التبيان في تفسير القرآن تأليف: شيخ الطائفة أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي 385 - 460 ه. تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي المجلد الاول دار إحياء التراث العربي بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي الحمد لله اعترافا بتوحيده، واخلاصا لربوبيته، واقرارا بجزيل نعمته، وإذعانا لعظيم منته، وشكرا على جميع مواهبه، وكريم فواضله، وصلى الله على خيرته من خلقه محمد صلى الله عليه وآله، والطاهرين من عترته، والطيبين من أرومته، وسلم تسليما. أما بعد، فان الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب اني لم أجد أحدا من أصحابنا - قديما وحديثا - من عمل كتابا يحتوي على تفسير جميع القران، ويشتمل على فنون معانيه وانما سلك جماعة منهم في جميع ما رواه ونقله وانتهى إليه في الكتب المروية في الحديث، ولم يتعرض أحد منهم لاستيفاء ذلك، وتفسير ما يحتاج إليه. فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الامة، بين مطيل في جميع معانيه، واستيعاب ما قيل فيه من فنونه - كالطبري وغيره - وبين مقصر اقتصر على ذكر غريبه، ومعاني ألفاظه. وسلك الباقون المتوسطون في ذلك مسلك ما قويت فيه منتهم (1) وتركوا مالا معرفة لهم به فان الزجاج والفراء ومن اشبههما من والنحويين، أفرغوا وسعهم فيما يتعلق بالاعراب والتصريف. ومفضل بن سلمة وغيره - استكثروا من علم اللغة، واشتقاق الالفاظ. والمتكلمين - كأبي علي الجبائي
وغيره - صرفوا همتهم إلى ما يتعلق بالمعاني الكلامية. ومنهم من أضاف إلى ذلك، الكلام في فنون علمه، فادخل فيه ما لا يليق به، من بسط فروع الفقه، واختلاف الفقهاء - كالبلخي وغيره - وأصلح من سلك في ذلك مسلكا جميلا مقتصدا، محمد ابن بحر، أبو مسلم الاصفهاني، وعلي بن عيسى الرماني، فان كتابيهما أصلح * (الهامش) * (1) المنة: القوة والكلمة من الاضداد (*)
[ 2 ]
ما صنف في هذا المعنى، غير أنهما أطالا الخطب فيه، وأوردا فيه كثيرا مما لا يحتاج وسمعت جماعة من اصحابنا قديما وحديثا، يرغبون في كتاب مقتصد يجتمع على جميع فنون علم القرآن، من القراءة، والمعاني والاعراب، والكلام على المتشابه، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه، وأنواع المبطلين، كالمجبرة، والمشبههة والمجسمة وغيرهم، وذكر ما يختص اصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحة مذاهبهم في اصول الديانات وفروعها وأنا ان شاء الله تعالى، أشرع في ذلك على وجه الايجاز والاختصار لكل فن من فنونه، ولا أطيل فيمله الناظر فيه، ولا اختصر اختصارا يقصر فهمه عن معانيه وأقدم امام ذلك، فصلا يشتمل على ذكر جمل لابد من معرفتها دون استيفائها، فان لاستيفاء الكلام فيها مواضع هي أليق به ومن الله استمد المعونة، وأستهديه إلى طريق الرشاد، بمنه وقدرته ان شاء الله تعالى
[ 3 ]
فصل في ذكر جمل لابد من معرفتها قبل الشروع في تفسير القرآن إعلم ان القرآن معجزة عظيمة على صدق النبي عليه السلام، بل هو من أكبر المعجزات وأشهرها. غير أن الكلام في إعجازه، وجهة إعجازه، واختلاف الناس فيه، لا يليق بهذا الكتاب، لانه يتعلق بالكلام في الاصول. وقد ذكره علماء
أهل التوحيد، وأطنبوا فيه، واستوفوه غاية الاستيفاء. وقد ذكرنا منه طرفا صالحا في شرح الجمل، لا يليق بهذا الموضع، لان استيفاءه يخرج به عن الغرض واختصاره لا يأتي على المطلوب، فالاحالة عليه أولى والمقصود من هذا الكتاب علم معانيه، وفنون أغراضه وأما الكلام في زيادته ونقصانه فمما لا يليق به ايضا، لان الزيادة فيه مجمع على بطلانها والنقصان منه، فالظاهر أيضا من مذهب المسلمين خلافه، وهو الاليق بالصحيح من مذهبنا وهو الذي نصره المرتضى (ره)، وهو الظاهر في الروايات غير أنه رويت روايات كثيره، من جهة الخاصة والعامة، بنقصان كثير من آي القرآن، ونقل شئ منه من موضع إلى موضع، طريقها الآحاد التي لا توجب علما ولا عملا، والاولى الاعراض عنها، وترك التشاغل بها، لانه يمكن تأويلها ولو صحت لما كان ذلك طعنا على ما هو موجود بين الدفتين، فان ذلك معلوم صحته، لا يعترضه احد من الامة ولا يدفعه ورواياتنا متناصرة بالحث على قراءته والتمسك بما فيه، ورد ما يرد من اختلاف الاخبار في الفروع إليه. وقد روي عن النبي صلى الله عليه وآله رواية لا يدفعها احد، انه قال: (اني مخلف فيكم الثقلين، ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض) وهذا يدل على
[ 4 ]
انه موجود في كل عصر، لانه لا يجوز ان يأمر بالتمسك بما لا نقدر على التمسك به. كما أن اهل البيت، ومن يجب اتباع قوله حاصل في كل وقت. وإذا كان الموجود بيننا مجمعا على صحته، فينبغي ان نتشاغل بتفسيره، وبيان معانيه ونترك ما سواه واعلم ان الرواية ظاهرة في اخبار اصحابنا بأن تفسير القرآن لا يجوز إلا
بالاثر الصحيح عن النبي صلى الله عليه وآله، وعن الائمة عليهم السلام، الذين قولهم حجة كقول النبي صلى الله عليه وآله، وان القول فيه بالرأي لا يجوز. وروى العامة ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (من فسرالقرآن برأيه وأصاب الحق، وفقد اخطأ) وكره جماعة من التابعين وفقهاء المدينة القول في القرآن بالرأي: كسعيد بن المسيب وعبيدة السلماني، ونافع، ومحمد بن القاسم، وسالم بن عبد الله، وغيرهم وروي عن عائشة أنها قالت: لم يكن النبي " ص " يفسر القرآن إلا بعد أن يأتي به جبرائيل (ع) والذي نقول في ذلك: إنه لا يجوزان يكون في كلام الله تعالى وكلام نبيه تناقض وتضاد وقد قال الله تعالى: " انا جعلناه قرآنا عربيا " " 1 " وقال: " بلسان عربي مبين " " 2 " وقال " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه " " 3 " وقال: " فيه تبيان كل شئ " وقال: " ما فرطنا في الكتاب من شئ " " 4 " فكيف يجوز ان يصفه بانه عربي مبين، وانه بلسان قومه، وانه بيان للناس ولا يفهم بظاهره شئ ؟ وهل ذلك إلا وصف له باللغز والمعمى الذي لا يفهم المراد به إلا بعد تفسيره وبيانه ؟ وذلك منزه عن القرآن وقد مدح الله أقواما على استخراج معاني القرآن فقال: " لعلمه الذين يستنبطونه منهم " " 5 "، وقال في قوم * (الهامش) * " 1 " سورة الزخرف: آية 43 " 2 " سورة الشعراء: آية 195 " 3 " سورة ابراهيم: آية 4 سورة الانعام: آية 38 " 5 " سورة النساء: آية 82
[ 5 ]
يذمهم حيث لم يتدبروا القرآن، ولم يتفكروا في معانيه: " أفلا يتدبرون القرآن
أم على قلوب أقفالها " 1 " وقال النبي صلى الله عليه وآله. (اني مخلف فيكم الثقلين: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي) فبين ان الكتاب حجة، كما أن العترة حجة. وكيف يكون حجة ما لا يفهم به شئ ؟ وروى عنه عليه السلام انه قال: (إذا جاءكم عني حديث، فاعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط) وروي مثل ذلك عن أئمتنا عليهم السلام، وكيف يمكن العرض على كتاب الله، وهو لا يفهم به شئ ؟ وكل ذلك يدل على ان ظاهر هذه الاخبار متروك. والذي نقول به: إن معاني القرآن على أربعة أقسام: احدها - ما اختص الله تعالى بالعلم به، فلا يجوز لاحد تكلف القول فيه، ولا تعاطي معرفته، وذلك مثل قوله تعالى: " يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل: إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو " " 2 " ومثل قوله تعالى: " ان الله عنده علم الساعة.. " " 3 " إلى آخرها فتعاطي معرفة ما اختص الله تعالى به خطأ وثانيها - ما كان ظاهره مطابقا لمعناه، فكل من عرف اللغة التي خوطب بها، عرف معناها، مثل قوله تعالى: " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق " " 4 " ومثل قوله تعالى: (قل هو الله أحد) (5) وغير ذلك. وثالثها - ما هو مجمل لا ينبئ ظاهره عن المراد به مفصلا. مثل قوله تعالى: (أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة) (6) ومثل قوله: (ولله على الناس حج البيت * (الهامش) * " 1 " سورة محمد: آية 24 " 2 " سورة الاعراف: آية 186 " 3 " سورة لقمان: آية 34 " 4 " سورة الانعام: آية 151 " 5 " سورة التوحيد: آية 1
" 6 " سورة البقرة: آية 43 و 83 و 110 النساء آية 76. الحج آية 78 النور آية 56 المجادلة آية 13 الزمل آية 2.
[ 6 ]
من الستطاع إليه سبيلا) (1) وقوله: (وآتوا حقه يوم حصاده) (2) وقوله: (وفي أموالهم حق معاوم) (3) وما اشبه ذلك. فان تفصيل اعداد الصلاة وعدد ركعاتها، وتفصيل مناسك الحج وشروطه، ومقادير النصاب في الزكاة لا يمكن استخراجه إلا ببيان النبي صلى الله عليه وآله ووحي من جهة الله تعالى. فتكلف القول في ذلك خطأ ممنوع منه، يمكن ان تكون الاخبار متناولة له ورابعها - ما كان اللفظ مشتركا بين معنيين فما زاد عنهما، ويمكن ان يكون كل واحد منهما مرادا. فانه لا ينبغي أن يقدم احد به فيقول: ان مراد الله فيه بعض ما يحتمل - إلا بقول نبي أو امام معصوم - بل ينبغي ان يقول: ان الظاهر يحتمل لامور، وكل واحد يجوز أن يكون مرادا على التفصيل. والله أعلم بما أراد ومتى كان اللفظ مشتركا بين شيئين، أو ما زاد عليهما، ودل الدليل على انه لا يجوزان يريد إلا وجها واحدا، جاز ان يقال: إنه هو المراد ومتى قسمنا هذه الاقسام، نكون قبلنا هذه الاخبار، ولم نردها على وجه يوحش نقلتها والمتمسكين بها، ولا منعنا بذلك من الكلام في تأويل الآي جملة ولا ينبغي لاحد ان ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد تفصيلا، أو يقلد أحدا من المفسرين، إلا ان يكون التأويل مجمعا عليه، فيجب اتباعه لمكان الاجماع، لان من المفسرين من حمدت طرائقه، ومدحت مذاهبه، كابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد وغيرهم. ومنهم من ذمت مذاهبه، كأبي صالح، والسدي والكلبي وغيرهم. هذا في الطبقة الاولى. وأما المتأخرون فكل واحد منهم نصر
مذهبه، وتأول على ما يطابق اصله، ولا يجوز لاحد أن يقلد أحدا منهم، بل ينبغي ان يرجع إلى الادلة الصحيحة: إما العقلية، أو الشرعية، من اجماع عليه، أو نقل متواتر به، عمن يجب اتباع قوله، ولا يقبل في ذلك خبر واحد، خاصة * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران: آية 91 " 2 " سورة الانعام: آية 141 " 3 " سورة المعارج: آية 23
[ 7 ]
إذا كان مما طريقه العلم، ومتى كان التأويل يحتاج إلى شاهد من اللغة، فلا يقبل من الشاهد إلا ما كان معلوما بين اهل اللغة، شائعا بينهم. وأما طريقة الآحاد من الروايات الشاردة، والالفاظ النادرة فانه لا يقطع بذلك، ولا يجعل شاهدا على كتاب الله وينبغي أن يتوقف فيه ويذكر ما يحتمله، ولا يقطع على المراد منه بعينه، فانه متى قطع بالمراد كان مخطئا، وان أصاب الحق، كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله لانه قال تخمينا وحدسا ولم يصدر ذلك عن حجة قاطعة وذلك باطل بالاتفاق. واعلموا ان العرف من مذهب اصحابنا والشائع من اخبارهم ورواياتهم ان القرآن نزل بحرف واحد، على نبي واحد، غير انهم اجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله الفراء وأن الانسان مخير باي قراءة شاء قرا، وكرهوا تجويد قراءة بعينها بل اجازوا القراءة بالمجاز الذي يجوز بين القراء ولم يبلغوا بذلك حد التحريم والحظر وروى المخالفون لنا عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: (نزل القرآن على سبعة احرف كلها شاف كاف) وفي بعضها: (على سبعة ابواب) وكثرت في ذلك رواياتهم. لا معنى للتشاغل بايرادها واختلفوا في تأويل الخبر، فاختار قوم ان معناه على سبعة معان: أمر، ونهى، ووعد، ووعيد، وجدل، وقصص، وأمثال وروى ابن مسعود عن النبي " ص " انه قال: " نزل القرآن على سبعة أحرف:
زجر، وأمر، وحلال، وحرام، ومحكم، ومتشابه، وامثال. " وروى ابوقلامة عن النبي [ ص ] انه قال: [ نزل القرآن على سبعة أحرف: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، وقصص، وأمثال. ] وقال آخرون: [ نزل القرآن على سبعة أحرف ] أي سبع لغات مختلفة، مما لا يغير حكما في تحليل وتحريم، ومثل. هلم. ويقال من لغات مختلفة، ومعانيها مؤتلفة. وكانوا مخيرين في أول الاسلام في أن يقرأوا بما شاءوا منها. ثم اجمعوا على حدها، فصار ما اجمعوا عليه مانعا مما اعرضوا عنه. وقال آخرون: [ نزل على سبع لغات من اللغات الفصيحة، لان القبائل بعضها افصح من بعض ] وهو الذى اختاره الطبري. وقال بعضهم: [ هي على سبعة اوجه من اللغات، متفرقة في القرآن، لانه
[ 8 ]
لا يوجد حرف قرئ على سبعة اوجه. ] وقال بعضهم: [ وجه الاختلاف في القراءات سبعة: أولها - اختلاف اعراب الكلمة أو حركة بنائها فلا يزيلها عن صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله: هؤلاء بناتي هن اطهر لكم " 1 " بالرفع والنصب وهل نجازي إلا الكفور ؟ (2 بالنصب والنون وهل يجازى إلا الكفور ؟ بالياء والرفع وبالبخل [ 3 ] والبخل والبخل برفع الباء ونصبها. وميسرة [ 4 ] وميسرة بنصب السين ورفعها. والثاني - الاختلاف في اعراب الكلمة وحركات بنائها مما يغير معناها ولا يزيلها عن صورتها في الكتابة مثل قوله: ربنا باعد بين اسفارنا (5) على الخبر ربنا باعد على الدعاء. واذ تلقونه بالسنتكم (6) بالتشديد وتلقونه بكسر اللام والتخفيف والوجه الثالث - الاختلاف في حروف الكلمة دون اعرابها، ومما يغير معناها
ولا يزيل صورتها نحو قوله تعالى: كيف ننشزها (7) بالزاء المعجمة وبالراء الغير معجمة والرابع - الاختلاف في الكلمة مما يغير صورتها ولا يغير معناها نحو قوله: ان كانت إلا صيحة واحدة (8) والازقية. وكالصوف المنفوش وكالعهن المنفوش (9) والخامس - الاختلاف في الكلمة مما يزيل صورتها ومعناها نحو: وطلح منضود (10 وطلع. السادس - الاختلاف بالتقديم والتأخير نحو قوله: وجاءت سكرة الموت * (الهامش) * " 1 " سورة هود آية 78 " 2 " سورة سبأ آية 17 " 3 " سورة النساء آية 36 الحديد آية 24 والبخل بالرفع مصدر بخل والبخل بالفتح مصدر بخل " 4 " سورة البقرة آية 28 " 5 " سورة سبأ آية آية 19 " 6 " سورة النور آية 15 " 7 " سورة البقرة آية 259 " 8 " سورة يس آية 29 - 49 - 53 - سورة ص آية 15 " 9 " سورة القارعة. آية 50 " 10 " سورة ق آية - 19
[ 9 ]
بالحق (1) وجاءت سكرة الحق بالموت. السابع - الاختلاف بالزيادة والنقصان نحو قوله: وما عملت ايديهم وما عملته (2) باسقاط الهاء واثباتها. ونحو قوله: فان الله هو الغني الحميد وان الله الغني الحميد. في سورة الحديد (3). وهذا الخبر عندنا وان كان خبرا واحدا لا يجب العمل به فالوجه الاخير
أصلح الوجوه على ما روي عنهم عليه السلام من جواز القراءة بما اختلف القراء فيه. واما القول الاول فهو على ما تضمنته لان تأويل القرآن لا يخرج عن احد الاقسام السبعة: إما أمر. أو نهي. اووعد. أو وعيد. أو خبر اوقصص أو مثل وهو الذي ذكره اصحابنا في اقسام تفسير القرآن فاما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: [ ما نزل من القرآن من آية إلا ولها ظهر وبطن ] وقد رواه ايضا اصحابنا عن الائمة عليهم السلام فانه يحتمل ذلك وجوها: احدها - ما روي في أخبارنا عن الصادقين عليهما السلام وحكي ذلك عن ابي عبيدة أن المراد بذلك القصص باخبار هلاك الاولين وباطنها عظة للاخرين والثاني - ما حكي عن ابن مسعود انه قال: [ ما من آية إلا وقد عمل بها قوم ولها قوم يعملون بها ] والثالث - معناها أن ظاهرها لفظها وباطنها تأويلها ذكره الطبري واختاره البلخي والرابع - ما قال الحسن البصري: [ انك إذا فتشت عن باطنها وقسته على ظاهرها وقفت على معناها ] وجميع اقسام القرآن لا يخلو من ستة: محكم ومتشابه وناسخ ومنسوخ وخاص وعام فالمحكم ما انبأ لفظه عن معناه من غير اعتبار امر ينضم إليه سواء كان اللفظ لغويا أو عرفيا ولا يحتاج إلى ضروب من التأويل وذلك نحو قوله: [ لا يكلف * (الهامش) * " 1 " سورة يس آية 35 " 2 " سورة الواقعة آية 25 " 3 " آية 24
[ 10 ]
الله نفسا إلا وسعها ] [ 1 ] وقوله: [ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله ] [ 1 ] وقوله:
[ قل هو الله احد ] [ 3 ] وقوله: [ لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوءا احد ] [ 4 ] وقوله: [ وما ربك بظلام للعبيد ] [ 5 ] وقوله: [ ما خلقت الجن والانس إلا ليعبدون ] [ 6 ] ونظائر ذلك والمتشابه ما كان المراد به لا يعرف بظاهره بل يحتاج إلى دليل وذلك ما كان محتملا لامور كثيرة أو امرين ولا يجوزان يكون الجميع مرادا فانه من باب المتشابه. وانما سمي متشابها لاشتباه المراد منه بما ليس بمراد وذلك نحو قوله: [ يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله ] [ 7 ] وقوله: [ والسماوات مطويات بيمينه ] [ 8 ] وقوله: (تجري باعيننا) (9) وقوله (يضل من يشاء) (10) وقوله: (فاصمهم وأعمى أبصارهم وطبع على قلوبهم) (11) ونظائر ذلك من الآي التي المراد منها غير ظاهرها. فان قيل: هلا كان القرآن كله محكما يستغنى بظاهره عن تكلف ما يدل على المراد منه حتى دخل على كثير من المخالفين للحق شبهة فيه وتمسكوا بظاهره على ما يعتقدونه من الباطل ؟ أتقولون إن ذلك لم يكن مقدورا له تعالى ؟ فهذا هو القول بتعجيزه ! أو تقولون هو مقدور له ولم يفعل ذلك فلم لم يفعله ؟ قيل الجواب على ذلك من وجهين: احدهما - ان خطاب الله تعالى - مع ما فيه من الفوائد - المصلحة معتبرة في الفاظه فلا يمتنع أن تكون المصلحة الدينية * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية 286 " 2 " سورة الانعام آية 151 " 3 " سورة التوحيد آية 1 " 4 " سورة التوحيد آية 3 و 4 " 5 " سورة حم السجدة آية 46 " 6 " سورة الذاريات آية 56 " 7 " سورة الزمرآية 56
" 8 " سورة الزمر آية - 67 " 9 " سورة القمر آية 14 " 10 " سورة الرعد آية 29. ابراهيم آية - 4 فاطر آية - 8 " 11 " سورة محمد آية 23
[ 11 ]
تعلقت بان يستعمل الالفاظ المحتملة ويجعل الطريق إلى معرفة المراد به ضربا من الاستدلال ولهذه العلة أطال في موضع وأسهب واختصر في آخر وأوجز واقتصر وذكر قصة في موضع وأعادها في موضع آخر واختلفت أيضا مقادير الفصاحة فيه وتفاضلت مواضع منه بعضه على بعض والجواب الثاني: ان الله تعالى انما خلق عباده تعريضا لثوابه وكلفهم لينالوا اعلى المراتب واشرفها ولو كان القرآن كله محكما لا يحتمل التأويل ولا يمكن فيه الاختلاف لسقطت المحنة وبطل التفاضل وتساوت المنازل ولم تبن منزله العلماء من غيرهم وانزل الله القرآن بعضه متشابها ليعمل أهل العقل افكارهم ويتوصلوا بتكلف المشاق والنظر والاستدلال إلى فهم المراد فيستحقوا به عظيم المنزلة وعالي الرتبة فان قيل: كيف تقولون، ان القرآن فيه محكم ومتشابه، وقد وصفه الله تعالى بأنه اجمع محكم ؟ ووصفه في مواضع أخر بأنه متشابه وذكر في موضع آخر ان بعضه محكم، وبعضه متشابه - كما زعمتم - وذلك نحو قوله: " الر. كتاب احكمت آياته " (1) وقال في موضع آخر: " الله نزل احسن الحديث كتابا متشابها " (2) وقال في موضع آخر: " وهو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن ام الكتاب وأخر متشابهات " (3) وهل هذا إلا ظاهر التناقض ؟ قلنا: لا تناقض في ذلك، لان وصفه محكم كله، المراد به انه بحيث لا يتطرق عليه الفساد والتناقض والاختلاف والتباين والتعارض، بل لا شئ منه إلا وهو
في غاية الاحكام - إما بظاهره أو بدليله، على وجه لا مجال للطاعنين عليه. ووصفه بانه متشابه أنه يشبه بعضه بعضا في باب الاحكام الذي أشرنا إليه، وأنه لا خلل فيه ولا تباين ولا تضاد ولا تناقض. ووصفه بان بعضه محكم، وبعضه متشابه ما اشرنا إليه، من ان بعضه ما يفهم المراد بظاهره فيسمى محكما ومنه ما يشتبه المراد منه بغيره وان كان على المراد والحق منه دليل فلا تناقض في ذلك بحال. * (الهامش) * " 1 " سورة هود آية 1 " 2 " سورة الزمر آية 23 " 3 " سورة آل عمران آية 7
[ 12 ]
واما الناسخ فهو كل دليل شرعي يدل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول في المستقبل على وجه لو لاه لكان ثابتا بالنص الاول مع تراخيه عنه. اعتبرنا دليل الشرع لان دليل العقل إذا دل على زوال مثل الحكم الثابت بالنص الاول لا يسمى نسخا. ألا ترى أن المكلف للعبادات، إذا عجز اوزال عقله، زالت عنه العبادة بحكم العقل، ولا يسمى ذلك الدليل ناسخا ؟ واعتبرنا زوال مثل الحكم، ولم نعتبر الحكم نفسه لانه لا يجوز أن ينسخ نفس ما أمر به، لان ذلك يؤدي إلى البداء. وانما اعتبرنا أن يكون الحكم ثابتا بنص شرعي، لان ما ثبت بالعقل إذا أزاله الشرع لا يسمى بأنه نسخ حكم العقل. ألا ترى أن الصلاة والطواف لولا الشرع لكان قبيحا فعله في العقل واذ اورد الشرع بهما لا يقال نسخ حكم العقل ؟ واعتبرنا مع تراخيه عنه لان ما يقترن به لا يسمى نسخا وربما يكون تخصيصا ان كان اللفظ عاما أو مقيدا ان كان اللفظ خاصا ألا ترى أنه لو قال: اقتلوا المشركين الا اليهود لم يكن قوله إلا اليهود نسخا لقوله اقتلوا المشركين ؟ وكذا لو قال: فسيحوا في الارض اربعة اشهر فقيد بهذه الغاية لا يقال لما بعدها
نسخ. وكذا لما قال قي آية الزنا: فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة (1) لا يقال لما زاد عليه منسوخ لانه مقيد في اللفظ والنسخ يصح دخوله في الامر والنهي بلا خلاف. والخبر ان تناول ما يصح تغييره عن صفة جاز دخول النسخ فيه لانه في معنى الامر. ألا ترى أن قوله: (ولله على الناس حج البيت) (2) خبر ؟ وقوله (والمطلقات يتربصن بانفسهن) (3) أيضا خبر ؟ وكذلك قوله: (ومن دخله كان آمنا) " 4 " خبر ومع ذلك يصح دخول النسخ فيه فاما ما لا يصح تغييره عن صفة فلا يصح دخول النسخ فيه، نحو الاخبار عن صفات الله تعالى، وصفات الاجناس * (الهامش) * " 1 " سورة النور آية 2 " 2 " سورة آل عمران آية 97 " 3 " سورة البقرة آية 228 " 4 " سورة آل عمران آية 97
[ 13 ]
- لما يصح عليه التغيير، لم يصح فيه النسخ حيث أن العبارة بالاخبار عنه بأبه قادر، عالم، سميع بصير، لا يصح النسخ فيه، لانه يمتنع دخول النسخ في الاخبار - ان كان الخبر لا يصح تغييره في نفسه ولا يخلو النسخ في القرآن من أقسام ثلاثه: احدها - نسخ حكمه دون لفظه - كآية العدة في المتوفى عنها زوجها المتضمنة للسنة (1) فان الحكم منسوخ والتلاوة باقية وكآية النجوى (2) وآية وجوب ثبات الواحد للعشرة (3) فان الحكم مرتفع، والتلاوة باقية وهذا يبطل قول من منع جواز النسخ في القرآن لان الموجود بخلافه والثاني - ما نسخ لفظه دون حكمة، كآية الرجم فان وجوب الرجم على
المحصنة لا خلاف فيه، والآية التي كانت متضمنة له منسوخة بلا خلاف وهي قوله: (والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البته، فانهما قضيا الشهوة جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) الثالث - ما نسخ لفظه وحكمه، وذلك نحو ما رواه المخالفون من عائشة: أنه كان فيما أنزل الله ان عشر رضعات تحرمن، ونسخ ذلك بخمس عشرة فنسخت التلاوة والحكم وأما الكلام في شرائط النسخ، فما يصح منها وما لا يصح وما يصح أن ينسخ به القرآن، وما لا يصح أن ينسخ به وقد ذكرنا في كتاب العدة - في اصول الفقه - ولا يليق ذلك بهذا المكان وحكى البلخي في كتاب التفسير فقال: (قال قوم - ليسوا ممن يعتبرون ولكنهم من الامة على حال - ان الائمة المنصوص عليهم - بزعمهم - مفوض إليهم نسخ القرآن وتدبيره، وتجاوز بعضهم حتى خرج من الدين بقوله: ان النسخ قد * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة آية 240 " 2 " سورة المجادلة آية 12 " 3 " سورة الانفال آية 65
[ 14 ]
يجوز على وجه البداء وهو أن يأمر الله عزوجل عندهم بالشئ ولا يبدو له، ثم يبدو له فيغيره، ولا يريد في وقت أمره به أن يغيره هو ويبدله وينسخه، لانه عندهم لا يعلم الشئ حتى يكون، إلا ما يقدره فيعلمه علم تقدير، وتعجرفوا فزعموا ان ما نزل بالمدينة ناسخ لما نزل بمكة) وأظن انه عنى بهذا اصحابنا الامامية، لانه ليس في الامة من يقول بالنص على الائمة عليهم السلام سواهم فان كان عناهم فجميع ما حكاه عنهم باطل وكذب
عليهم، لانهم لا يجيزون النسخ على أحد من الائمة (ع) ولا احد منهم يقول بحدوث العلم وانما يحكى عن بعض من تقدم من شيوخ المعتزلة - كالنظام والجاحظ وغيرهما - وذلك باطل وكذلك لا يقولون: ان المتأخر ينسخ المتقدم إلا بالشرط الذي يقوله جميع من اجاز النسخ، وهو ان يكون بينهما تضاد وتناف لا يمكن الجمع بينهما، واما على خلاف ذلك فلا يقوله محصل منهم. والوجه في تكرير القصة بعد القصة في القرآن، أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة فلو لم تكن الانباء والقصص مكررة، لوقعت قصة موسى إلى قوم وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح إلى قوم آخرين، فاراد الله بلطفه ورحمته أن يشهر هذه القصص في أطراف الارض ويلقيها في كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الافهام وتكرار الكلام من جنس واحد، وبعضه يجري على بعض، كتكراره في: قل يا ايها الكافرون، وسورة المرسلات، والرحمن فالوجه فيه، ان القرآن نزل بلسان القوم، ومذهبهم في التكرار - ارادة للتوكيد وزيادة في الافهام - معروف كما ان من مذهبهم الايجاز والاختصار ارادة للتخفيف وذلك أن افتنان المتكلم والخطيب في الفنون، وخروجه من شئ إلى شئ، أحسن من اقتصاره من المقام على فن واحد. وقد يقول القائل: والله لافعله ثم والله لافعله، إذا أراد التوكيد كما يقول: افعله بحذف اللام إذا أراد الايجاز قال الله تعالى: " كلا سوف تعلمون
[ 15 ]
ثم كلا سوف تعلمون " (1) وقال: " فان مع العسر يسرا ان مع العسر يسرا " (2) وقال الله تعالى: " اولى لك فأولى ثم اولى لك فأولى " (3) وقال: " ما أدراك ما يوم الدين، ثم ما ادراك ما يوم الدين " (4) كل هذا يراد به التوكيد وقد يقول القائل لغيره: اعجل اعجل وللرامي ارم ارم قال الشاعر:
كم نعمة كانت لكم * كم كم وكم وقال آخر: هلا سألت جموع كن * دة يوم ولوا اين اينا وقال عوف بن الخزرج: وكادت فزارة تصلى بنا * فاولى فزار فأولى فزار فاما تكرار معنى واحد بلفظين مختلفين، كقوله: " الرحمن الرحيم " وقوله: " يسمع سرهم ونجواهم " والنجوى هو السر، فالوجه فيه ما ذكرنا من ان عادة القوم، تكرير المعنى بلفظين مختلفين، اتساعا في اللغة، كقول الشاعر. كذبا ومينا وهما بمعنى واحد وقول الآخر: لمياء في شفتيها حوة لعس * وفي اللثات وفي أنيابها شنب واللمى: سواد في الشفتين والحوة واللعس كلاهما سواد الشفتين وكرر لاختلاف اللفظ والشنب: تحزز في الانياب كالمنشار، وهو نعت لها ورحمن ورحيم، سنبين القول فيهما فيما بعد وقوله: " وغشاها ما غشى " (5) وقوله: فغشيهم من اليم ما غشيهم " (6) وقوله: " ولا طائر يطير بجناحيه " (7) على * (الهامش) * " 1 " سورة التكاثر آية 3 و 4 " 2 " سورة الانشراح آية 5 و 6 " 3 " سورة القيامة آية 34 و 35 " 4 " سورة الانفطار آية 17 و 18 " 5 " سورة النجم آية 54 " 6 " سورة طه آية 78 " 7 " سورة الانعام آية 38
[ 16 ]
ما قلناه من التوكيد، كما يقول القائل: كلمته بلساني، ونظرت إليه بعيني، ويقال بين زيد وبين عمرو، وانما البين واحد. والمراد بين زيد وعمرو وقال الشاعر أوس بن الحجر: ألم تكسف الشمس شمس النها * ر مع النجم والقمر الواجب (1) والشمس لا تكون إلا بالنهار، فأكد ذكرنا هذه الجملة تنبيها عن الجواب عما لم نذكره، ولعلنا نستوفيه فيما بعد إذا جرى ما يقتضي ذكره ولولا عناد الملحدين، وتعجرفهم، لما احتيج إلى الاحتجاج بالشعر وغيره للشئ المشتبه في القرآن، لان غاية ذلك أن يستشهد عليه ببيت شعر جاهلي، أو لفظ منقول عن بعض الاعراب، أو مثل سائر عن بعض أهل البادية. ولا تكون منزلة النبي صلى الله عليه وآله - وحاشاه من ذلك - أقل من منزلة واحد من هؤلاء. ولا ينقص عن رتبة النابغة الجعدي، وزهير بن الكعب وغيرهم ومن طرائف الامور ان المخالف إذا اورد عليه شعر من ذكرناه، ومن هو دونهم سكنت نفسه، واطمأن قلبه وهو لا يرضى بقول محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ومهما شك الناس في نبوته، فلا مربة في نسبه، وفصاحته، فانه نشأ بين قومه الذين هم الغاية القصوى في الفصاحة، ويرجع إليهم في معرفة اللغة. ولو كان المشركون من قريش وغيرهم وجدوا متعلقا عليه في اللحن والغلط والمناقضة، لتعلقوا به، وجعلوه حجة وذريعة إلى اطفاء نوره وابطال امره، واستغنوا بذلك عن تكلف ما تكلفوه من المشاق في بذل النفوس والاموال. ولو فعلوا ذلك لظهر واشتهر، ولكن حب الالحاد والاستثقال لتحمل العبادات، والميل إلى الفواحش اعماهم وأصمهم، فلا يدفع أحد من الملحدين - وان جحدوا نبوته صلى الله عليه وآله - انه اتى بهذا القرآن، وجعله حجة لنفسه، وقرأه على العرب وقد علمنا انه ليس بأدون الجماعة في الفصاحة وكيف يجوزان يحتج بشعر الشعراء عليه، ولا يجوز أن
يحتج بقوله عليهم وهل هذا إلا عناد محض، وعصبية صرف ؟ وانما يحتج علماء * (الهامش) * " 1 " الواجب: الغائب
[ 17 ]
الموحدين بشعر الشعراء وكلام البلغاء، اتساعا في العلم، وقطعا للشغب، وازاحة للعلة، وإلا فكان يجب ألا يلتفت إلى جميع ما يطعن عليه، لانهم ليسوا بان يجعلوا عيارا عليه باولى من ان يجعل هو عليه السلام عيارا عليهم. وروي عن ابن مسعود، انه قال: " كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن " وروي انه استعمل علي (ع) عبد الله بن العباس على الحج فخطب خطبة لو سمعها الترك والروم لا سلموا ثم قرأ عليهم سورة النور - وروي سورة البقرة - ففسرها فقال رجل: " لو سمعت هذا الديلم لا سلمت " ويروى عن سعيد بن الجبير، انه من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالاعجمي أو الاعرابي فصل في ذكر اسامي القرآن، وتسمية السور والآيات سمى الله تعالى القرآن باربعة اسماء: سماه قرآنا في قوله تعالى: " انا جعلناه قرآنا عربيا " (1) وفي قوله: " شهر رمضان الذي انزل فيه القرآن " (2) وغير ذلك من الاي وسماه فرقانا في قوله تعالى: تبارك الذي انزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا. " (3) وسماه الكتاب في قوله: " الحمدلله الذي انزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا قيما " (4) * (الهامش) * " 1 " سورة الزخرف آية 3
" 2 " سورة البقرة آية 185 " 3 " سورة الفرقان آية 1 " 4 " سورة الكهف آية 1
[ 18 ]
وسماه الذكر في قوله: " انا نحن نزلنا الذكر وانا له لحافظون " (1) وتسميته بالقرآن تحتمل أمرين: احدهما - ما روي عن ابن عباس، انه قال: (هو مصدر قرأت قرآنا) أي تلوته، مثل: غفرت غفرانا، وكفرت كفرانا والثاني - ما حكي عن قتاده، انه قال " هو مصدر قرأت الشئ إذا جمعت بعضه إلى بعض " قال عمرو بن كلثوم ذراعي عيطل (2) ادماء (3) بكر * هجان (4) اللون لم تقرأ جنينا اي لم تضم جنينها في رحمها. وقال قطرب في معناه قولان احدهما هذا وعليه اكثر المفسرين وقال قولا آخر معناه لفظت به مجموعا وقال معنى البيت أيضا أي لم تلقه مجموعا وتفسير ابن عباس أولى، لان قوله تعالى (ان علينا جمعه وقرآنه، فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) (5) والوجه المختار ان يكون المراد واذ تلوناه عليك، وبيناه لك، فاتبع تلاوته ولو حملناه على الجمع - على ما قال قتاده - لكان يجب ألا يلزم اتباع آية آية من القرآن النازلة في كل وقت، وكان يقف وجوب الاتباع على حين الجمع، لانه علقه بذلك على هذا القول، لانه قال: " فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " يعني جمعناه على ما قالوه فاتبع قرآنه، وكان يقف وجوب الاتباع على تكامل الجميع، وذلك خلاف الاجماع فالاول أولى فان قيل: (كيف يسمي القراءة قرآنا، وانما هو مقروء ؟) قلنا: (سمي بذلك كما يسمى المكتوب كتابا، بمعنى: كتاب الكاتب) قال الشاعر في صفة طلاق
كتبه لامرأته: تؤمل رجعة مني وفيها * كتاب مثل ما لصق الغراء يعني طلافا مكتوبا * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف آية 12 و 63 وسورة الحجر آية 10 " 2 " عطيل: طويلة العنق " 3 " ناقة ادماء: بيضاء " 3 " بيضاء اللون " 5 " سورة القيامة آية 17 - 18
[ 19 ]
وتسميته بانه فرقان، لانه يفرق بين الحق والباطل. والفرقان هو الفرق بين الشيئين. وانما يقع الفرق بين الحق والباطل بادلته الدالة على صحة الحق، وبطلان الباطل. وتسميته بالكتاب لانه مصدر من قولك، كتبت كتابا، كما تقول قمت قياما. وسمي كتابا وانما هو مكتوب، كما قال الشاعر في البيت المتقدم. والكتابة مأخوذة من الجمع في قولهم: كتبت السقاء إذا جمعته بالخرز قال الشاعر: لا تأمنن فزاريا خلوت به * على قلوصك فاكتبها باسيار (1) والكتبة، الخرزة. وكلما ضممت بعضه إلى بعض على وجه التقارب فقد كتبته والكتيب (2) من الجيش، من هذا لانضمام بعضها إلى بعض وتسميته بالذكر، ويحتمل أمرين: احدهما - انه ذكر من الله تعالى ذكر به عباده، فعرفهم فيه فرائضه، وحدوده. والآخر - انه ذكر وشرف لمن آمن به وصدق بما فيه. كقوله (وانه لذكر لك ولقومك) (3). وأما السورة - بغير همز - فهي منزلته من منازل الارتفاع، ومن ذلك
سور المدينة سمي بذلك - الحائط الذي يحويها لارتفاعه عما يحويه غيران سور المدينة لم يجمع سورا، وسورة القرآن تجمع سورا. وهذه أليق بتسميته سور القرآن سورة. قال النابغة ألم تر ان الله اعطاك سورة * يرى كل ملك دونها يتذبذب يعني منزلة من منازل الشرف التي قصرت عنها الملوك. واما من همز السورة من القرآن، فانه أراد به القطعة التي انفصلت من القرآن وأبقيت وسؤر كل شئ بقيته. يقال اسأرت في الاناء أي ابقيت فيه قال الاعشى بن ثعلبة، يصف امرأة فبانت وقد أسأرت في الفؤا * د صدعا على نأيها مستطارا * (الهامش) * " 1 " اسيارج سير: الجلد " 2 " والكتيبة " 3 " سورة الزخرف آية 44
[ 20 ]
وتسمية الآية بانها آية، يحتمل وجهين احدهما - لانها علامة يعرف بها تمام ما قبلها، ومنه قوله تعالى [ أنزل علينا مائدة من السماء تكون لنا عيدا لاولنا وآخرنا وآية منك ] (1) يعني علامة لاجابتك دعاءنا. والآخر أن الآية القصة والرسالة. قال كعب بن زهير ألا أبلغا هذا المعرض آية * أيقظان قال القول إذا قال أم حلم يعني رسالة فيكون معنى الآيات القصص، قصة تتلو قصة روى واثلة بن الاصقع أن النبي صلى الله عليه وآله قال (أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين، وأعطيت مكان الانجيل، المثاني، وفضلت بالمفصل) فالسبع الطول
1 - البقرة 2 - آل عمران 3 - النساء 4 - المائدة 5 - الانعام 6 - الاعراف 7 - ويونس. في قول سعيد بن جبير وروي مثل ذلك عن ابن عباس قال وسميت السبع الطوال، لطولها على سائر القرآن. وأما المئون، فهو كل سورة تكون مائة آية أو يزيد عليها شيئا يسيرا، أو ينقص عنها شيئا يسيرا. وأما المثاني فهي ما ثنت المئين، فتلاها. فكان المئون لها أوائل، وكان المثاني لها ثوان وقيل انها سميت بذلك، لتثنية الله قيها الامثال، والحدود، والقرآن، والفرائض وهو قول ابن عباس. وقال قوم (المثاني سورة الحمد، لانها تثنى قراءتها في كل صلاة) وبه قال الحسن البصري، وهو المروي في أخبارنا قال الشاعر حلفت بالسبع اللواتي طولت * وبمئين بعدد قد أميت وبثمان ثنيت وكررت * وبالطواسين التي قد تليت وبالحواميم التي قد سبعت * وبالمفصل اللواتي فصلت وسميت المفصل مفصلا، لكثرة الفصول بين سورها ببسم الله الرحمن الرحيم وسمي المفصل محكما، لما قيل انها لم تنسخ. وقال اكثر اهل العلم (أول المفصل من سورة محمد صلى الله عليه وآله إلى سورة الناس) وقال آخرون (من ق، إلى الناس) وقالت فرقة ثالثة - وهو المحكي عن ابن عباس - أنه من سورة الضحى إلى الناس * (الهامش) * " 1 " سورة المائدة آية 117 (*)
[ 21 ]
وكان يفصل من الضحى بين كل سورتين بالتكبير، وهو قراءة ابن كثير. وإن قيل: ما وجه الحكمة في تفصيل القرآن على السور ؟ قيل: فيه وجوه من الجواب احدها - أن القارى، إذا خرج من فن إلى فن كان احلى في نفسه وأشهى لقراءته ومنها - ان جعل الشئ مع شكله، وما هو أولى به هو الترتيب الذي يعمل عليه ومنها - أن الانسان قد يضعف عن حفظ الجميع، فيحفظ سورة تامة ويقتصر
عليها، وقد يكون ذلك سببا يدعوه إلى غيرها ومنها - ان التفصيل أبين، إذ كان الاشكال مع الاختلاط والالتباس أكثر. ومنها - ان كلما ترقى إليه درجة درجة ومنزلة منزلة كانت القوة عليه اشد، والوصول إليه أسهل وانما السورة منزلة يرتفع منها إلى منزلة
[ 22 ]
(سورة الفاتحة) اسماؤها - وسبب تسميتها بها: روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه سماها أم القرآن، وفاتحة الكتاب والسبع المثاني فسميت فاتحة الكتاب لانه يفتتح بكتابتها المصاحف وبقراءتها في الصلاة، فهي فاتحة لما يتلوها من سور القرآن في الكتابة والقراءة وسميت ام القرآن لتقدمها على سائر القرآن وتسمي العرب كل جامع أمرا، أو متقدم لامر إذا كانت له توابع تتبعه أما فيقولون للجلدة التي تجمع الدماغ أم الرأس، وتسمي لواء الجيش، ورايتهم التي يجتمعون تحتها أما ومن ذلك قول ذي الرمة: واسمر قوام إذا نام صحبتي * خفيف الثياب لا تواري له إزرا على رأسه ام لنا نقتدي بها * جماع امور لا نعاصي له امرا يصف راية معقودة على قناة يجتمع تحتها هو وصحبه وقيل: مكة ام القرى لتقدمها امام جميعها، وجميعها ما سواها وقيل: إنما سميت بذلك، لان الارض دحيت منها فصارت لجميعها أما ومن ذلك قول حميد بن ثور الهلالي: إذا كانت الخمسون امك لم يكن * لدائك إلا ان تموت طبيب لان الخمسين جامعة ما دونها من العدد، فسماها ام الذي بلغها وسميت السبع لانها سبع آيات - بلا خلاف في جملتها - وسميت مثاني لانها تثنى بها في كل صلاة فرض ونفل وقيل في كل ركعة وليس إذا سميت
بانها مثاني منع ذلك تسمية غيرها بالمثاني من سور المئين على ما مضى القول فيه واتفق القراء على التلفظ باعوذ بالله من الشيطان الرجيم قبل التسمية المعنى: ومعنى ذلك استجير بالله دون غيره لان الاستعاذة هي الاستجارة
[ 23 ]
وقوله: من الشيطان فالشيطان في اللغة كل متمرد من الجن والانس والدواب، ولذلك قال الله تعالى: " وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن " (1) فجعل من الانس شياطين كما جعل من الجن وانما سمي المتمرد شيطانا، لمفارقة اخلاقه وافعاله أخلاق جميع جنسه وبعده من الخير وقيل: هو مشتق من قولهم شطنت داري أي بعدت، ومنه قول نابغة بني ذبيان: نأت سعاد (2) عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين والشطون البعيد فيكون شيطانا على هذا: فيعالا من شطن على وزن بيطار وغيداق (3) قال امية بن ابي الصلت: أيما شاطن (4) عصاه عكاه (5) * ثم يلقى السجن والاكباد (6) ولو كان مشتقا من شاط لقال: شائط ولما قال: شاطن علم أنه مشتق من شطن والشطن الحبل وأما الرجيم فهو فعيل بمعنى مفعول كقولهم كف خضيب ولحية دهين ورجل لعين يراد مخضوبة ومدهونة وملعون ومعنى المرجوم المشتوم فكل مشتوم بقول ردي فهو مرجوم وأصل الرجم الرمي بقول كان أو بفعل ومنه قوله تعالى " لئن لم تنته لا رجمنك " (7) ويجوز أن يكون الشيطان رجيما لان الله طرده من سمائه ورجمه بالشهب الثاقبة
وسورة الحمد مكية في قول قتادة ومدنبة في قول مجاهد وليس فيها ناسخ ولا منسوخ * (الهامش) * " 1 " سورة الانعام آية: 112 " 2 " بسعاد " 3 " شاب غيداق: ناعم والغيداق: الكريم " 4 " الشاطن الخبيث والشيطان كل عات متمرد من انس أو جن أو دابة " 5 " عكاه: عقده " 6 " الكبد الشدة الجمع أكباد " 7 " سورة مريم آية 46
[ 24 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحجة - عندنا آية من الحمد ومن كل سورة بدلالة إثباتهم لها في المصاحف بالخط الذي كتب به المصحف مع تجنبهم إثبات الاعشار والاخماس كذلك وفي ذلك خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء ولا خلاف أنها بعض سورة النمل. فاما القراء فترك الفصل بين السور بالتسمية حمزة وخلف ويعقوب واليزيدي إلا القرطي عن سجادة بن اللبان عن مدين والمعدل إلا السوسي من طريق ابن حبش والباقون يفصلون بالتسمية إلا بين الانفال والتوبة وعندنا أن من تركها في الصلاة بطلت صلاته لان الصلاة عندنا لا تصح إلا بفاتحة الكتاب وهي من تمامها سواء كانت الصلاة فرضا أو نافلة، وفيه خلاف ذكرناه في خلاف الفقهاء ومن قال انها ليست من القرآن قال إن الله أدب نبيه وعلمه تقديم ذكر اسم الله أمام جميع أفعاله وأقواله ليقتدي به جميع الخلق في صدور رسالاتهم وأمام حوائجهم قالوا والدليل على أنها ليست من القرآن أنها لو كانت من نفس الحمد لوجب أن يكون قبلها مثلها لتكون إحداهما افتتاحا للسورة حسب الواجب في سائر السور والاخرى أول آية منها وهذا عندنا ليس بصحيح لا ناقد بينا أنها آية من كل سورة ومع
هذا لم يتقدمها غيرها، على أنها لا يمتنع أن تكون من نفس التلاوة وإن تعبدنا باستعمالها في استفتاح جميع اموره، ومن قال إن قوله " الرحمن الرحيم " بعد قوله " الحمد لله رب العالمين " يدل على أن التي افتتح بها ليست من الحمد وإلا كان يكون ذلك تكرارا بلا فصل شئ من الآيات قبل ذلك وليس بموجود في شئ من القرآن فقوله باطل لانه قد حصل الفصل بقوله " الحمد لله رب العالمين " (1) وقد ورد في مثله في: قل يا ايها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ولا انتم عابدون ما اعبد، ولا انا عابد ما عبدتم ولا انتم عابدون ما أعبد لكم دينكم ولي دين " (2) * (الهامش) * " 1 " سورة الحمد آية 1 " 2 " سورة الكافرون بتمامها
[ 25 ]
وكرر آيتين بلفظ واحد فصل بينهما بآية واحد وقد ذكرنا الادلة على صحة ما ذهبنا إليه في خلاف الفقهاء ومن جعلها آية جعل من قوله " صراط الذين انعمت عليهم إلى آخرها آية ومن لم يجعلها كذلك جعل: صراط الذين انعمت عليهم آية وعندنا انه يجب الجهر بها فيما يجهر فيه بانقراءة ويستحب الجهر بها فيما لا يجهر فيه الاعراب: وقوله تعالى " بسم الله " يقتضي فعلا تتعلق به الباء، ويجوز أن يكون ذلك الفعل قوله أبدأ أو أقرأ بسم الله أو شبهه أو قولوا بسم الله، ولم يذكر لدلالة الكلام عليه وحذفت الالف في اللفظ لانه ألف الوصل تسقط في الدرج وحذفت ههنا وحدها في الخط لكثرة الاستعمال ولا تحذف في قوله تعالى " إقرأ باسم ربك " " 1 " وقوله " فسبح باسم ربك " وما أشبه ذلك لقلة استعمالها هناك وذكر أبو عبيدة ان " اسم " صلة والمراد هو الله الرحمن الرحيم واعتقد قوم
لاجل ذلك ان الاسم هو المسمى واستدلوا بقول لبيد إلى الحول ثم اسم السلام عليكما * ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر قال ومعناه السلام عليكما فاسم السلام هو السلام وهذا خطأ عظيم ذكرناه في شرح الجمل في الاصول ومعنى قول الشاعر ثم اسم السلام انه أراد به اسم الله تعالى لان السلام من اسماء في قوله " السلام المؤمن المهيمن " وهذا كما قال عليه السلام " لا تسبوا الدهر فان الله هو الدهر " اي ان الله هو الفاعل لما تضيفونه إلى الدهر وتسبونه لاجله ونظير ذلك ايضا قول القائل إذا سمع غيره يشتم زيدا وهو يريد عمروا " 2 " (زيد في هذا المكان هو عمرو) اي هو المراد بالشتم دون زيد ويحتمل ان يكون اراد اسم الله عليكما اي الزماه وانما رفع لانه اخر (عليكما كما قال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " سورة العلق آية 1 " 2 " عمرو لا تقبل الواو في حالة التنوين بالفتح
[ 26 ]
يا ايها المانح " 1 " دلوي دونكا * اني رأيت الناس يحمدونكا والمراد دونك دلوي فكيف يكون الاسم هو المسمى وقد يعرف الاسم من لا يعرف المسمى والاسم يكون مدركا وان لم يدرك المسمى والاسم يكتب في مواضع كثيرة والمسمى لا يكون إلا في موضوع واحد ولو كان الاسم هو المسمى لكان إذا قال القائل " نار " احترق لسانه وإذا قال " عسل " وجد الحلاوة في فمه، وذلك تجاهل، ومن قال: " إن ذلك تسمية وليس ذلك باسم " قوله باطل، لان القائل لو قال: اكلت اسم العسل، لكان جاهلا. وقال يقوم: إن (اسم) ليس بصلة، والمراد ابتدئ بتسمية الله، فوضع الاسم موضع المصدر ويكون موضع (بسم) نصبا. قالوا لان العرب تجري المصادر المبهمة على اسماء
مختلفة، كقولهم: اكرمت فلانا كرامة، واهنت فلانا هوانا، وكلمته كلاما وكان يجب ان يكون: اكرمته إكراما واهنته اهانة وكلمته تكليما ومنه قول الشاعر: أكفرا بعد رد الموت عني * وبعد عطائك المئة الرتاعا (2) وقال آخر: فان كان هذا البخل منك سجية * لقد كنت في طول رجائك اشعبا (3) أراد في اطالتي رجاك فيكون على هذا تقدير الكلام: أقرأ مبتدئا بتسمية الله، وابتدئ قراءتي بسم الله. فجعل الاسم مكان التسمية، وهذا أولى، لان المأموران يفتتح العباد امورهم بتسمية الله، لا بالخبر عن عظمته وصفاته، كما امروا بالتسمية على الذبائح والصيد، والاكل، والشرب. وكذلك امروا بالتسمية عند افتتاح تلاوة تنزيل الله تعالى، ولا خلاف أن القائل لو قال عند الذباحة: بالله ولم يقل: باسم الله لكان مخالفا للمأمور. اللغة: والاسم مشتق من السمو وهو الرفعة والاصل فيه سمو بالواو، وجمعه اسماء * (الهامش) * " 1 " اسم فاعل من متح. متح الماء كمنع نزعه " 2 " صفة الابل " 3 " اسم رجل يضرب المثل بشدة حرصه وطمعه
[ 27 ]
مثل قنو واقناء، وحنو واحناء. وإذا صغرته قلت سمي، قال الراجز: باسم الذي في كل سورة سمه والسمة ايضا - ذكره أبو زيد وغيره وقيل انه مشتق من وسمت وذلك غلط لان ما حذفت واو الفعل منه لا يدخله الف الوصل: نحو عدة ووعد، وزنه ووزن. لما حذفت الفاء لم تدخل عليه الالف وايضا كان يجب إذا صغران يرد الواو فيقال: وسيم، كما يقال وعيدة ووزينة ووصيلة في تصغير عدة وزنه
وصلة. والامر بخلافه وحكي عن ابن كيسان انه قال: انه لقب فلذلك ابتدئ به واتبع بالرحمن لانه يختصه ثم بالرحيم لانه يشاركه فيه غيره والصحيح انه ليس بلقب لان اللقب انما يجوز على من تجوز عليه الغيبة والحضور وهما لا يجوزان عليه ولانه يمكن وصفه بصفة لا يشاركه فيها غيره ولا معنى للقب لانه عيب والصحيح انه اسم مقيد لكنه لا يطلق إلا عليه تعالى وقيل في معناها قولان: احدهما - ان اصله لاه كما قال الشاعر: كحلقة من ابي رياح * يسمعها لاهه الكبار فادخل عليه الالف واللام والثاني: ان اصله إله فادخلت عليه الالف واللام ثم خففت الهمزة وادغمت احدى اللامين في الاخرى فقيل: الله وإله معناه يحق العبادة وانما يحق له العبادة لانه قادر على خلق الاجسام واحيائها والانعام عليها بما يستحق به العبادة ولذلك يوصف فيما لم يزل بانه إله ولا يجوز أن يكون إلها للاعراض ولا للجوهر لاستحالة ان ينعم عليها بما يستحق به العبادة وهو إله الاجسام: حيوانها وجمادها لانه قادر على ان ينعم على كل جسم بما معه العبادة وليس الاله من يستحق العبادة، لانه لو كان كذلك لما وصف فيما لم يزل بانه إله لانه لم يفعل الانعام الذي يستحق به العبادة ومن قال: انه إله للجماد فقد أخطأ لما قلناه من انه عبارة عمن يستحق العبادة وهو انه قادر على اصول النعم التي يستحق بها
[ 28 ]
العبادة دون ان يكون عبارة عمن يستحق العبادة ولا يجوز ان يوصف بهذه الصفة غير الله وفى الناس من قال انه مشتق من الاله، لان الخلق يألهون إليه: أي يفزعون إليه في امورهم فقيل للمألوه: إله كما قيل للمؤتم: إمام وقال بعضهم
انه مشتق من الولهان وهذا غلط، لان الولهان: الهيمان وذلك لا يجوز في صفات الله تعالى على ان التصريف بلزوم الهمزة يشهد بفساد هذا على ما قاله آخرون وقال قوم هو مشتق من الالوهية التي هي العبادة يقال فلان متأله أي متعبد قال رؤبة لله در الغانيات المدة (1) * لما رأين حليي المموه سبحن واسترجعن من تألهي أي من تعبدي قرأ ابن عباس (ويذرك وآلهتك (2) يعني عبادتك ويقال أله الله فلان الهه كما يقال عبده عبادة وقيل انه مشتق من الارتفاع يقول العرب للشئ المرتفع لاه يقولون طلعت لاهة أي الشمس وغربت أيضا وقيل وصف به تعالى لانه لا تدركه الابصار ومعنى لاه: أي احتجب عنا قال الشاعر: لاه ربي عن الخلائق طرا * خالق الخلق لا يرى ويرانا وقيل سمي الله لانه يوله القلوب بحبه (الرحمن الرحيم) اللغة - هما اسمان مشتقان من الرحمة وهي النعمة التي يستحق بها العبادة وهما موضوعان للمبالغة وفي رحمان خاصة مبالغة يختص الله بها وقيل ان تلك المزية من حيث فعل النعمة التي يستحق بها العبادة لا يشاركه في هذا المعنى سواه والاصل في باب فعل يفعل وفعل يفعل ان يكون اسم الفاعل فاعلا فان ارادوا المبالغة حملوا على فعلان وفعيل كما قالوا غضب فهو غضبان وسكر فهو * (الهامش) * " 1 " المده ج مادة وهو المادح " 2 " سورة الاعراف آية 126
[ 29 ]
سكران إذا امتلا غضبا وسكرا وكذلك قالوا: رحم فهو رحمان وخصوه به تعالى لما قلناه وكذلك قالوا علم فهو عليم ورحم فهو رحيم وعلى هذا الوجه لا يكونان للتكرار كقولهم ندمان ونديم بل التزايد فيه حاصل والاختصاص فيه بين وقيل في معنى الرحيم: لا يكلف عباده جميع ما يطيقونه فان الملك لا يوصف بانه رحيم إذا كلف عبيده جميع ما يطيقونه ذكره أبو الليث وانما قدم الرحمن على الرحيم لان وصفه بالرحمن بمنزلة الاسم العلم من حيث لا يوصف به إلا الله تعالى فصار بذلك كاسم العلم في انه يجب تقديمه على صفته. وورد الاثر بذلك روى أبو سعيد الحذري عن النبي صلى الله عليه وآله ان عيسى بن مريم قال: الرحمن رحمن الدنيا والرحيم رحيم الآخرة وروي عن بعض التابعين انه قال: الرحمن بجميع الخلق والرحيم بالمؤمنين خاصة ووجه عموم الرحمن بجميع الخلق هو انشاؤه اياهم وجعلهم احياء قادرين وخلقه فيهم الشهوات وتمكينهم من المشتهيات وتعريضهم بالتكليف لعظيم الثواب ووجه خصوص الرحيم بالمؤمنين، ما فعل الله تعالى بهم في الدنيا من الالطاف التي لم يفعلها بالكفار وما يفعله بهم في الآخرة من عظيم الثواب فهذا وجه الاختصاص وحكي عن عطاء أنه قال: الرحمن كان يختص الله تعالى به فلما تسمى مسيلمة بذلك صار الرحمن الرحيم مختصين به تعالى ولا يجتمعان لاحد وهذا الذي ذكره ليس بصحيح لان تسمى (1) مسيلمة بذلك لا يخرج الاسم من أن يكون مختصا به تعالى لان المراد بذلك استحقاق هذه الصفة وذلك لا يثبت لاحد كما أنهم سموا اصنامهم آلهة ولم يخرج بذلك من أن يكون الاله صفة يختص بالوصف به وقال بعضهم إن لفظة الرحمن ليست عربية، وانما هي ببعض اللغات كقوله تعالى " قسطاس " فانها بالرومية واستدل على ذلك بقوله تعالى: " قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا " (2) إنكارا منهم لهذا الاسم حكي ذلك عن تغلب والصحيح
* (الهامش) * " 1 " وفي نسخة تسمية " 2 " سورة الفرقان آية 6
[ 30 ]
انه معروف واشتقاقه من الرحمة على ما بينا قال الشنفري: ألا ضربت تلك الفتاة هجينها * ألا ضرب الرحمن ربي يمينها وقال سلامة بن جندل الطهوري: عجلتم عليه قد عجلنا عليكم * وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق وحكي عن ابي عبيدة انه قال: " رحمن: ذو رحمة ورحيم معناه انه راحم وكرر لضرب من التأكيد كما قالوا ندمان ونديم " وانما قدم اسم الله لانه الاسم الذي يختص به من يحق له العبادة وذكر بعده الصفة ولاجل ذلك اعرب باعرابه وبدأ بالرحمن لما بينا ان فيه المبالغة. وما روي عن ابن عباس من انهما اسمان رقيقان احدهما ارق من الآخر. فالرحمن الرقيق والرحيم العطاف على عباده بالرزق محمول على انه يعود عليهم بالفضل بعد الفضل وبالنعمة بعد النعمة لانه تعالى لا يوصف برقة القلب. ودلت هذه الآية على التوحيد لان وصفه بالرحمن يقتضي مبالغة في الوصف بالرحمة على وجه يعم جميع الخلق وذلك لا يقدر عليها غير الله القادر لنفسه وذلك لا يكون إلا واحدا ولان وصفه بالالهية يفيد انه تحق له العبادة وذلك لا يكون إلا للقادر للنفس وهي تدل على العدل لان وصفه بالرحمة التي وسعت كل شئ، يعم كل محتاج إلى الرحمة من مؤمن وكافر وطفل وبالغ من كل حي، وذلك يبطل قول المجبرة الذين قالوا ليس لله على الكافر نعمة ولانها صفة مدح تنافي وصفه بانه يخلق الكفر في الكافر ثم يعذبه عليه لان هذا صفة ذم. الحمد لله رب العالمين
الاعراب - اجمع القراء على ضم الدال من الحمد وكسر اللام الاولى من لله وكان يجوز أن يفتح الدال مع كسر اللام ويكسر الدال واللام (1) نكن لم يقرأ به إلا أهل البوادي ومن نصب فعلى المصدر ومن كسرهما اتبع كسرة الدال كسرة * (الهامش) * " 1 " وبضمهما
[ 31 ]
اللام ومن ضمهما اتبع ضم الدال بضمة اللام (1). ونصب الدال لغة في قريش والحارث بن اسامة بن لؤي وكسرها لغة في تمميم وغطفان وضمها لغة في ربيعة توهموا انه حرف واحد مثل الحلم وقوله: لله مخفوض بالاضافة ورب العالمين (2) مخفوض لانه نعت ويجوز نصبه على الحال والنداء وما قرئ به والعالمين مخفوض بالاضافة ونونها مفتوحة لانها نون الجمع فرقا بينها وبين نون التثنية وبعض قيس يحذف الالف التي قبل الهاء ويخلس الهاء ويشددها ويقصرها انشد بعضهم: ألا لا بارك الله في سهيل * إذا ما بارك الله في الرجال اختلس الاولى واشبع الثانية ويقرأ بهذا ومعنى الحمد لله الشكر لله خالصا دون سائر ما يعبد بما أنعم على عباده من ضروب النعم الدينية والدنياوية (3) وقال بعضهم: الحمد لله ثناء عليه باسمائه وصفاته وقوله الشكر لله ثناء على نعمه وأياديه، والاول أصح في اللغة، لان الحمد والشكر يوضع كل واحد منهما موضع صاحبه. ويقال أيضا: الحمد الله شكرا فنصب شكرا على المصدر، ولو لم يكن في معناه لما نصبه ودخول الالف واللام فيه لفائدة الاستيعاب، فكأنه قال جميع الحمد لله، لان التالي مخبر بذلك، ولو نصبه فقال حمدا لله أفاد أن القائل هو الحامد فحسب وليس ذلك المراد، ولذلك اجتمعت القراء على ضم الدال على ما بيناه، والتقدير: قوله الحمدلله. وإذا كان الحمد هو
الشكر، والشكر هو الاعتراف بالنعمة على ضرب من التعظيم فالمدح ليس من الشكر في شئ وانما هو القول المنبئ عن عظم حال الممدوح مع القصد إليه. وأما الرب فله معان في اللغة: فيسمى السيد المطاع ربا، قال لبيد بن ربيعة: فاهلكن يوما رب كندة وابنه * ورب معد بين خبت (4) وعرعر (5) * (الهامش) * " 1 " واتبع ضم اللام بضم الدال - لعله الاصح " 2 " العالمين زائدة " 3 " دنيوية والالف زائدة. لان الواو قلبت عنها " 4 و 5 " خبت وعرعر موضعان
[ 32 ]
يعني سيد كندة. ومنه قوله تعالى: " أما أحد كما فيسقي ربه خمرا " يعني سيده ويسمى الرجل المصلح ربا قال الفرزدق بن غالب: كانوا كسالئة (1) حمفاء إذ حقنت * سلائها في اديم غير مربوب يعني غير مصلح ومنه قيل فلان رب ضيعة إذا كان يحاول اتمامها والربانيون من هذا من حيث كانوا مدبرين لهم واشتق رب من التربية يقال ربيته وربيته بمعنى واحد والربى الشاة ولدت حديثا لانها تربى. وقوله (رب العالمين) أي المالك لتدبيرهم والمالك للشئ يسمى ربه ولا يطلق هذا الاسم إلا على الله وأما في غيره فبقيد فيقال: رب الدار ورب الضيعة وقيل انه مشتق من التربية ومنه قوله تعالى: (وربائبكم اللاتي في حجوركم) ومتى قيل في الله انه رب بمعنى انه سيد فهو من صفات ذاته. وإذا قيل بمعنى انه مدبر مصلح فهو من صفات الافعال والعالمين جمع عالم وعالم لا واحد له من لفظه كالرهط والجيش وغير ذلك والعالم في عرف اللغة عبارة عن الجماعة من العقلاء لانهم يقولون جاءني عالم من الناس ولا يقولون جاءني عالم من البقر وفي عرف الناس عبارة عن جميع المخلوقات
وقيل انه ايضا اسم لكل صنف من الاصناف وأهل كل زمن من كل صنف يسمى عاما ولذلك جمع وقيل عالمون لعالم كل زمان قال العجاج: فخندف (2) هامة هذا العالم وهذا قول اكثر المفسرين كابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة وغيرهم واشتقاقه من العلامة لانه علامة ودلالة على الصانع تعالى وقيل انه من العلم - على ما روى ابن عباس - قال هم صنف من الملائكة والانس والجن لانه يصح ان يكون كل صنف منهم عالما فان قيل كيف يجوزان يقول الحمد لله والقائل هو الله تعالى وان (3) كان يجب ان يقول الحمد لنا. قيل العالي الرتبة إذا خاطب من دونه لا يقول كما يقول للنظير ألا ترى ان السيد يقول لعبده الواجب ان تطيع سيدك ولا * (الهامش) * (1) سلا السمن: عالجه (2) لقب اولاد الياس بن مضر (3) وكان يجب
[ 33 ]
تعصيه، وكذلك يقول الاب لابنه يلزمك أن تبر أباك والمنة لابيك والخلفاء يكتبون عن انفسهم إن أمير المؤمنين رأى كيت وكيت ليقع ذلك موقع اجلال واكرام واعظام على انا قد بينا ان المراد بذلك: قولوا الحمد لله وحذف لدلالة الكلام عليه الرحمن الرحيم آية مخفوضان لانهما نعت لله وقد مضى معناهما (1) قوله مالك يوم الدين - آية القراءة -
قرأ عاصم والكسائي وخلف ويعقوب: ومالك بالالف. الباقون ملك بغير الف، ولم يمل أحد الف مالك وكسر جميعهم الكاف وروي عن الاعمش انه فتحها على النداء وربيعة بن نزار يخففون مالك ويسقطون الالف فيقولون: ملك بتسكين اللام وفتح الميم كما قال أبو النجم تمشي الملك عليه حلله والالف ساقط في الخط في القراءتين والمعول على الاولتين دون النصب وإسكان اللام ومعنى ملك يوم الدين باسقاط الالف أنه الملك يومئذ لا ملك غيره وأنه لا يؤتى في ذلك الوقت أحدا الملك كما اتاه في الدنيا، وقوى ذلك بقوله تعالى: " لمن الملك اليوم ؟ لله الواحد القهار " 2 " وبانه يطابق ما تقدم من قوله: " رب العالمين الرحمن الرحيم " ومن قرأ مالك بالف معناه انه مالك يوم الدين والحساب لا يملكه غيره ولا يليه سواه * (الهامش) * " 1 " في تفسير البسملة " 2 " سورة ابراهيم: آية 48
[ 34 ]
اللغة والمالك هو القادر على التصرف في ماله وأن يتصرف فيه على وجه ليس لاحد منعه منه ويوصف العاجز بأنه مالك من جهة الحكم والملك هو القادر الواسع القدرة الذي له السياسة والتدبير ويقال ملك بين الملك مضمومة الميم ومانك بين الملك والملك بفتح الميم وكسرها وضم الميم فيه لغة شاذة ذكرها أبو علي الفارسي. ويقال طالت مملكة الامير ومملكته بكسر اللام وفتحها وطال ملكه وملكه إذا طال رقه، واعطاني من ملكه وملكه ولي في هذا الوادي ملك وملك وملك ويقال نحن عبيد
مملكة وليس بعبيدقن اي سبيا لم يملك في الاصل ويقال: شهدنا املاك فلان وملكه ولا يقال ملاكه فأصل الملك الشد من قول الشاعر: ملكت بها كفي وانهرت (1) فقعها (2) اي شددت وملكت العجين اي شددت عجنه ويقال: هذا ملك فلان إذا كان له التصرف فيه على ما بيناه فأما من رجح قراءة ملك من حيث انه وصف نفسه بأنه ملك كل شئ بقوله " رب العالمين " فلا فائدة في تكرير ما قد مضى فقد ابعد لان في القرآن له نظائر تقدمها العام وذكر بعد العام الخاص: " اقرأ باسم ربك الذي خلق خلق الانسان من علق (3) " فعم في الاول ثم خص ذكر لانسان تنبيها على تأمل ما فيه من اتقان الصنعة ووجوه الحكمة كما قال: " وفي نفسكم افلا تبصرون ؟ (4) " ولذلك نظائر كثيرة وفي الناس من قال ان ملك ابلغ في المدح من مالك لان ملك مالك وليس كل مالك ملكا وقال تغلب: إن مالك ابلغ من ملك لانه قد يكون الملك على من لا يملك كما يقال ملك الروم وان كان لا يملكهم ولا يكون مالكا إلا * (الهامش) * " 1 " انهن وسع والصحيح فأنهرت " 2 " الصحيح فتقها قاله قيس بن الخطيم " 3 " سورة العلق آية 1 و 2 " 4 " سورة الذاريات آية 21
[ 35 ]
على ما يملك وقال بعضهم: ان مالك أبلغ في المدح للخالق من ملك وملك أبلغ في مدح المخلوقين من مالك لان مالك من المخلوقين قد يكون غير ملك وإذا كان الله تعالى مالكا كان ملكا والاقوى أن يكون مالك أبلغ في المدح فيه تعالى لانه ينفرد بالملك ويملك جميع الاشياء فكان أبلغ
وقوله تعالى: " يوم الدين " الاعراب - مجرور بالاضافة قي القراءتين معا، وهو من باب يا سارق الليلة أهل الدار اتسع في الظرف فنصب نصب المفعول به ثم اضيف على هذا الحد وليس ذلك مثل قوله: (وعنده علم الساعة) مفعول بها (1) على الحقيقة ولا أن جعل الظرف مفعولا على السعة لان الظرف إذا جعل مفعولا على السعة فمعناه معنى الظرف ولو جعل ظرفا لكان المعنى: يعلم في الساعة وذلك لا يجوز لانه تعالى يعلم في كل وقت والمعنى: انه يعلم الساعة أي يعرفها ومن نصب انما هرب ان يخرج من خطاب الغائب إلى المواجه في قوله " اياك نعبد واياك نستعين " وليس ذلك ببديع لانه مستعمل في القرآن وفى الشعر قال الله تعالى: " حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم " " 2 " فعدل عن خطاب المواجه إلى الكنانة عن الغائب وقال الشاعر: كذبتم وبيت الله لا تنكحونها * بني شاب قرناها تصر (3) وتحلب وقال أبو كثير الهلالي: يا لهف نفسي كان جدة خالد * وبياض وجهك للتراب الاعفر وقال لبيد بن ربيعة: قامت (4) تشكي الي النفس مجهشة (5) * وقد حملتك سبعا بعد سبعينا فرجع إلى مخاطبة نفسه وقد تقدم الاخبار عنها * (الهامش) * " 1 " به " 2 " سورة يونس: آية 22 " 3 " صر الناقة يصرها - بالضم - صراشد ضرعها - القاموس القرن: الضفيرة " 4 " باتت " 5 " موهنة - العقد الفريد مجهشة - لسان العرب
[ 36 ]
وقال الكسائي التقدير: قولوا اياك نعبد. فيكون على حكاية ما امروا به اللغة: والدين الحساب والدين الجزاء ايضا قال كعب بن جعيل: إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم فوق ما يقرضونا وقال آخر: واعلم وايقن ان ملكك زائل * واعلم بانك ما تدين تدان يعني: ما تجزي تجزى ومنه قوله تعالى: (كلا بل تكذبون بالدين) يعني بالجزاء وقوله: (فلو لا ان كنتم غير مدينين) أي غير مجزيين وبهذا قال جماعة من التابعين كسعيد بن جبير وقتادة وروي عن ابن عباس ومجاهد وابي جعفر: انه الحساب والدين ايضا الطاعة وقال عمرو بن كلثوم: وايام لنا غر طوال * عصينا الملك فيها ان ندينا والدين الملك قال زهير: لئن حللت بجو في بني أسد * في دين عمرو وحالت بيننا فدك والدين القهر والاستعلاء قال الاعشى: هو دان الرباب إذ كرهوا الدين دراكا بغزوة وصقال (1) يعني ذللهم للطاعة والدين العادة قال المثقب العبدي: تقول وقد درأت لها وضينى * أهذا دينه ابدا وديني التفسير (ويوم الدين) عبارة عن زمان الجزاء كله وليس المراد به ما بين المشرق والمغرب وطلوع الشمس إلى غروبها * (الهامش) * " 1 " وارتحال وفي مجمع البيان: وصيال
[ 37 ]
إياك نعبد وإياك نستعين - آية الاعراب إياك نصب بوقوع الفعل عليه وموضع الكاف في إياك خفض باضافة إيا إليها وإيا اسم للضمير المنصوب إلا انه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات نحو قوله: إياك ضربت وإياه ضربت وإياي ضربت ولو قلت: إيا زيد حدثت كان قبيحا لانه خص به المضمر وقد روى الخليل جوازه وهو قولهم: إذا بلغ الرجل الستين فاياه وإيا الشواب " 1 " وقال الاخفش لا موضع للكاف من الاعراب لانها حرف الخطاب وهو قول ابن السراج واختاره الرماني لان المضمر معرفة تمتنع من الاضافة كما تمتنع من الصفة وحملوا ما رواه الخليل على الشذوذ ولو قلت نعبد إياك لم يجز لانك تقدر على ضميرمتصل بان تقول نعبدك فلا يجوز ان تأتي بضمير منفصل ولانه لو أخر لكان قد قدم ذكر العابد على المعبود وليس بجيد ومن قال إن إياك بكماله اسم فقد أخطأ لانه لو كان كذلك لما اضيف كما حكيناه في قولهم إياه وإيا الشواب لانهم اجروا الهاء فيه مجرى الهاء في عصاه والنون مفتوحة من نعبده وقد روي يحيى بن وثاب، انه كان يكسرها وهي لغة هذيل يقولون نعلم وتعلم واعلم وتخاف وتقام وتنام فيكسرون أوائل هذه الحروف كلها ولا يكسرون الياء ولا في يستفعل ويفتعل فلا يقولون يبيض ويطمس - بكسر الياء - بل يفتحونها والدال والنون مرفوعان لان في أوله أحد الزوايد الاربع فاعربا المعنى واللغة: والعبادة ضرب من الشكر مع ضرب من الخضوع ولا تستحق إلا باصول
* (الهامش) * " 1 " امرأة شابة ونسوة شواب
[ 38 ]
النعم التي هي خلق الحياة والقدرة والشهوة وما يقدر من النعم لا يوازيه نعمة منعم فلذلك اختص الله بأن يعبد وان استحق بعضنا على بعض الشكر والعبادة في اللغة الذلة يقال هذا طريق معبد إذا كان مذللا بكثرة الوطئ وبعير معبد اي مذلل بالركوب وقيل اصله إذا طلي بالقطران وسمي العبد عبدا لذلته لمولاه ومن العرب من يقول: هياك فيبدل الالف هاء كما يقولون: هيه وايه ونستعين اي نطلب منك المعونة على طاعتك وعبادتك واصله نستعون لانه من المعونة فقلبت الواو ياء لثقل الكسرة عليها ونقلت كسرتها إلى العين قبلها وبقيت الياء ساكنة والتقدير في اول السورة إلى ههنا اي قل يا محمد هذا الحمد وهذا كما قال: " ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رؤوسهم عند ربهم ربنا ابصرنا " 1 " اي: يقولون ربنا وكما قال: " والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم " اي: يقولون سلام عليكم وحمزة والكسائي إذا وقفا اشما الدال الرفع وكذلك في سائر القرآن فاما إذا وقفا على النصب تخير الكسائي الاشمام وتركه اجود ومن استدل بهذه الآية على أن القدرة مع الفعل من حيث إن القدرة لو كانت متقدمه لما كان لطلب المعونة وجه إذا كان الله قد فعلها فيه فقد اخطأ لان الرغبة في ذلك تحتمل امرين: احدهما - ان يسأل الله تعالى من الطافه وما يقوي دواعيه ويسهل الفعل عليه ما ليس بحاصل ومتى لطف له بأن يعلمه أن له في عاقبة الثواب العظيم والمنازل الجليلة زاد ذلك في نشاطه ورغبته والثاني - ان يطلب بقاء كونه قادرا على طاعاته المستقبلة بأن يجدد له القدرة حالا بعد حال عند من لا يقول ببقائها اولا يفعل ما يضادها وينفيها عند
من قال ببقائها فان قيل هلا قدم طلب المعونة على فعل العبادة لان العبادة لا تتم إلا بتقدم المعونة اولا ؟ قيل: في الناس من قال المراد به التقديم والتأخير فكأنه قال: اياك نستعين واياك نعبد ومنهم من قال: ليس يتغير بذلك المعنى كما إن * (الهامش) * " 1 " سورة الم السجدة آية 12 (*)
[ 39 ]
القائل إذا قال احسنت الي فقضيت حاجتي أو قضيت حاجتي فأحسنت الي فان في الحالين المعنى واحد قال قوم انهم سألوا لمعونة على عبادة مستأنفة لاعلى عبادة واقعة منهم وانما حسن طلب المعونة وان كان لابد منها مع التكليف على وجه الانقطاع إليه كما قال: " رب احكم بالحق " ولانه قد لا يكون في ادامته التكليف اللطف ولا في فعل المعونة به الا بعد تقدم الدعاء من العبد وانما كرر اياك لان الكاف التي فيها هي كاف الضمير التي كانت تكون بعد الفعل في قوله نعبدك فلما قدمت زيد عليها أبا لان الاسم إذا انفرد لا يمكن ان يكون على حرف واحد فقيل اياك ولما كانت الكاف يلزم تكرارها لو كرر الفعل وجب مثل ذلك في اياك الا ترى انه لو قال نعبدك ونستعينك ونستهديك لم يكن بدمن تكرير الكاف وكذلك لو قدم فقيل اياك نعبد واياك نستعين وفيه تعليم لنا ان نجدد ذكره عند كل حاجة ومن قال انه يجري مجرى قول عدي بن زيد العبادي: وجاعل الشمس مصرا (1) لا خفاء به * بين النهار وبين الليل قد فصلا وكقول اعشى همدان: بين الاشج وبين قيس باذخ * بخ بخ لوالده وللمولود فكرر لفظ بين فقد اخطأ لان في البيتين لو لم تكرر بين لكان الفعل مستحيلا الا ترى انه لو قال الشمس قد فصلت بين النهار لم يكن كلاما صحيحا وكذلك البيت الآخر وليس كذلك الآية لانه لو قال اياك نعبد وسكت لكان مستقلا بنفسه
ولهذا طعن به بعض المفسرين وعندي ان هذا ليس بطعن، لانه مغالطة لانه لو قال بين النهار والليل لكان كلاما صحيحا وانما كرر بين وكذلك لو قال اياك نعبد ونستعين كان كلاما صحيحا وانما كرر اياك تأكيدا والعلة ما ذكرناه اولا * (الهامش) * " 1 " المصر: الحاجز
[ 40 ]
قوله: إهدنا الصراط المستقيم آية - القراءة: قرأ ابن كثير في رواية ابن مجاهد عن قنبل والكسائي من طريق ابن حمدون ويعقوب من طريق رويس " 1 " بالسين وكذلك في سراط في جميع القرآن الباقون بالصاد واشم الصاد زايا حمزة في الموضوعين خاصة في رواية علي بن سالم وفي رواية الدوري وخلاد اشمامها الزاي ما كان فيه الف ولام واما الصاد إذا سكنت وكان بعدها دال نحو: يصدر وفاصدع ويصدفون فاشم الصاد الزاي حيث وقع حمزة والكسائي وخلف ورويس الاعراب (اهدنا): مبني على الوقف لانه امر والهمزة مكسورة لان ثالث المضارع منه مكسور في نحو يهدي وموضع النون والالف من اهدنا نصب لانه مفعول به الصراط منصوب لانه مفعول ثان فمن قرأ بالسين فلانه الاصل من غير سبب يمنع منه ومن قرأ باشمام الزاي فللمؤاخاة بين السين والطاء بحرف مجهور من مخرج السين وهو الزاء من غير ابطال للاصل ومن قرأ بالصاد بين الصاد والطاء بالاستعلاء والاطباق والقراءة بالصاد احسن لان فيها جمعا بين المتشاكلين في المسموع اللغة والتفسير ومعنى اهدنا يحتمل امرين:
احدهما - ارشدنا كما قال طرفة للفتى عقل يعيش به * حيث يهدي ساقه قدمه والثاني - وفقنا كما قال الشاعر: فلا تعجلن هداك المليك * فان لكل مقام مقالا أي وفقك والاية تدل على بطلان قول من يقول: لا يجوز الدعاء بأن يفعل الله ما يعلم أنه يفعله لانه عبث لان النبي صلى الله عليه وآله كان عالما بأن الله يهديه الصراط * (الهامش) * " 1 " الصحيح: أويس
[ 41 ]
المستقيم وانه قد فعل ومع ذلك كان يدعو به وقد تكون الهداية بمعنى أن يفعل بهم اللطف الذي يدعوهم إلى فعل الطاعة والهدى يكون ايضا بمعنى العلم لصاحبه لانه مهتد على وجه المدح والهدى يكون ان يهديه إلى طريق الجنة كما قال الله تعالى: " وقالوا الحمد لله الذي هدانا لهذا " وأصل الهداية في اللغة الدلالة على طريق الرشد فان قيل: ما معنى المسأله في ذلك وقد هداهم الله الصراط المستقيم ومعلوم أن الله تعالى يفعل بهم ما هو أصلح لهم في دينهم ؟ قيل: يجوز أن يكون ذلك عبادة وانقطاعا إليه تعالى كما قال: " رب احكم بالحق " وإن علمنا أنه لا يحكم إلا بالحق ويكون لنا في ذلك مصلحة كسائر العبادات وكما تعبدنا بأن نكرر تسبيحه وتحميده والاقرار بتوحيده ولرسوله بالصدق وإن كنا معتقدين لجميع ذلك ويجوز أن يكون المراد بذلك الزيادة في الالطاف كما قال تعالى: " والذين اهتدوا زدناهم هدى " " 1 " وقال: " يهدي به الله من اتبع رضوانه " 2 " ويجوز أن يكون الله تعالى يعلم أن أشياء كثيرة تكون أصلح لنا وأنفع لنا إذا سألناه وإذا لم
نسأله لا يكون ذلك مصلحة وكان ذلك وجها في حسن المصلحة ويجوز أن يكون المراد استمرار التكليف والتعريض للثواب لان إدامته ليست بواجبة بل هو تفضل محض جاز أن يرغب فيه بالدعاء ويلزم المخالف أن يقال له: إذا كان الله تعالى قد علم أنه يفعل ذلك لا محالة فما معنى سؤاله ما علم أنه يفعله فما أجابوا به فهو جوابنا والصراط المستقيم هو الدين الحق الذي أمر الله به من توحيده وعد له وولاية من أوجب طاعته قال جرير: أمير المؤمنين على صراط * إذا اعوج الموارد مستقيم أي على طريق واضح وقال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " سورة الكهف آية 13 " 2 " سورة المائدة آية 18
[ 42 ]
فصد عن نهج السراط الواضح وقيل: إنه مشتق من " مسترط " الطعام وهو ممره في الحلق الصاد لغة قريش وهي اللغة الجيدة " وعامة العرب يجعلونها سينا والزاي لغة لعذرة وكعب وبني القين يقولون: أزدق فيجعلونها زايا إذا سكنت وأهل الحجاز يؤنثون الصراط كالطريق والسبيل والزقاق والسوق. وبنو تميم يذكرون هذا كله وأصل الاستقامة التقويم والاستواء في جهة الانتصار وهو ضد الاعوجاج فمنه القيام والتقويم والتقوم ومنه المقاومة لانه بمنزلة المماثلة بما هو كالاستواء وتقاوموا في الامر إذا تماثلوا والاستقامة المرور في جهة واحدة وقيل في معنى قوله: " الصراط المستقيم " وجوه: أحدها - إنه كتاب الله وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وعن علي عليه السلام
وابن مسعود والثاني - انه الاسلام حكي ذلك عن جابر وابن عباس والثالث - انه دين الله عزوجل الذي لا يقبل من العباد غيره والرابع - انه النبي صلى الله عليه وآله والائمة (ع) القائمون مقامه صلوات الله عليهم وهو المروي في أخبارنا التفسير والاولى حمل الاية على عمومها لانا إذا حملناها على العموم دخل جميع ذلك فيه فالتخصيص لا معنى له قوله تعالى: صراط الذين أنعمت عليهم آية - المعنى: معناه بيان الصراط المستقيم إذا كان كل طريق من طرق الحق صراطا مستقيما والمعنى صراط من أنعمت عليهم بطاعتك
[ 43 ]
القراءة وقرأ حمزء بضم الهاء من ذلك: وفي أيديهم " وإليهم " حيث وقع وروى الدوري عنه بضم الهاء في قوله: " فعليهم غضب من الله " 1 " وقرأ يعقوب بضم كل هاء قبلها ياء ساكنة في التثنية وجمع المذكر والمؤنث نحو: " عليهما " وفيهما " عليهن " و " فيهن " وضم ميم الجمع ووصلها بواو في اللفظ ابن كثير وأبو جعفر وعن نافع فيه خلاف كثير وعن غيره لا نطول بذكره وهو مذكور في كتب القراءات فمن قرأ بكسر الهاء وإسكان الميم قال: إنه أمن من اللبس إذا كانت الالف في التثنية قد دلت على الاثنين ولاميم في الواحد فلما لزمت الميم الجمع حذفوا الواو
وأسكنوا الميم طلبا للتخفيف وحجة من قرأ " عليهم " انهم قالوا ضم الهاء هو الاصل لان الهاء إذا انفردت من حرف متصل بها قيل: " هم فعلوا " ومن ضم الميم إذا لقيها ساكن بعد الهاء مكسورة قال: لما احتجت إلى الحركة رددت الحرف إلى أصله فضممت وتركت الهاء على كسرتها لانه لم تأت ضرورة تحوج إلى ردها إلى الاصل ومن كسر الميم فالساكن الذي لفيها والهاء مكسورة ثم اتبع الكسرة الكسرة الاعراب (والذين) في موضع جر بالاضافة ولا يقال في الرفع (اللذون) لانه إسم ليس يتمكن وقد حكي اللذون شاذا كما قيل الشياطون وذلك في حال الرفع ولا يقرأ به وقرأ صراط من أنعمت عليهم: عمر بن الخطاب وعبد الله بن زبير وروي ذلك عن أهل البيت عليهم السلام والمشهور الاول والنعمة التي أنعم بها على المذكورين وإن لم تذكر في اللفظ فالكلام بدل عليها لا لما قال: إهدنا الصراط المستقيم وبينا المراد بذلك ثم بين أن هذا صراط من أنعمت عليهم بها فلم يحتج إلى إعادة اللفظ كما قال النابغة الذبياني: كأنك من جمال بني أقيش * يقعقع خلف رجليه بشن " 1 " * (الهامش) * " 6 " سورة النحل آية 106 " 4 " الشن والشنة: القرية
[ 44 ]
لما قال جمال بني أقيش قال يقعقع ومعناه جمل يقعقع خلف رجليه ونظير ذلك كثيرا جدا قوله تعالى: غير المغضوب عليهم ولا الضالين الاعراب:
أجمع المفسرون والقراء على جر (غير) لانها نعت للذين وانما جاز أن تكون نعتا للذين والذين معرفة وغير نكرة لان الذين بصلتها ليست بالمعرفة كالاسماء المعية التي هي أعلام كزيد وعمرو وانما هي كالنكرات إذا عرفت كالرجل والبعير فلما كانت الذين كذلك كانت صفتها كذلك ايضا وجازان تكون نعتا للذين كما يقال لا أجلس إلا إلى العالم غير الجاهل ولو كانت بمنزلة الاعلام لما جاز كما لم يجز في قولهم: مررت بزيد غير الظريف فلا يجرها على انها نعت وان نصبتها في مثل هذا جاز على الحال ويحتمل ايضا ان تكون مجرورة لتكرير العامل الذي خفض الذين فكأنك قلت: صراط الذين انعمت عليهم صراط غير المغضوب عليهم ويتقارب معناهما لان الذين انعمت عليهم هم الذين لم يغضب عليهم وقرئ في الشواذ غير المغضوب عليهم بالنصب ووجههاان تكون صفة للهاء والميم اللتين في عليهم العائدة على الذين لانها وان خفضت بعلى فهي موضع نصب بوقوع الانعام عليها ويجوز ان يكون نصبا على الحال وقال الاخفش والزجاج: انها نصب على وجه الاستثناء من معاني صفة الذين أنعمت عليهم وتقديره: إهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم إلا المغضوب عليهم الذين لم تنعم عليهم في اديانهم فلا تجعلنا منهم ويكون استثناء من غير جنس كما قال النابغة للذبياني: وقفت فيها أصيلا لا اسائلها " 1 " * أعيت جوابا وما بالربع من أحد * (الهامش) * " 1 " الصحيح كي اسائلها وفي نسخة: اصيلانا اسائلها
[ 45 ]
إلا الاواري " 1 " لايا ما ابينها * والنؤي " 2 " كالحوض بالمظلومة " 3 " الجلد وقال الفراء: وتغلب هذا خطأ لانه لو كان كذلك لما قال: ولا الضالين لان لا نفي وجحد ولا يعطف على جحد إلا بجحد ولا يعطف بالجحد على الاستثناء وانما يعطف بالاستثناء على استثناء وبالجحد على الجحد يقولون قام القوم إلا أخاك وإلا
أباك ولا قام أخوك ولا أبوك ولا يقولون ما قام القوم إلا أخاك ولا أباك فعلى هذا تكون (غير) بمعنى: لا فكأنه قال لا المغضوب عليهم ولا الضالين قال الرماني: من نصب على الاستثناء جعل لاصلة كما انشد أبو عبيدة في بئر لا حور سرى وما شعر (4) أي في بئر هلكة (والمغضوب عليهم) هم اليهود عند جميع المفسرين الخاص والعام لانه تعالى قد أخبر انه غضب عليهم وجعل فيهم القردة والخنازير (ولا الضالين) هم النصارى لانه قال: (وضلوا عن سواء السبيل) " 5 " وقال (لعن الذين كفروا) يعني النصارى وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وقال بعضهم لا: زائدة تقديره: غير المغضوب عليهم والضالين كما قال: (ما منعك ان لا تسجد) " 6 " أي معناه أن تسجد قال أبو النجم: فما ألوم البيض ألا تسخرا * لما رأين الشمط القفندرا " 7 " يعني أن تسخر وتكون غير بمعنى سوى وقد بينا ضعف هذا عند الكوفيين لما مضى، ولانه انما يجوز ذلك إذا تقدمه نفي كقول الشاعر: ما كان يرضى رسول الله فعلهم * والطيبان أبو بكر ولاعمر * (الهامش) * " 1 " ج آري محابس الخيل " 2 " حفرة حول الخيمة تمنع من تسرب الماء إليها " 3 " الارض التي لم تحفر قط وحفرت " 4 " أي بئر هلكة " 5 " سورة المائدة آية: 80 " 6 " سورة الاعراف آية 11 " 7 " الشمط: الشيب والقفندر: الصغير الرأس القبيح المنظر
[ 46 ]
واما الغضب من الله فهو ارادة العقاب المستحق بهم ولعنهم وبراءته منهم واصل الغضب الشدة ومنه الغضبة الصخرة الصلبة الشديدة المركبة في الجبل المخالفة له ورجل غضوب شديد الغضب والغضوب الحية الخبيثة لشدتها والغضوب الناقة العبوس واصل الضلال الهلاك ومنه قوله (إذا ضللنا في الارض) أي هلكنا ومنه قوله تعالى (واضل اعمالهم) أي أهلكها والضلال في الدين الذهاب عن الحق والاضلال الدعاء إلى الضلال والحمل عليه ومنه قوله تعالى: " واضلهم السامري " " 1 " والاضلال الاخذ بالعاصين إلى النار والاضلال الحكم بالضلال والاضلال التحيير بالضلال بالتشكيك لتعدل عنه واليهود - وان كانوا ضلالا - والنصارى - وان كانوا مغضوبا عليهم فانما خص الله تعالى كل فريق منهم بسمة يعرف بها ويميز بينه وبين غيره بها وان كانوا مشتركين في صفات كثيرة وقيل انه أراد (بالمغضوب عليهم ولا الضالين) جميع الكفار وانما ذكروا بالصفتين لاختلاف الفائدتين وروى جابر ابن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بيني وبين عبدي فله ما سأل فإذا قال العبد الحمد لله رب العالمين قال حمدني عبدي وإذا قال الرحمن الرحيم قال اثنى علي عبدي وإذا قال مالك يوم الدين قال مجدني عبدي ثم قال هذا لي وله ما بقي) ولا يجوز عندنا ان يقول القارئ عند خاتمة الحمد: آمين فان قال ذلك في الصلاة متعمدا بطلت صلاته لانه كلام لا يتعلق بالصلاة ولانه كلام لا يستقل بنفسه وانما يفيد إذا كان تأمينا على ما نقدم ومتى قصد بما تقدم الدعاء لم يكن تاليا للقرآن فتبطل صلاته وان قصد التلاوة لا يكون داعيا فلا يصح التأمين وان قصدهما فعند كثير من الاصوليين ان المعنيين المختلفين لا يصح ان يردا بلفظ واحد ومن اجاز ذلك - وهو الصحيح - منع منه لقيام الدلالة على المنع من ذلك
فلاجل ذلك لم يجز * (الهامش) * " 1 " سورة طه آية: 85
[ 47 ]
(سورة البقرة) وهي مائتان وست وثمانون آية في الكوفي وسبع بصري وخمس مدني وروي أن قوله: واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله - نزلت في حجة الوداع آلم آية عند الكوفيين المعنى: - واختلف العلماء في معنى أوائل هذه السور مثل (آلم) و (المص) و (كهيعص) و (طه) و (صاد) و (قاف) و (حم) وغير ذلك على وجوه فقال بعضهم انها إسم من أسماء القرآن ذهب إليه قتادة ومجاهد وابن جريح وقال بعضهم هي فواتح يفتح بها القرآن روي ذلك عن مجاهد أيضا واختاره البلخي وفائدتها أن يعلم ابتداء السورة وانقضاء ما قبلها وذلك معروف في كلام العرب وأنشد بعضهم بل وبلدة ما الانس من أهلها " 1 " ويقول آخر بل ما هيج أحزانا وشجوا قد شجا وقوله (بل) ليس من الشعر وانما أراد أن يعلم أنه قطع كلامه وأخذ في غيره وأنه مبتدأ الذي أخذ فيه غير ناسق له على قبله وقال بعضهم هي اسم للسورة روي ذلك عن زيد بن أسلم والحسن وقال بعضهم هي اسم الله الاعظم وروي ذلك عن السدي اسماعيل وعن الشعبي وقال بعضهم هي قسم اقسم الله به وهي من اسمائه وروي ذلك عن ابن عباس وعكرمة وقال قوم هي حروف مقطعة من اسماء واقعا كل حرف من ذلك بمعنى غير معنى الحرف الاخر يعرفه النبي صلى الله عليه وآله نحو قال الشاعر
نادوهم أن ألجموا ألاتا * قالوا جميعا كلهم ألافا * (الهامش) * " 1 " في اللسان وفي تفسير الطبري (اهالها)
[ 48 ]
يريد ألا تركبون قالوا ألا فاركبوا وقال آخر: قلنا لها قفي فقالت قاف بمعنى قالت انا واقفه روى ذلك أبو الضحى عن ابن عباس وعن ابن مسعود وجماعة من الصحابة وقال بعضهم هي حروف هجاء موضوعة روي ذلك عن مجاهد وقال بعضهم هي حروف هجاء يشتمل كل حرف على معان مختلفة روي ذلك عن أنس واختاره الطبري وقال بعضهم هي حروف من حساب الجمل وقال بعضهم لكل كتاب سر وسر القرآن في فواتحه هذه أقوال المفسرين فاما أهل اللغة فانهم اختلفوا فقال بعضهم هي حروف المعجم استغني بذكر ما ذكر منها في أوائل السور عن ذكر بواقيها التي هي تمام ثمانية وعشرين حرفا كما يستغنى بذكر أب ت ث عن ذكر الباقي وبذكر قفانبك عن ذكر باقي القصيدة قالوا ولذلك رفع ذلك الكتاب لان معناه عن الالف واللام والميم من الحروف المقطعة وقوله ذلك الكتاب الذي أنزلته اليك مجموعا لا ريب فيه كما قالوا في أبي جاد أب ت ث ولم يذكروا باقي الحروف وقال راجز بني أسد: لما رأيت أمرها في حطي * أخذت منها بقرون شمط فاراد الخبر عن المرأة بانها من أبي جاد فاقام قوله في حطي مقامه لدلالة الكلام عليه وقال آخرون بل ابتدئت بذلك أوائل السور ليفتح لاستماعه أسماع المشركين إذ تواصوا بالاعراض عن القرآن حتى إذا استمعوا له تلا عليهم آلم وقال بعضهم الحروف التي هي اوائل السور حروف يفتتح الله بها كلامه وقال أبو مسلم: المراد بذلك ان هذا القرآن الذى عجزتم عن معارضته ولم تقدروا على الاتيان بمثله
هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا انه من فعل الله وانما كررت في مواضع استظهارا في الحجة وحكي ذلك عن قطرب وروي في اخبارنا ان ذلك من المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله واختاره الحسين بن علي المغربي واحسن الوجوه التي قبلت قول من قال: انها اسماء للسور خص الله تعالى بها بعض السور بتلك كما قيل للمعوذتين:
[ 49 ]
المقشقشتان أي تبرءان من النفاق وكما سميت الحمد أم القرآن وفاتحة الكتاب ولا يلزم أن لا تشترك سورتان أو ثلاث في إسم واحد وذلك أنه كما يشترك جماعة من الناس في إسم واحد فإذا اريد التمييز زيد في صفته وكذلك إذا أرادوا تمييز السورة قالوا: الم ذلك الم الله الم وغير ذلك وليس لاحد أن يقول: كيف تكون أسماء للسور والاسم غير المسمى فكان يجب ألا تكون هذه الحروف من السورة وذلك خلاف الاجماع قيل: لا يمتنع أن يسمى الشئ ببعض ما فيه ألا ترى انهم قالوا: البقرة وآل عمران والنساء والمائدة ولا خلاف انها اسماء للسور وان كانت بعضا للسور ومن فرق بين الاشخاص وغيرها في هذا المعنى: فاوجب في الاشخاص أن يكون الاسم غير المسمى ولم يوجب في غيرها فقد أبعد لانه لا فرق بين الموضعين على ما مضى القول فيه ولا يلزم أن تسمى كل سورة بمثل ذلك لان المصلحة في ذلك معتبرة وقد سمى الله كل سورة بتسمية تخصها وإن لم تكن من هذا الجنس كما انه لما سمى الحمد باسمائها لم يلزم ذلك في كل سورة وقيل انها أوائل أسماء يعلم النبي صلى الله عليه وآله تمامها والغرض بها نحو ما رويناه عن ابن عباس كما قال الشاعر: سألتها الوصل فقالت: قاف
يعني: وقفت وقال آخر: بالخير خيرات وإن شرافا يريد: فشرا وقال آخر: ولا أريد الشر إلا أن تا يعني: إلا أن تشاء وقال آخر: ما للظليم " 1 " عال " 2 " كيف لا يا * ينقد عنه جلده إذا يا * (الهامش) * " 1 " الظليم: ذكر النعام " 2 " عال: دعاء عليه من قولهم: عال عوله أي ثكلته أمه فاختصر في الطبعة الايرانية " غال " بدل " عال " و " ينقل " بدل " ينقد " و " جلد " بدل " جلده " والصحيح ما ذكرناه
[ 50 ]
أي: إذا يفزع فعلى هذا يحتمل ان يكون الالف: انا واللام: الله والميم: اعلم وكذلك القول في لحروف وعلى هذا لا موضع (لالف لام ميم) من الاعراب وعلى قول من قال انها اسماء السور موضعها الرفع كأنه قال هذه الم أو يكون ابتداءه ويكون خبره ذلك الكتاب واجمع النحويون على ان هذه الحروف وجميع حروف الهجاء مبنية على الوقف لا تعرب كما بني العدد على الوقف ولاجل ذلك جاز ان يجمع بين ساكنين كما جاز ذلك في العدد تقول واحد اثنان ثلاثة اربعة فتقطع الف اثنين وهي الف وصل وتذكر الهاء في ثلاثة واربعة فلو لم تنو الوقف لقلت ثلاث بالثاء وحكي عن عاصم في الشواذ وغيره آلم الله بقطع الهمزة الباقون بفتح الميم وقالوا فتح الميم لا لتقاء الساكنين وقال قوم: لانه نقل حركة الهمزة إليه واختار أبو علي الاول لان همزة الوصل تسقط في الوصل فلا يبقى هناك حركة تنقل وانشد في نقل حركة همزة الوصل قول الشاعر
اقبلت من " 1 " عند زياد كالخرف * تخط رجلاي بخط مختلف فيكتبان في الطريق لام الف ومتى أجريتها مجرى الاسماء لا الحكاية واخبرت عنها قلت: هذه كاف حسنة وهذا كاف حسن وكذلك باقي الحروف فتذكر وتؤنث فمن أنث قصد الكلمة ومن ذكر قصد الحرف فأما إعراب: ابي جاد هواز وحطي وكلمن فزعم سيبويه انها مصر وفات تقول: علمت ابا جاد ونفعني أبو جاد وانتفعت بأبي جاد وكذلك هواز وهواز وهوازا وحطيا وحطي وحطي وأما كلمن وسعفص وقرشيات فأعجميات تقول: هذه كلمن وتعلمت كلمن وانتفعت بكلمن وكذلك سعفص وقرشيات اسم للجمع مصروفة لاجل الالف والتاء وأما معنى ابي جاد فقال الضحاك: انها اسماء الايام الستة التي خلق الله تعالى فيها الدنيا وقال الشعبي: انها أسماء ملوك مدين وانشد: * (الهامش) * قي الطبعة الايرانية " عن " والصحيح ما ذكرنا
[ 51 ]
ألا يا شعيب قد نطقت مقالة * سببت بها عمروا وأوحى بني عمرو ملوك بي حطي وهواز منهم * وسعفص أهل للمكارم والفخر هم صبحوا أهل الحجاز بغارة * لميل شعاع الشمس أو مطلع الفجر وروي عن ابن عباس ان لابي جاد حديثا عجيبا ابي: آدم جد في اكل الشجرة " وهواز: فزل آدم فهوى من السماء إلى الارض واما حطي فحطت عنه خطيئته واما كلمن فأكل من الشجرة ومن عليه بالتوبة وسعفص: وعصى آدم فاخرج من النعيم إلى الكبد " 1 " وقرشيات: اقر بالذنب فسلم من العقوبة وهذا خبر ضعيف يتضمن وصف آدم وهو نبي بما لا يليق به وقال قوم: انها حروف من أسماء الله وروي ذلك عن معاوية بن قرة عن
النبي صلى الله عليه وآله ذلك الكتاب هذه لفظة يشاربها إلى ما قرب وذلك إلى ما بعد وذاك إلى ما بينهما ويحتمل أن يكون معنى ذلك ههنا هذا على قول عكرمة وجماعة من أهل العربية كالاخفش وأبي عبيدة وغيرهما قال: أقول له والرمح يأطر " 2 " متنه * تأمل خفافا انني أنا ذلكا أي انني انا هذا وقال تعالى ذلك عالم الغيب والشهادة وهو موجود في الحال وانما جاز أن يستعمل هذا وهي اشارة إلى حاضر بمعنى ذلك وهي اشارة إلى غايب لانه كالحاضر عند الغايب ألا ترى ان الرجل يحدث حديثا فيقول السامع هذا كما قلت وربما قال ان ذلك كما قلت وانما جاز ذلك لقرب جوابه من كلام المخبر وكذلك لما قال تعالى (آلم) وذكرنا معنى ذلك قال لنبيه: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته ذلك الكتاب فلذلك حسن وضع ذلك في مكان هذا إلا أنه اشارة إلى ما مضى وقال قوم: ان معناه ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى كما قال الذين اتيناهم الكتاب * (الهامش) * " 1 " الكبد: الشدة " 2 " في الطبعة الايرانية (ناظر) والصحيح ما ذكرناه كما في الاغاني
[ 52 ]
يعرفونه كما يعرفون ابناءهم يعني: هذا ذلك الكتاب وقال قوم: انما اشار إلى ما كان نزل من القرآن بمكة من السور فقال ذلك والاول اقوى لانه اشبه باقوال المفسرين واما من حمل على انه اشار به إلى التوراة والانجيل فقد ابطل لانه وصفه بانه لا ريب فيه وانه هدى للمتقين وصف ما في ايديهم بانه مغير محرف في قوله: " يحرفون الكلم عن مواضعه " " 1 " قوله تعالى:
لا ريب فيه: القراءة - قرأ ابن كثير بوصل الهاء بياء في اللفظ وكذلك كل هاء كناية قبلها ياء ساكنة فان كان قبلها ساكن غير الياء وصلها بالواو ووافقه حفص في قوله: فيه مهانا ووافقه المنسى في قوله: واشركه في أمري ووافقه قتيبة في قوله: فملاقيه وسأصليه فمن كسر الهاء مع ان الاصل الضمة فلاجل الياء والكسرة اللتين قبلها والهاء تشبه الالف لانها من حروف الحلق ولما فيها من الخفاء: فكما نحوا بالالف نحو الياء بالامالة لاجل الكسرة والياء كذلك كسروا الهاء للكسرة والياء لتتجانس الصورتان وذلك حسن وتركوا الاشباع كراهية اجتماع المقاربة كما كرهوا اجتماع الامثال ومن أشبع وأتبعها الياء فان الهاء وإن كانت خفية فليس يخرجها ذلك من ان تكون كغيرها من حروف المعجم التي لا خفاء فيها نحو الراء والصاد وان الهاء والنون عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الراء والصاد وان كان في الراء تكرير وفي الصاد استطالة فإذا كان كذلك كان حجزها بين الساكنين كحجز غيرها من الحروف التي لا خفاء فيها المعنى: ومعنى لا ريب فيه أي لا شك فيه والريب الشك وهو قول ابن عباس ومجاهد وعطاء والسدي وغيرهم وقيل: هو أشد الشك وهو مصدر رابني الشئ * (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية 45
[ 53 ]
يريبني قال ساعدة بن جويه الهذلي: وقالوا تركن الحي قد حصروا به * فلا ريب ان قد كان ثم لحيم أي أطافوا به واللحيم القتيل يقال لحم إذا قتل والهاء فيه عائدة على الكتاب ويحتمل ان يكون لا ريب فيه خبرا والمعنى انه حق في نفسه ولا يكون المراد به
انه لا يقع فيه ريب لان من المعلوم أن الريب واقع فيه من الكفار وفي صحته ويجري ذلك مجرى الخبر إذا كان مخبره على ما هو به في أنه يكون صدقا وان كذبه قوم ولم يصدقوه ويحتمل أن يكون معناه الامر أي تيقنوه ولا ترتابوا فيه قوله تعالى: هدى للمتقين المعنى: معناه نور وضياء ودلالة للمتقين من الضلالة وانما خص المتقين بذلك وان كان هدى لغيرهم من حيث انهم هم الذين اهتدوا به وانتفعوا به كما قال: " انما تنذر من اتبع الذكر " " 1 " وان كان انذر من لم يتبع الذكر ويقول القائل: في هذا الامر موعظة لي اولك وان كان فيه موعظة لغيرهما ويقال هديت فلانا الطريق إذا ارشدته ودللته عليه أهديه هداية الاعراب: ويحتمل ان يكون منصوبا على الحال من الكتاب وتقديره ذلك الكتاب هاديا للمتقين وذلك يكون مرفوعا بآلم والكتاب نعت لذلك ويحتمل ان يكون حالا من الهاء في (فيه) كأنه قال: لا ريب فيه هاديا ويحتمل ان يكون رفعا من وجوه: أولها - ان يكون خبرا بعد خبر كأنه قال: هذا كتاب هدى أي قد جمع انه الكتاب الذي وعدوا به وانه هدى كما يقولون: هذا حلو حامض يريدون انه * (الهامش) * " 1 " سورة يس آية 11
[ 54 ]
قد جمع الطعمين ويحتمل ان يكون رفعا بانه خبر ابتداء محذوف وتقديره هو هدى لان الكلام الاول قد تم ويحتمل ان يكون رفعه على قولك ذلك
الكتاب لا ريب كأنك قلت: هذا الكتاب حق لان لا شك بمعنى حق ثم قال بعد ذلك فيه هدى للمتقين وهدى يذكر في جميع اللغات وحكي عن بعض بني اسد هذه هدى حسنة تدغم النون في اللام عند الاكثر (والمتقين) مجرور باللام والمتقي هو الذي يتقي بصالح اعماله عذاب الله مأخوذ من اتقاء المكروه بما يجعله حاجزا بينه وبينه كما قال أبو حية النميري: والقت قناعا دونه الشمس واتقت * باحسن موصولين كف ومعصم وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا ما حرم عليهم وفعلوا ما وجب عليهم وقيل ان المتقين هم الذين يرجون رحمة الله ويحذرون عقابه وقيل ان المتقين هم الذين اتقوا الشرك وبرئوا من النفاق وهذا الوجه ضعيف لانه يلزم عليه وصف الفاسق المتهتك بانه متق إذا كان بريا من الشرك والنفاق وأصل الاتقاء الحجز بين الشيئين ومنه اتقاه بالترس لانه جعله حاجزا بينه وبينه واتقاه بحق كذلك ومنه الوقاية لانها تحجز بين الرأس والاذى ومن التقية في اظهار خلاف الابطان والفرق بينه وبين النفاق: ان المنافق يظهر الخير ويبطن الشر والمتقي يظهر القبيح ويبطن الحسن ويقال وقاه يقيه وقاية وتوقاه توقيا قوله تعالى الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة ومما رزقناهم ينفقون آية بلا خلاف الذين في موضع خفض لانه نعت للمتقين ويجوز ان يكون رفعا على الابتداء (ويؤمنون) رفع لانه فعل مستقبل والواو والنون في موضع رفع لانه كناية عن الفاعل والنون الاخيرة مفتوحة لانها نون الجمع والصلاة نصب لانها مفعول به والايمان في اللغة هو التصديق منه قوله: وما انت بمؤمن لنا أي بمصدق لنا وقال: (يؤمنون بالجبت والطاغوت) " 1 " وكذلك هو في الشرع
* (الهامش) * " 1 " سورة النساء آية 50
[ 55 ]
عند أكثر المرجئة والمراد بذلك التصديق بجميع ما اوجب الله أو ندبه أو اباحة وهو المحكي عن ابن عباس في هذه الاية لانه قال: الذين يصدقون بالغيب وحكى الربيع بن انس انه قال: الذين يخشون بالغيب وقال: معناه يطيعون الله في السر والعلانية وقيل: إن الايمان مشتق من الامان والمؤمن من يؤمن نفسه من عذاب الله والله المؤمن لاوليائه من عذابه وذلك مروي في اخبارنا وقالت المعتزلة باجمعها: الايمان هو فعل الطاعة ومنهم من اعتبر فرائضها ونوافها ومنهم من اعتبر الواجب منها لا غير واعتبروا اجتناب الكبائر من جملتها وروي عن الرضا عليه السلام: ان الايمان هو التصديق بالقلب والعمل بالاركان والقول باللسان وقد بينا الاقوى من ذلك في كتاب الاصول واما (الغيب) فحكي عن ابن عباس انه قال: ما جاء من عند الله وقال جماعة من الصحابة كابن مسعود وغيره: ان الغيب ما غاب عن العباد علمه من امر الجنة والنار والارزاق والاعمال وغير ذلك وهو الاولى لانه عام ويدخل فيه ما رواه اصحابنا من زمان الغية ووقت خروج المهدي عليه السلام وقال قوم الغيب هو القرآن حكي ذلك عن زر بن جيش وذكر البلخي ان الغيب كل ما ادرك بالدلائل والآيات مما تلزم معرفته وقال الرماني: الغيب خفاء الشئ عن الحس قرب أو بعد إلا انه قد كثرت صفة الغائب على البعيد الذي لا يظهر للحس واصل الغيب من غاب يقولون: غاب فلان يغيب وليس الغيب ما غاب عن الادراك لان ما هو معلوم وان لم يكن مشاهدا لا يسمى غيبا والاولى ان تحمل الآية على عمومها في جميع من يؤمن بالغيب وقال قوم: انها متناولة لمؤمني العرب خاصة دون غيرهم من مؤمني أهل الكتاب قالوا بدلالة قوله فيما بعد
(والذين يؤمنون بما انزل اليك وما انزل من قبلك) قالوا ولم يكن للعرب كتاب قبل الكتاب الذي انزله الله على نبيه تدين بتصديقه وانما الكتاب لاهل الكتابين وهذا غير صحيح لانه لا يمنع أن تكون الاية الاولى عامة في جميع المؤمنين المصدقين بالغيب وإن كانت الاية الثانية خاصة في قوم لان تخصيص الثانية لا يقتضي
[ 56 ]
تخصيص الاولى وقال قوم: انهما مع الايتين اللتين بعدهما أربع آيات نزلت في مؤمني أهل الكتاب لانه ذكرهم في بعضها وقال قوم: ان الاربع آيات من أول السورة نزلت في جميع المؤمنين واثنتان نزلتا في نعت الكافرين وثلاثة عشر في المنافقين وهذا أقوى الوجوه لانه حمل على عمومه وحكي ذلك عن مجاهد وقوله: " يقيمون الصلاة " فاقامتها أداؤها بحدودها وفرائضها وواجباتها كما فرضت عليهم يقال: أقام القوم سوقهم إذا لم يعطلوها من البيع والشراء قال الشاعر: أقمنا لاهل العراقين سوق الضراب فخاموا وولوا جميعا وقال أبو مسلم محمد بن بحر: معنى (يقيمون الصلاة) يديمون أداء فرضها يقال للشئ الراتب قائم ولفاعله مقيم ومن ذلك: فلان يقيم أرزاق الجند وقيل انه مشتق من تقويم الشئ من قولهم: قام بالامر إذا أحكمه وحافظ عليه قيل انه مشتق مما فيه من القيام ولذلك قيل قد قامت الصلاة وأما الصلاة فهي الدعاء في اللغة، قال الشاعر: وقابلها الريح في دنها " 1 " * وصلى على دنها وارتسم أي دعا لها وقال الاعشى: لها حارس لا يبرح الدهر بيتها * فان ذبحت صلى عليها وزمزما " 2 " يعني دعا لها: وأصل الاشتقاق في الصلاة من اللزوم من قوله تصلى نارا
حامية والمصدر الصلا ومنه اصطلى بالنار إذا لزمها والمصلى الذي يحبئ في اثر السابق للزوم أثره ويقال للعظم الذي في العجز صلوا وهما صلوان فأما في الشرع ففي الناس من قال إنها تخصصت بالدعاء والذكر في موضع مخصوص ومنهم من قال وهو الصحيح انها في الشرع عبارة عن الركوع والسجود على وجه مخصوص وأركان واذ كار مخصوصة قيل انها سميت صلاة * (الهامش) * " 1 " وفي رواية: ظلها " 2 " الزمزمة: صوت بعيد له دوي
[ 57 ]
لان المصلي متعرض لا ستنجاح طلبته من ثواب الله ونعمه مع ما يسأل ربه فيها من حاجاته وأما الرزق فهو ماللحي الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد منعه منه وهذا لا يطلق إلا فيما هو حلال فأما الحرام فلا يكون رزقا لانه ممنوع منه بالنهي ولصاحبه أيضا منعه منه ولانه أيضا مدحهم بالانفاق مما رزقهم والمغصوب والحرام يستحق الذم على إنفاقه فلا يجوز أن يكون رزقا وقوله (ومما رزقناهم ينفقون) حكي عن ابن عباس انها الزكاة المفروضة يؤتيها احتسابا وحكي عن ابن مسعود أنها نفقة الرجل على أهله لان الاية نزلت قبل وجوب الزكاة وقال الضحاك: هو التطوع بالنفقة فيما قرب من الله والاولى حمل الاية على عمومها فيمن أخرج الزكاة الواجبة والنفقات الواجبة وتطوع بالخيرات وأصل الرزق الحظ لقوله: (وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون " " 1 ": أي حظكم وما جعله حظا لهم فهو رزقهم والانفاق أصله الاخراج ومنه قيل: نفقت الدابة إذا خرجت روحها
والنافقاء جحر اليربوع من ذلك لانه يخرج منها ومنه النفاق لانه يخرج إلى المؤمن بالايمان والى الكافر بالكفر قوله تعالى: والذين يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك وبالاخرة هم يوقنون - آية القراءة لا يمد القراء الالف من ما إلا حمزة فانه مدها وقد لحن في ذلك وكان * (الهامش) * " 1 " سورة الواقعة آية 82
[ 58 ]
يقف قبل الهمزة فيقرأ: وبالاخرة تسكينا على اللام شيئا ثم يبتدئ بالهمزة وكذلك الارض وشئ يقطع عند الياء من شئ كأنه يقف ثم يهمز وموضع (ما) خفض بالباء ويكره الوقف على (ما) لان الالف حرف منقوص التفسير وقال قتادة: " ما أنزل إليك " القرآن " وما أنزل من قبلك " الكتب الماضية وقد بينا أن الاولى حمل الايه على عمومها في المؤمنين وذكرنا الخلاف فيه والاخرة صفة الدار فحذف الموصوف قال الله تعالى: " وإن الدار الاخرة لهي الحيوان " (1) ووصفت بذلك لمصيرها آخرة لا ولى قبلها كما يقال: جئت مرة بعد أخرى ويجوز أن يكون سميت بذلك لتأخيرها عن الخلق كما سميت الدنيا دنيا لدنوها من الخلق وإيقانهم ما جحده المشركون من البعث والنشور والحساب والعقاب وروي ذلك عن ابن عباس والايقان بالشئ هو العلم به وسمي يقينا لحصول القطع عليه وسكون النفس إليه قوله تعالى:
أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون القراءة اولئك بهمزتين وفيهم من يخففهما وحمزة يمد اولئك واولئك اسم مبهم يصلح لكل حاضر تعرفه الاشارة كقولك ذاك في الواحد وأولاء جمع ذاك في المعنى ومن قصر قال أولا وأولالك وإذا أمددته لم يجز زيادة اللام لئلا يجتمع ثقل الهمزة وثقل الزيادة وتقول: أولاء للقريب وها أولئك للبعيد وأولئك للمتوسط واضيف الهدى إلى الله لاحد الامرين: احدهما: لما فعل بهم من الدلالة على الهدى والايضاح له والدعاء إليه الثاني: لانه يثيب عليه فعلى هذا يضاف الايمان بأنه هداية من الله * (الهامش) * " 1 " سورة العنكبوت آية 64
[ 59 ]
(وهدى) في موضع خفض بعلى ومعنى (على هدى): أي على حق وخير بهداية الله إياهم ودعائه إلى ما قالوا به ومن قال: هم على نور واستقامة أو بيان ورشد فهو داخل تحت ما قلنا والاولى أن يكون ذلك عاما فيمن تقدم ذكره في الايتين ومن خص ذلك فقد ترك الظاهر لان فيهم من خصها بالمعنيين في الاية الاولى وفيهم من خصها بالمذكورين في الاية الثانية وقد بينا أن الجمع محمول على العموم وحملها على العموم في الفريقين محكي عن ابن عباس وابن مسعود (والمفلحون) هم المنجحون الذين أدركوا ما طلبوا من عند الله بأعمالهم وإيمانهم والفلاح: النجاح قال الشاعر: اعقلي إن كنت لما تعقلي * ولقد أفلح من كان عقل يعتي من ظفر بحاجته وأصاب خيرا وتقول أفلح يفلح إفلاحا وتقول فلح يفلح فلاحا وفلاحا والفلاح البقاء أيضا قال لبيد
نحل بلادا كلها حل قبلنا * ونرجو فلاحا " 1 " بعد عاد وحمير يعني البقاء وأصل الفلح القطع فكأنه قطع لهم بالخير ومنه قيل للاكار فلاحا لانه يشق الارض والفلاح المكاري لانه يقطع الارض قال الشاعر: إن الحديد بالحديد يفلح وفى اولئك لغات: فلغة أهل الحجاز: أوليك بالياء وأهل نجد وقيس وربيعة وأسد يقولون: اولئك بهمز وبعض بني سعيد من بني تميم يقولون: الاك مشددة وبعضهم يقول: الالك قال الشاعر: ألا لك قوم لم يكونوا أشابة " 2 " * وهل يعظ الضليل إلا ألالكا وهم دخلت للفصل قوله تعالى إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون: آية النزول - نزلت في أبي جهل وفي خمسة من قومه من قادة الاحزاب قتلوا يوم بدر في قول الربيع بن أنس واختاره البلخي والمغربي وقال ابن عباس: نزلت في قوم * (الهامش) * " 1 " وفي نسخة (الفلاح) " 2 " الاشابة من الناس الاخلاط
[ 60 ]
باعيانهم من أحبار اليهود ذكرهم باعيانهم من اليهود الذين حول المدينة وقال قوم: نزلت في مشركي العرب واختار الطبري قول ابن عباس والذي نقوله إنه لابد أن تكون الاية مخصوصة لان حملها على العموم غير ممكن لانا علمنا أن في الكفار من يؤمن فلا يمكن العموم وأما القطع على واحد مما قالوه فلا دليل عليه ويجب تجويز كل واحد من هذه الاقوال ومن مات منهم على كفره يقطع على أنه مراد بالاية فعلى هذه قادة الاحزاب مرادون على ما قال ربيع بن انس ومن قتل يوم بدر كذلك ومن قال ان الاية مخصوصة بكفار اهل الكتاب قال: لان ما تقدمها مختص بمؤمنيهم فيجب ان يكون ما يعقبها مختصا بكفارهم وقد
قلنا إن الاية الاولى حملها على عمومها اولى ولو كانت خاصة بهم لم يجب حمل هذه الاية على الخصوص لما تقدم فيما مضى والذين نصب بأن. والكفر هو الجحود والستر ولذلك سمي الليل كافرا لظلمته قال الشاعر: فتذكرا نقلا رشيدا بعد ما * القت ذكاء " 1 " يمينها في كافر وقال لبيد: في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطاها والكافور اكمام الكرم الذي يكون فيه والكفري وعاء الطلعة لانه يستر اللب ومنه قوله تعالى: (كمثل غيث أعجب الكفار نباته) " 2 " وسمي الزارع كافرا لتغطيته البذر ويقال فلان متكفر بالسلاح إذا تغطى به. وفي الشرع عبارة عمن جحد ما اوجب الله عليه معرفته من توحيده وعدله ومعرفة نبيه والاقرار بما جاء به من اركان الشرع فمن جحد شيئا من ذلك كان كافرا وربما تعلقت به احكام مخصوصة من منع الموارثة والمناكحة والمدافنة والصلاة عليه وربما لم يتعلق بحسب الدليل عليه قوله تعالى: (سواء عليهم ءأنذرتهم) جمع بين الهمزتين أهل الكوفة وابن عامر * (الهامش) * " 1 " وتصحيح البيت: ثقلا بدل نقلا ورثيدا بدل رشيدا ورثد المتاع وغيره فهو مرثود: وضع بعضه فوق بعض والثقل بيض النعام ذكاء: الشمس " 2 " سورة الحديد آية: 20
[ 61 ]
إلا الحلواني وكذلك في كل همزتين في كلمة واحدة إذا كانت الاولى للاستفهام إلا في مواضع مخصوصه نذكرها فيما بعد الباقون بتخفيف الاولى وتليين الثانية وفصل بينهما بالالف أهل المدينة إلا ورشا وابا عمرو والحلواني عن هشام ومعنى قوله (سواء) أي معتدل مأخوذ من التساوي كقولك متساو وتقول:
هذان الامران عندي سواء أي معتدلان ومنه قوله: (فانبذ إليهم على سواء) " 1 " يعني بذلك اعلمهم وآذنهم للحرب ليستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منكم للاخر ومعناه: أي الامرين كان منك إليهم الانذار أم ترك الانذار فانهم لا يؤمنون وقال عبد الله بن قيس الرقيات: تعدت بي الشهباء نحو ابن جعفر * سواء عليها ليلها ونهارها يعني بدلك عندها معتدل في السير الليل والنهار لانها لا فتور فيه ومنه قول الاخر: وليل يقول المرء من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعورها لان الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته وهذا لفظه لفظ الاستفهام ومعناه الخبر وله نظائر في القرآن كما تقول ما أبالي أقمت أم قعدت وانت مخبر لامستفهم لانه وقع موقع أي كأنك قلت لا أبالي أي الامرين كان منك وكذلك معنى الاية: سواء عليهم أي هذين منك إليهم حسن في موضعه سواء فعلت أم لم تفعل وقال بعض النحويين ان حرف الاستفهام انما دخل مع سواء وليس باستفهام لان المستفهم إذا استفهم غيره قال: أزيد عندك أم عمرو ويستفهم صاحبه ايهما عنده وليس احدهما احق بالاستفهام من الاخر فلما كان قوله: (سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم) بمعنى التسويه أشبه ذلك الاستفهام إذ شبهه بالتسوية وقال جرير: الستم خير من ركب المطايا * واندى العالمين بطون راح فهذا في صورة الاستفهام وهو خبر لانه لو أراد الاستفهام لما كان مدحا وقال آخر: * (الهامش) * " 1 " سورة الانفال آية 59
[ 62 ]
سواء عليه أي حين أتيته * أساعة نحس تتقى أم باسعد ولا يجوز أن تقع أو في مثل هذا مكان أم لان أم هي التي تعادل بها الهمزة لا أو والفرق بينهما ان أو يستفهم بها عند أحد الامرين هل حصل أم لا وهو لا يعلمها معا كقول القائل: أذن أو أقام ؟ إذ المراد تعلمهما فإذا علم واحدا منهما ولم يعلمه بعينه قال إذن أم اقام ؟ يستفهم عن تعيين أحدهما هذا في الاستفهام وفي الخبر تقول: لا أبالي أقمت أم قعدت أي هما عندي سواء ولا يجوز ان تقول لا أبالي أقمت أو قعدت لانك ليت بمستفهم من شئ وحكي عن عاصم الجحدري انه قرأ سواو بواو مضمومة لا بهمزة وهذا غلط لان العرب كلها تهمز ما بعده مده يقولون: كساء ورداء وهواء وجزاء وغير ذلك وأما الانذار فهو اعلام وتخويف وكل منذر معلم وليس كل معلم منذرا وقد سمى الله نفسه بذلك فقال: (انا انذرناكم عذابا قريبا) " 1 " لان الاعلام يجوز وصفه به والتخويف أيضا كذلك في قوله: (ذلك يخوف الله به عباده) فإذا جاز وصفه بالمعنيين جاز وصفه بلفظ يشتمل عليهما وانذرت فعل متعد إلى مفعولين كقوله تعالى: (انذرتكم صاعقة) (وانا انذرناكم عذابا قريبا) وقد ورد معدا بالباء في قوله تعالى: (قل انما انذركم بالوحي) " 2 " وقيل الانذار هو التحذير من مخوف يتسع زمانه الاحتراز فان لم يتسع زمانه للاحتراز كان اشعارا ولم يكن انذارا قال الشاعر: انذرت عمرا وهو في مهل * قبل الصباح فقد عصى عمرو فان قيل الذين علم الله منهم انهم لا يؤمنون هل كانوا قادرين على الايمان أم لا ؟ فان قلتم ما كانوا قادرين وقد كلفهم الله تعالى الايمان فقد كلفهم ما لا يقدرون عليه وهذا لا يجوز - وان كانوا قادرين - فقد قلتم: انهم كانوا قادرين
على تجهيل الله قلنا: هذا يلزم المخالف مثله فانه لا خلاف أنهم مأمورون * (الهامش) * " 1 " سورة النساء: آية 40 " 2 " سورة انبياء: آية 45
[ 63 ]
بالايمان فيقال لهم: انه لا يجب ذلك كما لا يجب إذا كانوا مأمورين بالايمان ان يكونوا مأمورين (بابطال ما علم الله) " 1 " أليس الله قد علم انه لا يقيم القيامة اليوم ؟ ايقولون: انه قادر على اقامتها أم لا ؟ فان قلتم: انه لا يقدر فقد عجزتم الله وان قلتم: انه يقدر فقد قلتم: انه يقدر على ان يجهل نفسه والجواب الصحيح عن ذلك: أن العلم يتناول الشئ على ما هو به ولا يجعله على ما هو به فليس يمتنع ان يعلم حصول شئ بعينه وان كان غيره مقدورا ألا ترى أن من خير بين الصدق والكذب وقد علم أن كل واحد منهما يقوم مقام صاحبه في باب الغرض وقد علم قد علم قبح الكذب وحسن الصدق لا يجوز أن يختار الكذب على الصدق - وان كان قادرا على الكذب - فبان بذلك صحة ما قلناه قوله تعالى ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم - آية القراءة - أجمع القراء السبعة على كسر الغين وضم التاء وروي عن بعض القراء فتح الغين وعن الحسن ضم الغين وحكي عن عاصم في الشواذ: غشاوة بنصب التاء ولا يقرأ بجميع ذلك التفسير (ختم الله على قلوبهم) أي شهد عليها بانها لا تقبل الحق يقول القائل: أراك تختم على كل ما يقولون فلان أي تشهد به وتصدقه وقد ختمت عليك
بانك لا تعلم أي شهدت وذلك استعارة وقيل ان ختم بمعنى طبع فيها أثرا للذنوب كالسمة والعلامة لتعرفها الملائكة فيتبرءوا منهم ولا يوالوهم ولا يستغفروا لهم مع استغفارهم للمؤمنين وقيل: المعنى في ذلك أنه ذمهم بانها كالمختوم عليها في انها لا يدخلها الايمان ولا يخرج عنها الكفر قال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " ما بين القوسين وضعه المصحح في الطبعة الايرانية
[ 64 ]
لقد أسمعت لو ناديت حيا * ولكن لا حياة لمن تنادي أي كأنه لا حياة فيه والختم آخر الشئ ومنه قوله تعالى: (ختامه مسك) " 1 " ومنه: خاتم النبيين أي آخرهم ومنه: ختم الكتاب لانه آخر حال الفراغ منه والختم الطبع والخاتم الطابع وما يختم الله على القلوب من السمة والعلامة التي ذكرناها ليست بمانعة من الايمان كما أن ختم الكتاب والظرف والوعاء لا يمنع من أخذ ما فيه وحكي عن مجاهد أنه قال: الرين أيسر من الطبع والطبع أيسر من الختم ومن الاقفال والقفل اشد من ذلك وقيل: إن قوله تعالى: (ختم الله) إخبار عن تكبرهم وإعراضهم عن الاستماع لما دعوا إليه من الحق كما يقال: فلان اصم عن هذا الكلام إذا امتنع عن سماعه ورفع نفسه عن تفهمه والغشاوة: الغطاء وفيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها وكذلك غشوة فيها ثلاث لغات ويقال: تغشاني السهم إذا تجلله وكل ما اشتمل على شئ مبني على فعالة كالعمامة والقلادة والعصابة وكذلك في الصناعة كالخياطة والقصارة والصباغة والنساجة غير ذلك وكذلك من استولى على شئ كالخلافة والامارة والاجارة وغير ذلك
قال أبو عبيدة: (وعلى سمعهم) معناه على اسماعهم ووضع الواحد موضع الجمع لانه اسم جنس كما قال: (يخرجكم طفلا) (2) يعني اطفالا ويجوزان يكون اراد موضع سمعهم فحذف لدلالة الكلام عليه ويجوز ان يكون اراد المصدر لانه يدل على القليل والكثير فمن رفع التاء قال: الكلام الاول قد تم عند قوله: (وعلى سمعهم) واستأنف: (وعلى أبصارهم غشاوة) وتقديره: وغشاوة على أبصارهم ومن نصب قدره يعني: جعل على أبصارهم غشاوة كما قال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " سورة المطففين: آية 26 " 2 " سورة الحج آية 5
[ 65 ]
علفتها تبنا وماء باردا وقال الآخر: متقلدا سيفا ورمحا لما دل الكلام الاول عليه فإذا لم يكن في الكلام ما يدل عليه لا يجوز إضماره ويجوز أن ينصب بالفعل الاول الذي هو الختم ولان الختم لا يطلق على البصر كما ذكر في قوله تعالى: (وختم على سمعه وقلبه) ثم قال: (وجعل على بصره غشاوة) " 1 " فلم يدخل المنصوب في معنى الختم وقال قوم: إن ذلك على وجه الدعاء عليهم لا للاخبار عنهم وهذا يمكن في قوله تعالى: (ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وفي قوله (وعلى أبصارهم غشاوة) فيمن نصب غشاوة فاما من رفع ذلك فلا يكون دعاء والاقوى أن ذلك خبر لانه خرج مخرج الذم لهم والازراء عليهم فكيف يحمل على الدعاء ؟ ويحتمل أن يكون المراد (بختم) أنه سيختم ويكون الماضي بمعنى المستقبل كما قال: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) " 2 " وعلى هذا يسقط سؤال المخالف
والقلب جعل الشئ على خلاف ما كان يقال: قلبه يقلبه قلبا والقليب البئر لان الماء ينقلب إليها وما به قلبة: أي انقلاب عن صحة وفلان حول قلب: إذا كان يقلب الامور برأيه ويحتال عليها والقلوب الذئب لتقلبه في الحيلة على الصيد بخبثه وسمي القلب قلبا لتقلبه بالخواطر قال الشاعر: ما سمي القلب إلا من تقلبه * والرأي يعزب والانسان أطوار والبصر: مصدر بصر به يبصر بصرا بمعنى أبصره ابصارا والبصيرة: والابصار للحق بالقلب والبصائر قطع الدم لانها ترى كثيرة للعسل (ولهم عذاب عظيم) باظهار التنوين لان النون تبين عند حروف الحلق وهي ستة أحرف: العين والغين والحاء والخاء والهمزة والهاء ومن هذه الاحرف ما لا يجوز فيه الاخفاء وهي العين كقوله: " من عندلله " و " من * (الهامش) * سورة الجاثية آية 22 " 2 " سورة الاعراف آية 43
[ 66 ]
عليها " والهمزة نحو قوله: " غثاء أحوى " " 1 " والخاء والغين يجوز إخفاؤهما عندهم على ضعف فيه من قوله: " والمنخنقة " و (نارا خالدا) (فان خفتم) (من خلفهم) و (ميثاقا غليظا) " 2 " (ماء غدقا) " 3 " (قولا غير الذي) " 4 " قال الفراء: أهل العراق يبينون وأهل الحجاز يخفون وكل صواب فان قيل: إذا قلتم: ان الله ختم على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم فكيف يكونون قادرين على الايمان ؟ قيل: يكونون عليه لان الختم والغشاوة ليسا بشئ يفعلهما الله تعالى في القلب والعين يصد بهما عن الايمان ولكن الختم شهادة على ما فسرناه من الله عليهم بانهم لا يؤمنون وعلى قلوبهم بانها لا تعي الذكر ولا تعي الحق وعلى اسماعهم بأنها لا تصغي إلى الحق وهذا إخبار عمن
يعلم منه أنه لا يؤمن والغشاوة هي " إلفهم الكفر بحبهم له " " 5 " ولم يقل تعالى: إنه جعل على قلوبهم بل أخبر انه كذلك ومن قرأ بالنصب - وإن كان شاذا - يحتمل أن يكون أراد معنى قوله: ان السورة زادتهم رجسا إلى رجسهم والسورة لم تزدهم ولكنهم ازدادوا عندها وسنوضح ذلك فيما بعد ان شاء الله تعالى (ولهم عذاب عظيم) تقديره: ولهم بماهم عليه من خلافك عذاب عظيم وحكي ذلك عن ابن عباس وأصل العذاب الاستمرار بالشئ يقال: عذبه تعذيبا: إذا استمر به الالم وعذب الماء عذوبة: إذا استمر في الحلق وحمار عاذب وعذوب: إذا استمر به العطش فلم يأكل من شدة العطش وفرس عذوب مثل ذلك والعذوب الذي ليس بينه وبين السماء ستر وأعذبته عن الشئ بمعنى فطمته وعذبة السوط طرفه والعذاب استمرار الالم وأصل العظم عظم الشخص ومنه عظيم الشأن الغني بالشئ عن غيره * (الهامش) * " 1 " سورة الاعلى آية 5 " 2 " سورة النساء آية 20 و 153 " 3 " سورة الجن: آية 16 " 4 " سورة البقرة: آية 59 " 5 " في الاصل بياض وفي النسخة الايرانية احتمالات استنتجنا منها العبارة الموجودة
[ 67 ]
وعظمة الله تعالى كبرياؤه والعظام من العظم لانه من أكبر ما يركب منه البدن قوله تعالى: ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الاخر وما هم بمؤمنين آية التفسير: (من) لفظ يخبر به عن الواحد من العقلاء واثنين وجماعة فلما قال: (وما هم
بمؤمنين) دل على أنه أراد الجمع وانما قال: (يقول) بلفظ الواحد حملا له على اللفظ قال الشاعر: نكن مثل من يا ذئب يصطحبان وقيل في معنى الناس وجهان: أحدهما - أن يكون جمعا لا واحد له من لفظه واحدهم إنسان والانثى انسانة والثاني - أن أصله: أناس فاسقطت الهمزة منها لكثرة الاستعمال إذا دخلها الالف واللام للتعريف ثم أدغمت لام التعريف في النون كما قيل: (لكنا هو الله) واصله: لكن انا وقال بعضهم: ان الناس لغة غير اناس وإلا لقيل في التصغير: انيس ردا إلى اصله واشتقاقه من النوس: وهو الحركة ناس ينوس نوسا: إذا تحرك والنوس: تذبذب الشئ في الهواء ومنه نوس القرط في الاذن لكثرة حركته ولا خلاف بين المفسرين ان هذه الآية وما بعدها نزلت في قوم من المنافقين من الاوس والخزرج وغيرهم وروي ذلك عن ابن عباس وذكر اسماءهم ولا فائدة في ذكرها وكذلك ما بعدها إلى قوله: وما كانوا مهتدين) كلها في صفه هؤلاء المنافقين والمنافق هو الذي يظهر الاسلام بلسانه وينكره بقلبه واليوم الآخر هو يوم القيامة وانما سمي يوم القيامة اليوم الآخر لانه يوم لا يوم بعده سواه وقيل: لانه بعد ايام الدنيا واول ايام الآخرة فان قيل:
[ 68 ]
كيف لا يكون بعده يوم ولا انقطاع للاخرة ولا فناء ؟ قيل: اليوم في الآخره سمي يوما بليلته التي قبله فإذا لم يتقدم النهار ليل لم يسم يوما فيوم القيامة يوم لا ليل بعده فلذلك سماه اليوم الآخر
وانما قال: (وما هم بمؤمنين) مع قوله: (.. من يقول آمنا بالله) تكذيبا لهم فيما اخبروا عن اعتقادهم من الايمان والاقرار بالبعث والنبوة فبين ان ما قالوه بلسانهم مخالف لما في قلوبهم وذلك يدل على ان الايمان لا يكون مجرد القول على ما قالته الكرامية (يقول) من القول ومنه: تقول إذا تخرص القول واقتال فهو مقيال: إذا أخذ نفعا إلى نفسه بالقول أو دفع به ضررا عنها والمقول اللسان يقوله تقويلا إذا طالبه باظهار القول قوله تعالى: يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون آية القراءة: قرأ ابن كثير ونافع وابو عمرو وبضم الياء وبألف الباقون بفتح الياء بلا الف في قوله (وما يخدعون) اللغة: قال أبو زيد: خدعت الرجل اخدعه خدعا بكسر الخاء وخديعة ويقال في المثل: إنك لا خدع من ضب حرشته وقال ابن الاعرابي: الخادع: الفاسد من الطعام ومن كل شئ وانشد: ابيض اللون لذيذا طعمه * طيب الريق إذا الريق خدع اي تغير وفسد وقال أبو عبيدة: يخادعون بمعنى يخدعون قال الشاعر: وخادعت المنية عنك سرا * فلا جزع الاوان ولا رواعا
[ 69 ]
التفسير:
وخداع المنافق إظهاره بلسانه من القول أو التصديق خلاف ما في قلبه من الشك والتكذيب وليس لاحد ان يقول: كيف يكون المنافق لله ولرسوله وللمؤمنين مخادعا وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية ؟ وذلك ان العرب تسمي من اظهر بلسانه غير ما في قلبه لينجو مما يخافه مخادعا لمن تخلص منه بما اظهرله من التقية فلذلك سمي المنافق مخادعا من حيث انه نجا من اجراء حكم الكفر عليه بما اظهره بلسانه فهو وان كان مخادعا للمؤمنين فهو لنفسه مخادع لانه يظهر لها بذلك أنه يعطيها أمنيتها وهو يوردها بذلك أليم العذاب وشديد الوبال فلذلك قال: " وما يخدعون إلا أنفسهم " وقوله: " وما يشعرون " يدل على بطلان قول من قال: إن الله لا يعذب إلا من كفر عنادا بعد علمه بوحدانيته ضرورة " لانه أخبر عنهم بالنفاق وبأنهم لا يعلمون ذلك والمفاعلة وإن كانت تكون من اثنين من كل واحد منهما لصاحبه مثل ضاربت وقاتلت وغير ذلك فقد ورد من هذا الوزن " فاعل " بمعنى (فعل) مثل: قاتله الله وطابقت النعل وعافاه الله وغير ذلك وقد حكينا أن معناه: يخدعون كما قال في البيت المقدم وقيل: إنه لم يخرج بذلك عن الباب ومعناه: ان المنافق يخادع الله بكذبه بلسانه على ما تقدم والله يخادعه بخلافه بما فيه نجاة نفسه كما قال: (انما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين) " 1 " وحكي عن الحسن ان معنى يخادعون الله انهم يخدعون نبيه لان طاعته طاعة الله ومعصيته معصية الله كما قال: (وان يريدوا ان يخدعوك) " 2 " وقيل معناه: انهم يعملون عمل المخادع كما يقال فلان يسخر من نفسه ومن قرأ (وما يخادعون) بألف طلب المشاكلة والازدواج كما قال: (وان عاقبتم فعاقبوا) " 3 " وكما قال: * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران: آية 178 " 2 " سورة الانفال: آية 63
" 3 " سورة النحل: آية 12
[ 70 ]
(وجزاء سيئة سيئة مثلها) " 1 " وكما قال الشاعر: ألا لا يجهلن احد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا وقال تعالى: (فيسخرون منهم سخر الله منهم) " 2 " ومثله كثير وقيل في حجة من قرأ يخادعون بألف هو ان ينزل ما يخطر بباله ويهجس في نفسه من الخداع بمنزلة آخر يجازيه ذلك ويفاوضه فكأن الفعل من اثنين كما قال الشاعر وذكر حمارا أراد الورود: تذكر من أنى ومن أين شربه * يؤامر نفسيه كذي الهجمة الابل " 3 " فجعل ما يكون منه من وروده الماء والتمثل بينهما بمنزلة نفسين وقال الآخر: وهل تطيق وداعا ايها الرجل وعلى هذا قول من قرأ: (قال إعلم ان الله على كل شئ قدير) فوصل فخاطب نفسه ونظائر ذلك كثيرة وانما دعاهم إلى المخادعة امور احدها - التقية وخوف القتل والثاني - ليكرموهم إكرام المؤمنين الثالث - ليأنسوا إليهم في اسرارهم فينقلوها إلى اعدائهم والخداع مشتق من الخدع وهو اخفاء الشئ مع ايهام غيره ومنه المخدع: البيت الذي يخفى فيه الشئ فان قيل: أليس الكفار قد خدعوا المؤمنين بما اظهروا بالسنتهم حتى حقنوا بذلك دماءهم واموالهم - وان كانوا مخدوعين في أمر آخرتهم - قيل: لا نقول خدعوا المؤمنين لان اطلاق ذلك يوجب حقيقة الخديعة لكن نقول: خادعوهم وما خدعوهم بل خدعوا انفسهم كما قال في الآية ولو أن انسانا قاتل غيره فقتل نفسه جاز أن يقال: انه قاتل فلانا فلم يقتل إلا نفسه فيوجب مقاتلة
صاحبه وينفي عنه قتله والنفس مأخوذة من النفاسة لانها أجل ما في الانسان تقول: نفس * (الهامش) * " 1 " سورة الشورى: آية 40 " 2 " سورة التوبة: آية 80 " 3 " في الطبعة الايرانية نفسه بدل نفسيه
[ 71 ]
ينفس نفاسة: إذا ضن به وتنافسوا في الامر: إذا تشاحوا والنفس: والروح ونفس عنه تنفيسا: إذا روح عن نفسه والنفس: والدم ومنه النفساء ونفست المرأة والنفس: خاصة الشئ قوله: " وما يشعرون " يعني وما يعلمون يقال ما شعر فلان بهذا الامر وهو لا يشعر به إذ لم يدر شعرا وشعورا ومشعورا قال الشاعر: عقوا بسهم فلم يشعر به احد * ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح " 1 " يعني: لم يعلم به أحد واصل الشعر: الدقة شعر به يشعر: إذا اعلمه بامر يدق ومنه الشعيرة والشعير لان في رأسهما كالشعر في الدقة والمشاعر: العلامات في مناسك الحج كالموقف والطواف وغيرهما واشعرت البدنة إذا اعلمتها على انها هدي والشعار ما يلي الجسد لانه يلي شعر البدن الاعراب: (إلا انفسهم) نصب على الاستثناء قوله تعالى: في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون - آية القراءة:
امال الزاي ابن عامر والحلواني وحمزة وقرأ اهل الكوفة بفتح الياء يكذبون مخففا اللغة والتفسير: يقال زاد يزيد زيادة " 2 " وقال الشاعر كذلك زيد المرء بعد انتقاصه * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية بدل (عقوا) عفوا وبدل (استفاءوا) استقادوا وبدل (وقالوا) فقالوا " 2 " وزيدا وزيدا وزيدا ومزيدا وزيدانا
[ 72 ]
و (زدت) فعل يتعدى إلى مفعولين قال تعالى (وزدناهم هدى وزدناهم عذابا فوق العذاب) وزاده بسطة في العلم والجسم وقوله (فزادهم ايمانا) والمعنى: زادهم فوق الناس لهم ايمانا اضمر المصدر في الفعل واسند الفعل إليه كما قال (ما زادهم إلا نفورا) (1) أي ما زادهم مجئ النذير والمعنى ازدادوا عنده وقال أبو عبيدة المرض الشك والنفاق وقيل في قوله فيطمع الذي في قلبه مرض) أي فجور وقال سيبويه: مرضته قمت عليه ووليته وامرضته: جعلته مريضا وقيل إن المرض الغم والوجع من الحسد والعداوة لكم (فزادهم الله مرضا) دعاء عليهم كما قال تعالى: (ثم انصرفوا صرف الله قلوبهم) " 2 " واصل المرض: السقم في البدن فشبه ما في قلوبهم من النفاق والشك بمرض الاجساد والاليم بمعنى المؤلم الموجع: فعيل بمعنى مفعل: مثل بديع بمعنى مبدع ومكان حريز بمعنى محرز فال ذو الرمة: يصك وجوهها وهج اليم فان قيل إذا كان معنى قوله: (في قلوبهم مرض) أي شك ونفاق ثم قال: (فزادهم الله مرضا) ثبت ان الله يفعل الكفر بخلاف ما تذهبون إليه قيل:
ليس الامر على ما ذكرتم بل معناه: إن المنافقين كانوا كلما أنزل الله آية أو سورة كفروا بها فازدادوا بذلك كفرا إلى كفرهم وشكا إلى شكهم فجاز لذلك أن يقال: فزادهم الله مرضا لما ازدادوا هم مرضا عند نزول الآيات: ومثل ذلك قوله حكاية عن نوح: (رب اني دعوت قومي ليلا ونهارا فلم يزدهم دعائي إلا فرارا) " 3 " وهم الذين ازدادوا فرارا عند دعائه: ومثل قوله: (فزادهم رجسا إلى رجسهم) " 4 " وانما اراد انهم ازدادوا عند نزول الآية وكقوله: * (الهامش) * " 1 " سورة فاطر آية 42 " 2 " سورة التوبة آية 128 " 3 " سورة نوح آية 6 " 4 " سورة التوبة آية 126
[ 73 ]
(فاتخذتموهم سخريا حتى انسوكم ذكري) " 1 " والمؤمنون ما أنسوهم ذكر الله بل كانوا يدعونهم إليه تعالى لكن لما نسوا ذكر الله عند ضحكهم من المؤمنين اتخاذهم إياهم سخريا جاز أن يقال: إن المؤمنين انسوهم ويقول القائل لغيره إذا وعظه فلم يقبل نصيحته: قد كنت شريرا فزادتك نصيحتي شرا وانما يريد أنه ازداد عنده فلما كان المنافقون فقد مرضت قلوبهم بما فيها من الشك ثم ازدادوا شكاو كفرا عند ما كان تجدد من امر الله ونهيه وما ينزل من آياته جاز أن يقال: (فزادهم الله مرضا) فان قيل: فعلى هذا ينبغي أن يكون انزال الآيات مفسدة لانهم يزدادون عند ذلك الكفر قلنا: ليس حد المفسدة ما وقع عنده الفساد وانما المفسدة ما وقع عندها الفساد ولولاها لم يقع ولم يكن تمكينا وهذا تمكين لهم من النظر في معجزاته ودلائله فلم يكن استفسادا ولو كان الامر على ما قالته المجبرة: إن الله يخلق فيهم الكفر لقالت الكفار ما ذنبنا
والله تعالى يخلق فينا الكفر ويمنعنا من الايمان فلم تلوموننا على ما فعله الله ؟ فتكون الحجة لهم لا عليهم وذلك باطل والتقدير في الآية في اعتقاد قلوبهم الذي يعتقدونه في الدين والتصديق بنبيه مرض وحذف المضاف واقام المضاف إليه مقامه قال الشاعر هلا سألت الخيل يا ابنة مالك * ان كنت جاهلة بما (2) لم تعلمي يعني اصحاب الخيل كما قال: (يا خيل الله اركبي) يعني يا اصحاب خيل الله وكما قال تعالى: (واسأل القرية) (3) وانما اراد اهلها وروي عن ابن عباس أن المرض المراد به الشك والنفاق وبه قال قتادة وعبد الرحمن بن زيد والكذب ضد الصدق وهو الاخبار عن الشئ لا على هو به يقال كذب يكذب كذبا وكذابا - خفيف وثقيل - مصدران والكذب كالضحك والكذاب كالكتاب والاكذاب: جعل الفاعل على صفة الكذب والتكذب: التحلي * (الهامش) * " 1 " سورة الاحزاب: آية 111 " 2 " في الطبعة الايرانية (لما) " 3 " سورة يوسف: آية 82
[ 74 ]
بالكذب وجهة من ضم الياء شدد الذال أنه ذهب إلى أنهم استحقوا العذاب بتكذيبهم النبي - صلى الله عليه وآله - وبما جاء به ومن فتح الياء وخفف الذال قدر المضاف كأنه قال: بكذبهم وهو اشبه بما تقدم وهو قولهم: (آمنا بالله وباليوم الآخر) (1) فاخبر الله عنهم فقال: (وما هم بمؤمنين) ولذلك يحمد تكذيبهم وادخل كان ليعلم ان ذلك كان فيما مضى كقول القائل: ما احسن ما كان زيدا وقال بعض الكوفيين: لا يجوز ذلك لان حذف كان انما أجازوه في التعجب لان الفعل قد تقدمها فكأنه قال حسنا كان زيد ولا يجوز ذلك
ههنا لان كان تقدمت الفعل قوله تعالى: وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الارض قالوا إنما نحن مصلحون آية القراءة: رام ضم القاف فيها وفي أخواتها الكسائي وهشام ورويش (2) ووافقهم ابن ذكوان في السين والحاء مثل: حيل وسيق وسيئت ووافقهم اهل المدينة في سيق وسيئت فمن ضم ذهب إلى ما حكي عن بعض العرب: قد قول وقد بوع المتاع بدل قيل وبيع ومن كسرها قال: لان ياء الساكنة لا تكون بعد حرف مضموم ومن اشم قال: اصله قول فاستثقلت الضمة فقلبت كسرة واشمت ليعلم ان الاصل كانت ضمة المعنى: وروي عن سلمان - رحمه الله - أنه قال: لم يجئ هؤلاء وقال أكثر المفسرين: إنها نزلت في المنافقين الذين فيهم الآيات المتقدمة وهو الاقوى ويجوز أن يراد بها من صورتهم صورتهم فيحمل قول سلمان - رحمه الله - على أنه * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة: آية 8 " 2 " لم نعثر على هذا الاسم في كتب الرجال ولعله ورش
[ 75 ]
أراد بعد انقراض المنافقين الذين تناولتهم الآية ومعنى قولهم له: (انما نحن مصلحون) يحتمل امرين: احدهما - ان يقول: إن هذا الذي عندكم فساد هو صلاح عندنا لانا إذا قابلناهم استدعيناهم إلى الحق في الدين والثاني - أن يجحدوا ذلك البلاغ
والافساد مأخوذ من الفساد: وهو كلما يغير عن استقامة الحال تقول: فسد يفسد فسادا والافساد: إحداث الفساد والمفاسدة: المعاملة بالفساد والتفاسد: تعاطي الفساد بين اثنين والاستفساد المطاوعة على الفساد لا تفسدوا في الارض فيقولون انما نحن مصلحون ويقال لهم: آمنوا كما آمن الناس فيقولون أنؤمن كما آمن السفهاء ؟ فليس هؤلاء منافقين بل مظهرون لكفرهم والآية في المنافقين قيل: المنافقون وإن كانوا يظهرون الايمان للنبي - صلى الله عليه وآله - فانهم كانوا لايألون المسلمين خبالا وكانوا يثبطون عن النبي صلى الله عليه وآله ويدعون إلى ترك نصرته من يثقون باستماعهم منهم ومن يظنون ذلك به فربما صادفوا من المؤمنين التقي فيجيبهم بما ذكر الله فإذا أخبر أولئك النبي - صلى الله عليه وآله - ثم ذكروا له (1) ما قالوا وعاتبهم النبي صلى الله عليه وآله عادوا إلى إظهار الايمان والندم عليه أو كذبوا قائله والحاكي عنهم وكان لا يجوز في الدين إلا قبول ذلك منهم بما يظهرون وخاصة في صدر الاسلام والحاجة إلى تألف قلوبهم ماسة (2) ومن قرأ الاخبار تبين صحة ما قلناه والافساد في الارض: العمل فيها بما نهى الله عنه وتضييع ما أمر الله بحفظه كما قال تعالى حاكيا عن الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها) ؟ (3) يعنون من يعصيك ويخالف امرك وهذه صفة المنافقين والارض: هي المستقر للحيوان ويقال لقوائم البعير: أرض وكذلك * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية: ثم ذكروه ولعل الصحيح ما ذكرنا " 2 " في الطبعة الايرانية (ماسة) ضرب عليها ولعل وجودها اصح " 3 " سورة البقرة: آية 30
[ 76 ]
الفرس ان قوي والارض: الرعدة وقال ابن عباس: ما أدري إذا زلزلت
الارض لم بي أرض ؟ أي رعدة والارضة: دويبة تأكل الخشب والصلاح: استقامة الحال فالاصلاح: جعل الحال على الاستقامة والاصطلاح الاجتماع والتصالح: التمالي على الصلاح ومنه المصالحة والاستصلاح والصالح: والمستقيم الحال والمصلح: المقوم للشئ على الاستقامة قوله تعالى: ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون آية التفسير: ألا: فيها تنبيه ومعناها لاستفتاح الكلام ومثله: ألا ترى ؟ أما تسمع ؟ وأصلها (لا) دخل عليها ألف الاستفهام والالف إذا دخل على الجحد أخرجه إلى الايجاب نحو قوله: (أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى) ؟ لانه لا يجوز للمجيب إلا الاقرار ببلى والهاء والميم في موضع النصب بأن وهم فصل عند البصريين ويسميه الكوفيون عمادا وقوله (لا يشعرون) قد فسرناه (1) وفيها دلالة على من قال: بان الكفار معاندون عالمون بخطاياهم وان المعرفة مزورة ووصفهم بانهم (هم المفسدون) لا يمنع من وصف غيرهم بانه مفسد لان ذلك دليل الخطاب وحكي عن ابن عباس: أن معنى قوله (انما نحن مصلحون) انما يريد الاصلاح بين الفريقين من المؤمنين واهل الكتاب وحكي عن مجاهد انهم إذا ركبوا معصية الله قيل لهم: لا تفعلوا هذا قالوا: إنما نحن مصلحون أي: انما نحن على الهدى وكلا الامرين محتمل لانهما جميعا عندهم أنه إصلاح في الدين وإن كان ذلك إفسادا عند الله ومن حيث أنه خلاف لما أمرهم به وإنما جاز تكليف ما لا يشعر أنه على ظلال لان له طريقا إلى العلم * (الهامش) * " 1 " في قوله: " يخادعون الله. " تتمة الآية
[ 77 ]
قوله تعالى وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون آية قرأ ابن عامر وأهل الكوفة بتحقيق الهمزتين وكذلك كل همزتين مختلفتين من كلمتين الباقون بتخفيف الاولى وتليبن الثانية المعنى: المعني بهذه الآية هم الذين وصفهم تعالى بانهم يقولون: " آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين " والمعنى إذا قيل لهم آمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء من عند الله كما آمن به الناس يعني المؤمنين حقا لان الالف واللام ليسا فيه للاستغراق بل دخلا للعهد فكأنه قيل: آمنوا كما آمن الناس الذين تعرفونهم باليقين والتصديق بالله ونبيه - صلى عليه وآله - وبما جاء به من عند الله والالف في قوله: (أنؤمن) ألف إنكار وأصلها الاستفهام ومثله (أتطعم من لو يشاء الله أطعمه) " 1 " وكقول القائل: أأضيع ديني وأثلم مرؤتي ؟ وكل هذا جواب لكن قد وضع السؤال فيه وضعا فاسدا لوصفهم ان الذين دعوا إليهم سفهاء وموضع (إذا) نصب وتقديره: قالوا إذا قيل لهم ذلك انؤمن فالعامل فيه قالوا والسفهاء جميع سفيه مثل: علماء وعليم وحكماء وحكيم والسفيه: الضعيف الرأي الجاهل القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار ولذلك سمى الله الصبيان سفهاء بقوله: (لا تؤتوا السفهاء اموالكم) (2) فقال عامه اهل التأويل هم النساء والصبيان
لضعف آرائهم وأصل السفه: خفة الحلم وكثرة الجهل يقال: ثوب سفيه إذا * (الهامش) * " 1 " سورة يس: آية 47 " 2 " سورة النساء: آية 4
[ 78 ]
كان رقيقا باليا وسفهته الريح: إذا طيرته كل مطير وفي اخبارنا أن شارب الخمر سفيه فأمر الله تعالى أن يؤمنوا كما آمن المؤمنين المستبصرون فقالوا: أنؤمن كما آمن الجهال ومن لا رأي له ومن لا عقل له كالصبيان والنساء فحكم الله عليهم حينئذ بانهم السفهاء باخباره عنهم بذلك وهو من تقدم ذكره من المنافقين والسفيه إنما سمي مفسدا من حيث انه يفسد من حيث يظن انه يصلح ويضيع من حيث يرى أنه يحفظ وكذلك المنافق يعصي ربه من حيث يظن انه يطيع ويكفر به من حيث يظن أنه يؤمن به والالف واللام في السفهاء للعهد كما قلناه في الناس وهذه الآية ايضا فيها دلالة على من قال: إن الكافر لا يكون إلا معاندا لانه قال: (ولكن لا يعلمون) قوله تعالى: وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون - آية القراءة قرئ في الشواذ وإذا لا قوا الذين قرأها اليماني وفى القراء من همز " مستهزئون " ومنهم من ترك الهمزة المعنى: حكي عن ابن عباس أنه قال: هذه في صفة المنافقين فكان الواحد منهم إذا لقي اصحاب النبي - صلى الله عليه وآله - قال إنا معكم - أي على دينكم - وإذا خلوا
إلى شياطينهم - يعني اصحابهم - قالوا انما نحن مستهزئون - يعني نسخر منهم يقال خلوت إليه وخلوت معه ويقال خلوت به على ضربين: احدهما - بمعنى خلوت معه والآخر - بمعنى سخرت منه وخلوت إليه في قضاء الحاجة لا غير وخلوت به له معنيان: احدهما - هذا والآخر - سخرت منه قال الاخفش:
[ 79 ]
رقد تكون " إلى " في موضع الباء " وعلى " في موضع عن وانشد: إذا رضيت علي بنو قشير * لعمر الله أعجبني رضاها فعلى هذا يحتمل أن تكون الآية: (خلوا مع..) وقال الرماني: الفرق بين اللقاء والاجتماع أن اللقاء لا يكون إلا على وجه المجاورة والاجتماع قد يكون كاجتماع العزمين في محل وقد بينا معنى الشيطان فيما مضى (1) معكم (ومعكم) - بفتح العين وسكونها - لغتان وترك الهمزة في (مستهزئون) لغة قريش وعامة غطفان وكنانه بعضها يجعلها بمنزلة (يستقصون ويستعدون) بحذفها وبعض بني تميم وقيس يشيرون إلى الزاء بالرفع بين الرفع والكسر وهذيل وكثير من تميم يخففون الهمزة وقال بعض الكوفيين: إن معنى (إذا خلوا): إذا انصرفوا خالين فلاجل ذلك قال: إلى شياطينهم على المعنى وهو مليح وقيل: إن شياطينهم: رؤساؤهم وقيل: أريد بهم أصحابهم من الكفار وروي عن أبي جعفر عليه السلام: أنهم كهانهم والاستهزاء: طلب الهزء بايهام أمر ليس له حقيقة في من يظن فيه الغفلة والهزء: ضد الجد يقال هزئ به هزء والتهزي: طلب الهزء: بالشئ وغرضهم كان بالاستهزاء مع علمهم بقبحه حقن دمائهم باظهار الايمان وإذا خلوا الى شياطينهم كشفوا ما في نفوسهم
قوله تعالى: الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون - آية الاعراب: الله: رفع بالابتداء وخبره: يستهزئ بهم * (الهامش) * " 1 " مر في الاستعاذة
[ 80 ]
المعنى: والله تعالى لا يجوز عليه حقيقة الاستهزاء لانها السخرية على ما بيناه ومعناها من الله هو الجزاء عليها وقد يسمى الشئ باسم جزائه كما يسمى الجزاء باسم ما يستحق به كما قال تعالى: (وجزاء سيئة سيئة مثلها) " 1 " وقال: (ومكروا ومكر الله) " 2 " وقال: (وان عاقبتم فعاقبوا) " 3 " والاول ليس بعقوبة والعرب تقول: الجزاء بالجزاء والاول ليس بجزاء (والبيت الاول شاهد بذلك) (؟) وقيل إن استهزاءهم لما رجع عليهم جاز أن يقول عقيب ذلك: (الله يستهزئ بهم) يراد به ان استهزاءهم لم يضر سواهم وانه (دبر) (4) عليهم واهلكهم يقول القائل: أراد فلان أن يخدعني فخدعته: أي دبر علي امرا فرجع ضرره عليه وحكي عن بعض من تقدم أنه قال إذا تخادع لك انسان ليخدعك فقد خدعته وقيل ايضا: إن الاستهزاء من الله: الاملاء الذي يظنونه إغفالا وقيل: إنه لما كان ما اظهره من اجراء حكم الاسلام عليهم في الدنيا بخلاف ما أجراه عليهم في الآخرة من العقاب وكانوا فيه على اغترار به كان كالاستهزاء وروي في الاخبار أنه يفتح لهم باب جهنم فيظنون أنهم يخرجون منها فيزدحمون للخروج فإذا انتهوا إلى الباب ردتهم الملائكة حتى يرجعوا فهذا نوع من العقاب وكان الاستهزاء كما قال الله تعالى: (كلما أرادوا أن يخرجوا فيها من غم اعيدوا فيها) " 5 "
وقوله (يمدهم) حكي عن ابن عباس وابن مسعود أنهما قالا: معناه يملي لهم بأن يطول أعمارهم وقال مجاهد: يزيدهم وقال بعض النحويين يمدهم كما يقولون نلعب الكعاب: أي بالكعاب وحكي أن مد وأمد لغتان وقيل مددت له وأمددت له يقال مد البحر فهو ماد وأمد الجرح فهو ممد قال الجرمى: ما كان من الشر فهو * (الهامش) * " 1 " سورة الشورى: آية: 40 " 2 " سورة آل عمران: آية 54 " 3 " سورة النحل: آية 126 " ؟ " " 4 " في الطبعة الايرانية (دمر) بدل " دبر " وما ذكر في المتن هو الصحيح بقرينة ما يأتي من قوله: ".. دبر علي أمرا " " 5 " سورة الحج: آية 22
[ 81 ]
مددت وما كان من الخير فهو أمددت فعلى هذا إن اراد تركهم فهو من مددت وإذا أراد اعطاءهم يقال أمدهم وقرئ في الشواذ: ويمدهم - بضم الياء وقال بعض الكوفيين كل زيادة حدثت في الشئ من نفسه فهو مددت - بغير ألف - كما يقولون مد النهر ومده نهر آخر فصار منه إذا اتصل به وكل زيادة حدثت في الشئ من غيره فهو أمددت - بألف - كما يقال أمد الجرح لان المدة " 1 " من غير الجرح وأمددت الجيش واقوى الاقوال أن يكون المراد به نمدهم على وجه الاملاء والترك لهم في خيرهم كما قال: " انما نملي لهم ليزدادوا إثما) " 2 " وكما قال: (ويمدهم في طغيانهم يعمهون) يعني يتركهم فيه والطغيان: الفعلان من قولك طغى فلان يطغى طغيانا إذا تجاوز حده ومنه قوله: (كلا إن الانسان ليطغى) " 3 " أي يتجاوز حده والطاغية: الجبار العنيد وقال أمية بن أبي الصلت: ودعا الله دعوة لات هنا * بعد طغيانه فظل " 4 " مشيرا
يعني لاهنا ومعناه في الآية: في كفرهم يترددون والعمه: التحير يقال: عمه يعمه عمها فهو عمه وعامه: أي حائر عن الحق قال رؤبة: ومهمه اطرافه في مهمه * أعمى الهدى بالحائرين " 5 " العمه جمع عامه فان قيل: كيف يخبر الله أنه يمدهم في طغيانهم يعمهون وانتم تقولون: إنما أبقاهم ليؤمنوا لا ليكفروا وانه أراد منهم الايمان دون الكفر ؟ قيل معناه: أنه يتركهم وما هم فيه لا يحول بينهم وبين ما يفعلونه ولا يفعل بهم * (الهامش) * " 1 " المدة: ما يجتمع في الجرح من القيح " 2 " سورة آل عمران: آية 178 " 3 " سورة العلق: آية 6 " 4 " في الطبعة الايرانية " فصار " بدل فضل والبيت في ديوان امية و " لات هنا " كلمة ثدور في كلامهم يريدون بها: " ليس هذا حين ذلك " و " هنا " مفتوحة الهاء مشددة النون مثل " هنا مضمومة الهاء مخففة النون " 5 " الصحيح ما ذكرنا وفي الطبعة الايرانية " فالحائرين " وفي تفسير الطبري نقلا عن ديوان رؤبة بالجاهلين
[ 82 ]
من الالطاف التي يؤتيها المؤمنين فيكون ذلك عقوبة لهم واستصلاحا ونظير ذلك قول القائل لاخيه إذا هجره أخوه متجنيا عليه إذا استعتبه فلم يراجعه: سأمد لك في الهجران مدا يريد سأتركك وما صرت إليه تركا ينبهك على قبح فعلك لا أنه يريد بذلك أن يهجره أخوه ولكن على وجه الغضب والاستصلاح والتنبيه قوله تعالى أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين آية القراءة:
ضم جميع القراء الواو من (اشتروا الضلالة) وروى السوخردي عن زيد ابن اسماعيل بتخفيف ضمة الواو وكذلك نظائره نحو: (لنبلون) (فتمنوا الموت) وروى عن يحيى بن يعمر في الشواذ أنه كسرها شبهها بواو: (لو) في قوله: (لو استطعنا لخرجنا) " 1 " وضم يحيى بن وثاب واو (لووا) وفيما ذكرناه شبهها بواو الجمع والصحيح ما عليه القراء لان الواو في الآية ونظائرها واو الجمع فحركت بالحركة التي من جنسها لا لتقاء الساكنين المعنى: وهذه الآية الاشارة بها إلى من تقدم ذكره من المنافقين وقال ابن عباس اشتروا الكفر بالايمان وقال قتادة: استحبوا الضلالة على الهدى وقال ابن مسعود: اخذوا الضلالة وتركوا الهدى وقال مجاهد آمنوا ثم كفروا وهذه الاقوال متقاربة المعاني فان قيل كيف اشتروا هؤلاء القوم الضلالة بالهدى وانما كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم ايمان ؟ فيقال فيهم باعوا ما كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه والمفهوم من الشراء اعتياض شئ يبذل شئ مكانه عوضا منه وهؤلاء ما كانوا قط على الهدى * (الهامش) * " 1 " سورة التوبة: آية 43
[ 83 ]
قلنا: من قال: بان الآية مخصوصة بمن كفر بعد إيمانه فقد تخلص من هذا السؤال غير أن هذا لا يصح عندنا من أن من آمن بالله لا يجوز أن يكفر وان حملنا على اظهار الايمان لم يكن في الآية توبيخ ولا ذم والآية تتضمن التوبيخ على ما هم عليه لانها اشارة إلى ما تقدم وتلك صفات المنافقين والجواب عن ذلك ان نقول: إن من ارتكب الضلالة وترك الهدى جاز ان يقال ذلك فيه ويكون معناه: كان الهدى الذي تركه هو الثمن الذي جعله عوضا عن الضلالة التي
أخذها فيكون المشتري أخذ المشترى مكان الثمن المشترى به كما قال الشاعر: أخذت بالجمة رأسا أزعرا * وبالثنايا الواضحات الدردرا وبالطويل العمر عمرا جيدرا * كما اشترى المسلم إذ تنصرا " 1 " ومنهم من قال: استحبوا الضلالة على الهدى انما قال ذلك لقوله تعالى (واما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى) " 2 " فحمل هذه الآية عليه ومن حملها على انهم اختاروا الضلالة على الهدى فان ذلك مستعمل في اللغة يقولون اشتريت كذا على كذا واشتريته يعنون اخترته قال اعشى بني ثعلبة فقد اخرج الكاعب المسترا " 3 " * ة من خدرها واشيع القمارا يعني: المختارة قال ذو الرمة في معنى الاختيار: يذب القصايا عن شراة كأنها * جماهير تحت المدجنات الهواضب " 4 " وقال آخر: * (الهامش) * " 1 " زعر الشعر فهو زعر وازعر: قل وتفرق الدردر: مغارز اسنان الصبي أو هي قبل نباتها وبعد سقوطها الجيدر: القصير والمراد قصير العمر " 2 " سورة حم السجدة: آية 17 " 3 " في الطبعة الايرانية " المشتراة " وكذلك في مخطوطة تفسير الطبري اما في ديوانه 35 وطبقات فحول الشعراء 36 واللسان " سرا " فكما ذكرنا " 4 " ديوانه يذب: يدفع ويطرد والقصايا: وهي من الابل ورذالتها ضعفت فتخلفت وجماهير ج جمهور: وهو رملة مشرفة على ما حولها والهواضب: التي دام مطرها والمدجنات من سحابة داجنة: أي كثيفة
[ 84 ]
إن الشراة روفة الاموال * وحزرة القلب خيار المال " 1 " والاول أقوى لقوله: (فما ربحت تجارتهم) فبين ان ذلك بمعنى الشراء
والبيع الذي بتعارفه الناس والربح - وان اضافه إلى التجارة - فالمراد به التاجر لانهم يقولون ربح: بيعك وخسر بيعك وذلك يحسن في البيع والتجارة لان الربح والخسران يكون فيهما ومتى التبس فلا يجوز إطلاقه لا يقال: ربح عبدك إذا أراد ربح في عبده لان العبد نفسه قد يربح ويخسر فلما أوهم لم يطلق دلك فيه وقيل: إن المراد فما ربحوا في تجارتهم كما يقال: خاب سعيك: أي خبت في سعيك وانما قال ذلك لان المنافقين بشرائهم الضلالة خسروا ولم يربحوا لان الرابح من استبدل سلعة بما هو أرفع منها فاما إذا استبدلها بما هو أدون منها فانما يقال خسر فلما كان المنافق استبدل بالهدى الضلالة وبالرشاد الخيبة عاجلا وفي الآخرة الثواب بالعقاب كان خاسرا غير رابح وانما قال: " وما كانوا مهتدين " لانه يخسر التاجر ولا يربح ويكون على هدى فأراد الله تعالى أن ينفي عنهم الربح والهداية فقال: " فما ربحت تجارتهم وما كانوا مهتدين " باستبدالهم الكفر بالايمان واشترائهم النفاق بالتصديق والاقرار بها فان قيل: لم قال: فما ربحت تجارتهم في موضع ذهبت رؤوس اموالهم ؟ قيل: لانه قد ذكر الضلالة بالهدى فكأنه قال: طلبوا الربح فما ربحوا لما هلكوا وفيه معنى ذهبت رؤوس اموالهم ويحتمل ان يكون ذلك على التقابل: وهو ان الذين اشتروا الضلالة بالهدى لم يربحوا كما ان الذين اشتروا الهدى بالضلالة ربحوا قوله تعالى: مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون آية اللغة: إن قيل: كيف قال: (مثلهم) أضاف المثل إلى الجمع ثم شبهه بالواحد في * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية: " الشراء " يدل " الشراة " وحوزة بدل " حزرة " والصحيح ما ذكرنا كما عن اللسان في مادة " حزر " وروقة الناس: خيارهم وحزرة نفسي: خير ما عندي
[ 85 ]
قوله: كمثل الذي استوقد نارا " هلا قال كمثل الذين استوقدوا نارا يكني به عن جماعة من الرجال والنساء والصبيان والذي لا يعبر به إلا عن واحد مذكر ولو جاز ذلك لجاز أن يقول القائل: كأن أجسام هؤلاء - ويشير إلى جماعة عظيمي القامة - نخلة وقد علمنا أن ذلك لا يجوز ؟ قلنا: في الموضع الذي جعله مثلا لافعالهم جائز حسن وله نظائر كقوله: " تدور اعينهم كالذي يغشى عليه من الموت " " 1 " والمعنى: كدور أعين الذي يغشى عليه من الموت وكقوله " ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة " " 2 " ومعناه إلا كبعث نفس واحدة لان التمثيل وقع للفعل بالفعل وأما في تمثيل الاجسام لجماعة من الرجال في تمام الخلق والطول بالواحد من النخيل فغير جائز ولا في نظائره التفسير: والفرق بينهما أن معنى الآية أن مثل اسنضاءة المنافقين بما أظهروا من الاقرار بالله وبمحمد صلى الله عليه وآله وبما جاء به قولا - وهم به مكذبون اعتقادا - كمثل استضاءة الموقد ثم اسقط ذكر الاستضاءة واضاف المثل إليهم كما قال الشاعر وهو نابغة جعدة: وكيف تواصل من اصبحت * خلالته كأبي مرحب " 3 " أي كخلالة أبي مرحب واسقط لدلالة الكلام عليه وأما إذا أراد تشبيه الجماعة من بني آدم وأعيان ذوي الصور والاجسام بشئ فالصواب أن يشبه الجماعة بالجماعة والواحد بالواحد لان عين كل واحد منهم غير اعيان الاخر كما قال تعالى: " كأنهم خشب مسندة " " 4 " وقال: " كأنهم اعجاز نخل خاوية " " 5 " * (الهامش) * سورة الاحزاب آية 19 " 2 " سورة لقمان آية 28
" 3 " الخلة والخلالة الصداقة التي ليس فيها خلل وابو مرحب كناية عن الظل يريد أنها تزول كما يزول الظل لا تبقى له مودة " 4 " سورة المنافقون: آية 4 " 5 " سورة القمر آية 20
[ 86 ]
واراد جنس النخل ومثل قوله: ما افعالكم إلا كفعل الكلب ثم يحذف الفعل فيقال: ما افعالكم إلا كالكلب وقيل إن " الذي " بمعنى الذين كقوله: " والذى جاء بالصدق وصدق به اولئك هم المتقون " " 1 " وقال الشاعر: وان الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا ام خالد وانما جاز ذلك لان الذين منهم يحتمل الوجوه المختلفة وضعف هذا الوجه من حيث ان في الآية الثانية وفي البيت دلالة على انه اريد به الجمع وليس ذلك في الآية التي نحن فيها وقيل فيه وجه ثالث وهو ان التقدير: مثلهم كمثل اتباع الذي استوقد نارا وكما قال: (واسأل القرية) " 2 " وانما اراد اهلها وفى الآية حذف (طفئت عليهم النار) وقوله: (استوقد نارا) معناه: اوقد نارا كما يقال استجاب بمعنى اجاب قال الشاعر: وداع دعا يا من يجيب إلى الندى * فلم يستجبه عند ذاك مجيب يريد: فلم يجبه الوقود: الحطب والوقود: مصدر وقدت النار وقودا والاستيقاد: طلب الوقود: والايقاد: ايقاد النار والتوقد: التوهج والايقاد: التهاب النار وزند ميقاد: سريع الوري وقلب وقاد: سريع الذكاء والنشاط وكل شئ
يتلالا فهو يتقد وفي الحجر نار لا تقد لانها لا تقبل الاحتراق والوقود: ظهور النار فيما يقبل الاحتراق وأصل النار النور نار الشئ إذا ظهر نوره وانار: اظهر نوره واستنار: طلب اظهار نوره والمنار: العلامات والنار: السمت وضاءت النار: ظهر ضوؤها وكل ما وضح فقد اضاء واضاء القمر الدار: كقوله اضاءت ما حوله قال الشاعر: * (الهامش) * " 1 " سورة الزمر آية 33 " 2 " سورة يوسف: آية 82
[ 87 ]
اضاءت لهم احسابهم ووجوههم * دجى الليل حتى نظم الدر ثاقبه " 1 " وقوله: (حوله) مأخوذ من الحول وهو الانقلاب يقال حال الحول: إذا انقلب إلى أول السنة وأحال في كلامه إذا صرفه عن وجهه وحوله عن المكان: أي نقله إلى مكان آخر: وتحول: تنقل واحتال عليه وحاوله طالبه بالانقلاب إلى مراده والحول بالعين - بالفتح - والحول - بالكسر - الانقلاب عن الامر ومنه قوله " لا يبغون عنها حولا " " 2 " والحوالة انقلاب الحق عن شخص إلى غيره والمحالة: البكرة والحيلة: إيهام الامر للخديعة وحال بينه وبينه: مانع والحائل: الناقة التي انقطع حملها والحائل: العير وحوله الصبا: أي دايرته ذهب به واذهبه: أي أهلكه لا ذهابه إلى مكان يعرف ومنه (ذهب الله بنورهم) والمذهب: الطريقة في الامر والذهبه: المطرة الجود وقوله: (وتركهم في ظلمات): أي أذهب النور بالظلمات وتاركه متاركه وتتاركوا: تقابلوا في الترك واترك اتراكا: اعتمد الترك والتركة والتريكة: بيضة النعام المنفردة لتركها وحدها والظلمات: جمع الظلمة واصلها انتقاص الحق من قوله: ولم تظلم منه شيئا
أي لم تنقص واظلم الجواد الحتمل انتقاص الحق لكرمه ومن أشبه أباه فما ظلم أي ما انتقص حق الشبه وظلمت الناقة: إذا نحرت من غير علة والظلم: ماء الاسنان من اللون لا من الريق والظلم الثلج وقوله: (في ظلمات لا يبصرون) قال ابن عباس: إنهم بيصرون الحق ويقولون به حتى إذا خرجوا من ظلمة الكفر أطفأوه بكفرهم به فتركهم في ظلمات الكفر فهم لا بيصرون هدى ولا يستقيمون على حق وروي عنه أيضا أنه قال: هذا مثل ضربه الله تعالى للمنافقين أنهم كانوا يعتزون الاسلام فيناكحهم " 3 " المسلمون * (الهامش) * " 1 " وفي رواية " الجزع " بدل " الدر " " 2 " سورة الكهف: آية 109 " 3 " في الطبعة الايرانية بصيغة الماضي والظاهر من السياق ان الصيغة ما ذكرنا
[ 88 ]
ويولدونهم وبقاسمونهم الفئ فلما ماتوا سلبهم الله ذلك العز كما سلب صاحب النار ضوءه وتركهم في عذاب وهو أحسن الوجوه وقال أبو مسلم: معناه أنه لا نور لهم في الآخرة وإن ما أظهروه في الدنيا يضمحل سريعا كاضمحلال هذه اللمعة وحال من يقع في الظلمة بعد الضياء اشقى في الحيرة فكذلك حال المنافقين في حيرتهم بعد اهتدائهم ويزيد استضرارهم على استضرار من طفئت ناره بسوء العاقبة وروي عن ابن مسعود وغيره أن ذلك في قوم كانوا اظهروا الاسلام ثم أظهروا النفاق فكان النور الايمان والظلمة نفاقهم وقيل فيها وجوه تقارب ما قلناه وتقدر بعد قوله: (فلما اضاءت ما حوله) (انطفأت) لدلالة الكلام عليها كما قال أبو ذؤيب الهذلي: دعاني إليها القلب إني لامره * مطيع فما ادري ارشد طلابها ؟ " 2 "
وتقديره ارشد طلابها ام غي ؟ وقال الفراء يقال ضاء القمر يضوء واضاء يضئ لغتان وهو الضوء والضوء - بفتح الضاد وضمها - وقد اظلم الليل وظلم - بفتح الظاء وكسر اللام - وظلمات على وزن غرفات وحجرات وخطوات فاهل الحجاز وبنو اسد يثقلون وتميم وبعض قيس يخففون والكسائي يثم الهاء الرفع بعد نصب اللام في قوله (حوله) و (نجمع عظامه) في حال الوقف الباقون لا يشمون وهو احسن قوله تعالى صم بكم عمي فهم لا يرجعون آية بلا خلاف التفسير واللغة: قال قتادة " صم " لا يسمعون الحق " بكم لا ينطقون به " عمي " * (الهامش) * " 1 " وفي ديوان الهذليين: 71 " عصاني إليها القلب " والروايتان صحيحتان
[ 89 ]
لا يرجعون عن ضلالتهم صم رفع على انه خبر ابتداء محذوف وتقديره هؤلاء الذين ذكرناهم في القصة: صم بكم عمي والاصم هو الذي ولد كذلك وكذلك الابكم هو الذي ولد أخرس ويقال الابكم: المسلوب الفؤاد ويجوز أن يجمع أصم: صمان: مثل اسود وسودان واصل الصم: السد فمنه الصم: سد الاذن بما لا يقع معه سمع وقناة صماء: كبيرة الجوف صلبة لسد جوفها بامتلائها وفلان أصم لسد خروق مسامعه عن ادراك الصوت وحجر أصم أي صلب وفتنة صماء: أي شديدة والتصميم: المضي في الامر والصمام: ما يشد به رأس القارورة لسده رأسها والفعل: أصمها والصميم: العظم الذي هو قوام العضو لسد الخلل به وأصل اليكم: الخرس وقيل هو الذي يولد أخرس وبكم عن الكلام: إذا امتنع منه جهلا أو تعمدا كالخرس والابكم: الذي لا يفصح لانه كالخرس
واصل العمى: ذهاب الادراك بالعين والعمى في القلب كالعمى في العين بآفة تمنع من الفهم واعماه: إذا اوجد في عينيه عمى وعمى الكتاب تعمية وتعامى عن الامر تعاميا وتعمى الامر: تطمس كأن به عمى وما اعماه: من عمى القلب ولا يقال ذلك من الجارحة والعماية: الغواية والعماء: السحاب الكثيف المطبق والرجوع: مصدر رجع يرجع رجوعا ورجعه رجعا والارتجاع: اجتلاب الرجوع والاسترجاع: طلب الرجوع وتراجع: تحامل وترجع: تعمد للرجوع ورجع: كثر في الرجوع ورجع الجواب: رده والمرجوعة: جواب الرسالة والرجع: المطر ومنه قوله: (والسماء ذات الرجع) " 1 " والرجع: نبت الربيع والرجوع عن الشئ بخلاف الرجوع إليه والمعنى: إنهم صم عن الحق لا يعرفونه لانهم كانوا يسمعون بآذانهم وبكم عن الحق لا ينطقون مع ان ألسنتهم صحيحة عمي لا يعرفون الحق واعينهم صحيحة كما قال: (وتراهم ينظرون اليك وهم لا يبصرون) (فهم لا يرجعون) ويحتمل امرين: * (الهامش) * " 1 " سورة الطارق آية 11
[ 90 ]
أحدهما - ما روي عن ابن عباس أنه على الذم والاستبطاء والثاني - ما روي عن ابن مسعود انهم لا يرجعون إلى الاسلام وقال قوم: إنهم لا يرجعون عن شراء الضلالة بالهدى وهو أليق بما تقدم وهذا يدل على أن قوله: " ختم الله على قلوبهم " وطبع الله عليها ليس هو على وجه الحيلولة بينهم وبين الايمان لانه وصفهم بالصم والبكم والعمى مع صحة حواسهم وانما أخبر بذلك عن إلفهم الكفر واستثقالهم للحق والايمان كأنهم ما سمعوه ولا رأوه فلذلك قال: " طبع الله على قلوبهم " " وأضلهم " " وأصمهم " " وأعمى
أبصارهم " " وجعل على قلوبهم أكنة " " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " وكان ذلك إخبارا عما أحدثوه عند امتحان الله إياهم وأمره لهم بالطاعة والايمان لانه ما فعل بهم ما منعهم من الايمان وقد يقول الرجل: حب المال قد اعمى فلانا واصمه ولا يريد بذلك نفي حاسته لكنه إذا شغله عن الحقوق والقيام بما يجب عليه قيل: اصمه واعماه وكما قيل في المثل: حبك للشئ يعمي ويصم - يريدون به ما قلناه - وقال مسكين الدارمي: اعمى إذا ما جارتي خرجت * حتى يواري جارتي الخدر ويصم عما كان بينهما * سمعي وما بي غيره وقر (1) وقال آخر: اصم عما ساءه سميع فجمع الوصفين وانما جاز (صم وبكم) بعد وصف حالهم في الآخرة كما في قوله: (وتركهم في ظلمات لا يبصرون) لامرين: احدهما - ان المعتمد من الكلام على ضرب المثل لهم في الدنيا في الانتفاع باظهار الايمان الثاني إنه اعتراض بين مثلين بما يحقق حالهم فيهما على سائر امرهما وقيل إن معناه: التقديم والتأخير * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية بدل " يصم " " تصم " وبدل: " سمعي " " أذني " وبدل " بي " " في " وبدل " غيره " " سمعها " والبيتان في " معجم الادباء 11: 132
[ 91 ]
قوله تعالى: أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين اللغة والتفسير: الصيب على فيعل من صاب يصوب وأصله صيوب لكن استقبلتها يا
ساكنة فقلبت الواو ياء وأدغمتا كما قيل: سيد من ساد يسود وجيد من جاد يجود قياسا مطردا والصيب المطر وكل نازل من علو إلى أسفل يقال فيه صاب يصوب قال الشاعر: كأنهم صابت عليهم سحابه * صواعقها لطيرهن دبيب (1) وقال عبيد بن الابرص: حي عفاها صيب رعده * داني النواحي مغدق وابل وهذا مثل ضربه الله للمنافقين كان المعنى: أو كاصحاب صيب فجعل كفر اللاسلام لهم مثلا فيما ينالهم فيه من الشدائد والخوف وما يستضيئون به من البرق مثلا لما يستضيئون به من الاسلام وما ينالهم من الخوف في البرق بمنزلة ما يخافونه من القتل بدلالة قوله: (يحسبون كل صيحة عليهم) " 2 " وقال ابن عباس: الصيب القطر وقال عطا: هو المطر وبه قال ابن مسعود وجماعة من الصحابة وبه قال قتادة وقال مجاهد: الصيب: الربيع وتأويل الآية: مثل استضاءة المنافقين بضوء إقرارهم بالاسلام مع استسرارهم الكفر كمثل موقد نار يستضئ بضوء ناره أو كمثل مطر مظلم ودقه يجري من السماء تحمله مزنة ظلماء في ليلة مظلمة فان قيل: فان كان المثلان للمنافقين * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية (يطرهن) بدل (لطيرهن) والبيت لعلقمة بن عبده والبيت في ديوانه وفي شرح المفضليات " 2 " سورة المنافقون: آية 4
[ 92 ]
فلم قال: (أو كصيب) وأو لا تكون إلا للشك وان كان مثلهم واحدا منهما فما وجه ذكر الآخر بأو وهي موضوعه للشك من المخبر عما أخبر به ؟ قيل: إن (أو) قد تستعمل بمعنى الواو كما تستعمل للشك بحسب ما يدل عليه سياق الكلام قال توبة بن الحمير:
وقد زعمت ليلى باني فاجر * لنفسي تقاها أو عليها فجورها ومعلوم أن توبة لم يقل ذلك على وجه الشك وانما وضعها موضع الواو وقال جرير: نال الخلافة أو كانت له قدرا * كما أتى ربه موسى على قدر ومثله كثير قال الزجاج: معنى (أو) في الآية التخيير كأنه قال: إنكم مخيرون بان تمثلوا المنافقين تارة بموقد النار وتارة بمن حصل في المطر يقال: جالس الحسن أو ابن سيرين أي: انت مخير في مجالسة من شئت منهما والرعد: قال قوم: هو ملك موكل بالسحاب يسبح روي ذلك عن مجاهد وابن عباس وابي صالح وهو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) وقال قوم: هو ريح يختنق تحت السماء رواه أبو خالد عن ابن عباس وقال قوم: هو اصطكاك اجرام السحاب فمن قال انه ملك قدر فيه صوته كأنه قال: فيه ظلمات وصوت رعد لانه روي انه يزعق به كما يزعق الراعي بغنمه والصيب إذا كان مطرا والرعد إذا كان صوت ملك كان يجب أن يكون الصوت في المطر لانه قال (فيه) والهاء راجعة إليه والمعلوم خلافه لان الصوت في السحاب والمطر في الجو إلى أن ينزل ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن يقال: لا يمتنع أن يحل الصوت المطر حين انفصاله من السحاب ولا مانع يمنع منه ويحتمل أن يكون المراد بفي (مع) كأنه قال: معه ظلمات ورعد وقد بينا جوازه فيما مضى واما البرق فمروي عن علي (عليه السلام) أنه قال: مخاريق الملائكة من حديد تضرب بها السحاب فتنقدح منها النار وروي عن ابن عباس: انه سوط من نور يزجر به الملك السحاب وقال قوم: إنه ما رواه أبو خالد عن ابن
[ 93 ]
عباس وقال مجاهد: هو مصع ملك والمصاع: المجالدة بالسيوف وبغيرها قال
أعشى بني ثعلبة يصف جواري لعبن بحليهن: إذا هن نازلن أقرانهن * وكان المصاع بما في الجون " 1 " يقال منه: ما صعه مصاعا والمعاني متقاربة لان قول علي عليه السلام: إنه مخاريق وقول ابن عباس: إنه سياط يتقاربان وما قال مجاهد: إنه مصاع قريب لانه لا يمتنع انه أراد مصاع الملك بذلك وإزجاره به والصواعق جمع صاعقة: وهو الشديد من صوت الرعد فتقع منه قطعة نار تحرق ما وقعت فيه والصاعقة: صيحة العذاب والصاعاق: الصوت الشديد للثور والحمار صعق صعاقا والصعق: الموت من صوت الصاعقة والصعق الغشي من صوت الصاعقة صعق فهو صعق ومنه قوله (وخر موسى صعقا) " 2 " وروي شهر ابن حوشب: ان الملك إذا اشتد غضبه طارت النار من فيه فهي الصواعق وقيل: إن الصواعق نار تنقدح من اصطكاك الاجرام وقريش وغيرهم من الفصحاء يقولون: صاعقة وصواعق والقوم يصعقون وتميم وبعض ربيعة يقولون: صواقع والقوم يصقعون وفي تأويل الآية وتشبيه المثل أقاويل: روي عن ابن عباس: أنه مثل للقرآن شبه المطر المنزل من السماء بالقرآن وما فيه الظلمات بما في القرآن من الابتلاء وما فيه من الرعد بما في القرآن من الزجر وما فيه من البرق بما فيه من البيان وما فيه من الصواعق بما في القرآن من الوعيد آجلا والدعاء إلى الجهاد عاجلا والثاني - وقيل: إنه مثل للدنيا وما فيها من الشدة والرخاء والبلاء كالصيب الذي يجمع نفعا وضرا فان المنافق يدفع عاجل الضر ويطلب آجل النفع والثالث - انه مثل القيمة لما يخافونه من وعيد الآخرة لشكهم في دينهم * (الهامش) * " 1 " في الطبعة الايرانية (كان) بدل وكان ما ذكرنا عن ديوانه 15
" 2 " سورة الاعراف: آية 142
[ 94 ]
وما فيه من البرق بما فيه من إظهار الاسلام من حقن دمائهم ومناكحتهم ومواريثهم وما فيه من الصواعق بما في الاسلام من الزواجر بالعقاب في العاجل والآجل والرابع - أنه ضرب الصيب مثلا بضرب إيمان المنافق ومثل ما في الظلمات بضلالته وما فيه من البرق بنور إيمانه وما فيه من الصواعق بهلاك نفاقه والوجه الاخير اشبه بالظاهر وأليق بما تقدم وروي عن ابن مسعود وجماعة من الصحابة: أن رجلين من المنافقين من أهل المدينة هربا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأصابهما المطر الذي ذكره الله (فيه رعد شديد وصواعق وبرق) فجعلا كلما اصابتهما الصواعق جعلا أصابعهما في آذانهما من الفرق " 1 " أن تدخل الصواعق في آذانهما فتقتلهما وإذا لمع البرق مشيا في ضوئه وإذا لم يلمع لم يبصرا فاقاما في مكانهما لا يمشيان فجعلا يقولان: ليتنا قد اصبحنا فنأني محمدا فنضع أيدينا في يده فاصبحا فاتياه وأسلما وحسن إسلامهما فضرب الله شأن هذين المنافقين مثلا لمنافقي المدينة وأنهم إذا حضروا النبي صلى الله عليه وآله جعلوا أصابعهم فرقا من كلام النبي صلى الله عليه وآله أن ينزل فيهم شئ كما قام ذانك المنافقان يجعلان أصابعهما في آذانهما (وإذا أضاء لهم مشوا فيه): يعني إذا كثرت اموالهم وأصابوا غنيمة وفتحا مشوا فيه وقالوا دين محمد (صلى الله عليه وآله) صحيح (وإذا أظلم عليهم قاموا): يعني إذا أهلكت أموالهم وولد البنات واصابهم البلاء قالوا: هدا من أجل دين محمد صلى الله عليه وآله وارتدوا كما قام ذانك المنافقان إذا أظلم البرق عليهما ويقوي عندي أن هذا مثل آخر ضربه الله
بالرعد والبرق ولما هم فيه من الحيرة والالتباس يقول لا يرجعون إلى الحق إلا خلسا كما يلمع البرق ثم يعودون إلى ضلالهم واصلهم الذي هم عليه ثابتون واليه يرجعون والكفر كظلمة الليل والمطر الذي يعرض في خلالهما البرق لمعا وهم في * (الهامش) * الفرق: الخوف
[ 95 ]
اثناء ذلك يحذرون الوعيد والعذاب العاجل إن أظهروا الكفر كما يحذرون الصواعق من الرعد فيضعون أصابعهم في آذانهم ارتياعا وانزعاجا في الحال ثم يعودون إلى الحيرة والضلال (حذر الموت): نصب على التمييز وتقديره (من حذر الموت) ويجوز ان يكون نصبا لانه مفعول له فكأنه قال: يفعلون هذا الاجل حذر الموت ويحتمل أن يكون نصبا على الحال والموت: ضد الحياة والاماتة: فعل بعده الموت والميتة: ما لم تدرك ذكاته والميتة: الموت في حال مخصوص من ذلك ميتة سوء والموتان: وقوع الموت في المواشي وموتت المواشي: إذا كثر فيها الموت وموتان الارض: التي لم تزرع والحذر: طلب السلامة من المضرة وحذره تحذيرا وحاذره محاذرة والحذيرة: المكان الغليظ لانه يتحذر منه قوله: (محيط بالكافرين) يحتمل أمرين: احدهما - إنه عالم بهم - وإن كان عالما بغيرهم - إنما خصهم لما فيه من التهديد والثاني - إنه المقتدر عليهم - وان كان مقتدرا على غيرهم - لانه تقدم ذكرهم ولما فيه من الوعيد والمحيط: القادر قال الشاعر:
أحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا * بما قدروا مالوا جميعا إلى السلم أي قدرنا عليهم فاما الاحاطة بمعنى كون الشئ حول الشئ مما يحيط به فلا يجوز على الله تعالى لانه من صفات الاجسام والذي يجوز الاحاطة بمعنى الاقدار والملك كما يقال: أحاط ملكك بمال عظيم: يعنون أنه يملك مالا عظيما ويقال حاطه يحوطه حوطا: إذا حفظه من سوء يلحقه ومنه الحائط لانه يحيط بما فيه واحاط به: جعل عليه كالحائط الدائر والاحتياط: الاجتهاد في حفظ الشئ
[ 96 ]
قوله تعالى: يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شئ قدير آية المعنى: معنى (يكاد): يقارب وفيه مبالغة في القرب وحذفت منه أن لانها للاستقبال قال الفرزدق: يكاد يمسكه عرفان راحته * ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم (يخطف) فيه لغتان يقال: خطف يخطف وخطف يخطف والاول أفصح وعليه القراء وروي عن الحسن (يخطف) - بكسر الخاء وكسر الطاء ويروى (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء والخطف: السلب ومنه الحديث أنه نهى عن الخطفة: يعني النهبة ومنه قيل الخطاف: والذي يخرج به الدلو من البئر (خطاف) لاختطافه واستلابه قال نابغة بني ذبيان: خطاطيف حجن في حبال متينة * تمد بها أيد اليك نوازع " 1 " جعل ضوء البرق وشدة شعاع نوره كضوء إقرارهم بألسنتهم بالله وبرسوله
وبما جاء من عند الله واليوم الآخر ثم قال: (كلما أضاء لهم مشوا فيه): يعني كلما أضاء البرق لهم وجعل البرق مثلا لايمانهم وإضاءة الايمان أن يروا فيه ما يعجبهم في عاجل دنياهم من إصابة الغنائم والنصرة على الاعداء فلذلك أضاء لهم لانهم إنما يظهرون بألسنتهم ما يظهرونه من الاقرار ابتغاء ذلك ومدافعة عن انفسهم واموالهم كما قال: " ومن الناس من يعبد الله على حرف فان أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه " " 2 " (وإذا أظلم عليهم): يعني * (الهامش) * " 1 " خطاطيف: ج خطاف وحجن ج أحجن: وهو المعوج ونوازع ج نازع ونازعة من قولهم نزع الدلو من البئر ينزعها جذبها أخرجها " 2 " سورة الحج آية 11
[ 97 ]
ضوء البرق على السائرين في الصيب الذي ضربه مثلا للمنافقين وظلام المنافقين: أن يروا في الاسلام ما لا يعجبهم في دنياهم من ابتلاء الله المؤمنين بالضراء وتمحيصه اياهم بالشدائد والبلاء من إخفاقهم في مغزاهم أو إدالة عدوهم أو إدبار دنياهم عنهم أقاموا على نفاقهم وثبتوا على ضلالهم كما ثبت السائر في الصيب الذي ضربه مثلا (إذا أظلم) وخفت ضوء البرق فحار في طريقه فلم يعرف منهجه وقوله: (ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم) انما خص الله تعالى ذكر السمع والبصر انه لو شاء لذهب بهما دون سائر اعضائهم لما جرى من ذكرهما في الآيتين من قوله: (يجعلون اصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت) وفي قوله (يخطف أبصارهم) فلما جرى ذكرهما على وجه المثل عقب بذكر ذلك بانه لو شاء اذهبه من المنافقين عقوبة لهم على نفاقهم وكفرهم كما توعد في قوله: (محيط بالكافرين) وقوله: " بسمعهم " قد بينا فيما تقدم أنه مصدر يدل على الجمع وقيل: إنه واحد موضوع للجمع فكأنه أراد " باسماعهم " قال الشاعر:
كلوا في نصف بطنكم تعفوا * فان زمانكم زمن خميص (1) اراد البطون ويقال: ذهبت به واذهبته وحكي أذهب به وهو ضعيف ذكره الزجاج والمعنى: ولو شاء الله لا ظهر على كفرهم فدمر عليهم وأهلكهم لانه) على كل شئ قدير): أي قادر وفيه مبالغة قوله تعالى: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون آية القراءة: أفصح اللغات فتح الهاء ب " أيها " وبعض بني مالك من بني اسد رهط شقيق بن سلمة يقولون: يا أيه الناس ويا أيته المرأة ويا أيه الرجل ولا يقرأ بها ومن * (الهامش) * (1) من ابيات سيبويه التي لا يعلم قائلها سيبويه الخزانة
[ 98 ]
رفعها توهمها آخر الحروف وقد حذفت الالف في الكتابة من ثلاثة مواضع: أيه المؤمنون ويا أيه الساحر وأيه الثقلان وسنذكر خلاف القراء في التلفظ بها النزول: وروي عن علقمة والحسن: أن كلما في القرآن " يا أيها الذين آمنوا " نزل بالمدينة وما فيه " يا ايها الناس " نزل بمكة واعلم أن " أيا " اسم مبهم ناقص جعل صلة إلى نداء ما فيه الالف واللام ويلزمه ها التي للتنبيه لابهامه ونقصه واجاز المازني " يا اي الظريف " قباسا على " يا زيد الظريف " ولم يجزه غيره لان " ايا " ناقص والنصب عطفا على الموضع بالحمل على المعنى ولا يحمل على التأويل إلا بعد التمام وهذا هو الصحيح عندهم المعنى:
وهذه الآية متوجهة إلى جميع الناس: مؤمنهم وكافرهم لحصول العموم فيها إلا من ليس بشرائط التكليف من المجانين والاطفال وروي عن ابن عباس أنه قال: قوله " اعبدوا ربكم " أي وحدوه وقال غيره: ينبغي أن يحمل على عمومه في كل ما هو عبادة لله: من معرفته ومعرفة أنبيائه والعمل بما أوجبه عليهم وندبهم إليه وهو الاقوى وقوله: " لعلكم تتقون ": أي تتقون عذابه بفعل ما أوجبه عليكم كما قال: " واتقوا النار التي أعدت للكافرين " الاعراب: وقوله: " والذين " في موضع نصب لانه عطف على الكاف والميم في قوله: (خلقكم) وهو مفعول به (من قبلكم): اي من تقدم زمانكم من الخلائق والبشر وقال مجاهد: (تتقون): مطيعون والاول أقوى والخلق: هو الفعل على تقدير وخلق الله السماوات: فعلها على تقدير ما تدعو إليه الحكمة من غير زيارة ولا نقصان ومثله الرزق والخلق: الطبع والخليقة: الطبيعة وخليق به: شبيه به والخلاق: النصيب والاختلاق: افتعال الكذب والخلق: البالي والاخلق: والاملس
[ 99 ]
ومعنى " لعلكم تتقون " قال الشاعر: وقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا * نكف ووثقتم لناكل موثق فلما كففنا الحرب كانت عهودكم * كلمح سراب في الملا متألق (1) يعني قلتم لنا: كفوا لنكف لانه لو كان شاكا لما كانوا وثقوا كل موثق ويقول القائل: اقبل قولي لعلك ترشد وادخاله " لعل " ترقيق للموعظة وتقريب لها من قلب الموعوظ يقول القائل لاجيره: اعمل لعلك تأخذ الاجرة وليس يربد بذلك الشك وانما يريد لتأخذ اجرتك وقال سيبويه: انما ورد ذلك على شك
المخاطبين كما قال تعالى: (فقولا له قولا لينا لعله يتذكراو يخشى) واراد بذلك الابهام على موسى وهارون وفائدة ايراد لفظة " لعل " هو ان لا يحل العبد ابدا محل الامن المدل لكي يزداد حرصا على العمل وحذرا من تركه واكثر ما جاءت لعل وغيرها من معاني التشكيك فيما يتعلق بالاخرة في دار الدنيا فإذا ذكرت الاخرة مفردة جاء اليقين وهذه الآية يمكن الاستدلال بها على ان الكفار مخاطبون بالعبادات لدخولهم تحت الاسم وقال بعضهم: معنى قوله (لعلكم تتقون) لكي تتقوا النار في ظنكم ورجائكم لانهم لا يعلمون انهم يوقون النار في الآخرة لان ذلك من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله قال: لعلكم تتقون ذلك في ظنكم ورجائكم واجري (لعل) على العباد دون نفسه تعالى الله عن ذلك وهذا قريب مما حكيناه عن سيبويه و (لعل) في الآية يجوز أن تكون متعلقة بالتقوى ويجوز أن تكون متعلقة بالعبادة في قوله: (اعبدوا) وهو الاقوى قوله تعالى: الذي جعل لكم الارض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فاخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون آية واحدة (الذي): في موضع نصب لانه نعت لقوله: (ربكم) في قوله: (اعبدوا * (الهامش) * (1) قائلها غير معروف رواهما ابن الشجري في أماليه 1 - 15 وهناك رواية أخرى
[ 100 ]
ربكم) وهي مثل الذي قبلها فانهما جميعا نعتان ل - (ربكم) فراشا: يعني مهادا أو وطاء لا حزنة غليظة لا يمكن الاستقرار عليها وتقديره: اعبدوا ربكم الخالق لكم والخالق للذين من قبلكم الجاعل لكم الارض فراشا فذكر بذلك عباده نعمه عليهم وآلاءه لديهم ليذكروا اياديه عندهم فيثبتوا على طاعته تعطفا منه بذلك عليهم ورأفة منه بهم ورحمة لهم من غير ما
حاجة منه إلى عبادتهم ليتم نعمته لعلهم يهتدون وسمي السماء سماء لعلوها على الارض وعلو مكانها من خلقه وكل شئ كان فوق شئ فهو لما تحته سماء لذلك وقيل لسقف البيت سماء لانه فوقه وسمى السحاب سماء ويقال: سمى فلان لفلان إذا أشرف له وقصد نحوه عاليا عليه قال الفرزدق: سمونا لنجران اليماني واهله * ونجران أرض لم تديث مقاوله (1) وقال النابغة الذبياني: سمت لي نظرة فرأيت منها * تحيت الخدر واضعة القرام (2) يريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت وقال الزجاج: كل ما على الارض فهو فهو بناء لامساك بعضه بعضا فيأمنوا بذلك سقوطها فخلق السماء بلا عمد وخلق الارض بلا سند يدل على توحيده و قدمه لان المحدث لا يقدر على مثل ذلك وانما قابل بين السماء وبين الفراش لامرين: احدهما - ما حكاه أبو زيد: أن بنيان البيت سماؤه: وهو اعلاه وكذلك بناؤه وانشد: بنى السماء فسواها ببنيتها * ولم تمد باطناب ولا عمد * (الهامش) * " كلمح سراب في الفلا.. " والمعنى واحد فالملا: الصحراء والمتسع من الارض والفلا جمع فلاة: وهي الارض المستوية ليس فيها شئ (1) ديوانه: 735 ونجران: ارض في مخاليف اليمن من مكة وديث البعير: ذلله بعض الذل حتى تذهب صعوبته والمقاول: جمع مقول والمقول والقيل: الملك من ملوك حمير (2) ديوانه: 86 وروايته: " صفحت بنظرة " والقرام: ستر رقيق فيه رقم ونقوش والخدر هنا: الهودج وفي الطبعة الايرانية بدل " تحيت " " بحيث "
[ 101 ]
يريد (ببنيتها): علوها والثاني - أن سماء البيت لما كان قد يكون بناء وغير بناء: إذا كان من شعر أو وبر أو غيره قيل جعلها بناء ليدل على العبرة برفعها وكانت المقابلة في الارض والسماء باحكام هذه بالفرش وتلك بالبناء وقوله: (من السماء) أي من ناحية السماء قال الشاعر: أمنك البرق أرقبه فهاجا أي من ناحيتك فبناء السماء على الارض كهيئة القبة وهي سقف على الارض وانما ذكر السماء والارض فيما عد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم لان فيها أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم وبها قوام دنياهم وأعلمهم أن الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما من أنواع النعم هو الذي يستحق العبادة والطاعة والشكر دون الاصنام والاوثان التي لا تضر ولا تنفع وقوله: (وأنزل من السماء ماء): يعني مطرا فاخرج بذلك المطر مما أنبتوه في الارض من زرعهم وغروسهم ثمرات رزقا لهم وغذاء وقوتا تنبيها على أنه هو الذي خلقهم وأنه الذي يرزقهم ويكلفهم دون من جعلوه ندا وعدلا من الاوثان والآلهة ثم زجرهم أن يجعلوا له ندا مع علمهم بان ذلك كما أخبرهم وانه لا ندله ولا عدل ولا لهم نافع ولا ضار ولا خالق ولا رازق سواه بقوله: " فلا تجعلوا لله أندادا " والند: العدل والمثل قال حسان بن ثابت: اتهجوه ولست له بند * فشر كما لخير كما الفداء (1) أي لست له بمثل ولا عدل وقال جرير: أتيما تجعلون إلي ندا * وما تيم لذي حسب نديد وقال مفضل بن سلمة الند: الضد والندود: الشرود كما يند البعير ويوم التناد: يوم التنافر والتنديد: التقليل والفراش: البساط والفرش: البسط
فرش يفرش فرشا وافترش افتراشا وفراش الرأس: طرائق رقاق من القحف * (الهامش) * (1) ديوانه 28 روايتة " بكف "
[ 102 ]
والفراش: فراش القاع والطين بعد ما يبس على وجه الارض والفراش: الذي يطير ويتهافت في السراج وجارية فريش: قد افترشها الرجل والفرش: صغار النعم ورجل فراشة: خفيف والفرش من الشجر: دقه واصل الماء: موه لانه يجمع امواها ويصغر مويه وماهت الركية تموه موها واماهها صاحبها: - إذا أكثر ماءها - إماهة وروى عن ابن مسعود وغيره من الصحابة أن معنى الآية: لا تجعلوا لله أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله قال ابن عباس: إنه خاطب بقوله: (ولا تجعلوا لله أندادا وانتم تعلمون) جميع الكفار من عباد الاصنام واهل الكتابين لان معنى قوله: " وانتم تعلمون " أنه لا رب لكم يرزقكم غيره وإن ما تعبدون لا يضر ولا ينفع وروي عن مجاهد: أنه عنى بذلك أهل الكتابين لانهم الذين كانوا يعلمون أنه لا خالق لهم غيره ولا منعم عليهم سواه والعرب ما كانت تعتقد وحدانيته تعالى والاول أقوى لان الله تعالى قد أخبر أن العرب قد كانت تعتقد وحدانيته تعالى فقال تعالى حكاية عنهم: (ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله ولنن سألتهم من خلقهم ليقولن الله) وقال تعالى: " قل من يرزقكم من السماء والارض أم من يملك السمع والابصار ومن يخرج الحي من الميت ويدبر الامر سيقولون الله فقل ألا تتقون " (1) ؟ فحمل الآية على عمومها اولى ويطابق أول الآية وقد بينا أن خطابه لجميع الخلق واستدل ابو علي الجبائي بهذه الآية على أن الارض بسيطة ليست كرة كما يقول المنجمون والبلخي بأن قال: جعلها فراشا والفراش البساط بسط الله تعالى اياها والكرة
لا تكون مبسوطة قال: والعقل يدل ايضا على بطلان قولهم لان الارض لا يجوز أن تكون كروية مع كون البحار فيها لان الماء لا يستقر إلا فيما له جنبان يتساويان لان الماء لا يستقر فيه كاستقراره في الاواني فلو كانت له ناحية في البحر مستعلية على الناحية الاخرى لصار الماء من الناحية المرتفعة إلى الناحية * (الهامش) * " 1 " سورة يونس: آية 31
[ 103 ]
المنخفضة كما يصير كذلك إذا امتلا الاناء الذي فيه الماء وهذا لا يدل على ما قاله لان قول من قال الارض كروية معناه إن لجميعها شكل الكرة وقوله: " وانتم تعلمون " يتحمل امرين: احدهما - إنكم تعلمون أنه لا خالق لكم ولا منعم بما عدده من انواع النعيم سوى الله وإن من اشركتم به لا يضر ولا ينفع والثاني - إنه أراد وأنتم علماء بامور معايشكم وتدبير حروبكم ومضاركم ومنافعكم لستم باغفال ولا جهال قوله تعالى: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين آية بلا خلاف الحجة: هذه الآية فيها احتجاج لله تعالى لنبيه محمد (صلى الله عليه وآله) على مشركي قوم من العرب والمنافقين وجميع الكفار من أهل الكتابين وغيرهم لانه خاطب أقواما عقلاء ألباء " 1 " في الذروة العليا من الفصاحة والغاية القصوى من البلاغة واليهم المفزع في ذلك فجاءهم بكلام من جنس كلامهم وجعل عجزهم من مثله حجة عليهم ودلالة على بطلان قولهم ووبخهم وقرعهم وامهلهم المدة الطويلة وقال لهم: (فأتوا بعشر سور مثله مفتريات) " 2 " ثم قال: (فاتوا بسورة مثله) " 3 "
وقال في موضع آخر: (بسورة من مثله) وخبرهم أن عجزهم إنما هو عن النظير والجنس مع أنه ولد بين أظهرهم ونشأ معهم ولم يفارقهم في سفر ولا حضر وهو من لا يخفى عليهم حاله لشهرته وموضعه وهم اهل الحمية والانفة يأتي الرجل منهم بسبب كلمة على القبيلة فبذلوا أموالهم ونفوسهم في إطفاء امره ولم يتكلفوا معارضته * (الهامش) * " 1 " الباء: ج لبيب " 2 " سورة هود: آية 13 " 3 " سورة يونس: آية 38
[ 104 ]
بسورة ولا خطبة فدل ذلك على صدقه وذكرنا ذلك في الاصول المعنى: وقوله: (بسورة من مثله) قال قوم: إنها بمعنى التبعيض: وتقديره: فاتوا ببعض ما هو مثل له وهو سورة وقال آخرون: هي بمعنى تبيين الصفة كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الاوثان) " 1 " وقال قوم: إن " من " زائدة كما قال في موضع آخر: " بسورة مثله " يعني مثل هذا القرآن وقال آخرون: أراد ذلك من مثله في كونه بشرا اميا طريقته مثل طريقته والاول أقوى لانه تعالى قال في سورة أخرى: " بسورة مثله " ومعلوم أن السورة ليست محمدا " ص " ولا له بنظير ولان في هذا الوجه تضعيفا لكون القرآن معجزة ودلالة على النبوة وقوله: " وادعوا شهداءكم من دون الله " قال ابن عباس: أراد أعوانكم على ما أنتم عليه إن كنتم صادقين وقال الفراء: أراد ادعوا آلهتكم وقال مجاهد وابن جريح أراد قوما يشهدون لكم بذلك ممن يقبل قولهم وقول ابن عباس أقوى وقوله: " مثله " أراد به ما يقاربه في الفصاحة ونظمه وحسن ترصيفه وتأليفه ليعلم أنه إذا عجزوا عنه ولم يتمكنوا منه أنه من فعل الله تعالى جعله
تصديقا لنبيه وليس المراد أن القرآن له مثل عند الله ولو لاه لم يصح التحدي لان ما قالوه: لا دليل عليه والاعجاز يصح وإن لم يكن له مثل أصلا بل ذلك أبلغ في الاعجاز لان ذلك جار مجرى قوله: (هاتوا برهانكم) " 2 " وانما أراد نفي البرهان أصلا والدعاء اراد به الاستعانة قال الشاعر: وقبلك رب خصم قد تمالوا * علي فما جزعت ولا دعوت وقال آخر: فلما التقت فرسانيا ورجالهم * دعوا يالكعب واعتزينا لعامر " 3 " * (الهامش) * " 1 " سورة الحج آية 30 " 2 " سورة البقرة آية 111 " 3 " في الطبعة الايرانية و " رجالنا " بدل " رجالهم " والبيت للراعي النميري: اللسان " عزا " واعتزى
[ 105 ]
يعني انتصروا بكعب واستغاثوا بهم وشهداء جمع شهيد: مثل شريك وشركاء وخطيب وخطباء والشهيد: يسمى به الشاهد على الشئ لغيره بما يحقق دعواه وقد يسمى به المشاهد للشئ كما يقال: جليس فلان يريد به مجالسه ومنادمه فعلى هذا تفسير ابن عباس أقوى وهو أن معناه استنصروا أعوانكم على أن يأتوا بمثله وشهداءكم الذين يشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيب الله ورسوله ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم إن كنتم محقين وما قاله مجاهد وابن جريح في تأويل ذلك لا وجه له لان القوم على ثلاثة اصناف: فبعضهم اهل ايمان صحيح وبعضهم أهل كفر صحيح وبعضهم أهل نفاق فأهل الايمان إذا كانوا مؤمنين بالله ورسوله فلا يجوز ان يكونوا شهداء للكفار على ما يدعونه واما اهل النفاق والكفر فلا شك انهم إذا دعوا إلى تحقيق
الباطل وابطال الحق سارعوا إليه مع كفرهم وضلالتهم فمن أي الفريقين كانت تكون شهداء لكن يجري ذلك مجرى قوله: " قل لئن اجتمعت الانس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " " 1 " وقد أجاز قوم هذا الوجه أيضا قالوا: لان العقلاء لا يجوز أن يحملوا نفوسهم على الشهادة بما يفتضحون به في كلام أنه مثل القرآن ولا يكون مثله كما لا يجوز ان يحملوا نفوسهم على ان يعارضوا ما ليس بمعارض في الحقيقة ومعنى الآية: إن كنتم في شك من صدق محمد صلى الله عليه وآله فيما جاءكم به من عندي فاتوا بسورة من مثله " فاستنصروا بعضكم بعضا على ذلك إن كنتم صادقين في زعمكم حتى إذا عجزتم وعلمتم انه لا يقدر على ان يأتي به محمد " ص " ولا احد من البشر يتضح عندكم انه من عند الله تعالى قوله تعالى: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين آية المعنى: معنى " فان لم تفعلوا " لم تأتوا بسورة من مثله - قد تظاهرتم انتم * (الهامش) * (1) سورة أسرى: آية 88
[ 106 ]
وشركاؤكم عليه واعوانكم - وقد تبين لكم بامتحانكم واختباركم عجزكم وعجز جميع الخلق عنه وعلمتم انه من عندي ثم اقمتم على التكذيب به وقوله: (ولن تفعلوا) لا موضع له من الاعراب وانما هو اعتراض بين المبتدأ والخبر كقولك: زيد - فافهم ما اقول - رجل صدق وانما لم يكن له موضع اعراب لانه لم يقع موضع المفرد ومعنى (ولن تفعلوا): اي لن تأتوا بسورة من مثله ابدا لان (لن) تنفي على التأبيد في المستقبل وفي قوله: (ولن تفعلوا) دلالة على صحة نبوته لانه يتضمن الاخبار عن حالهم في المستقبل بانهم
لا يفعلون ولا يجوز لعاقل ان يقدم على جماعة من العقلاء يريد تهجينهم فيقول: انتم لا تفعلون إلا وهو واثق بذلك ويعلم ان ذلك متعذر عندهم وينبغي ان يكون الخطاب خاصا لمن علم الله انه لا يؤمن ولا يدخل فيه من آمن فيما بعد وإلا كان كذبا وقوله: (فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة) الوقود - بفتح الواو اسم لما يوقد والوقود - بضمها -: المصدر وقيل إنهما بمعنى واحد في المصدر واسم الحطب حكاه الزجاج والبلخي والاول أظهر (اتقوا الله) - مشددة - لغة اهل الحجاز وبنو أسد وتميم يقولون: (تقوا الله) خفيف بحذف الالف (الحجارة) قيل: إنها حجارة الكبريت لانها أحر شئ إذا حميت وروي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والظاهر إن الناس والحجارة: وقود النار وحطبها كما قال: (إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم) " 1 " تهيبا وتعظيما بانها تحرق الحجارة والناس وقيل: إن أجسادهم تبقى على النار بقاء الحجارة التي توقدها النار بالقدح وقال قوم معناه: أنهم يعذبون بالحجارة المحماة مع النار والاول أقوى وأليق بالظاهر وانما جاز أن يكون قوم: (فاتقوا النار) جواب الشرط مع لزوم الاتقاء * (الهامش) * " 1 " سورة الانبياء: آية 98
[ 107 ]
من النار كيف تصرفت الحال لانه لا يلزمهم الاتقاء على التصديق بالنبوة إلا بعد قيام المعجزة فكأنه قال: فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فقد قامت الحجة ووجب اتقاء النار بالمخالفة وقوله: (اعدت للكافرين) لا يمنع من اعدادها لغير الكافرين من الفساق
كما قال: (وإن جهنم لمحيطه بالكافرين) " 1 " ولم يمنع ذلك من إحاطتها بالفساق والزناة والزبانية وقال قوم: هذه نار مخصوصة للكافرين لا يدخلها غيرهم والفساق لهم نار أخرى وقد استدل بهذه على بطلان قول من حرم النظر والحجاج العقلي بان قيل: كما احتج الله تعالى على الكافرين بما ذكره في هذه الآية وألزمهم به تصديق النبي صلى الله عليه وآله والمعرفة بان القرآن كلامه لانه قال: إن كان هذا القرآن كلام محمد فاتوا بسورة من مثله ودلهم بعقولهم أنه لو كان كلام محمد لتهيأ لهم مثل ذلك لانهم الذين يؤخذ عنهم اللغة وإذا كان لم يتهيأ لهم ذلك علموا بعقولهم أنه من كلام الله وهذا هو معنى الاحتجاج بالعقول فيجب ان يكون ذلك صحيحا من كل واحد قوله تعالى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الانهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابها ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون آية اللغة: البشارة: هو الاخبار بما يسر المخبر به إذا كان سابقا لكل خبر سواه لان الثاني لا يسمى بشارة وقد قيل: إن الاخبار بما يغم ايضا يسمى بشارة كما قال تعالى: (فبشرهم بعذاب أليم) " 2 " والاولى أن يكون ذلك مجازا وهي مأخوذة * (الهامش) * (1) سورة التوبة: آية 50 " 2 " سورة آل عمران: آية 21
[ 108 ]
من البشرة: وهي ظاهر الجلد لتغييرها بأول الخبر ومنه تباشير الصبح: أوله وكذلك تباشير كل شئ المبشرات: الرياح التي تحبئ لسحاب والبشر: الانسان
والبشرة: أعلى جلدة الجسد والوجه من الانسان والمباشرة: ملا صقة البشرة والبشر: قشر الجلد والجنان: جمع جنة والجنة: البستان والمراد بذكر الجنة ما في الجنة من اشجارها واثمارها وغروسها دون أرضها فلذلك قال: (تجري من تحتها الانهار) لانه معلوم انه اراد الخبر عن ماء انهارها انه جار تحت الاشجار والغروس والثمار لا انه جار تحت ارضها لان الماء كان تحت الارض جاريا فلا حظ فيه للعيون إلا بكشف الساتر بينه وبينها على ان الذي يوصف به انهار الجنة انها جارية في غير اخاديد روي ذلك عن مسروق رواه عنه أبو عبيدة وغيره الاعراب: (وجنات): منصوب بان وكسرت التاء لانها تاء التأنيث في جمع السلامة وهي مكسورة في حال النصب بالخفض وموضع " ان " نصب بقوله: " وبشر الذين " وقال الخليل والكسائي: موضعة الجر بالباء كأنه قال: وبشرهم بأن لهم المعنى: وقال الفضل: الجنة: كل بستان فيه نخل وإن لم يكن شجر غيره وإن كان فيه كرم: فهو فردوس كان فيه شجر غير الكرم ام لم يكن (من ثمرة): من زائدة والمعنى: كلما رزقو ثمرة (ومنها): يعني من الجنات والمعنى: أشجارها وتقديرها: كلما رزقوا من اشجار البساتين التي اعدها الله للمؤمنين وقال الرماني: هي بمعنى التبعيض لانهم يرزقون بعض الثمرات في كل وقت ويجوز ان تكون بمعنى تبيين الصفة وهو ان يبين الرزق من اي جنس هو وقوله: " هذا الذي رزقنا من قبل " روي عن ابن عباس وابن مسعود
[ 109 ]
وجماعة من الصحابة انه الذي رزقنا في الدنيا وقال مجاهد: معناه اشبهه به وقال
بعضهم: أن ثمار الجنة أذا جنيت من اشجارها عاد مكانها فإذا رأوا ما عاد بعد الذي جني اشتبه عليهم فقالوا: هذا الذي رزقنا من قبل وهذا قول أبي عبيدة ويحيى بن أبي كثير وقال قوم: هذا الذي رزقنا وعدنا به في الدنيا وقد بينا فيما تقدم أن الرزق عبارة عما يصح الانتفاع به على وجه لا يكون لاحد المنع منه وقال المفضل ذلك يخص الاقوات وقال قوم: هذا الذي رزقنا من قبل لمشابهته في اللون وإن خالفه في الطعم واقوى الاقوال قول ابن عباس وأن معناه هذا الذي رزقنا في الدنيا لانه قال: (كلما رزقوا منها من ثمرة وزقا قالوا هذا الذي رزقنا من قبل) فعم ولم يخص فاول ما اتوا به لا يتقدر هذا القول فيه إلا بأن يكون اشارة إلى ما تقدم رزقه في الدنيا لانا فرضناه أولا وليس في الآية تخصيص ويكون التقدير هذا الذي رزقنا في الدنيا لان ما رزقوه أولا قد عدم واقام المضاف إليه مقام المضاف كما أن القائل إذا قال لغيره: أعددت لك طعاما ووصفه له يحسن أن يقول: هذا طعام كل وقت يريد مثله ومن جنسه ونوعه وقوله: " واتوا به متشابها " قال الضحاك: إذا رأوه قالوا: هو الاول في النظر واللون وإذا طعموا وجدوا له طعما غير طعم الاول وقوله: (واتوابه) معناه جيئوا به وليس معناه أعطوه وقال قوم: (وأتو به متشابها) أي يشبه بعضه بعضا إلا في المنظر والطعم أي كل واحد منه له من الفضل في نحوه مثل الذي للاخر في نحوه ذكره الاخفش وهذا كقول القائل: وقد جيئ بأثواب أو أشياء رآها فاضلة فاشتبهت عليه في الفضل فقال: ما أدري ما أختار منها كلها عندي فاضل قال الشاعر من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم * مثل النجوم التي يسري بها الساري يعني أنهم تساووا في الفضل والسؤدد وروي هذا عن الحسن وابن جريح وقال قتادة معناه يشبه ثمار الدنيا غير انها أطيب وقال ابن زيد والاشجعي: إن
التشابه في الاسماء دون الالوان والطعوم فلا يشبه ثمار الجنة شئ من ثمار الدنيا
[ 110 ]
في لون ولا طعم واولى هذه الاقوال أن يكون المراد به متشابها في اللون والمنظر على ان الطعم مختلف لما قدمناه من أن هذا يقولونه في أول الحال أيضا وما تقدر عليه غرة وبعد هذا قول من قال: معناه أن كلها جياد لا رذال فيه وقال بعض المتأخرين في قوله (هذا الذي رزقنا من قبل) معناه هذا الذي اعطينا بعبادتنا من قبل وقال أبو علي معناه ذلك ما يؤتون به في كل وقت من الثوات مثل الذي يؤتى في الوقت الذي قبله من غير زيادة ولا نقصان لانه لابد أن تتساوى مقادير الاستحقاق في ذلك وقال أيضا يجب أن يسوي بينهم في الاوقات في مقدار ما يتفضل به عليهم في وقت ويزدادون في وقت آخر قال: لان ذلك يؤدي إلى أن التفضل أعظم من الثواب وهذا الذي ذكره غير صحيح لان العقل لا يدل على مقادير الثواب في الاقات ولا يعلم ذلك غير الله بل عندنا لا يدل العقل على دوام الثواب وانما علم ذلك بالسمع والاجماع واما التفضل فلا شك أنه يجوز أن يزيد في وقت على ما يفضله في وقت آخر ولا يؤدي ذلك إلى مساواته للثواب لان الثواب يتميز من التفضل لمقارنة التعظيم له والتبجيل ولاجل ذلك يتميز كل جزء من الثواب من كل جزء من التفضل ولا زيادة هناك وقوله (ولهم فيها ازواج مطهرة) قيل في الابدان والاخلاق والافعال ولا يحضن ولا يلدن ولا يذهبن إلى غائط وهو قول جماعة المفسرين وقوله (وهم فيها خالدون) أي دائمون يبقون ببقاء الله لا انقطاع لذلك ولا نفاد قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم وأما الذين كفروا فيقولون
ماذا أراد الله بهذا مثلا يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين آية واحدة سبب النزول: اختلف اهل التأويل في سبب نزول هذه الآية فروي عن ابن مسعود وابن
[ 111 ]
عباس أن الله تعالى لما ضرب هذين المثلين للمنافقين وهو قوله (كمثل الذي استوقد نارا) وقوله (أو كصيب من السماء) قال المنافقون الله أجل من (أن يضرب مثلا) إلى آخر الآية وقال الربيع بن أنس هذا مثل ضربه الله للدنيا لان البعوضة تحيا ما جاعت فإذا سمنت ماتت فشبه الله تعالى هؤلاء بانهم إذا امتلؤوا أخذهم الله كما قال تعالى (فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم ابواب كل شئ إلى آخر الآية) (1) - إلى ان قال - (حتى إذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون) " 2 " وقال قتادة معناه أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها أي لا يستحيي من الحق أن يذكر منه شيئا ما قل أو كثر إن الله تعالى حين ذكر في كتابه الذباب والعنكبوت قال اهل الضلالة ماذا اراد الله من ذكر هذا ؟ فانزل الله تعالى (ان يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها: الآية) وكل هذه الوجوه حسنة واحسنها قول ابن عباس لانه يليق بما تقدم وبعده ما قال قتادة وليس لاحد ان يقول: هذا المثل لا يليق بما تقدم من حيث لم يتقدم للبعوضة ذكر وقد جرى ذكر الذباب والعنكبوت في موضع آخر في تشبيه آلهتهم بها وان يكون المراد بذلك اولى وذلك ان قوله: " ان الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها " انما هو خبر منه تعالى انه لا يستحيي تعالى أن يضرب مثلا في الحق من الامثال: صغيرها وكبيرها لان صغير الاشياء عنده وكبيرها بمنزلة واحدة من حيث لايتسهل الصغير ولا يصعب الكبير وإن في الصغير من الاحكام والاتقان ما في الكبير فلما تساوى
الكل في قدرته جاز أن يضرب المثل بما شاء من ذلك فيقر بذلك المؤمنون ويسلمون - وان ضل به الفاسقون بسوء اختيارهم - وهذا المعنى مروي عن مجاهد وروي عن الصادق جعفر بن محمد (عليه السلام) انه قال: إنما ضرب الله بالبعوضة لان البعوضة على صغر خلق فيها جميع ما في الفيل على كبره وزيادة عضوين آخرين فاراد الله ان ينبه بذلك المؤمنين على لطف خلقه وعجيب عظم صنعه * (الهامش) * " 2 و 1 " سورة الانعام: آية 44
[ 112 ]
المعنى: و (يستحيي) لغة اهل الحجاز وعامة العرب بيائين وبنو تميم يقولون: بياء واحدة اخصر كما قالوا: الم يك ولا ادر ومعنى (يستحيي): قال بعضهم: إنه لا يخشى ان يضرب مثلا كما قال: (وتخشى الناس والله احق تخشاه) " 1 " معناه: تستحيى الناس والله احق ان تستحييه فيكون الاستحياء بمعنى الخشية بمعنى الاستحياء وقال الفضل بن سلمة: معناه لا يمتنع وقال قوم: لا يترك وهو قريب من الثاني واصل الاستحياء: الانقباض عن الشئ والامتناع منه خوفا من مواقعة القبيح والاستحياء والانخزال والانقماع والارتداع متقاربة المعنى وضد الحياء القحة ومعنى (الاستحياء) في الآية: انه ليس في ضرب المثل بالحقير عيب يستحيى وكأنه قال: لا يحل ضرب المثل بالبعوضة محل ما يستحيى منه فوضع قوله: - (إن الله لا (يستحيى) الآية - إختاره الرماني وقوله: - (ان يضرب مثلا) فهو ان يصف ويمثل ويبين كما قال تعالى (ضرب لكم مثلا من انفسكم) " 2 " معناه وصف لكم كما قال الكميت: وذلك ضرب أخماس أريدت * لا سداس عسى أن لا تكونا والمعنى وصف أخماس وضرب المثل بمثله يقال: أي ضرب هذا ؟ أي من
أي جنس ولون والضروب: الامثال والمثل: الشبه ويقال: مثل ومثل كما قالوا شبه وشبه كقول كعب بن زهير: كانت مواعيد عرقوب لنا مثلا * وما مواعيده إلا الاباطيل يعني شبها فمعنى الاية: إن الله لا يستحيي أن يصف شبها لما شبه به الاعراب: وإما إعراب (بعوضة): فنصب من وجهين - على قول الزجاج احدهما - ان تكون " ما " زائدة كأنه قال: إن الله لا يستحيي أن * (الهامش) * " 1 " سورة الاحزاب آية 37 " 2 " سورة الروم: آية 28
[ 113 ]
يضرب بعوضة مثلا أو مثلا بعوضة وتكون " ما " زائدة نحو قوله: (فبما رحمة من الله) " 1 " والثاني - أن تكون " ما " نكرة ويكون المعنى: أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا شئ بعوضة فكان بعوضة في موضع نصب شئ لانه قال: يستحيي ان ضرب مثلا شئ من الاشياء بعوضة فما فوقها قال الفراء يجوز أن يكون معنى " ما " بين بعوضة إلى ما فوقها كما يقول القائل: مطرنا ما " 2 " زبالة فالثعلبية وله عشرون ما ناقة وجملا وهي أحسن الناس ما قرنا فقد ما يعنون ما بين في جميع ذلك وقال بعضهم: " ما " بمعنى الذي ويكون التقدير الذي هو بعوضة لانها من صلة الذي فأعربها باعرابه كما قال حسان بن ثابت: فكفى بنا فخرا على من غيرنا * حب النبي محمد ايانا فأعرب (غيرنا) باعراب (من) ويجوز ذلك في من وما لانهما يكونان تارة معرفة وتارة نكرة والبعوضة: من صغار البق وقوله: " فما فوقها " في الصغر والقلة كما
يقول القائل: إن هذا الامر لصغير فيقول المجيب: وفوق ذلك أي هو أصغر مما قلت وكلاهما جائز فمن قال بالاول قال: لان البعوضة غاية في الصغر ومن قال بالثاني قال: يجوز أن يكون ما هو أصغر منها وحكي عن رؤبة ابن العجاج: انه رفع بعوضة وانشد بيت النابغة: قالت ألا ليتما هذا الحمام لنا * إلى حمامتنا أو نصفه فقد " 3 " بالرفع فأعمل ما ولم يعمل ليت قال: وهي لغة تميم يعملون آخر الاداتين وقال الزجاج: الرفع كان يجوز وما قرئ به إذا كانت " ما " بمعنى الذي ويقدر بعدها هو ويكون تقديره مثلا الذي هو بعوضة كمن قرأ تماما على الذي هو أحسن وقد قرئ به وهو ضعيف عند سيبويه وفي الذي اقوى لانه أطول ولانها * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران: آية 159 " 2 " في المطبوعة " بين " بعد ما زائدة " 3 " قد: اسم فعل بمعنى يكفي
[ 114 ]
لا تستعمل ألا في الاسماء وقوله: (فأما الذين) لغة العرب جميعا بالتشديد وكثير من بني عامر وتميم يقولون أيما فلان ففعل الله به وانشد بعضهم: مبتلة هيفاء أيما وشاحها * فيجري وايما الحجل منها فلا يجري (آمنوا فيعلمون أنه الحق) الفاء جواب (أما) وفيها معنى الشرط والجزاء والمعنى: ان المؤمنين بالله على الحقيقة يعلمون أن هذا المثل حق من عند الله وأنه من كلامه (واما الذين كفروا) يعني الجاحدين، (فيقولون ماذا اراد الله بهذا مثلا) على ما بيناه وانتصب (مثلا) عند تغلب بانه قطع وعند غيره انه تفسير وقال قوم:
إنه نصب على الحال وذا مع ما بمعنى أي شئ الذي أراد الله بهذا مثلا فعلى هذا يكون الجواب رفعا، كقولك: البيان لحال الذي ضرب له المثل ويحتمل أن يكون وقعا ذا وما بمنزلة اسم واحد فيكون الجواب نصبا كقولك: البيان لحال الممثل به ورد القرآن بهما جميعا قال تعالى: (ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا) وفي موضع آخر: (ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الاولين) ذكرهما سيبويه، والاخفش هذا إشارة إلى المثل ومثلا ما، نون التنوين تدغم في الميم عند جميع القراء ويكره الوقف فيها على قوله: " لا يستحيي " ثم يقول: (أن يضرب مثلا) وكذلك على قوله: " والله لا يستحيي " ثم يقول: " من الحق " وقوله: " يضل به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين " إن قيل: أليس تقولون: إن الله لا يضل أحدا، ولا يهدي خلقا، وإن العباد هم يضلون انفسهم ويهدونها، وهم يضلون من شاءوا ويهدون من شاءوا وقد قال الله تعالى: في غير موضع من كتابه نحو قوله: (يضل من يشاء ويهدي من يشاء)، ولا يمكنكم ان تقولوا: إن المراد بالاضلال العقوبة والتسمية، لانه لو قال: يضل كثيرا ويهدي كثيرا، كان ذلك ممكنا، لكنه قال، (يضل به) و (يهدي به) والهاء راجعة إلى القرآن، والمثل الذي ضربه فيه ولا يجوز أن يعاقب بالمثل، ولا أن يسمى
[ 115 ]
بالمثل فعلم بذلك أنه أراد أنه ليس عليهم وجعله حيرة لهم قلنا اول ما في ذلك انا لا نطلق أن الله لا يضل احدا ولا يهدي احدا ومن اطلق ذلك، فقد اخطأ ولا نقول ايضا إن العباد يضلون انفسهم ويهدونها مطلقا أو يضلون غيرهم ويهدونه فان إطلاق جميع ذلك خطأ، بل نقول: إن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ونقول: إن من اضله الله فهو الضال ومن هداه فهو المهتدي، ولكن لا نريد بذلك ما يريده المخالف مما يؤدي الي التظليم والتجويز
لله في حكمه والمخالف يقول: إن الله يضل كثيرا من خلقه بمعنى انه يصدهم عن طاعته، ويحول بينهم وبين معرفته، ويلبس عليهم الامور ويحيرهم ويغالطهم، يشككهم ويوقفهم في الضلالة، ويجبرهم عليها ومنهم من يقول: يخلقها فيهم، ويخلق فيهم قدرة موجبة له، ويمنعهم الامر الذي به يخرجون منها، فيصفون الله تعالى باقبح الصفات وأخسها وقالوا فيه بشر الاقوال وقلنا نحن: إن الله قد هدى قوما واضل آخرين، وأنه يضل من يشاء غير أن لفضله وكرمه، وعدله ورحمته لا يشاء أن يضل إلا من ضل وكفر وترك طريق الهدى وإنه لا يشاء ان يضل المهتدين والمتمسكين بطاعته، بل شاء أن يهديهم ويزيدهم هدى، فانه يهدي المؤمنين بان يخرجهم من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: (والذين اهتدوا زادهم هدى واتاهم تقواهم) " 1 " وقال: (ومن يؤمن بالله يهد قلبه) " 2 " وقال: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور) " 3 " وقال (يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الارض اولئك هم الخاسرون) " 4 " وقال: (ويضل الله الظالمين) " 5 " والاضلال على وجوه كثيرة منها: ما نسبه الله تعالى إلى الشيطان: وهو الصد عن الخير والرشد والدعاء إلى * (الهامش) * " 1 " سورة محمد: آية 17 " 2 " سورة التغابن: آية 11 " 3 " سورة البقرة: آية 257 " 4 " سورة البقرة: آية 27 " 5 " سورة ابراهيم: آية 27
[ 116 ]
الفساد والضلال، وتزيين ذلك، والحث عليه وهذا ينزه الله تعالى عنه
ومنها التشديد الامتحان والاختبار اللذين يكون عندهما الضلال ويعقبهما ونظير ذلك في اللغة أن يسأل الرجل غيره شيئا نفيسا خطيرا يثقل على طباعه بذله فإذا بخل به، قيل له نشهد لقد بخل به فلان وليس يريدون بذلك عيب السائل وانما يريدون عيب الباخل المسؤول، لكن لما كان بخل المسؤول ظهر عند مسألة السائل جاز أن يقال في اللغة: انه بخلك ويقولون للرجل إذا أدخل الفضة النار ليعلم فسادها من صلاحها، وظهر فسادها: أفسدت فضتك، ولا يرون أنه فعل فيها فسادا، وإنما يريدون ان فسادها ظهر عند محنته ويقرب من ذلك قولهم: فلان أضل ناقته، ولا يريدون انه أراد أن يضل، بل يكون قد بالغ في الاستتار منها وانما يريدون ضلت منه لا من غيره ويقولون افسدت فلانة فلانا، واذهبت عقله وهي لا تعرفه، لكنه لما فسد وذهب عقله من أجلها، وعند رؤيته إياها قيل: قد افسدت، واذهبت عقله ومنها التخلية على جهة العقوبة وترك المنع بالقهر والاجبار، ومنع الالطاف التي يؤتيها المؤمنين جزاء على ايمانهم كما يقول القائل لغيره افسدت سيفك، إذا ترك أن يصلحه لا يريد أنه أراد أن يفسد أو أراد سبب فساده، أو لم يحب صلاحه، لكنه تركه فلم يحدث فيه الاصلاح - في وقت - بالصقل والاحداد وكذلك قولهم: جعلت اظافيرك سلاحا وانما يريدون تركت تقليمها ومنها التسمية بالاضلال والحكم به كافرا يقال: أضله إذا سماه ضالا كما يقولون: أكفره إذا سماه كافرا، ونسبه إليه قال الكميت: وطائفة قد أكفروني بحبكم * وطائفة قالوا: مسئ ومذنب ومنها الاهلاك والتدمير قال الله تعالى: " أإذا ضللنا في الارض " أي هلكنا فيجوز أن يكون أراد بالآية: حكم الله على الكافرين، وبراءته منهم ولعنه إياهم إهلا كالهم، ويكون اضلاله إضلالا كما كان الضلال هلا كا وإذا
كان الضلال ينصرف على هذه الوجوه، فلا يجوز أن ينسب إلى الله تعالى اقبحها وهو ما أضافه إلى الشيطان، بل ينبغي أن ينسب إليه أحسنها وأجلها وإذا ثبتت
[ 117 ]
هذه الجملة، رجعنا إلى تأويل الآية، وهو قوله: " يضل به كثيرا " معناه أن الكافرين لما ضرب الله لهم الامثال قالوا: ما الحاجة إليها ؟ قال الله تعالى: فيها اعظم الفائدة: لانها محنة واختبار وبهما يستحق الثواب، ويوصل إلى النعيم فسمى المحنة اضلالا وهداية، لان المحنة إذا اشتدت على الممتحن وثقلت فضل عندها، جاز أن تسمى اضلالا، فإذا سهلت فاهتدى عندها، سميت هداية، كما أن الرجل يقول لصاحبه: ما يفعل فلان ؟ فيقول هو ذا يسخي قوما ويبخل قوما آخرين أي يسأل قوما فيشتد عليهم للعطاء فيبخلون، ويسأل آخرين، فيسهل عليهم فيعطون ويجودون، فسمي سؤاله باسم ما يقع عنده ويعقبه فمعنى قوله: " يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " أي يمتحن به عباده، فيضل به قوم كثير، ويهتدي به قوم كثير ولا يجب على ذلك أن يكون أراد إضلالهم كما لا يجب ذلك في السائل الذي لا يريد بخل المسئول، بل يريد إعطاءه فان قيل: أليس الله تعالى امتحن بهذه الامثال المؤمنين كما امتحن بها الكافرين، فيجب أن يكون مضلا لهم ؟ قلنا: إنما سمى المحنة الشديدة إضلالا إذا وقع عندها الضلال كما أن السؤال يسمى تبخيلا إذا وقع عنده البخل وقال قوم: معنى قوله: " يضل به كثيرا " يعني يضل بالتكذيب بهذه الامثال كثيرا ويهدي بالايمان كثيرا، لانه لو كان سببا للضلال لما وصفه الله بأنه هدى وبيان وشفاء لما في الصدور وحذف التكذيب والاقرار اختصارا، لان في الكلام ما يدل عليه كما يقول القائل: نزل السلطان فسعد به قوم وشقي به
آخرون وانما يراد به سعد باحسانه قوم وشقي باساءته آخرون لا بنزول جيشه، لانه نفسه لا يقع به سعادة ولا شقاء وكما قال: " وأشربوا في قلوبهم العجل " وانما أراد حب العجل وذلك كثير وقد بينا أن الاضلال والهداية يعبر بهما عن العذاب والثواب، فعلى هذا يكون تقدير الآية: يضل أي يعذب بتكذيب القرآن، والامثال كثيرا، ويهدي أي يثيب بالاقرار به كثيرا والدليل على
[ 118 ]
ما قلناه قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فلا يخلو أن يكون أراد ما قلناه من العقوبة على التكذيب، أو أراد به الحيرة والتشكيك، وقد ذكرنا انه لا يفعل الحيرة المتقدمة التي بها صاروا ضلالا فساقا، لم يفعلها الله إلا بحيرة قبلها، وهذا يوجب مالا نهاية له من حيرة قبل حيرة، لا إلى أول، أو اثبات إضلال لا إضلال قبله، فان كان الله قد فعل هذا الضلال الذي لم يقع قبله ضلال فقد أضل من لم يكن فاسقا، وهذا خلاف قوله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فثبت أنه أراد أنه لا يعاقب إلا الفاسقين، كما قال: " ويضل الله الظالمين ويفعل ما يشاء " 1 " وحكى الفراء وجها آخوا مليحا، قال: قوله " ماذا أراد الله بهذا مثلا، يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا " حكاية عمن قال ذلك، كأنهم قالوا: ماذا أراد بهذا مثلا يضل به كثيرا، أي يضل به قوم ويهدي به قوم، ثم قال الله: " وما يضل به إلا الفاسقين " فبين عزوجل الاضلال، وأنه لا يضل إلا ضالا فاسقا، واقتصر على الاخبار عنهم وبيان ما بين الاضلال دون ما أراد بالمثل، وهذا وجه حسن تزول معه الشبهة وأصل الفسق في اللغة الخروج عن الشئ، يقال منه: فسقت الرطبة إذا اخرجت من قشرها، ومن ذلك سميت الفارة فويسقة، لخروجها من حجرها، ولذك سمي المنافق والكافر فاسقين لخروجهما عن طاعة الله، ولذلك قال الله تعالى
في صفة إبليس: " إلا ابليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه " " 2 " يعني خرج من طاعته واتباع أمره قوله تعالى: الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر * (الهامش) * " 1 " سورة ابراهيم: آية 27 " 2 " سورة الكهف آية 51
[ 119 ]
الله به أن يوصل ويفسدون في الارض أولئك هم الخاسرون آية واحدة العهد: العقد، والاصر مثله، والعهد: الموثق والعهد: الالنقاء، يقال: ما لفلان عهد بكذا، وهو قريب العهد بكذا، والعهد له معان كثيرة وسمي المعاهد - وهو الذمي - بذلك لانه بايع على ما هو عليه من إعطاء الجزية، والكف عنه والعهدة كتاب الشراء، وجمعه عهد وإذا أقسم بالعهد تعلق به عندنا كفارة الظهار، وقال قوم: كفارة يمين، وقال آخرون: لا كفارة عليه و " عهد الله " قال قوم: هو ما عهد إلى جميع خلقه في توحيده وعدله، وتصديق رسوله بما وضع لهم من الادلة الدالة على ربوبيته، وعهد إليهم في أمره ونهيه، وما احتج به لرسله بالمعجزات التي لا يقدر على الاتيان بمثلها الشاهدة لهم على صدقه ونقضهم ذلك: تركهم الاقرار بما قد ثبت لهم صحته بالادلة، وتكذيبهم الرسل والكتب وقال قوم وصية الله إلى خلقه، وأمره على لسان رسله إياهم فيما أمرهم به من طاعته، ونهيه إياهم عما نهاهم عنه ونقضهم: تركهم العمل به وقال قوم: هذه الآية نزلت في كفار أهل الكتاب، والمنافقين منهم،
وإياهم عنى الله عزوجل بقوله " إن الذين كفروا سواء عليهم.. " الآية وقوله: " ومن الناس من يقول آمنا بالله " وكل ما في هذه الآية من اللوم والتوبيخ متوجه إليهم وعهد الله الذي نقضوه بعد ميثاقه هو ما أخذه عليهم في التوارة من العمل بما فيها، واتباع محمد صلى الله عليه وآله إذا بعث، والتصديق بما جاء به من عند ربهم، ونقضهم ذلك جحودهم به بعد معرفتهم بحقيته " 1 " وانكارهم ذلك، * (الهامش) * " 1 " نسخة بدل (بحقيته)
[ 120 ]
وكتمانهم ذلك عند الناس بعد إعطائهم إياه تعالى من أنفسهم الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه، وإيمانهم أنهم متى جاءهم نذير آمنوا به، فلما جاءهم النذير ازدادوا نفورا، ونبذوا ذلك وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا وهذا الوجه اختاره الطبري ويقوي هذا قوله: " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين من كتاب وحكمة، ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه، قال أأقرتم على ذلك امري قالوا: اقررنا قال: فاشهدوا وانا معكم من الشاهدين " " 1 " والامر العهد أيضا وقال: في موضع آخر: " وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها " " 2 " وقال: " وأقسموا بالله جهد ايمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن اهدى من احدى الامم فلما جاءهم نذير ما زادهم الا نفورا " " 3 " وقال قوم: انما عنى بذلك العهد الذي أخذه الله حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه في قوله: " واذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم واشهدهم على انفسهم الست بربكم.. إلى آخر الآية " " 4 " وهذا الوجه عندي ضعيف لان الله تعالى لا يجوز ان يحتج على عباده بعهد لا يذكرونه ولا يعرفونه وما ذكروه غير معلوم اصلا والآية سنبين القول فيها إذا انتهينا إليها إن شاء الله والقطع هو الفصل بين الشيئين احدهما من الآخر والاصل أن يكون في
الاجسام ويستعمل في الاعراض تشبيها به يقال قطع الحبل والكلام والامر هو قول القائل لمن دونه: افعل وهو ضد النهي والوصل هو الجمع بين الشيئين من غير حاجز وقال قوم الميثاق هو التوثيق كما قال: " انبتكم من الارض نباتا " كقولهم اعطيتهم عطاء يريد اعطاء الاعراب: وقوله: " ان يوصل " بدل من الهاء التي في به تقديره: ما أمر الله بأن يوصل، وهو في موضع خفض (والذين) موضعه نصب، لانه صفة للفاسقين (أولئك) رفع بالابتداء (والخاسرون) خبره (وهم) فصل عند * (الهامش) * " 1 " سورة آل عمران اية 81 " 2 " سورة الانعام اية 109 " 3 " سورة فاطمة اية 43 " 4 " سورة الاعراف اية 171
[ 121 ]
البصريين وعماد عند الكوفيين ويجوز أن يكون هم ابتداء ثانيا والخاسرون خبره والجملة في موضع خبر اولئك والنقض ضد الابرام والميثاق والميعاد والميقات متقاربة المعنى يقال وثق يثق ثقة واوثق ايثاقا وتوثق توثقا ويقال فلان ثقة للذكر والانتى، والواحد والجمع بلفظ واحد فإذا جمع قيل ثقات في الرجال والنساء ومن لابتدء الغاية في الآية وقيل: إنها زائدة والهاء في قوله ميثاقه يحتمل ان تكون راجعة إلى اسم الله تعالى وقال قتادة قوله: " يقطعون ما أمر الله به ان يوصل " وقطيعة الرحم والقرابة وقال غيره معناه الامر بأن يوصل كل من أمر الله بصلة من اوليائه والقطع: البراءة من اعدائه وهذا أقوى، لانه أعم من الاول ويدخل فيه الاول وقال قوم: اراد صلة رسوله وتصديقه، فقطعوه بالتكذيب وهو قول الحسن وقال قوم أراد أن يوصل القول بالعمل، فقطعوا بينهما بأن قالوا ولم يعملوا وما قلناه اولا أولى لانا إذا حملناه
على عمومه دخل ذلك فيه وقوله: " يفسدون في الارض " قال قوم: استدعاؤهم إلى الكفر وقال قوم: إخافتهم السبيل وقطعهم الطريق وقال قوم اراد كل معصية تعدى ضررها إلى غير فاعلها والخسران هو النقصان قال جرير: إن سليطا في الخسار إنه * أولاد قوم خلقوا أقنه يعني بالخسار ما ينقص من حظوظهم وشرفهم وقال قوم: الخسار هاهنا: الهلاك يعني هم الهالكون وقال قوم: كلما نسبه الله من الخسار إلى غير المسلمين فانما عنى به الكفر وما نسب به إلى المسلمين انما عنى به الدنيا، روي ذلك عن ابن عباس كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحيكم ثم إليه ترجعون آية " كيف " موضوعة للاستفهام عن الحال والمعنى ههنا التوبيخ وقال الزجاج: هو التعجب للخلق وللمؤمنين أي اعجبوا من هؤلاء كيف يكفرون وقد
[ 122 ]
ثبتت حجة الله عليهم ومعنى " وكنتم " أي وقد كنتم الواو واو الحال واضمار قد جائز إذا كان في الكلام ما يدل عليها كما قال: (حصرت صدورهم) أي قد حصرت صدورهم وكما قال: (إن كان قميصة قد من دبر) أي قد قد من دبر ومن قال هو توبيخ قال هو مثل قوله: " فأين تذهبون " وقال قتادة: وكنتم امواتا فأحياكم كما كانوا امواتا في اصلاب آبائهم يعني نطفا، فاحياهم الله بأن أخرجهم ثم اماتهم الله الموتة التي لابد منها، ثم احياهم بعد الموت وهما حياتان وموتان وعن ابن عباس وابن مسعود أن معناه لم تكونوا شيئا فخلقكم، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم
القيامة وروى أبو الاحوص عن عبد الله في قوله: " امتنا اثنتين واحييتنا اثنتين " قال: هي كالتي في (البقرة): " كنتم امواتا فاحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " وهو قول مجاهد وجماعة من المفسرين وروي عن أبي صالح أنه قال: كنتم امواتا في القبور فأحياكم فيها،، ثم يميتكم، ثم يحييكم يوم القيامة وقال قوم: كنتم امواتا يعني خاملي الذكر، دارسي الاثر، فاحياكم بالطهور والذكر ثم يميتكم عند تقضي آجالكم ثم يحييكم للبعث قال أبو نخيلة السعدي: فاحييت من ذكري وما كان خاملا * ولكن بعض الذكر انبه من بعض وهذا وجه مليح غير أن الاليق بما تقدم قول ابن عباس وقتادة وقال قوم: معناه أن الله تعالى احياهم حين أخذ الميثاق منهم وهم في صلب آدم وكساهم العقل ثم اماتهم ثم احياهم واخرجهم من بطون امهاتهم وقد بينا أن هذا الوجه ضعيف في نظائره، لان الخبر الوارد بذلك ضعيف والاقوى في معنى الآية أن يكون المراد بذلك تعنيف الكفار واقامة الحجة عليهم بكفره وجحودهم ما انعم الله تعالى عليهم وانهم كانوا أمواتا قبل ان يخلقوا في بطون امهاتهم واصلاب آبائهم يعني نطفا والنطفة موات، ثم احياهم فاخرجهم إلى دار الدنيا احياء، ثم يحييهم في القبر للمسألة، ثم يبعثهم يوم القيامة للحشر والحساب وهو قوله تعالى: " ثم إليه ترجعون " معناه ترجعون للمجازاة على الاعمال كقول القائل: طريقك علي
[ 123 ]
ومرجعك الي يريد اني مجازيك ومقتدر عليك وسمى الحشر رجوعا إلى الله لانه رجوع إلى حيث لا يتولى الحكم فيه غير الله فيجازيكم على اعمالكم كما يقول القائل: امر القوم إلى الامير أو القاضي ولا يراد به الرجوع من مكان إلى مكان وانما يراد به ان النظر صار له خاصة دون غيره فان قال قائل: لم يذكر الله احياء في القبر فكيف تثبتون عذاب القبر قلنا: قد بينا أن قوله: " ثم يحييكم " المراد به
احياؤهم في القبر للمسألة وقوله: " ثم إليه ترجعون " معناه احياؤهم يوم القيامة وحذف ثم يميتكم بعد ذلك لدلالة الكلام عليه على ان قوله: " ثم يحييكم " لو كان المراد به يوم القيامة، لم يمنع ذلك من احياء في القبر، واماتة بعده كما قال تعالى: " ألم تر الى الذين خرجوا من ديارهم وهم الوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم احياهم " " 1 " ولم يذكر حياة الذين احيوا في الدنيا بعد ان ماتوا وقال في قوم موسى " فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون ثم بعثنا من بعد موتكم لعلكم تشكرون " " 2 " ولم يذكر حياتهم في الدنيا ولم يدل ذلك على أنهم لم يحييوا في الدنيا بعد الموت وكذلك ايضا لا تدل هذه الآية على ان المكلفين لا يحيون في قبورهم للثواب والعقاب على ما أخبر به الرسول (عليه السلام) وقول من قال: لم يكونوا شيئا ذهب إلى قول العرب للشئ الدارس الخامل: إنه ميت يربد خموله ودرسه وفي ضد ذلك يقال: هذا أمر حي يراد به، كانه متعالم في الناس ومن اراد الاماتة التي هي خروج الروح من الجسد، فانه اراد بقوله: " وكنتم امواتا " انه خطاب لاهل القبور بعد احيائهم فيها وهذا بعيد لان التوبيخ هنالك انما هو توبيخ على ما سلف، وفرط من اجرامهم لا استعتاب واسترداع وقوله: " كيف تكفرون بالله وكنتم امواتا " توبيخ مستعتب، وتأنيب مسترجع من خلقه من المعاصي إلى الطاعة، ومن الضلالة إلى الانابة ولا انابة في القبر ولا توبة فيها بعد الوفاة واحسن الوجوه مما قدمنا ما ذكر ابن عباس وبعده قول قتادة * (الهامش) * " 1 " سورة البقرة: آية 243 " 2 " سورة البقرة: آية 54 - 55
[ 124 ]
قوله تعالى: هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا ثم استوى إلى السماء
فسواهن سبع سماوات وهو بكل شئ عليم آية بلا خلاف المعنى " هو " كناية عن الله عزوجل في قوله: " تكفرون بالله " واراد به تأكيد الحجة فقال: " كيف تكفرون بالله " الذي احياكم بعد موتكم " ثم يميتكم ثم يحييكم ثم إليه ترجعون الذي خلق لكم ما في الارض " يعني الذي في الارض و " ما " في موضع نصب، لان الارض وجميع ما فيها نعمة من الله لخلقه: اما دينية فيستدلون بها على معرفته، وإما دنيوية فينتفعون بها لضروب النفع عاجلا وقوله: " ثم استوى إلى السماء فيه وجوه: احدها - ما قاله الفراء: من ان معناه اقبل عليها كما يقول القائل: كان فلان مقبلا على فلان يشتمه، ثم استوى الي يشتمني، واستوى علي يشاتمني قال الشاعر:: اقول وقد قطعن بنا شروري * ثواني واستوين من الضجوع " 1 " أي أقبلن وخرجن من الضجوع وقال قوم: ليس معنى البيت ما قاله وانما معناه استوين على الطريق من الضجوع خارجات " 2 " بمعنى استقمن عليه وقال قوم: معنى استوى: قصدها لتسويتها كقول القائل: قام الخليفة يدبر أمر بني تميم، ثم استوى وتحول إلى بني ربيعة، فأعطاهم وقسم لهم اي قصد إليه ويقال مر فلان مستويا إلى موضع كذا ولم يعدل أي قصد إليها وقال قوم: معنى استوى أي استولى على السماء بالقهر كما قال: " لتستووا على ظهوره " " 3 " أي تقهروه ومنه قوله تعالى: " ولما بلغ أشده واستوى " " 4 " أي تمكن من أمره * (الهامش) * " 1 " قائله تميم بن ابي عن معجم ما استعجم في المطبوعة " سوامد " بدل " ثواني " شروري: جبل بين بني اسد وبني عامر في طريق الكوفة الضجوع - بفتح الضاد - مكان " 2 " في المطبوعة " فارجات " والصحيح ما ذكرنا
" 3 " سورة الزخرف: آية 13 " 4 " سورة القصص: آية 14
[ 125 ]
وقهر هواه بعقله فقال: (ثم استوى إلى السماء) في تفرده بملكها، ولم يجعلها كالارض ملكا لخلقه ومنه قول الشاعر: فلما علونا واستوينا عليهم * تركناهم صرعى لنسر وكاسر وقال آخر: ثم استوى بشر على العراق * من سيف ودم مهراق وقال الحسن: ثم استوى امره وصنعه إلى السماء، لان أو امره وقضاياه تنزل من السماء إلى الارض وقال بعضهم استوى بمعنى استوت به السماء كما قال الشاعر: اقول له لما استوى في تراثه * على أي دين قتل الناس مصعب " 1 " وأحسن هذه الوجوه أن يحمل على أنه علا عليها فقهرها، وارتفع فدبرها بقدرته، وخلقهن سبع سماوات، فكان علوه عليها علو ملك وسلطان لا علو انتقال وزوال، وبعد ذلك قول من قال: قصد إليها فخلقها، ولا يقدح في الاول علوه تعالى على الاشياء فيما لم يزل، لانه وان كان كذلك لم يكن قاهرا لها بحلقها، لان ذلك متجدد، وانما قال: إلى السماء ولا سماء هناك كما يقول القائل: اعمل هذا الثوب وانما معه غزل، وقال قوم: انما سواهن سبع سماوات بعد ان كانت دخانا والاول أملح، وقال الرماني السموات غير الافلاك لان الافلاك تتحرك وتدور واما السماوات لا تتحرك ولا تدور لقوله تعالى: (ان الله يمسك السماوات والارض ان تزولا) " 2 " وهذا ليس بصحيح، لانه لا يمتنع ان تكون السماوات هي الافلاك وان كانت متحركة، لان قوله تعالى: (يمسك السماوات والارض أن تزولا) معناه لا تزول عن مراكزها التي تدور عليها ولولا امساكه لهوت بما فيها من الاعمالات سفلا ومعنى (سواهن) أي هيأمن وخلقهن وقومهن ودبرهن
والتسوية التقويم والاصلاح يقال سوى فلان لفلان هذا الامر أي قومه واصلحه وقال الفراء: السماء واحدة تدل على الجمع فلذلك قال: (ثم استوى إلى السماء) فذكرها بلفظ الواحد ثم اخبر عنها بلفظ الجمع في قوله: (فسواهن) وقال * (الهامش) * " 1 " لم يعرف قائل هذا البيت في مطبوعة " الطبري " " ترابه " بدل تراثه " 2 " سورة فاطر: آية 41
[ 126 ]
الاخفش: السماء اسم جنس يدل على القليل والكثير كقولهم اهلك الناس الدينار والدرهم وقال بعضهم: السماء جمع واحده سماوة: مثل بقزة وبقر، ونخلة ونخل، وثمرة وثمر " 1 " ولذلك أنثت فقيل هذه سماء، وذكرت أخرى فقيل: (السماء منفطر به) " 2 " كما يفعل ذلك بالجمع الذى لا فرق بينه وبين واحده غير دخول الهاء وخروجها فيقال: هذا نخل، وهذه نخل وهذا بقر وهذه بقر ومن قال بالاول قال: إذا ذكرت فانما هو على مذهب من يذكر المؤنث كقول الشاعر: فلا مزنة ودقت ودقها * ولا أرض ابقل ابقالها " 3 " وقال اعشى بني ثعلبة: فلما ترى لمتي بدلت * فان الحوادث أزرى بها " 4 " وقال قوم: إن السماوات، وان كانت سماء فوق سماء وارضا فوق أرض فهي في التأويل واحدة، وتكون الواحدة جماعا كما يقال: ثوب أخلاق وأسمال، ورمة اعشار، للمتكسرة، وبرمه اكسار واجبار واخلاق، أي نواحية أخلاق " 5 " ويقال ارض اعقال وارض اخصاب والمعنى أن كل ناحية منها كذلك، فجمع على هذا ولا ينافي ذلك قول من قال: إن السماء كانت دخانا قبل أن يسويها سبع سماوات، ثم سبعا بغير استوائه عليها وذلك أنه يقول: كن سبعا غير مستويات، فسواها الله تعالى فان قيل: قوله (هو الذي خلق لكم ما في الارض جميعا
ثم استوى إلى السماء) ظاهره يوجب أنه خلق الارض قبل السماء، لان (ثم) للتعقيب، وللتراخي وقال في موضع آخر: (انتم أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكها فسواها) ثم قال: (والارض بعد ذلك دحاها) هذا ظاهر التناقض قلنا: المعنى * (الهامش) * " 1 " تمرة وتمر (نسخة) " 2 " سورة المزمل: آية 18 " 3 " صاحب البيت عامر بن جوين، المزنه: قطعة السحاب الودق: المطر ابقلت الارض: اخرجت بقلها " 4 " ازرى بها: حقرها وانزل بها الهوان " 5 " الخلق: البالي وبرمة اجبار ج برمة جبر وان لم يقولوه مفردا. واصله من جبر العظم وهو لامة
[ 127 ]
في ذلك خلق الارض قبل السماء غير أنه لم يدحها فلما خلق السماء دحاها بعد ذلك ودحوها: بسطها، ومدها ومنه ادحية لنعام، سميت بذلك، لانها تبسطها لتبيض فيها ويجوز أن لا يكون معنى (ثم) و (بعد) في هذه الآيات الترتب في الاوقات والتقدم والتأخر فيها، انما هو على جهة تعداد النعم والاذكار لها كما يقول القائل لصاحبه: أليس قد اعطيتك، ثم حملتك، ثم رفعت في منزلتك، ثم بعد ذلك كله خلطتك بنفسي وفعلت بك وفعلت وربما يكون بعض الذى ذكره في اللفظ متقدما، كان متأخرا، لان المراد لم يكن الاخبار عن اوقات الفعل، وانما المراد الذكر والتنبيه عليها فان قيل أي نسبة بين قوله: (ثم استوى إلى السماء) وبين قوله: (وهو بكل شئ عليم) وكان يجب ان يقول: (وهو على كل شئ قدير) قيل انما جاز ذلك، لان الله لما وصف نفسه بما يدل على القدرة والاستيلاء وصل ذلك بما يدل على العلم، إذ بهما يصح وقوع الفعل على وجه الاحكام، والاتقان وايضا اراد أن يبين انه عالم بما يؤول إليه حاله، وحال المنعم به عليه، فيستحق
بذلك النعمة وتلخيص معنى الآية ان الله تعالى هو الذى خلق لكم الارض وما فيها من الجبال والمياه والاشجار، وما قدر فيها من الاقوات، ثم قضى خلق السماء بعد خلقه الارض ومعنى استوى أي عمد لها وقصد إلى خلقها، وسواها سبع سماوات فبناهن وركبهن كذلك ونظير ذلك قوله: (أإنكم لتكفرون بالذي خلق الارض في يومين وتجعلون له اندادا ذلك رب العالمين وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها اقواتها في اربعة ايام) " 1 " يعني يومين بعد اليومين الاولين حتى صار بذلك اربعة ايام ثم استوى إلى السماء فمعنى قوله: (خلق لكم ما في الارض جميعا) هو الذي بينه بقوله: (وجعل فيها رواسي من فوقها. الآية) وجعل ذكره لذلك في الآية الاولى تأكيد الحجة على عباده لئلا يكفروا به، ولان يؤمنوا به ويشكروه وقوله: (كيف تكفرون) يدل انه تعالى ما اراد الكفر * (الهامش) * " 1 " سورة حم السجدة: آية 9 و 10
[ 128 ]
منهم، لانه لو اراده وخلقه فيهم لما قال ذلك كما لا يحسن أن يقول: لم كنتم سوادا وبيضا وطوالا وقصارا وقوله: وهي دخان فالذي روي في الاخبار أن الله تعالى لما خلق الارض، خلقها بعد الماء فصعد منه بخار وهو الدخان، فخلق الله منه السماوات وذلك جائز لا يمنع منه مانع وقوله: (وهو بكل شئ عليم) معناه عالم وفيه مبالغة وانما أراد اعلامهم أنه لا يخفى عليه شئ من افعالهم الظاهرة والباطنة، والسر والعلانية قوله تعالى: واذ قال ربك للملائكة إنى جاعل في الارض خليفة قالوا أنجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك
ونقدس لك قال إنى أعلم ما لا تعلمون آية المعنى: قال أبو عبيدة: (إذا) زائدة والتقدير (قال ربك للملائكة) وهي تحذف في مواضع قال الاسود بن يعمر: وإذا وذلك لا مهاه لذكره * والدهر يعقب صالحا بفساد " 1 " معناه وذلك لا مهاه لذكره قال عبد مناة بن مربع وقيل: ابن ربع الهذلي حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا " 2 " ومعناه حتى اسلكوهم والقتائد: الموضع الذي فيه قتاد " 3 " كثير والشل الطرد والجمالة: الجمالون والشرد الابل التي تشرد عن مواضعها، وتقصد غيرها وتطرد عنها وهذا الذي ذكره ليس بصحيح، لان إذا: حرف يأتي بمعنى الجزاء ويدل على مجهول من الوقت ولا يجوز إبطال حرف كان دليلا على معنى في الكلام * (الهامش) * " 1 " في المطبوعة (لا مهاة) والصحيح ما ذكرنا كما عن (المفضليات) يقال ليس لعيشنا مهه ومهاه أي ليس له حسن أو نضارة " 2 " في المطبوعة (يطرد) والبيت في ديوان الهذليين والخزانة اسلك الرجل غيره الطريق وسلكه فيه اضطره إليه والقتائدة: جبل في طريق مكة والمدينة وجواب (إذا) في البيت فعل محذوف دل عليه المصدر " 3 " القتاد نبات ذو شوك
[ 129 ]
إلا لضرورة وليس المعنى في البيتين على ما ظن، بل لو حمل (إذا) في البيتين على البطلان بطل معنى الكلام الذي أراد الشاعر، لان الاسود أراد بقوله: (وإذا) الذي نحن فيه وما مضى من عيشنا واراد بقوله (ذلك) الاشارة إلى ما تقدم وصفه من عيشه الذي كان فيه لا مهاه لذكره يعني لا طعم له، ولا فضل لا عقاب الدهر ذلك بفساد ومعنى قول عبد مناة بن مربع: حتى إذا اسلكوهم في قتائدة إن قوله: اسلكوهم مثلا يدل على معنى محذوف، واستغنى عن ذكره بدلالة (إذا)
عليه فحذف كما قال نمر بن تولب: فان المنية من يخشها * فسوف تصادفه اينما يريد اينما ذهب وكما يقول القائل: من قبل، ومن بعد يريد من قبل ذلك، ومن بعد ذلك، ويقول القائل: إذا اكرمك أخوك فأكرمه وإذا لا " 1 " فلا يريد وإذا لم يكرمك فلا تكرمه ومن ذلك قول الشاعر: فإذا وذلك لا يضرك ضرة * في يوم اسأل نائلا أو انكد " 2 " وكذلك لو حذف (إذا) في الآية لاستحالت عن معناها الذي تقيده (إذ)، لان تقديره: ابتدأ خلقكم إذ قال ربك للملائكة قال الزجاج والرماني أخطأ أبو عبيدة، لان كلام الله لا يجوز أن يحمل على اللغو مع امكان حمله على زيادة فائدة قال: ومعنى إذ: الوقت وهي اسم كيف يكون لغوا ؟ قال والتقدير الوقت والحجة في (إذ) أن الله عزوجل ذكر خلق الناس وغيرهم، فكأنه قال: ابتدأ خلقك إذ قال ربك للملائكة وقال الفضل: لما امتن الله بخلق السماوات والارض، ثم قال: وإذ قلنا للملائكة ما قلناه فهو نعمة عليكم وتعظيم لابيكم واختار ذلك الحسن " 3 " بن علي المغربي وقال الرماني والزهري: اذكر إذ قال ربك والملائكة جمع غير أن واحدهم بغير همز أكثر فيحذفون الهمزة ويحركون اللام التي كانت ساكنة لو همز الاسم إلى اللام فإذا اجمعوا، ردوه إلى الاصل وهمزوا كما * (الهامش) * (1) في المطبوعة " لا " ساقطة ولا يستقيم المعنى بدونها " 2 " في المطبوعة " نكرا " بدل انكد ونكده ما سأله: قلل له العطاء أو لم يعطه البتة " 3 " نسخة بدل " الحسين "
[ 130 ]
يقولون: رأى، ثم يقولون يرى بلا همز وذلك كثير وقد جاء مهموزا في واحده قال الشاعر: فلست بأنسي ولكن ملاكا * تنزل من جو السماء يصوب " 1 "
وقد يقال في واحدهم مألك: مثل قولهم: جبذ وجذب فيقلبونه، وشأمل وشمأل ومن قال: مألك يجمعه ملائك بلا هاء مثل اشعث واشاعث قال أمية ابن ابي الصلت: وفيها من عباد الله قوم * ملائك ذللوا وهم صعاب " 2 " واصل الملاك " 3 " الرسالة قال عدي بن زيد العبادي: ابلغ النعمان عني ملاكا * أنه قد طال حبسي وانتظاري " 4 " وقد ينشد ملاكا ومألكا على اللغة الاخرى. فمن قال: ملاكا فهو مفعل من لاك إليه يليك إذا أرسل إليه رسالة: ومن قال مألكا فهو مفعل من ألكت إليه إلاكة إذا ارسلت إليه مألكة والوكا وكما قال لبيد بن ربيعة: وغلام ارسلته امه * بالوك فبذلنا ما سأل وهذا من الكت ويقال: لاك يلاك والك يألك إذا أرسل قال عبد بني الحسحاس " 5 ": ألكني إليها عمرك الله يافتى * بآية ما جاءت الينا تهاديا " 6 " يعني أبلغها رسالتي فسميت الملائكة ملائكة بالرسالة، لانها رسل الله بينه وبين انبيائه، ومن أرسل من عباده هذا عند من يقول: إن جميع الملائكة رسل فاما ما يذهب إليه اصحابنا أن فيهم رسلا وفيهم من ليس برسل، فلا يكون الاسم * (الهامش) * " 1 " البيت منسوب لعلقمة بن عبدة وليس في ديوانه وهو من ابيات سيبوبه وفى اللسان " ألك " " 2 " ديوانه ذللوا: من الذل " 3 " في المطبوعة " ملك " وصححت ؟ ب " مألك " " 4 " الاغاني والعقد الفريد بعد البيت وهو متمم له: لو بغير الماء حلقي شرق * كنت كالغصان بالماء اعتصاري " 5 " في المطبوعة عبيد بن الحسحاس " 6 " الكني إليها: ابلغها رسالة مني ديوان سحيم عبد بني الحسحاس
[ 131 ]
مشتقا، بل يكون علما أو اسم جنس وانما قالوا: إن جميعهم ليسوا رسل الله لقوله تعالى: (يصطفي من الملائكة رسلا) " 1 " فلو كانوا جميعا رسلا، لكانوا جميعا مصطفين، لان الرسول لا يكون إلا مختارا مصطفى وكما قال: (ولقد اخترناهم على علم على العالمين) " 2 " وقوله: (اني جاعل) أي فاعل وخالق وهما يتقاربان قال الرماني: حقيقة الجعل: تصيير الشئ على صفة والاحداث حقيقة: إيجاد الشئ بعد أن لم يكن موجودا والخليقة: الفعيلة من قولهم: خلف فلان فلانا في هذا الامر: إذا قام مقامه فيه بعده، لقوله تعالى: (ثم جعلناكم خلائف في الارض من بعدهم لننظر كيف تعلمون) " 3 " يعني بذلك: أبدلكم في الارض منهم، فجعلكم خلفا في الارض من بعدهم وسمي الخليفة خليفة من ذلك، لانه خلف من كان قيله، فقام مقامه الخلف - بتحريك اللام - يقال: فيمن كان صالحا - وبتسكين اللام - إذا كان طالحا قال الله تعالى (فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة) وروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: ينقل هذا العلم من كل خلف عدوله وقال قوم: سمى الله تعالى آدم خليفة، لانه جعل آدم وذريته خلفاء الملائكة، لان الملائكة كانوا سكان الارض وقال ابن عباس: انه كان في الارض الجن، فافسدوا فيها، وسفكوا الدماء، فاهلكوا، فجعل الله آدم وذريته بدلهم وقال الحسن البصري: إنما أراد بذلك قوما يخلف بعضهم بعضا من ولد آدم الذين يخلفون أباهم آدم في إقامة الحق وعمارة الارض وقال ابن مسعود: أراد أني جاعل في الارض خليفة يخلفني في الحكم بين الخلق، وهو آدم، ومن قام مقامه من ولده وقيل انه يخلفني في انبات الزرع واخراج الثمار، وشق الانهار وقيل ان الارض أراد بها مكة، روي ذلك عن ابن سارط، أن النبي صلى الله عليه وآله قال: دحيت
الارض من مكة ولذلك سميت ام القرى قال: دفن نوح وهود وصالح وشعيب * (الهامش) * " 1 " سورة الحج: آية 75 " 2 " سورة الدخان: آية 32 " 3 " سورة يونس: آية 14
[ 132 ]
بين زمزم والمقام وقال قوم: انها الارض المعروفة وهو الظاهر وقوله: (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وروي ان خلقا يقال لهم الجان كانوا في الارض فافسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله تعالى ملائكة اجلتهم من الارض وقيل: ان هؤلاء الملائكة كانوا سكان الارض بعد الجان فقالوا: يا ربنا اتجعل في الارض يفسد فيها ويسفك الدماء على وجه الاستخبار منهم والاستعلام عن وجه المصلحة، والحكمة لا على وجه الانكار كأنهم قالوا ان كان هذا كما ظننا فعرفنا وجه الحكمة فيه وقال قوم: المعنى فيه ان الله اعلم الملائكة انه جاعل في الارض خليفة وان الخليفة فرقة تسفك الدماء وهي فرقة من بني آدم فأذن الله للملائكة ان يسألوه عن ذلك وكان اعلامه أياهم هذا زيادة على التثبيت في نفوسهم انه يعلم الغيب فكأنهم قالوا: أتخلق فيها قوما يسفك الدماء، ويعصونك وانما ينبغي انهم إذا عرفوا انك خلقتهم ان يسبحوا بحمدك كما نسبح ويقدسوا كما نقدس ؟ ولم يقولوا: هذا إلا وقد اذن لهم، لانهم لا يجوز ان يسألوا ما لا يؤذن لهم ما فيه، ويؤمرون به، لقوله: (ويفعلون ما يؤمرون) " 1 " فان قيل من اين لكم أنهم كانوا علموا ذلك ؟ قيل ذلك محذوف لدلالة الكلام عليه، لانا علمنا أنهم لا يعلمون الغيب وليس إذا فسد الجن في الارض، وجب أن يفسد الانس وقوة السؤال تدل على أنهم كانوا عالمين وجرى ذلك مجرى قول الشاعر:
فلا تدفنوني إن دفني محرم * عليكم ولكن خامري أم عامر " 2 " فحذف قوله: دعوني للتي يقال لها إذا أريد صيدها خامري أم عامر فكأنه وقال: إني جاعل في الارض خليفة يكون من ولده افساد في الارض وسفك الدماء وقال أبو عبيدة والزجاج: أنهم قالوا ذلك على وجه الايجاب وإن خرج مخرج الاستفهام كما قال جرير: ألستم خير من ركب المطايا * واندى العالمين بطون راح ؟ * (الهامش) * " 1 " سورة النحل آية 50 " 2 " الشر للشنفرى الحماسة الاغاني ويروى (فلا تقبروني ان قبري) (ولكن ابشري) خامرى: استتري ام عامر: كنية الضبع (*)
[ 133 ]
فعلى هذا الوجه قال قوم: إنما أخبروا بذلك عن ظنهم وتوهمهم، لان ؟ رأوا الجن من قبلهم قد افسدوا في الارض وسفكوا الدماء فتصوروا أنه ؟ ؟ استخلف غيرهم، كانوا مثلهم، فقال تعالى منكرا لذلك: (إني اعلم مالا تعلمون) وهذا قول قتادة وابن عباس وابن مسعود وقال آخرون: إنهم قالوه يقينا لان الله كان أخبرهم انه يستخلف في الارض من يفسد فيها ويسفك الدماء فأجابوه بعد علمهم بذلك بأن قالوا: (اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) وانما قالوه استعظاما لفعلهم أي كيف يفسدون فيها ويسفكون الدماء، وقد انعمت عليهم واستخلفتهم فيها فقال: " إني اعلم ما لا تعلمون " وقال قوم: إنهم قالوا ذلك متعجبين من استخلافه لهم أي كيف يستخلفهم وقد علم انهم " يفسدون فيها ويسفكون الدماء " ؟ فقال: " إني اعلم ما لا تعلمون " والسفك: صب الدماء خاصة دون غيره من الماء، وجميع المايعات والسفح مثله لانه مستعمل في جميع المايعات على وجه التضييع، ولذلك قالوا في الزنا انه سفاح لتضييع مائه فيه
والملائكة المذكورون في الآية قال قوم: هم جميع الملائكة وقال آخرون وهو المروي عن ابن عباس والضحاك - إنه خطاب لمن اسكنه من الملائكة الارض بعد الجان، وقبل خلق آدم، وهم الذين أجلوا الجان عن الارض وقال قتادة في قوله: " اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شئ عند الله أكبر من سفك الدماء والافساد في الارض قال الله تعالى: " إني اعلم ما لا تعلمون " من أنه سيكون من الخليفة رسل وانبياء، وقوم صالحون وساكنون الجنة واقوى هذه الوجوه قول من قال: إن الملائكة إنما قالت: " اتجعل فيها من يفسد فيها " على وجه التعجب من هذا التدبير، لا إنكارا له ولكن على وجه التألم والتوجع والاغتمام والاستعلام لوجه التدبير فيه، فقال: " إني اعلم ما لا تعلمون " من الوجه المصلحة في خلقهم، وما يكون منهم من الخير والرشد والعلم، وحسن التدبير والحفظ، والطاعة ما لا تعلمون فان قيل: الملائكة
[ 134 ]
بم عرفت ذلك، إذ لم يمكنها أن تستدرك ذلك بالنظر والفكر قلنا: قد يجوز أن لا يكون خطر ببالها ذلك إلا عند ما أعلمهم الله، فلما علموا ذلك، فزعوا إلى المسألة عنه، لان المسألة لمن يتوقع سرعة جوابه أو يوثق بعلمه وخبره يقوم مقام النظر والفكر وقوله: " أتجعل فيها من يفسد فيها " يريدون من ولد آدم الذين ليسوا أنبياء، ولا أئمة معصومين فكأنه قال تعالى: أني جاعل في الارض خليفة يكون له ولد ونسل يفعلون كيت وكيت فقالوا: " اتجعل فيها من يفسد فيها " يريدون الولد وقد بينا أن الخليفة من يخلف من تقدمه، جماعة كانوا أو واحدا فلما أخبر الله تعالى الملائكة أنه يخلق في الارض عباداهم آدم وولده ويكون خليفة لمن تقدمهم من الجن أو غيرهم، قالوا ما قالوا ويحتمل أن يكون قوله: " من يفسد فيها " يريدون البعض لا الكل كما يقال: بنو شيبان يقطعون
الطريق ويراد بعضهم دون جميعهم وقوله: (ونحن نسح بحمدك ونقدس لك) والتسبيح هو التنزيه من السوء على وجه التعظيم وكل من عمل خيرا قصد به الله فقد سبح يقال: فرغت من سبحتي أي من صلاتي وقال سيبوية: معنى سبحان الله: براءة الله وتنزيه الله من السوء قال اعشى بني تغلب: اقول - لما جاءني فخره -: * سبحان من علقمة الفاخر " 1 " أي براءة من علقمة الفاخر وهو مشتق من السبح الذي هو الذهاب قال الله تعالى: " إن لك في النهار سبحا طويلا " " 2 " ولا يجوز أن يسبح غير الله وان كان منزها، لانه صار علما في الدين على أعلى مراتب التعظيم التي لا يستحقها سواه كما أن العبادة غاية في الشكر لا يستحقها سواه وقال ابن عباس وابن مسعود: " نحن نسبح بحمدك " بمعنى نصلي لك كما قال: " فلو لا انه كان من المسبحين " " 3 " أي من المصلين وقال مجاهد: معناه نعظمك بالحمد والشكر على * (الهامش) * " 1 " ديوانه الاغاني علقمة في البيت هو علقمة بن علاثة هجاه الشاعر " 2 " سورة المزمل: آية 7 " 3 " سورة الصافات: آية 143
[ 135 ]
نعمك وقال قتادة: هو التسبيح المعروف وقال المفضل: هو رفع الصوت بذكر الله قال جرير: قبح الاله وجوه تغلب كلما * سبح الحجيج وهللوا إهلالا واصل التقديس: التطهير ومنه قوله: الارض المقدسة أي المطهرة قال الشاعر: فادركنه يأخذن بالساق والنسا * كما شبرق الولدان ثوب المقدس " 1 " أي المطهر وقال قوم: معنى نقدس لك: نصلي لك وقال آخرون: نقدس
انفسنا من الخطايا والمعاصي وقال قوم: نطهرك من الادناس أي لا نضيف اليك القبائح والقدس: السطل الذي يتطهر منه أي يقدس ويوصف تعالى بأنه قدوس سبوح أي سبحانه أن يكون شريكا لغيره طاهر من كل عيب وقوله: " إني اعلم ما لا تعملون " قال قوم: أراد ما أظهره إبليس من الكبر والعجب والمعصية لما أمر الله تعالى لآدم ذهب إليه ابن مسعود، وابن عباس وقال قتادة: أراد من في ذرية آدم من الانبياء والصالحين وقال قوم: أراد به ما اختص بعلمه من تدبير المصالح فان قيل: لو كان آدم قادرا على أن لا يأكل من الشجرة، لكان قادرا على نقض ما دبره الله فيه، لانه لو لم يأكل منها للبث في الجنة والله تعالى إنما خلقه ليجعله خليفة في الارض فهذا يدل على أنه لم يكن بد من المخالفة قلنا عن هذا جوابان: أحدهما - ان الجنة التي خلق الله تعالى فيها آدم، لم تكن جنة الخلد، وانما كانت في الارض حيث شاء الله، وانه حيث كان في الارض، كان خليفة في الارض وفي هذا سقط السؤال والثاني - ان الله تعالى علم أن آدم سيخالف، وانه يهبط إلى الارض فيستخلفه فيها فأخبر الله تعالى بما علم وقولهم: إنه لو كان قادرا على أن لا يخالف، لكان قادرا على نقض تدبيره - جهل، لان الله تعالى قد أمره بأن لا * (الهامش) * " 1 " شبرق: مزق (*)
[ 136 ]
يقرب الشجرة فهل يجب بأن يكون أمره بأن ينقض تدبيره ؟ فإذا قالوا: لا. قيل: وكذلك الله قد اقدره على ألا يخالف فيلبث في الجنة ولا يجب بذلك أن يكون أقدره على نقض تدبيره وقد روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) أن الملائكة سألت الله أن يجعل الخليفة منهم وقالوا: نحن نقدسك ونطيعك ولا نعصيك
كغيرنا فقال أبو عبد الله (عليه السلام): فلما أجيبوا بما ذكر الله في القرآن، علموا أنهم قد تجاوزوا ما ليس لهم فلاذوا بالعرش استغفارا، فأمر الله آدم بعد هبوطه أن يبني لهم في الارض بيتا يلوذ به المخطئون كما لاذ بالعرش الملائكة المقربون فقال الله تعالى: إني اعرف بالمصلحة منكم وهو معنى قوله: " إني اعلم ما لا تعلمون " قوله تعالى: وعلم آدم الاسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين آية واحدة بلا خلاف روي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: خلق الله آدم من قبضة قبضها من جميع الارض، - وقيل قبضها ملك الموت - فجاء بنو آدم على قدر ذلك: منهم الاسود والاحمر، والابيض، والسهل، والحزن، والخبيث، والطيب اللغة: وقال أبو العباس: في اشتقاق آدم قولان: أحدهما - انه مأخوذ من أديم الارض قال: فإذا سميت به في هذا الوجه ثم نكرته، صرفته والثاني - انه مأخوذ من الادمة على معنى اللون والصفة، فإذا سميت به في هذا الوجه، ثم نكرته، لم تصرفه والادمة والسمرة، والدكنة والورقة متقاربة المعنى في اللغة وقال صاحب العين الادمة في الناس: شربة من سواد وفي الابل والظباء: بياض وادمة
[ 137 ]
الارض: وجهها والمؤدم " 1 " من الجلد خلاف المبشر وأدما أنثى وآدم ذكر وهي الادم في الجماعة وآدم أبو البشر والادم: ما يؤتدم به وهو الادام
الادم: جماعة الاديم وأديم كل شئ: وجهه و (كل) لفظة عموم على وجه الاستيعاب وقال الرماني: حده الاحاطة بالابعاض، يقال: أبعض القوم جاءك أم كلهم ؟ وتكون تأكيدا مثل أجمعين غير أنه يبتدأ في الكلام بكل، كقوله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون " " 2 " لان كلا قد يلي العوامل ويبتدأ واجمعون لا تكون إلا تابعة ويقال عرض عرضا قال صاحب العين: عرض علينا فلان المتاع يعرض عرضا للشراء أو الهبة وقال الزجاج: العرض أصله في اللغة: الناحية من نواحي الشئ فمن ذلك العرض خلاف الطول وعرض الرجل. قال بعضهم: ما يمدح به أو يذم وقيل عرضه: خليقته المحمودة وقيل عرضه: حسبه وقال الرماني: هي ناحيته التي يصونها عن المكروه وحقيقة العرض: الاظهار للشئ ليتصفح والانباء والاعلام والاخبار واحد قال صاحب العين: النبأ - مهموز - هو الخبر المنبئ والمخبر ولفلان نبأ أي خبر ويقال: نبأته وأنبأته واستنبأته والجمع الانباء والنبوة إذا أخذت من الانباء فهي مهموزة لكن روي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه " 3 " قال: لا تنبز باسمي، لرجل قال له: يا نبئ الله والنبئ - بالهمز -: الطريق الواضح، يأخذ بك إلى حيث تريد والنبأة: صوت الكلاب تنبأ به نبأ وحقيقة الانباء: الاظهار للخبر قال الشاعر: أدان وانبأه الاولون * بأن المدان ملي وفي والفرق بين الاخبار والاعلام أن الاعلام قد يكون بخلق العلم الضروري في القلب كما خلق الله من كمال العقل والعلم بالمشاهدات وقد يكون بنصب الادلة للشئ والاخبار هو إظهار الخبر، علم به أو لم يعلم ولا يكون مخبرا بما يحدثه * (الهامش) * " 1 " المؤدم: الحاذق المجرب جمع لين الادمة وخشو ؟ البشرة " 2 " سورة الحجر: آية 30
" 3 " أنه - ساقطة من المطبوعة (*)
[ 138 ]
من العلم في القلب كما يكون معلما بذلك وقوله: " ثم عرضهم على الملائكة " إنما لم يقل: ثم عرضها، إذ كانت الاسماء لا تعقل، لانه أراد أصحاب الاسماء وفيهم ما لا يعقل كما تغلب المذكر إذا اجتمع مع المؤنث، لانهم يقولون: إن اصحابك وإماءك جاءوني وروي عن ابن عباس أنه قال: عرض الخلق وقال مجاهد: عرض أصحاب الاسماء وقوله: " وعلم آدم الاسماء كلها " معناه أنه علمه معاني الاسماء، من قبل أن الاسماء بلا معان لا فائدة فيها، ولا وجه لا يثاره الفضيلة بها وقد نبه الله الملائكة على ما فيه من لطيف الحكمة، فاقروا عند ما سئلوا عن ذكرها والاخبار عنها أنهم لا علم لهم بها فقال: " يا آدم أنبئهم باسمائهم " وقول قتادة، وظاهر العموم يقتضى أنه علمه الاسماء وبه قال ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وأكثر المتأخرين: كالبلخي والجبائي وابن الاخشيد والرماني وقال الطبري بما يحكي عن الربيع وابن زيد: انهما قالا: علمه الله اسماء ذريته واسماء الملائكة وقال هو الاختيار دون قول ابن عباس وقال: إن قولهم: " عرضهم " إنما يكون لمن يعقل في الاظهر من كلام العرب وهذا غلط لما بيناه من التغليب وحسنه كما قال تعالى: " والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من يمشي على أربع " " 1 " وهذا يبطل ما قاله، ويبقى اللفظ على عموم وظاهر الآية وعمومها يدل على انه علمه جميع اللغات وبه قال الجبائي والرماني فأخذ عنه ولده اللغات فلما تفرقوا، تكلم كل قوم منهم بلسان ألفوه واعتادوه وتطاول الزمان على ما خالف ذلك فنسوه ويجوز أن يكونوا عالمين بجميع تلك اللغات إلى زمن نوح فلما أهلك جميع الخلائق إلا نوحا ومن معه، كانوا هم العارفين
بتلك اللغات فلما كثروا وتفرقوا اختار كل قوم منهم لغة تكلموا بها، وتركوا ما سواها، وانقرض ونسوه والخبر الذي يروي أن الناس امسوا ولغتهم واحدة ثم اصبحوا وقد تغيرت السنتهم وكان لا يعرف كل فريق منهم إلا كلام من كان * (الهامش) * (1) سورة النور آية 45 (*)
[ 139 ]
على لغتهم - خبرضعيف وأيضا فلا يجوز أن ينسى العاقل ما كان في امسه من جلائل الامور مع سلامة عقله قالوا: واللغات جميعا إنما سمعت من آدم، وعنه أخذت وقال ابن الاخشيد: إن الله فتق لسان اسماعيل بالعربية ولذلك صار اصلا للعرب من ولده، لانه تكلم بها على خلاف النشوء والعادة، بل على أنه ابتدأه بها وألهمه إياها فان قيل: ما معنى قوله: " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " ما الذي ادعي حتى قيل هذا ؟ قيل عن ذلك اجوبة كثيرة للعلماء احدها - ان الملائكة لما أخبرهم الله عزوجل أنه جاعل في الارض خليفة هجس في نفوسها أنه لو كان الخليفة منهم بدلا من آدم وذريته، لم يكن فساد ولا سفك دماء كما يكون من ولد آدم، وان ذلك أصلح لهم وان كان الله عزوجل لا يفعل إلا ما هو اصلح في التدبير، والاصوب في الحكمة فقال الله تعالى: " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " فيما ظننتم في هذا المعنى ليدلهم على أنهم إذا لم يعلموا باطن ما شاهدوا كانوا من أن يعلموا باطن ما غاب عنهم أبعد والثاني - أنه وقع في نفوسهم أنه لم يخلق الله خلقا إلا كانوا أفضل منهم في سائر ابواب العلم فقيل: إن كنتم صادقين في هذا الظن فاخبروا بهذه الاسماء والثالث - قال ابن عباس: إن كنتم تعلمون لم أجعل في الارض خليفة ف " انبئوني باسماء هؤلاء إن كنتم صادقين " لان كل واحد من الامرين من علم الغيب فكما لا تعلمون ذا لا تعلمون الآخر
والرابع - ما ذكره الاخفش والجبائي وابن الاخشيد: إن كنتم صادقين فيما تخبرون به من اسمائهم كقول القائل للرجل: أخبرني بما في يدي إن كنت صادقا أي إن كنت تعلم فاخبر به، لانه لا يمكن أن يصدق في مثل ذلك إلا إذا أخبر عن علم منه، ولا يصح أن يكلف ذلك إلا مع العلم به، ولا بد إذا استدعوا إلى الاخبار عما لا يعلمون من أن يشرط بهذا الشرط، ووجه ذلك التنبيه كما يقول العالم للمتعلم: ما تقول في كذا، ويعلم أنه لا يحسن الجواب لينبهه عليه، وبحثه على طلبه، والبحث عنه، فلو قال له: اخبر بذلك إن كنت تعلم، أو قال له:
[ 140 ]
ان كنت صادقا، لكان حسنا فإذا نبهه على أنه لا يمكنه الجواب أجابه، حينئذ فيكون جوابه بهذا التدريج أثبت في قلبه، وأوقع في نفسه وقوله: " انبئوني " قال قوم: هو امر مشروط كأنه قيل: إن امكنكم أن تخبروا بالصدق فيه، فافعلوا وقيل: إن لفظه لفظ الامر ومعناه التنبيه على ما بيناه في سؤال العالم للمتعلم ولا يجوز أن يكون ذلك تكليفا، لانه لو كان تكليفا، لم يكن تنبيها لهم على أن آدم يعرف من اسماء هذه الاشياء بتعريف الله اياه ذلك ما لا يعرفون فلما أراد تعريفهم ما خص به آدم، من ذلك علمنا أنه ليس بتكليف ومعنى قوله: " إن كنتم صادقين " شرط كأنه قيل: إن كنتم صادقين في الاخبار بذلك وليس " إن " بمعنى " إذ " على ما حكاه الكسائي عن بعض المفسرين، لانها لو كانت كذلك، لكانت " ان " - بفتح الهمزة - وتقديره: ان كنتم محققين ايمانكم، فافعلوا كذا وكذا، لان (إذ) إذا تقدمها فعل مستقبل صارت علة للفعل وسببا له كقولك: إذ قمت أي من أجل ان قمت فلو كانت إن في الآية بمعنى إذ، كان التقدير: انبئوني باسماء هؤلاء من أجل انكم صادقين وإذا وضعت إن مكان ذلك، وجب أن تفتح الالف وذلك خلاف ما عليه القراء والانباء
قال قوم: اصله الاعلام كقولهم: انبأت عمرا زيدا أخاك بمعنى اعلمت ولا يصلح هاهنا أخبرت إلا أنه يتناول انبئوني هاهنا بمعنى اخبروني على وجه المجاز والتوسع لتقارب المعنى في الاخبار والانباء، لان الله تعالى عالم بالاشياء فيما لم يزل فلا يجوز أن يقول: علموني لما هو عالم به ومن قال: أصله الاخبار، تعلق بظاهر القرآن وفي كيفية عرضهم قولان: احدهما - انه عرضهم بعد أن خلقهم والثاني - أنه عرضهم بأن صورهم لقلوب الملائكة وفي هذه الآية دليل على شرف العلم من حيث أن الله تعالى لما أراد تشريف آدم اختصه بعلم أبانه به من غيره، وجعل له الفضيلة فيه، وفي كيفية تعليم الله آدم الاسماء، قال البلخي: ويجوز ان يكون اخبره بذلك فوعاه في وقت قصير بما اعطاه الله من الفهم والحفظ
[ 141 ]
أو بأن دله ومكنه، ورسم به رسما فابتدع هو لكل شئ اسما يشاكله ولا بد ان يكون اعلامه له بلغة قد تقدمت المواضعة عليها حتى يفهم بالخطاب المراد به وقال المواضعة لابد ان تستند إلى سمع عند قوم وعند ابي هاشم واصحابه لا يصح ذلك فأما الذي عرض على الملائكة قال قوم عرضت الاسماء دون المسميات وقال قوم آخرون: عرضت المسميات بها وهو الاقوى لقوله: " ثم عرضهم " وفي قراءة ابن مسعود: ثم عرضهن وفي قراءة أبي: عرضها وقال قوم: إنه عرضهم بعد أن خلق المسميات واحضرها لقوله: اسماء هؤلاء وذلك إشارة إلى الحاضر وقال آخرون: إنه صورهم لقلوب الملائكة ثم عرضهم قبل خلقهم وقيل: إن قوله اشارة إلى الاسماء التي علمها آدم " وانبئوني " اكثر القراء بهمز: وروي عن الاعمش ترك الهمز فيه، وهي لغة قريش " هؤلاء " لغة قريش ومن جاورهم باثبات الف بين الهاء والواو، ومد
الالف والاخيرة وتميم وبكر وعامة بني اسد يقصرون الالف الاخيرة وبعض العرب يسقط الالف الاولى التي بين الهاء والواو ويمد الاخيرة وانشد: تجلد لا يقل هؤلاء هذا * بكى لما بكى اسفا وعيبا وحقق الهمزة ابن عامر واهل الكوفة إذا اتفقا من كلمتين وقرأ أبو عمرو واحمد بن صالح عن قالون بتحقيق الاولى فحذف الثانية وقرأ ورش وقنبل وابو جعفر واويس بتحقيق الاولى وتليين الثانية، وقرا ابن كثير إلا قنبلا ونافع إلا ورشا واحمد بن صالح بسكون الاولى، وتحقيق الثانية في المكسورتين والمضمومتين وفي المفتوحتين بتحقيق الاولى وحذف الثانية قوله تعالى: قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم آية المعنى: هذه الآية فيها اخبار من الله تعالى عن ملائكته بالرجوع إليه، والاوبة،
[ 142 ]
والتسليم انهم لا يعلمون إلا ما علمهم الله وقوله: " سبحانك " نصب على المصدر ومعناه نسبحك وسبحانك مصدر لا ينصرف وقدمنا في ما مضى أن معنى التسبيح التنزيه ومعناه هاهنا تبريا منهم أن يعلموا الغيب واقرارا أنه المختص به تعالى دون غيره وقوله: " العليم الحكيم " معنى عليم أنه عالم وفيه مبالغة ومن صفات ذاته وإذا كانت كذلك، افادت انه عالم بجميع المعلومات ويوصف به في ما لم يزل، لان ذلك واجب في العالم نفسه وقوله: " الحكيم " يحتمل امرين: احدهما - انه عالم، لان العالم بالشئ يسمى بأنه حكيم فعلى هذا يكون من صفات الذات مثل العالم وقد بيناه
والثاني - ان يكون من صفات الافعال ومعنى ذلك أن افعاله محكمة متقنة صواب ليس فيها وجه من وجوه القبح ولا التفاوت ولا يوصف بذلك في ما لم يزل وروي عن ابن عباس انه قال: العليم الذي كمل علمه والحكيم: الذي كمل في حكمته وقد قيل في معنى حكيم: انه المانع من الفساد ومنه سميت حكمة اللجام لانها تمنع الفرس من الجري الشديد قال جرير: أبني حنيفة أحكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكم ان اغضبا أي امنعوهم والاحكام والاتفاق والاتساق والانتظام متقاربة والحكمة نقض السفه يقال: حكم حكما واحكم إحكاما ويقال: أحكم فلان عمله إذا بالغ فيه فاصاب حقيقته والحكمة هي التي تقف بك على مر الحق الذى لا يخلطه باطل، والصدق الذي لا يشوبه كذب ومنه قوله: " حكمة بالغة " " 1 " والحكم بين الناس هو الذي يرضى به ليقف الاشياء مواضعها ومنه قوله: " فابعثوا حكما من اهله وحكما من اهلها " " 2 " والحاكم القاضي بين الناس، وليقفهم على الحق ويقال: رجل حكيم إذا كان ذلك شانه وكانت معه اصول من العلم والمعرفة، * (الهامش) * (1) سورة القمر: آية 5 " 2 " سورة النساء: آية 34
[ 143 ]
وإذا حكم بين الرجلين يقال: حكم يحكم وإذا صار حكيما قيل: حكم يحكم وامر مستحكم إذا لم يكن فيه مطعن وفي الحديث في رأس كل عبد حكمة إذا هم بسيئة وشاء الله ان يقدعه بها قدعة يعني منعه والحكم في الانسان هي العلم الذى يمنع صاحبه من الجهل ومعنى قول الملائكة " سبحانك لا علم لنا الا ما علمتنا " يحتمل امرين: احدهما - ما قدمنا وهو قول ابن عباس قال: " سبحانك " تنزيها لله
من أن يكون احد يعلم الغيب سواه والثاني - انهم أرادوا أن يخرجوا مخرج التعظيم لله فكأنهم قالوا: تنزيها لك عن القبائح فعلى هذا الوجه يحسن - وإن لم يعلقه بعلم الغيب كما علق في الاول - وفي الناس من استدل بهذه الآية على بطلان الاحكام في النجوم وهذا يمكن ان يكون دلالة على من يقول: إنها موجبات لا دلالات فأما من يقول: إنها دلالات على الاحكام نصبها الله فانه يقول: نحن ما علمنا إلا ما علمنا الله، إنه الذي جعل النجوم أدلة لنا كما أن ما علمناه استدلال غير ضرورة مضاف إليه ايضا من حيث نصب الدلالة عليه واستدل جماعة من المفسرين بهذه الآية، والآيتين قبلها على صدق النبي صلى الله عليه وآله وجعلوها من جملة معجزاته إذ كان إخبارا بما لا تعلمه العرب ولا يوصل إليه إلا بقراءة الكتب والنبي (عليه السلام) لم يعرف بشئ من ذلك مع العلم بمنشئه ومبتدء أمره ومنتهاه وهذا يمكن أن يذكر على وجه التأكيد والتقوية، لآياته ومعجزاته من غير ان يكون لو انفرد لكفى في باب الدلالة لان لقائل أن يقول: إنه قرأ الكتب سرا، واخذ عمن قرأها خفيا فلا طريق للقطع على ذلك وانما تغلب في الظن فان قيل: ما الفائدة في الجواب بقولهم: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " ؟ قلنا: لو اقتصروا على قولهم: " لا علم "، لكان كافيا، لكن أرادوا أن يضيفوا إلى ذلك التعظيم والاعتراف بأن جميع ما يعلمونه من تعليمه، وان هذا ليس من جملة ذلك، واختصار ذلك أدل على الشكر لنعمه وقيل في معنى " عليم " امران:
[ 144 ]
احدهما - انه عليم بغير تعليم بدلالة انهم اثبتوا لله ما نفوه عن انفسهم بقولهم: " لا علم لنا إلا ما علمتنا " أي نحن معلمون وانت العليم غير المعلم والثاني - انه العليم الحكيم وكلاهما حسن والاول احسن، لانه اكثر
فائدة، واولى في تقابل البلاغة وقد تضمنت الآية الدلالة عليه انه لا علم له الا ما علمه الله اما بالضرورة وإما بالدلالة قوله تعالى: قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنباهم بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والارض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون آية بلا خلاف اللغة: روى الداحوني عن هشام: انبيهم ونبيهم، في الحج والقمر، فقلبت الهمزة وكسرت الهاء وروى الزينبي من طريق المالكي والعطاء - كسر الهاء، وتحقيق الهمزة الباقون بضم الهاء وتحقيق الهمزة قال أبو علي: من ضم الهاء حملها على الاصل، لان الاصل أن تكون هاء الضمير مضمومة: مثل قولهم: ضربهم وأنبأهم وانما تكسر الهاء إذا وليها كسرة أو ياء نحو بهم وعليهم ومع هذا يضمه قوم حملا على الاصل ومن كسر الهاء التي قبلها همزة محففة، فانه اتبع كسرة الهاء الكسرة التى قبلها وإذا كان بينهما حاجز كما قالوا: هذا المرء ومررت بالمرء فاتبعوا مع هذا الفصل وحكي عن ابي زيد أنه قال: قال رجل من بكر بن وائل أخذت هذا منه ومنهما وكسر الهاء في الادراج والوقف وحكي عنه: لم أعرفه ولم أضربه - فكسر -، وقال لم اضربهما فكسر الهاء مع الباء ويحتمل أن يكون ما اعتد بالحاجزين بين الكسرة والهاء لسكونها فكان الكسرة وليت الهاء
[ 145 ]
ومعنى " انبئهم ": خطاب لآدم، يعني اخبر الملائكة، لان الهاء كناية عنهم وموضعهم النصب " باسمائهم " يعني باسماء الذين عرضهم على الملائكة والهاء والميم في اسمائهم
كناية عن المرادين بقوله: " باسماء هؤلاء " وقد مضى بيانه وقوله: (واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) فالابداء والاعلان والاظهار بمعنى واحد يقال: بدا وعلن وظهر وضد الابداء الكتمان، وضد الاظهار الابطان وضد الاعلان الاسرار يقال: بدا يبدو من الظهور وبدأ يبدأ بداء بالهمز - بمعنى استأنف قال صاحب العين: بدا الشئ يبدو بدوا: إذا ظهر وبدا له في الامر: بدء وبداء - بالهمز - بمعنى استأنف والبادية اسم الارض التي لا حضر فيها وإذا خرج الناس من الحضر إلى الصحراء والمرعى، يقال: بدوا بدا واسمه البدو ويقال اهل البدو، واهل الحضر واصل الباب الظهور والخفاء نقيض الظهور وقال الرماني حد الظهور: الحصول على حقيقة يمكن أن تعلم بسهولة والله ظاهر بادلته باطن عن احساس خلقه وكل استدلال فانما هو ليظهر شئ بظهور غيره والكتمان: نقيض إعلان السر ونحوه وناقة كتوم وهي التي لا ترعوا إذا ركبها صاحبها أي لا تصيح والكاتم من القسي: التي لا ترن إذا انتضيت الالف في قوله: " ألم أقل لكم " ألف تنبيه كقول القائل: أما ترى اليوم ما اطيبه لمن يعلم ذلك إلا أنك تريد أن تحضر ذهنه، وان ليس مثله ما يخفى عليه كقوله: " ألم تعلم أن الله على كل شئ قدير " وحكي عن سيبويه: أما ترى أي برق ها هنا، وهي الف تنبيه اصلها الاستفهام ومن الناس من قال إن معناه التوبيخ، ومن لم يجز على الملائكة المعصية، منع من ذلك فان قيل ما الفائدة في انباء آدم (ع) الملائكة بذلك دون إعلامه إياهم بذلك ؟ قلنا: أراد الله بذلك تكرمة آدم (ع) وتشريفه، وإجلال المنة عليه، وتعظيم النعمة لديه وجميع قصة آدم تؤذن بذلك فان قيل: ما معنى " غيب السماوات والارض " والله لا يغيب عنه شئ ؟ قيل في معناه: إنه يعلم ما غاب عنهم فلم يشاهدوه كما يعلم ما حضرهم فشاهدوه
[ 146 ]
وقوله: " واعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون " قيل في معناه أقوال: احدها - انه يعلم سرهم وعلانيتهم وذكر ذلك تنبيها لهم على ما يجبلهم عليه من الاستدلال، لان الاصول الاول لم يستدل بها إنما تذكر على وجه التنبيه يستخرح بها غيرها، فيستدل بعلم الغيب انه خلق عباده - على ما خلقهم عليه للاستصلاح وما توجبه الحكمة والثاني - ما يسرون بمعنى ما أضمره إبليس من المعصية والمخالفة وما يعلنون: قولهم: " اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء " قال الرماني: وهذا الوجه غلط، لان ابليس ليس من الملائكة، ولان القول على العموم لا يجوز أن يصرف إلى الخصوص بغير دلالة وهذا الوجه اختاره الطبري وقال: هو بمنزلة قولهم: قتل الجيش وهزموا وانما قتل البعض قال الرماني: إنما يقال ذلك إذا حل قتل الواحد محل قتل الجميع: مثل قتل الرئيس أو من يقوم مقامه ولا يقال أيضا إلا والدلالة عليه ظاهرة وليس كذلك في الآية وقد روى روايات في هذا المعنى والوجه في هذا أن إبليس لما دخل معهم في الامر بالسجود، جاز أن يستثني من جملتهم والثالث - قيل: ان الله تعالى لما خلق آدم، مرت به الملائكة قبل أن ينفخ فيه الروح، ولم تكن رأت مثله قبل، فقالت: لن يخلق الله خلقا إلا كنا اكرم منه وافضل عنده فزعم أن هذا الذي أخفوه في نفوسهم وان الذي أبدوه قولهم: " اتجعل فيها من يفسد فيها " روي ذلك عن الحسن والوجه الاول اقوى، لانه اعم، ويدخل فيه هذا الوجه ولا دلالة يقطع بها على تخصيص الآية فان قيل: ما وجه ذكره تعالى لهم الاسرار من علم الغيب قلنا على وجه الجواب فيما سألوا عنه من خلق من يفسد ويسفك الدماء وذلك على وجه التعريض بالجواب دون التصريح، لانه لو صرح به، لقال: خلقت من يفسد ويسفك الدماء لما اعلم
في ذلك من المصلحة لجملة عبادي فيما كلفتهم اياه وأمرتهم به فدل في الاحالة في الجواب على العلم بباطن الامور وظاهرها أنه خلقهم لاجل علمه بالمصلحة في ذلك
[ 147 ]
ودلهم بذلك على أن عليهم الرضا والتسليم لقضاء الله، لان الله يعلم من الغيب ما لا يعلمونه، ويعلم من مصالحهم ما لا يعلمونه في دينهم ودنياهم فان قيل وأي شئ في تعلم آدم الاسماء كلها مما يدل على علم الغيب قلنا: لانه علمه الاسماء كلها بما فيها من المعاني التي تدل عليها على جهة فتق لسانه بذلك والهامه إياه وهي معجزة أقامها الله تعالى للملائكة تدل على جلالته وارتفاع قدره بما اختصه به من العلم العظيم الذي لا يصل إليه إلا بتعليم الله اياه، فبان بذلك الاعجاز بالاطلاع على ما لا سبيل إلى علمه إلا من علام الغيوب ففيه من المعجزة أنه فتق لسانه بها على خلاف مجرى العادة، وأنه علمه من لطائف الحكمة فيه ما لا تعلمه الملائكة مع كثرة علومها، وانها اعرف الخلق بربها فعرفوا ما دلهم على علم الغيب بالمعجزة مؤكدا لما يعلمونه من ذلك بالادلة العقلية، ولذلك نبههم فقال: " ألم أقل لكم اني اعلم غيب السماوات والارض اي قد دللتكم على ذلك من قبل وهذه دلالة بعد وقيل: افتتح الله الدلالة على الاعجاز بالكلام في آدم، ثم ختم به في محمد صلى الله عليه وآله قوله تعالى: وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين آية واحدة القراءة: ضم التاء من الملائكة أبو جعفر وحده وحيث وقع اتبع التاء ضمة الجيم وقيل: انه نقل ضمة الهمزة وابتدا بها والاول اقوى، لان الهمزة الف وصل تسقط في الدرج فلا يبقى فيها حركة تنقل فالوجه الاول هو المعتمد عليه والصحيح ما
عليه القراء من كسر التاء بلام الجر و " ابليس " نصب بالاستثناء من الاثبات ويكره الوقف على قوله: " فسجدوا " وعلى " إلا " حتى يقول: " إلا إبليس " وكذلك كل استثناء
[ 148 ]
وظاهر الآية يقتضي ان الامر كان لجميع الملائكة بالسجود، لعمومها وقال قوم: إن الامر كان خاصا بطائفة من الملائكة كانوا مع ابليس طهر الله بهم الارض من الجن والاول اقوى اللغة: والسجود والخضوع والتذلل بمعنى واحد في اللغة ونقيض التذلل التكبر يقال سجد يسجد سجودا، واسجد اسجادا: إذا خفض رأسه من غير وضع لجبهته قال الشاعر: وكلتاهما خرت واسجد رأسها * كما سجدت نصرانة لم تحنف والسجود في الشرع: عبارة عن عمل مخصوص في الصلاة - والركوع والقنوت كذلك - وهو وضع الجبهة على الارض ويقال سجدنا لله سجودا وقوم سجد ونساء سجد والسجد من النساء: الفاترات الاعين قال الشاعر: أغرك مني ان ذلك عندنا * واسجاد عينيك الصيودين رابح " 1 " وعزائم السجود من ذلك وقوله: " وإن المساجد لله " قيل: إنه السجود وقيل: إنه المواضع من الجسد التي يسجد عليها واحدها مسجد والمسجد اسم جامع لجميع المسجد وحيث لا يسجد بعد ان يكون أخذ لذلك فاما المسجد من الارض فهو موضع السجود بعينه وقال قوم: معنى السجود في اصل اللغة: الخضوع والانحناء، وقيل التذلل قال الشاعر:
بجمع يقل البلق في حجراته * ترى الاكم فيه سجدا للحوافر كأنه قال مذللة للحوافر والسجود على اربعة اقسام: سجدة الصلاة وسجدة التلاوة، وسجدة الشكر وسجدة السهو وقوله: " أبى " معناه ترك وامتنع والاباء والامتناع والترك بمعنى (واحد) " 2 " ونقيض أبى أجاب يقال أبى يأبى إباء وتأبى تأبيا قال صاحب * (الهامش) * " 1 " البيت لكثير اللسان " سجد " في المطبوعة " رابح " مشوشة غير مقروءة " 2 " " واحد " غير موجود في المطبوعة (*)
[ 149 ]
العين: أبى يأبى إباه إذا ترك الطاعة ومال إلى المعصية كقوله: " فكذب وابى " وكل من ترك أمرا ورده فقد أباه ورجل أبي وقوم أبيون وأباة " 1 " قال الشاعر: اباة الضيم من قوم اباة وليس الاباء بمعنى الكراهة، لان العرب تتمدح بأنها تأبى الضيم ولا تتمدح في كراهة الضيم، وانما المدح في المنع منه كقوله: " ويأبى الله إلا أن يتم نوره " أي يمنع الكافرين من اطفاء نوره والاستكبار والتكبر، والتعظم والتجبر نظائر وضدها التواضع يقال كبر كبرا وأكبر اكبارا، واستكبر استكبارا، وتكبر تكبرا، وتكابر تكابرا وكابره مكابرة، وكبره تكبرا قال صاحب العين: الكبر: العظمة والكبر والكبر: الاثم الكبير جعل اسما من الكبيرة كالخطيئة والخطئ وكبر كل شئ معظمه والكبر مصدر الكبير في السن من جميع الحيوان فإذا أردت الامر العظيم قلت كبر: كبر هذا الامر كبارة والكبار في معنى الكبير ويقال اكبرت الشئ: إذا أعظمته ومنه قوله: " فلما رأيته اكبرنه " والتكبير في الصلاة تفعيل من قولهم:
الله اكبر واصل الباب الكبر وهو العظم ويقال على وجهين: كبر الجثة وهو الاصل وذلك لا يجوز عليه تعالى وكبر الشأن والله تعالى الكبير من كبر الشأن وذلك يرجع إلى سعة مقدوره ومعلومه وتحقيقه انه قادر على ما لا يتناهى من جميع الاجناس المقدورات وعالم بكل معلوم والاستكبار: الانفة مما لا ينبغي أن يوقف منه وموضع " إذ " من قوله: " إذ قلنا " نصب، لانه عطف على " إذ " الاولى كأنه قال: واذ أراد وقال أبو عبيدة لا موضع لها من الاعراب لانها زائدة وانشد: حتى إذا أسلكوهم في قتائدة * شلا كما تطرد الجمالة الشردا " 2 " وقال: المراد واستشهد به على وجهين كل واحد منهما نقيض الآخر فأحد * (الهامش) * (1) في المطبوعة " خفيف " بعد اباة وفي الهامش ذكروها " عفيف " على وجه الاستعمال " 2 " مر القول في هذا البيت
[ 150 ]
الوجهين قوله: " حتى إذا جاءوها وفتحت ابوابها " فلم يأت " إذ " جواب والوجه الآخر فيه على زيادة " إذ " في هذا الموضع وكلا الوجهين خطأ عنده، لان الجواب في قوله: قتائدة هو قوله: شلا بوقوعه موقع: شلوهم شلا كما يقول القائل: إذا أتيت الحرب، فضربا وطعنا وأما الزيادة فقد بينا وجه الخطأ فيها فيما تقدم واختلفوا في امر الملائكة والسجود لآدم على وجهين: قال قوم: انه امرهم بالسجود له تكرمة وتعظيما لشأنه - وهو المروي في تفسيرنا واخبارنا - وهو قول قتادة وجماعة من اهل العلم واختاره ابن الاخشيد والرماني وجرى ذلك مجرى قوله: (وخروا له سجدا) " 1 " في اولاد يعقوب، ولا جل ذلك جعل اصحابنا هذه الآية دلالة على أن الانبياء افضل من الملائكة
من حيث امرهم بالسجود له والتعظيم على وجه لم يثبت ذلك لهم بدلالة امتناع ابليس من السجود له وانفته من ذلك وقوله: (قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لان اخرتني إلى يوم القيامة لاحتنكن ذريتة إلا قليلا) " 2 " لو كان ذلك على وجه كونه قبلة لما كان لذلك وجه، ولا فيه أنفة ولا يحسن أن يؤمر الفاضل بتعظيم المفضول على نفسه، لان ذلك سفه به وسنبين قول من خالف فيه وشبههم وقال الجبائي والبلخي وجماعة أنه جعله قبلة لهم فامرهم بالسجود إلى قبلتهم وفيه ضرب من التعظيم له وهذا ضعيف، لانه لو كان على وجه القبلة لما امتنع ابليس من السجود، ولما استعظمته الملائكة، ولكن لما أراد ذلك تعظيما له على وجه ليس بثابت لهم، امتنع ابليس وتكبر واختلفوا في ابليس هل كان من الملائكة ام لا ؟ فقال ابن عباس وابن مسعود وابن المسيب وقتادة وابن جريح والطبري: إنه كان منهم بدلالة استثنائه من جملتهم هاهنا في قوله: " إلا ابليس أبى واستكبر وكان من الكافرين " وقال: (ما منعك ان تسجد لما امرتك) مع قوله: (واذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) وهو المروي عن أبي عبد الله (عليه السلام) والظاهر * (الهامش) * " 1 " سورة يوسف: آية 100 " 2 " سورة اسرى: آية 62 (*)
[ 151 ]
في تفاسيرنا، ثم اختلف من قال: إنه كان منهم: فمنهم من قال: إنه كان خازنا على الجنان، ومنهم من قال: كان له سلطان سماء الدنيا وسلطان الارض، ومنهم من قال: إنه كان يسوس ما بين السماء إلى الارض وقال الحسن البصري وقتادة في رواية ابن زبد والبلخي والرماني وغيره من المتأخرين: انه لم يكن من الملائكة وان الاستثناء في الآية استثناء منقطع كقوله تعالى: (ما لهم به من علم الا اتباع الظن) " 1 " وقوله: (فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون الا رحمة منا) " 2 " وكقوله:
(لا عاصم اليوم من الامر الله الا من رحم) " 3 " وكقول الشاعر - وهو النابغة وقفت فيها اصيلا كي اسائلها * اعيت جوابا وما بالربع من احد إلا الاواري لايا ما ابينها * والئوي كالحوض بالمظلومة الجلد " 4 " انشد سيبويه: والحرب لا يبقى لجاحمها التخيل والمراح إلا الفتى الصبار في النجدات والفرس الوقاح " 5 " وقال آخر: وبلدة ليس بها انيس * إلا اليعافير وإلا العيس " 6 " واستدل الرماني على أنه لم يكن من الملائكة باشياء: منها - قوله: " لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون " فنفى عنهم المعصية نفيا عاما والثاني - انه قال: " إلا إبليس كان من الجن " ومتى اطلق لفظ الجن لم * (الهامش) * " 1 " سورة النساء: آية 156 " 2 " سورة يس: آية 43 و 44 " 3 " سورة هود: آية 43 " 4 " مر القول في هذا البيت وايضا في المطبوعة " لا اسائلها " " 5 " جحم - من الحرب - معظمها وشدة القتل في معركتها - القاموس - الوقاح: الحافر الصلب - القاموس " 6 " اليعافير: ج يعفور وهو الظبي العيس: الابل البيض يخالط بياضها شقرة وهو اعيس وهي عيساء (*)
[ 152 ]
يجز أن يعنى به إلا الجنس المعروف المباين لجنس الانس والملائكة
والثالث - ان ابليس له نسل وذرية قال الحسن: ابليس أبو الجن كما أن آدم أبو الانس وابليس مخلوق من النار والملائكة روحانيون خلقوا من الريح في قول ابي علي - وقال الحسن: خلقوا من النار لا يتناسلون ولا يطعمون ولا يشربون وقال الله في ابليس وولده " أتتخذونه وذريته اولياء من دوني وهم لكم عدو " والرابع - وهو اقوى ما عنده - قوله تعالى: " جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة مثنى وثلاث ورباع " فعمها بالوصف بالرسالة ولا يجوز على رسل الله أن يكفروا أو يفسقوا كالرسل من البشر والجواب عما ذكره اولا: إن قوله: " لا يعصون الله ما أمرهم " صفة لخزنة النيران، لا جميع الملائكة يدل على ذلك قوله: " يا آيها الذين آمنوا قوا أنفسكم واهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويقعلون ما يؤمرون " " 1 " وليس إذا كان هؤلاء معصومين وجب ذلك في جميعهم والجواب عما ذكره ثانيا: ان قوله: كان من الجن معناه صار ذكر ذلك الاخفش وجماعة من اهل اللغة وقيل ايضا: إن ابليس كان من طائفة من الملائكة يسمون جنا من حيث كانوا خزنة الجنة وقيل سموا بذلك لاختفائهم عن العيون كما قال اعشى قيس بني ثعلبة: ولو كان شئ خالدا أو معمرا * لكان سليمان البرئ من الدهر براه إلهي واصطفاه عباده * وملكه ما بين ثريا إلى مصر وسخر من جن الملائك تسعة * قياما لديه يعملون بلا أجر " 2 " وقد قال الله تعالى: " وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا " " 3 "، لان قريشا * (الهامش) * " 1 " سورة التحريم: آية 6 " 2 " ملحق ديوان الاعشى الدهر هنا نكباته وفي المطبوعة " تربا " بدل
" ثريا " " 3 " سورة الصافات: آية 58
[ 153 ]
قالت: الملائكة بنات الله والجواب عما ذكره ثالثا من أن أبليس له نسل، " 1 " طريقه الآحاد، ولو كان صحيحا، لم يمنع ان يكون الله ركب فيه شهوة النكاح تغليظا عليه في التكليف وإن لم يكن ذلك في باقي الملائكة، فلا وجه لاستبعاده والجواب عما ذكره رابعا قوله " جاعل الملائكة رسلا أولي اجنحة " " 2 " فمعارض بقوله: " الله يصطفي من الملائكة رسلا " " 3 " فان كان ظاهر تلك يقتضي العموم فظاهر هذه يقتضي التخصيص، لان (من) للتبعيض، ولو لم يكن كذلك، لجاز لنا أن نخص هذا العموم بقوله: (إلا إبليس) لان حمل الاستثناء على أنه منقطع حمل له على المجاز كما أن تخصيص العموم مجاز، وإذا تعارضا، سقطا فأما ما روي عن ابن عباس أن الملائكة كانت تقاتل الجن، فسبي إبليس، وكان صغيرا مع الملائكة، فتعبد معها فلما أمروا بالسجود لآدم، سجدوا إلا إبليس ابى، فلذلك قال الله تعالى: " إلا إبليس كان من الجن " فانه خبر واحد لا يصح والمعروف عن ابن عباس ما قلناه أنه كان من الملائكة فأبى واستكبر وكان من الكافرين ومن قال إن إبليس خلق من نار ومن مارج والملائكة لم يخلقها من ذلك فقوله ضعيف، لانه لا يمنع أن يكون الله تعالى خلق الملائكة اصنافا: صنفا من نار، وصنفا من نور، وصنفا من غير ذلك، وصنفا آخر لا من شئ، فاستبعاد ذلك ضعف معرفة (وابليس) قال الزجاج والرماني وغيرهما من النحويين انه ليس بمأخوذ من الابلاس كقوله " مبلسون " أي: آيسون من الخير قالوا: لانه أعجمي معرب بدلالة أنه لا ينصرف للعجمة والتعريف وقال الطبري: هو مشتق من
الابلاس ووزنه افعيل وأنشد العجاج: يا صاح هل تعرف رسما مكرسا * قال نعم أعرفه وأبلسا وقال رؤبة: * (الهامش) * " 1 " زاد المصحح في المطبوعة في هذا الموضع " ان ذلك " وبدونه يصح المعنى " 2 " سورة فاصل آية 1 " 3 " سورة الحج آية 75 (*)
[ 154 ]
وحضرت يوم الخميس الاخماس * وفي الوجوه صفرة وابلاس يعني اكتئابا وكسوفا وقال: إنما لم يجر استثقالا، من حيث كان اسما لا نظير له من أسماء العرب فشبه باسماء العجم التي لا تنصرف وزعم ان اسحاق لا ينصرف وهو من أسحقه الله إسحاقا، وأن أيوب من أب يئوب على زنة فعول كقيوم من قام يقوم قال الرماني: غلط في جميع ذلك، لانها الفاظ أعربت من العجميه ووافقت الفاظ العربية وكان ابن السراج يمثل ذلك - على جهة التبعيد - بمن زعم ان الطير ولد الحوت وغلط أيضا في قوله انه لا نظير له في اسماء العرب، لانهم يقولون: إزميل للشفرة، قال الشاعر: هم منعوا الشيخ المناجي بعد ما * رأي حمة الازميل فوق البراجم والاعريض: الطلع، واحريض: صبغ أحمر، وقالوا: هو العصفر، وسيف اصليت: ماض كثير الماء، وثوب اضريج: مشبع الصبغ، وقالوا: هو من الصفرة خاصة وسبيل ابليس سبيل (انجيل) في انه معرب غير مشتق وحد الاستكبار الرفع للنفس إلى منزلة لا تستحق قوله: " وكان من الكافرين " قال قوم: يدل على أنه كان قبله قوم كفار من الجن وقال آخرون لا يدل، ويجري ذلك مجرى قول القائل: كان آدم من الانس، ولم يكن قبله انسي
وكان إبليس من الجن ولم يكن قبله جني، ومعناه: صار من الكافرين ومن قال ان ابليس كان من جملة الملائكة، قال: كان من جملة المأمورين بالسجود لآدم بدلالة قوله: " ما منعك الا تسجد إذ امرتك ؟ " ولانه استثناه من جملتهم ولم يكن منهم، علمنا انه كان من جملة المأمورين كقول القائل: أمر أهل البصرة بدخول الجامع فدخلوا إلا رجلا من أهل الكوفة، فانه يعلم بهذا ان غير اهل البصرة كان مأمورا بدخول الجامع غيران أهل البصرة كانوا اكثر فلذلك خصوا بالذكر، وكذلك القول في الآية ومن استدل بهذه الآية على أن أفعال الجوارح من من الايمان من حيث لو لم يكن كذلك، لوجب ان يكون ابليس مؤمنا بما معه من المعرفة بالله وان فسق بابائه، فقد أبعد، لان المخالف يقول: إذا علمت كفره
[ 155 ]
بالاجماع علمت انه لم يكن معه إيمان اصلا، كما إذا رأيت انه يصلي للشمس علمت ان معه كفرا، وان كانت، صلاته للشمس ليست كفرا فان قيل: إذا كانت " إذ " لما مضى، فما معنى قوله: " واذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وامي إلهين من دون الله " ؟ وكيف قال: " واذ يتحاجون في النار " ؟ قيل: معنى ذلك كله على تقدير الاستقبال لان ما تحقق بمنزلة ما قد كان، كما قال: " ونادى اصحاب النار أصحاب الجنة " قوله تعالى: وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين آية بلا خلاف السكون والثبوت والهدوء نظائر، ومثله الاستقرار والاطمئنان والثبات والمسكن والمأوى والمثوى بمعنى (واحد)، تقول: سكن يسكن سكونا إذ لبث في المكان
وسكن إذا سكت سكن الريح، وسكن المطر، وسكن الغضب والسكن هم العيال وهم أهل البيت قال سلامة بن المجندل: ليس بأسفى ولا أقنى ولا سغل * يسقي دواء قفي السكن مربوب والمسكن المنزل، والسكن السكان، والسكن ان يسكن إنسان منزلا بلا كراء والسكينة: الموادعة والوقار والسكن: الرحمة والبركة، كقوله: (إن صلاتك سكن لهم) والمسكين: الذي لا شئ له - عند ابي عبيدة -، والفقير: الذي له شئ وان كان قليلا قال الشاعر: أما الفقير الذي كانت حلوبته * وفق العيال فلم يترك له سيد وقوله تعالى: (اما السفينة فكانت لمساكين يعملون في البحر) قال أبو حاتم: أحسنه - أنهم كانوا شركاء في سفينة لا يملكون سواها، فهذا يخالف أبا عبيدة وسكان السفينة معروف عربي اشتقاقه من انها تسكن به عن الحركة والاضطراب
[ 156 ]
ومعنى (اسكن أنت وزوجك الجنة): اجعله مأوى تأوي فيه وتسكن إليه، وقد اعظم الله النعمة على آدم بما اختصه من علمه، وأسجد له ملائكته واسكنه جنته، وتلك نعمة على ولده، فالزمهم الشكر عليها، والقيام بحقها والجنة التي اسكن فيها آدم، قال قوم: هي بستان من بساتين الدنيا، لان جنة الخلد لا يصل إليها إبليس ووسوسته، واستدل البلخي على انها لم تكن جنة الخلد بقوله تعالى حكاية عن ابليس لما اغوى آدم، قال له: (هل أدلك على شجرة الخلد ؟) فلو كانت جنة الخلد لكان عالما بها، فلم يحتج إلى دلالة وقال الحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء واكثر المعتزلة كأبي على والرماني وابي بكر بن الاخشيد وعليه اكثر المفسرين: انها كانت جنة الخلد، لان الالف واللام للتعريف وصار كالعلم عليها قالوا: ويجوز ان يكون وسوسة ابليس من خارج
الجنة، فيسمعان خطابه ويفهمان كلامه، قالوا: وقول من يقول: ان جنة الخلد من يدخلها لا يخرج منها لا يصح، لان معنى ذلك إذا استقر اهل الجنة في الجنة للثواب، وأهل النار فيها للعقاب لا يخرجون منها، واما قبل ذلك فانها تغنى لقوله تعالى: (كل شئ هالك إلا وجهه) (وزوجك الجنة) الزوج: بطرح الهاء قال الاصمعي: هو أكثر كلام العرب، وقال الكسائي: اكثر كلام العرب بالهاء، وطرح الهاء لغة لازد شنوءة، ولفظ القرآن لم يجئ إلا بطرح الهاء وقال المبرد: الوجه طرح الهاء من الزوجة وأنشد: وأراكم لدى المحاماة عندي * مثل صوت الرجال للازواج جمع زوج، ولا يجوز ان يكون جمع زوجة وقال الرماني: قول الاصمعي أجود، لان لفظ القرآن عليه، والعلة في ذلك انه لما كانت الاضافة تلزم الاسم في اكثر الكلام كانت مشبهة له، وكانت بطرح الهاء افصح وأخف مع الاستغناء بدلالة الاضافة عن دلالة هاء التأنيث وقوله تعالى: (وكلا) فالاكل والمضغ واللقم متقاربة، وضد الاكل
[ 157 ]
الازم وسأل عمر بن الخطاب الحارث بن كلدة طبيب العرب، فقال له: يا حار ما الدواء ؟ فقال: الازم، أي ترك الاكل والاكلة مرة، والاكلة اسم كاللقمة والاكولة الشاة، والغنم التي ترعى للاكل لا للنسل، الاكال: أن يتأكل عود أو شئ وأكيل الرجل: مآكله واكيل الذئب: الشاة وغيرها إذا أردت المأكولة وإذا أردت به إسما قلت: اكيلة ذئب والمأكلة: ما جعل للانسان لا يحاسب عليه ورجل وامرأة أكول: كثير الاكل والمأكل كالمطعم والمشرب والمأكل: المطعم وأصل الباب الاكل وهو المضغ لذي الطعم ويقال الذي يشترك فيه
الحيوان كله فيه سوى الملائكة المأكل والمنكح والمشرب و " الرغد " النفع الواسع الكثير الذي ليس فيه عناء وقال صاحب العين: عيش رغد ورغيد: رفيه وقوم رغد ونساء رغد قال امرؤ القيس بن حجر: بينما المرء تراه ناعما * يأمن الاحداث في عيش رغد والرغيدة: الزبدة في بعض اللغات وأرغد الرجل ما شيته: إذا تركها وسومها والمشيئة والارادة بمعنى واحد وكذلك المحبة والاختيار وان كان لها شروط ذكرناها في اصول " ولا تقربا " القرب والدنو والمجاورة متقاربة المعنى وضد البعد يقال: قرب يقرب قربا واقترب اقترابا قال صاحب العين: القرب طلب الماء يقال: قرب الماء يقرب وقد قربه قربا إذا طلبه ليلا ولا يقال لطالب الماء نهارا قارب والقراب للسيف والسكين والفعل منه: قربت قرابا وقيل قربت اقرابا والقربان: ما تقربت به إلى الله تعالى وقربان الملك وقرا بينه: وزراؤه والقربى: حق ذي القرابة وقرب فلان اهله: إذا غشيها قربانا وما قربت هذا الامر ولا فلانا قربانا وقربى والشجرة: كل ما قام على ساق من النبات وهو اسم يعم النخلة والكرمة وغيرهما وما لم يقم على ساق لا يسمى شجرا كالبقل والحشيش واما اليقطين كالقرع والبطيخ فقد سمي شجرا قال الله تعالى: " وانبتنا عليه شجرة من يقطين " قال صاحب العين: الشجرة واحدة تجمع على الشجر والشجرات والاشجار واخلتفوا
[ 158 ]
في الشجرة التي نهى الله آدم عنها فقال ابن عباس: هي السنبلة وقال ابن مسعود والسدي وجعفر بن زهير: هي الكرمة وقال ابن جريج هي التينة وروي عن علي (عليه السلام) انه قال: شجرة الكافور وقال الكلبي: شجرة العلم على الخير والشر وقال ابن جذعان: هي شجرة الخلد التي كان يأكل منها الملائكة
والاقاويل الثلاثة الاولة اقرب " فتكونا من الظالمين " الظلم والجور والعدوان متقاربة وضد الظلم الانصاف وضد الجور العدل واصل الظلم انتقاص الحق لقوله تعالى: " كلتا الجنتين اتت اكلها ولم تظلم منه شيئا " أي لم تنقص وقيل: أصله وضع الشئ في غير موضعه من قولهم: من يشبه أباه فما ظلم أي فما وضع الشبه في غير موضعه وكلاهما مطرد وعلى الوجهين فالظلم اسم ذم ولا يجوز أن يطلق إلا على مستحق اللعن لقوله: " ألا لعنة الله على الظالمين " ولا يجوز اطلاقه على انبياء الله تعالى ولا الائمة المعصومين وظالم ومسئ وجائر: اسماء ذم وهو فاعل لما يستحق به الذم من الضرر وضدها عادل ومنصف ومحسن وهي من صفات المدح ويقول المعتزلة لصاحب الصغيرة: ظالم لنفسه ومن نفى الصغيرة عن الانبياء من الامامية قال: يجوز أن يقال: ظالم لنفسه إذا بخسها الثواب كقوله " ظلمت نفسي " وقوله: " إني كنت من الظالمين " حكاية عن يونس من حيث بخس نفسه الثواب بترك المندوب إليه والظلم هو الضرر المحض الذي لا نفع فيه أو عليه آجلا، ولا فيه دفع ضرر اعظم منه ولا هو واقع على وجه المدافعة، ولا هو مستحق فما هذه صفته يستحق به الذم إذا وقع من مختار عالم أو متمكن من العلم به وروي ان الله تعالى ألقى على آدم النوم، وأخذ منه ضلعا فخلق منه حواء وليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون جزء، أو مما لا يتم كون الحي حيا إلا معه، لان ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره، أو يخلق منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يصل الثواب إلى مستحقه، لان المستحق لتلك الجملة باجمعها وهذا قول الرماني وغيره من المفسرين، ولذلك قيل للمرأة: ضلع اعوج وقيل سميت امرأة
[ 159 ]
لانها خلقت من المرء فأما تسميتها حواء: لما أدخل آدم الجنة واخرج منها إبليس
ولعن وطرد فاستوحش: فخلقت ليسكن إليها فقالت له الملائكة تجربة لعلمه: ما اسمها ؟ قال حواء قالوا لم سميت حواء ؟ قال: لانها خلقت من شئ حي وقال ابن اسحاق: خلقت من ضلعه قبل دخوله الجنه، ثم دخلا جميعا الجنة لقوله تعالى: " يا آدم اسكن انت وزوجك الجنة " التي كان فيها آدم في السماء، لانه اهبطهما منها وقال أبو مسلم محمد بن يحيى: هي في الارض، لانه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهاهما عنها دون غيرها من الثمار و " حيث " مبنية على الضم كما تبنى الغاية: نحو من قبل ومن بعد، لانه منع من الاضافة (إلى المفرد) كما منعت الغاية من الاضافة إلى مفرد وقوله: " ولا تقربا هذه الشجرة " صيغته صيغة النهي والمراد به الندب عندنا لانه دل الدليل على أن النهي لا يكون نهيا إلى بكراهته للمنهي عنه والله تعالى لا يكره إلا القبيح والانبياء لا يجوز عليهم القبائح: صغيرها ولا كبيرها وقالت المعتزلة: إن تلك كانت صغيرة من آدم - على اختلافهم في انه كان منه عمدا أو سهوا أو تأويلا - وانما قلنا لا يجوز عليهم القبائح، لانها لو جازت عليهم لوجب أن يستحفوا بها ذما، وعقابا وبراءة ولعنة، لان المعاصي كلها كبائر عندنا والاحباط باطل ولو جاز ذلك لنفر عن قبول قولهم وذلك لا يجوز عليهم كما لا يجوز كل منفر عنهم من الكبائر والخلق المشوهة والاخلاق المنفرة ولا خلاف أن النهي يتناول الا كل دون القرب كأنه قال: لا تقربا بالاكل لانه لا خلاف أن المخالفة وقعت بالاكل لا بالدنو منها ولذلك قال: " فاكلا منها فبدت لهما سوأتهما " وقوله: " فتكونا " يحتمل أن يكون جوابا للنهي فيكون موضعه نصبا وهو الاقوى ويحتمل أن يكون عطفا على النهي فيكون موضعه جزما وكلاهما جيد محتمل ومتى كان جوابا كان تقديره: إن قربتما كنتما من الظالمين، لانه يتضمن معنى الجواب وإذا كان عطفا على النهي فكأنه قال: لا تكونا من الظالمين واجاز
البصريون من اهل العدل أن يبتدئ الله الخلق في الجنة فينعمهم فيها تفضلا منه
[ 160 ]
لا على وجه الثواب، لان ذلك نعمة منه تعالى كما أن خلقهم وتكليفهم وتعريضهم للثواب نعمة منه، وله أن يفعل ما يشاء من ذلك وقال أبو القاسم البلخي: لا يجوز خلقهم في الجنة ابتداء، لانه لو جاز ذلك، لما خلقهم في دار المحنة، ولما ابتلى من يعلم أنه يكفر ويصير إلى عذابه وانما لم يجز أن يخلقهم ابتداء في الجنة، لانه لو خلقهم فيها، لم يخل: إما أن يكونوا متعبدين بالمعرفة لله والشكر، أو لا يكونوا كذلك فلو كانوا غير متبعبدين، كانوا مهملين ولذلك لا يجوز ولو كانوا متعبدين لم يكن بد من ترغيب وترهيب ووعد، ووعيد ولو كانوا كذلك كانوا على ما هم عليه في دار الدنيا وكان لا بد من دار أخرى يجازون فيها ويخلدون واجاب عن ذلك الاولون بان قالوا: لو ابتدأ خلقهم في الجنة لاضطرهم إلى معرفته، والجأهم إلى فعل الحسن وترك القبيح ومتى راموا القبيح، منعوا منه فلا يؤدي ذلك إلى ما قاله: كالحور العين والاطفال والبهائم إذا حشرهم يوم القيامة فأزلهما الشيطان عنها فأخرجما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الارض مستقر ومتاع إلى حين آية بلا خلاف القراءة: قرأ حمزة وحده " وأزالهما " بألف وتخفيف اللام الباقون بتشديد اللام وحذف الالف اللغة: الزلة والمعصية والخطيئة والسيئة بمعنى واحد وضد الخطيئة الاصابة ويقال: زل زلة، وأزله إزلالا، واستزله استزلالا وقال صاحب العين: زل السهم عن النزع زليلا
وزل فلان عن الصخر زليلا فإذا زلت قدمه، قلت: زل زلا فإذا زل في مقالة أو خطبة قلت: زل زلة قال الشاعر: هلا على غيري جعلت الزلة
[ 161 ]
وأزله الشيطان عن الحق: إذ أزاله والمزلة: المكان الدحض (1) والمزلة: الزلل في الدحض والزلل: مثل الزلة في الخطأ والازلال: الانعام وفي الحديث: (من أزلت إليه فليشكرها) بمعنى أسديت قال كثير: وإني - وإن صدت - لمثن وصادق * عليها بما كانت إلينا أزلت (2) ويقال: أزللت إلى فلان نعمة، فأنا أزلها إزلالا فالاصل في ذلك الزوال والزلة: زوال عن الحق ومعنى " أزالهما " (3): نحاهما من قولك: زلت عن المكان: إذا تنحيت منه والوجه ما عليه القراء (4) لان هذا يؤدي إلى التكرار، لانه قال بعد ذلك " فأخرجهما " فيصير تقدير الكلام: فأخرجهما الشيطان عنها فأخرجهما وذلك لا يجوز ويحسن أن يقول: استزلهما فأخرجهما ومن قرأ: " أزالهما "، أراد المقابلة بين قوله: " أزالهما " وبين قوله: " اسكن "، لان معناه: اسكن واثبت انت وزوجك وتقديره: اثبتا، فأراد أن يقابل ذلك فقال: " فأزالهما " فقابل الزوال بالثبات وإنما نسب الازلال والاخراج إلى الشيطان لما وقع ذلك بدعائه ووسوسته وإعوائه ولم يكن إخراجهما (5) من الجنة على وجه العقوبة، لانا قد بينا أن الانبياء لا يجوز عليهم القبائح على حال ومن أجاز عليهم العقاب، فقد أعظم الفرية وقبح (6) الذكر على الانبياء وإنما أخرجهم من الجنة، لانه تغيرت المصلحة لما تناول من الشجرة، واقتضى التدبير والحكمة تكليفه في الارض وسلبه ما ألبسه الله (تعالى) من لباس الجنة وقال قوم: إن إلباس الله له ثياب
الجنة كان تفضلا وللمتفضل أن يمنع ذلك تشديدا للمحنة كما يفقر بعد الغنى، ويميت بعد الاحياء، ويسقم بعد الصحة فان قيل: كيف وصل إبليس إلى آدم حتى أغواه ووسوس إليه وآدم كان * (الهامش) * (1) الدحض بفتح الحاء وسكونها، من الامكنة: الزلق ج: دحاض (2) في المطبوعة والمخطوطه (عليا) بدل (عليها) الديوان (3) على قراءة حمزة (4) أي بتشديد اللام (5) في المخطوطة (باخراجهما) (6) وفتح خ ل (*)
[ 162 ]
في الجنة، وابليس قد أخرج منها حين تأبي من السجود ؟ قيل: عن ذلك أجوبة: إحدها - ان آدم كان يخرج إلى باب الجنة، وابليس لم يكن ممنوعا من الدنو منه، وكان يكلمه ويغويه (الثاني) - وقال آخرون: انه كلمهما من الارض بكلام فهماه (1) منه وعرفاه (والثالث) - قال قوم: إنه دخل في فقم الحية، وخاطبها من فقمها والفقم: جانب الشدق (والرابع) - قال قوم: راسلهما بالخطاب وظاهر الكلام يدل على أنه شافههما بالخطاب (والخامس) - وقال قوم: يجوز أن يكون قرب من السماء فكلمهما فأما ما روي عن سعيد بن المسيب: - أنه كان يخلف ولا يستثني، أن آدم ما أكل من الشجرة وهو يعقل، ولكن حواء سقته الخمر حتى إذا سكر، قادته إليها فأكل - فانه خبر ضعيف وعند اصحابنا، أن الخمرة كانت محرمة في سائر الشرائع ومن لم يقل ذلك، يقول: لو كان كذلك، لما توجه العتب على آدم، ولا كان عاصيا بذلك والامر بخلاف ذلك وانما قلنا ذلك: لان النائم غير مكلف في حال
نومه، لزوال عقله، وكذلك المغمى عليه، وكذلك السكران وانما يؤاخذ السكران بما يفعله في شرعنا، لما ثبت تحريم ما يتناوله اسم المسكر والا فحكمه حكم النائم عقلا وقد قلنا: إن أكلهما من الشجرة كان على وجه الندب، دون أن يكون ذلك محظورا عليهما، لكن لما خالفا في ترك المندوب إليه تغيرت المصلحة، واقتضت إخراجهما من الجنة وقد دللنا على ذلك في ما مضى (والسادس) - وقال قوم: تعمد ذلك (والسابع) - وقال قوم آخرون: نهي عن جنس الشجرة، واخطأ (والثامن) - وقال قوم: إنه تأول (2) النهي الحقيقي، فحمله على الندب * (الهامش) * (1) في المخطوطة (وتكلما منه وعرفاه) (2) في المخطوطة والمطبوعة (ناول)
[ 163 ]
وأخطأ وقد قدمنا ما عندنا فيه فان قيل: كيف يكون ذلك ترك الندب مع قوله: " فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه " ؟ قلنا التوبة: - قيل - الرجوع ويجوز ان يرجع تارك الندب عن ذلك،... (1) يكون تائبا ومن قال: وقعت معصيته محبطة... (2) بها يخرج عن الاصرار كما لحد (3).. (4) الاولى اسقطت العقاب... (5) وابليس يقول لهما: " مانها كما ربكما عن هذه الشجرة الا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما: اني لكما لمن الناصحين " قيل: ما قبلا ذلك من إبليس، ولو قبلاه لكانت المعصية أعظم فلما لم يعاتبهما الله على ترك ذلك، دل على أنهما لم يقبلا وهذا جواب من يقول: انه كان صغيرا، (6) أو كان ناسيا وعلى ما قلناه - أن ذلك كان ندبا لا يحتاج إلى ذلك، بل دليل العقل أمننا من وقوع قبيح من آدم، والانبياء فلو كان صريحا، لتركنا ظاهره لقيام الدليل على خلافه على أنه لا يمنع أن يقاسمهما: إنه لمن الناصحين في ترك الندب وإنما ظاهر النهي تركه يوجب أن يصيرا من
الخالدين وقوله " مما كانا فيه " يحتمل أن يكون أراد: من لباسهما حتى بدت لهما سوآتهما ويحتمل أن يكون من الجنة، حتي أهبطا ويحتمل أن يكون أراد: من الطاعة ألى المعصية اللغة: وقوله: " اهبطوا " فالهبوط والنزول والوقوع نظائر ونقيض الهبوط والنزول الصعود يقال: هبط يهبط: إذا انحدر في هبوط من صعود والهبوط اسم كالحدور، وهو الموضع الذي يهبط من اعلى إلى اسفل والهبوط: المصدر قال ابن دريد: هبطته واهبطته والعداوة، والبراءة، والمباعدة، نظائر وضد العدو، الولي والعدو: * (الهامش) * (1) في الاصل بياض (2) بياض (3) (لحد) هكذا في الاصل (4) بياض (5) بياض (6) في المخطوطة (صغيرا وكان) وفي المطبوعة (صغيرا ولو كان)
[ 164 ]
الحضر (1) - خفيف - والعدو: - ثقيل - يقال في التعدي وقرئ: " فيسبوا الله عدوا - وعددوا - بغير علم " " 2 " والعدوان: الظلم والعدوى: طلبك إلى وال ليعديك على من ظلمك - أي ينتقم لك - والعدو اسم جامع للواحد والانثين والجمع والمذكر والمؤنث فإذا جعلته نعتا، قلت: الرجلان عدواك، والرجال اعداؤك، والمرأتان عدوتاك، والنسوة عدواتك وأصل الباب: المجاوزة يقال: لا يعدونك هذا الامر - أي يتجاوزنك المعنى: وقوله: " اهبطوا " انما قال بالجمع، لانه يحتمل اشياء:
احدها - أنه خاطب آدم وحواء وابليس، فيصلح ذلك، وان كان ابليس أهبط من قبلهما يقال: أخرج جمع من الجيش - وان خرجوا متفرقين - اختار هذا الزجاج والثاني - أنه أراد آدم وحواء والحية والثالث - آدم وحواء وذريتهما والرابع - قال الحسن: إنه أراد آدم وحواء والوسوسة وظاهر القول وان كان أمرا فالمراد به التهديد كما قال: " اعملوا ما شئتم " وقوله: " مستقر " قرار، لقوله: " جعل لكم الارض قرارا " وقيل: مستقر في القبور والاول أقوى وأحسن اللغة: والقرار: الثبات، والبقاء مثله وضد القرار الانزعاج وضد الثبات الزوال وضد البقاء الفناء ويقال: قر قرارا والاستقرار: الكون من وقت واحد على حال " والمستقر " يحتمل أن يكون بمعنى الاستقرار، ويحتمل أن يكون بمعنى المكان الذي يستقر فيه * (الهامش) * (1) الحضر، بضم الحاء وتسكين الضاد: الاسم من أحضر الفرس أي عدا (2) سورة الانعام آية: 108
[ 165 ]
وقوله: " ومتاع إلى حين " والمتاع والتمتع والتلذذ والمتعة متقاربة المعنى وضدها التألم يقال: أمتعه به إمتاعا، وتمتع تمتعا، واستمتع استمتاعا، ومتعه تمتيعا، ومتع النهار متوعا - وذلك قبل الزوال - والمتاع من أمتعة البيت: ما يتمتع به الانسان من حوائجه وكل شئ تمتعت به فهو متاع ومنه متعة النكاح، ومتعة المطلقة، ومتعة الحج
وقوله: " إلى حين " فالحين، والمدة والزمان، متقاربة والحين الهلاك حان يحين وكل شئ لم يوفق للرشاد، فقد حان حينا والحين: الوقت من الزمان وجمعه أحيان وجمع الجمع، أحايين ويقال: حان يحين حينونة وحينت الشئ: جعلت له حينا وحينئذ يبعد قولك: الآن فإذا باعدوا بين الوقتين، باعدوا ب (إذ) فقالوا: حينئذ والحين: يوم القيامة وأصل الباب، الوقت والحين: وقت الهلاك ثم كثر، فسمي الهلاك به والحين: الوقت الطويل المعنى: وقيل: ال " حين " في الآية يعني الموت وقيل إلى يوم القيامة وقيل: إلى أجل وقال ابن سراج: إذا قيل: " ولكم في الارض مستقر ومتاع " لظن أنه غير منقطع فقال: " إلى حين " انقطاعه والفرق بين قول القائل: هذا لك حينا، وبين قوله: إلى حين أن إلى تدل على الانتهاء، ولا بد أن يكون له ابتداء وليس كذلك الوجه الآخر معنى قوله: " بعضكم لبعض عدو " قال الحسن: يعني بني آدم، وبني إبليس وليس ذلك بأمر على الحقيقة، بل هو تحذير، لان الله لا يأمر بالعداوة وفي الآية دلالة على أن الله تعالى لا يريد المعصية ولا يصد أحدا عن طاعته، ولا يخرجه عنها ولا تنسب المعصية إليه، لانه نسب ذلك إلى الشيطان، وهو يتعالى عما عاب به الابالسة والشياطين
[ 166 ]
فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم - آية (37) قرأ إبن كثير (آدم) بنصب الميم (كلمات) برفع التاء اللغة:
يقال: لقي زيد خيرا فيتعدى الفعل إلى مفعول واحد ومنه قوله فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب " (1) وقوله: " إذا لقيتم فئة فاثبتوا " (2) و " لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا " (3) فإذا ضعفت العين تعدى إلى مفعولين تقول: لقيت زيدا خيرا قال الله تعالى: " ولقاهم نضرة وسرورا " (4) وتقول: لقيت بعض متاعك على بعض، فتعديه إلى مفعول واحد لانه بناء مفرد لا لانه منقول ليتعدى إلى مفعولين وتقول: لقيته لقية واحدة في التلاقي واللقيان (5) ولقيته لقاء ولقيانا ولقاة وقوله: " تحيتهم يوم يلقونه سلام " (6) معناه يلقون ثوابه بخلاف قوله: " يلقون غيا " (7) المعنى: ومعنى " تلقى آدم من ربه كلمات " تعلمها يقال: تلقيت هذا من فلان أي قبله فهمي من لفظه قال أبو عبيدة: قال أبو مهدية: - وتلا عليه آيات (8) من القرآن قال: نلقيتها من عمي تلقاها من أبي هريرة، تلقاها من رسول الله صلى الله عليه وآله وأصل الملاقاة الملاصقة، لكنه كثر حتى قيل: لاقى فلان فلانا: إذا قاربه، وإن لم يلاصقه وكذلك تلاقى الجيشان، وتلاقي الفرسان ويقال: تلاقى الخطان أي تماسا وتقول: تلقيت الرجل بمعنى استقبلته وتلقاني: استقبلني فعلى هذا يجوز في العربية رفع ادم، ونصبه، مع رفع الكلمات والاختيار قراءة الاكثر، لان معنى التلقي ههنا القبول فكأنه قال: قبل (9) آدم من ربه كلمات وانما * (الهامش) * (1) سورة محمد: آية 4 (2) سور الانفال آية 46 (3) سورة الكهف: آية 63 (4) سورة الدهر: آية 11 (5) في المخطوطة (والقتال) (6) سورة الاحزاب: 44 (7) سورة مريم: 59 (8) في المخطوطة (الآية) (9) في المخطوطة (لقي)
[ 167 ]
جاز نصب آدم، لان الافعال المتعدية إلى المفعول به على ثلاثة اقسام: احدها
يجوز ان يكون الفاعل له مفعولا به والمفعول به فاعلا نحو اكرم بشر بشرا وشتم زيد عمرا (ثانيها) ومنها لا يكون المفعول به فاعلا، نحو: أكلت الخبز، وسرقت درهما، وأعطيت دينارا، وأمكنني الغرض (وثالثها) ما يكون اسناده إلى الفاعل في المعنى كاسناد إلى المفعول، نحو: أصبت ونلت، وتلقيت تقول: نالني خير، ونلت خيرا، وأصابني خير، وأصبت خيرا ولقيني زيد، ولقيت زيدا وتلقاني، وتلقيته وقال تعالى: " وقد بلغني الكبر " " 1 " وقال: " وقد بلغت من الكبر عتيا " " 2 " فعلى هذا الرفع والنصب في المعنى واحد في الآية وإنما اجيز رفع آدم، لان عليه الاكثر وشواهده اكثر كقوله " تلقونه بالسنتكم " " 3 " واسند الفعل إلى المخاطبين والمفعول به كلام متلقى كما أن الذي تلقى آدم كلام متلقى وكما اسند الفعل إلى المخاطبين فجعل التلقي لهم كذلك يلزم ان يسند الفعل إلى آدم، فيجعل التلقي له دون الكلمات واما على ما قال أبو عبيدة معناه قبل الكلمات، فالكلمات مقبولة، فلا يجوز غير الرفع في آدم ومثل هذا في جواز اضافته تارة إلى الفاعل، واخرى إلى المفعول كقوله: " لا ينال عهدي الظالمين " " 4 " وفي قراءة ابن مسعود: " لا ينال عهدي الظالمون " والكلمات جمع كلمة والكلمة: اسم جنس لوقوعه على الكثير والقليل يقولون: قال امرؤ القيس في كلمته يعني في قصيدته وقال قس " 5 " في كلمته يعنون في خطبته فوقوعها على الكثير نحو ما قلناه ووقوعها " 6 " على القليل قال سيبويه: قال قد اوقعها على الاسم المفرد، والفعل المفرد، والحرف المفرد فأما الكلام فان سيبويه قد استعمله فيما كان مؤلفا من هذه الكلم فقال: لو قلت: إن تضرب ناسا لم يكن كلاما وقال ايضا: انما، فقلت، ونحوه، ما كان كلاما (بل) " 7 " قولا * (الهامش) * (1) سورة آل عمران: آية 4 (2) سورة مريم: آية 7 (3) سورة النور: آية 15
(4) سورة البقرة: آية 124 (5) في المخطوطة (قيس) (6) في المطبوعة (وقوعها) (7) في المخطوطة والمطبوعة بدون (بل) ولا يستقيم السياق بدونها
[ 168 ]
واوقع الكلام على المتألف والذي حرره المتكلمون ان حد الكلام ما انتظم من حرفين فصاعدا من هذه الحروف المنقولة، إذا وقع ممن يصح منه أو من قبله الافادة ثم ينقسم قسمين: مفيد، ومهمل فالذي أراد سيبويه أنه لا يكون كلاما، أنه لا يكون مفيدا وذلك صحيح فأما تسميته بأنه كلام، صحيح وكيف ولا يكون صحيحا، وقد قسموه إلى قسمين: مهمل، ومفيد، فأدخلوا المهمل الذي لا يفيد في جملة الكلام والكلمة والعبارة، والابانة، نظائر وبينها فروق والفرق بين الكلمة والعبارة، أن الاظهر في الكلمة هي الواحدة من جملة الكلام - وان قالوا في القصيدة أنها الكلمة - والعبارة تصلح للقليل والكثير وأما الابانة فقد تكون بالكلام، والحال، وغيرهما من الادلة: كالاشارة والعلامة، وغير ذلك وأما النطق فيدل على إدارة اللسان بالصوت، وليس كذلك الكلام ولهذا يقولون: ضربته فما تكلم، ولا يقولون: فما نطق، إذا كان صاح وكذلك لا يجوز أن يقال في الله: إنه ناطق وأما اللفظ فهو من قولك: لفظت الشئ: إذا أخرجته من فمك وليس في الكلام مثل ذلك ويقال: كلمته تكليما وكلاما " 1 " وتكلم تكلما ولذلك لا يجوز أن يقال فيه تعالى لفظ، ولا أنه لافظ والكلم: الجرح والجمع: الكلوم يقال: كلمته أكلمه كلمما، فأنا كالم، وهو مكلوم وكليمك: الذي يكلمك ويقال: كلمة وكلمة " 2 " لغة تميمية، وقيل إنها حجازية وتميم حكي عنها كلمة بكسر الكاف وتسكين اللام، وحكي تسكين اللام مع فتح الكاف وأصل الباب أنه أثر دال والكلم أثر دال على الجارح والكلام أثر دال على المعنى الذي تحته والمتكلم:
من رفع ما سميناه كلاما بحسب دواعيه وأحواله وربما " 3 " عبر عنه بأنه الفاعل للكلام وليس المتكلم من حله " 4 " الكلام، لان الكلام يحل اللسان والصدر ولا يوصفان بذلك وقد بينا فساد الكلام النفسي " 5 " في كتاب العدة، في أصول * (الهامش) * " 1 " في المخطوطة (تكلما وتكلما) " 2 " في المخطوطة " وكلم " " 3 " في المخطوطة " قديما " " 4 " في المخطوطة " من جملة " " 5 " في المخطوطة " النفسي " ساقطة (*)
[ 169 ]
الفقه وقلنا: إن اختصر ذلك، هل هو إلا الخبر، أو ما معناه معنى الخبر، وإن كان لكل قسم معنى يخصه ؟ المعنى: والكلمات التي تلفاها آدم قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد: " ربنا ظلمنا أنفسنا وإن تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين " " 1 " فان في ذلك اعترافا بالخطيئة، ولذلك وقعت موقع الندم وحقيقته الانابة وحكي عن مجاهد أنه قال: هو قول آدم: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي إنك خير الغافرين اللهم لا إله إلا انت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي فارحمني، إنك أنت خير " 2 " الراحمين اللهم " 3 " لا إله إلا أنت سبحانك وبحمدك، رب إني ظلمت نفسي، فتب علي إنك أنت التواب الرحيم وروى مثل ذلك عن أبي جعفر عليه السلام وحكي عن ابن عباس: أن آدم قال لربه إذ عصاه: أرأيت أن تبت وأصلحت ؟ فقال له تعالى: إني راجعك إلى الجنة وكانت هذه الكلمات وروي في أخبارنا: أن الكلمات هي توسله بالنبي عليه السلام وأهل بيته وكل ذلك جائز قوله " فتاب عليه "
اللغة: فالتوبة، والانابة، والاقلاع، نظائر في اللغة وضد التوبة: الاصرار يقال: تاب يتوب توبة، وتوابا واستنابة والله تعالى يوصف بالتواب ومعناه أنه يقبل التوبة عن عباده وأصل التوبة: الرجوع عما سلف، والندم على ما فرط والله تعالى تائب على العبد بقبول توبته والعبد تائب إلى الله بمعنى نادم على معصيته والتائب: صفة مدح لقوله " 4 ": " التائبون العابدون " " 5 " والتوبة شرطها * (الهامش) * " 1 " سورة الاعراف: آية 22 و 148 " 2 " في المخطوطة " أرحم " " 3 " في المخطوطة " اللهم " ساقطه " 4 " في المخطوطة " كقوله " " 5 " سورة التوبة: آية 113
[ 170 ]
الندم على ما مضى من القبيح، والعزم على أن لا يعود إلى مثله من القبيح، لان هذه التوبة هي المجمع على سقوط العقاب عندها، وما عداها فمختلف فيه وقد يقول القائل: قد تبت من هذا الامر أي " 1 " عزمت على ألا أفعله، وصرت بمنزلة التائب، وذلك مجاز وكل معصية لله تعالى فانه يجب التوبة منها، والتوبة يجب قبولها، لانها طاعة فأما إسقاط العقاب عنده فتفضل منه تعالى وقالت المعتزلة ومن وافقها: وذلك واجب وقد بينا الصحيح من ذلك في شرح الجمل والتوبة إذا كانت من ترك ندب عندنا تصح وتكون على وجه الرجوع إلى فعله وعلى هذا تحمل توبة الانبياء كلهم في جميع ما نطق به القرآن، لانه قد بينا أنه لا يجوز عليهم فعل القبيح والمطبوع على قلبه له توبة وبه قال أهل العدل وقالت البكرية لا توبة له وهو خطأ، من قبل انه لا يصح تكليفه إلا وهو متمكن من أن يتخلص من ضرر عقابه وذلك لا يتم إلا بأن يكون له طريق إلى إسقاط عقابه وقد وعد الله بذلك - وإن كان تفضلا - إذا حصلت التوبة واختلفوا في التوبة
من الغصب، هل تصح مع الاقامة على منع المغصوب ؟ فقال قوم: لا تصح: وقال آخرون: تصح - وهو الاقوى - إلا أن يكون فاسقا بالمنع، فيعاقب " 2 " عقاب المانع، وإن سقط عنه عقاب الغصب والصحيح أن القاتل عمدا تصح توبته وقال قوم: لا تصح والتوبة من القتل الذي يوجب القود، قال قوم: لا تصح إلا بالاستسلام لولي المقتول، وحصول الندم، والعزم على أن لا يعود وقال قوم آخرون: تصح التوبة من نفس القتل، ويكون فاسقا بترك الاستسلام وهذا هو الاقوى، واختاره الرماني فاما التوبة من قبيح بفعل آخر، فلا تصح على أصلنا كالتائب من الالحاد بعبادة المسيح وقال قوم: تصح وأجراه مجرى معصيتين يترك باحداهما الاخرى، فانه لا يؤاخذ بالمتروكة وقال قوم: التوبة من اعتقاد جهالة إذا كان صاحبها لا يعلم انها معصية بأنه يعتقد انه لا محجوج إلا عارف، فانه يتخلص من ضرر تلك المعصية إذا رجع عنها إلى المعرفة، وإن لم يوقع معها توبة وقال * (الهامش) * " 1 " في المخطوطة " يعين " بدل أي " 2 " في المطبوعة والمخطوطة " يعاقب " بدون الفاء
[ 171 ]
آخرون: لا يتخلص إلا بالتوبة، لانه محجوج فيه، مأخوذ بالنزوع عن الاقامة عليه، وهو الاقوى فأما ما نسي من الذنوب، فانه يجري مجرى التوبة منه على وجه الجملة وقال قوم: لا يجري وهو خطأ، لانه ليس عليه في تلك الحال اكثر مما عمل فأما ما نسي من الذنوب مما لو ذكر، لم يكن عنده معصية وهل يدخل في الجملة إذا اوقع التوبة من كل خطيئة ؟ قال قوم: يدخل فيها وقال آخرون لا يدخل فيها، لكنه يتخلص من ضرر (1) المعصية، لانه ليس عليه اكثر مما علم في تلك الساعة والاول اقوى، لان العبد إذا لم يذكر صرف توبته إلى كل معصية هي في معلوم الله معصية فأما المشرك إذا كان يعرف قبل توبته بفسق - إذا تاب من الشرك - هل يدخل فيه التوبة من الفسق في الحكم، وإن لم
يظهر التوبة منه ؟ قال قوم: لا يزول عنه حكم الفسق، وهو قول اكثر المعتزلة وقال قوم: يزول عنه حكم الفسق وقال الاخشيد: القول في هذا باجتهاد والذي يقوى في نفسي انه يزول، لان الاسلام الاصل فيه العدالة إلى ان يتجدد منه بعد الاسلام ما يوجب تفسيقه فأما التوبة من قبيح مع الاقامة على قبيح آخر، يعلم ويعتقد قبحه، فعند اكثر من تقدم صحيحة وقال أبو هاشم، واصحابه: لا تصح وقد قلنا ما عندنا في ذلك، في شرح الجمل واعتمد الاولون على ان قالوا: كما يجوز ان يمتنع من قبيح لقبحه، ويفعل قبيحا آخرا، وإن علم قبحه كذلك جاز ان يندم من القبيح، مع المقام على قبيح آخر يعلم قبحه وهذا إلزام صحيح معتمد واختلفوا في التوبة عند ظهور اشراط الساعة، هل تصح ام لا ؟ فقال الحسن: يحجب عنها عند الآيات الست. ورواه عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال: بادروا الاعمال قبل ست: طلوع الشمس من مغربها: والدجال، والدخان ودابة الارض، وخويصة أحدكم يعني الموت، وأمر العامة يعني القيامة. وقال قوم: لا شك أن بعض الآيات يحجب، وباقيها محجوز. وهو الاقوى. وقوله: " فتاب عليه " يعني قبل توبته، لانه لما عرضه للتوبة، بما ألقاه * (الهامش) * (1) في المخطوطة " ضرب " (*)
[ 172 ]
من الكلمات فعل التوبة، وقبلها الله تعالى منه (وقيل تاب عليه أي وفق للتوبة وهداه إليها) " 1 " فقال اللهم تب علي أي وفقني للتوبة. (فلقنه الكلمات حتى قالها فلما قالها قبل توبته). " 2 " وقوله: " إنه هو التواب الرحيم " إنما ذكر الرحيم، ليدل بذلك على أنه متفضل بقبول التوبة، ومنعم به، وأن ذلك ليس هو على وجه الوجوب، على ما يقوله المخالف. ومن خالف في ذلك يقول: لما ذكر التواب بمعنى الغفار باسقاط
العقوبة، وصل ذلك بذكر النعمة، ليدل على أنه مع إسقاط العقوبة، لا يخلي العبد من النعمة الحاصلة ترغيبا له، وفي الانابة والرجوع إليه بالتوبة. " وتواب " بمعنى أنه قابل التوبة. لا يطلق إلا عليه تعالى، ولا يطلق في الواحد منا. وإنما قال: " فتاب عليه ". ولم يقل فتاب عليهما، لانه اختصر، كما قال: " والله ورسوله أحق أن يرضوه " " 3 " ومعناه أن يرضوهما. كذلك معنى الآية فتاب عليهما ومثل ذلك قوله: " وإذا رأوا تجارة أولهوا انفضوا إليها " (4) وقال الشاعر: رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريئا، ومن جول الطوي رماني " 5 " وقال آخر: نحن بما عندنا وأنت بما * عندك راض والرأي مختلف " 6 " وحكي عن الحسن، انه قال: لم يخلق الله آدم إلا للارض، ولو لم يعص لخرج على غير تلك الحال. وقال غيره: يجوز ان يكون خلقه للارض إن عصى ولغيرها ان لم يعص وهو الاقوى لان ما قاله لا دليل عليه وروي عن قتادة: ان اليوم الذي قبل الله توبة آدم فيه يوم عاشوراء ورواه ايضا اصحابنا * (الهامش) * " 1 و 2 " ز نا ما بين القوسين وهو موجود في مجمع البيان ص 89 م 1 تفسير نفس الآية والسياق هنا يقتضي ذلك (3) سورة التوبة: آية 64 (4) سورة الجمعة آية 11 " 5 " قال ابن بري: البيت لابن أحمر قال: وقيل هو للازرق بن طرفة بن العمرد " بفتح العين وفتح الميم وتشديده " الفراصي الجول: حانب البئر. الطوي: البئر، لانها تطوى بالحجارة. ومعنى البيت: رماني بأمر عاد عليه قبحه، لان الذي يرمي من جول البئر يعود ما رمى به عليه ويروى: ومن اجل الطوي قال وهو الصحيح - لسان العرب - " 6 " البيت لقيس بن الخطبم، شاعر جاهلي، قتل أبوه وهو صغير (*)
[ 173 ]
قوله تعالى: (قلنا اهبطوا منها جميعا فاما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي
فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (38) آية بلا خلاف المعنى: قد بينا معنى الهبوط فيما مضى " 1 " بما فيه كفاية وقال الجبائي: الهبوط الاول: هو الهبوط من الجنة إلى السماء، وهذا الهبوط من السماء إلى الارض وقد يستعمل في غير النزول من مكان عال إلى أسفل. يقال هبط فلان إلى أرض كذا، إذا أتاها، وإن لم يرد به النزول الذى فيه. إلا أن فيه إيماء إلى هبوط المنزل قال لبيد: كل بني حرة مصيرهم * قل وإن أكثروا من العدد إن يغبطوا يهبطوا وإن * أمروا يوما فهم للفناء والفند الفند: الهرب. والاتيان، والمجئ، والاقبال، نظائر ونقيضه: الذهاب والانصراف ويقال: أتى، اتيانا، وأتى أتيا، وتأتى، تأتيا وأتى تأتية وآتيت فلانا على أمره مؤاتاة ولا يقال أتية الا في لغة قبيحة لتيم ودخلت (ما) في قوله مع " ان " التي للجزاء، ليصح دخول النون التي للتوكيد في الفعل ولو أسقطت (ما) لم يجز دخول النون، لانها لا تدخل في الخبر الواجب الا في القسم، أو ما أشبه القسم كقولك: زبد ليأتينك ولو قلت بغير اللام، لم يجز وكذلك تقول: بعين ما أرينك ولو قلت: بعين أرينك، بغير ما لم يجز فدخول (ما) ههنا كدخول اللام في أنها تؤكد أول الكلام وتؤكد النون * (الهامش) * فلما بلغ قتل قاتل أبيه ونشأت بسبب ذلك حروب بين قومه وبين الخزرج وله ولد اسمه ثابت وهو من الصحابة، شهد مع علي - ع - صفين والجمل والنهروان " 1 " في آية " 36 " البقرة (*)
[ 174 ]
آخره. والامر، والنهي، والاستفهام، تدخل النون فيه وان لم يكن معه (ما)
إذا كان الامر والنهي، مما تشتد الحاجة إلى التوكيد فيه والاستفهام مشبه به إذا كان معناه اخبرني والنون انما تلحق للتوكيد، فلذلك كان من مواضعها قال الله تعالى: " ولا تقولن لشئ اني فاعل ذلك غدا " (1) فان قيل: اين جواب اما ؟ واين جواب من ؟ قيل: الجزاء وجوابه بمنزلة المبتدا والخبر، لان الشرط لا يتم الا بجوابه، كما لا يتم المبتدأ الا بخبره ألا ترى، انك لو قلت: إن تقم، وسكتت، لم يجز كما لو قلت: زيد، لم يكن كلاما، حتى نأتي بالخبر. ولك أن تجعل خبر المبتدأ جملة، وهي أيضا مبتدأ وخبر، كقولك: زيد أبوه منطلق. وكذلك (إن) التي للجزاء، إذا كان الجواب بالفاء، ووقع بعد الفاء الكلام مستأنفا، صلح أن يكون جزاء، وغير جزاء تقول: إن تأتي فأنت محمود ولك أن تقول: إن تأتني. فمن يكرمك أكرمه. وإن تأتني فمن يبغضك فلا وضيعة عليه وقوله: " إما يأتينكم " شرط، وجوابه الفاء. وما بعد قوله: " فمن "، شرط آخر، وجوابه الذي بعده من قوله: " فلا خوف عليهم ". وهو نظير المبتدأ والخبر الذي يكون خبره مبتدأ وخبرا. وهذا في مقدمات القياسات، يسمى الشرطية المركبة وذلك أن المقدم فيها إذا وجب، وجب التالي المرتب عليه. و " الهدى " المذكور في الآية يحتمل أمرين: أحدهما - البيان والدلالة. والآخر - الانبياء والرسل وعلى القول الاخير يكون قوله: " قلنا اهبطوا " لآدم وحواء وذريتهما. كما قال: " فقال لها وللارض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين " (2) أي أتينا فينا من الخلق طائعين. وقوله: " فمن تبع هداي ". * (الهامش) * سورة الكهف آية 24 (2) حم السجدة آية 12.
[ 175 ]
اللغة: فالاتباع، والاقتداء، والاحتذاء، نظائر ونقيض الاتباع: الابتداع تقول: تبعه تباعا وأتبعه إتباعا وتابعه متابعة وتتبع تتبعا واستتبع استتباعا والتابع: التالي ومنه التتبع والتبيع: ما تبع أثر شئ فهو يتبعه والتتبع فعلك شيئا بعد شئ تقول: تتبعت عليه آثاره وفي الحديث: القادة والاتباع والقادة: السادة والاتباع القوم الذين يتبعونهم. والفوائم، يقال لها تبع. والتبيع من ولد البقر: العجل، لانه تبع أمه يعدو. وثلاثة أتبعة - الجمع - وبقرة متبع: خلفها تبيع وخادم متبع: معها ولدها يتبعها حيثما أقبلت وأدبرت. وأتبع فلان فلانا وأتبعه الشيطان: إذا تتبعه يريد به شرا كما تبع فرعون موسى. قال الله تعالى: " فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين " (1). وفلان يتبع فلانا: إذا تتبع مساوئه في مهلة والتتابع من الاشياء: إذا فعل هذا في أثر هذا بلا مهلة ومنه تتابعت الامطار، وتتابعت الاشياء والتبع الظل وأصل الباب كله الاتباع وهو أن يتلو شئ شيئا قوله " فلا خوف عليهم " اللغة: فالخوف والجزع، والفزع نظائر ونقيض الخوف: الا من تقول: خافه، يخافه خوفا وأخافه إخافة وتخوف تخوفا وخوفه تخويفا وطريق مخوف: يخافه الناس وطريق مخيف: تخيف الناس والتخوف: التنقص يقال: تخوفناهم: تنقصناهم ومنه قوله: " أو يأخذهم على تخوف "، أي على تنقص وأصل الباب: الخوف الذي هو الفزع والخوف كله من الضرر يقال: فلان يخاف الاسد، أي يخاف ضرره ويخاف الله، أي يخاف عقابه والحزن، والهم، والغم نظائر ونقيضه السرور يقال: حزن حزنا وحزنه حزنا وتحزن تحزنا وحزن
* (الهامش) * (1) سورة الاعراف آية 174
[ 176 ]
تحزينا والحزن، والحزن، لغتان وحزنني، وأحزنني، لغتان وأنا محزون ومحزن وإذا أفردوا الصوت أو الامر، قالوا: محزن لا غير والحزن من الارض والدواب: ما فيه خشونة والانثى: حزنة والفعل: حزن، حزونة وقولهم: كيف حشمك وحزانتك ؟ أي كيف من تتحزن بأمره وأصل الباب: غلظ الهم وقوله: " فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون " المعنى: عمومه يقضي أنه لا يلحقهم خوف أهوال القيامة وهو قول الجبائي وقال ابن أخشيذ: لا يدل على ذلك، لان الله تعالى وصف القيامة بعظم الخوف قال الله تعالى: " إن زلزلة الساعة شئ عظيم "... إلى قوله " شديد " (1) ولانه روي أنه يلجم الناس العرق، وغير ذلك من الشدائد وهذا ليس بمعتمد لانه لا يمتنع أن يكون هؤلاء خارجين من ذلك الغم وأما الحزن، فلا خلاف أنه لا يلحقهم ومن أجاز الخوف، فرق بينه وبين الحزن، لان الحزن إنما يقع على ما يغلظ ويعظم من الغم والهم، فلذلك لم يوصفوا بذلك ولذلك قال تعالى: " لا يحزنهم الفزع الاكبر " (2) لان ما يلحقهم لا يثبت، ويزول وشيكا قالوا: ويدلك على أن الحزن ما ذكرنا، أنه مأخوذ من الحزن، وهو ما غلط من الارض فكان ما غلظ من الهم فأما لحوق الحزن والخوف في دار الدنيا، فلا خلاف أنه يجوز أن يلحقهم، لان من المعلوم، أن المؤمنين لا ينفكون منه. و " هداي " بتحريك الياء. وروي عن الاعرج " هداي " بسكون الياء وهي غلط، إلا أن ينوى الوقف
وإنما كرر " اهبطوا " لان احدهما كان من الجنة إلى السماء والثاني من السماء إلى الارض عند أبي علي وقيل: المعنى واحد، وكرر تأكيدا وقيل: هو على تقدير اختلاف حال المعنى، لا اختلاف الاحوال كما يقول: اذهب * (الهامش) * (1) سورة الحج آية 1 (2) سورة الانبياء آية 13
[ 177 ]
مصاحبا، وإذهب سالما معافى وكأنه على تقدير ذهاب يجامع ذهابا - وإن كانت حقيقة واحدة وإنما كرر " اما " في قوله: إما شاكرا وإما كفورا " (1) ولم يكرر ههنا، لانها هناك للعطف، وههنا للجزاء. وإنما هي (إن) ضم إليها (ما) كقوله: " وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء " (2) وهداي: مثل هواي. وهي لغة قريش، وعامة العرب وبعض بني سليم يقولون: هوي: مثل: علي، ولدي قال أبو ذؤيب: (3) سبقوا هوي واعنقوا لهواهم * فتخرموا ولكل جنب مصرع (4) وروي هدي (5) في الآية عن الجحدى، وابن أبي إسحاق، وعيسى والصواب ما عليه القراء والفرق بين هوي ولدي وعلي، وهو أن إلي وعلي ولدي مما يلزمها الاضافة، وليست بمتمكنة ففصلوا بينها وبين الاسماء المتمكنة، كما فصلوا بين ضمير الفاعل وضمير المفعول، حين قالوا: ضربت فسكنوا لاجل التاء، ولم يسكنوا في ضربك، وإذا الفاعل يلزم الفعل قوله تعالى: والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون " 39 - آية قد بينا فيما مضى معنى الكفر والتكذيب، فلا وجه لا عادته
والاستدلال بهذه الآية - على أن من مات مصرا على الكفر، غير تائب منه، فكذب بآيات ربه، فهو مخلد في نار جهنم - صحيح، لان الظاهر يفيد ذلك، والاستدلال بها، على أن عمل الجوارح من الكفر، من حيث قال: " وكذبوا * (الهامش) * (1) سورة الدهر: آية 3 (2) سورة الانفال آية 59 (3) الهذلى اسمه خويلد بن خالد بن محرث بن زبيد بن مخزوم ينتهي نسبه لنزار، وهو أحد المخضرمين ممن أدرك الجاهلية والاسلام (4) لسان العرب. العنق: ضرب من السير السريع تخرموا استأصلوا والبيت من قصيدة يرثي بها ابناءه الخمسة الذين هلكوا في عام واحد (5) في المطبوعة والمخطوطة (هوي) (*)
[ 178 ]
بآياتنا " فبعيد، لان التكذيب نفسه - وإن لم يكن كفرا، وهو لا يقع الا من كافر - فهو دلالة عليه كالسجود للشمس وغيره وقوله: " أصحاب " فالاصطحاب، والاجتماع، والاقتران، نظائر وكذلك الصاحب والقرين ونقيضه: والافتراق يقال صحبه صحبة وأصحبه إصحابا واصطحبوا اصطحابا وتصاحبوا تصاحبا واستصحبوا استصحابا وصاحبه مصاحبة والصحب: جماعة والصحب، والاصحاب جماعة الصاحب (1) ويقال أيضا: الصحبان والصحبة، والصحاب والصحابة: مصدر قولك: صحبك الله يعني بالسلامة وأحسن صحابتك ويقال للرجل عند التوديع: معانا مصاحبا ومصحوب، ومصاحب ومن قال: مصاحب معان، فانما معناه: أنت المصاحب المعان والصحبة: مصدر صحب يصحب وقد أصحب الرجل: إذا صار صاحبا ويقال: قد أصحب الرجل، وقد أشطأ: إذ بلغ ابنه مبلغ الرجال، الذى صار ابنه مثله وأشطأ الزرع: إذا لحقته فراخه ويقال له: الشطأ قال أبو عبيدة، وابن
دريد: قوله: " ولاهم منا يصحبون " (2) أي لا يحفظون وأديم مصحب: إذا دبغته وتركت عليه بعض الصوف والشعر وأصل الصحبة: المقارنة والصاحب (3) هو الحاصل مع آخر مدة، لانه إذا اجتمع معه وقتا واحدا، لا يقال: صاحب، ولكن يقال: صحبه وقتا من الزمان ثم فارقه والفريق بين المصاحبة، والمقارنة، أن في المصاحبة دلالة على المبالاة، وليس ذلك حاصلا في المقارنة واتباع الرئيس: اصحابه و " آيات الله " دلائله، وكتبه التي أنزلها على أنبيائه والآية: الحجة والدلالة، والبيان، والبرهان واحد في أكثر المواضع، - وإن كان بينها فرق في الاصل - لانك تقول دلالة هذا الكلام كذا ولا تقول: آيته، ولا علامته وكذلك تقول: دلالة هذا الاسم، ولا تقول: برهانه * (الهامش) * (1) في المطبوعة والمخطوطة (الصحب) (2) سورة الانبياء آية 43 (3) في المخطوطة والمطبوعة (السحاب)
[ 179 ]
و " أصحاب النار " هم الملازمون لها كما تقول: أصحاب الصحراء يعني القاطنين فيها، الملازمين لها والخلود معرب من العرف، يدل على الدوام لانهم يقولون: ليست الدنيا دار خلود، وأهل الجنة مخلدون يريدون الدوام فأما في أصل الوضع، فانه موضوع لطول الحبس فان قيل: لم دخلت الفاء في قوله: " والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فاولئك لهم عذاب مهين " في سورة الحج ولم يقل ههنا في قوله: " أولئك أصحاب النار " ؟ قيل: لان ما دخلت فيه الفاء من خبر (الذي وأخواته) مشبه بالجزاء وما لم يكن فيه فاء، فهو على أصل الخبر وإذا قلت: مالي، فهو لك، جاز على وجه، ولم يجز على وجه فان أردت أن معنى (ما) الذي، فهو جائز وإن
أردت أن مالي تريد به المال، ثم تضيفه إليك، كقولك: غلامي لك، لم يجز، كما لم يجز، غلامي، فهو لك الاعراب: وموضع (1) أولئك: يحتمل ثلاثة أشياء: أحدها - أن يكون بدلا من الذين، أو يكون عطف بيان، وأصحاب النار: بيان عن أولئك، مجراه (2) مجرى الوصف والخبر، هم فيها خالدون والثاني - أن يكون ابتداء وخبرا في موضع الخبر الاول والثالث - أن يكون على خبرين بمنزلة خبر واحد، كقولهم: حلو (3)، حامض قوله تعالى: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واوفوا بعهدي * (الهامش) * (1) في المخطوطة (ووضع) (2) في المخطوطة (فأجراه) (3) في المخطوطة (كقولهم: حلو وحامض) وفي المطبوعة (كقوله حلو وحامض) (*)
[ 180 ]
أوف بعهدكم وإياي فارهبون " - آية بلا خلاف " يا " حرف نداء " بني ": جمع ابن والابن، والولد، والنسل، والذرية متقاربة المعاني إلا أن الابن يقع على (1) الذكر، والولد يقع على الذكر والانثى والنسل والذرية تقع على جميع ذلك وأصله، من البناء وهو وضع الشئ على الشئ والابن مبني على الاب تشبيها للبناء على الاصل، لان الاب أصل والابن فرع ويقال: تبنى تبنيا، وبنى بناء، وابتنى ابتناء، وباناه مباناة والبنوة: مصدر الابن - وإن كان من البناء (2) كما قالوا: الفتوة: مصدر الفتى وثنوا الفتى: فتيان ويقال: فلان ابن فلان، على التبني ولا يطلق ذلك الا على ما كان من
جنسه وشكله تشبيها بالابن الحقيقي ولهذا لا يقولون: تبنى زيد حمارا، لما لم يكن من جنسه ولا تبنى شاب شيخا لما لم يكن ذلك فيه والفرق بين اتخاذ الابن وبين (3) اتخاذ الخليل، أن اتخاذ الخليل، يكون به خليلا على الحقيقة، لان بالمحبة والاطلاع على الاسرار المهمة يكون خليلا على الحقيقة وليس كذلك الابن لان البنوة في الحقيقة، إنما هي الولادة للابن و " بني " في موضع نصب، لانه منادى مضاف و " إسرائيل " في موضع جر، لانه مضاف إليه وفتح، لانه أعجمي لا ينصرف، لان (إسرا) معناه: عبدو (ئيل) هو الله بالعبرانية فصار مثل عبد الله وكذلك جبرائيل، وميكائيل ومن حذف الالف من جبرائيل، حذفه للتعريب (4) كما يلحق (5) الاسماء التغيير إذا أعربت، فيلخصون حروفها على العربية وفي " اسرائيل " خمس لغات: حكى الاخفش: إسرال، بكسر الهمزة من غير ياء وحكي: أسرال، بفتح الهمزة ويقول بعضهم: إسريل، فيميلون وحكى * (الهامش) * (1) في المخطوطة (يقع على) ساقطه (2) في المطبوعة (من الياء) (3) في المطبوعة (وبين) ساقطة (4) في المخطوطة (للتعريف) (5) في المخطوطة (كما لا يلحق)
[ 181 ]
قطرب اسرال، من غير همز ولا ياء، واسراين، بالنون والخامس - إسرايل، قراءة إلياس وحمزة وحده مد بغير ألف المعنى: وقال أكثر المفسرين: إن المعنى، يا بني إسرائيل، أحبار اليهود الذين كانوا بين ظهراني مهاجر رسول الله " ص " وهو المحكي عن ابن عباس وقال
الجبائي: المعني به بنو إسرائيل من اليهود والنصارى ونسبهم إلى الاب الاعلى، كما قال: " يا بني آدم خذو زينتكم عند كل مسجد " (1) اللغة: قوله، " اذكروا " فالذكر، والتنبيه، والتيقظ نظائر ونقيضه: التغافل يقال: ذكره يذكره ذكرا وأذكره إذكارا واستذكره استذكارا وتذكره تذكرا وذكره تذكارا واذكر اذكارا وقال صاحب العين: الذكر: الحفظ للشئ تذكره تقول: هو مني على ذكر والذكر: جري الشئ على لسانك تقول: جرى منه ذكر والذكر: الشرف، والصيت لقوله: " وإنه لذكر لك ولقومك " (2) والذكر: الكتاب الذي فيه تفصيل الدين وكل كتاب من كتب الانبياء ذكر والذكر: الصلاة، والدعاء وقيل: كانت الانبياء إذا حزنهم أمر فزعوا إلى الذكر أي الصلاة، يقومون فيصلون وذكر الحق: هوالصك والذكرى: هو اسم للتذكير والذكر: ذكر الرجل معروف والجمع: الذكرة ولهذا سمي ما ينسب إليه، المذاكير ولا يفرد وإن أفرد فمذكر، مثل مقدم ومقاديم والذكر: خلاف الانثى وجمعه: ذكور، وذكران ومن الدواب، ذكورة لا غير والذكر من الحديد: أيبسه وأشده ولذلك يسمى السيف، مذكر وامرأة مذكرة، وناقة مذكرة: إذا كانت خلقتها تشبه خلقة الذكر، وأشبهته في شمائلها وامرأة مذكار: إذا أكثرت ولادة الذكور وعكسه: مئناث ويقال * (الهامش) * (1) سورة الاعراف آية 3 (2) الزحزف آية 44
[ 182 ]
للحبلى: أيسرت، وأكثرت أي يسر عليها، وولدت ذكورا والذكر: ضد النسيان ورجل ذكر: شهم من الرجال، ماهر في أموره واصل الباب: الذكر الذي هو التنبيه على الشئ والذكر: الوصف بالمدح والثناء أو
بالمدح والهجاء وقوله: " نعمتي " المراد بها الجماعة كما قال تعالى: " وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها " (1) والنعمة وإن كانت على أسلافهم جاز أن تضاف إليهم كما يقول القائل إذا فاخره غيره: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار، وبددنا جمعكم يوم النار والمراد بذلك، جميع النعم الواصلة إليهم، مما اختصوا به، دون آبائهم، أو اشتركوا فيه معهم، وكان نعمة على الجميع فمن ذلك تبقية آبائهم حتى تناسلوا، فصاروا من أولادهم ومن ذلك، خلقه اياهم على وجه يمكنهم الاستدلال على توحيده، والوصول إلى معرفته، فيشكروا نعمه، ويستحقوا ثوابه ومن ذلك ما لا يحلون في كل وقت من منفعة ودفع مضرة فالقول الاول هو التذكير بالنعمة عليهم في أسلافهم والقول الثاني: تذكير جميع النعم عليهم والنعم التي على أسلافهم، ما ذكر في قوله تعالى: " واذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وأتاكم ما لم يؤت أحدا من العالمين " (2) وقوله: " أوف بعهدكم " قي موضع جزم، لانه جواب الامر اللغة: قال صاحب العين: تقول وفيت بعهدك وفاء ولغة أهل تهامة: أوفيت بعهدك وهي القرآن قال الشاعر في الجمع بين اللغتين: أما ابن عوف فقد أوفى بذمته * كما وفى بقلاص النجم حاديها يعني به الدبران وهو التالي وتقول: وفى، يفي وفاء وأوفى، يوفي ايفاء واستوفى، استيفاء وتوفى، توفيا ووفى، توفية وتوافى، توافيا ووافاه موافاة وكل شئ بلغ تمام الكلام فقد وفى وتم وكذلك درهم واف، لانه * (الهامش) * (1) سورة ابراهيم آية 34. وسورة النحل: آية 18. (2) سورة المائدة: آية 22 (*)
[ 183 ]
درهم وفى مثقالا وكيل واف ورجل وفا: ذو وفاء وأوفى فلان على شرف من الارض إذا أشرف فوقها وتقول: أوفيته حقه ووفيته اجره والوفاة: المنية توفى فلان، وتوفاه الله: إذا قبض نفسه واصل الباب: الوفاء وهذا هو الاتمام ومن اكرم اخلاق النفس الوفاء ومن ادونها وارذلها الغدر المعنى: ومعنى قوله: " اوفوا بعهدي اوف بعهدكم " قال ابن عباس: اوفوا بما امرتكم من طاعتي، ونهيتكم عن معصيتي في النبي صلى الله عليه وآله وغيره: " اوف بعهدكم " اي ارضى عنكم، وادخلكم الجنة وسمي ذلك عهدا، لانه تقدم بذلك إليهم في الكتب السابقة كما قال: " يعرفونه كما يعرفون ابناءهم وان فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون " (1) والعهد: هو العقد عليهم في الكتاب السابق بما امروا به، ونهوا عنه قال بعضهم: انما جعله عهدا، لتأكيده بمنزلة العهد الذي هو اليمين قال الله تعالى: " واذ اخذ الله ميثاق الذين اوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه " (2) وقال الحسن: العهد الذي عاهدهم عليه حيث قال: " خذوا ما آتيناكم بقوة " اي بجد " واذكروا ما فيه " اي ما في الكتاب في قوله: " ولقد اخذ الله ميثاق بني اسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال الله إني معكم لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي... إلى آخر الآية " (3) وقال الجبائي: جعل تعريفه إياهم نعمه عهدا عليهم وميثاقا لانه يلزمهم القيام بما يأمرهم به من شكر هذه النعمة، كما يلزمهم الوفاء بالعهد، والميثاق الذي يأخذ عليهم والقول الاول أقوى، لان عليه أكثر المفسرين، وبه يشهد القرآن قوله: " وإياي " الاعراب: " وإياي " ضمير منصوب ولا يجوز أن يكون منصوبا بقوله:
" فارهبون "، لانه مشغول كما لا يجوز في قولك: زيدا فاضربه أن يكون * (الهامش) * (1) سورة البقرة: آية 146 (2) سورة آل عمران: آية 187 (3) سورة المائدة 13 (*)
[ 184 ]
منصوبا بقوله: فاضربه لكنه يكون منصوبا بفعل دل عليه ما هو مذكور في اللفظ تقديره: وإياي ارهبوا ولا يظهر ذلك، للاستغناء عنه بما يفسره، وإن صح تقديره: ولا يجوز في مثل ذلك الرفع على أن يكون الخبر " فارهبون " إلا على تقدير محذوف كما أنشد سبيويه: وقائلة: خولان فانكح فتاتهم * وأكرومة الحيين خلو كما هيا تقديره: وقائلة: هذه خولان وعلى هذا، حمل قوله: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (1) وقوله: " والزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما " (2) تقديره مما يتلى عليكم، السارق والسارقة وفيما فرض عليكم، الزانية والزاني وقوله: " فارهبون " اللغة: فالرهبة، والخشية، والمخافة، نظائر وضدها: الرغبة تقول: رهب رهبة: وأرهبه: إرهابا، ورهبه، ترهيبا واسترهب، استرهابا ويقال: رهب فلان يرهب رهبا، ورهابا، ورهبة: إذا خاف من شئ ومنه اشتقاق الراهب والاسم: الرهبة ومن أمثالهم: رهبوت خير من رحموت أي ترهب خير من أن ترحم والترهب: التعبد في صومعة الجمع: الرهبان والرهبانية: خطباء والفرق بين الخوف والرهبة: أن الخوف هو الشك في أن الضرر يقع أم لا والرهبة: معها العلم بأن الضرر واقع عند شرط، فان لم يحصل ذلك الشرط، لم يقع واختير تحريك الياء في قوله: " نعمتي التي أنعمت " لانه لقيها ألف ولام
فلم يكن بد من اسقاطها أو تحريكها، وكان التحريك أولى، لانه أدل على الاصل وأشكل بما يلزم اللام في الاستئناف، من فتح ألف الوصل، واسكان الياء في قوله: " يا عبادي الذين اسرفوا " أجود، لان من حق الاضافة، ألا تثبت في النداء وإذا لم تثبت فلا سبيل إلى تحريكها وقوله: " فبشر عبادي الذين يستمعون " الاختيار حذف الياء، لانه رأس آية ورؤوس الآي لا يثبت فيها * (الهامش) * (1) سورة المائدة: آية 41 (2) سورة النور: آية 20 (*)
[ 185 ]
الياء، لانها فيه اصل ينوى فيها الوقف كما يفعل ذلك في القوافي ومثل قوله: " نعمتي التي " قوله: " أخي اشدد " في ان الاختيار تحريك الياء، وان كان مع الالف واللام اقوى، لما تقدم ذكره مع المشاكلة والراد إلى الاصل وفي " اخي اشدد ": سبب واحد، وهو انه ادل على الاصل واجمعوا على اسقاط الياء من قوله " فارهبون " الا ابن كثير، فانه اثبتها في الوصل دون الوقف والوجه حذفها لكراهية الوقف على الياء وفي كسر النون دلالة على ذهاب الياء قوله تعالى: " وآمنوا بما أنزلت مصدقا لما معكم ولا تكونوا أول كافر به ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا وإياي فاتقون " (41) آية واحدة بلا خلاف المعنى: " آمنوا " معناه صدقوا، لانا قد بينا ان الايمان هو التصديق " بما انزلت " يعني بما انزلت على محمد " ص " من القرآن وقوله: " مصدقا " يعني ان القرآن مصدق لما مع اليهود من بني اسرائيل من التوراة وامرهم بالتصديق بالقرآن، واخبرهم ان فيه تصديقهم بالتوراة، لان الذي في القرآن من الامر بالاقرار بنبوة محمد " ص "، وتصديقه نظير الذي في
التوراة والانجيل وموافق لا تقدم من الاخبار به، فهو مصداق ذلك الخبر وقال قوم: معناه انه مصدق بالتوراة والانجيل الذي فيه الدلالة على انه حق والاول الوجه، لان على ذلك الوجه حجة عليهم، دون هذا الوجه الاعراب: ونصب " مصدقا " على الحال من الهاء المحذوفة، كأنه قال: انزلته مصدقا ويصلح ان ينصب ب " آمنوا " كأنه قيل: آمنوا بالقرآن مصدقا والمعني بقوله: " آمنوا " اهل الكتاب من بني اسرائيل، لانه في ذكرهم وفيه احتجاج عليهم، إذ جاء بالصفة التي تقدمت بها بشارة موسى وعيسى عليهما
[ 186 ]
السلام وهو امر بالاقرار بالنبوة، وما جاءت به من الشريعة اللغة: وانما وحد " كافرا " في قوله: " ولا تكونوا أول كافر "، وقبله جمع، لما ذكره الفراء والاخفش: وهو أنه ذهب مذهب الفعل، كأنه قال: أول من كفر به ولو أراد الاسم لما جاز إلا الجمع ومثل ذلك قول القائل للجماعة: لا تكونوا أول رجل يفعل ذلك قال المبرد: هذا الذي ذكره الفراء خارج عن المعنى المفهوم، لان الفعل ههنا والاسم سواء إذا قال القائل: زيد أول رجل جاء فمعناه أول الرجال الذين جاؤوا رجلا رجلا، ولذلك قال: أول كافر، وأول مؤمن ومعناه: أول الكافرين وأول المؤمنين لا فصل بينهما في لغة ولا قياس إلا ترى أنك تقول: رأيت مؤمنا، ورأيت كافرا كما تقول: رأيت رجلا لا يكون إلا ذلك، لانك انما رأيت واحدا، كما تقول: رأيت زيدا أفضل مؤمن، وزيد أفضل حر، وزيد افضل رجل، وانبل غلام، وليس بين ذلك اختلاف ولكن جاز ولا تكونوا اول قبيل كافر به، واول حزب كافر به، وهو مما يسوغ فيه النعت، ويبين به الاسم، لانك
تقول: جاءني قبيل صالح، وجاءني حي كريم، فينعت به الجمع، إذا كان الجمع اسما واحدا لجميعه كقولك: نفر، وقبيل، وحزب، وجمع ولا تقول: جاءني رجل كريم، وانت تريد برجل نفرا كما تقول: نفر كريم، لان النعت جار على المنعوت والاسم منفرد بنفسه ونظير قوله: " اول كافر " قول الشاعر: فإذا هم طعموا فألام طاعم * وإذا هم جاعوا فشر جياع (1) المعنى: ومعنى قوله: " ولا تكونوا أول كافر به " قال قوم: يعني بالقرآن من أهل الكتاب: لان قريشا كفرت به قبلهم بمكة وقيل: معناه: لا تكونوا أول كافر به أي لا تكونوا أول السابقين بالكفر فيه فيتبعكم الناس أي لا تكونوا أئمة في الكفر به وقيل: لا تكونوا اول كافر به اي اول جاحد به إن صفته في كتابكم * (الهامش) * لرجل جاهلي معاني القرآن للفراء طعموا: شبعوا (*)
[ 187 ]
اللغة: والاول والسابق والمتقدم نظائر ويقال اول وآخر واول وثان والاول: هو الموجود قبل الآخر والاول قبل كل شئ يناقض الوصف بانه محدث ويعلم ذلك ضرورة والهاء في قوله: " به " قيل فيه ثلاثة اقوال: احدها - انه يعود إلى " ما " في قوله: " بما انزلت " وهو الاجود والثاني - لا تكونوا اول كافر به اي بمحمد " ص " والثالث - اول كافر بما معكم، من كتابكم، لانهم إذا جحدوا ما فيه من صفة النبي صلى الله عليه وآله فقد كفروا به والاول قول ابن جريج وانما كان هو الاجود لانه اشكل بما تقدم والثاني قول ابي الغالية والثالث حكاه الزجاج وقواه بأنهم
كفروا بالقرآن وانما قيل: ولا تكونوا اول كافر بكتابكم اي صفة محمد صلى الله عليه وآله فيه وقال الرماني: وإنما عظم اول الكفر لانهم إذا كانوا ائمة فيه وقدوة في الضلالة كان كفرهم اعظم كما روي عن النبي صلى الله عليه وآله: من سن سنة حسنة فله اجرها واجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وليس في نهيه عن ان يكونوا اول كافر دلالة على انه يجوز ان يكونوا آخر كافر، لان المقصود من الكلام النهي عن الكفر على كل حال وخص الاول بالذكر لما قدمنا من عظم موقعه كما قال الشاعر: من اناس ليس في اخلاقهم * عاجل الفحش ولا سوء الجزع وليس يريد ان فيهم فحشا آجلا وقوله: " ثمنا قليلا " فالثمن والعوض والبدل نظائر وبينها فرق فالثمن: هو البدل في البيع من العين أو الورق وإذا استعمل في غيرهما كان مشبها بهما ومجازا والعوض: هو البدل الذى ينتفع به كائنا ما كان واما البدل: فهو الجعل للشئ مكان غيره ويقال: ثمنه تثمينا وثامنه مثامنة ويجمع الثمن اثمانا واثمنا ويروى بيت زهير:
[ 188 ]
وعزت اثمن البدن جمع ثمن ومن روى أثمن البدن: أراد الثمينة منها أي أكثرها ثمنا والثمن جزء من الثمانية اجزاء، من اي مال كان وثوب ثمين: إذا كان كثير الثمن والفرق بين الثمن والقيمة، أن الثمن قد يكون وفقا، وقد يكون بخسا، وقد يكون زائدا والقيمة لا تكون الا مساوية المقدار للمثمن من غير نقصان ولا زيادة وكل ماله ثمن فهو مال وليس كل ملك له ثمن والقليل، والحقير، واليسير، نظائر وضده: الكثير تقول: قل، يقل،
قلة واقل منه، اقلالا واستقل استقلالا وتقلل، تقللا وقلله، تقليلا وقليل، وقلان، بمعنى (واحد) ورجل قليل أي قصير وقل الشئ: اقله والقلة، والقل لغتان والقلة: راس كل شئ والرجل يقل شيئا: يحمله وكذلك يستقله واستقل الطائر: إذا ارتفع وقلة الجبل: اعلاه وهى قطعة تستدير في اعلاه وهي القلة والقلة التي جاءت في الحديث مثل: قلال هجر قيل إنها جرار عظام والقلة: النقصان من العدد وقيل في الصغر وقوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " فأدخل (الباء) في الآيات دون الثمن وفي سورة يوسف، في الثمن في قوله: " وشروه بثمن بخس " (1) قال الفراء: إنما كان كذلك، لان العوض كلها، أنت مخير فيها في إدخال الباء إن شئت قلت: اشتريت الثوب بكساء وأن شئت قلت: اشتريت بالثوب كساء أيهما جعلته ثمنا لصاحبه، جاز فإذا جئت إلى الدراهم والدنانير، وضعت الباء في الثمن كقوله: " بثمن بخس "، لان الدراهم ثمن أبدا وروي عن أبي جعفر (عليه السلام) في قوله: " ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " قال عليه السلام: كان ليحيى بن أخطب وكعب بن اشرف، وآخرين منهم مأكلة على يهود في كل سنة وكرهوا بطلانها بأمر النبي " ص " فحرفوا لذلك آيات من التوراة فيها صفته وذكره، فذلك الثمن القليل الذي أريد به في الآية * (الهامش) * (1) سورة يوسف: آية 20 (*)
[ 189 ]
وتقييده ب " لا تشتروا بآياتي ثمنا قليلا " لا يدل على أنه إذا كان كثيرا يجوز مشترى به، لان المقصود من الكلام، أن أي شئ باعوا به آيات الله كان قليلا، وانه لا يجوز أن يكون له ثمن يساويه كقوله: " ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به " (1) انما أراد بذلك نفي البرهان عنه على كل حال، وأنه لا يجوز
أن يكون عليه برهان ومثله قوله: " يقتلون النبيين بغير حق " (2) وانما اراد ان قتلهم لا يكون إلا بغير الحق نظائر ذلك كثيرة ومثله قول الشاعر: على لا حب لا يهتدى بمناره وانما اراد: لا منار هناك فيهتدى به ولذلك نظائر نذكرها إذا انتهينا إليه إن شاء الله قوله تعالى: " ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون " (42) آية واحدة بلا خلاف اللغة: اللبس، والستر، والتغطية، والتعمية، نظائر والفرق بين التعمية، والتغطية ان التعمية قد تكون بالنقصان والزيادة، والتغطية تكون بالزيادة وضد الستر: الكشف وضد اللبس: الايضاح يقال: لبس، لبسا وألبسه، إلباسا والتبس، التباسا وتلبس، تلبسا ولبسه، تلبيسا ولابسه، ملابسة واللباس ما واريت به جسدك ولباس التقوى: الحياء والفعل: لبس، يلبس واللبس: خلط الامور بعضها ببعض إذا التبست واللبوس: الدروع وكل شئ تحصنت به فهو لبوس قال الله تعالى: " وعلمناه صنعة لبوس لكم " (3) قال الشاعر: إلبس لكل حالة لبوسها * إما نعيمها وإما بؤسها وثوب لبيس وجمعه: ألبس واللبسة: ضرب من اللباس والفعل: لبس * (الهامش) * (1) سورة المؤمنون: آية 18 (2) سورة آل عمران: آية 21 (3) سورة الانبياء آية 80 (*)
[ 190 ]
يلبس، لبسا، ولبسة واحدة ويقال: لبست الامر ألبسه: إذا عميته ومنه
قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " (1) ولا بست الرجل ملابسة: إذا عرفت دخلته وفي فلان ملبس: إذا كان فيه مستمع وفي أمره لبسة: أي ليس بواضح وأصل اللبس الستر: قال الاخطل: وقد لبست لهذا الدهر أعصره * حتى تجلل راسي الشيب فاشتعلا (2) والفرق بين اللبس، والاخفاء، والريب، والاشكال أن الاخفاء يمكن أن يدرك معه المعنى ولا يمكن إدراك المعنى مع اللبس والريب معه تهمة المشكوك فيه والاشكال قد يدرك معه المعنى، إلا أنه بصعوبة، لاجل التعقيد وأسباب الالباس كثيرة: منها - الاشتراك ومنها - الاختلاف ومنها - الاختزال وهو: حذف مقدمه وشرطه، أو ركنه ومنها - الاختلاط، والبسط وهو: المنع من إدراك الشئ، تشبيها بما يمنع من إدراكه بالستر والتغطية ومنه قول النبي " ص " للحارث بن خوط: ياحار، إنه ملبوس عليك إن الحق لا يعرف بالرجال إعرف الحق تعرف أهله والبطلان، والفساد، والكذب، والزور، والبهتان، نظائر وضد الحق: الباطل يقال: بطل، بطولا وبطلا، وبطلانا: إذا تلف وأبطلته، إبطالا: إذا أتلفته والبطل، والباطل، واحد وبطل الرجل، بطولة إذا صار بطلا ويقال: رجل بطل ولا يقال: إمرأة بطلة وبطل، بطالة: إذا هزل، وكان بطالا والا باطل: جمع إبطالة وأبطولة والباطل: ضد الحق وأبطلته: جعلته باطلا وأبطل فلان: أذا جاء بباطل والبطل: الشجاع الذي يبطل جراحاته، لا يكترث لها، ولا تكفه عن نجدته وأصل الباطل، الخبر الكذب ثم كثر حتى قيل لكل فاسد ويقال: فعل باطل أي قبيح وبناء باطل أي منتقض وزرع باطل أي محترق تالف * (الهامش) * (1) سورة الانعام: آية 9
(2) ديوانه واعصر ج عصر ولبس له اعصره: عاش وقلبي خيره وشره وتجلل الشيب الرأس علاه والمطبوعة ولمخطوطة (تخلل) (*)
[ 191 ]
المعنى: ومعنى لبسهم الحق بالباطل: أنهم آمنوا ببعض الكتاب، وكفروا ببعض، فخلطوا الحق بالباطل، لانهم جحدوا صفة محمد " ص " فذلك الباطل، وأقروا بغيره مما في الكتاب على ما هو به، وذلك حق وقال ابن عباس: لا تخلطوا الصدق بالكذب وقال الحسن: كتموا صفة محمد " ص " ودينه، وهو الحق وأظهروا دين اليهودية والنصرانية وقال ابن زيد: الحق: التوراة التي أنزلها الله على موسى والباطل: ما لبسوه بأيديهم واللبس في الآية: قيل معناه: التعمية وقيل: خلط الحق بالباطل، عن ابن عباس ومنه قوله: " وللبسنا عليهم ما يلبسون " أي لخلطنا عليهم ما يخلطون قال العجاج: لما لبسن الحق بالتجني * عيين واستبدلن زيدا مني (1) وقال بعضهم: الحق: إقرارهم بأن محمدا " ص " مبعوث إلى غيرهم والباطل إنكارهم أن يكون بعث إليهم وهذا ضعيف، لانه إن جاز ذلك على نفر يسير، لم يجز على الخلق الكثير، مع إظهار النبي " ص " وتكذيبهم فيه، وإقامة الحجة عليهم الاعراب: وقوله: " وتكتموا الحق " يحتمل أمرين من الاعراب أحدها - الجزم على النفي، كأنه قال: لا تلبسوا الحق، ولا تكتموه والآخر - النصب على الظرف، كأنه قال: لا تجمعوا اللبس والكتمان كما قال الشاعر: لاتنه عن خلق وتأتي مثله * عار عليك إذا فعلت عظيم (2)
ومثله: لا يسعني شئ، ويعجز عنك وعند الخليل وسيبويه، والاخفش، ينصب مثل ذلك، باضمار أن ويكون تقدير الكلام: لا يكن منكم لبس الحق * (الهامش) * " 1 " ديوانه " 2 " هذا البيت روي في عدة قصائد لعدة شعراء نسب للاخطل ونسب للمتوكل الليثي ونسب لسابق البربري ونسب للطرماح ونسب لابي الاسود الدؤلي (*)
[ 192 ]
وكتمانه ودل " تلبسوا " على اللبس و " تكتموا " على الكتمان كما تقول: من كذب كان شرا له فكذب دليل على الكذب فكأنه قال: من كذب كان الكذب شرا له قوله: " وأنتم تعلمون " المعنى: قال قوم: هو متوجه إلى رؤساء أهل الكتاب، ولذلك وصفهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه للتلبيس على أتباعهم - قالوا - وهذا تقبيح لما يفعلونه وكذلك قوله: " وتكتمون الحق " أي تتركون الاعتراف به، وأنتم تعرفونه أي تجحدون ما تعلمون وجحد المعاند أعظم من جحد الجاهل ومن قال هذا، لا يلزمه ما يتعلق به أهل التعارف، من هذه الآية، من قولهم: إن الله أخبر أنهم يكتمون الحق وهم يعلمون، لانه إذا خص الخطاب بالرؤساء - وهم نفر قليل - فقد جوز على مثلهم العناد والاجتماع على الكتمان وإنما يمنع مع ذلك في الجماعة الكثيرة، لما يرجع إلى العادات، واختلاف الدواعي كما قيل في الفرق بين التواطي والاتفاق في العدد الكثير وقال بعضهم: وأنتم تعلمون البعث والجزاء فان قيل: كيف يصح ذلك على أصلكم الذي تقولون: إن من عرف الله لا يجوز أن يكفر ؟ وهؤلاء إذا كانوا كفارا، وماتوا على كفرهم كيف يجوز أن يكونوا عارفين
بصفة محمد، وأنه حق، بما معهم من التوراة وذلك مبني على معرفة الله، وعندكم ما عرفوا الله ؟ قيل: إن الله الذي يمنع أن يكفر من عرف الله، إذا كان معرفته على وجه يستحق بها الثواب، فلا يجوز أن يكفر، لانه يؤدي إلى اجتماع الثواب الدائم على إيمانه، والعقاب الدائم على كفره والاحباط باطل وذلك خلاف الاجماع ولا يمتنع أن يكونوا عرفوا الله على وجه لا يستحقون به الثواب لان الثواب إنما يستحق، بأن يكونوا نظروا من الوجه الذي وجب عليهم فأما إذا نظروا بغير ذلك، فلا يستحقون الثواب، فيكونوا على هذا عارفين بالله وبالكتاب الذي أنزله على موسى، وعارفين بصفات النبي " ص " لكن لا يؤمنون مستحقين الثواب
[ 193 ]
وعلى هذا يجوز أن يكفروا وفي الناس من قال: استحقاقهم الثواب على إيمانهم، مشروط بالموافاة فإذا لم يوافوا به، لم يستحقوا الثواب فعلى هذا أيضا، يجوز أن يكونوا عارفين، وإن لم يكونوا مستحقين لثواب يبطل بالكفر والمعتمد الاول وقال قوم: الآية متوجهة إلى المنافقين منهم وكان خلطهم الحق بالباطل ما أظهروا بلسانهم من الاقرار بالنبي " ص " بما يستبطنونه من الكفر وهذا يمكننا الاعتماد عليه، ويكون قوله: " وأنتم تعلمون " معناه أنكم تعلمون أنكم تظهرون خلاف ما تبطنونه وهذا أسلم من كل وجه على أصلنا ويمكن أن يقال: معنى قوله: " وأنتم تعلمون " أي عند أنفسكم، لانهم إذا كانوا يعتقدون أنهم عالمون بالتوراة، وبأنه من عند الله، وفيها ذكر النبي، فهم عالمون عند انفسهم بنبوته، لكن يكابرون قوله تعالى: " وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين " (43) - آية بلا خلاف
اللغة: الصلاة في أصل اللغة: الدعاء قال الاعشى: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي * نوما فان لجنب المرء مضطجعا أي دعوت وقال آخر: وقابلها الريح في دنها * وصلى على دنها وارتسم (1) أي ودعا وقيل: أصلها: اللزوم من قول الشاعر: لم أكن من جناتها علم الله، واني لحرها اليوم صال أي ملازم لحرها وكان معنى الصلاة، ملازمة العبادة على الحد الذى أمر * (الهامش) * (1) مر الكلام في هذا البيت 1: 56 (*)
[ 194 ]
الله عزوجل وقيل: أصلها: الصلا وهو عظم العجز لرفعه في الركوع والسجود من قول الشاعر: فآب مصلوه بغير جلية * وغودر بالجولان حزم ونائل (1) اي الذين جاؤوا في صلا السابق والقول الاول أقرب إلى معنى الصلاة في الشرع وقد بينا معنى إقامة الصلاة فيما مضى، فلا وجه لا عادته وقوله: " وآتو الزكاة " فالزكاة والنماء، والزيادة، نظائر في اللغة ونقيض الزيادة: النقصان ويقال: زكا، يزكو زكاء وتزكى، تزكية قال صاحب العين: الزكاة، زكاة المال، وهو تطهيره ومنه زكى، يزكي، تزكية والزكاة: زكاة الصلاح تقول: رجل تقي زكي ورجال أتقياء أزكياء والزرع زكا زكاء - ممدود - وكل شئ يزداد وينمو، فهو يزكو زكاء وتقول: هذا لا يزكو بفلان أي لا يليق به قال الشاعر: المال يزكو بك مستكثرا * يختال قد أشرق للناظر
ومصدر الزكاة: ممدود ويقال: إن فلانا لزكا النقد أي حاضره وعتيده والزكا: الشفع قال الشاعر: كانوا خسا أو زكا من دون أربعة * لم يخلقوا وجدود الناس تعتلج (2) والخسا، الوتر وأصل الباب: النمو، والزكاة تنمي المال بالبركة التى يجعل الله فيه وسمي بالزكاة في الشريعة، ما يجب إخراجه من المال، لانه نماء ما ينقى ويثمر وقيل: بل مدح لما ينقى، لانه زكي أي مطهر كما قال: " أقتلت نفسا زكية بغير نفس " (3) أي طاهرة وقوله: " واركعوا " فالركوع، والانحناء والانخفاض نظائر في اللغة يقال: ركع، ورفع قال الشاعر: * (الهامش) * (1) في التفسير الكبير (وآب مضلوه) من اضل القوم ميتهم: إذا واروه في قبره، وفيه بدل (يغير جلية) بعين جلية: والشعر للنابغة (2) اللسان مادة (خسا) وقد نقله القراء عن الدبيرية زكا: تقوله العرب للزوج وخسا للفرد: تعتلج تضطرع (3) سورة الكهف آية: 74 (*)
[ 195 ]
لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه (1) قال أبو زيد: الراكع: الذي يكبو على وجهه ومنه الركوع في الصلاة قال الشاعر: وأفلت حاجب فوق العوالي * على شقاء تركع في الظراب (2) والركعة: الهوة في الارض - لغة يمانية - قال صاحب العين: كل شئ ينكب لوجهه، فتمس ركبته الارض أولا تمس، بعد أن يطأطئ راسه، فهو راكع قال الشاعر: ولكني أنص العيس تدمى * أياطلها وتركع بالحزون (3)
وقال لبيد: أخبر أخبار القرون التي مضت * أدب كأني كلما قمت راكع وقيل: إنه مأخوذ من الخضوع ذهب إليه المفضل بن سلمة والاصمعي قال الشاعر: لا تهين الفقير علك أن * تركع يوما والدهر قد رفعه والاول أقوى، لان هذا مجاز مشبه به وقوله: " واركعوا مع الراكعين " إنما خص الركوع بالذكر من أفعال الصلاة لما قال بعض المفسرين: إن المأمورين هم أهل الكتاب، ولا ركوع في صلاتهم وكان الاحسن ذكر المختص دون المشترك، لانه أبعد عن اللبس وقيل: لانه يعبر بالركوع عن الصلاة يقول القائل: فرغت من ركوعي أي من صلاتي وانما فعل ذلك، لانه أول ما يشاهد مما يدل على أن الانسان في الصلاة، لانا بينا أن أصل الركوع الانحناء فان قيل: كيف أمروا بالصلاة والزكاة وهم لا يعرفون حقيقة ما في الشريعة ؟ قيل: إنما أمروا بذلك، لانهم أحيلوا فيه على بيان الرسول * (الهامش) * (1) قائل هذا البيت الاضبط بن قريع الاسدي (2) شقاء: مؤنث الاشق وفرس اشق: يشتق في عدوه يمينا وشمالا الظراب ج ظرف - بفتح الظاء وكسر الراء وهي الرابية (3) انص العيس: استحثها اياطل: ج ايطل وهي الخاصرة ارض حزون: غليظة (*)
[ 196 ]
إذ قال: " ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (1) ولذلك جاز أن يأمرهم بالصلاة على طريق الجملة، ويحيلهم في التفصيل إلى بيان الرسول " ص " وقد بينا ما ورد الشرع به، من الصلاة والزكاة، وفرائضها وسننها في
كتاب النهاية والمبسوط وغيرهما من كتبنا في الفقه، فلا نطول بذكره في هذا الكتاب وقد ورد في القرآن على طريق الجملة آي كثير: نحو قوله: " أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " وقوله " وأقيموا الصلاة ان الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا " (2) وقوله: " حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى " (3) وقوله: " قد أفلح المؤمنون الذين هم في صلاتهم خاشعون " (4) ويمكن الاستدلال بهذه الآيات على وجوب الصلوات، وعلى صلاة الجنائز، وصلاة العيدين، وعلى وجوب الصلاة على النبي وآلة في التشهد، لانه عام في جميع ذلك فان قيل: قوله: " وأقيموا الصلاة " قد ثبت أن هذا خطاب لاهل الكتاب، وليس في صلاتهم ركوع، فكأنه أمرهم بالصلاة على ما يرون هم، وأمرهم بضم الركوع إليها وعلى معنى قوله: " اركعوا " - أي صلوا نقول: إن ذلك تأكيد ويمكن أن يقال: فيه فائدة وهو أن يقال: إن قوله: " أقيموا الصلاة " إنما يفيد وجوب إقامتها ويحتمل أن يكون إشارة إلى صلاتهم التي يعرفونها ويمكن أن يكون إشارة إلى الصلاة الشرعية فلما قال: " واركعوا مع الراكعين " يعني مع هؤلاء المسلمين الراكعين، تخصصت بالصلاة في الشرع، ولا يكون تكرارا، بل يكون بيانا وقيل: قوله: " واركعوا مع الراكعين " حث على صلاة الجماعة، لتقدم ذكر الصلاة المنفردة في أول الآية * (الهامش) * (1) سورة الحشر: آية 7 (2) سورة النساء: آية 102 (3) سورة البقرة: آية 238 (4) سورة المؤمنون: آية 1 (*)
[ 197 ]
قوله تعالى:
" أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون " (44) - آية المعنى: كل طاعة لله تعالى، فلا خلاف أنها تسمى برا واختلفوا في المراد بهذه الآية فقال ابن عباس: المراد به التمسك بكتابهم، فكانوا يأمرون أتباعهم، ويتركون هم التمسك به، لان جحدهم النبي " ص " هو تركهم التمسك به وقال قتادة: كانوا يأمرون الناس بطاعة النبي " ص " ويخالفون ذلك وقال قوم: إن معناه: أنهم كانوا يأمرون ببذل الصدقة، ويضنون بها وقال بعضهم: البر: الصدق من قولهم: صدق، وبر ومعناه: أنهم يأمرون بالصدق ولا يصدقون اللغة: والبر - في أصول اللغة - والصلة، والاحسان، نظائر يقال هو بار وصول محسن وضد البر: العقوق وقال ابن دريد: البر ضد العقوق ورجل بار وبر بمعنى واحد وبرت يمينه: إذا لم يحنث وبرحجه وبر - لغتان - والبر: خلاف البحر والبر: - معروف - أفصح من الحنطة والقمح واحدة برة قال الهذلي: لادر دري إن أطعمت نازلهم * قرف الحني وعندي البر مكنوز الحني: ردي المقل خاصة ومن أمثالهم: لا يعرف الهر من البر واختلفوا في هذا المثل فقال الرماني: الهر: السنور. والبر: الفارة في بعض اللغات أو دويبة تشبهها وقال الاخفش: معناه: لا يعرف من يبره ممن يهر عليه وقوم بررة أبرار والمصدر البر ويقال: صدق وبر وبرت يمينه أي صدقت وكانت العرب تقول: فلان يبرر به أي يطيعه قال الراجز:
[ 198 ]
لا هم إن بكرا دونكا * يبرك الناس ويفجرونكا
والابرار: الغلبة يقال أبر عليهم فلان قال طرفة: ويبرون على الآي البر البربرة: كثرة الكلام، والجلبة باللسان وأصل الباب كله: البر وهو: اتساع الخير والفرق بين البر والخير، أن البر يدل على القصد، والخير قد يقع على وجه السهولة قوله: " وتنسون انفسكم " اللغة: فالنسيان، والغفلة، والسهو، نظائر وضد النسيان: الذكر تقول: نسي نسيانا وأنساه، إنساء وتناساه، تناسيا وفلان نسي، كثير النسيان والنسي، والمنسي، الذي ذكره الله تعالى: " وكنت نسيا منسيا " (1) وسمي الانسان إنسانا، إشتقاقا من النسيان وهو في الاصل: إنسيان وكذلك إنسان العين والجمع: أناسي والنسا: عرق سيق بين الفخذين، فيستمر في الرجل وهما نسيان والجمع: أنساء وهو في الفخذ يسمى في الساق: الطفل وفي البطن: الحالبين (2) وفي الظهر: الابهر وفى الحلق: الوريد وفي القلب: الوتين وفي اليد: الاكحل وفي العين: الناظر يقال: هو بهر الجسد، لانه يمد جميع العروق وأصل الباب: النسيان ضد الذكر وقوله: " نسوا الله فنسيهم " (3) أي تركوا طاعته: فترك ثوابهم ويقال: آفة العلم النسيان والمذاكرة تحيي العلم وحد النسيان: غروب الشئ عن النفس بعد حضوره لها والفرق بين النسيان والسهو، أن السهو يكون ابتداء وبعد الذكر والنسيان لا يكون إلا بعد الذكر والنسيان، والذكر معا، من فعل الله تعالى، لان الانسان يجتهد أن يذكر شيئا فلا يذكره * (الهامش) * (1) سورة مريم آية: 32 (2) عرقان يكتنفان بالسرة (3) سورة التوبة: آية 68 (*)
[ 199 ]
المعنى: ومعنى قوله: " وتنسون أنفسكم " أي تتركونها وليس المراد بذلك ما يضاد الذكر، لان ذلك من فعل الله لا ينهاهم عنه فان قيل: إذا كان الواجب عليهم مع ترك الطاعة والاقامة على المعصية، الامر بالطاعة، والنهي عن المعصية، فكيف قيل لهم هذا القول ؟ قلنا: في أمرهم بالطاعة، ونهيهم عن المعصية تعظيم لما يرتكبونه من معصية الله تعالى، لان الزواجر كلها، كلما كانت أكثر، كانت المعصية أعظم ففي نهيهم لغيرهم، زواجر فهو توبيخ على عظيم ما ارتكبوا من ذلك وقوله: " وانتم تتلون الكتاب " اللغة: فالتلاوة، والقراءة، والدراسة، نظائر يقال: فلان يتلو تلاوة، فهو تال أي تابع والمتالي: الامهات إذا تلاهن الاولاد والواحد: متل وناقة متلية: وهي التي تنتج في آخر النتاج وأصل الباب: الاتباع فتسمى التلاوة بذلك، لا تباع بعض الحروف فيها بعضا والفرق بين التلاوة والقراءة، أن أصل القراءة جمع الحروف، وأصل التلاوة، اتباع الحروف وكل قراءة تلاوة، وكل تلاوة قراءة وحد الرماني: التلاوة: ما به صوت يتبع فيه بعض الحروف بعضا المعنى: والكتاب الذي كانوا يتلونه التوراة - على قول ابن عباس وغيره وقال أبو مسلم كانوا يأمرون العرب باتباع الكتاب الذى في أيديهم، فلما جاءهم كتاب مثله، لم يتبعوه وقوله: " أفلا تعقلون " اللغة:
فالعقل، والفهم، واللب، والمعرفة، نظائر يقال فلان عاقل فهيم أديب ذو معرفة، وضد العقل: الحمق يقال: عقل الشئ عقلا، وأعقله غيره إعقالا
[ 200 ]
ويقال: اعتقله، اعتقالا وانعقل، انعقالا وقيل لابن عباس: أنى لك هذا العلم ؟ قال: قلب عقول، ولسان سؤول ويقال: عقلت بعد الصبا أي عرفت الخطأ الذي كنت فيه وقال صاحب العين: العقل: ضد الجهل يقال: عقل الجاهل: إذا علم وعقل المريض بعد ما هجر وعقل المعتوه ونحوه والعقال: الرباط ويقال: عقلت البعير أعقله، عقلا: إذا شددت يده بالعقال وإذا أخذ صدقة الابل تامة لسنة يقال: أخذ عقالا وعقالين لسنتين، وعقلا لجماعة وقال الشاعر: سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا * فكيف لو قد سعى عمرو عقالين لا صبح الناس أوبادا وما وجدوا * يوم التحمل في الهيجا جمالين (1) قال المبرد: يقال للمصدق إذا أخذ من الصدقة ما فيها ولم يأخذ ثمنه: أخذ عقالا وإذا أخذ قيمته: قيل: أخذ نقدا والعقيلة من النساء: التي قد عقلت في بيتها أي حبست في بيتها وخدرت والجمع: عقائل والدرة عقيلة البحر وعقيلة كل شئ: أكرمه وعقل القتيل: إذا أوديت ديته من القرابة، لا من القبائل والعقل في الرجل: اصطكاك الركبتين والعقل: ثوب أحمر تتخذه نساء العرب والمعقول: هذا العقل عند قوم قال الراعي: حتى إذا لم يتركوا لعظامه * لحما ولا لفؤاده معقولا والعقل، والمعقل: وهو الحصن وجمعه: عقول والعاقول من النهر والوادي ومن الامور أيضا: الملتبس، وما اعوج منه وعقل الدواء بطنه أي حبسه وقولهم لا يعقل حاضر لباد قال ابن دريد: معناه أن القتيل إذان بالبادية، فان أهلها يتعاقلون بينهم الدية، ولا يلزمون أهل الحضر من بني اعمامهم شيئا وفي الحديث
انا لا نتعاقل المضيع يعني ما سهل من الشجاج (2)، بل يلزم الجاني وعاقلة الرجل: بنو عمه الادنون، لانهم كالمعقل له وأصل الباب العقل الذي هو العقد والعقل مجموع علوم لاجلها يمتنع من كثير من القبائح يعقل كثيرا من الواجبات وقال الرماني: العقل هو العلم الاول الذي يزجر عن قبيح الفعل وكل من كان زاجره * (الهامش) * (1) الشعر لعمرو بن العداء الكلبي لسان العرب وروايته " ؟ " بدل " الناس " السبد: بقايا النبت اوباد: ج وبد وهو الفقر والبؤس وجمالين يريد ؟ الشجاج واحدها - (*)
[ 201 ]
أقوى، كان عقله أقوى وقيل: العقل: معرفة يفصل بها بين القبيح والحسن في الجملة وقيل: العقل: قوة يمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب وهذه العبارات قريبة المعاني مما ذكرناه والفرق بين العقل والعلم، أن العقل قد يكمل لمن فقد بعض العلوم، كفقد من كمل عقله العلم بأن هذه الرمانة حلوة أو حامضة ولا يكمل العلم لمن فقد بعض عقله فان قيل: إذا كان العقل مختلفا فيه، فكيف يجوز أن يستشهد به ؟ قيل الاختلاف في ماهية العقل، لا يوجب الاختلاف في قضاياه ألا ترى أن الاختلاف في ماهية العقل - حتى قال بعضهم معرفة، وقال بعضهم قوة - لا يوجب الاختلاف في أن الالف أكثر من الواحد، وأن الموجود غير المعدوم، وغير ذلك من قضايا العقل قوله تعالى: " واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين " (45) آية واحدة قال الجبائي: هذا خطاب للمؤمنين دون أهل الكتاب وقال الطبري، والرماني: هو خطاب لاهل الكتاب، ويتناول المؤمنين على وجه التأديب والاقوى أن يكون خطابا لجميع من هو بشرائط التكليف، لفقد الدلالة على التخصيص،
واقتضاء العموم ذلك فمن قال: إنه خطاب لاهل الكتاب، قال: لانه قال: واستعينوا على الوفاء بعهدي الذي عاهدتكم في كتابكم عليه: من طاعتي، واتباع أمري واتباع رسولي، وترك ما نهبتكم عنه، والتسليم لامري ولمحمد " ص " بالصبرو الصلاة اللغة: وأصل الصبر: هو منع النفس محابها، وكفها عن هواها ومنه الصبر على المصيبة، لكفه نفسه عن الجزع وقيل لشهر رمضان: الصبر، لصبر صائمه عن الطعام والشراب نهارا وصبرت إياهم صبرة: حبسه لهم، وكفه إياهم عنه، كما يصبر الرجل القتيل، فيحبسه عليه، حتى يقتله صبرا يعني حبسه عليه، حتى قتله * (الهامش) * - الشجة وهي الجرح في الرأس والوجه (*)
[ 202 ]
والمقتول: مصبور والقاتل: صابر والصبر والبث، والحبس، نظائر والصبر: ضد الجزع وأنشد أبو العباس: فان تصبرا، فالصبر، خير معيشة * وإن تجزعا، فالامر ماتريان ويقال: صبر صبرا وتصبر تصبرا واصطبر، اصطبارا وتصابر تصابرا وصابره مصابرة قال صاحب العين: الصبر: نصب الانسان للقتل فهو مصبور يقال: صبروه أي نصبوه للقتل ويقال: صبرته أي حلفته بالله جهد نفسه وكل من حبسته لقتل أو يمين، فهو قتل صبر ويمين صبر والصبر: عصارة شجر معروف والصبار: تمر الهند وصبر الاناء ونحوه: نواحية وأصبار القبر: نواحيه والصبرة من الحجارة: ما اشتد وغلظ والجمع: الصبار وأم صبار: هي الداهية الشديدة وصبر كل شئ: أعلاه وصبير القوم: الذي يصبر معهم في أمرهم وصبر الخوان: رقاقة غليظة تبسط تحت ما يؤكل من الطعام وتقول: اشتريت الشئ بلا صبر أي بلا كيل والصبير: الكفيل واصل الباب: الصبر الذي
هو الحبس المعنى: والصبر خلق محمود، أمر الله تعالى به ودل عليه، فقال: " واصبر وما صبرك إلا بالله " (1) وقال: " واصبروا وصابروا " (2) وقال: " وبشر الصابرين " (3) وقال: " واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الامور " (4) وفى الحديث: اقتلوا القاتل، واصبروا الصابر وذلك فيمن أمسكه حتى قتله آخر فأمر بقتل القاتل، وحبس الممسك والصبر المأمور به في الآية، قيل: فيه قولان: أحدهما - الصبر على طاعته واجتناب معصيته والثاني - أنه الصوم وفي الصلاة ههنا قولان: أحدهما - الدعاء والثاني - أنها الصلاة الشرعية ذات الركوع والسجود وكان النبي صلى الله عليه وآله إذا أحزنه أمر، استعان بالصلاة والصوم. ووجه الاستعانة بالصلاة، لمكان ما * (الهامش) * (1) سورة النحل: آية 127 (2) سورة آل عمران: آية 200 (3 سورة البقرة: آية 155 (4) سورة لقمان آية 17 (*)
[ 203 ]
فيها من تلاوة القرآن والدعاء والخضوع لله تعالى، والاخبات فان في ذلك معونة على ما تنازع إليه النفس من حب الرياسة والانفة من الانقياد إلى الطاعة والضمير في قوله: " وإنها لكبيرة " عائد على الصلاة عند أكثر المفسرين وقال قوم: عائد إلى الاجابة للنبي (عليه السلام وهذا ضعيف، لانه لم يجر للاجابة ذكر ولا هي معلومة، إلا بدليل غامض وليس ذلك كقوله " أنا أنزلناه " لان ذلك معلوم ورد الضمير على واحد، وقد تقدم ذكر شيئيين فيه قولان: أحدهما: - انها راجعة إلى الصلاة دون غيرها على ظاهر الكلام، لقربها فيه ولانها الا هم والافضل ولتأكيد حالها وتفخيم شأنها وعموم فرضها والآخر - ان يكون المراد الاثنين وان كان اللفظ واحدا كقوله: " والله رسوله احق ان يرضوه " (1)
قال الشاعر: اما الوسامة أو حسن النساء فقد * اوتيت منه أو ان العقل محتنك (2) وقال البرجمي: فمن يك امسى بالمدينة رحله * فاني وقيار بها لغريب (3) وقال ابن احمد: رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن طول الطوي رماني (4) وقال آخر: نحن بما عندنا وانت بما عندك راض والرأي مختلف (5) وقوله " وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها " قال قوم: اللفظ واحد والمراد به اثنان وقال الفراء: راجع إلى التجارة لان تجارة جاءت فضربوا بالطبل فانصرف الناس إليها والاستعانة في الآية المأمور بها على ما تنازع إليه نفوسهم من حب الرياسة وغلبة الشهوة للذة العاجلة والاستعانة بالصبر على المشقة بطاعة الله ومعنى (الكبيرة) ههنا أي ثقيلة - عند الحسن والضحاك وأصل ذلك ما يكبر ويثقل على الانسان * (الهامش) * (1) سورة التوبة: آية 63 (2) احتنك الشئ: استولى عليه (3) وروى (وقيارا) (4) مر القول في هذا البيت (5) في هذين البيتين 1: 172 (*)
[ 204 ]
حمله، كالاحمال الجافية التي يشق حملها، فقيل لما يصعب على النفس، وان لم يكن من جهة الحمل - يكبر عليها تشبيها بذلك وقوله: " الا على الخاشعين " اللغة: فالخشوع، والخضوع، والتذلل، والاخبات، نظائر وضد الخضوع:
الاستكبار يقال: خشع خشوعا وتخشع تخشعا قال صاحب العين: خشع الرجل يخشع خشوعا: إذا رمى ببصره الارض واختشع: إذا طأطأ رأسه كالمتواضع والخشوع قريب المعنى من الخضوع، إلا أن الخضوع في البدن، والاقرار بالاستخدام (1) والخشوع في الصوت والبصر قال الله تعالى: " خاشعة أبصارهم " و " خشعت الاصوات للرحمن " (2) أي سكنت وأصل الباب: من اللين والسهولة من قولهم: نقا خاشعا: للارض التي غلبت عليها السهولة والخاشع: الارض التي لا يهتدى إليها بسهولة، لمحو الرياح آثارها والخاشع، والمتواضع، والمتذلل، والمسكين، بمعنى واحد قال الشاعر: لما أتى خبر الزبير تواضعت * سور المدينة والجبال الخشع (3) وخاشع: صفة مدح، لقوله: " والخاشعين والخاشعات " وإنما خص الخاشع بأنها لا تكبر عليه، لان الخاشع قد تواطأ ذلك له: بالاعتياد له، والمعرفة بماله فيه، فقد صار بذلك، بمنزلة ما لا يشق عليه فعله، ولا يثقل تناوله وقال الربيع بن أنس: " الخاشعين " في الآية: الخائفون * (الهامش) * (1) وفي نسخة: " الاستحياء " (2) سورة طه آية: 108 (3) البيت لجرير، الديوان ص: 345 استشهد به سيبويه على ان تاء التأنيث جاءت للفعل لما أضاف " سور " إلى المدينة وهي مؤنث، وهو بعض منها (*)
[ 205 ]
قولة تعالى: " الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون " (46) - آية بلا خلاف ان قيل كيف اخبر الله عمن وصفه بالخشوع بالطاعة، ومدحهم بذلك بانهم يظنون بانهم ملاقوا ربهم وذلك مناف لصفة المدح ؟ قلنا: الظن المذكور
في الآية المراد به العلم واليقين قال دريد بن الصمة: فقلت لهم ظنوا بألفي مدجج * سراتهم في الفارسي المسرد وقال عمير بن طارق: بان تغتزوا قومي واقعد فيكم * واجعل مني الظن غيبا مرجما (1) وقال أبو داود (2): رب هم فرجته بعزيم * وغيوب كشفتها بظنون وقال المبرد: ليس من كلام العرب: أظن عند زيد مالا، يريد: أعلم لان العلم المشاهد لا يناسب باب الظن وقد أفصح في ذلك أوس بن حجر في قوله: الا لمعي الذي يظن بك الظن * كأن قد رأي وقد سمعا وقال آخر: فالاياتكم خبر يقين * فان الظن ينقص أو يزبد وقال بعض الشيوخ: اصل الظن ما يجول في النفس من الخاطر الذي يغلب على القلب، كأنه حديث النفس بالشئ، وتأول جميع ما في القرآن من معنى العلم على هذا وقال الحسن وابو الغالية ومجاهد وابن جريح: يظنون، أي يوقنون ومثله: " ظننت اني ملاق حسابيه " (3) أي علمت ومثله: " وظنوا ان لا ملجأ من الله إلا إليه " (4)، ومعناه استيقنوا وقوله: " ورأى المجرمون النار * (الهامش) * (1) في الايرانية بدل: " بأن تغتزوا " " فان تغتروا " وبدل " غيبا " " عينا "، البيت في نقائض جرير والفرزدق وروايته " وأجلس فيكم " و " وأجعل علمي ظن غيب مرجما " (2) في الايرانية: " الذواد " (3) سورة الحاقة: آية 20 (4) سورة التوبة آية: 119 (*)
[ 206 ]
فظنوا انهم مواقعوها " (1)، يعني: علموا وقد جاء في القرآن الظن بمعنى الشك
كقوله: " ان هم إلا يظنون " (2) وقوله: " ان الظن لا يغني من الحق شيئا " (3) وقال قوم: يحتمل قوله " يظنون " وجها آخرا، وهو انهم يظنون انهم ملاقوا ربهم بذنوبهم لشدة اشفاقهم من الاقامة على معصية الله، وهذا وجه مليح، وقد استعبده الرماني وقال: لان فيه حذوفا كثيرة، وليس بمنكر إذا كان الكلام محتملا له وقيل أيضا: الذين يظنون إنقضاء اجلهم وسرعة موتهم فيكونون ابدا على حذر ووجل، كما يقال لمن مات: لقي الله والظن والشك والتجويز نظائر، إلا ان الظن فيه قوة على أحد الامرين دون الآخر، وحده ما قوي عند الظان كون المظنون على ما ظنه مع تجويزه ان يكون خلافه فبالتجويز ينفصل من العلم، وبالقوة ينفصل من الشك والتقليد وغير ذلك وضد الظن اليقين ويقال ظن ظنا وتظنن تظننا وقال: " وظنوا انهم الينا لا يرجعون " (4) وقوله: " ظننتم ظن السوء " (5) والظنين المتهم، ومصدره الظنة والظنون الرجل السئ الظن بكل احد، والظنون القليل الخير، والتظني والتظنن بمعنى واحد والظنون البئر التي يظن ان بها ماء ولا يكون فيها شئ، ومظنة الرجل ومظانه حيث يألفه فيكون فيه ومعنى قوله " انهم ملاقوا ربهم " اي ملاقوا جزاء ربهم، فجعل ملاقاة الجزاء ملاقاة له تفخيما وتعظيما لشأن الجزاء وأصل الملاقاة الملاصقة، من قولك التفى الحدان اي تلاصقا، ثم كثر حتى قالوا التقى الفارسان إذا تحاذيا ولم يتلاصقا ومثل ما قلنا في قوله " ملاقوا ربهم " قوله تعالى: " فاعقبهم نفاقا نفي قلوبهم إلى يوم يلقونه " (6) معناه يوم يلقون جزاءه، لان المنافقين لا يرون الله عند احد من اهل الصلاة، وكذلك قوله " ولو ترى إذ وقفوا على ربهم قال اليس هذا بالحق * (الهامش) * (1) سورة الكهف آية 54 (2) سورة الجاثية آية: 23 (3) سورة يونس آية: 36 (4) سورة القصص آية: 39 (5) سورة الفتح آية: 12 (6) سورة التوبة آية: 78 (*)
[ 207 ]
قالوا بلى وربنا قال فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون " (1) معناه إذ وقفوا على جزاء ربهم، لان الكفار لا يرون الله عند احد من الامة فان قيل: ما معنى الرجوع ههنا وهم ما كانوا قط في الآخرة فيعودوا إليها ؟ قيل: راجعون بالاعادة في الآخرة - في قول ابي الغالية - وقيل: يرجعون بالموت كما كانوا في الحال المتقدمة، لانهم كانوا امواتا، ثم احيوا، ثم يموتون، فيرجعون امواتا كما كانوا: والاول اظهر واقوى، وقيل: ان معناه: انهم راجعون إلى ان لا يملك احدهم ضرا ولا نفعا غيره تعالى كما كانوا في بد والخلق، لانهم في ايام حياتهم قد يملك الحكم عليهم غيرهم، والتدبير لنفعهم وضرهم بين ذلك قوله: " مالك يوم الدين " ومعنى ذلك انهم يقرون بالنشاة الاخرة فجعل رجوعهم بعد الموت إلى المحشر رجوعا إليه اللغة: وأصل الرجوع العود إلى الحال الاول يقال رجع الرجل ورجعته وهو احد ما جاء على فعل وفعلة ويحتمل ان يكون المراد أنهم إليه صائرون كما يقول القائل: رجع الامر إلى فلان وان كان قط لم يكن له ومعناه صار إليه: وحذفت النون من " ملاقوا ربهم " عند البصريين تخفيفا والمعنى على اثباتها، ومثله قوله: " انا مرسلوا الناقة " (2) " وكل نفس ذائفة الموت " (3) قال الشاعر: هل انت باعث دينار لحاجتنا * أو عبد رب اخاعون بن مخراق (4) ولو اردت معنى الماضي لتعرف الاسم بالاضافة، لم يجز فيه اظهار النون البتة وإذا كان الفعل غير واقع كان اثبات النون هو الوجه دون الاضافة فلو قيل * (الهامش) * (1) سورة آل عمران آية: 106 وسورة الانعام آية: 30 والاعراف: آية 48 والانفال آية: 35 والاحقاف آية 34
(2) سورة القمر آية 37 (3) سورة آل عمران آية 185 وسورة الانبياء آية: 35 وسورة العنكبوت آية 57 (4) سيبويه قال صاحب الخزانة: البيت من ابيات سيبويه التي لم يعرف قائلها وقيل هو لبربن رألان السنبسي وقيل هو لجرير وقيل لتأيط شرا دينار وعبد رب: رجلان (*)
[ 208 ]
ملاقون كان صوابا قال الاخفش: وجرى حذف النون ههنا للاستثقال كما قال الشاعر في قوله: فان الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا ام خالد (1) فاسقط النون من الذين استثقالا وقال الاخطل: ابني كليب ان عمي اللذا * قتلا الملوك وفككا الاغلالا فاسقط النون وقال الكوفيون: إذا حذف النون فاللفظ الاسم وإذا اثبت وظهر النصب فالمعنى الفعل قال الزجاج: ويجوز كسر الهمزة من قولهم: انهم إليه راجعون، لكن لم يقرأ به أحد على معنى الابتداء ولا يجوز كسر الاولى لان الظن وقع عليها قوله تعالى: " يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وإني فضلتكم على العالمين " (47) - آية المعنى: قد مضى تفسير مثل هذا في ما تقدم فلا وجه لا عادته وأما قوله: " وإني فضلتكم على العالمين " ذكرهم الله تعالى من الآية ونعمه عندهم بقوله: " وإني فضلتكم على العالمين " فضلت اسلافكم، فنسب النعمة إلى آبائهم واسلافهم، لانها
نعمة عليهم منه، لان مآثر الآباء مآثر الابناء، والنعم عند الاباء نعم عند الابناء لكون الابناء من الآباء وقوله " فضلتكم " اللغة: فالتفضيل، والترجيح، التزييد، نظائر والتفضيل نقيضه: التسوية يقال: فضله وتنقصه على وجهة النقص ونقيض التزييد: التنقيص يقال: فضل فضلا * (الهامش) * (1) البيت للاشهب بن رميلة سيبوية 1: 96 والبيان 4: 55 وفلج واد بين البصرة وحمى ضربة ومر هذا البيت ايضا في 1: 86 (*)
[ 209 ]
وافضل افضالا وتفضل تفضلا واستفضل استفضالا وتفاضلوا تفاضلا وفاضله مفاضلة وفضله تفضيلا والمفضال: اسم المفاضلة والفضيلة: الدرجة الرفيعة في الفضل والتفضل: التوشح ورجل فضل: متفضل وامرأة متفضلة، وعليها ثوب فضل: إذا خالفت بين طرفيه على عاتقها فتتوشح به قال الشاعر: " إذا تعود فيه الفسه الفضل " وافضل فلان على فلان: إذا أناله من خيره وفضله واحسن إليه وافضل فلان من الطعام والارض والخبز: إذا ترك منه شيئا لغة أهل الحجاز: فضل يفضل ورجل مفضال: كثير المعروف والخير والفضائل: واحدها فضيلة وهي المحاسن والفواضل: الايادي الجميلة وثوب المفضل: ثوب تخفف به المرأة في بيتها والجمع مفاضل وامرأة مفضل: إذا كان عليها مفضل واصل الباب: الزيادة والافضال، والاحسان، والانعام نظائر ويقال فضله: إذا اعطاه الزيادة وفضله إذا حكم له بالزيادة فان قيل لم كرر قوله: " يا بني اسرائيل " ؟ قلنا: لانه لما كانت نعم الله هي الاصل فيما يجب فيه شكره وعبادته، احتيج إلى تأكيدها كما يقول القائل: اذهب اذهب: اعجل اعجل وغير ذلك في الامر المهم، وايضا فان التذكير الاول
ورد مجملا، وجاء الثاني مفصلا، كأنه قال اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم فيما انتم عليه من المنافع التي تتصرفون فيها وتتمتعون بها، وإني فضلتكم على العالمين ودل هذا على قوله: " وإني فضلتكم على العالمين " لانها احدى الخصال التي ذكروا بها وجاءت عاطفة فدلت على خصلة قبلها: اما مذكورة أو مقدرة وإنما فضلوا بما ارسل الله فيهم من كثرة الرسل وانزل عليهم من الكتب: وقيل: تكثرة من جعل فيهم من الانبياء وما انزل الله عليهم من المن والسلوى إلى غير ذلك من النعمة العظيمة من تغريق فرعون عدوهم، ونجاتهم من عذابه، وتكثير الآيات التي يخف معها الاستدلال، ويسهل بها كثرة المشاق وهو قول اكثر أهل العلم كابي الغالية، وغيره ونظير هذه الآية قوله " واذ نجيناكم من آل فرعون " " وإذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون "
[ 210 ]
وقوله " على العالمين " المعنى: قال أكثر المفسرين: انه أراد الخصوص ومعناه عالمي زمانهم ذهب إليه قتادة والحسن وابو الغالية ومجاهد وغيرهم وقال بعضهم: إذا قلت فضل زيد على عمرو في الشجاعة لم يدل على انه أفضل منه على الاطلاق، ولا في جميع الخصال فعلى هذا يكون التخصيص في التفضيل لا في العالمين وامة نبينا محمد " ص " أفضل من أولئك بقوله: " كنتم خير امة اخرجت للناس " (1) وعليه اجماع الامة، لانهم اجمعوا على ان امة محمد " ص " أفضل من سائر الامم كما ان محمدا " ص " أفضل الانبياء من ولد آدم " ع " قوله تعالى: " واتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها
شفاعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون " (48) آية واحدة بلا خلاف قرأ ابن كثير وأهل البصرة " لا يقبل منها بالياء " الباقون بالتاء الاعراب: موضع " لا تجزي " نصب لانه صفة يوم والعائد عند الكسائي لا يكون إلا هاء محذوفة من تجزيه وقال بعضهم: لا يجوز إلا فيه: وقال سيبويه والاخفش والزجاج: يجوز الامران المعنى: قال أبو علي المعنى في قوله " لا يقبل منها شفاعة " فمن ذهب إلى ان (فيه) محذوفة من قوله " واتقوا يوما لا تجزي "، جعل (فيه) بعد قوله " ولا يقبل " ومن * (الهامش) * (1) سورة آل عمران آية 110 (*)
[ 211 ]
ذهب إلى انه حذف الجار، وأوصل الفعل إلى المفعول، ثم حذف الراجع من الصفة كما يحذف من الصلة، كان مذهبه في قوله: لا يقبل ايضا مثله وحذف الهاء من الصفة يحسن كما يحسن حذفها من الصلة ألا ترى ان الفعل لا يتسلط بحذف المفعول منه علو الموصوف كما لا يتسلط بذلك على الموصول ؟ ومما حذف منه الراجع إلى الصفة قوله: وما شئ حميت بمستباح ومن الحذف قوله: ترو حي اجدران تقيلي * غدا بجنبي بارد ظليل المعنى: تأتي مكانا اجدران تقيلي فيه فحذف الجار ووصل الفعل ثم حذف الضمير: ونظير الآية قول الراجز: قد صبحت صبيحها السلام * بكبد خالطها السنام
في ساعة يحبها الطعام (1) أي تحب الطعام فيها اللغة: والمجازاة والمكافأة والمقابلة نظائر يقال: جزى يجزي جزاء، وجازاه مجازاة، وتجازوا تجازيا: قال صاحب العين: المجازاة: المكافأة بالاحسان احسانا وبالاساءة اساءة وفلان: ذو جزاء وذو غناء وتقول هذا الشئ يجزئ عن هذا بهمز وتليين وفي لغة يجزي أي يكفي واصل الباب مقابلة الشئ بالشئ المعنى: ومعنى قوله " لا تجزي نفس عن نفس شيئا " (2) أي لا تقابل مكروهها بشئ يدرأه عنها قال الله تعالى: " هل تجزون إلا ما كنتم تعملون " (3) وقال: " اليوم تجزى كل نفس ما كسبت " (4) والفرق بين المقابلة والمجازاة ان المقابلة قد تكون للمساواة فقط كمقابلة الكتاب بالكتاب والمجازاة تكون في الشر بالشر والخير بالخير ومعنى * (الهامش) * (1) صبح القوم سقاهم الصبوح وهو ما يشرب صباحا من خمر أو لبن (2) سورة البقرة آية 48 - و 123 (3) سورة النمل آية 90 (4) سورة المؤمن آية 17 (*)
[ 212 ]
قوله " لا تجزي " أي لا تغني وهو قول السدي كما تقول: البقرة تجزي عن سبعة وهي لغة أهل الحجاز وبنو تميم تجزئ بالهمزة من اجزاه: والاول من جزت وقال الاخفش لا تجزي منها أي لا يكون مكانها بدلا منها وأنكر عليهم ذلك لقوله: " شيئا " وجعل الاخفش لا تجزي منها " شيئا " في موضع المصدر كأنه يقول لا تجزي جزاء ولا تغني غناء قال الرماني والاقرب ان تكون " شيئا " في موضع حقا كأنه قيل لا يؤدي عنها حقا وجب عليها وقال بعضهم " لا تجزي " بمعنى لا تقضي وقبول الشئ تلقيه والاخذ به وضده الاعراض عنه ومن ثم قيل لتجاه القبلة
قبالة وقالوا: أقبلت المكواة الداء أي جعلتها قبالته ويجوز ان يكون المخاطبون بذلك اليهود، لانهم زعموا ان اباءهم الانبياء وتشفع لهم واويسوا بقوله " قل فلم يعذبكم بذنوبكم " وبقوله: " لا يقبل منها شفاعة " والقبول والانقياد والطاعة والاجابة نظائر ونقيضها الامتناع يقال قبل قبولا، وأقبل اقبالا، وقابله مقابلة وتقابلوا تقابلا، واستقبله استقبالا، وتقبل تقبالا، وقبله تقبيلا وقبل نقيض بعد والقبل خلاف الدبر والقبل اقبالك على الشئ كأنك لا تريد غيره والقبل الطاقة تقول لا قبل لي أي لا طاقة لي ومنه قوله: " فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها (1) " والقبل التلقاء تقول لقيته قبلا أي مواجهة واصبت هذا من قبله أي من تلقائه أي من لدنه ومن عنده وقوله: " وحشرنا عليهم كل شئ قبلا (2) " أي قبلا وفسر بعضهم عيانا، وكل جيل من الناس والجن والقبيلة من قبائل العرب معروفة والكرة يقال لها قبائل وكل قطعة من الجلد قبيلة وقبيلة الرأس كل فلقة قد قوبلت بالاخرى وكذلك قبائل العرب والقبال: زمام البغل يقال: بغل مقبولة ومقبلة والقبل رأس كل شئ مثل الجبل والاكمة وكثب الرمل وقبالة كل شئ ما كان مستقبله ومن الجيران مقابل ومدابر وشاة مقابلة: إذا قطعت من اذنها قطعة وتركت معلقة من مقدم، وان كانت من خلف فهي مدابرة وإذا ضممت شيئا إلى شئ قلت قابلته والقابلة هي الليلة: المقبلة وكذلك العام القابل والمقبل والقابلة: التي تقبل الولد * (الهامش) * (1) سورة النمل آية 37 (2) سورة الانعام آية 111 (*)
[ 213 ]
والقبول من الريح: الصبا لانها تستقبل الدبور، وهي تستقبل القبلة من المشرق والقبول: ان تقبل العفو وغير ذلك وهو اسم المصدر واميت الفعل منه والقبول الاسم تقول: أفعل هذا من ذي قبل أي من ذي استقيال والقبلة معروفة والفعل
منه التقبيل والقبلة قبلة الصلاة والتقبل تقبل الشئ تقول: تقبل الله منك وعنك عملك وتقول: تقبلت فلانا من فلان بقبول حسن ورجل مقابل في كرم وفي شرف من قبل اعمامه واخواله ورجل مقبل الشاب لم ير فيه اثر من الكبر والقبيل والدبير: في الجبل فالقبيل الفتل الاول الذي عليه العمامة، والدبير الفتل الاخر وبعضهم يقول القبيل في قوى الحبل كل قوة على وجهها الداخل قبيل والوجه الخارج: دبير وقد قرئ قبلا وقبلا فمن قرأ قبلا أراد جمع قبيل ومن قرأ قبلا أراد مقابلة والقبيل والكفيل واحد وقبيل القوم عريفهم والباب المقابلة خلاف المدابرة وأما الشفاعة فهي مأخوذة من الشفع الذي هو خلاف الوتر فكأنه سؤال من الشفيع شفع: سؤال المشفوع له والشفاعة، والوسيلة والقربة والوصلة نظائر ويقال شفع شفاعة وتشفع تشفعا، واستشفع استشفاعا، وشفعه تشفيعا والشفع من العدد: ما كان ازواجا تقول كان وترا فشفعته باخر حتى صار شفعا ومنه قوله: " والشفع والوتر (1) " قال الشفع: يوم النحر والوتر: يوم عرفه وقال بعض المفسرين: الشفع: الحفاء يعني كثرة الخلق والوتر الله والشافع: الطالب لغيره والاسم الشفاعة والطالب: الشفيع والشافع والشفعة في الدار معروفة وتقول فلان يشفع الي بالعداوة أي يعين علي ويعاديني وتقول شفعت الرجل: إذا صرت ثانيه وشفعت له: إذا كنت له شافعا وانما سميت شفعة الدار، لان صاحبها يشفع ما له بها، ويضمها إلى ملكه واصل الباب: الزوج من العدد: وقوله " ولا يقبل منها شفاعة " مخصوص عندنا بالكفار، لان حقيقة الشفاعة عندنا ان يكون في اسقاط المضار دون زيادة المنافع والمؤمنون عندنا يشفع لهم النبي صلى الله عليه وآله فيشفعه الله تعالى، ويسقط بها العقاب عن المستحقين من أهل الصلوة لما روي من قوله " ع ": ادخرت شفاعتي لاهل الكبائر * (الهامش) * (1) سورة الفجر آية 3 (*)
[ 214 ]
من امتي: وانما قلنا لا تكون في زياة المنافع، لانها لو استعملت في ذلك، لكان احدنا شافعا في النبي " ص " إذا سأل الله ان يزيده في كراماته وذلك خلاف الاجماع فعلم بذلك ان الشفاعة مختصة بما قلناه وعلم بثبوت الشفاعة ان النفي في الآية يختص بالكفار دون أهل القبلة والآيات الباقيات (1) نتكلم عليها إذا انتهينا إليها ان شاء الله والشفاعة ثبت عندنا للنبي " ص " وكثير من اصحابه ولجميع الائمة المعصومين وكثير من المؤمنين الصالحين وقيل ان نفي الشفاعة في هذه الآية يختص باليهود من بني اسرائيل، لانهم ادعوا انهم ابناء الله واحباؤه واولاد انبيائه، وان اباءهم يشفعون إليه فايسهم الله من ذلك، فاخرج الكلام مخرج العموم والمراد به الخصوص ولابد من تخصيص الآية لكل احد، لان المعتزلة والقائلين بالوعيد يثبتون شفاعة مقبولة - وان قالوا انها في زيادة المنافع - واصل الشفاعة ان يشقع الواحد للواحد فيصير شفعا ومنه الشفيع لانه يصل جناح الطالب ويصير ثانيا له والذي يدل على ان الشفاعة في اسقاط الضرر قول شاعر غطفان انشده المبرد: وقالوا اتعلم ان مالك ان تصب * يفدك وان يحبس يديل ويشفع (2) واستعملت في زيادة المنافع ايضا - وان كان مجازا لما مضى - قال الحطيئة في طلب الخير: وذاك امرؤ ان تاته في صنيعة * إلى ما له لم تأته بشفيع وقد استعملت الشفاعة بمعنى المعاونة انشد بعضهم للنابغة: اتاك امرؤ مستعلن لي بغصة * له من عدو مثل مالك شافع أي معين وقال الاحوص: كأن من لا مني لا صرمها * كانوا لليلى بلومهم شفعوا أي تعاونوا قوله: " لا يؤخذ منها عدل "
* (الهامش) * (1) في المخطوطة " الباقية " (2) يديل: يزول (*)
[ 215 ]
اللغة: والعدل، والحق، والانصاف نظائر والعدل: نقيض الجور يقال: عدلا عدل واعتدل اعتدالا وتعادل تعادلا تعدلا وعادله معادلة وعدله تعديلا والعدل المرضي من الناس يقع على الواحد والجماعة والذكر والانثى: فإذا قلت هم عدل قلت هما عدلان والعدل: الحكم بالحق يقال هو حكم عدل ذو معدلة في حكمه وعدل الشئ نظيره ومثله تقول عدلت بفلان فلانا اعدله والعادل المشرك الذي يعدل بربه والعدل ان يعدل الشئ عن وجهه فيميله تقول: عدلته عن كذا وعدلت انا عن الطريق والعديل الذي يعادلك في المحمل أو نحوه ما كان وسمعت العرب تقول: اللهم لا عدل لك أي لا مثل لك وفي الكفارة (عدل ذلك) أي مثله في العدل، لا بالنظير بعينه والعدل الفداء، لقوله: " لا يقبل منها عدل " وقيل ايضا: ان العدل: الفريضة والصرف: النافلة وقوله " بربهم يعدلون (1) " أي يشركون وقيل لما يؤكل: معتدل إذا لم يكن فيه ضرر من حر أو برد وتقول عدلته أي اقمته حتى اعتدل واستقام وعدلت فلانا عن طريقه والدابة عن طريقها: إذا عطفتها فانعدلت وانعدل (2) الطريق ويقولون الطريق يعدل إلى مكان كذا وكذا فإذا أراد الاعوجاج نفسه قال: ينعدل في مكان كذا وكذا أي ينعوج، والاعتدال: الاستواء فلان عدل حسن العدالة، واصل الباب العدل الذي هو الاستقامة والعدل المذكور في الآية الفدية روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وهو قول ابن عباس وابي الغالية وقال قوم هو بدل والفرق بين العدل والعدل ان العدل بالكسر المثل تقول عندي عدل جاريتك أي جارية مثلها فإذا قلت عندي عدل جاريتك يجوز ان يكون قيمتها من الثمن
ومن قرأ بالتاء فلان الشفاعة مؤنثة ومن ذكر قال: لان التأنيث ليس بحقيقي ولان الفعل تقدم على المؤنث فاشبه علامة التثنية والجمع إذا تقدم الفعل سقط كذلك ههنا ومثله قوله: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل " وكقول الشاعر: * (الهامش) * (1) سورة الانعام: آية 1. وسورة الانعام: آية 150 (2) في المطبوعة " العدل " (*)
[ 216 ]
فلا مزنة ودقت ودقها * ولا ارض ابقل ابقالها (1) والتاء اجود، لانه أصل والياء حسن قوله " ولا هم ينصرون " اللغة: والنصر والمعونة والتقوية نظائر وضد النصر الخذلان يقال: نصرته نصرا وانتصر انتصارا واستنصر استنصارا وتناصر تناصرا قال صاحب العين: النصر عون المظلوم وفي الحديث: انصر اخاك ظالما ومظلوما معناه ان كان مظلوما فامنع منه الظلم وان كان ظالما فامنعه من الظلم وانهه والانصار: كالنصار وانصار النبي " ص " اعوانه وانتصر فلان: إذا انتقم من ظالمه والنصير الناصر والتنصر الدخول في النصرانية والنصارى منسوبون إلى ناصرة، وهي موضع ونصرت السماء إذا امطرت قال الشاعر: إذا خرج الشهر الحرام فودعي * بلاد تميم وانصري ارض عامر ونصرت الرجل: إذا اعطيته وانشد: ابوك الذي اجدى علي بنصرة * فاسكت عني بعده كل قائل وأصل الباب والمعونة والنصرة قد تكون بالحجة وقد تكون بالغلبة فالله (عز وجل) ينصر جميع المؤمنين بالحجة التي تؤيدهم واما النصر بالغلبة فبحسب المصلحة ولا يدل وقع الغلبة لبعض المؤمنين على انه مسخوط عليه كما انه ليس في تخلية الله
بين الكفار وبين الانبياء دلالة على حال منكرة وقد قتل الكفار كثيرا من الانبياء ونالوا منهم بضروب من الاذى قال الله تعالى " ذلك بانهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق " (2) وقوله: ثم بغي عليه لينصره الله معناه بالغلبة واما ما يأخذ له بالحق من الباغي عليه، لينصر به من الله للمبغي عليه واقعة لا محالة والخذلان لا يكون الا للظالمين، لان الله تعالى لا يخذل اولياءه واهل طاعته * (الهامش) * (1) مر هذا البيت: 1: 126 (2) سورة الحج: آية 60 (*)
[ 217 ]
وقوله: " ان ينصركم الله فلا غالب لكم " (1) أي بالمعونة التي توجب الغلبة، لان الله تعالى يقدر على اعطائهم ما يغلبون به كل من نازعهم، ويستعلون على كل من ناوأهم وحد النصرة: المعونة على كل من ظهرت منه عداوة، وقد تكون المعونة بالطاعة فلا تكون نصرة والفرق بين النصرة والتقوية ان التقوية قد تكون على صناعة والنصرة لا تكون الا مع منازعة فاما قولهم: لا قبل الله منهم صرفا ولا عدلا فقال الحسن البصري: الصرف: العمل والعدل: الفدية وقال الكلبي: الصرف: الفدية والعدل: الفريضة وقال أبو عبيدة: الصرف: الحيلة والعدل: الفدية وقال أبو مسلم: الصرف: التوبة والعدل: الفداء قوله تعالى: " واذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون ابناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم آية بلا خلاف (49) هذه الآية عطف على ما تقدم من قوله " اذكروا نعمتي التي انعمت عليكم " ف " إذا " ههنا متعلقة بذلك كأنه قال اذكروا نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون ونظيره " والى ثمود اخاهم صالحا " (2) لما تقدم ما يدل على " ارسلنا " وهو قوله:
" لقد ارسلنا نوحا إلى قومه " (3) فكأنه قال: وارسلنا إلى ثمود اخاهم صالحا والخطاب وان كان متوجها إلى الحاضرين في الحال، فالمراد به من سلف لهم من الآباء كما يقول القائل: هزمناكم يوم ذي قار، وقتلناكم يوم الفجار (4) وانما يعني الاسلاف قال الاخطل يهجو جريرا: ولقد سما لكم الهذيل قتالكم * باراب حيث يقسم الانفالا (5) وجرير لم يلحق هذيلا * (الهامش) * " 1 " آل عمران: آية 160 " 2 " سورة الاعراف: آية 72 " 3 " سورة الاعراف آية 58 " 4 " في المطبوعة والمخطوطة " الجفار " " 5 " ديوانه، ونقائض جرير والاخطل، والهذيل هذا هو ابن بهرة التغلبي غزا بنى يربوع باراب " وهو ماء لبني رياح بن يربوع " وبني تيم تفزع اولادها باسمه والانفال: الغنائم وفي المطبوعة والمخطوطة " نفيتم " بدل يقسم (*)
[ 218 ]
ولا ادرك اراب وقد بينا ان النعمة على الآباء نعمة على الاولاد، فلا وجه لاعادته اللغة: ومعنى " نجيناكم " فالنجاة، والسلامة، والاسعاد، والتخلص نظائر وضد النجاة الهلاك تقول: نجاينجو نجاة وانجاه الله: إنجاء ونجاه تنجية وانتجوا انتجاء واستنجى استنجاء، وتناجوا تناجيا قال صاحب العين: نجا ينجو نجاة في السرعة فهو ناج: اي سريع وناقة ناجية اي سريعة وتقول نجوت فلانا اي استنكهته قال الشاعر: نجوت مجالدا فوجدت منه * كريح الكلب مات حديث عهد ونجا بنو فلان إذا احدثوا ذنبا أو غيره، والاستنجاء: التنظيف بمدرأ وماء والنجاة هي النجوة من الارض وهي التي لا يعلوها السيل قال الشاعر: فمن بنجوته كمن بعقوته * والمستكن من يمشي بقرواح
والنجو: السحاب اول ما ينشا وجمعه نجاء: والنجوة: ما خرج من البطن من ريح وغيرها والنجو: استطلاق البطن يقال: نجا فلان نجوا والنجو: كلام بين اثنين كالسر والسار تقول ناجيتهم فتناجوا بينهم، وكذلك انتجوا وهم جميعا نجوى وكلامهم نجوى، وفلان نجي فلان اي يناجيه دون غيره قال الشاعر: إنى إذا ما القوم كانوا انجيه * واضطرب القوم اضطراب الارشيه والنجا: ما القيته عن نفسك من ثياب أو سلخته عن الشاة تقول: نجوت الجلد انجوه نجا إذا كشطته ونجوت العود اي اقتضبته وقال بعض المفسرين في قوله: " فاليوم ننجيك ببدنك " (1) أي نلقيك على نجوة وأصل الباب: النجوة وهي الارتفاع والفرق بين النجاة وبين التخلص ان التخلص قد يكون من تعقيد ليس باذى وليس كذلك النجاة، لانها لا تكون الا من مكروه وكل نجاة: نعمة ولا يقال: لمن لا خوف عليه نجا، لانه لا يكون ناجيا الا مما يخاف مثله * (الهامش) * (1) سورة يونس آية: 92 (*)
[ 219 ]
قوله " من آل فرعون " فالآل، والاهل، والقرابة، نظائر، وقيل اصل الآل الاهل، لانه يصغر اهيل: وحكى الكسائي: اويل فزعموا انها ابدلت كما قالوا: ايهات وهيهات وكما قالوا ماء واصلها ماه بدليل قولهم مويه في التصغير وفي الجمع: امواه ومياه وقيل: لابل أصل على حياله: والفرق بين الآل والاهل ان الاهل اعم منه يقال أهل الكوفة ولا يقال آل الكوفة ويقال أهل البلد ولا يقال آل البلد وآل فرعون: قومه واتباعه وقال صاحب العين: الآل كل شئ يؤول إلى شئ: إذا رجع إليه تقول: طبخت العصير حتى آل إلى كذا واولى كلمة وعيد على وزن فعلى والآل: السراب وآل الرجل: قرابته واهل بيته وآل البعير: الواحة،
وما اقترب من أو طار جسمه وآل الخيمة عمدها والآلة: شدة من شدائد الدهر قالت الخنساء: سأحمل نفسي على آلة * اما عليها وامالها وآل الجبل: اطرافه ونواحيه، وقال ابن دريد آل كل شئ: شخصه وآل الرجل: اهله وقراباته قال الشاعر: ولا تبك ميتا بعد ميت اجنه * علي وعباس وآل ابي بكر والآلة: الحربة وأصل الباب: الاول وهو الرجوع قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيا فصيحا يقول أهل مكة آل الله: فقلنا: ما تعني بذلك ؟ قال: اليسوا مسلمين، والمسلمون آل الله ؟ قال وقال: ليس يجوز ان ينصب رجلا من المسلمين فيقول آل فلان وانما يجوز ذلك للرئيس المتبع وفي شبه مكة لانها ام القرى ومثل فرعون في الضلال واتباع قومه له فان جاوزت هذا فان آل الرجل اهل بيته خاصة فقلنا له: افيقول لقبيلته (1) آل فلان قال: لا إلا أهل بيته خاصة وفرعون اسم لملوك العمالقة كما قيل: قيصر لملك الروم وكسرى: لملك الفرس وخاقان: لملك الترك والاخشاذ: الملك الفراعنة وتبع: لملك التبابعة فهو على هذا بمعنى للصفة، لانه يفيد فيه انه ملك العمالقة بنفس الصفة الجارية عليه وعلى غيره * (الهامش) * (1) في المطبوعة والمخطوطة: (فقلت له فتقول للقبيلة) (*)
[ 220 ]
وقيل: ان اسم فرعون مصعب بن الريان، وقال محمد ابن اسحاق: هو الوليد بن مصعب ومعنى قوله: " يسومونكم سوء العذاب " اي يولونكم سوء العذاب اللغة: يقال سامه خطة خسفا: إذا اولاه ذلك قال الشاعر:
ان سيم خسفا وجهه تربدا (1) وقيل يجشمونكم سوء العذاب والسوم، والتجشم، والتجمل، نظائر يقال: سامه الشقة وجسمه اياها وحمله اياها بمعنى (واحد) يقال: سام، يسوم، سوما وساومه، واستامه، استياما وتساوموا تساوما وسوم تسويما والسوم سومك سامة ومنه المساومة والاستيام والسوم من سير الابل وهبوب الرياح إذا كان مستمرا في سكون يقال: سامت الرياح وسامت الابل وهي تسوم سوما والسوام هي الغنم السائمة واكثر ما يقال ذلك في الابل خاصة، والسائمة تسوم الكلا سوما: إذا داومت رعيه والراعي يسيمها والمسيم الراعي والسويم: العلامة على الجبل يقال: سوم فلان فرسه: إذا اعلم عليه بحريرة أو شئ يعرف به والسما: في الاصل ياء وهاء وواو وهي العلامة التي يعرف بها الخير والشر في الانسان ومنه قوله: " سيماهم في وجوهم " (2) " وتعرفهم بسيماهم " (3) وقوله: " يعرف المجرمون بسيماهم " (4) ويقال سيماء الخير وسمت فلانا سوء العذاب من المشقة وقال ابن دريد سام الرجل ما شيته يسومها سوما إذا وعاها فالماشية سائمة والرجل مسيم ولم يقولوا سام خرج من القياس وأصل الباب: السوم (5) الذي هو ارسال الابل في المرعى وقوله: " سوء العذاب " " واليم العذاب " " وشديد العذاب " نظائر يقال: ساءه يسوءه سوء واساء اساءة قال صاحب العين: السوء اسم العذاب الجامع للآفات * (الهامش) * (1) الخسف: الظلم والهوان تربد وجهه: تلون من الغضب كانما تسود منه مواضع (2) سورة الفتح آية: 29 (3) سورة البقرة آية: 273 (4) سورة الرحمن آية: 41 (5) السوم ساقطة من المخطوطة المطبوعة هامش (*)
[ 221 ]
والداء تقول سؤت فلانا اسوءه مساءة ومسائية: وتقول اردت مساءتك ومسائتيك واسأت إليه في الصنع واستاء فلان من السوء كقوله: اهتم من الهم وسؤت فلانا
وسوءت له وجهه وتقول لساء ما صنع والسئ والسيئة اسم الخطيئة والسوأى فعلى اسم للفعلة السيئة بمنزلة الحسنى وامرأة سوء قبيحة والسوءة السوأى للفعلة القبيحة يقال للرجل السوء والسوأة الفرج لقوله: " فبدت لهما سوأتهما " (1) والسوأة كل عمل يشين، تقول سوأة لفلان، تعيبه لانه ليس بخير والسوأة السؤى: المرأة المخالفة، وتقول في النكرة رجل سوء فإذا عرفته قلت: الرجل السوء لا تضيفه وتقول عمل سوء وعمل السوء ورجل صدق ولا تقول الرجل الصدق لان الرجل ليس من الصدق وكلما ذكر بسئ فهو السوء ويكنى عن البرص بالسوء كقوله: " بيضاء من غير سوء " (2) أي من غير برص وتقول: الاخير في قول السوء ولا في قول السوء فإذا فتحت السين فعلى ما وصفناه وإذا ضممته فمعناه لا تقل سوء وأصل الباب: السوء من قولك: ساء يسوء سوء، ثم كثر حتى صار علما على الضر القبيح، فقالوا اساء يسئ اساءة نقيض احسن يحسن احسانا وقوله: " يذبحون ابناءكم " اللغة: فالذبح، والنحر، والشنق: نظائر والذبح: فري الاوداج: يقال ذبح ذبحا واستذبح استذباحا: وتذابحوا تذابحا وذبح تذبيحا وأصل الذبح الشق وذبحت المسك إذا فتقت عنه، فهو ذبيح ومذبوح والذبح: الشئ المذبوح لقوله: " وفديناه بذبح عظيم " (3) والذباح والذابحة بفتح الباء وتسكينها، داء يصيب الانسان في حلقه وتقول العرب: حي الله هذه الذبحة اي هذه الطلعة والذباح: الشقوق في الرجل اصله: ذباح في رجله والذبح نور أحمر وسعد الذابح: كوكب معروف من * (الهامش) * (1) سورة الاعراف آية: 21، وسورة طه آية: 121 (2) سورة طه آية: 22، وسورة النمل آية: 12، وسورة القصص آية: 32 (3) سورة الصافات آية: 107 (*)
[ 222 ]
منازل القمر قال صاحب العين: الذبح: قطع الحلقوم من باطن وموضعه المذبح والمذبح السكين الذي يذبح به الذباح والذباح نبات من الشجر قال الاعشى: " انما قولك صاب وذبح " وقال آخر: " كان عيني فيها الصاب مذبوح " (1) وأصل الباب الشق قوله: " يستحيون نساءكم " إنما قال نساءكم وهم كانوا لا يستبقون الاطفال من البنات تغليبا، لانهم كانوا يستبقون الصغار والكبار كما يقال: أقبل الرجال وإن كان معهم صبيان، وقيل إن اسم النساء يقع على الكبار والصغار، وقيل: انهم سمعوا بذلك على تقدير انهن يبقين حتى يصرن نساء والمرأة والنساء والزوجات، نظائر ولا واحد للنساء من لفظه ويقال: الرجال والنساء على وجه النقيض قال صاحب العين: النسوة، والنسوان، والنسين، كل ذلك مثل النساء قوله: " وفي ذلكم بلاء من بكم عظيم " البلاء، والاحسان، والنعمة، نظائر في اللغة وبلى، بلى بلى فهو بال والبلاء لغة قال الشاعر: والمرء يبليه بلاء السربال * تناكر الليالي واختلاف الاحوال والبلية الدابة التي كانت تشد في الجاهلية عند قبرصا حبها راسها في الركبة حتى تموت ومنها ما يعقر عند القبر حتى يموت وناقة بلو مثل نضو قد أبلاها السفر والفعل من البلية ابتليت وتقول: بلى الانسان وابتلى والبلاء على وجهين في الخير والشر والله تعالى يبلي العبد بلاء حسنا وبلاء سيئا وابليت فلانا عذرا أي بليت فيما بينه وبيني بما لا لوم علي بعده والبلوى: هي البلية، والبلوى التجربة تقول بلوته بلوى وأصل الباب التجربة والبلاء: الامتحان الذي فيه انعام والبلاء، الامتحان الذي فيه انتقام، فإذا اردت الانعام، قلت: ابليته بلاء حسنا وفي الاختيار: تقول بلوته بلاء قال الله تعالى: " ونبلوكم بالخير والشر فتنة " (2) * (الهامش) * (1) قاله أبو ذؤيب الهذلي وصدر البيت " انى ارقت فبت الليل مشتجرا " وفي المحكم
(مرتفقا) بدل " مشتجرا " ولعلهما روايتان والشتجر: الذي يضع يده تحت حنكه مذكر الشدة همه: - لسان العرب - (2) سورة الانبياء آية 35 (*)
[ 223 ]
وقال في الانعام: " وليبلي المؤمنين منه بلاء حسنا " قال زهير: جزى الله بالاحسان ما فعلا بكم * وابلاهما خير البلاء الذي يبلو (1) فجمع المعنين لانه اراد: وانعم عليهما خير النعم التي يختبر بها عباده، وقال الاحنف: البلاء ثم الثناء، يعني الانعام، ثم الشكر، المعنى: وإنما كان في استحياء النساء محنة عليهم وبلوى لهم، لانهم كثيرا يستعبدون، وينكحن على الاسترقاق فهو على رجالهن اعظم من قتلهن وقيل: إنهن كن يستبقين للاذلال، والاستبقاء، محنة، كما ان من أحيي: للتعذيب فحياته نقمة ومن احيي للتلذيذ فحياته نعمة والابناء جمع ابن والمحذوف من الابن عند الاخفش الواو، لانها اثقل وهي بالحذف اولى وقال الزجاج: يجوز أن يكون المحذوف ياء وواو اوهما سيان ولا حجة في النبوة كما لا حجة في الفتوة لقولهم فتيان قال: وقد جاء حذف الياء كما في يد كقولهم يديت إليه يدا وفي دم قال الشاعر: فلو انا على حجر ذبحنا * جرى الدميان بالخبر اليقين والقتل الذي هو فري الاوداج، أو نقض بنية الحياة يقدر الواحد منا عليه وأما الموت بتسكين الحركة الحيوانية، أو فعل ضد الحيوة عند من قال: لها ضد، فلا يقدر عليه غير الله الاعراب:
وموضع " يسومونكم سوء العذاب " يحتمل أمرين من الاعراب: احدهما الاستئناف: فيكون موضعه رفعا، كأنه قال: يسومونكم من قبل ذلك سوء العذاب * (الهامش) * (1) سورة الانفال آية 17 (2) ديوانه وروايته " رأى الله.. فأبلاهما " (*)
[ 224 ]
والثاني: - أن يكون موضعه نصبا على الحال من آل فرعون والعامل فيه نجيناكم " يسومونكم سوء العذاب " كان بذبح الابناء واستحياء النساء وقيل: باستعمالهم في الاعمال الشاقة واستحياء النساء كان بان يستبقين وقيل انه كان يفتش احياء النساء عما يلدن، وقيل: انهم كانوا يستحيون ان يلجوا على النساء في بيوتهن إذا انفردن عن الرجال صيانة لهم فعلى هذا يكون انعاما عليهن وهذا بعيد من من اقوال المفسرين والسبب في أن فرعون كان يذبح الابناء ويستحيي النساء ما ذكره السدي وغيره، أن فرعون رأى في منامه نارا اقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فاحرقت القبط وتركت بني اسرائيل، واخرجت مصر فدعى السحرة والكهنة والقافة فسألهم عن رؤياه فقالوا: يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على يده هلاك مصر فامر بني إسرائيل الا يولد لهم غلام إلا ذبحوه ولا جاريه الا تركت وليس في الآية دلالة على سقوط القود عمن قتل غيره مكرها ولا القود على المكره ولا ان كان مختارا غير مكره فالقود عليه لانه لم يجر لذلك ذكر: فان قيل إذا كانوا نجوهم والله انجاهم ما المنكر أن يكون العاصي هو الذي عصى الله والله خلق معصيته ؟ قيل: لا يجب ذلك الا ترى انه يقال قد ينجيني زيد فانجو وان لم يكن فعل
بلا خلاف وكذلك إذا استنقذنا النبي " ص " من الضلالة فخلصنا لا يجب ان يكون من فعل فعلنا واخبار الله اليهود بهذه القصة على لسان رسوله من دلائل نبوته، لان منشأه معروف وبعده عن مخالطة الكتابيين معلوم قوله تعالى: واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون (50) - آية موضع إذا نصب كما تقدم وهو عطف على ما مضى فكأنه قال: واذ كروا إذ فرقنا بكم البحر: وذلك من جملة نعم الله تعالى التي عددها عليهم مما فعله
[ 225 ]
مع اسلافهم ومعنى فرقنا بكم البحر أي فرقنا بين الماءين حتى مررتم فيه وكنتم فرقا بينهما اللغة: والفرق والفصل والقطع نظائر: والفرق يقتضي الجمع يقال فرق فرقا وافرق المريض افراقا وافترق الشئ افتراقا واستفرق استفراقا وفرقه تفريقا وتفارقوا تفارقا وتفرق تفرقا وفارقه مفارقة وانفرق انفراقا والفرق موضع المفرق من الرأس والفرق تفريق ما بين الشيئين والفرق فرجك ما بين شيئين تفرق بينهما فرقا، حتى يتفرقا ويفترقا، وتقول تفارق هؤلاه الصبحة أي فارق بعضهم بعضا، وافترقوا وتقول: مشطت الماشطة كذا وكذا فرقا أي كذا وكذا ضربا والفرق طائفة من الناس قال أعرابي لصبيان رآهم هؤلاء فرق سوء والفرق: الطائفة من كل شئ، ومن الماء، إذا انفرق بعضه عن بعض وكل طائفة من ذلك فرق وقوله: " فكان كل فرق كالطود العظيم " (1) يعني الفرق من الماء، والفريق الطائفة من الناس والفرقة: مصدر الافتراق وهو احد ما خالف فيه مصادر افعل والفرقان: اسم للقرآن
وكل كتاب انزل الله وفرق به بين الحق والباطل فهو فرقان وسمى الله تعالى التوراة فرقانا وقوله: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (2) كان يوم بدر ويوم احد فرق الله بين الحق والباطل والفرق هوالفلق والمفرق هو مكيال لاهل العراق والفرق: الخوف تقول: رجل فروقة وامرأة فروقة والفعل فرق يفرق من كذا فرقا وقوله: " وقرآنا فرقناه " (3) مخفف - معناه احكمناه كقوله: " فيها يفرق كل أمر حكيم " (4) وتقول: مفرق ما بين الطرفين وافرق فلان من مرضه افراقا إذا برئ ولا يكون الافراق إلا من مرض لا يصيب الانسان إلا دفعة واحدة: نحو الجدري، والحصبة، وديك افرق: إذا انفرق عرفه وتيس افرق: إذا تباعد طرفا قرنيه ورجل فروقة وكذلك المرأة: مثل، نسابة وعلامة وجاء مصدر فرقته * (الهامش) * (1) سورة الشعراء: آية 64 (2) سورة الانفال: آية 41 (3) سورة الاسراء آية 106 (4) سورة الدخان: آية 4 وسورة الرحمن آية 19 (*)
[ 226 ]
تفرقة والفرق الذي جاء في الحديث: ما اسكر الفرق فالجرعة منه حرام، مكيال يعرف بالمدينة وفرقة من الناس ومعه فرق واصل الفرق الفصل بين الشيئين والفريقة حلبة تطبخ بتمر للنفساء وغيرها والبحر يسمى بحرا وهو انبساطه وسعته ويقال استبحر فلان في العلم وتبحر لا ستبحاره إذا اتسع فيه وتمكن منه (1) ويقال تبحر الراعي في رعي كثير قال امية الصغير: انفق نصابك في نفل تبحره * من الاباطح واحبسها بخلدان وتبحر فلان في الماء ومن ذلك بحيرة طبرية وهي عشرة اميال في ستة اميال وقيل: هي علامة خروج الدجال إذا يبست، فلا يبقى منها قطرة ماء وبحرت اذن الناقة بحرا إذا شققتها وهي البحير وكانت العرب تفعل ذلك إذا انتجت عشرة
ابطن فلا تركب ولا ينتفع بظهرها فنهى الله عن ذلك والسائبة التي تسيب فلا ينتفع منها بظهر ولا لبن والوصيلة في الغنم كانت إذا وضعت انثى تركت وان وضعت ذكرا أكله الرجال، دون النساء وان ماتت الانثى الموضوعة اشتركوا في أكلها، وان ولد مع الميتة ذكر حي اتصلت به، كانت للرجال دون النساء ويسمونها وصيلة وقد قيل غير ذلك سنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى والباحر الاحمق الذي لبس في حديثه إذا كلم بقي كالمبهوت وبحراني منسوب إلى البحرين ودم بحراني وباحر: إذا كان خالص الحمرة من دم الجوف والعرب تسمي المالح والعذب بحرا إذا كثر ومنه قوله: " مرجع البحرين يلتقيان " (2) يعني المالح والعذب وأصل الباب الاتساع والبحر: هو المجرى الواسع الكثير الماء واما المالح: فهو الذي لا يرى حافتيه من في وسطه، لعظمه وكثرة مائه فدجلة بحر بالاضافة إلى الساقية وليست بحرا بالاضافة إلى جدة، وما جرى مجراها المعنى: ومعنى قوله " فرقنا بكم البحر " أي جعلناكم بين فرقيه تمرون في طريق يبس * (الهامش) * (1) في المخطوطة والمطبوعة " فيه " (2) سورة طه: آية 77 (*)
[ 227 ]
كما قال تعالى: " فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا " (1) وقال: " واوحينا إلى موسى ان اضرب بعصاك البحر فكان كل فرق كالطود العظيم " (2) وقال بعضهم في معنى فرقنا يعني بين الماء وبينكم أي فصلنا بينكم وبينه حجزنا حيث مررتم فيه وهذا خلاف الظاهر، وخلاف ما بينه في الآيات الاخر التي وردت مفسرة لذلك، ومبنية لما ليس فيه اختلاف وقوله: " واغرقنا آل فرعون "
اللغة: قال صاحب العين: الغرق: الرسوب في الماء ويشبه به الدين والبلوى والتغريق والتغويص والتغييب نظائر والنجاة ضد الغرق كما انها ضد الهلاك يقال غرق غرقا واغرق في الامر اغراقا وغرقه تغريقا وتغرق تغرقا ورجل غرق وغريق وغرقت السيل واغرقته إذا بلغت به غاية المد في النفوس والفرس إذا خالط، ثم سبقها: يقال اغترقها والغرق من اللبن القليل قال ابن دريد: غرق يغرق غرقا في الماء وغرق في الطيب، والمال واصله في الماء وكثر فاستعمل في غيره وكذلك غرق في الذنوب واغرق في الامر يغرق إغراقا: إذا جاوز الحد فيه واصله من نزع السهم حتى يخرجه من كبد القوس واغرورقت عيناه: شرقت بدمعها وجمع غريق: غرقى واصل الباب الغرق: الرسوب في الماء وقوله: " وانتم تنظرون " قال المفسرون: وانتم ترون ذلك وتعاينونه اللغة: والنظر والبصر والرؤية نظائر في اللغة يقال نظر ينظر نظرا وانظر ينظر انظارا وانتظر انتظارا واستنظر استنظارا وتناظر تناظرا وناظره مناظرة * (الهامش) * (1) سورة الشعراء: آية 64 (*)
[ 228 ]
قال صاحب العين: نظر ينظر نظرا - بتخفيف - المصدر وتقول: نظرت إلى كذا - من غير ذكر العين - ونظرت في الكتاب ونظرت في الامر وقول القائل انظر إلى الله تعالى، ثم اليك معناه اني اتوقع فضل الله ثم فضلك ويقال: نظرت بعلمي ويقال انظر الدهر إليهم أي اهلكهم قال الشاعر: نظر الدهر إليهم فابتهل
والنظر: الاسم من نظر. وقوله: (لا ينظر إليهم) أي لا يرحمهم والمنظور من الناس هو المرجو فضله. ينعت به السيد. والنظور: الذي لا يغفل عن النظر إلى ما اهمه. والمناظرة ان تناظر اخاك في امر تنظر انت في ذلك وينظر هو فيه كيف تأتيانه. والمنظرة موضع في رأس جبل يكون فيه رقيب ينظر فيه إلى العدو ويحرس اصحابه والمنظرة منظرة الرجل إذا نظرت إليه اعجبك أو اساءك. تقول: انه لذو منظرة بلا مخبرة والمنظر مصدر كالنظر. والمنظر: الشئ الذي يعجب بالنظر إليه ويسر به تقول: ان فلانا لفي منظر ومسمع وفي ري ومشبع أي فيما أحب النظر إليه. ونظار بمعنى انتظر في الامر. وناظر العين. النقطة السوداء الخالصة الصافية التي في جوف سوداء العين مما يرى انسان العين والنظير: نظيرك الذي هو مثلك. والانثى نظيرة. وجمعه نظائر في الكلام والانشاء. ونظرته وانتظرته بمعنى واحد ويقول انظرني يا فلان أي استمع الي لقوله: " لا تقولوا راعنا وقولوا انظرا " (1) وتقول: بعت فلانا فانظرته. أي انسأته والاسم النظرة. ومنه قوله: " فنظرة إلى ميسرة " (2) أي فانتظار. واستنظر فلان - من النظرة -: إذا هو سأل والنظر توقع أمر تنتظره وبفلان نظرة أي سوء هيئة وقوله: " انظرونا نقتبس من نوركم (3) أي انتظرونا. واصل الباب كله الاقبال نحو الشئ بوجه من الوجوه. وقال قوم: إن النظر إذا كان معه إلى، لا يحتمل الا الرؤية. وحملوا قوله " إلى ربها ناظرة " (4) على ذلك وقالوا لا يحتمل التأمل. وذلك غلط، لانهم * (الهامش) * (1) سورة البقرة: آية 104. (2) سورة البقرة آية 280. (3) سورة الحديد: آية 13. (4) سورة القيامة: آية 23. (*)
[ 229 ]
يقولون: انما انظر إلى الله ثم اليك بمعنى اتوقع فضل الله ثم فضلك. وقال الطريح ابن اسماعيل:
وإذا نظرت اليك من ملك * والبحر دونك جرتني نعماء (1) وقال جميل بن معمر: اني اليك لما وعدت لناظر * نظر الفقير إلى الغني الموسر (2) وقال آخر: وجوه يوم بدر ناظرات * إلى الرحمان تأتي بالفلاح واتوا ب (إلى) على معنى نظر الانتظار والصحيح ان النظر لا يفيد الرؤية وانما حقيقته تحديق الجارحة الصحيحة نحو المرئي طلبا لرؤيته ولو افاد الرؤية، لما جعل غاية لنفسه، الا تراهم يقولون: ما زلت انظر إليه ولا يقولون ما زلت أراه حتى رأيته، ولانهم يثبتون النظر وينفون الرؤية يقولون: نظرت إليه فلم أره ولا يقولون رأيته فلم أره المعنى: فإذا ثبت هذا، فالاولى ان نقول: إن تأويل الآية " واغرقنا آل فرعون " وانتم مقبلون عليهم متوقعون له وقال الفراء قد كانوا في شغل من ان ينظروا مستورين بما اكتنفهم من البحر من ان يروا فرعون وغرقه ولكنه كقولك: قد ضربت واهلك ينظرون. فما اتوك، ولا اعانوك. ومعناه وهم قريب بمرأى ومسمع ومثله قوله: " ألم تر إلى ربك كيف مد الظل " (3) وليس ههنا رؤية، وانما هو علم، لان الرؤية تستعمل في مثل ذلك يقول القائل رأيت فرعون اعتى الخلق واخبثه وهذا الذي ذكره الفراء محتمل مليح، غير انه مخالف لقول المفسرين كلهم فانهم لا يختلفون أن اصحاب موسى رأوا انفراق البحر والتطام امواجه بآل فرعون، حتى غرقوا فلا وجه للعدول عن الظاهر مع احتماله ولانهم إذا عاينوا ذلك، كانوا * (الهامش) * (1) طريح بن اسماعيل الثقفي شاعر الوليد بن يزيد الاموي وخليله والبيت لم نعثر عليه وهو كما ترى (2) لم نحده في ديوانه ولا في بعض مراجعنا الاخرى (3) سورة الفرقان: آية 45. (*)
[ 230 ]
أشد في قيام الحجة، واعظم في ظهور الآية وذكر الزجاج وجها آخرا قال: معناه وانتم بازائهم كما يقول القائل: دور آل فلان إلى دور آل فلان أي هي بازائها، لانها لا تبصر. قصة موسى (ع): وقصه فرعون مع بني اسرائيل في البحر. ولا نعلم جملة ما قال ابن عباس: ان الله اوحى إلى موسى " ان اسر بعبادي إنكم متبعون " (1) فسرى موسى ببني اسرائيل ليلا " فاتبعه فرعون " (2) في الف الف حصان سوى الاثاث. وكان موسى في ستمائة الف. فلما عاينهم قال: " ان هؤلاء لشرذمة قليلون وانهم لنا لغائظون وانا لجميع حاذرون " (3) فسرى موسى ببني اسرائيل حتى هجموا على البحر، فالتفتوا فإذا هو برهج دواب فرعون " فقالوا يا موسى أوذينا من قبل ان تأتينا ومن بعد ما جئتنا " (4) هذا البحر امامنا وهذا فرعون قد رهقنا بمن معه " قال عسى ربكم ان يهلك عدوكم ويستخلفكم في الارض فينظر كيف تعملون " (5) قال فأوحى الله إلى موسى " ان اضرب بعصاك البحر " واوحى إلى البحر ان اسمع لموسى واطع إذا ضربك. قال فبات البحر له أفكل أي له رعدة له يدري من أي جوانبه يضربه. قال فقال يوشع لموسى (ع) بماذا امرت قال: امرت ان اضرب البحر. قال فاضربه. فضرب موسى البحر بعصاه، فانفلق، فكان اثنا عشر طريقا كالطود العظيم فكان لكل سبط منهم طريق ياخذون فيه فلما اخذوا في الطريق، قال بعضهم لبعض: ما لنا لا نرى اصحابنا قالوا لموسى: اصحابنا لا نراهم. فقال لهم: سيروا فانهم على طريق مثل طريقكم. فقالوا لا نرضى حتى نراهم. فيقال ان موسى قال لله تعالى: اللهم اعني على اخلاقهم السيئة. فأوحى الله إليه انقل (6) بعصاك هكذا يمينا وشمالا. فصار فيها كوى ينظر بعضهم إلى بعض. قال ابن
عباس: فساروا حتى خرجوا من البحر. فلما جاز آخر قوم موسى هجم فرعون هو واصحابه وكان فرعون على فرس أدهم ذنوب (7) حصان. فلما هجم على البحر هاب * (الهامش) * (1 و 2) سورة الشعراء: آية 3 - (3) الشعراء آية 55 و 56. (4 و 5) سورة الاعراف آية 128. (6) والمطبوعة " أن قل " (7) طويل الذنب في المطبوعة والمخطوطة " دبوب " (*)
[ 231 ]
الحصان ان يتقحم على البحر، فتمثل له جبرائيل على فرس انثى وديق (1) فلما رآها الحصان تقحم خلفها: وقيل لموسى ترك البحر رهوا أي طرقا على حاله. ودخل فرعون وقومه البحر فلما دخل آخر قوم آل فرعون وجاز آخر قوم موسى، انطبق البحر على فرعون وقومه فاغرقوا. ويقال نادى فرعون حين رأى من سلطان الله وقدرته ما رأى، وعرف ذلة وخذلة نفسه: لا إله إلا الذي امنت به بنو اسرائيل وانا من المسلمين فان قيل: كيف لم يسوالله بين الخلق في هذه الآيات الباهرات التي اعطاها بني اسرائيل لتكون الحجة أظهر والشبهة أبعد ؟ قيل الآيات يظهرها الله على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك، وعلى حد لا ينتهي إلى الالجاء والاضطرار وخولف بين الآيات لهم على قدر حدة اذهان غيره، وكلالة اذهانهم يدل على ذلك ان بعد مشاهدة هذه الآيات قالوا يا موسى أجعل لنا إلها كما لهم الهة. ولما كانت الغرب من أحد الناس اذهانا وأجودهم أوهاما جاءت الآيات مشاكلة لطباعهم ومجانسة لدقة اذهانهم. وفي الجميع الحجة الباهرة، والآية القاهرة: وليس يمكن ان يقال انه لو ظهر لهم مثل تلك الآيات، لامنوا لا محالة. على وجه لا يكونون ملجئين إليه لان ذلك لو كان معلوما، لاظهره الله تعالى. فلما لم يظهرها الله علنا انه لم يكن ذلك معلوما وموسى " ع " لم يكن مجتلبا إلى المعارف، لمشاهدته هذه الآيات، لانه كان يقدم له الايمان بالله ومعرفته. وقوله:
" واغرقنا آل فرعون " وان لم يكن في ظاهره انه أغرق فرعون فهو دال عليه. وكأنه قال: وأغرقنا آل فرعون معهم، - وانتم تنظرون - فاختصر لدلالة الكلام عليه، لان الغرض مبني على اهلاك فرعون وقومه ونظيره قول القائل: دخل جيش الامير الباذية. فان الظاهر من ذلك ان الامير معهم. قوله تعالى: * (الهامش) * (1) وديق: تشتهي الفحل (*)
[ 232 ]
" واذ واعدنا موسى اربعين ليلة ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون " (51) القراءاة: قرأ " واعدنا " بغير الف أهل البصرة، وابو جعفر هنا وفي الاعراف، وطه. وقرأ الباقون بالف قبل العين، وقرأ ابن كثير وحفص والبرجمي ورويس (اتخذتم) (واخذتم) وما جاء منه باظهار الذال. ووافقهم الاعشى فيما كان على وزن افتعلت وافتعلتم. الباقون بالادغام. حجة من قرأ باثبات الالف دلالة الله على وعده وقبول موسى لانه إذا حسن في مثل قوله: " اخلفوا الله ما وعدوه " (1) الاخبار كان هنا في الاختيار واعدنا. ومن قرأ بالالف، قال: هو اشد مطابقة للمعنى إذا القبول ليس بوعد في الحقيقة انما هو اخبار الموعود بما يفعل به من خير. وعلى هذا قوله: " اخلفوا الله لما وعدوه " مجاز حقيقة بما اخبروه انهم فاعلوه وقال جماعة من أهل العلم: ان المواعدة في الحقيقة لا تكون إلا من البشر والله تعالى هو المتفرد بالوعد والوعيد. كما قال تعالى " واذ يعدكم الله احدى الطائفتين " " 2 " وقال: " وعد الله الذين امنوا وعملوا الصالحات " " 3 " والقراءتان جميعا صحيحتان قويتان اللغة:
" واذ " معطوفة على الآيات المتقدمة: كأنه قال: واذكروا إذ وعدنا وبينا وجه الحسن فيه فالوعد، والعدة، والموعد والميعاد، نظائر. والوعد في الخير والوعيد في الشريقال وحده: وعدا. واوعده: ايعادا. وواعده: مواعدة. تواعدوا: تواعدا. واتعدوا: اتعادا. وتوعدوا - في الشر خاصة - قال صاحب العين: الوعد والعدة مصدران ويكونان اسمين. فاما العدة فيجمع على العدات والوعد لا يجمع. والموعد: موضع التواعد. وهو الميعاد. و يكون الوعد مصدر وعدته. ويكون الموعد وقتا للحين. والموعدة اسم العدة. والميعاد: لا يكون * (الهامش) * " 1 " سورة التوبة آية 78 " 2 " الانفال آية 9 " 3 " سورة المائدة آية 10 والفتح 39 والنور 55 (*)
[ 233 ]
إلا وقتا أو موضوعا. والوعيد من التهدد، أوعدته المكاره ويقال ايضا: وعدته من الشر كقوله: " النار وعدها الله الذين كفروا " (1) ووعد الفحل: إذا هم ان يصول واصل الباب: الوعد الذي هو الخبر بانه سيفعل بالمخبر به خيرا أو شرا وقال احمد ابن يحيى: تقول أو عدته، وتسكت أو تجئ بالباء تقول: أوعدته بالشر ولا تقول اوعدته الشر. وموسى اسم مركب من اسمين بالقبطية (فمو) هو الماء و (سى) شجر. وسمي به، لان التابوت الذي كان فيه موسى وجد عند الماء، والشجر وجدنه جواري آسية امرأة فرعون وقد خرجن ليغتسلن، فسمي بالمكان الذي وجد فيه وهو موسى بن عمران بن يصمر بن فاهث بن لاوي بن يعقوب اسرائيل الله. المعنى: وقال: " اربعين ليلة " ولم يقل يوما على عادة العرب في التاريخ بالليالي، لان الاهله تطلع فيها. واعتمادهم على الاهلة. وقال الاخفش. وعد باتمام اربعين ليلة،
أو انقضاء اربعين ليلة كقولك: اليوم أربعون يوما مذ خرج فلان. واليوم يومان: أي تمام يومين. وقال غيره: الاربعون كلها داخلة في الميعاد. قال أبو العالية: واعدنا موسى اربعين ليلة يعني ذا القعدة وعشرا من ذي الحجة وقال غيره: ذا الحجة وعشرا من المحرم. وذلك حين خلف موسى اصحابه واستخلف عليهم هارون فمكث على الطور أربعين ليلة وانزلت عليه التوراة في الالواح. وعن الربيع نحوه. وقال الطبري: لا يجوز ما قاله الاخفش، لانه خلاف ظاهر التلاوة وما جاءت به الرواية قال الرماني: في هذا غلط ظاهر. ان الوعد لا يتصل وقوعه في الاربعين كلها إذا كان الوعد هو الاخبار الموعود بما فيه النفع، فلم يكن ذلك الخبر في طول تلك المدة فلابد على ذلك ان يكون التقدير على ما قاله الاخفش أو على وعدناه اقامة اربعين ليلة للمناجاة أو غيبته اربعين ليلة عن قومه للمناجاة، وما اشبه ذلك من التقدير. قال أبو علي: لا يخلو ان تكون " اربعين " ظرفا مفعولا ثانيا ولا يجوز ان * (الهامش) * (1) سورة الحج: آية 72 (*)
[ 234 ]
تكون ظرفا، لان الوعد ليس فيها كلها فيكون جواب كم ولا في بعضها فيكون جوابا لمتى. فإذا لم تكن ظرفا كانت منتصبة بوقوعها موقع المفعول الثاني. فيكون تقديره: وعدنا موسى انقضاء اربعين ليلة أو تتمة أربعين ليلة فحذف المضاف كما يقول اليوم خمسة عشر من الشهر أي تمامه. اللغة: والاربعة عدد يزيد على الثلاثة، وينقص عن الخمسة يقال: ربع يربع ربعا. وربع تربيعا وتربع تربعا. وارتبع ارتباعا تقول ربعت القوم فانا رابعهم والرابع من الورد وهو ان تحبس الابل عن الماء اربعة ايام ثم ترد يوم الخامس وربعت الحجر بيدي ربعا إذا رفعته عن الارض بيدك. وارتبعت الحجر كذلك. وربعت الوتر
إذا جعلته اربع طاقات، وتقول: أربع على ضلعك، واربع على نفسك، واربع عليك كل ذلك واحد بمعنى انتظر. والربع المنزل والموطن. والربع الفصيل الذى نتج في الربيع وما ينتج بالصيف يقال له: هبع وفي المثل ما له هبع ولا ربع. ورجل ربعة ومربوع: ليس بطويل ولا قصير. والربعة: الجونة. والمرباع كانت العرب إذا غزت اخذ رئيس القوم ربع الغنيمة، والباقي بينهم. واول الاسنان الثنايا، ثم الرباعيات وهي اربعة ثنيتان من تحت وثنيتان من فوق والواحد رباعية واربع الفرس إذا القى رباعية من السنة الاخرى. والجمع الربع. والربيعة: هي البيضة من السلاح يقال: ربعت الارض فهي مربوعة من الربيع. وارتبع القوم: إذا اصابوا ربيعا وحمر ربع ما لي يوم الرابع والمربعة خشبة تشال بها الاحمال، وتوضع على الابل والربع: الباهر. ورجل مربوع ومربع: إذا اخذته حمى الربع والربيع حظ من الماء للارض ربع يوم أو ربع ليلة يقال لفلان في الماء ربيع وربع المال جزء من اربعة ويقال له: ربيع ولم يتجاوز العرب في هذا المعنى الثمين وقال بعضهم: التسيع والعشير والاول اظهر واصل الباب الاربعة من العدد والاربعة تجري تارة على نفس العدد، واخرى على المعدود فإذا اجربته على العدد، قلت اربعة اثواب وإذا اجريته على المعدود قلت. اثواب اربعة.
[ 235 ]
وليلة وعشية ومساء نظائر ويقال يوم وليلة. على طريق النقيض. قال صاحب العين: الليل ضد النهار. والليل ظلام الليل. والنهار الضياء. فإذا افردت احدهما من الآخر قلت: ليلة ويوم تصغيرها لييلة اخرجوا الياء الاخيرة من مخرجها في الليالي يقول بعضهم: انما كان بناؤها ليلاء فقصر يقولون: هذه ليلة ليلاء: إذا اشتدت ظلمتها. قال الكميت: وليلهم الاليل
هذا لضرورة الشعر. في الكلام ليلاء. والليلة: الوقت من غروب الشمس إلى طلوع الفجر الثاني. واليوم من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. قال أبو زيد اتخذنا ما لا فنحن نتخذه اتخاذا وتخذت تخذا. قال أبو علي اتخذ افتعل ومنه تخذت. قال الله تعالى: " لو شئت لا تخذت عليه اجرا " (1) وتخذت: لا يتعدى، إلا إلى مفعول واحد واتخذت تارة يتعدى إلى مفعول واحد وتارة إلى مفعولين فتعديه إلى مفعول واحد مثل قوله: " يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا " (2) ومثل قوله: " واتخذوا من دون الله آلهة " (3) وتعديه إلى مفعولين مثل قوله تعالى " اتخذوا ايمانهم جنة " (4) وقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياء " (5) وقوله: " واتخذتموهم سخريا " (6) ومن ادغم فلقرب مخرج الذال من مخرج التاء ومن لم يدغم فلان مخرجهما متغاير. والعجل والثور والبقرة نظائر. الا أن العجل هو البقرة الصغيرة ويقال عجل وعجول. واشتقاقه من عجل يعجل عجلة واعجله اعجالا. واستعجل استعجالا. وتعجل تعجلا. وعجل تعجيلا. وعاجلته معاجلة. وتعاجلوا تعاجلا. ورجل عجل وعجل لغتان. وتقول: استعجلت فلانا أي حثثته واعجلت فلانا اعجله اعجالا وتعجلت خراجه أي كلفته ان يعجله ورجل عجلان وامرأة عجلى وقوم عجال ونسوة عجال. والعجال الابل. والعجل عجل الثيران والواحدة عجلة ويجمع على الاعجال والعجالة ما * (الهامش) * (1) سورة الكهف: آية 78. (2) سورة الفرقان: آية 27. (3) سورة مريم: آية 82. (4) سورة المجادلة: آية 16. (5) سورة الممتحنة: آية 1. (6) المؤمن آية 111. (*)
[ 236 ]
تعجلت من شئ. والعجالة طعام الراكب الذي لا يحسن طبخه ويقال: هو تمر ولبن والعجلة الادواة الصغيرة وهي المطهرة. والجمع العجال. والعاجلة: نقيض الآجلة يعني
الدنيا والآخرة. والعاجل: نقيض الآجل عام في كل شئ تقول عاجل وآجل. والعجل: ولد البقرة. وجمعه عجاجيل ويقال عجول. والانثى: عجولة وقوله: " خلق الانسان من عجل " (1) يقال إن آدم " ع " حين بلغ الروح منه إلى الركبتين هم بالنهوض قبل ان تبلغ القدمين فقال الله تعالى: " خلق الانسان من عجل " واورثنا آدم العجلة. والعجل الظنين: من غير الخليل والعجل خشب يؤلف شبه المحفة تجعل عليه الاثقال. وجمعه الاعجال. وصاحب عجال واصل الباب العجل الذي هو الاسراع. والعجلة والسرعة والخفة نظاير ونقيض العجلة التأني ونقيض السرعة: الابطاء وبعد نقيض قبل تقول: كان هذا بعد هذا. وتقول: بعد بعدا. أو ابعده الله إبعادا وتباعد تباعدا وباعده مباعدة. واستبعده استبعادا. وبعده تبعيدا. وتبعد تبعدا. قال صاحب العين بعد لما يكون على اثر الشئ إذا كان قد مضى فإذا افردوا قالوا: هو من بعد: كقوله تعالى: " لله الامر من قبل ومن بعد " (2) وتقول: بعدا وسحقا. ويقرأ: " باعد بين اسفارنا " " 3 " وبعد بمعنى واحد. والابعد نقيض الاقرب. والجمع: اباعد واقارب ويقرأ " بعدت ثمود " و " بعدت ثمود " " 4 " ومعناهما واحد إلا انهم يقولون: بعد الرجل وابعده الله والبعد من اللعن يقول: ابعده الله أي لا يرثي له مما نزل به وقال ابن دريد: البعد: ضد القرب وبعد ضد قبل. وسمع أبو زيد العرب تقول: فلان غير بعيد وغير بعد واصل الباب البعد نقيض القرب. المعنى: ومعنى قوله: " ثم اتخذتم العجل من بعده وانتم ظالمون " أي اتخذتموه إلها لان بنفس فعلهم لصورة العجل لا يكونون ظالمين، لان فعل ذلك ليس بمحظور * (الهامش) * (1) سورة الانبياء: آية 37 (2) سورة الروم آية 4 (3) سورة سبأ آية 19. (4) سورة هود آية 96 (*)
[ 237 ]
وانما هو مكروه وما روي عن النبي " ص " انه لعن المصورين معناه: من شبه الله بخلقه أو اعتقد فيه انه صورة فلذلك قدر الحذف في الآية. كانه قال: اتخذتموه الها وذلك انهم عبدوا العجل بعد موسى لما قال لهم السامري: هذا الهكم واله موسى. فنسي اي ترك آلهم ومضى ناسيا. وقيل: بل معنى فنسي اي فترك ما يجب عليه من عبادة الله. قصة السامري: وكان سبب عبادتهم العجل ما ذكره ابن عباس. ان السامري كان رجلا من اهل (با كرم) (1). وكان من قوم يعبدون البقر. وكان حب عبادة البقر في نفسه. وكان قد اظهر الاسلام في بني اسرائيل، فلما قصد موسى إلى ربه خلف هرون في بني اسرائيل: قال لهم هرون: انكم تحملتم اوزارا من زينة آل فرعون، وامتعة وحلي، فتطهروا منها، فانها بخس، واو قد لهم نارا. وقال لهم: اقذفوا ما كان معكم فيها. فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الامتعة ووذلك الحلي، فيقذفون به فيها. حتى إذا انكسر الحلي ورأى السامري اثر فرس جبرئيل، فأخذ ترابا من اثر حافره، ثم اقبل إلى النار. فقال لهرون يا نبي الله القي ما في يدي ؟ قال نعم ولم يظن هرون الا انه كبعض ما جاء به غيره من الحلي والامتعة فقذف فيها وقال كن عجلا جسدا له خوار وكان البلاء والفتنة وقال: هذا الهكم واله موسى، فعكفوا عليه واحبوه حبا لم ير مثله قطا. اللغة: وسمي العجل عجلا مأخوذ من التعجيل لان قصر المدة كالعجل في الشئ. وقال أبو العالية: انما سمي العجل عجلا، لانهم عجلوا فاتخذوه قبل أن يأتيهم موسى. وقال الحسن صار العجل لحما ودما. وقال غيره لا يجوز لان ذلك من معجزات
الانبياء. ومن وافق الحسن قال: ان القبضة من اثر الملك كان الله قد اجرى العادة بانها إذا طرحت على اي صورة كانت حية، فليس ذلك بمعجزة إذ سبيل السامري * (الهامش) * (1) هكذا في المطبوعة والمخطوطة وفي مجمع البيان " يا جرمي ".
[ 238 ]
فيه وسبيل غيره سواء. ومن لم يجز انقلابه حيا، فاول الخوار على ان السامري جعل فيه خروقا، فدخلها الريح فحدث فيه صوت كالخوار. وانما قال: " وانتم ظالمون " يعني ظالمي انفسهم إذا دخلوا عليها الضرر بما يستحقون على عبادته من العقوبة والظلم. وقد يكون للنفس وقد يكون للغير. وانما وصفوا بانهم اتخذوا العجل الها وهي صفة ذم لهم بما لم يفعلوا لرضاهم بما كان عليه اسلافهم، وسلوكهم طرائقهم في المخالفة لامر الله، والذم على الحقيقة على افعالهم فان كان اللفظ على افعال اسلافهم فاخرج اللفظ مخرج من كأنهم فعلوا ذلك لسلوكهم تلك الطرق وعدولهم إلى المخالفة. فالذم متعلق بما كان منهم في الحقيقة، فان قيل: هل هذا الميقات في قوله: واعدنا موسى ثلثين ليلة واتممناها بعشر. قيل: قال ابو علي وابو بكر بن اخشاذ واسمه احمد بن علي ان هذا ذاك وفي الناس من قال: هو غيره والاول اظهر، وانما ذكر الثلاثين واتمها بعشر والاربعين قد تكمل بعشرين وعشرين، لان الثلاثين اراد بها ذا القعدة وذا الحجة فذكر هذا العدد لمكان الشهر ثم ذكر ما يتم به العدد اربعين ليلة. وانما قال " اربعين ليلة " ولم يقل اربعين يوما، لتضمن الليالي الايام على قول المبرد، ومعنى ذلك: انه إذا ذكرت الليالي دخلت فيها الايام وليس إذا ذكرت الايام دخلت الليالي فيها. هكذا هو الاستعمال، والصحيح ان العرب كانت تراعي في حسابها الشهور والايام والاهلة. فاول الشهر الليالي ولذلك ارخت بالليالي وغلبتها على الايام ولذلك صارت الايام تابعة لليالي. واكتفى بذكر الليالي من الايام، فقيل
لعشر خلون. ولم يقولوا لعشرة لانه جرى على ما جرى على الليالي. " واتخذ " قال الرماني: وزنه افتعل واصله يتخذ فقلبت الياء تاء وادغمت في التاء التي بعدها وقال أبو علي يتخذت وليس من اخذت، لان الهمزة لا تبدل من الياء ولا تبدل الياء منها واتخذت لا تكون افتعلت من اخذت وتكون ابدلت الهمزة ياء ثم ادغمت في التاء كما قالوا يسر الجزور وهو من اليسر لانه لا يجوز على قول اصحابنا لاختلاف الحرفين وفائدة الآية التعجب من قولهم إذ كانوا في مقدار هذه المدة
[ 239 ]
اليسيرة لغيبة موسى عنهم اتخذوا العجل الها وادغام الذال عند التاء جائز وتركه أيضا كذلك جائز. قوله تعالى: " ثم عفونا عنكم من بعد ذلك لعلكم تشكرون " (52) - آية بلا خلاف. قيل في معنى ما وقع العفو عنهم بقوله: (ثم عفونا عنكم) قولان: احدهما - انا تركنا معاجلتكم بالعقوبة من بعد اتخاذكم العجل الها. والآخر - عفونا عنكم بقبول التوبة من عبادة العجل. اللغة: والعفو، والصفح، والمغفرة، والتجاوز، نظائر. فالمغفرة نقيض العقوبة. ويقال عفا عفوا واعفاه واعفاء واستعفى استعفاء، وعفى تعفية وعافاه معافاة وتعفى تعفيا. وتعافى تعافيا، واعتفاه اعتفاء. والعفو احل المال واطيبه. والعفو: المعروف. والعفاة: طلاب المعروف. وهم المعتفون. تقول: اعتفيت فلانا إذا طلبت معروفه وفضله. والعافية من الطير والدواب الرزق. اسم جامع لها. ومنه قوله (ع) من غرس شجرة مثمرة فما اكلت العافية منها كتب له صدقة. والعافية دفاع الله عن العبد يقول عافاه الله من مكروه وهو يعافيه معافاة. والاستعفاء: ان تطلب إلى من
كلفك امرا ان يعفيك منه، وعفى الشئ: إذا كثروا عفيته: إذا اكثرته: قال تعالى " حتى عفوا ". ومنه اعفاء اللحية: اكثارها. وعفى: درس يقال اخذ من فلان ما عفا، وصفا. والعفا: التراب نقول: يعفيه العفا. وعليه العفا. والعفا الدروس قال زهير: على اثار ما ذهب العفاء ومنه عفت الديار. والريح تعفو الديار عفاء، وعفوا. وتعفت الدار والاثر تعفيا والعفوة والعفوة والعفوة. والجمع العفو: وهي الحمر الافتأ والفتيات. والعفاء. ما كثر من
[ 240 ]
الوبر والريش وناقة ذات عفاء كثيرة الوبر طويلة والعفو: ولد الاتان الوحشية. وأصل الباب: الترك. ومنه قوله: " فمن عفي له من أخيه شئ " من ترك له. وعفو الشئ صفوه ومعنى " لعلكم " في الآية لكي تشكروا وقيل: معناه التعريض كانه قال: عرضناكم للشكر. وقوله: " من بعد ذلك " - وان كان اشارة إلى الواحد - فمعناه الجمع. وانما كان ذلك كذلك، لان ذا اسم مبهم فمرة يأتي على الاصل، ومرة يأتي على مشاكلة اللفظ. إذا كان لفظ المبهم على الواحد وان كان معناه الجمع على انه قد يخاطب بلفظ الواحد ويراد به الجمع كقوله: " يا ايها النبي " ثم قال: " إذا طلقتم النساء ". وقوله: " من بعد ذلك " إشارة إلى اتخاذهم العجل الها. وقوله: " لعلكم تشكرون ". اللغة: فالشكر: هو الاعتراف بالنعمة مع ضرب من التعظيم. قال الرماني: الشكر هو الاظهار للنعمة. والصحيح هو الاول لانه قد يظهر النعمة من لا يكون شاكرا
لها. والفرق بين الشكر والمكافاة ان المكافأة من التكافؤ وهو التساوي، وليس كذلك الشكر ففي مكافأة النعمة دلالة على انه قد استوفى حقها. وقد يكون الشكر مقصرا عنها وان كان ليس على المنعم عليه اكثر منه الا انه كلما ازداد من الشكر، حسن له الازدياد وان لم يكن واجبا لان الواجب لا يكون إلا متناهيا وذلك كالشكر لنعمة الله لو استكثرته غاية الاستكثار لم يكن لينتهي الي حد لا يجوز له الازدياد لعظم نعم الله عزوجل وصغر شكر العبد. ويقال: شكر شكرا، وشكورا، وتشكر تشكرا. والشكور، من الدواب ما يكفيه قليل العلف لسمنه. والشكر من الحيوانات: التي تصيب حظا من بقل أو مرعى فتغزر ليتها بعد قلة. يقال اشكر القوم: إذا انزلوا منزلا فاصابت نعمهم شيئا من بقل، فدرت عليه، وانهم ليحلبون شكرة بجزم الكاف وقد شكرت الحلوبة شكرا: والشكير شعر ضعيف ينبت خلال
[ 241 ]
الشيب. وكذلك ما ينبت من ساق الشجر قضبان تخرج غفه بين قضبان عاسية يقال له الشكر واشكر ضرع الناقة إذا امتلا لبنا والشكر بضع المرأة. وأصل الباب: الظهور ولا يستحق الكافر الشكر على وجه الاجلال والانعام، والكافر لا يستحق كذلك وانما يجب له مكافاة نعمته كما يجب قضاء دينه على وجه الخروج إليه من غير تعظيم له ويسمى ذلك شكرا والشكر لا يستحق الا على نعمة ومعنى قولنا في الله انه غفور شكور انه يجازي العبد على طاعاته من غير ان ينقصه شيئا مين حقه فجعل المجازاة على الطاعة شكرا في مجاز اللغة ولا يستحق الانسان الشكر على نفسه لانه لا يكون منعما على نفسه كما لا يكون مقرضا لنفسه والنعمة تقتضي منعما غير المنعم عليه. كما أن القرض يقتضي مقترضا، غير المقرض وقد يصح ان يحسن إلى نفسه كما يصح أن يسئ إليها، لان الاحسان من المحسن. فإذا فعل بها فعلا حسنا ينتفع به، كان محسنا إليها بذلك الفعل، وإذا فعل بها قبيحا كان مسيئا إليها.
والشكر متعلق في الآية بعفو الله عنهم، ونعمه عليهم: كانه قال: لتشكروا الله على عفوه عنكم وسائر نعمه عليكم. قوله تعالى: " واذ اتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون ". آية (53). اللغة: قوله: " واذ " عطف على ما مضى من التذكير بنعمه فكأنه قال: واذ كروا إذ آتينا موسى الكتاب، لان (إذ) اسم للوقت الماضي و (إذا) للوقت المستقبل. وكذلك تستعمل في الجزاء، لان الجزاء لا يكون إلا بالمستقبل. كقولهم: ان تاتنى آتك ولو تشبه الجزاء من حيث انه لابد لها من الجواب. كما لا بد لحرف الجزاء من الجواب.
[ 242 ]
المعنى: وقوله: " واتينا موسى الكتاب " معناه اعطيناه. والكتاب يريد به التوراة. وأما الفرقان فقال الفراء وقطرب وتغلب: يحتمل أن يكون اتى موسى كتاب التوراة ومحمد الفرقان: كما قال الشاعر: متقلدا سيفا ورمحا (1) وضعف قوم هذا الوجه، لان فيه حمل القران على المجاز من غير ضرورة مع انه تعالى اخبر انه اتى موسى الفرقان في قوله: " ولقد اتينا موسى وهرون الفرقان وضياء " (2) وقال الفراء: هو كلام مثنى يراد به: التوراة. وكرر لاختلاف اللفظين: كقولهم: بعدا وسحقا، وهما بمعنى واحد. قال الرماني: هذا المثال لا يشبه الآية، لانه جمع الصفتين لموصوف واحد على معنيين متفقين. والاولى ان يمثل بقولهم: هو
العالم الكريم فجمعت الصفتان لموصوف واحد على معنيين مختلفين وقال عدي ابن زيد: وقددت الاديم لراهشيه * والفى قولها كذبا ومينا (3) وقال قوم: الكتاب: التوراة والفرقان: انفراق البحر لبني اسرائيل. والفرج الذي اتاهم كما قال. " يجعل لكم فرقانا " اي مخرجا. وقال بعضهم: الفرقان: الحلال والحرام الذي ذكره في التوراة. وروي عن ابن عباس وابي العالية ومجاهد: ان الفرقان الذي ذكره هو الكتاب الذي اتاه يفرق فيه بين الحق والباطل. وقال ابن زيد: الفرقان: النصر الذي فرق الله به بين موسى وفرعون: كما فرق بين محمد " ص " وبين المشركين. كما قال: " يوم الفرقان يوم التقى الجمعان " (4). وقال ابو مسلم: هو ما اوتي موسى من الآيات والحجج التي فيها التفرقة بين الحق والباطل. * (الهامش) * (1) مر في 1: 65 وهو عجز بيت شطره: ورأيت زوجك في الوغى. (2) سورة الانبياء: آية 48. (3) في المخطوطة والمطبوعة (وقدمت). (4) سورة الانفال: آية 41. (*)
[ 243 ]
وقوله: " لعلكم تهتدون ". المعنى: اي لكي تهتدوا. وقد بيناه فيما مضى وفيه دلالة على انه (تعالى) اراد ان يهتدوا لان هذه اللام لام الغرض وذلك يفسد قول المجبرة إنه اراد منهم الكفر. فأن قيل: كيف يهتدون بما اوتي موسى من البيان، وما اوتي في التوراة من البرهان مع انقطاع النقل الذي تقوم به الحجة. قيل: الجواب عنه من وجهين: احدهما - ان الخطاب لاسلافهم: كما قال: " واذ فرقنا بكم البحر فانجيناكم
واغرقنا آل فرعون وانتم تنظرون ". والثاني - ان اخبار الرسول لهم ما تقوم به الحجة عليهم، فيمكنهم ان يستدلوا بذلك على ما انعم الله به على اسلافهم، ولانهم مقرون بان موسى (ع) اوتي التوراة بما فيها من الهدى والبينات، فتقوم الحجة عليهم باقرارهم. قوله تعالى: " واذ قال موسى لقومه يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم انه هو التواب الرحيم " - (54) آية بلا خلاف. القراءة: " بارئكم " اسكن الهمزة فيها أبو عمرو. إلا المعدل وسحارة من طريق الجرمي، وابن مجاهد فكلهم خففوا الهمزة فيها. الا ابا طاهر عن ابن مجاهد عن اسماعيل فانه قلبها ياء. التقدير واذ كروا ايضا إذ قال موسى لقومه: " يا قوم انكم ظلمتم انفسكم باتخاذكم العجل ". وظلمهم اياها كان فعلهم بها ما لم يكن لهم ان يفعلوه بما يستحق
[ 244 ]
به العقاب. وكذلك كل من فعل فعلا يستحق به العقاب فهو ظالم لنفسه. وقد بينا معنى التوبة فيما مضى. (1) واما قوله: " إلى بارئكم ". اللغة: فالبارئ هو الخالق الصانع. يقال: برأه. واستبرأ استبراء، وتبرأ تبريا، وباراه مباراة، وبرأه براءة، وتبرئة. قال صاحب العين: البرأ مهموز وهو الخلق تقول برأ الله الخلق وهو يبرؤهم وهو البارئ وقال امية:
الخالق البارئ المصور في * ال أرحام ماء حتى يصير دما والبرء السلامة من السقم. تقول برأ برؤه وبرئت وبرأت وبرؤت براءة. وتبرأ تبريا لغة في هذا والبراءة من العيب والمكروه لا يقال منه: الا برئ براء وفاعله برئ وفلان برئ وبراء كقوله: إني براء. وامرأة براء. ونسوة براء وبراء على وزن وفعلاء. ومنه قوله: " انا برآء منكم " جمع برئ. ومن ترك الهمزة. قال: براء على وزن فعال. وتقول بارأت الرجل اي برئت إليه. وبرئ إلى مثل ذلك. وبارات المراة اي صالحتها على المفارقة وابرات الرجل من الضمان والدين وبرأه تبرئة. ويقال: ابرأ الله فلانا من المرض إبراء حسنا، والاستبراء: استبراء الجارية والمرأة بان لا يطأها حتى تحيض. والاستبراء نقاء الفرج من القذر. وأصل الباب تبري الشئ من الشئ: وهو انفصاله منه. وبرأ الله الخلق اي فطرهم، فانهم انفصلوا من العدم إلى الوجود. والبرية الخلق، فعيلة بمعنى مفعول، لا يهمز كما لا يهمز ملك وان كان اصله من الالوكة. وقيل البرية مشتقة من البراوة، وهو التراب، فلذلك لم تهمز. وقيل إنه مأخوذ من بريت العود، فلذلك لم يهمز. والبراءة من الشئ: المفارقة والمباعدة عنه: وبرئ الله من الكافر: باعده عن رحمته وانواع الفعل كثيرة: منها الخلق، والانشاء، والارتجاع. والبرء: الفطر. فأما * (الهامش) * (1) انظر ص 619 - 170 (*)
[ 245 ]
الاحداث، والايجاد والتكوين فكالفعل والجعل: اعم من الفعل، لانه لما وجد بعد ان لم يكن كقولك: جعلت الطين خزفا. فلم يحدث الخزف في الحقيقة، وانما احدث ما صار خزفا. وقوله: " فاقتلوا " اللغة:
فالقتل والذبح والموت نظائر. وبينها فرق: فالقتل نقض بنية الحياة. والذبح فري الاوداج. والموت عند من اثبته معنى عرض يضاد الحياة. يقال: قتل يقتل قتلا. واقتتلوا اقتتالا. وتقاتلوا تقاتلا. واستقتل استقتالا. وقتل تقتيلا. وقاتله مقاتلة. وقوله تعالى: " قاتلهم الله " (1) معناه لعنهم الله. وقوم اقتال: اي هم اهل الوتر، والترة: اي هم اعداء وتراة. وتقول: تقتلت الجارية للفتى يصف به العشق. وقال الشاعر: تقتلت لي حتى إذا ما قتلني * تنسكت ما هذا بفعل النواسك (2) واقتل فلان فلانا: إذا عرضه للقتل. والمقتل من الدواب الذي قد ذل ومرن على العمل. وقلب مقتل: اي قتل عشفا. * ومنه قول امرئ القيس: في اعشار قلب مقتل (3) قال ابن دريد: قتلت الخمر بالماء إذا مزجتها. قال الشاعر: ان التي ناولتني فرددتها * قتلت قتلت فها تها لم تقتل وتقتل الرجل لحاجة اي يأتي لها. ويقتل الرجل للمرأة: إذا خضع لها في كلامه وقتل الرجل: عدوه. والجمع اقتال. وفلان قتل فلان: أي نظيره، وابن عمه * (الهامش) * (1) سورة التوبة: آية 31 وسورة منافقون آية 4. (2) تقتلت المرأة: تثنت في مشيتها. (3) معلقته. والبيت: وما ذرفت عيناك الا لتضربي بسهميك في اعشار قلب مفتل والسهمان: الرقيب والمعلى من سهام الميسر ومعناه استوليت على القلب كله. (*)
[ 246 ]
وقتله قتله سوء واقتتلوا بمعنى تقاتلوا ومثله قتلوا قال أبو النجم: ندافع الشيب ولم يقتل وناقة ذات قتال وذات كيال، إذا كانت غليظة وثيقة الخلق. في المثل:
قتلت ارض جاهلها، وقتل ارضا عالمها. ومقاتل الانسان: هي التي إذا اصيبت قتلت. وأصل الباب: القتل وهو نقض البنية التي تصح معها الحياة. وقال المبرد: واصله اماتة الحركة. وقوله: " قاتلهم الله انى يؤفكون " اي قد حلوا محل من يقال له هذا القول. اي انزل الله بهم القتل. ويقول قتله علما اذاايقنه وتحققه. وقوله: " فاقتلوا انفسكم ". المعنى: قيل في معناه قولان: احدهما - يقتل بعضكم بعضا. ذهب إليه ابن عباس وسعيد بن جبير ومجاهد والحسن وغيرهم من اهل العلم، كما يقول القائل: قتل آل فلان إذا قتل بعضهم بعضا. والثاني - ذكره ابن عباس واسحاق واختاره أبو علي. وهو ان يستسلموا للقتل فجعل استسلامهم للقتل قتلا منهم لا نفسهم على وجه التوسع. وقيل: ان السبعين الذين اختارهم موسى للميقات امروا بالقتل لمن سأل الرؤية من بني اسرائيل وقيل: إنهم قتلوا انفسهم كما امروا. عمدوا إلى الخناجر وجعل بعضهم يطعن بعضا. قال ابن عباس وغيره من اهل العلم: ويقال غشتهم ظلمة شديدة فجعل بعضهم يقتل بعضا، ثم انجلت الظلمة، فاجلوا عن سبعين الف قتيل. والسبب الذي لاجله امروا بقتل انفسهم ذكره ابن جريج: ان الله علم ان ناسا منهم علموا ان العجل باطلا فلم يمنعهم ان ينكروا الا خوف القتل، فلذلك بلاهم الله ان يقتل بعضهم بعضا. وقال الرماني: ولابد ان يكون في الامر بالقتل لطف لهم ولغيرهم، كما يكون في استسلام القاتل لطف له ولغيره. فان قيل كيف يكون في قتلهم نفوسهم لطف لهم، وبعد القتل لا تكليف عليهم. واللطف لا يكون لطفا فيما مضى ولا فيما يقاربه
[ 247 ]
قلنا: إذا كان القوم كلفوا ان يقتل بعضهم بعضا وكل واحد منهم يقصد قتل غيره، ويجوز ان يبقى بعده فيكون القتل لطفا له فيما بعد، ولو كان بمقدار زمان يفعل فيه واجبا واحدا: ويمتنع فيه من قبيح. وذلك كما نقول في عبادتنا في قتال المشركين. فان الله تعالى تعبدنا ان نقاتل حتى نقتل ونقتل ومدح على ذلك، فلذلك روى اهل السير ان الذين عبدوا العجل تعبدوا ان يقاتلوا من لم يعبد ويصبروا على ذلك حتى يقتل بعضهم بعضا. وكان القتل شهادة لمن قتل، وتوبة لمن بقي. وانما كانت تكون شبهة، لو امروا بان يقتلوا نفوسهم بايديهم. ولو صح ذلك لكان لا يمتنع بان يكونوا امروا بان يفعلوا بنفوسهم الجراح التي تفضي إلى الموت - وان لم يزل معها العقل فينا في التكليف -. وأما على القول الآخر وهو انهم امروا بالاستسلام والقتل والصبر عليه فلا مسألة لانهم امروا بقتل نقوسهم. وعلى هذا يكون قتلهم حسنا، لانه لو كان قبيحا لما جاز ان يؤمروا بالاستسلام. وكذلك نقول: لا يجوز ان يتعبد نبي أو امام بان يستسلم للقتل مع قدرته على الدفع عن نفسه، فلا يدفعه لان في ذلك استسلاما للقبيح مع القدرة على الدفع منه، وذلك لا يجوز وانما يقع قتل الانبياء والائمة على وجه الظلم، وارتفاع التمكن من الدفع مع الحرص على الدفع. غير انه لا يمتنع ان يتعبد بالصبر على الدفاع. وتحمل المشقة في ذلك - وان قتله غيره ظلما والقتل - وان كان قبيحا بحكم العقل -، فهو ما يجوز تغيره بان يصير حسنا، لانه جار مجرى سائر الالام. وليس يجري ذلك مجرى الجهل والكذب الذي ليس يصير قط حسنا ووجه الحسن في القتل انه لطف على ما قلناه، وكما يجوز من الله ان يميت الحي، كذلك يجوز ان يامرنا باماتته ويعوضه على ما يدخل عليه من الالام ويكون فيه لطف على ما قدمناه. وقوله: " ذلكم " اشارة إلى التوبة مع القتل لانفسهم على ما امرهم الله تعالى
به بدلالة قوله. " فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا انفسكم " فقوله: " توبوا " دال على التوبة، فكأنها مذكورة.
[ 248 ]
وقوله: " خير " اللغة: فالخير، والنفع، والفضل، والحظ نظائر وضد الخير: الشر. وضد النفع: الضرر. تقول: خار الله له الخير خيرة. واختار اختيارا واستخار فلان استخارة وتخير تخيرا وتخايرا وخيره تخييرا. وخايره مخايرة ورجل خير وامرأة خيرة: أي فاضلة. وقوم اخيار، وخيار. وامرأة خيرة. حقيقة في جمالها، وميسمها. ومنه قوله: " فيهن خيرات حسان " (1). وناقه خيار. ورجل خيار. وتقول: والجمع خيار. وتقول: هذه وهذا وهؤلاء خيرتي. وما تختاره. وتقول: انت بالخيار وانت بالخيار سواء. والرجل يستخير الضبع واليربوع: إذا جعل حبسه في موضع النافقاء، فخرج من القاصعاء (2). والخيرة مصدر خار خيرة ساكنة الياء مثل راب ريبة. واصل الباب الخير نقيض الشر. والخير: الهيأه المختارة. وحذفت الياء من قوله: " يا قوم " واثبتت في قوله: " يا ليت قومي " لان ياء الاضافة تحذف في النداء، لانه موضع حذف، يحذف فيه التنوين، ويحذف الامم للترخيم، فلما كانت بالاضافة تحذف في غير النداء، لزم حذفها في النداء. وأما قوله: " يا ليت قومي يعلمون " (3)، فانها تثبت لانها ياء الاضافة. لا يلحقها ما يوجب حذفها، كما لحق الياء في النداء ويجوز في " يا قوم " كسر الميم وحذف الياء هو اجماع القراء ويجوز بياء ساكنة، ويجوز بفتح الياء وما قرئ بها. فاما إسكان الهمزة. فالذي رواه سيبويه عن ابي عمرو اختلاس الحركة. وهو اضبط من غيره والاسكان في مثل هذا يجوز في ضرورة الشعر كقول الشاعر:
إذا اعوججن قلت صاحب قوم وكان ينبغي ان يقال صاحب لانه منادى. وقال امرؤ القيس: فاليوم فاشرب غير مستحقب * اثما من الله ولا واغل * (الهامش) * (1) سورة الرحمان: آية 70 (2) النافقاء: حجر اليربوع. القاصعاء مثل النافقاء (3) سورة يس: آية 26 (*)
[ 249 ]
وقد روى بعضهم صاح قوم. وروي فاليوم فاشرب وروى بعضهم: فاليوم فاسقي ولا يقال في الله تعالى تائب مطلقا. وانما يقال: تائب على العبد. قوله: " فتاب عليكم " فالفاء متعلق بمحذوف كأنه قال ففعلتم أو قتلتم انفسكم فتاب عليكم. وكان فيما بقى دلالة عليه. قوله تعالى: " واذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فاخذتكم الصاعقة وانتم تنظرون " (55) آية بلا خلاف. وهذه الآية ايضا عطف على ما تقدم كأنه قال واذكروا إذ قلتم يا موسى لن نصدق حتى نرى لله جهرة. اللغة: فالرؤيا والنظر والابصار نظائر في اللغة يقال: رأى رؤية ورأى من الرأي رأيا. وأراه لله اراءة وتراءى القوم ترائيا. وارتأى ارتياء وراءاه مراءاة قال صاحب العين: الرأي رأي القلب والجمع الاراء. وتقول: ما اضل آراءهم على التعجب ورأيهم ايضا ورأيت رؤية وتقول رأيته رأي العين. أي حيث يقع البصر عليه. وتقول من رأي القلب: ارتأيت. وتقول: رأيت رؤيا حسنة. وتقول: رأيت فلانا ذا مسحة في اللون، وزية حسنة في اللباس، والمتاع. والذي يتعرض بزيه كهانة أو
طبا. وفي بعض اللغات ريت بمعنى رأيته. وعلى ذلك قراءة من قرأ اريت قال الشاعر: قد ريت منه عجبا من الكبر وتراءى القوم: إذا رأى بعضهم بعضا وتراءى لي فلان: إذا تصدى لي فاراه والرواء: المنظر في البهاء والجمال. تقول: امرأة لها رواء وبهاء وسناء أي حسنة. والمرآة مثل المنظرة والمنظر والمرآة التي ينظر فيها وجمعها مراءى. ومن حول الهمزة قال: مرايا. تقول مرأت المرأة: إذا نظرت وجهها. وفي الحديث لا يتراءى احدكم في الماء أي لا ينظر فيه.
[ 250 ]
ويحذفون الهمزة في كل كلمة تشتق من رأيت إذا كانت الراء ساكنة تقول أريت فلانا فانا مري وهو مري. أي بحذف الهمزة واثبتوها في موضعين في قولهم رأيته فهو مرئي أرأت الناقة والشاة إذا يرى ضرعها انها قد اقربت وانزلت. وهي مرئى. والحذف فيه ايضا صواب وتقول: من الظن رأيت ان فلانا اخوك. ومنهم من يحذف الهمزة يقول ريت انه ومن قلب الهمزة من رأى قال راي مثل ما تقولون: آرتيت واستريت بالمرآة والمرئية: مكسورة الراء مهموزة ممدودة ما ترى المرأة من الحيض صفرة أي بياضا قبلا أو بعد أو أما البصير بالعين فهو الرؤية. إلا أن تقول نظرت إليه رأي العين فيه وتقول: ما رأيته إلا رؤية واحدة وتقول للذي يريك الشي مري والمرأة مرية بلا همزة وتقول رأيت فلانا برؤية والمرآة التي تنظر فيها والرأي ما رأيت القوم في حسن البشارة والهيئة قال جرير: وكل قوم لهم رأي ومختبر * وليس في تغلب رأي ولا خبر واصل الباب: الرؤية بالعين وشبه الرؤية بالقلب به بمعنى العلم. والرأي يرى حال صلاح ويظن خلافها. والمرية لانها بمنزلة الالة للقلب يرى بها. والجهرة، والعلانية، والمعاينة نظائر تقول: جهر جهرا أو جاهر مجاهرة،
وجهارا. وتجاهروا تجاهرا. ورجل جهير الصوت. قال صاحب العين: جهر فلان بكلامه، وهو يجهر بقراءته جهارا، واجهر بقراءته اجهارا. وجاهرتم بالامر جهارا أي عالنتم به اعلانا واجتهر القوم فلانا جهارا: إذا نظروا إليه وكل شئ يبدو فقد جهر ورجل جهير: إذا كان في المنظر والجسم في الناس مجهرا. وكلام جهير، وصوت جهير أي عال. والفعل منه جهر جهارة. والجهير هو الجرئ المتقدم والجهوري: هو الصوت العالي. والجوهر: كل حجارة يستخرج منها شئ ينتفع به وجوهر كل شئ ما خلقت عليه حلية. والشاة الجهر التي لا تبصر في الشمس والكبش اجهر وقال بعضهم: جهرت البئر: إذا اخرجت ما فيها من الحمأة، والماء. وبئر مجهورة. والجهر: ضد السر وجهرني الرجل إذا راعك جماله وهيئته. ورجل جهير ذو رواء واصل الباب الظهور.
[ 251 ]
والجهر يقتضي ظاهرا بعد ان يكون خافيا، ليدرك ما لم يكن قبل مدركا ويستدل بالجهر على أنهم أرادوا الرؤية بالعين دون رؤية القلب. وحقيقة الجهر ظهور الشئ معاينة والفرق بين الجهر والمعاينة أن المعاينة ترجع إلى حال المدرك والجهرة ترجع إلى حال المدرك. المعنى: ومعنى قوله: " حتى نرى الله جهرة " قال ابن عباس: علانية. وقال قتادة عيانا. وقد تكون الرؤية غير جهره كالرؤية في النوم والرؤية بالقلب فإذا قال جهرة لم يكن إلا رؤية العين على التحقيق، دون التخيل وسؤالهم الرؤية. قال قوم: هو كفر لان اجازة الرؤية كفر. وقال آخرون: ليس بكفر وانما اجازة الرؤية التي تقتضي التشبيه كفر. فاما هذا القول منهم فكفر اجماعا، لانه رد على الرسول وكل من يلقى قول الرسول بالرد من المكلفين، كان كافرا.
واما الصاعقة فانها تكون على ثلاثة اوجه: أولها - الموت: كقوله: " فصعق من في السموات ومن في الارض " (1) " فاخذتكم الصاعقة " (2) الثاني - العذاب. كقوله: " فان اعرضوا فقل انذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود " (3) والثالث - نار تسقط من السماء كقوله: " ويرسل الصواعق " (4) واكثرهم على ان موسى لم يمت بالصاعقة كما مات من سأل الرؤية وقال شاذ منهم: انه مات بالصاعقة وقوله: " وخر موسى صعقا " أي مغشيا عليه عند اكثر المفسرين بدلالة قوله: " فلما افاق " والا فاقة لا تكون إلا من الغشية دون الموت، وإلا لكان قد قال فلما حيي. وقوله: " جهرة " مشتق من جهرت الركية اجهرها جهرا وجهرة: إذا كان * (الهامش) * (1) سورة الزمر: آية 68 (2) سورة البقرة: آية 55 (3) سورة حم - السجدة: آية 13 (4) سورة الرعد آية 14 (*)
[ 252 ]
ماؤها قد غطاه الطين، فنقيت حتى ظهر الماء وقيل: اخذ من قولهم: فلان تجاهر بالمعاصي: إذا كان لا يسرها وانما فزعوا بسؤال اسلافهم الرؤية من حيث انهم سلكوا طريقهم في المخالفة للنبي الذي لزمهم اتباعه والتصديق بجميع ما اتى به فجروا على عادة اسلافهم في ذلك الذين كانوا يسألون تارة ان يجعل لهم إلها غير الله ومرة يعبدون العجل من دون الله ومرة يقولون: " لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة " ومرة يقولون: " اذهب انت وربك فقاتلا انا ههنا قاعدون " وقال الزجاج في هذه الآية دلالة على مشركي العرب الذين كانوا ينكرون البعث، لاهل الكتاب مع مخالفتهم الرسول يقرون باذن الله أمات قوما في الدنيا، ثم احياهم وعندنا ان
نقل اهل الكتاب لمثل هذا ليس بحجة وانما الحجة في اخبار الله على لسان نبيه وحده إذ كان كلما يخبر به فهو حق وصدق. واستدل البلخي بهذه الآية على ان الرؤية لا تجوز على الله تعالى. قال لانها انكارهم امرين ردهم على نبيهم، وتجويزهم الرؤية على ربهم وبين ذلك قوله تعالى: فقد سألوا موسى اكبر من ذلك فقالوا ارنا الله جهرة فدل ذلك على ان المراد إنكار الامرين وهذه الآية تدل على قوله: " رب ارني انظر اليك " كان سؤالا لقومه، لانه لا خلاف بين اهل التوراة ان موسى ما سأل الرؤية الا دفعة واحدة. وهي التي سألها لقومه وقوله: " لن نؤمن لك " تعلق بما يخبرهم به من صفات الله عزوجل، لانهم قالوا لن نؤمن لك بما تخبرنا به من صفاته وما يجوز عليه حتى نراه. وقيل: انه لما جاءهم بالالواح وفيها التوراة قالوا لن نؤمن بان هذا من عند الله حتى نراه جهرة ونرى على وزن نفعل واصله: نرأى قال الشاعر: أرى عيني ما لم ترأياه كلانا * عالم بالترهات فجاء به على الاصل وقال آخر: ألم تر ما لاقيت والدهر اعصر * ومن يتمل العيش يراى ويسمع وانما دعاهم إلى ان قالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله شكهم، وحيرتم فيما دعاهم
[ 253 ]
إليه موسى (ع) من توحيد الله عزوجل، ولو كانوا عارفين، لكان دعاهم إليه العناد لموسى ومعلوم انهم لم يكونوا معاندين له (ع). وفي الناس من قال: إن قولهم: جهرة من صفه السؤال على التقديم والتأخير كانه قال: وإذا قلتم جهرة لن نؤمن لك حتى نرى الله. وقال الا كثر إنها من صفة الرؤية. وهو الاقوى، لان ما قالوه ترك الظاهر، وتقدير التقديم والتأخير ليس هنا إلى ذلك حاجة.
وقوله: " وانتم تنظرون " يعني ما نزل بكم من الصاعقة والموت. قوله تعالى: " ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون " - (56) آية بلا خلاف. قوله: " بعثناكم " احييناكم. عند اكثر المفسرين: كالحسن، وقتادة، وغيرهما. وقال السدي: بعثناكم أنبياء. والاول أصح لانه ظاهر الكلام. فلا يجوز العدول عنه وأصل البعث: إثارة الشئ من محله، ومنه قيل: بعث فلان راحلته: إذا اثارها من مبركها للسير. ومنه قولهم بعثت فلانا لحاجتي: إذا اقمته من مكانه الذي هو فيه للتوجه فيها. ومن ذلك قيل: ليوم القيامة يوم البعث لانه يوم تثار فيه الناس من قبورهم لموقف الحساب. اللغة: والبعث والارسال وكل الاطلاق نظائر. يقال: بعثت بعثا. وانبعثت انبعاثا. وتبعثت تبعثة. وبعثته من نومه فانبعث. اي نبهته فانتبه. وتقول: ضرب البعث على الجند. إذا بعثوا إلى العدو. وكل قوم يبعثون إلى وجه أو في امر فهم بعث. وأصل الباب: البعث وهو الارسال. وكل باعث فاعل. واما المبعوث فقد يكون فاعلا، وقد لا يكون. يقال: بعث الله عليهم ريحا فاقتلعتهم والريح مبعوثة. ويقال: الشهوة للشئ تبعث على الطلب له. فان قيل: هل يجوز ان يرد الله احدا إلى التكليف بعد ان مات، وعاين ما يضطره إلى معرفته بالله ؟ قيل: في ذلك خلاف قال أبو علي: لا يجوز ذلك إلا على من لم يضطره الله إلى معرفته وقال بعضهم: يجوز التكليف في