل في الشرط، لان إلغاءه من أحدهما يوجب ألغاءه من الآخر كما أن اعماله في أحدهما يوجب اعماله في الآخر لئلا يتنافر الكلام بالتفاوت. فان قيل: لم أعملت (ان) ولم تعمل (لو) وكل واحدة منهما تعقد الفعل بالجواب ؟ قلنا: لان (ان) تنقل الفعل نقلين إلى (1) الاستقبال، والجزاء، وليس كذلك (لو) لانها لما مضى. ان قيل: كيف وجب بالتعرض للقتل المغفرة وإنما تجب بالتوبة ؟ قلنا: لانه يجب به تكفير الصغيرة مع أنه لطف في التوبة من الكبيرة. ومعنى الآية أن المنافقين كانوا يثبطون المؤمنين عن الجهاد، على ما تقدم شرحه في هذه السورة فبين الله تعالى لو انكم إن قتلتم أو متم من غير أن تقتلوا (لمغفرة من الله ورحمة) تنالونهما (خير مما يجمعون) من حطام الدنيا، والبقاء فيها، وانتفاعكم في هذه الدنيا، لان جميع ذلك إلى زوال. قوله تعالى: (ولئن متم أو قتلتم لالى الله تحشرون) (158) آية. اللغة، والاعراب،، والمعنى: اللام في قوله: (ولئن متم أو قتلتم) يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون خلفا من القسم، ويكون اللام في قوله: (لالى الله) جوابا كقولك: والله ان متم أوقتلتم لتحشرون إلى الله.
(1) في المطبوعة (في) بدل (إلى)
[ 30 ]
والثاني - أن تكون مؤكدة لما بعدها، كما تؤكد (ان) ما بعدها، وتكون الثانية جوابا لقسم محذوف، والنون مع لام القسم في فعل المضارع لابد منها، لان القسم أحق بالتأكيد من كلما تدخله النون من جهة أن ذكر القسم دليل أنه من مواضع التأكيد فإذا جازت في غيره من الامر، والنهي، والاستفهام، والعرض، والجزاء مع ما إذ كان ذكر القسم قد أنبأ أنه من مواضع التأكيد، لزمت فيه، لانه أحق بها من غيره (1). والفرق بين لام القسم ولام الابتداء: أن لام الابتداء تصرف الاسم إليه، فلا يعمل فيه ما قبلها نحو (قد علمت لزيد خير منك) (وقد علمت بأن زيدا ليقدم). وليس كذلك لام القسم، لانها لا تدخل على الاسم، ولا تكسر لها لام (إن) نحو قد علمت ان زيدا ليقومن، ويلزمها النون في المستقبل. والفرق بين (أو) و (أم) أن (أم) استفهام، وفيها معادلة الالف نحو (أزيد في الدار أم عمرو) وليس ذلك في (أو) ولهذا اختلف الجواب فيهما، فكل في (أم) بالتعيين وفي (أو) ب (نعم) أو (لا) ومعنى الآية الحث على الجهاد وترك التقاعد. ويقال أن الله يحشر العباد ليجزي كل واحد على ما يستحقه: المحسن على احسانه والمسئ على اساءته سواء قتل أو مات كيف تصرفت به الحال. قوله تعالى: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظاغليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الامر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين) (159) آية.
(1) في المخطوطة (لم لان الاخر من تفسير) بدل (فيه لانه أحق بها من غير) وقد
أثبتنا ما في المطبوعة لانه أوضح.
[ 31 ]
الاعراب والمعنى: قوله: (فبمارحمة من الله) معناه فبرحمة، وما زائدة باجماع المفسرين ذهب إليه قتادة، والزجاج، والفراء وجميع أهل التأويل. ومثله قوله: (عما قليل ليصبحن نادمين) فجاءت (ما) مؤكدة للكلام وسبيل دخولها لحسن النظم، كدخولها لاتزان الشعر، وكل ذلك تأكيد ليتمكن المعنى في النفس، فجرى مجرى التكرير. قال الحسن بن علي المغربي عندي أن معنى (ما) أي وتقديره فبأي رحمة من الله، وهذا ضعيف. ورحمة مجرورة بالباء، ولو رفعت كان جائزا على تقدير فيما هو رحمة. والمعنى ان لينك لهم مما يوجب دخولهم في الدين، لانك تأتيهم بالحجج والبراهين مع لين خلق. اللغة، والمعنى: وقوله: (ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) فالفظ الجافي، والغليظ القلب القاسي، يقال فيه فظظت تفظ فظاظة، فأنت فظ، وهو على وزن فعل إلا أنه ادغم كضب. وأصل الفظاظة الجفوة. ومنه الفظاظة. ومنه الفظاظ: خشونة الكلام. والافتظاظ: شرب ماء الكرش لجفائه على الطباع. وقوله: (فظا غليظ القلب) انما جمع بين الصفتين مع اتفاقهما في المعنى، لازالة التوهم أن الفظاظة في الكلام دون ما ينطوي عليه القلب من الحال، وهو وجه من وجوه التأكيد إذ يكون لازالة الغلط في التأويل، ولتمكين المعنى في النفس بالتكرير، وما يقوم مقامه. وقوله: (وشاورهم في الامر) أمر من الله تعالى لنبيه أن يشاور أصحابه يقال شاورت الرجل مشاورة وشوارا وما يكون عن ذلك اسمه المشورة. وبعضهم يقول المشورة. وفلان حسن الشورة، والصورة أي حسن الهيئة واللباس وإنه
لشير صير، وحسن الشارة، والشوار: متاع البيت. ومعنى شاورت فلانا أي
[ 32 ]
أظهرت ما عندي في الرأي، وما عنده (1). وشرت الدابة أشورها: إذا امتحنتها فعرفت هيئتها في سيرها. وقيل في وجه مشاورة النبي صلى الله عليه وآله إياهم مع استغنائه بالوحي عن تعرف صواب الرأي من العباد ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة، والربيع، وابن اسحاق أن ذلك على وجه التطييب لنفوسهم، والتأليف لهم، والرفع من أقدارهم إذ كانوا ممن يوثق بقوله: (ويرجع إلى رأيه). والثاني - قال سفيان بن عيينه: وجه ذلك لتقتدي به أمته في المشاورة ولا يرونها منزلة نقيصة كما مدحوا بأن أمرهم شورى بينهم. الثالث قال الحسن، والضحاك: انه للامرين، لاجلال الصحابة واقتداء الامة به في ذلك. وأجاز أبو علي الجبائي: أن يستعين برأيهم في بعض أمور الدنيا. وقال قوم: وجه ذلك أن يمتحنهم فيتميز الناصح في مشورته من الغاش النية. وقوله: (فإذا عزمت فتوكل على الله) فالتوكل على الله هو تعويض الامر إليه للثقة بحسن تدبيره، وأصله الاتكال، وهو الاكتفاء في فعل ما يحتاج إليه بمن يسند إليه. ومنه الوكالة، لانها عقد على الكفاية بالنيابة والوكيل هو المتكل عليه بتفويض الامر إليه. وقوله: (إن الله يحب المتوكلين) معناه يريد ثوابهم على توكلهم واسنادهم أمورهم إلى الله تعالى. قوله تعالى: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (160) - آية بلا خلاف -. المعنى: معنى هذه الآية الترغيب في طاعة الله التي يستحق بها النصرة، والتحذير
(1) في المخطوطة ساقطة جملة (في الرأي وما عنده).
[ 33 ]
من معصيته التي يستحق بها خذلانه مع ايجاب التوكل عليه الذي يؤمن معه أن يكلهم إلى أنقسهم فيهلكوا، ولانه إذا نصرهم الله فلا أحد يقدر على مغالبته، وإذا خذلهم فلا أحد يقدر على نصرتهم بعده. و (من) في قوله: (فمن ذا الذي ينصركم من بعده) معناها التقرير بالنفي في صورة الاستفهام أي لا ينصركم أحد من بعده، كما تقول من يعد لك إن فسقك الامام. وإنما تضمن حرف الاستفهام معنى النفي، لان جوابه يجب أن يكون بالنفي، فصار ذكره يغني عن ذكر جوابه. وكان أبلغ لتقرير المخاطب فيه. قال أبو علي الجبائي: وفي الآية دليل على أن من غلبه أعداء الله من الباغين لم ينصره الله، لانه لو نصره لما غلبوه، وذلك بحسب ما في المعلوم من مصالح العباد من تعريض المؤمنين لمنازل الابرار بالصبر على الجهاد مع خوف القتل من حيث لم يجعل على أمان من غلبة الفجار، وهذا إنما هو في النصر بالغلبة، فاما النصر بالحجة، فان الله تعالى نصر المؤمنين من حيث هداهم إلى طريق الحق بما نصب لهم من الادلة الواضحة والبراهين النيرة، ولولا ذلك لما حسن التكليف. قال البلخي: المؤمنون منصورون أبدا إن غلبوا، فهم المنصورون بالغلبة، وان غلبوا، فهم المنصورون بالحجة. قال الجبائي: والنصر بالغلبة ثواب، لانه لا يجوز أن ينصر الله الظالمين من حيث لا يريد استعلاءهم بالظلم على غيرهم. وقال ابن الاخشاد: ليس بثواب كيف تصرفت الحال، لان الله قد أمرنا أن ننصر الفئة المبغي عليها. وقال البلخي لا يجوز أن ينصر الله الكافر على وجه. فأما الخذلان فعقاب بلا خلاف. والخذلان هو الامتناع من المعونة على العدو في وقت الحاجة إليها، لانه لو امتنع إنسان من معونة بعض الملوك على عدوه مع استغنائه
عنها لم يكن خاذلا، وكذلك سبيل المؤمن المغلوب في بعض الحروب ليس يحتاج إلى المعونة مع الاستفساد بها بدلا من الاستصلاح، فلذلك لم يكن ما وقع به على جهة الخذلان.
[ 34 ]
قوله تعالى: (وما كان لنبي أن يغل ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون) (161) - آية -. القراءة، والمعنى، والحجة، والنزول، واللغة: قرأ ابن كثير وابن عمرو، وعاصم (يغل) بفتح الياء وضم الغين. الباقون بضم الياء وفتح الغين. فمن قرأ بفتح الياء وضم الغين، فمعناه ما كان لنبي أن يخون يقال من الغنيمة غل يغل: إذا خان فيها. ومن الخيانة أغل يغل قال النمر بن تولب: جزى الله عنا حمزة ابنة نوفل * جزاء مغل بالامانة كاذب بما سألت عني الوشاة ليكذبوا * علي وقد أوليتها في النوائب (1) [ ويقال من ] (2) الخيانة غل يغل، ومن قرأبضم الياء وفتح الغين أراد، وما كان لنبي أن يخون أي ينسب إليه الخيانة. ويحتمل أن يكون أراد ما كان لنبي أن يخان بمعنى يسرق منه. ويكون تخصيص النبي بذلك تعظيما للذنب. قال أبو على الفارسى: لا يكاد يقال: ما كان لزيد أن يضرب، فهذه حجة من قرأ بفتح الياء. وقال ابن عباس، وسعيد بن جبير: سبب نزول هذه الآية أن قطيفة حمراء فقدت يوم بدر من المغنم، فقال بعضهم لعل النبي صلى الله عليه وآله أخذها. وقال الضحاك إنما لم يقسم للطلائع من المغنم، فعرفه الله الحكم. وروي عن الحسن أنه قال: معنى يغل يخان. وقال بعضهم: هذا غلط، لانه لا يجوز أن يخان أحد نبيا كان أو غيره، فلا معنى للاختصاص. وهذا الطعن ليس بشئ لان وجه اختصاصه
بالذكر لعظم خيانته على خيانة غيره، كما قال: (اجتنبوا الرجس من الاوثان) (3) وإن وجب اجتناب جميع الارجاس، وقد يجوز أن يخص النبي بالذكر، لانه القائم
(1) الصحاح للجوهر (غلل). (2) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة. (3) سورة الحج: آية 30
[ 35 ]
بأمر الغنائم، فيكون بمنزلة ما كان لاحد أن يغل. وأصل الغلول هو الغلل، وهو دخول الماء في خلل الشجر تقول: الغل الماء في أصول الشجر ينغل الغلالا، فالغلول الخيانة، لانها تجري في الملك على خفى من غير الوجه الذي يحل كالغلل، وانما خصت الخيانة بالصفة دون السرقة، لانه يجري إليها بسهولة، لانها مع عقد الامانة. ومنه الغل الحقد، لان العداوة تجري به في النفس كالغلل. ومنه الغل. ومنه الغليل، حرارة العطش. والغلة، لانها تجري في الملك من جهات مختلفة، والغلالة، لانها شعار تحت. البدن والغلالة مسمار الدرع. وقوله: (ومن يغلل يأت بماغل يوم القيامة) قيل في معناه قولان: أحدهما - يأتي به حاملا له على ظهره، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه كان إذا غنم مغنما بعث مناديا ألا لا يغلن أحد مخيطا فما دونه، ألا لا يغلن أحد بعيرا فيأتي به على ظهره له رغاء، ألا لا يغلن أحد فرسا فيأتي به يوم القيامة على ظهره له حمحمة - في قول ابن عباس، وأبي هريرة وأبي حميد الساعدي، عبد الله بن انيس وابن عمر، وقتادة - وذلك ليفضح به على رؤوس الاشهاد. قال البلخي: يجوز أن يكون ما تضمنه الخبر على وجه المثل كأن الله تعالى إذا فضحه يوم القيامة جرى ذلك مجرى أن يكون حاملا له وله صوت. الثاني - يأتي به يوم القيامة، لانه لم يكفر عنه، كما تكفر الصغائر، فهو
يعاقب عليه. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: إن الله تعالى لو عذب الانبياء والمؤمنين لم يكن ظلما لهم، لانه قد بين أنه لو لم يوفها ما كسبت، لكان ظلما لها. قوله تعالى: (أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير) (162) - آية بلا خلاف -.
[ 36 ]
المعنى، والنزول: قيل. في معنى الآية ثلاثة أقوال: أحدها قال الحسن، والضحاك معناها، أفمن اتبع رضوان الله في ترك الغلول كمن باء بسخط من الله في فعل الغلول، وهو اختيار الطبري قال: لانه أشبه بما تقدم. الثاني - قال ابن اسحاق (أفمن اتبع رضوان الله) في العمل بطاعته على ماكره الناس (كمن باء بسخط من الله) في العمل بمعصيته على ما أحبوا. الثالث - قال الزجاج، وأبو علي: (أفمن اتبع رضوان الله) بالجهاد في سبيله (كمن باء بسخط من الله) بالفرار منه رغبة عنه. وسبب نزولها أن النبي صلى الله عليه وآله لما أمر بالخروج إلى أحد قعد عنه جماعة من المنافقين، فأنزل الله فيهم هذه الآية. اللغة: (ورضوان الله) - بكسر الراء وضمها - لغتان، وقرأ بالضم حفص عن عاصم على ما حكيناه عنه، فالضم على وزن الكفران. والكسر على وزن حسبان. وباء معناه رجع تقول: باء بذنبه يبوء بوءا إذا رجع به. وبوأته منزلا أي هيأته،
لانه يرجع إليه، لانه مأواه. والبواء قتل الجائي بمن قتله. والسخط من الله من هو إرادة العقاب بمستحقه، ولعنه وهو مخالف للغيظ، لان الغيظ هو هيجان الطبع وانزعاج النفس، ولا يجوز اطلاقه على الله تعالى. والمصير: هو المرجع. والفرق بينهما أن المرجع هو انقلاب الشئ إلى حال قد كان عليها. والمصير: انقلاب الشئ إلى خلاف الحال التي هو عليها نحو مصير الطين خزفا، ولم يرجع خزفا، لانه لم يكن قبل ذلك حزفا، فأما مرجع الفضة خاتما فصحيح، لانه قد كان قبل خاتما وأما مرجع العباد إلى الله، فلانهم ينقلبون إلى حال لا يملكون فيها لانفسهم شيئا، كما كانوا قبل ما ملكوا.
[ 37 ]
قوله تعالى: (هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون) (163) - آية - المعنى: قيل معنى قوله: (هم درجات عند الله) أن تقديره المؤمنون ذووا درجة رفيعة عند الله. والكفار ذووا درجة خسيسة. وقيل في معناه قولان: أحدهما - اختلاف مراتب كل فريق من أهل الثواب، والعقاب، لان النار أدراك لقوله: (إن المنافقين في الدرك الاسفل من النار) (1) والجنة طبقات بعضها أعلى من بعض، كما روي أن أهل الجنة ليرون أهل عليين (2)، كما يرى النجم في أفق السماء. والثاني - اختلاف مرتبتي أهل الثواب، والعقاب بمالهؤلاء من النعيم، والكرامة ولاولئك من العذاب والمهانة. وعبر عن ذلك بدرجات مجازا. فان قيل كيف قال: (هم درجات) وانما لهم درجات) وانما لهم درجات قيل، لان اختلاف أعمالهم قد ميزهم بمنزلة المختلفي الذوات كاختلاف مراتب الدرجات لتبعيدهم من استواء الاحوال، فجاء هذا على وجه التجوز، كما قال ابن هرمة انشده سيبويه -:
أنصب للمنية تعتريهم * رجالي أم هم درج السيول (3) وقوله: (والله بصير بما يعملون) معناه عليم. وفيه تحذير من أن يتكل على الاسرار في الاعمال ظنا بأن ذلك يخفى على الله، لان أسرار العباد عند الله علانية. وفيه توثيق بأنه لا يضيع للعامل لربه شئ لانه لا يخفى عليه جميعه.
(1) سورة النساء: آية 144. (2) في المخطوطة (أ) كما روي أن أهل الجنة ليرون أهل النار يطلعون عليهم فيرونهم كما يرى النجم في افق السماء. والاصح ما في المطبوعة. (3) سيبويه 1: 206، واللسان (درج) ومجاز القرآن لابي عبيدة 1: 107 والخزانة 1: 203 وقد رواه بعضهم: أرجما للمنون يكون قومي * لريب الدهر أم درج السيول
[ 38 ]
اللغة، والحجة: وأصل الدرجة الرتبة، فمنه الدرج، لانه يطوى رتبة بعد رتبة يقال: أدرجه إدراجا. والدرجان مشي الصبي لتقارب الرتب، درج يدرج درجا ودرجانا. والدرج معروف. والترقي في العلم درجة بعد درجة أي منزلة بعد منزلة كالدرجة المعروفة. فان قيل هلا كان القرآن كله حقيقة، ولم يكن فيه شئ من المجاز، فان الحقيقة أحسن من المجاز ؟ قلنا: ليس الامر على ذلك فان المجاز في موضعه أولى، وأحسن من الحقيقة لما فيه من الايجاز من غير اخلال بمعنى، وهي المبالغة بالاستعارة التي لاتنوب منابها الحقيقة، لان قولهم إذ هو الشمس ضياء أبلغ في النفوس من قولهم هو كالشمس ضياء، كذلك الجزاء بالجزاء أحسن من الجزاء بالابتداء، لانه أدل على تقابل المعنى بتقابل اللفظ، فكذلك (هم درجات) أولى وأبلغ من هم أهل درجات، للايجاز من غير اخلال. قوله تعالى:
(لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) (164) - آية -. اللغة، والمعنى: قوله: (لقد من الله) معناه أنعم الله. وأصل المن القطع. منه يمنه منا: إذا قطعه. (ولهم أجر غير ممنون) (1) أي غير مقطوع. والمن النعمة، لانه يقطع بها عن البلية. ويقول القائل: من علي بكذا أي استنقذني به مما أنا فيه. والمن تكدير النعمة، لانه قطع لها عن وجوب الشكر عليها. والمنة القوة، لانه
(1) سورة حم السجدة: آية 8 وسورة الانشقاق: آية 25.
[ 39 ]
يقطع بها الاعمال. وفي تخصيص المؤمن بذكر هذه النعمة وإن كانت نعمة على جميع المكلفين قيل فيه من حيث أنها على المؤمنين أعظم منها على الكافرين، لانها نعمة عليهم من حيث هي نفع في نفسها. وفيما يؤدي إليه من الايمان بها، والعمل بما توجبه أحكامها، فالمؤمن يستحق اضافتها إليه من وجهتين، لما بيناه من حالها، ونظائر ذلك قد بيناه مثل قوله: (هدى للمتقين)) وغير ذلك وإنما أضافه إلى المتقين من حيث أنهم المنتفعون بها دون غيرهم. وقوله: (إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها من أنفسهم ليكون ذلك شرفا لهم، فيكون ذلك داعيا لهم إلى الايمان. الثاني - من أنفسهم، لسهولة تعلم الحكمة عليهم، لانه بلسانه. الثالث - من أنفسهم، ليتيسر عليهم علم أحواله من الصدق والامانة والعفة والطهارة. وقال الزجاج: من عليهم إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم من الاميين،
لا يتلو كتابا ولا يخط بيمينه، فنشأ بين قوم يخبرونه ويعرفونه بالصدق والامانة وأنه لم يقرأ كتابا ولا لقنه، فتلا عليهم أقاصيص الامم السالفة، فكان ذلك من أدل دليل على صدقة فيما أتى به. وقوله: (يتلو عليهم آياته) معناه يقرأ عليهم ما أنزله عليه من آيات القرآن (ويزكيهم) يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها - يشهد لهم بأنهم أزكياء في الدين، فيصيروا بهذه المنزلة الرفيعة في الخلق. الثاني - يدعوهم إلى ما يكونون به زاكين سالكين سبيل المهتدين. الثالث - قال الفراء يأخذ منهم الزكاة التي يطهرهم بها. وقوله: (ويعلمهم الكتاب والحكمة) يعني القرآن، وهو الحكمة. وإنما كرره بواو العطف لامرين: أحدهما - قال قتادة: الكتاب القرآن، والحكمة السنة. والثاني - لاختلاف فائدة الصفتين، وذلك أن الكتاب ذكر للبيان أنه مما يكتب ويخلد ليبقى على الدهر، والحكمة البيان عما يحتاج إليه من طريق المعرفة.
[ 40 ]
وقوله: (وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) يعني أنهم كانوا كفارا. وكفرهم هو ضلالهم فأنقذهم الله بالنبي صلى الله عليه وآله. قوله تعالى: (أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شئ قدير) (165) - آية واحده - المعنى: إنما دخلت الواو في (أو لما أصابتكم) لعطف جملة على جملة إنه تقدمها ألف الاستفهام، لان له صدر الكلام. وإنما اتصل الواو الثاني بالاول ليدل على تعلقه به في المعنى، وذلك أنه وصل التقريع على الخطيئة بالتذكير بالنعمة لفرقة واحدة. والمصيبة التي أصابت المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد، فانه قتل منهم سبعون رجلا وكانوا هم أصابوا من المشركين يوم بدر مثليها، فانهم كانوا قتلوا
من المشركين سبعين وأسروا منهم سبعين في - قول قتادة، والربيع، وعكرمة، والسدي - فقال الزجاج: لانهم أصابوا يوم أحد منهم مثلهم، ويوم بدر مثلهم، فقد أصابوا مثليهم. وهذا ضعيف، لانه خلاف لاهل السير، لانه لا خلاف أنه لم يقتل من المشركين مثل من قتل من المسلمين بل قتل منهم نفر يسير، فحمله على ما قاله ترك الظاهر. وقوله: حكاية عن المسلمين (أنى هذا) أي من أين هذا. وقوله: (قل هو من عند أنفسكم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال قتادة، والربيع: لانهم اختلفوا في الخروج من المدينة للقتال يوم أحد وكان دعاهم النبي صلى الله عليه وآله إلى أن يتحصنوا بها ويدعوا المشركين إلى أن يقصدوهم فيها، فقالوا كنا نمتنع من ذلك في الجاهلية، ونحن في الاسلام، وأنت يارسول الله نبينا أحق بالامتناع وأعز. والثاني - روي عن علي (ع) وعبيدة السلماني أن الحكم كان في أسرى بدر
[ 41 ]
القتل، فاختاروا هم الفداء، وشرط عليهم أنكم إن قبلتم الفداء قتل منكم في القابل بعدتهم، فقالوا رضينا بذلك، فانا نأخذ الفداء وننتفع به. وإذا قتل منافيما بعد كنا شهداء. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). الثالث - لخلاف الرماة يوم أحد لما أمرهم به النبي صلى الله عليه وآله من ملازمة موضعهم. وقوله: (إن الله على كل شئ قدير) معناه ههنا أنه على كل شئ قدير يدبركم بأحسن التدبير من النصر مع طاعتكم وتركه مع المخالفة إلى ما وقع به النهي، وهذا جواب لقوله: (أنى هذا) وقد تقدم الوعد بالنصرة، وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة: بان المعاصي كلها من فعل الله، لانه تعالى قال (قل هو من عند أنفسكم) ولو لم يكن فعلوه، لما كان من عند أنفسهم كما أنه لو فعله الله، لكان من عنده.
قوله تعالى: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان فباذن الله وليعلم المؤمنين) (166) - آية -. المعنى: قوله: (وما أصابكم يوم التقى الجمعان) يعني يوم أحد وما دخل عليهم من المصيبة بقتل من قتل من المؤمنين. وقوله: (فباذن الله) قيل في معناه قولان: أحدهما - بعلم الله. ومنه قوله: (فاذنوا بحرب من الله) (1) معناه اعلموا ومنه قوله: (وآذان من الله) (2) أي إعلام. ومنه (أذناك ما منا من شهيد) (3) يعني أعلمناك. الثاني - أنه بتخلية الله التى تقوم مقام الاطلاق في الفعل برفع الموانع،
(1) سورة البقرة: آية 279. (2) سورة التوبة: آية 3. (3) حم السجدة: آية 47.
[ 42 ]
والتمكين من الفعل الذي يصح معه التكليف. ولا يجوز أن يكون المراد به بأمر الله، لانه خلاف الاجماع، لان أحدا لا يقول: إن الله يأمر المشركين بقتل المؤمنين، ولا انه يأمر بشئ من القبائح، ولان الامر بالقبيح قبيح، لا يجوز أن يفعله الله تعالى. ويمكن أن يحمل مع تسليم أنه بأمر الله بأن يكون ذلك مصروفا إلى المنهزمين المعذورين بعد اخلال من أخل بالشعب، وضعفهم عن مقاومة عدوهم، وان حمل على الجميع أمكن أن يكون ذلك بعد تفرقهم وتبدد شملهم وانفساد نظامهم، لان عند ذلك أذن الله في الرجوع وألا يخاطروا بنفوسهم وقوله: (وليعلم المؤمنين) ليس معناه أن الله يعلم عند ذلك ما لم يكن عالما به، لانه تعالى عالم بالاشياء قبل كونها وإنما معناه، وليتميز المؤمنون من المنافقين إلا
أنه أجرى على المعلوم لفظ العلم مجازا على المظاهرة في المجازاة بالقول على ما يظهر من الفعل من جهة أنه ليس يعاملهم بما في معلومه أنه يكون منهم إن بقوا، بل يعاملهم معاملة من كأنه لا يعلم ما يكون منهم حتى يظهر. ليكونوا على غاية الثقة بأن الله إنما يجازي بحسب ما وقع من الاحسان أو الاساءة. فان قيل: هل يجوز أن يقول القائل: المعاصي تقع باذن الله، كما قال: (ما أصابكم) من ايقاع المشركين بكم (باذن الله) ؟ قلنا: لا يجوز ذلك لان الله تعالى إنما خاطبهم بذلك على وجه التسلية للمؤمنين، فدل ذلك على أن الاذن المراد به التمكين ليتميزوا بظهور الطاعة منهم. وليس كذلك قولهم: المعاصي باذن الله، لانه لما عري من تلك القرينة صار بمعنى اباحة الله، والله تعالى لا يبيح المعاصي، لانها قبيحة، ولان إباحتها تخرجها من معنى المعصية. والفاء انما دخلت في قوله: (فبأذن الله) لان خبر (ما) التي بمعنى الذي يشبه جواب الجزاء، لانه معلق بالفعل في الصلة كتعليقه بالفعل في الشرط، كقولك الذي قام فمن أجل أنه كريم أي، لاجل قيامه صح أنه كريم. ومن أجل كرمه قام. وقد قيل أن (ما) هي بمعنى الجزاء، ولا يصح ههنا لان الفعل بمعنى المضي.
[ 43 ]
قوله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان يقولون بافواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) (167) - آية بلا خلاف -. المعنى: قوله: (وليعلم الذين نافقوا) عطف على قوله: (وليعلم المؤمنين) وقيل في خبر ليعلم قولان: أحدهما - أنه مكتف بالاسم، لانه بمعنى ليعرف المنافقين.
والثاني - أنه محذوف، وتقديره: وليعلم المنافقين متميزين من المؤمنين. وقوله: (وقيل لهم: تعالوا قاتلوا في سبيل الله) روي أن القائل لهم ذلك كان عبد الله بن عمرو بن خزام يذكرهم الله ويحذرهم أن يخذلوا نبيه عند حضور عدوه - في قول ابن اسحاق والسدي - وقوله: (أو ادفعوا) قيل في معناه قولان: أحدهما - قال السدي، وابن جريج: ادفعوا بتكثير سوادنا إن لم تقاتلوا معنا. الثاني - قال ابن عون الانصاري: معناه رابطوا بالقيام على الخيل إن لم تقاتلوا معنا. وقوله: (قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم) قال ابن اسحاق، والسدي ان القائل لذلك عبد الله بن أبي بن سلول، انخزل يوم أحد بثلاثمائة نفس، قال لهم علام نقتل أنفسنا ارجعوا بنا، وقالوا للمؤمنين لا يكون بينكم قتال، ولو علمنا أنه يكون قتال لخرجنا معكم وأضمروا في باطنهم عداوة النبي صلى الله عليه وآله، والمؤمنين، فقال الله تعالى: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان) لانهم بهذا الاظهار إلى الكفر أقرب منهم للايمان إذ كانوا قبل ذلك في ظاهر أحوالهم إلى الايمان أقرب
[ 44 ]
حتى هتكوا أنفسهم عند من كانت تخفى عليه حالهم من المؤمنين الذين كانوا يحسنون الظن بهم، وليس المراد أن بينهم وبين المؤمنين قربا يوجب دخول لفظة أفعل بينهم. وانما هو مثل قول القائل: - وهو صادق - لمن هو كاذب: أنا أصدق منك، وإن لم يكن بينهما مقاربة في الصدق. وقوله: (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) انما ذكر الافواه، وإن كان القول لا يكون إلا بالافواه لامرين: أحدهما - للتأكيد من حيث يضاف القول إلى الانسان على جهة المجاز، فيقال: قد قال كذا: إذا قاله غيره ورضي به، وكذلك (يكتبون الكتاب بأيديهم) (1) أي يتولونه على غير جهة الامر به. والثاني - لانه فرق بذكر الافواه بين قول اللسان وقول الكتاب.
وقوله: (والله أعلم بما يكتمون) يعني أعلم من الكافرين الذين قالوا: لا يكون قتال، وما كتموه في نفوسهم من النفاق. قوله تعالى: (الذين قالوا لاخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) (168) - آية -. الاعراب: موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: أحدها - أن يكون نصبا على البدل من الذين نافقوا. الثاني - الرفع على البدل من الضمير في يكتمون. الثالث - الرفع على خبر الابتداء، وتقديره: هم (الذين قالوا لاخوانهم)
(1) سورة البقرة: آية 79.
[ 45 ]
المعنى: والمعني بهذا الكلام والقائلون لهذا القول عبد الله بن أبي وأصحابه من المنافقين قالوه في قتلى يوم أحد من أخوانهم على قول جابر بن عبد الله، وقتادة، والسدي، والربيع - وقوله: (قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين) معناه ادفعوا قال الشاعر: تقول إذا درأت لها وضيني * أهذا دينه أبدا وديني (1) فان قيل كيف يلزمهم دفع الموت عن أنفسهم بقولهم أنهم لو لم يخرجوا لم يقتلوا ؟ قيل لان من علم الغيب في السلامة من القتل يجب أن يمكنه أن يدفع عن نفسه الموت فليدفعه، فهو، أجدى عليه. فان قيل: كيف كان هذا القول منهم كذبا مع أنه اخبار على ما جرت به العادة ؟ قلنا: لانهم لا يدرون لعلهم لو لم يخرجوا لدخل المشركون عليهم في ديارهم،
فقتلوهم هذا قول أبي علي وقال غيره معنى (إن كنتم صادقين) أي محقين في تثبيطكم من الجهاد فرارا من القتل. قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون) (169) - آية بلا خلاف -. المعنى: ذكر ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال لما أصيب أخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في حواصل طير خضر ترد انهار الجنة، وتأكل من ثمارها. قال البلخي: وهذا ضعيف، لان الارواح جماد لا حياة فيها،
(1) انظر 2: 148.
[ 46 ]
ولو كانت حية لاحتاجت إلى أرواح أخر وأدى إلى ما لا يتناهى فضعف الخبر من هذا الوجه. وفي الناس من قال: إن تأويل الآية اخبار عن صفة حال الشهداء في الجنة من حيث فسد القول بالرجعة، وهذا ليس بشئ لانه خلاف الظاهر، ولان أحدا من المؤ منين لا يحسب أن الشهداء في الجنة أموات، وأيضا، فقد وصفهم الله بأنهم أحياء فرحون في الحال، لان نصب فرحين هو على الحال. وقوله: (لم يلحقوا بهم من خلفهم) يؤكد ذلك، لانهم في الآخرة قد لحقوا بهم، ومعنى الآية النهي عن أن يظن أحد أن المقتولين في سبيل الله أموات. والخطاب للنبي صلى الله عليه وآله، والمراد به جميع المكلفين، كما قال: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء) وأنه ينبغي أن يعتقد أنهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله) وبهذا قال الحسن، وعمرو بن عبيد، وواصل بن عطاء واختاره الجبائي، والرماني، وأكثر المفسرين. وقال بعضهم وذكره الزجاج: المعنى ولا تحسبنهم
أمواتا في دينهم بل هو أحياء في دينهم، كما قال: (أو من كان ميتا فاحييناه) الآية (1) وقال البلخي معناه: لا تحسبنهم كما يقول الكفار أنهم لا يبعثون بل يبعثون، وهم (أحياء عند ربهم يرزقون فرحين). وقال قوم: إن أرواحهم تسرح في الجنة وتلتذ بنعيمها، فهم (أحياء عند ربهم) وقوله: (عند ربهم) قيل في معناه قولان: أحدهما - أنهم بحيث لا يملك لهم أحد نفعا ولاضرا إلا ربهم وليس المراد بذلك قرب المسافة لان ذلك من صفة الاجسام وذلك مستحيل عليه تعالى. والوجه الآخر عند ربهم أحياء من حيث يعلمهم كذلك دون الناس - ذكره أبو علي -. الاعراب: وقوله: (بل أحياء) رفع على أنه خبر الابتداء، وتقديره بل هم أحياء، ولا يجوز فيه النصب بحال، لانه كان يصير المعنى بل احسبنهم أحياء، والمراد بل
(1) سورة الانعام: آية 122.
[ 47 ]
اعلمهم احياء. المعنى والحجة: فان قيل لم لا يجوز أن يكون المعنى بل أحياء على معنى أنهم بمنزلة الاحياء كما يقال لمن خلف خلفا صالحا أو ثناء جميلا: ما مات فلان بل هو حي ؟ قلنا: لا يجوز ذلك لانه انما جاز هذا بقرينة دلت عليه من حصول العلم بأنه ميت فانصرف الكلام إلى أنه بمنزلة الحي، وليس كذلك الآية لان إحياء الله لهم في البرزخ جائز مقدور والحكمة تجيزه. فان قيل أليس في الناس من أنكر الحديث من حيث أن الروح عرض لا يجوز أن يتنعم ؟ قيل: هذا ليس بصحيح، لان الروح جسم رقيق هوائي
مأخوذ من الريح. والدليل على ذلك أن الروح تخرج من البدن وترد إليه وهي الحساسة الفعالة دون البدن، وليست من الحياة في شئ، لان ضد الحياة الموت وليس كذلك الروح - هذا قول الرماني سؤاله وجوابه -. وفي الآية دليل على أن الرجعة إلى دار الدنيا جائزة لاقوام مخصوصين، لانه تعالى أخبر أن قوما ممن قتلوا في سبيل الله ردهم الله أحياء كما كانوا، فأما الرجعة التي يذهب إليها أهل التناسخ، ففاسدة، والقول بها باطل لما بيناه في غير موضع، وذكرنا جملة منه في شرح جمل العلم فمن أراده وقف عليه من هناك ان شاء الله. وقال أكثر المفسرين الآية مختصة بقتلى أحد. وقال أبو جعفر (ع)، وكثير من المفسرين: انها تتناول قتلى بدر وأحد معا. قوله تعالى: (فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (170) - آية -.
[ 48 ]
الاعراب: قوله: (فرحين) نصب على الحال من (يرزقون) وهو أولى من رفعه على بل أحياء لان النصب ينبئ عن اجتماع الرزق والفرح في حال واحدة، ولو رفع على الاستئناف لكان جائزا. وقال الفراء: يجوز نصبه على القطع عن الاول. المعنى، واللغة: وقوله: (بما آتاهم الله من فضله) معناه بما أعطاهم الله من ضروب نعمه، ومعنى يستبشرون أي يسرون بالبشارة وأصل الاستفعال طلب الفعل فالمستبشر بمنزلة من طلب السرور في البشارة، فوجده.
وأصل البشارة من البشرة وذلك لظهور السرور بها في بشرة الوجه. ومنه البشر لظهور بشرته. ومعنى قوله: (ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم) أي هم بمنزلة من قد بشر في صاحبه بما يسر به. ولاهل التأويل فيه قولان: أحدهما - قال ابن جريج، وقتادة: يقولون: اخواننا يقتلون كما قتلنا فيصيبون من كرامة الله ما أصبنا. والآخر - أنه يؤتى الشهيد بكتاب فيه ذكر من يقدم عليه من اخوانه يبشر ذلك فيستبشر كما يستبشر أهل الغائب بقدومه في الدنيا - ذكره السدي - وقال الزجاج: معناه أنهم لم يلحقوا بهم في الفعل إلا أن لهم فضلا عظيما بتصديقهم وإيمانهم. ولحقت ذلك والحقت غيري، مثل علمت وأعلمت، وقيل لحقت وألحقت لغتان بمعنى واحد مثل بان وأبان، وعلى ذلك: إن عذابك بالكفار ملحق أي لاحق على هذا أكثر نقاد الحديث. وروى بعض الثقات ملحق بنصب الحاء ذكره البلخي. وقوله: (ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون) قيل في موضع أن قولان: أحدهما - انه خفض بالباء وتقديره بان لا خوف، هذا قول الخليل،
[ 49 ]
والكسائي والزجاج. الثاني ان يكون موضعه نصبا على أنه لما حذف حرف الجر نصب بالفعل كما قال الشاعر: أمرتك الخير (1) أي بالخير في قول غيرهم. قوله تعالى: (يستبشرون بنعمة من الله وفضل وإن الله لا يضيع أجر
المؤمنين) (171) - آية -. القراءة: قرأ الكسائي (وإن الله) - بكسر الالف - الباقون بفتحها على معنى وبأن الله، ورجح هذه القراءة أبو علي الفارسي. والكسر على الاستئناف. وفي قراءة عبد الله (والله لا يضيع أجر المؤمنين). وهو يقوي قراءة من قرأ بالكسر. قوله: (يستبشرون). المعنى: يعني هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله الذين وصفهم بانهم يرزقون فرحين بما أتاهم الله من فضله، وانهم يستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم، فوصفهم ههنا بانهم يستبشرون بنعمة من الله وفضل. وفضل الله وان كان هو النعمة قيل في تكراره ههنا قولان: أحدهما - لانها ليست نعمة مضيقة على قدر الكفاية من غير مضاعفة السرور واللذة.
(1) انظر 2: 348 فقد مر البيت هناك كاملا.
[ 50 ]
والآخر - للتأكيد لتمكين المعنى في النفس، والمبالغة. والنعمة هي المنفعة التي يستحق بها الشكر إذا كانت خالية من وجوه القبح، لان المنفعة على ضربين: أحدهما - منفعة اغترار، وحيلة، و [ الثاني ] - منفعة خالصة من شائب الاساءة. والنعمة: تعظيم بفعل غير المنعم، كنعمة الرسول على من دعاه إلى الاسلام فاستجاب له، لان دعاءه له نفع من وجهين: أحدهما - حسن النية في دعائه إلى الحق ليستجيب له. والآخر - قصده الدعاء إلى حق من يعلم انه يستجيب له المدعو وانما يستدل
بفعل غير المنعم على موضع النعمة في الجلالة وعظم المنزلة. وقوله: (وإن الله لا يضيع أجر المؤمنين) وان كانوا هم علموا ذلك فانما ذكر الله انهم يستبشرون بذلك، لان ما يعلمونه في دار التكليف يعلمونه بدليل. وما يعلمونه بعد الموت يعلمونه ضرورة. وبينهما فرق واضح، لان مع العلم الضروري يتضاعف سرورهم، ويشتدا غتباطهم. قوله تعالى: (الذين استجابوا الله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم) (172) - آية واحدة -. سبب النزول والقصة: ذكر ابن عباس والسدي، وابن اسحاق، وابن جريج، وقتادة: ان سبب نزول هذه الآية ان أبا سفيان: صخر بن حرب، وأصحابه لما انصرفوا عن أحد، ندموا. وقال بعضهم لبعض: لا محمدا قتلتم ولا الكواعب اردفتم فارجعوا فاغيروا على المدينة، واسبوا ذراريهم. وقيل: إن بعضهم قال لبعض: إنكم قتلتم عدوكم حتى إذا لم يبق إلا الشريد تركتموهم. ارجعوا فاستأصلوهم. فرجعوا إلى حمراء الاسد وسمع بهم النبي صلى الله عليه وآله فدعا أصحابه إلى الخروج، وقال: لا يخرج معنا
[ 51 ]
إلا من حضرنا أمس للقتال، ومن تأخر عنا، فلا يخرج معنا. وروي أنه صلى الله عليه وآله أذن لجابر وحده في الخروج -. وكان خلفه أبوه على بناته يقوم بهن - فاعتل بعضهم بأن قال: بنا جراح، وآلام فانزل الله تعالى (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله) وقيل نزلت فيهم أيضا (ولا تهنوا في ابتغاء القوم ان تكونوا تألمون فانهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون) (1) ثم استجابوا على ما بهم إلى اتباعهم وألقي الله الرعب في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حرب.
وخرج المسلمون إلى حمراء الاسد. وهي على ثمانية أميال من المدينة. الاعراب، واللغة: وموضع (الذين) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الجر - على أن يكون لغتا للمؤمنين - والرفع - على الابتداء - وخبر الذين الجملة - والنصب - على المدح - وقوله: (من بعد ما أصابهم القرح) معناه من بعد ما نالهم الجراح وأصله الخلوص من الكدر. ومنه ماء قراح أي خالص. والقراح من الارض: ما خلص طينه من السبخ، وغيره. والقريحة خالص الطبيعة. واقترحت عليه كذا أي اشتهيته عليه لخلوصه على ما تتوق نفسه إليه، كأنه قال: استخلصته. وفرس قارح أي طلع نابه لخلوصه ببلوغ تلك الحال عن نقص الصغار، وكذلك ناقة قارح أي حامل. فالقرح الجراح، لخلوص المه إلى النفس. وأجاب، واستجاب بمعنى واحد. وقال قوم: استجاب: طلب الاجابة. واجاب: فعل الاجابة. وقوله: (للذين احسنوا) فالاحسان هو النفع الحسن. والافضال النفع الزائد على أقل المقدار. وقوله: (واتقوا) معناه اتقوا معاصي الله (أجر عظيم) معناه ههنا الذين فعلوا الحسن الجميل من طاعة النبي صلى الله عليه وآله، والانتهاء إلى قوله. وقوله (منهم) معناه تبيين الصفة لا التبعيض.
(1) سورة النساء: آية 103.
[ 52 ]
قوله تعالى: (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم ايمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل) (173) - آية بلا خلاف - المعنى: وقيل في المعني بقوله: (الناس) الاول ثلاثة أقوال:
أولها - قال ابن عباس، وابن اسحاق: انهم ركب دسهم أبو سفيان إلى المسلمين ليجبنوهم عند منصرفهم من أحد لما أرادوا الرجوع إليهم وقال السدي: هو اعرابي ضمن له جعل على ذلك. وقال الواقدي هو نعيم بن مسعود الاشجعي وهو قول أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: (إن الناس قد جمعوا لكم) المعني به أبو سفيان وأصحابه - في قول أكثر المفسرين - وقال مجاهد: انما كان ذلك في بدر الصغرى وهي سنة أربع وكانت أحد في سنة ثلاث من الهجرة. وإنما عبر بلفظ الجميع عن الواحد في قوله: (قال لهم الناس) لامرين: أحدهما - ان تقديره جاء القول من قبل الناس، فوضع كلام موضع كلام - ذكره الرماني -. والثاني - إن الواحد يقوم مقام الناس، لان (الانسان) إذا انتظر قوما فجاء واحد منهم، قد يقال: جاء الناس إما لتفخيم الشأن، وأما لابتداء الاتيان. وقوله: (فاخشوهم) حكاية عن قول نعيم بن مسعود للمسلمين. يعني اخشوا أبا سفيان، وأصحابه فبين الله تعالى ان ذلك القول زادهم ايمانا وثباتا على دينهم، واقامة على نصرة نبيهم. وقالوا عند ذلك (حسبنا الله ونعم الوكيل) ومعناه كافينا الله. اللغة، والقصة: وأصله من الحساب، لان الكفاية بحسب الحاجة، وبحساب الحاجة. ومنه
[ 53 ]
الحسبان وهو الظن. والوكيل: الحفيظ. وقيل: هو الولي. وأصله القيام بالتدبير. المتولي للشئ قائم بتدبيره، والحافظ له يرجع إلى هذا المعنى. ومعنى الوكيل في صفات الله المتولي للقيام بتدبير خلقه، لانه مالكهم رحيم بهم. والوكيل في صفة غيره: انما يعقد بالتوكيل. وقال قوم من المفسرين: إن هذا التخويف من
المشركين كان في السنة المقبلة، لان أبا سفيان، لما انصرف يوم أحد، قال موعدكم البدر في العام المقبل. فقال النبي صلى الله عليه وآله لمن حضره: قولوا نعم. فلما كان العام المقبل خرج النبي صلى الله عليه وآله باصحابه، وكان أبو سفيان كره الخروج، فدس من يخوف النبي صلى الله عليه وآله وأصحابه لم يسمعوا منهم، وخرجوا إلى بدر فلما لم يحضر أحد من المشركين، رجعوا، وكانوا صادفوا هناك تجارة اشتروها فربحوا فيها، وكان ذلك نعمة من الله. وروى ذلك أبو الجارود عن أبي جعفر (ع). قوله تعالى: (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) (174) - آية بلا خلاف -. المعنى، واللغة، والاعراب: الانقلاب، والرجوع، والمصير واحد. وقد فرق بينهما بأن الانقلاب هو المصير إلى ضد ما كان قبل ذلك كانقلاب الطين خزفا. ولم يكن قبل ذلك خزفا والرجوع هو المصير إلى ما كان قبل ذلك وقوله: (بنعمة من الله وفضل)) قيل في معناه قولان: أحدهما - ان النعمة العافية. والفضل: التجارة. والسوء: القتل - في قول السدي، ومجاهد - وقال الزجاج: النعمة ههنا الثبوت على الايمان في طاعة الله وفضل الربح في تجارتهم، لانه روي أنهم اقاموا في الموضع ثلاثة أيام فاشتروا أدما وزبيبا ربحوا فيه: وقال قوم: إن أقل ما يفعله الله بالخلق فهو نعمة، وما زادعليه
[ 54 ]
فهو الموصوف بأنه فضل. والفرق بين النعمة والمنفعة أن النعمة لا تكون نعمة إلا إذا كانت حسنة، لانه يستحق بها الشكر ولا يستحق الشكر بالقبيح. والمنفعة قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة مثل ان يغصب ما لا ينتفع به - وإن كان قبيحا -
وقوله: (لم يمسسهم سوء) موضعه نصب على الحال. وتقديره: فانقلبوا بنعمة من الله وفضل سالمين. والعامل فيه (فانقلبوا) والمعني بالآية الذين أمرهم الله تعالى بتتبع المشركين إلى حمراء الاسد، فلما بلغوا إليها وكان المشركون أسرعوا في المضي إلى مكة رجع المسلمون من هناك من غير أن يمسهم قتل ولا جراح غانمين سالمين، وقد امتثلوا ما أمرهم الله تعالى به. واتبعوا رضوانه (والله ذو فضل عظيم) أي ذو إحسان عظيم على عباده ديني ودنيوي. قوله تعالى: (إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (175) - آية -. معنى الآية انما ذلك التخويف الذي كان من نعيم بن مسعود من فعل الشيطان، وباغوائه، وتسويله. يخوف أولياءه المؤمنين. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة: يخوف المؤمنين بالكافرين. وقال الزجاج، وأبو علي الفارسي، وغيرهما من أهل العربية: إن تقديره يخوفكم أولياءه. أي من أوليائه بدلالة قوله: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) أي إن كنتم مصدقين بالله فقد أعلمتكم أني انصركم عليهم، فقد سقط عنكم الخوف. ومثله قوله: (لينذر باسا شديدا من لدنه) (1) ومعناه لينذركم بأسا والتقدير لينذركم ببأس شديد، فلما حذف الجار نصبه. وقيل: إن (يخوف) يتعدى إلى مفعولين، لانك تقول: خفت زيدا وخوفت زيدا عمرا. ويكون في الآية حذف أحد المفعولين، كما قلناه في
(1) سورة الكهف: آية 2.
[ 55 ]
قولهم: فلان يعطي الدراهم ويكسو الثياب. وقال بعضهم: هذا لا يشبه الآية، لانه انما أجازوا حذف المفعول الثاني في أعطى الدراهم، لانه لا يشتبه أن الدراهم هي
التي اعطيت. وفي الآية تشتبه الحال في من المخوف ومن المخوف وقال قوم: (يخوف اولياءه) أي انما خاف المنافقون ومن لا حقيقة لايمانه. وقال الحسن، والسدي: يخوف أولياءه المنافقين، ليقعدوا عن قتال المشركين ويخوف يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى، يعطي لان أصله خاف زيد القتال وخوفته القتال. كما تقول عرف زيد أخاك وعرفته أخاك. فان قيل: كيف يكون الاولياء على المفعول الثاني وانما التخويف من الاولياء لغيرهم ؟ قيل: ليس التقدير هكذا. وانما هو على (خاف المؤمنون أولياء الشيطان). وهو خوفهم أولياءه. قال الرماني: وغلط من قدر التقدير الاول. وقوله: (فلا تخافوهم) يعني لا تخافوا المشركين. وانما قال: (ذلك) وهي انما يشاربها إلى ما هو بعيد لانه أراد ذلك القول تقدم من المخوف لهم من قوله: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم). قوله تعالى: (ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم) (176) - آية بلا خلاف -. القراءة: قرأ نافع في جميع القرآن (يحزنك) - بضم الياء - إلا قوله: (لا يحزنهم الفزع الاكبر) (1). الباقون بفتح الياء في جميع القرآن. وقرأ أبو جعفر عكس ما قرأ نافع. فانه فتح في جميع القرآن إلا قوله (لا يحزنهم) فانه ضم الياء
(1) سورة الانبياء: آية 103.
[ 56 ]
وحكى البلخي عن ابن أبي محيص الضم في الجميع. اللغة: قال سيبوية: تقول: فتن الرجل، وفتنته. وحزن، وحزنته. وزعم الخليل
أنك حيث قلت فتنته، وحزنته، لم ترد أن تقول: جعلته حزينا وجعلته فاتنا. كما انك حين قلت: أدخلته جعلته داخلا، ولكن أردت أن تقول: جعلت فيه حزنا، وفتنة. فقلت فتنته كما قلت كحلته أي جعلت فيه كحلا. ودهنته جعلت فيه دهنا. فجئت بفعلته - على حده - ولم ترد بفعلته ههنا نفس قولك حزن وفتن ولو أردت ذلك لقلت أحزنته وأفتنته. وفتن من فتنته مثل حزن من حزنته قال: وقال بعض العرب: أفتنت الرجل وأحزنته إذا جعلته حزينا، وفاتنا، فغيره إلى أفعل - هذاحكاه أبو علي الفارسي حجة لنافع - وقال قوله: (لا يحزنهم) إنما ضم على خلاف أصله لعله اتبع أثرا أو أحب الاخذ بالوجهين: المعنى: والمعني بقوله: (الذين يسارعون في الكفر) - على قول مجاهد - وابن اسحاق - المنافقون. وفي قول أبي علي الجبائي: قوم من العرب ارتدوا عن الاسلام. فان قيل: كيف قال: (يريد الله أن لا يجعل لهم حظا في الآخرة) والارادة لا تتعلق بألا يكون الشئ وإنما تتعلق بما يصح حدوثه ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال ابن اسحاق: (يريد الله) أن يحبط أعمالهم بما استحقوه من المعاصي والكبائر. والثاني - ان الله يريد أن يحكم بحرمان ثوابهم الذى عرضوا له بتكليفهم، وهو الذي يليق بمذهبنا، لان الاحباط عندنا ليس بصحيح فان قيل كيف قال: (يريد الله) وهذا إخبار عن كونه مريدا في حال الاخبار، وإرادة الله تعالى لعقابهم تكون يوم القيامة، وتقديمها على وجه يكون عزما وتوطينا للنفس
[ 57 ]
لا (1) يجوز عليه تعالى ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - قال أبو علي: معناه أنه سيريد في الآخرة حرمانهم الثواب،
لكفرهم الذي ارتكبوه. والثاني - أن الارادة متعلقة بالحكم بذلك، وذلك حاصل في حال الخطاب. وقال الحسن: يريد بذلك فيما حكم من عدله. وقوله: (يسارعون في الكفر) أي يبادرون إليه. والسرعة وإن كانت محمودة في كثير من المواضع، فانها مذمومة في الكفر. والعجلة مذمومة على كل حال إلا في المبادرة إلى الطاعات. وقيل: إن العجلة هي تقديم الشئ قبل وقته، وهي مذمومة على كل حال، والسرعة فعل لم يتأخر فيه شئ عن وقته، ولا يقدم قبله، ثم بين تعالى أنهم لمسارعتهم إلى الكفر لا يضرون الله شيئا، لان الضرر يستحيل عليه تعالى. وانما يضرون أنفسهم بأن يفوتوا نفوسهم الثواب، ويستحقوا العظيم من العقاب، ففي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عما يناله من الغم باسراع قوم إلى الكفر بأن وبال ذلك عائد عليهم، ولا يضرون الله شيئا. قوله تعالى: (إن الذين اشتروا الكفر بالايمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم) (177) - آية -. المعنى: استأنف الله تعالى بهذه الآية الاخبار بأن من اشترى الكفر بالايمان بمعنى استبدل الكفر بالايمان. وقد بينا فيما مضى أن تسمية ذلك شراء مجاز لكن لما فعلوا الكفر بدلا من الايمان شبه ذلك بشراء السلعه بالثمن وبين أن من فعل ذلك لا يضر الله شيئا، لان مضرته عائدة عليه على ما بيناه. وانما كرر (لن يضروا
(1) في المطبوعة (ولا).
[ 58 ]
الله) في هذه الآية، لانه ذكر في الآية الا ولى - على طريقة العلة - لما يجب من التسلية عن المسارعة إلى الضلالة، وذكر في هذه الآية على وجه العلة لاختصاص
المضرة للعاصي دون المعصى. اللغة: والفرق بين المضرة والاساءة أن الاساءة لا تكون إلا قبيحة، والمضرة قد تكون حسنة إذا كانت لطفا، أو مستحقة أو فيها نفع يوفي عليها أو دفع ضرر أعظم منها كفعل العقاب، وضرب الصبي للتأديب، وغير ذلك. الاعراب: وقوله: (شيئا) نصب على أنه وقع موقع المصدر، وتقديره (لن يضروا الله شيئا) من الضرر. ويحتمل أن يكون نصبا بحذف الباء كأنه قال بشئ مما يضربه، كما يقول القائل: ما ضررت زيدا شيئا من نقص مال، ولاغيره. قوله تعالى: (ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لانفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) (178) - آية واحدة بلا خلاف -. القراءة، والاعراب: قرأ حمزه (ولا تحسبن) بالتاء وفتح السين. الباقون بالياء، وهو الاقوى، لان حسبت يتعدى إلى مفعولين (وأن) على تقدير مفعولين، لان قوله: (أنما نملي لهم خير لانفسهم) سدمسد المفعولين لانه لا يعمل في (أنما) إلا ما يتعدى إلى مفعولين: نحو حسبت وظننت واخواتهما. وحسبت يتعدى إلى مفعولين أو مفعول
[ 59 ]
يسد مسد المفعوين نحو حسبت أن زيدا منطلق وحسبت أن يقوم عمرو. فقوله: (أنما نملي لهم خير لانفسهم، سد مسد المفعولين اللذين يقتضيهما (يحسبن) وكسر (إن) مع القراءة بالياء ضعيف وقرئ به. ووجه ذلك قال أبو علي الفارسي
(إن) يتلقى بها القسم كما يتلقى بلام الابتداء، ويدخل كل واحد منهما على الابتداء والخبر فكسر (إن) بعد (يحسبن) وعلق عنها الحسبان، كما يعلق باللام، فكأنه قال: لا يحسبن الذين كفروا للاخرة خير لهم. ومن قرأ بالتاء فعلى البدل، كقوله: (هل ينظرون إلا الساعة ان تأتيهم بغتة) (1) وكما قال الشاعر: فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما (2) وقال الفراء: يجوز أن يكون عمل فيه (يحسبن) مقدرة تدل عليها الاولى. وتقديره: ولا تحسبن الذين كفروا يحسبون انما نملي لهم وهكذا في قوله: (هل ينظرون) ويجوز كسر (انما) مع التاء في (يحسبن) وهو وجه الكلام، لتكون الجملة في موضع الخبر: نحو حسبت زيدا انه كريم. غير انه لم يقرأ به أحد من السبعة. وقوله: (إنما نملي لهم ليزدادوا إثما) معنى اللام ههنا للعاقبة وليست بلام الغرض. كأنه قال: إن عاقبة أمرهم ازدياد الاثم كما قال: (فالتقطه آل فرعون
(1) سورة الزخرف: آية 66. (2) قائله عبدة بن الطبيب أمالي السيد المرتضى 1: 114، والاغاني 12: 148 والحماسة شرح التبريزي 2: 285، 286 وغيرها وهو من أبيات قالها في قيس بن عاصم ومطلعها: عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن بترحما وقيس بن عاصم رجل حليم شريف في قومه، وكان الاحنف بن قيس يقول: انما تعلمت الحلم من قيس بن عاصم. وقال ابن الاعرابي: قيل ليس بماذا ؟ دت ؟ فقال: بثلاث: بذل الندى وكف الاذى، ونصر المولى. قال التبريزي في شرحه لهذا الميت: يروى (هلك) بالنصب وبالرفع، فإذا نصبته كان (هلكه) في موضع البدل من (قيس) و (هلك) ينتصب على أنه خبر (كان) كأنه قال: فما كل هلك قيس هلك واحد من الناس بل مات لموته خق كثير. واذ رفعته كان (هلكه) في موضع المبتدأ (وهلك واحد) في موضع الخبر. والجملة في موضع النصب على انها خبر كان.
[ 60 ]
ليكون لهم عدوا وحزنا) (1) وكما قال: (وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله) (وكقوله: (لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لاخوانهم إذا ضربوا في الارض..) إلى قوله: (ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم) (3) وما قالوا ذلك ليكون حسرة وإنما كان عاقبته كذلك وقال الشاعر: وأم سماك فلا تجزعي * فللموت ما تلد الوالده (4) وقال آخر: أموالنا لذوي الميراث تجمعها * ودورنا لخراب الدهر نبنيها وقال: وللمنايا تربي كل مرضعة * وللخراب يجد الناس بنيانا وقال آخر: لدوا للموت وابنوا للخراب * [ فكلكم يصير إلى ذهاب ] ويقول القائل: ما تزيدك موعظتي الا شرا، وما أراها عليك إلا وبالا. ولا يجوز أن يحمل ذلك على لام الغرض والارادة، لوجهين: أحدهما - ان ارادة القبيح قبيحة ولا تجوز ذلك عليه تعالى. والثاني - لو كانت اللام لام الارادة لكان الكفار مطيعين لله من حيث فعلوا ما أراده الله وذلك خلاف الاجماع. وقد قال الله تعالى: (وما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون) (ه وقال: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله) (6) وقال أبو الحسن الاخفش والاسكافي: في الآية تقديم وتأخير. وتقديره ولا تحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم ليزدادوا إثما أنما نملي لهم خير لانفسهم. وهذا ضعيف،
(1) سورة القصص: آية 8. (2) سورة الزمر: آية 8. (3) سورة آل عمران: آية 156.
(4) العجز في الذيل من سمط الآلي: 92 وهو مثل سائر ينسب لشتيم بن خويلد الفزاري ولسماك بن عمرو الباهلي. (5) سورة الذاريات: آية 56. (6) سورة النساء: آية 63.
[ 61 ]
لانه كان يجب لو كان على التقديم، والتأخير أن تكون انما الاخيرة مفتوحة الهمزة لانها معمول تحسبن - على هذا القول - وأن تكون الاولى مكسورة، لانها مبتدأة في اللفظ والتقديم والتأخير لا يغير الاعراب عن استحقاقه وذلك خلاف ما عليه جميع القراء، فانهم أجمعوا على كسر الثانية. والاكثر على فتح الاولى. ويمكن أن يقال: - نصرة لابي الحسن - أن يكون التقدير ولا تحسبن الذين كفروا قائلين: إنما نملي لهم ليزدادوا إثما، بل فليعلموا أنما نملي لهم خير لانفسهم. فيكون الحسبان قد علق، ولم يعمل. وتكون إنما الثانية كسرت، لانها بعد القول. وتكون في موضع نصب بالقول المقدر وتكون أنما الاولى منصوبة بالعلم المقدر الذي بيناه. وعلى هذا يجوز أن يكون الوعد عاما، ويكون الوعيد المذكور مشروطا بالمقام على الكفر. وعلى الوجه الاول الذي حملنا اللام على العاقبة لابد من تخصيصها بمن علم منه انه لا يؤمن، لانه لو كان فيهم من يؤمن لما توجه إليهم هذا الوعيد المخصوص وقال البلخي: معناه لا تحسبن الذين كفروا ان املاءنا لهم رضاء بافعالهم، وقبول لها بل هو شر لهم، لانا نملي لهم وهم يزدادون إثما يستحقون به عذابا أليما. ومثله: (ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس) (1) أي ذرأنا كثيرا من الخلق سيصيرون إلى جهنم بسوء فعالهم و (ما) في قوله: (إنما) تحتمل أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى الذي والتقدير: إن الذي نمليه خير لانفسهم. والآخر - أن يكون ما نملي بمنزلة الاملاء فتكون مصدرا. وإذا كانت
كذلك فلا تحتاج إلى عائد يعود إليها. والاملاء: طول المدة. (فنملي لهم)) معناه نطول أعمارهم. ومنه قوله: (واهجرني مليا) (2) أي حينا طويلا. ومنه قوله: عشت طويلا، وتمليت حينا. والملا: الدهر والملوان: الليل والنهار، لطول تعاقبهما. واملاء الكتاب وانما أنكر تعالى أن يكون الاملاء خير لهم - وان
(1) سورة الاعراف: آية 178. (2) سورة مريم: آية 46.
[ 62 ]
كانت نعمة دنيوية - من وجهين: أحدهما - قال الجبائي: أراد خير من القتل في سبيل الله، كشهداء أحد الثاني - قال البلخي: لا تحسبن ان ذلك خير استحقوه بفعلهم، أي لا تغتروا بذلك فتظنوا انه لمنزلة لهم، لانهم كانوا يقولون: إنه تعالى لو لم يرد ما هم عليه، لم يمهلهم. قوله تعالى: (ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان انه ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فأمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم) (179) - آية بلا خلاف -. قرأ حمزة والكسائي (يميز) - بالتشديد - الباقون بالتخفيف. يقال: مازه يميزه، وميزه يميزه - لغتان -. ومعنى الآية لم يكن الله ليدع المؤمنين على ما أنتم عليه، فلا يميز المؤمن من المنافق، والكافر (حتى يميز الخبيث من الطيب). وقيل في معنى الخبيث ههنا: قولان: أحدهما قال مجاهد، وابن اسحاق، وابن جريج: هو المنافق. قالوا: كما
ميز المؤمن من المنافق يوم أحد. بالامتحان على ما مضى شرحه. الثاني - قال قتادة، والسدي: حتى يميز المؤمن من الكافر. وسبب نزول الآية ما قاله السدي: إن المشركين قالوا: إن كان محمد صادقا فليخبرنا من يؤمن منا، ومن يكفر، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقال قوم: إن كان يعلم المنافقين، فما حاجته إلى اختبارهم ؟ فأنزل الله تعالى انه يميزهم. وذلك يكون: تارة باختبارهم، وتارة بتعيينهم. والتمييز بين الكافر وبين المؤمن أو المنافق والمؤمن بالامتحان والاختبار في
[ 63 ]
تكليف الجهاد، ونحوه: مما يظهر به حالهم، وتنكشف ضمائرهم وقيل: بالدلالات، والعلامات التي يستدل بها عليهم من غير نص اعلام لهم فان قيل: هل اطلع نبيه صلى الله عليه وآله على الغيب ؟ قلنا: عن ذلك جوابان: أحدهما - قال السدي: لا، ولكنه اجتباه، فجعله رسولا وقال ابن اسحاق: ولكن الله اجتبي رسوله باعلامه كثيرا من الغايبات. وهذا هو الاليق بالآية. وقال الزجاج قوله: (ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء) سببه أن قوما قالوا: هلا جعلنا الله أنبياء ؟ فأخبر الله تعالى أنه (يجتبي من رسله من يشاء) و (من) في الآية لتبيين الصفة لا للتبعيض، لان الانبياء كلهم مجتبون. قوله تعالى: (ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ولله ميراث السماوات والارض والله بما تعملون خبير) (180). قرأ حمزة (ولا تحسبن) بالتاء المعجمة من فوق الباقون بالياء، وهو
الاقوى، لان عليه أكثر القراء، فمن قرأ بالتاء، فالتقدير على قراءته ولا تحسبن بخل الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خير لهم. وجاز حذف البخل مع الفصل لدلالة يبخلون عليه، كما يقال من كذب كان شرا له. والمعنى كان الكذب شرا له. قال الشاعر: إذا نهي السفيه جرى إليه * وخالف والسفيه إلى خلاف (1) ومعناه خالف إلى السفه. قال الزجاج: إنما تكون هو، وهما، وهم، وأنا وأنت، ونحن فصولا مع الافعال التي تحتاج إلى اسم وخبر، ولم يذكر سيبويه الفصل مع الابتداء، والخبر. قال: ولو تأول متأول قوله الفصل هاهنا أنه يدل
(1) معاني القرآن للقراء 1: 104 - 249. آمالي ابن الشجري 1: 68 - 113 - 305 و 2: 132 - 209 والانصاف: 63 والخزانة: 383.
[ 64 ]
على أنه جائز في المبتدأ والخبر كان جائزا. قال: والقراءة بالياء عندي هو الاجود ويكون الاسم محذوفا، قال: والقراءة بالتاء لا تمتنع مثل قوله: (واسأل القرية) (1) وتقديره ولا تحسبن بخل الباخلين خيرا. ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها ما قاله السدي: إن المعنى بخلوا أن ينفقوا في سبيل الله كما بخلوا بمنع الزكاة. وقيل إنها نزلت في أهل الكتاب بخلوا أن يبينوه للناس - على قول ابن عباس - والوجه الاول أظهر لان أكثر المفسرين على أنها نزلت في مانعي الزكاة، وهو قول أبي جعفر (ع) وقوله: (هو خيرا لهم) فلفظة (هو) فصل، بين الاسم، والخبر على تقدير ولا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله البخل هو خيرا لهم فيمن قرأ بالياء وقوله: (سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة) قيل في معناه قولان: أحدهما - رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وآله أنه شجاع أقرع يطوقونه،
وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال ابراهيم النخعي: انهم يطوقون طوقا من نار. وقال أبو علي: هو كقوله: (يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لانفسكم) (2) وقال البلخي معناه سيجازون كأنهم طوقوا. وقوله: (ولله ميراث السماوات والارض) معناه أنه يبطل ملك كل شئ إلا ملك الله، فيصير كالميراث لصحة الملك الثاني بعد زوال الاول وإن لم يكن في صفات الله على جهة الانتقال، لانه لم يزل مالكا (عزوجل) والبخل هو منع الواجب لانه تعالى ذم به وتوعد عليه، وأصله في اللغة مشقة الاعطاء، وإنما يمنع الواجب لمشقة الاعطاء. قوله تعالى: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء
(1) سورة يوسف: آية 82. (2) سورة التوبة: آية 36.
[ 65 ]
سنكتب ما قالوا وقتلهم الانبياء بغير حق ونقول ذوقوا عذاب الحريق) (181) - آية بلا خلاف -. قرأ حمزة وحده (سيكتب) بضم الياء. الباقون بالنون. ذكر الحسن وقتادة: أن الذين نسبوا الله تعالى إلى الفقر وأنفسهم إلى الغناء هم قوم من اليهود لما نزل قوله: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) (1) قالوا إنما يستقرض الفقير من الاغنياء، فهو فقير ونحن أغنياء، والقائل لذلك حي بن أخطب وفنحاص اليهودي. وقال أبو علي الجبائي: هم قوم من اليهود، وانما قالوا ذلك من جهة ضيق الرزق. وقيل: انهم قالوا ذلك تمويها على ضعفائهم لا أنهم اعتقدوا أن الله فقير على الحقيقة. وقيل: انهم عنوا بذلك إله محمد الذي يدعي أنه رسوله دون من
يعتقدون هم أنه على الحقيقة. فان قيل: كيف الحكاية عنهم بأنهم قالوا ذلك، وإنما قالوه على جهة الالزام دون الاعتقاد ؟ قلنا: لانه إلزام باطل من حيث لا يوجبه الاصل الذي الزموا عليه، لانه إنما قال تعالى: (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) على وجه التلطف في الاستدعاء إلى الطاعة، وحقيقته أن منزلة ما ينفقون في وجوه البر كمنزلة القرض الذي يرجع إليكم ويضاعف به الاجر لكم مع أنهم أخرجوا ذلك مخرج الاخبار عن الاعتقاد. وفي الآية دلالة على أن الرضا بقبيح الفعل يجري مجراه في عظم الجرم، لان اليهود الذين وصفوا بقتل الانبياء لم يتولوا ذلك في الحقيقة، وإنما ذموا به، لانهم بمنزلة من تولاه في عظم الاثم. وقوله: (سنكتب ما قالوا) قيل في معناه قولان: أحدهما - انه يكتب في صحائف أعمالهم، لانه أظهر في الحجة عليهم وأجرى ان يستحيوا من قراءة ما أثبت من فضائحهم - على قول الجبائي -.
(1) سورة البقرة: آية 254 وسورة الحديد: آية 11.
[ 66 ]
الثاني - قال البلخي سيحفظ ما قالوا حتى يجازوا به أي هو بمنزلة ما قد كتب في أنه لا يضيع منه شئ. والاول أظهر. وقوله: (وذوقوا عذاب الحريق) يعني المحرق، والفائدة فيه ان يعلم أنه غذاب بالنار التي تحرق، وهي الملتهبة، لان ما لم يلتهب لا يسمى حريقا، وقد يكون العذاب بغير النار. وقوله: (ذوقوا) يفيد أنكم لا تتخلصون من ذلك كما يقول القائل: ذق هذا البلاء يعني انك لست بناج منه. قوله تعالى:
(ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد) (182) - آية -. المعنى: قوله: (ذلك) اشارة إلى ما تقدم ذكره من قوله: (ونقول ذوقوا عذاب الحريق. ذلك بما قدمت أيديكم) ومعناه بما جنيتموه على أنفسكم، فان الله لا يظلم أحدا من عبيده، ولا يبخسهم حقهم. وفيها دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لانها تدل على أنه لو وقع العقاب من غير جرم سلف من العبد، لكان ظلما وذلك بخلاف ما يذهبون إليه من أن الله تعالى يعذب الاطفال من غير جرم. فان قيل: لم نفى كثرة الظلم على وجه لا يدخل فيه القليل، وهلا نفى على وجه العموم كقوله: (لا يظلم مثقال ذرة) (1) وكقوله: (لا يظلم الناس شيئا) (2) وقوله: (ولا يظلمون فتيلا) (3) و (نفيرا) ؟ قيل: لانه خرج مخرج الجواب لمن توهم مذهب المجبرة فدل على أنه لو كان على ما يذهبون إليه، لكان ظلاما للعبيد، وما هو بظلام لهم. فان قيل: لم
(1) سورة النساء: آية 39. (2) سورة يونس: آية 44. (3) سورة النساء: آية 48 وسورة الاسرى: آية 71.
[ 67 ]
أضيف التقديم إلى أيديهم وإنما هولهم في الحقيقة ؟ قيل: لانه إذاأضيف على هذه الطريقة كان أبعد من توهم الفساد في معنى الاضافة إذ قد يضاف الفعل إلى الانسان على معنى أنه أمر به ودعا إليه. كما قال: (يذبح أبناءهم) (1) وإذا ذكرت اليد دل على تولي الفعل نحو قوله (أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما) (2). الاعراب: (وان الله) انما فتح ان لانه معطوف على ما عملت فيه الباء، وتقديره وبأن الله ليس بظلام للعبيد أي ذلك العذاب بما سلف من الاجرام وبامتناع ظلم
الله للعباد، فموضع أن جر وموضع الباء في قوله: (مما) رفع، لانها في موضع خبر ذلك وهي متصلة بالاستقرار كأنه قيل ذلك مستقر بما قدمت أيديكم، كما يقول القائل: عقابك مما كسبت يداك. قوله تعالى: (الذين قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين) (183) - آية -. المعني بقوله: ((الذين قالوا) هم الذين وصفهم الله بقوله: (لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير. الذين قالوا إن الله عهد إلينا). الاعراب والمعنى: والذين في موضع خفض ردا على قوله: (الذين قالوا إن الله فقير) ومعنى قولهم (إن الله عهد إلينا) أي أوصانا في كتبه، وعلى ألسن أنبيائه ألا نصدق
(1) سورة القصص: آية 4. (2) سورة يس: آية 71.
[ 68 ]
لرسول فيما يقوله: من أنه جاء به من عند الله من أمر ونهي، وغير ذلك، فالعهد: العقد الذي يتقدم به للتوثق، وهو كالوصية. وقوله: (حتى يأتينا بقربان تأكله النار) معناه حتى يجيئنا بما يقرب به العبد إلى الله من صدقة وبر. وقربان مصدر على وزن عدوان، وخسران تقول قربت قربانا. وأما قوله: (تأكله النار) فلان أكل النار ما قربه أحدهم لله في ذلك الزمان كان دليلا على قبول الله له، ودلالة على صدق المقرب فيما أدعى أنه حق فيما نوزع فيه - في قول ابن عباس، والضحاك -، فقال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم يا معشر من يزعم أن الله عهد إليه ألا يؤمن لرسول حتى يأتيه بقربان تأكله النار، قل: قد جاء كم رسل من الله من قبل. المعنى جاء أسلافكم بالبينات يعني بالحجج الدالة على صدق نبوتهم، وحقيقة
قولهم: وقد ادعيتم أنه يدل على تصديق من أتى به والاقرار بنبوته من أكل النار قربانه، فلم قتلتموه إن كنتم صادقين ؟ يعني قتلتموهم وأنتم مقرون بأن الذين جاءوكم به من ذلك حجة لهم عليكم إن كنتم صادقين فيما عهد إليكم مما ادعيتموه وأضاف القتل إليهم وإن كان أسلافهم تولوه لانهم رضوا بأفعالهم فنسب ذلك إليهم كما بيناه فيما تقدم في قوله تعالى: (ويقتلون النبيين بغير الحق) (1) فاراد الله أن يعلم المؤمنين ان هؤلاء معاندون متعنتون، وإلا فهم عالمون بصفات النبي صلى الله عليه وآله وما ذكره الله تعالى في التوراة وانه صادق فيما يدعيه، وإنما لم ينزل الله ما طلبوه لان المعجزات تابعة للمصالح وليست على الاقتراحات والتعنت. فان قيل هلا قطع الله عذرهم بالذي سألوا من القربان الذي تأكله النار ؟ قيل: له لا يجب ذلك لان ذلك اقتراح في الادلة على الله والذي يلزم من ذلك أن يزيح علتهم بنصب الادلة على ما دعاهم إلى معرفته. قوله تعالى: (فان كذبوك فقد كذب رسل من قبلك جاؤا بالبينات
(1) سورة البقرة: آية 61.
[ 69 ]
والزبر والكتاب المنير) (184) - آية واحدة -. القراءة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده وبالزبر وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بحذف الباء، فمن حذف فلان واو العطف أغنت عن تكرار العامل ومن أثبتها فانما كرر العامل تأكيدا، وكلاهما جيدان. اللغة، والمعنى: وهذه الآية فيها تسلية للنبي صلى الله عليه وآله عما كان يصيبه من الاذى من اليهود
وأهل الشرك بتكذيبهم إياه بأن قال فقد كذب أسلافهم من رسل الله من جاءهم بالبينات والحجج القاطعة، والادلة الواضحة. والزبر جمع زبور وهو البينات وكل كتاب فيه حكمة زبور. ومنه قول امرئ القيس: لمن طلل ابصرته فشجاني * كخط زبور في عسيب يمان (1) ويقال زبرت الكتاب إذا كتبته، فهو مزبور وزبرت الرجل أزبره: إذا زجرته والزبرة: القطعة العظيمة من الحديد، ومنه قوله: (آتوني زبر الحديد) (2) والزبير: الحماة. والزبرة مجتمع الشعر على كتف الاسد. وزبرت البئر إذا أحكمت طيها بالحجارة، فهو مزبور وما لفلان زبر أي عقل، والكتاب المراد به التوراة والانجيل، لان اليهود كذبت عيسى، وما جاء به من الانجيل وحرفت ما جاء به موسى من صفة النبي صلى الله عليه وآله، وبدلت عهده إليهم فيه. والنصارى أيضا جحدت ما في الانجيل من نعته وغيرت ما أمرهم فيه به. وقوله: (المنير) معناه الذي ينير، فينير الحق لمن اشتبه عليه، وهو حجة له. وإنما هو من النور، والاضاءة يقال: قد أنار لك هذا الامر بمعنى أضاء لك وينير انارة فهو منير، وهذا قول
(1) ديوانه: 210 وروايته (الزبور في العسيب اليماني). الزبور الكتاب المزبور أي المكتوب بالمزبر وهو القلم. العسيب اليماني: سعف النخل. (2) سورة الكهف: آية 97.
[ 70 ]
الحسن وابن جريج والضحاك، وأكثر المفسرين. فان قيل: لم جمع بين الزبر والكتاب ومعناهما واحد ؟ قلنا: لان أصلهما مختلف، فهو زبور لما فيه من الزجر عن خلاف الحق، وهو كتاب، لانه ضم الحروف بعضها إلى بعض، وسمي زبور داود لكثرة ما فيه من المواعظ والزواجر. فان قيل: كيف قال (فان كذبوك، فقد كذب رسل من قبلك) وهم وان لم يكذبوه أيضا، فقد كذب رسل من قبله ؟
قلنا: لان المعنى فقد جروا على عادة من قبلهم في تكذيب أنبيائهم إلا أنه ورد على وجه الايجاز كما تقول: إن أحسنت إلي فقد طالما أحسنت. قوله تعالى: (كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار ودخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) (185) - آية بلا خلاف -. لا يجوز أن يجعل (ما) في (إنما) بمعنى الذي وترفع أجوركم، لان يوم القيامة يصير من صلة توفون وتوفون من صلة الذين فلا يأتي ما في الصلة بعد أجوركم. وأجوركم خبر، ومعنى الآية إن مصير هؤلاء المفترين على الله من اليهود المكذبين برسوله الذين وصفهم، ومصير غيرهم من جميع الخلق إليه تعالى من حيث حتم الموت على جميعهم، فقال لنبيه صلى الله عليه وآله لا يحزنك قولهم وتكذيبهم وافتراء من افترى منهم على الله وعليك، وتكذيب من تقدمك من الرسل. فان مرجعهم إلي وأوفي كل نفس منهم جزاء عمله، فقال: توفون أجوركم يعني أجور أعمالكم إن خيرا فخيرا وثوابا. وإن شرا فشرا وعقابا، وهو نصب على أنه مفعول به. وقوله: (فمن زحزح عن النار) معناه نحي عن النار، وأبعد منها (وادخل الجنة فقد فاز) أي نجا وظفر بعظيم الكرامة. وكل من لقي ما يغتبط به فقد فاز، ومعنى (فاز) تباعد من المكروه، ولقي ما يحب. والمفازة: مهلكة. وإنما سموها مفازة
[ 71 ]
أي منجاة كما سموا اللديغ سليما، والاعمى بصيرا. وظاهر الآية يدل على أن كل نفس تذوق الموت، وإن كانت مقتولة - على قول الرماني - ونحن وإن قلنا: إن الموت غير القتل، فلابد أن نقول: إن المقتول يختار الله أن يفعل فيه الموت إذا كان في فعله مصلحة. وقوله: (وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور) معناه وما
لذات الدنيا، وشهواتها، وما فيها من زينتها إلا متعة متعكموها الغرور، والخداع: المضمحل الذي لا حقيقة له عند الاختبار والامتحان، لانكم تلتذون بما يمتعكم الغرور من دنياكم، ثم هو عائد عليكم بالفجائع والمصائب، فلا تركنوا إليه، ولا تسكنوا، فانما هي غرور وإنما أنتم منها في غرور. وقال عكرمة: متاع الغرور، القوارير، وهي في الاصل كل متاع لابقاء له، وإنما وصفت الحياة الدنيا بأنها متاع الغرور مع كشفها عن حالها، لانها بمنزلة من يغتر بالمحبوب ويبذل ما فيه الفرح والسرور، ليوقع في بلية تؤدي إلى هلكة، مبالغة في التحذير منها - على منا بيناه - وفي الآية دلالة على أن أقل نعيم من الآخرة خير من نعيم الدنيا بأسره ولذلك قال صلى الله عليه وآله: (موضع سوط في الجنة خير من الدنيا، وما فيها) واستدل بهذه الآية على أن القتل هو الموت على الحقيقة. ومنهم من قال في المقتول: موت، وقتل وللمخالف أن يقول: يمكن أن تكون الآية مخصوصة بمن يموت، ولا يقتل كما قال: (كل نفس بما كسبت رهينة) (1) وهي مختصة بالعقلاء البالغين، ويمكن أن يكون المراد كل نفس تعدم الحياة، فيكون ذلك على وجه الاستعارة. ذكره البلخي. وقوله: (ذائقة الموت) مجاز، لان الموت لا يذاق في الحقيقة، لان ذلك مشهور في كلامهم يقولون: ذاق الموت، وشرب بكأس المنون، لانه بمنزلة ما يذاق بذوق شدائده. والفرق بين الذوق وإدراك الطعم أن الذوق تقريب جسم المذوق إلى حاسة الذوق، والادراك للطعم هو وجدانه (2) وإن لم يكن هناك احساس، ولذلك يوصف تعالى بأنه مدرك للطعم ولا يوصف
(1) سورة المدثر: آية 38. (2) في المخطوطة: (هو وجدك به..)
[ 72 ]
بأنه ذائق له. ويقولون: ذقته فلم أجد له طعما أي لابس فمي فلم أحس له طعما. قوله تعالى: (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا
الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فان ذلك من عزم الامور) (186) - آية -. قوله: (لتبلون) معناه لتختبرن أي توقع عليكم المحن، وتلحقكم الشدائد في أنفسكم، وأموالكم من قبل الكفار نحو ما نالهم من الشدائد في أنفسهم يوم أحد، ونحو ما كان الله يفعل بهم من الفقر وشدة العسر، وانما فعله ليصبروا وسماه بلوى مجازا، لان حقيقته لا تجوز عليه تعالى، لانها التجربة في اللغة. ويتعالى الله عن ذلك، لانه عالم بالاشياء قبل كونها. وإنما فعله ليتميز المحق منكم من غيره - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: معناه لتبلون بالعبادات في أنفسكم كالصلاة والصيام وغيرهما. وفي أموالكم من الانفاق في سبيل الله والزكوات، ليتميز المطيع من العاصي. واللام لام القسم. والنون دخلت مؤكدة، وضمت الواو لسكونها، وسكون النون. ولم تنصب لانها واو الجمع فرقا بينها وبين واو الاعراب. ويقال للواحد، لتبلين يارجل وللاثنين لتبليان. ويفتح الياء في لتبلين في الواحد عند سيبويه لسكونها وسكون النون. وفي قول غيره تبنى على الفتح لضم النون إليها. كما يبنى ما قبل هاء التأنيث. وللمرأة لتبلين وللمرأتين لتبليان وللنساء لتبتلينان. زيدت الالف لاجتماع النونات وقوله: (ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) يعني ما سمعوه من اليهود ومن كفار مكة وغيرهم من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله ومن الكلام الذي يغمهم ويكرثهم ثم بين تعالى بقوله: (وإن تصبروا وتتقوا) إنكم ان صبرتم على ذلك وتمسكتم بالطاعة ولم تجزعوا عنده جزعا يبلغ الاثم، (فان ذلك من عزم الامور) ومعناه من جزم الامور، أي
[ 73 ]
ما بان رشده وصوابه. ووجب على العاقل العزم عليه. وأذى مقصور. ويكتب بالياء يقال أذى يأذى أذى: إذا سمع ما يسوءه وقد آذاني فلان يؤذيني إيذاءا
وتأذيت به تأذيا. وقال عكرمة وغيره: إن هذه الآيات كلها نزلت في فنحاص اليهودي سيد بني قينقاع حين كتب النبي صلى الله عليه وآله إليه يستمده، فقال فنحاس: قد احتاج ربكم أن نمده. وهو القائل: (إن الله فقير ونحن اعنياء) (1) ونزلت فيه أيضا (لا تحسبن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم) (2) وقال الزهري: الآية نزلت في كعب بن الاشراف، وكان يهجو النبي صلى الله عليه وآله، والمؤمنين ويحرض المشركين عليهم حتى قتله محمد بن مسلمة غيلة. والبلوى التي ابتلوا بها، قال الحسن: هي فرائض الدين من الجهاد في سبيل الله، والنفقة في طاعة الله، والتمسك بما يجب لله في كلما أمر به ودعا إليه. قوله تعالى: (وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون) (187) - آية بلا خلاف -. القراءة والحجة: قرأ ابن كثيرو أبو عمرو وأبو بكر عن عاصم ((ليبيننه للناس ولا يكتمونه) بالياء فيهما. الباقون بالتاء فيهما، فمن قرأ بالياء، فلانهم غيب. ومن قرأ بالتاء حكى المخاطبة التي كانت في وقت أخذ الميثاق (ولتبيننه) لجماعة الرجال وللواحد تفتح النون.
(1) سورة آل عمران: آية 181. (2) سورة آل عمران: آية 180.
[ 74 ]
المعنى: والمعني به اذكروا (إذا أخذ الله) منهم الميثاق ليبينن أمر نبوة النبي صلى الله عليه وآله ولا يكتمونه (فنبذوه وراء ظهورهم) أي رموا به في قول ابن عباس، ولم يعملوا
به وإن كانوا مقرين به. ويقال لمن يطرح الشئ ولا يعبأ به رميته بظهر، قال الفرزدق: تميم بن قيس لا تكونن حاجتي * بظهر ولا يعيا علي جوابها (1) أي لا تتركنها، لا تعبأ بها، فاخبر الله تعالى عما حمل اليهود الذين كانوا رؤساء على كتمان أمر النبي صلى الله عليه وآله، فقال: (واشتروا به ثمنا قليلا) أي قبلوا على ذلك الرشا، وقامت لهم بذلك رئاسة اكتسبوها فذلك حملهم على الكفر بما يخفونه، ثم ذم تعالى أفعالهم بقوله: (فبئس ما يشترون) لان ما يكون عاقبته الهلاك والعقاب الدائم، وان كان نفعا عاجلا، فهو بئس الشئ. وقال ابن عباس وسعيد ابن جبير وعكرمة والسدي وابن جريج ان المعني بهذه الآية فنحاص اليهودي، وأصحابه الذين كتموا أمر النبي صلى الله عليه وآله وما بينه الله في التوراة. وقال قتادة وكعب وعبد الله بن مسعود هذا ميثاق أخذه الله على أهل العلم كافة، فمن علم شيئا فليعلمه وإياكم وكتمان العلم، فان كتمانه هلاك. وقال الجبائي: المعني بالآية اليهود والنصارى. وقال الحسن (لتبيننه ولا تكتمونه) معناه لتكلمن بالحق ولتصدقنه بالعمل. والميثاق الذي ذكره الله في الآية هو الايمان التي أخذها عليهم أنبياؤهم ليبينن ما في كتبهم من الاخبار والآيات الدالة على نبوة النبي صلى الله عليه وآله ولا يكتمونه. والهاء في (ليبيننه) عائدة على محمد صلى الله عليه وآله في قول سعيد بن جبير والسدي، فيعود
(1) ديوانه 1: 95 وروايته: عم بن زيد لا تهونن حاجتي * لديك ولا يعيا علي جوابها وفي اللسان وفى الاغاني الصدر كما في الديوان والعجز هكذا: (بظهر فلا يخفى علي جوابها) ومعناه أي لا تجبني بجواب لا أدري ما هو.
[ 75 ]
على معلوم غير مذكور. وقال الحسن وقتادة: قي عائدة على الكتاب فيدخل فيه
بيان أمر النبي صلى الله عليه وآله لانه في الكتاب. قوله تعالى: (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم) (188) آية - بلا خلاف -. القراءة والحجة والاعراب: قرأ أهل الكوفة ويعقوب (لا تحسبن) بالتاء وفتح الباء، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو بالياء، وضم الباء. الباقون بالياء وفتح الباء. (وتحسبنهم) الاخير بالتاء بلا خلاف. قال أبو علي من قرأ بالياء، لم يوقع يحسبن على شئ، (والذين) رفع بأنه فاعل (لا تحسبن) قال: ووجه قراءة ابن كثير وأبي عمرو في أن لم يعديا (حسبت) إلى مفعوليه ان (يحسب) في قوله: (فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب) لما جعل بدلا من الاول وعدي إلى مفعوليه استغنى بها في تعدية الاول إليهما كما استغنى في قوله الشاعر: بأي كتاب أم بأية سنة * ترى حبهم عارا علي وتحسب فاكتفى بتعدية أحد الفعلين إلى المفعولين عن تعدية الآخر إليها. فان قال قائل: كيف يستقيم تقدير البدل، وقد دخل الفاء بينهما، ولا يدخل بين البدل والمبدل منه الفاء ؟ والجواب أن الفاء زائدة، يدلك على ذلك أنها لا يجوز أن تكون التي تدخل على الخبر، لان ما قبل الفاء ليس بمبتدأ، فتكون الفاء خبره، ولا تكون العاطفة، لان المعنى (لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا) ويحبون أنفسهم " بمفازة من العذاب " فإذا كان ذلك لم يجز تقدير العطف، لان الكلام
[ 76 ]
لم يستقل بعد فيستقيم فيه تقدير العطف. وأما قوله: " فلا تحسبنهم " فان فعل الفاعل الذي هو يحسبون تعدى إلى ضميره، وحذفت واو الضمير لدخول النون الثقيلة. وقوله: (بمفازة من العذاب) في موضع المفعول الثاني، وفيه ذكر المفعول الاول. وفعل الفاعل في هذا الباب يتعدى إلى ضمير نفسه نحو ظننتني أخاه، لان هذه الافعال لما كانت تدخل على الابتداء والخبر أشبهت (إن) واخواتها في دخولهن على الابتداء والخبر كدخول هذه الافعال عليهما، وذلك نحو قولك: ظننتني ذاهبا، كما تقول: إني ذاهب، ولو قلت أظن نفسي تفعل، لم يجز كما يجوز أظننتني فاعلا. وقال أبو سعيد الخدري، وأبو وهب، والزجاج: المعني بهذه الآية قوم من أهل الكتاب دخلوا على النبي صلى الله عليه وآله وخرجوا من عنده، فذكروا لمن كان رآهم في ذلك الوقت أن النبي صلى الله عليه وآله قد أتاهم باشياء قد عرفوها، فحمدهم من شاهدهم من المسلمين على ذلك، وأظهروا خلاف ما أبطنوا، وأقاموا فيما بعد على الكفر، فأعلم الله تعالى نبيه أنهم ليسوا بمفازة أي ليسوا ببعد من العذاب. وقيل معناه ليسوا بمنجاة من العذاب، ووقعت، " فلا تحسبنهم " مكررة لطول القصة كما يقولون: لا تظنن زيدا إذا جاءك كلمك بكذا وكذا، فلا تظننه صادقا، فيعيد فلا تظننه توكيدا، واعلاما ان ذلك يتعلق بالاول، ولو لم يكرر كان جائزا، لكن مع التأكيد أوضح. وقوله: " ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا " قال البلخي: إنهم قالوا: " نحن أبناء الله وأحباؤه " (1) وأهل الصوم والصلاة وليسوا بأولياء الله، ولا أحباؤه، ولا أهل الصلاة والصيام، ولكنهم أهل شرك ونفاق. وهو المروي عن أبي جعفر (ع). وقال قوم: " يحبون أن يحمدوا " على أنهم أبطلوا أمر محمد صلى الله عليه وآله، وكذبوا ما أبطلوه، ولا لهم قدرة على ذلك. النزول، والمعنى: وروي عن ابن عباس، وسعيد أن الآية نزلت في اليهود حيث كانوا يفرحون
(1) سورة المائدة: آية 20.
[ 77 ]
باجلال الناس لهم ونسبهم إياهم إلى العلم. وقال الضحاك، والسدي: نزلت في اليهود حيث فرحوا بما أثبتوا من تكذيب النبي صلى الله عليه وآله. وقال سعيد بن جبير: فرحوا بما أتى الله آل ابراهيم. وقال ابن عباس: إن النبي صلى الله عليه وآله سألهم عن شئ، فكتموه ففرحوا بكتمانهم، وأقوى هذه الاقوال أن يكون قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون " يعني بها من أخبر الله عنهم أنه أخذ ميثاقهم ليبينن للناس أمر محمد صلى الله عليه وآله، ولا يكتمونه، لان قوله: " لا تحسبن الذين يفرحون " في سياق الخبر عنهم وشبيه بقصتهم مع أن أكثر أهل التأويل عليه. وقال الجبائي: الآية في المنافقين، لانهم كانوا يعطون المؤمنين شيئا يستعينون به على الجهاد لا على وجه القربة إلى الله بل على وجه الرياء ويفرحون بذلك، ويريدون مع ذلك أن يحمدوا على ذلك ويعتقد أنهم فعلوه لوجه القربة، فقال: " لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا " بمنزلة المؤمنين الذين يفعلون الافعال لله على وجه القربة إليه. وقال: " فلا تحسبنهم " مع ذلك بمنجاة " من العذاب " بل " لهم عذاب أليم " يعني مؤلم فحسبان الثاني متعلق بغير ما تعلق به الاول، فلذلك كرر. فان قيل: أين خبر " لا تحسبن " الاولى ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - " بمفازة من العذاب "، لانها مكررة لطول الكلام. وقيل: الفاء زائدة على هذا، وهو قول الزجاج. والثاني - ان الخبر محذوف، كأنه قال ناجين، ودل الخبر الاخير عليه. فان قيل: كيف يجوز أن يذم بالفرح وليس من فعل الانسان ؟ قلنا ذم بالتعرض له على جهة الاشر والبطر كما قال: " لا يحب الفرحين ". قوله تعالى:
(ولله ملك السماوات والارض والله على كل شئ قدير) (189) - آية بلا خلاف -.
[ 78 ]
معنى الآية الاخبار من الله تعالى بأنه مالك ما في السماوات، وما في الارض بمعنى أنه يملك تدبيرهما، وتصريفهما على ما شاء من جميع الوجوه ليس لغيره الاعتراض عليه في ذلك وانه المقتدر على جميع ذلك " وهو على كل شئ قدير "، وفى الآية تكذيب لمن قال: " إن الله فقير ونحن أغنياء " (1) لان من ملك ما في السماوات والارض لا يكون فقيرا. وفي قوله: (والله على كل شئ قدير) تنبيه على أنه قادر على إهلاك من يقول هذا القول جهلا منه وعنادا، لكنه يحلم عنه ويؤخر عذابه لضرب من المصلحة وقوله: " على كل شئ قدير " خرج مخرج المبالغة، وهو أخص من قوله: " بكل شئ عليم " لان أفعال العباد لا توصف بالقدرة عليها، وفرق الرماني بين أن يقال هو قادر على أفعال العباد، وبين قادر على فعلهم، فقال قادر عليها يحتمل مالا يحتمل قادر على فعلهم، لانه يفيد أنه قادر على تصريفه كما يقولون فلان قادر على هذا الحجر أي قادر على رفعه، ووضعه، وفلان قادر على نفسه أي قادر على ضبطها، ومنعها مما تنازع إليه، فعلي هذا جائز أن يقال انه قادر على أفعال العباد بمعنى أنه قادر على المنع منها، والتمكين منها دون ما يستحيل من القدرة على ايجادها. قوله تعالى: (إن في خلق السماوات والارض واختلاف الليل والنهار لآيات لاولي الالباب) (190) - آية -. في هذه الآية دلالة على وجوب النظر والفكر، والاعتبار بما يشاهد من الخلق والاستدلال على الله تعالى، ومدح لمن كانت صفته هذه، ورد على من
أنكر وجوب ذلك، وزعم أن الايمان لا يكون إلا تقليدا وبالخبر، لانه تعالى أخبر عما في خلق السماوات والارض، واختلاف الليل والنهار من الدلالات عليه
(1) سورة آل عمران: آية 181.
[ 79 ]
وعلى وحدانيته، لان من فكر في السماوات وعظمها وعجائب ما فيها من النجوم والافلاك، ومسير ذلك على التقدير الذي تسير عليه، وفكر في الارض وما فيها من ضروب المنافع، وفي اختلاف الليل والنهار ومجيئهما بالاوقات والازمنة التي فيها المصالح، واتساق ذلك وانتظام بعضها إلى بعض، وحاجة بعضها إلى بعض حتى لو عدم شئ منه لم يقم ما سواه (مقامه) (1) علم أن ذلك لا يكون إلا من مدبر قادر عليم حكيم واحد، لانه لو كان قادرا، ولم يكن عالما بالعواقب لما أغنت القدرة شيئا، ولو كان عالما غير حكيم في فعله لما أغنى العلم شيئا، ولو كانا اثنين ما انتظم تدبير، ولاتم خلق، ولعلا بعضهم على بعض، كما قال تعالى: " لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا " (2) فكيف ينسب إلى الفقر من كان جميع ما في السماوات والاض بيده، أم كيف يكون غنيا من كان رزقه بيد غيره إذا شاء رزقه وإذا شاء حرمه، ويدل على أن خالق الجسم لا يشبهه، لانه لو أشبهه لكان محدثا مثله، ويدل على أنه قديم، لانه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث ولادى ذلك إلى ما لا يتناهى ويدل أيضا على أنه قادر على جميع الاجناس، لانه من قدر على الجسم يقدر على سائر الاجناس، ووجه الدلالة من خلق السماوات والارض على الله هو ان الانسان إذا فكر ورأى عظمها، وثقل الارض ووقوفها على غير عمد يقلها، وحركة السماوات حولها لاعلى شئ يدعمها، علم أن الممسك لذلك هو الذي لا يشبه الاجسام ولا المحدثات، لانه لو اجتمع جميع الخلق على أن يمسكوا جسما خفيف المقدار، ويقلوه في الجو من غير أن يدعموه لما قدروا عليه، فعلم حينئذ ان الذي
يقدر عليه مخالف لجميع الاشياء وعلم أيضا أنها لو كانت السماوات والارض معتمدة على غيرها لكان ذلك الغير يحتاج إلى ما يعتمد عليه وفي ذلك اثبات ما لا يتناهى من الاجسام، وذلك محال فهذا أحد وجوه دلالة السماوات والارض، وهو أحد
(1) هكذا في المخطوطة (أ) وفي المطبوعة ما بين القوسين ساقط، والمخطوطة (ب) ناقصة في هذا المكان أوراقا كثيرة. (2) سورة الانبياء: آية 22.
[ 80 ]
ما قال (إن في ذلك لآيات لاولي الالباب) ووجه الدلالة من اختلاف الليل والنهار هو أن جميع الخلق لو اجتمعوا على أن يأتوا بالليل بدلا من النهار، أو النهار بدلا من الليل أو ينقصوا، أو يزيدوا من أحدهما في الآخر لما قدروا عليه، كما قال: (قل أرأيتم ان جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم ان جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون. ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله) الآية (1) وقوله: ((لاولي الالباب) معناه لذوي (2) العقول. واللب: العقل سمي به لانه خير ما في الانسان واللب من كل شئ خيره، وخالصه. فان قيل: فما وجه الاحتجاج بخلق السماوات [ والارض ] (3) على الله ولم يثبت بعد انها مخلوقة قيل عند ثلاثة أجوبة: أولها - على تقدير اثبات كونها مخلوقة قبل الاستدلال به لان الحجة به قامت عليه من حيث أنها لم تنفك من المعاني المحدثة. الثاني - أن الغرض ذكر ما يوجب صحة الذي تقدم ثم يترقى من ذلك إلى تصحيح ما يقتضيه على مراتبه، كالسؤال عن الدلالة على النبوة فيقع الجواب بذكر المعجزة دون ما قبلها من الرتبة.
الثالث - أن تعاقب الضياء والظلام يدل على حدوث الاجسام. قوله تعالى: (الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السماوات والارض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار) (191) - آية بلا خلاف -
(1) سورة القصص: آية 71 - 72. (2) في المخطوطة زيادة (والفكر) في هذا الموضع. (3) في المطبوعة ما بين القوسين ساقط.
[ 81 ]
موضع (الذين) خفض، لانه نعت (لاولي الالباب) أي فهؤلاء يستدلون على توحيد الله بخلقه السماوات والارض، وأنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم قياما وقعودا، وهو نصب على الحال. وقوله (وعلى جنوبهم) أي ومضطجعين، وانما عطف على قياما وقعودا، لان معناه يدل على الحال، لان الظرف يكون حالا للمعرفة كما يكون نعتا للنكرة، لانه من الاستقرار (كما تقول: مررت برجل على الحائط أي مستقرا على الحائط، ومررت برجل في الدار مثله، كما نقول أنا أصير إلى فلان ماشيا، وعلى الخيل، ومعناه وراكبا، كما (1) قال: (إذا مس الانسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما) (2) ومعناه مضطجعا أو قائما أو قاعدا فبين تعالى أن هؤلاء المستدلين على حقيقة توحيد الله يذكرون الله في سائر الاحوال. وقال قوم: (يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم) أي يصلون على قدر إمكانهم في صحتهم وسقمهم، وهو المروي في أخبارنا، ولا تنافي بين التأويلين، لانه لا يمتنع أن يصفهم بأنهم يفكرون في خلق السماوات والارض في هذه الاحوال ومع ذلك يصلون على هذه الاحوال في أوقات الصلوات، وهو قول ابن جريج وقتادة. وقوله: (ربنا ما خلقت هذا باطلا) انما قال هذا ولم يقل
هذه ولا هؤلاء، لانه أراد به الخلق كأنه قال ما خلقت هذا الخلق باطلا (3) أي يقولون (ربنا ما خلقت هذا باطلا) بل خلقته دليلا على وحدانيتك وعلى صدق ما أتت به أنبياؤك، لانهم يأتون بما يعجز عنه جميع الخلق. وقوله: (سبحانك) معناه براءة لك من السوء وتنزيها لك من أن تكون خلقتهما باطلا قال الشاعر: أقول - لما جاءني فخره - * سبحان من علقمة الفاخر (4)
(1) ما بين القوسين ساقط من المخطوطة (أ). (2) سورة يونس: آية 12. (3) في المخطوطة نقص سطر في هذا الموضع. (4) قائله اعشى بني تغلب. ديوان الاعشى الكبير: 143، القصيدة 18، واللسان (سبح).
[ 82 ]
وقال آخر: سبحانه ثم سبحانا يعود له * وقبلنا سبح الجودي والجمد (1) وقوله: (فقنا عذاب النار) أي فقد صدقنا رسلك بأن لك جنة ونارا فقنا عذاب النار. ووجه اتصال قوله (فقنا عذاب النار) بما قبله قيل فيه قولان: أحدهما - كأنه قال: (ما خلقت هذا باطلا) بل تعريضا للثواب بدلا من العقاب (فقنا عذاب النار) بلطفك الذي نتمسك معه بطاعتك. الثاني - اتصال الدعاء الذي هو طاعة لله بالاعتراف الذي هو طاعة له. وفي الآية دلالة على أن الكفر والضلال وجميع القبائح ليست خلقا لله، لان هذه الاشياء كلها باطلة بلا خلاف. وقد نفى الله تعالى بحكايته عن أولي الالباب الذين رضي أقوالهم بأنه لا باطل فيما خلقه، فيجب بذلك القطع على أن القبائح كلها من فعل غيره، وأنه لا يجوز اضافتها إليه تعالى. قوله تعالى: (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته وما للظالمين من
أنصار) (192) - آية -. وهذه أيضا حكاية عن أولي الالباب الذين وصفهم بانهم أيضا يقولون (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) أي من ناله عذاب النار وما فيها من الذل والمهانة فهو المخزى. وقال ابن جريج، وقتادة، وأنس بن مالك، وسعيد بن المسيب: الاخزاء يكون بالتأييد فيها. وقال جابر بن عبد الله: إن الخزي يكون بالدخول فيها. وروى عنه عمرو بن دينار وعطا أنه قال: وما أخزاه من أحرقه بالنار إن دون ذا لخزيا، وهذا هو الاقوى، لان الخزي إنما هو هتك المخزى، وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه،، فقد فضحه وذلك هو
(1) اللسان: (سبح) نسبه لامية.
[ 83 ]
الخزي، ولا ينافي ذلك ما نذهب إليه من جواز العفو عن المذنبين، لانه تعالى إذا عفا عن العاصي لا يكون أخزاه وان أدخله النار ثم أخرجه منها بعد استيفاء العقاب، فعلى قول من قال: الخزي يكون بالدوام لا يكون أخزاه، ومن قال يكون بنفس الدخول، له أن يقول: إن ذلك وإن كان خزيا، فليس مثل خزي الكفار، وما يفعل بهم من دوام العقاب، وعلى هذا يحمل قوله تعالى: (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) (1) وقوله: (وما للظالمين من أنصار) معناه ليس للظالمين من يدفع عنهم على وجه المغالبة والقهر، لان الناصر هو الذي يدفع عن المنصور على وجه المغالبة ولا ينافي ذلك الشفاعة في أهل الكبائر لان الشفاعة هي مسألة وخضوع وضرع إلى الله تعالى، وليست من النصرة في شئ وقوله صلى الله عليه وآله (يخرجون من النار بعد ما يصيرون حمما وفحما) صريح بوقوع العفو عن مرتكبي الكبائر وتأول الرماني الخبر تأويلين: أحدهما - أنه لولا الشفاعة، لواقعوا كبيرة يستوجبون بها الدخول فيها، فيخرجون بالشفاعة على هذا الوجه، كما يقال أخرجتني من السلعة إذا كان لولا
مشورته، لدخل فيها بابتياعه إياها. الثاني - لولا الشفاعة، لدخلوها بما معهم من الصغيرة ثم أخرجوا عنها إلى الجنة. والاول فاسد، لانه مجاز. والثاني - ليس بمذهب لاحد من القائلين بالوعيد لان الصغيرة تقع مكفرة لا عقاب عليها فكيف يدخل بها النار. قوله تعالى: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار) (193) - آية بلا خلاف -.
(1) سورة التحريم: آية 8.
[ 84 ]
في هذه الآية أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم أولوا الالباب وغير ذلك من الاوصاف التي مضت بأنهم يقولون: (ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان) واختلفوا فيمن المنادي ههنا، فقال محمد بن كعب القرظي وقتادة: هو القرآن. وقال ابن جريج وابن زيد: هو رسول الله صلى الله عليه وآله، وهو الذي اختاره الجبائي، واختار الطبري الاول قال: لانه ليس كل أحد سمع قول النبي صلى الله عليه وآله ولا رآه ولا عاينه وسمع دعاءه إلى الله تعالى. والقرآن سمعه من رآه ومن لم يره كما قال تعالى مخبرا عن الجن انهم قالوا: (سمعنا قرآنا عجبا يهدي إلى الرشد) وهذا الذي ذكره ليس بطعن، لانه إذا بلغه دعوة النبي صلى الله عليه وآله جاز أن يقول (سمعنا مناديا) وإن كان فيه ضرب من التجوز، وقال قتادة سمعوا دعوة من الله فأجابوها وأحسنوا فيها وصبروا عليها. وقوله: (سمعنا مناديا) يعني نداء مناد لان المنادي لا يسمع وقوله: (للايمان) معناه إلى الايمان، كما قال: (الحمد لله الذي هدانا لهذا) (1) ومعناه إلى هذا قال الراجز: أوحى لها القرار فاستقرت * وشدها بالراسيات الثبت (2)
يعني أوحى إليها. ومنه قوله: (بأن ربك أوحى لها) (3) أي إليها، فمعنى الآية (ربنا اننا سمعنا) داعيا يدعو إلى الايمان والتصديق بك، والاقرار بوحدانيتك، واتباع رسولك واتباع أمره ونهيه، فصدقنا بذلك يا (ربنا فاغفر لنا ذنوبنا) ومعناه استرها علينا، ولا تفضحنا بها في القيامة على رؤوس الاشهاد بعقوبتك، لكن كفرها عنا (وكفر عنا سيئاتنا) معناه امحها بفضلك ورحمتك ايانا (وتوفنا مع الابرار) معناه واقبضنا إليك إذا قبضتنا في جملة الابرار، واحشرنا معهم.
(1) سورة الاعراف: آية 42. (2) انظر 2: 459 تعليقة. 1 (3) سورة الزلزال: آية 5.
[ 85 ]
اللغة، والمعنى: والابرار جمع بر، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه حتى أرضوه، فرضي عنهم. وقال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذر وأصل البر الاتساع، فالبر الواسع من الارض خلاف البحر والبرصلة الرحم والبر: العمل الصالح. والبر: الحنطة والابرار على الخصم الزيادة عليه. وابتر من أصحابه إذا انفرد منهم. فان قيل: إذا كان النداء إنما هو تنبيه المنادى ليقبل بوجهه على المكلم له، فما معنى ربنا ؟ قلنا: الاصل في النداء تنبيه المنادى ثم استعمل في استفتاح الدعاء اقتضاء للاجابة واعترافا بالتفضل، ولا يجوز فتح (أن) بعد ربنا بايقاع النداء عليه، لان بعده لا يكون إلا جملة ولا يقع فيه مفرد، لانه لا يجوز ربنا ادخالك النار من أخزيته، لانه ابتداء لا خبر له. فان قيل: ما معنى قوله: " وكفر عنا " وقد أغني عنه قوله: " فاغفر لنا " قلنا: جوابان:
أحدهما - اغفر لنا ذنوبنا ابتداء بلا توبة، وكفر عنا إن تبنا. والثاني - اغفر لنا بالتوبة ذنوبنا، وكفر عنا باجتناب الكبائر السيئآت، لان الغفران قد يكون ابتداء ومن سبب والتكفير لا يكون إلا عند فعل من العبد وقوله: " ان آمنوا " تحتمل ان أمرين: أحدهما - أن تكون بمعنى أي على ما ذكره الرماني. والثاني - أن تكون الناصبة للفعل، لانه لا يقع في مثله دخول الباء نحو بأن آمنوا. قوله تعالى: (ربنا آتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد) (194) - آية بلا خلاف -. فهذه أيضا حكاية عمن تقدم وصفهم بأنهم يقولون أعطنا ما وعدتنا على
[ 86 ]
لسان رسلك من الثواب ولا تخزنا. والمخزي في اللغة المذل، المحقور بأمر قد لزمه بحجة تقول أخزيته أي ألزمته حجة أذللته معها، والخزي والانقماع والارتداع متقاربة المعنى، والخزاية شدة الاستحياء. وقوله (إنك لا تخلف الميعاد) استئناف كلام ولذلك كسرت (إن) والمعنى انك وعدت الجنة لمن آمن بك، وإنك لا تخلف الميعاد. فان قيل: ما وجه مسألتهم لله أن يؤتيهم ما وعدهم، والمعلوم أن الله ينجز وعده، ولا يجوز عليه الخلف في الميعاد ؟ قيل عن ذلك أجوبة: أحدها - ما اختاره الجبائي، والرماني ان ذلك على وجه الانقطاع إليه والتضرع له والتعبد له كما قال: (رب احكم بالحق) (1) وقوله: (لا تحملنا مالا طاقة لنا به) (2) وأمثال ذلك كثيرة. والثاني - قال قوم إن ذلك خرج مخرج المسألة ومعناه الخبر، وتقدير الكلام
ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للايمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الابرار، لتوفينا ما وعدتنا به على رسلك ولا تحزنا يوم القيامة لانهم علموا ان ما وعد الله به فلا بد من أن ينجزه والثالث - قال قوم: معناه المسألة والدعاء بأن يجعلهم ممن آتاهم ما وعدهم من الكرامة على ألسن رسله، لا أنهم كانوا قد استحقوا منزلة الكرامة عند الله في أنفسهم ثم سألوه أن يؤتيهم ما وعدهم بعد علمهم باستحقاقهم عند أنفسهم، لانه لو كان كذا، لكانوا زكوا أنفسهم وشهدوا لها أنهم ممن قد استوجب كرامة الله، وثوابه، ولا يليق ذلك بصفة أهل الفضل من المؤمنين. والرابع - قال قوم إنما سألوا ذلك على وجه الرغبة منهم إليه تعالى أن يؤتيهم ما وعدهم من النصر على أعدائهم من أهل الكفر وإعلاء كلمة الحق على الباطل فيجعل ذلك لهم لانه لا يجوز أن يكونوا مع ماوصفهم الله به غير واثقين ولا على غير يقين ان الله لا يخلف الميعاد فرغبوا إليه في تعجيل ذلك، ولكنهم
(1) سورة الانبياء: آية 112. (2) سورة البقرة: آية 286.
[ 87 ]
كانوا وعدوا النصر ولم يوقت لهم في ذلك وقت فرغبوا إليه تعالى في تعجيل ذلك لهم لما لهم فيه من السرور بالظفر وهو اختيار الطبري. وقال الآية مختصة بمن هاجر من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله من وطنه وأهله مفارقا لاهل الشرك بالله إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وغيرهم من تباع رسول الله صلى الله عليه وآله الذين رغبوا إليه تعالى في تعجيل نصرهم علي أعدائهم وعلموا انه لا يخلف الميعاد ذلك غير أنهم سألوا تعجيله وقالوا لا صبر لنا على اناتك وحلمك وقوى ذلك بما بعد هذه الآية من قوله: " فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين
هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا... " الآيات بعدها وذلك لا يليق إلا بما ذكره، ولا يليق بالاقاويل الباقية وإلى هذا أومأ البلخي، لانه قال في الآية الاخرى: انها والتي بعدها في الذين هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وآله. وفي الآية دلالة على أنه يجوز أن يدعو العبد بما يعلم أنه يفعله مثل أن يقول رب احكم بالحق. وقوله: " فاغفر لنا ذنوبنا " خلاف ما يقوله المجبرة، ولا يلزم على ذلك جواز التعبد بأن يدعو بما يعلم أنه لا يكون مثل أن يقول لا يظلم، لان في ذلك تحكما على فاعله وتجبرا عليه في تدبيره، ولو سوى بينهما كان جائزا كما قلنا في قوله: (لا تحملنا ما لا طاقة لنا به) (1) على أحد الوجهين وقوله: " انك لا تخلف الميعاد " فيه اعتراف بأنه لا يخلف الميعاد بعد الدعاء بالايجاز لئلا ينوهم عليهم تجويز الخلف على الله تعالى. وقوله تعالى: (فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض فالذين هاجروا واخرجوا من ديارهم واوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا لاكفرن عنهم سيئاتهم ولادخلنهم
(1) سورة البقرة: آية 286.
[ 88 ]
جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا من عند الله والله عنده حسن الثواب) (195) - آية بلا خلاف -. قرأ حمزة والكسائي وخلف " وقتلوا وقاتلوا " بتقديم المفعولين على الفاعلين الباقون " قاتلوا وقتلو " بتقديم الفاعلين على المفعولين، وشدد التاء من (قتلوا) ابن كثير وابن عامر. وقرأ عمر بن عبد العزيز " وقتلوا " بلا الف " وقتلوا " وقال الطبري القراءة بتقديم المفعولين لا تجوز، وهذا خطأ ظاهر، لان من اختار اسم
الفاعلين على المفعولين، وجه قراءته أن القتال قبل القتل. ومن قدم المفعولين على الفاعلين وجه قراءته يحتمل أمرين: أحدهما - أن يكون المعطوف بالواو ويجوز أن يكون أولا في المعنى. وان كان مؤخرا في اللفظ، لان الواو، لا يوجب الترتيب وهي تخالف الفاء في هذا المعنى، وهكذا خلافهم في سورة التوبة. والثاني - أن يكون لما قتل منهم قاتلوا ولم يهنوا ولم يضعفوا لمكان من قتل منهم كما قال تعالى (فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين) (1) وقوله: (فاستجاب لهم ربهم أني) أي بأني وحذف الباء، ولو قرئ بكسر الهمزة كان جائزا على تقدير: قال لهم " إني لا أضيع عمل عامل منكم " ومعنى قوله: " فاستجاب " أجابهم ربهم يعني الداعين بما تقدم وصف الله إياهم وأجاب واستجاب بمعنى قال الشاعر: وداع دعا يامن يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب (2) أي لم يجبه. " بأني لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى " من زائدة كما يقال كان من الحديث ومن الامر ومن القصة. ومن ههنا أحسن، لان حرف
(1) سورة آل عمران: آية 146. (2) قائله كعب بن سعد الغنوي الاصمعيات: 98 والقصيدة مشهورة، يرثي بها أخاه أبا المغوار مر منها أبيات متفرقة. وقد مر هذا البيت في 1: 84.
[ 89 ]
النفي قد دخل في قوله: " لا أضيع " من ههنا ليست زائدة، لانها دخلت لمعنى ولا يصلح الكلام إلا بها، لانها للترجمة والتفسير عن قوله: " منكم " بمعنى لا أضيع عمل عامل منكم من الذكور والاناث، قالوا ولا تكون من زائدة إلا في موضع جحد. وقوله: (لا أضيع عمل عامل منكم) لم يدركه الجحد لانك لا تقول
لا أضرب غلام رجل في الدار، ولا في البيت، فيدخل ولا، لانه لم ينله الجحد ولكن (من) مفسرة. وقوله: " لاكفرن عنهم سيئاتهم " معناه لاذهبنا واسقط عقابها، وهذه الآية، والتي قبلها - في قول البلخي - نزلت في المتبعين للنبي صلى الله عليه وآله والمهاجرين معه ثم هي في جميع من سلك سبيلهم واتبع آثارهم من المسلمين. وقوله: " لاكفرن عنهم سيئاتهم " أي لاغطينها وأمحونها وأحطنها عنهم بما ينالهم من ألم الهجرة والجهاد واحتمال تلك الشدائد في جنب الله. وحمل السيئآت على الصغائر. وقوله: " ثوابا من عند الله " نصب على المصدر ذكر على وجه التأكيد، لان معنى " ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار " (1) لاثيبنهم، ومثله " كتاب الله عليكم " لان قوله: " حرمت عليكم أمهاتكم وبنانكم " (2) معناه كتب الله عليكم (وكتاب الله عليكم) مؤكد ومثل ذلك " صنع الله الذي " (3) لان قوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " (4) قد علم منه أن ذلك صنع الله. وقوله: " من ذكر أو أنثى " روي انه قيل لرسول الله صلى الله عليه وآله: ما بال الرجال يذكرون، ولا تذكر النساء في الهجرة، فأنزل الله هذه الآية روي ذلك عن مجاهد، وعمرو بن دينار، ويقال ان القائل لرسول الله صلى الله عليه وآله كانت أم سلمة (رض). وقوله: " بعضكم من بعض " قال أبو علي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد بقوله: " بعضكم " العاملين " من بعض " يعني بعض العمل الذي أمرتم به.
(1) سورة المائدة: آية 13. (2) سورة النساء: آية 22. (3، 4) سورة النمل: 88.
[ 90 ]
والثاني - أن يكون عنى بقوله: " بعضكم من بعض " أن ذكور المؤمنين وأناثهم مستوون في أن لا يضيع الله لاحد منهم عملا، وان يجازيهم على طاعاتهم،
فأناث المؤمنين بعض المؤمنين، وكذلك ذكورهم، فبعضهم كبعض في هذا الباب. وقال الطبري " بعضكم " يعني الذين يذكرونني " قياما وقعودا وعلى جنوبهم " من بعض في النصرة، والملة، والدين، وحكم جميعكم فيما أفعل بكم حكم أحدكم في " أني لا أضيع عمل عامل " ذكر منكم ولا أنثى. والاضاعة: الاهلاك. ضاع الشئ يضيع: إذا هلك. وأضاعه اضاعة وضيعه تضييعا، ومنه الضيعة: القرية. وقوله: (فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم) يعني الذين هاجروا عن قومهم من أهل الكفر في الله إلى اخوانهم المؤمنين " وأخرجوا من ديارهم " هم المهاجرون الذين أخرجهم المشركون من مكة " وأوذوا في سبيلي " بمعنى أوذوا في طاعتي وعبادتي، وديني. وذلك هو سبيل الله " وقاتلوا " يعني في سبيل الله " وقتلوا " فيها " لاكفرن عنهم سيئاتهم " يعني لامحونها عنهم، ولا تفضلن عليهم بعفوي ورحمتي، ولاغفرنها لهم. وذلك يدل على أن إسقاط العقاب تفضل على كل حال. " ولادخلنهم جنات تجري من تحتها الانهار ثوابا " يعني جزاء لهم على أعمالهم " والله عنده حسن الثواب " معناه أن عنده من حسن الجزاء على الاعمال ما لا يبلغه وصف واصف مما لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر. قوله تعالى: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد) (197) - آيتان بلا خلاف. المعنى: هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وآله. وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان ذلك على وجه التأديب والتحذير، لان النبي لا تجوز عليه
[ 91 ]
المعاصي لمكان التحذير من الله والتخويف، كما قال (لئن أشركت ليحبطن عملك) (1) الثاني - ان الخطاب وان توجه إليه، فالمراد به جميع المؤمنين، وتقديره
لا يغرنكم أيها المؤمنون ما ترون ان قوما من الكفار كانوا يتجرون ويربحون في الاسفار التي كانوا يسافرونها، ويسلمون فيها لكونهم في الحرم، فأعلم الله تعالى أن ذلك مما لا ينبغي أن يغبطوا به، لان مأواهم ومصيرهم بكفرهم إلى النار، ولا خير بخير بعده النار. وقوله: " متاع قليل " معناه ذلك الكسب، والربح الذي يربحونه متاع قليل وسماه متاعا، لانهم متعوا به في الدنيا، والمتاع النفع الذي تتعجل به اللذة اما بوجود اللذة أو بما يكون به اللذة نحو المال الجليل، والملك، وغير ذلك من الاولاد والاخوان. ووصفه بالقلة لسرعة زواله وانقطاعه، وذلك قليل بالاضافة إلى نعيم الآخرة. والمهاد الموضع الذي يسكن فيه الانسان ويفترشه. ووصفه بأنه بئس المهاد على ضرب من المجاز، لما فيه من أنواع العذاب، لان الذم انما هو على الاساءة كقولك: بئس الرجل - هذا قول أبي علي الجبائي - وقال البلخي: هو حقيقة لانه على وجهين: أحدهما - من جهة النقص. والآخر - من جهة الاساءة، وهو معنى قول السدي، وقتادة، وأكثر المفسرين. والغرور ايهام حال السرور فيما الامر بخلافه في المعلوم، وليس كل ايهام غرورا، لانه قد يتوهمه مخوفا فيحذر منه، فلا يقال غره. والفرق بين الغرر والخطر ان الغرر قبيح، لانه ترك الحزم فيما يمكن أن يتوثق منه، والخطر قد يحسن على بعض الوجوه، لانه من العظم من قولهم: رجل خطير أي عظيم، وبني المضارع مع النون الشديدة، لانه بمنزلة ضم اسم إلى اسم للتأكيد. قوله تعالى: (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها
(1) سورة العنكبوت: آية 65.
[ 92 ]
الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للابرار) (198) - آية -. قرأ أبو جعفر (لكن) بتشديد النون وفتحها - ههنا وفي (الزمر) - وقرأ أبو عمرو والكسائي، وحمزة في أكثر الروايات (الاشرار، والابرار، والقرار) بالامالة. الباقون - بالتفخيم - والامالة في فتحة الراء حسنة، لان الراء المكسورة تغلب المفتوحة كما غلبت المستعلي في قولهم: قارب وطارد، وقادر فيمن أمالهن، فإذا غلبت المستعلي، فان تغلب الراء المفتوحة أولى، لانه لا استعلاء في الراء، وإنما هو حرف من مخرج اللام فيه تكرير. ومن لم يمل، فلان كثيرا من الناس لا يميل شيئا من ذلك. لما أخبر الله تعالى عما للكفار من سوء العاقبة وأنواع العذاب بشر المؤمنين بما أعدلهم من الجزاء عند الله وجزيل الثواب، فقال: (لكن الذين اتقوا ربهم) بفعل الطاعات، وترك المعاصي (لهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نزلا من عند الله) يعني ثوابا من عند الله، وهو نصب على المصدر على وجه التأكيد، لان خلودهم فيه أنزالهم فيها، كأنه قال: نزلوها نزلا، وهو بمعنى أنزلوها انزالا. ويحتمل أن يكون نصبا على التفسير، كقولك: هو لك هبة. وواحد الابرار بار: مثل صاحب، وأصحاب. و. يجوز أن يكون بر وأبرار - على فعل وأفعال - تقول: بررت والدي، فانا بر. وأصله برر لكن ادغمت الراء للتضعيف. وقوله: " وما عند الله خير " يعني من الحبا والكرامة، وحسن المآب خير للابرار مما يتقلب فيه الذين كفروا، لان ما يتقلبون فيه زائل فان قليل، وما عند الله دائم غير زائل. وقد بينا معنى (لكن) فيما مضى، وانها للاستدراك بها خلاف المعنى المتقدم من اثبات بعد نفي أو نفي بعد اثبات. فقوله: (لا يغرنك تقلب الذين كفروا في
البلاد) يتضمن معنى فما لهم كبير نفع، فجاء على ذلك، (لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات) وقوله: (تجري من تحتها الانهار) معناه تجري من تحت شجرها.
[ 93 ]
ويقال انها تجري معلقة من غير أخدود لها. روي ذلك عن عبد الله بن مسعود، ثم قال: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا والموت خير لها (1)، وقوله في الفاجرة: إن الموت خير لها يعني إذا كانت تدوم على فجورها. قوله تعالى: (وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل اليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب) (199) - آية بلا خلاف -. النزول: اختلفوا فيمن نزلت هذه الآية، فقال جابر بن عبد الله، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وابن جريج إن النبي صلى الله عليه وآله لما بلغه موت النجاشي، دعا له واستغفر له، وصلى عليه، وقال للمؤمنين: صلوا عليه، فقالوا نصلي على رجل ليس بمسلم ؟ وقال قوم منافقون: نصلي على علج بنجران ؟ فنزلت هذه الآية، فالصفات التي فيها صفات النجاشي. وقال ابن زيد وفي رواية عن ابن جريج وابن اسحاق إنها نزلت في جماعة من اليهود وكانوا أسلموا، منهم: عبد الله بن سلام، ومن معه. وقال مجاهد: إنها نزلت في كل من أسلم من أهل الكتاب من اليهود والنصارى وهو أولى، لانه عموم الآية، ولا دليل يقطع به على ما قالوه على انها لو نزلت في النجاشي أو من ذكر، لم يمنع ذلك من حملها على عمومها، في كل من أسلم من أهل الكتاب، لان الآية قد تنزل على سبب وتكون عامة في كل من تتناوله. المعنى: وإنما خصوا بالوعيد، ليبين ان جزاء أعمالهم موفر عليهم، لا يضرهم كفر
(1) في المطبوعة: (فيها).
[ 94 ]
من كفر منهم فتأويل الآية " وان من أهل الكتاب ": التوراة والانجيل " لمن يؤمن بالله " أي يصدق بالله ويقر بوحدانيته، " وما أنزل إليكم " أيها المؤمنون من كتابه ووحيه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله، " وما أنزل إليهم " يعني إلى أهل الكتاب من الكتب " خاشعين " يعني خاضعين بالطاعة مستكينين له بها متذللين قال ابن زيد: الخاشع: المتذلل الخائف. " لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا " معناه لا يحرفون ما أنزل الله في كتبه من أوصاف محمد صلى الله عليه وآله فيبدلونه، ولا غير ذلك من أحكامه، وحججه لغرض من الدنيا خسيس يعطونه على التبديل، وابتغاء الرئاسة على الجهال، كما فعله غيرهم ممن: صفه بقوله تعالى: " أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى " (1) وقال: " اولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة " (2) لكن ينقادون للحق، ويعملون بما أمرهم الله به مما أنزل إليهم، وينتهون عما نهاهم عنه ثم قال: " أولئك " يعني هؤلاء الذين يؤمنون " بالله. وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم... لهم أجرهم عند ربهم " يعني لهم عوض أعمالهم وثواب طاعاتهم فيما يطيعونه فيها مذخور عند ربهم حتى يوفيهم يوم القيامة " إن الله سريع الحساب " وصفه بالسرعة لانه لا يؤخر الجزاء عمن يستحقه لطول الحساب، لانه لا يخفى عليه شئ من أعمالهم قبل أن يعملوها وبعد أن عملوها، فلا حاجة به إلى احصاء، عدد فيقع في الاحصاء ابطاء وقال الجبائي: لانه قادر على أن يكلمهم في حال واحدة كل واحد بكلام يخصه. لانه قادر لنفسه و " خاشعين " نصب على الحال، ويمكن أن يكون حالا من الضمير في " يؤمن " وهو عائد إلى قوله: " لمن يؤمن بالله " ويمكن أن يكون حالا من قوله: (إليهم) وقال الحسن: الخشوع: الخوف اللازم للقلب من الله. وأصل الخشوع: السهولة: والخشعة، سهولة
الرمل كالربوة. والخاشع من الارض: الذي لا يهتدى له، لان الرمل يعفي اثاره.
(1) سورة البقرة: آية 16. (2) سورة البقرة: آية 86.
[ 95 ]
ومنه قوله: " خاشعة أبصارهم " (1) " وخشعت الاصوات للرحمن " (2) والخاشع: الخاضع ببصره. والخشوع: التذلل خلاف التصعب. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون) (200) - آية بلا خلاف -. اختلفوا في تأويل هذه الآية، فقال قوم: معنى اصبروا اثبتوا على دينكم وصابروا الكفار ورابطوهم يعني في سبيل الله ذهب إليه الحسن، وقتادة، وابن جريج، والضحاك وقال آخرون: معناها " اصبروا " على دينكم " وصابروا " الوعد الذي وعدتكم به " ورابطوا " عدوي وعدوكم ذهب إليه محمد بن كعب القرظي. وقال آخرون " اصبروا " على الجهاد " وصابروا عدوكم ورابطوا " الخيل عليه ذهب إليه زيد بن أسلم. وقال آخرون: رابطوا الصلوات أي انتظروها واحدة بعد واحدة، لان المرابطة لم تكن حينئذ وهذا مروي عن علي (ع) ذهب (3) إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن، وجابر بن عبد الله وأبو هريرة والاولى أن تحمل الآية على عمومها في الصبر على كل ما هو من الدين، فعلا كان أو تركا. وأصل الرباط ارتباط الخيل للعدو، والربط الشد، ومنه قولهم: ربط الله على قلبه بالصبر، ثم استعمل في كل مقيم في ثغر يدفع عمن وراء من أرادهم بسوء وينبغي (4) أن يحمل قوله رابطوا أيضا على المرابطة لما عند الله لانه العرف في استعمال الخبر، وعلى انتظار الصلاة واحدة بعد أخرى. وقوله: " واتقوا الله " معناه اتقوا ان تخالفوه فيما يأمركم به لكي تفلحوا [ وتفوزوا ] (ه) بنعيم الابد
وتنجحوا بطاعتكم من الثواب الدائم.
(1) سورة القلم: آية 43. (2) سورة طه: آية 108. (3) في المخطوطة (وذهب). (4) في المطبوعة (ينبغي) باسقاط الواو. (5) ما بين القوسين ساقط من المطبوعة
[ 96 ]
وروي عن أبي جعفر (ع) انه قال اصبروا على المصائب، وصابروا على عدوكم، ورابطوا عدوكم. وانما جمع بين " اصبروا وصابروا " من أن المصابرة من الصبر، للبيان عن تفصيل (1) الصبر الذي يعني به في الذكر لان المصابرة صبر على جهاد العدو يقابل صبره لان المفاعلة بين اثنين. وإنما وصف (أي) بالموصول ولم يوصف بالمضاف، لان (الذي) يجري مجرى الجنس، لان فيه الالف واللام بمنزلة قوله يا أيها المؤمنون، ولا يجوز يا أيها أخو زيد، لانه لا يصح فيه الجنس.
(1) في المطبوعة (تفضيل).
[ 97 ]
سورة النساء مائة وسبعون آية كوفي. وخمس وسبعون بصري وهي مدينة كلها وقد روي عن بعضهم أنه قال: كلما في القرآن من قوله: (يا أيها الناس) نزل بمكة، والاول قول قتادة، ومجاهد، وعبد الله بن عباس بن أبي ربيعه، وقال بعضهم: ان جميعها نزلت بالمدينة إلا آية واحدة وهي قوله: (إن الله يامركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها) (1) فأنها نزلت بمكة حين أراد النبي صلى الله عليه وآله أن يأخذ مفاتيح الكعبة من عثمان بن طلحة ويسلمها إلى عمه العباس
بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيبا) (1) - آية بلا خلاف -. القراءة والحجة: قرأ أهل الكوفة (تساءلون به) بتخفيف السين، الباقون بتشديدها، وقرأ حمزة وحده " والارحام " بجر الميم، الباقون بفتحها. فمن قرأ من أهل الكوفة
(1) سورة النساء: آية 57.
[ 98 ]
" تساءلون به " بالتخفيف فوجهه ان أصله تتساءلون، فحذف احدى التاءين وهي الاصلية: لان الاخرى للمضارعة، وانما حذفوها لاستثقالهم إياها في اللفظ فحذفت لان الكلام غير ملتبس. ومن شدد أدغم احدى التاءين في السين، لقرب مكان هذه من هذه. المعنى: ومعنى " تساءلون به " تطلبون حقوقكم به " والارحام " القراءة المختارة عند النحويين النصب في الارحام على تقدير: واتقوا الارحام. وتكون (1) معطوفة على موضع " به " ذكره أبو علي الفارسي، فأما الخفض فلا يجوز عندهم إلا في ضرورة الشعر كما قال الشاعر أنشده سيبويه: فاليوم قربت تهجونا وتشتمنا * فاذهب فما بك والايام من عجب فجروا الايام عطفا على موضع الكاف في " بك " وقال آخر:
نعلق في مثل السواري سيوفنا * وما بينها والكعب غوط نفانف (2) فعطف الكعب على الهاء والالف في (بينها) وهو ظاهر على مكنى وقال آخر: وان الله يعلمني ووهبا * وانا سوف نلقاه سوانا فعطف وهبا على الياء في يعلمني، ومثل ذلك لا يجوز في القرآن والكلام. قال المازني: لان الثاني في العطف شريك للاول، فان كان الاول يصلح أن يكون شريكا للثاني جاز وإن لم يصلح أن يكون الثاني شريكا له لم يجز، قال: فكما لا تقول: مررت بزيد وذاك (3) لا تقول مررت بك وزيد. وقال أبو علي الفارسي: لان المخفوض حرف متصل غير منفصل فكأنه كالتنوين في الاسم فقبح أن يعطف باسم
في المطبوعة: (أو يكون). (2) قائله مسكين الدارمي معاني القرآن للقراء 1: 253، والانصاف: 193 والخزانة 3382. السواري جمع سارية وهي الاسطوانة والغوط: المطمئن من الارض. والنفانف جمع نفنف وهو الهواء بين الشيئين * والبيت كناية عن طول قامتهم (3) في النسخ المخطوطة والمطبوعة (كذلك) والظاهر ما ذكرنا.
[ 99 ]
يقوم بنفسه على اسم لا يقوم بنفسه. ويفسد من جهة المعنى من حيث ان اليمين بالرحم لا يجوز، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا تحلفوا بآبائكم) فكيف تساءلون به وبالرحم على هذا وقال اسماعيل بن اسحاق: الحلف بغير الله أمر عظيم، وان ذلك خاص لله تعالى، وهو المروي في أخبارنا. وقال ابراهيم النخعي وغيره: انه من قولهم: نشدتك بالله وبالرحم. وقال ابن عباس، والسدي، وعكرمة، والحسن، والربيع، والضحاك، وابن جريج، وابن زيد، وقتادة: المعنى والارحام فصلوها. وهذه الآية خطاب لجميع المكلفين من البشر. وقوله: (واتقوا ربكم) فيه وعظ بان يتقى عصيانه بترك (1) ما أمر به
وارتكاب ما نهى عنه. وحذر من قطع الارحام لما أراد من الوصية بالاولاد والنساء والضعفاء، فأعلمهم انهم جميعا من نفس واحدة، فيكون ذلك داعيا لهم إلى لزوم أمره وحدوده في ورثتهم ومن يخلفون بعدهم، وفي النساء والايتام عطفا لهم عليهم. ثم اخبر تعالى انه خلق الخلق من نفس واحدة فقال: " الذي خلقكم من نفس واحدة " والمراد بالنفس ههنا آدم عند جميع المفسرين: السدي وقتادة ومجاهد وغيرهم. وقوله: (وخلق منها زوجها) يعني حواء. روي انها خلقت من ضلع من أضلاع آدم، ذهب إليه أكثر المفسرين. وقال أبو جعفر (ع): خلقها من فضل الطينة التي خلق منها آدم، ولفظ النفس مؤنث بالصيغة، ومعناه التذكير ههنا، ولو قيل نفس واحد لجاز. المعنى، واللغة: وقوله: (وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) معنى بث نشر، يقال: بث الله الخلق. ومنه قوله: " كالفراش المبثوث " (2) وذلك يدل على بث. وبعض العرب يقول أبث الله الخلق، ويقال بثثتك سري، وابثثتك سري لغتان. وقوله: (إن الله كان عليكم رقيبا) أي حافظا تقول رقب يرقب رقابا وانما
(1) في المطبوعة: (بقول). (2) سورة القارعة: آية 4.
[ 100 ]
قال: " كان عليكم " ولفظ كان يفيد الماضي لانه أراد أنه كان حفيظا على من تقدم زمانه من عهد آدم وولده إلى زمان المخاطبين، وانه كان عالما بما صدر منهم، لم يخف عليه منه شئ. والرقيب الحافظ في قول مجاهد. وقال ابن زيد: الرقيب العالم، والمعنى متقارب، يقال: رقب يرقب رقوبا ورقبا ورقبة. قال أبو داود: كمقاعد الرقباء للضرباء أيديهم نواهد (1) وقيل في معنى " الذي تسألون به " قولان:
أحدهما - قال الحسن ومجاهد وابراهيم: هومن قولهم: اسألك بالله والرحم، فعلى هذا يكون عطفا على موضع به كأنه قال: وتذكرون الارحام في التساؤل. الثاني - قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والضحاك والربيع وابن زيد وهو المروي عن أبي جعفر (ع): واتقوا الارحام أن تقطعوها، فعلى هذا يكون معطوفا على اسم الله تعالى، ووجه النعمة في الخلق من نفس واحدة انه أقرب إلى أن يتعطفوا ويأمن بعضهم بعضا ويحامي بعضهم عن بعض، ولا يأنف بعضهم عن بعض، لما بينهم من القرابة والرجوع إلى نفس واحدة، لان النفس الواحدة ههنا آدم (ع) باجماع المفسرين: الحسن وقتادة والسدي ومجاهد. وجاز من نفس واحدة لان حواء من آدم على ما بيناه، فرجع الجميع آدم وانما أنث النفس والمراد بها آدم لان لفظ النفس مؤنثة، وان عني بها مذكر كما قال الشاعر: أبوك خليفة ولدته أخرى * وأنت خليفة ذاك الكمال (2) فانث على اللفظ، وقد حكينا عن أكثر المفسرين: ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة والسدي وابن اسحاق: ان حواء خلقت من ضلع من أضلاع آدم. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (المرأة خلقت من ضلع، وانك ان أردت أن تقيمها كسرتها وان تركتها وفيها عوج استمعت بها). وروي عن أبي جعفر (ع)
(1) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 113، واللسان (رقب) وهو من أبيات في نعت النور الابيض. الرقباء جمع رقيب وهو أمين أصحاب الميسر يحفظ ضربهم بالقداح. والضرباء جمع ضريب وهو: الضارب بالقداح. وقيل أن الضمير في (أيديهم) يعود إلى الضرباء. وقيل انه يعود إلى الرقباء، وهو الاصح. (2) انظر 2: 449 تعليقة. 3
[ 101 ]
أن حواء خلقت من فضل طينة آدم (ع).
قوله تعالى: (وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا) (2) - آية بلا خلاف -. المعنى: هذا خطاب لاوصياء اليتامى، أمرهم الله بأن يعطوا اليتامى أموالهم إذا بلغوا الحلم وأونس منه الرشد، وسماهم يتامى بعد البلوغ، وايناس الرشد مجازا، لان النبي صلى الله عليه وآله قال: (لا يتم بعد احتلام) كما قالوا في النبي صلى الله عليه وآله إنه يتيم أبي طالب بعد كبره يعنون انه رباه. وقوله: (ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب) معناه: لا تستبدلوا ما حرمه الله عليكم من أموال اليتامى بما أحله الله لكم من أموالكم، واختلفوا في صفة التبديل فقال بعضهم كان أوصياء اليتامى يأخذون الجيد من مال اليتيم والرفيع منه ويجعلون مكانه الردئ الخسيس، ذهب إليه ابراهيم النخعي، والسدي، وابن المسيب، والزهري، والضحاك، وقال قوم: معناه " ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب " بأن تتعجلوا الحرام قبل أن يأتيكم الرزق الحلال الذي قدر لكم. ذهب إليه أبو صالح، ومجاهد. وقال ابن زيد: معناه ما كان أهل الجاهلية يفعلونه، من أنهم لم يكونوا ايرزقون النساء ولا الصغار بل يأخذه الكبار. وأقوى الوجوه الوجه الاول، لانه ذكر عقيب مال اليتامى وإن حمل على عموم النهي عن التبديل بكل مال حرام كان قويا. وقوله: (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) يعني أموال اليتامى مع أموالكم والتقدير: ولا تضيفوا أموالهم إلى أموالكم فتأكلوهما جميعا، فأما خلط مال اليتيم بمال نفسه إذا لم يظلمه فلا بأس به بلا خلاف
[ 102 ]
قال الحسن لما نزلت هذه الآية كرهوا مخالطة اليتامى، فشق ذلك عليهم، فشكوا ذلك إلى رسول الله، فأنزل الله تعالى: (ويسئلونك عن اليتامى قل اصلاح لهم
خير وإن تخالطوهم فاخوانكم والله يعلم المفسد من المصلح) (1) وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع). وقوله: (انه كان حوبا كبيرا) يعني إن أكلكم أموال اليتامى مع أموالكم حوب كبير، أي اثم كبير في قول ابن عباس ومجاهد. والهاء في قوله: " انه " دالة على اسم الفعل الذي هو الاكل. والحوب الاثم، يقال: حاب يحوب حوبا وحباة والاسم الحوب. وقرأ الحسن حوبا: ذهب إلى المصدر. ويقال: تحوب فلان من كذا إذا تحرج منه. ويقال نزلنا بحوبة من الارض وبحيب من الارض يعني بموضع سوء. وحكى الفراء عن بني أسد ان الحائب القاتل. وقال الشاعر: إيها تطيع ابن عبس انها رحم * حبتم بها فانا ختم بحعجاع (2) أي أثمتم والحوبة الحزن، والتحوب التحزن، والتحوب التأثم، والتحوب الهياح الشديد، والحوباء الروح والكبير العظيم قوله تعالى: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا (3) وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فان طبن لكم عن شئ منه نفسا فكلوه هنيئا مربئا) (4) - آيتان -.
(1) سورة آل عمران: آية 220. (2) اللسان (حوب) نسبه إلى النابغة وفي (جعع) نسبه إلى نهكية الفزاري ورواية البيت فيهما: صبرا بغيض بن ريث انها رحم...
[ 103 ]
النزول، والمعنى: واختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية على ستة أقوال:
أولها - ماروي عن عائشة انها قالت: نزلت في اليتيمة التي تكون في حجر وليها فيرغب في مالها وجمالها، ويريد أن ينكحها بدون صداق مثلها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لها صداق مهر مثلها، وأمروا أن ينكحوا ما طاب مما سواهن من النساء إلى الاربع " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " من سواهن " أوما ملكت ايمانكم " ومثل هذا ذكر في تفسير أصحابنا. وقالوا: انها متصلة بقوله: (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ماكتب لهن وترغبون ان تنكحوهن) (1) (فان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) الآية وبه قال الحسن والجبائي والمبرد. والثاني - قال ابن عباس وعكرمة: ان الرجل منهم كان يتزوج الاربع والخمس والست والعشر ويقول ما يمنعني أن أتزوج كما تزوج فلان فإذا فنى ماله مال على مال اليتيم فانفقه، فنهاهم الله تعالى عن أن يتجاوزوا بالاربع إن خافوا على مال اليتيم وإن خافوا من الاربع أيضا أن يقتصروا على واحدة. والثالث - قال سعيد بن جبير والسدي وقتادة والربيع والضحاك. وفي احدى الروايات عن ابن عباس قالوا: كانوا يشددون في أمر اليتامى ولا يشددون في النساء، ينكح أحدهم النسوة فلا يعدل بينهن، فقال الله تعالى كما تخافون ألا تعدلوا في اليتامى فخافوا في النساء، فانكحوا واحدة إلى الاربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. والرابع - قال مجاهد: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى معناه: ان تحرجتم
(1) سورة النساء: آية 126.
[ 104 ]
من ولاية اليتامى وأكل أموالهم إيمانا وتصديقا فكذلك تحرجوا من الزنا،
وانكحوا النكاح المباح من واحدة إلى أربع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة. والخامس - قال الحسن: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجركم فانكحوا ما طاب لكم من النساء مما أحل لكم من يتامى قراباتكم مثنى وثلاث ورباع، فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة، أو ما ملكت ايمانكم. وبه قال الجبائي وقال: الخطاب متوجه إلى أولياء اليتيمة إذا أراد أن يتزوجها إذا كان هو وليها كان له أن يزوجها قبل البلوغ وله أن يتزوجها. والسادس - قال الفراء: المعنى ان كنتم تتحرجون من مؤاكلة اليتامى فاحرجوا من جمعكم بين اليتامى، ثم لا تعدلون بينهن. وقوله: (فانكحوا ما طاب لكم) جواب لقوله: (وان خفتم ألا تقسطوا) على قول من قال ما رويناه أولا عن عائشة وأبي جعفر (ع). ومن قال: تقديره: ان خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فكذلك خافوا في النساء الجواب قوله: " فانكحوا ما طاب لكم من النساء " والتقدير: فان خفتم ألا تقسطوا في أموال اليتامى فتعدلوا فيها فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء، فلا تتزوجوا منهن إلا من تأمنون معه الجور، مثنى وثلاث ورباع، وان خفتم أيضا من ذلك فواحدة، فان خفتم من الواحدة فما ملكت ايمانكم، فترك ذكر قوله فكذلك فخافوا ألا تقسطوا في حقوق النساء لدلالة الكلام عليه وهو قوله: (فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت ايمانكم) ومعنى " ألا تقسطوا " أي لا تعدلوا ولا تنصفوا، فالاقساط هو العدل والانصاف والقسط هو الجور. ومنه قوله: (وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا) (1) وقد بيناه فيما مضى. واليتامى جمع لذكران اليتامى واناثهم في هذا المعنى. المعنى، واللغة، والاعراب وقال الحسين بن علي المغربي: معنى ما طاب أي بلغ من النساء كما يقال: طابت الثمرة إذا بلغت، قال: والمراد المنع من تزويج اليتيمة قبل البلوغ لئلا يجري
(1) سورة الجن: آية 15.
[ 105 ]
عليها الظلم، فان البالغة تختار لنفسها، وقيل: معنى " ما طاب لكم من النساء " من أحل لكم منهن دون من حرم عليكم، وانما قال: " ما طاب " ولم يقل: من طاب وان كان من لما يعقل وما لما لا يعقل لان المعنى: انكحوا الطيب أي الحلال هذه العدة، لانه ليس كل النساء حلالا، لان الله حرم كثيرا منهن بقوله: " حرمت عليكم أمهاتكم " (1) الآية. هذا قول الفراء. وقال مجاهد: فانكحوا النساء نكاحا طيبا. وقال المبرد: " ما " ههنا للجنس كقول القائل: ما عندك ؟ فتقول: رجل أو أمرأة، فالمعني بقوله: ما طاب الفعل دون اعيان النساء واشخاصهن، لان الاعيان لا تحرم ولا تحلل، وإنما يتناول التحريم والتحليل التصرف فيها، وجرى ذلك مجرى قول القائل: خذ من رقيقي ما أردت: إذا أراد خذ منهم ارادتك ولو أراد خذ الذي تريد لم يجز إلا أن يقول خذ من رقيقي من أردت وكذلك قوله: " أوما ملكت ايمانكم " معناه أو ملك ايمانكم، ومعنى " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع " فلينكح كل واحد منكم مثنى وثلاث ورباع، كما قال: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا باربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة " (2) معناه: فاجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة. وقوله: (مثنى وثلاث ورباع) بدل من (ما طاب) وموضعه النصب وتقديره: اثنين اثنين، وثلاثا وثلاثا، واربعا اربعا، إلا انه لا ينصرف لعلتين، احداهما: انه معدول عن اثنين اثنين وثلاث ثلاث في قول الزجاج، وقال غيره: لانه معدول ولانه نكرة، والنكرة أصل للاشياء، وقال غيرهم: هو معرفة، وهذا فاسد عند البصريين، لانه صفة للنكرة في قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " (3) والمعنى اولي اجنحة ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة. وقال الفراء لانه معدول، لانه يقع على الذكر والانثى، ولانه مضاف إلى
ما يضاف إليه الثلاث، فكأن لامتناعه من الاضافة كان فيه الالف واللام. قال الشاعر:
(1) سورة النساء: آية 220. (2) سورة النور: آية 4. (3) سورة فاطر: آية 12.
[ 106 ]
ولكنما اهلي بواد أنيسه * ذئاب تبغى الناس مثنى وموحدا (1) ومن قال: انه اسم للعدد معرفة استدل بقول تميم بن أبي مقبل: ترى النعرات الزرق تحت لبانه * احاد ومثنى أصعقتها صواهله (2) فرد احاد ومثنى على النعرات وهي معرفة، وقد يجئ منكرا مصروفا كما قال الشاعر: قتلنا به من بين مثنى وموحد * باربعة منكم وآخر خامس (3) وترك الصرف أكثر قال صخر الغي: منت لك أن تلاقيني المنايا * احاد احاد في شهر حلال (4) وقد تقع هذه الالفاظ على الذكر والانثى، فوقوعها على الانثى مثل الآية التي نحن في تفسيرها، ووقوعها على الذكر قوله: " اولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " لان المراد به الجناح وهو مذكر، ويقال: احاد وموحد وثنى ومثنى، وثلاث ومثلث، ورباع ومربع، ولم يسمع في ما زاد عليه مثل خماس ولا المخمس ولا السداس والسباع إلا بيت للكميت فانه يروى في العشرة عشار، وهو قوله:
(1) قائله ساعدة بن جؤية الهذلي. اللسان (بغى) وروايته (سباع) بدل (ذئاب). (2) معاني القرآن 1: 255، 345، واللسان (نعر)، (صعق)، (قرد)، (ثنى) وروايته في (فرد) فراد، بدل، احاد. وأضعفتها، بدل أصعقتها وفي (نعر)
و (صعق) الحضر، بدل، الزرق. النعرات جمع نعرة وهي ذبابة تسقط على الدواب فتؤذيها وأصعقتها صواهله أي قتلتها صهيله (3) معاني القرآن للفراء 1: 254 وروايته: وان الغلام المستهام بذكره * قتلنا به من بين مثنى وموحد باربعة منكم وآخر خامس * وساد مع الاظلام في رمح معبد ولم يعرف لهما قائل. والبيت في المتن كما ترى ملفق منهما. وساد - بالتنوين - بمعنى سادس (4) نسبة محمود محمد شاكر في تفسير الطبري 7: 545 إلى عمرو ذي الكلب وخطأ من نسبه إلى غيره، وهذا خطأ منه لا محالة لان رواية القدماء أكثرها اذالم تكن جميعها تنسبه إلى صخر الغي. وقد اعترف هو أن الطبري روايته كذلك. وفي بعض الروايات (في شهر حلال) منت لك: أي قدرت لك نيتك أن تلقاني في شهر حلال، أو حرام على اختلاف الرواية.
[ 107 ]
فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا (1) يريد عشرا. وقال صخر السلمي في ثنا وموحد: ولقد قتلكتم ثناء وموحدا * وتركت مرة مثل امس الدابر (2) ولم يرد أنه قتل الثلاثة، وانماأراد انه قتل نفرا كثيرا منهم واحدا بعد واحد واثنين بعد اثنين، وقوله: " فواحدة " نصب على انه مفعول به، والتقدير: فان خفتي ألا تعدلوا فيما زاد على الواحدة فانكحوا واحدة، ولو رفع كان جايزا، وقد قرأبه أبو جعفر المدني، وتقديره: فواحدة كافية، أو فواحدة مجزية، كما قال: (فان لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان) (3) ومن استدل بهذه الآية على أن نكاح التسع، جائز فقد اخطأ، لان ذلك خلاف الاجماع، وأيضا فالمعنى:
فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى ان امنتم الجور وإما ثلاث ان لم تخافوا ذلك أو رباع ان امنتم ذلك فيهن، بدلالة قوله: " فان خفتم ألا تعدلوا فواحدة " لان معناه فان خفتم في الثنتين فانكحوا واحدة، ثم قال: فان خفتم أيضا في الواحدة فما ملكت ايمانكم. على أن مثنى لا يصح إلا لاثنين اثنين، أو اثنتين اثنتين على التفريق في قول الزجاج، فتقدير الآية " فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث " [ فثلاث ] (4) بدلا من مثنى ورباع بدلا من ثلاث، ولو قيل ب (أو) لظن أنه ليس لصاحب مثنى ثلاث، ولا لصاحب الثلاث رباع. ومن استدل بقوله: " فانكحوا " على وجوب التزويج من حيث أن الامر يقتضي الايجاب، فقد اخطأ، لان ظاهر الامر وإن اقتضى الايجاب، فقد ينصرف عنه بدليل، وقد قام الدليل على أن التزويج ليس بواجب على أن الغرض بالآية النهي عن العقد * " هامش " * " 1 " مجاز القرآن 1: 116، والاغاني 3: 139 واللسان (عشر) استراثه: استبطأه، وعشار أي عشرا عشرا. (2) مجاز القرآن 1: 115، والاغاني 13: 139. وروايته فيهما (المدبر) بدل (الدابر). " 3 " سورة البقرة: آية 282. (4) اثبتنا ما بين القوسين لعدم استقامة المعني بدونه.
[ 108 ]
على من يخاف ألا يعدل بينهن، والتقدير: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، فتحرجتم فيهم، فكذلك فتحرجوا في النساء، فلا تنكحوا إلا ما أمنتم الجور فيه (1) منهن، مما أحللته لكم منهن، من الواحدة إلى الاربع، وقد يراد. بصورة الامر ما يراد بالنهي (2) أو التهديد كقوله: " فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر " (3) وقال: " ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون " (4) والمراد بذلك كله التهديد والزجر، فكذلك معنى الآية النهي، وتقديرها: فلا
تنكحوا إلا ما طاب لكم من النساء على ما بيناه. وقوله: (ذلك ادنى ألا تعولوا) اشارة إلى العقد على الواحدة مع الخوف من الجور فيما زاد عليها، أو الاقتصار على ما ملكت أيمانكم، ومعنى " أدنى " أقرب " ألا تعولوا " وقيل في معنى " ألا تعولوا " ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى والاصح = أن معناه: ألا تجوروا، ولا تميلوا يقال منه: عال الرجل يعول عولا وعيالة إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض، لان سهامها إذا زادت دخلها النقص، قال أبو طالب: بميزان قسط وزنه غير عائل (5) وقال أبو طالب أيضا: بميزان قسط لا يخيس شعيرة * له شاهد من نفسه غير عائل (6) وروي: لا يضل شعيرة، وبهذا قال ابراهيم، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، وقتادة، وأبو مالك، والربيع بن أنس، والسدي، وابن عباس، واختاره الطبري، والجبائي. وقال قوم: معناه: ألا تفتقروا، وهذا خطأ، لان [ العول ] (7) الحاجة، يقال منه: عال الرجل يعيل عيلة إذا احتاج، كما قال الشاعر: * " هامش " * (1) في المطبوعة: (الا ما أمنتم به الجور فيه.). (2) في المطبوعة: (ما يراد النهي.) وفي المخطوطة: (ما يراد به النهي.). (3) سورة الكهف: آية 29. (4) سورة النحل: آية 55، وسورة الروم: آية 34. (5 - 6) سيرة ابن هشام 1: 296. وفي البيت رواية أخرى هي (بميزان صدق). (7) أثبتنا ما بين القوسين لعدم تمامية المعني الايه.
[ 109 ]
وما يدري الفقير متى غناه * وما يدري الغني متى يعيل (1) أي: متى يفتقر. وقال ابن زيد: معناه: ألا تكثر عيالكم، وهذا أيضا خطأ، لان المراد لو كان ذلك لما أباح الواحدة، وما شاء من مالك الايمان، لان اباحة كل ما ملكت اليمين أزيد في العيال من أربع حرائر، على أن من كثرة العيال يقال: أعال يعيل فهو معيل، إذا كثر عياله وعال العيال: إذا مانهم، ومنه قوله: ابدأ بمن تعول. وحكي الكسائي، قال: سمعت كثيرا من العرب يقول: عال الرجل يعول إذا كثر عياله. وقوله: " وآتوا النساء صدقاتهن نحلة " فصدقاتهن: جمع صدقة، يقال: هو صداق المرأة، وصدقة المرأة، وصدقة المرأة، وصداق المرأة، والفتح اقلها. ومن قال: صدقة المرأة قال: صدقاتهن، كما تقول: غرفة وغرفات، ويجوز صدقاتهن، بضم الصاد وفتح الدال، وصدقاتهن، ذكره الزجاج. ولا يقرأ من هذه إلا بما قرئ به صدقاتهن، لان القراءة سنة متبعة. وقوله: " نحلة " نصب على المصدر، ومعناه، قال بعضهم: فريضة، وقال بعضهم ديانة، كما يقال: فلان ينتحل كذا وكذا، أي يدين به، ذكره الزجاج، وابن خالويه. قال بعضهم: هي نحلة من الله لهن، أن جعل على الرجل الصداق ولم يجعل على المرأة شيئا من الغرم، وذلك نحلة من الله تعالى للنساء. ويقال: نحلت الرجل: إذا وهبت له نحلة ونحلا، ونحل جسمه ونحل: إذا دق، وسمي النحل نحلا لان الله نحل الناس منها العسل الذي يخرج من بطونها، والنحلة عطية عليك على غير جهة المثامنة، والنحلة الديانة، والمنحول من الشعر ما ليس له، واختلفوا في المعني بقوله " وآتوا النساء " فقال ابن عباس، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد، واختاره الطبري، والجبائي، والرماني، والزجاج: المراد به الازواج، أمرهم الله تعالى باعطاء المهر إذا دخل بها كملا، إذا سمى لها، فأما غير المدخول بها إذا طلقت فان لها نصف المسمى، وإن لم يكن سمى، * " هامش " * (1) قائله أحيحة بن الجلاح الاوسي. معاني القرآن للفراء 1: 255، والكامل لابن
الاثير 1: 278، واللسان (عيل) من قصيدة قالها في حرب بين قومه وبين الخزرج، وفي معاني القرآن بدل (وما) في الموضعين (ولا).
[ 110 ]
فلها المتعة على ما بيناه فيما مضى. وقال أبو صالح: هذا خطاب للاولياء، لان الرجل منهم كان إذا زوج أيمة أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله عن ذلك، وأنزل هذه الآية. وروى هذا أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع)، وذكر المعمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي ان اناسا كانوا يعطي هذا الرجل أخته، ويأخذ أخت الرجل، ولا يأخذون كثير مهر، فنهى الله عن ذلك، وأمر باعطاء صداقهن، وأول الاقوال أقوى، لان الله تعالى ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين للنساء، ونهاهم عن ظلمهن والجور عليهن، ولا ينبغي أن يترك الظاهر من غير حجة ولا دلالة، وقوله: (فان طبن لكم عن شئ منه نفسا) اختلفوا فيمن المخاطب به، فقال عكرمة، وابراهيم، وعلقمة، وقتادة، وابن عباس، وابن جريج، وابن زيد: الخطاب متوجه إلى الازواج، لان أناسا كانوا يتأثمون أن يرجع أحدهم في شئ مما ساق إلى امرأته، فانزل الله هذه الآية. وقال أبو صالح:، المعني به الاولياء، لانه حمل أول الآية أيضا عليهم، على ما حكيناه عنه، والاول هو الاولى، لانابينا أن الخطاب متوجه إلى الازواج الناكحين، فكذلك آخر الآية. ومعنى " فان طبن لكم عن شئ منه نفسا " إن طابت لكم أنفسهن بشئ، ونصبه على التمييز، كما يقولون: ضقت بهذا الامر ذرعا، وقررت به عينا، والمعنى ضاق به ذرعي وقرت به عيني، كما قال الشاعر: إذا التياز ذو العضلات قلنا * " اليك اليك " ضاق بها ذراعا (1) وإنما هو على ذرعا وذراعا، لان المصدر والاسم يدلان على معني واحد،
فنقل صفة الذراع إلى رب الذراع، ثم أخرج الذراع مفسرة لموقع الفعل، ولذلك وحد النفس لما كانت مفسرة لموقع الخبر، والنفس المراد به الجنس، يقع على الواحد * " هامش " * (1) قائله القطامي، ديوانه: 44. واللسان (تيز) ومعاني القرآن 1: 256. والتياز: الكثير اللحم. وقوله (اليك اليك) أي: خذها.
[ 111 ]
والجمع، كما قال الشاعر: بها جيف الحسرى فأما عظامها * فبيض وأما جلدها فصليب (1) ولم يقل: فجلودها، ولو قال: (فان طبن لكم عن شئ منه) أنفسا لمجاز، وكذلك ضقت به أذرعا وذراعا. فأما قوله: (بالاخسرين أعمالا) (2) إنما جمع لئلا يوهم أنه عمل يضاف إلى الجميع، كما يضاف القتل إلى جماعة إذا رضوا به، ومالاوا عليه. ومثل الآية: أنت حسن وجها، فالفعل للوجه، فلما نقل إلى صاحب الوجه، نصب الوجه على التمييز. وقوله: (فكلوه هنيئا مريئا) فهنيئا مأخوذ من هنأت البعير بالقطران، وذلك إذا جرب فعولج به، كما قال الشاعر: متبذلا تبدو محاسنه * يضع الهناء مواضع النقب (3) فالهني شفاء من المرض، كما أن الهناء شفاء من الجرب. ومعنى (فكلوه هنيئا مريئا) أي دواء شافيا، يقال منه: هنأني الطعام ومرأني: إذا صار لي دواء وعلاجا شافيا، وهنيني ومريني بالكسر، وهي قليلة، ومن قال: هناني يقول في المستقبل: يهناني، ويمراني، ومن يقول: هنأني، يقول يهنئني، ويمرئني، فإذا أفردوا قالوا: قد أمراني هذا الطعام، ولا يقولون: أهنانى، والمصدر منه هنا، مرا، وقد مرؤ هذا الطعام مرا، ويقال: هنأت القوم إذا علتهم، وهنأت فلانا المال إذا وهبته له، أهنؤه هنا، ومنه قولهم: انما سميت هانيا لتهنا، أي: لتعطي، ومعنى قوله: (فان طبن لكم عن شئ منه) يعني من المهر، و " من " ههنا ليست
للتبعيض وانما معناه لتبيين الجنس، كما قال (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) (5)
(1) قائله علقمة بن عبدة (علقمة الفحل) ديوانه: 27، وشرح المفضليات: 777، وسيبويه 1: 107 من قصيدة في الحارث بن جبلة بن أبي شمر الغساني حين أسر أخاه شأسا، فرحل إليه علقمة يطلب فكه. وقوله: (بها حيف الحسرى) الضمير راجع إلى المطلوب في البيت السابق، وهي آثار الطريق، والصليب الودك الذي يسيل من جلودها بعد موتها. (2) سورة الكهف: آية 104. (3) قائله دريد بن الصمة. اللسان (نقب) والاغاني 10: 22، والشعر والشعراء 302. والنقب - بضم النون وسكون القاف وفتحها - جمع نقبه، أول الجرب حين يبدو. (4) سورة الحج: آية 30.
[ 112 ]
ولو وهبت له المهر كله لجاز، وكان حلالا بلا خلاف. واستدل أبو علي بهذه الآية على أن لولي اليتيمة الذي هو غير الاب أن يزوج اليتيمة، أو يتزوجها قبل أن تحيض، أو يكمل عقلها، بأن (1) قال الخطاب في قوله: (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى) متوجه إلى الاولياء الذين كانوا يتحرجون من العقد على اليتامى اللائى لهم عليهن ولاية، خوفا من الجور، فقال الله لهم: ان خفتك من العقد على أربع فعلى ثلاث، أو اثنتين، أو واحدة، أوما ملكت أيمانكم من سوهن، ثم أمرهم باعطائهن المهر، ثم قال: (فان طبن لكم) يعني الازواج الذين هم الاولياء، " عن شئ " من ذلك، " فكلوه هنيئا مريئا " وهذا الذي قاله ليس بصحيح، لانه لا يسلم له أولا أنه خطاب للاولياء، فما الدليل على ذلك ثم إن عندنا وعند الشافعي ليس لاحد من الاولياء أن يزوج الصغيرة إلا الاب (2) خاصة فكيف يسلم له ما قاله ؟ ومن قال: يجوز ذلك، قال: يكون العقد موقوفا على بلوغها ورضاها، فان لم ترض كان لها الفسخ، فعلى كل حال لا يصح ما قاله. قوله تعالى:
(ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا) (5) - آية -. القراءة، والمعنى: قرأ نافع، وابن عباس، قيما بغير الف. اختلف أهل التأويل فيمن المراد بالسفهاء المذكورين في الآية، فقال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي، والضحاك، ومجاهد، وقتادة، وأبو مالك: إنهم النساء والصبيان، وهو الذي رواه أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع) وقال سعيد بن جبير، والحسن * " هامش " * (1) في المطبوعة: فان، وقد صححنا على المخطوطة. (2) في المطبوعة: إلى الاب، وهو تحريف.
[ 113 ]
وقتادة، في رواية أخرى عنهم: أنهم الصبيان الذين لم يبلغوا فحسب، وقال أبو مالك، معناه: لا تعط ولدك السفيه مالك فيفسده الذي هو قيامك وقال ابن عباس في رواية أخرى: إنها نزلت في السفهاء وليس لليتامى في ذلك شئ، وبه قال ابن زيد، وقال أبو موسى الاشعري ثلاثة يدعون فلا يستجيب الله لهم: رجل كانت له امرأة سيئة الخلق فلم يطلقها، وقال: اللهم خلصني منها، ورجل أعطى مالا سفيها، وقد قال الله: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم "، ورجل له على غيره مال فلم يشهد عليه. وقد روي عن أبي عبد الله (ع) ان السفيه شارب الخمر، ومن جرى مجراه، وقال المعتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: زعم حضرمي أن المراد به النساء خاصة، وروي ذلك عن مجاهد، والضحاك، وابن عمر، والاولى حمل الآية على عمومها في المنع من اعطاء المال السفيه، سواء كان رجلا أو امرأة بالغا أو غير بالغ. والسفيه هو الذي يستحق الحجر عليه، لتضييعه ماله، ووضعه في غير
موضعه، لان الله تعالى قال عقيب هذه الاوصاف: " وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح، فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم " فامر الاولياء بدفع الاموال إلى اليتامى إذا بلغوا، وأونس منهم رشد، وقد يدخل في اليتامى الذكور والاناث، فوجب حملها على عمومها. اللغة: فأما من حمل الآية على النساء خاصة، فقوله ليس بصحيح، لان فعيلة لا يجمع فعلاء، وانما يجمع فعايل وفعيلات، كغريبة وغرايب وغريبات، وقد جاء: فقيرة وفقراء، ذكره الرماني. فأما الغرباء فجمع غريب المعنى: وقوله: " أموالكم التي جعل الله لكم قياما وارزقوهم فيها واكسوهم "
[ 114 ]
اختلفوا في معناه. فقال ابن عباس، وأبو موسى الاشعري، والحسن، وقتادة، ومجاهد، وحضرمي. معناه: لا تؤتوا يا أيها الرشد السفهاء من النساء والصبيان - على ما ذكرنا من اختلافهم - " أموالكم التي جعل الله لكم " يعني أموالكم التي تملكونها، فتسلطوهم عليها، فيفسدوها، ويضيعوها، ولكن " ارزقوهم فيها " إن كانوا ممن يلزمكم نفقته، واكسوهم " وقولوا لهم قولا معروفا ". وقال السدي: معناه: لا تعط امرأتك وولدك مالك، فيكونوا هم الذين ينفقون ويقومون عليك، واطعمهم من مالك، واكسهم. وبه قال ابن عباس، وابن زيد. وقال سعيد ابن جبير: يعني ب " أموالكم " أموالهم، كما قال: " ولا تقتلوا أنفسكم " (1) قال: واليتامى لا تؤتوهم أموالهم، " وارزقوهم فيها واكسوهم ". والاولى حمل الآية على الامرين، لان عمومه يقتضي ذلك، فلا يجوز أن يعطى السفيه الذي يفسد المال، ولا اليتيم الذي لم يبلغ، ولا الذي بلغ ولم يؤنس منه الرشد، ولا أن يوصى
إلى سفيه، ولا يختص ببعض دون بعض، وإنما يكون اضافة مال اليتيم إلى من له القيام بأمرهم، على ضرب من المجاز، أو لانه أراد: لا تعطوا الاولياء ما يخصهم لمن هو سفيه (2) ويجري ذلك مجرى قول القائل لواحد: يا فلان أكلتم أموالكم بالباطل، فيخاطب الواحد بخطاب الجميع، ويريد به أنك وأصحابك أو قومك أكلتم، ويكون التقدير في الآية: " ولا تؤتوا السفهاء أموالكم " التي بعضها لكم، وبعضها لهم، فيضيعوها. اللغة: وقوله: " التي جعل الله لكم قياما " معناه: ما جعله قوام معايشكم ومعايش سفهائكم، التي بها تقومون قياما، وقيما، وقواما، بمعنى واحد. وأصل القيام: القوام، فقلبت الواو ياء للكسرة التي قبلها، كما قالوا: صمت صياما، وحلت * " هامش " * (1) سورة النساء: آية 28. (2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة، وهي كما ترى
[ 115 ]
حيالا، ومنه: فلان قوام أهله، وقيام أهله. ومنه: قوام الامر وملاكه، وهو اسم. والقيام مصدر. المعنى: وبهذا التأويل قال أبو مالك، والسدي، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وابن زيد. وقوله: (وارزقوهم فيها واكسوهم) اختلفوا في تأويله، فمن قال: عنى بقوله: (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني أموال أولياء السفهاء، فانهم قالوا: معناه: وارزقوا أيها الناس سفهاءكم، من نسائكم وأولادكم من أموالكم، طعامهم، وما لابد لهم منه. ذهب إليه مجاهد، والسدي، وغيرهما ممن تقدم ذكره. ومن قال: إن الخطاب للاولياء، بأن لا يؤتوا السفهاء أموالهم، يعني أموال السفهاء، حمل قوله: " وارزقوهم فيها واكسوهم " على أنه من أموال السفهاء، يعني ما لابد منه من مؤنهم، وكسوتهم، وإذا حملنا الآية على عمومها،
على ما بيناه، فالتقدير: وارزقوا أيها الرشد من خاص أموالكم من يلزمكم النفقة عليه، مما لابد منه من مؤنة وكسوة، ولا تسلموا إليه إذا كان سفيها، فيفسد المال. ويا أيها الاولياء، أنفقوا على السفهاء من أموالهم، التي لكم الولاية عليها، قدر ما يحتاجون إليه من النفقة والكسوة. وقوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) قال مجاهد، وابن جريج. قولوا لهم، يعني للنساء والصبيان، وهم السفهاء، " قولا معروفا " في البر والصلة. وقال ابن زيد: ان كان السفيه ليس من ولدك، ولا يجب عليك نفقته، فقل له قولا معروفا، مثل: عافانا الله وإياك، بارك الله فيك. وقال ابن جريج: معناه: يا معاشر ولاة السفهاء، قولوا قولا معروفا للسفهاء، وهو: إن صلحتم ورشدتم، سلمنا إليكم أموالكم، وخلينا بينكم وبينها، فاتقوا الله في أنفسكم وأموالكم، وما أشبه ذلك، مما هو واجب عليكم، ويحثكم على الطاعة،، وينهاكم عن المعصية. وقال الزجاج: معناه: علموهم مع إطعامكم إياهم وكسوتكم إياهم، أمر دينهم.
[ 116 ]
وفي الآية دلالة على جواز الحجر على اليتيم إذا بلغ، ولم يؤنس منه الرشد، لان الله تعالى منع من دفع المال إلى السفهاء، وقد بينا أن المراد به أموالهم على بعض الاحوال. وفي الآية دلالة على وجوب الوصية، إذا كان الورثة سفهاء، لان ترك الوصية بمنزلة إعطاء المال في حال الحياة إلى من هو سفيه، وإنما سمي الناقص العقل سفيها (1)، وان لم يكن عاصيا، لان السفه هو خفة الحلم، ولذلك سمي الفاسق سفيها، لانه لا وزن له عند أهل الدين (2)، والعلم فثقل الوزن وخفته، ككبر القدر وصغره. قوله تعالى
: (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فان آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم وكفى بالله حسيبا) (6) - آية بلا خلاف -. المعنى: هذا خطاب لاولياء اليتامى، أمر الله تعالى بأن يختبروا عقول اليتامى في أفهامهم، وصلاحهم في أديانهم، وإصلاحهم أموالهم. وهو قول قتادة، والحسن، والسدي، ومجاهد، وابن عباس، وابن زيد. وقد بينا أن الابتلاء معناه الاختبار فيما مضى. وقوله: " حتى إذا بلغوا النكاح " معناه: حتى يبلغوا الحد الذي يقدرون على مجامعة النساء وينزل، وليس المراد الاحتلام، لان في الناس من * " هامش " * (1) (سفيها) ساقطة من المطبوعة. (2) عند (أهل الدين) ساقطة من المطبوعة.
[ 117 ]
لا يحتلم، أو يتأخر احتلامه، وهو قول أكثر المفسرين: مجاهد، والسدي، وابن عباس، وابن زيد. ومنهم من قال: إذا كمل عقله، واونس منه الرشد، سلم إليه ماله، وهو الاقوى. ومنهم من قال: لا يسلم إليه حتى يكمل له خمس عشرة سنة، وإن كان عاقلا، لان هذا حكم شرعي، وبكمال العقل تلزمه المعارف لا غير، وقال أصحابنا: حد البلوغ إما بلوغ النكاح، أو الانبات في العانة، أو كمال خمس عشرة سنة. وقوله: " فان آنستم منهم رشدا " معناه: فان وجدتم منهم رشدا وعرفتموه، وهو قول ابن عباس.
اللغة: تقول: آنست من فلان خيرا إيناسا وأنست به أنسا: إذا ألفته. وفي قراءة عبد الله: فان أحسيتم يعني أحسستم، أي وجدتم، والاصل فيه: أبصرتم. ومنه قوله: " آنس من جانب الطور نارا " (1) أي أبصر، ومنه أخذ انسان العين، وهو حدقتها التي يبصر بها. المعنى: واختلفوا في معنى الرشد (2)، فقال السدي، وقتادة: معناه عقلا ودينا وصلاحا. وقال الحسن (3)، وابن عباس: معناه: صلاحا في الدين، وإصلاحا للمال. وقال مجاهد، والشعبي: معناه العقل. قال: لا يدفع إلى اليتيم ماله، وإن أخذ بلحيته، وإن كان شيخا، حتى يؤنس منه رشده: العقل. وقال ابن جريج: صلاحا، وعلما بما يصلحه. والاقوى أن يحمل على أن المراد به العقل، وإصلاح المال، على ما قال ابن عباس، والحسن، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، للاجماع على أن من يكون كذلك لا يجوز الحجر في ماله، وان كان فاجرا في دينه، فإذا كان ذلك اجماعا " (هامش) " (1) سورة القصص: آية 29. (2) (واختلفوا في معنى الرشد) ساقطة من المطبوعة. (3) (الحسن) ساقط من المطبوعة.
[ 118 ]
فكذلك إذا بلغ، وله مال في يد وصي أبيه أو في يد حاكم قد ولي ماله، وجب عليه أن يسلم إليه ماله، إذا كان عاقلا، مصلحا لما له، وإن كان فاسقا في دينه. وفي الآية دلالة على جواز الحجر على العاقل، إذا كان مفسدا في ماله، من حيث أنه إذا كان عند البلوغ يجوز منعه المال إذا كان مفسدا له، فكذلك في حال كمال العقل إذا صار بحيث يفسد المال، جاز الحجر عليه، وهو المشهور في أخبارنا.
ومن الناس من قال: لا يجوز الحجر على العاقل، ذكرناه في الخلاف. وقوله: (فادفعوا إليهم أموالهم ولا تأكلوها إسرافا وبدارا) فهو خطاب لاولياء اليتيم، أمرهم الله تعالى إذا بلغ اليتيم، وأونس منه الرشد، على ما فسرناه، أن يسلم إليه ماله، ولا يحبسه عنه. وقوله: (ولا تأكلوها اسرافا) معناه بغير ما أباحه الله لكم. وقال الحسن، والسدي: الاسراف في الاكل. وأصل الاسراف تجاوز الحد المباح إلى ما لم يبح، وربما كان ذلك في الافراط، وربما كان في التقصير غير أنه إذا كان في الافراط يقال منه: أسرف يسرف إسرافا، وإذا كان في التقصير يقال: سرف يسرف سرفا، يقال: مررت بكم فسرفتكم، يريد: فسهوت عنكم، واخطأتكم، كما قال الشاعر: اعطوا هنيدة يحدوها ثمانية * ما في عطائهم من ولا سرف (1) يعني لاخطأ فيه، يريد أنهم يصيبون مواضع العطاء فلا يخطونها. وقوله: " وبدارا أن يكبروا " فالبدار والمبادرة مصدران، فنهى الله تعالى أولياء اليتامى أن يأكلوا أموالهم اسرافا بغير ما أباح الله لهم أكله، ولا مبادرة منكم بلوغهم، وإيناس الرشد منهم، حذرا أن يبلغو ا، فيلزمكم تسليمه إليهم، وبه قال ابن عباس، وقتادة، والحسن، والسدي، وابن زيد. * " هامش " * (1) قائله جرير ديوانه 2: 15 واللسان (هند) و (سرف) وهو من قصيدة يمدح بها يزيد بن عبد الملك، ويهجو آل المهلب. قوله: (هنيدة) اسم لكل مئة من الابل، و (هنيد) لا يصرف ولا يدخل عليه الالف واللام ولا يجمع وليس له واحد من جنسه. و (ثمانية) أي ثمانية من العبيد: وكان في المخطوطة والمطبوعة (عطاءكم) وهو مناسب في المعنى ولكن لم أجد أحد يرويه الا (عطائهم).
[ 119 ]
وأصل البدار الامتلاء. ومنه البدر القمر، لامتلائه نورا، والبدرة:
لامتلائها بالمال، والبيدر: لامتلائه بالطعام، وموضع " أن " نصب بالمبادرة، والمعنى: لا تأكلوها مبادرة كبرهم. وقوله: (ومن كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف " يعني: من كان غنيا من ولاة أموال اليتامى فليستعفف بماله عن أكلها، وبه قال ابن عباس، وابراهيم. وقوله: (ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف) قال عبيدة: معناه القرض، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، ألا ترى أنه قال: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم) " ومن كان فقيرا " فاختلفوا في الوجه الذي يجوز له أكل مال اليتيم به إذا كان فقيرا، وهو المعروف، فقال سعيد بن جبير، وعبيدة السلماني، وأبو العالية، وأبو وائل، والشعبي، ومجاهد، وعمر بن الخطاب: هو أن يأخذه قرضا على نفسه فيما لابد له منه، ثم يقضيه، وبينا أنه المروي عن أبي جعفر (ع). وقال الحسن، وإبراهيم، ومكحول، وعطاء بن أبي رباح: يأخذ ماسد الجوعة، ووارى العورة، ولا قضاء عليه، ولم يوجبوا أجرة المثل، لان أجرة المثل ربما كانت أكثر من قدر الحاجة. والظاهر في أخبارنا أن له أجرة المثل، سواء كان قدر كفايته، أولم يكن. وسئل ابن عباس عن ولي يتيم له إبل هل له أن يصيب من ألبانها ؟ فقال: إن كنت تلوط حوضها، وتهنأ جرباها، فأصبت من رسلها، غير مضر بغسل ولا ناهكه في الحلب. معنى تلوط حوضها: تطينه، وتهنأ جرباها، معناه: تطليها بالهناء، وهو الخضخاض، ذكره الازهري، والرسل اللبن، والنهك: المبالغة في الحلب. واختلفوا في هل للفقير من ولي اليتيم أن يأكل من ماله هو وعياله، فقال عمرو بن عبيد: ليس له ذلك، لقوله: " فليأكل بالمعروف " فخصه بالاكل، وقال الجبائي: له ذلك لان قوله: " بالمعروف " يقتضي أن يأكل هو وعياله، على ما جرت به العادة في أمثاله، وقال إن كان المال واسعا كان له أن يأخذ قدر
كفايته، له ولمن يلزمه نفقته من غير اسراف، وإن كان قليلا كان له أجرة المثل
[ 120 ]
لا غير، وإنما لم يجعل له أجرة المثل إذا كان المال كثيرا، لانه ربما كان أجرة المثل أكثر من نفقته بالمعروف، وعلى ما قلناه من أن له أجرة المثل سقط هذا الاعتبار وقوله: (فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم) خطاب لاولياء اليتامى، إذا دفعوا أموال اليتامى إليهم، أن يحتاطوا لانفسهم بالاشهاد عليهم، لئلا يقع منهم جحود، ويكونوا أبعد من التهمة، وسواء كان ذلك في أيديهم، أو استقرضوه دينا على نفوسهم، فان الاشهاد يقتضيه الاحتياط، وليس بواجب. وقوله: (كفى بالله حسيبا) معناه: كفى الله، والباء زائدة، وقال السدي: معناه: شهيدا ههنا، وقيل: معناه: وكفى بالله كافيا من الشهود، ولان أحسبنى معناه: كفائي، والمعنى: وكفى بالله شهيدا في الثقة بايصال الحق إلى صاحبه والمحسب من الرجال المرتفع النسب. والمحسب، المكفى. وولي اليتيم المأمور بابتلائه، وهو الذي جعل إليه القيام به، من وصي، أو حاكم، أو أمين،، ينصبه الحاكم. وأجاز أصحابنا الاستقراض من مال اليتيم إذا كان مليا، وفيه خلاف. قوله تعالى: (للرجال نصيب مما ترك الوالدان والاقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والا قربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا) (7) - آية بلا خلاف -. النزول: اختلفوا في سبب نزول هذه الآية، فقال قتادة، وابن جريج، وابن زيد: إن أهل الجاهلية كانوا يورثون الذكور دون الاناث، فنزلت هذه الآية ردا لقولهم. وقال الزجاج: كانت العرب لا تورث إلا من طاعن بالرماح، وذاد عن الحريم والمال، فنزلت هذه الآية ردا عليهم، وبين أن للرجال نصيبا مما ترك الوالدان
والاقربون، " وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والاقربون، مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا " يعني حظا مفروضا، قال الزجاج: مفروضا. نصب على الحال،
[ 121 ]
وقال غيره: هو إسم في موضع المصدر، كقولك قسما واجبا، وفرضا لازما، ولو كان إسما ليس فيه معنى المصدر، لم يجز قولك: عندي حق درهما، ويجوز: لك عندي درهم هبة مفترضة (1) وأصل الفرض الثبوت، والفرض: الحز في سية القوس حيث يثبت الوتر، والفرض: ما أثبته على نفسك من هبة أو صلة، والفرض: إيجاب الله عز وجل على العبد ما يلزمه فعله لاثباته عليه، والفرض: جند يفترضون، والفرض: ما أعطيت من غير قرض، لثبوت تمليكه، والفرض: ضرب من التمر. والفارض المسنة، والفرضة: حيث ترمي (2) السفن من النهر وكل ضخم فارض، والفرق بين الفرض والوجوب أن الفرض هو الايجاب، غير أن الفرض يقتضي فارضا فرضه، وليس كذلك الواجب لانه قد يجب الشئ في نفسه من غير إيجاب موجب، ولذلك صح وجوب الثواب والعوض على الله تعالى، ولم يجز فرضه عليه. وأصل الوجوب الوقوع، يقال: وجب الحائط وجوبا فهو واجب، إذا وقع، وسمعت وجبة أي وقعة كالهدة، ومنه " وجبت جنوبها " (3) أي وقعت لجنوبها، ووجب الحق وجوبا، إذا وقع سببه، كوجوب رد الوديعة، وقضاء الدين، ووجوب شكر المنعم، ووجوب الاجر، وإنجاز الوعد، ووجب القلب وجيبا إذا خفق من فزع وقعة كالهدة. وفي الآية دليل على بطلان القول بالعصبة، لان الله تعالى فرض الميراث للرجال والنساء، فلو جاز أن يقال: النساء لا يرثن في موضع، لجاز لآخرين أن يقولوا: والرجال لا يرثون، والخبر المدعى في العصبة خبر واحد، لا يترك له عموم القرآن، لانه معلوم، والخبر مظنون، وقد بينا ضعف الخبر في كتاب تهذيب
الاحكام، فمن أراده وقف عليه من هناك. وفي الآية أيضا دلالة على أن الانبياء يورثون، لانه تعالى عم الميراث للرجال والنساء، ولم يخص، نبيا من غيره، وكما لا يجوز أن يقال: النبي لا يرث،
(1) في المطبوعة: مقبوضة. (2) في المطبوعة: ترقا. (3) سورة الحج: آية 36.
[ 122 ]
لانه خلاف الآية، فكذلك لا يجوز أن يقال: لا يورث، لانه خلافها، والخبر الذي يروون أنه قال: نحن معاشر الانبياء لا نورث، ما تركناه صدقة، خبر واحد، وقد بينا ما فيه، في غير موضع، وتأولناه، بعد تسليمه. قوله تعالى: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا) (8) - آية بلا خلاف -. المعنى: هذه الآية عندنا محكمة، وليست منسوخة، وهو قول ابن عباس، وسعيد ابن جبير، والحسن، وابراهيم، ومجاهد، والشعبي، والزهري، ويحيى بن يعمر، والسدي، والبلخي، والجبائي، والزجاج، وأكثر المفسرين والفقهاء. وقال سعيد ابن المسيب، وأبو مالك، والضحاك، هي منسوخة، وإرزاق من حضر قسمة الميراث من هذه الاصناف، ليس بواجب، بل هو مندوب إليه، وهو الذي اختاره الجبائي، والبلخي، والرماني، وجعفر بن مبشر، وأكثر الفقهاء والمفسرين. وقال مجاهد: هو واجب، وحق لازم ما طابت به أنفس الورثة. وكل من ذهب إلى أنها منسوخة قال: إن الرزق ليس بواجب، وكذلك من قال انها في الوصية. واختلفوا فيمن المخاطب بقوله: " فارزقوهم " فقال أكثر المفسرين: إن
المخاطب بذلك الورثة، أمروا بأن يرزقوا المذكورين، إذا كانوا لاسهم لهم في الميراث، وقال آخرون إنها تتوجه إلى من حضرته الوفاة، وأراد الوصية، فانه ينبغي له أن يوصي لمن لا يرثه من هؤلاء المذكورين، بشئ من ماله. وروي هذا القول الاخير عن ابن عباس، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر، وسعيد ابن المسيب، واختار الطبري هذا الوجه، والوجه الاول روي عن ابن عباس، وعبد الله بن الزبير، وأبي موسى الاشعري، وابن سيرين، والحسن، وسعيد بن جبير. قال سعيد بن جبير: إن كان الميت أوصى لهم بشئ أنفذت وصيته، وإن
[ 123 ]
كان الورثة كبارا أرضخوا لهم، وإن كانوا صغارا قال وليهم: إني لست أملك هذا المال، وليس لي، إنما هو للصغار، فذلك قوله: (وقولوا لهم قولا معروفا) وبه قال السدي، وابن عباس. واختلفوا فيمن المأمور [ بقول ] (1) المعروف، فقال سعيد بن جبير: أمر الله يقول الولي الذي لا يرث، للمذكورين قولا معروفا، ويقول: إن هذا لقوم غيب أو يتامى صغار، ولكم فيه حق، ولسنا نملك أن نعطيكم منه. وقال قوم: المأمور بذلك الرجل الذي يوصي في ماله، والقول المعروف: أن يدعو لهم بالرزق والغنى، وما أشبه ذلك. وروي عن ابن عباس، وسعيد بن المسيب، وابن زيد: أن الآية في الوصية، على أن يوصوا للقرابة، ويقولوا لغيرهم قولا معروفا. ومن قال إنها على الوجوب، قال: لا يعطي من مال اليتيم شيئا، ويقول قولا معروفا، ذهب إليه ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والسدي. وروى ابن علية، عن عبيدة، أنه ذبح شاة من مال اليتيم، وقسمه بينهم، وقال: كنت أحب أن يكون من مالي لولا هذه الآية. وعمل ابن سيرين في مال اليتيم ما عمل عبيدة، وأقوى الاقوال أن يكون الخطاب متوجها إلى الوراث البالغين، لان فيه أمرا بالرزق لمن حضر، ولم يخاطب الله من لا يملك
أن يخرج من مال غيره شيئا، فكأن الله تعالى حث هؤلاء، ورغبهم في أن يجعلوا للحاضرين شيئا مما يحقهم (2)، ويقولوا لهم قولا، معروفا، فيصير ردا جميلا، من غير تأفف، ولا تضجر، وكذلك لو قلنا إنها متوجهة إلى الموصي، لكان محمولا على أنه يستحب له أن يوصي لهؤلاء بشئ من ماله، ما لم يزد على الثلث، فان لم يختر ذلك قال لهم قولا جميلا، لا يتألمون منه، ولا يغتمون به. وفي الآية حجة على المجبرة، لانه تعالى قال: " فارزقوهم " وفيه دلالة على أن الانسان يرزق غيره على معنى التمليك، وأن الله لا يرزق حراما، لانه لو رزقه لخرج برزقه إياه من أن يكون حراما، ومثله قوله: " وهو خير الرازقين ".
(1) في المطبوعة: لقوله المعروف، وفي المخطوطة: لقوله بالمعروف، وكلاهما تحريف. (2) هكذا في المطبوعة والمخطوطة والاولى: مما يلحقهم.
[ 124 ]
قوله تعالى: (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا) (9) - آية بلا خلاف -. المعنى: قيل في معنى الآية أربعة أقوال: أحدها - النهي عن الوصية بما يجحف بالورثة، ويضر بهم، هذا قول ابن عباس، في بعض الروايات، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والسدي، والضحاك، ومجاهد. الثاني - قال الحسن: كان الرجل يكون عند الميت فيقول: أوص بأكثر من الثلث من مالك، فنهاه الله عن ذلك. الثالث - روي عن ابن عباس: أنه خطاب لولي مال اليتيم، يأمره بأداء الامانة فيه، والقيام بحفظه، كما لو خاف على مخلفيه، إذا كانوا ضعافا، وأحب أن
يفعل بهم. الرابع - قال مقسم: هي في حرمان ذوي القربى أن يوصي لهم، بأن يقول الحاضر للوصية: لا توص لاقاربك، ووفر على ورثتك. اللغة: والذرية: على وزن فعلية، منسوبة إلى الذر، ويجوز أن يكون أصلها ذرورة، لكن الراء أبدلت ياء، وأدغمت الواو فيها، وهي بضم الذال، ويجوز فيها كسرها، وقد قرئ به في الشواذ، ومن كسر الذال فلكسرة الراء، كما قالوا في عنى عتي، وعصي، وضعاف: جمع ضعيف وضعيفة، كقولك: ظريف وظريفة وظراف، وخبيث وخباث، ويجمع أيضا ضعفاء. وأصل الضعاف من الضعف، وهو النقص في القوة، ومنه المضاعف، لانه ينفي الضعف، ومنه الضعف. وقوله: (فليتقوا الله) يعني: فليتقوا معاصيه، (وليقولوا قولا سديدا)
[ 125 ]
وهو السليم من خلل الفساد، وذلك الحق بالدعاء إلى العدل في القسم بما لا يجحف بالورثة، ولا يحرم ذوي القربي، وأصل السديدمن سد الخلل، تقول: سددته أسده سدا، والسداد: الصواب، والسداد - بكسر السين - من قولهم: فيه سداد من عوز، وسدد السهم: إذا قومه، والسد الردم، والسدة في الانف. المعنى: ومعنى الآية، أنه ينبغي للمؤمن الذي لو ترك ذرية ضعافا بعد موته، خاف عليهم الفقر والضياع، أن يخشى على ورثة غيره من الفقر والضياع، ولا يقول لمن يحضر وصيته أن يوصي بما يضر بورثته، وليتق الله في ذلك، وليتق الاضرار بورثة المؤمن، وليقل قولا سديدا، ولذلك نهى النبي صلى الله عليه وآله أن يوصى بأكثر من الثلث، وقال: " والثلث كثير " وقال لسعد " لان تدع ورثتك أغنياء أحب
الي من أن تدعهم عالة يتكففون الناس بأيديهم ". قوله تعالى: (إن الذين يأكلون أموال اليتامي ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا) (10) - آية -. القراءة والحجة: قرأ ابن عامر، وأبو بكر، عن عاصم: وسيصلون - بضم الياء - الباقون، بفتحها، والفتح أقوى، لقوله: " لا يصلاها إلا الاشقى " (1) وقوله: " إلا من هو صال الجحيم " (2) ومن ضم الياء ذهب إلى أصلاه الله إذا أحرقه بالنار. المعنى: وإنما علق الله تعالى الوعيد في الآية لمن يأكل أموال اليتامى ظلما، لانه قد
(1) سورة الليل: آية 15. (2) سورة الصافات: آية 163.
[ 126 ]
يأكله على وجه الاستحقاق، بأن يأخذ منه أجرة المثل، على ما قلناه. أو يأكل منه بالمعروف على ما فسرناه، أو يأخذه قرضا على نفسه، فان قيل: إذا أخذه قرضا على نفسه، أو أجرة المثل، فلا يكون أكل مال اليتيم، وإنما أكل مال نفسه. قلنا: ليس الامر على ذلك، لانه يكون أكل مال اليتيم، لكنه على وجه التزم عوضه في ذمته، أو استحقه بالعمل في ماله، فلم يخرج بذلك من استحقاق الاسم بانه مال اليتيم، ولو سلم ذلك، لجاز أن يكون المراد بذلك ضربا من التأكيد وبيانا، لانه لا يكون أكل مال اليتيم إلا ظلما. ونصب ظلما على المصدر، وتقديره: إن من أكل مال اليتيم فانه يظلمه ظلما. وقوله: (إنما يأكلون في بطونهم نارا) قيل في معناه وجهان:
أحدهما - ماقاله السدي من أن من أكل مال اليتيم ظلما يبعث يوم القيامة ولهب النار يخرج من فيه، ومن مسامعه، ومن أذنيه وأنفه وعينيه، يعرفه من رآه. بأكل مال اليتيم. الثاني - أنه على وجه المثل، من حيث أن فعل ذلك يصير إلى جهنم، فتمتلئ بالنار أجوافهم، عقابا على ذلك الاكل منهم، كما قال الشاعر: وان الذي اصبحتم تحلبونه * دم غير أن اللون ليس باحمرا يصف أقواما أخذوا الابل في الدية، يقول: فالذي تحلبون من ألبانها ليس لبنا، إنما هو دم القتيل. اللغة: وقوله: (وسيصلون سعيرا) فالصلا لزوم النار، للاحراق، أو التسخن، أوالانضاج، يقال: صلي بالنار يصلى صلا بالقصر، قال العجاج: وصاليات للصلا صلي (1) ويقال الصلا بالكسر والمد، قال الفرزدق:
(1) ديوانه: 67 من ارجوزته المشهورة.
[ 127 ]
وقاتل كلب الحي عن نار أهله * ليربض فيها والصلا متكنف (1) واصطلى صلى بالنار اصطلاء، وأصليته النار اصلاء، إذا القيته فيها. وفي التنزيل: " فسوف نصليه نارا " (2) والصالي بالشر الواقع فيه قال الشاعر: لم اكن من جناتها علم الله * واني بحرها اليوم صالي (3) ومنه شاة مصلية، أي مشوية. والسعير بمعنى مسعورة، مثل كف خضيب، بمعنى مخضوبة، والسعر اشعال النارتقول سعرتها أسعرها سعرا. ومنه قوله: " وإذا الجحيم سعرت " (4) واستعرت النار في الحطب استعارا، واستعرت
الحرب والشر استعارا، ومنه سعر السوق، لاستعارها به في النفاق. المعنى: وأكل مال اليتيم على وجه الظلم، وغصبه متساويان في توجه الوعيد إليه، ولا يدل على مثل ذلك في غير مال اليتيم، لان الزواجر عن مال اليتيم أعظم. وقال الجبائي: هما سواء، ومن غصب من مال اليتيم خمسة دراهم فان الوعيد يتوجه إليه وقال الرماني: لا يتوجه إليه، لان أقل المال مئتا درهم. وقال الجبائي: يلزمه كما يلزم مانع الزكاة. وقال الرماني: هذا ليس بصحيح، لانه يجوز أن يكون منع الزكاة أعظم، وما قلناه أولا أولى بعموم الآية. وقوله: لا يسمى المال إلا مئتا درهم دعوى محضة، لا برهان عليها. قوله تعالى: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين فان
(1) ديوانه: 56 والنقائض 561 واللسان (صلا) والمعنى: ان الكلب يزاحم أهل الحي على النار وهم متجمعون - متكنفون - عليها من شدة البرد. (2) سورة النساء: آية 29. (3) قائله الحارث بن عباد البكري الاصمعيات 67 القصيدة 17، وحماسة البحتري 33 والكامل لابن الاثير 1: 220 وخزانة الادب 1: 225 وغيرها. وقد مر البيت في 1: 195 من هذا الكتاب. (4) سورة التكوير: آية 12.
[ 128 ]
كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فان كان له إخوة فلامه السدس من بعد وصية يوصى بها أو دين آباؤكم وأبناؤكم
لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله إن الله كان عليما حكيما) (11) - آية بلا خلاف -. القراءة والحجة: قرأ ابن عامر، وابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم: يوصى - بفتح الصاد - الباقون بكسرها، وهو الاقوى، لقوله: " مما ترك إن كان له ولد " فتقدم ذكر الميت، وذكر المفروض مما ترك (1)، ومن فتحها فلانه ليس لميت معين، وإنما هو شائع في الجميع. سبب النزول والقصة: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال السدي، وابن عباس: إن سبب نزولها، أن القوم لم يكونوا يورثون النساء والبنات والبنين الصغار، ولم يورثوا إلا من قاتل وطاعن، فأنزل الله الآية، وأعلمهم كيفية الميراث. وقال عطاء، عن ابن عباس، وابن جريج، عن مجاهد، عن ابن عباس، إنهم كانوا يورثون الولد، وللوالدين الوصية، فنسخ الله ذلك. وقال محمد بن المنكدر، عن جابر، قال: كنت عليلا مدنفا، فعاده النبي صلى الله عليه وآله، ونضح الماء على وجهه فأفاق، وقال: يارسول الله، كيف أعمل
(1) في المطبوعة (ما ترك)
[ 129 ]
في مالي: فأنزل الله الآية. وروي عن ابن عباس قال: كان المال للولد، والوصية للوالدين والاقربين، فنسخ (1) ذلك بهذه الآية. المعنى: وهذه الآية عامة في كل ولد يتركه الميت، وان المال بينهم للذكر مثل حظ الانثيين، وكذلك حكم البنت والبنتين. والبنت (2) لها النصف، ولهما الثلثان على
كل حال، إلا من خصه الدليل من الرق، والكفر، والقتل، فانه لا خلاف أن الكافر، والمملوك، والقاتل عمدا، لا يرثون، وإن كان القائل خطأ، فقيه الخلاف وعندنا يرث من المال دون الدية. فأما المسلم فانه عندنا يرث الكافر، وفيه خلاف، ذكرناه في مسائل الخلاف، والعبد لا يورث لانه لا يملك شيئا، والمرتد لا يرث وميراثه لورثته المسلمين، وهذا قول علي (ع). وقال سعيد بن المسيب: نرثهم ولا يرثونا وبه قال معاوية، والحسن، وعبد الله بن معقل، ومسروق وقوله صلى الله عليه وآله " لا يتوارث أهل ملتين " معناه: لا يرث كل واحد منهما صاحبه، فانا نقول: المسلم يرث الكافر، والكافر لا يرث المسلم، فلم تثبت حقيقة التوارث بينهما. ومعنى: " يوصيكم الله " فرض عليكم، لان الوصية من الله فرض، كما قال: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به " (3) يعني فرض، عليكم، ذكره الزجاج، وإنما لم يعد قوله: " يوصيكم " إلى (مثل) فينصبه، لانه كالقول في حكاية الجملة بعده، والتقدير: قال الله: " في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين " ولان الغرض بالآية الفرق بين الموصى به والموصى له، في نحو أوصيت زيدا بعمرو. وقوله: (فان كن نساء فوق اثنتين) فالظاهر يقتضي أن الثنتين لا يستحقان الثلثين، وإنما يستحق الثلثان إذا كن فوق اثنتين، لكن أجمعت الامة أن حكم البنتين حكم من زاد عليهما من البنات، فتركنا له الظاهر. وقال أبو العباس المبرد،
(1) في المطبوعة (فنسخ بهذه الآية) باسقاط ذلك. (2) (والبنت) ساقطة من المطبوعة. (3) سورة الانعام: آية 151.
[ 130 ]
واختاره إسماعيل بن اسحاق القاضي: إن في الآية دليلا على أن للبنتين الثلثين، لانه إذا قال: (للذكر مثل حظ الانثيين) وكان أول العدد ذكرا وأنثى، للذكر
الثلثان وللانثى الثلث علم من ذلك أن للبنتين الثلثين، وأعلم الله أن ما فوق البنتين لهن، الثلثان. وحكى الزجاج عمن قال: ذلك معلوم، بقوله تعالى: (يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك) (1) فجعل للاخت النصف، كما جعل للبنت النصف، ثم قال: (فان كانتا اثنتين فلهما الثلثان) (2) فأعطيت البنتان الثلثين (3)، كما أعطيت الاختان الثلثين وأعطي جملة الاخوات الثلثين، فكذلك جملة البنات. وذكر عن ابن عباس: أن البنتين بمنزلة البنت، وإنما استحق الثلثين الثلاث بنات فصاعدا. وحكى النظام، في كتاب النكت، عن ابن عباس: أن للبنتين نصفا وقيراطا، قال: لان للبنت الواحدة النصف، وللثلاث بنات الثلثين، فينبغي أن يكون للبنتين ما بينهما، ثم يشتركان في النصف وقيراط بالسوية. وقوله: (وإن كانت واحدة فلها النصف " يدل على أن فاطمة (ع) كانت مستحقة للميراث، لانه عام في كل بنت، والخبر المدعي في أن الانبياء لا يورثون خبر واحد، لا يترك له عموم الآية لانه معلوم لا يترك بمظنون. وقوله: (ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد) ليس في ذلك خلاف، وكذلك إن كان واحد من الابوين مع الولد، كان له السدس بالتسمية، بلا خلاف، ثم ينظر، فان كان الولد ذكرا، كان الباقي للولد واحدا كان أو أكثر، بلا خلاف، وكذلك إن كانوا ذكورا واناثا فالمال بينهم، " للذكر مثل حظ الانثيين " وإن كانت بنتا كان لها النصف، ولاحد الابوين السدس، والباقي عندنا يرد على البنت وأحد الابوين على قدر سهامهما، أيهما كان، لان قرابتهما سواء، ومن خالفنا يقول: إن كان أحد الابوين ابا كان الباقي له، لانه عصبة وإن كانت أما ففيهم من يقول بالرد على البنت وعلى الام ومنهم من يقول: الباقي لبيت المال، * " هامش " * (1، 2) سورة النساء: آية 175. (3) في المخطوطة والمطبوعة (اعطيت البنتين الثلثان) وهو ؟.
[ 131 ]
وإنما رددنا عليهما لقوله: (وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض (1) وههنا هما متساويان، لان البنت تتقرب بنفسها إلى الميت، فكذلك أحد الابوين، والخبر المدعى في أن ما أبقت الفرائض فلاولي عصبة ذكر، خبر ضعيف، بينا وجهه في تهذيب الاحكام، لا يخص به عموم القرآن. وقوله (فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث) فمفهومه أن الباقي للاب وليس فيه خلاف، فان كان في الفريضة زوج كان له النصف، وللام الثلث بالظاهر، وما بقى فللاب. ومن قال: للام ثلث ما يبقي، فقد ترك الظاهر، وبمثل ما قلناه قال ابن عباس، فان كان بدل الزوج زوجة، كان الامر مثل ذلك، للزوجة الربع، وللام الثلث، والباقي للاب، وبه قال ابن عباس، وابن سيرين. قوله: (فان كان له إخوة فلامه السدس) ففي أصحابنا من يقول: إنما يكون لها السدس إذا كان هناك أب لان التقدير: فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث، فان كان له إخوة وورثه أبواه فلامه السدس، ومنهم من قال: إن لها السدس مع وجود الاخوة، سواء كان هناك أب أو لم يكن، وبه قال جميع الفقهاء، غير أنا نقول: إن كان هناك أب، كان الباقي للاب، وإن لم يكن أب كان الباقي ردا على الام، ولا يرث - أحد من الاخوة والاخوات مع الام شيئا، سواء كانوا من قبل أب وأم أو من قبل أب، أو من قبل أم - على حال، لان الام أقرب منهم بدرجة، ولا يحجب عندنا من الاخوة إلا من كان من قبل الاب والام، أو من قبل الاب، فأما من كان من قبل الام فحسب، فانه لا يحجب على حال، ولا يحجب أقل من أخوين، أو أخ وأختين، أو أربع أخوات، فأما الاختان فلا يحجبان على حال، وخالفنا جميع الفقهاء في ذلك فأما الاخوان (2) فلا خلاف أنه تحجب بهما الام عن الثلث إلى السدس، إلا ما قال إبن عباس: أنه
لا يحجب بأقل من ثلثة، لقوله: " إخوة " والثلاثة أقل الجمع، وحكي عن
(1) سورة الانفال: آية 75. (2) في المطبوعة (الاخوات).
[ 132 ]
ابن عباس أيضا: أن ما يحجبه الاخوة من سهم الام من الثلث إلى السدس، يأخذه الاخوة دون الاب، وذلك خلاف ما أجمعت الامة عليه، لانه لا خلاف أن أحدا من الاخوة لا يستحق مع الابوين شيئا، وإنما قلنا إن اخوة بمعنى أخوين للاجماع من أهل العصر على ذلك، وأيضا فانه يجوز وضع لفظ الجمع في موضع التثنية إذا اقترنت به دلالة، كما قال: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما) (1) ويقول القائل: ضربت الرجلين أرؤسهما، ومن أخويك ظهورهما. فان قيل: لم حجب الاخوة الام من غير أن يرثوامع الاب ؟ قلنا: قال قتادة: معونة للاب، لانه يقوم بنفقتهم، ونكاحهم، دون الام، وهذا بعينه رواه أصحابنا، وهو دال على أن الاخوة من الام لا يحجبون، لان الاب لا يلزمه نفقتهم على حال، وقوله: (آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا) معناه: لا تعلمون أيهم أقرب لكم نفعا في الدين والدنيا، والله يعلمه، فاقسموه على ما بينه من يعلم المصلحة فيه. وقال بعضهم: الاب يجب عليه نفقة الابن إذا احتاج إليها، وكذلك الابن يجب عليه نفقة الاب مع الحاجة، فهما في النفع في هذا الباب سواء، لا تدرون أيهم أقرب نفعا. وقيل: لا تدرون أيكم يموت قبل صاحبه، فينتفع الآخر بماله. فان قيل: كيف قدم الوصية على الدين في هذه الآية وفي التي بعدها، مع أن الدين يتقدم عليها بلا خلاف ؟ قلنا: لان (أو) لا توجب الترتيب، وإنما هي لاحد الشيئين، فكأنه قال: من بعد أحد هذين، مفردا أو مضموما إلى الآخر
كقولهم: جالس الحسن أو ابن سيرين، أي جالس أحدهما مفردا أو مضموما إلى الآخر ويجب البدأة بالدين، لانه مثل رد الوديعة التي يجب ردها على صاحبها، فكذلك حال الدين، وجب ره أولا، ثم يكون بعده (2) الوصية، ثم الميراث. وما قلنا اختاره الجبائي، والطبري، وهو المعتمد عليه في تأويل الآية. وقوله:
(1) سورة التحريم: آية 4. (2) في المطبوعة (هذه) بدل (بعده)
[ 133 ]
(فريضة من الله) نصب على الحال من قوله: (لابويه) وتقديره: فلهؤلاء الورثة ما ذكرناه مفروضا، ف " فريضة " مؤكدة لقوله: " يوصيكم الله " هذا قول الزجاج، وقال غيره: هو نصب على المصدر من قوله: (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين) فرضا مفروضا. وقال غيره: يجوز أن يكون نصبا على التمييز من قوله: (فلامه السدس) فريضة، كما تقول: هو لك صدقة، أو هبة. والثلث، والربع، والسدس، يجوز فيه التخفيف والتثقيل، فالتخفيف لثقل الضمة، وقال قوم: الاصل فيها التخفيف، وإنما ثقل للاتباع، قال الزجاج: هذا خطأ لان الكلام وضع على الايجاز بالتخفيف عن التثقيل. وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) قيل (1) في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سيبويه: كان القوم شاهدوا علما: وحكمة، ومغفرة، وتفضلا، فقيل لهم: (إن الله كان عليما حكيما) لم يزل على ما شاهدتم عليه (2). والثاني - قال الحسن: كان الله عليما بالاشياء قبل حدوثها، حكيما فيما يقدره ويدبره منها. الثالث - قال بعضهم: الخبر عن هذه الاشياء بالمضي، كالخبر بالاستقبال والحال، لان الاشياء عند الله على كل حال فيما مضى وما يستقبل.
وإنما قال في تثنية الاب والام: أبوان تغليبا للفظ الاب، ويقال أيضا للام أبة، ولا يلزم على ذلك أن يقال: في إبن وإبنة: إبنان، لانه يوهم، فان لم يوهم جاز ذلك ذكره الزجاج. قوله تعالى: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فان كان لهن ولد فلكم الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو
(1) المطبوعة (فيدخل) بدل (قيل). (2) هكذا في المخطوطة والمطبوعة والعبارة فيها ما ترى.
[ 134 ]
دين ولهن الربع مما تركتم إن لم يكن لكم ولد فان كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها أو دين وإن كان رجل يورث كلالة أو أمرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فان كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث من بعد وصية يوصى بها أو دين غير مضار وصية من الله والله عليم حليم (12) - آية بلا خلاف -. قوله: (ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد) لا خلاف أن للزوج نصف ما تترك الزوجة إذا لم يكن لها ولد، فان كان لها ولد فله الربع أيضا بلا خلاف سواء كان الولد منه أو من غيره، وإن كان ولد لا يرث لكونه مملوكا، أو كافرا، أو قاتلا، فلا يحجب الزوج من النصف إلى الربع، ووجوه كعدمه. وكذلك حكم الزوجة، لها الربع إذا لم يكن المزوج ولد، على ما قلناه في الزوجة سواء، فان كان له ولد، كان لها الثمن، وما تستحقه الزوجة إن كانت واحدة فهو لها، وإن كن اثنتين أو ثلاثا أو أربعا لم يكن لهن أكثر من ذلك بلا خلاف، ولا
يستحق الزوج أقل من الربع في حال من الاحوال، ولا الزوجة أقل من الثمن على وجه من الوجوه، ولا يدخل عليهما النقصان، وكذلك الابوان لا ينقصان في حال من الاحوال من السدسين، لان العول عندنا باطل على ما بيناه في مسائل الخلاف. وكل من ذكر الله له فرضا، فانما يستحقه إذا أخرج من التركة الكفن، والدين، والوصية، فان استغرق الدين المال لم تنفذ الوصية، ولا ميراث، وإن بقي نفذت الوصية، ما لم تزد على ثلث ما يبقي بعد الدين، فان زادت ردت إلى الثلث. وقوله: (وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت) يعني من الام، بلا خلاف.
[ 135 ]
الاعراب: " وكلالة " نصبه يحتمل أمرين: أحدهما - على أنه مصدر وقع موقع الحال، وتكون كان تامة، وتقديره: يورث متكلل النسب كلالة. والثاني - بأن يكون خبر كان، ذكره الرماني، والبلخي، وتقديره " فان كان " (رجل) إسم كان ويورث: صفته. وكلالة خبره. والاول هو الوجه، لان (يورث) هو الذي اقتضى ذكر الكلالة، كما تقول: يورث هذا الرجل كلالة، بخلاف من يورث ميراث الصلب، ويورث كلالة عصبة وغير عصبة. المعنى: واختلفوا في معنى الكلالة، فقال أبو بكر وعمر، وابن عباس، وابن زيد، وقتادة، والزهري، وابن اسحاق: هو ما عدا الوالد والولد (1). وروي عن ابن عباس في رواية أخرى، أن الكلالة ما عدا الولد (2)، وورث الاخوة من الام السدس مع الابوين، وهذا خلاف إجماع أهل الاعصار. وقال ابن زيد:
الميت يسمى كلالة. وقال جابر، وابن زيد: من عدا الوالد والولد من الورثة يسمى كلالة، فعلى هذا يسمى الزوج والزوجة كلالة، وقال قوم: الكلالة هو الميت الذي لا ولد له، ولا والد. وعندنا أن الكلالة هم الاخوة والاخوات، فمن ذكر في هذه الآية هو من كان من قبل الام، ومن ذكر في آخر السورة فهو من قبل الاب والام، أو من قبل الاب. اللغة: وأصل الكلالة: الاحاطة، فمنه الاكليل، لاحاطته بالرأس، ومنه الكل
(1، 2) في المخطوطة (ما عدا الولد) في الموضعين.
[ 136 ]
لاحاطته بالعدد، والكلالة لاحاطتها بأصل النسب الذي هو الولد والوالد، ومنه الكلال، لانه تعب قد أحاط. وقال أبو مسلم: أصلها من كل إذا أعيا، فكأنه تناول الميراث من بعد على كلال وإعياء. وقال الحسين بن علي المغربي: أصله عندي ما تركه الانسان وراء ظهره، مأخوذا من الكلالة، وهي مصدر الاكل، وهو الظهر، وقال: قرأت على أبي أسامة في كتاب الجيم، لابي عمرو الشيباني: تقول العرب: ولاني فلان أكله على وزن أظله، أي: ولاني ظهره، قال وهذا الاسم تعرفه العرب، وتخبر به عن جملة النسب والوراثة، قال عامر بن الطفيل: وأني وان كنت ابن فارس عامر * وفي السر منها والصريح المهذب فما سودتني عامر عن كلالة * أبى الله ان أسمو بأم ولا أب (1) هكذا أنشده الرازي في كتابه، وينشد عن وراثة. وقال زياد بن زيد العذري:
ولم أرث المجد التليد كلالة * ولم يأن مني فترة لعقيب والكل الثقل، ويقولون لابن الاخ ومن يجري مجراه، ممن يعال على وجه التبرع: هذا كلي، ومن قال: إن الاب لا يدخل في الكلالة استدل بقول الشاعر: فان أبا المرء أحمى له * ومولى الكلالة لا يغضب (2) فأفرد الاب من الكلالة. ولا خلاف أن الاخوة والاخوات من الام يتساوون في الميراث. الاعراب: وقوله: " وصية " نصب على المصدر بقوله: " يوصيكم الله " وصية وقال الفراء: نصب بقوله: " فلكل واحد منها السدس " وصية كما نقول: لك درهمان نفقة إنى أهلك، والاول
(1) اللسان (كال). (2) اللسان (كل).
[ 137 ]
أعم فائدة، وأولى. وقوله: " والله عليم حليم " معناه ههنا: عليم بمصالح خلقه، حليم بامهال من يعصيه، فلا يغتر مغتر بامهاله. وقوله: " وإن كان رجلا يورث كلالة أو أمرأة " ثم قال: " وله أخ أو أخت " ولم يقل: لهما، كما تقول: من كان له أخ أو أخت فليصله، ويجوز: فليصلها، ويجوز: فليصلهما، فالاول يرد الكناية إلى الاخ، والثاني على الاخت، والثالث عليهما، كل ذلك حسن. وقوله: " غير مضار " نصب على الحال، يعني: يوصي بذلك غير مضار. وقال الزجاج: يجوز أن يكون نصبا على أنه مفعول به. وحكى البلخي عن أبي عبيدة، وذكره الزجاج: " يورث " بكسر الراء، قال: ومعناه من ليس بولد ولا والد، ومن نصب الراء أراد المصدر. المعنى: ومسائل المواريث وفروعها بسطناها في النهاية والمبسوط، وأوجزناها في
الايجاز، في الفرائض، لا نطول بذكرها في الكتاب، غير أنا نعقد ههنا جملة تدل على المذهب فنقول: الميراث يستحق بشيئين: نسب وسبب، فالسبب الزوجية، والولاء، والولاء على ثلاثة أقسام: ولاء العتق، وولاء تضمن الجريرة، وولاء الامامة، ولا يستحق الميراث بالولاء إلا مع عدم ذوي الانساب. والميراث بالزوجية ثابت مع جميع الوراث، سواء ورثوا بالفرض أو بالقرابة، ولا ينقص الزوج عن الربع في حال، ولا يزاد على النصف، والزوجة لا تزاد على الربع، ولا تنقص من الثمن على وجه. والميراث بالنسب يستحق على وجهين: بالفرض، والقرابة، فالميراث بالفرض لا يجتمع فيه إلا من كانت قرباه واحدة إلى الميت، مثل البنت أو البنات مع الوالدين أو أحدهما، فانه متى انفرد واحد منهم أخذ المال كله، بعضه بالفرض، والباقي بالرد، وإذا اجتمعا أخذ كل واحد منهم ما سمي له، والباقي يرد عليهم، إن
[ 138 ]
فضل. على قدر سهامهم، وان نقص، لمزاحمة الزوج أو الزوجة لهم، كان النقص داخلا على البنت أو البنات، دون الابوين، أو أحدهما، ودون الزوج والزوجة. ولا يجتمع مع الاولاد، ولا مع الوالدين، ولا مع أحدهما أحد ممن يتقرب لهما، كالكلالتين فانهما لا تجتمعان مع الاولاد، ذكورا كانوا أو إناثا، ولامع الوالدين، ولا مع أحدهما أباكان أو أما، بل تجتمع كلالة الاب وكلالة الام، فكلالة الام إن كان واحدا كان له السدس، وإن كانا إثنين فصاعدا كان لهم الثلث، لا ينقصون منه، والباقي لكلالة الاب، فان زاحمهم الزوج أو الزوجة دخل النقص على كلالة الاب دون كلالة الام، ولا تجتمع كلالة الاب والام مع كلاله الاب خاصة، فان اجتمعا كان المال لكلالة الاب والام، دون كلالة الاب، ذكرا كان أو أنثى، أوذكورا، أو أناثا، أو ذكورا وأناثا (1) ومن يورث بالقرابة دون
الفرض لا يجتمع إلا [ مع ] (2) من كانت قرباه واحدة، وأسبابه ودرجته متساوية، فعلى هذا لا يجتمع مع الولد للصلب ولد الولد، ذكرا كان ولد الصلب أو أنثى، لانه أقرب بدرجة، وكذلك لا يجتمع مع الابوين ولا مع أحدهما من يتقرب بهما من الاخوة والاخوات، والجد والجدة على حال، ولا يجتمع الجد والجدة مع الولد للصلب، ولا مع ولد الولد وإن نزلوا، ويجتمع الابوان مع ولد الولد وإن نزلوا، لانهم بمنزلة الولد للصلب، إذا لم يكن ولد الصلب، والجد والجدة يجتمعان مع الاخوة والاخوات، لانهم في درجة واحدة (3) والجد من قبل الاب بمنزلة الاخ من قبله، والجدة من قبله بمنزلة الاخت من قبله، والجد من قبل الام بمنزلة الاخ من قبلها، والجدة من قبلها بمنزلة الاخت من قبلها، وأولاد الاخوة والاخوات يقاسمون الجد والجدة، لانهم بمنزلة آبائهم، ولا يجتمع مع الجد والجدة من يتقرب بهما من العم والعمة، والخال والخالة، ولا الجد الاعلى،
(1) (أو ذكورا وأناثا) ساقطة من المطبوعة. (2) (مع) ساقطة من المطبوعة. (3) في المطبوعة (دج والجد) باسقاط واحدة والتأنيث من درجة.
[ 139 ]
ولا الجدة العليا، وعلى هذا تجري جملة المواريث، فان فروعها لا تنحصر، وفيما ذكرناه تنبيه على ما لم نذكره. وأما المسائل التي اختلف قول الصحابة فيها، فقد ذكرناها في خلاف الفقهاء، فلا وجه لذكرها ههنا، لانه يطول به الكتاب. قوله تعالى: (تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم (13) ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله
عذاب مهين) (14) - آيتان بلا خلاف -. القراءة، والحجة: قرأ نافع، وابن عامر: ندخله بالنون في الموضعين، الباقون بالياء، فمن قرأ بالياء فلان ما تقدم لفظ الغائب ومن قرأ بالنون عدل عن خطاب الغائب إلى الاخبار عن الله بنون العظمة، كما قال: " بل الله مولاكم " (1) وقال بعده: " سنلقي " فعدل عن الغائب. المعنى، والاعراب: قال الفراء، والزجاج: معنى " تلك " هذه، كأنه قال هذه حدود الله واختلفوا في معنى الحدود، فقال السدي: تلك شروط الله، وقال ابن عباس: تلك طاعة الله، وقال قوم: تلك فرائض الله وأمره، وقال قوم: تلك تفصيلات الله لفرائضه، وهو الاقوى، لان أصل الحد هو الفصل، مأخوذا من حدود الدار التي تفصلها من غيرها، فمعنى الآية: هذه القسمة التي قسمها الله لكم، والفرائض التي فرضها لاحيائكم من * " هامش " * سورة آل عمران: آية 150.
[ 140 ]
أمواتكم حدود الله، يعني فصول بين طاعة الله ومعصيته على ما قال ابن عباس، والمعنى تلك حدود طاعة الله، وانما اختص لوضوح المعنى للمخاطبين. فان قيل: إذا كان ما تقدم ذكره دل على أنها حدود الله، فما الفائدة في هذا القول ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - للتأكيد، والثاني - أن الوجه في إعادته ما علق به من الوعد والوعيد الصريح. فان قيل: لم خصت الطاعة في قسمة الميراث بالوعد، مع أنه واحب في كل طاعة إذا فعلت لوجه الوجوب ؟ قلنا: للبيان عن عظم موقع هذه الطاعة، مع
التذكير بما يستحق عليها ترغيبا فيها بوعد مقطوع. وقوله: (يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها) نصب على الحال. قال الزجاج والتقدير: يدخلهم مقدرين الخلود فيها، والحال يستقبل فيها، كما تقول: مررت برجل معه باز، صائدا به غدا، أي يقدر الصيد به غدا. وقوله: (وذلك الفوز العظيم) معناه الفلاح العظيم، فوصفه بأنه عظيم ولم يبين بالاضافة إلى ماذا، لان المراد به أنه عظيم بالاضافة إلى منفعة الخيانة في التركة، من حيث كان أمر الدنيا حقيرا بالاضافة إلى أمر الآخرة. وقوله: (ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده) معناه يعصي الله فيما بينه من الفرائض، وأموال اليتامى، " ويتعد " معناه: يتجاوز ما بين له، " يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين " وخالدا نصب على أحد وجهين: أحدهما - أن يكون حالا من الهاء في يدخله. والآخر - أن يكون صفة لنار في قول الزجاج، كقولك: زيد مررت بدار ساكن فيها، على حذف الضمير، والتقدير: ساكن هو فيها، لان إسم الفاعل إذا جرى على غير من هو له لم يتضمن الضمير كما يتضمنه الفعل لو قلت: يسكن فيها. واستدلت المعتزلة بهذه الآية على أن فاسق أهل الصلاة مخلد في النار، ومعاقب لا محالة، وهذا لا دلالة لهم فيه من وجوه، لان قوله: " ويتعد حدوده " إشارة
[ 141 ]
إلى من يتعدى جميع حدود الله، ومن كان كذلك فعندنا يكون كافرا، وأيضا فلا خلاف أن الآية مخصوصة بصاحب الصغيرة، وإن كان فعل المعصية، وتعدى حدا فانه خارج منها، فان جاز لهم إخراج الصغيرة منها لدليل، جاز لنا أن. نخرج من يتفضل الله عليه بالعفو، أو يشفع فيه النبي صلى الله عليه وآله. وأيضا فان التائب لابد من إخراجه من هذه الآية لقيام الدلالة على وجوب قبول التوبة، فكذلك
يجب أن يشترط من يتفضل الله باسقاط عقابه، فان قالوا: قبول التوبة واجب، والعفو ليس بواجب، قلنا: قبول التوبة واجب إذا حصلت، وكذلك سقوط العقاب واجب إذا حصل العفو، فان قالوا: يجوز أن لا يختار الله العفو، قلنا: وكذلك يجوز ألا يختار العاصي التوبة، فان جعلوا الآية دالة على أن الله لا يختار العفو، جاز لغيرهم أن يجعل الآية دالة على أن العاصي لا يختار التوبة، على أن هذه الآية معارضة بآيات كثيرة، في وقوع العفو، كقوله: " ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء " (1) على ما سنبينه فيما بعد. وقوله: " إن الله يغفر الذنوب جميعا " (2) وقوله: " وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم " (3) فان شرطوا في آياتنا التوبة، شرطنا في آياتهم إرتفاع العفو، والكلام في ذلك مستقصى في الوعيد، لا نطول بذكره هذا الكتاب. ويمكن - مع تسليم ذلك - أن تحمل الآية على من يتعدى الحدود مستحلا لها، فانه يكون كافرا، ويتناوله الوعيد، على أن عند كثير من المرجئة العموم لا صيغة له، فمن أين ان " من " يفيد جميع العصاة ؟ وما المنكر أن تكون الآية مختصة بالكفار. قوله تعالى: (واللائي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فامسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت * " هامش " * (1) سورة النساء: آية 47، 115. (2) سورة الزمر: آية 53. (3) سورة الرعد: آية 7.
[ 142 ]
أو يجعل الله لهن سبيلا) (15) - آية بلا خلاف -. المعنى: قال أكثر المفسرين، كالضحاك، وابن زيد، والجبائي، والبلخي، والزجاج،
ومجاهد، وابن عباس، وقتادة، والسدي: إن هذه الآية منسوخة، لانه كان الفرض الاول أن المرأة إذا زنت وقامت عليها البينة بذلك، أربعة شهود، أن تحبس في البيت أبدا حتى تموت، ثم نسخ ذلك بالرجم في المحصنين، والجلد في البكرين. واللاتي جمع التي، وكذلك اللواتي، قال الشاعر: من اللواتي والتي واللاتي * زعمن أن كبرت لداتي (1) ويجمع اللاتي باثبات الياء وبحذفها، قال الشاعر: من اللات لم يحججن يبغين حسبة * ولكن ليقتلن البرئ المغفلا (2) وقوله: (أو يجعل الله لهن سبيلا) قيل في معنى السبيل ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعبد الله بن كثير، أنه الجلد للبكر مائة، وللثيب المحصن الرجم، وإذا جلد البكر فانه ينفى سنة عندنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وفيه خلاف ذكرناه في الخلاف. و [ الثاني ] - قال الجبائي: النفي يجوز من طريق اجتهاد الامام، وأما من وجب عليه الرجم فانه يجلد أولا ثم يرجم عند أكثر أصحابنا، وبه قال الحسن، وقتادة، وعبادة بن الصامت، وجماعة ذكرناهم في الخلاف. وفي أصحابنا من يقول: ذلك يختص الشيخ والشيخة، فإذا لم يكونا كذلك فليس عليهما غير الرجم، وأكثر الفقهاء على أنهما لا يجتمعان، وثبوت الرجم معلوم من جهة التواتر على وجه لا يختلج فيه شك، وعليه اجماع الطائفة، بل اجماع الامة، ولم يخالف فيه إلا الخوارج، وهم لا يعتد بخلافهم. وقوله: " يأتين الفاحشة " يعني بالفاحشة، * " هامش " * (1) اللسان (لتا) والصاح، والتاج. ومجاز القرآن 1: 119 وخزانة الادب وغيرها ولم يعرف قائله. (2) نسبه أبو عبيدة إلى عمر بن أبي ربيعة ولم نجده في ديوانه، ونسب إلى الحارث بن خلد في بعض النسخ. مجاز القرآن 1: 120.
[ 143 ]
وحذف الباء كما يقولون: أتيت أمرا عظيما، أي: بأمر عظيم، وتكلمت كلاما قبيحا، أي بكلام قبيح. وقال أبو مسلم: " واللاتي يأتين الفاحشة " قال: هما المرأة تخلوا بالمرأة في الفاحشة المذكورة عنهن: " أو يجعل الله لهن سبيلا " فالتزويج والاستغناء بالحلال، وهذا قول مخالف للاجماع، ولما عليه المفسرون، فانهم لا يختلفون أن الفاحشة المذكورة في الآية الزنا، وأن هذا الحكم منسوخ، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) وأبي عبد الله (ع). ولما نزل قوله: " الزانية والزاني " (1) قال النبي صلى الله عليه وآله: قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر، جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد ثم الرجم. قوله تعالى: (واللذان يأتيانها منكم فآذو هما فان تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما) (16) - آية بلا خلاف. القراءة، واللغة: قرأ ابن كثير: " واللذان " بتشديد النون، وكذلك: " هذان " " وفذانك "، ووافقه أبوعمروا في: فذانك. الباقون بالتخفيف، قال أبو علي: من شدد النون فوجهه أنه عوض من الحذف الذي لحق الكلمة، لان قولهم: (ذا) قد حذف لامها، وقد حذف الياء من اللذان في التثنية، لان أصله اللذيان، فعوض عن ذلك التشديد، وفي العرب من يقول: اللذ بلا ياء، وفي التثنية اللذا، وفي الجمع اللذوا، وللمرأة اللت، واللتا، واللات، بلا ياء، وطي تقول مكان الذي: ذو، ومكان التي: ذات. المعنى: والمعني بقوله: " اللذان " فيه ثلاثة أقوال: * " هامش " * سورة النور: آية 2.
[ 144 ]
أولها - قال الحسن، وعطا: الرجل والمرأة، وقال السدي وابن زيد: هما البكران من الرجل والنساء، وقال مجاهد: هما الرجلان الزانيان، قال الرماني: قول مجاهد لا يصح، لانه لو كان كذلك لم يكن للنثية معنى، لانة إنما يجئ الوعد والوعيد بلفظ الجمع، لانه لكل واحد منهم، أو بلفظ الواحد لدلالته على الجنس الذي يعم جميعهم، وأما التثنية فلافائدة فيها، قال: والاول أظهر. قال أبو مسلم: هما الرجلان يخلوان بالفاحشة بينهما، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: السحاق زناء النساء بينهن، ومباشرة الرجل للرجل زناء، ومباشرة المرأة للمرأة زناء، قال: ولا يعرف في كلام العرب جمع بين الذكر والانثى في لفظ التذكير إلا إذا تقدمه ما يدل عليه، كقوله: " إن المسلمين والمسلمات "، ثم قال: " أعد الله لهم " (1) وإلى هذا التأويل في معنى الرجلين ذهب أهل العراق، فلا يحدون للوطي، وهذا قول بعيد، والذي عليه جمهور المفسرين أن الفاحشة الزنا، وأن الحكم المذكور في الآية منسوخ بالحد المفروض في سورة النور، ذهب إليه الحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد، والضحاك، والبلخي، والجبائي، والطبري، والزجاج، وغيرهم. وبعضهم قال: نسخها الحدود بالرجم أو الجلد. وقوله: " فآذوهما " قيل في معناه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هوالتعيير باللسان، والضرب بالنعال. وقال قتادة، والسدي، ومجاهد: هو التعيير والتوبيخ، فان قيل: كيف ذكر الاذى بعد الحبس ؟ قلنا: فيه ثلاثة أوجه: أحدها - قال الحسن إن هذه الآية نزلت أولا، ثم أمر بأن توضع في التلاوة بعد، فكان الاذى أولا، ثم الحبس، بعد ذلك، ثم (2) نسخ الحبس بالجلد أو بالرجم
. الثاني - قال السدي: انه في البكرين خاصة، دون الثيبين، والاولى في * (هامش * (1) سورة الاحزاب: آية 35. (2) (ثم) ساقطة من المطبوعة.
[ 145 ]
الثيبين دون البكرين. والثالث - قال الفراء: هذه الآية نسخت الاولى، قال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على نسخ القرآن بالسنة، لانها نسخت بالرجم أو الجلد، والرجم ثبت بالسنة، ومن خالف في ذلك قول: هذه الآية نسخت بالجلد في الزنا، وأضيف إليه الرجم زيادة لا نسخا، فلم يثبت نسخ القرآن بالسنة. فأما الاذى المذكور في الآية، فليس بمنسوخ، فان الزاني يؤذى ويعنف، ويوبخ على فعله، ويذم. وإنما لا يقتصر عليه، فزيد في الاذى إقامة الحد عليه، وإنما نسخ الاقتصار عليه. قوله تعالى: (إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما (17) - آية واحدة -. المعنى: التوبة هي الندم على القبيح مع العزم على ألا يعود إلى مثله في القبح، وفي الناس من قال: يكفي الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على ألا يعود إلى مثله، والاول أقوى، لاجماع الامة على أنها إذا حصلت على ذلك الوجه أسقطت العقاب، وإذا حصلت على الوجه الثاني ففي سقوط العقاب عنها خلاف، وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية أن التوبة إنما يقبلها ممن يعمل السوء بجهالة، وقيل في معنى بجهالة
أربعة أقوال: أحدها - قال مجاهد، وقتادة، وابن عباس، وعطا، وابن زيد: هو أن يفعلوها على جهه المعصية لله تعالى، لان كل معصية لها جهالة، لانه يدعو إليها الجهل، ويزينها للعبد، وإن كانت عمدا. الثاني - بجهالة، أي بحال كحال الجهالة، التي لا يعلم صاحبها ما عليه في
[ 146 ]
مثلها من المضرة. الثالث - قال الفراء: معنى " بجهالة " أي لا يعلمون كنه ما فيه من العقوبة، كما يعلم الشئ ضرورة. الرابع - " بجهالة " أي وهم يجهلون أنها ذنوب ومعاصي، اختاره الجبائي، قال: يفعلونها بجهالة إما بتأويل يخطؤن فيه. أو بان يفرطوا في الاستدلال على قبحها، قال الرماني: هذا ضعيف، لانه تأويل بخلاف ما أجمع عليه المفسرون، قال أبو العالية: إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كانوا يقولون: كل ذنب أصابه عبد فبجهالة، وقال قتادة: أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله على ذلك، وأيضا فانه يوجب أن من علم أنها ذنوب أن لا يكون له توبة، لان قوله: " انما التوبة " يفيد أنها لهؤلاء دون غيرهم، وظاهر الآية يدل على أن الله يقبل التوبة من جميع المعاصي كفرا كان أو قتلا أو غيرهما من المعاصي، ويقربه أيضا قوله: " والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التى حرم الله إلا بالحق.. " إلى قوله: " إلا من تاب " (1) فاستثنى من القتل، كما استثنى من الزنا والشرك، وحكي عن الحسن أنه قال: لا يقبل الله توبة القاتل. وروي أنه إنما قال ذلك لرجل كان عزم على قتل رجل على أن يتوب فيما بعد، فأراد صده عن ذلك. وقوله " فأولئك يتوب الله عليهم " بعد قوله " ثم يتوبون من قريب " معناه إن الله يقبل توبتهم إذا تابوا وأنابوا،
وقوله: " من قريب " حث على أن التوبة يجب أن تكون عقيب المعصية، خوفا من الاخترام، وليس المراد بذلك أنها لو تأخرت لما قبلت. وقال الزجاج: معناه ثم يتوبون قبل الموت، لان ما بين الانسان وبين الموت قريب، والتوبة مقبولة قبل اليقين بالموت. وقال الحسن، والضحاك، وابن عمر: القريب ما لم يعاين الموت. وقال علي (ع)، وقد قيل له: فان عاد ؟ يغفر الله له ويتوب، مرارا، قيل: إلى متى ؟ قال: حتى يكون الشيطان هو المحسور. وقال السدي، وابن عباس: في حال الصحة قبل الموت. وقوله: " وكان الله عليما حكيما " معناه ههنا: وكان الله
(1) سورة الفرقان: آية 68 - 70. (*)
[ 147 ]
عليما بتوبتهم إن تابوا، وإصرارهم إن أصروا، حكيما في مؤاخذتهم إن لم يتوبوا. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لما هبط إبليس قال: وعزتك وعظمتك، لا أفارق ابن آدم حتى تفارق روحه جسده، فقال الله: وعزتي وعظمتي لا أحجب التوبة عن عبدي حتى يغرغو. قوله تعالى: (وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما) (18) - آية واحدة -. المعنى: أخبر الله تعالى في هذه الآية أنه لا يقبل التوبة من الذي يعمل المعاصي حتى إذا حضره الموت قال: إني تبت الآن، وأجمع أهل التأويل على أن الآية تناولت عصاة أهل الصلاة، إلا ما حكي عن الربيع أنه قال: إنها في المنافقين، وهذا غلط لان المنافقين كفار، وقد بين الله الكفار بقوله: (ولا الذين يموتون وهم كفار) وقال الربيع أيضا: إن الآية منسوخة بقوله: (إن الله لا يغفر أن يشرك به
ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) (1). وهذا خطأ لان النسخ لا يدخل في الخبر الذي يجري هذا المجرى، ومن جوز العفو بلا توبة يمكنه أن يقول: إن التوبة التي وعد الله باسقاط العقاب عندها قطعا متى حصلت في هذا الوقت لا يسقط العقاب، ولا يمنع ذلك من أن يتفضل الله باسقاط العقاب ابتداء بلا توبة، كما لو خرج من دار الدنيا من غير توبة أصلا، لم يمنع ذلك من جواز العفو عنه، فليس في الآية ما ينافي القول بجواز العفو من غير توبة. وقال جميع المفسرين، كابن عباس، وابن عمر، وابراهيم، وابن زيد، وغيرهم: إن الذين يحتضرون لا تقبل لهم توبة، غير إن الذين يحضرون الميت لا يعرفون تلك الحال معرفة يمكن
(1) سورة النساء: آية 47. (*)
[ 148 ]
بها الاشارة إليها. فان قيل: فلم لم تقبل التوبة في الآخرة ؟ قيل: لرفع التكليف، وحصول الالجاء إلى فعل الحسن دون القبيح، والملجأ لا يستحق بفعله ثوابا ولا عقابا، لانه يجري مجرى الاضطرار. وحكي الرماني عن قوم أنهم قالوا بتكليف أهل الآخرة، وان التوبة إنما لم يجب قبولها، لان صاحبها هناك في مثل حال المتعوذ بها، لا المخلص فيها، وهذا خطأ، لان الله تعالى يعلم أسرارهم كما يعلم إعلانهم. وقوله: (أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما) معناه أعددنا، وقال قوم: التاء بدل من الدال، وقال آخرون هو أفعلنا من العتاد، ومعناه اعددنا، وعتاد الرجل: عدته، وهو الاصل. والشئ العتيد هو المعد، والعتيدة: طبلة معدة للطيب، ومعنى إعداد العذاب لهم، إنما هو بخلق النار التي هي مصيرهم. والاليم بمعنى المؤلم. وليس في الآية ما يمنع من جواز العفو عن مرتكبي الكبائر بلا توبة، لان قوله: (أولئك) يحتمل أن يكون راجعا إلى الكفار لانه جرى ذكر الكفار وهم أقرب إلى أولئك من ذكر الفساق، ويحتمل أن يكون التقدير: أعتدنا لهم
عذابا، إن لم نشأ العفو عنهم، وتكون الفائدة فيه إعلامهم ما يستحقونه من العذاب، وألا يأمنوا أن يفعل بهم ذلك، وإن كان تعالى يعلم هل يعفو أو لا يعفو. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وعاشروهن بالمعروف فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (19) - آية بلا خلاف -. القراءة واللغة: قرأ (بفاحشة مبينة) بفتح الياء، ابن كثير، وأبو بكر، عن عاصم. الباقون بالكسر، وهو الاقوى، لانه لا يقصد إلى إظهارها. وقرأ حمزة والكسائي
[ 149 ]
" كرها " بضم الكاف هنا وفي التوبة والاحقاف، وافقهما في الاحقاف عاصم، وابن عامر، إلا الحلواني، ويعقوب. الكره والكره لغتان، مثل الشهد والشهد، والضعف والضعف، والفقر والفقر. المعنى: هذا الخطاب متوجه إلى المؤمنين، نهاهم الله أن يرثوا النساء كرها، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الزهري، والجبائي، وغيرهما، وروي ذلك عن أبي جعفر (ع): هو أن يحبس الرجل المرأة عنده، لا حاجة له إليها، وينتظر موتها حتى يرثها، فنهى الله (تعالى) عن ذلك. وقال الحسن، ومجاهد: معناه ما كان يعمله أهل الجاهلية، من أن الرجل إذا مات، وترك امرأته قال وليه: ورثت امرأته، كما ورثت ماله، فان شاء تزوجها بالصداق الاول، ولا يعطيها شيئا، وإن شاء زوجها
وأخذ صداقها، وروي ذلك أبو الجارود، عن أبي جعفر (ع). وقال مجاهد: إذا لم يكن الولي ابنها قال أبو مجلز: وكان أولى بالميراث أولى بها من ولي نفسها. وقوله: (ولا تعضلوهن) قيل فيمن عني بهذا النهي أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الزوج أمره الله بتخلية السبيل إذا لم يكن له فيها حاجة، ولا يمسكها إضرارا بها، حتى تفتدي ببعض مالها. والثاني - قال الحسن: هو الوارث، نهي عن منع المرأة من التزويج، كما يفعل أهل الجاهلية على ما بيناه. والثالث قال مجاهد: المراد الولي. الرابع - قال ابن زيد: المطلق يمنعها من التزويج، كما كانت تفعل قريش في الجاهلية، ينكح الرجل منهم المرأة الشريفة، فإذا لم توافقه فارقها، على أن لا تتزوج إلا باذنه، فيشهد عليها بذلك، ويكتب كتابا، فإذا خطبها خاطب، فان أعطته
[ 150 ]
وأرضته، أذن لها وإن لم تعطه عضلها، فنهى الله عن ذلك. والاول أظهر الاقاويل. اللغة: والعضل هو التضييق بالمنع من التزويج، وأصله الامتناع، يقال: عضلت الدجاجة ببيضتها: إذا عسرت عليها، ومنه العضلة: لصلابتها، ومنه الداء العضال إذا لم يبرء، وعضل الفضا بالجيش الكثير إذا لم يمكن سلوكه لضيقه. المعنى: وقوله: (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وأبو قلابه، والسدي: يعني الزنا، وقالوا إذا أطلع
منها على زنية فله أخذ الفدية. والثاني - قال ابن عباس، والضحاك، وقتادة: هو النشوز، والاولى حمل الآية على كل معصية، لان العموم يقتضي ذلك، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) واختاره الطبري. وقوله: (وعاشروهن بالمعروف) قال السدي: معناه خالطوهن، وخالقوهن، من العشرة التي هي المصاحبة بما أمركم الله به من المصاحبة، بأداء حقوقهن التي أوجبها على الرجال، أو تسريح باحسان. وقوله: (فان كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) يعني في إمساكهن على كره منكم " خيرا كثيرا " من ولد يرزقكم، أو عطفكم عليهن بعد الكراهية، وبه قال ابن عباس، ومجاهد. الاعراب: والهاء في فيه، يحتمل أن ترجع إلى الشئ في قوله: (أن تكرهوا شيئا) ويحتمل أن تكون راجعة إلى الذي يكرهونه. وقوله: (ولا تعضلوهن) يحتمل أن يكون جزما بالنهي، ويحتمل أن يكون نصبا بالعطف على قوله: (لا يحل لكم
[ 151 ]
أن ترثوا النساء كرها ولا تعضلوهن) وفي قراءة عبد الله: (ولا أن تعضلوهن) باثبات أن. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أبا قيس بن الاسلت لما مات عن زوجته كبشة بنت معن بن عاصم، أراد ابنه أن يتزوجها، فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وآله فقالت: يا نبي الله: لاأنا ورثت زوجي، ولا أنا تركت فأنكح، فنزلت هذه الآية، ذكره أبو جعفر عليه السلام، وغيره. قوله تعالى:
(وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا) (20) - آية -. المعنى: أخذ مال المرأة، وإن كان محرما على كل حال من غير أمرها، فانما خص الله تعالى الاستبدال بالنهي، لان مع الاستبدال قد يتوهم جواز الاسترجاع، من حيث أن الثانية تقوم مقام الاولى، فيكون لها ما أعطيته الاولى، فبين الله تعالى أن ذلك لا يجوز. والمعنى: إن أردتم تخلية المرأة سواء استبدل مكانها أو لم يستبدل. وقوله: (وآتيتم إحداهن قنطارا) معناه: ليس ما آتيتموهن موقوفا على التمسك بهن، دون تخليتهن، فيكون إذا أردتم الاستبدال جاز لكم أخذه، بل هو تمليك صحيح، لا يجوز الرجوع فيه. والمراد بذلك ما أعطى المرأة مهرا لها، ويكون دخل بها، فأما إذا لم يدخل بها، وطلقها، جاز له أن يسترجع نصف ما أعطاها، فأما ما أعطاها على وجه الهبة، فظاهر الآية يقتضي أنه لا يجوز له الرجوع في شئ منه. لكن علمنا بالسنة أن ذلك سائغ له، وإن كان مكروها.
[ 152 ]
اللغة: والقنطار المال الكثير، واختلفوا في مقداره، فقال بعضهم هو مل ء جلد ثور ذهبا، وقال آخرون: هو دية الانسان، وغير ذلك من الاقوال التي قدمنا ذكرها فيما مضى. وأصل ذلك مأخوذ من القنطرة، ومنه القنطر الداهية، لانها كالقنطرة في عظم الصورة، وإحكام البنية. ويقال: قنطر في الامر يقنطر إذا عظمه، بتكثير الكلام فيه، من غير حاجة إليه. وقوله: " أتأخذونه بهتانا " قيل في معناه قولان: أحدهما - يعني بهتانا ظلما كالظلم بالبهتان، وقيل بطلانا كبطلان البهتان.
الثاني - بهتانا أي بأن تبهتوا أنكم ملكتموه فتسترجعوه (1) وأصل البهتان الكذب الذي يواجه به صاحبه على وجه المكابرة، وأصله التحير، ومنه قوله: " فبهت الذي كفر " (2) أي تحير عند انقطاع حجته، فالبهتان كذب يحير صاحبه. ونصب بهتانا على أنه حال في موضع المصدر، والمعنى أتأخذونه مباهتين وآثمين. وقوله " مبينا " أي ظاهرا لاشك فيه. قوله تعالى: (وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا) (21) - آية بلا خلاف -. المعنى: قيل في نسخ هذه الآية، والتي قبلها، ثلاثة أقوال: أحدها - أنها محكمة ليست منسوخة، لكن للزوج ان يأخذ الفدية من المختلعة، لان النشوز منها، فالزوج في حكم المكره لاالمختار للاستبدال، ولا
في المطبوعة (لتستوجبوه). (2) سورة البقرة: آية 258. (*)
[ 153 ]
يتنافى حكم الآيتين، فلا يحتاج إلى نسخ احداهما بالاخرى. الثاني - قال بكر بن عبد الله المري: هي محكمة، وليس للزوج لاجل ظاهرها أن يأخذ من المختلعة شيئا، ولا من غيرها. الثالث - قال ابن زيد، والسدي: هي منسوخة بقوله: (إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به) (1) وقيل في معنى الافضاء قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، والسدي: هو كناية عن الجماع.
الثاني - انه الخلوة، وإن لم يجامع، فليس له أن يسترجع نصف المهر، وإنما يجوز ذلك فيمن لم يدخل بها بالخلوة معها. وكلاهما قد رواه أصحابنا، واختلفوا فيه، والاول هو الاقوى. اللغة والمعنى: والافضاء إلى الشئ هو الوصول إليه بالملابسة له، قال الشاعر: بلى وثاي أفضى إلى كل كئبة * بدا سيرها من ظاهر بعد باطن (2) أي وصل البلى والفساد إلى الحزز، والفضاء السعة، فضا يفضو فضوا وفضاء إذا تسع، ومنه: تمر فضا، مقصور أي مختلط، وقوله: (وأخذن منكم ميثاقا غليظا) قيل في معناه أربعة أقوال: أحدهما - قال الحسن، وابن سيرين، والضحاك، وقتادة، والسدي، والفراء، وهو المروي عن أبي جعفر (ع) أنه قوله: (إمساك بمعروف أو تسريح باحسان) (3) وقال مجاهد، وابن زيد، هو كلمة نكاح، التي يستحل بها الفرج. الثالث - قول النبي صلى الله عليه وآله: (أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فروجهن
(1) سورة البقرة: آية 229. (2) لم يعرف قائله. وقو في تفسير الطبري، 8 - 124 مشوه محرف ولم نجده في مصادرنا. (3) سورة البقرة: آية 229.
[ 154 ]
بكلمة الله). الرابع - قال قتادة. كان يقال للناكح في الاسلام الله عليك لتمكن بمعروف أو لتسرحن باحسان، وهذا الكلام وإن كان ظاهره للاستفهام، فالمراد به التوبيخ، والتهديد، كما يقول القائل لغيره: كيف تفعل هذا وأنا غير راض
به، على وجه التهدد له. قوله تعالى: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا) (22) - آية -. المعنى: قيل في معنى الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة، وعطاء، وعكرمة: إنه حرم عليهم ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من نكاح امرأة الاب. والثاني - أن يكون " ما نكح " بمنزلة المصدر، والتقدير: ولا تنكحوا نكاح آبائكم، أي مثل نكاح آبائكم، فعلى هذا يدخل فيه النهي عن حلائل الاباء، وكل نكاح كان لهم فاسدا، وهو اختيار الطبري وقال: إن هذا الوجه أجود، لانه لو أراد حلائل الآباء لقال: لا تنكحوا من نكح آباؤكم، وهذا ليس بطعن، لانه ذهب به مذهب الجنس، كما يقول القائل: لا تأخذ ما أخذ أبوك من الاماء، فيذهب به مذهب الجنس ثم يفسره. ب (من). وقوله: (إلا ما قد سلف) معنى إلا لكن، وكذلك كل استثناء منقطع، كقول القائل: لا تبع من متاعي إلا ما بعت، أي لكن ما بعت فلا جناح عليك فيه، وقيل في معنى الآية قولان: أحدهما - " إلا ما قد سلف " فانكم لا تؤخذون به. الثاني - حكاه بعضهم: " إلا ما قد سلف " فدعوه، فهو جائز لكم، قال
[ 155 ]
البلخي: وهذا لا يجوز بالاجماع. والهاء في قوله: " إنه كان فاحشة " يحتمل أن تكون عائدة إلى النكاح بعد النهي، ويحتمل أن تكون عائدة على النكاح الذي كان عليه أهل الجاهلية قبل، ولا يكون ذلك إلا وقد قامت عليهم الحجة بتحريمه،
من جهة الرسل، فالاول اختاره الجبائي، وهو الاقوى، وتكون " إلا ما قد سلف " فالسلامة منه الاقلاع عنه بالتوبة والانابة، قال البلخي: وليس كل نكاح حرمه الله زنا، لان الزنا هو فعل مخصوص، لا يجري على طريقة لازمة، وسنة جارية، ولذلك لا يقال للمشركين في الجاهلية: أولاد زنا، ولا لاولاد أهل الذمة والمعاهدين: أولاد زنا، إذا كان ذلك عقدا بينهم يتعارفونه. اللغة، والاعراب، والمعنى: والمقت، هو بغض عن أمر قبيح ركبه صاحبه، وهو مقيت، وقد مقت إلى الناس مقاتة، ومقته الناس مقتا، فهو ممقوت. وقيل إن ولد الرجل من امرأة أبيه كان يسمي المقتي، قال المبرد: كان زائدة، والتقدير: إنه فاحشة. وقال الزجاج: هذا ليس بصحيح، لانها لو كانت زائدة مل تعمل، كما قال الشاعر: فكيف إذا حللت ديار قوم * وجيران لنا كانوا كرام لما كانت زائدة لم تعمل في الخبر. قال الرماني: هي كقوله " وكان الله غفورا رحيما " فدخلت كان لتدل على أنه قبل تلك الحال كذا، وقال الجبائي: معناه أنه كان فيما مضى أيضا فاحشة ومقتا، وكان قد قامت الحجة عليهم بذلك. وكل من عقد عليها الاب من النساء تحرم على الابن، دخل بها الاب، أو لم يدخل، بلا خلاف، فان دخل بها الاب على وجه السفاح فهل تحرم على الابن ففيه خلاف، وعموم الآية يقضي بأنها تحرم عليه، لان النكاح يعبر به عن الوطي، كما يعبر به عن العقد، فيجب أن يحمل عليهما، وأمرأة الاب وإن علا تحرم على الابن وإن نزل، بلا خلاف. وقوله: " وساء سبيلا " أي قبح ذلك السبيل الذى سلكوه سبيلا، وهو نصب على التمييز.
[ 156 ]
قوله تعالى:
(حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الاخ وبنات الاخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نساءكم اللاتي دخلتم بهن فان لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف إن الله غفورا رحيما) (23) - آية بلا خلاف -. المعنى: في الناس من اعتقد أن هذه الآية وما يجري مجراها، كقوله: " حرمت عليكم الميتة " (1) مجملة لا يمكن التعلق بظاهرها في تحريم شئ، وإنما يحتاج إلى بيان قالوا: لان الاعيان لا تحرم ولا تحل، وإنما يحرم التصرف فيها، والتصرف يختلف، فيحتاج إلى بيان التصرف المحرم، دون التصرف المباح، والاقوى أنها ليست مجملة، لان المجل هو ما لا يفهم المراد بعينه بظاهره، وليست هذه الآية كذلك لان المفهوم من ظاهرها تحريم العقد عليهن، والوطي، دون غيرهما من أنواع الفعل، فلا يحتاج إلى البيان مع ذلك، وكذلك قوله: " حرمت عليكم الميتة " المفهوم الاكل، والبيع، دون النظر إليها، أو رميها، وما جرى مجراهما كيف وقد تقدم هذه الآية ما يكشف عن أن المراد ما بيناه من قوله: " ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم " فلما قال. بعده: " حرمت عليكم أمهاتكم " كان المفهوم
(1) سورة المائدة: آية 4. (*)
[ 157 ]
أيضا تحريم نكاحهن، وقد استوفينا ذلك في العدة في أصول الفقه، فلا نطول بذكره ههنا.
قال ابن عباس: حرم الله في هذه الآية سبعا بالنسب، وسبعا بالسبب، فالمحرمات من النسب الامهات، ويدخل في ذلك أمهات الامهات وإن علون، وأمهات الآباء مثل ذلك، والبنات، ويدخل في ذلك بنات الاولاد وأولاد البنين وأولاد البنات وإن نزلن، والاخوات، سواء كن لاب وأم أو لاب أو لام، وبنات الاخ، وبنات الاخت وإن نزلن. والمحرمات بالسبب الامهات من الرضاعة، والاخوات أيضا من الرضاعة، وكل من يحرم بالسبب يحرم مثله بالرضاع، لقوله صلى الله عليه وآله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " وأمهات النساء يحرمن بنفس العقد، وإن لم يدخل بالبنت، على قول أكثر الفقهاء، وبه قال ابن عباس، والحسن، وعطاء، وقالوا: هي مبهمة، وخصوا التقييد بقوله: " وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " ورووا عن علي (ع)، وزيد بن ثابت، أنه يجوز العقد على الام ما لم يدخل بالبنت، وجعلوا قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " راجعا إلى جميع من تقدم من أمهات النساء، والربائب. اللغة: والربائب: جمع ربيبة، وهي بنت الزوجة من غيره، ويدخل فيه أولادها وإن نزلن، وسميت بذلك لتربيته إياها، ومعناها مربوبة، نحو قتيلة في موضع: مقتولة، ويجوز أن تسمى ربيبة سواء تولى تربيتها وكانت في حجره، أو لم تكن، لانه إذا تزوج بأمها سمي هو رابها، وهي ربيبته، والعرب تسمي الفاعلين والمفعولين بما يقع بهم، ويوقعونه، يقولون: هذا مقتول، وهذا ذبيح، وإن لم يقتل بعد ولم يذبح، إذا كان يراد قتله أو ذبحه، وكذلك يقولون: هذه
[ 158 ]
أضحية لما أعد للتضحية، وكذلك: هذه قتوبة، وحلوبة، أي مما
يقتب، ويحلب فمن قال: إنه لا تحرم بنت الزوجة إلا إذا تربت في حجره فقد أخطأ على ما قلناه ويقال لزوج المرأة: ربيب ابن امرأته، يعنى به، رابه، نحو: شهيد، بمعنى شاهد، وخبير، بمعنى خابر، وعليم، بمعنى عالم. الاعراب: وقوله: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) قال المبرد: " اللاتي دخلتم بهن " نعت للنساء اللواتي من أمهات الربائب لا غير قال: لاجماع الناس على أن الربيبة تحل إذا لم يدخل بامها، وإن من أجاز أن يكون قوله: (من نسائكم اللاتي دخلتم بهن) هو لامهات نسائكم فيكون معناه: أمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن، فيخرج أن يكون اللاتي دخلتم بهن لامهات الربائب، قال الزجاج: لان الخبرين إذا اختلفا لم يكن نعتهما واحدا، لا يجيز النحويون: مررت بنسائك، وهربت من نساء زيد الظريفات، على أن يكون (الظريفات) نعتا لهؤلاء النساء، وهؤلاء النساء. وقال: من اعتبر الدخول بالنساء، لتحريم أمهاتهن يحتاج أن يقدر: أعني، فيكون التقدير: وأمهات نسائكم أعني اللاتي خلتم بهن، وليس بنا إلى ذلك حاجة. المعنى: والدخول المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس: هو الجماع، واختاره الطبري. الثاني - قال عطاء: وما جرى مجراه من المسيس، وهو مذهبنا، وفيه خلاف بين الفقهاء. وقوله: " وحلائل أبناءكم الذين من أصلابكم " يعني نساء البنين للصلب، دخل بهن البنون أو لم يدخلوا، ويدخل في ذلك أولاد الاولاد من البنين والبنات، وإنما قال " من أصلابكم " لئلا يظن أن امرأة من يتبنى به تحرم عليه. وقال عطاء: نزلت الآية حين نكح النبي صلى الله عليه وآله إمرأة زيد بن حارثة، فقال
[ 159 ]
المشركون في ذلك، فنزلت: " وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم " وقال: " وما جعل أدعيائكم أبنائكم " (1) وقال: " ما كان محمد أبا أحد من رجالكم " (2) فأما حلائل الابناء من الرضاعة فمحرمات بقوله صلى الله عليه وآله: " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ". وإنما سميت المرأة حليلة لامرين: أحدهما - لانها تحل معه في فراش. الثاني - لانه يحل له وطؤها. وقوله: " وأن تجمعوا بين الاختين " فيه تحريم الجمع بينهما في عقد واحد، وتحريم الجمع بينهما في الوطي بملك المين، فإذا وطأ إحداهما لم تحل له الاخرى حتى يخرج تلك من ملكه، وهو قول الحسن، وأكثر المفسرين والفقهاء. وروي عن ابن عباس أنه أجاز الجمع بينهما بملك اليمين، وتوقف فيهما علي وعثمان، وباقي الصحابة حرموا الجمع بينهما. وروي عن علي (ع) أنه قال: حرمتهما آية، وأحلتهما أخرى، وأنا أنهى عنهما نفسي، وولدي، فغلب التحريم. ومن أجاز الجمع بينهما في الوطي بملك اليمين - على ما يذهب إليه داود وقوم من أهل الظاهر - فقد أخطأ في الاختين، وكذلك في الربيبة وأم الزوجة، لان قوله: " وأمهات نسائكم " يدخل فيه المملوكة، والمعقود عليها، وكذلك قوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتناول الجميع، وكذلك قوله: " وأن تجمعوا بين الاختين " عام في الجميع على كل حال، في العقد والوطي، وإنما أخرجنا جواز ملكهما بدلالة الاجماع، ولا يعارض ذلك قوله: " أو ما ملكت أيمانكم " لان الغرض بهذه الآية مدح من حفظ فرجه إلا عن الازواج، أو ملك الايمان، فاما كيفية ذلك فليس فيه، ويمكن الجمع بينهما بأن يقال: " أو ما ملكت أيمانكم " إلا على وجه الجمع بين الام والبنت، أو الاختين والسابعة قوله: (ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم) وهي امرأة الاب، سواء
سورة الاحزاب: آية 4. (2) سورة الاحزاب: آية 40. (*)
[ 160 ]
دخل بها أو لم يدخل، ويدخل في ذلك نساء الاجداد وإن علوا، من قبل الاب والام بلا خلاف. وقوله: " إلا ما قد سلف " استثناء منقطع، وتقديره: لكن ما سلف لا يؤاخذكم الله به، وليس المراد أن ما سلف حال النهي تجوز استدامته، بلا خلاف. وقيل إن إلا بمعنى سوى. وقوله: " وأن تجمعوا " (أن) في موضع الرفع، والتقدير: حرمت عليكم هذه الاشياء، والجمع بين الاختين، وكل من حرمه الله في هذه الآية فانما هو على وجه التأييد، مجتمعات ومنفردات، إلا الاختين فانهما تحرمان على وجه الجمع دون الانفراد. ويمكن أن يستدل بهذه الآية على أنه لا يصح أن يملك واحدة من ذوات الانساب المحرمات، لان التحريم عام، وبقوله صلى الله عليه وآله " يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب " على أنه لا يصح ملكهن من جهة الرضاع، وإن كان فيه خلاف. وأما المرأة التي وطؤها بلا تزويج، ولا ملك، فليس في الآية ما يدل على أنه يحرم وطي أمها وبنتها، ولان قوله: " وأمهات نسائكم " وقوله: " من نسائكم اللاتي دخلتم بهن " يتضمن إضافة الملك، إما بالعقد أو بملك المين، فلا يدخل فيه من وطأ من لا يملك وطأها، غير أن قوما من أصحابنا ألحقوا ذلك بالموطوءة بالعقد والملك بالسنة والاخبار المروية في ذلك، وفيه خلاف بين الفقهاء. وأما الرضاع فلا يحرم عندنا إلا ما كان خمس عشرة رضعة متواليات، لا يفصل بينهن برضاع امرأة اخرى، أو رضاع يوم وليلة، أو ما أنبت اللحم وشد العظم. وفي أصحابنا من حرم بعشر رضعات. ومتى دخل بين الرضاع رضاع امرأة أخرى، بطل حكم ما تقدم. وحرم الشافعي بخمس رضعات، ولم يعتبر التوالي. وحرم أبو حنيفة بقليله وكثيره، وهو اختيار البلخي. وفي أصحابنا من ذهب إليه.
واللبن عندنا للفحل، ومعناه إذا أرضعت امرأة بلبن فحل لها صبيانا كثيرين، من أمهات شتى، فانهم جميعهم يصيرون أولاد الفحل، ويحرمون على جميع أولاده الذين ينتسبون إليه ولادة ورضاعا، ويحرمون على أولاد المرضعة الذين ولدتهم، فأما
[ 161 ]
من أرضعته بلبن غير هذا الفحل، فانهم لا يحرمون عليهم، وكذلك إن كان للرجل امرأتان، فارضعتا صبيين لاجنبيين، حرم التناكح بين الصبيين، وخالف في هذه ابن علية. ولا يحرم من الرضاع عندنا إلا ما وصل إلى الجوف من الثدي من المجرى المعتاد الذي هو الفم، فاما ما يوجر به، أو يسعط، أو ينشق، أو يحقن به، أو يحلب في عينه، فلا يحرم بحال. ولبن الميتة لا حرمة له في التحريم، وفي جميع ذلك خلاف. ولا يحرم من الرضاع إلا ما كان في مدة الحولين، فاما ما كان بعده فلا يحرم بحال. فاما الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها فحرم بالسنة، ويجوز عندنا نكاح العمة والخالة على المرأة، ونكاح المرأة على العمة والخالة لا يجوز إلا برضاء العمة والخالة، وخالف فيه جميع الفقهاء. والمحرمات بالنسب ومن يحرم بالسبب على وجه التأييد يسمون مبهمات، لانه يحرم من جميع الجهات، ماخوذ من البهيم الذي لا يخالط معظم لونه لون آخر، يقال: فرس بهيم لاشية فيه، وبقرة بهيم، والجمع بهم. وقوله: (إن الله كان غفورا رحيما) اخبار أنه كان غفورا حيث لم يؤآخذهم بما فعلوه من نكاح المحرمات، وأنه عفى لهم عما سلف، ولا يدل على أنه ليس بغفور فيما بعد، لان ذلك معلوم بدلالة أخرى، وفي الناس من قال: كان زائدة، وقد بينا أن هذا ضعيف، لانها تكون عبثا ولغوا، وذلك لا يجوز. قوله تعالى:
(والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم
[ 162 ]
فيما تراضيتم به من بعد الفريضة إن الله كان عليما حكيما) (24) - آية بلا خلاف -. القراءة: قرأ الكسائي: " المحصنات " (ومحصنات)، بكسر الصاد حيث وقع، إلا قوله: " والمحصنات من النساء " ههنا فانه فتح الصاد. وقرأ أهل الكوفة إلا أبو بكر، وأبو جعفر: " وأحل لكم " - بضم الهمزة، وكسر الحاء - الباقون: بفتحها. وقرأ أهل الكوفة إلاحفصا: " أحصن " بفتح الهمزة والصاد، الباقون بضم الهمزة وكسر الصاد. المعنى: قيل في معنى قوله: " والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم " ثلاثة أقوال: أحدها - وهو الاقوى - ما قاله علي (ع)، وابن مسعود، وابن عباس، وأبو قلابة، وابن زيد، عن أبيه، ومكحول، والزهري، والجبائي: أن المراد به ذوات الازواج إلا ما ملكت أيمانكم، من سبي من كان لها زوج. وقال بعضهم، مستدلا على ذلك بخبر أبي سعيد الخدري، أن الآية نزلت في سبي أوطاس، ومن خالفهم ضعف هذا الخبر بأن سبي أوطاس كانوا عبدة الاوثان، دخلوا في الاسلام. الثاني - قال أبي بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وابن مسعود - في رواية أخرى عنه - وسعيد بن المسيب، والحسن، وابراهيم: إن المراد به
ذوات الازواج إلا ما ملكت أيمانكم ممن قد كان لها زوج، لان بيعها طلاقها. وقال ابن عباس: طلاق الامة ست: سبيها طلاقها، وبيعها، وعتقها، وهبتها، وميراثها، وطلاقها. وحكي عن علي (ع)، وعمر، وعبد الرحمن بن عوف: أن السبي خاصة طلاقها، قالوا لان النبي صلى الله عليه وآله خير بريرة بعد أن أعتقتها عائشة،
[ 163 ]
ولو بانت بالعتق لما صح. وزعم هؤلاء أن طلاقها كطلاق الحرة. الثالث - قال أبو العالية. وعبيدة، وسعيد بن جبير، وعطاء، واختاره الطبري: ان المحصنات العفائف، إلا ما ملكت أيمانكم بالنكاح، أو بالثمن ملك استمتاع بالمهر والبينة، أو ملك استخدام بثمن الامة. اللغة والاعراب: وأصل الاحصان المنع. وسمي الحصن حصنا لمنعه من أراده من أعدائه، والدرع الحصينة أي المنيعة، والحصان الفحل من الافراس لمنعه صاحبه من الهلاك، والحصان العفيفة من النساء، لمنعها فرجها من الفساد. ومنه قوله: " التي أحصنت فرجها " (1) وكذلك أحصنها الزوج، وبناء حصين ممتنع، وحصنت المرأة تحصن حصانة، والحاصن: العفيفة، قال العجاج: وحاصن من حاصنات ملس * من الاذى ومن قراف الوقس (2) وقال أبو علي الفارسي، قال سيبويه: حصنت المرأة حصنا وهي حصان، مثل: جبنت جبنا فهي جبان، وقالوا حصنا، كما قالوا: علما قال الازهري: يقال للرجل إذا تزوج: أحصن فهو محصن، كقولهم: ألفج فهو ملفج إذا أعدم وافتقر، وأسهب فهو مسهب، إذا أكثر الكلام. وكلام العرب كله على أفعل فهو مفعل، بكسر العين، مثل أسمع فهو مسمع، وأعرب فهو معرب، وأفصح فهو مفصح، إلا ما ذكرناه والاحصان على أربعة أقسام:
أحدها - يكون بالزوجة، كقوله: " والمحصنات من النساء ". والثاني - بالاسلام، كقوله: " فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات " (3). * " هامش " * (1) سورة التحريم: آية / 12 (2) ديوانه 78، واللسان (قنس)، (وقس)، (حصن) ومجاز القرآن 1: 122 ورواية اللسان (عن) بدل (من) في العجز في الموضعين. (3) سورة النساء: آية 25.
[ 164 ]
والثالث - بالعفة كقوله: " والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء " (1). الرابع - يكون بالحرية، كقوله: " والمصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (2) وقوله: " كتاب الله عليكم " يحتمل نصبه وجهين: أحدهما - أن يكون مصدرا جرى على غير فعله وفيه معناه، كأنه قال: حرم الله ذلك كتابا من الله، أو كتب كتابا، كما قال: " صنع الله الذي أتقن كل شئ " (3) فنصبه بقوله: " وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب " (4) فكان ذلك دلالة على أنه قد صنعها فنصب على أنه مصدر، وقال الشاعر: ورضت فذلت صعبة أي اذلال (ه) لان معنى رضت أذللت، قال الزجاج: ويجوز أن يكون منصوبا على جهة الامر، ويكون " عليكم " مفسرا، والمعنى: الزموا كتاب الله. الثاني - على الاغراء، والعامل محذوف، لان عليكم لا يعمل فيما قبله: وأنشد: يا أيها المائح دلوى دونكا * إني رأيت الناس يحمدونكا (6)
والمعنى هذا دلوي دونكا، وهو معنى قول الزجاج. المعنى: وقوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا باموالكم) قيل في معناه أربعة أقوال:
(1) سورة النور: آية 4. (2) سورة المائدة: آية 6. (3، 4) سورة النمل: آية 88. (5) قائله امرؤ القيس. ديوانه: 161. وصدره: وصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا (6) البيت لجاهلي من بني أسيد بن عمر بن تميم. معاني القرآن 1: 260، وخزانة الادب 3: 17.
[ 165 ]
أحدها - قال عبيدة السلماني، والسدي: أحل لكم ما دون الخمس، أن تبتغوا باموالكم على وجه النكاح. الثاني - قال عطاء أحل لكم ما وراء ذوات المحارم من أقاربكم. الثالث - قال قتادة: (ما وراء ذلكم) مما ملكت أيمانكم. الرابع - ما وراء ذوات المحارم إلى الاربع، أن تبتغوا باموالكم نكاحا، أو بملك يمين، وهذا الوجه أولى، لانه حمل الآية على عمومها في جميع ما ذكر الله، ولا تنافي بين هذه الاقوال. ومن فتح الهمزة حمله على أقرب المذكورين في قوله: (كتاب الله علكيم) ومن ضم حمله على (حرمت) وموضع (أن تبتغوا) نصب، ويحتمل نصبه على وجهين: أحدهما - على البدل من ما.
والثاني - على حذف اللام من " لان تبتغوا "، ومن قرأ بالضم جاز عنده الرفع والنصب، وقوله: " محصنين " أي عاقدين التزويج، غير مسافحين: عافين للفروج، فال مجاهد، والسدي: معناه غير زانين وأصله: صب الماء، تقول: سفح الدمع إذا صبه، وسفح الجبل أسفله، لانه مصب الماء منه، وسافح إذا زنا نصبه الماء باطلا. وقال الزجاج: المسافح والمسافحة الزانيان غير ممتنعين من أحد، فإذا كانت تزني بواحد فهي ذات خدن، فحرم الله الزنا على كل حال، على السفاح واتخاذ الصديق. وقوله: (فما استمتعتم به منهن) قال الحسن، ومجاهد، وابن زيد: هو النكاح، وقال ابن عباس، والسدي: هو المتعة إلى أجل مسمى، وهو مذهبنا، لان لفظ الاستمتاع إذا أطلق لا يستفاد به في الشرع إلا العقد المؤجل، ألا ترى أنهم يقولون: فلان يقول بالمتعة، وفلان لا يقول بها، ولا يريدون إلا العقد المخصوص، ولا ينافي ذلك قوله: " والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم " (1) لانا نقول: إن هذه زوجة، ولا يلزم أن يلحقها
جميع أحكام الزوجات، من الميراث، والطلاق، والايلاء، والظهار، واللعان، لان احكام الزوجات تختلف، ألا ترى أن المرتدة تبين بغير طلاق، وكذلك المرتد عندنا، والكتابية لا ترث، وأما العدة فانها تلحقها عندنا، ويلحق بها أيضا الولد، فلا شناعة بذلك، ولو لم تكن زوجة لجاز أن يضم ما ذكر في هذه السورة إلى ما في تلك الآية، لانه لا تنافي بينهما، ويكون التقدير: إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم أو ما استمتعتم به منهن وقد استقام الكلام. وروي عن ابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب وسعيد بن جبير: أنهم قرأوا " فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى " وذلك صريح بما قلناه، على أنه لو كان المراد به عقد النكاح
الدائم لوجب لها جميع المهر بنفس العقد، لانه قال: (فآتوهن أجورهن) يعني مهورهن، عند أكثر المفسرين، وذلك غير واجب بلا خلاف، وإنما يجب الاجر بكماله في عقد المتعة. وفي أصحابنا من قال: قوله: (أجورهن) يدل على أنه أراد المتعة، لان المهر لا يسمى أجرا، بل سماه الله صدقة ونحلة، وهذا ضعيف، لان الله سمى المهر أجرا في قوله (فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن) (1) وقال: (والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن) (2) ومن حمل ذلك كله على المتعة كان مرتكبا لما يعلم خلافه، ومن حمل لفظ الاستمتاع على الانتفاع فقد أبعد، لانه لو كان كذلك لوجب أن لا يلزم من لا ينتفع بها شئ من المهر، وقد علمنا أنه لو طلقها قبل الدخول لزمه نصف المهر، وإن خلا بها خلوة تامة لزمه جميع المهر عند كثير من الفقهاء، وإن لم يلتذ ولم ينتفع. وأما الخبر الذى يروونه أن النبي صلى الله عليه وآله نهى عن المتعة، فهو خبر واحد لا يترك له ظاهر القرآن، ومع ذلك يختلف لفظه وروايته فتارة يروون أنه نهى عنها في عام خيبر، وتارة يروون أنه نهى عنها في عام الفتح، وقد طعن أيضا في طريقه بما هو معروف، وأدل دليل على ضعفه قول عمر: (متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما) فاخبر أن هذه المتعة كانت على
(1) سورة النساء: آية 25. (2) سورة المائدة: آية 6. (*)
[ 167 ]
عهد رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه الذي نهى عنهما، لضرب من الرأي. فان قالوا. إنما نهى لان النبي صلى الله عليه وآله كان نهى عنهما، قلنا: لو كان كذلك لكان يقول: متعتان كانتا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله فنهى عنهما، وأنا أنهى عنهما أيضا، فكان يكون آكد في باب المنع، فلما لم يقل ذلك دل على أن التحريم لم يكن صدر عن النبي صلى الله عليه وآله، وصح ما قلناه. وقال الحكم بن عتيبة، قال علي (ع) لولا أن
عمر نهى عن المتعة ما زنا إلا شقي. وذكر البلخي، عن وكيع، عن اسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عبد الله بن مسعود: قال كنا مع النبي صلى الله عليه وآله ونحن شباب، فقلنا يارسول الله ألا نستخصي، قال: لا، ثم رخص لنا أن ننكح المرأة بالثوب، إلى أجل. وقوله: (ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) قال الحسن، وابن زيد: أي تراضيتم به من حط بعض الصداق أو تأخيره، أو هبة جميعه. وقال السدي وقوم من أصحابنا: معناه: لا جناح عليكم فيما تراضيتم به من استئناف عقد آخر بعد انقضاء المدة التي تراضيتم عليها، فتزيدها في الاجر وتزيدك في المدة. وفي الآية دلالة على جواز نكاح المرأة على عمتها وخالتها، لان قوله: (وأحل لكم ما وراء ذلكم) عام في جميعهن، ومن ادعى نسخه فعليه الدلالة، وما يروى من قوله صلى الله عليه وآله: (لا تنكح المرأة على عمتها ولا خالتها) خبر واحد لا ينسخ به القرآن، ولو كان معلوما لما جاز أن ينسخ به القرآن عند أكثر الفقهاء، لان نسخ القرآن لا يجوز عندهم بالسنة، وادعاؤهم الاجماع على الخبر غير مسلم، لانا نخالف فيه. وقوله: (إن الله كان عليما حكيما) معناه عليما بما يصلح أمر الخلق، حكيما فيما فرض لهم من عقد النكاح الذى به حفظت الاموال، والانساب. قال البلخي: والآية دالة على أن نكاح المشركين ليس بزنا. لان قوله: (والمحصنات من النساء) المراد به ذوات الازواج من أهل الحرب، بدلالة قوله: (إلا ما ملكت أيمانكم) بسبيهن ولا خلاف أنه لا يجوز وطي المسبية إلا بعد استبرائها بحيضة.
[ 168 ]
قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بايمانكم بعضكم
من بعض فانكحوهن باذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان فإذا أحصن فان أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم) (25) - آية بلا خلاف -. القراءة، واللغة: قرأ أهل الكوفة إلا حفصا (فإذا أحصن) - بضم الهمزة وكسر الصاد - الباقون بفتحهما، وقرأ " المحصنات " - بكسر الصاد - الكسائي وحده، قوله: (ومن لم يستطع منكم طولا) معناه: من لم يجد منكم طولا وقيل في معنى الطول قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وابن زيد: هو الغني، وهو المروي عن أبي جعفر (ع). والثاني - قال ربيعة، وجابر، وعطاء، وابراهيم: أنه الهوى، قال: إذا هوي الامة فله أن يتزوجها وإن كان ذا يسار. وقال الحسن، والشعبي: لا يجوز ذلك، والقول الاول هو الصحيح، وعليه أكثر الفقهاء. والطول الغنى، وهو ماخوذ من الطول خلاف القصر، فشبه الغنى به، لانه ينال به معالي الامور، وقولهم ليس فيه طائل. أي: لا ينال به شئ من الفوائد، والتطول الافضال
[ 169 ]
بالمال، والتطاول على الناس الترفع عليهم، وكذلك الاستطالة، وتقول: طلا فلان طولا، أي كأنه فضل عليه في القدرة، وقد طالت طولك وطيلك أي طالت مدتك، قال الشاعر: إنا محيوك فاسلم أيها الطلل * وإن بليت وإن طالت بك الطيل (1)
والطول الحبل. المعنى: وفي الآية دلالة على أنه لا يجوز نكاح الامة الكتابية، لانه قيد جواز العقد على الاماء إذا كن مؤمنات، وهو قول مالك بن أنس، ومجاهد، وسعيد بن عبد العزيز، وأبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم، والحسن، والطبري، وقال أبو ميسرة، وأبو حنيفة، وأصحابه: يجوز ذلك، لان التقييد هو على جهة الندب دون التحريم، والاول أقوى، لانه الظاهر، وما قالوه عدول عنه. ومنهم من قال: لان التأويل: من فتياتكم المؤمنات دون المشركات من عبدة الاوثان، بدلالة الآية التي في المائدة، وهي قوله تعالى: " والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " (2) وهذا ليس بشئ، لان الكتابية لا تسمى مؤمنة. ومن أجاز العقد على الكتابية له أن يقول: آية المائدة مخصوصة بالحرائر منهن دون الاماء، وظاهر الآية يقتضي أن من وجد الطول من مهر الحرة ونفقتها، ولا يخاف من العنت. وهو مذهب الشافعي، غير أن أكثر أصحابنا قالوا: ذلك على وجه الافضل، لا أنه لو عقد عليها وهو غني كان العقد باطلا، وبه قال أبو حنيفة، وقووا ذلك بقوله: " ولامة مؤمنة خير من مشركة " (3) إلا أن من شرط صحة العقد على الامة عند أكثر الفقهاء، أن لا تكون عنده حرة، وهكذا عندنا، إلا أن ترضى الحرة
(1) قائله القطامي ديوانه: 32 وجمهرة الاشعار: 313 والطيل جمع طيلة وهي الدهر. (2) سورة المائدة: آية 6. (3) سورة البقرة: آية 221.
[ 170 ]
بأن يتزوج عليها أمة، فان أذنت كان العقد صحيحا عندنا، ومتى عقد عليها بغير إذن الحرة كان العقد على الامة باطلا. وروى أصحابنا أن الحرة تكون بالخيار بين أن تفسخ عقد الامة، أو تفسخ عقد نفسها، والاول
أظهر، لانه إذا كان العقد باطلا لا يحتاج إلى فسخه، فاما تزويج الحرة على الامة، فجائز، وبه قال الجبائي. وفي الفقهاء من منع منه، غير أن عندنا لا يجوز ذلك إلا باذن الحرة، فان لم تعلم الحرة بذلك كان لها أن تفسخ نكاحها، أو نكاح الامة، وفي الناس من قال: في عقده على الحرة طلاق الامة. وقوله: " من فتياتكم المؤمنات " فالفتى الشاب، والفتاة الشابة، والفتاة الامة، وإن كانت عجوزا لانها كالصغيرة في أنها لا توقر توقير الكبيرة، والفتوة حال الحداثة، ومنه الفتيا، تقول: أفتى الفقيه. يفتي لانه يسأله مسألة في حادثة. وقوله: " والله أعلم بايمانكم بعضكم من بعض " قيل في معناه قولان: أحدهما - كلكم ولد آدم. والثاني - كلكم على الايمان. ويجوز أن تكون الامة أفضل من الحرة، وأكثر ثوابا عند الله، وفي ذلك تسلية لمن يعقد على الامة، إذا جوز أن تكون أكثر ثوابا عند الله، مع اشتراكهم بأنهم ولد آدم، وفي ذلك صرف عن التغاير بالانساب. ومن كره نكاح الامة قال: لان الولد عندنا يلحق بالحرية في كلا الطرفين. وقوله: " فانكحوهن باذن أهلهن " أي اعقدوا عليهن باذن أهلهن، وفيه دلالة واضحة على أنه لا يجوز نكاح الامة بغير اذن وليها الذي هو مالكها. وقوله: " وآتوهن أجورهن " معناه: اعطوا مالكهن مهورهن، لان مهر الامة لسيدها، " بالمعروف " وهوما وقع عليه العقد وتراضي. وقوله: " محصنات غير مسافحات " يعني بالعقد عليهن، دون السفاح معهن، " ولا متخذات أخذان " وقد بينا الفرق بين الخدن والسفاح فيما مضى، والخدن هو الصديق يكون للمرأة، بزني بها سرا، كذا كان في الجاهلية، والسفاح ما ظهر منه، وكان
[ 171 ]
فيهم من يحرم ما ظهر من الزنا، ولا يحرم ما خفي منه، ذكر ذلك ابن عباس، وغيره من المفسرين. وخدن الرجل وخدينه صديقه. وقوله: (فإذا أحصن) من قرأ بالضم، قال: معناه تزوجن، ذكر ذلك ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. ومن فتح الهمزة قال: معناه أسلمن، روي ذلك عن عمر، وابن مسعود، والشعبي، وابراهيم، والسدي. وقال الحسن: يحصنها الزوج، ويحصنها الاسلام، وهو الاولى، لانه لا خلاف أنه يجب عليها نصف الحد إذا زنت، وإن لم تكن ذات زوج، كما أن عليها ذلك وان كان لها زوج، لانه وإن كان لها زوج لا يجب عليها الرجم، لانه لا يتبعض، فكان عليها نصف الحد خمسين جلدة. على أن قوله: " فعليهن نصف ما على المحصنات " يعني نصف ما على الحرائر، وليس المراد به ذوات الازواج، فالاحصان المذكور للامة التزويج، والمذكور للمحصنات الحرية، وبينا أنه يعبر به عن الامرين. وقال بعضهم: إذا زنت الامة قبل أن تتزوج، فلا حد عليها، وإنما عليها نصف الحد إذا تزوجت بظاهر الآية. وقوله: (ذلك لمن خشي العنت منكم)، فالعنت معناه ههنا الزنا في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعطية العوفي، والضحاك، وابن زيد. وقال قوم: هو الضرر الشديد في الدين أو الدنيا، مأخوذ من قوله: " ودوا ما عنتم " (1) والاول أقوى، وقوله: " وإن تصبروا خير لكم " يعني: عن نكاح الاماء، في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة، وعطية. وأكمة عنوت صعبة المرتقى. ومتى اجتمع عند الرجل حرة وأمة كان للحرة يومان وللامة يوم، وعندنا أن بيع الامة طلاقها، إلا أن يشاء المشتري إمضاء العقد، وكذلك الهبة، وكل ما ينتقل به الملك من الميراث، والسبي، وغيره. فاما عتقها فانه يثبت به لها الخيار، كما ثبت لبريره، ومتى كانت تحت الزوج الحر أو عبد لغيره، لم يكن للمولى
التفرقة بينهما، فان كانا جميعا له كان التفرقة إلى المولى.
(1) سورة آل عمران: 118. (*)
[ 172 ]
واستدلت الخوارج على بطلان الرجم بهذه الآية، قالوا: لما قال الله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، وكان الرجم لا يمكن تبعيضه، دل على أنه لا أصل له، وعلى ما بيناه من أن المراد فعليهن نصف ما على الحرائر، دون ذوات الازواج، يسقط هذا السؤال. ويدل على أن الاحصان يعبر به عن الحرية زائدا على ما تقدم، قوله في أول الآية: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم) ولا شك أنه أراد الحرة أو العفائف، لان التي لها زوج لا يمكن العقد عليها، وجد طولها أو لم يجد، وقوله: (والذين يرمون المحصنات) يدل عليه أيضا، لان المراد به المسلمة الحرة، سواء كانت ذات زوج أولم تكن، بلا خلاف. والرجم معلوم من دين المسلمين بالتواتر فانهم لا يختلفون أنه صلى الله عليه وآله رجم ماعز بن مالك الاسلمي، ورجم يهوديا ويهودية، وعليه جيمع الفقهاء من عهد الصحابة إلى يومنا هذا، فخلاف الخوارج لا يلتفت إليه. وفي الناس من قال: إن قوله: " أن ينكح المحصنات " المراد به الحرائر دون أن نكون مختصا يالعفائف، لانه لو كان مختصا بالعفائف لما جاز العقد على من ليس كذلك، لان قوله: " الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة " إلى قوله: " وحرم ذلك على المؤمنين " (1) منسوخ بالاجماع، وبقوله: " فانكحوا ما طاب " (2) وبقوله: " وانكحوا الايامى " (3) ويمكن أن يخص بالعفائف على الافضل دون الوجوب، وقوله: " فعليهن " معناه لازم لهن نصف ما يلزم المحصنات، دون أن يكون ذلك واجبا عليهن، وقوله: " وان تصبروا " في موضع رفع، والتقدير والصبر عن نكاح الامة خير لكم. وفي الآية تقديم وتأخير، لان التقدير: " ومن
لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم " أي فلينكح مما ملكت أيمانكم (من فتياتكم المؤمنات بعضكم من بعض والله أعلم بايمانكم) ذكره الطبري وهو جيد مليح.
(1) سورة النور: آية 3. (2) سورة النساء: آية 3. (3) سورة النور: آية 3.
[ 173 ]
قوله تعالى: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم) (26) - آية بلا خلاف. الاعراب: اللام في قوله: (ليبين لكم) للنحويين فيه ثلاثة أقوال: أولها - قال الكسائي، والفراء، والكوفيون: إن معناها (أن)، وإنما لا يجوز ذلك في أردت وأمرت لانها تطلب الاستقبال، لا يجوز أردت أن قمت، ولا أمرت أن قمت فلما كانت (أن) في سائر الافعال تطلب الاستقبال، استوثقوا له باللام، وربما جمعوا بين اللام وكي لتأكيد الاستقبال، قال الشاعر: أردت لكيما لا ترى لي عثرة * ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل (1) وقال الفراء: ربما جاء مع غير الارادة والامر، أنشدني بن الجراح: أحاول إعنا اتي بما قال أم رجا * ليضحك مني أو ليضحك صاحبه (2) ومعناه: رجا أن يضحك، ومثله: (وأمرا لنسلم) (3) وفي موضع آخر. (أمرت أن أكون أول من أسلم) (4) وربما جمعوا بين اللام وكي وأن، قال الشاعر: أردت لكيما أن تطير بقربتي * فتتركها شنا ببيداء بلقع (5)
(1) معاني القرآن 1: 262 أنشده أبوتروان. وفي شواهد الهمع 2: 5 روايته (تراني عشيرتي) بدل (ترى لي عثرة).
(2) معاني القرآن 1: 262 قائله أبو الجراح الانفي من بني انف الناقة. وكان في المخطوطة والمطبوعة هكذا أحاول اعدائي بما قال أم رجا * فيضحك مني أو ليضحك صاحبه (3) سورة الانعام: آية 71 (4) سورة الانعام: آية 14. (5) لم يعرف قائله. معاني القرآن 1: 262 والانصاف: 242 والخزانة 3: 585. والعيني (هامش الخزانة) 4: 405، وحاشية الصبان 3: 280. قوله (أن تطير) كناية عن الهرب، والشن: الخلق البالي، والبيداء: المغازة المهلكة، والبلقع: الارض القفراء.
[ 174 ]
ولايجوز في الظن أن تقع اللام بمعنى أن، لان الظن يصلح معه الماضي والمستقبل، نحو: ظننت أن قمت، وظننت أن تقوم، ولا يجوز: ظننت لتقوم بمعنى: ظننت أن تقوم. الثاني - قال الزجاج لا يجوز أن تقع اللام بمعنى أن، واستشهد بقول الشاعر: أردت لكيما يعلم الناس إنها * سراويل سعد والوفود شهود فلو كانت بمعنى أن لم تدخل على كي، كما لا تدخل أن على كي، قال: الرماني: ولقائل أن يقول: إن هذه لام الاضافة مردودة إلى أصلها، فلا يجب وقوع أن موقعها، ومذهب سيبويه وأصحابه أن اللام دخلت في هذا على تقدير المصدر، أي: ارادة للبيان لكم، نحو قوله: (إن كنتم للرؤيا تعبرون) (1) (وردف لكم بعض الذي تستعجلون) (2) ومعناه: إن كنتم تعبرون الرؤيا، قال كثير: أريد لانسى ذكرها فكأنما * تمثل لي ليلى بكل سبيل أي: إرادتي لهذا. الثالث - ضعف هذين الوجهين بعض النحويين، بأن جعل اللام بمعنى (أن) لم تقم به حجة قاطعة، وحمله على المصدر يقتضي جواز ضربت لزيد بمعنى ضربت
زيدا، وهذا لا يجوز، ولكن يجوز في التقديم، نحو لزيد ضربت وللرؤيا تعبرون، لان عمل الفعل في التقديم يضعف، كعمل المصدر في التأخير، ولذلك لم يجز إلا في المتصرف، فاما " ردف لكم " فعلى تأويل: ردف ما ردف لكم، وعلى ذلك يريد ما يريد لكم، وكذلك قوله: " وأمرنا لنسلم " (3) أي أمرنا بما أمرنا لنسلم، فهي تجري بهذا على أصولها، وقياس بابها. وقال قوم معناه: يريد الله هذا من أجل أن يبين لكم، كما قال: " وأمرت لاعدل بينكم " (4) معناه: وأمرت بهذا من أجل ذلك، وإنما لم يجز أن يراد الماضي لامرين: أحدهما - أن الارادة لاستدعاء الفعل، ومحال أن يستدعي ما قد فعل، كما
(1) سورة يوسف: آية 43. (2) سورة النمل: آية 72. (3) سورة الانعام: آية 71. (4) سورة الشورى: 15.
[ 175 ]
أنه محال أن يؤمر بما قد وقع، لانه لا يحسن أن يقول: إفعل أمس، أو أريد أمس. والثاني - أن بالارادة يقع الفعل على وجه دون وجه، من حسن أو قبح، أوطاعة أو معصية، وذلك محال فيما مضى. المعنى: وقوله: " ويهديكم سنن الذين من قبلكم " قيل فيه قولان: أحدهما - " يهديكم سنن الذين من قبلكم " من أهل الحق، لتكونوا على الاقتداء بهم في اتباعه لما لكم فيه من المصلحة. الثاني - (سنن الذين من قبلكم) من أهل الحق، لتكونوا على بصيرة فيما تفعلون أو تجتنبون من طرائقهم، وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة، لان الله تعالى بين أنه يريد أن يتوب على العباد، وهم يزعمون أنه يريد منهم الاصرار على المعاصي. وقال أبو علي الجبائي: في الآية دلالة على أن ما ذكر
في الآيتين من تحريم النكاح أو تحليله، قد كان على من قبلنا من الامم، لقوله تعالى: " ويهديكم سنن الذين من قبلكم " أي في الحلال والحرام. قال الرماني: لا يدل ذلك على اتفاق الشريعة، وإن كنا على طريقتهم في الحلال والحرام، كما لا يدل عليه وإن كنا على طريقتهم في الاسلام، وهذا هو الاقوى. قوله تعالى: (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) - آية -. المعنى: معنى الآية الاخبار من الله تعالى أنه يريد من المواجهين بها، أن يتوب
[ 176 ]
عليهم، بمعنى أن يقبل توبتهم، عما سلف من آثامهم، ويتجاوز عما كان منهم في الجاهلية، من استحلالهم ما هو حرام عليهم من حلائل الآباء والابناء، وغير ذلك مما كانوا يستحلونه، وهو حرام عليهم. إن قيل: لم كرر قوله: " والله يريد أن يتوب عليكم " ؟ مع ما تقدم من قوله: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم " قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه لما في الاول، وتقديره: يريد الله ليتوب عليكم أنى في الثاني ب (أن) ليزول الايهام أنه يريد ليتوب، ولا يريد (3) أن يتوب علينا. والآخر - أن يبين أن ارادته منا خلاف إرادة أصحاب الاهواء لنا، لنكون على بصيرة من أمرنا، وجاء الثاني على التقابل، بان الله يريد شيئا ويريدون خلافه. والمعني: بقوله: " ويريد الذين يتبعون الشهوات " قيل فيه أربعة أقوال: الاول - قال ابن زيد: كل مبطل، لانه يتبع شهوة نفسه في باطله.
الثاني - قال مجاهد: يعني به: الزناة. الثالث - قال السدي: هم اليهود والنصارى. الرابع - اليهود خاصة، لانهم يحلون نكاح الاخت من الاب، والاول أقوى، لانه أعم فائدة، وأوفق لظاهر اللفظ. وقوله: " أن تميلوا ميلا عظيما " معناه أن تعدلوا عن الاستقامة بالاستكثار من المعصية، وذلك أن الاستقامة هي المؤدية إلى الثواب، والفوز بالسلامة من العقاب، وأما الميل عن الاستقامة فيؤدي إلى الهلاك واستحقاق العقاب. فان قيل: ما معنى إرادتهم الميل بهم ؟ قيل قد يكون ذلك لعداوتهم، وقد يكون لتمام الانس بهم في المعصية، فبين الله أن إرادته لهم خلاف ارادتهم منهم، وليس في الآية ما يدل على أنه لا يجوز اتباع داعي الشهوة في شئ البته، لانه لا خلاف أن اتباع الشهوة فيما أباحه الله تعالى جائز، وإنما المحظور من
(1) في المخطوطة (ولانه يريد) بدل (ولا يريد).
[ 177 ]
ذلك ما يدعو إلى ما حرمه، لكن لا يطلق [ على ] (1) صاحبه بانه متبع للشهوة، لان إطلاقه يفيد اتباع الشهوة فيما حرم عليه. قوله تعالى: (يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الانسان ضعيفا) (28) - آية بلا خلاف -. المعنى واللغة: معنى قوله: " يريد الله أن يخفف عنكم " ههنا أي في نكاح الاماء، لان الانسان خلق ضعيفا في أمر النساء، هذا قول مجاهد، وطاووس، وزيد. وأصل التخفيف خفة الوزن، والتخفيف على النفس بالتيسير، كخفة الحمل بخفة الوزن، ومنه الخفافة النعامة السريعة، لانها تسرع أسراع الخفيف الحركة، والخفوف السرعة، ومنه الخف الملبوس لانه يخف به التصرف، ومنه خف البعير. والمراد
بالتخفيف ههنا تسهل التكليف، بخلاف التصعب فيه، فتحليل نكاح الاماء تيسير بدلا من تصعيب، وكذلك جميع ما يسره الله لنا إحسانا منه إلينا، ولطفا بنا. فان قيل: هل يجوز التثقيل في التكليف، مع خلق الانسان ضعيفا عن القيام به بدلا من التخفيف ؟ قيل: نعم إذا أمكنه القيام به، وإن كان فيه مشقة، كما ثقل التكليف على بني اسرائيل في قتل أنفسهم، غير أن الله لطف بنا فكلمنا ما يقع به صلاحنا، بدلا من فسادنا. وفي الآية دلالة على فساد قول المجبرة: ان الله يكلف عباده ما لا يطيقون، لان ذلك مناف لارادة التخفيف عنهم في التكليف، من حيث أنه غاية التثقيل. وقوله: " وخلق الانسان ضعيفا " أي يستميله هواه. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا
(1) في المخطوطة والمطبوعة (لصاحبه) يدل (على صاحبه).
[ 178 ]
أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما) (29) - آية واحدة بلا خلاف -. القراءة، والاعراب: قرأ أهل الكوفة: " تجارة " نصبا، الباقون: بالرفع، فمن رفع ذهب إلى أن معناه: إلا أن تقع تجارة، ومن نصب فمعناه: إلا أن تكون الاموال تجارة، أو أموال تجارة، وحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، ويكون الاستثناء منقطعا، ويجوز أن يكون التقدير: إلا أن تكون التجارة تجارة، كما قال الشاعر: إذا كان يوما ذا كواكب أشنعا (1) وتقديره: إذا كان اليوم يوما ذا كواكب، ذكره أبو علي النحوي. وقال الرماني التقدير: إلا أن تكون الاموال تجارة، ولم يبين. والقول ما قال أبو علي،
لان الاموال ليست تجارة. ومن شأن خبر كان أن يكون هو إسمها في المعنى. وقيل: الرفع إقوى، لانه أدل في الاستثناء على الانقطاع، فان التحريم لاكل المال بالباطل على الاطلاق. وفي الناس من زعم أن نصبه على قول الشاعر: إذا كان طعنا بينهم وعناقا (2) أي إذا كان الطعن طعنا. قال الرماني: وهذا ليس بقوي، لان الاضمار قبل الذكر ليس يكثر في مثل هذا، وإن كان جائزا، فالرفع يغني عن الاضمار فيه. المعنى: وفي معنى قوله: " لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل " قولان: أحدهما - قال السدي: بالربا، والقمار، والبخس، والظلم، وهو المروي عن
(1) لم يعرف قائله معاني القرآن للفراء 1: 186 وسيبويه 1: 22 وصدره: ولله قومي أي قوم لحرة (2) لم يعرف قائله معاني القرآن 1: 186 وصدره: أعيني هلا تبكيان عفاقا. وعفاق: اسم رجل.
[ 179 ]
أبي جعفر (ع). الثاني - قال الحسن: بغير استحقاق من طريق الاعواض. وكان الرجل يتحرج أن يأكل عند أحد من الناس بعد ما نزلت هذه الآية، إلى أن نسخ ذلك بقوله في سورة النور: " ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم.. " إلى قوله: " جميعا أو أشتاتا " (1) والاول أقوى، لان ما أكل على وجه مكارم الاخلاق فليس هو أكل بالباطل. وقيل: معناه التخاون، ولذلك قال: " بينكم ". وقوله: " إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم " فيه دلالة على بطلان قول من حرم المكاسب، لانه تعالى حرم أكل الاموال بالباطل، وأحله بالتجارة على
طريق المكاسب. ومثل قوله: " وأحل الله البيع وحرم الربا " (2) وقيل في معنى التراضي بالتجارة قولان: أحدهما - إمضاء البيع بالتفرق، أو بالتخاير بعد العقد في قول شريح، وابن سيرين، والشعبي، لقوله صلى الله عليه وآله: البيعان بالخيار ما لم يتفرقا أو يكون بيع خيار. وربما قالوا: أو يقول أحدهما للآخر اختر، وهو مذهبنا. الثاني - إمضاء البيع بالعقد - على قول مالك بن أنس، وأبي حنيفة، وأبي يوسف، - ومحمد - بعلة رده إلى عقد النكاح، ولا خلاف أنه لا خيار فيه بعد الافتراق، وقيل: معناه إذا تغابنوا فيه مع التراضي فانه جائز. وقوله: " ولا تقتلوا أنفسكم " قيل فيه: ثلاثة أقوال: أحدها - قال عطاء، والسدي، وأبو علي الجبائي، والزجاج: لا يقتل بعضهم بعضا من حيث كانوا أهل دين واحد، فهم كالنفس الواحدة، كما يقول القائل: قتلنا ورب الكعبة، ومعناه قتل بعضنا، لانه صار كالقتل لهم، ومثله قوله: " فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم " (3). الثاني - قال البلخي: فيه نهي عن قتل نفسه في حال غضب، أو زجر، (1) سورة النور: آية 61. (2) سورة البقرة: آية 275. (3) سورة النور: آية 61.
[ 180 ]
والاول أقوى، لانه أكثر وأغلب، وأيضا فانه إذا حرم عليه قتل غيره من أهل دينه، لانه بمنزلة قتل نفسه، فقد حرم عليه قتل نفسه. الثالث - قال قوم: معناه: لا تقتلوا أنفسكم، بان تهلكوها بارتكاب الآثام، والعدوان في أكل المال بالباطل، وغيره من ارتكاب المعاصي، التي تستحقون بها العقاب. وروي عن أبي عبد الله (ع): أن معناه لا تخاطروا بنفوسكم في القتال،
فتقاتلون من لا تطيقونه. وقوله: " إن الله كان بكم رحيما " قال ابن عباس: كان صلة، والمعنى إن الله غفور رحيم، ويحتمل أن يكون المراد: " إن الله كان بكم رحيما " حيث كلفكم الامتناع من أكل المال بالباطل الذي يؤدي إلى العقاب، وحرم عليكم قتل نفوسكم التي حرمها عليكم، ويعلم انه رحيم فيما بعد بدليل آخر. قوله تعالى: (ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا وكان ذلك على الله يسيرا) (30) - آية بلا خلاف -. المعنى: قيل في تعليق الوعيد والاشارة بقوله: " ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما... " الآية، أربعة أقوال: أولها - وهو أقواها - انه على أكل الاموال بالباطل، وقتل النفس بغير حق، والوعيد بكل واحدة من الخصلتين، لان الوعيد ذكر عقيب ذكر النهي عن الامرين، وهو اختيار الطبري. الثاني - قال عطاء: هو على قتل النفس المحرمة خاصة. الثالث - على فعل كلما نهى الله عنه، من أول السورة. الرابع - أنه راجع إلى قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا
[ 181 ]
النساء كرها " (1) لان ما قبله مقرون بالوعيد. وقوله: (وكان ذلك على الله يسيرا) معناه: أنه قادر على إنجاز الوعيد، لا يمكن صاحبه الامتناع منه، ولا الهرب منه، فيتعذر الايقاع به، فيجب أن تنزلوا الوعيد منزلته، وتكونوا على بصيرة فيه، غير مغترين بامر يصرف عنه،
وإنما قيد قوله: " ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما " لان من وقع منه قتل النفس على وجه السهو والخطأ في خلاف المراد، لم يتناوله الوعيد، وكذلك إذا أكل من أموال الناس على وجه مباح، لم يتوجه إليه الوعيد. والعدوان تجاوز ما أمر الله به، والظلم أن يأخذه على غير وجه الاستحقاق، وأصله وضع الشئ في غير موضعه، وفي المرجئة من قال: إنما قيد بذلك لان المراد من استحل أكل المال بالباطل، واستحل أيضا قتل النفوس، وذلك لا يكون إلا كافرا، فلذلك هدده بالوعيد المخصوص، فأما إذا فعل ذلك محرما له، فانه يجوز أن يعفو الله عفو، فلا يتناوله الوعيد قطعا على كال حال، ولو لم تحمل الآية على المستحلين، لامكننا أن نخص الآية بمن لا يعفو الله عنه، كما أنهم لابد لهم أن يخصوها بمن لم يتب من ذلك ولا تكون معصية صغيرة، فليس في الآية ما يمنع من القول بجواز العفو. وإنما قال: (وكان ذلك على الله يسيرا) وإن كان يسيرا عليه الآن وفي مستقبل الاوقات، ليعلم أن الاوقات متساوية في ذلك على كل حال، ولا يجوز أن يقال قياسا على ذلك وكان الله قديما، لان قولنا قديم أغنى عن كان، إذ لم يختص بالحال بل أفاد الوجود في الازل، فلا معنى لادخال كان فيه. واليسير السهل، يقال: يسر الشئ إذا سهل فهو يسير، وعسر فهو عسير، إذا لم يتسهل. قوله تعالى: (إن تجتبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلا كريما) (31) - آية -.
(1) سورة النساء: آية 19. (*)
[ 182 ]
القراءة، والحجة: قرأ نافع، وأبو بكر، عن عاصم: مدخلا - بفتح الميم - الباقون بضمها،
وهو الاقوى، لانه من ادخلوا والآخر جائز، لان فيه معنى: فيدخلون، وليس كقول الشاعر: الحمدلله ممسانا ومصبحنا * بالخير صبحنا ربي ومسانا (1) ويروى بفتح الميم فيهما، أنشده البلخي في البيت، لانه ليس فيه فعل، ولكن قد حكي بالفتح على التشبيه بالاول، ويحتمل أن يكون من قرأ بفتح الميم أراد: مكانا كريما، كما قال: " ومقام كريم " (2) وقرأ المفضل، عن عاصم " يكفر " " ويدخلكم " بالياء فيهما، الباقون بالنون، وهو الاجود، لانه وعد على وجه الاستئناف، فالاحسن ألا يعلق بالاول من جهة ضمير الغائب، واختاره الاخفش، ومن قرأ بالياء رده إلى ذكر الله في قوله: " إن الله كان بكم رحيما ". المعنى: والمعاصي وإن كانت كلها عندنا كبائر، من حيث كانت معصية لله تعالى، فانا نقول: إن بعضها أكبر من بعض، ففيها إذا كبير بالاضافة إلى ما هو أصغر منه. وقال ابن عباس: كلما نهى الله عنه فهو كبير. وقال سعيد بن جبير: كلما أوعد الله عليه النار فهو كبير، ومثله قال أبو العالية، ومجاهد، والضحاك. وعند المعتزلة أن كل معصية توعد الله تعالى عليها بالعقاب، أو ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله أو كان بمنزلة ذلك، أو أكبر منه، فهو كبير، وما ليس ذلك حكمه فانه يجوز أن يكون صغيرا، ويجوز أن يكون كبيرا، ولا يجوز أن يعين الله الصغائر، لان في تعيينها الاغراء بفعلها، فمن المعاصي المقطوع على كونها كبائر: قذف المحصنات:
(1) قائله أمية بن أبي الصلت. ديوانه: 62 ومعاني القرآن للقراء 1: 264 والخزانة 1: 120، واللسان (إمسى). (2) سورة الشعراء: آية 59. وسورة الدخان: آية 26
[ 183 ]
وقتل النفس التي حرم الله، والزنا، والربا، والفرار من الزحف في قول ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، ومثله عن أبي عبد الله (ع)، وزاد: وعقوق الوالدين، والشرك، وإنكار الولاية. وقال ابن مسعود: كلما نهى الله عنه، من أول السورة إلى رأس الثلاثين، فهو كبير. وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: عقوق الوالدين، وشهادة الزور، كبير. فعلى مذهب المعتزلة: من اجتنب الكبائر، وواقع الصغائر، فان الله يكفر الصغائر عنه، ولا يحسن مع اجتناب الكبائر عندهم المؤاخذة بالصغائر، ومتى آخذه بها كان ظالما. وعندنا أنه يحسن من الله تعالى ان يؤآخذ العاصي بأي معصية فعلها، ولا يجب عليه إسقاط عقاب معصية لمكان اجتناب ما هو أكبر منها، غير أنا نقول: إنه تعالى وعد تفضلا منه أن من اجتنب الكبائر فانه يكفر عنه ما سواها، بان يسقط عقابها عنه تفضلا، ولو أخذه بها لم يكن ظالما، ولم يعين الكبائر التي إذا اجتنبها كفر ما عداها، لانه لو فعل ذلك لكان فيه إغراء بما عداها، وذلك لا يجوز في حكمته تعالى. وقوله: " إن تجتنبوا كبائر " معناه من تركها جانبا والمدخل الكريم: هو الطيب الحسن المكرم بنفي الآفات والعاهات عنه. وقوله تعالى: (ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن واسألوا الله من فضله إن الله كان بكل شئ عليما) (32) - آية بلا خلاف -. القراءة: قرأ ابن كثير، والكسائي " وسلوا " بغير همزة، وكذلك كلما كان أمر للمواجه في جميع القرآن، الباقون بالهمزة، ولم يختلفوا في: " وليسألوا ما انفقوا " (1)
(1) سورة الممتحنة: آية 10. (*)
[ 184 ]
لانه أمر لغائب. قال أبو علي الفارسي. كلاهما جيد، إن ترك الهمزة واثباتها. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية أن أم سلمة قالت: (يارسول الله لا نغزو مع الرجال، ولنانصف الميراث، ياليت كنا رجالا، فكنا نقاتل معهم) فنزلت هذه الآية، في قول مجاهد. وقال الزجاج: قال الرجال: ليتنا كنا فضلنا في الآخرة على النساء، كما فضلنا عليهن في الدنيا، وبه قال السدي. اللغة: والتمني هو قول القائل: ليت كان كذا لما لم يكن، وليت لم يكن كذا لما كان. وفي الناس من قال: هو معنى في القلب. وقال الرماني: هوما يجب على جهة الاستمتاع به، ومن قال: هو معنى في القلب قال: ليس هو من قبيل الشهوة، ولا من قبيل الارادة، لان الارادة لا تتعلق إلا بما يصح حدوثه، والتمني قد يتعلق بما مضى، والشهوة أيضا كالارادة في أنها لا تتعلق بما مضى. المعنى: وظاهر الخطاب يقتضي تحريم تمني ما فضل الله به بعضنا على بعض وقال الفراء: هو على جهة الندب والاستحباب، والاول هو حقيقة التمني، والذي قلناه هو قول أكثر المفسرين، ووجه تحريم ذلك أنه يدعو إلى الحسد، وأيضا فهو من دنايا الاخلاق، وأيضا فان تمني الانسان لحال غيره قد يؤدي إلى تسخط ما قسم الله له، ولا يجوز لاحد أن يقول ليت مال فلان لي، وإنما يحسن أن يقول: ليت مثله لي. وقال البلخي: لا يجوز للرجل أن يتمنى أن كان امرأة، ولا للمرأة أن تتمنى لو كانت رجلا، بخلاف ما فعل الله، لان الله لا يفعل من الاشياء إلا ما هو أصلح، فيكون قد تمنى ما ليس بأصلح، أوما يكون مفسدة. ويمكن أن يقال: إن ذلك يحسن بشرط أن لا يكون مفسدة، كما يقول في حسن السؤال سواء.
[ 185 ]
وقوله: (وللرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن) قيل في معناه أقوال: أحدها - أن لكل واحد حظا من الثواب على حسب ما كلفه الله من الطاعات بحسن تدبيره، فمتى فعل ذلك استحق به علو المنزلة، فلا تتمنوا خلاف هذا التدبير، لما فيه من حرمان الحظ الجزيل. الثاني - أن كل أحد إنما له جزاء ما اكتسب، فلا يضيعه بتمني ما لغيره، مما يؤدي إلى إبطال عمله، فكأنه قيل: لا تضيع ما هو لك، بتمني ما لغيرك. والثالث - أن لكل فريق من الرجال والنساء نصيبا مما اكتسب من نعيم الدنيا، بالتجارات والزراعات وغير ذلك من أنواع المكاسب، فينبغي أن يقنع ويرضى بما قسم له. وروي عن ابن عباس أنه قال: ذلك في الميراث، للرجال نصيب منه، وللنساء نصيب منه. والاجوبة الاولى أقرب، لان الميراث ليس مما يكتسبه الرجال والنساء، وإنما هو شئ يورثهم الله تعالى، والآية تضمنت أن لهم نصيبا مما اكتسبوا، وذلك لا يليق إلا بما تقدم. وقوله: (واسألوا الله من فضله) معناه: إن احتجتم إلى ما لغيركم، فاسألوا الله أن يعطيكم مثل ذلك من فضله، بشرط أن لا يكون فيه مفسدة لكم ولا لغيركم، لان المسألة لا تحسن إلا كذلك، وقال سعيد بن جبير: واسألوا الله العبادة، وبه قال السدي،، ومجاهد. وقوله: (إن الله كان بكل شئ عليما) معناه: إنه قسم الارزاق على ما علمه من الصلاح للعباد، بدلا من الفساد، فينبغي أن ترضوا بما قسمه، وتسألوه من فضله، غير منافسين لغيركم في عطيته.
قوله تعالى: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والاقربون والذين
[ 186 ]
عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم إن الله كان على كل شئ شهيدا) (33) - آية بلا خلاف -. القراءة، والاعراب، والحجة قرأ أهل الكوفة " عقدت " بغير ألف، الباقون بألف، فمن قرأ باثبات الالف، قال: لان المعاقدة تدل على عقد الحلف باليمين من الفريقين، وقال بعضهم إنه يعني عن ذلك جميع الايمان، قال الرماني: هذا خطأ، لانها قد تجمع لردها على أحد الفريقين الحالف بها، قال أبو علي الفارسي: الذكر الذي يعود من الصلة إلى الموصول ينبغي أن يكون منصوبا، فالتقدير: والذين عاقدتم أيمانكم، فجعل الايمان في اللفظ هي المعاقدة، والمعنى على الحالفين الذين هم أصحاب الايمان، فالمعنى: والذين عاقدت حلفهم أيمانكم، فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه، فعاقدت أشبه بهذا المعنى، لان لكل نفس من المعاقدين يمينا على المحالفة. ومن قال: " عقدت أيمانكم " كل المعنى: عقدت حلفهم أيمانكم، فحذف الحلف، وأقام المضاف إليه مقامه، والاولون حملوا الكلام على المعنى، حيث كان من كل واحد من الفريقين يمين، ومن قال: " عقدت " حمل على اللفظ، لفظ الايمان، لان الفعل لم يسند إلى أصحاب الايمان في اللفظ، وإنما أسند إلى الايمان. المعنى واللغة: ومعنى الآية جعلنا الميراث لكل من هو مولى الميت، والموالي المذكورون في الآية، قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: هم العصبة، وقال السدي: هم الورثة: وهو أقواها، والتقدير ولكلكم جعلنا ورثة مما ترك الوالدان
والاقربون، ثم استانف: والذين. وأصل الموالي من ولي الشئ يليه ولاية، وهوالاتصال للشئ بالشئ، من غير فاصل، والمولى على وجوه: فالمولى المعتق، والمولى المعتق، والمولى العصبة،
[ 187 ]
والمولى إبن العم، والمولى الحليف، والمولى الولي، والمولى الاولى بالشئ والاحق. فالمعتق مولي النعمة بالعتق، والمعتق لانه مولى النعمة، والمولى الورثة، لانهم أولى بالميراث، والمولى الحليف، لانه يلي المحالف أمره بعقد اليمين، والمولى إبن العم، لانه يلي النصرة لتلك القرابة، والمولى الولي، لانه يلي بالنصرة. وفي التنزيل: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى لهم) (1) أي لا ناصر لهم، وهو ناصر المؤمنين، والمولى السيد. لانه أولى بمن يسوده. قال الاخطل: فاصبحت مولاها من الناس كلهم * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا والمولى الاولى والاحق، ومنه قوله (ع): (أيما امرأة نكحت بغير إذن مولاها فنكاحها باطل) أي بغير إذن من هو أولى بها وأحق. وقال الفضل ابن العباس في المولى بمعنى ابن العم: مهلا بني عمنا مهلا موالينا * لا تظهرون لنا ما كان مدفونا (2) والمراد بقوله: (والذين عاقدت أيمانكم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال سعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: إنهم الحلفاء. الثاني - قال الحسن، وسعيد بن المسيب: هم رجال كانوا يتبنون، على عادة الجاهلية. ليجعل لهم نصيب من الوصية، ثم هلكوا، فذهب نصيبهم بهلاكهم. الثالث - في رواية أخرى عن ابن عباس، وابن زيد انهم قوم آخى بينهم رسول الله صلى الله عليه وآله. والاول أقوى وأظهر في أقوال المفسرين.
وقال أبو مسلم: أراد بذلك عقد المصاهرة والمناكحة. وقال أبو علي: الحليف لم يؤمر له بشئ أصلا، لانه عطف على قوله " ترك الوالدان والاقربون " أي: وترك الذين عاقدت أيمانكم، فآتوا كلا نصيبه من الميراث. وهذا ضعيف لانه
(1) سورة محمد: آية 11. (2) مجاز القرآن لابي عبيدة 1: 125 والكامل للمبرد 2: 279 والحماسة للبحتري 1: 121 واللسان (ولي) وقد روي: لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
[ 188 ]
يفيد التكرار، لان قوله: " الوالدان والاقربون " عام في كل أحد. وعلى ما قال المفسرون، يكون قوله: (ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان) إذا كانوا مناسبين له، ثم استأنف حكم الحلفاء، فقال: " فآتوهم نصيبهم ". فان قيل: بم يتصل قوله: " مما ترك الوالدان " وما العامل فيه ؟ قيل فيه قولان: أحدهما - يتصل ب (موالي) على جهة الصفة، والعامل الاستقرار، كأنه قال: موالي مما خلف الوالدان والاقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الورثة. الثاني - يتصل بمحذوف، والتقدير: موالي يعطون مما ترك الوالدان والاقربون، والذين عاقدت أيمانكم من الميراث. وقال أبو علي الجبائي تقديره: ولكل شئ مما ترك الوالدان والاقربون وارث من الميراث. قال الرماني: وهذا لا يجوز، لانه فصل بين الصفة والموصوف بما عمل في الموصوف، نحو: لكل رجل - جعلت درهما - فقير. والنصيب الذي أمر به للحليف قيل فيه قولان: أحدهما - قال ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعامر، والضحاك: انه نصيب على ما كانوا يتوارثون بالحلف في الجاهلية، ثم نسخ ذلك
بقوله: " وألوا الارحام بعضهم أولى ببعض ". الثاني - في رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، والسدي: انه النصيب من النصرة والنصيحة دون الموارثة، فعلى هذا الآية غير منسوخة. وروي عنه أنه قال: لا حلف في الاسلام، فأما ما كان في الجاهلية فلم يزده الاسلام إلا شدة. وقوله: (إن الله كان على كل شئ شهيدا) أي: شاهدا، وذلك دال على أنه عالم به، لانه لا يشهد إلا بما علم. قوله تعالى: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما انفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع
[ 189 ]
واضربوهن فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا) (34) - آية بلا خلاف -. القراءة والنزول: قرأ أبو جعفر المدني: " بما حفظ الله " - بالنصب - ومعناه: بالذي حفظ الله، ويحتمل أن يكون معناه: بحفظ الله وهو ضعيف، لانه يكون حذف الفاعل وهو ضعيف. وسبب نزول هذه الآية ما قاله الحسن، وقتادة، وابن جريج، والسدي: أن رجلا لطم امرأته فجاءت إلى االنبي صلى الله عليه وآله تلتمس القصاص، فنزلت الآية: " الرجال قوامون على النساء ". المعنى واللغة: والمعنى: (الرجال قوامون على النساء) بالتأديب والتدبير لما " فضل الله "
الرجال على النساء في العقل والرأي. وكان الزهري يقول: ليس بين الرجل وامرأته قصاص فيما دون النفس. ويقال: رجل قيم، وقوام، وقيام. ومعناه: إنهم يقومون بأمر المرأة بالطاعة لله ولهم. وقوله: (فالصالحات قانتات) قال قتادة: وسفيان: معنى (قانتات) مطيعات لله ولازواجهن. وأصل القنوت دوام الطاعة، ومنه القنوت في الوتر لطول القيام. وقوله: " حافظات للغيب بما حفظ الله " معناه، قال قتادة، وعطاء، وسفيان: حافظات لما غاب عنه أزواجهن من ماله، وما يجب من رعايته وحاله، وما يلزم من صيانتها نفسها له، " وبما حفظ الله " قال عطاء، والزجاج: أي بما حفظهن الله في مهورهن، وألزم الزوج النفقة عليهن. وقال بعضهم: معناه، والله أعلم: بالشئ الذي يحفظ أمر الله، ودين الله. وقوله: " واللاتي تخافون " قيل فيه قولان: أحدهما - تعلمون، لان خوف النشز للعلم بموقعه، فلذلك جاز أن توضع
[ 190 ]
مكان تعلم، كما قال الشاعر: ولا تدفنني بالفلاة فانني * أخاف إذا ما مت ألا أذوقها (1) وقال آخر: أتاني كلام عن نصيب يقوله * وما خفت يا سلام انك عائبي (2) وقال الفراء: معناه: ما ظنت، ومنه قوله صلى الله عليه وآله: أمرت بالسواك حتى خفت أن أدرد. الثاني - الخوف الذي هو خلاف الامن، كأنه قال: تخافون نشوزهن لعلمكم بالاحوال المؤذنة به، ذكره محمد بن كعب. ومعنى النشوز ههنا: قال ابن عباس، والسدي، وعطاء، وابن زيد: انه معصية الزوج، وأصله الترفع على الزوج بخلافه، مأخوذا من قولهم: هو على نشز من الارض، أي ارتفاع، يقال:
نشزت المرأة تنشز وتنشز، قرئ بهما: " وإذا قيل انشزوا فانشزوا " (3) فالنشوز يكون من قبل المرأة خاصة، والشقاق منهما. وقوله: " فهظوهن " أي خوفوهن بالله، فان رجعن وإلا فاهجروهن في المضاجع. وقيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وعكرمة، والضحاك، والسدي: هجر الكلام. وقال سعيد بن جبير: هوهجر الجماع. وقال مجاهد، والشعبي، وابراهيم: هو هجر المضاجعة، وهو قول أبي جعفر (ع). وقال: يحول ظهره إليها. وقال بعضهم: " اهجروهن " اربطوهن بالهجار، من قولهم: هجر الرجل البعير إذا ربطه بالهجار، وقال امرؤ القيس: رأت هلكا بنجاف الغبيط * فكادت تجد لذاك الهجارا (4)
(1) انظر 2: تعليقة 2. (2) انظر 2: 189، 244. (3) سورة المجادلة: آية 11. (4) ديوانه: 111 واللسان (هلك). الهلك الفراغ. نجاف الغبيط: مدرعة البرذعة. الهجار: حبل يسوى له عروتان في طرفيه ثم تشد احداهما في رسغ رجل الفرس وتزر وكذلك الاخرى.
[ 191 ]
وهذا تعسف في التأويل، ويضعفه قوله: " في المضاجع " ولا يكون الرباط في المضجع. وأما الضرب فانه غير مبرح بلا خلاف قال أبو جعفر (ع): هو بالسواك. والمضاجع جمع مضجع، وأصله الاستلقاء، يقال: ضجع ضجوعا واضطجع اضطجاعا إذا استلقى للنوم، وأضجعته إذا وضعت جنبه بالارض، فكل شئ أملته فقد أضجعته. وقوله: (فان أطعنكم فلا تبغوا عليهن) أي لا تطلبوا، تقول: بغيت الضالة إذا طلبتها، قال الشاعر يصف الموت: بغاك وما تبغيه حتى وجدته * كأنك قد واعدته أمس موعدا (1)
وأصل الهجر الترك عن قلى، تقول: هجرت فلانا أي تركت كلامه عن قلى، والهجر القبيح من الكلام، لانه مهجور، والهجار حبل يشد به البعير، لانه يهجر به التصرف، والهاجرة نصف النهار، لانه وقت يهجر فيه العمل. وقوله: " إن الله كان عليا كبيرا " أي متعاليا عن أن يكلف إلا بالحق، ومقدار الطاقة، وقد قيل: معناه إنه قادر عليه، قاهر له، وليس المراد به علو المكان، لان ذلك يستحيل عليه تعالى. والكبير السيد، يقال: لسيد القوم كبيرهم، والمعنى: فان استقمن لكم فلاتطلبوا العلل في ضربهن، وسوء معاشرتهن، فان الله تعالى قادر على الانتصاف لهن. قوله تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما إن الله كان عليما خبيرا) (35) - آية بلا خلاف -. المعنى واللغة قوله: (وإن خفتم) في معناه قولان:
أحدهما - إن علمتم. الثاني - الخوف الذي هو خلاف الامن، وهو الاصح، لانه لو علم الشقاق يقينا لم يحتج إلى الحكمين، فان أريد به الظن كان قريبا مما قلناه. والشقاق الخلاف، والعداوة، واشتقاقه من الشق، وهو الجزء الباين، ومنه إسم المتشاقين، لان كل واحد منهما في شق أي في ناحية، ومنه المشقة في الامر، لانه يشق على النفس، فأمر الله متى خيف ذلك بين الزوجين أن يبعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها،
والحكم القيم بما يسند إليه. والمأمور ببعث الحكمين قيل فيه قولان: أحدهما - قال سعيد بن جبير، والضحاك، وأكثر الفقهاء، وهو الظاهر في اخبارنا: انه السلطان الذي يترافعان إليه. والثاني - قال السدي: انه الرجل والمرأة، وقيل: أيهما كان ناب عن الآخر، وهو اختيار الطبري. واختلف الفقهاء في الحكمين هل هما وكيلان، أو هما حكمان، فعندنا أنهما حكمان، وقال قوم: هما وكيلان، واختلفوا هل للحكمين أن يفرقا بالطلاق إن رأياه أم لا ؟ فعندنا ليس لهما ذلك إلا بعد أن يستأمراهما، أو كان اذن لهما في الاصل في ذلك، وبه قال الحسن، وقتادة، وابن زيد، عن أبيه. ومن قال: هما وكيلان، قال: لهما ذلك، ذهب إليه سعيد بن جبير، والشعبي، والسدي، وابراهيم، وشريح، ورووه عن علي (ع). وقوله: (إن يريدا إصلاحا يوفق الله بينهما) معناه يوفق الله بينهما، والضمير في بينهما عائد على الحكمين، والمعنى: إن أرادا إصلاحا في أمر الزوجين يوفق الله بينهما. وبه قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والسدي. وأصل التوفيق الموافقة، وهي المساواة في أمر من الامور. والتوفيق هو اللطف الذي يتفق عنده فعل الطاعة، والتوفيق بين نفسين هو الاصلاح بينهما، والاتفاق في الجنس والمذهب المساواة بينهما، والاتفاق في الوقوع كرمية من غير رام لمساواتهما نادرا. وقوله: (إن الله كان عليما خبيرا) يعني بما يريد الحكمان من الاصلاح.
[ 193 ]
أو الافساد. وقيل معناه أنه عالم بما تعبدكم به، لعلمه بما فيه صلاحكم في دينكم ودنياكم. " وشقاق بينهما " إنما أضافه إلى البين لان البين قد يكون اسما كما قال: " لقد تقطع بينكم " (1) ممن قرأ بالرفع.
قوله تعالى: (واعبدو الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا) (36) - آية -. المعنى: هذا خطاب لجميع المكلفين، أمرهم الله بأن يعبدوه وحده، ولا يشركوا بعبادته شيئا سواه " وبالوالدين إحسانا " نصب على المصدر، وتقديره: وأحسنوا إلى الوالدين إحسانا، ويحتمل أن يكون نصبا على تقدير: واستوصوا بالوالدين إحسانا، لان قوله: " اعبدوا الله " بمنزلة استوصوا بعبادة الله، وأن تحسنوا إلى ذي قرباكم، وإلى اليتامى الذين لا أب لهم، والمساكين وهم الفقراء، والجار ذي القربي، يعني الجار القريب. اللغة: وأصل الجار العدول، جاوره مجاورة وجوارا، فهو مجاور له وجار له، لعدوله إلى ناحيته في مسكنه، والجور الظلم، لانه عدول عن الحق، ومنه جار السهم إذا عدل عن قصده، وجار عن الطريق إذا عدل عنه، واستجار بالله، لانه
(1) سورة الانعام: آية 94. (*)
[ 194 ]
يسأله العدول به عن النار، وجواز الذمة، لانه عدول بها إلى ناحية صاحبها. " والجار الجنب " أصل الجنب التنحية، جنبت فلانا عن كذا فتجنب أي نحيته، ومنه قوله: " واجنبني وبني أن نعبد الاصنام " (1) والجانبان الناحيتان، لتنحي كل واحدة عن الاخرى، ومنه جنب الانسان وكل حيوان، والاجتناب
الترك للشئ، والجار الجنب معناه الغريب الاجنبي، لتنحيه عن القرابة، قال علقمة بن عبدة: فلا تحرمني نائلا عن جنابة * فاني امرؤ وسط القباب غريب (2) أي عن غربة. وقال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وابن زيد: الجار ذي القربى القريب في النسب، والجار الجنب: الغريب، أي عن غربة. وروي عن النبي (ص) أنه قال: الجيران ثلاثة، جار له ثلاثة حقوق: حق الجوار، وحق القرابة، وحق الاسلام. وجار له حقان: حق الجوار، وحق الاسلام. وجار له حق الجوار، المشرك من أهل الكتاب. المعنى واللغة: " والصاحب بالجنب " قيل في معناه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، والحسن، ومجاهد، وقتادة، والسدي، والضحاك: هو الرفيق. الثاني - قال عبد الله بن مسعود، وعلي (ع) وابراهيم، وابن أبي ليلى: الزوجة. الثالث - قال ابن زيد، وابن عباس،، في رواية أخرى عنه: إنه المنقطع اليك رجاء رفدك. وقيل إنه جميع هؤلاء، وهو أعم فائدة. وقال الزجاج. الجار ذي القربى الذي يقاربك ويعرفك وتعرفه، والجار
الجنب البعيد. وروي أن حد الجوار إلى أربعين دارا. وروي إلى أربعين ذراعا. (وابن السبيل) معناه صاحب الطريق، وقيل في المراد به ههنا قولان:
أحدهما - قال مجاهد، والربيع: إنه المسافر. الثاني - قال قتادة، والضحاك: انه الضيف، وقال إصحابنا: يدخل فيه الفريقان. " وما ملكت أيمانكم " يعني المماليك من العبيد والاماء، أمر الله بالاحسان إلى هؤلاء أجمع. وقوله: " إن الله لا يحب من كان مختالا " فالمختال الصلف التياه، والاختيال هو التطاول، وإنما ذكره الله ههنا وذمه، لانه أراد بذلك من يختال فيأنف من قراباته وجيرانه إذا كانوا فقراء، لكبره وتطاوله، فأما الاختيال في الحرب فممدوح، لان في ذلك تطاولا على العدو واستخفافا به. وأصل المختال من التخيل، وهو التصور، فالمختال لانه يتخيل بحاله مرح البطر، ومنه الخيل، لانها تختال في مشيها، إي تتبختر، والخيال، لانه يتخيل به صاحبه، والاخيل الشقراق، لانه يتخيل في لونه الخضرة من غير خلوصها، والخول الحشم، وخلته راكبا خيلانا أي تخيلته، والخال المختال، والخال أخ الام، " والفخور " هو الذي يعدد مناقبه كبرا وتطاولا، وأما الذي يعددها اعترافا بالنعم فيها فهو شكور غير فخور. وروي عن المفضل عن عاصم أنه قرأ: " والجار الجنب " - بفتح الجيم - قال أبو الحسن: هو لغة في الجنب، قال الراجز: الناس جنب والامير جنب يعني ناحية: قال أبو علي الفارسي: يحتمل أمرين: أحدهما - أن يريد الناحية، والتقدير: ذي الجنب، فحذف المضاف، لان المعنى مفهوم، لان الناحية لا تكون هي الجار. والثاني - أن يكون وصفا، مثل: ضرب وندب وفسل، فهذا وصف جرى على موصوف. قوله تعالى: (الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ويكتمون ما آتاهم
[ 196 ]
الله من فضله واعتدنا للكافرين عذابا مهينا) (37) - آية -. القراءة: قرأ حمزة، والكسائي ههنا وفي الحديد: " بالبخل " بفتح الباء والخاء. الباقون بضم الباء وتسكين الخاء. فمن نصب قال: لانه مصدر بخل يبخل بخلا، الباب كله هكذا، ومن اختار الضم وتسكين الخاء فلانه نقيض الجود فحمل على وزنه، فهما لغتان. وحكي لغة ثالثة " بالبخل " - بفتح الباء وسكون الخاء. الاعراب: وقوله: " الذين " يحتمل أن يكون موضعه نصبا من وجهين، ورفعا من وجهين، فأحد وجهي النصب أن يكون بدلا من " من " في قوله: " لا يحب من كان ". والثاني - على الذم. وأحد وجهي الرفع - على الاستئناف بالذم، ويكون خبره " إن الله لا يظلم " (1) والآية الثانية عطفا عليها. والوجه الثاني على البدل من الضمير في " فخور ". والبخل أصله مشقة الاعطاء. المعنى واللغة: وقالوا في معناه ههنا قولان: أحدهما - أنه منع الواجب، لانه إسم ذم لا يطلق إلا على مرتكب كبيرة. والثاني - هو منع ما لا ينفع منعه، ولا يضر بذله، ومثله الشح، وضده الجود، والاول أليق بالآية، لانه تعالى نفى محبته عمن كان بهذه الصفة، وذلك لا يليق إلا بمنع الواجب. قال الرماني: معناه منع الاحسان لمشقة الطباع، ونقيضه الجود وهو بذل الاحسان لانتفاء مشقة الطباع، وقال ابن عباس، ومجاهد، والسدي، وابن زيد: إن الآية نزلت في اليهود، إذ بخلوا باظهار ما علموه وكتموه من صفة محمد (ص). وقال الجبائي، والبلخي: الآية في كل من كان بهذه الصفة،
(1) سورة النساء: آية 4. (*)
[ 197 ]
وإنما ذكروا بالكفر لكتمانهم نعمة الله عليهم. والآمر بالبخل يتناوله الوعيد، كما أن من فعل البخل يتناوله الوعيد. وقيل: معنى " يكتمون ما آتاهم الله من فضله " يجحدون اليسار والثروة اعتذارا في البخل، وقوله: " وأعتدنا " قدفسرناه فيما مضى وهو أن معناه أعددناه، وجعلناه ثابتا لهم " وللكافرين " يعني الجاحدين ما أنعم الله عليهم " عذابا مهينا " أي يهينهم ويذلهم. قوله تعالى: (والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا) (38) - آية بلا خلاف -. الاعراب: قوله: " والذين " عطف على " الذين " في الآية الاولى. واعرابه يحتمل ما قلناه في الآية الاولى سواء. وقال الزجاج وغيره: المعني بهذه الآية المنافقون. وقال مجاهد: المعني بها اليهود، والاول أقوى وأظهر، لان الرياء ضرب من النفاق وواو العطف يقوي ذلك، لانه لو أراد الموصوفين في الآية الاولى لقال: " الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس "، مع أنه قد ورد عطف الصفات بالواو لموصوف واحد على ما بيناه فيما مضى، غير أن الاجود ما قلناه. المعنى واللغة: فذم الله تعالى بهذه الآية من ينفق ماله رئاء الناس دون أن ينفقه لوجهه وطلب رضاه، ولا يؤمن بالله أي لا يصدق به، " ولا باليوم الآخر " الذي فيه الثواب والعقاب. ثم قال: " ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا " معناه من قبل من الشيطان، وأطاعه فيما يدعوه إليه فبئس القرين قرينه. والقرين أصله
[ 198 ]
الاقتران، ومنه قرن الثور لاقتران بعض ببعض، والقرن أهل العصر من الناس، وقرنة الشئ حرفه، والقرن المقاوم في الحرب، " وما كنا له مقرنين " (1) أي مطيقين، والقرين الصاحب المألوف. قال عدي بن زيد: عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه * فان القرين بالمقارن يقتدي (2) ويمكن الانسان الانفكاك من مقارنة الشيطان بالمخالفة له، فلا يعتد بالمقارنة. وقال أبو علي: لا يمكن ذلك، لانه يقرن به الشيطان في النار فلا يمكنه الانفكاك منه، وقوله: " فساء قرينا " نصب على التفسير، كقوله: " ساء مثلا " وتقديره: ساء مثلا مثل الذين، وتقول: نعم رجلا، وتقديره نعم الرجل رجلا. قوله تعالى: (وماذا عليهم لو آمنوا بالله واليوم الآخر وانفقوا مما رزقهم الله وكان الله بهم عليما) (39) - آية واحدة بلا خلاف -. المعنى والاعراب: معنى قوله: " وماذا عليهم. " الآية الاحتجاج على المتخلفين عن الايمان بالله واليوم الآخر بما عليهم فيه ولهم، وذلك أنه يجب على الانسان أن يحاسب نفسه فيما عليه وله، فإذا ظهر له ما عليه في فعل المعصية من استحقاق العقاب اجتنبها، وماله في تركها من استحقاق الثواب عمل في ذلك من الاختيار له، أو الانصراف عنه. وفي ذلك دلالة على بطلان قول المجبرة في أن الكافر لا يقدر على الايمان، لان الآية نزلت على أنه لا عذر للكفار في ترك الايمان، ولو كانوا غير قادرين لكان فيه أوضح العذر لهم، ولما جاز أن يقال: " وماذا عليهم لو آمنوا بالله " لانهم لا يقدرون عليه، كما لا يجوز أن يقال لاهل النار: ماذا عليهم لو خرجوا منها
(1) سورة الزخرف: آية 13. (2) ديوانه في شعراء الجاهلية: 466،
وقد شاعت روايته على ألسن الناس: عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه * فكل قرين بالمقارن يقتدي
[ 199 ]
إلى الجنة، من حيث لا يقدرون عليه، ولا يجدون السبيل إليه، ولذلك لا يجوز أن يقال للعاجز: ماذا عليه لو كان صحيحا، ولا للفقير: ماذا عليه لو كان غنيا. وموضع " ذا " يحتمل من الاعراب وجهين: أحدهما - أن يكون رفعا، لانه في موضع الذي، وتقديره: ما الذي عليهم لو آمنوا. الثاني - لا موضع له، لانه مع (ما) بمنزلة إسم واحد، وتقديره: وأي شئ عليهم لو آمنوا بالله، ففي الآية تقريع على ترك الايمان بالله واليوم الآخر، وتوبيخ على الانفاق مما رزقهم الله في غير أبواب البر وسبيل الخير على وجه الاخلاص، دون الرياء. وقوله: (وكان الله بهم عليما) معناه ههنا ان الله بهم عليم، يجازيهم بما يسرون من قليل أو كثير، فلا ينفعهم ما ينفقونه على جهة الرياء. قوله تعالى: (إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويؤت من لدنه أجرا عظيما) (40) - آية بلا خلاف -. القراءة، والحجة، والاعراب: قرأ: (وإن تك حسنة) بالرفع ابن كثير، ونافع. الباقون بالنصب، فمن نصب معناه: وإن تك زنة الذرة حسنة، أو: وإن فعلته حسنة، ومن رفع ذهب إلى أن كان تامة، وتقديره: وإن تحدث حسنة. وأصل (تك) تكون، فحذفت الضمة للجزم، والواو لسكونها وسكون النون، لكثرة الاستعمال، وقد ورد القرآن باثباتها، قال الله تعالى: (إن يكن غنيا أو فقيرا) (1) فاجتمع في
النون أنها ساكنة وأنها تشبه حروف اللين، فحذفت لكثرة الاستعمال، كما قالوا لا أدر، ولم ابل، والاجود: لم أبال، ولا أدري " ويؤت " بغير ياء، سقطت الياء
(1) سورة النساء: 134. (*)
[ 200 ]
للجزم بالعطف على (يضاعفها). ولدن في موضع خفض. وفيها لغات، يقال: لد ولدن ولدا ولدا، والمعنى واحد، ومعناه من قبله، ولدن لما يليك، وعند يكون لما يليك ولما بعد منك، تقول: عندي مال وإن كان بينك وبينه بعد، فإذا أضفته إلى نفسك فقلت: من لدني ومن لدنا زدت فيها نونا أخرى، وأدغموا الاولى منهما ليسلم سكون النون ومثله قالوا في (من)، إذا أضافوه قالوا: مني ومنا. وقرأ ابن كثير، وابن عامر: (يضعفها) مشدده، الباقون: (يضاعفها) من المضاعفة. والظلم هو الالم الذي لا نفع فيه يوفي عليه، ولا دفع مضرة أعظم منه عاجلا ولا آجلا، ولا هو مستحق، ولا هو واقع على وجه المدافعة. اللغة: وأصله وضع الشئ في غير موضعه، وقيل: أصله الانتقاص، من قوله: (ولم تظلم منه شيئا) (1) أي لم ينقص. والظلم انتقاص الحق، والظلمة انتقاص النور بذهابه، والظلم الثلج، لانتقاصه بالجمود، وشبه به ماء الاسنان، وفي المثل (من أشبه أباه فما ظلم)، وسقاء مظلوم إذا شرب منه قبل أن يدرك، والظليم ذكر النعام، لانه يضع الشئ في غير موضعه من حيث (2) يحضن غير بيضه. وأصل المثقال الثقل، فالمثقال مقدار الشئ في الثقل، والثقل ما ثقل من متاع السفر، والمثقل الذي أثقله المرض، والثقيل البطئ في عمله (فمثقال ذرة): مقدار ذرة في الزنة. والذرة النملة الحمراء في قول ابن عباس، وابن زيد، وهي أصغر النمل، وهي من ذررت الشئ أذره ذرا إذا بددته سحوقا. المعني:
وفي الآية دلالة على أن منع الثواب ظلم لانه لو لم يكن ذلك ظلما لما كان لهذا الكلام معنى على هذا الترتيب. وفيه أيضا دلالة على أنه قادر على الظلم، لانها
(1) سورة الكهف: آية 32. (2) (من حيث) ساقطة من المطبوعة. (*)
[ 201 ]
صفة تعظيم وتنزيه عن فعل ما يقدر عليه من الظلم، ولو لم يكن قادر عليه لما كان فيه مدحة، غير أنه وإن كان قادرا عليه فانه لا يفعله لعلمه بقبحه، وبأنه غني عنه، ولانه لو فعل لكان ظالما، لان الاشتقاق يوجب ذلك وذلك منزه عنه تعالى. قوله تعالى: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) (41) - آية -. الاعراب: " كيف " لفظها لفظ الاستفهام، ومعناها ههنا التوبيخ، والتقدير فكيف يكون حال هؤلاء يوم القيامة، وحذف لدلالة الكلام عليه. والعامل في " كيف " الابتداء المحذوف، لان التقدير: كيف حالهم، على ما بيناه. وإنما جاز خروج كيف عن الاستفهام إلى التوبيخ لانه يقتضي إقرار العبد على نفسه بما كان من قبيح عمله، كما يقتضي الجواب في الاستفهام، ولا يجوز أن يكون العامل في " كيف " " جئنا " لاضافة " إذا " إليه والمضاف إليه لا يعمل فيما قبله كما لا تعمل الصلة فيما قبل الموصول، لانه من تمام الاسم. المعنى: والشهادة تقع يوم القيامة من كل نبي بأنه بلغ قومه ما تقوم به عليهم الحجة، وأنه أدى ما تقوم به الحجة عليها من مراد الله، هذا قول عبد الله، وابن جريج،
والسدي. وقال الجبائي: يشهد عليهم باعمالهم. وقال الزجاج، والطبري: يشهد لهم وعليهم بما عملوه، ووجه حسن الشهادة ما في ذلك من اقامة الحجة عليهم، فيستجيبون عند تصور تلك الحال من خزي ذلك المقام، وفي ذلك أكبر الاتعاظ. وروي عن ابن مسعود أنه قرأ على النبي صلى الله عليه وآله سورة النساء فلما بلغ " فكيف
[ 202 ]
إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا " فاضت عيناه وقوله: " وجئنا بك " يعني محمدا صلى الله عليه وآله " على هؤلاء " يعني على أمته. وقال السدي: إن أمة نبينا تشهد للانبياء بالاداء والتبليغ، ويشهد النبي لامته بتصديقهم في تلك الشهادة، كما قال: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) (1). قوله تعالى: (يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) (42) - آية بلا خلاف -. القراءة، والحجة: قرأ حمزة، والكسائي: " تسوى " مفتوحة التاء خفيفة السين. وقرأ نافع وابن عامر - بفتح التاء وتشديد السين - الباقون بضم التاء وتخفيف السين. وقال الطبري: الاختيار فتح التاء، لموافقته لقوله: " ياليتني كنت ترابا " (2) ولم يقل: كونت. وقال الرماني هذا ليس بشئ، لان التمني فيه معنى الفعل، وبضم التاء أبين وليس كذلك الآخر، لانه بمنزلة التمني لان يكون معدوما لم يوجد قط. قال أبو علي: من قرأ بضم التاء أراد: لو جعل هو والارض سواء، ومن فتح التاء أراد: تتسوى، وإنما أدغم التاء في السين، قال: وفي هذا تجوز، لان الفعل مسند إلى الارض وليس ذلك المراد، لانه لا فائدة لهم أن تصير الارض مثلهم. وإنما
ودوا أن يتستو واهم بما لا يتسوى بهم، ومن فتح التاء وخفض السين أراد هذا، غير أنه حذف إحدى التائين وهي الاصلية دون التي للمضارعة. المعنى: ومعنى الآية الاخبار من الله تعالى أن الكفار يوم القيامة يودون - لعلمهم
(1) سورة البقرة: آية 143. (2) سورة النبأ: آية 40. (*)
[ 203 ]
بما يصيرون إليه من العذاب والخلود في النار - أنهم لن يبعثوا أو أنهم كانوا والارض سواء. وروي في التفصسير أن البهائم يوم القيامة تصير ترابا، فيتمنى عند ذلك الكفار أنهم صاروا كذلك ترابا، وهذا لا يجيزه إلا من قال: إن العوض منقطع، فأما من قال: هو دائم لم يصحح هذا الخبر. وقوله: " وعصوا الرسول " ضموا الواو لانها واو الجمع، وحركت لالتقاء الساكنين. وقوله: " لو استطعنا " كسرت على أصل الحركة، لالتقاء الساكنين. وإنما وجب لواو الجمع الضم لانها لما منعت ما لها من ضم ما قبلها، جعلت الضمة عند الحاجة إلى حركتها فيها. والعامل في " يومئذ " (يود الذين) وإنما عمل في (يومئذ) ما بعد (إذا) ولم يجز مثل ذلك في (إذا جئنا من كل أمة) لانه لما أضيف (يوم) إلى (إذ) بطلت إضافته إلى الجملة، وجاء التنوين ليدل على تمام الاسم. يبين ذلك قوله: (من عذاب يومئذ ببنيه) (1). وقوله: (ولا يكتمون الله حديثا) لا ينافي قوله: (والله ربنا ما كنا مشركين) (2) لانه قيل في معنى الآية سبعة أقوال: أحدها - قال الحسن إن الآخرة مواطن، فموطن (لا تسمع إلا همسا) (3) أي صوتا خفيا، وموطن يكذبون فيقولون: (ما كنا نعمل من سوء) (4) (والله ربنا ما كنا مشركين) وموطن يعترفون بالخطأ بأن يسألوا الله أن يردهم
إلى دار الدنيا. الثاني - قال ابن عباس: إن قوله: (ولا يكتمون الله حديثا) داخل في التمني بعد ما نطقت جوارحهم بفضيحتهم، فكأنهم لما رأوا المؤمنين دخلوا الجنة كتموا فقالوا: (والله ربنا ما كنا مشركين) فختم الله أفواههم، وأنطق جوارحهم بما فعلوه، فحينئذ تمنوا أن يكونوا (تسوى بهم الارض ولا يكتمون الله حديثا) فتمنوا الامرين وقال الفراء: تقديره: (يومئذ يود الذين كفروا
(1) سورة المعارج: آية 12. (2) سورة الانعام: آية 23. (3) سورة طه: آية 108. (4) سورة النمل: آية 28. (*)
[ 204 ]
وعصوا الرسول لو تسوى بهم الارض) ويودون لا يكتمون حديثا. الثالث - قال أبو علي: انه لا يعتد بكتمانهم، لانه ظاهر عند الله لا يخفى عليه شئ منه. الرابع - لم يقصدوا الكتمان، لانهم إنما أخبروا على ما توهموا، ولا يخرجهم من أن يكونوا كذبوا. والخامس - قال بعضهم: إن قوله: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم) (1) انما معناه: أوجبوا العذاب بمثل حال الكاذب في الاقرار، كما يقال: كذب عليك الحج، قال الشاعر: كذب العتيق وماء شن بارد * إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي وقال الرماني: هذا التأويل ضعيف، لانه يجري مجرى اللغز. والسادس: قال الحسين بن علي المغربي: تمنوا أن يكونوا عدما، وتم الكلام ثم استأنف فقال: (ولا يكتمون الله حديثا) أي لا تكتمه جوارحهم وإن كتموه هم.
السابع - قال البلخي: (ولا يكتمون الله حديثا) على ظاهره لا يكتمون الله شيئا، لانهم ملجأون إلى ترك القبائح والكذب. وقوله: (ما كنا مشركين) أي عند أنفسنا، لانهم كانوا يظنون في الدنيا أن ذلك ليس بشرك من حيث يقربهم إلى الله تعالى. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولاجنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء
(1) سورة الانعام: 24. (*)
[ 205 ]
فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) (43) - آية بلا خلاف -. القراءة والمعنى: قرأ حمزة، والكسائي: " أو لمستم النساء " بغير ألف، الباقون " لامستم " بالف، فمن قرأ " لامستم " بالف قال: معناه الجماع: وهو قول علي (ع)، وابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وأبو علي الجبائي، واختاره أبو حنيفة. ومن قرأ بلا الف أراد اللمس باليد وغيرها بما دون الجماع، ذهب إليه ابن مسعود، وعبيدة، وابن عمر، والشعبي، وابراهيم، وعطاء، واختاره الشافعي. والصحيح عندنا هو الاول، وهو اختيار الجبائي، والبلخي، والطبري، وغيرهم. والملامسة واللمس معناهما واحد، لانه لا يلمسها إلا وهي تلمسه، وقيل: ان الملامسة بمعنى اللمس، كما قيل: عافاه الله، وعاقبت اللص. النزول:
وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - قال ابراهيم: إنها نزلت في قوم من الصحابة أصابهم جراح. والثاني - قالت عائشة نزلت في قوم من الصحابة أعوزهم الماء. المعنى واللغة: وظاهر الخطاب متوجه إلى المؤمنين كلهم بأن لايقربوا الصلاة وهم سكارى، يعني في حال سكرهم، يقال: قرب يقرب متعد، وقرب يقرب لازم، وقرب الماء يقربه إذا ورده. وقيل في معنى السكر المذكور في الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وابراهيم: إنه السكر من الشراب، وقال مجاهد، والحسن، وقتادة نسخها تحريم الخمر.
[ 206 ]
الثاني - قال الضحاك هو سكر النوم خاصة. وأصل السكر من السكر، وهو سد مجرى الماء يقال سكره يسكره، وإسم الموضع السكر والسكر، لانسداد طريق المعرفة به. سكر يسكر سكرا وأسكره إسكارا، وسكرة الموت غشيته. فان قيل: كيف يجوز نهي السكران في حال سكره مع زوال عقله، وكونه بمنزلة الصبي والمجنون ؟ قلنا عنه جوابان: أحدهما - إنه قد يكون سكران من غير أن يخرج من نقص العقل إلى مالا يحتمل الامر والنهي. الثاني - إنما نهوا عن التعرض للسكر مع أن عليهم صلاة يجب أن يؤدوها في حال الصحو. وقال أبو علي: فيه جواب ثالث وهو أن النهي إنمادل على أن عليهم أن يعيدوها إن صلوها في حال السكر. فان قيل: كيف يسوغ تأويل من ذهب إلى أن السكران مكلف أن ينتهي عن الصلاة في حال سكره ؟ مع أن عمل المسلمين على خلافه، لان من كان مكلفا
تلزمه الصلاة، قلنا عنه جوابان: أحدهما - أنه منسوخ. والآخر - إنه نهي عن الصلاة مع الرسول صلى الله عليه وآله في جماعة. وقوله: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) يقال: رجل جنب إذا أجنب، ورجل جنب أي غريب، ولا يثنى ولا يجمع، ويجمع أجنابا أي غرباء، وإنما نصب لانه عطف على قوله: " وأنتم سكارى " وهي جملة في موضع الحال. وقيل في معناه قولان. أحدهما - قال علي (ع)، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، والحكم، وابن كثير، وابن زيد: إلا مسافرين فلكم أن تتيمموا. الثاني - قال ابن عباس في رواية أخرى، وجابر، والحسن، وسعيد بن جبير، وابراهيم، والزهري، وعطاء، والجبائي: ان معناه لا تقربوا مواضع الصلاة من المساجد إلا مجتازين، وهو قول أبي جعفر (ع)، وحذف لدلالة الكلام عليه،
[ 207 ]
وهو الاقوى، لانه تعالى بين حكم الجنب في آخر هذه الآية إذا عدم الماء، فلو حملناه على ذلك لكان تكرارا، وإنما أراد أن يبين حكم الجنب في دخول المساجد في أول الآية، وحكمه إذا أراد الصلاة مع عدم الماء في آخرها. وقوله: (وإن كنتم مرضى أو على سفر) فالمرض الذي يجوز معه التيمم مرض الجراح، والكسير، وصاحب القروح، إذا خاف من مس الماء في قول ابن مسعود، والضحاك، والسدي، وابراهيم، ومجاهد وقتادة. وقال الحسن، وابن جبير: هو المرض الذي لا يستطيع معه تناول الماء، ولا يكون هناك من يناوله. وكان الحسن لا يرخص للجريح التيمم، والمروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) جواز التيمم عند جميع ذلك. وقوله: " أو على سفر أو جاء أحد
منكم من الغائط " يعني الحدث المخصوص، وأصله المطمئن من الارض، يقال: غائط وغيطان، والتغوط كناية عن الحدث في الغائط، والغوطة موضع كثير الماء والشجر بدمشق، وقوله: " أو لامستم النساء " قد فسرناه، وعندنا المراد به الجماع. وقوله: " فتيمموا صعيدا طيبا " فالتيمم التعمد، ومثله التأمم قال الاعشى: تيممت قيسا وكم دونه * من الارض من مهمه ذي شزن (1) يعني تعمدت، وقال سفيان: معنى تيمموا تعمدوا وتحروا، والصعيد وجه الارض من غير نبات ولا شجر، في قول ابن زيد قال ذو الرمة: كأنه بالضحى ترمي الصعيد به * دبابة في عظام الراس خرطوم (2) ومنه قوله: (فتصبح صعيدا زلقا) (3) فبين أن الصعيد قد يكون زلقا. والصعدات الطرقات، قال الزجاج: لا أعلم خلافا بين أهل اللغة بأن الصعيد وجه الارض، سواء كان عليه تراب أو لم يكن، وهذا يدل على ما نقوله من أن التيمم يجوز بالحجارة سواء كان عليها تراب أو لم يكن (وطيبا) أي طاهرا،
وقال سفيان: يعني حلالا. وأصل الصعيد من الصعود، وهو ما تصعد على وجه الارض من ترابها، والاصعاد في الماء بخلاف الانحدار، والصعود عقبة يشق صعودها، ومنه قوله: " سأرهقه صعودا " (1) وقيل: انه جبل في النار يؤخذ بصعوده، والصعدة هي القناة التي نبتت مستوية، لانها تصعد في نباتها على استقامة، والصعداء تنفس بتوجع. وقوله: (فامسحوا بوجوهكم وأيديكم) قيل في صفة التيمم ثلاثة أقوال:
أحدها - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين، ذهب إليه بن عمر، والحسن، والشعبي، والجبائي، وأكثر الفقهاء، وبه قال قوم من أصحابنا. الثاني - ضربة للوجه وضربة لليدين إلى الزندين، ذهب إليه عمار بن ياسر، ومكحول، واختاره الطبري، وهو مذهبنا إذا كان التيمم بدلا من الجنابة، وان كان بدلا من الوضوء فيكفيه ضربة واحدة يمسح بها الوجه إلى طرف أنفه واليدين إلى الزندين. الثالث - قال أبو اليقظان، والزهري: انه إلى الابطين، وقال قوم انه جائز أن يضرب بيديه على الرمل فيمسح بهما وجهه، وإن لم يعلق بهما شئ، وبه نقول. ويجوز للجنب أن يتيمم عندنا، وعند أكثر الفقهاء وأهل العلم. وبه قال عمار بن ياسر ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله. وروي عن عمر، وابن مسعود، وابراهيم: أنه لا يجوز للجنب أن يتيمم، لقوله: (ولا جنبا إلا عابري سبيل) وقد بينا نحن أن المراد بذلك النهي عن دخول المساجد، فكأنه قال: ولا تقربوا المساجد للصلاة وأنتم سكارى " ولا جنبا إلا عابري سبيل " لان من لم يكن له طريق غير المسجد، أو أصابه الاحتلام في المسجد جاز له أن يجتاز فيه، ولا يلبث فيه. والسكران الذي زال عقله لا تصح صلاته، ويجب عليه قضاؤها، ولا يصح منه شئ من العقود ولا رفعها، كالنكاح، والطلاق، والعتق، والبيع، والشراء، وغير ذلك. وقضاء الصلاة يلزمه إجماعا، وأما ما يلزم به الحدود والقصاص فعندنا أن
(1) سورة المدثر: آية 17.
[ 209 ]
جميع ذلك يلزمه، إن سرق قطع، وإن قذف جلد، وإن زنا حد، وغير ذلك، لاجماع الفرقة المحقة على ذلك، ولعموم الآية المتناولة لذلك، ولا يلزم على ذلك تكليف من قطع رجل نفسه الصلاة قائما، لان ذلك تكليف ما لا يطاق، وإيجاب
قضاء الصلاة على السكران ليس كذلك، وكذلك إقامة الحدود، لان ذلك تابع للشرع، وفيه خلاف. ويجوز إن يصلي صلوات الليل والنهار عندنا بتيمم واحد، وهو كاو ضوء في هذا الباب، ما لم يحدث، أو يتمكن من استعمال الماء، وبه قال الحسن، وعطاء، وأبو حنيفة وأصحابه، وقال إبن عمر، والشعبي، وقتادة، وابراهيم، والشافعي يجب التيمم لكل صلاة، ورووا ذلك عن علي (ع)، وذلك عندنا محمول على الاستحباب. ولا يجوز التيمم عندنا إلا عند تضيق الوقت، والخوف من فوته، واختار ذلك البلخي. وقال الشافعي: لا يجوز إلا بعد دخول الوقت، وقال أبو حنيفة: يتيمم أي وقت شاء، وإن كان قبل الوقت فهو كالوضوء. ومسائل التيمم استوفيناها في المبسوط، والنهاية، ولا نطول بذكرها ههنا. وقوله: (إن الله عفوا غفورا) أي يقبل منكم العفو، ويغفر لكم، لان قبوله التيمم بدلا من الوضوء تسهيل علينا. وقيل: يعفو بمعني يصفح عنكم الذنوب، ويغفرها أي يسترها عليكم. قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) والله أعلم باعدائكم وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) (45) - آيتان -.
[ 210 ]
القراءة والنزول: في الكوفي جعلوا (السبيل) آخر الاولى، وآية واحدة في غير الكوفي. ذكر ابن عباس، وقتادة، وعكرمة: أن الآية نزلت في قوم من اليهود،
وكانوا يستبدلون الضلالة بالهدى، لتكذيبهم بالنبي صلى الله عليه وآله بدلا من التصديق به، مع قيام الحجة عليهم بما ثبت من صفته عندهم، فكأنهم اشتروا الضلالة بالهدى. وقال أبو علي الجبائي، وغيره: كانت اليهود تعطي أحبارها كثيرا من أموالهم على ما كانوا يصفونه لهم، فجعل ذلك اشتراء منهم. وقال الزجاج: كانوا يأخذون الرشا. المعنى: ووجه اتصال هذه الآية بما قبلها التأكيد للاحكام التي يجب العمل بها، بالتحذير ممن يدعو إلى خلافها، ويكذب بها. وقوله: (ألم تر) قال الزجاج، معناه: ألم تخبر في جميع القرآن ؟ وقال غيره: ألم تعلم ؟ وقال الرماني، معناه: رؤية البصر، والمرئي هو الدين، وإنما دخلت (إلى)، لان الكلام يتضمن معنى التعجب، كقولك: ألم تر إلى زيد ما أكرمه ؟ تقديره: ألم تر عجبا بانتهاء رؤيتك إلى زيد ؟ ثم بين ذلك بقوله: ما أكرمه، ومثله قوله: (ألم تر إلى ربك كيف مد الظل) (1). كأنه قال: ألم تر عجبا بانتهاء رؤيتك إلى تدبير ربك كيف مد الظل ؟ قال: ومن فسره على: ألم تخبر، ألم تعلم، فانما ذهب إلى ما يؤول المعنى إليه، لان الخبر والعلم لا يصلح فيهما (إلى) كما يصلح مع الرؤية. وقوله: (ويريدون أن تضلوا السبيل) معناه: يريد هؤلاء اليهود أن تضلوا، معشر المؤمنين، أي تزلوا عن قصد الطريق، ومحجة الحق، فتكذبوا بمحمد فتكونون ضلالا، وفي ذلك تحذير للمؤمنين أن يستنصحوا أحدا من أعداء الاسلام في شئ من أمورهم لدينهم ودنياهم، ثم
(1) سورة الفرقان: آية 45. (*)
[ 211 ]
بين تعالى أنه أعلم منكم بعداوة اليهود لكم أيها المؤمنون، فانتهوا إلى طاعتي، وامتثال أوامري فيما نهيتكم عنه من استنصاحهم في دينكم، فاني أعلم بباطنهم منكم،
وماهم عليه من الغش، والحسد، والعداوة. وقيل معناه: والله يجازيهم على عداوتهم، كقولك: إني أعلم ما تفعل أي اجازيك عليه. وقوله: (وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا) معناه: إن ولاية الله لكم، ونصرته إياكم، تغنيكم عن غيره من هؤلاء اليهود ومن جرى مجراهم، ممن تطمعون في نصرته. ودخلت الباء في قوله: " بالله " لاحد أمرين: أحدهما - للتأكيد، لان الاسم في " كفى الله " كان يتصل اتصال الفاعل، فلما دخلت الباء صار يتصل اتصال المضاف واتصال الفاعل، ليعلم أن الكفاية منه ليست كالكفاية من غيره في المرتبة، وعظم المنزلة، فضوعف لفظها لمضاعفة معناها. الثاني - لانه دخله معنى: اكتفوا بالله، ذكره الزجاج، وموضعه رفع بلا خلاف. اللغة: والعداوة الابعاد من حال النصرة، وضدها الولاية، وهي التقرب من حال النصرة، وأما البغض فهو إرادة الاستخفاف والاهانة، وضده المحبة وهي إرادة الاعظام والكرامة. والكفاية بلوغ الغاية في مقدار الحاجة، كفى يكفي كفاية فهو كاف، والاكتفاء الاجتزاء بشئ دون شئ، ومثله الاستغناء، والنصرة الزيادة في القوة للغلبة، ومثلها المعونة، وضدها الخذلان، ولا يكون ذلك إلا عقوبة، لان منع المعونة مع الحاجة عقوبة. قوله تعالى: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليا بالسنتهم وطعنا في الدين
[ 212 ]
ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم
ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا) (46) - آية. بلا خلاف -. المعنى والاعراب: قيل في معنى قوله: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه) قولان: أحدهما - قال الفراء، والزجاج، والرماني: ان يكون تبيينا للذين " أوتوا نصيبا من الكتاب " ويكون العامل فيه " أوتوا " وهو في صلة الذين، ويجوز ألا يكون في الصلة، كما تقول: انظر إلى النفر من قومك ما صنعوا. الثاني - أن يكون على الاستئناف، والتقدير: " من الذين هادوا " فريق (يحرفون الكلم) كما قال ذو الرمة: فضلوا ومنهم دمعه سابق له * وآخر يثني دمعة العين بالمهل (1) وأنشد سيبويه: وما الدهر إلا تارتان فمنهما * أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح وقال آخر: لو قلت ما في قومها لم تيثم * يفضلها في حسب وميسم (2) أي أحد يفضلها وقال النابغة: كانك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن (3) يريد كأنك جمل من جمال بني أقيش.
(1) ديوانه: 485، وروايته (عبرة) بدل (دمعة). (بالهمل) بدل (بالمهل). (2) قائله حكيم بن معية انظر الخزانة 2: 311. (3) ديوانه: 58، وسيبويه 1: 375، ومجاز القرآن 1: 101. الشن: القرية البالية. (*)
[ 213 ]
قال الفراء: المحذوف (من) والتقدير: من الذين هادوا من يحرفون الكلم كما يقولون: منايقول ذاك ومنا لا يقوله، قال: والعرب تضمر (من) في مبتدأ الكلام بمن، لان من بعض لما هي منه، كما قال: (وما منا إلا له مقام معلوم) (1) وقال: (وان منكم إلا واردها) (2) وأنشد بيت ذي الرمة الذي قدمناه، قال: ولا يجوز إضمار (من) في شئ من الصفات على هذا المعنى إلا في من لما قلناه، وضعف البيت الذي أنشدناه: (لو قلت ما في قومها لم تيثم) وهي لغة هوازن، وتأثم رواية أخرى. وقال انما جاز في (في) لانك تجد (في) تضارع معنى (من) لانه بعض ما أضيف، لانك تقول: فينا الصالحون وفينا دون ذلك، كأنك قلت: منا، ولا يجوز: في الدار يقول ذاك، وتريد: من يقول ذاك، لانه إنما يجوز إذا أضفت (في) إلى جنس المتروك. وقال أبو العباس، والزجاج ما قاله الفراء لا يجوز، لان (من) تحتاج إلى صلة أوصفة تقوم مقام الصلة، فلا يحسن حذف الموصول مع بقاء الصلة، كما لا يحسن حذف بعض الكلمة، وإنما قال: (من الذين هادوا) لانه ليس جميع اليهود حرفوا، وإنما حرف أحبارهم وعلماؤهم. وقوله: (يحرفون الكلم عن مواضعه) يعني يغيرونها عن تأويلها، والكلم جمع كلمة. وقال مجاهد: يعني بالكلم التوراة. وقوله: (سمعنا وعصينا) يعني اليهود يقولون: سمعنا قولك يا محمد، ويقولون سرا عصينا. وقوله: (واسمع غير مسمع) اخبار من الله تعالى عن اليهود الذين كانوا حوالي المدينة في عصره، لانهم كانوا يسبون رسول الله صلى الله عليه وآله ويؤذونه بالقبيح من القول، ويقولون له: اسمع منا غير مسمع، كما يقول القائل لغيره إذا سبه بالقبيح: اسمع لا أسمعك الله، ذكره ابن عباس، وابن زيد. وقال مجاهد، والحسن: ان
تأويل ذلك اسمع غير مقبول منك، أي غير مجاب.
(1) سورة الصافات: آية 164. (1) سورة مريم: آية: 71. (*)
[ 214 ]
وقوله: (وراعنا ليا بالسنتهم) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - أن هذه اللفظة كانت سبا في لغتهم، فاعلم الله نبيه ذلك ونهاهم عنها. الثاني - انها كانت تجري منهم على وجه الاستهزاء والسخرية. الثالث - انها كانت تجري منهم على حد الكبر، كما يقول القائل: انصت لكلامنا، وتفهم عنا. وانما راعنا من المراعاة التي هي المراقبة. وقوله: " ليا بالسنتهم " يعني تحريكا منهم ألسنتهم بتحريف منهم لمعناه إلى المكروه. اللغة: وأصل اللي القتل، تقول: لويت العود ألويه ليا، ولويت الغريم إذا مطلته، واللوى من الرمل - مقصور - مسترقه، ولواء الجيش ممدود، واللوية ما تتحف به المرأة ضيفها لتلوي بقلبه إليها، وألوى بهم الدهر إذا أفناهم، ولوي البقل إذا اصفر ولم يستحكم يبسه. واللسان آلة الكلام، واللسان اللغة، ومنه قوله: " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " (1) ولسن فلان فلانا بلسنه إذا أخذه بلسانه، ورجل لسن: بين اللسن. ولسان الميزان، ولسان القوم: متكلمهم، وشئ ملسن إذا كان طرفه كطرف اللسان. وقوله: " وطعنا في الدين " فالاصل الطعن بالرمح ونحوه. والطعن باللسان كالطعن بالرمح. ومنه تطاعنوا في الحرب. وأطعنوا مطاعنة وطعانا، وطعن يطعن ويطعن طعنا. وقوله: " ولو أنهم قالوا " يعني هؤلاء اليهود " سمعنا " يا محمد قولك " وأطعنا " أمرك، وقبلنا ما جئتنا به " واسمع " منا " وانظرنا " بمعنى انتظرنا نفهم عنك ما تقول لنا " لكان خيرا لهم وأقوم " يعني أعدل
وأصوب في القول، مأخوذا من الاستقامة، ومنه قوله: " وأقوم قيلا " (2) بمعنى وأصوب. وقوله: " ولكن لعنهم الله بكفرهم " يعني أبعدهم الله من ثوابه. ثم أخبر تعالى، فقال: " فلا يؤمنون " في المستقبل " إلا قليلا " منهم فانهم آمنوا.
سورة ابراهيم: آية 4. (2) سورة المزمل: آية 6.
[ 215 ]
وقال البلخي: معناه لا يؤمنون إلا ايمانا قليلا كما قال الشاعر: فالفيته غير مستعتب * ولا ذاكر الله إلا قليلا (1) يريد إلا ذكرا قليلا. وسقط التنوين من ذاكر لاجتماع الساكنين. وقال أبو روق: إلا قليلا ايمانهم قولهم: الله خالقنا ورازقنا، وليس لعن الله لهم بمانع لهم من الايمان، وقدرتهم عليه، لانه إنما لعنهم الله لما كفروا فاستحقوا ذلك، ولو تركوا الكفر وآمنوا، لزال عنهم استحقاق اللعن. قوله تعالى: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان امر الله مفعولا) (47) - آية -. المعنى: هذه الآية خطاب لاهل الكتاب: اليهود، والنصارى أمرهم الله بان يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله وما أنزل عليه من القرآن، وغيره من الاحكام مصدقا لما معهم من التوراة والانجيل اللذين تضمنا صفة النبي صلى الله عليه وآله وصحة ما جاء به. وقوله: (من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها) قيل في معناه أربعة أقوال: أحدها - قال ابن عباس وعطية العوفي وقتادة: معناه نمحو آثارها حتى
تصير كالقفا. ونجعل عيونهافي قفاها، فتمشي القهقرى. الثاني - قال الحسن، ومجاهد، والضحاك، وابن أبي نجيح، والسدي، ورواه أبو الجارود عن أبي جعفر (ع): أن معناه نطمسها عن الهدى، فنردها على أدبارها في ضلالتها ذما لها (2) بأنها لا تصلح أبدا، وهم وإن كانوا في
(1) انظر 2، 76 تعليقة 2، 3. (2) في المخطوطة (ومآبها).
[ 216 ]
الضلالة في الحال فتوعدهم بأنهم متى لم يؤمنوا بالنبي صلى الله عليه وآله ازدادوا بذلك ضلالا إلى ضلالتهم وإيآسالهم أن يؤمنوا فيما بعد. الثالث - قال الفراء، واختاره البلخي، والحسين بن علي المغربي: إن معناه نجعل في وجوههم الشعر كوجه القرود. الرابع - قال قوم: معناه أن يردهم إلى الشام من الحجاز الذي هو مسكنهم، وهو أضعف الوجوه، لانه ترك للظاهر، وخلاف أقوال المفسرين: والادبار: جمع دبر. فان قيل: كيف يجوز تأويل من قال نجعلها كالاقفاء وهذا لم يجز على ما توعد به ؟ قيل عنه جوابان: أحدهما - لانه آمن جماعة من أولئك الكفار كعبد الله بن سلام وثعلبة بن شعبة وأسد بن ربيعة، وأسد بن عبيد، ومخيرق (1)، وغيرهم. وأسلم كعب في أيام عمر حين سمع هذه الآية، فاما من لم يؤمن منهم فانه يفعل به ذلك في الآخرة على أنه تعالى قال: أو نلعنهم، والمعنى أنه يفعل أحدهما، ولقد لعنهم الله بذلك. وقوله: " كما لعنا أصحاب السبت " يعني المسخ الذي جرى عليهم، ذكره البلخي.
والجواب الثاني - أن الوعيد يقع بهم في الآخرة، لان الله تعالى لم يذكر أنه يفعل بهم ذلك في الدنيا تعجيلا للعقوبة ذكره البلخي ايضا، والجبائي. اللغة: والطمس هو الدثر، وهو عفو الاثر، والطامس، والداثر، والدارس بمعنى واحد. وطمست أعلام الطريق تطمس طموسا: إذا دثرت، قال كعب بن زهير: من كل نضاحة الذفرى إذا غرق عرضتها طامس الاعلام مجهول (2)
(1) في المطبوعة: (وثعلبة بن سعنه)، (وأحد بن عبيد)، (ومخبريق). (2) ديوانه: 9 نضح الرجل العرق سال منه. الذفرى: الموضع الذي يعرق من البعير خلف الاذن، والاعلام: أعلام الطريق.
[ 217 ]
والعين التي هي الجارحة عبارة عن الشق بين الجفنين. والادبار جمع دبر، وأصله من الدبر يقولون دبره يدبره دبرا فهو دابر: إذا صار خلفه. والدبر: خلاف القبل. والدابر: التابع. ومنه قوله: " والليل إذا أدبر " (1) أي تبع النهار. فاما أدبر فمعناه ولى. والدبور: الريح، لانها تدبر الكعبة إلى جهة المشرق. والدبار الهلاك. ودابرة الطائر: الاصبع التى من خلف. والدبر: النحل. والدبر: المال الكثير، والتدبير، لانه احكام ادبار الامور، وهي عواقبها. المعنى: وقوله: (أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت) قال السدي، وقتادة، والحسن: معناه نمسخهم قردة وإنما كنى عنهم بقوله: " أو نلعنهم " بعد أن خاطبهم بقوله: " يا أيها الذين " لامرين: أحدهما - التصرف في الخطاب، والانتقال من مواجهة إلى كناية كما قال:
" حتى إذا كنتم في الفلك " فخاطب ثم قال: " وجرين بهم " (2) فكنى. والثاني - أن يعود الضمير على أصحاب الوجوه، لانه بمنزلة المذكور. وقوله: " وكان أمر الله مفعولا " قيل في معناه قولان: أحدهما - ان كل أمر من أمور الله من وعد أو وعيد أو مخبر خبر فانه يكون على ما أخبر به، ذكره الجبائي. والثاني - ان معناه " وكان أمر الله مفعولا " أي الذين يأمر به بقوله: " كن " وذلك يدل على أن كلامه محدث. وقال البلخي: معناه أنه إذا أراد شيئا من طريق الاجبار. والاضطرار كان واقعا لا محالة. لا يدفعه دافع، كقبض الارواح، وقلب الارض وارسال الحجارة، والمسخ وغير ذلك، فاما ما يأمر به على وجه الاختيار، فقد يقع، وقد لا يقع. ولا يكون في ذلك مغالبة له لانه تعالى لو أراد إلجاءه إلى ما أمره به لقدر عليه.
(1) سورة المدثر: آية 33. (2) سورة يونس: آية 22. (*)
[ 218 ]
قوله تعالى: (إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما) (48) - آية واحدة بلا خلاف -. قال الفراء قوله: " أن يشرك " في موضع النصب، وتقديره " إن الله لا يغفر " الشرك قال: ويحتمل أن يكون موضعه الجر وتقديره لا يغفر الذنب مع
الشرك. وقال قوم: الفرق بين قوله: " إن الله لا يغفر أن يشرك به "، وبين قوله: " إن الله لا يغفر " الشرك به من وجهين: أحدهما - أن (أن) تدل على الاستقبال. والآخر - ذكره الرماني أنها تدل على وجه الفعل في الارادة، ونحوها. إذ كان قد يريد الانسان الكفر مع ظنه أنه ايمان، كما يريد النصارى عبادة المسيح. ولا يجوز ارادته أن يكفر مع التوهم انه ايمان وكذلك لا يريد الضرمع التوهم أنه نفع، ولا يجوز ارادته أن يضر مع التوهم أنه نفع، وكذلك أمره بالخطأمع التوهم أنه صواب، ولا يجوز أمره أن يخطئ مع التوهم أنه صواب، وهذا عندي ليس بصحيح، لان الشرك مذموم على كل حال سواء علمه فاعله كذلك، أو لم يعلم. ألا ترى أن النصارى يستحقون اللعنة والبراءة على ما يعتقدونه من التثليث وإن اعتقدوا هم صحته، فالفرق الاول هو الجيد وظاهر الآية يدل على أن الله تعالى لا يغفر الشرك أصلا، لكن أجمعت الامه على أنه لا يغفره مع عدم التوبة، فاما إذا تاب منه فانه يغفره، وإن كان عندنا غفران الشرك مع التوبة تفضلا، وعند المعتزلة هو واجب، وهذه الآية من آكد ما دل على إن الله تعالى يعفو عن المذنبين من غير توبة ووجه الدلالة منها أنه نفى أن يغفر الشرك إلا مع التوبة وأثبت أنه يغفر ما دونه، فيجب أن يكون مع عدم التوبة، لانه إن كان ما دونه، لا يغفره إلا مع التوبة، فقد صار ما دون الشرك مثل الشرك، فلا معنى
[ 219 ]
للنفي، والاثبات. وكان ينبغي أن يقول: " إن الله لا يغفر " المعاصي إلا بالتوبة ألا ترى أنه لا يحسن أن يقول الحكيم أنا لا أعطي الكثير من مالي تفضلا، واعطي القليل إذا استحق علي، لانه كان يجب أن يقول: أنا لا أعطي شيئا من مالي إلا إذا استحق علي كيف وفي الآية ذكر العظيم الذي هو الشرك، وذكر ما هو دونه ؟
والفرق بينهما بالنفي والاثبات، فلا يجوز ألا يكون بينهما فرق من جهة المعنى. فان قيل: نحن نقول: إنه يغفر ما دون الشرك من الصغائر من غير توبة. قلنا: هذا فاسد من وجهين. أحدهما - انه تخصيص، لان ما دون الشرك يقع على الكبير والصغير. والله تعالى أطلق أنه يغفر ما دونه، فلا يجوز تخصيصه من غير دليل. الثاني - ان الصغائر تقع محبطة فلا يجوز المؤاخذة بها عند الخصم وما هذا حكمه لا يجوز تعليقة بالمشيئة وقد علق الله تعالى غفران ما دون الشرك بالمشيئة، لانه قال: " لمن يشاء " فان قيل: تعليقة بالمشيئة يدل على أنه لا يغفر ما دون الشرك قطعا. قلنا: المشيئة دخلت في المغفور له لا فيما يغفر، بل الظاهر يقتضي انه يغفر ما دون الشرك قطعا، لكن لمن يشاء من عباده، وبذلك تسقط شبهة من قال القطع على غفران ما دون الشرك من غير توبة، اغراء بالقبيح الذي هو دون الشرك، لانه إنما يكون اغراء لو قطع على أنه يغفر ذلك لكل أحد. فاما إذا علق غفرانه لمن يشاء، فلا اغراء لانه لا أحد إلا وهو يجوز أن يغفر له، كما يجوز أن يؤاخذ به فالزجر حاصل على كل حال، ومتى عارضوا هذه الآية بآيات الوعيد كقوله: " ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا " (1) وقوله: " ومن يعص الله ورسوله " ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها " (2) وقوله: " إن الفجار لفي جحيم " (3) كان لنا أن نقول: العموم لا صيغة له، فمن أين لكم أن المراد به جميع العصاة ثم نقول نحن نخص آياتكم بهذه الآية ونحملها على الكفار. فمتى قالوا لنا: بل نحن نحمل
(1) سورة الفرقان: آية 19. (2) سورة النساء: آية 13. (3) سورة الانفطار: آية 14. (*)
[ 220 ]
آياتكم على أصحاب الصغائر. فقد تعارضت الآيات ووقفنا وجوزنا العفو بمجرد
العقل، وهو غرضنا وقد استوفينا ما في ذلك في الاصول في باب الوعيد من أراده وقف عليه من هناك. وقوله: " ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما " معناه من يشرك بالله، فقد كذب، لانه يقول: إن عبادته يستحقها غير الله. وذلك افتراء، وكذب. وقوله: " إثما عظيما " نصب على المصدر فكأنه قال: افترى، وأثم " اثما عظيما " لان افترى بمعنى أثم، فلذلك نصب المصدر به. وقال ابن عمر: لما نزل قوله: " إن الله يغفر الذنوب جميعا " ظن أنه تعالى يغفر الشرك أيضا، فانزل الله هذه الآية. وقال ابن عمر: ما كنا نشك معشر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله في قاتل المؤمن، وآكل مال اليتيم وشاهد الزور، وقاطع الرحم، حتى نزلت هذه الآية فامسكنا عن هذه الشهادة. وهذا يدل على أن الصحابة كانت تقول بما نذهب إليه من جواز العفو عن فساق أهل الملة من غير توبة، بخلاف ما يذهب إليه أصحاب الوعيد من المعتزلة، والخوارج، وغيرهم. قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء ولا يظلمون فتيلا) (49) - آية بلا خلاف -. المعنى: قد فسرنا معنى " ألم تر إلى الذين " فيما مضى، وأن معناه ألم تعلم في قول أكثر أهل العلم، واللغة وقال بعضهم: معناه ألم تخبر وفيه سؤال على وجه الاعلام. وتاويله اعلم قصتهم ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين يزكون أنفسهم ؟ وقيل في معناه قولان: أحدهما - قال الحسن، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، وهو المروي عن أبي جعفر (ع): انهم اليهود، والنصارى في قوله: " نحن ابناء الله وأحباءه " (1)
(1) سورة المائدة: آية 20. (*)
[ 221 ]
" وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك أمانيهم " (1) قال الزجاج: اليهود جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وآله باولادهم الاطفال، فقالوا يا محمد أعلى هؤلاء ذنوب ؟ فقال صلى الله عليه وآله: لا، فقالوا: كذلك نحن ما نعمل بالليل يغفر بالنهار، وما نعمل بالنهار يغفر بالليل، فقال الله تعالى: " بل الله يزكي من يشاء " وقال: مجاهد، وأبو مالك: كانوا يقدمونهم في الصلاة ويقولون: هؤلاء لا ذنب لهم. وقال ابن عباس: كانوا يقولون: أطفالنا يشفعون لنا عند الله. الثاني - روي عن عبد الله بن مسعود انه تزكية الناس بعضهم بعضا لينالوا بذلك مالا من مال الدنيا، فاخبر الله تعالى أنه الذي يزكي من يشاء. وتزكيتهم أنفسهم هو أن يقولوا: نحن أزكياء. اللغة والاعراب والنظم: والزكا النمو يقال زكا الزرع يزكو وزكا الشئ: إذا نما في الصلاح وقوله: " ولا يظلمون فتيلا " قال الزجاج: لا يظلمون مقدار فتيل. فيكون نصبه على أنه مفعول ثان: كقولك: ظلمته حقه أي انتقصته حقه. قال الرماني: ويحتمل أن يكون نصبا على التمييز كقولك: تصببت عرقا. وقيل في معنى القتيل ههنا قولان: أحدهما - هو قول ابن عباس في رواية وقول عطاء ابن أبي رياح، ومجاهد، وقتادة، والضحاك، وعطية: إنه الذي في شق النواة. وقال الحسن: الفتيل ما في بطن النواة، والنقير: ما في ظهرها، والقمطير قشرها. الثاني - ما فتلت بين اصبعيك من الوسخ. في رواية أخرى عن ابن عباس، وأبي مالك، والسدي: والفتل: لي الشئ يقال. فتلت الحبل أفتله فتلا، وانفتل فلان في صلاته. والفتيلة معروفة. واقة فتلاء. إذا كان في ذراعيها فتل عن الجنب.
والفتيل في معنى المفتول.
(1) سورة البقرة: آية 111. (*)
[ 222 ]
ووجه اتصال قوله: " ولا يظلمون فتيلا " بما قبله أنه لما قال: " بل الله يزكي من يشاء " نفى عن نفسه الظلم لئلا يظن أن الامر بخلافه. قوله تعالى: " أنظر كيف يفترون على الله الكذب وفى به إثما مبينا " (50) - آية بلا خلاف. اللغة: النظر هو الاقبال على الشئ بالبصر ومن ذلك النظر بالقلب، لانه إقبال على الشئ بالقلب، فكذلك النظر بالرحمة، ونظر الدهر إلى الشئ: إذا أهلكه، والنظر إلى الشئ تلمسه والنظر إليه بالتأميل له. والانتظار: الاقبال على الشئ بالتوقع له. والانظار التاخير إلى وقت. والاستنظار سؤال الانظار. والمناظرة: اقبال كل واحد على الآخر بالمحاجة. والنظير مثل الشئ لاقباله على نظيره بالمماثلة: والفرق بين النظر بالعين، وبين الرؤية أن الرؤية هي إدراك المرئي، والنظر إنما هو الاقبال بالبصر نحوالمرئي، ولذلك قد تنظر ولا نراه، كما يقولون: نظرت إلى الهلال فلم أره، ولذلك يجوز أن يقال في الله أنه رائي. ولا يجوز أن يقال ناظر. وقوله: " كيف يفترون " فالافتراء والاختلاق متقاربان، والفرق بينهما أن الافتراء هو القطع على كذب أخبر به، واختلق قدر كذبا أخبر به، لان الفري القطع، والخلق التقدير. المعنى: وافتراؤهم الكذب على الله ههنا المراد به تزكيتهم لانفسهم بانا " أبناء الله وأحباؤه " وأنه " لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى " ذكره ابن جريج
وقوله: " وكفى به إثما مبينا " معناه تعظيم اثمه وإنما يقال كفى به في العظم على جهة المدح أو الذم، كقولك: كفى بحال المؤمن نبلا وكفى بحال الكافر إثما
[ 223 ]
كأنه قيل: ليس يحتاج إلى حال أعظم منه في المدح أو الذم. كما يقال ليس يحتاج إلى أكثر مما به. ويحتمل أن يكون معناه كفى هذا إثما أي ليس يقصر عن منزلة الاثم. قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) (51) - آية بلا خلاف -. المعنى: قيل في المعني بهذه الآية قولان: أحدهما - قال ابن عباس، وقتادة: هم جماعة من اليهود منهم: حي بن أخطب وكعب بن الاشرف، وسلام بن أبي الحقيق، والربيع بن الربيع (1). قالوا لقريش: أنتم أهدى سبيلا ممن آمن بمحمد. الثاني - قال عكرمة إن المعني به كعب بن الاشرف، لانه قال هذا القول، وسجد لصنمين كانا لقريش. وقيل في معنى الجبت، والطاغوت خمسة أقوال: أحدها - قال عكرمة: إنهما صنمان. وقال أبو علي: هؤلاء جماعة من اليهود آمنوا بالاصنام التي كانت تعبدها قريش، والعرب مقاربة لهم ليعينوهم على محمد صلى الله عليه وآله. الثاني - قال ابن عباس: الجبت الاصنام. والطاغوت: تراجمة الاصنام الذين يتكلمون بالتكذب عنها.
الثالث - إن الجبت الساحر. والطاغوت الشيطان، قاله ابن زيد. وقال مجاهد: الجبت: السحر.
(1) في المخوطة (الربيع) بالقاط (ابن الربيع) وفي مجمع البيان (أبو رافع). (*)
[ 224 ]
الرابع - قال سعيد بن جبير، وأبو العالية: الجبت: الساحر. والطاغوت: الكاهن. والخامس - في رواية عن ابن عباس والضحاك: ان الجبت حي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الاشراف، لانهما جاءا إلى مكة، فقال لهما أهل مكة: أنتم أهل الكتاب وأهل العلم القديم، فاخبرونا عنا وعن محمد صلى الله عليه وآله، فقالا: ما أنتم وما محمد ؟ قالوا: نحن ننحر الكوماء ونسقي اللبن على الماء، ونفك العناة، ونصل الارحام، ونسقى الحجيج. ومحمد منبوز قطع أرحامنا، واتبعه سراق الحجيج بنو غفار فقالا: أنتم خير منه، وأهدى سبيلا فانزل الله هذه الآية. وقال الزجاج، والفراء، والبلخي: هما كل معبود من دون الله تعالى. اللغة: ووزن طاغوت فعلوت على وزن رهبوت. قال الخليل: هو من طغا وقلبت اللام إلى موضع العين كما قيل: لاث في لايث. وشاك في شايك. وهذا تغيير لا يقاس عليه، لكنه يحمل على النظير. والجبت لا تصريف له في اللغة العربية. وقيل: هو الساحر بلغة حبش عن سعيد بن جبير: والسبيل المذكور في الآية هو الدين. وإنما سمي سبيلا، لانه كالسبيل الذي هو الطريق في الاستمرار عليه ليؤدي إلى الغرض المطلوب. ونصبه على التمييز كقولك هو أحسن منك وجها وأجود منك ثوبا لانك في قولك: هذا أجود منك قد أبهمت الشئ الذي فضلته به إلا أن تريد ان جملته أجود من جملتك فتقول هذا أجود منك وتمسك.
قوله تعالى: (أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) (52) - آية بلا خلاف.
[ 225 ]
النزول: قوله: " اولئك " اشارة إلى الذين ذكرهم في الآية الاولى. وقال قتادة: لما قال كعب بن الاشرف، وحي بن أخطب " هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سيبلا " وهما يعلمان أنهما كاذبان. أنزل الله هذه الآية " أولئك الذين لعنهم الله ومن يلعن الله فلن تجد له نصيرا) فالوعيد فيها على ما تقدم من القول على جهة العناد، لانها اشارة إلى ما تقدم من صفتهم الدالة على عنادهم. اللغة والمعنى: (أولئك) لفظ جمع، وواحده ذا في المعنى كما قالوا: نسوة في جماعة النساء. وللواحدة امرأة. وغلب على أولاء (ها) التي للتنبيه. وليس ذلك في أولئك، لان في حرف الخطاب تنبيها للمخاطب إذ كان الكاف انما هو حرف لحق، لتنبيه المخاطب، فصار معاقبا للهاء التي للتنبيه في أكثر الاستعمال. واللعنة: الابعاد من رحمة الله عقابا على معصيته، فلذلك لا يجوز لعن البهائم، ولا من ليس بعاقل من المجانين، والاطفال، لانه سؤال العقوبة لمن لا يستحقها. فمن لعن حية أو عقربا أو نحو ذلك مما لا معصية له فقد اخطأ، لانه سأل الله عزوجل ما لا يجوز في حكمته. فان قصد بذلك الابعاد لا على وجه العقوبة، كان ذلك جائزا. فان قيل: كيف قال: " فلن تجد له نصيرا " مع تناصر أهل الباطل على باطلهم ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - " فلن تجد له نصيرا " ينصره من عقاب الله الذي يحله به مما قد أعده له، لانه الذي يحصل عليه وما سواه يضمحل عنه. الثاني - " فلن تجد له نصيرا "، لانه لا يعتد بنصرة ناصر له مع خذلان
الله إياه. قوله تعالى: (أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا) (53) - آية -.
[ 226 ]
النظم والاعراب: وجه اتصال هذه الآية بما قبلها اتصال الصفة بالبخل، والصفة بالحسد والجهل، لان قوله: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت، ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) يدل على أنهم حسدوا المؤمنين وأنهم يعملون أعمال الجاهلين، إلا أن الكلام خرج مخرج الاستفهام، للتوبيخ، والتقريع بتلك الحال. وجاءت أم ههنا غير معادلة للالف لتدل على اتصال الثاني بالاول. والمعنى بل ألهم نصيب من الملك ؟ وتسمى أم هذه المنقعطة عن الالف لانها بخلاف المتصلة بها على المعادلة. ومثله " الم تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه " (1) وقال بعضهم: إن الالف محذوفة، لان أم لا تجئ مبتدأة على تقدير أهم أولى بالنبوة " أم لهم نصيب من من الملك " فيلزم الناس طاعتهم. وهذا ضعيف، لان حذف الالف إنما يجوز في ضرورة الشعر بالاجماع ولا ضرورة في القرآن. " وإذا " لم تعمل في يؤتون لانها إذا وقعت بين الفاء، والفعل، جاز أن تقدر متوسطة فتلغى كما تلغى (أرى) (2) إذا توسطت أو تأخرت، لان النية به التأخير. والتقدير أم لهم نصيب من الملك فلا يؤتون الناس نقيرا إذا، وكذلك إذا كان معها واو، نحو " وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا " (3) ويجوز أن تقدر مستأنفة، فتعمل مع حرف العطف. و (اذن) لا تعمل إلا بشروط أربعة: أن تكون جوابا لكلام، وأن تكون مبتدأة
في اللفظ، ولا يكون ما بعدها متعلقا بما قبلها، ويكون الفعل بعدها مستقبلا. ومتى نقص واحد من هذه الشروط لم تعمل. المعنى واللغة: وقوله: (لا يؤتون الناس نقيرا) اخبار من الله تعالى عن لومهم، وبخلهم
(1) سورة ألم السحدة: آية 1، 2، 3،. (2) أي (أرى) القلبية. (3) سورة الاسرى: آية 76. (*)
[ 227 ]
أي لا يؤتونهم نقيرا. وقيل في معنى النقير ههنا ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، وقتادة، والسدي، وعطاء، والضحاك، وابن زيد: إنه النقطة التي في ظهر النواة. وقال مجاهد: هو الحبة التي في بطن النواة. وفي رواية أخرى عن ابن عباس أن النقير ما نقر الرجل باصبعه، كما ينقر الدرهم. والنقر: النكت ومنه المنقار، لانه ينقر به. والناقور: الصور، لان الملك ينقر فيه بالنفخ المصوت. والنقرة: حفرة في الارض أو غيرها، والنقير: خشبة تنقر وينبذ فيها. والمناقرة: مراجعة الكلام. وانتقر: اختص كما يختص بالنقر واحدا واحدا. والمنقر: المقلع عن الشئ، لانه كما يقلع في النقر، ثم يعود إليه. ومعنى (أم لهم نصيب من الملك) ما يدعيه اليهود أن الملك يعود إليهم. وقوله: " فإذا لا يؤتون الناس " يعني العرب. وذكر الزجاج في معناه وجهين: أحدهما - بل لهم نصيب، لانهم كانوا أصحاب بساتين وأموال، وكانوا في غاية البخل. والثاني - أنهم لو أعطوا الملك، ما أعطوا الناس نقيرا من بخلهم اختاره البلخي وبه قال السدي، وابن جريج.
قوله تعالى: (أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله فقد آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما) (54) - آية - المعنى: المعني بقوله: (أم يحسدون الناس) قيل فيه ثلاثة أقوال: أحدها - قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والسدي، وعكرمة: إنه النبي صلى الله عليه وآله، وهو قول أبي جعفر (ع)، وزاد فيه وآله. (*)
[ 228 ]
الثاني - قال قتادة: هم العرب (1): محمد صلى الله عليه وآله وأصحابه، لانه قد جرى ذكرهم في قوله: " يقولون للذين هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا " ذكره الجبائي. والفضل المذكور في الآية قيل فيه قولان: أحدهما - قال الحسن، وقتادة، وابن جريج: النبوة. وهو قول أبي جعفر (ع) قال وفي آله الامامة. الثاني - قال ابن عباس: والضحاك والسدي ما أباحه الله للنبي من نكاح تسعة. اللغة: والحسد تمني زوال النعمة عن صاحبها لما يلحق من المشقة في نيله لها، والغبطة: تمني مثل النعمة، لاجل السرور بها لصاحبها، ولهذا كان الحسد مذموما والغبطة غير مذمومة. وقيل: إن الحسد من افراط البخل، لان البخل مع النعمة، لمشقة بذلها. والحسد تمني زوالها لمشقة نيل صاحبها لها بالعمل فيها على المشقة بنيل النعمة. ثم قال " فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما " فما حسدوهم على ذلك فكيف حسدوا محمدا وآله ما أعطاهم الله إياه. المعنى: والملك المذكور في الآية ههنا قيل فيه ثلاثة أقوال:
أحدها - قال ابن عباس: هو ملك سليمان، وبه قال عطية العوفي. الثاني - قال السدي: هو ما أحل لداود من النساء تسع وتسعون امرأة، ولسليمان مئة لان اليهود عابت النبي صلى الله عليه وآله بكثرة النساء فبين الله ان ذلك وأكثر منه كان في آل ابراهيم. الثالث - قال مجاهد، والحسن: إنه النبوة. وقال أبو جعفر (ع): انه الخلافة، من أطاعهم، أطاع الله ومن عصاهم عصى الله.
(1) في المخطوطة (الذين هم محمد..). (*)
[ 229 ]
قوله تعالى: (فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه وكفى بجهنهم سعيرا) (55) - آية بلا خلاف -. المعنى: الضمير في قوله: (فمنهم من آمن) يحتمل أن يكون عائدا إلى أحد أمرين: أحدهما - قال مجاهد، والزجاج، والجبائي: إن من أهل الكتاب من آمن بمحمد صلى الله عليه وآله لتقدم الذكر في " يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم " (1). الثاني - فمن أمة ابراهيم من آمن بابراهيم، ومنهم من صد عنه. كما أنكم في أمر محمد صلى الله عليه وآله كذلك. وليس في ذلك توهين لامره كما ليس فيه توهين لامر ابراهيم. واتصال الكلام على هذا الوجه ظاهر وعلى الوجه الاول تقديره وقع (2) هذا كله " فمنهم من آمن به ومنهم من صد عنه " وقال قوم: " فمنهم من آمن " بداود وسليمان " ومنهم من صد عنه " وليس في الآية دلالة على أن ما تقدم من الوعيد إنما صرف عنهم لايمان هذا الفريق، لانه قال في
الآخرة " يوم تبيض وجوه وتسود وجوه " (3) وقال بعضهم: فيه دلالة على ذلك، ولذلك قال: " وكفى بجهنم سعيرا " أي ان كان صرف بعض العقاب، فكفى بجهنم استغرافا بالعذاب. اللغة: وسعير بمعنى مسعورة وترك - لاجل الصرف - التأنيث للمبالغة في الصفة كما قالوا: كف خضيب ولحية دهين. وتركت علامة التأنيث، لانها لما كان دخولها فيما
(1) سورة النساء: آية 46. (2) في المخطوطة (ومع) بدل (وقع). (3) سورة آل عمران: آية 106. (*)
[ 230 ]
ليست له، للمبالغة نحو رجل علامة كان سقوطها فيما بقي له للمبالغة فحسن هذا التقابل في الدلالة. والسعر: ايقاد النار ومنه قوله: " وإذا الجحيم سعرت " (1) واستعرت النار والحرب والشر استعارا. واسعرتها اسعارا. وسعرتها تسعيرا. والسعر: سعر المتاع وسعروه تسعيرا وذلك لاستعار السوق بحماها في البيع. الساعور كالتنور في الارض. والمسعور: الذي قد ضربته السموم، والعطش. وزيدت الباء في قوله: " وكفى بجهنم " لتأكيد الاختصاص، لانه يتعلق به من وجهين: وجه الفعل في كفى جهنهم كقولك: كفى الله، ووجه الاضافة في الكفاية بجهنم. وعلى ذلك قيل: كفى بالله للدلالة على أن الكفاية تضاف إليه من أوكد الوجوه، وهو وجه الفعل، ووجه المصدر. قوله تعالى: (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم نارا كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب إن الله كان
عزيزا حكيما) (56) - آية بلا خلاف -. المعنى واللغة: أخبر الله تعالى في هذه الآية أن من حجد معرفته وكذب أنبياءه، ودفع الآيات التي تدل على توحيده، وصدق نبيه أنه سوف يصليه نارا لتدل على أن ذلك يفعله به في المستقبل، ولم يكن دخولها لشك، لانه تعالى عالم بالاشياء لا يخفى عليه إمر من الامور. ومعنى نصليه نارا: نلزمه إياها تقول: أصليته النار: إذا القيته فيها، وصليته صليا: إذا شويته: وشاة مصلية أي مشويه. والصلا الشواء. وصلي فلان بشر فلان. وصلي برجل سوء. وقوله: (كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها) قيل فيه ثلاثة أقوال:
(1) سورة التكوير: آية 12. (*)
[ 231 ]
أحدها - قال الرماني: إن الله يجدد لهم جلودا غير الجلود التي احترقت وتعدم المحترقة على ظاهر القرآن من أنها غيرها، لانها ليست بعض الانسان. قال قوم هذا لا يجوز، لانه يكون عذب من لا يستحق العذاب. قال الرماني: لا يؤدي إلى ذلك، لان ما يزاد لايألم، ولا هو بعض لما يألم، وإنما هو شئ يصل به الالم إلى المستخق له. وقال الجبائي: لا يجوز أن يكون المراد ان يزاد جلدا على جلده، كلما نضجت لانه لو كان كذلك لوجب أن يملا جسد كل واحد من الكفار جهنم إذا أدام الله العقاب، لانه كلما نضجت تلك الجلود زاد الله جلدا آخر، فلا بد أن ينتهي إلى ذلك. والجواب الثاني - اختاره البلخي والجبائي، والزجاج: ان الله تعالى يجددها بان يردها إلى الحالة التي كانت عليها غير محترقة، كما يقال جئتني بغير ذلك الوجه وكذلك، إذا جعل قميصه قباء جاز إن يقال جاء بغير ذلك اللباس أو غير خاتمه
فصاغه خاتما آخر جاز أن يقال هذا غير ذلك الخاتم، وهذا هو المعتمد عليه. والثالث - قال قوم: إن التبديل إنما هو للسرابيل التي ذكرها التي ذكرها الله في قوله: " سرابيلهم من قطران " (1) فاما الجلود فلو عذبت ثم إوجدت، لكان فيه تفتير عنهم، وهذا بعيد، لانه ترك للظاهر وعدول بالجلود إلى السرابيل، ولا نقول إن الله تعالى يعدم الجلود، بل على ما قلناه يجددها ويطريها بما يفعل فيها من المعاني التي تعود إلى حالتها، فاما من قال: إن الانسان غير هذه الجملة، وأنه هو المعذب، فقد تخلص من هذا السؤال. ويقوي ما قلناه ان أهل اللغة يقولون: أبدلت الشئ بالشئ إذا أزلت عينا بعين، كما قال الراجز: عزل الامير بالامير المبدل وبدلت - بالتشديد - إذا غيرت هيئة، والعين واحدة. يقولون: بدلت جتي قميصا: إذا جعلنها قميصا ذكره المغربي، وقال البلخي: ويحتمل وجها آخر وهو أن يخلق الله لهم جلدا آخر فوق جلودهم، فإذا احترق التحناني أعاده الله.
(1) سورة ابراهيم: آية 50. (*)
[ 232 ]
وهكذا يتعقب الواحد الآخر قال: ويحتمل أن يخلق الله لهم جلدا لا يألم يعذبهم فيه، كما يعذبهم في سرابيل القطران. فان قيل: كيف قال: (ليذوقوا العذاب) مع أنه دائم لازم ؟ قيل: لان احساسهم في كل حال كاحساس الذائق في تجدد الوجدان من غير نقصان، لان من استمر على الاكل، لا يجد الطعم، كما يجد الطعم من يذوقه. وقوله: " إن الله كان عزيزا حكيما " معناه أنه قادر قاهر لا يمتنع عليه انجاز ما توعد به أو وعد، وحكيم في فعله لا يخلف وعيده، ولا يفعل إلا قدر المستحق به فينبغي للعاقل أن يتدبره، ويكون حذره منه على حسب علمه به ولا يغتر بطول الامهال،
والسلامة من تعجيل العقوبة. قوله تعالى: (والذين آمنوا وعملوا الصالحات سندخلهم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا) (57) - آية بلا خلاف -. المعنى: لما ذكر الله تعالى في الآية الاولى ما توعد به الكفار والجاحدين لآياته تعالى، وعد في هذه الآية المصدقين به تعالى، والعاملين الاعمال الصالحات، وهي الحسنات التي هي طاعات الله، وصالح يجري على وجهين: أحدهما - على من يعمل الطاعة. الثاني - على نفس العمل ويقال: رجل صالح، ومعناه ذو عمل صالح، ويقال: عمل صالح، فيجري عليه الوصف بأنه صالح. وعدهم بأن سيدخلهم جنات وهي جمع جنة وهي البستان التي يجنها الشجر " تجري من تحتها الانهار " وفيه محذوف، لان التقدير تجري من تحتها مياه الانهار، لان الماء هو الجاري دون الانهار
[ 233 ]
غير أنه بعرف الاستعمال سقط عنه اسم مجاز، كما سقط في قولهم: هذا شعر امرئ القيس وان كان المراد انه حكاية عنه، فاما قوله: " واسأل القرية " مجار لا محالة، لانه لابد فيه من تقدير أهلها، وقوله: " خالدين فيها أبدا لهم فيها أزواج مطهرة " يعني من النفاس والحيض ومن جميع الاقذار، والادناس. اللغة: والطهارة نقيض النجاسة. والنجاسة في الاصل هي ما كان نتنا نحو الجيف، وغيرها، وشبه بذلك نجاسة الحكم تبعا للشريعة كما يقال في الخمر: إنها نجسة.
وقوله: " ويدخلهم ظلا ظليلا " فالظل أصله الستر من الشمس قال رؤبة: كل موضع يكون فيه الشمس، فتزول عنه، فهو ظل وفئ. وما سوى ذلك فظل، لا يقال فيه فئ. والظل: الليل، لانه كالستر من الشمس. والظلة: السترة، وظل يفعل كذا: إذا فعله نهارا، لانه في الوقت الذي يكون للشمس ظل. والاظلال الدنو، لان الشئ بدنوه، كأنه قد ألقى عليك ظله. والاظل: باطن منسم البعير، لان المنسم يستره. والظليل: هوالكنين، لانه لا شمس فيه ولا سموم. قال الحسن: ربما كان ظل ليس بظليل، لانه يدخله الحر والسموم، فلذلك وصف ظل الجنة بأنه ظليل. ومنه قوله: " وظل ممدود " (1) لانه ليس كل ظل ممدودا. وروي أن في الجنة شجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام، لا يقطعها وهي شجرة الخلد. وقيل: إنما قال " ظلا ظليلا " فرقا بينه وبين " ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب " (2) وقيل يدخلهم ظلا ظليلا في الموقف حيث لاظل إلاظل عرشه. قوله تعالى: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الامانات إلى أهلها وإذا حكمتم
(1) سورة الواقعة: آية 31. (2) سورة المرسلات آية 31 - 32. (*)
[ 234 ]
بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا) (58) - آية بلا خلاف -. المعنى: قيل في المعني بهذه الآية ثلاثة أقوال: أولها - ما قال ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر (ع)، وأبي عبد الله (ع): إن كل مؤتمن على شئ يلزمه رده.
الثاني - قال زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب: إن المراد به ولاة الامر وهو اختيار الجبائي، وروي ذلك عن أبي جعفر أيضا وأبي عبد الله (ع) وقالوا: أمر الله الائمة كل واحد منهم أن يسلم الامر إلى من بعده، وعلى الوجه الاول يدخل هذا فيه، لان ذلك من جملة ما ائتمنه الله عليه. ولذلك قال أبو جعفر (ع): إن اداء الصلا ة والزكاة والصوم والحج من الامانة، ويكون الامر للآمر باداء الامانة من الغنائم والصدقات، وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية. الثالث - قال ابن جريج: نزلت في عثمان بن طلحة. أمر الله تعالى نبيه أن يردإليه مفاتيح الكعبة، والمعتمد هو الاول، وإن كان الاخير روي أنه سبب نزول الآية، غير أنه لا يقصر عليه. اللغة والمعنى: تقول: أديت الشئ أؤديه تأدية، وهو المصدر الحقيقي، ولو قلت: أديت أداء كان جائزا يقام الاسم المصدر. ويقال: أدوات للصيد آدو له ادوا: إذا ختلته، لتصيده. وأدى اللبن يأدي: إذا حمض. وقوله: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل " أمر الله تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا بالجور " ان الله نعما يعظكم به " معناه نعم الشئ شيئا يعظكم الله به من أداء الامانة وكتبت (ما) في (نعما) موصولة، لانها بمنزلة الكافي في (إنما)، و (ربما)، غير انها في نعما
[ 235 ]
اسم يعود إليه الضمير في (به) فتقديره نعم شيئا يعظكم به أو نعم وعظا يعظكم به، ولا يجوز إسكان العين مع الميم في نعما لانه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة من غير اشباع الكسرة، كالاختلاس في " يأمركم " وبارئكم " وعلى هذا تحمل قراءة أبي عمر. وقال الزجاج: اجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين. والسميع: هو من كان على صفة يجب لاجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت
والبصير من كان على صفة يجب لاجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت. والسامع هو المدرك للمسوعات. والمبصر هو المدرك للمبصرات. ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف بأنه سامع مبصر إلا بعد وجود المبصرات والمسموعات. وقوله: (إن الله سميعا بصيرا) اخبار بانه كان سميعا بصيرافيما مضى. وذلك يرجع إلى كونه حيا لا آفة به فإذا كان لا يجوز خروجه عن كونه حيا، فلا يجوز خروجه عن كونه سميعا بصيرا. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الامر منكم فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) (59) - آية بلا خلاف -. المعنى: هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ويطيعوا أولي الامر منهم، فالطاعة هي امتثال الامر. فطاعة الله هي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه. وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره وطاعة الرسول أيضا هي طاعة الله، لانه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع الرسول، فقد أطاع
[ 236 ]
الله كما قال " من يطع الرسول فقد أطاع الله " (1) فأما المعرفة بأنه رسول، فمعرفة بالرسالة ولا يتم ذلك إلا بعد المعرفة بالله، وليست احداهما هوالاخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد وفاته، لان بعد وفانه يلزم اتباع سنته، لانه دعا إليها جميع المكلفين إلى يوم القيامة، كما أنه رسول إليهم أجميعن. فاما
أولو الامر، فللمفسرين فيه تأويلان: أحدهما - قال أبو هريرة، وفي رواية عن ابن عباس، وميمون بن مهران، والسدي، والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الامراء. الثاني - قال جابر بن عبد الله، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعطاء، وأبي العالية: انهم العلماء. وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أنهم الائمة من آل محمد صلى الله عليه وآله فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك. ولا يجوز ايجاب طاعة أحد مطلقا إلا من كان معصوما مأمونا منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولا العلماء، وإنما هو واجب في الائمة الذين دلت الادلة على عصمتهم وطهارتهم، فاما من قال المراد به العلماء، فقوله بعيد، لان قوله (وأولي الامر) معناه أطيعوا من له الامر، وليس ذلك للعلماء، فان قالوا: يجب علينا طاعتهم إذا كانوا محقين، فإذا عدلوا عن الحق فلا طاعة لهم علينا. قلنا: هذا تخصيص لعموم ايجاب الطاعة لم يدل عليه دليل. وحمل الآية على العموم، فيمن يضح ذلك فيه أولى من تخصيص الطاعة بشئ دون شئ كما لا يجوز تخصيص وجوب طاعة الرسول وطاعة الله في شئ دون شئ. وقوله: (فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول) فمعنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته. وقول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الائمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " (2) ولانه إذا كان
(1) سورة النساء: آية ث 79. (2) سورة النساء: آية 82. (*)
[ 237 ]
قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا
الباب. وقوله: (إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر) أي تصدقون بهما. (ذلك خير وأحسن تأويلا) ذلك اشارة إلى الرد إلى الله وإلى الرسول (وأحسن تأويلا) قال قتادة، والسدي، وابن زيد: أحمد عاقبة. وقال مجاهد: معناه أحسن جزاء. وهو من آل يؤول إذا رجع والمال المرجع والعاقبة مآل، لانها بمنزلة ما تفرقت عنه الاشياء ثم رجعت إليه. وتقول: إلى هذا يؤول الامر أي يرجع. وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، وهذا هو الاقوى، لان الرد إلى الله والرسول والائمة المعصومين أحسن من تأويل بغير حجة. واستدل حماعة بهذه الآية على أن الاجماع حجة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، وهذا إن استدل به مع فرض أن في الامة معصوما حافظا للشرع كان صحيحا، وإن فرضوا مع عدم المعصوم كان باطلا، لان ذلك استدلال بدليل خطاب، لا تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداء بخلافه عند أكثر المحصلين، فكيف يعتمد عليه ههنا، على أنهم لا يجمعون على شئ إلا عن كتاب أو سنة، فكيف يقال: إذا أجمعوا لا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، وهم قد ردوا إليها على أن ذلك يلزم في كل جماعة، وإن لم يكونوا جميع الامة إذا اتفقوا على شئ ألا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، لان قوله: (فان تنازعتم) يتناول جماعة ولا يستغرق جميع الامة، فعلم بذلك فساد الاستدلال بما قالوه. وقد بينا الكلام على ذلك مستوفى في العدة في أصول الفقه. قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما
[ 238 ]
أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) (60) - آية بلا خلاف -. المعنى واللغة: عجب الله تعالى نبيه صلى الله عليه وآله في هذه الآية ممن يزعم أنه آمن بما أنزل على محمد صلى الله عليه وآله، وما أنزل من قبله بان قال ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين ذكرنا وصفهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمرهم الله أن يكفروا به. وقال الحسن، والجبائي: نزلت الآية في قوم منافقين احتكموا إلى الاوثان بضرب القداح. وقد بينا معنى الطاغوت فيما تقدم. وقيل في معناه ههنا قولان: أحدهما - أنه كاهن تحاكم إليه رجل من المنافقين، ورجل من اليهود هذا قول الشعبي، وقتادة. وقال السدي اسمه أبو بردة. الثاني - قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك: إنه كعب ابن الاشرف رجل من اليهود، فاختار المنافق التحاكم إلى الطاغوت، وهو رجل يهودى. وقيل: كعب بن الاشراف، لانه يقبل الرشوة، واختار اليهودي التحاكم إلى محمد نبينا صلى الله عليه وآله لانه لا يقبل الرشوة. ومعنى الطاغوت ذو الطغيان - على جهة المبالغة في الصفة - فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد تسمى به الاوثان كما تسمى بأنها رجس من عمل الشيطان، ويوصف به كل من طغى، بان حكم بخلاف حكم الله تعالى غير راض بحكمه تعالى. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (ع) أن الآية في كل من يتحاكم إلى من يحكم بخلاف الحق، و (زعم)، يحتاج إلى اسم، وخبر، " وانهم " في الآية نائب عن الاسم، والخبر، لانها على معنى الجملة، ومخرج المفرد، وليس بمنزلة ظننت ذلك، لانه على معنى المفرد ومخرج المفرد،
لان قولك: زعمت أنه قائم يفيد ما يفيد هو قائم، وكذلك ظننت ذاك، لانه
[ 239 ]
يدل دلالة الاشارة إلى ما تقدر علمه عند المخاطب. وقوله: (ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) يدل على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يفعل المعاصي ويريدها، لان الله تعالى نسب إضلالهم إلى أنه بارادة الشيطان على وجه الذم لهم، فلو أراد تعالى أن يضلهم بخلق الضلال فيهم، لكان ذلك أوكد وجوه الذم في إضلالهم. وأصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لانه ضد الهدى الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع إلى هذه النكتة ذكرناه فيما مضى. وأضله الله معناه: سماه الله ضالا أو حكم عليه به، كما يقال أكفره بمعنى سماه بالكفر، ولا يجوز أن يقال أكفره الله بمعنى أنه دعاه إلى الكفر، لانه منزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. قوله تعالى: (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا) (61) - آية -. قال ابن جريج: الداعي إلى حكم الرسول هو المسلم الذي يدعو المنافق إلى حكم الرسول صلى الله عليه وآله وقال قتادة: هو يهودي دعا المنافق إلى حكم الرسول، لعلمه أنه لا يجوز في الحكم " وتعالوا " أصله من العلو وهو تفاعلوا، منه كقولك: توافقوا، فإذا قلت لغيرك: تعال، فمعناه ارتفع علي - وان كان في اتخفاض من الارض - لانه جعله كالرفيع بكونه فيه، ويجوز أن يكون أصله للمكان العالي حتى صار لكل مكان. وقوله: (يصدون عنك صدودا) قيل في سبب صد المنافقين عن النبي صلى الله عليه وآله قولان: أحدهما - لعلهم بأنه لا يأخذ الرشا على الحكم وأنه يحكم بمر الحق.
والثاني - لعداوتهم للدين. وصددت الاصل فيه ألا يتعدى، لانك تقول: صددت عن فلان أصد
[ 240 ]
بمعنى أعرضت عنه، ويجوز صددت فلانا عن فلان - بالتعدي - لانه دخله معنى منعته عنه. ومثله رجعت أنا ورجعت غيري، لانه دخله معنى رددته، فلذلك جاز رجعته، " وصدودا " نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله: " وكلم الله موسى تكليما " (1) ومعنى ذلك أنه ليس ذلك على بيان كالكلام بل كلمه في الحقيقة. وقيل في معنى " تكليما " أنه كلمه تكليما شريفا عظيما ويمكن مثله في الآية. ولا يكون تقديره رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا عظيما. قوله تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) (62) - آية -. الاعراب: قيل في موضع كيف من الاعراب قولان: أحدهما - انه رفع بتقدير: فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، كأنه قال الاساءة صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الاحسان بالتوبة من جرمهم. والثاني - انه نصب وتقديره: كيف يكونون أمصرين أم تائبين يكونون ؟ ويجوز الرفع على معنى كيف بك. كأنه قال أصلاح أم فساد ؟ المعنى: وقيل في معنى المصيبة في الآية قولان: أحدهما - ذكره الزجاج: ان بعض المنافقين أظهر أنه لا يرضى بحكم
رسول الله صلى الله عليه وآله، فقتله عمر، ثم جاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه " يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا " كذبا وزورا.
(3) سورة الانفطار: آية 14. (*)
[ 241 ]
الثاني - ان أصابتهم نقمة من الله لم ينيبوا تائبين من المعصية بل يزدادون جرأة بحلفهم كاذبين بالله عز وجل. وقال الحسين بن علي المغربي: الآية نزلت في عبد الله بن أبي وما أصابه من الذل عند مرجعهم من غزوة بني المصطلق هي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار، وذلك مذكور في تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلى الله عليه وآله في الاقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار يقولون: ما أردنا إلا إحسانا وتوفيقا أي بكلامه بين الفريقين المتازعين في غزوة بني المصطلق. وقوله: (فاعرض عنهم) يأسا منهم (وعظهم) ايجابا للحجة عليهم " وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا " فيه دلالة على فضل البلاغة وحث على اعتمادها. وقوله: " إن أردنا إلا احسانا أردنا وتوفيقا " معناه قيل فيه قولان: أحدهما - أي ما اردنا بالمطالبة بدم صاحبنا إلا احسانا إلينا، وما وافق الحق في أمرنا. الثاني - ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة توفيقا بين الخصوم، واحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق. كل ذلك كذب منهم وافك. ان قيل كيف يقتضي الانتقام منهم الاعتذار لما سلف من جرمهم ؟ قلنا: عنه جوابان: أحدهما - للتقريع بتعجيل العقاب على ما ارتكبوا من الاثام. الثاني - ان الانتقام قد يكون اقصاء النبي صلى الله عليه وآله واذلاله إياهم، وتخويفه
بالنفي أو القتل ان لم ينتهوا عن قبائحهم - هذا قول الجبائي - والحلف: القسم. ومنه الحلف، لتحالفهم فيه على الامر. وحليف الجود ونحوه، لانه كالحلف في اللزوم، أو حلف الغلام إذا قارب البلوغ. قوله تعالى: (أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فاعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا) (63) - آية -.
[ 242 ]
المعنى: (أولئك) اشارة إلى المنافقين الذين تقدم وصفهم، وإنما قال: يعلم ما في قلوبهم وإن كان معلوما ذلك بدلالة العقل لامرين: أحدهما - تأكيدا لما علمناه. والثاني - انه يفيد أنه لا يغنى عنهم كتمان ما يضمرونه شيئا من العقاب، لان الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق. وكذلك كل ما ذكره الله مما هو معلوم عند المخاطب. إنما الفائدة في مقارنته بما ليس بمعلوم على جهة الاحتجاج به، أو غيره من الوجوه. وقوله: (فاعرض عنهم وعظهم) جمع بين معنى الاعراض والاقبال. وقيل في معناه ثلاثة أوجه: أحدها - فاعرض عنهم بعداوتك لهم، وعظهم. الثاني - فاعرض عن عقابهم وعظهم. الثالث - قال الجبائي: أعرض عن قبول الاعتذار منهم. وقوله: " وقل لهم في أنفسهم قوالا بليغا " قال الحسن: القول البليغ الذي أمر به في الآية أن يقول إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فهذا يبلغ من نفوسهم كل مبلغ. وقال الجبائي: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه. ويجوز أن
يكون المراد ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر. اللغة: وأصل البلاغة البلوغ، تقول: بلغ الرجل بالقول بليغ بلاغة، فهو بليغ: إذا كان بعبارته يبلغ كثير ما في قلبه. ويقال: أحمق بليغ، وبلغ ومعناه. أنه أحمق يبلغ حيث يريد. وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة. وفي الآية دلالة على فضل البلاغة، وأنها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب.
[ 243 ]
قوله تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع باذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) (64) - آية بلا خلاف -. المعنى: " ما " في قوله: " وما أرسلنا " نافية فلذلك قال: " من رسول "، لان (من) لا تزاد في الايجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني من أحد. والتقدير في الآية: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع، فيمتثل ما نأمره به. والذي اقتضى ذكر طاعة الرسول إعراض هؤلاء المنافقين - الذين تحاكموا إلى الطاغوت - عن طاعته، وهم يزعمون أنهم يؤمنون به حتى كأنه قد قيل لهم: من الايمان أن لا تطيعوه في كل ما يدعو إليه، فبين الله تعالى أنه كغيره من الرسل الذي ما أرسل إلا ليطاع. وقوله: " باذن الله " معناه بأمر الله الذي دل على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه: يكون بمعنى اللطف، كقوله: " وما كان لنفس أن تؤمن إلا باذن الله " (1) ومنها الامر مثل هذه الآية. ومنها التخلية نحو " وما هم
بضارين به من أحد إلا باذن الله " (2) وقوله: " ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم " معناه إذ بخسوها حقها بادخال الضرر عليها بفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة. الاعراب والمعنى: وموضع " أنهم " رفع. والمعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم " لوجدو الله توابا رحيما " و (لو) موضوعة للفعل، لما فيها من معنى الجزاء تقول: لو كان كذا، لكان كذا. ولا يقع بعدها إلا (أن). وإنما اجيز في (أن)
(1) سورة يونس: آية 100. (2) سورة البقرة: آية 102. (*)
[ 244 ]
خاصة أن تقع بعدها، لانها كالفعل في إفادة معنى الجملة. وفتحت (ان) لانها مبنية على (لو) بترتيبها على نحو ترتيبها بعد العامل فيها. وفي الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: من أن الله تعالى يريد أن يعصي الانبياء قوم ويطيعهم آخرون، لانه تعالى بين أنه ما أرسلهم إلا ليطاعوا، واللام لام الغرض ومعناه إلا وأراد من المبعوث إليهم أن يطيعوا. وذلك خلاف مذهبهم. وفيها أيضا دلالة على أن من كان مرتكبا لكبيرة يجب أن يستغفر الله فان الله سيتوب عليه ويقبل توبته، ولا ينبغي لاحد أن يستغفر مع كونه مصرا على المعصية بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود إلى مثله ثم يستغفر باللسان ليتوب الله عليه. وقوله: " لوجدوا الله " يحتمل أمرين: أحدهما - لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم ورحمته إياهم. والثاني - لعلموا الله توابا رحيما. والوجدان قد يكون بمعنى الادراك، فلا يجوز عليه تعالى أنه تعالى غير مدرك في نفسه. وذكر الحسن في هذه الآية: أن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق وائتمروا به فيما بينهم،
فاخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، فقال رسول الله: إن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع لهم. فلم يقم أحد. فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: ألا تقومون ؟ مرارا -. ثم قال: قم يا فلان وأنت يا فلان، فقالوا يارسول الله نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا. قال الآن أنا كنت في إول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع إلى الاجابة أخرجوا عني، فاخرجوا عنه حتى لم يرهم. قوله تعالى: " فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما " (65) - آية -.
[ 245 ]
قيل في معنى دخول (لا) في أول الكلام قولان: أحدهما - أنها رد لكلام. كأنه قيل لا الامر كما يزعمون من الايمان وهم على تلك الحال من الخلاف، ثم استؤنف قوله: " وربك لا يؤمنون حتى.. ". الثاني - انها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لانه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لان النفي له صدر الكلام. وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب. النزول: وقيل في سبب نزول هذه الآية قولان: أحدهما - أنها نزلت في الزبير ورجل من الانصار تخاصهما إلى النبي صلى الله عليه وآله في سراح من الحرة كانا يسقيان منه نخلا لهما، فقال النبي صلى الله عليه وآله اسق يا زبير ثم ارسل إلى جارك، فغضب الانصاري، وقال: يارسول الله ان كان ابن عمتك ؟ !
فتلون وجه رسول الله حتى عرف ان قد ساءه، ثم قال يا زبير احبس الماء إلى الجدد (1) أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماء، فنزلت الآية. وقال أبو جعفر (ع) كانت الخصوصة بين الزبير، وحاطب بن أبي بلتعة روي ذلك عن الزبير وأم سلمة. وذهب إليه عمر بن شبه، والواقدي. وقال قوم وهو اختيار الطبري: إنها نزلت في المنافق واليهودي اللذين احتكما إلى الطاغوت. قال: لان سياق الكلام بهذا أشبه. اللغة والمعنى: وقوله: (فيما شجر بينهم) معناه فيما وقع بينهم من الاختلاف. تقول شجر يشجر شجرا وشجورا وشاجره في الامر: إذا نازعه فيه مشاجرة، وشجارا وتشاجروا فيه: تشاحوا. وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه. وفي الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لانه إذا وجب الرضى بفعل النبي صلى الله عليه وآله فالرضا بفعل الله تعالى أولى، ولو كان خلق الكفر والمعاصي لوجب على الخلق الرضا به وذلك خلاف الاجماع. وقيل في معنى الحرج قولان:
(1) أراد ما رفع من اعضاد المزرعة لتمسك الماء كالجدار. وفي رواية، قال له: " احبس الماء حتى يبلغ الجدى - بضم الميم وتشديد الدال - " وهي المسناة - عن لسان العرب: (جدد) -.
[ 246 ]
أحدهما - قال مجاهد هو الشك. وقال الضحاك: الاثم. وأصل الحرج الضيق فكأنه قال ضيق شك أو اثم وكلاهما يضيق الصدر. ومعنى الآية أن هؤلاء المنافقين لا يؤمنون حتى يحكموا النبي صلى الله عليه وآله فيما وقع بينهم من الاختلاف، ثم لا يجدوا حرجا مما قضى به أي لا تضيق صدورهم به، ويسلموا لما يحكم به لا يعارضونه بشئ فحينئذ يكونون مؤمنين. و " تسليما " مصدر مؤكد والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا كأنك قلت: سلمت تسليما ومن حق التوكيد أن يكون محققا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربا، فمعناه أحدثت ضربا احقه حقا
ولا أشك فيه. ومثله في الآية انهم يسلمون من غير شك يدخلهم فيه. وقال أبو جعفر (ع): لما حكم النبي صلى الله عليه وآله للزبير على خصمه، لوى شدقه وقال لمن سأله عمن حكم له، فقال: لمن يقضي ؟ لابن عمته. فتعجب اليهودي وقال: إنا آمنا بموسى فاذنبنا ذنبا فأمرنا الله تعالى بان نقتل أنفسنا، فقتلناها فاجلت عن سبعين ألف قتيل. وهؤلاء يقرون بمحمد صلى الله عليه وآله ويطؤون عقبه ولا يرضون بقضيته، فقال ثابت بن الشماس لو أمرني الله أن أقتل نفسي لقتلتها فانزل الله " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم.. " إلى قوله: " إلا قليل منهم " يعني ابن الشماس ذكره السدي. قوله تعالى: (ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا) (66) - آية بلا خلاف -. القراءة، والحجة: قرأ ابن عامر وحده " إلا قليلا " بالنصب، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام. الباقون بالرفع. وقيل: إن النصب قراءة أبي، فمن رفع فعلى البدل من
[ 247 ]
المضر كأنه قال: ما فعله إلا قليل منهم. وهذا يجوز في النفي دون الاثبات، لانه لا يجوز أن يقول فعله إلا قليل منهم، لان الفعل ليس للقليل في الاثبات كما هو لهم في النفي. وقال الكسائي: ارتفع بالتكرار. والمعنى ما فعلوه ما فعله إلا قليل. ومن نصب فانه قال: الاستثناء بعد تمام الكلام، لان قوله: " ما فعلوه " كلام تام كما أن قولك فعل القوم كلام تام. فاستثنى بعده، ولم يجعل ما بعد إلا عليه الاعتماد. والوجه الرفع، لان الفعل لهم. فهو أدل على المعنى. وقرأ ابن كثير ونافع
وابن عامر والكسائي " إن اقتلوا " بضم النون وبضم الواو في قوله: " أو اخرجوا " وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما وكسر النون. وضم الواو أبو عمرو. فمن ضمهما فلان الثالث مضموم أنبع الضمة. ومن كسرهما فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين. وأبو عمرو ضم الواو تشبيها بواو " اشتروا الضلالة " (1). " ولا تنسوا الفضل بينكم " (2). المعنى: ومعنى قوله: (ولو أنا كتبنا عليهم) أي لو أنا ألزمناهم وأوجبنا عليهم " أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم " أي لو كتبنا عليهم ذلك - كما أوجبنا على قوم موسى وقتلوا أنفسهم وأخرجهم إلى التيه - ما فعله هؤلاء للمشقة التي فيه مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه، لما لهم فيه من الحظ، لانا لم نكن لنأمرهم به إلا لما تقضيه الحكمة، وما فيه من المصلحة مع تسهيلنا تكليفهم وتيسيرنا عليهم، فما يقعدهم عنه مع تكامل أسباب الخير فيه وسهولة طريقة ؟ ولو فعلوا ما يوعظون به أي ما يؤمرون به، لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. وقيل في معناه قولان: أحدهما - ان البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النفس الذي يتميز من حال المعرفة بسكون النفس إليه. الثاني - ان اتباع الحق إثبت منفعة لان الانتفاع بالباطل يضمحل بما يعقب
(1) سورة البقرة: آية 16، 175. (2) سورة البقرة: آية 237. (*)
[ 248 ]
من المضرة وعظيم الحسرة. وفالاول لاجل البصيرة. والثاني لاجل دوام المنفعة. وقال البلخي معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما فعلوه. فإذا لم يفرض عليهم
ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فان ذلك خير لهم وأشد تثبيتا لهم على الايمان. وفي الدعاء اللهم ثبتنا على ملة رسولك. ومعناه اللهم الطف لنا ما نثبت معه على التمسك بطاعة رسولك والمقام على ملته. قوله تعالى: (وإذا لاتيناهم من لدنا أجرا عظيما (67) ولهديناهم صراطا مستقيما) (68) - آيتان بلا خلاف -. قيل: ان " إذا " دخلت ههنا لتدل على معنى الجزاء، كأنه قال ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما جزاء على فعلهم [ ومعنى ] " إذا " جواب وجزاء وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة وإنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذا أظنك خارجا. وتلغى إذا عن العمل من بين أخواتها لانها تشبه أظن في الاستدراك بها تقول: زيد في الدار أظن فتستدرك بها بعد ما مضى صدر الكلام على اليقين. وكذلك يقول القائل: أنا أجيئك فتقول: وأنا أكرمك اذن. أردت أن تقول: وأنا أكرمك ثم استدركته باذن. ولدن مبنية ولم تبن عند، لانها أشد إبهاما إذا كانت تقع في الجواب نحو أين زيد، فتقول: عند عمرو، فلا يقع لدن هذا الموقع، فجرت لشدة الابهام مجرى الحروف. ومعنى (لدنا) ههنا من عندنا. وإنما ذكر " من لدنا " تأكيدا للاختصاص، بأنه مالا يقدر عليه إلا الله، لانه قد يؤتي بما يجريه على يد غيره. وقد يؤتي بما يختص بفعله. وذلك أشرف له وأعظم في النعمة ولانه متحف بما لا يقدر عليه غيره. وقوله: " ولهديناهم " معناه ولفعلنا من اللطف بهم ما يثبتون معه على الطاعة، ولزوم الاستقامة وإنما لم يفعل بهم هذا اللطف مع الحال التي هم عليها، لانه يخرجهم
[ 249 ]
من معنى اللطف حتى يصيروا بمنزلة من لا لطف له على وجه. ومثله " اهدنا الصراط
المستقيم " أي ثبتنا بلطفك على الصراط المستقيم. وقال أبو علي: معناه الاخذ بهم على طريق الجنة في الآخرة. قال: ولا يجوز أن يكون المراد بالهداية ههنا الارشاد إلى الدين لانه تعالى وعد بهذا من يكون مؤمنا مطيعا. ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى، فان قيل: لم جاز أن يمنعوا اللطف لسوء فعلهم. ولم يجز أن يمنعوا لسوء فعل غيرهم إذ قد صاروا بمنزلة من لا لطف لهم ؟ قلنا: لانهم يؤتون في معاصيهم من قبل أنفسهم ولايجوز أن يؤتوا فيها من قبل غيرهم ولو جاز ذلك لجاز أن يقتطعوا عن التوبة بالقتل فيكونوا قد أوتوا في معاصيهم من قبل المتقطع لهم وتكون التخلية فيه بمنزلة الاماتة. والواجب في هذا ان يمنع غير هذا المكلف من سوء الفعل الذي فيه ارتفاع اللطف. فان كان لطف هذا المكلف متعلقا بفعل غيره، وقد علم انه لا يفعله، لم يحسن تكليف هذا المكلف لانه ان منع هذا من الايمان، فسد، وان ترك وسوء الفعل فسد. واللام في قوله: " ولهديناهم صراطا مستقيما " لام الجواب التي تقع في جواب (لو) كما تقع في جواب القسم. كما قال امرؤ القيس: حلفت لها بالله حلفة فاجر * لناموا فما ان من حديث ولاصال (1) والفرق بين لام الجواب ولام الابتداء ان لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ إلا في باب (ان) خاصة فانها تدخل على الفعل لمضارعته الاسم. يبين ذلك قولك: قد علمت ان زيدا ليقوم. وقد علمت ان زيدا ليقومن فتكسر (ان) الاولى وتفتح الثانية. وقوله: (صراطا) نصب على أنه مفعول ثان، لانه في معنى مفعول كسوته ثوبا، أي فاكتسى ثوبا. فكذلك ولهديناهم فاهتدوا صراطا. قوله تعالى: (ومن يطع الله والرسول فاولئك مع الذين أنعم الله
(1) ديوانه: 161 حلفة فاجر: قسم فاسق. صال: مستدفئ بالنار. في المطبوعة
(حديث) بدل (حديث).
[ 250 ]
عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا (69) ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما) (70) - آيتان. المعنى واللغة والنزول: لما جرى ذكر الطاعة فيما تقدم والحض عليها اقتضى ذكر طاعة الله، وطاعة الرسول، والوعد عليها. وقيل: إنه وعد بامر مخصوص على الطاعة من مرافقة النبيين ومن ذكر معهم وهو أعم فائدة. ومعنى قوله: (فاولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين " انه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم، والحضور معهم. فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين انه لا يراهم. وقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والربيع، والسدي، وعامر: إن سبب نزول هذه الآية ان بعض الناس توهم ذلك، فخزن له، وسأل النبي صلى الله عليه وآله عن ذلك، فانزل الله الآية. وقيل في معنى الصديق قولان: أحدهما - المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق. الثاني - ان الصديق هو المتصدق بما يخلص له من عمل البر. والاول أظهر. والشهداء جمع شهيد. وهو المقتول في سبيل الله. وفي تسميته شهيدا قولان: أحدهما - لانه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله. والآخر - انه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله. وليست الشهادة هي القتل، لانها معصية، ولكنها حال المقتول في اخلاص القيام بالحق لله مقرا به، وداعيا إليه. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره الله به من قتال عدوه والانقياد له. فاما الصبر على الالم بترك الانين فليس بممنوع، بل هو مباح إذا
لم يقل ما يكرهه الله. وقال الجبائي: الشهداء جمع شهيد. وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة. فهم عدول الآخرة. وهذا على مذهبه بعيد، لان أهل الجنة
[ 251 ]
كلهم عدول عنده، لان من ليس بعدل لا يدخل الجنة. والله تعالى وعد من يطيعه ويطيع رسوله بأنه يحشره مع هؤلاء. فينبغي أن يكونوا غير الموعود لهم. وإلا يصير تقديره إنهم مع نفوسهم. والصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله. والمصلح المقوم لعمل يحسنه. ويقال: الله يصلح في تدبير عباده. بمعنى أنه يحسن تدبير عباده. ولا يوصف بانه صالح. الاعراب وقوله: (وحسن أولئك رفيقا) نصب على التميز. ولذلك لا يجمع. وهو في موضع رفقاء وقيل إنه لم يجمع، لان المعنى، حسن كل واحد منهم رفيقا كما قال: " يخرجكم طفلا " (1) وقال الشاعر: نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا * باسهم أعداء وهن صديق (2) ومن قال: " رفيقا " نصب على التمييز، قال: لانه قد سمع حسن أولئك من رفقاء، وكرم زيد من رجل. وقال قوم: هو نصب على الحال، فانه قد تدخل (من) في مثله. فإذا سقطت (من) فالحال هو الاختيار، لانه من أسماء الصفات كاسماء الاجناس. ويكون التوحيد لما دخله من معنى حسن كل واحد منهم مرافقا. ونظيره: لله درهم فارسا، أي حال الفروسية. اللغة: والرفيق: مشتق من الرفق في العمل. وهو الارتفاق فيه. ومنه الترفق في
(1) سورة الحج: آية 5، وسورة المؤمن: آية 68.
(2) قائله جرير. ديوانه 2: 20 الطبعة الاولى. المطبعة العلمية بمصر وروايته (دعون) بدل (نصبن) وفي المطبوعة (باعين) بدل (بأسهم) وأثبتناها كما في جميع المصادر طبقات فحول الشعراء: 351، واللسان (صدق) والعقد الفريد 7: 48 وروايتة (بعثن) بدل (نصبن) وما بعده. وما ذقت طعم العيش منذنأيتم * وما ساغ لي بين الجوانح ريق
[ 252 ]
السير، ونحوه. ومنه المرافقة. والمرفق من اليد - بكسر الميم - لانه يرتفق به. ويقال أيضا في العمل نحو قوله: " ويهيئ لكم من أمركم مرفقا " (1) أي رفقا يصلح به أمركم. والمرفق: بفتح الميم - من مرافق الدار. والرفقة: الجماعة في السفر، لارتفاق بعضهم ببعض. وقوله: " ذلك الفضل " اشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين، والصديقين. والتقدير ذلك هو الفضل من الله. وهو وإن كان مستحقا، فلم يخرج من أن يكون تفضلا، لان سببه الذي هو التكليف، تفضل. والفضل: هو الزائد على المقدار إلا أنه قد كثر على ما زاد من الانتفاع. وكل ما يفعله تعالى فهو فضل، وتفضل، وافضال، لانه زائد على مقدار الاستحقاق الذي يجري على طريق المساواة. وقوله: " وكفى بالله عليما " انما ذكر، ليعلم انه لا يضيع عنده شئ من جزاء الاعمال. من حيث كان تعالى: عالما به، وبما يستحق عليه. وتقديره، وكفى بالله عليما بكنه الجزاء على حقه، وتوفير الحظ فيه. ودخلت الباء في اسم الله زائدة للتوكيد. والمعنى كفى الله ووجه التأكيد أن اتصال الاسم بالفعل من جهة بنائه عليه وجه من وجوه الاتصال واتصاله بالباء وجه آخر من وجوه الاتصال، فإذا اجتمعا كان أوكد. ووجه آخر هو أن معناه اكتفى العباد بالله. ووجه ثالث وهو أنه توطئة لباب سير بزيد وأكرم بزيد من جهة أن موضعه رفع، وفيه حرف من حروف الجر. والكفاية مقدار مقاوم للحاجة. ولا يخلو
المقدار من أن يكون فاضلا أو مقصرا أو كافيا، فهذه الاقسام الثلاثة متقابلة. قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) (71) - آية -. المعنى واللغة: هذا خطاب للمؤمنين الذين صدقوا بالله، وبرسوله. ومعناه أيقنوا بالله،
(1) سورة الكهف: آية 16. (*)
[ 253 ]
ورسوله. أمرهم الله أن يأخذوا حذرهم. وقيل في معناه: قولان: أحدهما - قال أبو جعفر (ع) وغيره: خذوا سلاحكم، فسمي السلاح حذرا لان به يقى الحذر. الثاني - احذروا عدوكم باخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك. بمعنى احذر. والحذر والحذر لغتان. مثل الاذن والاذن. والمثل المثل. ثم أمرهم بان ينفروا. والنفور: الفزع نفر ينفر نفورا: إذا فزع. ونفر إليه: إذا فزع من أمر إليه. والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم. ومنه النفر: جماعة تفزع إلى مثلها. والنفير إلى قتال العدو. ونفر الحاج يوم الثاني والثالث من التشريق، لانهم يفزعون إلى الاجتماع للرجوع إلى الاوطان. والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما يختلف فيه وقيل: إنما كانت، لانهم يسألون الحاكم أينا أعز نفرا. ونفره تنفيرا. ونافره منافرة. وتنافروا تنافرا. واستنفره استنفارا. وقوله: " ثبات " قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي: إن معناه انفروا فرقة بعد فرقة، أو فرقة في جهة وفرقة في جهة. أو انفروا جميعا من غير تفرق بالاوقات، والجهات. والثبات جمع ثبة وهي جماعات في تفرقة أي يأتون متفرقين. وقال أبو جعفر: الثبات:
السرايا والجميع العسكر. قال أبو ذؤيب: فلما اجتلاها بالايام تحيرت * ثبات عليها ذلها واكتئابها (1) يصف العاسل، وتدخينه على النحل. والايام - بكسر الهمزة على وزن لجام - الدخان ويجمع ثبة على ثبتين، أيضا. قال زهير: وقد اغدوا على ثبة كرام نشاوى واجدين لما نشاء (2) وانما جاز أن يجع ثبة ثبون - وان كان هذا الجمع يختص ما يعقل - للعوض من النقص الذي لحقه، لان أصله ثبوة. ومثله عضين وسنين وعرين. فان صغرت