الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فتح المعين- حسن بن علي السقاف

فتح المعين

حسن بن علي السقاف


[ 1 ]

فتح المعين بنقد كتاب الأربعين ويليه بيني وبين الشيخ بكر للإمام المحدث عبد الله بن الصديق الغماري تقديم وتعليق وتحقيق حسن بن علي السقاف مكتبة الإمام النووي عمان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم جميع الحقوق محفوظة الطبعة الأولى 1410 ه‍ = 1990 م مكتبة الإمام النووي عمان - الأردن - ص . ب 925393

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم اعلم أرشدك الله تعالى أن هناك جماعة من العلماء في القديم والحديث صنفوا كتبا أطلق كل منهم على كتابه اسم (كتاب الأربعين) ، جع كل منهم أربعين حديثا أو نحو ذلك فبعضهم جعلها في أصول الدين وبعضهم في فروعه ، وبعضهم في الجهاد ، وبعضهم في الزهد وبعضهم في الآداب ، وبعضهم في الخطب ، والإمام النوري رحمه الله تعالى جمع كتابا أيضا كباقي العلماء سماه (الأربعين) واشتهر هذا الكتاب واعتنى به الناس وانتشر وهذا من صدق مؤلفه وإخلاصه رحمه الله تعالى ، حتى صار إذا قيل كتاب الأربعين يتبادر إلى ذهن جميع الناس كتاب الإمام النووي ، وآخر من علمته من العلماء صنف كتابا في أربعين حديثا شيخنا محدث العصر أبو الفضل عبد الله بن الصديق الغماري ، صنف كتابا سماه (الأربعين الغمارية) جمع فيه أربعين حديثا في شكر النعم ، وكذا جمع شقيقه محدث المغرب أبو اليسر عبد العزيز بن الصديق كتابا سماه (الأربعين العزيزية) ذكر فيه أربعين حديثا في علامات الساعة ، وهذا الكتاب الذي نحن بصدده هو رد على كتاب (الأربعين) لأبي اسماعيل الهروي الملقب عند المجسمة بشيخ الإسلام والذي جمع فيه أربعين حديثا زعم أنها في صفات الله تعالى فأثبت فيها نحو أربعين عضوا لله تعالى كالعين والرجل والقدم والساق والهرولة والضحك والأصابع . . . الخ فليعلم ذلك طلاب العلم وليتمعنوا في نقده .

[ 4 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى ، وبعد : فقد أتحفنا شيخنا الإمام المحدث عبد الله بن الصديق الغماري متعنا الله تعالى بحياته بكتاب (فتح المعين بنقد كتاب الأربعين) الذي رد فيه على المجسمة والمشبهة بشكل عام وعلى أبي اسماعيل الهروي بشكل خاص ، فأفاد قواعد عظيمة في علم التوحيد قل من تنبه لهامن أهل العصر ، ونبه على فوائد حديثية يحتاج إليها المتخصصون ويبحث عنها الطلاب والعلماء الراغبون وكنت قد قيدت عليه تعليقات مفيدة ، وتقريرات فريدة ، ولطائف مجيدة ، أخدم فيها كتاب هذا الإمام ، لما له من حق علي في تعليمه وإرشاده لي على أحسن مرام ، أوضح فيها كثيرا من الاستدلالات ، وأسرد أوضح الأدلة والقواعد الثابتات ، أسأل المولى سبحانه وتعالى أن تكون محلاة في جيدها بالتوفيق ، مقبولا ما فيها من الدليل عند العدو والصديق . ولا شك أن أهل السنة والجماعة (الأشاعرة والماتريدية) يثبتون لله تعالى الصفات الثابتة له سبحانه ولا ينفون عنه إلا ما لا يليق بجلاله سبحانه خلافا لما يشيعه عليهم المجسمة والمشبهة ، فأهل السنة عبارة عن علماء متمكنين في جميع علوم الاجتهاد وآلاته كالتوحيد والأصول والحديث رواية ودراية والعربية بعلومها من بلاغة وبيان ونحو وصرف ، فالفرد منهم لا يصف الله تعالى بصفة حتى يستقرئ جميع الأدلة الواردة في هذه الصفه ثم يزن ذلك بالقواعد الشرعية المستقاة من كليات أدلة الكتاب والسنة ثم إما يطلق تلك اللفظة صفة على المولى سبحانه وإما يمنع اطلاقها وهكذا ، ولا بد من ضرب الأمثلة على ذلك : فمثلا النسيان والضحك والمكر والهرولة والمشي والمرض والجوع ألفاظ أو معاني وردت في الكتاب والسنة الصحيحة مضافة إلى الله سبحانه مع إننا نقطع انها ليست صفات له فلا نقول : يا ناسي ولا يا مهرول ولا يا

[ 5 ]

ماكرولا يا ضاحك ولا يا ماشي ولا يا مريض ولا يا جائع ، بل لا يشك عاقل أن من أطلق هذه الألفاظ على الله تعالى أو بعضها فهو في خطر عظيم لأنه وصف الله تعالى بمالا يليق به من النقص أو ما يدل عليه أو ما فيه نسبة الشين إليه . فمثلا النسيان : ورد في القرآن الكريم إضافته إلى الله تعالى ، قال تعالى : (نسوا الله فنسيهم) (توبة : 67) وقال تعالى : (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) (الأعراف : 51) والنسيان قطعا ليس من صفاته سبحانه ، وان ورد في القرآن ، لأنه يدل على النقص ، والنقص مستحيل على الله تعالى كما هو مقرر في قواعد الدين وعلم التوحيد ، ولأن الله تعالى يقول : في كتابه العزيز : (وما كان ربك نسيا) ، (مريم : 64) ولأن الله تعالى يقول : (لا تأخذه سنة ولا نوم) (البقرة : 254) فتعين بذلك أن النسيان ليس من صفات الباري سبحانه وإن أضيف إليه في مواضع من كتابه ، ولذلك أول السلف الصالح هذه اللفظة لأنها توهم النقص في حق الله سبحانه ، ولأن السلف رضوان الله عليهم كانوا قد أوتوا النصيب الأكبر والأعظم من العلم ولم يكونوا يصفونه تعالى ويطلقون عليه الأسماء والصفات إلا بعد النظر العميق الثاقب في القواعد الشرعية الثابتة في الكتاب والسنة مع النظر في معاني تلك الألفاظ في اللغه العربية التي نزل القرآن الكريم بها (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) وإن وردت تلك الألفاظ في القرآن والسنة كما أسلفنا ، وبعد ذلك يطلقون أو يؤولون ، قائلين المراد من هذه اللفظة هنا كذا ، أو معنى هذه اللفظة كذا فالنسيان مثلا الذي نحن بصدده مؤول بالترك ، فيكون معنى : (نسوا الله فنسيهم) أي تركوا طاعة الله تعالى وذكره وتوحيده وعبادته في الدنيا فيتركهم الله يوم القيامة خمسين ألف سنة مهملين في ضنك شديد ، وهذا مثل تأويل اليد بالقدرة أو بالقوة أو بالعناية أو بغير ذلك كما سيأتي ، وإليك نقل تأويل السلف للنسيان بالترك ، قال الإمام الحافظ بن جرير الطبري السلفي في

[ 6 ]

تفسيره (مجلد 5 / جزء 8 / صحيفة 202) : يقول الله جل ثناؤه : (فاليوم ننساهم كما نسوا لقاء يومهم هذا) أي ففي هذا اليوم وذلك يوم القيامة ننساهم ، يقول : نتركهم في العذاب المبين جياعا عطاشا بغير طعام ولا شراب ، كما تركوا العمل للقاء يومهم هذا ، ورفضوا الاستعداد له بإتعاب أبدانهم في طاعة الله . وقد بينا معنى قوله : (ننساهم) ، بشواهده فيما مضى بما أغنى عن إعادته وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل (1) . ذكر من قال ذلك : . . . . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله (ننساهم) ، قال : نتركهم في النار . . . . . وحدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قا ل : ثني معاوية عن علي ، عن ابن عباس (فاليوم ننساهم (2) كما نسوا لقاء يومهم هذا) قال : نتركهم من الرحمة كما تركوا أن يعملو اللقاء يومهم هذا . اه‍ باختصار كلام الحافظ الطبري . فإذا تأملت هذا التقرير ، وتأملت في منهج الحشوية المجسمة والمشبهة الذين يصرون على التمسك بظواهر الألفاظ ، والذين ينكرون التأويل والمجاز ، ويدعون أن التأويل لم يكن في السلف أوفي أهل الحديث الراسخين في العلم ، كالإمام أحمد والبخاري رحمهما الله تعالى ، والذين يضللون من أول بعض الألفاظ التي يتوهم العامة والبسطاء أنها صفات لله تعالى ، ويصفونهم بالجهمية والمعطلة ، علمت وتحققت أنهم بعيدون عن التحقيق ناؤون عن الصواب ، وخصوصا إن علمت أن أمثال الإمام أحمد والإمام البخاري يؤولون


(1) ومنه يتبين أن المعنى والتأويل والتفسير شئ واحد خلافا لمن حاول التفريق بينهم . (2) قال العلامة اللغوي الراغب الأصفهاني في كتابه المفردات : وإذا نسب ذلك إلى الله أي النسيان - فهو تركه إياهم استهانة بهم ومجازاة لما تركوه . اه‍ (*) .

[ 7 ]

بعض الألفاظ الواردة التي لا يجوز عدها من صفات الباري سبحانه كلفظة الضحك وهي ثاني الأمثلة التي أوردناها في مقدمة هذه المقدمة فقد ثبت أن الإمام البخاري رحمه الله تعالى أول الضحك الوارد في الحديث بالرحمة ، كما ذكره الإمام الحافظ البيهقي في كتابه الأسماء والصفات (صحيفة 298 بتحقيق الإمام الكوثري) حيث قال : وأما الضحك المذكور في الخبر فقد روى الفربري عن محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله أنه قال : معنى الضحك فيه الرحمة . اه‍ وأما الإمام أحمد رحمه الله تعالى أحد شيوخ الحديث والسنة في عصور السلف فقد ثبت عنه التأويل ايضا ، روى الحافظ البيهقي في كتابه مناقب أحمد (مخطوط) ومنه نقله الحافظ ابن كثير في كتابه البداية والنهاية (10 / 327) قال : روى البيهقي عن الحاكم عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل أن أحمد بن حنبل تأول قول الله تعالى : (وجاء ربك) أنه جاء ثوابه . ثم قال البيهقي : وهذا إسناد لا غبار عليه . اه‍ وكذ نقله الإمام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه المسمى (بالباز الأشهب على مخالفي المذهب) أو المسمى أيضا (بدفع شبه التشبيه بأكف التنزيه) فتأمل . أقول : ولو صدر هذا التأويل من غير الإمام أحمد كأحد الأشاعرة لذمه المشبهة وقالوا عطل صفة المجئ الثابتة في القرآن ولرموه بالتجهم والتعطيل . وأول سيدنا بن عباس الصحابي رضي الله عنه لفظة (الساق) الواردة في قول الله تعالى (يوم يكشف عن ساق) بالشدة ، كما في فتح الباري (13 / 428) ومسند أحمد (3 / 17) لأن العرب تقول : كشفت الحرب عن ساقها إذا اشتدت ، لكون الحرب أ مرا معنويا ليست جسما له ساق وقدم ونحو ذلك . وأول سيدنا ابن عباص الأيدي في قوله تعالى : (والسماء بنيناها بأيد) بالقوة كما ثبت ذلك عنه في تفسير الحافظ ابن جرير والأيد في اللغة جمع

[ 8 ]

يد وهي الكف كما في مادة (يدي) في القاموس ، وعلى هذا النهج السديد الذى سلكه الصحابة والسلف وأهل الحديث في تأويل بعض الألفاظ سلك من جاء بعدهم من أهل السنة الأشاعرة والماتريدية كالحافظ البيهقي والحافظ النووي والبغوي وابن بطال وابن التين وابن حجر العسقلاني ، وما زال السطحيون أرباب الثقافة الدينية الضعيفة من المشبهة يرمونهم بالتعطيل والتجهم على ممر العصور ويثيرون الفتن ويضللون كثيرا من العامة الذين لا يميزون بين الغث والسمين ، وقد كان لهم - أعني الحشوية المشبهة - على ممر العصور من يشتغل بشئ من الحديث وينسب إلى الحفظ والأثر وهو لم يتلق باقي العلوم الضابطة الشارحة المبينة لعلم الحديث ، كالعربية والأصول والفقه على أحد ، فتنقل عنهم كلمات صريحة في التجسيم قالوها دون وعي بسبب ضعفهم العلمي كما نقل عن بعضهم أنه يثبت الحركة والجلوس والحد والجهة لله سبحانه ، تعالى عما يقولون وسبحانه عما يصفون ، وهؤلاء الذين اشتغلوا بعلم الحديث ولم يقرأوا باقي علوم الشريعة الغراء يصف حالهم ويجلي أمرهم الإمام الكوثري فيقول معلقا على قول الحافظ تقي الدين بن فهد في كتابه لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ ص 261 في ترجمة ابن الشرايحي : (ونشأ أميا لا يقرأ ولا يكتب وكان حافظا لا يدانى في معرفة الأجزاء . . .) الخ . قال الإمام الكوثري رحمه الله تعالى معلقا : تراه نشأ عاميا لا يكتب ولا يقرأ كالمسند الشيخ يوسف الغسولي الذي يقول عنه ابن العماد كان أميا لا يكتب مع أنه من مشايخ الذهبي ، وكالمسند إسماعيل بن أبي عبد الله العسقلاني الراوي عن حنبل الرصافي وابن طبرزد وعنه يقال أيضا انه كان أميا لا يقرأ ولا يكتب . ولأمثاله كثرة بين الرواة على اختلاف القرون بل غالبهم بمجرد تعلمهم حروف التهجي في الكتاتيب ينصرفون إلى الراوية وإلى ملازمة مجالس السماع من صغرهم قبل تحصيل مبادئ العلوم

[ 9 ]

الضرورية فيبقون من أبعد خلق الله عن النظر والتبصر ، ومن ثمة كان صاحب الترجمة رحمه الله تعالى كبير التساهل في تسميع المترددين إليه كل ما بلغه من أجزاء أناس من المشبهة لا يتحملها أهل العلم منهم إلا لتسجيل بدعتهم عليهم ليرد عليهم المتبصرون من العلماء نحلتهم ، وفي بعض تلك الأجزاء صريح نسبة القعود والجلوس والمكان والحد والحركة وغيرها إلى ربهم وهذا مما تقشعر جلود الذين يخشون الله من نسبته إليه تعالى عما يصفون . وان كان بين هؤلاء من شهر بالرواية لكن لم يزالوا على عاميتهم لبعدهم عن أهل العلم وعدم ممارستهم النظر وتعودهم أن يعيشوا أمة وحدهم مغترين بكثرة الملازمين لهم لتحمل ما عندهم من الروايات ولم يستأصل الإسلام من عقولم بعد شأفة نحلهم التي كانوا عليها قبل الإسلام . . . الخ كلامه رحمه الله تعالى أقول : ولفظ المرض والجوع أيضا وإن ورد في السنة الصحيحة مضافا لله تعالى فلا يصح عند أي مسلم عاقل اطلاقه على الباري سبحانه . وفي الحديث الوارد فيه لفظ الجوع والمرض تعليم صريح لنا من الله تعالى ورسوله (ص) للتأويل في مثل هذه الألفاظ ، والحديث رواه مسلم وهو حديث قدسي بلفظ : (يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ، قال : يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين . قال : أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده ، أما أنك لو عدته لوجدتني عنده . . .) الحديث ففيه إضافة المرض إليه ولا يصح حقيقة وصفه سبحانه بذلك لأنه مؤول بمرض عبده لأنه لا يمرض بل يستحيل هذا عليه عقلا ونقلا (وان ثبتت لفظة مرضت) ، وهكذا كل لفظ موهم للنقص ما زال العلماء من السلف والخلف يصرفونه من أن يطلق صفة لله سبحانه فما بال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا فيرمون المسلمين بل علماء المسلمين بالتجهم والتعطيل زورا والعجب العجاب أنهم لا يرمون أمثال الدشتي الحنبلي صاحب كتاب (اثبات الحد لله عزوجل وأنه قاعد وجالس على عرشه) بالتجسيم والتشبيه ، ولا يرمون الحافظ الجمال بن عبد الهادي الحنبلي بالتجسيم والتشبيه وهو

[ 10 ]

الذي ثبت خطه على جزء الدشتي (والذي كان يسمعه) لأهله وخاصته ، ولا ابن تيمية الذي يصف الله بالحد والجلوس والجهة وقيام الحوادث به سبحانه والحركة ، ولا ندري ما السبب في ذلك . وعلى كل حال فلا يجوز للعلماء أن يتقاعسوا عن السهر على مداخل الفساد في الدين في وقت ، أصيب فيه مسلمو هذا العصر (فيما 4 أصيبوا) بمن يدر الرزق على ناشري نحلة التجسيم ومحاربة الفقه المتوارث ، حيث قام أناس جياع متحللون من كل قيد - غيروا الشكل لأجل الأكل يحملون حملات شعواء على القائمين بالدفاع عن حريم الإسلام متظاهرين بإنكار البدع والدعوة إلى السنة ولسنا نذكر الآن أسماء القائمين بتلك الدعوة في الأقطار بل نرجئه إلى موضع ووقت مناسب ، فانما نغفل أبا جهل مراعاة لخاطر عكرمة ، ولا بدأن يعلم العلماء المتقاعسون عن القيام بواجبهم علما مؤكدا بأن الباطل زاهق في كل مكان ، والحق لا يعدم نصيرا في كل زمان ، وان نصير الباطل صريع مخذول وعدو الحق هالك مرذول ، فعلى المرء كل أن يقوم بواجبه في كل وقت ، والنجاح إلى الله سبحانه وليس بيد العبد .

[ 11 ]

(بسم الله الرحمن الرحيم) الحمد لله المنفرد بالإرادة والتدبير . المنزه عن الشبيه والنديد والنظير . ليس كمثله شئ وهو السميع البصير . له الأسماء الحسنى ، والصفات العلا (1) ، وهو العلي الأعلى ، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور . والصلاة والسلام على سيدنا محمد البشير النذير ، والسراج المنير ، وعلى آله المطهرين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . أما بعد : فهذا جزء بينت فيه أشياء منتقدة في كتاب الأربعين في دلائل التوحيد ، لأبي اسماعيل الهروي (*) ، وقد طبع في السنة الماضية 1404 ه‍ بتعليق علي بن محمد بن ناصر


(1) يشير بذلك إلى أن أهل السنة - الأشاعرة والماتريدية - لا ينفون صفات الله تعالى ولا يعطلونها كما يرميهم بذلك المشبهة والمجسمة ، فهم يثبتون لله تعالى صفاته العلية كالسمع والبصر والعلم والقدرة والإرادة والكلام والحكمة . . . . لكنهم ينفون عن المولى سبحانه ما يتوهمه أهل التشبيه من أنها صفات له سبحانه كالهرولة والحركة والجلوس والحد الذي لم يرد في كتاب أو سنة أنها من صفاته عزوجل وأشباه هذا مما ترده قواعد الكتاب والسنة . (*) أبو إسماعيل الأنصاري الهروي هذا سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في آخر هذه الرسالة وملخص ما سيأتي : أنه رجل مشبه مجسم متصوف اشتغل بالحديث وليس له فيه باع كبير كما سيتضح من نقد كلامه ، كان يكفر الأشعرية ويقول أن ذبائحهم لا تحل ، ومن العجيب أنه جمع بين التصرف والتجسيم الذي ابتلي به بعض الحنابلة . رماه ابن تيمية بأنه اتحادي وهو كذلك وله أبيات مذكورة في شرح الطحاوية تدل على أنه حلولي اتحادي وسيأتي الكلام عليها . (*) .

[ 12 ]

الفقيهي (2) ، وأبو اسماعيل الهروي وإن كان حافظا فإنه ضعيف في العربية وقواعد الاستدلال ، كما يتبين من نقدنا له بحول الله . (أولا) : مقدمة الفروع الفقهية المتعلقة بالعبادات والمعاملات مبنية على الظن ، واليقين فيها قليل (3) ، ولذلك حصل فيها الخلاف بين الصحابة


(2) كتب علي الفقيهي ردا على المصنف لكنه لم يجد فيه ولم يصب ، إذ أنه حرف كلام الأئمة الذين نقل أقوالهم فحذف منه ما لم يوافقه وبترما ليس في صالحه ، وجعل أقوال الرجال المخطئة مقدمة على نصوص الكتاب والسنة والقواعد العامة النافية للتشبيه والتجسيم ، وقد رددت عليه وبينت بعض أخطائه بشكل خاص كما بينت أخطاء المجسمة والمشبهة بشكل عام وكشفت فيه كثيرا من تلاعباتهم وتدليساتهم في كتاب خاص دافعت فيه ودفعت تطاول المتحذلقين على المحدث الغماري والعلامة الصابوني ، هذا واني أسال الله تعالى أن يكرم الأخ الفقيهي بالهداية إلى خير طريق ونحن ندعو له بالإعانة والتوفيق جعلنا الله هداة مهديين لا نسعى لنصر الباطل بالعصبية والتلفيق . (3) يعني أن نصوص الأحكام الفقهية التي تتعلق بالفروع غالبها ظني الثبوت وظني الدلالة ولذلك حصل الاختلاف في الفروع وانظر كتاب : (أثر الحديث الشريف في اختلاف الأئمة الفقهاء) للأستاذ العلامة محمد عوامة حفظه الله تعالى ، ثم انظر في المجموع والمصنف لعبد الرزاق وكتاب ابن أبي شيبة ، ولو كانت الأدلة قطعية الثبوت والدلالة لما حصل اختلاف في الفروع بين الصحابة رض الله عنهم ومن جاء من بعدهم من علماء السلف الصالح ، لكن العقيدة لا بد فيها من القطع ولا نستطيع أن نعتقد في الله تعالى ما يفيد الظن ويحتمل الخطأ ، وحديث الآحاد لا يفيد الا الظن كما صرح بذلك الأئمة النقاد وإليك نقل بعض أقوالهم : 1 - قال الإمام الحافظ النووي في شرح المهذب (4 / 342) : ومتى خالف خبر الآحاد نص القرآن أو إجماعا وجب ترك ظاهره . اه‍ 2 - وقال الإمام الشيخ أبو منصور عبدالقاهر البغدادي (ت 429 ه‍) في كتابه أصول الدين ص 12 ما نصه : (*) .

[ 13 ]

والتابعين وأئمة المذاهب ، وكان فيهم المخطئ والمصيب ، ولم يضلل أحد منهم مخالفه إذا أخطأ (4) ، بل يعتقدون أنهم جميعا على هدى ، وسنة ، وأن المخطئ مأجور على اجتهاده . أما التوحيد ، فالأمر فيه يختلف ، لأن اليقين في مسائله ، مطلوب حتما . خصوصا ما يتعلق بصفات الله تعالى . فلا يجوزأن نثبت له صفة إلا بشروط : وأخبار الآحاد متى صح اسنادها وكانت متونها غير مستحيلة في العقل كانت موجبة للعمل بها دون العلم . اه‍ . 3 - وقال الإمام الشافعي رحمه الله تعالى كما في سير أعلام النبلاء (10 / 20) : وعن يونس سمع الشافعي يقول : الأصل القرآن والسنة وقياس عليهما ، والإجماع أكبر من الحديث المنفرد اه‍ رواه الحافظ أبو نعيم في الحلية عن الشافعي (9 / 105) وابن أبي حاتم في آداب الشافعي (231 ، 233) والحافظ البيهقي في مناقب الشافعي (2 / 3 0) . 4 - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (13 / 231) : - ناقلا قول الكرماني مقرا له - : قال الكرماني ليعلم إنما هو - أي خبر الآحاد - في العمليات لا في الاعتقاديات ، اه‍ وانظر حاشية المحدث علي القاري على شرح النخبة لابن حجر ص (37) تجد مثل ذلك . قلت وذكر هذا الأمر أيضا جماعات من أهل العلم كما بينت في كتابي (إلقام الحجر للمتطاول على الأشاعرة من البشر) وكتابي (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) كالخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه) (1 / 132) والشوكاني في ارشاد الفحول ص (48) وأقول أيضا : أن ابن تيمية الذي اضطرب كلامه في هذه المسألة يعترف في منهاج سنته (2 / 133) بذلك فيقول : (الثاني : إن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الايمان إلا به ؟) . اه‍ فتأمل . (4) وقد سلك الشيخ الألباني غير هذا السبيل فضلل مخالفيه في المسائل الفرعية ولو كانت في أبواب الطهارة وهذا بلا شك خلاف نهج السلف الصالح ، فالشافعي خالف مالك ، رحمهما الله تعالى ولم يضلله وكذا الإمام أحمد خالف الشافعي ولم يضلله والأمثلة في ذلك كثيرة لا تكاد تحصى ، والمقرر في الأصول أن المخالف في الفروع يقال له مخطئ ، (*) .

[ 14 ]

أحدها : أن يثبت التصريح بها في آية أو حديث مقطوع به (5) ثانيها : ألا يدخلها احتمال المجاز أو التأويل (6) . ثالثها : ألا يكون من تصرف الراوي إذا جاءت في حديث (7) والمخالف في أصول الاعتقاد يقال له ضال . ومن تتبع كتب الألباني تأكد أنه يرمي مخالفيه في الفروع بالضلال ، وحملته على الشيخ الأنصاري في مقدمة الطبعة الجديدة لآداب زفافه تثبت ذلك ، وهو يرمي مخالفيه غالبا بأنهم أعداء السنة والتوحيد وهورمي خطير همجي ، فتراه يصف الشيخ شعيب الأرناؤوط وغيره مثلا بأنه من أهل الأهواء ، ويرمي المحدث الأعظمي بأنه عدو السنة والتوحيد فيما يزعم لأنه أعان الشيغ الأنصاري كما يزعم في بيان أدلة عدم تحريم الذهب على النساء ، ومعلوم بالبداهة أن عدو السنة والتوحيد هو الكافر ، لأن الإنسان إما أن يكون عدو السنة والتوحيد وإما أن لا يكون ، فان كان عدوا لهما كان كافرا بلا شك ولا ريب ، ولا أظن أن الألباني يقول بمنزلة بين المنزلتين كواصل بن عطاء إمام المعتزلة ، وأعود فأقول ومن أراد أن يطلع على نماذج مما ذكرناه عن الألباني فليطالع مقدمته الجديدة لآداب زفافه ، ولدي شريط مسجل بصوت الألباني يقول فيه أن مخالفه ولو في مسألة في أبواب الطهارة ضال وهو يحتج بقوله تعالى (فماذا بعد الحق إلا الضلال) وأصغر طلاب العلم يعلم أن الآية نازلة في الكفار وأن المراد منها : فماذا بعد الإيمان إلا الكفر ، أعاذنا الله تعالى والمؤمنين من ذلك . (5) وقد قدمنا الكلام في إثبات ذلك فتأمله . (6) تقدم في المقدمة أن السلف أولوا الساق في قوله تعالى : (يوم يكشف عن ساق) بالشدة ، والأيدي في قوله تعالى : (والسماء بنيناها بأيد ، بالقوة ، والنسيان في قوله تعالى : (نسوا الله فنسيهم) بالترك وثبت ذلك بالأسانيد الصحيحة عن ابن عباس رضى الله عنهما وكبار أئمة التابعين ومن بعدهم كما في تفسير الحافظ ابن جرير الطبري السلفي . ومثال ذلك في الحديث حديث النزول فقد أول بنزول الملك كما جاء في رواية صحيحة ستأتي إن شاء تعالى ، اتضح بها أن نزول الله تعالى في الثلث الأخير نزولا مجازيا . (7) كما جاء في حديث الجارية فإن بعض الرواة رووه بلفظ : (فقال لها : أين الله ؟ قالت : في السماء . . .) الحديث كما وقع في صحيح مسلم وغيره ، وبعضهم رواه بلفظ : (فقال لها أين الله ؟ فأشارت إلى السماء . . .) الحديث كما عند أحمد وغيره بأسانيد صحيحه . أنظر مجمع الزوائد (1 / 24) . (*) .

[ 15 ]

(ثانيا) : ليس كل تأويل في بعض صفات الله تعالى ، باطلا مردودا كما يزعم غلاة المثبتة (8) ، بل إذا كان التأويل قريبا يحتمله اللفظ ، ولا يرده المعنى ، وجب قبوله (9) .


وبعضهم رواه بلفظ : (فقال لها : أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ قالت : نعم . . .) الحديث وهذا اللفظ الثالث هو المعتمد الموافق لما تواتر عنه (ص) كما سيأتي ، فعلى الأقل إن لم يكن مرجحا لأحد الألفاظ لا يصح أن يجزم بواحدة من هذه الروايات فيها كلمة زائدة بأن تلك الكلمة صفة لله تعالى للشك فيها ، بغض النظر على كونها من الآحاد أو من المقطوع به ، أو من المعارض الموهم أو من المتشابه أو غير ذلك . (8) وذلك لأن السلف الصالح أولوا بلا شك ولا ريب وتفسير ابن جرير الطبري الحافظ السلفي المتوفى سنة (310 ه‍) من أكبر الأدلة على ذلك والعجب ان غلاة المثبتة يزعمون أنهم متمسكون بما عليه إمام السنة أحمد بن حنبل مع أن الإمام أحمد كان مؤولا كما نقلنا عنه في المقدمة أنه أول (وجاء ربك) فقال : جاء ثوابه . وأول أشياء أخرى فهلا رموه بالتجهم والتعطيل ؟ ! بل غلاة المثبتة يؤولون قوله تعالى : (وهو معكم) بالعلم مع أنهم ينقلون الإجماع على عدم وجوب التأويل ، ويقولون أن في الآية قرينة تدل على أن المراد المعية بالعلم ، ونحن نقول أن العلو والاستواء هو علو واستواء وفوقية بالقهر لأن لفظ القهر ورد في كتاب الله تعالى في قوله عزوجل : (وهو القاهر فوق عباده) ، وبلغني أن الشيخ محمد صالح العثيمين قال : وعقيدتنا أن الله تعالى معية حقيقية ذاتية تليق به وتقتضي إحاطته بكل شئ علما وقدرة وسمعا وبصرا . . . الخ فتأمل . (9) ومثال ذلك حديث النزول وهو حديث أبي هريرة مرفوعا : (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له) . ورد له تأويل في حديث صحيح بأن النزول نزول ملك ، فقد روى النسائي في عمل اليوم والليلة بسند صحيح من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا : (ان الله عزوجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ينادي هل من مستغفر يغفر له . . .) الحديث ولم ينفرد بهذه الرواية حفص بن غياث كما زعم الألباني فأنكرها تدليسا ، بل لها شواهد ومتابعات صحيحة انظر معجم الطبراني الكبير (9 / 51) ومجمع الزوائد (1 0 / 153) ومسند أحمد (4 / 22 و 217) وكشف الأستار (4 / 4 4) وفتح (*) .

[ 16 ]

(ثالثا) : إذا احتمل اللفظ معنيين : أحدهما يفيد تنزيه الله تعالى ، قدم على الذي لا يفيده ، لأن التنزيه واجب بإجماع المسلمين . وهذا حين الشروع في المقصود بعون الله . نقد باب إيجاب قبول صفة الله تعالى وروى بإسناده عن عبيدة عن عبد الله ، قال : جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي (ص) فقال : يا محمد إن الله يضع السموات على إصبع ، والأرضين على إصبع ، والجبال على إصبع ، والثرى على إصبع ، ثم يقول : أنا الملك ، قال : فضحك رسول الله (ص) ، حتى بدت نواجذه ، ثم قرأ (وما قدروا الله حق قدره) زاد فضيل : فضحك تعجبا وتصديقا له (10) .


الباري (3 / 30) وقد بسطت الكلام في ذلك في (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) . فتأويل نزول الله بنزول الملك هو الصحيح الثابت وهذا هو الذي تقتضيه قواعد مصطلح الحديث ، قال الحافظ العراقي في ألفيته : وخير ما فسرته بالوارد كالدخ بالدخان لابن صائد ولأن ظاهر لفظ : (ينزل الله) الانتقال من مكان إلى مكان وذلك محال في حقه سبحانه لتنزهه عن المكان والحلول والحركة . (10) قوله (وتصديقا له) ليست في كافة الروايات بل تفرد بها فضيل بن عياض وهي زيادة ثقة لكنها غير مقبولة لمعارضتها ظاهر الآية التي ذكرها النبي (ص) : (وما قدروا الله حق قدره) ، بل قال القرطبي كما نقل الحافظ في الفتح (13 / 398) : وأما من زاد (وتصديقا له) فليست بشئ فإنها من قول الراوي وهي باطلة لأن النبي (ص) لا يصدق المحال وهذه الأوصاف في حق الله محال . إذ لو كان ذا يد وأصابع وجوارح كان كواحد منا ، فكان يجب له من الافتقار والحدوث والنقص والعجز ما يجب لنا ، ولو كان كذلك لاستحال أن يكون إلها إذ لو جازت الإلهية لمن هذه صفته لصحت للدجال وهو محال ، فالمفضي إليه كذب فقول اليهودي كذب ومحال ، ولذلك أنزل الله في الرد عليه (وما قدروا الله حق قدره) وانما تعجب النبي (ص) من جهله فظن الراوي أن ذلك التعجب =

[ 17 ]

قلت : استدل على أن الأصبع صفة الله تعالى (11) ، بأن النبي (ص) أقر اليهودي على ما قال ، وبأن في بعض طرق الحديث زيادة : تعجبا وتصديقا له . وهذا لا يكفي أبدا في إثبات صفة الله تعالى ، واعتقادها كما يعتقد غيرها الثابت بطريق اليمين . تصديق وليس كذلك ، فان قيل قد صح حديث : (إن قلوب بني آدم بين إصبعين من أصابع الرحمن) فالجواب : أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه مع القطع باستحالة ظاهره . . . اه‍ كلام القرطبي وترجيح الحافظ بعد ذلك التأويل على رد ما فهمه الراوي غير متجه فليتأمل . وهذه الأبواب التي يعقدها أمثال الهروي في تصوير أن الله شخص له أصابع وأيدي ورجل وقدم وعين واعين وعينان وصورة وحد هو العودة إلى الوثنية الأولى بلا شك ولا ريب وما كتبه الإمام الكوثري في مقالاته وغيرها عن أهل هذه النحلة فلا شك في صحته وادعاؤه عليهم بأنهم وثنيون كعباد الأصنام لا ريب فيه ، لأنهم متغافلون عن التنزيه الذي هو الأصل الثابت في كتاب الله وفي كلام رسوله التالي لقوله تعالى : (وما قدروا الله حق قدره) ولقوله تعالى (ولم يكن له كفوا أحد) ولقوله تعالى : (ليس كمثله شئ) وقوله (ص) في دعائه : (اللهم أنت الأول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وانت الباطن فليس دونك شئ . . .) الحديث رواه مسلم وإقراره (ص) لمن أثنى على الله تعالى فقال : (يامن لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون ولا تغيره الحوادث . . .) الحديث رواه الطبراني بسند صحيح انظر مجمع الزوائد (10 / 158) . (11) لا أعتقد أن عاقلا يستدل بهذا الحديث على إثبات الأصبع صفة لله تعالى وخصوصا على ظاهره وحقيقته ، والعجيب الغريب وإن كان لا عجب من حشوية الحنابلة أن الحافظ أبو بكر بن العربي قال في العواصم (2 / 2 83) : أخبرني من أثق به من مشيختي أن القاضى أبا يعلى الحنبلي كان إذا ذكر الله سبحانه يقول فيما ورد من هذه الظواهر في صفاته تعالى : (ألزموني ما شئتم فاني التزمه إلا اللحية والعورة) قال بعض أئمة أهل الحق وهذا كفر قبيح واستهزاء بالله تعالى شنيع وقائله جاهل به تعالى لا يقتدى به ولا يلتفت إليه ولا متبع لإمامه الذي ينتسب إليه ويتستربه بل هو شريك للمشركين في عبادة الأصنام فإنه ما عبد الله ولا عرفه ، وإنما صور صنما في نفسه فتعالى الله عما يقول الملحدون والجاحدون علوا كبيرا اه‍ .

[ 18 ]

وإليك البيان : (أولا) : تقرير النبي (ص) حجة ، إذا كان تقريرا لمسلم ، أما غير المسلم فلا . هذا هو المقرر في علم الأصول . قال الشوكاني في إرشاد الفحول (12) في مبحث التقرير : ولا بد أن يكون المقرر منقادا للشرع ، فلا يكون تقرير الكافر على قول أو فعل ، دالا على الجواز ، قال الجويني : ويلحق بالكافر المنافق ، وخالفه المازري ، فقال : إنا نجري على المنافق أحكام الإسلام في الظاهر ، وأجيب عنه بأن النبي (ص) كان كثيرا ما يسكت عن المنافقين ، لعلمه أن الموعظة لا تنفعهم اه‍ . فسقط كلام ابن خزيمة ، لأنه مخالف لما تقرر في الأصول (13) .


. (12) انظر إرشاد الفحول ص (41) وهذا هو الصحيح الراجح المؤيد بالأدلة وما وقع في العدة (1 / 127 - 128) خطأ محض فتنبه . ومن عجيب ما قرأته أن الألباني يقر الذي قررناه وهو لا يدري في (تحذير الساجد) ص 57 الطبعة الرابعة فيقول : لا يصح أن يعتبر عدم الرد عليهم - أي الكفار - إقرارا لهم إلا إذا ثبت أنهم كانوا مسلمين وصالحين متمسكين بشريعة نبيهم . . . . وحينئذ فعدم الرد عليهم لا يعد إقرارا بل إنكارا ، لأن حكاية القول عن الكفار والفجار يكفي في رده عزوه إليهم ! فلا يعتبر السكوت عليه إقرارا كما لا يخفى اه‍ . (3 ا) لأن ابن خزيمة اشتد إنكاره في (كتاب التوحيد) الذي ندم بأخره على تصنيفه بعد إيراده لحديث الأصابع على من أنكر أن ضحكه (ص) ضحك إنكار وهذا خطأ وقع فيه ابن خزيمة ، وكتابه التوحيد الذي يصفه الفخر الرازي في تفسيره (14 / 27 / 151) بكتاب الشرك ندم ابن خزيمة على تصنيفه كما جاء عنه بإسنادين في الأسماء والصفات للبيهقي ص (267) بتحقيق الإمام العلم الكوثري . وقد شنع على ابن خزيمة أيضا الحافظ ابن الجوزي وابن فورك . (*) .

[ 19 ]

(ثانيا) : إن ضحك النبي (ص) ليس نصا في تصديق اليهودي كما فهم الراوي ، بل يحتمل الإنكار . وتلاوة الآية أولى بالدلالة على الإنكار لأن الآية لا ذكر فيها للأصابع . وإذا احتمل الدليل وجهين ، سقط به الاستدلال (14) . (ثالثا) : إن الأصابع لم تأت في خبر مقطوع به كما قال الخطابي ووافقه الحافظ ابن حجر في فتح الباري (15) . (رابعا) : أنها لم تخل من تأويل صحيح موافق للغة العرب . قال الخطابي : ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي ، فإن اليهود مشبهة ، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ، ولا تدخل في مذاهب المسلمين . وأما ضحكه (ص) من قول الحبر ، فيحتمل الرضا والإنكار ، وأما قول الراوي : تصديقا له ، فظن منه وحسبان ، وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظا ، فهو محمول على تأويل قوله تعالى (والسموات مطويات بيمينه) أي قدرته على طيها ، وسهولة الأمر في جمعها بمنزلة من جمع شيئا في كفه ، واستقل بحمله من غير أن يجمع كفه عليه ، بل يقله ببعض أصابعه ، وقد جرى في أمثالهم : فلان يقل كذا بإصبعه ، ويعمله بخنصره اه‍ وستأتي بقية لهذا البحث ، في باب إثبات الأصابع لله عزوجل إن شاء الله . قال : نقد في باب الرد على من رأى كتمان أحاديث صفات الله تعالى وروى من طريق الترمذي في سننه عن حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك عن النبي (ص) في قوله عزوجل (فلما تجلى ربه للجبل (14) تقرر في علم الأصول أن الدليل إذا طرأه الاحتمال سقط به الاستدلال . (15) انظر فتح الباري (13 / 398) وقد تقرر فيما قدم المصنف ودللنا عليه أنه لا تثبت العقائد إلا بخبر مقطوع به لا يحتمل التأويل ولم يتصرف به الراوي .

[ 20 ]

جعله دكا) أشار أنس بطرف إصبعه على أول بنان من الخنصر ، وكذلك أشار ثابت البناني ، فقال له حميد الطويل : ما تريد بهذا يا أبا محمد ؟ فرفع ثابت يده فضرب صدره ضربة شديدة ، وقال : من أنت يا حميد ؟ وما أنت يا حميد ؟ يحدثني أنس بن مالك عن النبي (ص) وتقول أنت ! ما تريد بهذا ؟ اه‍ . وأقول : حماد بن سلمة وإن كان ثقة ، فله أوهام ، كما قال الذهبي ، ولم يخرج له ا لبخار ي (16) . ومن أوهامه ما رواه عن عكرمة عن ابن عباس (رأيت ربي جعدا أمردا عليه حلة خضراء) . وروى عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس : أن محمدا رأى ربه في صورة شاب أمرد دونه ستر في لؤلؤ ، قدميه أو رجليه في خضرة (17) . قال الذهبي في الميزان : فهذا من أنكر ما أتى به حماد بن سلمة ، وهذه الرؤية رؤية منام إن صحت (18) اه‍ . قلت : حديث المنام ، رواه الترمذي بلفظ : رأيت ربي في صورة حسنة (19) . وهذا اللفظ لا نكارة فيه ، والصورة معناها الصفة وفي المسند : (رأيت ربي) (20) .


(16) وأقول : حماد بن سلمة : إمام ثقة ، لكن لا ينبغي أن تقبل أخباره في الصفات البتة لأن ربيبيه كانا يدسان في كتبه ما شاءا وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء (7 / 452) : إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه . . . فالاحتياط أن لا يحتج به فيما يخالف الثقات اه‍ كلام الذهبي . قلت : فما بالك برواياته التي يخالف بها نصوص التنزيه في الكتاب والسنة ؟ ! فتدبر . (17) وأورد الحديث الذهبي في سير أعلام النبلاء (10 / 113 - 114) في ترجمة شاذان ثم قال : وهو خبر منكر نسأل الله السلام في الدين . . . . ورواته وإن كانوا غير متهمين ، فما هم بمعصومين من الخطأ والنسيان اه‍ . (18) انظر الميزان (1 / 594) . (19) لم أجده في في الترمذي . (2 0) انظر المسند (1 / 285 ، 29 0) . (*) .

[ 21 ]

فزيادة في صورة شاب أمرد ، تجسيم صريح ، لا يعتقده مسلم ، وإنما يليق بعقيدة اليهود لعنهم الله . ثانيا : لو فرضنا صحة نسبة الأصابع لله تعالى ، فهي كما قال ابن بطال في شرح البخاري : لا يحمل ذكر الإصبع على الجارحة ، بل يحمل على أنه صفة من صفات الذات ، لا تكيف ولا تحدد ، وهذا ينسب للأشعري (21) اه‍ . ولا يجوز أن نثبت فيها خنصرا وإبهاما وبنانا ، فإن هذا تكييف وتشبيه صريح ، لا يليق بالله سبحانه ، وهذا الحديث لا يكفي في إثبات ذلك ، روى البيهقي في الأسماء والصفات عن قتادة عن النبي (ص) قال : (ان الله لما قضى خلقه استلقى ثم وضع إحدى رجليه على الأخرى ، ثم قال : لا ينبغي لأحد من خلقي أن يفعل هذا) (22) ، وقال : هذا حديث منكر لم أكتبه إلا من هذا (21) قلت : وهذا الوجه الذي ذكره ابن بطال ضعيف بل باطل مردود عندنا ، ولو ثبت أن الأشعري يقول به لم نقل به . (22) هذا حديث موضوع بهذا السياق والنبي (ص) لم يعلم أمته ذلك إنما قص على الصحابة ما قص عليه يهودي مجسم يقول باستلقاء الله على العرش للاستراحة ، وقد رد الله ذلك في كتابه إذ قال : (ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب فاصبر على ما يقولون) . والحديث نسبه المجسمة إلى النبي (ص) على أنه من كلامه وتعاليمه وحاشاه من ذلك حاشاه ، والحديث رواه عبد الله بن أحمد كتاب السنة وقد حذفه الطابعون من الكتاب لاستشناعه واستفظاعه ورواه الخلال في كتاب السنة والطبراني في المعجم الكبير (19 / 13) وهو في مجمع الزوائد (8 / 100) ومن تدليس الألباني أنه ذكر الحديث في مختصر العلو ص (98) الطبعة الأولى حديث رقم (38) بلفظ : (لما فرغ الله من خلقه استوى على عرشه) فقال رواته ثقات ، رواه أبو بكر الخلال في كتاب السنة له اه‍ . ثم قال في الحاشية : وذكر ابن القيم في الجيوش الإسلامية ص (34) أن إسناده صحيح على شرط البخاري اه‍ . قلت : لو كان الألباني يعي ما يقول لما قلد الذهبي وابن القيم هنا ولبين حال الحديث وأصله وأنه موضوع مكذوب ولكنه لما كان موافقا لمشربه العكر زاد في الستر عليه والتعمية مع أنه يرد على الذهبي ولا يقبل قوله متى خالف هواه ومثال ذلك قوله في صحيحته (1 / 287 حديث 175) فقول الذهبي فيه : لا يعرف ، مما لا يعرج عليه بعد توثيق =

[ 22 ]

الوجه ، فليح بن سليمان مع كونه من شرط البخاري ومسلم فلم يخرجا حديثه هذا في الصحيح ، ثم روى عن عروة بن الزبير : أن أباه سمع رجلا يحدث حديثا عن النبي (ص) ، فاستمع له ، حتى إذا قضى الرجل حديثه ، قال له الزبير : أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) ؟ قال الرجل : نعم ، قال : هذا وأشباهه مما يمنعنا أن نحدث عن النبي (ص) قد لعمري سمعت هذا من النبي (ص) وأنا يومئذ حاضر ، ولكن رسول الله (ص) ابتدأ هذا الحديث ، فحدثنا عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه ، فجئت أنت يومئذ بعد أن قضى صدر الحديث ، وذكر الرجل من أهل الكتاب ، فظننت أنه من حديث رسول الله (ص) . قال البيهقي : ولهذا الوجه من الاحتمال ، ترك أهل النظر من أصحابنا الاحتجاج بأخبار الآحاد في صفات الله تعالى ، إذا لم يكن لما انفرد منها أصل في الكتاب أو الإجماع واشتغلوا بتأويله . ثم تكلم على بيان بطلان حديث الاستلقاء 357 من الأسماء والصفات . قلت : وحديث الاستلقاء موضوع بلا شك . وقد ثبت النهي عن وضع الرجل على الرجل ، بدون زيادة الاستلقاء ففي المسند عن أبي النضر : أن أبا سعيد كان يشتكي ، فدخل عليه أخوه ، وقد جعل إحدى رجليه على الأخرى ، فضرب بيده على رجله الوجعة فأوجعه ، فقال أوجعتني أو لم تعلم أن رجلي وجعة ؟ قال : بلى ، قال : فما حملك على ذلك ؟ قال : أو لم تعلم أن رسول الله (ص) قد نهى عن هذه ؟ . قال الهيثمي : رجاله رجال الصحيح إلا أن أبا النضر لم يسمع من أبي سعيد . قال البيهقي : وأما النهي عن وضع الرجل إحدى رجليه على الأخرى . فقد رواه أبو الزبير عن جابر عن النبي (ص) دون هذه القصة ، وحمله أهل العلم هذين الإمامين له اه‍ . أقول : أيضا مقلد الألباني المدعو بحمدي السلفي لم يبين في تعليقه على المعجم (19 / 13) أن الحديث موضوع مستحيل على الله تعالى مردود بنص الكتاب العزيز ، فلنتأمل في تحقيقات وتخريجات أرباب هذه النحلة . (*) .

[ 23 ]

على ما يخشى من انكشاف العورة إذا رفع إحدى رجليه على الأخرى مستلقيا ، والإزار ضيق ، وهو جائز عند الجميع إذا لم يخش ذلك اه‍ . وحديث جابر أخرجه الطبراني في الأوسط . ثالثا : أن الحديث يخالف القرآن ، قال الله تعالى (فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا) ولا إشعار في الآية بخنصر ولا بنان ، فكيف نثبت لله صفة لم يدل عليها القرآن ، ولا الإجماع . ويمكن تأويل الحديث بأن الخنصر وما معه ، ليس صفة لله وإنما ذكر لبيان أن التجلي كان بمنزلة الخنصر والبنان من أحد الناس ، تنبيها على عظمة الله سبحانه . يؤيد هذا أن عبد الله بن سلام وكعب الأحبار ، قالا : ما تجلى من عظمة الله للجبل إلا مثل سم الخياط ، وقال الضحاك : أظهر الله من نور الحجب مثل منخر ثور ، وقال السدي : ما تجلى إلا قدر الخنصر . فتبين خطأ المؤلف في فهمه ، المأخوذ من الترجمة (23) ، والله أعلم . قال : نقد باب أن الله تبارك وتقدس وتعالى شئ وروى فيه حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما : أنها سمعت النبي (ص) يقول على المنبر : (ما من شئ أغير من الله عزوجل) . قلت ؟ هو في صحيح البخاري في باب الغيرة ، وهو مروى بالمعنى ، فقد رواه البخاري من حديث ابن مسعود وعائشة رضي الله عنهما بلفظ (ما من أحد أغير من الله) وبينا فيما سبق أن شرط إثبات الصفة : ألا تكون مروية بالمعنى ، إذ تكون حينئذ من تصرف الرواة . (23) المراد بالمؤلف هنا هو الهروي أبو إسماعيل الأنصاري الذي كان يرميه ابن تيمية بالحلول والاتحاد وهو كذلك ، ومثله جميع المشبهة الذين يقفون على ظواهر الألفاظ دون تعمق في فهم العربية ، واعمال المجاز والاستعارات البلاغية التي نزل القرآن الكريم العربي بها . فنراهم يتخيلون الله على صورة إنسان فيصفونه على مقتضى ذلك ثم يقولون بلا كيف إرضاء لأهل التنزيه فسحقا لهذه العقول .

[ 24 ]

وإذا كان أبو حيان وجماعة منعوا الاستدلال بالحديث في المسائل النحوية ، قالوا : لأن الحديث دخل فيه الرواية بالمعنى ، فكيف يستجيز المؤلف أن يثبت صفة لله تعالى ، بحديث تصرف فيه الرواة (24) ؟ هذا تساهل غير محمود . قال : نقد باب بيان أن الله عزوجل شخص وروى فيه حديث المغيرة ، في غيرة سعد بن عبادة ، وقول النبي (ص) (أنا أغير من سعد والله أغير مني . . . ولا شخص أغير من الله عزوجل) الحديث . وهو في صحيح البخاري ، معلقا عن عبيدالله بن عمرو عن عبد الملك : لا شخص أغير من الله ، وأسنده من طريق عبد الملك عن وراد كاتب المغيرة بلفظ : (والله أغير مني . . . ولا أحد أحب إليه العذر من الله ومن أجل ذلك بعث المبشرين والمنذرين ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة) فتبين أن الرواة تصرفوا في لفظ الحديث ، فلا يكون حجة في وصف الله بشخص ، وقد قال ابن بطال في شرح البخاري : أجمعت الأمة على أن الله تعالى لا يجوز أن يوصف بأنه شخص ، لأن التوقيف لم يرد به اه‍ . والشخص سواد الإنسان والحيوان ، يرى من بعد ، فلا يطلق في اللغة إلا على جسم . ولا أدري سر حرص المؤلف على نسبة الشئ والشخص والإصبع والخنصر والبنان ، صفة لله تعالى ، مع أنها ليس فيها كمال ولا ثناء ، ولله الأسماء الحسنى ، والصفات العلا . وهذه الأشياء ، ولا أقول الصفات ، هي بالمخلوقات أولى . أهذا هو التوحيد الذي يستدل له المؤلف ؟ ويجتهد في إثباته لله ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ؟ ! وعلى فرص ثبوت لفظ شخص ،


(24) الجواب أن الوله والولع بالتجسيم يجعله يستجيز ذلك ويحبذه وربما يوجبه ويرمي من لم يسر على هذا المشرب العكر بالتجهم والتعطيل . (*) .

[ 25 ]

فلا يدل على أنه وصف لله تعالى . قال ابن بطال : اختلفت ألفاظ هذا الحديث ، ولم يختلف في حديث ابن مسعود أنه بلفظ لا أحد ، فظهر أن لفظ شخص جاء موضع أحد ، فكأنه من تصرف الراوي ، على أنه من باب المستثنى من غير جنسه ، كقوله تعالى (وما لهم به من علم ان يتبعون إلا الظن) وليس الظن من نوع العلم اه‍ . قال الحافظ : وهذا هو المعتمد . قال ابن فورك : وإنما منعنا من إطلاق الشخص لأمور : أحدها : أن اللفظ لم يثبت من طريق السمع . ثانيها : الإجماع على المنع منه . ثالثها : أن معناه : الجسم المؤلف المركب اه‍ . تنبيه وقع في سند المؤلف : ثنا كامله وكتب عليه المحقق علامتي استفهام هكذا ؟ ؟ علامة على أنه كذلك بالأصل ، وهو تصحيف لم ينتبه له المحقق (25) .


(25) والمحقق حقيقة لا في العيرولا في النفيروما رد به عل المصنف في كتابه (الفتح المبين) كلام ضعيف وخصوصا في مسألة العلو فلا نشتغل برده لبطلانه ومختصر رده ما قاله الحافظ ابن حجر في الفتح (6 / 136) حيث قال : ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى ، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس اه‍ والغريب أن محقق الأربعين الفقيهي يستدل بكلام ابن حجر العسقلاني الأشعري الشافعي وأحيانا يبتر كلامه ويأخذ منه ما يوهم موافقة مرامه مع أن الحافظ أشعري مؤول بحق ، والمحقق وأهل مشربه يذمون الحافظ ويستخفون به ، بل صنف أحدهم كتابا سماه : (الأخطار الأساسية في العقيدة وتوحيد الألوهية من كتاب فتح الباري بشرح صحيح البخاري تأليف أحمد بن حجر العسقلاني) هكذا كتب مؤلفه على غلاف كتابه دون أن يقول الحافظ ابن حجر أو أمير المؤمنين في الحديث ، ثم وضع إسمه على غلاف الرسالة أو الكتاب فقال : جمعها = (*) .

[ 26 ]

والصواب : أبو كامل ، وهو يروي عن أبي عوانة ، كما في تهذيب التهذيب ، والله أعلم . نقد باب إثبات النفس لله عزوجل وروى فيه حديث ابن عباس عن النبي (ص) قال : (سبحان الله وبحمده عدد خلقه ومداد كلماته ورضاء نفسه) وهوفي صحيح مسلم ، وجاء لفظ النفس في القرآن في عدة آيات . قال البيهقي (26) : ومعنى قول من قال : الله سبحانه


صاحب الفضيلة الشيخ عبد الله بن سعدي الغامدي العبدلي . فالله المستعان على الجهل وسوء الأدب . بل وهناك رقيع ساقط يدعى (بأبي عبد الله محمود الحداد) تغاضت وغضت عنه عيون الحشوية في الرياض يقول في تعليقات له على عقيدتي أبي حاتم وأبي زرعة الرازيين ص (131) عند ذكره لشرح البخاري للإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني : (يسر الله من أهل السنة من يشرحه) يعني صحيح البخاري ، فهو يعتبر الحافظ ابن حجر ليس من أهل السنة ، ويقول في مقدمته لكتاب تخريج أحاديث الإحياء عن الإمام السبكي والمحدث الزبيدي أنهما صوفيان ، والصوفية هي الزندقة ، بل رمى الإمام الغزالي رحمه الله تعالى وكتابه الإحياء بالزندقة . وبلغني من أحد إخواني الثقات أن هذا الرقيع رمى الحافظ الزركشي رحمه الله تعالى في بعض كتاباته بأنه : (حمار) . قلت : ويعتبر أهل الرأي الذين منهم الإمام الأعظم أبو حنيفة والحافظ الطحاوي بأنهم ليسوا من أئمة أهل السنة كما في ص (66) من تعليقاته على عقيدة الرازيين حيث قال هناك : إنهم ليسوا لأهل السنة بأئمة لا في اعتقاد ولا فقه ولا شئ . اه‍ ومنه يتبين من هم أجراء الحشوية القرنيين والمتكلمين والمصنفين عنهم ، وينبغي أن نطلع إمام المسلمين في تلك البلاد الطاهرة على حقيقة هذه الأمور ليأخذ على أيدي هؤلاء العابثين المهاترين . ولو كان فيهم من يحسن مناظرتنا سواء كبيرهم وصغيرهم فليجلس لذلك في أي وقت شاء لأبرهن له فساد مذهبه . فالمحقق الفقيهي غايته أن يجمع نصوصا دون أن تكون له قاعدة أو أصل يرجع إليه فهو خابط خبط عشواء جاذب قرن تولاء . (26) في الأسماء والصفات (286) . (*) .

[ 27 ]

وتعالى ، أنه نفس : أنه موجود ثابت غير منتف ولا معدوم ، وكل موجود نفس ، وكل معدوم ليس بنفس . والنفس في كلام العرب على وجوه : فمنها نفس منفوسة مجسمة مروحة ، ومنها مجسمة غير مروحة ، تعالى الى عن هذين علوا كبيرا . ومنها نفس بمعنى إثبات الذات ، كما تقول في الكلام : هذا نفس الأمر ، نريد إثبات الأمر ، لا أن له نفسا منفوسة أو جسما مروحا : فعلى هذا المعنى يقال في الله سبحانه أنه نفس ، لا أن له نفسا منفوسة أو جسما مروحا . وقد قيل في قوله عزوجل (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) أي تعلم ما أكنه وأسره ولا علم لي بما تستره عني وتغيبه ، ومثل هذا قول النبي (ص) (فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي) أي حيث لا يعلم به أحد ولا يطلع عليه اه‍ . فتبين أن اطلاق النفس على الله تعالى ، بمعنى الذات وليس هو صفة زائدة كما يفهمه كلام المؤلف . قال ابن بطال : في هذه الآيات والأحاديث إثبات النفس لله ، وللنفس معان ، والمراد بنفس الله ذاته وليس بأمر مزيد عليه ، فوجب أن يكون هو اه‍ . وأعود فأقول : لا أدري سر حرص المؤلف على نسبة الألفاظ الموهمة ، صفة الله عزوجل . نقد باب الدليل على أنه تعالى في السماء وروى فيه حديث ابن عباس ، قال جاء رجل إلى النبي (ص) ، ومعه جارية أعجمية سوداء فقال : علي رقبة ، فهل تجزئ هذه عني ؟ فقال : (أين الله ؟) فأشارت بيدها إلى السماء ، فقال : (من أنا ؟) فقالت رسول الله . قال : (أعتقها فإنها مؤمنة) . ثم قال المؤلف : حديث معاوية بن الحكم أصح إسنادا من هذا . قلت : إسناد هذا الحديث فيه سعيد بن المرزبان ضعيف مدلس ، بل متروك . وحديث معاوية بن الحكم ، في صحيح مسلم ، لكنه شاذ مردود لوجوه : (أولا) : مخالفته لما تواتر عن النبي (ص) : أنه كان إذا أتاه شخص يريد

[ 28 ]

الإسلام ، سأله عن الشهادتين ؟ فإذا قبلهما ، حكم بإسلامه . وفي الموطأ (27) عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود : أن رجلا من الأنصار ، جاء إلى رسول الله (ص) بجارية سوداء ، فقال : يا رسول الله علي رقبة مؤمنة ، فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها ، فقال لها رسول الله (ص) : (أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟) قالت : نعم . قال : (أتشهدين أن محمدا رسول الله ؟) قالت : نعم ، قال : (أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟) قالت : نعم . قال رسول الله (ص) (أعتقها) (28) وهذا هو المعلوم من حال النبي (ص) ضرورة . (ثانيا) : إن النبي (ص) بين أركان الإيمان ، في حديث سؤال جبريل ، حيث قال " (الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره) ولم يذكر فيها عقيدة أن الله في السماء (29) . (ثالثا) : إن العقيدة المذكورة ، لا تثبت توحيدا ولا تنفي شركا . فكيف يصف النبي (ص) صاحبها بأنه مؤمن ؟ . كان المشركون يعتقدون أن الله في السماء ، ويشركون معه آلهة في الأرض ، ولما جاء حصين بن عتبة


(27) في كتاب العتق صحيفة رقم (777) حديث رقم 9 . (28) ورواه بلفظ أتشهدين أحمد في مسنده (3 / 452) وقال الهيثمي في المجمع ورجاله رجال الصحيح . ورواه عبد الرزاق في المصنف (9 / 175) والبزار كما في كشف الأستار (1 / 14) والدارمي (2 / 187) والبيهقي (10 / 57) وفي مواضع أخرى والطبراني (12 / 27) وسنده صحيح وليس فيه سعيد بن المرزبان ، وابن الجارود في المنتقى برقم (931) وابن أبي شيبة (11 / 20) ومنه يتبين أن الرواية الواقعة في مسلم رواية بالمعنى ، فلا يعول على لفظة (أين الله ؟ قالت : في السماء) التي وقعت فيه وفي غيره . (29) ولذلك قال الحافظ في الفتح (1 3 / 359) : ولو قال من ينسب إلى التجسيم من اليهود لا إله إلا الذي في السماء لم يكن مؤمنا كذلك ، إلا إن كان عاميا لا يفقه معنى التجسيم فيكتفى منه بذلك كما في قصة الجارية . . . اه‍ قلت : ولا يثبت لفظ (أين الله قالت في السماء) كما تقدم لأنها رواية بالمعنى . (*) .

[ 29 ]

أو ابن عبيد والد عمران إلى النبي (ص) فسأله : (كم تعبد من إله ؟) قال : ستة في الأرض ، وواحدا في السماء (30) ، وقال فرعون لهامان : (إبن لي صرحا لعلي أطلع إلى إله موسى) لاعتقاده أن الله في السماء . ومع ذلك قال لقومه : أنا ربكم الأعلى . (رابعا) : ان كون الله في السماء ليس على حقيقته عند جماعة من العلماء ، بل هو مؤول عندهم على معنى العلو المعنوي . قال الباجي على قول الجارية : في السماء ، لعلها تريد وصفه بالعلو ، وبذلك يوصف من كان شأنه العلو ، يقال : مكان فلان في السماء ، يعني علو حاله ، ورفعته وشأنه . وذكر السبكي في طبقات الشافعية (1 / 265) الأبيات المنسوبة لعبدالله بن رواحة : شهدت بأن وعد الله حق وأن النار مثوى الكافرينا وأن العرش فوق الماء طاف وفوق العرش رب العالمينا وقال عقبها : ما أحسن قول الإمام الرافعي في كتاب الآمالي وقد ذكر هذه الأبيات : هذه الفوقية فوقية العظمة والاستغناء ، في مقابلة صفة الموصوفين بصفة العجز والفناء اه‍ وأركان الإيمان لا يدخلها التأويل . نقد باب وضع الله عزوجل قدمه على الكرسي وروى فيه عن ابن عباس قال : إن الكرسي موضع القدمين ، والعرش لا يقدر أحد قدره . قال : ويروى عن أبي موسى وأبي هريرة وعكرمة وأبي مالك . قلت : أثر أبي موسى رواه ابن جرير الطبري في تفسيره ، وروى نحوه عن السدي أيضا .


(30) والحديث رواه الترمذي في كتاب الدعوات من سننه باب رقم (70) وفي سنده من تكلم فيه ورواه ابن خزيمة أيضا بسند ضعيف فالقصة فيما يظهر ليست ثابتة والحشوية يحتجون بها كثيرا ، فتنبه . (*) .

[ 30 ]

والموقوفات والمقطوعات ، لا يحتج بها في الأحكام الفقهية ، فكيف يستدل المؤلف بها في التوحيد ؟ هذا عجيب ! . وذكر السيوطي في الدر المنثور أثر أبي موسى بلفظ : الكرسي موضع القدمين وله أطيط كأطيط الرحل ، وكذلك ذكره ابن جرير ، قال السيوطي : هذا على سبيل الاستعارة ، تعالى الله عن التشبيه ، ويوضحه ما أخرجه ابن جرير عن الضحاك في الآية ، قال كرسيه الذي يوضع تحت العرش ، الذي تجعل الملوك عليه أقدامهم اه‍ . وروى الخطيب في التاريخ عن عبد الله بن خليفة قال : قال رسول الله (ص) (الكرسي الذي يجلس عليه الرب عزوجل ، وما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع ، وإن له أطيطا كأطيط الرحل الجديد) (31) هذا مرسل ، وهو منكر جدا ، بل موضوع (32) .


(31) ومن العجيب الغريب أن ترى الحديث في كتاب السنة المنسوب لعبدالله بن أحمد وتجد في ذلك الكتاب ص (11) أنه يقول : فهل يكون الاستواء إلا بجلوس ؟ اه‍ وتجد فيه ص (79) قوله : ذكر الكرسي ، سئل عما روي في الكرسي وجلوس الرب عليه رأيت أبي رض الله عنه يصحح هذه الأحاديث أحاديث الرؤيا ويذهب إليها وجمعها في كتاب وحدثنا به . اه‍ قلت : وهذا كذب صريح على الإمام أحمد رحمه الله تعالى ولئن ثبت ذلك على الإمام أحمد فانه يسقطه بلا شك ولا ريب من منزلة الحجية ، وأحاديث الرؤيا هذه التي ذكرها هي أحاديث الجلوس الوثني القائم في مخيلة الحشوية المشبهة وقد أورد منها ص (42) حديث رقم (208) وفيه قال : بعث عبد الله بن عمر إلى عبد الله بن العباس يسأله هل رأى محمد ربه فبعث إليه أن نعم . . . رآه عل كرسي من ذهب يحمله أربعة : ملك في صورة رجل ، وملك في صورة أسد . . . الخ اه‍ وهو حديث كذب موضوع والعجيب أن محقق الكتاب أبو هاجر زغلول لم يعلق على الحديث فلا ندري هل سكت عنه مقرا لمؤلفه بالصحة ؟ ! وفي ص (80) من الكتاب يصف الله فيقول : وهو واضع رجليه على الكرسي . اه‍ فهو يتصور معبوده بأنه مدير شركة جلس على العرش ووضع رجليه على الكرسي . فتبا لهذه العقول الوثنية . ومن الغريب العجيب أيضا أن ابن القيم يذكر في كتابه بدائع الفوائد (4 / 39) أن من فضائل النبي (ص) أنه يقعد يوم القيامة بجنب الله على (*) .

[ 31 ]

نقد باب اثبات الحد لله عزوجل (33) وروى حديث أبي هريرة : أن النبي (ص) قال في دعائه (أنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ ، وهو في صحيح مسلم . ولفظ الحد لم يأت في الكتاب ولا في السنة ، وإثباته إنما يكون بدلالة الالتزام كما في هذا الحديث ، على بعض معاني الظاهر ، فان له معان كثيرة ، مذكورة في كتب التفسير واللغة . ونبهنا فيما مر على أنه لا يجوز إثبات صفة الله تعالى إلا إذا جاءت صريحة في القرآن أو السنة (34) . وذكر السبكي في ترجمة ابن حبان من طبقات الشافعية عن المؤلف أنه قال : سألت يحيى بن عمار عن ابن حبان ؟ قلت : رأيته ؟ قال : وكيف لم أره ؟ . ونحن أخرجناه من سجستان ، كان له علم كثير ، ولم يكن له كبير دين ، قدم علينا فأنكر الحد لله ، فأخرجناه من سجستان . قال السبكي : انظر ما أجهل هذا الجارح ! ! وليت شعري من المجروح ؟ مثبت الحد لله أو نافيه ! وقد رأيت للحافظ صلاح الدين خليل بن كيكلدي (هامش) * العرش ، وهذا هو اعتقاد ابن تيمية شيخ ابن القيم كما هو ثابت عنه في مواضع كثيرة ، ونستغفر اللة تعالى من كتابة مثل هذا فضلا عن اعتقادها ولولا أن التحذير واجب لما ذكرتها . (32) ومن المؤسف ان ابن تيمية ذكر الحديث في منهاج سنته (1 / 260) وذكر أن بعض أهل الحديث قواه وذكر له شواهد . مع ان الحديث منكر باطل إجماعا ، ولم يسم لنا من هم بعض أهل الحديث هؤلاء ، فتأمل . (33) لنا رسالة مستقلة في الرد على من قال بقدم العالم بالنوع وبالحد اسميناها : (التنبيه والرد عل معتقد قدم العالم والحد) وهي مطبوعة ، فلتراجع . (34) بل أجمع أهل السنة على تنزيه الله عن الحد : قال الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه الفرق بين الفرق (ص 332 بتحقيق محمد محي الدين عبد الحميد) ذاكرا الأصول التي اتفق وأجمع عليها أهل السنة والجماعة : وقالوا بنفي النهاية والحد عن صانع العالم . . . اه‍ والإمام الحافظ الطحاوي يقول في عقيدته المشهورة : وتعالى الله عن الحدود والغايات اه‍ . (*)

[ 32 ]

العلائي رحمه الله ، على هذا كلاما جيدا أحببت نقله بعبارته ، قال رحمه الله ومن خطه نقلت : يا لله العجب ! من أحق بالاخراج والتبديع وقلة الدين ؟ ! اه‍ . وذكر الذهبي هذه القصة في تذكرة الحفاظ ، وعلق عليها بقوله : كلاهما مخطئ ، إذ لم يأت نص بإثبات الحد ولا بنفيه ، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه اه‍ . قلت : بل النافي مصيب (35) ، لأنه متمسك بالأصل ، والإجماع على أن الله تعالى لا يوصف إلا بنص قطعي . وروى البيهقي في الأسماء والصفات عن أفلح بن محمد قال : قلت لعبدالله بن المبارك : يا أبا عبد الرحمن إني أكره الصفة ، عنى صفة الرب تبارك وتعالى ، فقال له عبد الله : أنا أشد الناس كراهية لذلك ، لكن إذا نطق الكتاب بشئ جسرنا عليه ، وإذا جاءت الأحاديث المستفيضة الظاهرة تكلمنا به . قال البيهقي : وإنما أراد والله أعلم الأوصاف الخبرية ، ثم تكلمهم بها على نحو ما ورد به الخبر لا يجاوزونه اه‍ . لكن خالف ابن المبارك كلامه هذا وأثبت الحد لله ، وهو خطأ بلا شك (36) . نقد باب في إثبات الجهات لله عزوجل وروى فيه حديث عبد الله بن عمرو وقال : قال رسول الله (ص) (إن المقسطين على منابرمن نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين) . والحديث في صحيح مسلم ، وفيه ما يدل على نفي الجهة عن الله تعالى ، فقوله : (وكلتا يديه يمين) قال القاضي عياض : هو تنبيه على أنه لم


(35) وكذلك قال الحافظ ابن حجر في لسان الميزان (5 / 114) ورد عل الحافظ الذهبي . (36) لكن البيهقي أثبت في الأسماء والصفات (427) أن عبد الله بن المبارك أراد بقوله (بحد) أي بدليل ، فلم يرد ما ذهبت إليه المجسمة من الغاية والنهاية . (*) .

[ 33 ]

يرد باليمين ولا باليد : الجارحة ، لأنه لو أريد به ذلك ، لكان المقابل لليمين الشمال ، وتستحيل نسبة الجارحة إلى الله سبحانه وتعالى ، لأن ذلك إنما يكون في الأجسام المتحيزة المقدرة ذوات الجهة ، وكل ذلك على الله سبحانه محال اه‍ . فظهر أن الحديث ينفي الجهة ، وأن فهم المؤلف خطأ ، ثم ما غرضه بإثبات الجهة لله (37) ، مع أنها من خواص الأجسام المتحيزة ؟ .


(37) الله تعالى منزه عن الجهة ، ولم يرد لفظ الجهة مضافا لله تعالى في كتاب ولا في سنة ، والمجسمة الحشوية يقولون : لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه ، والإمام الطحاوي ينقل في عقيدته السلفية التي هي عقيدة أبي حنيفة وصاحبيه تنزيه الله عن الجهة فيقول : وتعالى عن الحدود والغايات ، والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات اه‍ وإنما صح وصفه سبحانه بالعلو من جهة المعنى ، لا من جهة الحس ، كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح (6 / 136) . ونقل الإمام أبو منصور البغدادي في كتابه (الفرق 333) إجماع الأمة على تنزيه الله عن المكان ، وذكر أن سيدنا علي كرم الله وجهه ورضى عنه قال : إن الله تعالى خلق العرش إظهارا لقدرته لا مكانا لذاته . اه‍ والإمام الحافظ البيهقي يقول في الأسماء والصفات ص (400) : واستدل بعض اصحابنا في نفي المكان عنه تعالى بقوله (ص) : (أنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ) وإذا لم يكن فوقه شئ ولا دونه شئ لم يكن في مكان . اه‍ . قلت : وإذا ثبت أنه منزه عن المكان ثبت أنه لا يوصف بأنه في جهة ، لأن الجهة من لوازم الحادثات والله تعالى (ليس كمثله شئ) وابن تيمية يخالف هذا كله ويقول في عدة مواضع من كتبه بإثبات الجهة ، منها في منهاج سنته (1 / 264) حيث يقول : (فثبت أنه في الجهة على التقديرين) اه‍ وانظر قوله في التسعينية (ص 3) حيث يقول : أنا قول القائل الذي نطلب منه أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ - (ولم يصدق كما تقدم النقل عنه) - لأن اطلاق هذا اللفظ نفيا واثباتا بدعة . اه‍ قلت : فحكم على نفسه بالابتداع ، وهذه مغالطة منه ، فان في قوله سبحانه : (ليس كمثله شئ) نص صريح في نفي الجهة عنه تعالى إذ لو لم تنتف الجهة لكانت له أمثال لا تحصى تعالى الله عن ذلك . (*) .

[ 34 ]

نقد باب إثبات الصورة له عز وجل (38) وروى حديث أبي هريرة قال : قال رسول اللة (ص) (خلق الله آدم عليه السلام على صورته طوله ستون ذراعا) (39) وهذا حديث مختصر من حديث في الصحيحين ، والاستدلال به لإثبات الصورة لله عزوجل ، غلو في الإثبات مذموم ، فإن الضمير في صورته يعود على آدم لأنه أقرب مذكور ، ويؤيد ذلك قوله طوله ستون ذراعا ، وقوله في آخر الحديث عن أهل الجنة (على خلق رجل واحد على صورة أبيهم آدم ستون ذراعا في السماء) فالحديث كما ترى يبين أن الضمير في صورته يعود على آدم . قال الحافظ في الفتح : والمعنى أن الله تعالى ، أوجده على الهيئة التي خلقه عليها ، لم ينتقل في النشأة أحوالا ، (38) قوله تعالى : (ليس كمثله شئ) وقوله تعالى : (ولم يكن له كفوا أحد) وإقرار النبي لمن قال : (يا من لا تراه العيون ولا تخالطه الظنون ولا يصفه الواصفون) في الحديث الصحيح مع ذكر الله تعالى في كتابه أنه هو المصور (هو الذي يصوركم في الأرحام) يوجب أن الله تعالى منزه عن الصورة التى يضيفها المجسمة وصفا له ، ولذلك أجمع أهل السنة على تنزيه الله عن الصورة قال الإمام عبدالقاهر البغداي في الفرق (332) : واجمعوا على إحالة وصفه بالصورة والأعضاء . اه‍ ويقول أبو الحسن الأشعري في مقدمة الإبانة التى يتبجح بها الحشوية : (ليس له صورة تقال ولا حد يضرب به مثال) ومن المخزي جدا أن يكون لداود الجواربي الرافضي الخبيث الذي كان يزعم أن الله على صورة آدمي اتباع في هذا الزمان منهم صاحب مقال : (عقيدة أهل الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن) التويجري وكحماد الأنصاري وأمثالهما وقد رد على الأول في هذه المسألة الألباني في سلسلته الضعيفة حديث (1176) وإمام هؤلاء من الحنابلة أبي يعلى الذى يقول كما تقدم (الزموني ما شئتم فاني التزمه إلا اللحية والعورة) اه‍ انظر العواصم للحافظ أبي بكر بن العربي (2 / 283) . عافانا الله من ذلك . وأما حديث الصحيحين الذي فيه : (فيأتيهم بغير صورته) ثم فيه : (فيأتيهم بصورته الذي يعرفون) فلا يفيد شيئا لأسباب منها : أننا إذا تتبعنا الحديث في الصحيحين وغيرهما من كتب السنن والمسانيد وغيرها ، وجدنا أن لفظ الصورة غير مذكور في

[ 35 ]

بعضها ، مما يؤكد أن لفظ الصورة من تصرف الرواة ، ثم قوله في الحديث : (فيأتيهم بغير صورته) وقوله : (فيأتيهم بصورته التي يعرفونها) ظاهره يفيد أن الله يتشكل بصور مختلفة فتارة يأتي بصورته الحقيقية التي يعرفونها وتارة بغيرها ، وذلك باطل قطعا والحديث ظني مردود المعنى (مع صحة سنده) بقول الله تعالى : (ليس كمثله شئ) والحديث من مشكل الصحيحين ، وبلغني أن ابن الجوزي ذكره في كتابه مشكل الصحيحين وهو كتاب مخطوط . وهذا الحديث بنظري شاذ المعنى . لا يجوز الأخذ بظاهره . وقد أفضت الكلام عليه في (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) . ويتحقق مما ذكرناه أن هذه الطائفة التي تثبت الصورة لله تعالى الآن في هذا الزمان ينطبق عليهم قوله تعالى : (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) كما ينطبق عليهم قول رسول الله (ص) كما في الفتح (8 / 209) بعد تلاوته لهذه الآية : (إذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم) رواه البخاري ، قال الحافظ في الفتح (8 / 210) : وقيل المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور وإما بالتأويل والمتشابه ما استأثر الله بعلمه . . . وذكر الأستاذ أبو منصور البغدادي أن الأخير هو الصحيح عندنا اه‍ كلام الحافظ فتأمل . (39) رواه البخاري في الاستيذان ومسلم في البر 115 . وفي رواية ضعيفة منكرة ورد هذا الحديث بلفظ (لا تقبحوا الوجه ، فان ابن آدم خلق على صورة الرحمن) أو نحو ذلك ، فزيادة لفظة الرحمن آخر الحديث ، من تصرف الرواة ، وقد ردها ابن خزيمة في كتابه العكر الذي ندم على تصنيفه المسمى بكتاب (التوحيد) وذكر لها عللا ثلاثا ، انظر تعليق الإمام الكوثري على الأسماء والصفات ص (291) وله علل أخرى ذكرتها في الأدلة المقومة ، (وصورة الرحمن) هنا انكرها ابن خزيمة والمازري وأبو ثور والذهبي وكذا الألباني أفيرمي حماد الأنصاري والتويجري والفقيهي ومن على شاكلتهم هؤلاء بالتجهم والتعطيل ؟ ! أم أنهم يتغاضون عنهم كما تغاضوا عن الحداد ؟ ! ومعنى حديث : (ان الله خلق آدم على صورته) يعلم من مناسبة وروده ، قال الحافظ في الفتح (5 / 183) : وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد من طريق ابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة مرفوعا : (لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فان الله خلق آدم عل صورته) وهو ظاهر في عود الضمير على المقول له ذلك ، وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم أيضا من طريق أبي رافع عن أبي هريرة بلفظ : " (إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورة وجهه اه‍ . فالنبي (ص) مر على رجل يضرب غلامه على وجهه أو يقول له قبح الله وجهك فقال له النبي ذلك . فتأمل . (*) .

[ 36 ]

ولا تردد في الارحام أطوارا كذريته ، بل خلقه الله رجلا كاملا سويا من أول ما نفخ فيه الروح ، ثم عقب ذلك بقوله وطوله ستون ذراعا ، فعاد الضمير أيضا على آدم ، وقيل معنى قوله على صورته أي لم يشاركه في خلقه أحد إبطالا لقول أهل الطبائع ، وخص بالذكر تنبيها بالأعلى على الأدنى . اه‍ كلام الحافظ . قلت : وعود الضمير في صورته على آدم يشير لابطال زعم دارون أن الإنسان أصله قرد ، فأفاد الحديث أن آدم خلق من أول مرة إنسانا لا أصل له غير ذلك ، وهذه معجزة عظيمة تؤخذ من الحديث . أما جعل الضمير في صورته يعود على الله فهوخطأ من تصرف بعض الرواة ، وقد استنكره كثير من العلماء وأخذ بظاهره ابن قتيبة فقال : لله صورة لا كسائر الصور ، وهذا خطأ أيضا ، لأن الصورة تتوقف على مصور ، كما قال الله تعالى : (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء) وقال سبحانه : (يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك) . فوصف الله بالصورة لا يجوز لأنها محدثة والله تعالى لا يوصف بالمحدث ، تعالى الله عن ذلك ، وتأويل الصورة بالصفة لا يجدي في هذا المقام . قال البيهقي في الأسماء والصفات : وذهب بعض أهل النظر إلى أن الصور كلها لله تعالى على معنى الملك والفعل ، ثم ورد التخصيص في بعضها بالاضافة تشريفا وتكريما ، كما يقال ناقة الله ، وبيت الله ، ومسجد الله (40) اه‍ . وهو كلام حسن . نقد باب إثبات العينين له تعالى وتقدس وروى فيه حديث أنس بن مالك قال : قال رسول الله (ص) (ما من نبي


(40) الأسماء والصفات ص (291) بتحقيق الإمام الكوثري . (*) .

[ 37 ]

إلا وقد أنذر الأعور الكذاب إلا أنه أعور ، وأن ربكم عزوجل ليس بأعور ، مكتوب بين عينيه ك ف ر) (41) والحديث ليس فيه إثبات العينين لله ، فمن أين أتى بها الهروي ؟ ! إن كان فهم من قوله : إن ربكم ليس بأعور ، أنه يستلزم أن يكون له عينان ، فهذا غلط واضح ، فان الصفات لله تعالى لا تثبت إلا بلفظ صريح في حديث صحيح . وقد جاء في القرآن إثبات العين لله مفردة كقوله تعالى (ولتصنع على عيني) . ومجموعة كقوله سبحانه : (فإنك (4 1) حديث صحيح رواه البخاري في التوحيد (انظر الفتح 1 3 / 389) ومسلم في الفتن برقم (101) ومن العجيب أن الهروي استنبط من الحديث بناء كل على أن الدجال أعور والأعور من الخلق من كانت إحدى عينيه سليمة والأخرى غير سليمة - أن الله تعالى له عينان أي جارحتان سليمتان ، مع أن المراد من الحديث تنزيه الله عن أن يكون جسما كجسم الدجال تجوز عليه الآفات كالعور فتدبروا يا أولي الألباب في تجسيم هؤلاء ، وتفكروا في موافقة الطابعين والمحققين الناصرين لتلك الكتب الناشرين لها بين أيدي العامة الذين يتختلون أن الله بصورة الآدمي فيصفونه بما يوصف الآدمي المعافى من الآفات وهم معرضون عن قوله تعالى (ليس كمثله شئ) ، وإن مما يستغرب قول ابن القيم في الصواعق المرسلة أن الله تعالى وان لم يذكر إلا ساقا واحدة له في كتابه فلا يعني ذلك أنه ليس له ساقا أخرى انظر مختصر الصواعق (1 / 31 - 32) ثم يستنبط ابن القيم من قوله تعالى (يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله) على أن لله جنب ، فيقول : إن الله تعالى وان لم يذكر في كتابه إلا صفة جنب واحد ، فمن قال لك إنه ليس له جنب آخر ؟ ! انظر مختصر الصواعق (1 / 33) فمن تأمل ما يهذي به هؤلاء حمد الله تعالى على العافية من هذه الوثنية العريقة ، وهل يعول على كلام من يقول مثل هذا ؟ ! بل هل يعتبر من العلماء من يقول مثل هذا ؟ ! * قال الحافظ ابن حجر في الفتح 13 / 390 : ولم أر في كلام أحد من الشراح في حمل هذا الحديث على معنى خطر لي فيه اثبات التنزيه ، وحسم مادة التشبيه عنه وهو أن الإشارة إلى عينه (ص) إنما هي بالنسبة إلى عين الدجال فإنها كانت صحيحة مثل هذه ثم طرأ عليها العور لزيادة كذبه في دعوى الإلهية ، وهو أنه كان صحيح العين مثل هذه فطرأ عليها النقص ولم يستطع دفع ذلك عن نفسه . اه‍ . (*) .

[ 38 ]

بأعيننا . . .) (واصنع الفلك بأعيننا . . .) (تجري بأعيننا) . وهذا يدل على أن نسبة العين إلى الله معناه صفة البصر أو الحفظ والكلاءة ، وقال ابن حزم : لا يجوز لأحد أن يصف الله عزوجل بأن له عينين لأن النص لم يأت بذلك اه‍ . وهكذا شأن الهروي في كتاب الأربعين ، يثبت صفات لله لم يقم عليها دليل . نقد باب إثبات اليدين لله عزوجل وروى عن ابن عباس أن رسول الله (ص) قال (إن آدم عليه السلام كان يسبح بتسبيح الملائكة ويصلي بصلاتهم حين هبط إلى الأرض لطوله وقربه إلى السماء فوضع الله يده عليه فطأطأت إلى الأرض سبعين ذراعا) (42) . هذا حديث منكر جدا بل موضوع ، لأنه محال ، والنبي (ص) لا يتكلم بالمحال . وماذا عسى أن يكون طول آدم حتى يسمع تسبيح الملائكة في السماء ؟ ! . وإن بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام ، وماذا تنقص سبعون ذراعا من طوله ؟ . فالهروي دل باستدلاله بهذا الحديث على أنه ليس بحافظ ، وأنه ضيف في فهم معنى الكلام (43) . فان من له أدنى إدراك ، يعلم بطلان هذا الحديث .


(4 2) رواه الطبراني في الكبير قال الهيثمي في المجمع (3 / 288) : فيه النهاس بن فهم وهو متروك . (43) وهو كذلك حق ، فقد جمع بين التجسيم وتصوف الحلويين ولا يفيده ثناء أمثال الحافظ الذهبي عليه للقاعدة التي ذكرها التاج السبكي في كتابه (قاعدة في الجرح والتعديل وقاعدة في المؤرخين) ص (36) وما بعدها بتحقيق العلامة الفاضل عبد الفتاح أبو غدة حفظه الله تعالى . ولا يغتر أيضا بكتاب طبقات الحفاظ للامام الحافظ السيوطي فإنه لخص فيه تذكرة الحفاظ للذهبي دون أن يعقب بشئ . (تنبيه) هل يثبت الحشوية للقرآن يد من قوله تعالى (لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) . وليتأمل أهل الحق في قول ذاك الصحابي : (أريد أن يكون لي يد عند قريش) . (*)

[ 39 ]

نقد باب خلق الله الفردوس بيده وروى حديث أنس بن مالك : أن النبي (ص) قال : (إن الله عزوجل خلق الفردوس بيده ، وحظرها على كل مشرك ، ومدمن خمر سكير) (44) . هذا غلو في الإثبات بدون تعقل ، فهذا الحديث ومثله ، كحديث (إن الله خلق جنة عدن بيده) (45) ، وحديث (خلق الله آدم بيده) (45) ، وقوله تعالى : (يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي) ، هذه كلها ، لا تثبت اليد صفة لله ، بل هي تدل على العناية والتخصيص ، فإن الله كنى عن عنايته بالفردوس بأنه خلقها بيده ، وكذلك جنة عدن ، وبين عنايته بآدم ، وتخصيصه بالعلم والخلافة في الأرض ، بأنه خلقه بيديه ، ردا على إبليس الذي امتنع من السجود لآدم عليه السلام ، وليس كل ما يذكر في الآيات والأحاديث ، على وقول العلماء : (المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم) وقول الله تعالى : (إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد) ، فهل للعذاب يد حقيقة كما يتوهم الهروي وأمثاله ؟ ! (44) لم أقف عليه . (45) هاتان العبارتان في حديث واحد رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص (318) بتحقيق الإمام الكوثري بلفظ : (إن الله عزوجل خلق ثلاثة أشياء بيده ، خلق آدم بيده ، وكتب التوراة بيده ، وغرس الفردوس بيده ، ثم قال : وعزتي لا يسكنها مدمن خمر ولا ديوث فقالوا يا رسول الله قد عرفنا مدمن الخمر فما الديوث ؟ قال : الذي ييسر لأهله السوء) قال البيهقي : وهذا مرسل - قلت : ومنكر - وفيه ان ثبت دلالة على أن الكتب ههنا بمعنى الخلق ، وانما أراد خلق رسوم التوراة ، وهي حروفها ، واما المكتوب فهو كلام الله عزوجل ، صفة من صفات ذاته ، غير بائن منه . اه‍ أي غير منفصل عنه . وأما حكمنا عليه بأنه منكر فلأنه حصر هذه الثلاثة بأنها مخلوقة بيد الله مع أن الله تعالى قال : (أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا انعاما) . والحديث مذكور أيضا في كتاب الصفات المنسوب للدارقطني الذي لم يثبت أنه من تصنيف الدارقطني لأن في سنده كذبان وضاعان العشاري وابن كادش الحنبليان وقد علق الدكتور الفقيهي على الحديث ص (45) فقال : رواه البيهقي في الأسماء والصفات ص 318 . ولم يذكر الفقيهي أنه مرسل سترا على الحديث وتدليسا فتأمل * .

[ 40 ]

سبيل العناية والتخصيص ، يكون صفة لله تعالى ، مثل اليدين ودليلنا على ما نقول : قول الله تعالى (إنما أمرنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون) ، وفي الحديث القدسي (عطائي كلام ، وعذابي كلام) (46) . فآدم عليه السلام ، وجنة الفردوس ، وجنة عدن ، والعرش ، والكرسي كلها مخلوقة بقول الله كن . وقد بالغ عثمان الدارمي في الإثبات حتى زعم أن الله خلق آدم بيده مسيسا (47) .


(46) حديث حسن الإسناد رواه الترمذي في سننه في أبواب صفة القيامة (4 / 68) وقال : هذا حديث حسن ورواه أحمد في المسند (5 / 154 ، 177) وابن ماجه في كتاب الزهد من سننه برقم (4257) . (47) قال عثمان الدارمي في كتابه الذي رد فيه على بشر المريسي ص (29) : ولو لم يكن لله يدان بهما خلق آدم ومسه بهما مسيسا كما ادعيت لم يجزأن يقال : (بيدك الخير) . اه‍ فتأمل ما يصدر من هذه العقول . (تنبيه) وكتاب (رد الدارمي على بشر المريسي) مشحون بالطامات المستشنعة وفيه ص (85) عبارة : ولو قد شاء - الله - لاستقر على ظهر بعوضة . . . اه‍ التي نقلها ابن تيمية في بعض كتبه مقرا لها ، كما في كتابه التأسيس في الرد على أساس التقديس في (1 / 568) ، بل كان ابن تيمية يحض على قراءة كتاب الدارمي هذا ويدعي أن فيه لب التوحيد وتقريره كما نقل ذلك عنه تلميذه ابن القيم في غزو الجيوش الاسلامية ص (88) من الطبعة الهندية . ومحمد حامد الفقي الأثيم الآثم حذف من كتاب الدارمي هذا عبارات كثيرة عند طبعه كما حذف كثيرا من عبارات الكتب الأخرى ليجعل صورة أئمته حسنة أمام جماهير المسلمين ، فتدبروا يا ذوي الألباب . بل يقول الدارمي في كتابه المشؤوم المذكور ص (100) : من أنبأك أن رأس الجبل ليس بأقرب إلى الله من أسفله ؟ اه‍ قلت : الله تعالى يقول : (واسجد واقترب) " والنبي (ص) يقول : (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد) وهؤلاء الحشوية المجسمة يقولون : اصعد إلى رأس الجبل لتكون أقرب إلى الله ، فسبحان قاسم العقول ! أقول : ومما يتعلق بذلك ايضا : قول ابن القيم في زاد المعاد (1 / 19 طبع مصطفى الحلي 1390) : (فخلق الله السموات سبعا فاختار العليا منها فجعلها مستقر المقربين من ملائكته ، واختصها

[ 41 ]

وهذا تشبيه صريح ، ثم أن اليد جاءت في القرآن مفردة ومثناة ومجموعة . نحو (يد الله فوق أيديهم . . . بل يداه مبسوطتان . . . أو لم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاما فهم لها مالكون) . فلو أخذنا بهذه الآيات ، أثبتنا له يدا ويدين وأيديا ، وهذا باطل . فلم يبق إلا أن يكون التعبير باليد مؤولا بما يقتضيه أسلوب الكلام فتارة يؤول بالقدرة وتارة بالنعمة وتارة بالعناية ، وهكذا ولا بد من التأويل ، وإن زعم غلاة المثبتة أنه تجهم (48) وبالله التوفيق . نقد باب إثبات الخط لله عزوجل وروئ حديث أبي هريرة عن النبي (ص) قال : (احتج موسى وآدم عليهما بالقرب من كرسيه ومن عرشه) . اه‍ ثم قال : (ولو لم يكن إلا قربها منه تبارك وتعالى) . فعنده أن الأشياء تفضل بقربها من الله بالمسافة . لاعتقاده هو وابن تيمية شيخه وعثمان الدارمي قدوتهما أن الله في مكان فوق العالم وقد صرح الدارمي بذلك في رده على بشر المريسي ص (82) فقال : بل هو على عرشه فوق جمع الخلائق في أعلى مكان وأطهر مكان . اه‍ . وقال ابن القيم في الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ص (193) ما نصه : فداء التعطيل هو الداء العضال الذي لا دواء 4 له ولهذا حكى الله تعالى عن إمام المعطلة فرعون أنه أنكر على موسى عليه الصلاة والسلام ما أخبر به من أن ربه فوق السماوات (يا هامان ابن لي صرحا لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فاطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذبا) اه‍ . قلت : ومراده بالمعطلة الذين إمامهم فرعون الأشاعرة ، وقد كان من الحق الواجب عليه الذي يدركه كل لبيب أن يعكس فيقول : ولهذا حكى الله تعالى عن إمام المجسمة فرعون أنه ظن أن رب موسى عليه الصلاة والسلام في السماء فقال : (يا هامان ابن لي صرحا الخ) والمفسرون متفقون على أن معنى قوله (وإني لأظنه كاذبا) أي في أن له إلها غيري بدليل قوله : (ما علمت لكم من إله غيري) . اه‍ أفاده التباني رحمه الله تعالى . (48) إن زعم غلاة المثبتة ان التأويل تجهم فليرموا إمامهم الذين يدعون الانتساب إليه أحمد بن حنبل بذلك فقد ثبت عنه التأويل .

[ 42 ]

السلام ، فقال موسى ؟ أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ، فقال آدم : يا موسى اصطفاك اللة عزوجل بكلامه وخط لك التوراة بيده تلومني على أمر قد قدره اللة علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة) ؟ (49) . والحديث في الصحيحين ، وجاء بألفاظ ، منها : أنت موسى الذي أعطاك الله علم كل شئ واصطفاك على الناس برسالته ، ومنها : وأعطاك الألواح فيها بيان كل شئ ، ومنها اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه وأنزل عليك التوراة . فالحديث كما ترى مروى بالمعنى ، فما السر في اختيار المؤلف لفظ خط لك التوراة ؟ . أيريد أن يثبت لله الخط ؟ وهذا لا يتم له ، لأنه لا يقدر أن يجزم بأن هذا لفظ النبي ص . والإجماع على أنه لا يجوز وصف الله بالخط فلا يقال فيه خطاط ، ولا كاتب مع أنه قال (وكتبنا له في الألواح) ثم المقرر عند العلماء أن المسائل العلمية المتعلقة بالذات أو الصفات ، لا يعمل فيها بأخبار الآحاد ، نبه عليه الأبي في شرح مسلم (1 / 103) و (6 / 188) . نقد باب أخذ الله صدقة المؤمن بيده وروى حديث ابن مسعود : أن الصدقة تقع في يد الله عزوجل قبل أن تقع في يد السائل (50) قرأ عبد الله - وكتب المعلق : هنا كلمة غير واضحة . (49) رواه البخاري في كتاب القدر انظر الفتح (11 / 505) ومسلم في القدر برقم 13 والامام أحمد (2 / 248) . (50) إذا أخذ الهروي وأمثاله اللفظ على ظاهره فيقتضي ذلك بالضرورة أن الله حال في هذا العالم وكذا أعضاءه التي تتخيلها الحشوية وإن لم نرها ، وان صدقة المتصدق تقع فيها ، وهذا حلول واتحاد وتخبط مستشنع والهروي قائل بالحلول كما رماه ابن تيمية نقله الحافظ السبكي في طبقات الشافعية الكبرى عن الحافظ الذهبي (4 / 272 بتحقيق الحلو والطناحي) ومن اعتقاده بالحلول والاتحاد ما نقله عنه شارح الطحاوية (كما في الطبعة الثامنة بتحقيق الألباني المكتب الاسلامي ص 97) أنه قال شعرا : ما وحد الواحد من واحد إذ كل من وحده جاحد توحيدمن ينطق عن نعته عارية ابطلها الواحد

[ 43 ]

وروى عن عائشة مرفوعا مثله . قلت حديث ابن مسعود موقوف عليه ، فلا حجة فيه ، وحديث عائشة لفظه : عن النبي (ص) قال : (إن الرجل ليتصدق بالصدقة من الكسب الطيب ولا يقبل الله إلا الطيب فيتلقاها الرحمن تبارك‍ وتعالى بيده فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو وصيفه - عبده - أو فصيله (51) . واليد هنا كناية عن القبول بدليل (لا يقبل الله إلا الطيب) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد تحت : باب لا يقبل الله إلا الطيب ، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة (من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) . وفي صحيح مسلم : (إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا) . فكيف يثبت لله صفة اليد مع قيام الدليل على أن المراد بها القبول ؟ ألم أقل أنه ضعيف في العربية ؟ . (52) نقد باب إثبات الأصابع لله عزوجل وروى عن عائشة رضي الله عنها قالت : دعوة كان رسول الله يكثر أن يدعو بها : (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك) (53) قالت عائشة : يا رسول الله دعوة أراك تكثر أن تدعو بها ؟ قال : (ما من آدمي إلا وقلبه بين


توحيده اياه توحيده ونعت من ينعته لاحد اه‍ وهذا كلام شنيع أشنع من كلام ابن عربي المتصوف ، ثم تعذر له ابن أبي العز بكلام لا طائل منه تعصبا ، وسكت الألباني على ذلك تزلفا ، فاعتبروا يا أولي الأبصار . فلو قال هذه الأبيات صوفي أو أشعري لرفعوا عقيرتهم في إنكاره ولطبعوا مجلدات في التشنيع عليه . (51) رواه البزار ورجاله ثقات كما قال الحافظ الهيثمي في المجمع (3 / 112) (52) صدقت فإنه كذلك . (53) رواه الترمذي في كتاب القدر (3 / 30 4 / برقم 2 2 26) وقال حسن صحيح ، والحاكم في المستدرك (2 / 288) ، وغيرهما ، وعقد البخاري بابا في صحيحه سماه : باب مقلب القلوب ، انظر الفتح : (13 / 377) .

[ 44 ]

إصبعين من أصابع الرحمن عزوجل ، فإذا شاء أن يقيمه أقامه ، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه) (54) . تقدم أن أصابع لم تأت في خبر مقطوع به ، فلا تنسب صفة لله تعالى ، ثم هي مؤولة . قال ابن حزم : بين إصبعين بمعنى بين تدبيرين ونعمتين من تدبير الله عزوجل ونعمه ، إما كفاية تسره ، وإما بلاء يأجره عليه ، والإصبع في اللغة النعمة ، وقلب كل أحد بين توفيق الله وجلاله ، وكلاهما حكمه عزوجل اه‍ . ونقل البيهقي (55) عن أبي حاتم أحمد بن محمد الخطيب أنه قال في تأويل الحديث : قيل معناه تحت قدرته وملكه . وفائدة تخصيصها بالذكر . أن الله تعالى جعل القلوب محلا للخواطر والارادات والعزوم والنيات ، وهي مقدمات الأفعال ، ثم جعل الجوارح تبعا لها في الحركات والسكنات . ودل بذلك على أن أفعالنا مقدورة لله تعالى مخلوقة ، لا يقع شئ دون إرادته ، ومثل لأصحابه قدرته القديمة بأوضح ما يعقلون من أنفسهم ، لأن المرء لا يكون أقدر على شئ منه ، على مابين إصبعيه ، ويحتمل أنها نعمتا النفع والدفع ، أو بين أثريه في الفضل والعدل ، يؤيده قوله : إذا شاء أقامه وإذا شاء أزاغه ، ويوضحه قوله : يا مقلب القلوب ثبت قلبي ، وإنما ثنى لفظ الإصبعين ، والقدرة واحدة ، لأنه جرى على المعهود من لفظ المثل . قال البيهقي : وزاد عليه غيره في تأكيد التأويل الأول بقولهم : ما فلان إلا في يدي ، وما فلان إلا في كفي ، وما فلان إلا في خنصري ، يريد بذلك إثبات قدرته عليه ، لا أن خنصره يحوى فلانا ، وكيف يحويه وهي بعض من جسمه ؟ وقد يكون فلان أشد بطشا وأعظم منه جسما اه‍ . وقال ابن بطال : لا يحمل ذكر الأصابع على الجارحة بل يحمل على


(54) رواه الطبراني ورجاله ثقات كما في المجمع (7 / 211) . (55) في الأسماء والصفات ص (341) بتحقيق الإمام الكوثري .

[ 45 ]

أنه صفة من صفات الذات لا تكيف ولا تحدد ، وهذا ينسب إلى الأشعري ، ووافقه ابن التين (56) . وقال الخطابي : لم يقع ذكر الأصبع في القرآن ولا في حديث مقطوع به ، وقد تقرر أن اليد ليست بجارحة حتى يتوهم من ثبوتها ثبوت الأصابع ، بل هو توقيف أطلقه الشارع ، فلا يكيف ولا يشبه ، ولعل ذكر الأصابع من تخليط اليهودي ، فان اليهود مشبهة ، وفيما يدعونه من التوراة ألفاظ تدخل في باب التشبيه ، ولا تدخل في مذاهب المسلمين (57) . وأما ضحكه (ص) من قول اليهودي ، فيحتمل الرضا والانكار . وأما قول الراوي تصديقا له فظن منه وحسبان . وقد جاء الحديث من عدة طرق ليس فيها هذه الزيادة ، وعلى تقدير صحتها ، فقد يستدل بحمرة الوجه على الخجل ، وبصفرته على الوجل ، فيكون الأمر بخلاف ذلك . فقد تكون الحمرة لأمر حدث في البدن ، كثوران الدم ، والصفرة لثوران خلط من مرار وغيره .


(56) وهو مردود عليهم إذ ليس الإصبع على التحقيق صفة له تعالى وقوله : لا تحدد ولا تكيف لا معنى له . واللة اعلم . (57) قال الإمام الكوثري في تعليقه على الأسماء والصفات ص (336) : ومن أحاط علما بقول الخطابي هنا علم أن ما يسوقه الحشوية في كتبهم التي يسمونها التوحيد أو الصفات أو العلو أو السنة أو نحوها من الأخبار المضطربة والوحدان والمفاريد ليس مما يلتفت إليه في المطالب اليقينية ، والاشتغال بتأويلها شغل من لا شغل له ، والمحدثون يتساهلون في المناقب ويتشددون في الحلال والحرام ، فإذا كان التشدد في الأحكام العملية الظنية واجبا فهو في المسائل الاعتقادية يكون أوجب ، فلذا نريد في المسائل الاعتقادية رجالا لم يتكلم فيهم أصلا ، ولا نكتفي أن يكون بعض الناس أثنى عليهم ، ونطلب في هذا الباب أحاديث في أعلى مراتب الصحة مما لم يمس متنه اضطراب أو شذوذ أو مخالفة للبراهين ، ولا لحق رجاله وصمة التدليس وقلة الضبط ونحو ذلك فضلا عن الكذب ، فيجب التحري البالغ في أحاديث الصفات عند جمهور أهل الحق ، ومن تهاون في ذلك فقد هان عليه اعتقاد اه‍ . (*) .

[ 46 ]

وعلى تقدير أن يكون ذلك محفوظا فهو محمول على تأويل قوله تعالى : (والسموات مطويات بيمينه) . أي قدرته على طيها ، وسهولة الأمر عليه في جمعها بمنزلة من جمع شيئا في كفه واستقل بحمله من غير أن يجمع كفه عليه بل يقله ببعض أصابعه اه‍ . والخطابي لم ينكر ورود الأصابع في حديث وإنما أنكر أن الحديث مقطوع به ، وكلامه صحيح كما قال الحافظ ، والمقصود أن ذكر الأصابع صفة لله تعالى ، ليس متفقا عليه مع احتماله للتأويل ، والهروي متساهل في إثبات الصفات بمجرد ورودها في الحديث ، من غير أن ينظر هل هي من تصرف الراوي أو نحو ذلك من الاحتمالات . نقد باب إثبات الضحك (58) لله عزوجل وروى عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال : (ضحك الله من رجلين قتل أحدهما صاحبه ثم دخلا الجنة) (59) والحديث في الصحيحين ، ولفظه في * (هامش) (58) ذكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات أن الإمام البخاري رحمه الله أول الضحك بالرحمة ص (298) فقال وأما الضحك المذكور في الخبر فقد روى الفربري عن محمد بن اسماعيل البخاري رحمه الله أنه قال : معنى الضحك فيه الرحمة اه‍ وكذلك ذكر ذلك عن البخاري صحيفة (470) ، فتأمل . ومنه يتبين أن الإمام البخاري أيضا إمام أهل الحديث السلفي من المؤولة . فهل يرميه الحشوية بالتجهم أيضا ؟ ! (59) رواه ابن حبان في صحيحه كما في الإحسان (7 / 86 بتحقيق الحوت) وقد أول الضحك هناك أيضا الحافظ ابن حبان إذ قال : فقوله (ص) ضحك من رجلين يريد ضحك الله ملائكته وعجبهم من الكافر القاتل للمسلم ثم تسديد الله للكافر وهدايته إياه إلى الإسلام وتفضله عليه بالشهادة بعد ذلك حق يدخلان الجنة جميعا فيعجب الله ملائكته ويضحكهم من موجود ما قضى وقدر ، فنسب الضحك الذي كان من الملائكة إلى الله جل وعلا على سبيل الأمر والإرادة ولهذا نظائر كثيرة سنذكرها فيما بعد من هذا الكتاب . . . اه‍ فتأمل . والحافظ ابن حبان السلفي الجهبذ يقول عنه هذا الهروي سألت شيخي يحيى بن عمار عنه أتعرفه فقال : نحن أخرجناه من سجستان لأنه أنكر الحد لله . انظر لسان الميزان 5 / 113 و 114 . (*) .

[ 47 ]

صحيح البخاري (ضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر ، يدخلان الجنة يقاتل هذا في سبيل الله فيقتل ثم يتوب الله على القاتل فيستشهد (60) ورواه النسائي بلفظ (إن الله يعجب من رجلين) (61) فالحديث مروى بالمعنى . قال الخطابي : الضحك الذي يعتري البشر عندما يستخفهم الفرح أو الطرب غير جائز على الله تعالى ، وإنما هذا مثل ضرب لهذا الصنيع الذي يحل محل الإعجاب عند البشر ، فإذا رأوه أضحكهم ، ومعناه : الإخبار عن رضى الله بفعل أحدهما وقبوله للآخر ، ومجازاتهما على صنيعهما بالجنة ، مع اختلاف حالهما ، قال : وقد تأول البخاري الضحك في موضوع آخر على معنى الرحمة ، وهو قريب ، وتأويله على معنى الرضا أقرب ، فإن الضحك يدل على الرضا والقبول ، والكرام يوصفون عندما يسألهم السائل بالبشر وحسن اللقاء ، فيكون المعنى في قوله : يضحك الله أي يجزل العطاء وقد يكون معنى ذلك أن يعجب ملائكته ويضحكهم من صنيعهما وهذا يتخرج على المجاز ، ومثله في الكلام يكثر اه‍ . وقال ابن الجوزي : أكثر السلف يمتنعون من تأويل مثل هذا ، ويمرونه كما جاء ، وينبغي أن يراعى في مثل هذا الامرار ، اعتقاد أنه لا يشبه صفات الله صفات الخلق ، ومعنى الامرار عدم العلم بالمراد منه ، مع اعتقاد التنزيه اه‍ . قال الحافظ : ويدل على أن المراد بالضحك الاقبال بالرضا ، تعديته بإلى ، تقول ضحك فلان إلى فلان إذا توجه إليه طلق الوجه ، مظهرا الرضا عنه اه‍ . وذكر البيهقي في الأسماء والصفات بعض الأشعار التي جاء الضحك


(60) رواه البخاري انظر الفتح (6 / 39) ومسلم في الإمارة (1 28 - 129) . (61) انظر سنن النسائي بشرح السيوطي (6 / 38) . (*) .

[ 48 ]

فيها بمعنى الرضا ، منها قول زهير : تراه إذا ما جئته متهللا كأنك تعطيه الذي أنت سائله وقول كثير : غمر الرداء إذا تبسم ضاحكا غلقت لضحكته رقاب المال وقول الكميت : فأعطى ثم أعطى ثم عدنا فأعطى ثم عدت له فعادا مرارا ما أعود إليه إلا تبسم ضاحكا وثنى الوسادا وقال شاعر آخر : ضحك المزن بها ثم بكى . نقد باب إثبات القدم لله عزوجل وروى حديث أنس قال : قال رسول الله (ص) (يلقى في النار وتقول هل من مزيد حتى يدلي رب العالمين فيها قدمه ، فتقول : قط قط) (62) .


(62) أخرجه البخاري في تفسير سورة ق : باب (وتقول هل من مزيد) ومسلم في كتاب الجنة : (باب النار يدخلها الجبارون) وانظر الأسماء والصفات للبيهقي ص (348) وظاهر هذا الحديث مردود بقول الله تعالى : (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) فدل على استحالة ورود الإله سبحانه النار كما يستحيل أن تحل صفاته القديمة - إن قلنا جدلا ان القدم صفة له - في النار . قال الحافظ ابن الجوزي الحنبلي في كتابه : (الباز الأشهب المنقض على مخالفي ا لمذهب) ص 83 . قلت : الواجب علينا أن نعتقد أن ذات الله تعالى لا تتبعض ولا يحويها مكان ولا توصف بالتغير ولا بالانتقال وقد حكى أبو عبيد الهروي عن الحسن البصري أنه قال : القدم : هم الذين قدمهم الله تعالى من شرار خلقه وأثبتهم لها ، وقال الإمام ابن الأعرابي القدم المتقدم ، وروى أبو بكر البيهقي (الاسماء 352) عن النضر بن شميل (توفى سنة 203 ه‍) أنه قال : القدم ههنا الكفار الذين سبق في علم الله أنهم من (*) .

[ 49 ]

أهل النار . وقال أبو منصور الأزهري : القدم هم الذين قدم اللة بتخليدهم في النار فعلى هذا يكون في المعنى وجهين أحدهما : كل شئ قدمه . اه‍ قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (8 / 596) : واختلف في المراد بالقدم فطريق السلف في هذا وغيره مشهورة وهو أن تمر كما جاءت ولا يتعرض لتأويله بل نعتقد استحالة ما يوهم النقص على الله تعالى ، وخاض كثير من أهل العلم في تأويل ذلك ، فقال : المراد إذلال جهنم ، فإنها إذا بالغت في الطغيان وطلب المزيد أذلها الله فوضعها تحت القدم ، وليس المراد حقيقة القدم ، والعرب تستعمل ألفاظ الأعضاء في ضرب الأمثال ولا تريد أعيانها ، كقولهم رغم أنفه وسقط في يده . . . . وقال ابن حبان في صحيحه (1 / 423) بعد إخراجه : هذا من الأخبار التي أطلقت بتمثيل المجاورة وذلك أن يوم القيامة يلقى في النار من الأمم والأمكنة التي عمي الله فيها فلا تزال تستزيد حتى يضع الرب فيها موضعا من الأمكنة المذكورة فتمتلئ لأن العرب تطلق القدم على الموضع ، قال تعالى : (لهم قدم صدق عند ربهم) يريد موضع صدق . . . . وزعم ابن الجوزي أن الرواية التي جاءت بلفظ (الرجل) تحريف من بعض الرواة لظنه أن المراد بالقدم الجارحة فرواها بالمعنى فأخطأ ، ثم قال : ويحتمل أن يكون المراد بالرجل ان كانت محفوظة الجماعة كما تقول رجل من جراد ، فالتقدير يضع فيها جماعة ، وأضافهم إليه إضافة اختصاص . . . . وقال أبو الوفاء بن عقيل : تعالى الله عن أنه لا يعمل أمره في النار حتى يستعين عليها بشئ من ذاته أو صفاته وهو القائل للنار (كوني بردا وسلاما) فمن يأمر نارا أججها غيره أن تنقلب عن طبعها وهو الإحراق فتنقلب كيف يحتاج في نار يؤججها هو إلى استعانة انتهى من فتح الباري فتأمل . وقال الحافظ ابن الجوزي في (الباز الأشهب) ص (85) - ذاما المشبهة - : وقال ابن الزاغوني : نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق . قلت : وهذا اثبات تبعيض ، وهو من أقبح الاعتقادات . قلت : ورأيت أبا بكر بن خزيمة قد جمع كتابا في الصفات وبوبه فقال : باب اثبات اليد ، باب امساك السموات على أصابعه باب اثبات الرجل وان رغمت انوف المعتزلة ثم قال : قال الله تعالى : (ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها) فأعلمنا أن من لا يد له ولا رجل فهو كالانعام . قلت : وإني لأعجب من هذا الرجل مع علوقدره في علم النقل يقول هذا ويثبت لله ما ذم الأصنام بعدمه من اليد الباطشة والرجل الماشية ، ويلزمه أن يثبت الأذن ولو رزق الفهم ما تكلم بهذا ، وأفهم أن الله تعالى عاب الأصنام عند عابديها ، والمعنى لكم أيد وأرجل فكيف عبدتم ناقصا لا يد له يبطش ولا رجل يمشي بها .

[ 50 ]

قال ابن عقيل : تعالى الله أن يكون له صفة تشغل الأمكنة هذا عين التجسيم ، وليس الحق بذي أجزاء وأبعاض يعالج بها ، ثم انه لا يعمل في النار أمره وتكوينه حتى يستعين بشئ من ذاته ويعالجها بصفة من صفاته وهو القائل : (كوني بردا وسلاما) فما أسخف هذا الاعتقاد وأبعده عن مكون الأملاك والأفلاك فقد نطق بتكذيبهم فقال تعالى : (لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) فكيف يظن بالخالق أنه يردها . . ؟ ! تعالى الله عن تجاهل المجسمة . أقول : وليعلم أن الحنابلة كانوا يبغضون ابن عقيل وابن الجوزي الحنبليان لان اعتقادهما كان صحيحا موافقا لاعتقاد السلف الصالح ، وابن عقيل وإن اتصل بالمعتزلة فانه لم يقل الا بالحق في اعتقاده بل رذ عليهم اغراقهم في التأويل ووافقهم فيما يقولونه من اعتقادات صحيحة فلا تصغ لغير ذلك ، فقد قال الحافظ ابن حجر في اللسان (243 / 4) : وهذا الرجل من كبار الائمة ، نعم كان معتزليا ، ثم أشهد على نفسه أنه تاب عن ذلك ، وصحت توبته ، ثم صنف في الرد عليهم وقد أثنى عليه أهل عصره ومن بعدهم ، وأطراه ابن الجوزي وعول على كلامه في أكثر تصانيفه اه‍ . وقول ابن حجر (نعم كان معتزليا ثم تاب) أي أعلن براءته من كل ما تقوله المعتزلة مما يخالف عقائد أهل السنة الاشاعرة والماتريدية وكلامه المنقول عنه عند ابن الجوزي من التأويل الحسن الجيد الذي لا غبار عليه ، واقرار الحافظ ابن حجر لتعويل ابن الجوزي على كلام ابن عقيل أوضح دليل على حسن مسلك ابن عقيل وابن الجوزي وصحته عند أهل الحق وعند الحافظ ابن حجر الذي نقل كلام ابن عقيل في الفتح (597 / 8) مقرا له ، ومنه يتبين أن ابن تيمية ومن تبعه خلط في أمر ابن عقيل فوصفه (في جزء تعارض العقل والنقل 8 / 65 - 61) بانه من نفاة الصفات ، وأنه تارة يحرم التأويل ريذمه وتارة يوجب التاوبل ، وله كلام مخالف للسنة والحق . قلت : الحقيقة أن ابن عقيل أول ما يحتاج إلى تأويل وبيان أو نفى أن يكون لكه رجل وتدم يضعها في النار ، ولم يؤول أشياء أخرى لا حاجة لتاويلها وبيانها ، وابن تيمية لا يعجبه ذلك فاراد أن يشؤش صورته وكذا صورة ابن الجوزي فتننه ولا تغفل عن هذا . والذي يؤكد ما تررناه أن الحافظ ابن حجر ذكر أنه كان معتزليا وتاب وأشهد على نفسه وابن رجب يقول في (ذيل طبقات الحنابلة 44 / 1 ا) : ويظهر منه في بعض الاحيان نوع انحراف عن السنة وتاؤل لبعض الصفات ولم يزل فيه بعض ذلك إلى أن مات رحمه الد . اه‍ . وابن رجب مثربه هو مشرب ابن تيمية كما هو معلوم وهؤلاء ينظرون لامثال ابن عقيل

[ 51 ]

نقد باب الدليل على أن القدم هو (63) الرجل وروى الحديث المتقدم من طريق أبي هريرة وقال فيه : (حتى يضع الله عزوجل رجله فيها فتقول : قط قط) . هذا من شذوذ هذا الرجل ، يتمسك في إثبات صفات لله تعالى ، بخبر آحاد محتمل للتأويل . ونقول في الرد عليه : (أولا) : هذا الحديث أتى بزيادة عما في القرآن ، فإن الله تعالى قال : (يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد) ، وهذا الحديث وإن كان صحيحا ، ليس في قوة القرآن ، فلا يجوزأن يقطع بما فيه من الزيادة ، وتجعل صفة لله تعالى . (ثانيا) : ذكر ابن الجوزي (64) أن الرواية التي جاءت بلفظ الرجل تحريف من بعض الرواة ، لظنه أن المراد بالقدم الجارحة ، فرواها بالمعنى فأخطأ اه‍ . وحيث أن الرواية بالمعنى محتملة في الحديث ، فلا يجوز أن نضيفها إلى الله تعالى . (ثالثا) : أن الحديث مؤول بوجوه كثيرة ، مبسوطة في فتح الباري (65) وغيره . (رابعا) : قال أبو الوفاء ابن عقيل : تعالى الله عن أنه لا يعمل أمره في


وابن الجوزي نظرة انكار وبغض ، من ذلك قول ابن تيمية في (درء التعارض 1 / 270) : وكان الأشعري أقرب إلى مذهب أحمد وأهل السنة من كثير من المتأخرين المنتسبين إلى أحمد الذين مالوا إلى بعض كلام المعتزلة كابن عقيل وصدقة ابن الحسين وابن الجوزي وأمثالهم . اه‍ وفي هذا الكلام تصريح من ابن تيمية إلى أن ابن عقيل لم يكن معتزليا وإنما كان يميل بنظره إلى بعض أقوالهم وهي الأقوال التي تنفي التجسيم الذي يميل إليه ابن تيمية وأتباعه . (63) أخطأ الهروي في العربية والصواب أن يقول (هي) بدل (هو) أفاده سيدي المحدث الغماري . وحديث (الرجل) ثابت في البخاري انظر الفتح (8 / 595) . (64) في كتابه (الباز الأشهب المنقض على مخالفي المذهب) ص 84 . (65) انظر الفتح (8 / 596) .

[ 52 ]

النار ، حتى يستعين عليها بشئ من ذاته أو صفاته (66) ، وهو القائل للنار (كوني بردا وسلاما) ، فمن يأمر نارا أججها غيره ، أن تنقلب عن طبعها وهو الإحراق فتنقلب ، كيف يحتاج في نار يؤججها هو إلى استعانة ؟ (67) اه‍ . فكيف مع هذا الإشكال يجزم الهروي بإثبات القدم والرجل صفة لله تعالى ؟ وصفات الله عز وجل لا تثبت إلا بدليل قطعي كالقرآن أو السنة الصحيحة المقطوع بها ، ولا يكون لاحتمال التأويل فيها مجال . الخلاصة : أن الحديث صحيح بأن النار تقول هل من مزيد ؟ حتى يضع الرب فيها قدمه ، لكن لا يجوز أن نجزم بأن القدم صفة الله تعالى ، لأنها محتملة للتأويل ، ولا ينسب صفة لله إلا ما كان مقطوعا به . فمن يثبت القدم لله ، ثم يزعم تنزيه الله عن الجوارح متناقض ، لأنه أثبت جارحة ثم نفاها . وذكر في ترجمة المؤلف أن مسعود بن سبكتكين قدم هراة سنة ثلاثين وأربعمائة فاستحضر شيخ الإسلام - الهروي - ، وقال له : أتقول إن الله عزوجل يضع قدمه في النار ؟ فقال : أطال الله بقاء السلطان المعظم ، إن الله عزوجل لا يتضرر بالنار ، والنار لا تضره ، والرسول لا يكذب عليه ، وعلماء هذه الأمة لا يتزيدون فيما يروون عنه ويسندون إليه . فاستحسن جوابه ورده مكرما (68) . وهذا استدلال ظريف ! (69) حيث أن الله لا يتضرر بالنار ، والنار لا تضره فلنثبت له قدمين ورجلين . أرأيت كيف تكون الحجة الناهضة ؟ ! بل هي الحجة الداحضة ، فنحن نمنع نسبة القدم إلى الله ، لأنها لم تثبت بدليل


(66) يعني إن قيل جدلا أن القدم بعض ذات الله أو صفة من صفاته . (67) انظر الفتح (8 / 597) . (68) انظر ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (1 / 57) . (69) يصلح ان يوضع في كتاب (أخبار الحمقى والمغفلين) . وهذا القول كقول ابن الزاغوني المسكين : نقول إنما وضع قدمه في النار ليخبرهم أن أصنافهم تحترق وأنا لا أحرق . اه‍ ونسي المسكين أن الملائكة خزنة النار لا تحترق وكذا غيرهم ممن يأمرهم الله بدخولها عند الامتحان على قول مرجوح وبه يسقط استدلال هذا المسكين .

[ 53 ]

قاطع ، ولأنها تفيد الجارحة ، وهي في حق الله محال . نقد باب إثبات الهرولة (70) لله عزوجل وروى حديث أبي هريرة عن النبي (ص) قال : قال الله عزوجل ؟ (أنا عند ظن عبدي وأنا معه إذا دعاني إن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا وإن تقرب مني ذراعا تقربت إليه باعا وإن جاءني يمشي أتيته هرولة) (71) . قلت : حيث أثبت القدمين لله تعالى ، فمن المعقول جدا أن يثبت له الهرولة أي الجري بهما ! ! وهذا هو توحيد الحافظ الهروي ومن على شاكلته . وإن أردت التوحيد الحق ، فاعلم أن الهرولة في حق الله محال ، لا تليق بعظمته وجلاله . قال الكرماني (72) : لما قامت البراهين على استحالة هذه الأشياء يعني الباع والذراع والهرولة في حق الله تعالى ، وجب أن يكون المعنى : من تقرب إلي بطاعة قليلة ، جازيته بثواب كثير ، وكلما زاد في الطاعة ، أزيد في الثواب ، وإن كانت كيفية إتيانه بالطاعة بطريق التأني ، يكون كيفية إتياني بالثواب بطريق الإسراع . والحاصل أن الثواب راجع على العمل بطريق الكيف والكم ولفظ القرب والهرولة مجاز على سبيل المشاركة أو الاستعارة أو إرادة لوازمها اه‍ . ويؤيده رواية ابن حبان في صحيحه (73) والبرقاني في مستخرجه (74) عن أبي هريرة فذكر الحديث كما هنا وزاد بعد قوله : هرولة ، (وإن هرول سعيت


(70) لا أظن أن عاقلا يقول بأن الهرولة من صفات الله تعالى ويصنف في إثباتها المصنفات . (71) رواه البخاري (الفتح 13 / 511 - 512) ومسلم في كتاب التوبة (1) وفي كتاب الذكر (1 ، 20 - 22) . (72) كما في الفتح (13 / 514) . (73) انظر صحيح ابن حبان بتقديم الحوت (1 / 297) . (74) كما في الفتح (1 / 514) .

[ 54 ]

إليه والله أسرع بالمغفرة) . ويؤيده أيضا أن الطاعات التي يتقرب العبد بها إلى الله تعالى ، لا باع فيها ولا شبر ولا ذراع ، فهي مجاز بالنسبة لله وللعبد ، ولكن المؤلف ضعيف في الفهم والاستنباط (75) . نقد باب إثبات نزوله إلى السماء الدنيا (76) وروى عن رفاعة عن عرابة الجهني قال : قال رسول الله (ص) : (إذا مضى شطر الليل أو قال ثلثاه ينزل الله عزوجل إلى سماء الدنيا فيقول : لا يسأل


(75) بلا شك ولا ريب كباقي المجسمة ، وخصوصا أتباعهم في هذا الزمان الذين ينشرون كتب التجسيم الهدامة ، يحققونها ككتاب التوحيد لابن خزيمة ، وسنة ابن أحمد ، والأربعين لهذا الهروي المجسم . والجميع بلا شك ينشرون عقائد اليهود المنقولة من التوراة المحرفة المبدلة ، فالشيخ حمود التويجري ينقل في كتابه الممجوج (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن صحيفة (76) من الطبعة الثانية التي قرظها الشيخ ابن باز هداه الله) ليثبت صفة الصورة لله سبحانه وتعالى عما يصفون من التوراة فيقول : وأيضا فهذا المعنى عند أهل الكتاب من الكتب المأثورة عن الأنبياء كالتوراة فإن في السفر الأول منها : (سنخلق بشرا على صورتنا يشبهها) . اه‍ فهذه عقيدة دعاة التوحيد من أتباع ابن تيمية فتأملوا يا ذوي الأبصار ، وأنا أدعوهؤلاء للمناظرة إن كان فيهم من يحسن المناظرة لنوضح لهم فساد العقائد الوثنية التي يعتقدونها ويدعون أنها توحيد الأسماء والصفات تلبيسا على العامة والضعفاء . (76) نزول الله إلى السماء الدنيا معناه نزول أحد ملائكة الله إلى السماء الدنيا هذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث مفسرة مبينة ، منها حديث النسائي في عمل اليوم والليلة (ص 340 حديث رقم 482 طبع مؤسسة الرسالة بتحقيق فاروق حماده) من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا بلفظ : (إن الله عزوجل يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا ينادي يقول : هل من داع يستجاب له ؟ هل من مستغفر يغفر له ؟ هل من سائل يعطى ؟) . وهذه الرواية الصحيحة المفسرة لما كانت تخالف مشرب الألباني ضعفها في سلسلته الضعيفة برقم (3897) كما في تحقيق الشيخ شعيب لكتاب الكرمي (أقاويل الثقات) ص 205 بدعوى أنها رواية شاذة منكرة تفرد بها حفص بن غياث وإن حفصا قد اختلط . ونجيب الألباني فنقول : حفص بن غياث ثقة من رجال الستة ، وورد الحديث

[ 55 ]

عن عبادي غيري من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يستغفرني أغفر له حتى ينفجر الصبح) (77) . قال الحافظ : استدل له من أثبت الجهة ، وقال : هي جهة العلو . وأنكر ذلك الجمهور (78) ، لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن ذلك ، وقد اختلف في معنى النزول على أقوال : فمنهم من حمله على ظاهره وحقيقته ، وهم المشبهة ، تعالى الله عن قولهم ، ومنهم من أنكر صحة الأحاديث الواردة في ذلك جملة ، وهم الخوارج والمعتزلة ، وهو مكابرة ، ومنهم


بألفاظ قريبة من لفظ حفص من غير طريقه بأسانيد صحيحة عند أحمد (4 / 22 و 217 و 312) كما في المجمع (10 / 153) والبزار والطبراني (9 / 51) ومنه يتبين خطأ الألباني ووهمه ، أما ادعاؤه بأن حفص بن غياث تغير حفظه قليلا بأخرة كما في التقريب فتلاعب ، وذلك لأن هذا الحديث الذي ادعى الألباني بأن حفصا انفرد به هو من روايته عن الأعمش وروايته عن الأعمش ما أثر فيها تغير واختلاط حفص لو كان ، وذلك لأنها كانت في كتاب عند ابنه عمربن حفص كما في ترجمته في تهذيب الكمال وتهذيب التهذيب . فتأمل . (77) لم أجده من حديث عرابة الجهني والحديث بهذا اللفظ في مسلم في كتاب صلاة المسافرين برقم (170) من حديث أبي هريرة انظر مسلم (1 / 522) وحديث النزول في الصحيحين وغيرهما بألفاظ متعددة وانظر فتح الباري (3 / 29) . (78) حاول الشيخ ابن باز أن يرد كلام الحافظ في تعليقه على فتح الباري (3 / 30) وادعى أن الصحابة ومن تبعهم باحسان يثبتون لله الجهة (!) ، وليس كذلك ، ولو استظهر الشيخ بالثقلين على أن يثبت لفظ الجهة عن واحد من الصحابة لعجز ، ولا شك أن إطلاق لفظ الجهة على الله سبحانه بدعة خلفية مردودة لأن لفظ الجهة لم يرد في كتاب ولا في سنة وهو يقتضي التجسيم ، وقد قال الإمام الطحاوي السلفي : لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات . وذلك في عقيدته السلفية المشهورة المجمع على صحتها ، والتي اثبت الألباني والشاويش على غلاف شرحها الداخلي قول السبكي : (جمهور المذاهب الأربعة على الحق يقرون عقيدة الطحاوي التي تلقاها العلماء سلفا وخلفا بالقبول) فظهر أن مراد الحافظ بالجمهور جمهور أهل السنة خلافا لما توهمه كلام المعلق . (*) .

[ 56 ]

من أجراه على ما ورد مؤمنا به على طريق الإجمال ، منزها الله تعالى عن الكيفية والتشبيه ، وهم جمهور السلف ، ومنهم من أوله على وجه يليق مستعمل في كلام العرب ، ومنهم من أفرط في التأويل حتى كاد أن يخرج إلى نوع من التحريف ، ومنهم من فصل بين ما يكون تأويله قريبا مستعملا في كلام العرب ، وبين ما يكون بعيدا مهجورا ، فأول في بعض وفوض في بعض ، وهو منقول عن مالك وجزم به من المتأخرين ابن دقيق العيد . قال البيهقي وأسلمها الإيمان بلا كيف والسكون عن المراد إلا أن يرد ذلك عن الصادق فيصار إليه اه‍ كلام الحافظ . وقال ابن العربي : حكى عن المبتدعة رد هذه الأحاديث ، وعن السلف إمرارها ، وعن قوم تأويلها ، وبه أقول . فأما قوله ينزل فهو راجع إلى أفعاله ، لا إلى ذاته ، بل ذلك عبارة عن ملكه الذي ينزل بأمره ونهيه ، والنزول كما يكون في الأجسام ، يكون في المعاني ، فإن حملته على المعنوي بمعنى أنه لم يفعل ثم فعل ، فيسمى ذلك نزولا عن مرتبة إلى مرتبة ، فهي عربية صحيحة اه‍ والحاصل أنه تأوله بوجهين إما بأن المعنى ينزل أمره أو الملك بأمره ، وإما بأنه استعارة لمعنى التلطف بالداعين والاجابة لهم ونحوه . قال الحافظ : وقد حكى ابن فورك : أن بعض المشايخ ضبطه بضم أوله على حذف المفعول ، أي ينزل ملكا ، ويقويه ما رواه النسائي من طريق الأغر عن أبي هريرة وأبي سعيد ، بلفظ (ان الله يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له) (79) وفي حديث عثمان بن أبي العاص : (ينادي مناد هل من داع يستجاب له) (80) الحديث .


(79) حديث صحيح رواه النسائي في عمل اليوم والليلة برقم (482) . (80) حديث صحيح رواه الطبراني في الكبير (9 / 51) فقال : حدثنا ابراهيم بن هاشم البغوي ثنا عبد الرحمن بن سلام الجمحي ثنا داود بن عبد الرحمن العطار عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عثمان بن أبي العاص الثقفي عن النبي (ص) به ورجاله

[ 57 ]

قال القرطبي : وبهذا يرتفع الإشكال ، ولا يعكر عليه ، قوله في رواية رفاعة الجهني (ينزل الله إلى السماء الدنيا فيقول : لا يسأل عن عبادي غيري) لأنه ليس في ذلك ما يدفع التأويل المذكور . قال البيضاوي : ولما ثبت بالقواطع أنه سبحانه منزه عن الجسمية والتحيز ، امتنع عليه النزول على معنى الانتقال من موضع إلى موضع أخفض منه ، فالمراد نزول رحمته ، أي يتنقل من مقتضى صفة الجلال التي تقتضي الغضب والانتقام ، إلى مقتضى صفة الاكرام التي تقتضي الرأفة والرحمة اه‍ ولي في الحديث رأي لم يتعرض له أحد ، وهو الصواب إن شاء الله . وبيان ذلك : أن الله تعالى قال : (وإذا سألك عبادي عني فاني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان) وقال سبحانه : (إن ربي قريب مجيب) فالله قريب من خلقه ، ليس بينه وبينهم مسافة يقطعها نزول ، والمسافة التي بين السموات ، وبينها وبين الأرض ، هي بالنسبة للخلق ، أما بالنسبة لله تعالى ، فالعالم كله بين يديه ، لا يفصله عنهم مسافة لقربه منهم بغير حلول ولا اتحاد ، تعالى الله أن يحل في شئ من خلقه ، أو يتحد به ، فنزوله كناية عن تنزله في تجليه على عباده المؤمنين القائمين في ذلك الوقت من الليل ، وهو وقت التجلي ، ويقال لله متجلي ، ولا يقال له نازل ، والتجلي صفة خاصة به سبحانه ، لا يوصف بها ملك ولا نبي . . . ومعنى التنزل في التجلي أنه يتجلى على المؤمنين ، بقدر ما تستطيعه روحانيتهم ، لطفا بهم ورحمة لهم والله تعالى أعلم . نقد باب إثبات رؤيتهم إياه عزوجل قي الجنة وقع في سند المؤلف في هذا الباب : أنا أبو يعلى ثنا حوثرة بن وبعده


رجال الصحيح إلا شيخ الطبراني ابراهيم بن هاشم البغوي وهو ثقة كما قال الدارقطني انظر تاريخ بغداد (6 / 203) وطبقات الحنابلة (1 / 98) .

[ 58 ]

بياض ، فكتب عليه المعلق (81) : لعله حوثرة بن محمد بن قديد المنقري ، وهذا خطأ ، والصواب : أنه حوثرة بن الأشرس بن عون بن المجشر العدوي أبو عامر ، روى عنه أبو حاتم وأبو زرعة وأبو يعلى ، وهو يروي عن حماد بن سلمة وغيره ، له ترجمة في كتاب الجرح والتعديل (82) ، وثقات ابن حبان . خاتمة فيها مسائل (الأولى) : قال القاضي أبو بكر بن العربي (84) في القواصم والعواصم : والأحاديث الصحيحة في هذا الباب - يعني في باب الصفات على ثلاث مراتب : الأولى : ما ورد من الألفاظ وهو كمال محض ، ليس للنقائص والآفات فيه حظ ، فهذا يجب اعتقاده . الثانية : ما ورد وهو نقص محض ، فهذا ليس لله فيه نصيب فلا يضاف إليه إلا وهو محجوب عنه في المعنى ضرورة ، كقوله : (عبدي مرضت فلم تعدني) وما أشبهه . الثالثة : ما يكون كمالا ولكنه يوهم تشبيها ، فأما الذي ورد كمالا محضا ، كالوحدانية والعلم والقدرة والارادة والحياة والسمع والبصر والإحاطة والتقدير والتدبير وعدم المثل والنظير ، فلا كلام فيه ولا توقف . وأما الذي ورد بالآفات المحضة والنقائص ، كقوله : (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا) ، وقوله : (جعت فلم تطعمني


(81) وهو الدكتور علي الفقيهي ضعيف جدا وبخاصة في علم التوحيد والحديث . (82) انظر الجرح والتعديل (3 / 283) . (83) انظر ثقات ابن حبان (8 / 215) . (84) وهو إمام حافظ كبير من أهل الحديث بلا شك .

[ 59 ]

وعطشت) . فقد علم المحفوظون والملفوظون والعالم والجاهل ، أن ذلك كناية عمن تتعلق به هذه النقائص ، ولكنه أضافها إلى نفسه الكريمة المقدسة تكرمة لوليه ، وتشريفا واستلطافا للقلوب وتليينا . وإذا جاءت الألفاظ المحتملة التي تكون للكمال بوجه ، وللنقصان بوجه ، وجب على كل مؤمن حصيف (85) أن يجعلها كناية عن المعاني التي تجوز عليه ، وينفي ما لا يجوز عليه . فقوله في اليد والساعد والكف والإصبع ، عبارات بديعة ، تدل على معان شريفة ، فان الساعد عند العرب ، عليها كانت تعول في القوة والبطش والشدة ، فأضيف الساعد لله ، لأن الأمر كله لله ، كذلك قوله : (إن الصدقة تقع في يد الرحمن) ، عبر بها عن كف المسكين ، تكرمة له ، وما يقلب بالأصابع يكون أيسر وأهون ، ويكون أسرع ، وانظر بقية كلامه في (2 / 42) من الكتاب المذكور ، وهو كلام نفيس للغاية . (الثانية) : قال الحافظ ابن الجوزي في كتاب دفع شبه التشبيه : رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح . فصنفوا كتبا شانوا بها المذهب ، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام ، فحملوا الصفات على مقتضى الحس ، فسمعوا أن الله خلق آدم على صورته ، فاثبتوا له صورة ووجها زائدا على الذات ، وفما ولهوات وأضراسا (86)


(85) عاقل . (86) قال الإمام الحافظ ابن الجوزي في كتابه الباز الأشهب ص (90) : وقد روى في حديث موقوف : (فضحك حتى بدت لهواته وأضراسه) ذكره الخلال في كتاب السنة . وقال المروزي : قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - ما تقول في هذا الحديث . . ؟ قال : هذا بشع . قال : ثم على تقدير الصحة يحتمل امرين : أحدهما : أن يكون ذلك راجعا إلى النبي (ص) كأنه ضحك حين أخبر بضحك الرب ،

[ 60 ]

وأضواء لوجهه وبدين واصبعين وكفا وخنصرا وإبهاما وصدرا وفخذا


حتى بدت لهواته وأضراسه كما روي أنه ضحك حتى بدت نواجذه ، وهذا هو الصحيح لو ثبت الحديث ، وإنما هو مقطوع . الثاني : أن يكون تجوزا من كثرة الكرم وسعة الرضا كما جوز بقوله : (ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) . قال القاضي : لا يمتنع الأخذ بظاهر الأحاديث في إمرارها على ظواهرها من غير تأويل لأنا لا نثبت ضحكا هو فتح الفم ولا أضراسا ولهوات وجوارحا وابعاضا . قلت : وا عجبا قد أثبت لله صفاتا بأحاديث وألفاظ لا تصح . قال أحدهم : وإذا لم يثبته ضحكا معقولا فقد تأول ولا يدري وواعجبا قد عرف أن الضحك يشار به إلى الفضل والأنعام . فالأضراس ما وجهها ؟ والله لو رويت في الصحيحين وجب ردها ، فكيف وما ثبتت أصلا ؟ ! وقد روى أحمد : لو أن الناس اعتزلوهم يعني الأمراء فقال : اضرب على هذا . وهذا الحديث في الصحيحين فكيف بحديث لا يثبت يخالف المنقول والمعقول ؟ ! ومن أثبت الأضراس صفة فما عنده من الإسلام خبر . اه‍ كلام الحافظ ابن الجوزي قلت : حديث اللهوات والأضراس في صحيح ابي عوانة (1 / 139) قال أبو عوانة : حدثنا عباس الدوري ثنا يحى بن معين قال ثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج (ح) وحدثني عبد الله بن أحمد وأحمد أخي قالا ثنا اسحق بن منصور قال ثنا روح قال حدثنا ابن جريج قال ثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يسأل عن الورود فقال : نحن يوم القيامة - فذكر مثله - فيقولون حتى ننظر اليك فيتجلى لهم يضحك قال سمعت رسول الله يقول حتى يبدو لهواته وأضراسه فينطلق ربهم فيتبعونه . . . اه‍ . قلت : وهذا حديث شاذ منكر لا أشك في وضعه وأنه مكذوب . ومثله ما في كتاب السنة المنسوب لابن أحمد (ص / 190 بتحقيق زغلول) وذكر بسنده عن عبداللة بن عمرو قال : خلقت الملائكة من نور الذراعين والصدر اه‍ وهو كذب بلا ريب وهل يعقل مسلم أن لله هذه الأعضاء فتبا لعقول المجسمة الذين يوردون مثل هذه الأقوال الباطلة غير منبهين على بطلانها .

[ 61 ]

وساقين ورجلين (87) ، وقالوا : ما سمعنا بذكر الرأس . وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات فسموها بالصفات تسمية مبتدعة . ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل . ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى . ولا إلغاء ما توجبه الظواهر من صفات الحدث أو من صفات الحدوث ، ولم يقنعوا أن يقولوا : صفة فعل ، حتى قالوا : صفة ذات . ثم لما أثبتوا أنها صفات ، قالوا : لا نحملها على توجيه اللغة ، مثل يد ، على نعمة وقدرة ، ولا مجئ وإتيان على معنى بر ولطف ، ولا ساق على شدة . بل قالوا : نحملها على ظواهرها المتعارفة ، والظاهر هو المعهود من نعوت الآدميين ، والشئ إنما يحمل على حقيقته إن أمكن ، فان صرف صارف ، حمل على المجاز ، ثم يتحرجون من التشبيه ، ويأنفون من إضافته إليهم ، ويقولون : نحن أهل السنة ، وكلامهم صريح في التشبيه ، وقد تبعهم خلق من العوام ، وقد نصحت التابع والمتبوع ، وقلت لهم : يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل وإتباع ، وإمامكم الأكبر أحمد بن


(87) بل قال قاضى الحنابلة أبو يعلى في الصفات : ألزموني ما شئتم فإني التزمه إلا اللحية والعورة اه‍ كما رواه عنه الحافظ أبو بكر ابن العربي في العواصم . (2 / 283) والقاضى ابو يعلى هذا هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن الفراء الحنبلي توفي سنة (458 ه‍) وفيه يقول أبو محمد التميمي ما معناه : لقد شان أبو يعلى الحنابلة شينا لا يغسله ماء البحار . انظر الكامل لابن الاثير (10 / 52) في حوادث سنة (458) وقال ابن الاثير في حوادث سنة (429 ه‍) وفيها أنكر العلماء على ابي يعلى بن الفراء الحنبلي ما ضمنه كتابه من صفات الله سبحانه وتعالى المشعرة بأنه يعتقد التجسيم . ثم قال ابن الاثير في حوادث سنة (458) : وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض تعالى الله عن ذلك . اه‍ . قلت : وكتابه هذا سماه (إبطال التأويل) مخطوط لدي نسخة منه .

[ 62 ]

حنبل رحمه الله ، يقول وهو تحت السياط : كيف أقول ما لم يقل ؟ فإياكم أن تبتدعوا في مذهبه ما ليس فيه ، ثم قلتم في الأحاديث : تحمل على ظاهرها ، فظاهر القدم الجارحة ، ومن قال : استوى بذاته المقدسة ، فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيات . وينبغي أن لا يهمل ما يثبت به الأصل وهو العقل . فانا به عرفنا الله تعالى ، وحكمنا له بالقدم بكسر القاف . فلو أنكم قلتم : نقرأ الأحاديث ونسكت ، ما أنكر أحد عليكم وإنما حملكم إياه على الظاهر قبيح . فلا تدخلوا في مذهب هذا الرجل السلفي ما ليس فيه اه‍ . وأفاض ابن الجوزي في ذم المجسمة من الحنابلة مثل القاضي أبي يعلى وابن الزاغوني ، واستنكر الحنابلة التجسيم الذي ألصق بمذهبهم ، واعتبروه شينا له ، وقاوموا المشبهة والمجسمة الذين انتسبوا لمذهبهم ، ولم يعتقدوا التنزيه كما اعتقده إمامهم رحمه الله . (الثالثة) : مؤلف كتاب الأربعين ، مجسم ومشبه ، وصفه بذلك التاج السبكي في طبقات الشافعية (88) ، قال في ترجمة أبي عثمان الصابوني : الملقب بشيخ الإسلام ، لقبه أهل السنة في بلاد خراسان ، فلا يعنون عند إطلاقهم هذه اللفظة غيره . وأما المجسمة بمدينة هراة ، فلما ثارت نفوسهم من هذا اللقب ، عمدوا إلى أبي اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري صاحب كتاب (ذم الكلام) فلقبوه بشيخ الإسلام ، وكان الأنصاري المشار إليه ، رجلا كثير العبادة محدثا إلا أنه يتظاهر بالتجسيم والتشبيه ، وينال من أهل السنة ، وقد بالغ في كتابه (ذم الكلام) حتى ذكر أن ذبائح الأشعرية لا


(88) طبقات الشافعية الكبرى (4 / 272 بتحقيق الحلو والطناحي) .

[ 63 ]

تحل ، وللأنصاري أيضا كتاب (الأربعين) ، سمتها أهل البدعة (الأربعين في السنة) يقول فيها : باب إثبات القدم لله ، باب إثبات كذا وكذا ، وبالجملة كان لا يستحق هذا اللقب ، وإنما لقب به تعصبا وتشبيها له بأبي عثمان ، وليس هو هناك . وكان أهل هراة في عصره فئتين : فئة تعتقده وتبالغ فيه ، لما عنده من التقشف والتعبد ، وفئة تكفره لما يظهره من التشبيه . ومن مصنفاته التي فوقت نحوه سهام أهل الاسلام كتاب (ذم الكلام) ، وكتاب (الفاروق في الصفات) وكتاب (الأربعين) ، وهذه الكتب الثلاثة أبان فيها عن اعتقاد التشبيه وأفصح ، وله قصيدة في الاعتقاد ، تنبئ عن العظائم في هذا المعنى ، وله أيضا كتاب (" منازل السائرين) في التصوف . كان الشيخ تقي الدين أبو العباس ابن تيمية مع ميله إليه (89) ، يضع من هذا الكتاب ، أعني منازل السائرين ، قال شيخنا الذهبي : وكان يرمي أبا اسماعيل بالعظائم ، بسبب هذا الكتاب ، ويقول : انه مشتمل على الاتحاد . قال السبكي : والأشاعرة يرمونه بالتشبيه ، ويقولون : إنه كان يلعن شيخ السنة أبا الحسن الأشعري . وأنا لا أعتقد فيه أنه يعتقد الاتحاد (90) ، وإنما أعتقد أنه يعتقد التشبيه ، وأنه ينال من الأشاعرة ، وأن ذلك لجهله بعلم الكلام ، وبعقيدة الأشعرية ، فقد رأيت أقواما أتوا من ذلك . وكان شديد التعصب للفرق الحنبلية


(89) في التجسيم . (90) بل كان يعتقد الاتحاد والحلول وشعره الذي نقله عنه صاحب شرح الطحاوية واعتذر عنه وحاول أن يجد له وجها سليما يثبت ذلك . لكن السبكي لم يتصور إنسانا يجمع بين التصوف - أعني الإنحراف في التصوف - والتجسيم ، فلذلك قال : وأنا لا أعتقد فيه أنه يعتقد الاتحاد .

[ 64 ]

بحيث كان ينشد على المنبر على ما حكى عنه تلميذه محمد بن طاهر : أنا حنبلي ماحييت وإن أمت فوصيتي للناس أن يتحنبلوا وترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري ، لكونه أشعريا ، وكل هذا تعصب زائد ، برأنا الله من الأهواء اه‍ كلامه . انظر طبقات الشافعية للسبكي (4 / 272) . (الرابعة) : للكلام العربي معاني أوائل ، ومعاني ثوان . فالأوائل هي : الحقائق المجردة بدون زيادة عليها . والثواني هي : المعاني الزائدة على الحقائق مثل المجاز المرسل والاستعارة بأنواعها والكناية والتشبيه والتعريض والتأكيد والفصل والوصل وغير ذلك مما تكفل ببيانه علم البلاغة . واللغة العربية لها من هذه المعاني الثواني الحظ الأوفر ، والنصيب الأكبر ، ولهذا كانت أفصح اللغات ، وأوسعها دائرة ، وكان العرب أمراء الكلام ، وملوك البيان ، استعملوا هذه المعاني في خطبهم وأشعارهم وتناقلتها عنهم الرواة جيلا بعد جيل . ثم جاء القرآن الكريم ، والحديث النبوي الشريف على أسلوب اللغة العربية في نواحيها المختلفة ، ففيهما من لطائف المجازات (91) ، وبديع


(91) وقد انكر ابن تيمية المجاز ليجري نصوص المتشابه على ظاهرها ويخلص له ما أراد ، فحاول في كتابه الإيمان أن يدعي أن السلف والأئمة لم يذكروا أن اللغة تنقسم إلى حقيقة ومجاز ولم يذكر من بين الائمة الامام أحمد لأن الإمام أحمد مصرح بأن اللغة فيها الحقيقة والمجاز ، ومعمر ابن المثنى الذي صنف كتاب المجاز كان في قرون السلف ، بل الشافعي الذي ادعى ابن تيمية أنه لم يقل بوجود المجاز قائل في كتابه (الرسالة) باثبات المجاز لكن سماه باسم آخر ولا مشاحة في الاصطلاح وإن ابن القيم (تلميذ ابن تيمية) يثبت المجاز في كتابه الفوائد المشوقة . وقد بينت كل ما يتعلق بذلك في (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) . نسأل الله تعالى حسن الختام والحمد لله رب العالمين .

[ 65 ]

التشبيهات ، ما يعجز عنه البشر . وهذه المعاني الثواني نوع من أنواع إعجاز القرآن الكريم ، كما نص على ذلك علماء البلاغة والتفسير . فالذين يحاولون أن يجردوا القرآن والسنة من هذه المعاني الزاخرة باللطائف والطرائف ، ليتوصلوا إلى غرضهم من إثبات صفات لله تشبه صفات الخلق ، أو توهم التشبيه بها ، إنما يحاولون عبثا محالا ، كمن يحاول إخفاء نور الشمس ساعة إشراقها وظهورها ، ومن خذلان الله لهم أنهم وقعوا في التشبيه الصريح ، والتجسيم القبيح ، وهم لا يشعرون بقبح ما صنعوا بل يقولون في وقاحة وجرأة : نحن أهل السنة ، ويرمون مخالفيهم بأنهم جهميون . ومن نفذ قول الله تعالى (اليس كمثله شئ وهو السميع البصير) ونزه الله تعالى عن التجسيم ، وشبه المخلوقين ، فهو الموفق المقبول ، ومن سلك نهجا غير هذا ، فهو خاطئ مخذول وبالله التوفيق . تم تحريرا عشية يوم السبت الموافق ثامن ربيع الأول سنة 1405 ه‍ . والحمد للة أولا وآخرا .

[ 67 ]

بيني وبين الشيخ بكر الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان إلا على الظالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الأكرمين ، ورضي الله عن الصحابة والتابعين وبعد : فقد تعرف بي الشيخ بكر (1) أبو زيد منذ بضع سنوات بالمدينة المنورة


(1) هو الدكتور بكر عبد الله أبو زيد كما ذكر مقرظ (براءة أهل السنة) صاحب كتاب (تغريب الألقاب العلمية) الذي ذكر في ص (24) منه من الطبعة الثانية : أن الدكتور في الأصل أطلقه اليهود على الرباني أو (الحاخام) العالم بالشريعة وأطلقه المسيحيون على الذي يفسر الكتب المقدسة . اه‍ (!) . قال في حقه أستاذه الشيخ الألباني في تمام المنة (*) (الطبعة الثانية ص 197 وما بعدها) : لقد كان في بحثه بعيدا عن التحقيق العلمي ، والتجرد عن التعصب المذهبي ، عل خلاف ما كنا نظن به فإنه غلب عليه نقل ما يوافقه وطي ما يخالفه ، أو ابعاده عن موضعه المناسب له إن نقله ، بحيث لا ينتبه القارئ لكونه حجة عليه لا له ، وتوسعه في نقد ما يخالفه ، وتشدده والتشكيك في دلالته ، وتساهله في نقد ما يؤيده ، وإظهاره الحديث الضعيف مظهر القوي بطرقه . . اه‍ . وقال الألباني في نفس الكتاب ص (199) : فتأمل كيف أخذ - بكر - من كلام الأمير بعضه ، وترك البعض الآخر الذي قال به جميع العلماء الموافقون منهم والمخالفون كما تقدم ، تركه لأنه ينقض احتماله الثاني الذي أيده بحديث وائل . . اه‍ .

* كما ذكر مصرحا اسمه في متدمة كتابه صحيح الترغيب والترهيب (الطبعة الثالثة 1409) إلا إنه أخطأ في العزو إلى رقم الصفحة كعادته .

[ 68 ]

حين كان قاضيا بها ، واستجازني فأجزته (2) ، واستمرت المودة بيننا هذه المدة ، وكان أحيانا يتصل بي هاتفيا ببيتي بطنجة يسألني عن أشياء فأجيبه عليها ، وزارني في بيتي بطنجة مرة حين قدم إليها . ثم فجأة لبس جلد النمر ، وقلب لي ظهر المجن لعلمه بأني مؤول كما يقول - . وقد حرف النقل عني مرتين : مرة حين نسب إلي كتاب (إحياء


ثم قال الألباني ص (204) : لقد سود صاحبنا حولها عشر صفحات دون فائدة تذكر . . وهنا يكمن خلطه وخطؤه الذي حمله على القول (ص 56) بأنني جاريت ابن حبان في مسلكه المذكور . والآن أقدم الشواهد الدالة على صواب مسلكي ، وخطأه فيما رماني به من أقوال أهل العلم ، اه‍ كلام الألباني . (2) اعلم أن الدكتور بكرا أوهم القراء في كتابه : (ابن القيم حياته وآثاره) ص (19) حيث قال : وقد أجازني بكافة مقروآته ومسموعاته . اه‍ أنه لم يستجز الشيخ بل الشيخ الذي أجازه دون طلب منه ، وليس كذلك ، بل الدكتور بكر هو الذي كان يأتي إلى الشيخ حينما تعرف به في المدينة المنورة واستجازه وكان يأتي إلى منزل الشيخ في المدبنة المنورة أحيانا عند العصر ويذهب به في نزهة إلى أبيار علي ويسأله عن بعض المسائل كما أخبرني بذلك المحدث الغماري . قال المحدث الغماري في كتابه سبيل التوفيق ص (28 ا) : وفي حج سنة 1396 التقيت في المدينة المنؤرة بالشيخ بكر بن عبد الله أبي زيد . . إلى أن قال : استجازني فأجزته وذهب بي إلى بيته وأراني في مكتبته ركنا خاصا بمؤلفاتي ومؤلفات أخي . اه‍ .

[ 69 ]

المقبور (3) وهو من مؤلفات شقيقي أبي الفيض رحمه الله تعالى . ومرة أخرى حين قال عني أني قلت عن فضيلة الأستاذ الشيخ عبد الفتاح أبو غدة (4) أنه (محضر نصوص) ، فكتبت إليه أبرئ نفسي من هذه الكلمة ، وقلت : لعله أخطأ في هذه النسبة كما أخطأ في نسبة الكتاب السابق إلي . لكنه أعاد هذا الكلام في رسالته : (براءة أهل السنة) (5) ، فتبين لي


(3) وذلك في كتاب الدكتور بكر (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره) ص (19) في الحاشية حيث قال معرفا بالمحدث الغماري : له رسالة في جواز بناء القباب والمساجد على المقابر . اه‍ . قلت : ليس كذلك بل الرسالة لشقيقه الشيخ أحمد الغماري واسمها (إحياء المقبور من أدلة استحباب بناء المساجد والقباب على القبور ومنه ننبه الدكتور الفاضل (!) إلى أن معلوماته تحتاج إلى قراءة كتاب (التعالم) ! . (4) هو العلامة المحدث الفقيه الأصولي صاحب المؤلفات المشهورة التي سارت بها الركبان واشتهرت بالأسلوب الرفيع العلمي الأدبي النزيه ، والذي تلقى العلم رواية ودراية على أكثر من مائة شيخ من أكابر المحققين في العصر ، وقد تخرج به الكثيرون من أهل العلم في البلاد المختلفة ، ولد سنة (1337 ه‍) بحلب وتخرج من الأزهر بعد أن تلقى العلم على شيوخ بلده (1370 ه‍) وما زال منذ أن تخرخ منكبا على العلم مشتغلا بتحقيق المسائل العلمية مشتغلا بالعبادة صارفا أكثر جهده بالدعوة إلى الله تعالى ، احسن الله له الخاتمة ومتعه بالصحة والعافية وأطال عمره في خير . (5) ذكر ذلك ص : (12) ومدار كتابه (براءة أهل السنة) عل مقدمة وثمان نقاط أبين بطلانها بالأسطر التالية : أما المقدمة فقد افترى فيها على الشيخ المحدث عبد الله بن الصديق فزعم أنه قال عن الشيخ الفاضل عبد الفتاح أبو غدة بانه (محضر نصوص) وليس كذلك كما) أثبت

[ 70 ]

ذلك المحدث الغماري في رسالته هذه وفي رسالة خطية للشيخ عبد الفتاح أرسل صورتها المحدث الغماري لنثبتها في آخر هذه الرسالة ليتبين افتراء الدكتور بكر ، والدكتور بكر في هذه المقدمة ناقض نفسه كعادته في ما يكتبه مثله مثل بقية أخوانه المتمسلفين حيث قال في براءة أهل السنة ص (17) : عن الإمام الكوثري أنه هو الذي علق على كتاب السبكي (السيف الصقيل في الرد عل ابن زفيل) اه‍ مع أنه يقول في كتابه (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره الطبعة الثانية 1405 ص 18 سطر 3 وما بعده) : الكشف عن تلقيبه بابن زفيل : حيث قال الدكتور بكر ما ملخصه بالحرف الواحد : وقد تتبعت أسماء مؤلفات السبكي فرأيت من بينها أنه ألف رسالة في التعقيب على نونية ابن القيم باسم (الرد على نونية ابن القيم) . . ولم يسم السبكي كتابه باسم (السيف الصقيل) في مقدمته له . . ويكون ذلك الاسم انتحله ووضعه الكوثري . . . لقد تصفحت الكثير من كتب التراجم والمعاجم فلم أر هذا النبز لابن القيم . . اه‍ كلام الد كتور . ومنه يظهر أن الدكتور يناقض نفسه حيث أثبت اسم الكتاب في (براءة اهل السنة) واتهم الإمام الكوثري بانتحال لقب ابن زفيل واختراع اسم السيف الصقيل والحقيقة ليست كذلك وقد دلس مع عدم اطلاع هنا : أما تدليسه : فقد نقل ترجمة السبكي من الأعلام للزركلي ، ولم يذكر أن الزركلي ذكر هناك أن للسبكي رد على ابن القيم يسمى السيف الصقيل ، وأما ضعف اطلاعه : فقد ذكر ابن زفيل والسيف الصقيل جماعة من العلماء منهم المحدث الزبيدي في شرح الإحياء (2 / 10) و (2 / 105) ومنه يتبين ضعف اطلاعه وجراءته بالتهجم على العلماء . وأقا النقاط الثمانية التي بنى عليها رسالته الركيكة فلنسردها مع الجواب عليها : 1 - قال ص (22) : عدوانه على شيخ الإسلام ابن تيمية : والجواب على ذلك : كيف لا يعادي الإمام الكوثري رحمه الله تعالى رجلا يقول عن الله تعالى : ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به أه‍ انظر التأسيس (1 / 568) وكيف لا يعادي رجلا يقول بقدم العالم بالنوع كما في منهاج سنته (1 / 109) والموافقة (2 / 75) وقد نقلنا تمام نصوصه الباطلة ورددنا عليها في كتابنا (التنبيه والرد على

[ 71 ]

معتقد قدم العالم والحد) وهو مطبوع متداول فلينظر لزاما . أم ان الدكتور يقول بقدم العالم أيضا ؟ ! . 2 - قال ص (25) عدوانه - أي الإمام الكوثري - على أهل الحديث . (!) . جوابه : أولا : انظر ثناء الكوثري عل أئمة الحديث في مقدمة كتاب شروط الأئمة الستة وشروط الخمسة . ثانيا : أن الإمام الكوثري لم يعتد على أهل الحديث كما زعم هذا الدكتور ، بل بين الكوثري أن مثل كتاب السنة المنسوب لابن أحمد وكتاب عثمان بن سعيد الدارمي وامثالهما كتب مملؤة بتشبيه الله بخلقه ومشحونة بالأحاديث الموضوعة كما بسطنا بيان ذلك والرد عليه في كتابنا (الأدلة المقومة لاعوجاجات المجسمة) فليراجع . 3 - وأما قول الدكتور بكر في (براءته) ص (26) : عدوانه على إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى . اه‍ . فجوابه : أن الأمام الكوثري رحمه الله تعالى بين في كتبه وتعليقاته أن ابن خزيمة أخطأ في تصنيفه كتاب التوحيد كما اعترف هو نفسه بذلك فيما نقله البهيهقي عنه بسندين أنظر الأسماء والصفات ص (267) وكتاب التوحيد لابن خزيمة سماه الإمام الرازي في تفسيره كتاب الشرك ، وهو كذلك ، بل إن صديق الدكتور بكر المدعو حمود التويجري الذي يتفق مع الدكتور في عقيدته وهو بلدية يقول في كتابه : (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن) الطبعة الثانية ص (36) : ومن زلات ابن خزيمة . . اه‍ فرماه بالتهجم الذي ذكره في أول كتابه ، وانظر آخر سطر من صحيفة (42) من عقيدة أهل الإيمان . أم أن عين الرضا عن كل عيب كليلة ؟ ! . 4 - قول الدكتور بكر ص (26) من براءته ما نصه : عدوانه - أي الكوثري - على عبد الله بن الإمام أحمد رحمه الله تعالى . اه‍ . فجوابه : إن كتاب السنة هو حقا كما قال الإمام الكوثري : (كتاب الزيغ) لما فيه من الأحاديث الموضوعة والعقائد الفاسدة وقد أفردنا عليه ردا خاصا سيصدر قريبا إن شاء الله تعالى .

[ 72 ]

5 - قول الدكتور ص (27) : عدوانه على الإمام عثمان بن سعيد الدارمي رحمه الله تعالى . اه‍ . فجوابه : كيف لا يعادي الإمام الكوثري بل وكل مسلم من يقول ويعتقد : أن الله يجلس على ظهر بعوضة ان شاء ؟ . انظر ص (85) من رده على بشر المريسي بتحقيق حامد الفقي الذي كان يشتم الائمة ويقول أن الإمام أبا حنيفة هو أبو جيفة ، ويقول الدارمي ص (29) ولو لم يكن لله يدان بهما خلق آدم ومسه بهما مسيسا ، كما ادعيت لم يجز أن يقال : (بيدك الخير) . اه‍ فتأمل كلام عثمان الدارمي . وهل يعادى من قال بهذه العقائد أم لا ؟ ! . 6 - يقول الدكتور : قذفه للخطيب . . اه‍ . فجوابه : أن الإمام الكوثري لم يقذف الخطيب ولا غيره وإنما نقل ما قال فيه ابن الجوزي الحنبلي وسبطه ، ثم إن الدكتور تغاضى عن بهت وافتراء الخطيب للإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى ، وادعائه أنه استتيب من الكفر مرتين وما ولد في الإسلام أشأم من أبي حنيفة ونحو ذلك ، ومن شاء أن يقف على الحقيقة فليراجع ترجمة أبي حنيفة وليقرأها من تاريخ الخطيب البغدادي الجزء رقم (13) . وليعلم طلاب العلم المنصفين أن هذه الترجمة نسخها حامد الفقي قبل أن يطبع تاريخ الخطيب وقام بطبعها مع ترجمتها للغة الهندية (محمد نصيف) كما هو ثابت في ص (152) من الكتاب المنشور ، انظر صورة تلك الصحيفة آخر الكتاب . فنتسأل هنا لم طبعت مثالب أبي حنيفة التي ذكرها الخطيب في تاريخه وترجمتها إلى اللغة الهندية أسفل الصحيفة تحتها في بلاد الهند حيث يسود المذهب الحنفي على أهلها ؟ ! ! . فهل مثل هذا العمل يلائم الدعوة إلى التمسك بمذاهب أئمة السلف ؟ ! وهل هذا من سبل التوحيد وجمع كلمة المسلمين في مختلف البلاد ؟ إ . 7 - قول الدكتور : قذفه للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى . اه‍ . جوابه من ثلاثة أوجه :

[ 73 ]

الاول : الدكتور نقل هذه الكلمة عن كتاب بدع التفاسير وصاحب بدع التفاسير بنظر الدكتور بكر مؤول قبوري فهل يثق بقول مؤول قبوري ؟ ! . الثاني : أن للكوثري كتب وتعليقات كثيرة ومقدمات ومقالات عديدة مشحونة بالثناء على الحافظ ابن حجر والاحتجاج بكلامه ووصفه بالحافظ ، فلينقل الدكتور لنا من كتب الكوثري ما يثبت ادعاءه ، وكما جاء في الحديث ! (كفى المرء كذبا أن تحدث بكل ما سمع) . ثالثا : ابن حجر العسقلاني شافعي المذهب أشعري المعتقد كما هو معلوم ومشهور كاشف لحال ابن تيمية منكر عليه كما في فتح الباري (3 / 66) و (1 3 / 410) والدرر الكامنة (1 / 114) فهل يجيز الدكتور الدفاع عن ابن حجر الأشعري مع أن الدكتور تناقض إذ ذم رجلا عالما ومفسرا فاضلا وخادما لكتاب الله تعالى انتشرت كتبه في الآفاق وسارت بتآليفه الركبان ألا وهو الشيخ الجليل الفاضل محمد علي الصابوني المهاجر من بلده في سبيل الله ، حيث قال الدكتور بكر عنه في كتابه التحذير ص (1 2) : يمسخ بتمشعره عقيدة السلف اه‍ ، ولا نطيل هنا بأكثرمن ذلك لأننا قد بسطنا الرد عليه في الدفاع عن الشيخ الفاضل الصابوني فليرجع له من شاء . 8 - قول الدكتور ص (30) : عدوانه على الإمام الشافعي . . . اه‍ . جوابه : الكل يعرف أن قدر الأئمة ومنزلتهم المعظمة عند الإمام الكوثري أكثر وأعظم من منزلتهم عند الدكتور وأمثاله من المتمسلفين ، ويكفي أن الإمام الكوثري كلف من ينسخ له كتاب (آ داب الشافعي ومناقبه) لأبي حاتم الرازي من المكتبة الأحمدية بحلب وكتب لذلك الكتاب مقدمة نفيسة أفصح فيها عن فضل الشافعي وعلمه ومكانته ، وبالمقابل هؤلاء المتمسلفون الذين يعظمهم الدكتور بكر أبو زيد ويسير في ركبهم نسخوا مثالب أبي حنيفة من تاريخ الخطيب وقاموا بنشرها بين المسلمين الأحناف في بلاد الهند ليزعزعوا ثقة أولئك المسلمين بأحد كبار أعلام أئمة السلف الصالح ، وفي بلادنا بعض من يمدهم الدكتور بمدده يقولون من هو الشافعي نحن رجال وهو رجل ! . والإمام زاهد الكوثري قرظ كتاب (ترتيب) مسند الإمام الشافعي وشجع على نشره مما يدل أن كلام الدكتور بكر منسوف من أصله .

[ 74 ]

أنه خطأ مقصود ، وأنه أراد الوقيعة بيني وبين الأستاذ عبد الفتاح أبو غدة . وليس من خلق أهل العلم الوقيعة بين الناس (6) ، والسعي في إفساد الود بينهم . ولهذا أعلن مرة أخرى أن كلمة (محضر نصوص) (7) لم أقلها قط ،


وانظر أيضا تعريف الإمام الكوثري وتقديمه النفيس لكتاب الشافعي أحكام القرآن وبهذا يعلم باختصار تهافت كتاب (براءة أهل السنة) . (6) - كما قرر ذلك الدكتور أبو زيد في كتابه حلية طالب العلم ص (64) حيث قال : يا أخي - وقانا الله وإياك العثرات - إن كنت قرأت مثلا من حلية طالب العلم وآدابه ، وعلمت بعضا من نواقضها ، فاعلم أن من أعظم خوارمها المفسدة لنظام عقدها : 1 - إفشاء السر . 2 - ونقل الكلام من قوم إلى آخرين . اه‍ . فحكم الدكتور بذلك حسب قواعده أنه ليس بطالب علم وإن حلية علمه مخرومة قد فسد نظام عقدها . (7) - يحاول الدكتور ابو زيد أن يردد هذه الكلمة في اكتوباته التي يزخرفها بنقل كلام أهل العلم المسجع المحلى بالبلاغة مشيرا بها إلى من افتراها عليه فيقول في تعالمه ص (58) : ومن التعالم نفخ الكتب بالترف العلمي والتطويل الذي ليس فيه من طائل بل هو كالضرب في حديد بارد ، وذلك في أعقاب ثورة الانتاج الطباعي تحت شعار التحقيق ، بحيث يكون الأصل لو وضع في ظرف لوسعه ، ثم يأتي (محضر نصوص) أو وراق نظيف باسم : التحقيق ، ويزيد في الطنبور نغمة ، وكده الأثقال بالحواشي والتعليقات متوحلا في خضخاض من الأغلاط اه‍ . وأقول مجيبا أبا زيد : أما قولك : (ومن التعالم : نفخ الكتاب بالترف العلمي والتطويل الذي ليس فيه من طائل ، بل هو كالضرب في حديد بارد وذلك في أعقاب ثورة الانتاج الطباعي) .

[ 75 ]

فجوابه : أن هذا النفخ تجلى وانجلى في كتب شيخكم العلامة ابن تيمية ففي كل يوم تصدرون من كتبه من خلال اعقاب ثورة الانتاج الطباعي كتبا مطبوعة بأحجام وبقوالب جديدة منفوخة واسماء مبتكرة ، لتثبتوا للعالم بطرق مريضة أنه إمام الأئمة ونبي الأمة ، ويأبى الله تعالى ، فإن منهاج سنته - أعني الحراني - الذي طبع حديثا في تسعة مجلدات منفوخة بعدما كان في مجلدين ، ودرء التعارض المطبوع حديثا بأحد عشر مجلدا منفوخا بعد أن كان في نحو ثلاثة وتفسيره الكبير الذي يقع في نحو ستة مجلدات وفتاواه ما هي الا نفخ طباعي واعادة للكلام ، وإبداءه بصور مختلفة خداعة ، مع أن صغار المقلدة كالمحدث الزبيدي الحنفي لو طبعت كتبه دون إعادة وابداء بهذا النفخ في أعقاب ثورة الانتاج الطباعي المدعومة بأموال أمثال أبي زبد لبلغت اضعاف اضعاف حجم كتب الحراني حسا ومعنى . وعلى هذا فليقس الدكتور أبو زيد كتب باقي أئمته وأئمة النحلة التي (ينتمي إليها) . وأما قول الدكتور (تحت شعار التحقيق) . . فجوابه : أن شعار التحقيق في هذا الوقت كما يعرف الدكتور من سمة (متمسلفي) الوقت الذين يحضرون النصوص كالدكتور من كتب الحافظ الذهبي أو يسرقون العبارات من نحو كتب الإمام الكوثري ونحوه وكلما كتب بضعة أوراق جمع فيها عبارات من كتب مختلفة وربط بينها بتعبيرات سخيفة مهزولة مشحونة بالهمز واللمز ، ليخرج منها كتابا في عرف المجتمعات المفلسة علميا وأدبيا ويرسله ليطبع حتى يخرج له كتابا يدون في ديوان مؤلفاته الفذة ليتبجح بأنه من المكثرين ، وقد آن (لسير أعلام النبلاء) ان يشتكي من كثرة السرقات المكشوفة ، ويعجب الدكتور أن يكتب فلان وفلان ممن يخلع عليهم ألقابا لا يستحقونها ، كربيبيه صاحب النونية وصاحب البيعة والتحقيقات العلمية الفذة . وأهل بلد ربيبيه على تمام العلم بحالهما وحال أمثالهما ممن يعطف عليهما الدكتور ، ويشجعهما على الانتصار لهذه النحلة الآفلة التي يعتقدها ويعشقها . وأما باقي كلام الدكتور فهراء لا يحتاج لجواب .

[ 76 ]

ولم يسمعها مني الشيخ بكر (8) ، وأنه نسبها إلي عمدا ، فالله حسيبه على ذلك . وكيف أقولها وأنا أعرف فضيلة الشيخ عبد الفتاح أبو غدة عالما فاضلا ، محدثا محققا فيما يكتب وفيما يبحث (9) ، وإن أخطأ في بعض الأشياء فتلك طبيعة البشر وكل ابن آدم خطاء . والشيخ عبد الفتاح لا يستحق تلك الحملة الظالمة من بكر ، حملة سفيهة سافلة ما كنت أصدق أن تقع لولا أني أبصرتها وقرأتها (10) .


(8) فقد وصف شيخ الدكتور ومجيزه أنه : غير صادق . كما وصفه أستاذه ومرجعه الألباني - في تمام المنة بأنه : بعيد عن التحقيق العلمي ، ومتعصب ، وبذلك يكون الدكتور قد جمع ثالثة الأثافي الكذب مع الجهل والتعصب وهي شر الأوصاف البعيدة عن حلية طالب العلم بنص شيوخه . وإنني أتعجب من الدكتور بكر كيف يتخذ الأستاذ الألباني شيخا له ويعزو إلى كتبه ، وهو يعلم أن الألباني صحفي لا شيخ له كما يعرف ذلك الداني والقاصي ، ثم يقول الدكتور في تعالمه ص (5) : (من البلية تشيخ الصحفية) . (9) ولا شك أن تعليقات المحدث عبد الفتاح أبو غدة على الرفع والتكميل تشد إليها الرحال ، لما فيها من تحقيقات باهرة ، وفوائد نادرة ، وخفايا دقيقة ومسائل متناثرة ، تدل على سعة علمه واطلاعه ، وعظيم معرفته وكبير باعه ، خلاف لكثير من تحقيقات وكتابات المتمسلفين ، كبيرة الجرم ، عظيمة الجرم ، التي ليس فيها الا المغالطات ، وخضخاض من الاغلاط . (10) من ذلك أن الدكتور ذكر في أكتوبته التي أسماها (الذين لم يتزوجوا من العلماء وغيرهم) ص (16 و 17) الشيخ المحدث عبد الفتاح وذكر كتابه القيم (العلماء العزاب) الذي أجاد فيه وأفاد فعلق عليه منتقدا : لكن محل العتب والمؤاخذة إبراز هذه الملح في مسلاخ آخر بقصد أو بغير قصد ليخدم نزعة صوفية ، ويذكي جذوة التبتل والرهبانية ، ويمرض الفكر بل ويخدم القضية

[ 77 ]

حملة حملت في طيها الاستعداء على الشيخ وطلب إبعاده عن عمله ، ومحاربته في رزقه (11) . وليس التمشعر الذي يذمه الشيخ بكر (12) بأقبح من التمسلف الذي يتمسك به .


الكنسية ، قضية العصر المرأة (تحديد النسل) الوافدة من قساوسة النصارى في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي لتهدم الكعبة وتستوطن البيعة . اه‍ . ونحن نسأل الدكتور بكر من أولى بهذه الأوصاف ومن يخدم القضية الكنسية ، ويهدم الكعبة الشيخ عبد الفتاح الذي أنجب أكثر من عشر أولاد ، والذي حج كرات ومرات ، أم الشيخ ابن تيمية الذي عاش أكثر من سبعين سنة والذي لم يتزوج ولم يحج ؟ ! . ولا نريد أن نحلل لك الأن أيها الدكتور أن كتاب (منهاج السنة) الذي فيه بسط آراء أرسطو طاليس وغيره من الفلاسفة واليونان واعتمادها أحيانا في قدمية العالم بالنوع وردها أحيانا في مسائل أخرى . يخدم من ؟ بل نحيل ذلك إلى كتابنا (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) . (1 ا) بل بلغ من تعدي الدكتور على الأستاذ العلامة المحدث عبد الفتاح أبو غدة ، أنه لمزه في كتابه الذي رد به على كتاب العلماء العزاب قائلا عنه : بأنه غدة خبيثة في الرياض يجب استئصالها ، وهذا تعدي منهي عنه بنص كتاب الله تعالى في قوله سبحانه (ولا تنابزوا بالألقاب) واترك القارئ يحكم بما يشاء على فعل الدكتور أبي زيد . (12) ومن العجيب - وإن كان لا عجب من متمسلفي هذا الأعصار - أن الدكتور أبو زيد يذم الأشعرية ص (36) من براءته ، ويتأجج غيظا وحنقا على الإمام المحدث الكوثري ويصفه بأنه متمشعر متهالك في عتبة التجهم والاعتزال ، ولو كان الدكتور فهم العقيدة واستقى مسائلها من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم لأدرك أن المجسمة الذين حوله ممن يليه عن اليمين وعن الشمال عزين ، أولى بالرد والتبكيت وخصوصا أمثال الذين يسعون لطبع كتب عثمان الدارمي . وأمثاله ممن يثبتون الحركة والجلوس والحد لله تعالى عما يقولون ، وطبع كتب الحراني الذي يثبت قدم العالم بالنوع وعقائد ارسطو طاليس وغير ذلك ، ومثلهم أولئك الذين يثبتون أن لله صورة تشبه صورة =

[ 78 ]

آدم ، كما جاء في كتاب (عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن) لبلدي الدكتور وصديقه حمود التويجري حيث ذكر ص (76) من الطبعة الثانية نقلا عن السفر الأول من التوراة أن الله يقول : (سنخلق بشرا على صورتنا يشبهها) وهل يجوز شرعا نقل العقائد وترجيح الروايات من التوراة المحرمة ، التي قال الله عنها : قل فأتوا بالتوراة فاتلوها ان كنتم صادقين) وابن القيم إمام الدكتور وقدوته أيضا يقول في نونيته ذاما السادة الأشاعرة قواهم الله تعالى : (والعرش أخلوه من الرحمن) اه‍ . مع أن جميع المسلمين يعتقدون أن الله تعالى متعالي ومنزه من أن يجلس في خلاء العرش ، ويؤكد ابن القيم ذلك في كتابه بدائع الفوائد (4 / 39 - 40) فيقول إن الله يجلس على العرش ، ويجلس بجنبه يوم القيامة سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم فهل هذا يجوز السكوت عنه يا دكتور أبي زيد ؟ ! . وهل هذا هو توحيد سلفية العصر ؟ ! . وهل هذا هو التوحيد الصافي من التمشعر والتجهم ؟ ! والكل يعلم أن السادة الأشاعرة الذين رفع الله منارهم في مشارق الأرض ومغاربها وعلى رأسهم في هذا العصر الإمام الكوثري ينفون هذا التجسيم والتشبيه الذي يقول به ائمة الدكتور وسادته ، فهل يعادى بعد ذلك من ينفي عن الله تعالى ما لم يرد في كتاب وسنة ؟ ! ومن الغريب من الدكتور أبي زيد أن من حوله من المتمسلفين الشتامين المتطاولين يعيثون في كتب العلماء فسادا ويشتمون الأكابر من العلماء أمام عينيه وفي البلد التي يسكنها ولا يتحرك له ساكن ، ومنهم رقيع يدعى بالحداد ، فردة سبتية لا ثاني لها ، يرمي العلماء كالحافظ الزركشي والامام الغزالي والمحدث الزبيدي بالزندقة ويصف الحافظ الزركشي (بحمار) ومنه يتبين المستوى الرفيع الأدبي الذي وصل إليه هؤلاء المتمسلفون . يقول هذا الحداد الذي يطفح قلبه غيظا وحقدا على بعض أئمة أهل السنة كالإمام الاعظم أبي حنيفة النعمان في تعليقاته على عقيدة أبي حاتم الرازي ص (66) : ولم يذكرا - يعني أبا حاتم الرازي وأبا زرعة - في الأئمة أحدا من أهل الرأي ، لانهم ليسوا لأهل السنة بأئمة لا في اعتقاد ولا فقه ولا شئ ، اه‍ قلت : ويكفي في رد هذا الاختلاق قول الذهبي في سير أعلام النبلاء (6 / 390) معرفا بالإمام الأعظم =

[ 79 ]

= أبي حنيفة : الإمام فقيه الملة عالم العراق . اه‍ ، وقال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ (1 / 168) : كان إماما ورعا عالما عاملا متعبدا كبير الشأن لا يقبل جوائز السلطان بل يتجر ويتكسب ، قال ضرار بن صرد : سئل يزيد بن هارون أيما أفقه الثوري أو أبو حنيفة ؟ فقال : أبو حنيفة أفقه وسفيان أحفظ للحديث . وقال ابن المبارك : أبو حنيفة أفقه الناس . . اه‍ كلام الذهبي . ويقول هذا الحداد ص (131) من الكتاب الذي علق عليه عند ذكر شرح الحافظ ابن حجر العسقلاني على البخاري : يسر الله من أهل السنة من يشرحه . اه‍ يعني أن فتح الباري وهو الشرح العظيم لصحيح البخاري ألفه رجل ليس من أهل السنة - يعني الحافظ - وهو يدعو الله تعالى ان ييسر للبخاري شارحا من أهل السنة يعني وهابيا مجسما حشويا بذئ اللسان يحتضنه الدكتور أبو زيد . ومن التجسيم الصريح قول التويجري أول كتابه في الصورة : الحمد لله الذي خلق آدم بيديه وخلقه على صورته ونفخ فيه من روحه . . الخ اه‍ فهل أبقى هذا من التشبيه شيئا ، وإذا لم يكن هذا تجسيما فما هو التجسيم ؟ ! وقول ابن باز في الثناء على ذلك الكتاب مسطور في أوله تقريظا له ، وقوله في مقدمة (براءة أهل السنة) عن الإمام المحدث الكوثري : وفضحتم فيها المجرم الآثم محمد زاهد الكوثري . . إلى آخر ما فاه به ذلك الأفاك الأثيم . . الخ اه‍ . ومنه يتبين لطلاب الحق والباحثين عنه مستوى هذه الجماعة وهذه الطائفة ، ومدى تطاولهم على الناس ، مع أنهم واقعون في عقائد غير محمودة ، ويدعون إلى التجسيم وتشبيه الله تعالى بخلقه كما سيأتي إن شاء الله تعالى في التعليق الآتي .

[ 80 ]

فالتمسلف عبارة عن تشبيه الله بخلقه (13) ، وإثبات الحد له (14) ، ووصفه بالجوارح ، بل قال بعض قدماء المتمسلفين : إعفوني من اللحية


(1 3) يقول ابن تيمية في كتابه (أساس التقديس) (1 / 1 09) - مادحا التشبيه مدافعا عنه - : وإذا كان كذلك فاسم المشبهة ليس له ذكر بذم في الكتاب والسنة ولا كلام أحد من الصحابة والتابعين . اه‍ . قلت : وأين ذهب عقل ابن تيمية عن قول الله تعالى : (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) و (ليس كمثله شئ) وأين ذهب عن ذم النبي لليهودي الذي وصف الله بالأصابع فقال النبي صلى الله عليه وسلم تاليا قول الله تعالى : (وما قدروا الله حق قدره) . وفي الجامع الصحيح (مسند الإمام الربيع بن حبيب) الجزء 3 ص (38) باب قوله تعالى : (يوم يكشف عن ساق) قال عباد بن العوام روى عن عاصم بن كليب أنه قال رأيت ابن عباس غضب غضبا شديدا لم أره غضب مثله قط ، فقال : إنكم لتقولون قولا عظيما يعني التشبيه الذي ذكروا وإنما يعني يكشف عن الأمر الشديد ، وقال سعيد في حديث عاصم بن كليب لو علمت من قال هذا التشبيه لفعلت به وفعلت . اه‍ من مسند الربع رحمه الله تعالى . قلت : ثبت عن ابن عباس كما روى ابن جرير الطبري أيضا في تفسيره (29 / 38) أنه أول الساق بالشدة وبالأمر العظيم وانشدوا في وصف الحرب عند اشتدادها : كشفت لهم عن ساقها وبدا من الشر الصراح ورواية (ساقه) الواقعة في البخاري من تصرف الرواة والبخاري أوردها مع الآية إثباتا بأن معناها الشدة لا غير ، وأثبت الحافظ ابن حجر والحافظ الاسماعيلي أنها غير محفوظة انظر الفتح (8 / 664 السلفية) قلت : ولو كانت محفوظة فهي اضافة تشريف ومعناها عن شدته التي تظهر يوم القيامة . قلت : وقد أثبتنا إلى الآن خلاف ما ادعى ابن تيمية من أن التشبيه مذموم بنصوص الكتاب والسنة وأقوال الصحابة ، وبقي أن ننقل ذمة عن التابعين فنقول : لا شك أن =

[ 81 ]

والعورة وما سوى ذلك فأقول به (15) . وأحد شيوخ المتمسلفين المعاصرين أثبت لله صورة وأن لآدم صورة تشبه صورة اللة ، وهو الشيخ حمود عبد الله التويجري في كتابه (عقيدة أهل الإيمان بخلق آدم على صورة الرحمن) ، والشيخ حماد الأنصاري في مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة .


الإمام أبي حنيفة من التابعين ومن أئمة السلف وهو القائل كما في سير أعلام النبلاء (7 / 202) : أتانا من المشرق رأيان خبيثان : جهم معطل ومقاتل مشبه اه‍ . وأما من بعدهم من المحدثين والسلف فقد نقل عنهم ذم التشبيه ، وابن تيمية المتناقض أحد من نقل ذم التشبيه عن عبد الرحمن بن مهدي ويزيد بن هارون والإمام أحمد وإسحاق بن رهويه ثم قال في التأسيس (1 / 109) : وبينوا المشبهة الذين ذموهم أنهم الذين يمثلون صفات الله بصفات خلقه اه‍ قلت : وادعاؤه هو وأتباعه إن صورة آدم على صورة الرحمن أليس هو تمثيل صفات الله بصفات خلقه ؟ ! . ولم يكتف المجسمة بقولهم إن لله تعالى صورة فحسب ، بل تعدوا ذلك إلى قولهم على صورة آدم فهل بقي من التشبيه شئ ؟ ! ! ! . (14) أثبت ابن تيمية في عدة من كتبه الحد لله تعالى ومنها في موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول المطبوع على هامش منهاج السنة (2 / 29) حيث نقل هناك عن عثمان الدارمي وأقره ، وقد رددت عليه في هذه المسألة في رسالتي : (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) وزاد ابن تيمية أيضا بأن لمكان الله حدا أيضا ، فجعل خالق المكان حالا في مكان ، ولفظ الحد كما هو معلوم لم يرد في كتاب ولا في سنة ، فكيف يصف ابن تيمية وأتباعه كشارح الطحاوية الله تعالى بما لم يصف به نفسه . وصاحب الطحاوبة الإمام أبو جعفر السلفي ينزه الله تعالى في عقيدته عن الحد كما هو مسطور فيها ، وشارحها يرد عليه فيثبت الحد بفذلكة غريبة وتدليس . (15) القائل هو إمام الحنابلة وقدوة ابن تيمية القاضى أبو يعلى الحنبلي المتوفى سنة (458 ه‍) كما نقل ذلك عنه الحافظ أبو بكر بن العربي في العواصم (2 / 283) وقال في حقه =

[ 82 ]


ثم مما أسف فيه الشيخ بكر حملته العدوانية على فضيلة الأستاذ المحقق العلامة الشيخ محمد زاهد الكوثري (16) رحمه الله تعالى . ونحن وإن عبنا عليه تعصبه للمذهب الحنفي ، لكراهتنا للتعصب المذهبي إطلاقا فإننا نقدر له علمه وفضله ، ونعتبره وحيد عصره وفريد دهره في كثرة الاطلاع ، وسعة المعلومات ، وانتصابه للدفاع عن العقيدة ، وتنقيتها من أوضار التمسلف . ويكفي في فضله أنه رجل مجاهد ، فر بدينه من بلده وتخلى عن وظيفته في وكالة المشيخة العثمانية ، وعاش لعلمه ودينه فقيرا زاهدا عفيفا . الحافظ ابن الأثير في (كامله) ، في حوادث سنة (458) : وهو مصنف كتاب الصفات أتى فيه بكل عجيبة ، وترتيب أبوابه يدل على التجسيم المحض تعالى الله عن ذلك . 1 ه‍ . وفيه أيضا يقول أبو محمد التميمي ما معناه : لقد شان أبو يعلى الحنابلة شينا لا يغسله ماء البحار . اه‍ كما في الكامل (10 / 52) في حوادث سنة (458 ه‍) . قلت : لو أدرك التميمي ابن تيمية لجعل تلك الكلمة فيه نسأل الله السلامة في ا لدين . (16) هو مجدد العصر بلا منازع ولا مدافع ، رافع راية التنزيه والصادع بكلمة التوحيد ، الذي اظهر قواعد التوحيد وشيد مبانيه ، على نصوص الكتاب والسنة فبين معانيه ، واضع الشجى في حلوق المبتدعة والمجسمة باجتهاد وجد مساعيه ، الإمام المحدث العلامة المؤرخ الناقد واسع الاطلاع ، كان رحمه الله تعالى ذا مشاركة في غالب الفنون الشرعية ، أما التاريخ فكانت له اليد الطولى فيه ، فكأن كتب الطباق والرجال والتاريخ تحت عينيه وبين يدية ، يأخذ منها ما يشاء ويدع ، ومصنفاته شاهدة على ذلك ، ولد في قرية الحاج حسن أفندي شرق استنبول في 28 شوال سنة 1296 ه‍ المتوفى يوم الأحد 19 / ذي القعدة / 1371 رضى الله تعالى عنه . له ترجمة من صنع تلميذه أحمد خيري إلا أن مكانة هذا الإمام تتطلب كتابا حافلا بالتعريف به وبجهوده نسأل الله ان يوفقنا لذلك .

[ 83 ]

عرضت عليه الوظائف والمراتب فلم يقبلها (17) ، وكم ساعد أناسا في طبع الكتب وفي تحقيقها من غير أن يأخذ على ذلك أجرا (18) . فهو لم يأكل بعلمه قط ، وهذه فضيلة لا توجد عند أحد من علماء العصر . ثم من الظلم البين والإسفاف القبيح إتيان بكر بكلمة مخنثة قالها مخنث في وصف النساء (يقبل بأربع ويدبر بثمانية) (19) تذكر في وصف


(17) ففتنة المال والمنصب والوظيفة سقطت مخذولة مدحورة تحت نعليه وهذا من توفيق الله تعالى له ، وحفظه إياه ، وكان لسان حاله يقول : قل للأمير نصيحة لا تركنن إلى فقيه إن الفقيه إذا أتى أبوابكم لا خير فيه (18) علماء العصر غلب عليهم الذل لأجل الوظيفة والراتب ، بل هناك من ادعى منهم أنه المحدث العلامة المحقق ابن البان ، في كل يوم يشاجر ويعارك أصحابه وتلاميذه على حقوق الطبع وما يتعلق بذلك من دراهم ودنانير ، ومن المعلوم أن أهل الحديث في السابق عابوا على من أخذ أجرة على الحديث ، بل تركوا الرواية عنه واليوم يبنون العمارات الضخمة ، ويشترون السيارات الفخمة ، ومنهم من يدعي العلم ويتبجح به على خلق الله تيها بتلك الاموال التي تأتيهم من طرق (الثعلب) و (الحصين) بناء على أنها لطلبة العلم الشرعي الشريف ، وهي حقيقة لمن يستغلها لنفسه ويطمس بها قواعد الدين الحنيف ، ووكلاء تلك الأموال يستأجرون بها المرتزقة ليؤلفوا في الطعن بأئمة المذاهمب والأشاعرة أهل السنة ، وليثيروا الخلافات المطموسة التي لا معنى لها بين المسلمين ، وهم يشربون كؤوس الزنجبيل في حضرة ثعلب الحصين ، فيجري كل هذا على أعين القضاة والمفتيز وهم في غمرة ساهون ، وعن الانكار لاهون ، ومن الكلام خائفون ومن التحقيق العلمي مفلسون ، فإلى الله المشتكى . (19) ذكر ذلك الدكتور أبو زيد ص (35) من كتابه براءة أهل السنة . ومن افتراء الدكتور بكر أبي زيد على الإمام الكوثري قوله في كتابه (ابن قيم الجوزية حياته وآثاره) =

[ 84 ]


ص (18 و 19) أن اسم كتاب السبكي : (السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل) هو من انتحال الإمام الكوثري ووضعه . قال الدكتور بكر ص (19) من كتابه المذكور : لقد تصفحت الكثير من كتب التراجم والمعاجم فلم أر هذا النبز - يعني ابن زفيل لابن القيم ولا لغيره من أهل العلم ، وقد سألت كثيرا من علماء الأمصار عن هذا النبز فلم أر من يعيرني عليه جوابا . ا ه‍ أقول : أنا أعرك عليه جوابا إن شاء الله تعالى : أحضر المجلد الثاني من كتاب (إتحاف السادة المتقين) للإمام المحدث الزبيدي الذي كتبه كما في آخره سنة 1197 ه‍ قبل ولادة الإمام الكوثري بمائة (100) عام ، وافتح صحيفة (1 0) وانظر إلى ما فيها وهوما نصه : وهذه القصيدة على وزن قصيدة لابن زفيل رجل من الحنابلة وهي ستة الآف بيت رد فيها على الأشعري وغيره من أئمة السنة وجعلهم جهمية تارة وكفارا أخرى وقد رد عليها شيخ الإسلام التقي السبلاكي في كتاب سماه السيف الصقيل . اه‍ ، وفي صحيفة (105) من (إتحاف السادة المتقين) ما نصه : هكذا نقله السبكي في رسالة الرد على ابن زفيل . اه‍ . أقول : وأيضا نقل الدكتور بكر ص (18) من كتابه (ابن قيم الجوزية) في الحاشية ترجمة الإمام السبكي من كتاب الأعلام للزركلي (5 / 116) وللأسف أن الدكتور بكر تغافل ان ينقل من هناك ما ذكره الزركلي وأنني أنقله له من (4 / 302) من طبعة الأعلام التي بين يدي حيث يقول الزركلي في ترجمة الإمام السبكي : من مؤلفاته . . و (السيف الصقيل - ط) رأيته بخطه في 25 ورقة في المكتبة الخالدية بالقدس في الرد على قصيدة نونية تسمى (الكافية) في الاعتقاد منسوبة إلى ابن القيم . اه‍ فلا نعلم هل تغافل الدكتور عن هذا ، وهو يقول في كتابه المذكور ص (18) ولم يسم السبكي كتابه باسم (السيف الصقيل) 0 اه‍ أم ان الذين يكلفهم الدكتور بالتأليف له ما كانوا بالمستوى العلمي المناسب ؟ ! . فعسى أن يتوب الدكتور من الوقيمة في علماء الأمة ! .

[ 85 ]

الشيخين : الكوثري وأبو غدة . اللهم إن هذا سفه قبيح وإسفاف فاحش كنت أنزه الشيخ بكرا أن يصدر منه .


ومن الغريب أن الدكتور يدعي بلسان حاله الاستقلال بالتحريم والتحليل فهو يعيب على الإمام الكوثري في كتابه (براءة أهل السنة) قوله بعض الكلمات لابن القيم فيقول الدكتور ص (16) : ومنه رميه ابن القيم بالفاظ متعفنة يأبى الطبع سماعها وذكر منها ص (1 7) جاهل وكذاب . اه‍ ثم يقع الدكتور بأكثر من ذلك حيث يصف الشيخ العلامة الصابوني أعلا الله شأنه في كتابه (التعالم) ص (42 ، 43) من الطبعة الثانية بالأوصاف التالية : فهل سمعت بمفسر متعالم كذاب . وهل سمعت بمفسر جاهل لا يدري السنة ولا يحفظ الكتاب . وهل سمعت بمفسر يحمل آيات التنزيل ما لا يخطر على بال . كل هذا قد جمع في هذا العصر ، قليل الرشاد ، كثير الفساد ، لا يأنف متعالمه من الوصمة والعار . وقد أبتلي المسلمون من قبل ومن بعد بجهود منكرة من طراز آخر ، وأسوأ مثال في المعاصرة ما يراه البصير في كتاب (صفوة التفاسير) و (مختصر تفسير ابن كثير) كلاهما لخلفي محترق ؟ ثم قال : وقد فزع أهل العلم وطلابه من تطاول هذا المغبون في حظه من العلم والتقى . . الخ هراؤه اه‍ . وشيخ الدكتور بكر الشيخ ابن باز يقول في مقدمة براءة الدكتور ص (3) عن الإمام الكوثري رضى الله عنه : المجرم الآثم ، الأفاك الأثيم اه‍ فنقول لك يا بكر ولأمثالك : (أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم) ؟ ! . لاتنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

[ 86 ]

أما ما يتعلق بي ورميه لي بأني قبوري ومبتدع (20) ، وخالفت الأصول فتلك دعوى من دعاواك التمسلفية التي ترمي الناس بالجهل والكفر يمينا وشمالا ، وتوزع عليهم أنواعا من الفحش والبذاءة بقدر ما ينطوي عليه قلبك من اللؤم والخبث . وقد تدخلت بيني وبين أخي من غير أن تعرف ما كان بيننا ، ونصبت نفسك حاكما تخطئني وتصوبه من غير أن يطلب منك التحكيم . والذي قلته وأقوله : أن هجر المسلم المبتدع أو الفاسق لا يوجد فيه دليل على وجوبه (21) .


(20) كما ذكر ذلك الدكتور في حاشية كتابه (هجر المبتدع) ص (8) حيث قال : وكان الزمزمي قد قاطع أخاه عبد الله لما لديه من الدعوة إلى القبوريات وإلى بناء المساجد على القبور ، وخدمة زاوية أبيه ، في سلسلة يطول ذكرها من البدع المضلة اه‍ . قلت : وأعجب من الدكتور كيف كان يقبل يد السيد عبد الله بن الصديق وينحني له قبل أن يأخذ الأجازة منه وقد ذهب إلى طنجة واطلع على الأمر الذي يقوله ! ! . أم أن ذلك جائز للمصلحة ؟ ! . ومما قدمناه يتبين ان الدكتور بكر متفرغ لتوزيع أنواع الفحش والاتهام والسب والتكفير والتضليل على علماء الأمة وسائر المسلمين وهو يستأجر شبابا حدثان الأسنان سفهاء الأحلام لتنفيذ ذلك الهدف أيضا ويأمرهم بالتأليف في الرد على فلان وفلان مغريا لهم بالمال وبانتشار مؤلفاتهم وإنشاء صيت وسمعة لهم ، والحقيقة انها مؤلفات فاشلة تافهة ولو بلغت آلاف المجلدات وصيت فارغ ، لبعد جميع أولئك المرتزقة عن حقيقة العلم والورع والخشية من الله تعالى كما هو الظاهر لنا والله أعلم بالسرائر ، فعسى أن يهدي الله تعالى أجراء الدكتور . (21) لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) ، رواه البخاري ومسلم انظر فتح الباري (10 / 492) وقد رأيت من المناسب =

[ 87 ]

هنا أن أنقل ملخصا بعض ما جاء في رسالة إمام العصر سيدي عبد الله بن الصديق المسماة (بالنفحة الذكية في أن الهجر بدعة شركية) للانتفاع فأقول : قال رضي الله عنه ونفعنا به : ان الصواب الذي ليس بعده إلا الخطأ حرمة الهجر بجميع أنواعه ولا يوجد هجر مشروع لاجل الدين ولا لغيره وأنه منابذ لروح التشريع الاسلامي ، والذين قالوا بمشروعيته مخطئون واهمون استندوا إلى ما ليس بدليل توهموه دليلا فهم مثابون على اجتهادهم مغفور لهم خطؤهم لكن يحرم على الحاقدين المتنطعين أن يتخذوا خطأهم ذريعة لقطيعة الرحم وعقوق الوالدين ومفارقة من لم يوافق هواهم . وقد يعذر المقلد لمجتهد مخطئ ، إذا كان تقليده عن حسن نية ، أما المقلد عن سؤ قصد فهو آثم مغرور ، ولا يعفيه من الاثم أن يورد آيات وأحاديث يوهم بإيرادها أنه من أهل الاستدلال والاحتجاج ، بل هذا مما يضاعف إثمه ويغلظ عقوبته عند الله تعالى لانه أصر على التقليد بعناد ، وحمل الآيات والأحاديث خلاف ما تقتضيه من المعنى المراد وهذا جز سميته (النفحة الذكية ، في أن الهجر بدعة شركية) أوضحت فيه : أن الهجر في الأصل ابتدعه المشركون ، قاطعوا به رسل الله الداعين إلى توحيده ، وأن الإسلام حرمه تحريما باتا وجعله من الكبائر الموبقات ، ولم يرخص فيه لاحد من المسلمين إلا في حالة عذر ضروري كما رخص للمضطر في أكل الميتة . وما رخص فيه الشارع لعذر ، لا يكون مشروعا على الإطلاق بل شرعيته مقيدة بحالة العذر ، لا يتجاوزها . ومن القواعد المقررة المعروفة : أن ما أبيح للضرورة يتقدر بقدرها . وليس في الحالة التي ابيح فيها الهجر ، كون المهجور مبتدعا أو فاسقا بشرب الخمر أو غيره ، فإن الإسلام لا يعرف هجر المسلم لبدعته أو فسقه ، بل ولا يقره ، فضلا عن أن يدعى فيه أنه واجب أو سنة ، تالله أن هذه الدعوى كاذبة ، وسيأتي بيان ذلك مفصلا ، إن شاء الله تعالى . (تنبيه) : من المقرر المعلوم : أن الشخص إذا ضعف في ميدان المناظرة احتجاجه ، واختل =

[ 88 ]

= برهانه ولم يسعفه بيانه ، ووجد مناظره قوي الحجة ، صحيح البرهان ، واضح البيان ، لم يجد سبيلا لمقاومته إلا أن يهجره ، ويوصي أصحابه بهجره ، حتى لا يتأثروا بحسن منطقه ، فينضموا إليه . وهذا هو ما فعله المشركون في مقاومة دعوة التوحيد ، وهي الدعوة التي أيدتها قضايا العقول ، وشهدت بصحتها الفطر السليمة ، (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) ومن المشركين من لجأوا في محاربة دعوة التوحيد ، إلى طريقة بدائية ، حين كان العقل الإنساني ما زال في دور طفولته . استمع إلى سيدنا نوح عليه السلام ، وهو يشكو إلى الله قومه (وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا) قال ابن عباص جعلاو أصابعهم في آذانهم لئلا يسمعوا ما يقول واستغشوا ثيابهم ، قال غطوا بها وجوههم لكيلا يروا نوحا ولا يسمعوا كلامه . ونحن نعلم أن الأطفال إذا تنازعوا في شئ من لعبهم ، يضع أحدهم إصبعه في أذنيه ، لئلا يسمع كلام منازعه ، يغيظه بذلك . فإذن قد استعمل قوم نوح طريقة صبيانية . ومن المشركين من استعمل التشويش ، كما يستعمل الآن في الإذاعة بين الدول ا لمتحار بة . وأول من ابتدع الهجر من المشركين آزر والد ابراهيم عليه السلام فإنه لما ضاق ضرعا بدعوة ابنه إلى التوحيد وعجز عن معارضة حجته ، لم يجد مخلصا منه إلا أن قال له (أراغب انت عن آلهتي يا ابراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا) أي اعتزلني دهرا طويلا ، حتى لا أسمع دعوتك . وكذلك فعل المشركون مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع صحابته . ومن هذا المعنى قوله تعالى : (وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيمون سمعا) أي كانوا لا يستطيعون أن يسمعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لشدة عداوتهم له فهم يهجرونه ، ويبتعدون عنه . =

[ 89 ]

= وكذلك قوله تعالى : (وهم ينهون عنه وينأون عنه) وكذلك قوله تعالى : (وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا) فأبو أحيحة لم يجد حيلة في ابنه الذي أسلم إلا أن يهجره ويأمر اخوته بهجره . وكذلك كل مبتدع يزعم أن هجر المسلمين طاعة وقربة ، ويلح على تثبيت ذلك في عقول أصحابه البسطاء مع اعتقاده في داخل نفسه أنه كاذب مخادع ، لأنه إنما يهجر المسلمين عامة ، واخوته خاصة ، لغرض شخصي ، لا علاقة له بالدين ، وسنكشف عن ذلك الغرض ، موضحا بالأدلة والشواهد ، فيما يأتي إن شاء الله تعالى . فصل يتبين من المثل المذكورة في هذه المقدمة : أن المشركين توافقوا على الهجر الذي جعلوه سلاحا ضد رسل الله ، منذ عهد قوم نوح ، إلى عهد كفار قريش . ومن القواعد التي يجهلها وهابي طنجة : أن ما ابتدعه المشركون أعداء الله ، لا يمكن أن يشرعه اللة لاوليائه المؤمنين ، وجوبا أو ندبا يتعاملون به فيما بينهم وانما يشرعه ليعاملوا به الكفار معاملة بالمثل . ألا ترى إلى الاسترقاق ، لما ظهر الإسلام ، وجده معمولا به عند الكفار في بقاع الأرض ، شرقها وغربها عجمها وعربها ، فأجاز الله للمسلمين إذا جاهدوا الكفار أن يسترقوا أسراهم ، من باب المعاملة بالمثل . وحرم عليهم إذا قاتلوا البغاة أو الخوارج أن يسترقوا أسيرا منهم لأنهم مسلمون . كذلك الهجر أجازه الله بالنسبة للكفار ، معاملة بالمثل ، قال تعالى (واهجرهم هجرا جميلا . . وأعرض عن المشركين) . وحرمه على المسلمين فيما بينهم ، تحريما بالغا ، وجعله من الكبائر الموجبة للنار ، ولم يرخص لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام . والأحاديث متواترة صريحة في تحريم الهجر تحريما عاما ، ذكرت بعضها في القول المسموع وهو مطبوع . وقد غلط أبو داود رحمه الله ، حيث قال في سننه بعد أن روى جملة من أحاديث =

[ 90 ]

= تحريم الهجر : إذا كانت الهجرة لله ، فليس من هذا في شئ ، هجر النبي (ص) بعض نسائه أربعين يوما ، وأبن عمر هجر أبنا له إلى أن مات . اه‍ . وبيان غلطه من وجوه : ا - أن هجر النبي لبعض نسائه أربعين يوما ، لا يصلح لتخصيص أحاديث تحريم ا لهجر . لأنه ضعيف ، ولأنه من باب الايلاء الذي يكون بين الرجل وزوجته . 2 - لو فرض صلاحيته للتخصيص ، فهو يفيد تخصيص النبي (ص) في عموم تحريم الهجر . لأن المقرر في علم الأصول في صور تعارض قوله وفعله عليه الصلاة والسلام أن قوله إذا كان عاما له وللأمة نحو (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال) وجاء فعله مخالفا له ، كهجره بعض نسائه أكثر من ثلاث ، يكون الفعل خاصا به ، ولا يشمل غيره لأنه ليس من صيغ العموم . والدليل على هذه القاعدة ما رواه أحمد وأبو يعلى بإسناد صحيح عن أم سلمة قالت : صلى رسول الله في العصر ، ثم دخل بيتي ، فصلى ركعتين ، قلت يا رسول الله صليت صلاة لم تكن تصليها ؟ قال : (قدم خالد فشغلني عن ركعتين كنت أركعهما بعد الظهر فصليتهما الآن) فقلت : يا رسول الله أفنقضيهما إذا فاتتا ؟ قال : (لا) وروى أبو داود عن عائشة قالت : كان رسول الله يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال . فأحاديث تحريم الهجر ، عمومها ثابت في حقنا بلا إشكال . 3 - إن النبي (ص) خصص عموم تحريم الهجر ، بكونه فوق ثلاث ، فأفاد أن الهجر لمدة ثلاثة ايام جائز ، والعام لا يخصص مرتين . 4 - إن تخصيص عموم تحريم الهجر ، بإخراج الهجر لأجل الدين استدراك على الشارع والاستدراك عليه لا يجوز . 5 - إن تخصيص الشارع بثلاثة أيام يشمل الهجر للدين أو الدنيا ، فقصره على هجر الدنيا تصرف لادليل عليه . =

[ 91 ]

= والذي أفادته الأحاديث الصحيحة المتواترة أن هجر المسلم لأخيه كبيرة توجب النار ، ولا يجوز إلا لمدة ثلاثة ايام سواء كان لأجل الدين أو الدنيا . 6 - أن هجر ابن عمر لابنه لا يصلح مخصصا للحديث ، وإنما هو اجتهاد منه ، أخطأ فيه فله ثواب اجتهاده ، وخطأه مغفور لكن لا يجوز ترك نص الشارع واتباع غيره . فصل وتحريم هجر المسلم للمسلم ، له أسباب وحكم : 1 - منها : أنه بدعة شركية كما مر بيانه ، والإسلام إنما جاء لمخالفة المشركين في بدعهم ، خصوصا ما اتخذوه سلاحا لمحاربة الدعوة الإسلامية . 2 - ومنها : أنه مناف لروح الاسلام ، ومباين له فالإسلام يدعو إلى التواصل والتوادد والتعاطف والتآلف والهجر يؤدي إلى التقاطع والتدابر والتباغض . 3 - ومنها : أن الاسلام يدعو إلى ابداء النصيحة ، ويؤكد وجوبها ، حتى قال النبي (ص) : (الدين العنصيحة) فأفاد بهذا الأسلوب البليغ : إن الدين ينحصر في النصيحة ، إيذانا بأنها أهم مقاصد الإسلام ، ومن أحق تشريعاته بالاهتمام وهي لا تختص بالعلماء وأولي الأمر بل تطلب من كل من يستطيع القيام بها ، كالرجل في بيته ، والتاجر في متجره ، والصانع في مصنعه والأخ مع أخيه ، والصديق مع صديقه . . ولا شك أن الهجر يعطل النصيحة ، إذ لا يمكن أن يتناصح متهاجران . 4 - ومنها : أن الهجر يعطل طاقة الخير في المتهاجرين ، بالنسبة إلى بعضهما ، فلا يتعاونان على فعل بر ، ولا يجتمعان على مصلحة . 5 - ومنها : أن الهجر يفضي بقبض يد المساعدة عن المهجور وهو عقوق إن كان المهجور أحد الوالدين ، وقطيعة رحم إن كان أحد الأقارب ، والعاق والقاطع لا يدخلان الجنة . 6 - ومنها : أن الهجر أمر سلبي ، لا يمنع عاصيا من معصية ولا يرد مبتدعا عن بدعة ، بل يبقى المهجور على ما هو عليه ، وكانه يهزأ بالهاجر . ولهذا لم يوجب الله علينا هجر الكفار ، مع أنه قال عنهم (ود كثير من أهل الكتاب =

[ 92 ]

= لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم) وقال سبحانه : (ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء) . والإرساليات التبشيرية ، تسعى جهدها في تكفير المسلمين ، بالمساعدات المالية والصحية وبالتعليم والمحاضرات ، فالواجب مقاومتهم بالمثل عملا بقول النبي (ص) : (جاهدوا الكفار بأيديكم وألسنتكم وأموالكم) ، ولم يقل : جاهدوهم بهجرهم ، لأن الهجر سلاح العجزة والمستضعفين . وروى الترمذي عن ابن مسعود عن النبي (ص) قال : (لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهاهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) . فجلس رسول الله (ص) وكان متكئا فقال : (لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا) . تأمل هذا الحديث جيدا ، تجده ينفي الهجر نفيا باتا ، فإنه (ص) لم يقل حتى : تهجروهم هجرا ، ولكن قال : (حتى تأطروهم على الحق أطرا) أي تعطفوهم على الحق عطفا ، إما بسطوة الحكم وإما بمداومة النصح وتكرار الارشاد مرة بعد مرة ، فأمر بعلاجهم ، علاجا إيجابيا مثمرا . وإنما لعن الله بني اسرائيل لأنهم تركوا النهي عن المنكر كما جاء ذلك صريحا في قوله تعالى : (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه) . ولم يقل : كانوا لا يهجرون أهل المنكر ، لأن الهجر لا يرضاه الشارع ولا يقره كما مر بيانه . ولحديث ابن مسعود روايات ، ففي رواية أبي داود : " (كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا ، أو تقصرنه على الحق قصرا) . وفي رواية ابن أبي حاتم : (والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد المسئ ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض ، أو ليلعنكم كما لعنهم) ، وهي رواية أبي داود أيضا . =

[ 93 ]

= والهاجر أول داخل في هذا الوعيد ، لأنه لم يأمر بمعروف ، ولا نهى عن منكر ، ولعنة الله لم تنزل على بني اسرائيل لمجرد مواكلتهم أهل المنكر ، بل لتركهم النهي كما مر ولرضاهم بفعل العصاة . ومن المقرر المعلوم أن مواكلة الكافر جائزة وهو أسوأ حالا من العاصي . وزوج اليهودية أو النصرانية يواكلها ويشاربها : وكفرها قائم بها . 7 - ومنها : أن الهجر ، انعزال وانخذال ، والإسلام ينهى عنهما ويحض على الجماعة بجعل المنعزل المنخذل سهل الانقياد للشيطان لخروجه عن عامة المؤمنين ، وضرب له مثلا بالشاة المنفردة عن الغنم يسهل للذئب اختطافها . روى الطبراني عن أسامة بن شريك قال : قال رسول الله (ص) : (يد الله على الجماعة فإذا شذ الشاذ منهم اختطفه الشيطان كما يختطف الذئب الشاة من الغنم) . وفي الحديث أمر بتجنب طريقة المهبتدعة الذين لا يصلون مع جماعة المسلمين ، بدعوى أن الإمام مبتدع أو حالق لحيته مثلا . 8 - ومنها : أن الهجر يعطل حقوق المسلم بين المتهاجرين ، فلا يسلم أحدهما على الآخر ولا يرد سلامه ، ولا يعوده إذا مرض ولا يشيع جنازته إذا مات ، مع أنه قد يعود صاحبه اليهودي أو النصراني ، ويسلم عليه ، رأيت شخصا من هذه الطائفة سلم عليه رجل مسلم ، فلم يرد عليه لاعتقاد ابتداعه ، ودخل على بقال نصراني فحياه وصافحه وضحك إليه كأنه أخوه . 9 - ومنها : أن الهاجر يفرح إذا أصابت المهجور مصيبة ، كما يحزن إذا أصابته نعمة ، وهذا مناقض لروح الإسلام ، غاية التناقض . 10 - ومنها : أن المتهاجرين لا يجتمعان على خير أبدا فقد يترك أحدهما صلاة الجماعة لأن خصمه إمام الصلاة ، ويترك عيادة مريض أو تشيع جنازة لئلا يقابل خصمه هناك . 11 - ومنها : أن المتهاجرين يتجه كل منهما إلى تعييب خصمه وإفشاء عوراته ، بالصدق أو بالكذب : فهما دائران بين الغيبة والبهتان وكلاهما كبيرة . =

[ 94 ]

وإن كنت مصرا على أن هجر المبتدع واجب فإني أنفذه فيك وأهجرك في الله ، لأنك متمسلف قبيح اللسان . والله يتولى هدانا وهداك .

[ 94 ]

وإن كنت مصرا على أن هجر المبتدع واجب فإني أنفذه فيك وأهجرك في الله ، لأنك متمسلف قبيح اللسان . والله يتولى هدانا وهداك . عبد الله بن محمد الصديق عفا الله عنه = 12 - ومنها : أن المتهاجرين قد يسعى أحدما في تعطيل مصلحة لخصمه ، أو إفسادها ، وفد بلغنا من ذلك وقائع وشاهدنا بعضها وهي تدل على ما وصل إليه انحطاط بعض الناص ، بسبب تمسكهم بالهجر الممقوت ، بحيث لو استطاع أن يقضي على خصمه ما تأخر لحظة ولا يرقب فيه إلا ولا ذمة . 13 - ومنها : أن المتهاجرين يلعن أحدهما خصمه لعنا صريحا بدعوى فسقه أو بدعته ، ولعن المسلم المعين لا يجوز . 14 - ومنها : أن المتهاجرين ، محرومان مما يفيض الله على المسلمين في مواسم الخير ، فصلاتهما لا ترفع ، وعملهما موقوف حتى يصطلحا . ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله (ص) : (تعرض الأعمال في كل إثنين وخميس فيغفر الله في ذلك اليوم لكل امرئ لا يشرك بالله شيئا إلا امرؤ كانت بينه ويين أخيه شحناء فيقول : اتركوا هذين حتى يصطلحا) . اه‍ كلام المحدث الغماري متعنا الله بحياته . وزيادة على ذلك نقل ابن عبد البر الإجماع على أنه لا يجوز هجر المسلم أكثر من ثلاثة ايام ، ونقله الدكتور بكر في كتابه (هجر المبتدع) واعتبره من أدلته ، وهو في الحقيقة دليل عليه قاصم لاستدلاله نسأل الله له الهداية ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل ، والحمد لله رب العالمين .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية