الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




إرغام المبتدع الغبي- حسن بن علي السقاف

إرغام المبتدع الغبي

حسن بن علي السقاف


[ 1 ]

إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي للامام المحدث الاصولي الشريف عبد الله بن محمد بن الصديق الغماري الحسني ويليه الرد على الالباني المسمى ببيان نكث الناكث المعتدي بتضعيف الحارث لمحدث المغرب السيد عبد العزيز الغماري الحسني قدم لهما وعلق عليهما حسن بن علي السقاف

[ 2 ]

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الثانية 1412 ه‍ - 1992 م دار الامام النووي الاردن / عمان ص . ب 925393

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي اختص سيدنا محمدا بالرسالة واجتباه ، فتوسنا واستغثنا به إلى من اختاره واصطفاه ، وجعله افضل الخلق بالكمال ، بما جمله به من الجلال والجمال ، واختاره وبعثه لاظهر كلمة الحق بعد ان مد الضلال رواقه ، فلم يزل بإعزاز الشرع قائما ، ولساعات زمانه في طلب رضا الله قاسما ، لا ينحرف عن مقاصد الصواب ولا يميل ، ولا يخلي مطايا جده في تقوية الدين مما تابع فيه الرسيم والذميل ، إلى ان ازال عن القلوب صدأ الشكوك وجلا ، وأجلى مسعاه عن كل ما اودع نفوس احلاف الباطل والحاقدين وجلا ، ومضى وقد اضاء للايمان هلال أمن سراره ، ورضي لابادة الشرك حساما لا ينبو قط غراره ، فصلى الله عليه وعلى آله الطاهرين ، ورضي عن صحابته المنتخبين ، صلاة يتصل الاصيل فيها بالغدو ، ونرى قيمتها في الاجر وافية العلو . أما بعد : فالتوسل والاستغاثة والتشفع بسيد الانام ، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مصباح الظلام ، من الامور المندوبات المؤكدات ، وخصوصا عند المدلهمات ، وعلى ذلك سار العلماء العاملون ، والاولياء العابدون ، والسادة المحدثون ، والائمة السالفون ، كما قال السبكي فيما نقل عند صاحب فيض القدير (2 / 135) : ويحسن التوسل والاستعانه (1) والتشفع بالنبي إلى ربه ولم ينكر ذلك احد من السلف ولامن الخلف . . . أه‍ . حتى نص السادة الحنابلة في مصنفاتهم الفقهية عل استحباب التوسل بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقلوا ذلك عن الامام احمد انه استحبه كا في كتاب الانصاف فيما ترجح من الخلاف (2 / 456) وغيره ونقل ابن كثير في البداية (14 / 45) ان ابن تيمية أقر أخيرا في المجلس الذي عقده له العلماء العاملون الربانيون


(1) وقد تصحفت وصوابها الاستغاثة أه‍ (*)

[ 4 ]

المجاهدون بالتوسل واصر على انكار الاستغاثة . مع انه يقول في رسالة خاصة له في الاستغاثة بجوازها بالنبي فيما يقدر عليه المخلوق . واعتمد الامام الحافظ النووي استحباب التوسل والاستغاثة في مصنفاته كا في حاشية الايضاح على المناسك له (ص 450) و (ص 498) من طبعة اخرى وفي شرح المهذب المجموع (8 / 274) وففي الاذكار (ص 307) من طبعة دار الفكر في كتاب اذكار الحج وص (184) من طبعة المكتبة العلمية وهو مذهب الشافعية وغيرهم من الائمة المرضيين المجمع على جلالتهم وثقتهم وإني أود ان أسرد بعض الادلة من الاحاديث الصحيحة الثابتة عند علماء المسلمين وائمة الحفاظ والمحدثين ، والتى لم تضرها محاولة تلاعب المتلاعبين في الطعن في اسانيدها ، وغير ذلك من طرق التلاعب والتدليس التي بينتها ومثلت عليها في بهجة الناظر في الفصل الرابع . ولا يعرف الحق كا هو معلوم بالجعجعة وكثرة الكلام ونفخ الكتب بتكثير عدد الصفحات وانما يعرف الحق بالبراهين العلمية ، والادلة الواضحة الجلية ، وان كانت قليلة العبارات ، فهي كثرة التعبيرات والاشارات ، وقد ارشد إلى ذلك سيدنا رسول الله صلى اللة عليه وسلم في قوله (اوتيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا) . وإني ابدأ بعرض بعض أدلة التوسل ثم أردفها بأدلة الاستغاثة المندوبة التي ارشدت إليها السنة الغراء فأقول : أدلة التوسل : (1) حديث الشفاعة المتواتر والمروي في الصحيحين وغيرهما من ان الناس يتوسلون بسيد الانام عند اشتداد الامر عليهم يوم القيامة ويستغيثون به ولو كان التوسل والاستغاثة من الكفر والشرك لم يشفع النبي للناس يؤمئذ ولا يأذن الله له بالشفاعة للمشركين والكفار على زعم من يكفر عباد الله بالالاف ، ويحاول تهييج العامة والسذج على من اظهر كفر من قال بقدم العالم المجمع على كفر قائله ومعتقده ، وايضا لو كان التوسل شركا أو كفرا لبينه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما اخبر اصحابه بحديث الشفاعة . فلما لم يكن كفرا بنص

[ 5 ]

الاحاديث المتواترة كان امرأ مندوبا إليه في الدنيا والاخرة لان العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، ومن قال ان التوسل والاستغاثة كفر في الدنيا ليس كفرا في الآخرة قلنا له : إن الكفر كفر سواء كان في الدنيا أو في الآخرة . قبل موته صلى الله عليه وسلم وبعد موته لا فرق . وان ادعيت الفرق فأت لنا بدليل شرعي مخصص مقبول معتبر . (2) حديث سيدنا عثمان بن حنيف رضي الله عنه قال : (إن رجلا ضريرأ اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال ادع الله ان يعافينى فقال : إن شئت دعوت وان شئت صبرت وهو خير قال فادعه . فأمره ان يتوضأ ويحسن الوضوء ويدعو بهذا الدعاء : اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى اتوجه بك إلى ربي في حاجتي لتقضى اللهم شغعه في . قال سيدنا عثمان : فعاد وقد أبصر) . رواه الترمذي والنسائي والطبراني والحاكم وأقره الذهبي والبيهقي بالاسانيد الصحيحة . وللحديث تتمة صحيحة تأتي في (ارغام المبتدع الغبي) . (3) حديث سيدنا علي رضي الله عنه وكرم وجهه : أن سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن فاطمة بنت أسد أم سيدنا علي رضي الله عنهما قال : اللهم بحقى وحق الانبياء من قبلى اغفر لامى بعد أمي " رواه الطبراني والحاكم مختصرأ وابن حبان وغيرهم وفي اسناده روح بن صلاح قال الحاكم ثقة وضعفه بعضهم والحديث صحيح . (4) وروى الامام البخاري في صحيحه : " ان سيدنا عمر رضى الله عنه استسقى عام الرمادة بالعباس عم النبي صلى الله عليه وسلم ومن قوله توسلا به : اللهم انا كنا نتوسل اليك بنبينا صلى الله عليه وسلم وانا نتوسل اليك بعم نبينا قال فيسقون . وفي الحديث اثبات التوسل به صلى الله عليه وسلم وبيان جواز التوسل بغيره كالصالحين من آل البيت ومن غيرهم . كما قال الحافظ في فتح الباري (2 / 497)

[ 6 ]

وأما أدلة الاستغاثة : (1) فما روى البخاري في صحيحه وغيره من حديث سيدنا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في حديث الشفاعة بلفظ : (ان الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد صلى الله عليه وسلم فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذ يبعثه الله مقاما محمودا يحمده اهل الجمع كلهم) . وهذا صريح في الاستغاثة وهي عامة في جميع الاحوال ، مع لفت النظر أنه صلى الله عليه وسلم حي في قبره يبلغه سلام من يسلم عليه وكلام من يستغيث به لان الاعمال تعرض عليه كما صح فيدعو الله لاصحاب الحاجات . (2) روى الامام احمد بسند حسن كما قال الامام الحافظ ابن حجر في الفتح (8 / 579) عن الحارث بن حسان البكري رضي الله عنه قال : خرجت انا والعلاء بن الحضرمي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم . . . الحديث وفيه - فقلت - اعوذ بالله وبرسوله ان أكون كوافد عاد ، قال - أي سيدنا رسول الله - وما وافد عاد ؟ وهو اعلم بالحديث ولكنه يستطعمه . . . الحديث . وقد استغاث الرجل بالله وبرسوله ولم يكفره سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد خالف إلالباني ذلك فكفر كل مستغيث به صلى الله عليه وسلم كما في توسله ص 7 الطبعة الثانية وقلده في هذه البدعة اصحابه والمتعصبين له وانكروا على من كفر من العلماء مثبت قدم العالم نوعا ومن قال بالحد والجهة والاستقرار وغير ذلك من طامات نسأل الله لهم الهداية وان يردهم إلى دينه والى الحق ردا جميلا . وان يخلصهم من أهوائهم وعنادهم الذى بنوه على سوء فهم كبيرهم الذي علمهم السحر أو فساد قصده وقد يجتمعان . (3) قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الاعمى الصحيح عندما علم الرجل ان يقول : (يا محمد اني اتوجه بك إلى الله) . في كل زمان ومكان .

[ 7 ]

وهذه استغاثة صريحة ، وقد اعتمدها العلماء المحدثون والحفاظ في كتب السنة في صلاة الحاجة حاثين الامة عليها . (4) جاء في البخاري ان النبي صلى اللله عليه وسلم قص على اصحابه قصة السيدة هاجر هي وابنها في مكة قبل ان تبنى الكعبة بعد ان تركهما سيدنا ابراهيم عليه الصلاة والسلام وفي ما قصه أنها لما سمعت صوتا عند الطفل قالت : " إن كنت ذا غوث فأغث " فاستغاثت فإذا بجبريل عليه السلام فغمز الارض بعقبه فخرجت زمزم . ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم أنها كفرت كما يزعم الالباني ولم ينبه ان تلك الاستغاثة منها كفر البتة . وهى تعلم ان صاحب الصوت لن يكون رب العالمين المنزه عن الزمان والمكان . وهناك ادلة كثيرة بجواز التوسل والاستغاثة وندبهما افردتها برسالة خاصة اسميتها (الاغاثة بأدلة الاستغاثة) وقد اقتصرت هنا على بعضها وفيها بيان لمن القى السمع وهو شهيد هذا إذا كان قلبه نظيفا لا يحب رمي عباد الله بالشرك بمجرد مخالفتهم لمزاجه وأراد اقتفاء النبي صلى الله عليه وسلم ، وأختم الاستدلال ببيان مسألة هامة جدا وهى استدلال أخير على التوسل والاستغاثة من احد الصحابة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم واقرار الباقين من الصحابة له وعلى رأسهم سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وهو ما ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري (2 / 495) حيث قال : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح (وصححه أيضا ابن كثير في البداية والنهاية 7 / 92 من طريق البيهقي) عن أبي صالح السمان عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : أصاب الناس قحط شديد في زمن عمر فجاء رجل الي قبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا فاتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام واخبره أنهم يسقون اسناده صحيح وقد ضعف هذا الاثر الصحيح الالباني بحجج أوهى من بيت العنكبوت في توسله ص (119 - 121) وزعم ان مالك الدار مجهول . ونقل ترجمته من كتاب الجرح والتعديل لابن ابي حاتم فقط ليوهم قراءه انه لم يرو عنه الا رجل واحد وهو ابو صالح السمان ، وقد تقرر عند الالبافي بما ينقله عن بعض العلماء من غير المتفق عليه ان الرجل يبقى مجهولا حتى يروى عنه اثنان فأكثر . ثم

[ 8 ]

قال لينصر هواه ان المنذري والهيثمي لم يعرفا مالك الدار فهو مجهول ولا يصح السند لوجود مجهول فيه ثم تبجح قائلا : وهذا علم دقيق لا يعرفه الا من مارس هذه الصناعة . ونحن نقول له بل هذا تدليس وغش وخيانة لا يدريه الا من امتلا قلبه حقدا وعداء على السنة والتوحيد واهلهما . وقد تبعه على هذا الغش والتدليس وزاد عليه احد الاغبياء المتعصبين اللاهثين وراء بريق الدراهم في كتاب له ملاه من هذه البضاعة . تخيل فيه انه رد التوسل وهيهات وهو لم يقرأ العلوم وخاصة ملحة الاعراب على احد ولم يكن له في حياته استاذ يهذب أو شيخ يدرب الا التلقي من صفحات دفاتر هذا الالباني . ونقول في بيان نسف ما قاله الالباني من جهالة مالك الد ار : إذا صرح المنذرى والهيثمي بأنهما لا يعرفانه فنقول للباحث عن الحق اذن لم يصرحا بتوثيق له أو تجريح لانهما لا يعرفانه . لكن هناك من يعرفه وهم ابن سعد والبخاري وعلى ابن المديني وابن حبان والحافظ ابن حجر العسقلاني وغيرهم . فهل يا الباني ينقل كلام من عرفه أم كلام من جهله ؟ ! ! . العجيب ان الالباني يحبذ كلام من جهل حاله ويختاره ويفضله على كلام من علم حاله الذى يستره الالباني ولا يحب ان يطلع عليه احد . وما سأنقله من اقوال الائمة الحفاظ الذين عرفوه في توثيقه كاف في اثبات ما يقوله السيد عبد الله الغماري وغيره من المحدثين والمشتغلين في علم الحديث من ان الالباني يعرف الصواب في كثير من الامور لكنه غاش مدلس خائن مضلل لا يؤتمن على حديث واحد . وقد صرح بذلك كثير من اهل العلم كالسيد احمد الغماري والسيد عبد الله والسيد عبد العزيز المحدثون والشيخ عبد الفتاح ابو غدة والمحدث حبيب الرحمن الاعظمي محدث الهند والباكستان والشيخ اسماعيل الانصاري والشيخ محمد عوامة والشيخ محمود سعيد والشيخ شعيب الارناؤوط وغيرهم عشرات من اهل هذا الفن والمشتغلين به . فأهل الحديث شهدوا بأن هذا الرجل لا يعتمد كلامه في التصحيح والتضعيف لانه يصحح ويضعف حسب الهوى والمزاج وليس حسب القواعد العلمية ومن تتبع اقواله وما يكتبه تحقق ذلك . ويكفينى ان اقول في مالك الدار ان ابن سعد قال في الطبقات (5 / 12) : مالك الدار مولى عمر بن الخطاب روى عن ابي بكر وعمر ثم قال وكان معروفا .

[ 9 ]

وقال الحافظ ابن حجر في الاصابة في ترجمته ترجمة رقم (8356) : له ادراك اي انه معدود من الصحابة ويكفيه في ذلك توثيقا ثم ذكر أنه روى عنه اربعة رجال وهم ابو صالح السمان وابناه عون و عبد الله ابنا مالك و عبد الرحمن بن سعيد بن يربوع المخزومي . ثم قال : قال علي بن المدينى : كان مالك الدار خازنا لعمر أه‍ بمعناه ملخصا . وبذلك نعلم ان سيدنا عمر وسيدنا عثمان قد وثقاه إذ قد ولياه بيت مال المسلمين وفي ذلك اقوى توثيق له ايضأ . - وقد نقل الحافظ الخليلي في كتابه الارشاد (/) الاتفاق عل توثيق مالك الدار فقال هناك : " متفق عليه أثنى عليه التابعون " . فقد ذهب كلام الالباني هباء وللموضوع توسع في رسالة لنا خاصة اسميناها بالباهر . والله يقول الحق وهو يهدي السبيل . حسن بن علي السقاف

[ 11 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله الاكرمين ، ورضي الله عن صحابته والتابعين . وبعد ، فإن الشيخ الالباني سامحه الله تعالى صاحب غرض وهوى ، إذا رأى حديثا أو اثرا لا يوافق هواه فإنه يسعى في تضعيفه بأسلوب فيه تدليس وغش (1) ، ليوهم قراءه انه مصيب ، مع انه مخطئ بل خاطئ غاش ، وبأسلوبه هذا ضلل كثيرا من أصحابه الذين يثقون به ويظنون انه على صواب ، والواقع خلاف ذلك . ومن المخدوعين به من يدعى حمدي السلفي (2) الذي يحقق المعجم الكبير ، فقد أقدم بجرأة على تضعيف أثر صحيح لم يوافق هواه كما لم لرافق هوى شيخه (3) وكان كلامه في تضعيفه هو كلام شيخه نفسه . فأردت ان ارد الحق إلى نصابه ، ببيان بطلان كلام الخادع والمخدوع به ، وعلى الله اعتمادي ، واليه تفويضي واستنادي . روى الطبراني في المعجم الكبير (9 / 17) من طريق ابن وهب عن شبيب عن روح بن القاسم عن ابي جعفر الخطمي المدني عن ابي أمامة بن سهل بن حنيف عن


(1) كما ضعف الاثر الصحيح الذي قال عنه ابن حجر العسقلاني في الفتح (2 / 495) : روى ابن ابي شيبة باسناد صحيح عن ابي صالح عن مالك الدار وكان خازن عمر قال : (اصاب الناس‍ قحط شديد في زمن عمر ، فجاء رجل إلى قبر النبي صلي الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله استسق لامتك فإنهم قد هلكوا ، فأتي الرجل في المنام فقيل له ائت عمر واقرئه السلام وأخبرهم انهم يسقون) ضعفه الالباني بجهالة مالك الدار مع انه ثقة بإجماع الصحابة وغيرهم زمن سيدنا عمر وسيدنا عثمان رضي الله عنهما ولم يجرحه أحد البتة وغير ذلك مما بسطناه في غير هذا الموضوع فهذا الاثر صحيح وقد ضعفه الالباني لانه مخالف لهواه بحجج واهية غير مقبولة حسب الموازين العلمية ، فتأمل . (2) وقد أساء هذا المقلد غاية الاساءة في ترجمة الحافظ أحمد الغماري في مقدمة تعليقاته على (فتح الوهاب بتخريج أحاديث الشهاب) فاتهمه وبهته بما هو برئ منه . (3) مع انه من المعلوم لا يجوز التصحيح والتضعيف الا من الحافظ كما هو في كتب المصطلح . (*)

[ 12 ]

عمه عثمان بن حنيف رضي الله عنه : أن رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه في حاجة له فكان عثمان لا يلتفت إليه ، ولا ينظر في حاجته ، فلقي عثمان بن حنيف فشكا إليه ذلك ، فقال له عثمان بن حنيف : ائت الميضأة فتوضأ ثم ائت المسجد ، فصل فيه ركعتين ، ثم قل : اللهم إني أسألك وأتوجه اليك بنبيك محمد صلى الله عليه وسلم نبى الرحمة ، يا محمد اني اتوجه بك إلى ربي فتقضي لى حاجتى ، وتذكر حاجتك ، ورح إلي حتى أروح معك . فانطلق الرجل فصنع ما قال له ، ثم اتى باب عثمان بن عفان فجاء البواب حتى أخذ بيده ، فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه معه على الطنفسة ، وقال له ما حاجتك فذكر حاجته ، فقضاها له ، ثم قال : ما ذكرت حاجتك حتى كانت هذه الساعة ، وقال : ما كانت لك من حاجة فائتنا . ثم ان الرجل خرج من عنده فلقى عثمان بن حنيف ، فقال له : جزاك الله خيرا ، ما كان ينظر في حاجتى ولا يلتفت الي حتى كلمته في . فقال عثمان بن حنيف : والله ما كلمته ولكن شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأتاه رجل ضرير فشكا إليه ذهاب بصره . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : أو تصبر ؟ فقال : يا رسول الله انه ليس لي قائد وقد شق علي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " ائت الميضأة فتوضأ ثم صل ركعتين ، ثم ادع بهذه الدعوات) قال عثمان بن حنيف : فوالله ما تفرقنا وطال بنا الحديث ، حتى دخل علينا الرجل كأنه لم يكن به ضر قط " . صححه الطبراني ، وتعقبه حمدى السلفي بقوله : لا شك في صحة الحديث المرفوع ، وانما الشك في هذه القصة التي يستدل بها على التوسل المبتدع ، وهي انفرد بها شبيب كا قال الطبراني ، وشبيب لا بأس بحديثه ، بشرطين ان يكون من رواية ابنه احمد عنه ، وان يكون من رواية شبيب عن يونس بن يزيد . والحديث رواه عن شبيب ابن وهب وولداه اسماعيل واحمد ، وقد تكلم الثقات في رواية ابن وهب عن شبيب ، في شبيب ، وابنه اسماعيل لا يعرف ، وأحمد وان روى القصة عن ابيه الا انها ليست من طريق يونس بن يزيد ، ثم اختلف فيها على احمد ، ورواه ابن السنى في عمل اليوم والليلة والحاكم من ثلاثة طرق بدون ذكر القصة ، ورواه الحاكم من طريق عون بن عمارة البصري عن روح بن القاسم به ، قا أي شيخنا محمد

[ 13 ]

ناصر الدين الالباني : وعون هذا وان كان ضعيفا فروايته اولى من رواية شبيب لموافقتها لرواية شعبة وحماد بن سلمة عن ابي جعفر الخطمي . (4) أ ه‍ . وفي هذا الكلام تدليس وتحريف نبينه فيما يلي . (اولا) : هذه القصة رواها البيهقي في دلائل النبوة (5) من طريق يعقرب بن سفيان حدثنا


(4) وفي هذا الكلام من الاباني كتمان لتمام ما رواه وذكره الحاكم في المستدرك (1 / 526) : والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون أ ه‍ ، فكتم الالباني هذا ورمى خصومه بكتم ما فيه عكس مصالحهم كما يدعى ، كما فعل مثلا في متدمته الجديدة الي اسفرت عن اخلاقه في آداب زفافه الذي خالف فبه الحدث والاجماع . سهل الله الرد عليه قريبا .

(5) انظر دلائل النبوة بتحقيق القلعجي (6 / 166 - 168) وقد اورد البهيقى في الدلائل (6 / 167) القصة اولا من طريق اسماعيل بن شبيب حدثنا ابي عن روح بن القاسم ثم (ص 168) ثم ثني بذكر ان القصة مروية من طريق أحمد ابن شبيب ، وقال : وهذه زيادة الحقتها به في شهر رمضان سنة اربع واربعين . فتكون القصة مروية عند البيهقي في الدلائل من طريق احمد ابن شبيب عن أبيه عن روح ، وقد صحح الحاكم في المستدرك (1 / 527) هذا السند على شرط البخاري واقره على ذلك الذهبي ، وهو الموافق لكلام الحافظ في التقريب (2739) طبعة محمد عوامة) : لا بأس بحديثه من رواية ابنه احمد عنه . . . وقول الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري (ص 409) : قلت : اخرج البخاري من رواية ابنه عن يونس احاديث . ولم يخرج من روايته عن غير يونس ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا . أه‍ . أقول : وقول الحافظ : (ولم يخرج من روايته عن غير يونس احاديث) ليس تصريحا من الحافظ بضعف رواية شبيب عن غير يونس ولا إشارة كما توهم الالباني واستنبط في (التوسل انواعه وأحكامه 87 الطبعة ا لثانية) لوجوه : 1) انه اراد ان يدفع عن رواية شبيب أي شائبة طعن لانه ذكر عن ابن عدي ان روايته عن يونس مستقيمة وقد قوعت في البخاري عن يونس وهي المثهود لها بالصحة والاستقامة ولم تقع عن غيره ، فليس في ذلك كله أي طعن اشارة أو تمريحا برواية شبيب غير يونس ، وانما المراد بيان اقوى رواياته واكثرها استقامة هي التي وقعت في البخاري . وأما قول الحافظ : (ولا من رواية ابن وهب عنه شيئا) فمراده انه لما نقل الطعن في رواية ابن وهب عن شبيب بأن فيها مناكير اراد ان يبرئ روايته في البخاري من طريق ابن وهب عنه ، فلما ذكر الحافظ ان رواية شبيب من طريق ابن وهب عنه منكرة ، ولم ينقل في روايته عن يونس الايلى طعن اتتضح المراد الذى قررناه ، والذي يوافق : 2) ما ذكره الحافظ في التقريب عنه ، انه إذا روي الحديث من طريق ابنه احمد عنه فهو لا باس به . 3) ان الحافظ كالحاكم والذهبي حكموا على رواية احمد بن شبيب عن ابيه عن روح بانها على شرط (*)

[ 14 ]

احمد بن شبيب (6) بن سعيد ثنا أبي عن روح بن القاسم (7) عن ابي جعفر الخطمى عن ابى امامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف ان رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه ، فذكر القصة بتمامها . ويعقوب بن سفيان هو الفسوي الحافظ الامام الثقة ، بل هو فوق الثقة ، وهذا اسناد صحيح . البخاري ، ومعنى ذلك انها صحيحة وهذا الذي يوافق كلام الحافظ ، ويبطل ما استنبطه الاباني من كلام الحافظ في مقدمة فتح الباري فليتأمل . 4) ان الحافظ ايضا صححوا هذه القصة ، كالمنذري في الترغيب والترهيب (1 / 476) باقراره للطبراني ، والهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) ايضا ، وقبلهما الامام الحافظ الطبراني في معجمه الصغير (1 / 307 الروض الداني) وغيرهم . 5) انه لم ينقل الالباني عن حافظ واحد انه نص على تضعيف القصة مع ملاحظة هؤلاء الحفاظ من الائمة الاعلام كالمنذري والهيثمي وغيرهما لم ينصوا على ان هذا بدعة أو شرك ، بل ذكروها في ابواب صلاة الحاجة ناصين على التصحيح مقرين له ، غير معقبين عليه بالضعف والنكارة أو الشرك والبدعة كما فعل الاباني القاصر في هذا العلم . 6) وقد تقرر في علم المصطلح اتفاق الحفاظ على عدم جواز التصحيح والتضعيف لغير الحافظ ، ولا عبرة بقول أمثال الالباني الذين هم ليسوا حفاظا ولم يتلقوا هذا العلم عن أهله ، فهل نصغي للائمة الحفاظ اهل هذا الشأن ام إلى الالباني الذي ظهر خطله ؟ ا . وبهذا كله يسقط قول الالباني في توسله ص 88 حيث قال : ومن عجائب التعصب واتباع الهوى ان الشيخ الغماري اورد روايات هذه القصة في المصباح ص 12 - 17 . . ثم لم يتكلم عليها مطلتا لا تصحيحا ولا تضعيفا والسبب واضح ، اما التصحيح فغير ممكن صناعة واما التضعيف فهو الحق ولكن . . .) أه‍ كلامه بشينه ومينه ، وقد تبين ان التصحيح هو الصحيح الثابت صناعة وان التضعيف هو لتعصب الالباني واتباع هواه وما يوحيه إليه شيطانه ، وبان ان هذه الوصمة هي صفة الالباني وليست صفة الامام الحافظ المحدث الحجة سيدي عبد الله والحمد لله . تماما كما قالوا : " رمتني بدائها وانسلت " . (6) احمد بن شبيب قال الذهبي في الميزان (1 / 103 - 104) : صدوق ، ثم نقل عن الازدي أنه قال منكر الحديث ، ثم رد عليه وقال : قلت : قد وثقه ابو حاتم أ ه‍ ، قلت : وهو من رجال البخاري كما في الجمع (1 / 10 - 18) . (7) قال الحافظ في التقريب (1970 طبعة محمد عوامة) : ثقة حافظ من رجال البخاري ومسلم وابو داود والنسائي وابن ماجه . (*)

[ 15 ]

فالقصة صحيحة جدا ، وقد وافق على تصحيحها ايضا الحافظ المنذري في الترغيب (ج 2 / 6 06) (8) والحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد (2 / 279) . (ثانيا) : احمد بن شبيب من رجال البخاري ، روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد ، وثقه ابو حاتم الرازي وكتب عنه هو وأبو زرعة ، وقال ابن عدي : وثقه أهل البصرة وكتب عنه علي ابن المديني (9) . وأبوه شبيب بن سعيد التميمي الحبطي البصري ابو سعيد من رجال البخاري أيضا (*) روى عنه في الصحيح وفي الادب المفرد . وثقه ابو زرعة وابو حاتم والنسائي والذهلي والدارقطني والطبراني في الاوسط . قال ابو حاتم : كان عنده كتب يونس بن زيد ، وهو صالح الحديث لا بأس به : وقال ابن عدي : ولشبيب نسخة الزهري عنده عن يونس عن الزهري أحاديث مستقيمة . وقال ابن المدينى : ثقة كان يختلف في تجارة إلى مصر وكتابه كتاب صحيح ، هذا ما يتعلق بتوثيق شبيب ، وليس فيه اشتراط صحة روايته بأن تكون عن يونس بن يزيد ، بل صرح ابن المديني بأنه كتابه صحيح . وابن عدي انما تكلم على نسخة الزهري عن شبيب فقط ، ولم يقصد جميع رواياته ، فما ادعاه الالباني تدليس وخيانة . يؤكد ذلك ان حديث الضرير صححه الحفاظ ولم يروه شبيب عن يونس عن ا لزهري ! ! وانما رواه عن روح بن القاسم ، ودعواه ضعف القصة بالاختلاف فيها حيث لم يذكرها بعض الرواة عند ابن السنى والحاكم ، لون آخر من التدليس (10) لان من


(8) في الطبعة الواقعة في 4 مجلدات في (1 / 476) . (9) انظر تهذيب التهذيب (1 / 31 - 32) . (*) وقد انغر كاتب متعصب بكلام الالباني في اكتوبة اسماها بالزهر ص 79 بان شبيب متكلم في حفظه كما أوهم كلام بعضهم في التهذيب 4 / 270 فأبان عن غباء وتدليس . (10) ولا شك ان تدليسه على الطلبة والضعفاء في هذا الفن له الوان واشكال . (*)

[ 16 ]

المعلوم عند اهل العلم ان بعض الرواة يروي الحديث وما يتصل به كاملا ، وبعضهم يختصر منه ، بحسب الحاجة . والبخاري يفعل هذا ايضا ، فكثيرا ما يذكر الحديث مختصرا أو يوجد عند غيره تاما . والذي ذكر القصة في رواية البهيقي إمام فذ يقول عنه ابو زرعة الدمشقي : قدم علينا رجلان من نبلاء الناس احدهما وارحلهما يعقوب بن سفيان (1) يعجز اهل العراق ان يرو مثله رجلا . وتقديمه رواية عون (12) الضعيف على من زاد القصة ، لون ثالث من التدليس والغش . فإن الحاكم روى حديث الضرير من طريق عون مختصرا ثم قال : تابعه شبيب ابن سعيد الحبطى عن روح بن القاسم زيادات في المتن والاسناد ، والقول فيه قول شبيب فإنه ثقة مأمون ، هذا كلام الحاكم ، وهو يؤكد ما تقرر عند علماء الحديث والاصول ان زيادة الثقة مقبولة ، وأن من حفظ حجة على من لم يحفظ (13) . والالباني رأى كلام الحاكم لكن لم يعجبه لذلك ضرب عنه صفحا ، وتمسك بأولوية رواية عون الضعيف عنادا وخيانة (14) . (ثالثا) : تبين مما اوردناه وحققناه في كشف تدليس الالباني وغشه ان القصة صحيحة جدا رغم محاولاته وتدليساته وهى تفيد جواز التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم بعد انتقاله ، لان الصحابي راوي الحديث ، فهم ذلك ، وفهم الراوي له قيمته العلمية ، وله وزنه في مجال الاستنباط . وانما قلنا ان القصة من فهم الصحابي ، على سبيل التنزل ، والحقيقة ان ما فعله عثمان بن حنيف من ارشاده الرجل إلى التوسل ، كان تنفيذا لما سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم ، كما ثبت في حديث الضرير .


(11) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (11 / 338) . (12) انظر ترجمته في تهذيب التهذيب (8 / 154) . (13) كما تقرر عند الحفاظ واهل الشأن . (14) كما ضرب صفحا عن ترجمة مالك الدار في الاصابة وطبقات ابن سعد وثقات ابن حبان وكم لذلك من ا شتبا ه . (*)

[ 17 ]

قال ابن ابي خيثمة (15) في تاريخه : حدثنا مسلم بن ابراهيم (16) ثنا حماد بن سلمة (17) أنا ابو جعفر الخطمي (18) عن عمارة بن خزيمة (19) عن عثمان بن حنيف رضي الله عنه : ان رجلا اعمى اتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : اني أصبت في بصري فادع الله لى قال : " اذهب فتوضأ وصل ركعتين ثم قل اللهم اني اسألك واتوجه اليك بنبيي محمد نبي الرحمة يا محمد اني استشفع بك عن ربي في رد بصري اللهم فشفعني في نفسي وشفع نبيي في رد بصرى وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك " اسناد ه صحيح . والجملة الاخيرة من الحديث تصرح بإذن النبي صلى الله عليه وسلم في التوسل به عند عروض حاجة تقتضيه . وقد أعل ابن تيمية هذه الجملة بعلل واهية . بينت بطلانها في غير هذا المحل (2) ، وابن تيمية جرئ في رد الحديث الذي لا يوافق غرضه . ولو كان في الصحيح (21) .


(15) هو الحافظ الحجة الثقة أحمد بن ابي خيثمة زهير بن حرب النسائي ابو بكر الحافظ ابن الحافظ ، قال الداقطني ، ثقة مأمون . انظر سير اعلام النبلاء (11 / 492) . (16) من رجال الستة ، انظر تهذيب التهذيب (10 / 109) . . (17) في التقريب (1498) ثقة عابد . من رجال مسلم والاربعة . (18) اسمه عمير بن يزيد بن عمير ترجمته في التهذيب (8 / 134) . وهو ثقة . (19) ترجمته في التهذيب (7 / 364) وهو ثقة . (20) بينها في كتابه (ممباح الزجاجة - طبعة عالم الكتب ص 37) ودحض كلام ابن تيمية ومنه يتبين سقوط كلام الالباني في (توسله ص 83) حيث اعترض على الشيخ وانه وضع القاعدة التى جلبها من نخبة الفكر في غير محلها . والحمد لله . (21) أو صحيحا في غير صحيح البخاري ومسلم : كحديث السيدة عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم : " كان يقصر الصلاة في السفر ويتم ويفطر ويصوم) قال الدراقطني : هذا اسناد صحيح . وانظر سنن البيهقي (3 / 142) والجوهر النقي اسفل الصحيفة للتركماني ، فقال ابن القيم في زاد المعاد : وسمعت شيخ الاسلام ابن تيمية يقول : هو كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم . أفاده السيد عبد الله في كتابه المبح السافر (ص 37) فانظره . وتأمل . وفي لسان الميزان (6 / 319) ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة يوسف بن الحسن الرافضي ، ان ابن تيمية رداحاديثا جيادا وغير ذلك . (*)

[ 18 ]

مثال ذلك : روى البخاري في صحيحه حديث : " كان الله ولم يكن شئ غيره وهو موافق لدلائل النقل والعقل والاجماع المتيقن . لكنه خالف رأيه في اعتقاده قدم العالم ، فعمد إلى رواية للبخاري ايضا في هذا الحديث بلفظ " كان الله ولم يكن شئ قبله " فرجحها على الرواية المذكورة ، بدعوى انها توافق الحديث الآخر " انت الاول فليس قبلك شئ " . قال الحافظ ابن حجر (22) : مع ان قضية الجمع بين الروايتين تقتضي حمل هذه الرواية على الاولى لا العكس ، والجمع مقدم عل الترجيح بالاتفاق . أه‍ . قلت : تعصبه لرأيه اعماه عن فهم الروايتين اللتين لم يكن بينهما تعارض ، لان رواية " كان شئ " . مثال ثان : حديث امر رسول الله صلى الله عليه وسلم بسد الابواب الشارعة في المسجد وترك باب علي عليه السلام ، حديث صحيح ، أخطأ ابن الجوزى بذكره في الموضوعات . ورد عليه الحافظ في القول المسدد (23) . وابن تيمية لانحرافه عن علي عليه السلام كما هو معلوم . لم يكفه حكم ابن الجوزى . بوضعه فزاد من كيسه حكاية اتفاق المحدثين على وضعه ، وامثلة رده للاحاديث التي يردها لمخالفة رأيه كثيرة يعسر تتبعها . (رابعا) : ونقول على سبيل التنزل : لو فرضنا ان القصة ضعيفة تطيبا لخاطر الالباني ، وان روايهة ابن ابي خيثمة معلولة كما في محاولة ابن تيمية (24) ، قلنا في حديث توسل


(22) في فتح الباري (13 / 410) . (23) القول المسدد (طبقة عالم الكتب ص 10 - 11) . (24) اي لو سلم ذلك جدلا ، مع كون ادعاء ضعف القصة وما اشبه ذلك باطلا قطعا . (*)

[ 19 ]

الضرير كفاية وغناء ، لان النبي حين علم الضرير ذلك التوسل ، دل على مشروعيته في جميع الحالات . ولا يجوز ان يقال عنه : توسل مبتدع ، ولا يحوز تخصيصه بحال حياته صلى الله عليه وسلم ، ومن خصصه فهو المبتدع حقيقة لانه عطل حديثا صحيحا وابطل العمل به ، وهو حرام . والالباني عفا الله عنه جرئ على دعوى التخصيص والنسخ لمجرد خلاف رأيه وهواه . فحديث الضرير لو كان خاصا به ، لببنه النبي صلى الله عليه وسلم ، كما بين لابي بردة ان الجذعة من المعز تجزئه في الاضحية ولا تجزئ غيره ، كما في الصحيحين . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز (25) . " اعتذار وجوابه " قد يقال : الداعي إلى تخصيصي الحديث بحال حياة النبي صلى الله عليه وسلم ما فيه من ندائه ، وهو عذر مقبول . والجواب : ان هذا اعتذار مردود (26) ، لانه تواتر عن النبي صلى عليه وسلم تعليم التشهد في الصلاة ، وفيه السلام عليه بالخطاب ونداؤه (السلام عليك ايها النبي) وبهذه الصيغة علمه على المنبر النبوى ابو بكر وعمر (27) ، وابن الزبير ومعاوية ، واستقر عليه الاجماع كما يقول ابن حزم (28) وإبن تيمية (29) والالباني لابتداعه خالف هذا كله ، وتمسك بقول ابن مسعود ، فلما مات قلنا السلام على النبي ، ومخالفة التواتر والاجماع ، هي عين الابتداع .


(25) كما هو مقرر في الاصول . (26) كما وضح ذلك المصنف في كتابه (القول المقنع في الرد على الالبناني المبتدع (ص 13 - 18) فلينظر فانه مهم . (27) كما ثبت ذلك بالاسانيد الصحيحة في الموطأ ومصنف ابن ابي شيبة ومصنف عبد الرزاق ومعاني الاثار . (28) كما في الفصل في النحل لابن جزم (1 / 89) . (29) في كتابه الجواب الباهر . (*)

[ 20 ]

مع انه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ان اعمالنا تعرض عليه (30) ، وكذلك صلاتنا عليه صلى الله عليه وسلم ، تعرض عليه ، وثبت ان لله ملالكة سياحين في الارض يبلغونه سلام امته ، وثبت بالتواتر والاجماع ان النبي صلى الله عليه وسلم حي في قبره (31) ، وان جسده الشريف لا يبلى ، فكيف يمتنع مع هذا نداؤه في التوسل به (32) وهل هو إلا مثل ندائه في التشهد ! . ولكن الالباني عنيد شديد العناد ، والالبانيون عندهم عناد ، وصلابة في الرأي ، أخبرني بذلك عالم الباني حضر على في تفسير البيضاوي وشرح التحرير لابن امير الحاج ، وكان وديعا هادئ الطبع ، وهو تلميذ لى .


(30) كما جاء في الحديث الصحيح : " حياتي خير لكم تحدثون ويحدث لكم تعرض علي اعمالكم فما رأيت من خير حمدت الله وما رايت من شر استغفرت لكم " وهو من رواية سيدنا عبد الله بن مسعود ، واوله : " ان لله ملائكة سياحبن يبلغوني عن امتي السلام " ثم قال : وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (حياتي . . .) الحديث . قال العراقي في طرح التثريب : اسناده جيد أه‍ . اي صحيح . وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : رجال اسناده رجال الصحيح أه‍ . وقال السيوطي في الخصائص الكبرى : اسناده صحيح وكذا علي القارى والخفاجي ، وقد جمع الحافظ ابن حجر في فتح الباري (11 / 385) بينه وبين حديث (انك لا تدرى ما احدثوا بعدك) ونقل الجمع عن خمسة من الحفاظ ، فانظره . (31) انظر نظم المتناثر من الحديث المتواتر (طبعة دار الكتب العلمية) ص 135 ، حديث رقم (115) حياة الانبياء في قبورهم . (32) قال العلامة ابن حجر الهيثمى في قصيدة له شرحها الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي : تواترت الادلة والنقول فما يحصي المصنف ما يقول بأن المصطفى حي طرئ هلال ليس يطرقه أفول وأن الجسم منه بقاع لحد كورد لا يدنسه الذبول وأن الهاشمي بكل وصف جميل لا يغيره الحلول ويسمعهم إذا صلوا عليه باذنيه فقصر يا ملول ومن لم يعتقد هذابطه يقينا فهو زنديق جهول عبيد هيتمي مستجير بمن حطت بساحته الحمول وجاء في حديث اوس بن اوس مرفوعا : " ان الله حرم على الارض اجساد الانبياء " وهو حديث صحيح رواه ابو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم . (*)

[ 21 ]

هذا موجز ردنا لدعوى الالباني . اما من يدعى حمدى السلفي فليس هناك ، وانما هو مجرد مخدوع يردد الصدا (33) . (خامسا) : والذي اقرره هنا ، ان الالباني غير مؤتمن في تصحيحه وتضعيفه ، بل يستعمل في ذلك انواعا من التدليس والخيانة في النقل ، والتحريف في كلام العلماء (34) ، مع جرأته على مخالفة الاجماع * ، وعلى دعوى النسخ بدون دليل ، وهذا يرجع إلى جهله بعلم الاصول ، وقواعد الاستنباط ، ويدعى انه يحارب البدع مثل التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وتسويده في الصلاة عليه (35) ، وقراءة القرآن على الميت ! ! لكنه يرتكب اقبح البدع بتحريم ما أحل الله ، وشتم مخالفيه بأقذر الشتائم خصوصا الاشعرية والصوفية ، وحاله في هذا كحال ابن تيمية ، تطاول على الناس فأكفر طائفة من العلماء ، وبدع طائفة اخرى ، ثم اعتنق هو بدعتين لا يوجد اقبح منهما : احداهما قوله بقدم العالم (36) ، وهي بدعة كفرية (37) والعياذ بالله تعالى .


(33) يعني لا صلة له بعلم الحديت ولا معرفة وانما هو مقلد هذا الجاهل . (34) ويتضح ذلك لمن طالع كتاب : " تنبيه المسلم إلى تعدى الالباني على صحيح مسلم " وكتاب " وصول التهاني " للمحقق البحاثة محمود سعيد و " بيان نكث الناكث " للسيد المحدث عبد العزيز الغماري متعنا الله بحباته . وغير ذلك من الكتب المفيدة . (*) وقد صنفت في الرد عليه في انكاره الاجماع كتابا اسميته (احتجاج الخائب بعبارة من ادعى الاجماع فهو كاذب) فلينظر . (35) اعلم ان حديت " لا تسيدوني في الصلاة " كذب موضوع نص على ذلك جماعة منهم الحافظ السخاوى في المقاصد الحسنة وعلي القارى في موضوعاته الكبرى والصغرى ، والعجلوني في كشف الخفاء وابن حجر الهيتمي في المنهاج القويم . وعندنا معاشر الشافعية تسويد النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة الابرهيمية وغيرها سنة ، وقد اعتمد ذلك الرملي والزيادي والحلبي وابن ظهيرة ، وقال ابن حجر في الايعاب : الاولى سلوك الادب اي فيأتي بسيدنا ، افادة العلامة الكردى في الحواشي المدينة (1 / 174 طبعة مكتبة الغزالي) وكذا غيره . (36) قال ذلك في عدة من كتبه كمنهاج السنة (1 / 109) والموافقة (2 / 75) من الطبعة الواقعة في هامش منهاج السنة في مجلدين . (37) باجماع العلماء وقد نقل ذلك خلائق حتى ابن حزم في مراتب الاجماع (167) وهذا الاجماع مدعم بنصوص الكتاب والسنة والتي فصلناها في كتابنا ، (التنبيه والرد على معتقد قدم العالم والحد) فليراجع . (*)

[ 22 ]

والاخرى انحرافه عن علي عليه السلام (38) ، ولذلك وسمه علماء عصره بالنفاق ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم لعلي " لا يحبك الا مؤمن ولا يبعضك الا منافق " وهذه عقوبة من الله لابن تيمية (39) الذى يسميه الالباني شيخ الاسلام (40) ، ولا ادري كيف يعطي هذا اللقب وهو يعتقد عقيدة تناقض الاسلام ؟ ! ! واظن بل اجزم ان الحافظ ابن ناصر لو اطلع على عقيدته وما فيها من طامات ، لما كتب في الدفاع عنه كتاب الرد الوافر (41) ، لانه كتبه وهو مغرور بمن اثنى عليه ،


(38) نقل الحافظ ابن حجر العسقلاني في الدرر الكامنة (1 / 114) ان ابن تيمية خطا امير المؤمنين عليا كرم الله وجهه في سبعة عشر موضعا خالف نص الكتاب ، وان العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في سيدنا علي ، ولقوله ايضا فيه : أنه كان مخذولا ، وانه قاتل للرياسة لا للديانة فمن شاء فليراجع الدرر الكامنة . وقال ابن تيمية في منهاج السنة (2 / 203) ما نصه : (وليسس علينا ان نبايع عاجزا عن العدل علينا ولا تاركا له . . .) وانظر لزاما التوفيق الربنني في الرد على ابن تيمية الحراني (ص 85) والفرق بين الفرق (ص 350 - 351) . (39) انظر كتاب الصبح السافر في تحقيق صلاة المسافر للسيد عبد الله بن محمد بن الصديق مؤلف هذا الكتاب (ص 54) . (40) انظر القول المقنع في الرد على الاباني المبتدع للمؤلف ص (9) . والالباني حريص كل الحرص على نلقيب ابن تيمية بشيخ الاسلام مع انه لقب مبتدع لا اصل له عن السلف الا ما جاء باسناد واه عن عبد الله بن ابي رأس المنافقين : أنه رأى ابا بكر رضي الله عنه وجماعة من الصحابة ، فقال لاصحابه انظروا كيف أصرف هؤلاء السفهاء فقتدم إلى ابي بكر فصافحه وسماه شيخ الاسلام نفاقأ ومداهنة ، ثم ان الاسلام دين الله انزله على رسوله (محمد صلى الله عليه وسلم) فكيف يكون احد شيخا له ؟ ! والعجيب في امر هذا الاباني انه يحرص على ابن تيمية بهذا اللقب المبتدع ويعيب على الذين يسودون النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الصلاة عليه ويعتبر لفظ السيادة (الواردة في القرآن والسنة) بدعة ؟ ! ويعتبر الذين يذكرونها مبتدعة ! مع ان سيادته صلى الله عليه وآله وسلم ثابتة بالتواتر . ومعلومة بالضرورة لكل مسلم ا . ه‍ فأقول : وكتاب الرد الوافر هذا من فرح بما فييه فقد فرح في غير مفرح حقا ، وماذا يفيد ثناء الناس على رجل ثبت الزيغ في كتبه ؟ ! ومن قال بقدم العالم وقيام الحوادث بذات الله تعالى وغيرها من الطامات المستشنعة لا ينفعه مديح المادحين ولا ثناء المثنين وخصوصأ إذا علم ايضا ان اقوال من نقل ثناءهم لديه ، مسطرة في كتبهم ومؤلفاتهم بذمهم عليه . فليستيقظ المخدعون . (*)

[ 23 ]

وكذلك الالوسي ابن صاحب التفسير ، لو عرف عقيدته على حقيقتها ، ما كتب جلاء العينين . وشواذ الالباني في اجتهاداته الاثمة ، وغشه وخيانته في التصحيح والتضعيف حسب الهوى ، واستطالته على العلماء وافاضل المسلمين . كل ذلك عقوبة من الله له ، وهو لا يشعر ، فهو من الذين (يحسبون انهم يحسنون صنعا الا ساء ما يظنون) . نسأل الله العافية مما ابتلاه به ، ونعوذ بالله من كل سوء . والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الاكرمين . (الحا ق) قال الدرامي في سننه (42) : حدثنا ابو النعمان ثنا سعيد بن زيد ثنا عمرو بن مالك النكري حدثنا ابو الجوزاء اوس بن عبد اللة قال : قحط اهل المدينة قحطا شديدا ، فشكوا إلى عائشة ، فقالت انظروا قبر النبي صلى الله عليه وسلم فافتحوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف ففعلوا . فمطرنا مطرا حتى نبت العشب وسمنت الابل حتى تفتقت من الشحم فسمى عام الفتق . ضعف الالباني هذا الاثر بسعيد بن زيد ، وهو مردود لان سعيدا من رجال مسلم ووثقه يجيى بن معين (43) .


(42) رواه الدارمي في سننه في المقدمة (1 / 42) وكذا (1 / 43) باب 5 من الطبعة الهندية باسناد صحيح . (43) ذكر الالباني تضعيفه في كتاب (التوسل انواعه واحكامه الطبعة الثانية ص (128) : واحتج بحجج باطلة على عادته في تمويهاته ، حيث نقل كلام ابن حجر في التقربب الذي يوافق هواه ولم ينقل من هنالك انه من رجال مسلم في صحيحه ، فلننتبه إلى هذا التدليس وهذه الخيانة التي تعود عليها هذا الرجل الذي يصف اعدائه بكتمان الحق وما يخالف آرائهم كما في مقدمته الجدبدة لاداب زفافه والتى حلاها بما دل على اختلاطه من هجر وخنا . ثم اردف ذلك بنقل ترجمة " سعيد بن زيد " من الميزان للذهبي زيادة في الكتم والتعمية ، وقد خان فلم يذكر ما ذكر الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب (4 / 29) من نقل اقوال موثقيه زيادة على انه من رجال مسلم في الصحيح فقد قال البخاري حدثنا مسلم هو ابن ابراهيم ثنا سعيد بن زبد ابو الحسن (*)

[ 24 ]

وضعفه ايضا باختلاط ابي النعمان (44) ، وهو تضعيف غير صحيح لان اختلاط ابي النعمان لم يؤثر في روايته ، قال الدارقطني : تغير بأخرة وما ظهر له بعد اختلاط حديث منكر وهو ثقة . وقول ابن حبان : وقع في حديثه المناكير الكثيرة بعد اختلاطه ، رده الذهبي فقال : لم يقدر ابن حبان ان يسوق له حديثا منكرا والقول


صدوق حافظ . وقال الدوري عن ابن معين ثقة ، وقال ابن سعد : كان ثقة ، وقال العجلي : بصري ثقة وقال ابو زرعة سمعت سليمان بن حرب يقول ثنا سعيد بن زيد وكان ثقة ، وقال ابو جعفر الدارمي ثنا حبان بن هلال ثنا سعيد بن زيد وكان حافظا صدوقا ، وقال ابن عدى : وليس له من منكر لا يأتي به غيره وهو عندي في جملة من ينسب إلى الصدق أ . ه‍ فإذا تأملنا هذه النقول في توثيقه ووصفه بالحفظ والصدق وخصوصا من البخاري ومسلم الذي روى له في صحيحه ، ثم تأملنا قول الالباني في اقتصاره على نقل كلام بعض الجارحين عرفنا حقا انه معدوم الامانة العلمية وانه متغافل ، يرمى الاخرين بالتغافل حيث رمى الامام المحدث عبد الله كما في توسله ص (129) في الحاشية بالتغافل ولم يكن كذلك . وقد اثبت الله تعالى لنا ان هذه وصمة الالباني المخلط والحمد لله . (44) فقد خان في ذلك ، ونقل في توسله ص (128) ان البرهان الحلبي ذكر ابا النعمان في (الاغتباط بمن رمى بالاختلاط ص 23) تعمية على مقلديه ومن يقرأ له ، وينبغي ان نعلم ان المذكورين ممن رموا بالاختلاط في الكتاب المذكور منهم من ضرهم الاختلاط في حديثهم ومنهم من لم يضره الاختلاط في حديثه لانه لم يحدث زمن الاختلاط أو غير ذلك ومنهم ابو النعمان ، وقد وضح ذلك الذهبي كما في الميزان (4 / 8) فنقول للالباني الخساف المتهور المتغافل : لم يغفل الشيخ الغماري عن ذلك الاختلاط لانه محدث حافظ ولكنك غفلت ايها اللماز الهماز فتب إلى الله فقد قرب الرحيل وما اظنك تذكره كما لا اظن انك تقرأ قرانا لتتعظ فيا خيبة من خدع بك ويا خسارة من اتبع هواك (تنبيه) : وأما جواب الالباني عما قاله في توسله ص (128) على النقطة الثانية من ان (الاثر موقوف على عائشة ولو صح لم تكن حجة) أ . ه‍ . فجوابه : انه صحيح بلا شك وريب ، وهو حجة من وجهين : الاول : ان بصحته سقط كلام الابانى وتمويهه في التضعيف وثبت ان التوسل مذهب للسيدة عائشة ام المؤمنين ايضا وغير ذلك مما لا نود الان الاطالة به . ففيه ان الصحابة توسلوا واستغاثوا به صلى الله عليه وسلم بعد موته . والثاني : انه اتفاق من حضر من المسلمين صحابة ممن كانوا صحابة وغيرهم وفى ذلك تثبيت مع اثر عثمان بن حنيف في ارشاد الرجل للتوسل بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، واثرابن ابي شيبه الصحيح عن مالك الدار الثقة ما يثبت ان الصحابة رضوان الله عليهم ومن بعدهم توسلوا به صلى الله عليه وسلم بعد وفاته بلا ريب . واما ما نقله الالباني من التعليل المهلهل عن ابن تيمية فباطل كما رده المصنف مع ان ابن تيمية رجع عن تحريم التوسل فاباحه وبقي محرما للاستغاثة بعد استتابته بمحضر من العلماء كما نقل ذلك تلميذه ابن كثير في البداية والنهاية (14 / 45) فليراجع . (*)

[ 25 ]

فيه ما قال الدارقطني (45) ، وابن تيمية كذب اثر عائشة ، ولا عبرة به ، لجرأته على تكذيب ما يخالف هواه . والحمد لله رب العالمين .


(45) حيث قال كما في الميزان (4 / 81) : تغير باخرة ، وما ظهر له بعد اختلاطه حديت منكر وهو ثقه أه‍ . اقول وهو من رجال البخاري ومسلم والاربعة . فتأمل . والحمد لله رب العالمين . (*)

[ 27 ]

الرد على الالبالني المسمى بيان نكث الناكث المتعدي بتضعيف الحارث تأليف السيد العلامة المحدث عبد العزيز بن محمد بن الصديق عفا الله عنه آمين الطبعة الثالثة 1410 ه‍ - 1990 م

[ 29 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والعاقبة للمتقين ، ولا عدوان الا على الظالمين . والصلاة والسلام على اشرف المرسلين ، سيدنا ومولانا محمد ، وعلى آله الطاهرين الاكرمين ، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين . وبعد ، فقد قرأت كلاما للالباني في مقدمة لكتاب علق عليه ، يقول فيه في حق كتابي : " الباحث ، عن علل الطعن في الحارث " بعد كلام دعاه إليه حب الشغب والخصام ، وحمله عليه ما عرف به واشتهر عنه من تسليط لسانه الاعجمي على عباد الله تعالى بدون ذنب اكتسبوه ولا اثم اقترفوه ، حتى امتد منه ذلك إلى ائمة السلف واصحاب المذاب المتبوعة شرقا وغربا ، المشهود لهم بالفضل والدين بين الخاص والعام ، والمتفق على جلالتهم في العلم ، وعلو درجتهم في الاجتهاد ، وعظيم مكانتهم في خدمة الاسلام والمسلمين . وتطاول على مقام اكابر الحفاظ ، كالمنذري الحافظ المتقن - رحمه الله تعالى - وغيره بدون ادنى سبب يوجب ذلك التطاول على مقامهم في خدمة الحديث النبوى . وكتبه لا تخلو من التهجم على الائمة من السلف والخلف ، الامر الذي يدل على شئ في نفسه ، والله تعالى اعلم بمراده منه . والا ، فلو كان غرضه بيان الحقيقة ونشر العلم وتعريف الناس بصواب من أخطأ ، لسلك في ذلك مسلك المخلصين من اهل العلم الناصحين ، ولاتبع طريقهم في التعليم والتبليغ ، ونهج ما كانوا عليه من القول الحسن والجدال بالتى هي احسن . لان مرادهم - رضي الله تعالى عنهم - كان هو رد الحق إلى نصابه والتعريف بما يجب الاخذ به ، وكل ذلك لا يحتاج إلى الطعن والقدح والذم وجلب العبارات الشائنة المشينة ، واهل الاخلاص من أهل العلم برءاء من هذه الصفات الذميمة .

[ 30 ]

لانها من صفات النفاق - نسأل الله السلامة منها لنا ولاخواننا - كا ورد في الحديث في بيان آية المنافق : " وإذا خاصم فجر " . وقال الشاعر : إن المنافق معلوم سجيته همز ولمز وإيماء واغماض والمقصود : إن الالباني قال بعد كلام في تلك المقدمة في شأن كتابي : " الباحث ، عن علل الطعن في الحارث " ما نصه : حتى ان أحدهم الف رسالة خاصة في توثيق الحارث الاعور الشيعي . فدل هذا الكلام منه على امرين ، أبان بهما عن جهل عظيم وتصور فاضح . أما الجهل : فما يفهم منه القاصر في العلم من اني تفردت بتوثيق الحارث الاعور الهمداني ، وخرجت بذلك عن سبيل اهل الحديث ، وسلكت غير الجادة بتوثيقه . ومن طالع كتادبي " الباحث " ، يعلم بطلانه وفساده وبعده عن الحقيقة ، وأنه كلام الغرض منه الشغب والرغبة في الجدال ونشر الخصام بين الناس بدون فائدة تعود على احد من اهل العلم من ذلك . لان الحارث الاعور الهمداني الذى وثقته وبينت بطلان جرح من جرحه ، مثله مثل سائر رواة الصحيح الذين اختلف فيهم ائمة الجرح ، ما بين مادح وقادح ومجرح وموثق ، كما يعلم ذلك من تتبع احوال رجال الصحيحين . وكا أشرت إلى بعض الامثلة في ذلك في خاتمة كتاب " الباحث " . بل من يتتبع أحوال الرجال ويطلع على كتب الجرح والتعديل ، يحصل عنده العلم اليقين أنه لا يوجد راو ، مهما علا قدره وسمت منزلته ، لم يتناوله جرح ، ولو بالتدليس مثلا . حتى قال بعضهم : من أخذ بالقواعد المصطلح عليها في راوي الحديث الصحيح لم يمكنه ان يصحح الا الحديث بعد الحديث ، لعدم سلامة راو مطلقا من جرح وتضعيف ، ولو بأقل وجوه الجرح كا قلنا واضعفها .

[ 31 ]

وإذا كان هذا حال سائر الرواة الا النادر منهم جدأ ، فلا ينبغي ان يحمل باللوم على من اختار توثيق الحارث . لا سيما إذا كان ذلك الاختيار مبنيا على القواعد المقرر عند ائمة الحديث ، ومدعما بالادلة السالمة من الوهن والضعف ، كما بينت ذلك في " الباحث " ذلك الكناب الذي اعجب له كل من قرأه من اهل العلم السالمين من داء الشغب والشغف بنشر الحلاف بين المسلمين ، في الوقت الذي هم فيه احوج ما يكونون إلى الوفاق والالتئام والوئام ، وجمع الكلمة على خدمة الاسلام ، وتوحيد القلوب على صد الهجمات والغارات الموجهة من اعداء الاسلام ضد المسلمين في شرق الارض وغربها ، وطرح الترهات والخزعبلات التي يراها الجاهلون ومن في قلوبهم مرض انها من صميم الدين ، وليست من الدين لا في قبل ولا في د بير . وانما أثارها المثيرون وأخرجها المضلون من زوايا الاهمال ومخابئ النسيان ، تلبية لنداء الشر واجابة لدعوة الشيطان في التفرقة ورفع لواء التنافر والتناحر وايغار الصدور بين اهل لا اله الا الله ، ليسهل اجتياحهم على عدوهم ، والقضاء عليهم في عقر دارهم ، رغم ما هم فيه من بلاء . والالباني نفسه يعلم هذا ويلمسه ، بل ويسمعه ويشاهده . ووطنه الذي ينتمي إليه ، وعرف بالانتساب إليه ، يحكمه الشيوعيون بل المتطرفون منم ، وانا لله وانا إليه راجعون ، واخوانه يذوقون الويل والعذاب من تسلطهم ، فكان ينبغي للالباني قبل الهجوم على العلماء وأئمة السلف والسعي بين المسلمين بالفرقة بقصد أو بدون قصد ، ان يكرس جهوده ويوجه لسانه على الاقل لدعوة الالبانيين اخوانه للجهاد وقتال الشيوعيين الملاحدة . مع اني لم اسمع عنه شيئا يتعلق بهذا الامر مطلقا . بل كان الواجب عليه ان يكون اول الحاملين للسلاح لتحرير بلاده من حكم الملاحدة ، وعند ذلك يعطي الدليل والف دليل على غيرته على الاسلام ، ونصيحته لدينه ، والدفاع عن اهل ملته . أما حمل القلم وتجريد اللسان للطعن في ائمة المسلمين وحماة الشريعة من رجال السلف والخلف والدعوة إلى الخلاف والشقاق في امور تافهة للغاية ، فذلك لا

[ 32 ]

يجمل صدوره من مسلم عامي ، فضلا عمن يدعي خدمة الاسلام ونشر السنة المحمدية ، وينصب نفسه لارساء القواعد (للدولة الاسلامية) إلى درجة ان يدخل من اجل ذلك في مداخل لا قبل له بها ، ولا تقرها السنة النبوية التي نصب نفسه للدعوة إليها . لان صاحبها - عليه الصلاة والسلام - أمرنا ان لا ننازع الامر أهله . اقول : لا يجمل بمسلم عامي في هذا الوقت الذي اصاب البلاد الاسلامية سرطان الارتداد ، ونبذ الدين ، والخروج منه جملة ، بما دخل إليها بواسطة عملاء الشيوعية الملحدة ، والصليبية والصهيونية ، وغيرهم من عملاء المذاهب الضالة الهدامة ، كالوجودية والبهائية والقاديانية والماسونية . حتى صار تسعون بالمئة من الشباب ملحدا مارقا منحلا ، لا يقر بدين ولا يقول بعقيدة . لا يجمل بمسلم ابدا في هذا الوتت العصيب الذي خرج فيه الناس من دين الله أفواجا ، ان يسعى السعي الحثيث ، ويعمل جهده ، ويصرف طاقته الفكرية والمادية ، في نشر الخلاف وبث الشقاق بين البقية الباقية من المسلمين اهل لا اله الا الله ، الذين لا يستطيع الالباني مهما حاول من مغالطات وارتكب من شذوذ ان يخرجهم عن دائرة جماعة اهل السنة عند السلف والخلف . والذين لا يجوز لاجل ذلك تكفيرهم ، أو منع الصلاة خلفهم ، وعليهم ، أو معاملتهم بغير ما يعامل به المسلم الذي حرم الله تعالى دمه وماله وعرضه . لانهم من أهل لا اله الا الله التي يثقل بها ميزانهم يوم يقوم الناس للحساب ، مهما ارتكبوا من موبقات ، ومهما خرجوا عن الطريق وفعلوا وفعلوا . كما يشهد بذلك حديث (البطاقة) وهو معروف مشهور متداول بين أهل الحديث خصه كثير منهم بالتأليف والتصنيف ، لانه حديث قاصم لظهر كل من يريد ان يحجر على اهل لا اله الا الله رحمة الله تعالى وفضله ومغفرته التي وعد بها قائلها ، فيدخل الجنة منهم من أتبعه ورأى رأيه ، ويدخل النار من خالفه ، ولو كانت المخالفة في الامور التافهة التى لا تغني العامل بها ولا تسمنه من جوع .

[ 33 ]

أقول : لا يجمل بالمسلم الناصح ، ان يسعى بين جماعة المسلمين - في هذا الوقت - بالتفرقة وبث الشقاق والخلاف في امور تافهة للغاية . إثمها اكبر من نفعها ان كان فيها نفع ، والا فإثمها محقق ، وضررها قد ظهر للعيان ، وأصاب ما تبقى من هذه الطائفة المسلمة ، طائفة أهل السنة والجماعة في صميم مجتمعها ، بما نجم عنه من الخلاف والتنافر والتناحر وتقريق الشمل واللمز بالتبديع ، بل والتكفير ، بما لا يعد كفرا ولا بدعة ، حتى وصل ضرر ذلك إلى المصلين في مساجدهم ، وأهل العلم في حلقة علمهم ودرسهم (1) . وكل ذلك - والعياذ بالله تعالى - بسبب هذه الاباطيل والخلافات الواهية ، التى كرس لها المنتونون جهدهم بنشرها بين العامة وضعفاء العتول من طلبة العلم . فعم البلاء بها ، واتسع خرقها على الرقع وتنكرت بسببها القلوب بعد ان كانت مؤتلفة ، وبلغ الحال إلى تعدد الجماعات في الوقت الواحد في المسجد الواحد . والى إعراض الاب عن ابنه ، والابن عن أييه ، ومخاصمة الاخ لاخيه ، ورمي المسلم أخاه بالبدعة والضلال ، والخروج عن الاسلام ، وترك التحية بينهما بالسلام ، ولا حول ولا قوة إلا بالله . ولنرجع إلى بيان جهل الالباني ، فيما اعترض به على من وثق الحارث . فنقول : إن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة جماعة السلف والخلف ، واعتمدوا على روايته ، واحتجوا بحديثه ، لانه امام من أئمة العلم والحديث في الكوفة . وروى عنه الاكابر من رجال العلم ، وقدمه اهل الكوفة على غيره ، في العلم ، وفي الصلاة بهم ، في الوقت الذي كانت فيه عامرة بسادات التابعين وأئمة العلم والرواية . حتى كانوا يقدمونه على المشاهير من ائمة التابعين ، كعبيدة السلماني ، وعلقمة ، ومسروق ، وشريح .


(1) حتى ان اتباع الالباني ومقلديه في امريكا كانوا وما يزالون سببا لاغلاق مساجد عديدة من قبل البوليس الامريكي لاجل ما فعلوه وسببوه من فتن وخلافات وشجار في تلك المساجد أه حسن . (*)

[ 34 ]

ولو لم يكن دليل على توثيق الحارث ، وجعله في الطبقة الاولى من اهل العدالة ، وتقديمه على اغلب رجال الصحيح الا هذا ، لكان كافيا لاهل العلم في ذلك ، ومغنيا عن غيره من الادلة . لان من المقرر عند أهل الحديث ، أن من الامور التي يعرف بها عدالة الراوي وكونه ثقة ، شهرته بذلك بين اهل بلده ووطنه ، وربما كان عندهم هذا اعلى وارقى في التعديل والتوثيق من ثناء رجل واحد من ائمة الجرح عليه . وهو وجيه من جهة النظر - كا لا يخفى - لما تفيده الشهرة من العلم بذلك مالا يفيده تعديل الرجل الواحد . وقليل من الرواة الثقات من تكون لهم هذه المكانة في الشهرة بالعلم والرواية التى تغني عن الثناء عليه والنص على ذلك من إمام من أئمة الجرح . فلو قال قائل : إن الحارث الهمداني من الطبقة الاولى والدرجة المثلى في العدالة والضبط ، وان حديثه من الصحة والثبوت بما تقتضيه منزلته في ذلك ، لكان صادقا في قوله ، مؤيدا بالدليل الذي لا يمكن نقضه ، يضاف إلى هذا توثيق الائمة من اهل عصره له ، واخذهم عنه ، وشهادتهم له بالتفوق في العلم على غيره . وأول من اعتمد عليه في الرواية عنه والاخذ منه سيدا شباب أهل الجنة - الحسن والحسين - عليهما السلام . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 عن الشعبي ، قال : لقد رأيت الحسن والحسين يسألان الحارث الاعور عن حديث علي . ورواه ايضا ابن ابي حاتم ، في ا لجرح 1 / 2 / 79 . فهذا الشعبى نفسه يخبر انه رأى الحسن والحسين عليهما السلام يسألان الحارث عن حديث علي عليه السلام . وفي هذا اعظم دليل واكبر حجة واقوى برهان على أنه ثقة عندهما ، عنده من حديث علي والدهما - عليه السلام - ما لا يوجد عند غيره . قد يقول قائل : إن الرواية عن شيخ لا تدل على كون الراوي عنه يوثقه .

[ 35 ]

إلا أنا نقول : مثل الحسن والحسين في العلم والجلالة في الدين ، لا يأخذ الحديث عمن عرف بالكذب وعدم الصدق في الرواية . لانهما يعلمان قبح ذلك ، وأنه لا فائدة في الاخذ عن الكذاب ، بل فيه الاثم . لان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو احد الكذابين . ومن روى عن الكذاب ونشر حديثه بين الناس فهو داخل في هذا الوعيد . وحاشا الحسن والحسين - عليهما السلام - أن يجهلا هذا الوعيد أو يستخفا بهذه الكبيرة حتى يستجيزا الرواية عن الكذاب . فرواية الحسن والحسين عن الحارث ترد طعن الشعبي فيه بالكذب ، وتظهر انه اراد به - إن سلم ذلك له - الكذب في الرأي ، كا قال أحمد بن صالح المصري . ولهذا قال الحافظ الكبير ابو حفص ابن شاهين في : (الجزء الذي ذكر فيه من اختلف فيه العلماء ونقاد الحديث ، فمنهم من وثقه ومنهم من ضعفه ، ومن قيل فيه قولان) وهو مطبوع في آخر تاريخ جرجان : 559 قال بعد ان ذكر قول الشعبي الحارث الاعور أحد الكذابين ما نصه : قال ابو حفص : وفي هذا الكلام من الشعبي في الحارث نظر ، لانه قد روى هو أنه رأى الحسن والحسين يسألان الحارث عن حديث علي . وهذا يدل على ان الحارث صحيح في الرواية عن على ، ولولا ذلك لما كان الحسن والحسين ، مع علمهما وفضلهما ، يسألان الحارث ، لانه كان وقت الحارث من هو ارفع من الحارث من اصحاب علي ، فدل سؤالهما للحارث على صحة روايته . ومع ذلك ، فقد قال يحيى بن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . وهذا من قول يحيى بن معين الامام في هذا الشأن زيادة لقبول حديث الحارث وثقته . وقد وثقه احمد بن صالح المصري امام أهل مصر في الحديث ، فقيل لاحمد بن

[ 36 ]

صالح ، قول الشعبى : حدثنا الحارث وكان كذابا ، قال احمد بن صالح : لم يكن بكذاب ، وانما كان كذبه في رأيه . ا ه‍ كلام ابن شاهين ، في الجزء المذكور . فمن الذي يعترض بعد هذا على من يقول بتوثيق الحارث ؟ ! ومما لا شك فيه ان الحارث كان عنده من حديث على - عليه السلام - مالا يوجد عند غيره ، كما يدل على ذلك ما رواه ابن سعد 6 / 168 عن علباء بن أحمر : ان علي بن ابي طالب - عليه السلام - خطب الناس فقال : من يشتري علما بدرهم . فاشترى الحارث الاعور صحفا بدرهم . ثم جاء بها عليا ، فكتب له علما كثيرا ، ثم إن عليا خطب الناس بعد فقال : يا أهل الكوفة ، غلبكم نصف رجل . وهذه ايضا شهادة من علي - عليه السلام - بفضل الحارث ، وأنه من اهل العلم الذين يؤخذ عنهم ، وأنه غلب أهل الكوفه في العلم ، ولو كان متهما في ذلك لبين علي أمره وحذرهم منه . ولم يوثق احد على لسان علي بن ابي طالب - عليه السلام - فوق المنبر على رؤوس الناس كما وثق الحارث ، وهذا هو السبب في كون أهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور في صلاتهم ، لانه كان اعلمهم بالسنة . ومن كان كذلك فهو اولى بالامامة ، وكانوا يقدمونه في صلاتهم على الجنائز لانه افضلهم ، وأهل الفضل اولى بالصلاة على الجنازة . فقد روى ابن سعد في الطبقات 6 / 168 قال : أخبرنا الفضل ابن دكين ، حدثنا زهير بن معاوية ، عن ابي إسحاق : أنه كان يصلى خلف الحارث الاعور ، وكان امام قومه ، وكان يصلى على جنائزهم ، فكان يسلم - إذا صلى على الجنازة - عن يمينه مرة واحدة . وهذا ايضا هو السبب في كون اهل الكوفة كانوا يقدمون الحارث الاعور على ائمة العلم من اهل الكوفة ، كعبيدة السلماني ، وعلقمة ، ومسروق ، وشريح . قال ابن سيرين : أدركت الكوفة وهم يقدمون خمسة : من بدأ بالحارث ثنى بعبيدة ، ومن بدأ بعبيدة ثنى بالحارث ، ثم علقمة الثالث لا شك فيه ، ثم مسروق ، ثم شريح .

[ 37 ]

قال ابن سيرين : إن قوما آخرهم شريح لقوم لهم شأن . ا ه‍ . انظر " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان 2 / 557 و " تهذيب الكمال " 1 / 215 و " تهذيب التهذيب " 2 / 146 و " الميزان " 1 / 203 . وفي بعض الروايات ، قال ابن سيرين : وان قوما آخرهم شريح لقوم خيار . وفي اللفظ الذي ذكره الذهبي في " الميزان " قال ابن سيرين : وفاتني الحارث فلم أره ، وكان يفضل عليهم ، وكان أحسنهم . ا ه‍ . وهذا ايضا توثيق من ابن سيرين - التابعي الجليل - للحارث ، وشهادته له بالفضل على عبيدة ومسروق وعلقمة وشريح . فيضم . إلى من وثقه من أئمة التابعين المعاصرين له . وانظر كيف اخبر ابن سيرين بأن اهل الكوفة كانوا في شأن تقديم الحارث على عبيدة السلماني مختلفين ، منهم من يقدمه على عبيدة ، ومنهم من يقدم عبيدة عليه . أما ابن سيرين نفسه ، فجزم بأن الحارث أفضل الخمسة وأحسنهم كما ذكر الذهبي ذلك ، في ترجمة الحارث من " الميزان " 1 / 203 . وعلى حسب رواية الذهبي ، فإن خلاف أهل الكوفة إنما كان في الثلاثة ، أيهم أفضل ، علقمة ومسروق وعبيدة ، وأما الحارث ، فكان مقدما عندهم على الجميع . مما يدل على علو مكانة الحارث في نفوسهم ، وأنه مقدم على اكابر التابعين الكوفيين . وبالوقوف على ما كان لعبيدة وعلقمة ومسروق وشريح من المنزلة الرفيعة عند اهل الحديث والفقه من السلف ، لا سيما المعاصرون لهم ، يظهر لك منزلة الحارث في العدالة والثقة والتفوق في العلم . وأنه ممن يجب ان يكون في مقدمة رجال الصحيح ، بل يجب ان يكون سنده عن علي - عليه السلام - اصح الاسانيد من غير شك ، لانهم قالوا فيما ذكروه في اصح الاسانيد : محمد بن سيرين ، عن عبيدة السلماني ، عن علي . فإذا ثبت عندنا ان الحارث كان مقدما عند اهل الكوفة على عبيدة ، وانه افضل منه واعلم ، كما قال ابن سيرين ، كان بلا شك على ما يقتضيه النظر أن حديثه عن

[ 38 ]

علي - عليه السلام - اصح من حديث عبيدة السلماني ، عنه . وكذلك قالوا فيما قالوه في اصح الاسانيد : ابراهيم النخعي ، عن علقمة ، عن ابن مسعود . فيقتضي هذا ايضا ان يكون حديث الحارث عن ابن مسعود اصح من حديث علقمة عنه ، لاتفاق اهل الكوفة على تقديم الحارث على علقمة . كما حكى ابن سيرين ذلك من غير خلاف بينهم . بل ابن سيرين نفسه شهد بأن الحارث افضلهم واحسنهم . وأما تكذيب الشعبى له ، فقد رده عليه ائمة الجرح وحكموا ببطلانه . بل جعلوا طعن ابراهيم النخعي في الشعبي بكذبه في السماع من مسروق عقوبة من الله تعالى له ، حيث تعدى على الحارث في لمزه بالكذب . وقد ذكرت القصة في " الباحث " وحتى لو لم يرد أحد طعن الشعبى في الحارث فهو باطل ، لانه غير مفسر ولا مبين السبب ، وهو مردود اتفاتا . لا سيما إذا كان معارضا بالتوثيق ممن هو ارجح منه ، وهو العدد الجم من الائمة الذين وثقوه ورووا عنه واثنوا عليه بالفقه والعلم وسعة الرواية . حتى فضلوه - لاجل ذلك - على علقمة ومسروق وشريح ، بل وعبيدة السلماني كما ذكرنا . ولم يخرج تكذيب الشعبي له عن ان يكون من كلام الاقران في بعضهم بعضا ، وذلك معروف مشهور بين اهل العلم ، وعقد له ابن عبد البر في " جامع بيان العلم " بابا خاصا استوفى الكلام فيه على ذلك . انظر 2 / 150 منه . ولذلك لم يلتفت اهل الجرح إلى من تكلم فيه بسبب المعامرة كما يعلم ذلك من كتب الرجال ، ولو عملوا بمقتضاه لما بقي في يدهم راو واحد يحتج به . بل قال الذهبي رحمه الله تعالى - في مقدمة رسالته " في الرواة الثقات المتكلم فيهم . بما لا يوجب ردهم " بعد كلام ما نصه :

[ 39 ]

وما زال يمر بالرجل الثبت ، وفيه مقال من لا يعبأ به ، ولو فتحنا هذا الباب على نفوسنا لدخل فيه عدة من الصحابة والتابعين والائمة ، فبعض الصحابة كفر بعضهم بتأويل ما . ثم قال بعد كلام : وهكذا كثير من كلام الاقران بعضهم في بعض ، ينبغى ان يطوى ولا يروي ، ويطرح ولا يجعل طعنا . ا ه‍ كلام الذهبي رحمه الله . قلت : ولو عملنا بكلام الاقران في بعضهم البعض ، لطرحنا - لاجل ذلك - حديث الشعبي نفسه ، فقد كذبه إبراهيم النخعي في دعواه السماع من مسروق ، لا سيما وقد فسر جرحه له ، وبين سببه . ومع ذلك لم يلتفت أحد إلى كلام إبراهيم النخعي في الشعبى ، لانه صدر عن أمر خارج عن حقيقته ، فلا يعتبر به . وتكذيب الشعبي للحارث من هذا الباب ، فلذلك روى عنه الشعبى ايضا واخذ عنه العلم لما زال ما في نفسه عنه ، وذهب وحر صدره . والشعبى - رحمه الله تعالى - كان سريع التكذيب والطعن في كل من حدث بما لم يسمعه من الحديث ولم يبلغه . ومعلوم ان الحارث كان اعلم بحديث على - عليه السلام - من الشعبى ، فلما سمع منه ما لم يبلغه من حديث علي عليه السلام - سارع إلى تكذيبه ، وهكذا حاله حتى مع الصحابة ، فكيف بالحارث ! ؟ فقد نقل الحافظ الذهبي في ترجمة الشعبى من " تذكرة الحفاظ " 1 / 83 عن الحاكم ، عن ربيعه بن يزيد ، قال : قعدت إلى الشعبى بدمشق في خلافة عبد الملك ، فحدث رجل من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم انه قال : " اعبدوا ربكم ولا تشركوا به شيئا ، وأقيموا الصلاة ، وآتوا الزكاة ، واطيعوا الامراء ، فان كان خيرا فلكم . وان كان شرا فعليهم وأنتم منه براء " فقال له الشعبي : كذبت . فهذه القصة فيها دليل بين على ان الشعبى كان سريع التكذيب لمن حدث بما لم يبلغه ، فمن جعل طعن الشعبى في الحارث بالكذب حجة فليجعله في تكذيب هذا الصحابي كذلك ، مع اني اكاد أجزم بأن تكذيب الشعبي للحارث انما هو من جهة رأيه لا غير .

[ 40 ]

والا لما أخذ عنه وتعلم منه ، وهو معدود من الرواة عن الحارث . لا سيما والكذب لم يكن له سوق بين التابعين ، ولا له رواج على لسانهم ، وإذا وقع منهم فعلى سبيل الغلط والوهم والخطأ . وهذا شأن عامتهم ، فكيف بعلمائهم وساداتهم كالحارث ! ؟ وما صار التابعون يأخذون الحذر من الرواة ويحتاطون في الاخذ حتى وقعت الفتنة ، فلما وقعت ، نظروا من كان من اهل السنة اخذوا حديثه ، ومن كان من اهل البدع تركوا حديثه - كما قال ابن سيرين - رحمه الله تعالى . وهذا الاحتياط لم يكن منهم لاجل انتشار الكذب بينهم ، وانما كان لاجل المذهب والخروج عن جماعة اهل السنة . ثم بعد ان قررت هذا ، وسنح في الفهم عند كتابة هذه السطور ، وجدت الذهبي - رحمه الله تعالى - يقول في رسالته : " في الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " : 4 بعد كلام ما نصه : واما التابعون ، فيكاد يعدم فيهم من يكذب عمدا ، ولكن لهم غلط وأوهام ، فمن ندر غلطه في جنب ما قد حمل احتمل ، ومن تعدد غلطه وكان من اوعية العلم اغتفر له ايضا ، ونقل حديثه ، وعمل به على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته ، كالحارث الاعور ، وعاصم بن ضمرة ، وصالح مولى التوأمة ، وعطاء بن السائب ، ونحوهم ، ومن فحش خطؤه وكثر تفرده لم يحتج بحديثه ، ولا يكاد يقع ذلك في التابعين الاولين ، ويوجد ذلك في صغار التابعين فمن بعدهم . أه‍ . كلامه . فأفاد هذا التقرير ، من الحافظ الناقد المتقن الذهبي - رحمه الله تعالى - فيما يتعلق بالحارث امورا : أولها : ان الحارث لم لكن كذابا كما زعم الشعبى ، لان الكذب لم يكن يصدر من التابعين عمدا . ثانيها : ان حديثه يعمل به في الاحكام وينقل بين الناس ، ولهذا احتج اصحاب كتب السنة بحديثه للمعنى الذي ذكره الذهبي ، والتردد في ذلك لا يضر ، فقد

[ 41 ]

ذكرت ان ذلك التردد لا أساس له ولا دليل عليه ، وأن الحارث ثقة يعمل بحديثه قولا واحدا على حسب القواعد المقررة . ثالثها : إن الحارث لم يقع منه تفرد في حديثه ، وإنه لم يكن ممن فحش خطؤه وكثر همه ، لانه كان من التابعين الاولين ، وإنما ذلك يوجد في صغار التابعين فمن بعدهم . فأين يذهب الالباني من هذا الكلام الذي قرره الذهبي الحافظ الناقد ، الذي ما اتى بعد يحيى بن معين خبير بأحوال الرجال مثله ، في شأن الحارث وحكمه فيه بأنه ممن يعمل بحديثه وينقل عنه ! ؟ ومعلوم ان الذهبي لم يكن له بالتشيع صلة ، ولا له بالشيعة رابطة ، حتى يتهم هو الاخر بأنه قال ما قال لاجل تشيعه . فظهر من هذا ان الالباني ليس له معرفة بالرجال ، ولا له غوص في نقل عبارات اهل الجرح . وانما شأنه فاصر على جمع طرق الحديث ، وذكر الصفحات بأرقامها التي يوجد فيها الحديث لا غير ، وكون السند فيه ثقة أو ضعيفا ، أما نقد الرجال والكلام على علل الحديث الخفية التي هي اهم علوم الحديث ، فهذا لا يعلمه ولا يدريه ، ولا شأن له به في كلامه على الاسانيد ، كما يظهر من كتبه وتعاليقه . فتجده يصحح ما هو موضوع ، ويضعف ما هو صحيح ، ويحكم بوقف ما هو مرفوع . ولكنه اغتر بفراغ الجو وخلو البلاد ممن يشتغل بالحديث على الوجه الصحيح ، (1) ولم يجد بين أهل العلم من يتفرغ لبيان اوهامه وسقطاته واغلاطه التى ارجوا ان يهئ


(1) قلت : وخصوصأ بلاد الشام فليس فيخت محدث البتة والشيخ بدر الدين الذي شهروا بأنه محدث لم يكن كذلك ويشهد لذلك عدم تخرج تلامذة به يعرفون الحديث مع علم وجود كتب حديث من تصنيفه تدل علي انه محدث وكل من عرفته أو سمعت عنه يشهد له بأنه محدث هو حقيقة لا يعرف الحديث ، وانما يتناقل الناس ذلك دون تمحيص وادراك وقد نقل الحافظ الشريف احمد الغماري في بعض كتبه بانه حضر عليه فوجده لا يعرف الحديث . وليى هذا طعنا بالشيخ البتة وانما هو اخبار بالواقع أه‍ حسن . (*)

[ 42 ]

الله تعالى الفرصة لبيانها ، حتى يعلم الطلبة انه محدث الاوراق والصحف . واعظم دليل على هذا ما وقع له في شأن الحارث ، مع وقوفه على قول الذهبي في ترجمة الحارث في " الميزان " ان الجمهور على توهينه ، فأخذ ذلك منه مسلما ، ورأى ان ذلك هو الحق ، لانه ليس له أهلية لمعرفة صواب كلام اهل الجرح من خطئه ، وحقه من باطله ، والا لو كانت له اهلية وكفاءة ، وكان محدثا على طريق النقاد ، لتتبع كلام اهل الجرح وسبر اقوالهم ، ليعلم هل قول الذهبي في الحارث ان الجمهور على توهينه صواب ام خطأ ؟ حق ام باطل ؟ لان الذهبي ، وإن كان حافظا ناقدا ، لكنه له اوهام واغلاط في كلامه على بعض الرجال ، من لم يتنبه لها يقع في حبالتها . كما يقع له ايضا اوهام في تصحيح الاحاديث وتضعيفها ، وتساهل في الكلام على اسانيدها ، كما يعلم ذلك من قرأ تلخيص المستدرك له ، ومن ذلك قوله في الحارث إن الجمهور على توهينه ، فإنه وهم محض ، وتسرع في القول لا غير . ولو تتبع الالباني ، كلام اهل الجرح في الحارث - كما حصل لنا - ونظر في مخرج جرح المجرحين له ، لعلم وتحقق أن الجمهور الذى قال الذهبي أنه اتفق على توهين الحارث لا يوجد الا في (الميزان) للذهبي - رحمه الله تعالى - وأنه لا حقيقة له في الحارج مطلقا ، كما يقولون في العنقاء . لان الجمهور الذي يخرج منه الحسن والحسين ، ومعهما والدهما - عليهم السلام - وأهل الكوفة جميعا ، وابن سيرين ، وسعيد بن جبير ، وابن معين ، واحمد بن صالح المصري ، وحبيب بن ابي ثابت ، والنسائي ، وابو بكر بن ابى داود ، وابو حفص ابن شاهين ، وابن عبد البر ، وغيرهم كثير ممن وثقه واثنى عليه . بل قال ابن معين : ما زال المحدثون يقبلون حديثه . الجمهور الذي يخرج منه هذا العدد الجم من ائمة السلف والخلف ، لجدير ان ينبذ نبذ النواة ، ويطرح في زوايا الترك والاهمال ، ويسدل عليه ستار النسيان . ويكفى في رد دعوى الذهبي - رحمه الله تعالى - هذه في كون الجمهور على هين الحارث :

[ 43 ]

انه كان معدودا من سرج الكوفة - كا قال سعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنه لهذا ذكره ابو اسحاق الشيرازي - رحمه الله تعالى - في فقهاء التابعين بالكوفة ، وقد ذكر منهم علقمة بن قيس ، والاسود بن يزيد بن قيس ، والنخعي ، ومسروق ، وشريح بن الحارث القاضى ، والحارث الاعور . وقال - بعد ان ترجم لهؤلاء الستة ما نصه - : وهؤلاء الستة الذين ذكرناهم اصحاب عبد الله بن مسعود ، وقال سعيد بن جبير : كان اصحاب عبد الله سرج هذه القرية . وقال فيهم الشاعر : وابن مسعود الذى سرج القرية اصحابه ذوو الاحلام وله جماعة من غير هؤلاء من الاصحاب . قال الشعبي : ما كان من اصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم افقه صاحبا من عبد الله بن مسعود ، انظر " طبقات الفتهاء " لابي اسحاق الشيرازي : 80 . وقد اقتصر أبو إسحق الشيرازي في هذه الطبقات على ذكر فقهاء الامصار الذين لا يسع الفقيه جهلهم لحاجته إليهم في معرفة من يعتبر قوله في انعقاد الاجماع ويعتد به في الخلاف ، وذكر ما دل على علمهم من ثناء الفضلاء عليهم . انظر " الطبقات " : 31 . فالذي يتمسك بقول الذهبي في توهين الحارث بعد هذا هو الواهي حقيقة . وأرى ان الذهبي نفسه - رحمه الله تعالى - ناقض نفسه في دعواه توهين الجمهور للحارث ، حيث قال في كلامه السابق ، الذي ذكره في رسالة " الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لا يوجب ردهم " : ان الحارث وشبهه يعمل بحديثه . وينقل على تردد بين الائمة الاثبات في الاحتجاج عمن هذا نعته . فجعله ممن تردد الائمة في الاحتجاج به ، وهذا يرد دعوى توهين الجمهور له . وكذلك ناقض الذهبي نفسه حيث قال : مع روايتهم لحديثه في الابواب ، وهذا الشعبى يكذبه ثم يروى عنه ، والظاهر انه يكذب في لهجته وحكاياته واما في

[ 44 ]

الحديث النبوي فلا ، وكان من اوعية العلم . . . الخ كلامه المذكور ، في " الميزان " 1 / 202 . فرواية أهل الحديث لحديثه في الابواب دليل على انه لم يوهنوه ، كما ذكرت ذلك‍ في " الباحث " . وأما قوله : والظاهر انه كان يكذب في لهجته ، فباطل ايضا ، بل من أبطل ا لباطل . لان المقرر عند اهل الحديث ان الراوي إذا كان يكذب في لهجته وكلامه ولا يكذب في حديثه ، فروايته ايضا غير مقبولة . لان العدالة لا تتجزأ ولا تتبعض ، فلا يكون الراوي ثقة عدلا في جهة ، وكذابا فاسقا في جهة اخرى . وهذا مما تشترك فيه الرواية مع الشهادة . بخلاف الضبط ، فقد يكون الراوي ضابطا في شيخ ، ضعيفا في اخر ، كما هو معلوم لصغار الطلبة . اما العدالة فلا تتبعض ولا تتجزأ مطلقا ، لا سيما وقد قالوا في تعريف الثقة : هو الذى يجتنب الكبائر ولا يتظاهر بخوارم المروءة . وهل هناك كبيرة اعظم وأقبح من الكذب ، والاخبار بغير الواقع ! ؟ وان كان بعغى رجال الحديث قبل رواية الرجل الذي يكذب في لهجته وكلامه ، ولا يكذب في حديثه . وذلك مذكور في المصطلح ، ويظهر ان الذهبي - رحمه الله تعالى - مشى على هذا القول في توجيه طعن الشعبى بالكذب في الحارث . وهو مردود عقلا ونقلا ، ولا يتمشى مع القواعد المقررة ، فكن منه على بال . والمقصود بعد هذا ، أن الحارث ثقة عدل رضي ، وثقة الائمة من رجال السلف والخلف . بل لو قلت : الاتفاق قد حصل ووقع على توثيقه ، الا ما شذ من الاقوال المخالفة للجمهور لكنت صادقا في ذلك ، ومن خالف الجمهور في ذلك فخلافه مردود بما تقتضيه القواعد المقررة التى لا يمكن نقضها وردها ، كما بينت ذلك ، في " الباحث " . ولاجل ذلك احتج به اصحاب السنن ، وذكروا حديثه في الابواب ، فإنه لا نى لذلك الا كونه حجة صالحا للعمل .

[ 45 ]

بل قال الذهبي في " الميزان ، 1 / 23 : والنسائي مع تعنته في الرجال ، قد احتج به وهذه شهادة من النسائي بأن الطعن الذي وقع في الحارث ، مردود غير مقبول ، ولا يلتفت إليه ، لانه ما دام متعنتا في الرجال - والمتعنت المتشدد - يرد حيث الراوي بما لا يكون جرحا ، فكيف إذا جرح بالكذب ! ؟ . فاحتجاجه بالحارث ، مع هذا ، دليل واضح على أنه ثقة ؟ وان الطعن الذي قيل فيه ، لا أساس له يستند عليه ، وأن حديثه صحيح كسائر أحاديث الثقات . ولهذا صرح بصحته الامام حافظ المغرب أبو عمر بن عبد البر - رحمه الله تعالى - حيث قال في " التمهيد " 4 / 287 في الكلام على الصلاة الوسطى بعد كلام ما نصه : والصحيح عن على من وجوه شتى صحاح أنه قال في الصلاة الوسطى : صلاة العصر . وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، رواه عنه جماعة من اصحابه ، منهم عبيدة السلماني ، وشتير بن شكل ، ويحيى الجزار ، والحارث . والاحاديث في ذلك صحاح ثابتة ، أسانيدها حسان . أ ه‍ . والالباني لشذوذه وجهله بالجرح والتعديل ، وأخذه الاقوال في ذلك من غير نقد لها ولا بحث ولا تحقيق ولا تمحيصي ، خالف عمل هؤلاء الائمة من السلف والخلف في توثيق الحارث وتصحيح حديثه ، وصار يحكم على حديث الحارث بالوضع اغترارا منه بكلام الذهبي في دعواه ان الجمهور على توهينه . كما وقع منه في كلامه ، على حديث : الانبياء قادة ، والفقهاء سادة ، ومجالسهم زيادة . فقد ذكره في " الضعيفة " 1 / 54 وقال : موضوع ، أخرجه الدارقظى ، والقضاعي في " مسند الشهاب " ، من طريق ابي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن أبي طالب مرفوعا . ثم قال الالباني : وهذا سند ضعيف جدا . الحارث : هو ابن عبد الله الهمداني الاعور ز قد ضعفه الجمهور . + وقال ابن المدينى : كذاب . وقال شعبة : لم يسمع ابو إسحاق منه الا اربعة احاديث . . . الخ كلامه .

[ 46 ]

وقد أظهر في هذا الكلام من الجهل ما يضحك منه صغار الطلبة ، لانه فضح به نفسه ، واظهر للناس صدق قولنا فيه : إنه محدث الاوراق والصحف ، ولا يغوص لاستخراج علل أسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يغوض لاستخراج علل اسانيد الاحاديث الخفية ، ولا يتتبع الطرق ويعتبر بها ، كا هو مقرر عند اهل هذا العلم ، وانما غايته كغيره ممن يتعاطى الاشتغال بالحديث ان يرجع إلى رجل من رجال السند ، فيكتفي بما قيل فيه في الطعن في الحديث ، وان كان ذلك الراوي المسكين لا ناقة له ولا جمل في علة الحديث ، وهذا صنيع المبتدئين البسطاء في هذا الفن . ولبيان تهوره هذا اقول : ان الحارث برئ من هذا الحديث براءة الذئب من دم يوسف . ولا علاقة له به مطلقا . والالباني اوقعه في هذا الخطأ القبيح والغلط الشنيع ، تقليده لابي الطيب العظيم آبادي ، فهو الذى اقتصر على إلصالق التهمة في هذا الحديث بالحارث في كتابه : " التعليق المغنى على الدارقطني " 3 / 80 وذلك قصور منه . واعتماد الالباني عليه - لعدم وصوله إلى درجة الاجتهاد في الكلام ، على الرجال أوقعه كما قلنا فيما كشف به عن جهله . وذلك ان الحديث رواه الدارقطني في آخر كتاب البيوع من " سننه " 3 / 80 والخطيب في " الفقيه والمتفقه) 1 / 32 من طريق الهيثم بن موسى المروزي ، عن عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، عن إسرائيل ، عن ابي إسحاق ، عن الحارث ، عن علي - عليه السلام - به مرفوعا . فالقاعدة المقررة ، عند اهل العلم بالحديث ، والامر الذى عليه العمل عندهم ، وهو الذي يقتضيه النظر ايضا : إن الحديث يجب ان يعلل اولا بالهيثم بن موسى المروزى المجهول ، فإفي لم أقف له على ترجمة فيما لدي من كتب الرجال ، وانما الذي وجدته عنه هو ذكر الخطيب له في " تاريخ بغداد " في ترجمة إسحاق بن البهلول ، الذين أخذ عنهم الفقه ، فقال : وذكر اهله أنه كان فقيها ، حمل الفقه عن الحسن بن زياد اللؤلؤي ، وعن الهيثم بن موسى صاحب ابي يوسف القاضى . فهذا ما وجدته عنه . فالرجل في عداد المجهولين فيما يظهر .

[ 47 ]

فكان يجب على الالباني - لو كان بصيرا بنقد الاسانيد - أن يبدأ في الكلام على سند الحديث الذي أعله بالحارث من أوله ليسلم له التعليل . وإلا ، فما دام السند لم يثبت إلى الحارث ، فمن قال له : انه من صنعه . هذا لا يقوله طالب في هذا العلم ابدا . ثم بعد هذا ، هناك علة اكبر من علة وجود هذا الرجل المجهول : وهى علة العلل التي يجزم بسببها طالب الحديث بأن الحارث برئ من هذا الحديث ، وأنه لا يرميه به الا الرجل العامي في هذا العلم . وهذه العلة هي عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ، شيخ الهيثم بن موسى ، فإنه ضعيف جدا . قال البخاري : ليس بالقوي عندهم . وقال ابن معين : ضعيف . وقال مسلم : ذاهب الحديث . وقال ابن عدي : الضعف على رواياته بين . وقال ابو داود : متروك الحديث . وتال ابو القاسم البغوي : ضعيف الحديث . وقال ابو زرعة الدمشقي : سألت أبا مسهر . فقلت . عبد العزيز بن الحصين ممن يؤخذ عنه ؟ فقال : أما اهل الحزم فلا يفعلون . وقال ابن المدينى : روى عنه معن وغيره ، بلاء من البلاء ، وضعفه جدا . وقال النسائي في " التمييز " : ليس بثقة ، ولا يكتب حديثه . وقال الحافظ في " اللسان " : واعجب من كل ما تقدم ان الحاكم أخرج له في " المستدرك " وقال : إنه ثقة . انظر " اللسان " 4 / 28 . وقال الذهبي في " المغنى " 2 / 397 : ضعفه يحيى والناس . وكذلك قال في " ديوان الضعفاء " : 195 . فوجود عبد العزيز بن الحصين هذا هو الذى يجب ان يعلل به الحديث ، كما هي قاعدة اهل العلم في مثل هذا ، لانه لم يوثقه احد ، وقيل فيه : إنه متروك غير ثقة .

[ 48 ]

فكيف يترك تعليل السند به ويرحل إلى الحارث الذى وثقه الجمهور - كما قلنا - وعمل اهل السنة بحديثه . واحتجوا به ، كأنه لا يوجد ضعيف في السند إلا هو . فتنبه لهذا تعلم قصور الالباني في كلامه على أسانيد الحديث ، وأنه صحفي لا غير . وحتى لو سلمنا له ان الحارث ضعيف وكذاب - كما قال - ولكن من يثبث لنا انه هو صاحب الحديث ما دام الطريق إليه فيها متروكا وغير ثقة ؟ ! ولو سلمنا له سلامة السند من كل هذا ، وان التهمة فيه من جهة الحارث وحده ، ولكن ما زالت في الطريق إلى الصاق التهمة بالحارث علة أخرى تحول عند اهل الحديث دون الصاق التهمة به . وهذه العلة هي تدليس أبي اسحاق السبيعي ، فإنه كان مدلسا ، وقد عنعن في روايته عن الحارث ، وعنعنة المدلس لا يقبلها احد من أهل العلم مطلقا ، لا عند المحدثين ولا عند غيرهم . وأبو إسحاق السبيعى ذكره الحافظ - رحمه الله تعالى - في المرتبة الثالثة ، من " طبقات المدلسين " : 14 وقال : مشهور بالتدليس . بل نقل الحافظ في " تهذيب التهذيب " 8 / 66 عن الجوزجاني : أنه قال : كان قوم من اهل الكوفة لا تحمد مذاهبهم - يعني التشيع - هم رؤوس محدثي الكوفة : أبو إسحاق ، والاعمش ، ومنصور ، وزبيد ، وغيرهم من اقرانهم ، احتملهم الناس على صدق السنتهم في الحديث ، ووقفوا عندما ارسلوا ، لما خافوا ان لا تكون مخارجها صحيحة . فأما أبو إسحاق ، فروى عن قوم لا يعرفون ، ولم ينتشر عند أهل العلم الا ما حكى ابو إسحاق عنهم . وهذا الكلام الذي قاله الجوزجاني - وان كان مردودا من جهة الطعن بالتشيع - فإنه اخبر فيه بأن أبا إسحاق يروي عمن لا يعرف ، ويرسل عنهم . فيجب على قوله هذا ترك عنعنته - كما هو معلوم - لاحتمال أنه أخذه عمن لا يعرف . ولهذا قال معن : أفسد حديث أهل الكوفة الاعمش وأبو إسحاق للتدليس . فهذه العلة وحدها تدفع التهمة عن الحارث ، وتظهر ان من ضعف الحديث

[ 49 ]

بسببه بعيد عن صناعة الحديث بعد السماء عن الارض . ومن الامور التي تدل على تصور الالباني : أنه اقتصر في كلامه على الحارث على قوله : ضعفه الجمهور . وقال ابن المديني : كذاب . وترك ذكر العدد الكبير الذي وثقه واثنى عليه كما ذكر ذلك في ترجمة الحارث من كتب الجرح . وقد ذكرت ذلك فيما سبق . والمقرر عن المحدثين والذى عليه عملهم : أنه يجب أن يذكر في الراوي ما قيل فيه من جرح وتعديل ومدح وذم ليعرف منزلة قول الجارح من المادح ، فإن عبارات المجرحين يظهر الخلل فيها من أقوال الموثقين للراوي نفسه كما هو معلوم . ولعلي أشرت إلى هذا في " الباحث " ، من ذلك : ان الجرح لا يقبل الا مفسرا كما اجمع عليه اهل النقد من أهل الحديث ، اللهم الا إذا كان الراوى لم يوثق مطلقا . أما إذا كان الراوى وثقة جماعة وجرحه اخرون بجرح غير مفسر ، فالجرح مردود غير مقبول قولا واحدا بدون خلاف من احد . كما هو الحال في الحارث ، فان المجرحين له لم يفسروا جرحهم له ، ولم يبينوا أسبابه ، فيطرح جرحهم ويترك ويعمل بقول من وثقه ، وهو الجمهور من السلف والخلف . ولكن الالباني اقتصر على قوله : انه كذاب ، والجمهور على تضعيفه . ونحن لا نكون مثله ، فنقول : إنه يشم منه رائحة النصب ، وقد عابوا على ابن الجوزي في كتابه في الرجال صنيعه الذى تفرد به عن اهل الحديث ، وهو الاقتصار على ذكر ما قيل في الرجل من الجرح دون التعديل ، لان ذلك ينافي الامانة اولا ، ويضلل الباحث عن حال الرجال ثانيا . ومما يضحك ويجعل حبوتك تنحل عجبا من هذا الالباني : أنه جعل قول شعبة : لم يسمع ابو اسحق منه إلا أربعة أحاديث ، مما يجرح به الحارث ، مع ان هذا لا دخل له في باب الجرح مطقا عند اهل الحدث النقاد ، وانما هو اخبار عن كون ابي اسحاق لم يكن من المكثرين عن الحارث لا غير . كما ان عددا من المشاهير الثقات من رجال الصحيح لم يرو عنهم بعضى الائمة الا حديثا واحدا ، فضلا عن اربعة .

[ 50 ]

ولم يقل أحد ان ذلك جرح لهم ، وهذا موضوع معروف بين اهل الحديث ، والفوا فيه التآليف ، بل يوجد هذا حتى في الصحابة ، ففيهم عدد كبير لم يرو عنهم الرواة الا حديثأ واحدا أو ثلاثة أو اربعة . وحتى لو سلمنا للالباني فهمه ، فإن هذا يكون حجة عليه في رمي الحارث بهذا الحديث ، لانه يدل على ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من الحارث ، فلماذا يرميه به اذن ، ويتهمه بوضعه هذا ؟ ! والله انه الدخول فيما لا يحسنه الانسان . ومن جهله ايضا ، ظنه ان توثيق الراوي لشيخه لا يتم حتى يروي عنه العدد الكبير من الاحاديث . ولهذا اعتمد على قول شعبة هذا ، مع أن هذا الشرط لا تجده الا في مخيلة الالباني . والا فلا فرق في ذلك بين ان يروي شيخ حديثا واحدا أو مئة في الدلالة على كونه ثقة عنده ان قلنا : إن الرواية عن الشيخ تدل على كونه ثقة عند الراوى عنه . والمسألة فيها نزاع شهير مذكور في محله . ثم مما يعرفك بضعف الالباني في هذا العلم ، وقصوره فيه ، وعدم اتباعه للمقرر فيه عند أهله ، أنه حكم على الحديث اولا بأنه موضوع ، ثم قال بعد ان ذكر سند الحديث الذي علقه من طريق أبي اسحاق ، عن الحارث ، عن علي بن ابي طالب : وهذا سند ضعيف جدا . فحكمه اولا بأن الحديث موضوع - وهو شر الضعيف لانه لا درجة بعده مطلقا - ثم حكمه على السند بأنه ضعيف جدا ثانيا ، تناقض عظيم ، وجهل كبير ، يعلمه طلبة " نخبة الفكر " لان السند الضعيف جدا لا يصل ان يكون به الحديث موضوعا . بل يحتمل ان يكون واهيا يرتفع إلى درجة الضعيف . بخلاف الحديث الموضوع ، فإنه لا يرتفع إلى درجة الضعيف مطلقا ، ولا تنفع فيه المتابعات والشواهد . وهذا امر معلوم لا يحتاج إلى شرحه للالباني ، وعليه بقرءة " النخبة " ليعلمه ، وفي الوقت الذي نجد فيه الالباني يرفض الاعتماد في التصحيح والتضعيف على الحفاظ النقاد ، لان ذلك يكون غالبا فيما لا يوافق هواه . ولا يتمشى مع رأيه ، نراه هنا يؤيد قوله ورأيه في الحارث بما لا يعد تأييدا عند

[ 51 ]

العلماء ، وذلك في قوله : وفي " الكشف " قال القاري : هو موضوع كما في " الخلاصة " . كأن الالباني يرهب خصومه ويرفع في وجههم السلاح الفتاك إذا ارادوا معارضته في الحكم على الحارث بالكذب بقول القاري : هو موضوع ، كأن القاري - رحمه الله تعالى - يحيى بن معين ، أو علي بن المديني ، أو الحافط ابن الحجر ، أو المنذري ، رضي الله عنهم جميعا . مع أنه لا يعد في هذا العلم شيئا مذكورأ ، ولا هو فيه بالرتبة التي يذكر بسببها بيه اهل الحديث ، كما تدل كتبه ومصنفاته ، بل إذا رأيت الذي يشتغل بالحديث يذكر في كتبه القاري محتجا به ومستشهدا بكلامه ، فاعلم انه لا ياتي منه شئ في هذا العلم . وفي الختام ، اراد الالباني ان يجهز عل الحديث مرة واحدة ، ولا يدع للنزاع معه طريقا ، فتناول الطعن في الحديث من جهة معناه ، فقال : ولوائح الوضع عليه ظاهرة . وهذا منه مجرد تحكم بالهوى ، ودفع بالصدر ، والا فما الذي يلوح عليه من علامات الوضع ؟ ومعناه واضح ظاهر لذى عينين ، وورد ما يشهد له في احاديث كثيرة . وورد موقوفا عن ابي مسعود ، بلفظ : المتقون سادة ، والفتهاء قادة ، ومجالسهم زيادة . رواه الطبراني في " الكبير " . قال الهيثمي في " المجمعع " 1 / 126 : ورجاله موثقون . فالحكم على الحديث بأن لوائح الوضع عليه ظاهرة ، من غير ان يكون هناك دليل شرعى يشهد بفساد ذلك المعنى ، أو دليل عقلي قاطع على ذلك ، جرأة عظيمة من صاحبه ، وهو يفتح الباب امام الجهلة المتنطعين لرد الاحاديث الثابتة لمجرد عدم فهمهم لمعناها ، وقصور عقلهم عن إدراك مراد الشارع منها . وبعد ، فقد تبين مما ذكرناه في هذه السطور ، وأشرنا إليه في هذه الورقات اليسيرة ، ان القول بأن الحارث ثقة ، هو قول الجمهور ، وهو الذي مشى عليه اصحاب السنن ، وعليه كان اهل الكوفة ، وقد كانت عامرة بالائمة من علماء التابعين وفقهائهم وغيرهم ، وإن القول بأنه غير ثقة لا نصيب له من الصواب ،

[ 52 ]

لانه لا يؤيده دليل ولا برهان ، ولا تشهد له قواعد علم الحديث التى يحتكم إليها عند الخلاف ، ويرجع إلى فصلها عند النزاع . وان كان الالباني لا يقول بقاعدة ، ولا يرجع إلى أصل يحتكم إليه . وهو يخترع القواعد على حسب ما يظهر له ويريد فهمه ، ولهذه تجده في كلامه على الاحاديث يصحح ويضعف ويثبت ويبطل بما يخالفه هو نفسه إذا اقتضى نظره وجداله وخصامه ولدده ذلك . لان قواعده مبعثرة ، فلا هي تابعة لاهل الحديث ، ولا لاهل الاصول ، ولا للفقهاء ، وغرضه بذلك الهرب من الوقوع في يد خصمه إذ وقع في نزاع فيما يختاره من الاقوال الشاذة الواهية وهي كثيرة ، في صفة صلاته ، وتجهيز جنازته ، وحجاب امرأته ، وحلية نسائه ، وسلسلة احاديثه ، بحيث لو تتبعها الانسان لاخرج منها كتابا مفيدا للفكاهة وقت الاستراحة من العمل الشاق ، يصلح ان يكون ذيلا لكتاب : " أخبار الحمقى والمغفلين " لابن الجوزي - رحمه الله تعالى - . ومن شذوذه المضحك : ما وقع منه في شأن الحارث من جزمه بكذبه ، واعتراضه علي في توثيقي له ، الامر الذي يوهم الغر المبتدئ أني تفردت بذلك عن الجمهور . وهو اعتراض - كما قلت - ينبئ عن جهل ، وعجز ، وقلة اطلاع ، وتهجم على القول لمجرد النزاع والجدال ونشر الخصام لا غير . ولولا ان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يقول : " اتركوا الترك " لخضنا معه في بيان اوهامه الساقطة ، وأقواله الخارجة عن اجماع المسلمين ، في المصطلح والحديث وفي الاصول ، الذي ظهر من كلامه فيه أنه لا يتقنه ، ولا يحسن معرفته ، ولذلك يخالف قواعده المقررة عند أهله . وكذلك أقواله في الفروع التي خالف فيها اجماع السلف والخلف ، رغبة في التفرقة وبث الشقاق والخلاف ، فيما لا يفيد ولا ينفع المسلمين ، بل يضرهم وينفع غيرهم ، الامر الذى يدل على دغل ، والعياذ بالله تعالى .

[ 53 ]

وكذلك أقواله الشائنة فيما يتعلق بذات الله تعالى ، مما يدل على انه لا يعرف ما يستحيل وصف الحق تعالى به ، كقوله : العصمة لله تعالى . (1) وهي كلمة لا تصدر الا من جهلة العوام ، ومن دخل في دين الاسلام عن كبر . ولكن يكفي في ذلك ما ذكرناه وأشرنا إليه ، وقد قالوا : يكفى من القلادة ما أحاط بالعنق . وبالله تعالى التوفيق ، ومنه وحده المعونة والتأييد .


(1) وكاقراره لشارح الطحاوية في ما ذكره في الشرح من أغلاط كقدم نوع العالم واثبات الحد لله دون ان يعلق على تلك العبارات بالانكار وغير ذلك وقد بينا ذلك في رسائل عديدة . (*)

[ 54 ]

الفصل وأما قصوره الذي أظهره في الاعتراض علي في توثيق الحارث لكونه شيعيا ، فهو أن توثيق الشيعي ليس بأمر منكر ، ولا بالطريق الصعب ، ولا بالسبيل الوعر . بل الراوي الشيعي كغيره من الرواة ، ان كان ثقة ضابطا فحديثه صحيح مقبول ، يجب الاخذ به ويحرم رده . وعلى هذا عمل أهل الحديث قاطبة ، وفي متدمتهم الامامان : البخاري ومسلم . فلا يحصى كم عدد رواتهما من الشيعة ، بل وممن وصفوا بالغلو في التشيع . فإخراج احاديثهم في صحيحعهما أعظم دليل على ان الشيعي كغيره من الرواة في صحة حديثه إذا ثبت عدالته وضبطه . وكتب الرجال ، ك‍ " تهذيب الكمال " و " تهذيب التهذيب " و " الميزان " و " لسان الميزان " وغيرها ، مملوءة بالرواة الشيعة الذين وثقهم أئمة الجرح والتعديل . بل تجد الحافظ ابن حجر - رحمه الله تعالى - يذكر في " لسان الميزان " رجالا من الشيعة ينقلهم من كتب رجال الشيعة للكشي والنجاشي ، وينص على توثيقهم ، ولو تتبع الانسان " اللسان " لاخرج عددا كبيرا منهم . فلا يرد حديث الثقة الشيعي الا من قصر نظره وقل علمه ولم يدر ما اتفق عليه أئمة الحديث والسنة من الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . وكيف يردون حديثه ولا يوثقونه لاجل تشيعه ، والتشيع كان فاشيا في التابعين . فلو رد حديث الثقة الموصوف بالتشيع لرددنا من أجل ذلك جملة كبيرة من احاديث التابعين ، وذلك يذهب عدد كبير من الاحكام الشرعية ادراج الرياح ، وهذا لا يقول به أحد ، ولم يقل به أحد ، ولن يقول به احد ، اللهم الا الرجل القصير النظر ، الذي لا يميز بين الليل والنهار . قال الذهبي - رحمه الله تعالى - في ترجمة أبان بن تغلب 1 / 5 : شيعي جلد ، لكنه صدوق ، فلنا صدقة ، وعليه بدعته .

[ 55 ]

ثم قال بعد ان ذكر من وثقه من الائمة - ما نصه : غلو التشيع ، أو التشيع بلا غلو ولا تحرف ، فهذا كثير في التابعن وتابعيهم مع الدين والورع والصدق ، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الاثار النبويهة ، وهذه مفسدة بينة . فرد حديث الشيعي الثقة مفسدة بينة ، كما قال الذهبي - رحمه الله تعالى - لما يترتب على ذلك من ذهاب جملة من الاحاديث النبوية . فلهذا كان عمل اهل الحديث سلفا وخلفا ، وفي متدمتهم : البخاري ومسلم ، على الاحتجاج بحديث الشيعي الثقة . فمن رد حديثه ، ورأى توثيقه منكرا ، وعملا غير مشروع ، وأمرا لا يجوز ، فهو شاذ ، خارج عن إجماع اهل الحديث ، فلا يعتبر به ، ولا يلتفت إلى كلامه . وصدور ذلك منه يدل على قصوره في علم الحديث ، وعدم معرفته بما اجمعوا عليه من مسائله بينهم . ويكفي في الدلالة على ان الشيعي محتج بحديثه مقبول الرواية ، إذا كان ثقة ، وأن هذا هو الذي عليه جماعة أهل الحديث واتفقت الامة معهم في ذلك ، إخراج البخاري ومسلم لحديثه ، فإن ذلك دليل على إطباق الامة ، سلفها وخلفها ، على الاحتجاج بالشيعي لاطباق الامة على قبول حديث الصحيحين والاحتجاج بهما والحكم عليهما بأنهما أصح الكتب بعد القرآن . فهذا وحده كاف في كون الشيعي الثقة مجمعا على الاحتجاج به ، مقبول الرواية . ومن خالف ذلك فقد خرج عن هذا الاجماع ، ورد ما أجمعت الامة على قبوله ، والله تعالى يقول : (ومن يتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم) " سورة النساء الاية 115 " وكفى هذا فسادا لقول الالباني في الاعتراض على توثيق الحارث الشيعي . قال الحافظ - رحمه الله تعالى - في مقدمة " الفتح " (384) : ينبغي لكل منصف ان يعلم ان تخريج صاحب الصحيح لاي راو كان مقتضيا لعدالته عنده وصحة ضبطه ، وعدم غفلته ، ولا سيما ما انضاف إلى ذلك من اطباق جمهور الائمة على تسمية الكتاببن بالصحيحين . وهذا معنى لم يحصل لغير من خرج عنه في الصحيح ، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما .

[ 56 ]

ثم قال بعد كلام : وقد كان ابو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح : هذا جاز القنطرة . يعني بذلك : أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه . وقال الشبخ ابو الفتح القشيري في مختصره : وهكذا نعتقد ، وبه نقول ، ولا نخرج عنه الا بحجة ظاهرة وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذى قدمناه من اتفاق الناس - بعد الشيخين - على تسمية كتابيهما بالصحيحين ، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما . ثم قال الحافظ : (قلت) : فلا يقبل الطعن في أحد منهم الا بقادح واضح ، لان اسباب الجرح مختلفة . . . الخ كلامه ، وهو دال على ان التشيع لا دخل له في عدالة الراوي ، ولا علاقة بضعفه . وأنه إذا ثبت براءة الشيعي من الكذب والغفلة ، فحديثه صحيح يحتج به ، ولو كان غالبا في التشيع ، فإن ذلك لا يضره ايضا في العدالة ، لان الغلو في التشيع ليس مفسقا لصاحبه ، ولا يعد به من المبتدعة الخارجين عن الجماعة ، كما بين ذلك الحافظ في مقدمة " الفتح " . بل أغلب التابعين كان على هذا كما قال الذهبي ، ومع ذلك ما رد حديثهم أحد . وفي الصحيحين احاديث كثيرة ، من رواية اهل الغلو في التشيع . وبذلك يكون ايضا اجماع الامة على قبول حديث الشيعي الغالي في التشيع - كما تقدم - في كلام الحافظين : ابن دقيق العيد ، وابن حجر - رحمهما الله تعالى - . وذكر الذهبي في ترجمة ابي احمد الحاكم ، من " تذكرة الحافظ " 3 / 978 : قال ابو احمد الحاكم : سمعت أبا الحسين الغازي يقول : سألت البخاري عن ابي غسان . فقال : عم تسأل عنه ؟ . قلت : شأنه في التشيع . فقال : هو على مذهب ائمة اهل بلدة الكوفيين ، ولو رأيتم عبيد الله وأبا نعيم وجميع مشايخنا لما سألتمونا عن ابي غسان . قلت : ولو تتبعت تراجم أئمة الكوفة لما وجدت واحدا منهم لم يوصف بالتشيع ، وأغلبهم له رواية في الصحيحين ، بل منهم من كان من سادات اهل

[ 57 ]

الحديث ورؤوس محدثي الكوفة ، مثل : أبي اسحاق السبيعي ، والاعمش ، ومنصور بن زبيد ، والشعبي . وان كان الذهبي يقول في حق الشعبى : ان تشيعه يسير كما نقل ذلك صاحب (الروض الباسم ، في الذب عن سنة ابي القاسم) 1 / 148 عن (النبلاء) للذهبي ، أنه قال : روى الشعبي عن حذيفة انه تكلم في ابي موسى بكلام يقتضى أنه منافق ، ثم قال : في الشعبي تشيع يسير . وقول من قال : ان الشعبي يقبل حديثه فيما لا يؤيد مذهبه ولا يوافق رأيه ، باطل ايضا . فالعمدة في الرواية على العدالة والضبط ، فإذا ثبتا في الراوي فلا معنى للنظر في شئ زائد عنهما ، الا التعنت والتمحل في رد ما لا يوافق الهوى . ولا يجوز في العقل ، ان يكون الرجل حجة ثبتا ثقة في حديث ويكون في الوقت نفسه كذابا متهما باطل الرواية في حديث آخر . والثقة على هذه الصورة ، لا يوجد الا في مخيلة النواصب ، ومن تبعهم من الجهلة . وأما المسلمون عموما ، لا فرق بين عالمهم وجاهلهم ، فالثقة عندهم : هو الذى يجتنب الكبائر ، ولا يعتمد الولوج في الصغائر ، ولا يتظاهر بخوارم المروعة . وإذا ارتكب كبيرة ، وتظاهر بها ، أو عرفت عنه ، فهو فاسق لا يقبل حديثه مطلقا بتاتا ، سواء كان صادقا فيه أو لم يكن . وعلى هذا اصطلح عباد الله تعالى في شرق الارض وغربها ، لان الله تعالى يقول : (ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) فأطلق سبحانه الامر بالتبين في نبأ الفاسق ، ولم يخص منه نوعا دون نوع . وأول من أظهر هذه الزيادة ، وهي ان الشيعي الثقة لا يقبل حديثه المؤيد لمذهبه وأدخالها في تقييد حديث الشيعي الثقة أبو إسحاق الجوزجاني ، وهو ناصبي مشهور ، له صولات وجولات وتهجمات شائنة في القدح في الائمة الذين وصفوا

[ 58 ]

بالتشيع ، حتى دعاه ذلك إلى الكلام في اهل الكوفة كافة ، وأخذ الحذر منهم ومن روياتهم . وهذا معروف عنه ، مشهور له ، حتى نصوا على عدم الالتنات إلى طعنه في الرجال الكوفيين ، أو من كان على مذهبهم في التشيع ، لانه خارج عن هوى وتعصب وغرض . ولاجل ذلك لم يلتفت إلى زيادة هذه في تقييد حديث الثقة الشيعي ، بأن لا يكون مؤيدا لمذههه ، أهل الحديث ، ولم يعملوا بها ، واقتصروا على ما يشهد له العقل من وجوب حديث الراوي إذا كان ثقة ضابطا ، بدون ان كون ذلك القبول مقيدا بباب دون باب ، أو معنى دون معنى ، لان ذلك لا يتفق مع شواهد العقل وقواعد النقل . والالباني لقصوره وجهله ، وعدم اطلاعه على ما عليه العمل عند اهل الحديث من قبول رواية الشيعي الثقة ، وان كانت موافقة لمذهبه ، صار يستند ويعتمد على ما زاده الجوزجاني من هذا الشرط الباطل الذي لا يؤيده عقل ولا نقل ، فيضعف الاحاديث بسببها ، ويجعلها حجة على الوضع ، وكون الحديث كذبا ، كما فعل في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : " أنا سيد ولد ادم ، وعلي سيد العرب " . فإنه حكم بوضعه في مقدمة كتبها لبعضي الرسائل ، مستدلا على وضعه بان روح التشيع واضحة في الحديث . ولا ادري أين هذا التشيع الذي وضح له من الحديث ! ؟ مع ان الحديث له شواهد وطرق ، وعلى قوله هذا وقاعدته الفارغة ينبغي ألا نقبل حديثا في فضل علي عليه السلام ، ولو تواتر ، لا سيما إذا كان يخبر بفضل لعلي لا يوجد لغيره من الصحابة - رضوان الله عليهم اجمعين - كحديث : (من كنت مولاه ، فعلي مولاه ، اللهم وال من والاه ، وعاد من عاداه وانصر من نصره) . وهكذا إذا اتبع الانسان كل جاهل ، وأجاب كل صارخ ، ولم يعمل النظر ويبحث عن الاقوال قبل قائلها ، فإنه يرد السنة الصحيحة جملة ، ويعطى مع ذلك السلاح لاعداء الدين وملاحدة العصر في رد مالا يعجهم ويوافق هواهم من حديث سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم .

[ 59 ]

وقوله : إن الصحابة كانوا يقولون في عهد ابي بكر : أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي ، إذا اتفق الصحابة على هذا الترتيب ، فإنما كان ذلك في الخلافة ، أما في التفضيل والفضل ، فالخلاف في ذلك معروف معلوم لكل من له علم واطلاع (1) . والمقصود بعد هذا : هو بيان ان رد حديث الثقة الشيعي إذا كان يؤيد مذهبه لم يصدر الا من النواصب ومن لف حولهم واختار قولهم ودار في فلكهم . وأما أهل الانصاف ، من أئمة الحديث سلفا وخلفا ، فلا يقولون بهذا الهراء الذي لا طائل تحته ، والذي يدل على التخريف والتحريف . ولهذا احتج الشيخان بما رواه الشيعة الثقات من الاحاديث التي تؤيد مذهبهم ، كحديث : " أنت مني بمنزلة هارون من موسى فتد رواه البخاري ، من طريق عبيد الله بن موس العبسي ، وقد كان شديد التشيع . وكذلك حديث : " لا يحبك الا مؤمن ، ولا يبغضك الا منافق " رواه مسلم في " صحيحه " ، من طريق عدي بن ثابت ، وقد كان شيعيا غاليا ، بل كان داعية . وتبعهم على ذلك بقية الائمة الذين جمعوا الصحاح والفوا السنن ، فقد رووا في هذه المصنفات العدد الكثير من حديث الشيعة فيما يؤيد مذهبهم ، وصرحوا بصحتها أو صحة أكثرها . وكل هذا يدل على ان ما زاد ه الجوزجاني ، وتبعه عليه الجهلة من النواصب ومبغضي آل البيت ، مع كون حديث الشيعي الثقة لا يقبل إذا كان يؤيد مذهبه ، وينصر رأيه ، باطل لا أصل له ، ولا يشهد له عقل ، ولا يؤيده نظر . ولولا ضيق الوقت ، لذكرنا العدد الكبير من الاحاديث التى رواها الشيعة الثقات فيما يؤيد مذهبهم ، وصححها الائمة ، وأخرجوها في كتبهم .


(1) قال الحافظ ابن حجر في التهذيب (1 / 94) التشيع في عرف المتقدمين : هو اعتقاد تفضيل علي على عثمان وأن عليا كان مصيبا في حروبه وأن مخالفه مخطئ مع تقديم الشيخين وتفضيلهما وربما اعتقد بعضهم ان عليا افضل الخلق بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان معتقدا ذلك ورعا دينا صادقا مجتهدا فلا ترد روايته بهذا . . . أه‍ قلت : وكان في المحابة ومن بعدهم من يعتقد ان افضل الناس بعد النبي هو سيدنا علي وذلك مشهور وذكره الذهبي في السير فتأمل . (*)

[ 60 ]

ولعلنا نجد فرصة لتفصيل الكلام في هذا الموضوع تفصيلا كافيا لذوي الانصاف رادعا لاهل الاعتساف . أما هذا الجزء ، فقد كتبته على عجل ، تلبية لرغبة بعضى الاخوان في التعجيل ببيان فساد دعوى المتطفل - فميا زعمه - في الاعتراض علي في توثيق الحارث بن عبد الله الهمداني . وكان الفراغ من هذا الجزء ، صباح يوم الاحد ، الحادي والعشرين من جمادى الثانية ، سنة أربع وأربع مئة وألف . والحمد لله أولا واخرا ، وصلى الله على خاتم الانبياء وسيد المرسلين ، وعلى آله الابرار الاكرمين ، وسلم تسليما إلى يوم الدين .

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية