شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الحادي عشر دار أحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه
[ 2 ]
الطبعة الثانية (1387 ه - 1967 م) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - إيران 1404 ه ق
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل (196) الاصل ومن كلام له عليه السلام أيها الناس انما الدنيا دار مجاز والاخرة دار قرار فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا استاركم عند من يعلم اسراركم واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها ابدانكم ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم لله ! آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم ولا تخلفوا كلا فيكون فرضا عليكم
الشرح ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل (1) عن الاصمعي قال خطبنا اعرابي بالبادية فحمد الله واستغفره ووحده وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم فابلغ في ايجاز ثم قال ايها الناس إن الدنيا دار بلاغ والاخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم ولا تهتكوا استاركم عند من لا تخفى عليه اسراركم في الدنيا انتم
(1) الكامل 4 : 108 (طبعة نهضة مصر) . (*)
[ 4 ]
ولغيرها خلقتم اقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم والمصلى عليه رسول الله والمدعو له الخليفة (1) والامير جعفر بن سليمان . وذكر غيره الزيادة التى في كلام امير المؤمنين عليه السلام وهى " إن المرء إذا هلك . . . " الى آخر الكلام . واكثر الناس على أن هذا الكلام لامير المؤمنين عليه السلام . ويجوز أن يكون الاعرابي حفظه فاورده كما يورد الناس كلام غيرهم . قوله عليه السلام دار مجاز أي يجاز فيها الى الاخرة منه سمى المجاز في الكلام مجازا لان المتكلم قد عبر الحقيقة الى غيرها كما يعبر الانسان من موضع الى موضع . ودار القرار دار الاستقرار الذى لا آخر له . فخذوا من ممركم أي من الدنيا لمقركم ، وهو الاخرة . قوله عليه السلام " قال الناس ما ترك ! " يريد أن بنى آدم مشغولون بالعاجلة لا يفكرون في غيرها ولا يتساءلون الا عنها فإذا هلك احدكم فانما قولهم بعضهم لبعض ما الذى ترك فلان من المال ما الذى خلف من الولد وأما الملائكة فانهم يعرفون الاخرة ولا تستهويهم شهوات الدنيا وإنما هم مشغولون بالذكر والتسبيح
فإذا هلك الانسان قالوا ما قدم أي أي شئ قدم من الاعمال ؟ ثم امرهم عليه السلام بان يقدموا من اموالهم بعضها صدقة فانها تبقى لهم ونهاهم أن يخلفوا اموالهم كلها بعد موتهم فتكون وبالا عليهم في الاخرة
(1) يريد به أبا جعفر المنصور ، وقد ولى ابن عمه جعفر بن سليمان بن عبد الله بن العباس المدينة سنة ست وأربعين ومائة . (*)
[ 5 ]
(197) الاصل ومن كلام له عليه السلام كان كثيرا ما ينادى به اصحابه تجهزوا رحمكم الله فقد نودى فيكم بالرحيل واقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فان امامكم عقبة كئودا ومنازل مخوفة مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها . واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دائبة (1) وكانكم بمخالبها وقد نشبت فيكم وقد دهمتكم منها مفظعات الامور ومضلعات (2) المحذور . فقطعوا علائق الدنيا واستظهروا بزاد التقوى وقد مضى شئ من هذا الكلام فيما تقدم يخالف هذه الرواية الشرح تجهزوا لكذا أي تهيئوا له . والعرجة التعريج وهو الاقامة تقول مالى على ربعك عرجة (3) أي إقامه وعرج فلان على المنزل إذا حبس عليه مطيته .
(1) مخطوطة النهج : " دانية " . (2) مخطوطة النهج : " المعضلات " .
(3) في اللسان : " مالى عندك عرجة [ مثلثة العين مع اسكان الراء ] ، ولا عرجة [ بفتحتين ] ، ولا تعريج ، ولا تعرج ، أي مقام ، وقيل محبس " . (*)
[ 6 ]
والعقبة الكئود الشاقة المصعد ودائبة جادة والمخلب للسبع بمنزلة الظفر للانسان . وافظع الامر فهو مفظع إذا جاوز المقدار شدة . ومضلعات المحذور الخطوب التى تضلع أي تجعل الانسان ضليعا أي معوجا والماضي ضلع بالكسر يضلع ضلعا . ومن رواها بالظاء اراد الخطوب التى تجعل الانسان ظالعا أي يغمز في مشيه لثقلها عليه والماضي ظلع بالفتح يظلع ظلعها فهو ظالع
[ 7 ]
(198) الاصل ومن كلام له عليه السلام كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه (1) من ترك مشهورتهما والاستعانه في الامور بهما لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا الا تخبراني أي شئ كان لكما فيه حق دفعتكما عنه أم أي قسم استاثرت عليكما به أو أي حق رفعه الي احد من المسلمين ضعفت عنه ام جهلته ام اخطات بابه . والله ما كانت لى في الخلافة رغبة ولا في الولاية اربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما افضت الى نظرت الى تاب الله وما وضع لنا وامرنا بالحكم به فاتبعته وما استن النبي (2) صلى الله عليه وسلم فاقتديته فلم احتج الى رايكما ولا راى غيركما ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما واخواني من المسلمين ولو كان ذلك لم ارغب عنكما ولا عن غيركما .
وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فان ذلك امر لم احكم انا فيه برأيى ولا وليته هوى منى بل وجدت أنا وانتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ منه فلم احتج اليكما فيما قد فرغ الله من قسمة وامضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى . أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم الى الحق وألهمنا وإياكم الصبر !
ثم قال عليه السلام رحم الله رجلا رأى حقا فاعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه الشرح : نقمت عليه بالفتح أنقم هذه اللغة الفصيحة وجاء نقمت بالكسر انقم . وارجأتما أخرتما أي نقمتما من احوالى اليسير وتركتما الكثير الذى ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير ! . وليس هذا اعترافا بان ما نقماه موضع الطعن والعيب ولكنه على جهه الجدل والاحتجاج كما تقول لمن يطعن في بيت من شعر شاعر مشهور لقد ظلمته إذ تتعلق عليه بهذا البيت وتنسى ما له من المحاسن الكثيرة في غيره ! . تم ذكر وجوه العتاب والاسترادة (1) وهى أقسام إما أن يكون لهما حق يدفعهما عنه أو استأثر عليهما في قسم أو ضعف عن السياسة أو جهل حكما من احكام الشريعة أو أخطا بابه . فان قلت أي فرق بين الاول والثانى قلت اما دفعهما عن حقهما فمنعهما عنه سواء صار إليه عليه السلام أو الى غيره أو لم يصر الى احد بل بقى بحاله في بيت المال .
(1) الاسترادة : طلب الرجوع واللين والانقياد ، ومنه الحديث : فاسترداد لامر الله ، أي رجع ولان
وانقاد . (اللسان) . (*)
[ 9 ]
وأما القسم الثاني فهو أن يأخذ حقهما لنفسه وبين القسمين فرق ظاهر والثانى افحش من الاول . فان قلت فاى فرق بين قوله " ام جهلته " أو " اخطات بابه " . قلت جهل الحكم أن يكون الله تعالى قد حكم بحرمه شئ فاحله الامام أو المفتى وكونه يخطئ بابه هو أن يصيب في الحكم ويخطئ في الاستدلال عليه . ثم اقسم انه لم يكن له في الخلافة رغبة ولا اربة بكسر الهمزة وهى الحاجة وصدق عليه السلام فهكذا نقل اصحاب التواريخ وارباب علم السير كلهم وروى الطبري في التاريخ ورواه غيره ايضا أن الناس غشوة وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يابى ذلك ويقول دعوني والتمسوا غيرى فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب قالوا ننشدك الله الا ترى الفتنة الا ترى الى ما حدث في الاسلام الا تخاف الله فقال قد اجبتكم لما ارى منكم واعلموا انى إن اجبتكم ركبت بكم ما اعلم وإن تركتمونى فانما انا كاحدكم بل انا اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم إليه فقالوا ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال إن كان لا بد من ذلك ففى المسجد فان بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا عن رضا المسلمين وفى ملا وجماعة فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه وفيهم طلحة والزبير (1) . قلت قوله " إن بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا في المسجد بمحضر من جمهور الناس " يشابه قوله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس لما سامه مد يده للبيعة انى احب أن اصحر بها (2) واكره أن ابايع من وراء رتاج .
(1) تاريخ الطبري 5 : 152 (المطبعة الحسينية) مع تصرف
(2) أصحر : من قولهم : أصحر الامر وبه ، إذا أظهره . (*)
[ 10 ]
ثم ذكر عليه السلام انه لما بويع عمل بكتاب الله وسنة رسوله ولم يحتج الى رأيهما ولا رأى غيرهما ولم يقع حكم يجهله فيستشيرهما ولو وقع ذلك لاستشارهما وغيرهما ولم يانف من ذلك . ثم تكلم في معنى التنفيل في العطاء فقال انى عملت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك وصدق عليه السلام فان رسول الله صلى الله عليه وآله سوى في العطاء بين الناس وهو مذهب ابى بكر . والعتبى الرضا الست أرضيكما بارتكاب ما لا يحل لى في الشرع ارتكابه والضمير في " صاحبه " وهو الهاء المجرورة يرجع الى الجور أي وكان عونا بالعمل على صاحب الجور [ من اخبار طلحة والزبير ] قد تقدم منا ذكر ما عتب به طلحة والزبير على امير المؤمنين عليه السلام وانهما قالا ما نراه يستشيرنا في امر ولا يفاوضنا في راى ويقطع الامر دوننا ويستبد بالحكم عنا وكانا يرجوان غير ذلك واراد طلحة أن يوليه البصرة واراد الزبير أن يوليه الكوفة فلما شاهدا صلابته في الدين وقوته في العزم وهجرة الادهان والمراقبة ورفضه المدالسة والمواربة وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنة وقد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه وسجيته وكان عمر قال لهما ولغيرهما إن الاجلح (1) إن وليها ليحملنكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) الاجلح ، من الجلح ، وهو ذهاب الشعر من مقدم الرأس ، وكان رضى الله عنه كذلك . (*)
[ 11 ]
من قبل قال وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا " الا انه ليس الخبر كالعيان ولا القول كالفعل ولا الوعد كالانجاز وحالا عنه وتنكرا له ووقعا فيه وعاباه وغمصاه (1) وتطلبا له العلل والتاويلات وتنقما عليه الاستبداد وترك المشاورة وانتقلا من ذلك الى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال واثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوبا رأيه وقالا انه كان يفضل اهل السوابق وضللا عليا عليه السلام فيما رآه وقالا انه اخطا وانه خالف سيرة عمر وهى السيرة المحمودة التى لم تفضحها النبوة مع قرب عهدنا منها واتصالها بها واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين كان عمر يفضلهم وينفلهم (2) في القسم على غيرهم والناس ابناء الدنيا ويحبون المال حبا جما - فتنكرت على امير المؤمنين عليه السلام بتنكرهما قلوب كثيرة ونغلت (3) عليه نيات كانت من قبل سليمه ولقد كان عمر موفقا حيث منع قريشا والمهاجرين وذوى السوابق من الخروج من المدينة ونهاهم عن مخالطة الناس ونهى الناس عن مخالطتهم وراى أن ذلك اس الفساد في الارض وأن الفتوح والغنائم قد ابطرت المسلمين ومتى بعد الرؤوس والكبراء منهم عن دار الهجرة وانفردوا بانفسهم وخالطهم الناس في البلاد البعيدة لم يامن أن يحسنوا لهم الوثوب وطلب الامرة ومفارقة الجماعة وحل نظام الالفة ولكنه رضى الله عنه نقض هذا الراى السديد بما فعله بعد طعن ابى لؤلؤة له من امر الشورى فان ذلك كان سبب كل فتنة وقعت وتقع الى أن تنقضي الدنيا وقد قدمنا ذكر ذلك وشرحنا ما ادى إليه امر الشورى من الفساد بما حصل في نفس كل من الستة من ترشيحه للخلافة .
وروى أبو جعفر الطبري في تاريخه قال كان عمر قد حجر على اعلام قريش من
المهاجرين الخروج في البلدان الا باذن واجل فشكوه فبلغه فقام فخطب فقال الا انى قد سننت الاسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا (1) ثم يكون رباعيا (2) ثم سديسا ثم بازلا (3) الا فهل ينتظر بالبازل الا النقصان الا وإن الاسلام قد صار بازلا وأن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات على ما في انفسهم الا إن في قريش من يضمر الفرقة ويروم خلع الربقة اما وابن الخطاب حى فلا انى قائمك دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار . وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ ايضا فلما ولى عثمان لم ياخذهم بالذى كان عمر ياخذهم به فخرجوا الى البلاد فلما نزلوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس خمل من لم يكن له طول ولا قدم في الاسلام ونبه اصحاب السوابق والفضل فانقطع إليهم الناس وصاروا اوزاعا معهم واملوهم وتقربوا إليهم وقالوا يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة فكان ذلك اول وهن على الاسلام واول فتنه كانت في العامة . وروى أبو جعفر الطبري عن الشعبى قال لم يمت عمر حتى ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة وسألوه أن يأذن لهم في الخروج الى البلاد فامتنع عليهم وقال إن اخوف ما اخاف على هذه الامة انتشاركم في البلاد حتى إن الرجل كان يستاذنه في غزو الروم أو الفرس وهو ممن حبسه بالمدينة من قريش ولا سيما من المهاجرين فيقول له إن لك في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه وآله ما يكفيك ويبلغك ويحسبك (4) وهو خير لك من الغزو اليوم وإن خيرا لك الا ترى الدنيا ولا تراك .
(1) الثني : الذي يلقى ثنيته . (2) الرباعي : هو الذى القى رباعيته ، والرباعية : السن التي بين الثنية والناب (3) البازل : البعير فطر نابه وانشق ، ويكون ذلك في السنة التاسعة . (4) يقال : أحسبه إذا أرضاه أو أعطاه ما يرضيه وكفاه . (*)
[ 13 ]
فلما مات عمر وولى عثمان خلى عنهم فانتشروا في البلاد واضطربوا وانقطع إليهم الناس وخالطوهم فلذلك كان عثمان احب الى قريش من عمر . فقد بان لك حسن راى عمر في منع المهاجرين واهل السابقة من قريش من مخالطة الناس والخروج من المدينة وبان لك أن عثمان ارخى لهم في الطول (1) فخالطهم الناس وافسدوهم وحببوا إليهم الملك والامرة والرئاسة لا سيما مع الثروة العظيمة التى حصلت لهم والثراء مفسدة واى مفسدة وحصل لطلحة والزبير من ذلك ما لم يحصل لغيرهما ثروة ويسارا وقدما في الاسلام وصار لهما لفيف عظيم من المسلمين يمنونهما الخلافة ويحسنون لهما طلب الامرة لا سيما وقد رشحهما عمر لها واقامهما مقام نفسه في تحملها واى امرئ منى بها قط نفسه ففارقها حتى يغيب في اللحد ولا سيما طلحة قد كان يحدث بها نفسه وابو بكر حى ويروم أن يجعلها فيه بشبهه انه ابن عمه وسخط خلافه عمر وقال لابي بكر ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا وكان له في ايام عمر قوم يجلسون إليه ويحادثونه سرا في معنى الخلافة ويقولون له لو مات عمر لبايعناك بغته جلب الدهر علينا ما جلب وبلغ ذلك عمر فخطب الناس بالكلام المشهور إن قوما يقولون إن بيعه ابى بكر كانت فلته وانه لو مات عمر لفعلنا وفعلنا اما أن بيعه ابى بكر كانت فلته الا إن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع إليه الرقاب كابى بكر فاى امرئ بايع امرا من غير مشورة من المسلمين فانهما بغرة أن يقتلا فلما صارت الى عثمان سخطها طلحة بعد أن كان رضيها واظهر ما في نفسه والب عليه حتى قتل ولم يشك أن الامر له فلما صارت الى على عليه السلام حدث منه ما حدث وآخر الدواء الكى . واما الزبير فلم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء جاريا من الرجل مجرى نفسه .
(1) الطول : الحبل ، يريد أنه لان وترك لهم الحبل على الغارب ، حتى فعلوا ما فعلوا . (*)
[ 14 ]
ويقال انه عليه السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة عليها السلام ليلا على حمار وابناها بين يدى الحمار ، وهو عليه السلام يسوقه فيطرق بيوت الانصار وغيرهم ، ويسألهم النصرة والمعونة ، أجابه اربعون رجلا فبايعهم على الموت وامرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رؤوسهم ومعهم سلاحهم فاصبح لم يوافه منهم الا اربعة الزبير والمقداد وابو ذر وسلمان ثم اتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاءة منهم الا اربعة وكذلك في الليلة الثالثة وكان الزبير اشدهم له نصرة وانفذهم في طاعته بصيرة حلق راسه وجاء مرارا وفي عنقه سيفه وكذلك الثلاثة الباقون الا أن الزبير هو كان الراس فيهم وقد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة عليه السلام وكسر سيفه في صخرة ضربت به ونقلوا اختصاصه بعلى عليه السلام وخلواته به ولم يزل مواليا له متمسكا بحبه ومودته حتى نشا ابنه عبد الله وشب فنزع به عرق من الام ومال الى تلك الجهة وانحرف عن هذه ومحبة الوالد للولد معروفة فانحرف الزبير لانحرافه على انه قد كانت جرت بين على عليه السلام والزبير هنات في ايام عمر كدرت القلوب بعض التكدير وكان سببها قصة موالى صفية ومنازعة على للزبير في الميراث فقضى عمر للزبير فاذعن على عليه السلام لقضائه بحكم سلطانه لا رجوعا عما كان يذهب إليه من حكم الشرع في هذه المسالة وبقيت في نفس الزبير على أن شيخنا ابا جعفر الاسكافي رحمه الله ذكر في كتاب " نقض العثمانية " الزبير كلاما أن صح فانه يدل على انحراف شديد ورجوع عن موالاة امير المؤمنين عليه السلام قال تفاخر على عليه السلام والزبير فقال الزبير اسلمت بالغا واسلمت طفلا وكنت اول من سل سيفا في سبيل الله بمكة وانت مستخف في الشعب (1) يكفلك الرجال
(1) هو شعب أبي بمكة ، وانظر معجم البلدان 5 : 270 (*)
[ 15 ]
ويمونك الاقارب من بنى هاشم وكنت فارسا وكنت راجلا وفى هيئتي نزلت الملائكة وانا حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا أبو جعفر وهذا الخبر مفتعل مكذوب ولم يجر بين على والزبير شئ من هذا الكلام ولكنه من وضع العثمانية ولم يسمع به في احاديث الحشوية ولا في كتب اصحاب السيرة . ولعلى عليه السلام أن يقول طفل مسلم خير من بالغ كافر واما سل السيف بمكة فلم يكن في موضعه وفى ذلك قال الله تعالى (الم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم . . .) (1) الاية وانا على منهاج الرسول في الكف والاقدام وليس كفالة الرجال والاقارب بالشعب عارا على فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب يكفله الرجال والاقارب واما حربك فارسا وحربي راجلا فهلا اغنت فروسيتك يوم عمرو ابن عبدود في الخندق وهلا اغنت فروسيتك يوم طلحة بن ابى طلحة في احد وهلا اغنت فروسيتك يوم مرحب بخيبر ما كانت فرسك التى تحارب عليها في هذه الايام الا اذل من العنز الجرباء ومن سلمت عليه الملائكة افضل ممن نزلت في هيئته وقد نزلت الملائكة في صورة دحية الكلبى افيجب من ذلك أن يكون دحية افضل منى واما كونك حوارى رسول الله صلى الله عليه وآله فلو عددت خصائصي في مقابله هذه اللفظة الواحدة للاستغرقت الوقت وافنيت الزمان ورب صمت ابلغ من نطق (2) . ثم نرجع الى الحديث الاول فتقول إن طلحة والزبير لما ايسا من جهة على عليه
(1) سورة النساء 77 . (2) انظر رسالة العثمانية 224 وما بعدها . (*)
[ 16 ]
السلام ومن حصول الدنيا من قبله قلبا له ظهر المجن فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة
عتابا لاذعا روى شيخنا أبو عثمان قال ارسل طلحة والزبير الى على عليه السلام قبل خروجهما الى مكة مع محمد بن طلحة وقالا لا تقل له " يا امير المؤمنين " ولكن قل له " يا أبا الحسن " لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا اصلحنا لك الامر ووطدنا لك الامرة واجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لامرهم أسرعنا اليك وبايعناك وقدنا اليك اعناق العرب ووطئ المهاجرون والانصار اعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برايك عنا ورفضتنا رفض التريكة (1) واذلتنا اذالة (2) الاماء وملكت امرك الاشتر وحكيم بن جبله وغيرهما من الاعراب ونزاع الامصار فكنا فيما رجوناه منك واملناه من ناحيتك كما قال الاول فكنت كمهريق الذى في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاء محمد بن طلحة ابلغه ذاك فقال اذهب اليهما فقل لهما فما الذى يرضيكما فذهب وجاءه فقال انهما يقولان ول احدنا البصرة والاخر الكوفة فقال لاها الله اذن يحلم الاديم ويستشرى الفساد وتنتقض على البلاد من اقطارها والله انى لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب اليهما فقل ايها الشيخان احذرا من سطوة الله ونقمته ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتما قول الله تعالى (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (3) فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه وتاخرا عنه اياما ثم جاءاه فاستاذناه في الخروج الى مكة للعمرة فاذن لهما بعد أن احلفهما
(1) التريكة : التي تترك فلا يتزوجها أحد . (2) الاذالة الاهانة (3) سورة القصص 83 . (*)
[ 17 ]
الا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن
يعودا بعد العمرة الى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا . وروى شيخنا أبو عثمان قال لما خرج طلحة والزبير الى مكة واوهما الناس انهما خرجا للعمرة قال على عليه السلام لاصحابه والله ما يريدان العمرة وانما يريدان الغدرة (فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما) . (1) وروى الطبري في التاريخ قال لما بايع طلحة والزبير عليا عليه السلام سالاه أن يؤمرهما على الكوفة والبصرة فقال بل تكونان عندي اتجمل بكما فانني استوحش لفراقكما . قال الطبري وقد كان قال لهما قبل بيعتهما له إن احببتما أن تبايعاني وإن احببتما بايعتكما فقالا لا بل نبايعك ثم قالا بعد ذلك انما بايعناه خشية على انفسنا وقد عرفنا انه لم يكن ليبايعنا ثم ظهرا الى مكة وذلك بعد قتل عثمان باربعة اشهر . وروى الطبري ايضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا وتم له الامر قال طلحة للزبير ما ارى أن لنا من هذا الامر الا كحسة (2) انف الكلب . وروى الطبري ايضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا عليه السلام بعد قتل عثمان جاء على الى الزبير فاستاذن عليه قال أبو حبيبة مولى الزبير : فاعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال ائذن له فاذنت له فدخل فسلم على الزبير وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل لامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من
(1) سورة الفتح 10 (2) كذا في تاريخ الطبري 1 : 3069 (طبع اوربا) ، والكلمة غير واضحة الاصول (*)
[ 18 ]
السيف شيئا ! فقمت في مقامه فرايت ذباب السيف فاخبرته وقلت إن ذباب السيف ليظهر لمن قام في هذا الموضع فقال ذاك أعجل الرجل
وروى شيخنا أبو عثمان قال كتب مصعب بن الزبير الى عبد الملك من مصعب بن الزبير الى عبد الملك بن مروان سلام عليك فانى احمد اليك الله الذى لا اله الا هو اما بعد ستعلم يا فتى الزرقاء أنى ساهتك عن حلائلك الحجابا وأترك بلدة اصبحت فيها تهور من جوانبها خرابا أما أن لله على الوفاء بذلك الا أن تتراجع أو تتوب ولعمري ما انت كعبد الله بن الزبير ولا مروان كالزبير بن العوام حوارى رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمته فسلم الامر الى اهله فان نجاتك بنفسك اعظم الغنيمتين والسلام . فكتب إليه عبد الملك من عبد الله عبد الملك امير المؤمنين الى الذلول الذى اخطا من سماه المصعب سلام عليك فانى احمد اليك الله الذى لا اله الا هو اما بعد اتوعدني ولم ار مثل يومى خشاش الطير يوعدن العقابا متى تلق العقاب خشاش طير يهتك عن مقاتلها الحجابا اتوعد بالذئاب اسود غاب واسد الغاب تلتهم الذئابا ! اما ما ذكرت من وفائك فلعمري لقد وفى ابوك لتيم وعدى بعداء قريش وزعانفها حتى إذا صارت الامور الى صاحبها عثمان الشريف النسب الكريم الحسب بغاه الغوائل واعد له المخاتل حتى نال منه حاجته ثم دعا الناس الى على وبايعه فلما
[ 19 ]
دانت له امور الامه واجمعت له الكلمة وادركه الحسد القديم لبنى عبد مناف فنقض عهده ونكث بيعته بعد توكيدها ففكر وقدر وقتل كيف قدر وتمزقت لحمه الضباع بوادي السباع ولعمري انك تعلم يا اخا بنى عبد العزى بن قصى انا بنو عبد مناف لم نزل سادتكم وقادتكم في الجاهلية والاسلام ولكن الحسد دعاك الى ما ذكرت ولم ترث
ذلك عن كلالة بل عن ابيك ولا أظن حسدك وحسد اخيك يؤول بكما الا الى ما آل إليه حسد ابيكما من قبل (ولا يحيق المكر السيئ الا باهله) (1) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (2) . وروى أبو عثمان ايضا قال دخل الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير وكان معاوية يحب أن يغرى بين قريش فقال يا ابا محمد ايهما كان اكبر سنا على ام الزبير فقال الحسن ما اقرب ما بينهما وعلى اسن من الزبير رحم الله عليا فقال ابن الزبير رحم الله الزبير وهناك أبو سعيد بن عقيل بن ابى طالب فقال يا عبد الله وما يهيجك من أن يترحم الرجل على ابيه قال وانا ايضا ترحمت على ابى قال اتظنه ندا له وكفؤا قال وما يعدل به عن ذلك كلاهما من قريش وكلاهما دعا الى نفسه ولم يتم له قال دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش ومن الرسول صلى الله عليه وآله حيث تعلم ولما دعا الى نفسه أتبع فيه وكان رأسا ودعا الزبير الى امر وكان الرأس فيه امرأة ولما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وولى مدبرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه أو يدحض الباطل فيتركه فادركه رجل لو قيس ببعض اعضائه لكان اصغر فضرب عنقه واخذ سلبه وجاء براسه ومضى على قدما كعادته مع ابن عمه رحم الله عليا
(1) سورة فاطر 43 . (2) سورة الشعراء 227 . (*)
[ 20 ]
فقال ابن الزبير اما لو أن غيرك تكلم بهذا يا ابا سعيد لعلم فقال إن الذى تعرض به يرغب عنك وكفه معاوية فسكتوا . واخبرت عائشة بمقالتهم ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا ابا سعيد انت القائل لابن اختى كذا فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا فقال إن الشيطان يرانا ولا نراه فضحكت عائشة وقالت لله ابوك ما اذلق لسانك
[ 21 ]
(199) الاصل ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من اصحابه يسبون اهل الشام ايام حربهم بصفين انى اكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم اعمالهم وذكرتم حالهم كان اصوب في القول وابلغ في العذر وقلتم مكان سبكم اياهم اللهم احقن دماءنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به الشرح السب الشتم سبه يسبه بالضم والتساب التشاتم ورجل مسب بكسر الميم كثير السباب ورجل سبه أي يسبه الناس ورجل سببه أي يسب الناس ورجل سب كثير السباب وسبك الذى يسابك قال لا تسبننى فلست بسبي إن سبى من الرجال الكريم (1) والذى كرهه عليه السلام منهم انهم كانوا يشتمون اهل الشام ولم يكن يكره منهم لعنهم اياهم والبذاءة منهم لا كما يتوهمه قوم من الحشوية فيقولون لا يجوز
(1) لعبد الرحمن بن حسان ، وانظر الصحاح 1 : 145 . (*)
[ 22 ]
لعن احد ممن عليه اسم الاسلام وينكرون على من يلعن ومنهم من يغالى في ذلك فيقول لا العن الكافر والعن ابليس وإن الله تعالى لا يقول لاحد يوم القيامة لم لم تلعن وانما يقول لم لعنت . واعلم أن هذا خلاف نص الكتاب لانه تعالى قال (إن الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا) (1) .
وقال (اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) . (2) وقال في ابليس (وإن عليك لعنتي الى يوم الدين) (3) . وقال (ملعونين اينما ثقفوا) (4) . وفى الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع . وكيف يجوز للمسلم أن ينكر التبرؤ ممن يجب التبرؤ منه الم يسمع هؤلاء قول الله تعالى (لقد كان لكم اسوة حسنه في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا) (5) وانما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله فان كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن والبراء فلا ضير على من يلعنه ويبرا منه وإن لم يكن قد قارف كبيرة لم يجز لعنه ولا البراءة منه . ومما يدل على أن من عليه اسم الاسلام إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنه بل يجب في وقت قول الله تعالى في قصه اللعان (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه
(1) سورة الاحزاب 64 . (2) سورة البقرة 159 . (3) سورة ص 78 . (4) سورة الاحزاب 61 . (5) سورة الممتحنة 4 . (*)
[ 23 ]
لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) (1) وقال تعالى في القاذف (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم) (2) . فهاتان الايتان في المكلفين من اهل القبلة والايات قبلهما في الكافرين والمنافقين
ولهذا قنت امير المؤمنين عليه السلام على معاوية وجماعة من اصحابه ولعنهم في ادبار الصلوات . فان قلت فما صورة السب الذى نهى امير المؤمنين عليه السلام عنه . قلت كانوا يشتمونهم بالاباء والامهات ومنهم من يطعن في نسب قوم منهم ومنهم من يذكرهم باللؤم ومنهم من يعيرهم بالجبن والبخل وبانواع الاهاجى التى يتهاجى بها الشعراء واساليبها معلومة فنهاهم عليه السلام عن ذلك وقال انى اكره لكن أن تكونوا سبابين ولكن الاصوب أن تصفوا لهم اعمالهم وتذكروا حالهم أي أن تقولوا انهم فساق وانهم اهل ضلال وباطل . ثم قال اجعلوا عوض سبهم أن تقولوا اللهم احقن دماءنا ودماءهم . حقنت الدم احقنه بالضم منعت أن يسفك أي الهمهم الانابة الى الحق والعدول عن الباطل فان ذلك إذا تم حقنت دماء الفريقين . فان قلت كيف يجوز أن يدعو الله تعالى بما لا يفعله اليس من اصولكم أن الله تعالى لا يضطر المكلف الى اعتقاد الحق وانما يكله الى نظرة . قلت الامر وأن كان كذلك الا أن المكلفين قد تعبدوا بان يدعوا الله تعالى
(1) سورة النور 6 ، 7 . (2) سوة النور 23 . (*)
[ 24 ]
بذلك لان في دعائهم اياه بذلك لطفا لهم ومصالح في اديانهم كالدعاء بزيادة الرزق وتاخير الاجل . قوله " واصلح ذات بيننا وبينهم " يعنى احوالنا واحوالهم ولما كانت الاحوال ملابسه للبين قيل لها " ذات البين " كما انه لما كانت الضمائر ملابسة للصدور قيل " ذات الصدور " وكذلك قولهم اسقنى ذا انائك لما كان ما فيه من الشراب ملابسا
له ويقولون للمتبرز قد وضع ذا بطنه وللحبلى تضع القت ذا بطنها . وارعوى عن الغى رجع وكف . لهج به بالكسر يلهج اغرى به وثابر عليه
[ 25 ]
(200) ومن كلام له عليه السلام في بعض ايام صفين وقد راى الحسن ابنه عليه السلام يتسرع الى الحرب املكوا عنى هذا الغلام لا يهدنى فانني انفس بهذين يعنى الحسن والحسين عليهما السلام على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الرضى أبو الحسن رحمه الله قوله عليه السلام " املكوا عنى هذا الغلام " من اعلى الكلام وافصحه الشرح الالف في " املكوا " الف وصل لان الماضي ثلاثى من ملكت الفرس والعبد والدار املك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه . وعن متعلقه بمحذوف تقديره استولوا عليه وابعدوه عنى ولما كان الملك سبب الحجر على المملوك عبر بالسبب عن المسبب كما عبر بالنكاح عن العقد وهو في الحقيقة اسم الوطء لما كان العقد طريقا الى الوطء وسببا له . ووجه علو هذا الكلام وفصاحته انه لما كان في " املكوا " معنى البعد اعقبه
[ 26 ]
بعن وذلك انهم لا يملكونه دون امير المؤمنين عليه السلام الا وقد ابعدوه عنه الا ترى انك إذا حجرت على زيد دون عمرو فقد باعدت زيدا عن عمرو فلذلك قال املكوا عنى هذا الغلام واستفصح الشارحون قول ابى الطيب إذا كان شم الروح ادنى اليكم فلا برحتنى روضه وقبول (1)
قالوا ولما كان في " فلا برحتنى " معنى " فارقتني " عدى اللفظة وإن كانت لازمة نظرا الى المعنى . (1) قوله " لا يهدنى " أي لئلا يهدنى فحذف كما حذف طرفه في قوله الا ايهذا الزاجرى احضر الوغى (2) أي لان احضر . وانفس ابخل نفست عليه بكذا بالكسر . فان قلت ايجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما ابناء رسول الله وولد رسول الله وذرية رسول الله ونسل رسول الله . قلت نعم لان الله تعالى سماهم (ابناءه) في قوله تعالى (ندع ابناءنا وابناءكم) (3) وانما عنى الحسن والحسين ولو اوصى لولد فلان بمال دخل فيه اولاد البنات وسمى الله تعالى عيسى ذرية ابراهيم في قوله (ومن ذريته داود وسليمان) (4) الى أن قال (ويحيى وعيسى) ولم يختلف اهل اللغة في أن ولد البنات من نسل الرجل .
(1) ديوانه 3 : 96 . (2) من المعلقة - بشرح التبريزي 80 وبقيته * وأن أشهد اللذات هل انت مخلدي * (3) سورة آل عمران 61 . (4) سورة الانعام 84 . (*)
[ 27 ]
فان قلت فما تصنع بقوله تعالى (ما كان محمد ابا احد من رجالكم) قلت اسالك عن ابوته لابراهيم بن مارية فكما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن الحسن والحسين عليهما السلام . والجواب الشامل للجميع انه عنى زيد بن حارثة لان العرب كانت تقول زيد بن محمد
على عادتهم في تبنى العبيد فابطل الله تعالى ذلك ونهى عن سنة الجاهلية وقال إن محمدا عليه السلام ليس ابا لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزى إليه بالنبوة وذلك لا ينفى كونه ابا لاطفال لم تطلق عليهم لفظة الرجال كابراهيم وحسن وحسين عليهم السلام . فان قلت اتقول إن ابن البنت ابن على الحقيقة الاصلية ام على سبيل المجاز . قلت لذاهب أن يذهب الى انه حقيقة اصلية لان اصل الاطلاق الحقيقة وقد يكون اللفظ مشتركا بين مفهومين وهو في احدهما اشهر ولا يلزم من كونه اشهر في احدهما الا يكون حقيقة في الاخر . ولذاهب أن يذهب الى انه حقيقة عرفية وهى التى كثر استعمالها وهى في الاكثر مجاز حتى صارت حقيقة في العرف كالراوية للمزادة والسماء للمطر . ولذاهب أن يذهب الى كونه مجازا قد استعمله الشارع فجاز اطلاقه في كل حال واستعماله كسائر المجازات المستعملة . ومما يدل على اختصاص ولد فاطمة دون بنى هاشم كافة بالنبي عليه السلام انه ما كان يحل له عليه السلام أن ينكح بنات الحسن والحسين عليهما السلام ولا بنات ذريتهما وإن بعدن وطال الزمان الزمان ويحل له نكاح بنات غيرهم من بنى هاشم من الطالبيين وغيرهم وهذا يدل على مزيد الاقربية وهى كونهم اولاده لانه ليس هناك من القربى غير
[ 28 ]
هذا الوجه لانهم ليسوا اولاد اخيه ولا اولاد اخته ولا هناك وجه يقتضى حرمتهم عليه الا كونه والدا لهم وكونهم اولادا له فان قلت قد قال الشاعر بنونا بنو ابنائنا وبناتنا بنوهن ابناء الرجال الاباعد . وقال حكيم العرب اكثم بن صيفي في البنات يذمهن انهن يلدن الاعداء ويورثن البعداء .
قلت انما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الاشهرو ليس في قول اكثم ما يدل على نفى بنوتهم وانما ذكر انهن يلدن الاعداء وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدوا قال الله تعالى (إن من ازواجكم واولادكم عدوا لكم) (1) ولا ينفى كونه عدوا كونه ابنا . قيل لمحمد بن الحنفية عليه السلام لم يغرر بك ابوك في الحرب ولم لا يغرر بالحسن والحسين فقال لانهما عيناه وانا يمينه فهو يذب عن عينيه بيمينه
(1) سورة التغابن 14 . (*)
[ 29 ]
(201) الاصل ومن كلام عليه السلام قاله لما اضطرب عليه اصحابه في امر الحكومة ايها الناس انه لم يزل امرى معكم على ما احب حتى نهكتكم الحرب وقد والله اخذت منكم وتركت وهى لعدوكم انهك . لقد كنت امس اميرا فاصبحت اليوم مامورا وكنت امس ناهيا فاصبحت اليوم منهيا وقد احببتم البقاء وليس لى أن احملكم على ما تكرهون الشرح نهكتكم بكسر الهاء ادنفتكم واذابتكم ويجوز فتح الهاء وقد نهك الرجل أي دنف وضنى فهو منهوك وعليه نهكه المرض أي اثره الحرب مؤنثة . وقد اخذت منكم وتركت أي لم تستأصلكم بل فيكم بعد بقية وهى لعدوكم انهك لان القتل في اهل الشام كان اشد استحرارا والوهن فيهم اظهر ولو لا فساد اهل العراق برفع المصاحف لا ستؤصل الشام وخلص الاشتر الى معاوية فاخذه بعنقه ولم يكن قد بقى من قوة الشام الا كحركة ذنب الوزغة عند قتلها يضطرب يمينا وشمالا ولكن الامور السماوية لا تغالب .
فاما قوله (كنت امس اميرا فاصبحت اليوم مامورا) فقد قدمنا شرح حالهم من قبل وأن اهل العراق لما رفع عمرو بن العاص ومن معه المصاحف على وجه المكيدة
[ 30 ]
حين احس بالعطب وعلو كلمة اهل الحق الزموا امير المؤمنين عليه السلام بوضع اوزار الحرب وكف الايدى عن القتال وكانوا في ذلك على اقسام فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف وغلب على ظنه أن اهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة وحيلة بل حقا ودعاء الى الدين وموجب الكتاب فراى أن الاستسلام للحجة اولى من الاصرار على الحرب . ومنهم من كان قد مل الحرب وآثر السلم فلما راى شبهة ما يسوغ التعلق بها في رفض المحاربة وحب العافية اخلد إليهم . ومنهم من كان يبغض عليا عليه السلام بباطنه ويطيعه بظاهره كما يطيع كثير من الناس السلطان في الظاهر ويبغضه بقلبه فلما وجدوا طريقا الى خذلانه وترك نصرته اسرعوا نحوها فاجتمع جمهور عسكره عليه وطالبوه بالكف وترك القتال فامتنع امتناع عالم بالمكيدة وقال لهم انها حيلة وخديعة وانى اعرف بالقوم منكم انهم ليسوا باصحاب قرآن ولا دين قد صحبتهم وعرفتهم صغيرا وكبيرا فعرفت منهم الاعراض عن الدين والركون الى الدنيا فلا تراعوا برفع المصاحف وصمموا على الحرب وقد ملكتموهم فلم يبق منهم الا حشاشة ضعيفة وذماء قليل فابوا عليه والحوا واصروا على القعود والخذلان وامروه بالانفاذ الى المحاربين من اصحابه وعليهم الاشتر أن يامرهم بالرجوع وتهددوه إن لم يفعل باسلامه الى معاوية فارسل الى الاشتر يامره بالرجوع وترك الحرب فابى عليه فقال كيف ارجع وقد لاحت امارات الظفر فقولوا له (ليمهلني ساعة واحدة) ولم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت فلما عاد إليه الرسول بذلك غضبوا ونفروا وشغبوا وقالوا انفذت الى الاشتر سرا وباطنا
تأمره بالتصميم وتنهاه عن الكف وإن لم تعده الساعة والا قتلناك كما قتلنا عثمان فرجعت الرسل الى الاشتر فقالوا له ا تحب أن تظفر بمكانك وامير المؤمنين قد سل عليه
[ 31 ]
خمسون الف سيف فقال ما الخبر قال إن الجيش باسره قد احدق به وهو قاعد بينهم على الارض تحته نطع وهو مطرق والبارقة تلمع على راسه يقولون لئن لم تعد الاشتر قتلناك قال ويحكم فما سبب ذلك قالوا رفع المصاحب قال والله لقد ظننت حين رايتها رفعت انها ستوقع فرقة وفتنة . ثم كر راجعا على عقبيه فوجد امير المؤمنين عليه السلام تحت الخطر قد ردده اصحابه بين امرين يسلموه الى معاوية أو يقتلوه ولا ناصر له منهم الا ولداه وابن عمه ونفر قليل لا يبلغون عشرة فلما رآهم الاشتر سبهم وشتمهم وقال ويحكم ابعد الظفر والنصر صب عليكم الخذلان والفرقة يا ضعاف الاحلام يا اشباه النساء يا سفهاء العقول فشتموه وسبوه وقهروه وقالوا المصاحف المصاحف والرجوع إليها لا نرى غير ذلك فأجاب امير المؤمنين عليه السلام الى التحكيم دفعا للمحذور الاعظم بارتكاب المحظور الاضعف فلذلك قال (كنت اميرا فاصبحت مامورا وكنت ناهيا فصرت منهيا) وقد سبق من شرح حال التحكيم وما جرى فيه ما يغنى عن اعادته
[ 32 ]
(2) الاصل ومن كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثى وهو من اصحابه يعوده فلما راى سعة داره قال ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا اما انت إليها في الاخرة كنت احوج وبلى إن شئت بلغت بها الاخرة تقرى فيها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع
منها الحقوق مطالعها فإذا انت قد بلغت بها الاخرة فقال له العلاء يا امير المؤمنين اشكو اليك اخى عاصم بن زياد قال وما له قال لبس العباء وتخلى من الدنيا قال على به فلما جاء قال يا عدى نفسه لقد استهام بك الخبيث اما رحمت اهلك وولدك اترى الله احل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها انت اهون على الله من ذلك قال يا امير المؤمنين هذا انت في خشونة ملبسك وجشوبة ماكلك قال ويحك انى لست كانت إن الله تعالى فرض على ائمة الحق أن يقدروا انفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره
[ 33 ]
الشرح كنت هاهنا زائدة مثل قوله تعالى (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) (1) وقوله (وبلى إن شئت بلغت بها الاخرة) لفظ فصيح كانه استدرك وقال وبلى على انك قد تحتاج إليها في الدنيا لتجعلها وصلة الى نيل الاخرة بان تقرى فيها الضيف والضيف لفظ يقع على الواحد والجمع وقد يجمع فيقال ضيوف واضياف والرحم القرابة . وتطلع منها الحقوق مطالعها توقعها في مظان استحقاقها .
والعباء جمع عباءة وهى الكساء وقد تلين كما قالوا عظاءة وعظاية وصلاءة وصلاية . وتقول على بفلان أي احضره والاصل اعجل به على فحذف فعل الامر ودل الباقي عليه . ويا عدى نفسه تصغير (عدو) وقد يمكن أن يراد به التحقير المحض هاهنا . ويمكن أن يراد به الاستعظام لعداوته لها ويمكن أن يخرج مخرج التحنن والشفقة كقولك يا بنى . واستهام بك الخبيث يعنى الشيطان أي جعلك هائما ضالا والباء زائدة . فان قيل ما معنى قوله عليه السلام (انت اهون على الله من ذلك) ؟ . قلت لان في المشاهد قد يحل الواحد منا لصاحبه فعلا مخصوصا محاباه ومراقبه له
(1) سورة مريم 29 . (*)
[ 34 ]
وهو يكره أن يفعله والبشر اهون على الله تعالى من أن يحل لهم امرا مجامله واستصلاحا للحال معهم وهو يكره منهم فعله . وقوله (هذا انت !) أي فما بالنا نراك خشن الملبس والتقدير (فها انت تفعل كذا فكيف تنهى عنه !) . وطعام جشب أي غليظ وكذلك مجشوب وقيل انه الذى لا ادم معه . قوله عليه السلام (أن يقدروا انفسهم بضعفه الناس) أي يشتبهوا ويمثلوا . وتبيغ الدم بصاحبه وتبوغ به أي هاج به وفي الحديث (عليكم بالحجامة لا يتبيغ باحدكم الدم فيقتله) وقيل اصل (يتبيغ) يتبغى فقلب جذب وجبذ أي يجب على الامام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه بضعفة الناس - جمع ضعيف - لكيلا يهلك الفقراء من الناس فانهم إذا راوا امامهم بتلك الهيئة وبذلك المطعم كان ادعى لهم الى سلوان لذات الدنيا والصبر عن شهوات النفوس [ ذكر بعض مقامات العارفين والزهاد ]
وروى أن قوما من المتصوفة دخلوا خراسان على على بن موسى الرضى فقالوا له إن امير المؤمنين فكر فيما ولاه الله من الامور فرأكم - اهل البيت - اولى الناس أن تؤموا الناس ونظر فيك من اهل البيت فرآك اولى الناس بالناس فراى أن يرد هذا الامر اليك والامامة تحتاج الى من ياكل الجشب ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض فقال لهم إن يوسف كان نبيا يلبس اقبية الديباج المزررة بالذهب ويجلس على متكات آل فرعون ويحكم انما يراد من الامام قسطه وعدله إذا قال صدق
[ 35 ]
وإذا حكم عدل وإذا وعد انجز إن الله لم يحرم لبوسا ولا مطعما ثم قرا (قل من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق الايه . . .) (1) الاية . وهذا القول مخالف للقانون الذى اشار امير المؤمنين إليه وللفلاسفة في هذا الباب كلام لا باس به وقد اشار إليه أبو على بن سينا في كتاب (الاشارات) وعليه يتخرج قولا امير المؤمنين وعلى بن موسى الرضى عليهما السلام قال أبو على في مقامات العارفين (العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر على حسب ما يختلف عندهم من دواعى العبر فربما استوى عند العارف القشف الترف بل ربما آثر القشف وكذلك ربما سوى عنده التفل والعطر بل ربما آثر التفل وذلك عند ما يكون الهاجس بباله استحقار ما عدا الحق وربما صغا الى الزينة واحب من كل شئ عقيلته (2) وكره الخداج والسقط وذلك عند ما يعتبر عادته من صحبته الاحوال الظاهرة فهو يرتاد إليها في كل شئ لانه مزية خطوة من العناية الاولى واقرب أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه وقد يختلف هذا في عارفين وقد يختلف في عارف بحسب وقتين . واعلم أن الذى رويته عن الشيوخ ورايته بخط عبد الله بن احمد بن الخشاب رحمه الله أن الربيع بن زياد الحارثى اصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فاتاه على عليه السلام عائدا فقال كيف تجدك ابا عبد الرحمن قال اجدني
يا امير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بى الا بذهاب بصرى لتمنيت ذهابه قال وما قيمة بصرك عندك قال لو كانت لى الدنيا لفديته بها قال لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك إن الله تعالى يعطى على قدر الالم والمصيبة وعنده تضعيف كثير قال الربيع
(1) سورة الاعراف 32 (2) العقيلة من كل شئ أكرمه جمعها عقائل . (*)
[ 36 ]
يا امير المؤمنين الا اشكوا اليك عاصم بن زياد اخى قال ما له قال لبس العباء وترك الملاء وغم اهله وحزن ولده فقال على ادعوا لى عاصما فلما اتاه عبس في وجهه وقال ويحك يا عاصم ا ترى الله اباح لك اللذات وهو يكره ما اخذت منها لانت اهون على الله من ذلك أو ما سمعته يقول (مرج البحرين يلتقيان) (1) ثم يقول (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (2) وقال (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها) (3) اما والله إن ابتذال نعم الله بالفعال احب إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعتم الله يقول (واما بنعمة ربك فحدث) (4) وقوله (من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق) إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) (5) وقال (يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (6) وقال رسول الله صلى الله عليه وآ له وسلم لبعض نسائه (مالى اراك شعثاء مرهاء سلتاء) (7) . قال عاصم فلم اقتصرت يا امير المؤمنين على لبس الخشن واكل الجشب قال إن الله تعالى افترض على ائمة العدل أن يقدروا لانفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره فما قام على عليه السلام حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءه . والربيع بن زياد هو الذى افتتح بعض خراسان وفيه قال عمر دلوني على رجل إذا كان
(1) سورة الرحمن 19 . (2) سورة الرحمن 22 . (3) سورة فاطر 12 . (4) سورة الضحى 11 . (5) سورة البقرة 172 . (6) سورة المؤمنون 51 . (7) المرهاء : التي لا تكتحل . والسلتاء التي لاتخضب . (*)
[ 37 ]
في القوم اميرا فكأنه ليس بامير وإذا كان في القوم ليس بامير فكأنه الامير بعينه وكان خيرا متواضعا وهو صاحب الوقعة مع عمر لما احضر العمال فتوحش له الربيع وتقشف واكل معه الجشب من الطعام فاقره على عمله وصرف الباقين وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم . وكتب زياد بن ابيه الى الربيع بن زياد وهو على قطعة من خراسان إن امير المؤمنين معاوية كتب الى يامرك أن تحرز الصفراء والبيضاء وتقسم الخرثى (1) وما اشبهه على اهل الحرب فقال له الربيع انى وجدت كتاب الله قبل كتاب امير المؤمنين ثم نادى في الناس أن اغدوا على غنائمكم فاخذ الخمس وقسم الباقي على المسلمين ثم دعا الله أن يميته فما جمع حتى مات . وهو الربيع بن زياد بن انس بن ديان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن مالك بن كعب بن الحارث بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن ادد . واما العلاء بن زياد الذى ذكره الرضى رحمه الله فلا اعرفه لعل غيرى يعرفه .
(1) الخرثى : أردأ المتاع . (*)
[ 38 ]
(203) الاصل ومن كلام له عليه السلام وقد ساله سائل عن احاديث البدع وعما في ايدى الناس من اختلاف الخبر فقال عليه السلام إن في ايدى الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده حتى قام خطيبا فقال (من كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار) وانما اتاك بالحديث اربعة رجال ليس لهم خامس رجل منافق مظهر للايمان متصنع بالاسلام لا يتاثم ولا يتحرج يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا فلو علم الناس انه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم آه وسمع منه ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد اخبرك الله عن المنافقين بما اخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ثم بقوا بعده فتقربوا الى ائمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والبهتان فولوهم الاعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس فاكلوا بهم الدنيا وانما الناس مع الملوك والدنيا الا من عصم الله فهذا احد الاربعة ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد
[ 39 ]
كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول انا سمعته من رسول الله صلى
الله عليه وسلم فلو علم المسلمون انه وهم فيه لم يقبلوه منه ولو علم هو انه كذلك لرفضه ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يامر به ثم انه نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شئ ثم امر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم انه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فهو حفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام والمحكم والمتشابه فوضع كل شئ موضعه وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام له وجهان فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من اجله وليس كل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يساله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا وكان لا يمر بى من ذلك شئ الا سألته عنه وحفظته فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم
[ 40 ]
الشرح الكلام في تفسير الالفاظ الاصولية وهى العام والخاص والناسخ والمنسوخ والصدق والكذب والمحكم والمتشابه موكول الى فن اصول الفقه وقد ذكرناه فيما
امليناه من الكتب الاصولية والاطالة بشرح ذلك في هذا الموضع مستهجنة . قوله عليه السلام (وحفظا ووهما) الهاء مفتوحة وهى مصدر وهمت بالكسر اوهم أي غلطت وسهوت وقد روى (وهما) بالتسكين وهو مصدر وهمت بالفتح اوهم إذا ذهب وهمك الى شئ وانت تريد غيره والمعنى متقارب . وقول النبي صلى الله عليه وسلم فليتبوا مقعده من النار كلام صيغته الامر ومعناه الخبر كقوله تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) (1) وتبوات المنزل نزلته وبواته منزلا انزلته فيه والتاثم الكف عن موجب الاثم والتحرج مثله واصله الضيق كانه يضيق على نفسه . ولقف عنه تناول عنه . وجنب عنه اخذ عنه جانبا . و (إن) في قوله (حتى إن كانوا ليحبون) مخففة من الثقيلة ولذلك جاءت اللام في الخبر . والطارئ بالهمز الطالع عليهم طرا أي طلع وقد روى (عللهم) بالرفع عطفا على (وجوه) وروى بالجر عطفا على (اختلافهم)
(1) سورة مريم 75 . (*)
[ 41 ]
[ ذكر بعض احوال المنافقين بعد وفاة محمد عليه السلام ] واعلم أن هذا التقسيم صحيح وقد كان في ايام الرسول صلى الله عليه واله منافقون وبقوا بعده وليس يمكن أن يقال إن النفاق مات بموته والسبب في استتار حالهم بعده انه صلى الله عليه واله كان لا يزال بذكرهم بما ينزل عليه من القرآن فانه مشحون بذكرهم الا ترى أن اكثر ما نزل بالمدينة من القرآن مملوء بذكر المنافقين فكان السبب في انتشار ذكرهم واحوالهم وحركاتهم هو القرآن فلما انقطع الوحى بموته صلى الله
عليه واله لم يبق من ينعى عليهم سقطاتهم ويوبخهم على اعمالهم ويامر بالحذر منهم ويجاهرهم تارة ويجاملهم تارة وصار المتولي للامر بعده يحمل الناس كلهم على كاهل المجاملة ويعاملهم بالظاهر وهو الواجب في حكم الشرع والسياسة الدنيوية بخلاف حال الرسول صلى الله عليه واله فانه كان تكليفه معهم غير هذا التكليف ا لا ترى انه قيل له (ولا تصل على احد منهم مات ابدا) (1) فهذا يدل على انه كان يعرفهم باعيانهم والا كان النهى له عن الصلاة عليهم تكليف ما لا يطاق والوالى بعده لا يعرفهم باعيانهم فليس مخاطبا بما خوطب به صلى الله عليه وسلم في امرهم ولسكوت الخلفاء عنهم بعده خمل ذكرهم فكان قصارى امر المنافق أن يسر ما في قلبه ويعامل المسلمين بظاهره ويعاملونه بحسب ذلك ثم فتحت عليهم البلاد وكثرت الغنائم فاشتغلوا بها عن الحركات التى كانوا يعتمدونها ايام رسول الله وبعثهم الخلفاء مع الامراء الى بلاد فارس والروم فالهتهم الدنيا عن الامور التى كانت تنقم منهم في حياة رسول الله صلى الله عليه واله ومنهم من استقام اعتقاده وخلصت نيته لما راوا الفتوح والقاء الدنيا افلاذ كبدها من الاموال العظيمة والكنوز الجليلة إليهم فقالوا لو لم يكن هذا الدين
(1) سورة التوبة 84 . (*)
[ 42 ]
حقا لما وصلنا الى ما وصلنا إليه وبالجملة لما تركوا تركوا وحيث سكت عنهم سكتوا عن الاسلام واهله الا في دسيسه خفية يعملونها نحو الكذب الذى اشار إليه امير المؤمنين عليه السلام فانه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الاضلال وتخبيط القلوب والعقائد وقصد به بعضهم التنوية بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوى وقد قيل انه افتعل في ايام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه ولم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا بل ذكروا كثيرا من هذه الاحاديث الموضوعة وبينوا وضعها وأن رواتها غير موثوق بهم الا أن المحدثين انما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة ولا يتجاسرون في
الطعن على احد من الصحابة لان عليه لفظ (الصحبة) على انهم قد طعنوا في قوم لهم صحبة كبسر بن ارطاة وغيره . فان قلت من هم ائمة الضلالة الذين يتقرب إليهم المنافقون الذين راوا رسول الله صلى الله عليه واله وصحبوه للزور والبهتان وهل هذا الا تصريح بما تذكره الامامية وتعتقده . قلت ليس الامر كما ظننت وظنوا وانما يعنى معاوية وعمرو بن العاص ومن شايعهما على الضلال كالخبر الذى الذى رواه من في حق معاوية اللهم قه العذاب والحساب وعلمه الكتاب وكرواية عمرو بن العاص تقربا الى قلب معاوية (إن آل ابى طالب ليسوا لى باولياء انما وليى الله وصالح المؤمنين) وكرواية قوم في ايام معاوية اخبارا كثيرة من فضائل عثمان تقربا الى معاوية بها ولسنا نجحد فضل عثمان وسابقته ولكنا نعلم أن بعض الاخبار الواردة فيه موضوع كخبر وعمرو بن مرة فيه وهو مشهور وعمر بن مرة ممن له صحبة وهو شامى
[ 43 ]
[ ذكر بعض ما منى به آل البيت من الاذى والاضطهاد ] وليس يجب من قولنا إن بعض الاخبار الواردة في حق شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل فانا مع اعتقادنا أن عليا افضل الناس نعتقد أن بعض الاخبار الواردة في فضائله مفتعل ومختلق . وقد روى أن ابا جعفر محمد بن على الباقر عليه السلام قال لبعض اصحابه يا فلان ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا وما لقى شيعتنا ومحبونا من الناس إن رسول الله صلى الله عليه واله قبض وقد اخبر انا اولى الناس بالناس فتمالات علينا قريش حتى اخرجت الامر عن معدنه واحتجت على الانصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت الينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ولم يزل
صاحب الامر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به واسلم ووثب عليه اهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره وعولجت خلاليل امهات اولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء اهل بيته وهم قليل حق قليل ثم بايع الحسين عليه السلام من اهل العراق عشرون الفا ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في اعناقهم وقتلوه ثم لم نزل - اهل البيت - نستذل ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف ولا نامن على دمائنا ودماء اوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به الى اوليائهم وقضاه السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالاحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا الى الناس وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الايدى والارجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والانقطاع الينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد
[ 44 ]
الى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله واخذهم بكل ظنه وتهمه حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر احب إليه من أن يقال شيعة على وحتى صار الرجل الذى يذكر بالخير - ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث باحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب انها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع . وروى أبو الحسن على بن محمد بن ابى سيف المدايني في كتاب (الاحداث) قال كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابى تراب واهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ
اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم ايام على عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر واخافهم وقطع الايدى والارجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية الى عماله في جميع الافاق الا يجيزوا لاحد من شيعة على واهل بيته شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه واهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ احد مردود من الناس عاملا من
[ 45 ]
عمال معاوية فيروى في عثمان فضيله أو منقبه الا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا . ثم كتب الى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب الى واقر لعيني وادحض لحجة ابى تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله . فقرئت كتبه على الناس فرويت اخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى اشادوا بذكر ذلك على المنابر والقى الى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه
وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله . ثم كتب الى عماله نسخة واحدة الى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا واهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اخرى من اتهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدمو داره فلم يكن البلاء اشد ولا اكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة على عليه السلام لياتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى ياخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الاموال والضياع
[ 46 ]
والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى ايدى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن على عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق احد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الارض . ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه اهل النسك والصلاح والدين ببغض على وموالاة اعدائه وموالاة من يدعى من الناس انهم ايضا اعداؤه فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم واكثروا من الغض من على عليه السلام و عيبه والطعن فيه والشنان له حتى إن انسانا وقف للحجاج - ويقال انه جد الاصمعي
عبد الملك بن قريب - فصاح به ايها الامير إن اهلي عقونى فسموني عليا وانى فقير بائس وانا الى صلة الامير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا . وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من اكابر المحدثين واعلامهم - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال إن اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في ايام بنى امية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم . قلت ولا يلزم من هذا أن يكون على عليه السلام يسوءه أن يذكر الصحابة والمتقدمون عليه بالخير والفضل الا أن معاوية وبنى امية كانوا يبنون الامر من هذا على ما يظنونه في على عليه السلام من انه عدو من تقدم عليه ولم يكن الامر في الحقيقة كما
[ 47 ]
يظنونه ولكنه كان يرى انه افضل منهم وانهم استاثروا عليه بالخلافة من غير تفسيق منه لهم ولا براءة منهم . فاما قوله عليه السلام (ورجل سمع من رسول الله شيئا ولم يحفظه على وجهه فوهم فيه) فقد وقع ذلك وقال اصحابنا في الخبر الذى رواه عبد الله بن عمر (إن الميت ليعذب ببكاء اهله عليه) إن ابن عباس لما روى له هذا الخبر قال ذهل ابن عمر انما مر رسول الله صلى الله عليه واله على قبر يهودى فقال إن اهله ليبكون عليه وانه ليعذب . وقالوا ايضا إن عائشة انكرت ذلك وقالت ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قليب بدر انما قال عليه السلام (انهم ليبكون عليه وانه ليعذب بجرمه) . قالوا وموضع غلطه في خبر القليب انه روى أن النبي صلى الله عليه واله وقف على قليب بدر فقال (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا) ثم قال (انهم يسمعون ما اقول لهم) فانكرت عائشة ذلك وقالت انما (قال انهم يعلمون أن الذى كنت
اقوله لهم هو الحق) واستشهد بقوله تعالى (انك لا تسمع الموتى) . (1) فاما الرجل الثالث وهو الذى يسمع المنسوخ ولم يسمع الناسخ فقد وقع كثيرا وكتب الحديث والفقه مشحونة بذلك كالذين اباحوا لحوم الحمر الاهلية لخبر رووه في ذلك ولم يرووا الخبر الناسخ . واما الرجل الرابع فهم العلماء الراسخون في العلم . واما قوله عليه السلام (وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه واله الكلام له)
(1) سورة النمل 80 . (*)
[ 48 ]
وجهان) فهذا داخل في القسم الثاني وغير خارج عنه ولكنه كالنوع من الجنس لان الوهم والغلط جنس تحته انواع . واعلم أن امير المؤمنين عليه السلام كان مخصوصا من دون الصحابة رضوان الله عليهم بخلوات كان يخلو بها مع رسول الله صلى الله عليه واله لا يطلع احد من الناس على ما يدور بينهما وكان كثير السؤال للنبى صلى الله عليه واله عن معاني القرآن وعن معاني كلامه صلى الله عليه واله وإذا لم يسال ابتداه النبي صلى الله عليه واله بالتعليم والتثقيف ولم يكن احد من اصحاب النبي صلى الله عليه واله كذلك بل كانوا اقساما فمنهم من يهابه أن يساله وهم الذين يحبون أن يجئ الاعرابي أو الطارئ فيسأله وهم يسمعون ومنهم من كان بليدا بعيد الفهم قليل الهمة في النظر والبحث ومنهم من كان مشغولا عن طلب العلم وفهم المعاني اما بعبادة أو دنيا ومنهم المقلد يرى أن فرضه السكوت وترك السؤال ومنهم المبغض الشانئ الذى ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته وزمانه بالسؤال عن دقائقه وغوامضه وانضاف الى الامر الخاص بعلى عليه السلام ذكاؤه وفطنته وطهارة طينته واشراق نفسه وضوءها وإذا كان المحل قابلا متهيئا كان الفاعل المؤثر موجودا والموانع مرتفعة حصل الاثر على اتم ما يمكن فلذلك كان على عليه السلام - كما قال الحسن - البصري ربانى هذه الامة وذا فضلها ولذا تسميه الفلاسفة
امام الائمة وحكيم العرب [ فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الاحاديث ] واعلم أن اصل الاكاذيب في احاديث الفضائل كان من جهة الشعية فانهم وضعوا
[ 49 ]
في مبدا الامر احاديث مختلفه في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم نحو حديث (السطل) وحديث (الرمانة) وحديث غزوة البئر التى كان فيها الشياطين وتعرف كما زعموا (بذات العلم) وحديث غسل سلمان الفارسى وطى الارض وحديث الجمجمة ونحو ذلك فلما رات البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها احاديث في مقابلة هذه الاحاديث نحو (لو كنت متخذا خليلا) فانهم وضعوه في مقابله حديث الاخاء ونحو سد الابواب فانه كان لعلى عليه السلام فقلبته البكرية الى ابى بكر ونحو (ائتونى بدواة وبياض اكتب فيه لابي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان) ثم قال (يابى الله تعالى والمسلمون الا ابا بكر) فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروى عنه في مرضه (ائتونى بدواة وبياض اكتب لكم ما لا تضلون بعده ابدا) فاختلفوا عنده وقال قوم منهم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله ونحو حديث (انا راض عنك فهل انت عنى راض) ونحو ذلك فلما رات الشيعة ما قد وضعت البكرية اوسعوا في وضع الاحاديث فوضعوا حديث الطوق الحديد الذى زعموا انه فتله في عنق خالد وحديث اللوح الذى زعموا انه كان في غدائر الحنفية ام محمد وحديث (لا يفعلن خالد ما آمر به) وحديث الصحيفة التى علقت عام الفتح بالكعبة وحديث الشيخ الذى صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس الى بيعته واحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من اكابر الصحابة والتابعين الاولين وكفرهم وعلى ادون الطبقات فيهم فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في على وفي ولديه ونسبوه تارة الى ضعف العقل وتارة الى ضعف السياسة وتارة الى حب الدنيا والحرص عليها ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه
واجترحاه ولقد كان في فضائل على عليه السلام الثابتة الصحيحة وفضائل ابى بكر المحققة
[ 50 ]
المعلومة ما يغنى عن تكلف العصبية لهما فان العصبية لهما اخرجت الفريقين من ذكر الفضائل الى ذكر الرذائل ومن تعديد المحاسن الى تعديد المساوئ والمقابح ونسال الله تعالى أن يعصمنا من الميل الى الهوى وحب العصبية وأن يجرينا على ما عودنا من حب الحق اين وجد وحيث كان سخط ذلك من سخط ورضى به من رضى بمنه ولطفه
[ 51 ]
(204) الاصل ومن خطبة له عليه السلام وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا ثم فطر منه اطباقا فنتقها سبع سموات بعد ارتتاقها فاستمسكت بامره وقامت على حده يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر قد ذل لامره واذعن لهيبته ووقف الجارى منه لخشيته وجبل جلاميدها ونشوز متونها واطوادها فارساها في مراسيها والزمها قرارتها فمضت رؤوسها في الهواء ورست اصولها في الماء فانهد جبالها عن سهولها واساخ قواعدها في متون اقطارها ومواضع انصابها فاشهق قلالها واطال انشازها وجعلها للارض عمادا وارزها فيها اوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد باهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها فسبحان من امسكها بعد موجان مياهها واجمدها بعد رطوبة اكنافها
فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجى راكد لا يجرى وقائم لا يسرى تكركره الرياح العواصف وتمخضه الغمام الذوارف إن في ذلك لعبرة لمن يخشى
[ 52 ]
الشرح اراد أن يقول (وكان من اقتداره) فقال (وكان من اقتدار جبروته) تعظيما وتفخيما كما يقال للملك امرت الحضرة الشريفة بكذا والبحر الزاخر الذى قد امتد جدا وارتفع والمتراكم المجتمع بعضه على بعض والمتقاصف الشديد الصوت قصف الرعد وغيره قصيفا . واليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم ييبس ومنه قوله تعالى (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) (1) واليبس بالسكون اليابس خلقه حطب يبس هكذا يقوله اهل اللغه وفيه كلام لان الحطب ليس يابسا خلقه بل كان رطبا من قبل فالاصوب أن يقال لا تكون هذه اللفظة محركة الا في المكان خاصة وفطر خلق والمضارع يفطر بالضم فطرا . والاطباق جمع طبق وهو اجزاء مجتمعة من جراد أو غيم أو ناس أو غير ذلك من حيوان أو جماد يقول خلق منه اجساما مجتمعة مرتتقة ثم فتقها سبع سموات وروى (ثم فطر منه طباقا) أي اجساما منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة بعضها فوق بعض وهى من الفاظ القرآن (2) المجيد والضمير في (منه) يرجع الى ماء البحر في اظهر النظر وقد يمكن أن يرجع الى اليبس . واعلم انه قد تكرر في كلام امير المؤمنين ما يماثل هذا القول ويناسبه وهو مذهب :
(1) سورة طه 77 (2) وهو قوله تعالى (الذي خلق سبع سموات طباقا) وقوله في سورة نوح 15 (ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طباق) (*)
[ 53 ]
كثير من الحكماء الذين قالوا بحدوث السماء منهم ثاليس الملطى قالوا اصل الاجسام الماء وخلقت الارض من زبدة والسماء من بخاره وقد جاء القرآن العزيز بنحو هذا قال سبحانه (الذى خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء) (1) . قال شيخنا أبو على وابو القاسم رحمهما الله في تفسيريهما هذه الاية داله على أن الماء والعرش كانا قبل خلق السموات والارض قالا وكان الماء على الهواء قالا وهذا يدل ايضا على أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق السموات والارض لان الحكيم سبحانه لا يجوز أن يقدم خلق الجماد على خلق المكلفين لانه يكون عبثا . وقال على بن عيسى الرماني من مشايخنا انه غير ممتنع أن يخلق الجماد قبل الحيوان إذا علم أن في اخبار المكلفين بذلك لطفا لهم ولا يصح أن يخبرهم الا وهو صادق فيما اخبر به وانما يكون صادقا إذا كان المخبر خبره على ما اخبر عنه وفى ذلك حسن تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان وكلام امير المؤمنين عليه السلام انه كان يذهب الى أن الارض موضوعه على ماء البحر وأن البحر حامل لها بقدرة الله تعالى وهو معنى قوله (يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر) وأن البحر الحامل لها قد كان جاريا فوقف تحتها وانه تعالى خلق الجبال في الارض فجعل اصولها راسخة في ماء البحر الحامل للارض واعاليها شامخة في الهواء وانه سبحانه جعل هذه الجبال عمادا للارض واوتادا تمنعها من الحركة والاضطراب ولولاها لماجت واضطربت وأن هذا البحر الحامل للارض تصعد فيه الرياح الشديدة فتحركه حركة عنيفة وتموج السحب التى تغترف الماء منه لتمطر الارض به وهذا كله مطابق لما في الكتاب العزيز والسنة النبوية والنظر الحكمى الا ترى الى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض
(1) سورة هود 7 (*)
[ 54 ]
كانتا رتقا ففتقناهما) (1) وهذا هو صريح قوله عليه السلام (ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها) والى قوله تعالى (وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم) (2) والى ما ورد في الخبر من أن الارض مدحوة على الماء وأن الرياح تسوق السحب الى الماء نازلة ثم تسوقها عنه صاعدة بعد امتلائها ثم تمطر . واما النظر الحكمي فمطابق لكلامه إذا تأمله المتأمل وحمله على المحمل العقلي وذلك لان الارض هي آخر طبقات العناصر وقبلها عنصر الماء وهو محيط بالارض كلها الا ما برز منها وهو مقدار الربع من كرة الارض على ما ذكره علماء هذا الفن وبرهنوا عليه فهذا تفسير قوله عليه السلام (يحملها الاخضر المثعنجر) . واما قوله (ووقف الجارى منه لخشيته) فلا يدل دلالة قاطعة على انه كان جاريا ووقف ولكن ذلك كلام خرج مخرج التعظيم والتبجيل ومعناه أن الماء طبعه الجريان والسيلان فهو جار بالقوة وإن لم يكن جاريا بالفعل وانما وقف ولم يجر بالفعل بقدرة الله تعالى المانعة له من السيلان وليس قوله (ورست اصولها في الماء) مما ينافى النظر العقلي لانه لم يقل (ورست اصولها في ماء البحر) ولكنه قال (في الماء) ولا شبهة في أن اصول الجبال راسية في الماء المتخلخل بين اجزاء الارض فان الارض كلها يتخلخل الماء بين اجزائها على طريق استحاله البخار من الصورة الهوائية الى الصورة المائية . وليس ذكره للجبال وكونها مانعة للارض من الحركة بمناف ايضا للنظر الحكمى لان الجبال في الحقيقة قد تمنع من الزلزلة إذا وجدت اسبابها الفاعلة فيكون ثقلها مانعا من الهدة والرجفة .
(1) سورة الانبياء 30
(2) سورة الانبياء 31 (*)
[ 55 ]
ليس قوله (تكركره الرياح) منافيا للنظر الحكمى ايضا لان كرة الهواء محيطة بكرة وقد تعصف الرياح في كرة الهواء للاسباب المذكورة في موضعها من هذا العلم فيتموج كثير من الكرة المائية لعصف الرياح . وليس قوله عليه السلام (تمخضه الغمام الذوارف) صريحا في أن السحب تنزل في البحر فتغترف منه كما قد يعتقد في المشهور العامي نحو قول الشاعر كالبحر تمطره السحاب وما لها فضل عليه لانها من مائه . بل يجوز أن تكون الغمام الذراف تمخضه وتحركه بما ترسل عليه من الامطار السائلة منها فقد ثبت أن كلام امير المؤمنين عليه السلام إن شئت فسرته بما يقوله اهل الظاهر وإن شئت فسرته بما يعتقده الحكماء . فان قلت فكيف قال الله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) وهل كان الذين كفروا رائين لذلك حتى يقول لهم (أو لم ير الذين كفروا) . قلت هذا في قوله (اعلموا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) كما يقول الانسان لصاحبه الم تعلم أن الامير صرف حاجبه الليلة عن بابه أي اعلم ذلك إن كنت غير عالم والرؤية هنا بمعنى العلم . واعلم انه قد ذهب قوم من قدماء الحكماء - ويقال انه مذهب سقراط - الى تفسير القيامة وجهنم بما يبتنى على وضع الارض على الماء فقالوا الارض موضوعة على الماء والماء على الهواء والهواء على النار والنار في حشو الافك ولما كان العنصران الخفيفان - وهما الهواء والنار - يقتضيان صعود ما يحيطان به العنصران الثقيلان اللذان في وسطهما وهما
[ 56 ]
الماء والارض يقتضيان النزول والهبوط وقعت الممانعة والمدافعة فلزم من ذلك وقوف الماء والارض في الوسط . قالوا ثم إن النار لا تزال يتزايد تأثيرها في اسخان الماء وينضاف الى ذلك حر الشمس والكواكب الى أن تبلغ البحار والعنصر المائى غايتهما في الغليان والفوران فيتصاعد بخار عظيم الى الافلاك شديد السخونة وينضاف الى ذلك حر فلك الاثير الملاصق للافلاك فتذوب الافلاك كما يذوب الرصاص وتتهافت وتتساقط وتصير كالمهل الشديد الحرارة ونفوس البشر على قسمين احدهما ما تجوهر وصار مجردا بطريق العلوم والمعارف وقطع العلائق الجسمانية حيث كان مدبرا للبدن والاخر ما بقى على جسمانيتة بطريق خلوة من اللعوم والمعارف وانغماسه في اللذات والشهوات الجسمانية فاما الاول فانه يلتحق بالنفس الكلية المجردة ويخلص من دائرة هذا العالم بالكلية واما الثاني فانه تنصب عليه تلك الاجسام الفلكية الذائبة فيحترق بالكلية ويتعذب ويلقى آلاما شديدة . قالوا هذا هو باطن ما وردت به الرواية من العذاب عليها وخراب العالم والافلاك وانهدامها . ثم نعود الى شرح الالفاظ قوله عليه السلام (فاستمسكت) أي وقفت وثبتت . والهاء في (حدة) تعود الى امرة أي قامت على حد ما امرت به أي لم تتجاوزه ولا تعدته . والاخضر البحر ويسمى ايضا (خضارة) معرفه غير مصروف والعرب تسميه بذلك اما لانه يصف لون السماء فيرى اخضر أو لانه يرى اسود لصفائه فيطلقون عليه لفظ
[ 57 ]
الاخضر كما سموا الاخضر اسود نحو قوله (مدهامتان) (1) ونحو تسميتهم قرى العراق
سوادا لخضرتها وكثرة شجرها ونحو قولهم للديزج (2) من الدواب اخضر . المثعنجر السائل ثعجرت الدم وغيره فاثعنجر أي صببته فانصب وتصغير المثعنجر مثيعج ومثيعيج . والقمقام بالفتح من اسماء البحر ويقال لمن وقع في امر عظيم وقع في قمقام من الامر تشبيها بالبحر . قوله عليه السلام (وجبل جلاميدها) أي وخلق صخورها جمع جلمود . والنشوز جمع نشز وهو المرتفع من الارض ويجوز فتح الشين . ومتونها جوانبها واطوادها جبالها (ويروى) (واطوادها) بالجر عطفا على متونها . فارساها في مراسيها اثبتها في مواضعها رسا الشئ يرسو ثبت ورست اقدامهم في الحرب ثبتت ورست السفينة ترسو رسوا ورسوا أي وقفت في البحر وقوله تعالى (بسم الله مجراها ومرساها) (3) بالضم من اجريت وارسيت ومن قرا بالفتح فهو من (رست) هي (وجرت) هي . والزمها قرارتها امسكها حيث استقرت . قوله (فانهد جبالها) أي اعلاها نهد ثدى الجارية ينهد بالضم إذا اشرف وكعب فهى ناهد وناهدة . وسهولها ما تطامن منها عن الجبال . واساخ قواعدها أي غيب قواعد الجبال في جوانب اقطار الارض ساخت قوائم
(1) سورة الرحمن 64 . (2) في اللسان : (يقال فرس اخضر وهو الديزج) (3) سورة هود 41 . (*)
[ 58 ]
الفرس في الارض تسوخ وتسيخ أي دخلت فيها وغابت مثل ثاخت واسختها انا مثل اثختها
والانصاب الاجسام المنصوبة الواحد نصب بضم النون والصاد ومنه سميت الاصنام نصبا في قوله تعالى (وما ذبح على النصب) (1) لانها نصبت فعبدت من دون الله قال الاعشى وذا المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربك فاعبدا . (2) أي واساخ قواعد الجبال في متون اقطار الارض وفي المواضع الصالحة لا تكون فيها الانصاب المماثلة وهى الجبال انفسها . قوله (فاشهق قلالها) جمع قله وهى ما علا من راس الجبل اشهقها جعلها شاهقة أي عالية . وارزها اثبتها فيها رزت الجرادة ترز رزا وهو أن تدخل ذنبها في الارض فتلقى بيضها وارزها الله اثبت ذلك منها في الارض ويجوز (ارزت) لازما غير متعد مثل رزت وارتز السهم في القرطاس ثبت فيه وروى (وآرزها) بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الارض ارزت بالفتح تارز بالكسر أي ثبتت وآرزها - بالمد - غيرها أي اثبتها . وتميد تتحرك وتسيخ تنزل وتهوى . فان قلت ما الفرق بين الثلاثة تميد باهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها . قلت لانها لو تحركت لكانت اما أن تتحرك على مركزها أو لا على مركزها
(1) سورة المائدة 3 . (2) ديوانه 103 . (*)
[ 59 ]
والاول هو المراد بقوله (تميد باهلها) والثانى تنقسم الى أن تنزل الى تحت أو لا تنزل الى تحت فالنزول الى تحت هو المراد بقوله (أو تسيخ بحملها) والقسم الثاني هو المراد
بقوله (أو تزول عن مواضعها) . فان قلت ما المراد ب (على) في قوله (فسكنت على حركتها) ؟ . قلت هي لهيئة الحال كما تقول عفوت عنه على سوء ادبه ودخلت إليه على شربه أي سكنت على أن من شانها الحركة لانها محمولة على سائل متموج . قوله (موجان مياهها) بناء (فعلان) لما فيه اضطراب وحركة كالغليان والنزوان والخفقان ونحو ذلك . واجمدها أي اجعلها جامدة واكنافها جوانبها والمهاد الفراش . فوق بحر لجى كثير الماء منسوب الى اللجة وهى معظم البحر . قوله (يكركره الرياح) الكركرة تصريف الريح السحاب إذا جمعته بعد تفريق و اصله (يكرر) من التكرير فاعادوا الكاف كركرت الفارس عنى أي دفعته ورددته . والرياح العواصف الشديدة الهبوب وتمخضه يجوز فتح الخاء وضمها وكسرها والفتح افصح لمكان حرف الحلق من مخضت اللبن إذا حركته لتاخذ زبدة . والغمام جمع والواحدة غمامة ولذلك قال (الذوارف) لان (فواعل) اكثر ما يكون لجمع المؤنث ذرفت عينه أي دمعت أي السحب المواطر والمضارع من (ذرفت) عينه (تذرف) بالكسر ذرفا وذرفا والمذارف المدامع .
[ 60 ]
(205) الاصل ومن خطبة له عليه السلام اللهم ايما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة والمصلحة في الدين والدنيا غير المفسدة فابى بعد سمعه لها الا النكوص عن نصرتك والابطاء عن اعزاز دينك فانا نستشهدك عليه يا اكبر الشاهدين شهادة ونستشهد عليه
جميع ما اسكنته ارضك وسمواتك ثم انت بعده المغنى عن نصره والاخذ له بذنبه الشرح ما في (ايما) زائدة مؤكدة ومعنى الفصل وعيد من استنصره فقعد عن نصره . ووصف المقالة بانها عادلة اما تأكيد كما قالوا شعر شاعر واما ذات عدل كما قالوا رجل تامر ولابن أي ذو تمر ولبن ويجوز ايضا أن يريد بالعادلة المستقيمة التى ليست كاذبة ولا محرفة عن جهتها والجائرة نقيضها وهى المنحرفة جار فلان عن الطريق أي انحرف وعدل . والنكوص التاخر . قوله عليه السلام (نستشهدك عليه) أي نسالك أن تشهد عليه ووصفه تعالى
[ 61 ]
بانه اكبر الشاهدين شهادة لقوله تعالى (قل أي شئ اكبر شهادة قل الله) (1) يقول اللهم انا نستشهدك على خذلان من استنصرناه واستنفرناه الى نصرتك والجهاد عن دينك فابى النهوض ونكث عن القيام بواجب الجهاد ونستشهد عبادك من البشر في ارضك وعبادك من الملائكة في سمواتك عليه ايضا ثم انت بعد ذلك المغنى لنا عن نصرته ونهضته بما تتيحه لنا من النصر وتؤيدنا به من الاعزاز والقوة والاخذ له بذنبه في القعود والتخلف . وهذا قريب من قوله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم) (2)
(1) سورة الانعام 19 (2) سورة محمد 28 (*)
[ 62 ]
(206) الاصل ومن خطبه له عليه السلام الحمد لله العلى عن شبه المخلوقين الغالب لمقال الواصفين الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين والباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد المقدر لجميع الامور بلا روية ولا ضمير الذى لا تغشاه الظلم ولا يستضئ بالانوار ولا يرهقه ليل ولا يجرى عليه نهار ليس ادراكه بالابصار ولا علمه بالاخبار الشرح يجوز شبه وشبه والروايه هاهنا بالفتح وتعاليه سبحانه عن شبه المخلوقين كونه قديما واجب الوجود وكل مخلوق محدث ممكن الوجود . قوله (الغالب لمقال الواصفين) أي إن كنه جلاله وعظمته لا يستطيع الواصفون وصفه وإن اطنبوا واسهبوا فهو كالغالب لاقوالهم لعجزها عن ايضاحه وبلوغ منتهاه والظاهر بافعاله والباطن بذاته لانه انما يعلم منه افعاله واما ذاته فغير معلومه . ثم وصف علمه تعالى فقال انه غير مكتسب كما يكتسب الواحد منا علومه بالاستدلال والنظر ولا هو علم يزداد الى علومه الاولى كما تزيد علوم الواحد منا ومعارفه وتكثر لكثرة الطرق التى يتطرق بها إليها .
[ 63 ]
ثم قال (ولا علم مستفاد) أي ليس يعلم الاشياء بعلم محدث مجدد كما يذهب إليه جهم واتباعه وهشام بن الحكم ومن قال بقوله . ثم ذكر انه تعالى قدر الامور كلها بغير رويه أي بغير فكر ولا ضمير وهو ما يطويه الانسان من الراى والاعتقاد والعزم في قلبه .
ثم وصفه تعالى بانه لا يغشاه ظلام لانه ليس بجسم ولا يستضئ بالانوار كالاجسام ذوات البصر ولا يرهقه ليل أي لا يغشاه ولا يجرى عليه نهار لانه ليس بزماني ولا قابل للحركه ليس ادراكه بالابصار لان ذلك يستدعى المقابلة ولا علمه بالاخبار مصدر اخبر أي ليس علمه مقصورا على أن تخبره الملائكة باحوال المكلفين بل هو يعلم كل شئ لان ذاته ذات واجب لها أن تعلم كل شئ لمجرد ذاتها المخصوصة من غير زيادة امر على ذاتها الاصل منها في ذكر النبي صلى الله عليه واله ارسله بالضياء وقدمه في الاصطفاء فرتق به المفاتق وساور به المغالب وذلل به الصعوبة وسهل به الحزونة حتى سرح الضلال عن يمين وشمال الشرح ارسله بالضياء أي بالحق وسمى الحق ضياء لانه يهتدى به أو ارسله بالضياء أي بالقرآن .
[ 64 ]
وقدمه في الاصطفاء أي قدمه في الاصطفاء على غيره من العرب والعجم قالت قريش (لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين) (1) أي على رجل من رجلين من القريتين عظيم أي اما على الوليد بن المغيرة من مكة أو على عروة بن مسعود الثقفى من الطائف . ثم قال تعالى (اهم يقسمون رحمه ربك) (2) أي هو سبحانه العالم بالمصلحة في ارسال الرسل وتقديم من يرى في في الاصطفاء على غيره . فرتق به المفاتق أي اصلح به المفاسد والرتق ضد الفتق والمفاتق جمع مفتق وهو مصدر كالمضرب والمقتل .
وساور به المغالب ساورت زيدا أي واثبته ورجل سوار أي وثاب وسورة الخمر وثوبها في الراس . والحزونه ضد السهوله والحزن ما غلظ من الارض والسهل ما لان منها و استعير لغير الارض كالاخلاق ونحوها . قوله (حتى سرح الضلال) أي طرده واسرع به ذهابا . عن يمين وشمال من قولهم ناقة سرح ومنسرحة أي سريعة ومنه تسريح المراة أي تطليقها
(1) سورة الزخرف 31 (2) سورة الزخرف 32 (*)
[ 65 ]
(207) الاصل ومن خطبه له عليه السلام واشهد انه عدل عدل وحكم فصل واشهد أن محمدا عبده ورسوله وسيد عباده كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما لم يسهم فيه عاهر ولا ضرب فيه فاجر الا وإن الله سبحانه قد جعل للخير اهلا وللحق دعائم وللطاعة عصما وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله سبحانه يقول على الالسنة ويثبت به الافئدة فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونة ويفجرون عيونة يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة ويتساقون بكاس روية ويصدرون برية لا تشوبهم الريبة ولا تسرع فيهم الغيبة على ذلك عقد خلقهم واخلاقهم فعليه يتحابون وبه يتواصلون فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ
منه ويلقى قد ميزه التخليص وهذبه التمحيص فليقبل امرؤ كرامة بقبولها وليحذر قارعة قبل حلولها ولينظر امرؤ في قصير ايامه وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل به منزلا فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله فطوبى لذى قلب سليم اطاع من يهديه وتجنب من يرديه واصاب سبيل السلامة ببصر من بصره وطاعه هاد امره وبادر الهدى قبل أن تغلق ابوابه
[ 66 ]
وتقطع اسبابه واستفتح التوبة واماط الحوبة فقد اقيم على الطريق وهدى نهج السبيل الشرح الضمير في انه يرجع الى القضاء والقدر المذكور في صدر هذه الخطبة ولم يذكره الرضى رحمه الله يقول اشهد أن قضاءه تعالى عدل عدل وحكم بالحق فانه حكم فصل بين العباد بالانصاف ونسب العدل والفصل الى القضاء على طريق المجاز وهو بالحقيقة منسوب الى ذى القضاء والقاضى به هو الله تعالى . قوله (وسيد عباده) هذا كالمجمع عليه بين المسلمين وإن كان قد خالف فيه شذوذ منهم واحتج الجمهور بقوله (انا سيد ولد آدم ولا فخر) وبقوله (ادعوا لى سيد العرب عليا) فقالت عائشة الست سيد العرب فقال (انا سيد البشر وعلى سيد العرب) وبقوله (آدم ومن دونه تحت لوائى) واحتج المخالف بقوله عليه السلام (لا تفضلوني على اخى يونس بن متى) . واجاب الاولون تارة بالطعن في اسناد الخبر وتارة بانه حكاية كلام حكاه صلى الله عليه واله عن عيسى بن مريم وتارة بان النهى انما كان عن الغلو فيه كما غلت الامم في انبيائها فهو كما ينهى الطبيب المريض فيقول لا تأكل من الخبز ولا درهما وليس
مراده تحريم اكل الدرهم والدرهمين بل تحريم ما يستضر باكله منه . قوله عليه السلام (كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما) النسخ النقل ومنه نسخ الكتاب ومنه نسخت الريح آثار القوم ونسخت الشمس الظل يقول
[ 67 ]
كلما قسم الله تعالى الاب الواحد الى ابنين جعل خيرهما وافضلهما لولاده محمد عليه السلام وسمى ذلك نسخا لان البطن الاول يزول ويخلفه البطن الثاني ومنه مسائل المناسخات في الفرائض . وهذا المعنى قد ورد مرفوعا في عدة احاديث نحو قوله صلى الله عليه واله (ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده الا كنت في خيرهما) ونحو قوله (إن الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل واصطفى من ولد اسماعيل مضر واصطفى من مضر كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش هاشما واصطفانى من بنى هاشم) قوله (لم يسهم فيه عاهر ولاضرب فيه فاجر) لم يسهم لم يضرب فيه عاهر بسهم أي بنصيب وجمعه سهمان والعاهر ذو العهر بالتحريك وهو الفجور والزنا ويجوز تسكين الهاء مثل نهر ونهر وهذا هو المصدر والماضي عهر بالفتح والاسم العهر بكسر العين وسكون الهاء والمراة عاهرة ومعاهرة وعيهرة وتعيهر الرجل إذا زنى والفاجر كالعاهر هاهنا واصل الفجور الميل قال لبيد فان تتقدم تغش منها مقدما غليظا وإن اخرت فالكفل فاجر (1) يقول مقعد الرديف مائل [ ذكر بعض المطاعن في النسب وكلام للجاحظ في ذلك ] وفى الكلام رمز الى جماعة من الصحابة في انسابهم طعن كما يقال إن آل سعد ابن ابى وقاص ليسوا من بنى زهرة بن كلاب وانهم من بنى عذرة من قحطان
(1) ديوانه 2 : 5 (*)
[ 68 ]
وكما قالوا إن آل الزبير بن العوام من ارض مصر من القبط وليسوا من بنى اسد بن عبد العزى قال الهيثم بن عدى في كتاب (مثالب العرب) إن خويلد بن اسد بن عبد العزى كان اتى مصر ثم انصرف منها بالعوام فتبناه فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خويلد بنى اسد ما باآل خويلد يحنون شوقا كل يوم الى القبط (1) متى يذكروا قهقى يحنوا لذكرها وللرمث المقرون والسمك الرقط عيون كامثال الزجاج وضيعه تخالف كعبا في لحى كثة ثط (2) يرى ذاك في الشبان والشيب منهم مبينا وفي الاطفال والجلة الشمط لعمر ابى العوام إن خويلدا غداة تبناه ليوثق في الشرط (3) وكما يقال في قوم آخرين نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن به في انسابهم كى لا يظن بنا انا المقالة في الناس . قال شيخنا أبو عثمان في كتاب (مفاخرات قريش) لا خير في ذكر العيوب الا من ضرورة ولانجد كتاب مثالب قط الا لدعى أو شعوبي ولست واجدة لصحيح النسب ولا لقليل الحسد وربما كانت حكاية الفحش افحش من الفحش ونقل الكذب اقبح من الكذب وقال النبي صلى الله عليه واله (اعف عن ذى قبر) وقال (لا تؤذوا الاحياء بسب الاموات) وقيل في المثل (يكفيك من شر سماعة) وقالوا اسمعك من ابلغك وقالوا من طلب عيبا وجده وقال النابغة ولست بمستبق اخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب . (4)
(1) ديوانه 239 (2) يقال رجل : ثط وأثط إذا عرى وجهه من الشعر الاطاقات في أسفل ضلعه . (3) يريد شرط الخليفة .
(4) ديوانه 14 . (*)
[ 69 ]
قال أبو عثمان وبلغ عمر بن الخطاب أن اناسا من رواة الاشعار وحملة الاثار يعيبون الناس ويثلبونهم في اسلافهم فقام على المنبر وقال اياكم وذكر العيوب والبحث عن الاصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الابواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم احد فقام رجل من قريش - نكره أن نذكره - فقال إذا كنت انا وانت يا امير المؤمنين نخرج فقال كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد . قلت الرجل الذى قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى كان عمر يبغضه لبغضه اباه خالدا ولان المهاجر كان علوى الراى جدا وكان اخوه عبد الرحمن بخلافة شهد المهاجر صفين مع على عليه السلام وشهدها عبد الرحمن مع معاوية وكان المهاجر مع على عليه السلام في يوم الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه ولان الكلام الذى بلغ عمر بلغه عن المهاجر وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش - وكونه يسمى ريحانة قريش ويسمى العدل ويسمى الوحيد - حدادا يصنع الدروع وغيرها بيده ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب المعارف . (1) وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب (امهات الخلفاء) وقال انه روى عند جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة فقال لا تلمه يا بن اخى انه اشفق أن يحدج (2) بقضية نفيل بن عبد العزى وصهاك امه الزبير بن عبد المطلب ثم قال رحم الله عمر فانه لم يعد السنه وتلا (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم) . (3) اما قول ابن جرير الاملي الطبرستانى في كتاب (المسترشد) إن عثمان والد
(1) المعارف 250 (2) يقال حدجة بذنب غيره أي عزاه إليه
(3) سورة النور 19 (*)
[ 70 ]
ابى بكر الصديق كان ناكحا ام الخير ابنه اخته فليس بصحيح ولكنها ابنة عمه لانها ابنة صخر بن عامر وعثمان هو ابن عمرو بن عامر والعجب لمن اتبعه من فضلاء الامامية على هذه المقالة من غير تحقيق لها من كتب الانساب وكيف تتصور هذه الواقعة في قريش ولم يكن احد منهم مجوسيا ولا يهوديا ولا كان من مذهبهم حل نكاح بنات الاخ ولا بنات الاخت . ثم نعود لاتمام حكايه كلام شيخنا ابى عثمان قال ومتى يقدر الناس - حفظك الله - على رجل مسلم من كل ابنة ومبرأ من كل آفة في جميع آبائه وامهاته واسلافه واصهاره حتى تسلم له اخواله واعمامه وخالاته وعماته واخواته وبناته وامهات نسائه وجميع من يناسبه من قبل جداته واجداده واصهاره واختانه ولو كان ذلك موجودا لما كان لنسب رسول الله صلى الله عليه واله فضيله في النقاء والتهذيب وفي التصفية والتنقيح قال رسول الله صلى الله عليه واله (ما مسنى عرق سفاح قط وما زلت انقل من الاصلاب السليمة من الوصوم (1) والارحام البريئة من العيوب) فلسنا نقضى لاحد بالنقاء من جميع الوجوه الا لنسب من صدقة القرآن واختاره الله على جميع الانام والا فلا بد من شئ يكون في نفس الرجل أو في طرفيه أو في بعض اسلافه أو في بعض اصهاره ولكنه يكون مغطى بالصلاح ومحجوبا بالفضائل ومغمورا بالمناقب . ولو تأملت احوال الناس لوجدت اكثرهم عيوبا اشدهم تعييبا قال الزبرقان من بدر ما استب رجلان الا غلب الامهما وقال خصلتان كثيرتان في امرئ السوء
(1) الوصوم : العيوب (*)
[ 71 ]
كثرة اللطام وشدة السباب ولو كان ما يقوله اصحاب المثالب حقا لما كان على ظهرها عربي كما قال عبد الملك بن صالح الهاشمي إن كان ما يقول بعض في بعض حقا فما فيهم صحيح وإن كان ما يقول بعض المتكلمين في بعض حقا فما فيهم مسلم . قوله عليه السلام (الا وإن الله قد جعل للخير اهلا وللحق دعائم وللطاعه عصما) الدعائم ما يدعم بها البيت لئلا يسقط والعصم جمع عصمة وهو ما يحفظ به الشئ ويمنع فاهل الخير هم المتقون ودعائم الحق الادلة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب وعصم الطاعة هي الادمان على فعلها والتمرن على الاتيان بها لان المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولته عليه والعون هاهنا هو اللطف المقرب من الطاعة المبعد من القبيح . ثم قال عليه السلام (انه يقول على الالسنة ويثبت الافئدة) وهذا من باب التوسع والمجاز لانه لما كان مستهلا للقول اطلق عليه انه يقول على الالسنة ولما كان الله تعالى هو الذى يثبت الافئدة كما قال (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) (1) نسب التثبيت الى اللطف لانه من فعل الله تعالى كما ينسب الانبات الى المطر وانما المنبت للزرع هو الله تعالى والمطر فعله . ثم قال عليه السلام (فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف) والوجه فيه (كفاية) فان الهمز لا وجه له هاهنا لانه من باب آخر ولكنه اتى بالهمزة للازدواج بين (كفاء)
(1) سورة ابراهيم 27 (*)
[ 72 ]
و (شفاء) كما قالوا الغدايا والعشايا وكما قال عليه السلام (مازورات غير ماجورات) فاتى بالهمز والوجه الواو للازدواج [ ذكر بعض احوال العارفين والاولياء ]
ثم ذكر العارفين فقال (واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه) الى قوله (وهذبه التمحيص) . واعلم أن الكلام في العرفان لم ياخذه اهل المله الاسلاميه الا عن هذا الرجل ولعمري لقد بلغ منه الى اقصى الغايات وابعد النهايات والعارفون هم القوم الذين اصطفاهم الله تعالى وانتخبهم لنفسه واختصهم بانسه احبوه فاحبهم وقربوا منه فقرب منهم قد تكلم ارباب هذا الشان في المعرفة والعرفان فكل نطق بما وقع له واشار الى ما وجده في وقته . وكان أبو على الدقاق يقول من امارات المعرفة حصول الهيبة من الله فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته . وكان يقول المعرفة توجب السكينة في القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته . وسئل الشبلى عن علامات العارف فقال ليس لعارف علامة ولا لمحب سكون ولا لخائف قرار . وسئل مرة اخرى عن المعرفة فقال اولها الله وآخرها ما لا نهاية له . وقال أبو حفص الحداد منذ عرفت الله مادخل قلبى حق ولا باطل وقد اشكل هذا الكلام على ارباب هذا الشان وتاوله بعضهم فقال عند القوم أن المعرفة توجب
[ 73 ]
غيبة العبد عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق عليه فلا يشهد غير الله ولا يرجع الا إليه وكما أن العاقل يرجع الى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح له من امر أو يستقبله من حال فالعارف رجوعه الى ربه لا الى قلبه وكيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له . وسئل أبو يزيد البسطامى عن العرفان فقال (إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة) (1) وهذا معنى ما اشار إليه أبو حفص الحداد .
وقال أبو يزيد ايضا للخلق احوال ولا حال للعارف لانه محيت رسومه وفنى هو وصارت هويته هويه غيره وغيبت آثاره في آثار غيره . قلت وهذا هو القول بالاتحاد الذى يبحث فيه اهل النظر . وقال الواسطي لا تصح المعرفة وفى العبد استغناء بالله أو افتقار إليه وفسر بعضهم هذا الكلام فقال إن الافتقار والاستغناء من امارات صحو العبد وبقاء رسومه على ما كانت عليه والعارف لا يصح ذلك عليه لانه لاستهلاكه في وجوده أو لاستغراقه في شهوده إن لم يبلغ درجة الاستهلاك في الوجود مختطف عن احساسه بالغنى والفقر وغيرهما من الصفات ولهذا قال الواسطي من عرف الله انقطع وخرس وانقمع قال صلى الله عليه واله (لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك) . وقال الحسين بن منصور الحلاج علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا والاخرة . وقال سهل بن عبد الله التسترى غايه العرفان شيئان الدهش والحيرة . وقال ذو النون اعرف الناس بالله اشدهم تحيرا فيه . وقيل لابي يزيد بماذا وصلت الى المعرفة قال ببدن عار وبطن جائع .
(1) سورة النمل 24 (*)
[ 74 ]
وقيل لابي يعقوب السوسى هل يتاسف العارف على شئ غير الله فقال وهل يرى شيئا غيره ليتاسف عليه . وقال أبو يزيد العارف طيار والزاهد سيار . وقال الجنيد لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالارض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شئ وكالمطر يسقى ما ينبت وما لا ينبت . وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولا يقضى وطره من شيئين بكائه على نفسه وحبه لربه .
وكان ابن عطاء يقول اركان المعرفة ثلاثة الهيبة والحياء والانس وقال بعضهم العارف انس بالله فاوحشه من خلقه وافتقر الى الله فاغناه عن خلقه وذل لله فاعزه في خلقه . وقال بعضهم العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول . وقال أبو سليمان الدارانى إن الله يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح للعابد وهو قائم يصلى . وكان رويم يقول رياء العارفين افضل من اخلاص العابدين . وسئل أبو تراب النخشبى عن العارف فقال هو الذى لا يكدره شئ ويصفو به كل شئ . وقال بعضهم المعرفة امواج ترفع وتحط . وسئل يحيى بن معاذ عن العارف فقال الكائن البائن . وقيل ليس بعارف من وصف المعرفة عند ابناء الاخرة فكيف عند ابناء الدنيا . وقال محمد بن الفضل المعرفة حياة القلب مع الله . وسئل أبو سعيد الخراز هل يصير العارف الى حال يجفو عليه البكاء ؟ قال
[ 75 ]
نعم انما البكاء في اوقات سيرهم الى الله فإذا صاروا الى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول زال عنهم ذلك . واعلم إن اطلاق امير المؤمنين عليه السلام عليهم لفظه (الولاية) في قوله (يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة) يستدعى الخوض في مقامين جليلين من مقامات العارفين المقام الاول الولاية وهو مقام جليل قال الله تعالى (الا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1) وجاء في الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه واله يقول الله تعالى (من آذى لى
وليا فقد استحل محارمي وما تقرب الى العبد بمثل اداء ما فرضت عليه ولا يزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى احبه ولا ترددت في شئ انا فاعله كترددى في قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه . واعلم أن الولى له معنيان احدهما (فعيل) بمعنى (مفعول) كقتيل وجريح وهو من يتولى الله امره كما قال الله تعالى (إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) (2) فلا يكله الى نفسه لحظة عين بل يتولى رعايته . وثانيهما (فعيل) بمعنى (فاعل) كنذير وعليم وهو الذى يتولى طاعة الله وعبادته فلا يعصيه . ومن شرط كون الولى وليا الا يعصى مولاه وسيده كما أن من شرط كون النبي
(1) سورة يونس 62 . (2) سورة الاعراف 196 . (*)
[ 76 ]
نبيا العصمة فمن ظن فيه انه من الاولياء ويصدر عنه ما للشرع فيه اعتراض فليس بولي عند اصحاب هذا العلم بل هو مغرور مخادع . ويقال إن ابا يزيد البسطامى قصد بعض من يوصف بالولاية فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل وتنخم في المسجد فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه وقال هذا رجل غير مامون على ادب من آداب الشريعة كيف يكون امينا على اسرار الحق . وقال ابراهيم بن ادهم لرجل اتحب أن تكون لله وليا قال نعم قال لا ترغب في شئ من الدنيا ولا من الاخرة وفرغ نفسك لله واقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك .
وقال يحيى بن معاذ في صفة الاولياء هم عباد تسربلوا بالانس بعد المكابدة وادرعوا بالروح بعد المجاهدة بوصولهم الى مقام الولاية . وكان أبو يزيد يقول اولياء الله عرائس الله ولا يرى العرائس الا المحارم فهم مخدرون عنده في حجاب الانس لا يراهم احد في الدنيا ولا في الاخرة . وقال أبو بكر الصيدلانى كنت اصلح لقبر ابى بكر الطمستانى لوحا انقر فيه اسمه فيسرق ذلك اللوح فانقر له لوحا آخر وانصبه على قبره فيسرق وتكرر ذلك كثيرا دون غيره من الواح القبور فكنت اتعجب منه فسالت ابا على الدقاق عن ذلك فقال إن ذلك الشيخ آثر الخفاء في الدنيا وانت تريد أن تشهره باللوح الذى تنصبه على قبره فالله سبحانه يابى الا اخفاء قبره كما هو ستر نفسه . وقال بعضهم انما سمى الولى وليا لانه توالت افعاله على الموافقة .
[ 77 ]
وقال يحيى بن معاذ الولى لا يرائى ولا ينافق وما اقل صديق من يكون هذا خلقه . المقام الثاني المحبة قال الله سبحانه (من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) والمحبة عند ارباب هذا الشان حاله شريفه . قال أبو يزيد البسطامى المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك . وقال أبو عبد الله القرشى المحبة أن تهب كلك لمن احببت فلا يبقى لك منك شئ واكثرهم على نفى صفة العشق لان العشق مجاوزة الحد في المحبة والبارئ سبحانه اجل من أن يوصف بانه قد تجاوز احد الحد في محبته . سئل الشبلى عن المحبة فقال هي أن تغار على المحبوب أن يحبه احد غيرك . وقال سمنون ذهب المحبون بشرف الدنيا والاخرة لان النبي صلى الله عليه واله
قال (المرء مع من احب) فهم مع الله تعالى . وقال يحيى بن معاذ حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر . وقال ليس بصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حدوده . وقال الجنيد إذا صحت المحبة سقطت شروط الادب . وانشد في معناه إذا صفت المودة بين قوم ودام ودادهم سمج الثناء وكان أبو على الدقاق يقول الست ترى الاب الشفيق لا يبجل ولده في الخطاب والناس يتكلفون في مخاطبته والاب يقول له يا فلان باسمه .
(1) سورة المائدة 54 . (*)
[ 78 ]
وقال أبو يعقوب السوسى حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله وينسى حوائجه إليه . قيل للنصر اباذى يقولون انه ليس لك من المحبة شئ قال صدقوا ولكن لى حسراتهم فهو ذو احتراق فيه . وقال النصراباذى ايضا المحبة مجانية السلو على كل حال ثم انشد ومن كان في طول الهوى ذاق سلوه فانى من ليلى لها غير ذائق واكثر شئ نلته في وصالها اماني لم تصدق كلمحة بارق . وكان يقال الحب اوله خبل وآخره قتل . وقال أبو على الدقاق في معنى قول النبي صلى الله عليه واله حبك الشئ يعمى ويصم قال يعمى ويصم عن الغير اعراضا وعن المحبوب هيبة ثم انشد إذا مابدا لى تعاظمته فاصدر في حال من لم يره . وقال الجنيد سمعت الحارث المحاسبى يقول المحبة اقبالك على المحبوب بكليتك
ثم ايثارك له على نفسك ومالك وولدك ثم موافقتك له في جميع الامور سرا وجهرا ثم اعتقادك بعد ذلك انك مقصر في محبته . وقال الجنيد سمعت السرى يقول لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للاخر يا انا . وقال الشبلى المحب إذا سكت هلك والعارف إذا لم يسكت هلك . وقيل المحبة نار في القلب تحرق ما سوى ود المحبوب . وقيل المحبة بذل الجهد والحبيب يفعل ما يشاء . وقال الثوري المحبة هتك الاستار وكشف الاسرار .
[ 79 ]
حبس الشيلى في المارستان بين المجانين فدخل عليه جماعة فقال من انتم قالوا محبوك ايها الشيخ فاقبل يرميهم بالحجارة ففروا فقال إذا ادعيتم محبتى فاصبروا على بلائى . كتب يحيى بن معاذ الى ابى يزيد البسطامى قد سكرت من كثرة ما شربت من كاس محبته فكتب إليه أبو يزيد غيرك شرب بحور السموات والارض ومروى بعد ولسانه خارج ويقول هل من مزيد . ومن شعرهم في هذا المعنى عجبت لمن يقول ذكرت ربى وهل انسى فاذكر ما نسيت شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفد الشراب ولا رويت ويقال إن الله تعالى اوحى الى بعض الانبياء إذا اطلعت على قلب عبد فلم اجد فيه حب الدنيا والاخرة ملاته من حبى وقال أبو على الدقاق إن في بعض الكتب المنزلة عبدى انا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لى محبا .
وقال عبد الله بن المبارك من اعطى قسطا من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع . وقيل المحبة ما تمحو اثرك وتسلبك عن وجودك . وقيل المحبة سكر لا يصحوا صاحبه الا بمشاهدة محبوبه ثم إن السكر الذى يحصل عند المشاهدة لا يوصف وانشد فاكسر القوم دور كاس وكان سكرى من المدير وكان أبو على الدقاق ينشد كثيرا
[ 80 ]
لى سكرتان و للندمان واحدة شئ خصصت به من بينهم وحدي وكان يحيى بن معاذ يقول مثقال خردلة من الحب احب الى من عباده سبعين سنة بلا حب . وقال بعضهم من اراد أن يكون محبا فليكن كما حكى عن بعض الهند انه احب جارية فرحلت عن ذلك البلد فخرج الفتى في وداعها فدمعت احدى عينيه دون الاخرى فغمض التى لم تدمع اربعا و ثمانين سنة ولم يفتحها عقوبة لانها لم تبك على فراق حبيبته . وانشدوا في هذا المعنى بكت عينى غداة البين دمعا واخرى بالبكاء بخلت علينا فعاقبت التى بخلت علينا بان غمضتها يوم التقيا وقيل إن الله تعالى اوحى الى داود عليه السلام انى حرمت على القلوب أن يدخلها حبى وحب غيرى . وقيل المحبة ايثار المحبوب على النفس كامراة العزيز لما افرط بها الحب قالت (انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) (1) وفي الابتداء قالت (ما جزاء
من اراد باهلك سوءا الا أن يسجن) (2) فوركت (3) الذنب في الابتداء عليه ونادت في الانتهاء على نفسها بالخيانة وقال أبو سعيد الخراز رايت النبي صلى الله عليه واله في المنام فقلت يا رسول الله اعذرني فان محبة الله شغلتني عن حبك فقال يا مبارك من احب الله فقد احبني .
(1) سورة يوسف 51 . (2) سورة يوسف 25 . (3) يقال ورك الذئب عليه : حمله . (*)
[ 81 ]
ثم نعود الى تفسير الفاظ الفصل قوله عليه السلام (يصونون مصونة) أي يكتمون من العلم الذى استحفظوه ما يجب أن يكتم ويفجرون عيونه يظهرون منه ما ينبغى اظهاره وذلك انه ليس ينبغى اظهار كل ما استودع العارف من الاسرار واهل هذا الفن يزعمون أن قوما منهم عجزوا عن أن يحملوا بما حملوه فباحوا به فهلكوا منهم الحسين بن منصور الحلاج ولابي الفتوح الجارودي المتأخر اتباع يعتقدون فيه مثل ذلك . والولاية بفتح الواو المحبة والنصرة ومعنى (يتواصلون بالولاية) يتواصلون وهم اولياء ومثله (ويتلاقون بالمحبة) كما تقول خرجت بسلاحي أي خرجت وانا متسلح فيكون موضع الجار والمجرور نصبا بالحال أو يكون المعنى ادق والطف من هذا وهو أن يتواصلوا بالولاية أي بالقلوب لا بالاجسام كما تقول انا اراك بقلبي وازورك بخاطرى واواصلك بضميري . قوله (ويتساقون بكاس روية) أي بكاس المعرفة والانس بالله ياخذ بعضهم عن بعض العلوم والاسرار فكأنهم شرب يتساقون بكاس من الخمر (1) . قال (ويصدرون بريه) يقال من اين ريتكم مفتوحة الراء أي (2) من
اين ترتوون الماء . قال (لا تشوبهم الريبة) أي لا تخالطهم الظنة والتهمة ولا تسرع فيهم الغيبة لان اسرارهم مشغولة بالحق عن الخلق . قال (على ذلك عقد خلقهم واخلاقهم) الضمير في (عقد) يرجع الى الله تعالى أي على هذه الصفات والطبائع عقد الخالق تعالى خلقتهم وخلقهم أي هم متهيئون لما صاروا إليه كما قال عليه السلام) (إذا ارادك لامر هياك له)
(1) ب " الخمرة " ، وما أثبته من ا (2) ساقطة من ا .
[ 82 ]
وقال عليه السلام كل (ميسر لما خلق له) . قال (فعليه يتحابون وبه يتواصلون) أي ليس حبهم بعضهم بعضا الا في الله وليست مواصلتهم بعضهم بعضا الا لله لا للهوى ولا لغرض من اغراض الدنيا انشد منشد عند عمر قول طرفة فلو لا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم احفل متى قام عودي (1) فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد (2) وكرى إذا نادى المضاف محنبا كسيد الغضا نبهته المتورد (3) وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الطراف المعمد (4) فقال عمر وانا لو لا ثلاث هن من عيشه الفتى لم احفل متى قام عودي حبى في الله وبغضى في الله وجهادي في سبيل الله . قوله عليه السلام (فكانوا كتفاضل البذر) أي مثلهم مثل الحب الذى ينتفى للبذر يستصلح بعضه ويسقط بعضه . قد ميزه التخليص قد فرق الانتقاء بين جيده ورديئه وهذبه التمحيص قال النبي صلى الله عليه واله (إن المرض ليمحص الخطايا كما تمحص النار الذهب) أي كما تخلص
النار الذهب مما يشوبه . ثم امر عليه السلام المكلفين بقبول كرامة الله ونصحه ووعظه وتذكيره وبالحذر
(1) من المعلقة بشرح التبريزي 81 ، 82 . (2) الكميت من الخمر التي تضرب الى السواد وقوله متى ما تعل بالماء تزبد اي متى تمزج به تزبد لانها عتيقة . (3) كرى عطفى والمضاف الذي اضافته الهموم والتحنيب احديداب في وضيفي يدى الفرس وليس ذلك بالاعوجاج الشديد وهو مما يوصف صاحبه بالشدة والسبد الذئب والغضا شجر وذئابه اخبث الذئاب ونبهته هيجته والمتورد الذي يطلب أن يرد الماء (4) الدجن الباس الغيم السماء ومعجب يعجب من رآه والبهكنة التامة الخلق .
[ 83 ]
من نزول القارعة بهم وهى هاهنا الموت وسميت الداهية قارعة لانها تقرع أي تصيب بشده . قوله (فليصنع لمتحوله) أي فليعد ما يجب اعداده للموضع الذى يتحول إليه تقول اصنع لنفسك أي اعمل لها . قوله (ومعارف منتقلة) معارف الدار ما يعرفها المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار ومعالم الدار ومنه معارف المراة وهو ما يظهر منها كالوجه واليدين والمنتقل بالفتح موضع الانتقال . قوله (فطوبى) هي (فعلى) من الطيب قلبوا الياء واوا للضمة قبلها ويقال طوبى لك وطوباك ! بالاضافة . وقول العامة (طوبيك) بالياء غير جائز . قوله لذى قلب سليم هو من الفاظ الكتاب العزيز (1) أي سليم من الغل والشك . قوله (اطاع من يهديه) أي قبل مشورة الناصح الامر له بالمعروف والناهي
له عن المنكر . وتجنب من يرديه أي يهلكه باغوائه وتحسين القبيح له . والباء في قوله (ببصر من بصره) متعلقة ب (اصاب) . قوله قبل أن تغلق ابوابه أي قبل أن يحضره الموت فلا تقبل توبته . والحوبة الاثم واماطته ازالته ويجوز امطت الاذى عنه ومطت الاذى عنه أي نحيته ومنع الاصمعي منه الا بالهمزة
(1) وذلك قوله تعالى في سورة الشعراء 89 (الا من اتى الله بقلب سليم) وقوله في سورة الصافات 84 (إذ جاء ربه بقلب سليم) . (*)
[ 84 ]
(208) الاصل ومن دعاء كان يدعو به عليه السلام كثيرا الحمد لله الذى لم يصبح بى ميتا ولا سقيما ولا مضروبا على عروقي لسوء ولا ماخوذا باسوا عملي ولا مقطوعا دابري ولا مرتدا عن دينى ولا منكرا لربى ولا مستوحشا من ايمانى ولا ملتبسا عقلي ولا معذبا بعذاب الامم من قبلى اصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسي لك الحجة على - ولا حجة لى ولا استطيع أن آخذ الا ما اعطيتني ولا اتقى الا ما وقيتني اللهم انى اعوذ بك أن افتقر في غناك أو اضل في هداك أو اضام في سلطانك أو اضطهد والامر لك اللهم اجعل نفسي اول كريمة تنتزعها من كرائمي واول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي اللهم انا نعوذ بك أن نذهب عن قولك أو أن نفتتن عن دينك أو تتابع بنا
اهواؤنا دون الهدى الذى جاء من عندك
[ 85 ]
الشرح قوله (كثيرا) منصوب بانه صفة مصدر محذوف أي دعاء كثيرا وميتا منصوب على الحال أي لم يفلق الصباح على ميتا ولا يجوز أن تكون (يصبح) ناقصة ويكون (ميتا) خبرها كما قال الراوندي لان خبر (كان) واخواتها يجب أن يكون هو الاسم الا ترى انهما مبتدا وخبر في الاصل واسم (يصبح) ضمير (الله) تعالى و (ميتا) ليس هو الله سبحانه . قوله (ولا مضروبا على عروقي بسوء) أي ولا ابرص والعرب تكنى عن البرص بالسوء ومن امثالهم ما انكرك من سوء أي ليس انكاري لك عن برص حدث بك فغير صورتك . واراد بعروقه اعضاءه ويجوز أن يريد ولا مطعونا في نسبي والتفسير الاول اظهر . (ولا ماخوذا باسوا عملي) أي ولا معاقبا بافحش ذنوبي . ولا مقطوعا دابري أي عقبى ونسلى والدابر في الاصل التابع لانه ياتي دبرا ويقال للهالك قد قطع الله دابره كانه يراد انه عفا اثره ومحا اسمه قال سبحانه (أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) . ولا مستوحشا أي ولا شاكا في الايمان لان من شك في عقيدة استوحش منها . ولا متلبسا عقلي أي ولا مختلطا عقلي لبست عليهم الامر بالفتح أي خلطته وعذاب الامم من قبل المسخ والزلزلة والظلمة ونحو ذلك .
(1) سورة الحجر 66 (*)
[ 86 ]
قوله (لك الحجة على ولا حجة لى) لان الله سبحانه قد كلفه بعد تمكينه
واقداره واعلامه قبح القبيح ووجوب الواجب وترديد دواعيه الى الفعل وتركه وهذه حجة الله تعالى على عباده ولا حجة للعباد عليه لانه ما كلفهم الا بما يطيقونه ولا كان لهم لطف في امر الا وفعله . قوله (لا استطيع أن آخذ الا ما اعطيتني ولا اتقى الا ما وقيتني) لا استطيع أن ارزق نفسي امرا ولكنك الرزاق ولا ادفع عن نفسي محذورا من المرض والموت الا ما دفعته انت عنى . وقال الشاعر لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتقى نوائب هذا الدهر ام كيف يحذر يرى الشئ مما يتقى فيخافه (1) وما لا يرى مما يقى الله اكثر وقال عبد الله بن سليمان بن وهب كفاية الله اجدى من توقينا وعاده الله في الاعداء تكفينا كاد الاعادي فما ابقوا ولا تركوا عيبا وطعنا وتقبيحا وتهجينا ولم نزد نحن في سر وفى علن على مقالتنا الله يكفينا وكان ذاك - ورد الله حاسدنا بغيظه - لم ينل ماموله فينا . قوله عليه السلام (أن افتقر في غناك) موضع الجار والمجرور نصب على الحال (وفي) متعلقه بمحذوف والمعنى أن افتقر وانت الموصوف بالغنى الفائض على الخلق وكذلك قوله (أو اضل في هداك) معناه أو اضل وانت ذو الهداية العامة للبشر كافه وكذلك (أو اضام في سلطانك) كما يقول المستغيث الى السلطان كيف اظلم في عدلك .
(1) كذا في ا وفي ب " ويخافه " (*) .
[ 87 ]
وكذلك قوله (أو اضطهد والامر لك) أي وانت الحاكم صاحب الامر والطاء
في (اضطهد) هي تاء الافتعال واصل الفعل ضهدت فلانا فهو مضهود أي قهرته وفلان ضهده لكل احد أي كل من شاء أن يقهره فعل . قوله (اللهم اجعل نفسي) هذه الدعوة مثل دعوة رسول الله صلى الله عليه واله وهى قوله (اللهم متعنا باسماعنا وابصارنا واجعله الوارث) منا أي لا تجعل موتنا متاخرا عن ذهاب حواسنا وكان على بن الحسين يقول في دعائه اللهم احفظ على سمعي وبصرى الى انتهاء اجلى . وفسروا قوله عليه السلام (واجعله الوارث منا) فقالوا الضمير في (واجعله) يرجع الى الامتاع . فان قلت كيف يتقى الامتاع بالسمع والبصر بعد خروج الروح . قلت هذا توسع في الكلام والمراد لا تبلنا بالعمى ولا الصمم فنكون احياء في الصورة ولسنا باحياء في المعنى لان من فقدهما لا خير له في الحياة فحملته المبالغة على أن طلب بقاءهما بعد ذهاب النفس ايذانا واشعارا بحبه الا يبلى بفقدهما . ونفتتن على ما لم يسم فاعله نصاب بفتنة تضلنا عن الدين وروى (نفتتن) بفتح حرف المضارعة على (نفتعل) افتتن الرجل أي فتن ولا يجوز أن يكون الافتتان متعديا كما ذكره الراوندي ولكنه قرا في (الصحاح) للجوهري (والفتون الافتتان يتعدى ولا يتعدى) فظن أن ذلك للافتتان وليس كما ظن وانما ذلك راجع الى الفتون . والتتابع التهافت في اللجاج والشر ولا يكون الا في مثل ذلك وروى أو (تتابع) بطرح احدى التاءات
[ 88 ]
(209) الاصل ومن خطبة له عليه السلام خطبها بصفين
اما بعد فقد جعل الله سبحانه لى عليكم حقا بولاية امركم ولكم على من الحق مثل الذى لى عليكم والحق اوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف لا يجرى لاحد الا جرى عليه ولا يجرى عليه الا جرى له ولو كان لاحد أن يجرى له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرة على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد اهله الشرح الذى له عليهم من الحق هو وجوب طاعته والذى لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم والحق اوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف معناه أن كل احد يصف الحق والعدل ويذكر حسنه ووجوبه ويقول لو وليت لعدلت فهو بالوصف باللسان وسيع وبالفعل ضيق لان ذلك العالم العظيم الذين كانوا يتواصفون حسنه ويعدون أن لو ولوا باعتماده وفعله لا تجد في الالف منهم واحدا لو ولى لعدل ولكنه قول بغير عمل .
[ 89 ]
ثم عاد الى تقرير الكلام الاول وهو وجوب الحق له وعليه فقال انه لا يجرى لاحد الا وجرى عليه وكذلك لا يجرى عليه الا وجرى له أي ليس ولا واحد من الموجودين بمرتفع عن أن يجرى الحق عليه ولو كان احد من الموجودين كذلك لكان احقهم بذلك البارئ سبحانه لانه غايه الشرف بل هو فوق الشرف وفوق الكمال والتمام وهو مالك الكل وسيد الكل فلو كان لجواز هذه القضيه وجه ولصحتها مساغ لكان البارئ تعالى اولى بها وهى الا يستحق عليه شئ وتقدير الكلام لكنه يستحق عليه امور فهو في هذا الباب كالواحد منا يستحق و يستحق عليه
ولكنه عليه السلام حذف هذا الكلام المقدر ادبا واجلالا لله تعالى أن يقول انه يستحق عليه شئ . فان قلت فما بال المتكلمين لا يتادبون بادبه عليه السلام وكيف يطلقون عليه تعالى الوجوب والاستحقاق . قلت ليست وظيفة المتكلمين وظيفه امير المؤمنين عليه السلام في عباراتهم هؤلاء ارباب صناعة وعلم يحتاج الى الفاظ واصطلاح لا بد لهم من استعماله للافهام والجدل بينهم وامير المؤمنين امام يخطب على منبره يخاطب عربا ورعية ليسوا من اهل النظر ولا مخاطبتة لهم لتعليم هذا العلم بل لاستنفارهم الى حرب عدوه فوجب عليه بمقتضى الادب أن يتوقى كل لفظة توهم ما يستهجنه السامع في الامور الالهية وفي غيرها . فان قلت فما هذه الامور التى زعمت انها تستحق على البارئ سبحانه وأن امير المؤمنين عليه السلام حذفها من اللفظ واللفظ يقتضيها . قلت الثواب والعوض و قبول التوبة واللطف والوفاء بالوعد والوعيد وغير ذلك مما يذكره اهل العدل .
[ 90 ]
فان قلت فما معنى قوله (لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه) وهب أن تعليل عدم استحقاق شئ على الله تعالى بقدرته على عباده صحيح كيف يصح تعليل ذلك بعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه الا ترى انه ليس بمستقيم أن تقول لا يستحق على البارئ شئ لانه عادل وانما المستقيم أن تقول لا يستحق عليه شئ لانه مالك ولذلك عللت الاشعرية هذا الحكم بانه مالك الكل والاستحقاق انما يكون على من دونه . قلت التعليل صحيح وهو ايضا مما عللت به الاشعرية مذهبها وذلك لانه انما يتصور الاستحقاق على الفاعل المختار إذا كان ممن يتوقع منه أو يصح منه أن يظلم فيمكن
حينئذ أن يقال قد وجب عليه كذا واستحق عليه كذا فاما من لا يمكن أن يظلم ولا يتصور وقوع الظلم منه ولا الكذب ولا خلف الوعد والوعيد فلا معنى لاطلاق الوجوب والاستحقاق عليه كما لا يقال كذا الداعي الخالص يستحق عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي ويجب عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي مثل الهارب من الاسد والشديد العطش إذا وجد الماء ونحو ذلك . فان قلت اليس يشعر قوله عليه السلام (وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه) بمذهب البغداديين من اصحابكم وهو قولهم إن الثواب تفضل من الله سبحانه وليس بواجب . قلت لا وذلك لانه جعل المتفضل به هو مضاعفة الثواب لا اصل الثواب وليس ذلك بمستنكر عندنا . فان قلت ايجوز عندكم أن يستحق المكلف عشرة اجزاء من الثواب فيعطى عشرين جزءا منه اليس من مذهبكم أن التعظيم والتبجيل لا يجوز من البارئ سبحانه أن يفعلهما
[ 91 ]
في الجنة الا على قدر الاستحقاق والثواب عندكم هو النفع المقارن للتعظيم والتبجيل فيكف قلت إن مضاعفة الثواب عندنا جائزة ! . قلت مراده عليه السلام بمضاعفة الثواب هنا زيادة غير مستحقة من النعيم واللذة الجسمانية خاصة في الجنة فسمى تلك اللذة الجسمانية ثوابا لانها جزء من الثواب فاما اللذة العقلية فلا يجوز مضاعفتها . قوله عليه السلام (بما هو من المزيد اهله أي بما هو اهله من المزيد فقدم الجار والمجرور وموضعه نصب على الحال وفيه دلالة على أن حال المجرور تتقدم عليه كما قال الشاعر لئن كان برد الماء حران صاديا الى حبيبا انها لحبيب
الاصل ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافا في وجوهها ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها الا ببعض . واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالى على الرعية وحق الرعية على الوالى فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم فليست تصلح الرعية الا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة الا باستقامة الرعية فإذا ادت الرعية الى الوالى حقه وادى الوالى إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت على اذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء .
[ 92 ]
وإذا غلبت الرعية واليها أو اجحف الوالى برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الادغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الاحكام وكثرت علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فعل فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد . فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس احد وإن اشتد على رضا الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله سبحانه اهله من الطاعة له ولكن من واجب حقوق الله سبحانه على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على اقامه الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه
الشرح تتكافا في وجوهها تتساوى و هي حق الوالى على الرعية وحق الرعية على الوالى . وفريضة قد روى بالنصب و بالرفع فمن رفع فخبر مبتدا محذوف ومن نصب فباضمار فعل أو على الحال . و جرت على اذلالها السنن بفتح الهمزة أي على مجاريها وطرقها . واجحف الوالى برعيته ظلمهم . والادغال في الدين الفساد .
[ 93 ]
ومحاج السنن جمع محجة وهى جادة الطريق . قوله (وكثرت علل النفوس) أي تعللها بالباطل ومن كلام الحجاج اياكم وعلل النفوس فانها ادوى لكم من علل الاجساد . واقتحمته العيون احتقرته وازدرته قال ابن دريد ومنه ما تقتحم العين فان ذقت جناة ساغ عذبا في اللها (1) . ومثل قوله عليه السلام وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته قول زيد ابن على عليه السلام لهشام بن عبد الملك انه ليس احد وإن عظمت منزلته بفوق أن يذكر بالله ويحذر من سطوته وليس احد وإن صغر بدون أن يذكر بالله ويخوف من نقمته . ومثل قوله عليه السلام (وإذا غلبت الرعية) واليها قول الحكماء إذا علا صوت بعض الرعية على الملك فالملك مخلوع فان قال نعم فقال احد من الرعية لا فالملك مقتول [ فصل فيما ورد من الاثار فيما يصلح الملك ] وقد جاء فوجوب الطاعة لاولى الامر الكثير الواسع قال الله سبحانه (اطيعوا الله
واطيعوا الرسول واولى الامر منكم) (2) وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه واله (السمع والطاعة على المرء
(1) من المقصورة 23 (طبعة مصر سنة 1319) . (2) سورة النساء 59 . (*)
[ 94 ]
المسلم فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا امر بها فلا سمع ولا طاعة) . وعنه صلى الله عليه واله (إن امر عليكم عبد اسود مجدع فاسمعوا له واطيعوا) ومن كلام على عليه السلام (إن الله جعل الطاعه غنيمة الاكياس عند تفريط الفجرة) . بعث سعد بن ابى وقاص جرير بن عبد الله البجلى من العراق الى عمر بن الخطاب بالمدينة فقال له عمر كيف تركت الناس قال تركتهم كقداح الجعبة منها الاعصل (1) الطائش ومنها القائم الرائش قال فكيف سعد لهم ؟ قال هو ثقافها الذى يقيم اودها ويغمز عصلها (2) قال فكيف طاعتهم قال يصلون الصلاة لاوقاتها ويؤدون الطاعة الى ولاتها قال الله اكبر إذا اقيمت الصلاة اديت الزكاة وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة . ومن كلام ابرويز الملك اطع من فوقك يطعك من دونك . ومن كلام الحكماء قلوب الرعية خزائن واليها فما اودعه فيها وجده . وكان يقال صنفان متباغضان متنافيان السلطان والرعية وهما مع ذلك متلازمان إن صلح احدهما صلح الاخر وإن فسد فسد الاخر . وكان يقال محل الملك من رعيته محل الروح من الجسد ومحل الرعية منه محل الجسد من الروح فالروح تالم بالم كل عضو من اعضاء البدن وليس كل واحد من الاعضاء يالم بالم غيره وفساد الروح فساد جميع البدن وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر
البدن صحيح .
وكان يقال ظلم الرعية استجلاب البلية . وكان يقال العجب ممن استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم . وكان يقال موت الملك الجائر خصب شامل . وكان يقال لا قحط اشد من جور السلطان . وكان يقال قد تعامل الرعية المشمئزة بالرفق فتزول احقادها ويذل قيادها وقد تعامل بالخرق فتكاشف بما غيبت وتقدم على ما عيبت حتى يعود نفاقها شقاقا ورذاذها سيلا بعاقا (1) ثم إن غلبت وقهرت فهو الدمار وإن غلبت وقهرت لم يكن بغلبها افتخار ولم يدرك بقهرها ثار وكان يقال الرعيد وإن كانت ثمارا مجتناه وذخائر مقتناه وسيوفا منتضاة واحراسا مرتضاة فان لها نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السيول ومتى قدرت أن تقول قدرت على أن تصول . وكان يقال ايدى الرعيه تبع السنتها فلن يملك الملك السنتها حتى يملك جسومها ولن يملك جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه ولن تحبه حتى يعدل عليها في احكامه عدلا يتساوى فيه الخاصة والعامة وحتى يخفف عنها المؤن والكلف وحتى يعفيها من رفع اوضاعها واراذلها عليها وهذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية وتطمع السفلة في الرتب السنية . وكان يقال الرعية ثلاثه اصناف صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة يعلمون فضيلة الملك وعظيم غنائه ويرثون له من ثقل اعبائه فهؤلاء يحصل الملك موداتهم بالبشر عند اللقاء ويلقى احاديثهم بحسن الاصغاء وصنف فيهم خير وشر ظاهران
فصلاحهم يكتسب من معاملتهم بالترغيب والترهيب وصنف من السفلة الرعاع اتباع
(1) السيل البعاق . المتصبت بشدة . (*)
[ 96 ]
لكل داع لا يمتحنون في اقوالهم واعمالهم بنقد ولا يرجعون في الموالاة الى عقد . وكان يقال ترك المعاقبة للسفلة على صغار الجرائم تدعوهم الى ارتكاب الكبائر العظائم الا ترى اول نشور المراة كلمة سومحت بها واول حران الدابة حيده سوعدت عليها . ويقال إن عثمان قال يوما لجلسائه وهو محصور في الفتنة وددت أن رجلا صدوقا اخبرني عن نفسي وعن هؤلاء فقام إليه فتى فقال انى اخبرك تطاطات لهم فركبوك وما جراهم على ظلمك الا افراط حلمك قال صدقت فهل تعلم ما يشب نيران الفتن قال نعم سالت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعه قد نقب في الارض وعلم علما جما فقال الفتنة يثيرها امران اثره تضغن على الملك الخاصة وحلم يجزئ عليه العامة قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم زعم أن الذى يخمدها في ابتدائها استقاله العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة فإذا استحكمت الفتنة اخمدها الصبر قال عثمان صدقت وانى لصابر حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ويقال إن يزدجرد بن بهرام سال حكيما ما صلاح الملك قال الرفق بالرعية واخذ الحق منها بغير عنف والتودد إليها بالعدل وامن السبل وانصاف المظلوم قال فما صلاح الملك قال وزراؤه إذا صلحوا صلح قال فما الذى يثير الفتن قال ضغائن يظهرها جراه عامة واستخفاف خاصة وانبساط الالسن بضمائر القلوب واشفاق موسر وامن معسر وغفلة مرزوق ويقظة محروم قال وما يسكنها قال اخذ العدة لما يخاف وايثار الجد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء . وكان يقال خير الملوك من اشرب قلوب رعيته محبته كما اشعرها هيبته ولن ينال
ذلك منها حتى تظفر منه بخمسة اشياء اكرام شريفها ورحمة ضعيفها واغاثة لهيفها
[ 97 ]
وكف عدوان عدوها وتامين سبل رواحها وغدوها فمتى اعدمها شيئا من ذلك فقد احقدها (1) بقدر ما افقدها . وكان يقال الاسباب التى تجر الهلك الى الملك ثلاثة احدها من جهة الملك وهو أن تتامر شهواته على عقله فتستهويه نشوات الشهوات فلا تسنح له لذة الا اقتنصها ولا راحه الا افترصها . والثانى من جهة الوزراء وهو تحاسدهم المقتضى تعارض الاراء فلا يسبق احدهم الى حق الا كويد وعورض وعوند . والثالث من جهة الجند المؤهلين لحراسة الملك والدين وتوهين المعاندين وهو نكولهم عن الجلاد وتضجيعهم في المناصحة والجهاد وهم صنفان صنف وسع الملك عليهم فابطرهم الاتراف وضنوا بنفوسهم عن التعريض للاتلاف وصنف قدر عليهم الارزاق فاضطغنوا الاحقاد (2) واستشعروا النفاق [ الاثار الواردة في العدل والانصاف ] قوله عليه السلام أو اجحف الوالى برعيته قد جاء من نظائره الكثير جدا وقد ذكرنا فيما تقدم نكتا حسنة في مدح العدل والانصاف وذم الظلم والاجحاف وقال النبي صلى الله عليه واله (زين الله السماء بثلاثة الشمس والقمر والكواكب وزين الارض بثلاثة العلماء والمطر والسلطان العادل . وكان يقال إذا لم يعمر الملك ملكه بانصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية . وقيل لانوشروان أي الجنن اوقى قال الدين قيل فاى العدد اقوى قال العدل .
(1) يقال أحقده أي صيره حاقدا (2) اضطغنوا الاحقاد : انطووا عليها . (*)
[ 98 ]
وقع جعفر بن يحيى الى عامل من عماله كثر شاكوك وقل حامدوك فاما عدلت واما اعتزلت . وجد في خزانة بعض الاكاسرة سفط ففتح فوجد فيه حب الرمان كل حبة كالنواة الكبيرة من منوى المشمش وفي السفط رقعة فيها هذا حب رمان عملنا في خراجه بالعدل . جاء رجل من مصر الى عمر بن الخطاب متظلما فقال يا امير المؤمنين هذا مكان العائذ بك قال له عذت بمعاذ ما شأنك قال سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفنى بسوطه ويقول انا ابن الاكرمين وبلغ اباه ذلك فحبسني خشية أن اقدم عليك فكتب الى عمرو إذا اتاك كتابي هذا فاشهد الموسم انت وابنك فلما قدم عمرو وابنه دفع الدرة الى المصرى وقال اضربه كما ضربك فجعل يضربه وعمر يقول اضرب ابن الامير اضرب ابن الامير يرددها حتى قال يا امير المؤمنين قد استقدت منه فقال - واشار الى عمرو ضعها على صلعته فقال المصرى يا امير المؤمنين انما اضرب من ضربني فقال انما ضربك بقوة ابيه وسلطانه فاضربه إن شئت فو الله لو فعلت لما منعك احد منه حتى تكون انت الذى تتبرع بالكف عنه ثم قال يا بن العاص متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرار . خطب الاسكندر جنده فقال لهم بالرومية كلاما تفسيره يا عباد الله انما الهكم الله الذى في السماء الذى نصرنا بعد حين الذى يسقيكم الغيث عند الحاجه واليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن الله احب شيئا الا احببته وعملت به الى يوم اجلى ولا يبلغني انه ابغض شيئا الا ابغضته وهجرته الى يوم اجلى وقد انبئت أن الله يحب العدل في عباده ويبغض الجور فويل للظالم من سوطي وسيفي ومن ظهر منه
[ 99 ]
العدل من عمالى فليتكئ في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه امنيته
والله المجازى كلا بعمله . قال رجل لسليمان بن عبد الملك وهو جالس للمظالم يا امير المؤمنين الم تسمع قول الله تعالى (فاذن مؤذن بينهم أن لعنه الله على الظالمين) (1) قال ما خطبك قال وكيلك اغتصبني ضيعتي وضمها الى ضيعتك الفلانية قال فان ضيعتي لك وضيعتك مردودة اليك ثم كتب الى الوكيل بذلك وبصرفه عن عمله . ورقى الى كسرى قباذ أن في بطانة الملك قوما قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم لان احكام الملك جرت على بعضهم لبعضهم فوقع في الجواب انا املك الاجساد لا النيات واحكم بالعدل لا بالهوى وافحص عن الاعمال لا عن السرائر . وتظلم اهل الكوفة الى المأمون من واليهم فقال ما علمت في عمالى اعدل ولا اقوم بامر الرعية ولا اعود بالرفق منه فقال له منهم واحد فلا احد اولى منك يا امير المؤمنين بالعدل والانصاف وإذا كان بهذه الصفة فمن عدل امير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق اهل كل بلد من عدله مثل ما لحقنا منه ويأخذو بقسطهم منه كما اخذ منه سواهم وإذا فعل امير المؤمنين ذلك لم يصب الكوفة منه اكثر من ثلاث سنين فضحك وعزله . كتب عدى بن ارطاة الى عمر بن عبد العزيز اما بعد فان قبلنا قوما لا يؤدون الخراج الا أن يمسهم نصب من العذاب فاكتب الى امير المؤمنين برايك فكتب اما بعد فالعجب لك كل العجب تكتب الى تستأذنني في عذاب البشر كان اذنى لك جنة من عذاب الله أو كان رضاى ينجيك من سخط الله فمن أعطاك ما عليه عفوا
(1) سورة الاعراف 44 . (*)
[ 100 ]
فخذ منه ومن ابى فاستحلفه وكله الى الله فلان يلقوا الله بجرائمهم احب الى من أن القاه بعذابهم .
فضيل بن عياض ما ينبغى أن تتكلم بفيك كله اتدرى من كان يتكلم بفيه كله عمر بن الخطاب كان يعدل في رعيته ويجور على نفسه ويطعمهم الطيب وياكل الغليظ ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده واهله اعطى رجلا عطاءه اربعه آلاف درهم ثم زاده الفا فقيل له الا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا فقال إن هذا ثبت ابوه يوم احد وإن عبد الله فر ابوه ولم يثبت . وكان يقال لا يكون العمران الا حيث يعدل السلطان . وكان يقال العدل حصن وثيق في راس نيق (1) لا يحطمه سيل ولا يهدمه منجنيق . وقع المأمون الى عامل كثر التظلم منه انصف من وليت امرهم والا انصفهم منك من ولى امرك . بعض السلف العدل ميزان الله والجور مكيال الشيطان
(1) النبق : ارفع موقع في الجبل . (*)
[ 101 ]
(210) الاصل فاجابه عليه السلام رجل من اصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له فقال عليه السلام إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه وإن احق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ولطف احسانه إليه فانه لم تعظم نعمة الله على احد الا ازداد حق الله عليه عظما وإن من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع امرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم انى احب
الاطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت احب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو احق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا على بجميل ثناء لاخراجي نفسي الى الله سبحانه واليكم من البقية في حقوق لم افرغ من ادائها وفرائض لا بد من امضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا بما يتحفظ به عند اهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بى استثقالا في حق قيل لى ولا التماس اعظام لنفسي فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه
[ 102 ]
فلا تكفوا عن مقاله بحق أو مشورة بعدل فانى لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلى الا أن يكفى الله من نفسي ما هو املك به منى فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا مالا نملك من انفسنا واخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه فابدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى الشرح هذا الفصل وإن لم يكن فيه الفاظ غريبة سبيلها أن تشرح ففيه معان مختلفة سبيلها أن تذكر وتوضح وتذكر نظائرها وما يناسبها . فمنها قوله عليه السلام أن من حق من عظمت نعمة الله عليه أن تعظم عليه حقوق الله تعالى وأن يعظم جلال الله تعالى في نفسه ومن حق من كان كذلك أن يصغر عنده كل ما سوى الله . وهذا مقام جليل من مقامات العارفين وهو استحقار كل ما سوى الله تعالى وذلك
أن من عرف الله تعالى فقد عرف ما هو اعظم من كل عظيم بل لا نسبة لشئ من الاشياء اصلا إليه سبحانه فلا يظهر عند العارف عظمة غيره البتة كما أن من شاهد الشمس المنيرة يستحقر ضوء القمر والسراج الموضوع في ضوء الشمس حال مشاهدته جرم الشمس بل لا تظهر له في تلك الحال صنوبرة السراج ولا تنطبع صورتها في بصره . ومنها قوله عليه السلام من اسخف حالاة الولاة أن يظن بهم حب الفخر ويوضع
[ 103 ]
امرهم على الكبر قال النبي صلى الله عليه وآله (لا يدخل الجنه من كان في قلبه مثقال حبه من كبر) وقال صلى الله عليه وآله (لولا ثلاث مهلكات لصلح الناس شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه) . وكان يقال ليس لمعجب راى ولا لمتكبر صديق . وكان أبو مسلم صاحب الدولة يقول ما تاه الا وضيع ولا فاخر الا لقيط ولا تعصب الا دخيل . وقال عمر لبعض ولده التمس الرفعة بالتواضع والشرف بالدين والعفو من الله بالفعو عن الناس واياك والخيلاء فتضع من نفسك ولا تحقرن احدا لانك لا تدرى لعل من تزدريه عيناك اقرب الى الله وسيلة منك . ومنها قوله عليه السلام قد كرهت أن تظنوا بى حب الاطراء واستماع الثناء قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال (احثوا في وجوه المداحين التراب) وقال عمر المدح هو الذبح . وكان يقال إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك . ويقال إن في بعض الكتب المنزلة القديمة عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه
كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وليس فيه كيف يغضب واعجب من ذلك من احب نفسه على اليقين وابغض الناس على الظن . وكان يقال لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك . وقال رجل لعبد الملك انى اريد أن اسر اليك يا امير المؤمنين شيئا فقال لمن حوله
[ 104 ]
إذا شئتم فانهضوا فتقدم الرجل يريد الكلام فقال له عبد الملك قف لا تمدحني فانى اعلم بنفسى منك ولا تكذبني فانه لا راى لمكذوب ولا تغتب عندي احدا فانى اكره الغيبة قال افياذن امير المؤمنين في الانصراف قال إذا شئت . وناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجانى في مسالة كلامية فجعل النوشجانى يخضع في الكلام ويستخذى له فقال يا محمد اراك تنقاد الى ما اقوله قبل وجوب الحجة لى عليك وقد ساءنى منك ذلك ولو شئت أن افسر الامور بعزة الخلافة وهيبة الرياسة لصدقت وإن كنت كاذبا وعدلت وإن كنت جائرا وصوبت وإن كنت مخطئا ولكني لا اقنع الا باقامة الحجة وازالة الشبهة وإن انقص الملوك عقلا واسخفهم رايا من رضى بقولهم صدق الامير . وقال عبد الله بن المقفع في (اليتيمة) اياك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثلم يقتحمون عيك منها وبابا يفتتحونك منه وغيبة يغتابونك بها ويسخرون منك لها واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه وأن المرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذى يحمله على رده فان الراد له ممدوح والقابل له معيب . وقال معاوية لرجل من سيد قومك قال انا قال لو كنت كذلك لم تقله . وقال الحسن ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السر . كان يقال من اظهر عيب نفسه فقد زكاها .
ومنها قوله عليه السلام لو كنت كذلك لتركته انحطاطا لله تعالى عن تناول ما هو احق به من الكبرياء في الحديث المرفوع (من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله) .
[ 105 ]
وفيه ايضا العظمة ازارى والكبرياء ردائي فمن نازعنى فيهما قصمته . ومنها قوله عليه السلام (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند اهل البادرة) . احسن ما سمعته في سلطان لا تخاف الرعية بادرته ولا يتلجلج المتحاكمون عنده مع سطوته وقوته لايثاره العدل قول ابى تمام في محمد بن عبد الملك وزير حق ووالى شرطة ورحا ديوان ملك وشيعي ومحتسب (1) كالارحبى المذكى سيرة المرطى والوخد والملع والتقريب والخبب (2) عود تساجله ايامه فبها من مسه وبه من مسها جلب (3) ثبت الخطاب إذا اصطكت بمظلمة في رحلة السن الاقوام والركب (4)
(1) ديوانه 1 : 253 . (2) قال شارح ديوانه : كان بعض الناس يقول لابي تمام انا استحسن قول امرئ القيس : وتعرف فيه من ابيه شمائلا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر سماحة ذا وجود ذا ووفاء ذا ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر فذكر اربعة ورد عليها اربعة اصناف فلقيه أبو تمام بعد مدة فقال له أنشدتني بيتى امرء القيس وتستحسن ذكره لاربعة ورده عليهم أربعة اصناف وقد ذكرت خمسة ورددت عليهم خمسة اصناف وانشده هذين البيتين الارحبي يعني به نجيبا من الابل منسوبا الى أرحب وهم حي من همدان والمذكى الذى قد تمت سنه وذكاؤه يقال فرس مذك ووحش مذك والمرطي ضرب من العدو سهل وقلما يستعمل الا في الابل فاما الوخد والملع فمجيئها كثير في وصف سير النوق والجمال ولا يكادون يقولون
وخد الفرس وقد حكى ذلك أبو نصر صاحب الاصمعي والتقريب ايضا لا يكاد يستعمل في الجمال يقول هذا الممدوح جمع اصلاح الملك كما يجمع هذا الارحبي هذه الضروب من السير . (3) العود المسن من الابل والمراد به هنا الرجل المجرب على الاستعارة والجلب جمع جلبة وهو الاثر في ظهر البعير وغيره من اثر حمل أو نحوه يقول قد جرب الامور خيرها وشرها يكون الدهر مرة معه ومرة عليه فكأنه يساجله (4) اصطكت اضطربت وقوله " بمظلمة " أي بخصلة مظلمة . (*)
[ 106 ]
لا المنطق اللغو يزكو في مقاومة يوما ولا حجة الملهوف تستلب (1) كانما هو في نادى قبيلته لا القلب يهفو ولا الاحشاء تضطرب (2) . ومن هذا المعنى قول ابى الجهم العدوى في معاوية نقلبه لنخبر حالتيه فنخبر منهما كرما ولينا نميل على جوانبه كانا إذا ملنا نميل على ابينا . ومنها قوله عليه السلام لا تظنوا بى استثقال رفع الحق الى فانه من استثقل الحق أن يقال له كان العمل به عليه اثقل . هذا معنى لطيف ولم اسمع منه شيئا منثورا ولا منظوما . ومنها قوله عليه السلام ولا تكفوا عن قول بحق أو مشورة بعدل . قد ورد في المشورة شئ كثير قال الله تعالى (وشاورهم في الامر) (3) . وكان يقال إذا استشرت انسانا صار عقله لك . وقال اعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذاك قال لا افعل شيئا حتى اشاورهم . وكان يقال من اعطى الاستشارة لم يمنع الصواب ومن اعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن اعطى التوبة لم يمنع القبول ومن اعطى الشكر لم يمنع المزيد .
وفي آداب ابن المقفع لا يقذفن في روعك انك إذا استشرت الرجال ظهر منك للناس حاجتك الى راى غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة فانك لا تريد الراى للفخر
(1) المنطق اللغو : الهذر وما لا يحتاج إليه من الكلام ويزكو يروج وينمو مقاوم جمع مقام . (2) لا القلب يهفو اي لا يزيع عما يريد . (3) سورة آل عمران . (*)
[ 107 ]
ولكن للانتفاع به ولو انك اردته للذكر لكان احسن الذكر عند العقلاء أن يقال انه لا ينفرد برايه دون ذوى الراى من اخوانه . ومنها أن يقال ما معنى قوله عليه السلام (وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء . . .) الى قوله (لا بد من امضائها) فنقول إن معناه أن بعض من يكره الاطراء والثناء قد يحب ذلك بعد البلاء والاختبار كما قال مرداس بن ادية لزياد انما الثناء بعد البلاء وانما نثنى بعد أن نبتلى فقال لو فرضنا أن ذلك سائغ وجائز وغير قبيح لم يجز لكم أن تثنوا على في وجهى ولا جاز لى أن اسمعه منكم لانه قد بقيت علي بقية لم افرغ من ادائها وفرائض لم امضها بعد ولا بد لى من امضائها وإذا لم يتم البلاء الذى قد فرضنا أن الثناء يحسن بعده لم يحسن الثناء . ومعنى قوله (لاخراجي نفسي الى الله واليكم) أي لاعترافي بين يدى الله وبمحضر منكم أن على حقوقا في ايالتكم ورياستي عليكم لم اقم بها بعد وارجوا من الله القيام بها . ومنها أن يقال ما معنى قوله (فلا تخالطوني بالمصانعة) فنقول إن معناه لا تصانعوني بالمدح والاطراء عن عمل الحق كما يصانع به كثير من الولاة الذين يستفزهم المدح ويستخفهم الاطراء والثناء فيغمضون عن اعتماد كثير من الحق مكافاة لما صونعوا به من التقريظ والتزكية والنفاق . ومنها قوله عليه السلام فانى لست بفوق أن اخطئ هذا اعتراف منه عليه
السلام بعدم العصمة فاما أن يكون الكلام على ظاهره أو يكون قاله على سبيل هضم
[ 108 ]
النفس كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله (ولا انا الا أن يتداركني الله برحمته) . ومنها قوله عليه السلام (اخرجنا مما كنا فيه فابدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى) ليس هذا اشارة الى خاص نفسه عليه السلام لانه لم يكن كافرا فاسلم ولكنه كلام يقوله ويشير به الى القوم الذين يخاطبهم من افناء الناس فيأتي بصيغة الجمع الداخلة فيها نفسه توسعا ويجوز أن يكون معناه لو لا الطاف الله تعالى ببعثه محمد صلى الله عليه وآله لكنت انا وغيري على اصل مذهب الاسلاف من عباده الاصنام كما قال تعالى لنبيه (ووجدك ضالا فهدى) (1) ليس معناه انه كان كافرا بل معناه لو لا اصطفاء الله تعالى لك لكنت كواحد من قومك ومعنى (ووجدك ضالا) أي ووجدك بعرضة (2) للضلال فكأنه ضال بالقوة لا بالفعل
(1) سورة الضحى . (2) كذا وفي ب وفى ا : " بعرضية الضلال " . (*)
[ 109 ]
(211) الاصل ومن كلام له عليه السلام اللهم انى استعديك على قريش ومن اعانهم فانهم قد قطعوا رحمى واكفئوا انائي واجمعوا على منازعتي حقا كنت اولى به من غيرى وقالوا الا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تمنعه فاصبر مغموما أو مت متاسفا فنظرت فإذا ليس لى رافد ولا ذاب ولا مساعد الا اهل بيتى فضننت بهم عن المنية فاغضيت على القذى وجرعت ريقي على الشجا وصبرت من كظم الغيظ على امر من العلقم وآلم للقلب من وخز الشفار
قال الرضى رحمه الله وقد مضى هذا لكلام في اثناء خطبة متقدمه الا انى ذكرته هاهنا لاختلاف الروايتين الشرح العدوى طلبك الى وال ليعديك على من ظلمك أي ينتقم لك منه يقال استعديت الامير على فلان فاعدانى أي استعنت به عليه فأعانني . وقطعوا رحمى وقطعوا قرابتي أي اجروني مجرى الاجانب ويجوز أن يريد انهم عدوني كالأجنبي من رسول الله صلى الله عليه وآله ويجوز أن يريد انهم جعلوني كالأجنبي
[ 110 ]
منهم لا ينصرونه ولا يقومون بامره . واكفئوا انائي قلبوه وكبوه وحذف الهمزة من اول الكلمة افصح واكثر وقد روى كذلك ويقال لمن قد اضيعت حقوقه قد اكفا اناءه تشبيها باضاعة اللبن من الاناء . وقد اختلفت الرواية في قوله (الا إن في الحق أن تأخذه) فرواها قوم بالنون وقوم بالتاء وقال الراوندي انها في خط الرضى بالتاء ومعنى ذلك انك إن وليت انت كانت ولايتك حقا وإن ولى غيرك كانت ولايته حقا على مذهب اهل الاجتهاد ومن رواها بالنون فالمعنى ظاهر . والرافد المعين والذاب الناصر . وضننت بهم بخلت بهم واغضيت على كذا صبرت . وجرعت بالكسر والشجا ما يعترض في الحلق . والوخز الطعن الخفيف وروى من (حز الشفار) والحز القطع والشفار جمع شفرة وهى حد السيف والسكين واعلم أن هذا الكلام قد نقل عن امير المؤمنين عليه السلام ما يناسبه ويجرى مجراه
ولم يؤرخ الوقت الذى قاله فيه ولا الحال التى عناها به واصحابنا يحملون ذلك على انه عليه السلام قاله عقيب الشورى وبيعه عثمان فانه ليس يرتاب احد من اصحابنا على انه تظلم وتالم حينئذ . ويكره اكثر اصحابنا حمل امثال هذا الكلام على التالم من يوم السقيفة . ولقائل أن يقول لهم ا تقولون إن بيعة عثمان لم تكن صحيحة فيقولون لا فيقال
[ 111 ]
لهم فعلى ما ذا تحملون كلامه عليه السلام مع تعظيمكم له وتصديقكم لاقواله فيقولون نحمل ذلك على تالمه وتظلمه منهم إذا تركوا الاولى والافضل فيقال لهم فلا تكرهوا قول من يقول من الشيعة وغيرهم إن هذا الكلام وامثاله صدر عنه عقيب السقيفة وحملوه على انه تالم وتظلم من كونهم تركوا الاولى والافضل فانكم لستم تنكرون انه كان الافضل والاحق بالامر بل تعترفون بذلك وتقولون ساغت امامه غيره وصحت لمانع كان فيه عليه السلام وهو ما غلب على ظنون العاقدين للامر من أن العرب لا تطيعه فانه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولى الخلافة لاسباب يذكرونها ويعدونها وقد روى كثير من المحدثين انه عقيب يوم السقيفة تالم وتظلم واستنجد واستصرخ حيث ساموه الحضور والبيعة وانه قال وهو يشير الى القبر (يا بن ام إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني) (1) وانه قال وا جعفراه ولا جعفر لى اليوم واحمزتاه ولا حمزة لى اليوم . وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم وكل ذلك محمول عندنا على انه طلب الامر من جهة الفضل والقرابة وليس بدال عندنا على وجود النص لانه لو كان هناك نص لكان اقل كلفة واسهل طريقا وايسر لما يريد تناولا أن يقول يا هؤلاء إن العهد لم يطل وإن رسول الله صلى الله عليه وآله امركم بطاعتي واستخلفني عليكم بعده ولم يقع منه عليه السلام بعد ما علمتموه ونص ينسخ ذلك ولا يرفعه فما الموجب
لتركي والعدول عنى . فان قالت الامامية كان يخاف القتل لو ذكر ذلك قيل لهم فهلا يخاف القتل وهو يعتل ويدفع ليبايع وهو يمتنع ويستصرخ تارة بقبر رسول الله صلى الله عليه وآله
(1) سورة الاعراف 150 . (*)
[ 112 ]
وتارة بعمه حمزة واخيه جعفر - وهما ميتان - وتارة بالانصار وتارة ببنى عبد مناف ويجمع الجموع في داره ويبث الرسل والدعاة ليلا ونهارا الى الناس يذكرهم فضله وقرابته ويقول للمهاجرين خصمتم (1) الانصار بكونكم اقرب الى رسول الله صلى الله عليه وآله وانا اخصمكم بما خصمتم به الانصار لان القرابة أن كانت هي المعتبرة فانا اقرب منكم . وهلا خاف من هذا الامتناع ومن هذا الاحتجاج ومن الخلوة في داره باصحابه ومن تنفير الناس عن البيعة التى عقدت حينئذ لمن عقدت له . وكل هذا إذا تأمله المنصف علم أن الشيعة اصابت في امر واخطات في امر اما الامر الذى اصابت فيه فقولها انه امتنع وتلكا واراد الامر لنفسه واما الامر الذى اخطات فيه فقولها انه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة تعلمه الصحابة كلها أو اكثرها وإن ذلك النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية وايثارا للعاجلة وإن حال المخالفين للنص لا تعدو احد امرين اما الكفر أو الفسق فان قرائن الاحوال واماراتها لا تدل على ذلك وانما تدل وتشهد بخلافة وهذا يقتضى أن امير المؤمنين عليه السلام كان في مبدا الامر يظن أن العقد لغيرة كان عن غير نظر في المصلحة وانه لم يقصد به الا صرف الامر عنه والاستئثار عليه فظهر منه ما ظهر من الامتناع والعقود في بيته الى أن صح عنده وثبت في نفسه انهم اصابوا فيما فعلوه وانهم لم يميلوا الى هوى ولا ارادوا الدنيا وانما فعلوا الاصلح في ظنونهم لانه راى من بغض الناس له وانحرافهم
عنه وميلهم عليه وثوران الاحقاد التى كانت في انفسهم واحتدام النيران التى كانت في قلوبهم وتذكروا التراث التى وتراهم فيما قبل بها والدماء التى سفكها منهم وارقها .
(1) خصمكم الانصار : غلبوكم . (*)
[ 113 ]
وتعلل طائفه اخرى منهم للعدول عنه بصغر سنه واستهجانهم تقديم الشباب على الكهول والشيوخ . وتعلل طائفة اخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة والخلافة في بيت واحد فيجفخون (1) على الناس كما قاله من قاله واستصعاب قوم منهم شكيمته وخوفهم تعديه وشدته وعلمهم بانه لا يداجى ولا يحابى ولا يراقب ولا يجامل في الدين وأن الخلافة تحتاج الى من يجتهد برايه ويعمل بموجب استصلاحه وانحراف قوم آخرين عنه للحسد الذى كان عندهم له في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله لشدة اختصاصه له وتعظيمه اياه وما قال فيه فاكثر من النصوص الداله على رفعه شانه وعلو مكانه وما اختص به من مصاهرته واخوته ونحو ذلك من احواله معه وتنكر قوم آخرين له لنسبتهم إليه العجب والتيه كما زعموا واحتقاره العرب واستصغاره الناس كما عددوه عليه وإن كانوا عندنا كاذبين ولكنه قول قيل وامر ذكر وحال نسبت إليه واعانهم عليها ما كان يصدر عنه من اقوال توهم مثل هذا نحو قوله (فانا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا) وما صح به عنده (2) أن الامر لم يكن ليستقيم له يوما واحدا ولا ينتظم ولا يستمر وانه لو ولى الامر لفتقت العرب عليه فتقا يكون فيه استئصال شافة الاسلام وهدم اركانه فاذعن بالبيعة وجنح الى الطاعة وامسك عن طلب الامرة وإن كان على مضض ورمض . وقد روى عنه عليه السلام أن فاطمة عليها السلام حرضته يوما على النهوض والوثوب
فسمع صوت المؤذن (اشهد أن محمدا رسول الله) فقال لها ايسرك زوال هذا النداء من الارض قالت لا قال فانه ما اقول لك .
(1) فيجحفون : يفخرون ويتكبرون . (2) ب : " عنده " وما اثبته من ا (*)
[ 114 ]
وهذا المذهب هو اقصد المذاهب واصحها واليه يذهب اصحابنا المتأخرون من البغداديين وبه يقول . واعلم أن حال على عليه السلام في هذا المعنى اشهر من أن يحتاج في الدلالة عليها الى الاسهاب والاطناب فقد رايت انتقاض العرب عليه من اقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله بخمس وعشرين سنة وفي دون هذه المدة تنسى الاحقاد وتموت التراث وتبرد الاكباد الحامية وتسلو القلوب الواجدة ويعدم قرن من الناس ويوجد قرن ولا يبقى من ارباب تلك الشحناء والبغضاء الا الاقل فكانت حاله بعد هذه المدة الطويلة مع قريش كأنها حاله لو افضت الخلافة إليه يوم وفاة ابن عمه صلى الله عليه وآله من اظهار ما في النفوس وهيجان ما في القلوب حتى إن الاخلاف من قريش والاحداث والفتيان الذين لم يشهدوا وقائعه وفتكاته في اسلافهم وآبائهم فعلوا به ما لو كانت الاسلاف احياء لقصرت عن فعله وتقاعست عن بلوغ شاوه فكيف كانت تكون حاله لو جلس على منبر الخلافة وسيفه بعد يقطر دما من مهج العرب لا سيما قريش الذين بهم كان ينبغى - لو دهمه خطب - أن يعتضد وعليهم كان يجب أن يعتمد اذن كانت تدرس اعلام المله وتنعفى رسوم الشريعة وتعود الجاهلية الجهلاء على حالها ويفسد ما اصلحه رسول الله صلى الله عليه وآله في ثلاث وعشرين سنه في شهر واحد فكان من عناية الله تعالى بهذا الدين أن الهم الصحابة ما فعلوه والله متم نوره ولو كره المشركون
[ 115 ]
[ فصل في أن جعفرا وحمزة لو كان حيين لبايعا عليا ] وسالت النقيب ابا جعفر يحيى بن محمد بن ابى يزيد رحمه الله قلت له اتقول إن حمزة وجعفرا لو كانا حيين يوم مات رسول الله صلى الله عليه وآله اكانا يبايعانه بالخلافة فقال نعم كانا اسرع الى بيعته من النار في يبس العرفج فقلت له اظن أن جعفرا كان يبايعه ويتابعه وما اظن حمزة كذلك واراه جبارا قوى النفس شديد الشكيمة ذاهبا بنفسه شجاعا بهمة وهو العم والاعلى سنا وآثاره في الجهاد معروفة واظنه كان يطلب الخلافة لنفسه . فقال الامر في اخلاقه وسجاياه كما ذكرت ولكنه كان صاحب دين متين وتصديق خالص لرسول الله صلى الله عليه وآله ولو عاش لراى من احوال على عليه السلام مع رسول الله صلى الله عليه وآله ما يوجب أن يكسر له نخوته وأن يقيم له صعره وأن يقدمه على نفسه وأن يتوخى رضا الله ورضا رسوله فيه وإن كان بخلاف ايثاره . ثم قال اين خلق حمزة السبعى من خلق على الروحانى اللطيف الذى جمع بينه وبين خلق حمزة فانصفت بهما نفس واحدة واين هيولانية نفس حمزة وخلوها من العلوم من نفس على القدسية التى ادركت بالفطرة لا بالقوة التعليمية ما لم تدركه نفوس مدققي الفلاسفة الالهيين لو أن حمزة حيى حتى راى من على ما رآه غيره لكان اتبع له من ظله واطوع له من ابى ذر والمقداد اما قولك هو والعم والاعلى سنا فقد كان العباس العم والاعلى سنا وقد عرفت ما بذله له وندبه إليه وكان أبو سفيان كالعم وكان اعلى سنا وقد عرفت ما عرضه عليه ثم قال ما زالت الاعمام تخدم ابناء الاخوة وتكون اتباعا لهم الست ترى داود بن
[ 116 ]
على وعبد الله بن على وصالح بن على وسليمان بن على وعيسى بن على واسماعيل
ابن على وعبد الصمد بن على خدموا ابن اخيهم - وهو عبد الله السفاح بن محمد بن على - وبايعوه وتابعوه وكانوا امراء جيوشه وانصاره واعوانه الست ترى حمزة والعباس اتبعا ابن اخيهما صلوات الله عليه واطاعاه ورضيا برياسته وصدقا دعوته الست تعلم أن ابا طالب كان رئيس بنى هاشم وشيخهم والمطاع فيهم وكان محمد رسول الله صلى الله عليه وآله يتيمه ومكفوله وجاريا مجرى احد اولاده عنده ثم خضع له واعترف بصدقه ودان لامره حتى مدحه بالشعر كما يمدح الادنى الاعلى فقال فيه وابيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للارامل (1) يطيف به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في نعمة وفواضل وإن سرا اختص به محمد صلى الله عليه وآله حتى اقام ابا طالب - وحاله معه حاله - مقام المادح له لسر عظيم وخاصيه شريفه وإن في هذا لمعتبر عبرة أن يكون هذا الانسان الفقير الذى لا انصار له ولا اعوان معه ولا يستطيع الدفاع عن نفسه فضلا عن أن يقهر غيره تعمل دعوته واقواله في الانفس ما تعمله الخمر في الابدان المعتدلة المزاج حتى تطيعه اعمامه ويعظمه مربيه وكافله ومن هو الى آخر عمره القيم بنفقته وغذاء بدنه وكسوة جسده حتى يمدحه بالشعر كما يمدح الشعراء الملوك والرؤساء وهذا في باب المعجزات عند المنصف اعظم من انشقاق القمر وانقلاب العصا ومن انباء القوم بما ياكلون وما يدخرون في بيوتهم . ثم قال رحمه الله كيف قلت اظن أن جعفرا كان يبايعه ويتابعه ولا اظن في حمزة ذلك إن كنت قلت ذلك لانه اخوه فانه اعلى منه سنا هو اكبر من على بعشر
سنين وقد كانت له خصائص ومناقب كثيرة وقال فيه النبي صلى الله عليه وآله قولا
شريفا اتفق عليه المحدثون قال له لما افتخر هو وعلى وزيد بن حارثه وتحاكموا الى رسول الله صلى الله عليه وآله (اشبهت خلقي وخلقي) فخجل فرحا ثم قال لزيد (انت مولانا وصاحبنا) فخجل ايضا ثم قال لعلى (انت اخى وخالصتي) قالوا فلم يخجل قالوا كان ترادف التعظيم له وتكرره عليه لم يجعل عنده للقول ذلك الموضع وكان غيره إذا عظم عظم نادرا فيحسن موقعه عنده واختلف الناس في أي المدحتين اعظم . فقلت له قد وقفت لابي حيان التوحيدي في كتاب (البصائر) على فصل عجيب يمازج ما نحن فيه قال في الجزء الخامس من هذا الكتاب سمعت قاضى القضاة ابا سعد بشر بن الحسين - وما رايت رجلا اقوى منه في الجدل - في مناظرة جرت بينه وبين ابى عبد الله الطبري وقد جرى حديث جعفر بن ابى طالب وحديث اسلامه والتفاضل بينه وبين اخيه على فقال القاضى أبو سعد إذا انعم النظر علم أن اسلام جعفر كان بعد بلوغ واسلام البالغ لا يكون الا بعد استبصار وتبين و معرفة بقبح ما يخرج منه وحسن ما يدخل فيه وإن اسلام على مختلف في حاله وذلك انه قد ظن انه كان عن تلقين لا تبيين الى حين بلوغه واوان تعقبه ونظره وقد علم ايضا انهما قتلا وإن قتله جعفر شهادة بالاجمال وقتله على فيها اشد الاختلاف ثم خص الله جعفرا بان قبضه الى الجنة قبل ظهور التباين واضطراب الحبل وكثرة الهرج وعلى انه لو انعقد الاجماع وتظاهر جميع الناس على أن القتلتين شهادة لكانت الحال في الذى رفع إليها جعفر اغلظ واعظم وذلك انه قتل مقبلا غير مدبر واما على فانه اغتيل اغتيالا وقصد من حيث لا يعلم وشتان ما بين من فوجئ بالموت وبين من عاين مخايل الموت
[ 118 ]
وتلقاه بالنحر والصدر وعجل الى الله بالايمان والصدق الا تعلم أن جعفرا قطعت يمناه فامسك اللواء بيسراه وقطعت يسراه فضم اللواء الى حشاه ثم قاتله ظاهر الشرك
بالله وقاتل على ممن صلى الى القبلة و شهد الشهادة واقدم عليه بتأويل وقاتل جعفر كافر بالنص الذى لا خلاف فيه اما تعلم أن جعفرا ذو الجناحين وذو الهجرتين الى الحبشة والمدينة . قال النقيب رحمه الله اعلم - فداك شيخك - أن ابا حيان رجل ملحد زنديق يحب التلاعب بالدين ويخرج ما في نفسه فيعزوه الى قوم لم يقولوه واقسم بالله أن القاضى ابا سعد لم يقل من هذا الكلام لفظة واحدة ولكنها من موضوعات ابى حيان واكاذيبه وترهاته كما يسند الى القاضى ابى حامد المروروذى كل منكر ويروى عنه كل فاقرة . ثم قال يا ابا حيان مقصودك أن تجعلها مساله خلاف تثير بها فتنه بين الطالبيين لتجعل باسهم بينهم وكيف تقلبت الاحوال فالفخر لهم لم يخرج عنهم . ثم ضحك رحمه الله حتى استلقى ومد رجليه وقال هذا كلام يستغنى عن الاطالة في ابطاله باجماع المسلمين فانه لا خلاف بين المسلمين في أن عليا افضل من جعفر وانما سرق أبو حيان هذا المعنى الذى اشار إليه من رسالة المنصور ابى جعفر الى محمد بن عبد الله النفس الزكية قال له وكانت بنو امية يلعنون اباك في ادبار الصلوات المكتوبات كما تلعن الكفرة فعنفناهم وكفرناهم وبينا فضله واشدنا بذكره فاتخذت ذلك علينا حجة وظننت انه لما ذكرناه من فضله انا قدمناه على حمزة والعباس وجعفر اولئك مضوا سالمين مسلمين منهم وابتلى ابوك بالدماء . فقلت له رحمه الله وإذا لا اجماع في المسالة لان المنصور لم يقل بتفضيله عليهم
[ 119 ]
وانت ادعيت الاجماع فقال إن الاجماع قد سبق هذا القائل وكل قول قد سبقه الاجماع لا يعتد به . فلما خرجت من عند النقيب ابى جعفر بحثت في ذلك اليوم في هذا الموضوع مع احمد
ابن جعفر الواسطي رحمه الله وكان ذا فضل وعقل وكان امامى المذهب فقال لى صدق النقيب فيما قال ا لست تعلم أن اصحابكم المعتزلة على قولين احدهما أن اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر والاخر أن اكثرهم ثوابا على واصحابنا يقولون أن اكثر المسلمين ثوابا على وكذلك الزيدية واما الاشعرية والكرامية واهل الحديث فيقولون اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر فقد خلص من مجموع هذه الاقوال أن ثواب حمزة وجعفر دون ثواب على عليه السلام اما على قول الامامية والزيدية والبغداديين كافة وكثير من البصريين من المعتزلة فالامر ظاهر واما الباقون فعندهم أن اكثر المسلمين ثوابا أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم على ولم يذهب ذاهب الى أن ثواب حمزة وجعفر اكثر من ثواب على من جميع الفرق فقد ثبت الاجماع الذى ذكره النقيب إذا فسرنا الافضلية بالاكثرية ثوابا وهو التفسير الذى يقع الحجاج والجدال في اثباته لاحد الرجلين واما إذا فسرنا الافضلية بزيادة المناقب والخصائص وكثرة النصوص الدالة على التعظيم فمعلوم أن احدا من الناس لا يقارب عليا عليه السلام في ذلك لا جعفر ولا حمزة ولا غيرهما . ثم وقع بيدى بعد ذلك كتاب لشيخنا ابى جعفر الاسكافي ذكر فيه أن مذهب بشر بن المعتمر وابى موسى وجعفر بن مبشر وسائر قدماء البغداديين أن افضل المسلمين على بن ابى طالب ثم ابنه الحسن ثم ابنه الحسين ثم حمزة بن عبد المطلب ثم جعفر بن ابى طالب ثم أبو بكر بن ابى قحافه ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان
[ 120 ]
قال والمراد بالافضل اكرمهم عند الله واكثرهم ثوابا وارفعهم في دار الجزاء منزلة . ثم وقفت بعد ذلك على كتاب لشيخنا ابى عبد الله البصري يذكر فيه هذه المقالة
وينسبها الى البغداديين وقال إن الشيخ ابا القاسم البلخى كان يقول بها وقبله الشيخ أبو الحسين الخياط وهو شيخ المتأخرين من البغداديين قالوا كلهم بها فاجبنى هذا المذهب وسررت بان ذهب الكثير من شيوخنا إليه ونظمته في الارجوزة التى شرحت فيها عقيدة المعتزلة فقلت وخير خلق الله بعد المصطفى اعظمهم يوم الفخار شرفا السيد المعظم الوصي بعل البتول المرتضى على وابناه ثم حمزة وجعفر ثم عتيق بعدهم لا ينكر المخلص الصديق ثم عمر فاروق دين الله ذاك القسور وبعده عثمان ذو النورين هذا هو الحق بغير مين
[ 121 ]
(212) الاصل ومن كلام له عليه السلام في ذكر السائرين الى البصرة لحربه عليه السلام فقدموا على عمالى وخزان بيت مال المسلمين الذى في يدى وعلى اهل مصر كلهم في طاعتي وعلى بيعتى فشتتوا كلمتهم وافسدوا على جماعتهم ووثبوا على شيعتي فقتلوا طائفة منهم غدرا وطائفة عضوا على اسيافهم فضاربوا بها حتى لقوا الله صادقين الشرح عضوا على اسيافهم كناية عن الصبر في الحرب وترك الاستسلام وهى كناية فصيحة شبه قبضهم على السيوف بالعض وقد قدمنا ذكر ما جرى وأن عسكر الجمل قتلوا طائفة من شيعة امير المؤمنين عليه السلام بالبصرة بعد أن امنوهم غدرا وأن بعض الشيعة صبر في الحرب ولم يستسلم وقاتل حتى قتل مثل حكيم بن جبلة العبدى وغيره وروى
(وطائفة عضوا على اسيافهم) بالرفع تقديره ومنهم طائفة . قرات في كتاب (غريب الحديث) لابي محمد عبد الله بن قتيبة في حديث حذيفة بن اليمان انه ذكر خروج عائشة فقال (تقاتل معها مضر مضرها الله في النار (1)
(1) قال ابن الاثير في شرحه للحديث (أي جعلها في النار فاشتق لذلك لظا من اسمها يقال مضرنا فلانا فتضمر اي صيرناه كذلك اي نسبناه إليها وقال الزمخشري مضرها جمعها كما يقال جند الجنود وقيل مضرها اهلكها من قولهم ذهب دمه خضرا مضرا اي هدرا . النهاية 98 . (*)
[ 122 ]
وازد عمان سلت الله اقدامها (1) وإن قيسا لن تنفك تبغى دين الله شرا حتى يركبها الله بالملائكة فلا يمنعوا ذنب تلعه) (2) . قلت هذا الحديث من اعلام نبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وآله لانه اخبار عن غيب تلقاه حذيفة عن النبي صلى الله عليه وآله وحذيفة اجمع اهل السيرة على انه مات في الايام التى قتل عثمان فيها اتاه نعيه وهو مريض فمات وعلى عليه السلام لم يتكامل بيعه الناس ولم يدرك الجمل . وهذا الحديث يؤكد مذهب اصحابنا في فسق اصحاب الجمل الا من ثبتت توبته منهم وهم الثلاثه
(1) سلت الله اقدامها قطعها النهاية 2 : 174 (2) التلاع مسايل الماء من علو الى اسفل واحدها تلعة وذنب التلعة اسفلها قال الزمخشري (اي يذلها الله حتى لا تقدر على أن تمنع ذنب تلعة . الفائق 3 : 32 . (*)
[ 123 ]
(213) الاصل ومن كلام له عليه السلام لما مر بطلحة بن عبيد الله وعبد الرحمن بن عتاب بن
اسيد وهما قتيلان يوم الجمل لقد اصبح أبو محمد بهذا المكان غريبا اما والله لقد كنت اكره أن تكون قريش قتلى تحت بطون الكواكب ادركت وترى من بنى عبد مناف وافلتني اعيار بنى جمح لقد اتلعوا اعناقهم الى امر لم يكونوا اهله فوقصوا دونه الشرح [ عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد ] هو عبد الرحمن بن عتاب بن اسيد بن ابى العيص بن امية بن عبد شمس ليس بصحابى ولكنه من التابعين وابوه عتاب بن اسيد بن ابى العيص بن امية بن عبد شمس من مسلمة الفتح ولما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله من مكة الى حنين استعمله عليها فلم يزل اميرها حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وآله وبقى على حاله خلافه ابى بكر الصديق ومات هو وابو بكر في يوم واحد لم يعلم احدهما بموت الاخر وعبد الرحمن هذا هو الذى قال امير المؤمنين فيه وقد مر به قتيلا يوم الجمل لهفى عليك يعسوب قريش هذا فتى الفتيان هذا اللباب المحض من بنى عبد مناف شفيت نفسي وقتلت معشرى الى الله اشكو عجرى وبجرى فقال له قائل لشد ما اطريت
[ 124 ]
الفتى يا امير المؤمنين منذ اليوم قال انه قام عنى وعنه نسوة لم يقمن عنك وعبد الرحمن هذا هو الذى احتملت العقاب كفه يوم الجمل وفيها خاتمه فالقتها باليمامة فعرفت بخاتمه وعلم اهل اليمامة بالوقعة . ورايت في شرح نهج البلاغة للقطب الراوندي في هذا الفصل عجائب وطرائف فاحببت أن اوردها هاهنا منها انه قال في تفسير قوله عليه السلام (ادركت وترى (1) من بنى عبد مناف) قال يعنى طلحة والزبير كانا من بنى عبد مناف وهذا غلط قبيح لان طلحة من تيم بن مرة والزبير من اسد بن عبد العزى بن قصى وليس احد
منهما من بنى عبد مناف وولد عبد مناف اربعة هاشم وعبد شمس ونوفل وعبد المطلب فكل من لم يكن من ولد هؤلاء الاربعة فليس من ولد عبد مناف . ومنها انه قال إن مروان بن الحكم من بنى جمح ولقد كان هذا الفقية رحمه الله بعيدا عن معرفة الانساب مروان من بنى امية بن عبد شمس وبنو جمح من بن هصيص بن كعب بن لؤى بن غالب واسم جمح تيم بن عمرو بن هصيص واخوه سهم بن عمرو بن هصيص رهط عمرو بن العاص فاين هؤلاء واين مروان ابن الحكم . ومنها انه قال (وافلتتنى اغيار بنى جمح) بالغين المعجمة قال هو جمع غير الذى بمعنى (سوى) وهذا لم يرو ولا مثله مما يتكلم به امير المؤمنين لركته وبعده عن طريقته فانه يكون قد عدل عن أن يقول (ولم يفلتنى الا بنو جمح) الى مثل هذه العبارة الركيكة المتعسفة
(1) الوتر : الذحل والثأر . (*)
[ 125 ]
[ بنو جمح ] واعلم انه عليه السلام اخرج هذا الكلام مخرج الذم لمن حضر الجمل مع عائشة زوجة النبي صلى الله عليه وآله من بنى جمح فقال (وافلتتنى اعيار بنى جمح) جمع عير وهو الحمار وقد كان معها منهم يوم الجمل جماعة هربوا ولم يقتل منهم الا اثنان فممن هرب ونجا بنفسه عبد الله الطويل بن صفوان بن امية بن خلف بن وهب بن حذافة ابن جمح وكان شريفا وابن شريف وعاش حتى قتل مع ابن الزبير بمكة . ومنهم يحيى بن حكيم بن صفوان بن امية بن خلف عاش حتى استعمله عمرو بن سعيد الاشدق على مكة لما جمع له بين مكة والمدينة فاقام عمرو بالمدينة ويحيى بمكة . ومنهم عامر بن مسعود بن امية بن خلف كان يسمى دحروجة الجعل لقصره وسواده
وعاش حتى ولاه زياد صدقات بكر بن وائل وولاه عبد الله بن الزبير بن العوام الكوفة . ومنهم ايوب بن حبيب بن علقمة بن ربيعة بن الاعور بن اهيب بن حذافة بن جمح عاش حتى قتل بقديد قتلته الخوارج . فهؤلاء الذين اعرف حضورهم الجمل مع عائشة من بنى جمح وقتل من بنى جمح مع عائشة عبد الرحمن بن وهب بن اسيد بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح وعبد الله ابن ربيعة بن دراج العنبس بن وهبان بن وهب بن حذافة بن جمح لا اعرف انه قتل من بنى جمح ذلك اليوم غيرهما فان صحت الرواية (وافلتني اعيان بنى جمح) بالنون فالمراد رؤساءهم وساداتهم . واتلعوا اعناقهم رفعوها ورجل اتلع بين التلع أي طويل العنق وجيد تليع أي طويل قال الاعشى
[ 126 ]
يوم تبدى لنا قتيلة عن جيد تليع تزينه الاطواق (1) ووقص الرجل إذا اندقت عنقه فهو موقوص ووقصت عنق الرجل اقصها وقصا أي كسرتها ولا يجوز وقصت العنق نفسها . الضمير في قوله عليه السلام (لقد اتلعوا) يرجع الى قريش أي راموا الخلافه فقتلوا دونها . فان قلت اتقول أن طلحة والزبير لم يكونا من اهل الخلافة إن قلت ذلك تركت مذهب اصحابك وإن لم تقله خالفت قول امير المؤمنين (لم يكونوا اهله) . قلت هما اهل للخلافة ما لم يطلبها امير المؤمنين فإذا طلبها لم يكونا اهلا لها لا هما ولا غيرهما ولو لا طاعته لمن تقدم وما ظهر من رضاه به لم نحكم بصحه خلافته
(2) ديوانه : 140 . (*)
[ 127 ]
(214) الاصل ومن كلام له عليه السلام قد احيا عقله وامات نفسه حتى دق جليله ولطف غليظة وبرق له لامع كثير البرق فابان له الطريق وسلك به السبيل وتدافعته الابواب الى باب السلامه ودار الاقامة وثبتت رجلاه بطمانينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه وارضى ربه الشرح يصف العارف يقول قد احيا قلبه بمعرفة الحق سبحانه وامات نفسه بالمجاهدة ورياضة القوة البدنية بالجوع والعطش والسهر والصبر على مشاق السفر والسياحة . حتى دق جليله أي حتى نحل بدنه الكثيف . ولطف غليظه تلطفت اخلاقه وصفت نفسه فان كدر النفس في الاكثر انما يكون من كدر الجسد والبطنة - كما قيل - تذهب الفطنة [ فصل في مجاهدة النفوس وما ورد في ذلك من الاثار ] وتقول ارباب هذه الطريقة من لم يكن في بدايته صاحب مجاهدة لم يجد من هذه الطريقة شمه .
[ 128 ]
وقال عثمان المغربي الصوفى من ظن انه يفتح عليه شئ من هذه الطريقة أو يكشف له عن سر من اسرارها من غير لزوم المجاهدة فهو غالط . وقال أبو على الدقاق من لم يكن في بدايته قومه لم يكن في نهايته جلسه . ومن كلامهم الحركة بركة حركات الظواهر توجب بركات السرائر .
ومن كلامهم من زين ظاهرة بالمجاهدة حسن الله سرائره بالمشاهدة . وقال الحسن الفرازينى هذا الامر على ثلاثه اشياء الا تأكل الا عند الفاقة ولا تنام الا عند الغلبة ولا تتكلم الا عند الضرورة . وقال ابراهيم بن ادهم لن ينال الرجل درجة الصالحين حتى يغلق عن نفسه باب النعمة ويفتح عليها باب الشدة . ومن كلامهم من كرمت عليه نفسه هان عليه دينه . وقال أبو على الروذبارى إذا قال الصوفى بعد خمسة ايام انا جائع فالزموه السوق ومروه بالكسب . وقال حبيب بن اوس أبو تمام وهو يقصد غير ما نحن فيه ولكنه يصلح أن يستعمل فيما نحن فيه خذى عبرات عينك عن زماعى وصونى ما ازلت من القناع (1) اقلي قد اضاق بكاك ذرعي وما ضاقت بنازلة ذراعي أآلفه النحيب كم افتراق اظل فكان داعية اجتماع
(1) ديوانه 2 : 336 قال في شرحه يقول لها : نحي عن عزمي بكاءك وزماع اسم من ازمعت وتقنعى بالقناع الذى القيتيه من راسك . (*)
[ 129 ]
فليست فرحة الاوبات الا لموقوف على ترح الوداع (1) تعجب إن رات جسمي نحيلا كان المجد يدرك بالصراع (2) اخو النكبات من ياوى إذا ما اطفن به الى خلق وساع (3) يثير عجاجة في كل فج يهيم به عدى بن الرقاع (4) ابن مع السباع الماء حتى لخالته السباع من السباع وقال ايضا فاطلب هدوءا بالتقلقل واستثر بالعيس من تحت السهاد هجودا (5)
ما إن ترى الاحساب بيضا وضحا الا بحيث ترى المنايا سودا (6) وجاء في الحديث أن فاطمة جاءت الى رسول الله صلى الله عليه واله بكسرة خبز فقال ما هذه قالت قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى اتيتك منه بهذه الكسرة فاكلها وقال (اما انها لاول طعام دخل فم ابيك منذ ثلاث) . وكان يقال ينابيع الحكمة من الجوع وكسر عادية النفس بالمجاهدة .
(1) قال في شرحه (أي لمن يعرف ترح الوداع من قولهم وقفت فلانا على امرى فهو موقوف عليه أي من لم يجد الما للفراق لم يجد فرحا باللقاء (2) الديوان (توجع إن رات) (3) رواية الديوان : فتى النكبات من ياوى إذا ما قطفن به الى خلق وساع وقال في شرحه (قطفن من قولهم دابة قطوف ويروى (اطفن به) ويروى (اضفن به) يقول هو صاحب النكبات والشدائد يرتكبها وياوي الى خلق واسع إذا ضيقن في مذاهبه وأحطن به) (4) في الديوان (في كل ثغر) (5) ديوانه 1 : 416 ، 422 قال في شرحه (أي اطلب بالحركة في الاسفار سكونا ودعة فيما بعد وبالارق نوما وقوله (بالعيس) أي بركوب العيس ومن تحت السهاد أي من تحت الصبر على السهاد (6) أي من لم يصبر في معركة الابطال لم يذكر . (*)
[ 130 ]
وقال يحيى بن معاذ لو أن الجوع يباع في السوق لما كان ينبغى لطلاب الاخرة إذا دخلوا السوق أن يشتروا غيره . وقال سهل بن عبد الله لما خلق الله الدنيا جعل في الشبع المعصية والجهل وجعل في الجوع الطاعة والحكمة .
وقال يحيى بن معاذ الجوع للمريدين رياضة وللتائبين تجربة وللزهاد سياسة وللعارفين تكرمة . وقال أبو سلمان الدارانى مفتاح الدنيا الشبع ومفتاح الاخرة الجوع . وقال بعضهم ادب الجوع الا ينقص من عادتك الا مثل اذن السنور هكذا على التدريج حتى تصل الى ما تريد . ويقال إن ابا تراب النخشبى خرج من البصرة الى مكة فوصل إليها على اكلتين اكلة بالنباج واكله بذات عرق . قالوا وكان سهل بن عبد الله التسترى إذا جاع قوى وإذا اكل ضعف . وكان منهم من ياكل كل اربعين يوما اكله واحدة ومنهم من ياكل كل ثمانين يوما اكله واحدة . قالوا واشتهى أبو الخير العسقلاني السمك سنين كثيرة ثم تهيا له اكله من وجه حلال فلما مد يده ليأكل اصابت اصبعه شوكة من شوك السمك فقام وترك الاكل وقال يا رب هذا لمن مد يده بشهوة الى الحلال فكيف بمن مد يده بشهوة الى الحرام . وفي الكتاب العزيز (واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فان الجنة هي الماوى) (1) فالجملة الاولى هي التقوى والثانية هي المجاهدة .
(1) سورة النازعات 40 ، 41 (*)
[ 131 ]
وقال النبي صلى الله عليه واله اخوف ما اخاف على امتى اتباع الهوى وطول الامل اما اتباع الهوى فيصد عن الحق واما طول الامل فينسى الاخرة) . وسئل بعض الصوفية عن المجاهدة فقال ذبح النفس بسيوف المخالفة . وقال من نجمت طوارق نفسه افلت شوارق انسه .
وقال ابراهيم بن شيبان ما بت تحت سقف ولا في موضع عليه غلق (1) اربعين سنة وكنت اشتهى في اوقات أن اتناول شبعه (2) عدس فلم يتفق ثم جملت الى وانا بالشام غضارة (3) فيها عدسية فتناولت منها وخرجت فرايت قوارير معلقة فيها شبهة انموذجات فظننتها خلا فقال بعض الناس اتنظر الى هذه وتظنها خلا وانما هي خمر وهى انموذجات هذه الدنان - لدنان - هناك فقلت قد لزمنى فرض الانكار فدخلت حانوت ذلك الخمار لاكسر الدنان والجرار فحملت الى ابن طولون فامر بضربي مائتي خشبة وطرحى (4) في السجن فبقيت مدة حتى دخل أبو عبد الله الوبانى المغربي استاذ ذلك البلد فعلم انى محبوس فشفع في فاخرجت إليه فلما وقع بصره على قال أي شئ فعلت فقلت شبعة عدس ومائتي خشبه فقال لقد نجوت مجانا . وقال ابراهيم الخواص كنت في جبل فرايت رمانا فاشتهيته فدنوت فاخذت منه واحده فشققها فوجدتها حامضه فمضيت وتركت الرمان فرايت رجلا مطروحا قد اجتمع عليه الزنابير فسلمت عليه فرد على باسمى فقلت كيف عرفتني قال من عرف الله لم يخف عليه شئ فقلت له ارى لك حالا مع الله فلو سألته أن يحميك ويقيك من اذى هذه الزنابير فقال وارى لك حالا مع الله فلو سألته أن يقيك من شهوة الرمان فان لذع الرمان يجد الانسان المه في الاخرة ولذع الزنابير
(1) الغلق هنا الباب (2) الشبعة من الطعام : قدر ما يشبع به . (3) الغضارة القصعة الكبيرة . (4) كذا في ا ، وفى ب : وطرحني) . (*)
[ 132 ]
يجد الانسان المه في الدنيا فتركته ومضيت على وجهى . وقال يوسف بن اسباط لا يمحو الشهوات من القلب الا خوف مزعج أو شوق مقلق .
وقال الخواص من ترك شهوة فلم يجد عوضها في قلبه فهو كاذب في تركها . وقال أبو على الرباطى صحت عبد الله المروزى وكان يدخل البادية قبل أن اصحبه بلا زاد فلما صحبته قال لى ايما احب اليك تكون انت الامير ام انا قلت بل انت فقال وعليك الطاعة قلت نعم فاخذ مخلاة ووضع فيها زادا وحملها على ظهره فكنت إذا قلت له اعطني حتى احملها قال الامير انا وعليك الطاعة قال فاخذنا المطر ليله فوقف الى الصباح على راسى وعليه كساء يمنع عنى المطر فكنت اقول في نفسي يا ليتنى مت ولم اقل له انت الامير ثم قال لى إذا صحبت انسانا فاصحبه كما رأيتني صحبتك . أبو الطيب المتنبي ذريني انل ما لا ينال من العلا فصعب العلافى الصعب والسهل في السهل تريدين ادراك المعالى رخيصة ولا بد دون الشهد من ابر النحل وله ايضا وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الاجسام (3) . ومن امثال العامة من لم يغل دماغه في الصيف لم تغل قدره في الشتاء . من لم يركب الاخطار لم ينل الاوطار
. ادراك السول وبلوغ المأمول بالصبر على الجوع وفقد الهجوع وسيلان الدموع واعلم أن تقليل المأكول لا ريب في انه نافع للنفس والاخلاق والتجربة قد دلت عليه لانا نرى المكثر من الاكل يغلبة النوم والكسل وبلادة الحواس وتتبخر
المأكولات الكثيرة ابخرة كثيرة فتتصاعد الى الدماغ فتفسد القوى النفسانية وايضا فان كثرة الماكل تزيل الرقه وتورث القساوة والسبعية والقياس ايضا يقتضى ذلك لان كثرة المزاولات سبب لحصول الملكات فالنفس إذا توفرت على تدبير الغذاء وتصريفه كان ذلك شغلا شاغلا لها وعائقا عظيما عن انصبابها الى الجهة الروحانية العالية ولكن ينبغى أن يكون تقليل الغذاء الى حد وجب جوعا قليلا فان الجوع المفرط يورث ضعف الاعضاء الرئيسة واضطرابها واختلال قواها وذلك يقتضى تشويش النفس واضطراب الفكر واختلال العقل ولذلك تعرض الاخلاط السوداوية لمن افرط عليه الجوع فاذن لا بد من اصلاح امر الغذاء بان يكون قليل الكمية كثير الكيفية فتؤثر قلة كميته في انه لا يشغل النفس بتدبير الهضم عن التوجه الى الجهة العالية الروحانية وتؤثر كثرة كيفيته في تدارك الخلل الحاصل له من قلة الكمية ويجب أن يكون الغذاء شديد الامداد للاعضاء الرئيسة لانها هي المهمة من اعضاء البدن وما دمت باقيه على كمال حالها لا يظهر كثير خلل من ضعف غيرها من الاعضاء
[ 134 ]
[ فصل في الرياضة لنفسية واقسامها ] واعلم أن الرياضة والجوع هي امر يحتاج إليه المريد الذى هو بعد في طريق السلوك الى الله . وينقسم طالبوا هذا الامر الجليل الشاق الى اقسام اربعة احدها الذين مارسوا العلوم الالهية واجهدوا انفسهم في طلبها والوصول الى كنهها بالنظر الدقيق في الزمان الطويل فهو لا يحصل لهم شوق شديد وميل عظيم الى الجهة العالية الشريفة فيحملهم حب الكمال على الرياضة . وثانيها الانفس التى هي باصل الفطرة والجوهر مائلة الى الروحانية من غير ممارسة علم ولادربه بنظر وبحث وقد رأينا مثلهم كثيرا وشاهدنا قوما من العامة متى سنح
لهم سانح مشوق مثل صوت مطرب أو انشاد بيت يقع في النفس أو سماع كلمة توافق امرا في بواطنهم فانه يستولى عليهم الوجد ويشتد الحنين وتغشاهم غواش لطيفة روحانية يغيبون بها عن المحسوسات والجسمانيات . وثالثها نفوس حصل لها الامران معا الاستعداد الاصلى والاشتغال بالعلوم النظرية الالهية . ورابعها النفوس التى لا استعداد لها في الاصل ولا ارتضات بالعلوم الالهية ولكنهم (1) قوم سمعوا كمال هذه الطريقة وأن السعادة الانسانية ليست الا بالوصول إليها فمالت نحوها وحصل لها اعتقاد فيها . فهذه اقسام المريدين والرياضة التى تليق بكل واحد من هذه الاقسام غير الرياضة اللائقة بالقسم الاخر .
(1) ا : (وكان) (*)
[ 135 ]
ونحتاج قبل الخوض في ذلك الى تقديم امرين احدهما أن النفحات الالهية دائمة مستمرة وانه كل من توصل إليها وصل قال سبحانه وتعالى (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) وقال النبي صلى الله عليه وآله (إن لربكم في ايام عصركم نفحات الا فتعرضوا لنفحاته) . وثانيهما أن النفوس البشرية في الاكثر مختلفه بالنوع فقد تكون بعض النفوس مستعدة غاية الاستعداد لهذا المطلب وربما لم تكن البتة متسعدة له وبين هذين الطرفين اوساط مختلفة بالضعف والقوة . وإذا تقرر ذلك فاعلم أن القسمين الاولين لما اختلفا فيما ذكرناه لا جرم اختلفا في الكسب والمكتسب .
اما الكسب فان صاحب العلم الاولى به في الاكثر العزلة والانقطاع عن الخلق لانه قد حصلت له الهداية والرشاد فلا حاجة له الى مخالطة احد يستعين به على حصول ما هو حاصل واما صاحب الفطرة الاصلية من غير علم فانه لا يليق به العزلة لانه يحتاج الى المعلم والمرشد فانه ليس يكفى الفطرة الاصلية في الوصول الى المعالم الالهية والحقائق الربانية ولا بد من موقف ومرشد في مبدا الحال هذا هو القول في الكسب بالنظر إليها . واما المكتسب فان صاحب العلم إذا اشتغل بالرياضة كانت مشاهداته ومكاشفاته اكثر كمية واقل كيفية مما لصاحب الفطرة المجردة ما كثرة الكمية فلان قوته النظرية تعينه على ذلك واما قلة الكيفية فلان القوة النفسانية تتوزع على تلك الكثرة وكلما كانت الكثرة اكثر كان توزع القوة الى اقسام اكثر وكان كل واحد منها
(1) سورة العنكبوت 69 . (*)
[ 136 ]
اضعف مما لو كانت الاقسام اقل عددا وإذا عرفت ذلك عرفت أن الامر في جانب صاحب الفطرة الاصلية بالعكس من ذلك وهو أن مشاهداته ومكاشفاته تكون اقل كميه واكثر كيفية . واما الاستعداد الثالث وهو النفس التى قد جمعت الفطرة الاصلية والعلوم الالهية النظرية بالنظر فهى النفس الشريفة الجليلة الكاملة . وهذه الاقسام الثلاثة مشتركة في أن رياضتها القلبية يجب أن تكون زائدة في الكم والكيف على رياضتها البدنية لان الغرض الاصلى هو رياضة القلب وطهارة النفس وانما شرعت الرياضات البدنية والعبادات الجسمانية لتكون طريقا الى تلك الرياضة الباطنة فإذا حصلت كان الاشتغال بالرياضة البدنية عبثا لان الوسيلة بعد حصول المتوسل إليه فضله مستغنى عنها بل ربما كانت عائقة عن المقصود نعم
لابد من المحافظة على الفرائض خاصة لئلا تعتاد النفس الكسل وربما افضى ذلك الى خلل في الرياضة النفسانية ولهذا حكى عن كثير من كبراء القوم قلة الاشتغال بنوافل العبادات . واما القسم الرابع وهو النفس التى خلت عن الوصفين معا فهذه النفس يجب الا تكون رياضتها في مبدا الحال الا بتهذيب الاخلاق بما هو مذكور في كتب الحكمة الخلقية فإذا لانت ومرنت واستعدت للنفحات الاليهة حصل لها ذوق ما فاوجب ذلك الذوق شوقا فاقبلت بكليتها على مطلوبها
[ 137 ]
[ فصل أن الجوع يؤثر في صفاء النفس ] واعلم أن السبب الطبيعي في كون الجوع مؤثرا في صفاء النفس أن البلغم الغالب على مزاج البدن يوجب بطبعه البلادة وابطاء الفهم لكثرة الارضية فيه وثقل جوهرة وكثرة ما يتولد عنه من البخارات التى تسد المجاري وتمنع نفوذ الارواح ولا ريب أن الجوع يقتضى تقليل البلغم لان القوة الهاضمة إذا لم تجد غذاء تهضمه عملت في الرطوبة الغريبة الكائنة في الجسد فكلما انقطع الغذاء استمر عملها في البلغم الموجود في البدن فلا تزال تعمل فيه وتذيبه الحرارة الكائنة في البدن حتى يفنى كل ما في البدن من الرطوبات الغريبة ولا يبقى الا الرطوبات الاصلية فان استمر انقطاع الغذاء اخذت الحرارة والقوة الهاضمة في تنقيص الرطوبات الاصلية من جوهر البدن فان كان ذلك يسيرا والى حد ليس بمفرط لم يضر ذلك بالبدن كل الاضرار وكان ذلك هو غاية الرياضة التى اشار امير المؤمنين عليه السلام إليها بقوله (حتى دق جليلة) ولطف غليظة) وإن افرط وقع الحيف والاجحاف على الرطوبة الاصلية وعطب البدن ووقع صاحبة في الدق والذبول وذلك منهى عنه لانه قتل للنفس فهو كمن يقتل نفسه بالسيف أو بالسكين
[ كلام للفلاسفة والحكماء في المكاشفات الناشئة عن الرياضة ] واعلم أن قوله عليه السلام (وبرق له لامع كثير البرق) هو حقيقه مذهب الحكماء وحقيقة قول الصوفية اصحاب الطريقة والحقيقة وقد صرح به الرئيس أبو على ابن سينا في كتاب (الاشارات) فقال في ذكر السالك الى مرتبة العرفان ثم انه
[ 138 ]
إذا بلغت به الارادة والرياضة حدا ما عنت له خلسات من اطلاع نور الحق إليه لذيذة كأنها بروق تومض إليه ثم تخمد عنه وهى التى تسمى عندهم اوقاتا وكل وقت يكتنفه وجد إليه ووجد عليه ثم انه لتكثر عليه هذه الغواشى إذا امعن في الارتياض ثم انه ليتوغل في ذلك حتى يغشاه في غير الارتياض فكلما لمح شيئا عاج منه الى جانب القدس فتذكر من امره امرا فغشيه غاش فيكاد يرى الحق في كل شئ ولعله الى هذا الحد تستولى عليه غواشيه ويزول هو عن سكينته ويتنبه جليسه لاستنفاره عن قراره فإذا طالت عليه الرياضة لم تستنفره غاشية وهدى للتانس بما هو فيه ثم انه لتبلغ به الرياضة مبلغا ينقلب له وقته سكينة فيصير المخطوب مألوفا والوميض شهابا بينا ويحصل له معارف مستمرة كأنها صحبة مستمرة ويستمتع فيها ببهجته فإذا انقلب عنها انقلب حيران آسفا . فهذه الفاظ الحكيم ابى على بن سينا في (الاشارات) وهى كما نراها مصرح فيها بذكر البروق اللامعة للعارف . وقال القشيرى في الرسالة لما ذكر الحال والامور الواردة على العارفين قال هي بروق تلمع ثم تخمد وانوار تبدو ثم تخفى ما احلاها لو بقيت مع صاحبها ثم تمثل بقول البحترى (1) خطرت في النوم منها خطرة خطرة البرق بدا ثم اضمحل أي زور لك لو قصدا سرى وملم بك لو حقا فعل .
فهو كما تراه يذكر البروق اللامعة حسبما ذكره الحكيم وكلاهما يتبع الفاظ امير المؤمنين عليه السلام لانه حكيم الحكماء وعارف العارفين ومعلم الصوفية ولولا اخلاقه
(1) ديوانه 2 : 181 (*)
[ 139 ]
وكلامه وتعليمه للناس هذا الفن تارة بقوله وتارة بفعله لما اهتدى احد من هذه الطائفة ولا علم كيف يورد ولا كيف يصدر . وقال القشيرى ايضا في الرسالة المحاضرة قبل المكاشفة فإذا حصلت المكاشفة فبعدها المشاهدة . وقال وهى ارفع الدرجات قال فالمحاضرة حضور القلب وقد تكون بتواتر البرهان والانسان بعد وراء الستر وإن كان حاضرا باستيلاء سلطان الذكر . واما المكاشفة فهى حضور البين غير مفتقر الى تأمل الدليل وتطلب السبيل ثم المشاهدة وهى وجود الحق من غير بقاء تهمة . واحسن ما ذكر في المشاهدة قول الجنيد هي وجود الحق مع فقدانك . وقال عمرو بن عثمان المكى المشاهدة أن تتوالى انوار التجلى على القلب من غير أن يتخللها ستر ولا انقطاع كما لو قدر اتصال البروق في الليلة المظلمة فكما انها تصير من ذلك بضوء النهار فكذلك القلب إذا دام له التجلى مع النهار فلا ليل . وانشدوا شعرا ليلى بوجهك مشرق وظلامه في الناس سار فالناس في سدف الضلام ونحن في ضوء النهار . وقال الثوري لا تصح للعبد المشاهدة وقد بقى له عرق قائم . وقالوا إذا طلع الصباح استغنى عن المصباح . وانشدوا ايضا فلما استنار الصبح طوح ضوءه بانواره انوار ضوء الكواكب
[ 140 ]
فجرعهم كاسا لو ابتليت لظى بتجريعه طارت كاسرع ذاهب . كاس واى كاس تصطلمهم عنهم وتفنيهم وتخطفهم منهم ولا تبقيهم كاس لا تبقى ولا تذر تمحو بالكلية ولا تبقى شظيه من آثار البشرية كما قال قائلهم ساروا فلم يبق لا عين ولا اثر (1) . وقال القشيرى ايضا هي ثلاث مراتب اللوائح ثم اللوامع ثم الطوالع فاللوائح كالبروق ما ظهرت حتى استترت كما قال القائل فافترقنا حولا فلما التقينا كان تسليمه على وداعا . وانشدوا يا ذا الذى زار وما زارا كانه مقتبس نارا مر بباب الدار مستعجلا ما ضره لو دخل الدارا . ثم اللوامع وهى اظهر من اللوائح وليس زوالها بتلك السرعة فقد تبقى وقتين وثلاثة ولكن كما قيل العين باكيه لم تشبع النظرا أو كما قالوا وبلائي من مشهد ومغيب وحبيب منى بعيد قريب لم ترد ماء وجهه العين حتى شرقت قبل ريها برقيب . فأصحاب هذا المقام بين روح وفوح لانهم بين كشف وستر يلمع ثم يقطع لا يستقر لهم نور النهار حتى تكر عليه عساكر الليل فهم كما قيل والليل يشملنا بفاضل برده والصبح يلحفنا رداء مذهبا . ثم الطوالع وهى ابقى وقتا واقوى سلطانا وادوم مكثا واذهب للظلمة وانفى للمهمة . (2)
(1) الرسالة القشيرية 43 . (2) الرسالة القشيرية 43 ، 44 . (*)
[ 141 ]
افلا ترى كلام القوم كله مشحون بالبروق واللمعان . وكان مما نقم حامد بن العباس وزير المقتدر وعلى بن عيسى الجراح وزيره ايضا على الحلاج انهما وجدا في كتبه لفظ (النور الشعشعانى) وذلك لجهالتهما مراد القوم واصطلاحهم ومن جهل امرا عاداه . ثم قال عليه السلام (وتدافعته الابواب الى باب السلامة ودار الاقامه) أي لم يزل ينتقل من مقام من مقامات القوم الى مقام فوقه حتى وصل وتلك المقامات معروفة عند اهلها ومن له انس بها وسنذكرها فيما بعد . ثم قال (وثبتت رجلاه بطمانينة بدنه في قرار الامن والراحة بما استعمل قلبه وارضى ربه) أي كانت الراحة الكلية والسعادة الابدية مستثمرة من ذلك التعب الذى تحمله لما استعمل قلبه وراض جوارحه ونفسه حتى وصل كما قيل عند الصباح يحمد القوم السرى وتنجلى عنا غيابات الكرى (1) . وقال الشاعر تقول سليمى لو اقمت بارضنا ولم تدر انى للمقام اطوف . وقال آخر ما ابيض وجه المرء في طلب العلا حتى يسود وجهه في البيد . وقال فاطلب هدوءا بالتقلقل واستثر بالعيس من تحت السهاد هجودا (2) ما إن ترى الاحساب بيضا وضحا الا بحيث ترى المنايا سودا
(1) مثل يضرب للرجل يحتمل المشقة رجاء الراحة واول من قاله خالد بن الوليد في ابيات ذكرها
الميداني عند الكلام على مضرب المثل ومورده : (2 : 2) . (2) لابي تمام ، ديوانه 1 : 416 . (*)
[ 142 ]
(215) الاصل ومن كلام له عليه السلام يحث فيه اصحابه على الجهاد والله مستاديكم شكره ومورثكم امره وممهلكم في مضمار ممدود لتتنازعوا سبقه فشدوا عقد المازر واطووا فضول الخواصر لا تجتمع عزيمة ووليمه ما انقض النوم لعزائم اليوم وامحى الظلم لتذاكير الهمم الشرح مستاديكم شكره أي طالب منكم اداء ذلك والقيام به استاديت دينى عند فلان أي طلبته . وقوله (ومورثكم امره) أي سيرجع امر الدولة اليكم ويزول امر بنى امية . ثم شبه الاجال التى ضربت للمكلفين ليقوموا فيها بالواجبات ويتسابقوا فيها الى الخيرات بالمضمار الممدود لخيل تتنازع فيه السبق . ثم قال (فشدوا عقد المازر) أي شمروا عن ساق الاجتهاد ويقال لمن يوصى بالجد والتشمير اشدد عقدة ازارك لانه إذا شدها كان ابعد عن العثار واسرع للمشى . قوله (واطووا فضول الخواصر) نهى عن كثرة الاكل لان الكثير الاكل لا يطوى فضول خواصره لامتلائها والقليل الاكل ياكل في بعضها ويطوى بعضها قال الشاعر
[ 143 ]
كلوا في بعض بطنكم وعفو فان زمانكم زمن خميص . وقال اعشى باهلة طاوى المصير على العزاء منصلت بالقوم ليلة لا ماء ولا شجر (1) . وقال الشنفرى واطوى على الخمص الحوايا كما انطوت خيوطه مارى تغار وتفتل (2) ثم اتى عليه السلا بثلاثة امثال مخترعة له لم يسبق بها وإن كان قد سبق بمعناها وهى قوله (لا تجتمع عزيمة ووليمة) وقوله (ما انقض النوم العزئم اليوم) وقوله (وامحى الظلم لتذاكير الهمم) . فمما جاء للمحدثين من ذلك ما كتبه بعض الكتاب الى ولده خدمة السلطان والكاسات في ايدى الملاح ليس يلتامان فاطلب رفعه أو شرب راح . ومثله قول آخر لولده ما للمطيع هواه من الملام ملاذ فاختر لنفسك هذا مجد وهذا التذاذ . وقال آخر وليس فتى الفتيان من راح واغتدى لشرب صبوح أو لشرب غبوق ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضر عدو أو لنفع صديق .
(1) الكامل للمبرد 4 : 65 قال في شرحه : (طاوى المصير) يقال لواحد المصران مصير والعزاء : الامر الشديد يقال سيف منصلت وصلت إذا جرد من غمده . (2) من لاميته وهى من نوادر القالى 203 ، 207 . (*)
[ 144 ]
وهذا كثير جدا يناسب قوله (لا تجتمع عزيمة ووليمة)
ومثل قوله (ما انقض النوم لعزائم اليوم) قول الشاعر فتى لا ينام على عزمه ومن صمم العزم لم يرقد وقوله (وامحى الظلم لتذاكير الهمم) أي الظلم التى ينام فيها لا كل الظلم الا ترى انه إذا لم ينم في الظلمة بل كان عنده من شدة العزم وقوة التصميم ما لا ينام معه فان الظلمة لا تمحو تذاكير هممه والتذاكير جمع تذكار . والمثلان الاولان احسن من الثالث وكان الثالث من تتمه الثاني وقد قالت العرب في الجاهلية هذا المعنى وجاء في القرآن العزيز (ام حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ياتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله الا إن نصر الله قريب) (1) . وهذا مثل قوله (لا تجتمع عزيمة ووليمة) أي لا يجتمع لكم دخول الجنة والدعة والقعود عن مشقة الحرب
(1) سورة البقرة 214 . (*)
[ 145 ]
(216) الاصل ومن كلام له عليه السلام قاله بعد تلاوته (الهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر) يا له مراما ما ابعده وزورا ما اغفله وخطرا ما افظعه لقد استخلوا منهم أي مدكر وتناوشوهم من مكان بعيد افبمصارع آبائهم يفخرون ام بعديد الهلكى يتكاثرون الشرح قد اختلف المفسرون في تأويل هاتين الايتين فقال قوم المعنى انكم قطعتم ايام عمركم
في التكاثر بالاموال والاولاد حتى اتاكم الموت فكنى عن حلول الموت بهم بزيارة المقابر . وقال قوم بل كانوا يتفاخرون بانفسهم وتعدى ذلك الى أن تفاخروا باسلافهم الاموات فقالوا منا فلان وفلان - لقوم كانوا وانقرضوا . وهذا هو التفسير الذى يدل عليه كلام امير المؤمنين عليه السلام قال (يا له مراما) منصوب على التمييز . ما ابعده أي لا فخر في ذلك وطلب الفخر من هذا الباب بعيد وانما الفخر بتقوى الله وطاعته .
[ 146 ]
وزورا ما اغفله اشارة الى القوم الذين افتخروا جعلهم بتذكر الاموات السالفين كالزائرين لقبورهم والزور اسم للواحد والجمع كالخصم والضيف قال ما اغفلهم عما يراد منهم لانهم تركوا العبادة والطاعة وصرموا الاوقات بالمفاخرة بالموتى . ثم قال (وخطرا ما افظعه) اشارة الى الموت أي ما اشده فظع الشئ بالضم فهو فظيع أي شديد شنيع مجاوز للمقدار . قوله (لقد استخلوا منهم أي مدكر) قال الراوندي أي وجدوا موضع التذكر خاليا من الفائدة وهذا غير صحيح وكيف يقول ذلك وقد قال (وخطرا ما افظعه) وهل يكون امر اعظم تذكيرا من الاعتبار بالموتى والصحيح انه اراد ب (استخلوا) ذكر من خلا من آبائهم أي من مضى يقال هذا الامر من الامور الخالية وهذا القرن من القرون الخالية أي الماضية . واستخلى فلان في حديثه أي حدث عن امور خالية والمعنى انه استعظم ما يوجبه حديثهم عما خلا وعمن خلا من اسلافهم وآثار اسلافهم من التذكير فقال أي مدكر (1) وواعظ في ذلك وروى أي مذكر بمعنى المصدر كالمعتقد بمعنى الاعتقاد
والمعتبر بمعنى الاعتبار . (وتناوشوهم من مكان بعيد) أي تناولوهم والمراد ذكروهم وتحدثوا عنهم فكأنهم تناولوهم وهذه اللفظة من الفاظ القرآن العزيز (وقالوا آمنا به وانى لهم التناوش من مكان بعيد) (2) وانى لهم تناول الايمان حينئذ بعد فوات الامر
(1) ا : (تذكر) وما اثبته من ب . (2) سورة سبأ 52 . (*)
[ 147 ]
الاصل يرتجعون (1) منهم اجسادا خوت وحركات سكنت ولان يكونوا عبرا احق من أن يكونوا مفتخرا ولان يهبطوا بهم جناب ذلة احجى من أن يقوموا بهم مقام عزة لقد نظروا إليهم بابصار العشوة وضربوا منهم في غمرة جهالة ولو استنطقوا عنهم عرصات تلك الديار الخاوية والربوع الخالية لقالت ذهبوا في الارض ضلالا وذهبتم في اعقابهم جهالا تطئون في هامهم وتستنبتون في اجسادهم وترتعون فيما لفظوا وتسكنون فيما خربوا وانما الايام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم اولئكم سلف غايتكم وفراط مناهلكم الذين كانت لهم مقاوم العز وحلبات الفخر ملوكا وسوقا الشرح (يرتجعون منهم اجسادا) أي يذكرون آباءهم فكأنهم ردوهم الى الدنيا وارتجعوهم من القبور وخوت خلت . قال وهؤلاء الموتى احق بان يكونوا عبرة وعظه من أن يكونوا فخرا وشرفا والمفتخرون بهم اولى بالهبوط الى جانب الذلة منهم بالقيام مقام العز .
وتقول هذا احجى من فلان أي اولى واجدر والجناب الفناء .
(1) ب " ترجعون " . (*)
[ 148 ]
ثم قال (لقد نظروا إليهم بابصار العشوة) أي لم ينظروا النظر المفضى الى الرؤية لان ابصارهم ذات عشوة وهو مرض في العين ينقص به الابصار و في عين فلان عشاء وعشوة بمعنى ومنه قيل لكل امر ملتبس يركبه الراكب على غير بيان امر عشوة ومنه اوطاتني عشوة ويجوز بالضم والفتح . قال (وضربوا بهم في غمرة جهالة) أي وضربوا من ذكر هؤلاء الموتى في بحر جهل والضرب ها هنا استعارة أو يكون من الضرب بمعنى السير كقوله تعالى (وإذا ضربتم في الارض) (1) أي خاضوا وسبحوا من ذكرهم في غمرة جهالة وكل هذا يرجع الى معنى واحد وهو تسفيه راى المفتخرين بالموتى والقاطعين الوقت بالتكاثر بهم اعراضا عما يجب انفاقه من العمر في الطاعة والعبادة . ثم قال (لو سالوا عنهم ديارهم التى خلت منهم) ويمكن أن يريد بالديار والربوع القبور (لقالت ذهبوا في الارض ضلالا) أي هالكين ومنه قوله تعالى (وقالوا ائذا ضللنا في الارض ائنا لفى خلق جديد) (2) . وذهبتم في اعقابهم أي بعدهم (جهالا) لغفلتكم وغروركم . قوله عليه السلام (تطئون في هامهم) اخذ هذا المعنى أبو العلاء المعرى فقال خفف الوطء ما اظن اديم الارض الا من هذه الاجساد (3) رب لحد قد صار لحدا مرارا ضاحك من تزاحم الاضداد
(1) سورة النساء 101 . (2) سورة السجدة 10 . (3) ديوانه سقط الزند 974 ، 975 مع اختلاف في الرواية وترتيب الابيات واديم الارض ظاهرها . (*)
[ 149 ]
ودفين على بقايا دفين من عهود الاباء والاجداد (1) صاح هذى قبورنا تملا الارض فاين القبور من عهد عاد (2) سر إن اسطعت في الهواء رويدا لا اختيالا على رفات العباد . قوله (وتستنبتون في اجسادهم) أي تزرعون النبات في اجسادهم وذلك لان اديم الارض الظاهر إذا كان من ابدان الموتى فالزرع لا محالة يكون نابتا في الاجزاء الترابية التى هي ابدان الحيوانات وروى وتستثبتون بالثاء أي وتنصبون الاشياء الثابتة كالعمد والاساطين للاوطان في اجساد الموتى . ثم قال (وترتعون فيما لفظوا) لفظت الشئ بالفتح رميته من فمى الفظه بالكسر ويجوز أن يريد بذلك انكم تأكلون ما خلفوه وتركوه ويجوز أن يريد انكم تأكلون الفواكه التى تنبت في اجزاء ترابية خالطها الصديد الجارى من افواههم ثم قال (وتسكنون فيما خربوا) أي تسكنون في المساكن التى لم يعمروها بالذكر والعبادة فكأنهم اخربوها في المعنى ثم سكنتم انتم فيها بعدهم ويجوز أن يريد أن كل دار عامرة قد كانت من قبل خربة وانما اخربها قوم بادوا وماتوا فاذن لا ساكن منا في عمارة الا ويصدق عليه انه ساكن فيما قد كان خرابا من قبل والذين اخربوه الان موتى ويجوز أن يريد بقوله (وتسكنون فيما خربوا) وتسكنون في دور فارقوها واخلوها فاطلق على الخلو والفراغ لفظ (الخراب) مجازا . قوله (وانما الايام بينكم وبينهم بواك ونوائح عليكم) يريد أن الايام والليالي تشيع رائحا الى المقابر وتبكى وتنوح على الباقين الذين سيلتحقون به عن قريب .
(1) الديوان : * في طويل الازمان والاباد * (2) الديوان : (تملا الرجب) . (*)
[ 150 ]
قوله (اولئكم سلف غايتكم) السلف المتقدمون والغاية الحد الذى ينتهى إليه اما حسيا أو معنويا والمراد هاهنا الموت . والفرط القوم يسبقون الحى الى المنهل . ومقاوم العز دعائمه جمع مقوم واصلها الخشبة التى يمسكها الحراث وحلبات الفخر جمع حلبة وهى الخيل تجمع للسباق . والسوق بفتح الواو جمع سوقه وهو من دون الملك الاصل سلكوا في بطون البرزخ سبيلا سلطت الارض عليهم فيه فاكلت من لحومهم وشربت من دمائهم فاصبحوا في فجوات قبورهم جمادا ينمون وضمارا لا يوجدون لا يفزعهم ورود الاهوال ولا يحزنهم تنكر الاحوال ولا يحفلون بالرواجف ولا ياذنون للقواصف غيبا لا ينتظرون وشهودا لا يحضرون وانما كانوا جميعا فتشتتوا والافا فافترقوا وما عن طول عهدهم ولا بعد محلهم عميت اخبارهم وصمت ديارهم ولكنهم سقوا كاسا بدلتهم بالنطق خرسا وبالسمع صمما وبالحركات سكونا فكأنهم في ارتجال الصفة صرعى سبات جيران لا يتانسون واحباء لا يتزاورون بليت (1) بينهم عرا التعارف وانقطعت منهم اسباب الاخاء فكلهم وحيد وهم جميع وبجانب الهجر وهم اخلاء لا يتعارفون لليل صباحا ولا لنهار مساء أي الجديدين ظعنوا فيه كان
(1) كذا في ا في ب (وبليت) . (*)
[ 151 ]
عليهم سرمدا شاهدوا من اخطار دارهم افظع مما خافوا وراوا من آياتها اعظم مما قدروا فكلا الغايتين مدت لهم الى مباءة فاتت مبالغ الخوف والرجاء فلو كانوا ينطقون بها لعيوا بصفة ما شاهدوا وما عاينوا ولئن عميت آثارهم وانقطعت اخبارهم لقد رجعت فيهم ابصار العبر وسمعت عنهم آذان العقول وتكلموا من غير جهات النطق فقالوا كلحت الوجوه النواضر وخوت الاجسام النواعم ولبسنا اهدام البلى وتكاءدنا ضيق المضجع وتوارثنا الوحشة وتهدمت علينا الربوع الصموت فانمحت محاسن اجسادنا وتنكرت معارف صورنا وطالت في مساكن الوحشة اقامتنا ولم نجد من كرب فرجا ولا من ضيق متسعا فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك وقد ارتسخت اسماعهم بالهوام فاستكت واكتحلت ابصارهم بالتراب فخسفت وتقطعت الالسنة في افواههم بعد ذلاقتها وهمدت القلوب في صدورهم بعد يقظتها وعاث في كل جارحة منهم جديد بلى سمجها وسهل طرق الافة إليها مستسلمات فلا ايد تدفع ولا قلوب تجزع - لرايت اشجان قلوب واقذاء عيون لهم في كل فظاعة صفة حال لا تنتقل وغمرة لا تنجلي فكم اكلت الارض من عزيز جسد وانيق لون كان في الدنيا غذى ترف وربيب شرف يتعلل بالسرور في ساعة حزنة ويفزع الى السلوة إن مصيبة نزلت به ظنا بغضارة عيشه وشحاحه بلهوه ولعبه فبينا هو يضحك الى الدنيا وتضحك إليه في ظل عيش غفول إذ وطئ الدهر به حسكه ونقضت الايام قواه ونظرت إليه الحتوف من كثب فخالطه بث لا يعرفه ونجى هم
[ 152 ]
ما كان يجده وتولدت فيه فترات علل آنس ما كان بصحته ففزع الى ما كان
عوده الاطباء من تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار فلم يطفئ ببارد الا ثور حرارة ولا حرك بحار الا هيج برودة ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع الا امد منها كل ذات داء حتى فتر معلله وذهل ممرضه وتعايا اهله بصفة دائه وخرسوا عن جواب السائلين عنه وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه فقائل هو لما به وممن لهم اياب عافيته ومصبر لهم على فقده يذكرهم اسى الماضين من قبله فبينا هو كذلك على جناح من فراق الدنيا وترك الاحبة إذ عرض له عارض من غصصه فتحيرت نوافذ فطنته ويبست رطوبة لسانه فكم من مهم من جوابه عرفه فعى عن رده ودعاء مؤلم بقلبه سمعه فتصام عنه من كبير كان يعظمه أو صغير كان يرحمه وإن للموت لغمرات هي افظع من أن تستغرق بصفة أو تعتدل على عقول اهل الدنيا الشرح هذا موضع المثل (ملعا (1) يا ظليم والا فالتخوية) من اراد أن يعظ ويخوف ويقرع صفاة القلب ويعرف الناس قدر الدنيا وتصرفها باهلها فليات بمثل هذه الموعظة في مثل هذا الكلام الفصيح والا فليمسك فان السكوت استر والعى خير من منطق يفضح صاحبه ومن تأمل هذا الفصل علم صدق معاوية في قوله فيه (والله ما سن
(1) الملع : السير السريع ، ويقال : خوي الطائر إذا أرسل جناحيه (*)
[ 153 ]
الفصاحة لقريش غيره) وينبغى لو اجتمع فصحاء العرب قاطبة في مجلس وتلى عليهم أن يسجدوا له كما سجد الشعراء لقول عدى بن الرقاع * قلم اصاب من الدواة مدادها (1) * .
فلما قيل لهم في ذلك قالوا انا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن وانى لاطيل التعجب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدل على أن طبعه مناسب لطباع الاسود والنمور وامثالهما من السباع الضارية ثم يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا اراد الموعظة بكلام يدل على أن طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسى المسوح الذين لم ياكلوا لحما ولم يريقوا دما فتارة يكون في صورة بسطام بن قيس الشيباني وعتيبة ابن الحارث اليربوعي وعامر بن الطفيل العامري وتارة يكون في صورة سقراط الحبر اليونانى ويوحنا المعمدان الاسرائيلي والمسيح بن مريم الالهى . واقسم بمن تقسم الامم كلها به لقد قرات هذه الخطبة منذ خمسين سنة والى الان اكثر من الف مرة ما قراتها قط الا واحدثت عندي روعة وخوفا وعظة واثرت في قلبى وجيبا وفي اعضائي رعدة ولا تأملتها الا وذكرت الموتى من اهلي واقاربي وارباب ودى وخيلت في نفسي انى انا ذلك الشخص الذى وصف عليه السلام حاله وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى وكم وقفت على ما قالوه وتكرر وقوفي عليه فلم اجد لشئ منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي فاما أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله أو كانت نية القائل صالحة ويقينه كان ثابتا واخلاصه كان محضا
(1) صدره : * تزجي أغن كان إبرة روقة * (*)
[ 154 ]
خالصا فكان تأثير قوله في النفوس اعظم وسريان موعظته في القلوب ابلغ ثم نعود الى تفسير الفصل فالبرزخ الحاجز بين الشيئين والبرزخ ما بين الدنيا والاخرة من وقت الموت الى البعث فيجوز أن يكون البرزخ في هذا الموضع القبر لانه حاجز بين الميت وبين اهل
الدنيا كالحائط المبنى بين اثنين فانه برزخ بينهما ويجوز أن يريد به الوقت الذى بين حال الموت الى حال النشور والاول اقرب الى مراده عليه السلام لانه قال (في بطون البرزخ) ولفظة (البطون) تدل على التفسير الاول ولفظتا (اكلت الارض من لحومهم وشربت من دمائهم) مستعارتان . والفجوات جمع فجوة وهى الفرجة المتسعة بين الشيئين قال سبحانه (وهم في فجوة منه) (1) وقد تفاجى الشئ إذا صارت له فجوة . وجمادا لا ينمون أي خرجوا عن صورة الحيوانية الى صورة الجماد الذى لا ينمى ولا يزيد ويروى (لا ينمون) بتشديد الميم من النميمة وهى الهمس والحركة ومنه قولهم اسكت الله نامته في قول من شدد ولم يهمز . وضمارا يقال لكل ما لا يرجى من الدين والوعد وكل ما لا تكون منه على ثقه ضمار . ثم ذكر أن الاهوال الحادثة في الدنيا لا تفزعهم وأن تنكر الاحوال بهم وباهل الدنيا لا يحزنهم ويروى (تحزنهم) على أن الماضي رباعى . ومثله قوله (لا يحفلون بالرواجف) أي لا يكترثون بالزلازل
(1) سورة الكهف 17 (*)
[ 155 ]
قوله (ولا ياذنون للقواصف) أي لا يسمعون الاصوات الشديدة اذنت لكذا أي سمعته . وجمع الغائب غيب وغيب وكلاهما مروى هاهنا واراد انهم شهود في الصورة وغير حاضرين في المعنى . والاف على فعال جمع آلف كالطراق جمع طارق والسمار جمع سامر والكفار جمع كافر .
ثم ذكر انه لم تعم اخبارهم أي لم تستبهم اخبارهم وتنقطع عن بعد عهد بهم ولا عن بعد منزل لهم وانما سقوا كاس المنون التى اخرستهم بعد النطق واصمتهم بعد السمع واسكنتهم بعد الحركة . وقوله (وبالسمع صمما) أي لم يسمعوا فيها نداء المنادى ولانوح النائح أو لم يسمع في قبورهم صوت منهم . قوله (فكأنهم في ارتجال الصفة) أي إذا وصفهم الواصف مرتجلا غير مترو في الصفة ولا متهئ للقول . قال (كأنهم صرعى سبات) وهو نوم لانه لا فرق في الصورة بين الميت حال موته والنائم المسبوت ثم وصفهم بانهم جيران الا انهم لا مؤانسه بينهم كجيران الدنيا وانهم احباء الا انهم لا يتزاورون كالاحباب من اهل الدنيا . وقوله (احباء) جمع حبيب كخليل واخلاء وصديق واصدقاء . ثم ذكر أن عرا التعارف قد بليت منهم وانقطعت بينهم اسباب الاخاء وهذه كلها استعارات لطيفة مستحسنة .
[ 156 ]
ثم وصفهم بصفة اخرى فقال كل واحد منهم موصوف بالوحدة وهم مع ذلك مجتمعون بخلاف الاحياء الذين إذا انضم بعضهم الى بعض انتفى عنه وصف الوحدة . ثم قال (وبجانب الهجر وهم اخلاء) أي وكل منهم في جانب الهجر وهم مع ذلك اهل خله ومودة أي كانوا كذلك وهذا كله من باب الصناعة المعنوية والمجاز الرشيق . ثم قال انهم لا يعرفون للنهار ليلا ولا لليل نهارا وذلك لان الواحد من البشر
إذا مات نهارا لم يعرف لذلك النهار ليلا ابدا وأن مات ليلا لم يعرف لذلك الليل صباحا ابدا وقال الشاعر لا بد من يوم بلا ليلة أو ليلة تأتى بلا يوم . وليس المراد بقوله (أي الجديدين ظعنوا فيه كان عليهم سرمدا) انهم وهم موتى يشعرون بالوقت الذى ماتوا فيه ولا يشعرون بما يتعقبه من الاوقات بل المراد أن صورة ذلك الوقت لو بقيت عندهم لبقيت ابدا من غير أن يزيلها وقت آخر يطرا عليها ويجوز أن يفسر على مذهب من قال ببقاء الانفس فيقال إن النفس التى تفارق ليلا تبقى الصورة الليلية والظلمة حاصلة عندها ابدا لا تزول بطرآن نهار عليها لانها قد فارقت الحواس فلا سبيل لها الى أن يرتسم فيها شئ من المحسوسات بعد المفارقة وانما حصل ما حصل من غير زيادة عليه وكذلك الانفس التى تفارق نهارا [ بعض الاشعار والحكايات في وصف القبور والموتى ] واعلم أن الناس قد قالوا في حال الموتى فاكثروا فمن ذلك قول الرضى ابى الحسن رحمه الله تعالى
[ 157 ]
اعزز على بان نزلت بمنزل متشابه الامجاد بالاوغاد (1) في عصبة جنبوا الى آجالهم والدهر يعجلهم عن الارواد ضربوا بمدرجة الفناء قبابهم من غير اطناب ولا اعماد ركب اناخوا لا يرجى منهم قصد لاتهام ولا انجاد كرهوا النزول فانزلتهم وقعة للدهر باركة بكل مفاد فتهافتوا عن رحل كل مذلل (2) وتطاوحوا عن سرج كل جواد بادون في صور الجميع وانهم متفردون تفرد الاحاد . قوله (بادون في صور الجميع) ماخوذ من قول امير المؤمنين عليه السلام
(فكلهم وحيد وهم جميع) . وقال ايضا ولقد حفظت له فاين حفاظه ولقد وفيت له فاين وفاؤه (3) اوعى الدعاء فلم يجبه قطيعة ام ضل عنه من البعاد دعاؤه هيهات اصبح سمعه وعيانه في الترب قد حجبتهما اقذاؤه يمسى ولين مهادة حصباؤه فيه ومؤنس ليله ظلماؤه قد قلبت اعيانه وتنكرت اعلامه وتكسفت اضواؤه
(1) من مرثيته لابي إسحق الصابي ومطلعها : أعلمت من حملوا على الاعواد أرأيت كيف خبا ضياء النادي ديوانه لوحة 129 . (2) الديوان (عن ظهر كل مذلل) . (3) ديوانه لوحة 116 ، من مرثية لبعض اصدقائه . (*)
[ 158 ]
مغف وليس للذة اغفاؤه مغض وليس لفكرة اغضاؤه وجه كلمع البرق غاض وميضه قلب كصدر العضب فل مضاؤه حكم البلى فيه فلو تلقى به اعداءه لرتى له اعداؤه . وقال أبو العلاء استغفر الله ما عندي لكم خبر ومخطابى الا معشرا قبروا اصبحتم في البلى غبرا ملابسكم من الهباء فاين البرد والقطر (1) كنتم على كل خطب فادح صبرا فهل شعرتم وقد جادتكم الصبر (2) وما درى يوم احد بالذين ثووا فيه ولا يوم بدر انهم نصروا . وقال أبو عارم الكلابي
ا جازعة ردينه أن اتاها نعيى ام يكون لها اصطبار إذا ما اهل قبري ودعوني وراحوا والاكف بها غبار وغودر اعظمي في لحد قبر تراوحه الجنائب والقطار تهب الريح فوق محط قبري ويرعى حوله اللهق النوار (3) مقيم لا يكلمه صديق بقبر لا ازور ولا ازار فذاك الناى لا الهجران حولا وحولا ثم تجتمع الديار . مر الاسكندر بمدينة قد ملكها سبعة املاك من بيت واحد وبادو فسال هل بقى من نسلهم احد قالوا بقى واحد وهو يلزم المقابر فدعا به فسأله لم تلزم المقابر قال اردت أن اميز عظام الملوك من عظام عبيدهم فوجدتها سواء قال هل لك أن تلزمني حتى انيلك بغيتك قال لو علمت انك تقدر على ذلك للزمتك قال وما بغيتك
(1) القطر من البرود (2) الصبر السحابة البيضاء (3) اللهق الثور الابيض والنوار النافر . (*)
[ 159 ]
قال حياة لا موت معها قال لن اقدر على ذلك قال فدعني اطلبه ممن يقدر عليه . قال النبي صلى الله عليه وآله (ما رايت منظرا الا والقبر افظع منه) وقال صلى الله عليه وآله (القبر اول منزل من منازل الاخرة فمن نجا منه فما بعده ايسر ومن لم ينج فما بعده شر له) . مر عبد الله بن عمر رضى الله عنه بمقبرة فصلى فيها ركعتين وقال ذكرت اهل القبور وانه حيل بينهم وبين هذا فاحببت أن اتقرب بهما الى الله فان قلت ما معنى قوله عليه السلام (وبجانب الهجر) واى فائدة في لفظة
(جانب) في هذا الموضع . قلت لانهم يقولون فلان في جانب الهجر وفي جانب القطيعة ولا يقولون (في جانب الوصل) وفي (جانب المصافاة) وذلك أن لفظة (جنب) في الاصل موضوعة للمباعدة ومنه قولهم (الجار الجنب) وهو جارك من قوم غرباء يقال جنبت الرجل واجنبته وتجنبته وتجانبته كله بمعنى ورجل اجنبي واجنب وجنب وجانب كله بمعنى . قوله عليه السلام (شاهدوا من اخطار دارهم) المعنى انه شاهد المتقون من آثار الرحمة واماراتها وشاهد المجرمون من آثار النقمة واماراتها عند الموت والحصول في القبر اعظم مما كانوا يسمعون ويظنون ايام كونهم في الدنيا . ثم قال (فكلا الغايتين مدت لهم) المعنى مدت الغايتان غاية الشقى منهم وغاية السعيد .
[ 160 ]
الى مباءة أي الى منزل يعظم حاله عن أن يبلغه خوف خائف أو رجاء راج وتلك المباءة هي النار أو الجنة و تقول قد استباء الرجل أي اتخذ مباءة وابات الابل رددتها الى مباءتها وهى معاطنها . ثم قال (فلو كانوا ينطقون بها لعيوا) بتشديد الياء قال الشاعر عيوا بامرهم كما عيت ببيضتها الحمامة جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامة . وروى (لعيوا) بالتخفيف كما تقول (حيوا) قالوا ذهبت الياء الثانية لالتقاء الساكنين لان الواو ساكنة وضمت الياء الاولى لاجل الواو قال الشاعر وكنا حسبناهم فوارس كهمس حيوا بعد ما ماتوا من الدهر اعصرا . قوله (لقد رجعت فيهم) يقال رجع البصر نفسه ورجع زيد بصره يتعدى ولا
يتعدى يقول تكلموا معنى لا صورة فادركت حالهم بالابصار والاسماع العقلية لا الحسية وكلحت الوجوه كلوحا وكلاحا وهو تكشر في عبوس . والنواضر النواعم والنضرة الحسن والرونق . وخوت الاجساد النواعم خلت من دمها ورطوبتها وحشوتها ويجوز أن يكون خوت أي سقطت قال تعالى (فهى خاوية على عروشها) (1) والاهدام جمع هدم وهو الثوب البالى قال اوس وذات هدم عار نواشرها تصمت بالماء تولبا جذعا (2) .
(1) سورة الحج 45 . (2) ديوانه 55 النواشر عصب الذراع الواحد ناشرة وبها سمى الرجل واراد بالتولب طفلها والجذع السئ الغذاء تضمته بالماء لانه ليس لها لبن من شدة الضر (*)
[ 161 ]
وتكاءدنا شق علينا ومنه عقبة كؤود ويجوز تكادنا جاءت هذه الكلمة في اخوات لها (تفعل وتفاعل) بمعنى ومثله تعهد الضيعه وتعاهدها . ويقال قوله (وتوارثنا الوحشة) كانه لما مات الاب فاستوحش اهله منه ثم مات الابن فاستوحش منه اهله ايضا صار كان الابن ورث تلك الوحشة من ابيه كما تورث الاموال وهذا من باب الاستعارة . قوله (وتهدمت علينا الربوع) يقال تهدم فلان على فلان غضبا إذا اشتد غضبه ويجوز أن يكون تهدمت أي تساقطت وروى (وتهكمت) بالكاف وهو كقولك (تهدمت) بالتفسيرين جميعا ويعنى بالربوع الصموت القبور وجعلها صموتا لانه لا نطق فيها كما تقول ليل قائم ونهار صائم أي يقام ويصام فيهما وهذا كله على طريق الهز والتحريك واخراج الكلام في معرض غير المعرض المعهود جعلهم لو كانوا ناطقين مخبرين عن انفسهم [ لاتوا ] بما وصفه من احوالهم وورد في الحديث أن عمر حضر جنازة رجل فلما دفن قال لاصحابه قفوا ثم ضرب فامعن في القبور واستبطاه الناس جدا
ثم رجع وقد احمرت عيناه وانتفخت اوداجه فقيل ابطات يا امير المؤمنين فما الذى حبسك قال اتيت قبور الاحبة فسلمت فلم يردوا على السلام فلما ذهبت اقفى نادانى التراب فقال الا تسألني يا عمر ما فعلت باليدين قلت ما فعلت بهما قال قطعت الكفين من الرسغين وقطعت الرسغين من الذراعين وقطعت الذراعين من المرفقين وقطعت المرفقين من العضدين وقطعت العضدين من المنكبين وقطعت المنكبين من الكتفين فلما ذهبت اقفى نادانى التراب فقال ا لا تسألني يا عمر ما فعلت بالابدان والرجلين قلت ما فعلت قال قطعت الكتفين من الجنبين وقطعت الجنبين من الصلب وقطعت الصلب من الوركين وقطعت الوركين من الفخذين وقطعت الفخذين من الركبتين
[ 162 ]
وقطعت الركبتين من الساقين وقطعت الساقين من القدمين فلما ذهبت اقفى نادانى التراب فقال يا عمر عليك باكفان لا تبلى فقلت وما اكفان لا تبلى قال تقوى الله والعمل بطاعته وهذا من الباب الذى نحن بصدده نسب الاقوال المذكورة الى التراب وهو جماد ولم يكن ذلك ولكنه اعتبر فانقدحت في نفسه هذه المواعظ الحكمية فافرغها في قالب الحكاية ورتبها على قانون المسالة والاجابة واضافها الى جماد موات لانه اهز لسامعها الى تدبرها ولو قال نظرت فاعتبرت في حال الموتى فوجدت التراب قد قطع كذا من كذا لم تبلغ عظته المبلغ الذى بلغته حيث اودعها في الصورة التى اخترعها . قوله عليه السلام (فلو مثلتهم بعقلك أو كشف عنهم محجوب الغطاء لك) الى آخر جواب (لو) هذا الكلام اخذه ابن نباته بعينه فقال فلو كشفتم عنهم اغطية الاجداث بعد ليلتين أو ثلاث لوجدتم الاحداق على الخدود سائلة والالوان من ضيق اللحود حائلة وهوام الارض في نواعم الابدان جائلة والرؤوس الموسدة على الايمان زائلة ينكرها من كان لها عارفا ويفر عنها من لم يزل لها آنفا . قوله عليه السلام (ارتسخت اسماعهم) ليس معناه ثبتت كما زعمة الراوندي لانها لم
تثبت وانما ثبتت الهوام فيها بل الصحيح انه من رسخ الغدير إذا نش ماؤه ونضب و يقال قد ارتسخت الارض بالمطر إذا ابتلعته حتى يلتقى الثريان . واستكت أي ضاقت وانسدت قال النابغة ونبئت خير الناس انك لمتنى وتلك التى تستك منها المسامع (1) .
(1) ب (فيها) والبيت في ديوانه 53 وروايته * اتاني ابيت اللعن انك لمتنى * (*)
[ 163 ]
قوله (واكتحلت ابصارهم بالتراب فخسفت) أي غارت وذهبت في الراس واخذ المتنبي قوله (واكتحلت ابصارهم بالتراب) فقال يدفن بعضنا بعضا ويمشى اواخرنا على هام الاوالى (1) وكم عين مقبلة النواحى كحيل بالجنادل والرمال ومغض كان لا يغضى لخطب وبال كان يفكر في الهزال . وذلاقة الالسن حدتها ذلق اللسان والسنان يذلق ذلقا أي ذرب فهو ذلق واذلق . وهمدت بالفتح سكنت وخمدت وعاث افسد وقوله (جديد بلى) من فن البديع لان الجدة ضد البلى وقد اخذ الشاعر هذه اللفظة فقال يا دار غادرني جديد بلاك رث الجديد فهل رثيث لذاك وسمجها قبح صورتها وقد سمج الشئ بالضم فهو سمج بالسكون مثل ضخم فهو ضخم ويجوز فهو سمج بالكسر مثل خشن فهو خشن . قوله (وسهل طرق الافة إليها) وذلك انه إذا استولى العنصر الترابى على الاعضاء قوى استعدادها للاستحالة من صورتها الاولى الى غيرها . ومستسلمات أي منقادة طائعة غير عاصية فليس لها ايد تدفع عنها ولا لها
قلوب تجزع وتحزن لما نزل بها . والاشجان جمع شجن وهو الحزن . و الاقذاء جمع قذى وهو ما يسقط في العين فيؤذيها .
(1) ديوانه 3 : 18 والاوالي الاوائل ولكنه قلب . (*)
[ 164 ]
قوله صفة حال لا تنتقل أي لا تنتقل الى حسن وصلاح وليس يريد لا تنتقل مطلقا لانها تنتقل الى فساد واضمحلال . ورجل عزيز أي حدث وعزيز الجسد أي طرى وانيق اللون معجب اللون وغذي ترف قذ غذى بالترف وهو التنعم المطغى . وربيب شرف أي قد ربى في الشرف والعز يقال رب فلان ولده يربه ربا ورباه يربيه تربية . ويتعلل بالسرور يتلهى به عن غيره ويفزع الى السلوة يلتجئ إليها وضنا أي بخلا وغضارة العيش نعيمة ولينة . وشحاحة أي بخلا شححت بالكسر اشح وشححت ايضا بالفتح اشح واشح بالضم والكسر شحا وشحاحة ورجل شحيح وشحاح بالفتح وقوم شحاح واشحة . ويضحك الى الدنيا وتضحك إليه كناية عن الفرح بالعمر والعيشة وكذا كل واحد منهما يضحك الى صاحبة لشدة الصفاء كان الدنيا تحبه وهو يحبها . وعيش غفول قد غفل عن صاحبه فهو مستغرق في العيش لم ينتبه له الدهر فيكدر عليه وقته قال الشاعر وكان المرء في غفلات عيش كان الدهر عنها في وثاق وقال الاخر
الا إن احلى العيش ما سمحت به صروف الليالى والحوادث نوم . قوله (إذ وطئ الدهر به حسكه) أي إذ اوطاه الدهر حسكه الهاء في (حسكه) ترجع الى الدهر عدى الفعل بحرف الجر كما تقول قام زيد بعمرو أي اقامه .
[ 165 ]
وقواه جمع قوة وهى المرة من مرائر الحبل وهذا الكلام استعارة . ومن كثب من قرب والبث الحزن والبث ايضا الامر الباطن الدخيل . ونجى الهم ما يناجيك ويسارك والفترات اوائل المرض . وآنس ما كان بصحته منصوب على الحال وقال الراوندي في الشرح هذا من باب (اخطب ما يكون الامير قائما) ثم ذكر أن العامل في الحال (فترات) قال تقديره (فترات آنس ما كان) وما ذكره الراوندي فاسد فانه ليس هذا من باب (اخطب ما يكون الامير قائما لان ذلك حال سد مسد خبر المبتدا وليس هاهنا مبتدا وايضا فليس العامل في الحال (فترات) ولا (فتر) بل العامل (تولدت) والقار البارد . فان قلت لم قال (تسكين الحار بالقار وتحريك البارد بالحار) ولاى معنى جعل الاول التسكين والثانى التحريك قلت لان من شان الحرارة التهييج والتثوير فاستعمل في قهرها بالبارد لفظة (التسكين) ومن شان البرودة التخدير والتجميد فاستعمل في قهرها بالحار لفظة (التحريك) . قوله (ولا اعتدل بممازج لتلك الطبائع الا امد منها كل ذات داء) أي ولا استعمل دواء مفردا معتدل المزاج أو مركبا كذلك الا وامد كل طبيعة منها ذات مرض بمرض زائد على الاول . وينبغى أن يكون قوله (ولا اعتدل بممازج) أي ولا رام الاعتدال لممتزج
لانه لو حصل له الاعتدال لكان قد برئ من مرضة فسمى محاولة الاعتدال اعتدالا لانه بالاستدلال المعتدلات قد تهيا للاعتدال فكان قد اعتدل بالقوة . وينبغى ايضا أن يكون قد حذف مفعول (امد) وتقديره (بمرض) كما قدرناه نحن وحذف المفعولات كثير واسع .
[ 166 ]
قوله (حتى فتر معللة) لان معللى المرض في اوائل المرض يكون عندهم نشاط لانهم يرجون البرء فإذا راوا امارات الهلاك فترت همتهم . قوله (وذهل ممرضة) ذهل بالفتح وهذا كالاول لان الممرض إذا اعيا عليه المرض وانسدت عليه ابواب التدبير يذهل . قوله (وتعايا اهله بصفة دائه) أي تعاطوا العى وتساكتوا إذا سئلوا عنه وهذه عادة اهل المريض المثقل يجمجمون إذا سئلوا عن حاله . قوله (وتنازعوا دونه شجى خبر يكتمونه أي تخاصموا في خبر ذى شجى أي خبر ذى غصة يتنازعونه وهم حول المريض سترا دونه وهو لا يعلم بنجواهم وبما يفيضون فيه من امره . فقائل منهم هو لمابه أي قد اشفى على الموت وآخر يمنيهم اياب عافيته أي عودها آب فلان الى اهله أي عاد . وآخر يقول قد رأينا مثل هذا ومن بلغ الى اعظم من هذا ثم عوفي فيمنى اهله عود عافيته . وآخر يصبر اهله على فقده ويذكر فضيله الصبر وينهاهم عن الجزع ويروى لهم اخبار الماضين . واسى اهليهم والاسى جمع اسوة وهو ما يتاسى به الانسان قالت الخنساء وما يبكون مثل اخى ولكن اسلى النفس عنه بالتاسى (1) .
قوله (على جناح من فراق الدنيا) أي سرعان ما يفارقها لان من كان على جناح طائر فاوشك به أن يسقط .
(1) ديوانها 153 وروايته " وما يبكين "
[ 167 ]
قوله (إذ عرض له عارض) يعنى الموت ومن غصصه جمع غصة وهو ما يعترض مجرى الانفاس ويقال إن كل ميت من الحيوان لا يموت الا خنقا وذلك لانه من النفس يدخل فلا يخرج عوضة أو يخرج فلا يدخل عوضة ويلزم من ذلك الاختناق لان الرئة لا تبقى حينئذ مروحة للقلب وإذا لم تروحه اختنق . قوله (فتحيرت نوافذ فطنته) أي تلك الفطنة النافذة الثاقبة تحيرت عند الموت وتبلدت . قوله (ويبست رطوبة لسانه) لان الرطوبة اللعابية التى بها يكون الذوق تنشف حينئذ ويبطل الاحساس باللسان تبعا لسقوط القوة . قوله (فكم من مهم من جوابه عرفة فعى عن رده) نحو أن يكون له مال مدفون يسال عنه حال ما يكون محتضرا فيحاول أن يعرف اهله به فلا يستطيع ويعجز عن رد جوابهم وقد رأينا من عجز عن الكلام فاشار اشاره فهموا معناها وهى الدواة والكاغذ فلما حضر ذلك اخذ القلم وكتب في الكاغد ما لم يفهم ويده ترعد ثم مات قوله (ودعاء مؤلم لقلبه سمعه فتصام عنه) اظهر الصمم لانه لا حيلة له . ثم وصف ذلك الدعاء فقال (من كبير كان يعظمه) نحو صراخ الوالد على الولد والولد يسمع ولا يستطيع الكلام (وصغير كان يرحمه) نحو صراخ الولد على الوالد وهو يسمع ولا قدرة له على جوابه . ثم ذكر غمرات الدنيا فقال انها افظع من أن تحيط الصفات بها وتستغرقها أي تأتى
على كنهها وتعبر عن حقائقها . قوله (أو تعتدل على عقول اهل الدنيا) هذا كلام لطيف فصيح غامض ومعناه
[ 168 ]
أن غمرات الموت واهواله عظيمة جدا لا تستقيم على العقول ولا تقبلها إذا شرحت لها ووصفت كما هي على الحقيقة بل تنبو عنها ولا نصدق بما يقال فيها فعبر عن عدم استقامتها على العقول بقوله (أو يعتدل) كانه جعلها كالشئ المعوج عند العقل فهو غير مصدق به [ ايراد اشعار وحكايات في وصف الموت واحوال الموتى ] ومما يناسب ما ذكر من حال الانسان قول الشاعر بينا الفتى مرح الخطا فرحا بما يسعى له إذ قيل قد مرض الفتى إذ قيل بات بليلة ما نامها إذ قيل اصبح مثقلا ما يرتجى إذ قيل امسى شاخصا وموجها إذ قيل فارقهم وحل به الردى . وقال أبو النجم العجلى والمرء كالحالم في المنام يقول انى مدرك امامى في قابل ما فاتني في العام والمرء يدنيه الى الحمام مر الليالى السود والايام إن الفتى يصبح للاسقام كالغرض المنصوب للسهام اخطا رام واصاب رام . وقال عمران بن حطان ا في كل عام مرضه ثم نقهه وينعى ولا ينعى متى ذا الى متى
[ 169 ]
ولا بد من يوم يجئ وليلة يسوقان حتفا راح نحوك أو غدا . وجاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه واله مر بمقبرة فنادى يا اهل
القبور الموحشة والربوع المعطلة الا اخبركم بما حدث بعدكم تزوج نساؤكم وتبوئت مساكنكم وقسمت اموالكم هل انتم مخبرون بما عاينتم ثم قال الا انهم لو اذن لهم في الجواب لقالوا وجدنا خير الزاد التقوى . ونظر الحسن الى رجل يجود بنفسه فقال إن امرا هذا آخره لجدير أن يزهد في اوله وإن امرا هذا اوله لجدير أن يخاف آخره . وقال عبده بن الطبيب - ويعجبنى قوله على الحال التى كان عليها فانه كان اسود لصا من لصوص بنى سعد بن زيد مناه بن تميم . ولقد علمت بان قصرى حفرة غبراء يحملنى إليها شرجع (1) فبكى بناتى شجوهن وزوجتي والاقربون الى ثم تصدعوا وتركت في غبراء يكره وردها تسفى على الريح ثم اودع إن الحوادث يخترمن وانما عمر الفتى في اهله مستودع ونظير هذه الابيات في رويها وعروضها قول متمم بن نويرة اليربوعي ولقد علمت ولا محالة اننى للحادثات فهل ترينى اجزع (2) اهلكن عادا ثم آل محرق فتركنهم بلدا وما قد جمعوا (3)
(1) من مفضليته 145 - 149 والشرجع خشب يشد بعضه الى بعض كالسرير يحمل عليه الموتى . (2) من مفضليته 48 - 54 . (3) بلدا أي ترابا . (*)
[ 170 ]
ولهن كان الحارثان كلاهما ولهن كان اخو المصانع تبع (1) فعددت آبائى الى عرق الثرى فدعوتهم فعلمت أن لم يسمعوا ذهبوا فلم ادركهم ودعتهم غول اتوها والطريق المهيع لا بد من تلف مصيب فانتظر ابارض قومك ام باخرى تصرع
ولياتين عليك يوم مرة يبكى عليك مقنعا لا تسمع (2) . لما فتح خالد بن الوليد عين التمر سال عن الحرقة بنت النعمان بن المنذر فدل عليها فأتاها - وكانت عمياء - فسألها عن حالها فقالت لقد طلعت علينا الشمس ما شئ يدب تحت الخورنق الا تحت ايدينا ثم غربت وقد رحمنا كل من يدور به وما بيت دخلته حبره الا دخلته عبرة ثم قالت وبينا نسوس الناس والامر امرنا إذا نحن فيه سوقه نتنصف فاف لدنيا لا يدوم نعيمها تقلب تارات بنا وتصرف فقال قائل ممن كان حول خالد قاتل الله عدى بن زيد لكانه ينظر إليها حين يقول إن للدهر صرعة فاحذرنها لا تبيتن قدامنت الدهورا (3) قد يبيت الفتى معافى فيردى ولقد كان آمنا مسرورا . دخل عبد الله بن العباس على عبد الملك بن مروان يوم قر وهو على فرش
(1) الحارثان : هما الحارث الاصغر والحارث الاكبر الاعرج المصانع القصور تبع ملك من ملوك اليمن . (2) مقنع ملفف في اثوابه . (3) الاغاني 2 : 138 - 140 . (*)
[ 171 ]
يكاد يغيب فيها فقال يا بن عباس انى لاحسب اليوم باردا قال اجل وإن ابن هند عاش في مثل ما ترى عشرين اميرا وعشرين خليفة ثم هو ذاك على قبره ثمامة تهتز . فيقال إن عبد الملك ارسل الى قبر معاوية فوجد عليه ثمامة نابتة . كان محمد بن عبد الله بن طاهر في قصره ببغداد على دجلة فإذا بحشيش على وجه الماء
في وسطه قصبة على راسها رقعة فامر بها فوجد هذا تاه الاعيرج واستولى به البطر فقل لخير ما استعملته الحذر احسنت ظنك بالايام إذ حسنت ولم تخف سوء ما ياتي به القدر وسالمتك الليالى فاغتررت بها وعند صفو الليالى يحدث الكدر فلم ينتفع بنفسه اياما . عدى بن زيد ايها الشامت المعير بالدهر اانت المبرا الموفور ام لديك العهد الوثيق من الايام بل انت جاهل مغرور من رايت المنون خلدن ام من ذا عليه من أن يضام خفير اين كسرى كسرى الملوك انو شروان ام اين قبله سابور (1) وبنو الاصفر الكرام ملوك الروم ولم يبق منهم مذكور
(1) سابور الجنود هو ابن اردشير وسابور ذو الاكتاف هو سابور بن هرمز وكلاهما من ملوك العجم . (*)
[ 172 ]
واخو الحضر إذ بناه واذ دجلة تجبى إليه والخابور (1) لم يهبه ريب المنون فباد الملك عنه فبابه مهجور شاده مرمرا وجلله كلسا فللطير في ذراه وكور (2) وتبين رب الخورنق إذ اشرف يوما وللهدى تفكير (3) سره حاله وكثرة ما يملك والبحر معرضا والسدير (4) فارعوى قلبه وقال فما غبطه حى الى الممات يصير ثم بعد الفلاح والملك والامة وارتهم هناك القبور (5) ثم اضحو كأنهم ورق جف فالوت به الضبا والدبور (6) قد اتفق الناس على أن هذه الابيات احسن ما قيل من القريض في هذا المعنى وأن
الشعراء كلهم اخذوا منها واحتذوا في هذا المعنى حذوها . وقال الرضى أبو الحسن رضى الله عنه انظر الى هذا الانام بعبرة لا يعجنك خلقه ورواؤه (7) فتراه كالورق النضير تقصفت اغصانه وتسلبت شجراؤه (8) انى تحاماه المنون وانما خلقت مراعى للردى خضراؤه ام كيف تأمل فلتة اجساده من ذا الزمان وحشوها ادواؤه
(1) الخابور اسم نهر كبير بين راس عين والفرات من ارض الجزيرة . (2) الكلس الصاروخ واخلاطها التي تصرج (تطلى) بها النزل وغيرها . (3) في الاغاني (وتذكر) . (4) في الاغاني (سره ماله) (5) الامة النعمة . (6) الوت به أي ذهبت به . (7) ديوانه لوحة 116 . (8) ديوانه (فبيناه) . (*)
[ 173 ]
لا تعجبن فما العجيب فناؤه بيد المنون بل العجيب بقاؤه انا لنعجب كيف حم حمامة عن صحة ويغيب عنا داؤه من طاح في سبل الردى آباؤه فليسلكن طريقهم ابناؤه ومؤمر نزلوا به في سوقه لا شكله فيهم ولا نظراؤه (1) قد كان يفرق ظله اقرانه ويغض دون جلالة اكفاؤه (2) ومحجب ضربت عليه مهابة يعشى العيون بهاؤه وضياؤه نادته من خلف الحجاب منية امم فكان جوابها حوباؤه (3)
شقت إليه سيوفه ورماحه واميط عنه عبيده واماؤه لم يغنه من كان ود لو انه قبل المنون من المنون فداؤه حرم عليه الذل الا انه ابدا ليشهد بالجلال بناؤه (4) متخشع بعد الانيس جنابه متضائل بعد القطين فناؤه عريان تطرد كل ريح تربه ويطيع اول امرها حصباؤه ولقد مررت ببرزخ فسألته اين الالى ضمتهم ارجاؤه مثل المطى بواركا اجداثه تسفى على جنباتها بوغاؤه (5) ناديته فخفي على جوابه بالقول الا ما زقت اصداؤه (6)
(1) الديوان (قرناؤه) (2) يفرق يخاف ويهاب . (3) امم قريبة والحوباء النفس . (4) حرم عليه حرام عليه . (5) بواركا جمع بارك أو باركة البوغاء التراب . (6) زقت صاحت الاصداء جمع صدى وهو حكاية الصوت في الجبال والكهوف والاماكن العالية . (*)
[ 174 ]
من ناظر مطروفة الحاظه أو خاطر مظلولة سوداؤه (1) أو واجد مكظومة زفراته أو حاقد منسية شحناؤه (2) ومسندين على الجنوب كأنهم شرب تخاذل بالطلا اعضاؤه تحت الصعيد لغير اشفاق الى يوم المعاد يضمهم احشاؤه اكلتهم الارض التى ولدتهم اكل الضروس حلت له اكلاؤه وقال ايضا
وتفرق البعداء بعد تجمع صعب فكيف تفرق القرباء (3) وخلائق الدنيا خلائق مومس للمنع آونة وللاعطاء (4) طورا تبادلك الصفاء وتارة تلك تنكرها من البغضاء وتداول الايام يبلينا كما يبلى الرشاء تطاوح الارجاء (5) وكان طول العمر روحة راكب قضى اللغوب وجد في الاسراء (6) لهفى على القوم الاولى غادرتهم وعليهم طبق من البيداء (7)
(1) مطروقة من قولهم طرق فلان بصره إذا اطبق احد جفنيه على الاخر ومطلولة من قولهم طل دم فلان ادا ذهب هدرا . (2) واجد من الوجد وهو الحزن . (3) من مرثية لوالدته فاطمة بنت الناصر واولها ابكيك لو نفع الغليل بكائي واقول لو ذهب المقال بدائي ديوانه لوحة 115 . (4) المومس المراة الفاجر (5) الرشاء الحبل يستقى به من البئر والارجاء جمع رجا وهو ناحية البئر . (6) روحة راكب راحته واللغوب الاعياء والاسراء سير الليل . (7) الطبق وجه الارض أو عطاء كل شئ . (*)
[ 175 ]
متوسدين على الخدود كانما كرعوا على ظما من الصهباء صور ضننت على العيون بلحظها امسيت اوقرها من البوغاء (1) ونواظر كحل التراب جفونها قد كنت احرسها من الاقذاء قربت ضرائحهم على زوارها وناوا عن الطلاب أي تناء (2) ولبئس ما يلقى بعقر ديارهم اذن المصيخ بها وعين الرائى (3)
(1) البوغاء التربة الرخوة (2) الضرائح جمع ضريح وهو القبر . (3) عقر ديارهم وسطها (*)
[ 176 ]
(217) الاصل ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته (يسبح له فيها بالغدو والاصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) (1) إن الله سبحانه وتعالى جعل الذكر جلاء للقلوب تسمع به بعد الوقرة وتبصر به بعد العشوة وتنقاد به بعد المعاندة وما برح لله - عزت آلاؤه في البرهة بعد البرهة وفي ازمان الفترات - عباد ناجاهم في فكرهم وكلمهم في ذات عقولهم فاستصبحوا بنور يقظة في الاسماع والابصار والافئدة يذكرون بايام الله ويخوفون مقامة بمنزلة الادلة في الفلوات من اخذ القصد حمدوا إليه طريقة وبشروة بالنجاة ومن اخذ يمينا وشمالا ذموا إليه الطريق وحذروه من الهلكة وكانوا كذلك مصابيح تلك الظلمات وادلة تلك الشبهات وإن للذكر لاهلا اخذوه من الدنيا بدلا فلم تشغلهم تجارة ولا بيع عنه يقطعون به ايام الحياة ويهتفون بالزواجر عن محارم الله في اسماع الغافلين ويامرون بالقسط وياتمرون به وينهون عن المنكر ويتناهون عنه فكأنهم قطعوا الدنيا الى الاخرة وهم فيها فشاهدوا ما وراء ذلك فكانما
(1) سورة النور 36 ، 37 (*)
[ 177 ]
اطلعوا غيوب اهل البرزخ في طول الاقامة فيه وحققت القيامة عليهم عداتها فكشفوا غطاء ذلك لاهل الدنيا حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون مالا يسمعون فلو مثلتهم لعقلك في مقاومهم المحمودة ومجالسهم المشهودة وقد نشروا دواوين اعمالهم وفرغوا لمحاسبة انفسهم على كل صغيرة وكبيرة امروا بها فقصروا عنها أو نهوا عنها ففرطوا فيها وحملوا ثقل اوزارهم ظهورهم فضعفوا عن الاستقلال بها فنشجوا نشيجا وتجاوبوا نحيبا يعجون الى ربهم من مقام ندم واعتراف - لرايت اعلام هدى ومصابيح دجى قد حفت بهم الملائكة وتنزلت عليهم السكينة وفتحت لهم ابواب السماء واعدت لهم مقاعد الكرامات في مقعد اطلع الله عليهم فيه فرضى سعيهم وحمد مقامهم يتنسمون بدعائه روح التجاوز رهائن فاقه الى فضله واسارى ذلة لعظمته جرح طول الاسى قلوبهم وطول البكاء عيونهم لكل باب رغبة الى الله منهم يد قارعة يسالون من لا تضيق لديه المنادح ولا يخيب عليه الراغبون فحاسب نفسك لنفسك فان غيرها من الانفس لها حسيب غيرك الشرح من قرا (يسبح له فيها) بفتح الباء (1) ارتفع (رجال) عنده بوجهين
(1) هي قراءة ابن عامر وأبي بكر بن مجاهد والباقون بكسرها وانظر أيضا اتحاف فضلاء البشر 325 (*)
[ 178 ]
احدهما أن يضمر له فعل يكون هو فاعله تقديره (يسبحه رجال) وعلى (يسبحه) يسبح كما قال الشاعر ليبك يزيد ضارع لخصومة ومختبط مما تطيح الطوائح (1)
أي يبكيه ضارع ودل على (يبكيه) ل (يبك) . والثانى أن يكون خبر مبتدا محذف تقديره (المسبحون رجال) ومن قرا (يسبح له فيها) بكسر الباء ف (رجال) فاعل واوقع لفظ (التجارة) في مقابلة لفظ (البيع) اما لانه اراد بالتجارة هاهنا الشراء خاصة أو لانه عمم بالتجارة المشتملة على البيع والشراء ثم خص البيع لانه ادخل في باب الالهاء لان البيع يحصل ربحه بيقين وليس كذلك الشراء والذكر يكون تارة باللسان وتارة بالقلب فالذي باللسان نحو التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والدعاء والذى بالقلب فهو التعظيم والتبجيل والاعتراف والطاعة . وجلوت السيف والقلب جلاء بالكسر وجلوت اليهود عن المدينة جلاء بالفتح . والوقرة الثقل في الاذن والعشوة بالفتح فعله من العشا في العين وآلاؤه نعمة . فان قلت أي معنى تحت قوله عزت آلاؤه وعزت بمعنى قلت وهل يجوز مثل ذلك في تعظيم الله . قلت عزت هاهنا ليس بمعنى قلت ولكن بمعنى كرمت وعظمت تقول منه عززت على فلان بالفتح أي كرمت عليه وعظمت عنده وفلان عزيز علينا أي كريم معظم .
(1) البيت من شواهد مغني اللبيب 620 . (*)
[ 179 ]
والبرهه من الدهر المدة الطويلة ويجوز فتح الباء . وازمان الفترات ما يكون منها بين النوبتين . وناجاهم في فكرهم الهمهم بخلاف مناجاة الرسل ببعث الملائكة إليهم وكذلك (وكلمهم في ذات عقولهم) فاستصبحوا بنور يقظة صار ذلك النور مصباحا لهم يستضيئون به .
قوله (من اخذ القصد حمدوا إليهم طريقة) الى هاهنا هي التى في قولهم احمد الله اليك أي منهيا ذلك اليك أو مفضيا به اليك ونحو ذلك وطريقة العرب في الحذف في مثل هذا معلومة قال سبحانه (ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة) (1) أي لجعلنا بدلا منكم ملائكة وقال الشاعر فليس لنا من ماء زمزم شربة مبردة بانت على طهيان أي عوضا من ماء زمزم . قوله (ومن اخذ يمينا وشمالا) أي ضل عن الجادة . و (الى) في قوله (ذموا إليه الطريق) مثل (الى) الاولى . ويهتفون بالزواجر يصوتون بها هتفت الحمامة تهتف هتفا وهتف زيد بالغنم هتافا بالكسر وقوس هتافه وهتفى أي ذات صوت . والقسط العدل وياتمرون به يمتثلون الامر . وقوله (فكانما قطعوا الدنيا الى الاخرة) الى قوله (ويسمعون ما لا يسمعون) هو شرح قوله عن نفسه عليه السلام (لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا) . والاوزار الذنوب والنشيج صوت البكاء والمقعد موضع القعود .
(1) سورة الزخرف 60 (*)
[ 180 ]
ويد قارعة تطرق باب الرحمة وهذا الكلام مجاز . والمنادح المواضع الواسعة . و (على) في قوله (ولا يخيب عليه الراغبون) متعلقة بمحذوف مثل (الى) المتقدم ذكرها والتقدير (نادمين عليه) . والحسيب المحاسب . واعلم أن هذا الكلام في الظاهر صفة حال القصاص والمتصدين لانكار المنكرات
الا تراه يقول (يذكرون بايام الله) أي بالايام التى كانت فيها النقمة بالعصاة ويخوفون مقامه من قوله (ولمن خاف مقام ربه جنتان) (1) ثم قال فمن سلك القصد حمدوه ومن عدل عن الطريق ذموا طريقة وخوفوه الهلاك ثم قال يهتفون بالزواجر عن المحارم في اسماع الغافلين ويامرون بالقسط وينهون عن المنكر . وهذا كله ايضاح لما قلناه اولا أن ظاهر الكلام شرح حال القصاص وارباب المواعظ في المجامع والطرقات والمتصدين لانكار القبائح وباطن الكلام شرح حال العارفين الذين هم صفوة الله تعالى من خلقه وهو عليه السلام دائما يكنى عنهم و يرمز إليهم على انه في هذا الموضع قد صرح بهم في قوله (حتى كأنهم يرون ما لا يرى الناس ويسمعون ما لا يسمعون) . وقد ذكر من مقامات العارفين في هذا الفصل الذكر ومحاسبة النفس والبكاء والنحيب والندم والتوبة والدعاء والفاقة والذلة والحزن وهو الاسى الذى ذكر انه جرح قلوبهم بطوله
(1) سورة الرحمن 46 . (*)
[ 181 ]
[ بيان احوال العارفين ] وقد كنا وعدنا بذكر مقامات العارفين فيما تقدم وهذا موضعه فنقول إن اول مقام من مقامات العارفين واول منزل من منازل السالكين التوبة قال الله تعالى (وتوبوا الى الله جميعا اية المؤمنون لعلكم تفلحون) (1) وقال النبي صلى الله عليه وآله (التائب من الذنب كمن لا ذنب له) وقال على عليه السلام (ما من شئ احب الى الله من شاب تائب) . والتوبة في عرف ارباب هذه الطريقة الندم على ما عمل من المخالفة وترك الزلة في الحال والعزم على الا يعود الى ارتكاب معصية وليس الندم وحده عند هؤلاء توبة وإن جاء في الخبر (الندم توبة) لانه على وزان قوله عليه السلام (الحج عرفة) ليس
على معنى أن غيرها ليس من الاركان بل المراد انه اكبر الاركان واهمها ومنهم من قال يكفى الندم وحدة لانه يستتبع الركنين الاخرين لاستحالة كونه نادما على ما هو مصر على مثله أو ما هو عازم على الاتيان بمثله . قالوا وللتوبة شروط وترتيبات فاول ذلك انتباه القلب من رقدة الغفلة ورؤية العبد ما هو عليه من سوء الحالة وانما يصل الى هذه الجملة بالتوفيق للاصغاء الى ما يخطر بباله من زواجر الحق سبحانه يسمع قلبه فان في الخبر النبوى عنه صلى الله عليه وآله (واعظ كل حال الله في قلب كل امرئ مسلم) وفي الخبر (إن في بدن المرء لمضغة إذا صلحت صلح جميع البدن الا وهى القلب وإذا فسدت فسد جميع البدن الا وهى القلب) .
(1) سورة النور 31 . (*)
[ 182 ]
وإذا أفكر العبد بقلبه في سوء صنيعه وابصر ما هو عليه من ذميم الافعال سنحت في قلبه ارادة التوبة والاقلاع عن قبيح المعاملة فيمده الحق سبحانه بتصحيح العزيمة والاخذ في طرق الرجوع والتاهب لاسباب التوبة . واول ذلك هجران اخوان السوء فانهم الذين يحملونه على رد هذا القصد و عكس هذا العزم ويشوشون عليه صحة هذه الارادة ولا يتم ذلك له الا بالمواظبة على المشاهد والمجالس التى تزيده رغبة في التوبة وتوفر دواعيه الى اتمام ما عزم عليه مما يقوى خوفه ورجاءه فعند ذلك تنحل عن قلبه عقدة الاصرار على ما هو عليه من قبيح الفعال فيقف عن تعاطى المحظورات ويكبح نفسه بلجام الخوف عن متابعة الشهوات فيفارق الزلة في الحال ويلزم العزيمة على الا يعود الى مثلها في الاستقبال فان مضى على موجب قصده ونفذ على مقتضى عزمه فهو الموفق حقا وإن نقض التوبة مرة أو مرات ثم
حملته ارادته على تجديدها فقد يكون مثل هذا كثيرا فلا ينبغى قطع الرجاء عن توبة امثال هؤلاء فان لكل اجل كتابا وقد حكى عن ابى سليمان الدارانى انه (1) قال اختلفت الى مجلس قاص فاثر كلامه في قلبى فلما قمت لم يبق في قلبى شئ فعدت ثانيا فسمعت كلامه فبقى من كلامه في قلبى اثر في الطريق ثم زال ثم عدت ثالثا فوقر كلامه في قلبى وثبت حتى رجعت الى منزلي وكسرت آلات المخالفة ولزمت الطريق . وحكيت هذه الحكاية ليحيى بن معاذ فقال عصفور اصطاد كركيا يعنى بالعصفور القاص وبالكركى ابا سليمان . ويحكى أن ابا حفص الحداد ذكر بدايته فقال تركت ذلك العمل - يعنى المعصية - كذا وكذا مرة ثم عدت إليها ثم تركني العمل فلم اعد إليه .
(1) ساقط من : ب . (*)
[ 183 ]
وقيل إن بعض المريدين تاب ثم وقعت له فترة وكان يفكر ويقول ا ترى لو عدت الى التوبة كيف كان يكون حكمي فهتف به هاتف يا فلان اطعتنا فشكرناك ثم تركتنا فامهلناك وإن عدت الينا قبلناك فعاد الفتى الى الارادة . وقال أبو على الدقاق التوبة على ثلاثة اقسام فاولها التوبة واوسطها الانابة وآخرها الاوبة فجعل التوبة بداية والاوبة نهاية والانابة واسطة بينهما والمعنى أن من تاب خوفا من العقاب فهو صاحب التوبة ومن تاب طمعا في الثواب فهو صاحب الانابة ومن تاب مراعاه للامر فقط فهو صاحب الاوبة . وقال بو على ايضا التوبة صفة المؤمنين قال سبحانه (وتوبوا الى الله جميعا ايه المؤمنون) والانابة صفة الاولياء قال سبحانه (وجاء بقلب منيب) (2) والاوبة صفة الانبياء قال سبحانه (نعم العبد انه اواب) (3) . وقال الجنيد دخلت على السرى يوما فوجدته متغيرا فسألته فقال دخل على
شاب فسألني عن التوبة فقلت الا تنسى ذنبك فقال بل التوبة الا تذكر ذنبك قال الجنيد فقلت له إن الامر عندي ما قاله الشاب قال كيف قلت لانى إذا كنت في حال الجفاء فنقلني الى حال الصفاء فذكر الجفاء في حال الصفاء جفاء فسكت السرى . وقال ذو النون المصرى الاستغفار من غير اقلاع توبة الكذابين . وسئل البوشنجى عن التوبة فقال إذا ذكرت الذنب ثم لا تجد حلاوته عند ذكره فذاك حقيقة التوبة .
(1) سورة النور 31 . (2) سورة ق 33 . (3) سورة ص 30 . (*)
[ 184 ]
وقال ذو النون حقيقة التوبة أن تضيق عليك الارض بما رحبت حتى لا يكون لك قرار ثم تضيق عليك نفسك كما اخبر الله تعالى في كتابه بقوله (حتى إذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت وضاقت عليهم انفسهم وظنوا أن لا ملجا من الله الا إليه ثم تاب عليهم) (1) . وقيل لابي حفص الحداد لم تبغض الدنيا فقال لانى باشرت فيها الذنوب قيل فهلا احببتها لانك وفقت فيها للتوبة فقال انا من الذنب على يقين ومن هذه التوبة على ظن . وقال رجل لرابعة العدوية انى قد اكثرت من الذنوب والمعاصي فهل يتوب على إن تبت قالت لا بل لو تاب عليك لتبت . قالوا ولما كان الله تعالى يقول في كتابه العزيز (إن الله يحب التوابين) دلنا ذلك على محبته لمن صحت له حقيقة التوبة ولا شبهة أن من قارف الزلة فهو من خطئه
على يقين فإذا تاب فانه من القبول على شك لا سيما إذا كان من شرط القبول محبة الحق سبحانه له والى أن يبلغ العاصى محلا يجد في اوصافه امارة محبة الله تعالى اياه مسافة بعيدة فالواجب إذا على العبد إذا علم انه ارتكب ما يجب عنه التوبة دوام الانكسار وملازمة التنصل والاستغفار كما قيل استشعار الوجل الى الاجل . وكان من سنته عليه السلام دوام الاستغفار وقال (انه ليغان على قلبى فاستغفر الله في اليوم سبعين مره) (2) .
(1) سورة التوبة 25 . (2) أورده ابن الاثير في النهاية 3 : 180 وقال الغين وغينت السماء تغان إذا اطبق عليها الغين وقيل الغين شجر ملتف اراد ما يغشاه من السهو الذي لا يخلو منه البشر لان قلبه ابدا كان مشغولا بالله تعالى فان عرض له وقتا ما عارض بشرى يشغله من امور الامة والملة ومصالحها عد ذلك ذنبا وتقصيرا فيفزع الى الاستغفار)
[ 185 ]
وقال يحيى بن معاذ زلة واحدة بعد التوبة اقبح من سبعين قبلها . ويحكى أن على بن عيسى الوزير ركب في موكب عظيم فجعل الغرباء يقولون من هذا من هذا فقالت امراة قائمة على السطح الى متى تقولون من هذا من هذا هذا عبد سقط من عين الله فابتلاه بما ترون فسمع على بن عيسى كلامها فرجع الى منزلة ولم يزل يتوصل في الاستعفاء من الوزارة حتى اعفي وذهب الى مكة فجاور بها . ومنها المجاهدة وقد قلنا فيها ما يكفى فيما تقدم . ومنها العزلة والخلوة وقد ذكرنا في جزء قبل هذا الجزء مما جاء في ذلك طرفا صالحا ومنها التقوى وهى الخوف من معصية الله ومن مظالم العباد قال سبحانه (إن
اكرمكم عند الله اتقاكم) (1) وقيل إن رجلا جاء الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يارسول الله اوصني فقال (عليك بتقوى الله فانه جماع كل خير وعليك بالجهاد فانه رهبانية المسلم وعليك بذكر الله فانه نور لك) . وقيل في تفسير قوله تعالى (اتقوا الله حق تقاته) (2) أن يطاع فلا يعصى ويذكر فلا ينسى ويشكر فلا يكفر .
(1) سورة الحجرات 13 . (2) سورة آل عمران 102 . (*)
[ 186 ]
وقال النصراباذى من لزم التقوى بادر الى مفارقة الدنيا لان الله تعالى يقول (وللدار الاخرة خير للذين يتقون) (1) . وقيل يستدل على تقوى الرجل بثلاث التوكل فيما لم ينل والرضا (2) بما قد نال وحسن الصبر على ما فات . وكان يقال من كان راس ماله التقوى كلت الالسن عن وصف ربحه . وقد حكوا من حكايات المتقين شيئا كثيرا مثل ما يحكى عن ابن سيرين انه اشترى اربعين حبا (3) سمنا فاخرج غلامه فارة من حب فسأله من أي حب اخرجها قال لا ادرى فصبها كلها . وحكى أن ابا يزيد البسطامى غسل ثوبه في الصحراء ومعه مصاحب له فقال صاحبه نضرب هذا الوتد في جدار هذا البستان ونبسط الثوب عليه فقال لا يجوز ضرب الوتد في جدار الناس قال فنعلقه على شجرة حتى يجف قال يكسر الاغصان فقال نبسطه على الاذخر (4) قال انه علف الدواب لا يجوز أن نستره منها فولى ظهره قبل الشمس وجعل القميص على ظهره حتى جف احد جانبيه ثم قلبه حتى جف الجانب الاخر .
ومنها الورع وهو اجتناب الشبهات وقال صلى الله عليه وآله لابي هريرة (كن ورعا تكن اعبد الناس) وقال بو بكر كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب واحد من الحرام .
(1) سورة الانعام 302 . (2) ب (الشكر) وما اثبته من : ا . (3) الحب هنا الجرة . (4) الاذخر الحشيش الاخضر . (*)
[ 187 ]
وكان يقال الورع في المنطق اشد منه في الذهب والفضة والزهد في الرياسة اشد منه في الذهب والفضة لانك تبذلهما في طلب الرياسة . وقال أبو عبد الله الجلاء اعرف من اقام بمكة ثلاثين سنة لم يشرب من ماء زمزم الا ما استقاه بركوته ورشائه . وقال بشر بن الحارث اشد الاعمال ثلاثة الجود في القلة والورع في الخلوة وكلمة الحق عند من يخاف ويرجى . ويقال إن اخت بشر بن الحارث (1) جاءت الى احمد بن حنبل فقالت انا نعزل على سطوحنا فتمر بنا مشاعل الطاهرية فيقع شعاعها علينا ا فيجوز لنا الغزل في ضوئها فقال احمد من انت يا امة الله قالت اخت بشر الحافي فبكى احمد وقال من بيتكم خرج الورع لا تغزلي في ضوء مشاعلهم . وحكى بعضهم قال مررت بالبصرة في بعض الشوارع فإذا بمشايخ قعود وصبيان يلعبون فقلت اما تستحيون من هؤلاء المشايخ فقال غلام من بينهم هؤلاء المشايخ قل ورعهم فقلت هيبتهم .
ويقال إن مالك بن دينار مكث بالبصرة اربعين سنة ما صح له أن ياكل من تمر البصرة ولا من رطبها حتى مات ولم يذقه وكان إذا انقضى اوان الرطب يقول يا اهل البصرة هذا بطني ما نقص منه شئ سواء على اكلت من رطبكم أو لم آكل . وقال الحسن مثقال ذرة من الورع خير من الف مثقال من الصوم والصلاة . ودخل الحسن مكة فراى غلاما من ولد على بن ابى طالب قد اسند ظهره الى
(1) هو بشر بن الحارث بن عبد الرحمن أبو نصر الحافي تاريخ بغداد 7 : 67 . (*)
[ 188 ]
الكعبة وهو يعظ الناس فقال له الحسن ما ملاك الدين قال الورع قال فما آفتة قال الطمع فجعل الحسن يتعجب منه . وقال سهل بن عبد الله من لم يصحبه الورع اكل راس الفيل ولم يشبع . وحمل الى عمر بن عبد العزيز مسك من الغنائم فقبض على مشمة وقال انما ينتفع من هذا بريحه وانا اكره أن اجد ريحه دون المسلمين . وسئل أبو عثمان الحريري عن الورع فقال كان أبو صالح بن حمدون عند صديق له وهو في النزع فمات الرجل فنفث أبو صالح في السراج فاطفاه فقيل له في ذلك فقال الى الان كان الدهن الذى في المسرجة له فلما مات صار الى الورثة . ومنها الزهد وقد تكلموا في حقيقتة فقال سفيان الثوري الزهد في الدنيا قصر الامل . وقال الخواص الزهد أن تترك الدنيا فلا تبالي من اخذها . وقال أبو سليمان الدارانى الزهد ترك كل ما يشغل عن الله . وقيل الزهد تحت كلمتين من القرآن العزيز (لكيلا لا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (1) . وكان يقال من صدق في زهده اتته الدنيا وهى راغمة ولهذا قيل لو سقطت قلنسوة من السماء لما وقعت الا على راس من لا يريدها .
وقال يحيى بن معاذ الزهد يسعطك (2) الخل والخردل والعرفان يشمك المسك والعنبر .
(1) سورة الحديد 23 . (2) سعطه الدواء وغيره ادخله في انفه . (*)
[ 189 ]
وقيل لبعضهم ما الزهد في الدنيا قال ترك ما فيها على من فيها . وقال رجل لذى النون المصرى متى تراني ازهد في الدنيا قال إذا زهدت في نفسك . وقال رجل ليحيى بن معاذ متى تراني ادخل حانوت التوكل والبس رداء الزهد واقعد بين الزاهدين فقال إذا صرت من رياضتك لنفسك في السر الى حد لو قطع الله عنك القوت ثلاثة ايام لم تضعف في نفسك ولا في يقينك فاما ما لم تبلغ الى هذه الدرجة فقعودك على بساط الزاهدين جهل ثم لا آمن أن تفتضح . وقال احمد بن حنبل الزهد على ثلاثة اوجه ترك الحرام وهو زهد العوام وترك الفضول من الحلال وهو زهد الخواص وترك كل ما يشغلك عن الله وهو زهد العارفين . وقال يحيى بن معاذ الدنيا كالعروس فطالبها كماشطتها تحسن وجهها وتعطر ثوبها والزاهد فيها كضرتها تسخم وجهها وتنتف شعرها وتحرق ثوبها و العارف مشتغل بالله لا يلتفت إليها ولا يشعر بها . وكان النصراباذى يقول في مناجاته يا من حقن دماء الزاهدين وسفك دماء العارفين . وكان يقال إن الله تعالى جعل الخير كله في بيت وجعل مفتاحه الزهد وجعل الشر كله في بيت وجعل مفتاحه حب الدنيا . ومنها الصمت وقدمنا فيما سبق من الاجزاء نكتا نافعه في هذا المعنى ونذكر
الان شيئا آخر قال رسول الله صلى الله عليه وآله (من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذين جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه ومن كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليقل خيرا أو فليصمت) .
[ 190 ]
وقال اصحاب هذا العلم الصمت من آداب الحضرة قال الله تعالى (وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وانصتوا) (1) . وقال مخبرا عن الجن (فلما حضروه قالوا انصتوا) (2) . وقال الله تعالى مخبرا عن يوم القيامة (وخشعت الاصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا) (3) . وقالوا كم بين عبد سكت تصونا عن الكذب والغيبة وعبد سكت لاستيلاء سلطان الهيبة . وانشدوا ارتب ما اقول إذا افترقنا واحكم دائما حجج المقال فانساها إذا نحن التقينا وانطق حين انطق بالمحال . وانشدوا فيا ليل كمن حاجة لى مهمة إذا جئتكم لم ادر بالليل ماهيا . قالوا وربما كان سبب الصمت والسكوت حيرة البديهة فانه إذا ورد كشف بغتة خرست العبارات عند ذلك فلا بيان ولا نطق وطمست الشواهد فلا علم ولا حس قال الله تعالى (يوم يجمع الله الرسل فيقول ما ذا اجبتم قالوا لا علم لنا انك انت علام الغيوب) (4) فاما ايثار ارباب المجاهدة الصمت فلما علموا في الكلام من الافات ثم ما فيه من حط النفس واظهار صفات المدح والميل الى أن يتميز من بين
اشكاله بحسن النطق وغير ذلك من ضروب آفات الكلام وهذا نعت ارباب
(1) سورة الاعراف 204 . (2) سورة الاحقاف 29 . (3) سورة طه 108 (4) سورة المائدة 109 (*)
[ 191 ]
الرياضة وهو احد اركانهم في حكم مجاهدة النفس ومنازلتها وتهذيب الاخلاق . ويقال إن داود الطائى لما اراد أن يقعد في بيته اعتقد ان يحضر مجلس ابى حنيفة لانه كان تلميذا له ويقعد بين اضرابه من العلماء ولا يتكلم في مسالة على سبيل رياضته نفسه فلما قويت نفسه على ممارسة هذه الخصلة سنة كاملة قعد في بيته عند ذلك وآثر العزلة . ويقال إن عمر بن عبد العزيز كان إذا كتب كتابا فاستحسن لفظه مزق الكتاب وغيره . وقال بشر بن الحارث إذا اعجبك الكلام فاصمت فإذا اعجبك الصمت فتكلم وقال سهل بن عبد الله لا يصح لاحد الصمت حتى يلزم نفسه الخلوة ولا يصح لاحد التوبة حتى يلزم نفسه الصمت . ومنها الخوف قال الله تعالى (يدعون ربهم خوفا وطمعا) (1) . وقال تعالى (واياى فارهبون) (2) . وقال (يخافون ربهم من فوقهم) (3) . وقال أبو على الدقاق الخوف على مراتب خوف وخشية وهيبة . فالخوف من شروط الايمان وقضاياه قال الله تعالى (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين) (4) .
والخشية من شروط العلم قال الله تعالى (انما يخشى الله من عباده العلماء) (5) .
(1) سورة السجدة 16 . (2) سورة البقرة 40 . (3) سورة النحل 50 . (4) سورة ال عمران 175 . (5) سورة فاطر 28 . (*)
[ 192 ]
والهيبة من شروط المعرفة قال سبحانه (ويحذركم الله نفسه) (1) . وقال أبو عمر الدمشقي الخائف من يخاف من نفسه اكثر مما يخاف من الشيطان . وقال بعضهم من خاف من شئ هرب منه ومن خاف الله هرب إليه . وقال أبو سليمان الدارانى ما فارق الخوف قلبا الا خرب ومنها الرجاء وقد قدمنا فيما قبل من ذكر الخوف والرجاء طرفا صالحا قال سبحانه (من كان يرجو لقاء الله فان اجل الله لات) (2) . والفرق بين الرجاء والتمنى وكون احدهما محمودا والاخر مذموما أن التمنى الا يسلك طريق الاجتهاد والجد والرجاء بخلاف ذلك فلهذا كان التمنى يورث صاحبه الكسل . وقال أبو على الروذبارى الرجاء والخوف كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطائر وتم طيرانه وإذا نقص احدهما وقع فيه النقص وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت . وقال أبو عثمان المغربي من حمل نفسه على الرجاء تعطل ومن حمل نفسه على الخوف قنط ولكن من هذا مرة ومن هذا مرة .
ومن كلام يحيى بن معاذ ويروى عن على بن الحسين عليهما السلام يكاد رجائي لك مع الذنوب يغلب رجائي لك مع الاعمال لانى اجدني اعتمد في الاعمال على
(1) سورة آل عمران 28 . (2) سورة العنكبوت 5 . (*)
[ 193 ]
الاخلاص وكيف احرزها وانا بالافة معروف واجدنى في الذنوب اعتمد على عفوك وكيف لا تغفرها وانت بالجود موصوف . ومنها الحزن وهو من اوصاف اهل السلوك . وقال أبو على الدقاق صاحب الحزن يقطع من طريق الله في شهر ما لا يقطعه من فقد الحزن في سنتين . في الخبر النبوى صلى الله عليه واله (إن الله يحب كل قلب حزين) . وفي بعض كتب النبوات القديمة (إذا احب الله عبدا نصب في قلبه نائحة وإذا ابغض عبدا جعل في قلبه مزمارا) . وروى أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان متواصل الاحزان دائم الفكر . وقيل إن القلب إذا لم يكن فيه حزن خرب كما أن الدار إذا لم يكن فيها ساكن خربت . وسمعت رابعة رجلا يقول وا حزناه فقالت قل وا قلة حزناه لو كنت محزونا ما تهيا لك أن تتنفس . وقال سفيان بن عيينة لو أن محزونا بكى في امة لرحم الله تلك الامة ببكائه . وكان بعض هؤلاء القوم إذا سافر واحد من اصحابه يقول إذا رايت محزونا فاقرئه عنى السلام . وكان الحسن البصري لا يراه احد الا ظن انه حديث عهد بمصيبة . وقال وكيع يوم مات الفضيل ذهب الحزن اليوم من الارض .
وقال بعض السلف اكثر ما يجده (1) المؤمن في صحيفته من الحسنات الحزن والهم .
(1) ب (يوجده) وما اثبته من ا . (*)
[ 194 ]
وقال الفضيل ادركت السلف يقولون إن لله في كل شئ زكاة وزكاة العقل طول الحزن . ومنها الجوع وترك الشهوات وقد تقدم ذكر ذلك . ومنها الخشوع والتواضع قال سبحانه (الذين هم في صلاتهم خاشعون) (1) وفي الخبر النبوى عنه صلى الله عليه واله (لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من ايمان) فقال رجل يا رسول الله إن المرء ليحب أن يكون ثوبة حسنا فقال (إن الله جميل يحب الجمال انما المتكبر من بطر الحق وغمص الناس) وروى انس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعود المريض ويشيع الجنائز ويركب الحمار ويجيب دعوة العبد . وكان يوم قريظة والنضير على حمار مخطوم بحبل من ليف عليه اكاف من ليف . ودخل مكة يوم فتحها راكب بعير برحل خلق وإن ذقنه لتمس وسط الرحل خضوعا لله تعالى وخشوعا وجيشه يومئذ عشرة آلاف . قالوا في حد الخشوع هو الانقياد للحق وفي التواضع هو الاستسلام وترك الاعتراض على الحكم . وقال بعضهم الخشوع قيام القلب بين يدى الحق بهم مجموع . وقال حذيفة بن اليمان اول ما تفقدون من دينكم الخشوع .
(1) سورة المؤمنين 2 . (*)
[ 195 ]
وكان يقال من علامات الخشوع أن العبد إذا اغضب أو خولف أو رد عليه استقبل ذلك بالقبول . وقال محمد بن على الترمذي الخاشع من خمدت نيران شهوته وسكن دخان صدره واشرق نور التعظيم في قلبه فماتت حواسه وحيى قلبه وتطامنت جوارحه . وقال الحسن الخشوع هو الخوف الدائم اللازم للقلب . وقال الجنيد الخشوع تذلل القلوب لعلام الغيوب قال الله تعالى (وعباد الرحمن الذين يمشون على الارض هونا) أي خاشعون متواضعون . وراى بعضهم رجلا منقبض الظاهر منكسر الشاهد قد زوى منكبيه فقال يا فلان الخشوع هاهنا - واشار الى صدره لا هاهنا - واشار الى منكبيه . وروى أن رسول الله صلى الله عليه واله راى رجلا يعبث بلحيته في صلاته فقال (لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه) . وقيل شرط الخشوع في الصلاة الا يعرف من على يمينه ولا من على شماله . وقال بعض الصوفية الخشوع قشعريرة ترد على القلب بغتة عند مفاجاه كشف الحقيقة . وكان يقال من لم يتضع عند نفسه لم يرتفع عند غيره . وقيل إن عمر بن عبد العزيز لم يكن يسجد الا على التراب . وكان عمربن الخطاب يسرع في المشى ويقول هو انجح للحاجة وابعد من الزهو . كان رجاء بن حيوة ليلة عند عمر بن عبد العزيز وهو خليفة فصعف المصباح فقام رجل ليصلحه فقال اجلس فليس من الكرم أن يستخدم المرء ضيفه فقال
[ 196 ]
انبه (1) الغلام قال انها اول نومة نامها ثم قام بنفسه فاصلح السراج فقال رجاء
ا تقوم الى السراج وانت امير المؤمنين قال قمت وانا عمر ابن عبد العزيز ورجعت وانا عمر ابن عبد العزيز . وفي حديث ابى سعيد الخدرى أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يعلف البعير ويقم البيت ويخصف النعل ويرقع الثوب ويحلب الشاة وياكل مع الخادم ويطحن معها إذا اعيت وكان لا يمنعه الحياء أن يحمل بضاعته من السوق الى منزل اهله وكان يصافح الغنى والفقير ويسلم مبتدئا ولا يحقر ما دعى إليه ولو الى حشف التمر وكان هين المؤنة لين الخلق كريم السجية جميل المعاشرة طلق الوجه بساما من غير ضحك محزونا من غير عبوس متواضعا من غير ذلة جوادا من غير سرف رقيق القلب رحيما لكل مسلم ما تجشا قط من شبع ولا مد يده الى طبع . وقال الفضيل اوحى الله الى الجبال انى مكلم على واحد منكم نبيا فتطاولت الجبال وتواضع طور سيناء فكلم الله عليه موسى لتواضعه . سئل الجنيد عن التواضع فقال خفض الجناح ولين الجانب . ابن المبارك التكبر على الاغنياء والتواضع للفقراء من التواضع . وقيل لابي يزيد متى يكون الرجل متواضعا قال إذا لم ير لنفسه مقاما ولا حالا ولا يرى أن في الخلق من هو شر منه . وكان يقال التواضع نعمة لا يحسد عليها والتكبر محنة لا يرحم منها والعز في التواضع فمن طلبه في الكبر لم يجده . وكان يقال الشرف في التواضع والعز في التقوى والحرية في القناعة . يحيى بن معاذ التواضع حسن في كل احد لكنه في الاغنياء احسن والتكبر سمج في كل احد ولكنه في الفقراء اسمج .
(1) ب " انتبه " تصحيف (*)
[ 197 ]
وركب زيد بن ثابت فدنا ابن عباس لياخذ بركابه فقال مه يا بن عم رسول الله فقال انا كذا امرنا أن نفعل بعلمائنا فقال زيد ارنى يدك فاخرجها فقبلها فقال هكذا امرنا أن نفعل باهل بيت نبينا . وقال عروة بن الزبير رايت عمر بن الخطاب عليه رضوان الله تعالى وعلى عاتقة قربة ماء فقلت يا امير المؤمنين انه لا ينبغى لمثلك هذا فقال انه لما اتتنى الوفود سامعة مهادنة دخلت نفسي نخوة فاحببت أن اكسرها ومضى بالقربة الى حجرة امراة من الانصار فافرغها في انائها . أبو سليمان الدارانى من راى لنفسه قيمة لم يذق حلاوة الخدمة . يحيى بن معاذ التكبر على من تكبر عليك تواضع . بشر الحافي سلموا على ابناء الدنيا بترك السلام عليهم بلغ عمر بن عبد العزيز أن ابنا له اشترى خاتما بالف درهم فكتب إليه بلغني انك اشتريت خاتما وفصة بالف درهم فإذا اتاك كتابي فبع الخاتم واشبع به الف بطن واتخذ خاتما من درهمين واجعل فصه حديدا صينيا واكتب عليه (رحم الله امرا عرف قدرة) . قومت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو يخطب ايام خلافته باثنى عشر درهما وهى قباء وعمامة وقميص وسراويل ورداء وخفان وقلنسوة . وقال ابراهيم بن ادهم ما سررت قط سروري في ايام ثلاثة كنت في سفينة وفيها رجل مضحك كان يلعب لاهل (1) السفينة فيقول كنا ناخذ العلج من بلاد الترك هكذا وياخذ بشعر راسى فيهزني فسرني ذلك لانه لم يكن في تلك السفينة احقر منى في عينه وكنت عليلا في مسجد فدخل المؤذن وقال اخرج فلم اطق فاخذ
(1) في الاصول " اهل " . (*)
[ 198 ]
برجلي وجرني الى خارج المسجد وكنت بالشام وعلى فرو فنظرت إليه فلم اميز بين الشعر وبين القمل لكثرته . عرض على بعض الامراء مملوك بالوف من الدراهم فاستكثر الثمن فقال العبد اشترني يا مولاى ففى خصلة تساوى اكثر من هذا الثمن قال ما هي قال لو قدمتنى على جميع مماليك وخولتني بكل مالك لم اغلظ في نفسي بل اعلم انى عبدك فاشتراه . تشاجر أبو ذر وبلال فعير أبو ذر بلالا بالسواد فشكاه الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال يا ابا ذر ما علمت انه قد بقى في قلبك شئ من كبر الجاهلية فالقى أبو ذر نفسه وحلف الا يحمل راسه حتى يطا بلال خده بقدمه فما رفع راسه حتى فعل بلال ذلك مر الحسن بن على عليه السلام بصبيان يلعبون وبين ايديهم كسر خبز ياكلونها فدعوه فنزل واكل معهم ثم حملهم الى منزلة فاطعمهم وكساهم وقال الفضل لهم لانهم لم يجدوا غير ما اطعموني ونحن نجد اكثر مما اطعمناهم . ومنها مخالفة النفس وذكر عيوبها وقد تقدم ذكر ذلك . ومنها القناعة قال الله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو انثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) (1) قال كثير من المفسرين هي القناعة . وفي الحديث - النبوى ويقال انه من كلام امير المؤمنين عليه السلام (القناعة كنز لا ينفد)
(1) سورة النحل 57 (*)
[ 199 ]
وفى الحديث النبوى ايضا (كن ورعا تكن اعبد الناس وكن قنوعا تكن اشكر الناس واحب للناس ما تحب لنفسك تكن مؤمنا واحسن مجاورة من جاورك تكن مسلما واقل الضحك فان كثرة الضحك تميت القلب) .
وكان يقال الفقراء اموات الا من احياه الله تعالى بعز القناعة . وقال أبو سليمان الدارانى القناعة من الرضا بمنزلة الورع من الزهد هذا اول الرضا وهذا اول الزهد . وقيل القناعة سكون النفس وعدم انزعاجها عند عدم المألوفات . وقيل في تفسير قوله تعالى (ليرزقنهم الله رزقا حسنا (1)) انه القناعة . وقال أبو بكر المراغى العاقل من دبر امر الدنيا بالقناعة والتسويف وانكر أبو عبد الله بن خفيف فقال القناعة ترك التسويف بالمفقود والاستغناء بالموجود . وكان يقال خرج العز والغنى يجولان فلقيا القناعة فاستقرا . وكان يقال من كانت قناعته سمينة طابت له كل مرقة . مر أبو حازم الاعرج بقصاب فقال له خذ يا ابا حازم فقال ليس معى درهم قال انا انظرك قال نفسي احسن نظرة لى منك . وقيل وضع الله تعالى خمسة اشياء في خمسة مواضع العز في الطاعة والذل في المعصية والهيبة في قيام الليل والحكمة في البطن الخالى والغنى في القناعة . وكان يقال انتقم من فلان بالقناعة كما تنتقم من قاتلك بالقصاص . ذو النون المصرى من قنع استراح من اهل زمانه واستطال على اقرانه . وانشدوا واحسن بالفتى من يوم عار ينال به الغنى كرم وجوع
(1) سورة الحج 58 . (*)
[ 200 ]
وراى رجل حكيماياكل ما تساقط من البقل على راس الماء فقال له لو خدمت السلطان لم تحتج الى اكل هذا فقال وانت لو قنعت بهذا لم تحتج الى خدمة السلطان .
وقيل العقاب عزيز في مطاره لا تسمو إليه مطامع الصيادين فإذا طمع في جيفة علقت على حباله نزل من مطاره فنشب في الاحبولة . وقيل لما نطق موسى بذكر الطمع فقال (لو شئت لاتخذت عليه اجرا) (1) قال له الخضر (هذا فراق بينى وبينك) (1) وفسر بعضهم قوله (هب لى ملكا لا ينبغى لاحد من بعدى) (2) فقال مقاما في القناعة لا يبلغه احد . ومنها التوكل قال الله تعالى (ومن يتوكل على الله فهو حسبه) (3) وقال سهل بن عبد الله اول مقام في التوكل أن يكون العبد بين يدى الله تعالى كالميت بين يدى الغاسل يقلبه كيف يشاء لا يكون له حركة ولا تدبير . وقال رجل لحاتم الاصم من اين تأكل فقال (ولله خزائن السموات والارض ولكن المنافقين لا يفقهون) (4) . وقال اصحاب هذا الشان التوكل بالقلب وليس ينافيه الحركة بالجسد بعد أن يتحقق العبد أن التقدير من الله فان تعسر شئ فبتقديره وإن تسهل فبتيسيره .
(1) سورة الكهف 77 ، 78 . (2) سورة ص 35 . (3) سورة الطلاق 3 . (4) سورة المنافقون 7 . (*)
[ 201 ]
وفى الخبر النبوى انه عليه السلام قال للاعرابي الذى ترك ناقته مهملة فندت فلما قيل له قال توكلت فتركتها فقال عليه السلام (اعقل وتوكل) . وقال ذو النون التوكل الانخلاع من الحول والقوة وترك تدبير الاسباب
وقال بعضهم التوكل رد العيش الى يوم واحد باسقاط هم غد . وقال أبو على الدقاق التوكل ثلاث درجات التوكل وهو ادناها ثم التسليم ثم التفويض فالاولى للعوام والثانية للخواص والثالثة لخواص الخواص . جاء رجل الى الشبلى يشكو إليه كثرة العيال فقال ارجع الى بيتك فمن وجدت منهم ليس رزقه على الله فاخرجه من البيت . وقال سهل بن عبد الله من طعن في التوكل فقط طعن في الايمان ومن طعن في الحركة فقد طعن في السنة . وكان يقال المتوكل كالطفل لا يعرف شيئا ياوى إليه الا ثدى امة كذلك المتوكل لا يهتدى الا الى ربه . وراى أبو سليمان الدارانى رجلا بمكة لا يتناول شيئا الا شربة من ماء زمزم فمضت عليه ايام فقال له يوما ارايت لو غارت - أي زمزم - أي شئ كنت تشرب فقام وقبل راسه وقال جزاك الله خيرا حيث ارشدتني فانى كنت اعبد زمزم منذ ايام ثم تركه ومضى . وقيل التوكل نفى الشكوك والتفويض الى مالك الملوك . ودخل جماعة على الجنيد فقالوا نطلب الرزق قال إن علمتم في أي موضع هو فاطلبوه قالوا فنسال الله ذلك قال إن علمتم انه ينساكم فذكروه قالوا لندخل البيت فنتوكل قال التجربة شك قالوا فما الحيلة قال ترك الحيلة .
[ 202 ]
وقيل التوكل الثقة بالله والياس عما في ايدى الناس . ومنها الشكر وقد تقدم منا ذكر كثير مما قيل فيه . ومنها اليقين وهو مقام جليل قال الله تعالى (وبالاخرة هم يوقنون) (1) وقال على بن ابى طالب عليه السلام لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا .
وقال سهل بن عبد الله حرام على قلب أن يشم رائحة اليقين وفيه شكوى الى غير الله . وذكر للنبى صلى الله عليه وآله ما يقال عن عيسى بن مريم عليه السلام انه مشى على الماء فقال لو ازداد يقينا لمشى على الهواء وفي الخبر المرفوع عنه صلى الله عليه وآله انه قال لعبد الله بن مسعود (لا ترضين احدا بسخط الله ولا تحمدن احدا على فضل الله ولا تذمن احدا على ما لم يؤتك الله واعلم أن الرزق لا يسوقه حرص حريص ولا يرده كراهة كاره أن الله جعل الروح والفرج في الرضا واليقين وجعل الهم والحزن في الشك والسخط) . ومنها الصبر قال الله تعالى (واصبر وما صبرك الا بالله) (2) وقال على عليه السلام الصبر من الايمان بمنزلة الراس من الجسد . وسئل الفضيل عن الصبر قال تجرع المرارة من غير تعبيس . وقال رويم الصبر ترك الشكوى .
(1) سورة البقرة 4 . (2) سورة النحل 127 . (*)
[ 203 ]
وقال على عليه السلام الصبر مطية لا تكبو . وقف رجل على الشبلى فقال أي صبر اشد على الصابرين قال الشبلى الصبر في الله تعالى فقال لا قال فالصبر لله فقال لا قال فالصبر مع الله تعالى فقال لا قال فاى شئ قال الصبر عن الله فصرخ الشبلى صرخه عظيمة ووقع . ويقال إن الشبلى حبس في المارستان فدخل عليه قوم فقال من انتم قالوا محبوك جئناك زائرين فرماهم بالحجارة فهربوا فقال لو كنتم احباى لصبرتم على بلائى
وجاء في بعض الاخبار عن الله تعالى بعينى ما يتحمل المتحملون من اجلى وقال عمر بن الخطاب لو كان الصبر والشكر بعيرين لم ابال ايهما ركبت وفي الحديث المرفوع (الايمان الصبر والسخاء) وفي الخبر العلم خليل المؤمن والحلم وزيره والعقل دليله العمل قائده والرفق والده والبر اخوه والصبر امير جنوده قالوا فناهيك بشرف خصلة تتامر على هذه الخصال والمعنى أن الثبات على هذه الخصال واستدامة التخلق بها انما يكون بالصبر فلذلك كان امير الجنود . ومنها المراقبة جاء في الخبر عن النبي صلى الله عليه وآله أن سائلا ساله عن الاحسان فقال (أن تعبد الله كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك) وهذه اشارة الى حال المراقبة لان المراقبة علم العبد باطلاع الرب عليه فاستدامة العبد لهذا العلم مراقبة للحق وهو اصل كل خير ولا يكاد يصل (1) الى هذه الرتبة الابعد فراغه عن المحاسبة فإذا حاسب نفسه على ما سلف واصلح حاله في الوقت
(1) كذا في ا وفي ب : " يوصل " . (*)
[ 204 ]
ولازم طريق الحق واحسن بينه وبين الله تعالى بمراعاة القلب وحفظ مع الله سبحانه الانفاس راقبه تعالى في عموم احواله فيعلم انه تعالى رقيب عليه يعلم احواله ويرى افعاله ويسمع اقواله ومن تغافل عن هذه الجملة فهو بمعزل عن بداية الوصلة فكيف عن حقائق القربة . ويحكى أن ملكا كان يتحظى جارية له وكان لوزيره ميل باطن إليها فكان يسعى في مصالحها ويرجح جانبها على جانب غيرها من حظايا الملك ونسائه فاتفق أن عرض عليها الملك حجرين من الياقوت الاحمر احدهما انفس من الاخر بمحضر من وزيره فتحيرت ايهما تأخذ فاوما الوزير بعينه الى الحجر الانفس وحانت من الملك التفاته فشاهد عين الوزير وهى مائلة الى ذلك الجانب فبقى الوزير بعدها اربعين سنة
لا يراه الملك قط الا كاسرا عينه نحو الجانب الذى كان طرفه مائلا إليه ذلك اليوم أي كان (1) ذلك خلقه وهذا عزم قوى في المراقبة ومثله فليكن حال من يريد الوصول . ويحكى ايضا أن اميرا كان له غلام يقبل عليه اكثر من اقباله على غيره من مماليكه ولم يكن اكثرهم قيمة ولا احسنهم صورة فقيل له في ذلك فاحب أن يبين لهم فضل الغلام في الخدمة على غيره فكان يوما راكبا ومعه حشمه وبالبعد منهم جبل عليه ثلج فنظر الامير الى الثلج واطرق فركض الغلام فرسه ولم يعلم الغلمان لما ذا ركض فلم يلبث الا قليلا حتى جاء ومعه شئ من الثلج فقال الامير ما ادراك انى اردت الثلج فقال انك نظرت إليه ونظر السلطان الى شئ لا يكون الا عن قصد فقال الامير لغلمانه انما اختصه قباكرامى واقبالي لان لكل واحد منكم شغلا وشغله مراعاة لحظاتي ومراقبة احوالى .
(1) ب : " أن " (*)
[ 205 ]
وقال بعضهم من راقب الله في خواطره عصمة الله في جوارحه . ومنها الرضا وهو أن يرضى العبد بالشدائد والمصائب التى يقضيها الله تعالى عليه وليس المراد بالرضا رضا العبد بالمعاصى والفواحش أو نسبتها الى الرب تعالى عنها فانه سبحانه لا يرضاها كما قال جل جلاله (ولا يرضى لعباده الكفر) (1) . وقال (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها) (2) . قال رويم الرضا أن لو ادخلك جهنم لما سخطت عليه . وقيل لبعضهم متى يكون العبد راضيا قال إذا سرته المصيبة كما سرته النعمة .
قال الشبلى مرة - والجنيد حاضر لاحول ولا قوة الا بالله فقال الجنيد ارى أن قولك هذا ضيق صدر وضيق الصدر يجئ من ترك الرضا بالقضاء . وقال أبو سليمان الدارنى الرضا الا تسال الله الجنة ولا تستعيذ به من النار . و قال تعالى فيمن سخط قسمته (ومنهم من يلمزك في الصدقات فان اعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون) (3) . ثم نبه على ما حرموه من فضيلة الرضا فقال (ولو انهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله انا الى الله راغبون) (3) وجواب (لو) هاهنا محذوف لفهم المخاطب وعلمه به .
(1) سورة الزمر 7 . (2) سورة الاسراء 38 . (3) سورة التوبة 58 ، 59 (*)
[ 206 ]
وفى حذفه فائدة لطيفة وهو أن تقديره (لرضى الله عنهم) ولما كان رضاه عن عباده مقاما جليلا جدا حذف ذكره لان الذكر له لا ينبئ عن كنهه وحقيقة فضله فكان الاضراب عن ذكره ابلغ في تعظيم مقامه . ومن الاخبار المرفوعة انه صلى الله عليه وآله قال (اللهم انى اسالك الرضا بعد القضاء) قالوا انما قال (بعد القضاء) لان الرضا قبل القضاء لا يتصور وانما يتصور توطين النفس عليه وانما يتحقق الرضا بالشئ بعد وقوع ذلك الشئ . وفي الحديث انه قال لابن عباس يوصيه (اعمل لله باليقين والرضا فان لم يكن فالصبر فان في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا) وفي الحديث انه ص راى رجلا من اصحابه وقد اجهده المرض والحاجة فقال ما الذى بلغ بك ما ارى قال المرض والحاجة قال اولا اعلمك كلاما إن انت قلته اذهب الله عنك ما بك قال والذى نفسي بيده ما يسرنى بحظى
منهما أن شهدت معك بدرا والحديبية فقال صلى الله عليه وآله (وهل لاهل بدر والحديبية ما للراضي والقانع) . وقال أبو الدرداء ذروة الايمان الصبر والرضا . قدم سعد بن ابى وقاص مكة بعد ما كف بصره فانثال الناس عليه يسالونه الدعاء لهم فقال له عبد الله بن السائب يا عم انك تدعو للناس فيستجاب لك هلا دعوت أن يرد عليك بصرك فقال يا بن اخى قضاء الله تعالى احب الى من بصرى . عمر بن عبد العزيز اصبحت وما لى سرور الا في مواقع القدر . وكان يقال الرضا اطراح الاقتراح على العالم بالصلاح وكان يقال إذا كان القدر حقا كان سخطه حمقا .
[ 207 ]
وكان يقال من رضى حظى ومن اطرح الاقتراح افلح واستراح . وكان يقال كن بالرضا عاملا قبل أن تكون له معمولا وسر إليه عادلا والا سرت نحوه معدولا . وقيل للحسن من اين اتى الخلق قال من قلة الرضا عن الله فقيل ومن اين دخلت عليهم قلة الرضا عن الله قال من قلة المعرفة بالله . وقال صاحب (1) سلوان المطاع في الرضا (2) يا مفزعى فيما يجئ وراحمي فيما مضى عندي لما تقضيه ما يرضيك من حسن الرضا ومن القطيعة استعيذ مصرحا ومعرضا وقال ايضا (3) كن من مدبرك الحكيم علا وجل على وجل وارض القضاء فانه حتم اجل وله اجل وقال ايضا (4)
يا من يرى حالى وأن ليس لى في غير قربى منه اوطار (5) وليس لى ملتحد دونه ولا عليه لى انصار حاشا لذاك العز الفضل أن يهلك من انت له جار وإن تشا هلكى فهب لى رضا بكل ما تقضى وتختار
(1) هو شمس الدين أبو عبد الله عبد الله محمد بن محمد بن ظفر المكي المتوفى 565 . (2) سلوان المطاع ص 66 . (3) سلوان المطاع ص 66 . (4) سلوان المطاع ص 66 ، 67 . (5) في سلوان المطاع : في غير ما يرضيه اوطار . (*)
[ 208 ]
عندي لاحكامك يا مالكى قلب كما انعمت صبار (1) كل عذاب منك مستعذب ما لم يكن سخطك والنار (2) ومنها العبودية وهى امر وراء العبادة معناها التعبد والتذلل قالوا العبادة للعوام من المؤمنين والعبودية للخواص من السالكين . وقال أبو على الدقاق العبادة لمن له علم اليقين والعبودية لمن له عين اليقين . وسئل محمد بن خفيف متى تصح العبودية فقال إذا طرح كله على مولاه وصبر معه على بلواه . وقال بعضهم العبودية معانقة ما امرت به ومفارقة ما زجرت عنه . وقيل العبودية أن تسلم إليه كلك وتحمل عليه كلك . وفي الحديث المرفوع (تعس عبد الدينار وتعس عبد الخبيصة) . راى أبو يزيد البسطامى رجلا فقال له ما حرفتك قال خربندة قال امات الله حمارك لتكون عبدا لله لا عبدا للحمار .
وكان ببغداد في رباط شيخ الشيوخ صوفي كبير اللحية جدا وكان مغرى ومعنى بها اكثر زمانه يدهنها ويسرحهاو يجعلها ليلا عند نومه في كيس فقام بعض المريدين إليه في الليل وهو نائم فقصها من الاذن الى الاذن فاصبحت كالصريم واصبح الصوفى شاكيا الى شيخ الرباط فجمع الصوفية وسالهم فقال المريد انا قصصتها قال وكيف فعلت ويلك ذلك قال ايها الشيخ انها كانت صنمه وكان يعبدها من دون الله فانكرت ذلك بقلبي واردت أن اجعله عبدا لله لا عبدا للحية .
(1) هذا البيت ساقط من السلوان . (2) في السلوان بعدك والنار . (*)
[ 209 ]
قالوا وليس شئ اشرف من العبودية ولا اسم اتم للمؤمن من اسمه بالعبودية ولذلك قال سبحانه في ذكر النبي صلى الله عليه واله ليلة المعراج وكان ذلك الوقت اشرف اوقاته في الدنيا (سبحان الذى اسرى بعبده ليلا) (1) وقال تعالى (فأوحى الى عبده ما اوحى) (2) فلو كان اسم اجل من العبودية لسماه به . وانشدوا لا تدعني الا بيا عبدها فانه اشرف اسمائي ومنها الارادة قال تعالى (ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه) (3) . قالوا الارادة هي بدء طريق السالكين وهى اسم لاول منازل القاصدين الى الله وانما سميت هذه الصفة ارادة لان الارادة مقدمة كل امر فما لم يرد العبد شيئا لم يفعله فلما كان هذا الشان اول الامر لمن يسلك طريق الله سمى ارادة تشبيها له بالقصد الى الامور التى هو مقدمتها . قالوا والمريد على موجب الاشتقاق من له ارادة ولكن المريد في هذا الاصطلاح
من لا ارادة له فما لم يتجرد عن ارادته لا يكون مريدا كما أن من لا ارادة له على موجب الاشتقاق لا يكون مريدا . وقد اختلفوا في العبارات الدالة على ماهية الارادة في اصطلاحهم فقال بعضهم الارادة ترك ما عليه العادة وعادة الناس في الغالب التعريج على اوطان الغفلة
(1) سورة الاسراء 1 . (2) سورة النجم 10 . (3) سورة الانعام 52 . (*)
[ 210 ]
والركون الى اتباع الشهوة والاخلاد الى ما دعت إليه المنية والمريد هو المنسلخ عن هذه الجملة . وقال بعضهم الارادة نهوض القلب في طلب الرب ولهذا قيل انها لوعة تهون كل روعة . وقال أبو على الدقاق الارادة لوعة في الفؤاد ولذعة في القلب وغرام في الضمير وانزاج في الباطن ونيران تاجج في القلوب . وقال ممشاذ الدينورى مذ علمت أن احوال الفقراء جد كلها لم امازح فقيرا وذلك أن فقيرا قدم على فقال ايها الشيخ اريد أن تتخذ لى عصيدة فجرى على لساني (ارادة وعصيدة) فتأخر الفقير ولم اشعر فأمرت باتخاذ عصيدة وطلبته فلم اجده فتعرفت خبره فقيل انه انصرف من فوره وهو يقول (ارادة وعصيدة ارادة وعصيدة) وهام على وجهه حتى خرج الى الباديه وهو يكرر هذه الكلمة فما زال يقول ويرددها حتى مات . وحكى بعضهم قال كنت بالبادية وحدي فضاق صدري فصحت يا انس كلمونى يا جن كلمونى فهتف هاتف أي شئ ناديت فقلت الله فقال الهاتف
كذبت لو اردته لما ناديت الانس ولا الجن . فالمريد هو الذى لا يشغله عن الله شئ ولا يفتر آناء الليل واطراف النهار فهو في الظاهر بنعت المجاهدات وفي الباطن بوصف المكابدات فارق الفراش ولازم الانكماش وتحمل المصاعب وركب المتاعب وعالج الاخلاق ومارس المشاق وعانق الاهوال وفارق الاشكال فهو كما قيل ثم قطعت الليل في مهمة لا اسدا اخشى ولا ذيبا
[ 211 ]
يغلبنى شوقي فاطوى السرى ولم يزل ذو الشوق مغلوبا وقيل من صفات المريدين التحبب إليه بالتوكل والاخلاص في نصيحه الامة والانس بالخلوة والصبر على مقاساة الاحكام والايثار لامرة والحياء من نظره وبذل المجهود في محبته والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول وعدم الفرار من القلب الى أن يصل الى الرب . وقال بعضهم آفة المريد ثلاثة اشياء التزويج وكتبه الحديث والاسفار . وقيل من حكم المريد أن يكون فيه ثلاثة اشياء نومه غلبه واكله فاقه وكلامه ضرورة . وقال بعضهم نهاية الارادة أن يشير الى الله فيجده مع الاشارة فقيل له واى شئ يستوعب الارادة فقال أن يجد الله بلا اشارة . وسئل الجنيد ما للمريدين وسماع القصص والحكايات فقال الحكايات جند من جند الله تعالى يقوى بها قلوب المريدين فقيل له هل في ذلك شاهد فتلا قوله تعالى (وكلا نقص عليك من انباء الرسل ما نثبت به فؤادك) (1) . وقال اصحاب الطريقة بين المريد والمراد فرق فالمريد من سلك الرياضة طلبا للوصول والمراد من فاضت عليه العناية الالهيه ابتداء فكان مخطوبا لا خاطبا وبين
الخاطب والمخطوب فرق عظيم . قالوا كان موسى عليه السلام مريدا قال (رب اشرح لى صدري) (2) وكان محمد صلى الله عليه وآله مرادا قال له (الم نشرح لك صدرك) (3) وسئل الجنيد عن
(1) سورة هود 120 . (2) سورة طه 25 . (3) سورة الشرح 1 . (*)
[ 212 ]
المريد والمراد فقال المريد سائر والمراد طائر ومتى يلحق السائر الطائر . ارسل ذو النون المصرى رجلا الى ابى يزيد وقال له الى متى النوم والراحة قد سارت القافلة فقال له أبو يزيد قل لاخى الرجل من ينام الليل كله ثم يصبح في المنزل قبل القافلة فقال ذو النون هنيئا له هذا الكلام لا تبلغه احوالنا . وقد تكلم الحكماء في هذا المقام فقال أبو على بن سينا في كتاب (الاشارات) اول درجات حركات العارفين ما يسمونه هم الارادة وهو ما يعترى المستبصر باليقين البرهانى أو الساكن النفس الى العقد الايمانى من الرغبة في اعتلاق العروة الوثقى فيتحرك سره الى القدس لينال من روح الاتصال فما دامت درجته هذه فهو مريد . ثم انه ليحتاج الى الرياضة والرياضة موجهه الى ثلاثة اغراض الاول تنحيه ما دون الحق عن سنن الايثار . والثانى تطويع النفس الامارة للنفس المطمئنة لتنجذب قوى التخيل والوهم الى التوهمات المناسبة للامر القدسي منصرفة من التوهمات المناسبة للامر السفلى . والثالث تلطيف السر لنفسه . فالاول يعين عليه الزهد الحقيقي والثانى يعين عليه عدة اشياء العبادة المشفوعة
بالفكرة ثم الالحان المستخدمة لقوى النفس الموقعة لما لحن بها من الكلام موقع القبول من الاوهام ثم نفس الكلام الواعظ من قائل ذكى بعبارة بليغة ونغمة رخيمة وسمت رشيد والثالث يعين عليه الفكر اللطيف والعشق العفيف الذى تتامر فيه شمائل المعشوق دون سلطان الشهوة .
[ 213 ]
ومنها الاستقامة وحقيقتها الدوام والاستمرار على الحال قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) (1) . وسئل بعضهم عن تارك الاستقامة فقال قد ذكر الله ذلك في كتابه فقال (ولا تكونوا كالتى نقضت غزلها من بعد قوة انكاثا) (2) وفي الحديث المرفوع (شيبتني هود) فقيل له في ذلك فقال قوله (فاستقم كما امرت) (112) . وقال تعالى وأن لو استقاموا على الطريقة لاسقيناهم ماء غدقا فلم يقل (سقيناهم) بل (اسقيناهم) أي جعلنا لهم سقيا دائمة وذلك لان من دام على الخدمة دامت عليه النعمة . ومنها الاخلاص وهو افراد الحق خاصة في الطاعة بالقصد والتقرب إليه بذلك خاصة من غير رياء ومن غير أن يمازجه شئ آخر من تصنع لمخلوق أو اكتساب محمدة بين الناس أو محبه مدح أو معنى من المعاني ولذلك قال ارباب هذا الفن الاخلاص تصفية العمل عن ملاحظة المخلوقين . وقال الخواص من هؤلاء القوم نقصان كل مخلص في اخلاصه رؤية اخلاصه فإذا اراد الله أن يخلص اخلاص عبد اسقط عن اخلاصه رؤيته لاخلاصه فيكون مخلصا لا مخلصا . وجاء في الاثر عن مكحول ما اخلص عبد لله اربعين صباحا الا ظهرت ينابيع
الحكمة من قلبه على لسانه .
(1) سورة فصلت 30 . (2) سورة النحل 92 (3) سورد هود 112 . (4) سورة الجن 16 . (*)
[ 214 ]
ومنها الصدق ويطلق على معنيين تجنب الكذب وتجنب الرياء وقد تقدم القول فيهما . ومنها الحياء وفي الحديث الصحيح (إذا لم تستحى فاصنع ما شئت) وفي الحديث ايضا (الحياء من الايمان) وقال تعالى (الم يعلم بان الله يرى) (1) قالوا معناه الم يستحى . وفي الحديث انه قال لاصحابه (استحيوا من الله حق الحياء) قالوا انا لنستحيى ونحمد الله قال (ليس كذلك من استحيا من الله حق الحياء فليحفظ الراس وما وعى والبطن وما حوى وليذكر الموت وطول البلى وليترك زينة الحياة الدنيا فمن يعمل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء) . وقال ابن عطاء العلم الاكبر الهيبة والحياء فإذا ذهبا لم يبق خير . وقال ذو النون الحب ينطق والحياء يسكت والخوف يقلق . وقال السرى الحياء والانس يطرقان القلب فان وجدا فيه الزهد والورع حطا والا رحلا . وكان يقال تعامل القرن الاول من الناس فيما بينهم بالدين حتى رق الدين ثم تعامل القرن الثاني بالوفاء حتى ذهب الوفاء ثم تعامل القرن الثالث بالمروءة حتى فنيت المروءة ثم تعامل القرن الرابع بالحياء حتى قل الحياء ثم صار الناس يتعاملون بالرغبة والرهبة
(1) سورة العلق 14 . (*)
[ 215 ]
وقال الفضيل خمس من علامات الشقاء القسوة في القلب وجمود العين وقلة الحياء والرغبة في الدنيا وطول الامل . وفسر بعضهم قوله تعالى (ولقد همت به وهم بها لو لا أن راى برهان ربه) (1) انها كان لها صنم في زاوية البيت فمضت فالقت على وجهه ثوبا فقال يوسف ما هذا قالت استحيى منه قال فانا اولى أن استحيى من الله . وفي بعض الكتب القديمة ما انصفني عبدى يدعوني فاستحيى أن ارده ويعصيني وانا اراه فلا يستحيى منى ومنها الحرية وهو الا يكون الانسان بقلبه رق شئ من المخلوقات لا من اغراض الدنيا ولا من اغراض الاخرة فيكون فردا لفرد لا يسترقه عاجل دنيا ولا آجل منى ولا حاصل هوى ولا سؤال ولا قصد ولا ارب . قال له صلى الله عليه وآله بعض اصحاب الصفة قد عزفت نفسي يا رسول الله عن الدنيا فاستوى عندي ذهبها وحجرها قال صرت حرا . وكان بعضهم يقول لو صحت صلاة بغير قرآن لصحت بهذا البيت اتمنى على الزمان (2) محالا أن ترى مقلتاى طلعة حر وسئل الجنيد عمن لم يبق له من الدنيا الا مقدار مص نواة فقال المكاتب عبد ما بقى عليه درهم . ومنها الذكر قال الله تعالى (يا ايها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا) (3)
(1) سورة يوسف 24 . (2) ب " من الزمان " وما اثبته من ا . (3) سورة الاحزاب 41 . (*)
[ 216 ]
وروى أبو الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال الا انبئكم بخير اعمالكم وازكاها عند خالقكم وارفعها في درجاتكم وخير من اعطائكم الذهب والفضة في سبيل الله ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا اعناقهم ويضربوا اعناقكم) قالوا ما ذلك يا رسول الله قال (ذكر الله) وفي الحديث المرفوع (لا تقوم الساعة على احد يقول الله الله) . وقال أبو على الدقاق الذكر منشور الولاية فمن وفق للذكر فقد اعطى المنشور وسلب الذكر فقد عزل . وقيل ذكر الله تعالى بالقلب سيف المريدين به يقاتلون اعداءهم وبه يدفعون الافات التى تقصدهم وإن البلاء إذا اظل العبد ففزع بقلبه الى الله حاد عنه كل ما يكرهه . وفي الخبر المرفوع (إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا فيها) قيل وما رياض الجنة قال (مجالس الذكر) وفي الخبر المرفوع (انا جليس من ذكرني) . وسمع الشبلى هو ينشد ذكرتك لا انى نسيتك لمحة وايسر ما في الذكر ذكر لساني فكدت بلا وجد اموت من الهوى وهام على القلب بالخفقان فلما ارانى الوجد انك حاضرى شهدتك موجودا بكل مكان فخاطبت موجودا بغير تكلم ولاحظت معلوما بغير عيان .
[ 217 ]
ومنها الفتوة قال سبحانه مخبرا عن اصحاب الاصنام (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له ابراهيم) (1) .
وقال تعالى في اصحاب الكهف (انهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى) (2) . وقد اختلفوا في التعبير عن الفتوة ما هي فقال بعضهم الفتوة الا ترى لنفسك فضلا على غيرك . وقال بعضهم الفتوة الصفح عن عثرات الاخوان . قالوا انما هتف الملك يوم احد بقوله لا سيف الا ذو الفقار ولا فتى الا على . لانه كسر الاصنام فسمى بما سمى به ابوه ابراهيم الخليل حين كسرها وجعلها جذاذا . قالوا وصنم كل انسان نفسه فمن خالف هواه فقد كسر صنمه فاستحق أن يطلق عليها لفظ الفتوة . وقال الحارث المحاسبى الفتوة أن تنصف ولا تنتصف . وقال عبد الله بن احمد بن حنبل سئل ابى عن الفتوة فقال ترك ما تهوى لما تخشى . وقيل الفتوة الا تدخر ولا تعتذر . سال شقيق البلخى جعفر بن محمد الصادق عليه السلام عن الفتوه فقال ما تقول انت قال إن اعطينا شكرنا وإن منعنا صبرنا قال إن الكلاب عندنا بالمدينة هذا شانها ولكن قل إن اعطينا آثرنا وإن منعنا شكرنا .
(1) سورة الانبياء 60 . (2) سورة الكهف 13 . (*)
[ 218 ]
ومنها الفراسة قيل في تفسير قوله تعالى (إن في ذلك لايات للمتوسمين) (1) أي للمتفرسين وقال النبي صلى الله عليه واله (اتقوا فراسة المؤمن فانها لا تخطى) قيل الفراسة سواطع انوار لمعت في القلوب حتى شهدت الاشياء من حيث اشهدها
الحق اياها وكل من كان اقوى ايمانا كان اشد فراسه . وكان يقال إذا صحت الفراسة ارتقى منها صاحبها الى المشاهدة . ومنها حسن الخلق وهو من صفات العارفين فقد اثنى الله تعالى به على نبيه فقال (وانك لعلى خلق عظيم) (2) وقيل له صلى الله عليه وآله أي المؤمنين افضل ايمانا فقال احسنهم خلقا وبالخلق تظهر جواهر الرجال والانسان مستور بخلقه مشهور بخلقه . وقال بعضهم حسن الخلق استصغار ما منك واستعظام ما اليك . وقال النبي صلى الله عليه واله (انكم لن تسعوا الناس باموالكم فسعوهم باخلاقكم) . قيل لذى النون من اكبر الناس هما قال اسوؤهم خلقا . وكان يقال ما تخلق احد اربعين صباحا بخلق اصار ذلك طبيعة فيه . قال الحسن في قوله تعالى (وثيابك فطهر) (3) أي وخلقك فحسن . شتم رجل الاحنف بن قيس وجعل يتبعه ويشتمه فلما قرب الحى وقف وقال يا فتى إن كان قد بقى في قلبك شئ فقله كيلا يسمعك سفهاء الحى فيجيبوك .
(1) سورة الحجر 75 . (2) سورة القلم 4 . (3) سورة المدثر 4 . (*)
[ 219 ]
ويقال إن معروفا الكرخي نزل دجلة ليسبح ووضع ثيابه ومصحفه فجاءت امراة فاحتملتهما فتبعها وقال انا معروف الكرخي فلا باس عليك ا لك ابن يقرا قالت لا قال ا فلك بعل قالت لا قال فهاتى المصحف وخذي الثياب . قيل لبعضهم ما ادب الخلق قال ما ادب الله به نبيه في قوله (خذ العفو
وامر بالعرف واعرض عن الجاهلين) (1) يقال إن في بعض كتب النبوات القديمة يا عبدى اذكرني حين تغضب اذكرك حين اغضب . قالت امراة لمالك بن دينار يا مرائى فقال لقد وجدت اسمى الذى اضله اهل البصرة . قال بعضهم - وقد سئل عن غلام سوء له لم يمسكه قال ا تعلم عليه الحلم . وكان يقال ثلاثة لا يعرفون الا عند ثلاثة الحليم عند الغضب والشجاع عند الحرب والصديق عند الحاجة إليه . وقيل في تفسير قوله تعالى (واسبغ عليكم نعمه ظاهره وباطنه) (2) الظاهرة تسوية الخلق والباطنة تصفية الخلق . الفضيل لان يصحبني فاجر حسن الخلق احب الى من أن يصحبني عابد سيئ الخلق . خرج ابراهيم بن ادهم الى بعض البراري فاستقبله جندي فسأله اين العمران فاشار الى المقبرة فضرب راسه فشجه وادماه فلما جاوزه قيل له إن ذلك ابراهيم بن ادهم (1) سورة الاعراف 199 . (2) سورة لقمان 20 . (*)
[ 220 ]
زاهد خراسان فرد إليه يعتذر فقال ابراهيم انك لما ضربتني سالت الله لك الجنة . قال لم سالت ذلك قال علمت انى اوجر على ضربك لى فلم ارد أن يكون نصيبي منك الخير ونصيبك منى الشر . وقال بعض اصحاب الجنيد قدمت من مكة فبدات بالشيخ كى لا يتعنى الى فسلمت عليه ثم مضيت الى منزلي فلما صليت الصبح في المسجد إذا انابه خلفي في
الصف فقلت انما جئتك امس لئلا تتعنى فقال ذلك فضلك وهذا حقك . كان أبو ذر على حوض يسقى ابله فزاحمه انسان فكسر الحوض فجلس أبو ذر ثم اضطجع فقيل له في ذلك فقال امرنا رسول الله صلى الله عليه وآله (إذا غضب الرجل وهو قائم فليجلس فان ذهب عنه والا فليضطجع) . دعا انسان بعض مشاهير الصوفية الى ضيافة فلما حضر باب داره رده واعتذر إليه ثم فعل به مثل ذلك وثانية وثالثة والصوفى لا يغضب ولا يضجر فمدحه ذلك الانسان واثنى عليه بحسن الخلق فقال انما تمدحني على خلق تجد مثله في الكلب إن دعوته حضر وإن زجرته انزجر . مر بعضهم وقت الهاجرة بسكة فالقى عليه من سطح طست رماد فغضب من كان في صحبته فقال لا تغضبوا من استحق أن يصب عليه النار فصولح على الرماد لم تجز له أن يغضب . كان لبعض الخياطين جار يدفع إليه ثيابا فيخيطها ويدفع إليه اجرتها دراهم زيوفا فيأخذها فقام يوما من حانوته واستخلف ولده فجاء الجار بالدراهم الزائفة فدفعها الى الولد فلم يقبلها فابدلها بدراهم جيدة فلما جاء ابوه دفع إليه الدراهم فقال ويحك هل جرى بينك وبينه امر قال نعم انه احضر الدراهم زيوفا فرددتها فاحضر هذه
[ 221 ]
فقال بئس ما صنعت انه منذ كذا وكذا سنه يعاملني بالزائف واصبر عليه والقيها في بئر كى لا يغر غيرى بها وقيل الخلق السيئ هو أن يضيق قلب الانسان عن أن يتسع لغير ما تحبه النفس وتؤثره كالمكان الضيق لا يسع غير صاحبه . وكان يقال من سوء الخلق أن تقف على سوء خلق غيرك وتعيبه به . قيل لرسول الله ادع الله على المشركين فقال (انما بعثت رحمة
ولم ابعث عذابا) دعا على عليه السلام غلاما له مرارا وهو لا يجيبه فقام إليه فقال الا تسمع يا غلام قال بلى قال فما حملك على ترك الجواب قال امني لعقوبتك قال اذهب فانت حر . ومنها الكتمان قال رسول الله صلى الله عليه وآله (استعينوا على اموركم بالكتمان) . وقال السرى علامة الحب الصبر والكتمان ومن باح بسرنا فليس منا . وقال الشاعر كتمت حبك حتى منك تكرمة ثم استوى فيك اسراري واعلاني كانه غاض حتى فاض عن جسدي فصار سقمى به في جسم كتماني وهذا ضد ما يذهب إليه القوم من الكتمان وهو عذر لاصحاب السر والاعلان وكان يقال المحبة فاضحه والدمع نمام . وقال الشاعر لا جزى الله دمع عينى خيرا وجزى الله كل خير لساني
[ 222 ]
فاض دمعى فليس يكتم شيئا ووجدت اللسان ذا كتمان يقال إن بعض العارفين اوصى تلميذه بكتمان ما يطلع عليه من الحال فلما شاهد الامر غلب فكان يطلع في بئر في موضع خال فيحدثها بما يشاهد فنبتت في تلك البئر شجرة سمع منها صوت يحكى كلام ذلك التلميذ كما يحكى الصدا كلام المتكلم فاسقط بذلك من ديوان الاولياء . وانشدوا ابدا تحن اليكم الارواح ووصالكم ريحانها والراح
وقلوب اهل ودادكم تشتاقكم والى لقاء جمالكم ترتاح وارحمه للعاشقين تحملوا ثقل المحبة والهوى فضاح بالسر إن باحوا تباح دماؤهم وكذا دماء البائحين تباح . وقال الحسين بن منصور الحلاج انى لاكتم من علمي جواهره كى يرى العلم ذو جهل فيفتننا وقد تقدمنى فيه أبو حسن الى الحسين واوصى قبله الحسنا يا رب مكنون علم لو ابوح به لقيل لى انت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال صالحون دمى يرون اقبح ما ياتونه حسنا . ومنها الجود والسخاء والايثار قال الله تعالى (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) (1) وقال النبي صلى الله عليه وآله السخى قريب من الله قريب من الناس
(1) سورة الحشر 9 . (*)
[ 223 ]
والبخيل بعيد من الله بعيد من الناس وإن الجاهل السخى احب الى الله من العابد البخيل . قالوا لا فرق بين الجود والسخاء في اصطلاح اهل العربية الا أن الباري سبحانه لا يوصف بالسخاء لانه يشعر بسماح النفس عقيب التردد في ذلك واما في اصطلاح ارباب هذه الطريقة فالسخاء هو الرتبة الاولى والجود بعده ثم الايثار فمن اعطى البعض وابقى البعض فهو صاحب السخاء ومن اعطى الاكثر وابقى لنفسه شيئا فهو صاحب الجود والذى قاسى الضراء وآثر غيره بالبلغة فهو صاحب الايثار . قال اسماء بن خارجة الفزارى ما احب أن ارد احدا عن حاجة طلبها إن كان كريما صنت عرضه عن الناس وإن كان لئيما صنت عنه عرضى . كان مؤرق العجلى يتلطف في بر اخوانه يضع عندهم الف درهم ويقول امسكوها
حتى اعود اليكم ثم يرسل إليهم انتم منها في حل . وكان يقال الجود اجابه الخاطر الاول . وكان أبو الحسن البوشنجى في الخلاء فدعا تلميذا له فقال انزع عنى هذا القميص وادفعه الى فلان فقيل له هلا صبرت فقال لم آمن على نفسي أن تغير على ما وقع لى من التخلق معه بالقميص . رئى على عليه السلام يوما باكيا فقيل له لم تبكى فقال لم ياتنى ضيف منذ سبعة ايام اخاف أن يكون الله قد اهانني . اضاف عبد الله بن عامر رجلا فاحسن قراه فلما اراد أن يرتحل لم يعنه غلمانه فسئل عن ذلك فقال انهم انما يعينون من نزل علينا لا من ارتحل عنا . ومنها الغيرة قال رسول الله صلى الله عليه وآله (لا احد اغير من الله انما حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن لغيرته)
[ 224 ]
وفي حديث ابى هريرة (إن الله ليغار وإن المؤمن ليغار) قال والغيرة هي كراهية المشاركة فيما هو حقك . وقيل الغيرة الانفة والحمية . وحكى عن السرى انه قرئ بين يديه (وإذا قرات القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالاخرة حجابا مستورا) (1) فقال لاصحابه ا تدرون ما هذا الحجاب هذا حجاب الغيرة ولا احد اغير من الله . قالوا ومعنى حجاب الغيرة انه لما اصر الكافرون على الجحود عاقبهم بان لم يجعلهم اهلا لمعرفة اسرار القرآن . وقال أبو على الدقاق إن اصحاب الكسل عن عبادته هم الذين ربط الحق باقدامهم مثقلة الخذلان فاختار لهم البعد واخرهم عن محل القرب ولذلك تأخروا . وفي معناه انشدوا فقالوا
انا صب بمن هويت ولكن ما احتيالى في سوء راى الموالى . وفي معناه قالوا سقيم لا يعاد ومريد لا يراد . وكان أبو على الدقاق إذا وقع شئ في خلال المجلس يشوش قلوب الحاضرين يقول هذا من غيره الحق يريد به الا يتم ما املناه من صفاء هذا الوقت . وانشدوا في معناه همت باتياننا حتى إذا نظرت الى المراة نهانا وجهها الحسن . وقيل لبعضهم ا تريد أن تراه قال لا قيل لم قال انزه ذلك الجمال عن نظر مثلى وفي معناه انشدوا انى لاحسد ناظري عليك حتى اغض إذا نظرت اليك
(1) الاسراء : 45 . (*)
[ 225 ]
واراك تخطر في شمائلك التى هي فتنتى فاغار منك عليكا وسئل الشبلى متى تستريح قال إذا لم ار له ذاكرا . وقال أبو على الدقاق في قول النبي صلى الله عليه وآله عند مبايعته فرسا من اعرابي وانه استقاله فاقاله فقال الاعرابي عمرك الله فمن انت قال صلى الله عليه وآله انا امرؤ من قريش فقال بعض الصحابة من الحاضرين للاعرابي كفاك جفاء الا تعرف نبيك فكان أبو على يقول انما قال (امرؤ من قريش) غيره ونوعا من الانفة والا فقد كان الواجب عليه أن يتعرف لكل احد انه من هو لكن الله سبحانه اجرى على لسان ذلك الصحابي التعريف للاعرابي بقوله (كفاك جفاء الا تعرف نبيك) . وقال اصحاب الطريقة مساكنة احد من الخلق للحق في قلبك توجب الغيرة منه تعالى .
اذن الشبلى مرة فلما انتهى الى الشهادتين قال وحقك لو لا انك امرتني ما ذكرت معك غيرك . وسمع رجل رجلا يقول جل الله فقال احب أن تجله عن هذا . وكان بعض العارفين يقول لا اله الا الله من داخل القلب محمد رسول الله من قرط الاذن . وقيل لابي الفتوح السهروردى - وقد اخذ بحلب ليصلب على خشبه ما الذى اباحهم هذا منك قال إن هؤلاء دعوني الى أن اجعل محمدا شريكا لله في الربوبية فلم افعل فقتلوني .
[ 226 ]
ومنها التفويض قال الله تعالى (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وانتم لا تعلمون) (1) فاستوقف من عقل امره عن الاقتراح عليه وافهمه ما يرضاه به من التفويض إليه فالعاقل تارك للاقتراح على العالم بالصلاح . وقال تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا) (2) فبعث على تأكيد الرجاء بقوله (خيرا كثيرا) . ولما فوض مؤمن آل فرعون امره الى الله وقاه (الله سيئات ما مكروا وحاق بال فرعون سوء العذاب) (3) كما ورد في الكتاب العزيز . وحقيقة التفويض هي التسليم لاحكام الحق سبحانه والى ذلك وقعت الاشارة بقوله تعالى (قل لن يصيبنا الاما كتب الله لنا هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (4) فاس التفويض والباعث عليه هو اعتقاد العجز عن مغالبة القدر وانه لا يكون في الخير والشر - اعني الرخص والصحة وسعة الرزق والبلايا والامراض والعلل وضيق الرزق الا ما اراد الله تعالى كونه ولا يصح التفويض ممن
لم يعتقد ذلك ولم يعلمه علم اليقين . وقد بالغ النبي صلى الله عليه وآله في التصريح به والنص عليه بقوله لعبد الله بن مسعود (ليقل همك ما قدر اتاك وما لم يقدر لم ياتك ولو جهد الخلق أن ينفعوك بشئ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا عليه ولو جهدوا أن يضروك بشئ لم يكتبه الله عليك لم يقدروا على ذلك)
(1) سورة البقرة 216 . (2) سورة النساء 19 . (3) سورة غافر 45 . (4) سورة التوبة 51 . (*)
[ 227 ]
وفى صحيح مسلم بن الحجاج انه قال لابي هريرة في كلام له (فان اصابك شئ فلا تقل لو فعلت كذا لكان كذا فان (لو) تفتح عمل الشيطان ولكن قل ما قدر الله وما شاء فعل) وفي صحيح مسلم ايضا عن البراء بن عازب (إذا اخذت مضجعك فقل كذا . . .) الى أن قال (وجهت وجهى اليك والجات ظهرى اليك رغبة ورهبة اليك لا منجى ولا ملجا منك الا اليك) . وكان يقال معارضة المريض طبيبة توجب تعذيبه وكان يقال انما الكيس الماهر من امسى (1) في قبضه القاهر . وكان يقال إذا كانت مغالبة القدر مستحيلة فما من اعوان تقوده الى الحيلة . وكان يقال إذا التبست المصادر ففوض الى القادر . وكان يقال من الدلالة على أن الانسان مصرف مغلوب ومدبر مربوب أن يتبلد رأيه في بعض الخطوب ويعمى عليه الصواب المطلوب . وإذا كان كذلك فربما كان تدميره في تدبيره واغتياله من احتياله وهلكته من حركته .
وفي ذلك انشدوا ايا من يعول في المشكلات على ما رآه وما دبره (2) إذا اعضل الامر فافزع به الى من يرى منه ما لم تره تكن بين عطف يقيل الخطوب ولطف يهون ما قدره إذا كنت تجهل عقبى الامور وما لك حول ولا مقدرة فلم ذا العنا وعلام الاسى ومم الحذار وفي م الشره .
(1) كذا في ا وفى ب : (استسلم) (2) الابيات لابن ظفر وهى في كتابه سلوان المطاع 8 . (*)
[ 228 ]
وانشدوا في هذا العنى يا رب مغتبط ومغبوط بامر فيه هلكة (1) ومنافس في ملك ما يشقيه في الدارين ملكه علم العواقب دونه ستر وليس يرام هتكه ومعارض الاقدار بالاراء سئ الحال ضنكه فكن امرا محض اليقين وزيف الشبهات سبكة تفويضه توحيده وعناده المقدار شركه . ومنها الولاية والمعرفة وقد تقدم القول فيهما . ومنها الدعاء والمناجاة قال الله تعالى (ادعوني استجب لكم) (2) وفي الحديث المرفوع (الدعاء مخ العبادة) . وقد اختلف ارباب هذا الشان في الدعاء فقال قوم (الدعاء مفتاح الحاجة ومستروح اصحاب الفاقات وملجا المضطرين ومتنفس ذوى المارب . وقد ذم الله تعالى قوما فقال (ويقبضون ايديهم) (2) فسروه وقالوا لا يمدونها
إليه في السؤال . وقال سهل بن عبد الله التسترى خلق الله الخلق وقال تاجروا في فان لم تفعلوا فاسمعوا منى فان لم تفعلوا فكونوا ببابى فان لم تفعلوا فانزلوا حاجاتكم بى . قالوا وقد اثنى الله على نفسه فقال (امن يجيب المضطر إذا دعاه) (4) قالوا الدعاء اظهار فاقة العبودية .
(1) لابن ظفر سلوان المطاع 8 . (2) سورة غافر 60 (3) سورة التوبة 67 (4) سورة النمل 62 (*)
[ 229 ]
وقال أبو حاتم الاعرج لان احرم الدعاء اشد على من أن احرم الاجابة . وقال قوم بل السكوت والخمود تحت جريان الحكم والرضا بما سبق من اختيار الحكيم العالم بالمصالح اولى ولهذا قال الواسطي اختيار ما جرى لك في الازل خير لك من معارضة الوقت . وقال النبي صلى الله عليه وآله اخبارا عن الله تعالى (من شغله ذكرى عن مسالتي اعطيته افضل ما اعطى السائلين) . وقال قوم يجب أن يكون العبد صاحب دعاء بلسانه وصاحب رضا بقلبه لياتى بالامرين جميعا . وقال قوم إن الاوقات تختلف ففى بعض الاحوال يكون الدعاء افضل من السكوت وفي بعض الاحوال يكون بالعكس وانما يعرف هذا في الوقت لان علم الوقت يحصل في الوقت فإذا وجد في قلبه الاشارة الى الدعاء فالدعاء اولى وإن وجد بقلبه الاشارة الى السكوت فالسكوت له اتم واولى . وجاء في الخبر (إن الله يبغض العبد فيسرع اجابته بغضا لسماع صوته وانه يحب العبد فيؤخر اجابته حبا لسماع صوته) .
ومن ادب الدعاء حضور القلب فقد روى عنه صلى الله عليه وآله (إن الله لا يستجيب دعاء قلب لاه) . ومن شروط الاجابة طيب الطعمة وحل المكسب قال صلى الله عليه وآله لسعد بن ابى وقاص (اطب كسبك تستجب دعوتك) .
[ 230 ]
وينبغى أن يكون الدعاء بعد المعرفة قيل لجعفر بن محمد الصادق عليه السلام ما بالنا ندعو فلا يستجاب لنا قال لانكم تدعون من لا تعرفونه . كان صالح المرى يقول كثيرا ادعوا فمن ادمن قرع الباب يوشك أن يفتح له فقالت له رابعة العدوية ما ذا تقول اغلق هذا الباب حتى يستفتح فقال صالح شيخ جهل وامراة علمت . وقيل فائدة الدعاء اظهار الفاقة من الخلق والا فالرب يفعل ما يشاء . وقيل دعاء العامة بالاقوال ودعاء العابد بالافعال ودعاء العارف بالاحوال . وقيل خير الدعاء ما هيجه الاحزان والوجد . وقيل اقرب الدعاء الى الاجابة دعاء الاضطرار لقوله تعالى (امن يجيب المضطر إذا دعاه) . قال اصحاب هذه الطريقة السنة المبتدئين ارباب الارادة منطلقة بالدعاء والسنة المحققين الواصلين قد خرست عن ذلك . وكان عبد الله بن المبارك يقول ما دعوته منذ خمسين سنة ولا اريد أن يدعو لى احد . وقيل الدعاء سلم المذنبين . وقال من قال بنقيض هذا الدعاء مراسلة وما دامت المراسلة باقية فالامر جميل بعد . وقالوا السنة المذنبين دموعهم .
وكان أبو على الدقاق يقول إذا بكى المذنب فقد راسل الله . وفي معناه انشدوا دموع الفتى عما يجن تترجم وانفاسه تبدين ما القلب يكتم .
[ 231 ]
وقال بعضهم لبعض العارفين ادع لى فقال كفاك من الاجابة الا تجعل بينك وبينه واسطة . ومنها التأسي قال سبحانه (لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنه) (1) أي في مصابه ومانيل منه في نفسه وفي اهله يوم احد فلا تجزعوا إن اصيب بعضكم . وجاء في الحديث المرفوع لا تنظروا الى من فوقكم وانظروا الى من دونكم فانه اجدر الا تزدروا نعم الله عليكم . وقالت الخنساء ترثى اخاها ولو لا كثرة الباكين حولي على اخوانهم لقتلت نفسي (2) وما يبكون مثل اخى ولكن اعزى النفس عنه بالتاسى . وحقيقة التأسي تهوين المصائب والنوائب على النفس بالنظر الى ما اصاب امثالك ومن هو ارفع محلا منك . وقد فسر العلماء قوله تعالى (ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم انكم في العذاب مشتركون) (3) قال انه لا يهون على احد من اهل النار عذابه وإن تأسي بغيره من المعذبين لان الله تعالى جعل لهم التأسي نافعا في الدنيا ولم يجعله نافعا لاهل النار مبالغة في تعذيبهم ونفيا لراحة تصل إليهم .
(1) سورة الاحزاب 21 . (2) ديوانها 152 (3) سورة الزخرف 39 (*)
[ 232 ]
ومنها الفقر وهو شعار الصالحين قال رسول الله صلى الله عليه وآ له (اللهم احينى مسكينا وامتنى مسكينا واحشرني مع المساكين) . قال لعلى عليه السلام (إن الله قد زينك بزينة لم يزين العباد باحسن منها وهب لك حب المساكين فجعلك ترضى بهم اتباعا ويرضون بك اماما) . وجاء في الخبر المرفوع (الفقراء الصبر جلساء الله يوم القيامة) . وسئل يحيى بن معاذ عن الفقر فقال الا تستغنى الا بالله . وقال أبو الدرداء لان اقع من فوق قصر فاتحطم احب الى من مجالسة الغني لانى سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول (اياكم ومجالسه الموتى) فقيل له وما الموتى قال الاغنياء . قيل للربيع بن خثيم قد غلا السعر قال نحن اهون على الله من أن يجيعنا انما يجيع اولياءه . وقيل ليحيى بن معاذ ما الفقر قال خوف الفقر . وقال الشبلى ادنى علامات الفقير أن لو كانت الدنيا باسرها لواحد فانفقها في يوم واحد ثم خطر بباله (لو امسكت منها قوت يوم آخر) لم يصدق في فقره . سئل ابن الجلاء عن الفقر فسكت ثم ذهب قليلا وعاد فقال كانت عندي اربعة دوانيق فضه فاستحييت من الله أن اتكلم في الفقر وهى عندي فذهبت فاخرجتها ثم قعد فتكلم في الفقر . وقال أبو على الدقاق في تفسير قوله صلى الله عليه وآله (من تواضع لغنى ذهب ثلثا دينه إن المرء بقلبه ولسانه وجوارحه فمن تواضع لغنى بلسانه وجوارحه ذهب ثلثا دينه فان تواضع له مع ذلك بقلبه ذهب دينه كله .
[ 233 ]
ومنها الادب قالوا في تفسير قوله تعالى (ما زاع البصر وما طغى) (1) حفظ ادب لحضره . قيل انه عليه السلام لم يمد نظره فوق المقام الذى اوصل إليه ليله شاهد السدرة وهى اقصى ما يمكن أن ينتهى إليه البشريون . وفي الحديث المرفوع (ادبنى ربى فاحسن تأديبي) وقيل إن الجنيد لم يمد رجله في الخلوة عشرين سنة وكان يقول الادب مع الله اولى من الادب مع الخلق . وقال أبو على الدقاق من صاحب الملوك بغير ادب اسلمه الجهل الى القتل . ومن كلامه عليه السلام ترك الادب يوجب الطرد فمن اساء الادب على البساط رد الى الباب ومن اساء الادب على الباب رد الى ساحة الدواب . وقال عبد الله بن المبارك قد اكثر الناس في الادب وعندي إن الادب معرفه الانسان بنفسه . وقال الثوري من لم يتادب للوقت فوقته مقت . وقال أبو على الدقاق في قوله تعالى حكايه عن ايوب (إذ نادى ربه انى مسنى الضر وانت ارحم الراحمين) (2) قال لم يقل (فارحمني) لانه حفظ آداب الخطاب وكذلك قال في قول عيسى (إن كنت قلته فقد علمته) (3) قال لم يقل (لم اقل) رعاية لادب الحضرة .
(1) سورة النجم 17 . (2) سورة الانبياء 83 . (3) سورة المائدة 116 . (*)
[ 234 ]
ومنها المحبة وهى مقام جليل قالوا المحبة أن تهب كلك لمن احببت فلا يبقى لك
منك شئ . قيل لبعض العرب ما وجدت من حب فلانه قال ارى القمر على جدارها احسن منه على جدران الناس . وقال أبو عبد الرحمن السلمى المحبة أن تغار على محبوبك أن يحبه غيرك . وقال النصراباذى المحبه نوعان نوع يوجب حقن الدماء ونوع يوجب سفك الدماء . وقال يحيى بن معاذ المحبة الخالصة الا تنقص بالجفاء ولا تزيد بالبر وقيل للنصر اباذى كيف حالك في المحبة قال عدمت وصال المحبين ورزقت حسراتهم فهو ذا انا احترق فيها ثم قال المحبة مجانبة السلو على كل حال . وانشدوا ومن كان في طول الهوى ذاق سلوة فانى من ليلى لها غير ذائق واكثر شئ نلته من وصالها اماني لم تصدق كلمحه بارق وجاء في الحديث المرفوع (المرء مع من احب) ولما سمع سمنون هذا الخبر قال فاز المحبون بشرف الدنيا والاخرة لانهم مع الله تعالى . وفي الحديث المرفوع (لاعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وهذا يتجاوز حد الجلالة والشرف . وكان يقال الحب اوله ختل وآخره قتل . قيل كتب يحيى بن معاذ الى ابى يزيد سكرت من كثرة ما شربت من محبته فكتب إليه أبو زيد غيرك شرب بحور السموات والارض وما روى بعد ولسانه خارج وهو يقول هل من مزيد .
[ 235 ]
: وانشد عجبت لمن يقول ذكرت حبى وهل انسى فاذكر ما نسيت
شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفد الشراب ولا رويت . وقيل المحبة سكر لا يصحو صاحبه الا بمشاهدة محبوبه ثم السكر الذى يحصل عند المشاهدة لا يوصف . وانشدوا فاسكر القوم دور كاس وكان سكرى من المدير . ومنها الشوق جاء في الخبر المرفوع إن الجنة لتشتاق الى ثلاثة على وسلمان وعمار . الشوق مرتبة من مراتب القوم ومقام من مقامتهم سئل ابن عطاء الشوق اعلى ام المحبة فقال المحبة لان الشوق منها يتولد . ومن الادعية النبوية المأثورة الدعاء الذى كان يدعو به عمار بن ياسر رضى الله عنه (اللهم بعلمك بالغيب وقدرتك على الخلق احينى ما علمت الحياة خيرا لى وتوفنى ما كانت الوفاة خيرا لى اللهم انى اسالك خشيتك في الغيب والشهادة واسالك كلمة الحق في الرضا والغضب واسالك القصد في الغنى والفقر واسالك نعيما لا يبيد وقرة عين لا تنقطع واسالك الرضا بعد القضاء وبرد العيش بعد الموت واسالك النظر الى وجهك والشوق الى لقائك من غير ضراء مضرة اللهم زينا بزينة الايمان واجعلنا هداة مهتدين) . قالوا الشوق احتياج القلب الى لقاء المحبوب وعلى قدر المحبة يكون الشوق وعلامة الشوق حب الموت .
[ 236 ]
وهذا هو السر في قوله تعالى (فتمنوا الموت إن كنتم صادقين) (1) أي إن من كان صاحب محبة يتمنى لقاء محبوبه فمن لا يتمنى ذلك لا يكون صادق المحبة . قيل لبعض الصوفية هل تشتاق إليه فقال انما الشوق الى غائب وهو حاضر
لا يغيب . وقالوا في قوله تعالى (من كان يرجو لقاء الله فان اجل الله لات) (2) انه تطيب لقلوب المشتاقين . ويقال انه مكتوب في بعض كتب النبوات القديمة شوقناكم فلم تشتاقوا وزمرنا لكم فلم ترقصوا وخوفناكم فلم ترهبوا ونحنا لكم فلم تحزنوا وقيل إن شعيبا بكى حتى عمى فرد الله إليه بصره ثم بكى حتى عمى فرد عليه بصره ثم كذلك ثلاثا فقال الله تعالى (إن كان هذا البكاء شوقا الى الجنة فقد ابحتها لك وإن كان خوفا من النار فقد اجرتك منها) فقال وحقك لا هذا ولا هذا ولكن شوقا اليك فقال له (لاجل ذلك اخدمتك نبيى وكليمي عشر سنين . ومنها الزهد ورفض الدنيا قال سبحانه (ولا تمدن عينيك الى ما متعنا به ازواجا منهم زهرة الحياة الدنيا) (3) وجاء في الخبر إن يوسف عليه السلام كان يجوع في سنى الجدب فقيل له ا تجوع وانت على خزائن مصر فقال اخاف أن اشبع فانسى الجياع وكذلك قال على عليه السلام وقد قيل له ا هذا لباسك وهذا ما ماكولك وانت امير
(1) سورة البقرة 94 (2) سورة العنكبوت 5 (3) سورة طه 131 (*)
[ 237 ]
المؤمنين فقال نعم إن الله فرض على ائمه العدل أن يقدروا لانفسهم كضعفه الناس كيلا يتبيغ (1) بالفقير فقره . ومنع عمر بن الخطاب نفسه عام الرمادة الدسم وقال لا آكله حتى يصيبه المسلمون جميعا .
وكان عمر بن عبد العزيز من اكثر الناس تنعما قبل أن يلى الخلافة قومت ثيابه حينئذ بالف دينار وقومت وهو يخطب الناس ايام خلافته بثلاثة دراهم . واعلم إن بعض هذه المراتب والمقامات التى ذكرناها للقوم قد يكون متداخلا في الظاهر وله في الباطن عندهم فرق يعرفه من يانس بكتبهم وقد اتينا في تقسيم مراتبهم وتفصيل مقاماتهم في هذا الفصل بما فيه كفاية
(1) يتبيع به فقره اي يغلبه ويحمله على الشر . (*)
[ 238 ]
(218) الاصل ومن كلام له عليه السلام قاله عند تلاوته (يا ايها الانسان ما غرك بربك الكريم) (1) ادحض مسئول حجة واقطع مغتر معذرة لقد ابرح جهالة بنفسه يا ايها الانسان ما جراك على ذنبك وما غرك بربك وما انسك بهلكة نفسك ا ما من دائك بلول ام ليس من نومك يقظة اما ترحم من نفسك ما ترحم من غيرك فلربما ترى الضاحى من حر الشمس فتظله أو ترى المبتلى بالم يمض جسده فتبكى رحمة له فما صبرك على دائك وجلدك على مصابك وعزاك عن البكاء على نفسك وهى اعز الانفس عليك وكيف لا يوقظك خوف بيات نقمة وقد تورطت بمعاصيه مدارج سطواته فتداو من داء الفترة في قلبك بعزيمة ومن كرى الغفلة في ناظرك بيقظة وكن لله مطيعا وبذكره آنسا
وتمثل في حال توليك عنه اقباله عليك يدعوك الى عفوه ويتغمدك بفضله وانت متول عنه الى غيره
(1) سورة الانفطار 6 (*)
[ 239 ]
فتعالى من قوى ما اكرمه وتواضعت من ضعيف ما اجراك على معصيته وانت في كنف ستره مقيم وفي سعة فضله متقلب فلم يمنعك فضله ولم يهتك عنك ستره بل لم تخل من لطفه مطرف عين في نعمه يحدثها لك أو سيئة يسترها عليك أو بلية يصرفها عنك فما ظنك به لو اطعته وايم الله لو إن هذه الصفة كانت في متفقين في القوة متوازيين في القدرة لكنت اول حاكم على نفسك بذميم الاخلاق ومساوئ الاعمال وحقا اقول ما الدنيا غرتك ولكن بها اغتررت ولقد كاشفتك العظات وآذنتك على سواء ولهى بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقض في قوتك اصدق واوفى من أن تكذبك أو تغرك ولرب ناصح لها عندك متهم وصادق من خبرها مكذب ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية لتجدنها من حسن تذكيرك وبلاغ موعظتك بمحله الشفيق عليك والشحيح بك ولنعم دار من لم يرض بها دارا ومحل من لم يوطنها محلا وإن السعداء غدا هم الهاربون منها اليوم إذا رجفت الراجفة وحقت بجلائلها القيامة ولحق بكل منسك اهله وبكل معبود عبدته وبكل مطاع اهل طاعته فلم يجر في عدله وقسطه يومئذ خرق بصر في الهواء ولا همس قدم في الارض الا بحقه فكم حجه يوم ذاك داحضة وعلائق عذر منقطعة فتحر من امرك ما يقوم به عذرك وتثبت به حجتك وخذ ما يبقى لك
مما لا تبقى له وتيسر لسفرك وشم برق النجاة وارحل مطايا التشمير
[ 240 ]
الشرح لقائل إن يقول (لو قال ما غرك بربك العزيز أو المنتقم) أو نحو ذلك لكان اولى لان للانسان المعاتب أن يقول غرني كرمك الذى وصفت به نفسك . وجواب هذا أن يقال إن مجموع الصفات صار كشئ واحد وهو الكريم الذى خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك والمعنى ما غرك برب هذه صفته وهذا شانه وهو قادر على أن يجعلك في أي صورة شاء فما الذى يؤمنك من أن يمسخك في صورة القردة والخنازير ونحوها من الحيوانات العجم ومعنى الكريم هاهنا الفياض على المواد بالصور ومن هذه صفته ينبغى أن يخاف منه تبديل الصورة . قال عليه السلام (ادحض مسئول حجه) المبتدا محذوف والحجة الداحضة الباطلة . والمعذرة بكسر الذال العذر . ويقال لقد ابرح فلان جهالة وابرح لؤما وابرح شجاعة واتى بالبرح من ذلك أي بالشديد العظيم ويقال هذا الامر ابرح من هذا أي اشد وقتلوه ابرح قتل وجهالة منصوب على التمييز . وقال القطب الراوندي مفعول به قال معناه جلب جهالة الى نفسه وليس بصحيح وابرح لا يتعدى هاهنا وانما يتعدى (ابرح) في موضعين احدهما ابرحه الامراى اعجبه والاخر ابرح زيد عمرا أي اكرمه وعظمه . قوله (ما جراك) بالهمزة وفلان جرئ القوم أي مقدمهم . وما انسك بالتشديد وروى (ما آنسك) بالمد كلاهما من اصل واحد وتانست
[ 241 ]
بفلان واستانست بمعنى وفلان انيسى و مؤانسي وقد انسنى كله بمعنى
أي كيف لم تستوحش من الامور التى تؤدى الى هلكه نفسك . والبلول مصدر بل الرجل من مرضه إذا برئ ويجوز (ابل) قال الشاعر إذا بل من داء به ظن انه نجا وبه الداء الذى هو قاتله (1) . والضاحى لحر الشمس البارز وهذا داء ممض أي مؤلم امضنى الجرح امضاضا ويجوز (مضنى) . وروى وجلدك على مصائبك) بصيغة الجمع . وبيات نقمة بفتح الباء طروقها ليلا وهى من الفاظ القرآن العزيز (2) . وتورط وقع في الورطة بتسكين الراء وهى الهلاك واصل الورطة ارض مطمئنة لا طريق فيها وقد اورطه وورطه توريطا أي اوقعه فيها . والمدارج الطرق والمسالك ويجوز انتصاب (مدارج) هاهنا لانها مفعول به صريح ويجوز أن ينتصب على تقدير حرف الخفض وحذفه أي في مدارج سطواته . قوله و (تمثل) أي وتصور . ويتغمدك بفضله أي يسترك بعفوه وسمى العفو والصفح فضلا تسميه للنوع بالجنس . قوله (مطرف عين) بفتح الراء ازمان طرف العين وطرفها اطباق احد
(1) الصحاح 4 : 1640 (من غير نسبة) . (2) مكنه قوله تعالى (وكم من قرية اهلكناها فجاءها باسنا بياتا أو هم قائلون) . 4 سورة الاعراف (*)
[ 242 ]
جفنيها على الاخر وانتصاب (مطرف) هاهنا على الظرفية كقولك وردت مقدم الحاج أي وقت قدومهم . قوله (متوازيين في القدرة) أي متساويين وروى (متوازنين) بالنون .
والعظات جمع عظة وهو منصوب على نزع الخافض أي كاشفتك بالعظات وروى (العظات) بالرفع على انه فاعل وروى (كاشفتك الغطاء) . وآذنتك أي اعلمتك . وعلى سواء أي على عدل وانصاف وهذا من الالفاظ القرآنية (1) . والراجفة الصيحة الاولى وحقت بجلائلها القيامة أي بامورها العظام والمنسك الموضع الذى تذبح فيه النسائك وهى ذبائح القربان ويجوز فتح السين وقد قرئ بهما في قوله تعالى (لكل امه جعلنا منسكا) (2) . فان قلت إذا كان يلحق بكل معبود عبدته فالنصارى اذن تلحق بعيسى والغلاة من المسلمين بعلى وكذلك الملائكة فما القول في ذلك . قلت لا ضرر في التحاق هؤلاء بمعبوديهم ومعنى الالتحاق أن يؤمر الاتباع في الموقف بالتحيز الى الجهة التى فيها الرؤساء ثم يقال للرؤساء اهؤلاء اتباعكم وعبدتكم فحينئذ يتبرءون منهم فينجو الرؤساء وتهلك الاتباع كما قال سبحانه (ا هؤلاء اياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك انت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن اكثرهم بهم مؤمنون) (3) أي انما كانوا يطيعون الشياطين المضلة لهم فعبادتهم في
(1) منه قوله تعالى (واما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء) 58 الانفال . (1) سورة الحج 67 . (3) سورة سبأ 41 . (*)
[ 243 ]
الحقيقة للشياطين لا لنا وانهم ما اطاعونا ولو اطاعونا لكانوا مهتدين وانما اطاعوا شياطينهم . ولا حاجة في هذا الجواب الى أن يقال ما قيل في قوله تعالى (انكم وما تعبدون
من دون الله) (1) من تخصيص العموم بالاية الاخرى وهى قوله تعالى (إن الذين سبقت لهم منا الحسنى اولئك عنها مبعدون) (2) . فان قلت فما قولك في اعتراض ابن الزبعرى على الايه هل هو وارد . قلت لا لانه قال تعالى (انكم وما تعبدون) و (ما) لما لا يعقل فلا يرد عليه الاعتراض بالمسيح والملائكة والذى قاله المفسرون من تخصيص العموم بالاية الثانية تكلف غير محتاج إليه . فان قلت فما الفائدة في إن قرن القوم باصنامهم في النار واى معنى لذلك في زيادة التعذيب والسخط . قلت لان النظر الى وجه العدو باب من ابواب العذاب وانما اصاب هؤلاء ما اصابهم بسبب الاصنام التى ضلوا بها فكلما راوها معهم زاد غمهم وحسرتهم . وايضا فانهم قدروا أن يستشفعوا بها في الاخرة فإذا صادفوا الامر على عكس ذلك لم يكن شئ ابغض إليهم منها . قوله (فلم يجر) قد اختلف الرواة في هذه اللفظة فرواها قوم (فلم يجر) وهو مضارع (جرى يجرى) تقول ما الذى جرى للقوم فيقول من سألته قدم الامير من السفر فيكون المعنى على هذا فلم يكن ولم يتجدد في ديوان حسابه ذلك اليوم صغير ولا حقير الا بالحق والانصاف وهذا مثل قوله تعالى (لا ظلم اليوم إن الله سريع
(1) سورة الانبياء 98 . (2) سورة الانبياء 101 . (*)
[ 244 ]
الحساب) (1) ورواها قوم (فلم يجز) مضارع (جاز يجوز) أي لم يسغ ولم يرخص ذلك اليوم لاحد من المكلفين في حركة من الحركات المحقرات المستصغرات الا إذا كانت قد فعلها بحق وعلى هذا يجوز فعل مثلها ورواها قوم (فلم يجر) من (جار) أي عدل
عن الطريق أي لم يذهب عنه سبحانه ولم يضل ولم يشذ عن حسابه شئ من امر محقرات الامور الا بحقه أي الا ما لا فائدة في اثباته والمحاسبة عليه نحو الحركات المباحة والعبثية التى لا تدخل تحت التكليف . وقال الراوندي (خرق بصر) مرفوع لانه اسم ما لم يسم فاعله ولا اعرف لهذا الكلام معنى . والهمس الصوت الخفى . قوله (فتحر من امرك) تحريت كذا أي توخيته وقصدته واعتمدته . قوله (وتيسر لسفرك) أي هيئ اسباب السفر ولا تترك لذاك عائقا . والشيم النظر الى البرق . ورحلت مطيتي إذا شددت على ظهرها الرحل قال الاعشى رحلت سمية غدوة اجمالها غضبى عليك فما تقول بدا لها (2) . والتشمير الجد والانكماش في الامر . ومعانى الفصل ظاهرة والفاظه الفصيحة تعطيها وتدل عليها بما لو اراد المفسر أن يعبر عنه بعبارة غير عبارته عليه السلام لكان لفظه عليه السلام اولى أن يكون تفسيرا لكلام ذلك المفسر
(1) سورة غافر 17 . (2) مطلع قصيدته ديوانه 22 . (*)
[ 245 ]
(219) الاصل ومن كلام له عليه السلام والله لان ابيت على حسك السعدان مسهدا أو اجر في الاغلال مصفدا احب الى من أن القى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد وغاصبا لشئ
من الحطام وكيف اظلم احدا لنفس يسرع الى البلى قفولها ويطول في الثرى حلولها والله لقد رايت عقيلا وقد املق حتى استماحني من بركم صاعا ورايت صبيانه شعث الشعور غبر الالوان من فقرهم كانما سودت وجوههم بالعظلم وعاودني مؤكدا وكرر على القول مرددا فاصغيت إليه سمعي فظن انى ابيعه دينى واتبع قياده مفارقا طريقتي فاحميت له حديدة ثم ادنيتها من جسمه لعتبر بها فضج ضجيج ذى دنف من المها وكاد أن يحترق من ميسمها فقلت له ثكلتك الثواكل يا عقيل اتئن من حديدة احماها انسانها للعبه وتجرنى الى نار سجرها جبارها لغضبه ا تئن من الاذى ولا ائن من لظى واعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كانما عجنت بريق حية أو فيئها فقلت اصله ام زكاة ام صدقة فذلك محرم علينا اهل البيت فقال لا ذا ولا ذاك ولكنها هديه فقلت هبلتك الهبول ا عن دين الله اتيتني لتخدعني امختبط ام ذو جنه ام تهجر والله لو اعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على أن اعصى الله في نملة اسلبها جلب شعيرة
[ 246 ]
ما فعلته وإن دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها ما لعلى ولنعيم يفنى ولذة لا تبقى نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل وبه نستعين الشرح السعدان نبت ذو شوك يقال له حسك السعدان وحسكة السعدان وتشبه به حلمة الثدى فيقال سعدانه الثندوة وهذا النبت من افضل مراعى الابل وفي المثل (مرعى ولا كالسعدان) ونونه زائده لانه ليس في الكلام (فعلال) غير
مضاعف الا (خزعال) وهو ظلع يلحق الناقه و (قهقار) وهو الحجر الصلب و (قسطال) وهو الغبار . والمسهد الممنوع النوم وهو السهاد . والاغلال القيود والمصفد المقيد والحطام عروض الدنيا ومتاعها شبه لزواله وسرعة فنائه بما يتحطم من العيدان ويتكسر . ثم قال كيف اظلم الناس لاجل نفس تموت سريعا - يعنى نفسه عليه السلام . فان قلت ا ليس قوله (عن نفس يسرع الى البلى قفولها) يشعر بمذهب من قال بقدم الانفس لان القفول الرجوع ولا يقال في مذهبه للمسافرة قافلة الا إذا كانت راجعة . قلت لا حاجة الى القول بقدم الانفس محافظة على هذه اللفظة وذلك لان النفس إذا كانت حادثة فقد كان اصلها العدم فإذا مات الانسان عدمت نفسه فرجعت الى العدم الاصلى وهو المعبر عنه بالبلى .
[ 247 ]
واملق افتقر قال تعالى (ولا تقتلوا اولادكم من املاق) (1) . واستماحني طلب منى أن اعطيه صاعا من الحنطة والصاع اربعة امداد والمد رطل وثلث فمجموع ذلك خمسه ارطال وثلث رطل وجمع الصاع اصوع وإن شئت همزت والصواع لغه في الصاع ويقال هو اناء يشرب فيه . والعظلم بالكسرة في الحرفين نبت يصبغ به ما يراد اسوداده ويقال هو الوسمه وشعث الالوان أي غبر . واصغيت إليه املت سمعي نحوه . واتبع قياده اطيعه وانقاد له .
واحميت الحديدة في النار فهى محماة ولا يقال حميت الحديدة . وذى دنف أي ذى سقم مؤلم . ومن ميسمها من اثرها في يده . وثكلتك الثواكل دعاء عليه وهو جمع ثاكلة وفواعل لا يجئ الا جمع المؤنث الا فيما شذ نحو فوارس أي ثكلتك نساؤك . قوله (احماها انسانها) أي صاحبها ولم يقل (انسان) لانه يريد أن يقابل هذه اللفظة بقوله (جبارها) . وسجرها بالتخفيف اوقدها و احماها والسجور ما يسجر به التنور . قوله (بملفوفة في وعائها) كان اهدى له الاشعث بن قيس نوعا من الحلواء تأنق فيه وكان عليه السلام يبغض الاشعث لان الاشعث كان يبغضه وظن الاشعث انه يستميله بالمهاداة لغرض دنيوى كان في نفس الاشعث وكان امير المؤمنين
(1) سورة الانعام 151 . (*)
[ 248 ]
عليه السلام يفطن لذلك ويعلمه ولذلك رد هدية الاشعث ولو لا ذلك لقبلها لان النبي صلى الله عليه وآله قبل الهدية وقد قبل على عليه السلام هدايا جماعة من اصحابه ودعاه بعض من كان يانس إليه الى حلواء عملها يوم نوروز فاكل وقال لم عملت هذا فقال لانه يوم نوروز فضحك وقال نوروزا لنا في كل يوم إن استطعتم . وكان عليه السلام من لطافه الاخلاق وسجاحه الشيم على قاعدة عجيبة جميلة ولكنه كان ينفر عن قوم كان يعلم من حالهم الشنان له وعمن يحاول إن يصانعه بذلك عن مال المسلمين وهيهات حتى يلين لضرس الماضغ الحجر . وقال بملفوفة في وعائها لانه كان طبق مغطى . ثم قال (ومعجونة شنئتها) أي ابغضتها ونفرت عنها كأنها عجنت بريق
الحية أو بقيئها وذلك اعظم الاسباب للنفرة من المأكول . وقال الراوندي وصفها باللطافة فقال كأنها عجنت بريق الحية وهذا تفسير ابعد من الصحيح . قوله (ا صلة ام زكاة ام صدقة فذلك محرم علينا اهل البيت) الصلة العطية لا يراد بها الاجر بل يراد وصلة التقرب الى الموصول واكثر ما تفعل للذكر والصيت والزكاة هي ما تجب في النصاب من المال . والصدقة هاهنا هي صدقة التطوع وقد تسمى الزكاة الواجبة صدقة الا انها هنا هي النافلة . فان قلت كيف قال (فذلك محرم علينا اهل البيت) وانما يحرم عليهم الزكاة الواجبة خاصة ولا يحرم عليهم صدقة التطوع ولا قبول الصلات قلت اراد بقوله (اهل البيت) الاشخاص الخمسة محمدا وعليا وفاطمة وحسنا وحسينا
[ 249 ]
عليهم السلام فهؤلاء خاصه دون غيرهم من بنى هاشم محرم عليهم الصلة وقبول الصدقة واما غيرهم من بنى هاشم فلا يحرم عليهم الا الزكاة الواجبة خاصة . فان قلت كيف قلت إن هؤلاء الخمسة يحرم عليهم قبول الصلات وقد كان حسن وحسين عليه السلام يقبلان صلة معاوية . قلت كلا لم يقبلا صلته ومعاذ الله أن يقبلاها وانما قبلا منه ما كان يدفعه اليهما من جملة حقهما من بيت المال فان سهم ذوى القربى منصوص عليه في الكتاب العزيز ولهما غير سهم ذوى القربى سهم آخر للاسلام من الغنائم . قوله (هبلتك الهبول) أي ثكلتك امك والهبول التى لها عادة بثكل الولد . فان قلت ما الفرق بين مختبط وذى جنة يهجر .
قلت المختبط المصروع من غلبة الاخلاط السوداوية أو غيرها عليه وذو الجنة من به مس من الشيطان والذى يهجر هو الذى يهذى في مرض ليس بصرع كالمحموم والمبرسم ونحوهما . وجلب الشعيرة بضم الجيم قشرها والجلب والجلبة ايضا جليدة تعلو الجرح عند البرء يقال منه جلب الجرح يجلب ويجلب واجلب الجرح ايضا ويقال للجليدة التى تجعل على القتب جلبة ايضا . وتقضمها بفتح الضاد والماضي قضم بالكسر
[ 250 ]
[ نبذ من اخبار عقيل بن ابى طالب ] وعقيل هو عقيل بن ابى طالب - عليه السلام - بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف اخو امير المؤمنين عليه السلام لامه وابيه وكان بنو ابى طالب اربعة طالب وهو اسن من عقيل بعشر سنين وعقيل وهو اسن من جعفر بعشر سنين وجعفر وهو اسن من على بعشر سنين وعلى وهو اصغرهم سنا واعظمهم قدرا بل واعظم الناس بعد ابن عمه قدرا . وكان أبو طالب يحب عقيلا اكثر من حبه سائر بنيه فلذلك قال للنبى صلى الله عليه وآله وللعباس حين اتياه لا ليقتسما بنيه عام المحل فيخففا عنه ثقلهم (دعوا لى عقيلا وخذوا من شئتم) فاخذ العباس جعفرا واخذ محمد صلى الله عليه وآله عليا عليه السلام وكان عقيل يكنى ابا يزيد قال له رسول الله صلى الله عليه وآله (يا ابا يزيد انى احبك حبين حبا لقرابتك منى وحبا لما كنت اعلم من حب عمى اياك . اخرج عقيل الى بدر مكرها كما اخرج العباس فاسر وفدى وعاد الى مكه ثم اقبل مسلما مهاجرا قبل الحديبية وشهد غزاة مؤته مع اخيه جعفر عليه السلام وتوفى
في خلافة معاوية في سنة خمسين وعمره ست وتسعون سنة . وله دار بالمدينة معروفة وخرج الى العراق ثم الى الشام ثم عاد الى المدينة ولم يشهد مع اخيه امير المؤمنين عليه السلام شيئا من حروبه ايام خلافته وعرض نفسه وولده عليه فاعفاه ولم يكلفه حضور الحرب . وكان انسب قريش واعلمهم بايامها وكان مبغضا إليهم لانه كان يعد مساوئهم
[ 251 ]
وكانت له طنفسه تطرح في مسجد رسول الله صلى الله عليه وآله فيصلى عليها ويجتمع إليه الناس في علم النسب وايام العرب وكان حينئذ قد ذهب بصره وكان اسرع الناس جوابا واشدهم عارضه . كان يقال إن في قريش اربعة يتحاكم إليهم في علم النسب وايام قريش ويرجع الى قولهم عقيل بن ابى طالب ومخرمة بن نوفل الزهري وابو الجهم بن حذيفة العدوى وحويط بن عبد العزى العامري . واختلف الناس في عقيل هل التحق بمعاوية وامير المؤمنين حى فقال قوم نعم ورووا أن معاوية قال يوما وعقيل عنده هذا أبو زيد لو لا علمه انى خير له من اخيه لما اقام عندنا وتركه فقال عقيل اخى خير لى في دينى وانت خير لى في دنياى وقد آثرت دنياى اسال الله خاتمة خير . وقال قوم انه لم يعد الى معاوية الا بعد وفاة امير المؤمنين عليه السلام واستدلوا على ذلك بالكتاب الذى كتبه إليه في آخر خلافته والجواب الذى اجابه عليه السلام و قد ذكرناه فيما تقدم وسياتى ذكره ايضا في باب كتبه عليه السلام وهذا القول هو الاظهر عندي وروى المدائني قال قال معاوية يوما يوما لعقيل بن ابى طالب هل من حاجة فاقضيها لك قال نعم جارية عرضت على وابى اصحابها أن يبيعوها الا باربعين الفا فاحب
معاوية أن يمازحه فقال وما تصنع بجارية قيمتها اربعون الفا وانت اعمى تجتزئ بجارية قيمتها خمسون درهما قال ارجو أن اطاها فتلد لى غلاما إذا اغضبته يضرب عنقك بالسيف فضحك معاوية وقال مازحناك يا ابا يزيد وامر فابتيعت له الجارية
[ 252 ]
التى اولد منها مسلما فلما اتت على مسلم ثمانى عشرة سنة - وقد مات عقيل ابوه - قال لمعاوية يا امير المؤمنين إن لى ارضا بمكان كذا من المدينة وانى اعطيت بها مائة الف وقد احببت أن ابيعك اياها فادفع الى ثمنها فامر معاوية بقبض الارض ودفع الثمن إليه . فبلغ ذلك الحسين عليه السلام فكتب الى معاوية اما بعد فانك غررت غلاما من بنى هاشم فابتعت منه ارضا لا يملكها فاقبض من الغلام ما دفعته إليه واردد الينا ارضنا . فبعث معاوية الى مسلم فاخبره ذلك واقراه كتاب الحسين عليه السلام وقال اردد علينا مالنا وخذ ارضك فانك بعت ما لا تملك فقال مسلم اما دون أن اضرب راسك بالسيف فلا فاستلقى معاوية ضاحكا يضرب برجليه فقال يا بنى هذا والله كلام قاله لى ابوك حين ابتعت له امك . ثم كتب الى الحسين انى قد رددت عليكم الارض وسوغت مسلما ما اخذ فقال الحسين عليه السلام ابيتم يا آل ابى سفيان الا كرما . وقال معاوية لعقيل يا ابا يزيد اين يكون عمك أبو لهب اليوم قال إذا دخلت جهنم فاطلبه تجده مضاجعا لعمتك ام جميل بنت حرب بن امية . وقالت له زوجته ابنه عتبه بن ربيعة يا بنى هاشم لا يحبكم قلبى ابدا ابن عمى اين اخى كان اعناقهم اباريق الفضة ترى آنافهم الماء قبل شفاههم قال إذا دخلت جهنم فخذي على شمالك .
[ 253 ]
سال معاوية عقيلا عن قصة الحديدة المحماة المذكورة فبكى وقال انا احدثك يا معاوية عنه ثم احدثك عما سالت نزل بالحسين ابنه ضيف فاستسلف درهما اشترى به خبزا واحتاج الى الادام فطلب من قنبر خادمهم أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءتهم من اليمن فاخذ منه رطلا فلما طلبها عليه السلام ليقسمها قال يا قنبر اظن انه حدث بهذا الزق حدث فاخبره فغضب عليه السلام وقال على بحسين فرفع عليه الدرة فقال بحق عمى جعفر - وكان إذا سئل بحق جعفر سكن - فقاله ما حملك أن اخذت منه قبل القسمة قال إن لنا فيه حقا فإذا اعطيناه رددناه قال فداك ابوك وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم اما لو لا انى رايت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبل ثنيتك لاوجعتك ضربا ثم دفع الى قنبر درهما كان مصرورا في ردائه وقال اشتر به خير عسل تقدر عليه قال عقيل والله لكانى انظر الى يدى على وهى على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه ثم شده وجعل يبكى ويقول اللهم اغفر لحسين فانه لم يعلم . فقال معاوية ذكرت من لا ينكر فضله رحم الله ابا حسن فلقد سبق من كان قبله واعجز من ياتي بعده هلم حديث الحديدة . قال نعم اقويت واصابتني مخمصة شديدة فسألته فلم تند صفاته فجمعت صبياني وجئته بهم والبؤس والضر ظاهران عليهم فقال ائتنى عشية لادفع اليك شيئا فجئته يقودنى احد ولدى فأمره بالتنحي ثم قال ا لا فدونك فاوهيت حريصا - قد غلبنى الجشع اظنها صرة - فوضعت يدى على حديدة تلتهب نارا فلما قبضتها نبذتها وخرت كما يخور الثور تحت يد جازره فقال لى ثكلتك امك هذا من حديدة