الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تنقيح الفهوم العالية- حسن بن علي السقاف

تنقيح الفهوم العالية

حسن بن علي السقاف


[ 1 ]

تنقيح الفهوم العالية بما ثبت وما لم يثبت في حديث الجارية تأليف حسن بن على السقاف القرشي الها شمي الحسيني الشافعي عفا الله عنه د ار الاما م النووي

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة الطبعة الاولى 1414 ه‍ 1993 م دار الامام النووي الاردن / عمان ص . ب (925393) . هاتف (672011) فاكس (891584)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى . أما بعد : فقد وقفت على كلام للالباني في " مختصر العلو " ص (82) يتعلق بحديث الجارية أخطا فيه ، ثم وقفت على شريط له (1) تعرض فيه لي في نفس الموضوع وتلخص كلامه الذي يغالط فيه ! ! في مسألتين : (الاولى) : أنه يدعي ثبوت لفظ " أين الله " ومشروعية السؤال عن الله ب‍ " أين " ! ! وادعى بأن العلماء الحفاظ السابقين لم يضعف أحد منهم هذا الحديث بهذا اللفظ حيث لم يعله أحد منهم بالاضطراب واختلاف الرواة في حكاية متنه ! ! وزعم أن الحافظ البيهقي قال في حديث الجارية بلفظ " أين الله " : " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم " ! ! والواقع أن البيهقي لم يقل بأنه صحيح بل نفى وجوده في صحيح مسلم وأعله باختلاف ألفاظ الرواة فيه ؟ أي بالاضطراب كما سيمر في هذه الرسالة مفصلا موضحا إن شاء الله تعالى ! ! (والثانية) : إنكاره على من يقول بأن : " الله تعالى لا يقال إنه خارج العالم ولا داخله " ! ! وتكفيره لي لانني أقول هذه العبارة ! ! زاعما بأن


(1) وهذا الشريط في الحقيقة هو عبارة عن أربعة أشرطة تجد تعليقنا عليها في الملحق الخاص آخر هذه الرسالة إن شاء الله تعالى . (*)

[ 4 ]

اعتقاد صحة هذه العبارة يلزم منه إنكار وجود الله تعالى ! ! وذلك قياسا منه على الاجسام (المادة) . علما بأن كبار أهل العلم صرحوا بهذه العبارة منزهين الله تعالى عن الجسمية والتصور كما سيأتي إن شاء الله تعالى . فلنشرع في الجواب عن هاتين المسألتين سائلين الله عز وجل التوفيق والاعانة :

[ 5 ]

باب الجواب عن النقطة الاولى : نص الحديث الذي فيه قصة الجارية بلفظ " أين الله " كاملا : جاء في النسخة التي بين أيدينا من صحيح مسلم بشرح الامام الحافظ النووي (5 / 20) ما نصه : حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وأبو بكر بن أبي شيبة وتقاربا في لفظ الحديث قالا : حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن حجاج بن صواف عن يحيى بن أبي كثير عن هلال بن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي قال : بينا أنا أصلى مع رسول الله (ص) إذ عطس رجل من القوم ؟ فقلت : يرحمك الله فرماني القوم بأبصارهم ! ! فقلت : واثكل أمياه ما شأنكم تنظرون إلي ؟ ! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم ! ! فلما رأيتهم يصمتونني لكني سكت ، فلما صلى رسول الله (ص) فبأبي هو وأمي ما رأيت معلما قبله ولا بعده أحسن تعليا منه ؟ فو الله ما كهرني ولا ضربني ولا شتمني ، قال : (إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شئ من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القران " أو كما قال رسول الله (ص) ، قلت : يا رسول الله إني حديث عهد بجاهلية ، وقد جاء الله بالاسلام وإن رجالا يأتون الكهان ، قال : " فلا تأتهم " .

[ 6 ]

قال ومنا رجال يتطيرون ، قال : " ذلك شئ يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم " قال ابن الصباح : فلا يصدنكم . قال : قلت : ومنا رجال يخطون ؟ قال : " كان نبي من الانبياء يخط فمن وافق خطه فذاك " . قال : وكانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية ، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب قد ذهب بشاة من غنمها وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون ، لكني صككتها صكة فاتيت رسول الله (ص) ، فعظم ذلك علي ، قلت : يا رسول الله أفلا أعتقها ؟ ! قال : " ائتني بها " فأتيته بها ؟ فقال لها : " أين الله ؟ " قالت : في السماء . قال : " من أنا " قالت : أنت رسول الله . قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " . انتهى الحديث . وقبل أن أشرع في بيان وإيضاح ما يتعلق بهذا الحديث أود أن أطلعكم سريعا على شئ من تلاعبات الألباني المتناقض ! ! في كلام الائمة الحفاظ وكيف أنه يوهم قراءه بأن أولئك الائمة يقولون بقوله مع أن الواقع خلاف ذلك إذ أن نصوصهم في كتبهم تصرح بضد ما يزعم وينقل عنهم : قال الالباني في تعليقه على " مختصر العلو " ص (82) ناصا على أن ممن صحح الحديث بهذا اللفظ : " البيهقي في الاسماء حيث قال عقبه ص 422 : وهذا صحيح قد

[ 7 ]

أخرجه مسلم " هذا كلام الالبايئ هناك ! ! وانظروا الان إلى كلام الامام الحافظ البيهقي منقولا من كتابه " الاسماء والصفات " من نفس الصحيفة التي عزا لها المتناقض ! ! قال الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى : " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ؟ وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " . فتأملوا بالله عليكم كيف بتر كلام البيهقي وقلبه رأسا على عقب ! ! وادعى أن الحافظ البيهقي يقول بأن الحديث صحيح وقد أخرجه مسلم ! ! والبيهقي كما ترون يصرح بأن قصة الجارية التي هي قطعة من الحديث ليست في صحيح مسلم عنده ! ! وأن هذه القصة اختلف الرواة في ألفاظها ! ! فهي ليست صحيحة ! ! وقد علق الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى على كلام الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " فقال : " وقصة الجارية مذكورة فيما بأيدينا من نسخ مسلم لعلها زيدت فيما بعد إتماما للحديث ، أو كانت نسخة المصنف ناقصة ؟ وقد أشار المصنف - أي البيهقي - إلى اضطراب الحديث بقوله (وقد ذكرت في كتاب الظهار - من السنن - مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث) . . . " اه‍ .

[ 8 ]

فبالله عليكم أيها العقلاء ماذا تسمون ما فعله الالباني المتناقض هنا ؟ ! ! ! وخصوصا أنه لم يكتف بما اقترفه ! ! وإنما قام ليستر ما فعله من التحريف بشتم وسب العلامة الكوثري رحمه الله تعالى فقال عقب ذلك مباشرة : " ومع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه " ! ! ! علما بأن العلامة الكوثري لم يدع الاضطراب ارتجالا إنما قرر اضطرابه اعتمادا على قواعد علم الاصول والمصطلح التي سنذكرها فيما بعد إن شاء الله تعالى واعتمادا على كلام الحافظ البيهقي الذي صرح باختلاف الرواة في لفظه وهذا هو الاضطراب المعروف عند أهل الحديث والحفاظ بعينه ! ! فتأملوا أيها المنصفون ! ! والثه تعالى حسيب هذا المتناقض على أفعاله ! ! وقبل أن نشرع في شرح المسألة نقول مختصرين : لقد جاء حديث الجارية بثلاثة ألفاظ فجاء في رواية بلفظ : " أين الله " وفي رواية أخرى بلفظ " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . " وفي رواية ثالثة بلفظ " من ربك " فلا بد لنا الان أن نعرض كل لفظ منها مع بيان رتبة إسناده من الصحة والضعف فنقول :

[ 9 ]

اللفظ الاول : " أين الله " ! ! البرهان على عدم ثبوت لفظ " أين الله " في حديث الجارية : أقول : لقد اعترف الاباني المتناقض ! ! في الشريط بأن الروايات أو الالفاظ الثلاثة صحيحة ! ! لكنه زعم في الشريط وفي مختصر العلو ص (83) أن رجال رواية اأين الله " ثقات ! ! (بمعنى أن حديثهم صحيح وأن ذلك متفق عليه بين أهل الحديث) ! ! وأقول له : لير كذلك ! ! لان الحق والواقع بخلاف ما تقول أيها المتناقض ! ! وذلك لان في سند رواية " أين الله " : (هلال بن أبي ميمونه) واسمه الكامل : هلال بن علي بن أسامة ، قال الحافظ المزي في ترجمته في " تهذيب الكمال " (30 / 344) ما نصه : " قال أبو حاتم : شيخ يكتب حديثه . وقال النسائي : ليس به باس " . أقول : وهذه الالفاظ صريحة منهم بأنه في أدنى مراتب التوثيق والتعديل فقد قسم المحققون من الحفاظ مراتب التعديل إلى ستة وبعضهم إلى خمسة ، قال الحافظ السخاوي في " فتح المغيث " (2 / 109) (1) : " مراتب التعديل وهي ست " ثم قال ص (113) : " ويلي هذه المرتبة خامسة وهي قولهم ليس به بأس أو لا بأس به . . . وتلا هذه المرتبة سادسة وهي محله الصدق . . . وكذا شيخ وسط


(1) طبعة هندية وهي مصورة دار الامام الطبري بتحقيق وتعليق : الشيخ علي حسين علي الطبعة الثانية 412 اه‍ (*) .

[ 10 ]

أو وسط فحسب أي بدون شيخ أو شيخ فقط " انتهى مختصرا . فعلى هذا يكون حديث هلال ابن أبي ميمونة حسنا لا صحيحا ، ولذلك قال يعقوب بن سفيان الفسوي في المعرفة والتاريخ (2 / 466) : " هلال ثقة حسن الحديث يروي عن عطاء بن يسار أحاديث حسانا " (2) اه‍ . وقال الحافظ ابن عبد البر في " الاستيعاب " (3 / 403) - في ترجمة معاوية بن الحكم السلمي : " له عن النبي (ص) حديث واحد حسن في الكهانة والطيرة والخط وتشميت العاطس في الصلاة جاهلا وفي عتق الجارية " . فاتضح الان وتلخص من الكلام السابق أن رواية " أين الله " التي رويت من طريق هلال ابن أبي ميمونة عن عطاء بن يسار عن معاوية بن الحكم السلمي إسنادها حسن إلا أن المتن مضطرب من هذا الطريق أيضا بغض النظر عن الروايتين " أتشهدين أن لا إله إلا الله " و " من ربك " ، لان ذلك اضطرابا اخر فهي تواجه نوعين من الاضطراى وإليكم ذلك مفصلا :


(2) تنبيه مهم : لو حاول هذا المتناقض أن يتحجج بتوثيق إبن حبان لهلال هذا ليخدع بعض البسطاء ! ! قلنا : لقد اعترف فصرح هذا المتمسلف في مواضع كثيرة من كتبه بأنه لا عبرة بتوثيق أبن حبان ، وكذلك لو احتج بأنه من رجال الصحيح قلنا أيضا لقد صرح المذكور أيضا في مواضع من كتبه بتضعيف رجال من رجال الصحيح وتجدوا أمثلة إهماله لتوثيق أبن حبان والبرهان على أنه لا يعبأ برجال الصحيح في كتابنا " تناقضات الالباني الواضحات " (2 / 46 - 48) فتنبهوا لذلك ! ! (*)

[ 11 ]

اضطراب رواية معاوية السالمي نفسها قبل عرضها على باقي الروايات الصحيحة : لقد جاءت رواية " أين الله " التي رواها عطاء بن يسار هذه بلفظ آخر من طريق سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار قال حدثني صاحب الجارية . . . وأوردها الذهبي في كتاب " العلو " ص (3) وذكر سندها الحافظ المزي في " تحفة الاشراف " (8 / 427) وهي بلفظ : " فمد النبي يده إليها مستفهما : من في السماء ، ؟ قالت : الله . . . " . أي دون أن يقول لها " أين الله ؟ " أي أن لفظ " أين الله " ، الذي يتشبث به المتناقض ! ! والمتعصبون ! ! غير مذكور في هذه الرواية الثانية فتنبهوا لذلك ! ! وقد حاول الالباني المتناقض ! ! أن يضعف هذه الرواية لينفي الاضطراب عن رواية " أين الله " فطعن في المحدث الكوثري عليه الرحمة والرضوان (الذي نبه عليها في تعليقه على " الاسماء والصفات " ودلل على أن لفظ " أين الله . . " من تصرف الرواة ! !) فقال - المتناقض ! ! - في " مختصر العلو " ص (82) ما نصه : أو مع ذلك نرى الكوثري الهالك في تعصبه يحاول التشكيك في صحته بادعاء الاضطراب فيه ، فقد علق على هذا الحديث فيما سوده على كتاب " الاسماء والصفات " بقوله (ص 441 - 442) : " انفرد عطاء بن يسار برواية حديث القوم (كذا قال عليه ما يستحق) عن معاوية بن الحكم ، وقد وقع في لفظ له كما في كتاب " العلو " للذهبي (!) ما يدل

[ 12 ]

على أن حديث الرسول (ص) مع الجارية لم يكن إلا بالاشارة في لفظ اختاره (!) فلفظ عطاء الذي يدل على ما قلناه هو : (حدثني صاحب الجارية نفسه . الحديث) : فمد النبي الذي يدل إليها مستفهما : من في السماء ؟ قالت : الله ، قال : فمن أنا ، فقالت : رسول الله ، قال : أعتقها فإنها مسلمة . وهذا من الدليل على أن (أين الله) لم يكن من لفظ الرسول (ص) (!) وقد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب " . كذا قال - أي الكوثري - عامله الله بعدله ، وأنت إذا تذكرت ما بيناه لك من صحة الحديث ، وإذا علمت أن حديث عطاء عن صاحب الجارية نفسه لا يصح من قبل إسناده لانه من رواية سعيد بن زيد ، فهو وإن كان في نفسه صدوقا ، فليس قوى الحفظ ، ولذلك ضعفه جمع ، بل كان يحيى بن سعيد يضعفه جدا ، وقد أشار الحافظ في التقريب إلى هذا فقال : صدوق له أوهام ، زد على هذا أن ما جاء في روايته من ذكر اليد والاستفهام هو مما تفرد به دون كل من روى هذا الحديث من الرواة الحفاظ وفن دونهم فتفرده بذلك يعده أهل العلم بالحديث منكرا بلا ريب (3) اه‍ .


(3) من هم أهل العلم بالحديث الذين عدوا هذا اللفظ الذي خالف هواك أيها المتناقض منكرا ؟ ! ! أم أنك ستقول هذا منكر حسب القواعد استنباطا واجتهادا منك ؟ ! فإذا كنت قد استنبطت أن هذا منكر بعقلك السخيف ! ! فلماذا تنكر على المحدث الكوثري استنباطه أن لفظ (أين الله ، مضطرب بعقله الفذ الرجيح ؟ ! لا سيما وأقوال الحفاظ تؤيده ؟ ! أم أن الامور دائما حلال لك حرام على غيرك ! ! أرغم الله أنفك ! ! (*)

[ 13 ]

وأقول لهذا المتناقض ! ! : كلا ؟ فإن سعيدا ثقة من رجال مسلم كما بينته لك في التناقضات (2 / 65) ولقد وقعت أيها الالمعي ! ! الان في تناقض بين ! ! وذلك لانك وثقت سعيدا هذا في مواضع أخرى من كتبك فحسنت حديثه ! ! منها أنك قلت في " إرواء غليلك " (5 / 338) عن إسناد فيه سعيد هذا ما نصه : " قلت : وهذا إسناد حسن ، رجاله كلهم ثقات ، وفي سعيد بن زيد - وهو أخو حماد - كلام لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن إن شاء الله تعالى ؟ وقال ابن القيم في الفروسية 20 وهو حديث جيد الاسناد " اه‍ ! ! فانظروا يا قوم كيف يتلاعب بالرجال فيرد أحاديثهم متى خالفت هواه ! ! ويقبلها متى وافقته ! ! والله المستعان ! ! (4) . وعليه فرواية سعيد بن زيد ثابتة ! ! عنده إن تخلصت من هواه زد على ذلك أن سعيدا هذا من رجال مسلم وقد وثقه ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب ، وقال عنه البخاري والدارمي : صدوق حافظ . كما تجدوا ذلك في " تهذيب التهذيب ! (4 / 29) ؟ فحديثه حسن الاسناد . فالان ثبت أن رواية " أين الله " إسنادها حسن ؟ ورواية " من في السماء ، - مادا يده مستفهما دون أن ينطق - حسنة الاسناد أيضا ؟ وهذا مما يقرر ويقضي باضطراب متن حديث معاوية بن الحكم السلمي من


(4) انظر التمثيل على تلاعبه في هذا الرجل في كتابنا (تناقضات الالباني الواضحات " (2 / 65 - 66) ! ! (*)

[ 14 ]

طريق عطاء بن يسار عنه وعدم ثبوت لفظة " أين الله " فيه ؟ مع التنبه هنا إلى أن هناك اضطرابا آخر مع باقي الروايات أكبر وأعظم من هذا الاضطراب الذي بيناه الان وهو اضطراب هذا المتن مع متون أخرى ستأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى ! ! فصل مهم جدا حديث معاوية بن الحكم رواه عطاء بن يسار بلفظ أتشهدين أن لا إله إلا الله بسند صحيح وجهل ذلك الالباني المتناقض ! ! وقد روى حديث الجارية عطاء - وهو الذي روي عنه حديث معاوية بن الحكم السلمي بلفظ " أين الله " - أيضا بسند صحيح أصح من السند الذي وردت فيه لفظة " أين الله " بلفظ " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . . " وذلك في " مصنف الحافظ عبد الرزاق " (9 / 175) وقد جهل ذلك الألباني جهلا مطبقا ! ! وسارع في الطعن بالامام العلامة الكوثري وسيدي الامام المحدث عبد الله بن الصديق تعديا وتطاولا بجهل فاضح وبكل صفاقة ! ! دون أن يتبصر في طرق الحديث وقواعد المصطلح ودون أن يدرك تناقضه في الحكم على الرجال مما جعل الامر الذي نعت خصومه به ينقلب عليه ويلبسه لبوسا لا انفكاك له منه وبرأ الله الكوثري والغماري وعلى نفسها جنت براقش ! ! ورواية عطاء هذه الصحيحة بلفظ " أتشهدين . . . " تؤكد

[ 15 ]

اضطراب حديث الجارية من جهة بل تؤكد بطلان الرواية التي فيها لفظ أين الله وشذوذها ، وترجيح رواية " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . . " من جهة أخرى ! ! وهذا هو الامر الذي سينتهي إليه كل باحث منصف محقق في هذه المسألة . وإليكم رواية الحافظ عبد الرزاق هذه بإسنادها ومتنها : روى الحافظ عبد الرزاق عن ابن جريج قال : أخبرني عطاء : أن رجلا كانت له جارية في غنم ترعاها ، وكانت شاة صفي ، يعني غزيرة في غنمه تلك ، فأراد أن يعطيها نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم ، فجاء السبع فانتزع ضرعها فغضب الرجل فصك وجه جاريته ، فجاء نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكر ذلك له ، وذكر أنها كانت عليه رقبة مؤمنة وافية ، قد هم أن يجعلها إياها حين صكها ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " إيتني بها " فسألها النبي صلى الله عليه وآله وسلم : " أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ " قالت : نعم . " وأن محمدا عبد الله ورسوله ؟ " قالت : نعم . " وأن الموت والبحث حق ؟ " قالت : نعم . " وأن الجنة والنار حق ؟ " قالت : نعم . فلما فرغ قال : " أعتق أو أمسك " وهذا سند صحيح عال إلى عطاء راوي الحديث عن معاوية بن الحكم كما ترى (1) . فهذأ هو اللفظ الثالث لحديث الجارية من طريق عطاء بلفظ " أتشهدين " وقد تقدم اللفظ الاول وهو " أين الله " والثاني الذي فيه أنه أشار إليها مستفهما بيده دون أن ينطق " من في السماء ؟ " وهذا كله يقرر ويقضي بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل " أين الله " فكيف


(1) ومن حاول أن يجادل ويكابر ويماري ويقول بان هذا حديث آخر أو سند غير صحيح ألقمناه حجارة البراهين والادلة ساعتئذ وبالله التوفيق . (*)

[ 16 ]

يبني عليه المتمسلفون وخاصة الشيخ المتناقض قصورا وعوالي ؟ ! ! ! وتنبه هنا جيدا إلى أن هناك اضطرابا آخر مع باقي الروايات الواردة في حديث الجارية من غير طريق عطاء أكبر وأعظم من هذا الاضطراب الذي بيناه الان ، وهو اضطراب متن عطاء مع متون أخرى ستأتي الان في الفصول الاتية إن شاء الله تعالى : فصل جاءت رواية (" أتشهدين . . .) لم من طريق آخر صحيح أيضا روى مالك في الموطأ (ص 777) بسند عال جدا عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أن رجلا من الانصار جاء إلى رسول الله بجارية له سوداء . فقال يا رسول الله إن علي رقبة مؤمنة . فإن كنت تراها مؤمنة أعتقها . فقال لها رسول الله (ص) : " أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ " قالت : نعم . قال : (أتشهدين أن محمدأ رسول الله ؟ " قالت : نعم . قال : " أتوقنين بالبعث بعد الموت ؟ " قالت : نعم . فقال رسول الله (ص) : " أعتقها " . ورواه الامام عبد الرزاق في المصنف (9 / 175) قال : أخبرنا معمر عن الزهري عن عبيد الله عن رجل من الانصار به ومن طريقه رواه الامام أحمد في المسند (3 / 451 - 452) كما رواه غيرهم أيضا . قلت : أما الزهري فإمام ثقة من رجال الستة . قال الحافظ في التقريب : " الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه " .

[ 17 ]

- وأما عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود فأحد الفقهاء السبعة المشهورين من رجال الستة أيضا إمام ثقة . قال الحافظ في التقريب عنه : " ثقة فقيه ثبت " ولا يعرف بتدليس ، وعنعنته محمولة على السماع وقد قال : " عن رجل من الانصار " . قال ابن كثير في تفسيره (1 / 547) " إسناد صحيح وجهالة الصحابي لا تضره " وقال ابن عبد البر في " التمهيد " (119 / 4) : " ظاهره الارسال لكنه محمول على الاتصال للقاء عبيد الله جماعة من الصحابة " ، وقال الحافظ الهيثمي في " المجمع " (1 / 23) " رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح " . قلت : وللفظ " أتشهدين . . " شواهد عديدة منها : 1 : ما رواه الدارمي في " السنن " (2 / 187) قال : أخبرنا أبو الوليد الطيالسي ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة (5) عن الشريد قال : أتيت النبي (ص) فقلت : إن على أمي رقبة وإن عندي جارية سوداء نوبية أفتجزئ عنها ؟ قال : " أدع بها " فقال : " أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ " قالت : نعم . قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " .


(5) وقد حسن المتناقض ! ! رواية حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة في " صحيحته " (1 / 240 السطر الثاني من أسفل) وحكم على هذا الحديث أو الاسناد بعينه في " صحيح أبي داود " (2 / 632 برقم 2810 - 3283) بأنه : " حسن صحيح " وانظر السند في " سنن أبي داود " (3 / 230) فتنبه لذلك ولا تغفل عنه عند محاورات ومداورات هذا المتناقض ! ! الفاشلة ! ! وشيعته المنخدعين به ! ! الذين يحاولون أن ينصروه ولو بالباطل ! ! والله من ورائهم محيط ! ! (*)

[ 18 ]

2 - ما رواه البزار (كشف الاستار 1 / 14) والطبراني (12 / 27 في الكبير عن سيدنا ابن عباس رضي الله عنهما قال : " أتى رجل النبي (ص) فقال : إن على أمي رقبة وعندي أمة سوداء ، فقال : " ائتني بها " فقال لها رسول الله (ص) : " أتشهدين أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ " قالت : نعم . قال : " فأعتقها " . قال الحافظ الهيثمي في " المجمع " (4 / 244) عن هذا السند : " فيه محمد بن أبي ليلى وهو سئ الحفظ وقد وثق " . وستأتي شواهد متواترة لهذا اللفظ أتشهدين في فصل خاص إن شاء الله تعالى . الرواية التي جاءت بلفظ " من ربك " صحيحة الاسناد أيضا : روى ابن حبان في " صحيحه " (1 / 418 - 419) عن الشريد بن سويد الثقفي قال : قلمت : يا رسول الله ، إن امي أوصت أن نعتق عنها رقبة وعندي جارية سوداء ، قال : " أدع بها " فجاءت ، فقال : " من ربك ؟ " قالت : الله ، قال : " من أنا ؟ " قالت : أنت رسول الله ، قال : " أعتقها فإنها مؤمنة " (6) . وقد روي حديث الشريد هذا بلفظ " أتشهدين . . . " أيضا كما تقدم عند الدارمي (2 / 187) وإسناده حسن عند المتناقض ! !


(6) قلت : روى هذا اللفظ من طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد : النسائي في الصغرى (6 / 252) وفي الكبرى (4 / 110) وأحمد (4 / 222 و 388 و 389) والطبراني (7 / 320 برقم 7257) ، والبيهقي (7 / 388) = (*)

[ 19 ]

فتبين بذلك أن سؤال الجارية مضطرب المتن بلا ريب ولا شك ، وإذا لم يكن هذا اضطراب فليس على وجه الارض حديث مضطرب ! ! وإليك تعريف الحديث المضطرب عند المحدثين ، وكذلك نصوص الحفاظ والمحدثين الذين قالوا باضطراب هذا الحديث لا على سبيل الحصر : تعريف الحديث المضطرب عند العلماء المحدثين : قال الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في التقريب معرفا الحديث المضطرب :


= ورواه من طريق زياد بن الربيع عن ابن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن الشريد : ابن خزيمة في التوحيد (ص 122) . ورواه من طريق أبو عاصم ثنا معدان المنقري عن عون بن عبد الله حدثني أبي عن جدي : الطبراني (17 / 136 برقم 338) ، والحاكم (3 / 258) ، والبيهقي (7 / 388) (حديث آخر) . ورواه الطبراني في الاوسط من حديث أبي هريرة بلفظ : " من ربك " قال الحافظ الهيثمي في " المجمع " (1 / 24) : " ورجاله موثقون " . أنظر مجمع البحرين في زوائد المعجمين (4 / 84 برقم 2134) . وتنبه إلى أن الالباني ! ! صحح طريق حماد عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشريد في " صحيح أبي داود " (2 / 632 برقم 2810 - 3283) فقال : " حسن صحيح " ، أنظر للتأكد " سنن أبي داود " (3 / 230 برقم 3283) . (*)

[ 20 ]

(المضطرب : هو الذي يروى على أوجه مختلفة متقاربة ، فإن رجحت إحدى الروايتين بحفظ راويها أو كثرة صحبته المروي عنه أو غير ذلك فالحكم للراجحة ، ولا يكون مضطربا والاضطراب يوجب ضعف الحديث لاشعاره بعدم الضبط ويقع في الاسناد تارة وفي المتن أخرى ، وفيهما من راو أو جماعة " . وقال الحافظ ابن دقيق العيد في الاقتراح : " المضطرب : هو ما روي من وجوه مختلفة . وهو أحد أسباب التعليل عندهم ، وموجبات الضعف للحديث " . تصريح بعض الائمة من الحفاظ والمحدثين باضطراب حديث الجارية : 1 - الامام الحافظ البيهقي : تقدم أن الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى قال في " الاسماء والصفات " ص (422) : " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم مقطعا من حديث الاوزاعي وحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير دون قصة الجارية ؟ وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ، وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " (انظر السنن الكبرى 7 / 388) . فالبيهقي يرى بكل مراحة ووضوح بأن قصة الجارية ليست في صحيح مسلم ، ونسخة البيهقي لم يشترها من المكتبة الفلانية أو المكتبة

[ 21 ]

الفلانية إنما هي نسخة قرأها على مشايخه الحفاظ فينبغي التنبه إلى هذا جيدا ! ! هذا من جهة . ومن جهة أخرى هناك أمر آخر مهم أيضا وهو أن الحافظ البيهقي صرح باضطراب الحديث أي باختلاف الرواة في لفظه ! ! فعلى تسليم أنه في صحيح مسلم فهو مضطرب بلا شك لما أثبتناه في الفصول التي تقدمت عند عرض طرقه . ومن جهة ثالثة أيضا لم يذكر الامام مسلم قصة عتق هذه الجارية في كتاب العتق ولا في كتاب الايمان والنذور ، وهذا مما يؤكد كلام الحافظ البيهقي والمحدث الكوثري عليهما الرحمة والرضوان . 2 - الامام الحافظ البزار : لقد صرح الامام البزار باضطراب الحديث أيضا في مسنده ، فقال بعد أن روى الحديث من طريق من طرقه (كما في كشف الاستار 1 / 14) : " وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة " . 3 - الحافظ ابن حجر العسقلاني : صرح الحافظ ابن حجر باضطرابه أيضا إذ قال في " التلخيص الحبير " (3 / 223) ما نصه : " وفي اللفظ مخالفة كثيرة " اه‍ . وقد صرح الحافظ ابن حجر بانه لا يجوز اعتقاد (الاين) في حق المولى سبحانه وتعالى فلم يعمل بهذا الحديث رغم صحة سنده بنظره وذلك لاضطرابه ! ! لان الاضطراب موجب للضعف مع كون الاسناد

[ 22 ]

صحيحا وهذا مما يعرفه صغار الطلبة فضلا عمن يدعي الفصاحة والتحديث ! ! لذلك قال الحافظ في " فتح الباري " (1 / 221) : " فإن إدراك العقول لاسرار الربوبية قاصر فلا يتوجه على حكمه لم ولا كيف ؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث . . " اه‍ . فتأمل جيدا ! ! 4 - وبلغنا أن الحافظ العراقي حكم على حديث الجارية بلفظ " أين الله لما بالشذوذ في أماليه فلينظر . 5 - الامام المحدث الكوثري عليه الرحمة والرضوان : حكم العلامة الكوثري على حديث الجارية بالاضطراب في تعليقه على " الاسماء والصفات " ص (422) فقال : " قد فعلت الرواية بالمعنى في الحديث ما تراه من الاضطراب " . وفي تعليقه رحمه الله تعالى على كتاب الحافظ السبكي " السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل " ص (94) توسع في مبحث اضطرابه . 6 - الامام المحدث سيدي عبد الله ابن الصديق أعلى الله درجته : ذكر سيدي عبد الله ابن الصديق في تعليقه على كتاب " التمهيد " (7 / 135) للحافظ ابن عبد البر عن لفظ " أين الله " ما نصه : " رواه مسلم وأبو داود والنسائي . وقد تصرف الرواة في ألفاظه ، فروي بهذا اللفظ كما هنا وبلفظ " من ربك ؟ " قالت : الله ربي . وبلفظ " أتشهدين أن لا إله إلا الله ؟ " قالت : نعم . وقد أستوعب تلك الألفاظ بأسانيدها الحافظ البيهقي في السنن الكبرى بحيث يجزم الواقف عليها

[ 23 ]

أن اللفظ المذكور هنا مروي بالمعنى حسب فهم الراوي . . . " . وبهذا ثبت ثبوتا لا شك فيه عندنا حسب قواعد المصطلح وتصريحات أهل الحديث في القديم والحديث اضطراب متن حديث الجارية بحيث لا يمكن التعويل على لفظ من ألفاظه ؟ وأصح أسانيده كما رأيت بلفظ " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . . " ، فإن كان هناك مجال للترجيح بين هذه الروايات فالرواية الراجحة بلا شك ولا ريب هي رواية " أتشهدين . . . " لانها الاصح إسنادا ولان المعهود من حال النبي (ص) الثابت عنه بالتواتر أنه كان يأمر الناس ويقاتلهم ويختبر إيمانهم بالشهادتين فتكون رواية " أين الله " شاذة أو منكرة ! ! (7) وإليكم بعض الاحاديث في ذلك :


(7) فإن قال كيف تقول " شاذة . . . " وهي في مسلم ؟ ! قلنا : هناك ألفاظ عديدة حكم الحفاظ والمحدثون بشذوذها وهي في مسلم أو في الصحيحين ! ! بل إن فاك ألفاظ في البخاري ومسلم حكم عليها هذا المتناقضن ! ! بأنها شاذة ! ! منها ما جاء في (صحيح مسلم " (4 / 2148) " ثم يطوي الارضين بشماله " فحكم بشذوذها في " تخريج المصطلحات الاربعة الواردة في القرآن " رقم (1) للمودودي . وسيأتي الكلام على ذلك في الصفحات القادمة إن شاء الله تعالى بشئ من التفصيل ! ! (*)

[ 24 ]

1 - روى البخاري في " صحيحه " (6 / 171) في باب كيف يعرض الاسلام على الصبي من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي (ص) قال لابن صياد : " أتشهد أني رسول الله ؟ " . 2 - روى البخاري (1 / 497) عن أنس بن مالك و (6 / 112) عن أبي هريرة وكذا مسلم في " الصحيح " (1 / 51 - 53) عن أبي هريرة وجابر وعبد الله بن عمر وعبادة بن الصامت (1 / 57) رضي الله عنهم أجمعين قالوا : قال رسول الله (ص) : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله . . " الحديث . قال الامام الحافظ السيوطي في الجامع الصغير (برقم 1630) بعد أن ذكر هذا الحديث : " وهو متواتر " . وزاد المناوي في شرحه فقال : " وهو متواتر لانه رواه خمسة عشر صحابيا " . وفي (نظم المتناثر من الحديث المتواتر " للعلامة المحدث الكتاني ما نصه : " وفي شرح الاحياء - للمحدث الزبيدي - رواه ستة عشر من الصحابة كما قاله العراقي . . . " .

[ 25 ]

3 - وفي " صحيح مسلم " (1 / 50) أيضا من حديث ابن عباس أن معاذا قال : بعثني رسول الله (ص) فقال : " إنك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة أن لا اله إلا الله وأني رسول الله . . . " . 4 - وفي صحيح مسلم (1 / 60) أن رسول الله (ص) أعطى أبا هريرة نعليه وقال : " إذهب بنعلي هاتين فمن لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة . . " . 5 - وفي صحيح مسلم (1 / 61) : عن عتبان بن مالك أن جماعة من الصحابة أحبوا أن يدعو النبي (ص) على مالك بن دخشم ليهلك فقال رسول الله (ص) : " أليس يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ؟ " قالوا : إنه يقول ذلك وما هو في قلبه . قال : " لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله فيدخل النار أو تطعمه " قال أنس : فأعجبني هذ الحديث فقلت لابني : اكتبه فكتبه . فهذه الاحاديث وغيرها كثير بلغت مبلغ التواتر جميعها يرخح رواية " أتشهدين أن لا إله إلا الله " مع كون هذه الرواية هي الاصح إسنادا والاقوى مدركا .

[ 26 ]

تنبيه : من العجائب الغرائب أن الالباني المتناقض ! ! اعتبر في " إرواء غليله " (1 / 31) أن حديث " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع " وفي رواية " ابتر " وتارة " أجذم " حديثا مضطربا ! ! فقال ما نصه : " ومما يدلك على ضعفه زيادة على ما تقدم اضطرابه في متن الحديث ، فهو تارة يقول : أقطع ، وتارة : أبتر ، وتارة : أجذم ، وتارة يذكر الحمد ، وأخرى يقول : بذكر الله . . " اه‍ . مع أن معنى أجذم وأقطع وأبتر واحد كما يعرف ذلك أدنى من له اشتغال بلغة العرب بله من يدعي الفهم والفصاحة ! ! فإن القطع والبتر بمعنى واحد وكذلك الجذم كما في القاموس ! ! وحمد الله تعالى من ذكره سبحانه ! ! وبه يجمع بين ألفاظ هذا الحديث ، والظاهر أن الالمعي المتناقض ! لم يع ذلك ! ! فالسؤال هنا كيف اعتبر أجذم وأبتر وأقطع اضطرابا ولم يعتبر " أين الله . . " و " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . " و " ومن ربك . . " اضطرابا ؟ ! ! ! إنه الهوى نسأل الله تعالى العافية ! ! ويدعي الان بكل فشل وبجاحة بأنه يمكن الجمع بين هذه الالفاظ الثلاثة ! !

[ 27 ]

عدم أخذ جماعات من العلماء في القديم والحديث بظاهر لفظ " أين الله " : لقد أول كثير من العلماء المحققين لفظ " أين الله " ولم يقولوا بظاهره البتة دون أن يتكلموا على السند وإنما ردوا هذا اللفظ الذي جاء في هذا المتن ولا بأس من أن نعرض لكم بعض ذلك ؟ لئلا يبقى المتناقض ! ! متشبئا بخيوط العنكبوت ! ! ولئلا يوهم ضعاف الطلبة بأن هذا الحديث كما يزعم أجمعت الامة على صحته وعلى الاخذ به ! ! وهيهات هيهات ! ! وإليكم نصوص السادة العلماء في ذلك : 1 - قال الامام الحافظ تقي الدين السبكي رحمه الله تعالى في كتابه " السيف الصقيل في الرد على ابن زفيل " ص (94) : " أقول : أما القول : فقوله (ص) للجارية " أين الله ؟ قالت : في السماء " وقد تكلم الناس عليه قديما وحديثا والكلام عليه معروف ولا يقبله ذهن هذا الرجل " . 2 - وقال الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في " شرح صحيح مسلم " (5 / 24) : " هذا الحديث من أحاديث الصفات وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الايمان ، أحدهما : الايمان به من غير خوض في معناه (أي تفويض المعنى) مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شئ وتنزيهه عن سمات المخلوقات ، والثاني : تأويله بما يليق به ، فمن قال بهذا قال : كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو

[ 28 ]

الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة وليس ذلك لانه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة ، بل ذلك لان السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين ، أو هي من عبدة الاوثان العابدين للاوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للاوثان " اه‍ كلام الامام النووي وما بين القوسين () من إيضاحي وزيادتي . 3 - وقال القاضي عياض رحمه الله تعالى : - كما نقله عه الامام النووي في شرح مسلم (5 / 24) - : " لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقتدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقرل الله تعالى * (ءأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض " ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم " . فهذا تصريح من القاضي عياض (المتوفى سنة 544 ه‍) وهو من أئمة أهل العلم وحفاظ الحديث (8) بان هناك إجماعا على تأويل النصوص الواردة التي يوهم ظاهرها أن الله في السماء حقيقة ، وتعالى الله عن أن يحل في خلقه أو يحل فيه شئ من خلقه علوا كبيرا إذ * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * ! !


(8) ترجم له الحافظ السيوطي في كتابه " طبقات الحافظ " (ص 470) فقال : " وكان إمام أهل الحديث في وقته وأعلم الناس بعلومه ، وبالنحو واللغة وكلام العرب وأيامهم وأنسابهم " . (*)

[ 29 ]

4 - وقال الامام الحافظ ابن الجوزي رحمه الله تعالى : في كتابه " دفع شبه التثبيه بأكف التنزيه ، ص (189) مؤولا لفظ " أين الله " : " قلت : قد ثبت عند العلماء أن الله تعالى لا تحويه السماء والارض ولا تضمه الاقطار ، وإنما عرف بإشارتها تعظيم الخالق عندها " . 5 - وقال الحافظ أبو بكر ابن العربي المالكي في " شرح سنن الترمذي " (11 / 273) ما نصه : " . . . فقال لها " أين الله " والمراد بالسؤال بها عنه تعالى المكانة فإن المكان يستحيل عليه . . " . 6 - الحافظ ابن حجر العسقلاني إمام الحفاظ رحمه الله تعالى : تقدم أن الحافظ ابن حجر صرح بأن الله سبحانه وتعالى لا يتوجه عليه في وجوده " أين " وهذا صريح منه بعدم الاخذ برواية " أين الله " خلاف ما يزعمه الشيخ المتناقض ! ! قال الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " (1 / 221) : " فلا يتوجه على حكمه - سبحانه - لم ولا كيف ؟ كما لا يتوجه عليه في وجوده أين وحيث " . انتهى . 7 - وبنحو هذا قال الامام الحافظ الباجي في المنتقى وغيره أيضا فتدبر . وهذا كله يثبت بلا شك ولا ريب أن حديث الجارية بلفظ " أين الله " لم يتفق علماء الامة على قبوله لا من ناحية السند كما تقدم شرحه وبيانه ولا من ناحية المتن كما بيناه ههنا .

[ 30 ]

نصوص العلو تقابلها نصوص أخرى أيضا تثبت بأن العلو معنوي لا حسى : ومما يقابل هذه النصوص الموهمة نصوص أخرى توهم بأن الله تعالى حال في الارض أو في بعض خلقه في الارض وظاهر ذلك كله غير مراد ، لاعتقادنا بأن الله سبحانه موجود بلا مكان ولا يقال إنه في كل مكان ، وقد لخص هذا الامر الحافظ ابن حجر حيث بين أن علو الله تعالى علو معنوي وليس حسيا كعلو الاجسام بعضها على بعض ، حيث قال في " الفتح " (6 / 136) : " ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله أن لا يوصف بالعلو لان وصفه بالعلو من جهة المعنى والمستحيل كون ذلك من جهة الحس " . وإليكم بعض تلك النصوص المقابلة للنصوص التي تسميها المجسمة نصوص العلو : 1 - قال تعالى : * (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين " القصص : 30 - 31 . فالمنادي كما هو واضح من النص هو رب العالمين الذي كلم سيدنا موسى تكليما فسمي كليم الله وهو يناديه من شاطئ الوادي الايمن في البقعة المباركة من الشجرة قائلا له : إني أنا الله رب

[ 31 ]

العالمين (9) . وظاهر هذا ينفي العلو الذي تدعيه المجسمة والمشبهة بآيات يتبادر من ظاهرها - لمن لا يحكم عقيدة الاسلام والتنزيه - العلو الحسي ، وكما أن ذلك من القرآن فهذا أيضا من القرآن ! ! وكما أن ظاهر هذا غير مراد فظاهر ذلك غير مراد أيضا ! ! فافهم ! ! والنصوص الاتية كذلك يقال فيها ما يقال هنا ! ! فإن قيل : هذه مؤولة ؟ قلنا : وتلك أيضا ؟ لانه ما الذي أوجب اعتقاد ظاهر هذه دون ظاهر تلك ؟ ! والقاعدة أن الله سبحانه منزة عن كل ما يخطر في الذهن والعقل * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * . 2 - وقال تعالى : * (والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الخمان ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب) * النور : 39 . والكلام هنا عن إنسان على وجه الارض ! ! 3 - وقال تعالى : * (ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون) * الواقعة . 4 - وقال تعالى : * (ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر الا هو معهم أين ما كانوا " المجادلة : 7 5 - وقال تعالى لسيدنا موسى وأخيه سيدنا هارون * (إنني معكما أسمع وأرى) * طه : 46 .


(9) وكيف يمكن تأويل هذا بالعلم أيها المتمسلفون ؟ ! ! (*)

[ 32 ]

6 - وقال تعالى : * (وهو معكم أينما كنتم) * الحديد : 4 ، فإن قال قائل : معهم بعلمه . قلنا : كلا . لانه سبحانه وتعالى قال : * (والله معكم) * سورة سيدنا محمد : 35 . والله علم على الذات لا على الصفات ، إلا إن أؤلت ! ! فلا مناص لكم من التأويل ! ! فإن أولتم تبين أن التأويل ليس ضلالا ولاكفرا ولا تجهما وتعطيلا ! ! كما تزعمون ! ! وسواء سميتم صرف اللفظ عن ظاهره من حقيقته إلى مجازه تأويلا أو تفسيرا أو ما يجوز في اللغة أو . . . فلا يغير ولا يؤثر في حقيقة الامر البتة فنحن نسميه تأويلا وهو صرف اللفظ عن ظاهره ! ! ولا مشاحة في التسمية ! ! والله الهادي . 7 - وقال سيدنا إبراهيم لما آذاه قومه * (إني ذاهب إلى ربي سيهدين) * الصافات : 99 . وسيدنا إبراهيم عليه السلام كان على سطح الارض ولم يكن يذهب إلى السماء التي يتصور المجسمة أن معبودهم فيها ويرجع إلى الارض بعد ذلك إنما كان بين قومه وكان يتنقل من بلدة إلى أخرى . 8 - وقال تعالى : * (وهو الله في السموات والارض يعلم سركم وجهركم ويعلم ما تكسبون) * الانعام : 3 . 9 - وقال تعالى : * (ولقد خلقنا الانسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد) * سورة ق : 16 . وهناك آيات كثيرة أيضا يوهم ظاهرها أن الله سبحانه وتعالى في الارض أو حال في العالم تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ؟ وليس ذلك مشكلا عند أهل العلم الذين يفهمون كتاب الله تعالى بقواعد الايات والاحاديث المحكمة في تنزيهه سبحانه عن التجسيم والتشبيه والتمثيل .

[ 33 ]

فمن أصر على اعتقاد ظاهر الايات التي يسميها آيات العلو يقال له كما قدمنا : وهذه آيات أخرى أيضا ينقض ظاهرها ما فهمته من ظاهر تلك الايات التي تسميها آيات العلو ! ! فما الذي أوجب اعتقاد ظاهر تلك دون ظاهر هذه ؟ ! ! أحاديث صحيحة ثابتة تقابل الاحاديث التي تسقيها المجسمة ب‍ " أحاديث العلو " : وهناك أيضا أحاديث ثابتة في الصحيحين وغيرهما يشير ظاهرها إلى خلاف وضد ، ما يوهم ظاهر الايات والاحاديث التي تسميها المجسمة بأحاديث العلو منها : 1 - عن سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله (ص) قال : " إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه فإن الله قبل وجهه إذا صلى " . رواه البخاري (1 / 509 فتح) ومسلم (1 / 388) . 2 - وعن سيدنا أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله (ص) قال : " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه أو إن ربه بينه وبين القبلة فلا يبزقن أحدكم قبل قبلته ولكن عن يساره أو تحت قدميه " . رواه البخاري في صحيحه (1 / 508 فتح) . 3 - وعن أبي موسى الاشعري رضي الله عنه قال رسول الله (ص) : " الذى تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلة أحدكم " . رواه البخاري (7 / 470 فتح) ومسلم (4 / 2077) واللفظ لمسلم في

[ 34 ]

الصحيح . 4 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله (ص) : " أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد ، فأكثروا الدعاء " . رواه مسلم (1 / 350) . 5 - وعن سيدنا عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم أن رسول الله (ص) كان يقول إذا ركب دابته وأراد السفر : " اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الاهل . . . " . رواه مسلم في الصحيح (2 / 978) من حديث ابن عمر ، وابن حبان في صحيحه (6 / 431) وغيره من حديث أبن عباس . فقوله في الحديث " اللهم أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الاهل " يضاد ظاهر نصوص العلو فانتبه ! ! وقوله (أنت الصاحب في السفر وأنت الخليفة في الاهل) لا يمكن تأويله بالعلم ! ! لان علمه تعالى بنا موجود في كل لحظة من الازل إلى الابد ، ولا يختص ذلك بالسفر ، ثم إن الصحبة في اللغة تستلزم التلازم بالذات ، وقد جاء القرآن بإثبات هذا المعنى في قوله تعالى * (إذ يقول لصاحبه لا تحزن) * ! ! ولو قرأوا معنى الصاحب والصحبة في كتب اللغة فإنهم لن يجدوا ما يؤيد بدعتهم ، وسيضطرون إلى اللجوء للمجاز والتأويل ، وكل ذلك يعكر على هؤلاء المجسمة استدلالهم على العلو الحسي ! ! ثم نقول لهم هل تسمون الله تعالى استدلالا بهذا الحديث بالخليفة والصاحب ؟ ! ! أم لا ! !

[ 35 ]

6 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) كان يقول في دعائه : " اللهم أنت الاول فليس قبلك شئ وأنت الآخر فليس بعدك شئ (10) وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عنا الدين واغننا من الفقر " . رواه مسلم في الصحيح (4 / 2084 برقم 61) . وقال الامام الحافظ البيهقي في " الاسماء والصفات " ص (400) : " أستدل بعض أصحابنا بهذا الحديث على نفي المكان عن الله تعالى ، فإذا لم يكن فوقه شئ ولا دونه شئ لم يكن في مكان " اه‍ فتأمل ! ! 7 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الته (ص) : " أذن لي أن أحدث عن ملك قد مرقت رجلاه في الارض السابعة ، والعرش على منكبه ، وهو يقول سبحانك أين كنت وأين تكون " (11) .


(10) قال الامام الحافظ النووي في " شرح صحيح مسلم " (17 / 36) : " وأما تسميته سبحانه وتعالى بالاخر فقال الامام أبو بكر ابن الباقلاني : معناه الباقي بصفاته من العلم والقدرة وغيرهما التي كان عليها في الازل ، ويكون كذلك بعد موت الخلائق وذهاب علومهم وقدرهم وحواسهم وتفرق أجسامهم " . (11) والحديث رواه أبو يعلى في مسنده (11 / 496 برقم 6619) وهو صحيح ، وقد صححه الحافظ ابن حجر في " المطالب العالية بزوائد الثمانية " (3 / 267) إذ قال : " لابي يعلى . صحيح " وصححه الحافظ الهيثمي في (*)

[ 36 ]

معناه أنزهك يا رب أن يقال فيك أين كنت وأين تكون ، أي أنزهك عن الاين ، وهذا الحديث فيه رد صريح على لفظ " أين الله " الوارد في بعض روايات حديث الجارية وفيه دليل على أن لفظ " أين " باطل (12) ؟ فتنبه ! ! فهذه النصوص جميعها من آيات قرانية وأحاديث نبوية صحيحة يعارض ظاهرها ظاهر تلك النصوص التي يسمونها بنصوص العلو ، فمن أخذ بظاهر تلك دون فهم للمعنى المراد منها على لغة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم لزمه أن ياخذ بظاهر هذه النصوص وإلا وجب تأويل الكل ، ومن كابر في ذلك ومارى فقد ضل وأضل ، فنسأل الله تعالى أن يهدينا سواء السبيل . كما أن ظواهر هذه النصوص جميعها التي أوردناها يخالف لفظ " أين


= " مجمع الزوائد " (1 / 80) و (8 / 135) إذ قال : " رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح " . (12) فلو قال قائل ليس الامر كما تقول وتفسيرك لهذا الحديث خطأ ليس صوابا ! ! قلنا له : وما تفسيرك له ؟ ! وعلى جمبع الاحوال كيفما فسرته فيه رد على عقيدتك الفاسدة المعتمدة المؤسسة على لفظ " أين الله " لان الملك إذا كان ينزه الله تعالى فيقول : " سبحانك أين كنت وأين تكون ؟ ! " معناه : أنه لا يعرف أين الله ، ولالتالي يجهل أين الله ! ! وهو من الملائكة المقربين حملة العرش ولا تستطيع ان تنكر ذلك ؟ فإذا كان الملائكة المقربون لا يعرفون أين الله فكيف تعرفه أنت أنه في السماء ؟ ! ! ! فتبين بذلك عل جميع الاوجه على فرض التسليم بها أن كلام المعترض باطل أصلا ورأسا ! ! (*)

[ 37 ]

الله الشاذ الذي جاء في الرواية المضطربة التي بينا تفصيل الكلام في أسانيدها وأسانيد ما يتعلق بها ، وظواهر هذه النصوص أولى بالاخذ من تلك الرواية الشاذة ، لا سيما وقد رأيت كلام أهل العلم في الاعراض عن الاخذ بظاهرها ؟ مع أن الكل عندنا مؤؤل وهو المذهب الحق الذي عليه أهل السنة والجماعة . فتلخص من هذا كله ما يلي : (أولا) : أن الالباني كذب على البيهقي ! ! حيث زعم بأن البيهقي قال عن حديث الجارية " صحيح رواه مسلم " ! ! والحقيقة أن البيهقي نفى وجود قصة الجارية من صحيح مسلم واعلها بالاضطراب . (ثانيا) : حديث الجارية بلفظ " أين الله " حسن الاسناد وليس صحيحا لو سلم من الاضطراب ، مع نكارة متنه ! ! وقد صرح بحسن إسناده الحافظ ابن عبد البر والفسوي وقواعد المصطلح تحكم بذلك بصرف النظر عن اضطرابه . (ثالثا) : أعل الحديث الذي بلفظ " أين الله " بالاضطراب مرتين وهو اختلاف الرواة في لفظه ، وقد صرح بذلك البزار والبيهقي والحافظ ابن حجر والكوثري في التعليق على " الاسماء والصفات للبيهقي ص 421 - 422 " والسيد عبد الله ابن الصديق أعلى الله درجته " في تعليته على التمهيد المجلد 7 " . (رابعا) : سند حديث " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . . " أقوى وأصح من سند رواية " " أين الله . . . " وله أيضا شواهد فهو الصحيح المعتمد المعول عليه .

[ 38 ]

فصل ومما أوضحناه يتبين أن ما أورده الالباني المتناقض ! ! في كتبه مما يحاول أن يثبت به لفظ " أين الله " وهجومه على العلامة المحدث محمد زاهد الكوثري عليه الرحمة والرضوان ليس بشئ البتة ! ! وإنما هو هراء لا قيمة له في ميزان التحقيق والنقد العلمي كما تبين جليا ! ! ومن ذلك قول هذا المتناقض ! ! في " إرواء غليله " (2 / 113) : قلت : يشير بذلك إلى قوله " (ص) " للجارية : " أين الله " وقولها : " في السماء " . فإن هذا النص قاصمة ظهر المعطلين للصفات ، فإنك ما تكاد تسأل احدهم بسؤاله " (ص) " " أين الله " ؟ حتى يبادر إلى الانكار عليك ! ولا يدري المسكلات أنه ينكر على رسول الله " (ص) " ، أعاذنا الله من ذلك ومن علم الكلام ، ولذلك رأينا الهالك في الذب عن هذا العلم على حساب الطعن في الاحاديث الصحيحة الشيخ زاهد الكوثري يطعن في صحة هذا الحديث بالذات لا بحجة علمية بل بوساوس شيطانية ، مثل قوله : أن البخاري لم يخرجه في صحيحه ! وتارة يشكك في صحة هذه الجملة بالذات " أين الله " لا لشئ إلا لانها لم ترد خارج الصحيح ! وكل هذا ظاهر البطلان لا حاجة بنا إلى تسويد الورق لبيانه نسأل الله العصمة من الحمية الجاهلية والمذهبية ! ! أنتهى . فقوله فيه (فإنك ما تكاد تسال أحدهم بسؤاله (ص) " أين الله " حتى يبادر إلى الانكار عليك ولا يدري المسكين أنه ينكر على رسول الله (ص) ! ! فجوابه : قد تقدم بطلان هذا إذ أن النبي (ص) لم يسأل الجارية بهذه الصيغة وإنما قال لها " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . . " ! ! فتبين

[ 39 ]

بذلك أن المسكين علميا هو هذا الالباني الذي يظن أوهام الرواة هي ألفاظ النبي (ص) ! ! وهذا المتناقض ! ! الالباني لم يقم دليلا علميا معتبرا على صحة ما يقول إلا التقليد الاعمى لفلان وفلان تاركا التحقيق والنظر والاستدلال ! ! ودون الالتفات لعلل تلك الروايات والكلام على رجالها ! ! وأما كلام هذا المتناقض ! ! في " مختصر العلو " ص (81 - 83) فقد تقدم تفنيد ما يحتاج إلى تفنيد ! وإبطال في ثنايا كلامنا المتقدم في هذه الرسالة وغالب ما ذكره هناك كلام إنشائي ممزوج بسباب الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى لا قيمة له إ ! وبقي من كلامه هناك نقطة إنشائية حاول أن يلبس ويموه بها على بعض القراء الذين قد لا يدركون وجه تلبيسه فيها ! ! وهو قوله هناك ص (83) عن العلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى : ثم إنه لم يكتف بهذا التضليل بل أخذ ينسب إلى الراوي وهو ثقة أيا كان هذا الراوي لان كل رواة هذا الحديث ثقات ، أخذ ينسب إليه الكذب على رسول الله (ص) وهو يعلم ، لان معنى كلامه السابق أن الراوي أختار أن ينسب إلى النبي (ص) أنه قال للجارية : " أين الله " والواقع عند الكوثري أنه (ص) يقل ذلك وإنما الراوي وضعه من عنده مكان رواية سعيد بن زيد . . . (13) انتهى .


(13) وقد تابع الالباني على هذا الهراء ! ! مقلدا له بعصبية جاهلية ! ! أحد المفتونين به والمقلدين له للمصالح المادية ! ! وهو مؤلف رسالة " أين الله ؟ " الذي ينافح فيها عن عقيدة التجسيم والتثبيه (وعقيدة الدجاجة التي يزعمها ! !) ألا وهو من كتب فيه كتاب : " الكشف المثالي عن سرقات سليم الهلالي ! ! " = (*)

[ 40 ]

ونقول لهذا المتناقض ! ! دعك من الانشاء الفارغ ومن التلبيس


فقال ص (17) من رسالته " أين الله ؟ " ما نصه عن الامام الكوثري : " هكذا قال عامله الله بما يستحق متهما الثقات بأنهم زادوا أحاديث على الصحيح دون بينة وحجة وهذا يعني أنه يشكك في منزلة صحيح مسلم الذي تلقته الامة بالقبول سوى أحرف يسيرة انتقدها العلماء كالدار قطني " ! ! وما نبطل به كلام شيخه المتناقض ! ! نبطل به كلام هذا المتحذلق المتحلي بالسرقات ! ! فإنه يردد الصدى ! ! وليس ثم هناك ! ! ورسالة هذا المتحذلق يتلخص إبطالها بالنقاط التالية : 1 - أن قارئ هذا الرسالة من أولها إلى آخرها لا يخرج بأي نتيجة علمية مقنعة لصالح الموضوع الذي يريد إثباته هذا الكاتب ! ! 2 - أنه تخابط ! ! وتناقض ! ! في رسالته الغراء ! ! في صلب الموضوع الذي كتب رسالته لاجله ! ! وذلك أنه صحح حديث الجارية بلفظ " أتشهدين أن لا إله إلا الله . . " ص (24) فقال : " وهو صحيح كما قال ابن كثير في تفسيره وجهالة الصحابي لا تضره " كما صحح حديث الجارية بلفظ " من ربك " ص (26) من كتابه المذكور فقال : " وهذا إسناد حسن إن شاء الله " ! ! ثم تناقض ! ! فهدم كلامه على رأسه ونقض غزله * (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكلاثا) * فقال ص (30) ملخصا نتيجة بحثه في المسألة ما نصه : وإليك خلاصة البحث : 1 - إن جميع الطرق التي ليس فيها " أين الله ؟ " أو " أين ربك ؟ " ضعيفة لا يحتج بها فلا يصح ان تعارض حديث الجارية الصحيح المصرح باللفظ المذكور ، فثبت والحمد لله أن " أين الله " لفظ الرسول ، وقد صح فلم يبق مجملا ، (! ! ! !) . . . فالظاهر أن هذا المقلد ! ! الالمعي ! ! كان يتداول حبوب الغرور وحب المتناقض المذهبين لعقل متناولها والتي تشبه حبوب الهروين أو أشباهها إبان تسويده وكتابته لتلك الرسالة ! ! وسائر ما يكتبه كذلك ! ! (*)

[ 41 ]

المهزول ! ! فكم من رجل من رجال الصحيحين البخاري ومسلم طعنت فيه ؟ ! وقلت عن لفظ أتى به إنه شاذ ! ! ألم تقل عن حديث مسلم (4 / 2148) الذي فيه " ثم يطوي الارضين بشماله إنه شاذ في " تخريج المصطلحات الاربعة الواردة في القرآن " رقم (1) للمودودي ؟ ! ! ! وكذلك قال الالباني المتناقض ! ! عن لفظة وقعت في حديث آخر في صحيح مسلم (2 / 790 برتم 1122) وفيه : " خرجنا مع رسول الله في شهر رمضان في حر شديد . . وما فينا صائم إلا رسول الله وعبد الله بن رواحة " . قال الالباني في " صحيحته " (1 / 326) : " قلت : فهذه الوجوه الاربعة ترجح أن قوله في رواية مسلم " في شهر رمضان " شاذ لا يثبت في الحديث " . ثم قال بعد ذلك بأسطر : " ولو أن الحافظ رحمه الله تيسر له تتبع طرق هذا الحديث وألفاظه لما قال ما ذكر " ! ! ونقول نحن الان : ولو أن الالباني هداه الله ! ! فتيسر له تتبع طرق حديث الجارية وأسانيده وترك الهوى والتعصب لما صحح لفظة " أين الله " ولكنه لم يوفق ! ! وكم ترك الاول للاخر ! ! وبهذا لا يقوى الالباني المتناقض ! ! ولا يستطيع هو وغيره أن ينكر علينا حكمنا بشذوذ لفظة " أين الله " على تسليم وقوعها في صحيح مسلم ! ! أو يهوش علينا طالما أنه ضعف أحاديث وألفاظا في صحيح مسلم وغيره وحكم بشذوذها ! ! فتنبهوا لذلك ! !

[ 42 ]

ثم ألم تقل عن ألفاظ كثيرة أتى بها الثقات إنها شاذة ؟ ! فإن كنت نسيت ذلك فسأذكرك بمثال واحد من كتبك من مئات الامثلة : منها أنك قلت في " إرواء غليلك " (3 / 84) : " قلت : وهذا سند صحيح ، رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين غير محمد بن منصور وهو إما الخزاعي أو الطوسي وكلاهما ثقة يروي عن سفيان بن عيينة ، وعنهم النسائي ، لكن قوله الجمعة شاذ " ! ! ! ! فكيف أيها الالباني هنا تقول عن لفظ أتى به ثقة باعترافك إنه شاذ ؟ ! فينبغي لنا الان أن نورد ونطبق عليك كلامك الذي ذكرته في " مختصر العلو " ص (83) وجعلته في الامام الكوثري فنلبسك إياه لبوسا لا انفكاك ولا تفلت لك منه قائلين : " ثم إنه لم يكتف بهذا التضليل بل أخذ ينسب إلى الراوي وهو ثقة أيا كان هذا الراوي . . الكذب على رسول الله (ص) وهو يعلم لان معنى كلامه السابق أن الراوي . . . وضعه من عنده . . . " إلى آخر هرائه الممجوج . ويلبسه لبوسا كذلك وينطبق عليه ما قاله مريده ! ! السارق ! ! كما ذكرناه في الحاشية قبل قليل حيث قال : " هكذا قال عامله الله بما يستحق متهما الثقات بأنهم زادوا أحاديث على الصحيح . . . " ! ! وأعود فاقول : إن لدفي مئات الامثلة التي يتبين منها بكل وضوح أن هذا الالباني وشيعته المقلدين له ! ! اتهموا ثقات الرواة بما زعموا -

[ 43 ]

كاذبين - أن العلامة الكوثري اتهمهم به ! ! فإن جادلوا واستمروا في مماراتهم الباطلة وتلبيساتهم التي يغالطون بها أظهرناها لهم ! ! ولو قلنا جدلا إن العلامة الكوثري اتهم هذا الراوي بالكذب (مع كون ذلك لم يقع البتة وإنما هي خيالات افترائية وتلبيسات قائمة في ذهن هذا الالباني ومقلديه لا غير ، وقول بلوازم بعيدة مع أن هذا الالباني يقول إن لازم المذهب غير مذهب) فليس ذلك مستشنعا ولا هو أمر ابتدعه وأحدثه الكوثري ! ! وإنما هو طريقة أهل الحديث ومذهبهم ! ! فهذا هو البخاري رحمه الله تعالى يقول في تاريخه الكبير (1 / 413 - 414) عن حديث " خلق الله التربة يوم السبت . . . " الذي رواه مسلم في الصحيح (4 / 2149) بأن الاصح هو أن هذا ليس كلام النبي (ص) إنما هو كلام كعب الاحبار (راوي الاسرائيليات) ! ! أي أنه حديث موضوع ويوافق البخاري على ذلك الشيخ الحراني في " فتاواه " (17 / 236) فهل تقول أيها الالباني بأن البخاري وجدك الحراني يتهمون الثقات ويكذبون رواة الصحيح ؟ ! أم أنه في مقام الرد والتهويل والتشويش على العلامة الكوثري تقول ما تقوله من البهت والافتراء ؟ ! ! وأزيدك على ذلك فأذكر لك قولين لبعض أهل الحديث يهدم ما تشنع به وتفتريه على الامام المحدث الكوثري رحمه الله تعالى الذي تعترف مرغما بسعة علمه في " ضعيفتك " (3 / 356) فأقول لك مبينا موضحا لعتك تؤوب وتتوب : 1 - قال الحافظ الخطيب البغدادي في (الفقيه والمتفقه " (1 / 132) :

[ 44 ]

" باب القول فيما يرد به خبر الواحد : . . . وإذا روى الثقة المأمون خبرا متصل الاسناد رد بأمور : أحدها : أن يخالف موجبات العقول فيعلم بطلانه . . . " اه‍ . 2 - وقال الامام الحافظ النووي في " شرح صحيح مسلم " (1 / 131) : " وذهب بعض المحدثين إلى أن الاحاد التي في صحيح البخاري أو صحيح مسلم تفيد العلم دون غيرها من الاحاد ؟ وقد قدمنا هذا القول وإبطاله في الفصول . . . " . ثم قال بعد أسطر : " وأما من قال يوجب العلم - خبر الواحد - فهو مكابر للحس ، وكيف يحصل العلم واحتمال الغلط والوهم والكذب وغير ذلك متطرق إليه والله أعلم " اه‍ . 3 - وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في " فتح الباري " (6 / 19) عند شرح حديث البخاري : عن أنس قال " بعث النبي (ص) أقواما من بني سليم إلى بني عامر في سبعين فلما قدموا . . . . " الحديث فقال الحافظ : " قوله (بعث النبي (ص) أقواما من بني سليم إلى بني عامر) قال الدمياطي هو وهم ، فإن بني سليم مبعوث إليهم والمبعوث هم القراء وهم من الانصار . قلت : التحقيق أن المبعوث إليهم بنو عامر وأما بنو سليم فغدروا بالقراء المذكورين والوهم في هذا السياق من حفص بن عمر شيخ البخاري . . . " اه‍ . قلت : الحديث من ثلاثيات البخاري العالية ؟ وحفص هذا هو

[ 45 ]

ابن عمر بن الحارث بن سخبرة قال عنه أحمد كما في " تهذيب الكمال " (28 / 7) : " ثبت ثبت متقن لا يؤخذ عليه حرف واحد " . فهل تقول في الحافظ الان كما تقر له وتفتريه على الكوثري ؟ ! ! أم أن التشنيع حرام على رجل جائز على آخر ؟ ! ! فان كان كذلك فما هو دليلك من الكتاب والسنة ؟ ! ! لا سيما وأنت قد تفزدت بتضعيف أحاديث لم تسبق إلى تضعيفها فانتبه واستيقظ من سكرتك ! ! مع ملاحظة أنك تصف الحافظ ابن حجر بالذهول والتناقض كما بينته لك في " تناقضاتك الواضحات " (2 / 54) ولا تعتبر توثيق البخاري ومسلم للرجل فتقول كما في " إرواء غليلك " (3 / 207) : " وهو وإن احتج به الشيخان فقد قال الحافظ في التقريب صدوق له خطأ كثير " ! ! ! كما بينته في " تناقضاتك الواضحات " (2 / 46) . فحق لنا أن نقلب عليك كلامك الذي وجهته للعلامة الكوثري ونلبسك إياه لبوسا لا انفكاك لك منه فنقول : " فنحن في واجبنا أن نحذر المسلمين من هذا الالباني المتناقض وأمثاله الذين يتهمون الابرياء بما ليس فيهم مذكرين بقوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة . . .) * الاية " (14) .


(14) وأصل الكلام لهذا المتناقض ! ! المتخابط ! ! في مختصر العلو ! ! ص (83) ! ! والعلامة المحدث الكوثري رحمه الله تعالى مصيب كما بيته بكل وضوح وهو برئ ما رماه به هذا الاباني ! ! المتناقض ! ! (*)

[ 46 ]

فصل المتمسلفون يستدلون لعقيدتهم بطبائع البقر والحمير والدجاج من الامور المضحكة جدا أن تجد هؤلاء المتمسلفين يستدلون ببعض حركات الحيوانات على أن الله تعالى في السماء منساقين في ذلك وراء ما يهذي به بعض المبرسمين من العامة والغوغاء ! ! فمن ذلك قول ابن قيم الجوزية في كتابه " اجتماع الجيوش الاسلامية " ص (212) تحت عنوان (أكرموا البقر) : وذكر شيخ الاسلام الهروي بإسناده عن عبد الله بن وهب قال " أكرموا البقر فإنها لم ترفع رأسها إلى السماء منذ عبد البجل حياء من الله عزوجل " . ثم قال : " والمقصود أن هذه فطرة الله التي فطر عليها الحيوان حتى أبلد الحيوان الذي نضرب ببلادته المثل وهو البقر ، . اه‍ فانظروا كيف يستدلون على عقيتدهم الغراء ! ! بالبقر صراحة ! ! ويقول مؤلف كتاب " أين الله ؟ " المتمسلف ! ! ص (79) : ومن علم الدجاجة أن ترفع رأسها إلى السماء إذا قضت وطرها من الماء ؟ (!) أم من علم الحيوانات أن ترفع رأسها إلى السماء زمان الجدب كأنها تستمطر ربها

[ 47 ]

قال ابن القيم في اجتماع الجيوش الاسلامية ص (212) : " وفي هذا الباب قصة حمر الوحش التي ذكرها غير واحد أنها انتهت إلى الماء لترده فوجدت الناس حوله ، فتأخرت عنه ، فلما جهدها العطش رفعت رأسها إلى السماء ، وجأرت إلى الله سبحانه بصوت واحد فأرسل الله سبحانه عليها السماء بالمطر حتى شربت وانصرفت " ذاك العظيم في علاه ، من فطر الناس سواه ، ولذلك من زعم أن السماء قبلة الدعاء فقد خالف أقوال الرسول (ص) ودرج على غير فهم السلف الصالح رضي الله عنهم ، وشوه فطرة الله التي فطر الناس عليها اه‍ . فانظروا كيف يستدل أيضا لعقيدته بحركات يرويها عن الدجاج والحمير والدواب والانعام التي قال الله تعالى عنها في كتابه العزيز : * (إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون) * وقد شبه الله سبحانه وتعالى الكفار الذين لا يعقلون بالدواب والانعام التي لا تعقل ولا تفقه شيئا فقال سبحانه * (أولئك كالانعام بل هم أضل " ! ! وأما قول هذا المتمسلف (ولذلك من زعم أن السماء قبلة الدعاء فقد خالف أقوال الرسول (ص) ودرج على غير فهم السلف الصالح . . . وشوه فطرة الله . . .) فمما تضحك منه الثكلى ! ! وعلى هذا يقال إنه يجب أن يعتقد هذا المتمسلف بأن الله تعالى حال في جوف الكعبة لان الانسان في صلاله ودعائه يتوجه إلى جهة الكعبة لا للسماء ، والانسان أفضل من الحيوان لقوله تعالى : * (ولقد كرمنا بني آدم) * فعقيدة الانسان الموحد الذي يتوجه بوجهه وجسده ويديه إلى جهة الكعبة أحرى من عقيدة البقر والحمير والدجاج التي يعتقدها هذا المتمسلف وبدندن حولها ! ! لا سيما وأن تلك الدواب غير عاقلة ! ! وقد شبه الله تعالى الكافر في

[ 48 ]

البلادة وعدم الفهم بها كما تقدم في مثل قوله تعالى * (أولئك كالانعام بل هم أضل " ! ! وأما قوله بأن (من زعم أن السماء قبلة الدعاء فقد خالف أقوال الرسول . . .) الخ هرائه الذي تقدم فمن أعجب العجب ! ! . وذلك لان الذي يقول بأن السماء قبلة الدعاء هو الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه الذي كان يرفع يديه وكفيه في دعائه إلى جهة السماء ! ! مع قولنا بأنه لا يستنبط من ذلك أن الله في السماء كما لا يستنبط من توجهنا إلى الكعبة في الصلاة وقولنا سجدت لله أن الله تعالى موجود في الكعبة ! ! وأئمة الاسلام وحفاظ وشراح حديث رسول الله (ص) كالامام النووي والحافظ ابن حجر العسقلاني صرحوا بأن السماء قبلة الدعاء وعلماء الاسلام الذين يعتد بهم يقولون بذلك وإليك بعض نصوصهم في ذلك : قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (2 / 233) : " قال ابن بطال : أجمعوا على كراهة رفع البصر في الصلاة ، واختلفوا فيه خارج الصلاة في الدعاء ، فكرهه شريح وطائفة ، وأجازه الاكثرون ، لان السماء قبلة الدعاء كما أن الكعبة قبلة الصلاة " اه‍ . وقال الامام الحافظ النووي في " شرح صحيح مسلم ، (5 / 24) : " لان السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين " اه‍ .

[ 49 ]

وقال الامام الغزالي والمحدث الزبيدي كما في " شرح الاحياء " " (فأما رفع الايدي عند السؤال) والدعاء (إلى جهة السماء فهو لانها قبلة الدعاء) " اه‍ . فهل يقول بعد هذا المؤلف المتمسلف ! ! بأن هؤلاء العلماء الذي يقولون بالدليل الصحيح الثابت عن سيدنا رسول الله (ص) خالفوا أقوال الرسول ودرجوا على غير فهم السلف وشوهوا فطرة الله التي فطر الناس عليها ؟ ! ! فإن كان الكاتب المسكين ! ! يقول بذلك فهذا الكلام لائق به هو ، وهو أحرى به ! ! فصل وأما قولهم بأن الانسان والحيوان يعلم بالفطرة بأن الله في السماء فمغالطة واضحة منهم ! ! وذلك لانهم اخترعوا خرافة زعموها دليلا شرعيا ! ! جديدا ! ! فجعلوا يستدلون به على ما يريدون وهو ما يسمونه ب‍ (الفطرة) ! ! وهذا الدليل الذي اخترعوه والذي يموهون به على البسطاء هو حقيقة ليس في ميزان الشرع والتحقيق والعلم بشئ ! ! لاننا لا نعرف أحدا ذكر في كتب أصول الفقه وبيان استنباط الاحكام الشرعية أن من جملة الادلة الشرعية (الفطرة) ! ! فهم يقولون بشئ ما أنزل الله به من سلطان ! إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا ! !

[ 50 ]

وربما لم يفهموا قول النبي (ص) " كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه " على وجهه الصحيح ! ! ومعنى الحديث أن المولود يولد على الخلقة الاصلية السليمة وهي المراد بالفطرة ، إذ لا يعتبر هذا المولود مشبعا بأي فكر من الافكار وخاصة أفكار الكفر والالحاد أو الشرك فتؤثر فيه عادات وأحوال واعتقادات المجتمع الذي يعيش فيه فتجعله ينقاد إليها فإذا بقي كذلك لم يتنبه إلى عقيدة الاسلام الصحيحة الحقة إلا بمن ينبهه عليها ولذلك بعث الله تعالى الرسل والانبياء مبشرين ومنذرين ! ! وهذا المولود باعتبار الميثاق الاول الذي أخذه الله تعالى على خلقه في عالم الذر فقال لهم : * (ألست بربكم ؟ قالوا بلى) * هو مسلم ! ! وبعض الناس قالوا : لم يقل النبي (ص) وأبواه يجعلانه مسلما . وليس كذلك بل قال ذلك النبي (ص) ففي صحيح مسلم (4 / 2049) جاء فيه " فإن كانا مسلمين فمسلم " . والمولود باعتبار الميثاق الاول مسلم لقوله تعالى * (إن الدين عند الله الاسلام) * ! ! ولا يعني هذا أن المولود عندما يولد تولد معه معلومات دينية في مختلف النواحي من العقيدة والفقه والحديث والتفسير وغيرها ، لا ، لقوله تعالى * (والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا) * ! ! حتى الانبياء عليهم الصلاة والسلام ولدوا ولم تكن معهم معلومات إلا من أنطقهم الله تعالى في المهد على سبيل المعجزة والعبرة للخلق ومن ذلك قول الله تعالى * (ووجدك ضالا فهدى) * أي : ووجدك ضالا عما أنت عليه الان من الشريعة فهداك إليها ، وقال تعالى : إما

[ 51 ]

كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان) * * (وعلمك ما لم تكن تعلم وكان فضل الله عليك عظيما) * ! ! ومراد المتمسلفين في كلامهم الذي يلفون ويدورون فيه أن يثبتوا بما يوردونه من قولهم * (بالفطرة) * أن مسألة العلو وحديث الجارية أمر معلوم بالفطرة وبالتالي بالدين ويوردون مع الحديث الذي تكتمنا عليه وبينا معناه قوله تعالى * (فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله) * وليس معناه ما يتوهمون ويوهمون ! ! فلو كان الناس قد خلقوا وفطروا على الايمان والتوحيد ومعلومات العلو التي يقول بها هؤلاء المتمسلفون لما أستطاعوا أن يغيروها ، أي لم يستطع أحد أن يكفر ويخرج من الاسلام لقوله تعالى في الاية نفسها * (لا تبديل لخلق الله) * ! ! فصار إذا أن لها معنى آخر غير ما خطر ببال المجسمة والمشبهة وأذاعوه ! ! وهو أن الله تعالى خلق الناس جميعا وهم على الميثاق الاول ولم يبدلوه قبل ولادتهم ووجودهم على ظهر الارض وإذا كان كذلك فإن الله يخاطبهم قائلا لهم * (لا تبديل لخلق الله) * أي لا تبدلوا الاسلام الذي خلقتم ووجدتم في الدنيا وأنتم متصفون به ، فهذا خبر والمراد به الامر ! ! لكن عقول المتمسلفين لا تصل لفهم كتاب الله الكريم ولا لسنة النبي الرؤوف الرحيم ! ! فتنبهوا ! ! ومن ذهب إلى غير ما قلناه وقررناه هنا لزمه القول بتناقض الايات وحاشاها من ذلك ! ! إنما التناقض صفة الشيخ ! ! العجمي ! ! الالباني ! ! الذي افتتنت نفوس أرباب هذه النحلة به ! !

[ 52 ]

فتبين بذلك انهدام احتجاجهم بما يسمونه الفطرة على صحة معتقدهم الفاسد عند جميع العقلاء ! ! والله تعالى الهادي إلى سواء السبيل ! ! فصل لقد استعمل العرب الذين نزل القرآن الكريم بلغتهم لفظ " العلو " و " السماء " ونحو هذه الالفاظ لبيان شرف الرتبة والعظمة والكبرياء والمجد وأمثال هذه الامور ، ولم يقصد العرب بذلك أن فلانا في السماء أي : بذاته وأنه في (المكان العدمي ! !) أو نحو ذلك من ترهات المجسمة التي اخترعوها والاعاجم الذين لا يريدون فهم كتاب الله تعالى بلغة الضاد العربية الفصيحة ! ! فيكون كل ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة المطهرة مما فيه لفظ السماء والفوقية والعلو معناه الاشارة إلى كبرياء الله تعالى وعظمته وجلاله ، كما نقل الاجماع في ذلك القاضي عياض والامام الحافظ النووي رحمهما الله تعالى ، ففي " شرح صحيح مسلم " (5 / 24) قال الامام النووي : " قال القاضي عياض : لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى * (أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الارض) * ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم) اه‍ .

[ 53 ]

وإليكم الدليل على هذا الامر من لغة العرب في أشعارهم وأرجازهم : 1 - قال عنترة العبسي (صاحب إحدى المعلقات المشهورة) : مقامك في جو السماء مكانه وباعي قصير عن نوال الكواكب (15) 2 - وقال الاخطل الكبير كما في ديوانه : بنو دارم عند السماء وأنتم قذى الارض أبعد بينما بين ذلك 3 - وقال آخر : ولو رفع السماء إليه قوما لحقنا بالنجوم وبالسماء (6) 4 - وقال عنترة : لقد كنتم في آل عبس كوابكا إذا غاب منها كوب لاح كوكب خسفتم جميما في بروج هبوطكم جهارا كما كل الكواكب تنكب الديوأن (ص 26) . 5 - وقال أمية بن أبي الصلت فأرضك كل مكرمة بنتها بنو تيم وأنت لهم سماء (انظر تأريخ دمشق لابن عساكر 3 / 120 ترقيم جديد) . 6 - وقال عنترة : ولا أسلو ولا أشفي الاعادي فساداتي لهم فخر وفضل


(15) أنظر شرح ديوان عنترة للتبريزي دار إحياء التراث ص (35) . (16) أنظر تاج العروس شرح القاموس (10 / 182) في مادة (سمو (*)

[ 54 ]

أناس أنزلونا في مكان من ، العلياء فوق النجم يعلو (ديوانه ص 115) . ومن هذا الباب قول الله عز شأنه * (إن فرعون علا في الارض وجعل أهلها شيعا) * أي طغا وتجبر ، فالعلو المقصود هنا هو العلو والارتفاع المعنوي لا الحسي ، ومنه أيضا قول فرعون في بني إسرائيل * (سنقتل أبناءهم ونستحي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون) * . فهذه شواهد لغوية من القرآن الكريم وأدلة من كلام العرب تدل على أن العلو يراد به في كثير من الاحوال العلو المعنوي لا العلو الحسي الجسمي الذي يدندن به المشبهة والمجسمة فافهم هداك الله تعالى ! ! فصل هناك بعض الايات من المتشابه يحتج بها المجسمة والمشبهة على العلو الحسي لا بد من ذكرها وبيان المعنى الصحيح لها حتى لا يبقى في ذهن طالب الحق أي إشكال في هذه المسألة . . فمن تلك الايات قوله تعالى * (الرحمن على العرش استوى) * ومعنى الاستواء هنا القهر لا علو الاجسام والارتفاع لقوله تعالى * (وهو القاهر فوق عباده) * فبين سبحانه أن علوه واستواءه بالقهر لا بالجسمية والارتفاع الحسي الجسمي المعهود لنا . وفي معنى القهر : الاستيلاء والاخبار عن هذا العالم بأنه ملكه سبحانه فهو تحت مشيئته وإرادته ، كما يقال العالم من فرشه إلى عرشه خاضع لله تعالى هذا معنى قوله تعالى * (الرحمن على العرش استوى) * .

[ 55 ]

فإن قالت المجسمة أو غيرهم : هذا التفسير يقتضي المغالبة ! ! قلنا : ليس كذلك ، وقولكم إنه يقتضي المغالبة بدعة من القول ! ! لانه يهدم كلامكم واعتراضكم قوله تعالى * (والله غالب على أمره) * فكيف لم يقتض هذا المغالبة وهو صريح ؟ ! ومن يغالب الله في أمره حتى يقول سبحانه * (والله غالب على أمره) * ؟ ! فإذا لا يقتضي شئ من ذلك المغالبة ! ! وكذلك قوله سبحانه * (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) فنقول لكل مشبه ومجسم : هل كان الملك قبل ذلك اليوم لغير اللة تعالى ؟ إ ! حتى يقتضي المغالبة ! ! فكما أن هذه الايات الكريمات لا تقتضي المغالبة فكذلك القهر والاستيلاء لا يقتضي المغالبة فافهم وتنبه هداك الله تعالى ! ! . ومن النصوص التي يستدلون بها على العلو الحسي قوله تعالى * (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه) * . ومعنى الاية أن هذا كناية عن القبول والرضى . قال الحافظ المتقن المفسر أبو حيان في تفسيره " البحر المحيط " (7 / 303) : (وصعود الكلام إليه تعالى مجاز في الفاعل وفي المسمى إليه لانه تعالى ليس في جهة ، ولان الكلم ألفاظ لا توصف بالصعود ، لان الصعود يكون من الاجرام ، وإنما ذلك كناية عن القبول ووصفه بالكمال ، كما يقال : علا كعبه وارتفع شأنه ، ومنه ترافعوا إلى الحاكم ورفع الامر إليه ، وليس هناك علو في الجهة " اه‍ .

[ 56 ]

ومن تلك النصوص التي يستدنون بها على العلو الحسي قوله تعالى : * (تعرج الملائكة والروح إليه " أي تعرج الملائكة إلى المكان الذي هو محلهم وهو في السماء ، لان السماء محل بره وكرامته ، وهذا تماما كقول الله تعالى حكاية عن سيدنا إبراهيم عليه السلام * (إني ذاهب إلى ربي) * أي إلى الموضع الذي أمرني به ، أو إلى مفارقتكم للتفرغ لعبادة ربي وطاعته ، وبمثل الذي قلناه قال القرطبي في تفسيره (18 / 218) . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح (13 / 416) : (قال البيهقي : صعود الكلام الطيب والصدقة الطيبة عبارة عن القبول ، وعروج الملائكة هو إلى منازلهم في السماء . . " . ومن تلك الايات أيضا قوله تعالى : * (إني متوفيك ورافعك إلي) * ومعناها ورافعك إلى السماء الثانية ، كما جاء في الصحيحين في حديث الاسراء أن رسول الله (ص) وجد سيدنا عيسى في السماء الثانية . فيكون معنى الاية : إني رافعك إلى مكان لا يستطعيون أن يصلوا إليك فيه ، ولا يعني أن سيدنا عيسى عليه السلام رفع إلى مكان فيه رب العالمين عند جميع العقلاء ، كما لا يعني أنه الان عند الله حقيقة أو جالس مثلا بجنبه كما يتصور المجسمة تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا تماما كقوله تعالى في الظل في سورة الفرقان : * (ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا) * فقوله * (إلينا) * لا يعني أن الظل في الليل يذهب عند الله وأن الله في مكان فليتيقظ أولوا الالباب ، وليبتعدوا عمن يفهم القرآن بالعجمية والظواهر ، وليفهمه بالعربية الفصحى وبأساليبها في

[ 57 ]

المجازات الاستعارية ، والدقائق البلاغية . ومن تلك الايات أيضا قوله تعالى : * (ءأمنتم من في السماء) * ومعناها ءأمنتم من شأنه عظيم ، لان العرب إذا أرادت أن تعظم شيئا وصفته بالعلو فتقول : فلان اليوم في السماء ، وفي المقارنة تقول : أين الثرى من الثريا ، والثريا نجم عال في السماء . فيكون معنى الاية ءأمنتم من العظيم الجليل صاحب الرفعة والربوبية والبطش أن يخسف بكم الارض (وتقدم استعمال العرب للفظ السماء على العلو المعنوي لا الحسي) . أو يكون المراد بقوله تعالى : * (من في السماء) * سيدنا جبريل أو أي ملك يرسله الله ليخسف أي قرية أو أي موضع من الارض ، كما أرسل الملك الذي خسف الارض بقوم سيدنا لوط عليه السلام ، والملائكة مسكنها السماء ، بصريح أدلة كثيرة منها ما رواه البخاري (فتح 2 / 33) ومسلم (برقم 632) مرفوعا : " يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ، ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ، ثم يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم - وهو أعلم بهم - : كيف تركتم عبادي ؟ فيقولون : تركناهم وهم يصلون ، وأتيناهم وهم يصلون " هذا مع قول الله تعالى : * (وإذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الارض خليفة ، قالوا أتجعل فيها من يفسذ فيها ويسفك الدماء) * فالعربي يفهم من هذا أن مسكن الملائكة ومحلهم في السماء . وأما الايات التي فيها ذكر النزول كقوله تعالى : * (نزل به الروح الامين) * الشعراء : 192 وقوله تعالى : * (إنا أنزلناه في ليلة القدر) * فلا دلالة

[ 58 ]

فيها لما تريده المجسمة البتة ، وانما فيه أن الملائكة تنزل من السماء مسكنهم الاصلي إلى الارض ، وأن القرآن نقله سيدنا جبريل عليه السلام من السماء أو من اللوح المحفوظ الذي هو فوق السماء السابعة إلى الارض بأمر الله تعالى . وكل ما أنعم الله به علينا من نعم ورزق أمدنا به يقال : أتانا من عند الله أو أنزله الله تعالى إلينا ، ومنه قوله تعالى : * (وأنزلنا الحديد) * مع أن الحديد يستخرج من باطن الارض ، ويقال : نزل الامر بهم ، ومنه قوله تعالى : * (فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين) ومنه قوله تعالى : * (وأنزل لكم من الانعام ثمانية أزواج) * الزمر 6 ، وهذه الانعام لم تمطر السماء بها قط ، ومعنى أنزل هنا جعل كما في تفسير الحافظ السلفي ابن جرير (23 / 194) . ثم لنعلم جميعا أن هناك نصوصا كثيرة في الكتاب والسنة الصحيحة يوهم ظاهرها أن الله في الأرض وفي كل مكان وقد تقدمت ص 29 وما بعدها . وقال الحافظ أبو حيان رحمه الله تعالى في تفسيره " البحر المحيط " (4 / 316 طبعة دار الفكر . " وقال قوم منهم القاضي أبو بكر بن الطيب : هذه كلها صفات زائدة على الذات ثابتة لله تعالى من غير تشبيه ولا تحديد ، وقال قوم منهم الشعبي وابن المسيب والثوري نؤمن بها ونقر كما نصت ولا نعين تفسيرها ولا يسبق النظر فيه . وهذان القولان حديث من لم يمعن النظر في لسان العرب " . فتأمل ! !

[ 59 ]

فصل بقيت مسألة حديث الاسراء والمعراج فإن بعض المجسمة يستدلون بهذا الحديث على أن الله في السماء ! ! فلا بد أن نبين فساد استدلالهم بهذا الحديث فنقول : هذا الحديث ليس فيه أي استدلالى لما يريدون من كون معبودهم في السماء أو فوق السماء ! ! ومن تأمل أوائل سورة الاسراء عرف ذلك وفهمه جيدا فقد افتتح سبحانه هذه السورة الكريمة بقوله * (سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير) * . استفتح سبحانه هذه الاية الكريمة بالتسبيح فقال * (سبحان الذي أسرى بعبده) * والتسبيح هو التنزيه فكأنه يشير إلى ما قد يخطر في الاذهان من أن النبي ذهب لمكان فيه رب العالمين فقطع هذا الخيال ونزه نفسه عنه فقال * (سبحان الذي أسرى) * أي : تنزه عن المكان . ثم بين سبحانه أنه أسرى بعبده ليس ليراه ويقرب منه بالمكان وإنما قال سبحانه * (لنريه من آياتنا) * وآياته تعالى أي مخلوقاته وعجائب مصنوعاته ، فسيدنا محمد (ص) أسري وعرج به ليريه الله سبحانه ملكوت السموات والارض والجنة والنار وما إلى ذلك مما ذكر في الاسراء ، وليس ليذهب إلى مكان فيه رب العزة سبحانه المنزه عن الزمان والمكان ! ! فإن قيل : وكيف كلمه ورآه وفرض عليه الصلوات الخمس ألا يدل ذلك على أنه ذهب إليه أي إلى مكان هو فيه ؟ ! !

[ 60 ]

قلنا : ليس كذلك ! ! فإنه سبحانه كما كلم سيدنا محمدا (ص) فوق السماء عند سدرة المنتهى فقد كلم سيدنا موسى عليه السلام في الوادي المقدس طوى بجانب الطور وذلك في أرض فلسطين ولا يعني ذلك أن الله سبحانه كان هناك ، فكما أنه سبحانه منزه عن المكان لما خاطب سيدنا موسى بجانب الطور فهو أيضا منزه عن المكان لما خاطب سيدنا محمدا (ص) في السماء . والسماء والارض والاكوان والعوالم مخلوقة لله تعالى وهو منزه عن الحلول بها و * (لله ما في السموات وما في الارض) * والدليل على أن الله كلم سيدنا موسى في الوادي مع تنزيهنا لله تعالى عن أن يكون في الوادي قوله تعالى * (فلما أتاها نودي يا موسى * إني أنا ربك فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى * وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى * إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري) * طه : 11 - 14 . فانظروا كيف خاطبه سبحانه وفرض عليه الصلاة وهو - سيدنا موسى - في الارض ! ! كما خاطب سيدنا محمدا (ص) وفرض عليه الصلاة وهو في السماء أو فوقها ! ! فكما أنه منزه عن أن يكون في الارض فهو منزه أيضا عن إن يكون في السماء في البقعة التي خاطب سيدنا محمدا (ص) فيها ! ! وقال تعالى أيضا * (فلما قضى موسى الاجل وسار باهله آنس من جانب الطور نارا قال لاهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم منها بخبر أو جذوة من النار لعئكم تصطلون * فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين * وأن ألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جآن ولى مدبرا ولم

[ 61 ]

يعقب يا موسى أقبل ولا تخف إنك من الامنين) * . فهذه الاية فيها قرائن كثيرة على أن الله تعالى كان في تلك البقعة عندما كلم سيدنا موسى والسياق يفيد ذلك مع أننا نؤوله ولا نقول بظاهره ! ! فأؤلا : نحن ننزه الله تعالى أن يكون نارا ! ! لان سيدنا موسى رأى نارا فذهب إليها فكلمه الحق سبحانه فهو كليم الله باتفاق ! ! وثانيا : ننزه الله تعالى أن يكون بجانب الطور ! ! أي ننزهه أن يكون في منطقة في الارض . وثالثا : ننزهه سبحانه عن أن يكون في شاطئ الواد الايمن ! ! وفي البقعة المباركة وعن أن يكون في الشجرة ! ! ورابعا : قد يقول قائل إن قوله * (أقبل ولا تخف) * قرينة أيضا على أنه سبحانه كان في ذلك المكان أو تلك البقعة أو ذلك الوادي ! ! ونحن نقول كل ذلك لا يجوز على الحق سبحانه وهو منزه عنه ! ! فكما أننا لا نأخذ من قصة سيدنا موسى أن الله تعالى كان في الواد المقدس طوى وفي الشجرة فكذلك لا نأخذ من قصة الاسراء والمعراج أن الله في السماء أو فوقها كما تقول المجسمة ! ! وأما رؤية النبي (ص) لله تعالى في تلك الليلة فهي محل خلاف وغالب المجسمة ينفونها ويقولون بان النبي (ص) لم ير الله تعالى تلك الليلة ، هذا مع قول الله تعالى (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي

[ 62 ]

حكيم) * الشورى : 51 . وفي صحيح مسلم (1 / 161) عن أبي ذر قال : سألت رسول الله (ص) هل رأيت ربك ، قال : " نور أنى أراه " . وفي البخاري (8 / 606) ومسلم (1 / 159) عن مسروق قال : قلت لعائشة رضي الله عنها : يا أمتاه هل رأى محمد (ص) ربه ؟ فقالمت : لقد قف شعري مما قلت ! ! أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب : من حدثك أن محمدا رأى ربه فقد كذب . ثم قرأت * (لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير) * . * (وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب) * . . . الخ . وذكر بعض العلماء أن قوله (ص) " لا تفضلوني على يونس بن متى " (17) معناه : إياكم أن تظنوا بأنني قربت من الله تعالى بالمسافة أكثر من النبي يونس الذي كان في جوف الحوت في قعر البحر ، وإلا فما مناسبة ذكر سيدنا يونس هنا ، مع اعتقادنا جميعأ بان سيدنا محمدا (ص) أفضل من سيدنا يونس بلا خلاف والله تعالى يقول * (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات) * ! ! وقال تعالى * (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض) * ! ! قال المحدث الزبيدي " في اتحاف السادة المتقين " (2 / 105) : ذكر الامام قاضي القضاة ناصر الدين بن المنير الاسكندري


(17) وأصل الحديث في صحيح البخاري (6 / 451) ومسلم (4 / 1846) بلفظ : " لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى " (*) .

[ 63 ]

المالكي في كتابه " المنتقى في شرف المصطفى " لما تكلم على الجهة وقرر نفيها ، قال : ولهذا أشار الامام مالك رحمه الله تعالى في قوله (ص) " لا تفضلوني على يونس بن متى " فقال مالك إنما خص يونس بالتنبيه على التنزيه لانه (ص) رفع إلى العرش ويونس عليه السلام هبط إلى قاموس البحر ونسبتهما مع ذلك من حيث الجهة إلى الحق جل جلاله نسبة واحدة ، ولو كان الفضل بالمكان لكان عليه السلام أقرب من يونس بن متى وأفضل ولما نهى عن ذلك " أه‍ . أي عن ذلك التفضيل . وبقي أمر أخير لا بد من إيضاحه في قصة الاسراء وهو أن سيدنا محمدا (ص) كان إذا وصل إلى سيدنا موسى في السماء السادسة كان يقول له سيدنا موسى إرجع إلى ربك فاسأله التخفيف ، فما هو معنى ذلك ؟ ! وأقول : معناه : أي ارجع إلى المكان الذي خاطبت فيه رب العزة وكلمك عنده واسأله أن يخفف عن أمتك ، فالله تعالى شاء أن يقع الكلام بينه وبين سيدنا محمد (ص) في بقعة ومنطقة معينة فوق السماء السادسة كما كان سيدنا موسى يكلم الله تعالى ويكلمه الله في منطقة معينة بجانب الطور ولم يكن رب العالمين ثم هناك في تلك المنطقة ! ! إذ لا يجوز عليه المكان فتنبه ! ! قال تعالى * (ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه) * وقال تعالى * (وما أعجلك عن قومك يا موسى * قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى) * فظاهر هذا أن سيدنا موسى سبق قومه إلى الله بالمسافة فوصل إلى البقعة التى كان يخاطب الله تعالى ويكلمه فيها قبل قومه وكانوا هم خلفه على أثره ، لان الله واعدهم مرة كما كان يواعد سيدنا موسى في الجانب الايمن من الطور وقد أخبرنا سبحانه عن ذلك إذ

[ 64 ]

قال * (يا بني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدنكم جانب الطور الايمن) * . هذا هو الجواب على النقطة الاولى في هذه الرسالة وهي الكلام على لفظ " أين الله " الذي ورد في بعض طرق وروايات حديث الجارية . وننتقل إلى النقطة الاخرى وهي الكلام على عبارة أن الله تعالى لا يقال في حقه إنه داخل العالم أو خارج العالم فنقول :

[ 65 ]

فصل يزعم المجسمة والمشبهة على أختلاف مشاربهم بأن الذي ينفي أن يكون الله تعالى داخل العالم وخارجه يكون منكرا لوجوده سبحانه ! ! وهذه مغالطة واضحة لا قيمة لها ! ! وذلك لانهم يتوهمون أن الله سبحانه وتعالى شئ كالاشياء يأخذ حيزا في الفراغ كبقية الاجسام ، وبعضهم يتخيله سبحانه وتعالى جسما كثيفا كالانسان ، وبعضهم يتخيل بأنه من قبيل الاشياء اللطيفة كالهواء والنور والغاز ونحو ذلك ! ! وجميعهم متفقون مهما حالوا الانكار على أنه جسم يتخيله ويتصوره العقل بإزاء العالم خارجا عنه ! ! ونحن بدورنا يجب علينا أن نجلي المسألة ونكشف عما كان غامضا منها ونبين ما هو القول الصحيح في ذلك من نصوص الكتاب والسنة حتى يتبين مذهب أهل الحق فيها . فاعلم أن معنى قول أهل العلم إن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه معناه أن الله سبحانه لا يوصف بانه متصل بالعالم وكذلك لا يوصف بانه منفصل عنه ، وذلك لان الاتصال والانفصال من أوصاف الاجسام ، فالجسم إما أن يكون متصلا بالاخر أو منفصلا متنائيا عنه ، والله تعالى * (ليس كمثله شئ) * كما وصف نفسه . والمنطقة التي تتخيلها المجسمة والمشبهة فوق العرش والتي تتخيل أن المولى سبحانه وتعالى حال فيها هي مكان بلا شك ولا ريب ولولا

[ 66 ]

أنها مكان لما أمكن تخيلها ولما صح وصفه بأنه في جهة ما فوق العرش ولما صحت أيضا إشارتهم إليه ، فهم على ذلك يتخيلون أن الله تعالى ذات من الذوات الجسمانية التي وصفناها قريبا وأنه خلق العالم والعرش تحته فصار هو فوقه ! ! فهم إذا يتصورون ويتخيلون بأن الله تعالى قبل خلق هذا العالم وإيجاده من العدم كان له تحت ! ! وإذا كان له تحت فله فوق وأمام وخلف ويمين ويسار ! ! فالعقدة الموجودة في عقول المجسمة والمشبهة هي أنهم لم يسلموا للشرع فلم يقولوا بان الله تعالى لا يمكن إدراكه وتصوره وأنه خارج عن كل ما يجول في الاوهام ويحوم في الخواطر والنفوس ، ولو أنهم سلموا بوجوده سبحانه مع إقرارهم بأنه لا يمكن تصوره لنجوا وكانوا على عقيدة الاسلام الحقة عقيدة التنزيه ! ! وقد جاءت نصوص عديدة في القرآن الكريم والسنة المطهرة الصحيحة تبطل المكان لله تعالى وبالتالي تبطل أن يتصور وجوده داخل العالم متصل به أو خارج العالم منفصل عنه وقد صرح بذلك أئمة أهل العلم ، فمن تلك النصوص : قول النبي (ص) في حديث الصحيحين : إن الله كتب كتابا لما قضى الخلق أن رحمته سبحانه سبقت غضبه فهو عنده فوق العرش . (انظر البخاري 13 / 522 ومسلم 7 / 2104) . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (13 / 526) في شرح الحديث : " والغرض منه الاشارة إلى أن اللوح المحفوظ فوق العرش " .

[ 67 ]

قلت : لو كان الله سبحانه كما يزعمون في المكان العدمي الذي يزعمونه فوق العرش لكان كاللوح المحفوظ الذي يشاركه أيضا في كونه فوق العرش والدليل القطعي وهو قوله تعالى * (ليس كمثله شئ) * ينفي هذا الامر نفيا واضحا قاطعا وكذا قوله تعالى * (ولم يكن له كفوا أحد) * كذلك ينفيه ! ! فلو كان الله يوصف بانه منفصل عن العالم لكان له مشابه ومكافئ ، وذلك أن كثيرا من الاجسام أيضا منفصلة عن أجسام أخرى كالشمس مثلا فإنها منفصلة عن الارض ليست داخلها وبينهما مسافة محدودة ؟ أي لها حد ومقدار ؟ فكذلك لو تخيل المجسم أن الله تعالى منفصل عن العالم بائن عنه كما يقولون (1) لكان بينه وبين العالم مسافة فإذا انتهت هذه المسافة ابتدأ الجسم الاخر وهو جسم معبود المجسمة الذي يتخيلونه ! ! فلو غالط أحدهم ليهرب من هذه الورطة الباقعة قائلا هذه أمور لا يجوز لنا أن نخوض فيها ويجب أن نؤمن أنه خارج العالم منفصل عنه بلا كيف ولا تصور ! ! قلنا له : هذه مغالطة واضحة ! ! وأنت بهذا القول تقول أتصوره بلا كيف ولا أتصوره ! ! وهذا تناقض فاضح ! ! فإفا أن تتصوره وإما أن لا تتصوره ! ! ونراك تغالط في هذه المسائل فتارة تطالب بأن تكون المسألة المتعلقة بذات الله تعالى يمكن أن تعقل وتتصور ، وتارة تطالب بان تكون غير معقولة ! ! مع أن كل ما يتعلق بتصور المولى سبحانه فهو متعال عن ذلك ومنزه عنه ، إذ لا يمكن للعقول أن


(1) معنى " بائن من خلقه " عند أهل الحق اي : غير مشابه لهم ، وعند المجسمة معناه منفصل عنهم (*) .

[ 68 ]

تدركه ، وما يخطر ويتصور في العقل ويتخيله منه يجب تنزيه الله تعالى عنه ؟ ، فافهم هداك الله تعالى ! ! ولا بأس من سرد بعض الامثلة التي يصح بها نفي الضدين عن المولى سبحانه وتعالى بل عن بعض خلقه فمثلا : الذكورة والانوثة : لا يوصف الله سبحانه وتعالى بالذكورة ولا بالانوثة ، بل إن الملائكة الكرام لا يوصفون بذلك ، بل لا يجوز الوصف أيضا بما يسمى خنثى ، فمن أطلق شيئا من ذلك على المولى سبحانه كفر بلا مثنوية ! ! إذ * (ليس كمثله شئ) * ، والعقل لا يتصور إلا ذكرا أو أنثى أو خنثى ! ! والله تعالى منزه عن ذلك كله ! ! متزوج أو أعزب : هاتان الصفتان لا تجوزان إلا على من يقبل الاتصاف بهما فنفيهما عن الباري أو عن الملائكة لا يقتضي الاخبار عن العدم . قال القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (17 / 53) : " فلا يقدر في صفته - تعالى - حركة ولا سكون ، ولا ضياء ولا ظلام ، ولا قعود ولا قيام ، ولا ابتداء ولا انتهاء ، إذ هو عز وجل وتر * (ليس كمثله شئ) * . فالنور والظلمة : مخلوقان لله تعالى لقوله سبحانه * (وجعل الظلمات والنور) * أي خلقهما ، فلا يجوز وصفه سبحانه أنه في ظلمة أو في ضياء ، فوجب تنزيه المولى سبحانه عن هذين الضدين مع أن العقل لا يمكن أن يتصور موجودا في غير ظلمة ولا ضياء ! ! فافهم ! ! لان عقل الانسان لا يستطيع أن يدرك إلا الاشياء المادية فلا يتصور إلا أشكالا

[ 69 ]

وهيئات ! ! وكذلك نقول الله تعالى لا يوصف بأنه متصل في العالم داخله ولا منفصل عن العالم خارجه بل نؤمن بوجوده سبحانه وتعالى ونكفر كل من أنكر وجود صانع هذه المخلوقات العجيبة البديعة الصنع مع اتهام عقولنا وتصريحنا بعدم القدرة على إدراك الخالق جل جلاله * (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما) * طه : 112 . تنبيه : ومن غريب تخابطات المجسمة الالبانيين وغيرهم ! ! أنهم يقولون ينزل بذاته إلى السماء الدنيا بلا كيف ، فإذا قيل لهم هذا محال لانه الحلول في الخلق بعينه ، أليست السماء مخلوقة له سبحانه فكيف ينزل فيها بذاته وبلا حلول ؟ ! ! فيقولون ينزل بذاته إلى السماء الدنيا بلا كيف ! ! ويغالطون أنفسهم قائلين بكيفية لا نعقلها ! ! والكيف مجهول ! ! ثم نراهم هنا يريدون أن يعقلوا الكيف الذي يزعمون أنهم لا يقولون به فيقولون كيف يكون لا داخل العالم ولا خارجه ؟ ! ! لا متصلا به ولا منفصلا عنه ؟ ! ! مع أنه يلزمهم أن يوضحوا كيف ينزل بذاته إلى السماء الدنيا أو فيها بلا حلول واتصال وهم الذين يقولون وهم يخاطبون المفوضين : " إن الله لم يخاطبنا بما لا نفهمه بل خاطبنا بما نعقله ونفهمه " يغالطون أنفسهم فيتناقضون ! ! ونقول لهم : أفهمونا كيف ينزل بذاته بلا حلول ولا اتحاد ولا اتصال ؟ ! ! !

[ 70 ]

ومن تخابطهم وتناقضهم الفاضح أيضا في مثل هذا الباب قول بعضهم : " لا نثبت الجهة لله ولا ننفيها ! ! ولا نثبت الحد ولا ننفيه " ! ! مع أنه يجب تنزيه الله سبحانه عن الجهة والحد قطعا ! ! فهذا دأبهم في التخابط في كثير من أبواب العقائد فتارة يدعون أن هذه الصفة أو ما يريدون إثباته لا يعقل وتارة يطالبون خصومهم بان يبينوا لهم كيفية ما نفوا أو ما أثبتوا ! ! وهكذا يتبين تناقضهم في أعرض صوره ! !

[ 71 ]

فصل مناقشة قضية داخل العالم وخارج العالم أي متصل أو منفصل من جهة أخرى قال الامام الغزالي رحمه الله تعالى ورضي عنه (1) : " فإن قيل : فنفي الجهة يؤدي إلى المحال وهو إثبات موجود تخلو عنه الجهات الست ويكون لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصلا به ولا منفصلا عنه وذلك محال ! ! " قلنا : إذا كان هذا الموجود جسما يأخذ حيزا في الفراغ وله حد أي طول وعرض وارتفاع بأي شكل كان ثم وصفناه بعد ذلك بأنه لا متصل ولا منفصل أي لا داخل العالم ولا خارجه ولا هو في جهة كان ذلك مقتضيا الاخبار عن عدمه ؟ وقولنا ساعتئذ لا هو متصل ولا منفصل محال . وهو كقول القائل يستحيل أن يوجد موجود . لا يكون عاجزا ولا قادرا ولا عالما ولا جاهلا ولا أعزب ولا متزوجا ولا ذكرا ولا أنثى أو خنثى ولا في نور ولا في ظلمة ! ! فإن كان ذلك الشئ قابل للمتضادين فيستحيل خلوه من أحدهما ، وأما إذا كان جمادا مثلا وهو الذي لا يقبل واحدا منهما لانه


(1) من كتاب " الاقتصاد في الاعتقاد " (ص 28 طبعة صبيح / ممر / 1390 ه‍) وما بعده من الكلام اقتبسته منه رحمه الله .

[ 72 ]

فاقد لبعض شروط هذه الصفات وهي الحياة فلا يستحيل وجوده حينئذ ، فكذلك شرط الاتصال والانفصال والاختصاص بالجهات والتحيز والقيام بالمتحيز من صفات الاجسام والاعراض ، فإذا كانت هذه صفات الجسم الذي نعرفه فالله تعالى ليس كذلك لاننا عاجزون عن إدراكه ولا يمكننا أن نقيس عليه غيره لانه سبحانه ليس من جنس الاجسام ولا له شكل وهيئة ؟ وكل ما خطر في أذهاننا فالله تعالى ليس كذلك لانه أخبر بذلك فقال * (ليس كمثله شئ) * و * (لم يكن له كفوا أحد) * . فرجع الامر والنظر هنا إلى أنه هل يستحيل وجود موجود بلا مكان ولا جهة ولا اتصال ولا انفصال أم لا ؟ ! ! فإن قسناه على أجزاء هذا العالم وما نراه ونعقله كان الجواب يستحيل وجوده . وإذا تركنا القياس ونظرنا إلى أدلة الشرع المحكمة التي تنص على أنه ليس كمثله شئ لا في الذات ولا في الصفات كان ذلك هو الحق وهو عقيدة الاسلام المنزهة لرب العزة عن التشبيه والتمثيل وكان القائل بذلك آخذا بقول الله تعالى * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * ، لان الذي ينزه الله عن لوازم الجسمية وخصائصها هو الذي يقول اتهمت عقلي في إدراك الخالق سبحانه وتعالى وأنا عاجز عن ذلك كل العجز ، فقد صدقت بوجوده وآمنت بصفاته واتهمت عقلي عن إدارك خالقي سبحانه وتعالى . وقد ضرب لنا سبحانه وتعالى أمثلة في مخلوقاته فأرانا أشخاصا وكذا عجائب مخلوقاته في الرؤيا من جبال وأودية وبحار عظيمة وأنهار دون

[ 73 ]

أن تكون أجسام اخذة حيزا في الفراغ مع أن لها حدا ومقدارا وجهة وشكلا وصورة ، وقريب من هذا الباب قول النبي (ص) " لقد عرضت علي الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط ، وأنا أصلي ، فلم أر كاليوم في الخير والشر " رواه البخاري (في مواضع منها 13 / 265) وليس ذلك من الخيال البتة بل هو حقيقة لقوله (ص) في حديث وقع له في الصلاة حين عرضت عليه الجنة فقال : " فعرضت علي الجنة حتى لو تناولت منها قطفا (من عنب) (1) أخذته " رواه البخاري (2 / 540) ومسلم (22 / 622 برقم 9) واللفظ له وفي رواية أخرى في مسلم (برقم 10) " ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه . ثم بدا لي أن لا أفعل " والنبي (ص) لا يمد يده إلى خيال ولا يتعلق بغير حقيقة ويدل على ذلك قوله في بعض روايات الحديث " ولو أصبته لاكلتم منه ما بقيت الدنيا " (البخاري في مواضع منها 2 / 540) . فإذا كانت هذه الامور حاصلة في المخلوق المحدث فكيف بالخالق جل جلاله الذي ليس كمثله شئ ؟ ! ! ! فتأمل في ذلك جيدا هداك الله تعالى ! ! قال الامام الغزالي رحمه الله تعالى : " فإن قال الخصم : إن مثل هذا الموجود الذي ساق دليلكم إلى إثباته غير مفهوم ! ! فيقال له : ما الذي أردت بقولك غير مفهوم ؟ ! ! إذا أردت به أنه


(1) زيادة لفظة (من عنب) في مسند أحمد (3 / 353) (*) .

[ 74 ]

غير متخيل ولا متصور ولا داخل في الوهم فقد صدقت فإن الله سبحانه وتعالى كذلك (2) ؟ فإنه لا يدخل في الوهم والتصور والخيال إلا جسم له لون وقدر فالمنفك عن اللون والقدر لا يتصوره الخيال ، فإن الخيال قد أنس بالمبصرات فلا يتوهم الشئ إلا على وفق مرآه ولا يستطيع أن يتوهم ما لا يوافقه . وإن أراد الخصم أنه ليس بمعقول أي ليس بمعلوم بدليل العقل ! فهو محال ، إذ قدمنا الدليل على ثبوته ولا معنى للمعقول إلا ما اضطر العقل إلى الاذعان للتصديق به بموجب الدليل الذي لا يمكن مخالفته ، وقد تحقق هذا ، فإن قال الخصم : فما لا يتصور في الخيال لا وجود له ! ! (قلنا) : فلنحكم بان الخيال لا وجود له في نفسه فإن الخيال نفسه لا يدخل في الخيال . . . . . . وكذلك العلم والقدرة وكذلك الصوت والرائحة ولو كلف الوهم أن يتحقق ذاتا للصرت لقدر له لونا ومقدارا وتصوره كذلك " اه‍ باختصار .


(2) ما بين القوسين زيادة مني للايضاح (*) .

[ 75 ]

فصل نصوص أئمة أهل العلم التي يصرحون فيها بتنزيه الله عن الاتصال والانفصال (أي أن يكون داخل العالم أو خارجه) لقد صرح علماء الاسلام من فحول أهل الحديث وحذاق الائمة الذين يعول على كلامهم ويعتمد بهم في الاجماع والخلاف بتنزيه الله تعالى عن أن يكون داخل العالم أو خارجه فتارة يعبرون عن ذلك بعبارة (لا داخل العالم ولا خارجه) وتارة يعبرون بأنه (لا متصل ولا منفصل) وتارة ب‍ (الاجتماع والافتراق) وتارة يقولون (لا مماس ولا مباين) ، والمعنى واحد بلا شك ولا ريب وإليكم نصوصهم في ذلك : 1 - قال الامام النزالي رحمه الله تعالى في الاحياء (4 / 434) : " أن الله تعالى مقدس عن المكان ومنزه عن الاقطار والجهات وأنه ليس داخل العالم ولا خارجه ولا هو متصل به ولا هو منفصل عنه ، قد حير عقول أقوام حتى أنكروه إذ لم يطيقوا سماعه ومعرفته " . وكذلك ذكر نحو هذا الكلام في عدة من مؤلفاته . 2 و 3 - الامام الحافظ النووي والامام المتولي : قال الامام الحافظ النووي رحمه الله تعالى في " روضة الطالبين " " قال المتولي : من اعتقد قدم العالم ، أو حدوث الصانع ، أو نفى

[ 76 ]

ما هو ثابت للقديم بالاجماع كالالوان ، أو أثبت له الاتصال أو الانفصال كان كافرا) . وأقره عليه فيكون هذا قول إمامين من كبار الائمة . 4 - وقال نحو هذا الامام الحافظ البيهقي في (الاسماء والصفات " ص (410 - 411) بتفصيل دقيق . وكذا له نصوص في ذلك في شعب الايمان . 5 - الامام العز ابن عبد السلام رحمه الله تعالى : ذكر في كتابه القواعد ص (201) أن من جملة العقائد التي لا تستطيع العامة فهمها هو أنه تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ولا منفصل عن العالم ولا متصل به . 6 - الامام أبو المظفر الاسفراييني في " التبصير في الدين " ص (97 بتحقيق الامام الكوثري مطبعة الانوار 1359 ه‍) حيث قال : " وأن تعلم أن الحركة والسكون . . . . والاتصال " والانفصال . . . . كلها لا تجوز عليه تعالى لان جميعها يوجب الحد والنهاية " . 7 - الامام الحافظ ابن الجوزي الحنبلي : قال رحمه الله تعالى في كتابه " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه " (ص 130 من طبعة دار الامام النووي بتحقيقنا) : " وكذا ينبغي أن يقال ليس بداخل في العالم وليس بخارج منه ، لان الدخول والخروج من لوزام المتحيزات . . . " اه‍ . فهؤلاء جماعة من العلماء صرحوا بأن الله تعالى لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله هذا من جهة ، ومن جهة أخرى يقال :

[ 77 ]

فصل كل ما سوى الله عز وجل عالم مخلوق فليس هناك شئ يقال له خارج العالم اتفق أهل الاسلام على أن كل شئ سوى الله تعالى مخلوق محدث ، وأن العالم هو كل ما سوى الله سبحانه وتعالى ، وأنه ليس هناك شئ يقال له خارج العالم : بل هذه العوالم من فضاء وكواكب وسموات وأرض وعرش وكرسي وزمان ومكان مخلوق لله تعالى ، ولم يرد في الكتاب والسنة الصحيحة أن هناك شيئا يسمى خارج العالم ، فقول المجسمة (إن الله خارج العالم) بدعة من القول ! ! وذلك لانهم يقولون : إننا لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه . ثم تراهم الان يقولون : إن الله خارج العالم ! ! فأين وردت هذه العبارة في الكتاب والسنة ؟ ! ! وكذلك يقال لمن قال إنه داخل العالم ! ! فإن قالوا : استنبطناها من نصوص العلو . قلنا لهم : نصوص العلو تقابلها نصوص أخرى ذكرناها في هذه الرسالة تبطل استدلالكم بالعلو الحسي ! ! وتقرر أيضا بانكم تأخذون ببعض القرآن وتتركون بعضا ! ! وذلك كمن قال الله تعالى فيهم * (أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب) * البقرة : 85 ! !

[ 78 ]

أو أنكم مضطرون لتأويل تلك النصوص المعكرة على استدلالكم للعلو الحسي وما تزعمونه من قولكم (خارج العالم) فتكونون بذلك قد وقعتم في التأويل الذي تتظاهرون بالفرار منه وتعيبونه على خصومكم ! ! فارجعوا إلى الحق راشدين ! ! واعترفوا بان الله تعالى لا يوصف بأنه خارج العالم ولا داخله لانه سبحانه ليس كمثله شئ ولا هو مثل شئ ! ! فعسى أن يتقبل الله تعالى توبتكم ! !


هذه الصورة هي ترجمة كلام الألباني وإمامه ابن تيمية كما نصا عليها انظر صحيح الترغيب ص (191) . وهذه الصورة فيها بيان الكيف والمعنى وهم يقولون نحن نبين الكيف ونفرض المعنى وقد تناقضا مع انفسهما هنا مع أن مذهب السلف كما نقلنا في مقدمة " دفع شبه التشبيه " تفويض الكيف والمعنى وذلك صريح كلام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى . خارج الاطار المكان العدمي عنده (الذي بزعم بأنه غير مخلوق وأن معبوده هناك) تعالى الله عما يتصور ويتحيل المجسمة الكرة الارضية السموات السبع الكرسي والعرش معبوده الذي يتخيله (*)

[ 79 ]

بيان منطقة خارج العالم التي يتخيلها المجسمة والتي يعتقدون بأن معبودهم موجود فيها ويطلق عليها بعضهم : (المكان العدمي) من غرائب المجسمة وعجائبهم أنهم يتخيلون أن هناك فراغا فوق عرش المولى سبحانه وتعالى ليس فيه شئ إلا الله تعالى يسمونه بالمكان الغير مخلوق ! ! فهم بذلك يقسمون الوجود من حيث المساحة إلى ثلاثة أقسام وهي : (القسم الاول) : الله سبحانه وتعالى حيث يحدونه ويعينون له مكانا يشيرون إليه ويحددونه أيضا ويسمون المنطقة التي يتخيلونه فيها ب‍ (المكان العدمي ! !) فمن ذلك قول ابن تيمية الحراني (1) : " والله تعالى له حد لا يعلمه أحد غيره . . . ولمكانه أيضا حد . . . فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله " ! ! ! وهو في هذا النص أيضا يثبت المكان لله تعالى رب العالمين الذي خلق المكان والزمان ! ! ولاحظوا هنا أنهم يثبتون لله تعالى منطقة في الوجود الكلي المكاني .


(1) وذلك في مرافقة " صريح معقوله لصحيح منقوله " المطبوع على هامش " منهاج سنته " (2 / 29) ناقلا عن عثمان بن سعيد مقرا له ومكفرا لمن خالف في ذلك .

[ 80 ]

(القسم الثاني) العالم المخلوق وهي المخلوقات من العرش إلى الفرش (1) كما يقال فيدخل في ذلك السموات السبع والارض وغيرها من المخلوقات الاخرى ، ولها منطقة معينة في الوجود وهي منطقة العرش وما تحته . (القسم الثالث) : منطقة خارج العالم الذي يتخيلونه والذي يتخيلون وجود الرب سبحانه وتعالى فيه والذي هو ناتج عن قياسهم له بالمكان الذي يشاهدونه وتقع هذه المنطقة في جهة ما فوق العرش ويسمونها بالمكان العدمي ويدعون أنها غير مخلوقة وهنا تكمن الكارثة لان في هذا الكلام إثبات شئ قديم غير الله تبارك وتعالى والمعروف عند جميع المسلمين أنه لا يوجد شئ غير الخالق سبحانه وتعالى والمخلوق المربوب ، وتعريف الشئ عند علماء التوحيد هو الموجود وليس المعدوم والدليل أن هذا المكان الذي يسمونه بالمكان العدمي هو شئ موجود وليس عدم أنهم يقولون بأن الله تعالى موجود هناك فيه ! ! ! وهم يشيرون إليه ! ! فكيف يشيرون إلى العدم ؟ ! ! وإليك بعض نصوصهم التي تثبت قولهم بوجود المنطقة الثالثة هذه التي يدعونها : - نقل الاباني المتناقض ! ! في مقدمة مختصر العلو ص (71) عن ابن تيمية الحراني ! ! من التدمرية مستدلا بقوله (كأنه نص شرعي ! !) مقرا مباركا ! ! له ما نصه :


(1) الفرش هنا مأخوذ من قوله تعالى * (وجعلنا الارض فراشا) * . (*)

[ 81 ]

" أتريد بالجهة أنها شئ موجود مخلوق ؟ فالله ليس داخلا في المخلوقات ، أم تريد بالجهة ما وراء العالم فلا ريب أن الله فوق العالم . وكذلك يقال لمن قال : الله في جهة . أتريد بذلك أن الله فوق العالم ، أو تريد به أن الله داخل في شئ من المخلوقات ؟ فإن أردت الاول فهو حق وإن أردت الثاني فهو باطل " . فاعتبروا يا أهل الابصار والعقول كيف يقولون بأن هناك وراء العالم منطقة ليست داخلة في المخلوقات ! ! فهناك وفي تلك المنطقة يوجد معبود هذه الطائفة ! ! ومن الادلة أيضا المؤكدة على أنها منطقة حقيقية وأنهم يتخيلون أن الله تعالى فيها وله تحت وفوق وغير ذلك من الجهات أن ابن تيمية الحراني ! ! في رده على الامام الرازي يقول : إن الامام الرازي لم يستطع أن ينفي أن الله لا يستطيع أن يخلق جسما فوقه هناك (في المكان الذي يسمونه بالعدمي) (عياذا بالله تعالى من هذا الكفر البواح الصراح ! ! وهذه الجرأة الخبيثة ! !) وهذا نصه من كتابه " التأسيس في رد أساس التقديس " (2 / 184) حيث يقول هناك : " وأما خلق جسم هناك فلم يذكر عل امتناعه حجة " ثم يقول بعد ذلك بأسطر : " فلو قال قائل (1) : بل ذلك جائز فلم تذكر على إبطاله حجة لا سيما وأن


(1) القائل هنا هو لا غيره وهذه أساليبه المعروفة في التلبيس والتعمية واللف والدوران ، وهو مغرق في ذلك في لجة الفلسفة الممجوجة والعبارات المنطقية المحجوجة ! ! وقد صدق الذهبي لما قال في حقه " وقد رأيت ما آل أمره إليه = (*)

[ 82 ]

النقص على الله لم يعلم امتناعه بالعقل ، وإنما علمته بالاجماع ، لا سيما إن احتج بظاهر قوله تعالى : * (يأتيهم الله في ظلل من الغمام) * (2) وبقوله * (كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء) * (3) لا سيما وهذا لا ينافي الفوقية والعلو بالقدرة والقهر والتدبير ، وعندك لا يستحق الله الفوقية إلا بهذا ، وهذا المعنى ثابت سواء خلق فوقه شيئا آخر أو لم يخلقه " (! ! ! !)


= من الحط عليه والتهجير والتضليل والتكفير والتكذيب بحق وبباطل فقد كان قبل أن يدخل هذه الصناعة منورا مضيئا على محياه سيما السلف ثم صار مظلما مكسوفا " . أنظر رسالة الذهبي " بيان زغل العلم والطلب " باب علم أصول الدين . (2) هذه الاية نازلة في اليهود المجسمة (بني إسرائيل) فيقول الله موبخا لهم : هل تتخيلون أن يأتيكم الله في غمامة أو سحابة هو والملائكة حتى تؤمنوا ؟ ! أي على تصوركم الفاسد أيها المشبهة المجسمة ! ! وهم الذين يقولون بأن الله تعالى لما فرغ من خلق السموات والارض تعب فأراد أن يستريح فاستلقى على العرش ! ! فابن تيمية يريد أن يعتمد عقيدتهم تلك التي وبخهم عليها رب العزة وذمهم باعتقادها ! ! وقال سبحانه في آية أخرى أيضا موبخا لهم على ذالك مخبرا عنهم إفقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فاخذتهم الصاعقة بظلمهم) * النساء . 153 ، وقال تعالى أيضا عنهم * (وقال الذين لا يرجون لقائنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا) * الفرقان : 21 . فتأملوا بعد ذلك فيما يهذي به الحراني وذيله المتناقض ! ! (3) هو حديث منكر لا يسوى روايته ولا يحتج بمثله في الطهارة فضلا عن العقائد . رواه أحمد في مسنده (2 / 370) والترمذي (5 / 404 برقم 3298) وغيرهما . (*)

[ 83 ]

فتأملوا بالله عليكم في هذا الالحاد والتخبط ! ! فثبت بذلك أنهم يقولون بقسم ثالث في الوجود وهو غير وجود الحق سبحانه ووجود الخلق وهو ما تقدم ذكره من قولهم خارج العالم المكان العدمي ! ! عجيبة : ثم هم بذلك يقولون : مكان وعدمي ! ! وهذا منهم تناقض بين لانه كيف يكون مكان ويشار إليه وقد عينوا جهته ثم يقولون بعد ذلك عدمي ؟ ! ! فهل يشار إلى العدم ؟ ! ! ثم كيف يقولون بأن هذا المكان الذي يتخيلون وجود معبودهم فيه غير مخلوق مع أن كل ما سوى الله مخلوق ؟ ! ! ثم تأملوا أيها الناس في تناقض وتخابط عباراتهم حيث يقولون : مكان عدمي فوق العالم غير مخلوق ! ! ! ! غريبة : ثم انظروا كيف يتخيلون معبودهم جسما له حدود ونهاية من جميع الجهات ومع ذلك ينطقون بما يدل على أن المكان العدمي الذي يقولون به غير محدود بل صرحوا بأن معبودهم هناك ! ! وهذه قمة التناقض والتخابط والخروج عن عقيدة الاسلام والخوض في متاهات فلسفية هي أبعد ما تكون عن الكتاب الكريم والسنة الصحيحة المطهرة ! ! وهل خاض الصحابة والسلف في هذه الترهات الفارغة المخالفة للقرآن والسنة كما خاض بها الشيخ الحراني والمتناقض الالباني ! ! ثم تفكروا أيها الناس كيف ينعت هؤلاء المتمسلفون السادة الاشاعرة بأنهم يخوضون في المنطق والفلسفة ويعيبونهم بذلك مع أنهم

[ 84 ]

هم - المتمسلفون - الذين يخوضون في تلك الاوحال المستقبحة ! ! وكان بإمكان جدهم الحراني أن لا يخوض في تلك الترهات وأن يرد على من يخوض فيها بأدلة القرآن والسنة الصحيحة المطهرة لا بترهات أرسطو طاليس وأمثاله ! ! عجيبة : ومن الامور العجيبة الغريبة أيضا أن الالباني المتناقض ! ! يزعم بأنه ليس فوق العرش أي في المكان الذي يسميه ب‍ (العدمي ! !) شئ إلا معبوده ! ! فيقول في تعليقه على متن الطحاوية ص (37) ناقلا مقرا (وراضيا مختارا ! !) ما نصه : " وإلا فقد قام الدليل عل أن العرش فوق المخلوقات ، وليس فوقه شئ من المخلوقات " . مع أنه قد ثبت في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري (13 / 522) ومسلم (4 / 2107) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله (ص) أخبر أن الله كتب كتابا فيه أن رحمتي سبقت غضبي وهو فوق العرش . قال الحافظ ابن حجر في " الفتح " (13 / 526) : " والغرض منه الاشارة إلى أن اللوح المحفوظ فوق العرش " . قلت : واللوح المحفوظ مخلوق لانه ليس هو الله تعالى عند جميع العقلاء ! ! فتبين بذلك بأن قول الالباني (مقلد الحراني ! !) بأنه ليس فوق العرش شئ مخلوق ليس بشئ حسب السنة الصحيحة التي يدعو لها هذا المتناقض ! !

[ 85 ]

قاعدة مهمة الاصل في ، الضافات التي يسمونها بالصفات النفي لا الاثبات الاصل في الصفات المتعلقة بالله تعالى وفيما يجول ويخطر في أذهاننا وعقولنا مما لم يرد في الكتاب والسنة الصحيحة ولم ينعقد عليه الاجماع النفي بناء على قوله تعالى * (ليس كمثله شئ) * . فقد بين الله سبحانه وتعالى لنا في هذه الاية الكريمة المحكمة أن الاصل هو مخالفته سبحانه لخلقه من جميع الوجوه فلا يصح أن نقيس شيئا عليه مثلما يفعل المجسمة المتمسلفون كما رأينا ! ! فما لم يرد في الكتاب الكريم والسنة الصحيحة لا يجوز إطلاقه على الله تعالى ، فمن قال : إن الله تعالى ليس كالشمس ولا كالقمر ولا كالنجوم ولا كالارض ولا جسما ولا عرضا ولا في جهة ولا له حد ولا مقدار ولا يتحرك ولا يسكن ولا كذا ولا كذا إلى آخر هذه الاوصاف التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة لا يكون مخالفا للشرع ولا للحق وعقيدة الاسلام ، لان هذا النفي الذي يتضايق منه المجسمة جميعا بشكل عام ! ! والذي يتسمم منه ابن تيمية وذيله الاباني بشكل خاص ! ! هو نفي مبني على نصوص الكتاب والسنة ! ! وذلك لان الله تعالى لما قال * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * نفى عن نفسه أشياء كثيرة جدا لا يكاد الانسان يحصيها ؟ وأثبت لنفسه شيئين السمع والبصر كما ترى ، فما نفاه عن نفسه لا يكاد يعد (عند البشر) وما أثبته لنفسه

[ 86 ]

معدود وقليل بالنسبة لما نفاه ، فمن هنا أخذنا القاعدة ، لان البشر لا يفهمون ولا يدركون خالقهم فاحتاجوا أن ينفوا عنه كل ما يعرفونه من الاشياء الموجودة في العالم مما يرونه ويدركونه ، ولا يستطيعون أن يثبتوا له سبحانه إلا ما أثبته هو لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله الصادق الامين الذي لا ينطق عن الهوى ، وما جاء في القران أو السنة أيضا مما قد يتوهم غير العالم أنه صفة له سبحانه فهو أيضا لا يجوز قبوله صفة لله تعالى إلا بعد النظر في قواعد الشريعة من آيات وأحاديث صحيحة حتى يتبين هل يجوز إطلاقه أم لا ، ؟ فالنسيان مثلا الوارد في قوله تعالى * (نسوا الله فنسيهم) * لا يطلق صفة على الله تعالى مع أنه مضاف وقد ورد في القرآن وأضيف إليه سبحانه لقوله تعالى * (وما كان ربك نسيا) * فقد بينه سبحانه بالنفي ، ولذلك أوله السلف بشئ آخر وهو الترك . والمرض أيضا الذي ورد في الحديث القدسي الذي فيه " عبدي مرضت فلم تعدني " لا يطلقه عاقل على المولى سبحانه أبدا ولذلك قلنا : إن الاصل في الصفات النفي ، والاثبات محصور معدود وقد استقينا ذلك وأخذناه من القرآن الكريم فالله تعالى أخبرنا عن هذه القاعدة إذ قال * (ليس كمثله شئ) * فنفى ب‍ " ليس " : وقال * (وما كان ربك نسيا) * فنفى ب‍ " ما " ، وقال * (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) * فنفى ب‍ " لم " ثلاث مرات ، وقال * (لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك) * فنفى ب‍ " لم " مرتين ، وقال * (ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه) * فنفى ب‍ " ما " ، وقال * (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره

[ 87 ]

تكبيرا) * فنفى ب‍ " لم " ثلاث مرات وهكذا والامثلة على ذلك كثيرة وكلها تثبت أن النفي أصل وثيق مبني على قواعد الكتاب والسنة الصحيحة المطهرة ، والله الهادي . فتلخص من هذا الكلام : أن الالفاظ التي يطلقها بعضهم على الله تعالى على أنها صفات قسمان : (القسم الاول) : ألفاظ أو صفات لم ترد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ولا أجمعت الامة عليها فهذا القسم لا يجوز إطلاقه على الله سبحانه لاننا لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه ويتظاهر المتمسلفون بانهم متفقون معنا في ذلك ! ! فيقولون : " لا نصف الله إلا بما وصف به نفسه " ، إلا أنهم في الحقيقة لا يلتزمون بذلك بل يطلقون عليه سبحانه وتعالى وصف الحد والجهة والحركة والسكوت والاستقرار والجلوس والجسمية وغيرها مع أن هذه الالفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة الصحيحة ! ! وهنا نقول لهم : ألا يكفي كتاب الله تعالى وسنة نبيه الصحيحة في وصفه سبحانه إذ ليس بعد بيان الله تعالى ورسوله بيان أم أنكم ترون بأن بيان الله تعالى ورسوله (ص) قاصر ! ! ولذلك لجأتم إلى إحداث ألفاظ وصفات لم ينزل الله بها من سلطان ؟ ! ! ! أليس في الكتاب والسنة ما يكفي في وصفه سبحانه وتعالى أم لا بد من أن تستدركوا على الكتاب والسنة فتزيدون لله تعالى وهو الذي لا يمكن أن تدركوه أنه خارج العالم وأن له حدا وجهة ومكانا عدميا غير مخلوق إلى غير ذلك مما خرجتم وعارضتم به نصوص الكتاب والسنة

[ 88 ]

بعقولكم القاصرة التي لن تدرك الله تعالى ولا صفاته أبدا ؟ ! ! فكونه خارج العالم أو داخله الاصل فيه النفي إذ لم يرد هذا الذي تقولونه في الكتاب ولا في السنة ، فلم يرد أنه خارج العالم ولم يرد أنه داخل العالم فهذا من القسم الذي الاصل فيه النفي ! ! فتنبهوا ! ! (القسم الثاني) : ما ورد في الكتاب والسنة والاصل فيه التفصيل مع تحكيم التنزيه المبني على قواعد الكتاب والسنة ، فبعض الالفاظ الورادة في الكتاب والسنة لا نثبت بها صفات لله تعالى مثل المرض في حديث مسلم " عبدي مرضت " بضم التاء في مرضت ؟ والنسيان من قوله تعالى * (نسوا الله فنسيهم) * . والالفاظ الورادة في الكتاب والسنة تفهم بالسياق الذي وردت فيه ، فمثلا قوله تعالى مخبرا عن القرآن الكريم إلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه) ليس المراد منه إثبات يدين للقران ! ! وإنما المراد من ذلك في لغة العرب التي بها نزل القرآن وبها نطق سيدنا رسول الله (ص) هو الاخبار عن الحفظ لهذا الكتاب المبين ، فلا يصح لقائل بعد هذا أن يقول بما أن اليد ثبتت في القرآن لكتاب الله فليس لاحد أن ينفيها لانما نثبت للقرآن يدين تليقان به ! ! ومن نفاهما فهو معطل جهمي ! ! وقوله تعالى أيضا * (يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله) * ليس المراد من ذلك إثبات جنب لله تعالى حسب هذا السياق في لغة العرب ! ! إنما المراد إثبات أن هذا العبد فرط في أوامر الله ونواهيه في

[ 89 ]

الدنيا فهو يندم ويتحسر عليها في الاخرة (1) ، وقوله تعالى مثلا * (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولا يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين) * لا يراد منه ظاهره ، فالله تعالى قبل خلقنا يعلم من الذي سيجاهد في سبيل الله ومن هم الصابرون ابتغاء مرضاته عز وجل وإنما يخاطبنا الله تعالى على قدر عقولنا والمراد من ذلك حتى تقوم الحجة علينا ! ! ولا يقول عاقل بهذه الظواهر أبدا كما لا يقول بظواهر الايات التي تسميها المجسمة بآيات العلو ! ! مثل قوله تعالى في شأن سيدنا موسى عليه السلام * (فلما أتاها نودي من شاطئ الواد الايمن في البقعة المباركة من الشجرة أن يا موسى إني أنا الله رب العالمين) * القصص : 30 فلا يقول عاقل بظاهر هذا النص فيعتقد أن الله تعالى الذي كان يكلم سيدنا موسى عليه السلام كان في البقعة المباركة في الشجرة إطلاقا ! ! إذا ليس كل ما ورد يصح وصف الله به ويؤخذ على ظاهره ! ! ومن ذلك اليد والرجل والقدم والساق والوجه والحقو والصورة وأشباهها من الاعضاء لا يصح القول بأنها صفات لله تعالى لان هذه الاعضاء مثل اليد ليست صفة وانما هي عضو وهي جزء من كل وهي هيئة وصورة


(1) وقد ذهب بعض المجسمة إلى إثبات جنب لله تعالى استباطا من هذه الاية عل أنه صفة له سبحانه عما يقولون ! ! وهو لا يفرق بين الصفة والعضو الذي هو جزء من كل ، ومن أولئك الطلمنكي في كتابه " السنة ! ! " كما ذكر ذلك الذهبي في " السير " (17 / 569) منكرا عليه ! ! وكذا قال بالجنب أيضا ابن القيم في " الصواعق " (1 / 250) (*) .

[ 90 ]

وشكل لا صفة ، لان الصفة هي التي تقوم بالذات ، وإما الذات فهي التي تقوم بها الصفات فيقال يد سوداء ويد بيضاء ويقال مريضة وسليمة إلى غير ذلك فكيف يجعلون الذات صفة من الصفات ؟ ! ! وكذلك الساق والوجه والاصابع والصورة ونحوها يقال فيها ما يقال في اليد لان جميعها يفيد التركيب والاعضاء والشكل والهيئة والله تعالى منزه عن هذا كله لانه سبحانه وتعالى أخبر بان المخلوق مركب من صورة فقال سبحانه * (يا أيها الانسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك * في أي صورة ما شاء ركبك) * فدل على أن المخلوق مركب أي من أجزاء وأعضاء ، وأخبر أنه سبحانه * (ليس كمثله شئ) * وأنه * (لم يكن له كفوا أحد) * فصرح بأنه ليس مركبا من هذه الاعضاء ! ! وليس بعد هذا البيان بيان ! ! إذا هؤلاء المتمسلفون لا يفرقون بعد بين الذوات والصفات ومن كان كذلك فإنه ينادي على نفسه بالجهل ولا يجوز له بحال أن يخوض في مسائل العلم التي لا يفهمها وخاصة في العقائد ! ! (1) .


(1) وقد وقفت على شريط مسجل لبعض حملة شهادة (الدكتوراة ! !) (الشرعية ! !) لاحد أتباع ومقتدي المجسمة والمشبهة الذين لا يعرفون ماذا يقولون ! ! فوجدته يثبت ما يسميه صفة الوجه لله تعالى ! ! ويقول : قوله تعالى * (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والاكرام) * لولا أنه له أصلا وجه لم يصح أن يطلق عليه لفظ الوجه ! ! لاننا لا نطلق في اللغة العربية الوجه إلا على من كان له في الاصل وجه ، لاننا لا نقول مثلا وجه الريح لان الريح لا وجه . لها ! ! هكذا قال ! ! وقد نادى هذا القائل على نفسه بالجهل المطبق لانه لا يعرف لغة العرب ولم (*)

[ 91 ]

فإن غالط مغالط وقال : لماذا لا نقول : يضحك لا كضحكنا وينسى لا كنسياننا ويمل لا كمللنا ؟ ! ! ! قلنا له : قولك لاكضحكنا ولاكنسياننا ولاكمللنا لن يفيدك البتة ولن ينفي عنك التشبيه ! ! لان هذا دال على النقص أولا ! ! وقولك " بلا كيف " أو " يليق بجلاله " عقبه وبعده غير مفهوم بالعربية إلا بالتأويل وأنت تقول ب‍ " أن الله تعالى لا يخاطبنا بما لا نفهم " ونحن لا نفهم الضحك الذي تطلقه حقيقة على الله تعالى إلا بالقهقهة أو الانفعال والتبسم والعرب لا تفهم إلا ذلك ! ! إلا إذا أؤلت ذلك بالرحمة كما أولها الامام البخاري (2) اتباعا للسان العربي ! ! فقول المشبه والمجسم يضحك لا كضحكنا كما نقول سميع لا كسمعنا وبصير لا كبصرنا تمويه لن يجديه شيئا ! ! لان المراد بقولنا يسمع سبحانه لا كسمعنا : أن نثبت لله تعالى السمع ثم ننزهه عن آلة السمع وهي الاذن وعن الاعضاء والصورة والجوارح وغير ذلك ، فيتصور وجود صفة السمع بلا آلة ثم يفوض علم ذلك إلى الله تعالى بعد الايمان


= يتذوقها ! ! ويكفي في دحض كلامه وإبطاله قول الله تعالى * (وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون) * آل عمران : 72 . فتأملوا كيف أطلق على النهار الوجه وليس له أصلا وجه ولا هو جسم وذات ! ! (2) أنظر توثيق ذلك عن البخاري في مقدمتنا على كتاب " دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه " ص (14) (*) .

[ 92 ]

بأن له سبحانه سمعا لان صفة الخالق لا يمكن للمخلوق أن يدركها لانها قد اتحدت في الاسم دون المسمى ، لكن الجلوس والحركة والملل ونحو هذه الالفاظ التي تطلقها المجسمة دون ترو ولا بصيرة على الله تعالى لا يتصور فيها وجود شئ يمكن إثباته بعد نفي عنصر التشبيه منها وتفويض معناه لله جل جلاله ! ! فالحركة مثلا التي يصف الله تعالى بها الشيخ ابن تيمية الحراني لا يفهم منها إلا الانتقال من محل إلى آخر ولا تعقل إلا بذلك ، فإذا نفيت بعد إثباتها الانتقال لم تعد حركة فيبطل ما أثبته المشبه الحراني حينئذ من أساسه ويتبين أن كلامه متناقض في ذلك لانه لم يبق شئ يمكن إثباته خلافا للسمع والبصر فتأمل جيدا ! ! فالمرض مثلا والنسيان الوارد ان في الكتاب والسنة والمضافان إليه سبحانه وتعالى لا يمكن اعتبارهما صفة له سبحانه للقاعدة التي قررناها ، وبذلك يتبين بطلان كلام من يقول بقول يمل لا كمللنا وله يد ليست كأيدينا مثلما نقول يسمع لا كسمعنا ويبصر لا كبصرنا ، لان هذا كلام إنشائي مجمل بعيد عن التحقيق العلمي المستند لنصوص الكتاب والسنة ، والله الهادي إلى سواء السبيل .

[ 93 ]

فصل تنبيه مهم لا يشترط في المجسم والمشبه أن يقول أنا مجسم أو أنا مشبه ، كما لا يشترط في إطلاق لفظ المجسم على إنسان أن يقول : الله جسم كالاجسام . بل لو قال : الله جسم ليس كالاجسام ، أو قال كلاما معناه التجسيم كمن أثبت لله تعالى ساقا ورجلا ويدا وعينا وجنبا وأصابعا وكفا وخنصرا وقبضة وحركة وسكونا ومجيئا وجلوسا ونحو هذه الامور المشهورة عن المجسمة والمشبهة لا سيما إن أعقبها بقوله : " حقيقية " يكون مجسما ومشبها ولا يفيده أن يقول بعد ذلك (بلا كيف) أو (بلا تشبيه) بعد أن يثبت التشبيه بعينه ومعناه ! ! وكذلك لا يفيده أن يقول بعد ذلك * (ليس كمثله شئ) * لانه يقول في سائر أحواله : أنا لا أثبت الجهة ولا أنفيها مثلا ولا اثبت الحد ولا أنفيه ! ! ثم نجده في كلام آخر له يثبته ويقول : ليس وراء نفيه إلا نفي وجود الرب ! ! فهو يطلق على الله ما لم يرد في الكتاب ولا في السنة ! ! مستدركا عليهما ! ! ثم يغالط ويقول لا أثبت الحد والجهة ولا أنفيهما ! ! فيكون بذلك خارجا ومتمردا على قول الله تعالى * (ليس كمثله شئ) * وقوله تعالى * (ولم يكن له كفوا أحد) * وغيرها من الايات الدالة على التنزيه ونفي التشبيه والتجسيم وكل ما يخطر في الذهن والخيال ! !

[ 94 ]

ولا ينفعه ساعتئذ ما ينقله عن اسحاق وغير اسحاق من قوله " التشبيه أن تقول يد كيد ورجل كرجل " أو نحو هذه العبارات ! ! لانها أولا : ليست نصوصا شرعية ، وثانيا : تعارضها قواعد المعقول ونصوص المنقول ، ودونكم في هذا العصر أمثال صاحب كتاب " عقيدة أهل الايمان في خلق آدم على صورة الرحمن " فمن تأمل هذا العنوان أدرك أن القوم مشبهة مهما حاولوا التظاهر بالتنصل من التشبيه والتجسيم ! ! وإذا لم يكن هذا التشبيه والتجسيم فما هو التشبيه والتجسيم إذا ؟ ! ! وإليكم ما يقوله الامام النووي في شرح " صحيح مسلم " (16 / 166) في هذا الموضوع : " قال المازري : وقد غلط ابن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره ، فقال (1) لله تعالى صورة لا كالصور ، وهذا الذي قاله ظاهر الفساد ، لان الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا ، قال : وهذا كقول المجسمة جسم لا كالاجسام لا رأوا أهل السنة يقولون الباري سبحانه وتعالى شئ لا كالاشياء ، طردوا الاستعمال فقالوا : جسم لا كالاجسام ، والفرق أن لفظ شئ لا يفيد الحدوث ولا يتضمن ما يقتضيه وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث " انتهى فتأمل ! !


(1) في الاصل (وقال) فأصلحتها (*) .

[ 95 ]

مسألة مهمة إبطال احتجاج المجسمة والملاحدة بالمثسيئة بقي مما يجب أن ننبه عليه مما يتعلق بهذه المسائل مسألة المشيئة التى يحتج بها المجسمة المتمسلفون والتي يتظاهرون حين يوردونها ويذكرونها بأنهم مذعنون ومنقادون فيها لقول الله تبارك وتعالى * (إن الله يفعل ما يشاء) * وقوله تعالى * (والله على كل شئ قدير) * فذهبوا يذكرون أمورا مستحيلة في حق المولى سبحانه وتعالى ويتسترون بالمشيئة أمام العامة والبسطاء ليموهوا ويلبسوا عليهم في هذا الباب ! ! فمن ذلك قول أحدهم (1) " إن الله تعالى يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء " فأثبت بذلك صفة السكوت لله تعالى مع أنها لم ترد في الكتاب والسنة ، وهو يقول عندما يضيق عليه الخناق " لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه " ! ! وهنا يتناقض ! ! فيتستر بالمشيئة فيقول " إذا شاء " ! ! ليثبت العقيدة الفاسدة القائمة برأسه فينصرها ولو بالمغالطة والتمويه ! ! ومن ذلك قول الدارمي المجسم (2) أيضا : " لان الحي القيوم يفعل


(1) هو ابن تيمية الحراني في موافقة صريح معقوله لصحيح منقوله ! ! (2 / 38) المطبوع بهامش منهاج سنته ! ! فتأملوا جيدا ! ! (2) صحيفة (20) من كتابه " الرد على بشر المريسي " والدارمي هذا هو عثمان بن سعيد الدارمي (ت 280) الذي له سؤالات عن ابن معين وقد تحايده أصحاب الكتب الستة فلم يخرجوا له في تلك الامهات مع أنه من طبقة شيوخهم ، وهو مجسم صرف لا ينفعه ثناء من أثنى عليه بعد ثبوت الضلال المبين في كتبه مع فساد العقيدة ، وشأنه كشأن غيره من المبتدعة الذين ربما = (*)

[ 96 ]

ما يشاء ، ويتحرك إذا شاء ، وينزل ويرتفع إذا شاء ، ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء ، لان أمارة ما بين الحي والميت التحرك (3) . . . " ومن ذلك أيضا . قول الحراني (4) : ولو قد شاء لاستقر على ظهر بعوضة فاستقلت به بقدرته ولطف ربوبيته ، فكيف على عرش عظيم أكبر من


= نجد لبعض الناس ثناء عليهم ! ! وهذا المذكور هو غير الامام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي صاحب السنن المشهورة المتوفى سنة (255 ه‍) ، وهناك عدة علماء يلقب كل منهم بالدارمي فلا تختلط عليك الامور ! ! (3) أنظروا إلى هذا المجسم الذي يقيس رب العالمين الذي ليس كمثله شئ على المخلوقات والمحدثات ! ! فيرى أن الحي فقط متحرك حسبما يتخيل فيصف الله تعالى بالحركة ! ! والحركة هي الانتقال من مكان لاخر ! ! فالله تعالى ينتقل من مكان لاخر عند هذا المبتدع المجسم ! ! فاين قولهم " لا نصف الله تعالى إلا بما وصف به نفسه " من هذا ؟ ! ! وفي المسكين ان الكواكب والنجوم تتحرك كما قال تعالى * (وكل في فلك يسبحون) * مع انها من الجمادات وليست حية ! ! (4) في كتابه " التأسيس في الرد على أساس التقديس) (1 / 568) وأساس التقديس " هو للامام الفخر الرازي ، وقد طبع من كتاب ابن تيمية الحراني هذا جزآن أو مجلدان وأثبتوا له على الغلاف اسمين وهما " بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية أو نقض تأسيس الجهمية " ويكفي العاقل اللبيب المنصف إذا أراد ان يعرف مدى فساد عقيدة ابن تيمية الحراني أن يقرأ هذا الكتاب ليعرف مدى انحرافه عن الحق في هذا الباب . وقارن ما بين ترجمة الامام الفخر الرازي في " سير أعلام النبلاء " (21 / 500) للذهبي الذي تجنى عليه وبين ترجمته في " طبقات الشافعية الكبرى " (8 / 81) للسبكي الذي أنصفه لتدرك التعصب المذمرم ! ! (*)

[ 97 ]

السموات والارض (5) . . . " ! ! وهم يرددون هذه العبارة " إذا شاء " بعدما يذكرون ما يريدون من عقائدهم الفاسدة ليروجوها تمويها وتلبيسا على العامة والبسطاء متظاهرين بالاحتجاج بمثل قوله تعالى * (إن الله يفعل ما يشاء) * الحج . 18 ، ومثل قوله تعالى : * (إن الله على كل شئ قدير " البقرة : 20 ، وهم بذلك يفتحون الباب للملاحدة بجهلهم وتخبطهم وسوء صنيعهم على مصراعيه ! ! وذلك لان كثيرا من الكفار على اختلاف مللهم ونحلهم والملاحدة يسألون من هذا الباب - باب المشيئة - فيقول أحدهم مثلا : هل يستطيع الله أن يخلق إلها آخر إذا شاء ؟ ! ! ويقول آخر : هل يستطيع الله أن يخلق صخرة لا يستطيع حملها إذا شاء ! ! فإن أجاب المسؤول بنعم ، قالوا : إذن هو عاجز عن حمل هذه الصخرة ، فعلى رأيهم وتصورهم الفاسد هذا هناك شئ أعظم من الله ، وإن قال المسؤول المجيب : لا ، قالوا أيضا : إذن هو عاجز عن خلق هذه الصخرة ! ! ويقول هؤلاء الملاحدة ساعتئذ : إذن بطل ما تزعمون


(5) انظروا كيف يعتبر أن استقرار رب العزة على العرش أمر مفروغ منه ! ! وهو يناقش ويجادل في استقرار معبوده على ظهر بعوضة ! ! والظاهر أن هذا الرجل هو مخترع أفلام الكرتون ! ! حيث يعتقد ويتخيل ما لا يتخيله مسلم أو مؤمن في الله تعالى فيزعم أن الله لو شاء لطار واستقر على ظهر بعوضة ! ! تعالى الله عما يقول ابن تيمية ويزعم علوا كبيرا ! ! ولا يسعنا إلا أن نقول هنا * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * ! ! (*)

[ 98 ]

أيها المسلمون من أن الله على كل شئ قدير ! ! وأقول : ونحن سنجيب الان بإذنه تعالى على هذه الاسئلة ونبين تفاهة عقل سائلها ودحض حجته بما لا يستطيع منه فكاكا ! ! ويقول آخر : هل يستطيع الله تعالى أن يعدم أو يفني نفسه إذا شاء ؟ ! ! ويقول ابن تيمية الحراني وإمامه الدارمي : إن الله تعالى إذا شاء استقر على ظهر بعوضة فاستقلت به ! ! ! أي حملته ورفعته أي طارت به سبحانه وتعالى عما يقولون ! ! ! فهل يا أيها العقلاء يجوز لمسلم أن يتصور بأن ذبابة أو بعوضه يجوز أن تستقل برب العالمين سبحانه وتعالى ؟ ! ! ! وهل يكون مسلم من يجوز ذلك على رب العالمين ؟ ! ! والقاعدة عند العلماء هنا : أن تجويز الشئ بمنزلة وقوعه . وعلى هذا يقول ملحد آخر محتجا ب‍ " إذا شاء " فيقول : لو شاء الله لصار دخانا ودخل في هذا الابريق فأقفلنا عليه ! ! أليس كذلك ؟ ! ! ويستطيع أن يتدرج هذا الملحد معك " إذا شاء " فيقول لك هل يستطيع الله إذا شاء أن يكون قطا أو فأرا يمر من أمامك وتراه ؟ ! ! ! وهذه أسئلة واقعية (أي تقع) من أهل الكفر والعناد والالحاد فلا يليق بالمسلم أن يبقى أمام هذه الاسئلة جاثما متفرجا دون حراك بل يجب عليه أن يقتدي بأسلوب القرآن الكريم الذي ذكر الله سبحانه وتعالى لنا فيه مجموعة من كلمات الكفار الالحادية ورد عليها معلما

[ 99 ]

ومرشدا لنا عدم السكوت عنها بل دحضها والرد عليها بالحجة والبرهان ، وهو القائل * (وجادلهم بالتي هي أحسن) * والقائل * (قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) * ! ! ! وكانت الرسل عليهم الصلاة والسلام يجادلون ويناظرون الكفرة والملحدين الذين ينكرون وجود الله تعالى وما يتعلق بذلك وقد ذكر الله لنا قول من قال * (وقالت النصارى المسيح ابن الله) * * (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا * لقد جئتم شيئا إدا (1) * تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الارض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمن ولدا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا * إن كل من في السموات والارض إلا آتي الرحمن عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا) * سورة مريم 88 - 95 وقد احتجت النصارى المحرفة أيضا بالمشيئة لاثبات صحة عقيدتهم الفاسدة فقالوا بأن الله شاء أن يكون هو الاقانيم الثلاثة " الاب والابن والروح القدس " ! ! ! فانظروا كيف يتظاهر أهل الكفر والالحاد أيضا بالاحتجاج بالمشيئة بكل صفاتة ووقاحة حيث لا يصلح الاحتجاج والاستدلال بذلك بل هو باطل فاسد ولله تعالى في خلقه شؤون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ! ! ! فلا ينبغي ولا يليق بنا أن نقف أمام هذه الترهات التي يقولها أهل


(1) معنى إدا أي : أمر فظيع ثقيل ؟ وداهية نكراء (*) .

[ 100 ]

الالحاد مكتوفي الايدي بل الواجب علينا أن ندحضها ونبين زيف احتجاج من احتج لها بالمشيئة حيث يقول " إذا شاء " فوجب علينا الان أن نعقد فصلين الفصل الاول في الاجابة عن هذه الاسئلة والاشكالات واحدا واحدا والفصل الثاني في معنى قوله تعالى * (إن الله على كل شئ قدير) * وبالله تعالى التوفيق :

[ 101 ]

فصل اعلم يرحمك الله تعالى أن هذه الاسئلة الالحادية جميعها نابع من التشبيه والتجسيم كما سيتبين لك الان أثناء تحليلها والاجابة عنها ودحضها بعون الله تعالى ، فهذه الاسئلة قامت جميعها على جرف هار ، ألا وهو ما قام في عقول أصحابها ومن يحفها بعبارة " إذا شاء " من قياس الخالق على المخلوق وتصور الله تعالى بكيفيات سواء كانت هذه الكيفيات صورا أو هيئات أو أشكالا مختلفة وبناء على ما قام في هذه العقول من التشبيه والتمثيل وقعت هذه الاسئلة ، وإليك بيان ذلك بتحليلها ودحضها واحدا واحدا : وقبل أن نخوض في ذلك يجب أن نبين بأنه يجب أن يتذكر كل باحث هنا بأن الله تعالى لا كيف له ولا يمكن لعقل أن يتصوره أو يتخيله فهو سبحانه خارج عن إدراك العقول وتصورات الاذهان لقوله تعالى * (ليس كمثله شئ) * ولقوله * (ولم يكن له كفوا أحد) * ولقوله * (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون) * النحل : 17 . وعن سيدنا أبي بن كعب رضي الله عنه أن المشركين قالوا يا محمد انسب لنا ربك فأنزل الله عز وجل * (قل هو الله أحد الله الصمد) * قال : الصمد الذي * (لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) * لانه ليس شئ يولد إلا سيموت وليس شئ يموت إلا سيورث ، وان الله عز وجل لا يموت ولا يورث * (ولم يكن له كفوا أحد) * قال : لم يكن له شبيه

[ 102 ]

ولا عدل و * (ليس كمثله شئ) * (1) . واتفق السلف على أن الله تعالى لا كيف له ، قال الامام الترمذي في سننه (4 / 692) : " والمذهب في هذا عند أهل العلم من الائمة مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس وابن المبارك وابن عيينة ووكيع وغيرهم أنهم رووا هذه الاشياء ثم قالوا : تروى هذه الاحاديث ونؤمن بها ، ولا يقال كيف ، وهذا الذي اختاره أهل الحديث أن تروى هذه الاشياء كما جاءت ويؤمن بها ولا تفسر ولا تتوهم ولا يقال كيف وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه " اه‍ . وقال الامام مالك رحمه الله تعالى : " ولا يقال كيف وكيف عنه مرفوع " أنظر فتح الباري (13 / 406) . وقال الامام العلامة أبو عمران الفاسي (المتوفى سنة 403 ه‍) . " فكذلك الكافر قال : لربه صاحبة وولد ، وأنه جسم ، فلم يعرف الله ولا وصفه بصفته بخلاف المؤمن " أنظر " سير أعلام النبلاء) (17 / 547) جواب الاشكال الاول : هل يستطيع الله أن يخلق إلها آخر إذا شاء ؟ ! الجواب : أولا : من صفات الاله أن يكون خالقا ولا يكون


(1) رواه الترمذي في السنن (5 / 451) والحاكم في المستدرك (2 / 540) وغيرهما وهو صحيح . وأبو جعفر الرازي ثقة كما بينته مفصلا في رسالتنا " القول المبتوت في صحة حديث صلاة الصبح بالقنوت ، فارجع إليها إذا أردت (*) .

[ 103 ]

مخلوقا : وثانيا : من صفات الاله أن لا تكون له بداية أي أنه خارج عن الزمان وقوانينه والمكان وقوانينه المعهودة لنا والمعروفة لدينا وغيرها ! ! وهذا السؤال يدل على المغالطة المطبقة أو على عدم استيعاب عقل سائله لحقيقة الامر وواقعيته ، فتفكير سائله بسيط جدا بحيث لا ينبغي أن يترك هكذا بجهله يسرح ويخبط ولا يعلم ، أو أن تترك أظافره ومخالبه على طولها يجرح بها نفسه دون أن تقص أو تقلم ، بل يحتاج لان يفهم فإن أبى ظهر جلي كفره وإلحاده باللة العظيم ! ! فهذا السائل عندما يقول : " هل يستطيع الله تعالى أن يخلق إلها آخر إذا شاء ؟ ا وهو يقول في الحقيقة : هل يستطيع الله أن يخلق خالقا مخلوقا ؟ ! ! وله بداية لا بداية له ؟ ! ! ومن قال مثل هذا الكلام وما يقتضيه ويحتف به كان ساقطا عن مرتبة الخطاب ، خارجا بذلك عن طور العقل الذي يدعي أنه يتحاكم إليه وعن حدود ذلك وليس وراء ذلك إلا الجنون ! ! والجنون فنون ! ! وأصل السؤال أن سائله بناه على تصور فاسد قام بذهنه وهو تشبيه الله تعالى بخلقه ، وذلك أنه تصور بأن الاله كواحد من الناس أو من المخلوقات إلا أنه أضاف عليه اسم الاله ، ولم يعلم - أو علم فغالط - بأن من صفات الاله أن يكون خالقا وليس مخلوقا ، وكذا قديم أزلي لا بداية له ، فقال ما قال مما دل على قصور عقله في التفكير والمعرفة ! ! ومثال هذا مثل من قال : أنا أنت وأنت أنا ولا أنا أنت ولا أنت أنا ، وهو ذاهب غير ذاهب وفلان آت غير آت وكيف حالك ولا كيف

[ 104 ]

حالك ، وهو عاقل في جنونه وجنونه فيه عقل كبير ! ! فظنه بعض السذج ممن أحاط به أنه (بروفيسور وقته وعلامة زمانه) وظنوا أن هذا كلام علمي خطير دقيق أعلى من أن تدرك بلاغته عقولهم ! ! وكثير من الناس اليوم كذلك يصفهم أتباعهم والمفتونون بهم أنهم عباقرة وهم لا يخرجون عن هذه الدائرة من حيث مستوى المعرفة والفهم ! ! فتبين بذلك سقوط هذا السؤال وفساد عقل سائله لانه بناه على التشبيه وقياس الخالق بالمخلوق ، ولا أظن اللبيب العاقل يحتاج لاكثر من هذا البيان الواضح ، فإن احتاج زدناه . وقولك (إذا شاء) أيها الالمعي ! ! ليس لها ههنا محل من الاعراب ! ! أي أنها ملغاة لا فائدة منها إلا في لغة من أراد أن يعرب اللغة الروسية أو الفرنسية ليعرف هل هذا المثنى منصوب بالياء أو بالالف على لغة الالزام ؟ ! ! جواب الاشكال الثاني : هل يستطيع الله إذا شاء أن يخلق صخرة لايستطيع حملها ؟ ! الجواب : إعلم يرحمك الله تعالى أن سائل هذا السؤال قام بذهنه تصور فاسد وهو أن المولى سبحانه وتعالى على صورة رجل ضخم جدا ذي عضلات قويه أو أنه سبحانه آلة ترفع الاثقال (رافعة أثقال) ثم

[ 105 ]

إنه تصور أيضا بأن ذلك الرجل (العضلنجي) أو تلك الالة (الجبارة) خاضع للجاذبية الارضية التي تجعل الاشياء ثقيلة حسب كثافتها ونوعها وبناء على هذا التصور الفاسد القائم على خيال التشبيه والتجسيم وقع سؤاله هذا . فيكون الجواب عليه * (ليس كمثله شئ) * وكل ما خطر ببالك فالله تعالى بخلاف ذلك ! ! فعلينا الان أن نقول له سألت سؤالا يدل على سذاجة تفكيرك السطحي المسكين ! ! وذلك لانك إذا تصورت شيئا على خلاف حقيقته في الواقع وسألت سؤالا مبنيا على فاسد تصورك لم تحتج إلى جواب وإنما يجب أن يعرفك الناس بأنك غالط فاسد العقل والتفكير أو مغالط مموه ! ! فالله تعالى ليس على الشكل الذي تصوره هذا السائل الذي هو مشبه في الحقيقة ومجسم ! ! وتعالى الله سبحانه عن الاشكال والهيئات والصور ! ! فالله تعالى ليس جسما يتصور حتى يقترب من صخرة أو يبتعد عنها ، إذ يتعالى عن الاتصال والانفصال ، والتمكن والحلول والانتقال ، لا يمكن لعقل أن يدركه ، * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * * (ولم يكن له كفوا أحد) * ! ! فتعالى الله سبحانه عن أن يكون كما تصور هذا السؤال جسما يقترب من صخرة ويحاول حملها ، فإما أن يستطيع حملها أو لا ! ! وجواب هذا السائل بنعم أو لا غلط محض ! ! والمطلوب أن نبين له فساد تصوره

[ 106 ]

وتخيله وما يقوم بذهنه فساعتئذ ربما يفهم بأنه بسيط التفكير ساذج العقل ! ! وقولك (إذا شاء) أيها الالمعي ! ! ليس لها ههنا محل من الاعراب ! ! أي أنها ملغاة لا فائدة منها إلا في لغة من أراد أن يعرب اللغة الروسية أو الفرنسية ليعرف هل هذا المثنى منصوب بالياء أو بالالف ثم تردد بعد ذلك وتخاصم هو وأصحابه هل هي ألف ممدودة أو مقصورة ؟ ! ! الاشكال الثالث : سؤال أحد الملاحدة : هل يستطيع الله إذا شاء أن يعدم أو يفني نفسه ؟ ! الجواب : هذا تصور فاسد أيضا مبني على التشبيه والتجسيم ، وذلك لان هذا السائل قاس رب العالمين سبحانه وتعالى بما راه في هذا الكون من مخلوقات ، وهي أجسام وأعراض ولما رأى أنها توجد أحيانا وتعدم تارة أخرى ظن أن المولى سبحانه وتعالى مثلها يوجد ويعدم قياسا عليها ! ! ! ولم ينتبه المسكين بأن الله تعالى يختلف عنها بأنه لا أول له وهو خارج عن الزمان والمكان ، فيتبين ساعتئذ فساد سؤال هذا السائل لانه مبني على أمر لا يجوز في حقه سبحانه وتعالى زيادة على أنه مبني على التشبيه والتجسيم ! ! ومثال هذا السؤال مثال من قال : هل يستطيع هذ الجدار أن يعدم نفسه ! ! وهل يستطيع هذا الجدار أن يأكل ويشرب وينكح ويتزوج ؟ ! ! فكل من سيسمع هذا السائل يلقي أسئلة الجدار هذه لن يلتفت إليه بجواب وإنما سيضحك من سفاهة عقل سائله وسذاجته وخفته ! !

[ 107 ]

ويقول له : الله يشفيك ! ! ولله تعالى المثل الاعلى ، فإذا نفى ورفض العقل للجدار هذه الصفات وهو مخلوق فنفي هذه الصفات التي يجوزونها في حق المولى سبحانه وتعالى وتنزيه الله عن أنه يوصف بها أولى وأحرى * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون) * ! ! وقولك (إذا شاء) أيها الالمعي ! ! ليس لها ههنا محل من الاعراب ! ! أي أنها ملغاة لا فائدة منها إلا في لغة من أراد أن يعرب اللغة الروسية أو الفرنسية ليعرف هل هذا المثنى منصوب بالياء أو بالالف وهل هذه الالف مقصورة أم ممدودة ؟ ! ! ومن هذا يتبين فساد قول ابن تيمية الحراني (بترقيق الراء وتشديدها واستسخاف عقل صاحبها) : " ولو قد شاء - الله - لاستقر على ظهر بعوضة . . . " وقول الدارمي المجسم المسكين " لان الحي القيوم يفعل ما يشاء ويتحرك إذا شاء وينزل ويرتفع إذا شاء ويقبض ويبسط ويقوم ويجلس إذا شاء " ! ! ! فهذه المقولات فضلا عن كونها مبنية على التشبيه والتجسيم فهي مستقاة من لب عقائد الملاحدة والزنادقة الذين يموهون كلامهم بالتظاهر بالمشيئة والاحتجاج بعظيم قدرة الله تعالى ! ! لانهم بنوا هذه المقولات على تصور فاسد قام بأذهانهم ألا وهو أنهم تخيلوا الله تعالى بصورة آدمي يقوم ويجلس ويتحرك بل نزلوا في السفاهة إلى دون ذلك فتصوروا جلوسه كالخيال والفارس على ظهر بعوضة ! ! ولو وصفوا آدميا مخلوقا بذلك لكان ذلك يزري به فكيف بالله تعالى رب العالمين ؟ ! !

[ 108 ]

وتذكروا أيها الناس هنا بأنهم ينكرون على من يقول بان الله تعالى لا جسم ولا عرض ولا جوهر ولا له صورة ولا . . فيقولون - على سبيل التظاهر بالعلم والمعرفة وهم أبعد الناس من ذلك - هذا لا يليق أن يقال في حق المولى ، كما لا يليق أن تمدح ملكا فتقول له أنت لست بكناس ولا شحاذ ولا متسول ولا . . . وكلامهم في ذلك باطل لانه مخالف للقرآن الكريم والسنة المطهرة وذلك لان الله تعالى نزه نفسه عن أشياء لا تليق به كما قدمنا ونفى عن نفسه النقص ولم يزر ذلك به مثل قوله تعالى * (لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك " ! ! فالفرق بيننا نحن أهل الحق وبين أولئك المتمسلفين أننا نفينا عن الله سبحانه ما لا يليق به ، وهم أثبتوا له ما لا يليق به بل ما يتعالى عنه ! ! فشتان ما بين المذهبين مذهب أهل الحق ومذهب أهل الضلال ! ! فإدخال المشيئة هنا والتظاهر باعتبارها والتمسك بها وسرد الايات الورادة فيها هو تمويه وتدليس لا قيمة له وهو كما تقدم كقول من قال : لو شاء الله لاعدم نفسه ولصار فارا يمر من أمامك فتقتله ولخلق إلها آخر وقد بينا فساد هذا التصور ونزهنا المولى عن هذه المقولات الالحادية وكل ذلك وأشباهه مبني على خيال التشبيه والتجسيم الذي هو فاسد وباطل أصلا ورأسا ! ! فتنبهوا لذلك ولا تغفلوا عنه في مثل هذه المواضع ! ! !

[ 109 ]

تنبيه مهم وقد تبين لنا من الكلام السابق أن أمثال ابن تيمية والدارمي وأمثالهم من المشبهة والمجسمة يطلقون على الله تعالى ما لم يرد في الكتاب والسنة كالحركة والجلوس والاستقرار على ظهر البعوضة ويجوزون إثبات هذه الصفات بل يثبتونها ويدعون زورا بأن السلف كانوا يثبتونها ، فها هو ابن تيمية يقول في " موافقته " (2 / 4) : " وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين " اه‍ ! ! ثم بعد ذلك إذا أرادوا أن يثبتوا لله تعالى صفة لم ترد في الكتاب والسنة ك‍ " الحد " مثلا أو " الجهة " قالوا ليمهدوا الطريق إلى إثباتها : " إثبات هذه أو نفيها بدعة " ثم نجدهم يثبتونها بعد أن يمهدوا لها مستعينين بطريقة أرسطوا طاليس وأضرابه ! ! ولا يكتفون بقوله سبحانه * (ليس كمثله شئ) * ! ! ونقول لهم مجيبين : ما لم يرد في الكتاب ولا في السنة لا يصح وصف الله تعالى به ، فمن قال مثلا : هل يقال بأن الله يشبه الفأر ؟ ! فيقول له المتمسلف : هذا اللفظ لا ينبغي إثباته ولا نفيه .

[ 110 ]

ونقول له : * (سبحان ربك رب العزة عما يصفون * بل يجب نفيه ويكفر مثبته ويكفي في نفيه قوله سبحانه * (ليس كمثله شئ) * فقول من قال إثباته بدعة ونفيه بدعة هو في الحقيقة باطل وبدعة ! ! ولذلك قال الحافظ الذهبي بعدما رجع عن عقيدة ابن تيمية الحراني (بتشديد الراء المهملة) وتركها إلى عقيدة الاسلام الحقة في " سير أعلام النبلاء " (16 / 97) : " وتعالى اللة أن يحد أو يوصف إلا بما وصفه به نفسه أو علمه رسله بالمعنى الذي أراد بلا مثل ولا كيف * (ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) * ، اه‍ . فقارن بين كلامه هنا وبين كلام ابن تيمية في " موافقته " (2 / 29) حيث يقول : " فهذا كله وما أشبهه شواهد ودلائل على الحد ومن لم يعترف به فقد كفر بتنزيل الله وجحد آيات الله . . . " اه‍ ! ! فالذهبي هنا كافر بنظر ابن تيمية المخطئ (1) ! ! ! وكذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى الذي ينفي الحد عن الله تعالى أيضا (2) ! ! ! فتأملوا وبالله تعالى التوفيق .


(1) وقارن أيضا ما بين كلام الذهبي هنا في " سير أعلام انبلاء " الذي هو من آخر مؤلفاته والذي صنفه بعد تصنيف كتابه " الميزان " بدهر وما بين كلامه في " الميزان " (3 / 507) الذي كان متابعا فيه ابن تيمية الحراني ، وانظر إلى رد الحافظ ابن حجر في " لسان الميزان " (5 / 129 من طبعة دار الفكر و 114 من الطبعة الهندية) وتأمل ! ! (2) أنظر " لسان الميزان " (5 / 115 الطبعة الهندية) وغيره (*) .

[ 111 ]

الفصل الثاني في معنى قوله تعالى * (إن الله على كل شئ قدير) * إذا فهمنا جواب الاشكالات المتقدمة والرد عليها التي أوردناها في الفصل الاول قبل صفحات تبين لنا بكل وضوح ما يدور حول قوله تعالى * (إن الله على كل شئ قدير) * فيكون معنى الاية الكريمة : إن الله على كل مخلوق قدير ، والمخلوق هنا هو الشئ الجائز وجوده عقلا ، فخرج بذلك الواجب وهو الله تعالى (ذاتا وصفات) لقوله تعالى * (ليس كمثله شئ) * ولقوله أيضا * (ولم يكن له كفوا أحد) * ، وكذلك خرج الامر المستحيل لقوله تعالى * (حتى يلج الجمل في سم الخياط) * إذ بين سبحانه بأن من المستحيلات دخول هذا الجمل العظيم جسما في ثقب الابرة الدقيق . ومثل ذلك تخصيص قوله تعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * فلا يصح بأن يثبت المجسم من هذه الاية بان الاعضاء الاخرى التي يسميها صفات كاليد والرجل والقدم والساق والحقو والجنب والذراع رما إلى ذلك تفنى جميعها ولا يبقى منها يومئذ إلا عضو واحد وهو ما يسميه صفة الوجه ، فإن قال بذلك كفر باتفاق المسلمين جميعا ! ! !

[ 112 ]

إذ أن معنى الاية الكريمة كل شئ هالك إلا المولى سبحانه وتعالى ولا يشك في ذلك مسلم أو موحد ، ومعنى ذلك أيضا أن كل شئ يجوز عليه عقلا الهلاك أي الفناء إلا الله سبحانه وتعالى ، مع أن هناك أشياء لا تفنى منها الجنة والنار ومن فيهما ، قال بعض العلماء : " وحاصل الجواب أن العلماء قصروا عموم ذلك - أي عموم قوله تعالى * (كل شئ هالك إلا وجهه) * - على غير الامور التي وردت الاحاديث باستائها كالروح وعجب الذنب وأجساد الانبياء والشهداء والعرش والكرسي والجنة والنار والحور العين ونحو ذلك . وقد نظم الحافظ السيوطي ثمانية منها بقوله : ثمانية حكم ، البقاء يعمها من الخلق والباقون في حيز العدم هي العرش والكرسي نار وجنة وعجب وأرواح كذا اللوح والقلم وعلى هذا فتكون الاية من قبيل العام المخصوص " اه‍ . فتبين بذلك أن قول الله تعالى * (إن الله على كل شئ قدير) * يتعلق بالمخلوقات على اختلاف أجناسها وأشكالها من حيث ما يجوز عليها (1) ولا يتعلق بالله تعالى الذي هو خارج عن الادراك وعن مشابهة الخلق


(1) (وقولنا من حيث ما يجوز عليها) أي ما يجوز شرعا وعقلا فلا يشمل ذلك مثلا قول من قال هل يستطيع الله أن يجعل هذا الحجر إله ؟ كما تقدم في تفنيد أسئلة الملاحدة والمجسمة الذين يحتجون بمثل هذه الاية وبالمشيئة ، فتنبه ! ! (*)

[ 113 ]

من جميع الوجوه فافهم هداك الله تعالى . وإليكم بعض أقوال المفسرين في هذه الاية بعد أن أوضحنا المسألة ودللنا عليها : 1 - قال الامام القرطبي رحمه الله تعالى في تفسيره (1 / 224) : " قوله تعالى : * (إن الله على كل شئ قدير) * عموم ، ومعناه عند المتكلمين : فيما يجوز وصفه تعالى بالقدرة عليه " اه‍ . 2 - وقال الجمل في حاشيته على تفسير الجلالين (1 / 25) : " قوله * (على كل شئ شاءه) * قيد بذلك لاخراج الواجب ؟ وهو ذاته وصفاته فإنهما من جملة الشئ إذ هو الموجود لكنهما ليسا من متعلقات الارادة ؟ فالمراد بقوله (شاءه) أن من شانه أن يشاءه وذلك هو الممكن " اه‍ . وارجع إلى رسالة الامام المحدث سيدنا عبد الله بن الصديق الغماري أعلى الله تعالى درجته المسماة " رفع الاشكال عن مسألة المحال " فإنها مفيدة جدا في هذا الموضوع . وبذلك نكون قد أتينا على ما أردنا ذكره في هذه الرسالة على وجه الايجاز والاختصار والله الموفق والحمد لله رب العالمين .

[ 114 ]

ملحق وقفت على أربعة أشرطة سجلها الالباني في منزله ونشرها مقلدوه في اليمن بشكل خاص زعم فيها بأنه ناظر طلبة السقاف في مسألة حديث الجارية وأنه أفحمهم وأنهم رجعوا إلى قوله وتركوا ما كانوا عليه ! ! وأخبرني إخواننا الثقات اليمنيون بأن بعض المتمسلفين في تلك الناحية صاروا يبرقون ويرعدون بتلك الاشرطة ويقولون بأن الالباني أفحم طلبة السقاف ! ! وأقول : بأن الواقع ليس كذلك ! ! وهذا تمويه وتدليس على السذج قام به الاباني والمفتونون به في محاولة نهائية فيما يظهر قبل خروج أرواحهم لعلهم يستطعيون بها أن يقنعوا بعض أتباعهم ويوقفوا خروجهم من مذهبهم بعد أن صار العقلاء منهم بعد بياننا وكشفنا لالاعيبهم يخرجون من طريقتهم أفواجا أفواجا إلى المذهب الحق وإلى الانصاف والحمد لله رب العالمين . وحقيقة الامر في هذه الاشرطة الاربعة لمن أراد معرفة الحقيقة هي أن اثنين من طلبتنا من الذين مضى لهم في التعلم شهر ونصف تقريبا ذهبا في أوائل سنة 1412 ه‍ قبل نحو سنتين إلى الالباني ليسألاه عن عقيدته في حديث الجارية وهما كما تقدم من الطلبة المبتدئين ! ! فحصلت

[ 115 ]

مناقشة بينهما وبين الالباني في بيته وقد قام بتسجيلها الالباني ثم بعد نحو سنتين قام بنشرها ليموه بها على البسطاء فزعم بعض أتباعه المتمسلفون بأن هذين الطالبين رجعا إلى ما قاله الالباني وقرره في المسألة ! ! وبعد أن ذهبا وخرجا من عنده أتياني في اليوم الثاني وقصا علي ما حدث ولم أكن قد دريت به من قبل ، وقالا لي بأن الالباني ذكر لنا بأن حديث الجارية لم يضعفه أحذ من الحفاظ والمحدثين وأن الحافظ البيهقي وهو المعروف بتأويل المشكلات الحديثية قال عن هذا الحديث بأنه " صحيح وقد أخرجه مسلم " ! ! ! فقلت لهما : لقد كذب الشيخ عليكما كذبا بينا ! ! وأنتما طالبان مبتدئان لم تعرفا كيف تردان عليه ! ! لانكما سلمتما له بما نقله عن الحافظ البيهقي وظننتما بأنه أمين في النقل وصادق في نقل كلام السادة العلماء وليس كذلك ! ! فالبيهقي قال عن قصة الجارية بأنها مضطربة ونفى وجودها في صحيح مسلم وذلك بعد أن ذكر - الحافظ البيهقي - في " الاسماء والصفات " حديث معاوية بن الحكم الذي فيه عدة مواضيع منها قصة الجارية فقال عقبه " وهذا صحيح قد أخرجه مسلم . . دون قصة الجارية ، وأظنه إنما تركها من الحديث لاختلاف الرواة في لفظه ؟ وقد ذكرت في كتاب الظهار من السنن مخالفة من خالف معاوية بن الحكم في لفظ الحديث " . فارجعا إليه الان وقولا له هذا الامر واسألاه كيف يكذب على أئمة الحديث والسنة ويفتري عليهم ما لم يقولوه ، فاتصلا به ولكنه عرف أنهما

[ 116 ]

كشفا حقيقة تزويره وتلبيسه ولم يرض أن يجتمع بهما وتهرب وتملص وهذا هو الواقع ! ! ولا يزال كل منهما على العقيدة الحقة المخالفة لعقيدة الالباني الفاسدة كما يعرف ذلك القاصي والداني في بلدنا ! ! ومضى الامر هكذا حتى أتاني بعض إخواننا من اليمن بتلك الاشرطة الاربعة واستمتعت بسماعها جدا لانني تعرفت منها على رأي الالباني في المسألة من جميع جوانبها ونقاط الضعف في كلامه ! ! فأدخلت الاجابة على ما حاول أن يموه ويلبس به على البسطاء من شيعته المفتونين به من أمور تتعلق بحديث الجارية وضمنت ذلك هذه الرسالة حتى يفحم وتسقط حججه المتهاوية في هذا الموضوع ! ! ثم كيف يقبل ذلك الالباني أن يناظر من يعتبر طفلا عمره العلمي شهر ونصف لا يزال يحبو في هذا الفن وهو يدعي أن عمره العلمي نحو (50) سنة ؟ ! ! أليس هذا من أكبر الادلة على إفلاسه وفقدانه الثقة بنفسه ؟ ! ! لان هذا المسكين المتناقض ! ! يظن بأنه إذا أفحم هذين الطالبين أمام بعض أتباعه أنه فاز وظفر ونال مراده وأثبت قوته وعلمه ! ! ولكن هيهات كما قيل : وإذا ما خلا الجبان بأرض طالب الطعن وحده والنزالا وقلت لذينك الطالبين لو كان الالباني كما ترون واثقا من نفسه غير عاجز ولا جبان ومالكا للجرأة العلمية لناقشني أنا في هذا الموضوع حتى

[ 117 ]

أريه كيف ستتساقط حججه وتمويهاته واحدة واحدة ! ! ولكنه الخوف والجبن وعدم الثقة وفقدان الشجاعة العلمية والادبية ! ! ! وقد هرب من أمامي مرارا وتكرارا لئلا يكشف حاله وزيف علمه أمام أتباعه المفتونين به ولله في خلقه شؤون ! ! ! ولا زلت أدعوه للنقاش والمحاورة والمباحثة والمناظرة وهو يتهرب لافلاسه وجبنه ! ! هذا وقد وقفت على شريط آخر له يهذي به ولا يدري ماذا يخرج من رأسه ! ! ينتقد فيه كتابي " صحيح صفة صلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم ! بالسباب والشتم والغمز واللمز دون أي برهان علمي أو دليل حديثي مقبول ، واستطرد فيه من شدة غيظه فوصفني بالالحاد وبأنني أنكر وجود الله تعالى ! ! وهذا الكلام الذي يتفوه به بين المفتونين به الذين حرموا معرفة الحقائق العلمية ورضوا بأن يقلدوه في شذوذاته وترهاته دون بصيرة لن يجديه شيئا ! ! وقال هنالك بأنني ملحد لانني أقول بان الله تعالى لا يجوز أن يقال بأنه داخل العالم ولا خارجه وزعم - قياسا منه على الاجسام - بأن العدم هو الذي يقال عنه بأنه لا داخل العالم ولا خارجه فقال : إذا لم يكن داخل العالم ولا خارجه فمعناه أنه عدم ! ! هكذا قال الاباني لانه قاس الله تعالى على الاجسام وهذا استنتاج فاشل واستنباط فاسد عاطل ! ! ولو أردت أن أسترسل معه حسب طريقته العرجاء العوجاء هذه لقلت بأنه هو ملحد أيضا لانه يزعم بأن

[ 118 ]

الله تعالى موجود في مكان عدمي ! ! فلنا أن نقول إذن هو يقول بأن الله تعالى عدم وظاهر هذه اللفظة خطير جدا لان الذي في العدم عدم ، وهي أخطر - عنده لو تفكر فيها - بكثير من قول من قال بأن الله تعالى لا يقال إنه داخل العالم ولا خارجه لان قائل ذلك أثبت وجود الله تعالى ولم يذكر لفظة عدم وإنما نفى ذلك لانه لم يرد في الكتاب والسنة وصف الله تعالى بذلك ودلائل العقل والنقل تنفي ذلك ، وأما الالباني الذي يقول بأن الله تعالى في المكان العدمي فهو كمن قال بأن الانسان كان قبل خلقه في جانب العدم في علم الله تعالى ؟ فيكون قد ذكر العدم ووصف الله تعالى بأنه حال به منطوقا بخلاف قولنا الذي استنبط - مخطئا - من مفهومه ما أراد ! ! والمنطوق مقدم على المفهوم كما هو مقرر في الاصول وكما يعرف ذلك الشيخ المتناقض جيدا ! ! فتأملوا ! ! وقد رددت على هذيانه هذا في هذه الرسالة فليتتبع ذلك طالب العلم ومبتني التحصيل من أولي النهي ليعرف مدى فساد تفكيره وضحولة علمه ! ! والله الهادي والموفق . هو الذي يقال عنه بأنه لا داخل العالم ولا خارجه فقال : إذا لم يكن داخل العالم ولا خارجه فمعناه أنه عدم ! ! هكذا قال الاباني لانه قاس الله تعالى على الاجسام وهذا استنتاج فاشل واستنباط فاسد عاطل ! ! ولو أردت أن أسترسل معه حسب طريقته العرجاء العوجاء هذه لقلت بأنه هو ملحد أيضا لانه يزعم بأن

[ 118 ]

الله تعالى موجود في مكان عدمي ! ! فلنا أن نقول إذن هو يقول بأن الله تعالى عدم وظاهر هذه اللفظة خطير جدا لان الذي في العدم عدم ، وهي أخطر - عنده لو تفكر فيها - بكثير من قول من قال بأن الله تعالى لا يقال إنه داخل العالم ولا خارجه لان قائل ذلك أثبت وجود الله تعالى ولم يذكر لفظة عدم وإنما نفى ذلك لانه لم يرد في الكتاب والسنة وصف الله تعالى بذلك ودلائل العقل والنقل تنفي ذلك ، وأما الالباني الذي يقول بأن الله تعالى في المكان العدمي فهو كمن قال بأن الانسان كان قبل خلقه في جانب العدم في علم الله تعالى ؟ فيكون قد ذكر العدم ووصف الله تعالى بأنه حال به منطوقا بخلاف قولنا الذي استنبط - مخطئا - من مفهومه ما أراد ! ! والمنطوق مقدم على المفهوم كما هو مقرر في الاصول وكما يعرف ذلك الشيخ المتناقض جيدا ! ! فتأملوا ! ! وقد رددت على هذيانه هذا في هذه الرسالة فليتتبع ذلك طالب العلم ومبتني التحصيل من أولي النهي ليعرف مدى فساد تفكيره وضحولة علمه ! ! والله الهادي والموفق . سبحانك اللهم - وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك ، والحمد لله رب العالمين .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية