الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




شرح نهج البلاغة - ابن أبي الحديد ج 11

شرح نهج البلاغة

ابن أبي الحديد ج 11


[ 1 ]

شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد بتحقيق محمد أبو الفضل ابراهيم الجزء الحادي عشر دار أحياء الكتب العربية عيسى البابي الحلبي وشركائه

[ 2 ]

الطبعة الثانية (1387 ه‍ - 1967 م) جميع الحقوق محفوظة منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي قم - إيران 1404 ه‍ ق

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الواحد العدل (196) الاصل ومن كلام له عليه السلام أيها الناس انما الدنيا دار مجاز والاخرة دار قرار فخذوا من ممركم لمقركم ولا تهتكوا استاركم عند من يعلم اسراركم واخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها ابدانكم ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم إن المرء إذا هلك قال الناس ما ترك وقالت الملائكة ما قدم لله ! آباؤكم فقدموا بعضا يكن لكم ولا تخلفوا كلا فيكون فرضا عليكم الشرح ذكر أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في الكامل (1) عن الاصمعي قال خطبنا اعرابي بالبادية فحمد الله واستغفره ووحده وصلى على نبيه صلى الله عليه وسلم فابلغ في ايجاز ثم قال ايها الناس إن الدنيا دار بلاغ والاخرة دار قرار فخذوا لمقركم من ممركم ولا تهتكوا استاركم عند من لا تخفى عليه اسراركم في الدنيا انتم


(1) الكامل 4 : 108 (طبعة نهضة مصر) . (*)

[ 4 ]

ولغيرها خلقتم اقول قولى هذا واستغفر الله لى ولكم والمصلى عليه رسول الله والمدعو له الخليفة (1) والامير جعفر بن سليمان . وذكر غيره الزيادة التى في كلام امير المؤمنين عليه السلام وهى " إن المرء إذا هلك . . . " الى آخر الكلام . واكثر الناس على أن هذا الكلام لامير المؤمنين عليه السلام . ويجوز أن يكون الاعرابي حفظه فاورده كما يورد الناس كلام غيرهم . قوله عليه السلام دار مجاز أي يجاز فيها الى الاخرة منه سمى المجاز في الكلام مجازا لان المتكلم قد عبر الحقيقة الى غيرها كما يعبر الانسان من موضع الى موضع . ودار القرار دار الاستقرار الذى لا آخر له . فخذوا من ممركم أي من الدنيا لمقركم ، وهو الاخرة . قوله عليه السلام " قال الناس ما ترك ! " يريد أن بنى آدم مشغولون بالعاجلة لا يفكرون في غيرها ولا يتساءلون الا عنها فإذا هلك احدكم فانما قولهم بعضهم لبعض ما الذى ترك فلان من المال ما الذى خلف من الولد وأما الملائكة فانهم يعرفون الاخرة ولا تستهويهم شهوات الدنيا وإنما هم مشغولون بالذكر والتسبيح فإذا هلك الانسان قالوا ما قدم أي أي شئ قدم من الاعمال ؟ ثم امرهم عليه السلام بان يقدموا من اموالهم بعضها صدقة فانها تبقى لهم ونهاهم أن يخلفوا اموالهم كلها بعد موتهم فتكون وبالا عليهم في الاخرة


(1) يريد به أبا جعفر المنصور ، وقد ولى ابن عمه جعفر بن سليمان بن عبد الله بن العباس المدينة سنة ست وأربعين ومائة . (*)

[ 5 ]

(197) الاصل ومن كلام له عليه السلام كان كثيرا ما ينادى به اصحابه تجهزوا رحمكم الله فقد نودى فيكم بالرحيل واقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فان امامكم عقبة كئودا ومنازل مخوفة مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها . واعلموا أن ملاحظ المنية نحوكم دائبة (1) وكانكم بمخالبها وقد نشبت فيكم وقد دهمتكم منها مفظعات الامور ومضلعات (2) المحذور . فقطعوا علائق الدنيا واستظهروا بزاد التقوى وقد مضى شئ من هذا الكلام فيما تقدم يخالف هذه الرواية الشرح تجهزوا لكذا أي تهيئوا له . والعرجة التعريج وهو الاقامة تقول مالى على ربعك عرجة (3) أي إقامه وعرج فلان على المنزل إذا حبس عليه مطيته .


(1) مخطوطة النهج : " دانية " . (2) مخطوطة النهج : " المعضلات " . (3) في اللسان : " مالى عندك عرجة [ مثلثة العين مع اسكان الراء ] ، ولا عرجة [ بفتحتين ] ، ولا تعريج ، ولا تعرج ، أي مقام ، وقيل محبس " . (*)

[ 6 ]

والعقبة الكئود الشاقة المصعد ودائبة جادة والمخلب للسبع بمنزلة الظفر للانسان . وافظع الامر فهو مفظع إذا جاوز المقدار شدة . ومضلعات المحذور الخطوب التى تضلع أي تجعل الانسان ضليعا أي معوجا والماضي ضلع بالكسر يضلع ضلعا . ومن رواها بالظاء اراد الخطوب التى تجعل الانسان ظالعا أي يغمز في مشيه لثقلها عليه والماضي ظلع بالفتح يظلع ظلعها فهو ظالع

[ 7 ]

(198) الاصل ومن كلام له عليه السلام كلم به طلحة والزبير بعد بيعته بالخلافة وقد عتبا عليه (1) من ترك مشهورتهما والاستعانه في الامور بهما لقد نقمتما يسيرا وأرجأتما كثيرا الا تخبراني أي شئ كان لكما فيه حق دفعتكما عنه أم أي قسم استاثرت عليكما به أو أي حق رفعه الي احد من المسلمين ضعفت عنه ام جهلته ام اخطات بابه . والله ما كانت لى في الخلافة رغبة ولا في الولاية اربة ولكنكم دعوتموني إليها وحملتموني عليها فلما افضت الى نظرت الى تاب الله وما وضع لنا وامرنا بالحكم به فاتبعته وما استن النبي (2) صلى الله عليه وسلم فاقتديته فلم احتج الى رايكما ولا راى غيركما ولا وقع حكم جهلته فاستشيركما واخواني من المسلمين ولو كان ذلك لم ارغب عنكما ولا عن غيركما . وأما ما ذكرتما من أمر الاسوة فان ذلك امر لم احكم انا فيه برأيى ولا وليته هوى منى بل وجدت أنا وانتما ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فرغ منه فلم احتج اليكما فيما قد فرغ الله من قسمة وامضى فيه حكمه فليس لكما والله عندي ولا لغير كما في هذا عتبى . أخذ الله بقلوبنا وقلوبكم الى الحق وألهمنا وإياكم الصبر !


(1) ساقطة من مخطوطة النهج . (2) مخطوطة النهج " استسن " . (*)

[ 8 ]

ثم قال عليه السلام رحم الله رجلا رأى حقا فاعان عليه أو رأى جورا فرده وكان عونا بالحق على صاحبه الشرح : نقمت عليه بالفتح أنقم هذه اللغة الفصيحة وجاء نقمت بالكسر انقم . وارجأتما أخرتما أي نقمتما من احوالى اليسير وتركتما الكثير الذى ليس لكما ولا لغير كما فيه مطعن فلم تذكراه فهلا اغتفرتما اليسير للكثير ! . وليس هذا اعترافا بان ما نقماه موضع الطعن والعيب ولكنه على جهه الجدل والاحتجاج كما تقول لمن يطعن في بيت من شعر شاعر مشهور لقد ظلمته إذ تتعلق عليه بهذا البيت وتنسى ما له من المحاسن الكثيرة في غيره ! . تم ذكر وجوه العتاب والاسترادة (1) وهى أقسام إما أن يكون لهما حق يدفعهما عنه أو استأثر عليهما في قسم أو ضعف عن السياسة أو جهل حكما من احكام الشريعة أو أخطا بابه . فان قلت أي فرق بين الاول والثانى قلت اما دفعهما عن حقهما فمنعهما عنه سواء صار إليه عليه السلام أو الى غيره أو لم يصر الى احد بل بقى بحاله في بيت المال .


(1) الاسترادة : طلب الرجوع واللين والانقياد ، ومنه الحديث : فاسترداد لامر الله ، أي رجع ولان وانقاد . (اللسان) . (*)

[ 9 ]

وأما القسم الثاني فهو أن يأخذ حقهما لنفسه وبين القسمين فرق ظاهر والثانى افحش من الاول . فان قلت فاى فرق بين قوله " ام جهلته " أو " اخطات بابه " . قلت جهل الحكم أن يكون الله تعالى قد حكم بحرمه شئ فاحله الامام أو المفتى وكونه يخطئ بابه هو أن يصيب في الحكم ويخطئ في الاستدلال عليه . ثم اقسم انه لم يكن له في الخلافة رغبة ولا اربة بكسر الهمزة وهى الحاجة وصدق عليه السلام فهكذا نقل اصحاب التواريخ وارباب علم السير كلهم وروى الطبري في التاريخ ورواه غيره ايضا أن الناس غشوة وتكاثروا عليه يطلبون مبايعته وهو يابى ذلك ويقول دعوني والتمسوا غيرى فانا مستقبلون امرا له وجوه والوان لا تثبت عليه العقول ولا تقوم له القلوب قالوا ننشدك الله الا ترى الفتنة الا ترى الى ما حدث في الاسلام الا تخاف الله فقال قد اجبتكم لما ارى منكم واعلموا انى إن اجبتكم ركبت بكم ما اعلم وإن تركتمونى فانما انا كاحدكم بل انا اسمعكم واطوعكم لمن وليتموه امركم إليه فقالوا ما نحن بمفارقيك حتى نبايعك قال إن كان لا بد من ذلك ففى المسجد فان بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا عن رضا المسلمين وفى ملا وجماعة فقام والناس حوله فدخل المسجد وانثال عليه المسلمون فبايعوه وفيهم طلحة والزبير (1) . قلت قوله " إن بيعتى لا تكون خفيا ولا تكون الا في المسجد بمحضر من جمهور الناس " يشابه قوله بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وآله للعباس لما سامه مد يده للبيعة انى احب أن اصحر بها (2) واكره أن ابايع من وراء رتاج .


(1) تاريخ الطبري 5 : 152 (المطبعة الحسينية) مع تصرف (2) أصحر : من قولهم : أصحر الامر وبه ، إذا أظهره . (*)

[ 10 ]

ثم ذكر عليه السلام انه لما بويع عمل بكتاب الله وسنة رسوله ولم يحتج الى رأيهما ولا رأى غيرهما ولم يقع حكم يجهله فيستشيرهما ولو وقع ذلك لاستشارهما وغيرهما ولم يانف من ذلك . ثم تكلم في معنى التنفيل في العطاء فقال انى عملت بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله في ذلك وصدق عليه السلام فان رسول الله صلى الله عليه وآله سوى في العطاء بين الناس وهو مذهب ابى بكر . والعتبى الرضا الست أرضيكما بارتكاب ما لا يحل لى في الشرع ارتكابه والضمير في " صاحبه " وهو الهاء المجرورة يرجع الى الجور أي وكان عونا بالعمل على صاحب الجور [ من اخبار طلحة والزبير ] قد تقدم منا ذكر ما عتب به طلحة والزبير على امير المؤمنين عليه السلام وانهما قالا ما نراه يستشيرنا في امر ولا يفاوضنا في راى ويقطع الامر دوننا ويستبد بالحكم عنا وكانا يرجوان غير ذلك واراد طلحة أن يوليه البصرة واراد الزبير أن يوليه الكوفة فلما شاهدا صلابته في الدين وقوته في العزم وهجرة الادهان والمراقبة ورفضه المدالسة والمواربة وسلوكه في جميع مسالكه منهج الكتاب والسنة وقد كانا يعلمان ذلك قديما من طبعه وسجيته وكان عمر قال لهما ولغيرهما إن الاجلح (1) إن وليها ليحملنكم على المحجة البيضاء والصراط المستقيم وكان رسول الله صلى الله عليه وآله


(1) الاجلح ، من الجلح ، وهو ذهاب الشعر من مقدم الرأس ، وكان رضى الله عنه كذلك . (*)

[ 11 ]

من قبل قال وإن تولوها عليا تجدوه هاديا مهديا " الا انه ليس الخبر كالعيان ولا القول كالفعل ولا الوعد كالانجاز وحالا عنه وتنكرا له ووقعا فيه وعاباه وغمصاه (1) وتطلبا له العلل والتاويلات وتنقما عليه الاستبداد وترك المشاورة وانتقلا من ذلك الى الوقيعة فيه بمساواة الناس في قسمة المال واثنيا على عمر وحمدا سيرته وصوبا رأيه وقالا انه كان يفضل اهل السوابق وضللا عليا عليه السلام فيما رآه وقالا انه اخطا وانه خالف سيرة عمر وهى السيرة المحمودة التى لم تفضحها النبوة مع قرب عهدنا منها واتصالها بها واستنجدا عليه بالرؤساء من المسلمين كان عمر يفضلهم وينفلهم (2) في القسم على غيرهم والناس ابناء الدنيا ويحبون المال حبا جما - فتنكرت على امير المؤمنين عليه السلام بتنكرهما قلوب كثيرة ونغلت (3) عليه نيات كانت من قبل سليمه ولقد كان عمر موفقا حيث منع قريشا والمهاجرين وذوى السوابق من الخروج من المدينة ونهاهم عن مخالطة الناس ونهى الناس عن مخالطتهم وراى أن ذلك اس الفساد في الارض وأن الفتوح والغنائم قد ابطرت المسلمين ومتى بعد الرؤوس والكبراء منهم عن دار الهجرة وانفردوا بانفسهم وخالطهم الناس في البلاد البعيدة لم يامن أن يحسنوا لهم الوثوب وطلب الامرة ومفارقة الجماعة وحل نظام الالفة ولكنه رضى الله عنه نقض هذا الراى السديد بما فعله بعد طعن ابى لؤلؤة له من امر الشورى فان ذلك كان سبب كل فتنة وقعت وتقع الى أن تنقضي الدنيا وقد قدمنا ذكر ذلك وشرحنا ما ادى إليه امر الشورى من الفساد بما حصل في نفس كل من الستة من ترشيحه للخلافة .


(1) غمصناه : تهاونا بحقه . (2) ينفلهم : يعطيهم النفل . (3) نفلت : فسدت . (*)

[ 12 ]

وروى أبو جعفر الطبري في تاريخه قال كان عمر قد حجر على اعلام قريش من المهاجرين الخروج في البلدان الا باذن واجل فشكوه فبلغه فقام فخطب فقال الا انى قد سننت الاسلام سن البعير يبدأ فيكون جذعا ثم ثنيا (1) ثم يكون رباعيا (2) ثم سديسا ثم بازلا (3) الا فهل ينتظر بالبازل الا النقصان الا وإن الاسلام قد صار بازلا وأن قريشا يريدون أن يتخذوا مال الله معونات على ما في انفسهم الا إن في قريش من يضمر الفرقة ويروم خلع الربقة اما وابن الخطاب حى فلا انى قائمك دون شعب الحرة آخذ بحلاقيم قريش وحجزها أن يتهافتوا في النار . وقال أبو جعفر الطبري في التاريخ ايضا فلما ولى عثمان لم ياخذهم بالذى كان عمر ياخذهم به فخرجوا الى البلاد فلما نزلوها ورأوا الدنيا ورآهم الناس خمل من لم يكن له طول ولا قدم في الاسلام ونبه اصحاب السوابق والفضل فانقطع إليهم الناس وصاروا اوزاعا معهم واملوهم وتقربوا إليهم وقالوا يملكون فيكون لنا في ملكهم حظوة فكان ذلك اول وهن على الاسلام واول فتنه كانت في العامة . وروى أبو جعفر الطبري عن الشعبى قال لم يمت عمر حتى ملته قريش وقد كان حصرهم بالمدينة وسألوه أن يأذن لهم في الخروج الى البلاد فامتنع عليهم وقال إن اخوف ما اخاف على هذه الامة انتشاركم في البلاد حتى إن الرجل كان يستاذنه في غزو الروم أو الفرس وهو ممن حبسه بالمدينة من قريش ولا سيما من المهاجرين فيقول له إن لك في غزوك مع رسول الله صلى الله عليه وآله ما يكفيك ويبلغك ويحسبك (4) وهو خير لك من الغزو اليوم وإن خيرا لك الا ترى الدنيا ولا تراك .


(1) الثني : الذي يلقى ثنيته . (2) الرباعي : هو الذى القى رباعيته ، والرباعية : السن التي بين الثنية والناب (3) البازل : البعير فطر نابه وانشق ، ويكون ذلك في السنة التاسعة . (4) يقال : أحسبه إذا أرضاه أو أعطاه ما يرضيه وكفاه . (*)

[ 13 ]

فلما مات عمر وولى عثمان خلى عنهم فانتشروا في البلاد واضطربوا وانقطع إليهم الناس وخالطوهم فلذلك كان عثمان احب الى قريش من عمر . فقد بان لك حسن راى عمر في منع المهاجرين واهل السابقة من قريش من مخالطة الناس والخروج من المدينة وبان لك أن عثمان ارخى لهم في الطول (1) فخالطهم الناس وافسدوهم وحببوا إليهم الملك والامرة والرئاسة لا سيما مع الثروة العظيمة التى حصلت لهم والثراء مفسدة واى مفسدة وحصل لطلحة والزبير من ذلك ما لم يحصل لغيرهما ثروة ويسارا وقدما في الاسلام وصار لهما لفيف عظيم من المسلمين يمنونهما الخلافة ويحسنون لهما طلب الامرة لا سيما وقد رشحهما عمر لها واقامهما مقام نفسه في تحملها واى امرئ منى بها قط نفسه ففارقها حتى يغيب في اللحد ولا سيما طلحة قد كان يحدث بها نفسه وابو بكر حى ويروم أن يجعلها فيه بشبهه انه ابن عمه وسخط خلافه عمر وقال لابي بكر ما تقول لربك وقد وليت علينا فظا غليظا وكان له في ايام عمر قوم يجلسون إليه ويحادثونه سرا في معنى الخلافة ويقولون له لو مات عمر لبايعناك بغته جلب الدهر علينا ما جلب وبلغ ذلك عمر فخطب الناس بالكلام المشهور إن قوما يقولون إن بيعه ابى بكر كانت فلته وانه لو مات عمر لفعلنا وفعلنا اما أن بيعه ابى بكر كانت فلته الا إن الله وقى شرها وليس فيكم من تقطع إليه الرقاب كابى بكر فاى امرئ بايع امرا من غير مشورة من المسلمين فانهما بغرة أن يقتلا فلما صارت الى عثمان سخطها طلحة بعد أن كان رضيها واظهر ما في نفسه والب عليه حتى قتل ولم يشك أن الامر له فلما صارت الى على عليه السلام حدث منه ما حدث وآخر الدواء الكى . واما الزبير فلم يكن الا علوى الرأى شديد الولاء جاريا من الرجل مجرى نفسه .


(1) الطول : الحبل ، يريد أنه لان وترك لهم الحبل على الغارب ، حتى فعلوا ما فعلوا . (*)

[ 14 ]

ويقال انه عليه السلام لما استنجد بالمسلمين عقيب يوم السقيفة وما جرى فيه وكان يحمل فاطمة عليها السلام ليلا على حمار وابناها بين يدى الحمار ، وهو عليه السلام يسوقه فيطرق بيوت الانصار وغيرهم ، ويسألهم النصرة والمعونة ، أجابه اربعون رجلا فبايعهم على الموت وامرهم أن يصبحوا بكرة محلقى رؤوسهم ومعهم سلاحهم فاصبح لم يوافه منهم الا اربعة الزبير والمقداد وابو ذر وسلمان ثم اتاهم من الليل فناشدهم فقالوا نصبحك غدوة فما جاءة منهم الا اربعة وكذلك في الليلة الثالثة وكان الزبير اشدهم له نصرة وانفذهم في طاعته بصيرة حلق راسه وجاء مرارا وفي عنقه سيفه وكذلك الثلاثة الباقون الا أن الزبير هو كان الراس فيهم وقد نقل الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة عليه السلام وكسر سيفه في صخرة ضربت به ونقلوا اختصاصه بعلى عليه السلام وخلواته به ولم يزل مواليا له متمسكا بحبه ومودته حتى نشا ابنه عبد الله وشب فنزع به عرق من الام ومال الى تلك الجهة وانحرف عن هذه ومحبة الوالد للولد معروفة فانحرف الزبير لانحرافه على انه قد كانت جرت بين على عليه السلام والزبير هنات في ايام عمر كدرت القلوب بعض التكدير وكان سببها قصة موالى صفية ومنازعة على للزبير في الميراث فقضى عمر للزبير فاذعن على عليه السلام لقضائه بحكم سلطانه لا رجوعا عما كان يذهب إليه من حكم الشرع في هذه المسالة وبقيت في نفس الزبير على أن شيخنا ابا جعفر الاسكافي رحمه الله ذكر في كتاب " نقض العثمانية " الزبير كلاما أن صح فانه يدل على انحراف شديد ورجوع عن موالاة امير المؤمنين عليه السلام قال تفاخر على عليه السلام والزبير فقال الزبير اسلمت بالغا واسلمت طفلا وكنت اول من سل سيفا في سبيل الله بمكة وانت مستخف في الشعب (1) يكفلك الرجال


(1) هو شعب أبي بمكة ، وانظر معجم البلدان 5 : 270 (*)

[ 15 ]

ويمونك الاقارب من بنى هاشم وكنت فارسا وكنت راجلا وفى هيئتي نزلت الملائكة وانا حوارى رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال شيخنا أبو جعفر وهذا الخبر مفتعل مكذوب ولم يجر بين على والزبير شئ من هذا الكلام ولكنه من وضع العثمانية ولم يسمع به في احاديث الحشوية ولا في كتب اصحاب السيرة . ولعلى عليه السلام أن يقول طفل مسلم خير من بالغ كافر واما سل السيف بمكة فلم يكن في موضعه وفى ذلك قال الله تعالى (الم تر الى الذين قيل لهم كفوا ايديكم . . .) (1) الاية وانا على منهاج الرسول في الكف والاقدام وليس كفالة الرجال والاقارب بالشعب عارا على فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله في الشعب يكفله الرجال والاقارب واما حربك فارسا وحربي راجلا فهلا اغنت فروسيتك يوم عمرو ابن عبدود في الخندق وهلا اغنت فروسيتك يوم طلحة بن ابى طلحة في احد وهلا اغنت فروسيتك يوم مرحب بخيبر ما كانت فرسك التى تحارب عليها في هذه الايام الا اذل من العنز الجرباء ومن سلمت عليه الملائكة افضل ممن نزلت في هيئته وقد نزلت الملائكة في صورة دحية الكلبى افيجب من ذلك أن يكون دحية افضل منى واما كونك حوارى رسول الله صلى الله عليه وآله فلو عددت خصائصي في مقابله هذه اللفظة الواحدة للاستغرقت الوقت وافنيت الزمان ورب صمت ابلغ من نطق (2) . ثم نرجع الى الحديث الاول فتقول إن طلحة والزبير لما ايسا من جهة على عليه


(1) سورة النساء 77 . (2) انظر رسالة العثمانية 224 وما بعدها . (*)

[ 16 ]

السلام ومن حصول الدنيا من قبله قلبا له ظهر المجن فكاشفاه وعاتباه قبل المفارقة عتابا لاذعا روى شيخنا أبو عثمان قال ارسل طلحة والزبير الى على عليه السلام قبل خروجهما الى مكة مع محمد بن طلحة وقالا لا تقل له " يا امير المؤمنين " ولكن قل له " يا أبا الحسن " لقد فال فيك رأينا وخاب ظننا اصلحنا لك الامر ووطدنا لك الامرة واجلبنا على عثمان حتى قتل فلما طلبك الناس لامرهم أسرعنا اليك وبايعناك وقدنا اليك اعناق العرب ووطئ المهاجرون والانصار اعقابنا في بيعتك حتى إذا ملكت عنانك استبددت برايك عنا ورفضتنا رفض التريكة (1) واذلتنا اذالة (2) الاماء وملكت امرك الاشتر وحكيم بن جبله وغيرهما من الاعراب ونزاع الامصار فكنا فيما رجوناه منك واملناه من ناحيتك كما قال الاول فكنت كمهريق الذى في سقائه لرقراق آل فوق رابية صلد فلما جاء محمد بن طلحة ابلغه ذاك فقال اذهب اليهما فقل لهما فما الذى يرضيكما فذهب وجاءه فقال انهما يقولان ول احدنا البصرة والاخر الكوفة فقال لاها الله اذن يحلم الاديم ويستشرى الفساد وتنتقض على البلاد من اقطارها والله انى لا آمنهما وهما عندي بالمدينة فكيف آمنهما وقد وليتهما العراقين اذهب اليهما فقل ايها الشيخان احذرا من سطوة الله ونقمته ولا تبغيا للمسلمين غائلة وكيدا وقد سمعتما قول الله تعالى (تلك الدار الاخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الارض ولا فسادا والعاقبة للمتقين) (3) فقام محمد بن طلحة فأتاهما ولم يعد إليه وتاخرا عنه اياما ثم جاءاه فاستاذناه في الخروج الى مكة للعمرة فاذن لهما بعد أن احلفهما


(1) التريكة : التي تترك فلا يتزوجها أحد . (2) الاذالة الاهانة (3) سورة القصص 83 . (*)

[ 17 ]

الا ينقضا بيعته ولا يغدرا به ولا يشقا عصا المسلمين ولا يوقعا الفرقة بينهم وأن يعودا بعد العمرة الى بيوتهما بالمدينة فحلفا على ذلك كله ثم خرجا ففعلا ما فعلا . وروى شيخنا أبو عثمان قال لما خرج طلحة والزبير الى مكة واوهما الناس انهما خرجا للعمرة قال على عليه السلام لاصحابه والله ما يريدان العمرة وانما يريدان الغدرة (فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرا عظيما) . (1) وروى الطبري في التاريخ قال لما بايع طلحة والزبير عليا عليه السلام سالاه أن يؤمرهما على الكوفة والبصرة فقال بل تكونان عندي اتجمل بكما فانني استوحش لفراقكما . قال الطبري وقد كان قال لهما قبل بيعتهما له إن احببتما أن تبايعاني وإن احببتما بايعتكما فقالا لا بل نبايعك ثم قالا بعد ذلك انما بايعناه خشية على انفسنا وقد عرفنا انه لم يكن ليبايعنا ثم ظهرا الى مكة وذلك بعد قتل عثمان باربعة اشهر . وروى الطبري ايضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا وتم له الامر قال طلحة للزبير ما ارى أن لنا من هذا الامر الا كحسة (2) انف الكلب . وروى الطبري ايضا في التاريخ قال لما بايع الناس عليا عليه السلام بعد قتل عثمان جاء على الى الزبير فاستاذن عليه قال أبو حبيبة مولى الزبير : فاعلمته به فسل السيف ووضعه تحت فراشه وقال ائذن له فاذنت له فدخل فسلم على الزبير وهو واقف ثم خرج فقال الزبير لقد دخل لامر ما قضاه قم مقامه وانظر هل ترى من


(1) سورة الفتح 10 (2) كذا في تاريخ الطبري 1 : 3069 (طبع اوربا) ، والكلمة غير واضحة الاصول (*)

[ 18 ]

السيف شيئا ! فقمت في مقامه فرايت ذباب السيف فاخبرته وقلت إن ذباب السيف ليظهر لمن قام في هذا الموضع فقال ذاك أعجل الرجل وروى شيخنا أبو عثمان قال كتب مصعب بن الزبير الى عبد الملك من مصعب بن الزبير الى عبد الملك بن مروان سلام عليك فانى احمد اليك الله الذى لا اله الا هو اما بعد ستعلم يا فتى الزرقاء أنى ساهتك عن حلائلك الحجابا وأترك بلدة اصبحت فيها تهور من جوانبها خرابا أما أن لله على الوفاء بذلك الا أن تتراجع أو تتوب ولعمري ما انت كعبد الله بن الزبير ولا مروان كالزبير بن العوام حوارى رسول الله صلى الله عليه وآله وابن عمته فسلم الامر الى اهله فان نجاتك بنفسك اعظم الغنيمتين والسلام . فكتب إليه عبد الملك من عبد الله عبد الملك امير المؤمنين الى الذلول الذى اخطا من سماه المصعب سلام عليك فانى احمد اليك الله الذى لا اله الا هو اما بعد اتوعدني ولم ار مثل يومى خشاش الطير يوعدن العقابا متى تلق العقاب خشاش طير يهتك عن مقاتلها الحجابا اتوعد بالذئاب اسود غاب واسد الغاب تلتهم الذئابا ! اما ما ذكرت من وفائك فلعمري لقد وفى ابوك لتيم وعدى بعداء قريش وزعانفها حتى إذا صارت الامور الى صاحبها عثمان الشريف النسب الكريم الحسب بغاه الغوائل واعد له المخاتل حتى نال منه حاجته ثم دعا الناس الى على وبايعه فلما

[ 19 ]

دانت له امور الامه واجمعت له الكلمة وادركه الحسد القديم لبنى عبد مناف فنقض عهده ونكث بيعته بعد توكيدها ففكر وقدر وقتل كيف قدر وتمزقت لحمه الضباع بوادي السباع ولعمري انك تعلم يا اخا بنى عبد العزى بن قصى انا بنو عبد مناف لم نزل سادتكم وقادتكم في الجاهلية والاسلام ولكن الحسد دعاك الى ما ذكرت ولم ترث ذلك عن كلالة بل عن ابيك ولا أظن حسدك وحسد اخيك يؤول بكما الا الى ما آل إليه حسد ابيكما من قبل (ولا يحيق المكر السيئ الا باهله) (1) (وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون) (2) . وروى أبو عثمان ايضا قال دخل الحسن بن علي عليهما السلام على معاوية وعنده عبد الله بن الزبير وكان معاوية يحب أن يغرى بين قريش فقال يا ابا محمد ايهما كان اكبر سنا على ام الزبير فقال الحسن ما اقرب ما بينهما وعلى اسن من الزبير رحم الله عليا فقال ابن الزبير رحم الله الزبير وهناك أبو سعيد بن عقيل بن ابى طالب فقال يا عبد الله وما يهيجك من أن يترحم الرجل على ابيه قال وانا ايضا ترحمت على ابى قال اتظنه ندا له وكفؤا قال وما يعدل به عن ذلك كلاهما من قريش وكلاهما دعا الى نفسه ولم يتم له قال دع ذاك عنك يا عبد الله إن عليا من قريش ومن الرسول صلى الله عليه وآله حيث تعلم ولما دعا الى نفسه أتبع فيه وكان رأسا ودعا الزبير الى امر وكان الرأس فيه امرأة ولما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وولى مدبرا قبل أن يظهر الحق فيأخذه أو يدحض الباطل فيتركه فادركه رجل لو قيس ببعض اعضائه لكان اصغر فضرب عنقه واخذ سلبه وجاء براسه ومضى على قدما كعادته مع ابن عمه رحم الله عليا


(1) سورة فاطر 43 . (2) سورة الشعراء 227 . (*)

[ 20 ]

فقال ابن الزبير اما لو أن غيرك تكلم بهذا يا ابا سعيد لعلم فقال إن الذى تعرض به يرغب عنك وكفه معاوية فسكتوا . واخبرت عائشة بمقالتهم ومر أبو سعيد بفنائها فنادته يا ابا سعيد انت القائل لابن اختى كذا فالتفت أبو سعيد فلم ير شيئا فقال إن الشيطان يرانا ولا نراه فضحكت عائشة وقالت لله ابوك ما اذلق لسانك

[ 21 ]

(199) الاصل ومن كلام له عليه السلام وقد سمع قوما من اصحابه يسبون اهل الشام ايام حربهم بصفين انى اكره لكم أن تكونوا سبابين ولكنكم لو وصفتم اعمالهم وذكرتم حالهم كان اصوب في القول وابلغ في العذر وقلتم مكان سبكم اياهم اللهم احقن دماءنا ودماءهم واصلح ذات بيننا وبينهم واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله ويرعوى عن الغى والعدوان من لهج به الشرح السب الشتم سبه يسبه بالضم والتساب التشاتم ورجل مسب بكسر الميم كثير السباب ورجل سبه أي يسبه الناس ورجل سببه أي يسب الناس ورجل سب كثير السباب وسبك الذى يسابك قال لا تسبننى فلست بسبي إن سبى من الرجال الكريم (1) والذى كرهه عليه السلام منهم انهم كانوا يشتمون اهل الشام ولم يكن يكره منهم لعنهم اياهم والبذاءة منهم لا كما يتوهمه قوم من الحشوية فيقولون لا يجوز


(1) لعبد الرحمن بن حسان ، وانظر الصحاح 1 : 145 . (*)

[ 22 ]

لعن احد ممن عليه اسم الاسلام وينكرون على من يلعن ومنهم من يغالى في ذلك فيقول لا العن الكافر والعن ابليس وإن الله تعالى لا يقول لاحد يوم القيامة لم لم تلعن وانما يقول لم لعنت . واعلم أن هذا خلاف نص الكتاب لانه تعالى قال (إن الله لعن الكافرين واعد لهم سعيرا) (1) . وقال (اولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون) . (2) وقال في ابليس (وإن عليك لعنتي الى يوم الدين) (3) . وقال (ملعونين اينما ثقفوا) (4) . وفى الكتاب العزيز من ذلك الكثير الواسع . وكيف يجوز للمسلم أن ينكر التبرؤ ممن يجب التبرؤ منه الم يسمع هؤلاء قول الله تعالى (لقد كان لكم اسوة حسنه في ابراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم انا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء ابدا) (5) وانما يجب النظر فيمن قد اشتبهت حاله فان كان قد قارف كبيرة من الذنوب يستحق بها اللعن والبراء فلا ضير على من يلعنه ويبرا منه وإن لم يكن قد قارف كبيرة لم يجز لعنه ولا البراءة منه . ومما يدل على أن من عليه اسم الاسلام إذا ارتكب الكبيرة يجوز لعنه بل يجب في وقت قول الله تعالى في قصه اللعان (فشهادة احدهم اربع شهادات بالله انه


(1) سورة الاحزاب 64 . (2) سورة البقرة 159 . (3) سورة ص 78 . (4) سورة الاحزاب 61 . (5) سورة الممتحنة 4 . (*)

[ 23 ]

لمن الصادقين * والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين) (1) وقال تعالى في القاذف (إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والاخرة ولهم عذاب عظيم) (2) . فهاتان الايتان في المكلفين من اهل القبلة والايات قبلهما في الكافرين والمنافقين ولهذا قنت امير المؤمنين عليه السلام على معاوية وجماعة من اصحابه ولعنهم في ادبار الصلوات . فان قلت فما صورة السب الذى نهى امير المؤمنين عليه السلام عنه . قلت كانوا يشتمونهم بالاباء والامهات ومنهم من يطعن في نسب قوم منهم ومنهم من يذكرهم باللؤم ومنهم من يعيرهم بالجبن والبخل وبانواع الاهاجى التى يتهاجى بها الشعراء واساليبها معلومة فنهاهم عليه السلام عن ذلك وقال انى اكره لكن أن تكونوا سبابين ولكن الاصوب أن تصفوا لهم اعمالهم وتذكروا حالهم أي أن تقولوا انهم فساق وانهم اهل ضلال وباطل . ثم قال اجعلوا عوض سبهم أن تقولوا اللهم احقن دماءنا ودماءهم . حقنت الدم احقنه بالضم منعت أن يسفك أي الهمهم الانابة الى الحق والعدول عن الباطل فان ذلك إذا تم حقنت دماء الفريقين . فان قلت كيف يجوز أن يدعو الله تعالى بما لا يفعله اليس من اصولكم أن الله تعالى لا يضطر المكلف الى اعتقاد الحق وانما يكله الى نظرة . قلت الامر وأن كان كذلك الا أن المكلفين قد تعبدوا بان يدعوا الله تعالى


(1) سورة النور 6 ، 7 . (2) سوة النور 23 . (*)

[ 24 ]

بذلك لان في دعائهم اياه بذلك لطفا لهم ومصالح في اديانهم كالدعاء بزيادة الرزق وتاخير الاجل . قوله " واصلح ذات بيننا وبينهم " يعنى احوالنا واحوالهم ولما كانت الاحوال ملابسه للبين قيل لها " ذات البين " كما انه لما كانت الضمائر ملابسة للصدور قيل " ذات الصدور " وكذلك قولهم اسقنى ذا انائك لما كان ما فيه من الشراب ملابسا له ويقولون للمتبرز قد وضع ذا بطنه وللحبلى تضع القت ذا بطنها . وارعوى عن الغى رجع وكف . لهج به بالكسر يلهج اغرى به وثابر عليه

[ 25 ]

(200) ومن كلام له عليه السلام في بعض ايام صفين وقد راى الحسن ابنه عليه السلام يتسرع الى الحرب املكوا عنى هذا الغلام لا يهدنى فانني انفس بهذين يعنى الحسن والحسين عليهما السلام على الموت لئلا ينقطع بهما نسل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال الرضى أبو الحسن رحمه الله قوله عليه السلام " املكوا عنى هذا الغلام " من اعلى الكلام وافصحه الشرح الالف في " املكوا " الف وصل لان الماضي ثلاثى من ملكت الفرس والعبد والدار املك بالكسر أي احجروا عليه كما يحجر المالك على مملوكه . وعن متعلقه بمحذوف تقديره استولوا عليه وابعدوه عنى ولما كان الملك سبب الحجر على المملوك عبر بالسبب عن المسبب كما عبر بالنكاح عن العقد وهو في الحقيقة اسم الوطء لما كان العقد طريقا الى الوطء وسببا له . ووجه علو هذا الكلام وفصاحته انه لما كان في " املكوا " معنى البعد اعقبه

[ 26 ]

بعن وذلك انهم لا يملكونه دون امير المؤمنين عليه السلام الا وقد ابعدوه عنه الا ترى انك إذا حجرت على زيد دون عمرو فقد باعدت زيدا عن عمرو فلذلك قال املكوا عنى هذا الغلام واستفصح الشارحون قول ابى الطيب إذا كان شم الروح ادنى اليكم فلا برحتنى روضه وقبول (1) قالوا ولما كان في " فلا برحتنى " معنى " فارقتني " عدى اللفظة وإن كانت لازمة نظرا الى المعنى . (1) قوله " لا يهدنى " أي لئلا يهدنى فحذف كما حذف طرفه في قوله الا ايهذا الزاجرى احضر الوغى (2) أي لان احضر . وانفس ابخل نفست عليه بكذا بالكسر . فان قلت ايجوز أن يقال للحسن والحسين وولدهما ابناء رسول الله وولد رسول الله وذرية رسول الله ونسل رسول الله . قلت نعم لان الله تعالى سماهم (ابناءه) في قوله تعالى (ندع ابناءنا وابناءكم) (3) وانما عنى الحسن والحسين ولو اوصى لولد فلان بمال دخل فيه اولاد البنات وسمى الله تعالى عيسى ذرية ابراهيم في قوله (ومن ذريته داود وسليمان) (4) الى أن قال (ويحيى وعيسى) ولم يختلف اهل اللغة في أن ولد البنات من نسل الرجل .


(1) ديوانه 3 : 96 . (2) من المعلقة - بشرح التبريزي 80 وبقيته * وأن أشهد اللذات هل انت مخلدي * (3) سورة آل عمران 61 . (4) سورة الانعام 84 . (*)

[ 27 ]

فان قلت فما تصنع بقوله تعالى (ما كان محمد ابا احد من رجالكم) قلت اسالك عن ابوته لابراهيم بن مارية فكما تجيب به عن ذلك فهو جوابي عن الحسن والحسين عليهما السلام . والجواب الشامل للجميع انه عنى زيد بن حارثة لان العرب كانت تقول زيد بن محمد على عادتهم في تبنى العبيد فابطل الله تعالى ذلك ونهى عن سنة الجاهلية وقال إن محمدا عليه السلام ليس ابا لواحد من الرجال البالغين المعروفين بينكم ليعتزى إليه بالنبوة وذلك لا ينفى كونه ابا لاطفال لم تطلق عليهم لفظة الرجال كابراهيم وحسن وحسين عليهم السلام . فان قلت اتقول إن ابن البنت ابن على الحقيقة الاصلية ام على سبيل المجاز . قلت لذاهب أن يذهب الى انه حقيقة اصلية لان اصل الاطلاق الحقيقة وقد يكون اللفظ مشتركا بين مفهومين وهو في احدهما اشهر ولا يلزم من كونه اشهر في احدهما الا يكون حقيقة في الاخر . ولذاهب أن يذهب الى انه حقيقة عرفية وهى التى كثر استعمالها وهى في الاكثر مجاز حتى صارت حقيقة في العرف كالراوية للمزادة والسماء للمطر . ولذاهب أن يذهب الى كونه مجازا قد استعمله الشارع فجاز اطلاقه في كل حال واستعماله كسائر المجازات المستعملة . ومما يدل على اختصاص ولد فاطمة دون بنى هاشم كافة بالنبي عليه السلام انه ما كان يحل له عليه السلام أن ينكح بنات الحسن والحسين عليهما السلام ولا بنات ذريتهما وإن بعدن وطال الزمان الزمان ويحل له نكاح بنات غيرهم من بنى هاشم من الطالبيين وغيرهم وهذا يدل على مزيد الاقربية وهى كونهم اولاده لانه ليس هناك من القربى غير

[ 28 ]

هذا الوجه لانهم ليسوا اولاد اخيه ولا اولاد اخته ولا هناك وجه يقتضى حرمتهم عليه الا كونه والدا لهم وكونهم اولادا له فان قلت قد قال الشاعر بنونا بنو ابنائنا وبناتنا بنوهن ابناء الرجال الاباعد . وقال حكيم العرب اكثم بن صيفي في البنات يذمهن انهن يلدن الاعداء ويورثن البعداء . قلت انما قال الشاعر ما قاله على المفهوم الاشهرو ليس في قول اكثم ما يدل على نفى بنوتهم وانما ذكر انهن يلدن الاعداء وقد يكون ولد الرجل لصلبه عدوا قال الله تعالى (إن من ازواجكم واولادكم عدوا لكم) (1) ولا ينفى كونه عدوا كونه ابنا . قيل لمحمد بن الحنفية عليه السلام لم يغرر بك ابوك في الحرب ولم لا يغرر بالحسن والحسين فقال لانهما عيناه وانا يمينه فهو يذب عن عينيه بيمينه


(1) سورة التغابن 14 . (*)

[ 29 ]

(201) الاصل ومن كلام عليه السلام قاله لما اضطرب عليه اصحابه في امر الحكومة ايها الناس انه لم يزل امرى معكم على ما احب حتى نهكتكم الحرب وقد والله اخذت منكم وتركت وهى لعدوكم انهك . لقد كنت امس اميرا فاصبحت اليوم مامورا وكنت امس ناهيا فاصبحت اليوم منهيا وقد احببتم البقاء وليس لى أن احملكم على ما تكرهون الشرح نهكتكم بكسر الهاء ادنفتكم واذابتكم ويجوز فتح الهاء وقد نهك الرجل أي دنف وضنى فهو منهوك وعليه نهكه المرض أي اثره الحرب مؤنثة . وقد اخذت منكم وتركت أي لم تستأصلكم بل فيكم بعد بقية وهى لعدوكم انهك لان القتل في اهل الشام كان اشد استحرارا والوهن فيهم اظهر ولو لا فساد اهل العراق برفع المصاحف لا ستؤصل الشام وخلص الاشتر الى معاوية فاخذه بعنقه ولم يكن قد بقى من قوة الشام الا كحركة ذنب الوزغة عند قتلها يضطرب يمينا وشمالا ولكن الامور السماوية لا تغالب . فاما قوله (كنت امس اميرا فاصبحت اليوم مامورا) فقد قدمنا شرح حالهم من قبل وأن اهل العراق لما رفع عمرو بن العاص ومن معه المصاحف على وجه المكيدة

[ 30 ]

حين احس بالعطب وعلو كلمة اهل الحق الزموا امير المؤمنين عليه السلام بوضع اوزار الحرب وكف الايدى عن القتال وكانوا في ذلك على اقسام فمنهم من دخلت عليه الشبهة برفع المصاحف وغلب على ظنه أن اهل الشام لم يفعلوا ذلك خدعة وحيلة بل حقا ودعاء الى الدين وموجب الكتاب فراى أن الاستسلام للحجة اولى من الاصرار على الحرب . ومنهم من كان قد مل الحرب وآثر السلم فلما راى شبهة ما يسوغ التعلق بها في رفض المحاربة وحب العافية اخلد إليهم . ومنهم من كان يبغض عليا عليه السلام بباطنه ويطيعه بظاهره كما يطيع كثير من الناس السلطان في الظاهر ويبغضه بقلبه فلما وجدوا طريقا الى خذلانه وترك نصرته اسرعوا نحوها فاجتمع جمهور عسكره عليه وطالبوه بالكف وترك القتال فامتنع امتناع عالم بالمكيدة وقال لهم انها حيلة وخديعة وانى اعرف بالقوم منكم انهم ليسوا باصحاب قرآن ولا دين قد صحبتهم وعرفتهم صغيرا وكبيرا فعرفت منهم الاعراض عن الدين والركون الى الدنيا فلا تراعوا برفع المصاحف وصمموا على الحرب وقد ملكتموهم فلم يبق منهم الا حشاشة ضعيفة وذماء قليل فابوا عليه والحوا واصروا على القعود والخذلان وامروه بالانفاذ الى المحاربين من اصحابه وعليهم الاشتر أن يامرهم بالرجوع وتهددوه إن لم يفعل باسلامه الى معاوية فارسل الى الاشتر يامره بالرجوع وترك الحرب فابى عليه فقال كيف ارجع وقد لاحت امارات الظفر فقولوا له (ليمهلني ساعة واحدة) ولم يكن علم صورة الحال كيف قد وقعت فلما عاد إليه الرسول بذلك غضبوا ونفروا وشغبوا وقالوا انفذت الى الاشتر سرا وباطنا تأمره بالتصميم وتنهاه عن الكف وإن لم تعده الساعة والا قتلناك كما قتلنا عثمان فرجعت الرسل الى الاشتر فقالوا له ا تحب أن تظفر بمكانك وامير المؤمنين قد سل عليه

[ 31 ]

خمسون الف سيف فقال ما الخبر قال إن الجيش باسره قد احدق به وهو قاعد بينهم على الارض تحته نطع وهو مطرق والبارقة تلمع على راسه يقولون لئن لم تعد الاشتر قتلناك قال ويحكم فما سبب ذلك قالوا رفع المصاحب قال والله لقد ظننت حين رايتها رفعت انها ستوقع فرقة وفتنة . ثم كر راجعا على عقبيه فوجد امير المؤمنين عليه السلام تحت الخطر قد ردده اصحابه بين امرين يسلموه الى معاوية أو يقتلوه ولا ناصر له منهم الا ولداه وابن عمه ونفر قليل لا يبلغون عشرة فلما رآهم الاشتر سبهم وشتمهم وقال ويحكم ابعد الظفر والنصر صب عليكم الخذلان والفرقة يا ضعاف الاحلام يا اشباه النساء يا سفهاء العقول فشتموه وسبوه وقهروه وقالوا المصاحف المصاحف والرجوع إليها لا نرى غير ذلك فأجاب امير المؤمنين عليه السلام الى التحكيم دفعا للمحذور الاعظم بارتكاب المحظور الاضعف فلذلك قال (كنت اميرا فاصبحت مامورا وكنت ناهيا فصرت منهيا) وقد سبق من شرح حال التحكيم وما جرى فيه ما يغنى عن اعادته

[ 32 ]

(2) الاصل ومن كلام له عليه السلام بالبصرة وقد دخل على العلاء بن زياد الحارثى وهو من اصحابه يعوده فلما راى سعة داره قال ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا اما انت إليها في الاخرة كنت احوج وبلى إن شئت بلغت بها الاخرة تقرى فيها الضيف وتصل فيها الرحم وتطلع منها الحقوق مطالعها فإذا انت قد بلغت بها الاخرة فقال له العلاء يا امير المؤمنين اشكو اليك اخى عاصم بن زياد قال وما له قال لبس العباء وتخلى من الدنيا قال على به فلما جاء قال يا عدى نفسه لقد استهام بك الخبيث اما رحمت اهلك وولدك اترى الله احل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها انت اهون على الله من ذلك قال يا امير المؤمنين هذا انت في خشونة ملبسك وجشوبة ماكلك قال ويحك انى لست كانت إن الله تعالى فرض على ائمة الحق أن يقدروا انفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره

[ 33 ]

الشرح كنت هاهنا زائدة مثل قوله تعالى (كيف نكلم من كان في المهد صبيا) (1) وقوله (وبلى إن شئت بلغت بها الاخرة) لفظ فصيح كانه استدرك وقال وبلى على انك قد تحتاج إليها في الدنيا لتجعلها وصلة الى نيل الاخرة بان تقرى فيها الضيف والضيف لفظ يقع على الواحد والجمع وقد يجمع فيقال ضيوف واضياف والرحم القرابة . وتطلع منها الحقوق مطالعها توقعها في مظان استحقاقها . والعباء جمع عباءة وهى الكساء وقد تلين كما قالوا عظاءة وعظاية وصلاءة وصلاية . وتقول على بفلان أي احضره والاصل اعجل به على فحذف فعل الامر ودل الباقي عليه . ويا عدى نفسه تصغير (عدو) وقد يمكن أن يراد به التحقير المحض هاهنا . ويمكن أن يراد به الاستعظام لعداوته لها ويمكن أن يخرج مخرج التحنن والشفقة كقولك يا بنى . واستهام بك الخبيث يعنى الشيطان أي جعلك هائما ضالا والباء زائدة . فان قيل ما معنى قوله عليه السلام (انت اهون على الله من ذلك) ؟ . قلت لان في المشاهد قد يحل الواحد منا لصاحبه فعلا مخصوصا محاباه ومراقبه له


(1) سورة مريم 29 . (*)

[ 34 ]

وهو يكره أن يفعله والبشر اهون على الله تعالى من أن يحل لهم امرا مجامله واستصلاحا للحال معهم وهو يكره منهم فعله . وقوله (هذا انت !) أي فما بالنا نراك خشن الملبس والتقدير (فها انت تفعل كذا فكيف تنهى عنه !) . وطعام جشب أي غليظ وكذلك مجشوب وقيل انه الذى لا ادم معه . قوله عليه السلام (أن يقدروا انفسهم بضعفه الناس) أي يشتبهوا ويمثلوا . وتبيغ الدم بصاحبه وتبوغ به أي هاج به وفي الحديث (عليكم بالحجامة لا يتبيغ باحدكم الدم فيقتله) وقيل اصل (يتبيغ) يتبغى فقلب جذب وجبذ أي يجب على الامام العادل أن يشبه نفسه في لباسه وطعامه بضعفة الناس - جمع ضعيف - لكيلا يهلك الفقراء من الناس فانهم إذا راوا امامهم بتلك الهيئة وبذلك المطعم كان ادعى لهم الى سلوان لذات الدنيا والصبر عن شهوات النفوس [ ذكر بعض مقامات العارفين والزهاد ] وروى أن قوما من المتصوفة دخلوا خراسان على على بن موسى الرضى فقالوا له إن امير المؤمنين فكر فيما ولاه الله من الامور فرأكم - اهل البيت - اولى الناس أن تؤموا الناس ونظر فيك من اهل البيت فرآك اولى الناس بالناس فراى أن يرد هذا الامر اليك والامامة تحتاج الى من ياكل الجشب ويلبس الخشن ويركب الحمار ويعود المريض فقال لهم إن يوسف كان نبيا يلبس اقبية الديباج المزررة بالذهب ويجلس على متكات آل فرعون ويحكم انما يراد من الامام قسطه وعدله إذا قال صدق

[ 35 ]

وإذا حكم عدل وإذا وعد انجز إن الله لم يحرم لبوسا ولا مطعما ثم قرا (قل من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق الايه . . .) (1) الاية . وهذا القول مخالف للقانون الذى اشار امير المؤمنين إليه وللفلاسفة في هذا الباب كلام لا باس به وقد اشار إليه أبو على بن سينا في كتاب (الاشارات) وعليه يتخرج قولا امير المؤمنين وعلى بن موسى الرضى عليهما السلام قال أبو على في مقامات العارفين (العارفون قد يختلفون في الهمم بحسب ما يختلف فيهم من الخواطر على حسب ما يختلف عندهم من دواعى العبر فربما استوى عند العارف القشف الترف بل ربما آثر القشف وكذلك ربما سوى عنده التفل والعطر بل ربما آثر التفل وذلك عند ما يكون الهاجس بباله استحقار ما عدا الحق وربما صغا الى الزينة واحب من كل شئ عقيلته (2) وكره الخداج والسقط وذلك عند ما يعتبر عادته من صحبته الاحوال الظاهرة فهو يرتاد إليها في كل شئ لانه مزية خطوة من العناية الاولى واقرب أن يكون من قبيل ما عكف عليه بهواه وقد يختلف هذا في عارفين وقد يختلف في عارف بحسب وقتين . واعلم أن الذى رويته عن الشيوخ ورايته بخط عبد الله بن احمد بن الخشاب رحمه الله أن الربيع بن زياد الحارثى اصابته نشابة في جبينه فكانت تنتقض عليه في كل عام فاتاه على عليه السلام عائدا فقال كيف تجدك ابا عبد الرحمن قال اجدني يا امير المؤمنين لو كان لا يذهب ما بى الا بذهاب بصرى لتمنيت ذهابه قال وما قيمة بصرك عندك قال لو كانت لى الدنيا لفديته بها قال لا جرم ليعطينك الله على قدر ذلك إن الله تعالى يعطى على قدر الالم والمصيبة وعنده تضعيف كثير قال الربيع


(1) سورة الاعراف 32 (2) العقيلة من كل شئ أكرمه جمعها عقائل . (*)

[ 36 ]

يا امير المؤمنين الا اشكوا اليك عاصم بن زياد اخى قال ما له قال لبس العباء وترك الملاء وغم اهله وحزن ولده فقال على ادعوا لى عاصما فلما اتاه عبس في وجهه وقال ويحك يا عاصم ا ترى الله اباح لك اللذات وهو يكره ما اخذت منها لانت اهون على الله من ذلك أو ما سمعته يقول (مرج البحرين يلتقيان) (1) ثم يقول (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) (2) وقال (ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها) (3) اما والله إن ابتذال نعم الله بالفعال احب إليه من ابتذالها بالمقال وقد سمعتم الله يقول (واما بنعمة ربك فحدث) (4) وقوله (من حرم زينة الله التى اخرج لعباده والطيبات من الرزق) إن الله خاطب المؤمنين بما خاطب به المرسلين فقال (يا ايها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم) (5) وقال (يا ايها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا) (6) وقال رسول الله صلى الله عليه وآ له وسلم لبعض نسائه (مالى اراك شعثاء مرهاء سلتاء) (7) . قال عاصم فلم اقتصرت يا امير المؤمنين على لبس الخشن واكل الجشب قال إن الله تعالى افترض على ائمة العدل أن يقدروا لانفسهم بالقوام كيلا يتبيغ بالفقير فقره فما قام على عليه السلام حتى نزع عاصم العباء ولبس ملاءه . والربيع بن زياد هو الذى افتتح بعض خراسان وفيه قال عمر دلوني على رجل إذا كان


(1) سورة الرحمن 19 . (2) سورة الرحمن 22 . (3) سورة فاطر 12 . (4) سورة الضحى 11 . (5) سورة البقرة 172 . (6) سورة المؤمنون 51 . (7) المرهاء : التي لا تكتحل . والسلتاء التي لاتخضب . (*)

[ 37 ]

في القوم اميرا فكأنه ليس بامير وإذا كان في القوم ليس بامير فكأنه الامير بعينه وكان خيرا متواضعا وهو صاحب الوقعة مع عمر لما احضر العمال فتوحش له الربيع وتقشف واكل معه الجشب من الطعام فاقره على عمله وصرف الباقين وقد ذكرنا هذه الحكاية فيما تقدم . وكتب زياد بن ابيه الى الربيع بن زياد وهو على قطعة من خراسان إن امير المؤمنين معاوية كتب الى يامرك أن تحرز الصفراء والبيضاء وتقسم الخرثى (1) وما اشبهه على اهل الحرب فقال له الربيع انى وجدت كتاب الله قبل كتاب امير المؤمنين ثم نادى في الناس أن اغدوا على غنائمكم فاخذ الخمس وقسم الباقي على المسلمين ثم دعا الله أن يميته فما جمع حتى مات . وهو الربيع بن زياد بن انس بن ديان بن قطر بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن مالك بن كعب بن الحارث بن عمرو بن وعلة بن خالد بن مالك بن ادد . واما العلاء بن زياد الذى ذكره الرضى رحمه الله فلا اعرفه لعل غيرى يعرفه .


(1) الخرثى : أردأ المتاع . (*)

[ 38 ]

(203) الاصل ومن كلام له عليه السلام وقد ساله سائل عن احاديث البدع وعما في ايدى الناس من اختلاف الخبر فقال عليه السلام إن في ايدى الناس حقا وباطلا وصدقا وكذبا وناسخا ومنسوخا وعاما وخاصا ومحكما ومتشابها وحفظا ووهما وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده حتى قام خطيبا فقال (من كذب على متعمدا فليتبوا مقعده من النار) وانما اتاك بالحديث اربعة رجال ليس لهم خامس رجل منافق مظهر للايمان متصنع بالاسلام لا يتاثم ولا يتحرج يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم متعمدا فلو علم الناس انه منافق كاذب لم يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله ولكنهم قالوا صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم آه وسمع منه ولقف عنه فيأخذون بقوله وقد اخبرك الله عن المنافقين بما اخبرك ووصفهم بما وصفهم به لك ثم بقوا بعده فتقربوا الى ائمة الضلالة والدعاة الى النار بالزور والبهتان فولوهم الاعمال وجعلوهم حكاما على رقاب الناس فاكلوا بهم الدنيا وانما الناس مع الملوك والدنيا الا من عصم الله فهذا احد الاربعة ورجل سمع من رسول الله شيئا لم يحفظه على وجهه فوهم فيه ولم يتعمد

[ 39 ]

كذبا فهو في يديه ويرويه ويعمل به ويقول انا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلو علم المسلمون انه وهم فيه لم يقبلوه منه ولو علم هو انه كذلك لرفضه ورجل ثالث سمع من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا يامر به ثم انه نهى عنه وهو لا يعلم أو سمعه ينهى عن شئ ثم امر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ فلو علم انه منسوخ لرفضه ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه انه منسوخ لرفضوه وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يهم بل حفظ ما سمع على وجهه فجاء به على سمعه لم يزد فيه ولم ينقص منه فهو حفظ الناسخ فعمل به وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام والمحكم والمتشابه فوضع كل شئ موضعه وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم الكلام له وجهان فكلام خاص وكلام عام فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله سبحانه به ولا ما عنى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيحمله السامع ويوجهه على غير معرفة بمعناه وما قصد به وما خرج من اجله وليس كل اصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من كان يساله ويستفهمه حتى إن كانوا ليحبون أن يجئ الاعرابي والطارئ فيسأله عليه السلام حتى يسمعوا وكان لا يمر بى من ذلك شئ الا سألته عنه وحفظته فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلافهم وعللهم في رواياتهم

[ 40 ]

الشرح الكلام في تفسير الالفاظ الاصولية وهى العام والخاص والناسخ والمنسوخ والصدق والكذب والمحكم والمتشابه موكول الى فن اصول الفقه وقد ذكرناه فيما امليناه من الكتب الاصولية والاطالة بشرح ذلك في هذا الموضع مستهجنة . قوله عليه السلام (وحفظا ووهما) الهاء مفتوحة وهى مصدر وهمت بالكسر اوهم أي غلطت وسهوت وقد روى (وهما) بالتسكين وهو مصدر وهمت بالفتح اوهم إذا ذهب وهمك الى شئ وانت تريد غيره والمعنى متقارب . وقول النبي صلى الله عليه وسلم فليتبوا مقعده من النار كلام صيغته الامر ومعناه الخبر كقوله تعالى (قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا) (1) وتبوات المنزل نزلته وبواته منزلا انزلته فيه والتاثم الكف عن موجب الاثم والتحرج مثله واصله الضيق كانه يضيق على نفسه . ولقف عنه تناول عنه . وجنب عنه اخذ عنه جانبا . و (إن) في قوله (حتى إن كانوا ليحبون) مخففة من الثقيلة ولذلك جاءت اللام في الخبر . والطارئ بالهمز الطالع عليهم طرا أي طلع وقد روى (عللهم) بالرفع عطفا على (وجوه) وروى بالجر عطفا على (اختلافهم)


(1) سورة مريم 75 . (*)

[ 41 ]

[ ذكر بعض احوال المنافقين بعد وفاة محمد عليه السلام ] واعلم أن هذا التقسيم صحيح وقد كان في ايام الرسول صلى الله عليه واله منافقون وبقوا بعده وليس يمكن أن يقال إن النفاق مات بموته والسبب في استتار حالهم بعده انه صلى الله عليه واله كان لا يزال بذكرهم بما ينزل عليه من القرآن فانه مشحون بذكرهم الا ترى أن اكثر ما نزل بالمدينة من القرآن مملوء بذكر المنافقين فكان السبب في انتشار ذكرهم واحوالهم وحركاتهم هو القرآن فلما انقطع الوحى بموته صلى الله عليه واله لم يبق من ينعى عليهم سقطاتهم ويوبخهم على اعمالهم ويامر بالحذر منهم ويجاهرهم تارة ويجاملهم تارة وصار المتولي للامر بعده يحمل الناس كلهم على كاهل المجاملة ويعاملهم بالظاهر وهو الواجب في حكم الشرع والسياسة الدنيوية بخلاف حال الرسول صلى الله عليه واله فانه كان تكليفه معهم غير هذا التكليف ا لا ترى انه قيل له (ولا تصل على احد منهم مات ابدا) (1) فهذا يدل على انه كان يعرفهم باعيانهم والا كان النهى له عن الصلاة عليهم تكليف ما لا يطاق والوالى بعده لا يعرفهم باعيانهم فليس مخاطبا بما خوطب به صلى الله عليه وسلم في امرهم ولسكوت الخلفاء عنهم بعده خمل ذكرهم فكان قصارى امر المنافق أن يسر ما في قلبه ويعامل المسلمين بظاهره ويعاملونه بحسب ذلك ثم فتحت عليهم البلاد وكثرت الغنائم فاشتغلوا بها عن الحركات التى كانوا يعتمدونها ايام رسول الله وبعثهم الخلفاء مع الامراء الى بلاد فارس والروم فالهتهم الدنيا عن الامور التى كانت تنقم منهم في حياة رسول الله صلى الله عليه واله ومنهم من استقام اعتقاده وخلصت نيته لما راوا الفتوح والقاء الدنيا افلاذ كبدها من الاموال العظيمة والكنوز الجليلة إليهم فقالوا لو لم يكن هذا الدين


(1) سورة التوبة 84 . (*)

[ 42 ]

حقا لما وصلنا الى ما وصلنا إليه وبالجملة لما تركوا تركوا وحيث سكت عنهم سكتوا عن الاسلام واهله الا في دسيسه خفية يعملونها نحو الكذب الذى اشار إليه امير المؤمنين عليه السلام فانه خالط الحديث كذب كثير صدر عن قوم غير صحيحي العقيدة قصدوا به الاضلال وتخبيط القلوب والعقائد وقصد به بعضهم التنوية بذكر قوم كان لهم في التنويه بذكرهم غرض دنيوى وقد قيل انه افتعل في ايام معاوية خاصة حديث كثير على هذا الوجه ولم يسكت المحدثون الراسخون في علم الحديث عن هذا بل ذكروا كثيرا من هذه الاحاديث الموضوعة وبينوا وضعها وأن رواتها غير موثوق بهم الا أن المحدثين انما يطعنون فيما دون طبقة الصحابة ولا يتجاسرون في الطعن على احد من الصحابة لان عليه لفظ (الصحبة) على انهم قد طعنوا في قوم لهم صحبة كبسر بن ارطاة وغيره . فان قلت من هم ائمة الضلالة الذين يتقرب إليهم المنافقون الذين راوا رسول الله صلى الله عليه واله وصحبوه للزور والبهتان وهل هذا الا تصريح بما تذكره الامامية وتعتقده . قلت ليس الامر كما ظننت وظنوا وانما يعنى معاوية وعمرو بن العاص ومن شايعهما على الضلال كالخبر الذى الذى رواه من في حق معاوية اللهم قه العذاب والحساب وعلمه الكتاب وكرواية عمرو بن العاص تقربا الى قلب معاوية (إن آل ابى طالب ليسوا لى باولياء انما وليى الله وصالح المؤمنين) وكرواية قوم في ايام معاوية اخبارا كثيرة من فضائل عثمان تقربا الى معاوية بها ولسنا نجحد فضل عثمان وسابقته ولكنا نعلم أن بعض الاخبار الواردة فيه موضوع كخبر وعمرو بن مرة فيه وهو مشهور وعمر بن مرة ممن له صحبة وهو شامى

[ 43 ]

[ ذكر بعض ما منى به آل البيت من الاذى والاضطهاد ] وليس يجب من قولنا إن بعض الاخبار الواردة في حق شخص فاضل مفتعلة أن تكون قادحة في فضل ذلك الفاضل فانا مع اعتقادنا أن عليا افضل الناس نعتقد أن بعض الاخبار الواردة في فضائله مفتعل ومختلق . وقد روى أن ابا جعفر محمد بن على الباقر عليه السلام قال لبعض اصحابه يا فلان ما لقينا من ظلم قريش ايانا وتظاهرهم علينا وما لقى شيعتنا ومحبونا من الناس إن رسول الله صلى الله عليه واله قبض وقد اخبر انا اولى الناس بالناس فتمالات علينا قريش حتى اخرجت الامر عن معدنه واحتجت على الانصار بحقنا وحجتنا ثم تداولتها قريش واحد بعد واحد حتى رجعت الينا فنكثت بيعتنا ونصبت الحرب لنا ولم يزل صاحب الامر في صعود كئود حتى قتل فبويع الحسن ابنه وعوهد ثم غدر به واسلم ووثب عليه اهل العراق حتى طعن بخنجر في جنبه ونهبت عسكره وعولجت خلاليل امهات اولاده فوادع معاوية وحقن دمه ودماء اهل بيته وهم قليل حق قليل ثم بايع الحسين عليه السلام من اهل العراق عشرون الفا ثم غدروا به وخرجوا عليه وبيعته في اعناقهم وقتلوه ثم لم نزل - اهل البيت - نستذل ونستضام ونقصي ونمتهن ونحرم ونقتل ونخاف ولا نامن على دمائنا ودماء اوليائنا ووجد الكاذبون الجاحدون لكذبهم وجحودهم موضعا يتقربون به الى اوليائهم وقضاه السوء وعمال السوء في كل بلدة فحدثوهم بالاحاديث الموضوعة المكذوبة ورووا عنا ما لم نقله وما لم نفعله ليبغضونا الى الناس وكان عظم ذلك وكبره زمن معاوية بعد موت الحسن عليه السلام فقتلت شيعتنا بكل بلدة وقطعت الايدى والارجل على الظنة وكان من يذكر بحبنا والانقطاع الينا سجن أو نهب ماله أو هدمت داره ثم لم يزل البلاء يشتد ويزداد

[ 44 ]

الى زمان عبيد الله بن زياد قاتل الحسين عليه السلام ثم جاء الحجاج فقتلهم كل قتله واخذهم بكل ظنه وتهمه حتى إن الرجل ليقال له زنديق أو كافر احب إليه من أن يقال شيعة على وحتى صار الرجل الذى يذكر بالخير - ولعله يكون ورعا صدوقا - يحدث باحاديث عظيمة عجيبة من تفضيل بعض من قد سلف من الولاة ولم يخلق الله تعالى شيئا منها ولا كانت ولا وقعت وهو يحسب انها حق لكثرة من قد رواها ممن لم يعرف بكذب ولا بقلة ورع . وروى أبو الحسن على بن محمد بن ابى سيف المدايني في كتاب (الاحداث) قال كتب معاوية نسخة واحدة الى عماله بعد عام الجماعة أن برئت الذمة ممن روى شيئا من فضل ابى تراب واهل بيته فقامت الخطباء في كل كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا ويبرءون منه ويقعون فيه وفي اهل بيته وكان اشد الناس بلاء حينئذ اهل الكوفة لكثرة من بها من شيعة على عليه السلام فاستعمل عليهم زياد بن سمية وضم إليه البصرة فكان يتتبع الشيعة وهو بهم عارف لانه كان منهم ايام على عليه السلام فقتلهم تحت كل حجر ومدر واخافهم وقطع الايدى والارجل وسمل العيون وصلبهم على جذوع النخل وطرفهم وشردهم عن العراق فلم يبق بها معروف منهم وكتب معاوية الى عماله في جميع الافاق الا يجيزوا لاحد من شيعة على واهل بيته شهادة وكتب إليهم أن انظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه واهل ولايته والذين يروون فضائله ومناقبه فادنوا مجالسهم وقربوهم واكرموهم واكتبوا لى بكل ما يروى كل رجل منهم واسمه واسم ابيه وعشيرته . ففعلوا ذلك حتى اكثروا في فضائل عثمان ومناقبه لما كان يبعثه إليهم معاوية من الصلات والكساء والحباء والقطائع ويفيضه في العرب منهم والموالي فكثر ذلك في كل مصر وتنافسوا في المنازل والدنيا فليس يجئ احد مردود من الناس عاملا من

[ 45 ]

عمال معاوية فيروى في عثمان فضيله أو منقبه الا كتب اسمه وقربه وشفعه فلبثوا بذلك حينا . ثم كتب الى عماله أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه وناحية فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس الى الرواية في فضائل الصحابة والخلفاء الاولين ولا تتركوا خبرا يرويه احد من المسلمين في ابى تراب الا وتأتوني بمناقض له في الصحابة فان هذا احب الى واقر لعيني وادحض لحجة ابى تراب وشيعته واشد عليهم من مناقب عثمان وفضله . فقرئت كتبه على الناس فرويت اخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا حقيقة لها وجد الناس في رواية ما يجرى هذا المجرى حتى اشادوا بذكر ذلك على المنابر والقى الى معلمي الكتاتيب فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك الكثير الواسع حتى رووه وتعلموه كما يتعلمون القرآن وحتى علموه بناتهم ونساءهم وخدمهم وحشمهم فلبثوا بذلك ما شاء الله . ثم كتب الى عماله نسخة واحدة الى جميع البلدان انظروا من قامت عليه البينة انه يحب عليا واهل بيته فامحوه من الديوان واسقطوا عطاءه ورزقه وشفع ذلك بنسخة اخرى من اتهمتوه بمولاة هؤلاء القوم فنكلوا به واهدمو داره فلم يكن البلاء اشد ولا اكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة حتى إن الرجل من شيعة على عليه السلام لياتيه من يثق به فيدخل بيته فيلقى إليه سره ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدثه حتى ياخذ عليه الايمان الغليظة ليكتمن عليه فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة والولاة وكان اعظم الناس في ذلك بلية القراء المراءون والمستضعفون الذين يظهرون الخشوع والنسك فيفتعلون الاحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم ويقربوا مجالسهم ويصيبوا به الاموال والضياع

[ 46 ]

والمنازل حتى انتقلت تلك الاخبار والاحاديث الى ايدى الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان فقبلوها ورووها وهم يظنون انها حق ولو علموا انها باطلة لما رووها ولا تدينوا بها . فلم يزل الامر كذلك حتى مات الحسن بن على عليه السلام فازداد البلاء والفتنة فلم يبق احد من هذا القبيل الا وهو خائف على دمه أو طريد في الارض . ثم تفاقم الامر بعد قتل الحسين عليه السلام وولى عبد الملك بن مروان فاشتد على الشيعة وولى عليهم الحجاج بن يوسف فتقرب إليه اهل النسك والصلاح والدين ببغض على وموالاة اعدائه وموالاة من يدعى من الناس انهم ايضا اعداؤه فاكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم واكثروا من الغض من على عليه السلام و عيبه والطعن فيه والشنان له حتى إن انسانا وقف للحجاج - ويقال انه جد الاصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به ايها الامير إن اهلي عقونى فسموني عليا وانى فقير بائس وانا الى صلة الامير محتاج فتضاحك له الحجاج وقال للطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا . وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه وهو من اكابر المحدثين واعلامهم - في تاريخه ما يناسب هذا الخبر وقال إن اكثر الاحاديث الموضوعة في فضائل الصحابة افتعلت في ايام بنى امية تقربا إليهم بما يظنون انهم يرغمون به انوف بنى هاشم . قلت ولا يلزم من هذا أن يكون على عليه السلام يسوءه أن يذكر الصحابة والمتقدمون عليه بالخير والفضل الا أن معاوية وبنى امية كانوا يبنون الامر من هذا على ما يظنونه في على عليه السلام من انه عدو من تقدم عليه ولم يكن الامر في الحقيقة كما

[ 47 ]

يظنونه ولكنه كان يرى انه افضل منهم وانهم استاثروا عليه بالخلافة من غير تفسيق منه لهم ولا براءة منهم . فاما قوله عليه السلام (ورجل سمع من رسول الله شيئا ولم يحفظه على وجهه فوهم فيه) فقد وقع ذلك وقال اصحابنا في الخبر الذى رواه عبد الله بن عمر (إن الميت ليعذب ببكاء اهله عليه) إن ابن عباس لما روى له هذا الخبر قال ذهل ابن عمر انما مر رسول الله صلى الله عليه واله على قبر يهودى فقال إن اهله ليبكون عليه وانه ليعذب . وقالوا ايضا إن عائشة انكرت ذلك وقالت ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قليب بدر انما قال عليه السلام (انهم ليبكون عليه وانه ليعذب بجرمه) . قالوا وموضع غلطه في خبر القليب انه روى أن النبي صلى الله عليه واله وقف على قليب بدر فقال (هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا) ثم قال (انهم يسمعون ما اقول لهم) فانكرت عائشة ذلك وقالت انما (قال انهم يعلمون أن الذى كنت اقوله لهم هو الحق) واستشهد بقوله تعالى (انك لا تسمع الموتى) . (1) فاما الرجل الثالث وهو الذى يسمع المنسوخ ولم يسمع الناسخ فقد وقع كثيرا وكتب الحديث والفقه مشحونة بذلك كالذين اباحوا لحوم الحمر الاهلية لخبر رووه في ذلك ولم يرووا الخبر الناسخ . واما الرجل الرابع فهم العلماء الراسخون في العلم . واما قوله عليه السلام (وقد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه واله الكلام له)


(1) سورة النمل 80 . (*)

[ 48 ]

وجهان) فهذا داخل في القسم الثاني وغير خارج عنه ولكنه كالنوع من الجنس لان الوهم والغلط جنس تحته انواع . واعلم أن امير المؤمنين عليه السلام كان مخصوصا من دون الصحابة رضوان الله عليهم بخلوات كان يخلو بها مع رسول الله صلى الله عليه واله لا يطلع احد من الناس على ما يدور بينهما وكان كثير السؤال للنبى صلى الله عليه واله عن معاني القرآن وعن معاني كلامه صلى الله عليه واله وإذا لم يسال ابتداه النبي صلى الله عليه واله بالتعليم والتثقيف ولم يكن احد من اصحاب النبي صلى الله عليه واله كذلك بل كانوا اقساما فمنهم من يهابه أن يساله وهم الذين يحبون أن يجئ الاعرابي أو الطارئ فيسأله وهم يسمعون ومنهم من كان بليدا بعيد الفهم قليل الهمة في النظر والبحث ومنهم من كان مشغولا عن طلب العلم وفهم المعاني اما بعبادة أو دنيا ومنهم المقلد يرى أن فرضه السكوت وترك السؤال ومنهم المبغض الشانئ الذى ليس للدين عنده من الموقع ما يضيع وقته وزمانه بالسؤال عن دقائقه وغوامضه وانضاف الى الامر الخاص بعلى عليه السلام ذكاؤه وفطنته وطهارة طينته واشراق نفسه وضوءها وإذا كان المحل قابلا متهيئا كان الفاعل المؤثر موجودا والموانع مرتفعة حصل الاثر على اتم ما يمكن فلذلك كان على عليه السلام - كما قال الحسن - البصري ربانى هذه الامة وذا فضلها ولذا تسميه الفلاسفة امام الائمة وحكيم العرب [ فصل فيما وضع الشيعة والبكرية من الاحاديث ] واعلم أن اصل الاكاذيب في احاديث الفضائل كان من جهة الشعية فانهم وضعوا

[ 49 ]

في مبدا الامر احاديث مختلفه في صاحبهم حملهم على وضعها عداوة خصومهم نحو حديث (السطل) وحديث (الرمانة) وحديث غزوة البئر التى كان فيها الشياطين وتعرف كما زعموا (بذات العلم) وحديث غسل سلمان الفارسى وطى الارض وحديث الجمجمة ونحو ذلك فلما رات البكرية ما صنعت الشيعة وضعت لصاحبها احاديث في مقابلة هذه الاحاديث نحو (لو كنت متخذا خليلا) فانهم وضعوه في مقابله حديث الاخاء ونحو سد الابواب فانه كان لعلى عليه السلام فقلبته البكرية الى ابى بكر ونحو (ائتونى بدواة وبياض اكتب فيه لابي بكر كتابا لا يختلف عليه اثنان) ثم قال (يابى الله تعالى والمسلمون الا ابا بكر) فانهم وضعوه في مقابلة الحديث المروى عنه في مرضه (ائتونى بدواة وبياض اكتب لكم ما لا تضلون بعده ابدا) فاختلفوا عنده وقال قوم منهم لقد غلبه الوجع حسبنا كتاب الله ونحو حديث (انا راض عنك فهل انت عنى راض) ونحو ذلك فلما رات الشيعة ما قد وضعت البكرية اوسعوا في وضع الاحاديث فوضعوا حديث الطوق الحديد الذى زعموا انه فتله في عنق خالد وحديث اللوح الذى زعموا انه كان في غدائر الحنفية ام محمد وحديث (لا يفعلن خالد ما آمر به) وحديث الصحيفة التى علقت عام الفتح بالكعبة وحديث الشيخ الذى صعد المنبر يوم بويع أبو بكر فسبق الناس الى بيعته واحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من اكابر الصحابة والتابعين الاولين وكفرهم وعلى ادون الطبقات فيهم فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في على وفي ولديه ونسبوه تارة الى ضعف العقل وتارة الى ضعف السياسة وتارة الى حب الدنيا والحرص عليها ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه واجترحاه ولقد كان في فضائل على عليه السلام الثابتة الصحيحة وفضائل ابى بكر المحققة

[ 50 ]

المعلومة ما يغنى عن تكلف العصبية لهما فان العصبية لهما اخرجت الفريقين من ذكر الفضائل الى ذكر الرذائل ومن تعديد المحاسن الى تعديد المساوئ والمقابح ونسال الله تعالى أن يعصمنا من الميل الى الهوى وحب العصبية وأن يجرينا على ما عودنا من حب الحق اين وجد وحيث كان سخط ذلك من سخط ورضى به من رضى بمنه ولطفه

[ 51 ]

(204) الاصل ومن خطبة له عليه السلام وكان من اقتدار جبروته وبديع لطائف صنعته أن جعل من ماء البحر الزاخر المتراكم المتقاصف يبسا جامدا ثم فطر منه اطباقا فنتقها سبع سموات بعد ارتتاقها فاستمسكت بامره وقامت على حده يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر قد ذل لامره واذعن لهيبته ووقف الجارى منه لخشيته وجبل جلاميدها ونشوز متونها واطوادها فارساها في مراسيها والزمها قرارتها فمضت رؤوسها في الهواء ورست اصولها في الماء فانهد جبالها عن سهولها واساخ قواعدها في متون اقطارها ومواضع انصابها فاشهق قلالها واطال انشازها وجعلها للارض عمادا وارزها فيها اوتادا فسكنت على حركتها من أن تميد باهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها فسبحان من امسكها بعد موجان مياهها واجمدها بعد رطوبة اكنافها فجعلها لخلقه مهادا وبسطها لهم فراشا فوق بحر لجى راكد لا يجرى وقائم لا يسرى تكركره الرياح العواصف وتمخضه الغمام الذوارف إن في ذلك لعبرة لمن يخشى

[ 52 ]

الشرح اراد أن يقول (وكان من اقتداره) فقال (وكان من اقتدار جبروته) تعظيما وتفخيما كما يقال للملك امرت الحضرة الشريفة بكذا والبحر الزاخر الذى قد امتد جدا وارتفع والمتراكم المجتمع بعضه على بعض والمتقاصف الشديد الصوت قصف الرعد وغيره قصيفا . واليبس بالتحريك المكان يكون رطبا ثم ييبس ومنه قوله تعالى (فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا) (1) واليبس بالسكون اليابس خلقه حطب يبس هكذا يقوله اهل اللغه وفيه كلام لان الحطب ليس يابسا خلقه بل كان رطبا من قبل فالاصوب أن يقال لا تكون هذه اللفظة محركة الا في المكان خاصة وفطر خلق والمضارع يفطر بالضم فطرا . والاطباق جمع طبق وهو اجزاء مجتمعة من جراد أو غيم أو ناس أو غير ذلك من حيوان أو جماد يقول خلق منه اجساما مجتمعة مرتتقة ثم فتقها سبع سموات وروى (ثم فطر منه طباقا) أي اجساما منفصلة في الحقيقة متصلة في الصورة بعضها فوق بعض وهى من الفاظ القرآن (2) المجيد والضمير في (منه) يرجع الى ماء البحر في اظهر النظر وقد يمكن أن يرجع الى اليبس . واعلم انه قد تكرر في كلام امير المؤمنين ما يماثل هذا القول ويناسبه وهو مذهب :


(1) سورة طه 77 (2) وهو قوله تعالى (الذي خلق سبع سموات طباقا) وقوله في سورة نوح 15 (ألم تر كيف خلق الله سبع سموات طباق) (*)

[ 53 ]

كثير من الحكماء الذين قالوا بحدوث السماء منهم ثاليس الملطى قالوا اصل الاجسام الماء وخلقت الارض من زبدة والسماء من بخاره وقد جاء القرآن العزيز بنحو هذا قال سبحانه (الذى خلق السموات والارض في ستة ايام وكان عرشه على الماء) (1) . قال شيخنا أبو على وابو القاسم رحمهما الله في تفسيريهما هذه الاية داله على أن الماء والعرش كانا قبل خلق السموات والارض قالا وكان الماء على الهواء قالا وهذا يدل ايضا على أن الملائكة كانوا موجودين قبل خلق السموات والارض لان الحكيم سبحانه لا يجوز أن يقدم خلق الجماد على خلق المكلفين لانه يكون عبثا . وقال على بن عيسى الرماني من مشايخنا انه غير ممتنع أن يخلق الجماد قبل الحيوان إذا علم أن في اخبار المكلفين بذلك لطفا لهم ولا يصح أن يخبرهم الا وهو صادق فيما اخبر به وانما يكون صادقا إذا كان المخبر خبره على ما اخبر عنه وفى ذلك حسن تقديم خلق الجماد على خلق الحيوان وكلام امير المؤمنين عليه السلام انه كان يذهب الى أن الارض موضوعه على ماء البحر وأن البحر حامل لها بقدرة الله تعالى وهو معنى قوله (يحملها الاخضر المثعنجر والقمقام المسخر) وأن البحر الحامل لها قد كان جاريا فوقف تحتها وانه تعالى خلق الجبال في الارض فجعل اصولها راسخة في ماء البحر الحامل للارض واعاليها شامخة في الهواء وانه سبحانه جعل هذه الجبال عمادا للارض واوتادا تمنعها من الحركة والاضطراب ولولاها لماجت واضطربت وأن هذا البحر الحامل للارض تصعد فيه الرياح الشديدة فتحركه حركة عنيفة وتموج السحب التى تغترف الماء منه لتمطر الارض به وهذا كله مطابق لما في الكتاب العزيز والسنة النبوية والنظر الحكمى الا ترى الى قوله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض


(1) سورة هود 7 (*)

[ 54 ]

كانتا رتقا ففتقناهما) (1) وهذا هو صريح قوله عليه السلام (ففتقها سبع سموات بعد ارتتاقها) والى قوله تعالى (وجعلنا في الارض رواسي أن تميد بهم) (2) والى ما ورد في الخبر من أن الارض مدحوة على الماء وأن الرياح تسوق السحب الى الماء نازلة ثم تسوقها عنه صاعدة بعد امتلائها ثم تمطر . واما النظر الحكمي فمطابق لكلامه إذا تأمله المتأمل وحمله على المحمل العقلي وذلك لان الارض هي آخر طبقات العناصر وقبلها عنصر الماء وهو محيط بالارض كلها الا ما برز منها وهو مقدار الربع من كرة الارض على ما ذكره علماء هذا الفن وبرهنوا عليه فهذا تفسير قوله عليه السلام (يحملها الاخضر المثعنجر) . واما قوله (ووقف الجارى منه لخشيته) فلا يدل دلالة قاطعة على انه كان جاريا ووقف ولكن ذلك كلام خرج مخرج التعظيم والتبجيل ومعناه أن الماء طبعه الجريان والسيلان فهو جار بالقوة وإن لم يكن جاريا بالفعل وانما وقف ولم يجر بالفعل بقدرة الله تعالى المانعة له من السيلان وليس قوله (ورست اصولها في الماء) مما ينافى النظر العقلي لانه لم يقل (ورست اصولها في ماء البحر) ولكنه قال (في الماء) ولا شبهة في أن اصول الجبال راسية في الماء المتخلخل بين اجزاء الارض فان الارض كلها يتخلخل الماء بين اجزائها على طريق استحاله البخار من الصورة الهوائية الى الصورة المائية . وليس ذكره للجبال وكونها مانعة للارض من الحركة بمناف ايضا للنظر الحكمى لان الجبال في الحقيقة قد تمنع من الزلزلة إذا وجدت اسبابها الفاعلة فيكون ثقلها مانعا من الهدة والرجفة .


(1) سورة الانبياء 30 (2) سورة الانبياء 31 (*)

[ 55 ]

ليس قوله (تكركره الرياح) منافيا للنظر الحكمى ايضا لان كرة الهواء محيطة بكرة وقد تعصف الرياح في كرة الهواء للاسباب المذكورة في موضعها من هذا العلم فيتموج كثير من الكرة المائية لعصف الرياح . وليس قوله عليه السلام (تمخضه الغمام الذوارف) صريحا في أن السحب تنزل في البحر فتغترف منه كما قد يعتقد في المشهور العامي نحو قول الشاعر كالبحر تمطره السحاب وما لها فضل عليه لانها من مائه . بل يجوز أن تكون الغمام الذراف تمخضه وتحركه بما ترسل عليه من الامطار السائلة منها فقد ثبت أن كلام امير المؤمنين عليه السلام إن شئت فسرته بما يقوله اهل الظاهر وإن شئت فسرته بما يعتقده الحكماء . فان قلت فكيف قال الله تعالى (أو لم ير الذين كفروا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) وهل كان الذين كفروا رائين لذلك حتى يقول لهم (أو لم ير الذين كفروا) . قلت هذا في قوله (اعلموا أن السموات والارض كانتا رتقا ففتقناهما) كما يقول الانسان لصاحبه الم تعلم أن الامير صرف حاجبه الليلة عن بابه أي اعلم ذلك إن كنت غير عالم والرؤية هنا بمعنى العلم . واعلم انه قد ذهب قوم من قدماء الحكماء - ويقال انه مذهب سقراط - الى تفسير القيامة وجهنم بما يبتنى على وضع الارض على الماء فقالوا الارض موضوعة على الماء والماء على الهواء والهواء على النار والنار في حشو الافك ولما كان العنصران الخفيفان - وهما الهواء والنار - يقتضيان صعود ما يحيطان به العنصران الثقيلان اللذان في وسطهما وهما

[ 56 ]

الماء والارض يقتضيان النزول والهبوط وقعت الممانعة والمدافعة فلزم من ذلك وقوف الماء والارض في الوسط . قالوا ثم إن النار لا تزال يتزايد تأثيرها في اسخان الماء وينضاف الى ذلك حر الشمس والكواكب الى أن تبلغ البحار والعنصر المائى غايتهما في الغليان والفوران فيتصاعد بخار عظيم الى الافلاك شديد السخونة وينضاف الى ذلك حر فلك الاثير الملاصق للافلاك فتذوب الافلاك كما يذوب الرصاص وتتهافت وتتساقط وتصير كالمهل الشديد الحرارة ونفوس البشر على قسمين احدهما ما تجوهر وصار مجردا بطريق العلوم والمعارف وقطع العلائق الجسمانية حيث كان مدبرا للبدن والاخر ما بقى على جسمانيتة بطريق خلوة من اللعوم والمعارف وانغماسه في اللذات والشهوات الجسمانية فاما الاول فانه يلتحق بالنفس الكلية المجردة ويخلص من دائرة هذا العالم بالكلية واما الثاني فانه تنصب عليه تلك الاجسام الفلكية الذائبة فيحترق بالكلية ويتعذب ويلقى آلاما شديدة . قالوا هذا هو باطن ما وردت به الرواية من العذاب عليها وخراب العالم والافلاك وانهدامها . ثم نعود الى شرح الالفاظ قوله عليه السلام (فاستمسكت) أي وقفت وثبتت . والهاء في (حدة) تعود الى امرة أي قامت على حد ما امرت به أي لم تتجاوزه ولا تعدته . والاخضر البحر ويسمى ايضا (خضارة) معرفه غير مصروف والعرب تسميه بذلك اما لانه يصف لون السماء فيرى اخضر أو لانه يرى اسود لصفائه فيطلقون عليه لفظ

[ 57 ]

الاخضر كما سموا الاخضر اسود نحو قوله (مدهامتان) (1) ونحو تسميتهم قرى العراق سوادا لخضرتها وكثرة شجرها ونحو قولهم للديزج (2) من الدواب اخضر . المثعنجر السائل ثعجرت الدم وغيره فاثعنجر أي صببته فانصب وتصغير المثعنجر مثيعج ومثيعيج . والقمقام بالفتح من اسماء البحر ويقال لمن وقع في امر عظيم وقع في قمقام من الامر تشبيها بالبحر . قوله عليه السلام (وجبل جلاميدها) أي وخلق صخورها جمع جلمود . والنشوز جمع نشز وهو المرتفع من الارض ويجوز فتح الشين . ومتونها جوانبها واطوادها جبالها (ويروى) (واطوادها) بالجر عطفا على متونها . فارساها في مراسيها اثبتها في مواضعها رسا الشئ يرسو ثبت ورست اقدامهم في الحرب ثبتت ورست السفينة ترسو رسوا ورسوا أي وقفت في البحر وقوله تعالى (بسم الله مجراها ومرساها) (3) بالضم من اجريت وارسيت ومن قرا بالفتح فهو من (رست) هي (وجرت) هي . والزمها قرارتها امسكها حيث استقرت . قوله (فانهد جبالها) أي اعلاها نهد ثدى الجارية ينهد بالضم إذا اشرف وكعب فهى ناهد وناهدة . وسهولها ما تطامن منها عن الجبال . واساخ قواعدها أي غيب قواعد الجبال في جوانب اقطار الارض ساخت قوائم


(1) سورة الرحمن 64 . (2) في اللسان : (يقال فرس اخضر وهو الديزج) (3) سورة هود 41 . (*)

[ 58 ]

الفرس في الارض تسوخ وتسيخ أي دخلت فيها وغابت مثل ثاخت واسختها انا مثل اثختها والانصاب الاجسام المنصوبة الواحد نصب بضم النون والصاد ومنه سميت الاصنام نصبا في قوله تعالى (وما ذبح على النصب) (1) لانها نصبت فعبدت من دون الله قال الاعشى وذا المنصوب لا تنسكنه لعاقبة والله ربك فاعبدا . (2) أي واساخ قواعد الجبال في متون اقطار الارض وفي المواضع الصالحة لا تكون فيها الانصاب المماثلة وهى الجبال انفسها . قوله (فاشهق قلالها) جمع قله وهى ما علا من راس الجبل اشهقها جعلها شاهقة أي عالية . وارزها اثبتها فيها رزت الجرادة ترز رزا وهو أن تدخل ذنبها في الارض فتلقى بيضها وارزها الله اثبت ذلك منها في الارض ويجوز (ارزت) لازما غير متعد مثل رزت وارتز السهم في القرطاس ثبت فيه وروى (وآرزها) بالمد من قولهم شجرة آرزة أي ثابتة في الارض ارزت بالفتح تارز بالكسر أي ثبتت وآرزها - بالمد - غيرها أي اثبتها . وتميد تتحرك وتسيخ تنزل وتهوى . فان قلت ما الفرق بين الثلاثة تميد باهلها أو تسيخ بحملها أو تزول عن مواضعها . قلت لانها لو تحركت لكانت اما أن تتحرك على مركزها أو لا على مركزها


(1) سورة المائدة 3 . (2) ديوانه 103 . (*)

[ 59 ]

والاول هو المراد بقوله (تميد باهلها) والثانى تنقسم الى أن تنزل الى تحت أو لا تنزل الى تحت فالنزول الى تحت هو المراد بقوله (أو تسيخ بحملها) والقسم الثاني هو المراد بقوله (أو تزول عن مواضعها) . فان قلت ما المراد ب‍ (على) في قوله (فسكنت على حركتها) ؟ . قلت هي لهيئة الحال كما تقول عفوت عنه على سوء ادبه ودخلت إليه على شربه أي سكنت على أن من شانها الحركة لانها محمولة على سائل متموج . قوله (موجان مياهها) بناء (فعلان) لما فيه اضطراب وحركة كالغليان والنزوان والخفقان ونحو ذلك . واجمدها أي اجعلها جامدة واكنافها جوانبها والمهاد الفراش . فوق بحر لجى كثير الماء منسوب الى اللجة وهى معظم البحر . قوله (يكركره الرياح) الكركرة تصريف الريح السحاب إذا جمعته بعد تفريق و اصله (يكرر) من التكرير فاعادوا الكاف كركرت الفارس عنى أي دفعته ورددته . والرياح العواصف الشديدة الهبوب وتمخضه يجوز فتح الخاء وضمها وكسرها والفتح افصح لمكان حرف الحلق من مخضت اللبن إذا حركته لتاخذ زبدة . والغمام جمع والواحدة غمامة ولذلك قال (الذوارف) لان (فواعل) اكثر ما يكون لجمع المؤنث ذرفت عينه أي دمعت أي السحب المواطر والمضارع من (ذرفت) عينه (تذرف) بالكسر ذرفا وذرفا والمذارف المدامع .

[ 60 ]

(205) الاصل ومن خطبة له عليه السلام اللهم ايما عبد من عبادك سمع مقالتنا العادلة غير الجائرة والمصلحة في الدين والدنيا غير المفسدة فابى بعد سمعه لها الا النكوص عن نصرتك والابطاء عن اعزاز دينك فانا نستشهدك عليه يا اكبر الشاهدين شهادة ونستشهد عليه جميع ما اسكنته ارضك وسمواتك ثم انت بعده المغنى عن نصره والاخذ له بذنبه الشرح ما في (ايما) زائدة مؤكدة ومعنى الفصل وعيد من استنصره فقعد عن نصره . ووصف المقالة بانها عادلة اما تأكيد كما قالوا شعر شاعر واما ذات عدل كما قالوا رجل تامر ولابن أي ذو تمر ولبن ويجوز ايضا أن يريد بالعادلة المستقيمة التى ليست كاذبة ولا محرفة عن جهتها والجائرة نقيضها وهى المنحرفة جار فلان عن الطريق أي انحرف وعدل . والنكوص التاخر . قوله عليه السلام (نستشهدك عليه) أي نسالك أن تشهد عليه ووصفه تعالى

[ 61 ]

بانه اكبر الشاهدين شهادة لقوله تعالى (قل أي شئ اكبر شهادة قل الله) (1) يقول اللهم انا نستشهدك على خذلان من استنصرناه واستنفرناه الى نصرتك والجهاد عن دينك فابى النهوض ونكث عن القيام بواجب الجهاد ونستشهد عبادك من البشر في ارضك وعبادك من الملائكة في سمواتك عليه ايضا ثم انت بعد ذلك المغنى لنا عن نصرته ونهضته بما تتيحه لنا من النصر وتؤيدنا به من الاعزاز والقوة والاخذ له بذنبه في القعود والتخلف . وهذا قريب من قوله تعالى (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا امثالكم) (2)


(1) سورة الانعام 19 (2) سورة محمد 28 (*)

[ 62 ]

(206) الاصل ومن خطبه له عليه السلام الحمد لله العلى عن شبه المخلوقين الغالب لمقال الواصفين الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين والباطن بجلال عزته عن فكر المتوهمين العالم بلا اكتساب ولا ازدياد ولا علم مستفاد المقدر لجميع الامور بلا روية ولا ضمير الذى لا تغشاه الظلم ولا يستضئ بالانوار ولا يرهقه ليل ولا يجرى عليه نهار ليس ادراكه بالابصار ولا علمه بالاخبار الشرح يجوز شبه وشبه والروايه هاهنا بالفتح وتعاليه سبحانه عن شبه المخلوقين كونه قديما واجب الوجود وكل مخلوق محدث ممكن الوجود . قوله (الغالب لمقال الواصفين) أي إن كنه جلاله وعظمته لا يستطيع الواصفون وصفه وإن اطنبوا واسهبوا فهو كالغالب لاقوالهم لعجزها عن ايضاحه وبلوغ منتهاه والظاهر بافعاله والباطن بذاته لانه انما يعلم منه افعاله واما ذاته فغير معلومه . ثم وصف علمه تعالى فقال انه غير مكتسب كما يكتسب الواحد منا علومه بالاستدلال والنظر ولا هو علم يزداد الى علومه الاولى كما تزيد علوم الواحد منا ومعارفه وتكثر لكثرة الطرق التى يتطرق بها إليها .

[ 63 ]

ثم قال (ولا علم مستفاد) أي ليس يعلم الاشياء بعلم محدث مجدد كما يذهب إليه جهم واتباعه وهشام بن الحكم ومن قال بقوله . ثم ذكر انه تعالى قدر الامور كلها بغير رويه أي بغير فكر ولا ضمير وهو ما يطويه الانسان من الراى والاعتقاد والعزم في قلبه . ثم وصفه تعالى بانه لا يغشاه ظلام لانه ليس بجسم ولا يستضئ بالانوار كالاجسام ذوات البصر ولا يرهقه ليل أي لا يغشاه ولا يجرى عليه نهار لانه ليس بزماني ولا قابل للحركه ليس ادراكه بالابصار لان ذلك يستدعى المقابلة ولا علمه بالاخبار مصدر اخبر أي ليس علمه مقصورا على أن تخبره الملائكة باحوال المكلفين بل هو يعلم كل شئ لان ذاته ذات واجب لها أن تعلم كل شئ لمجرد ذاتها المخصوصة من غير زيادة امر على ذاتها الاصل منها في ذكر النبي صلى الله عليه واله ارسله بالضياء وقدمه في الاصطفاء فرتق به المفاتق وساور به المغالب وذلل به الصعوبة وسهل به الحزونة حتى سرح الضلال عن يمين وشمال الشرح ارسله بالضياء أي بالحق وسمى الحق ضياء لانه يهتدى به أو ارسله بالضياء أي بالقرآن .

[ 64 ]

وقدمه في الاصطفاء أي قدمه في الاصطفاء على غيره من العرب والعجم قالت قريش (لو لا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين) (1) أي على رجل من رجلين من القريتين عظيم أي اما على الوليد بن المغيرة من مكة أو على عروة بن مسعود الثقفى من الطائف . ثم قال تعالى (اهم يقسمون رحمه ربك) (2) أي هو سبحانه العالم بالمصلحة في ارسال الرسل وتقديم من يرى في في الاصطفاء على غيره . فرتق به المفاتق أي اصلح به المفاسد والرتق ضد الفتق والمفاتق جمع مفتق وهو مصدر كالمضرب والمقتل . وساور به المغالب ساورت زيدا أي واثبته ورجل سوار أي وثاب وسورة الخمر وثوبها في الراس . والحزونه ضد السهوله والحزن ما غلظ من الارض والسهل ما لان منها و استعير لغير الارض كالاخلاق ونحوها . قوله (حتى سرح الضلال) أي طرده واسرع به ذهابا . عن يمين وشمال من قولهم ناقة سرح ومنسرحة أي سريعة ومنه تسريح المراة أي تطليقها


(1) سورة الزخرف 31 (2) سورة الزخرف 32 (*)

[ 65 ]

(207) الاصل ومن خطبه له عليه السلام واشهد انه عدل عدل وحكم فصل واشهد أن محمدا عبده ورسوله وسيد عباده كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما لم يسهم فيه عاهر ولا ضرب فيه فاجر الا وإن الله سبحانه قد جعل للخير اهلا وللحق دعائم وللطاعة عصما وإن لكم عند كل طاعة عونا من الله سبحانه يقول على الالسنة ويثبت به الافئدة فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه يصونون مصونة ويفجرون عيونة يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة ويتساقون بكاس روية ويصدرون برية لا تشوبهم الريبة ولا تسرع فيهم الغيبة على ذلك عقد خلقهم واخلاقهم فعليه يتحابون وبه يتواصلون فكانوا كتفاضل البذر ينتقى فيؤخذ منه ويلقى قد ميزه التخليص وهذبه التمحيص فليقبل امرؤ كرامة بقبولها وليحذر قارعة قبل حلولها ولينظر امرؤ في قصير ايامه وقليل مقامه في منزل حتى يستبدل به منزلا فليصنع لمتحوله ومعارف منتقله فطوبى لذى قلب سليم اطاع من يهديه وتجنب من يرديه واصاب سبيل السلامة ببصر من بصره وطاعه هاد امره وبادر الهدى قبل أن تغلق ابوابه

[ 66 ]

وتقطع اسبابه واستفتح التوبة واماط الحوبة فقد اقيم على الطريق وهدى نهج السبيل الشرح الضمير في انه يرجع الى القضاء والقدر المذكور في صدر هذه الخطبة ولم يذكره الرضى رحمه الله يقول اشهد أن قضاءه تعالى عدل عدل وحكم بالحق فانه حكم فصل بين العباد بالانصاف ونسب العدل والفصل الى القضاء على طريق المجاز وهو بالحقيقة منسوب الى ذى القضاء والقاضى به هو الله تعالى . قوله (وسيد عباده) هذا كالمجمع عليه بين المسلمين وإن كان قد خالف فيه شذوذ منهم واحتج الجمهور بقوله (انا سيد ولد آدم ولا فخر) وبقوله (ادعوا لى سيد العرب عليا) فقالت عائشة الست سيد العرب فقال (انا سيد البشر وعلى سيد العرب) وبقوله (آدم ومن دونه تحت لوائى) واحتج المخالف بقوله عليه السلام (لا تفضلوني على اخى يونس بن متى) . واجاب الاولون تارة بالطعن في اسناد الخبر وتارة بانه حكاية كلام حكاه صلى الله عليه واله عن عيسى بن مريم وتارة بان النهى انما كان عن الغلو فيه كما غلت الامم في انبيائها فهو كما ينهى الطبيب المريض فيقول لا تأكل من الخبز ولا درهما وليس مراده تحريم اكل الدرهم والدرهمين بل تحريم ما يستضر باكله منه . قوله عليه السلام (كلما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما) النسخ النقل ومنه نسخ الكتاب ومنه نسخت الريح آثار القوم ونسخت الشمس الظل يقول

[ 67 ]

كلما قسم الله تعالى الاب الواحد الى ابنين جعل خيرهما وافضلهما لولاده محمد عليه السلام وسمى ذلك نسخا لان البطن الاول يزول ويخلفه البطن الثاني ومنه مسائل المناسخات في الفرائض . وهذا المعنى قد ورد مرفوعا في عدة احاديث نحو قوله صلى الله عليه واله (ما افترقت فرقتان منذ نسل آدم ولده الا كنت في خيرهما) ونحو قوله (إن الله اصطفى من ولد ابراهيم اسماعيل واصطفى من ولد اسماعيل مضر واصطفى من مضر كنانة واصطفى من كنانة قريشا واصطفى من قريش هاشما واصطفانى من بنى هاشم) قوله (لم يسهم فيه عاهر ولاضرب فيه فاجر) لم يسهم لم يضرب فيه عاهر بسهم أي بنصيب وجمعه سهمان والعاهر ذو العهر بالتحريك وهو الفجور والزنا ويجوز تسكين الهاء مثل نهر ونهر وهذا هو المصدر والماضي عهر بالفتح والاسم العهر بكسر العين وسكون الهاء والمراة عاهرة ومعاهرة وعيهرة وتعيهر الرجل إذا زنى والفاجر كالعاهر هاهنا واصل الفجور الميل قال لبيد فان تتقدم تغش منها مقدما غليظا وإن اخرت فالكفل فاجر (1) يقول مقعد الرديف مائل [ ذكر بعض المطاعن في النسب وكلام للجاحظ في ذلك ] وفى الكلام رمز الى جماعة من الصحابة في انسابهم طعن كما يقال إن آل سعد ابن ابى وقاص ليسوا من بنى زهرة بن كلاب وانهم من بنى عذرة من قحطان


(1) ديوانه 2 : 5 (*)

[ 68 ]

وكما قالوا إن آل الزبير بن العوام من ارض مصر من القبط وليسوا من بنى اسد بن عبد العزى قال الهيثم بن عدى في كتاب (مثالب العرب) إن خويلد بن اسد بن عبد العزى كان اتى مصر ثم انصرف منها بالعوام فتبناه فقال حسان بن ثابت يهجو آل العوام بن خويلد بنى اسد ما باآل خويلد يحنون شوقا كل يوم الى القبط (1) متى يذكروا قهقى يحنوا لذكرها وللرمث المقرون والسمك الرقط عيون كامثال الزجاج وضيعه تخالف كعبا في لحى كثة ثط (2) يرى ذاك في الشبان والشيب منهم مبينا وفي الاطفال والجلة الشمط لعمر ابى العوام إن خويلدا غداة تبناه ليوثق في الشرط (3) وكما يقال في قوم آخرين نرفع هذا الكتاب عن ذكر ما يطعن به في انسابهم كى لا يظن بنا انا المقالة في الناس . قال شيخنا أبو عثمان في كتاب (مفاخرات قريش) لا خير في ذكر العيوب الا من ضرورة ولانجد كتاب مثالب قط الا لدعى أو شعوبي ولست واجدة لصحيح النسب ولا لقليل الحسد وربما كانت حكاية الفحش افحش من الفحش ونقل الكذب اقبح من الكذب وقال النبي صلى الله عليه واله (اعف عن ذى قبر) وقال (لا تؤذوا الاحياء بسب الاموات) وقيل في المثل (يكفيك من شر سماعة) وقالوا اسمعك من ابلغك وقالوا من طلب عيبا وجده وقال النابغة ولست بمستبق اخا لا تلمه على شعث أي الرجال المهذب . (4)


(1) ديوانه 239 (2) يقال رجل : ثط وأثط إذا عرى وجهه من الشعر الاطاقات في أسفل ضلعه . (3) يريد شرط الخليفة . (4) ديوانه 14 . (*)

[ 69 ]

قال أبو عثمان وبلغ عمر بن الخطاب أن اناسا من رواة الاشعار وحملة الاثار يعيبون الناس ويثلبونهم في اسلافهم فقام على المنبر وقال اياكم وذكر العيوب والبحث عن الاصول فلو قلت لا يخرج اليوم من هذه الابواب الا من لا وصمة فيه لم يخرج منكم احد فقام رجل من قريش - نكره أن نذكره - فقال إذا كنت انا وانت يا امير المؤمنين نخرج فقال كذبت بل كان يقال لك يا قين بن قين اقعد . قلت الرجل الذى قام هو المهاجر بن خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومى كان عمر يبغضه لبغضه اباه خالدا ولان المهاجر كان علوى الراى جدا وكان اخوه عبد الرحمن بخلافة شهد المهاجر صفين مع على عليه السلام وشهدها عبد الرحمن مع معاوية وكان المهاجر مع على عليه السلام في يوم الجمل وفقئت ذلك اليوم عينه ولان الكلام الذى بلغ عمر بلغه عن المهاجر وكان الوليد بن المغيرة مع جلالته في قريش - وكونه يسمى ريحانة قريش ويسمى العدل ويسمى الوحيد - حدادا يصنع الدروع وغيرها بيده ذكر ذلك عنه عبد الله بن قتيبة في كتاب المعارف . (1) وروى أبو الحسن المدائني هذا الخبر في كتاب (امهات الخلفاء) وقال انه روى عند جعفر بن محمد عليه السلام بالمدينة فقال لا تلمه يا بن اخى انه اشفق أن يحدج (2) بقضية نفيل بن عبد العزى وصهاك امه الزبير بن عبد المطلب ثم قال رحم الله عمر فانه لم يعد السنه وتلا (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب اليم) . (3) اما قول ابن جرير الاملي الطبرستانى في كتاب (المسترشد) إن عثمان والد


(1) المعارف 250 (2) يقال حدجة بذنب غيره أي عزاه إليه (3) سورة النور 19 (*)

[ 70 ]

ابى بكر الصديق كان ناكحا ام الخير ابنه اخته فليس بصحيح ولكنها ابنة عمه لانها ابنة صخر بن عامر وعثمان هو ابن عمرو بن عامر والعجب لمن اتبعه من فضلاء الامامية على هذه المقالة من غير تحقيق لها من كتب الانساب وكيف تتصور هذه الواقعة في قريش ولم يكن احد منهم مجوسيا ولا يهوديا ولا كان من مذهبهم حل نكاح بنات الاخ ولا بنات الاخت . ثم نعود لاتمام حكايه كلام شيخنا ابى عثمان قال ومتى يقدر الناس - حفظك الله - على رجل مسلم من كل ابنة ومبرأ من كل آفة في جميع آبائه وامهاته واسلافه واصهاره حتى تسلم له اخواله واعمامه وخالاته وعماته واخواته وبناته وامهات نسائه وجميع من يناسبه من قبل جداته واجداده واصهاره واختانه ولو كان ذلك موجودا لما كان لنسب رسول الله صلى الله عليه واله فضيله في النقاء والتهذيب وفي التصفية والتنقيح قال رسول الله صلى الله عليه واله (ما مسنى عرق سفاح قط وما زلت انقل من الاصلاب السليمة من الوصوم (1) والارحام البريئة من العيوب) فلسنا نقضى لاحد بالنقاء من جميع الوجوه الا لنسب من صدقة القرآن واختاره الله على جميع الانام والا فلا بد من شئ يكون في نفس الرجل أو في طرفيه أو في بعض اسلافه أو في بعض اصهاره ولكنه يكون مغطى بالصلاح ومحجوبا بالفضائل ومغمورا بالمناقب . ولو تأملت احوال الناس لوجدت اكثرهم عيوبا اشدهم تعييبا قال الزبرقان من بدر ما استب رجلان الا غلب الامهما وقال خصلتان كثيرتان في امرئ السوء


(1) الوصوم : العيوب (*)

[ 71 ]

كثرة اللطام وشدة السباب ولو كان ما يقوله اصحاب المثالب حقا لما كان على ظهرها عربي كما قال عبد الملك بن صالح الهاشمي إن كان ما يقول بعض في بعض حقا فما فيهم صحيح وإن كان ما يقول بعض المتكلمين في بعض حقا فما فيهم مسلم . قوله عليه السلام (الا وإن الله قد جعل للخير اهلا وللحق دعائم وللطاعه عصما) الدعائم ما يدعم بها البيت لئلا يسقط والعصم جمع عصمة وهو ما يحفظ به الشئ ويمنع فاهل الخير هم المتقون ودعائم الحق الادلة الموصلة إليه المثبتة له في القلوب وعصم الطاعة هي الادمان على فعلها والتمرن على الاتيان بها لان المرون على الفعل يكسب الفاعل ملكة تقتضي سهولته عليه والعون هاهنا هو اللطف المقرب من الطاعة المبعد من القبيح . ثم قال عليه السلام (انه يقول على الالسنة ويثبت الافئدة) وهذا من باب التوسع والمجاز لانه لما كان مستهلا للقول اطلق عليه انه يقول على الالسنة ولما كان الله تعالى هو الذى يثبت الافئدة كما قال (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) (1) نسب التثبيت الى اللطف لانه من فعل الله تعالى كما ينسب الانبات الى المطر وانما المنبت للزرع هو الله تعالى والمطر فعله . ثم قال عليه السلام (فيه كفاء لمكتف وشفاء لمشتف) والوجه فيه (كفاية) فان الهمز لا وجه له هاهنا لانه من باب آخر ولكنه اتى بالهمزة للازدواج بين (كفاء)


(1) سورة ابراهيم 27 (*)

[ 72 ]

و (شفاء) كما قالوا الغدايا والعشايا وكما قال عليه السلام (مازورات غير ماجورات) فاتى بالهمز والوجه الواو للازدواج [ ذكر بعض احوال العارفين والاولياء ] ثم ذكر العارفين فقال (واعلموا أن عباد الله المستحفظين علمه) الى قوله (وهذبه التمحيص) . واعلم أن الكلام في العرفان لم ياخذه اهل المله الاسلاميه الا عن هذا الرجل ولعمري لقد بلغ منه الى اقصى الغايات وابعد النهايات والعارفون هم القوم الذين اصطفاهم الله تعالى وانتخبهم لنفسه واختصهم بانسه احبوه فاحبهم وقربوا منه فقرب منهم قد تكلم ارباب هذا الشان في المعرفة والعرفان فكل نطق بما وقع له واشار الى ما وجده في وقته . وكان أبو على الدقاق يقول من امارات المعرفة حصول الهيبة من الله فمن ازدادت معرفته ازدادت هيبته . وكان يقول المعرفة توجب السكينة في القلب كما أن العلم يوجب السكون فمن ازدادت معرفته ازدادت سكينته . وسئل الشبلى عن علامات العارف فقال ليس لعارف علامة ولا لمحب سكون ولا لخائف قرار . وسئل مرة اخرى عن المعرفة فقال اولها الله وآخرها ما لا نهاية له . وقال أبو حفص الحداد منذ عرفت الله مادخل قلبى حق ولا باطل وقد اشكل هذا الكلام على ارباب هذا الشان وتاوله بعضهم فقال عند القوم أن المعرفة توجب

[ 73 ]

غيبة العبد عن نفسه لاستيلاء ذكر الحق عليه فلا يشهد غير الله ولا يرجع الا إليه وكما أن العاقل يرجع الى قلبه وتفكره وتذكره فيما يسنح له من امر أو يستقبله من حال فالعارف رجوعه الى ربه لا الى قلبه وكيف يدخل المعنى قلب من لا قلب له . وسئل أبو يزيد البسطامى عن العرفان فقال (إن الملوك إذا دخلوا قرية افسدوها وجعلوا اعزة اهلها اذلة) (1) وهذا معنى ما اشار إليه أبو حفص الحداد . وقال أبو يزيد ايضا للخلق احوال ولا حال للعارف لانه محيت رسومه وفنى هو وصارت هويته هويه غيره وغيبت آثاره في آثار غيره . قلت وهذا هو القول بالاتحاد الذى يبحث فيه اهل النظر . وقال الواسطي لا تصح المعرفة وفى العبد استغناء بالله أو افتقار إليه وفسر بعضهم هذا الكلام فقال إن الافتقار والاستغناء من امارات صحو العبد وبقاء رسومه على ما كانت عليه والعارف لا يصح ذلك عليه لانه لاستهلاكه في وجوده أو لاستغراقه في شهوده إن لم يبلغ درجة الاستهلاك في الوجود مختطف عن احساسه بالغنى والفقر وغيرهما من الصفات ولهذا قال الواسطي من عرف الله انقطع وخرس وانقمع قال صلى الله عليه واله (لا احصى ثناء عليك انت كما اثنيت على نفسك) . وقال الحسين بن منصور الحلاج علامة العارف أن يكون فارغا من الدنيا والاخرة . وقال سهل بن عبد الله التسترى غايه العرفان شيئان الدهش والحيرة . وقال ذو النون اعرف الناس بالله اشدهم تحيرا فيه . وقيل لابي يزيد بماذا وصلت الى المعرفة قال ببدن عار وبطن جائع .


(1) سورة النمل 24 (*)

[ 74 ]

وقيل لابي يعقوب السوسى هل يتاسف العارف على شئ غير الله فقال وهل يرى شيئا غيره ليتاسف عليه . وقال أبو يزيد العارف طيار والزاهد سيار . وقال الجنيد لا يكون العارف عارفا حتى يكون كالارض يطؤها البر والفاجر وكالسحاب يظل كل شئ وكالمطر يسقى ما ينبت وما لا ينبت . وقال يحيى بن معاذ يخرج العارف من الدنيا ولا يقضى وطره من شيئين بكائه على نفسه وحبه لربه . وكان ابن عطاء يقول اركان المعرفة ثلاثة الهيبة والحياء والانس وقال بعضهم العارف انس بالله فاوحشه من خلقه وافتقر الى الله فاغناه عن خلقه وذل لله فاعزه في خلقه . وقال بعضهم العارف فوق ما يقول والعالم دون ما يقول . وقال أبو سليمان الدارانى إن الله يفتح للعارف على فراشه ما لا يفتح للعابد وهو قائم يصلى . وكان رويم يقول رياء العارفين افضل من اخلاص العابدين . وسئل أبو تراب النخشبى عن العارف فقال هو الذى لا يكدره شئ ويصفو به كل شئ . وقال بعضهم المعرفة امواج ترفع وتحط . وسئل يحيى بن معاذ عن العارف فقال الكائن البائن . وقيل ليس بعارف من وصف المعرفة عند ابناء الاخرة فكيف عند ابناء الدنيا . وقال محمد بن الفضل المعرفة حياة القلب مع الله . وسئل أبو سعيد الخراز هل يصير العارف الى حال يجفو عليه البكاء ؟ قال

[ 75 ]

نعم انما البكاء في اوقات سيرهم الى الله فإذا صاروا الى حقائق القرب وذاقوا طعم الوصول زال عنهم ذلك . واعلم إن اطلاق امير المؤمنين عليه السلام عليهم لفظه (الولاية) في قوله (يتواصلون بالولاية ويتلاقون بالمحبة) يستدعى الخوض في مقامين جليلين من مقامات العارفين المقام الاول الولاية وهو مقام جليل قال الله تعالى (الا إن اولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون) (1) وجاء في الخبر الصحيح عن النبي صلى الله عليه واله يقول الله تعالى (من آذى لى وليا فقد استحل محارمي وما تقرب الى العبد بمثل اداء ما فرضت عليه ولا يزال العبد يتقرب الى بالنوافل حتى احبه ولا ترددت في شئ انا فاعله كترددى في قبض نفس عبدى المؤمن يكره الموت واكره مساءته ولا بد له منه . واعلم أن الولى له معنيان احدهما (فعيل) بمعنى (مفعول) كقتيل وجريح وهو من يتولى الله امره كما قال الله تعالى (إن وليى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين) (2) فلا يكله الى نفسه لحظة عين بل يتولى رعايته . وثانيهما (فعيل) بمعنى (فاعل) كنذير وعليم وهو الذى يتولى طاعة الله وعبادته فلا يعصيه . ومن شرط كون الولى وليا الا يعصى مولاه وسيده كما أن من شرط كون النبي


(1) سورة يونس 62 . (2) سورة الاعراف 196 . (*)

[ 76 ]

نبيا العصمة فمن ظن فيه انه من الاولياء ويصدر عنه ما للشرع فيه اعتراض فليس بولي عند اصحاب هذا العلم بل هو مغرور مخادع . ويقال إن ابا يزيد البسطامى قصد بعض من يوصف بالولاية فلما وافى مسجده قعد ينتظر خروجه فخرج الرجل وتنخم في المسجد فانصرف أبو يزيد ولم يسلم عليه وقال هذا رجل غير مامون على ادب من آداب الشريعة كيف يكون امينا على اسرار الحق . وقال ابراهيم بن ادهم لرجل اتحب أن تكون لله وليا قال نعم قال لا ترغب في شئ من الدنيا ولا من الاخرة وفرغ نفسك لله واقبل بوجهك عليه ليقبل عليك ويواليك . وقال يحيى بن معاذ في صفة الاولياء هم عباد تسربلوا بالانس بعد المكابدة وادرعوا بالروح بعد المجاهدة بوصولهم الى مقام الولاية . وكان أبو يزيد يقول اولياء الله عرائس الله ولا يرى العرائس الا المحارم فهم مخدرون عنده في حجاب الانس لا يراهم احد في الدنيا ولا في الاخرة . وقال أبو بكر الصيدلانى كنت اصلح لقبر ابى بكر الطمستانى لوحا انقر فيه اسمه فيسرق ذلك اللوح فانقر له لوحا آخر وانصبه على قبره فيسرق وتكرر ذلك كثيرا دون غيره من الواح القبور فكنت اتعجب منه فسالت ابا على الدقاق عن ذلك فقال إن ذلك الشيخ آثر الخفاء في الدنيا وانت تريد أن تشهره باللوح الذى تنصبه على قبره فالله سبحانه يابى الا اخفاء قبره كما هو ستر نفسه . وقال بعضهم انما سمى الولى وليا لانه توالت افعاله على الموافقة .

[ 77 ]

وقال يحيى بن معاذ الولى لا يرائى ولا ينافق وما اقل صديق من يكون هذا خلقه . المقام الثاني المحبة قال الله سبحانه (من يرتد منكم عن دينه فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه) والمحبة عند ارباب هذا الشان حاله شريفه . قال أبو يزيد البسطامى المحبة استقلال الكثير من نفسك واستكثار القليل من حبيبك . وقال أبو عبد الله القرشى المحبة أن تهب كلك لمن احببت فلا يبقى لك منك شئ واكثرهم على نفى صفة العشق لان العشق مجاوزة الحد في المحبة والبارئ سبحانه اجل من أن يوصف بانه قد تجاوز احد الحد في محبته . سئل الشبلى عن المحبة فقال هي أن تغار على المحبوب أن يحبه احد غيرك . وقال سمنون ذهب المحبون بشرف الدنيا والاخرة لان النبي صلى الله عليه واله قال (المرء مع من احب) فهم مع الله تعالى . وقال يحيى بن معاذ حقيقة المحبة ما لا ينقص بالجفاء ولا يزيد بالبر . وقال ليس بصادق من ادعى محبته ولم يحفظ حدوده . وقال الجنيد إذا صحت المحبة سقطت شروط الادب . وانشد في معناه إذا صفت المودة بين قوم ودام ودادهم سمج الثناء وكان أبو على الدقاق يقول الست ترى الاب الشفيق لا يبجل ولده في الخطاب والناس يتكلفون في مخاطبته والاب يقول له يا فلان باسمه .


(1) سورة المائدة 54 . (*)

[ 78 ]

وقال أبو يعقوب السوسى حقيقة المحبة أن ينسى العبد حظه من الله وينسى حوائجه إليه . قيل للنصر اباذى يقولون انه ليس لك من المحبة شئ قال صدقوا ولكن لى حسراتهم فهو ذو احتراق فيه . وقال النصراباذى ايضا المحبة مجانية السلو على كل حال ثم انشد ومن كان في طول الهوى ذاق سلوه فانى من ليلى لها غير ذائق واكثر شئ نلته في وصالها اماني لم تصدق كلمحة بارق . وكان يقال الحب اوله خبل وآخره قتل . وقال أبو على الدقاق في معنى قول النبي صلى الله عليه واله حبك الشئ يعمى ويصم قال يعمى ويصم عن الغير اعراضا وعن المحبوب هيبة ثم انشد إذا مابدا لى تعاظمته فاصدر في حال من لم يره . وقال الجنيد سمعت الحارث المحاسبى يقول المحبة اقبالك على المحبوب بكليتك ثم ايثارك له على نفسك ومالك وولدك ثم موافقتك له في جميع الامور سرا وجهرا ثم اعتقادك بعد ذلك انك مقصر في محبته . وقال الجنيد سمعت السرى يقول لا تصلح المحبة بين اثنين حتى يقول الواحد للاخر يا انا . وقال الشبلى المحب إذا سكت هلك والعارف إذا لم يسكت هلك . وقيل المحبة نار في القلب تحرق ما سوى ود المحبوب . وقيل المحبة بذل الجهد والحبيب يفعل ما يشاء . وقال الثوري المحبة هتك الاستار وكشف الاسرار .

[ 79 ]

حبس الشيلى في المارستان بين المجانين فدخل عليه جماعة فقال من انتم قالوا محبوك ايها الشيخ فاقبل يرميهم بالحجارة ففروا فقال إذا ادعيتم محبتى فاصبروا على بلائى . كتب يحيى بن معاذ الى ابى يزيد البسطامى قد سكرت من كثرة ما شربت من كاس محبته فكتب إليه أبو يزيد غيرك شرب بحور السموات والارض ومروى بعد ولسانه خارج ويقول هل من مزيد . ومن شعرهم في هذا المعنى عجبت لمن يقول ذكرت ربى وهل انسى فاذكر ما نسيت شربت الحب كاسا بعد كاس فما نفد الشراب ولا رويت ويقال إن الله تعالى اوحى الى بعض الانبياء إذا اطلعت على قلب عبد فلم اجد فيه حب الدنيا والاخرة ملاته من حبى وقال أبو على الدقاق إن في بعض الكتب المنزلة عبدى انا وحقك لك محب فبحقي عليك كن لى محبا . وقال عبد الله بن المبارك من اعطى قسطا من المحبة ولم يعط مثله من الخشية فهو مخدوع . وقيل المحبة ما تمحو اثرك وتسلبك عن وجودك . وقيل المحبة سكر لا يصحوا صاحبه الا بمشاهدة محبوبه ثم إن السكر الذى يحصل عند المشاهدة لا يوصف وانشد فاكسر القوم دور كاس وكان سكرى من المدير وكان أبو على الدقاق ينشد كثيرا

[ 80 ]

لى سكرتان و للندمان واحدة شئ خصصت به من بينهم وحدي وكان يحيى بن معاذ يقول مثقال خردلة من الحب احب الى من عباده سبعين سنة بلا حب . وقال بعضهم من اراد أن يكون محبا فليكن كما حكى عن بعض الهند انه احب جارية فرحلت عن ذلك البلد فخرج الفتى في وداعها فدمعت احدى عينيه دون الاخرى فغمض التى لم تدمع اربعا و ثمانين سنة ولم يفتحها عقوبة لانها لم تبك على فراق حبيبته . وانشدوا في هذا المعنى بكت عينى غداة البين دمعا واخرى بالبكاء بخلت علينا فعاقبت التى بخلت علينا بان غمضتها يوم التقيا وقيل إن الله تعالى اوحى الى داود عليه السلام انى حرمت على القلوب أن يدخلها حبى وحب غيرى . وقيل المحبة ايثار المحبوب على النفس كامراة العزيز لما افرط بها الحب قالت (انا راودته عن نفسه وانه لمن الصادقين) (1) وفي الابتداء قالت (ما جزاء من اراد باهلك سوءا الا أن يسجن) (2) فوركت (3) الذنب في الابتداء عليه ونادت في الانتهاء على نفسها بالخيانة وقال أبو سعيد الخراز رايت النبي صلى الله عليه واله في المنام فقلت يا رسول الله اعذرني فان محبة الله شغلتني عن حبك فقال يا مبارك من احب الله فقد احبني .


(1) سورة يوسف 51 . (2) سورة يوسف 25 . (3) يقال ورك الذئب عليه : حمله . (*)

[ 81 ]

ثم نعود الى تفسير الفاظ الفصل قوله عليه السلام (يصونون مصونة) أي يكتمون من العلم الذى استحفظوه ما يجب أن يكتم ويفجرون عيونه يظهرون منه ما ينبغى اظهاره وذلك انه ليس ينبغى اظهار كل ما استودع العارف من الاسرار واهل هذا الفن يزعمون أن قوما منهم عجزوا عن أن يحملوا بما حملوه فباحوا به فهلكوا منهم الحسين بن منصور الحلاج ولابي الفتوح الجارودي المتأخر اتباع يعتقدون فيه مثل ذلك . والولاية بفتح الواو المحبة والنصرة ومعنى (يتواصلون بالولاية) يتواصلون وهم اولياء ومثله (ويتلاقون بالمحبة) كما تقول خرجت بسلاحي أي خرجت وانا متسلح فيكون موضع الجار والمجرور نصبا بالحال أو يكون المعنى ادق والطف من هذا وهو أن يتواصلوا بالولاية أي بالقلوب لا بالاجسام كما تقول انا اراك بقلبي وازورك بخاطرى واواصلك بضميري . قوله (ويتساقون بكاس روية) أي بكاس المعرفة والانس بالله ياخذ بعضهم عن بعض العلوم والاسرار فكأنهم شرب يتساقون بكاس من الخمر (1) . قال (ويصدرون بريه) يقال من اين ريتكم مفتوحة الراء أي (2) من اين ترتوون الماء . قال (لا تشوبهم الريبة) أي لا تخالطهم الظنة والتهمة ولا تسرع فيهم الغيبة لان اسرارهم مشغولة بالحق عن الخلق . قال (على ذلك عقد خلقهم واخلاقهم) الضمير في (عقد) يرجع الى الله تعالى أي على هذه الصفات والطبائع عقد الخالق تعالى خلقتهم وخلقهم أي هم متهيئون لما صاروا إليه كما قال عليه السلام) (إذا ارادك لامر هياك له)


(1) ب " الخمرة " ، وما أثبته من ا (2) ساقطة من ا .

[ 82 ]

وقال عليه السلام كل (ميسر لما خلق له) . قال (فعليه يتحابون وبه يتواصلون) أي ليس حبهم بعضهم بعضا الا في الله وليست مواصلتهم بعضهم بعضا الا لله لا للهوى ولا لغرض من اغراض الدنيا انشد منشد عند عمر قول طرفة فلو لا ثلاث هن من عيشة الفتى وجدك لم احفل متى قام عودي (1) فمنهن سبقي العاذلات بشربة كميت متى ما تعل بالماء تزبد (2) وكرى إذا نادى المضاف محنبا كسيد الغضا نبهته المتورد (3) وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ببهكنة تحت الطراف المعمد (4) فقال عمر وانا لو لا ثلاث هن من عيشه الفتى لم احفل متى قام عودي حبى في الله وبغضى في الله وجهادي في سبيل الله . قوله عليه السلام (فكانوا كتفاضل البذر) أي مثلهم مثل الحب الذى ينتفى للبذر يستصلح بعضه ويسقط بعضه . قد ميزه التخليص قد فرق الانتقاء بين جيده ورديئه وهذبه التمحيص قال النبي صلى الله عليه واله (إن المرض ليمحص الخطايا كما تمحص النار الذهب) أي كما تخلص النار الذهب مما يشوبه . ثم امر عليه السلام المكلفين بقبول كرامة الله ونصحه ووعظه وتذكيره وبالحذر


(1) من المعلقة بشرح التبريزي 81 ، 82 . (2) الكميت من الخمر التي تضرب الى السواد وقوله متى ما تعل بالماء تزبد اي متى تمزج به تزبد لانها عتيقة . (3) كرى عطفى والمضاف الذي اضافته الهموم والتحنيب احديداب في وضيفي يدى الفرس وليس ذلك بالاعوجاج الشديد وهو مما يوصف صاحبه بالشدة والسبد الذئب والغضا شجر وذئابه اخبث الذئاب ونبهته هيجته والمتورد الذي يطلب أن يرد الماء (4) الدجن الباس الغيم السماء ومعجب يعجب من رآه والبهكنة التامة الخلق .

[ 83 ]

من نزول القارعة بهم وهى هاهنا الموت وسميت الداهية قارعة لانها تقرع أي تصيب بشده . قوله (فليصنع لمتحوله) أي فليعد ما يجب اعداده للموضع الذى يتحول إليه تقول اصنع لنفسك أي اعمل لها . قوله (ومعارف منتقلة) معارف الدار ما يعرفها المتوسم بها واحدها معرف مثل معاهد الدار ومعالم الدار ومنه معارف المراة وهو ما يظهر منها كالوجه واليدين والمنتقل بالفتح موضع الانتقال . قوله (فطوبى) هي (فعلى) من الطيب قلبوا الياء واوا للضمة قبلها ويقال طوبى لك وطوباك ! بالاضافة . وقول العامة (طوبيك) بالياء غير جائز . قوله لذى قلب سليم هو من الفاظ الكتاب العزيز (1) أي سليم من الغل والشك . قوله (اطاع من يهديه) أي قبل مشورة الناصح الامر له بالمعروف والناهي له عن المنكر . وتجنب من يرديه أي يهلكه باغوائه وتحسين القبيح له . والباء في قوله (ببصر من بصره) متعلقة ب‍ (اصاب) . قوله قبل أن تغلق ابوابه أي قبل أن يحضره الموت فلا تقبل توبته . والحوبة الاثم واماطته ازالته ويجوز امطت الاذى عنه ومطت الاذى عنه أي نحيته ومنع الاصمعي منه الا بالهمزة


(1) وذلك قوله تعالى في سورة الشعراء 89 (الا من اتى الله بقلب سليم) وقوله في سورة الصافات 84 (إذ جاء ربه بقلب سليم) . (*)

[ 84 ]

(208) الاصل ومن دعاء كان يدعو به عليه السلام كثيرا الحمد لله الذى لم يصبح بى ميتا ولا سقيما ولا مضروبا على عروقي لسوء ولا ماخوذا باسوا عملي ولا مقطوعا دابري ولا مرتدا عن دينى ولا منكرا لربى ولا مستوحشا من ايمانى ولا ملتبسا عقلي ولا معذبا بعذاب الامم من قبلى اصبحت عبدا مملوكا ظالما لنفسي لك الحجة على - ولا حجة لى ولا استطيع أن آخذ الا ما اعطيتني ولا اتقى الا ما وقيتني اللهم انى اعوذ بك أن افتقر في غناك أو اضل في هداك أو اضام في سلطانك أو اضطهد والامر لك اللهم اجعل نفسي اول كريمة تنتزعها من كرائمي واول وديعة ترتجعها من ودائع نعمك عندي اللهم انا نعوذ بك أن نذهب عن قولك أو أن نفتتن عن دينك أو تتابع بنا اهواؤنا دون الهدى الذى جاء من عندك

[ 85 ]

الشرح قوله (كثيرا) منصوب بانه صفة مصدر محذوف أي دعاء كثيرا وميتا منصوب على الحال أي لم يفلق الصباح على ميتا ولا يجوز أن تكون (يصبح) ناقصة ويكون (ميتا) خبرها كما قال الراوندي لان خبر (كان) واخواتها يجب أن يكون هو الاسم الا ترى انهما مبتدا وخبر في الاصل واسم (يصبح) ضمير (الله) تعالى و (ميتا) ليس هو الله سبحانه . قوله (ولا مضروبا على عروقي بسوء) أي ولا ابرص والعرب تكنى عن البرص بالسوء ومن امثالهم ما انكرك من سوء أي ليس انكاري لك عن برص حدث بك فغير صورتك . واراد بعروقه اعضاءه ويجوز أن يريد ولا مطعونا في نسبي والتفسير الاول اظهر . (ولا ماخوذا باسوا عملي) أي ولا معاقبا بافحش ذنوبي . ولا مقطوعا دابري أي عقبى ونسلى والدابر في الاصل التابع لانه ياتي دبرا ويقال للهالك قد قطع الله دابره كانه يراد انه عفا اثره ومحا اسمه قال سبحانه (أن دابر هؤلاء مقطوع مصبحين) . ولا مستوحشا أي ولا شاكا في الايمان لان من شك في عقيدة استوحش منها . ولا متلبسا عقلي أي ولا مختلطا عقلي لبست عليهم الامر بالفتح أي خلطته وعذاب الامم من قبل المسخ والزلزلة والظلمة ونحو ذلك .


(1) سورة الحجر 66 (*)

[ 86 ]

قوله (لك الحجة على ولا حجة لى) لان الله سبحانه قد كلفه بعد تمكينه واقداره واعلامه قبح القبيح ووجوب الواجب وترديد دواعيه الى الفعل وتركه وهذه حجة الله تعالى على عباده ولا حجة للعباد عليه لانه ما كلفهم الا بما يطيقونه ولا كان لهم لطف في امر الا وفعله . قوله (لا استطيع أن آخذ الا ما اعطيتني ولا اتقى الا ما وقيتني) لا استطيع أن ارزق نفسي امرا ولكنك الرزاق ولا ادفع عن نفسي محذورا من المرض والموت الا ما دفعته انت عنى . وقال الشاعر لعمرك ما يدرى الفتى كيف يتقى نوائب هذا الدهر ام كيف يحذر يرى الشئ مما يتقى فيخافه (1) وما لا يرى مما يقى الله اكثر وقال عبد الله بن سليمان بن وهب كفاية الله اجدى من توقينا وعاده الله في الاعداء تكفينا كاد الاعادي فما ابقوا ولا تركوا عيبا وطعنا وتقبيحا وتهجينا ولم نزد نحن في سر وفى علن على مقالتنا الله يكفينا وكان ذاك - ورد الله حاسدنا بغيظه - لم ينل ماموله فينا . قوله عليه السلام (أن افتقر في غناك) موضع الجار والمجرور نصب على الحال (وفي) متعلقه بمحذوف والمعنى أن افتقر وانت الموصوف بالغنى الفائض على الخلق وكذلك قوله (أو اضل في هداك) معناه أو اضل وانت ذو الهداية العامة للبشر كافه وكذلك (أو اضام في سلطانك) كما يقول المستغيث الى السلطان كيف اظلم في عدلك .


(1) كذا في ا وفي ب " ويخافه " (*) .

[ 87 ]

وكذلك قوله (أو اضطهد والامر لك) أي وانت الحاكم صاحب الامر والطاء في (اضطهد) هي تاء الافتعال واصل الفعل ضهدت فلانا فهو مضهود أي قهرته وفلان ضهده لكل احد أي كل من شاء أن يقهره فعل . قوله (اللهم اجعل نفسي) هذه الدعوة مثل دعوة رسول الله صلى الله عليه واله وهى قوله (اللهم متعنا باسماعنا وابصارنا واجعله الوارث) منا أي لا تجعل موتنا متاخرا عن ذهاب حواسنا وكان على بن الحسين يقول في دعائه اللهم احفظ على سمعي وبصرى الى انتهاء اجلى . وفسروا قوله عليه السلام (واجعله الوارث منا) فقالوا الضمير في (واجعله) يرجع الى الامتاع . فان قلت كيف يتقى الامتاع بالسمع والبصر بعد خروج الروح . قلت هذا توسع في الكلام والمراد لا تبلنا بالعمى ولا الصمم فنكون احياء في الصورة ولسنا باحياء في المعنى لان من فقدهما لا خير له في الحياة فحملته المبالغة على أن طلب بقاءهما بعد ذهاب النفس ايذانا واشعارا بحبه الا يبلى بفقدهما . ونفتتن على ما لم يسم فاعله نصاب بفتنة تضلنا عن الدين وروى (نفتتن) بفتح حرف المضارعة على (نفتعل) افتتن الرجل أي فتن ولا يجوز أن يكون الافتتان متعديا كما ذكره الراوندي ولكنه قرا في (الصحاح) للجوهري (والفتون الافتتان يتعدى ولا يتعدى) فظن أن ذلك للافتتان وليس كما ظن وانما ذلك راجع الى الفتون . والتتابع التهافت في اللجاج والشر ولا يكون الا في مثل ذلك وروى أو (تتابع) بطرح احدى التاءات

[ 88 ]

(209) الاصل ومن خطبة له عليه السلام خطبها بصفين اما بعد فقد جعل الله سبحانه لى عليكم حقا بولاية امركم ولكم على من الحق مثل الذى لى عليكم والحق اوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف لا يجرى لاحد الا جرى عليه ولا يجرى عليه الا جرى له ولو كان لاحد أن يجرى له ولا يجرى عليه لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرة على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه ولكنه سبحانه جعل حقه على العباد أن يطيعوه وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه وتوسعا بما هو من المزيد اهله الشرح الذى له عليهم من الحق هو وجوب طاعته والذى لهم عليه من الحق هو وجوب معدلته فيهم والحق اوسع الاشياء في التواصف واضيقها في التناصف معناه أن كل احد يصف الحق والعدل ويذكر حسنه ووجوبه ويقول لو وليت لعدلت فهو بالوصف باللسان وسيع وبالفعل ضيق لان ذلك العالم العظيم الذين كانوا يتواصفون حسنه ويعدون أن لو ولوا باعتماده وفعله لا تجد في الالف منهم واحدا لو ولى لعدل ولكنه قول بغير عمل .

[ 89 ]

ثم عاد الى تقرير الكلام الاول وهو وجوب الحق له وعليه فقال انه لا يجرى لاحد الا وجرى عليه وكذلك لا يجرى عليه الا وجرى له أي ليس ولا واحد من الموجودين بمرتفع عن أن يجرى الحق عليه ولو كان احد من الموجودين كذلك لكان احقهم بذلك البارئ سبحانه لانه غايه الشرف بل هو فوق الشرف وفوق الكمال والتمام وهو مالك الكل وسيد الكل فلو كان لجواز هذه القضيه وجه ولصحتها مساغ لكان البارئ تعالى اولى بها وهى الا يستحق عليه شئ وتقدير الكلام لكنه يستحق عليه امور فهو في هذا الباب كالواحد منا يستحق و يستحق عليه ولكنه عليه السلام حذف هذا الكلام المقدر ادبا واجلالا لله تعالى أن يقول انه يستحق عليه شئ . فان قلت فما بال المتكلمين لا يتادبون بادبه عليه السلام وكيف يطلقون عليه تعالى الوجوب والاستحقاق . قلت ليست وظيفة المتكلمين وظيفه امير المؤمنين عليه السلام في عباراتهم هؤلاء ارباب صناعة وعلم يحتاج الى الفاظ واصطلاح لا بد لهم من استعماله للافهام والجدل بينهم وامير المؤمنين امام يخطب على منبره يخاطب عربا ورعية ليسوا من اهل النظر ولا مخاطبتة لهم لتعليم هذا العلم بل لاستنفارهم الى حرب عدوه فوجب عليه بمقتضى الادب أن يتوقى كل لفظة توهم ما يستهجنه السامع في الامور الالهية وفي غيرها . فان قلت فما هذه الامور التى زعمت انها تستحق على البارئ سبحانه وأن امير المؤمنين عليه السلام حذفها من اللفظ واللفظ يقتضيها . قلت الثواب والعوض و قبول التوبة واللطف والوفاء بالوعد والوعيد وغير ذلك مما يذكره اهل العدل .

[ 90 ]

فان قلت فما معنى قوله (لكان ذلك خالصا لله سبحانه دون خلقه لقدرته على عباده ولعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه) وهب أن تعليل عدم استحقاق شئ على الله تعالى بقدرته على عباده صحيح كيف يصح تعليل ذلك بعدله في كل ما جرت عليه صروف قضائه الا ترى انه ليس بمستقيم أن تقول لا يستحق على البارئ شئ لانه عادل وانما المستقيم أن تقول لا يستحق عليه شئ لانه مالك ولذلك عللت الاشعرية هذا الحكم بانه مالك الكل والاستحقاق انما يكون على من دونه . قلت التعليل صحيح وهو ايضا مما عللت به الاشعرية مذهبها وذلك لانه انما يتصور الاستحقاق على الفاعل المختار إذا كان ممن يتوقع منه أو يصح منه أن يظلم فيمكن حينئذ أن يقال قد وجب عليه كذا واستحق عليه كذا فاما من لا يمكن أن يظلم ولا يتصور وقوع الظلم منه ولا الكذب ولا خلف الوعد والوعيد فلا معنى لاطلاق الوجوب والاستحقاق عليه كما لا يقال كذا الداعي الخالص يستحق عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي ويجب عليه أن يفعل ما دعاه إليه الداعي مثل الهارب من الاسد والشديد العطش إذا وجد الماء ونحو ذلك . فان قلت اليس يشعر قوله عليه السلام (وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضلا منه) بمذهب البغداديين من اصحابكم وهو قولهم إن الثواب تفضل من الله سبحانه وليس بواجب . قلت لا وذلك لانه جعل المتفضل به هو مضاعفة الثواب لا اصل الثواب وليس ذلك بمستنكر عندنا . فان قلت ايجوز عندكم أن يستحق المكلف عشرة اجزاء من الثواب فيعطى عشرين جزءا منه اليس من مذهبكم أن التعظيم والتبجيل لا يجوز من البارئ سبحانه أن يفعلهما

[ 91 ]

في الجنة الا على قدر الاستحقاق والثواب عندكم هو النفع المقارن للتعظيم والتبجيل فيكف قلت إن مضاعفة الثواب عندنا جائزة ! . قلت مراده عليه السلام بمضاعفة الثواب هنا زيادة غير مستحقة من النعيم واللذة الجسمانية خاصة في الجنة فسمى تلك اللذة الجسمانية ثوابا لانها جزء من الثواب فاما اللذة العقلية فلا يجوز مضاعفتها . قوله عليه السلام (بما هو من المزيد اهله أي بما هو اهله من المزيد فقدم الجار والمجرور وموضعه نصب على الحال وفيه دلالة على أن حال المجرور تتقدم عليه كما قال الشاعر لئن كان برد الماء حران صاديا الى حبيبا انها لحبيب الاصل ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض فجعلها تتكافا في وجوهها ويوجب بعضها بعضا ولا يستوجب بعضها الا ببعض . واعظم ما افترض سبحانه من تلك الحقوق حق الوالى على الرعية وحق الرعية على الوالى فريضة فرضها الله سبحانه لكل على كل فجعلها نظاما لالفتهم وعزا لدينهم فليست تصلح الرعية الا بصلاح الولاة ولا تصلح الولاة الا باستقامة الرعية فإذا ادت الرعية الى الوالى حقه وادى الوالى إليها حقها عز الحق بينهم وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل وجرت على اذلالها السنن فصلح بذلك الزمان وطمع في بقاء الدولة ويئست مطامع الاعداء .

[ 92 ]

وإذا غلبت الرعية واليها أو اجحف الوالى برعيته اختلفت هنالك الكلمة وظهرت معالم الجور وكثر الادغال في الدين وتركت محاج السنن فعمل بالهوى وعطلت الاحكام وكثرت علل النفوس فلا يستوحش لعظيم حق عطل ولا لعظيم باطل فعل فهنالك تذل الابرار وتعز الاشرار وتعظم تبعات الله سبحانه عند العباد . فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه فليس احد وإن اشتد على رضا الله حرصه وطال في العمل اجتهاده ببالغ حقيقة ما الله سبحانه اهله من الطاعة له ولكن من واجب حقوق الله سبحانه على عباده النصيحة بمبلغ جهدهم والتعاون على اقامه الحق بينهم وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته وتقدمت في الدين فضيلته بفوق أن يعان على ما حمله من حقه ولا امرؤ وإن صغرته النفوس واقتحمته العيون بدون أن يعين على ذلك أو يعان عليه الشرح تتكافا في وجوهها تتساوى و هي حق الوالى على الرعية وحق الرعية على الوالى . وفريضة قد روى بالنصب و بالرفع فمن رفع فخبر مبتدا محذوف ومن نصب فباضمار فعل أو على الحال . و جرت على اذلالها السنن بفتح الهمزة أي على مجاريها وطرقها . واجحف الوالى برعيته ظلمهم . والادغال في الدين الفساد .

[ 93 ]

ومحاج السنن جمع محجة وهى جادة الطريق . قوله (وكثرت علل النفوس) أي تعللها بالباطل ومن كلام الحجاج اياكم وعلل النفوس فانها ادوى لكم من علل الاجساد . واقتحمته العيون احتقرته وازدرته قال ابن دريد ومنه ما تقتحم العين فان ذقت جناة ساغ عذبا في اللها (1) . ومثل قوله عليه السلام وليس امرؤ وإن عظمت في الحق منزلته قول زيد ابن على عليه السلام لهشام بن عبد الملك انه ليس احد وإن عظمت منزلته بفوق أن يذكر بالله ويحذر من سطوته وليس احد وإن صغر بدون أن يذكر بالله ويخوف من نقمته . ومثل قوله عليه السلام (وإذا غلبت الرعية) واليها قول الحكماء إذا علا صوت بعض الرعية على الملك فالملك مخلوع فان قال نعم فقال احد من الرعية لا فالملك مقتول [ فصل فيما ورد من الاثار فيما يصلح الملك ] وقد جاء فوجوب الطاعة لاولى الامر الكثير الواسع قال الله سبحانه (اطيعوا الله واطيعوا الرسول واولى الامر منكم) (2) وروى عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه واله (السمع والطاعة على المرء


(1) من المقصورة 23 (طبعة مصر سنة 1319) . (2) سورة النساء 59 . (*)

[ 94 ]

المسلم فيما احب وكره ما لم يؤمر بمعصية فإذا امر بها فلا سمع ولا طاعة) . وعنه صلى الله عليه واله (إن امر عليكم عبد اسود مجدع فاسمعوا له واطيعوا) ومن كلام على عليه السلام (إن الله جعل الطاعه غنيمة الاكياس عند تفريط الفجرة) . بعث سعد بن ابى وقاص جرير بن عبد الله البجلى من العراق الى عمر بن الخطاب بالمدينة فقال له عمر كيف تركت الناس قال تركتهم كقداح الجعبة منها الاعصل (1) الطائش ومنها القائم الرائش قال فكيف سعد لهم ؟ قال هو ثقافها الذى يقيم اودها ويغمز عصلها (2) قال فكيف طاعتهم قال يصلون الصلاة لاوقاتها ويؤدون الطاعة الى ولاتها قال الله اكبر إذا اقيمت الصلاة اديت الزكاة وإذا كانت الطاعة كانت الجماعة . ومن كلام ابرويز الملك اطع من فوقك يطعك من دونك . ومن كلام الحكماء قلوب الرعية خزائن واليها فما اودعه فيها وجده . وكان يقال صنفان متباغضان متنافيان السلطان والرعية وهما مع ذلك متلازمان إن صلح احدهما صلح الاخر وإن فسد فسد الاخر . وكان يقال محل الملك من رعيته محل الروح من الجسد ومحل الرعية منه محل الجسد من الروح فالروح تالم بالم كل عضو من اعضاء البدن وليس كل واحد من الاعضاء يالم بالم غيره وفساد الروح فساد جميع البدن وقد يفسد بعض البدن وغيره من سائر البدن صحيح .


(1) السهم الاعصل : القليل الريش . (2) العصل : الاعوجاج والميل . (*)

[ 95 ]

وكان يقال ظلم الرعية استجلاب البلية . وكان يقال العجب ممن استفسد رعيته وهو يعلم أن عزه بطاعتهم . وكان يقال موت الملك الجائر خصب شامل . وكان يقال لا قحط اشد من جور السلطان . وكان يقال قد تعامل الرعية المشمئزة بالرفق فتزول احقادها ويذل قيادها وقد تعامل بالخرق فتكاشف بما غيبت وتقدم على ما عيبت حتى يعود نفاقها شقاقا ورذاذها سيلا بعاقا (1) ثم إن غلبت وقهرت فهو الدمار وإن غلبت وقهرت لم يكن بغلبها افتخار ولم يدرك بقهرها ثار وكان يقال الرعيد وإن كانت ثمارا مجتناه وذخائر مقتناه وسيوفا منتضاة واحراسا مرتضاة فان لها نفارا كنفار الوحوش وطغيانا كطغيان السيول ومتى قدرت أن تقول قدرت على أن تصول . وكان يقال ايدى الرعيه تبع السنتها فلن يملك الملك السنتها حتى يملك جسومها ولن يملك جسومها حتى يملك قلوبها فتحبه ولن تحبه حتى يعدل عليها في احكامه عدلا يتساوى فيه الخاصة والعامة وحتى يخفف عنها المؤن والكلف وحتى يعفيها من رفع اوضاعها واراذلها عليها وهذه الثالثة تحقد على الملك العلية من الرعية وتطمع السفلة في الرتب السنية . وكان يقال الرعية ثلاثه اصناف صنف فضلاء مرتاضون بحكم الرياسة والسياسة يعلمون فضيلة الملك وعظيم غنائه ويرثون له من ثقل اعبائه فهؤلاء يحصل الملك موداتهم بالبشر عند اللقاء ويلقى احاديثهم بحسن الاصغاء وصنف فيهم خير وشر ظاهران فصلاحهم يكتسب من معاملتهم بالترغيب والترهيب وصنف من السفلة الرعاع اتباع


(1) السيل البعاق . المتصبت بشدة . (*)

[ 96 ]

لكل داع لا يمتحنون في اقوالهم واعمالهم بنقد ولا يرجعون في الموالاة الى عقد . وكان يقال ترك المعاقبة للسفلة على صغار الجرائم تدعوهم الى ارتكاب الكبائر العظائم الا ترى اول نشور المراة كلمة سومحت بها واول حران الدابة حيده سوعدت عليها . ويقال إن عثمان قال يوما لجلسائه وهو محصور في الفتنة وددت أن رجلا صدوقا اخبرني عن نفسي وعن هؤلاء فقام إليه فتى فقال انى اخبرك تطاطات لهم فركبوك وما جراهم على ظلمك الا افراط حلمك قال صدقت فهل تعلم ما يشب نيران الفتن قال نعم سالت عن ذلك شيخا من تنوخ كان باقعه قد نقب في الارض وعلم علما جما فقال الفتنة يثيرها امران اثره تضغن على الملك الخاصة وحلم يجزئ عليه العامة قال فهل سألته عما يخمدها قال نعم زعم أن الذى يخمدها في ابتدائها استقاله العثرة وتعميم الخاصة بالاثرة فإذا استحكمت الفتنة اخمدها الصبر قال عثمان صدقت وانى لصابر حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين ويقال إن يزدجرد بن بهرام سال حكيما ما صلاح الملك قال الرفق بالرعية واخذ الحق منها بغير عنف والتودد إليها بالعدل وامن السبل وانصاف المظلوم قال فما صلاح الملك قال وزراؤه إذا صلحوا صلح قال فما الذى يثير الفتن قال ضغائن يظهرها جراه عامة واستخفاف خاصة وانبساط الالسن بضمائر القلوب واشفاق موسر وامن معسر وغفلة مرزوق ويقظة محروم قال وما يسكنها قال اخذ العدة لما يخاف وايثار الجد حين يلتذ الهزل والعمل بالحزم وادراع الصبر والرضا بالقضاء . وكان يقال خير الملوك من اشرب قلوب رعيته محبته كما اشعرها هيبته ولن ينال ذلك منها حتى تظفر منه بخمسة اشياء اكرام شريفها ورحمة ضعيفها واغاثة لهيفها

[ 97 ]

وكف عدوان عدوها وتامين سبل رواحها وغدوها فمتى اعدمها شيئا من ذلك فقد احقدها (1) بقدر ما افقدها . وكان يقال الاسباب التى تجر الهلك الى الملك ثلاثة احدها من جهة الملك وهو أن تتامر شهواته على عقله فتستهويه نشوات الشهوات فلا تسنح له لذة الا اقتنصها ولا راحه الا افترصها . والثانى من جهة الوزراء وهو تحاسدهم المقتضى تعارض الاراء فلا يسبق احدهم الى حق الا كويد وعورض وعوند . والثالث من جهة الجند المؤهلين لحراسة الملك والدين وتوهين المعاندين وهو نكولهم عن الجلاد وتضجيعهم في المناصحة والجهاد وهم صنفان صنف وسع الملك عليهم فابطرهم الاتراف وضنوا بنفوسهم عن التعريض للاتلاف وصنف قدر عليهم الارزاق فاضطغنوا الاحقاد (2) واستشعروا النفاق [ الاثار الواردة في العدل والانصاف ] قوله عليه السلام أو اجحف الوالى برعيته قد جاء من نظائره الكثير جدا وقد ذكرنا فيما تقدم نكتا حسنة في مدح العدل والانصاف وذم الظلم والاجحاف وقال النبي صلى الله عليه واله (زين الله السماء بثلاثة الشمس والقمر والكواكب وزين الارض بثلاثة العلماء والمطر والسلطان العادل . وكان يقال إذا لم يعمر الملك ملكه بانصاف الرعية خرب ملكه بعصيان الرعية . وقيل لانوشروان أي الجنن اوقى قال الدين قيل فاى العدد اقوى قال العدل .


(1) يقال أحقده أي صيره حاقدا (2) اضطغنوا الاحقاد : انطووا عليها . (*)

[ 98 ]

وقع جعفر بن يحيى الى عامل من عماله كثر شاكوك وقل حامدوك فاما عدلت واما اعتزلت . وجد في خزانة بعض الاكاسرة سفط ففتح فوجد فيه حب الرمان كل حبة كالنواة الكبيرة من منوى المشمش وفي السفط رقعة فيها هذا حب رمان عملنا في خراجه بالعدل . جاء رجل من مصر الى عمر بن الخطاب متظلما فقال يا امير المؤمنين هذا مكان العائذ بك قال له عذت بمعاذ ما شأنك قال سابقت ولد عمرو بن العاص بمصر فسبقته فجعل يعنفنى بسوطه ويقول انا ابن الاكرمين وبلغ اباه ذلك فحبسني خشية أن اقدم عليك فكتب الى عمرو إذا اتاك كتابي هذا فاشهد الموسم انت وابنك فلما قدم عمرو وابنه دفع الدرة الى المصرى وقال اضربه كما ضربك فجعل يضربه وعمر يقول اضرب ابن الامير اضرب ابن الامير يرددها حتى قال يا امير المؤمنين قد استقدت منه فقال - واشار الى عمرو ضعها على صلعته فقال المصرى يا امير المؤمنين انما اضرب من ضربني فقال انما ضربك بقوة ابيه وسلطانه فاضربه إن شئت فو الله لو فعلت لما منعك احد منه حتى تكون انت الذى تتبرع بالكف عنه ثم قال يا بن العاص متى تعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرار . خطب الاسكندر جنده فقال لهم بالرومية كلاما تفسيره يا عباد الله انما الهكم الله الذى في السماء الذى نصرنا بعد حين الذى يسقيكم الغيث عند الحاجه واليه مفزعكم عند الكرب والله لا يبلغني أن الله احب شيئا الا احببته وعملت به الى يوم اجلى ولا يبلغني انه ابغض شيئا الا ابغضته وهجرته الى يوم اجلى وقد انبئت أن الله يحب العدل في عباده ويبغض الجور فويل للظالم من سوطي وسيفي ومن ظهر منه

[ 99 ]

العدل من عمالى فليتكئ في مجلسي كيف شاء وليتمن على ما شاء فلن تخطئه امنيته والله المجازى كلا بعمله . قال رجل لسليمان بن عبد الملك وهو جالس للمظالم يا امير المؤمنين الم تسمع قول الله تعالى (فاذن مؤذن بينهم أن لعنه الله على الظالمين) (1) قال ما خطبك قال وكيلك اغتصبني ضيعتي وضمها الى ضيعتك الفلانية قال فان ضيعتي لك وضيعتك مردودة اليك ثم كتب الى الوكيل بذلك وبصرفه عن عمله . ورقى الى كسرى قباذ أن في بطانة الملك قوما قد فسدت نياتهم وخبثت ضمائرهم لان احكام الملك جرت على بعضهم لبعضهم فوقع في الجواب انا املك الاجساد لا النيات واحكم بالعدل لا بالهوى وافحص عن الاعمال لا عن السرائر . وتظلم اهل الكوفة الى المأمون من واليهم فقال ما علمت في عمالى اعدل ولا اقوم بامر الرعية ولا اعود بالرفق منه فقال له منهم واحد فلا احد اولى منك يا امير المؤمنين بالعدل والانصاف وإذا كان بهذه الصفة فمن عدل امير المؤمنين أن يوليه بلدا بلدا حتى يلحق اهل كل بلد من عدله مثل ما لحقنا منه ويأخذو بقسطهم منه كما اخذ منه سواهم وإذا فعل امير المؤمنين ذلك لم يصب الكوفة منه اكثر من ثلاث سنين فضحك وعزله . كتب عدى بن ارطاة الى عمر بن عبد العزيز اما بعد فان قبلنا قوما لا يؤدون الخراج الا أن يمسهم نصب من العذاب فاكتب الى امير المؤمنين برايك فكتب اما بعد فالعجب لك كل العجب تكتب الى تستأذنني في عذاب البشر كان اذنى لك جنة من عذاب الله أو كان رضاى ينجيك من سخط الله فمن أعطاك ما عليه عفوا


(1) سورة الاعراف 44 . (*)

[ 100 ]

فخذ منه ومن ابى فاستحلفه وكله الى الله فلان يلقوا الله بجرائمهم احب الى من أن القاه بعذابهم . فضيل بن عياض ما ينبغى أن تتكلم بفيك كله اتدرى من كان يتكلم بفيه كله عمر بن الخطاب كان يعدل في رعيته ويجور على نفسه ويطعمهم الطيب وياكل الغليظ ويكسوهم اللين ويلبس الخشن ويعطيهم الحق ويزيدهم ويمنع ولده واهله اعطى رجلا عطاءه اربعه آلاف درهم ثم زاده الفا فقيل له الا تزيد ابنك عبد الله كما تزيد هذا فقال إن هذا ثبت ابوه يوم احد وإن عبد الله فر ابوه ولم يثبت . وكان يقال لا يكون العمران الا حيث يعدل السلطان . وكان يقال العدل حصن وثيق في راس نيق (1) لا يحطمه سيل ولا يهدمه منجنيق . وقع المأمون الى عامل كثر التظلم منه انصف من وليت امرهم والا انصفهم منك من ولى امرك . بعض السلف العدل ميزان الله والجور مكيال الشيطان


(1) النبق : ارفع موقع في الجبل . (*)

[ 101 ]

(210) الاصل فاجابه عليه السلام رجل من اصحابه بكلام طويل يكثر فيه الثناء عليه ويذكر سمعه وطاعته له فقال عليه السلام إن من حق من عظم جلال الله سبحانه في نفسه وجل موضعه من قلبه أن يصغر عنده - لعظم ذلك - كل ما سواه وإن احق من كان كذلك لمن عظمت نعمة الله عليه ولطف احسانه إليه فانه لم تعظم نعمة الله على احد الا ازداد حق الله عليه عظما وإن من اسخف حالات الولاة عند صالح الناس أن يظن بهم حب الفخر ويوضع امرهم على الكبر وقد كرهت أن يكون جال في ظنكم انى احب الاطراء واستماع الثناء ولست بحمد الله كذلك ولو كنت احب أن يقال ذلك لتركته انحطاطا لله سبحانه عن تناول ما هو احق به من العظمة والكبرياء وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء فلا تثنوا على بجميل ثناء لاخراجي نفسي الى الله سبحانه واليكم من البقية في حقوق لم افرغ من ادائها وفرائض لا بد من امضائها فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا بما يتحفظ به عند اهل البادرة ولا تخالطوني بالمصانعة ولا تظنوا بى استثقالا في حق قيل لى ولا التماس اعظام لنفسي فانه من استثقل الحق أن يقال له أو العدل أن يعرض عليه كان العمل بهما اثقل عليه

[ 102 ]

فلا تكفوا عن مقاله بحق أو مشورة بعدل فانى لست في نفسي بفوق أن اخطئ ولا آمن ذلك من فعلى الا أن يكفى الله من نفسي ما هو املك به منى فانما انا وانتم عبيد مملوكون لرب لا رب غيره يملك منا مالا نملك من انفسنا واخرجنا مما كنا فيه الى ما صلحنا عليه فابدلنا بعد الضلالة بالهدى واعطانا البصيرة بعد العمى الشرح هذا الفصل وإن لم يكن فيه الفاظ غريبة سبيلها أن تشرح ففيه معان مختلفة سبيلها أن تذكر وتوضح وتذكر نظائرها وما يناسبها . فمنها قوله عليه السلام أن من حق من عظمت نعمة الله عليه أن تعظم عليه حقوق الله تعالى وأن يعظم جلال الله تعالى في نفسه ومن حق من كان كذلك أن يصغر عنده كل ما سوى الله . وهذا مقام جليل من مقامات العارفين وهو استحقار كل ما سوى الله تعالى وذلك أن من عرف الله تعالى فقد عرف ما هو اعظم من كل عظيم بل لا نسبة لشئ من الاشياء اصلا إليه سبحانه فلا يظهر عند العارف عظمة غيره البتة كما أن من شاهد الشمس المنيرة يستحقر ضوء القمر والسراج الموضوع في ضوء الشمس حال مشاهدته جرم الشمس بل لا تظهر له في تلك الحال صنوبرة السراج ولا تنطبع صورتها في بصره . ومنها قوله عليه السلام من اسخف حالاة الولاة أن يظن بهم حب الفخر ويوضع

[ 103 ]

امرهم على الكبر قال النبي صلى الله عليه وآله (لا يدخل الجنه من كان في قلبه مثقال حبه من كبر) وقال صلى الله عليه وآله (لولا ثلاث مهلكات لصلح الناس شح مطاع وهوى متبع واعجاب المرء بنفسه) . وكان يقال ليس لمعجب راى ولا لمتكبر صديق . وكان أبو مسلم صاحب الدولة يقول ما تاه الا وضيع ولا فاخر الا لقيط ولا تعصب الا دخيل . وقال عمر لبعض ولده التمس الرفعة بالتواضع والشرف بالدين والعفو من الله بالفعو عن الناس واياك والخيلاء فتضع من نفسك ولا تحقرن احدا لانك لا تدرى لعل من تزدريه عيناك اقرب الى الله وسيلة منك . ومنها قوله عليه السلام قد كرهت أن تظنوا بى حب الاطراء واستماع الثناء قد روى عن النبي صلى الله عليه وآله انه قال (احثوا في وجوه المداحين التراب) وقال عمر المدح هو الذبح . وكان يقال إذا سمعت الرجل يقول فيك من الخير ما ليس فيك فلا تأمن أن يقول فيك من الشر ما ليس فيك . ويقال إن في بعض الكتب المنزلة القديمة عجبا لمن قيل فيه الخير وليس فيه كيف يفرح ولمن قيل فيه الشر وليس فيه كيف يغضب واعجب من ذلك من احب نفسه على اليقين وابغض الناس على الظن . وكان يقال لا يغلبن جهل غيرك بك علمك بنفسك . وقال رجل لعبد الملك انى اريد أن اسر اليك يا امير المؤمنين شيئا فقال لمن حوله

[ 104 ]

إذا شئتم فانهضوا فتقدم الرجل يريد الكلام فقال له عبد الملك قف لا تمدحني فانى اعلم بنفسى منك ولا تكذبني فانه لا راى لمكذوب ولا تغتب عندي احدا فانى اكره الغيبة قال افياذن امير المؤمنين في الانصراف قال إذا شئت . وناظر المأمون محمد بن القاسم النوشجانى في مسالة كلامية فجعل النوشجانى يخضع في الكلام ويستخذى له فقال يا محمد اراك تنقاد الى ما اقوله قبل وجوب الحجة لى عليك وقد ساءنى منك ذلك ولو شئت أن افسر الامور بعزة الخلافة وهيبة الرياسة لصدقت وإن كنت كاذبا وعدلت وإن كنت جائرا وصوبت وإن كنت مخطئا ولكني لا اقنع الا باقامة الحجة وازالة الشبهة وإن انقص الملوك عقلا واسخفهم رايا من رضى بقولهم صدق الامير . وقال عبد الله بن المقفع في (اليتيمة) اياك إذا كنت واليا أن يكون من شأنك حب المدح والتزكية وأن يعرف الناس ذلك منك فتكون ثلمة من الثلم يقتحمون عيك منها وبابا يفتتحونك منه وغيبة يغتابونك بها ويسخرون منك لها واعلم أن قابل المدح كمادح نفسه وأن المرء جدير أن يكون حبه المدح هو الذى يحمله على رده فان الراد له ممدوح والقابل له معيب . وقال معاوية لرجل من سيد قومك قال انا قال لو كنت كذلك لم تقله . وقال الحسن ذم الرجل نفسه في العلانية مدح لها في السر . كان يقال من اظهر عيب نفسه فقد زكاها . ومنها قوله عليه السلام لو كنت كذلك لتركته انحطاطا لله تعالى عن تناول ما هو احق به من الكبرياء في الحديث المرفوع (من تواضع لله رفعه الله ومن تكبر خفضه الله) .

[ 105 ]

وفيه ايضا العظمة ازارى والكبرياء ردائي فمن نازعنى فيهما قصمته . ومنها قوله عليه السلام (فلا تكلموني بما تكلم به الجبابرة ولا تتحفظوا منى بما يتحفظ به عند اهل البادرة) . احسن ما سمعته في سلطان لا تخاف الرعية بادرته ولا يتلجلج المتحاكمون عنده مع سطوته وقوته لايثاره العدل قول ابى تمام في محمد بن عبد الملك وزير حق ووالى شرطة ورحا ديوان ملك وشيعي ومحتسب (1) كالارحبى المذكى سيرة المرطى والوخد والملع والتقريب والخبب (2) عود تساجله ايامه فبها من مسه وبه من مسها جلب (3) ثبت الخطاب إذا اصطكت بمظلمة في رحلة السن الاقوام والركب (4)


(1) ديوانه 1 : 253 . (2) قال شارح ديوانه : كان بعض الناس يقول لابي تمام انا استحسن قول امرئ القيس : وتعرف فيه من ابيه شمائلا ومن خاله ومن يزيد ومن حجر سماحة ذا وجود ذا ووفاء ذا ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر فذكر اربعة ورد عليها اربعة اصناف فلقيه أبو تمام بعد مدة فقال له أنشدتني بيتى امرء القيس وتستحسن ذكره لاربعة ورده عليهم أربعة اصناف وقد ذكرت خمسة ورددت عليهم خمسة اصناف وانشده هذين البيتين الارحبي يعني به نجيبا من الابل منسوبا الى أرحب وهم حي من همدان والمذكى الذى قد تمت سنه وذكاؤه يقال فرس مذك ووحش مذك والمرطي ضرب من العدو سهل وقلما يستعمل الا في الابل فاما الوخد والملع فمجيئها كثير في وصف سير النوق والجمال ولا يكادون يقولون وخد الفرس وقد حكى ذلك أبو نصر صاحب الاصمعي والتقريب ايضا لا يكاد يستعمل في الجمال يقول هذا الممدوح جمع اصلاح الملك كما يجمع هذا الارحبي هذه الضروب من السير . (3) العود المسن من الابل والمراد به هنا الرجل المجرب على الاستعارة والجلب جمع جلبة وهو الاثر في ظهر البعير وغيره من اثر حمل أو نحوه يقول قد جرب الامور خيرها وشرها يكون الدهر مرة معه ومرة عليه فكأنه يساجله (4) اصطكت اضطربت وقوله " بمظلمة " أي بخصلة مظلمة . (*)

[ 106 ]

لا المنطق اللغو يزكو في مقاومة يوما ولا حجة الملهوف تستلب (1) كانما هو في نادى قبيلته لا القلب يهفو ولا الاحشاء تضطرب (2) . ومن هذا المعنى قول ابى الجهم العدوى في معاوية نقلبه لنخبر حالتيه فنخبر منهما كرما ولينا نميل على جوانبه كانا إذا ملنا نميل على ابينا . ومنها قوله عليه السلام لا تظنوا بى استثقال رفع الحق الى فانه من استثقل الحق أن يقال له كان العمل به عليه اثقل . هذا معنى لطيف ولم اسمع منه شيئا منثورا ولا منظوما . ومنها قوله عليه السلام ولا تكفوا عن قول بحق أو مشورة بعدل . قد ورد في المشورة شئ كثير قال الله تعالى (وشاورهم في الامر) (3) . وكان يقال إذا استشرت انسانا صار عقله لك . وقال اعرابي ما غبنت قط حتى يغبن قومي قيل وكيف ذاك قال لا افعل شيئا حتى اشاورهم . وكان يقال من اعطى الاستشارة لم يمنع الصواب ومن اعطى الاستخارة لم يمنع الخيرة ومن اعطى التوبة لم يمنع القبول ومن اعطى الشكر لم يمنع المزيد . وفي آداب ابن المقفع لا يقذفن في روعك انك إذا استشرت الرجال ظهر منك للناس حاجتك الى راى غيرك فيقطعك ذلك عن المشاورة فانك لا تريد الراى للفخر


(1) المنطق اللغو : الهذر وما لا يحتاج إليه من الكلام ويزكو يروج وينمو مقاوم جمع مقام . (2) لا القلب يهفو اي لا يزيع عما يريد . (3) سورة آل عمران . (*)

[ 107 ]

ولكن للانتفاع به ولو انك اردته للذكر لكان احسن الذكر عند العقلاء أن يقال انه لا ينفرد برايه دون ذوى الراى من اخوانه . ومنها أن يقال ما معنى قوله عليه السلام (وربما استحلى الناس الثناء بعد البلاء . . .) الى قوله (لا بد من امضائها) فنقول إن معناه أن بعض من يكره الاطراء والثناء قد يحب ذلك بعد البلاء والاختبار كما قال مرداس بن ادية لزياد انما الثناء بعد البلاء وانما نثنى بعد أن نبتلى فقال لو فرضنا أن ذلك سائغ وجائز وغير قبيح لم يجز لكم أن تثنوا على في وجهى و