الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تأويل مختلف الحديث- ابن قتيبة

تأويل مختلف الحديث

ابن قتيبة


[ 3 ]

تأويل مختلف الحديث تأليف فقيه الادباء واديب الفقهاء الامام ابى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة 213 - 276 ه‍ قوبلت على ثلاث نسخ خطية : 1 - الاولى دمشقية بخط العلامة جمال الدين القاسمي 2 - الثانية بغدادية قراها وصححها العلامة فخر العراق محمود شكرى الالوسى . 3 - الثالثة مصرية في الكمتبة الخديوية بخط السيد الفاضل محمد خلوصى حافظ الكتب بمكتبة راغب باشا . دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 4 ]

طبعت هذه النسخة لعى الطبعة التى حققها وصححها المرحوم الشيخ اسماعيل الاسعردى رحمه الله وقد اثبتناه هذه الملاحظة اعترافا بفضله الناشر جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان يطلب من : دار الكتب العلمية بيروت - لبنان هاتف 801332 - 805604 - 800842 ص ب : 9424 / 11 تلكس : 41245 Le Nasher

[ 5 ]

ترجمة ابن قتيبة (1) هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة ، الدينورى - ويقال المروزى - النحوي ، اللغوى ، صاحب التصانيف الحسان في فنون العلوم . (2) ولد ابوه بمرو فلذلك يفال له المروزى ، وولد هو بالكوفة فلذلك يقال له الكوفى ، وتولى قضاء الدينور ردحا من الزمن فلذلك يقال له الدينورى ، يقال له ايضا : القتيبى ، ااو القتبى ، نسبة الى جده قتيبة . (3) ولد في مستهل رجب بالكوفة في سنة ثلاث عشرة ومائتين من الهجرة (828 الميلادية) وسكن بغداد مدة ، وحدث بها عن اسحاق بن راهويه ، ومحمد بن زياد بن عبيدالله ، المعروف بالزيادي ، وابى حاتم السجستاني ، وولى قضاء الدينور - وهى بلدة من بلاد الجبل عند قرمسيين - ثم اشتغل بالتدريس في بغداد ، فتخرج عليه ابنه احمد ، وروى عنه محمد بن عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسى وجماعة ويعتبره العلماء امام مدرسة بغداد النحوية التى خلطت بين مذهبي البصريين والكوفيين . (4) له تصانيف كلها ممتع مفيد ، وقد تناولت هذه المؤلفات جميع معارف عصره ، حذاء فيها حذو المبرزين من اهل هذا العصر المثال ابى عثمان عمرو بن بحر الجاحظ ، وابى حنيفة الدينورى ، وكان من اهم بواعث هؤلاء ان يجعلوا اللعة والشعر والاخبار في متناول طبقة الكتاب الذين بدأ شانهم يعملو بما كان لهم من المنزلة المرموقة في تصريف امور الدولة يومذاك .

[ 6 ]

(5) لم يقتصر ابن قتيبة على المعارف الادبية واللغوية ، ولكنه اشترك في المناقشات الكلامية اليت استعر لهبها في عصره ، وكان له من حسن الدفاع عن الحديث والقرآن ضد النزعات الفلسفية ما جعل فريقا من الناس بعتبرونه لسان اهل السنة وحامل لواء الحوار والجدل والمنافحة عنهم ، ولكن ذلك كله لم يعصمه من اتهام قوم له بالزندقة ، وذلك شان خفافيش كل عصر حيال الافذاذ التابهين ، فصنف كتابا في الرد على المشبهة يدرا به في صدور المتقولين الخرصين ويدفع عن نفسه تهمة الزندقة التى رموه بها . (6) اهم تصانيفه الكتب التى نحدثك عنها ، ونذكر لك مكان وجودها ان كان ، أو نسند لك الحديث عنها - ان لم نكن نعلم بوجودها - الى من ذكرها من قدامى اهل العلم . 1 - ادب الكاتب ، طبع في ليدن وليبسك ، وطبع بمصر مرارا ، وشرحه الجواليقى والبطليوسى ، وشرح خطبته أبو القاسم عبد الرحمن بن اسحاق الزجاجي . 2 - الاشربة ، طبع بدمشق بتحقيق المرحوم الاستاذ محمد كرد على . 3 - اصلاح الغلط ، ذكره القفظى بهذا الاسم ، وذكره حاجى خليفة صاحب كشف الظنون باسم " اصلاح غلط ابى عبيد في غريب الحديث " . 4 - اعراب القرآن ، وذكره ابن خلكان ، ولكن باسم " اعراب القراءات " وربما كان الاسم عند ابن خلكان محرفا . 5 - الانواء ، توجد منه نسخة خطية في المكتبة الزكية بالقاهرة . 6 - تأويل مختلف الحديث ، [ وهو كتابنا هذا ] . 7 - التسوية بين العرب والعجم ، وذكره القفطى في كتابه " انباه الرواة " . 8 - التقفيه ، ذكره ابن خلكان ، وذكر ابن النديم انه راى منه ثلاثة اجزاء في نحو ستمائة ورقة .

[ 7 ]

9 - جامع النحو - ذكره ابن النديم بهذا الاسم ، وذكر القفطى كتابين ، احمدهما باسم " النحو " والاخر باسم " النحو الصغير " . 10 - الخيل ، ذكره ابن خلكان ، وذكره القفطى ، وربما كان هو الذى ذكره في كشف الظنون بااسم " الحيل " . 11 - الرد على المشبهة ، وذكره القفطى . 12 - طبقات الشعراء ، أو الشعر والشعراء ، طبع في لندن ، وطبع في بيروت - من منشورات دار الكتب العلمية 13 - العمل ، وذكره القفطى . 14 - عيون الاخبار ، طبع منه اربعة اقسام في غوتنجن ، ثم طبع كاملا في دار الكتب المصرية ، وهذا الكتاب هو اهم المصادر التى صدر عنها ابن عبد ربه في كتاب " العقد الفريد " . 15 - غريب الحديث ، ويوجد في المكتبة الظاهرية بدمشق الثلث الاول والثلث الاخير من هذا الكتاب . 16 - غريب القرآن ، يوجد منه نسخة خطية في المكتبة الظاهرية بدمشق تحت رقم 33 لغة . 17 - الفرس ، ذكره القفطى ، وابن النديم يعده في ثنايا كتاب " معاني الشعر " الذى نذكره بعد . 18 - الفقه ، ذكره القفطى بهذا الاسم ، وذكره ابن النديم باسم " جامع الفقه " . 19 - المسائل والجوابات ، ذكره بهذا الاسم القفطى ، ويذكره السيوطي باسم " المسائل والاجوبة " ويوجد في دار الكتب المصرية باسم " المسائل " نسخة خطية محفوظة تحت رقم (6 لغة ش) ، كما توجد منه نسخة خطية في مكتبة جوته . 20 - المعارف ، طبع في غوتنجن سنة 1850 الميلادية ، وطبع في مصر مرارا ،

[ 8 ]

وتوجد منه نسختان خطيتان في دار الكتب المصرية . 21 - معاني الشعر ، طبع منه قطعة بالهند في سنة 1850 الهجرية ، ويذكر اصحاب دائرة المعارف الاسلامية انه توجد منه نسخة خطية في مكتبة ايا صوفيا بالاستانة محفوظة تحت رقم 4050 . 22 - مشكل الحديث ، وذكره ابن خلكان ، وذكره القفطى . 23 - مشكل القرآن ، وذكره ابن خلكان والقفطى ايضا ، وقد جمع بينه وبين كتاب غريب القرآن ابن مطرف الكنانى في كتاب سماه " القرطين " ، وقد طبع كتاب القرطين بمصر . 24 - الميسر والقداح ، طبع هذا الكتاب في مصر بتحقيق الاستاذ محمب الدين الخطيب . وله كتب كثيرة غير هذه ، وينسب إليه كتاب " الامامية والسياسية " الذى طبع مرارا في مصر وفى غير مصر ، ولكن الاثبات ، من ذوى الدراية والبحث يشكون كثيرا - وحق لهم - في ان يكون ابن قتيبة ناسج بردته . (7) توفى أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في ذى العقدة من سنة سبعين ومائتين (مايو 884 الميلادية) ويقال : في سنة احدى وسبعين ومائتين ، ويقال : في منتصف شهر رجب من سنة ست وسبعين ومائتين (نوفمبر 889 الميلادية) قال ابن خلكان بعد حكاية هذه الاقوال على هذا الترتيب : " والاخير اصح الاقوال : وكانت وفاته فجأة ، صاح صيحة سمعت من بعد ، ثم اغمى عليه ومات " رحمة الله رحمة واسعة . (8) وكان ولده أبو جعفر احمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبه فقيها ، وروى عن ابيه كتبه المصنفة كلها ، وتولى القضاء بمصر ، وقدم مصر في الثامن عشر من شهر جمادى الاخرة من سنة احدى وعشرين وثلثمائة ، وتوفى بها في شهر ربيع الاول من سنة اثنتين وعشرين وثلثمائة .

[ 9 ]

يقول مصححه الاول رحمه الله : ليعلم انا عثرنا لهذا الكتاب على اربعة اسانيد الى المؤلف ابى محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى ، وانا له قربه ، الا ان ابعها لم يكن سالما من التحريف والسقط ، كما اخبر كاتبه عن نفسه ان لم يكن من كتابته على ثقة ، لاندراس بعض الكلمات من اكل العث ، واغفال بعضها من النقط . فلما لم يفدنا ثلج الصدور ، ولم يكن تصحيحه ولا بمراجعة شئ من كتب التراجم ، كالوفيات ، اكتفينا باثبات الثلاثة التى اعتمدناها واعرضنا عن الرابع لما علمت ، ولا سيما انه ليس من اصل الكتاب ، فلا يهم إسقاطه . والغرض من السند تصحيح نسبة الكتاب الى مؤلفه . ونسبة هذا الكتاب الى ابن قتيبة مما لا شك فيه . كيف وقد اثبت له كثير من الائمة ، ومنهم العسقلاني في شرح النخبة كتابا في مختلف الحديث ؟ ! ! ونقل عنه مثل الامام ابى الفرج ابن الجوزى ، والامام ابن فورك ، كل في مؤلفه ، في موضوع الكتاب ، وعبارات هي بعينها موجودة فيه ؟ ! . وها هي الاسانيد الثلاثة : نص الاول اخبرنا الشيخ أبو الحسن على بن صالح بن ميمون العسقلاني ، بمدينة عسقلان في جمادى الاولى ، في سنة ثلاثين واربعمائة ، قال : اخبرنا أبو عبد الله ، عبيدالله بن محمد

[ 10 ]

العكبرى ، المعروف ب‍ " ابن بطة " قال : حدثنا أبو بكر احمد بن محمد بن الحسن الدينورى ، قال : قرأت على ابى عبد الله بن مسلم بن قتيبة ، فاقول : قال " اما بعد ، اسعدك الله الخ " . نص الثاني اخبرنا بجمعيه الشيخ الامام أبو الحسن ، على بن ابراهيم البغدادي النحاس ، قال : حدثنا الشيخ الامام الحافظ ، أبو بكر ، محمد بن على بن ثابت البغدادي ، رضى الله عنه ، فيما كتب لى به في اجازة قال : اخبرنا أبو على بن الحسن بن شهاب العكبرى بقراءتي عليه ، قال اخبرنا أبو عبد الله ، عبيدالله بن محمد شيخ همدان الفقيه ، قال : حدثنا أبو بكر ، احمد بن حسين ابراهيم الدينورى ، بالدينور ، قال : قال أبو محمد ، عبد الله ابن مسلم بن قتيبة " الحمد الله رب العالمين ، العاقبة للمتقين ، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين ، اما بعد ، اسعدك الله الخ " . نص الثالث جاء في فهرست ما رواه عن شيوخه من الدواوين المصنفة في ضروب العلم وانواع المعارف ، الفقيه المقرئ المحدث : أبو بكر ، محمد بن خير الاشبيلى ، مما يتعلق بهذا الكتاب ، ما نصه : " كتاب مختلف الحديث ، المدعى عليه التناقص " تأليف ابن قتيبه . حدثنى به الشيخ أبو جعفر ، احمد بن محمد بن عبد العزيز ، عن ابى على ، حسين بن محمد الغساني ، قال : اخبرني به أبو العاصي ، حكم بن محمد بن الجذامي ، عن ابى اسحاق ، ابراهيم بن على ابن محمد بن غالب التمار ، عن احمد مروان المالكى ، عن ابى محمد بن قتيبة . قال أبو على : حدثنى به ايضا ، حكم بن محمد ، ان ابى عبد الله ، محمد بن احمد بن عبد الوشاحى ، عن عبد الواحد بن احمد بن عبد الله بن مسلم ، ابن قتيبة ، عن ابيه ، عن جده ، أ ه‍ .

[ 11 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قال الامام أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين وصلى الله على محمد خاتم النبيين وآله الطيبين الطاهرين أما بعد أسعدك الله تعالى بطاعته وحاطك بكلاءته ووفقك للحق برحمته وجعلك من أهله فإنك كتبت إلي تعلمني ما وقفت عليه مثلب أهل الكلام أهل الحديث وامتهانهم وإسهابهم في الكتب بذمهم ورميهم بحمل الكذب ورواية المتناقض حتى وقع الاختلاف وكثرت النحل وتقطعت العصم وتعادى المسلمون وأكفر بعضهم بعضا وتعلق كل فريق منهم لمذهبه بجنس من الحديث فالخوارج تحتج بروايتهم ضعوا سيوفكم على عواتقكم ثم أبيدوا خضراءهم ولا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم خلاف من خالفهم ومن قتل دون ماله فهو شهيد والقاعد يحتج بروايتهم عليكم بالجماعة فإن يد الله عزوجل عليها ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الاسلام من عنقه

[ 12 ]

واسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي مجدع الاطراف وصلوا خلف كل بر وفاجر ولا بد من إمام بر أو فاجر وكن حلس بيتك فإن دخل عليك فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل والمرجئ يحتج بروايتهم من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة قيل وإن زنى وإن سرق قال وإن زنى وإن سرق ومن قال لا إله إلا الله مخلصا دخل الجنة ولم تمسه النار وأعددت شفاعتي لاهل الكبائر من أمتي والمخالف له يحتج بروايتهم لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه ولم يؤمن من لم يأمن المسلمون من لسانه ويده ويخرج من النا رجل قد ذهب حبره وسبره ويخرج من النار قوم قد امتحشوا فينبتون كما تنبت الحبة في حميل

[ 13 ]

السيل أو كما تنبت التغاريز والقدري يحتج بروايتهم كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه أو ينصرانه وبأن الله تعالى قال خلقت عبادي جميعا حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم والمفوض يحتج بروايتهم اعملوا فكل ميسر لما خلق له أما من كان من أهل السعادة فهو يعمل للسعادة ومن كان من أهل الشقاء فيعمل للشقاء وإن الله تعالى مسح ظهر آدم فقبض قبضتين فأما القبضة اليمنى فقال إلى الجنة برحمتي والقبضة اليسرى فقال إلى النار ولا أبالي والسعيد من سعد في بطن أمه والشقي من شقي في بطن أمه هذا وما أشبهه والرافضة تتعلق في إكفارها صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بروايتهم ليردن علي الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني فأقول أي ربي أصيحابي أصيحابي فيقول إنك لا تدري ما أحدثوا بعد ك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم ولا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ويحتجون في تقديم علي رضي الله تعالى عنه بروايتهم أنت مني بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي

[ 14 ]

ومن كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وأنت وصي ومخالفوهم يحتجون في تقديم الشيخين رضي الله عنهم بروايتهم اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر ويأبى الله ورسوله والمسلمون إأبا بكر وخير هذه الامة بعد نبيها أبو بكر ويتعلق مفضلو الغنى بروايتهم اللهم إني أسألك غناي وغنى مولاي اللهم إني أعوذ بك من فقر مرب أو ملب ويتعلق مفضلوا الفقر بروايتهم اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين والفقر بالرجل المؤمن أحسن من العذار الحسن على خد الفرس ويتعلق القائلون بالبداء بروايتهم صلة الرحم تزيد في العمر والصدقة تدفع القضاء المبرم وبقول عمراللهم إن كنت كتبتني في أهل الشقاء فامحني واكتبني في أهل السعادة هذا مع روايات كثيرة في الاحكام اختلف لها الفقهاء في الفتيا حتى افترق الحجازيون والعراقيون في أكثر أبواب الفقه وكل يبني على أصل من روايتهم قالوا ومع افترائهم على الله تعالى في أحاديث التشبيه كحديث عرق الخيل

[ 15 ]

وزغب الصدر ونور الذراعين وعيادة الملائكة وقفص الذهب على جمل أورق عشية عرفة والشاب القطط ودونه فراش الذهب وكشف الساق يوم القيامة إذا كادوا يباطشونه وخلق آدم علصورته ووضع يده بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتي وقلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله تعالى ومع روايتهم كل سخافة تبعث على الاسلام الطاعنين وتضحك منه الملحدين وتزهد من الدخول فيه المرتدين وتزيد في شكوك المرتابين كروايتهم في عجيزة الحوراء إنها ميل في ميل وفيمن قرأ سورة كذا وكذا ومن فعل كذا كذا أسكن من الجنة سبعين ألف قصر في كل قصر سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف مهاد على كل مهاد سبعون ألف كذا وكروايتهم في الفأرة إنها يهودية وإنها لا تشرب ألبان الابل كما أن اليهود لا تشربها

[ 16 ]

وفي الغراب إنه فاسق وفي السنور إنها عطسة الاسد والخنزير إنه عطسة الفيل وفي الاربيانة أنها كانت خياطة تسرق الخيوط فمسخت وأن الضب كان يهوديا عاقا فمسخ وأن سهيلا كان عشارا باليمن وأن الزهرة كانت بغيا عرجت إلى السماء باسم الله الاكبر فمسخها الله شهابا وأن الوزغة كانت تنفخ النار على إبراهيم وأن العظاية تمج الماء عليه وأن الغول كانت تأتي مشربة أبي أيوب كل ليلة وأن عمر رضي الله عنه صارع الجني فصرعه وأن الارض على ظهر حوت وأن أهل الجنة يأكلون من كبده أول ما يدخلون وأن ذئبا دخل الجنة لانه أكل عشارا وإذا وقع الذباب في الاناء فامقلوه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء وأن الابل خلقت من الشيطان مع أشياء كثيرة يطول استقصاؤها قالوا ومن عجيب شأنهم أنهم ينسبون الشيخ إلى الكذب ويكتبون عنه ما يوافقه عليه المحدثون بقدح يحيى بن معين وعلي بن المديني وأشباههما ويحتجون بحديث أبي هريرة فيما لا يوافقه عليه أحد من الصحابة وقد أكذبه عمر وعثمان وعائشة ويحتجون بقول فاطمة بنت قيس وقد أكذبها عمر وعائشة وقالوا لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة ويبهرجون الرجل بالقدر فلا يحملون عنه

[ 17 ]

ك‍ (غيلان وعمرو بن عبيد ومعبد الجهني وعمرو بن فائد ويحملون عن أمثالهم من أهل مقالتهم ك قتادة وابن أبي عروبة وابن أبي نجيح ومحمد بن المنكدر وابن أبي ذئب ويقدحون في الشيخ يسوي بين علي وعثمان أو يقدم عليا عليه ويروون عن أبي الطفيل عامر بن واثلة صاحب راية المختار وعن جابر الجعفي وكلاهما يقول بالرجعة قالوا وهم مع هذا أجهل الناس بما يحملون وأبخس الناس حظا فيما يطلبون وقالوا في ذلك زوامل للاشعار لا علم عندهم بجيدها إلا كعلم الاباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأحماله أو راح ما في الغرائر قد قنعوا من العلم برسمه ومن الحديث باسمه ورضوا بأن يقولوا فلان عارف بالطرق وراوية للحديث وزهدوا في أن يقال عالم بما كتب أو عامل بما علم قالوا وما ظنكم برجل منهم يحمل عنه العلم وتضرب إليه أعناق المطي خمسين سنة أو نحوها سئل في ملا من الناس عن فأرة وقعت في بئر فقال البئر جبار

[ 18 ]

وآخر سئل عن قوله تعالى ريح فيها صر فقال هو هذا الصرصر يعني صراصر الليل وآخر حدثهم عن سبعة وسبعين ويريد شعبة وسفين وآخر روى لهم يستر المصلي مثل آجرة الرجل يريد مثل آخرة الرحل وسئل آخر متى يرتفع هذا الاجل فقال إلى قمرين يريد إلى شهري هلال وقال آخر يدخل يده في فيه فيقضمها قضم الفجل يريد قضم الفحل وقال آخر أجد في كتابي الرسول ولا أجد الله يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال المستملي اكتبوا وشك في الله تعالى مع أشياء يكثر تعدادها قالوا وكلما كان المحدث أموق كان عندهم أنفق وإذا كان كثير اللحن والتصحيف كانوا به أوثق وإذساء خلقه وكثر غضبه واشتد حدة وعسرة في الحديث تهافتوا عليه ولذلك كان الاعمش يقلب الفرو ويلبسه ويطرح على عاتقه منديل الخوان وسأله رجل عن إسناد حديث فأخذ بحلقه وأسنده إلى الحائط وقال هذا إسناده وقال إذا رأيت الشيخ لم يطلب الفقه أحببت أن أصفعه مع حماقات كثيرة تؤثر عنه لا نحسبه كان يظهرها إلا لينفق بها عندهم

[ 19 ]

قال أبو محمد هذا ما حكيت من طعنهم على أصحاب الحديث وشكوت تطاول الامر بهم على ذلك من غير أن ينضح عنهم ناضح ويحتج لهذه الاحاديث محتج أو يتأولها متأول حتى أنسوا بالعيب ورضوا بالقذف وصاروا بالامساك عن الجواب كالمسلمين وبتلك الامور معترفين وتذكر أنك وجدت في كتابي المؤلف في غريب الحديث بابا ذكرت فيه شيئا من المتناقض عندهم وتأولته فأملت بذلك أن تجد عندي في جميعه مثل الذي وجدته في تلك من الحجج وسألت أن أتكلف ذلك محتسبا للثواب فتكلفته بمبلغ علمي ومقدار طاقتي وأعدت ما ذكرت في كتبي من هذه الاحاديث ليكون الكتاب تاما جامعا للفن الذي قصدوا الطعن به وقدمت قبل ذكر الاحاديث وكشف معانيها وصف أصحاب الكلام وأصحاب الحديث بما أعرف به كل فريق وأرجو أن لا يطلع ذو النهى مني على تعمد لتمويه ولا إيثار لهوى ولا ظلم لخصم وعلى الله أتوكل فيم أحاول وبه أستعين

[ 20 ]

باب ذكر أصحاب الكلام وأصحاب الرأي قال أبو محمد وقد تدبرت رحمك الله مقالة أهل الكلام فوجدتهم يقولون على الله مالا يعلمون ويفتنون الناس بما يأتون ويبصرون القذى في عيون الناس وعيونهم تطر ف على الاجذاع ويتهمون غيرهم في النقل ولا يتهمون آراءهم في التأويل ومعاني الكتا ب والحديث وما أودعاه من لطائف الحكمة وغرائب اللغة لا يدرك بالطفرة والتولد والعرض والجوهر والكيفية والكمية والاينية ولو ردوا المشكل منهما إلى أهل العلم بهما وضح لهم المنهج واتسع لهم المخرج ولكن يمنع من ذلك طلب الرياسة وحب الاتباع واعتقاد الاخوان بالمقالات والناس أسراب طير يتبع بعضها بعضا

[ 21 ]

ولو ظهر لهم من يدعي النبوة مع معرفتهم بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء أو من يدعي الربوبية لوجد على ذلك أتباعا وأشياعا وقد كان يجب مع ما يدعونه من معرفة القياس وإعداد آلات النظر أن لا يختلفوا كما لا يختلف الحساب والمساح والمهندسون لان آلتهم لا تدل إلا على عدد واحد وإلا على شكل واحد وكما لا يختلف حذاق الاطباء في الماء وفي نبض العروق لان الاوائل قد وقفوهم من ذلك على أمر واحد فما بالهم أكثر الناس اختلافا لا يجتمع اثنان من رؤسائهم على أمر واحد في الدين ف‍ (أبو الهذيل العلاف يخالف النظام والنجار يخالفهما وهشام بن الحكم يخالفهم وكذلك ثمامة ومويس وهاشم الاوقص وعبيد الله بن الحسن وبكر العمى وحفص وقبة وفلان وفلان ليس منهم واحد إلا وله مذهب في الدين يدان برأيه وله عليه تبع قال أبو محمد ولو كان اختلافهم في الفروع والسنن لاتسع لهم العذر عندنا وإن كان لا عذر لهم مع ما يدعونه لانفسهم كما اتسع لاهل الفقه ووقعت لهم الاسوة بهم ولكن اختلافهم في التوحيد وفي صفات الله تعالى وفي قدرته وفي نعيم أهل الجنة وعذاب أهل النار وعذاب البرزخ وفي اللوح وفي غير ذلك من الامور التي لا يعلمها نبي إلا بوحي من الله تعالى ولن يعدم هذا من رد مثل هذه الاصول إلى استحسانه ونظره وما أوجبه القياس عنده لاختلاف الناس في عقولهم وإراداتهم واختياراتهم فإنك لا تكاد ترى رجلين متفقين حتى يكون كل واحد منهما يختار ما يختاره الآخر ويرذل ما يرذله الآخر إلا من جهة التقليد

[ 22 ]

والذي خالف بين مناظرهم وهيئاتهم وألوانهم ولغاتهم وأصواتهم وخطوطهم وآثارهم حتى فرق القائف بين الاثر والاثر وبين الانثى والذكر هو الذي خالف بين آرائهم والذي خالف بين الآراء هو الذي أراد الاختلاف لهم ولن تكمل الحكمة والقدرة إلا بخلق الشئ وضده ليعرف كل واحد منهما بصاحبه فالنور يعرف بالظلمة والعلم يعرف بالجهل والخير يعرف بالشر والنفع يعرف بالضر والحلو يعرف بالمر لقول الله تبارك وتعالى سبحان الذي خلق الازواج كلها مما تنبت الارض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون والازواج الاضداد والاصناف كالذكر والانثى واليابس والرطب وقال تعالى وأنه خلق الزوجين الذكر والانثى ولو أردنا رحمك الله أن ننتقل عن أصحاب الحديث ونرغب عنهم إلى أصحاب الكلام ونرغب فيهم لخرجنا من اجتماع إلى تشتت وعن نظام إلى تفرق وعن أنس إلى وحشة وعن اتفاق إلى اختلاف لان أصحاب الحديث كلهم مجمعون على أن ما شاء الله كان وما لم يشأ لا يكون وعلى أنه خالق الخير والشر وعلى أن القرآن كلام الله غير مخلوق وعلى أن الله تعالى يرى يوم القيامة وعلى تقديم الشيخين وعلى الايمان بعذاب القبر لا يختلفون في هذه الاصول ومن فارقهم في شئ منها نابذوه وباغضوه وبدعوه وهجروه وإنما اختلفوا في اللفظ بالقرآن لغموض وقع في ذلك وكلهم مجمعون على أن القرآن بكل حال مقروءا ومكتوبا ومسموعا ومحفوظا غير مخلوق فهذا الاجماع

[ 23 ]

وأما الايتساء فبالعلماء المبرزين والفقهاء المتقدمين والعباد المجتهدين الذين لا يجارون ولا يبلغ شأوهم مثل سفيان الثوري ومالك بن أنس والاوزاعي وشعبة والليث بن سعد وعلماء الامصار وكإبراهيم بن أدهم ومسلم الخواص والفضيل بن عياض وداود الطائي ومحمد بن النضر الحارثي وأحمد بن حنبل وبشر الحافي وأمثال هؤلاء ممن قرب من زماننا فأما المتقدمون فأكثر من أن يبلغهم الاحصاء ويحوزهم العدد ثم بسواد الناس ودهمائهم وعوامهم في كل مصر وفي كل عصر فإن من أمارات الحق إطباق قلوبهم على الرضاء به ولو أن رجلا قام في مجامعهم وأسواقهم بمذاهب أصحاب الحديث التي ذكرنا إجماعهم عليها ما كان في جميعهم لذلك منكر ولا عنه نافر ولو قام بشئ مما يعتقده أصحاب الكلام مما يخالفه ما ارتد إليه طرفه إلا مع خروج نفسه فإذا نحن أتينا أصحاب الكلام لما يزعمون أنهم عليه من معرفة القياس وحسن النظر وكمال الارادة وأردنا أن نتعلق بشئ من مذاهبهم ونعتقد شيئا من نحلهم وجدنا النظام شاطرا من الشطار يغدو على سكر ويروح على سكر ويبيت على جرائرها ويدخل في الادناس ويرتكب الفواحش والشائنات وهو القائل ما زلت آخذ روح الزق في لطف وأستبيح دما من غير مجروح

[ 24 ]

حتى انثنيت ولي روحان في جسدي والزق مطرح جسم بلا روح ثم نجد أصحابه يعدون مخطئه قوله إن الله عزوجل يحدث الدنيا وما فيها في كل وقت من غير إفنائها قالوا فالله في قوله يحدث الموجود ولو جاز إيجاد الموجود لجاز إعدام المعدوم وهذا فاحش في ضعف الرأي وسوء الاختيار وحكوا عنه أنه قال قد يجوز أن يجمع المسلمو جميعا على الخطأ قال ومن ذلك إجماعهم على أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة دون جميع الانبياء وليس كذلك وكل نبي في الارض بعثه الله تعالى فإلى جميع الخلق بعثه لان آيات الانبياء لشهرتها تبلغ آفاق الارض وعلى كل من بلغه ذلك أن يصدقه ويتبعه فخالف الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال بعثت إلى الناس كافة وبعثت إلى الاحمر والاسود وكان النبي يبعث إلى قومه وأول الحديث وفي مخالفة الرواية وحشة فكيف بمخالفة الرواية والاجماع لما استحسن وكان يقول في الكنايات عن الطلاق كالخلية والبرية وحبلك على غاربك والبتة وأشباه ذلك أنه لا يقع بها طلاق نوى الطلاق أو لم ينوه فخالف إجماع المسلمين وخالف الرواية لما استحسن

[ 25 ]

وكذلك كان يقول إذا ظاهر بالبطن أو الفرج لم يكون مظاهرا وإذا آلى بغير الله تعالى لم يكن موليا لان الايلاء مشتق من اسم الله تعالى وكان يقول إذا نام الرجل أول الليل على طهارة مضطجعا أو قاعدا أو متوركا أو كيف نام إلى الصبح لم ينتقض وضوؤه لان النوم لا ينقض الوضوء قال وإنما أجمع الناس على الوضوء من نوم الضجعة لانهم كانوا يرون أوائلهم إذا قاموا بالغداة من نوم الليل تطهروا لان عادات الناس الغائط والبول مع الصبح ولان الرجل يستيقظ وبعينه رمص وبفيه خلوف وهو متهيج الوجه فيتطهر للحدث والنشرة لا للنوم وكما أوجب كثير من الناس الغسل يوم الجمعة لان الناس كانوا يعملون بالغداة في حيطانهم فإذا أرادوا الرواح اغتسلوا فخالف بهذا القول الرواية والاجماع وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمتي لا تجتمع على خطأ وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كان هذا الدين بالقياس لكان باطن الخف أولى بالمسح من ظاهره فقال كان الواجب على عمر العمل بمثل ما قال في الاحكام كلها وليس ذلك بأعجب من قوله أجرؤكم على الجد أجرؤكم على النار ثم قضى في الجد بمائة قضية مختلفة

[ 26 ]

وذكر قول أبي بكر رضي الله تعالى عنه حين سئل عن آية من كتاب الله تعالى فقال أي سماء تظلني وأي أر ض تقلني أم أين أذهب أم كيف أصنع إذا أنا قلت في آية من كتاب الله تعالى بغير ما أراد الله ثم سئل عن الكلالة فقال أقول فيها برأيي فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمني هي ما دون الولد والوالد قال وهذا خلاف القول الاول ومن استعظم القول بالرأي ذلك الاستعظام لم يقدم على القول بالرأي هذا الاقدام حتى ينفذ عليه الاحكام وذكر قول علي كرم الله وجهه حين سئل عن بقرة قتلت حمارا فقال أقول فيها برأيي فإن وافق رأيي قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذاك وإلا فقضائي رذل فسل قال وقال من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد ثم قضى فيه بقضايا مختلفة وذكر قول بن مسعود في حديث بروع بنت واشق أقول فيها برأيي فإن كان خطأ فمني وإن كان صوابا فمن الله تعالى قال وهذا هو الحكم بالظن والقضاء بالشبهة وإذا كانت الشهادة بالظن حراما فالقضاء بالظن أعظم قال ولو كان بن مسعود بدل نظره في الفتيا نظر في الشقي كيف يشقى والسعيد كيف يسعد حتى لا يفحش قوله على الله تعالى ولا يشتد غلطه لقد كان أولى به قال وزعم أن القمر انشق وأنه رآه وهذا من الكذب الذي لا خفاء به لان الله تعالى لا يشق القمر له وحده ولا لآخر معه وإنما يشقه ليكون آية للعالمين

[ 27 ]

وحجة للمرسلين ومزجرة للعباد وبرهانا في جميع البلاد فكيف لم تعرف بذلك العامة ولم يؤرخ الناس بذلك العام ولم يذكره شاعر وليسلم عنده كافر ولم يحتج به مسلم على ملحد قال ثم جحد من كتاب الله تعالى سورتين فهبه لم يشهد قراءة النبي صلى الله عليه وسلم بهما فهلا استدل بعجيب تأليفهما وأنهما على نظم سائر القرآن المعجز للبلغاء أن ينظموا نظمه وأن يحسنوا مثل تأليفه قال وما زال يطبق في الركوع إلى أن مات كأنه لم يصل مع النبي صلى الله عليه وسلم أو كان غائبا وشتم زيد بن ثابت بأقبح الشتم لما اختار المسلمون قراءته لانها آخر العرض وعاب عثمان رضي الله عنه حين بلغه أنه صلى بمنى أربعا ثم تقدم فكان أول من صلى أربعا فقيل له في ذلك فقال الخلاف شر والفرقة شر وقد عمل بالفرقة في أمور كثيرة ولم يزل يقول في عثمان القول القبيح منذ اختار قراءة زيد ورأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ذكر ذلك سليمان التيمي عن أبي عثمان النهدي وذكر داود عن الشعبي عن علقمة قال قلت لابن مسعود كنت مع النبي صلى الله عليه وآله سلم ليلة الجن فقال ما شهدها منا أحد وذكر حذيفة بن اليمان فقال جعل يحلف لعثمان على أشياء بالله تعالى ما قالها وقد سمعوه قالها فقيل له في ذلك فقال إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله رواه مسعر بن كدام عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة وذكر أبا هريرة فقال أكذبه عمر وعثمان وعلي وعائشة رضوان الله عليهم

[ 28 ]

وروى حديثا في المشي في الخف الواحد فبلغ عائشة فمشت في خف واحد وقالت لاخالفن أبا هريرة وروى أن الكلب والمرأة والحمار تقطع الصلاة فقالت عائشة رضي الله عنها ربما رأيت رسول اللصلى الله عليه وسلم يصلي وسط السرير وأنا على السرير معترضة بينه وبين القبلة قال وبلغ عليا أن أبا هريرة يبتدئ بميامنه في الوضوء وفي اللباس فدعا بماء فتوضأ فبدأ بمياسره وقال لاخالفن أبا هريرة وكان من قوله حدثني خليلي وقال خليلي ورأيت خليلي فقال له علي متى كان النبي خليلك يا أبا هريرة قال وقد روى من أصبح جنبا فلا صيام له فأرسل مروان في ذلك إلى عائشة وحفصة يسألهما فقالتا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من غير احتلام ثم يصوم فقال للرسول اذهب إلى أبي هريرة حتى تعلمه فقال أبو هريرة إنما حدثني بذلك الفضل بن العباس فاستشهد ميتا وأوهم الناس أنه سمع الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يسمعه قال أبو محمد هذا قوله في جلة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم كأنه لم يسمع بقول الله عزوجل في كتابه الكريم محمد رسول الله والذين معه إلى آخر السورة ولم يسمع بقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم ولو كان ما ذكرهم به حقا لا مخر منه ولا عذر فيه ولا تأويل له إلا ما ذهب إليه لكان حقيقا بترك ذكره والاعراض عنه إذ كان قليلا يسيرا مغمورا

[ 29 ]

في جنب محاسنهم وكثير مناقبهم وصحبتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وبذلهم مهجهم وأموالهم في ذات الله تعالى قال أبو محمد وشئ أعجب عندي من ادعائه على عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قضى في الجد بمائة قضية مختلفة وهو من أهل النظر وأهل القياس فهلا اعتبر هذا ونظر فيه ليعلم أن يستحيل أن يقضي عمر في أمر واحد بمائة قضية مختلفة فأين هذه القضايا وأين عشرها ونصف عشرها أما كان في حملة الحديث من يحفظ منها خمسا أو ستا ولو اجتهد مجتهد أن يأتي من القضاء في الجد بجميع ما يمكن فيه من قول ومن حيلة ما كان يتيسر له أن يأتي فيه بعشرين قضية وكيف لم يجعل هذا الحديث إذ كان مستحيلا مما ينكر من الحديث ويدفع مما قد أتى به الثقات وما ذاك إلا لضغن يحتمله على عمر رضي الله عنه وعداوة قال أبو محمد وأما طعنه على أبي بكر رضي الله عنه بأنه سئل عن اية من كتاب الله تعالى فاستعظم أن يقول فيها شيئا ثم قال في الكلالة برأيه فإن أبا بكر رضي الله عنه سئل عن شئ من متشابه القرآن العظيم الذي لا يعلم تأويله إالله والراسخون في العلم فأحجم عن القول فيه مخافة أن يفسره بغير مراد الله تعالى وأفتى في الكلالة برأيه لانه أمر ناب المسلمين واحتاجوا إليه في مواريثهم وقد أبيح له اجتهاد الرأي فيما لم يؤثر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه شئ ولم يأت له في الكتاب شئ كاشف وهو إمام المسلمين ومفزعهم فيما ينوبهم فلم يجد بدا من أن يقول وكذلك قال عمر وعثمان وعلي وابن مسعود وزيد رضي الله عنهم حين سئلوا وهم الائمة والمفزع إليهم عند النوازل

[ 30 ]

فماذا كان ينبغي لهم أن يفعلوا عند أيدعون النظر في الكلالة وفي الجد إلى أن يأتي هو وأشباهه فيتكلموا فيهما ثم طعنه على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه بقوله إن القمر انشق وأنه رأى ذلك ثم نسبفيه إلى الكذب وهذا ليس بإكذاب لابن مسعود ولكنه بخس لعلم النبوة وإكذاب للقرآن العظيم لان الله تعالى يقول اقتربت الساعة وانشق القمر فإن كان القمر لم ينشق في ذلك الوقت وكان مراده سينشق القمر فيما بعد فما معنى قوله وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر بعقب هذا الكلام أليس فيه دليل على أن قوما رأوه منشقا فقالوا هذا سحر مستمر من سحره وحيلة من حيله كما قد كانوا يقولون في غير ذلك من أعلامه وكيف صارت الآية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم والعلم من أعلامه لا يجوز عنده أن يراها الواحد والاثنان والنفر دون الجميع أو ليس قد يجوز أن يخبر الواحد والاثنان والنفر والجميع كما أخبر مكلم الذئب بأن ذئبا كلمه وأخبر آخر بأن بعيرا شكا إليه وأخبر آخر أن مقبورا لفظته الارض وطعنه عليه لجحده سورتين من القرآن العظيم يعني المعوذتين فإن لابن مسعود في ذلك سببا والناس قد يظنون ويزلون وإذا كان هذا جائزا على النبيين والمرسلين فهو على غيرهم أجوز وسببه في تركه إثباتهما في مصحفه أنه كان يرى النبي صلى الله عليه وسلم يعوذ بهما الحسن والحسين ويعوذ غيرهما كما كان يعوذهما بأعوذ بكلمات الله التامة فظن أنهما ليستا من القرآن فلم يثبتهما في مصحفه

[ 31 ]

وبنحو هذا السبب أثبت أبي بن كعب في مصحفه افتتاح دعاء القنوت وجعله سورتين لانه كان يرى رسول الله صلى الله عليوسلم يدعو بهما في الصلاة دعاء دائما فظن أنه من القرآن وأما التطبيق فليس من فرض الصلاة وإنما الفرض الركوع والسجود لقول الله عزوجل اركعوا واسجدوا فمن طبفقد ركع ومن وضع يديه على ركبتيه فقد ركع وإنما وضع اليدين على الركتبين أو التطبيق من آداب الركوع وقد كان الاختلاف في آداب الصلاة فكان منهم من يقعي ومنهم من يفترش ومنهم من يتورك وكل ذلك لا يفسد الصلاة وإن اختلف وأما نسبته إياه إلى الكذب في حديثه عن النبي صلى الله عليه وسلم الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه فكيف يجوز أن يكذب بن مسعود على رسول الله صلى الله عليه وسلم في مثل هذا الحديث الجليل المشهور ويقول حدثني الصادق المصدوق وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم متوافرون ولا ينكره أحد منهم ولاي معنى يكذب مثله على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر لا يجتذب به إلى نفسه نفعا ولا يدفع عنه ضرا ولا يدنيه من سلطان ولا رعية ولا يزداد به مالا إلى ماله وكيف يكذب في شئ قد وافقه على روايته عدد منهم أبو أمامة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سبق العلم وجف القلم وقضي القضاء وتم القدر بتحقيق الكتاب وتصديق الرسل بالسعادة لمن آمن واتقى والشقاء لمن كذب وكفر وقال عزوجل بن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء لنفسك ما تشاء وبإرادتي كنت أنت الذي تريد لنفسك ما تريد وبفضلي ورحمتي أديت إلي فرائضي وبنعمتي قويت على معصيتي

[ 32 ]

وهذا الفضل بن عباس بن عبد المطلب يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له يا غلام احفظ الله يحفظك وتوكل عليه تجده أمامك وتعرف إليه في الرخاء يعرفك في الشدة واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك وأن القلم قد جف بما هو كائن إلى يوم القيامة وكيف يكذب بن مسعود في أمر يوافقه عليه الكتاب يقول الله تعالى أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه أي جعل في قلوبهم الايمان كما قال في الرحمة فأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة الآية أي سأجعلها ومن جعل الله تعالى في قلبه الايمان فقد قضى له بالسعادة وقال عزوجل لرسوله صلى الله عليه وسلم إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ولا يجوز أن يكون إنك لا تسمي من أحببت هاديا ولكن الله يسمي من يشاء هاديا وقال يضل من يشاء ويهدي من يشاء كما قال وأضل فرعون قومه وما هدى ولا يجوز أن يكون سمى فرعون قومه ضالين وما سماهم مهتدين وقال فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للاسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء وقال ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لاملان جهنم من الجنة والناس أجمعين وأشباه هذا في القرآن والحديث يكثر ويطول

[ 33 ]

ولم يكن قصدنا في هذا الموضع الاحتجاج على القدرية فنذكر ما جاء في الرد عليهم ونذكر فساد تأويلاتهم واستحالتها وقد ذكرت هذا في غير موضع من كتبي في القرآن وكيف يكذب بن مسعود في أمر توافقه عليه العرب في الجاهلية والاسلام قال بعض الرجاز يا أيها المضمر هما لا تهم إنك إن تقدر لك الحمى تحم ولو علوت شاهقا من العلم كيف توقيك وقد جف القلم وقال آخر هي المقادير فلمني أو فذر إن كنت أخطأت فما أخطا القدر وقال لبيد إن تقوى ربنا خير نفل وبأمر الله ريثي وعجل من هداه سبل الخير اهتدى ناعم البال ومن شاء أضو قال الفرزدق ندمت ندامة الكسعي لما غدت مني مطلقة نوار وكانت جنة فخرجت منها كآدم حين أخرجه الضرار ولو ضنت يداي بها ونفسي لكان علي للقدر الخيار وقال النابغة وليس امرؤ نائلا من هوا ه شيئا إذا هو لم يكتب وكيف يكذب بن مسعود رضي الله عنه في أمر توافقه عليه كتب الله تعالى وهذا وهب بن منبه يقول قرأت في اثنين وسبعين كتابا من كتب الله تعالى

[ 34 ]

اثنان وعشرون منها من الباطن وخمسون من الظاهر أجد فيها كلها أن من أضاف إلى نفسه شيئا من الاستطاعة فقد كفر وهذه التوراة فيها إن الله تعالى قال لموسى اذهب إلى فرعون فقل له أخرج إلي بني بكري بني إسرائيل من أرض كنعان إلى الارض المقدسة ليحمدوني ويمجدوني ويقدسوني اذهب إليه فأبلغه وأنا أقسي قلبه حتى لا يفعل قال أبو محمد بكري أي هو لي بمنزلة أولاد الرجل للرجل وهو بكري أي أول من اخترته وقال حماد رواية عن مقاتل قال لي عمرو بن فائد يأمر الله بالشئ ولا يريد أن يكون قلت نعم أمر إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه وهو لا يريد أن يفعل قال إن تلك رؤيا قلت ألم تسمعه يقول يا أبت افعل ما تؤمر وهذه أمم العجم كلها تقول بالاثبات والهند تقول في كتاب كليلة ودمنة وهو من جيد كتبهم القديمة اليقين بالقدر لا يمنع الحازم توقي المهالك وليس على أحد النظر في القدر المغيب ولكن عليه العمل بالحزم

[ 35 ]

قال أبو محمد ونحن نجمع تصديقا بالقدر وأخذا بالحزم قال أبو محمد وقرأت في كتب العجم أن هرمز سئل عن السبب الذي بعث فيروز على غزو الهياطلة ثم الغدر بهم فقال إن العباد يجرون من قدر ربنا ومشيئته فيما ليس لهم صنع معه ولا يملكون تقدما ولا تأخرا عنه فمن كانت مسألته عما سأل عنه وهو مستشعر للمعرفة بما ذكرنا من ذلك لا يقصد بمسألته إلا عن العلة التي جرى بها المقدار على من جرى ذلك الامر عليه والسبب الظاهر الذي أدركته الاعين منه متبعا لما جرى عليه الناس في قولهم ما صنع فلان وهم يريدون ما صنع به أو صنع على يديه وكذلك قولهم مات فلان أو عاش فلان وإنما يريدون فعل به فذلك القصد من مسألته ومن تعدى ذلك كان الجهل أولى به وليس حملنا ما حملنا على المقادير في قصته تحريا لمعذرته ولا طلبا لتحسين أمره ولا إنكارا أن يكون ما قدر على المخلوق من آثاره وإن لم يكن يستطيع دفع مكروههولا اجتلاب محمودها إلى نفسه وهو السبب الذي يجري به ما غيب عنا من ثوابه وعقابه مما حتم به عدل المبتدي لخلقه وأما حديثه الآخر الذي نسبه فيه إلى الكذ ب فقال رأى قوما من الزط فقال هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن ثم سئل عن ذلك فقيل له كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال ما شهدها منا أحد

[ 36 ]

فادعى في الحديث الاول أنه شهدها وأنكر ذلك في الحديث الآخر وتصحيحه الخبرين عنه فكيف يصح هذا عن بن مسعود مع ثاقب فهمه وبارع علمه وتقدمه في السنة الذين انتهى إليهم العلم بها واقتدت بهم الامة مع خاصته برسول الله صلى الله عليه وسلم ولطف محله وكيف يجوز عليه أن يقر بالكذب هذا الاقرار فيقول اليوم شهدت ويقول غدا لم أشهد ولو جهد عدوه أن يبلغ منه ما بلغه من نفسه ما قدر ولو كان به خبل أوعته أو آفة ما زاد على ما وسم به نفسه وأصحاب الحديث لا يثبتون حديث الزط وما ذكر من حضوره مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وهم القدوة عندنا في المعرفة بصحيح الاخبار وسقيمها لانهم أهلها والمعتنون بها وكل ذي صناعة أولى بصناعته غير أنا لا نشك في بطلان أحد الخبرين لانه لا يجوز على عبد الله بن مسعود أنه يخبر الناس عن نفسه بأنه قد كذب ولا يسقط عندهم مرتبته ولو فعل ذلك لقيل له فلم خيرتنا أمس بأنك شهدت فإن كان الامر على ما قال أصحاب الحديث فقد سقط الخبر الاول وإن كان الحديثان جميعا صحيحين فلا أرى الناقل للخبر الثاني إلا وقد أسقط منه حرفا وهو غيري يدلك على ذلك أنه قال قيل له أكنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال ما شهدها أحد منا غيري فأغفل الراوي غيري إما بأنه لم يسمعه أو بأنه سمعه فنسيه أو بأن الناقل عنه أسقطه وهذا وأشباهه قد يقع ولا يؤمن ومما يدل على ذلك أنه قال له هل كنت

[ 37 ]

مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن فقال ما شهدها أحد منا وليس هذا جوابا لقوله هل كنت وإنما هو جواب لقول السائل هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن وإذا كان قول السائل هل كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن حسن أن يكون الجواب ما شهدها أحد منا غيري يؤكد ذلك ما كان من متقدم قوله وأما ما حكاه عن حذيفة أنه حلف على أشياء لعثمان ما قالها وقد سمعوه قالها فقيل له في ذلك فقال إني أشتري ديني بعضه ببعض مخافة أن يذهب كله فكيف حمل الحديث على أقبح وجوهه ولم يتطلب له العذر والمخرج وقد أخبر به وذلك قوله أشتري ديني بعضه ببعض أفلا تفهم عنه معناه وتدبر قوله ولكن عداوته لاصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وما احتمله من الضغن عليهم حال بينه وبين النظر والعداوة البغض يعميان ويصمان كما أن الهوى يعمي ويصم واعلم رحمك الله أن الكذب والحنث في بعض الاحوال أولى بالمرء وأقرب إلى الله من الصدق في القول والبر في اليمين ألا ترى رجلا لو رأى سلطانا ظالما وقادرا قاهرا يريد سفك دم امرئ مسلم أو معاهد بغير حق أو استباحة حرمه أو إحراق منزله فتخرص قولا كاذبا ينجيه به أو حلف يمينا فاجرة كان مأجورا عند اللمشكورا عند عباده

[ 38 ]

ولو أن رجلا حلف لا يصل رحما ولا يؤدي زكاة ثم استفتى الفقهاء لافتوه جميعا بأن لا يبر في يمينه والله تعالى يقول ولا تجعلوا الله عرضة لايمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس يريد لا تجعلوا الحلف بالله مانعا لكم من الخير إذا حلفتم أن لا تأتوه ولكن كفروا وائتوا الذي هو خير وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من حلف على شئ فرأى غيره خيرا منه فليكفر وليأت الذي هو خير وقد رخص في الكذب في الحرب لانها خدعة وفي الاصلاح بين الناس وفي إرضاء الرجل أهله ورخص له أن يوري في يمينه إلى شئ إذا ظلم أو خاف على نفسه والتورية أن ينوي غير ما نوى مستحلفه كأن كان معسرا أحلفه رجل عند حاكم على حق له عليه فخاف الحبس وقد أمر الله تعالى بإنظاره فيقول والله ما لهذا علي شئ ويقول في نفسه يومي هذا أو يقول واللاه يريد من اللهو إلا أنه حذف الياء وأبقى الكسرة منها دليلا عليها كما قال الله تعالى يا عباد الذين آمنوا ويوم يدع الداع ويناد المناد أو يقول كل مالا أملكه صدقة يريد كل ما لن أملكه أي ليس أملكه وأن يحلفه رجل أن لا يخرج من باب هذه الديار وهو له ظالم فيتسور الحائط ويخرج متأولا بأنه لم يخرج من باب الدار وإن كانت نية المستحلف أن لا يخرج منها بوجه من الوجوه فهذا وما أشبهه من التورية

[ 39 ]

وجاءت الرخصة في المعاريض وقيل إن فيها عن الكذب مندوحة فمن المعاريض قول إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم في امرأته إنها أختي يريد أن المؤمنين إخوة وقوله بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون أراد بل فعله كبيرهم هذا إن كانوا ينطقون فجعل النطق شرطا للفعل وهو لا ينطق ولا يفعل وقوله إني سقيم يريد سأسقم لان من كتب عليه الموت والفناء فلا بد من أن يسقم قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم إنك ميت وإنهم ميتون ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ميتا في وقته ذلك وإنما أراد إنك ستموت وسيموتون فأين كان تطلب المخرج له من وجه من هذه الوجوه وقد نبهه على أن له مخرجا بقوله أشتري ديني بعضب بعض فإن أحببت أن تعلم كيف يكون طلب المخرج خبرناك بأمثال ذلك فمنها أن رجلا من الخوارج لقي رجلا من الروافض فقال له والله لا أفارقك حتى تبرأ من عثمان وعلي أو أقتلك فقال أنا والله من علي ومن عثمان برئ فتخلص منه وإنما أراد أنا من علي يريد أنه يتولاه ومن عثمان برئ فكانت براءته من عثمان وحده ومن ذلك أن رجلا من أصحاب السلطان سأل رجلا كان يتهمه ببغض السلطان والقدح فيه عن السواد الذي يلبسه أصحاب السلطان

[ 40 ]

فقال له النور والله في السواد فرضي بذلك وإنما أراد أن نور العين في سواد الحدقة فلم يكن في يمينه آثما ولا حانثا ومنها أن عليا رضي الله عنه خطب فقال لئن لم يدخل الجنة إلا من قتل عثمان لا أدخلها ولئن لم يدخل النار إلا من قتل عثمان لا أدخلها فقيل له ما صنعت يا أمير المؤمنين فرقت الناس فخطبهم وقال إنكم قد أكثرتم علي في قتل عثمان ألا إن الله تعالى قتله وأنا معه فأوهمهم أنه قتله مع قتل الله تعالى له وإنما أراد أن الله تعالى قتله وسيقتلني معه ومنها أن شريحا دخل على زياد في مرضه الذي مات فيه فلما خرج بعث إليه مسروق يسأله كيف تركت الامير قال تركته يأمر وينهى فقال إن شريحا صاحب عويص فاسألوه فقال تركته يأمر بالوصية وينهى عن البكاء وسئل شريح عن بن له وقد مات فقالوا كيف أصبح مريضك يا أبا أمية فقال الآن سكن علزه ورجاه أهله يعني رجوا ثوابه وهذا أكثر من أن يحيط به وليس يخلو حذيفة في قوله لعثمان رضي الله عنه ما قال من تورية إلى شئ في يمينه وقوله ولم يحك لنا الكلام فنتأوله وإنما جاء مجملا وسنضرب له مثلا كأن حذيفة قال والناس يقولون عند الغضب أقبح ما يعلمون وعند الرضا أحسن ما يعلمون

[ 41 ]

إن عثمان خالف صاحبيه ووضع الامور غير مواضعها ولم يشا وأصحابه في أموره ودفع المال إلى غير أهله هذا وأشباهه فوشى به إلى عثمان رضي الله عنه واش فغلظ القول وقال ذكر أنك تقول إني ظالم خائن هذا وما أشبهه فحلف حذيفة بالله تعالى ما قال ذلك وصدق حذيفة أنه لم يقل إن عثمان خائن ظالم وأراد بيمينه استلال سخيمته وإطفاء سورة غضبه وكره أن ينطوي على سخطه عليه وسخط الامام على رعيته كسخط الوالد على ولده والسيد على عبده والبعل على زوجه بل سخط الامام أعظم من ذلك حوبا فاشترى الاعظم من ذلك بالاصغر وقال اشتري بعض ديني ببعض وأما طعنه على أبي هريرة بتكذيب عمر وعثمان وعلي وعائشة له فإن أبا هريرة صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم نحوا من ثلاث سنين وأكثر الرواية عنه وعمر بعده نحوا من خمسين سنة وكانت وفاته سنة تسع وخمسين وفيها توفيت أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وتوفيت عائشة رضي الله عنها قبلهما بسنة فلما أتى من الرواية عنه ملم يأت بمثله من صحبه من جلة أصحابه والسابقين الاولين إليه اتهموه وأنكروا عليه وقالوا كيف سمعت هذا وحدك ومن سمعه معك وكانت عائشة رضي الله عنها أشدهم إنكارا عليه لتطاول الايام بها وبه وكان عمر أيضا شديدا على من أكثر الرواية أو أتى بخبر في الحكم لا شاهد له عليه وكان يأمرهم بأن يقلوا الرواية يزيد بذلك أن لا يتسع الناس فيها ويدخلها الشوب ويقع التدليس والكذب من المنافق والفاجر والاعرابي

[ 42 ]

وكان كثير من جلة الصحابة وأهل الخاصة برسول الله صلى الله عليه وسلم كأبي بكر والزبير وأبي عبيدة والعباس بن عبد المطلب يقلون الرواية عنه بل كابعضهم لا يكاد يروي شيئا كسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وهو أحد العشرة المشهور لهم بالجنة وقال علي رضي الله عنه كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثا نفعني الله بما شاء منه وإذا حدثني عنه محدث استحلفته فإن حلف لي صدقته وأن أبا بكر حدثني وصدق أبو بكر ثم ذكر الحديث أفما ترى تشديد القوم في الحديث وتوقي من أمسك كراهية التحريف أو الزيادة في الرواية أو النقصان لانهم سمعوه عليه السلام يقول من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار وهكذا روى عن الزبير أنه رواه وقال أراهم يزيدون فيه متعمدا والله ما سمعته قال متعمدا وروى مطرف بن عبد الله أن عمران بن حصين قال والله إن كنت لارى أني لو شئت لحدثت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومين متتابعين ولكن بطأني عن ذلك أن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعوا كما سمعت وشهدوا كما شهدت ويحدثون أحاديث ما هي كما يقولون وأخاف أن يشبه لي كما شبه لهم فأعلمك أنهم كانوا يغلطون لا أنهم كانوا يتعمدون فلما أخبرهم أبو هريرة بأنه كان ألزمهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم لخدمته وشبع بطنه وكان فقيرا معدما وأنه لم يكن ليشغله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غرس الودى ولا

[ 43 ]

الصفق بالاسواق يعرض أنهم كانوا يتصرفون في التجارات ويلزمون الضياع في أكثر الاوقات وهو ملازم له لا يفارقه فعرف ما لم يعرفوا وحفظ ما لم يحفظا أمسكوا عنه وكان مع هذا يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا وإنما سمعه من الثقة عنده فحكاه وكذلك كان بن عباس يفعل وغيره من الصحابة وليس في هذا كذب بحمد الله ولا على قائله إن لم يفهمه السامع جناح إن شاء الله وأما قوله قال خليلي وسمعت خليلي يعني النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا رضي الله عنه قال له متى كان خليلك فإن الخلة بمعنى الصداقة والمصافاة وهي درجتان إحداهما ألطف من الاخرى كما أن الصحبة درجتان إحداهما ألطف من الاخرى ألا ترى أن القائل أبو بكر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يريد بهذا القول معنى صحبة أصحابه له لانهم جميعا صحابة فأية فضيلة لابي بكر رضي الله عنه في هذا القول وإنما يريد أنه أخص الناس به وكذلك الاخوة التي جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه هي الطف من الاخوة التي جعلها الله بين المؤمنين فقال إنما المؤمنون إخوة وهكذا الخلة فمن الخلة التي هي أخص قول الله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كنت متخذا من هذه الامة خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا

[ 44 ]

يريد لاتخذته خليلا كما اتخذ الله إبراهيم خليلا وأما الخلة التي تعم فهي الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين فقال الاخلاء يومئذ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين فلما سمع علي أبا هريرة يقول خليلي وسمعت قال خليلي وكان سئ الرأي فيه قال متى كان خليلك يذهب إلى الخلة التي لم يتخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهتها خليلا وأنه لو فعل ذلك بأحد لفعله بأبي بكر رضي الله عنه وذهب أبو هريرة إلى الخلة التي جعلها الله تعالى بين المؤمنين والولاية فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذه الجهة خليل كل مؤمن وولي كل مسلم وإلى مثل هذا يذهب في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم من كنت مولاه فعلي مولاه يريد أن الولاية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المؤمنين ألطف من الولاية التي بين المؤمنين بعضهم مع بعض فجعلها لعلي رضي الله عنه ولو لم يرد ذلك ما كان لعلي في هذا القول فضل ولا كان في القول دليل على شئ لان المؤمنين بعضهم أولياء بعض ولان رسول الله صلى الله عليه وسلم ولي كل مسلم ولا فرق بين ولي ومولى وكذلك قول الله تعالى ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وقول النبي صلى الله عليه وسلم أية امرأة نكحت بغير أمر مولاها فنكاحها باطل باطل فهذه أقاويل النظام قد بيناها وأجبناه عنها وله أقاويل في أحاديث يدعى عليها أنها مناقضة للكتاب وأحاديث يستبشعها من جهة حجة العقل

[ 45 ]

وذكر أن جهة حجة العقل قد تنسخ الاخبار وأحاديث ينقض بعضها بعضا وسنذكرها فيما بعد إن شاء الله قال أبو محمد ثم نصير إلى قوأبي الهذيل العلاف فنجده كذابا أفاكا وقد حكى عنه رجل من أهل مقالته أنه حضر عن محمد بن الجهم وهو يقول له يا أبا جعفر إن يدي صناع في الكسب ولكنها في الانفا خرقاء كم من مائة ألف درهم قسمتها على الاخوان أبو فلان يعلم ذلك سألتك بالله يا أبا فلان هل تعلم ذلك قلت يا أبا الهذيل ما أشك فيما تقول قال فلم يرض أن حضرت حتى استشهدني ولم يرض إذ استشهدني حتى استحلفني قال وكان أبو الهذيل أهدى دجاجة إلى مويس بن عمران فجعلها مثلا لكل شئ وتاريخا لكل شئ فكان يقول فعلت كذا وكذا قبل أن أهدي إليك تلك الدجاجة وكان كذا بعد أن أهديت إليك تلك الدجاجة وإذا رأى جملا سمينا قال لا والله ولا تلك الدجاجة التي أهديتها إليك وهذا نظر من لا يقسم على الاخوان عشرة أفلس فضلا عن مائتي ألف وحكى من خطئه في الاستطاعة أنه كان يقول إن الفاعل في وقت الفعل غير مستطيع لفعل آخر وذلك أنهم ألزموه الاستطاعة مع الفعل بالاجماع فقالوا قد أجمع الناس على أن كل فاعل مستطيع في حال فعله فالاستطاعة مع الفعل ثابتة واختلفوا في أنها قبله

[ 46 ]

فنحن على ما أجمعوا عليه وعلى من ادعى أنها قبل الفعل الدليل فلجأ إلى هذا القول وسئل عن عدم صحة البصر في حال وجود الادراك وعن عدم الحياة إن كانت عرضا في حال وجود العلم فلا هو فرق ولا هو رجع وزعم أنه يستحيل أن يفعل في حال بلوغه بالاستطاعة التي أعطيها في حال البلوغ وإنما يفعل بها في الحال الثانية فإذا قيل له فمتى فعل بها في الحال التي سلبها أم في حال البلوغ والفعل فيها عندك محال وقد فعل بها ولا حال إلا حال البلوغ والحالة الثانية قال قولا مرغوبا عنه مع أقاويل كثيرة في فناء نعيم أهل الجنة وفناء عذاب أهل النار ثم نصير إلى عبيد الله بن الحسن وقد كان ولي قضاء البصرة فتهجم من قبيح مذاهبه وشدة تناقض قوله على ما هو أولى بأن يكون تناقضمما أنكروه وذلك أنه كان يقول إن القرآن يدل على الاختلاف فالقول بالقدر صحيوله أصل في الكتاب والقول بالاجبار صحيح وله أصل في الكتاب ومن قال بهذا فهو مصيب ومن قال بهذا فهو مصيب لان الآية الواحدة ربما دلت على وجهين مختلفين واحتملت معنيين متضادين وسئل يوما عن أهل القدر وأهل الاجبار فقال كل مصيب هؤلاء قوم عظموا الله وهؤلاء قوم نزهوا الله قال وكذلك القول في الاسماء

[ 47 ]

فكل من سمى الزاني مؤمنا فقد أصاب ومن سماه كافرا فقد أصاب ومن قال هو فاسق وليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب ومن قال هو منافق ليس بمؤمن ولا كافر فقد أصاب ومن قال هكافر وليس بمشرك فقد أصاب ومن قال هو كافر مشرك فقد أصاب لان القرآن قد دل على كل هذه المعاني قال وكذلك السنن المختلفة كالقول بالقرعة وخلافه والقول بالسعاية وخلافه وقتل المؤمن بالكافر ولا يقتل مؤمن بكافر وبأي ذلك أخذ الفقيه فهو مصيب قال ولو قال قائل إن القاتل في النار كان مصيبا ولو قال هو في الجنة كان مصيبا ولو وقف فيه وأرجأ أمره كان مصيبا إذ كان إنما يريد بقوله إن اللتعالى تعبده بذلك وليس عليه علم المغيب وكان يقول في قتال علي لطلحة والزبى وقتالهما له إن ذلك كله طاعة لله تعالى وفي هذا القول من التناقض والخلل ما ترى وهو رجل من أهل الكلام والقياس وأهل النظر قال أبو محمد ثم نصير إلى بكر صاحب البكرية وهو من أحسنهم حالا في التوقي فنجده يقول من سرق حبة من خردل ثم مات غير تائب من ذلك فهو خالد في النار مخلد أبدا مع اليهود والنصارى وقد وسع الله تعالى للمسلم أن يأكل من مال صديقه وهو لا يعلم ووسع لداخل الحائط أن يأكل من ثمره ولا يحمل

[ 48 ]

ووسع لابن السبيل إذا مر في سفره بغنم وهو عطشان أن يصيب من رسلها فكيف يعذب من أخذ حبة من خردل لا قدر لها ويخلده في النار أبدا وأذنب هو أخذ حبة من خردل حتى يكون منه توبة أو يقع فيه إصرار وقد يأخذ الرجل الخلال من حطب أخيه والمدر من مدره ويشرب الماء من حوضه وهذا أعظم قدرا من الحبة وكان يقول إن الاطفال لا تألم فإذا سئل فقيل له فما باله يبكي إذا قرص أو وقعت عليه شرارة قال إنما ذلك عقوبة لابويه والله تعالى أعدل من أن يؤلم طفلا لاذنب له فإذا سئل عن البهيمة وألمها وهي لا ذنب لها قال إنما ألمها الله تعالى لمنفعة بن آدم لتنساق ولتقف ولتجري إذا احتاج إلى ذلك منها وكان من العدل عنده أن يؤلمها لنفع غيرها وربما قال بغير ذلك وقد خلطوا في الرواية عنه وكان يقوشرب نبيذ السقاء الشديد من السنة وكذلك أكل الجدي والمسح على الخفين والسنة إنما تكون في الدين لا في المأكول والمشروب ولو أن رجلا لم يأكل البطيخ بالرطب دهره وقد أكله رسول الله صلى الله عليه وسلم أو لم يأكل القرع وقد كان يعجب النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل إنه ترك السنة

[ 49 ]

قال أبو محمد ثم نصير إلى هشام بن الحكم فنجده رافضيا غاليا ويقول في الله تعالى بالاقطار والحدود والاشبا وأشياء يتحرج من حكايتها وذكرها لاخفاء على أهل الكلام بها ويقول بالاجبار الشديد الذي لا يبلغه القائلون بالسنة وسأله سائل فقال أترى الله تعالى مع رأفته ورحمته وحكمته وعدله يكلفنا شيئا ثم يحول بيننا وبينه ويعذبنا فقال قد والله فعل ولكنالا نستطيع أن نتكلم وقال له رجل يا أبا محمد هل تعلم أن عليا خاصم العباس في فدك إلى أبي بكر قال نعم قال فأيهما كان الظالم قال لم يكن فيهما ظالم قال سبحان الله وكيف يكون هذا قال هما كالملكين المختصمين إلى داود عليه السلام لم يكن فيهما ظالم إنما أرادا أن يعرفاه خطأه وظلمه كذلك أراد هذان أن يعرفا أبا بكر خطأه وظلمه ومما يعده أصحاب الكلام من خطئه قوله إن حصاة يقلبها الله جبلا في رزانته وطوله وعرضه وعمقه فتطبق من الارض فرسخا بعد أن كانت تطبق أصبعا من غير أن يزيد فيها عرضا أو جسما أو ينقص منها عرضا أو جسما قال أبو محمد ثنصير إلى ثمامة فنجده من رقة الدين وتنقص الاسلام والاستهزاء به وإرساله لسانه على ما لا يكون على مثله رجل يعرف الله تعالى ويؤمن به

[ 50 ]

ومن المحفوظ عنه المشهور أنرأى قوما يتعادون يوم الجمعة إلى المسجد لخوفهم فوت الصلاة فقال انظروا إلى البقر انظروا إلى الحمير ثم قال لرجل من إخوانه ما صنع هذا العربي بالناس ثم نصير إلى محمد بن الجهم البرمكي فنجد مصحفه كتب أرسطاطاليس في الكون والفساد والكيان وحدود المنطق بها يقطع دهره ولا يصوم شهر رمضان لانه فيما ذكر لا يقدر على الصوم وكان يقول لا يستحق أحد من أحد شكرا على شئ فعله به أو خير أسداه إليه لانه لا يخلو أن يكون فعل ذلك طلبا للثواب من الله تعالى فإنما إلى نفسه قصد أو يكون فعله للمكافأة فإنه إلى الربح ذاهب أو يكون فعله للذكر والثناء ففي حظه سعي وفي حبله حطب أو فعله رحمة له ورقة وضعت في قلبه فإنما سكن بتلك العطية علته وداوى بها من دائه وهذا خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم لا يشكر الله من لا يشكر الناس وذكر رجل من أصحاب الكلام عنه أنه أوصى عند وفاته فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الثلث والثلث كثير وأنا أقول إن ثلث الثلث كثير والمساكين حقوقهم في بيت المال إن طلبوه طلب الرجال أخذوه وإن قعدوا عنه قعود النساء حرموه فلا رحم الله من يرحمهم قال أبو محمد وحدثني رجل سايره فنفر ت به دابته فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال اضربوها على العثار ولا تضربوها على النفار

[ 51 ]

وأنا أقول لا تضربوها على العثار ولا على النفار قال أبو محمد ولست أدري أيصح هذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا يصح وإنما هو شئ حكي عنه وقد أخطأ والصواب في القول الاول لان الدابة تنفر من البئر أو من الشتراه ولا يراه الراكب فتتقحم وفي تقحمها الهلكة فنهى عن ضربها على النفار وأمر بضربها على العثار لتجد فلا تعثر لان العثرة لا تكاد تكون إلا عن توان قال أبو محمد ثم نصير إلى أصحاب الرأي فنجدهم أيضا يختلفون ويقيسون ثم يدعون القياس ويستحسنون ويقولون بالشئ ويحكمون به ثم يرجعون حدثني سهل بن محمد قال حدثنا الاصمعي عن حماد بن زيد قال سمعت يحيى بن مخنف قال جاء رجل من أهل المشرق إلى أبي حنيفة بكتاب منه بمكة عاما أول فعرضه عليه مما كان يسأل عنه فرجع عن ذلك كله فوضع الرجل التراب على رأسه ثم قال يا معشر الناس أتيت هذا الرجل عاما أولا فأفتاني بهذا الكتاب فأهرقت به الدماء وأنكجت به الفروج ثم رجع عنه العام حدثني سهل بن محمد قال أنا المختار بن عمرو أن الرجل قال له كيف هذا قال كارأيا رأيته فرأيت العام غيره قال فتأمنني أن لا ترى من قابل شيئا آخر قال لا أدر كيف يكون ذلك

[ 52 ]

فقال له الرجل لكني أدري أن عليك لعنة الله وكان الاوزاعي يقول إنا لا ننقم على أبي حنيفة أنه رأى كلنا يرى ولكننا ننقم عليه أنه يجيئه الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فيخالفه إلى غيره حدثني سهل بن محمد قال نا الاصمعي عن حماد بن زيد قال شهدت أبا حنيفة سئل عن محرم لم يجد إزارا فلبس سراويل فقال عليه الفدية فقلت سبحان الله حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن زيد عن بن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في المحرم إذا لم يجد إزارا لبس سراويل وإذا لم يجد نعلين لبس خفين فقال دعنا من هذا حدثنا حماد عن إبراهيم أنه قال عليه الكفارة وروى أبو عاصم عن أبي عوانة قال كنت عند أبي حنيفة فسئل عن رجل سرق وديا فقال عليه القطع فقلت له حدثنا يحيى بن سعيد عن محمد بن يحيى بن حبا عن رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا قطع في ثمر ولا كثر فقال ما بلغني هذا قلت له فالرجل الذي أفتيته رده قال دعه فقد جرت به البغال الشهب قال أبو عاصم أخاف أن تكون إنما جرت بلحمه ودمه وقال علي بن عاصم حدثت أبحنيفة بحديث عبد الله في الذي قال من يذبح للقوم شاة أزوجه أول بنت تولد لي ففعل ذلك الرجل فقضى بن مسعود أنها امرأته وأن لها مهر نسائها

[ 53 ]

فقال أبو حنيفة هذا قضاء الشيطان ولم أر أحدا ألهج بذكر أصحاب الرأي وتنقصهم والبعث على قبيح أقاويلهم والتنبيه عليها من إسحاق بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه وكان يقول نبذوا كتاب الله تعالى وسنن رسوله صلى الله عليه وسلم ولزموا القياس وكان يعدد من ذلك أشياء منها قولهم إن الرجل إذا نام جالسا واستثقل في نومه لم يجب عليه الوضوء ثم أجمعوا على أن كل من أغمي عليه منتقض الطهارة قال وليس بينهما فرق على أنه ليس في المغمى عليه أصل فيحتج به في انتقاض وضوئه وفي النوم غير حديث منها قول النبي صلى الله عليه وسلم العين وكاء السه فإذا نامت العين انفتح الوكاء وفي حديث آخر من نام فليتوضأ قال فأوجبوا في الضجعة الوضوء إذا غلبه النوم وأسقطوه عن النائم المستثقل راكعا أو ساجدا قال وهاتان الحالان في خشية الحدث أقرب من الضجعة فلا هم اتبعوا أثرا ولا لزموا قياسا قال وقالوا من تقهقه بعد التشهد أجزأته صلاته وعليه الوضوء لصلاة أخرى قال فأي غلط أبين من غلط من يحتاط لصلاة لم تحضر ولا يحتاط لصلاة هو فيها

[ 54 ]

قال وقالوا في رجل توفي وترك جده أبا أمه وبنت بنته المال للجد دون بنت البنت وكذلك هو عندهم مع جميع ذوي الارحام قال فأي خطأ أفحش من هذا لان الجد يدلي بالام فكيف يفضل على بنت البنت وهي تدلي بالبنت إلا أن يكون شبهوا أبا الام بأبي الاب إذ اتفق أسماؤهم قال أبو محمد وحدثنا إسحاق وهو بن راهويه قال نا وكيع أن أبا حنيفة قال ما باله يرفيديه عند كل رفع وخفض أيريد أن يطير فقال له عبد الله بن المبارك إن كان يريد أن يطير إذا افتتح فإنه يريد أن يطير إذا خفض ورفع قال هذا مع تحكمه في الدين كقوله أقطع في الساج والقنا ولا أقطع في الخشب والحطب وأقطع في النورة ولا أقطع في الفخار والزجاج فكأن الفخار والزجاج ليسا مالا وكأن الآبنوس ليس خشبا وقال إسحاق بن راهويه وسئل يعني أبا حنيفة عن الشرب في الاناء المفضض فقال لا بأس به إنما هو بمنزلة الخاتم في إصبعك فتدخل يدك الماء فتشربه بها وكان يعدد من هذا أشياء يطول الكتاب بها وأعظم منها مخالفة كتاب الله كأنهم لم يقرءوه وكان أبو حنيفة لا يدي لولي المقتول عمدا إلا أن يعفو أو يقتص وليس له أن يأخذ الديوالله تبارك وتعالى يقول كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والانثى بالانثى فمن عفي له من أخيه شئ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة

[ 55 ]

يريد فمن عفا عن الدم فليتبع بالدية اتباعا بالمعرو ف أي يطالب مطالبة جميلة لا يرهق المطلوب وليؤد المطالب المطلوب أداء بإحسان لا مطل فيه ولا دفاع عن الوقت ثم قال ذلك تخفيف من ربكم ورحمة يعني تخفيفا عن المسلمين مما كان بنو إسرائيل ألزموه فإنه لم يكن لولي إلا أن يقتص أو يعفو ثم قال فمن اعتدى بعد ذلك أي بعد أخذ الدية فقتل فله عذاب أليم قالوا يقتل ولا تؤخذ منه الدية وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية وهذا وأشباهه من مخالفة القرآن لا عذر فيه ولا عذر في مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد العلم بقوله فأما الرأي في الفروع فأخف أمرا وإن كان مخارأصول الاحكام ومخارج الفرائض والسنن على خلاف القياس وتقدير العقول حدثني الزيادي قال نا عيسى بن يونس عن الاعمش عن أبي إسحاق عن عبد خير قال قال علي بن أبي طالب ما كنت أرى أن أعلى القدم أحق بالمسح من باطنها حتى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على أعلى قدميه وحدثني أبو حاتم عن الاصمعي قال سمعت زفربن هذيل يقول في رجل أوصى لرجل بما بين العشرة إلى العشرين قال يعطي تسعة ليس له ذلك العقد ولا هذا العقد كما تقول له ما بين الاسطوانتين فله ما بينهما ليست له الاسطوانتان

[ 56 ]

فقلنا له فرجل معه بن له محظوظ قيل له كم لابنك قال ما بين الستين إلى اثنين وستين فهذا في قياسكم بن سنة قال استحسن في هذا الموضع وحدثنا عن مالك في الموطأ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة قال عشر من الابل قلت فكم في إصبعين قال عشرون من الابل قلت فكم في ثلاث أصابع قال ثلاثون من الابل قلت فكم في أربع أصابع قال عشرون من الابل قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال هي السنة يا بن أخي قال أبو محمد وكان أشد أهل العراق في الرأي والقياس الشعبي وأسهلهم فيه مجاهد حدثني أبو الخطاب قال حدثني مالك بن سعيد قال نا الاعمش عن مجاهد أنه قال أفضل العبادة الرأي الحسن وحدثني محمد بن خالد محمد بن خداش قال حدثني مسلم بن قتيبة قال نا مالك بن مغول قال قال لي الشعبي ونظر إلى أصحاب الرأي ما حدثك

[ 57 ]

هؤلاء عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم فاقبله وما خبروك به عن رأيهم فارم به في الحش وكان يقول إياكم والقياس فإنكم إن أخذتم به حرمتم الحلال وأحللتم الحرام (0 قال أبو محمد حدثني الرياش قال نا الاصمعي عن عمر بن أبي زائدة قال قيل للشعبي هذا لا يجئ في القياس فقال أير في القياس وحدثني الرياشي عن أبي يعقوب الخطابي عن عمه عن الزهري أنه قال الحديث ذكر يحبه ذكور الرجال ويكرهه مؤنثوهم قال أبو محمد وكيف يطرد لك القياس في فروع لا يتفق أصولها والفرع تابع للاصل وكيف يقع في القياس أن يقطع سارق عشر دراهم ويمسك عن غاصب مائة ألف درهم ويجلد قاذف الحر الفاجر ويعفي عن قاذف العبد العفيف وتستبرأ أرحام الاماء بحيضة ورحم الحرة بثلاث حيض ويحصن الرجل بالعجوز الشوهاء السوداء ولا يحصن بمائة أمة حسناء ويوجب على الحائض قضاء الصوم ولا يوجب عليها قضاء الصلاة ويجلد في القذف بالزنا أكثر من الجلد في القذف بالكفر ويقطع في القتل بشاهدين ولا يقطع في الزنا بأقل من أربعة قال أبو محمد ثم نصير إلى الجاحظ وهو آخر المتكلمين والمعاير على المتقدمين وأحسنهم للحجة استثارة وأشدهم تلطفا لتعظيم الصغير حتى يعظم وتصغير العظيم حتى يصغر ويبلغ به الاقتدار إلى أن يعمل الشئ ونقيضه ويحتج لفضل السودان على البيضان

[ 58 ]

وتجده يحتج مرة للعثمانية على الرافضة ومرة للزيدية على العثمانية وأهل السنة ومرة يفضل عليا رضي الله عنه ومرة يؤخره ويقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتبعه قال الجماز وقال إسماعيل بن غزوان كذا وكذا من الفواحش ويجل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن يذكر في كتاب ذكرا فيه فكيف في ورقة أو بعد سطر وسطرين ويعمل كتاب يذكر فيه حجج النصارى على المسلمين فإذا صار إلى الرد عليهم تجوز في الحجة كأنه إنما أراد تنبيههم على مالا يعرفون وتشكيك الضعفة من المسلمين وتجده يقصد في كتبه للمضاحيك والعبث يريد بذلك استمالة الاحداث وشراب النبيذ ويستهزئ من الحديث استهزاء لا يخفى على أهل العلم كذكره كبد الحوت وقرن الشيطان وذكر الحجر الاسود وأنه كان أبيض فسوده المشركون وقد كان يجب أن يبيضه المسلمون حين أسلموا ويذكر الصحيفة التي كان فيها المنزل في الرضاع تحت سرير عائشة فأكلتها الشاة وأشياء من أحاديث أهل الكتاب في تنادم الديك والغراب ودفن الهدهد أمه في رأسه وتسبيح الضفدع وطوق الحمامة وأشباه هذا مما سنذكره فيما بعد إن شاء الله وهو مع هذا من أكذب الامة وأوضعهم لحديث وأنصرهم لباطل ومن علم رحمك الله أن كلامه من عمله قل إلا فيما ينفعه ومن أيقن أنه مسئول عما ألف وعما كتب لم يعمل الشئ وضده ولم يستفرغ مجهوده في تثبيت الباطل عنده وأنشدني الرياشي

[ 59 ]

ولا تكتب بخطك غير شئ يسرك في القيامة أن تراه قال أبو محمد وبلغني أن من أصحاب الكلام من يرى الخمر غير محرمة وأن الله تعالى إنما نهى عنها على جهة التأديب كما قال ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط وكما قال واهجروهن في المضاجع واضربوهن ومنهم من يرى نكاح تسع من الحرائر جائز لقول الله تعالى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع قالوا فهذا تسع قالوا والدليل على ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات عن تسع ولم يطلق الله لرسوله في القرآن إلا ما أطلق لنا ومنهم من يرى شحم الخنزير وجلده حلالا لان الله تعالى إنما حرم لحمه في القرآن فقال حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يحرم شيئا غير لحمه ومنهم من يقول إن الله تعالى لا يعلم شيئا حتى يكون ولا يخلق شيئا حتى يتحرى فبمن يتعلق من هؤلاء ومن يتبع وهذه مذاهبهم وهذه نحلهم وهكذا اختلافهم وكيف يطمع في تخلص الحق من بينهم وهم مع تطاول الايام بهم ومر الدهور على المقايسات والمناظرات لا يزدادون إلا اختلافا ومن الحق إلا بعدا ؟

[ 60 ]

وكان أيو يوسف يقول من طلب الدين بالكلام تزندق ومن طلب المال بالكيمياء أفلس ومن طلب غرائب الحديث كذب قال أبو محمد وقد كنت في عنفوان الشباب وتطلب الآداب أحب أن أتعلق من كل علم بسبب وأن أضرب فيبسهم فربما حضرت بعض مجالسهم وأنا مغتر بهم طامع أن أصدر عنه بفائدة أو كلمة تدل على خير أو تهدي لرشد فأرى من جرأتهم على الله تبارك وتعالى وقلة توقيهم وحملهم أنفسهم على العظائم لطرد القياس أو لئلا يقع انقطاع ما أرجع معه خاسرا نادما وقد ذكرهم محمد بن بشير الشاعر وقد أصاب في وصفهم حين يقول دع من يقول الكلام ناحية فما يقول الكلام ذو ورع كل فريق بدوهم حسن ثم يصيرون بعد للشنع أكثر ما فيه أن يقال له لم يك في قوله بمنقطع وقال عبد الله بن مصعب ترى المرء بعجبه أن يقولا وأسلم للمرء أن لا يقولا فأمسك عليك فضول الكلام فإن لكل كلام فضولا ولا تصحبن أخا بدعة ولا تسمعن له الدهر قيلا فإن مقالتهم كالظلال يوشك أفياؤها أن تزو وقد أحكم الله آياته وكان الرسول عليها دليلا وأوضح للمسلمين السبيل فلا تتبعسواها سبيلا أناس بهم ريبة في الصدور ويخفون في الجوف منها غليلا

[ 61 ]

إذا أحدثوا بدعة في القران تعادوا عليها فكانوا عدولا فخلهم والتي يهضبون وولهم منك صمتا طويلا قال أبو محمد وقد كنت سمعت بقول عمر بن عبد العزيز رحمه الله من جعل دينه غرضا للخصومات أكثر التنقل وكنت أسمعهم يقولون إن الحق يدرك بالمقايسا ت والنظر ويلزم من لزمته الحجة أن ينقاد لها ثم رأيتهم في طول تناظرهم وإلزام بعضهم بعضا الحجة في كل مجلس مرات لا يزولون عنها ولا ينتقلون وسأل رجل من أصحاب هشام بن الحكم رجلا من المعتزلة فقال له أخبرني عن العالم هل له نهاية وحد فقال المعتزلي النهاية عندي على ضربين أحدهما نهاية الزمان من وقت كذا إلى وقت كذا والآخر نهاية الاطراف والجوانب وهو متناه بهاتين الصفتين ثم قال له فأخبرني علن الصانع عزوجل هل هو متناه فقال محال قال فتزعم أنه يجوز أن يخلق المتناهي من ليس بمتناه فقال نعم قال فلم لا يجوز أن يخلق الشئ من ليس بشئ كما جاز أن يخلق المتناهي من ليس بمتناه قال لان ما ليس بشئ هو عدم وإبطال قال له وما ليس بمتناه عدم وإبطال قال لا شئ هو نفي

[ 62 ]

قال له وما ليس بمتناه نفي قال قد أجمع الناس على أنه شئ إلا جهما وأصحابه قال قد أجمع الناس أنه متناه قال وجدت كل شئ متناه محدثا مصنوعا عاجزا قال ووجدت كل شئ محدثا مصنوعا عاجزا قال لما أن وجدت هذه الاشياء مصنوعة علمت أن صانعها شئ قال ولما أن وجدت هذه الاشياء متناهية علمت أن صانعها متناه قال لو كان متناهيا كان محدثا إذ وجدت كل متناه محدثا قال ولو كان شيئا كان محدثا عاجزا إذ وجدت كل شئ محدثا عاجزا وإلا فما الفرق فأمسك قال وسأل آخر آخر عن العلم فقال له أتقول أن سميعا في معنى عليم قال نعم قال لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير هل سمعه حين قالوه قال نعم قال فهل سمعه قبل أن يقولوا قال لا قال فهل علمه قبل أن يقولوه قال نعم قال له فأرى في سميع معنى غير معنى عليم فلم يجب قال أبو محمد قلت له وللاول قد لزمتكما الحجة فلم لا تنتقلان عما تعتقدان إلى ما ألزمتكماه الحجة فقال أحدهما لو فعلنا ذلك لانتقلنا في كل يوم مرات

[ 63 ]

وكفى بذلك حيرة قلت فإذا كان الحق إنما يعرف بالقياس والحجة وكنت لا تنقاد لهما بالاتباع كما تنقاد بالانقطاع فما تصنع بهما التقليد أربح لك والمقام على أثر الرسول صلى الله عليه وسلم أولى بك قال واختلفوا في ثبوت الخبر فقال بعضهم يثبت الخبر بالواحد الصادق وقال آخر يثبت باثنين لان الله تعالى أمر بإشهاد اثنين عدلين وقال آخر يثبت بثلاثة لان الله عزوجل قال فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم قالوا وأقل ما تكون الطائفة ثلاثة وغلطوا في هذا القول لان الطائفة تكون واحدا واثنين وثلاثة وأكثر لان الطائفة بمعنى القطعة والواحد قد يكون قطعة من القوم وقال الله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين يريد الواحد والاثنين وقال آخر يثبت بأربعة لقول الله تعالى لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء وقال آخر يثبت باثني عشر لقول الله تعالى وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا وقال آخر يثبت بعشرين رجلا لقول الله تعالى إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وقال آخر يثبت بسبعين رجلا لقول الله عزوجل واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا

[ 64 ]

فجعلوا كل عدد ذكر في القرآن حجة في صحة الخبر ولو قال قائل إن الخبر لا يثبت إلا بثمانية لقول الله تعالى في أصحاب الكهف وهم الحجة على أهل ذلك الزمان سبعة وثامنهم كلبهم ولا يجوز أن يكونوا ثمانية حتى يكون الكلب ثامنهم أو قال لا يثبت الخبر إلا بتسعة عشر لقول الله تعالى في خزنة جهنم حين ذكرها فقال عليها تسعة عشر لكان أيضا قولا وعددا مستخرجا من القرآن وهذه الاختيارات إنما اختلفت هذا الاختلاف لاختلاف عقول الناس وكل يختار على قدر عقله ولو رجعوا إلى أن الله تعالى إنما أرسل إلى الخلق كافة رسولا واحدا وأمرهم باتباعه وقبول قوله وأنه لم يرسل اثنين ولا أربعة ولا عشرين ولا سبعين في وقت واحد لدلهم ذلك على أن الصادق العد صادق الخبر كما أن الرسول الواحد المبلغ عن الله تعالى صادق الخبر ولم يكن قصدنا لهذا الباب فنطيل فيه قال أبو محمد وفسروا القرآن بأعجب تفسير يريدون أن يردوه إلى مذاهبهم ويحملوا التأويل على نحلهم فقال فريق منهم في قوله تعالى وسع كرسيه السماوات والارض أي علمه وجاءوا على ذلك بشاهد لا يعرف وهو قول الشاعر ولا يكرسي علم الله مخلوق كأنه عندهم ولا يعلم علم الله مخلوق والكرسي غير مهموز ويكرسئ مهموز يستوحشون أن يجعلوا لله تعالى كرسيا أو سريرا ويجعلون العرش شيئا آخر

[ 65 ]

والعرب لا تعرف العرش إلا السرير وما عرش من السقوف والآبار يقول الله تعالى ورفع أبويه على العرش أي على السرير وأمية بن أبي الصلت يقول مجدوا الله وهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الاعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما ينله بصر العين ترى دونه الملائك صورا وقال فريق منهم في قول الله تعالى ولقد همت به وهم بها إنها همت بالفاحشة وهم هو بالفرار منها أو الضرب لها والله تعالى يقول لولا أن رأى برهان ربه أفتراه أراد الفرار منها أو الضرب لها فلما رأى البرهان أقام عندها وليس يجوز في اللغة أن تقول هممت بفلان وهم بي وأنت تريد اختلاف الهمين حتى تكون أنت تهم بإهانته ويهم هو بإكرامك وإنما يجوز هذا الكلام إذا اتفق الهمان وقال فريق منهم في قول الله تعالى وعصى آدم ربه فغوى إنه أتخم من أكل الشجرة فذهبوا إلى قول العرب غوى الفصيل يغوى غوى إذا أكثر من شرب اللبن حتى يبشم وذلك غوى يغوي غيا وهو من البشم غوي يغوى غوى وقال فريق منهم في قول الله تعالى ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والانس أي ألقينا فيها

[ 66 ]

يذهب إلى قول الناس ذرته الريح ولا يجوز أن يكون ذرأنا من ذرته الريح لان ذرأنا مهموز وذرته الريح تذروه غير مهموز ولا يجوز أيضا أن نجعله من أذرته الدابة عن ظهرها أي ألقته لان ذلك من ذرأت تقدير فعلت بالهمز وهذا من أذريت تقدير أفعلت بلا همز واحتج بقول المثقب العبدي تقول إذا ذرأت لها وضيني أهذا دبنه أبدا وديني وهذا تصحيف لانه قال تقول إذا درأت أي دفعت بالدال غير معجمة وقالوا في قوله عزوجل وذا النون إذا ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه أنه ذهب مغاضبا لقومه استيحاشا من أن يجعلوه مغاضبا لربه مع عصمة الله فجعلوه خرج مغاضبا لقومه حين آمنوا ففروا إلى مثل ما استقبحوا وكيف يجو أن يغضب نبي الله صلى الله عليه وسلم على قومه حين آمنوا وبذلك بعث وبه أمر وما الفرق بينه وبين عدو الله إن كان يغضب من إيمان مائة ألف أو يزيدون ولم يخرج مغاضبا لربه ولا لقومه وهذا مبين في كتابي المؤلف في مشكل القرآن

[ 67 ]

ولم يكن قصدي في هذا الكتاب الاخبار عن هذه الحروف وأشباهها وإنما كان القصد به الاخباعن جهلهم وجرأتهم على الله تعالى بصرف الكتاب إلى ما يستحسنون وحمل التأويل على ما ينتحلون وقالوا في قوله تعالى واتخذ الله إبراهيم خليلا أي فقيرا إلى رحمته وجعلوا من الخلة بفتح الخاء استيحاشا من أن يكون الله تعالى خليلا لاحد من خلقه واحتجوا بقول زهير وإن أتاه خليل يوم مسألة يقول لا غائب مالي ولا حرم أي إأتاه فقير فأية فضيلة في هذا القول لابراهيم صلى الله عليه وسلم أما تعلمون أن الناس جميعا فقراء إلى الله تعالى وهل إبراهيم في خليل الله إلا كما قيل موسى كليم الله وعيسى روح الله وقالوا في قوله تعالى وقالت اليهود يد الله مغلولة إن اليد ههنا النعمة لقول العرب لي عند فلان يد أي نعمة ومعروف وليس يجوز أن تكواليد ههنا النعمة لانه قال غلت أيديهم معارضة عما قالوه فيها ثم قال بل يداه مبسوطتان

[ 68 ]

ولا يجوز أن يكون أراد غلت نعمهم بل نعمتاه مبسوطتان لان النعم لا تغل ولان المعروف لا يكنى عنه باليدين كما يكنى عنه باليد إلا أن يريد جنسين من المعروف فيقول لي عنده يدان ونعم الله تعالى أكثر من أن يحاط بها قال أبو محمد وأعجب من هذه التفسير تفسير الروافض للقرآن وما يدعونه من علم باطنه بموقع إليهم من الجفر الذي ذكره هارون بن سعد العجلي وكان رأس الزيدية فقال ألم تر أن الرافضين تفرقوا فكلهم في جعفر قال منكرا فطائفة قالوا إمام ومنهم صوائفسمته النبي المطهرا ومن عجب لم أقضه جلد جفرهم برئت إلى الرحمن ممن تجفرا برئت إلى الرحمن من كل رافض بصير بباب الكفر في الدين أعورا إذا كف أهل الحق عن بدعة مضى عليها وإن يمضوا على الحق قصرا ولو قال إن الفيل ضب لصدقوا ولو قال زنجي تحول أحمرا وأخلف من بول البعير فإنه إذا هو للاقبال وجه أدبرا فقبح أقوا رموه بفرية كما قال في عيسى الفرى من تنصرا قال أبو محمد وهو جلد جفر ادعوا أنه كتب فيه لهم الامام كل ما يحتاجون إلى علمه وكل ما يكون إلى يوم القيامة فمن ذلك قولهم في قول الله عزوجل وورث سليمان داود أنه الامام

[ 69 ]

وورث النبي صلى الله عليه وسلم علمه وقولهم في قول الله عزوجل إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة أنها عائشة رضي الله عنها وفي قوله تعالى فقلنا اضربوه ببعضها أنه طلحة والزبير وقولهم في الخمر والميسر إنهما أبو بكر وعمر رضي الله عنهما والجبت والطاغوت إنهما معاوية وعمرو بن العاص مع عجائب أرغب عن ذكرها ويرغب من بلغه كتابنا هذا عن استماعه وكان بعض أهل الادب يقول ما أشبه تفسير الرافضة للقرآن إلا بتأويل رجل من أهل مكة للشعر فإنه قال ذات يوم ما سمعت بأكذب من بني تميم زعموا أن قول القائل بيت زرارة محتب بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل أنه في رجال منهم قيل له فما تقول أنت فيهم قال البيت بيت الله وزرارة الحجر قيفمجاشع قال زمزم جشعت بالماء قيل فأبو الفوارس قال أبو قبيس قيل له فنهشل قال نهشل أشده وفكر ساعة ثم قال نهشل مصباح الكعبة لانه طويل أسود فذلك نهشل وهم أكثر أهل البدع افتراقا ونحلا

[ 70 ]

فمنهم قول يقال لهم البيانية ينسبون إلى رجل يقال له بيان قال لهم إلي أشار الله تعالى إذ قال هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين وهم أول من قال بخلق القرآن ومنهم المنصورية أصحاب أبي منصور الكسف وكان قال لاصحابه في نزل قوله وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ومنهم الخناقون والشداخون ومنهم الغرابية وهم الذين ذكروا أن عليا رضي الله عنه كان أشبه بالنبي صلى الله عليه وسلم من الغراب بالغراب فغلط جبريل عليه السلام حين بعث إلى علي لشبهه به قال أبو محمد ولا نعلم في أهل البدع والاهواء أحدا ادعى الربوبية لبشر غيرهم فإن عبد الله بن سبأ ادعى الربوبية لعلي فأحرق علي أصحابه بالنار وقال في ذلك لما رأيت الامر أمرا منكرا أجحت ناري ودعوت فنبرا ولا نعلم أحدا ادعى النبوة لنفسه غيرهم فإن المختار بن أبي عبيد ادعى النبوة لنفسه وقال إن جبريل وميكاءيل يأتيان إلى جهته فصدقه قوم واتبعوه وهم الكيسانية

[ 71 ]

ذكر أصحاب الحديث قال أبو محمد فأما أصحاب الحديث فإنهم التمسوا الحق من وجهته وتتبعوه من مظانه وتقربوا من الله تعالى باتباعهم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وطلبهم لآثاره وأخباره برا وبحرا وشرقا وغربا يرحل الواحد منهم راجلا مقويا في طلب الخبر الواحد أو السنة الواحدة حتى يأخذها من الناقل لها مشافهة ثم لم يزالوا في التنقير عن الاخبار والبحث لها حتى فهموا صحيحها وسقيمها وناسخها ومنسوخها وعرفوا من خالفها من الفقهاء إلى الرأي فنبهوا على ذلك حتى نجم الحق بعد أن كان عافيا وبسق بعد أن كان دارسا واجتمع بعد أن كان متفرقا وانقاد للسنن من كان عنها معرضا وتنبه عليها من كان عنها غافلا وحكم بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن كان يحكم بقول فلان وفلان وإن كان فيه خلاف على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد يعيبهم الطاعنون بحملهم الضعيف وطلبهم الغرائب في الغريب الداء

[ 72 ]

ولم يحملوا الضعيف والغريب لانهم رأوهما حقا بل جمعوا الغث والسمين والصحيح والسقيم ليميزوا بينهما ويدلوا عليهما وقد فعلوا ذلك فقالوا في الحديث المرفوع شرب الماء على الريق يعقد الشحم هو موضوع وضعه عاصم الكوزي وفي حديث بن عباس أنه كان يبصق في الدواة ويكتب منها وضعه عاصم الكوزي قالوا وحديث الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجز طلاق المريض موضوع وضعه سهل السراج قالوا وسهل كان يروى أنه رأى الحسن يصلي بين سطور القبور وهذا باطل لان الحسن روى أالنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بين القبور قالوا وحديث أنس أن رسوالله صلى الله عليه وسلم قال لا يزال الرجل راكبا ما دام منتعلا باطل وضعه أيو ب بن خوط وحديث عمرو بن حريث رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يشار بين يديه يوم العيد بالحراب هو باطل وضعه المنذر بن زياد وحديث بن أبي أوفى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمس لحيته في الصلاة وضعه المنذر بن زياد وحديث يونس عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن عشر كنى موضوع وضعه أبو عصمة قاضي مرو وقالوا في أحاديث موجودة على ألسنة الناس ليس لها أصل

[ 73 ]

منها من سعادة المرء خفة عارضيه ومنها سموهم بأحب الاسماء إليهم وكنوهم بأحب الكنى إليهم ومنها خير تجارتكم البز وخير أعمالكم الخرز ومنها لو صدق السائل ما ح أفلح من رده ومنها الناس أكفاء إلا حائكا أو حجاما مع حديث كثير لا يحاط به قد رووه وأبطلوه وقال بن المبارك في أحاديث أبي بن كعب من قرأ سورة كذا فله كذا ومن قرأ سورة كذا فله كذا أظن الزنادقة وضعته وكذلك هذه الاحاديث التي يشنع بها عليهم من عرق الخيل وزغب الصدر وقفص الذهب وعيادة الملائكة هي كلها باطل لا طرق لها ولا روا ولا نشك في وضع الزنادقة لها قال أبو محمد وقد جاءت أحاديث صحاح مثل قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن وإن الله تعالى خلق آدم على صورته وكلتا يديه يمين ويحمل الله الارض على أصبع ويجعل كذا على أصبع ولا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن وكثافة جلد الكافر في النار أربعون ذراعا بذراع الجبار قال أبو محمد ولهذه الاحاديث مخارج سنخبر بها في مواضعها من هذا الكتاب إن شاء الله وربما نسي الرجل منهم الحديث قد حدث به وحفظ عنه ويذاكر به فلا يعرفه ويخبر بأنه قد حدث به فيرويه عمن سمعه منه ضنا بالحديث الجيد ورغبة في السنة كرواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد

[ 74 ]

قال ربيعة ثم ذاكرت سهيلا بهذا الحديث فلم يحفظه وكان بعد ذلك يرويه عن نفسه عن أبيه عن أبي هريرة وكرواية وكيع وأبي معاوية عن بن عيينة حديثين أحدهما عن بن أبي نجيح عن مجاهد قال حدثناه محمد بن هارون قال نا إبراهيم بن بشار قال نا بن عيينة عن أبي معاوية عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قول الله يوم تمور السماء مورا قال تدور دورا وعن عمرو عن عكرمة في قول الله تعالى من صياصيهم قال الحصون فسئل بن عيينة عنهما فلم يعرفهما وحدث بن عيينة بهما عنهما عن نفسه وروى بن علية عن بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمر بن عبد العزيز أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا فسأل عنه بن عيينة فلم يعرفه ثم حدث به بعد عن بن علية عن نفسه قال أبو محمد وكان معتمر بن سليمان يقول حدثني منقذ عني عن أيوب عن الحسن قال ويح كلمة رحمة وقد نبهوا على الطرق الضعاف كحديث عمرو بن سعيد عن أبيه عن جده لانها مأخوذة عندهم من كتاب وكان مغيرة لا يعبأ بحديث سالم بن أبي الجعد ولا بحديث خلاس ولا بصحيفة عبد الله بن عمرو

[ 75 ]

وقال مغيرة كانت لعبد الله بن عمرو صحيفة تسمى الصادقة ما تسرني أنها لي بفلسين وقال حديث أصحاب عبد الله بن مسعود عن علي أصح من حديث أصحاب علي عنه وقال شعبة لان أزني كذا وكذا زنية أحب إلي من أن أحدث عن أبان بن أبي عياش وأما طعنهم عليهم بقلة المعرفة لما يحملون وكثرة اللحن والتصحيف فإن النا س لا يتساوون جميعا في المعرفة والفضل وليس صنف من الناس إلا وله حشو وشوب فأين هذا الغائب لهم عن الزهري أعلم الناس بكل فن وحماد بن سلمة ومالك بن أنس وابن عون وأيوب ويونس بن عبيد وسليمان التيمي وسفيان الثوري ويحيى بن سعيد وابن جريج والاوزاعي وشعبة وعبد الله بن المبارك وأمثال هؤلاء من المتقنين على أن المنفرد بفن من الفنون لا يعاب بالزلل في غيره وليس على المحدث عيب أن يزل في الاعراب ولا على الفقيه أن يزل في الشعر وإنما يجب على كل ذي علم أن يتقن فنه إذا احتاج الناس إليه فيه وانعقدت له الرئاسة به وقد يجتمع للواحد علوم كثيرة والله يؤتى الفضل من يشاء وقد قيل لابي حنيفة وكان في الفتيا ولطف النظر واحزمانه ما تقول في رجل تناول صخرة فضرب به رأس رجل فقتله أتقيده به

[ 76 ]

فقال لا ولرماه بأبا قبيس وكان بشر المريسي يقول لجلسائه قضى الله لكم الحوائج على أحسن الامور وأهنؤها فنظر قاسم التمار قوما يضحكون من قول بشر فقال هذا كما قال الشاعر إن سليمى والله يكلؤها ضنت بشئ ما كان يرزؤها وبشر رأس في الرأي وقاسم التمار متقدم في أصحاب الكلام واحتجاجه لبشر أعجب من لحن بشر وقال بلال لشبيب بن شيبة وهو يستعدي على عبد الاعلى بن عبد الله بن عامر أحضرنيه فقال قد دعوته فكل ذلك يأبى علي قال بلال فالذنب لكل ولا أعلم أحدا من أهل العلم والادب إلا وقد أسقط في علمه كالاصمعي وأبي زيد وأبي عبيدة وسيبويه والاخفش والكسائي والفراء وأبي عمرو الشيباني وكالائمة من قراء القرآن والائمة من المفسرين وقد أخذ الناس على الشعراء في الجاهلية والاسلام الخطأ في المعاني وفي الاعراب وهم أهل اللغة وبهم يقع الاحتجاج فهل أصحاب الحديث في سقطهم إلا كصنف من الناس على أنا لا نخلى أكثرهمن العذل في كتبنا في تركهم الاشتغال بعلم ما قد كتبوا والتفقه بما جمعوا وتهافتهم على طلب الحديث من عشرة أوجه وعشرين وجها

[ 77 ]

وقد كان في الوجه الواحد الصحيح والوجهين مقنع لمن أراد الله عزوجل بعلمه حتى تنقضي أعمارهم ولم يحلوا من ذلك إلا بأسفار أتعبت الطالب ولم تنفع الوارث فمن كان من هذه الطبقة فهو عندنا مضيع لحظه مقبل على ما كان غيره أنفع له منه وقد لقبوهم بالحشوية والنابتة والمجبرة وربما قالوا الجبرية وسموهم الغثاء والغثر وهذه كلها أنباز لم يأت بها خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أتى عنه في القدرية أنهم مجوس هذه الامة فإن مرضوا فلا تعودوهم وإن ماتوا فلا تشهدوا جنائزهم وفي الرافضة برواية ميمون بن مهران عن بن عباس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يكون قوم في آخر الزمان يسمون الرافضة يرفضون الاسلام ويلفظونه فاقتلوهم فإنهم مشركون وفي المرجئة صنفان من أمتي لا تنالهم شفاعتي لعنوا على لسان سبعين نبيا المرجئة والقدرية وفي الخوارج يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية وهم كلاب أهل النار فهذه أسماء من رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلك أسماء مصنوعة

[ 78 ]

وقد يحمل بعضهم الحمية على أن يقول الجبرية هم القدرية ولو كان هذا الاسم يلزمهم لاستغنو به عن الجبرية ولو ساغ هذا لاهل القدر لساغ مثله للرافضة والخوارج والمرجئة وقال كل فريق منهم لاهل الحديث مثل الذي قالته القدرية والاسماء لا تقع غير مواقعها ولا تلزم إلا أهلها ويستحيل أن تكون الصياقلة هم الاساكفة والنجار هو الحداد والفطرة التي فطر الناس عليها والنظر يبطل ما قذفوهم به أما الفطر فإن رجلا لو دخل المصر واستدل على القدرية فيه أو المرجئة لدله الصبي والكبير والمرأة والعجوز والعامي والخاصي والحشوة والرعاع على المسمين بهذا الاسم ولو استدل على أهل السنة لدلوه على أصحاب الحديث ولو مرت جماعة فيهم القدري والسني والرافضي والمرجئ والخارجي فقذف رجل القدرية أو لعنهم لم يكن المراد بالشتم أو اللعن عندهم أصحاب الحديث هذا أمر لا يدفعه دافع ولا ينكره منكر وأما النظر فإنهم أضافوا القدر إلى أنفسهم وغيرهم يجعله لله تعالى دون نفسه ومدعي الشئ لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله لغيره ولان الحديث جاءنا بأنهم مجوس هذه الامة وهم أشبه قوم بالمجوس لان المجوس تقول بإلهين وإياهم أراد الله بقوله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد وقالت القدرية نحن نفعل مالا يريد الله تعالى ونقدر على ما يقدر

[ 79 ]

وبلغني أن رجلا من أصحاب الكلام قال لرجل من أهل الذمة ألا تسلم يا فلان فقال حتى يريد الله تعالى فقال له قد أراد الله ولكن إبليس لا يدعك فقال له الذمي فأنا مع أقواهما وحدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد قال حدثنا قريش بن أنس قال سمعت عمرو بن عبيد يقول يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله فيقو لي لم قلت إن القاتل في النار فأقول أنت قلته ثم تلا هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها قلت له وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قالك قد قلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر قال فما استطاع أن يرد علي شيئا حدثني أبو الخطاب قانا داود بن المفضل عن محمد بن المفضل عن محمد بن سليمان عن الاصبغ بن جامع عن أبيه قال كنت أطوف مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالبيت فأتى الملتزم بين الباب والحجر فألصق به بطنه وقال اللهم اغفر لي ما قضيته علي ولا تغفر لي ما لم تقضه علي وحدثني سهل بن محمد قال نا الاصمعي عن معاذ بن معاذ قال سمع الفضل الرقاشي رجلا يقول اللهم اجعلني مسلما فقال هذا محال فقال الرجل ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك

[ 80 ]

وحدثني سهل قال أنا الاصمعي عن أبي معشر المدني قال قال محمد بن كعب القرظي العباد أذل من أن يكون لاحد منهم في ملك الله تعالى شئ هو كاره أن يكون وحدثني سهل قال حدثنا الاصمعي قال قال أبو عمرو أشهد أن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء ولله علينا الحجة ومن قال تعال أخاصمك قلت له أغن عنا نفسك وحدثني أبو الخطاب قال أنا أبو داود عن الحسن بن أبي الحسن قال سمعت الحجاج يخطب وهو بواسط وهو يقول اللهم أرني الهدى هدى فأتبعه وأرني الضلالة ضلالة فأجتنبها ولا تلبس علي هداي فأضل ضلالا بعيدا قال أبو محمد وهذا نحو قول الله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون وقال عمرو بن عون القيسي وكان من البكائين حتى ذهب بصره سمعت سعيد بن أبي عروبة يقول ما في القرآن آية هي أشد علي من قول موسى إن هي إلا فتنتك تضل بها من تشاء وتهدي من تشاء فقلت له فالقرآن يشتد عليك والله لا أكلمك كلمة أبدا فما كلمته حتى مات وحدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي عن يحيى بن حميد الطويل عن عمرو بن النضر قال مررت بعمرو بن عبيد فجلست إليه فذكر شيئا فقلت ما هكذا يقول أصحابنا قال ومن أصحابك

[ 81 ]

قلت أيوب وابن عون ويونس والتيمي فقال أولئك أرجاس أنجاس أموات غير أحياء قال أبو محمد وهؤلاء الاربعة الذين ذكرهم غرة أهل زمانهم في العلم والفقه والاجتهاد في العبادة وطيب المطعم وقد درجوا على ما كان عليه من قبلهم من الصحابة والتابعين وهذا يدل على أن أولئك أيضا عند أرجاس أنجاس فإن ادعوا أن الذين درجوا من الصحابة والتابعين لم يكونوا على ما كان عليه هؤلاء وأنهم يقولون بمثل مقالتهم في القدر قلنا لهم فلم تعلقتم بالحسن وعمرو بن عبيد وغيلان ألا تعلقتم بعلي وابن مسعود وأبي عبيدة ومعاذ وسعيد بن المسيب وأشباه هؤلاء فإنهم كانوا أعظم في القدوة وأثبت في الحجة من قتادة والحسن وابن أبي عروبة وأما قولهم إنهم يكتبون الحديث عن رجال من مخالفيهم كقتادة وابن أبي نجيح وابن أبذئب ويمتنعون عن الكتاب عن مثلهم مثل عمرو بن عبيد وعمرو بن فائد ومعبد الجهني فإن هؤلاء الذين كتبوا عنهم أهل علم وأهل صدق في الرواية ومن كان بهذه المنزلة فلا بأس بالكتاب عنه والعمل بروايته إلا فيما اعتقده من الهوى فإنه لا يكتب عنه ولا يعمل به كما أن الثقة العدل تقبل شهادته على غيره ولا تقبل شهادته لنفسه ولا لابنه ولا لابيه ولا فيما جر إليه نفعا أو دفع عنه ضرر

[ 82 ]

وإنما منع من قبول قول الصادق فيما وافق نحلته وشاكل هواه لان نفسه تريه أن الحق فيما اعتقده وأن القربة إلى الله عزوجل في تثبيته بكل وجه ولا يؤمن مع ذلك التحريف والزيادة والنقصان فإن قالوا فإن أهل المقالات المختلفة يرى كل فريق منهم أن الحق فيما اعتقده وأن مخالفه على ضلال وهوى وكذلك أصحاب الحديث فيما انتحلوا فمن أين علموا علما يقينا أنهم على الحق قيل لهم إن أهل المقالات وإن اختلفوا ورأى كل صنف منهم أن الحق فيما دعا إليه فإنهم مجمعون لا يختلفون على أن من اعتصم بكتاب الله عزوجل وتمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد استضاء بالنور واستفتح باب الرشد وطلب الحق من مظانه وليس يدفع أصحاب الحديث عن ذلك إلا ظالم لانهم لا يردون شيئا من أمر الدين إلى استحسان ولا إلى قياس ونظر ولا إلى كتب الفلاسفة المتقدمين ولا إلى أصحاب الكلام المتأخرين فإن ادعوا عليهم الخطأ بحملهم الكذب والمتناقض قيل لهم أما الكذب والغلط والضعيف فقد نبهوا عليه على ما أعلمتك وأما المتناقض فنحن مخبروك بالمخارج منه ومنبهوك على ما تأخر عنه علمك وقصر عنه نظرك وبالله الثقة وهو المستعان

[ 83 ]

ذكر الاحاديث التي ادعوا عليها التناقض والاحاديث التي تخالف عندهم كتاب الله تعالى والاحاديث التي يدفعها النظر وحجة العقل (0) فمن ذلك حديث ذكروا أنه يخالف كتاب الله تعالى قالوا رويتم أن الله تعالى مسح على ظهر آدم عليه السلام وأخرج منه ذريته إلى يوم القيامة أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى وهذا خلاف قول الله تعالى وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى لان الحديث يخبر أنه أخذ من ظهر آدم والكتاب يخبر أنه أخذ من ظهور بني آدم (0) قال أبو محمد ونحن نقول إن ذلك ليس كما توهموا بل المعنيان متفقان بحمد الله ومنه صحيحان لان الكتاب يأتي بجمل يكشفها الحديث واختصار تدل عليه السنة ألا ترى أن الله تعالى حين مسح ظهر آدم عليه السلام على ما جاء في الحديث فأخرج منه ذريته أمثال الذر إلى يوم القيامة أن في تلك الذرية الابناء وأبناء الابناء وأبناءهم إلى يوم القيامة فإذا أخذ من جميع أولئك العهد وأشهدهم على أنفسهم فقد أخذ من بني آدم جميعا من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم

[ 84 ]

ونحو هذا قول الله تعالى في كتابه ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فجعل قوله للملائكة اسجدوا لآدم بعد خلقناكم وصورناكم وإنما أراد بقوله تعالى خلقناكم وصورناكم خلقنا آدم وصورناه ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم وجاز ذلك لانه حين خلق آدم خلقنا في صلبه وهيأنا كيف شاء فجعل خلقه لآدم خلقه لنا إذ كنا منه ومثل هذا مثل رجل أعطيته من الشاء ذكرا وأنثى وقلت له قد وهبت لك شاء كثيرا تريد أني وهبت لك بهبتي هذين الاثنين من النتاج شاء كثيرا وكان عمر بن عبد العزيز وهب لدكين الراجز ألف درهم فاشترى به دكين عدة من الابل فرمى الله تعالى في أذنابها بالبركة فنمت وكثرت فكان دكين يقول هذه منائح عمر بن عبد العزيز ولم تكن كلها عطاءه وإنما أعطاه الآباء والامهات فنسبها إليه إذ كانت نتائج ما وهب له ومما يشبه هذا قول العباس بن عبد المطلب في رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبلها طبت في الظلاوفي مستودع حيث يخصف الورق يريد طبت في ظلال الجنة وفي مستودع يعني الموضع الذي استودعه من الجنة حيث يخصف الورق أي حيث خصف آدم وحواء عليهما من ورق الجنة وإنما أراد أنه كان إذ ذاك طيبا في صلب آدم ثم قال ثم هبطت البلاد لا بشر * أنت ولا مضغة ولا علق

[ 85 ]

يريد أن آدم هبط البلاد فهبطت في صلبه وأنت إذ ذاك لابشولا مضغة ولا دم ثم قال بل نطفة تركب السفين وقد ألجم نسرا وأهله الغر يريد أننطفة في صلب نوح صلى الله عليه وسلم حين ركب الفلك ثم قال تنقل من صالب إلى رحم إذا مضى عالم بدا طبق يريد أنه ينتقل في الاصلاب والارحام فجعله طيبا وهابطا للبلاد وراكبا للسفن من قبل أن يخلق وإنما يريد بذلك آباءه الذين اشتملت أصلابهم عليه قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليوسلم قال لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ورويتم عن عيسى بن يونس عن أبي عوانة عن خالد الحذاء عن عراك بن مالك عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت ذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن قوما يكرهون أن يستقبلوا القبلة بغائط أو بول فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلائه فاستقبل به القبلة قالوا وهذا خلاف ذاك قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث يجوز عليه النسخ لانه من الامر والنهي فكيف لم يذهبوا إلى أن أحدهما ناسخ والآخر منسوخ إذ كان قد ذهب عليهم المعنى فيهما وليسا عندنا من الناسخ والمنسوخ ولكن لكل واحد منهما موضع يستعمل فيه فالموضع الذي لا يجوز أن تستقبل القبلة فيه بالغائط والبول هي الصحاري والبراحات

[ 86 ]

وكانوا إذا نزلوا في أسفارهم لهيئة الصلاة استقبل بعضهم القبلة بالصلاة واستقبلها بعضهم بالغائط فأمرهم أن لا يستقبلوا القبلة بغائط ولا بول إكراما للقبلة وتنزيها للصلاة فظن قوم أن هذا أيضا يكره في البيوت والكنف المحتفرة فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بخلائه فاستقبل به القبلة يريد أن يعلمهم أنه لا يكره ذلك في البيوت والآبار المحتفرة التي تستر الحدث وفي الخلوات في المواضع التي لا يجوز فيها الصلاة قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن وكيع عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا انقطع شسع نعل أحدكم فيمش في نعل واحدة ورويتم عن مندل عن ليث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت ربما انقطع شسع رسول الله صلى الله عليه وسلم فمشى في النعل الواحدة حتى يصلح الاخرى قالوا وهذا خلاف ذلك قال أبو محمد ونحن نقوليس ههنا خلاف بحمد الله تعالى لان الرجل كان ينقطع شسع نعله فينبذها أو يعلقها بيده ويمشي في نعل واحدة إلى أن يجد شسعا وهذا يفحش ويقبح في النعلين والخفين وكل زوجين من اللباس يستعمل في اثنين فيستعمل في واحد ويترك الآخر وكذلك الرداء يلقى على أحد المنكبين ويترك الآخر

[ 87 ]

فأما أن ينقطع شسع الرجل فيمشي خطوة أو خطوتين أو ثلاثا إلى أن يصلح الآخر فإن هذا ليس بمنكر ولا قبيح وحكم القليل يخالف حكم الكثير في كثير من المواضع ألا ترى أنه يجوز للمصلي أن يمشي خطوة وخطوتين وخطوات وهو راكع إلى الصف الذي بين يديه ولا يجوز له أن يمشي وهو راكع مائة ذراع ومائتي ذراع ويجوز له أن يردئ الرداء على منكبيه إذا سقط عنه ولا يجوز له أن يطوي ثوبه في الصلاة ولا أن يعمل عملا يتطاول ويبتسم فلا تنقطع صلاته ويقهقه فتنقطع قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن عائشة أنها قالت ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما قط ثم رويتم عن حذيفة أنه بال قائما وهذا خلاف ذاك قال أبو محمد ونحن نقول ليس ههنا بحمد الله اختلاف ولم يبل قائما قط في منزله والموضع الذي كانت تحضره فيه عائشة رضي الله عنها وبال قائما في المواضع التي لا يمكن أن يطمئن فيها إما للثق في الارض وطين أو قذر وكذلك الموضع الذي رأى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم حذيفة يبول قائما كان مزبلة لقوم فلم يمكنه القعود فيه ولا الطمأنينة وحكم الضرورة خلاف حكم الاختيار

[ 88 ]

قال أبو محمد حدثني محمد بن زياد الزيادي قال أنا عيسى بن يونس قال أنا الاعمش عن أبي وائل عن حذيفة قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قو فبال قائما فذهبت أتنحى فقال أدن مني فدنوت منه حتى قمت عند عقبه فتوضأ ومسح على خفيه والسباطبة المزبلة وكذلك الكساحة والقمامة قالوا حديث يخالف كتاب الله تعالى قالوا رويتم عن سفيان بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل أن رجلا قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله نشدتك بالله إلا قضيت بيننا بكتاب الله تعالى فقام خصمه وكان أفقه منه فقال صدق اقض بيننا بكتاب الله وح ائذن لي فقال قل قال إن ابني كان عسيفا على هذا فزنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرجم فقال والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله المائة شاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرجم واغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فغدا عليها فاعترفت فرجمها قال أبو محمد هكذا حدثنيه محمد بن عبيد عن بن عيينة قالوا وهذا خلاف كتاب الله عزوجل لانه سأله أن يقضي بينهما بكتاب الله تعالى فقال له والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله ثم قضى بالرجم والتغريب وليس للرجم والتغريب ذكر في كتاب الله تعالى وليس يخلو هذا الحديث من أن يكون باطلا أو يكون حقا

[ 89 ]

وقد نقص من كتاب تعالى ذكر الرجم والتغريب قال أبو محمد ونحن نقول إن رسول الله صلى الله عليوسلم لم يرد بقوله لاقضين بينكما بكتاب الله ههنا القرآن وإنما أراد لاقضين بينكما بحكم الله تعالى والكتاب يتصرف على وجوه منها الحكم والفرض كقول الله عزوجل كتاب الله عليكم وأحل لكم ما وراء ذلكم أي فرض عليكم وقال كتب عليكم القصاص أي فرض عليكم وقال وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال أي فرضت وقال تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس أي حكمنا وفرضنا وقال النابغة الجعدي ومال الولاء بالبلاء فملتم وما ذاك قال الله إذ هو يكتب أراد مالت القرابة بأحسابنا إليكم وما ذاك أوجب الله إذ هو يحكم قالوا حديث يبطله الاجماع قالوا رويتم عن الزهري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن امرأة كانت تستعير حليا من أقوام فتبيعه فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فأمر بقطع يدها

[ 90 ]

قالوا وقد أجمع الناس على أنه لا قطع على المستعير لانه مؤتمن قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح غير أنه لا يوجب حكما لانه لم يقل فيه إنه قطعها وإنما قيل أمر بقطعها وقد يجوز أن يأمر ولا يفعل وهذا قد يكون من الائمة على وجه التحذير والترهيب ولا يراد به إيقاع الفعل ومثله الحديث الذي يرويه الحسن عن سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل عبده قتلناه ومن جدع عبده جدعناه والناس جميعا على أنه لا يقتل رجل بعبده ولا يقتص منه لعبده وإنما يختلفون في عبد غيره

[ 91 ]

وأراد صلى الله عليه وسلم ترهيب السيد وتحذيره أن يقتل عبده أو يمثل به ولم يرد إيقاع الفعل وكان الحكم يجب بأن يقال إنه قتل رجلا بعبده أو اقتص منه لعبده فأما قوله من فعل فعلنا به فإن ذلك تحذير وترهيب وكذلك قوله من شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاجلدوه فإن عاد فاقتلوه إنما هو ترهيب لئلا يعاوده ويدلك على ذلك أنه أتي به في المرة الرابعة فجلده ولم يقتله وهكذا نقول في الوعيد كله أنه جائز أن يقع وأن لا يقع على حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من وعده الله على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن أوعده عقابا فهو فيه بالخيار قالوا حديث يدفعه النظر وحجة العقل قالوا رويتم عن الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم ورحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد ولو دعيت إلى ما دعي إليه يوسف لاجبت قالوا وهذا طعن على إبراهيم وطعن على لوط وطعن على نفسه عليهم السلام قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس فيه شئ‌مما ذكروا بحمد الله تعالى ونعمته فأما قوله أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم عليه السلام فإنه لما نزل عليه وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال قوم سمعوا الآية شك إبراهيم صلى الله عليوسلم ولم يشك نبينا صلى الله عليه وسلم

[ 92 ]

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا أحق بالشك من أبي إبراهيم عليه السلام تواضعا منه وتقديما لابراهيم على نفسه يريد أنا لم نشك ونحن دونه فكيف يشك هو وتأويل قول إبراهيم عليه السلام ولكن ليطمئن قلبي أي يطمئن بيقين النظر واليقين جنسان أحدهما يقين السمع والاخر يقين البصر ويقين البصر أعلى اليقينين ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس المخبر كالمعاين حين ذكر قوم موسى وعكوفهم على العجل قال أعلمه الله تعالى أن قومه عبدوا العجل فلم يلق الالواح فلما عاينهم عاكفين غضب وألقى الالواح حتى انكسرت وكذلك المؤمنون بالقيامة والبعث والجنة والنار مستيقنون أن ذلك كله حق وهم في القيامة عند النظر والعيان أعلى يقينا فأراد إبراهيم عليه السلام أن يطمئن قلبه بالنظر الذي هو أعلى اليقينين وأما قوله رحم الله لوطا إن كان ليأوي إلى ركن شديد فإنه أراد قوله لقومه لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد يريد سهوه في هذا الوقت الذي ضاق فيه صدره واشتد جزعه بما دهمه من قومه حتى قال أو آوي إلى ركن شديد وهو يأوي إلى الله تعالى أشد الاركان قالوا فما بعث الله نبيا بعد لو إلا في ثروة من قومه

[ 93 ]

وأما قوله لو دعيت إلى ما دعي إليه يوسف لاجبت يعني حين دعى للاطلاق من الحبس بعد الغم الطويل فقال للرسول ارجع إلى ربك فاسأله ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن ولم يخرج من الحبس في وقته يصفه بالاناة والصبر وقال لو كنت مكانه ثم دعيت إلى ما دعي إليه من الخروج إلى الحبس لاجبت ولم أتلبث وهذا أيضا جنس من تواضعه لا أنه كان عليه لو كان مكان يوسف فبادر وخرج أو على يوسف لو خرج من الحبس مع الرسول نقص ولا إثم وإنما أراد أنه لم يكن يستثقل محنة الله عزوجل له فيبادر ويتعجل ولكنه كان صابرا محتسبا قالوا حديث يكذبه العيان قالوا رويتم عن أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وذكر سنة مائة إنه لا يبقى على ظهرها يومئذ نفس منفوسة قالوا وهذا باطل بين للعيان ونحن طاعنون في سني ثلاثمائة والناس أكثر كانوا قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا حديث قد أسقط الرواة منه حرفا إما لانهم نسوه أو لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أخفاه فلم يسمعوه ونراه بل لا نشك أنه قال لا يبقى على الارض منكم يومئذ نفس منفوسة يعني ممن حضره في ذلك المجلس أو يعني الصحابة فأسقط الراوي منكم وهذا مثل قول بن مسعود في ليلة الجن ما شهدها أحد منا غيري فأسقط الراوي غيري

[ 94 ]

ومما يشهد على ما أقول أن أبا كدينة روى عن مطرف عن المنهال بن عمرو أن عليا رضي الله عنه قال لابي مسعود إنك تفتي الناس قال أجل وأخبرهم أن الآخر شر قال فأخبرني هل سمعت منه قال سمعته يقول لا يأتي على الناس سنة مائة وعلى الارض عين تطرف فقال علي أخطأت أستك الحفرة إنما قال ذلك يومئذ لمن حضره وهل الرجا إلا بعد المائة ونحو من هذا الحديث مما وقع فيه الغلط حديث حدثنيه محمد بن خالد بن خداش قال أنا أبي عن حماد بن زيد عن أيوب عن الحسن عن صخر بن قدامة العقيلي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يولد بعد سنة مائة مولود لله فيه حاجة قال أيوب فلقيت صخر بن قدامة فسألته عن الحديث فقال لا أعرفه قال أبو محمد وهذا هو ذاك الحديث وقع فيه الغلط واختلفت فيه الروايات قالوا حديث يدفعه النظر وحجة النظر قالوا رويتم عن عبد العزيز بن المختار الانصاري عن عبد الله الداناج قال شهدت أبا سلمة بن عبد الرحمن في مسجد البصرة وجاء الحسن فجلس إليه فحدث

[ 95 ]

عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الشمس والقمر ثوران مكوران في النار يوم القيامة فقال الحسن وما ذنبهما قال إني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسكت قالوا قد صدق الحسن ما ذنبهما وهذا من قول الحسن رد عليه أو على أبي هريرة قال أبو محمد ونحن نقول إن الشمس والقمر لم يعذبا بالنار حين أدخلاها فيقال ما ذنبهما ولكنهما خلقا منها ثم ردا إليها وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلشمس حين غربت في نار الله الحامية لولا ما يزعها من أمر الله تعالى لاهلكت ما على الارض وقال ما ترتفع في السماء قصمة إلا فتح لها باب من أبواب النار فإذا قامت الظهيرة فتحت الابواب كلها وهذا يدلك على أن شدة حرها من فوح جهنم ولذلك قال أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فوح جهنم فما كان من النار ثم رد إلى النار لم يقل إنه يعذب وما كان من المسخر المقصور على فعل واحد كالنار والفلك المسخر الدوار والبحر المسجور وأشباه ذلك لا يقع به تعذيب ولا يكون له ثواب

[ 96 ]

وما مثل هذا إلا مثل رجل سمع بقول الله تعالى فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة فقال ما ذنب الحجارة قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن رسو الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا عدوى ولا طيرة وأنه قيل له إن النقبة تقع بمشفر البعير فتجرب لذلك الابل فقال فما أعدى الاول قال هذا أو معناه ثم رويتم في خلاف ذلك لا يوردن ذو عاهة على مصح وفر من المجذوم فرارك من الاسد وأتاه رجل مجذوم ليبايعه بيعة الاسلام فأرسل إليه بالبيعة وأمره بالانصراف ولم يأذن له عليه وقال الشؤم في المرأة والدار والدابة قالوا وهذا كله مختلف لا يشبه بعضه بعضا 0) قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا اختلاف ولكل معنى منها وقت وموضع فإذا وضع بموضعه زال الاختلاف والعدوى جنسان أحدهما عدوى الجذام فإن المجذوم تشتد رائحته حتى يسقم من أطال مجالسته ومؤاكلته وكذلك المرأة تكون تحت المجذوم فتضاجعه في شعار واحد فيوصل إليها الاذى وربما جذمت وكذلك ولده ينزعون في الكثير إليه وكذلك من كان

[ 97 ]

به سل ودق ونقب والاطباء تأمر بأن لا يجالس المسلول ولا المجذوم لا يريدون بذلك معنى العدوى إنما يريدون به تغير الرائحة وأنها قد تسقم من أطال اشتمامها والاطباء أبعد الناس من الايمان بيمن أو شؤم وكذلك النقبة تكون بالبعير وهي جرب رطب فإذا خالطها الابل وحاكها وأوى في مباركها أوصل إليها بالماء الذي يسيل منه والنطف نحوا مما به وهذا هو المعنى الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يوردن ذو عاهة على مصح كره أن يخالط المعيوه الصحيح فيناله من نطفه وحكته نحو مما به وقد ذهب قوم إلى أنه أراد بذلك أن لا يظن أن الذي نال إبله من ذوات العاهة فيأثم قال وليس لهذا عندي وجه لانا نجد الذي أخبرتك به عيانا وأما الجنس الآخر من العدوى فهو الطاعون ينزل ببلد فيخرج منه خوفا من العدوى قال أبو محمد حدثني سهل بن محمد قال نا الاصمعي عن بعض البصريين أنه هرب من الطاعون فركب حمارا ومضى بأهله نحو سفوان فسمع حاديا يحدو خلفه وهو يقول لن يسبق الله على حمار ولا على ذي ميعة مطار

[ 98 ]

أو يأتي الحتف على مقدار قد يصبح الله أمام الساري وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان بالبلد الذي أنتم به فلا تخرجوا منه وقال أيضا إذا كان ببلد فلا تدخلوه يريد بقوله لا تخرجوا من البلد إذا كان فيه كأنكم تظنون أن الفرار من قدر الله تعالى ينجيكم من الله ويريد بقوله وإذا كان ببلد فلا تدخلوه أن مقامكم بالموضع الذي لا طاعون فيه أسكن لانفسكم وأطيب لعيشكم ومن ذلك تعرف المرأة بالشؤم أو الدار فينال الرجل مكروه أو جائحة فيقول أعدتني بشؤمها فهذا هو العدوى الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لا عدوى وأما الحديث الذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الشؤم في المرأة والدار والدابة فإن هذا حديث يتوهم فيه الغلط على أبي هريرة وأنه سمع فيه شيئا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعه قال أبو محمد حدثني محمد بن يحيى القطعي قال نا عبد الاعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي حسان الاعرج أن رجلين دخلا على عائشة رضي الله عنها فقالا إن أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار فطارت شفقا ثم قالت كذب والذي أنزل القرآن على أبي القاسم من حدث بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أهل الجاهلية يقولون إن الطيرة في الدابة والمرأة والدار ثم قرأت ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في

[ 99 ]

كتاب من قبل أن نبرأها وحدثني أحمد بن الخليل قال نا موسى بن مسعود النهدي عن عكرمة بن عمار عن إسحاق عن بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال جاء رجل منا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إنا نزلنا دارا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا ثم تحولنا عنها إلى أخرى فقلت فيها أموالنا وقل فيها عددنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ارحلوا عنها وذروها وهي ذميمة قال أبو محمد وليس هذا بنقض للحديث الاول ولا الحديث الاول بنقض لهذا وإنما أمرهم بالتحول منها لانهم كانوا مقيمين فيها على استثقال لظلها واستيحاش بما نالهم فيها فأمرهم بالتحول وقد جعل الله تعالى في غرائز الناس وتركيبهم استثقال ما نالهم السوء فيه وإن كان لا سبب له في ذلك وحب من جرى على يده الخير لهم وإن لم يردهم به وبغض من جرى على يده الشر لهم وإن لم يردهم به وكيف يتطير صلى الله عليه وسلم والطيرة من الجبت وكان كثير من أهل الجاهلية لا يرونها شيئا ويمدحون من كذب بها قال الشاعر يمدح رجلا وليس بهياب إذا شد رحله يقول عداني اليوم واق وحاتم ولكنه يمضي على ذاك مقدما إذا صد عن تلك الهنات الخثارم

[ 100 ]

قال أبو محمد الخثارم هو الذي يتطير والواق الصرد والحاتم الغراب وقال المرقش ولقد غدوت وكنت لا أغدو على واق وحاتم فإذا الاشائم كالايامن والايامن كالاشائم وكذاك لا خير ولا شر على أحد بدائم وحدثنا إسحاق بن راهويه قال أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن إسماعيل بن أمية قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة لا يسلم منهن أحد الطيرة والظن والحسد قيل فما المخرج منهن قال إذا تطيرت فلا ترجع وإذا ظننت فلا تحقق وإذا حسدت فلا تبغ هذه الالفاظ أو نحوها وحدثني أبو حاتم قال نا الاصمعي عن سعيد بن مسلم عن أبيه أنه كان يعجب ممن يصدق بالطيرة ويعيبها أشد العيب وقال فرقت لنا ناقة وأنا بالطف فركبت في أثرها فلقيني هانئ بن عبيد من بني وائل وهو مسرع يقول

[ 101 ]

والشر يلفى مطالع الاكم ثم لقيني رجل آخر من الحي فقال ولئن بغيت لنا بغاة ما البغاة بواجدينا ثم دفعنا إلى غلام قد وقع في صغره في نار فأحرقته فقبح وجهه وفسد فقلت له هل ذكرت من ناقة فارق قال ههنا أهل بيت من الاعراب فانظر فنظرت فإذا هي عندهم وقد أنتجت فأخذتها وولدها قال أبو محمد الفارق التي قد حملت ففارقت صواحبها وقال عكرمة كنا جلوسا عند بن عباس فمر طائر يصيح فقال رجل من القوم خير خير فقال بن عباس لا خير ولا شر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحب الاسم الحسن والفأل الصالح وحدثني الرقاش قال نا الاصمعي قال سألت بن عون عن الفأل فقال هو أن يكون مريضا فيسمع يا سالم أو يكون باغيا فيسمع يا واجد قال أبو محمد وهذا أيضا مما جعل في غرائز الناس استحبابه والانس به كما جعل على ألسنتهم من التحية بالسلام والمد في الامنية والتبشير بالخير

[ 102 ]

وكما يقال أنعم واسلم وأنعم صباحا وكما تقول الفرس عش ألف نوروز والسامع لهذا يعلم أنه لا يقدم ولا يؤخر ولا يزيد ولا ينقص ولكن جعل في الطباع محبة الخير والارتياح للبشرى والمنظر الانيق والوجه الحسن والاسم الخفيف وقد يمر الرجل بالروضة المنورة فتسره وهي لا تنفعه وبالماء الصافي فيعجب به وهو لا يشربه ولا يورده وفي بعض الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعجب بالاترج ويعجبه الحمام الاحمر وتعجبه الفاغية وهي نور الحناء وهذا مثل إعجابه بالاسم الحسن والفأل الحسن وعلى مثل هذا كانت كراهته للاسم القبيح كبني النار وبني حراق وبني زنية وبني حزن وأشباه هذا قالوا

[ 103 ]

حديثان متناقضان قالوا رويتم أن خباب بن الارت قال شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرمضاء فلم يشكنا يعني أنهم شكوا إليه شدة الحر وما ينالهم من الرمضاء وسألوه الابراد بالصلاة فلم يشكهم أي لم يجبهم إلى تأخيرها ثم رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فوح جهنم قالوا وهذا اختلاف خفاء به وتناقض قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا بنعمة الله تعالى اختلاف ولا تناقض لان أول الاوقات رضوان الله وآخر الاوقات عفو الله والعفو لا يكون إلا عن تقصير فأول الاوقات أوكد أمرا وآخرها رخصة وليس يجوز لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ في نفسه إلا بأعلى الامور وأقربها إلى الله تعالى وإنما يعمل في نفسه بالرخصة مرة أو مرتين ليدل بذلك الناس على جوازها فأما أن يدوم على الامر الاخس ويترك الاوكد والافضل فذلك مالا يجوز فلما شكا إليه أصحابه الذين يصلون معه الرمضاء وأرادوا منه التأخير إلى أن يسكن الحر لم يجبهم إلى ذلك إذ كانوا معه ثم أمر بالابراد من لم يحضره توسعة على أمته وتسهيلا عليهم وكذلك تغليسه بالفجر وقوله أسفروا بالفجر

[ 104 ]

ومما يدل على أنه كان يصلي الظهر للزوال ولا يؤخرها حديث إسماعيل بن علية عن عوف عن المنهال عن أبي برزة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الهجير التي يسمونها الاولى حين تدحض الشمس يعني حين تزول قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما كفر بالله نبي قط وأنه بعث إليه ملكان فاستخرجا من قلبه وهو صغير علقة ثم غسلا قلبه ثم رداه إلى مكانه ثم رويتم أنه كان على دين قومه أربعين سنة وأنه زوج ابنتيه عتبة بن أبي لهب وأبا العاص بن الربيع وهما كافران قالوا وفي هذا تناقض واختلاف وتنقص لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس لاحد فيه بنعمة الله متعلق ولا مقال إذا عرف معناه لان العرب جميعا من ولد إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام خلا اليمن ولم يزالوا على بقايا من دين أبيهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن ذلك حج البيت وزيارته والختام والنكاح وإيقاع الطلاق إذا كان ثلاثا وللزوج الرجعة في الواحدة والاثنتين ودية النفس مائة من الابل والغسل من الجنابة واتباع الحكم في المبال في الخنثى وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والصهر والنسب وهذه أمور مشهورة عنهم وكانوا مع ذلك يؤمنون بالملكين الكاتبين قال الاعشى وهو جاهلي

[ 105 ]

فلا تحسبني كافرا لك نعمة على شاهدي يا شاهد الله فاشهد يريد على لساني يا ملك الله فاشهد بما أقول ويؤمن بعضهم بالبعث والحساب قال زهير بن أبي سلمى وهو جاهلي لم يلحق الاسلام في قصيدته المشهورة التي تعد من السبع يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم الحساب أو يعجل فينقم وكانوا يقولون في البلية وهي الناقة تعقل عند قبر صاحبها فلا تعلف ولا تسقى حتى تموت إن صاحبها يجئ يوم القيامة راكبها وإن لم يفعل أولياؤه ذلك بعده جاء حافيا راجلا وقد ذكرها أبو زبيد فقال كالبلايا رؤوسها في الولايا ما نحات السموم حر الخدود والولايا البراذع وكانوا يقورون البرذعة ويدخلونها في عنق تلك الناقة فقال النابغة محلتهم ذات الاله ودينهم قويم فما يرجون غير العواقب يريد الجزاء بأعمالهم ومحلتهم الشام

[ 106 ]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على دين قومه يراد على ما كانوا عليه من الايمان بالله والعمل بشرائعهم في الختان والغسل والحج والمعرفة بالبعث والقيامة والجزاء وكان مع هذا لا يقرب الاوثان ولا يعيبها وقال بغضت إلي غير أنه كان لا يعرف فرائض الله تعالى والشرائع التي شرعها لعباده على لسانه حتى أوحي إليه وكذلك قال الله تعالى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى يريد ضالا عن تفاصيل الايمان والاسلام وشرائعه فهداك الله عزوجل وكذلك قوله تعالى ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان يريد ما كنت تدري ما القرآن ولا شرائع الايمان ولم يرد الايمان الذي هو الاقرار لان آباءه الذين ماتوا على الكفر والشرك كانوا يعرفون الله تعالى ويؤمنون به ويحجون له ويتخذون آلهة من دونه يتقربون بها إليه تعالى وتقربه فيما ذكروا منه ويتوقون الظلم ويحذرون عواقبه ويتحالفون على أن لا نبغي على أحد ولا نظلم وقال عبد المطلب لملك الحبشة حين سأله حاجته فقال إبل ذهبت لي فعجبه منه كيف لم يسأله الانصراف عن البيت فقال إن لهذا البيت من يمنع منه أو كما قال فهؤلاء كانوا يقرون بالله تعالى ويؤمنون به فكيف لا يكون الطيب المطهر قبل الوحي يؤمن به وهذا لا يخفى على أحد ولا يذهب عليه أن مراد الله تعالى في قوله ما كنت تدري ما الكتاب ولا الايمان أن الايمان شرائع الايمان قال أبو محمد ومعنى هذا الحديث أنه كان على دين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام

[ 107 ]

وقومه هؤلاء لا أبو جهل وغيره من الكفار لان الله تعالى حكى عن إبراهيم فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم وقال لنوح إنه ليس من أهلك يعني ابنه لما كان على غير دينه وأما تزويجه ابنتيه كافرين فهذا أيضا من الشرائع التي كان لا يعلمها وإنما تقبح الاشياء بالتحريم وتحسن بالاطلاق والتحليل وليس في تزويجهما كافرين قبل أن يحرم الله تعالى عليه إنكاح الكافرين وقيل أن ينزل عليه الوحي ما يلحق به كفرا بالله تعالى قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره ثم رويتم إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا وأنه قال خير أمتي القرن الذي بعثت فيه قالوا وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في ذلك تناقض ولا اختلاف لانه أراد بقوله إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا أن أهل الاسلام حين بد قليل وهم في آخر الزمان قليل إلا أنهم خيار ومما يشهد لهذا ما رواه معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن الاوزاعي عن يحيى أو عروة بن رويم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال خيار أمتي أولها وآخرها وبين ذلك ثبج أعوج ليس منك ولست منه والثبج الوسط وقد جاءت في هذا آثار منها أنه ذكر آخر الزمان فقال المتمسك منهم يومئذ بدينه كالقابض على الجمر

[ 108 ]

ومنها حديث آخر ذكر فيه أن الشهيد منهم يومئكشهيد بدر وفي حديث آخر أنه سئل عن الغرباء فقال الذين يحيون ما أمات الناس من سنتي وأما قوله خير أمتي القرن الذي بعثت فيه فلسنا نشك في أن صحابته خير ممن يكون في آخر الزمان وأنه لا يكون لاحد من الناس مثل الفضل الذي أوتوه وإنما قال مثل أمتي مثل المطر لا يدرى أوله خير أم آخره على التقريب لهم من صحابته كمايقال ما أدري أوجه هذا الثوب أحسن أم مؤخره ووجهه أفضل إلا أنك أردت تقريب منه وكما تقول ما أدري أوجه هذه المرأة أحسن أم قفاها ووجهها أحسن إلا أنك أردت تقريب ما بينهما في الحسن ومثل هذا قوله في تهامة إنها كبديع العسل لا يدرى أوله خير أم آخره والبديع الزق وإذا كان العسل في زق ولم يختلف اختلاف اللبن في الوطب فيكون أوله خيرا من آخره ولكنه يتقارب فلا يكون لاوله كبير فضل على آخره قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تفضلوني على يونس بن متى ولا تخايروا بين الانبياء ثم رويتم أنه قال أنا سيد ولد آدم ولا فخر وأنا أول من تنشق عنه الارض ولا فخر قالوا وهذا اختلاف وتناقض

[ 109 ]

قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف ولا تناقض وإنما أراد أنه سيد ولد آدم يوم القيامة لانه الشافع يومئذ والشهيد وله لواء الحمد والحوض وهو أول من تنشق عنه الارض وأراد بقوله لا تفضلوني على يونس طريق التواضع وكذلك قول أبي بكر رضي الله عنه وليتكم ولست بخيركم وخص يونس لانه دون غيره من الانبياء مثل إبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم وسلم أجمعين يريد فإذا كنت لاأحب أن أفضل على يونس فكيف غيره ممن هو فوقه وقد قال الله تعالى فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت أراد أن يونس لم يكن له صبر كصبر غيره من الانبياء وفي هذه الآية ما دلك على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه لان الله تعالى يقول له لا تكن مثله وذلك على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد بقوله لا تفضلوني عليه طريق التواضع ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أكثر عملا مني ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم مني محنة وليس ما أعطى الله تعالى نبينا صلى الله عليه وسلم يوم القيامة من السؤدد والفضل على جميع الانبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله تعالى إياه واختصاصه له وكذلك أمته أسهل الامم محنة بعثه الله تعالى إليها بالحنيفية السهلة ووضع عنها الاصر والاغلال التي كانت على بني إسرائيل في فرائضهم وهي مع هذا خير أمة أخرجت للناس بفضل الله تعالى

[ 110 ]

قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر ولا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ثم رويتم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق والزنا والسرق أعظم عند الله من مثقال حبة من خردل من كبر قالوا وهذا اختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف وهذا الكلام خرج مخرج الحكم يريد ليس حكم من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان أن يدخل النار ولا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من كبر أن يدخل الجنة لان الكبرياء لله تعالى ولا تكولغيره فإذا نازعها الله تعالى لم يكن حكمه أن يدخل الجنة والله تعالى يفعل بعد ذلك ما يشاء ومثل هذا من الكلام قولك في دار رأيتها صغيرة لا ينزل في هذا الدا أمير تريد حكمها وحكم أمثالها أن لا ينزلها الامراء وقد يجوز أن ينزلوها وقولك هذا بلد لا ينزله حر تريد ليس حكمه أن ينزله الاحرار وقد يجوز أن ينزلوه وكذلك قوله من صام الدهر ضيقت عليه جهنم لانه رغب عن هدية الله تعالى وصدقته ولم يعمل برخصته ويسره والراغب عن الرخصة كالراغب عن العزم وكلاهما مستحق للعقوبة إن عاقبه الله عزوجل

[ 111 ]

وكذلك قوله ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم أي حكمه أن يجزيه بذلك والله يفعل ما يشاء وهو على حديث أبي هريرة من وعده الله تعالى على عمل ثوابا فهو منجزه له ومن أوعده على عمل عقابا فهو فيه بالخيار وحدثني إسحاق بن إبراهيم الشهيدي قال نا قريش بن أنس قال سمعت عمرو بن عبيد يقول يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله عزوجل فيقول لي لم قلت إن القاتل في النار فأقول أنت قلته يا رب ثم تلا هذه الآية ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها فقلت له وما في البيت أصغر مني أرأيت إن قال لك فإني قد قلت إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر له قال فما استطاع أن يرد علي شيئا قالوا حديث يبطله القرآن قال ورويتم أن رجلا قال لبنيه إذا أنا مت فأحرقوني ثم اذروني في اليم لعلي أضل اللففعلوا ذلك فجمعه الله ثم قال له ما حملك أو كلاما هذا معناه على ما فعلت قامخافتك يا رب فغفر الله له قالوا وهذا كافر والله لا يغفر للكافر وبذلك جاء القرآن قال أبو محمد ونحن نقول في أضل الله إنه بمعنى أفوت الله تقول ضللت كذا وكذا وأضللته ومنه قول الله تعالى في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى أي لا يفوت ربي

[ 112 ]

وهذا رجل مؤمن بالله مقر به خائف له إلا أنه جهل صفة من صفاته فظن أنه إذ أحرق وذري الريح أنه يفوت الله تعالى فغفر الله تعالى له بمعرفته تأنيبه وبمخافته من عذابه جهله بهذه الصفة من صفاته وقد يغلط في صفات الله تعالى قوم من المسلمين ولا يحكم عليهم بالنار بل ترجأ أمورهم إلى من هو أعلم بهم وبنياتهم قالوا حديث يبطله القرآن قالوا رويتم أنه قال عليه السلام من ترك قتل الحيات مخافة الثأر فقد كفر والله تعالى يقول إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وهذا إن كان ذنبا فهو من الصغائر فكيف نكفره وأنتم تروون من زنى ومن سرق إذا قال لا إله إلا الله فهو مؤمن وهو في الجنة ثم تكفرون بترك قتل الحيات وفي هذا اختلاف وتناقض قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف ولا تناقض ولم يكن القصد لترك قتل الحيات ولا أن ذلك يكون عظيما من الذنوب يخرج به الرجل إلى الكفر وإنما العظيم أن يتركها خشية الثأر وكان هذا أمرا من أمور الجاهلية وكانوا يقولون إن الجن تطلب بثأر الجان إذا قتل فربما قتلت قاتله وربما أصابته بخبل وربما قتلت ولده

[ 113 ]

فأعلمهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن هذا باطل وقال من صدق بهذا فقد كفر يريد بما أتينا به من بطلانه والكفر عندنا صنفان أحدهما الكفر بالاصل كالكفر بالله تعالى أو برسله أو ملائكته أو كتبه أو بالبعث وهذا هو الاصل الذي من كفر بشئ منه فقد خرج عن جملة المسلمين فإن مات لم يرثه ذو قرابته المسلم ولم يصل عليه والآخر الكفر بفرع من الفروع على تأويل الكفر بالقدر والانكار للمسح على الخفين وترك إيقاع الطلاق الثلاث وأشباه هذا وهذا لا يخرج به عن الاسلام ولا يقال لمن كفر بشئ منه كافر كما أنه يقال للمنافق آمن ولا يقال مؤمن قالوا حديث يكذبه النظر والعيان والخبر والقرآن قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال منبري هذا على ترعة من ترع الجوما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة والله عزوجل يقول عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى ويقول تعالى وجنة عرضها السماوات والارض أعدت للمتقين ورويتم في غير حديث أن الجنة في السماء السابعة قالوا وهذا اختلاف وتناقض قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف ولا تناقض فإنه لم يرد بقوله ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة أن ذلك بعينه روضة وإنما أراد أن

[ 114 ]

الصلاة في هذا الموضع والذكر فيه يؤدي إلى الجنة فهو قطعة منها ومنبري هذا هو على ترعة من ترالجنة والترعة باب المشرعة إلى الماء أي إنما هو باب إلى الجنة قال أبو محمد وحدثنا أبو الخطاب قال نا بشر بن المفضل قال نا عمر بن عبد الله مولى غفرة عن أيوب بن خالد الانصاري قال قال جابر بن عبد الله الانصاري خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ارتعوا في رياض الجنة قالوا وأين رياض الجنة يا رسول الله قال مجالس الذكر وهذا كما قال في حديث آخر عائد المريض على مخارف الجنة والمخارف الطرق واحدها مخرفة ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه تركتكم على مثل مخرفة النعم أي طريقها وإنما أراد أن عيادة المريض تؤدي إلى الجنة فكأنه طريق إليها وكذلك مجالس الذكر تؤدي إلى رياض الجنة فهي منها وكذلك قول عمار بن يأس الجنة تحت البارقة يعني السيوف والجنة تحت ظلال السيوف يريد أن الجهاد يؤدي إلى الجنة فكأن الجنة تحته وقد يذهب قوم إلى أن ما بين قبره ومنبره حذاء روضة من رياض الجنة وأن منبره حذاء ترعة من ترع الجنة فجعلهما من الجنة إذا كانا في الارض حذاء ذينك في السماء والاول أحسن عندي والله أعلم قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الائمة من قريش ورويتم أن أبا بكر الصديق احتج بذلك على الانصار يوم سقيفة بني ساعدة

[ 115 ]

ثم رويتم عن عمر رضي الله عنه أنه قال عند موته لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا ما تخالجني فيه الشك وسالم ليس مولى لابي حذيفة وإنما هو مولى لامرأة من الانصار وهي أعتقته وربته ونسب إلى أبي حذيفة بحلف فجعلتم الامامة تصلح لموالي الانصار ولو كان مولى لقريش لامكن أن تحتجوا بأن مولى القوم منهم ومن أنفسهم قالوا وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا القول تناقض وإنما كان يكون تناقضا لو قال عمر لو كان سالم حيا ما تخالجني الشك في توليته عليكم أو في تأميره فأما قوله ما تخالجني الشك فيه فقد يحتمل غير ما ذهبوا إليه وكيف يظن بعمر رضي الله عنه أنه يقف في خيار المهاجرين والذين شهد لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة فلا يختار منهم ويجعل الامر شورى بينهم ولا يتخالجه الشك في توليته سالما عليهم رضي الله عنه هذا خطأ من القول وضعف في الرأي ولكن عمر لما جعل الامر شورى بين هؤلاء ارتاد للصلاة من يقوم بها أن يختاروا الامام منهم وأجلهم في الاختيار ثلاثا وأمر عبد الله ابنه أن يأمرهم بذلك فذكر سالما فقال لو كان حيا ما تخالجني فيه الشك وذكر الجارود العبدي فقال لو كان أعيمش بني عبد القيس حيا لقدمته

[ 116 ]

وقوله لقدمته دليل على أنه أراد في سالم مثل ذلك من تقديمه للصلاة بهم ثم أجمع على صهيب الرومي فأمره بالصلاة إلى أن يتفق القوم على اختيار رجل منهم قالوا حديث يكذبه النظر والخبر قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الشمس تطلع من بين قرني شيطان فلا تصلوا لطلوعها قالوا فجعلتم للشيطان قرونا تبلغ السماء وجعلتم الشمس التي هي مثل الارض مرات تجري بين قرنيه وأنتم مع هذا تزعمون أن الشيطان يجري من بن آدم مجرى الدم فهو في هذه الحال ألطف من كل شئ وهو في تلك الحال أعظم من كل شئ وجعلتم علة ترك الصلاة في وقت طلوع الشمس طلوعها من بين قرنيه وما على المصلي لله تعالى إذا جرت الشمس بين قرني الشيطان وما في هذا مما يمنع من الصلاة لله تعالى قال أبو محمد ونحن نقول إن إنكارهم لهذا الحديث إن كان من أجل أنهم لا يؤمنون بخلق الشياطين والجن وبأن الله تعالى جعل في تركيبها أن تتحول محال إلى حال فتتمثل مرة في صورة شيخ ومرة في صورة شاب ومرة في مثال نار ومرة في مثال كلب ومرة في مثال جان ومرة تصل إلى السماء ومرة تصل إلى القلب ومرة تجري مجرى الدم فهؤلاء مكذبون بالقرآن وبما تواطأت عليه الاخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والانبياء المتقدمين وكتب الله تعالى المتقدمة والامم الخالية لان الله تعالى قد أخبرنا في كتابه أن الشياطين يقعدون من السماء مقاعد للسمع وأنهم يرمون بالنجوم

[ 117 ]

وأخبرنا الله تعالى عن الشيطان أنه قال ولاضلنهم ولامنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الانعام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله وهو لا يظهر لنا فكيف يأمرنا بهذه الاشياء لولا أنه يصل إلى القلوب بالسلطان الذي جعله الله تعالى له فيوسوس بذلك ويزين ويمني كما قال الله عزوجل وكما روي في الحديث أنه رئي مرة في صورة شيخ نجدي ومرة في صورة ضفدع ومرة في صورة جان وقد سمى الله تعالى الجن رجالا كما سمانا رجالا فقال تعالى وأنه كان رجال من الانس يعوذون برجال من الجن وقال في الحور العين لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فدل ذلك على أن الجن تطمث كما يطمث ث الانس والطمث الوطئ بالتدمية قال أبو محمد ونحن لم نرد في هذا الكتاب أن نرد على الزنادقة ولا المكذبين بآيات الله عزوجل ورسله وإنما كان غرضنا الرد على من ادعى على الحديث التناقض والاختلاف واستحالة المعنى من المنتسبين إلى المسلمين وإن كان إنكاره لهذا الحديث لانه رآه لا يقوم في وهمه ولانه لا معنى لترك الصلاة من أجل أن الشمس تطلع بين قرني شيطان فنحن نريه المعنى حتى يتصور في وهمه له بإذن الله تعالى ويحسن عنده ولا يمتنع على نظره

[ 118 ]

وإنما أمرنا بترك الصلاة مع طلوع الشمس لانه الوقت الذي كانت فيه عبدة الشمس يسجدون فيه للشمس وقد درج كثيمن الامم السالفة على عبادة الشمس والسجود لها فمن ذلك ما قص الله تبارك وتعالى علينا في نبأ ملكة سبأ أن الهدهد قال لسليمان عليه السلام إني وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم وكان في العرب قوم يعبدون الشمس ويعظمونها ويسمونها الالهة قال الاعشى فلم أذكر الرهب حتى انفتلت قبيل الالاهة منها قريبا يعني الشمس وكان بعض القراء يقرأ أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الارض ويذرك وإلهتك يريد ويذرك والشمس التي تعبد فكره لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي في الوقت الذي يسجد فيه عبدة الشمس للشمس وأعلمنا أن الشياطين حينئذ أو أن إبليس في ذلك الوقت في جهة مطلع الشمس فهم يسجدون له بسجودهم للشمس ويؤمونه ولم يرد بالقرن ما تصوروا في أنفسهم من قرون البقر وقرون الشاء وإنما القرن ههنا حرف الرأس وللرأس قرنان أي حرفان وجانبان ولا أرى القرن الذي يطلع في ذلك الموضع سمي قرنا إلا باسم موضعه كما تسمي العر ب الشئ باسم ما كان له موضعا أو سببا فيقولون رفع عقيرته يريدون صوته لان رجلا قطعترجله فرفعها واستغاث من أجلها فقيل لمن رفع صوته رفع عقيرته

[ 119 ]

ومثل هذا كثير فكلام العرب وكذلك قوله في المشرق من ههنا يطلع قرن الشيطان لا يريد به ما يسبق إلى وهم السامع من قرون البقر وإنما يريد من ههنا يطلع رأس الشيطان وكان وهب بن منبه يقول في ذي القرنين إنه رجل من أهل الاسكندرية واسمه الاسكندروس وأنه كان حلم حلما رأى فيه أنه دنا من الشمس حتى أخذ بقرنيها في شرقها وغربها فقص رؤياه على قومه فسموه ذي القرنين وأراد بأخذه بقرنيها أنه أخذ بجانبيها والقرون أيضا خصل الشعر كل خصلة قرن ولذلك قيل للروم ذات القرون يراد أنهم يطولون الشعور فأراد صلى الله عليه وسلم أن يعلمنا أن الشيطان في وقت طلوع الشمس وعند سجود عبدتها لها مائل مع الشمس فالشمس تجري من قبل رأسه فأمرنا أن لا نصلي في هذا الوقت الذي يكفر فيه هؤلاء ويصلون للشمس وللشيطان وهذا أمر مغيب عنا لا نعلم منه إلا ما علمنا والذي أخبرتك به شئ يحتمله التأويل ويباعده عن الشناعة والله أعلم ولم يأت أهل التكذيب بهذا وأشباهه إلا لردهم الغائب عنهم إلى الحاضر عندهم وحملهم الاشياء على ما يعرفون من أنفسهم ومن الحيوان والموات واستعمالهم حكم ذوي الجثث في الروحانيين فإذا سمعوا بملائكة على كواهلها العرش وأقدامها في الارض السفلى استوحشوا من ذلك لمخالفته ما شاهدوا وقالوا كيف تخرق جثث هؤلاء السماوات وما بينهما والارضين وما فوقها من غير أن نرى لذلك أثرا

[ 120 ]

وكيف يكون خلق له هذه العظمة وكيف تكون أرواحا ولها كواهل وأقدار وإذا سمعوا بأن جبريل عليه السلام مرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم في صورة أعرابي ومرة في صورة دحية الكلبي ومرة في صورة شاب ومرة سد بجناحيه ما بين المشرق والمغرب قالوا كيف يتحول من صورة إلى صورة وكيف يكون مرة في غاية الصغر ومرة في غاية الكبر من غير أن يزاد في جسمه ولا جثته وأعراضه لانهم لا يعاينون إلا ما كان كذلك وإذا سمعوا بأن الشيطان يصل إلى قلب بن آدم حتى يوسوس له ويخنس قالوا من أين يدخل وهل يجتمروحان في جسم وكيف يجري مجرى الدم قال أبو محمد ولو اعتبروا ما غاب عنهم بما رأوه من قدرة الله عزوجل لعلموا أن الذي قدر على أن يفجر مياه الارض كلها إلى البحر منذ خلق الله الارض وما عليها فهي تفضي إليه من غير أن يزيد فيه أو ينقص منه ولو جعل لنهر منها مثل دجلة أو الفرات أو النيل سبيل إلى ما على وجه الارض من المدائن والقرى والعمارات والخراب شهرا لم يبق على ظهرها شئ إلا هلك هو الذي قدر على ما أنكروا وأن الذي قدر أن يحرك هذه الارض على عظمها وكثافتها وبحارها وأطوادها وأنهارها حتى تتصدع الجبال وحتى تغيض المياه وحتى ينتقل جبل من مكان إلى مكان هو الذي لطف لما قدر وأن الذي وسع إنسان العين مع صغره وضعفه لادراك نصف الفلك على عظمه حتى رأى النجم من المشرق ورقيبه من المغرب وما بينهما وحتى خرق من الجو مسيرة خمسمائة عام هو الذي خلق ملكا ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة خمسمائة عام

[ 121 ]

فهل ما أنكر إلا بمنزلة ما عرف وهل ما رأى إلا بمنزلة ما لم يره فتعالى الله أحسن الخالقين قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهودانه وينصرانه ثم رويتم الشقي من شقي في بطن أمه والسعيد من سعد في بطن أمه وأن النطفة إذا انعقدت بعث الله عزوجل إليها ملكا يكتب أجله ورزقه وشقي أو سعيد وأنه مسح على ظهر آدم فقبض قبضة فقال إلى الجنة برحمتي وقبض أخرى فقال إلى النار ولا أبالي قالوا وهذا تناقض واختلاف فرق بين المسلمين واحتج به أهل القدر وأهل الاثبات رحمه اللهقال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا تناقض ولا اختلاف بنعمة الله تعالى ولو عرفت المعتزلة ما معناه ما فارقت المثبتة إن لم يكن الاختلاف إلا لهذا الحديث والفطرة ههنا الابتداء والانشاء ومنه قوله تعالى الحمد لله فاطر السماوات والارض أي مبتدئهما وكذلك قوله فطرة الله التي فطر الناس عليها يريد جبلته التي جبل الناس عليها وأراد بقوله كل مولود يولد على الفطرة أخذ الميثاق الذي أخذه عليهم في اصلاب آبائهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى

[ 122 ]

فلست واجدا أحدا إلا وهو مقر بأن له صانعا ومدبرا وإن سماه بغير اسمه أو عبد شيئا دونه ليقربه منه عند نفسه أو وصفه بغير صفته أو أضاف إليه متعالى عنه علوا كبيرا قال الله تعالى ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فكل مولود في العالم على ذلك العهد والاقرار وهي الحنيفية التي وقعت في أول الخلق وجرت في فطر العقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى إني خلقت عبادي جميعا حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم ثم يهود اليهود أبناءهم ويمجس المجوس أبناءهم أي يعلمونهم ذلك وليس الاقرار الاول مما يقع به حكم أو عليه ثواب ألا ترى أن الطفل من أطفال المشركين ما كان بين أبويه فهو محكوم عليه بدينهما لا يصلى عليه إن مات ثم يخرج عن كنفهما إلى مالك من المسلمين فيحكم عليه بدين مالكه ويصلى عليه إن مات ومن وراء ذلك علم الله تعالى فيه وفرق ما بين أهل القدر وأهل الاثبات في هذا الحديث أن الفطرة عند أهل القدر الاسلام فتناقض عندهم الحديثان والفطرة عند أهل الاثبات العهد الذي أخذه عليهم حين فطروا فاتفق الحديثان ولم يختلفا وصار لكل واحد منهما موضع قالوا حديث يفسد أوله آخره صلى الله عليه وسلم قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا قام أحدكم من منامه فلا يغمس يده

[ 123 ]

في الاناء حتى يغسلها ثلاثا فإنه لا يدري أين باتت يده قالوا وهذا حديث جائز لولا قوله فإنه لا يدري أين باتت يده وما منا أحد إلا وقد درى أن يده باتت حيث بات بدنه وحيث باتت رجله وأذنه وأنفه وسائر أعضائه وأشد الامور أن يكون مس بها فرجه في نومه ولو أن رجلا مس فرجه في يقظته لما نقض ذلك طهارته فكيف بأن يمسه وهو لا يعلم والله لا يؤاخذ الناس بما لا يعلمون فإن النائم قد يهجر في نومه فيطلق ويكفر ويفتري ويحتلم على امرأة جاره وهو عند نفسه في نومه زان ثم لا يكون بشئ من ذلك مؤاخذا في أحكام الدنيا ولا في أحكام الآخرة قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا النظارعلم شيئا وغابت عنه أشياء أما علم أن كثيرا من أهل الفقه قد ذهبوا إلى ان الوضوء يجب من مس الفرج في المنام واليقظة بهذا الحديث وبالحديث الآخر من مس فرجه فليتوضأ وإن كنا نحن لا نذهب إلى ذلك ونرى أن الوضوء الذي أمر به من مس فرجه غسل اليد لان الفروج مخارج الحدث والنجاسات وكذلك الوضوء عندنا ممامست النار إنما هو غسل اليد من الزهم والاطبخة والشواء وقد بينا ذلك في غير موضع وأتينا بالدلائل عليه فإذا كان الوضوء من مس الفرج هو غسل اليدين تبين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المستيقظ من منامه أن يغسل يده قبل أن يدخلها الاناء لانه لا يدري أين باتت يده يقول لعله في منامه مس بها فرجه أو دبره وليس يؤمن أن يصيب يده قاطر

[ 124 ]

بول أو بقية مني إن كان جامع قبل المنام فإذا أدخلها في الاناء قبل أن يغسلها أنجس الماء وأفسده وخص النائم بهذا لان النائم قد تقع يده على هذه المواضع وعلى دبره وهو لا يشعر فأما اليقظان فإنه إذا لمس شيئا من هذه المواضع فأصاب يده منه أذى علم به ولم يذهب عليه فغسلها قبل أن يدخلها في الاناء أو يأكل أو يصافح قالوا حديث يفسد أوله آخره قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في أعطان الابل لانها خلقت من الشياطين ونهيه عن الصلاة في أعطان الابل لا ينكر وهو جائز في التعبد فلما وصلتم ذلك بأنها خلقت من الشياطين علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أن الابل خلقت من الابل كما أن البقر خلقت من البقر والخيل من الخيل والاسد من الاسد والذباب من الذباب قال أبو محمد ونحن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم وغير النبي يعلم أن البعير تلده الناقة وأنه لا يجوز أن تكون شيطانة تلد جملا ولا أن ناقة تلد شيطانا وإنما أعلمنا أنها في أصل الخلقة خلقت من جنس خلقت منه الشياطين ويدلك على ذلك قوله في حديث آخر إنها خلقت من أعنان الشياطين يريد من جوانبها ونواحيها كما يقال بلغ فلان أعنان السماء أي نواحيها وجوانبها ولو كانت من نسلها لقال فإنها خلقت من نسلها أو بطونها أو اصلابها وأما يشبه هذا

[ 125 ]

ولم تزل العرب تنسب جنسا من الابل إلى الحوش فتقول ناقة حوشية وإبل حوشية وهي أنفر الابل وأصعبها ويزعمون أن للجن نعما ببلاد الحوش وأنها ضربت في نعم الناس فنتجت هذه الحوشية قال رؤبة جرت رحانا من بلاد الحوش وقد يجوز على هذا المذهب أن تكون في الاصل من نتاج نعم الجن لا من الجن أنفسها ولذلك قال من أعنان الشياطين أي من نواحيها وهذا شئ لا ينكره إلا من أنكر الجن أنفسها والشياطين ولم يؤمن إلا بما رأته عينه وأدركته حواسه وهو من عقد قوم من الزنادقة والفلاسفة يقال هم الدهرية وليس من عقد المسلمين قالوا حديث يفسد بعضه بعضا قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أن الكلاب أمة من الامم لامرت بقتلها ولكن اقتلوا منها كل أسود بهيم وقال الاسود شيطان قالوا فكأنه إنما قتله لانه أسود أو لانه شيطان مع عفوه عن جماعة الكلاب لانها أمة وليس في كونها أمة علة تمنع من القتل ولا توجبه

[ 126 ]

قالوا ثم رويتم أنه عليه السلام أمر بقتل الكلاب حتى لم يبق بالمدينة كلب فكيف قتلها وهي أمة أولا منعه ذلك من قتلها قالوا وقد صارت العلة التي بها عفا عنها هي العلة التي قتلها لها قال أبو محمد ونحن نقول إن كل جنس خلقه الله تعالى من الحيوان أمة كالكلاب والاسد والبقر والغنم والنمل والجراد وما أشبه هذا كما أن الناس أمة وكذلك الجن أمة يقول الله تعالى وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم يريد أنها مثلنا في طلب الغذاء والعشاء وابتغاء الرزق وتوقي المهالك وكذلك الجن قد خاطبهم الله تعالكما خاطبنا إذ يقول يا معشر الجن والانس ألم يأتكم رسل منكم ولو أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتل الكلاب على كل حال لافنى أمة وقطع أثرها وفي الكلاب منافع للناس في حراسة منازلهم وحفظ نعمهم وحرثهم مع الارتفاق بصيدها فإن كثيرا من الاعراب ونازلة القفر لا غذاء لهم ولا معاش إلا بها والله تعالى يقول فكلوا مما أمسكن عليكم وفي ذلك دليل على أنه تعالى خلقها لمنافعنا وقد كان أبو عبيدة يذكر أن رجلين سافرا ومع أحدهما كلب له فوقع عليهما اللصوص فقاتل أحدهما حتى غلبو أخذ فدفن وترك رأسه بارزا وجاءت الغربان وسباع الطير فحامت حوله تريد أن تنهشه وتقلع عينيه ورأى ذلك كلب كان معه

[ 127 ]

فلم يزل ينبش التراب عنه حتى استخرجه ومن قبل ذلك قد فر صاحبه وأسلمه قال ففي ذلك يقول الشاعر يعرد عنه جاره ورفيقه وينبش عنه كلبه وهو ضاربه وليس لشئ من الحيوان مثل محاماته على أهله وذبه عنهم مع الاساءة إليه والطرد والضرب والاخبار عن الكلاب في هذا كثيرة صحاح ونكره الاطالة بذكرها وليس تخلو الكلاب من أن تكون أمة من أمم السباع أو تكون أمة من الجن كما قال بن عباس الكلاب أمة من الجن وهي ضعفة الجن فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا لها فإن لها أنفسا يعني أن لها عيونا تصيب بها والنفس العين يقال أصابت فلانا نفس أي عين وقال أيضا الجان مسيخ الجن كما مسخت القردة من بني إسرائيل ولا يبعد أيضا أن تكون الكلاب كذلك وهذه الامور لا تدرك بالنظر والقياس والعقول وإنما ينتهى فيها إلى ما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم أو ما قاله من سمع منه وشاهده فإنهم لا يقضون على مثله إلا بسماع منه أو سماع ممن سمعه أو بخبر صادق من خبر الكتب المتقدمة وليس هو من أمور الفرائض والسنن وليس علينا وكف ولا نقص من أن تكون الكلاب من السباع أو الجن أو الممسوخ

[ 128 ]

فإن كانت من السباع فإنما أمر بقتل الاسود منها وقال هو شيطان لان الاسود البهيم منها أضرها وأعقرها والكلب إليه أسرع منه إلى جمعها وهو مع هذا أقلهنفعا وأسوؤها حراسة وأبعدها من الصيد وأكثرها نعاسا وقال هو شيطان يريد أنه أخبثها كما يقال فلان شيطان وما هو إلا شيطان مارد وما هو إلا أسد عاد وما هو إلا ذئب عاد يراد أنه شبيه بذلك وإن كانت الكلاب من الجن أو كانت ممسوخا من الجن فإنما أراد أن الاسود منها شيطانها فاقتلوه لضره والشيطان هو مارد الجن والجن هم الضعفة والجن أضعف من الجن وأما قتله كلاب المدينة فليس فيه نقض لقوله لولا أن الكلاب أمة من الامم لامرت بقتلها لان المدينة في وقته صلى الله عليه وسلم مهبط وحي الله تعالى مع ملائكته والملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب ولا صورة روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثني محمد بن خالد بن خداش قال حدثني مسلم بن قتيبة عن يونس بن أبي إسحاق عن مجاهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال لي جبريل عليه السلام لم يمنعني من الدخول عليك البارحة إلا أنه كان على با ب بيتك ستر فيه تصاوير وكان في بيتك كلب فمر به فليخرج وكان الكلب جروا للحسن والحسين تحت نضد لهم وهذا دليل على أنها كما تكره الكلاب في البيوت تكره أيضا في المصر فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها أو بالتخفيف منها فيما قرب منها وأمسك عن سائرها مما بعد من مهبط الملائكة ومنزل الوحي قال أبو محمد النضد السرير لان الثياب تنضدد فوقه

[ 129 ]

قالوا حديث يفسد أوله آخره صلى الله عليه وسلم قالوا رويتم أنه قال خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم الغراب والحدأة والكلب والحية والفأرة قال فلو قال اقتلوا هذه الخمسة وخمسة معها لجاز ذلك في التعبد فأما أن تقتل لانها فواسق فهذا لا يجوز لان الفسق والهدى لا يجوز على شئ من هذه الاشياء والهوام والسباع والطير غير الشياطين وغير الجن والانس الذين يكون منهم الفسق والهداية قال أبو محمد ونحن نقول إن المعتقد أن الهوام والسباع والطير لا يجوز عليها عصيان ولا طاعة مخالف لكتاب الله عزوجل وأنبيائه ورسله وكتب الله المتقدمة لان الله تعالى قد أخبرنا عن نبيه سليمان عليه السلام أنه تفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين لاعذبنه عذابا شديدا أو لاذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين أي بعذر بين وحجة في غيبته وتخلفه ولا يجوز أن يعذبه إلا على ذنب ومعصية والذنوب والمعاصي تسمى فسوقا وما جاز أن يسمى عاصيا جاز أن يسمى فاسقا ثم حكى الله تعالى عن الهدهد بعد أن اعتذر إلى سليمان فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شئ ولها عرش عظيم وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزيه لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والارض ويعلم ما تخفون وما تعلنون

[ 130 ]

وهذا لو كان من أقاويل الحكماء بل لو كان من كلام الانبياء لكان كلاما حسنا وعظة بليغة وحجة بينة فكيف لا يجوز على هذا مطيع وعاص وفاسق ومهتد وقد حكى الله تعالى أيضا عن النمل ما حكاه في هذه السورة فقال وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير فجعلها تنطق كما ينطق الناس وقال حتى أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل الآية فجعلها تنطق كما ينطق الناس وقال وإن من شئ إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم وقال يا جبال أوبي معه والطير أي سبحي قال أبو محمد وقرأت في التوراة أن نوحا صلى الله عليه وسلم لما كان بعد أربعين يوما فتح كوة الفلك التي صنع ثم أرسل الغراب فخرج ولم يرجع حتى يبس الماء على وجه الارض وأرسل الحمامة مرة بعد مرة فرجعت حين أمست وفي منقارها ورقة زيتون فعلم أن الماء قد قل عن وجه الارض فدعا الله تعالى لها بالطوق في عنقها والخضاب في رجليها قال أبو محمد وقرأت أيضا في التوراة أن الله عزوجل قال لآدم حين خلقه كل ما شئت من شجر الفردوس وتأكل من شجرة علم الخير والشر فإنك يوم تأكل منها تموت يريد أنك تتحول إلى حال من يموت

[ 131 ]

وكانت الحية أعزم دواب البر فقالت للمرأة إنكما لا تموتان أن أكلتما منها ولكن أعينكما تنفتح وتكونان كالالاهة تعلمان الخير والشر فأخذت المرأة من ثمرتها فأكلت وأطعمت بعلها فانفتحت أبصارهما وعلما أنهما عريانان فوصلا من ورق التين واصطنعاه إزارا ثم سمعا صوت الله تعالى في الجنة حين تورك النهار فاختبأ آدم وامرأته في شجر الجنة فدعاهما فقال آدم سمعت صوتك في الفردوس ورأيتني عريانا فاختبأت منك فقال ومن أراك أنك عريان لقد أكلت من الشجرة التي نهيتك عنها فقال إن المرأة أطعمتني وقالت المرأة إن الحية أطغتني فقال الله عزوجل للحية من أجل فعلك هذا فأنت ملعونة وعلى بطنك تمشين وتأكلين التراب وسأغري بينك وبين المرأة وولدها فيكون يطأ رأسك وتكونين أنت تلدغينه بعقبه وقال للمرأة وأما أنت فأكثر أوجاعك وإحبالك وتلدين الاولاد بالالم وتردين إلى بعلك حتى يكون مسلطا عليك وقال لآدم صلى الله عليه وسلم ملعونة الارض من اجلك وتنبت الحاج والشوك وتأكل منها بالشقاء ورشح جبينك حتى تعود إلى التراب من أجل أنك تراب قال أبو محمد أفما ترى أن الحية أطغت واختدعت فلعنها الله تعالى وغير خلقها وجعل التراب رزقها أفما يجوز أن تسمى هذه فاسقة وعاصية وكذلك الغراب بمعصيته نوحا صلى الله عليه وسلم

[ 132 ]

ويرى أهل النظر أنه إنما سمي غراب البين لانه بان عن نوح عليه السلام فذهب ولذلك تشاءموا به وزجروا في نعيقه بالفراق والاغتراب واستخرجوا من اسمه الغربة وقالوا قذفته نوى غربة وهذا شاء مغرب وهذه عنقاء مغرب أي جائية من بعد يعنون العقاب وكل هذا مشتق من اسم الغراب لمفارقته نوحا صلى الله عليه وسلم ومباينته قال أبو محمد ومن الدليل أيضا حديث محمد بن سنان العوفي عن عبد الله بن الحارث بن أبزى المكي عن أمه رائطة بنت مسلم عن أبيها أنه قال شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا فقال لي ما اسمك قلت غراب فقال أنت مسلم كره أن يكون اسمه غرابا لفسق الغراب ومعصيته فسلماه مسلما ذهب إلى ضد معنى الغراب لان الغراب عاص والمسلم مطيع مأخوذ من الاستسلام وهو الانقياد والطاعة وكان عليه السلام يحب الاسم الحسن ويكره الاسم القبيح على ما قدمنا من القول في هذا الكتاب ولو أنا تركنا هذا المذهب الذي عليه المسلمون في تجويز الطاعة والمعصية على الحية والغراب والفأرة إلى ما يجوز في كلام العرب وفي اللغة لجاز لنا أن نسمي كل واحد من هذه فاسقا لان الفسق الخروج على الناس والايذاء عليهم يقال فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها وكل خارج عن شئ فهو فاسق قال الله تعالى إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أي خرج عن أمر ربه وطاعته فالحية تخرج على الناس من جحرها فتعبث بطعام الناس وتنهش وتكرع في شرابهم وتمج فيه ريقها

[ 133 ]

والفأرة أيضا تخرج من جحرها فتفسد أطعمتهم وتقرض ثيابهم وتضرم بالذبالة على أهل البيت بيتهم ولا شئ من حشرات الارض أعظم منها ضررا والغراب يقع على داء البعير الدبر فينقره حتى يقتله ولذلك تسميه العرب بن داية وينزع عن الخير ويختلس أطعمة الناس والكلب يعقر ويجرح وكذلك السباع العادية وكل هذه قد يجوز أن تسمى فواسق لخروجها على الناس واعتراضها بالمضار عليهم فأين كانوا عن هذا المخرج إذ قبح عندهم أن ينسبوا شيئا من هذه إلى طاعة أو معصية قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بأصواع من شعير فيا سبحان الله أمكان في المسلمين مواس ولا مؤثر ولا مقرض وقد أكثر الله عزوجل الخير وفتح عليهم البلاد وجبوا ما بين أقصى اليمن إلى أقصى البحرين وأقصى عمان ثم بياض نجد والحجاز وهذا مع أموال الصحابة كعثمان وعبد الرحمن وفلان وفلان فأين كانوا قالوا وهذا كذب وقائله أراد مدحة النبي صلى الله عليه وسلم بالزهد وبالفقر وليس هكذا تمدح الرسل وكيف يجوع من يجهز الجيوش ومن يسوق المئين من البدن وله مما أفاء الله عليه مثل فدك وغيرها

[ 134 ]

وذكر مالك بن أنس عن أبي الزبير عن جابر قال نحر النبي صلى الله عليه وسلم بالحديبية سبعين بدنة كل بدنة عن سبعة واستاق في عمر القضاء مكان عمرته التي صده المشركون ستين بدنة وكيف يجوع من وقف سبع حوائط متجاورة بالعالية ثم لا يجد مع هذا من يقرضه أصواعا من شعير حتى يرهن درعه (0) قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا ما يستعظم بل ما ينكر لان النبي صلى الله عليه وسلم كان يؤثر على نفسه بأمواله ويفرقها على المحقين من أصحابه وعلى الفقراء والمساكين وفي النوائب التي تنوب المسلمين ولا يرد سائلا ولا يعطي إذا وجد إلا كثيرا ولا يضع درهما فوق درهم وقالت له أم سلمة يا رسول الله أراك ساهم الوجه أمن علة فقال لا ولكنها السبعة الدنانير التي أتينا بها أمس نسيتها في خصم الفراس فبت ولم أقسمها وكانت عائشة رضي الله عنها تقول في بكائها عليه بأبي من لم ينم على الوثير ولم يشبع من خبز الشعير وليس يخلو قولها هذا من أحد أمرين إما أن يكون يؤثر بما عنده حتى لا يبقى عنده ما يشبعه وهذا بعض صفاته

[ 135 ]

والله عزوجل يقول ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة أو يكون لا يبلغ الشبع من الشعير ولا من غيره لانه كان يكره إفراط الشبع وقد كره ذلك كثير من الصالحين والمجتهدين وهو صلى الله عليه وسلم أولاهم بالفضل وأحراهم بالسبق وحدثنا أبو الخطاب قال أنا أبو عاصم عبيد الله بن عبد الله قال أنا المحبر بن هارون عن أبي يزيد المدني عن عبد الرحمن بن المرقع قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله تعالى لم يخلق وعاء ملئ شرا من بطن فإن كان لا بد فاجعلوا ثلثا للطعام وثلثا للشراب وثلثا للريج وقد قال مالك بن دينار إنما مثل المؤمن مثل المأبورة يريد أكلت في العلف إبرة فهي لا تأكل إذا أكلت في العلف إلا قليلا ولا ينجع فيها العلف وقد قيل لابن عمر في الجوارشن شئ فقال وما أصنع به وأنا لم أشبع منذ كذا يريد أنه كان يدع الطعام وبه إليه الحاجة وقال الحسن لرجل دخل عليه وهو يأكل كل فقال قد أكلت فما أشتهي شيئا قال يا سبحان الله وهل يأكل أحد حتى لا يشتهي شيئا وقال مالك بن دينار أو غيره لوددت أن رزقي في حصاة أمصها ولقد استحييت من الله تعالى لكثرة دخولي إلى الخلاء

[ 136 ]

وقال بكر بن عبد الله لم أجد طعم العيش حتى استبدلت الخمص بالكظة وحتى لم ألبس من ثيابي ما يستخدمني وحتى لم آكل إلا ما لاأغسل يدي منه فلما بكته صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها فقالت بأبي من يشبع من خبز الشعير وقد كان يأكل خبز الحنطة وخبز الشعير غير أنه لا يبلغ الشبع منه إما للحال الاولى أو للحال الاخرى فذكرت أخس الطعامين وأرادت أنه إذا كان لا يشبع منه على خساسته فغيره أحرى أن لا يشبع منه وقد قال عمر رضي الله عنه لو شئت لدعوت بصلاء وصناب وكراكر وأسنمة وقال لو شئت لامرت بفتية فذبحت وأمرت بدقي فنخل وأمرت بزبيب فجعل في سعن حتى يصير كدم الغزال هذا وأشباهه ولكني سمعت الله تعالى يقول لقوم أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون

[ 137 ]

وقد يأتي على البخيل الموسى تارات لا يحضره فيها مال وله الضيعة والاثاث والديون فيحتاج إلى أن يقترض وإلى أن يرهن فكيف بمن لا يبقى لدرهم ولا يفضل عن مواساته ونوائبه زاد وكيف يعلم المسلمون وأهل اليسار من صحابته بحاجته إلى الطعام وهو لا يعلمهم ولا ينشط في وقته ذلك إليهم وقد نجد هذا بعينه في أنفسنا وأشباهنا من الناس ونرى الرجل يحتاج إلى الشئ فلا ينشط فيه إلى ولده ولا إلى أهله ولا إلى جاره ويبيع العلق ويستقرض من الغريب والبعيد وإنما رهن درعه عند يهودي لان اليهود في عصره كانوا يبيعون الطعام ولم يكن المسلمون يبيعونه لنهيه عن الاحتكار فما الذي أنكروه من هذا حتى أظهروا التعجب منه وحتى رمى بعض المرقة الاعمش بالكذب من أجله قالوا حديث يبطله القياس قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر عمرو بن العاص أن يقضي بين قوم وأن عمرا قال له أقضي يا رسول الله وأنت حاضر فقال له اقض بينهم فإن أصبت فلك عشر حسنات وإن أخطأت فلك حسنة واحدة قالوا وهذا الحكم لا يجوز على الله تبارك وتعالى

[ 138 ]

وذلك أن الاجتهاد الذي يوافق الصواب من عمرو هو الاجتهاد الذي يوافق الخطأ وليس عليه أن يصيب إنما عليه أن يجتهد وليس يناله في موافقة الصواب من العمل والقصد والعناية واحتمال المشقة إلا ما يناله مثله في موافقته الخطأ فبأي معنى يعطى في أحد الاجتهادين حسنة وفي الآخر عشرا قال أبو محمد ونحن نقول إن الاجتهاد مع موافقة الصواب ليس كالاجتهاد مع موافقة الخطأ ولو كان هذا على ما أسس كان اليهود والنصارى والمجوس والمسلمون سواء وأهل الآراء المختلفة سواء إذا اجتهدوا وآراءهم وأنفسهم فأدتهم عقولهم أنهم على الحق وأن مخالفيهم على الخطأ قال أبو محمد ولكنا نقول إن من وراء اجتهاد كل امرء توفيق الله تعالى وفي هذا كلام يطول وليس هذا موضعه ولو أن رجلا وجه رسولين في بغاء ضالة له وأمرهما بالاجتهاد والجد في طلبها ووعدهم الثواب إن وجداها فمضى أحدها خمسين فرسخا في طلبها وأتعب نفسه وأسهر ليله ورجع خائبا ومضى الاخر فرسخا وادعا ورجع واجدا لم يك أحقهما بأجزل العطية وأعلى الحباء الواجد وإن كان الآخر قد احتمل من المشقة والعناء أكثر مما احتمله الآخر فكيف بهما إذا استويا وقد يستوي الناس في الاعمال ويفضل الله عزوجل من يشاء فإنه لا دين لاحد عليه ولا حق له قبله

[ 139 ]

قال أبو محمد وقرأت في الانجيل أن المسيح عليه السلام قال للحواريين مثل ملكوت السماء مثل رجل خرج غلسا يستأجر عمالا لكرمه فشرط لكل عامل دينارا في اليوم ثم أرسلهم إلى كرمه ثم خرج في ثلاث ساعات فرأى قوما بطالين في السوق فقال اذهبوا أنتم أيضا إلى الكرم فإني سوف أعطيكم الذي ينبغي لكم فانطلقوا ثم خرج في ست ساعات وفي تسع ساعات وفي إحدى عشر ساعة ففعل مثل ذلك فلما أمسى قال لامينه أعط العمال أجورهم ثم ابدأ بآخرهم حتى تبلغ أولهم فأعطاهم فسوى بينهم في العطية فلما أخذوا حقوقهم سخطوا على رب الكرم وقالوا إنما عمل هؤلاء ساعة واحدة فجعلتهم أسوتنا في الاجرة فقال إني لم أظلمكم أعطيتكم الشرط وجدت لهؤلاء والمال مالي أصنع به ما أشاء كذلك يكون الاولون الآخرين والاخرون الاولين قالوا حديثان مختلفان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من هم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة واحدة ومن عملها كتبت له عشرا ثم رويتم نية المرء خير من عمله

[ 140 ]

فصارت النية في الحديث الاول دون العمل وصارت في الحديث الثاني خيرا من العمل وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا تناقض بحمد الله تعالى والهام بالحسنة إذا لم يعملها خلاف العامل لها لان الهام لم يعمل والعامل لم يعمل حتى هم ثم عمل وأما قوله صلى الله عليه وسلم نية المرء خير من عمله فإن الله تعالى تخلد المؤمن في الجنة بنيته لا بعمله ولو جوزي بعمله لم يستوجب التخليد لانه عمل في سنين معدودة والجزاء عليها يقع بمثلها وبأضعافها وإنما يخلده الله تعالى بنيته لانه كان ناويا أن يطيع الله تعالى أبدا لو أبقاه ابدا فلما اخترمه دون نيته جزاه عليها وكذلك الكافر نيته شر من عمله لانه كان ناويا أن يقيم على الكفر لو أبقاه أبدا فلما اخترمه الله تعالى دون نيته جزاه عليها قالوا حديث يكذبه الكتاب والنظر قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف على قليب بدر فقال يا عتبة بن ربيعة ويا شيبة بن ربيعة ويا فلان ويا فلان هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا فقد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فقيل له في ذلك فقال والذي نفسي بيده إنهم ليسمعون كما تسمعون وإن الله تعالى يقول وما أنت بمسمع من في القبور ويقول إنك لا تسمع الموتى

[ 141 ]

ثم رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يوم الاحزاب اللهم رب الاجساد البالية والارواح الفانية وأن بن عباس سئل عن الارواح أين تكون إذا فارقت الاجساد وأين تذهب الاجساد إذا بليت فقال أين يذهب السراج إذا طفئ وأين يذهب البصر إذا عمي وأين يذهب لحم الصحيح إذا مرض قال لاأين قال فكذلك الارواح إذا فارقت الاجساد وهذا لا يشبه قوله صلى الله عليه وسلم إنهم ليسمعون كما تسمعون وما تروونه في عذاب القبر قال أبو محمد ونحن نقول إنه إذا جاز في المعقول وصح في النظر وبالكتاب والخبر أن الله تعالى يبعث مفي القبور بعد أن تكون الاجساد قد بليت والعظام قد رمت جاز أيضا في المعقول وصح في النظر وبالكتاب والخبر أنهم يعذبون بعد الممات في البرزخ فأما الكتاب فإالله تعالى يقول النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب فهم يعرضون بعد مماتهم على النار غدوا وعشيا قبل يوم القيامة ويوم القيامة يدخلون أشد العذاب والله عزوجل يقول ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرو بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون

[ 142 ]

وهذا شئ خص الله تعالى به شهداء بدر رحمة الله عليهم وقد أخرجوا عند حفر القناة رطابا يتثنون حتى قال قائل لا ننكر بعد هذا شيئا وحدثني محمد بن عبيد عن بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال لما أراد معاوية أن يجري العين التي حفرها قال سفين تسمى عين أبي زياد بالمدينة نادوا بالمدينة من كان له قتيل فليأت قتيله قال جابر فأتيناهم فأخرجناهم رطابا يتثنون وأصابت المسحاة رجل رجل منهم فانفطرت دما فقال أبو سعيد الخدري لا ينكر بعدها منكر أبدا ورأت عائشة بنت طلحة أباها في المنام فقال لها يا بنية حوليني من هذا المكان فقد أضر بي الندى فأخرجته بعد ثلاثين سنة أو نحوها فحولته من ذلك النز وهو طري لم يتغير منه شئ فدفن بالهجريين بالبصرة وتولى إخراجه عبد الرحمن بن سلامة التيمي وهذه أشياء مشهورة كأنها عيان فإذا جاز أن يكون هؤلاء الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وجاز أن يكونوا فرحين ومستبشرين فلم لا يجوز أن يكون أعداؤهم الذين حاربوهم وقتلوهم أحياء في النار يعذبون وإذا جاز أن يكونوا أحياء فلم لا يجوز أن يكونوا يسمعون وقد أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقوله الحق

[ 143 ]

وأما الخبر فقول النبي صلى الله عليه وسلم في جعفر بن أبي طالب إنه يطير مع الملائكة في الجنة وتسميته له ذا الجناحين وكثرة الاخبار عنه في منكر ونكير وفي عذاب القبر وفي دعائه أعوذ بك من فتنة المحيا والممات وأعوذ بك من عذاب القبر ومن فتنة المسيح الدجال وهذه الاخبار صحاح لا يجوز على مثلها التواطؤ وإن لم يصح مثلها لم يصح شئ من أمور ديننا ولا شئ أصح من أخبار نبينا صلى الله عليه وسلم وأما قوله تعالى إنك لا تسمع الموتى وما أنت بمسمع من في القبور فليس من هذا في شئ لانه أراد بالموتى ههنا الجهال وهم أيضا أهل القبور يريد إنك لا تقدر على إفهام من جعله الله تعالى جاهلا ولا تقدر على إسماع من جعله الله تعالى أصم عن الهدى وفي صدر هذه الآيات دليل على ما نقول لانه قال لا يستوي الاعمى والبصير يريد بالاعمى الكافر وبالبصير المؤمن ولا الظلمات ولا النور يعني بالظلمات الكفر وبالنور الايمان ولا الظل ولا الحرور يعني بالظل الجنة وبالحرور النار وما يستوي الاحياء ولا الاموات يعني بالآحياء العقلاء وبالاموات الجهلاء ثم قال إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور يعني أنك

[ 144 ]

لا تسمع الجهلاء الذين كأنهم موتى في القبور ومثل هذا كثير في القرآن ولم يرد بالموتى الذين ضربهم مثلا للجهلاء شهدا بدر فيحتج بهم علينا أولئك عنده أحياء كما قال الله عزوجل وأما قوله اللهم رب الاجساد البالية والارواح الفانية فإنه قاله على ما يعرف الناس وعلى ما شاهدوا لانهم يفقدون الشئ فيكون مبطلا عندهم وفانيا وهو عند الله معلوم وغير فان ألا ترى أن الرجل السمين الضخم العظيم الصحيح يعتل يوما أو يومين فيذهب من جسمه نصفه أو ثلثاه ولا نعلم أين ذهب ذلك فهو عندنا فان مبطل والله تعالى يعلم أين ذهب وفي أي شئ صار وأن الاناء العظيم من الزجاج يكون فيه الماء أياما فيذهب بالحر بعضه وإن تطاولت به المدة ذهب كله والزجاج لا يجوز عليه النشف ولا الرشح ولا ندري أين ذهب ما فيه والله تعالى يعلمه وأنا نطفئ بالنفخة نار المصباح فتذهب وتكون عندنا فانية ولا ندري أين ذهبت والله تعالى يعلم كيف ذهبت وأين حلت كذلك الارواح عندنا فانية وهي بقول الرسول صلى الله عليه وسلم في حواصل طير خضر وفي عليين وفي سجين وتشام في الهواء وأشباه ذلك قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة

[ 145 ]

وصلاتكم قربانكم ولا تقدموا بين أيديكم إلا خياركم ثم رويتم صلوا خلف كل بر وفاجر ولا بد من إمام بر أو فاجر وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا بنعمة الله اختلاف وللحديث الاول موضع وللثاني موضع وإذا وضع كل واحد منها موضعه زال الاختلاف أما قولليؤمكم خياركم فإنهم وفدكم إلى الجنة ولا تقدموا بين أيديكم إلا خياركم فإنه أراأئمة المساجد في القبائل والمحال وأن لا تقدموا منهم إلا الخير التقي القارئ ولا تقدموا الفاجر الامي وأما قوله صلوا خلف كل بر وفاجر ولا بد من إمام بر أو فاجر فإنه يريد السلطان الذي يجمع الناس ويؤمهم في الجمع والاعياد يريد لا تخرجوا عليه ولا تشقوا العصا ولا تفارقوا جماعة المسلمين وإن كان سلطانكم فاجرا فإنه لا بد من إمام بر أو فاجر ولا يصلح الناس إلا على ذلك ولا ينتظم أمرهم وهومثل قول الحسن لابد للناس من وزعة يريد سلطانا يزعهم عن التظالم والباطل وسفك الدماء وأخذ الاموال بغير حق قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من قتل دون ماله فهو شهيد

[ 146 ]

ثم رويتم كن حلس بيتك فإن دخل عليك فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل فإن الله تعالى ضرب لكم يا بني آدم مثلا فخذوا خيرهما ودعوشرهما قالوا وهذا خلاف الحديث الاول قال أبو محمد ونحن نقول إن لكل حديث موضعا غير موضع الآخر فإذا وضعا بموضعيهما زال الاختلاف لانه أراد بقوله من قتل دون ماله فهو شهيد من قاتل اللصوص عن ماله حتى يقتل في منزله وفي أسفاره ولذلك قيل في حديث آخر إذا رأيت سوادا في منزلك فلا تكن أجبن السوادين يريد تقدعليه بالسلاح فهذا موضع الحديث الاول وأراد بقوله كن حلس بيتك فإن دخل عليك فادخل مخدعك فإن دخل عليك فقل بؤ بإثمي وإثمك وكن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل أي افعل هذا في زمن الفتنة واختلاف الناس على التأويل وتنازع سلطانين كل واحد منهما يطلب الامر ويدعيه لنفسه بحجة يقول فكن حلس بيتك في هذا الوقت ولا تسل سيفا ولا تقتل أحدا فإنك لا تدري من المحق من الفريقين ومن المبطل واجعل دمك دون دينك وفي مثل هذا الوقت قال القاتل والمقتول في النار فأما قوله تعالى وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الاخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ إلى أمر الله فإنه أمر بذلك الجميع منا بعد الاصلاح وبعد البغي وأمر الواحد والاثنين والثلاثة إذا لم يجتمع

[ 147 ]

ملؤنا على الاصلاح بينهما أن نلزم منازلنا ونقي أدياننا بأموالنا وأنفسنا قالوا حديث يكذبه النظر والخبر قالوا رويتم أن الاعمش روى عن عمرو بن مرة عن أبي البختري أن عليا رضي الله عنه قال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن لاقضي بينهم فقلت له إنه لا علم لي بالقضاء فضرب بيده صدري وقال اللهم اهد قلبه وثبت لسانه فما شككت في قضاء حتى جلست مجلسي هذا ثم رويتم أنه اختلف قوله في أمها ت الاولاد وقال بشئ ثم رجع عنه وقضى في الجد بقضايا مختلفة مع قوله من أحب أن يتقحم جراثيم جهنم فليقل في الجد وندم على إحراق المرتدين بعد الذي بلغه من فتيا بن عباس وجلد رجلا في الخمر ثمانين فمات فواده وقال وديته لان هذا شئ جعلناه بيننا وهو كان أشار على عمر رضي الله عنه بجلد ثمانين في الخمر ورأى الرجم على مولاحاطب فلما سمع قول عثمان رضي الله عنه إنما يجب الحد على من يعرفه وهذه تعرفه وكانت أعجمية تابعه ونازعه زيد بن ثابت في المكاتب فأفحمه وقال في أمر الحكمين لقد عثرت عثرة لا أجتبر سوف أكيس بعدها وأستمر وأجمع الرأي الشتيت المنتشر

[ 148 ]

قال وذكر داود بن أبي هند عن الشعبي أن عليا رضي الله عنه رجع عن قوله في الحرام إنها ثلاث وقطع اليد من أصول الاصابع وحك أصابع الصبيان في السرق وقبل شهادة الصبيان بعضهم على بعض والله عزوجل يقول وأشهدوا ذوي عدل منكم وقال ممترضون من الشهداء وجهر في قنوت الغداة بأسماء رجال وأخذ نصف دية الرجل من أولياء المقتول وأخذ نصف دية العين من المقتص من الاعور وخلف رجلا يصلي العيد بالضعفاء في المسجد الاعظم إذا خرج الامام إلى المصلى وقالوا هذه الاشياء خلاف على جميع الفقهاء والقضاة وجميع الامراء من نظرائه ولا يشبه هذا قوله ما شككت في قضاء حتى جلست مجلسي هذا ولا يشبه دعاء النبي صلى الله عليه وسلم له أن يثبت الله لسانه وقلبه بل يشبه دعاءه عليه بضد ما قال الله تبارك وتعالى قال أبو محمد ونحن نقول إن النبي صلى الله عليه وسلم حين دعا له بتثبيت اللسان والقلب لم يرد أن لا يزل أبدا ولا يسهو ولا ينسى ولا يغلط في حال من الاحوال لان هذ الصفات لا تكون لمخلوق وإنما هي من صفات الخالق سبحانه عزوجل والنبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالله تعالى وبما يجوز عليه وبما لا يجوز من أن يدعو لاحد بأن لا يموت وقد قضى الله تعالى الموت على خلقه وبأن لا يهرم إذا عمره وقد جعل الهرم في تركيبه وفي أصل جبلته

[ 149 ]

وكيف يدعو له بهذه الامور فينالها بدعائه والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه ربما سها وكان ينسى الشئ من القرآن حتى قال الله تعالى سنقرئك فلا تنسى وقبل الفدية في يوم بدر فنزل لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم وقال لو نزل عذاب ما نجا إلا عمر وذلك لانه أشار عليه بالقتل وترك أخذ الفداء وأراد يوم الاحزاب أن يتقي المشركين ببعض ثمار المدينة حتى قال له بعض الانصار ما قال وكاد يجيب المشركين إلى شئ مما أرادوه يتألفهم بذلك فأنزل الله عزوجل ولولا أن ثبتناك لقد كدت لتركن إليهم شيئا قليلا إذا لاذقنا ك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا وهكذا الانبياء المتقدمون عليهم السلام في السهو والنسيان وتعداد هذا يطول ويكثر وليس به خفاء على من علمه وإنما دعا النبي صلى الله عليه وسلم له بأن يكون الصواب أغلب عليه والقول بالحق في القضاء أكثر منه ومثل هذا دعاؤه لابن عباس بأن يعلمه الله التأويل ويفقهه في الدين وكان بن عباس مع دعائه لا يعرف كل القرآن وقال لا أعرف حنانا ولا الاواه ولا الغسلين ولا الرقيم وله أقاويل في الفقه منبوذة مرغوب عنها كقوله في المتعة وقوله في الصرف وقوله في الجمع بين الاختين الامتين ومع هذا فإنه ليس كل ما دعا به الانبياء صلى الله عليهم وسلم وسألوه أجيبوا إليه

[ 150 ]

فقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم يدعو لابي طالب ويستغفر له حتى نزلت عليه ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم وكان يقول اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون فأنزل الله تعالى عليه إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وبعد فإن أقاويل علي رضي الله عنه هذه كلها ليست منبوذة يقضى عليه بالخطأ فيها ومن أغلظها بيع أمهات الاولاد وقد كن يبعن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي خلافة أبي بكر رضي الله عنه في الدين وعلى حال الضرورة حتى نهى عن ذلك عمر رضي الله عنه من أجل أولادهن ولئلا تلحقهم السبة ويرجع عليهم الشين بأسباب كثيرة من الامهات جهة إذا ملكن والناس مجمعون على أن الامة لا تخرج عن ملك سيدها إلا ببيع أو هبة أو عتق وأم الولد لم ينلها شئ من ذلك وأحكام الاماء جارية عليها إلى أن يموت سيدها فبأي معنى يزيل الولد عنها البيع وإنما هو شئ استحسنه عمر رضي الله عنه بما أراد النظر للاولاد ولسنا نذهب إلى هذا ولا نعتقده ولكنا أردنا به التنبيه على حجة علي رضي الله عنه فيه وحجة من تقدمه في إطلاق ذلك وترك النهي عنه فأين هؤلاء عن قضايا علي رضي الله عنه اللطيفة التي تغمض وتدق وتعجز عن

[ 151 ]

أمثالها اجلة الصحابة كقضائه في العين إذا لطمت أو بخصت أو أصابها مصيب بما يضعف معه البصر بالخطوط على البيضة وكقضائه في اللسان إذا قطع فنقص من الكلام شئ فحكم فيه بالحروف المقطعة وكقضائه في القارصة والقامصة والواقصة وهن ثلاث جوار كن يلعبن فركبت إحداهن صاحبتها فقرصتها الثالثة فقمصت المركوبة فوقعت الراكبة فوقصت عنقها فقضى علي رضي الله عنه بالدية أثلاثا وأسقط حصة الراكبة لانها أعانت على نفسها وكقضائه فرجلين اختصما إليه في بن امرأة وقعا عليها في طهر واحد فادعياه جميعا أنه ابنهما جميعا يرثهما ويرثان وهو للباقي منهما وقد روى حماد عن إبراهيم عن عمر أنه قضى بمثل ذلك موافقا له عليه وكان عمر رضي الله عنه ينزل القرآن بحكمه ويفرق الشيطان من حسه والسكينة تنطق على لسانه

[ 152 ]

وذكرته عائشة رضي الله عنها فقالت كان والله أحوذيا نسيج وحده قد أعد للامور أقرانها تريد حسن السياسة وذكر المغيرة فقال كان والله أفضل من أن يخدع وأعقل من أن يخدع وقال فيه الاحنف بن قيس والله لهو بما يكون أعلم منا بما كان يريد أنه يصيب بظنه فلا يخطئ وقال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم إن لكل أمة محدثين أو مروعين فإن يكن في هذه الامة أحد منهفهو عمر وقال لسارية بن زنيم الدؤلي يا سارية الجبل الجبل وسارية في وجه العدو فوقع في نفس سارية ما قال فاستند إلى الجبل فقاتل العدو من جانب واحد وعمر مع هذا يقول في قضية نبهه علي رضي الله عنه عليها لولا قول علي لهلك عمر ويقول أعوبالله من كل معضلة ليس لها أبو حسن حدثنا الزيادي قال أنا عبد الوارث عن يونس عن الحسن أن عمر رضي الله عنه أتي بامرأة وقد ولدت لستة أشهر فهم بها فقال له علي قد يكون هذا قال الله تعالى وحمله وفصاله ثلاثون شهرا وقال تعالى والوالدا ت يرضعن أولادهن حولين كاملين

[ 153 ]

قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في المسافر وحده شيطان وفي الاثنين شيطانان وفي الثلاثة ركب ثم رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبرد البريد وحده وأنه خرج وأبو بكر مهاجرين قالوا كيف يكون الواحد شيطانا إذا سافر ولا يخلو أن يكون أراد بمنزلة الشيطان أو يتحول شيطانا وهذا لا يجوز قال أبو محمد ونحن نقول إنه أراد بقوله المسافر وحده شيطان معنى الوحشة بالانفراد وبالوحدة لان الشيطان يطمع فيه كما يطمع فيه اللصوص ويطمع فيه السبع فإذا خرج وحده فقد تعرض للشيطان وتعرض لكل عاد عليه من السباع أو اللصوص كأنه شيطان ثم قال والاثنان شيطانان لان كل واح منهما متعرض لذلك فهما شيطانان فإذا تناموا ثلاثة زالت الوحشة ووقع الانس وانقطع طمع كل طامع فيهم وكلام العرب إيماء وإشارة وتشبيه يقولون فلان طويل النجاد والنجاد حمائل السيف وهو لم يتقلد سيفا قط وإنما يريدون أنه طويل القامة فيدلون بطول نجاده على طوله لان النجاد القصير لا يصلح على الرجل الطويل ويقولون فلان عظيم الرماد ولا رماد في بيته ولا على بابه وإنما يريدون أنه كثير الضيافة فناره وارية أبدا وإذا كثر وقود النار كثر الرماد والله تعالى يقول في كتابه ما المسيح بن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كنا يأكلان الطعام

[ 154 ]

فدلنا بأكلهما الطعام على معنى الحدث لان من أكل الطعام فلا بد له من أن يحدث وقال تعالى حكاية عن المشركين في النبي صلى الله عليه وسلم وقالوا ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الاسواق فكنى بمشيه في الاسواق عن الحوائج التي تعرض للناس فيدخلون لها الاسواق كأنهم رأوا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثه الله تعالى أغناه عن الناس وعن الحوائج إليهم وأما قولهم كان يبرد البريد وحده والبريد الرسول يبعث به من بلد إلى بلد ويكتب معه وهو الفيج فإنه كان يبعث به من بلد إلى بلد وحده ويأمره أن ينضم في الطريق إلى الرفيق يكون معهم ويأنس بهم وهذا شئ يفعله الناس في كل زمان ومن أراد أن يكتب كتابا وينفذه مع رسول إلى بلد شاسع فإنه لا يجب عليه أن يكتري ثلاثة لقول النبي صلى الله عليه وسلم الواحد شيطان والاثنان شيطانان والثلاثة ركب وإنما يجب هذا على الرسول إذا هو خرج أيلتمس الصحبة ويتوقى الوحدة وأما خروج النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر حين هاجر فإنهما كانا في ذلك الوقت خائفين على أنفسهما من المشركين فلم يجدا بدامن الخروج

[ 155 ]

ولعلهما أملا أن يوافقا ركبا كما أن الرجل يخرج من منزله وحده على تأميل وجدان الصحابة في الطريق فلما أمكنهما أن يتزيدا في العدد استأجر أبو بكر رضي الله عنه هاديا من بني الديل واستصحب عامر بن فهيرة مولاه فدخلوا المدينة وهم أربعة أو خمسة قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده ورويتم أنه قال لا قطع إلا في ربع دينار هذا والحديث الاول حجة للخوارج لانها تقول إن القطع على السارق في القليل والكثير قال أبو محمد ونحن نقول إن الله عزوجل لما أنزل على رسوله صلى الله عليه وسلم والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده على ظاهر ما أنزل الله تعالى عليه في ذلك الوقت ثم أعلمه الله تعالى أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فما فوقه ولم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم من حكم الله تعالى إلا ما علمه الله عزوجل ولا كان الله تبارك وتعالى يعرفه ذلك جملة بل ينزله شيئا بعد شئ ويأتيه جبريل عليه السلام بالسنن كما كان يأتيه بالقرآن ولذلك قال أوتيت الكتاب ومثله معه يعني من السنن

[ 156 ]

ألا ترى أنه في صدر الاسلام قطع أيدي العرنيين وأرجلهم وسمل أعينهم وتركهم بالحرة حتى ماتوا ثم نهى بعد ذلك عن المثلة لان الحدود في ذلك الوقت لم تكن نزلت عليه فاقتص منهم بأشد القصاص لغدرهم وسوء مكافأتهم بالاحسان إليهم وقتلهم رعاءه وسوقهم الابل ثم نزلت الحدود ونهى عن المثلة ومن الفقهاء من يذهب إلى أن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديث التي تغفر الرأس في الحرب وأن الحبل من حبال السفن قال وكل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة وهذا التأويل لا يجوز عند من يعرف اللغة ومخارج كلام العرب لان هذا ليس موضع تكثير لما يسرق السارق فيصر ف إلى بيضة تساوي دنانير وحبل عظيم لا يقدر على حمله السارق ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا فإنه عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول في جراب مسك وإنما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو كبة شعر أو إداوة خلق وكلما كان من هذا أحقر كان أبلغ قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه تعوذ بالله من الفقر وقال أسألك غناي وغنى مولاي ثم رويتم أنه قال اللهم أحيني مسكينا وأمتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين

[ 157 ]

وقال الفقر بالمؤمن أحسن من العذار الحسن على خد الفرس وقالوا وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف بحمد الله تعالى وقد غلطوا في التأويل وظلموا في المعارضة لانهم عارضوا الفقر بالمسكنة وهما مختلفان ولو كان قال اللهم أحيني فقيرا وأمتني فقيرا واحشرني في زمرة الفقراء كان ذلك تناقضا كما ذكروا ومعنى المسكنة في قوله احشرني مسكينا التواضع والاخبات كأنه سأل الله تعالى أن لا يجعله من الجبارين والمتكبرين ولا يحشره في زمرتهم والمسكنة حرف مأخود من السكون يقال تمسكن الرجل إذا لان وتواضع وخشع وخضع ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم للمصلي تبأس وتمسكن وتقنع رأسك يريد تخشع وتواضع لله عزوجل والعرب تقول بي المسكين نزل الامر يريدون معنى الفقر إنما يريدون معنى الذلة والضعف وكذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم لقيلة يا مسكينة لم يرد يا فقيرة وإنما أراد معنى الضعف ومن الدليل على ما أقول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان سأل الله عزوجل المسكنة التي هي الفقر لكان الله تعالى قد منعه ما سأله لانه قبضه غنيا موسرا بما أفاء الله عزوجل عليه وإن كان لم يضع درهما على درهم

[ 158 ]

ولا يقال لمن ترك مثل بساتينه بالمدينة وأمواله ومثل فدك إنه مات فقيرا والله عزوجل يقول ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى والعائل الفقير كان له عيال أو لم يكن والمعيل ذو العيال كان له مال أو لم يكن فحال النبي صلى الله عليه وسلم عند مبعثه وحاله عند مماته يدلان على ما قال الله عز وجل لانه بعث فقيرا وقبض غنيا ويدل على أن المسكنة التي كان يسألها ربه عزوجل ليست بالفقر وأما قوله إن الفقر بالمؤمن أحسن من العذار الحسن على خد الفرس فإن الفقر مصيبة من مصائب الدنيا عظيمة وآفة من آفاتها أليمة فمن صبر على المصيبة لله تعالى ورضي بقسمه زانه الله تعالى بذلك في الدنيا وأعظم له الثواب في الآخرة وإنما مثل الفقر والغنى مثل للسقم والعافية فمن ابتلاه الله تعالى بالسقم فصبر كان كمن ابتلي بالفقر فصبر وليس ما جعل الله تعالى في ذلك من الثواب بمانعنا من أن نسأل الله العافية ونرغب إليه في السلامة وقد ذهب قوم يفضلون الفقر على الغنى إلى أنه كان يتعوذ بالله تعالى من فقر النفس واحتجوا بقول الناس فلان فقير النفس وإن كان حسن الحال وغني النفس وإن كان سئ الحال وهذا غلط

[ 159 ]

ولا نعلم أن أحدا من الانبياء ولا من صحابتهم ولا العباد ولا المجتهدين كان يقول اللهم أفقرني ولا أزمني ولا بذلك استعبدهم الله عزوجل بل استعبدهم بأن يقولوا اللهم ارزقني اللهم عافني وكانوا يقولون اللهم لا تبلنا إلا بالتي هي أحسن يريدون لا تختبرنا إلا بالخير ولا تختبرنا بالشر لان الله تعالى يختبر عباده بهما ليعلم كيف شكرهم وصبرهم وقال ونبلوكم بالشر والخير فتنة أي اختبارا وكان مطرف يقول لان أعافي فأشكر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر قال أبو محمد وقد ذكرت هذا في كتاب غريب الحديث بأكثر من هذا الشرح ولم أجد بدا من إيداعه في هذا الكتاب أيضا ليكون جامعا للفن الذي قصدنا له قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ثم رويتم أنه قال من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة وإن زنى وإن سرق وفي هذا تناقض واختلاف رحمه اللهقال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا بنعمة الله تناقض ولا اختلاف لان الايمان في اللغة التصديق

[ 160 ]

يقول الله تعالى وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين أي بمصدق لنا ومنه قول الناس ما أو من بشئ مما تقول أي ما أصدق به والموصوفون بالايمان ثلاثة نفر رجل صدق بلسانه دون قلبه كالمنافقين فيقول قد آمن كما قال الله تعالى عن المنافقين ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا وقال إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى ثم قال من آمن منهم بالله واليوم الآخر لانهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر ولو كان أراد بالذين آمنوا ههنا المسلمون لم يقل من آمن منهم بالله واليوم الآخر لانهم لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وإنما أراد المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم والذين هادوا والنصارى ولا نقول له مؤمن كما أنا لا نقول للمنافقين مؤمنون وإن قلنا قد آمنوا لان إيمانهم لم يكن عن عقد ولا نية وكذلك نقول لعاصي الانبياء صلى الله عليهم وسلم عصى وغوى ولا نقول عاص ولا غاو لان ذنبه لم يكن عن إرهاص ولا عقد كذنوب أعداء الله عزوجل ورجل صدق بلسانه وقلبه متدنس بالذنوب وتقصير في الطاعات من غير إصرار فنقول قد آمن وهو مؤمن ما تناهى عن الكبائر فإذا لابسها لم يكن في حال الملابسة مؤمنا يريد مستكمل الايمان ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم قال لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن يريد في وقته ذلك لانه قيل ذلك الوقت غير مصر فهو مؤمن وبعد ذلك الوقت غير مصر فهو مؤمن تائب

[ 161 ]

ومما يزيد في وضوح هذا الحديث الآخر إذا زنى الزاني سلب الايمان فإن تاب ألبسه ورجل صدق بلسانه وقلبه وأدى الفرائض واجتنب الكبائر فذلك المؤمن حقا المستكمل شرائط الايمان وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمن من لم يأمن جاره بوائقه يزيد ليس بمستكمل الايمان وقال لم يؤمن من لم يأمن المسلمون من لسانه ويده أي ليس بمستكمل الايمان وقال لم يؤمن من بات شبعان وبات جاره طاويا أي لم يستكمل الايمان وهذا شبيه بقوله لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله تعالى عليه يريد لاكمال وضوء ولا فضيلة وضوء وكذلك قول عمر رضي الله عنه لا إيمان لمن لم يحج يريد لاكمال إيمان والناس يقولون فلان لا عقل له يريدون ليس هو مستكمل العقل ولا دين له أي ليس بمستكمل الدين وأما قوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله فهو في الجنة وإن زنى وإن سرق فإنه لا يخلو من وجهين أحدهما أن يكون قاله على العاقبة يريد أن عاقبة أمره إلى الجنة وإن عذب بالزنا والسرقة والآخر أن تلحقه رحمة الله تعالى وشفاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيصير إلى الجنة بشهادة أن لا إله لا الله حدثني إسحاق بن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد عن أبيه عن جده عن الحسن أنه قال لا إله إلا الله ثمن الجنة

[ 162 ]

وحدثني محمد بن يحيى القطعي قال أنا عمر بن علي عن موسى بن المسيب الثقفي قال سمعت سالم بن أبي الجعد يحدث عن المعرور بن سويد عن أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يقول ربكم بن آدم إنك إن تأتني بقراب الارض خطيئة بعد أن لا تشرك بي شيئا جعلت لك قرابها مغفرة ولا أبالي وحدثني أبو مسعود الدارمي هو من ولد خراش قال حدثني جدي عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم خيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل شطر أمتي الجنة فاخترت الشفاعة لانها أعم وأكثر لعلكم ترون أن شفاعتي للمتقين لا ولكنها للمتلطخين بالذنوب قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن حماد عن إبراهيم عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت كنت أفرك المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيصلي فيه فاستجاز بروايتكم هذه قوم فرك المني من الثوب والصلاة فيه وجعلوه سنة ثم رويتم عن عمرو بن ميمون بن مهران عن سليمان بن يسار قال سمعت عائشة رضي الله عنها تقول إنها كانت تغسل أثر المني من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت ثم أراه فيه بقعة أو بقعا فأبى قوم فرك المني بروايتكم هذه ولم يستجيزوا إلا غسله من الثوب إذا أرادوا الصلاة فيه وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا تناقض ولا اختلاف لان عائشة رضي الله عنها كانت تفركه من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان يابسا والفرك لا يقع إلا على يابس وكان ربما بقي في شعاره حتى ييبس وهو ييبس في مدة يسيرة لا سيما في الصيف وكانت تغسله إذا رأته رطبا والرطب لا يجوز أن يفرك ولا بأس على من تركه إلى أن يجف ثم فركه

[ 163 ]

أخبرني إسحاق بن إبراهيم المعروف بابن راهويه أن السنة مضت بفرك المني قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أيما إهاب دبغ فقد طهر وأنه مر بشاة ميتة فقال ألا انتفعوا بإهابها فأخذ قوم من الفقهاء بذلك وأفتوا به ثم رويتم انه قال لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فأخذ قوم من الفقهاء بهذا وأفتوا به وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا بحمد الله تناقض ولا اختلاف لان الاهاب في اللغة الجلد الذي لم يدبغ فإذا دبغ زال عنه هذا الاسم وفي الحديث أن عمر رضي الله عنه دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت أهب عطنة يريد جلود منتنة لم تدبغ وقالت عائشة رضي الله عنها في أبيها رضي الله عنه قرر الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء في اهبها يعني في الاجساد فكنت عن الجسد بالاهاب ولو كان الاهاب مدبوغا لم يجز أن تكني به عن الجسد وقال النابغة الجعدي يذكر بقرة وحشية أكل الذئب ولدها وهي غائبة عنه ثم أتته فلاقت بيانا عند أول معهد إهابا ومعبوطا من الجوف أحمرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيما إهاب دبغ فقد طهر

[ 164 ]

ثم مر بشاة ميتة فقال ألا انتفع أهلها بإهابها يريد ألا دبغوه فانتفعوا به ثم كتب لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولاعصب يريد لا تنتفعوا به وهو إهاب حتى يدبغ ويدلك على ذلك قوله ولا عصب لان العصب لا يقبل الدباغ فقرنه بالاهاب قبل أن يدبغ وقد جاء هذا مبينا في الحديث روى بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بشاة لمولاة ميمونة فقال ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفوا به قالوا حديثان متناقضان صلى الله عليه وسلم قالوا رويتم عن الاشعث عن محمد بن سيرين عن عبد الله بن شقيق عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصلي في شعرنا أو لحفنا ثم رويتم عن وكيع عن طلحة بن يحيى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالليل وأنا إلى جانبه وأنا حائض وعلي مرط لي وعليه بعضه وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذين الحديثين اختلاف ولا تناقض لانه قيل في الحديث الاول كان لا يصلي في شعرنا وهو جمع شعار والشعار ما ولي الجسد من الثياب ولا يسمى شعارا حتى على الجسد ويدلك على ذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم للانصار أنتم لي شعار والناس دثار يريد أنكم أقرب الناس إلي كالشعار الذي يلي الجسد والناس دثار أي أبعد منكم كما أن الدثار فوق الشعار

[ 165 ]

والشعار يصيبه المني والعرق والندى إذا كان بالمرء قاطر بول أو بدرت منه بادرة فكان لا يصلي في شعر نسائه لما لا يؤمن أن ينالها إذا هو جامع أو إذا استثقلت المرأة أو إذا حاضت من الدم وقيل في الحديث الثاني أنه كان يصلي بالليل وأنا إلى جانبه وعلي مرط لي وعليه بعضه والمرط لا يكون شعارا كما يكون الازار شعارا لانه كساء من صوف وربما كان من شعر وربما كان من خز وإنما يلقى فوق الازار قال أبو محمد ومما يوضح لك هذا حديث حدثنيه عبدة بن عبد الله قال محمد بن بشر العبدي قال نا زكريا بن أبي زائدة عن مصعب بن شيبة عن صفية بنت شيبة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج ذات غداة وعليه مرط مرحل من شعر أسود والمرحل الموشى ويقال لذلك العمل الترحيل قال امرؤ القيس وذكر امرأته فقمت بها أمشي تجر وراءنا على أثرينا ذيل مرط مرحل ومما يوضح لك أن المرط لم يكن شعارا لعائشة رضي الله عنها أنها قالت كان يصلي وعليه بعض المرط وعليها بعضه ولو كان شعارا لانكشفت منه لان الشعار لطيف لا يصلح لان يصلى فيه وتكون هي مستورة به قالوا حديث تكذبه حجة العقل والنظر قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سحر وجعل سحره في بئر ذي أروان وأن

[ 166 ]

عليا كرم الله وجهه استخرجه وكلما حل منه عقدة وجد النبي صلى الله عليه وسلم خفة فقام النبي صلى الله عليه وسلم كأنما أنشط من عقال وهذا لا يجوز على نبي الله صلى الله عليه وسلم لان السحر كفر وعمل من أعمال الشيطان فيما يذكرون فكيف يصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم مع حياطة الله تعالى له وتسديده إياه بملائكته وصونه الوحي عن الشيطان والله تعالى يقول في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وأنتم تزعمون أن الباطل ههنا هو الشيطان وقال عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا أي يجعل بين يديه وخلفه رصدا من الملائكة يحفظونه ويصونون الوحي عن أن يدخل فيه الشيطان ما ليس منه وذهبوا في السحر إلى أنه حيلة يصرف بها وجه المرء عن أخيه ويفرق بها بين المرء وزوجه كالتمائم والكذب وقالوا هذه رقى ومنه السم يسقاه الرجل فيقطعه عن النساء ويغير خلقه وينثر شعره ولحيته وإلى أن سحرة فرعون خيلوا لموسى صلى الله عليه وسلم ما أروه قالوا ومثل ذلك أنا نأخذ الزئبق فنفرغه في وعاء كالحية ثثم نرسله في موضع حار فينساب انسياب الحية

[ 167 ]

قالوا ومن الدليل على ذلك قول الله تعالى فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى إنما هو تخييل وليس ثم شئ على حقيقته وقالوا في قول الله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت هو بمعنى النفيز أي لم ينزل ذلك وقالوا الملكين بكسر اللام وذكروا عن الحسن أنه كان يقرؤها كذلك ويقول علجان من أهل بابل قال أبو محمد ونحن نقول إن الذي يذهب إلى هذا مخالف للمسلمين واليهود والنصارى وجميع أهل الكتب ومخالف للامم كلها الهند وهي أشدها إيمانا بالرقى والروم والعرب في الجاهلية وفي الاسلام ومخالف للقرآن معاند له بغير تأويل لان الله عزوجل قال لرسوله صلى الله عليه وسلم قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ومن شرغاسق إذا وقب ومن شر النفاثات في العقد فأعلمنا أن السواحر ينفثن في عقد يعقدنها كما يتفل الراقي والمعوذ وكانت قريش تسمي السحر العضه ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم العاضهة والمستعضهة يعني بالعاضهة الساحرة وبالمستعضهة التي تسألها أن تسحر لها وقال الشاعر أعوذ بربي من النافثات في عقد العاضه المعضه

[ 168 ]

يعني السواحر وقد روى بن نمير عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها وهذا طريق مرضي صحيح أنه قال حين سحر جاءني رجلان فجلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي فقال أحدهما ما وجع الرجل قال مطبوب فقال من طبه قال لبيد بن الاعصم قال في أي شئ قال في مشط ومشاطة وجف طلعة ذكر قال وأين هو قال في بئر ذي أروان وليس هذا مما يجتر الناس به إلى أنفسهم نفعا ولا يصرفون عنها ضرا ولا يكسبون به رسول الله صلى الله عليه وسلم ثناء ومدحا ولا حملة هذا الحديث كذا بين ولا متهمي ولا معادين لرسول الله صلى الله عليه وسلم وما ينكر أن يكون لبيد بن الاعصم هذا ليهودي سحر رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قتلت اليهود قبله زكريا بن آذن في جوف شجرة قطعته قطعا بالمناشير وذكر وهب بن منبه أو غيره أنه عليه السلام لما وصل المنشار إلى أضلاعه أن فأوحى الله تعالى إليه إما أن تكف عن أنينك وإما أن أهلك الارض ومن عليها وقتلت بعده ابنه يحيى بقول بغي واحتيالها في ذلك وادعت يعني اليهود أنها قتلت المسيح وصلبته

[ 169 ]

ولو لم يقل الله تعالى وما قتلووما صلبوه ولكن شبه لهم لم نعلم نحن أن ذلك شبهه لان اليهود أعداؤه وهم يدعون ذلك والنصارى أولياؤه وهم يقرون لهم به وقتلت الانبياء وطبختهم وعذبتهم أنواع العذاب ولو شاء الله عزوجل لعصمهم منهم وقد سم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذراع شاة مشوية سمته يهودية فلم يزل السم يعاده حتى مات وقال صلى الله عليه وسلم ما زالت أكلة خيبر تعادني فهذا أوان انقطاع أبهري فجعل الله تعالى لليهودية عليه السبيل حتى قتلته ومن قبل ذلك ما جعل الله لهم السبيل على النبيين والسحر أيسر خطبا من القتل والطبخ والتعذيب فإن كانوا إنما أنكروا ذلك لان الله تعالى لا يجعل للشيطان على النبي صلى الله عليه وسلم سبيلا ولا على الانبياء فقد قرؤوا في كتاب الله تعالى وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته يريد إذا تلا ألقى الشيطان في تلاوته يعزيه عما ألقاه الشيطان على لسانه حين قرأ في الصلاة تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتجى غير أنه لا يقدر أن يزيد فيه أو ينقص منه أما تسمعه يقول فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته أي يبطل ما ألقاه الشيطان

[ 170 ]

ثم قال ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض وكذلك قوله في القرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا مخلفه أي لا يقدر الشيطان أن يزيد فيه أولا ولا آخرا قال أبو محمد حدثني أبو الخطاب قال نا بشر بن المفضل عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن جبريل عليه السلام أتاني فقال إن عفريتا من الجن يكيدك فإذا أويت إلى فراشك فقل الله لا إله إلا هو الحي القيوم حتى تختم آية الكرسي وقد حكى الله تعالى عن أيوب صلى الله عليه وسلم فقال إني مسني الشيطان بنصب وعذاب قال أبو محمد وأما قولهم في السحر الذي رآه موسى صلى الله عليه وسلم إنه تخييل إليه وليس على حقيقته فما ننكر هذا ولا ندفعه وإنا لنعلم أن الخلائق كلها لو اجتمعوا على خلق بعوضة لما استطاعوا غير أنا لا ندري أهو بالزئبق الذي ادعوا أنهم جعلوه في سلوخ الحيات حتى جرت أم بغيره ولا يعلم هذا إلا من كان ساحرا أو من سمع فيه شيئا من السحرة وأما قولهم في قول الله تبارك وتعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان ثم قال يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين إن تأويله ولم ينزل على الملكين ببابل فليس هذا بمنكر من تأويلاتهم المستحيلة المنكوسة

[ 171 ]

فإذا كان لم ينزل على الملكين ببابل هاروت وماروت صار الكلام فضلا لا معنى له وإنما يجوز بأن يدعى مدع أن السحر أنزل على الملكين ويكون فيما تقدم ذكر ذلك أو دليل عليه فيقول الله تعالى اتبعوا ذلك ولم ينزل على الملكين كما ذكروا ومثال هذا أن يقول مبتدئا علمت هذا الرجل القرآن وما أنزل على موسى عليه السلام فلا يتوهم سامع هذا أنك أردت أن القرآن لم ينزل على موسى عليه السلام لانه لم يتقدمه قول أحد أنه أنزل على موسى عليه السلام وإنما يتوهم السامع أنك علمته القرآن والتوراة وتأويل هذا عندنا مبين بمعرفة الخبر المروي فيه وجملته على ما ذكر بن عباس أن سليمان صلى الله عليه وسلم لما عوقب وخلفه الشيطان في ملكه دفنت الشياطين في خزانته وموضع مصلاه سحرا وأخذا ونيرنجات فما مات سليمان صلى الله عليه وسلم جاءت الشياطين إلى الناس فقالوا ألا ندلكم على الامر الذي سخرت به لسليمان الريح والجن ودانت له به الانس قالوا بلى فأتوا مصلاه وموضع كرسيه فاستخرجوا ذلك منه فقال العلماء من بني إسرائيل ما هذا من دين الله وما كان سليمان ساحرا وقال سفلة الناس سليمان كان أعلم منا فسنعمل بهذا كما عمل

[ 172 ]

فقال الله تعالى واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان أي اتبعت اليهود ما ترويه الشياطين والتلاوة والرواية شئ واحد ثم قال وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون السحر وما أنزل على الملكين وهما ملكان أهبطا إلى الارض حين عمل بنو آدم بالمعاصي ليقضيا بين الناس وألقي في قلوبهما شهوة النساء وأمرا أن لا يزنيا ولا يقتلا ولا يشربا خمرا فجاءتهما الزهرة تخاصم إليهما فأعجبتهما فأراداها فأبت عليهما حتى يعلماها الاسم الذي يصعدان به إلى السماء فعلماها ثم أراداها فأبت حتى يشربا الخمر فشرباها وقضيا حاجتهما ثم خرجا فرأيا رجلا فظنا أنه قد ظهر عليهما فقتلاه وتكلمت الزهرة بذلك الاسم فصعدت فخنست وجعلها الله شهابا وغضب الله تعالى على الملكين فسماهما هاروت وماروت وخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة فاختارا عذاب الدنيا فهما يعلمان الناس ما يفرقون به بين المرء وزوجه والذي أنزل الله عزوجل على الملكين فيما يرى أهل النظر والله أعلم هو الاسم الاعظم الذي صعدت به الزهرة وكانا به قبلها وقبل السخط عليهما يصعدان إلى السماء فعلمته الشياطين فهي تعلمه أولياءها وتعلمهم السحر

[ 173 ]

وقد يقال إن الساحر يتكلم بكلام فيطير بين السماء والارض ويطفو على الماء قال أبو محمد حدثني زيد بن أخز الطائي قال نا عبد الصمد قال نا همام عن يحيى بن كثير أن عامل عمان كتب إلى عمبن عبد العزيز رضي الله عنه إنا أتينا بساحرة فألقيناها في الماء فطفت فكتب إليه عمر بن عبد العزيز لسنا من الماء في شئ إن قامت البينة وإلا فخل سبيلها وحدثني زيد بن أخزم الطائي قال نا عبد الصمد قال نا زيد بن أبي ليلى قال نا عميرة بن شكير قال كنا مع سنان بن سلمة بالبحرين فأتي بساحرة فأمر بها فألقيت في الماء فطفت فأمر بصلبها فنحتنا جذعا فجاء زوجها كأنه سفود محترق فقال مرها فلتطلق عني فقال لها أطلقي عنه فقالت نعم ائتوني بباب وغزل فقعدت على البا ب وجعلت ترقى في الغزل وتعقد فارتفع الباب فأخذا يمينا وشمالا فلم يقدر عليهما وحدثنا أبو حاتم عن الاصمعي قال أخبرني محمد بن سليم الطائي في حديث ذكره إن الشياطين لا تستطيع أن تغير خلقها ولكنها تسحره وحدثني أبو حاتم قال قال الاصمعي عن أبي عمرو بن العلاء إن الغول ساحرة الجن

[ 174 ]

وحدثنا أبو الخطاب قال نا المعتمر بن سليمان قال سمعت منصورا يذكر عن ربعي بن خراش عن حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لانا أعلم بما مع الدجال إن معه نارا تحرق ونهر ماء بارد فمن أدركه منكم فلا يهلكن به وليغمض عينه وليقع في التي يراها نارا فإنها نهر ماء بارد وحدثني أبو حاتم عن الاصمعي عن أبي الزناد قال جاءت امرأة تستفتي فوجدت النبي صلى الله عليه وسلم قد توفي ولم تجد إلا امرأة من نسائه يقال إنها عائشة رضي الله عنها فقالت لها يا أم المؤمنين قالت لي امرأة هل لك أن أعمل لك شيئا يصرف وجه زوجك إليك وأظنه قال فأتت بكلبين فركبت واحدا وركبت الآخر فسرنا ما شاء الله ثم قالت أتدرين أنك ببابل ودخلت على رجل أو قالت رجلين فقالا لها بولي على ذلك الرماد قالت فذهبت فلم أبل ورجعت إليهما فقالا لي ما رأيت قالت ما رأيت شيئا قالا أنت على رأس أمرك قالت فرجعت فتشددت ثم بلت فخرج مني مثل الفارس المقنع فصعد في السماء فرجعت إليهما فقالا لي ما رأيت فأخبرتهما فقالا ذلك إيمانك قد فارقك فخرجت إلي المرأة فقلت والله ما علماني شيئا ولا قالا لي كيف أصنع قالت فما رأيت قلت كذا قالت أنت أسحر العرب عملي وتمني قالت فقطعت جداول وقالت أحقل فإذا هو زرع يهتز

[ 175 ]

فقالت أفرك فإذا هو قد يبس قالت فأخذته ففركته وأعطتنيه فقالت جشي هذا واجعليه سويقا واسقيه زوجك فلم أفعل شيئا من ذلك وانتهى الشأن إلى هذا فهل لي من توبة قالت ورأت رجلا من خزاعة كان يسكن أمج فقالت يا أم المؤمنين هذا أشبه الناس بها روت وما روت قال أبو محمد وقد روى هذا بن جريج عن بن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قال أبو محمد وهذا شئ لم نؤمن به من جهة القياس ولا من جهة حجة العقل وإنما آمنا به من جهة الكتب وأخبار الانبياء صلى الله عليهم وسلم وتواطؤ الامم في كل زمان عليه خلا هذه العصابة التي لا تؤمن إلا بما أوجبه النظر ودل عليه القياس فيما شاهدوا ورأوا وأما قول الحسن إنهما علجان من أهل بابل وقراءته الملكين بالكسر فهذا شئ لم يوافقه أحد من القراء ولا المتأولين فيما أعلم وهو أشد استكراها وأبعد مخرجا وكيف يجوز أن ينز على علجين شئ يفرقان به بين المرء وزوجه قالوا حديثان متدافعان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا نبي بعدي ولا أمة بعد أمتي فالحلال ما أحله الله تبارك وتعالى على لساني إلى يوم القيامة والحرام ما حرمه الله تعالى على لساني إلى يوم القيامة

[ 176 ]

ثم رويتم أن المسيح عليه السلام ينزل فيقتل الخنزير ويكسر الصليب ويزيد في الحلال وعن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تقول قولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء ولا تقولوا لا نبي بعده وهذا تناقض قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا تناقض ولا اختلاف لان المسيح صلى الله عليه وسلم نبي متقدم رفعه الله تعالى ثم ينزله في آخر الزمان علما للساعة قال الله تعالى وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها وقرأ بعض القراء وإنه لعلم للساعة وإذا نزل المسيح عليه السلام لم ينسخ شيئا مما أتى به محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يتقدم الامام من أمته بل يقدمه ويصلي خلفه وأما قوله ويزيد في الحلال فإن رجلا قال لابي هريرة ما يزيد في الحلال إلا النساء فقال وذاك ثم ضحك أبو هريرة قال أبو محمد وليس قوله يزيد في الحلال أنه يحل للرجل أن يتزوج خمسا ولا ستا وإنما أراد أن المسيح عليه السلام لم ينكح النساء حتى رفعه الله تعالى إليه فإذا أهبطه تزوج امرأة فزاد فيما أحل الله له أي ازداد منه فحينئذ لا يبقى أحد من أهل الكتاب إلا علم أنه عبد الله عزوجل وأيقن أنه بشر وأما قول عائشة رضي الله عنها قولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم الانبياء ولا تقولوا نبي بعده فإنها تذهب إلى نزول عيسى عليه السلام وليس هذا من قولها ناقضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم لا نبي بعدي لانه أراد لا نبي بعدي ينسخ ما جئت به كم كانت الانبياء صلى الله عليهم وسلم تبعث بالنسخ وأرادت هي لا تقولوا إن المسيح لا ينزل بعده

[ 177 ]

قالوا حديثان متدافعان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يصلي على المدين إذا لم يترك وفاء بدينه ثم رويتم أنه قال من ترك مالا فلاهله ومن ترك دينا فعلي وفي حديث آخر من ترك كلا فإلى الله ورسوله يعني عيالا فقراء وأطفالا لا كافل لهم فكيف يترك الصلاة على من ألزم نفسه قضاء الدين عنه والقيام بأمر ولده وعياله بعده وهذا تناقض قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا بحمد الله تعالى تناقض لان تركه الصلاة على المدين إذا لم يترك وفاء بدينه كان ذلك في صدر الاسلام قبل أن يفتح عليه الفتوح ويأتيه المال وأراد أن لا يستخف الناس بالدين ولا يأخذوا مالا يقدرون على قضائه فلما أفاء الله عزوجل عليه وفتح له الفتوح وأتته الاموال جعل للفقراء والذرية نصيبا في الفئ وقضى منه دين المسلم قالوا حديثان متدافعان متناقضان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يرجم ماعزا حتى أقر عنده بالزنا أربع مرات كل ذلك يعرض عنه ثم رجمه في الرابعة فأخذ بهذا قوم من فقهائكم وقالوا لا نرجم حتى يكون إقراره في عدد الشهود عليه وبذلك كان يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه ثم رويتم أن رجلين تقدما إلى النبي صلى الله عليه وسلم

[ 178 ]

فقال أحدهما إن ابني كان عسيفا على هذا وأنه زنى بامرأته فافتديت منه بمائة شاة وخادم ثم إنا سألنا رجالا من أهل العلم فقالوا على ابني جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرجم فقال النبي صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده لاقضين بينكما بكتاب الله المائة شاة والخادم رد عليك وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وعلى امرأة هذا الرج فقضى بينهما بذلك وقال أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها ولم يقل أحد إنه قال أربع مرات في مجلس ولا في مجالس وهذا مخالف لحديث ماعز قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا بحمد الله تعالى اختلاف ولا تناقض لان إعراض النبي صلى الله عليه وسلم عن ماعز أربع مرات إنما كان كراهية منه لاقراره على نفسه بالزنا وهتكه ستر الله تعالى عليه لا لانه أراد أن يقر عنده أربع مرات وأراد أيضا أن يستبرئ أمره ويعلم أصحيح هو أم به جنة فوافق ما أراد من استبرائه أربع مرات ولو وافق ذلك مرتين أو ثلاثا أو خمسا أو ستا ما كان فيه بينة تلزم ويدل على كراهته لاقرار الزاني عنده بالزنا رواية مالك عن زيد بن أسلم في رجل اعترف بالزنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر به فجلد ثم قال يا أيها الناس قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود الله تعالى فمن أتى من هذه القاذورات شيئا

[ 179 ]

فليستتر بستر الله عز وجل فإنه من أبدى لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل ويدل على أن الاعتراف قد يكون أكثر من الاربع وأقل إذا زالت الشبهة في أمر المقر حديث يحيى بن سعيد عن هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران بن حصين قال كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتته امرأة من جهينة وهي حامل من زنا فقالت يا رسول الله إني أصبت حدا فأقمه علي فدعا النبي صلى الله عليه وسلم وليها فأمره أن يحسن إليها فإذا وضعت حملها أتاه بها فأتاه بها وقد وضعت فأمرها أن ترضع ولدها فإذا فطمته أتته ففعلت فأتاه بها فأمر بها فشق عليها ثيابها ثم رجمت ثم صلى عليها ولم يذكر في هذا الحديث أنها اعترفت أربع مرات وهذا شاهد للحديث الذي ذكر فيه أنه قال أغد يا أنيس على امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها ومن الدليل أيضا أن ماعز بن مالك لما رجم جزع ففر فرجموه وأعلموا رسول الله صلى الله عليه وسلم جزعه فقال هلا رددتموه ح حتى أنظر في أمره ولو كان إقراره أربع مرات هو الذي ألزمه اح لحد لما كان لقول النبي صلى الله عليه وسلم هلا رددتموه معنى لانه قد أمضى فيه حكم الله تعالى ولا يجوز بعد إقراره أربع مرات أن يقبل منه رجوعه إن رجع وإذا كان الاقرار بغير توقيت جاز له أن يرجع متى شاء وأن يقبل ذلك منه قالوا أحكام قد أجمع عليها يبطلها القرآن ويحتج بها الخوارج قالوا حكم في الرجم يدفعه الكتاب قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجم ورجمت الائمة بعده والله تعالى يقول في الاماء فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب

[ 180 ]

والرجم إتلاف للنفس لا يتبعض فكيف يكون على الاماء نصفه وذهبوا إلى أن المحصنات ذوات الازواج قالوا وفي هذا دليل على أن المحصنة حدها الجلد قال أبو محمد ونحن نقول إن المحصنات لو كن في هذا الموضع ذوات الازواج لكان ما ذهبوا إليه صحيحا ولزمت به هذه الحجة وليس المحصنات ههنا إلا الحرائر وسمين محصنات وإن كن أبكارا لان الاحصان يكون لهن وبهن ولا يكون بالاماء فكأنه قال فعليهن نصف ما على الحرائر من العذاب يعني الابكار وقد تسمي العرب البقرة المثيرة وهي لم تثر من الارض شيئا لان إثارة الارض تكون بها دون غيرها من الانعام وتسمي الابل في مراعيها هديا لان الهدي إلى الكعبة يكون منها فتسمى بهذا الاسم وإن لم تهد ومما يشهد لهذا التأويل الذي تأولناه في المحصنات وأنهن في هذا الموضع الحرائر الابكار قوله تعالى في موضع آخر ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم والمحصنات ههنا الحرائر ولا يجوز أن يكن ذوات الازواج لان ذوات الازواج لا ينكحن قالوا حكم في الوصية يدفعه الكتاب قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا وصية لوارث والله تعالى يقول كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والاقربين

[ 181 ]

والوالدان وارثان على كل حال لا يحجبهما أحد عن الميراث وهذه الرواية خلاف كتاب الله عزوجل قال أبو محمد ونحن نقول إن هذه الآية منسوخة نسختها آية المواريث فإن قال وما في آية المواريث من نسخها فإنه قد يجوز أن يعطى الابوان حظهما من الميراث ويعطيا أيضا الوصية التي يوصى بها لهما قلنا له لا يجوز ذلك لان الله تعالى جعل حظهما من ذلك الميراث المقدار الذي نالهما بالوراثة وقال عزوجل بعد آية المواريث تلك حدود الله ومن يطع الله وسوله يدخله جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين فوعد على طاعته فيما حد من المواريث أعظم الثواب وأوعد على معصيته فيما حد من المواريث بأشد العقاب فليس لاحد أن يوصل إلى وارث من المال أكثر مما حد الله تعالى وفرض وقد يقال إنها منسوخة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لا وصية لوارث وسنبين نسخ السنة للقرآن كيف يكون إن شاء الله تعالى قالوا حكم في النكاح يدفعه الكتاب قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها وأنه قال يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب والله عزوجل يقول حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم إلى آخر الآية ولم يذكر الجمع بين المرأة وعمتها وخالتها ولم يحرم من الرضاع إلا الام المرضعة والاخت بالرضاع

[ 182 ]

ثم قاوأحل لكم ما وراء ذلكم فدخلت المرأة على عمتها وخالتها وكل رضاع سوى الام والاخت فيما أحله الله تعالى قال أبو محمد ونحن نقول إن الله عز وجل يختبر عباده بالفرائض ليعلم كيف طاعتهم أو معصيتهم وليجازي المحسن والمسئ منهم من غير أن يكون فيما أحله أو حرمه علة توجب التحليل أو التحريم وإنما يقبح كل قبيح بنهي الله تعالى عنه ويحسن الحسن بأمر الله عزوجل به خلا أشياء جعل الله في الفطر استقباحها كالكذب والسعاية والغيبة والبخل والظلم وأشباه ذلك فإذا جاز أن يبعث الله عزوجل رسولا بشريعة فتستعمل حقبا من الدهر ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى ثم يبعث رسولا ثانيا بشريعة ثانية تنسخ تلك الاولى ويكون المستعملون لها مطيعين لله تعالى كبعثه موسى عليه السلام بالسبت ونسخ السبت بالمسيح عليه السلام وبعثه إياه بالختان في اليوم السابع ونسخ ذلك أيضا بالمسيح عليه السلام جاز أيضا أن يفرض شيئا على عباده في وقت ثم ينسخه في وقت آخر والرسول واحد وقد قال عزوجل ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها يريد بخير منها أسهل منها وإذا جاز أن ينسخ الكتاب بالكتاب جاز أن ينسخ الكتاب بالسنة لان السنة يأتيه بها جبريل عليه السلام عن الله تبارك وتعالى فيكون المنسوخ من كلام الله تعالى الذي هو قرآن بناسخ من وحي الله عزوجل الذي ليس بقرآن ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتيت الكتاب ومثله معه يريد أنه أوتي الكتاب ومثل الكتاب من السنة ولذلك قال الله عزوجل وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[ 183 ]

وقد علم الله عزوجل أنا نقبل منه ما بلغنا عنه من كلام الله تعالى ولكنه علم أنه سينسخ بعض القرآن بالوحي إليه فإذا وقذلك قدح في بعض القلوب وأثر في بعض البصائر فقال لنا وما آتاكم الرسول فخذوأي ما آتاكم به الرسول مما ليس في القرآن أو مما ينسخ القرآن فاقبلوه قال أبو محمد والسنن عندنا ثلاث سنة أتاه بها جبريل عليه السلام عن الله تعالى كقوله لا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ولا تحرم المصة ولا المصتان والدية على العاقلة وأشباه هذه من الاصول والسنة الثانية سنة أباح الله له أن يسنها وأمره باستعمال رأيه فيها فله أن يترخص فيها لمن شاء على حسب العلة والعذر كتحريمه الحرير على الرجال وإذنه لعبد الرحمن بن عوف فيه لعلة كانت به وكقوله في مكة لا يختلى خلاها ولا يعضد شجرها فقال العباس بن عبد المطلب يا رسول الله إلا الاذخر فإنه لقيوننا فقال إلا الاذخر ولو كان الله تعالى حرم جميع شجرها لم يكن يتابع العباس على ما أراد من إطلاق الاذخر ولكن الله تعالى جعل له أن يطلق من ذلك ما رآه صلاحا فأطلق الاذخر لمنافعهم ونادى مناديه لا هجرة بعد الفتح ثم أتاه العباس شفيعا في أخي مجاشع بن مسعود ليجعله مهاجرا بعد الفتح فقال أشفع عمي ولا هجرة

[ 184 ]

ولو كان هذا الحكم نزل لم تجز فيه الشفاعات وقال عادي الارض لله ولرسوله ثم هي لكم مني فمن أحيا مواتا فهو له وقال في العمرة ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لاهللت بعمرة وقال في صلاة العشاء لولا أن أشق على أمتي لجعلت وقت هذه الصلاة هذا الحين ونهى عن لحوم الاضاحي فوق ثلاث وعن زيارة القبور وعن النبيذ في الظروف ثم قال إني نهيتكم عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث ثم بدا لي أن الناس يتحفون ضيفهم ويحتبسون لغائبهم فكلوا وأمسكوا ما شئتم ونهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ولا تقولوا هجرا فإنه بدا لي أنه يرق القلوب ونهيتكم عن النبيذ في الظروف فاشربوا ولا تشربوا مسكرا قال أبو محمد ومما يزيد في وضوح هذا حديث حدثنيه محمد بن خالد بن خداش قال حدثني مسلم بن قتيبة قال نا يونس عن مدرك بن عمارة قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم حائط رجل من الانصار فرأى رجلا معه نبيذ في نقير فقال أهرقه فقال الرجل أو تأذن لي أن أشربه ثم لا أعود فقال النبي صلى الله عليه وسلم اشربه ولا تعد فهذه الاشياء تدلك على أن الله عزوجل أطلق له صلى الله عليه وسلم أن يحظر وأن يطلق بعد أن حظر لمن شاء

[ 185 ]

ولو كان ذلك لا يجوز له في هذه الامور لتوقف عنها كما توقف حين سئل عن الكلالة وقال للسائل هذا ما أوتيت ولست أزيدك حتى أزاد وكما توقف حين أتته المجادلة في زوجها تسأله عن الظهار فلم يرجع إليها قولا وقال يقضي الله عزوجل في ذلك وأتاه أعرابي وهو محرم وعليه جبة صوف وبه أثر طيب فاستفتاه فما رجع إليه قولا حتى تغشى ثوبه وغط غطيط الفحل ثم أفاق فأفتاه والسنة الثالثة ما سنه لنا تأديبا فإنحن فعلناه كانت الفضيلة في ذلك وإن نحن تركناه فلا جناح علينا إن شاء الله كأمره في العمة بالتلحي وكنهيه عن لحوم الجلالة وكسب الحجام وكذلك نقول في تحريمه لحوم الحمر الاهلية وكل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير مع قول الله عزوجل قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به أراد أنه لا يجد في وقت نزول هذه السورة أكثر من هذا في التحريم ثم نزلت المائدة ونزل فيها تحريم المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم فزادنا الله تعالى فيما حرم بالكتاب وزادنا في ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحريم سباع الوحش والطير والحمر الاهلية وكذلك نقول في قصر الصلاة في الامن مع قول الله تبارك وتعالى فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا أعلمنا أنه لا جناح علينا في قصرنا مع الخوف

[ 186 ]

وأعلمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا بأس بالقصر في الامن أيضا عن الله عزوجل وكذلك المسح على الخفين مع قول الله تعالى فاغسلوا وجوهكم وايديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم وقد روى عيسى بن يونس عن الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير أنه قال السنة قاضية على الكتاب وليس الكتاب بقاض على السنة أراد أنها مبينة للكتاب منبئة عما أراد الله تعالى فيه قالوا حكم في الغسل يوم الجمعة مختلف قال ورويتم عن مالك عن صفوان بن سليم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم ثم رويتم عن همام عن قتادة عن الحسن عن سمرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت ومن اغتسل فهو أفضل قالوا وهذا مخالف للاول قال أبو محمد ونحن نقول إن قوله غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم لم يرد به أنه فرض وإنما هو شئ أوجبه على المسلمين كما يجب غسل العيدين على الفضيلة والاختيار ليشهدوا المجمع بأبدان نقية من الدرن سليمة من التفل وقد أمر مع ذلك بالتطيب وتنظيف الثوب وأن يلبس ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته وهذا كله اختيار منه وإيجاب على الفضيلة لا على جهة الفرض

[ 187 ]

ثم علم عليه السلام أنه قد يكون في الناس العليل والمشغول ويكون في البلد الشديد البرد الذي لا يستطاع فيه الغسل إلا بالمشقة الشديدة فقال من توضأ فبها ونعمت أي فجائز ثم بين بعد ذلك أن الغسل لمن قدر عليه أفضل كما نهى عن ادخار لحوم الاضاحي فوق ثلاث ثم قال بدا لي أن الناس كانوا يتحفون ضيفهم ويخبئون لغائبهم فكلوا وأمسكوا ما شئتم ونهى عن زيارة القبور ثم قال بدا لي أن ذلك يرق القلوب فزوروها ولا تقولوا هجرا قالوا حديث يكذبه العيان قالوا رويتم عن بن لهيعة عن مشرح بن عاهان عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لو جعل القرآن في إهاب ثم ألقي في النار ما احترق قالوا وهذا خبر لا نشك في بطلانه لانا قد نرى المصاحف تحترق وينالها ما ينال غيرها من العروض والكتب قال أبو محمد ونحن نقول إن لهذا تأويلا ذهب عليهم ولم يعرفوه وأنا مبينه إن شاء الله تعالى حدثني يزيد بن عمر قال سألت الاصمعي عن هذا الحديث فقال يعني لو جعل القرآن في إنسان ثم ألقي في النار ما احترق وأراد الاصمعي أن من علمه الله تعالى القرآن من المسلمين وحفظه إياه لم تحرقه النار يوم القيامة إن ألقي فيها بالذنوب كما قال أبو أمامة احفظوا القرآن أو

[ 188 ]

اقرءوا القرآن ولا تغرنكم هذه المصاحف فإن الله تعالى لا يعذب بالنار قلبا وعى القرآن وجعل الجسم ظرفا للقرآن كالاهاب والاهاب الجلد الذي لم يدبغ ولو كان الاهاب يجوز أن يكون مدبوغا ما جاز أن يجعله كناية عن الجسم ومثله قول عائشة رضي الله عنها حين خطبت ووصفت أباها فقالت قرر الرؤوس على كواهلها وحقن الدماء في أهبها تعني في الاجساد وفيه قول آخر قال بعضهم كان هذا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم علما للنبوة ودليلا على أن القرآن كلام الله تعالى ومن عند نزل أبانه الله تعالى بهذه الآية في وقت من تلك الاوقات وعند طعن المشركين فيه ثم زال ذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم كما تكون الآيات في عصور الانبياء عليهم الصلاة والسلام من ميت يحيا وذئب يتكلم وبعير يشكو ومقبور تلفظه الارض ثم يعدم ذلك بعدهم وفيه قول آخر وهو أن يرد المعنى في قوله ما احترق إلى القرآن لا إلى الاهاب يريد أنه إن كتب القرآن في جلد ثم ألقي في النار احترق الجلد والمداد ولم يحترق القرآن كأن الله عزوجل يرفعه منه ويصونه عن النار ولسنا نشك في أن القرآن في المصاحف على الحقيقة لا على المجاز كما يقول أصحاب الكلام إن الذي في المصحف دليل على القرآن وليس به والله تبارك وتعالى يقول إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون

[ 189 ]

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو يريد المصحف قالوا حديث ينقضه القرآن قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال صلة الرحم تزيد في العمر والله تبارك وتعالى يقول فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون قالوا فكيف تزيد صلة الرحم في أجل لا يتأخر عنه ولا يتقدم قال أبو محمد ونحن نقول إن الزيادة في العمر تكون بمعنيين أحدهما السعة والزيادة في الرزق وعافية البدن وققيل الفقر هو الموت الاكبر وجاء في بعض الحديث إن الله تعالى أعلم موسى صلى الله عليه وسلم أنه يميت عدوه ثم رآه بعد يسف الخوص فقال يا رب وعدتني أن تميته قال قد فعلت قد أفقرته وقال الشاعر ليس من مات فاستراح بميت إنما الميت ميت الاحياء يعني الفقير فلما جاز أن يسمى الفقر موتا ويجعل نقصا من الحياة جاز أن يسمى الغنى حياة ويجعل زيادة في العمر والمعنى الآخر أن الله تعالى يكتب أجل عبده عنده مائة سنة ويجعل بنيته وتركيبه وهيئته لتعمير ثمانين سنة فإذا وصل رحمه زاد الله تعالى في ذلك التركيب وفي تلك البنية ووصل ذلك النقص فعاش عشرين أخرى حتى يبلغ المائة وهي الاجل الذي لا مستأخر عنه ولا متقدم

[ 190 ]

قالوا حديث يبطله القرآن والاجماع قالوا رويتم أن الصدقة تدفع القضاء المبرم والله عزوجل يقول إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقول له كن فيكون وأجمع الناس على أنه لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه قال أبو محمد ونحن نقول في تأويل ذلك إن المرء قد يستحق بالذنوب قضاء من العقوبة فإذا هو تصدق دفع عن نفسه ما قد استحق من ذلك يدلك عليه قوله صدقة السر تطفئ غضب الرب أفلا ترى أن من غضب الله عز وجل عليه تعرض عقابه فإذا أزال ذلك الغضب بصدقته أزال العقاب ومثل هذا رجل أجرمت عليه جرما عظيما فخفت بوائقه وعاجل جزائه فأهديت له هدية كففته بها وقلت الهدية تدفع العقاب المستحق قالوا حديث يبطل أوله آخره قالوا رويتم أنه سيكون عليكم أئمة إن أطعتموهم غويتم وإن عصيتموهم ضللتم وهذا لا يجوز في المعقول وكيف يكونون بمعصيتهم ضالين وبطاعتهم غاوين قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذا الحديث تناقض مع التأويل ومعناه فيما يرى أنهم إن أطيعوا في الذي يأرون به من معصية الله تعالى وظلم الرعية وسفك الدما بغير حقها غوى مطيعهم

[ 191 ]

وإن عصوا فخرج عليهم وشقت عصا المسلمين كما فعل الخوارج ضل عاصيهم والذي يؤول إليه معنى الحديث أنه لا يعمل لهم ولا يخرج عليهم ويجوز أن يكون أراد ما يأمرون به على المنابر من الخير إن عصوا فيه ضل عاصيهم وما يأمرون به من المعاصي في غير ذلك المقام إن أطيعوا فيه غوى مطيعهم قالوا حديث يكذبه القرآن وحجة العقل قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته والله تعالى يقول لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار ويقول ليس كمثله شئ قالوا وليس يجوز في حجج العقل أن يكون الخالق يشبه المخلوق في شئ من الصفات وقد قال موسى عليه السلا رب أرني أنظر إليك قال لن تراني قالوا فإن كان هذا الحديث صحيحا فالرؤية فيه بمعنى العلم كما قال تعالى ألم تر إلى ربك كيف مد الظل وقال ألم تر أن الله على كل شئ قدير قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح لا يجوز على مثله الكذب لتتابع الروايات عن الثقات به من وجوه كثيرة

[ 192 ]

ولو كان يجوز أن يكون مثله كذبا جاز أن يكون كل ما نحن عليه من أمور ديننا في التشهد الذي لم نعلمه إلا بالخبر وفي صدقة النعم وزكاة الناض من الاموال والطلاق والعتاق وأشباه ذلك من الامور التي وصل إلينا علمها بالخبر ولم يأت لها بيان في الكتاب باطلا وأما قوله تعالى لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وقول موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك قال لن تراني فليس ناقضا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ترون ربكم يوم القيامة لانه أراد عزوجل بقوله لا تدركه الابصار في الدنيا وقال لموسى عليه السلام لن تراني يريد في الدنيا لانه عزوجل احتجب عن جميع خلقه في الدنيا ويتجلي لهم يوم الحساب ويوم الجزاء والقصاص فيراه المؤمنون كما يرون القمر في ليلة البدر ولا يختلفون فيه كما لا يختلفون في القمر ولم يقع التشبيه بها على كل حالات القمر في التدوير والمسير والحدود وغير ذلك وإنما وقع التشبيه بها على أنا ننظر إليه عز وجل كما ننظر إلى القمر ليلة البدر لا يختلف في ذلك كما لا يختلف في القمر والعرب تضرب المثل بالقمر في الشهرة والظهور فيقولون هذا أبين من الشمس ومن فلق الصبح وأشهر من القمر قال ذو الرمة وقد بهرت فما تخفى على أحد * إلا على أحد لا يعرف القمرا وقوله في الحديث لا تضامون في رؤيته دليل لان التضام من الناس يكون في أول الشهر عند طلبهم الهلال فيجتمعون ويقول واحد هو ذاك هو ذاك ويقول

[ 193 ]

آخر ليس به وليس القمر كذلك لان كل واحد يراه بمكانه ولا يحتاج إلى أن ينضم إلى غيره لطلبه وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قاض على الكتاب ومبين له فلما قال الله تعالى لا تدركه الابصار وجاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيح من الخبر ترون ربكم تعالى في القيامة لم يخف على ذي فهم ونظرولب وتمييز أنه في وقت دون وقت وفي قول موسى عليه السلام رب أرني أنظر إليك أبين الدلالة على أنه يرى في القيامة ولو كان الله تعالى لا يرى في حال من الاحوال ولايجوز عليه النظر لكان موسى عليه السلام قد خفي عليه من وصف الله تعالى ما علموه ومن قال بأن الله تعالى يدرك بالبصر يوم القيامة فقد حده عندهم ومن كان الله تعالى عنده محدودا فقد شبهه بالمخلوقين ومن شبهه عندهم بالخلق فقد كفر فما يقولون في موسى عليه السلام فيما بين أن الله تعالى نبأه وكلمه من الشجرة إلى الوقت الذي قال له فيه رب أرني أنظر إليك أيقضون عليه بأنه كان مشبها لله محددا

[ 194 ]

لا لعمر الله لا يجوز أن يجهل موسى عليه السلام من الله عزوجل مثل هذا لو كان على تقديرهم ولكن موسى عليه السلام علم أن الله تعالى يرى يوم القيامة فسأل الله عزوجل أن يجعل له في الدنيا ما أجله لانبيائه وأوليائه يوم القيامة فقال له لن تراني يعني في الدنيا ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني أعلمه أالجبل لا يقوم لتجليه حتى يصير دكا وأن الجبال إذا ضعفت عن احتمال ذلك فابن آدم أحرى أن يكون أضعف إلى أن يعطيه الله تعالى يوم القيامة ما يقوى به على النظر ويكشف عن بصره الغطاء الذي كان في الدنيا والتجلي هو الظهور ومنه يقال جلوت العروس إذا أبرزتها وجلوت المرآة والسيف إذا أظهرتهما من الصدأ وأما قولهم إن الرؤية في قوله ترون ربكم يوم القيامة بمعنى العلم كما قال تعالى ألم تر أن الله على كل شئ قدير يريد ألم تعلم فإنه يستحيل لانا نعلمه في الدنيا أيضا فأي فائدة في هذا الخبر إذا كان الامر في يوم القيامة وفي الدنيا واحدا وقرأت في الانجيل أن المسيح عليه السلام حين فتح فاه بالوحي قال طوبى للذين يرحمون فعليهم تكون الرحمن طوبى للمخلصة قلوبهم فإنهم الذين يرون الله تبارك وتعالى والله تبارك وتعالى يقول وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة ويقول في قوم سخط عليهم كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون ثم إنهم لصالو الجحيم

[ 195 ]

أفما في هذا القول دليل على أن الوجوه الناضرة التي هي إلى ربها ناظرة هي التي لا تحجب إذا حجبت هذه الوجوه فإن قالوالنا كيف ذلك النظر والمنظور إليه قلنا نحن لا ننتهي في صفاته جل جلاله إلا إلحيث انتهى إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ندفع ما صح عنه لانه لا يقوم في أوهامنا ولا يستقيم على نظرنا بل نؤمن بذلك من غير أن نقول فيه بكيفية أو حد أو أن نقيس على ما جاء ما لم يأت ونرجو أن يكون في ذلك من القول والعقد سبيل النجاة والتخلص من الاهواء كلها غدا إن شاء الله تعالى قالوا حديث في التشبيه يكذبه القرآن وحجة العقل قالوا رويتم أن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عزوجل فإن كنت أردتم بالاصابع ههنا النعم وكان الحديث صحيحا فهو مذهب وإن كنتم أردتم الاصابع بعينها فإن ذلك يستحيل لان الله تعالى لا يوصف بالاعضاء ولا يشبه بالمخلوقين وذهبوا في تأويل الاصابع إلى أنه النعم لقول العرب ما أحسن إصب قلان على ماله يريدون أثره وقال الراعي في وصف إبله ضعيف العصا بادي العروق ترى له عليها إذا ما أمحل الناس أصبعا أي ترى له عليها أثرا حسنا قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح وإن الذي ذهبوا إليه في تأويل الاصبع لا يشبه الحديث لانه عليه السلام قال في دعائه يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقالت له إحدى أزواجه أو تخاف يا رسول الله على نفسك

[ 196 ]

فقال إن قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الله عزوجل فإن كان القلب عندهم بين نعمتين من نعم الله تعالى فهو محفوظ بتينك النعمتين فلاي شئ دعا بالتثبيت ولم احتج على المرأة التي قالت له أتخاف على نفسك بما يؤكد قولها وكان ينبغي أن لا يخاف إذا كان القلب محروسا بنعمتين فإن قال لنا ما الاصبع عندك ههنا قلناهو مثل قوله في الحديث الآخر يحمل الارض على أصبع وكذا على أصبعين ولا يجوز أن تكون الاصبع ههنا نعمة وكقوله تعالى وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه ولم يجز ذلك ولا نقول أصبع كأصابعنا ولا يد كأيدينا ولا قبضة كقبضاتنا لان كل شئ منه عزوجل لا يشبه شيئا منا قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم أن كلتا يديه يمين وهذا يستحيل إن كنتم أردتم باليدين العضوين وكيف تعقل يدان كلتاهما يمين قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح وليس هو مستحيلا وإنما أراد بذلك معنى التمام والكمال لان كل شئ فمياسره تنقص عن ميامنه في القوة والبطش والتمام وكانت العرب تحب التيامن وتكره التياسر لما في اليمين من التمام وفي اليسار من النقص ولذلك قالوا اليمن والشؤم

[ 197 ]

فاليمن من اليد اليمنى والشؤم من اليد الشؤمى وهي اليد اليسرى وهذا وجه بين ويجوز أن يريد العطاء باليدين جميعا لان اليمنى هي المعطية فإذا كانت اليدان يمينين كان العطاء بهما وقد روي في حديث آخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يمين الله سحاء لا يغيضها شئ الليل والنهار أي تصب العطاء ولا ينقصها ذلك وإلى هذا ذهب المرار حين قال وإن على الاوانة من عقيل فتى كلتا اليدين له يمين قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال عجب ربكم من إلكم وقنوطكم وسرعة إجابته إياكم وضحك من كذا وإنما يعجب ويضحك من لا يعلم ثم يعلم فيعجب ويضحك

[ 198 ]

قال أبو محمد ونحن نقول إن العجب والضحك ليس على ما ظنوا وإنما هو على حل عنده كذا بمحل ما يعجب منه وبمحل ما يضحك منه لان الضاحك إنما يضحك لامر معجب له ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للانصاري الذي ضافه ضيف وليس في طعامه فضل عن كفايته فأمر امرأته بإطفاء السراج ليأكل الضيف وهو لا يشعر أن المضيف له لا يأكل لقد عجب الله تعالى من صنيعكما البارحة أي حل عنده محل ما يعجب الناس منه وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم وإن تعجب فعجب قولهم لم يرد أنه عندي عجب وإنما أراد أنه عجيب عند من سمعه قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن وينبغي أن تكون الريح عندكم غير مخلوقة لانه لا يكون من الرحمن عزوجل شئ مخلوق قال أبو محمد ونحن نقول إنه لم يرد بالنفس ما ذهبوا إليه وإنما أراد أن الريح من فرج الرحمن عزوجل وروحه يقال اللهم نفس عني الاذى وقد فرج الله عن نبيه صلى الله عليه وسلم بالريح يوم الاحزاب وقال تعالى فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكذلك قوله إني لاجد نفس ربكم من قبل اليمن قال أبو محمد وهذا من الكناية لان معنى هذا أنه قال كنت في شدة وكرب وغم من أهل مكة ففرج الله عني بالانصار يعني أنه يجد الفرج من قبل الانصار وهم من اليمن فالريح من فرج الله تعالى وروحه كما كان الانصار من فرج الله تعالى

[ 199 ]

قال أبو محمد وقد بينت هذا في كتاب غريب الحديث بأكثر من هذا البيان ولم أجد بدمن ذكره ههنا ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدوا له قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم أنه قال لاحد ابني ابنته والله إنكم لتجبنون وتبخلون وإنكم من ريحان الله وإن آخر وطأة وطئها الله بوج قال أبو محمد ونحن نقول إن لهذا الحديث مخرجا حسنا قد ذهب إليه بعض أهل النظر وبعض أهل الحديث قالوا إن آخر ما أوقع الله عزوجل بالمشركين بالطائف وكانت آخر غزاة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بوج ووج واد قبل الطائف وكان سفيان بن عيينة يذهب إلى هذا قال وهو مثل قوله في دعائه اللهم اشدد وطأتك على مضر وابعث عليهم سنين كسني يوسف فتتابع القحط عليهم سبع سنين حتى أكلوا القد والعظام وتقول في الكلام اشتدت وطأة السلطان على رعيته وقد وطئهم وطئا ثقيلا ووطئ المقيد قال الشاعر ووطئتنا وطأ على حنق وطئ المقيد ثابت الهرم والمقيد أثقل شئ وطئا لانه يرسف في قيده فيضع رجلين معا والهرم نبت ضعيف فإذا وطئه كسره وفته وهذا المذهب بعيد من الاستكراه قريب من القلوب غير أني لا أقضي به على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم لاني قرأت في الانجيل الصحيح أن المسيح عليه السلام قال

[ 200 ]

للحواريين ألم تسمعوا أنه قيل للاولين لا تكذبوا إذا حلفتم بالله تعالى ولكن اصدقوا وأنا أقول لكم لا تحلفوا بشئ لا بالسماء فإنها كرسي الله تعالى ولا بالارض فإنها موطئ قدميه ولا بأورشليم بيت المقدس فإنها مدينة الملك الاكبر ولا تحلف برأسك فإنك لا تستطيع أن تزيد فيه شعرة سوداء ولا بيضاء ولكن ليكن قولكم نعم نعم ولا لا وما كان سوى ذلك فإنه من الشيطان قال أبو محمد هذا مع حديث حدثنيه يزيد بن عمرو قال حدثنا عبد الله بن الزبير المكي قال حدثنا عبد الله بن الحارث عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن كعب قال إن وجا مقدس منه عرج الرب إلى السماء يوم قضاء خلق الارض قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ضرس الكافر في النار مثل أحد وكثافة جلده أربعون ذراعا بباع الجبار قال أبو محمد ونحن نقول إن لهذا الحديث مخرجا حسنا إن كان النبي صلى الله عليه وسلم أراده وهو أن يكون الجبار ههنا الملك قال الله تبارك وتعالى وما أنت عليهم بجبار أي بملك مسلط والجبابرة الملوك وهذا كما يقول الناس هو كذا وكذا ذراعا بذراع الملك يريدون بالذراع الاكبر وأحسبه ملكا من ملوك العجم كان تام الذراع فنسب إليه قالوا حديث في التشبيه

[ 201 ]

قالوا رويتم أن بن عباس قال الحجر الاسود يمين الله تعالى في الارض يصافح بها من شاء من خلقه قال أبو محمد ونحن نقول إهذا تمثيل وتشبيه وأصله أن الملك كان إذا صافح رجلا قبل الرجل يده فكأن الحجر لله تعالى بمنزلة اليمين للملك تستلم وتلثم وبلغني عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت إن الله تبارك وتعالى حين أخذ الميثاق من بنى آدم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى جعل ذلك في الحجر الاسود وقال أما سمعتم إذا استلموه يقولون إيمانا بك ووفاء بعهدك أي قد وفينا بعهدك أنك أنت ربنا وذلك أن الجاهلية قد استلموه وكانوا مشركين لم يستلموه بحقه لانهم كانوا كفارا قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت ربي في أحسن صورة ووضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله بين ثندوتي قال أبو محمد ونحن نقول إن الله لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار يعني في الدنيا فإذا كان يوم القيامة رآه المؤمنون كما يرون القمر ليلة البدر وقد سأله موسى صلى الله عليه وسلم فقال رب أرني أنظر إليك

[ 202 ]

يريد أن يتعجل من الرؤية ما أجله الله تعالى له ولامثاله من أوليائه فقال لن تراني ولذلك يقول قوم إن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يره إلا في المنام وعند تغشي الوحي له وأن الاسراء ليلة الاسراء كان بروحه دون جسمه إلا تسمع إلى قول الله عزوجل وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن يعني بالرؤيا ما رأه ليلة أسري به فأخبر بذلك فارتد به قوم وقالوا كيف يذهب إلى بيت المقد س ثم يصعد إلى السماء ثم يهبط إلى الارض في ليلة وتوهموا أنه ادعى الاسراء بجسمه وكان أبو بكر رضي الله عنه ممن صدق بذلك وحاج فيه فسمي الصديق قالوا وقد قالت إحدى أزواجه في ليلة الاسراء إنا ما فقدنا جسمه وحدثنا أبوالخطا ب قال نا مالك بن سعيد قال نا الاعمش قال سمعت الوليد بن العيزار يذكر عن أبي الاحوص في قوله تعالى ولقد رآه بالافق المبين قال رأى جبريل عليه السلام في صورته وله سبعمائة جناح قالوا ومما يدل على ذلك أيضا حديث رواه عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن مروان بن عثمان عن عمارة بن عامر عن أم الطفيل امرأة أبي بن كعب أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكر أنرأى ربه في المنام في صورة شاب موفر في خضرة على فراشه فراش من ذهب في رجليه نعلان من ذهب

[ 203 ]

قال أبو محمد ونحن لم نذكر قول من تأول هذا التأويل في هذا لحديث أننا رأيناه صوابا وإنما ذكرناه ليعلم أن الحديث قد تأوله قوم واحتجوا له بهذين الحديثين اللذين ذكرناهما وكيف يكون ذلك كما تأولوا والله عزوجل يقول سبحان الذي أسرى بعبده ليلا الآية وهذا لا يجوز أن يتأول فيه هذا التأويل ولا يدفع بمثل هذه الاحاديث ونحن نعوذ بالله أن نتعسف فنتأول فيما جعله الله فضيلة لمحمد ونحن نسلم للحديث ونحمل الكتاب على ظاهره قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله عزوجل خلق آدم على صورته والله تبارك وتعالى يجل عن أن يكون له صورة أو مثال قال أبو محمد ونحن نقول كما قالوا إن الله تعالى وله الحمد يجل عن أن يكون له صورة أو مثال غير أن النا س ألفوا الشئ وأنسوا به فسكتوا عنده وأنكروا مثله ألا ترى أن الله تعالى يقول في وصفه نفسه ليس كمثله شئ وهو السميع البصير وظاهر هذا يدل على أن مثله لا يشبهه شئ ومثل الشئ غير الشئ فقد صار على هذا الظاهر لله تعالى مثل ومعنى ذلك في اللغة أنه يقام المثل مقام

[ 204 ]

الشئ نفسه فيقول القائل مثلي لا يقال له هذا الكلام ومثلي لا يفتات عليه لا يريد أن نظيري لا يقال له ولا يفتات عليه وإنما يريد أنا نفسي لا يقال لي كذا وكذا وكذلك قوله وتعالى ليس كمثله شئ يريد ليس كهو شئ فخرج هذا مخرج كلام العرب ويجوز أن تكون الكاف زائدة كما تقول في الكلام كلمني بلسان كمثل السنان ولها بنان كمثل العنم وكقول الراجز وصاليات ككما يؤثفين فأدخل الكاف على الكاف وهي بمعنى مثل وقد اضطرب الناس في تأويل قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه خلق آدم عليه السلام على صورته فقال قوم من أصحاب الكلام أراد خلق آدم على صورة آدم لم يزد على ذلك ولو كان المراد هذا ما كان في الكلام فائدة ومن يشك في ان الله تعالى خلق الانسان على صورته والسباع على صورها والانعام على صورها

[ 205 ]

وقال قوم إن الله تعالى خلق آدم على صورة عنده وهذا لا يجوز لان الله عز وجل لا يخلق شيئا من خلقه على مثال وقال قوم في الحديث لا تقبحوا الوجه فإن الله تعالى خلق آدم على صورته يريد أن الله عزوجل خلق آدم على صورة الوجوهذا أيضا بمنزلة التأويل الاول لا فائدة فيه والناس يعلمون أن الله تبارك وتعالى خلق آدم على خلق ولده ووجهه على وجوههم وزاد قوم في الحديث إنه عليه السلام مر برجل يضرب وجه رجل آخر فقال لا تضربه فإن الله تعالى خلق آدم عليه السلام على صورته أي صورة المضروب وفي هذا القول من الخلل ما في الاول ولما وقعت هذه التأويلات المستكرهة وكثر التنازع فيها حمل قوما اللجاج على أن زادوا في الحديث فقالوا روى بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا إن الله عز وجل خلق آدم على صورة الرحمن يريدون أن تكون الهاء في صورته لله عزوجل وأن ذلك يتبين بأن يجعلوا الرحمن مكان الهاء كما تقول إن الرحمن خلق آدم على صورته فركبوا قبيحا من الخطأ وذلك أنه لا يجوز أن نقول إن الله تعالى خلق السماء بمشيئة الرحمن ولا على إرادة الرحمن وإنما يجوز هذا إذا كان الاسم الثاني غير الاسم الاول أو لو كانت الرواية لا تقبحوا الوجه فإنه خلق على صورة الرحمن فكان الرحمن غير الله أو الله غير الرحمن فإن صحت رواية بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فهو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تأويل ولا تنازع فيه

[ 206 ]

قال أبو محمد ولم أر في التأويلات شيئا أقرب من الاطراد ولا أبعد من الاستكراه من تأويل بعض أهل النظر فإنه قال فيه أراد أن الله تعالى خلق آدم في الجنة على صورته في الارض كأن قوما قالوا إن آدم كان من طوله في الجنة كذا ومن حليته كذا ومن نوره كذا ومن طيب رائحته كذا لمخالفة ما يكون في الجنة ما يكون في الدنيا فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله خلق آدم يريد في الجنة على صورته يعني في الدنيا ولست أحتم بهذا التأويل على هذا الحديث ولا أقضي بأنه مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه لاني قرأت في التوراة أن الله عزوجل لما خلق السماء والارض قال نخلق بشرا بصورتنا فخلق آدم من أدمة الارض ونفخ في وجهه نسمة الحياة وهذا لا يصلح له ذلك التأويل وكذلك حديث بن عباس أن موسى صلى الله تعالى عليه وسلم ضرب الحجر لبني إسرائيل فتفجر وقال اشربوا يا حمير فأوحى الله تبارك وتعالى إليه عمدت إلى خلق من خلقي خلقتهم على صورتي فشبهتهم بالحمير فما برح حتى عوقب هذا معنى الحديث قال أبو محمد والذي عندي والله تعالى أعلم أن الصورة ليست بأعجب من اليدين والاصابع والعين وإنما وقع الالف لتلك لمجيئها في القرآن ووقعت الوحشة من هذه لانها لم تأت في القرآن ونحن نؤمن بالجميع ولا نقول في شئ منه بكيفية ولا حد قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم في حديث أبي رزين العقيلي من رواية حماد بن سلمة أنه قال للنبي

[ 207 ]

صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل أن يخلق السماوات والارض فقال كان في عماء فوقه هواء وتحته هواء قالوا وهذا تحديد وتشبيه قال أبو محمد ونحن نقول إن حديث أبي رزين هذا مختلف فيه وقد جاء من غير هذا الوجه بألفاظ تستشنع أيضا والنقلة له أعراب ووكيع بن حدس الذروى عنه حديث حماد بن سلمة أيضا لا يعرف غير أنه قد تكلم في تفسير هذا الحديث أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا عنه أحمد بن سعيد اللحياني أنه قال العماء السحاب وهو كما ذكر في كلام العرب إن كان الحرف ممدودا وإن كان مقصورا كأنه كان في عمى فإنه أراد كان في عمى عن معرفة الناس كما تقول عميت عن هذا الامر فأنا أعمى عنه عمى إذا أشكل عليك فلم تعرفه ولم تعرف جهته وكل شئ خفي عليك فهو في عمى عنك وأما قوله فوقه هواء وتحته هواء فإن قوما زادوا فيه ما فقالوا ما فوقه هواء ومتحته هواء استيحاشا من أن يكون فوقه هواء وتحته هواء ويكون بينهما والرواية هي الاولى والوحشة لا تزول بزيادة ما لان فوق وتحت باقيان والله أعلم قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تسبوا الدهر فإن الله تعالى هو الدهر فوافقتم في هذه الرواية الدهرية قال أبو محمد ونحن نقول إن العرب في الجاهلية كانت تقول أصابني الدهر في مالي بكذا ونالتني قوارع الدهر وبواثقه ومصايبه

[ 208 ]

ويقول الهرم حناني الدهر فينسبون كل شئ تجري به أقدار الله عزوجل عليهم من موت أو سقم أو ثكل أو هرم إلى الدهر ويقولون لعن الله هذا الدهر ويسمونه المنون لانه جالب المنون عليهم عندهم والمنون المنية قال أبو ذؤيب أمن المنون وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع قال أبو محمد هكذا أنشدنيه الرياشي عن الاصمعي عن بن أبي طرفة الهذلي عن أبي ذؤيب والناس يروونه وريبها تتوجع ويجعلون المنون المنية وهذا غلط ويدلك على ذلك قوله والدهر ليس بمعتب من يجزع كأنه قال أمن الدهر وريبه تتوجع والدهر ليس بمعتب من يجزع وقال الله عزوجل تتربص به ريب المنون أي ريب الدهر وحوادثه وكانت العرب تقول لا ألقا ك آخر المنون أي آخر الدهر وقد حكى الله عزوجل عن أهل الجاهلية ما كانوا عليه من نسب أقدار الله عز وجل وأفعاله إلى الدهر فقال وقالوا إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر وما لهم بذلك من علم إن هم إلا يظنون فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم المصايب ولا تنسبوها إليه فإن الله عزوجل هو الذي أصابكم بذلك لا الدهر فإذا سببتم الفاعل وقع السب بالله عزوجل

[ 209 ]

ألا ترى أن الرجل منهم إذا أصابته نائبة أو جائحة في مال أو ولد أو بدن فسب فاعل ذلك به وهو ينوي الدهر أن المسبوب هو الله عزوجل وسأمثل لهذا الكلا مثالا أقرب به عليك ما تأولت وإن كان بحمد الله تعالى قريبا كأن رجلا يسمى زيدا أمر عبدا له يسمى فتحا أن يقتل رجلا فقتله فسب الناس فتحا ولعنوه فقال هم قائل لا تسبوا فتحا فإن زيدا هو فتح يريد أن زيدا هو القاتل لانه هو الذي أمره كأنه قال إن القاتل زيد لا فتح وكذلك الدهر تكون فيه المصايب والنوازل وهي بأقدار الله عزوجل فيسب الناس الدهر لكون تلك المصايب والنوازل فيه وليس له صنع فيقول قائل لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر قالوا حديث في التشبيه قالوا رويتم عن أبي ذر وأبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال يقول الله عزوجل من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا تمثيل وتشبيه وإنما أراد من أتاني مسرعا بالطاعة أتيته بالثواب أسرع من إتيانه فكنى عن ذلك بالمشي وبالهرولة كما يقال فلان موضع في الضلال والايضاع سير سريع لا يراد به أنه يسير ذلك السير وإنما يراد أنه يسرع إلى الضلال فكنى بالوضع عن الاسراع وكذلك قوله والذين سعوا في آياتنا معاجزين والسعي الاسراع في المشي وليس يراد أنهم مشوا دائما وإنما يراد أنهم أسرعوا بنياتهم وأعمالهم والله أعلم

[ 210 ]

قالوا حديث يبطله الاجماع والكتاب قالوا رويتم أن بن أم مكتوم استأذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده امرأتان من أزواجه فأمرهما بالاحتجاب فقالتا يا رسول الله إنه أعمى فقال أفعمياوان أنتما والناس مجمعون على أنه لا يحرم على النساء أن ينظرن إلى الرجال إذا استترن وقد كن يخرجن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المسجد ويصلين مع الرجال وقلتم في تفسير قول الله عزوجل ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها إنه الكحل والخاتم عز وجل قال أبو محمد ونحن نقول إن الله عزوجل أمر أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاحتجاب إذا أمرنا أن لا نكلمهن إلا من وراء حجاب فقال وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب وسواء دخل عليهن الاعمى والبصير من غير حجاب بينه وبينهن لانهما جميعا يكونان عاصيات لله عزوجل ويكن أيضا عاصيات لله تعالى إذا أذن لهما في الدخول عليهن وهذه خاصة لازواج رسول الله صلى الله عليه وسلم كما خصصن بتحريم النكاح على جميع المسلمين فإذا خرجن عن منازلهن لحج أو غير ذلك من الفروض أو الحوائج التي لا بد من الخروج لها زال فرض الحجاب لانه لا يدخل عليهن حينئذ داخل فيحجب أن يحتجبن منه إذا كن في السفر بارزات وكان الفرض إنما وقع في المنازل التي هن بها نازلات

[ 211 ]

قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى أن الخراج بالضمان يريد العبد يشتريه مشتريه فيستغله حينا ثم يظهر على عيب به فيرده بالعيب إنه لا يرد ما صار إليه من غلته وهو الخراج لانه كان ضامنا له ولو مات مات من ماله ثم رويتم أنه قال من اشترى مصراة فهو بالخيار ثلاثة أيام إن شاء ردها ورد معها صاعا من طعام قالوا وهذا مخالف للحكم الاول لان الذي أخذه من لبنها غلة ولانه كانا ضامنا لو ماتت الشاة ماتت من ماله فهو والخراج بالضمان سواء لا فرق بينهما قال أبو محمد ونحن نقول إن بينهما فرقا بينا لان المصراة من الشاة والمحفلة شئ واحد وهي التي جمع اللبن في ضرعها فلم تحلب أياما حتى عظم الضرع لاجتماع اللبن فيه فإذا اشتراها مشتر واحتلب ما في ضرعها استوعبه في حلبة أو حلبتين فإذا انقطع اللبن بعد ذلك وظهر على أنها كانت محفلة ردها ورد معها صاعا من طعام لان اللبن الذي اجتمع في ضرعها كان في ملك البائع لا في ملكه فرد عليه قيمته والعبد إذا بيع وبه عيب ولم يظهر على ذلك العيب لا يباع ومعه غلة وإنما تكون الغلة في ملك المشتري فلا يجب أن يرد عليه منها شيئا قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم أن عمرو بن الشريد سمع أبا رافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الجار أحق بصقبه

[ 212 ]

وعن قتادة عن الحسن عن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جار الدار أحق بدار الجار أو الارض ثم رويتم عن الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر قال إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة قالوا وهذا خلاف الاول قال أبو محمد ونحن نقول في هذا الحديث الثاني إنه لا يدل على أن جابرا سمع ما قال من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تراه يقول إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم فهو حكم منه وظن منه أو سماع من رجل عنه والحديثان الاولان متصلان وعلى أنهما جميعا يرجعان إلى تأويل واحد أما الأول فمعناه الجار أحق بملاصقه من دار جاره والصقب الدنو بالملاصقة قال الشاعر كوفية نازح محلتها لا أمم دارها ولا صقب يريد بقوله لا أمم دارها أي لا قريب ولا صقب لا ملاصقة والحديث الثاني إنما جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفعة في كل مال لم يقسم فإذا وقعت الحدود فلا شفعة كأن ربعا فيه منازل وهو لاقوام عشرة مشتركين فيه فإن باع واحد منهم حصة من تلك المنازل كانت الشفعة لجميعهم في الحصة وصار لكل واحد منهم تسعها

[ 213 ]

فإن قسمت تلك المنازل قبل أن يبيع واحد منهم شيئا فصار لكل واحد منهم منزل بعينه فإذا أراد أحدهم أن يبيع منزله لم يكن للقوم شفعة وإنما تجب الشفعة لجاره الملاصق له فدلنا بهذا الحديث على أن القسمة إذا وقعت زال حكم المشاع قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه سما وفي الآخر شفاء وأنه يقدم السم ويؤخر الشفاء قالوا كيف يكون في شئ واحد سم وشفاء وكيف يعلم الذباب بموضع السم فيقدمه وبموضع الشفاء فيؤخره قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث صحيح وقد روي أيضا بغير هذه الالفاظ حدثنا أبو الخطاب قال نا أبو عتاب قال نا عبد الله بن المثنى قال حدثني ثمامة قال وقع ذباب في إناء فقال أنس بأصبعه فغمزه في الماء وقال بسم الله فعل ذلك ثلاثا وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يفعلوا ذلك وقال في أحد جناحيه سم وفي الآخر شفاء قال أبو محمد ونقول إن من حمل أمر الدين على ما شاهد فجعل البهيمة لا تقول والطائر لا يسبح والبقعة من بقاع الارض لا تشكو إلى أختها والذبا ب لا يعلم موضع السم وموضع الشفاء واعترض على ما جاء في الحديث مما لا يفهمه فقال كيف يكون قيراط مثل أحد وكيف يتكلم بيت المقدس وكيف يأكل الشيطان بشماله ويشرب بشماله وأي شمال له وكيف لقي آدم موسى صلى الله

[ 214 ]

تعالى عليهما وسلم حتى تنازعا في القدر وبينهما أحقاب وأين تنازعا فإنه منسلخ من الاسلام معطل غير أنه يستعد بمثل هذا وشبهه من القول واللغو والجدال ودفع الاخبار والآثار مخالف لما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ولما درج عليه الخيار من صحابته والتابعون ومن كذب ببعض ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كمن كذب به كله ولو أراد أن ينتقل عن الاسلام إلى دين لا يؤمن فيه بهذا وأشباهه لم يجد منتقلا لان اليهود والنصارى والمجوس والصابئين والوثنية يؤمنون بمثل ذلك ويجدونه مكتوبا عندهم وما علمت أحدا ينكر هذا إلا قوما من الدهرية وقد اتبعهم على ذلك قوم من أهل الكلام والجهمية وبعد فما ينكر من أن يكون في الذباب سم وشفاء إذا نحن تركنا طريق الديانة ورجعنا إلى الفلسفة وهل الذباب في ذلك إلا بمنزلة الحية فإن الاطباء يذكرون أن لحمها شفاء من سمها إذا عمل منه الترياق الاكبر ونافع من لدغ العقارب وعض الكلاب الكلبة والحمى الربع والفالج واللقوة والارتعاش والصرع وكذلك قالوا في العقرب إنها إذا شق بطنها ثم شدت على موضع اللسعة نفعت

[ 215 ]

وإذا أحرقت فصارت رمادا ثم سقي منها من به الحصاة نفعته وربما لسعت المفلوج فأفاق وتلقى في الدهن حينا فيكون ذلك الدهن مفرقا للاورام الغليظة والاطباء القدماء يزعمون أن الذباب إذا ألقي في الاثمد وسحق معه ثم اكتحل به زاد ذلك في نور البصر وشد مراكز الشعر من الاجفان في حافات الجفون وحكوا عن صاحب المنطق أن قوما من الامم كانوا يأكلون الذباب فلا يرمدون وقالوا في الذباب إذا شدخ ووضع على موضع لسعة العقرب سكن الوجع وقالوا من عضه الكلب احتاج إلى أن يستر وجهه من سقوط الذباب عليه لئلا يقتله وهذا يدل على طبيعة فيه شفاء أو سم قال أبو محمد وكيف تكون البهائم والحشرات لا تفهم إذا نحن تركنا طريق الديانة وقلنا بالفلسفة وبما يلحقه العيان ونحن نرى الذرة تدخر في الصيف للشتاء فإذا خافت العفن على ما ادخرت من الحب أخرجته إلى ظاهر الارض فنشرته ليلا في القمر وإذا خافت نبا ت الحب نقرت وسط الحبة لئلا تنبت وقال بن عيينة ليس شئ يدخر إلا الانسان والنملة والفأرة وهذه الغربان لا تقرب نخلة موقرة فإذا صرمت النخلة سقطت عليها فلقطت ما في القلبة يعني الكرب

[ 216 ]

وقالت الفلاسفة إذا نهشت الابل حية أكلت السراطين وقال بن ماسويه فلذلك نظن السراطين صالحة للمنهوشين قالوا والسلحفاة إذا أكلت أفعى أكلت سعترا جبليا وابن عرس إذا قاتل الحية أكل السذاب والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح قال أبو محمد فأرى هذه على مذاهب الفلاسفة تفهوتحسن الطب أيضا وهذا أعجب من معرفة الذباب بالسم والشفاء في جناحيه وكيف يعجبون من حجر يجذب الحديد من بعد ويطيعه حتى يذهب به يمينا وشمالا بذهابه وهذا حجر المغناطيس وكيف صدقوا بقول أرسطاطا ليس في حجر السنفيل إنه إذا ربط على بطن صاحب الاستسقاء نشف منه الماء وإن الدليل على ذلك أنه يوزن بعد أن يشد على بطنه فيوجد قد زاد في وزنه وذاكرت أيوب المتطبب بهذا أو حنينا فعرفه وقال هذا لحجر مذكور في التوراة أو قال في غيرها من كتب الله عزوجل وبقوله في حجر يسبح في الخل كأنه سمكة وخرزة تصير في حقو المرأة فلا تحبل وحجر يوضع على حرف التنور فيتساقط خبز التنور كله وحجر يقبض عليه القابض بكفيه فيلقي كل شئ في جوفه وبالصعيد من أرض مصر شجرة تعرف بالسنطة يشهر عليها السيف وتتوعد بالقطع فتذبل وحدثني شيخ لنا عن علي بن عاصم عن خالد الحذاء عن محمد بن سيرين قال اختصم رجلان إلى شريح فقال أحدهما إني استودعت هذا وديعة فأبى أن يردها علي فقال له شريح رد على الرجل وديعته

[ 217 ]

فقال يا أبا أمية إنه حجر إذا رأته الحبلى ألقت ولدها وإذا وقع في الحل غلي وإذا وضع في التنور برد فسكت شريح ولم يقل شيئا حتى قاما وهذه الاشياء رحمك الله لا يضبطها وهم ولا يعرف أكثرها بقياس ولو تتبعنا مثل هذا من عجائب الخلق لكثر وطال قالوا حديث يحتج به الروافض في إكفار أصحاب محد صلى الله عليه وسلم تسليما قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليردن علي الحوض أقوام ثم ليختلجن دوني فأقول يا رب أصيحابي أصيحابي فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم قالوا وهذه حجة للروافض في إكفارهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا عليا وأبا ذر والمقداد وسلمان وعمار بن ياسر وحذيفة الله عز وجل قال أبو محمد ونحن نقول إنهم لو تدبروا الحديث وفهموا ألفاظه لاستدلوا على أنه لم يرد بذلك إلا القليل يدلك على ذلك قوله ليردن علي الحوض أقوام ولو كان أرادهم جميعا إلا من ذكروالقال لتردن علي الحوض ثم لتختلجن دوني ألا ترى أن القائل إذا قال أتاني اليو أقوام من بني تميم وأقوام من أهل الكوفة فإنما يريد قليلا من كثير ولو أراد أنهم اتوه إلا نفرا يسيرا قال أتاني بنو تميم وأتاني أهل الكوفة ولم يجز أن يقول قوم لان القوم هم الذين تخلفوا

[ 218 ]

ويدلك أيضا قوله يا رب أصيحابي بالتصغير وإنما يريد بذلك تقليل العدد كما تقول مررت بأبيات متفرقة ومررت بجميعه ونحن نعلم أنقد كان يشهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المشاهد ويحضر معه المغازي المنافق لطلب المغنم والرقيق الدين والمرتاب والشاك وقد ارتد بعده أقوام منهم عيينة بن حصن ارتد ولحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وآمن به فلما هزم طليحة هرب فأسره خالد بن الوليد وبعث به إلى أبي بكر رضي الله عنه في وثاق فقدم به المدينة فجعل غلمان المدينة ينخسونه بالجريد ويضربونه ويقولون أي عدو الله كفرت بالله بعد إيمانك فيقول عدو الله والله ما كنت آمنت فلما كلمه أبو بكر رضي الله عنه رجع إلى الاسلام فقبل منه وكتب له أمانا ولم يزل بعد ذلك رقيق الدين حتى مات وهو الذي كان أغار على لقاح رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغابة فقال له الحارث بن عوف ما جزيت محمدا صلى الله عليه وسلم أسمنت في بلاده ثم غزوته فقال هو ما ترى وفيه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الاحمق المطاع ولعيينة بن حصن أشباه ارتدوا حين ارتدت العرب فمنهم من رجع وحسن إسلامه ومنهم من ثبت على النفاق وقد قال الله تبارك وتعالى وممن حولكم من الاعراب منافقون ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم الآية فهؤلاء هم الذين يختلجون دونه وأما جميع أصحابه إلا الستة الذين ذكروا فكيف يختلجون

[ 219 ]

وقد تقدم قول الله تبارك وتعالى فيهم محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم إلى آخر السورة وقوله تعالى لقد رضي الله عن المؤمنين إذا يبايعونك تحت الشجرة قال أبو محمد وحدثني زيد بن أخزم الطائي قال أنا أبو داود قال نا قرة بن خالد عن قتادة قال قلت لسعيد بن المسيب كم كانوا في بيعة الرضوان قال خمس عشرة مائة قال قلت فإن جابر بن عبد الله قال كانوا أربع عشرة مائة قال أوهم رحمه الله هو الذحدثني أنهم كانوا خمس عشرة مائة فكيف يجوز أن يرضى الله عزوجل عن أقوام ويحمدهم ويضرب لهم مثلا في التوراة والانجيل وهو يعلم أنهم يرتدون على أعقابهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يقولوا إنه لم يعلم وهذا هو شر الكافرين قالوا حديث في القدر قالوا رويتم أن موسى عليه السلام كان قدريا وحاج آدم عليه السلام فحجه وأن أبا بكر كان قدريا وحاج عمر فحجه عمر قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا تخرص وكذب على الخبر ولا نعلم أنه جاء في شئ من الحديث أن موسى عليه السلام كان قدريا ولا أن أبا بكر رضي الله عنه كان قدريا

[ 220 ]

حدثنا أبو الخطاب قال نا بشر بن المفضل قال نا داود بن أبي هند عن عامر عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقي موسى آدم صلى الله عليهما وسلم فقال أنت آدم أبو البشر الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة قال نعم فقال ألست موسى الذي اصطفاك الله على الناس برسالاته وبكلامه قال بلى قال أفليس تجد فيما أنزل عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها قال بلى قال فخصم آدم موسى صلى الله عليهما وسلم قال أبو محمد فأي شئ في هذا القول يدل على أن موسى عليه السلام كان قدريا ونحن نعلم أن كل شئ بقدر الله وقضائه غير أنا ننسب الافعال إلى فاعليها ونحمد المحسن على إحسانه ونلوم المسئ بإساءته ونعتد على المذنب بذنوبه وأما قولهم إن أبا بكر رضي الله عنه كان قدريا فهو أيضا تحريف وزيادة في الحديث وإنما تنازعا في القدر وهما لا يعلمان فلما علما كيف ذلك اجتمعا فيه على أمر واحد كما كانا لا يعلمان أمورا كثيرة من أمر الدين وأمر التوحيد حتى أعلمهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزل الكتاب وحدت السنن فعلما بعد ذلك على أن الحديث عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما عند أهل الحديث ضعيف يرويه إسماعيل بن عبد السلام عن زيد بن عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ويرويه رجل من أهل خراسان عن مقاتل بن حيان عن عمرو بن شعيب وهؤلاء لا يعرف أكثرهم قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الحياء شعبة من الايمان قالوا والايمان اكتساب والحياء غريزة مركبة في المرء فكيف تكون الغريزة اكتسابا

[ 221 ]

قال أبو محمد ونحن نقول إن المستحيي ينقطع بالحياء عن المعاصي كما ينقطع بالايمان عنها فكأنه شعبة منه والعرب تقيم الشئ مقام الشئ إذ كان مثله أو شبيها به أو كان سببا له ألا تراهم سموا الركوع والسجود صلاة وأصل الصلاة الدعاء وسموا الدعاء صلاة كما قال الله تعالى وصل عليهم أي ادع لهم وقال تعالى لولا دعاؤكم أي لولا صلاتكم وقال بن عمر إنه كان إذا دعي عليه السلام إلى وليمة فإن كان مفطرا أكل وإن كان صائما صلى أي دعا وأصل الصلاة الدعاء قال الله تعالى وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم أي ادع لهم وقال الله عزوجل إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما أي ادعوا له وما جاء في هذا كثير فلما كان الدعاء يكون في الصلاة سميت الصلاة به وكذلك الزكاة وهي تطهير المال ونماؤه فلما كان النماء يقع بإخراج الصدقة عن المال سمي زكاة ومثل هذا كثير حدثني أبو الخطاب قال نا المعتمر بن سليمان قال سمعت الليث بن أبي سليم يحدث عن واصل بن حيان عن أبي وائل عن بن مسعود قال كان آخر ما حفظ من كلام النبوة إذا لم تستحي فاصنع ما شئت يراد به أنه من لم يستحي وكان فاسقا ركب كل فاحشة وقارف كل قبيح لانه لا يحجزه عن ذلك دين ولا حياء

[ 222 ]

أفما ترى أن الحياء قصار والايمان يعملان عملا واحدا فكأنهما شئ واحد قالوا أحاديث في الصلاة متناقضة قالوا رويتم عن شعبة عن يعلى بن عطاء عن جابر بن يزيد بن الاسود عن أبيه أنه صلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا رجلان لم يصليا في ناحية المسجد فدعا بها فجاءا ترعد فرائصهما فقال عليه السلام ما منعكما أن تصليا معنا قالا قدصلينا في رحالنا قال عليه السلام فلا تفعلوا إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الاماولم يصل فليصل معه فإنها له نافلة ثم رويتم عن معن بن عيسى عن سعيد بن السائب الطائفي عن نوح بن صعصعة عن يزيد بن عامر قال جئت والنبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة فجلست ولم أدخل معهم فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ألم تسليا يزيد قلت بلى يا رسول الله قال فما منعك أن تدخل مع الناس في صلاتهم قلت إني كنت صليت في منزلي وأنا أحسب أن قد صليتم فقال إذا جئت للصلاة فوجد ت الناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة ثم رويتم عيزيد بن زريع عن حسين عن عمرو بن شعيب عن سليمان مولى ميمونة قال أتيت بن عمروهو على البلاط وهم يصلون فقلت ألا تصلي معهم قال قد صليت أوما سمعت رسول اللصلى الله عليه وسلم يقول لا تصلوا صلاة في يوم مرتين

[ 223 ]

قالوا وهذا تناقض واختلا ف وكل حديث منها يوجب غير ما يوجبه الآخر قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس في هذه الاحاديث تناقض ولا اختلاف أما الحديث الاول فإنه قال إذا صلى أحدكم في رحله ثم أدرك الامام ولم يصل فليصل معه فإنها له نافلة يريد أن الصلاة التي صلى مع الامام نافلة والاولى هي الفريضة لان النية قد تقدمت بأدائها حتى كملت وتقضت والاعمال بالنيات وأما الحديث الثاني فقال إذا جئت للصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم وإن كنت قد صليت تكن لك نافلة وهذه مكتوبة كأنه قال تكن لك هذه الصلاة التي صليت مع الامام نافلة وهذه الاخرى التي صليتها في بيتك مكتوبة ولو جعل مكان قوله هذه وتلك مكتوبة كان أوضح للمعنى ولا فرق بينهما وإنما يشكل بقوله وهذه فأغفل بعض الرواة هذه في الموضع الاول وذكره في الموضع الثاني وجعله مكان تلك وقد ذكرت لك مثل هذا من إغفال النقلة للحرف والشئ اليسير يتغير به المعنى وأما الحديث الثالث الذي ذكر فيه بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصلوا صلاة في يوم مرتين فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تصلوا فريضة في يوم مرتين كأنك صليت في منزلك الظهر مرة ثم صليتها مرة أخرى أو صليتها مع إمام ثم أعدتها مع إمام آخر فاستعمل ما سمع من هذا الحديث في الموضع الذي أطلق فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل ويجعله نافلة ولعله لم يكن سمع هذا ولم يبلغه

[ 224 ]

ومن صلى في منزله الفريضة وصلى مع الامام تلك الصلاة وجعلها نافلة لم يصل صلاة في يوم مرتين لان هاتين صلاتان مختلفتان إحداهما فريضة والاخرى نافة قالوا أحاديث في الوضوء متناقضة قالوا رويتم عسفيان عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة ثم رويتم عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم كاإذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ تعني وهو جنب ثم رويتم عن سفيان عن أبي إسحاق عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا كله جائز فمن شاء أن يتوضأ وضوءه للصلاة بعد الجماع ثم ينام ومن شاء غسل يده وذكره ونام ومن شاءنام من غير أن يمس ماء غير أن الوضوء أفضل وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل هذا مرة ليدل على الفضيلة وهذا مرة ليدل على الرخصة ويستعمل الناس ذلك فمن أحب أن يأخذ بالافضل أخذ ومن أحب أن يأخذ بالرخصة أخذ قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أن الاعرابي بال في المسجد فقال النبي صلى الله عليه وسلم صبوا عليه سجلا من ماء أو قال ذنوبا من ماء ثم رويتم عن جرير بن حازم قال سمعت عبد الملك بن عمير يحدث عن عبد الله بن معقل بن مقرن أنه قال في هذه القصة خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه

[ 225 ]

وأهريقوا على مكانه ماء قالوا وهذا خلاف الاول قال أبو محمد ونحن نقول إن الخلاف وقع في هذا من قبل الراوي وحديث أبي هريرة أصح لانه حضر الامر ورآه وعبد الله بن معقل بن مقرن ليس من الصحابة ولا ممن أدرك النبي صلى الله عليه وسلم فلا نجعل قوله مكافئا لقول من حضر ورأى وكان أبوه معقل بن مقرن أبو عمرة المزني يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم فأما عبد الله ابنه فلا نعلمه قالوا حديثان في الصوم متناقضان قالوا رويتم في غير حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الصوم في السفر فقال إن شئت فصم وإن شئت فأفطر ثم رويتم عن عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن بن شهاب عن أبي سلمة عن أبيه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم صيام رمضان في السفر كفطره في الحضر قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لقوم رغبوا عن رخصة الله تعالى وما وهب لهم من الرفاهة في السفر وتجشموا المشقة والشدة فأعلمهم أن إثمهم في الصيام في السفر كإثمهم في الفطر في الحضر وسماهم في حديث آخر عصاة لتركهم قبول ما أنعم الله تعالى به ويسر فيه ومن رغب عن يسر الله تعالى كان كمن قصر في عزائمه ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صائم الدهر لا صام ولا أفطر وقال من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وأما من سافر في الزمن البارد والايام القصار أو كان في كن وسعة

[ 226 ]

وكان مخدوما فالصوم عليه سهل فذلك الذي خيره النبي صلى الله عليه وسلم بين الصوم والفطر فقال إن شئت فصم وإن شئت فأفطر قالوا حديثان في الصوم متناقضان قالوا رويتم في غير حديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم ثم رويتم عن أبي نعيم عن إسرائيل عن زيد بن جبير عن أبي يزيد الضبي عن ميمونة بنت سعد مولاة النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن رجل قبل امرأته وهو صائم فقال قد أفطر قال أبو محمد ونحن نقول إن القبلة للصائم تفسد الصوم لانها تبعث الشهوة وتستدعي المذي وكذلك نقول في المباشرة فأما رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه معصوم وتقبيله في الصوم أهله كتقبيل الوالد ولده والاخ أخاه ويدلك على ذلك قول عائشة رضي الله عنها وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك إربه وكذلك نقول في نوم رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا يوجب الوضوء لقوله إن عيني تنام ولا ينام قلبي ولذلك كان ينام حتى يسمفخيخه ثم يصلي من غير أن يتوضأ وأحكام رسول الله صلى الله عليه وسلم تخالف أحكام أمته في غير موضع

[ 227 ]

قالوا حديث يبطله النظر قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال استوصوا بالمعزى خيرا فإنه مال رقيق وهو في الجنة قالوا كيف يكون من الجنة وهو عندنا يولد وإن كان في الجنة معزى فينبغي أن يكون فيها بقر وإبل وحمير وخيل قال أبو محمد ونحن نقول إنه لم يرد أن هذه المعزى بأعيانها في الجنة وكيف تكون في الجنة وهي عندنا وإنما أراد في الجنة معزى وقد خلق الله تعالى هذه في الدنيا لها مثالا وكذلك أيضا الضأن والابل والخيل ليس منها شئ إلا ولها في الجنة مثال وإنما تخلو الجنة من الخبائث كالقرود والخنازير والعقارب والحيات وإذا جاز أن يكون في الجنة لحم جاز أن يكون فيها معزى وضأن وإذا جاز أن يكون فيها طير يؤكل جاز أن يكون فيها نعم يؤكل قال الله تعالى ولحم طير مما يشتهون قال أبو محمد وحدثني أحمد بن الخليل قال نا الاصمعي قال نا أبو هلال الراسبي عن عبد الله بن بريدة عن أبيه بريدة الاسلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيد إدام أهل الدنيا والآخرة اللحم وسيد ريحان أهل الدنيا وأهل الجنة الفاغية ومما يدل على ما قلت أنه قال في حديث آخر امسحوا الرغام عن أنوفها فإنها من دواب الجنة يريد أنها من الدواب التي خلقت في الجنة قالوا حديث يكذبه القرآن من جهتين قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الميت يعذب ببكاء الحي عليه

[ 228 ]

وهذا يبطل من وجهين أحدهما بقول الله عزوجل ولا تزروازرة وزر أخرى والآخر بقول الله تعالى قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إليوم القيامة ثم قال تعالى يذكر أحوال المخلوق منذ كان طينا إلى أن يبعثه ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعثون قالوا ولم يذكر الله تعالى أنه يحييه فيما بين الموت والبعث ولا أنه يعذبه ولا أنه يثيبه حين أجمل ولا حين فصل قال أبو محمد ونحن نقول إن كتاب الله تعالى يأتي بالايجاز والاختصار وبالاشارة والايماء ويأتي بالصفة في موضع ولا يأتي بها فموضع آخر فيستدل على حذفها من أحد المكانين بظهورها في المكان الاخر وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم مبين للكتاب ودال على ما أريد فيه فمن المحذوف في كتاب الله عزوجل قوله تعالى فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وظاهر هذا يدل على أن من كان مريضا أو على سفر صام عدة من أيام أخر وإن صام في السفر وعلى حال المرض وإنما أراد فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعليه عدة من أيام أخر

[ 229 ]

فحذف فأفطر وكذلك قوله عزوجل فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك وظاهر هذا الكلام يدل على أن المريض أو القمل في رأسه تجب عليه الفدية وإنما أراد فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق فعليه فدية من صيام أو صدقة أو نسك وأشباه هذا كثير ومما أتت فيه الصفة ولم تأت في مثله فاستدل بأحدهما على الآخر قوله تعالى وأشهدوا ذوي عدل منكم وقال تعالى في موضع آخر واستشهدوا شهيدين من رجالكم ولم يقل عدلين اقتصارا على ما وصف في المكان الآخر وقال في موضع فتحرير رقبة مؤمنة وفي موضع آخر فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ولم يقل مؤمنة وأما ما استدل عليه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فصفات الصلوات وكيف الركوع والسجود والتشهد وكم العدد وما في المال من الصدقات والزكوات ومقدار ما يقطع فيه السارق وما يحرم من الرضاع وأشباه هذا كثير وقد أعلمنا الله تعالى في كتابه أنه يعذب قوما قبل يوم القيامة إذ يقول النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب

[ 230 ]

ولا يجوز أن يعرض هؤلاء على النار غدوا وعشيا في الدنيا ولا في يوم القيامة لقوله تعالى ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ولان يوم القيامة ليس فيها غدو ولا عشي إلا على مجاز في قوله عزوجل ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا يجوز في ذلك الموضع ولا يجوز في هذا الموضع وقد أخبرت به في كتابي المؤلف في تأويل مشكل القرآن وقال في موضع آخر بعد أن ذكر عذاب يوم القيامة وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون وقد تتابعت الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم من جهات كثيرة بنقل الثقات أنه كان يتعوذ بالله من عذاب القبر ومن ذلك حديث مالك عن أبي الزبير عن طاوس عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من فتنة الدجال وأعوذ بك مفتنة المحيا والممات وعذاب القبر ومن ذلك حديث شعبة عن بديل بن ميسرة عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من فتنة القبر وعذابه وفتنة الدجال ومن ذلك حديث هشام عن قتادة عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول اللهم إني أعوذ بك من فتنة المحيا ومن فتنة الممات وعذاب القبر هذا مع أخبار كثيرة في منكر ونكير ومسألتهما منها حديث حماد بن سلمة عن عاصم عن زر عن عبد الله بن عباس قال إن أحدكم ليجلس فقبره إجلاسا فيقال له من أنت فيقول أنا عبد الله حيا وميتا

[ 231 ]

وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فيقال له صدقت فيفسح له في قبره ما شاء الله ويرى مكانه من الجنة وأما الاخر فيقال له من أنت فيقول لا أدري فيقال له لا دريت فيضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه وهذا مما لا يعمله إلا نبي ولم يكن عبد الله ليحكيه إلا وقد سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم وروى عباد بن راشد عن داود بن أبي هند عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر أن الملك يأتي العبد إذا وضع في قبره قال فإن كان كافرا أو منافقا فيقال له متقول في هذا الرجل يعني محمدا صلى الله عليه وسلم فيقول لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيقول دريت ولا ائتليت ولا اهتديت وهذه الاخبار تدل على أن عذاب القبر للكافر وأما قولهم كيف يعذب الميت ببكاء الحي والله تعالى يقول ولا تزر وازرة وزر أخرى فإنا أيضا نظن أن التعذيب للكافر ببكاء أهله عليه وكذلك قال بن عباس إنه مر بقبر يهودي فقال إنه يعذب وإن أهله ليبكون عليه فإن كان كذلك فهذا مالا يوحش لان الكافر يعذب على كل حال وإن كان أراد المسلم المقصر كما قال في المعذب بالغيبة والبول فإن قول الله عز وجل ولا تزر وازرة وزر أخرى إنما هو في أحكام الدنيا

[ 232 ]

وكان أهل الجاهلية يطلبون بثأر القتيل فيقتل أحدهم أخاه أو أباه أو ذا رحم به فإذا لم يقدر على أحد من عصبته ولا ذوي الرحم به قتل رجلا من عشيرته فأنزل الله تبارك وتعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وأخبرنا أيضا أنه مما أنزل على إبراهيم صلى الله عليه وسلم ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل رأى معه ابنه لا تجني عليه ولا يجني عليك فأما عقاب الله تعالى إذا هو أتى فيعم وينال المسئ والمحسن قال الله تعالى واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة يريد أنها تعم فتصيب الظالم وغيره وقال عزوجل ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا وقالت أم سلمة يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون فقال نعم إذا كثر الخبث وقد تبين لهم أن الله تعالى غرأمة نوح عليه السلام كلها وفيهم الاطفال والبهائم بذنوب البالغين وأهلك قوم عاد بالريح العقيم وثمود بالصاعقة وقوم لوط بالحجارة ومسخ أصحاب السبت قردة وخنازير وعذب بعذابهم الاطفال وأخبرني رجل من الكوفيين قرأ في الكتب المتقدممن كتب الله تعالى فوجد في كتاب منها أنا الله الحقود آخذ الابناء بذنوب الآباء

[ 233 ]

وروى بن عباس أن دانيال عليه السلام قال يحق لكم يا بني إسرائيل أني بذنوبكم أعذب وقال أنس بن مالك إن الضب في جحره ليموت هزلا بذنب بن آدم وقددعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على مضر فقال اللهم اشدد وطأتك على مضر وابعث عليهم سنين كسني يوسف فتتابعت عليهم الجدوبة والقحط سبع سنين حتى أكلواالقد والعظام والعلهز فنال ذلك الجدب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وبدعائه عوقبوا حتى شد وشد المسلمون على بطونهم الحجارة من الجوع قال أبو محمد وقد رأينا بعيوننا ما أغنى عن الاخبار فكم من بلد فيه الصالحون والابرار والاطفال والصغار أصابته الرجفة فهلك به البر والفاجر والمسئ والمحسن والطفل والكبير كقومس ومهرجان وقذق والري ومدن كثيرة من مدن الشام واليمن وهذا شئ يعرفه كل من عرف الله عزوجل من أهل الديانات وإن اختلفوا قال أبو محمد وحدثني رجل من أصحاب الاخبار أن المنصور سمر ذات ليلة فذكر خلفاء بني أمية وسيرتهم وأنهم لم يزالوا على استقامة حتى أفضى أمرهم إلى

[ 234 ]

أبنائهم المترفين فكان همهم من عظيم شأن الملك ك وجلالة قدره قصد الشهوات وإيثار اللذات والدخول في معاصي الله عزوجل ومساخطه جهلا منهم باستدراج الله تعالى وأمنا من مكره تعالى فسلبهم الله تعالى الملك والعز ونقل عنهم النعمة فقال له صالح بن علي يا أمير المؤمنين إن عبيد الله بن مروان لما دخل أرض النوبة هاربا فيمن اتبعه سأل ملك النوبة عنهم فأخبر فركب إلى عبيد الله فكلمه بكلام عجيب في هذا النحو لا أحفظه وأزعجه عن بلده فإن رأى أمير المؤمنين أن يدعو به من الحبس بحضرتنا في هذه الليلة ويسأله عن ذلك فأمر المنصور بإحضاره وسأله عن القصة فقال يا أمير المؤمنين قدمت أرض النوبة بأثا ث سلم لي فافترشته بها وأقمت ثلاثا فأتاني ملك النوبة وقد خبر أمرنا فدخل علي رجطوال أقنى حسن الوجه فقعد على الارض ولم يقرب الثياب فقلت ما يمنعك أن تقعد على ثيابنا فقال إني ملك وحق على كل ملك أن يتواضع لعظمة الله عزوجل إذ رفعه الله ثم أقبل علي فقال لي لم تشربون الخمور وهي محرمة عليكم في كتابكم فقلت اجترأ على ذلك عبيدنا وسفهاؤنا قال فلم تطؤون الزرع بدوابكم والفساد محرم عليكم في كتابكم قلت يفعل ذلك جهالنا قال فلم تلبسون الديباج والحرير وتستعملون الذهب والفضة وهو محرم عليكم فقلت زال عنا الملك وقل أنصارنا فانتصرنا بقوم من العجم دخلوا في ديننا فلبسوا ذلك على الكره منا

[ 235 ]

فأطرق مليا وجلع يقلب يده وينكت في الارض ثم قال ليس ذلك كما ذكرت بل أنتم قوم استحللتم ما حرم عليكم وركبتم ما عنه نهيتم وظلمتم فيما ملكتم فسلبكم الله تعالى العز وألبسكم الذل بذنوبكم ولله تعالى فيكم نقمة لم تبلغ نهايتها وأخاف أن يحل بكم العذاب وأنتم ببلدي فيصيبني معكم وإنما الضيافة ثلاث فتزودوا ما احتجتم إليه وارتحلوا عن بلدي ففعلت ذلك وقد أخبرنا الله تعالى في كتابه أنه يحفظ الابناء في الآباء فقال عزوجل وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما رحمة من ربك وقال عمر رضي الله عنه في خطبته يوم استسقى بالعباس اللهم إنا نتقرب إليك بعم نبيك صلى الله عليه وسلم وبقية آبائه وكبراء رجاله فإنك تقول وقولك الحق وأما الجدار فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما فحفظتهما لصلاح أبيهما فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين وقد يجوز كما حفظ أبناء أوليائه لآبائهم أن لا يحفظ أبناء أعدائه لآبائهم وهو الفعال لما يشاء وقد كانت عائشة رضي الله عنها تنكر هذا الحديث وتقول من قال به فقد فجر وهذا ظن من عائشة وتأويل ولا يجوز حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لظنها ولو كانت حكت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا في مخالفته كان قولها مقبولا ولو كان عبد الله بن عمر نقله وحده توهم عليه كما قالت الغلط

[ 236 ]

ولكن قد نقله جماعة من الصحابة فيهم عمر وعمران بن حصين وابن عمر وأبو موسى الاشعري فإن قالوا فإن هذا ظلم وقد تبرأ الله عزوجل من الظلم إذ يقول وما أنا بظلام للعبيد أجبناهم بقول إياس بن معاوية فإنه قال قلت لبعضهم ما الظلم في كلام العرب فقال أن يأخذ الرجل ما ليس قلت فإن الله تعالى له كل شئ قالوا حديث يبطله النظر قالوا رويتم أن أبا ذر قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مباضعة الرجل أهله يلذ يا رسول الله ويؤجر قال أرأيت لو وضعته في حرام ألست تأثم قال نعم قال فكذلك تؤجر في وضعك إياه في الحلال قالوا والوضع في الحرام معصية والوضع في الحلال إباحة فكيف يجوز أن يؤجر في الاباحة ولو جاز هذا لجاز أن يؤجر على أكل الطعام إذا جاع وعلى شرب الماء إذا عطش وكيف يقول هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أعلم الخلق بالكلام وبما يجوز وبما لا يجوز رضي الله تعالى عنها قال أبو محمد ونحن نقول إن الرجل قد تكون له المرأة العجوز أو القبيحة فتطمح نفسه إلى غيرها من الحرام وهو له معترض وممكن فيدعه طاعة لله عز

[ 237 ]

وجل فيكون في إتيان الحلال وهو له غير مشته مأجورا وتكون له المرأتان إحداهما سوداء شوهاء والاخرى بيضاء حسناء فيسوي بينهما وهو في الواحدة منهما راغب ولما يأتيه إلى الاخرى متجشم فيؤجر في ذلك ولو أن رجلا أكل خبز الشعير الحلال وترك النقي الحرام وهو يقدر عليه كان عند الناس مأجورا على أكل خبز الشعير بل لو قال قائل إن المؤمن مأجور على أكله وشربه وجماعه مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن المؤمن ليؤجر في كل شئ حتى في رفع اللقمة إلى فيه ما كان فيما أرى إلا مصيبا قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن قرودا رجمت قردة في زنا فإن كانت القرود إنما رجمتها في الاحصان فذلك أظرف للحديث وعلى هذا القياس فإنكم لا تدرون لعل القرود تقيم من أحكام التوراة أمورا كثيرة ولعل دينها اليهودية بعد وإن كانت القرود يهودا فلعل الخنازير نصارى قال أبو محمد ونحن نقول في جواب هذا الاستهزاء إن حديث القرود ليس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه وإنما هو شئ ذكر عن عمرو بن ميمون حدثني محمد بن خالد بن خداش قال نا مسلم بن قتيبة عن هشيم عن حصين عن عمرو بن ميمون قال زنت قردة في الجاهلية فرجمتها القرود ورجمتها معهم قال أبو محمد وقد يمكن أن يكون رأي القرود ترجم قردة فظن أنها ترجمها لانها زنت وهذا لا يعلمه أحد إلا ظنا لان القرود لا تنبئ عن أنفسها والذي يراها تتسافد لا يعلم أزنت أم لم تزن هذا ظن ولعل الشيخ عرف أنها زنت بوجه من الدلائل لا نعلمه فإن القرود أزنى البهائم والعرب تضرب بها المثل فتقول أزنى من قرد

[ 238 ]

ولولا أن الزنا منه معروف ما ضربت به المثل وليس شئ أشبه بالانسان في الزواج والغيرة منه والبهائم قد تتعادى ويثب بعضها على بعض ويعاقب بعضها بعضا فمنها ما يعض ومنها ما يخدش ومنها ما يكسر ويحطم والقرود ترجم بالاكف التي جعلها الله لهاكما يرجم الانسان فإن كان إنما رجم بعضها بعضا لغير زنا فتوهمه الشيخ لزنا فليس هذا ببعيد وإن كان الشيخ استدل على الزنا منها بدليل وعلى أن الرجم كان من أجله فليس ذلك أيضا ببعيد لانها على ما أعلمتك أشد البهائم غيرة وأقربها من بني آدم أفهاما قال أبو محمد وأنا أظن أنها الممسوخ بأعيانها توالدت واستدللت على ذلك بقول الله عزوجل قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير فدخول الالف واللام في القردة والخنازير يدل على المعرفة وعلى أنها هي القردة التي نعاين ولو كان أراد شيئا انقرض ومضى لقال وجعل منهم قردة وخنازير إلا أن يصح حديث أم حبيبة في الممسوخ فيكون كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ولسنا نقول إنها فعلت ذلك لانها علمت بحكم التوراة كما يقول المستهزئ ولكنا نقول إنها عاقبت بالرجم إما على الزنا أو على غير ذلك من أجل أكفها كما يخدش غيرها ويعض ويكسر إذا كانت أكفها كأكف بني آدام وكان بن آدم لا ينال ما يريد أذاه إذا بعد عنه إلا بالرجم

[ 239 ]

ومما يزيد في الدلالة على أالقرود هي الممسوخ بأعيانها إجماع الناس على تحريمها بغير كتاب ولا أثر كما أجمعوا على تحريم لحوم الناس بغير كتاب ولا أثر قالوا أحاديث تدل على خلق القرآن قالوا رويتم قلب القرآن يس وسنام القرآن البقرة وتجئ البقرة وآل عمران يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو خرقان من طير صواف ويأتي القرآن الرجل في قبره فيقول له كيت وكيت وهذا كله يدل على أن القرآن مخلوق ولايجوز أن يكون ماله قلب وسنام وما كان غمامة أو غياية غير مخلوق قال أبو محمد ونحن نقول إنه قد كان ينبغي لهؤلاء إذا كانوا أصحاب كلام وقياس أن يعلموا أن القرآن لا يكون حسما ولا ذا حدود وأقطار وإنما أراد بقوله سنام القرآن البقرة أعلاه كما أن السنام من البعير أعلاه وأراد بقوله قلب القرآن يس أنها من القرآن كمحل القلب من البدن وأراد بقوله تجئ البقرة وآل عمران كأنهما غمامتان أن ثوابهما يأتي قارئهما حتى يظله يوم القيامة ويأتي ثوابه الرجل في قبره ويأتي الرجل يوم القيامة حتى يجادل عنه ويجوز أن يكون الله تعالى يجعل له مثالا يحاج عنه ويستنقذه

[ 240 ]

قال أبو محمد حدثنا أبو الخطاب بن زياد يحيى قال حدثنا عبد الاعلى قال حدثنا محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يمثل القرآن يوم القيامة برجل ويؤتى بالرجل قد كان يضيع فرائضه ويتعدى حدوده ويخالف طاعته ويركب معصيته قال فينتتل خصما له فيقول أي رب حملت إياي شر حامل تعدى حدودي وضيع فرائضي وترك طاعتي وركب معصيتي فما يزال يقذف بالحجج عليه حتى يقال له فشأنك به قال فيأخذ بيده فلا يفارقه حتى يكبه على منخره في النار ويؤتى بالرجل قد كان يحفظ حدوده ويعمل بفرائضه ويأخذ بطاعته ويجتنب معصيته فينتتل خصما له فيقول أي رب حملت إياي خير حامل اتقى حدودي وعمل بفرائضي واتبع طاعتي وترك معصيتي فما يزال يقذف له بالحجج عليه حتى يقال فشأنك به قال فيأخذ بيده فما يرسله حتى يكسوه حلة الاستبرق ويعقد على رأسه تاج الملك ويسقيه بكأس الخلد أفما في قوله يمثل القرآن دليل على أنه يجعل له مثال ليعلم صاحبه التالي له والعامل به أن القرآن هو المستنقذ له والقرآن نفسه لا يكون رجلا ولا جسما ولا يتكلم لانه كلام ولو أمعن هؤلاء النظر وأوتوا طرفا من التوفيق لعلموا أنه لا يجوز أن يكون القرآن مخلوقا لانه كلام الله تعالى وكلام الله من الله وليس من الله عزوجل شئ مخلوق

[ 241 ]

ويعتبر ذلك برد الامر إلى ما يفهمون من كلامنا لان كلامنا ليس عملا لنا إنما هو صوت وحروف مقطعة وكلاهما لا يجوز أن يكون لنا فعلا لانهما جميعا خلق الله وإنما لنا من العمل فيهما الاداء والثواب من الله تعالى يقع عليه ومثل ذلك مثل رجل أودعته مالا ثم استرجعته منه فأداه إليك بيده فليس له في المال ولا في اليد ثواب وإنما الثواب في تأدية المال وكذلك الثواب لك في تأدية القرآن بالصوت والحروف المقطعة والقرآن بهذا النظم وهذا التأليف كلام الله تعالى ومنه بدا وكل من أداه فهو مؤد لكلام الله تعالى لا يزيل ذلك عنه أن يكون هو القارئ له ولو أن رجلا ألف خطبة أو عمل قصيدة ثم نقل ذلك عنه لم يكن الكلام ولا الشعر عملا للناقل وإنما يكون الشعر للمؤلف وليس للناقل منه إلا الاداء قالوا أحاديث يخالفها الاجماع قالوا رويتم عن أيوب عن بن سيرين عن عمرو بن وهب الثقفي عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم تبرز لحاجته فأتبعته بماء فتوضأ ومسح على عمامته ثم صلى الغداة ورويتم عن أبي معاوية عن الاعمش عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الخمار ورويتم عن الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن يحيى بن ابي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عمرو بن أمية الضمري قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح على العمامة

[ 242 ]

قالوا وهذه طرق جياد عندكم وقد تركتم العمل بها من غير أن ترووا لذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسخا قال أبو محمد ونحن نقول إن الحق يثبت عندنا بالاجماع أكثر من ثبوته بالرواية لان الحديث قد تعترض فيه عوارض من السهو والاغفال وتدخل عليه الشبه والتأويلات والنسخ ويأخذه الثقة عن غير الثقة وقد يأتي بأمرين مختلفين وهما جميعا جائزان كالتسليمة الواحدة والتسليمتين وقد يحضر الامر يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم رجل ثم يأمر بخلافه ولا يحضره هو فينقل إلينا الامر الاول ولا ينقل إلينا الثاني لانه لم يعلمه والاجماع سليم من هذه الاسباب كلها ولذلك كان مالك رحمه الله يروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث ثم يقول والعمل ببلدنا على كذا لامر يخالف ذلك الحديث لان بلده بلد رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا كان العمل في عصره على أمر من الامور صار العمل في العصر الثاني عليه وكذلك في العصر الثالث والرابع وما بعده ولا يجوز أن يكون الناس جميعا ينتقلون عن شئ كانوا عليه في بلده وعصره إلى غيره فقرن عن قرن أكثر من واحد عن واحد وقد روى الناس أحاديث متصلة وتركوا العمل بها منها حديث سفيان وحماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن جابر عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر والمغرب والعشاء بالمدينة آمنا لا يخاف والفقهاء جميعا على ترك العمل بهذا إما لانه منسوخ أو لانه فعله في حال ضرورة إما لمطر أو شغل

[ 243 ]

ومنها حديث سفيان عن عمرو بن دينار عن عوسجة عن بن عباس أن رجلا توفي على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يدع وارثا إلا مولى هو أعتقه فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ميراثه والفقهاء على خلاف ذلك إما لاتهامهم عوسجة بهذا وأنه ممن لا يثبت به فرض أو سنة وإما لتحريف في التأويل كأن تأويله لم يدع وارثا إلا مولى هو أعتق الميت فيجوز على هذا التأويل أن يكون وارثا لانه مولى المتوفى وإما النسخ ومنها حديث شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن البراء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقنت في صلاة الصبح والمغرب والناس يتنازعون في القنوت في الصبح ولا يختلفون في تركه في المغرب ومثل هذا كثير وكذلك المسح على العمامة والخمار وقد أجمع الفقهاء على تركه ولم يجمعوا على ذلك مع مجيئه من الطريق المرتضى عندهم إلا لنسخ أو لانه رئي يمسح على العمامة وعلى الرأس تحت العمامة فنقل الناقل أغر ب الخبرين لان المسح على الرأس لا ينكر ولا يستغرب إذ كان الناس جميعا عليه وإنما يستغرب الخمار واستشهدوا على ذلك بحديث آخر للمغيرة رواه الوليد بن مسلم عن ثور عن رجاء بن حيوة عن وراد عن المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح بناصيته وعمامته والمسح بالناصية فرض في الكتاب فلا يزول بحديث مختلف في لفظه

[ 244 ]

ونحو هذا رواية بعضهم أنه مسح على النعلين ورواية آخر أنه مسح على الجوربين وإنما مسح على الجوربين في النعلين فنقل كل واحد أحد الامرين قالوا حديثان مختلفان في ذراري المشركين قالوا رويتم أن الصعب بن جثامة قال يا رسول الله ذراري المشركين تطؤهم خيلنا في ظلم الليل عند الغارة قال هم من آبائهم قالوا ثم رويتم أنه بعث سرية فقتلوا النساء والصبيان فأنكر ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم إنكارا شديدا فقالوا يا رسول الله إنهم ذراري المشركين قال أو ليس خياركم ذراري المشركين قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس بين الحديثين اختلاف لان الصعب بن جثامة أعلمه أن خيل المسلمين تطؤهم في ظلم الليل عند الغارة فقال هم من آبائهم يريد أن حكمهم في الدنيا حكم آبائهم فإذا كان الليل وكانت الغارة ووقعت الفرصة في المشركين فلا تكفوا من أجل الاطفال لان حكمهم حكم آبائهم من غير أن تتعمدوا قتلهم ثم أنكر في الحديث الثاني على السرية قتلهم النساء والصبيان لانهم تعمدوا ذلك لشرك آبائهم فقال أو ليس خياركم ذراري المشركين يريد فلعل فيهم من يسلم إذا بلغ ويحسن إسلامه

[ 245 ]

قالوا حديث ينقض بعضه بعضا قال رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سعد بن معاذ لقد اهتز لموته العرش ولقد تبادر إلى غسله سبعون ألف ملك وما كدت أصل إلى جنازته ثم رويتم أنه قال لو نجا أحد من عذاب القبر لنجا سعد بن معاذ ولقد ضغط ضغطة اختلفت لها أضلاعه قالوا كيف يتحرك عرش الله تعالى لموت أحد وإن كان هذا جائزا فالانبياء أولى به وقد رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الشمس والقمر لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته وإذا كانت الشمس وكان القمر وهما على ما رويتم ثوران مكوران في النار فكيف بالعرش المجيد وعلى أن العرش لو تحرك لتحرك بحركته السماوات والارض وكيف يتحرك العرش لموت من يعذبه الله تعالى ويضم عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه وكيف يعذب من يغسله سبعون ألف ملك ولا يصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى جنازته لازدحام الملائكة عليها قال أبو محمد ونحن نقول إنه قد تأول هذا الحديث قوم فذهبوا فيه إلى أن الاهتزاز من العرش إنما هو الحركة كما يهتز الرمح وكما تهتز الشجرة إذا حركتها الريح وإذا كان التأويل على هذا وقعت الشناعة ووجبت الحجة التي احتج بها هؤلاء وقال قوم العرش ههنا السرير الذي حمل عليه سعد بن معاذ تحرك

[ 246 ]

وإذا كان التأويل على هذا لم يكن لسعد في هذا القول فضيلة ولم يكن في الكلام فائدة لان كل سرير من سرر الموتى لا بد من أن يتحرك لتجاذب الناس إياه وبعد فكيف يجوز أن يكون العرش السرير الذي حمل عليه سعد بن معاذ وقد روي في حديث آخر اهتز عرش الرحمن لموته وليس الاهتزاز ما ذهبوا إليه من الحركة ولا العرش ما ذهب إليه الآخرون بل الاهتزاز الاستبشار والسرور يقال إن فلانا ليهتز للمعروف أي يستبشر ويسر وإن فلانا لتأخذه للثناء هزة أارتياح وطلاقة ومنه قيل في المثل إن فلانا إذا دعي اهتز وإذا سئل ارتز والكلام لابي الاسود الدؤلي يري أنه إذا دعي إلى طعام يأكله اهتز أي ارتاح وسر وإذا سئل الحاجة ارتز أي ثبت على حاله ولم يطلق فهذا معنى الاهتزاز في هذا الحديث وأما العر ش فعرش الرحمن عزوجل على ما جاء في الحديث وإنما أراد باهتزازه استبشار الملائكة الذين يحملونه ويحفون حوله بروح سعد بن معاذ فأقام العرش مقام من يحمله ويحيطبه من الملائكة كما قال الله عزوجل فما بكت عليهم السماء والارض يريد ما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الارض فأقام السماء والارض مقام أهلهما

[ 247 ]

وكما قال واسأل القرية أي سل أهلها وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم في أحد هذا جبل يحبنا ونحبه يريد يحبنا أهله يعني الانصار ونحبه أي نحب أهله كذلك أقام العرش مقام حملته والحافين من حوله وقد جاء في الحديث أن الملائكة تستبشر بروح المؤمن وألكل مؤمن بابا في السماء يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه ويعرج فيه بروحه إذا ماتثم يرد ويدل على هذا التأويل أيضا قول النبي صلى الله عليه وسلم لقد تبادر إلى غسله سبعون ألف ملك وهذا التأويل بحمد الله تعالى سهل قريب كأنه قال لقد استبشر حملة العرش والملائكة حوله بروح سعد وأما قولهم كيف يعذب من تبادر إلى غسله سبعون ألف ملك فإن للموت وللبعث والقيامة زلازل شداد وأهوالا لا يسلم منهنبي ولا ولي يدلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ بالله من عذاب القبر ولو كان يستحيل ما تعوذ منه ولكنه خاف ما قضى الله عزوجل من ذلك على جميع عباده وأخفاه عنهم فلم يجعل منهم أحدا على أمن ولا طمأنينة ويدلك قول الانبياء صلوات الله عليهم يوم القيامة يا رب نفسي نفسي وقول نبينا صلى الله عليه وسلم يا رب أمتي أمتي ويدلك قول الله عزوجل وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا أعلمنا أنه ليس من أحد إلا يرد النار ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا

[ 248 ]

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لو كان لي طلاع الار ض ذهبا لافتديت به من هول المطلع وقال بن عباس في قول الله عزوجل يوم يجمع الله الرسل فيقول ماذا أجبتم قالوا لا علم لنا إنك أنت علام الغيوب تدخلهم دهشة من أهوال يوم القيامة قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله عن نافع عن بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الضب لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحله ولا أحرمه وقالوا إذا كان هو عليه السلام لا يأكل ولا ينهى ولا يحلل ولا يحرم فإلى من المفزع في التحليل والتحريم والاعراب تأكل الضباب وتعجب بها قال أبو وائل ضبة مكون أحب إلي من دجاجة سمينة وقد أكله خالد بن الوليد معه وأكله عمر ولا يجوز أن يكون هؤلاء أقدموا على الشبهة قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث قد وقع فيه سهو من بعض النقلة وكان لا آكله ولا أنهى عنه حسب

[ 249 ]

فظن أنه لا يحله ولا يحرمه كما أنه لا يأكله ولا ينهى عنه وبين الامرين فرق لانه لم يتركه من جهة التحريم وإنما تركه لانه عافه وكذلك قال عمر رضي الله عنه حين أتي بضب فوضع يده في كشيته وقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يحرمه ولكنه قذره ويوضح لك هذا أيضا أن وهب بن جرير روى عن شعبة عن توبة العنبري عن الشعبي عن بن عمر قال كان ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يأكلون شيئا وفيهم سعد بن مالك فنادتهم امرأة من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إنه ضب فأمسكوا فقال النبي صلى الله عليه وسلم كلوا فإنه حلال لا بأس به ولكنه ليس من طعام قومي وهذا الحديث يدل على غلط الناقل عن بن عمر لانه لا يجوز أن يروي الحديثين جميعا وهما متنافيان وأما تركه أكله وهو حلال عنده فليس كل الحلال تطيب النفوس به ولا يحسن بالمرء أن يفعله فقد أحل الله تعالى لنا الشاءولم يحرم علينا منها إلا الدم المسفوح وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكرمنها المثانة والغدة والمصران والانثيين والطحال وقد روي في الخبر ذكاة الجنين ذكاة أمه والنفوس لا تطيب بأكله ومن المحرم شئ لم ينزل بتحريمه تنزيل ولا سنة وكل الناس فيه إلى فطرهم وما جبلوا عليه كلحم الانسان ولحم القرد ولحوم الحيات والابارص والعظاء

[ 250 ]

والفأر وأشباه ذلك وليس من هذا شئ إلا والنفوس تعافه وقد أعلمنا الله تبارك وتعالى في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يحرم علينا الخبائث وهذه كلها خبيثة في الفطر وأما ما لا يحسن بالمرء أن يفعله من الحلال فعدو الكهل في الطريق من غير أن يحفزه أمر والخصومة في مهر الام وإلقاء الرداء عن المنكبين وغزل القطن على الطريق والتحلي بالشئ من حلي المرأة والاكل في الاسواق قال أبو محمد حدثني أبو الخطاب قال نا أبو عتاب عن محمد بن الفرات عن سعيد بن لقمان عن عبد الرحمن الانصاري عن أبي هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاكل في السوق دناءة وفي بعض الحديث إن الله تعالى يحب معالي الامور ويكره سفسافها قالوا حديث في التشبيه يكذبه القرآن والاجماع قالوا رويتم أن الله تبارك وتعالى ينزل إلى السماء الدنيا في الثلث الاخير من الليل فيقول هل من داع فأستجيب له أو مستغفر فأغفر له وينزل عشية عرفة إلى أهل عرفة وينزل في ليلة النصف من شعبان وهذا خلاف لقوله تعالى ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا

[ 251 ]

وقوله عزوجل وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله وقد أجمع الناس على أنه بكل مكان ولا يشغله شأن عن شأن قال أبو محمد ونحن نقول في قوله ما يكون من نجو ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أينما كانوا إنه معهم بالعلم بما هم عليه كما تقول للرجل وجهته إلى بلد شاسع ووكلته بأمر من أمورك احذر التقصير والاغفال لشئ مما تقدمت فيه إليك فإني معك تريد أنه لا يخفى علي تقصيرك أو جدك للاشراف عليك والبحث عن أمورك وإذا جاز هذا في المخلوق الذي لا يعلم الغيب فهو في الخالق الذي يعلم الغيب أجوز وكذلك هو بكل مكان يراد لا يخفى عليه شئ مما في الاماكن فهو فيها بالعلم بها والاحاطة وكيف يسوغ لاحد أن يقول إنه بكل مكان على الحلول مع قوله الرحمن على العرش استوى أي استقر كما قال فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك أي استقررت ومع قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعلم الصالح يرفعه وكيف يصعد إليه شئ هو معه أو يرفع إليه عمل وهو عنده وكيف تعرج الملائكة والروح إليه يوم القيامة

[ 252 ]

وتعرج بمعنى تصعد يقال عرج إلى السماء إذا صعد والله عز وجل ذو المعارج والمعارج الدرج فما هذه الدرج وإلى من تؤدي الاعمال الملائكة إذا كان بالمحل الاعلى مثله بالمحل الادنى ولو أن هؤلاء رجعوا إلى فطرهم وما ركبت عليه خلقتهم من معرفة الخالق سبحانه لعلموا أن الله تعالى هو العلي وهو الاعلى وهو بالمكان الرفيع وأن القلوب عند الذكر تسمو نحوه والايدي ترفع بالدعاء إليه ومن العلو يرجى الفرج ويتوقع النصر وينزل الرزق وهنالك الكرسي والعرش والحجب والملائكة يقول الله تبارك وتعالى إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل والنهار لا يفترون وقال في الشهداء أحياء عند ربهم يرزقون وقيل لهم شهداء لانهيشهدون ملكوت الله تعالى واحدهم شهيد كما يقال عليم وعلماء وكفيل وكفلاء وقال تعالى لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا أي لو أردنا أن نتخذ امرأة وولد لاتخذنا ذلك عندنا لا عندكم لان زوج الرجل وولده يكونان عنده وبحضرته لا عند غير والامم كلها عربيها وعجميها تقول إن الله تعالى في السماء ما تركت على فطرها ولم تنقل عن ذلك بالتعليم

[ 253 ]

وفي الحديث إن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمة أعجمية للعتق فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين الله تعالى فقالت في السماء قال فمن أنا قالت أنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلا والسلام هي مؤمنة وأمره بعتقها هذا أو نحوه وقال أمية بن أبي الصلت مجدوا الله وهو للمجد أهل ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الاعلى الذي سبق الناس وسوى فوق السماء سريرا شرجعا ما يناله بصر العين ترى دونه الملائك صورا وصور جمع أصور وهو المائل العنق وهكذا قيل في الحديث إن حملة العرش صور وكل من حمل شيئا ثقيلا على كاهله أو على منكبه لم يجد بدا من أن يميل عنقه وفي الانجيل الصحيح إن المسيح عليه السلام قال لا تحلفوا بالسماء فإنها كرسي الله تعالى وقال للحواريين إن أنتم غفرتم للناس فإن ربكم الذي في السماء يغفر لكم ظلمكم انظروا إلى طير السماء فإنهن لا يزرعن ولا يحصدن ولا يجمعن في الاهواء وربكم الذي في السماء هو يرزقهن أفلستم أفضل منهن ومثل هذا من الشواهد كثير يطول به الكتاب وأما قوله وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله فليس في ذلك ما يدل على الحلول بهما

[ 254 ]

وإنما أرابه أنه إله السماء وإله من فيها وإله الارض وإله من فيها ومثل هذا من الكلام قولك هو بخراسان أمير وبمصر أمير فالامارة تجتمع له فيهما وهو حال بإحداهما أو بغيرهما وهذا واضح لا يخفى فإن قيل لنا كيف النزول منه عزوجل قلنا لا نحتم على النزول منه بشئ ولكنا نبين كيف النزول منا وما تحتمله اللغة من هذا اللفظ والله أعلم بما أراد والنزول منا يكون بمعنيين أحدهما الانتقال عن مكان إلى مكان كنزولك من الجبل إلى الحضيض ومن السطح إلى الدار والمعنى الآخر إقبالك على الشئ بالارادة والنية وكذلك الهبوط والارتقاء والبلوغ والمصير وأشباه هذا من الكلام ومثال ذلك أن يسألك سائل عن محال قوم من الاعراب وهو لا يريد المصير إليهم فتقول له إذا صرت إلى جبل كذا فانزل منه وخذ يمينا وإذا صرت إلى وادي كذا فاهبط فيه ثم خذ شمالا وإذا صرت إلى أرض كذا فاعتل هضبة هناك حتى تشرف عليهم وأنت لا تريد في شئ مما تقوله افعله ببدنك إنما تريد افعله بنيتك وقصدك وقد يقول القائل بلغت إلى الاحرار تشتمهم وصرت إلى الخلفاء تطعن عليهم وجئت إلى العلم تزهد فيه ونزلت عن معالى الاخلاق إلى الدناءة وليس يراد في شئ من هذا انتقال الجسم

[ 255 ]

وإنما يراد به القصد إلى الشئ بالارادة والعزم والنية وكذلك قوله عزوجل إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون لا يريد أنه معهم بالحلول ولكن بالنصرة والتوفيق والحياطة وكذلك قوله تعالى من تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يمشي أتيته هرولة قال أبو محمد وحدثنا عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبه أن موسى صلى الله عليه وسلم لما نودي من الشجرة اخلع نعليك أسرع الاجابة وتابع التلبية وما كان ذلك إلا استئناسا منه بالصوت وسكونا إليه وقال إني أسمع صوتك وأحس وجسك ولا أرى مكانك فأين أنت فقال أنا فوقك وأمامك وخلفك ومحيط بك وأقرب إليك من نفسك يريد أني أعلم بك منك بنفسك لانك إذ نظرت إلى ما بين يديك خفي عنك ما وراءك وإذا سموت بطرفك إلى ما فوقك ذهب عنك علم ما تحتك وأنا لا تخفى علي خافية منك في جميع أحوالك ونحو هذا قول رابعة العابدة شغلوا قلوبهم عن الله عزوجل بحب الدنيا ولو تركوها لجالت في الملكوت ثم رجعت إليهم بطرف الفوائد ولم ترد أن أبدانهم وقلوبهم تجول في السماء بالحلول ولكن تجول هناك بالفكرة والقصد والاقبال

[ 256 ]

وكذلك قول أبي مهدية الاعرابي اطلعت في النار فرأيت الشعراء لهم كصيص يعني التواء وأنشد جناد بها صرعى لهن كصيص أي التواء ولو قال قائل في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها البله واطلعت في النار فرأيت أكثر أهلها النساء إن اطلاعه فيهما كان بالفكر والاقبال كان تأويلا حسنا قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم عن حماد بن سلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن موسى عليه السلام لطم عين ملك الموت فأعوره فإن كان يجوز على ملك الموت العور جاز عليه العمى ولعل عيسى بن مريم عليه السلام قد لطم الاخرى فأعماه لان عيسى عليه السلام كان أشد للموت كراهية من موسى عليه السلام وكان يقول اللهم إن كنت صارفا هذه الكأس عن أحد من الناس فاصرفها عني قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الحديث حسن الطريق عند أصحاب الحديث وأحسب له أصلا في الاخبار القديمة وله تأويل صحيح لا يدفعه النظر والذي نذهب إليه فيه أن ملائكة الله تعالى روحانيون والروحاني منسوب إلى الروح نسبة الخلقة فكأنهم أرواح لا جثث لهم فتلحقها الابصار ولا عيون لها كعيوننا ولا أبشار كأبشارنا

[ 257 ]

ولسنا نعلم كيف هيأهم الله تعالى لانا لا نعرف من الاشياء إلا ما شاهدنا وإلا ما رأينا له مثالا وكذلك الجن والشياطين والغيلان هي أرواح ولا نعلم كيفيتها وإنما تنتهي في صفاتها إلى حيث ما وصف الله عزوجل لنا ورسوله صلى الله عليه وسلم قال الله عزوجل جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع ثم قال يزيد في الخلق ما يشاء كأنه يزيد في تلك الاجنحة ما يشاء وفي غيرها وكانت العرب تدعو الملائكة جنا لانهم اجتنوا عن الابصار كما اجتنت الجن قال الاعشى يذكر سليمان بن داود عليهما السلا وسخر من جن الملائك تسعة قياما لديه يعملون بلا أجر وقد جعل الله سبحانه للملائكة من الاستطاعة أن تتمثل في صور مختلفة وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام في صورة دحية الكلبي وفي صورة أعرابي ورآه مرة قد سد بجناحيه ما بين الافقين وكذلك جعل للجن أن تتمثل وتتخيل في صور مختلفة كما جعل للملائكة قال الله عزوجل فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا وليس ما تنتقل إليه من هذه الامثلة على الحقائق إنما هي تمثيل وتخييل لتلحقها الابصار

[ 258 ]

وحقائق خلقها أنها أرواح لطيفة تجري مجرى الدم وتصل إلى القلوب وتدخل في الثرى وترى ولا ترى قال الله تعالى في إبليس إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم يريد أنالا نراهم في حقائق هيئاتهم وقال أيضا وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكا لقضي الامر ثم لا ينظرون ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا يريد لو أنزلنا ملكا لم تدركه حواسهم لانها لا تلحق حقائق هيئات الملائكة فكنا نجعله رجلا مثلهم ليروه ويفهموا عنه وقد ذكر بن عباس في قصة الزهرة أن الله تعالى لما أهبط الملكين إلى الارض ليحكمابين أهلها نقلهما إلى صور الناس وركب فيهما الشهوة لانه لا يجوز أن يقضي بين الناس إلا من يرونه ويسمعون كلامه وإلا من شاكلهم وأشبههم ولما تمثل ملك الموت لموسى عليه السلام وهذا ملك الله وهذا نبي الله وجاذبه لطمه موسى لطمة أذهبت العين التي هي تخييل وتمثيل وليست حقيقة وعاد ملك الموت عليه السلام إلى حقيقة خلقته الروحانية كما كان لم ينتقص منه شئ قالوا حديث يكذبه النظر (0) قالوا رويتم أن عوجا اقتلع جبلا قدره فرسخ في فرسخ على قدر عسكر موسى فحمله على رأسه ليطبقه عليهم فصار طوقا في عنقه حتى مات وأنه كان يخوض البحر فلا يجاوز ركبتيه وكان يصيد الحيتان من لججه ويشويها في عين الشمس وأنه لما مات وقع على نيل مصر فجسر للناس سنة أي صار جسرا لهم يعبرون عليه من جانب إلى جانب

[ 259 ]

وأن طول موسى عليه السلام كان عشرة أذرع وطول عصاه عشرة أذرع ووثب من الارض عشرة ليضربه فلم يبلغ عرقوبه قالوا وهذا كذب بين لا يخفى على عاقل ولا على جاهل وكيف صار في زمن موسى عليه السلام من خالف أهل الزمان هذه المخالفة وكيف يجوز أن يكون من ولد آدم من يكون بينه وبين آدم هذا التفاوت وكيف يطيق آدمي حمل جبل على رأسه قدره فرسخ في فرسخ قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا حديث لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته وإنما هو خبر من الاخبار القديمة التي يرويها أهل الكتب سمعه قوم منهم على قديم الايام فتحدثوا به والحديث يدخله الشوب والفساد من وجوه ثلاثة منها الزنادقة واجتيالهم للاسلام وتهجينه بدس الاحاديث المستشنعة والمستحيلة كالاحاديث التي قدمنا ذكرها من عرق الخيل وعيادة الملائكة وقفص الذهب على جمل أورق وزغب الصدر ونور الذراعين مع أشياء كثيرة ليست تخفى على أهل الحديث منهم بن أبي العوجاء الزنديق وصالح بن عبد القدوس الدهري والوجه الثاني القصاص على قديم الايام فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم

[ 260 ]

ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغريب والاكاذيب من الاحاديث ومن شأن العوام القعود عند القاص ما كان حديثه عجيبا خارجا عن فطر العقول أو كان رقيقا يحزن القلوب ويستغزر العيون فإذا ذكر الجنة قال فيها الحوراء من مسك أو زعفران وعجيزتها ميل في ميل ويبوئ الله تعالى وليه قصرا من لؤلؤة بيضاء فيه سبعون ألف مقصورة في كل مقصورة سبعون ألف قبة في كل قبة سبعون ألف فراش على كل فراش سبعون ألف كذا فلا يزال في سبعين ألف كذا وسبعين ألفا كأنه يرى أنه لا يجوز أن يكون العدد فوق السبعين ولا دونها ويقول لاصغر من في الجنة منزلة عند الله من يعطيه الله تعالى مثل الدنيا كذا وكذا ضعفا وكلما كان من هذا أكثر كان العجب أكثر والقعود عنده أطول والايدي بالعطاء إليه أسرع والله تبارك وتعالى يخبرنا في كتابه بما في جنته بما فيه مقنع عن أخبار القصاص وسائر الخلق حين وصف الجنة بأن عرضها السماوات والارض يريد سعتها والعرب تكني عن السعة بالعرض لان الشئ إذا اتسع عرض وإذا دق واستطال ضاق وتقول ضاقت علي الارض العريضة أي الواسعة وفي الارض العريضة مذهب أي الواسعة وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنهزمين يوم أحد لقد ذهبتم فيها عريضة أي واسعة

[ 261 ]

وقال الله تعالى فذو دعاء عريض أي كثير فكيف يكون عرضها السماوات والارض ويعطي الله تعالى أخس من فيها منزلة فيها مثل الدنيا أضعافا ويقول تعالى حين شوقنا إليها فيها ما تشتهي الانفس وتلذ الاعين وقال حين ذكر المقربين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأبرايق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون وقال تعالى في أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وقال تعالى يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير ومثل هذا كثير في القرآن العظيم ليس منه شئ إلا وهو شبيه بما يناله الناس في الدنيا ويتنعم به المترفون خلا ما فضل الله تعالى به ما في الجنة وخلا الخلود ثم يذكر آدم عليه السلام ويصفه فيقول كان رأسه يبلغ السحاب أو السماء ويحاكها فاعتراه لذلك الصلع ولما هبط إلى الارض بكى على الجنة حتى بلغت دموعه البحر وجرت فيها السفن ويذكر داود عليه السلام فيقول سجد لله تعالى أربعين ليلة وبكى حتى نبت العشب بدموع عينيه ثم زفر زفرة هاج له ذلك النبات

[ 262 ]

ويذكر عصاموسى عليه السلام فيقول كان نابها كنخلة سحوق وعينها كالبرق الخاطف وعرفها كذا والله تعالى يقول كأنها جان والجان خفيف الحيات وذكرها في موضع آخر فقال ثعبان مبين فإذا هي ثعبان ويذكر عبادا أتاهم يونس عليه السلام في جبل لبنان فيخبرهم عن الرجل منهم أنه كان يركع ركعة في سنة ويسجد نحو ذلك ولا يأكل إلا في كذا وكذا من الزمان وقد ذكر الله تبارك وتعالى الذين قبلنا فقال كانوا أشد منكم قوة وأكثر أموالا وأولادا وقال تعالى وزاده بسطة في العلم والجسم وقال تعالى أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون وإذا بطشتم بطشتم جبارين وليس في شئ مما وصف الله تعالى به من قبلنا ما يقارب هذا الافراط وقد نعلم أنهم كانوا أعظم منا أجساما وأشد قوة غير أن المقدار فيما بيننا وبينهم مقدار ما جعله الله بين أعمارنا وأعمارهم فهذا آدم أبو البشر صلى الله عليه وسلم إنما عمر ألف سنة بذلك تتابعت الاخبار ووجدته في التوراة وهذا نوح صلى الله عليه وسلم لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما ثم انتقصت الاعمار بعد نوح عليه السلام إلا ما جاءت به الاخبار في عمر لقمان صاحب النسور فإنهم ذكروا أنه عاش أعمار سبعة أنسر

[ 263 ]

وكان مقدار ذلك ألفي سنة وأربع مائة سنة ونيفا وخمسين سنة وهذا شئ متقادم لم يأت فيه كتاب ولا ثقة وليس له إسناد وإنما هو شئ يحكيه عبيد بن شرية الجرهمي وأشباهه من النساب وكذلك أعمار ملوك اليمن المتقدمين ثم ملوك العجم وقد عمر قوم قربوا من زماننا أعمارا ليس بينها وبين ما صح من عمر آدم ونوح صلى الله عليهما وسلم تفاوت شديد كتفاوت هذا الخلق حدثنا أبو حاتم قال نا الاصمعي قال نا أبو عمرو بن العلاء قال مر المستوغر بن ربيعة في سوق عكاظ ومعه بن ابنه خرفا ومستوغر يقوده فقال له قائل يا هذا أحسن إليه فطالما أحسن إليك قال ومن هو قال أبوك أو جدك فقال المستوغر هو والله بن ابني فقال الرجل تالله ما رأيت كاليوم ولا مستوغر بن ربيعة قال فأنا مستوغر قال أبو عمرو عاش مستوغر ثلاثمائة سنة وعشرين سنة قال أبو محمد وقد جعل الله تعالى لنا معتبرا بآثارهم على الارض وما بنوه من مدنهم وحصونهم ونقبوه في الجبال الصم من أبوابهم ونحتوه من درجهم وليس في ذلك من التفاوت بيننا وبينهم إلا كما بين أعمارنا وأعمارهم وكذلك الخلق ولا أعلمني سمعت في التفاوت بأشد من شئ حدثنيه الرياشي عن مسلم بن إبراهيم قال نا نوح بن قيس قال نا عبد الواحد بن نافع قال ولاني خالد بن عبد

[ 264 ]

الله حفر المبارك فجاءني العمال بضرس فوزنته فإذا فيه تسعة أرطال ولسنا ندري أهو ضرس إنسان أو ضرس جمل أو فيل وحدثني الرياشي قال نا عبد الله بن مسلمة عن أنس بن عياض عن زيد بن أسلم قال وجد في حجاج رجل من العماليق ضبع وجراؤها قال وهذا قد يمكن أن يكون حجاج جمل أو غيره فظنه الرائي له أنه حجاج رجل وعلى أنه لو كان حجاج رجل ما وقع فيه التفاوت لان الحجاج من الانسان إذا خلا واسع ثم هو يفضي إلى القحف ولا ينكر في قدر أجسام المتقدمين أن يكون في الحجاج والقحف ما ذكر وأما الوجه الثالث الذي يقفيه فساد الحديث فأخبار متقادمة كان الناس في الجاهلية يروونها تشبه أحاديث الخرافة كقولهم إن الضب كان يهوديا عاقا فمسخه الله تعالى ضبا ولذلك قال الناس أعق من ضب ولم تقل العرب أعق من ضب لهذه العلة وإنما قالوا ذلك لانه يأكل حسوله إذا جاع قال الشاعر أكلت بنيك أكل الضب حتى تركت بنيك ليس لهم عديد وكقولهم في الهدهد إن أمه ماتت فدفنها في رأسه فلذلك أنتنت ريحه

[ 265 ]

وقد ذكر هذه أمية بن أبي الصلت فقال غيم وظلماء وفضل سحابة أيام كفن واستزاد الهدهد يبغي القرار لامه ليجنها فبنى عليها في قفاه يمهد فيزال يدلج ما مشى بجنازة منها وما اختلف الحديث المسند وكقولهم في الديك والغراب إنهما كانا متنادمين فلما نفد شرابهما رهن الغراب الديك عند الخمار ومضى فلم يرجع إليه وبقي الديك عند الخمار حارسا قال أمية بن أبي الصلت بآية قام ينطق كل شئ وخان أمانه الديك الغراب وكقولهم في السنور إنها عطسة الاسد وفي الخنزير إنه عطسة الفيل وفي الاربيانة أنها خياطة كانت تسرق الخيوط فمسخت وأن الجري كان يهوديا فمسخ وحديث عوج عندنا من هذه الاحاديث والعجب أن عوجا هذا كان في زمن موسى صلى الله عليه وسلم عندهم وله هذا الطول العجيب وفرعون في زمنه وهو ضده في القصر على ما ذكر الحسن حدثنا أبو حاتم أو رجل عنده قال نا أبو زيد الانصاري النحوي قال نا عمرو بن عبيد عن الحسن قال ما كان طول فرعون إلا ذراعا وكانت لحيته ذراعا

[ 266 ]

قالوا أحاديث متناقضة قالوا رويتم عن همام عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تكتبوا عني شيئا سوى القرآن فمن كتب عني شيئا فليمحه ثم رويتم عن بن جريج عن عطاء عن بن عمرو قال قلت يا رسول الله أقيد العلم قال نعم قيل وما تقييده قال كتابته ورويتم عن حمادبن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله أكتب كل ما أسمع منك قال نعم قلت في الرضا والغضب قال نعم فإني لا أقول في ذلك كله إلا الحق قالوا وهذا تناقض واختلاف قال أبو محمد ونحن نقول إن في هذا معنيين أحداهما أن يكون من منسوخ السنة بالسنة كأنه نهى في أول الامر عن أن يكتب قوله ثم رأى بعد لما علم أن السنن تكثر وتفوت الحفظ أن تكتب وتقيد والمعنى الاخر أن يكون خص بهذا عبد الله بن عمرو لانه كان قارئا للكتب المتقدمة ويكتب بالسريانية والعربية وكان غيره من الصحابة أميين لا يكتب منهم إلا الواحد والاثنان وإذا كتب لم يتقن ولم يصب التهجي فلما خشي عليهم الغلط فيما يكتبون نهاهم ولما أمن على عبد الله بن عمرو ذلك أذن له قال أبو محمد حدثنا إسحاق بن راهويه قال نا وهب بن جرير عن أبيه عن يونس بن عبيد عن الحسن عن عمرو بن تغلب ب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أشراط الساعة أن يفيض المال ويظهر القلم ويفشو التجار

[ 267 ]

قال عمرو إن كنا لنلتمس في الحواء العظيم الكاتب ويبيع الرجل البيع فيقول حتى أستأمر تاح جر بني فلان قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس أنه قال الحجر الاسود من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج حتى سودته خطايا أهل الشرك ثم رويتم أن بن الحنفية سئل عن الحجر الاسود فقال إنما هو من بعض هذه الاودية قالوا وهذا اختلاف وبعد فكيف يجوز أن ينزل الله تعالى حجرا من الجنة وهل في الجنة حجارة وإن كانت الخطايا سودته فقد ينبغي أن يبيض لما أسلم الناس ويعود إلى حالته الاولى قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس بمنكر أن يخالف بن الحنفية بن عباس ويخالف علي عمر وزيد بن ثابت بن مسعود في التفسير وفي الاحكام وإنما المنكر أن يحكوا عن النبي صلى الله عليه وسلم خبرين مختلفين من غير تأويل فأما اختلافهم فيما بينهم فكثير فمنهم من يعمل على شئ سمعه ومنهم من يستعمل ظنه ومنهم من يجتهد رأيه وذلك اختلفوا في تأويل القرآن وفي أكثر الاحكام

[ 268 ]

غير أن بن عبا س قال في الحجر بقول سمعه ولا يجوز غير ذلك لانه يستحيل أن يقول كان أبيض وهو من الجنة برأي نفسه وإنما الظان بن الحنفية لانه رآه بمنزلة غيره من قواعد البيت فقضى عليه بأنه أخذ من حيث أخذت والاخبار المقوية لقول بن عباس في الحجر وأنه من الجنة كثيرة منها أنه يأتي يوم القيامة وله لسان وشفتان يشهد لمن استلمه بحق ومنها أنه يمين الله عزوجل في الارض يصافح بها من شاء من خلقه وقد تقدم ذكر هذا ومنها ما ذكره وهب بن منبه فإنه قال كان لؤلؤة بيضاء فسوده المشركون وأما قولهم هل في الجنة حجارة فما الذي أنكروه من أن يكون في الجنة حجارة وفيها الياقوت وهو حجر والزمرد حجر والذهب والفضة من الحجارة وما الذي أنكروه من تفضيل الله تعالى حجرا حتى لثم واستلم والله تعالى يستعبد عباده بما شاء من العمل والفعل ويفضل بعض ما خلق على بعض فليلة القدر خير من ألف شهر ليست فيها ليلة القدر والسماء أفضل من الارض والكرسي أفضل من السماء والعرش أفضل من الكرسي والمسجد الحرام أفضل من المسجد الاقصى والشام أفضل من العراق وهذا كله مبتدأ بالتفضيل لا بعمل عمله ولا بطاعة كانت منه كذلك الحجر أفضل من الركن اليماني والركن اليماني أفضل من قواعد البيت والمسجد أفضل من الحرم والحرم أفضل من بقاع تهامة

[ 269 ]

وأما قولهم إن كانت الخطايا سودته فقد يجب أن يبيض لما أسلم الناس فمن الذي أوجب أن يبيض بإسلام الناس ولو شاء الله تعالى لفعل ذلك من غير أن يجب وبعد فإنهم أصحاب قياس وفلسفة فكيف ذهب عليهم أن السواد يصبغ ولا ينصبغ والبياض ينصبغ ولا يصبغ قالوا أحاديث متناقضة قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ما أنا من دد ولا الدد مني وأن عبد الله بن عمرو قال له أكتب كل ما أسمع منك في الرضا والغضب فقال نعم إني لا أقول في ذلك كله إلا الحق ثم رويتم أنه كان يمزح وأنه استدبر رجلا من ورائه فأخذ بعينيه وقال من يشتري مني هذا العبد ووقف على وفد الحبشة فنظر إليهم وهم يزفنون وعلى أصحاب الدركلة وهم يلعبون وسابق عائشة رضي الله عنها فسبقها تارة وسبقته أخرى

[ 270 ]

قال أبو محمد ونحن نقول إالله عزوجل بعث رسوله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة ووضع عنه وعن أمته الاصر والاغلال التي كانت على بني إسرائيل في دينهم وجعل ذلك نعمة من نعمه التي عددها وأوجب الشكر عليها وليس من أحد فيه غريزة إلا ولها ضد في غيره فمن النا س الحليم ومنهم العجول ومنهم الجبان ومنهم الشجاع ومنهم الحيي ومنهم الوقاح ومنهم الدمث ومنهم العبوس وفي التوراة أن الله تعالى قال إني حين خلقت آدم ركبتجسده من رطب ويابس وسخن وبارد وذلك لاني خلقته من تراب وماء ثم جعلت فيه نفسا وروحا فيبوسة كل جسد خلقته من التراب ورطوبته من قبل الماء وحرارته من قبل النفس وبرودته من قبل الروح ومن النفس حدته وخفته وشهوته ولهوه ولعبه وضحكه وسفهه وخداعه وعنفه وخرقه ومن الروح حلمه ووقاره وعفافه وحياؤه وفهمه وتكرمه وصدقه صبره أفما ترى أن اللعب واللهو من غرائز الانسان والغرائز لا تملك وإملكها المرء بمغالبة النفس وقمع المتطلع منها لم يلبث إلا يسيرا حتى يرجع إلى الطبع وكان يقال الطبع أملك وقال الشاعر ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه يدعه ويغلبه على النفس خيمها وقال آخر

[ 271 ]

يا أيها المتحلي غير شيمته ومن خليقته الاقصاد والملق ارجع إلى خلقك المعروف ديدنه إن التخلق يأبى دونه الخلق وقال أخر كل امرئ راجع يوما لشيمته وإن تخلق أخلاقا إلى حين وأنشد الرياشي لا تصحبن أمرا على حسب إني رأيت الاحساب قد دخلت مالك من أن يقال إن له أبا كريما في أمة سلفت بل فاصحبنه على طبائعه فكل نفس تجري كما طبعت والله عزوجل يقول إن الانسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا وقال تعالى خلق الانسان من عجل وكان الناس يأتسون برسول الله صلى الله عليه وسلم ويقتدون بهديه وشكله لقول الله تعالى لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة

[ 272 ]

فلو ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم طريق الطلاقة والهشاشة والدماثة إلى القطوب والعبوس والزماتة أخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة من المشقة والعناء فمزح صلى الله عليه وسلم ليمزحوا ووقف على أصحاب الدركلة وهم يلعبون فقال خذوا يا بني أرفد ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة يريد ما يكون في العرسات لاعلان النكاح وفي المآدب لاظهار السرور وأما قوله ما أنا من دد ولا الدد مني فإن الدد اللهو والباطل وكان يمزح ولا يقول إلا حقا وإذا لم يقل في مزاحه إلا حقا لم يكن ذلك المزاح ددا ولا باطلا قال لعجوز إن الجنة لا يدخلها العجز يريد أنهن يعدن شواب وقال صلى الله عليه وسلم لاخرى زوجك في عينيه بياض يريد ما حول الحدقة من بياض العين فظنت هي أنه البياض الذي يغشى الحدقة واستدبر رجلا من ورائه وقال من يشتري مني العبد يعني أنه عبد الله ودين الله يسر ليس فيه بحمد الله ونعمته حرج وأفضل العمل أدومه وإن قل قال أبو محمد حدثنا الزيادي قال نا عبد العزيز الدراوردي قال نا محمد بن طحلا عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله

[ 273 ]

صلى الله عليه وسلم اكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أفضل العمل أدومه وإن قل وحدثني محمد بن يحيى القطعي قال نا عمر بن علي بن مقدم عن معن الغفاري عن المقبري عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الدين يسر ولن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا حدثني محمد بن عبيد قال حدثنا معاوية بن عمرو عن أبي إسحاق عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن مسلم بن يسار أن رفقة من الاشعريين كانوا في سفر فلما قدموا قالوا يارسول الله ما رأينا أحدا بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل من فلان يصوم النهار فإذا نزلنا قام يصلي حتى نرتحل قال من كان يمهن له ويكفيه أو يعمل له قالوا نحن قال كلكم أفضل منه وقد درج الصالحون والخيار على أخلاق رسول الله صلى الله عليه وسلم في التبسم والطلاقة والمزاح بالكلام المجانب للقدع والشتم والكذب فكان علي رضي الله عنه يكثر الدعابة وكان بن سيرين يضحك حتى يسيل لعابه وقال جرير في الفرزدق لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ولو رضيت رمح استه لاستقرت

[ 274 ]

وقال الفرزدق وتمثل به بن سيرين نبئت أن فتاة كنت أخطبها عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول أسنانها مائة أو زدن واحدة وسائر الخلق منها بعد مبطول وسأله رجل عن هشام بن حسان فقال توفي البارحة أما شعرت فجزع الرجل واسترجع فلما رأى جزعه قرأ الله يتوفى الانفس حين موتها والتي لم تمت في منامها وكان زيد بن ثابت من أزمت ت الناس إذا خرج وأفكههم في بيته وقال أبو الدرداء إني لاستجم نفسي ببعض الباطل كراهة أن أحمل عليها من الحق ما يملها وكان شريح يمزح في مجلس الحكم وكان الشعبي من أفكه الناس وكان صهيب مزاحا وكان أبو العالية مزاحا وكل هؤلاء إذا مزح لم يفحش ولم يشتم ولم يغتب ولم يكذب وإنما يذم من المزاح ما خالطته هذه الخلال أو بعضها وأما الملاعب فلا بأس بها في المآدب قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلنوا النكاح واضربوا عليه بالغربال

[ 275 ]

قال أبو محمد حدثنا أبو الخطاب قال نا مسلم بن قتيبة قال نا شريك عن جابر عن عكرمة قال ختن بن عباس بنيه فأرسلني فدعوت اللعابين فلعبوا فأعطاهم أربعة دراهم وحدثني أبو حاتم عن الاصمعي عن بن أبي الزناد عن أبيه قال قلت لخارجة بن زيد هل كان الغناء يكون في العرسات قال قد كان ذاك ولا يحضر بما يحضر به اليوم من السفه دعانا أخوالنا بنو نبيط في مدعاة لهم فشهد المدعاة حسان بن ثابت وابنه عبد الرحمن وإذا جاريتان تغنيان أنظر خليلي بباب جلق هل تونس دون البلقاء من أحد فبكى حسان وهو مكفوف وجعل يومي إليهما عبد الرحمن أن زيدا فلا أدري ماذا يعجبه من أن يبكيا أباه حدثنا أبو حاتم عن الاصمعي قال كان طويس يتغنى في عرس فدخل النعمان بن بشير العرس وطويس يقول أجد بعمرة غنيانها فتهجر أم شأننا شأنها وعمرة أم النعمان فقيل له اسكت اسكت فقال النعمان إنه لم يقل بأسا إنما قال

[ 276 ]

وعمرة من سروات النساء تنفح بالمسك أردانها قالوا أحاديث متناقضة قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله يحب الحيي العيي المتعفف وأن الله يبغض البليغ من الرجال ثم رويتم أن العباس سأله فقال ما الجمال فقال في اللسان وأنه قال إن من البيان لسحرا وقد قال الله عزوجل خلق الانسان علمه البيان فجعل البيان نعمة من نعمه التي عددها وذكر النساء بقلة البيان فقال أو من ينشأ في الحلية وهو في الخصام غير مبين فدل على نقص النساء بقلة البيان وهذه أشياء مختلفة قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف بنعمة الله تعالى ولكل شئ منها موضع فإذا وضع به زال الاختلاف أما قوله إن الله يحب الحيي العيي المتعفف فإنه يريد السليم الصدر القليل الكلام القطيع عن الحوائج لشدة الحياء ويدل على ذلك أنه قال بعقب هذا الكلام ويبغض الفاحش السئال الملحف وهذا ضد الاول والله سبحانه لا يحب عباده على فضل اللد وطول اللسان ولطف الحيلة وإن

[ 277 ]

كانت في ذلك منافع وفي بعضه زينة وجاء في الحديث أكثر أهل الجنة البله يراد الذين سلمت صدورهم للناس وغلبت عليهم الغفلة وأنشدنا للنمر بن تولب ولقد لهوت بطفلة ميالة بلهاء تطلعني على أسرارها وذكر علي رضي الله عنه زمانا فقال خير أهل ذلك الزمان كل نومة يعني الميت الداء أولئك أئمة الهدى ومصابيح العلم ليسوا بالعجل المذاييع البذر وقال معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله يحب الاخفياء الاتقياء الابريا الذين إذا غابوا لم يفتقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا وقال علي رضي الله عنه في خطبة له ألا إن لله عبادا كمن رأى أهل الجنة في الجنة مخلدين وأهل النار في النار معذبين شرورهم مأمونة وقلوبهم محزونة وأنفسهم عفيفة وحوائجهم خفيفة صبروا أياما يسيرة لعقبى راحة طويلة أما الليل فصافون أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم مميجأرون إلى ربهم ربنا ربنا وأما النهار فحلماء علماء بررة أتقياء كأنهم القداح ينظر إليهم الناظر فيقول

[ 278 ]

مرضى وما بالقوم من مرض وخولطوا ولقد خالط القوم أمر عظيم وذكر بن عباس أن الفتى الذي كلم أيوب عليه السلام في بلائه فقال له يا أيوب أما علمت أن لله عبادا أسكتتهم خشية الله من غير عي بهم ولا بكم وأنهم لهم النبلاء النطقاء الفصحاء العالمون بالله عزوجل وايامه ولكنهم كانوا إذا ذكروا عظمة الله تعالى تقطعت قلوبهم وكلت ألسنتهم وطاشت عقولهم فرقا من الله عزو جل وهيبة له فهذه الخلال هي التي يحبها الله عز وجل وهي المؤدية إلى الفوز في الآخر ولا ينكر مع هذا أن يكون الجمال في اللسان ولا أن تكون المروءة في البيان ولا أنه زينة من زين الدنيا وبهاء من بهائها ما صحبه الاقتصاد وساسه العقل ولم يمل به الاقتدار على القول إلى أن يصغر عظيما عند الله تعالى أو يعظم صغيرا أو ينصر الشئ‌وضده كما يفعل من لا دين له وهذا هو البليغ الذي يبغضه الله عزوجل هو الذي قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون المتشدقون وإن أبغض الناس إلى الله تعالى من اتقاه الناس للسانه وإن من البيان لسحرا يريد أن منه ما يقرب البعيد ويباعد القريب ويزين القبيح ويعظم الصغير فكأنه سحر وما قام مقام السحر أو أشبهه أو ضارعه فهو مكروه كما أن السحر محرم قال أبو محمد حدثني حسين بن الحسن المروزي قال نا عبد الله بن المبارك قال نامعمر عن يحيى بن المختار عن الحسن قال إذا شئت لقيته أبيض بضا حديد النظر ميت القلب والعمل أنت أبصر به من نفسه ترى أبدانا ولا قلوب وتسمع الصوت ولا أنيس أخصب ألسنة وأجدب قلوبا

[ 279 ]

قالوا حديث ينقضه القرآن قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنا معشر الانبياء لا نورث ما تركنا صدة وهذا خلاف قول الله عزوجل حكاية عن زكريا وإني خفت الموالي من ورائي وكانت امرأتي عاقرا فهب لمن لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب واجعله رب رضيا يا زكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا وخلاف قوله عزوجل وورث سليمان داود قالوا وقد طالبت فاطمة رضي الله عنها أبا بكر رضي الله عنه بميراث أبيها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما لم يعطها إياه حلفت لا تكلمه أبدا وأوصت أن تدفن ليلا لئلا يحضرها فدفنت ليلا واختصم علي والعباس رضي الله عنهما إلى أبي بكر رضي الله عنه في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو محمد ونحن نقول إن قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا معشر الانبياء لا نورث ليس مخالفا لقول زكريا عليه السلام فهب لي من لدنك وليا يرثني ويرث من آل يعقوب لان زكريا عليه السلام لم يرد يرثني مالي فيكون الامر على ما ذهبوا إليه وأي مال كان لزكريا عليه السلام يضن به عن عصبته حتى يسأل الله تعالى أن يهب له ولدا يرثه

[ 280 ]

لقد جل هذا المال إذا وعظم عنده قدره ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملو وللمال يكدحون وإنما كان زكريا بن آذن نجارا وكان حبرا كذلك قال وهب بن منبه وكلا هذين الامرين يدل على أنه لا مال له وكذلك المشهور عن يحيى وعيسى عليهما السلام أنه لم يكن لهم أموال ولا منازل يأويان إليها وإنما كانا سياحين في الارض ومن الدليل أيضا على أن يحيى لم يرثه مالا أن يحيى عليه السلام دخل بيت المقدس وهو غلام صغير فكان يخدم فيه ثم اشتد خوفه فساح ولزم أطراف الجبال وغيران الشعاب قال أبو محمد وبلغني عن الليث بن سعد عن بن لهيعة عن أبي قبيل عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال دخل يحيى بن زكريا بيت المقدس وهو بن ثماني حجج فنظر إلى عباد بيت المقدس قد لبسوا من مدارع الشعر وبرانس الصوف ونظر إلى متهجديهم قد خرقوا التراقي وسلكوا فيها السلاسل وشدوها إلى حنايا بيت المقد س فهاله ذلك ورجع إلى أبويه فمر بصبيان يلعبون فقالوا يا يحيى هلم فلنلعب قال إني لم أخلق للعب فذلك قوله تعالى وآتيناه الحكم صبيا فأتى أبويه فسألهما أن يدرعاه الشعر ففعلا ثم رجع إلى بيت المقدس فكان يخدم فيه نهارا ويسبح فيه ليلاحتى أتت له خمس عشرة حجة وأتاه الخوف فساح ولزم أطراف الارض وغيران الشعاب

[ 281 ]

وخرج أبواه في طلبه فوجداه حين نزلا من جبال البثنية على بحيرة الاردن وقد قعد على شفير البحيرة وأنقع قدميه في الماء وقد كاد العطش يذبحه وهو يقول وعزتك لا أذوق بارد الشراب حتى أعلم أين مكاني منك فسأله أبواه أن يأكل قرصا من الشعير كامعهما ويشرب من ذلك الماء ففعل ذلك وكفر عن يمينه فمدح بالبر قال الله تعالى وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا ورده أبواه إلى بيت المقدس فكان إذا قام في صلاته بكى ويبكى زكريا لبكائه حتى يغمى عليه فلم يزل كذلك حتى خرقت دموعه لحم خديه فقالت له أمه يا يحيى لو أذنت لي لاتخذت لك لبدا يواري هذا الخرق قال أنت وذاك فعمدت إلى قطعتي لبود فألصقتهما على خديه فكان إذا بكى استنقعت دموعه في القطعتين فتقوم أمه فتعصرهما فكان إذا نظر إلى دموعه تجري على ذراعي أمه قال اللهم هذه دموعي وهذه أمي وأنا عبدك وأنت الرحمن فأي مال على ما تسمع ورثه يحيى وأي مال ورثه زكريا وإنما كان نجارا وحبرا وقد قال بن عباس في رواية أبي صالح عنه في قوله عزوجل هب لي من لدنك وليا يرثني أي يرثني الحبورة وكان حبرا ويرث من آل يعقوب أي يرث الملك وكان من ولد داود من سبط يهوذا بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم السلام فأجابه الله عزوجل إلى وراثة

[ 282 ]

الحبورة ولم يجبه إلى وراثة الملك وكان زكريا عليه السلام كره أن يرثه ذلك عصبته وأحب أن يهب الله تعالى له ولدا يقوم مقامه ويرثه علمه وقال الله عزوجل وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير الوارثين فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه وأما قوله وورث سليمان داود فإنه أراد ورثه الملك والنبوة والعلم وكلاهما كان نبيا وملكا والملك السلطان والحكم والسياسة لا المال ولو كان أراد وراثة ماله ما كان في الخبر فائدة لان الناس يعلمون أن الابناء يرثون الآباء أموالهم ولا يعلمون أن كل بن يقوم مقام أبيه في العلم والملك والنبوة ومن الدليل أيضا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يورث أنه كان لا يرث بعد أن أوحى الله تعالى إليه وإنما كانت وراثته أبويه قبل الوحي قال أبو محمد حدثنا زيد بن أخزم الطائي قال ثنا عبد الله بن داود أن أم أيمن مما ورثه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أمه وشقران مما ورثه عن أبيه وكيف يأكل رسول الله صلى الله عليه وسلم التراث وهو يسمع الله عزوجل يذم قوما فقال كلا بل لا تكرمون اليتيم ولا تحاضون على طعام المسكين وتأكلون التراث أكلا لما وتحبون المال حبا جما حدثنا إسحاق بن راهويه قال نا وكيع قال نا مسعر عن عبد الرحمن بن الاصبهاني عن مجاهد بن وردان عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها أن

[ 283 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي في ميراث مولى له وقع من نخلة فسأل هل ترك ولدا قالوا لا قال فهل ترك حميما قالوا لا قال فأعطوه رجلا من أهل قريته وكأنه تنزه صلى الله عليه وسلم عن أكل ميراثه فآثر به رجلا من أهل قريته وأما منازعة فاطمة أبا بكر رضي الله عنهما في ميراث النبي صلى الله عليه وسلم فليس بمنكر لانها لم تعلم ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم وظنت أنها ترثه كما يرث الاولاد آباءهم فلما أخبرها بقوله كفت وكيف يسوغ لاحد أن يظن بأبي بكر رضي الله عنه أنه منع فاطمة حقها من ميرا ث أبيها وهو يعطي الاحمر والاسود حقوقهم وما معناه في دفعها عنه وهو لم يأخذ لنفسه ولا لولده ولا لاحد من عشيرته وإنما أجراه مجرى الصدقة وكان دفع الحق إلى أهله أولى به وكيف يركب مثل هذا ويستحله من فاطمة رضي الله عنها وهو يرد إلى المسلمين ما بقي في يديه من أموالهم مذ ولي وإنما أخذه على جهة الاجرة فجعل قيامه لهم صدقة عليهم وقال لعائشة رضي الله عنها انظري يا بنية فما زاد في مال أبي بكر مذ ولي هذا الامر فرديه على المسلمين فوالله ما نلنا من أموالهم إلا ما أكلنا في بطوننا من جريش طعامهم ولبسنا على ظهورنا من خشن ثيابهم فنظرت فإذ بكر وجرد قطيفة لا تساوي خمسة دراهم وحبشية

[ 284 ]

فلما جاء به الرسول إلى عمر رضي الله عنه قال رحم الله أبا بكر لقد كلف من بعده تعبا ولو كان ما فعله أبو بكر من هذا الامر ظلما لفاطمة رضي الله عنها لرده علي رضي الله عنه حين ولي على ولدها وأما مخاصمة علي والعباس إلى أبي بكر رضي الله عنهم في ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس يصح لي معناه وكيف يتخاصمان في شئ لم يدفع إليهما أو يتحاقان شيئا قد منعاه وكلاهما لا يخفى عليه أنهما إذا ورثا كان بعد ثمن نسائه لعلي من حق فاطمة رضي الله عنها النصف وللعباس رضي الله عنه النصف مع فاطمة ففي أي شئ اختصما وإنما كان الوجه في هذا أن يخاصما أبي بكر وقد اختصما إلى عمر رضي الله عنه لما ولاهما القيام بذلك وإلى عثمان بعد وهذا تنازع له وجه وسبب رحمة الله عليهم أجمعين قالوا أحاديث متناقضة قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال لا رضاع بعد فصال وقال انظرن ما إخوانكن فإنما الرضاعة من المجاعة يريد ما رضعه الصبي فعصمه من الجوع ثم رويتم عن بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت جاءت سهلة بنت سهيل بن عمرو إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت إني أرى في وجه أبي حذيفة من دخول سالم علي كراهة فقال أرضعيه قالت أرضعه وهو رجل كبير فضحك ثم قال ألست أعلم أنه رجل كبير

[ 285 ]

وقلتم قال مالك عن الزهري إن عائشة رضي الله عنها كانت تفتي بأن الرضاع يحرم بعد الفصال حتى ماتت تذهب إلى حديث سالم قالوا وهذا طريق عندكم مرتضى صحيح يجوز أن يرد ولا يدفع قال أبو محمد ونحن نقول إن الحديث صحيح وقد قالت أم سلمة وغيرها من أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه كان لسالم خاصة غير أنهن لم يبين من أي وجه جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا لسالم ونحن مخبرون عن قصة أبي حذيفة وسالم والسبب بينهما إن شاء الله أما أبو حذيفة فهو بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف وكان من مهاجرة الحبشة في الهجرتين جميعا وهناك ولد له محمد بن أبي حذيفة وقيل في خلافة أبي بكر رضي الله عنه يوم اليمامة وعقب له وأما سالم مولى أبي حذيفة فإنه بدري وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي بكر وكان خيرا فاضلا ولذلك قال عمر رضي الله عنه عند وفاته لو كان سالم حيا ما تخالجني فيه الشك يريد لقدمته للصلاة بالناس إلى أن يتفق أصحاب الشورى على تقديم رجل منهم ثم قدم صهيبا وكان سالم عبدا لامرأة أبي حذيفة من الانصار واختلفوا في اسمها فقال بعضهم هي سلمى من بني خطمة وقال آخرون هي ثبيتة

[ 286 ]

وكلهم مجمع على أنها أنصارية فأعتقته فتولى أبا حذيفة وتبناه فنسب إليه بالولاء واستشهد سالم يوم اليمامة فورثته المعتقة له لانه لم يكن له عقب ولا وارث غيرها وهذا الذي أخبرت به دليل على تقدم أبي حذيفة وسالم في الاسلام وجلالتهما ولطف محلهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما ذكرت له سهلة بنت سهيل ما تراه في وجه أبي حذيفة من دخول سالم عليه وكان يدخل على مولاته المعتقة له ويدخل عليها كما يدخل العبد الناشئ في منزل سيده ثم يعتق فيدخل أيضا بالالف المتقدم والتربية وهذا مالا ينكره الناس من مثل سالم وممن هو دون سالم لان الله عزوجل رخص للنساء في دخول من ملكهن عليهن ودخول من لا إربة له في النساء كالشيخ الكبير والطفل والخصي والمجبوب والمخنث وسوى بينهم في ذلك وبين ذوي المحارم فقال تعالى ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن يعني

[ 287 ]

المسلمات أوما ملكت أيمانهن يعني العبيد أو التابعين غير أولي الاربة من الرجال يعني من يتبع الرجل ويكون في حاشيته كالاجير والمولى والحليف وأشباه هؤلاء وليس يخلو سالم من أن يكون من التابعين غير أولي الاربة في النساء ولعله كان كذلك لانه لم يعقب أو يكون بما جعله الله عليه من الورع والديانة والفضل وما خصه به حتى رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك أهلا لاخوة أبي بكر رضي الله عنه مأمونا عنده بعيدا عن تفقد النساء وتتبع محاسنهن بالنظر وقد رخص للنساء أن يسفرن عند الحاجة إلى معرفتهن للقاضي والشهود وصلحاء الجيران ورخص للقواعد من النساء وهن الطاعنات في السن أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة وقد كان سالم يدخل عليها وترى هي الكراهة في وجه أبي حذيفة ولولا أن الدخول كان جائزا ما دخل ولكان أبو حذيفة ينهاه فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم بمحلها عنده وما أحب من ائتلافهما ونفي الوحشة عنهما أن يزيل عن أبي حذيفة هذه الكراهة ويطيب نفسه بدخوله فقال لها أرضعيه ولم يرد ضعي ثديك في فيه كما يفعل بالاطفال ولكن أرادا حلبي له من لبنك شيئا ثم ادفعيه إليه ليشربه ليس يجوز غير هذا لانه لا يحل لسالم أن ينظر إلى ثدييها إلى أن يقع الرضاع فكيف يبيح له ما لا يحل له وما لا يؤمن معه من الشهوة ومما يدل على هذا التأويل أيضا أنها قالت يا رسول الله أرضعه وهو كبير

[ 288 ]

فضحك وقال ألست أعلم أنه كبير وضحكه في هذا الموضع دليل على أنه تلطف بهذا الرضاع لما أراد من الائتلاف ونفي الوحشة من غير أن يكون دخول سالم كان حراما أو يكون هذا الرضاع أحل شيئا كان محظورا أو صار سالم لها به ابنا ومثل هذا من تلطفه صلى الله عليه وسلم ما رواه عبد الواحد بن زياد عن عاصم الاحول عن الحسن أن رجلا أتاه برجل قد قتل حميما له فقال له أتأخذ الدية قال لا قال أفتعفو قال لا قال فاذهب فاقتله قال فلما جاوز به الرجل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن قتله فهو مثله فخبر الرجل بما قال فتركه فولى وهو يجر نسعه في عنقه ولم يرد أنه مثله في المأثم واستيجاب النار إن قتله وكيف يريد هذا وقد أباح الله قتله بالقصاص ولكنه كره له أن يقتص وأحب له العفو فأوهمه أنه إن قتله كان مثله في الاثم ليعفو عنه وكان مراده أنه يقتل نفسا كما قتل الاول نفسا فهذا قاتل وذاك قاتل فقد استويا في قاتل وقاتل إلا أن الاول ظالم والاخر مقتص قالوا حديث يدفعه الكتاب وحجة العقل قالوا رويتم عن محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت لقد نزلت آية الرجم ورضاع الكبير عشر فكانت في صحيفة تحت سريري عند وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما توفى وشغلنا به دخلت

[ 289 ]

داجن للحي فأكلت تلك الصحيفة قالوا وهذا خلا ف قول الله تبارك وتعالى وإنه لكتاب عزيز لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلففكيف يكون عزيزا وقد أكلته شاة وأبطلت فرضه واسقطت حجته وأي أحد يعجز عن إبطاله والشاة تبطله وكيف قال اليوم أكملت لكم دينكم وقد أرسل عليه ما يأكله وكيف عرض الوحي لاكل شاة ولم يأمر بإحرازه وصونه ولم أنزله وهو لا يريد العمل به قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الذي عجبوا منه كله ليس فيه عجب ولا في شئ‌مما استفظعوا منه فظاعة فإن كان العجب من الصحيفة فإن الصحف في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى ما كتب به القرآن لانهم كانوا يكتبونه في الجريد والحجارة والخزف وأشباه هذا قال زيد بن ثابت أمرني أبو بكر رضي الله عنه بجمعه فجعلت أتتبعه من الرقاع والعسب واللخاف والعسب جمع عسيب النخل واللخاف حجارة رقاق واحدها لخفة وقال الزهري قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم والقرآن في العسب والقضم والكرانيف والقضم جمع قضيم وهي الجلود والكرانيف أصول السعف الغلاظ واحدها كرنافة

[ 290 ]

وكان القرآن متفرقا عند المسلمين ولم يكن عندهم كتاب ولا آلات يدلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يكتب إلى ملوك الارض في أكارع الاديم وإن كان العجب من وضعه تحت السرير فإن القوم لم يكونوا ملوكا فتكون لهم الخزائن والاقفال وصناديق الآبنوس والساج وكانوا إذا أرادوا إحراز شئ أو صونه وضعوه تحت السرير ليأمنوا عليه من الوطئ وعبث الصبي والبهيمة وكيف يحرز من لم يكن في منزله حرز ولا قفل ولا خزانة إلا بما يمكنه ويبلغه وجده ومع النبوة التقلل والبذاذة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرقع ثوبه ويخصف نعله ويصلح خفويمهن أهله ويأكل بالارض ويقول إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد وعلى ذلك كانت الانبياء عليهم السلام وكان سليمان عليه السلام وقد آتاه الله من الملك ما لم يؤت أحدا قبله ولا بعده يلبس الصوف ويأكل خبز الشعير ويطعم الناس صنوف الطعام وكلم الله موسى عليه السلام وعليه مدرعة من شعر أو صوف وفي رجليه نعلان من جلد حمار ميت فقيل له إخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى وكان يحيى عليه السلام يحتبل بحبل من ليف وهذا أكثر من أن نحصيه وأشهر من أن نطيل الكتاب به وإن كان العجب من الشاة فإن الشاة أفضل الانعام وقرأت في مناجاة عزير ربه أنه قال اللهم إنك اخترت من الانعام الضائنة

[ 291 ]

ومن الطير الحمامة ومن النبات الحبلة ومن البيوت بكة وأيلياء ومن أيلياء بيت المقدس وروى وكيع عن الاسود بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما خلق الله دابة أكرم عليه من النعجة فما يعجب من أكل الشاة تلك الصحيفة وهذا الفأر شر حشرات الارض يقرض المصاحف ويبول عليها وهذا العث يأكلها ولو كانت النار أحرقت الصحيفة أو ذهب بها المنافقون كان العجب منهم أقل والله تعالى يبطل الشئ إذا أراد إبطاله بالضعيف والقوي فقد أهلك قوما بالذر كما أهلك قوما بالطوفان وعذب قوما بالضفادع كما عذب آخرين بالحجارة وأهلك نمروذ ببعوضة وغرق اليمن بفأرة وأما قولهم كيف يكمل الدين وقد أرسل عليه ما أبطله فإن هذه الآية نزلت عليه صلى الله عليه وسلم يوم حجة الوداع حين أعز الله تعالى الاسلام وأذل الشرك وأخرج المشركين عن مكة فلم يحج في تلك السنة إلا مؤمن وبهذا أكمل الله تعالى الدين وأتم النعمة على المسلمين فصار كمال الدين ههنا عزه وظهوره وذل الشرك ودروسه لا تكامل الفرائض والسنن لانها لم تزل تنزل إلى أن قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهكذا قال الشعبي في هذه الآية ويجوز أن يكون الاكمال للدين برفع النسخ عنه بعد هذا الوقت

[ 292 ]

وأما إبطاله إياه فإنه يجوز أن يكون أنزله قرآنا ثم أبطل تلاوته وأبقى العمل به كما قال عمر رضي الله عنه في آي الرجم وكما قال غيره في أشياكانت من القرآن قبل أن يجمع بين اللوحين فذهبت وإذا جاز أن يبطل العمل به وتبقى تلاوته جاز أن تبطل تلاوته ويبقى العمل به ويجوز أن يكون أنزله وحيا إليه كما كان تنزل عليه أشياء من أمور الدين ولا يكون ذلك قرآنا كتحريم نكاح العمة على بنت أخيها والخالة على بنت أختها والقطع في ربع دينار ولا قود على والد ولا على سيد ولا ميراث لقاتل وكقوله صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى إني خلقت عبادي جميعا حنفاء وكقوله يقول الله عزوجل من تقرب إلي شبرا تقربت منه ذراعا وأشباه هذا وقد قال عليه السلام أوتيت الكتاب ومثله معه يريد ما كان جبريل عليه السلام يأتيه به من السنن وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجم الناس بعده وأخذ بذلك الفقهاء فأما رضاع الكبير عشرا فنراه غلطا من محمد بن إسحاق ولا نأمن أيضا أن يكون الرجم الذي ذكر أنه في هذه الصحيفة كان باطلا لان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد رجم ماعز بن مالك وغيره قبل هذا الوقت فكيف ينزل عليه مرة أخرى ولان مالك بن أنس روى هذا الحديث بعينه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة عن عائشة رضي الله عنها قالت كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن ثم نسخن بخمس معلومات يحرمن فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ من القرآن وقد أخذ بهذا الحديث قوم من الفقهاء منهم الشافعي وإسحاق وجعلوا

[ 293 ]

الخمس حدا بين ما يحرم وما لا يحرم كما جعلوا القلتين حدا بين ما ينجس من الماء وما لا ينجس وألفاظ حديث مالك خلاف ألفاظ حديث محمد بن إسحاق ومالك أثبت عند أصحاب الحديث من محمد بن إسحاق قال أبو محمد حدثنا أبو حاتم قال نا الاصمعي قال نا معمر قال قال لي أبي لا تأخذن عن محمد بن إسحاق شيئا فإنه كذاب وقد كان يروى عن فاطمة بنت المنذر بن الزبير وهي امرأة هشام بن عروة فبلغ ذلك هشاما فأنكره وقال أهو كان يدخل على امرأتي أم أنا وأما قول الله تبارك وتعالى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه فإنه تعالى لم يرد بالباطل أن المصاحف لا يصيبها ما يصيب سائر الاعلاق والعروض وإنما أراد أن الشيطان لا يستطيع أن يدخل فيه ما ليس منه قبل الوحي وبعده قالوا حديث يبطله القرآن وحجة العقل قالوا رويتم أن يوسف عليه السلام أعطي نصف الحسن والله تعالى يقول وشروه بثمن بخس دراهم معدودة وكانوا فيه من الزاهدين ولا يجوز أن يباع من أعطي نصف الحسبثمن بخس وبدراهم تعد من قلتها ولا أن يكون المشتري له مع قلة هذا الثمن أيضا زاهدا فيه ويقول في رجوع إخوته إليه مرة بعد مرة إنه عرفهم وهم له منكرون

[ 294 ]

وكيف ينكر من أعطي نصف الحسن ولم يجعل له في العالم نظير وهم كانوا بأن يعرفوه وينكرهم هو أولى قال أبو محمد ونحن نقول إن الناس يذهبون في نصف الحسن الذي أعطيه يوسف عليه السلام إلى أن الله سبحانه أعطاه نصف الحسن وأعطى العباد أجمعين النصف الآخر وفرقه بينهم وهذا غلط بين لا يخفى على من تدبره إذا فهم ما قلناه والذي عندي في ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل للحسن غاية وحدا وجعله لمن شاء من خلقه إما للملائكة أو للحور العين فجعل ليوسف عليه السلام نصف ذلك الحسن ونصف ذلك الكمال وقد يجوز أن يكون جعل لغيره ثلثه ولآخر ربعه ولآخر عشره ويجوز أن لا يجعل لآخر منه شيئا وكذلك لو قال قائل إنه أعطي نصف الشجاعة لم يجز أيكون أعطي نصفها وجعل للخلق كلهم النصف الآخر ولو كان هذا هو المعنى لوجب أن يكون الذي أعطي نصف الشجاعة يقاوم العباد جميعا وحده ولكن معناه أن للشجاعة حديعلمه الله تعالى ويجعله لمن شاء من خلقه ويعطي غيره النصف من ذلك ويعطي لآخر الثلث أو الربع أو العشر وما أشبه ذلك وأما قولهم كيف يشترونه بثمن بخس ويكونون أيضا فيه من الزاهدين وهو بهذه المنزلة من الحسن فإن الحسن إذا كان على ما ذهبنا إليه لا يتفاوت التفاوت الذي ظنوه ولكنه يكون مقاربا لما عليه الحسان الوجوه وقد ذكر وهب بن منبه أن يوسف عليه السلام كان نزع في الحسن إلى سارة

[ 295 ]

وهذا شاهد لما تأولناه في نصف الحسن فإن احتجوا بقول الله تعالى فلما سمعت بمكرهن أرسلت إليهن وأعتدت لهن متكأ وآتت كل واحدة منهن سكينا وقالت اخر عليهن فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم وقالوا لم يقطعن أيديهن حين رأينه ولم يقلن إنه ملك كريم إلا لتفاوت حسنه وبعده مما عليه حسن الناس قلنا في تأويل الآية إنها لما سمعت بقول النسوة أن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين أراد ت أن يرينه ليعذرنها في الفتنة به فاعتدت لهن متكأ أي طعاما وقد قرئ متكا وهو طعام يقطع بالسكين وقيل في بعض التفسير إنه الاترج وفي بعضه الزماورد وأيا ماكان فإنه لا يأكل حتى يقطع وأصل المتك والبتك واحد وهو القطع والميم تبدل من الباء كثيرا وتبدل الباء منها لتقارب المخرجين ثم قالت ليوسف اخرج عليهن فلما رأينه أكبرنه أي أعظمن أمره وأجللنه ووقع في قلوبهن مثل الذي وقع في قلبها من محبته فبهتن وتحيرن وأدمن النظر إليه حتى حززن أيديهن بتلك

[ 296 ]

السكاكين التي كن يقطعن بها طعامهن وقلن ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم ولم يردن بهذا القول أنليس من البشر على الحقيقة وأنه من الملائكة على الحقيقة وإنما قلنه على التشبيه كما يقول القائل في رجل يصفه بالجمال ما هو إلا الشمس وما هو إلا القمر وفي آخر يصفه بالشجاعة ما هو إلا الاسد وكيف يردن أنه ليس من الناس وأنه من الملائكة وهن يردن منه مثل الذي أرادت امرأة العزيز ويشرن بحبسه والملائكة لا تطأ النساء ولا تحبس في السجون وليس بعجيب أن يقطعن أيديهن إذا رأين وجها حسنا رائعا مع المحبة والشهوة وأن يتحيرن ويبهتن فقد يصيب الناس مثل ذلك وأكثر منه قال عروة بن حزام وإني لتعروني لذكراك روعة لها بين جلدي والعظام دبيب وما هو إلا أن أراها فجاءة فأبهت حتى ما أكاد أجيب وأصرف عن رأيي الذي كنت أرتئي وأنسى الذي عددت حين تغيب

[ 297 ]

وقد جن قيس بن الملوح المعروف بالمجنون وذهب عقله وهام مع الوحش وكان لا يفهم شيئا إلا أن تذكر ليلى وقال أيا ويح من أمسى تخلس عقله فأصبح مذهوبا به كل مذهب إذا ذكرت ليلى عقلت وراجعت روائع عقلي من هوى متشعب ولما خرج به أبوه إلى مكة ليعوذ بالبيت ويستشفى له به سمع بمنى قائلا يقول يا ليلى فخر مغشيا عليه فلما أفاق قال وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى فهيج أحزان الفؤاد وما يدري دعا باسم ليلى غيرها فكأنما أطار بليلى طائرا كان في صدري وقد مات بالوجد أقوام منهم عروة بن حزام والنهدي عبد الله بن عجلان قال أبو محمد حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن قريب قال حدثني عمي الاصمعي قال عبد الله بن عجلان من عشاق العرب المشهورين الذين ماتوا عشقا وقد ذكره بعض الشعراء فقال إن مت من الحب فقد مات بن عجلان وحدثنا أبو حاتم قال نا الاصمعي عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن أيوب عن محمد بن سيرين قال قال عبد الله بن عجلان صاحب هند

[ 298 ]

ألا إن هندا أصبحت منك محرما وأصحبت من أدنى حموتها حما وأصبحت كالمغمود جفن سلاحه يقلب بالكفين قوسا وأسهما قال ومد بها صوته ثم خر فمات وفيما روى نقلة الاخبار أن الحارث بن حلزة اليشكري قام بقصيدته التي أولها آذنتنا ببينها أسماء بين يدي عمرو بن هند ارتجالا وكانت كالخطبة فارتزت العنزة التي كان يتوكأ ويخطب عليه في صدره وهو لا يشعر وهذا أعجب من قطعهن أيديهن

[ 299 ]

والسبب الذي قطعن له أيديهن أوكد من السبب الذي ارتزت له العنزة في صدر الحارث بن حلزة وأما شراء السيارة له بالثمن البخس وزهدهم فيه مع ذلك فإنهم اشتروه على الاباق وبالبراءة من العيوب واستخرجوه من جوف بئر قد ألقاه سادته فيها بذنوب كانت منه وجنايا ت عظام ادعوها وشرطوا عليهم مع ذلك أن يقيدوه ويغلوه إلى أن يأتوا به مصر وفي دوهذه الامور ما يخسس الثمن ويزهد المشتري وهذه القصة مذكورة في التوراة وأما قولهم كيف تنكره إخوته مع ما أعطي من الحسن فقد أعلمتك أن الذي أعطيه يوسف عليه السلام وإن كان فوق ما أعطيه أحد من الناس فليس ببعيد مما عليه الحسن منهم وأنه وإن كان أعطي نصف الحسن فقد أعطي غيره الثلث والربع وما قارب النصف وليس يقع في هذا تفاوت شديد وكانوا فارقوه طفلا ورأوه كهلا ودفعوه أسيرا ضريرا وألفوه ملكا كبيرا وفي أقل من هذه المدة واختلاف هذه الاحوال تتغير الحلى وتختلف المناظر قالوا حديث يبطله النظر قالوا رويتم عن شعبة عن محمد بن جحادة عن أبي حازم عن أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كسب الاماء قالوا وكسب الاماء حلال ولو أن رجلا آجر أمته أو عبده فعملا لم يكن ما كسبا حراما بإجماع الناس فكيف ينهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 300 ]

قال أبو محمد ونحن نقول إن الكسب الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو أجر البغاء وكان أهل الجاهلية يأمرون إماءهم بالبغاء ويأخذون أجورهن وكان لعبد الله بن جدعان إماء يساعين وهو في الجاهلية سيد تيم فأنزل الله عزوجل ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصنا لتبتغوا عرض الحياة الدنيا ونهى صلى الله عليه وسلم عن كسب الزمارة وهي الزانية يعني هذه الامة التي يغتلها سيدها قال أبو محمد حدثنا أبو الخطاب قال نا أبو بحر قال نا هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هرير قال ثمن الكلب وأجر الزمارة من السحت قالوا حديثان متناقضان قالوا رويتم عن مالك عن سالم أبي النضر عن بن جرهد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر عليه وهو كاشف فخذه فقال غطها فإن الفخذ من العورة ثم رويتم عن إسماعيل بن جعفر عن محمد بن أبي حرملة وعن عطاء بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مضطجعا في بيته كاشفا فخذه فاستأذن أبو بكر رضي الله عنه فأذن له وهو

[ 301 ]

كذلك ثم استأذن عمر رضي الله عنه فأذن له وهو كذلك ثم استأذن عثمان رضي الله عنه فجلس وسوى ثيابه فلما خرج قالت له عائشة في ذلك فقال ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة قالوا وهذا خلاف الحديث الاول قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا اختلاف ولكل واحد من الحديثين موضع فإذ وضع بموضعه زال ما توهموه من الاختلاف أما حديث جرهد فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به وهو كاشف فخذه على طريق الناس وبين ملئهم فقال عليه السلام له وار فخذك فإنها من العورة في هذا الموضع ولم يقل فإنها عورة لان العورة غيرها والعورة صنفان أحدهما فرج الرجل والمرأة والدبر منهما وهذا هو عين العورة والذي يجب عليهما أن يستراه في كل وقت وكل موضع وعلى كل حال والعورة الاخرى ما داناهما من الفخذ ومن مراق البطن وسمى ذلك عورة لاحاطته بالعورة ودنوه منها وهذه العورة هي التي يجوز للرجل أن يبديها في الحمام وفي المواضع الخالية وفي منزله وعند نسائه ولا يحسن به أن يظهرها بين الناس وفي جماعاتهم وأسواقهم وليس كل شئ حل للرجل يحسن به أن يظهره في المجامع فإن الاكل على الطريق وفي السوق حلال وهو قبيح ووطئ الرجل أمته حلال ولا يجوز ذلك بحيث تراه الناس والعيون وكانوا يكرهون الوجس وهو أن يطأ الرجل أهله بحيث تحس أهله الاخرى الحركة وتسمع الصوت

[ 302 ]

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيته خاليا فأظهر فخذه لنسائه ثم دخل عليه من يأنس به فلم يستره فلما صاروا ثلاثة كره باجتماعهم ما كرهه لجرهد من إبدائه لفخذه بين عوام الناس واستتر منهم قالوا حديث يبطله الاجماع والكتاب قالوا رويتم عن الحجاج الصواف عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن حجاج بن عمرو الانصاري أنه سمع رسول الله صلى الله عليوسلم يقول من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى قال فحدثت بن عباس وأبا هرير بذلك فقالا صدق قالوا والناس على خلاف هذا لانه قال الله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله فلم يجعل له أن يحل دون أن يصل الهدي وينحر عنه قال أبو محمد ونحن نقول إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال هذا في الرجل من أهل مكة يهل بالحج منها ويطوف ويسعى ثم يكسر أو يعرج أو يمرض فلا يستطيع حضور المواقف أنه يحل في وقته وعليه حج قابل والهدي وكذلك الرجل يقدم مكة معتمرا في أشهر الحج ويقضي عمرته ثم يهل بالحج من مكة ويكسر أو يصيبه أمر لا يقدر معه على أن يحضر مع النا س المواقف إنه يحل وعليه حج قابل والهدي والذين أمرهم الله تعالى إذا أحصروا بما استيسر من الهدي وأن لا يحلقوا رؤوسهم حتى يبلغ الهدي محله هم الذين أحصروا قبل أن يدخلوا مكة

[ 303 ]

وحكم أولئك خلاف حكم أهل مكة والمهلين بالحج منها لان حكم الذي كسر في الطريق أو عرج فلم يقدر على السفر أو مرض وقد أهل بالحج أن لا يحل إلا بالبيت وعليه أن يحج في السنة الثانية والذي كسر بمكة من أهلها أو المتمتعين مقيم بمكة وعند البيت فيحل وعليه الحج من قابل قالوا حديث يبطله حجة العقل قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل كل بيمينك فإن الشيطان يأكل بشماله قالوا والشيطان روحاني كالملائكة فكيف يأكل ويشرب وكيف يكون له يد يتناول بها قال أبو محمد ونحن نقول إن الله عزوجل لم يخلق شيئا إلا جعل له ضدا كالنور والظلمة والبياض والسواد والطاعة والمعصية والخير والشر والتمام والنقصان واليمين والشمال والعدل والظلم وكل ما كان من الخير والتمام والعد والنور فهو منسوب إليه عزوجل لانه أحبه وأمر به وكل ما كان من الشر والنقص والظلام فهو منسوب إلى الشيطان لانه الداعي إلى ذلك والمسول له وقد جعل الله تعالى في اليمين الكمال والتمام وجعلها للاكل والشرب والسلام والبطش وجعل في الشمال الضعف والنقص وجعلها للاستنجاء والاستنثار وإماطة الاقذار وجعل طريق الجنذات اليمين وأهل الجنة أصحاب اليمين

[ 304 ]

وطريق النار ذات الشمال وأهل النار أصحاب الشمال وجعل اليمن من اليمين والشؤم من اليد الشؤمى وهي الشمال وقال وفلان ميمون ومشئوم وإنما ذلك من اليمين والشمال وليس يخلو الشيطان في أكله بشماله من أحد معنيين إما أن يكون يأكل على حقيقة ويكون ذلك الاكل تشمما واسترواحا لا مضغا وبلعا فقد روي ذلك في بعض الحديث وروي أن طعامها الرمة وهي العظام وشرابها الجدف وهو الرغوة والزبد وليس ينال من ذلك إلا الروائح فتقوم لها مقام المضغ والبلع لذوي الجثث ويكون استرواحه من جهة شماله وتكون بذلك مشاركته من لم يسم الله على طعامه أو لم يغسل يده أو وضع طعاما مكشوفا فتذهب بركة الطعام وخيره وأما مشاركته في الاموال فبالانفاق في الحرام وفي الاولاد فبالزنا أو يكون يأكل بشماله على المجاز يراد أن أكل الانسان بشماله إرادة الشيطان له وتسويله فيقال لمن أكل بشماله هو يأكل أكل الشيطان لا يراد أن الشيطان يأكل وإنما يراد أنه يأكل الاكل الذي يحبه الشيطان كما قيل في الحمرة إنها زينة الشيطان يراد أن الشيطان يلبس الحمرة ويتزين بها وإنما يراد أنها الزينة التي يخيل بها الشيطان

[ 305 ]

وكذلك روي في الاقتعاط وهو أن يلبس العمامة ولا يتلحى بها أنها عمة الشيطان لا يراد بذلك أن الشيطان يعتم وإنما يراد أنها العمة التي يحبها الشيطان ويدعو إليها وكذلك نقول في قوله للمستحاضة إنها ركضة الشيطان والركضة الدفعة إنه لا يخلو من أحد معنيين إما أن يكون الشيطان يدفع ذلك العرق فيسيل منه دم الاستحاضة ليفسد على المرأة صلاتها بنقض طهورها وليس بعجيب أن يقدر على إخراج ذلك الدم بدفعته من يجري من بن آدم مجرى الدم أو تكون تلك الدفعة من الطبيعة فنسبت إلى الشيطان لانها من الامور التي تفسد الصلاة كما نسب إليه الاكل بالشمال والعمة على الرأس دون التلحي والحمرة قال أبو محمد حدثني زياد بن يحيى قال نا بشر بن المفضل عن يونس عن الحسن قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحمرة من زينة الشيطان والشيطان يحب الحمرة ولهذا كره رسول الله صلى الله عليه وسلم المعصفر للرجال قال إبراهيم إني لالبس المعصفر وأنا أعلم أنه زينة الشيطان وأتختم الحديث وأنا أعلم أنه حلية أهل النار وجعل الحديد حلية أهل النار وأهل النار لا يتحلون بالحلي

[ 306 ]

وإنما أراد أن لهم مكان الحلية السلاسل والاغلال والقيود فالحديد حليتهم وكان إبراهيم يفعل ذلك يريد به إخفاء نفسه وستر عمله قالوا حديثان مختلفان قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لم يتوكل من اكتوى واسترقى ثم رويتم أنه كوى أسعد بن زرارة وقال إن كان في شئ مما تداوون به خير ففي بزغة حجام أو لذعة بنار قالوا وهذا خلاف الاول قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا خلاف ولكل واحد موضع فإذا وضع به زال الاختلاف والكي جنسان أحدهما كي الصحيح لئلا يعتل كما يفعل كثير من أمم العجم فإنهم يكوون ولدانهم وشبانهم من غير علة بهم يرون أن ذلك الكي يحفظ لهم الصحة ويدفع عنهم الاسقام قال أبو محمد ورأيت بخراسان رجلا من أطباء الترك معظما عندهم يعالج بالكي وأخبرني وترجم ذلك عنه مترجمه أنه يشفى بالكي من الحمى والبرسام والصفار والسل والفالج وغير ذلك من الادواء العظام وأنه يعمد إلى العليل فيشده بالقمط شدا شديدا حتى يضطر العلة إلى موضع من الجسد ثم يضع المكوى

[ 307 ]

على ذلك الموضع فيلذعه به وأنه أيضا يكوي الصحيح لئلا يسقم فتطول صحته وكان مع هذا يدعي أشياء من استنزال المطر وإنشاء السحاب في غير وقته وإثارة الريح مع أكاذيب كثيرة وحماقات ظاهرة بينة وأصحاب يؤمنون بذلك ويشهدون له على صدق ما يقول وقد امتحناه في بعض ما ادعى فلم يرجع منه إلى قليل ولا كثير وكانت العرب تذهب هذا المذهب في جاهليتها وتفعل شبيها بذلك في الابل إذا وقعت النقبة فيها وهو جرب أو العر وهو قروح تكون في وجوهها ومشافرها فتعمد إلى بعير منها صحيح فتكويه ليبرأ منها ما به العرأو النقبة وقد ذكر ذلك النابغة في قوله للنعمان فحملتني ذنب امرئ وتركته كذالعر يكوى غيره وهو راتع وهذا هو الامر الذي أبطله رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال فيه لم يتوكل من اكتوى لانه ظن أن اكتواءه وإفزاعه الطبيعة بالنار وهو صحيح يدفع عنه قدر الله تعالى ولو توكل عليه وعلم أن لا منجى من قضائه لم يتعالج وهو صحيح ولم يكو موضعا لا علة به ليبرأ العليل وأما الجنس الآخر فكي الجرح إذا نغل وإذا سأل دمه فلم ينقطع وكي العضو إذا قطع أو حسمه وكي عروق من سقي بطنه وبدنه

[ 308 ]

قال بن أحمر يذكر تعالجه حين شفي شربت الشكاعى والتددت ألدة وأقبلت أفواه العروق المكاويا وهذا هو الكي الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم إن فيه الشفاء وكوى أسعد بن زرارة لعلة كان يجدها في عنقه وليس هذا بمنزلة الامر الاول ولا يقال لمن يعالج عند نزول العلة به لم يتوكل فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتعالج وقال لكل داء دواء لا على أن الدواء شاف لا محالة وإنما يشرب على رجاء العافية من الله تعالى به

[ 309 ]

إذ كان قد جعل لكل شئ سببا ومثل هذا الرزق قد تضمنه الله عزوجل لعباده إذ يقول وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها ثم أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بطلبه وبالاكتساب والاحتراف وقال الله تعالى كلوا من طيبات ما كسبتم ومثله توقي المهالك مع العلم بأن التوقي لا يدفع ما قدره الله عزوجل وحفظ المال في الخزائن وبالاقفال مع العلم بأنه لا ضيعة على ما حفظه الله سبحانه ولا حفظ لما أتلفه الله تعالى ومثل هذا كثير مما يجب علينا أن لا ننظر فيه إلى المغيب عنا ويستعمل فيه الحزم وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اعقل وتوكل وقال لرجل سمعه يقول حسبي الله أبلى عذرا فإذا أعجزك أمر فقل حسبي الله ومما يشبه الكي في حالتيه الترياق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أبالي ما أتيت إن

[ 310 ]

أنا شربت ترياقا أو تعلقت تميمة أو قلت الشعر من نفسي وكانت العرب تسمع بالترياق الاكبر وأنه يكون في خزائن ملوك فارس والروم وأنه من أنفع الادوية وأصلحها العظام الادواء فقضت عليه بأنه شفاء لا محالة فكنوا به عن كل نفع وقضوا بأنه يدفع المنية حينا ويزيد في العمر ويقي العاهات قال الشاعر يصف خمرا سقتني بصهباء درياقة متى ما تلين عظامي تلن فكنى عن الشفاء بالدرياق كأنه قال سقتني بخمر شفاء من كل داء كأنها درياق وشبه المتشببون ريق النساء بالدرياق يريدون أنه شفاء من الوجد كالدرياق ومما يدل على هذا أنه قرن شرب الدرياق بتعليق التمائم والتمائم خرز رقط كانت الجاهلية تجعلها في العنق والعضد تسترقي بها وتظن أنها تدفع عن المرء العاهات وتمد في العمر قال الشاعر إذا ما ت لم تفلح مزينة بعده فنوطي عليه يا مزين التمائما يقول علقي عليه هذا الخرز لتقيه المنية وقال عروة بن حزام جعلت لعراف اليمامة حكمة وعراف نجد إن هما شفيان فما تركا من رقية يعلمانها ولا سلوة إلا بها سقياني فقالا شفاك الله والله مالنا بما حملت منك الضلوع يدان والسلوة حصاة كانوا يقولون إن العاشق إذا سقي الماء الذي تكون فيه سلا وذهب عنه ما هو به

[ 311 ]

فهذا هو الترياق الذي كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نوى فيه هذه النية وذهب به هذا المذهب فأما من شربه وهو عنده بمنزلة غيره من الدواء يؤمل نفعه ويخاف ضره ويستشفى الله تعالى به فلا بأ س عليه إذا لم يكن في الترياق لحوم الحيات فإن بن سيرين كان يكرهه إذا كانت فيه الحمة يعني السم الذي يكون في لحومها ومما يشبه ذلك الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي وبغير أسماء الله تعالى وذكره وكلامه في كتبه وأن يعتقد أنها نافعة لا محالة وإياها أراد بقوله ما توكل من استرقى ولا يكره ما كان من التعوذ بالقرآن وبأسماء الله عزوجل ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل من صحابته رقى قوما بالقرآن وأخذ على ذلك أجرا من أخذ أجرا برقية باطل فقد أخذت برقية حق قالوا حديثان متناقضان في شرب الماء قالوا رويتم عن بن المبارك عن معمر عن قتادة عن أنس قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يشرب الرجل قائما قلت فالاكل قال الاكل أشد منه ثم رويتم عن عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كن يشرب وهو قائم وهذا نقض لذاك قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس ههنا تناقض لانه في الحديث الاول نهى أن يشرب الرجل أو يأكل ماشيا

[ 312 ]

يريد أن يكون شربه وأكله على طمأنينة وأن لا يشرب إذا كان مستعجلا في سفر أو حاجة وهو يمشي فيناله من ذلك شرق أو تعقد من الماء في صدره والعرب تقول قم في حاجتنا لا يريدون أن يقوم حسب وإنما يريدون امش في حاجتنا اسع في حاجتنا ومن ذلك قول الاعشى يقوم على الوغم قومه فيعفو إذا شاء أو ينتقم يريد بقوله يقوم على الوغم أنه يطالب بالذحل ويسعى في ذلك حتى يدركه ولم يرد أنه يقوم من غير أن يمشي ومنه قول الله عزوجل ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما يريد ما دمت مواظبا عليه بالاختلاف والاقتضاء والمطالبة ولم يرد القيام وحده وفي الحديث الثاني كان يشرب وهو قائم يراد غير ماش ولا ساع ولا بأس بذلك لانه يكون على طمأنينة فهو بمنزلة القاعد قالوا حديثان متناقضان فيما ينجس من الماء قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في غير حديث الماء لا ينجسه شئ ثم رويت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل نجسا

[ 313 ]

وهذا دليل على أن ما لم يبلغ قلتين حمل النجس وهذا خلاف الحديث الاول قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس بخلاف للاول وإنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء لا ينجسه شئ على الاغلب والاكثر لان الاغلب على الآبار والغدران أن يكثر ماؤها فأخرج الكلام مخرج الخصوص وهذا كما يقول السيل لا يرده شئ ومنه ما يرده الجدار وإنما يريد الكثير منه لا القليل وكما يقول النار لا يقوم لها شئ ولا يريد بذلك نار المصباح الذي يطفئه النفخ ولا الشرارة وإنما يريد نار الحريق ثم بين لنا بعد هذا بالقلتين مقدار ما تقوى عليه النجاسة من الماء الكثير الذي لا ينجسه شئ قالوا حديثان في الحج متناقضان قالوا رويتم عن إسماعيل بن علية عن أيوب قال قال لي عبد الله بن أبي مليكة حدثني القاسم عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت أهللت بحج قال عبد الله وحدثني عروة أنها قالت أهللت بعمرة قال أبو محمد ونحن نقول إن لهذين الحديثين مخرجا إن لم يكن وقع فيه غلط من القاسم أو عروة وذلك أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قدموا مكة وقد لبوا بالحج فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطوفوا ويسعوا ثم يحلوا ويجعلوها عمرة فحل القوم وتمتعوا وقال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن معي الهدي لحللت

[ 314 ]

وكان أبو ذر يقول إن هذا من فسخ الحج لهم خاصة وإليه ذهب كثير من الفقهاء فيجوز أن تكون عائشة رضي الله عنها أهلت أولا بالحج فقالت للقاسم إني أهللت بالحج ثم فسخته وجعلته عمرة وقالت لعروة إني أهللت بعمرة وهي صادقة في الامرين لان الحج الذي أهلت به صار عمرة بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا حديث يبطله حجة العقل قالوا رويتم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال كادت العين تسبق القدر ودخل عليه بابني جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهما وهما ضارعان فقال مالي أراهم ضارعين قالوا تسرع إليهما العين فقال استرقوا لهما وقد نهى في غير حديث عن الرقى قالوا وكيف تعمل العين من بعد حتى تعل وتسقم هذا لا يقوم في وهم ولا يصح على نظر قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا قائم في الوهم صحيح في النظر من جهة الديانة ومن جهة الفلسفة التي يرتضون بها ويردون الامور إليها والناس يختلفون في طبائعهم فمنهم من تضر عينه إذا أصاب بها ومنهم من لا تضر عينه ومنهم من يعض فتكون عضته كعضة الكلب الكلب في المضرة أو كنهشة الافعى لا يسلم جريحها

[ 315 ]

ومنهم من تلسعه العقرب فلا تؤذيه وتموت العقرب وقد جئ إلى المتوكل بأسود من بعض البوادي يأكل الافاعي وهي أحياء ويتلقاها بالنهش من جهة رؤوسها ويأكل بن عرس وهو حي ويتلقاه بالاكل من جهة رأسه وأتي بآخر يأكل الجمركما يأكله الظليم فلا يمضه ولا يحرقه وفقراء الاعراب الذين يبعدون عن الريف يأكلون الحيات وكل ما دب ودرج من الحشرات ومنهم من يأكل الابارص ولحمها أقتل من الافاعي والتنين وأنشد أبو زيد والله لو كنت لهذا خالصا لكنت عبدا يأكل الابارصا فأخبرك أن العبيد يأكلونها فما الذي ينكر من أن يكون في الناس ذوطبيعة في نفسه ذات سم وضرر فإذا نظر بعينه فأعجبه ما يراه فصل من عينه في الهواء شئ من تلك الطبيعة أو ذلك السم حتى يصل إلى المرئي فيعله

[ 316 ]

وقد زعم صاحب المنطق إن رجلا ضرب حية بعصا فمات الضارب وأن من الافاعي ما ينظر إلى الانسان فيموت الانسان بنظره وما يصوت فيموت السامع بصوته فهذا قول أهل الفلسفة وقد حدثنا مع هذا عن النضر بن شميل عن أبي خيرة أنه قال الابتر من الحيات خفيف أزرق مقطوع الذنب يفر من كل أحد ولا يراه أحد إلا مات ولا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها وهو الشيطان من الحيات وهذا قول يوافق ما قاله صاحب المنطق أفما تعلم أن هذه الحية إذا قتلت من بعد فإنما تقتل بسم فصل من عينها في الهواء حتى أصاب من رأته وكذلك القاتلة بصوتها تقتل بسم فصل من صوتها فإذا دخل السمع قتل وقد ذكر الاصمعي مثل هذا بعينه في الذي يعتان وبلغني عنه أنه قال رأيت رجلا عيونا فدعي عليه فعور وكان يقول إذا رأيت الشئ يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني ومما يشبه هذا القول أن المرأة الطامث تدنو من إناء اللبن لتسوطه وهي منظفة الكف والثوب فيفسد اللبن وهذا معروف مشهور وليس ذلك إلا لشئ فصل عنها حتى وصل إلى اللبن وقد تدخل البستان فتضر بكثير من الغروس فيه من غير أن تمسها وقد يفسد العجين إذا قطع في البيت الذي فيه البطيخ

[ 317 ]

وناقف الحنظل تدمع عيناه وكذلك موخف الخردل وقاطع البصل وقد ينظر الانسان إلى العين المحمرة فتدمع عينه وربما احمرت وليس ذلك إلا لشئ وصل في الهواء إليها من العين العليلة وقد يتثاءب الرجل فيتثاءب غيره والعرب تقول أسرع من عدوى الثؤباء وما أكثر ما يختدع الراقون بالتثاؤب فإنهم إذا رقوا عليلا تثاءبوا فتثاءب العليل بتثاؤبهم وأكثروا وأكثر فيوهمون العليل أن ذلك فعل الرقية وأنه تحليل منها للعلة وقد يكون في الدار جماعة من الصبيان ويجدر أحدهم فيجدر الباقون وليس ذلك إلا لشئ فصل من العليل في الهواء إلى من كان مثله ممن لم يجدر قط وليس هو من العدوى في شئ إنما هو سم ينفذ من واحد إلى آخر وهذا من أمر العين صحيح وأما من يدعيه قوم من الاعراب أن العائن منهم يقتل من أراد ويسقم من أراد بعينه وأن الرجل منهم كان يقف على مخرفة النعم وهو طريقها إلى الماء فيصيب ما أراد من تلك الابل بعينه حتى يقتله فهذا ليس بصحيح وقد قال الفراء في قول الله سبحانه وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم

[ 318 ]

لما سمعوا الذكر أراد يعتانونك أي يصيبونك بعيونهم كما يعتان الرجل الابل إذا صدرت عن الماء وليس هو عندنا على ما تأول وإنما أراد أنهم ينظرون إليك بالعداوة والبغضاء نظرا يكاد يزلقك من شدته حتى تسقط ويدلك على ذلك قول الشاعر يتقارضون إذا التقوا في موطن نظرا يزيل مواطئ الاقدام أي يكاد يزيلها عن مواطئها من شدته وصلابته وهذا نظر العدو المبغض تقول الناس نظر إلي شزرا ونظر إلي محدقا وأريته لمحا باصرا ونحوه قول الله تعالى ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت لان المغشي عليه عند الموت يشخص بصره ولا يطرف ويقول الله عزوجل فإذا برق البصر في قراءة من قرأه بفتح الراء يريد بريقه ولو كان ما ادعاه الاعراب من ذلك صحيحا لامكنهم قتل من أرادوا قتله

[ 319 ]

وإسقام من أرادوا إسقامه ولم يجعل الله سبحانه هذا لاحد على أحد وأحسب أن العين إذا خاف أن يصيب الآخر بعينه إذا أعجبه أردفها التبريك والدعاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم إذا أعجب أحدكم أخوه فليبرك عليه وإنما يصح من العين أن يكون العائن يصيب بعينه إذا تعجب من شئ أو استحسنه فيكون الفعل لنفسه بعينه ولذلك سموا العين نفسا لانها تفعل بالنفس وجاء في الحديث لا رقية إلا من عين أو حمة أو نملة أو نفس فالنفس العين والحمة الحيات والعقارب وأشباهها من ذوات السموم والنملة قروح تخرج في الجنب وقال النبي صلى الله عليه وسلم للشفاء علمي حفصة رقية النملة والنفس والعين وقال بن عباس في الكلاب إنها من الحن وهي ضعفة الجن فإذا غشيتكم عند طعامكم فألقوا لها فإن لها أنفسا

[ 320 ]

يريد أن لها عيونا تضر بنظرها إلى من يطعم بحضرتها قالوا حديثان في البيوع متناقضان رضي الله تعالى عنهما قالوا رويتم عن حماد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة ثم رويتم عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن مسلم بن جبير عن أبي سفيان عن عمرو بن حريش عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره أن يجهز جيشا فنفدت إبل الصدقة فأمره أن يأخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة قالوا وهذا خلاف الاول قال أبو محمد ونحن نقول إنه ليس بين الحديثين اختلاف بحمد الله تعالى لان الحديث الاول نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة وليس يجوز أن يشتري شيئا ليس عند البائع لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك وهو بيع المواصفة وإذا أنت بعت حيوانا بحيوان نسيئة فقد دفعت ثمنا لشئ ليس هو عند صاحبك فلم يجز ذلك والحديث الثاني أمرني أن آخذ البعير بالبعيرين إلى إبل الصدقة يريد سلفا وقد مضت السنة في السلف بأن يدفع الورق أو الذهب أو الحيوان سلفا في طعام أو تمر أو حيوان على صفة معلومة وإلى وقت محدود وليس ذلك عند المستسلف في الوقت الذي دفعت إليه الثمن وعليه أن يأتيك به عند محل الاجل فصار حكم السلف خلاف حكم البيع إذ كان البيع لا يجوز فيه أن تشتري ما ليس عند صاحبك في وقت المبايعة وكان السلف يجوز فيه أن تسلف فيما ليس عند صاحبك في وقت الاستسلاف

[ 321 ]

ولما نفدت الابل أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يستسلف البعير البازل والعظيم والقوي من الابل بالبعيرين من إبل الصدقة الحقاق والجذاع التي لا تصلح للغزو ولا للسفر وربما كان الواحد من الاب لالبوازل الشداد خيرا من اثنين وثلاثة وأربعة من إبل الصدقة قالوا حديثان في الحيض متناقضان قالوا رويتم عن جرير عن الشيباني عن عبد الرحمن بن الاسود عن أبيه عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا في فوح حيضنا أن نأتزر ثم يباشرنا وأيكم يملك إربه كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يملكه ثم رويتم عن عبد العزيز بن محمد عن أبي اليمان عن أم ذرة عن عائشة رضي الله عنها قالت كنت إذا حضت نزلت عن المثال إلى الحصير فلم نقرب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ندن منه حتى نطهر قالوا وهذا خلاف الاول قال أبو محمد ونحن نقول إن الحديث الاول هو الصحيح وقد رواه شعبة عن منصور عن إبراهيم عن الاسود عن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر إحدانا إذا كانت حائضا أن تتزر ثم يضاجعها وهذه الطريقة خلاف أبي اليمان عن أم ذرة عن عائشة رضي الله عنها ولا يجوز على عائشة رضي الله عنها أن تقول كنت أباشره في الحيض مرة ثم تقول مرة أخرى كنت لا أباشره في الحيض وأنزل عن الفراش إلى الحصير فلا أقربه حتى أطهر

[ 322 ]

لان أحد الخبرين يكون كذبا والكاذب لا يكذب نفسه فكيف يظن ذلك بالصادق الطيب الطاهر وليس في مباشرة الحائض إذا ائتزرت وكف ولا نقص ولا مخالفة لسنة ولا كتاب وإنما يكره هذا من الحائض وأشباهه من المعاطاة المجوس قالوا حديث يبطله حجة العقل قالوا رويتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر فإذا عبرت وقعت قالوا كيف تكون الرؤيا على رجل طائر وكيف تتأخر عما تبشر به أو تنذر منه بتأخر العبارة لها وتقع إذا عبرت وهذا يدل على أنها إن لم تعبر لم تقع قال أبو محمد ونحن نقول إن هذا الكلام خرج مخرج كلام العرب وهم يقولون للشئ إذا لم يستقر هو على رجل طائر وبين مخاليب طائر وعلى قرن ظبي يريدون أنه لا يطمئن ولا يقف قال رجل في الحجاج بن يوسف كأن فؤادي بين أظفار طائر من الخوف في جو السماء محلق حذار امرئ قد كنت أعلم أنه متى ما يعد من نفسه الشر يصدق وقال المرار يذكر فلاة تنزو من مخافتها قلوب الادلاء كأن قلوب أدلائها معلقة بقرون الظباء

[ 323 ]

يريد أنها تنزو وتجب فكأنها معلقة بقرون الظباء لان الظباء لا تستقر وما كان على قرونها فهو كذلك وقال امرؤ القيس ولا مثل يوم في قدار ظللته كأني وأصحابي على قرن أعفرا يريد أنا لا نستقر ولا نطمئن فكأنا على قرن ظبي وكذلك الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبر يراد أنها تجول في الهواء حتى تعبر فإذا عبرت وقعت ولم يرد أن كل من عبرها من الناس وقعت كما عبر وإنما أراد بذلك العالم بها المصيب الموفق وكيف يكون الجاهل المخطئ في عبارتها لها عابرا وهو لم يصب ولم يقارب وإنما يكون عابرا لها إذا أصاب يقول الله عزوجل إن كنتم للرؤيا تعبرون يريد إن كنتم تعلمون عبارتها ولا أراد أن كل رؤيا تعبر وتتأول لان أكثرها أضغاث أحلام فمنها ما يكون عن غلبة الطبيعة ومنها ما يكون عن حديث النفس ومنها ما يكون من الشيطان وإنما تكون الصحيحة التي يأتي بها الملك ملك الرؤيا عن نسخة أم الكتاب في الحين بعد الحين

[ 324 ]

قال أبو محمد حدثني يزيد بن عمرو بن البراء قال نا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي قال نا قرة بن خالد قال سمعت محمد بسيرين يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الرؤيا ثلاثة فرؤيا بشرى من الله تعالى ورؤيا تحزين من الشيطان ورؤيا يحدث بها الانسان نفسفيراها في النوم وحدثني سهل بن محمد قال نا الاصمعي عن أبي المقدام أو قرة بن خالد قال كنت أحضر بن سيرين يسأل عن الرؤيا فكنت أحزره يعبر من كل أربعين واحدة أو قال أحزوه وهذه الصحيحة هي التي تجول حتى يعبرها العالم بالقياس الحافظ للاصول الموفق للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا فجعلتم الله تعالى يمل إذا ملوا والله تعالى لا يمل على كل حال ولا يكل قال أبو محمد ونحن نقول إن التأويل لو كان على ما ذهبوا إليه كان عظيما من الخطأ فاحشا ولكنه أراد فإن الله سبحانه لا يمل إذا مللتم ومثال هذا قولك في الكلام هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت ولو كان هذا هو المراد ما كان له فضل عليها لانه يفتر معها فأية فضيلة له وإنما تريد أنه لا يفتر إذا افترت

[ 325 ]

وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه والمكثار الغزير فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره ولا وجبت له به به مدحة وقد جاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى بن أخت تأبط شرا ويقال إنه لخلف الاحمر صليت مني هذيل بخرق لا يمل الشر حتى يملوا لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له لانه بمنزلتهم وإنما أراد أنهم يملون الشر وهو لا يمله . للصواب فإذا عبرها وقعت كما عبر قالوا حديث يكذبه النظر قالوا رويتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إكلفوا من العمل ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا فجعلتم الله تعالى يمل إذا ملوا والله تعالى لا يمل على كل حال ولا يكل قال أبو محمد ونحن نقول إن التأويل لو كان على ما ذهبوا إليه كان عظيما من الخطأ فاحشا ولكنه أراد فإن الله سبحانه لا يمل إذا مللتم ومثال هذا قولك في الكلام هذا الفرس لا يفتر حتى تفتر الخيل لا تريد بذلك أنه يفتر إذا فترت ولو كان هذا هو المراد ما كان له فضل عليها لانه يفتر معها فأية فضيلة له وإنما تريد أنه لا يفتر إذا افترت

[ 325 ]

وكذلك تقول في الرجل البليغ في كلامه والمكثار الغزير فلان لا ينقطع حتى تنقطع خصومه تريد أنه لا ينقطع إذا انقطعوا ولو أردت أنه ينقطع إذا انقطعوا لم يكن له في هذا القول فضل على غيره ولا وجبت له به به مدحة وقد جاء مثل هذا بعينه في الشعر المنسوب إلى بن أخت تأبط شرا ويقال إنه لخلف الاحمر صليت مني هذيل بخرق لا يمل الشر حتى يملوا لم يرد أنه يمل الشر إذا ملوه ولو أراد ذلك ما كان فيه مدح له لانه بمنزلتهم وإنما أراد أنهم يملون الشر وهو لا يمله . تم طبع الكتاب والحمد لله رب العالمين

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية