الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




تحفة الأحوذي - المباركفوري ج 7

تحفة الأحوذي

المباركفوري ج 7


[ 1 ]

تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي للامام الحافظ أبي العلاء محمد عبد الرحمن ابن عبد الرحيم المباركفوري 1283 - 1353 ه‍ . طبعة جديدة مقارنة مع الطبعتين الهندية والمصرية ، مع ملحق خاص بالاحاديث المستدركة من جامع الترمذي الجزء السابع تتمة أبواب الزهد - أبواب صفة القيامة - أبواب صفة الجنة - أبواب صفة جنهم - أبواب الايمان - أبواب العلم - أبواب الاستيذان والاداب . دار الكتب العلمية بيروت - لبنان

[ 2 ]

جميع الحقوق محفوظة لدار الكتب العلمية بيروت - لبنان الطبعة الاولى 1410 ه‍ - 1990 م يطلب من : دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ص . ب : 9424 / 11 تلكس : 41245 L e Nasher هاتف : 366135 - 815573

[ 3 ]

باب ما جاء في الزهادة في الدنيا قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (أخبرنا محمد بن المبارك) الصوري نزيل دمشق القلانسي القرشي ثقة من كبار العاشرة (أخبرنا عمرو بن واقد) الدمشقي أبو حفص مولى قريش متروك من السادسة (أخبرنا يونس بن حلبس) هو ابن ميسرة قال في التقريب يونس بن ميسرة بن حلبس بفتح المهملة والموحدة بينهما لام ساكنة وآخره مهملة وزن جعفر وقد ينسب لجده ثقة عابد معمر من الثالثة انتهى قوله (الزهادة في الدنيا) بفتح الزاي أي ترك الرغبة فيها (ليست بتحريم الحلال) كما يفعله بعض الجهلة زعما منهم أن هذا من الكمال فيمتنع من أكل اللحم والحلواء والفواكه ولبس الثوب الجديد ومن الزواج ونحو ذلك وقد قال تعالى يا أيها الذين امنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين وقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم فعل هذه الأفعال ولا أكمل من حالة الكمال (ولا إضاعة المال) أي بتضييعه وصرفه في غير محله بأن يرميه في بحر أو يعطيه للناس من غير تمييز بين غني وفقير (ولكن الزهادة) أي المعتبرة الكاملة (في الدنيا) أي في شأنها (أن لا تكون بما في يديك) من الأموال أو من الصنائع والأعمال (أوثق) أي أرجى منك (مما في يد الله) وفي رواية ابن ماجه أوثق منك بما

[ 4 ]

في يد الله أي بخزائنه الظاهرة والباطنة وفيه نوع من المشاكلة . والمعنى ليكن اعتمادك بوعد الله لك من إيصال الرزق إليك ومن إنعامه عليك من حيث لا تحتسب ومن وجه لا تكتسب أقوى وأشد مما في يديك من الجاه والمال والعقار وأنواع الصنائع فإن ما في يديك يكمن تلفه وفناؤه بخلاف ما في خزائنه فإنه محقق بقاؤه كما قال تعالى : (ما عندكم ينفد وما عند الله باق (وأن تكون) عطف على أن لا تكون (إذ أنت أصبت بها) بصيغة المجهول (أرغب فيها) أي في حصول المصيبة (لو أنها) أي لو فرض أن تلك المصيبة (أبقيت لك) أي منعت لأجلك وأخرت عنك فوضع أبقيت موضع لم تصب وجواب لو ما دل عليه ما قبلها وخلاصته أن تكون رغبتك في وجود المصيبة لأجل ثوابها أكثر من رغبتك في عدمها فهذان الأمران شاهدان عدلان على زهدك في الدنيا وميلك في العقبى قاله القاري وقال الطيبي لو أنها أبقيت لك حال من فاعل أرغب وجواب لو محذوف وإذا ظرف والمعنى أن تكون في حال المصيبة وقت إصابتها أرغب من نفسك في المصيبة حال كونك غير مصاب بها لأنك تثاب بها إليك ويفوتك الثواب إذا لم تصل إليك قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه قوله (أخبرنا حريث بن السائب) التميمي وقيل الهلالي البصري المؤذن صدوق يخطئ من السابعة (سمعت الحسن) هو البصري رحمه الله (حدثني حمران) بمضمومة وسكون ميم وبراء مهملة (بن أبان) مولى عثمان بن عفان اشتراه في زمن أبي بكر الصديق ثقة من الثانية قوله (ليس لابن آدم حق) أي حاجة (في سوى هذه الخصال) قال الطيبي رحمه الله موصوف سوى محذوف أي في شئ سوى هذه الخ والمراد بها ضروريات بدنه المعين

[ 5 ]

على دينه (بيت) بالجر ويجوز الرفع وكذا فيما بعده من الخصال المبينة (يسكنه) أي محل يأوى إليه رفعا للحر والبرد (وثوب يواري عورته) أي يسترها عن أعين الناس (وجلف الخبز) بكسر جيم وسكون لام ويفتح ففي النهاية الجلف الخبز وحده لا أدم معه وقيل الخبز الغليظ اليابس ويروى بفتح اللام جمع جلفة وهي الكسرة من الخبز وقال الهروي الجلف ههنا الظرف مثل الخرج والجوالق يريد ما يترك فيه الخبز انتهى وفي الغريبين قال شمر عن ابن الأعرابي الجلف الظرف مثل الخرج والجوالق قال القاضي رحمه الله ذكر الظرف وأراد به المظروف أي كسرة خبز وشربة ماء انتهى والمقصود غاية القناعة ونهاية الكفاية والماء قال القاري رحمه الله بالجر عطفا على الجلف أو الخبز وهو الظاهر المفهوم من كلام الشراح وفي بعض النسخ يعني من المشكاة بالرفع بناء على أنه إحدى الخصال قيل أراد بالحق ما وجب له من الله من غير تبعة في الاخرة وسؤال عنه وإذا اكتفى بذلك من الحلال لم يسأل عنه لأنه من الحقوق التي لا بد للنفس منها وأما ما سواه من الحظوظ يسأل عنه ويطالب بشكره وقال القاضي رحمه الله أراد بالحق ما يستحقه الإنسان لافتقاره إليه وتوقف تعيشه عليه وما هو المقصود الحقيقي من المال وقيل أراد به ما لم يكن له تبعة حساب إذا كان مكتسبا من وجه حلال انتهى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الحاكم في مستدركه قال المناوي إسناده صحيح . قوله (عن مطرف) بن عبد الله بن الشخير العامري الجرشي البصري ثقة عابد فاضل من الثانية (عن أبيه) أي عبد الله بن الشخير بن عوف العامري صحابي من مسلمة الفتح قوله (انتهى إلى النبي صلى الله عليه وسلم) أي وصل إليه (وهو) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ألهاكم التكاثر) أي أشغلكم طلب كثرة المال (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (مالي مالي) أي يغتر بنسبة المال إلى نفسه

[ 6 ]

تارة ويفتخر به أخرى (وهل لك من مالك) أي هل يحصل لك من المال وينفعك في المال (إلا ما تصدقت فأمضيت) أي فأمضيته وأبقيته لنفسك يوم الجزاء قال تعالى ما عندكم ينفد وما عند الله باق وقال عز وجل من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له (أو أكلت) أي استعملت من جنس المأكولات والمشروبات ففيه تغليب أو اكتفاء (فأفنيت) أي فأعدمتها (أو لبست) من الثياب (فأبليت) أي فأخلقتها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في الزهد باب منه قوله (أخبرنا عمر بن يونس) بن القاسم الحنفي أبو حفص اليمامي الجرشي ثقة من التاسعة (أخبرنا عكرمة بن عمار) العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن كثير اضطراب ولم يكن له كتاب من الخامسة (أخبرنا شداد بن عبد الله) القرشي أبو عمار الدمشقي ثقة يرسل من الرابعة قوله (إنك إن تبذل الفضل) أي إنفاق الزيادة على قدر الحاجة والكفاف فإن مصدرية مع مدخولها مبتدأ خبره (خير لك) أي في الدنيا والأخرى (وإن تمسكه) أي ذلك الفضل وتمنعه قال النووي قوله صلى الله عليه وسلم إنك أن تبذل الفضل خير لك وإن تمسكه شر لك هو بفتح همزة أن معناه أن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه وإن أمسكته فهو شر لك لأنه إن أمسك عن الواجب استحق العقاب عليه وإن أمسك عن المندوب فقد نقص ثوابه وفوت مصلحة نفسه في آخرته وهذا كله شر انتهى (ولا تلام على كفاف) بالفتح وهو من الرزق القوت وهو ما كف عن الناس وأغنى عنهم والمعنى لا تذم على حفظه وإمساكه أو على تحصيله وكسبه ومفهومه إنك إن حفظت أكثر من ذلك ولم تتصدق بما فضل عنك فأنت مذموم وبخيل وملوم قاله القاري وقال النووي معنى لا تلام على كفاف أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه وهذا إذا لم يتوجه في

[ 7 ]

الكفاف حق شرعي كمن كان له نصاب زكوي ووجبت الزكاة بشروطها وهو محتاج إلى ذلك النصاب لكفافه وجب عليه إخراج الزكاة ويحصل كفايته من جهة مباحة انتهى (وابدأ) أي ابتدئ في إعطاء الزائد على قدر الكفاف (بمن تعول) أي بمن تمونه ويلزمك نفقته قال النووي فيه تقديم نفقة نفسه وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم وفيه الابتداء بالأهم فالأهم في الأمور الشرعية (اليد العليا) أي النفقة (خير من اليد السفلى) أي السائلة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في الزكاة باب في التوكل على الله قوله (حدثنا علي بن سعيد) بن مسروق الكندي الكوفي صدوق من العاشرة (عن بكر بن عمرو) المعافري المصري إمام جامعها صدوق عابد من السادسة (عن عبد الله بن هبيرة) بضم الهاء وفتح الموحدة مصغرا ابن أسعد السبائى بفتح المهملة والموحدة ثم همزة مقصورة الحضرمي كنيته أبو هبيرة المصري ثقة من الثالثة (عن أبي تميم الجيشاني) قال في التقريب عبد الله بن مالك بن أبي الأسحم بمهملتين أبو تميم الجيشاني بجيم وياء ساكنة بعدها معجمة مشهورة بكنيته المصري ثقة مخضرم من الثالثة قوله (لو انكم كنتم توكلون) بحذف إحدى التاءين للتخفيف أي تعتمدون (حق توكله) بأن تعلموا يقينا أن لا فاعل إلا الله وأن لا معطي ولا مانع إلا هو ثم تسعون في الطلب بوجه جميل وتوكل (لرزقتم كما ترزق الطير) بمثناة فوقية مضمومة أوله (تغدو) أي تذهب أول النهار (خماصا) بكسر الخاء المعجمة جمع خميص أي جياعا (وتروح) أي ترجع آخر النهار (بطانا) بكسر الموحدة جمع بطين وهو عظيم البطن والمراد شباعا قال المناوي أي تغدو بكرة وهي جياع وتروح عشاء وهي ممتلئه الأجواف فالكسب ليس برازق بل الرازق هو الله تعالى فأشار بذلك إلى أن التوكل ليس التبطل والتعطل بل لا بد فيه من

[ 8 ]

التوصل بنوع من السبب لأن الطير ترزق بالسعي والطلب ولهذا قال أحمد ليس في الحديث ما يدل على ترك الكسب بل فيه ما يدل على طلب الرزق وإنما أراد لو توكلوا على الله في ذهابهم ومجيئهم وتصرفهم وعلموا أن الخير بيده لم ينصرفوا إلا غانمين سالمين كالطير لكن اعتمدوا على قوتهم وكسبهم وذلك لا ينافي التوكل انتهى وقال الشيخ أبو حامد وقد يظن أن معنى التوكل ترك الكسب بالبدن وترك التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة أو كلحم على وضم وهذا ظن الجهال فإن ذلك حرام في الشرع والشرع قد أثنى على المتوكلين فكيف ينال مقام من مقامات الدين محظور من محظورات الدين بل نكشف عن الحق فيه فنقول إنما يظهر تأثير التوكل في حركة العبد وسعيه بعمله إلى مقاصده وقال الامام أبو القاسم القشيري اعلم أن التوكل محله القلب وأما الحركة بالظاهر فلا تنافي التوكل بالقلب بعدما يحقق العبد أن الرزق من قبل الله تعالى فإن تعسر شئ فبتقديره وإن تيسر شئ فبتيسيره قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم قوله (كان أخوان) أي اثنان من الاخوان (على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي في زمنه (فكان أحدهما يأتي النبي صلى الله عليه وسلم أي لطلب العلم والمعرفة (والاخر يحترف) أي يكتسب أسباب المعيشة فكأنهما كانا يأكلان معا (فشكا المحترف) أي في عدم مساعدة أخيه إياه في حرفته وفي كسب اخر لمعيشته فقال (لعلك ترزق به) بصيغة المجهول أي أرجو وأخاف أنك مرزوق ببركته لأنه مرزوق بحرفتك فلا تمنن عليه بصنعتك قال الطيبي ومعنى لعل في قوله لعلك يجوز أن يرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفيد القطع والتوبيخ كما ورد فهل ترزقون إلا بضعفائكم وأن يرجع المخاطب ليبعثه على التفكر والتأمل فينتصف من نفسه انتهى

[ 9 ]

وحديث أنس هذا ذكره صاحب المشكاة وقال رواه الترمذي وقال هذا حديث صحيح غريب انتهى وليس قول الترمذي هذا في النسخ الحاضرة عندنا وأخرجه أيضا الحاكم قوله (حدثنا عمرو بن مالك) الراسبي أبو عثمان البصري ضعيف من العاشرة (ومحمود بن خداش البغدادي) قال في التقريب محمود بن خداش بكسر المعجمة ثم مهملة خفيفة وآخره معجمة الطالقاني نزيل بغداد صدوق من العاشرة (حدثنا عبد الرحمن بن أبي شميلة) بمعجمة مصغرا الأنصاري المدني القبائي بضم القاف وتخفيف الموحدة ممدود مقبول من السابعة (عن سلمة بن عبيد الله بن محصن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين قال الحافظ في التقريب سلمة بن عبد الله ويقال ابن عبيد الله بن محصن الأنصاري الخطمي المدني مجهول من الرابعة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن أبيه ويقال له صحبة وروى عنه عبد الرحمن بن أبي شميلة الأنصاري ذكره ابن حبان في الثقات له في السنن حديث واحد من أصبح منكم آمنا في سربه الحديث قال وقال أحمد لا أعرفه وقال العقيلي لا يتابع على حديثه انتهى (عن أبيه) أي عبيد الله بن محصن قال في التقريب عبد الله بن محصن الأنصاري يقال عبيد الله بالتصغير ورجح مختلف في صحبته له حديث انتهى (وكانت له صحبة) قال في تهذيب التهذيب في ترجمته قال ابن عبد البر أكثرهم يصحح صحبته وقال أبو نعيم أدرك النبي صلى الله عليه وسلم ورآه وذكره البخاري وغير واحد فيمن اسمه عبيد الله يعني مصغرا انتهى قوله (من أصبح منكم) أي أيها المؤمنون (آمنا) أي غير خائف من عدو (في سربه) المشهور كسر السين أي في نفسه وقيل السرب الجماعة فالمعنى في أهله وعياله وقيل بفتح السين أي في مسلكه وطريقه وقيل بفتحتين أي في بيته كذا ذكره القاري عن بعض الشراح وقال التوربشتي رح أبي بعضهم إلا السرب بفتح السين والراء أي في بيته ولم يذكر فيه رواية ولو سلم له قوله أن يطلق السرب على كل بيت كان قوله هذا حربا بأن يكون أقوى الأقاويل إلا أن السرب يقال للبيت الذي هو في الأرض وفي القاموس

[ 10 ]

السرب الطريق وبالكسر الطريق والبال والقلب والنفس والجماعة وبالتحريك جحر الوحش والحفير تحت الأرض انتهى فيكون المراد من الحديث المبالغة في حصول الأمن ولو في بيت تحت الأرض ضيق كجحر الوحش أو التشبيه به في خفائه وعدم ضياعه (معافى) اسم مفعول من باب المفاعلة أي صحيحا سالما من العلل والأسقام (في جسده) أي بدنه ظاهرا وباطنا (عنده قوت يومه) أي كفاية قوته من وجه الحلال (فكأنما حيزت) بصيغة المجهول من الحيازة وهي الجمع والضم (له) الضمير عائد لمن رابط للجملة أي جمعت له (الدنيا) وزاد في المشكاة بحذافيرها قال القاري أي بتمامها والحذافير الجوانب وقيل الأعالي واحدها حذفار أو حذفور والمعنى فكأنما أعطى الدنيا بأسرها انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الامام البخاري رح (أخبرنا الحميدي) هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي المكي أبو بكر ثقة حافظ فقيه أجل أصحاب ابن عيينة من العاشرة قال الحاكم كان البخاري إذا وجد الحديث عند الحميدي لا يعدوه إلى غيره كذا في التقريب (باب ما جاء في الكفاف والصبر عليه) قال في النهاية الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشئ ويكون بقدر الحاجة إليه قوله (عن يحيى بن أيوب) هو الغافقي (عن عبيد الله بن زحر) بفتح الراء وسكون المهملة الضمري مولاهم الافريقي صدوق يخطئ من السادسة

[ 11 ]

قوله (إن أغبط أوليائي) أفعل تفضيل بني للمفعول لأن المغبوط به حاله أي أحسنهم حالا وأفضلهم مالا (عندي) أي في اعتقادي (لمؤمن) اللام زائدة في خبر المبتدأ للتأكيد أو هي للابتداء أو المبتدأ محذوف أي لهو مؤمن (خفيف الحاذ) بتخفيف الذال المعجمة أي خفيف الحال الذي يكون قليل المال وخفيف الظهر من العيال قال الجزري في النهاية الحاذ والحال واحد وأصل الحاذ طريقة المتن وهو ما يقع عليه اللبد من ظهر الفرس أي خفيف الظهر من العيال انتهى ومجمل المعنى أحق أحبائي وأنصاري عندي بأن يغبط ويتمنى حاله مؤمن بهذه الصفة (ذو حظ من الصلاة) أي ومع هذا هو صاحب لذة وراحة من المناجاة مع الله والمراقبة واستغراق في المشاهدة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم قرة عيني في الصلاة وأرحنا بها يا بلال قاله القاري (أحسن عبادة ربه) تعميم بعد تخصيص والمراد إجادتها على الاخلاص (وأطاعه في السر) أي كما أطاعه في العلانية فهو من باب الاكتفاء والتخصيص لما فيه من الاعتناء قاله القاري وجعله الطيبي عطف تفسير على أحسن وكذا المناوي (وكان غامضا) أي خاملا خافيا غير مشهور (في الناس) أي فيما بينهم (لا يشار إليه بالأصابع) بيان وتقرير لمعنى الغموض (وكان رزقه كفافا) أي بقدر الكفاية لا أزيد ولا أنقص (فصبر على ذلك) أي على الرزق الكفاف أو على الخمول والغموض أو على ما ذكر دلالة على أن ملاك الأمر الصبر وبه يتقوى على الطاعة قال تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وقال أولئك يجزون الغرفة بما صبروا (ثم نقر بيديه) بفتح النون والقاف وبالراء ووقع في المشكاة نقد بالدال المهملة بدل الراء قال في المجمع ثم نقد بيده بالدال من نقدته بأصبعي واحدا بعد واحد وهو كالنقر بالراء ويروي به أيضا والمراد ضرب الأنملة على الأنملة أو على الأرض كالمتقلل للشئ أي يقلل عمره وعدد بواكيه ومبلغ تراثه وقيل هو فعل المتعجب من الشئ وقيل للتنبيه على أن ما بعده مما يهتم به (عجلت) بصيغة المجهول من التعجيل (منيته) أي موته قال في المجمع أي يسلم روحه سريعا لقلة تعلقه بالدنيا وغلبة شوقه إلى الاخرة أو أراد أنه قليل مؤن الممات كما كان قليل مؤن الحياة أو كان قبض روحه سريعا (قلت بواكيه) جمع

[ 12 ]

باكية أي امرأة تبكي على الميت (قل تراثه) أي ميراثه وماله المؤخر عنه مما يورث وتراث الرجل ما يخلفه بعد موته من متاع الدنيا وتاءه بدل من الواو وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه قوله (وبهذا الاسناد) أي بالإسناد المذكور المتقدم قوله (عرض علي ربي) أي إلي عرضا حسيا أو معنويا وهو الأظهر والمعنى شاورني وخيرني بين الوسع في الدنيا واختيار البلغة لزاد العقبى من غير حساب ولا عتاب قاله القاري (بطحاء مكة) أي أرضها ورمالها (ذهبا) أي يدل حجرها ومدرها وأصل البطحاء مسيل الماء وأراد هنا عرصة مكة وصحاريها فإضافته بيانية قال الطيبي قوله بطحاء مكة تنازع فيه عرض وليجعل أي عرض على بطحاء مكة ليجعلها لي ذهبا وقال في اللمعات وجعلها ذهبا إما يجعل حصاه ذهبا أو ملء مثله بالذهب والأول أظهر وجاء في بعض الروايات جعل جبالها ذهبا انتهى (قلت لا) أي لا أريد ولا أختار (ولكن أشبع يوما) أي أختار أو أريد أن أشبع وقتا أي فأشكر (وأجوع يوما) أي فأصبر (أو قال ثلاثا أو نحو هذا) شك من الراوي (تضرعت إليك) بعرض الافتقار عليك (وذكرتك) أي في نفسي وبلساني (فإذا شبعت شكرتك) على إشباعك وسائر نعمائك (وحمدتك) أي بما ألهمتني من ثنائك قوله (وفي الباب عن فضالة بن عبيد) أخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد قوله (وعلي بن يزيد يضعف في الحديث الخ) قال في التقريب علي بن يزيد ابن

[ 13 ]

أبي زياد الألهاني أبو عبد الملك الدمشقي صاحب القاسم بن عبد الرحمن ضعيف من السادسة قوله (عن شرحبيل بن شريك) المعافري أبي محمد المصري ويقال شرحبيل ابن عمرو بن شريك صدوق من السادسة قوله (قد أفلح) أي فاز وظفر بالمقصود (من أسلم) أي انقاد لربه (ورزق) أي من الحلال (كفافا) أي ما يكف من الحاجات ويدفع الضرورات (وقنعه الله) أي جعله قانعا بما آتاه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه قوله (إن أبا علي عمرو بن مالك الجنبي) بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة الهمداني بصري ثقة من الثالثة قوله (طوبى لمن هدي للإسلام) ببناء هدي للمفعول (وكان عيشه كفافا) أي لا ينقص عن حاجته ولا يزيد على كفايته فيبطر ويطغي (وقنع) كمنع أي رضي بالقسم ولم تطمح نفسه لزيادة عليه قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه ابن حبان والحاكم قال المناوي في شرح الجامع الصغير قال الحاكم على شرط مسلم وأقروه

[ 14 ]

باب ما جاء في فضل الفقر قوله (أخبرنا روح) بفتح راء وسكون واو وإهمال حاء (بن أسلم) الباهلي أبو حاتم البصري ضعيف من التاسعة (أخبرنا شداد) بن سعيد (أبو طلحة الراسي) البصري صدوق يخطئ من الثامنة (عن أبي الوازع) اسمه جابر بن عمرو الراسي صدوق يهم من التاسعة قوله (والله إني لأحبك) أي حبا بليغا وإلا فكل مؤمن يحبه (فقال له انظر ما تقول) أي رمت أمرا عظيما وخطبا خطيرا فتفكر فيه فإنك توقع نفسك في خطر وأي خطر أعظم من أن يستهدفها غرضا لسهام البلايا والمصائب فهذا تمهيد لقوله فأعد للفقر تجفافا (قال والله إني لأحبك ثلاث مرات) ظرف لقال (إن كنت تحبني) حبا بليغا كما تزعم (فأعد) أمر مخاطب من الاعداد أي فهئ (للفقر) أي بالصبر عليه بل بالشكر والميل إليه (تجفافا) بكسر الفوقية وسكون الجيم أي درعا وجنة ففي المغرب هو شئ يلبس على الخيل عند الحرب كأنه درع تفعال من جف لما فيه من الصلابة واليبوسة انتهى فتاؤه زائدة على ما صرح به في النهاية وفي القاموس التجفاف بالكسر الة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب فمعنى الحديث إن كنت صادقا في الدعوى ومحقا في المعنى فهئ الة تنفعك حال البلوى فإن البلاء والولاء متلازمان في الخلا والملا ومجمله أنه تهيأ للصبر خصوصا على الفقر لتدفع به عن دينك بقوة يقينك ما ينافيه من الجزع والفزع وقلة القناعة وعدم الرضا بالقسمة وكني بالتجفاف عن الصبر لأنه يستر الفقر كما يستر التجفاف البدن عن الضر قاله القاري (من السيل) أي إذا انحدر من علو (إلى منتهاه) أي مستقره في سرعة وصوله والمعنى أنه لابد من وصول

[ 15 ]

الفقر بسرعة إليه ومن نزول البلايا والرزايا بكثرة عليه فإن أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل خصوصا سيد الأنبياء فيكون بلاؤه أشد بلائهم ويكون لأتباعه نصيب على قدر ولائهم قوله (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي ثقة ثبت طلب للقضاء فامتنع من العاشرة (أخبرنا أبي) أي علي بن نصر بن علي الجهضمي البصري ثقة من كبار التاسعة قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد باب ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم قوله (أخبرنا زياد بن عبد الله) بن الطفيل العامر البكائي أبو محمد الكوفي صدوق ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين من الثامنة ولم يثبت أن وكيعا كذبه وله في البخاري موضع واحد متابعة قوله (فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة سنة) فالفقراء في تلك المدة لهم حسن العيش في العقبى مجازاة لما فاتهم من التنعم في الدنيا كما قال تعالى كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الأيام الخالية أي الماضية أو الخالية عن المأكل والمشرب صياما أو وقت المجاعة

[ 16 ]

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وعبد الله بن عمرو وجابر) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه مسلم في الزهد وفيه أن فقراء المهاجرين يسبقون الأغنياء يوم القيامة إلى الجنة بأربعين خريفا وأما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (أخبرنا ثابت بن محمد العابد الكوفي) أبو محمد ويقال أبو إسماعيل صدوق زاهد يخطى في أحاديث من التاسعة (أخبرنا الحارث بن النعمان) بن سالم الليثي الكوفي ابن أخت سعيد بن جبير ضعيف من الخامسة قوله (اللهم أحيني مسكينا) قيل هو من المسكنة وهي الذلة والافتقار فأراد صلى الله عليه وسلم بذلك إظهار تواضعه وافتقاره إلى ربه إرشادا لأمته إلى استشعار التواضع والاحتراز عن الكبر والنخوة وأراد بذلك التنبيه على علو درجات المساكين وقربهم من الله تعالى قاله الطيبي رحمه الله (واحشرني في زمرة المساكين) أي أجمعني في جماعتهم بمعنى أجعلني منهم لكن لم يسأل مسكنة ترجع للقلة بل للإخبات والتواضع والخشوع قال السهروردي لو سأل الله أن يحشر المساكين في زمرته لكان لهم الفخر العميم والفضل العظيم فكيف وقد سأل أن يحشر في زمرتهم (لم يا رسول الله) أي لأي شئ دعوت هذا الدعاء واخترت الحياة والممات والبعث مع المساكين والفقراء دون أكابر الأغنياء (قال إنهم) استئناف في معنى التعليل أي لأنهم مع قطع النظر عن بقية فضائلهم وحسن أخلاقهم وشمائلهم (بأربعين خريفا) أي بأربعين سنة قال الجزري في النهاية الخريف الزمان المعروف من فصول السنة ما بين الصيف والشتاء ويريد به أربعين سنة لأن الخريف لا يكون في السنة إلا مرة واحدة فإذا انقضى أربعون خريفا فقد مضت أربعون سنة انتهى

[ 17 ]

فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين الحديث السابق فإنهما بظاهرهما متخالفان قلت أوجه التوفيق بينهما أن يقال المراد بكل من العددين إنما هو التكثير لا التحديد فتارة عبر به وأخرى بغيره تفننا ومالهما واحد أو أخبر أولا بأربعين كما أوحى إليه ثم أخبر ثانيا بخمس مائة عام زيادة من فضله على الفقراء ببركته صلى الله عليه وسلم والتقدير بأربعين خريفا إشارة إلى أقل المراتب وبخمسمائة عام إلى أكثرها ويدل عليه ما رواه الطبراني عن مسلمة بن مخلد ولفظه سبق المهاجرون الناس بأربعين خريفا إلى الجنة ثم يكون الزمرة الثانية مائة خريف فالمعنى أن يكون الزمرة الثالثة مائتين وهلم جرا وكأنهم محصورون في خمس زمر أو الاختلاف باختلاف مراتب أشخاص الفقراء في حال صبرهم ورضاهم وشكرهم وهو الأظهر المطابق لما في جامع الأصول حيث قال وجه الجمع بينهما أن الأربعين أراد بها تقدم الفقير الحريص على الغني وأراد بالخمس مائة تقدم الفقير الزاهد على الغني الراغب فكان الفقير الحريص على درجتين من خمس وعشرين درجة من الفقير الزاهد وهذه نسبة الأربعين إلى الخمس مائة ولا تظنن أن التقدير وأمثاله يجري على لسان النبي صلى الله عليه وسلم جزافا ولا باتفاق بل لسر أدركه ونسبة أحاط بها علمه فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى (أحيي المساكين) أي بقلبك (وقربيهم) أي إلى مجلسك حال تحديثك (فإن الله يقربك يوم القيامة) أي بتقريبهم تقريبا إلى الله سبحانه وتعالى قال القاري في المرقاة إن لم يكن دليل اخر غير هذا الحديث لكفى حجة واضحة على أن الفقير الصابر خير من الغني الشاكر وأما حديث الفقر فخري وبه أفتخر فباطل لا أصل له على ما صرح به من الحفاظ العسقلاني وغيره وأما حديث كاد الفقر أن يكون كفرا فهو ضعيف جدا وعلى تقدير صحته فهو محمول على الفقر القلبي المؤدي إلى الجزع والفزع بحيث يفضي إلى عدم الرضاء بالقضاء والاعتراض على تقسيم رب الأرض والسماء ولذا قال صلى الله عليه وسلم ليس الغني عن كثرة العرض إنما الغنى غني النفس انتهى قلت قال الحافظ في التلخيص قوله يستدل على أن الفقير أحسن حالا من المسكين بما نقل الفقر فخري وبه أفتخر وهذا الحديث سئل عنه الحافظ ابن تيمية فقال إنه كذب لا يعرف في شئ من كتب المسلمين المروية وجزم الصغائي بإنه موضوع انتهى

[ 18 ]

فإن قلت ما وجه الجمع بين حديث هذا وبين حديث عائشة الذي فيه استعاذته صلى الله عليه وسلم من الفقر قلت قال الحافظ في التلخيص إن الذي استعاذ منه وكرهه فقر القلب والذي اختاره وارتضاه طرح المال وقال ابن عبد البر الذي استعاذ منه هو الذي لا يدرك معه القوت والكفاف ولا يستقر معه في النفس غنى لأن الغنى عنده صلى الله عليه وسلم غنى النفس وقد قال تعالى ووجدك عائلا فأغنى ولم يكن غناه أكثر من ادخاره قوت سنة لنفسه وعياله وكان الغني في محله قلبه ثقة بربه وكان يستعيذ من فقر منس وغنى مطغ وفيه دليل على أن الغنى والفقر طرفين مذمومين وبهذا تجتمع الأخبار في هذا المعنى انتهى قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البيهقي في شعب الايمان وقال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي واستغربه وإسناده ضعيف وقال وفي الباب عن أبي سعيد رواه ابن ماجه وفي إسناده ضعف أيضا وله طريق أخرى في المستدرك من حديث عطاء عنه وطوله البيهقي ورواه البيهقي من حديث عبادة بن الصامت تنبيه أسرف ابن الجوزي فذكر هذا الحديث في الموضوعات وكأنه أقدم عليه لما رآه مباينا للحال التي مات عليها النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان مكفيا قال البيهقي ووجهه عندي أنه لم يسأل المسكنة التي يرجع معناها إلى القلة وإنما سأل المسكنة التي يرجع معناها إلى الاخبات والتواضع انتهى قوله (بخمسمائة عام نصف يوم) بالجر على أنه بدل أو عطف بيان عن خمسمائة عام فإن اليوم الأخروي مقدار طوله ألف سنة من سني الدنيا لقوله تعالى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون فنصفه خمسمائة وأما قوله تعالى في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فمخصوص من عموم ما سبق أو محمول على تطويل ذلك اليوم على

[ 19 ]

الكفار كما يطوى حتى يصير كساعة بالنسبة إلى الأبرار كما يدل عليه قوله تعالى فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وابن حبان في صحيحه وقال الترمذي حديث حسن صحيح قال ورواته محتج بهم في الصحيح انتهى قوله (عن عمرو بن جابر الحضرمي) أبي زرعة المصري ضعيف شيعي من الرابعة هذا حديث حسن وأخرجه أحمد والتحسين للشواهد قوله (وهو خمسمائة عام) فإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون قوله (هذا حديث حسن صحيح) تقدم هذا الحديث انفا من وجه اخر باب ما جاء في معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله قوله (ما أشبع من طعام) بصيغة المتكلم المعلوم (فأشاء أن أبكي) أي أريد البكاء

[ 20 ]

والفاء للتعقيب فإن البكاء لازم للشبع الذي يعقبه المشيئة وليست المشيئة لازمة للشبع ولذا قالت فأشاء لم يقتصر على ما أشبع من طعام إلا بكيت وقيل إنها للسببية (والله ما شبع من خبز ولحم مرتين في يوم) وفي رواية لمسلم ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من خبز وزيت في يوم واحد مرتين قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم قوله (ما شبع رسول الله صلى الله عليه وسلم) وفي رواية الشيخين ما شبع ال محمد (من خبز شعير) فمن البر بالأولى (حتى) أي استمر عدم الشبع على الوجه المذكور حتى (قبض) صلى الله عليه وسلم قال القاري وفيه رد على من قال صار صلى الله عليه وسلم في اخر عمره غنيا نعم وقع مال كثير في يده لكنه ما أمسكه بل صرفه في مرضاة ربه وكان دائما غني القلب بغنى الرب انتهى قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (ثلاثا) أي ثلاثة أيام بلياليها (تباعا) بكسر فوقية وخفة موحدة أي متوالية قال الحافظ والذي يظهر أن سبب عدم شبعهم غالبا كان بسبب قلة الشئ عندهم على أنهم كانوا قد يجدون ولكن يؤثرون على أنفسهم انتهى

[ 21 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (أخبرنا يحيى بن أبي بكير) اسمه نسر الكرماني كوفي الأصل نزل ببغداد ثقة من التاسعة (أخبرنا حريز) بفتح أوله وكسر الراء واخره زاي (بن عثمان) الرحبي الحمصي ثقة ثبت رمي بالنصب من الخامسة (عن سليم بن عامر) هو الكلاعي الخبائري الحمصي قوله (ما كان يفضل) قال في القاموس الفضل ضد النقص وقد فضل كنصر وعلم وأما فضل كعلم يفضل كينصر فمركبة منهما انتهى والمعنى لم يتيسر لهم من دقيق الشعير ما إذا خبزوه يفضل عنهم قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أيضا في الشمائل قوله (أخبرنا ثابت بن يزيد) الأحوال أبو زيد البصري وثقة ابن معين وأبو حاتم (عن هلال بن خباب) بمعجمة وموحدتين العبدي مولاهم أبو العلاء البصري نزيل المدائن صدوق تغير بآخره من الخامسة قوله (يبيت الليالي المتتابعة طاويا) أي جائعا قال في النهاية طوى من الجوع يطوي طوى فهو طاو أي خالي البطن جائع لم يأكل انتهى (لا يجدون عشاء) بالفتح الطعام الذي يؤكل عند العشاء بالكسر وهو أول الظلام أو من المغرب إلى العتمة أو من زوال الشمس إلى طلوع الفجر (وكان أكثر خبزهم) أي خبز النبي صلى الله عليه وسلم وأهله (خبز الشعير) فكانوا يأكلونه من غير نخيل

[ 22 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجه قوله (اللهم اجعل رزق آل محمد) أي أهل بيته (قوتا) أي بقدر ما يمسك الرمق من المطعم كذا في النهاية وقال القرطبي أي اكفهم من القوت بما لا يرهقهم إلى ذل المسألة ولا يكون فيه فضول يبعث على الترفه والتبسط في الدنيا قال ومعنى الحديث أنه طلب الكفاف فإن القوت ما يقوت البدن ويكف عن الحاجة وفي هذه الحالة سلامة من حالات الغنى والفقر جميعا انتهى وقال ابن بطال فيه دليل على فضل الكفاف وأخذ البلغة من الدنيا والزهد فيما فوق ذلك رغبة في توفير نعيم الاخرة وايثارا لما يبقى على ما يفنى فينبغي أن تقتدي به أمته في ذلك انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يدخر شيئا) لسماحة نفسه ومزبد ثقته بربه (لغد) أي ملكا بل تمليكا فلا ينافي أنه أدخر قوت سنة لعياله فإنه كان خازنا قاسما فلما وقع المال بيده قسم لهم كما قسم لغيرهم فإن لهم حقا في الفئ وقال ابن دقيق العيد يحمل حديث لا يدخر شيئا لغد على الادخار لنفسه وحديث ويحبس لأهله قوت سنتهم على الادخار لغيره ولو كان له في ذلك مشاركة لكن المعنى أنهم المقصد بالادخار دونه حتى لو لم يوجدوا لم يدخر انتهى قوله (هذا حديث غريب) قال المناوي في شرح الجامع الصغير إسناده جيد قوله (وقد روى هذا غير بن جعفر سليمان عن ثابت من النبي صلى الله عليه وسلم) وفي بعض النسخ وقد روى هذا عن جعفر بن سليمان الخ بلفظ عن مكان غير

[ 23 ]

قوله (أخبرنا أبو معمر عبد الله بن عمرو) قال في التقريب عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج ميسرة التميمي أبو معمر المقعد المنقري ثقة ثبت رمى بالقدر من العاشرة انتهى قوله (ما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي طعاما (على خوان) قال في المجمع الخوان بضم خاء وكسرها المائدة المعدة ويقال الأخوان وجمعه أخوية وخون وهو معرب والأكل عليه من دأب المترفين لئلا يفتقر إلى التطاطؤ والانحناء انتهى وقد تقدم تفسير الخوان مفصلا في باب على ما كان يأكل النبي صلى الله عليه وسلم من أبواب الأطعمة (ولا أكل خبزا مرققا) قال عياض قوله مرققا أي ملينا محسنا كخبز الحواري وشبهه والترقيق التليين ولم يكن عندهم مناخل وقد يكون المرقق الرقيق الموسع انتهى قال الحافظ وهذا هو المتعارف وبه جزم ابن الأثير قال الرقاق الرقيق مثل طوال وطويل وهو الرغيف الواسع الرقيق وأغرب ابن التين فقال هو السميد وما يصنع منه من كعك وغيره وقال ابن الجوزي هو الخفيف كأنه مأخوذ من الرقاق وهي الخشبة التي يرقق بها انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري قوله (أخبرنا عبيد الله بن عبد المجيد الحنفي) أبو علي البصري صدوق لم يثبت أن يحيى بن معين ضعفه من التاسعة (أحبرنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار) مولى ابن عمر صدوق يخطئ من السابعة قوله (أخبرنا أبو حازم عن سهل بن سعد أنه قيل له أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي) وفي رواية البخاري عن أبي حازم قال سألت سهل ابن سعد فقلت هل أكل رسول

[ 24 ]

الله صلى الله عليه وسلم الخ والنقي بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء (يعني الحوارى) بضم الحاء وتشديد الواو وفتح الراء وهو الذي نخل مرة بعد مرة حتى يصير نظيفا أبيض (ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي حتى لقي الله) أي ما راه فضلا عن أكله ففيه مبالغة لا تخفى وفي رواية للبخاري ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم النقي من حين ابتعثه الله حتى قبضه الله قال الحافظ أظن أن سهلا احترز عما قبل البعثة لكونه صلى الله عليه وسلم كان سافر في تلك المدة إلى الشام تاجرا وكانت الشام إذ ذاك مع الروم والخبز النقي عندهم كثير وكذا المناخل وغيرها من الات الترفه فلا ريب أنه رأى ذلك عندهم فأما بعد البعثة فلم يكن إلا بمكة والطائف والمدينة ووصل إلى تبوك وهي من أطراف الشام لكن لم يفتحها ولا طالت إقامته بها انتهى (هل كانت لكم مناخل) جمع منخل بضم الميم وسكون النون وضم الخاء ويفتح وهو الغربال (قال ما كانت لنا مناخل) وفي رواية للبخاري قال ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم منخلا من حين ابتعثه الله حتى قبض الله (قيل كيف كنتم تصنعون بالشعير) وفي رواية للبخاري قلت كيف كنتم تأكلون الشعير غير منخول (قال كنا ننفخه) بضم الفاء أي نطيره بعد الطحن إلى الهواء بأيدينا أو بأفواهنا (فيطير منه ما طار) أي يذهب منه ما ذهب من النخالة وما فيه خفة (ثم نثريه) بمثلثة وراء ثقيله أي نبله بالماء من ثرى التراب تثرية أي رش عليه (فنعجنه) قال في القاموس عجنه فهو يعجنه معجون وعجين اعتمد عليه بجمع كفه يغمزه كاعتجنه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي تنبيه قال الطبري استشكل بعض الناس كون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كانوا يطوون الأيام جوعا مع ما ثبت أنه كان يرفع لأهله قوت سنة وأنه قسم بين أربعة أنفس ألف بعير مما أفاء الله عليه وأنه ساق في عمرته مائة بدنة فنحرها وأطعمها المساكين وأنه أمر لأعرابي بقطيع من الغنم وغير ذلك مع من كان معه من أصحاب الأموال كأبي بكر

[ 25 ]

وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه وقد أمر بالصدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله وعمر بنصفه وحث على تجهيز جيش العسرة فجهزهم عثمان بألف بعير إلى غير ذلك والجواب أن ذلك كان منهم في حالة دون حالة لا لعوذ وضيق بل تارة الايثار وتارة لكراهة الشبع ولكثرة الأكل ذكره الحافظ في الفتح ثم قال وما نفاه مطلقا فيه نظر لما تقدم من الأحاديث آنفا وقد أخرج ابن حبان في صحيحه عن عائشة من حدثكم أنا كنا نشبع من التمر فقد كذبكم فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التمر والودك وتقدم في غزوة خيبر من رواية عكرمة عن عائشة لما فتحت خيبر قلنا الان نشبع من التمر وتقدم في كتاب الأطعمة حديث منصور بن عبد الرحمن عن أمه صفية بنت شيبة عن عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم حين شبعنا من التمر وفي حديث ابن عمر لما فتحت خيبر شبعنا من التمر والحق أن الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكة ثم لما هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك فواساهم الأنصار بالمنازل والمنائح فلما فتحت لهم النضير وما بعدها ردوا عليهم منائحهم كما تقدم ذلك واضحا في كتاب الهبة وقريب من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لقد أخفت في الله وما يخاف أحد ولقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد ولقد أتت علي ثلاثون من يوم وليلة ما لي ولبلال طعام يأكله أحد إلا شئ يواريه إبط بلال أخرجه الترمذي وصححه وكذا أخرجه ابن حبان بمعناه نعم كان صلى الله عليه وسلم يختار ذلك مع إمكان حصول التوسع والتبسط في الدنيا له كما أخرج الترمذي من حديث أبي أمامة عرض على ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت لا يا رب ولكن أشبع يوما وأجوع يوما فإذا جعت تضرعت إليك وإذا شبعت شكرتك انتهى باب ما جاء في معيشة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قوله (حدثنا عمر بن إسماعيل بن مجالد بن سعيد) الهمداني الكوفي نزيل بغداد متروك من صغار العاشرة (أخبرنا أبي) أي إسماعيل بن مجالد بن سعيد الهمداني أبو عمرو الكوفي نزيل بغداد صدوق يخطئ من الثامنة (عن بيان) هو ابن بشر (عن قيس) هو ابن أبي حازم

[ 26 ]

قوله (إني لأول رجل أهراق دما) أي أراقه قال في المجمع أبدل الهمزة من الهاء ثم جمع بينهما (وإني لأول رجل رمى بسهم في سبيل الله) قال الحافظ وفي رواية ابن سعد في الطبقات من وجه اخر عن سعد أن ذلك كان في السرية التي خرج فيها مع عبيدة بن الحارث في ستين راكبا وهي أول السرايا بعد الهجرة (أغزو في العصابة) بكسر العين هم الجماعة من الناس من العشرة إلى الأربعين ولا واحد لها من لفظها (ما نأكل إلا ورق الشجر والحبلة) بضم المهملة والموحدة وبسكون الموحدة أيضا قال في النهاية الحبلة ثمر السمر يشبه اللوبياء وقيل هو ثمر العضاه (حتى إن أحدنا ليضع كما تضع الشاة والبعير) أراد أن نجوهم يخرج بعرا ليبسه من أكلهم ورق الشجر وعدم الغذاء المألوف (وأصبحت بنو أسد) أي ابن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر قال الحافظ وبنو أسد كانوا فيمن ارتد بعد النبي صلى الله عليه وسلم وتبعوا طليحة بن خويلد الأسدي لما ادعى النبوة ثم قاتلهم خالد بن الوليد في عهد أبي بكر وكسرهم ورجع بقيتهم إلى الاسلام وتاب طليحة وحسن إسلامه وسكن معظمهم الكوفة بعد ذلك ثم كانوا ممن شكا سعد بن أبي وقاص وهو أمير الكوفة إلى عمر حتى عزله وقالوا في جملة ما شكوه إنه لا يحسن الصلاة انتهى (يعزروني في الدين) وفي رواية البخاري تعزرني على الاسلام قال الحافظ أي تؤدبني والمعنى تعلمني الصلاة أو تعيرني بأني لا أحسنها قال أبو عبيد الهروي أي توقفني والتعزير التوقيف على الأحكام والفرائض وقال الطبري معناه تقومني وتعلمني ومنه تعزير السلطان وهو التقويم بالتأديب والمعنى أن سعدا أنكر أهلية بني أسد لتعليمه الأحكام مع سابقيته وقدم صحبته وقال الحربي معنى تعزرني تلومني وتعتبني وقيل توبخني على التقصير (لقد خبت إذن) من الخيبة أي مع سابقتي في الاسلام إذا لم أحسن الصلاة وأفتقر إلى تعليمهم كنت خاسرا (وضل عملي) أي فيما مضى من صلاتي معه صلى الله عليه وسلم قال ابن الجوزي إن قيل كيف ساع لسعد أن يمدح نفسه ومن شأن المؤمن ترك ذلك لثبوت النهي عنه فالجواب أن ذلك ساغ له لما عيره الجهال بأنه لا يحسن الصلاة فاضطر إلى ذكر فضله

[ 27 ]

والمدحة إذا خلت من البغي والاستطالة وكان مقصود قائلها إظهار الحق وشكر نعمة الله لم يكره كما لو قال القائل إني لحافظ لكتاب الله عالم بتفسير وبالفقه في الدين قاصدا إظهار الشكر أو تعريف ما عنده ليستفاد ولو لم يقل ذلك لم يعلم حاله ولهذا قال يوسف عليه السلام إني حفيظ عليم وقال علي سلوني عن كتاب الله وقال ابن مسعود لو أعلم أحدا أعلم بكتاب الله مني لأوتيته وساق في ذلك أخبارا واثارا عن الصحابة والتابعين تؤيد ذلك قوله (هذا حديث حسن صحيح الخ) وأخرجه البخاري في المناقب وفي الأطعمة وفي الرقاق ومسلم في الزهد والنسائي في المناقب وفي الرقايق وابن ماجه في الفضائل اعلم أن الترمذي قد صحح هذا الحديث وفي سنده عمر بن إسماعيل بن مجالد وهو متروك فالظاهر أن تصحيحه له لمجيئه من طرق أخرى صحيحة ويحتمل أن يكون هو عنده صالحا للاحتجاج والله تعالى أعلم قوله (ومالنا طعام إلا الحبلة وهذا السمر) بفتح المهملة وضم الميم قال في النهاية هو ضرب من شجر الطلح الواحدة سمرة قوله (هذا حديث حسن صحيح) تقدم تخريجه انفا قوله (وفي الباب عن عتبة بن غزوان) أخرجه مسلم وابن ماجه

[ 28 ]

قوله (وعليه ثوبان ممشقان) أي مصبوغان بالشق وهو بكسر الميم الغرة (من كتان) بفتح الكاف وتشديد الفوقية قال في القاموس الكتان معروف ثيابه معتدلة في الحر والبرد واليبوسة ولا يلزق بالبدن ويقل قمله انتهى (فمخط في أحدها) أي انتثر فيه (ثم قال بخ بخ) كلمة تقال عند الرضاء والاعجاب بالشئ أو الفخر والمدح (وأني لأخر) أي لأسقط (يرى) بضم الياء أي يظن قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري قوله (يخر رجال من قامتهم في الصلاة) أي قيامهم فيها قال في القاموس قام قوما وقومة وقياما وقامة انتصب (من الخصاصة) بالفتح أي الجوع والضعف وأصلها الفقر والحاجة (وهم أصحاب الصفة) بضم الصاد وتشديد الفاء هم زهاد من الصحابة فقراء غرباء وكانوا سبعين ويقلون حينا ويكثرون حينا يسكنون صفة المسجد لا مسكن لهم ولا مال ولا ولد وكانوا متوكلين ينتظرون من يتصدق عليهم بشئ يأكلونه ويلبسونه (هؤلاء مجانين أو مجانون) الشك من الراوي والأول جمع تكسير لمجنون والثاني شاذ كقراءة تتلو الشياطون كذا في المجمع قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن حبان في صحيحه

[ 29 ]

قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الامام البخاري (أخبرنا ادم بن أبي إياس) عبد الرحمن العسقلاني أصله خراساني يكنى أبا الحسن نشأ ببغداد ثقة عابد من التاسعة قوله (خرجت ألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنظر في وجهه والتسليم عليه) بالنصب على أنه مفعول فعل محذوف أي أسلم التسليم أو أريه التسليم (فلم يلبث أن جاء عمر فقال ما جاء بك يا عمر قال الجوع يا رسول الله) وفي رواية مسلم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم أو ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر فقال ما أخرجكما من بيوتكما هذه الساعة قال الجوع يا رسول الله (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (وأنا قد وجدت بعض ذلك) أي الجوع وفي رواية مسلم وأنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجكما قال النووي فيه ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكبار أصحابه من التقلل من الدنيا وما ابتلوا به من الجوع وضيق العيش في أوقات قال وفيه جواز ذكر الانسان ما يناله من ألم ونحوه لا على سبيل التشكي وعدم الرضاء بل للتسلية والتصبير كفعله صلى الله عليه وسلم ههنا ولالتماس دعاء أو مساعدة على التسبب في إزالة ذلك العارض فهذا كله ليس بمذموم إنما يذم ما كان تشكيا وتسخطا وتجزعا (فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم) اسمه مالك (بن التيهان) بفتح المثناة فوق وتشديد المثناة تحت مع كسرها وفي رواية مسلم قوموا فقاموا معه فأتى رجلا من الأنصار قال النووي فيه جواز الإدلال على الصاحب الذي يوثق به واستتباع جماعة إلى بيته وفيه منقبة له إذ جعله النبي صلى الله عليه وسلم أهلا لذلك وكفى له شرفا بذلك (وكان رجلا كثير النخل والشاء) أي الغنم وهي جمع شاة وأصلها شاهة والنسبة شاهي وشاوي وتصغيرها شويهة وشوية (فقالوا لامرأته أين صاحبك) وفي رواية مسلم فلما رأته المرأة قالت مرحبا وأهلا

[ 30 ]

فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أين فلان قال النووي وفيه جواز سماع كلام الأجنبية ومراجعتها الكلام للحاجة وجواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها لمن علمت علما محققا أنه لها لا يكرهه بحيث لا يخلو بها الخلوة المحرمة (يستعذب لنا الماء) أي يأتينا بماء عذب وهو الطيب الذي لا ملوحة فيه (يزعبها) قال في القاموس من زعب القربة كمنع احتمالها ممتلئة وقال في النهاية أي يتدافع بها ويحملها لثقلها وقيل زعب بحمله إذا استقام انتهى (يلتزم النبي صلى الله عليه وسلم) أي يضمه إلى نفسه ويعانقه (ثم انطلق بهم إلى حديقته) في القاموس الحديقة الروضة ذات الشجر البستان من النخل والشجر أو كل ما أحاط به البناء أو القطعة من النخل (فجاء بقنو) بالكسر قال في النهاية القنو العذق بما فيه من الرطب وفي رواية مسلم فجاءهم بعذق فيه بسر وتمر ورطب قال النووي العذق هنا بكسر العين وهي الكباسة وهي الغض من النخل قال وفيه دليل على استحباب تقديم الفاكهة على الخبز واللحم وغيرهما وفيه استحباب المبادرة إلى الضيف بما تيسر وإكرامه بعده بطعام يصنعه له وقد كره جماعة من السلف التكلف للضيف وهو محمول على ما يشق على صاحب البيت مشقة ظاهرة لأن ذلك يمنعه من الاخلاص وكمال السرور بالضيف وأما فعل الأنصاري وذبحه الشاة فليس مما يشق عليه بل لو ذبح أغناما لكان مسرورا بذلك مغبوطا به انتهى (أفلا تنقيت لنا من رطبه) قال في القاموس أنقاه وتنقاه وانتقاه اختاره وقال في الصراح انتقاه بركزيدن وتنقي كذلك (إني أردت أن تختاروا أو قال تخيروا) شك من الراوي (من رطبه وبسره) بضم الموحدة وهو التمر قبل إرطابه قال في المجمع المرتبة لثمرة النخل أولها طلع ثم خلال ثم بلح ثم بسر ثم رطب انتهى (هذا والذي نفسي بيده من النعيم الذي تسألون عنه يوم القيامة) وفي رواية مسلم فلما أن شبعوا ورووا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر والذي نفسي بيده لتسألن عن هذا النعيم يوم القيامة أخرجكم من بيوتكم الجوع ثم لم ترجعوا حتى أصابكم هذا النعيم

[ 31 ]

قال الطيبي قوله أخرجكم الخ جملة مستأنفة بيان لموجب السؤال عن النعيم يعني حيث كنتم محتاجين إلى الطعام مضطرين إليه فنلتم غاية مطلوبكم من الشبع والري يجب أن تسألوا ويقال لكم هل أديتم شكرها أم لا وقال النووي فيه دليل على جواز الشبع وما جاء في كراهته محمول على المداومة عليه لأنه يقسي القلب وينسى أمر المحتاجين وأما السؤال عن هذا النعيم فقال القاضي عياض المراد السؤال عن القيام بحق شكره والذي نعتقده أن السؤال ههنا سؤال تعداد النعم وأعلام بالامتنان بها وإظهار الكرامة بإسباغها لا سؤال توبيخ وتقريع ومحاسبة انتهى (لا تذبحن ذات در) أي لبن وفي رواية مسلم إياك والحلوب (فذبح لهم عناقا أو جديا) شك من الراوي قال في القاموس العناق كسحاب الأنثى من أولاد المعز والجدي من أولاد المعز ذكرها (فإذا أتانا سبي) أي أساري (فأتنا) أي جئ (برأسين) أي من العبيد (اختر منهما) أي واحدا منهما أو بعضهما (اختر لي) أي أنت أولى بالاختيار (فقال النبي صلى الله عليه وسلم) توطئة وتمهيدا (إن المستشار) من استشاره طلب رأيه فيما فيه المصلحة (مؤتمن) اسم مفعول من الأمن أو الأمانة ومعناه أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته (خذ هذا) أي مشارا إلى أحدهما (فإني رأيته يصلي) فيه أنه يستدل على خيرية الرجل بما يظهر عليه من آثار الصلاح لاسيما الصلاة فإنها تنهى عن الفحشاء والمنكر (واستوص به معروفا) قال القاري أي استيصاء معروف قيل معناه لا تأمره إلا بالمعروف والنصح وقيل وص في حقه بمعروف كذا ذكره زين العرب وقال الطيبي أي قبل وصيتي في حقه وأحسن ملكته بالمعروف (إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة) وفي حديث أبي سعيد عند البخاري ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة قال الحافظ في الفتح في رواية صفوان بن سليم ما

[ 32 ]

بعث الله من نبي ولا بعده من خليفة والرواية التي في الباب تفسر المراد بهذا وأن المراد ببعث الخليفة استخلافه ووقع في رواية الأوزاعي ومعاوية بن سلام ما من وال وهو أعم انتهى (إلا وله بطانتان) البطانة بالكسر الصاحب الوليجة وهو الذي يعرفه الرجل أسراره ثقة به شبه ببطانة الثوب (بطانة تأمره بالمعروف) أي ما عرفه الشرع وحكم بحسنه (وتنهاه عن المنكر) أي ما أنكره الشرع ونهى عن فعله (وبطانة لا تألوه خبالا) أي لا تتصر في إفساد أمره وهو اقتباس من قوله تعالى (لا يألونكم خبالا) وفي حديث أبي سعيد وبطانة تأمره بالشر قال الحافظ وقد استشكل هذا التقسيم بالنسبة للنبي لأنه وإن جاز عقلا أن يكون فيمن يداخله من يكون من أهل الشر لكنه لا يتصور منه أن يصغي إليه ولا يعمل بقوله لوجود العصمة وأجيب بأن في بقية الحديث الاشارة إلى سلامة النبي صلى الله عليه وسلم من ذاك بقوله فالمعصوم من عصم الله تعالى فلا يلزم من وجود من يشير على النبي صلى الله عليه وسلم بالشر أن يقبل منه وقيل المراد بالبطانتين في حق النبي الملك والشيطان وإليه الاشارة بقوله صلى الله عليه وسلم ولكن الله أعانني عليه فأسلم قال وفي معنى حديث الباب حديث عائشة مرفوعا من ولي منكم عملا فأراد الله به خيرا جعل له وزيرا صالحا إن نسي ذكره وإن ذكر أعانه قال ابن التين يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين الوزيرين ويحتمل أن يكون الملك والشيطان وقال الكرماني يحتمل أن يكون المراد بالبطانتين والنفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة المحرضة على الخير إذ لكل منهما قوة ملكية وقوة حيوانية انتهى قال الحافظ والحمل على الجمع أولى إلا أنه جائز أن لا يكون لبعضهم إلا لبعض وقال المحب الطبري البطانة الأولياء والأصفياء وهو مصدر وضع موضع الاسم يصدق على الواحد والاثنين والجمع مذكرا ومؤنثا انتهى (ومن يوق بطانة السوء) بأن يعصمه الله منها (فقد وقى) الشر كله وفي حديث أبي سعيد فالمعصوم من عصم الله قال الحافظ والمراد به إثبات الأمور كلها لله تعالى فهو الذي يعصم من شاء منهم فالمعصوم من عصمه الله لا من عصمته نفسه إذ لا يوجد من تعصمه نفسه حقيقة إلا إن كان الله عصمه قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم دون قوله فقال

[ 33 ]

النبي صلى الله عليه وسلم هل لك خادم قال لا الخ وأما قوله صلى الله عليه وسلم المستشار مؤتمن فقد أخرجه الأربعة عن أبي هريرة والترمذي عن أم سلمة وابن ماجه عن أبي مسعود وأما قوله صلى الله عليه وسلم إن الله لم يبعث نبيا ولا خليفة الخ فأخرجه أحمد وابن حبان والحاكم والنسائي وأخرجه البخاري في صحيحه عن أبي سعيد الخدري قوله (أخبرنا سيار) بتحتانية مثقلة ابن حاتم العنزي أبو سلمة البصري صدوق له أوهام من كبار التاسعة (عن سهل بن أسلم) العدوي مولاهم البصري صدوق من الثامنة (عن يزيد ابن أبي منصور) الأزدي أبي روح البصري لا بأس به من الخامسة وهم من ذكره في الصحابة قوله (ورفعنا عن بطوننا) أي كشفنا ثيابنا عنها كشفا صادرا (عن حجر حجر) أي لكل منا حجر واحد ورفع عنه فالتكرير باعتبار تعداد المخبر عنهم بذلك قال الطيبي عن الأولى متعلقة برفعنا على تضمين الكشف والثانية صفة مصدر محذوف أي كشفنا عن بطوننا كشفا صادرا عن حجر ويجوز أن يحمل التنكير في حجر على نوع أي عن حجر مشدود على بطوننا فيكون بدلا وعادة من اشتد جوعه وخمص بطنه أن يشد على بطنه حجرا ليتقوم به صلبة انتهى (فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حجرين) قال الحافظ في الفتح وفائدة ربط الحجر على البطن أنها تضمر من الجوع فيخشى على انحناء الصلب بواسطة ذلك فإذا وضع فوقها الحجر وشد عليها العصابة استقام الظهر وقال الكرماني لعله لتسكين حرارة الجوع ببرد الحجر لأنها حجارة رقاق قدر البطن تشد الأمعاء فلا يتحلل شئ مما في البطن فلا يحصل ضعف زائد بسبب التحلل

[ 34 ]

قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه الترمذي في شمائله أيضا وقال معنى قوله ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر كان أحدهم يشد في بطنه الحجر من الجهد والضعف الذي به من الجوع قوله (يقول ألستم) الخطاب للصحابة بعده صلى الله عليه وسلم أو التابعين (في طعام وشراب ما شئتم) قال الطيبي صفة مصدر محذوف أي لستم منغمسين في طعام وشراب مقدار ما شئتم من التوسعة والإفراط فيه فما موصولة ويجوز أن تكون مصدرية والكلام فيه تعيير وتوبيخ ولذلك تبعه بقوله (لقد رأيت نبيكم) وأضافه إليهم للإلزام حين لم يقتدوا به عليه السلام في الإعراض عن الدنيا ومستلذاتها وفي التقليل لمشتهياتها من مأكولاتها ومشروباتها ثم رأيت إن كان بمعنى النظر فقوله (وما يجد من الدقل) حال وإن كان بمعنى العلم فهو مفعول ثان وأدخل الواو تشبيها له بخبر كان وأخواتها على مذهب الأخفش والكوفيين كذا حققه الطيبي قال القاري والأول هو المعول والدقل بفتحتين التمر الردئ ويابسه وما ليس له اسم خاص فتراه ليبسه ورداءته لا يجتمع ويكون منثورا على ما في النهاية ثم قوله (ما يملأ به بطنه) مفعول يجد وما موصولة أو موصوفة ومن الدقل بيان لما قدم عليه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في الزهد قوله (وروى شعبة في هذا الحديث عن سماك عن النعمان بن بشير عن عمر) وصله مسلم فقال حدثنا محمد بن مثنى وابن بشار واللفظ لابن مثنى قالا حدثنا

[ 35 ]

محمد بن جعفر حدثنا شعبة عن سماك بن حرب قال سمعت النعمان يخطب قال ذكر عمر ما أصاب الناس من الدنيا فقال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يظل اليوم يلتوي ما يجد دقلا يملأ به بطنه باب ما جاء أن الغني غني النفس قوله (حدثنا أحمد بن بديل بن قريش اليامي) بالتحتانية أبو جعفر قاضي الكوفة صدوق له أوهام من العاشرة (عن أبي حصين) هو عثمان بن عاصم الأسدي الكوفي (عن أبي صالح) هو السمان قوله (ليس الغنى) بكسر أوله مقصود أي الحقيقي المعتبر النافع (عن كثرة العرض) بفتح المهملة والراء ثم ضاد معجمة قال الحافظ أما عن فهي سببية وأما العرض فهو ما ينتفع به من متاع الدنيا ويطلق بالاشتراك على ما يقابل الجوهر وعلى كل ما يعرض للشخص من مرض ونحوه وقال أبو عبيد العروض الأمتعة وهي ما سوى الحيوان والعقار ومالا يدخله كيل ولا وزن وقال ابن فارس العرض بالسكون كل ما كان من المال غير نقد وجمعه عروض وأما بالفتح فما يصيبه الانسان من حظه في الدنيا قال تعالى تريدون عرض الدنيا وقال وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه (ولكن الغنى غنى النفس) وقال ابن بطال معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال لأن كثيرا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه فكأنه فقير لشدة حرصه وإنما حقيقة الغنى غنى النفس وهو من استغنى بما أوتي وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب فكأنه غني وقال القرطبي معنى الحديث إن الغني النافع أو العظيم أو الممدوح هو غني النفس وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت على المطامع فعزت وعظمت وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال

[ 36 ]

لدناءة همته وبخله ويكثر من يذمه من الناس ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل والحاصل أن المتصف بغنى النفس يكون قانعا بما رزقه لا يحرص على الازدياد لغير حاجة ولا يلح في الطلب ولا يلحف في السؤال بل يرضى بما قسم الله له فكأنه واجد أبدا والمتصف بفقر النفس على الضد منه لكونه لا يقنع بما أعطي بل هو أبدا في طلب الازدياد من أي وجه أمكنه ثم إذا فاته المطلوب حزن وأسف فكأنه فقير من المال لأنه لم يستغن بما أعطي فكأنه ليس بغني ثم غنى النفس إنما ينشأ عن الرضا بقضاء الله تعالى والتسليم لأمره علما بأن الذي عند الله خير وأبقى فهو معرض عن الحرص والطلب وما أحسن قول قائل غني النفس ما يكفيك من سد حاجة فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرأ قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجه باب ما جاء في أخذ المال بحقه قوله (سمعت خولة بنت قيس) بن فهر بن قيس بن ثعلبة الأنصارية صحابية لها حديث كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمتها روت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الدنيا خضرة حلوة الحديث وعنها أبو الوليد سنوطا وغيره قال عبيد دخلت على أم محمد وكانت عند حمزة وتزوجها بعده رجل من الأنصار انتهى قوله (خضرة) بفتح فكسر (حلوة) بضم الحاء وسكون اللام قال الحافظ في الفتح معناه أن صورة الدنيا حسنة مونقة والعرب تسمي كل شئ مشرق ناضر أخضر وقال ابن الأنباري قوله المال خضرة حلوة ليس هو صفة المال وإنما هو للتشبيه

[ 37 ]

كأنه قال المال كالبقلة الخضراء الحلوة والتاء في قوله خضرة وحلوة باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرة الدنيا أو على معنى فائدة المال أي أن الحياة به أو العيشة أو أن المراد بالمال هنا الدنيا لأنه من زينتها قال الله تعالى المال والبنون زينة الحياة الدنيا وقد وقع في حديث أيضا المخرج في السنن الدنيا خضرة حلوة فيتوافق الحديثان ويحتمل أن تكون التاء فيهما للمبالغة (من أصابه بحقه) أي بقدر حاجته من الحلال (ورب متخوض) أي متسارع ومتصرف قال في المجمع أصل الخوض المشي في الماء وتحريكه ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه أي رب متصرف في مال الله بما لا يرضاه الله أي يتصرفون في بيت المال ويستبدون بمال المسلمين بغير قسمة وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجه كيف أمكن انتهى (فيما شاءت نفسه) أي فيما أحبته والتذت به (ليس له) أي جزاء (يوم القيامة إلا النار) أي دخول جهنم وهو حكم مرتب على الوصف المناسب وهو الخوض في مال الله تعالى فيكون مشعرا بالعلية وهذا حث على الاستغناء عن الناس وذم السؤال بلا ضرورة قال الغزالي رحمه الله مثل المال مثل الحية التي فيها ترياق نافع وسم ناقع فإن أصابها العارف الذي يحترز عن شرها ويعرف استخراج ترياقها كان نعمة وإن أصابها الغبي فقد لقي البلاء المهلك انتهى وتوضيحه ما قاله عارف إن الدنيا كالحية فكل من يجوز له أخذها وإلا فلا فقيل وما رقيتها فقال أن يعرف من أين يأخذها يعرف رقيتها وفي أين يصرفها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد قوله (وأبو الوليد اسمه عبيد سنطا) وفي بعض النسخ سنوطى قال في القاموس وسنوطى كهيولى لقب عبيد المحدث أو اسم والده انتهى وقال في التقريب عبيد سنوطا بفتح المهملة وضم النون ويقال ابن سنوطا أبو الوليد المدني وثقة العجلي من الثالثة انتهى

[ 38 ]

باب قوله (عن يونس) هو ابن عبيد بن دينار العبدي مولاهم أبو عبيد البصري ثقة فاضل ورع من الخامسة قوله (لعن عبد الدينار) أي طرد وأبعد طالبه الحريص على جمعه القائم على حفظه فكأنه لذلك خادمه وعبده وقال الطيبي خص العبد بالذكر ليؤذن بانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصا ولم يقل مالك الدنيا ولا جامع الدنيار لأن المذموم من الملك والجمع الزيادة على قدر الحاجة وقال غيره جعله عبدا لهما لشغفه وحرصه فمن كان عبدا لهواه لم يصدق في حقه إياك نعبد فلا يكون من اتصف بذلك صديقا (لعن عبد الدرهم) خصا بالذكر لأنهما أصل أموال الدنيا وحطامها قوله (وقد روي من غير هذا الوجه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الخ) أخرجه البخاري في الجهاد والرقاق ولفظه في الجهاد تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطى رضي وإن لم يعط سخط الحديث باب قوله (عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة) الأنصاري المدني وهو محمد بن

[ 39 ]

عبد الرحمن بن سعد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن زرارة ويقال ابن محمد بدل عبد الله ومنهم من ينسبه إلى جده لأمه فيقول محمد بن عبد الرحمن بن أسعد ابن زرارة وثقه النسائي كذا في تهذيب التهذيب (عن ابن كعب بن مالك الأنصاري) قال الحافظ في التقريب ابن كعب بن مالك في لعق الأصابع هو عبد الرحمن وجاء بالشك عبد الله أو عبد الرحمن وفي حديث أرواح الشهداء هو عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب نسب لجده وفي حديث ما ذئبان جائعان لم يسم وهو أحد هذين وكذا في حديث من طلب العلم وإن امرأة ذبحت شاة بحجر وقيل في هذا الأخير عن ابن كعب عن أخيه والذي يظهر أنه عبد الرحمن بن كعب انتهى (عن أبيه) أي كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري السلمي المدني صحابي مشهور وهو أحد الثلاثة الذين خلفوا قوله (ما) نافية (جائعان) أي به للمبالغة (أرسلا) أي خليا وتركا (في غنم) أي قطيعة غنم (لدينه) متعلق بأفسد والمعنى إن حرص المرء عليهما أكثر فسادا لدينه المشبه بالغنم لضعفه يجنب حرصه من إفساد الذئبين للغنم قال الطيبي ما بمعنى ليس وذئبان اسمها وجائعان صفة له وأرسلا في غنم الجملة في محل الرفع على أنها صفة بعد صفة وقوله بأفسد خبر لما والباء زائدة وهو أفعل تفضيل أي بأشد إفساد والضمير في لها للغنم واعتبر فيها الجنسية فلذا أنث وقوله من حرص المرء هو المفضل عليه لاسم التفضيل وقوله على المال والشرف يتعلق بالحرص والمراد به الجاه وقوله لدينه اللام فيه بيان كما في قوله تعالى لمن أراد أن يتم الرضاعة كأنه قيل بأفسد لأي شئ قيل لدينه ومعناه ليس ذئبان جائعان أرسلا في جماعة من جنس الغنم بأشد إفسادا لتلك الغنم من حرص المرء على المال والجاه فإن إفساده لدين المرء أشد من إفساد الذئبين الجائعين لجماعة من الغنم إذا أرسلا فيها أما المال فإفساده أنه نوع من القدرة يحرك داعية الشهوات ويجر إلى التنعم في المباحات فيصير التنعم مألوفا وربما يشتد أنسه بالمال ويعجز عن كسب الحلال فيقتحم في الشبهات مع أنها ملهية عن ذكر الله تعالى وهذه لا ينفك عنها أحد وأما الجاه فيكفي به إفسادا أن المال يبذل للجاه ولا يبذل الجاه للمال وهو الشرك الخفي فيخوض في المراآة والمداهنة والنفاق وسائر الأخلاق الذميمة فهو أفسد وأفسد انتهى

[ 40 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي والدارمي وابن حبان قوله (ويروى في هذا الباب عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا يصح أسناده) حديث ابن عمر هذا رواه البزار بلفظ ما ذئبان ضاريان في حظيرة يأكلان ويفسدان بأضر فيها من حب الشرف وحب المال في دين المرء المسلم قال المنذري في الترغيب إسناده حسن وقد صنف ابن رجب الحنبلي جزءا لطيفا في شرح حديث كعب بن مالك المذكور في الباب وقال فيه بعد ذكره ما لفظه وروي من وجه اخر عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وأسامة بن زيد وجابر وأبي سعيد الخدري وعاصم بن عدي الأنصاري رضي الله عنهم أجمعين قال وقد ذكرتها كلها مع الكلام عليها في كتاب شرح الترمذي وفي لفظ حديث جابر ما ذئبان ضاريان يأتيان في غنم غاب رعاؤها بأفسد للناس من حب الشرف والمال لدين المؤمن انتهى باب قوله (أخبرنا زيد بن حباب) هو أبو الحسين العكلي (حدثني المسعودي) هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي صدوق اختلط قبل موته وضابطه أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط من السابعة كذا في التقريب (أخبرنا عمرو بن مرة) هو الجملي المرادي أبو عبد الله الكوفي (عن إبراهيم) هو النخعي قوله (فقام) أي عن النوم (وقد أثر) أي أثر الحصير (لو اتخذنا لك وطاء) بكسر

[ 41 ]

الواو وفتحها ككتاب وسحاب أي فراشا وكلمة لو تحتمل أن تكون للتمني وأن تكون للشرطية والتقدير لو اتخذنا لك بساطا حسنا وفراشا لينا لكان أحسن من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن (مالي وللدنيا) قال القاري ما نافية أي ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا ولا للدنيا ألفة ومحبة معي حتى أرغب إليها وأنبسط عليها وأجمع ما فيها ولذتها أو استفهامية أي أي ألفة ومحبة لي مع الدنيا أو أي شئ لي مع الميل إلى الدنيا أو ميلها إلي فإني طالب الاخرة وهي ضرتها المضادة لها قال واللام في للدنيا مقحمة للتأكيد إن كان الواو بمعنى مع وإن كان للعطف فالتقدير مالي مع الدنيا وما للدنيا معي (استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) وجه التشبيه سرعة الرحيل وقلة المكث ومن ثم خص الراكب قوله (وفي الباب عن ابن عمر وابن عباس) أما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في باب قصر الأمل وأما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي بنحو حديث عبد الله المذكور في الباب قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم والضياء المقدسي باب قوله (أخبرنا أبو عامر) العقدي البصري (وأبو داود) الطيالسي (قالا أخبرنا زهير بن محمد) التميمي (حدثني موسى بن وردان) العامري مولاهم أبو عمر المصري مدني الأصل صدوق ربما أخطأ من الثالثة

[ 42 ]

قوله (الرجل) يعني الإنسان (على دين خليله) أي على عادة صاحبه وطريقته وسيرته (فلينظر) أي فليتأمل وليتدبر (من يخالل) من المخالة وهي المصادقة والإخاء فمن رضي دينه وخلقه خالله ومن لا تجنبه فإن الطباع سراقة والصحبة مؤثرة في إصلاح الحال وإفساده قال الغزالي مجالسة الحريص ومخالطته تحرك الحرص ومجالسة الزاهد ومخاللته تزهد في الدنيا لأن الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء بل الطبع من حيث لا يدري قوله (هذا حديث حسن غريب) قال صاحب المشكاة بعد ذكر هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وأبو داود والبيهقي في شعب الايمان وقال الترمذي هذا حديث حسن غريب وقال النووي إسناده صحيح انتهى قال الطيبي ذكره في رياض الصالحين وغرض المؤلف من إيراده والإطناب فيه دفع الطعن في هذا الحديث ورفع توهم من توهم أنه موضوع قال السيوطي هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح وقال إنه موضوع وقال الحافظ ابن حجر في رده عليه قد حسنه الترمذي وصححه الحاكم كذا في المرقاة باب قوله (حدثنا سويد) بن نصر بن سويد المروزي (أخبرنا عبد الله) بن المبارك (عن عبد الله بن أبي بكر) بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري قوله (يتبع الميت) أي إلى قبره (ثلاث) أي من أنواع الأشياء (فيرجع اثنان) أي إلى مكانهما ويتركانه وحده (ويبقى واحد) أي لا ينفك عنه (يتبعه أهله) أي أولاده وأقاربه

[ 43 ]

وأهل صحبته ومعرفته (وماله) كالعبيد والإماء والدابة والخيمة قاله القاري وقال المظهر أراد بعض ماله وهو مماليكه وقال الطيبي أتباع الأهل الحقيقة وأتباع المال على الاتساع فإن المال حينئذ له نوع تعلق بالميت من التجهيز والتكفين ومؤنة الغسل والحمل والدفن فإذا دفن انقطع تعلقه بالكلية (وعمله) أي من الصلاح وغيره (ويبقى عمله) قال الحافظ في الفتح معنى بقاء عمله أنه يدخل معه القبر وقد وقع في حديث البراء بن عازب الطويل في صفة المسألة في القبر عند أحمد وغيره ففيه ويأتيه الرجل حسن الوجه حسن الثياب حسن الريح فيقول أبشر بالذي يسرك فيقول من أنت فيقول أنا عملك الصالح وقال في حق الكافر ويأتيه رجل قبيح الوجه الحديث وفيه بالذي يسوءك وفيه عملك الخبيث انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما باب ما جاء في كراهية كثرة الأكل قوله (حدثني أبو سلمة الحمصي) اسمه سليمان بن سليم الكلبي الشامي القاضي بحمص ثقة عابد من السابعة (وحبيب بن صالح) الطائي أبو موسى الحمصي ويقال حبيب بن أبي موسى ثقة من السابعة (عن يحيى بن جابر الطائي) أبي عمرو الحمصي القاضي ثقة من السادسة وأرسل كثيرا (عن مقدام بن معد يكرب) بن عمرو الكندي صحابي مشهور نزل الشام قوله (ما ملأ ادمي وعاء) أي ظرفا (شرا من بطن) صفة وعاء جعل البطن أولا وعاء كالأوعية التي تتخذ ظروفا لحوائج البيت توهينا لشأنه ثم جعله شر الأوعية لأنها

[ 44 ]

استعملت فيما هي له والبطن خلق لأن يتقوم به الصلب بالطعام وامتلاؤه يفضي إلى الفساد في الدين والدنيا فيكون شرا منها (بحسب ابن ادم) مبتدأ أو الباء زائدة أي يكفيه وقوله (أكلات) بضمتين خبره نحو قوله بحسبك درهم والأكلة بالضم اللقمة أي يكفيه هذا القدر في سد الرمق وإمساك القوة (يقمن) من الاقامة (صلبه) أي ظهره تسمية للكل باسم جزئه كناية عن أنه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط ويتقوى به على الطاعة (فإن كان لا محالة) بفتح الميم ويضم أي إن كان لا بد من التجاوز عما ذكر فلتكن أثلاثا (فثلث) أي فثلث يجعله (لطعامه) أي مأكوله (وثلث) يجعله (لشرابه) أي مشروبه (وثلث) يدعه (لنفسه) بفتح الفاء أي يبقى من ملئه قدز الثلث ليتمكن من التنفس ويحصل له نوع صفاء ورقة وهذا غاية ما اختير للأكل ويحرم الأكل فوق الشبع وقال الطيبي رحمه الله أي الحق الواجب أن لا يتجاوز عما يقام به صلبه ليتقوى به على طاعة الله فإن أراد البتة التجاوز فلا يتجاوز عن القسم المذكور قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وقال صحيح باب ما جاء في الرياء والسمعة قال الحافظ في الفتح الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع

[ 45 ]

والرياء بحاسة البصر انتهى وقال الغزالي الرياء مشتق من الرؤية والسمعة من السماع وإنما الرياء أصله طلب المنزلة في قلوب الناس بإرائهم الخصال المحمودة فخذ الرياء هو إراؤة العبادة بطاعة الله تعالى فالمرائي هو العابد والمراءى له هو الناس والمراءى به هو الخصال الحميدة والرياء هو قصد إظهار ذلك (من يرائي يرائي الله به) بإثبات الياء في الفعلين على أن من موصولة مبتدأ والمعنى من يعمل عملا ليراه الناس في الدنيا يجازيه الله تعالى به بأن يظهر رياءه على الخلق (ومن يسمع) بتشديد الميم أي من عمل عملا للسمعة بأن نوه بعمله وشهره ليسمع الناس به ويمتدحوه (يسمع الله به) بتشديد الميم أيضا أي شهرة الله بين أهل العرصات وفضحه على رؤوس الأشهاد قال الخطابي معناه من عمل عملا على غير إخلاص وإنما يريد أن يراه الناس ويسمعوه جوزي على ذلك بأن يشهره الله ويفضحه ويظهر ما كان يبطنه وقيل من قصد بعمله الجاه والمنزلة عند الناس ولم يرد به وجه الله فإن الله يجعله حديثا عند الناس الذين أراد نيل المنزلة عندهم ولا ثواب له في الاخرة ومعنى يرائي به يطلعهم على أنه فعل ذلك لهم لا لوجهه ومنه قوله تعالى (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها) إلى قوله (ما كانوا يعلمون) وقيل المراد من قصد بعمله أن يسمعه الناس ويروه ليعظموه وتعلو منزلته عندهم حصل له ما قصد وكان ذلك جزاؤه على عمله ولا يثاب عليه في الاخرة وقيل المعنى من سمع بعيوب الناس وأذاعها أظهر الله عيوبه وسمعه المكروه وقيل غير ذلك ذكره الحافظ في الفتح قال وفي الحديث استحباب إخفاء العمل الصالح لكن قد يستحب إظهار ممن يقتدي به على إرادته الاقتداء به ويقدر ذلك بقدر الحاجة (من لا يرحم الناس لا يرحمه الله) تقدم شرحه في باب رحمة الناس من أبواب البر والصلة قوله (وفي الباب عن جندب وعبد الله بن عمرو) أما حديث جندب فأخرجه الشيخان وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني عنه مرفوعا بلفظ من سمع الناس

[ 46 ]

بعمله سمع الله به مسامع خلقه وصغره وحقره قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الطبراني في الكبير بأسانيد أحدها صحيح والبيهقي انتهى قوله (هذا حديث غريب من هذا الوجه) وأخرجه أحمد وابن ماجه إلا الفصل الأخير قوله (أن عقبة بن مسلم) التجيبي المصري القاص إمام المسجد العتيق بمصر ثقة من الرابعة (أن شفيا الأصبحي) قال في التقريب شفي بالفاء مصغرا ابن ماتع بمثناة الأصبحي ثقة من الثالثة أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة خطأ مات في خلافة هشام قاله خليفة انتهى قوله (أنه) أي شفيا (فلما سكت) أي عن التحديث (وخلا) أي بقي منفردا (وأسالك بحق وبحق) التكرار للتأكيد والباء زائدة والمعنى أسألك حقا غير باطل (لما حدثتني حديثا) كلمة لما ههنا بمعنى ألا قال في القاموس ولما يكون بمعنى حين ولم الجازمة وألا وإنكار الجوهري كونه بمعنى ألا غير جيد يقال سألتك كما فعلت أي ألا فعلت ومنه (أن كل نفس لما عليها حافظ) (وإن كل لما جميع لدينا محضرون) انتهى (ثم نشغ) بفتح النون والشين المعجمة بعدها غين معجمة أي شهق حتى كاد يغشى عليه أسفا أو خوفا قاله المنذري وقال الجزري في النهاية النشغ في الأصل الشهيق حتى يكاد يبلغ به الغشي وإنما يفعل الإنسان ذلك تشوقا إلى

[ 47 ]

شئ فائت وأسفا عليه ومنه حديث أبي هريرة أنه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فنشغ نشغة أي شهق وغشى عليه انتهى (مال خارا) من الخرور أي ساقطا (فأسندته) قال في الصراح إسناد تكية دادن جيزي رايجيزي (وكل أمة جاثية) قال في القاموس جثا كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه انتهى (يدعو) أي الله تعالى (به) الضمير راجع إلى من (رجل جمع القرآن) أي حفظه (قتل) بصيغة المجهول (فماذا عملت) من العمل (فيما علمت) من العلم (كنت أقوم به) أي بالقرآن (اناء الليل واناء النهار) أي ساعاتهما قال الأخفش واحدها إني مثل معى وقيل واحدها إنى وإنو وأنو يقال مضى من الليل إنوان وإنيان (فقد قيل ذلك) أي ذلك القول فحصل مقصودك وغرضك (ألم أوسع عليك) أي ألم أكثر مالك (حتى لم أدعك) أي لم أتركك من ودع يدع (جواد) أي سخي كريم (جريئي) فعيل من الجرة فهو مهموز وقد يدغم أي شجاع (تسعر) من التسعير أي توقد والحديث دليل على تغليظ

[ 48 ]

تحريم الرياء وشدة عقوبته وعلى الحث على وجوب الإخلاص في الأعمال كما قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وفيه أن العمومات الواردة في فضل الجهاد وإنما هي لمن أراد الله تعالى بذلك مخلصا وكذلك الثناء على العلماء وعلى المنفقين في وجوه الخيرات كله محمول على من فعل ذلك لله تعالى مخلصا (وحدثني العلاء بن أبي حكيم) قال في التقريب العلاء بن أبي حكيم يحيى الشامي سياف معاوية ثقة من الرابعة (قد فعل بهؤلاء) أي القارئ والشهيد والجواد المذكورين في الحديث (من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها) يعني بعمله الذي يعمله من أعمال البر نزلت في كل من عمل عملا يبتغي به غير الله عز وجل (نوف إليهم أعمالهم فيها) يعني أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا وذلك أن الله سبحانه وتعالى يوسع عليهم الرزق ويدفع عنهم المكاره في الدنيا ونحو ذلك (وهم فيها لا يبخسون) أي لا ينقصون من أجور أعمالهم التي عملوها لطلب الدنيا بل يعطون أجور أعمالهم كاملة موفورة (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها) أي وبطل ما عملوا في الدنيا من أعمال البر (وباطل ما كانوا يعملون) لأنه لغير الله واختلف المفسرون في المعنى بهذه الاية فروى قتادة عن أنس أنها في اليهود والنصارى وعن الحسن مثله وقال الضحاك من عمل عملا صالحا في غير تقوى يعني من أهل الشرك أعطي على ذلك أجرا في الدنيا وهو أن يصل رحما أو يعطي سائلا أو يرحم مضطرا أو نحو هذا من أعمال ابر فيعجل الله له ثواب عمله في الدنيا يوسع عليه في المعيشة والرزق ويقر عينه فيما حوله ويدفع عنه المكاره في الدنيا وليس له في الاخرة نصيب ويدل على صحة هذا القول سياق الاية وهو قوله (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار) الاية وهذه حالة الكافر في الاخرة وقيل نزلت في المنافقين الذين كانوا يطلبون بغزوهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الغنائم لأنهم كانوا لا يرجون ثواب

[ 49 ]

الاخرة وقيل إن حمل الاية على العموم أولى فيندرج الكافر والمنافق الذي هذه صفته والمؤمن الذي يأتي بالطاعات وأعمال البر على وجه الرياء والسمعة قال مجاهد في هذه الاية هم أهل الرياء وهذا القول مشكل لأن قوله سبحانه وتعالى (أولئك الذين ليس لهم في الاخرة إلا النار) لا يليق بحال المؤمن إلا إذا قلنا إن تلك الأعمال الفاسدة والأفعال الباطلة لما كانت لغير الله استحق فاعلها الوعيد الشديد وهو عذاب النار كذا في تفسير الخازن قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه باب قوله (عن عمار بن سيف) بفتح مهملة وسكون تحتية (الضبي) بالمعجمة ثم الموحدة الكوفي ضعيف الحديث وكان عابدا من التاسعة (أبي معان البصري) في تهذيب التهذيب أبو معاذ ويقال أبو معان وهو أصح بصري عن أنس ومحمد بن سيرين وعنه عمار بن سيف الضبي وفي الميزان لا يعرف وفي التقريب مجهول من السادسة (عن ابن سيرين) الظاهر أنه محمد بن سيرين ويحتمل أن يكون أنس بن سيرين قوله (تعوذوا بالله من جب الحزن) قال في المجمع الجب بالضم البئر غير المطوي وجب الحزن علم واد في جهنم والإضافة فيه كدار السلام إذ فيه السلامة من كل آفة وحزن انتهى (مائة مرة) وفي رواية ابن ماجه أربع مائة مرة (القراوؤن) قال في القاموس القراء كرمان الناسك المتعبد كالقارئ والمتقرئ والجمع قراؤون وقرارئ انتهى قوله (هذا حديث غريب) في سنده عمار بن سيف وهو ضعيف أبو معان وهو مجهول كما عرفت والحديث أخرجه ابن ماجه أيضا

[ 50 ]

باب قوله (اخبرنا أبو داود) هو الطيالسي (حدثنا أبو سنان الشيباني) هو الأصغر ويأتي ترجمته وترجمة أبي سنان الأكبر في باب كم وصف أهل الجنة من أبواب صفة الجنة قوله (فيسره) من الإسرار أي فيخفيه (فإذا اطلع) بصيغة المجهول وقوله الرجل يعمل إلى قوله أعجبه إخبار فيه معنى الاستخبار يعني هل تحكم على هذا أنه رياء أم لا (أجر السر) أي خلاصه (وأجره العلانية) أي للاقتداء به أو لفرحه بالطاعة وظهورها منه قوله (وقال بعض أهل العلم إذا اطلع عليه فأعجبه رجاء أن يعمل بعمله فتكون له مثل أجورهم) وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم من سن سنة حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها (فهذا له مذهب أيضا) أي هذا المعنى الثاني أيضا صحيح يجوز أن يذهب إليه ويختار

[ 51 ]

باب ما جاء أن المرء مع من أحب قوله قوله عن أشعث بن سوار الكندي النجار الأفرق الأثرم صاحب التوابيت قاصي الأهواز ضعيف من السادسة قوله المرء مع من أحب أي يحشر مع محبوبه ويكون رفيقا لمطلوبه قال تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذي أنعم الله عليهم الآية وظاهر الحديث العموم الشامل للصالح والطالح ويؤيده حديث المرء على دين خليله كما مر ففيه ترغيب وترهيب ووعد ووعيد وله ما اكتسب وفي رواية البيهقي في شعب الإيمان أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت قال القاري أي أجر ما احتسبت والاحتساب طلب الثواب وأصل الاحتساب بالشئ الاعتداد به ولعله مأخوذ من الحساب أو الحسب واحتسب بالعمل إذا قصد به مرضاة ربه وقال التوربشتي وكلا اللفظين يعني احتسب واكتسب قريب من الآخر في المعنى المراد منه قال الطيبي رحمه الله وذلك لأن معنى ما اكتسب كسب كسبا يعتد به ولا يرد عليه سبب الرياء والسمعة وهذا هو معنى الاحتساب لأن الافتعال للاعتمال انتهى ومعنى الحديث أن المرء يحشر مع من أحبه وله أجر ما احتسب في محبته قوله وفي الباب عن علي وعبد الله بن مسعود وصفوان بن عسال وأبي هريرة وأبي موسى أما حديث علي فأخرجه الطبراني في الصغير والاوسط بإسناد جيد وأما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الشيخان وأما حديث صفوان بن عسال فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أبي هريرة فلينظر من أخرجه وأما حديث أبي موسى فأخرجه البخاري قوله هذا حديث حسن غريب وأخرجه أبو نعيم كما في الفتح

[ 52 ]

قوله ما أعددت لها قال الطيبي سلك مع السائل طريق الأسلوب الحكيم لأنه سأل عن وقت الساعة فقيل له فيم أنت من ذكراها وإنما يهمك أن تهتم بأهبتها وتعتني بما ينفعك عند إرسالها من العقائد الحقة والأعمال الصالحة أجاب بقوله ما أعددت لها إلا أني أحب الله ورسوله انتهى (ما أعددت لها كبير صلاة) بالموحدة وفي رواية للبخاري كثير صلاة بالمثلثة (وأنت مع من أحببت) أي ملحق بهم حتى تكون من زمرتهم وبهذا يندفع إيراد أن منازلهم متفاوتة فكيف تصح المعية فيقال إن المعية تحصل بمجرد الاجتماع في شئ ما ولا يلزم في جميع الأشياء فإذا اتفق أن الجميع دخلوا الجنة صدقت المعية وإن تفاوتت الدرجات كذا في الفتح (فما رأيت فرح المسلمون بعد الاسلام) أي بعد فرحهم به أو دخولهم فيه (فرحهم) بفتحات أي كفرحهم (بها) ي بتلك الكلمة وهي أنت مع من أحببت وفي رواية للبخاري قال إنك مع من أحببت فقلنا ونحن كذلك قال نعم ففرحنا يومئذ فرحا شديدا قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي قوله (عن صفوان بن عسال) بمهملتين المرادي صحابي معروف نزل الكوفة قوله (جاء أعرابي جهوري الصوت) أي شديد الصوت وعاليه منسوب إلى جهور بصوته (ولما يلحق هو بهم) قال الحافظ هي أبلغ فإن النفي لما أبلغ من النفي بلم فيؤخذ منه

[ 53 ]

أن الحكم ثابت ولو بعد اللحاق ووقع في حديث أنس عند مسلم ولم يلحق بعملهم وفي حديث أبي ذر عند أبي داود وغيره ولا يستطيع أن يعمل بعملهم وفي بعض طرق حديث صفوان بن عسال عند أبي نعيم ولم يعمل بمثل عملهم وهو يفسر المراد انتهى (المرء مع من أحب) يعني من أحب قوما بالإخلاص يكون من زمرتهم وإن لم يعمل عملهم لثبوت التقارب بين قلوبهم وربما تؤدي تلك المحبة إلى موافقتهم وفيه حث على محبة الصلحاء والأخيار رجاء اللحاق بهم والخلاص من النار قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة باب في حسن الظن بالله تعالى قوله (عن جعفر بن برقان) بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف الكلابي كنيته أبو عبد الله الرقي صدوق يهم في حديث الزهري من السابعة (عن يزيد بن الأصم) في التقريب يزيد بن الأصم واسمه عمرو بن عبيد بن معاوية البكائي أبو عوف كوفي نزل الرقة وهو ابن أخت ميمونة أم المؤمنين يقال له رؤية ولا يثبت وهو ثقة قوله (أنا عند ظن عبدي بي) أي أنا أعامله على حسب ظنه بي وأفعل به ما يتوقعه مني من خير أو شر والمراد الحث على تغليب الرجاء على الخوف وحسن الظن بالله كقوله عليه الصلاة والسلام لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ويجوز أن يراد بالظن اليقين والمعنى أنا عند يقينه بي وعلمه بأن مصيره إلي وحسابه علي وأن ما قضيت به له أو عليه من خير أو شر لا

[ 54 ]

مرد له لا معطي لما منعت ولا مانع لما أعطيت قاله الطيبي وقال القرطبي في المفهم قيل معنى ظن عبد بي ظن الإجابة عند الدعاء وظن القبول عند التوبة وظن المغفرة عند الاستغفار وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها تمسكا بصادق وعده قال ويؤيده قوله في الحديث الاخر ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة قال ولذلك ينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه موقنا بأن الله يقبله ويغفر له لأنه وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد فإن اعتقد أو ظن أن الله لا يقبلها وأنها لا تنفعه فهذا هو اليأس من رحمة الله وهو من الكبائر ومن مات على ذلك وكل إلى ما ظن كما في بعض طرق الحديث المذكور فيظن بي عبدي ما شاء قال وأما ظن المغفرة مع الاصرار فذلك محض الجهل والغرة وهو يجر إلى مذهب المرجئة (وأنا معه إذا دعاني) أي بعلم وهو كقوله إنني معكما أسمع وأرى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه باب ما جاء في البر والإثم قوله (عن النواس) بتشديد الواو ثم مهملة (ابن سمعان) بفتح السين وكسرها ابن خالد الكلابي أو الأنصاري صحابي مشهور سكن الشام قوله (فقال النبي صلى الله عليه وسلم البر) أي أعظم خصاله أو البر كله مجملا (حسن الخلق) أي مع الخلق قال النووي في شرح مسلم قال العلماء البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى أحااللطف والمبرة

[ 55 ]

وحسن الصحبة والعشرة وبمعنى الطاعة وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق وقال الطيبي قيل فسر البر في الحديث بمعان شتى ففسره في موضع بما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب وفسره في موضع با يمان وفي موضع بما يقربك إلى الله وهنا بحسن الخلق وفسر حسن الخلق باحتمال الأذى وقلة الغضب وبسط الوجه وطيب الكلام وكلها متقاربة في المعنى (والإثم ما حاك في نفسك) أي تحرك فيها وتردد ولن ينشرح له الصدر وحصل في القلب منه الشك وخوف كونه ذنبا وقيل يعني الإثم ما أثر قبحه في قلبك أو تردد في قلبك ولم ترد أن تظهره لكونه قبيحا وهو المعنى بقوله (وكرهت أن يطلع الناس عليه) أي أعيانهم وأماثلهم إذ الجنس ينصرف إلى الكامل وذلك لأن النفس بطبعها تحب اطلاع الناس على خيرها فإذا كرهت للاطلاع على بعض أفعالها فهو غير ما تقرب به إلى الله أو غير ما أذن الشرع فيه وعلم أنه لا خير فيه ولا بر فهو إذا إثم وشر قوله (هذا حديث صحيح حسن) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد ومسلم في البر والصلة باب ما جاء في الحب في الله أي في ذات الله وجهته لا يشوبه الرياء والهوى ومن هنا كما في قوله تعالى والذين جاهدوا فينا قوله (أخبرنا كثير بن هشام) الكلابي أبو سهل الرقي نزيل بغداد ثقة من السابعة (أخبرنا حبيب بن أبي مرزوق) الرقي ثقة فاضل من السابعة

[ 56 ]

قوله (المتحابون في جلالي) أي لأجل إجلالي وتعظيمي (يغبطهم النبيون والشهداء) قال القاري بكسر الموحدة من الغبطة بالكسر وهي تمني نعمة على ألا تتحول عن صاحبها بخلاف الحسد فإنه تمني زوالها عن صاحبها فالغبطة في الحقيقة عبارة عن حسن الحال كذا قيل وفي القاموس الغبطة حسن الحال والمسرة فمعناها الحقيقي مطابق للمعنى اللغوي فمعنى الحديث يستحسن أحوالهم الأنبياء والشهداء قال وبهذا يزول الإشكال الذي تحير فيه العلماء وقال القاضي كل ما يتحلى به الإنسان أو يتعاطاه من علم وعمل فإن له عند الله منزلة لا يشاركه فيه صاحبه ممن لم يتصف بذلك وإن كان له من نوع آخر ما هو أرفع قدرا وأعز ذخرا فيغبطه بأن يتمنى ويحب أن يكون له مثل ذلك مفهوما إلى ماله من المراتب الرفيعة أو المنازل الشريفة وذلك معنى قوله يغبطهم النبيون والشهداء فإن الأنبياء قد استغرقوا فيما هو أعلى من ذلك من دعوة الخلق وإظهار الحق وإعلاء الدين وإرشاد العامة والخاصة إلى غير ذلك من كليات أشغلتهم عن العكوف على مثل هذه الجزئيات والقيام بحقوقها والشهداء وإن نالوا رتبة الشهادة وفازوا بالفوز الأكبر فلعلهم لن يعاملوا مع الله معاملة هؤلاء فإذا رأوهم يوم القيامة في منازلهم وشاهدوا قربهم وكرامتهم عند الله ودوا لو كانوا ضامين خصالهم فيكونون جامعين بين الحسنتين وفائزين بالمرتبتين وقيل إنه لم يقصد في ذلك إلى إثبات الغبطة لهم على حال هؤلاء بل بيان فضلهم وعلو شأنهم وارتفاع مكانهم وتقريرها على آكد وجه وأبلغه والمعنى أن حالهم عند الله يوم القيامة بمثابة لو غبط النبيون والشهداء يومئذ مع جلالة قدرهم ونباهة أمرهم حال غيرهم لغبطوهم قوله (وفي الباب عن أبي الدرداء وابن مسعود وعبادة بن الصامت وأبي مالك الأشعري وأبي هريرة) أما حديث أبي الدرداء فأخرجه الطبراني بإسناد حسن وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الطبراني في الأوسط وأما حديث عبادة بن الصامت فأخرجه أحمد بإسناد صحيح وأما حديث أبي مالك الأشعري فأخرجه أحمد وأبو يعلى بإسناد حسن والحاكم وقال صحيح الاسناد ذكر المنذري أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في ترغيبه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم عنه مرفوعا أن الله تعالى يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي وله أحاديث أخرى في هذا الباب

[ 57 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك وأحمد والطبراني والحاكم والبيهقي بلفظ قال الله تعالى وجبت محبتي للمتحابين في والمتجالسين في والمتزاورين في والمتباذلين في قوله (وأبو مسلم الخولاني) الزاهد الشامي (اسمه عبد الله بن ثوب) بضم المثلثة وفتح الواو بعدها موحدة قال في التقريب وقيل بإشباع الواو وقيل ابن أثوب وزن أحمر ويقال ابن عوف أو ابن مشكم ويقال اسمه يعقوب بن عوف ثقة عابد من الثانية رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلم يدركه وعاش إلى زمن يزيد بن معاوية قوله (حدثنا الأنصاري) هو إسحاق بن موسى الخطمي أبو موسى المدني (عن حفص بن عاصم) بن عمر بن الخطاب العمري ثقة من الثالثة قوله (سبعة) أي سبعة أشخاص (يظلهم الله) أي يدخلهم (في ظله) قال عياض إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه قال الحافظ في الفتح وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض وقيل المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه فذكر الحديث قال وإذا كان المراد العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهو أرجح وبه جزم القرطبي ويؤيده أيضا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به ابن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عند المصنف في كتاب الحدود قال وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة ثم إن ذلك مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة فيرجح أن المراد ظل العرش وروى الترمذي وحسنة من حديث أبي سعيد مرفوعا أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل انتهى (إمام عادل) قال الحافظ المراد به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه إن

[ 58 ]

المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا قال وأحسن ما فسر به العادل الذي يتبع أمر الله بوضع كل شئ في موضعه من غير إفراط ولا تفريط وقدمه في الذكر لعموم النفع به (وشاب) خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى (نشأ) أي نما وتربى (بعبادة الله) أي لافى معصيته فجوزي بظل العرش لدوام حراسة نفسه عن مخالفة ربه (ورجل كان قلبه معلقا بالمسجد) وفي رواية الشيخين ورجل قلبه معلق في المساجد وقال الحافظ ظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بالشئ المعلق في المسجد كالقنديل مثلا إشارة إلى طول الملازمة بقلبه وإن كان جسده خارجا عنه ويدل عليه رواية الجوزقي كأنما قلبه معلق في المسجد ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد معلق بالمساجد وكذا رواية سليمان من حبها (إذا خرج منه) أي من المسجد (حتى يعود إليه) لأن المؤمن في المسجد كالسمك في الماء والمنافق في المسجد كالطير في القفص (ورجلان) مثلا (تحابا) بتشديد الباء وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الاخر حقيقة لا إظهارا فقط (في الله) أي لله أو في مرضاته (فاجتمعا على ذلك) أي على الحب في الله إن (اختمعا وتفرقا) أي إن تفرقا يعني يحفظان الحب في الحضور والغيبة وقال الحافظ والمراد أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوي سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت (تنبيه) عدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان لأن المحبة لا تتم إلا باثنين أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان عد أحدهما مغنيا عن عد الاخر لأن الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها (ورجل ذكر الله) أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر (خاليا) أي من الناس أو من الرياء أو مما سوى الله (ففاضت عيناه) أي فاضت الدموع من عينيه وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت (ورجل دعته) امرأة إلى الزنا بها (ذات حسب) قال ابن الملك الحسب ما يعده الإنسان من مفاخر آبائه وقيل الخصال الحميدة له ولابائه (فقال إني أخاف الله عز وجل) الظاهر أنه يقول ذلك بلسانه أما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها ويحتمل أن يقوله بقلبه قاله عياض قال القرطبي إنما يصدر ذلك عن شدة خوف

[ 59 ]

من الله تعالى ومتين تقوى وحياء (ورجل تصدق بصدقة) نكرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير وظاهرة أيضا يشمل المندوبة والمفروضة لكن نقل النووي عن العلماء أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها (فأخفاها) قال ابن الملك هذا محمول على التطوع لأن إعلان الزكاة أفضل (حتى لا تعلم) بفتح الميم وقيل بضمها (شماله ما تنفق يمينه) قيل فيه حذف أي لا يعلم من بشماله وقيل يراد المبالغة في إخفائها وإن شماله لو تعلم لما علمتها قال الحافظ في الفتح وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فقال وقال النبي المصطفى إن سبعة * يظلهم الله الكريم بظله محب عفيف ناشئ متصدق * وباك مصل والإمام بعدله ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعا من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له وقد تتبع الحافظ فوجد خصالا أخرى غير الخصال المذكورة وأوردها في جزء سماه معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في موطئه ومسلم في صحيحه قوله (وهكذا روي هذا الحديث عن مالك بن أنس من غير وجه مثل هذا وشك فيه وقال عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد) وكذلك أخرجه مالك في موطئه بالشك وكذلك أخرجه مسلم من طريق مالك (وعبيد الله بن عمر رواه عن خبيب بن عبد الرحمن ولم يشك فيه فقال عن أبي هريرة) وكذلك روى الشيخان من طريق عبيد الله بن عمر عن خبيب عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة من غير شك قال الحافظ لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك ورواية مالك في الموطإ عن خبيب فقال عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشك ورواه أبو قرة عن مالك بواو العطف فجعله عنهما وتابعه مصعب الزبيري وشذ في ذلك عن أصحاب مالك والظاهر أن عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه ولكونه من رواية خاله وجده انتهى

[ 60 ]

قوله (حدثنا سوار بن عبد الله) بن سوار بن عبد الله بن قدامة التميمي ال أبو عبد الله البصري قاضي الرصافة وغيرها ثقة من العاشرة غلط من تكلم فيه (أخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان (عن عبيد الله بن عمر) هو العمري (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم المعجمة وهو خال عبيد الله الراوي عنه (عن حفص بن عاصم) هو جد عبيد الله المذكور لأبيه قوله (ذات منصب) بكسر الصاد أصل أو شرف أو حسب أو مال (وجمال) أي مزيد حسن قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي باب ما جاء في إعلام الحب قوله (عن حبيب بن عبيد) الرحبي أبي حفص الحمصي ثقة من الثالثة قوله (إذا أحب أحدكم أخاه) في الدين (فليعلمه) أي فليخبره ندبا مؤكدا (إياه) أي أنه يحبه وذلك لأنه إذا أخبره بذلك استمال قلبه واجتلب وده فبالضرورة يحبه فيحصل الائتلاف ويزول الاختلاف بين المؤمنين

[ 61 ]

قوله (وفي الباب عن أبي ذر وأنس) أما حديث أبي ذر فأخرجه أحمد والضياء المقدسي وأما حديث أنس فأخرجه ابن حبان قوله (حديث المقدام حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان والحاكم وصححه قوله (عن عمران بن مسلم) المنقري القصير البصري صدوق ربما وهم قيل هو الذي روي عن عبد الله بن دينار وقيل بل هو غيره وهو مكي من السادسة (عن سعيد بن سلمان) وفي بعض النسخ سعيد بن سلمان قال الحافظ في التقريب سعيد بن سلمان أو ابن سليمان الربعي مقبول من السابعة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته ذكره ابن حبان في الثقات له في الترمذي حديث واحد يعني حديث يزيد ابن نعامة هذا عن يزيد بن نعامة بضم نون وفتح عين مهملة كذا ضبطه صاحب مجمع البحار في المغني (الضبي) بفتح المعجمة وكسر الموحدة مشددة نسبة لضبه قبيلة مشهورة قوله (إذا أخا الرجل الرجل) بمد الهمزة من المؤاخاة أي إذا اتخذه أخا في الله (فيسأله عن اسمه) ما هو (وممن هو) أي من أي قبيلة وقوم هو (فإنه) أي السؤال عما ذكر (أوصل) أي أكثر وصلة (للمودة) أي للمحبة في الإخوة قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن سعد في الطبقات قوله (ولا نعرف ليزيد بن نعامة سماعا من النبي صلى الله عليه وسلم) قال في التقريب يزيد بن نعامة الضبي أبو مودود البصري مقبول من الثالثة ولم يثبت أن له صحبة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته أرسل عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث إذا آخا الرجل الرجل قوله (ويروى عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو هذا الحديث ولا يصح إسناده) رواه

[ 62 ]

البيهقي في شعب الايمان ولفظه إذا آخيت رجلا فاسأله عن اسمه واسم أبيه فإن كان غائبا حفظته وإن كان مريضا عدته إن مات شهدته قال المناوي وفي إسناده ضعف قليل باب كراهية المدحة والمداحين قال في القاموس مدحه كمنعه مدحا ومدحه أحسن الثناء عليه كمدحه وامتدحه والمديح والمدحة والأمدوحة ما يمدح به انتهى قوله (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجوه المداحين التراب) قيل يؤخذ التراب ويرمى به في وجه المداح عملا بظاهر الحديث وقيل معناه الأمر بدفع المال إليهم إذا المال حقير كالتراب بالنسبة إلى العرض في كل باب أي أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم لئلا يهجوكم وقيل معناه أعطوهم عطاء قليلا فشبه لقلته بالتراب وقيل المراد منه أن يخيب المادح ولا يعطيه شيئا لمدحه والمراد زجر المادح والحث على منعه من المدح لأنه يجعل الشخص مغرورا ومتكبرا قال الخطابي المداحون هم الذين اتخذوا مدح الناس عادة وجعلوه بضاعة يستأكلون به الممدوح فأما من مدح الرجل على الفعل الحسن والأمر المحمود يكون منه ترغيبا له في أمثاله وتحريضا للناس على الاقتداء على أشباهه فليس بمداح وفي شرح الستة قد استعمل المقداد الحديث على ظاهره في تناول عين التراب وحثه في وجه المادح وقد يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان أي من تعرض لكم بالثناء والمدح فلا تعطوه واحرموه كني بالتراب عن الحرمان كقولهم ما في يده غير التراب وكقوله صلى الله عليه وسلم إذا جاءك يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا قلت الأولى أن يحمل الحديث على ظاهره كما حمله عليه رواية المقداد بن الأسود وإلا فالأولى أن يتأول على أن يكون معناه الخيبة والحرمان وأما ما سواه من التأويل ففيه بعد كما لا يخفى والله أعلم وقال الغزالي في المدح ست آفات أربع على المادح واثنتان على الممدوح أما

[ 63 ]

المادح فقد يفرط فيه فيذكره بما ليس فيه فيكون كذابا وقد يظهر فيه من الحب مالا يعتقده فيكون منافقا وقد يقول له مالا يتحققه فيكون مجازفا وقد يفرح الممدوح به وربما كان ظالما فيعصي بإدخال السرور عليه وأما الممدوح فيحدث فيه كبرا وإعجابا وقد يفرح فيفسد العمل قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم والبخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجه كذا في المرقاة قوله (وحديث مجاهد عن أبي معمر أصح) لأن حبيب بن أبي ثابت الذي رواه عن مجاهد ثقة فقيه جليل وأما يزيد بن أبي زياد الذي رواه عن مجاهد عن ابن عباس فهو ضعف كبر فتغير وصار يتلقن قوله (حدثنا محمد) ابن عثمان بن كرمة الكوفي ثقة من الحادية عشرة (عن سالم) بن عبد الله الخياط البصري نزل مكة وهو سالم مولى عكاشة وقيل هما اثنان صدوق سئ الحفظ من السادسة قوله (أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو) أي نرمي قوله (هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة) وهو منقطع لأن الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئا

[ 64 ]

باب ما جاء في صحبة المؤمن قوله (حدثني سالم بن غيلان) بفتح معجمة وسكون تحتية التجيبي المصري ليس به بأس من السابعة (أن الوليد بن قيس) بن الأخرم (التجيبي) بضم المثناة الفوقية ويجوز فتحها وكسر جيم وسكون مثناة تحت وحدة وبشدة ياء في الاخر منسوب إلى تجيب بن ثوبان بن سليم مقبول من الخامسة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روي عن أبي سعيد أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد انتهى قوله (قال سالم أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد) وسياق سند أبي داود هكذا حدثنا عمرو بن عون أنبأنا ابن المبارك عن حيوة بن شريح عن سالم بن غيلان عن الوليد بن قيس عن أبي سعيد أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد انتهى والحاصل أنه وقع الشك لسالم بن غيلان في أن الوليد بن قيس حدثه عن أبي سعيد بلا واسطة أو حدثه عن أبي الهيثم عن أبي سعيد قوله (لا تصاحب إلا مؤمنا) أي كاملا بلا مكملا أو المراد منه النهي عن مصاحبة الكفار والمنافقين لأن مصاحبتهم مضرة في الدين فالمراد بالمؤمن من جنس المؤمنين (ولا يأكل طعامك إلا تقي) أي متورع يصرف قوة الطعام إلى عبادة الله والنهي وإن نسب إلى التقي ففي الحقيقة مسند إلى صاحب الطعام فهو من قبيل لا أرينك ههنا فالمعنى لا تطعم طعامك إلا تقيا قال الخطابي هذا إنما جاء في طعام الدعوة دون طعام الحاجة وذلك أنه تعالى قال (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا) ومعلوم أن أسراهم كانوا كفارا غير مؤمنين وإنما حذر من صحبة من ليس بتقي وزجر عن مخالطته ومؤاكلته لأن المطاعم توقع الألفة والمودة في القلوب وقال الطيبي ولا يأكل نهي لغير التقي أن يأكل طعامه والمراد نهيه عن أن يتعرض لما لا يأكل التقي طعامه من كسب الحرام وتعاطي ما ينفر عنه التقي فالمعنى لا تصاحب إلا مطيعا ولا تخالل إلا تقيا انتهى قال القاري وهو في غاية من البهاء غير أنه لا يستقيم به وجه الحصر فالصواب ما قدمناه

[ 65 ]

قلت الأمر كما قال القاري قوله (هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه) وأخرجه أحمد وأبو داود والدارمي وابن حبان والحاكم وسكت عنه أبو داود والمنذري وقال المناوي أسانيده صحيحة باب ما جاء في الصبر على البلاء قوله (عن سعد بن سنان) قال في التقريب سعد بن سنان ويقال سنان ابن سعد الكندي المصري وصوب الثاني البخاري وابن يونس صدوق له أفراد من الخامسة قوله (إذا أراد الله بعبده الخير عجل) بالتشديد أي أسرع (له العقوبة) أي الإلبتلاء بالمكاره (في الدنيا) ليخرج منها وليس عليه ذنب ومن فعل ذلك معه فقد أعظم اللطف به والمنة عليه (أمسك) أي أخر (عنه) ما تستحقه من العقوبة (بذنبه) أي بسببه (حتى يوافي به يوم القيامة) أي حتى يأتي العبد بذنبه يوم القيامة قال الطيبي يعني لا يجازيه بذنبه حتى يجئ في الاخرة متوفر الذنوب وافيها فيستوفي حقه من العقاب قوله (إن عظم الجزاء) أي كثرته (مع عظم البلاء) بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما ويجوز ضمها مع سكون الظاء فمن ابتلاؤه أعظم فجزاؤه أعظم (ابتلاهم) أي اختبرهم بالمحن والرزايا (فمن رضي) بما ابتلاه به (فله الرضى) منه تعالى وجزيل الثواب (ومن سخط) بكسر الخاء أي كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب ومن

[ 66 ]

يعمل سوءا يجز به والمقصود الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه لا الترغيب في طلبه للنهي عنه قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) الظاهر أن الترمذي حسن الحديث الثاني ولم يحكم على الحديث الأول بشئ مع أنه أيضا حسن عنده لأن سندهما واحد وذكر السيوطي الحديث الأول في الجامع الصغير وعزاه إلى الترمذي والحاكم وذكر الحديث الثاني فيه أيضا وعزاه إلى الترمذي وابن ماجه وذكر المنذري الحديث الثاني في الترغيب وقال رواه ابن ماجه والترمذي وقال حديث حسن غريب قوله (سمعت أبا وائل يحدث يقول) كذا في بعض النسخ ولم يقع في بعضها لفظ يحدث وهو الظاهر قوله (ما رأيت الوجع) قال الحافظ في الفتح المراد بالوجع المرض والعرب تسمي كل وجع مرضا انتهى (منه) أي من الوجع (على رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي ما رأيت أحدا أشد وجعا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه قوله (أي الناس أشد) أي أكثر وأصعب (بلاء) أي محنة ومصيبة (قال الأنبياء) أي هم أشد في الابتلاء لأنهم يتلذذون بالبلاء كما يتلذذ غيرهم بالنعماء ولأنهم لو لم يبتلوا لتوهم فيهم الألوهية وليتوهن على الأمة الصبر على البلية ولأن من كان أشد بلاء كان أشد تضرعا والتجاء إلى الله تعالى (ثم الأمثل فالأمثل) قال الحافظ الأمثل أفعل من المثالة والجمع أماثل وهم الفضلاء وقال ابن الملك أي الأشرف فالأشرف والأعلى فالأعلى رتبة ومنزلة يعني من هو

[ 67 ]

أقرب إلى الله بلاؤه أشد ليكون ثوابه أكثر قال الطيبي ثم فيه للتراخي في الرتبة والفاء للتعاقب على سبيل التوالي تنزلا من الأعلى إلى الأسفل واللام في الأنبياء للجنس قال القاري ويصح كونها للاستغراق إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه ويدل عليه قوله (يبتلي الرجل على حسب دينه) أي مقداره ضعفا وقوة ونقصا وكمالا قال الطيبي الجملة بيان للجملة الأولى واللام في الرجل الاستغراق في الأجناس المتوالية (فإن كان) تفصيل للابتلاء وقدره (في دينه صلبا) بضم الصاد المهملة أي قويا شديدا وهو خبر كان واسمه ضمير راجع والجار متعلق بالخبر (اشتد بلاؤه) أي كمية وكيفية (وإن كان في دينه رقة) أي ذا رقة ويحتمل أن يكون رقة اسم كان أي ضعف ولين قال الطيبي جعل الصلابة صفة له والرقة صفة لدينه مبالغة وعلى الأصل قال القاري وكان الأصل في الصلب أن يستعمل في الجثث وفي الرقة أن تستعمل في المعاني ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة انتهى (ابتلى على قدر دينه) أي ببلاء هين سهل والبلاء في مقابلة النعمة فمن كانت النعمة عليه أكثر فبلاؤه أغزر (فما يبرح البلاء) أي ما يفارق أو ما يزال (بالعبد) أي الانسان (حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة) كناية عن خلاصه من الذنوب فكأنه كان محبوسا ثم أطلق وخلي سبيله يمشي ما عليه بأس قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والدارمي والنسائي في الكبرى وابن ماجه وابن حبان والحاكم كذا في الفتح قوله (ما يزال البلاء بالمؤمن) أي ينزل بالمؤمن الكامل (والمؤمنة) الواو بمعنى أو بدليل

[ 68 ]

إفراد الضمير في نفسه وماله وولده ووقع في المشكاة بالمؤمن أو المؤمنة قال القاري أو للتنويع ووقع في أصل ابن حجر بالواو فقال الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير وهو مخالف للنسخ المصححة والأصول المعتمدة (وولده) بفتح الواو واللام وبضم فسكون أي أولاده (حتى يلقى الله) أي يموت (وما عليه خطيئة) بالهمزة والإدغام أي وليس عليه سيئة لأنها زالت بسبب البلاء قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك في الموطإ عنه مرفوعا بلفظ ما يزال المؤمن يصاب في ولده وخاصته حتى يلقى الله وليست له خطيئة وأخرجه أيضا أحمد وابن أبي شيبة بلفظ لا يزال البلاء بالمؤمن حتى يلقى الله وليس عليه خطيئة كذا في الفتح وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث أبي هريرة هذا رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم انتهى قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري وأما حديث أخت حذيفة بن اليمان فأخرجه النسائي وصححه الحاكم وأخت حذيفة اسمها فاطمة بنت اليمان صرح به الحافظ في الفتح باب ما جاء في ذهاب البصر قوله (إن الله يقول إذا أخذت كريمتي عبدي) أي أعمت عينه الكريمتين عليه وإنما سميتا بها لأنه لا أكرم عند الانسان في حواسه منها (لم يكن له جزاء عندي إلا الجنة) أي دخولها مع السابقين أو بغير عذاب لأن العمى من أعظم البلايا وهذا قيده في حديث أبي هريرة الاتي بما إذا صبر واحتسب

[ 69 ]

قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وزيد بن أرقم) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في هذا الباب وأما حديث زيد بن أرقم فأخرجه البزار من رواية جابر الجعفي بلفظ ما ابتلى عبد بعد ذهاب دينه بأشد من ذهاب بصره ومن ابتلى ببصره فصبر حتى يلقى الله لقي الله تبارك وتعالى ولا حساب عليه قال الحافظ في الفتح وأصله عند أحمد بغير لفظه بسند جيد انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه البخاري ولفظه إن الله قال إذا ابتليت عبدي بحيبتيه فصبر عوضته منهما الجنة بريد عينيه قوله (من أذهبت حبيبتيه) بالثنية قال الحافظ وقد فسرهما آخر الحديث بقوله يريد عينيه والمراد بالحبيبتين المحبوبتان لأنهما أحب أعضاء الانسان إليه لما يحصل له بفقدهما من الأسف على فوات رؤية ما يريد رؤيته من خير فيسر به أو شر فيجتنبه (فصبر واحتسب) قال الحافظ المراد أنه يصبر مستحضرا ما وعد الله به الصابر من الثواب لا أن يصبر مجردا عن ذلك لأن الأعمال بالنيات وابتلاء الله عبده في الدنيا ليس من سخطه عليه بل إما لدفع مكروه أو لكفارة ذنوب أو لرفع منزلة فإذا تلقى ذلك بالرضا تم له المراد وإلا يصير كما جاء في حديث سلمان إن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه فلا يدري لم عقل ولم أرسل أخرجه البخاري في الأدب المفرد موقوفا انتهى (لم أرض له ثوابا دون الجنة) قال الحافظ وهذا أعظم العوض لأن الالتذاذ بالصبر يفنى بفناء الدنيا والالتذاذ بالجنة باق ببقائها وهو شامل لكل من وقع له ذلك بالشرط المذكور ووقع في حديث أبي أمامة فيه قيد آخر أخرجه البخاري في الأدب المفرد بلفظ إذا أخذت كريمتيك فصبرت عند الصدمة واحتسبت فأشار إلى أن الصبر النافع هو ما يكون في وقوع البلاء فيفوض ويسلم وإلا فمتى تضجر وتقلق في أول وهلة ثم يئس فيصبر لا يكون حصل المقصود وقد مضى حديث أنس في الجنائز إنما الصبر عند الصدمة الأولى وقد وقع في حديث العرباض فيما صححه ابن حبان فيه بشرط اخر ولفظه إذا سلبت من عبدي كريمتيه وهو بهما ضنين لم أرض له ثوابا دون الجنة

[ 70 ]

إذا هو حمدني عليهما ولم أر هذه الزيادة في غير هذه الطريق وإذا كان ثواب من وقع له ذلك الجنة فالذي له أعمال صالحة أخرى يزاد في رفع الدرجات انتهى قوله (وفي الباب عن عرباض بن سارية) أخرجها ابن حبان في صحيحه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن حبان في صحيحه بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يذهب الله بحبيبتي عبد فيصبر ويحتسب إلا أدخله الله الجنة باب قوله (ويوسف بن موسى) بن راشد القطان البغدادي أبو يعقوب الكوفي نزيل الري ثم بغداد صدوق من العاشرة (أخبرنا عبد الرحمن بن مغراء) كذا في نسخ الترمذي بالمد وكذا في تهذيب التهذيب والخلاصة ولكن ضبطه الحافظ في التقريب بالقصر فقال عبد الرحمن بن مغرا بفتح الميم وسكون المعجمة ثم راء مقصورا الدوسي (أبو زهير) بالتصغير الكوفي نزيل الري صدوق تكلم في حديثه عن الأعمش من كبار التاسعة قوله (يود) أي يتمنى (أهل العافية) أي في الدنيا (يوم القيامة) ظرف يود (حين يعطى) على البناء للمفعول (الثواب) مفعول ثان أي كثير أو بلا حساب لقوله تعالى (إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب) (قرضت) بالتخفيف ويحتمل التشديد للمبالغة والتأكيد أي قطعت (في الدنيا) قطعة قطعة (بالمقاريض) جمع المقراض ليجدوا ثوابا كما وجد أهل البلاء قال الطيبي الود محبة الشئ وتمنى كونه له ويستعمل في كل واحد من المعنيين من المحبة والتمني وفي الحديث هو من المودة التي هي بمعنى التمني وقوله لو أن الخ نزل منزلة مفعول يود كأنه قيل يود أهل العافية ما يلازم لو أن جلودهم كانت مقرضة في الدنيا وهو الثواب المعطى قال ميرك ويحتمل أن مفعول يود الثواب على طريق التنازع وقوله لو أن جلودهم حال أي متمنين أن جلودهم الخ أو قائلين لو أن جلودهم على طريقة الالتفات من التكلم إلى الغيبة قوله (هذا حديث غريب) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه

[ 71 ]

الترمذي وابن أبي الدنيا من رواية عبد الرحمن بن مغرا وبقية رواته ثقات وقال الترمذي حديث غريب ورواه الطبراني في الكبير عن ابن مسعود موقوفا عليه وفيه رجل لم يسم انتهى قوله (أخبرنا يحيى بن عبيد الله) بن عبد الله بن موهب التميمي المدني متروك وأفحش الحاكم فرماه بالوضع من السادسة (قال سمعت أبي) أي عبيد الله بن عبد الله بن موهب التميمي المدني مقبول من الثالثة قوله (ما من أحد يموت إلا ندم) بكسر الدال أي تأسف واغتم فعلى كل أحد أن يغتنم الحياة قبل الممات وأن يستبق الخيرات قبل الوفاة (قالوا وما ندامته) أي وما وجه تأسف كل أحد (إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد) أي خيرا من عمله (وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون نزع) أي أقلع عن الذنوب ونزع نفسه عن ارتكاب المعاصي وتاب وصلح حاله قوله (هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه) وهو ضعيف (ويحيى بن عبيد الله قد تكلم فيه شعبة) قال في تهذيب التهذيب قال علي بن المديني سألت يحيى يعني ابن سعيد عن يحيى بن عبيد الله فقال قال شعبة رأيته يصلي صلاة لا يقيمها فتركت حديثه وذكر الحافظ فيه جروح أئمة الحديث فإن شئت الوقوف عليها فارجع إليه قوله (يختلون الدنيا بالدين) أي يطلبون الدنيا بعمل الاخرة يقال ختله يختله ويختله ختلا وختلانا إذا خدعه وراوغه وختل الذئب الصيد إذا تخفى له (يلبسون للناس جلود

[ 72 ]

الضأن من اللين) كناية عن إظهار اللين مع الناس وقال القاري المراد بجلود الضأن عينها أو ما عليها من الصوف وهو الأظهر فالمعنى أنهم يلبسون الأصواف ليظنهم الناس زهادا وعبادا تاركين الدنيا راغبين في العقبى وقوله من اللين أي من أجل إظهار التلين والتلطف والتمسكن والتقشف مع الناس وأرادوا به قلت حقيقة الأمر التملق والتواضع في وجوه الناس ليصيروا مريدين لهم ومعتقدين لأحوالهم انتهى (أحلى من السكر) بضم السين المهملة وتشديد الكاف معرب شكر (وقلوبهم قلوب الذئاب) أي مسودة شديدة في حب الدنيا والجاه (أبي تغترون) الهمزة الاستفهام أي أبحلمي وإمهالي تغترون والاغترار هنا عدم الخوف من الله وإهمال التوبة والاسترسال في المعاصي والشهوات (أم علي تجترئون) أم منقطعة اضرب إلى ما هو أشنع من الاغترار بالله أي تعملون الصالحات ليعتقد فيكم الصلاح فيجلب إليكم الأموال وتخدمون (فبي حلفت) أي بعظمتي وجلالي لا بغير ذلك (لأبعثن) من البعث أي لأسلطن ولأقضين (على أولئك) أي الموصوفين بما ذكر (منهم) أي مما بينهم بتسليط بعضهم على بعض (فتنة تدع الحليم) أي تترك العالم الحازم فضلا عن غيره (حيرانا) كذا في النسخ الحاضرة بالتنوين وذكر المنذري هذا الحديث في الترغيب نقلا عن الترمذي وفيه حيران بغير التنوين وكذلك في المشكاة وهو الظاهر أي حال كونه متحيرا في الفتنة لا يقدر على دفعها ولا على الخلاص منها لا بالاقامة فيها ولا بالفرار منها قال الأشرف من في منهم يجوز أن يكون للتبيين بمعنى الذين والاشارة إلى الرجال وتقديره على أولئك الذين يختلون الدنيا بالدين وأن يجعل متعلقا بالفتنة أي لأبعثن على الرجال الذين يختلون الدنيا بالدين فتنة ناشئة منهم كذا في المرقاة وهذا الحديث أيضا ضعيف لأن في سنده أيضا يحيى ابن عبيد الله قوله (وفي الباب عن ابن عمر) أخرجه الترمذي بعد هذا قوله (حدثنا أحمد بن سعيد) بن صخر الدارمي أبو جعفر السرخسي ثقة حافظ من الحادية عشرة (حدثنا محمد بن عباد) بن الزبرقان المكي نزيل بغداد صدوق يهم من العاشرة

[ 73 ]

(أخبرنا حمزة بن أبي محمد) المدني ضعيف من السابعة كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته له في الترمذي حديث واحد في خلق قوم ألسنتهم أحلى من العسل قال أبو حاتم ضعيف الحديث منكر الحديث لم يرو عنه غير حاتم انتهى قوله (لقد خلقت خلقا) أي من الادميين (ألسنتهم أحلى من العسل) فيها يملقون ويداهنون (وقلوبهم أمر من الصبر) قال في القاموس الصبر ككتف ولا يسكن إلا في ضرورة شعر عصارة شجر مر أي فيها يمكرون وينافقون (لأنيحنهم) بمثناة فوقية فمثناة تحتية فحاء مهملة فنون أي لأقدرن لهم من أتاح له كذا أي قدر له وأنزل به (فتنة) أي ابتلاء وامتحانا (تدع الحليم) بفتح الدال أي تتركه (منهم حيرانا) أي تترك العاقل منهم متحيرا لا يمكنه دفعها ولا كف شرها (فبي يغترون) بتقدير همزة الاستفهام قوله (هذا حديث حسن غريب) ذكر المنذري في الترغيب هذا الحديث ونقل تحسين الترمذي وأقره اعلم أن حديث ابن عمر هذا وحديث أبي هريرة الذي قبله لا مناسبة لهما بباب ذهاب البصر ولعله سقط قبلهما باب يناسب هذين الحديثين باب ما جاء في حفظ اللسان قوله (عن عقبة بن عامر) الجهني صحابي مشهور اختلف في كنيته على سبعة أقوال أشهرها أبو حماد ولي إمرة مصر لمعاوية ثلاث سنين وكان فقيها فاضلا

[ 74 ]

قوله (ما النجاة) أي ما سببها (قال أملك عليك لسانك) أمر من الملك قال في القاموس ملكه يملكه ملكا مثلثة احتواه قادرا على الاستبداد به وأملكه الشئ وملكه إياه تمليكا بمعنى انتهى قال الطيبي أي أحفظه عما لا خير فيه وقال صاحب النهاية أي لا تجره إلا بما يكون لك لا عليك وقال القاري في المرقاة وقع في النسخ المصححة يعني من المشكاة أملك بصيغة المزيدة مضبوطة انتهى قلت الظاهر من حيث المعنى هو أملك من الثلاثي المجرد وأما أملك من باب الأفعال فلا يستقيم معناه هنا إلا بتكلف (وليسعك) بكسر اللام أمر من وسع يسع قال الطيبي الأمر في الظاهر وارد على البيت وفي الحقيقة على المخاطب أي نعرض لما هو سبب هزوم البيت من الاشتعال بالله والمؤانسة بطاعته والخلوة عن الأغيار (وابك على خطيئتك) قال الطيبي من بكى معنى الندامة وعداه يعلى أي اندم على خطيئتك باكيا قوله (هذا حديث حسن) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وابن أبي الدنيا في العزلة وفي الصمت والبيهقي في كتاب المزهد وغيره كلهم من طريق عبيد الله بن زحر عن علي بن يزيد عن القاسم عن أبي أمامة عنه وقال الترمذي حديث حسن غريب انتهى قوله (عن أبي الصهباء) قال في تهذيب التهذيب أبو الصهباء الكوفي عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري رفعه إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان الحديث وعنه حماد بن زيد وغيره ذكره ابن حبان في الثقات انتهى وقال في التقريب مقبول من السادسة قوله (إذا أصبح ابن آدم) أي دخل في الصباح (فإن الأعضاء) جمع عضو كل عظم وافر بلحمه (كلها) تأكيد (تكفر اللسان) بتشديد الفاء المكسورة أي نتذلل وتتواضع له من قولهم

[ 75 ]

كفر اليهودي إذا خضع مطاطأ رأسه وانحنى لتعظيم صاحبه كذا قيل وقال في النهاية التكفير هو أن ينحني الانسان ويطأطئ رأسه قريبا من الركوع كما يفعل من يريد تعظيم صاحبه (فتقول) أي الأعضاء له حقيقة أو هو مجاز بلسان الحال (اتق الله فينا) أي خفه في حفظ حقوقنا (فإنا نحن بك) أي نتعلق ونستقيم ونعوج بك (فإن استقمت) أي اعتدلت (استقمنا) أي اعتدلنا تبعا لك (وإن اعوججت) أي ملت عن طريق الهدى (اعوججنا) أي ملنا عنه اقتداء بك قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وبين قوله صلى الله عليه وسلم إن في الجسد لمضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب قلت اللسان ترجمان القلب وخليفته في ظاهر البدن فإذا أسند إليه الأمر يكون على سبيل المجاز في الحكم كما في قولك شفي الطبيب المريض قال الميداني في قوله المرء بأصغريه يعني بهما القلب واللسان أي يقوم ويكمل معانيه بهما وأنشد لزهير وكائن ترى من صامت لك معجب * زيادته أو نقصه في التكلم لسان الفتى نصف ونصف فؤاده * فلم يبق إلا صورة اللحم والدم انتهى قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث حماد بن زيد) وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والبيهقي في شعب الايمان وابن أبي الدنيا قوله (حدثنا عمر بن علي) بن عطاء بن مقدم المقدمي بصري أصله واسطي ثقة وكان يدلس شديدا من الثامنة قوله (من يتوكل لي) بالجزم على أن من شرطية قال في النهاية توكل بالأمر إذا ضمن القيام به وقيل هو بمعنى تكفل انتهى وفي رواية للبخاري من يضمن لي قال الحافظ

[ 76 ]

بفتح أوله وسكون الضاد المعجمة والجزم من الضمان بمعنى الوفاء بترك المعصية فأطلق الضمان وأراد لازمه وهو أداء الحق الذي عليه فالمعنى من أدى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه أو الصمت عما لا يعنيه وأدى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال انتهى (ما بين لحييه) بفتح اللام وسكون الحاء والتثنية هما العظمان اللذان ينبت عليهما الأسنان علوا وسفلا قال الحافظ والمراد بما بين اللحيين اللسان وما يتأتى به النطق وبما بين الرجلين الفرج وقال ابن بطال دل الحديث على أن أعظم البلاء على المرء في الدنيا لسانه وفرجه فمن وقى شرهما وقى أعظم الشر انتهى ما في الفتح (أتوكل له) بالجزم جواب الشرط وهو من باب المقابلة (بالجنة) أي دخولها أولا أو درجاتها العالية قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وابن عباس) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث ابن عباس فلينظر من أخرجه قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري في كتاب الرقاق وفي كتاب المحاربين قوله (من وقاه الله شر ما بين لحييه وشر ما بين رجليه) أراد شر لسانه وفرجه (دخل الجنة) أي بغير عذاب أو مع السابقين قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه ورواه ابن أبي الدنيا إلا أنه قال من حفظ ما بين لحييه انتهى قوله (وأبو حازم الذي روى عن سهل بن سعد هو أبو حازم الزاهد مديني واسمه

[ 77 ]

سلمة بن دينار) قال في التقريب سلمة بن دينار أبو حازم الأعرج التمار المدني القاص مولى الأسود بن سفيان ثقة عابد من الخامسة (وأبو حازم الذي روى عن أبي هريرة اسمه سلمان الأشجعي الخ) تقدم ترجمته قوله (عن عبد الرحمن بن ماعز) قال في التقريب عبد الرحمن بن ماعز ويقال محمد بن عبد الرحمن بن ماعز ويقال ماعز بن عبد الرحمن اختلف علي الزهري في ذلك والأول أقوى مقبول من الثالثة (عن سفيان بن عبد الله) بن ربيعة بن الحارث الثقفي الطائفي صحابي وكان عامل عمر على الطائف قوله (حدثني بأمر أعتصم به) أي أستمسك به (قال قل ربي الله ثم استقم) هو لفظ جامع لجميع الأوامر والنواهي فإنه لو ترك أمرا أو فعل منهيا فقد عدل عن الطريق المستقيمة حتى يتوب ومنه (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا) فإن من رضي بالله ربا يؤدي مقتضيات الربوبية ويحقق مراضيه ويشكر نعماءه (ما أخوف ما تخاف علي) ما الأولى استفهامية مبتدأ خبره أخوف وهو اسم تفضيل بني للمفعول نحو أشهد وألوم وأشغل وما الثانية مضاف إليه خوف وهي موصولة والعائد محذوف أي أي شئ أخوف أشياء تخاف منها علي وقال الطيبي ما في ما تخاف يجوز أن تكون موصولة أو موصوفة وأن تكون مصدرية على طريقة جد جده وجن جنونه وخشيت خشيته (فأخذ) أي النبي صلى الله عليه وسلم (بلسان نفسه) الباء زائدة لمزيد التعدية (ثم قال هذا) هو مبتدأ أو خبر والمعنى هذا أكثر خوفي عليك منه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد كذا في الترغيب

[ 78 ]

قوله (حدثنا أبو عبد الله محمد) بن عبد الله بن إسماعيل (بن أبي ثلج) بمثلثة وجيم (البغدادي) أصله من الري صدوق من الحادية عشرة (حدثنا علي ابن حفص) المدائني نزيل بغداد صدوق من التاسعة (أخبرنا إبراهيم بن عبد الله) ابن الحارث (بن حاطب) الجمحي صدوق روى مراسيل من السابعة قوله (لا تكثر الكلام بغير ذكر الله) فيه إشارة إلى أن بعض الكلام مباح وهو ما يعنيه (فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة) أي سبب قساوة (للقلب) وهي النبو عن سماع الحق والميل إلى مخالطة الخلق وقلة الخشية وعدم الخشوع والبكاء وكثرة الغفلة عن دار البقاء (وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي) أي صاحبه أو التقدير أبعد قلوب الناس القلب القاسي أو أبعد الناس من له القلب القاسي قال الطيبي رحمه الله ويمكن أن يعبر بالقلب عن الشخص لأنه به كما قيل المرء بأصغريه أي بقلبه ولسانه فلا يحتاج إذا إلى حذف الموصول مع بعض الصلة قال تعالى ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة الاية وقال عز وجل ألم يأن للذين امنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم قوله (حدثني أبو النضر) اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قصر ثقة ثبت من التاسعة قوله (هذا حديث غريب الخ) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي والبيهقي وقال الترمذي حديث حسن غريب

[ 79 ]

قوله (سمعت سعيد بن حسان المخزومي) المكي قاص أهل مكة صدوق له أوهام من السادسة (حدثتني أم صالح) بنت صالح لا يعرف حالها من السابعة (عن صفية بنت شيبة) بن عثمان بن أبي طلحة العبدرية لها رؤية وحدثت عن عائشة وغيرها من الصحابة وفي البخاري التصريح بسماعها من النبي صلى الله عليه وسلم وأنكر الدارقطني إدراكها كذا في التقريب قوله (كلام ابن ادم عليه) أي ضرره ووباله عليه وقيل يكتب عليه (لا له) أي ليس له نفع فيه أو لا يكتب له ذكره تأكيدا (إلا أمر بمعروف) مما فيه نفع الغير مع الأوامر الشرعية (أو نهى عن المنكر) مما فيه موعظة الخلق من الأمور المنهية (أو ذكر الله) أي ما فيه رضا الله من الأذكار الالهية قال القاري وظاهر الحديث أنه لا يظهر في الكلام نوع يباح للأنام اللهم إلا أن يحمل على المبالغة والتأكيد في الزجر عن القول الذي ليس بسديد وقد يقال إن قوله لا له تفسير لقوله عليه ولا شك أن المباح ليس له نفع في العقبى أو يقال التقدير كل كلام ابن آدم حسرة عليه لا منفعة له فيه إلا المذكورات وأمثالها فيوافق بقية الأحاديث المذكورة فهو مقتبس من قوله تعالى (لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس) وبه يرتفع اضطراب الشراح في أمر المباح انتهى كلام القاري قوله (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ حسن غريب وأخرجه ابن ماجه والحاكم والبيهقي في شعب الايمان قال المنذري في الترغيب رواته ثقات وفي محمد بن يزيد كلام قريب لا يقدح وهو شيخ صالح انتهى

[ 80 ]

باب قوله (أخبرنا جعفر بن عون) بن جعفر بن عمرو بن حريث المخزومي صدوق من التاسعة (حدثنا أبو العميس) بمهملتين مصغرا اسمه عتبة بن عبد الله ابن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي ثقة من السابعة (عن أبيه) هو أبو جحيفة واسمه وهب بن عبد الله السوائي ويقال اسم أبيه وهب أيضا مشهور بكنيته ويقال له وهب الخير صحابي معروف وصحب عليا قوله (آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء) أي جعل بينهما أخوة قال الحافظ في الفتح ذكر أصحاب المغازي أن المواخاة بين الصحابة وقعت مرتين الأولى قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمناصرة فكان من ذلك أخوة زيد بن حارثة وحمزة بن عبد المطلب ثم آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر وذلك بعد قدومه المدينة وسيأتي في أولى كتاب البيع حديث عبد الرحمن بن عوف لما قدمنا المدينة آخى النبي صلى الله عليه وسلم بيني وبين سعد بن الربيع وذكر الواقدي أن ذلك كان بعد قدومه صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر والمسجد يبنى انتهى (فزار سلمان أبا الدرداء) يعني في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فوجد أبا الدرداء غائبا (متبذلة) بفتح الفوقية والموحدة وتشديد الذال المعجمة المكسورة أي لابسة ثياب البذلة بكسر الموحدة وسكون الذل وهي المهنة وزنا ومعنى والمراد أنها تاركة للبس ثياب الزينة وعند أبي نعيم في الحلية فرأى امرأته رثة الهيئة قال الحافظ وأم الدرداء هذه هي خيرة بفتح المعجمة وسكون التحتانية بنت أبي حدرد الاسلمية صحابية بنت صحابي وحديثها عن النبي صلى الله عليه وسلم في مسند أحمد وغيره وماتت أم الدرداء هذه قبل أبي الدرداء ولأبي الدرداء أيضا امرأة أخرى يقال لها أم الدرداء تابعية اسمها هجيمة عاشت بعد دهرا وروت عنه انتهى (ما شأنك متبذلة) بالنصب على الحالية (ليس له حاجة في الدنيا) وفي رواية الدارقطني من وجه اخر عن جعفر بن عون في نساء الدنيا وزاد فيه ابن خزيمة عن يوسف بن موسى عن جعفر بن عون يصوم النهار

[ 81 ]

ويقوم الليل (فقال) أي أبو الدرداء (كل فإني صائم قال) أي سلمان ما أنا بآكل حتى تأكل وفي رواية البزار عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه فقال وأقسمت عليك لتفطرن وغرض سلمان من هذا الإباء أن يصرفه عن رأيه فيما يصنعه من جهد نفسه في العبادة وغير ذلك مما شكته إليه امرأته (فأكل) أي أبو الدرداء (فلما كان الليل) أي في أوله وفي رواية بن خزيمة ثم بات عنده (ذهب) أي أراد وشرع (فقال له سلمان تم) زاد ابن سعد من وجه آخر مرسل فقال له أبو الدرداء اتمنعني أن أصوم لربي وأصلي لربي (فقاما فصليا) في رواية الطبراني فقاما فتوضأ ثم ركعا ثم خرجا إلى الصلاة (وإن لأهلك عليك حقا) أي لزوجك عليك حقا زاد الدارقطني فصم وافطر وصل ونم وائت أهلك (فأتيا النبي صلى الله عليه وسلم فذكرا ذلك له) وفي رواية الدارقطني ثم خرجا إلى الصلاة فدنا أبو الدرداء ليخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالذي قال له سلمان فقال له يا أبا الدرداء إن لجسدك عليك حقا مثل ما قال سلمان ففي هذه الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أشار إليهما بأنه علم بطريق الوحي ما دار بينهما وليس ذلك في رواية محمد بن بشار فيحتمل الجمع بين الأمرين أنه كاشفهما بذلك أولا ثم اطلعه أبو الدرداء على صورة الحال فقال له صدق سلمان وفي هذا الحديث من الفوائد مشروعية المواخاة في الله وزيارة الإخوان والمبيت عندهم وجواز مخاطبة الأجنبية للحاجة والسؤال عما يترتب عليه المصلحة وإن كان في الظاهر لا يتعلق بالسائل وفيه النصح للمسلم وتنبيه من أغفل وفيه فضل قيام آخر الليل وفيه مشروعية تزيين المرأة لزوجها وثبوت حق المرأة على الزوج وحسن العشرة وقد يؤخذ منه ثبوت حقها في الوطء لقوله ولأهلك عليك حقا ثم قال وائت أهلك كما في رواية الدارقطني وقرره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وفيه جواز النهي عن المستحبات إذا خشي أن ذلك يفضي إلى السامة والملل وتفويت الحقوق المطلوبة الواجبة أو المندوبة الراجح فعلها على فعل المستحب المذكور وأن الوعيد الوارد على من نهي مصليا عن الصلاة مخصوص بمن نهاه ظلما وعدوانا وفيه كراهية الحمل على النفس في العبادة كذا في الفتح قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري

[ 82 ]

باب قوله (عن عبد الوهاب بن الورد) بفتح الواو وسكون الراء القرشي مولاهم المكي ثقة عابد من كبار السابعة ولقب عبد الوهاب هذا وهيب قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته واسمه عبد الوهاب ووهيب لقب قوله (من التمس) أي طلب (بسخط الناس) السخط والسخط والسخط والمسخط الكراهة للشئ وعدم الرضا به (كفاه الله مؤنة الناس) لأنه جعل نفسه من حزب الله وهو لا يخيب من التجأ إليه ألا إن حزب الله هم المفلحون (وكله الله إلى الناس) أي سلط الله الناس عليه حتى يؤذوه ويظلموا عليه قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي ولم يسم الرجل ثم روي بإسناده عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أنها كتبت إلى معاوية قال فذكر الحديث بمعناه ولم يرفعه وروى ابن حبان في صحيحه المرفوع منه فقط ولفظه قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من التمس رضا الله بسخط الناس رضي الله عنه وأرضى عنه الناس ومن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناس انتهى

[ 83 ]

أبواب صفة القيامة باب ما جاء في شأن الحساب والقصاص قوله (ما منكم من رجل) من مزيدة لاستغراق النفي والخطاب للمؤمنين (إلا سيكلمه ربه) أي بلا واسطة والاستثناء مفرغ من أعم الأحوال (وليس بينه وبينه) أي بين الرب والعبد (ترجمان) بفتح الفوقية وسكون الراء وضم الجيم وكزعفران على ما في القاموس أي مفسر للكلام بلغة عن لغة يقال ترجمت عنه والفعل يدل على أصالة التاء وفي التهذيب التاء أصلية وليست بزائدة والكلمة رباعية (ثم ينظر) أي ذلك العبد أيمن منه أي من ذلك الموقف وقيل ضمير منه راجع إلى العبد والمال واحد والمعنى ينظر في الجانب الذي على يمينه (فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه) أي من عمله الصالح وفي المشكاة فلا يرى إلا ما قدم من عمله (ثم ينظر أشأم منه) أي في الجانب الذي في شماله (فلا يرى شيئا إلا شيئا قدمه) أي من عمله السئ وإن النصب في أيمن وأشأم على الظرفية والمراد بهما اليمين والشمال فقيل نظر اليمين والشمال هنا كالمثل لأن الانسان من شأنه إذا دهمه أمر أن يلتفت يمينا وشمالا يطلب الغوث قال الحافظ ويحتمل أن يكون سبب الالتفات أنه يترجى أن يجد طريقة يذهب فيها ليحصل له النجاة من النار فلا يرى إلا ما يفضي به إلى النار (ثم ينظر تلقاء وجهه فتستقبله النار) قال ابن هبيرة

[ 84 ]

والسبب في ذلك أن النار تكون في ممره فلا يمكنه أن يحيد عنها إذ لا بد له من المرور على الصراط (ولو بشق تمرة) أي ولو بمقدار نصفها أو ببعضها والمعنى ولو بشئ يسير منها أو من غيرها وفي رواية البخاري اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة قال الحافظ أي اجعلوا بينكم وبينها وقاية من الصدقة وعمل البر ولو بشئ يسير قوله (حدثنا أبو السائب) اسمه سلم بن جنادة بن سلم السوائي بضم المهملة بالكوفي ثقة ربما خالف من العاشرة (فليحتسب) أي فليطلب الثواب من الله تعالى (في إظهار هذا الحديث بخراسان) إنما خص وكيع بإظهار هذا الحديث بخراسان لأنه كان فيها الجهمية النافون لصفات الله تعالى (لأن الجهمية ينكرون هذا) أي كلام الله تعالى قال الكرماني الجهمية فرقة من المبتدعة ينتسبون إلى جهم بن صفوان مقدم الطائفة القائلة أن لا قدرة للعبد أصلا وهم الجبرية بفتح الجيم وسكون الموحدة ومات مقتولا في زمن هشام بن عبد الملك انتهى قال الحافظ وليس الذي أنكروه على الجهمية مذهب الجبر خاصة وإنما الذي أطبق السلف على ذمهم بسببه إنكار الصفات حتى قالوا إن القران ليس كلام الله وإنه مخلوق قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (حدثنا حصين بن نمير أبو محصن) الواسطي الضرير كوفي الأصل لا بأس به رمى بالنصب من الثامنة (أخبرنا حسين بن قيس الرحبي) أبو علي الواسطي لقيه حنش بفتح المهملة والنون ثم معجمة متروك من السادسة

[ 85 ]

قوله (حتى يسأل عن خمس) قال الطيبي رحمه الله أنثه بتأويل الخصال (عن عمره) بضمتين ويسكن الميم أي عن مدة أجله (فيما أفناه) أي صرفه (وعن شبابه) أي قوته في وسط عمره (فيما أبلاه) أي ضيعه وفيه تخصيص بعد تعميم وإشارة إلى المسامحة في طرفيه من حال صغره وكبر وقال الطيبي فإن قلت هذا داخل في الخصلة الأولى فما وجهه قلت المراد سؤاله عن قوته وزمانه الذي يتمكن منه على أقوى العبادة (وعن ماله من أين اكتسبه) أي أمن حرام أو حلال (وفيما أنفقه) أي طاعة أو معصية (وماذا عمل فيما علم) قال القاري لعل العدول عن الأسلوب للتفنن في العبارة المؤدية للمطلوب وقال الطيبي إنما غير السؤال في الخصلة الخامسة حيث لم يقل وعن عمله ماذا عمل به لأنها أهم شئ وأولاه وفيه إيذان بأن العلم مقدمة العمل وهو لا تعتد به لولا العمل انتهى قوله (هذا حديث غريب) وضعيف لأن في سنده حسين بن قيس وهو متروك كما عرفت وضعفه الترمذي أيضا قوله (وفي الباب عن أبي برزة وأبي سعيد) أما حديث أبي برزة فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث أبي سعيد فأخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور كذا في المشكاة قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي صاحب المسند (أخبرنا الأسود بن عامر) الشامي نزيل بغداد يكنى أبا عبد الرحمن ويلقب شاذان ثقة من التاسعة

[ 86 ]

قوله (وعن جسمه فيم أبلاه) كأنه من بلي الثوب وأبلاه كان الشباب في قوته كالثوب الجديد فلما ولى الشباب وضعف البدن فكأنما بلي قوله (هذا حديث حسن صحيح) ذكره المنذري في الترغيب وأقر تصحيح الترمذي (هو مولى أبي برزة الأسلمي) قال في التقريب سعيد بن عبد الله بن جريج بجيمين وراء مصغرا بصري صدوق ربما وهم من الخامسة (وأبو برزة الأسلمي اسمه ضلة بن عبيد) صحابي مشهور بكنيته أسلم قبل الفتح وغزا سبع غزوات ثم نزل البصرة وغزا خراسان ومات بها سنة خمس وستين على الصحيح قوله (أتدرون) أي أتعلمون وهذا سؤال إرشاد لا استعلام ولذلك قال إن المفلس كذا وكذا (فينا) أي فيما بيننا (من لا درهم) أي من نقد (له) أي ملكا (ولا متاع) أي مما يحصل به النقد ويتمتع به من الأقمشة والعقار والجواهر والعبيد والمواشي وأمثال ذلك والحاصل أنهم أجابوا بما عندهم من العلم بحسب عرف أهل الدنيا كما يدل عليه قولهم فينا غفلوا عن أمر الاخرة وكان حقهم أن يقولوا الله ورسوله أعلم لأن المعنى الذي ذكروه كان واضحا عنده صلى الله عليه وسلم (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المفلس) أي الحقيقي أو المفلس في الاخرة (من أمتي) أي أمة الإجابة ولو كان غنيا في الدنيا بالدرهم والمتاع (من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة) أي مقبولات والباء للتعدية أي مصحوبا بها (ويأتي) أي ويحضر أيضا (قد شتم هذا) أي حال كونه قد شتم هذا (وقذف هذا) أي بالزنا ونحوه (وأكل مال هذا) أي بالباطل (وسفك دم هذا) أي

[ 87 ]

أراق دم هذا بغير حق (وضرب هذا) أي من غير استحقاق أو زيادة على ما يستحقه والمعنى جمع بين تلك العبادات وهذه السيئات (فيقعد) أي المفلس (فيقتص هذا من حسناته) أي يأخذ هذا من حسناته قصاصا قال النووي يعني حقيقة المفلس هذا الذي ذكرت وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه مفلسا وليس هذا حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما انقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته بخلاف ذلك المفلس فإنه يهلك الهلاك التام قال المازري زعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض بقوله تعالى (ولا تزر وازرة وزر أخرى) وهو باطل وجهالة بينه لأنه إنما عوقب بفعله ووزره فتوجهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت إليهم من حسناته فلما فرغت حسناته أخذ من سيئات خصومه فوضعت عليه فحقيقة العقوبة مسبة عن ظلمه ولم يعاقب بغير جناية منه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (عن زيد بن أبي أنيسة) بضم الهمزة وفتح النون مصغرا الغنوي أبي أسامة الجزري ثقة من السادسة قوله (كانت لأخيه) أي في الدين (عنده مظلمة) بكسر اللام ويفتح اسم ما أخذه الظالم أو تعرض له (في عرض) بكسر العين هو موضع المدح والذم من الإنسان سواء كان في نفسه أو سلفه أو من يلزمه أمره وقيل هو جانبه الذي يصونه من نفسه ونسبه وحسبه ويحامي عنه أن ينتقص ويثلب وقيل نفسه وبدنه لا غير (فجاءه) أي جاء الظالم المظلوم (فاستحله) قال في النهاية يقال تحللته واستحللته إذا سألته أن يجعلك في حل (قيل أن يؤخذ) قال المناوي أي تقبض روحه (وليس ثم) أي هناك يعني في القيامة (دينار ولا درهم) يقضي به (فإن كانت له

[ 88 ]

حسنات أخذ من حسناته) أي فيوفي منها لصاحب الحق (وإن لم تكن له حسنات) أو لم تف بما عليه (حملوا عليه من سيئاتهم) أي ألقي أصحاب الحقوق من ذنوبهم بقدر حقوقهم ثم يقذف في النار قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري قوله (لتؤدن) بفتح الدال المشددة قال التوربشتي هو على بناء المجهول والحقوق مرفوع هذه هي الرواية المعتد بها ويزعم بعضهم ضم الدال ونصب الحقوق والفعل مسند إلى الجماعة الذين خوطبوا به والصحيح ما قدمناه انتهى (حتى تقاد الشاة الجلحاء) بالمد هي الجماء التي لا قرن لها (من الشاة القرناء) أي التي لها قرن قال النووي الجلحاء بالمد هي الجماء التي لا قرن لها والقرناء ضدها وهذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة وإعادتها كما يعاد أهل التكليف من الادميين والأطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة قال تعالى جل جلاله ولا إله غيره (وإذا الوحوش حشرت) وإذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من إجرائه على ظاهره شرع ولا عقل وجب حمله على ظاهره قالوا وليس من شرط الحشر والإعادة في القيامة المجازاة والعقاب والثواب وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس من قصاص التكليف بل هو قصاص مقابلة انتهى قوله (وفي الباب عن أبي ذر وعبد الله بن أنيس) أخرج حديثهما أحمد في مسنده قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

[ 89 ]

باب قوله (حدثني سليم) بالتصغير (بن عامر) الكلاعي ويقال الخبائري بخاء معجمة وموحدة أبو يحيى الحمصي ثقة من الثالثة غلط من قال إنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم (أخبرنا المقداد) بن عمرو بن ثعلبة البهراني ثم الكندي ثم الزهري صحابي مشهور من السابقين قوله (أدنيت) بصيغة المجهول من الإدناء أي قربت (الشمس) أي جرمها (حتى يكون) وفي رواية مسلم حتى تكون بالتأنيث وهو الظاهر (قيد ميل) بكسر القاف أي قدر ميل وفي رواية مسلم كمقدار ميل (أو اثنتين) والظاهر أنه شك من الراوي أي أو ميلين (لا أدري أي الميلين عني) أي أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الشيخ عبد الحق في اللمعات الظاهر أن المراد ميل الفرسخ وكفى ذلك في تعذيبم وإيذائهم وأما احتمال إرادة ميل المكحلة فبعيد (فتصهرهم الشمس) أي تذيبهم من الصهر وهو الإذابة من فتح يفتح (ومنهم من يأخذه إلى حقويه) الحقو الخصر ومشد الإزار (ومنهم من يلجمه إلجاما) الإلجام إدخال اللجام في الفم والمعنى يصل العرق إلى فمه فيمنعه من الكلام كاللجام كذا في المجمع قال ابن الملك إن قلت إذا كان العرق كالبحر يلجم البعض فكيف يصل إلى كعب الاخر قلنا يجوز أن يخلق الله تعالى ارتفاعا في الأرض تحت أقدام البعض أو يقال يمسك الله تعالى عرق كل إنسان بحسب عمله فلا يصل إلى غيره منه شئ كما أمسك جرية البحر لموسى عليه الصلاة والسلام قال القاري المعتمد هو القول الأخير فإن أمر الاخرة كله على وفق خرق العادة أما ترى أن شخصين في قبر واحد يعذب أحدهما وينعم الاخر ولا يدري أحدهما عن غيره انتهى وقال القاضي يحتمل أن

[ 90 ]

المراد عرق نفسه وعرق غيره ويحتمل عرق نفسه خاصة وسبب كثرة العرق تراكم الأهوال ودنو الشمس من رؤوسهم وزحمة بعضهم بعضا قوله (وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر) أما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم قوله (هذا حديث حسن صحيح) واخرجه احمد ومسلم قوله (حدثنا أبو زكريا يحيى بن درست) بضمتين وسكون المهملة ابن زياد ثقة من العاشرة قوله (قال حماد وهن عندنا مرفوع) يعني أن هذا الحديث ليس بمرفوع صريحا لكنه مرفوع حكما (يوم يقوم الناس) أي من قبورهم (لرب العالمين) أي لأجل أمره وحسابه وجزائه (قال يقومون في الرشح) وفي رواية مسلم يقوم أحدهم في رشحه قال في النهاية الرشح العرق لأنه يخرج من البدن شيئا فشيئا كما يرشح الاناء المتخلخل الأجزاء (إلى أنصاف آذانهم) وفي رواية لمسلم حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

[ 91 ]

باب ما جاء في شأن الحشر الحشر جمع والمراد به حشر الأموات من قبورهم وغيرها بعد البعث جميعا إلى الموقف قال الله تعالى وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا قوله (عن المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي ثقة من السادسة قوله (يحشر الناس) أي يبعثون (حفاة) بضم الحاء جمع حاف وهو الذي لا نعل له ولا خف (عراة) بضم العين المهملة جمع عار وهو من لا ستر له قال البيهقي وقع في حديث أبي سعيد يعني الذي أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان أنه لما حضره الموت دعا بثياب جدد فلبسها وقال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها ويجمع بينها بأن بعضهم يحشر عاريا وبعضهم كاسيا أو يحشرون كلهم عراة ثم يكسى الأنبياء فأول من يكسى إبراهيم عليه الصلاة والسلام أو يخرجون من القبور بالثياب التي ماتوا فيها ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر فيحشرون عراة ثم يكون أول من يكسى إبراهيم وحمل بعضهم حديث أبي سعيد على الشهداء لأنهم الذين أمر أن يزملوا في ثيابهم ويدفنوا فيها فيحتمل أن يكون أبو سعيد سمعه في الشهيد فحمله على العموم وممن حمله على عمومه معاذ بن جبل فأخرج ابن أبي الدنيا بسند حسن عن عمرو بن الأسود قال دفنا أم معاذ بن جبل فأمر بها فكفنت في ثياب جدد وقال أحسنوا أكفان موتاكم فإنهم يحشرون فيها قال وحمله بعض أهل العلم على العمل وإطلاق الثياب على العمل وقع في مثل قوله تعالى (ولباس التقوى ذلك خير) وقوله تعالى (وثيابك فطهر) على أحد الأقوال وهو قول قتادة قال معناه وعملك فأخلصه ويؤكد ذلك حديث جابر رفعه يبعث كل عبد على ما مات عليه أخرجه مسلم ورجح القرطبي الحمل على ظاهر الخبر ويتأيد بقوله تعالى (ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة) وقوله تعالى (كما بدأكم تعودون) وإلى ذلك الاشارة في حديث الباب (كما بدأنا أول خلق نعيده) عقب قوله حفاة عراة قال فيحمل ما دل عليه حديث أبي سعيد على الشهداء لأنهم يدفنون بثيابهم فيبعثون فيها تمييزا لهم عن غيرهم

[ 92 ]

وقد نقله ابن عبد البر عن أكثر العلماء كذا في الفتح (غرلا) بضم المعجمة وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف وزنه ومعناه وهو من بقيت غرلته وهي الجلدة التي يقطعها الخاتن من الذكر (ثم قرأ) أي استشهادا واعتضادا (كما بدأنا أول خلق نعيده) الكاف متعلق بمحذوق دل عليه نعيده أي نعيد الخلق إعادة مثل الأول والمعنى بدأناهم في بطون أمهاتهم حفاة عراة غرلا كذا نعيدهم يوم القيامة (وعدا علينا) أي لازما لا يجوز الخلف فيه (أنا كنا فاعلين) أي ما وعدناه وأخبرنا به لا محالة (وأول من يكسى من الخلائق إبراهيم) قال القرطبي في شرح مسلم يجوز أن يراد بالخلائق من عدا نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يدخل هو في عموم خطاب نفسه وتعقبه تلميذه القرطبي أيضا في التذكرة فقال هذا حسن لولا ما جاء من حديث علي يعني الذي أخرجه ابن المبارك في الزهد من طريق عبد الله بن الحارث عن علي قال أول من يكسى يوم القيامة خليل الله عليه السلام قبطيتين ثم يكسى محمد صلى الله عليه وسلم حلة حيرة عن يمين العرش قال الحافظ كذا ورد مختصرا موقوفا وأخرجه أبو يعلى مطلولا مرفوعا وأخرج البيهقي من طريق ابن عباس نحو حديث الباب وزاد وأول من يكسى من الجنة إبراهيم يكسى حلة من الجنة ويؤتى بكرسي فيطرح عن يمين العرش ثم يؤتى بي فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر ثم يؤتى بكرسي فيطرح على ساق العرش وهو عن يمين العرش وفي مرسل عبيد بن عمير عند جعفر الفريابي يحشر الناس حفاة عراة فيقول الله تعالى أرى خليلي عريانا فيكسى إبراهيم ثوبا أبيض فهو أول من يكسى قيل الحكمة في كون إبراهيم أول من يكسى أنه جرد حين ألقي في النار وقيل لأنه أول من استن التستر بالسراويل وقد أخرج ابن مندة من حديث حيدة رفعه قال أول من يكسى إبراهيم يقول الله أكسو خليلي ليعلم الناس اليوم فضله عليهم قال الحافظ لا يلزم من تخصيص إبراهيم عليه السلام بأنه أول من يكسى أن يكون أفضل من نبينا عليه الصلاة والسلام مطلقا انتهى (ويؤخذ من أصحابي برجال ذات اليمين وذات الشمال) أي إلى جانب اليمين وإلى جانب الشمال قال الحافظ وبين في حديث أنس الموضع ولفظه ليردن علي ناس من أصحابي الحوض حتى إذا عرفتهم اختلجوا دوني الحديث وفي حديث أبي هريرة عند مسلم ليذادن رجال عن حوض كما يذاد البعير الضال أناديهم ألا هلم (فأقول يا رب أصحابي) أي هؤلاء أصحابي ولأحمد والطبراني من حديث أبي بكرة رفعه ليردن على الحوض رجال ممن صحبن ورآني وسنده حسن وللطبراني من حديث أبي الدرداء نحوه قاله

[ 93 ]

الحافظ (إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم) هذا بيان لقوله ما أحدثوا بعدك قال النووي هذا مما أختلف العلماء في المراد على أقوال أحدها أن المراد به المنافقون والمرتدون فيجوز أن يحشروا بالغرة والتحجيل فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم للسيما التي عليهم فيقال ليس هؤلاء ممن وعدت بهم إن هؤلاء بدلوا بعدك أي لم يموتوا على ما ظهر من إسلامهم والثاني أن المراد من كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارتد بعده فيناديهم النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم في حياته من إسلامهم فيقال ارتدوا بعدك والثالث أن المراد أصحاب المعاصي الكبائر الذين ماتوا على التوحيد وأصحاب البدع الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الاسلام وعلى هذا القول لا يقطع لهؤلاء الذين يذادون بالنار بل يجوز أن يذادوا عقوبة لهم ثم يرحمهم الله سبحانه وتعالى فيدخلهم الجنة بغير عذاب قال أصحاب هذا القول ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل ويحتمل أن يكون كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبعده لكن عرفهم بالسيما وقال الحافظ ابن عبد البر كل من أحدث في الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض وسائر أصحاب الهوى قال وكذلك الظلمة المترفون في الجور وطمس الحق والمعادون بالكبائر قال وكل هؤلاء يخاف عليهم أي يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر انتهى كلام النووي رحمه الله (فأقول كما قال العبد الصالح) أي عيسى عليه الصلاة والسلام (إن تعذبهم الخ) وفي المشكاة (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم إلى قوله العزيز الحكيم) وهذه الاية في آخر سورة المائدة وحديث ابن عباس هذا أخرجه الشيخان أيضا قوله (إنكم تحشرون رجالا) بكسر الراء جمع راجل أي مشاة (وركبانا) أي على النوق

[ 94 ]

وهو بضم الراء جمع راكب وهم السابقون الكاملو الايمان قال التوربشتي فإن قيل لم بدأ بالرجال بالذكر قيل أول السابقة قلنا لأنهم هم الأكثرون من أهل الايمان (وتجرون) بصيغة المجهول من الجر قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في القدر وفي تفسير سورة القمر وأخرجه أيضا أبو داود وابن جرير وابن مردويه والبيهقي في البعث قوله (هذا حديث حسن) قال الحافظ في الفتح وحديث معاوية بن حيدة جد بهز بن حكيم رفعه إنكم محشورون ونحا بيده نحو الشام رجالا وركبانا وتجرون على وجوهكم أخرجه الترمذي والنسائي وسنده قوي انتهى باب ما جاء في العرض قوله (يعرض الناس) أي على الله (ثلاث عرضات) بفتحتين قيل أي ثلاث مرات فأما المرة الأولى فيدفعون عن أنفسهم ويقولون لم يبلغنا الأنبياء ويحاجون الله تعالى وفي الثانية يعترفون ويعتذرون بأن يقول كل فعلته سهوا وخطأ أو جهلا ونحو ذلك وهذا معنى قوله (فأما عرضتان فجدال ومعاذير) جمع معذرة ولا يتم قضيتهم في المرتين بالكلية (فعند ذللك تطير الصحف) بضمتين جمع الصحيفة وهو المكتوب أي يسرع وقوعها (في الأيدي) أي أيدي المكلفين (فآخذ بيمينه وآخذ بشماله) الفاء تفصيلية أي فمنهم اخذ بيمينه وهو من أهل السعادة ومنهم آخذ بشماله وهو من أهل الشقاوة هذا كله من المرقاة شرح للكشاة وقال في الفتح بعد ذكر حديث الباب قال الترمذي الحكيم الجدال للكفار يجادلون لأنهم لا

[ 95 ]

يعرفون ربهم فيظنون أنهم إذا جادلوا نجوا والمعاذير اعتذار الله لادم وأنبيائه بإقامته الحجة على أعدائه والثالثة للمؤمنين وهو العرض الأكبر قوله (من قبل أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة عدم سماع الحسن من أبي هريرة فالحديث منقطع وقد صرح الحافظ في تهذيب التهذيب بعدم سماعه منه وقد نقل عن غير واحد من أئمة الحديث أنه لم يسمع منه (وقد رواه بعضهم عن علي بن علي وهو الرفاعي عن الحسن عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم) قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا وهو عند ابن ماجه وأحمد من هذا الوجه مرفوعا وأخرجه البيهقي في البعث بسند حسن عن عبد الله بن مسعود موقوفا باب منه قوله (عن عثمان بن الأسود) بن موسى المكي مولى بن جمع ثقة ثبت من كبار السابعة قوله (من نوقش الحساب) قال صاحب الفائق يقال ناقشه الحساب إذا عاسره فيه واستقصى فلم يترك قليلا ولا كثيرا وقال الحافظ الحساب بالنصب على نزع الخافض والتقدير نوقش في الحساب (هلك) أي عذب في النار جزاء على السيئات التي أظهرها حسابه (قلت يا رسول الله) إن الله يقول فأما من أوتى كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا وتمامه وينقلب إلى أهله مسرورا (قال ذاك العرض) بكسر الكاف وجوز الفتح على خطاب العام والمعنى إنما ذلك الحساب اليسير في قوله تعالى عرض عمله لا الحساب على وجه المناقشة قال

[ 96 ]

القرطبي معنى قوله إنما ذاك العرض أن الحساب المذكور في الاية إنما هو أن تعرض أعمال المؤمن عليه حتى يعرف منة الله عليه في هترها عليه في الدنيا وفي عفوه عنها في الاخرة كما في حديث ابن عمر في النجوى انتهى أعلم أنه وقع عند الشيخين في طريق ابن أبي مليكه عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك فقلت يا رسول الله أليس قد قال الله فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك العرض الحديث فعلى هذه الرواية تظهر المعارضة بينها وبين قوله تعالى المذكور قال الحافظ وجه المعارضة أن لفظ الحديث عام في تعذيب كل من حوسب ولفظ الاية دال على أن بعضهم لا يعذب وطريق الجمع أن المراد بالحساب في الاية العرض وهو إبراز الأعمال وإظهارها فيعرف صاحبها بذنوبه ثم يتجاوز عنه انتهى قلت ولا يظهر وجه المعارضة بين رواية الباب بلفظ من نوقش الحساب هلك وبين قوله تعالى المذكور فتفكر قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان باب منه قوله (أخبرنا إسماعيل بن مسلم) المكي أبو إسحاق كان من البصرة ثم سكن مكة وكان فقيها ضعيف الحديث من الخامسة قوله (يجاء) أي يؤتى (كأنه بذج) بفتح موحدة وذال معجمة فجيم ولد الضأن معرب بره أراد بذلك هوانه وعجزه وفي بعض الطرق فكأنه بذج من الذال وفي شرح السنة شبه ابن آدم بالبذج لصغاره وصغره أي يكون حقيرا ذليلا (فيوقف) أي ابن آدم (أعطيتك) أي الحياة

[ 97 ]

والحواس والصحة والعافية ونحوها (وخولتك) أي جعلتك ذا خول من الخدم والحشم والمال والجاه وأمثالها (وأنعمت عليك) أي بإنزال الكتاب وبإرسال الرسول وغير ذلك (فماذا صنعت) أي فيما ذكر (فيقول جمعته) أي المال (وثمرته) بتشديد الميم أي نميته وكثرته (وتركته) أي في الدنيا عند موتي (أكثر ما كان) أي في أيام حياتي (فارجعني) بهمزة وصل أي ردني إلى الدنيا (آتك به كله) أي بإنفاقه في سبيلك كما أخبر عن الكفار أنهم يقولون في الاخرة رب ارجعون لعلي أعمل صالحا فيما تركت (فيقول له) أي الرب لابن دم (أرني ما قدمت) أي لأجل الاخرة من الخير (فيقول) أي ثانيا كما قال أولا (فإذا عبد) الفاء فصيحة تدل على المقدر وإذا للمفاجأة وعبد خبر مبتدأ محذوف أي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو عبد (لم يقدم) خيرا أي فيما أعطي ولم يمتثل ما أمر به ولم يتعظ ما وعظ به من قوله تعالى (ولتنظر نفس ما قدمت لغد وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله) (فيمضي به) بصيغة المجهول أي فيذهب به قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) وأبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي بعد هذا قوله (حدثنا عبد الله بن محمد الزهري البصري) صدوق من صغار العاشرة (أخبرنا مالك بن سعير) بالتصغير وآخره راء ابن الخمس بكسر المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة لا بأس به من التاسعة قوله (ترأس) بوزن تفتح رأس القوم يرأسهم إذا صار رئيسهم ومقدمهم (وتربع) أي

[ 98 ]

تأخذ ربع الغنيمة يقال ربعت القوم إذا أخذت ربع أموالهم أي ألم أجعلك رئيسا مطاعا لأن الملك كان يأخذ ربع الغنيمة الجاهلية دون أصحابه ويسمى ذلك الربع المرباع باب منه قوله (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك (أخبرنا يحيى بن أبي سليمان المدني أبو صالح لين الحديث من السادسة) قوله (تحدث) أي الأرض (ما أخبارها) بفتح الهمزة جمع خبر أي تحديثها (أن تشهد على كل عبد أو أمة) أي ذكر وأنثى (بما عمل) أي فعل كل واحد (أن تقول) بدل بعض من أن تشهد أو بيان ويؤيده ما في رواية الجامع تقول بدون أن أو خبر مبتدأ محذوف أي هي يعني شهادتها أن تقول (عمل) أي فلان (كذا وكذا) أي من الطاعة أو المعصية (في يوم كذا وكذا) أي من شهر كذا أو عام كذا (قال بهذا أمرها) أي بهذا المذكور أمر الله تعالى الأرض وفي بعض النسخ فهذا أمرها وفي بعضها فهذه أخبارها وفي بعضها فهذا أخبارها قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وعبد بن حميد والنسائي وابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي في شعب الايمان

[ 99 ]

باب ما جاء في الصور في صحيح البخاري قال مجاهد الصور كهيئة البوق انتهى وقال صاحب الصحاح البوق الذي يزمر به وهو معروف والصور إنما هو قرن كما جاء في الأحاديث المرفوعة وقد وقع في قصة جده الأذان بلفظ البوق القرن في الالة التي يستعملها اليهود للأذان ويقال إن الصور اسم القرن بلغة أهل اليمن وشاهده قول الشاعر نحن نفخانهم غداة النقعين * نفخا شديدا لا كنفخ الصورين كذا في الفتح قوله (حدثنا سويد) هو ابن نصر (أخبرنا سليمان التيمي) هو ابن طرخان (عن أسلم العجلي) بكسر العين وسكون الجيم بصري ثقة من الرابعة (عن بشر بن شغاف) بفتح المعجمتين آخره فاء ضبي بصرى ثقة من الثالثة قوله (قرن بنفح بصيغة المجهول) أي ينفخ فيه إسرافيل النفختين قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي والحاكم وصححه ابن حبان والحاكم قوله (أخبرنا خالد أبو العلاء) هو ابن طهمان الكوفي الخفاف مشهور بكنيته صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط من الخامسة (عن عطية) بن سعد بن جنادة العوفي قوله (وكيف) كذا في النسخ الحاضرة بالواو قيل كيف وأخرجه في تفسير سورة الزمر بلفظ كيف أنعم الخ بدون الواو وهو الظاهر (أنعم) أي أفرح وأتنعم من نعم عيشه كفرح

[ 100 ]

اتسع ولان كذا في المصباح وفي النهاية هو من النعمة بالفتح وهي المسرة والفرح والترفه (وصاحب القرن قد التقم القرن) أي وضع طرف القرن في فمه (واستمع الاذن مني يؤمر بالنفخ فينفخ وفي رواية الترمذي في التفسير وحنى جبهته وأصغى سمعه ينتظر أن يؤمر أن ينفخ والظاهر أن كلا من الالتقام والإصغاء على الحقيقة وأنه عبادة لصاحبه بل هو مكلف به وقال القاضي رحمه الله معناه كيف يطيب عيشي وقد قرب أن ينفخ في الصور فكنى عن ذلك بأن صاحب الصور وضع رأس الصور في فمه وهو مترصد مترقب لأن يؤمر فينفخ فيه (فكأن ذلك ثقل على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) وفي التفسير قال المسلمون فكيف نقول يا رسول الله (حسبنا الله) مبتدأ وخبر أي كافينا الله (ونعم الوكيل) فعيل بمعنى المفعول والمخصوص بالمدح محذوف أي نعم الموكول إليه الله قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم وصححه قال الحافظ في الفتح بعد ذكر حديث أبي سعيد هذا وأخرجه الطبراني من حديث زيد بن أرقم وابن مردويه من حديث أبي هريرة ولأحمد والبيهقي من حديث ابن عباس وفيه جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره وهو صاحب الصور يعني إسرافيل وفي أسانيد كل منها مقال وللحاكم بسند حسن عن يزيد بن الأصم عن أبي هريرة رفعه إن طرف صاحب الصور منذ وكل به مستعد ينظر نحو العرش مخافة أن يؤمر قبل أن يرتد إليه طرفه كأن عينيه كوكبان دريان انتهى باب ما جاء في شأن الصراط قوله (شعار المؤمنين) بكسر الشين المعجمة أي علامتهم التي يتعارفون بها (رب سلم

[ 101 ]

سلم) أمر مخاطب أي يقول كل منهم يا رب سلمنا من ضرر الصراط أي اجعلنا سالمين من آفاته آمنين من مخافاته وفي الجامع الصغير شعار أمتي إذا حملوا على الصراط يالا إله إلا أنت رواه الطبراني في الكبير عن ابن عمرو وقال المناوي وكذا في الأوسط وقال في شرح قوله يالا إله إلا أنت أي يا لله لا إله إلا أنت وقال الأول يعني قولهم رب سلم سلم شعار أهل الإيمان من جميع الأمم والثاني شعار أمته خاصة فهم يقولون هذا وهذا انتهى وفي حديث أبي هريرة عند البخاري وغيره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكون أول من يجيز ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم قال الحافظ قوله ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم في رواية شعيب ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وفي رواية إبراهيم بن سعد ولا يكلمه إلا الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ثم ذكر حديث المغيرة الذكرة في هذا الباب ثم قال ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة فسمي ذلك شعارا لهم فبهذا تجتمع الأخبار انتهى قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه الحاكم قوله (حدثنا حرب بن ميمون الأنصاري أبو الخطاب) هو حرب بن ميمون الأكبر صدوق رمى بالقدر من السابعة (أخبرنا النضر بن أنس بن مالك) الأنصاري أبو مالك البصري ثقة من الثالثة (عن أبيه) أي أنس بن مالك خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم أن يشفع لي يوم القيامة) أي الشفاعة الخاصة من بين هذه الأمة دون الشفاعة العامة (قلت يا رسول الله فأين أطلبك) قال الطيبي رحمه الله أي في أي موطن من المواطن التي أحتاج إلى شفاعتك أطلبك لتخلصني من تلك الورطة فأجاب على الصراط وعند الميزان والحوض أي أفقر الأوقات إلى شفاعتي هذه المواطن فإن قلت كيف التوفيق بين هذا الحديث وحديث عائشة فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة فقال صلى الله عليه وسلم أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا قلت جوابه لعائشة بذلك لئلا تتكل على كونها حرم رسول

[ 102 ]

الله صلى الله عليه وسلم وجوابه لأنس كيلا ييأس انتهى قال القاري فيه أنه خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو محل الاتكال أيضا مع أن اليأس غير ملائم لها أيضا فالأوجه أن يقال إن الحديث الأول محمول على الغائبين فلا أحد يذكر أحدا من أهله الغيب والحديث الثاني محمول على من حضره من أمته انتهى (قال اطلبني أول ما تطلبني) أي في أول طلبك إياي (على الصراط) فما مصدرية وأول نصب على الظرفية وقال الطيبي نصبه على المصدرية (قال فاطلبني عند الميزان) فيه إيذان بأن الميزان بعد الصراط (فإني لا أخطئ) بضم همز وكسر الطاء بعدها همز أي لا أتجاوز والمعنى أني لا أتجاوز هذه المواطن الثلاثة ولا أحد يفقدني فيهن جميعهن فلا بد أن تلقاني في موضع منهن والحديث يدل على أن الحوض بعد الصراط وإلى ذلك أشار البخاري في صحيحه قال الحافظ في الفتح إيراد البخاري لأحاديث الحوض بعد أحاديث الشفاعة وبعد نصب الصراط إشارة منه إلى أن الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه ثم ذكر حديث أنس بن مالك المذكور في هذا الباب ثم قال وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط بما ثبت أن جماعة يدفعون عن الحوض بعد أن يكادوا يردون ويذهب بهم إلى النار ووجه الاشكال أن الذي يمر على الصراط إلى أن يصل إلى الحوض يكون قد نجا من النار فكيف يرد إليها ويمكن أن يحمل على أنهم يقربون من الحوض بحيث يرونه ويرون النار فيدفعون إلى النار قبل أن يخلصوا من بقية الصراط وقال أبو عبد الله القرطبي في التذكرة ذهب صاحب القوت وغيره إلى أن الحوض يكون بعد الصراط وذهب آخرون إلى العكس والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين أحدهما في الموقف قبل الصراط وآخر داخل الجنة وكل منهما يسمى كوثر انتهى وقد تعقب الحافظ على القرطبي في قوله والصحيح أن للنبي صلى الله عليه وسلم حوضين الخ وبسط الكلام فيه قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد

[ 103 ]

باب ما جاء في الشفاعة قوله (أخبرنا أبو حبان بتشديد التحتانية التيمي) قال في التقريب اسمه يحيى بن سعيد بن حيان بمهملة وتحتانية الكوفي ثقة عابد من السادسة قوله (وكان يعجبه) قال القاضي عياض محبته للذراع لنضجها وسرعة استمرائها مع زيادة لذتها وحلاوة مذاقها وبعدها عن مواضع الأذى انتهى كلامه وقد روى الترمذي عن عائشة رضي الله عنها قالت ما كانت الذراع أحب اللحم إلى رسول الله ولكن كان لا يجد اللحم إلا غبا فكان يعجل إليها لأنها أعجلها نضجا (فنهش منه نهشة) بالشين المعجمة وفي بعض النسخ بالسين المهملة ووقع في رواية مسلم بالسين المهملة قال القاضي عياض أكثر الرواة رووه بالمهملة ووقع لابن ماهان بالمعجمة وكلاهما صحيح بمعنى أخذ بأطراف أسنانه قال الهروي قال أبو العباس النهس بالمهملة بأطراف الأسنان وبالمعجمة بالأضراس ثم قال أنا سيد الناس يوم القيامة إنما قال هذا تحدثا بنعمة الله تعالى وقد أمره الله تعالى بهذا نصيحة لنا بتعريفنا حقه قال القاضي عياض قيل السيد الذي يفوق قومه والذي يزع إليه في الشدائد النبي سيدهم في الدنيا والاخرة وإنما خص يوم القيامة لارتفاع السؤدد فيها وتسليم جميعهم له ولكون ادم وجميع أولاده تحت لوائه كما قال الله تعالى (لمن الملك اليوم لله الواحد القهار) أي انقطعت دعاوي الملك في ذلك اليوم (هل تدرون لم) أي لأي وجه (ذاك) أي كوني سيد الناس يوم القيامة (في صعيد واحد) الصعيد هو الارض الواسعة المستوية (فيسمعهم) من الاسماع أي أنهم بحيث إذا دعاهم داع سمعوه (وينفذهم البصر) بفتح أوله وضم الفاء من الثلاثي أي يحزقهم وبضم أوله وكسر الفاء من الرباعي أي يحيط بهم والذال معجمة في الرواية

[ 104 ]

وقال أبو حاتم السجستاني أصحاب الحديث يقولونه بالمعجمة وإنما هو بالمهملة ومعناه يبلغ أولهم وآخرهم وأجيب بأن المعنى يحيط بهم الرائي لا يخفي عليه منهم شئ لاستواء الأرض فلا يكون فيها ما يستتر أحد به من الرائي وهذا أولى من قول أبي عبيدة يأتي عليهم بصر الرحمن إذ رؤية الله تعالى محيطة بجمعهم في كل حال سواء الصعيد المستوى وغيره ويقال نفذه البصر إذ بلغه وجاوزه والنفاذ الجواز والخلوص من الشئ ومنه نفذ السهم نفوذا إذا خرق الرمية وخرج منها كذا في الفتح وقال النووي بعد ذكر هذه الاختلافات ما لفظه فحصل خلاف في فتح الياء وضمها وفي الذال والدال وفي الضمير في ينفذهم والأصح فتح الياء وبالذال المعجمة وأنه بصر المخلوق انتهى (فيبلغ الناس) بالنصب أي فيلحقهم (من الغم) أي من أجله وسببه (والكرب) وهو الهم الشديد (مالا يطيقون) أي مالا يقدرون على الصبر عليه (ولا يتحملون) فيجزعون ويفزعون (ألا ترون ما قد بلغكم) أي لحقكم من الغم أو الكرب (ألا تنظرون) أي ألا تتأملون ولا تتفكرون أو لا تبصرون (من يشفع لكم إلى ربكم) أي ليريحكم من هذا الهم والغم (نفسي نفسي نفسي) أي نفسي هي التي تستحق أن يشفع لها (فيقولون يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض) استشكلت هذه الأولية بأن ادم عليه السلام نبي مرسل وكذا شيث وإدريس وغيرهم وأجيب بأن الأولية مفيدة بقوله الى أهل الأرض ويشكل ذلك بحديث جابر في البخاري في التيمم وكان النبي يبعث خاصة إلى قوم خاصة ويجاب بأن العموم لم يكن في أصل بعثة نوح وإنما اتفق باعتبار حصر الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس انتهى وفيه نظر ظاهر لا يخفي وقيل إن الثلاثة كانوا أنبياء لم يكونوا رسلا ويرد عليه حديث أبي ذر عند ابن حبان فإنه كالصريح بإنزال الصحف على شيث وهو

[ 105 ]

علامة الارسال انتهى وفيه بحث إذ لا يلزم من إنزال الصحف أن يكون المنزل عليه رسولا لاحتمال أن يكون في الصحف ما يعمل به بخاصة نفسه ويحتمل أن لا يكون فيه أمر نهي بل مواعظ ونصائح تختص به فالأظهر أن يقال الثلاثة كانوا مرسلين إلى المؤمنين والكافرين وأما نوح عليه السلام فإنما أرسل إلى أهل الأرض وكلهم كانوا كفارا هذا وقد قيل هو نبي مبعوث أي مرسل ومن قبله كانوا أنبياء غير مرسلين كآدم وإدريس عليهما السلام فإنه جد نوح على ما ذكره المؤرخون قال القاضي عياض قيل إن إدريس هو إالياس وهو نبي من بني إسرائيل فيكون متأخرا عن نوح فيصح أن نوحا أول نبي مبعوث مع كون إدريس نبيا مرسلا وأما آدم وشيث فهما وإن كانا رسولين إلا أن آدم أرسل إلى بنيه ولم يكونوا كفارا بل أمر بتعليمهم الايمان وطاعة الله وشيثا كان خلفا له فيهم بعده بخلاف نوح فإنه مرسل إلى كفار أهل الأرض وهذا أقرب من القول بأن ادم وإدريس لم يكونا رسولين كذا في المرقاة (وقد سماك الله عبدا شكورا) أي في قوله تعالى ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (وإنه قد كانت لي دعوة دعوتها على قومي) وفي حديث أنس عند البخاري فيقول لست هناكم ويذكر خطيئته قال الحافظ في رواية هشام ويذكر سؤال ربه ما ليس به علم وفي حديث أبي هريرة إني دعوت بدعوة أغرقت أهل الأرض ويجمع بينه وبين الأول بأنه اعتذر بأمرين أحدهما نهى الله تعالى أن يسأل ما ليس له به علم فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من ذلك ثانيهما أن له دعوة واحدة محققة الإجابة وقد استوفاها بدعائه على أهل الأرض فخشى أن يطلب فلا يجاب وقال بعض الشراح كان الله وعد نوحا أن ينجيه وأهله فلما غرق ابنه ذكر لربه ما وعده فقيل له المراد من أهلك من آمن وعمل صالحا فخرج ابنك منهم فلا تسأل ما ليس لك به علم (وإني قد كذبت ثلاث كذبات) وهي قوله إني سقيم وقوله فعله كبيرهم هذا وقوله لامرأته أخبريه أني أخوك قال البيضاوي الحق أن الكلمات الثلاث إنما كانت من معاريض الكلام لكن لما كانت صورتها صورة الكذب أشفق منها استصغارا لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها لأن من

[ 106 ]

كان أعرف بالله وأقرب منزلة كان أعظم خوفا (ولم يذكر ذنبا) قال الحافظ ولكن وقع في رواية البخاري من حديث أبي نضرة عن أبي سعيد إني عبدت من دون الله وفي رواية أحمد والنسائي من حديث ابن عباس إني اتخذت إلها من دون الله وفي رواية ثابت عند سعيد بن منصور نحوه وزاد وإن يغفر لي اليوم حسبي (يا رب أمتي يا رب أمتي يا رب أمتي) أي أرحمهم واغفر لهم التكرار للتذكير (وهم) أي من لاحساب عليهم (شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب) أي ليسوا ممنوعين من سائر الأبواب بل هم مخصوصون للعناية بذلك الباب قال في القاموس المصراعان من الأبواب والشعر ما كانت قافيتان في بيت وبابان منصوبان ينضمان جميعا مدخلهما في الوسط منهما (كما بين مكة وهجر) بفتحتين مصروفا وقد لا

[ 107 ]

يصرف ففي الصحاح هجر اسم بلد مذكر مصروف وقيل هي قرية من قرى البحرين وقيل من قرى المدينة قال القاري والأول هو المعول وكذا صحح القول الأول الشيخ عبد الحق في اللمعات قلت وهو الظاهر وفي بعض النسخ بين مكة وحمير وهو بكسر الحاء المهملة وفتح التحتية بينهما ميم ساكنة آخره راء أي صنعاء لأنها بلد حمير ووقع في رواية البخاري في تفسير سورة بني إسرائيل كما بين مكة وحمير (وكما بين مكة وبصرى) بضم الموحدة مدينة بالشام بينها وبين دمشق ثلاث مراحل اعلم أنه وقع في النسخ الحاضرة وكما بين مكة وبصرى بالواو والظاهرة أن الواو هنا بمعنى أو وقد وقع في رواية البخاري المذكورة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى بلفظ أو قوله (وفي الباب عن أبي بكر) أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلي وابن حبان في صحيحه (وأنس) أخرجه الشيخان (وعقبه) بن عامر لينظر من أخرجه (وأبي سعيد) أخرجه الترمذي في تفسير سورة بني إسرائيل قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (باب منه) قوله (شفاعتي) قال المناوي في التيسير الإضافة بمعنى ال العهدية أي الشفاعة التي وعدني الله بها ادخرتها (لأهل الكبائر من أمتي) أي لوضع السيئات والعفو عن الكبائر وأما الشفاعة لرفع الدرجات فلكل من الأتقياء والأولياء وذلك متفق عليه بين أهل الملة وقال

[ 108 ]

الطيبي رحمه الله أي شفاعتي التي تنجي الهالكين مختصة بأهل الكبائر قال النووي في شرح مسلم قال القاضي عياض مذهب أهل السنة جواز الشفاعة عقلا ووجوبها سمعا بصريح قوله تعالى يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضى له قولا وقوله تعالى لا يشفعون إلا لمن ارتضى وأمثالهما وبخبر الصادق وقد جاءت الاثار التي بلغت بمجموعها التواتر بصحة الشفاعة في الاخرة لمذنبي المؤمنين وأجمع السلف الصالح ومن بعدهم من أهل السنة عليها ومنعت الخوارج وبعض المعتزلة منها وتعلقوا بمذاهبهم في تخليد المذنبين في النار واحتجوا بقوله تعالى فما تنفعهم شفاعة الشافعين وبقوله تعالى ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع وهذه الايات في الكفار وأما تأويلهم أحاديث الشفاعة بكونها في زيادة الدرجات فباطل وألفاظ الأحاديث صريحة في بطلان مذهبهم وإخراج من استوجب النار لكن الشفاعة خمسة أقسام أولها مختصة بنبينا وهي الإراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب الثانية في إدخال قوم الجنة بغير حساب وهذه أيضا وردت لنبينا وقد ذكرها مسلم الثالثة الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا ومن يشاء الله تعالى الرابعة في من دخل النار من المذنبين فقد جاءت الأحاديث بإخراجهم من النار بشفاعة نبينا والملائكة وإخوانهم من المؤمنين ثم يخرج الله تعالى كل من قال لا إله إلا الله كما جاء في الحديث لا يبقى فيها إلا الكافرون الخامسة الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها انتهى قوله (وفي الباب عن جابر) أخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (هذا حديث حسن صحيح الخ) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم قوله (عن محمد بن ثابت البناني) البصري ضعيف من السابعة

[ 109 ]

قوله (قال محمد بن علي) هو والد جعفر الصادق المعروف بالباقر (يا محمد) هو محمد بن علي صاحب جابر (فماله وللشفاعة) يعني لا حاجة له إلى الشفاعة لوضع الكبائر والعفو عنها لعدمها وأما ما دون الكبائر من الذنوب فيكفرها الطاعات نعم له حاجة إلى الشفاعة لرفع الدرجات قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجة وابن حبان والحاكم والحديث ضعيف لضعف محمد بن ثابت ولكنه يعتضد بحديث أنس المذكور رواه الطبراني عن ابن عباس والخطيب عن ابن عمرو عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنهم وفي رواية للخطيب عن أبي الدرداء شفاعتي لأهل الذنوب من أمتي وإن زنى وإن سرق على رغم أنف أبي الدرداء كذا في الجامع الصغير قوله (عن محمد بن زياد الألهاني) بفتح الهمزة وسكون اللام أبي سفيان الحمصي ثقة من الرابعة قوله (أن يدخل الجنة) من الادخال (سبعين ألفا) قال القاري المراد به إما هذا العدد أو الكثرة انتهى قلت الظاهر هنا هو الأول (وثلاث حثيات) بفتح الحاء والمثلثة جمع حثية والحثية والحثوة يستعمل فيما يعطيه الإنسان بكفيه دفعة واحدة من غير وزن وتقدير قال الزركشي بالنصب عطف على سبعين وهو مفعول يدخل فيكون حينئذ ثلاث حثيات مرة فقط وبالرفع عطف على سبعون الذين مع كل ألف فيكون ثلاث حثيات مرة انتهى قيل والرفع أبلغ قلت روى أحمد عن أبي أمامة رضي الله عنه أن رسول الله قال إن الله وعدني أن يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير حساب فقال يزيد بن الأخنس والله ما أولئك في

[ 110 ]

أمتك إلا كالذباب الأصهب في الذباب فقال رسول الله قد وعدني سبعين ألفا مع كل ألف سعبين ألفا وزادني ثلاث حثيات الحديث قال المنذري في الترغيب ورواته محتج بهم في الصحيح فهذه الرواية تؤيد النصب قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه قوله (قال كنت مع رهط) قال في القاموس الرهط ويحرك قوم الرجل وقبيلته ومن ثلاثة أو سبعة إلى عشرة أو ما دون العشرة وما فيهم امرأة ولا واحد له من لفطه جمعه أرهط وأراهط وأرهاط انتهى (بإبلياء) ككبرياء على الأشهر وبالقصر مدينة بيت المقدس (فقال رجل) هو عبد الله بن أبي الجذعاء (بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم) وهي قبيلة كبيرة وقال القاري فقيل الرجل هو عثمان بن عفان رضي الله عنه وقيل أويس القرني وقيل غيره انتهى قلت إن دل دليل على تعيين هذا الرجل فهو المتعين وإلا فالله تعالى أعلم به وأما حديث شفاعة عثمان رضي الله عنه الاتي فهو مرسل قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه الدارمي وابن ماجه قوله (هو عبد الله) قال في التقريب عبد الله بن أبي الجذعاء بفتح الجيم وسكون المعجمة الكناني صحابي له حديثان تفرد بالرواية عنه عبد اللهبن شقيق (وإنما يعرف له هذا الحديث الواحد) قال في تهذيب التهذيب بعد نقل كلام الترمذي هذا وقد روى عنه حديث

[ 111 ]

آخر من رواية عبد الله بن شقيق عنه قال قلت يا نبي الله متى كنت نبيا قال إذ آدم بين الروح والجسد ولكن اختلف فيه على عبد الله بن شقيق فقيل عنه عن ميسرة الفجر انتهى قوله (عن عطية) هو ابن سعد العوفي قوله (إن من أمتي) أي بعض أفرادهم من العلماء والشهداء والصلحاء (من يشفع للفئام) بكسر الفاء بعده همزة وقد يبدل قال الجوهري هو الجماعة من الناس لا واحد له من لفظه والعامة تقول قيام بلا همز قال القاري الأظهر أن يقال ههنا معناه القبائل كما قيل هو في المعنى جمع فئة لقوله (ومنهم من يشفع للقبيلة) وهي قوم كثير جدهم واحد (ومنهم من يشفع للعصبة) بضم فسكون وهو ما بين العشرة إلى الأربعين من الرجال لا واحد لها من لفظها والأظهر أن المراد بها جمع ولو اثنان لقوله (ومنهم من يشفع للرجل) ويمكن أن يقال طوى ما بين العصبة والرجل لما يدل عليه الرجل بالبرهان الجلي كما يدل على المرأة بالقياس الخفي (حتى يدخلوا الجنة) قال في اللمعات أي المشفوعون وقال الطيبي رحمه الله يحتمل أن يكون غاية يشفع والضمير لجميع الأمة أي ينتهي شفاعتهم إلى أن يدخلوا جميعهم الجنة ويجوز أن يكون بمعنى كي فالمعنى أن الشفاعة لدخول الجنة قوله (حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي الكوفي الخ) هذا الحديث إنما وقع في بعض نسخ الترمذي ولذا وضعه صاحب النسخة الأحمدية على الهامش (عن حسين بن جعفر) لم أجد ترجمته في التقريب ولا في تهذيب التهذيب ولا في الخلاصة ولا في الميزان فلينظر من هو وكيف حاله قوله (بمثل ربيعة ومضر) قبيلتان مشهورتان والحديث مرسل

[ 112 ]

قوله (حدثنا عبدة) هو ابن سليمان (عن سعيد) هو ابن أبي عروبة (عن أبي المليح) هو ابن أسامة (عن عوف بن مالك الأشجعي) صحابي مشهور من مسلمة الفتح وسكن دمشق ومات سنة ثلاث وسبعين قوله (أتاني آت) أي ملك وفيه إشعار بأنه غير جبريل (من عند ربي) أي برسالة بأمره (أن يدخل) بضم أوله أي الله (نصف أمتي) أمة الإجابة (وبين الشفاعة) فيهم (فاخترت الشفاعة) لعمومها إذ بها يدخلها ولو بعد دخول النار كل من مات مؤمنا كما قال (وهي) أي والحال أنها كائنة أو حاصلة (لمن مات) من هذه الأمة (لا يشرك بالله شيئا) أي ويشهد أني رسوله ولم يذكره أكتفاء بأحد الجزأين باب ما جاء في صفة الحوض قوله (حدثنا محمد بن يحيى) هو الذهلي (أخبرنا بشر بن شعيب بن أبي حمزة) ابن دينار القرشي مولاهم أبو القاسم الحمصي ثقة من كبار العاشرة (حدثني أبي) هو شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم أبو بشر ثقة عابد قال ابن معين من أثبت الناس في الزهري من السابعة قوله (إن في حوضى من الأباريق) جمع الإبريق قال في القاموس إبريق معرب آب ريز (بعدد نجوم السماء) أي من كثرتها

[ 113 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم قوله (حدثنا أحمد بن محمد بن نيزك) بكسر النون بعدها تحتانية ساكنة ثم زاي مفتوحة ثم كاف أبو جعفر الطوسي في حفظه شئ من الحادية عشرة كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب قال ابن عقدة في أمره نظر وذكره ابن حبان في الثقات (أخبرنا محمد بن بكار الدمشقي) العاملي أبو عبد الله القاضي ثقة من العاشرة (أخبرنا سعيد بن بشير) الازدي مولاهم أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي أصله من البصرة أو واسط ضعيف من الثامنة قوله (إن لكل نبي حوضا) أي يشرب أمته من حوضه قال المناوي في التيسير على قدر رتبته وأمته (وإنهم) أي الأنبياء (يتباهون) أي يتفاخرون (أيهم أكثر واردة) أي ناظرين أيهم أكثر أمة واردة ذكره الطيبي رحمه الله وقيل أيهم موصولة صدر صلتها محذوف أو مبتدأ وخبر كما تقول يتباهى العلماء أيهم أكثر علما أي قائلين (وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة) قال القاري لعل هذا الرجاء قبل أن يعلم أن أمته ثمانون صفا وباقي الأمم أربعون في الجنة على ما سبق ثم الحوض على حقيقته المتبادر منه على ما في المعتمد في المعتقد قوله (هذا حديث غريب) وفي بعض النسخ هذا حديث حسن غريب وفي إسناده سعيد بن بشير وهو ضعيف كما عرفت

[ 114 ]

باب ما جاء في صفة أواني الحوض قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الامام البخاري (حدثنا يحيى بن صالح) الوحاظي بضم الواو وتخفيف المهملة ثم معجمة الحمصي صدوق من أهل الرأي من صغار التاسعة (أخبرنا محمد بن مهاجر) الأنصاري الشامي أخو عمرو ثقة من السابعة (عن العباس) هو ابن سالم اللخمي الدمشقي ثقة (عن أبي سلام) بتشديد اللام (الحبشي) بضم الحاء المهملة وسكون الموحدة منسوب إلى حبش حي من اليمن كذا في المغنى لصاحب مجمع البحار واسمه ممطور الأسود ثقة يرسل من الثالثة قوله (فحملت) بصيغة المجهول (على البريد) قال في النهاية البريد كلمة فارسية يراد بها في الأصل البغل وأصلها بريد دم أي محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب كالعلامة لها فأعربت وخففت ثم سمى الرسول الذي يركبه بريد انتهى قلت والمراد هنا معناه الأصلي (فأحببت أن تشافهني به) أي تحدثني به مشافهة وأسمعه منك من غير واسطة (قال حوضي من عدن) بفتحتين بلد مشهور على ساحل البحر في أواخر سواحل اليمن وأوائل سواحل الهند وهي تسامت صنعاء وصنعاء في جهة الجبال (إلى عمان البلقان) بضم العين وخفة الميم قرية باليمن لا بفتحها وشد الميم فإنها قرية بالشام وقيل بل هي المرادة كذا في التيسير وقال الحافظ عمان هذه بفتح المهملة وتشديد الميم للأكثر وحكى تخفيفها وتنسب إلى البلقاء لقربها منها والبلقاء بفتح الموحدة وسكون اللام بعدها قاف وبالمد بلد معروفة من فلسطين (وأحلى من العسل) أي الذمنه

[ 115 ]

(وأكوابه) جمع كوب وهو الكوز الذي لا عروة له على ما في الشروح أو لا خرطوم على ما في القاموس (عدد نجوم السماء) بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي عدد أكوابه عدد نجوم السماء (أول الناس ورودا عليه) أي على الحوض (فقراء المهاجرين) المراد من المهاجرين الذين هاجروا من مكة إلى المدينة وهو صلى الله عليه وسلم سيدهم (الشعث) بضم الشين المعجمة وسكون العين المهملة جمع أشعث بالمثلثة أي المتفرقوا الشعر (رؤوسا) تمييز (الدنس) بضم المهملة والنون وقد يسكن الدنس وهو الوسخ (الذين لا ينكحون) بفتح الياء وكسر الكاف أي الذين لا يتزوجون (المتنعمات) بكسر العين من التنعم وقيل هو بضم التحتية وفتح الكاف بصيغة المجهول أي لو خطبوا المتنعمات من النساء لم يجابوا (ولا يفتح لهم السدد) بضم السين وفتح الدال الأولى المهملتين جمع سدة وهي باب الدار سمى بذلك لأن المدخل يسد به والمعنى لو دقوا الأبواب واستأذنوا الدخول لم يفتح لهم ولم يؤذن (قال عمر) أي ابن عبد العزيز (لكني نكحت المتنعمات) وفي رواية ابن ماجه قال فبكى عمر حتى اخضلت لحيته ثم قال لكني قد نكحت الخ وقد كان نكح فاطمة بنت عبد الملك وهي بنت الخليفة وجدها خليفة وهو مروان وإخواتها الأربعة سليمان ويزيد وهشام ووليد خلفاء وزوجها خليفة فهذا من الغرائب وفيها قال الشاعر بنت الخليفة جدها خليفة * زوج الخليفة أخت الخلائف قوله (هذا حديث غريب) أخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه قوله (حدثنا أبو عبد الصمد العمي عبد العزيز بن عبد الصمد) البصري ثقة

[ 116 ]

حافظ من كبار التاسعة (أخبرنا أبو عمران الجوني) اسمه عبد الملك بن حبيب الأزدي أو الكندي مشهور بكنيته ثقة من الرابعة قوله (ما آنيه الحوض) أي كم عددها (في ليلة مظلمة مصحية) أي لا غيم فيها ولا سحاب من أصحت السماء أي انكشف عنها الغيم (لم يظمأ آخر ما عليه) أي من الظمأ وقوله آخر بالنصب والرفع وهذا كما في حديث الإسراء هذا البيت المعمور يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم قال العيني قوله أخر ما عليهم بالرفع والنصب فالنصب على الطرف والرفع على تقدير ذلك آخر ما عليهم من دخوله قال صاحب المطالع الرفع أجود انتهى (عرضه مثل طوله) وفي حديث عبد الله بن عمر وزواياه سواء وفيه رد على من جمع بين مختلف الأحاديث في تقدير مسافة الحوض على اختلاف العرض والطول (ما بين عمان) قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا اللفظ وعمان بضم المهملة وتخفيف الميم بلد على ساحل البحر من جهة البحرين انتهى (إلى أيلة) قال الحافظ أيلة مدينة كانت عامرة وهي بطرف بحر القلزم من طرف الشام وهي الان خراب يمر بها الحاج من مصر فتكون شماليهم ويمر بها الحاج من غزة فتكون أمامهم انتهى اعلم أنه قد اختلف في تقدير مسافة الحوض اختلافا كثيرا فوقع في حديث ثوبان من عدن إلى عمان البلقاء وفي حديث أبي ذر هذا ما بين عمان إلى أيلة وفي حديث أنس كما بين أيلة وصنعاء من اليمن قال الحافظ بعد ذكر عدة روايات مختلفة ما لفظه وهذه الروايات متقاربة لأنها كلها نحو شهر أو تزيد أو تنقص ووقع في روايات أخرى التحديد بما هو دون ذلك فوقع في حديث عقبة بن عامر عند أحمد كما بين أيلة إلى الجحفة وفي حديث جابر كما بين صنعاء إلى المدينة وفي حديث ثوبان ما بين عدن وعمان البلقاء وذكر روايات أخرى ثم قال وهذه المسافات متقاربة وكلها ترجع إلى نحو نصف شهر أو تزيد على ذلك قليلا أو تنقص وأقل ما ورد في ذلك ما وقع عند مسلم في حديث ابن

[ 117 ]

عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أمامكم حوضا كما بين جرباء وأذرع وزاد في رواية قال عبيد الله فسألته قال قريتان بالشام بينهما مسيرة ثلاثة أيام ثم قال وقد جمع العلماء بين هذا الاختلاف فقال عياض هذا من اختلاف التقدير لأن ذلك لم يقع في حديث واحد فيعد أضطرابا من الرواة وإنما جاء في أحاديث مختلفة من غير واحد من الصحابة سمعوه في مواطن مختلفة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يضرب في كل منها مثلا لبعد أقطار الحوض وسعته بما يسنح من العبارة ويقرب ذلك للعلم يبعد ما بين البلاد النائية بعضها من بعض لا على إرادة المسافة المحققة قال فبهذا يجمع بين الألفاظ المختلفة من جهة المعنى انتهى ملخصا وفيه نظر من جهة أن ضرب المثل والتقدير إنما يكون فيما يتقارب وأما هذا الاختلاف المتباعد الذي يزيد تارة على ثلاثين يوما وينقص إلى ثلاثة أيام فلا قال القرطبي من بعض القاصرين أن الاختلاف في قدر الحوض اضطرب أو ليس كذلك ثم نقل كلام عياض وزاد وليس اختلافا بل كلها تفيد أنه كبير متسع متباعد الجوانب ثم قال ولعل ذكره للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهة فيخاطب كل قوم بالجهة التي يعرفونها وأجاب النووي ما حاصله أنه أخبر أولا بالمسافة اليسيرة ثم أعلم بالمسافة الطويلة فأخبر بها كأن الله تفضل عليه باتساعه شيئا بعد شئ فيكون الاعتماد على ما يدل على أطولها مسافة وجمع غيره بين الاختلافين الأولين باختلاف السير البطئ وهو سير الأثقال والسير السريع وهو بسير الراكب المخف ويحمل رواية أقلها وهو الثلاث على سير البريد فقد عهد منهم من قطع مسافة الشهر في ثلاثة أيام ولو كان نادرا جدا وفي هذا الجواب عن المسافة الأخيرة نظر وهو فيما قبله مسلم وهو أولى ما يجمع به وقد تكلم الحافظ على رواية الثلاث وإن شئت الوقوف عليه فارجع إلى الفتح قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم قوله (وفي الباب عن حذيفة بن اليمان وعبد الله بن عمرو وأبي برزة الأسلمي وابن عمرو وحارثه بن وهب والمستورد بن شداد) أما حديث حذيفة فأخرجه ابن ماجه وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه الشيخان وأما حديث أبي برزة الأسلمي فأخرجه الطبراني وابن حبان في صحيحه كذا في الترغيب وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد والشيخان وأما حديث ابن وهب وحديث المستورد بن شداد فلينظر من أخرجهما

[ 118 ]

(باب) قوله (حدثنا أبو حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين (عبد بن أحمد ابن يونس) اليربوعي الكوفي ثقة من الحادية عشر قوله (ومعهم الرهط) أي الجماعة (حتى مروا بسور عظيم) أي أشخاص كثيرين قال في القاموس السواد الشخص والمال الكثير ومن البلدة قراها والعدد الكثير ومن الناس عامتهم (قد سد الأفق) أي ستر طرف السماء بكثرته (من ذا الجانب ومن ذا الجانب) أي من اليمين والشمال (وسوى هؤلاء من أمتك سبعون ألفا) وفي رواية الشيخين ومع هؤلاء سبعون ألفا قدامهم قال النووي رحمه الله يحتمل هذا أن يكون معناه وسبعون ألفا من أمتك وغير هؤلاء وأن يكون معناه في جملتهم سبعون ألفا ويؤيد هذا رواية البخاري هذه أمتك ويدخل الجنة من هؤلاء سبعون ألفا انتهى قلت الاحتمال الأول هو الظاهر لأن رواية الترمذي هذه صريحة في ذلك (فدخل) أي النبي صلى الله عليه وسلم في بعض حجرات أزواجه (ولم يسألوه) أي عن هؤلاء الذين يدخلون الجنة بغير حساب (ولم يفسر) أي النبي صلى الله عليه وسلم (لهم) أي من هم (فقالوا نحن هم) وفي رواية للبخاري وقالوا نحن الذين آمنا بالله واتبعنا رسوله فنحن هم (وقال قائلون هم أبناء الذين ولدوا على الفطرة

[ 119 ]

والاسلام) وفي رواية للبخاري وأولادنا الذين ولدوا في الاسلام فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فخرج (فقام عكاشة) بضم العين وتشديد الكاف وتخفيف على ما في القاموس والمعنى (بن محزن) بكسر ميم وفتح صاد (فقال أنا منهم يا رسول قال نعم) وفي رواية للبخاري أمنهم أنا يا رسول الله قال نعم وفي رواية أخرى له فقال أدع الله أن يجعلني منهم قال اللهم اجعله منهم قال الحافظ ويجمع بأنه سأل الدعاء أولا فدعا له ثم استفهم قيل أجبت انتهى (ثم جاءه آخر) وفي حديث أبي هريرة عند البخاري ثم قام رجل من الأنصار (فقال سبقك بها) أي بهذه المسألة قال ابن بطال معنى قوله سبقك أي إلى إحراز هذه الصفات وهي التوكل وعدم التطير وما ذكر معه وعدل عن قوله لست منهم أو لست على أخلاقهم تلطفا بأصحابه وحسن أدبه معهم وقال ابن الجوزي يظهر لي أن الأول سأل عن صدق قلب فأجيب وأما الثاني فيحتمل أن يكون أريد به حسم المادة فلو قال الثاني نعم لأوشك أن يقوم ثالث ورابع إلى ما لا نهاية له وليس كل الناس يصلح لذلك قال الحافظ في الفتح وهذا أولى من قول من قال كان منافقا لوجهين أحدهما أن الأصل في الصحابة عدم النفاق فلا يثبت ما يخالف ذلك إلا بنقل صحيح والثاني أنه قل أن يصدر مثل هذا السؤال إلا عن قصد صحيح ويقين بتصديق الرسول وكيف يصدر ذلك من منافق وإلى هذا جنح ابن تيمية وصحح النووي أن النبي صلى الله عليه وسلم علم بالوحي أنه يجاب في عكاشة ولم يقع ذلك في حق الاخر وقال السهلي الذي عندي في هذا أنها كانت ساعة إجابة علمها صلى الله عليه وسلم واتفق أن الرجل قال بعد ما انقضت ويبينه ما وقع في حديث أبي سعيد ثم جلسوا ساعة يتحدثون وفي رواية ابن إسحاق بعد قوله سبقك بها عكاشة وبردت الدعوة أي انقضى وقتها انتهى ما في الفتح قوله (وفي الباب عن ابن مسعود وأبي هريرة) أما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان

[ 120 ]

باب قوله (حدثنا زياد بن الربيع) اليحمدي بضم التحتانية وسكون المهملة وكسر الميم أبو خداش بكسر المعجمة وآخره معجمة البصري ثقة من الثامنة قوله (فقلت أين الصلاة) وفي رواية البخاري قيل الصلاة قال الحافظ أي قيل له الصلاة هي شئ مما كان على عهده صلى الله عليه وسلم وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام فأجاب بأنهم غيروها أيضا بأن أخرجوها عن الوقت (قال أو لم تصنعوا في صلاتكم ما قد علمتم) أي التقصير في محافظها وأوقاتها قال الحافظ وروى ابن سعد في الطبقات سبب قول أنس هذا القول فأخرج في ترجمة أنس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي سمعت ثابتا البناني قال كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة فقام أنس يريد أن يكلمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه فخرج فركب دابته فقال في مسيرة ذلك والله ما أعرف شيئا مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهادة أن لا إله إلا الله فقال رجل فالصلاة يا أبا حمزة قال قد جعلتم الظهر عند المغرب أفتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه ابن أبي عمر في مسنده من طريق حماد عن ثابت مختصرا انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه البخاري قوله (حدثنا هاشم بن سعيد الكوفي) ثم البصري أبو إسحاق ضعيف من الثامنة (حدثني زيد الخثعمي) أو السلمي هو ابن عطية مجهول من الثالثة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى له الترمذي واحدا متنه بئس العبد عبد تجبر واعتدى الحديث وقال غريب (عن أسماء بنت عميس الخثعمية) هي صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب ثم أبو بكر

[ 121 ]

ثم علي بن أبي طالب وولدت لهم وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمها ماتت بعد علي قوله (بئس العبد) لم يقل بئس الرجل أو المرء تنبيها على أن الأوصاف الاتية ليست من مقتضيات العبدية ولا نعوت العبودية (عبد تخيل) بخاء معجمة أي تخيل في نفسه فضلا على غيره قاله المناوي (واختال) أي تكبر (ونسي الكبير المتعال) بحذف الياء مراعاة للفاصلة وهو لغة في المنقوص المعرف وعليه قراءة الجمهور في قوله تعالى عالم الغيب والشهادة الكبير المعتال أي نسي أن الكبرياء والتعالي ليست إلا له (وبئس العبد عبد تجبر) بالجيم أي جبر الخلق على هواه قاله المناوي وقال القاري أي قهر على المظلومين وفي القاموس بجبر وجبره على الأمر أكرهه كأجبره انتهى فالتجبر بمعنى التكبر مع تضمن معنى القهر والغلبة والإكراه (واعتدى) أي في تجبر فمن خالفه قهره بقتل أو غيره (ونسى الجبار الأعلى) أي القهار الذي فوق عباده الغالب على أمره (عبد سهى) أي غفل عن الحق والطاعة باستغراقه في الأماني وجمع الحطام (ولهى) أي اشتغل باللهو واللعب (ونعى المقابر) المراد أنه نسي الموت بعدم الاستعداد له (والبلى) بكسر الموحدة وهو تفتت الأعضاء وتشتت الأجزاء إلى أن تصير رميما ورفاتا بئس العبد عبد عتا من العتو أي أفسد (وطغى) من الطغيان أي تجاوز عن الحد وقيل معناهما واحد وأتي بهما تأكيدا والثاني تفسير أو أتي به للفاصلة ونسي المبتدأ والمنتهى بصيغة المفعول قال الأشرف أي نسي ابتداء خلقه وهو مكونه نطفه وانتهاء حاله الذي يؤول إليه وهو صيرورته ترابا أي من كان ذلك ابتداؤه ويكون انتهاءه هذا جدير بأن يطيع الله تعالى فيما بينهما وقيل أي نسي المبتدأ والمعاد وما هو صائر إليه بعد حشر الأجساد (عبد يختل) بكسر التاء أي يطلب (الدنيا بالدين) أي بعمل الاخرة من ختله إذا خدعه كذا في النهاية والمعنى يخدع أهل الدنيا بعمل الصلحاء ليعتقدوا فيه وينال منهم مالا أو جاها من ختل الذئب الصيد خدعه وخفي له قال القاضي ختل الصائد إذا مشى للصيد قليلا قليلا لئلا يحس به شبه فعل من يرى ورعا ودينا ليتوسل به إلى المطالب الدنيوية بختل الذئب الصائد (عبد يختل الدين) أي يفسده (بالشبهات) بضمتين وبفتح الثانية أي يتشبث بالشبهات ويتأول المحرمات

[ 122 ]

(بئس العبد عبد طمع) أي له طمع أو ذو طمع أو وصف بالمصدر مبالغة ولو قرئ بإضافة العبد لاستقام من غير تكلف (يقوده) أي يسحبه الطمع إلى معصية الله تعالى (بئس العبد عبد هوى يضله) أي يضله هوى النفس (بئس العبد عبد رغب) قال في اللمعات الرغب بضم الراء وفتحها مصدر رغب على حد طمع القاموس رغب فيه رغبا ويضم ورغبته أراده والرغب بالضم وبضمتين كثرة الأكل وكثرة النهم فعله ككرم انتهى والمراد الرغبة في الدنيا والاكثار منها انتهى وقال الجزري في النهاية الرغب شؤم أي الشره والحرص على الدنيا وقيل سعة الأمل وطلب الكثير (يذله) بضم أوله وكسر الذال أي يذله حرص على الدنيا وتهافت عليها وإضافة العبد إليه للإهانة قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه) وأخرجه ابن ماجة والحاكم بإسناد مظلم والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الايمان عن نعيم بن حمار بكسر المهملة وخفة الميم قال المناوي وهو ضعيف لضعف طلحة الرقى (وليس إسناده بالقوى) في سنده هاشم بن سعيد الكوفي وهو ضعيف وفيه أيضا زيد الخثعمي وهو ابن عطية مجهول قوله (أخبرنا عمار بن محمد بن أخت سفيان الثوري) أبو اليقظان الكوفي الثوري سكن بغداد صدوق يخطئ وكان عابدا من الثامنة (أخبرنا أبو الجارود الأعمى) الكوفي رافضي كذبه يحيى بن معين من السابعة قال الحافظ في تهذيب التهذيب روى له الترمذي حديثا واحدا في إطعام الجائع قوله (أيما مؤمن) ما زائدة وأي مرفوع على الابتداء (أطعم مؤمنا على جوع) أي مؤمنا جائعا (أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنة) فيه إشارة إلى أن ثمارها أفضل أطعمتها (سقى مؤمنا على ظمإ) بفتحتين مقصورة أو قد يمد أي عطش (سقاه الله يوم القيامة من

[ 123 ]

الرحيق المختوم) أي يسقيه من خمر الجنة التي ختم عليه بمسك جزاء وفاقا إذ الجزاء من جنس العمل قال القاري والرحيق صفوة الخمر والشراب الخالص الذي لا غش فيه والمختوم هو المصون الذي لم يبتذل لأجل ختامه ولم يصل إليه غير أصحابه وهو عبارة عن نفاسته انتهى (وأيما مؤمن كسا) أي أليس (على عرى) بضم فسكون أي على حالة عرى أو لأجل عرى أو لدفع عرى وهو يشمل عرى العورة وسائر الأعضاء (كساه الله من خضر الجنة) بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر أي من الثياب الخضر فيها من باب إقامة الصفة مقام الموصوف وخصها لأنها أحسن الألوان قال المناوي المراد أنه يخص بنوع من ذلك أعلى وإلا فكل من دخل الجنة كساه الله من ثيابها وأطعمه وسقاه من ثمارها وخمرها قوله (هذا حديث غريب) في سنده أبو الجاورد الأعمى وقد عرفت حاله وأخرجه أبو داود بسند آخر وسكت عنه وقال المنذري في إسناده أبو خالد محمد ابن عبد الرحمن المعروف بالدلاني وقد أثنى عليه غير واحد وتكلم فيه غير واحد انتهى قوله (حدثنا أبو النضر) اسمه هاشم بن القاسم بن مسلم الليثي مولاهم البغدادي مشهور بكنيته ولقبه قيصر ثقة ثبت من التاسعة (أخبرنا أبو عقيل الثقفي) اسمه عبد الله بن عقيل الكوفي نزيل بغداد صدوق من الثامنة (أخبرنا أبو فروة يزيد بن سنان التميمي) الرهاوي ضعيف من كبار السابعة (حدثني بكير بن فيروز) الرهاوي مقبول من الثالثة قال في تهذيب التهذيب روى له الترمذي حديثا واحدا حديث من خاف أدلج قوله (من خاف) أي البيات والإغارة من العدو وقت السحر (أدلج) بالتخفيف من سار أول الليل وبالتشديد من آخره (ومن أدلج بلغ المنزل) أي وصل إلى المطلب قال

[ 124 ]

الطيبي رحمه الله هذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لسالك الاخرة فإن الشيطان على طريقه والنفس وأمانيه الكاذبة أعوانه فإن تيقظ في مسيره وأخلص النية في عمله أمن من الشيطان وكيده ومن قطع الطريق بأعوانه ثم أرشد إلى أن سلوك طريق الاخرة صعب وتحصيل الأخرة متعسر لا يحصل بأدنى سعى فقال (ألا) بالتخفيف للتنبيه (إن سلعة الله) أي من متاعه من نعيم الجنة (غالية) بالغين المعجمه أي رفيعة القدر (ألا إن سلعة الله الجنة) يعني ثمنها الأعمال الباقية المشار إليها بقوله سبحانه والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا وبقوله إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة قوله (هذا جديث حسن غريب) في سنده أبو فروة وهو ضعيف وأخرجه الحاكم قال المناوي وقال صحيح لكن نوزع قوله (حدثنا عبد الله بن يزيد) الدمشقي ضعيف من السادسة ومنهم من قال هو ابن ربيعة بن يزيد الماضي كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمة عبد الله بن يزيد قال أبو القاسم بن عساكر فرق البخاري بينه وبين عبد الله بن ربيعة بن يزيد وهما عند أبي داود واحد قال المزي والصواب ما صنع البخاري إن شاء الله تعالى (حدثني ربيعة بن يزيد) هو الدمشقي (وعطية ابن قيس) الكلابي وقيل بالعين المهملة بدل الموحدة أبو يحيى الشامي ثقة مقرئ من الثالثة (عن عطية السعدي) هو ابن عروة أو ابن سعد أو ابن عمرو صحابي نزل الشام روى عنه ابنه محمد وربيعة بن يزيد كذا في الخلاصة قوله (لا يبلغ العبد أن يكون) أي لا يصل كونه (من المتقين) المتقي في اللغة اسم

[ 125 ]

فاعل من قولهم وقاه فاتقى والوقاية فرط الصيانة وفي الشريعة الذى يقى نفسه تعاطى ما يستحق به العقوبة من فعل ونرك ، وقيل التقوى على ثلاثة مراتب . الاولى : التقوى عن العذاب المخلد بالتبرى من الشرك ، كقوله تعالى وألزمهم كلمة التقوى . والثانية التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم وهو التعارف بالتقوى في الشرع والمعني بقوله ولو أن أهل القرى امنوا واتقوا والثالثة أن يتنزه عما يشغل سره عن الحق ويقبل بشراشره إلى الله وهي التقوى الحقيقية المطلوبة بقوله تعالى اتقوا الله حق تقاته والحديث وإن استشهد به للمرتبة الثانية فإنه يجوز أن ينزل على المرتبة الثالثة (حتى يدع) أي يترك (حذرا لما به بأس) مفعول له أي خوفا من أن يقع فيما فيه بأس قال الطيبي رحمه الله قوله أن يكون ظرف يبلغ على تقدير مضاف أي درجة المتقين قال المناوي أي يترك فضول الحلال حذرا من الوقوع في الحرام قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه والحاكم قوله (حدثنا أبو داود) هو الطيالسي (عن يزيد ين عبد الله بن الشخير) بكسر الشين المعجمة وتشديد الخاء المعجمة المكسورة العامري كنيته أبو العلاء البصري ثقة من الثانية (عن حنظلة الأسيدي) بضم الهمزة وفتح السين مصغرا هو ابن الربيع بن صيقي بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة التميمي يعرف بحنظلة الكاتب صحابي نزل الكوفة ومات بعد علي قوله (لو أنكم تكونون) أي في حال غيبتكم عني (كما تكونون عندي) أي من صفاء القلب والخوف من الله (لأظلتكم الملائكة بأجنحتها) جمع جناح ورواية مسلم لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم

[ 126 ]

قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه مسلم مطولا من غير هذا الوجه قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه أحمد والترمذي في باب صفة الجنة ونعيمها قوله (حدثنا يوسف بن سليمان) أبو عمرو البصري الباهلي أو المازني صدوق من العاشرة (عن القعقاع) هو ابن حكيم (عن أبي صالح) هو السمان قوله (إن لكل شئ شرة) بكسر الشين المعجمة وتشديد الراء أي حرصا على الشئ ونشاطا ورغبة في الخير أو الشر (ولكل شرة فترة) بفتح الفاء وسكون التاء أي وهنا وضعفا وسكونا (فإن) شرطية (صاحبها سدد وقارب) أي جعل صاحب الشرة عمله متوسطا وتجنب طرفي إفراط الشرة وتفريط الفترة (فأرجوه) أي أرجو الفلاح منه فإنه يمكنه الدوام على الوسط وأحب الأعمال إلى الله أدومها (وإن أشير إليه بالإصابع) أي اجتهد وبالغ في العمل ليصير مشهورا بالعبادة والزهد وصار مشهورا مشارا إليه (فلا تعدوه) أي لا تعتدوا به ولا تحسبوا من الصالحين لكونه مرائيا ولم يقل فلا ترجوه إشارة إلى أنه قد سقط ولم يمكنه تدارك ما فرط قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه البيهقي عن ابن عمر مرفوعا ولفظه إن لكل شئ شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك

[ 127 ]

قوله (أنه قال بحسب امرئ من الشر) الباء زائدة أي يكفيه منه في أخلاقه ومعاشه ومعاده (أن يشار إليه بالأصابع) أي يشير الناس بعضهم لبعض إليه بأصابعهم (في دين أو دنيا) فيقولون هذا فلان العابد أو العالم ويطرون في مدحه فإن ذلك بلاء ومحنة له (إلا من عصمه الله) أي حفظه بحيث صار له ملكة يقتدر بها على قهر نفسه بحيث لا يلتفت إلى ذلك ولا يستنفره الشيطان بسببه وقيل المراد أنه إنما يشار إليه في دين لكونه أحدث بدعة فيشار إليه بها وفي دنيا لكونه أحدث منكرا غير متعارف بينهم قاله المناوي وحديث أنس هذا أخرجه البيهقي في شعب الايمان قال المناوي بإسناد فيه متهم قوله (حدثنا يحيى بن سعيد) هو القطان (أخبرنا سفيان) هو الثوري (عن أبيه) اسمه سعيد بن مسروق (عن أبي يعلى) اسمه المنذر بن يعلى الثوري بالمثلثة الكوفي ثقة من السادسة (عن الربيع بن خثيم) بضم المعجمة وفتح المثلثة ابن عائد بن عبد الله الثوري كنيته أبو يزيد الكوفي ثقة عابد مخضرم من الثانية قال له ابن مسعود لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك قوله (خط لنا) أي للصحابة (خطا مربعا) الظاهر أنه كان بيده المباركة على الأرض قال الطيبي رحمه الله المراد بالخط الرسم والشكل (وخط في وسط الخط) أي وسط المربع (خطا) أي آخر (وخط خارجا من الخط) أي المربع (خطا) أي آخر (وحول الذي في الوسط) أي حول الخط الذي في وسط المربع (خطوطا) أي صغارا كما في رواية (فقال هذا ابن آدم) أي هذا الخط المصور مجموعة مثال ابن آدم (وهذا) أي الخط المربع (أجله) أي مدة أجله (محيط به) أي من كل جوانبه بحيث لا يمكنه الخروج والفرار منه

[ 128 ]

(وهذه الخطوط) أي الصغار (عروضه) أي الافات والعاهات من المرض والجوع والعطش وغيرها (إن نجا منه ينهشه هذا) أي إن تجاوز عنه العرض يلدغه هذا العرض الاخر وعبر عن عروض الافة بالنهش وهو لدغ ذات السم مبالغة في الإصابة وتألم الإنسان بها (والخط الخارج) أي عن المربع (الأمل) أي مأموله ومرجوه الذي يظن أنه يدركه قبل حلول أجله هذا خطا منه لأن أمله طويل لا يفرغ منه وأجله أقرب إليه منه وفي الحديث إشارة إلى الحض على قصر الأمل والاستعداد لبغتة الأجل قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي وابن ماجه قوله (يهرم) بفتح الراء أي يشيب كما في رواية والمعنى يضعف (ويشب) بكسر الشين المعجمة وتشديد الموحدة أي ينمو ويقوى (منه) أي من أخلاقه ففي التاج للبيهقي وكذا في القاموس أن الهرم كبر السن من باب علم وشب شبابا من باب ضرب (الحرص على المال) أي جمعه ومنعه (والحرص على العمر) أي طوله قال النووي رحمه الله قوله تشب استعارة ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال محتكم في ذلك مثل إحكام قوة الشاب في شبابه قال القرطبي في هذا الحديث كراهة الحرص على طول العمر وكثرة المال وأن ذلك ليس بمحمود وقال غيره الحكمة في التخصيص بهذين الأمرين أن أحب الأشياء إلى ابن آدم نفسه فهو راغب في بقائها فأحب لذلك طول العمر وأحب المال لأنه من أعظم الأسباب في دوام الصحة التي ينشأ عنها غالبا طول العمر فكلما أحس بقرب نفاد ذلك اشتد حبه ورغبته في دوامه قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما

[ 129 ]

قوله (مثل ابن آدم الخ) تقدم هذا الحديث بإسناده ومتنه في أبواب القدر وتقدم شرحه هناك قوله (عن الطفيل بن أبي بن كعب) الأنصاري الخزرجي كان يقال له أبو بطن لعظم بطنه ثقة يقال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من الثانية (عن أبيه) هو أبي بن كعب بن قيس الأنصاري الخزرجي أبو المنذر سيد القراء ويكنى أبا الطفيل أيضا من فضلاء الصحابة قوله (يا أيها الناس) أراد به النائمين من أصحابه الغافلين عن ذكر الله ينبههم عن النوم ليشتغلوا بذكر الله تعالى والتهجد (جاءت الراجفة تتبعها الرادفة) قال في النهاية الراجفة النفخة الأولى التي يموت لها الخلائق والرادفة النفخة الثانية التي يحيون لها يوم القيامة وأصل الرجف الحركة والاضطراب انتهى وفيه إشارة إلى قوله تعالى يوم ترجف الراجفة وعبر بصيغة المضي لتحقق وقوعها فكأنها جاءت والمراد أنه قارب وقوعها فاستعدوا لتهويل أمرها (جاء الموت بما فيه) أي مع ما فيه من الشدائد الكائتة في حالة النزع والقبر وما بعده (جاء الموت بما فيه) التكرار للتأكيد (إني أكثر الصلاة عليك) أي أريد إكثارها قاله القاري ولا حاجه لهذا التأويل كما لا يخفى (فكم أجعل لك من صلاتي) أي بدل دعائي الذي أدعو به لنفسي قاله القاري وقال المنذري في الترغيب معناه أكثر الدعاء فكم أجعل لك من دعائي صلاة عليك (قال ما شئت) أي أجعل مقدار مشيئتك (قلت الربع) بضم الياء وتسكن أي أجعل ربع أوقات دعائي لنفسي مصروفا

[ 130 ]

للصلاة عليك (فقلت ثلثي) هكذا في بعض النسخ بحذف النون وفي بعضها فالثلثين وهو الظاهر (قلت أجعل لك صلاتي كلها) أي أصرف بصلاتي عليك جميع الزمن الذي كنت أدعو فيه لنفسي (قال إذا) بالتنوين (تكفي) مخاطب مبني للمفعول (همك) مصدر بمعنى المفعول وهو منصوب على أنه مفعول ثان مكتفي فإنه يتعدى إلى مفعولين والمفعول الأول المرفوع بما لم يسم (فاعله وهو أنت والهم ما يقصده الإنسان من أمر الدنيا والاخرة يعني إذا صرفت جميع أزمان دعائك في الصلاة علي أعطيت مرام الدنيا والاخرة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والحاكم وصححه وفي رواية لأحمد عنه قال قال رجل يا رسول الله أرأيت إن جعلت صلواتي كلها عليك قال إذا يكفيك الله تبارك وتعالى ما أهمك من دنياك وآخرتك قال المنذري وإسناد هذه جيد انتهى قال القاري وللحديث روايات كثيرة وفي رواية قال إني أصلي من الليل بدل أكثر الصلاة عليك فعلى هذا قوله فكم أجعل لك من صلاتي أي بدل صلاتي من الليل انتهى باب قوله (حدثنا محمد بن عبيد) بن أبي أمية الطنافسي الكوفي الأحدب ثقة من الحادية عشرة (عن أبان بن إسحاق) الأسدي النحوي كوفي ثقة تكلم فيه الأزدي بلا حجة من السادسة (عن الصباح بن محمد) بن أبي حازم البجلي الأحمسي الكوفي ضعيف أفرط فيه ابن حبان قوله (استحيوا من الله حق الحياء) أي حياء ثابتا ولازما صادقا قاله المناوي وقيل أي اتقوا الله حق تقاته (قلنا يا نبي الله إنا لنستحيي) لم يقولوا حق الحياء اعترافا بالعجز عنه (والحمد لله) أي على توفيقنا به (قال ليس ذاك) أي ليس حق الحياء ما تحسبونه بل أن يحفظ جميع جوارحه عما لا يرضى (ولكن الاستحياء من الله حق الحياء أن تحفظ الرأس)

[ 131 ]

أي عن استعماله في غير طاعة الله بأن لا تسجد لغيره ولا تصلي للرياء ولا تخضع به لغير الله ولا ترفعه تكبرا (وما وعى) أي جمعه الرأس من اللسان والعين والأذن عما لا يحل استعماله (وتحفظ البطن) أي عن أكل الحرام (وما حوى) أي ما اتصل اجتماعه به من الفرج والرجلين واليدين والقلب فإن هذه الأعضاء متصلة بالجوف وحفظها بأن لا تستعملها في المعاصي بل في مرضاة الله تعالى (وتتذكر الموت والبلى) بكسر الباء من بلى الشئ إذا صار خلقا متفتتا يعني تتذكر صيرورتك في القبر عظاما بالية (ومن أراد الاخرة ترك زينة الدنيا) فإنهما لا يجتمعان على وجه الكمال حتى للأقوياء قاله القاري وقال المناوي لأنهما ضرتان فمتى أرضيت إحداهما أغضبت الأخرى (فمن فعل ذلك) أي جميع ما ذكر قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي قال المناوي قال الحاكم صحيح وأقره الذهبي انتهى وفي إسناده الترمذي الصباح بن محمد وهو ضعيف كما عرفت قال العقيلي في حديثه وهم ويرفع الموقوف وقال الذهبي في الميزان رفع حديثين هما من قول عبد الله بن مسعود قوله (وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (أخبرنا عمرو بن عون) ابن أوس الواسطي أبو عثمان البزار البصري ثقة ثبت من العاشرة (عن ضمرة بن حبيب) بن صهيب الزبيدي بضم الزاي الحمصي ثقة من الرابعة (عن شداد بن أوس) بن ثابت الأنصاري صحابي مات بالشام قبل الستين أو بعدها وهو ابن أخي حسان بن ثابت

[ 132 ]

قوله (الكيس) أي العاقل المتبصر في الأمور الناظر في العواقب (من دان نفسه) أي حاسبها وأذلها واستعبدها وقهرها حتى صارت مطيعة منقادة (وعمل لما بعد الموت) قبل نزوله ليصير على نور من ربه فالموت عاقبة أمر الدنيا فالكيس من أبصر العاقبة (والعاجز) المقصر في الأمور (من أتبع نفسه هواها) من الإتباع أي جعلها تابعة لهواها فلم يكفها عن الشهوات ولم يمنعها عن مقارنة المحرمات (وتمنى على الله) وفي الجامع الصغير وتمنى على الله الاماني فهو مع تفريطه في طاعة ربه واتباع شهواته لا يعتذر بل يتمنى على الله الأماني أن يعفو عنه قال الطيبي رحمه الله والعاجز الذي غلبت عليه نفسه وعمل ما أمرته به نفسه فصار عاجزا لنفسه فاتبع نفسه هواها وأعطاها ما اشتهته قوبل الكيس بالعاجز والمقابل الحقيقي للكيس السفيه الرأي وللعاجز القادر ليؤذن بأن الكيس هو القادر والعاجز هو السفيه وتمنى على الله أي يذنب ويتمنى الجنة من غير الاستغفار والتوبة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم وقال صحيح ورده الذهبي قاله المناوي (حاسبوا) بكسر السين أمر من المحاسبة (قبل أن تحاسبوا) بصيغة المجهول (وتزينوا) الظاهر أن المراد به استعدوا وتهيئوا (للعرض الأكبر) أي يوم تعرضون على ربكم للحساب (وإنما يخف) بكسر الخاء المعجمة من باب ضرب بضرب أي يصير خفيفا ويسيرا (ويروى عن ميمون بن مهران) قال في التقريب ميمون بن مهران الجزري أبو أيوب أصله كوفي نزل الرقة ثقة فقيه ولى الجزيرة لعمر بن عبد العزيز وكان يرسل من الرابعة

[ 133 ]

باب قوله (حدثنا محمد بن أحمد مدويه) قال في التقريب محمد بن أحمد بن الحسين بن مدويه بميم وتثقيل القرشي أبو عبد الرحمن الترمذي صدوق من الحادية عشرة (أخبرنا القاسم بن الحكم) بن كثير (العرني) بضم المهملة وفتح الراء بعدها نون أبو أحمد الكوفي قاضي همدان صدوق فيه لين من التاسعة (أخبرنا عبيد الله بن الوليد الوصافي) بفتح الواو وتشديد المهملة أبو إسماعيل الكوفي العجلي ضعيف من السادسة (عن عطية) هو العوفي قوله (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصلاه) وفي المشكاة خرج النبي صلى الله عليه وسلم لصلاة قال القاري والظاهر المتبادر من مقتضى المقام أنها صلاة جنازة لما ثبت أنه عليه الصلاة والسلام إذا رأى جنازة رؤيت عليه كابة أي حزن شديد وأقل الكلام (فرأى ناسا كأنهم يكتشرون) أي يضحكون من الكشر وهو ظهور الأسنان للضحك ففي القاموس كشر عن أسنانه أبدى يكون في الضحك وغيره انتهى (قال أما) بالتخفيف لينبه على نوم الغفلة الباعث على الضحك والمكالمة (إنكم لو أكثرتم ذكر هاذم اللذات) قال في القاموس هذم بالمعجمة قطع وأكل بسرعة وبالمهملة نقض البناء انتهى والمعنى لو أكثرتم من ذكر قاطع اللذات (لشغلكم عما أرى) أي من الضحك وكلام أهل الغفلة (فأكثروا من ذكر هاذم اللذات الموت) بالجر تفسير لها ذم اللذات أو بدل منه وبالنصب بإضمار أعني وبالرفع بتقدير هو الموت ثم إنه صلى الله عليه وسلم بين للصحابة وجه حكمة الأمر بإكثار ذكر الموت وأسبابه بقوله (فإنه) أي الشأن (لم يأت على القبر يوم) أي وقت وزمان (فيقول أنا بيت الغربة) فالذي يسكنني غريب (وأنا بيت الوحدة) فمن حل بي وحيد (وأنا بيت التراب وأنا بيت الدود) فمن ضممته أكله التراب والدود إلا من استثنى ممن نص على أنه لا يبلى ولا يدود في قبره فالمراد بيت من شأنه ذلك (فإذا دفن العبد المؤمن) أي المطيع كما يدل عليه ذكر الفاجر والكافر في مقابله (قال له القبر) أو ما يقوم مقامه (مرحبا وأهلا) أي

[ 134 ]

وجدت مكانا رحبا ووجدت أهلا من العمل الصالح فلا ينافي ما مر (أما) بتخفيف الميم للتنبيه (إن كنت) أي أنه كنت فإن مخففة من المثقلة واللام فارقة بينها وبين أن النافية في قوله (لأحب) وهو أفعل تفضيل بني المفعول أي لأفضل (من يمشي على ظهري إلى) متعلق بأحب (فإذا) بسكون الذال أي فحين (وليتك) من التولية مجهولا أو من الولاية معلوما أي صرت قادر حاكما عليك (اليوم) أي هذا الوقت وهو ما بعد الموت والدفن (وصرت إلي) أي صرت إلي ووليتك والواو لا ترتب وكذا يقال فيما يأتي (فسترى) أي ستبصر أو تعلم (صنيعي بك) من الاحسان إليك بالتوسيع عليك (فيتسع) أي فيصير القبر وسيعا (له) أي للمؤمن (مد بصره) أي بقدر ما يمتد إليه بصره ولا ينافي رواية سبعين ذراعا لأن المراد بها التكثير لا التحديد (ويفتح له باب إلى الجنة) أي ليأتيه من روحها ونسيمها ويشم من طيبها وتقر عينه بما يرى فيها من حورها وقصورها وأنهارها وأشجارها وأثمارها (وإذا دفن العبد الفاجر) أي الفاسق والمراد به الفرد الأكمل وهو الفاسق بقرينة مقابلته لقوله العبد المؤمن سابقا ولما سيأتي من قول القبر له بكونه أبغض من يمشي على ظهره ومنه قوله تعالى أفمن كان مؤمنا كمن كان فاسقا الاية (أو الكافر) شك من الراوي لا للتنويع وقد جرت عادة الكتاب والسنة على بيان حكم الفريقين في الدارين والسكوت عن حال المؤمن الفاسق سترا عليه أو ليكون بين الرجاء والخوف لا لإثبات المنزلة بين المنزلتين كما توهمت المعتزلة كذا قال القاري وجعل المناوي كلمة أو للتنويع لا للشك حيث قال وإذا دفن العبد الفاجر أي المؤمن الفاسق أو الكافر أي بأي كفر كان انتهى (قال فيلتئم) أي قال للنبي صلى الله عليه وسلم فينضم القبر (وتختلف أضلاعه) أي يدخل بعضها في بعض (قال) أي الراوي (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي أشار (بأصابعه) أي من اليدين الكريمتين (فأدخل بعضها) وهو أصابع اليد اليمنى (في جوف بعض) وفيه إشارة إلى أن تضييق القبر واختلاف الأضلاع حقيقي لا أنه مجاز عن ضيق الحال وإن الاختلاف مبالغة

[ 135 ]

في أنه على وجه الكمال كما توهمه بعض أرباب النقصان حتى جعلوا عذاب القبر روحانيا لا جسمانيا والصواب أن عذاب الاخرة ونعيمها متعلقان بهما كذا في المرقاة (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ويقيض) بتشديد الياء المكسورة أي يسلط الله ويوكل (له) أي بخصوصه وإلا فهو عليه (سبعين) وفي بعض النسخ سبعون على هذا يكون قوله يقيض بتشديد الياء المفتوحة (تنينا) بكسر التاء وتشديد النون الأولى مكسورة أي حية عظيمة (لو أن واحدا منها نفخ) بالخاء المعجمة أي تنفس (ما أنبتت) أي الأرض (شيئا) أي من الإنبات أو النباتات (ما بقيت الدنيا) أي مدة بقائها (فينهشنه) بفتح الهاء وسكون الشين المعجمة أي يلدغنه وفي القاموس نهسة كمنعه نهسه ولسعة وعضه أو أخذه بأضراسه وبالسين أخذه بأطراف الأسنان (ويخدشنه) بكسر الدال أي يجرحنه (حتى يفضى) بضم فسكون فاء ففتح ضاد معجمة أي يوصل (به) أي بالكافر إلى الحساب أي وثم إلى العقاب وفيه دليل على أن الكافر يحاسب (قال) أي الراوي (إنما القبر روضة) أي بستان (من رياض الجنة) جمع روضة (أو حفرة) في القاموس الحفرة بالضم والحفيرة المحتفر والحفر محركة البئر الموسعة قوله (هذا حديث غريب) قال المنذري رواه الترمذي والبيهقي كلاهما من طريق عبيد الله بن الوليد الوصافي وهو واه قوله (أخبرنا عبد الرزاق) بن همام بن نافع الحميري مولاهم أبو بكر الصنعاني ثقة حافظ مصنف شهير عمي في آخر عمره فتغير وكان يتشيع من التاسعة (عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور) المدني مولى بني نوفل ثقة من الثالثة قوله (فإذا هو متكئ على رمل حصير) بفتح راء وسكون ميم وفي الصحيحين على رمال حصير قال الجوزي في النهاية الرمال ما رمل أي نسج يقال رمل الحصير

[ 136 ]

وأرمله فهو مرمول ومرمل ورملت مشدد للتكثير قال الزمخشري ونظيره الحطام والركام لما حطم وركم وقال غيره الرمال جمع رمل بمعنى مرمول كخلق الله بمعنى مخلوقة والمراد أنه كان السرير قد نسج وجهه بالسعف ولم يكن على السرير وطاء سوى الحصير ذكره الطيبي قال القاري لكن كون المراد برمال الحصير شريط السرير بل الظاهر أنه مضطجع على منسوج من حصير (فرأيت أثره في جنبه) أي من بدنه لا سيما عند كشفه من ثوبه (وفي الحديث قصة طويلة) أخرج الترمذي هذا الحديث بالقصة الطويلة في تفسير سورة التحريم قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان قوله أخبرنا عبد الله هو ابن المبارك (عن معمر) هو ابن راشد (ويونس) هو ابن يزيد الايلى (أن عمرو بن عوف وهو حليف بنى عامر بن لؤى) الانصاري صحابي بدوى . ويقال له عمر مات في خلافة عمر . قوله (بعث أبا عبيدة بن الجراح) اسمه عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال القرشى الفهرى احد العشرة اسلم قديما وشهد بدرا مشهور مات شهيدا بطاعون عمواس سنة ثمانى عشرة . قوله (فقدم بمال من البحرين) قال في القاموس البحران أو البحرين بلد انتهى وقال في المجمع البحران بلد بين البصرة وعمان (فوافوا) من الموافاة أي أتوا يقال وافيت

[ 137 ]

القوم اتيتهم كاوفيتهم (فأبشروا) بهمزة القطع (وأملوا) من التأمل من الامل وهو الرجاء (ما يسركم) في محل النصب لانه مفعول أملوا (ما الفقر أخشى عليكم) بنصب الفقر اي ما أخشى عليكم الفقر ويجوز الرفع بتقدير ضمير اي ما الفقر أخشاه عليكم والاول هو الراجح وخص بعضهم جواز ذلك بالشعر وقال الطيبي فائدة تقديم المفعول هنا الاهتمام بشأن الفقر (فتنافسوا) بحذف احدى التاءين عطف على تبسط من نافست في الشئ اي رغبت فيه وتحقيقه ان المنافسة والتنافس ميل النفس الى الشئ النفس ولذا قال تعالى (وفى ذلم فليتنافس المتنافسون) والمعنى فتختاروها أنتم وترغبوا فيها غاية الرغبة (كما تنافسوا) بصيغة الماضي اط كما رغبت فيها من قبلكم (فتهلككم) اي الدنيا قوله (هذا حديث صحيح) واخرجه الشيخان قوله (عن عروة بن الزبير وابن المسيب) هو سعيد بن المسيب (أن حكيم ابن حزام) بن خويلد بن أسد بن عبد العزى المكي ابن أخي خديجة أم المؤمنين أسلم يوم الفتح وصحب وله أربع وسبعون سنة ثم عاش إلى سنة أربع وخمسين أو بعدها وكان عالما بالنسب قوله (إن هذا المال خضرة حلوة) أنث الخبز لأن المراد الدنيا شبهه بالرغبة فيه والميل إليه وحرص النفوس عليه بالفاكهة الخضراء المستلذة فإن الأخضر مرغوب على انفراده بالنسبة إلى اليابس والحلو مرغوب فيه على انفراده بالنسبة للحامض فالإعجاب بهما إذا اجتمعا أشد (بسخاوة نفس) أي بغير شره ولا إلحاح أي من أخذه بغير سؤال

[ 138 ]

وهذا بالنسبة إلى الآخذ ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بسخاوة نفس المعطي أي انشراحه بما يعطيه والظاهر هو الأول (ومن أخذه بإشراف نفس) أي بطمع أو حرص أو تطلع وهذا بالنسبة إلى الاخذا ويحتمل أن يكون بالنسبة إلى المعطي أي بكراهيته من غير طيب نفس بالإعطاء كذا قيل والظاهر هو الأول (وكان) أي السائل الاخذ الصدقة في هذه الصورة لما يسلط عليه من عدم البركة وكثرة الشره والنهمة (كالذي يأكل ولا يشبع) أي الذي يسمي جوعه كذابا لأنه من علة به وسقم فكلما أكل ازداد سقما ولم يحدث شبعا (واليد العليا خير من اليد السفلى) المراد من اليد العليا هي المنفقة ومن اليد السفلى هي السائلة وهو القول الراجح المعول عليه في تفسير اليد العليا والسفلى فعند الطبراني بإسناد صحيح عن حكم بن حزام مرفوعا يد الله فوق يد المعطي ويد المعطي فوق يد المعطى ويد المعطى أسفل الأيدي وللطبراني من حديث عدي الجزامي مرفوعا مثله ولأبي داود وابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن أبيه مرفوعا الأيدي ثلاثة فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها ويد السائل السفلى ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي اليد المعطية هي العليا والسائلة هي السفلى فهذه الأحاديث متضافرة على أن اليد العليا هي المنفقة المعطية وأن السفلى هي السائلة وهذا هو المعتمد وهو قول الجمهور قاله الحافظ في الفتح (لا أرزا) بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الزاي بعدها همزة أي لا أنقص ماله بالطلب منه (ثم إن عمر دعاه ليعطيه فأبى أن يقبل منه شيئا) قال الحافظ إنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشى أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فيتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده فقطعهما عن ذلك وترك ما يريبه إلى ما لا يريبه وإنما أشهد عليه عمر لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه

[ 139 ]

قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (أخبرنا أبو صفوان) اسمه عبد الله بن سعيد بن عبد الملك بن مروان الأموي الدمشقي نزيل مكة ثقة من التاسعة عن (يونس) بن يزيد الأيلي (عن عبد الرحمن بن عوف) القرشي الزهري أحد العشرة أسلم قديما ومناقبه شهيرة ومات سنة اثنين وثلاثين وقيل غير ذلك (ابتلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بالضراء الخ) قال في المجمع الضراء حالة تضر والسراء ضدها بناءان للمؤنث لا مذكر لهما أي اختبرنا بالفقر والشدة والعذاب فصبرنا عليه فلما جاءتنا الدنيا والسعة والراحة بطرنا قوله (هذا حديث حسن) رواة هذا الحديث كلهم ثقات إلا يونس بن يزيد الأيلي فإنه أيضا ثقة لكن في روايته عن الزهري وهما قليلا قوله (عن الربيع بن صبيح) بفتح المهملة السعدي البصري صدوق سئ الحفظ وكان عابدا مجاهدا قال الرامهرمزي هو أول من صنف الكتب بالبصرة من السابعة (وهو الرقاشي) بتخفيف القاف ثم معجمة أبو عمرو البصري القاص بتشديد المهملة زاهد ضعيف من الخامسة قوله (من كانت الآخرة) بالرفع على أنه اسم كانت (همه) بالنصب على أنه خبر كانت أي قصده ونيته وفي المشكاة من كانت نيته طلب الآخرة (جعل الله غناه في قلبه) أي جعله قانعا بالكفاف والكفاية كيلا يتعب في طلب الزيادة (وجمع له شمله) أي أموره المتفرقة بأن جعله مجموع الخاطر بتهيئة أسبابه من حيث لا يشعر به (وأتته الدنيا) أي ما

[ 140 ]

قدر وقسم له منها (وهي راغمة) أي ذليلة حقيرة تابعة له لا يحتاج في طلبها إلى سعي كثير بل تأتيه هينة لينة على رغم أنفها وأنف أربابها (ومن كانت الدنيا همه) وفي المشكاة ومن كانت نيته طلب الدنيا (جعل الله فقره بين عينيه) أي جنس الاحتياج إلى الخلق كالأمر المحسوس منصوبا بين عينيه (وفرق عليه شمله) أي أموره المجتمعة قال الطيبي يقال جمع الله شمله أي ما تشتت من أمره وفرق الله شمله أي ما اجتمع من أمره فهو من الأضداد (ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له) أي وهو راغم فلا يأتيه ما يطلب من الزيادة على رغم أنفه وأنف أصحابه والحديث لم يحكم عليه الترمذي بشئ من الصحة والضعف وفي سنده يزيد الرقاشي وهو ضعيف على ما قال الحافظ وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ويزيد قد وثق ولا بأس به في المتابعات وقال ورواه البزار ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من كانت نيته الآخرة جعل الله تبارك وتعالى الغنا في قلبه وجمع له شمله ونزع الفقر من بين عينيه وأتته الدنيا وهي راغمة فلا يصبح إلا غنيا ولا يمسي إلا غنيا ومن كانت نيته الدنيا جعل الله الفقر بين عينيه فلا يصبح إلا فقيرا ولا يمسي إلا فقيرا ورواه الطبراني انتهى كلام المنذري وذكر لفظ الطبراني في باب الاقتصاد قوله (عن عمران بن زائدة بن نشيط) بفتح النون وكسر المعجمة بعدها تحتانية ثم مهملة الكوفي ثقة من السابعة (عن أبيه) هو زائدة بن نشيط الكوفي مقبول من السادسة (عن أبي خالد الوالي) بموحدة قبلها كسرة الكوفي اسمه هرمز ويقال هرم مقبول من الثانية وفد على عمر وقيل حديثه عنه مرسل فيكون من الثالثة قوله (إن الله يقول يا ابن آدم تفرغ لعبادتي) أي تفرغ عن مهماتك لطاعتي (أملأ صدرك) أي قلبك (غنى) والغنى إنما هو غنى القلب (وأسد فقرك) أي تفرغ عن مهماتك

[ 141 ]

لعبادتي أقض مهماتك وأغنيك عن خلقي وإن لا تفعل ملأت يديك شغلا بضم الشين وبضم الغين وتسكن للتخفيف ولم أسد فقرك أي وإن لم تتفرغ لذلك واشتغلت بغيري لم أسد فقرك لأن الخلق فقراء على الاطلاق فتزيد فقرا على فقرك قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والحاكم والبيهقي في كتاب الزهد وقال الحاكم صحيح الاسناد وقال المناوي وأقروه باب قوله (أخبرنا أبو معاوية) اسمه محمد بن خازم بمعجمتين الضرير الكوفي عمي وهو صغير ثقة أحفظ الناس لحديث الأعمش وقد يهم في حديث غيره هن كبار التاسعة وقد رمى بالإرجاء (عن عروة) هو ابن عبد الرحمن قوله (كان لنا قرام ستر) بكسر القاف وتخفيف الراء والتنوين وروى بحذف التنوين والإضافة وهو الستر الرقيق من صوف ذو ألوان (فيه تماثيل) جمع تمثال وهو الشئ المصور قيل المراد صورة الحيوان (انزعيه) أي القرام (وكان لنا سمل قطيفة) قال في النهاية السمل الخلق من الثياب وقد سمل الثوب وأسمل والقطيفة هي كساء له خمل انتهى أي كان لنا كساء خلق قوله (هذا حديث حسن) وفي بعض النسخ هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه

[ 142 ]

قوله (كانت وسادة رسول الله صلى الله عليه وسلم) بكسر الواو وقال في القاموس الوساد المتكأ والمخدة كالوسادة انتهى (التي يضطجع عليها) هذا بظاهره يدل على أن المراد بالوسادة الفراش دون المتكأ والمخدة ويدل عليه أيضا رواية البخاري بلفظ كان فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدم وحشوه من ليف ورواية ابن ماجه كان ضجاع رسول الله صلى الله عليه وسلم أدما حشوه ليف (من أدم) بفتحتين اسم لجمع الأديم وهو الجلد المدبوع على ما في المغرب (حشوها ليف) قال في الصراح ليف بالكسر بوست درخت خرما ليفة يكي قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (انهم ذبحوا) أي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أو أهل البيت رضي الله عنهم وهو الظاهر (ما بقي منها) على الاستفهام أي شئ بقي من الشاة (إلا كتفها) أي التي لم يتصدق بها (قال في كلها غير كتفها) بالنصب والرفع اي ما تصدقت به فهو باق وما بقي عندك فهو غير باق إشارة الى قوله تعالى ما عندكم ينفذ وما عند الله باق قوله (انا كنا) ان مخففة من المثقلة (ال محمد) بالنصب على الاختصاص (نمكث شهرا ما نستوقد بنار) أي لا نخبز ولا نطبخ فيه شيئا (إن هو) أي المأكول أو المتناول قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان

[ 143 ]

قوله (وعندنا شطر من شعير) قال الحافظ المراد بالشطر هنا البعض والشطر يطلق على النصف وعلى ما قاربه وعلى الجهة وليست مرادة هنا ويقال أرادت نصف وسق انتهى (ثم قلت للجارية كيليه فكالته) وفي رواية البخاري فكلته والمراد أمرت بكيله ولا تخالف بين روايتين فإن قلت قول عائشة توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وعندنا شطر من شعير يخالف حديث عمرو بن الحارث المصطلقي ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم عند موته دينارا ولا درهما ولا شيئا قلنا لا تخالف بينهما لأن مراده بالشئ المنفي ما تخلف عنه مما كان يختص به وأما الذي أشارت إليه عائشة فكانت بقية نفقتها التي تختص بها فلم يتحد الموردان فإن قلت قول عائشة فلو كنا تركناه لأكلنا منه أكثر من ذلك يخالف حديث المقدام بن معد يكرب كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه قلنا لا تخالف بينهما فإن الكيل عند المبايعة مطلوب من أجل تعلق حق المتبايعين فلهذا القصد يندب وأما الكيل عند الانفاق فقد يبعث عليه الشح فلذلك كره ويؤيده حديث جابر عند مسلم أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري في باب فضل الفقر قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدرامي صاحب المسند

[ 144 ]

قوله (لقد أخفت) بصيغة الماضي المجهول من الإخافة أي هددت وتوعدت بالتعذيب والقتل (في الله) أي في إظهار دينه (وما يخاف) بصيغة المجهول أي مثل ما أخفت (أحد) أي غيري (ولقد أوذيت) بصيغة الماضي المجهول من الإيذاء أي بالفعل بعد التخويف بالقول (في الله) أي في إظهار دينه وإعلاء كلمته (ولم يؤذ) بالبناء للمجهول (أحد) أي من الناس في ذلك الزمان (ولقد أتت) أي مضت (ثلاثون من بين يوم وليلة) قال الطيبي تأكيد للشمول أي ثلاثين يوما وليلة متواترات لا ينقص منها شئ من الزمان (ومالي) أي والحال أنه ليس لي (يأكله ذو كبد) بفتح فكسر أي حيوان (إلا شئ) أي قليل (يواريه) أي يستره ويغطيه (إبط بلال) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وتكسر وهو ما تحت المنكب والمعنى أن بلالا كان رفيقي في ذلك الوقت وما كان لنا من الطعام إلا شئ قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه وقد تقدم الكلام في الجمع بين الروايات المختلفة في ضيق معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وسعتها في باب معيشة النبي صلى الله عليه وسلم وأهله قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه بن ماجه ابن حبان كذا في الجامع الصغير قال المناوي بإسناده صحيح قوله (ومعنى هذا الحديث حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربا من مكة ومعه بلال الخ) قال في اللمات قوله ومعه بلال أفاد أن هذا الخروج غير الهجرة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال فيها فلعل المراد خروجه صلى الله عليه وسلم هاربا من مكة في ابتداء أمره إلى الطائف إلى عبد كلال بضم الكاف مخففا رئيس أهل الطائف ليحميه من كفار مكة حتى يؤدي رسالة ربه فسلط على النبي صلى الله عليه وسلم صبيانه فرموه بالحجارة حتى أدموا كعبيه صلى الله عليه وسلم وكان معه زيد بن حارثه لا بلال انتهى وكذا قال القاري في المرقاة وقال وقول الترمذي ومعه بلال لا

[ 145 ]

ينافي كون زيد بن حارثه معه أيضا مع احتمال تعدد خروجه عليه الصلاة والسلام لكن أفاد بقوله معه بلال أنه لم يكن هذا الخروج في الهجرة من مكة إلى المدينة لأنه لم يكن معه بلال حينئذ انتهى قوله (حدثنا يزيد بن زياد) بن أبي زياد وقد ينسب لجده مولى بني مخزوم مدني ثقة من السادسة روى عن محمد بن كعب القرظي وغيره وعنه ابن إسحاق ومالك قوله (خرجت في يوم شأت) أي في يوم بارد (وقد أخذت إهابا معطونا) قال في المجمع هو المتن المتمزق الشعر من عطن الجلد إذا تمزق شعره وأنتن في الدباغ (فجوبت وسطه) قال في القاموس الجواب الخرق كالاجتياب والقطع وجبت القميص أجوبة وأجيبة وجوبته عملت له جيبا انتهى (فخزمته) أي شددته قال في القاموس حزمه يحزمه شده (بخوص النخل) الخوص بالضم ورق النخل الواحدة بهاء والخواص بائعه وقال في مجمع البحار في باب الحاء مع الزاي وفيه نهى أن يصلي بغير حزام أي من غير أن يشد ثوبه عليه وإنما أمر به لأنهم كانوا قلما يتسرولون ومن كان عليه إزار وكان جيبه واسعا ولم يتلبب أو لم يشد وسطه ربما انكشفت عورته (في ماله) في القاموس المال ما ملكته من كل شئ والمراد هنا البستان والحائط (وهو يسقي ببكرة) بالفتح هي خشبة مستديرة في وسطها محز يستسقي عليها الماء (من ثلمة) أي فرجة والثلمة بالضم فرجة المكسور والمهدوم (ثم جرعت من الماء) في القاموس الجرعة مثلثة من الماء حسوة منه أو بالضم والفتح الاسم من جرع الماء كسمع ومنع بلعه

[ 146 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) في سنده رجل لم يم وهو شيخ محمد بن كعب القرظي قوله (أخبرنا محمد بن جعفر) هو المعروف بغندر (عن عباس الجريري) بضم الجيم مصغرا وعباس هذا هو ابن فروخ بفتح الفاء وتشديد الراء واخره معجمة البصري أبو محمد ثقة من السادسة (سمعت أبا عثمان النهدي) اسمه عبد الرحمن بن مل بلام ثقيلة والميم مثلثة مشهور بكنيته مخضرم من كبار الثالثة ثقة ثبت عابد والنهدي بفتح النون وسكون الهاء قوله (أنهم أصابهم) أي الصحابة رضي الله تعالى عنهم جوع أي شديد قال القاري والظاهر أنه في سفر بعيد والظاهر أنهم أصحاب الصفة قلت لم أجد رواية صريحة تدل على أنهم أصحاب الصفة قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه ابن ماجه بلفظ إنه أصابهم جوع وهم سبعة قال فأعطاني النبي صلى الله عليه وسلم سبع تمرات لكل إنسان تمرة وإسناده صحيح كذا في الترغيب قوله (بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن ثلاثمائة) وفي رواية للبخاري في المغازي بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثمائة راكب أميرنا أبو عبيدة بن الجراح نرصد غير قريش فأقمتا بالساحل نصف شهر وقد ذكر ابن سعد وغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثهم إلى حي جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر بينهم وبين المدينة خمس ليال وأنهم انصرفوا ولم يلقوا كيدا قال الحافظ هذا لا يغاير ظاهره ما في الصحيح لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرا لقريش ويقصدون حيا من جهينة ويقوى هذا الجمع ما عند مسلم من طريق

[ 147 ]

عبيد الله بن مقسم عن جابر قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثا إلى أرض جهينة فذكره القصة (فقيل له) أي لجابر رضي الله عنه (يا أبا عبد الله) هذا كنية جابر (وأين كانت تقع التمرة من الرجل) وفي رواية البخاري فقلت ما تغنى عنكم تمرة قال الحافظ هو صريح في أن السائل عن ذلك وهب بن كيسان (قال لقد وجدنا فقدها) أي موثرا قال النووي وفي هذا بيان ما كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم عليه من الزهد في الدنيا والتقلل منها والصبر على الجوع وخشونة العيش وإقدامهم على الغزو مع هذا الحال (فإذا نحن بحوت) هو اسم جنس لجميع السمك وقيل هو مخصوص بما عظم منها (قد قذفه البحر) أي رماه وفي رواية البخاري فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له المنبر وفي رواية آخرى له فإذا حوت مثل الظرب وهو بفتح الظاء المعجمة وكسر الراء بعدها موحدة الجبل الصغير (فأكلنا منه ثمانية عشر يوما ما أحببنا) ما موصوله وفي رواية لمسلم فأقمنا عليه شهرا ونحن ثلاثمائة حتى سمنا وفي رواية أخرى له فأكلنا منها نصف شهر وفي رواية أخرى له فأكل منها الجيش ثمان عشرة ليلة قال النووي في الجمع بين هذه الروايات المختلفة ما لفظه طريق الجمع بين الروايات أن من روى شهرا هو الأصل ومعه زيادة علم ومن روى دونه لم ينف الزيادة ولو نفاها قدم المثبث وقد قدمنا مرات أن المشهور الصحيح عند الأصوليين أن مفهوم العدد لا حكم له فلا يلزم منه نفي الزيادة لو لم يعارضه إثبات الزيادة كيف وقد عارضه فوجب قبول الزيادة وجمع القاضي بينهما بأن من قال نصف شهر أراد أكلوا منه تلك المدة طريا ومن قال شهرا أراذ أنهم قددوه فأكلوا منه بقية الشهر قديدا انتهى قال الحافظ ويجمع بين هذا الاختلاف بأن الذي قال ثمان عشرة ضبط ما لم يضبطه غيره وأن من قال نصف شهر ألفى الكسر الزائد وهو ثلاثة أيام ومن قال شهرا جبر الكسر أو ضم بقية المدة التي كانت قبل وجدانهم الحوت إليها قال ووقع في رواية الحاكم اثني عشر يوما وهي شاذة انتهى والحديث هكذا أخرجه الترمذي مختصرا وأخرجه الشيخان مطولا وفي اخر الحديث فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال كلوا رزقا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم فأكله وقد استدل بهذا الحديث على جواز أكل السمك الطافي قال النووي وأما السمك

[ 148 ]

الطافي وهو الذي يموت في البحر بلا سبب فمذهبنا إباحته وبه قال جماهير العلماء من الصحابة فمن بعدهم منهم أبو بكر الصديق وأبو أيوب وعطاء ومكحول والنخعي ومالك وأحمد وأبو ثور وداود وغيرهم وقال جابر بن عبد الله وجابر بن زيد وطاوس وأبو حنيفة لا يحل دليلنا قوله تعالى (أحل لكم صيد البحر وطعامه) قال ابن عباس والجمهور صيده ما صدتموه وطعامه ما قذفه وبحديث جابر هذا وبحديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته وهو حديث صحيح وبأشياء مشهورة غير ما ذكرنا وأما الحديث المروي عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه فحديث ضعيف باتفاق أئمة الحديث لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شئ كيف وهو معارض بما ذكرناه وقد أوضحت ضعفه وحاله في شرح المهذب في باب الأطعمة فإن قيل لا حجة في حديث العنبر لأنهم كانوا مضطرين قلنا الاحتجاج بأكل النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة من غير ضرورة قلت القول الراجح هو جواز أكل السمك الطافي وحديث جابر هذا نص صريح فيه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (إنا لجلوس) أي لجالسون (في المسجد) أي مسجد المدينة أو مسجد قباء (إذ طلع) أي ظهر (مصعب بن عمير) بضم الميم وفتح العين وعمير بضم العين مصغرا (ما عليه) أي ليس على بدنه (إلا بردة له) أي كساء مخلوط السواد والبياض (مرقوعة أي مرقعة (بفرو) أي بجلد قال ميرك هو قرشي هاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم وترك النعمة والأموال بمكة وهو من كبار أصحاب الصفة الساكنين في مسجد قباء وقال صاحب المشاة في الاكمال عبدرى كان من أجلة الصحابة وفضلائهم هاجر إلى أرض الحبشة في أول من هاجر إليها ثم شهد بدرا وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث مصعبا بعد العقبة الثانية إلى المدينة يقرئهم القران ويفقههم في الدين وهو أول من جمع الجمعة بالمدينة قبل الهجرة وكان في

[ 149 ]

الجاهلية من أنعم الناس عيشا وألينهم لباسا فلما أسلم زهد في الدنيا (فلما راه) أي أبصر مصعبا بتلك الحال الصعباء (بكى للذي) أي للأمر الذي (كان فيه) أي قبل ذلك اليوم (والذي هو فيه) أي ول مر الذي هو فيه من المحنة والمشقة (اليوم) أي في الوقت الحاضر (كيف) أي الحال (بكم إذ غدا أحدكم) أي ذهب أول النهار (في حلة) بضم فتشديد أي في ثوب أو في إزار ورادء (وراح) أي ذهب آخر النهار (في حلة) أي أخرى من الأولى قال ابن الملك أي كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم بحيث يلبس كل منكم أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم (ورضعت بين يديه صحفة) أي قصعة من مطعوم (ورفعت أخرى) أي من نوع آخر كما هو شأن المترفين وهو كناية عن كثرة أصناف الأطعمة الموضوعة على الأطباق بين يدي المتنعمين (وسترتم بيوتكم) بضم الموحدة وكسرها أي جدرانها والمعنى زينتموها بالثياب النفيسة من فرظ التنعم (كما تستر الكعبة) فيه إشارة إلى أن سترها من خصوصياتها لامتيازها (نحن يومئذ خير منا اليوم) وبينوا سبب الخيرية بقولهم مستأنفا فيه معنى التعليل (نتفرغ) أي عن الملائق والعوائق (للعبادة) أي بأنفسنا (ونكفي) بصيغة المجهول المتكلم (المؤنة) أي بخدمنا والواو لمطلق الجمع فالمعنى ندفع عنا تحصيل القوت لحصوله بأسباب مهيأة لنا فتتفرغ للعبادة من تحصيل العلوم الشرعية والعمل بالخيرات البدنية والمبرات المالية (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا) أي ليس الأمر كما ظننتم (أقم اليوم خير منكم يومئذ) لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني لأن الغني يشتغل بدنياه ولا يتفرغ للعبادة مثل من له كفاف لكثرة اشتغاله بتحصيل المال قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو يعلى من قصة علي المذكورة من طريق محمد بن كعب القرظي وذكر المنذري في الترغيب لفظه بتمامه قوله (ويزيد بن زاد هذا هو مدني الخ) المقصود من هذا الكلام بيان الفرق بين

[ 150 ]

هؤلاء الرجال الثلاثة المسمين بيزيد فالأول يزيد بن زياد المدني المذكور في سند هذا الحديث قد تقدم ترجمته في هذا الباب والثاني يزيد بن زياد الدمشقي وقد تقدم ترجمته في شرح الحديث الرابع من أبواب الشهادات والثالث يزيد بن زياد الكوفي وقد تقدم ترجمته في باب السواك والطيب يوم الجمعة قوله (حدثني عمر بن ذر) بن عبد الله بن زرارة الهمداني بالسكون المرهبي أبو ذر الكوفي ثقة رمى بالإرجاء من السادسة قوله (كان أهل الصفة أضياف أهل الإسلام) الصفة مكان في مؤخر المسجد النبوي مظلل أعد لنزول الغرباء فيه ممن لا مأوى له ولا أهل وكانوا يكثرون فيه ويقلون بحسب من يتزوج منهم أو يموت أو يسافر وقد سرد أسماءهم أبو نعيم في الحلية فزادوا على المائة كذا ذكره الحافظ في الفتح في باب علامات النبوة وقال في كتاب الرقاق وقد اعتني بجمع أسماء أهل الصفة أبو سعيد بن الأعرابي وتبعه أبو عبد الرحمن السلمي فزاد أسماء وجمع بينهما أبو نعيم في أوائل الحلية فسرد جميع ذلك (لا يأوون على أهل ولا مال) وكذا في رواية البخاري في الرفاق بلفظ على قال الحافظ في رواية روح والأكثر إلى بدل علي قال في القاموس أويت منزلي وإليه أويا بالضم وبكسر نزلته بنفسي وسكنته وآويته وأويته وأويته أنزلته وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر عند البخاري في علامات النبوة أن أصحاب الصفة كانوا أناسا فقراء وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال مرة من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس أو كما قال ولأبي نعيم في الحيلة من مرسل محمد بن سيرين كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى قسم ناسا من أصحاب الصفة بين ناس من أصحابه فيذهب الرجل بالرجل والرجل بالرجلين حتى ذكر عشرة الحديث وله من حديث معاوية بن الحكم بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصفة فجعل يوجه الرجل مع الرجل من الأنصار والرجلين والثلاثة حتى بقيت في

[ 151 ]

أربعة ورسول الله صلى الله عليه وسلم خامسنا فقال انطلقوا بنا فقال يا عائشة عشينا الحديث (والله) الواو للقسم (إن كنت) بسكون النون مخففة من المثقلة (لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع) أي ألصق بطني بالأرض وكأنه كان يستفيد بذلك ما يستفيده من شدة الحجر على بطنه أو هو كناية عن سقوطه على الأرض مغشيا عليه قاله الحافظ وذكر روايات تدل على خرور أبي هريرة رضي الله عنه على الأرض من الجوع مغشيا عليه قلت الاحتمال الأول هو الظاهر وأما خروره على الأرض من الجوع مغشيا عليه فحالة أخرى له من الجوع والله تعالى أعلم (وأشد الحجر على بطني من الجوع) قال العلماء فائدة شد الحجر المساعدة على الاعتدال والانتصاب أو المنع من كثرة التحلل من الغذاء الذي في البطن لكون الحجر بقدر البطن فيكون الضعف أقل أو لتقليل حرارة الجوع ببرد الحجر أو لأن فيه الاشارة إلى كسر النفس (ولقد قعدت يوما على طريقهم الذي يخرجون فيه) ضمير طريقهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعض أصحابه ممن كان طريق منازلهم إلى المسمجد متحدة (إلا ليستتبعني) بمهملة ومثناتين وموحدة أي يطلب مني أن أتبعه ليطعمني (فمر ولم يفعل) أي الاستتباع (ثم مر عمر) قال الحافظ لعل العذر لكل من أبي بكر وعمر حمل سؤال أبي هريرة على ظاهره أو فهما ما أراده ولكن لم يكن عندهما إذ ذلك ما يطعمانه لكن وقع في رواية أبي حازم من الزيادة أن عمر تأسف على عدم إدخاله أبا هريرة داره ولفظه فلقيت عمر فذكرت له وقلت له ولي الله ذلك من كان أحق به منمك يا عمر وفيه قال عمر والله لأن أكون أدخلتك أحب ألى من أن يكون لي حمر النعم فإن فيه إشعارا بأنه كان عنده ما يطعمه إذ ذاك فيرجح الاحتمال الأول ولم يعرج على ما رمزه أبو هريرة من كنايته بذلك عن طلب ما يأكل (فتبسم حين رآني) زاد البخاري وعرف ما في نفسي وما في وجهي قال الحافظ قوله فتبسم حين رآني وعرف ما في نفسي استدل أبو هريرة بتبسمه صلى الله عليه وسلم على أنه عرف ما به لأن التبسم تارة يكون لما يعجب وتارة يكون لإيناس من تبسم إليه ولم تكن تلك الحال معجبة فقوى الحمل على الثاني وقوله وما في وجهي كأنه عرف عن حال وجهه ما في نفسه من احتياجه إلى ما يسد رمقه (وقال) أي رسول الله صلى الله عليه

[ 152 ]

وسلم (أبو هريرة) أي أنت أبو هريرة (قال الحق) بهمزة وصل وفتح المهملة أي اتبع (فوجد قدحا) بالفتح فإن القدح لا يكسر (فساءني ذلك) إشارة إلى ما تقدم من قوله فادعهم وقد بين ذلك بقوله (وقلت) أي في نفسي (فسيأمرني) أي النبي صلى الله عليه وآله سلم (أن أديره عليهم) وكأنه عرف بالعادة ذلك لأنه كان يلازم النبي صلى الله عليه وآله سلم ويخدمه وقد أخرجه البخاري في تاريخه عن طلحة بن عبيد الله كان أبو هريرة مسكينا لا أهل له ولا مال وكان يدور مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيثما دار (ما يغنيني) أي عن جوع ذلك اليوم (فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدح فوضعه على يده ثم رفع رأسه فتبسم) وفي البخاري فأخذ القدح فوضعه على يده فنظر إلي فتبسم قال الحافظ كأنه صلى الله عليه وسلم تفرس في أبي هريرة ما كان وقع في توهمه أن لا يفضل له من اللبن شئ فلذلك تبسم إليه إشارة إلى أنه لم يفته شئ (فحمد الله وسمى) أي حمد الله على ما من به

[ 153 ]

من البركة التي وقعت في اللبن المذكور مع قلته حتى روى القوم كلهم وأفضلوا وسمى في ابتداء الشرب (وشرب) أي الفضلة كما في رواية البخاري أي البقية قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وغيره قوله (حدثنا عبد العزيز بن عبد الله القرشي) أبو يحيى النمرقي بفتح النون وسكون الراء وفتح الميم بعدها قاف الرازي منكر الحديث من الثامنة (حدثني يحيى البكاء) بتشديد الكاف ابن مسلم أو ابن سلم مصعرا وهو ابن خليد البصري المعروف بيحيى البكاء الحداني بضم المهملة وتشديد الدال مولاهم ضعيف من الرابعة قوله (تجشأ رجل) بتشديد الشين المعجمة بعدها همزة أي يخرج الجشاء من صدره وهو صوت مع ريح يخرج منه عند الشبع وقيل عند امتلاء المعدة قال التوربشتي الرجل هو وهب أبو جحيفة السوائي روى عنه أنه قال أكلت ثريدة من خبز ولحم وأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا أتجشأ قلت قد أشار الترمذي إلى حديث أبي جحيفة هذا بقوله وفي الباب عن أبي جحيفة وستقف على لفظه ومخرجيه (فقال كف عنا) أمر مخاطب من الكف بمعنى الصرف والدفع وفي رواية شرح السنة أقصر من جشائك (جشاءك) بضم الجيم ممدود أو النهي عن الجشاء هو النهي عن الشبع لأنه السبب الجالب له (فإن أكثرهم شبعا) قال في القاموس الشبع بالفتح وكمنب ضد الجوع وشبع كسمن خبزا ولحما منهما قوله (هذا حديث حسن غريب) في سنده عبد العزيز بن عبد الله ويحيى البكاء وهما ضعيفان كما عرفت وأخرجه أيضا ابن ماجه والبيهقي من طريقهما قوله (وفي الباب عن أبي جحيفة) قال أكلت ثريدة من خبز ولحم ثم أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فجعلت أتجشأ فقال يا هذا كف عن جشائك فإن أكثر الناس شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة رواه الحاكم وقال صحيح الاسناد قال الحافظ المنذري في الترغيب بل واه جدا فيه فهد بن عوف وعمر بن موسى لكن رواه البزار بإسنادين

[ 154 ]

رواة أحدهما ثقات ورواه ابن أبي الدنيا والطبراني في الكبير والأوسط والبيهقي وزادوا فما أكل أبو جحيفة ملء بطنه حتى فارق الدنيا كان إذا تغدى لا يتعشى وإذا تعشى لا يتغدى وفي رواية لأبن أبي الدنيا قال أبو جعيفة فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة انتهى قوله (يا بني) بضم الموحدة وفتح النون وشدة الياء (ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم وأصابتنا السماء) الجملتان وقعتا حالين مترادنين أو متداخلين أي لو رأيتنا حال كوننا مع النبي صلى الله عليه وسلم وحال كوننا قد أصابتنا السماء والحديث يدل على جواز لبس الصوف قال ابن بطال كره ملك لبس الصوف لمن يجد غيره لما فيه من الشهرة بالزهد لأن إخفاء العمل أولى قال ولم ينحصر للتواضع في لبسه بل في القطن وغيره ما هو بدون ثمنه انتهى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه قال المنذري في الترغيب ورواه الطبراني بإسناد صحيح أيضا نحوه وزاد في آخره إنما لباسنا الصوف وطعامنا الأسودان التمر والماء قوله (من ترك اللباس) أي لبس الثياب الحسنة المرتفعة القيمة (تواضعا لله) أي لا ليقال إنه متواضع أو زاهد ونحوه والناقد بصير (دعاء الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق) أي يشهره ويناديه (من أي حلل الايمان) أي من أي حلل أهل الايمان وفي حديث رجل من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أبيه قال قال

[ 155 ]

رسول الله صلى الله عليه وسلم من ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه قال بشر أحسبه قال تواضعا كساه الله حلة الكرامة رواه أبو داود في حديث ولم يسم ابن الصحابي ورواه البيهقي من طريق زيان بن فائد عن سهل ابن معاذ عن أبيه بزيادة كذا في الترغيب وحديث معاذ بن أنس هذا ذكره المنذري في الترغيب وقال رواه الترمذي وقال حديث حسن والحاكم في موضعين من المستدرك قال في أحدهما صحيح الإسناد انتهى قلت ليس في النسخ الموجودة عندنا قول الترمذي حديث حسن قوله (حدثنا زافر بن سليمان) بالفاء الإيادي أبو سليمان القهستاني بضم القاف والهاء وسكون المهملة سكن الري ثم بغداد وولي قضاء سجستان صدوق كثير الأوهام من التاسعة (عن إسرائيل) هو ابن يونس الكوفي قوله (النفقة كلها في سبيل الله) أي فيؤخر المنفق عليها (إلا البناء) أي إلا النفقة في البناء (فلا خير فيه) أي في الانفاق فيه فلا أجر فيه وهذا في بناء لم يقصد به قربة أو كان فوق الحاجة قوله (هكذا قال محمد بن حميد شبيب بن بشير وإنما هو شبيب بن بشر) قال في التقريب شبيب بوزن طويل بن بشر أو ابن بشير البجلي الكوفي صدرق يخطئ من الخامسة قوله (أخبرنا شريك) هو ابن عبد الله النخعي الكوفي (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله السبيعي (عن حارثه بن مغرب) بتشديد الراء المكسورة قبلها معجمة العبدي الكوفي ثقة من الثانية غلط من نقل عن ابن المدني أنه تركه قوله (أتينا خبابا) بموحدين الأول مثقلة ابن الأرث بتشديد الفوقية التميمي من السابقين إلى الاسلام وكان يعذب في الله وشهد بدرا ثم نزل الكوفة ومات بها سنة سبع

[ 156 ]

وثلاثين (وقد اكتوى سبع كيات) قال الطيبي الكي علاج معروف في كثير من الأمراض وقد ورد النهي عن الكي فقيل النهي لأجل أنهم كانوا يرون أن الشفاء منه وأما إذا اعتقد أنه سبب وأن الشافي هو الله فلا بأس به ويجوز أن يكون النهي من قبل التوكل وهو درجة أخرى غير الجواز انتهى ويؤيده خبر لا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون (لا تمنوا الموت) بحذف إحدى التائين أي لضر نزل به وإنما نهى عن تمني الموت لما فيه من طلب إزالة نعمة الحياة وما يترتب عليها من الفوائد ولزيادة العمل (لتنميته) أي لأستريح من شدة المرض الذي من شأن الجبلة البشرية أن تنفر منه ولا تصبر عليه (وقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يؤجر الرجل في نفقته) أي كلها (إلا التراب) أي إلا النفقة في التراب (أو قال في التراب) شك من الرواي أي في نفقته في البنيان الذي لم يقصد به وجه الله أو قد زاد على الحاجة قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد قوله (حدثنا الجارود) هو ابن معاذ السلمي الترمذي (عن أبي حمزة) الظاهر أن أبا حمزة هذا هو ميمون الأعور القصاب مشهور بكنيته ضعيف من السادسة روى عن إبراهيم وغيره وعنه سفيان الثوري وغيره (عن إبراهيم) هو ابن يزيد النخعي قوله (البناء وكله وبال) أي إذا كان فوق الحاجة ولم يكن مما يتقرب به كالمسجد (قلت أرأيت الخ) أي أخبرني عن بناء لا بد منه (قال لا أجر ولا وزر) أي لا أجر لصاحبه ولا وزر عليه هذا قول إبراهيم النخعي وروى البيهقي في شعب الايمان عن أنس رضي الله عنه مرفوعا كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدا كذا في الجامع الصغير قال المناوي في شرح هذا الحديث قوله إلا مسجدا أي أو نحوه مما

[ 157 ]

بني يقصد قربة إلى الله كمدرسة ورباط واستثنى في خبر اخر ما لا بد منه لحاجة الانسان انتهى قوله (حدثنا خالد بن طهمان أبو العلاء) الكوفي الخفاف مشهور بكنيته صدوق رمى بالتشيع ثم اختلط من الخامسة (حدثني حصين) بن مالك البجلي الكوفي صدوق من الثالثة قال في تهذيب التهذيب له عند الترمذي حديث واحد في أجر من كسا مسلما ثوبا قوله (إنه) أي الشأن (لحق) اللام للتأكيد (أن نصلك) أي نعطيك (إلا كان في حفظ الله) فيحفظه الله من مكاره الدنيا والآخرة (ما دام منه) أي من الثوب (عليه) أي على من كساه (خرقة) أي قطعة قال المناوي يعني حتى يبلى وقال ومفهوم هذا الحديث أنه لو كسا ذميا لا يكون له هذا الوعد قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وقال المنذري رواه الترمذي والحاكم كلاهما من طريق خالد بن طهمان ولفظ الحاكم من كسا مسلما ثوبا لم يزل في ستر الله ما دام عليه منه خيط أو سلك وقال الحاكم صحيح الاسناد انتهى قلت خالد بن طهمان اختلط في اخره عمره كما عرفت قوله (ويحيى بن سعيد) هو القطان (عن زرارة بن أوفى) بضم الزاي العامري

[ 158 ]

الحوشي بمهملة وراء مفتوحتين ثم معجمة البصري قاضيها ثقة عابد من الثالثة مات فجأة في الصلاة (عن عبد الله بن سلام) بالتخفيف الإسرائيلي هو أبو يوسف حليف بني الخزرج قيل كان اسمه الحسين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله مشهور مات بالمدينة سنة ثلاث وأربعين (يعني المدينة) هذا قول بعض رواة الحديث (انجفل الناس إليه) أي ذهبوا مسرعين إليه يقال جفل وأجفل وانجفل (فلما استبنت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال في الصراح استبان الشئ أي طهر وتبين مثله واستبنته أنا عرفته وتعينته أنا كذلك انتهى (ليس بوجه كذاب) بالإضافة وينون أي يوجه ذي كذب فإن الظاهر عنوان الباطن (يا أيها الناس) خطاب العام بكلمات جامعة للمعاملة مع الخلق والحق (أفشوا السلام) أي أظهروه وأكثروه على من تعرفونه وعلى من لا تعرفونه (وأطعموا الطعام) أي لنحو المساكين والأيتام (وصلوا) أي بالليل (والناس نيام) لأنه وقت الغفلة فلأرباب الحضور مزيد المثوبة أو لبعده عن الرياء والسمعة (تدخلوا الجنة بسلام) أي من الله أو من ملائكته من مكروه أو تعب ومشقة قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه ابن ماجه والدرامي قوله (أخبرنا حميد) هو الطويل قوله (لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة) أي حين جاءها أول قدومه (أتاه المهاجرين) أي بعد ما قام الأنصار بخدمتهم وإعطائهم أنصاف دورهم وبساتينهم إلى أن بعضهم طلق أحسن نسائه ليتزوجها بعض المهاجرين كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قلبهم يحبون من هاجر إليهم ولا يحدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (فقالوا) أي المهاجرون (ما رأينا قوما

[ 159 ]

أبذل من كثير) أي من مال كثير (ولا أحسن مواساة من قليل) أي من مال قليل (من قوم نزلنا بين أظهرهم) أي عندهم وفيما بينهم والمعنى أنهم أحسنوا إلينا سواء كانوا كثيري المال أو فقيري الحال قال الطيبي رحمه الله الجاران أعني من قليل ومن كثير متعلقان بالبذل والمواساة وقوله من قوم صلة لا بذل وأحسن على سبيل التنازع وقوم هو المفضل والمراد بالقوم الأنصار وإنما عدل عنه إليه ليدل التنكير على التفخيم فيتمكن من إجراء الأوصاف التالية عليه بعد الإبهام ليكون أوقع لأن التبيين بعد الإبهام أوقع في النفس وأبلغ (لقد كفونا) من الكفاية (المؤنة) أي تحملو عنا مؤنة الخدمة في عمارة الدور والنخيل وغيرهما (وأشركونا) أي مثل الإخوان (في المهنأ) بفتح الميم والنون وهمز في آخره ما يقوم بالكفاية وإصلاح المعيشة وقيل ما يأتيك بلا تعب قال ابن الملك والمعنى أشركونا في ثمار نخيلهم وكفونا مؤنة سقيها وإصلاحها وأعطونا نصف ثمارهم وقال القاضي يريدون به ما أشركوهم فيه من زروعهم وثمارهم (حتى لقد خفنا أن يذهبوا) أي الأنصار (بالأجر كله) أي بأن يعطيهم الله أجر هجرتنا من مكة إلى المدينة وأجر عبادتنا كلها من كثرة إحسانهم إلينا (فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا) أي لا يذهبون بكل الأجر فإن فضل الله واسع فلكم ثواب العبادة ولهم أجر المساعدة (ما دعوتم الله لهم وأثنيتم عليهم) أي ما دمتم تدعون لهم بخير فإن دعاءكم يقوم بحسناتهم إليكم وثواب حسناتكم راجع عليكم قال الطيبي رحمه الله يعني إذ حملوا المشقة والتعب على أنفسهم وأشركونا في الراحة والمهنأ فقد أحرزوا المثوبات فكيف نجازيهم فأجاب لا أي ليس الأمر كما زعمتم فإنكم إذا أثنيتم عليهم شكرا لصنيعهم ودمتم عليه فقد جاز يتموه قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أبو داود والنسائي قوله (أخبرنا محمد بن معن) بن محمد بن معن (المدني الغفاري) أبو يونس المدني

[ 160 ]

ثقة من الثامنة (حدثني أبي) هو معن بن محمد بن معن بن نضلة الغفاري مقبول من السادسة قوله (الطاعم الشاكر) أي الله تعالى بمنزلة الصائم الصابر لأن الطعم فعل والصوم كف فالطاعم بطعمه يأتي ربه بالشكر والصائم بكفه عن الطعم يأتيه بالصبر قال القاري أقل شكره أن يسمى إذا أكل ويحمد إذا فرغ وأقل صبره أن يحبس نفسه عن مفسدات الصوم قال المظهر هذا تشبيه في أصل استحقاق كل واحد منهما الأجر لا في المقدار وهذا كما يقال زيد كعمرو ومعناه زيد يشبه عمرا في بعض الخصال ولا يلزم الممائلة في جميعها فلا يلزم الممائلة في الأجر أيضا انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه والحاكم قال المناوي وصححه وأقروه وروي أحمد وابن ماجه عن سنان بن سنة مرفوعا الطاعم الشاكر له مثل أجر الصائم الصابر قوله (عن عبد الله بن عمرو الأودي) الكوفي مقبول من الثالثة قال في تهذيب التهذيب روى له الترمذي هذا الحديث الواحد وذكره ابن حبان في الثقات وأخرج له في صحيحه هذا الحديث قوله (بمن يحرم) بضم الراء (على النار) أي يمنع عنها (وبمن تحرم عليه النار) قال القاري زيادة تأكيد وإلا فالمعنيان متلازمان ولما كان مالهما واحد اكتفى بالجواب عن الأول لأنه المعول والثاني مؤكد (على كل قريب) أي إلى الناس ولم يقع في بعض النسخ لفظ على (هين) وفي المشكاة على كل هين لين قال القاري بتشديد التحتية فبهما أي تحرم على كل سهل طلق حليم لين الجانب قيل هما يطلقان على الانسان بالتثقيل

[ 161 ]

والتخفيف وعلى غيره بالتشديد وعن ابن الأعرابي بالتخفيف المدح وبالتشديد للذم ثم قوله هين فيعل من الهون وهو السكون والوقار والسهولة فعينه واو فأبدلت وأدغمت انتهى (سهل) هو ضد الصعب أي سهل الخلق كريم الشمائل قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد والطبراني قوله (قالت كان) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (يكون في مهنة أهله) ورواه البخاري من طريق آدم عن شعبة في باب من كان في حاجة أهله فأقيمت الصلاة فخرج وزاد تعني خدمة أهله قال الحافظ بفتح الميم وكسرها وسكون الهاء فيهما وقد فسرها في الحديث بالخدمة وهي من تفسير آدم بن أبي إياس شيخ المصنف وقال في الصحاح المهنة بالفتح الخدمة وهذا موافق لما قاله لكن فسرها صاحب المحكم بأخص من ذلك فقال المهنة الحذق بالخدمة والعمل وقد وقع مفسرا في الشمائل للترمذي من طريق عمرة عن عائشة بلفظ ما كان إلا بشرا من البشر يفلي ثوبه ويحلب شأته ويخدم نفسه ولأحمد وابن حبان من رواية عروة عنها يخيط ثوبه ويخصف نعله وزاد ابن حبان ويرفع دلوه وزاد الحاكم في الإكليل ولا رأيته ضرب بيده امرأة ولا خادما والحديث فيه الترغيب في التواضع وترك التكبر وخدمة الرجل أهله قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري باب قوله (لا ينزع) بكسر الزاي أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لم ير) بصيغة المجهول أي لم

[ 162 ]

يبصر (مقدما) بكسر الذال المشددة (ركبت بين يدي جليس له) أي مجالس له قيل أي ما كان يجلس في مجلس تكون ركبتاه متقدمتين على ركبتي صاحبه كما يفعل الجبابرة في مجالسهم وقيل ما كان يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل كان يخفضها تعظيما لجليسه وقالوا أراد بالركبتين الرجلين وتقديمهما مدهما وبسطهما كما يقال قدم رجلا وأخر أخرى ومعناه كان صلى الله عليه وسلم لا يمد رجله عند جليسه تعظيما له قال الطيبي فيه وفي قوله كان لا يتزع يده قيل نزع صاحبه تعليم لأمته في إكرام صاحبه وتعظيمه فلا يبدأ بالمفارقة عنه ولا يهينه بمد الرجلين إليه قوله (عن أبيه) هو السائب بن مالك أو ابن زيد الكوفي ثقة من الثانية قوله (خرج رجل ممن كان قبلكم في حلة) بضم الحاء المهملة وتشديد اللام إزاء ورداء بردأو غيره ولا يكون حلة إلا من ثوبين أو ثوب له بطانة كذا في القاموس (يختال فيها) من الاختيال وهو التكبر في المشي (فأخذته) أي ابتلعته (فهو متجلجل أو قال يتلجلج فيها إلى يوم القيامة) أي يغوص في الأرض ويضطرب في نزوله فيها قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري عن ابن عمر بلفظ بينما رجل يجر إزاره خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة قوله (يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر) أي في الصغر والحقارة (في صور

[ 163 ]

الرجال) أي من جهة وجوههم أو من حيثية هيئتهم من انتصاب القامة (يغشاهم الذل) أي يأتيهم (من كل مكان) أي من كل جانب والمعنى أنهم يكونون في غاية من المذلة والنقيصة يطأهم أهل الحشر بأرجلهم من هوانهم على الله وفي النهاية الذر النمل الأحمر الصغير واحدها ذرة (يساقون) بضم القاف أي يسحبون ويجرون (إلى سجن) أي مكان حبس مظلم مضيق منقطع فيه عن غيره (يسمى) أي ذلك السجن (بولس) قال في المجمع هو بفتح باء وسكون واو وفتح لام وقال في القاموس بولس بضم الباء وفتح اللام سجن جهنم وقال الحافظ المنذري هو بضم الموحدة وسكون الواو وفتح اللام انتهى (تعلوهم) أي تحيط بهم وتغشاهم كالماء يعلو الغريق (نار الأنيار) قال في النهاية لم أجده مشروحا ولكن هكذا يروى فإن صحت الرواية فيحتمل أن يكون معناه نار النيران فجمع النار على أنيار وأصلها أنوار لأنها من الواو كما جاء في ريح وعيد أرياح وأعياد وهما من الواو انتهى قيل إنما جمع نار على أنيار وهو واوي لئلا يشتبه بجمع النور قال القاضي وإضافة النار إليها للمبالغة كأن هذه النار لفرظ إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران ما تفعل النار بغيرها انتهى قال القاري أو لأنها أصل نيران العالم لقوله تعالى الذي يصلي النار الكبرى ولقوله صلى الله عليه وسلم ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم على ما ذكره البيضاوي انتهى (ويسقون) بصيغة المجهول (من عصارة أهل النار) بضم العين المهملة وهو ما يسيل منهم من الصديد والقبح والدم (طينة الخيال) بالجر بدل من عصارة أهل النار والخيال بفتح الخاء المعجمة وهو في الأصل الفساد ويكون في الأفعال والأبدان والعقول قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه النسائي كما في الترغيب وأخرج عبد الله ابن أحمد في زوائد الزهد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يجاء بالجبارين والمتكبرين رجال في صور الذر يطأهم الناس من هوانهم على الله حتى يقضي بين الناس ثم يذهب بهم إلى نار الأنيار قيل يا رسول الله وما نار الأنيار قال عصارة أهل النار ذكره السيوطي في البدور السافرة في أحوال الآخرة

[ 164 ]

(تنبيه) حمل بعضهم قوله صلى الله عليه وسلم يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال على المجاز قال التوربشتي يحمل ذلك على المجاز دون الحقيقة أي أذلاء مهانين يطأهم الناس بأرجلهم وإنما منعنا على القول بظاهره ما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى أنهم يحشرون غرلا يعاد منهم ما انفصل عنهم من القلفة وإلى هذا المعنى أشار بقوله يغشاهم الذل من كل مكان قال الأشرف إنما قال في صور الرجال بعد قوله أمثال الذر قطعا منه حمل قوله أمثال الذر على الحقيقة ودفعا لوهم من يتوهم أن المتكبر لا يحشر في صورة الإنسان وتحقيقا عادة الأجساد المعدومة على ما كانت عليه من الأجزاء وقال المظهر يعني صورهم صور الإنسان وجثتهم كجثة الذر في الصغر قال الطيبي لفظ الحديث يساعد هذا المعنى لأن قوله أمثال الذر تشبيه لهم بالذر ولا بد من بيان وجه الشبه لأنه يحتمل أن يكون وجه الشبه الصغر في الجثة وأن يكون الحقارة والصغار فقوله في صور الرجال بيان للوجه ودفع وهم من يتوهم خلافه وأما قوله إن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء فليس فيه أن لا تعاد تلك الأجزاء الأصلية في مثل الذر لأنه تعالى قادر عليه وفيه الخلاف المشهور بين الأصوليين وعلى هذه الحقارة ملزوم هذا التركيب فلا ينافي إرادة الجثة مع الحقارة قلت الظاهر هو الحمل على الحقيقة ولا مخالفة بين هذا الحديث والأحاديث التي تدل على أن الأجساد تعاد على ما كانت عليه من الأجزاء حتى أنهم يحشرون غرلا قال القاري التحقيق إن الله يعيدهم عند إخراجهم من قبورهم على أكمل صورهم وجمع أجزائهم المعدومة تخفيفا لوصف الإعادة على وجه الكمال ثم يجعلهم في موقف الجزاء على الصورة المذكورة إهانة وتذليلا لهم جزاءا وفاقا أو يتصاغرون من الهيبة الإلهية عند مجيئهم إلى موضع الحساب وظهور أثر العقوبة السلطانية التي لو وضعت على الجبال لصارت هباء منثورا انتهى قوله (أخبرنا عبد الله بن يزيد) هو أبو عبد الرحمن المقري ئئ

[ 165 ]

قوله (من كظم غيظا) أي كف عن إمضائه (وهو يقدر أن ينفذه) من التنف أي يقدر على إمضائه وإنفاذه والجملة حالية (دعاءه الله على رؤوس الخلائق) أي شهره بين الناس وأثنى عليه وتباهي به ويقال في حقه هذا الذي صدرت منه هذه الخصلة العظيمة قال الطيبي وإنما حمد الكظم لأنه قهر للنفس الأمارة بالسوء ولذلك مدحهم الله تعالى بقوله والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود وابن ماجه قوله (أخبرنا سلمة بن شبيب) النيسابوري نزيل مكة ثقة من كبار الحادية عشرة (أخبرنا عبد الله بن إبراهيم) بن أبي عمرو (الغفاري) أبو محمد المدني متروك ونسبه ابن حبان إلى الوضع من العاشرة (حدثني أبي) اسمه إبراهيم بن أبي عمرو الغفاري المدني مجهول من الثامنة (عن أبي بكر بن المنكدر) بن عبد الله التيمي المدني ثقة وكان أسن من أخيه محمد من الرابعة قوله (نشر الله عليه) بشين معجمة من النشر ضد الطي (كنفه) بكاف ونون وفاء مفتوحات وهو الجانب والناحية وهذا تمثيل لجعله تحت ظل رحمته يوم القيامة (أدخله الجنة) وفي بعض النسخ جنته والإضافة للتشريف (والشفقة على الوالدين) أي الأصلين وإن علوا (وإحسان إلى المملوك) أي مملوك الإنسان نفسه وكذا غيره بنحو إعانة أو شفاعة عند سيده قوله (هذا حديث غريب) في سنده عبد الله بن إبراهيم وهو متروك وأبوه وهو مجهول فالحديث ضعيف

[ 166 ]

قوله (يا عبادي) قال الطيبي الخطاب للثقلين لتعاقب التقوى والفجور فيهم ويحتمل أن يعم الملائكة فيكون ذكرهم مدرجا في الجن لشمول الاجتنان لهم وتوجه هذا الخطاب لا يتوقف على صدور الفجور ولا على إمكانه انتهى قلت والظاهر هو الاحتمال الأول (إلا من هديت) قيل المراد به وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لا أنهم خلقوا في الضلالة والأظهر أن يراد أنهم لو تركوا بما في طباعهم لضلوا وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام إن الله خلق الخلق في ظلمة ثم رش عليهم من نوره وهو لا ينافي قوله عليه الصلاة والسلام كل مولود يولد على الفطرة فإن المراد به الفطرة التوحيد والمراد بالضلالة جهالة تفصيل أحكام الإيمان وحدود الإسلام ومنه قوله تعالى ووجدك ضالا (وكلكم مذنب) قيل أي كلكم يتصور منه الذنب (إلا من عافيت) أي من الأنبياء والأولياء أي عصمت وحفظت وإنما قال عافيت تنبيها على أن الذنب مرض ذاتي وصحته عصمة الله تعالى وحفظه منه أو كلكم مذنب بالفعل وذنب كل بحسب مقامه إلا من عافيته بالمغفرة والرحمة والتوبة (ولا أبالي) أي لا أكترث (ولو أن أولكم وآخركم) يراد به الاحاطة والشمول (وحيكم وميتكم) تأكيد لإرادة الاستيعاب كقوله (ورطبكم ويابسكم) أي شبابكم وشيوخكم أو عالمكم وجاهلكم أو مطيعكم وعاصيكم قال الطيبي هما عبارتان عن الاستيعاب التام كما في قوله تعالى ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين والإضافة إلى ضمير المخاطبين تقتضي أن يكون الاستيعاب في نوع الإنسان فيكون تأكيدا للشمول بعد تأكيد الاستيعاب وتقريرا بعد تقرير انتهى (اجتمعوا على أتقى قلب عبد من عبادي) وهو نبينا صلى الله عليه وسلم (ما زاد ذلك) أي الاجتماع (اجتمعوا على أشقى قلب عبد

[ 167 ]

من عبادي) وهو إبليس اللعين (اجتمعوا في صعيد واحد) أي أرض واسعة مستوية (ما بلغت أمنيته) بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء أي مشتهاه وجمعها المنى والأماني يعني كل حاجة تخطر بباله (ما نقص ذلك) أي الاعطاء أو قضاء حوائجهم (فغمس) بفتح الميم أي أدخل (إبرة) بكسر الهمزة وسكون الموحدة وهي المخيط (ذلك) أي عدم نقص ذلك عن ملكي (بأني جواد) أي كثير الجود (واجد) هو الذي يجد ما يطلبه ويريده وهو الواجد المطلق لا يفوته شئ (ماجد) هو بمعنى المجيد كالعالم بمعنى العليم من المجد وهو سعة الكرم (إنما أمري الشئ إذا أردت أن أقول له كن فيكون) بالرفع والنصب أي من غير تأخير عن أمري وهذا تفسير لقوله عطائي كلام وعذابي كلام قال القاضي يعني ما أريد إيصاله إلى عبد من عطاء أو عذاب لا أفتقر إلى كد ومزاولة عمل بل يكفي لحصوله ووصوله تعلق الإرادة به وكن من كان التامة أي أحدث فيحدث قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن ماجه وروى مسلم نحوه بزيادة ونقص قوله (عن عبد الله بن عبد الله) الرازي من بني هاشم القاضي أصله كوفي صدوق من الرابعة (عن سعد مولى طلحة) قال في التقريب سعد أو سعيد مولى طلحة ويقال طلحة مولى سعد مجهول من الرابعة

[ 168 ]

قوله (لو لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عد سبع مرات) جزاءه محذوف أي لم أحدث ذلك الحديث أحدا ولم أذكره (كان الكفل) بكسر الكاف وسكون الفاء اسم رجل (لا يتورع من ذنب) أي لا يحترز ولا يمتنع (عمله) الضمير المرفوع للكفل والمنصوب لذنب والجملة صفة له (أرعدت) بصيغة المجهول من الارعاد أي زلزلت واضطربت من خشية الله (أكرهتك) بحذف همزة الاستفهام (قالت لا) أي لم تكرهني وليس ارتعادي وبكائي من إكراهك (فقال أتفعلين أنت هذا) أي لأجل الحاجة (وما فعلته) أي قبل هذا قط (فهي) أي الدنانير (لك) أي ملك لك يعني وهبتها لك (وقال) أي الكافي (فاصبح) أي دخل الكفل في الصبح (مكتوب) كذا في النسخ الموجودة بالرفع والظاهر أن يكون بالنصب فإنه خبر أصبح أو حال من ضميره قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن حبان في صحيحه إلا أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقول فذكر نحوه والحاكم والبيهقي من طريقه وغيرها وقال الحاكم صحيح الاسناد كذا في الترغيب قوله (وكانت جدته سرية لعلى بن أبي طالب) قال في القاموس السرية بالضم

[ 169 ]

الأمة التي نوأتها بيتا منسوب إلى السر بالكسر للجماع من تغيير النسب وقال في الصراح سرية بالضم على فعلية كنيزك فراشي وهي منسوبة إلى السر وهو الجماع وإنما ضمت سينه لأن الأبنية تغيرت في النسبة كدهري وسهلي بالضم فيهما من دهر وسهل قال الأخفش إنها مشتقة من السرور لأنه يسر بها جمعها سراري ويقال منه كسررت الجارية وتسريتها كما تظننت وتظنيت انتهى قوله (أخبرنا أبو معاوية) هو محمد بن خازم (عن الحارث بن سويد) التيمي أبي عائشة الكوفي ثقة ثبت من الثانية (حدثنا عبد الله) هو ابن مسعود قوله (أحدهما عن نفسه) أي من قوله (إن المؤمن يرى ذنوبه) قال الطيبي ذنوبه المفعول الأول والمفعول الثاني محذوف أي كالجبال بدليل قوله كذباب أي عظيمة ثقيلة (كأنه في أصل جبل) أي قاعد في أصله (يخاف أن يقع عليه) قال ابن أبي جمرة السبب في ذلك أن قلب المؤمن منور فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الأمر عليه والحكمة في التمثيل بالجبل أن غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة وحاصله أن المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الإيمان فلا يأمن العقوبة بسببها وهذا شأن المؤمن أنه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السئ (وإن الفاجر) أي الفاسق (قال به) أي أشار إليه أو فعل به (هكذا) أي دفع الذباب بيده (لله) بفتح اللام (بتوبة أحدكم) أي من المعصية إلى الطاعة قال الطيبي لما صور حال المذنب بتلك الصورة الفظيعة أشار إلى أن الملجأ هو التوبة والرجوع إلى الله تعالى انتهى يعني فحصلت المناسبة بين الحديثين من الموقوف والمرفوع (من رجل) متعلق بأفرح (بأرض

[ 170 ]

فلاة) قال في القاموس الفلاة القفر أو المفازة لا ماء فيها والصحراء الواسعة (دوية) بفتح الدال وتشديد الواو والياء نسبة للدو وهي الصحراء التي لا نبات بها (مهلكة) بفتح الميم واللام وكسرها موضع خوف الهلاك (فأضلها) وفي رواية البخاري فوضع رأسه فنام فاستيقظ وقد ذهبت راحلته (حتى إذا أدركه الموت) أي أسبابه من الحر والعطش وفي رواية البخاري (حتى إذا اشتد الحر والعطش أو ما شاء الله قال) أي في نفسه وهو جواب إذا (أرجع) بلفظ المتكلم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وأخرج مسلم المرفوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فحسب قوله (وفيه) أي وفي الباب (عن أبي هريرة والنعمان بن بشير وأنس ابن مالك) أما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم وأما حديث النعمان بن بشير فأخرجه أيضا مسلم وأما حديث أنس بن مالك فأخرجه الشيخان قوله (أخبرنا علي بن مسعدة الباهلي) أبو حبيب البصري صدوق له أوهام من السابعة قوله (كل ابن آدم خطاء) أي كثير الخطأ أفرد نظرا إلى لفظ الكل وفي رواية خطاؤون نظرا إلى معنى الكل قيل أراد الكل من حديث هو كل أو كل واحد وأما الأنبياء صلوات الله عليهم فإما مخصوصون عن ذلك وإما أنهم أصحاب صغائر والأول أولى فإن ما صدر عنهم من باب ترك الأولى أو يقال الزلات المنقولة عن بعضهم

[ 171 ]

محمولة على الخطأ والنسيان من غير أن يكون لهم قصد إلى العصيان قاله القاري (وخير الخطائين التوابون) أي الرجاعون إلى الله بالتوبة من المعصية إلى الطاعة قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجه والدرامي والحاكم قال المناوي وقال الحاكم صحيح فقال الذهبي بل فيه لين انتهى باب قوله (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه) في شرح السنة قال تعالى هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين قيل أكرمهم إبراهيم عليه السلام بتعجيل قراهم والقيام بنفسه عليهم وطلاقة الوجه لهم انتهى قالوا وإكرام الضيف بطلاقة الوجه وطيب الكلام والإطعام ثلاثة أيام في الأول بمقدوره وميسوره والباقي بما حضره من غير تكلف لئلا يثقل عليه وعلى نفسه وبعد الثلاثة يعد من الصدقة إن شاء فعل وإلا فلا (فليقل خيرا أو ليصمت) ضبطه النووي بضم الميم وقال الطوفي سمعناه يكبرها وهو القباس كضرب يضرب ومعنى الحديث أن المرء إذا أراد أن يتكلم فليفكر قبل كلامه فإن علم أنه لا يترتب عليه مفسدة ولا يجر إلى محرم ولا مكروه فليتكلم وإن كان مباحا فالسلامة في السكوت لئلا يجر المباح إلى المحرم والمكروه وفي حديث أبي ذر الطويل الذي صححه ابن حبان ومن حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه قاله الحافظ قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان

[ 172 ]

قوله (وفي الباب عن عائشة وأنس وأبي شريح الكعبي) أما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا وأبو الشيخ وغيرهما كما في الترغيب وأما حديث أبي شريح الكعبي فأخرجه الترمذي في باب الضيافة قوله (من صمت) أي سكت عن الشر (نجا) أي فاز وظفر بكل خير أو نجا من آفات الدارين قال الراغب الصمت أبلغ من السكوت لأنه قد يستعمل فيما لا قوة له للنطق وفيما له قوة للنطق ولهذا قيل لما لا نطق له الصامت والمصمت والسكوت يقال لما له نطق فيترك استعماله فالصمت في الأصل سلامة لكن قد يجب النطق شرعا ومقصود الحديث أن لا يتكلم فيما لا يعنيه ويقتصر على المهم ففيه النجاة قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة) وأخرجه أحمد الدارمي والبيهقي في شعب الايمان والحديث ضعيف لضعف ابن لهيعة باب قوله (من سلم المسلمون) أي والمسلمات إما تغليبا وإما تبعا ويلحق بهم أهل

[ 173 ]

الذمة حكما وفي رواية ابن حبان من سلم الناس (من لسانه) أي بالشتم واللعن والغيبة والبهتان والنميمة والسعي إلى السلطان وغير ذلك (ويده) بالضرب والقتل والهدم والدفع والكتابة بالباطل ونحوها وخصا لأن أكثر الأذى بهما أو أريد بهما مثلا وقدم اللسان لأن الإيذاء به أكثر وأسهل ولأنه أشد نكاية كما قال جراحات السنان لها النئام * ولا يلتام ما جرح اللسان ولأنه يعم الأحياء والأموات وابتلى به الخاص والعام خصوصا في هذه الأيام وعبر به دون القول ليشمل إخراجه استهزاء بغيره وقيل كني باليد عن سائر الجوارح لأن سلطنة الأفعال إنما تظهر بها إذ بها البطش والقطع والوصل والمنع والأخذ فقيل في كل عمل هذا مما عملته أيديهم وإن لم يكن وقوعه بها ثم الحد والتعزيز وتأديب الأطفال والدفع لنحو العيال ونحوها فهي استصلاح وطلب للسلامة أو مستثنى شرعا أو لا يطلق عليه الأذى عرفا قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (أخبرنا محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني) بالسكون أبو الحسن الكوفي نزيل واسط ضعيف من التاسعة قوله (من عير) من التعبير أي عاب (أخاه) أي في الدين (بذنب) أي قد تاب منه على ما فسر به الإمام أحمد (لم يمت) الضمير لمن (حتى يعمله) أي الذنب الذي عير به أخاه وكأن من عير أخاه أي عابه من العار وهو كل شئ لزم به عيب كما في القاموس يجازي بسلب التوفيق حتى يرتكب ما عير أخاه به وذاك إذا صحبه إعجابه بنفسه لسلامته مما عير به أخاه وفيه أن ذكر الذنب لمجرد التعيير قبيح يوجب العقوبة وأنه لا يذكر عيب الغير إلا للأمور الستة التي سلفت مع حسن القصد فيها قاله الأمير في السبل قلت قد

[ 174 ]

ذكر الأمير هذه الأمور الستة في شرح حديث أبي هريرة في الغيبة في باب الترهيب من مساوي الأخلاق (قال أحمد) الظاهر أن أحمد هذا هو ابن منيع المذكور شيخ الترمذي وقيل المراد به الإمام أحمد بن حنبل (قالوا) أي العلماء في تفسير قوله بذنب قوله (هذا حديث حسن غريب) هذا الحديث منقطع ومع انقطاعه قد حسنه الترمذي فلعل تحسينه لمجيئه من وجه آخر أو لشاهد له فلا يضره انقطاعه باب قوله (أخبرنا أمية بن القاسم) قال الحافظ في التقريب القاسم بن أمية الحذاء بالمهملة والذال المعجمة الثقيلة بصري صدوق من كبار العاشرة ضعفه ابن حبان بلا مستند ووقع في بعض نسخ الترمذي أمية بن القاسم وهو خطأ انتهى وقال في الأطراف هكذا وقع في مسنده أي الترمذي في جميع الروايات أمية بن القاسم وهو خطأ منه أو من شيخه والصواب القاسم بن أمية الحذاء العبدي (عن واثلة بن الأسقع) بالقاف ابن كعب الليثي صحابي مشهور نزل الشام وعاش إلى سنة خمس وثمانين وله مائة وخمس سنين قوله (لا تظهر الشماتة لأخيك) الشماتة الفرح ببلية من يعاديك أو من تعاديه (فيرحمه الله) أي فإنك إن فعلت ذلك يرحمه الله رغما لأنفك قال القاري فيرحمه الله بالنصب على جواب النهي وفي نسخة أي من المشكاة بالرفع وهو الملائم لمراعاة السجع في عطف قوله ويبتليك (ويبتليك) حيث ذكيت نفسك ورفعت منزلتك عليه

[ 175 ]

قوله (هذا حديث غريب) قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة القاسم بن أمية وذكره ابن حبان في الضعفاء وقال يروي عن حفص بن غياث المناكير الكثيرة ثم ساق له هذا الحديث يعني حديث لا تظهر الشماتة وقال لا أصل له من كلام النبي صلى الله عليه وسلم كذا قال وشهادة أبي زرعة وأبي حاتم له أنه صدوق أولى من تضعيف ابن حبان له انتهى قوله (ومكحول قد سمع من واثلة بن الاسقع الخ) أي مكحول المذكور في الإسناد وهو أبو عبد الله الشامي قد سمع من واثلة بن الأسقع الخ (ومكحول الشامي يكنى أبا عبد الله) هذه العبارة بظاهرها توهم أن مكحولا الشامي غير مكحول المذكور وليس كذلك بل مكحول المذكور هو الشامي المكنى بأبي عبد الله فكان للترمذي أن يقول وهو مكحول الشامي ويكنى أبا عبد الله (ومكحول الأزدي بصري) مكحول الأزدي هذا غير مكحول الشامي المذكور ذكر ههنا ليتميز ذا عن هذا قال في التقريب مكحول اللأزدي البصري أبو عبد الله صدوق من الرابعة (سمع من عبد الله بن عمرو) كذا في النسخ الحاضرة بالواو والمذكور في تهذيب التهذيب والخلاصة أنه روى عن ابن عمر بغير الواو قوله (عن تميم بن عطية) كذا في بعض النسخ ووقع في النسخة الأحمدية عن تميم عن عطية بلفظ عن مكان بن وهو غلط قال في التقريب تميم بن عطية العنسي الشامي صدوق يهم من السابعة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن مكحول وفضالة بن دينار وعمير بن هانئ وغيرهم وعنه إسماعيل بن عياش وغيره روى له الترمذي أثرا موقوفا عليه انتهى قلت هو هذا الأثر (قال كثيرا ما كنت أسمع مكحولا يسأل) بصيغة المجهول أي يسأله الناس عن مسائل (فيقول ندانم) أي لا أدري وهذه الكلمة

[ 176 ]

فارسية وكان مكحول أعجميا ويقال كان اسم أبيه سهراب وقال ابن سعد قال بعض أهل العلم كان مكحول من أهل كابل كذا في تهذيب التهذيب باب قوله (عن على بن الاقمر) بن عمرو الهمداني الوادعى بكسر الدال المهملة وبالعين المهملة كنية أبو الوزاع كوفى ثقة من الرابعة (عن أبى حذيفة) اسمه سلمة بن صهيب ويقال ابن صهيبة . يقال غير ذلك الارحبي بحاء مهملة ثقة من الثالثة . قوله (ما أحب أنى حكيت أحدا) أي فعلت مثل فعله يقال حكاه وحاكاه وأكثر ما يستعمل في القبيح المحاكاة كذا في النهاية (وأن لي كذا وكذا) قال الطيبي جملة حالية واردة على التتميم والمبالغة أي ما أحب أحامي أحدا ولو أعطيت كذا وكذا من الدنيا قال القارئ وفيه أن أصولا المعتمدة على فتح أن والظاهر أنه معطوف على ما سبق من قوله أنى والمعنى أنى ما أحب الجمع بين المحاكاة فانها أمر مذموم قال النووي ومن الغيبة المحرمة المحاكاة بأن يمشى متعارجا أو مطأطئ رأسه أو غير ذلك من الهيات . قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره . قوله (أخبرنا يحيى بن سعيد) هو القطان (وعبد الرحمن) هو ابن مهدي

[ 177 ]

قوله (وقالت بيدها) أي أشارت بها (تعني قصيرة) أي تريد عائشة كونها قصيرة وفي المشكاة قلت للنبي صلى الله عليه وسلم حسبك من صفية كذا وكذا تعني قصيرة (لقد مزجت بكلمة) أي أعمالك (لو مزج) بصيغة المجهول أي لو خلط (بها أي) على تقدير تجميدها وكونها مائعة (المزج) بصيغة المجهول أيضا والمعنى تغير وصار مغلوبا وفي المشكاة لقد قلت كلمة لو مزج بها البحر لمزجته قال القاري أي غلبته وغيرته قال القاضي المزج الخلط والتعبير بضم غيره إليه والمعنى أن هذه الغيبة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن حاله مع كثرته وغزارته فكيف بأعمال نزرة خلطت بها باب قوله (أراه) بضم الهمزة أي أظنه وهو قول يحيى بن وثاب (عن النبي صلى الله عليه وسلم) أي روى عن النبي صلى الله عليه وسلم (يخالط الناس) أي يساكنهم ويقيم فيهم (ويصير على أذاهم) أي على ما يصل إليه منهم من الأذى والحديث دليل لمن قال إن الخلطة أفضل من العزلة (كان شعبة يرى) أي يعتقد (أنه ابن عمر) الضمير يرجع إلى شيخ من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والأمر كما رأى شعبة فروى ابن ماجه بإسناد حسن عن ابن عمر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على كذاهم خير من الذي لا يخالط الناس ولا يصير على أذاهم كذا في بلوغ المرام قال الحافظ بعد ذكر

[ 178 ]

هذا الحديث وهو عند الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي قال في السبل في الحديث أفضلية من يخالط الناس مخالطة بأمرهم فيها بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحسن معاملتهم فإنه أفضل من الذي يعتزلهم ولا يصير على المخالطة والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال والأزمان ولكل حال مقال ومن رجح العزلة فله على فضلها أدلة وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيره قوله (حدثنا أبو يحيى محمد بن عبد الرحيم البغدادي) البزاز المعروف بصاعقة ثقة حافظ من الحادية عشرة (أخبرنا عبد الله بن جعفر المخرمي) بسكون المعجمة وفتح الراء الحقيقة أبو محمد المدني ليس به بأس من الثامنة (هو من ولد المسور بن مخرمة) بضم الواو وسكون اللام أي من أولاده والمسور بكسر الميم وسكون السين وفتح الواو له ولأبيه صحبة (عن عثمان بن محمد) بن المغيرة بن الأخنس الثقفي (الأخنسي) حجازي صدوق له أوهام من السادسة قوله (إياكم وسوء ذات البين) أي اتقوا منه والمراد بسوء ذات البين العداوة والبغضاء كما فسر به الترمذي وقال المناوي إياكم وسوء ذات البين أي التسبب في المخاصمة والمشاجرة بين اثنين أو قبيلتين بحيث يحصل بينهما فرقة أو فساد (فإنها) أي الفعلة أو الخصلة المذكورة (الحالقة) أي تحلق الدين قوله (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة) قال الأشرف

[ 179 ]

المراد بهذه المذكورات النوافل دون الفرائض قال القاري والله أعلم بالمراد إذ قد يتصور أن يكون الاصلاح في فساد يتفرع عليه سفك الدماء ونهب الأموال وهتك الحرم أفضل من فرائض هذه العبادات القاصرة مع إمكان قضائها على فرض تركها فهي من حقوق الله التي هي أهون عنده سبحانه من حقوق العباد فإذا كان كذلك فيصبح أن يقال هذا الجنس من العمل أفضل من هذا الجنس لكون بعض أفراده أفضل كالبشر خير من الملك والرجل خير من المرأة (قال صلاح ذات البين) وفي رواية أبي داود إصلاح ذات البين قال الطيبي أي أحوال بينكم يعني ما بينكم من الأحوال ألفة ومحبة واتفاق كقوله تعالى والله عليم بذات الصدور وهي مضمراتها ولما كانت الأحوال ملابسة للبين قيل لها ذات البين كقولهم اسقني ذا إناءك يريدون ما في الإناء من الشراب كذا في الكشاف في قوله تعالى وأصلحوا ذات بينكم (فإن فساد ذات البين هي الحالقة) قال في النهاية الحالقة الخصلة التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما يستأصل الموسى الشعر وقيل هي قطيعة الرحم والتظالم قال الطيبي فيه حث وترغيب في إصلاح ذات البين واجتناب عن الإفساد فيها لأن الإصلاح سبب للاعتصام بحبل الله وعدم التفرق بين المسلمين وفساد ذات البين ثلمة في الدين فمن تعاطى إصلاحها ورفع فسادها نال درجة فوق ما يناله الصائم القائم المشتغل بخويصة نفسه فعلى هذا ينبغي أن يحمل الصلاة والصيام على الإطلاق والحالقة على ما يحتاج إليه أمر الدين انتهى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان في صحيحه وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب في باب الإصلاح بين الناس قوله (أن الزبير بن العوام) بن خويلد بن أسد أبا عبد الله القرشي الأسدي أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قتل سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل

[ 180 ]

قوله (دب إليكم) بفتح الدال المهملة وتشديد الموحدة أي سرى ومشى بخفية (الحسد) أي في الباطن (والبغضاء) أي العداوة في الظاهر ورفعهما على أنهما بيان للداء أو بدل وسميا داء لأنهما داء القلب (وهي) أي البغضاء وهو أقرب مبنى ومعنى أو كل واحدة منهما (لا أقول تحلق الشعر) أي تقطع ظاهر البدن فإنه أمر سهل (ولكن تحلق الدين) وضرره عظيم في الدنيا والآخرة قال الطيبي أي البغضاء تذهب بالدين كالموسى تذهب بالشعر وضمير المؤنث راجع إلى البغضاء كقوله تعالى والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقوها وقوله تعالى واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة ولأن البغضاء أكثر تأثيرا في ثلمة الدين وإن كانت نتيجة الحسد (لا تدخلوا الجنة) كذا في النسخ الحاضرة يحذف النون ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفي كعكسه المشهور عند أهل العلم قاله القاري (ولا تؤمنوا) أي إيمانا كاملا (حتى تحابوا) بحذف أحدى التائين الفوقيتين وتشديد الموحدة أي يحب بعضكم بعضا (أفلا أنبئكم بما يثبت) من التثبيت (ذلك) أي التحايب (أفشوا السلام بينكم) أي أعلنوه وعموا به من عرفتموه وغيره فإنه يزيل الضغائن ويورث التحابب والحديث في سنده مولى للزبير وهو مجهول وأخرجه أحمد قال المنذري رواه البزار بإسناد جيد والبيهقي وغيرهما باب قوله (أخبرنا إسماعيل بن إبراهيم) هو المعروف بابن علية (عن عيينة) بتحتانيتين مصغرا (من عبد الرحمن) بن جوشن بجيم ومعجمة مفتوحتين بينهما واو ساكنة الغطفاني بفتح المعجمة والمهملة ثم فاء صدوق من السابعة (عن أبيه) هو عبد الرحمن بن جوشن بصري ثقة من الثالثة

[ 181 ]

قوله (ما من ذنب) ما نافية ومن زائدة للاستغراق (أجدر) أي أحرى (أن يعجل الله) صلة أجدر على تقدير الياء أي بتعجيله سبحانه (لصاحبه) أي لمرتكب الذنب (العقوبة) مفعول يعجل (مع ما يدخر) بتشديد الدال المهملة وكسر الحاء المعجمة أي مع ما يؤجل من العقوبة (له) أي لصاحب الذنب (من البغي) أي من بغي الباغي وهو الظلم أو الخروج على السلطان أو الكبرى ومن تفضيلية (وقطيعة الرحم) أي ومن قطع صلة ذوي الأرحام قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن حبان والحاكم وقال صحيح الإسناد قوله (عن المثنى بن الصباح) بالمهملة والموحدة الثقيلة اليماني الأبناوي كنيته أبو عبد الله أو أبو يحيى نزيل مكة ضعيف اختلط بآخره وكان عابدا من كبار السابعة قوله (من نظر في دينه) أي خصلة من نظر في أمر دينه من الأعمال الصالحة (إلى من هو فوقه) أي إلى من هو أكثر منه علما وعبادة وقناعة ورياضة أحياء وأمواتا (ومن نظر في دنياه) أي وخصلة من نظر في أمر دنياه وهذه الخصلة هي الثانية (إلى من هو دونه) أي إلى من هو أفقر منه وأقل منه مالا وجاها (كتبه الله شاكرا) أي للخصلة الثانية (صابرا) أي للخصلة السابقة ففيه لف ونشر مشوش اعتمادا على فهم ذوي العقول ولما كان المفهوم قد يعتبر وقد لا يعتبر ومع اعتباره المنطوق أقوى أيضا صرح بما علم ضمنا حيث قال (ومن نظر في دينه إلى من هو دونه) أي في الأعمال الصالحة وأنتجه الغرور والعجب

[ 182 ]

والخيلاء (ونظر في دنياه إلى من هو فوقه) أي من أصحاب المال والجاه وأورثه الحرص والأمل والرياء (فأسف) بكسر السين أي حزن (على ما فاته منه) أي من المال وغيره بعدم وجوده أو بحصول فقده وقد قال تعالى لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم (لم يكتبه الله شاكرا ولا صابرا) لعدم صدور واحد منه بل قام بضديهما من الكفران والجزع والفزع باللسان والجنان قوله (حدثنا موسى بن حزام) بزاي الترمذي أبو عمران نزيل بلخ ثقة فقيه عابد من الحادية عشرة (أخبرنا علي بن إسحاق) السلمي مولاهم المروزي أصله من ترمذ ثقة من العاشرة قوله (هذا حديث غريب) في سنده المثنى بن الصباح وهو ضعيف كما عرفت قوله (انظروا إلى من هو أسفل منكم) أي في أمور الدنيا (ولا تنظروا إلى من هو فوقكم) فيها (فإنه) أي فالنظر إلى من هو أسفل لا إلى من هو فوق (أجدر) أي أحرى (أن لا تزدروا) أي بأن لا تحتقروا والازدراء الاحتقار فكان أصله الازتراء فأبدلت التاء بالدال (نعمة الله عليكم) فإن المرء إذا نظر إلى من فضل عليه في الدنيا استصغر ما عنده من نعم الله فكان سببا لمقته وإذا نظر للدون شكر النعمة وتواضع وحمد فينبغي للعبد أن لا ينظر إلى تجمل أهل الدنيا فإنه يحرك داعية الرغبة فيها ومصداقه ولا تمدن عينيك إلى ما منعتا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه

[ 183 ]

باب قوله (عن حنظلة الأسيدي) قال النووي ضبطوه بوجهين أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة والثاني كذلك إلا أنه بإمكان الياء ولم يذكر القاضي إلا هذا والثاني وهو منسوب إلى بني أسيد بطن من بني تميم (وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم الكاف وتشديد الفوقية جمع كاتب وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب يكتبون له الوحي وغيره قال ابن الجوزي في التلقيح تسمية من كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي بن كعب وهو أول من كتب له وزيد بن ثابت الأنصاري ومعارية بن أبي سفيان وحنظلة بن الربيع الأسيدي وخالد بن سعيد بن العاص وأبان بن سعيد والعلاء بن الحضرمي رضي الله عنهم وكان المداوم له على الكتابة له زيد ومعاوية وكان يكتب له رجل فافتتن وتنصر انتهى (يذكرنا) بالتشديد أي يعظنا (بالنار) أي بعذابها تارة (والجنة) أي بنعيمها أخرى ترهيبا وترغيبا أو يذكرنا الله بذكرهما أو بقربهما (كأنا رأى عين) قال القاضي ضبطناه رأى عين بالرفع أي كأنا بحال من يراهما بعينه قال ويصح النصب على المصدر أي نراهما رأي عين (عافسناه الأزواج) بالفاء والسين المهملة قال الهراوي وغيره معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به أي عالجنا معايشنا وحظوظنا (والضيعة) بالضاد المعجمة وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة (قال نافق حنظلة) معناه أنه خاف أنه منافق حيث كان يحصل له الخوف في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم

[ 184 ]

ويظهر عليه ذلك مع المراقبة والفكر والإقبال على الآخرة فإذا خرج اشتغل لازوجة والأولاد ومعاش الدنيا وأصل النفاق إظهار ما يكتم خلافه من الشر فخاف أن يكون ذلك نفاقا فأعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه ليس بنفاق وأنهم لا يكلفون الدوام على ذلك بل ساعة ساعة أي ساعة كذا وساعة كذا (ونسينا كثيرا) قال الطيبي رحمه الله أي كثير مما ذكرتنا به أو نسيانا كثيرا كأنا ما سمعنا منك شيئا قط وهذا أنسب بقوله رأى عين (لو تدومون) أي في حال غيبتكم مني (على الحال التي تقومون بها من عندي) أي من صفاء القلب والخوف من الله تعالى لصافحتكم الملائكة قيل أي علانية وإلا فكون الملائكة يصافحون أهل الذكر حاصل وقال ابن حجر أي عيانا في سائر الأحوال (في مجالسكم وعلى فرشكم وفي طرقكم) قال الطيبي المراد الدوام (ولكن يا حنظلة ساعة وساعة) أي ساعة كذا وساعة كذا يعني لا يكون الرجل منافقا بأن يكون في وقت على الحضور وفي وقت على الفتور ففي ساعة الحضور تؤدون حقوق ربكم وفي ساعة الفتور تقضون حظوظ أنفسكم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (لا يؤمن أحدكم) أي إيمانا كاملا (حتى يحب لأخيه) أي المسلم (ما يحب لنفسه) أي مثل جميع ما يحبه لنفسه قال النووي قال العلماء معناه لا يؤمن الإيمان التام وإلا فأصل الإيمان يحصل إن لم يكن بهذه الصفة والمراد يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحات ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث حتى يحب لأخيه من الخير ما يحب لنفسه قال الشيخ أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك إذ معناه لا يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الاسلام مثل ما يحب لنفسه والقيام بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة

[ 185 ]

لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه وذلك سهل على القلب السليم وإنما يعسر على القلب الدغل عافانا الله وإخواننا أجمعين والله أعلم قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (قال حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (أخبرنا أبو الوليد) هو الطيالسي اسمه هشام بن عبد الملك (عن حنش) بفتح الحاء المهملة والنون الخفيفة بعدها معجمة قال في التقريب حنش بن عبد الله ويقال ابن علي بن عمرو السبتي بفتح المهملة والموحدة بعدها همزة أبو رشدين الصنعاني نزيل افريقية ثقة من الثالثة قوله (كنت خلف النبي صلى الله عليه وسلم يوما) أي رديفه (يا غلام) قال القاري بالرفع كذا في الأصول المعتمدة والنسخ المتعددة يعني من المشكاة والظاهر كسر الميم بناء على أن أصله يا غلامي بفتح الياء وسكونهما ثم بعد حذفها تخفيفا اكتفى بكسر ما قبلها (احفظ الله) أي في أمره ونهيه (يحفظك) أي يحفظك في الدنيا من الآفات والمكروهات وفي العقبى من أنواع العقاب والدركات (احفظ الله تجده تجاهك) قال الطيبي أي راع حق الله وتحر رضاه تجده تجاهك أي مقابلك وحذائك والتاء بدل من الواو كما في تقاة وتخمة أي احفظ حق الله تعالى حتى يحفظك الله من مكاره الدنيا والآخرة (إذا سألت) أي أردت السؤال (فاسأل الله) أي وحده لأن غيره قادر على الإعطاء والمنع ودفع الضرر وجلب النفع (وإذا استعنت) أي أردت الاستعانة في الطاعة وغيرها من أمور الدنيا والآخرة (فاستعن بالله)

[ 186 ]

فإنه المستعان وعليه التكلان (رفعت الأفلام وجفت الصحف) أي كتب في اللوح المحفوظ ما كتب من التقديرات ولا يكتب بعد الفراغ منه شئ آخر فعبر عن سبق القضاء والقدر برفع القلم وجفاف الصحيفة تشبيها بفراغ الكاتب في الشاهد من كتابته قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد قوله (حدثنا المغيرة بن أبي قرة السدوسي) قال في التقريب مستورة من الخامسة وقال في تهذيب التهذيب وثقة ابن حبان قوله (أعقلها) بصيغة المتكلم وحرف الاستفهام محذوف قال في القاموس عقل البعير شد وظيفه إلى ذراعه كعقله واعتقله انتهى (وأتوكل) أي على الله بعد العقل (أو أطلقها) أي أرسها (وأتوكل) أي على الله بعد الإرسال (قال اعقلها) قال المناوي أي شد ركبة ناقتك مع ذراعيها بحبل (وتوكل) أي اعتمد على الله وذلك لأن عقلها لا ينافي التوكل قوله (قال يحيى) هو ابن سعيد القطان (وهذا عندي حديث منكر) لعل كونه منكرا عنده لأجل المغيرة بن أبي قرة قال ابن القطان لا يعرف حاله وقال غيره كان كاتب يزيد بن المهلب وفتح معه حرجان في أيام سليمان بن عبد الملك كذا في تهذيب التهذيب (وقد روى عن عمرو بن أميه الضمري) صحابي مشهور قوله (حدثنا أبو موسى الأنصاري) الظاهر أنه هو إسحاق بن موسى الأنصاري

[ 187 ]

قوله (دع) أي اترك (ما يريبك) بفتح الياء وضمها والفتح أشهر والريب الشك وقيل هو الشك مع التهمة (إلى ما لا يريبك) قال التوربشتي أي اترك ما اعترض لك من الشك فيه منقلبا عنه إلى مالا شك فيه يقال دع ذلك إلى ذلك استبدله به انتهى والمعنى اترك ما تشك فيه من الأقوال والأعمال أنه منهي عنه أولا أو سنة بدعة واعدل إلى مالا تشك فيه منهما والمقصود أن يبني المكلف أمره على اليقين البحث والتحقيق الصرف ويكون على بصيرة في دينه (فإن الصدق طمأنينة) بكسر همزة وسكون طاء وبعد ألف ونون مكسورة فتحتية فنون مفتوحة وفي المشكاة طمأنينة أي إن الصدق يطمئن إليه القلب ويسكن (وإن الكذب ريبة) بكسر الراء وحقيقتها قلق النفس واضطرابها فإن كون الأمر مشكوكا فيه مما يقلق له النفس وكونه صحيحا صادقا مما تطمئن له (وفي الحديث قصة) روى أحد هذا الحديث في مسنده مع القصة عن أبي الحوراء قال قلت للحسن بن علي ما تذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أذكر أني أخذت تمرة من تمر الصدقة فألقيتها في ضي فانتزعها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلعابها فالقاها في التمر فقال له رجي ما عليك أكل هذه التمرة قال إنا لا نأكل الصدقة قال وكان يقول دع ما يريبك إلى مالا يريبك فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة قال وكان يعلمنا هذا الدعاء اللهم اهدني فيمن هديت الحديث قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم (وأبو الحوراء) بفتح الحاء المهملة وسكون الواو وفتح الراء ممدودا (واسمه ربيعة بن شيبان) البصري ثقة من الثالثة قوله (عن محمد بن عبد الرحمن بن نبيه) بنون وموحدة مصغرا مجهول من السابعة

[ 188 ]

قوله (بعبادة واجتهاد) أي في العبادة (برعة) بكسر الراء أي بورع (لا يعدل) بصيغة المجهول (بالرعة) في المصباح ورع عن المحارم يرع بكسرتين ورعا بفتحتين أي كثير الورع أي لا يعدل بكثرة الورع خصلة غيرهما من خصال الخير بل الورع أعظم فضلا قوله (هذا حديث غريب) في سنده محمد بن عبد الرحمن بن نبيه وهو مجهول كما عرفت قوله (وأبو زرعة) اسمه عبيد الله بن عبد الكريم الرازي إمام حافظ ثقة مشهور من الحادية عشرة (أخبرنا قبيصة) هو ابن عقبة (عن هلال بن مقلاص الصيرفي) ويقال هلال بن أبي حميد أو ابن حميد أو ابن عبد الله الجهني مولاهم الوزان الكوفي ثقة من السادسة (عن أبي بشر) قال الحافظ أبو بشر صاحب أبي وائل مجهول من السادسة قوله (من أكل طيبا) بفتح فتشديد أي حلالا (وعمل في سنة) أي في موافقة سنة نكرها لأن كل عمل يفتقر إلى معرفة سنة وردت فيه (وأمن الناس بوائقه) أي دواهيه والمراد الشرور كالظلم والغش والإيذاء (دخل الجنة) أي من اتصف بذلك استحق دخولها بغير عذاب أو مع السابقين وإلا فمن لم يعمل بالسنة ومات مسلما يدخلها وإن عذب (إن هذا) أي الرجل الموصوف المذكور (اليوم) ظرف مقدم لخبر إن (كثير) أي فما حال الاستقبال (قال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (فسيكون) أي هم كثيرون اليوم وسيوجد من يكون بهذه الصفة (في قرون بعدي) جمع قرن والمراد بالقرن هنا أهل العصر

[ 189 ]

وله (هذا حديث غريب) وأخرجه الحاكم قوله (حدثنا عباس بن محمد) هو الدوري قوله (حدثنا العباس الدوري) هو ابن محمد (حدثنا عبد الله بن يزيد) المكي أبو عبد الرحمن المقري (من أعطى لله) لا لغرض سواه (ومنع لله وأحب لله الخ) وكذلك سائر الأعمال فتكلم لله وسكت لله وأكل لله وشرب لله كقوله تعالى حاكيا إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين (فقد استكمل إيمانه) أي أكمل إيمانه قوله (هذا حديث منكر) وفي بعض النسخ هذا حديث حسن قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أحمد والترمذي وقال حديث منكر والحاكم وقال صحيح الإسناد والبيهقي وغيرهما انتهى قلت لم يظهر لي وجه كون هذا الحديث منكرا ورواه أبو داود عن أبي أمامة وفي سنده القاسم بن عبد الرحمن الشامي قال المنذري وقد تكلم فيه غير واحد

[ 190 ]

أبواب صفة الجنة باب ما جاء في صفة شجر الجنة قوله (عن فراس) بكسر أوله وبمهملة ابن يحيى الهماني الخارقي أبي يحيى الكوفي المكتب صدوق ربما وهم من السادسة قوله (في الجنة شجرة) قال ابن الجوزي يقال إنها طوبى قال الحافظ وشاهد ذلك في حديث عتبة بن عبد السلمي عند أحمد والطبراني وابن حبان فهذا هو المعتمد خلافا لمن قال إنما نكرت للتنبيه على اختلاف جنسها بحسب شهوات أهل الجنة (يسير الراكب) أي راكب فرض ومنهم من حمله على الوسط المعتدل (في ظلها) أي في نعيها وراحتها ومنه قولهم أنا في ظلك أي في ناحيتك قال القرطبي والمحوج إلى هذا التأويل أن الظل في عرف أهل الدنيا ما يقي من حر الشمس وأذاها وليس في الجنة شمس ولا أذى (مائة عام لا يقطعها) أي لا ينتهي إلى آخر ما يميل من أغصانها (قال وذلك الظل الممدود) وفي حديث أبي هريرة عند البخاري واقرأوا إن شئتم (وظل ممدود) وحديث أبي سعيد هذا

[ 191 ]

أخرجه الشيخان بلفظ إن في الجنة لشجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مائة عام ما يقطعها قوله (عن سعيد بن أبي سعد) المقبري قوله (يسير الراكب في ظلها) قال النووي في شرح مسلم قال العلماء المراد بظلها كنفها وذراها وهوما يستر أغصانها انتهى قوله (وفي الباب عن أنس وأبي سعيد) أما حديث أنس فأخرجه الترمذي في تفسير سورة الواقعة وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن حبان في صحيحه عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له رجل يا رسول الله ما طوبى قال شجرة مسيرة مائة سنة ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها كذا في الترغيب قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان وابن ماجه قوله (اخبرنا زياد بن الحسن بن الفرات القزاز) التميمي الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة (عن أبيه) أي الحسن بن الفرات بن أبي عبد الرحمن التميمي القزاز الكوفي صدوق بهم من السابعة قوله (ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب) وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن في الجنة شجرة جذوعها من ذهب وفروعها من زبرجد ولؤلؤ فتهب الرياح فتصطفق فما سمع السامعون بصوت شئ قط ألذ منه وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عباس رضي الله عنه موقوفا بإسناد جيد قال نخل الجنة جذوعها من زمرد أخضر وكربها ذهب أحمر وسعفها كسوة لأهل الجنة منها مقطعاتهم

[ 192 ]

وحللهم وثمرها أمثال القلال والدلاء أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل وألين من الزبد ليس فيها عجم ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ذكر الحافظ المنذري هاتين الروايتين في الترغيب وقال الكرب بفتح الكاف والراء بعدهما باء موحدة هو أصول السعف الغلاظ العراض انتهى وروى ابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة الجنة عن ابن عباس قال الظل الممدود شجرة في الجنة على ساق قدر ما يسير الراكب المجد في ظلها مائة عام من كل نواحيها فيخرج أهل الجنة يتحدثون في ظلها فيشتهي بعضهم اللهو فيرسل الله ريحا فيحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا ذكره الحافظ في الفتح قوله (هذا حديث غريب حسن) وأخرجه بن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه باب ما جاء في صفة الجنة ونعيمها قوله (عن زياد الطائي) مجهول أرسل عن أبي هريرة من السادسة كذا في التقريب قوله (وزهدنا) قال في القاموس زهد فيه كمنع وسمع وكرم زهدا وزهادة أو هي في الدنيا الزهد في الدين ضد رغب انتهى (فأنسنا أهالينا) قال في القاموس الأنس بالضم وبالتحريك والأنسة محركة ضد الوحشة وقد أنس به مثلثة النون انتهى والمعنى خالطناهم وعالجنا أمورهم واشتغلنا بمصالحهم (أنكرنا أنفسنا) أي لم نجدها على ما كانت عندك (لو أنكم تكونون إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في

[ 193 ]

بيوتكم) كذا في نسخ الترمذي بزيادة لفظ كنتم بين من عندي وعلى حالكم ولا يستقيم معناه فتفكر وروى مسلم في صحيحه عن حنظلة بن الربيع الأسيدي نحو هذا الحديث وفيه لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طريقكم (ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد) من جنسكم أو من غيركم وفي رواية مسلم لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون (كي يذنبوا) أي فيستغفروا (فيغفر لهم) لاقتضاء صفة الغفار والغفور ذلك قال الطيبي ليس الحديث تسلية منهمكين في الذنوب كما يتوهمه أهل الغرة بالله فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم إنما بعثوا ليردعوا الناس عن غشيان الذنوب بل بيان لعفو الله تعالى وتجاوزه عن المذنبين ليرغبوا في التوبة والمعنى المراد من الحديث هو أن الله كما أحب أن يعطي المحسنين أحب أن يتجاوز عن المسيئين وقد دل على ذلك غير واحد أسمائه الغفار الحليم التواب العفو ولم يكن ليجعل العباد شأنا واحدا كالملائكة مجبولين على التنزه من الذنوب بل يخلق فيهم من يكون بطبعه ميالا إلى الهوى متلبسا بما يقتضيه ثم يكلفه التوقي عنه ويحذره من مداناته ويعرفه التوبة بعد الابتلاء فإن وفي فأجره على الله وإن أخطأ الطريق فالتوبة بين يديه فأراد النبي صلى الله عليه وسلم به أنكم لو كنتم مجبولين على ما جبلت عليه الملائكة لجاء الله بقوم تأتي منهم الذنب فيتجلى عليهم بتلك الصفات على مقتضى الحكمة فإن الغفار يستدعى مغفورا كما أن الرزاق يستدعى مرزرقا كذا في المرقاة (مم خلق الخلق قال من الماء) قيل أي من النطقة والظاهر أن يكون اقتباسا من قوله تعالى وجعلنا من الماء كل شئ حي أي وخلقنا من الماء كل حيوان لقوله سبحانه والله خلق كل دابة من ماء وذلك لأن الماء أعطم موارده أو لفرط احتياحه إليه وانتفاعه بعينه (قلت الجنة ما بناؤها) أي هل من حجر ومدر أو خشب أو شعر (قال لبنة من فضة ولبنة من ذهب) أي يناؤها مرصع منهما (وملاطها) بكسر الميم أي ما بين اللبنتين موضع النورة في النهاية الملاط الطين الذي يجعل بين ساقني البناء يملط به الحائط أي يخلط (المسك الأذفر) أي الشديد الريح (وحصباؤها) أي حصباؤها الصغار التي في الأنهار قال القاري وقال صاحب أشعة

[ 194 ]

اللمعات أي حصباؤها التي في الأنهار وغيرها قلت الظاهر هو العموم (اللؤلؤ والياقوت) أي مثلها في اللون والصفاء (وتربتها) أي مكان ترابها (الزعفران) أي الناعم الأصفر الطيب الريح فجمع بين الوان الزينة وهي البياض والحمرة والصفرة ويتكمل بالأشجار الملونة بالخضرة ولما كان السواد يغم الفؤاد خص بأهل النار (من يدخلها ينعم لا ييأس) بفتح وسطهما في القاموس البأس العذاب والشدة في الحرب بؤس ككرم بأسا وبئس كسمع اشتدت حاجته (يخلد) أي يدوم فلا يتحول عنها (لا يموت) أي لا يفنى بل دائما يبقى (ولا تبلى) بفتح أوله من باب سمع يسمع أي لا تخلق ولا تتقطع (ثيابهم) وكذا أثاثهم (ولا يفنى شبابهم) أي لا يهرمون ولا يخرفون ولا يغيرهم مضي الزمان قال القاضي معناه أن الجنة دار الثبات والقرار وأن التغير لا يتطرق إليها فلا يشوب نعيمها بؤس ولا يعتريه فساد ولا تغيير فإنها ليست دار الأضداد ومحل الكون والفساد (ثلاث) أي ثلاث نفوس في المشكاة والجامع الصغير ثلاثة بناء التأنيث ثلاثة أشخاص أو ثلاثة رجال (الإمام العادل) أي منهم أو أحدهم الامام العادل (والصائم حين يفطر) لأنه بعد عبادة حال تضرع ومسكنة (ودعوة المظلومية) كان مقتضى الظاهر أن يقول والمظلوم ولعله لما كانت المظلومية ليست بذاتها مطلوبة عدل عنه قاله القاري وقال الطيبي أي دعوة الإمام ودعوة الصائم بدليل قوله ودعوة المظلوم ويكون بدلا من دعوتهم وقوله يرفعها حال كذا قيل والأولى أن يكون أي يرفعها خبرا لقوله ودعوة المظلوم وقطع هذا القسيم عن أخويه لشدة الاعتناء بشأن دعوة المظلوم ولو فاجرا أو كافرا وينصر هذا الوجه عطف قوله ويقول الرب على قوله ويفتح فإنه لا يلائم الوجه الأول لأن ضمير يرفعها للدعوة حينئذ لا لدعوة المظلوم كما في الوجه الأول قال القاري والظاهر أن الضمير على الوجهين لدعوة المظلوم وإنما بولغ في حقها لأنه لما ألحقه نار الظلم واحترقت أحشاءه خرج منه الدعاء بالتضرع والانكسار وحصل له حالة الاضطرار فيقل دعاءه كما قال تعالى أمن يجيب المضظر إذا دعاه ويكشف السوء (يرفعها) أي الله (فوق الغمام) أي تجاوز الغمام أي السحاب (ويفتح) أي الله لها أي لدعوته (لأنصرنك) بفتح الكاف أي أيها المظلوم ويكسرها أي أيتها الدعوة (ولو بعد حين) الحين يستعمل لمطلق الوقت ولستة

[ 195 ]

أشهر ولأربعين سنة والمعنى لا أضيع حقك ولا أرد دعاءك ولو مضى زمان طويل لأني حليم لا أعجل عقوبة العباد لعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى إرضاء الخصوم والتوبة وفيه إيماء إلى أنه تعالى يمهل الظالم ولا يهمله قوله (هذا حديث ليس إسناده بذلك القوي وليس هو عندي بمتصل) لأن في سنده زياد الطائي وهو مجهول ومع هذا رواه عن أبي هريرة مرسلا إعلم أن حديث أبي هريرة هذا مشتمل على أربعة أحاديث فالأول من قوله ما لنا إذا كنا عندك إلى قوله لزارتكم الملائكة في بيوتكم وهذا أخرجه أحمد والثاني من قوله ولو لم تذنبوا إلى قوله فيغفر لهم وهذا أخرجه مسلم والثالث من قوله قلت يا رسول الله مم خلق الخلق إلى قوله ولا يفنى شبابهم وهذا أخرجه أحمد والدارمي والبزار والطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه والرابع من قوله ثلاث لا ترد دعوتهم الخ وهذا أخرجه أحمد وابن ماجه وأخرجه الترمذي أيضا في الدعوات والمفهوم من كلام المنذري في صفة الجنة من كتاب الترغيب أن هذا الحديث بطوله عند أحمد والبزار والطبراني وابن حبان باب ما جاء في صفة غرف الجنة قوله (إن في الجنة لغرفا) بضم الغين المعجمة وفتح الراء كصرد جمع غرفة بالضم وهي العلية وهي بالفارسية بالأخانة

[ 196 ]

قوله (هذا حديث غريب) تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في باب قول المعروف من أبواب البر والصلة وتقدم هناك شرحه قوله (من قبل حفظه) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة حفظه (وهو كوفي) واسطي وقد تقدم ترجمته في باب قول المعروف (وعبد الرحمن ابن إسحاق القرشي مدني وهو أثبت من هذا) وقال أبو حاتم وهو أصلح من الواسطي وقال ابن سعد هو أثبت من الواسطي وحكى الترمذي في العلل عن البخاري أنه وثقه كذا في تهذيب التهذيب وقد تقدم ترجمته في باب المسح على الجوربين والعمامة قوله (عن أبي بكر بن عبد الله بن قيس) عبد الله بن قيس هذا هو أبو موسى الأشعري وابنه أبو بكر اسمه عمرو أو عامر ثقة من الثالثة (عن أبيه) أي عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار كنيته أبو موسى الأشعري صحابي مشهور أقره عمر ثم عثمان وهو أحد الحكمين بصفين قوله (إن في الجنة جنتين من فضة آنيتهما وما فيهما) أي من القصور والأثاث كالسرر وكقضبان الأشجار وأمثال ذلك قيل قوله من فضة خبر آنيتهما والجملة صفة جنتين أو من فضة صفة قوله جنتين وخبر انيهما محذوف أي انيتهما وما فيهما كذلك وكذا من جهة المبنى والمعنى قوله (وجنتين من ذهب انيتهما وما فيهما) ثم ظاهره أن جنتين من فضة لا من ذهب وجنتين بالعكس فالجمع بينه وبين حديث صفة بناء الجنة من أن لبنة من ذهب ولبنة من فضة أن الأول صفة ما في الجنة من آنية وغيرها والثاني صفة حوائط الجنة ويؤيده أنه وقع عند البيهقي في البعث في حديث أبي سعيد أن الله أحاط حائط الجنة لبنة من ذهب ولبنة من فضة (وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء

[ 197 ]

الكبرياء) قال عياض كانت العرب تستعمل الاستعارة كثيرا وهو أرفع أدوات بديع فصاحتها وإيجازها ومنه قوله تعالى (جناح الذل) فمخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم لهم برداء الكبرياء على وجهه ونحو ذلك من هذا المعنى ومن لم يفهم ذلك تاه فمن أجرى الكلام على ظاهره أفضى به الأمر إلى التجسيم ومن لم يتضح له وعلم أن الله منزه عن الذي يقتضيه ظاهرها إما أن يكذب نقلتها وإما أن يأولها أن يقال استعار لعظيم سلطان الله وكبريائه وعظمته وهيبته وجلاله المانع إدراك أبصار البشر مع ضعفها لذلك رداء الكبرياء فإذا شاء تقوية أبصارهم وقلوبهم كشف عنهم حجاب هيبته وموانع عظمته انتهى ملخصا وقال الكرماني ما حاصله إن رداء الكبرياء مانع عن الرؤية فكان في الكلام حذفا تقديره بعد قوله إلا رداء الكبرياء فإنه يمن عليهم يرفعه فيحصل لهم الفوز بالنظر إليه فكأن المراد أن المؤمنين إذا تبوأوا مقاعدهم من الجنة لولاما عندهم من هيبة ذي الجلال لما حال بينهم وبين الرؤية حائل فإذا أراد إكرامهم حفهم برأفته وتفضل عليهم بتقويتهم على النظر إليه سبحانه قال الحافظ ثم وجدت في حديث صهيب في تفسير قوله تعالى للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ما يدل على أن المراد برداء الكبرياء في حديث أبي موسى الحجاب المذكور في حديث صهيب وأنه سبحانه يكشف لأهل الجنة إكراما لهم والحديث عند مسلم والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان ولفظ مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أهل الجنة يقول الله عز وجل تريدون شيئا أريدكم فيقولون ألم تبيض وجوهنا وتدخلنا الجنة قال فيكشف لهم الحجاب فما أعطوا شيئا أحب إليهم منه ثم تلاهذه الاية الذين أحسنوا الحسنى وزيادة أخرجه مسلم عقب حديث أبي موسى ولعله أشار إلى تأويله به وقال القرطبي في المفهم الرداء استعارة كنى بها عن العظمة كما في الحديث الاخر الكبرياء ردائي والعظمة إزاري وليس المراد الثياب المحسوسة لكن المناسبة أن الرداء والإزار لما كانا متلازمين للمخاطب من العرب عبر عن العظمة والكبرياء بهما ومعنى حديث الباب أن مقتضى عزة الله واستغنائه أن لا يراه أحد لكن رحمته المؤمنين اقتضت أن يريهم وجهه كمالا للنعمة فإذا زال المانع فعل منهم خلاف مقتضى الكبرياء فكأنه رفع عنهم حجابا كان يمنعهم انتهى (على وجهه) حال من رداء الكبرياء (في جنة عدن) راجع إلى القوم وقال عياض معناه راجع إلى الناظرين أي وهم في جنة عدن لا إلى الله فإنه لا تحويه الأمكنة سبحانه وتعالى وقال القرطبي متعلق بمحذوف في موضع الحال من القوم مثل كائنين في جنة عدن

[ 198 ]

قوله (إن في الجنة لخيمة) أي عظيمة (مجوفة) أي واسعة الجوف (عرضها) وفي رواية طولها ويتحصل بالروايتين أن طولها وعرضها كل واحد منهما ستون ميلا (في كل زاوية) أي من الزوايا الأربع (منها) أي من تلك الخيمة (أهل) في رواية مسلم أهل للمؤمن (لا يرون) أي ذلك الأهل وجمع باعتبار معناه (الاخرين) أي الجمع الاخرين من الأهل الكائنين في زاوية أخرى (يطوف عليهم) أي يدور على جميعهم (المؤمن) قيل إن المعنى يجامع المؤمن الأهل وأن الطواف هنا كناية عن المجامعة قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما باب ما جاء في صفة درجات الجنة قوله (في الجنة مائة درجة) قال ابن الملك المراد بالمائة ههنا الكثرة وبالدرجة المرقاة قال القاري الأظهر أن المراد بالدرجات المراتب العالية قال تعالى لهم درجات عند ربهم أي ذوو درجات بحسب أعمالهم من الطاعات كما أن أهل النار أصحاب دركات متسافلة لقدر مراتبهم في شدة الكفر كما يشير إليه قوله سبحانه إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار (مائة عام) أي مسيرة مائة عام قال المناوي وفي

[ 199 ]

رواية خمسمائة وفي أخرى أكثر وأقل ولا تعارض لاختلاف السير في السرعة والبطء والبين ذكر تقريبا للإفهام قوله (هذا حديث حسن غريب) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب والطبراني في الأوسط إلا أنه قال ما بين كل درجتين مسيرة خمسمائة عام انتهى قوله (لا أدري أذكر الزكاة أم لا) الظاهر أن قائله لا أدري هو عطاء بن يسار وفاعل ذكر هو معاذ بن جبل (إلا كان) كذا في النسخ الموجودة بزيادة إلا قبل كان ولا يستقيم معناها ههنا فهي زائدة وقد تكون هي زائدة كما في قوله الشاعر حراجيج ما تنفك إلا مناخة * على الخسف أو ترمي بها بلدا قفرا كذا في القاموس وقد روى أحمد هذا الحديث في مسنده ولم يقع في روايته لفظ إلا (حقا على الله) أي بوعده الصادق (ألا أخبر بها الناس) حتى يفرحوا بهذه البشارة (ذر الناس) أي أتركهم بلا بشارة (يعملون) أي يجتهدون في زيادة العبادة ولا يتكلون على هذا الاجمال (فإن في الجنة مائة درجة) قال القاري يمكن أن يراه به الكثرة لما ورد من رواية البيهقي عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا عدد درج الجنة عدد آي القرآن فمن دخل الجنة من أهل القرآن فليس فوقه درجة ويمكن أن يقال في الجنة مائة درجة لكل واحد من أهلها فيكون بيان أقل ما يكون فيها من أنواع السعة وأصناف النعمة (والفردوس) قال الحافظ الفردوس هو البستان الذي يجمع كل شئ وقيل هو الذي فيه العنب وقيل هو بالرومية وقيل بالقبطية وقيل بالسريانية وبه جزم أبو أسحاق الزجاج انتهى وقال في القاموس الفردوس الأودية التي تنبت ضروبا من النبت والبستان يجمع كل ما يكون في البساتين يكون فيه الكروم وقد يؤنث عربية أورومية نقلت أو سريانية انتهى (أعلى الجنة وأوسطها) أي أعدلها وأفضلها وأوسعها وخيرها ذكره السيوطي قال الطيبي النكتة في

[ 200 ]

الجمع بين الأعلى والأوسط أنه أراد باحدهما الحسي وبالاخر المعنوي فإن وسط الشئ أفضله وخياره وإنما كان كذلك لأن الأطراف يتسارع إليها الخلل والأوساط محمية محفوظة وقال ابن حبان المراد بالأوسط السعة وبالأعلى الفوقية (ومنها) أي من الفردوس (تفجر) بصيغة المجهول أي تشقق وتجري (أنهار الجنة) أي أصول الأنهار الأربعة من الماء واللبن والخمر والعسل (فإذا سألتم الله) أي الجنة (فاسألوه) وفي بعض النسخ فسلوه بالتخفيف والنقل أي فاطلبوا منه (الفردوس) لأنه أفضلها وأعلاها قوله (هكذا روى هذا الحديث عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن معاذ بن جبل وهذا عندي أصح) وأخرجه البخاري من طريق هلال بن علي عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة قال الحافظ في الفتح رواه زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار فاختلف عليه فقال هشام بن سعد وحفص ابن ميسرة والدراوردي عنه عن عطاء عن معاذ بن جبل أخرجه الترمذي وابن ماجه وقال همام عن زيد عن عطاء عن عبادة بن الصامت أخرجه الترمذي والحاكم ورجح رواية الدراوردي ومن تابعه على رواية همام ولم يتعرض لرواية هلال مع أن بين عطاء بن يسار ومعاذ انقطاعا انتهى قوله (والفردوس) أي الجنة المسماة بالفردوس المذكور في القرآن في قوله تعالى وقد أفلح المؤمنون إلى قوله أولئك هم الوارثون الذين يرثون الفردوس (أعلاها) أي أعلى سائر الجنان (ومنها) أي من جنة الفردوس (تفجر أنهار الجنة الأربعة) بالرفع صفة

[ 201 ]

لأنهار وهي أنهار الماء واللبن والخمر والعسل المذكورة في القرآن (وفيها أنهار من ماء غير اسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى (ومن فوقها يكون العرش) يدل هذا على أن الفردوس فوق جميع الجنان ولذا قال صلى الله عليه وسلم تعليما للأمة وتعظيما للهمة (فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس) وفي بعض النسخ فسلوه بالتخفيف وحديث عبادة هذا أخرجه أحمد وابن أبي شيبة والحاكم قوله (لو أن العالمين) بفتح اللام أي جميع الخلق اجتمعوا جميعا (لوسعتهم) أي لكفتهم لسعتها المفرطة التي لا يعلمها إلا الله تعالى قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن حبان من وجه آخر وصححه قاله القاري باب ما جاء في صفة نساء أهل الجنة قوله (أخبرنا فروة بن أبي المغراء) بفتح الميم والمد واسم أبيه معد يكرب الكندي يكنى أبا القاسم كوفي صدوق من العاشرة (أخبرنا عبيدة) بفتح أوله وكسر الموحدة

[ 202 ]

قوله (ليرى) بصيغة المجهول (مخها) بالضم نقي العظم والدماغ (كأنهن الياقوت) أي صفاء (والمرجان) أي اللؤلؤ بياضا قال في القاموس المرجان صغار اللؤلؤ (ثم استصفيته) المراد باستصفاء الياقوت هنا جعله صافيا ونقيا من الكدورة ونحوها مما يكدره وحديث ابن مسعود هذا أخرجه أيضا ابن أبي الدنيا وابن حبان في صحيحه قوله (إن أول زمرة) أي جماعة وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام (على مثل ضوء القمر ليلة البدر) أي وجوههم على مثل ضوء القمر ليلة البدر (والزمرة الثانية) وهم الأولياء والصلحاء على اختلاف مراتبهم في الضياء على كل زوجة سبعون حلة بضم حاء وتشديد لام ولا تطلق غالبا إلا على ثوبين (يرى) أي يبصر (مخ ساقها) أي مخ عظام ساق كل زوجة (من ورائها) أي من فوق حللها السبعين لكمال لطافة أعضائها

[ 203 ]

وثيابها قال القاري والتوفيق بينه وبين خبر أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة وثمانون ألف خادم بأن يقال يكون لكل منهم زوجتان موصوفتان بأن يرى مخ ساقها من ورائها وهذا لا ينافي أن يحصل لكل مهنم كثير من الحور العين الغير البالغة إلى هذه الغلية كذا قيل والأظهر أنه تكون لكل زوجتان من نساء الدنيا وأن أدنى أهل الجنة من له ثنتان وسبعون زوجة في الجملة يعني ثنتين من نساء الدنيا وسبعين من الحور العين انتهى وقال الحافظ في الفتح قوله ولكل واحد منهم زوجتان أي من نساء الدنيا فقد روى أحمد من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا في صفة أدنى أهل الجنة منزلة وأن لكلك منهم من الحور العين ثنتين وسبعين زوجة سوى أزواجه من الدنيا وفي سنده شهر بن حوشب وفيه مقال ولأبي يعلى في حديث الصور الطويل من وجه آخر عن أبي هريرة في حديث مرفوع فيدخل الرجل على ثنتين وسبعين زوجة مما ينشئ الله وزوجتين من ولد آدم قال والذي يظهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان وقد أجاب بعضهم باحتمال أن تكون التثنية تطيرا لقوله جنتان وعينان ونحو ذلك أو المراد تثنية التكثير والتعظيم نحو لبيك وسعديك ولا يخفى ما فيه انتهى ملخصا قلت روى البخاري في صحيحه في صفة الجنة عن أبي هريرة مرفوعا أول زمرة تلج الجنة صورتهم على صورة القمر ليلة البدر الحديث وفيه ولكل واحد منهم زوجتان ورواه من طريق آخر وفيه ولكل امرئ زوجتان من الحور العين . فقول الحافظ وغيره في تفسير قوله : ولكل واحد منهم زوجتان أي من نساء الدنيا ليس بصحيح فإن الروايات يفسر بعضها بعضا فالظاهر أن أقل ما لكل واحد منهم زوجتان كما قال الحافظ والله تعالى أعلم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد قوله (على لون أحسن كوكب دري) قال في النهاية الكوكب الدري الشديد

[ 204 ]

الإنارة كأنه نسب إلى الدر تشبيها به لصفاته وقال الفراء هو عند العرب العظيم المقدار وقيل هو أحد الكواكب الخمسة السيارة انتهى (يبدو) أي يظهر قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد باب ما جاء في صفة جماع أهل الجنة قوله (يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا من الجماع) قال في اللمعات أي قوة جماع كذا وكذا من النساء فكذا وكذا كناية عن عدد النساء كعشرين وثلاثين مثلا فافهم انتهى وقيل كناية عن مرات الجماع كعشرين مرة أو ثلاثين أو أربعين أو مائة ونحوها (أو يطيق ذلك) بفتح الواو أي يعطي تلك القوة ويستطيع ذلك المقدار والإشارة إلى مضمون قوله كذا وكذا من الجماع (يعطي قوة مائة) أي مائة رجل والمعنى فإذا كان كذلك فهو يطيق ذلك قوله (وفي الباب عن زيد بن أرقم) قال جاء رجل من أهل الكتاب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا أبا القاسم تزعم أن أهل الجنة يأكلون ويشربون قال نعم والذي نفس محمد بيده إن أحدهم ليعطى قوة مائة رجل في الأكل والشرب والجماع قال فإن الذي يأكل ويشرب

[ 205 ]

تكون له الحاجة وليس في الجنة أذى قال تكون حاجة أحدهم رشحا يفيض من جلودهم كرشح المسك فيضمر بطنه أخرجه أحمد والنسائي قال المنذري ورواته محتج بهم في الصحيح قال ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم ثم ذكر لفظهما قوله (هذا حديث صحيح غريب) وأخرجه ابن حبان في صحيحه باب ما جاء في صفة أهل الجنة قوله (تلج الجنة) من الولوج أي تدخل (صورتهم على صورة القمر ليلة البدر) أي في الاضاءة (لا يبصقون) قال في القاموس البصاق كغراب والبساق والبزاق ماء الفم إذا خرج منه وما دام فيه فهو ريق وبصق بزق انتهى (ولا يمتخطون) وفي بعض النسخ ولا يتمخطون أي ليس في أنفهم من المياه الزائدة والمواد الفاسدة ليحتاجوا إلى إخراجها ولأن الجنة مساكن طيبة للطيبين فلا يلائمها الأدناس والأنجاس قال ابن الجوزي لما كانت أغذية أهل الجنة في غاية اللطافة والاعتدال لم يكن فيها أذى ولا فضلة تستقذر بل يتولد عن تلك الأغذية أطيب ريح وأحسنه (آنيتهم فيها من الذهب وأمشاطهم من الذهب والفضة) وفي رواية للبخاري آنيتهم من الذهب والفضة وأمشاطهم من الذهب قال الحافظ وكأنه اكتفى في الموضعين ذكر أحدهما عن الاخر فإنه يحتمل أن يكون الصنفان لكل منهم ويحتمل أن يكون أحد الصنفين لبعضهم والاخر للبعض الاخر

[ 206 ]

ويؤيد حديث أبي موسى مرفوعا جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما وجنتان من فضة آنيتهما وما فيهما الحديث متفق عليه ويؤيد الأول ما أخرجه الطبراني بإسناد قوي عن أنس مرفوعا إن أدنى أهل الجنة درجة لمن يقوم على رأسه عشرة آلاف خادم بيد كل واحد صحفتان واحدة من ذهب والأخرى من فضة الحديث انتهى والأمشاط جمع مشط بتثليث الميم والأفصح ضمها الة يمتشط بها (ومجامرهم من الألوة) قال في النهاية المجامر جمع مجمر ومجمر فالمجمر بكسر الميم هو الذي يوضع فيه النار للبخور والمجمر بالضم الذي يتبخر به وأعد له الجمر وهو المراد في هذا الحديث أي أن بخورهم بالألوة وهو العود انتهى وفي رواية للبخاري ووقود مجامرهم الألوة فعلى هذه الرواية المجامر جمع مجمر بكسر الميم أي ما يوقد به مباخرهم الألوة وهي بفتح الهمزة ويجوز ضمها وبضم اللام وتشديد الواو وحكى ابن التين كسر الهمزة وتخفيف الواو والهمزة أصلية وقيل زائدة قال النووي هو العود الهندي وقد يقال إن رائحة العود إنما تفوح بوضعه في النار والجنة لا نار فيها ويجلب باحتمال أن يشتعل بغير نار بل بقوله كن وإنما سميت مجمرة باعتبار ما كان في الأصل ويحتمل أن يشتعل بنار لا ضرر فيها ولا إحراق أو يفوح بغير اشتعال وقال القرطبي قد يقال أي حاجة لهم إلى المشط وهم مرد وشعورهم لا تتسخ وأي حاجة لهم إلى البخور وريحهم أطيب من المسك قال ويجاب بأن نعيم أهل الجنة من أكل وشرب وكسوة وطيب ليس عن ألم جوع أو ظمأ أو عرى أو نتن وإنما هي لذات متتالية ونعم متوالية والحكمة في ذلك أنهم ينعمون بنوع ما كانوا يتنعمون به في الدنيا وقال النووي مذهب أهل السنة أن تنعم أهل الجنة على هيئة تنعم أهل الدنيا إلا ما بينهما من التفاضل في اللذة ودل الكتاب والسنة على أن نعيمهم لا انقطاع له كذا في الفتح (ورشحهم) أي عرفهم (المسك) أي رائحة المسك والمعنى رائحة عرقهم رائحة المسك فهو تشبيه بليغ (ولكل واحد منهم زوجتان) وفي رواية للبخاري ولكل امرئ زوجتان من الحور العين قال الطيبي الظاهرة أن التثنية للتكرير لا للتحديد كقوله تعالى فارجع البصر كرتين لأنه قد جاء أن للواحد من أهل الجنة العدد الكثير من الحور العين وقد تقدم الكلام في هذا في باب صفة نساء أهل الجنة (من الحسن) قال الطيبي رحمه الله هو تتميم صونا من توهم ما يتصور في تلك الرؤية مما ينفر عنه الطبع والحسن

[ 207 ]

هو الصفاء ورقة البشرة ونعومة الأعضاء (لا اختلاف بينهم ولا تباغض) قال تعالى ونزعنا تخرج ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين (قلوبهم قلب رجل واحد) أي في الاتفاق والمحبة (يسبحون الله بكرة وعشيا) قال الحافظ أي قدرهما قال القرطبي هذا التسبيح ليس عن تكليف وإلزام وقد فسره جابر في حديثه عند مسلم بقوله يلهمون التسبيح والتكبير كما يلهمون النفس ووجه التشبيه أن تنفس الإنسان لا كلفة عليه فيه ولا بد له منه فجعل تنفسهم تسبيحا وسببه أن قلوبهم تنورت بمعرفة الرب سبحانه وامتلأت بحبه ومن أحب شيئا أكثر من ذكره وقد وقع في خبر ضعيف أن تحت العرش ستارة معلقة فيه ثم تطوى فإذا نشرت كانت علامة البكور وإذا طويت كانت علامة العشي انتهى وقال الطيبي يراد بهما الديمومة كما تقول العرب أنا عند فلان صباحا ومساء لا يقصد الوقتين المعلومين بل الديمومة انتهى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (عن داود بن عامر بن سعد بن أبي وقاص) الزهري المدني ثقة من السادسة (عن أبيه) أي عامر في سعد بن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من الثالثة (عن جده) أي سعد بن أبي وقاص قوله (لو أن ما يقل) بضم الياء وكسر القاف وتشديد اللام أي يحمله (ظفر) بضمتين ويسكن الثاني قال الطيبي ما موصولة والعائد محذوف أي ما يقله وقال القاضي أي قدر ما يستقل بحمله ظفر ويحمل عليها (مما في الجنة) أي من نعيمها (بدا) أي ظهر في الدنيا للناظرين (لتزخرفت) أي تزينت (له) أي لذلك المقدار وسببه (ما بين خوافق السموات والأرض) قال القاضي الخوافق جمع خافقة هي الجانب وهي في

[ 208 ]

الأصل الجوانب التي تخرج منها الرياح من الخفقان ويقال الخافقان المشرق والمغرب قال الطيبي وتأنيث الفعل لأن ما بين بمعنى الأماكن كما في قوله تعالى أضاءت ما حوله في وجه (اطلع) بتشديد الطاء أي أشرف على أهل الدنيا (فبدا) أي ظهر (أساوره) جمع أسورة جمع سوار والمراد بعض أساوره ففي الترغيب فبدا سواره (لطمس) أي محا ضوء أساوره (ضوء الشمس) بالنصب على المفعولية قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبي الدنيا قوله (وقد روى يحيى بن أيوب) هو الغافقي (عن عمر بن سعد بن أبي وقاص) المدني نزيل الكوفة صدوق لكن مقته الناس لكونه كان أميرا على الجيش الذين قتلوا الحسين بن علي من الثانية قتله المختار سنة خمس وستين أو بعدها ووهم من ذكره من الصحابة فقد جزم ابن معين بأنه ولد يوم مات عمر بن الخطاب كذا في التقريب (عن النبي صلى الله عليه وسلم) وهذا المرسل باب ما جاء في صفة ثياب أهل الجنة قوله (عن أبيه) أي هشام بن أبي عبد الله سنبر كنيته أبو بكر البصري الدستوائي ثقة ثبت وقد رمى بالقدر من كبار السابعة (عن عامر الأحول) قال في التقريب عامر بن عبد الواحد الأحول البصري صدوق يخطئ من السادسة وهو عامر الأحول الذي يروي عن عائذ بن عمرو المزني والصحابي انتهى

[ 209 ]

قوله (أهل الجنة جرد) بضم جيم وسكون راء جمع أجرد وهو الذي لا شعر على جسده وضده الأشعر (مرد) جمع أمرد وهو غلام لا شعر على ذقنه وقد يراد به الحسن بناء على الغالب (كحلى) بفتح الكاف فعلى بمعنى فعيل أي مكحول وهو عين في أجفانها سواد خلقه كذا قيل وقال في النهاية الكحل بفتحتين سواد في أجفان العين خلقة والرجل أكحل وكحيل وكحلي جمع كحيل (لا يفنى شبابهم) بل كل منهم في سن ابن ثلاث وثلاثين دائما (ولا تبلى ثيابهم) أي لا يلحقها البلى أو لا يزال عليهم الثياب الجدد قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الدارمي قوله (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (ارتفاعها) أي ارتفاع فرش الجنة وقيل ارتفاع الدرجة التي فرشت للفرش المرفوعة فيها وهو مبتدأ وخبره لكما بين السماء والأرض (مسيرة خمسمائة عام) بدل من ما قبله أو بيان له والمعنى أن ارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مثل مسافة ما بين السماء والأرض أي مسافة خمسمائة عام وروى الترمذي هذا الحديث بهذا الاسناد في تفسير سورة الواقعة ولفظه ارتفاعها كما بين السماء والأرض ومسيرة ما بينهما خمسمائة عام ومعناه ظاهر أي ارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مثل مسيرة ما بين السماء والأرض ومسيرة ما بين السماء والأرض مسيرة خمسمائة عام فارتفاع الفرش المفروشة في الجنة مسيرة خمسمائة عام فمعنى اللفظ الذي ذكره هنا واللفظ الذي ذكره في التفسير واحد (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد والنسائي وابن أبي الدنيا قال المنذري ورواه ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما من حديث ابن وهب أيضا عن عمرو بن الحارث عن دراج انتهى (وقال بعض أهل العلم في تفسير هذا الحديث معناه أن الفرش في

[ 210 ]

الدرجات وبين الدرجات كما بين السماء والأرض) هذا المعنى موافق للمعنى الثاني الذي ذكرناه أي ارتفاع الدرجة التي فرشت الفرش المرفوعة فيها وقال التوربشتي قول من قال المراد منه ارتفاع الفرش المرفوعة في الدرجات وما بين كل درجتين من الدرجات كما بين السماء والأرض هذا القول أوثق وذلك لما في الحديث أن للجنة مائة درجة ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض انتهى باب ما جاء في صفة ثمار الجنة قوله (عن يحيى عبد الله بن الزبير) بن العوام المدني ثقة من الخامسة (عن أبيه) أي عباد بن عبد الله بن الزبير بن العوام كان قاضي مكة زمن أبيه وخليفته إذا حج ثقة من الثالثة قوله (وذكر سدرة المنتهى) قيل هي شجرة نبق في السماء السابعة عن يمين العرش ثمرها كقلال هجر ووقع ذكر سدرة المنتهى في حديث المعراج عند الشيخين ولفظ البخاري ثم رفعت إلى سدرة المنتهي فإذا نبقها مثل قلال هجر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة قال الحافظ وقع بيان سبب تسميتها سدرة المنتهى في حديث ابن مسعود عند مسلم ولفظه لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم قال انتهى بي إلى سدرة المنتهى وهي في السماء السادسة وإليها ينتهي ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها ينتهي ما يهبط فيقبض منها وقال النووي سميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحد إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (يسير الراكب) أي المجد (في ظل الفنن) محركة أي الغصن وجمعه الأفنان ومنه قوله تعالى ذواتا أفنان ويقال ذلك للنوع وجمعه فنون كذا حققه الراغب (منها) أي من السدرة أو يستظل بظلها مائة راكب أو للشك

[ 211 ]

(شك يحيى) أي ابن عباد المذكور في السند فيها أي في سدرة المنتهى والمعنى فيما بين أغصانها أو عليها بمعنى فوقها مما يغشاها (فراش الذهب) بفتح الفاء جمع فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج قيل هذا تفسير قوله تعالى إذ يغشى السدرة ما يغشى ومنه أخذ ابن مسعود حيث فسر ما يغشى بقوله يغشاها فراش من ذهب قال البيضاوي وذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل لأن من شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها انتهى قال الحافظ ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة ويخلق فيه الطيران والقدرة صالحة لذلك إنتهى (كأن ثمرها القلال) بكسر القاف جمع القلة أي قلال هجر في الكبر باب ما جاء في صفة طير الجنة قوله (أخبرنا عبد الله بن مسلمة) بن قعنب القعنبي الحارثي أبو عبد الرحمن البصري أصله من المدينة وسكنها مدة ثقة عابد من صغار التاسعة (عن محمد بن عبد الله بن مسلم) بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني ابن أخي الزهري صدوق له أوهام من السادسة (عن أبيه) أي عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن الحارث بن زهرة الزهري المدني كنيته أبو محمد أخو الزهري الإمام ثقة من الثالثة مات قبل أخيه قوله (ذلك نهر أعطانيه الله) وفي صحيح مسلم من طريق المختار بن فلفل عن أنس بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ غفا إغفاءة ثم رفع رأسه متبسما فقلنا ما أضحكك يا رسول الله قال نزلت على سورة فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر

[ 212 ]

إلى آخرها ثم قال اتدرون ما الكوثر قلنا الله ورسوله أعلم قال فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة الحديث (يعني في الجنة) هذا قول الراوي وروى الحاكم عن أنس مرفوعا الكوثر نهر أعطانيه الله في الجنة ترابه مسك أبيض من اللبن وأحلى من العسل الحديث (فيه) أي في ذلك النهر أو في أطرافه (طير أعناقها كأعناق الجزر) بضم الجيم والزاي جمع جزور وهو البعير (إن هذه) أي الطير فإنه يذكر ويؤنث (لناعمة) أي سمان مترفة كذا في النهاية (أكلتها) ضبط في النسخة الأحمدية بفتح الهمزة والكاف واللام وبمد الهمزة وكسر الكاف فعلى الأول جمع آكل اسم فاعل كطلبه جمع طالب والمعنى من يأكلها وعلى الثاني مؤنث أكل وصيغة الواحد المؤنث قد تستعمل للجماعة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد بإسناد جيد ولفظه إن طير الجنة كأمثال البخت ترعى في شجر الجنة فقال أبو بكر يا رسول الله إن هذه الطير ناعمة فقال أكلتها أنعم منها قالها ثلاثا وأني لأرجو أن تكون ممن يأكل منها كذا في الترغيب باب ما جاء في صفة خيل الجنة قال في القاموس الخيل جماعة الأفراس لا واحد له أو واحده خائل لأنه يختال انتهى قوله (أخبرنا عاصم بن علي) بن عاصم بن صهيب الواسطي أو الحسن التيمي مولاهم صدوق ربما وهم من التاسعة (عن سليمان بن بريدة) بن الحصيب الأسلمي المروزي قاضيها ثقة من الثالثة

[ 213 ]

قوله (إن الله) بكسر الهمزة وسكون النون على أن إن شرطية ثم كسر للالتقاء قال الطيبي الله مرفوع بفعل يفسره ما بعده وهو (أدخلك الجنة) ولا يجوز رفعه على الابتداء لوقوعه بعد حرف الشرط وقوله (فلا تشاء أن تحمل فيها) جواب للشرط أي فلا تشاء الحمل في الجنة (على فرس من ياقوتة حمراء تطير) بصيغة المؤنث والضمير يرجع إلى فرس قال في القاموس الفرس للذكر والأنثى (حيث شئت) أي طيرانه بك (إلا فعلت) لا يوجد هذا اللفظ في بعض نسخ الترمذي وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث نقلا عن الترمذي مع هذا اللفظ قال القاري في شرح قوله إلا فعلت بصيغة المخاطب المذكر المعلوم والمعنى إن تشاء تفعله وفي نسخة يعني من المشكاة على بناء المجهول أي حملت عليها وركبت وفي أخرى بتاء التأنيث الساكنة فالضمير للفرس أي حملتك قال القاضي رحمه الله تقدير الكلام إن أدخلك الجنة الله فلا تشاء أن تحمل على فرس كذلك إلا حملت عليه والمعنى أنه ما من شئ تشتهيه الأنفس إلا وتجده في الجنة كيف شاءت حتى لو اشتهيت أن تركب فرسا على هذه الصفة لوجدته وتمكنته منه ويحتمل أن يكون المراد إن أدخلك الله الجنة فلا تشاء أن يكون لك مركب من ياقوته حمراء يطير بك حيث شئت ولا ترضى به فتطلب فرسا من جنس ما تجده في الدنيا حقيقة وصفه والمعنى فيكون لك من المراكب ما يغنيك عن الفرس المعهود ويدل على هذا ما جاء في الرواية الأخرى وهو إن أدخلت الجنة أتيت بفرس من ياقوته له جناحان فحملت عليه ولعله صلى الله عليه وسلم لما أراد أن يبين الفرق بين مراكب الجنة ومراكب الدنيا وما بينهما من التفاوت على التصوير والتمثيل مثل فرس الجنة في جوهره بما هو عندنا أثبت الجواهر وأدومها وجودا وأنصعها لونا وأصفاها جوهرا وفي شدة حركته وسرعة أنتقاله بالطير وأكد ذلك في الرواية الأخرى بقوله جناحان قال الطيبي الوجه الأول ذهب إليه الشيخ التورشتي وتقدير قوله إلا حملت يقتضي أن يروي قوله إلا فعلت على بناء المفعول فإنه استثناء مفرغ أي لا تكون بمطلوبك إلا مسعفا وإذا ترك على بناء الفاعل كان التقدير فلا تكون بمطلوبك إلا فائزا والوجه الثاني من الوجهين السابقين قريب من أسلوب الحكيم فإن الرجل سأل عن الفرس المتعارف في الدنيا فأجابه صلى الله عليه وسلم بما في الجنة أي اترك ما طلبته فإنك

[ 214 ]

مستغن عنه بهذا المركب الموصوف انتهى (قال) أي بريدة (فلم يقل له ما قال لصاحبه) أي مثل مقوله لصاحبه كما سبق بل أجابه مختصرا فقال إن يدخلك الله الجنة يكن لك فيها ما اشتهت نفسك ولذت عينك) أي وجدت عينك لذيذة قال في القاموس لذه وبه لذاذا ولذاذه وجده لذيذا انتهى وفيه إشارة إلى قوله تعالى وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين قوله (هذا أصح من حديث المسعودي) أي حديث سفيان وهو الثوري عن علقمة بن مرثد عن عبد الرحمن بن سابط عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا أصح من حديث المسعودي عن علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه متصلا وهذا لأن سفيان أوثق وأتقن من المسعودي قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل بن سمرة الأحمسي) بمهملتين أبو جعفر السراج ثقة من العاشرة (عن واصل بن السائب) الرقاشي أبي يحيى البصري ضعيف من السادسة (عن أبي سورة) بفتح أوله وسكون الواو بعدها راء الأنصاري ابن أخي أبي أيوب ضعيف من الثالثة قوله (إني أحب الخيل) أي في الدنيا (إن أدخلت) بالبناء للمفعول وفتح التاء (الجنة) أي إن أدخلك الله تعالى إياها (أتيت) أي جئت (بفرس من ياقوتة) قال القاري قيل أراد الجنس المعهود مخلوقا من أنفس الجواهر وقيل إن هناك مركبا من جنس آخر يغنيك عن المعهود كما مر والأخير أظهر لقوله (له جناحان) يطير بهما كالطائر (فحملت عليه) بصيغة المجهول أي اركبته والمركب الملائكة (ثم طار) أي ذلك الفرس (بك حيث شئت) ومقصود الحديث أن ما

[ 215 ]

من شئ تشتهيه النفس في الجنة إلا تجده فيها حتى لو اشتهى أن يركب فرسا وجده بهذه الصفة قوله (هذا حديث ليس إسناده بالقوي) لأن في سنده واصل بن السائب وأبا سورة وهما ضعيفان كما عرفت باب ما جاء في سن أهل الجنة قوله (أخبرنا أبو داود) هو الطيالسي (أخبرنا عمران بن العوام) القطان البصري قوله (يدخل أهل الجنة الجنة جردا مردا مكحلين) أي خلقة (أبناء ثلاثين أو ثلاث وثلاثين سنة) أو للشك من الراوي وقد وقع في حديث أبي هريرة عند أحمد وابن أبي الدنيا والطبراني والبيهقي أبناء ثلاث وثلاثين بالجزم وكذا في حديث المقدام عند البيهقي بإسناد حسن على ما في الترغيب قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد في مسنده وأخرج أيضا الرواية المرسلة التي أشار إليها الترمذي بعد هذا

[ 216 ]

باب ما جاء في كم صف أهل الجنة قوله (حدثنا حسين بن يزيد) بن يحيى الطحان الأنصاري الكوفي لين الحديث من العاشرة (عن ضرار بن مرة) الكوفي كنيته أبو سنان الشيبان الأكبر ثقة ثبت من السادسة قوله (أهل الجنة عشرون ومائة صف) أي قدرها أو صوروا صفوفا (ثمانون) أي صفا (منها) أي من جملة العدد (من هذه الأمة) أي كائنون من هذه الأمة (وأربعون) أي صفا (عن سائر الأمم) والمقصود بيان تكثير هذه الأمة وأنهم ثلثان في القسمة قال الطيبي فإن قلت كيف التوفيق بين هذا وبين ما ورد من قوله صلى الله عليه وسلم والذي نفسي بيده أرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة فكبرنا فقال صلى الله عليه وسلم أرجو أن تكونوا ثلث أهل الجنة فكبرنا فقال صلى الله عليه وسلم أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة قلت يحتمل أن يكون الثمانون صفا مساويا في العدد للأربعين صفا وأن يكونوا كما زاد على الربع والثلث يزيد على النصف كرامة له صلى الله عليه وسلم وقال الشيخ عبد الحق رحمه الله في اللمعات لا ينافي هذا قوله صلى الله عليه وسلم أرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة لأنه يحتمل أن يكون رجاؤه صلى الله عليه وسلم ذلك ثم زيد وبشر من عند الله بالزيادة بعد ذلك وأما قول الطيبي يحتمل أن يكون الثمانون صفا مساويا لأربعين صفا فبعيد لأن الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم أهل الجنة عشرون ومائة صف أن يكون الصفوف متساوية والله أعلم انتهى قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وابن ماجه والدارمي وابن حبان والحاكم والبيهقي في كتاب البعث والنشور قال الحافظ وله شاهد من حديث ابن مسعود بنحوه واتم منه أخرجه الطبراني قلت وله شاهدان آخران من حديث ابن عباس ومن حديث أبي موسى أخرجهما الطبراني والحاكم كما في الجامع الصغير قوله (مرسلا) أي هذا مرسل (ومنهم) أي من أصحاب علقمة بن مرثد (وأبو سنان

[ 217 ]

اسمه ضرار بن مرة) تقدم ترجمته آنفا (وأبو سنان الشيباني اسمه سعيد بن سنان) قال في التقريب سعيد بن سنان البرجمي أبو سنان الشيباني الأصغر الكوفي نزيل الري صدوق له أوهام من السادسة (وهو بصري) كذا قال الترمذي وفي التقريب وتهذيب التهذيب والخلاصة أنه كوفي فتأمل (وأبو سنان الشامي الخ) قال في التقريب عيسى بن سنان الحنفي أبو سنان القسملي الفلسطيني نزيل البصرة لين الحديث من السادسة قوله (كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في قبة) وفي رواية أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهره بمنى إلى قبة من أدم (أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة) قال ابن التين ذكره بلفظ الاستفهام لإرادة تقرير البشارة بذلك وذكره بالتدريج ليكون أعظم لسرورهم (قالو نعم) وفي رواية لمسلم فكبرنا في الموضعين وفي حديث أبي سعيد عند البخاري فحمدنا الله وكبرنا (أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة) وفي رواية البخاري قال والذي نفس محمد بيده إني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة قال الحافظ وزاد الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في نحو حديث أبي سعيد وإني لأرجو أن تكونوا نصف أهل الجنة بل أرجو أن تكونوا ثلثي أهل الجنة ولا تصح هذه الزيادة لأن الكلبي رواه ثم ذكر عدة روايات توافق رواية الكلبي ثم قال فكأنه صلى الله عليه وسلم لما رجا رحمة ربه أن تكون أمته نصف أهل الجنة أعطاه ما ارتجاه وزاده وهو نجو قوله تعالى (ولسوف يعطيك ربك فترضى) انتهى (إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة) وفي رواية وسأحدثكم بقلة المسلمين في الكفار يوم القيامة وفي رواية ما أنتم فيما سواكم من الأمم (ما أنتم في الشرك) وفي رواية البخاري في أهل الشرك (إلا كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود أو كالشعرة

[ 218 ]

السوداء في جلد الثور الأحمر) قال القاري الظاهر أن أو للتخير في التعبير وتحتمل الشك انتهى قال ابن التين أطلق الشعرة وليس المراد حقيقة الوحدة لأنه لا يكون ثور ليس في جلده غير شعره واحدة من غير لونه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وفي الباب عن عمران بن حصين وأبي سعيد الخدري) أما حديث عمران بن حصين فأخرجه الترمذي في تفسير سورة الحج وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه الشيخان والنسائي باب ما جاء في صفة أبواب الجنة قوله (عن خالد بن أبي بكر) بن عبيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني فيه لين من السابعة قوله (عرضه مسيرة الراكب المجود) اسم فاعل من التجويد وهو التحسين قيل أي الراكب الذي يجود ركض الفرس من جودته أي جعلته جيدا وفي أساس البلاغة يجوز في صنعته يفوق فيها وأجاد الشئ وجوده أحسن فيما فعل وجود في عدوه عدا عدوا وجوادا والمعنى الراكب الذي يجود ركض الفرس وأن يكون مستافا إليه والإضافة لفظية أي الفرس الذي يجود في عدوه (ثلاثا) ظرف مسيره والمعنى ثلاث ليال أو سنين وهو الأظهر لأنه يفيد المبالغة أكثر ثم

[ 219 ]

المراد به الكثرة لئلا يخالف ما ورد من أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة على أنه يمكن أنه أوحى إليه بالقليل ثم أعلم بالكثير أو يحمل على اختلاف الأبواب باختلاف أصحابها (ثم أنهم) أي أهل الجنة من أمتي عند دخولهم من أبوابها فالمراد بالنار جنسه (ليضغطون) بصيغة المجهول أي ليعصرون ويضيقون ويزحمون (عليه) أي على الباب (حتى تكاد) أي تقرب (مناكبهم تزول) أي تنقطع من شدة الزحام قوله (هذا حديث غريب) ذكر الذهبي هذا الحديث في الميزان في ترجمة خالد بن أبي بكر وقال هذا من مناكيره باب ما جاء في سوق الجنة قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري (أخبرنا هشام بن عمار) بن نصير السلمي الدمشقي الخطيب صدوق مقرئ كبر فصار يتلقن فحديثه القديم أصح من كبار العاشرة قاله في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين وغيره وروى عنه البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجه وروى الترمذي عن البخاري عنه (أخبرنا عبد الحميد بن حبيب ابن أبي العشرين) الدمشقي أبو سعيد كاتب الأوزاعي ولم يرو عن غيره صدوق ربما أخطأ قال أبو حاتم كان كاتب ديوان ولم يكن صاحب حديث من التاسعة

[ 220 ]

قوله (فقال سعيد أفيها) أي في الجنة (سوق) يعني وهي موضوعة للحاجة إلى التجارة (أخبرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن) قال القاري بالفتح في أصل السيد وغيره وفي نسخة يعني من المشكاة بالكسر على الحكاية أي الخبر هو قوله إن أو التقدير قائلا إن (أهل الجنة إذا دخلوها) أي الجنة (نزلوا فيها) أي في منازلها ودرجاتها (بفضل أعمالهم) أي بقدر زيادة طاعاتهم لهم كمية وكيفية (ثم يؤذن) أي لأهل الجنة (في مقدار يوم الجمعة) أي في مقدار الأسبوع والظاهر أن المراد يوم الجمعة فإنه ورد الأحاديث في فضائل يوم الجمعة أنه يكون في الجنة يوم جمعة كما كان في الدنيا ويحضرون ربهم إلى آخر الحديث كذا في اللمعات وقال القاري أي قدر إتياته والمراد في مقدار الأسبوع انتهى (فيزورون ربهم) أي (ويبرز) من الإبراز ويظهر ربهم (ويتبدى لهم) بتشديد الدال أي يظهر ويتجلي ربهم لهم (فتوضع لهم منابر) أي كراسي مرتفعة (ومنابر من زبرجد) بفتح زاي وموحدة فراء ساكنة فجيم مفتوحة جوهر معروف (ومنابر من ذهب ومنابر من فضة) أي بحسب مقادير أعمالهم ومراتب أحوالهم (ويجلس أدناهم) أي أدونهم منزلة (وما فيهم دنى) أي والحال أنه ليس في أهل الجنة دون وخسيس قال الطيبي رحمه الله وهو تتميم صونا لما يتوهم من قوله أدناهم الدناءة والمراد به الأدنى في المرتبة (على كثبان المسك) بضم الكاف وسكون المثلثة جمع كثيب أي تل من الرمل المستطيل من كثبت الشئ إذا جمعته (والكافور) بالجر عطف على (المسك ما يرون) بصيغة المجهول من الإرادة والضمير إلى الجالسين على الكثبان أي لا يظنون ولا يتوهمون (أن أصحاب الكراسي) أي أصحاب المنابر (بأفضل منهم مجلسا) حتى يحزنوا بذلك لقولهم على ما في التنزيل الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن بل إنهم وافقون في مقام الرضا ومتلذذون مجال التسليم بما جرى القضاء (هل تتمارون)

[ 221 ]

تفاعل من المرية بمعنى الشك أي هل تشكون (من رؤية الشمس) وفي بعض النسخ في رؤية الشمس أي في رؤيتكم الشمس (والقمر) أي وفي رؤية القمر (ليلة البدر) واحترز عن الهلال وعن القمر في غير ليالي البدر فإنه لم يكن حينئذ في نهاية النور (قلنا لا) أي لا نشك في رؤية الشمس والقمر (إلا حاضره الله محاضرة) قال التوربشتي رحمه الله الكلمتان بالحاء المهملة والضاد المعجمة والمراد من ذلك كشف الحجاب والمقاولة مع العبد من غير حجاب ولا ترجمان وبينه الحديث ما منكم من أحد إلا ويكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان الحديث والمعنى خاطبه الله مخاطبة وحاوره محاورة (يا فلان) بالفتح والضم (بن فلانا) بنصب ابن وصرف فلان وهما كنايتان عن اسمه واسم أبيه وروى أحمد وأبو داود عن أبي الدرداء مرفوعا إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم (اتذكر يوم قلت كذا وكذا) أي مما لا يجوز في الشرع فكأنه يتوقف الرجل فيه ويتأمل فيما ارتكبه من معاصيه (فيذكره) بتشديد الكاف أي فيعلمه الله (ببعض غدارته) بفتح الغين المعجمة والدال المهملة جمع غدرة بالسكون بمعنى الغدر وهو ترك الوفاء والمراد معاصيه لأنه لم يف بتركها الذي عهد الله إليه في الدنيا (أفلم تغفر لي) أي أدخلتني الجنة فلم تغفر لي ما صدر لي من المعصية (فيقول بلى) أي غفرت لك فبسعة مغفرتي بفتح السين ويكسر (بلغت) أي وصلت (منزلتك هذه) قال الطيبي عطف على مقدر أي غفرت لك فبلغت بسعة رحمتي هذه المنزلة الرفيعة والتقديم دل على التخصيص أي بلوغك تلك المنزلة كائن بسعة رحمتي لا بعملك (فبينما) وفي بعض النسخ فبينما وفي بعض النسخ فبينا (هم) أي أهل الجنة (على ذلك) أي على ما ذكر من المحاضرة والمحاورة (غشيتهم) أي غطتهم (فأمطرت عليهم طيبا) أي عظيما (قد خفت) بتشديد الفاء أي أحاطت ما لم تنظر العيون إلى مثله قال المظهر ما موصولة والموصول مع صلته يحتمل أن يكون في محل الرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف أي المعد لكم وقيل أو هو مبتدأ خبره محذوف أي فيها وقال الطيبي رحمه الله الوجه أن يكون ما موصوفه بدلا من سوقا انتهى وفي بعض النسخ فيه ما لم

[ 222 ]

تنظر العيون إلى مثله وهو ظاهر (ولم تسمع الاذان) بمد الهمزة جمع الأذن أي وما لم تسمعه بمثله (ولم يخطر) بضم الطاء أي وما لم يمر مثله على القلوب (فيحمل إلينا) أي إلى قصورنا (وليس يباع فيها ولا يشترى) الجملة حال من ما في اشتهينا وهو المحمول والضمير في يباع عائد إليه (وفي ذلك السوق) هو يذكر ويؤنث فأنثه تارة وذكره أخرى والتأنيث أكثر وأشهر (يلقى) أي يرى (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم وأبو هريرة مرفوعا حقيقة أو موقوفا في حكم المرفوع (فيقبل) من الإقبال أي فيجئ ويتوجه (من هو دونه) أي في الرتبة والمنزلة (فيروعه) بضم الراء (ما يرى) أي يبصره (عليه من اللباس) بيان ما قال الطيبي الضمير المجرور يحتمل أن يرجع إلى من فيكون الروع مجازا عن الكراهة مما هو عليه من اللباس وأن يرجع إلى الرجل ذي المنزلة فالروع بمعنى الإعجاب أي يعجبه حسنه فيدخل في روعه ما يتمنى مثل ذلك لنفسه ويدل عليه قوله (فما ينقضي آخر حديثه) أي ما ألقى في روعه من الحديث وضمير المفعول فيه عائد إلى من (حتى يتخيل عليه) بصيغة الفاعل وفي نسخة يعني من المشكاة بالبناء للمفعول أي حتى يتصور له (ما هو أحسن منه) أي يظهر عليه أن لباسه أحسن من لباس صاحبه وذلك أي سبب ما ذكر من التخيل (أنه) أي الشأن (أن يحزن) بفتح الزاي يغتم (فيها) أي في الجنة فحزن هنا لازم من حزن بالكسر لا من باب نصر فإنه متعد غير ملائم للمقام (فتتلقانا) من التلقي أي تستقبلنا (أزواجنا) أي من نساء الدنيا ومن الحور العين (ويحق لنا) قال القاري بكسر الحاء وتشديد القاف وفي نسخة يعني من المشكاة بضم الحاء ففي المصباح حق الشئ كضرب ونصر إذا ثبت وفي القاموس حق الشئ وجب ووقع بلا شك وحقه أوجبه لازم

[ 223 ]

ومتعد فالمعنى يوجبنا ويلزمنا ويمكن أن يكون من باب الحذف والإيصال أي يحق لنا ويليق بنا (أن تنقلب بمثل ما انقلبنا) أي من الانقلاب بمعنى الانصراف قوله (هذا حديث غريب) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجه كلاهما من رواية عبد الحميد بن حبيب بن أبي العشرين عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن سعيد وقال الترمذي حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه قال وعبد الحميد هو كاتب الأوزاعي مختلف فيه وبقية رواة الإسناد ثقات وقد رواه ابن أبي الدنيا عن هقل بن زياد كاتب الأوزاعي أيضا واسمه محمد وقيل عبد الله وهو ثقة ثبت احتج به مسلم وغيره عن الأوزاعي قال نبئت أن سعيد بن المسيب لقي أبا هريرة فذكر الحديث انتهى قوله (حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق) أبو شيبة الكوفي (عن النعمان بن سعد) الأنصاري الكوفي قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن علي وغيره وعنه ابن أخته أبو شيبة عبد الرحمن بن إسحاق الكوفي ولم يرو عنه غيره فيما قال أبو حاتم انتهى قوله (إن في الجنة لسوقا) أي مجتمعا (ما فيها) أي ليس في تلك السوق (شرى) بالكسر والقصر أي اشتراء (ولا بيع) والمعنى ليس فيها تجارة (إلا الصور) بالنصب والرفع أي التماثيل المختلفة (فإذا اشتهى الرجل صورة دخل فيها) أي تشكل بها قال القاري في المرقاة قال الطيبي الاستثناء منقطع ويجوز أن يكون متصلا بأن يجعل تبديل الهيئات من جنس البيع والشرى كقوله تعالى يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم يعني على وجه وإلا فالمعتمد أن استثناءه منقطع ثم قيل يحتمل الحديث معنيين أحدهما أن يكون معناه عرض الصور المستحسنة عليه فإذا اشتهى وتمنى تلك الصورة المعروضة عليه صوره الله سبحانه بشكل تلك الصورة بقدرته وثانيهما أن المراد من الصورة الزينة التي يتزين الشخص بها في تلك السوق ويتلبس بها ويختار لنفسه من الحلي والحلل والتاج يقال لفلان صورة حسنة أي هيئة

[ 224 ]

مليحة يعني فإذا رغب في شئ منها أعطيه ويكون المراد من الدخول فيها التزين بها وعلى كلا المعنيين التغير في الصفة لا في الذات قال الطيبي ويمكن أن يجمع بينهما ليوافق حديث أنس فتهب ريح الشمال فتحثو في وجوههم وثيابهم فيزدادون حسنا وجمالا الحديث قوله (هذا حديث غريب) في سنده عبد الرحمن بن إسحاق أبو شيبة وهو ضعيف والحديث أخرجه أيضا ابن أبي الدنيا باب ما جاء في رؤية الرب تبارك وتعالى من باب إضافة المصدر على مفعوله قال ابن بطال ذهب أهل السنة وجمهور الأمة إلى جواز رؤية الله في الاخرة ومنع الخوارج والمعتزلة وبعض المرجئة وتمسكوا بأن الرؤية توجب كون المرئي محدثا وحالا في مكان وأولوا قوله (ناظرة) يعني في قوله تعالى وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة بمنتظرة وهو خطأ لأنه لا يتعدى بإلى ثم قال وما تمسكوا به فاسد لقيام الأدلة على أن الله تعالى موجود والرؤية في تعلقها بالمرئي بمنزلة العلم في تعلقه بالمعلوم فإذا كان تعلق العلم بالمعلوم لا يوجب حدوثه وكذلك المرئي قال وتعلقوا بقوله تعالى لا تدركه الأبصار وبقوله تعالى لموسى لن تراني والجواب عن الأول أنه لا تدركه الأبصار في الدنيا جمعا بين دليلي الايتين وبأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية لإمكان رؤية الشئ من غير إحاطة بحقيقته وعن الثاني المراد لن تراني في الدنيا جمعا أيضا ولأن نفي الشئ لا يقتضي إحالته مع ما جاء من الأحاديث الثابتة على وفق الاية وقد تلقاها المسلمون بالقبول من لدن الصحابة والتابعين حتى حدث من أنكر الرؤية وخالف السلف وقال القرطبي اشترط النفاة في الرؤية شروطا عقلية تخبط بهم المخصوصة والمقابلة واتصال الأشعة وزوال الموانع كالبعد والحجب في تخيط بهم وتحكم وأهل السنة لا يشترطون شيئا من ذلك سوى وجود المرئي وأن الرؤية إدراك يخلقه الله تعالى للرائي فيرى المرئي وتقترن بها أحوال يجوز تبدلها والعلم عند الله تعالى

[ 225 ]

قوله (كنا جلوسا) أي جالسين (كما ترون هذا القمر) أي المحسوس المشاهد المرئي (لا تضامون) بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم وهو الظلم قال الحافظ وهو الأكثر أي لا ينالكم ضيم وظلم في رؤيته فيراه بعض دون بعض وروي بفتح التاء وتشديد الميم من التضام بمعنى التزاحم وبالضم والتشديد من المضامة وهي المزاحمة وهو حينئذ يحتمل كونه للفاعل والمفعول وحاصل معنى الكل لا تشكون (في رؤيته) أي في رؤية القمر ليلة البدر قال في جامع الأصول قد يخيل إلى بعض السامعين أن الكاف في قوله كما ترون كما في التشبيه للمرئي وإنما هو كاف التشبيه للرؤية وهو فعل الرائي ومعناه ترون ربكم رؤية ينزاح معها الشك كرؤيتكم القمر ليلة البدر لا ترتابون ولا تمترون (فإن استطعتم أن لا تغلبوا) بصيغة المجهول أي لا تصيروا مغلوبين (فافعلوا) أي ما ذكر من الاستطاعة أو عدم المغلوبية قال القاضي ترتيب قوله إن استطعتم على قوله سترون بالفاء يدل على أن المواظب على إقامة الصلوات والمحافظة عليها خليق بأن يرى ربه وقوله لا تغلبوا معناه لا تصيروا مغلوبين بالاشتغال عن صلاتي الصبح والعصر وإنما خصهما بالحث لما في الصبح من ميل النفس إلى الاستراحة والنوم وفي العصر من قيام الأسواق واشتغال الناس بالمعاملات فمن لم يلحقه فترة في الصلاتين مع ما لهما من قوة المانع فبالحري أن لا تلحقه في غيرهما (ثم قرأ) أي النبي صلى الله عليه وسلم أو جرير (فسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس الخ) أي وصل في هذين الوقتين وعبر عن الكل بالجزء وهو التسبيح المراد به الثناء في الافتتاح المقرون بحمد الرب المشتمل عليه سورة الفاتحة أو المراد بالتسبيح تنزيه الرب عن الشريك ونحوه من صفات النقصان والزوال قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة

[ 226 ]

قوله (للذين أحسنوا) أي الذين أجادوا الأعمال الصالحة في الدنيا وقربوها بالإخلاص الحسنى أي المثوبة الحسنى وهي الجنة وزيادة أي النظر لوجهه الكريم ونكرها لتفيد ضربا من التفخيم والتعظيم بحيث لا يعرف قدرها ولا يكتنه كنهها (نادى مناد إن لكم عند الله موعدا) أي بقي شئ زائد مما وعده الله لكم من النعم وفي رواية مسلم يقول الله تبارك وتعالى تريدون شيئا أزيدكم (وينجنا) بتشديد الجيم ويخفف (من النار) أي دخولها وخلودها قال الطيبي تقرير وتعجيب من أنه كيف يمكن الزيادة على ما أعطاهم الله تعالى من سعة فضله وكرمه (قالوا بلى) كذا في النسخ الموجودة قالوا بصيغة الجمع والظاهر أن يكون قال بصيغة الإفراد لأن الضمير يرجع إلى مناد (فيكشف الحجاب) وزاد مسلم فينظرون إلى وجه الله والظاهر أن المراد بالحجاب حجاب النور الذي وقع في حديث أبي موسى عند مسلم ولفظه حجابه النور لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه قال الطيبي في شرح حديث أبي موسى هذا إن فيه إشارة إلى أن حجابه خلاف الحجب المعهودة فهو محتجب عن الخلق بأنوار عزه وجلا له وأشعة عظمته وكبريائه وذلك هو الحجاب الذي تدهش دونه العقول وتبهت الأبصار وتتحير البصائر فلو كشفه فتجلى لما وراءه بحقائق الصفات وعظمة الذات لم يبق مخلوق إلا احترق ولا منظور إلا اضمحل وأصل الحجاب الستر الحائل بين الرائي والمرئي والمراد به هنا منع الأبصار من الرؤية له بما ذكر فقام ذلك المنع الستر الحائل فعبر به عنه وقد ظهر من نصوص الكتاب والسنة أن الحالة المشار إليها في هذا الحديث هي في دار الدنيا المعدة للفناء دون دار الاخرة المعدة للبقاء والحجاب في هذا الحديث وغيره يرجع إلى الخلق لأنهم هم المحجوبون عنه وحديث صهيب هذا أخرجه أيضا مسلم والنسائي وابن خزيمة وابن حبان قوله (هذا حديث إنما أسنده حماد بن سلمة ورفعه الخ) قال النووي هذا الحديث

[ 227 ]

هكذا رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم من رواية حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن أبي ليلى عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو عيسى الترمذي وأبو مسعود الدمشقي غيرهما لم يروه هكذا مرفوعا عن ثابت غير حماد بن سلمة ورواه سليمان بن المغيرة وحماد بن زيد وحماد بن واقد عن ثابت عن ابن أبي ليلى من قوله ليس فيه ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ولا ذكر صهيب وهذا الذي قال هؤلاء ليس بقادح في صحة الحديث فقد قدمنا في الفصول أن المذهب الصحيح المختار الذي ذهب إليه الفقهاء وأصحاب الأصول والمحققون من المحدثين وصححه الخطيب البغدادي أن الحديث إذا رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا وبعضهم مرفوعا وبعضهم موقوفا حكم بالمتصل وبالمرفوع لأنهما زيادة ثقة وهي مقبولة عند الجماهير من كل الطوائف انتهى كلام النووي قوله (عن ثوير) بضم المثلثة مصغرا ابن أبي فاختة سعيد بن علاقة الكوفي ضعيف رمي بالرفض من الرابعة قوله (لمن ينظر إلى جنابه) بكسر الجيم جمع جنة أي بساتينه (وزوجاته) أي نسائه وحوره (ونعيمه) أي ما يتنعم به (وخدمه) بفتحتين جمع خادم أي من الولدان (وسرره) بضمتين جمع سرير (مسيرة ألف سنة) أي حال كون جنانه وما عطف عليه كائنة في مسافة ألف سنة والمعنى أن ملكه مقدار تلك المسافة وفي التركيب تقديم وتأخير إذ جعل الاسم وهو قوله لمن ينظر خبرا والخبر وهو أدنى منزلة اسما اعتناء بشأن المقدم لأن المطلوب بيان ثواب أهل الجنة وسعتها وأن أدناهم منزلة من يكون ملكه كذا (وأكرمهم) بالنصب عطفا على أدنى ويجوز الرفع عطفا على مجموع اسم إن وخبرها أي أكثرهم كرامة على الله وأعلاهم منزلة وأقربهم رتبة عنده سبحانه (غدوة) بضم الغين (وعشية) أي صباحا ومساء ولهذا وصى بالمحافظة على صلاتي طرفي النهار كما مر (وجوه يومئذ ناضرة) أي ناعمة غضة حسنة والمراد بالوجوه الذوات وخصت لشرفها ولظهور أثر النعمة عليها (إلى ربها ناظرة) قال الطيبي قدم صلة ناظرة إما لرعاية الفاصلة وهي ناضرة باسرة فاقرة وإما لأن الناظر يستغرق عند رفع الحجاب بحيث لا

[ 228 ]

يلتفت إلى ما سواء وحديث ابن عمر هذا أخرجه أيضا أحمد وأبو يعلى والطبراني وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر الدارقطني والحاكم وابن مردويه والبيهقي وأخرج الترمذي هذا الحديث في تفسير سورة القيامة أيضا قوله (ورواه عبد الملك) بن سعيد بن حبان (بن أبحر) بالموحدة والجيم الكوفي ثقة عابد من السابعة (ورواه عبيد الله) بن عبيد الرحمن الأشجعي أبو عبد الرحمن الكوفي ثقة مأمون أثبت الناس كتابا في الثوري من كبار التاسعة قوله (حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة البجلي أبو جعفر الكوفي من صغار العاشرة صدوق (حدثنا جابر بن نوح) الحماني أبو بشر الكوفي ضعيف من التاسعة قوله (تضامون) بتقدير همزة الاستفهام وقد تقدم ضبطه ومعناه في شرح أول أحاديث الباب قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الشيخان عن أبي هريرة مطولا من وجه آخر قوله (وهكذا روى يحيى بن عيسى الرملي) التميمي النهشلي الفافوري الجوار الكوفي

[ 229 ]

صدوق يخطئ ورمي بالتشيع من التاسعة (وقد روى عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير هذا وجه) وفي بعض النسخ من غير هذا الوجه وهو الظاهر يعني من غير طريق عبد الله بن إدريس عن الأعمش (وهو حديث صحيح أيضا) أخرجه الشيخان من طريق عطاء بن يسار عن أبي سعيد مطولا باب قوله (فيقولون لبيك ربنا) أي يا ربنا وتقدم تفسير لبيك وسعديك في باب التلبية من أبواب الحج (فيقول هل رضيتم) أي عن ربكم (فيقولون ما لنا لا نرضى) الاستفهام للتقرير والمعنى أي شئ مانع لنا من أن لا نرضى عنك (وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك) الجملة حالية (أنا أعطيكم) وفي رواية للبخاري فأنا أعطيكم وفي أخرى له ألا أعطيكم (أفضل من ذلك) أي من عطائكم هذا (وأي شئ أفضل من ذلك) أي من عطائك هذا (أحل) بضم الهمزة وكسر الحاء المهملة أي أنزل (رضواني) بكسر الراء ويضم أي دوام رضواني فإنه لا يلزم من كثرة العطاء دوام الرضا ولذا قال (فلا أسخط) بفتح الخاء المعجمة أي لا أغضب قال

[ 230 ]

الطيبي الحديث مأخوذ من قوله تعالى وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر وقال الحافظ فيه تلميح بقوله تعالى ورضوان من الله أكبر لأن رضاه سبب كل فوز وسعادة وكل من علم أن سيده راض عنه وكان أقر لعينه وأطيب لقلبه من كل نعيم لما في ذلك من التعظيم والتكريم وفي هذا الحديث أن النعيم الذي حصل لأهل الجنة لا مزيد عليه انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان باب ما جاء في ترائي أهل الجنة في الغرف قوله (عن هلال بن علي) بن أسامة العامري المدني وينسب إلى جده ثقة من الخامسة قوله (إن أهل الجنة ليتراءون في الغرفة) كذا في حديث أبي هريرة هذا والمعنى أن أهل الجنة يتراءون أهل الغرفة وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم والغرفة بضم الغين وسكون الراء وهي بيت يبنى فوق الدار والمراد هنا القصور العالية في الجنة والمعنى أن أهل الجنة تتفاوت منازلهم بحسب درجاتهم في الفضل حتى أن أهل الدرجات العلى ليراهم من هو أسفل منهم كالنجوم وقد بين ذلك في الحديث بقوله في تفاضل الدرجات (كما يتراءون) أي في الدنيا (الغارب في الأفق) بضمتين جمع الافاق أي في أطراف السماء (في تفاضل الدرجات) وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين لتفاضل ما بينهم قال القاري علة للترائي والمعنى إنما ذلك لتزايد مراتب ما بين سائر أهل الجنة العالية وما بين أرباب أهل الغرف العالية انتهى (فقالوا يا رسول الله أولئك النبيون) بحذف حرف

[ 231 ]

الاستفهام أي أهم يعني أهل الغرف النبيون وتلك الغرف منازلهم (قال بلى) أي نعم (وأقوام) أي غير النبيين (امنوا بالله ورسوله وصدقوا المرسلين) أي حق تصديقهم وإلا لكان كل من آمن بالله وصدق رسله وصل إلى تلك الدرجة وليس كذلك ويحتمل أن يكون التنكير في قوله وأقوام يشير إلى ناس مخصوصين موصوفين بالصفة المذكورة ولا يلزم أن يكون كل من وصف بها كذلك لاحتمال أن يكون لمن بلغ تلك المنازل صفة أخرى وكأنه سكت عن الصفة التي اقتضت لهم ذلك والسر في ذلك أنه قد يبلغها من له عمل مخصوص ومن لا عمل له كأن بلوغها إنما هو برحمة الله تعالى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد كما في الفتح باب ما جاء في خلود أهل الجنة وأهل النار قوله (في صعيد واحد) الصعيد الأرض الواسعة المستوية (ثم يطلع عليهم رب العالمين) قال في القاموس طلع فلان علينا كمنع ونصر أتانا كاطلع انتهى (فيمثل لصاحب الصليب صلبيه ولصاحب التصاوير تصاويره ولصاحب النار ناره) قال ابن العربي يحتمل أن يكون التمثيل تلبيسا عليهم ويحتمل أن يكون التمثيل لمن لا يستحق التعذيب وأما من سواهم فيحضرون حقيقة لقوله تعالى إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم (نعوذ بالله منك) وعند الشيخين وتبقى هذه الأمة فيها منافقوها فيأتيهم الله في صورة غير صورته التي

[ 232 ]

يعرفون فيقول أنا ربكم فيقولون نعوذ بالله منك قال ابن العربي إنما استعاذوا منه أولا لأنهم اعتقدوا أن ذلك الكلام استدراج لأن الله لا يأمر بالفحشاء ومن الفحشاء اتباع الباطل وأهله ولهذا وقع في الصحيح فيأتيهم الله في صور أي بصورة لا يعرفونها وهي الأمر باتباع أهل الباطل فلذلك يقولون إذا جاء ربنا عرفناه أي إذا جاءنا بما عهدناه منه من قول الحق (ثم يتوارى) أي يستتر (وهل تضارون) قال النووي روى تضارون بتشديد الراء وتخفيفها والتاء مضمومة فيهما ومعنى المشدد هل تضارون غيركم في حالة الرؤية بزحمة أو مخالفة في الرؤية أو غيرها لخفائة كما تفعلون أول ليلة من الشهر ومعنى المخفف هل يلحقكم في رؤيته ضير وهو الضرر وقال الحافظ بضم أوله بالضاد المعجمة وتشديد الراء بصيغة المفاعلة من الضرر وأصله تضاررون بكسر الراء وبفتحها أي لا تضرون أحدا ولا يضركم بمنازعة ولا مجادلة ولا مضايقة وجاء تخفيف الراء من الضير وهو لغة في الضر أي لا يخالف بعض بعضا فيكذبه وينازعه فيضيره بذلك يقال ضاره يضيره (ثم يطلع فيعرفهم نفسه) أي يلقي في قلوبهم علما قطعيا يعرفون به أنه ربهم سبحانه وتعالى (أنا ربكم فاتبعوني) وعند الشيخين أنا ربكم فيقولون أنت ربنا فيتبعونه قال النووي معناه يتبعون أمره إياهم بذهابهم إلى الجنة أو يتبعون ملائكته الذين يذهبون بهم إلى الجنة (ويوضع الصراط) وعند مسلم ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم (فيمر عليه) أي فيمر المسلمون على الصراط (مثل جياد الخيل) قال في القاموس فرس جواد بين الجودة بالضم رائع والجمع جياد وقد جاد في عدوه جودة انتهى وهو من إضافة الصفة إلى الموصوف (والركاب) بكسر الراء عطف على الخيل والمراد بها الابل ولا واحد له من لفظه (وقولهم) أي قول المرسل والأنبياء (عليه) أي على الصراط (سلم سلم) أمر مخاطب أي يقول كل نبي اللهم سلم أمتي من ضرر الصراط اللهم اجعلهم سالمين من آفاته آمنين من مخافاته وتكراره مرتين المراد به الكثرة أو باعتبار كل واحد من أهل الشفاعة أو للإلحاح في الدعاء كما هو من آدابه وفي رواية البخاري ودعاء الرسل يومئذ اللهم سلم سلم

[ 233 ]

قال الحافظ في رواية شعيب ولا يتكلم يومئذ أحد إلا الرسل وفي رواية إبراهيم بن سعد ولا يكلمه إلا الأنبياء ودعوى الرسل يومئذ اللهم سلم سلم ووقع في رواية العلا وقولهم اللهم سلم سلم وللترمذي من حديث المغيرة شعار المؤمنين على الصراط رب سلم سلم والضمير في الأول للرسل ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به بل تنطق به الرسل يدعون للمؤمنين بالسلامة فسمى ذلك شعارا لهم فهذا تجتمع الأخبار ويؤيده قوله في رواية سهيل فعند ذلك حلت الشفاعة اللهم سلم سلم انتهى (ثم يطرح فيها فوج) أي من أهل النار (فتقول هل من مزيد) أي من زيادة (حتى إذا أوعبوا فيها) من الإيعاب وهو الاستقصاء في كل شئ (وضع الرحمن قدمه فيها) وفي رواية لمسلم رجله قال القاري مذهب السلف التسليم والتفويض مع التنزيه وأرباب التأويل من الخلف يقولون المراد بالقدم قدم بعض مخلوقاته فيعود الضمير في قدمه إلى ذلك المخلوق المعلوم أو قوم قدمهم الله للنار من أهلها وتقدم في سابق حكمه أنهم لاحقوها فتمتلئ منهم جهنم والعرب تقول كل شئ قدمته من خير أو شر فهو قدم ومنه قوله تعالى أن لهم قدم صدق عند ربهم أي ما قدموه من الأعمال الصالحة الدالة على صدقهم في تصديقهم والمراد بالرجل الجماعة من الجراد وهو وإن كان موضوعا لجماعة كثيرة من الجراد لكن استعارته لجماعة الناس غير بعيد أو أخطأ الراوي في نقله الحديث بالمعنى وظن أن الرجل سد مسد القدم هذا وقد قبل وضع القدم على الشئ مثل للردع والقمع فكأنه قال يأتيها أمر الله فيكفها من طلب المزيد وقيل أريد به تسكين فورتها كما يقال للأمر يراد إبطاله وضعته تحت قدمي ذكره في النهاية وفي شرح السنة القدم والرجل المذكوران في هذا الحديث من صفات الله المنزهة عن التكييف والتشبيه وكذلك كل ما جاء من هذا القبيل في الكتاب أو السنة كاليد والأصبع والعين والمجئ والإتيان والنزول فالإيمان بها فرض والامتناع عن الخوض فيها واجب فالمهتدي من سلك فيها طريق التسليم والخائض فيها زائغ والمنكر معطل والمكيف مشبه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ليس كمثله شئ وهو السميع البصير انتهى قال القاري وهو الموافق لمذهب الامام مالك رحمه الله ولطريق إمامنا الأعظم على ما أشار إليه في الفقه الأكبر فالتسليم أسلم والله تعالى أعلم انتهى

[ 234 ]

قلت الأمر كما قال القاري فلا شك أن التسليم والتفويض هو الأسلم بل هو المتعين (وأزوى بعضها إلى بعض) بصيغة المجهول وفي رواية يزوي أي يضم بعضها إلى بعض فتجتمع وتلتقي على من فيها (قالت) أي النار (قط قط) قال النووي معنى قط حسبي أي يكفيني هذا وفيه ثلاث لغات قط قط بإسكان الطاء فيهما وبكسرها منونة وغير منونة انتهى والتكرار للتأكيد (أتى بالموت) أي أحضر به كهيئة كبش أملح كما في حديث أبي سعيد الاتي (ملبيا) في القاموس لببه تلبيبا جمع ثيابه عند نحره في الخصومة ثم جره (فيطلعون خائفين) أي أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (فيطلعون مستبشرين يرجون الشفاعة) أي يرجون أن يشفع لهم فيخرجوا من النار وفي رواية ابن ماجة مستبشرين فرحين أن يخرجوا من مكانهم الذي هم فيه (يا أهل الجنة خلود) أي هذا الحال مستمر ويحتمل أن يكون جمع خالد أي أنتم خالدون في الجنة (لا موت) بفتح التاء المثناة أي لا موت في الجنة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه ابن ماجة وابن حبان في صحيحه مختصرا قوله (كالكبش الأملح) قال القرطبي الحكمة في الإتيان بالموت هكذا الإشارة إلى أنهم حصل لهم الفداء به كما فدى ولد إبراهيم بالكبش وفي الأملح إشارة إلى صفتي أهل الجنة والنار لأن الأملح ما فيه بياض وسواد وقال ابن العربي استشكل هذا الحديث لكونه

[ 235 ]

يخالف صريح العقل لأن الموت عرض والعرض لا ينقلب جسما فكيف يذبح فأنكرت طائفة صحة هذا الحديث ودفعته وتأولته طائفة فقالوا هذا تمثيل ولا ذبح هناك حقيقة وقالت طائفة بل الذبح على حقيقته والمذبوح متولى الموت وكلهم يعرفه لأنه الذي تولى قبض أرواحهم وقال المازري الموت عندنا عرض من الأعراض وعند المعتزلة ليس بمعنى بل معناه عدم الحياة وهذا خطأ لقوله تعالى خلق الموت والحياة فأثبت الموت مخلوقا وعلى المذهبين لا يصح أن يكون كبشا ولا جسما وأن المراد بهذا التمثيل والتشبيه ثم قال وقد يخلق الله تعالى هذا الجسم ثم يذبح ثم يجعل مثالا لأن الموت لا يطرأ على أهل الاخرة وقال القرطبي في التذكرة الموت معنى والمعاني لا تنقلب جوهرا وإنما يخلق الله أشخاصا من ثواب الأعمال وكذا الموت يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقى في قلوب الفريقين أن هذا الموت يكون ذبحه دليلا على الخلود في الدارين وقال غيره لا مانع أن ينشئ الله من الأعراض أجسادا يجعلها مادة لها كما ثبت في مسلم في حديث أن البقرة وآل عمران يجيئان كأنهما غمامتان ونحو ذلك من الأحاديث انتهى قلت هذا القول الأخير هو المعتمد قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الشيخان والنسائي قوله (وهذا أمر أهل العلم الذي اختاروه وذهبوا إليه) وهو الحق والثواب وهو مذهب السلف رضي الله عنهم أجمعين وهو مذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله تعالى وقد تقدم الكلام في هذه المسألة في باب فضل الصدقة من أبواب الزكاة

[ 236 ]

باب ما جاء حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات قوله (حفت) بصيغة المجهول من الحفاف وهو ما يحيط بالشئ حتى لا يتوصل إليه إلا بتخطيه أي أحيطت ووقع في صحيح البخاري حجبت (بالمكاره) أي بما أمر المكلف بمجاهدة نفسه فيه فعلا وتركا وأطلق عليها المكاره لمشقتها على العامل وصعوبتها عليه (وحفت النار بالشهوات) أي ما يستلذ من أمور الدنيا مما منع الشرع من تعاطيه إما بالأصالة وإما لكون فعله يستلزم ترك شئ من المأمورات قال النووي في شرح مسلم قال العلماء هذا من بديع الكلام وفصيحه وجوامعه التي أوتيها صلى الله عليه وسلم من التمثيل الحسن ومعناه لا يوصل إلى الجنة إلا بار تكاب المشقات المعبر عنها بالمكروهات ولا إلى النار إلا بتعاطي الشهوات وكذلك هما محجوبتان بهما فمن هتك الحجاب وصل إلى المحجوب فهتك حجاب الجنة باقتحام المكاره وهتك حجاب النار بارتكاب الشهوات فأما المكاره فيدخل فيها الاجتهاد في العبادات والمواظبة عليها والصبر على مشاقها وكظم الغيظ والعفو والحلم والصدقة والإحسان إلى المسئ والصبر على الشهوات ونحو ذلك وأما الشهوات التي النار محفوفة بها فالظاهر أنها الشهوات المحرمة كالخمر والزنا والنظر إلى الأجنبية والغيبة واستعمال الملاهي ونحو ذلك وأما للشهوات المباحة فلا تدخل في هذه لكن يكره الاكثار منها مخافة أن يجر إلى المحرمة أو يقسى القلب أو يشغل عن الطاعات ونحو ذلك انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأخرجه الشيخان عن أبي هريرة

[ 237 ]

قوله (انظر إليها وإلى ما أعددت لأهلها فيها) أي ما هيأت فيها لعباديال الصالحين (قال) أي جبرائيل (فوعزتك) الواو للقسم (لا يسمع بها أحد إلا دخلها) أي طمع في دخولها وجاهد في حصولها ولا يهتم إلا بشأنها لحسنها وبهجتها (فحفت) أي أحيطت (بالمكاره) جمع كره وهو المشقة والشدة على غير قياس والمراد بها التكاليف الشرعية التي هي مكروهة على النفوس الإنسانية وهذا يدل على أن المعاني لها صور حسية في تلك المباني (فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها) أي ثانيا لما تجدد من الزيادة عليها باعتبار حواليها (لقد خفت أن لا يدخلها أحد) أي لوجود المكاره من التكاليف الشاقة ومخالفة النفس وكسر الشهوات (لا يسمع بها أحد فيدخلها) أي لا يسمع بها أحد إلا فزع منها واحترز فلا يدخلها (لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها) وفي رواية أبي داود لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ومعناها ظاهر وأما رواية الكتاب فلا يظهر معناها إلا أن يجعل إلا بمعنى بل قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم كذا في الفتح

[ 238 ]

باب ما جاء في احتجاج الجنة والنار قوله (احتجت) أي اختصمت كمامزي في رواية للبخاري وفي رواية أخرى له ولمسلم تحاجت (يدخلني الضعفاء والمساكين) قيل معنى الضعيف ههنا الخاضع لله تعالى بذل نفسه له سبحانه وتعالى ضد المتجبر والمتكبر وفي رواية للبخاري مالي لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم قال الحافظ أي المحتقرون بينهم الساقطون من أعينهم هذا بالنسبة إلى ما عند الأكثر من الناس وبالنسبة إلى ما عند الله هم عظماء رفعاء الدرجات لكنهم بالنسبة إلى عند أنفسهم لعظمة الله عندهم وخضوعهم له في غاية التواضع لله والذلة في عباده فوصفهم بالضعف والسقط بهذا المعنى صحيح أو المراد بالحصر في قول الجنة إلا ضعفاء الناس الأغلب (يدخلني الجبارون والمتكبرون) وفي رواية للشيخين أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين قال القاري هما بمعنى جمع بينهما للتأكيد وقيل للتكبر للتعظم بما ليس فيه والمتجبر الممنوع الذي لا يوصل إليه وقيل الذي لا يكترث ولا يبالي بأمر الضعفاء والمساكين (أنت عذابي) أي سبب عقوبتي ومنشأ سخطي وغضبي (أنتقم بك ممن شئت) وفي رواية للشيخين أعذب بك من أشاء (وقال للجنة أنت رحمتي) أي مظهرها في شرح السنة سمي الجنة رحمته لأن بها تظهر رحمة الله تعالى كما قال (أرحم بك من شئت) وإلا فرحمة الله من صفاته التي لم يزل بها موصوفا ليست لله صفة حادثة ولا اسم حادث فهو قديم بجميع أسمائه وصفاته جل جلاله وتقدست أسماؤه قال ابن بطال عن المهلب يجوز أن يكون هذا الخصام حقيقة بأن يخلق الله فيهما حياة وفهما وكلاما والله قادر على كل شئ ويجوز أن يكون هذا مجازا كقولهم امتلأ الحوض وقال الدارقطني والحوض لا يتكلم وإنما ذلك عبارة عن امتلائه وأنه لو كان ممن ينطق لقال ذلك وكذا في

[ 239 ]

قول النار (هل من مزيد) قال وحاصل اختصامهما افتخار أحدهما على الأخرى بمن يسكنها فتظن النار أنها بمن ألقى فيها من عظماء الدنيا أبر عند الله من الجنة وتظن الجنة أنها بمن أسكنها من أولياء الله تعالى أبر عند الله فأجيبتا بأنه لا فضل لإحداهما على الأخرى من طريق من يسكنهما وفي كليهما شائبة شكاية إلى ربهما إذ لم تذكر كل واحدة منهما إلا ما اختصت به وقد رد الله الأمر في ذلك إلى مشيئته وقال النووي هذا الحديث على ظاهره وأن الله يخلق في الجنة والنار تمييزا يدركان به ويقدران على المراجعة والاحتجاج ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك التمييز دائما انتهى قلت حمل الحديث على ظاهره هو المتعين ولا حاجة إلى حمله على المجاز قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان باب ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة قوله (أدنى أهل الجنة منزلة) أي أقلهم مرتبة (الذي له ثمانون ألف خادم) قال المناوي أي يعطى هذا العدد أو هو مبالغة في الكثرة (واثنتان وسبعون زوجة) أي من الحور العين كما في رواية أي غير ماله من نساء الدنيا (وتنصب له) بصيغة المجهول أي تضرب وترفع له (قبة) بضم القاف وشد الموحدة بيت صغير مستدير (من لؤلؤ) بضم اللامين (وزبرجد وياقوت) قال القاضي يريد أن القبة معمولة منها أو مكللة بها (كما بين الجابية) قرية بالشام (إلى صنعاء) قصبة باليمن تشبه دمشق في كثرة الماء والشجر والمسافة بينهما أكثر من شهر والمعنى أن فسحة القبة وسعتها طولا وعرضا وبعد ما بين طرفيه كما

[ 240 ]

بين الموضعين وإذا كان هذا للأدنى فما بالك للأعلى وهذا الحديث أخرجه أيضا أحمد وابن حبان والضياء قوله (وبهذا الاسناد) أي الاسناد السابق قوله (من مات من أهل الجنة من صغير أو كبير يردون) بصيغة المجهول أي يعودون وفيه تغليب لأنه لا رد في الصغير أو المعنى يصيرون (في الجنة) متعلق بقوله يردون (لا يزيدون عليها أبدا) أي زيادة مؤثرة في تغبير أبدانهم وأعضائهم وشعورهم وأشعارهم وإلا فزمانهم في الجنة يتزايد أبد الابدين (وكذلك أهل النار) أي في العمر وعدم الزيادة قال الطيبي فإن قلت ما التوفيق بين هذا الحديث وبين ما رواه مسلم عن أبي هريرة في باب البكاء صغارهم دعا ميص الجنة أي داخلون على منازلهم لا يمنعون من موضع كما في الدنيا قلت في الجنة ظرف ليردون وهو لا يشعر أنهم لم يكونوا دعا ميص قبل الرد قوله (إن عليهم) أي على رؤوس أهل الجنة (التيجان) بكسر المثناة الفوقية جمع تاج (إن أدنى لؤلؤة منها) أي من التيجان (لتضئ) بالتأنيث قال القاري ولعل وجهه أن المضاف اكتسب التأنيث من المضاف إليه والمعنى لتنور (ما بين المشرق والمغرب) فأضاء متعد ويمكن أن يكون لازما والتقدير ليضئ به ما بينهما من الأماكن لو ظهرت على الدنيا قوله (هذا حديث غريب) أي كل واحد من الأحاديث الثلاثة المذكورة بالإسناد الواحد غريب (لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد) وهو ضعيف

[ 241 ]

قوله (كان حمله) أي حمل الولد (ووضعه وسنه) أي كمال سنه وهو الثلاثون سنة (كما يشتهي) من أن يكون ذكرا أو أنثى أو نحو ذلك قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان والدارمي قوله (وقال محمد) هو الامام البخاري (قال إسحاق بن إبراهيم) هو ابن راهوية (ولكن لا يشتهي) هذا هو مقول إسحاق بن إبراهيم (عن أبي رزين العقيلي) صحابي مشهور اسمه لقيط بن صبرة (إن أهل الجنة لا يكون لهم فيها ولد) لم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا اللغظ وروى أحمد في مسنده عن أبي رزين العقيلي حديثا طويلا وفيه الصالحات للصالحين تلذونهن مثل لذاتكم في الدنيا ويلذذن بكم غير أن لا توالد باب ما جاء في كلام الحور العين أي في غنائهن وقد عقد المنذري في الترغيب فصلا في غناء الحور العين وأورد فيه أحاديث الباب قوله (إن في الجنة لمجتمعا) بفتح الميم الثانية أي موضعا للاجتماع أو اجتماعا

[ 242 ]

(يرفعن بأصوات) الباء الزائدة تأكيد للتعدية أو أراد بالأصوات النغمات والمفعول محذوف أي يرفعن أصواتهن بأنغام (نحن الخالدات) أي الدائمات (فلا نبيد) أي لا تهلك ولا نموت من باد أي هلك وفنى (ونحن الناعمات) أي المتنعمات (فلا نبأس) أي لا نفتقر ولا نحتاج قال في القاموس بؤس ككرم بأسا وبئس كسمع بؤسا اشتدت حاجته (ونحن الراضيات) أي عن ربنا أو عن أصحابنا (فلا نسخط) في حال من الأحوال (طوبى) أي الحالة الطيبة (لمن كان لنا وكنا له) أي في الجنات العاليات قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي سعيد وأنس) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي عنه موقوفا قال إن في الجنة نهرا طول الجنة حافتاه العذارى قيام متقابلات يغنين بأحسن أصوات يسمعها الخلائق حتى ما يرون أن في الجنة لذة مثلها قلن يا أبا هريرة ما ذاك الغناء قال إن شاء الله التسبيح والتحميد والتقديس وثناء على الرب عز وجل وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه وأما حديث أنس فأخرجه ابن أبي الدنيا والطبراني عنه مرفوعا ولفظه إن الحور في الجنة يغتين يقلن نحن الحور الحسان هدينا لأزواج كرام قال المنذري وإسناده مقارب قوله (هذا علي حديث غريب) وأخرجه البيهقي باب ما جاء في صفة أنهار الجنة قوله (أخبرنا الجريري) بضم الجيم هو سعيد بن إياس (عن أبيه) أي معاوية بن حيدة وهو جد بهز

[ 243 ]

قوله (إن في الجنة بحر الماء وبحر العسل وبحر اللبن وبحر الخمر) قال الطيبي يريد بالبحر مثل دجلة والفرات ونحوهما وبالنهر مثل نهر معقل حيث تشقق من أحدهما ثم منه تشقق جداول وقال القاري قد يقال المراد بالبحار هي الأنهار وإنما سميت أنهارا لجريانها بخلاف بحار الدنيا فإن الغالب منها أنها في محل القرار (ثم تشقق) بحذف إحدى التاءين من باب التفعل ويحتمل أن يكون يصيغة المجهول من التشقيق (بعد) أي بعد دخول أهل الجنة الجنة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبيهقي قوله (من سأل الله الجنة) بأن قال اللهم إني أسالك الجنة أو قال اللهم أدخلني الجنة (ثلاث مرات) أي كرره في مجالس أو مجلس بطريق الإلحاح على ما ثبت أنه من آداب الدعاء (قالت الجنة) ببيان الحال أو بلسان القال لقدرته تعالى على إنطاق الجمادات وهو الظاهر (اللهم أدخله الجنة) أي دخولا أوليا أو لحوقا آخريا (ومن استجار) أي استحفظ (من النار) بأن قال اللهم أجرني من النار (قالت النار اللهم أجره) أي احفظه أو أنقذه (من النار) أي من دخوله أو خلوده فيها قال الطيبي وفي وضع الجنة والنار موضع ضمير المتكلم تجريدونوع من الالتفات انتهى وحديث أنس هذا أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد باب

[ 244 ]

قوله (يغبطهم الأولون والاخرون) أي يتمنون أن لهم مثل ما لهم والحديث قد تقدم في باب فضل المملوك صالح من أبواب البر والصلة وتقدم هناك شرحه قوله (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن ربعي) هو ابن خراش العبسي الكوفي قوله (يرفعه) أي يرفع الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولو لم يقل هذا الأوهم أن يكون الحديث موقوفا على ابن مسعود لقوله بعده (قال ثلاثة) ولم ينسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم (رجل قام من الليل) أي للتهجد فيه (يتلوا كتاب الله) أي القرآن في صلاته وخارجها (بيمينه) وفيه إيماء إلى الأدب في العطاء بأن يكون باليمين رعاية للأدب وتفاؤلا باليمن والبركة (يخفيها) أي يخفي تلك الصدقة غاية الإخفاء خوفا من السمعة والرياء مبالغة في قصد المحبة والرضاء (أراه) بضم الهمزة من الإرادة أي أظنه (من شماله) أي يخفيها من شماله أريد به كمال المبالغة (ورجل كان في سرية) أي في جيش صغير (فاستقبل العدو) أي وقاتلهم لتكون كلمة الله هي العليا

[ 245 ]

باب قوله (اخبرنا عبيد الله بن عمر) بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي العمري (عن خبيب بن عبد الرحمن) هو خال عبيد الله بن عمر العمري (عن جده) أي جد عبيد الله بن عمر قوله (يوشك الفرات) كغراب النهر المشهور وهو بالتاء ويقال يجوز بالهاء كالتابوت والتابوه والعنكبوت والعنكبوه ذكره الحافظ وقال في القاموس الفرات الماء العذب جدا ونهر بالكوفة (يحسر) قال النووي هو بفتح الياء المثناة تحت وكسر السين أي ينكشف لذهاب مائة (فمن حضره فلا يأخذ منه شيئا) هذا يشعر بأن الأخذ منه ممكن وعلى هذا فيجوز أن يكون دنانير ويجوز أن يكون قطعا ويجوز أن يكون تبرا والذي يظهر أن النهي عن أخذه من الفتنة والقتال عليه وقد أخرج مسلم هذا الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة بلفظ يحسر الفرات عن جبل من ذهب فيقتل عليه الناس فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون ويقول كل رجل منهم لعلي أكون أنا الذي أنجو وأخرج مسلم أيضا عن أبي بن كعب قال لا يزال الناس مختلفة أعناقهم في طلب الدنيا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوشك أن يحسر الفرات عن جبل من ذهب فإذا سمع به الناس ساروا إليه فيقول من عنده لئن تركنا الناس يأخذون منه ليذهبن به كله قال فيقتتلون عليه فيقتل من كل مائة تسعة وتسعون قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان في الفتن وأبو داود في الملاحم قوله (إلا أنه قال يحسر عن جبل من ذهب) يعني أن الروايتين اتفقتا إلا في قوله

[ 246 ]

كنز فقال الأعرج جبل وتسميته كنزا باعتبار حاله قبل أن ينكشف وتسميته جبلا للإشارة إلى كئرته ويؤيده ما أخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه تقئ الأرض أفلاذ كبدها أمثال الأسطوان من الذهب والفضة فيجئ القاتل فيقول في هذا قتلت ويجئ السارق فيقول في هذا قطعت يدي ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود قوله (عن زيد بن ظبيان) بفتح المعجمة بعدها موحدة ساكنة الكوفي مقبول من الثانية قاله الحافظ في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن أبي ذر وعنه ربعي بن حراش روى له الترمذي والنسائي حديثا واحدا ثلاثة يحبهم الله وثلاثة يبغضهم قال ذكره ابن حبان في الثقات وأخرج هو وابن خزيمة به في الصحيح انتهى قوله (فأما الذين يحبهم الله فرجل) أي معطى رجل (أتى قوما فسألهم بالله) أي مستعطفا بالله قائلا أنشدكم بالله أعطوني (ولم يسألهم لقرابة) أي ولم يقل أعطوني بحق قرابة (فمنعوه) أي الرجل العطاء (فتخلف رجل بأعيانهم) قال القاري الباء للتعدية أي بأشخاصهم وتقدم وقيل أي تأخر رجل من بينهم إلى جانب حتى لا يروه بأعيانهم من أشخاصهم وقال الطيبي أي ترك القوم المسئول عنهم خلفه فتقدم فأعطاء سرا والمراد من الأعيان الأشخاص أي سبقهم بهذا الخير فجعلهم خلفه وفي رواية الطبراني فتخلف رجل عن أعيانهم وهذا أشبه معنى والأول أوثق سندا والمعنى أنه تخلف عن أصحابه حتى خلا بالسائل فأعطاه سرا (ولا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه) تقرير لمعنى السر (وقوم) أي وقائم قوم (أحب إليهم) أي ألذ وأطيب (مما يعدل به) أي من كل شئ

[ 247 ]

يقابل ويساوي بالنوم (فوضعوا رؤوسهم) أي فناموا (قام رجل) أي من النوم (يتملقني) أي يتواضع لدي ويتضرع إلى قال الطيبي والملق بالتحريك الزيادة في التودد والدعاء والتضرع قيل دل أول الحديث على أنه من كلامه صلى الله عليه وسلم وآخره على أنه من كلامه تعالى ووجه بأن مقام المناجاة يشتمل على أسرار ومناجاة بين المحب والمحبوب فحكى الله لنبيه ما جرى بينه وبين عبده فحكى النبي صلى الله عليه وسلم ذلك لا بمعناه إذ لا يقال يتملق الله وليس هذا من الالتفات في شئ كذا في المرقاة (ويتلو آياتي) أي يقرأ ألفاظها ويتبعها بالتأمل في معانيها (فهزموا) أي أصحابه (فأقبل بصدره) أي خلا من ولي دبره بتولية ظهره (حتى يقتل أو يفتح له) أي حتى يفوز بإحدى الحسنيين (الشيخ الزاني) يحتمل أن يراد بالشيخ الشيبة ضد الشاب وأن يراد به المحصن ضد البكر كما في الاية المنسوخة الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم (والفقير المختال) أي المتكبر (والغني الظلوم) أي كثير الظلم في المطل وغيره وإنما خص الشيخ وأخويه بالذكر لأن هذه الخصال فيهم أشد مذمة وأكثر نكرة قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم

[ 248 ]

ابواب صفة جهنم قال النووي جهنم اسم لنار الاخرة قال يونس وأكثر النحويين هي عجمية لا تنصرف للعجمة والتعريف وقال آخرون هي عربية لم تصرف بالتأنيث والعلمية وسميت بذلك لبعد قعرها قال روبة يقال بئر أي بعيدة القعر وقيل مشتقة من الجهومة وهي الغلظ يقال جهنم الوجه أي غليظة فسميت جهنم لغلظ أمرها انتهى باب ما جاء في صفة النار قوله (أخبرنا عمر بن حفص بن غياث) بكسر المعجمة واخره مثلثة ابن الطلق الكوفي ثقة ربما وهم من العاشرة (عن العلاء بن خالد) الأسدي الكاهلي صدوق من السادسة قوله (يؤتى بجهنم) الباء للتعدية أي يؤتى بها من المكان الذي خلقها الله تعالى فيه ويدل عليه قوله تعالى فيه وجئ يومئذ بجهنم (يومئذ) أي يوم القيامة (لها سبعون ألف زمام) بكسر الزاي وهو ما يشد به وقال في المجمع الزمام ما يجعل في

[ 249 ]

أنف البعير دقيقا وقيل ما يشد به رؤوسها من حبل وسير انتهى (يجرونها) بتشديد الراء أي يسحبونها قال في اللمعات لعل جهنم يؤتى بها في الموقف ليراها الناس ترهيبا لهم قوله (قال عبد الله بن عبد الرحمن والثوري لا يرفعه) حديث حفص بن غياث عن العلاء بن خالد عن شقيق عن عبد الله بن مسعود المرفوع أخرجه مسلم قال النووي هذا الحديث مما استدركه الدارقطني على مسلم وقال رفعه وهم رواه الثوري ومروان وغيرهما عن العلاء بن خالد موقوفا قال وحفص ثقة حافظ إمام فزيادة الرفع مقبولة كما سبق نقله عن الأكثرين والمحققين انتهى قوله (يخرج عنق من النار) قال في القاموس العنق بالضم وبضمتين وكأمير وكصرد الجيد ويؤنث والجماعة من الناس وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث العنق بضم العين والنون أي طائفة وجانب من النار وقال الطيبي أي طائفة منها ومن بيانية قال القاري والأظهر أنها تتعلق بقوله يخرج كما أن قوله (يوم القيامة) ظرف له قال والظاهر أن المراد بالعنق الجيد على ما هو المعروف في اللغة إذ لا صارف عن ظاهره والمعنى أنه تخرج قطعة من النار على هيئة الرقبة الطويلة انتهى قلت الأمر عندي كما قال القاري والله تعالى أعلم (يقول) بصيغة التذكير وهو بدل من ينطق أو حال (وإني وكلت بثلاثة) أي وكلني الله بأن أدخل هؤلاء الثلاثة النار وأعذبهم بالفضيحة على رؤوس الأشهاد (بكل جبار عنيد) قال في النهاية الجبار هو المتمرد العاتي والعنيد الجائر عن القصد الباغي الذي يرد الحق مع العلم به

[ 250 ]

باب ما جاء في صفة قعر جهنم قوله (عن فضيل بن عياض) ابن مسعود التميمي أبي علي الزاهد المشهور أصله من خراسان وسكن مكة ثقة عابد إمام من الثامنة قاله الحافظ في التقريب وقال في تهذيب التهذيب قال أبو عماد الحسين بن حريث سمعت الفضل بن موسى يقول كان الفضيل بن عياض شاطرا يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس وكان سبب توبته أنه عشق جارية فبينما هو يرتقى الجدران إليها إذ سمع تاليا يتلو ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله فلما سمعها قال بلى يا رب قد آن فرجع فأواه الليل إلى خربة فإذا فيها سابلة فقال بعضهم نرتحل وقال بعضهم حتى نصبح فإن فضيلا على الطريق يقطع علينا قال ففكرت قلت أنا أسعى بالليل في المعاصي وقوم من المسلمين يخافونني ههنا وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع اللهم إني قد تبت إليك وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام وقال ابن سعد كان ثقة نبيلا فاضلا عابدا ورعا كثير الحديث انتهى (قال عتبة) بضم العين المهملة فمثناة فوقية ساكنة (بن غزوان) بفتح المعجمة وسكون الزاي ابن جابر المازني حليف بني عبد شمس صحابي جليل مهاجري بدري وهو أول من اختط البصرة قوله (إن الصخرة) بسكون الخاء وتفتح الحجر العظيم الصلب كذا في القاموس فقوله (العظيمة) دل به على شدة عظمها (لتلقى) بالبناء للمفعول (من شفير جهنم) أي جانبها وحرفها (فتهوي) أي تسقط (ما تفضي) من الإفضاء أي ما تصل (إلى قرارها) أي إلى قعرها أراد به وصف عمقها بأنه لا يكاد يتناهى فالسبعين للتكثير (قال وكان عمر يقول) ضمير قال يرجع إلى عتبة بن غزوان (أكثروا ذكر النار) أي نار جهنم (وإن مقامعها حديد) المقامع سياط من حديد رؤوسها معوجة واحدها مقمعة بالكسر

[ 251 ]

قوله (لا نعرف للحسن سماعا عن عتبة بن غزوان إلخ) فالحديث منقطع قال المنذري في الترغيب في فصل وبعد قعر جهنم عن خالد بن عمير قال خطب عتبة بن غزوان رضي الله عنه فقال إنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما ما يدرك لها قعرا والله لتملأنه أفعجبتم رواه مسلم هكذا ورواه الترمذي عن الحسن قال قال عتبة بن غزوان وذكر الحديث قوله (الصعود) أي المذكور في قوله تعالى سأرهقه صعودا يتصعد فيه الكافر (قال القاري) بصيغة المجهول أي يكلف الكافر ارتقاءه وفي نسخة يعني من المشكاة بفتح أوله أي يطلع في ذلك الجبل (سبعين خريفا) أي مدة سبعين عاما (ويهوي فيه) بصيغة المجهول أي يكلف ذلك الكافر بسقوطه فيه وفي نسخة من المشكاة بفتح الياء وكسر الواو أي ينزل على ما قال القاري (كذلك) أي سبعين خريفا (أبدا) قيد للفعلين أي يكون دائما في الصعود والهبوط قوله (هذا حديث غريب) رواه الترمذي هكذا مختصرا ورواه غيره مطولا ففي الترغيب عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قوله سأرهقه صعودا قال جبل من نار يكلف أن يصعده فإذا وضع يده عليه ذابت فإذا رفعها عادت وإذا وضع رجله عليه ذابت فإذا رفعها عادت يصعد سبعين خريفا ثم يهوي كذلك رواه أحمد والحاكم من طريق دراج وقال صحيح الاسناد (لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث ابن لهيعة) قال المندري رواه الحاكم مرفوعا كما تقدم من حديث عمر بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عنه ورواه البيهقي عن شريك عن عمار الذهبي عن عطية العوفي عنه مرفوعا أيضا ومن حديث إسرائيل وسفيان كلاهما عن عمار عن عطية عنه موقوفا بنحوه بزيادة انتهى وحديث أبي سعيد هذا أخرجه الترمذي أيضا في تفسير سورة المدثر

[ 252 ]

باب ما جاء في عظم أهل النار قوله (أخبرنا محمد بن عمار) بن حفص بن عمر بن سعد القرظي المدني المؤذن الملقب كشاكش لا بأس به من السابعة كذا في التقريب وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن جده لأمه محمد بن عمار بن سعد القرظ وغيره وعنه علي بن حجر وغيره انتهى (حدثني جدي محمد بن عمار) بن سعد القرظ وثقة ابن حبان قوله (ضرس الكافر) قال في القاموس الضرس بالكسر السن وقال في المجمع الأضراس الأسنان سوى الثنايا الأربعة (مثل أحد) بضمتين أي مثل جبل أحد في المقدار (وفخذه) الفخذ ككتف ما بين الساق والورك مؤنث كالفخذ ويكسر أي فخذ الكافر (مثل البيضاء) هو اسم جبل كما صرح به الترمذي أي يزاد في أعضاء الكافر زيادة في تعذيبه بزيادة المماسة للنار (ومقعده) أي موضع قعوده (من النار) أي فيها كما في رواية (مسيرة ثلاث) أي ثلاث ليال (مثل الربذة) بفتح الراء والموحدة والذال المعجمة قرية معروفة قرب المدينة أي مثل بعد الربذة من المدينة أو مثل مسافتها إليها فإنه صلى الله عليه وسلم ذكر هذا الحديث وهو في المدينة ويؤيده ما رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعا إن مقعده في النار ما بيني وبين الربذة قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد ولفظه قال ضرس الكافر مثل أحد وفخذه مثل البيضاء ومقعده من النار كما بين قديد ومكة وكثافة جلده اثنان وأربعون ذراعا بذراع الجبار قال المنذري الجبار ملك باليمن له ذراع معروف المقدار كذا قال ابن حبان وغيره وقيل ملك بالعجم انتهى

[ 253 ]

وأخرجه مسلم ولفظه قال ضرس الكافر أو ناب الكافر مثل أحد وغلظ جلده مسيرة ثلاث قوله (أخبرنا مصعب بن المقدام) الخثعمي مولاهم أبو عبد الله الكوفي صدوق له أوهام من التاسعة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم بزيادة وغلظ جلده مسيرة ثلاث كما عرفت قوله (أخبرنا علي بن مسهر) بضم الميم وسكون المهملة وكسر الهاء القرشي الكوفي قاضي الموصل ثقة من الثامنة (عن الفضل بن يزيد) الثمالي ويقال البجلي الكوفي صدوق من السادسة (عن أبي المخارق) قال في الخلاصة أبو مخارق عن ابن عمرو عنه الفضل الثمالي مجهول قوله (إن الكافر ليسحب) بلفظ المضارع المعلوم قال في القاموس سحبه كمنعه جره على وجه الأرض انتهى (يتوطأه الناس) أي يطؤه أهل الموقف بأقدامهم ويمشون عليه من وطئه بالكسر يطأه داسه كوطأه وتوطأه قوله (هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه) وأخرجه أحمد (وأبو المخارق ليس بمعروف) وقال الخزرجي إنه مجهول كما عرفت تنبيه علم أن الترمذي روى هذا الحديث من طريق الفضل بن يزيد عن أبي

[ 254 ]

المخارق عن ابن عمر وقال هذا حديث إنما نعرفه من هذا الوجه الخ وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ونقل كلام الترمذي هذا ما لفظه رواه الفضل بن يزيد عن أبي العجلان قال سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الكافر ليجر لسانه فرسخين يوم القيامة يتوطأه الناس أخرجه البيهقي وغيره وهو الصواب وقول الترمذي أبو المخارق ليس بمعروف وهم إنما هو أبو العجلان المحاربي ذكره البخاري في الكنى وقال أبو بكر سريع الحفظ ليس له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الإسناد إلا هذا الحديث انتهى وقال الذهبي في الميزان أبو المخارق عن ابن عمر لا يعرف روى عنه الفضل بن يزيد الثمالي قال الترمذي ليس بمعروف والصواب بدله عن أبي عجلان انتهى وقال الحافظ في تهذيب التهذيب أبو المخارق الكوفي عن ابن عمران إن الكافر ليجر لسانه وعنه الفضل بن يزيد الثمالي صوابه أبو العجلان المحاربي انتهى ثم اعلم أن رواية الترمذي هذه صريحة في أن هذا الحديث من مسندات ابن عمر بغير الواو ورواية البيهقي التي نقلها المنذري صريحة في أنه من مسندات عبد الله بن عمرو بن العاص فتفكر قوله (إن غلظ جلد الكافر) أي ذرع ثخانته (اثنتان وأربعون) وفي بعض النسخ اثنان وأربعين قيل الواو بمعنى مع (ذراعا) في القاموس الذراع بالكسر من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى وذرع الثوب كمنع قاسه بها (وإن ضرسه مثل أحد) أي مثل مقدار جبل أحد (وإن مجلسه) أي موضع جلوسه (من جهنم) أي فيها (ما بين مكة والمدينة) أي مقدار ما بينهما من المسافة قال النووي هذا كله لكونه أبلغ في إيلامه وهو مقدور لله تعالى يجب الإيمان به لإخبار الصادق به قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث ورواه ابن حبان في صحيحه ولفظه قال جلد الكافر اثنان وأربعون ذراعا بذراع

[ 255 ]

الجبار وضرسه مثل أحد ورواه الحاكم وصححه وهو رواية لأحمد بإسناد جيد قال ضرس الكافر يوم القيامة مثل أحد وعرض جلده سبعون ذراعا وعضده مثل البيضاء وفخذه مثل ورقان ومقعده من النار ما بيني وبين الربذة قال أبو هريرة وكان يقال بطنه مثل بطن أضم انتهى باب ما جاء في صفة شراب أهل النار قوله (في قوله كالمهل) أي في تفسير قوله تعالى وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه (كعكر الزيت) بفتح العين والكاف أي دردية وقال الطيبي أي الدون منه والدنس (فإذا قربه) أي العاصي (سقطت فروة وجهه) أي جلدته وبشرته (فيه) أي في المهل وفي النهاية فروة وجهه أي جلدته والأصل فيه فروة الرأس وهي جلدته بما عليها من الشعر فاستعارها من الرأس وللوجه قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من حديث رشدين بن سعد) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أحمد والترمذي من طريق رشدين ابن سعد عن عمرو بن الحرث عن دراج عن أبي الهيثم وقال الترمذي لا نعرفه إلا من حديث رشدين قال قد رواه ابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث ابن وهب عن عمرو بن الحرث عن دراج وقال الحاكم صحيح الإسناد انتهى قوله (أخبرنا سعيد بن يزيد) الحميري القتياني أبو شجاع الاسكندراني ثقة عابد من

[ 256 ]

السابعة (عن أبي السمح) هو دراج بن سمعان (عن ابن حجيرة) هو عبد الرحمن بن حجيرة بمهملة وجيم مصغرا المصري القاضي وهو ابن حجيرة الأكبر ثقة من الثالثة قوله (إن الحميم) أي في قوله تعالى يصب من فوق رؤوسهم الحميم المفسر بالماء البالغ نهاية الحر (فينفذ الحميم) بضم الفاء من النفوذ وهو التأثير والدخول في الشئ أي يدخل أثر حرارته من رأسه إلى باطنه (حتى يخلص) بضم اللام أي يصل (إلى جوفه) أي إلى بطنه (فيسلت) بضم اللام وكسرها من سلت القصعة إذا مسحها من الطعام فيذهب وأصل السلت القطع فالمعنى فيمسح ويقطع الحميم (ما في جوفه) أي من الأمعاء (يمرق) بضم الراء أي يخرج من مرق السهم إذا نفذ في الغرض وخرج منه (وهو الصهر) بفتح الصاد بمعنى الإذابة والمعنى ما ذكر من النفوذ وغيره هو معنى الصهر المذكور في قوله تعالى يصهر به ما في بطونهم والجلود (ثم يعاد) أي ما في جوفه (كما كان) لقوله تعالى كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي والبيهقي إلا أنه قال فيخلص فينفذ إلى الجمجمة حتى يخلص إلى وجهه انتهى قوله (في قوله) أي في قوله تعالى ويسقى من ماء صديد أي دم وقيح يسيل من الجسد (يتجرعه) أي يشربه لا بمرة بل جرعة بعد جرعة لمرارته وحرارته ولذا قال تعالى ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ

[ 257 ]

(قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (يقرب) بفتح الراء المشد أي يؤتى بالصديد قريبا (إلى فيه) أي إلى العاصي (فيكرهه) أي لعفونته وسخونته (فإذا أدني) بصيغة المجهول أي زيد في قربه (منه) أي من العاصي (شوى وجهه) أي أحرقه (ووقعت) أي سقطت (فروة رأسه) أي جلدته (فإذا شربه) أي الماء الصديد الحار الشديد (قطع) بتشديد الطاء للتكثير والمبالغة (حتى يخرج) أي الصديد وفي بعض نسخ المشكاة تخرج بالتاء أي الأمعاء (من دبره) بضمتين وهو ضد القبل (ويقول) أي الله تعالى في موضع آخر وإن يستغيثوا أي يطلبوا الغياث بالماء على عادتهم الاستغاثة في طلب الغيث أي المطر يغاثوا أي يجابوا ويؤتوا بماء كالمهل بالضم أي كالصديد أو كعكر الزيت على ما صح عنه صلى الله عليه وسلم (يشوي الوجوه) أي ابتداء ثم يسري إلى البطون وسائر الأعضاء انتهاء (بئس الشراب) أي المهل أو الماء فإنه مكروه ومكره وساءت أي النار (مرتفقا) أي منزلا يرتفق به نازله أو متكأ قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم كذا في الترغيب (هكذا قال محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري (عن عبيد الله بن بسر) يعني بالتصغير (وقد روى صفوان بن عمرو عن عبد الله بن بسر) يعني بغير التصغير (وعبد الله بن بسر الذي روى عنه صفوان بن عمرو حديث أبي أمامة لعله أن يكون أخا عبيد الله بن بسر) قال الحافظ في تهذيب التهذيب عبيد الله بن بسر شامي من أهل حمص روى عن أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى من ماء صديد وعنه صفوان بن عمرو ذكره ابن حبان في الثقات ثم نقل كلام الترمذي هذا ثم قال وقال ابن أبي حاتم عبيد الله بن بسر ويقال عبد الله روى عن أبي أمامة وعنه صفوان بن عمرو وقال الطبراني عبد الله بن بسر اليحصبي عن أبي

[ 258 ]

أمامة ثم روى له هذا الحديث وحديثا آخر من رواية بقية عن صفوان بن عمرو والله أعلم قال وذكر أبو موسى المديني في ذيل الصحابة عبيد الله بن بسر أخو عبد الله بن بسر قاله السلماني انتهى كلام الحافظ وقال الحافظ الذهبي في الميزان عبيد الله بن بسر حمصي عن أبي أمامة وعنه صفوان بن عمرو وحده لا يعرف فيقال هو عبد الله الصحابي وقيل عبيد الله بن بسر الحراني التابعي وهو أظهر انتهى وقال في الخلاصة عبيد الله بن بسر الحراني الحمصي عن أبي أمامة له فرد حديث وعنه صفوان بن عمرو وثقة ابن حبان انتهى قلت الحاصل أن في عبيد بن بسر الذي وقع في هذا الحديث ثلاثة أقوال الأول أنه أخو عبد بن بسر الصحابي والثاني أن عبد الله بن بسر يقال له عبيد الله ابن بسر وهما واحد والثالث أن عبيد الله بن بسر الحراني التابعي والله تعالى أعلم قوله (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك قوله (فإذا قرب) بضم فتشديد أي المهل (إليه) أي إلى وجه العاصي قوله (وبهذا الإسناد) أي بالإسناد السابق الواصل إلى أبي سعيد رضي الله عنه (لسرادق النار) قال الطيبي رحمه الله روي بفتح اللام على أنه مبتدأ أو كسرها على أنه خبر وهذا أظهر وفي النهاية السرادق كل ما أحاط بشئ من حائط أو مضرب أو خباء انتهى وهو إشارة إلى قوله تعالى إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها (أربعة جدر) بضمتين جمع جدار (كثف كل جدار) بكسر الكاف وفتح المثلثة أي الغلظ والمعنى كثافة كل جدار وغلظه وهذا الحديث أخرجه أيضا الحاكم وقال صحيح الإسناد قوله (لو أن دلوا من غساق) قال في النهاية الغساق بالتخفيف والتشديد ما يسيل من صديد أهل النار وغسالتهم وقيل ما يسيل من دموعهم وقيل هو الزمهرير انتهى وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث الغساق هو المذكور في القرآن في قوله تعالى

[ 259 ]

هذا فليذوقوه حميم وغساق وقوله لا يذوقو فيها بردا ولا شرابا إلا حميما وغساقا وقد اختلف في معناه فقيل هو ما يسيل من بين جلد الكافر ولحمه قاله ابن عباس وقيل هو صديد أهل النار قاله إبراهيم وقتادة وعطية وعكرمة وقال كعب هو عين في جهنم تسيل إليهما حمة كل ذات حمة من حية أو عقرب أو غير ذلك فيستنقع فيؤتى بالادمي فيغمس فيها غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام ويتعلق جلده ولحمه في عقبيه وكعبيه فيجر لحمه كما يجر الرجل ثوبه وقاله عبد الله بن عمرو الغساق القمح الغليظ لو أن قطرة منه تهراق في المغرب لأنتنت أهل المشرق ولو تهراق في المشرق لأنتنت أهل المغرب وقيل غير ذلك انتهى (يهراق) بفتح الهاء ويسكن أي يصيب (في الدنيا) أي في أرضها (لأنتن أهل الدنيا) أي صاروا ذوي نتن منه فأهل مرفوع على الفاعلية قوله (هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الحاكم وغيره من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث به وقال الحاكم صحيح الاسناد انتهى قوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ هذه الاية اتقوا الله) أولها يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته قال الطيبي أي واجب تقواه وما يحق منها وهو القيام بالواجبات واجتناب المحارم أي بالغوا في التقوى حتى لا تتركوا من المستطاع منها شيئا وهذا معنى قوله تعالى فاتقوا الله ما استطعتم وقوله ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون تأكيد لهذا المعنى أي لا تكونن على حال سوى حال الإسلام إذا أدرككم الموت فمن واظب على هذه الحالة وداوم عليها مات مسلما وسلم في الدنيا من الافات وفي الأخرى من العقوبات ومن تقاعد عنها وتقاعس وقع في العذاب في الاخرة ومن ثم اتبعه صلى الله عليه وسلم قوله (لو أن قطرة من الزقوم) كتنور من الزقم اللقم الشديد والشرب المفرط قال في المجمع الزقوم شجرة خبيثة مرة كريهة الطعم والرائحة يكره أهل النار على تناوله انتهى (قطرت) بصيغة المعلوم ويجوز أن يكون بصيغة المجهول من باب

[ 260 ]

نصر قال في الصراح قطر جكيدن اب وجزان وجكانيدن لازم ومتعد وقال في القاموس قطر الماء والدمع قطرا وقطورا وقطرانا محركة وقطره الله وأقطره وقطره (لأفسدت) أي لمرارتها وعفونتها وحرارتها (معايشهم) بالياء وقد يهمز جمع معيشة (فكيف بمن يكون) أي الزقوم (طعامه) بالنصب قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال فكيف بمن ليس له طعام غيره والحاكم إلا أنه قال فيه فقال والذي نفسي بيده لو أن قطرة من الزقوم قطرت في بحار الأرض لأفسدت أو قال لأمرت على أهل الأرض معايشهم فكيف بمن يكون طعامه وقال صحيح على شرطهما وروى موقوفا على ابن عباس انتهى ورواه أحمد أيضا باب ما جاء في صفة طعام أهل النار قوله (أخبرنا عاصم بن يوسف) اليربوعي أبو عمرو الكوفي الحافظ روى عن قطبة بن عبد العزيز وغيره وعنه الدارمي وغيره وثقة مطين والدارقطني وابن حبان ومحمد بن عبد الله الحضرمي كذا في الخلاصة وتهذيب التهذيب (عن شمر) بكسر أوله وسكون الميم (ابن عطية) الأسدي الكاهلي الكوفي صدوق من السادسة قوله (يلقى) أي (يسلط على أهل النار الجوع) أي الشديد (فيعدل) بفتح الياء وكسر الدال أي فيساوي الجوع (ما هم فيه من العذاب) المعنى أن ألم جوعهم مثل ألم سائر عذابهم (فيستغيثون) أي بالطعام (فيغاثون بطعام من ضريع) كأمير وهو نبت بالحجاز له شوك لا تقربه

[ 261 ]

دابة لخبثه ولو أكلت منه ماتت والمراد هنا شوك من نار أمر من الصبر وأنتن من الجيفة وأحر من النار (لا يسمن) أي لا يشبع الجائع ولا ينفعه ولو أكل منه كثيرا (ولا يغني من جوع) أي ولا يدفع ولو بالتسكين شيئا من ألم الجوع وفيه إيماء إلى قوله تعالى ليس لهم طعام إلا من ضريع إلى آخره (فيستغيثون بالطعام) أي ثانيا لعدم نفع ما أغيثوا أولا (فيغاثون بطعام ذي غصة) أي مما ينشب في الحلق ولا يسوغ فيه من عظم وغيره لا يرتقي ولا ينزل وفيه إشعار إلى قوله تعالى إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما والمعنى أنهم يؤتون بطعام ذي غصة فيتناولونه فيغصون به (فيذكرون أنهم كانوا يجيزون) من الإجازة بالزأي أن يسيغوا (الغصص) جمع الغصة بالضم وهي ما اعترض في الحلق من عظم وغيره والمعنى أنهم كانوا يعالجونها (في الدنيا بالشراب فيستغيثون) أي على مقتضى طباعهم (بالشراب) أي لدفع ما حصل لهم من العذاب (فيدفع إليهم الحميم) بالرفع أي يدفع أطراف إناء فيه الحميم وهو الماء الحار الشديد (بكلاليب الحديد) جمع كلوب بفتح كاف وشدة لام مضمومة حديدة له شعب يعلق بها اللحم كذا في المجمع وقال النووي الكلاليب جمع كلوب بفتح الكاف وضم اللام المشددة وهو حديدة معطوفة الرأس يعلق عليها اللحم ويرسل في التنور انتهى (فإذا دنت) أي قربت أواني الحميم (شوت وجوههم) أي أحرقتها (فإذا دخلت) أي أنواع ما فيها من الصديد والغساق وغيرهما (قطعت ما في بطونهم) من الأمعاء قطعة قطعة (فيقولون ادعوا خزنة جهنم) نصب على أنه مفعول ادعوا وفي الكلام حذف أي يقول الكفار بعضهم لبعض ادعوا خزنة جهنم فيدعونهم ويقولون لهم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (فيقولون) أي الخزنة ألم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا أي الكفار بلى قالوا أي الخزنة تهكما بهم (فادعوا) أي أنتم ما شئتم فإنا لا نشفع للكافر وما دعاء الكافرين إلا في ضلال أي في ضياع لأنه لا ينفعهم حينئذ دعاء لا منهم ولا من غيرهم قال الطيبي الظاهر أن خزنة جهنم ليس بمفعول (ادعوا) بل هو منادى ليطابق قوله تعالى وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب وقوله ألم تك تأتيكم إلزام للحجة وتوبيخ

[ 262 ]

وأنهم خلفوا وراءهم أوقات الدعاء والتضرع وعطلوا الاسباب التى يستجيب لها الدعوات قالوا فادعوا أنتم فإنا لا نجترئ على الله في ذلك وليس قولهم فادعوا لرجاء المنفعة ولكن للدلالة على الخيبة فإن الملك المقرب إذا لم يسمع دعاؤه فكيف يسمع دعاء الكافرين (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فيقولون) أي الكفار (ادعوا مالكا) والمعنى أنهم لما أيسوا من دعاء خزنة جهنم لأجلهم وشفاعتهم لهم أيقنوا أن لاخلاص لهم ولا مناص من عذاب الله (فيقولون يا مالك ليقض) أي سل ربك داعيا ليحكم بالموت (علينا ربك) لنستريح أو من قضى عليه إذا أماته فالمعنى ليمتنا ربك فنستريح (قال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (فيجيبهم) أي مالك جوابا من عند نفسه أو من عند ربه تعالى بقوله (إنكم ماكثون) أي مكثا مخلدا (قال الأعمش نبئت) بتشديد الموحدة المكسورة أي أخبرت (أن بين دعائهم وبين إجابة مالك إياهم) أي بهذا الجواب (قال فيقولون) أي بعضهم لبعض (فلا أحد) أي فليس أحد (خير من ربكم) أي في الرحمة والقدرة على المغفرة غلبت علينا شقوتنا بكسر فسكون وفي قراءة بفتحتين وألف بعدهما وهما لغتان بمعنى ضد السعادة والمعنى سبقت علينا هلكتنا المقدرة بسوء خاتمتنا وكنا قوما ضالين عن طريق التوحيد ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون وهذا كذب منهم فإنه تعالى قال ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه إنهم لكاذبون (قال فيجيبهم) أي الله بواسطة أو بغيرها إجابة إعراض (اخسؤوا فيها) أي ذلوا وانزجروا كما ينزجر الكلاب إذا زجرت والمعنى ابعدوا أذلاء في النار ولا تكلمون أي لا تكلموني في رفع العذاب فإنه لا يرفع ولا يخفف عنكم (قال فعند ذلك يئسوا) أي قنطوا (من كل خير) أي مما ينجيهم من العذاب أو يخففه عنهم (وعند ذلك) أي أيضا (يأخذون في الزفير) قيل الزفير أول صوت الحمار كما أن الشهيق آخر صوته قال تعالى لهم فيها زفير وشهيق وقال المنذري في الترغيب الشهيق في الصدر والزفير إخراج النفسفي الحلق وقال ابن فارس الشهيق ضد الزفير لأن الشهيق رد النفس والزفير إخراج النفس وروى البيهقي عن معاوية بن صالح عن علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله لهم فيها زفير وشهيق قال صوت شديد وصوت ضعيف انتهى

[ 263 ]

(والحسرة) أي وفي الندامة (والويل) أي في شدة الهلاك والعقوبة وقيل هو واد في جهنم قوله (قال عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (والناس لا يرفعون هذا الحديث) بل يروونه موقوفا على أبي الدرداء فهو وإن كان موقوفا لكنه في حكم الموفوع فإن أمثال ذلك ليس مما يمكن أن يقال من قبل الرأي قوله (قال) أي في قوله تعالى وهم فيها أي الكفار في النار كالحون أي عابسون حين تحترق وجوههم من النار كذا ذكره الطيبي وقيل أي بادية أسنانهم وهو المناسب لتفسيره صلى الله عليه وسلم كما بينه الراوي بقوله (قال) وأعاده للتأكيد (تشويه) بفتح أوله أي تحرق الكافر (فتقلص) على صيغة المضارع بحذف إحدى التاءين أي تنقبض (شفته العليا) بفتح الشين وتكسر (حتى تبلغ) أي تصل شفته (وسط رأسه) بسكون السين وتفتح (وتسترخي) أي تسترسل (شفته السفلى) تأنيث الأسفل كالعليا تأنيث الأعلى (حتى تضرب سرته) أي تقرب شفته سرته قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح الاسناد (وأبو الهيثم اسمه سليمان بن عمرو بن عبد) ويقال عبيد بالتصغير (العتواري) بضم العين المهملة وسكون المثناة الفوقية وبالراء نسبة إلى عتورة بطن من كنانة (وكان يتيما في حجر أبي سعيد) وروى عنه وعن أبي هريرة وأبي نضرة وروى عنه دراج أبو السمح وغيره ثقة من الرابعة

[ 264 ]

باب قوله (عن عيسى بن هلال الصدفي) المصري صدوق من الرابعة قوله (لو أن رصاصة) بفتح الراء والصادين المهملتين أي قطعة من الرصاص قال في القاموس الرصاص كسحاب معروف لا يكسر ضربان أسود وهو الأسرب وأبيض وهو القلعي وقال في بحر الجواهر الرصاص بالفتح والعامة تقول بالكسر القلعي كذا في القانون وفي كنز اللغات وقال صاحب الاختيارات هو القلعي فارسيه أرزيز ويستفاد من المغرب وفي والنهاية والصراح والمقاييس وجامع بن بيطار أن الرصاص نوعان أحدهما أبيضت ويقال له القلعي بفتح اللام وهو منسوب إلى قلع بسكون اللام وهو معدنية وثانيهما أسود ويقال له الأسرب انتهى (مثل هذه) إشارة إلى محسوسة معينة هناك كما أشار إليه الراوي بقوله (وأشار إلى مثل الجمجمة) قال القاري بضم الجيمين في النسخ المصححة للمشكاة وهي قدح صغير وقال المظهر بالخاءين المعجمتين وهي حبة صغيرة صفراء وقيل هي بالجيمين وهي عظيم الرأس المشتمل على الدماغ وقيل الأول أصح انتهى والجملة حالية لبيان الحجم والتدوير المعين على سرعة الحركة قال التوربشتي بين مدى قعر جهنم بأبلغ ما يمكن من البيان فإن الرصاص من الجواهر الرزينة والجوهر كلما كان أتم رزانة كان أسرع هبوطا إلى مستقرة لا سيما إذا انضم إلى رزانته كبر جرمه ثم قدره على الشكل الدوري فإنه أقوى انحدارا وأبلغ مرورا في الجو انتهى قال القاري فالمختار عنده أن المراد بالجمجمة جمجة الرأس على أن اللام للعهد أو بدل عن المضاف إليه وهو المعنى الظاهر المتبادر من الجمجمة (أرسلت) بصيغة المجهول (وهي) أي مسافة ما بينهما (ولو أنها) أي الرصاصة (أرسلت من رأس السلسلة) أي المذكورة في قوله تعالى ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه فالمراد من السبعين الكثرة أو المراد بذرعها ذراع الجبار (لسارت) أي لنزلت وصارت مدة ما سارت (أربعين خريفا أي سنة (الليل والنهار) أي منهما جميعا لا يختص سيرها بأحدهما (قبل أن تبلغ) أي الرصاصة (أصلها) أي أصل السلسة أو (قعرها) شك من الرواي قال القاري والمراد

[ 265 ]

بقعرها نهايتها وهي معنى أصلها حقيقة أو مجازا فالترديد إنما هو في اللفظ المسموع قال وأبعد الطيبي حيث قال يراد به قعر جهنم لأن السلسلة لا قعر لها قال وجهنم في هذا المقام لا ذكر لها مع لزوم تفكيك الضمير فيها وإن كان قعرها عميقا انتهى قوله (هذا حديث إسناده حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبيهقي باب ما جاء أن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم قوله (ناركم هذه التي يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءا) قال الحافظ في رواية لأحمد من مائة جزء والجمع بأن المراد البالغة في الكثرة لا العدد الخاص أو الحكم للزائد انتهى (من حر جهنم) وفي رواية البخاري من نار جهنم (إن كانت لكافية) إن هي المخففة من الثقيلة واللام هي الفارقة أي إن هذه النار التي نراها في الدنيا كانت كافية في العقبى لتعذيب العصاة فهلا اكتفى بها ولأي شئ زيدت في حرها (قال فإنها) أي نار جهنم (فضلت) وفي رواية البخاري فضلت عليهن والمعنى على نيران الدنيا وفي رواية مسلم فضلت عليها أي على النار (كلهن) أي حرارة كل جزء من تسعة وستين جزءا من نار جهنم (مثل حرها) أي مثل حرارة ناركم في الدنيا وحاصل الجواب منع الكفاية أي لا بد من التفضيل لحكمه كون عذاب الله أشد من عذاب الناس ولذلك أوثر ذكر النار على سائر أصناف العذاب في كثير من الكتاب والسنة منها قوله تعالى فما أصبرهم على النار وقوله فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة وإنما أظهر الله هذا الجزء من النار في الدنيا أنموذجا لما في تلك الدار وقال الطيبي ما محصله إنما أعاد صلى الله عليه وسلم حكاية تفضيل نار جهنم على نار

[ 266 ]

الدنيا إشارة إلى المنع من دعوى الإجزاء أي لا بد من الزيادة ليتميز ما يصدر من الخالق من العذاب على ما يصدر من خلقه قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه مالك والبخاري ومسلم والترمذي وليس عند مالك كلهن مثل حرها ورواه أحمد وابن حبان في صحيحه والبيهقي فزادوا فيه وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله منفعة لأحد وفي رواية للبيهقي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يحسبون أن نار جهنم مثل ناركم هذه هي أشد سوادا من القار هي جزء من بضعة وستين جزءا منها أو نيف وأربعين شك أبو سهيل انتهى (باب منه) قوله (عن عطية) هو ابن سعد العوفي الجدلي الكوفي قوله (ناركم هذه) التي توقدونها في الدنيا (جزء) واحد (لكل جزء منها حرها) أي حرارة كل جزء من السبعين جزءا من نار جهنم مثل حرارة ناركم باب منه

[ 267 ]

قوله (أخبرنا شريك) هو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي أبو عبد الله الكوفي القاضي (عن عاصم) هو ابن بهدلة الكوفي أبو بكر المقرئ (عن أبي صالح) هو ذكوان السمان الزيات قوله (أوقد) بصيغة المجهول (على النار) أي نار جهنم قال الطيبي على هذا قريب من قوله تعالى يوم يحمى عليها في نار جهنم أي يوقد الوقود فوق النار أي النار ذات طبقات توقد طبقة فوق أخرى ومستعلية عليها (حتى احمرت) بتشديد الراء المبالغة في الاحمرار (فهي) الان (سوداء مظلمة) وفي رواية ابن ماجة فهي سوداء كالليل المظلم والقصد الإعلام بفظاعتها والتحذير من فعل ما يؤدي إلى الوقوع فيها قوله (عن أبي صالح أو رجل آخر) أو للشك (وحديث أبي هريرة هذا موقوف أصح) كذا وقع في نسخ الترمذي موقوف بالرفع والظاهر أن يكون موقوفا بالنصب قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه الترمذي وابن ماجة والبيهقي يعني في كتاب البعث والنشور قال ورواه مالك والبيهقي في الشعب مختصرا مرفوعا قال أترونها حمرا كناركم هذه لهي أشد سوادا من القار والقار الزفت زاد رزين ولو أن أهل النار أصابوا ناركم هذه لناموا فيها أو قال لقالوا فيها انتهى باب ما جاء أن للنار نفسين وما ذكر من يخرج من النار الخ قوله (أخبرنا المفضل بن صالح) الأسدي النخاس الكوفي ضعيف من الثامنة

[ 268 ]

قوله (اشتكت النار إلى ربها وقالت أكل بعضي بعضا) قال الحافظ في الفتح قد اختلف في هذه الشكوى هل هي بلسان القال أو بلسان الحال واختار كلا طائفة وقال ابن عبد البر لكلا القولين وجه ونظائر والأول أرجح وقال عياض إنه الأظهر وقال القرطبي لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته قال وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى وقال النووي نحو ذلك ثم قال حمله على حقيقته هو الصواب وقال نحو ذلك التوربشتي ورجح البيضاوي حمله على المجاز فقال شكواها مجاز عن غليانها وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها وقال الزين بن المنير المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك ولأن استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله انتهى ما في الفتح (فجعل لها نفسين) بفتح الفاء والنفس معروف وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء (فأما نفسها في الشتاء فزمهرير) قال الحافظ المراد بالزمهرير شدة البرد واستشكل وجوده في النار ولا إشكال لأن المراد بالنار محلها وفيها طبقة زمهريرية وفي الحديث رد على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلا يوم القيامة انتهى (أما نفسها في الصيف فسموم) بفتح السين الريح الحارة تكون غالبا بالنهار قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (قال هشام) أي في حديثه (يخرج) قال الحافظ بفتح أوله وضم الراء ويروى بالعكس ويؤيده قوله في الرواية الأخرى أخرجوا (وقال شعبة) أي في حديثه (أخرجوا) بصيغة الأمر من الإخراج (من قال لا إله إلا الله) قال الحافظ فيه دليل على اشتراط النطق

[ 269 ]

بالتوحيد أو المراد بالقول هنا القول النفسي فالمعنى من أقر بالتوحيد وصدق فالإقرار لا بد منه فلهذا أعاده في كل مرة والتفاوت يحصل في التصديق فإن قيل فكيف لم يذكر الرسالة فالجواب أن المراد المجموع وصار الجزء الأول علما عليه كما تقول قرأت قل هو الله أحد أي السورة كلها انتهى (وكان في قلبه من الخير) أي من الإيمان كما في رواية (ما يزن) أي يعدل (برة) بضم الموحدة وتشديد الراء المفتوحة وهي القمحة قال الحافظ ومقتضاه أن وزن البرة دون وزن الشعيرة لأنه قدم الشعيرة وتلاها بالبرة ثم الذرة وكذلك هو في بعض البلاد فإن قيل إن السياق يعني سياق البخاري بالواو وهي لا ترتب فالجواب أن رواية مسلم من هذا الوجه بلفظ ثم وهي للترتيب انتهى (وكان في قلبه ما يزن ذرة) بفتح المعجمة وتشديد الراء المفتوحة قال الحافظ في الفتح قيل هي أقل الأشياء الموزونة وقيل هي الهباء الذي يظهر في شعاع الشمس مثل رؤوس الإبر وقيل هي النملة الصغيرة ويروى عن ابن عباس أنه قال إذا وضعت كفك في التراب فنفضتها فالساقط هو الذر ويقال إن أربع ذرات وزن خردلة وللمصنف في أواخر التوحيد من طريق حميد عن أنس مرفوعا أدخل الجنة من كان في قلبه خردلة ثم من كان في قلبه أدنى شئ وهذا معنى الذرة انتهى (وقال شعبة) أي في حديثه (ما يزن ذرة مخففة) أي بضم الذال المعجمة وفتح الراء المخففة قال الحافظ صحفها يعني الذرة شعبة فيما رواه مسلم من طريق يزيد بن ذريع عنه فقال ذرة بالضم وتخفيف الراء وكان الحامل له على ذلك كونها من الحبوب فناسبت الشعيرة والبرة قال مسلم في روايته قال يزيد صحف فيها أبو بسطام يعني شعبة انتهى قوله (وفي الباب عن جابر وعمران بن حصين) أما حديث جابر فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث عمران بن حصين فأخرجه البخاري وأبو داود وابن ماجة عنه مرفوعا يخرج قوم من النار بشفاعته فيدخلون ويسمون الجهنميين هذا لفظ البخاري قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس) بن مالك أبي معاذ الأنصاري ثقة من الرابعة

[ 270 ]

قوله (أخرجوا من النار من ذكرني) أي بشرط كونه مؤمنا مخلصا (يوما) أي وقتا وزمانا (وخافني في مقام) أي مكان في ارتكاب معصية من المعاصي كما قال تعالى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى قال الطيبي أراد الذكر بالإخلاص وهو توحيد الله عن إخلاص القلب وصدق النية وإلا فجميع الكفار يذكرونه باللسان دون القلب يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه دخل الجنة والمراد بالخوف كف الجوارح عن المعاصي وتقيدها بالطاعات وإلا فهو حديث نفس حركة لا يستحق أن يسمى خوفا وذلك عند مشاهدة سبب هائل وإذا غاب ذلك السبب عن الحسن رجع القلب إلى الفضلة قال الفضيل إذا قيل لك هل تخاف الله فاسكت فإنك إذا قلت لا كفرت وإذا قلت نعم كذبت أشار به إلى الخوف الذي هو كف الجوارح عن المعاصي قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البيهقي في كتاب البعث والنشور باب منه قوله (عن إبراهيم) هو النخعي (عن عبيدة) بفتح أوله ابن عمرو (السلماني) بسكون اللام ويقال بفتحها المرادي أبي عمرو الكوفي تابعي كبير مخضرم ثقة ثبت كان شريح إذا أشكل عليه شيئا سأله قوله (إني لأعرف آخر أهل النار خروجا) زاد البخاري وكذا مسلم وآخر أهل الجنة دخولا قال القاري الظاهر أنهما متلازمان فالجمع بينهما للتوضيح ولا يبعد أن يكون احترازا مما عسى أن يتوهم من حبس أحد في الموقف من أهل الجنة حينئذ (رجل يخرج منها) أي من النار (زحفا) وفي رواية للشيخين حبوا قال النووي قال أهل اللغة الحبو المشي على اليدين والرجلين وربما قالوا على اليدين والركبتين وربما قالوا على يديه ومقعدته وأما

[ 271 ]

الزحف فقال ابن دريد وغيره هو المشي على الإست مع إشرافه بصدره فحصل من هذا أن الحبو والزحف متماثلان أو متقاربان ولو ثبت اختلافهما حمل على أنه في حال يزحف وفي حال يحبو انتهى (قال فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل فيرجع فيقول يا رب قد أخذ الناس المنازل) يعني وليس لي مكان فيها وفي رواية للشيخين قال فيأيتها فيخيل إليه أنها ملأى فيرجع فيقول يا رب وجدتها ملأى (فيقال له أتذكر الزمان الذي كنت فيه) أي الدنيا كذا قال الحافظ (فيقال له تمن) أمر مخاطب من التمني وفي بعض النسخ تمنه بزيادة هاء السكتة (فيقال له فإن لك الذي تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا) وفي رواية عشرة أمثال الدنيا قال النووي هاتان الروايتان بمعنى واحد وإحداهما تفسير الأخرى فالمراد بالأضعاف الأمثال فإن المختار عند أهل اللغة أن الضعف المثل انتهى (فيقول أتسخر بي وأنت الملك) قال النووي في معنى أتسخر بي أقوال أحدها قال المازري إنه خرج على المقابلة الموجودة في معنى الحديث دون لفظه لأنه عاهد الله مرارا أن لا يسأله غير ما سأل ثم غدر فحل غدره محل الاستهزاء والسخرية فقدر الرجل أن قول الله تعالى له أدخل الجنة وتردده إليها وتخييل كونها مملوءة ضرب من الإطماع له والسخرية به جزاء لما تقدم من غدره وعقوبة له فسمي الجزاء على السخرية سخرية فقال تسخر بي أي تعاقبني بالإطماع والقول الثاني قاله أبو بكر الصيرفي أن معناه نفي السخرية التي لا تجوز على الله تعالى كأنه قال إعلم أنك لا تهزأ بي لأنك رب العالمين وما أعطيتني من جزيل العطاء وأضعاف مثل الدنيا حق ولكن العجب أنك أعطيتني هذا وأنا غير أهل له قال والهمزة في أتسخر بي همزة نفي قال وهذا كلام منبسط متدلل والقول الثالث قال القاضي عياض أن يكون صدر من هذا الرجل وهو غير ضابط لما ناله من السرور ببلوغ ما لم يخطر بباله فلم يضبط لسانه دهشا وفرحا فقاله وهو لا يعتقد حقيقة معناه وجرى على عادته في الدنيا في مخاطبة المخلوق وهذا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الاخر إنه لم يضبط نفسه من الفرح فقال أنت عبد وأنا ربك انتهى (ضحك حتى بدت نواجذه) قال النووي هو بالجيم والذال المعجمة قال أبو العباس ثعلب وجماهير العلماء من أهل اللغة

[ 272 ]

وغريب الحديث وغيرهم المراد بالنواجذ هنا الأنياب وقيل المراد بالنواجذ هنا الضواحك وقيل المراد بها الأضراس وهذا هو الأشهر في إطلاق النواجذ في اللغة ولكن الصواب عند الجماهير ما قدمناه قال وفي هذا جواز الضحك أنه ليس بمكروه في بعض المواطن ولا يسقط للمروة إذا لم يجاوز به الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (عن المعرور بن سويد) هو بالعين المهملة والراء المكررة قوله (وآخر أهل الجنة دخولا الجنة) أي فيها (يؤتى برجل) وزاد مسلم يوم القيامة (فيقول سلوا عن صغار ذنوبه) وفي رواية مسلم فيقال اعرضوا عليه صغار ذنوبه (وأخبأوا كبارها) ضبط في النسخة الأحمدية المطبوعة بالقلم بفتح الهمزة وكسر الموحدة وقال في هامشها أمر من الإخباء وهو والإخفاء انتهى قلت الظاهر أنه أمر من الخبء قال في القاموس خبأه كمنعه ستره كخبأه واختبأه انتهى وقال في النهاية يقال خبأت الشئ أخبأه خبأ إذا أخفيته (يوم كذا وكذا) أي في الوقت الفلاني (عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا) زاد مسلم فيقول نعم لا يستطيع أن ينكر وهو مشفق من كبار ذنوبه أن تعرض عليه (فإن لك مكان كل سيئة حسنة) قال القاري وهو إما لكونه تائبا إلى الله تعالى وقد قال تعالى إلا من تاب وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات لكن يشكل بأنه كيف يكون آخر أهل النار خروجا ويمكن أن يقال فعل بعد التوبة ذنوبا استحق بها العقاب وإما وقع التبديل له من باب الفضل من الله تعالى والثاني أظهر ويؤيده أنه حينئذ يطمع في كرم الله سبحانه (فيقول يا رب لقد عملت أشياء) أي من الكبائر (ما أراها ههنا) أي في الصحائف أو في مقام التبديد

[ 273 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في أواخر كتاب الإيمان

[ 274 ]

قوله (حتى يكونوا فيها حمما) بضم الحاء وفتح الميم الأولى المخففة وهو الفحم الواحدة حممة (ويطرحون على أبواب الجنة) وفي رواية مسلم فيجعلون بفناء الجنة (فيرش عليهم أهل الجنة الماء) أي ماء الحياة كما في حديث أبي هريرة عند البخاري في باب الصراط جسر جهنم (فينبتون كما ينبت الغثاء) بضم الغين المعجمة بعدها مثلثة مفتوحة وبعد الألف همزة هو في الأصل كل ما حمله السيل من عيدان وورق وبزور وغيرها والمراد به هنا ما حمله من البزور خاصة (في حمالة السيل) حمالة السيل ما يحمله السيل من غثاء أو طين والمراد أن الغثاء الذي يجئ به السيل يكون فيه الجنة فيقع في جانب الوادي فتصبح من يومها نابتة قال النووي المراد التشبيه في سرعة النبات وحسنه وطراوته انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولا قوله (فمن شك) وفي رواية مسلم إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرأوا إن شئتم الخ ان الله لا يظلم مثقال ذرة فسر البخاري قوله تعالى (مثقال ذرة) بقوله يعني زنة ذرة قال الحافظ هو تفسير أبي عبيدة قال في قوله تعالى (مثقال ذرة) أي زنة ذرة ويقال هذا مثقال هذا أي وزنه وهو مفعال من الثقل انتهى وقد تقدم معنى الذرة في شرح الحديث الثاني من هذا الباب قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولا قوله (حدثني ابن أنعم) اسمه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم (عن أبي عثمان) قال في تهذب التهذيب أبو عثمان عن أبي هريرة أن رجلين ممن دخل النار اشتد صياحهما الحديث وعنه عبد الرحمن بن زياد بن أنعم قال ابن عساكر إن لم يكن مسلم بن يسار فلا أدري من هو ويجوز أن يكون هو أبو عثمان الأصيح عبيد بن عمرو ويحتمل أن يكون غيرهما وقال في التقريب أبو عثمان شيخ لعبد الرحمن بن زياد هو مسلم بن يسار وإلا فمجهول من الثالثة انتهى قوله (ممن دخلا) كذا وقع في بعض النسخ بصيغة التثنية ووقع في بعضها دخل بصيغة الإفراد وهو الصواب (اشتد صياحهما) في القاموس الصيح والصيحة والصياح بالكسر والضم والصيحان محركة الصوت بأقصى الطاقة (فقال الرب تبارك وتعالى) أي للزبانية (قالا فعلنا ذلك) كي اشتداد الصياح (رحمتي لكما أن تنطلقا) أي تذهبا (فتلقيا أنفسكما حيث كنتما من النار) قال الطيبي قوله أن تنطلقا فتلقيا خبر أن فإن قلت كيف يجوز حمل الانطلاق إلى النار وإلقاء النفس فيها على الرحمة قلت هذا من حمل السبب على المسبب وتحقيقه أنهما لما فرطا في جنب الله وقصرا في العاجلة في امتثال أمره أمرا هنالك بالامتثال في إلقاء أنفسهما في النار إيذانا بأن الرحمة إنما هي مترتبة على امتثال أمر الله عز وجل (فليقي أحدهما نفسه) أي في النار (فيجعلها) الله (عليه بردا وسلاما) أي كما جعلها بردا وسلاما على إبراهيم (ويقوم الاخر) أي يقف (ما منعك أن تلقي نفسك) أي من إلقائها في النار (كما ألقى صاحبك) أي كالإلقائه فيها

[ 275 ]

(لك رجاؤك) أي مقتضاه ونتيجته كما أن لصاحبك خوفه وعمله بموجبه (فيدخلان) بصيغة المجهول من الإدخال أي فيدخلهما الله ويجوز أن يكون بصيغة المعلوم من الدخول قوله (أخبرنا يحيى بن سعيد) بن فروخ التميمي أبو سعيد القطان البصري ثقة متقن حافظ إمام قدوة من كبار التاسعة (أخبرنا الحسن بن ذكوان) أبو سلمة البصري صدوق يخطئ ورمي بالقدر وكان يدلس من السادسة قوله (يسمون الجهنميين) جمع جهنمي وفي بعض النسخ الجهنميون بالواو فقيل إنه علم لهم فلم يغير قال الحافظ في الفتح والنسائي من رواية عمرو بن أبي عمرو عن أنس فيقول لهم أهل الجنة هؤلاء الجهنميون فيقول الله هؤلاء عتقاء الله وأخرجه مسلم من وجه آخر عن أبي سعيد وزاد فيدعون الله فيذهب عنهم هذا الاسم وفي حديث حذيفة عند البيهقي في البعث من رواية حماد بن أبي سليمان عن ربعي عنه يقال لهم الجهنميون فذكر لي أنهم استعفوا الله من ذلك الاسم فأعفاهم وزعم بعض الشراح أن هذه التسمية ليست تنقيصا لهم بل للاستذكار لنعمة الله ليزدادوا بذلك شكرا كذا قال وسؤالهم إذهاب ذلك الاسم عنهم يخدش في ذلك انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في أواخر الرقاق وأبو داود في السنة وابن ماجة في الشفاعة

[ 276 ]

قوله (نام هاربها) حال إن لم تكن رأيت من أفعال القلوب وإلا فهو مفعول ثان (ولا مثل الجنة نام طالبها) أي النار شديدة والخائفون منها نائمون غافلون وليس هذا شأن الهارب بل طريقة أن يهرول من المعاصي إلى الطاعات كذا في التيسير وقال في اللمعات ما رأيت مثل النار أي شدة وهو لا ينام هاربها ومن شأن الهارب من مثل هذا الشئ لا ينام ويجد في الهرب وذلك بالتزام الطاعة واجتناب المعاصي ولا مثل الجنة أي بهجة وسرورا نام طالبها وينبغي له أن لا ينام ولا يغفل عن طلبها ويعمل عملا يوصل إليها انتهى قوله (هذا حديث إنما نعرفه الخ) وأخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال المناوي في شرحه حسنة الهيثمي باب ما جاء أن أكثر أهل النار النساء قوله (اطلعت في الجنة) أي أشرفت عليها ففي بمعنى على كقوله تعالى لأصلبنكم في جذوع النخل (فرأيت) أي علمت قال الطيبي ضمن اطلعت بمعنى تأملت ورأيت بمعنى علمت ولذا عداه إلى مفعولين ولو كان رأيت بمعناه الحقيقي لكفاه مفعول واحد انتهى قال الحافظ ظاهره أنه رأى ذلك ليلة الإسراء أو مناما وهو غير رؤيته النار وهو في صلاة

[ 277 ]

الكسوف ووهم من وحدهما وقال الداودي رأى ذلك ليلة الإسراء أو حين خسفت الشمس كذا قال انتهى قوله (وأكثر أهلها الفقراء) قال ابن بطال هذا لا يوجب فضل الفقير على الغني وإنما معناه أن الفقراء في الدنيا أكثر من الأغنياء فأخبر عن ذلك كما تقول أكثر أهل الدنيا الفقراء إخبارا عن الحال وليس الفقر أدخلهم الجنة وإنما دخلوا بصلاحهم مع الفقر فإن الفقير إذا لم يكن صالحا لا يفضل قال الحافظ ظاهر الحديث التحريض على ترك التوسع من الدنيا كما أن فيه تحريض النساء على المحافظة على أمر الدين لئلا يدخلن النار كما تقدم تقرير ذلك في كتاب الإيمان في حديث تصدقن فإني رأيتكن أكثر أهل النار قيل بم قال بكفركن قيل يكفرن بالله قال يكفرن بالإحسان وقال القرطبي إنما كان النساء أقل ساكني الجنة لما يغلب عليهن من الهوى والميل إلى عاجل زينة الدنيا والإعراض عن الاخرة لنقص عقلهن وسرعة انخداعهن انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) قال الجزري هذا الحديث رواه البخاري من حديث عمران بن حصين ومن حديث أبي هريرة أيضا ورواه مسلم من حديث ابن عباس ورواه الترمذي من حديث عمران وابن عباس كذا في المرقاة قوله (وكلا الإسنادين ليس فيهما مقال ويحتمل أن يكون أبو رجاء سمع منهما جميعا) قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا وقال الخطيب في المدرج روى هذا الحديث أبو داود الطيالسي عن أبي الأشعب وجرير بن حازم وسلم بن زرير وحماد بن نجيح وصخر بن جويرية عن أبي رجاء عن عمران وابن عباس به ولا نعلم أحدا جمع بين هؤلاء فإن الجماعة رووه عن أبي رجاء عن ابن عباس وسلم إنما رواه عن أبي رجاء عن عمران ولعل جريرا كذلك وقد جاءت الرواية عن أيوب عن أبي رجاء بالوجهين ورواه سعيد بن أبي عروبة عن فطر عن أبي رجاء عن عمران فالحديث عن أبي رجاء عنهما والله أعلم انتهى

[ 278 ]

باب قوله (إن أهون أهل النار) أي أيسرهم قال ابن التين يحتمل أن يراد به أبو طالب قال الحافظ وقد بينت في قصة أبي طالب من المبعث النبوي أنه وقع في حديث ابن عباس عند مسلم التصريح بذلك ولفظه أهون أهل النار عذابا أبو طالب (رجل في أخمص قدميه) بخاء معجمة وصاد مهملة وزن أحمر مالا يصل إلى الأرض من باطن القدم عند المشي (جمرتان) تثنية جمرة الجيم وسكون الميم وهي قطعة من نار ملتبهة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم ولفظه إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشرا كان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا وإنه لأهونهم عذابا قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وعباس بن عبد المطلب وأبي سعيد) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الطبراني بإسناد صحيح وابن حبان في صحيحه ولفظه قال إن أدنى أهل النار عذابا الذي له نعلان من نار يغلي منهما دماغه وأما حديث عباس بن عبد المطلب فلم أقف عليه نعم روى مسلم عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن أهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه وأما حديث أبي سعيد فأخرجه مسلم مختصرا وغيره مطولا كما في الترغيب

[ 279 ]

باب قوله (أخبرنا سفيان) هو الثوري (عن معبد بن خالد) مرير الجدلي من جديلة قيس الكوفي ثقة عابد من الثالثة (سمعت حارثة بن وهب الخزاعي) هو أخو عبيد الله بن عمر لأمه له صحبة نزل الكوفة كذا في تهذيب التهذيب قوله (ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف) هو برفع كل لأن التقدير كل ضعيف الخ ولا يجوز أن يكون بدلا من أهل (متضعف) قال النووي ضبطوه بفتح العين وكسرها والمشهور الفتح ولم يذكر الأكثرون غيره ومعناه يستضعفه الناس ويحتقرونه ويتجبرون عليه لضعف حاله في الدنيا يقال تضعفه واستضعفه وأما رواية الكسر فمعناها متواضع متذلل خامل واضع من نفسه قال القاضي وقد يكون الضعف ههنا رقة القلوب ولينها وإخبانها للإيمان والمراد أن أغلب أهل الجنة هؤلاء كما أن معظم أهل النار القسم الاخر وليس المراد الاستيعاب في الطرفين (لو أقسم على الله لأبره) قال النووي معناه لو حلف يمينا طمعا في كرم الله تعالى بإبراره لأبره وقيل لو دعاه لأجابه يقال أبررت قسمه وبررته والأول هو المشهور انتهى وقال في المجمع لو أقسم على الله أي لو حلف على وقوع شئ لأبره أي أوقعه الله إكراما له وصيانة له من الحنث لعظم منزلته عنده وإن احتقر عند الناس انتهى (كل عتل) بضم العين والتاء بعدها لام ثقيلة قال النووي هو الجافي الشديد الخصومة بالباطل وقيل الحافي اللفظ الغليظ (جواظ) بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة هو الجموع الممنوع وقيل كثير اللحم المختال في مشيته وقيل غير ذلك (متكبر) أي صاحب الكبر وهو بطر الحق وغمط الناس قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة

[ 280 ]

ابواب الايمان قال الإمام البخاري في صحيحه هو (أي الإيمان) قول وفعل قال الحافظ في الفتح المراد بالقول النطق بالشهادتين وأما العمل فالمراد به ما هو أعم من عمل القلب والجوارح ليدخل الاعتقاد والعبادات ومراد من أدخل ذلك في تعريف الإيمان ومن نفاه إنما هو بالنظر إلى ما عند الله تعالى فالسلف قالوا هو اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالأركان وأرادوا بذلك أن الأعمال شرط في كماله ومن هنا نشأ لهم القول بالزيادة والنقصان كما سيأتي والمرجئة قالوا هو اعتقاد ونطق فقط والكرامية قالوا هو نطق فقط والمعتزلة قالوا هو العمل والنطق والاعتقاد والفارق بينهم وبين السلف أنهم جعلوا الأعمال شرطا في صحته والسلف جعلوها شرطا في كماله وهذا كله كما قلنا بالنظر إلى ما عند الله تعالى وأما بالنظر إلى ما عندنا فالإيمان هو الإقرار فقط فمن أقر أجريت عليه الأحكام في الدنيا ولم يحكم عليه بكفر إلا إن اقترن به فعل يدل على كفره كالسجود للصنم فإن كان الفعل لا يدل على الكفر كالفسق فمن أطلق عليه الايمان فبالنظر إلى إقراره ومن نفي عنه الإيمان فبالنظر إلى كماله ومن أطلق عليه الكفر فبانظر إلى أنه فعل الكافر ومن نفاه عنه فبالنظر إلى حقيقته وأثبتت المعتزلة الواسطة فقالوا الفاسق لا مؤمن لا كافر انتهى ما في الفتح قال العيني فإن قلت الإيمان عنده أي عند البخاري قول وفعل واعتقاد فكيف ذكر القول والفعل ولم يذكر الاعتقاد الذي هو الأصل قلت لا نزاع في أن الاعتقاد لا بد منه والكلام في القول والفعل هل هما منه أم لا فلأجل ذلك ذكر ما هو المتنازع فيه باب ما جاء أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله قوله (أمرت) أي أمرني الله لأنه لا آمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الله وقياسه في الصحابي

[ 281 ]

إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحتمل أن يريد أمرني صحابي آخر لأنهم من حيث أنهم مجتهدون لا يحتجون بأمر مجتهد آخر وإذا قاله التابعي احتمل والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منه أن الامر له هو ذلك الرئيس (أن أقاتل) أي بأن أقاتل وحذف الجار من أن كثير (حتى يقولوا لا إله إلا الله) وفي رواية للبخاري حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به وكذا في رواية لمسلم وفي حديث ابن عمر عند البخاري حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة قال الحافظ جعلت غاية المقاتلة وجود ما ذكر فمقتضاه أن من شهد وأقام واتى عصم دمه ولو جحد باقي الأحكام والجواب أن الشهادة بالرسالة تتضمن التصديق بما جاء به مع أن نص الحديث وهو قوله إلا بحق الاسلام يدخل فيه جمع ذلك فإن قيل فلم لم يكتف به ونص على الصلاة والزكاة فالجواب أن لعظمهما والاهتمام بأمرهما لأنهما أما العبادات البدنية والمالية انتهى (فإذا قالوها) أي كلمة لا إله إلا الله (عصموا) أي منعوا وأصل العصمة من العصام وهو الخيط الذي يشد به القربة ليمنع سيلان الماء (مني) أي من أتباعي أو من قبلي وجهة ديني (دماءهم وأموالهم) أي استباحتهم بالسفك والنهب المفهوم من المقاتلة (إلا بحقها) أي بحق كلمة لا إله إلا الله وفي حديث ابن عمر المذكور إلا بحق الاسلام قال القاري إلا بحق الاسلام أي دينه وا ضافة لامية والاستثناء مفرغ من أعم عام الجار والمجرور أي إذا فعلوا ذلك لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الاسلام من استيفاء قصاص نفس أو طرف إذا قتل أو قطع ومن أخذ مال إذا غصب إلى غير ذلك من الحقوق الاسلامية كقتل لنحو زنا محصن وقطع لنحو سرقة وتغريم مال لنحو إتلاف مال الغير المحترم (وحسابهم على الله) أي فيما يسترون من الكفر والمعاصي بعد ذلك والجملة مستأنفة أو معطوفة على جزاء الشرط والمعنى إنا نحكم بظاهر الحال وا يمان القولي ونرفع عنهم ما على الكفار ونؤاخذهم بحقوق الاسلام بحسب ما يقتضيه ظاهر حالهم لا أنهم مخلصون والله يتولى حسابهم فيثيب المخلص ويعاقب ويجازي المصر بفسقه أو يعفو عنه قوله (وفي الباب عن جابر وأبي سعيد وابن عمر) أما حديث جابر فأخرجه مسلم والنسائي وأما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه وأما حديث عمر فأخرجه الشيخان

[ 282 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (لما توفي) بصيغة المجهول (واستخلف) بصيغة المجهول أيضا أي جعل خليفة (بعده) أي بعد وفاته صلى الله عليه وسلم (كفر من كفر) قال الخطابي زعم الروافض أن هذا الحديث متناقض لأن في أوله أنهم كفروا وفي اخره أنهم ثبتوا على الاسلام إلا أنهم منعوا الزكاة فإن كانوا مسلمين فكيف استحل قتالهم وسبي ذراريهم وإن كانوا كفار فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة فإن في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين بالصلاة قال والجواب عن ذلك إن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين صنف رجعوا إلى عبادة الأوثان وصنف منعوا الزكاة وتأولوا قوله تعالى (خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم) فزعموا أن دفع الزكاة خاص به صلى الله عليه وسلم لأن غيره لا يطهرهم ولا يصلي عليهم فكيف تكون صلاته سكنا لهم وإنما أراد عمر بقوله تقاتل الناس الصنف الثاني لأنه لا يردد في جواز قتال الصنف الأول كما أنه لا يتردد في قتال غيرهم من عباد الأوثان والنيران واليهود والنصارى قال وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معا وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة حيث قال فيها ويؤمنوا بي وبما جئت به فإن مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعا إليه فامتنع ونصب القتال أنه يجب قتاله وقتله إذا أمر قال وإنما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه وإنما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر واعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث كذا ذكر الحافظ كلام الخطابي ملخصا ثم قال وفي هذا الجواب نظر لأنه لو كان عند عمر في الحديث حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ما استشكل قتالهم للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة قال عياض حديث ابن عمر نصر في قتال من لم يصل ولم يزك كمن لم يقر بالشهادتين واحتجاج عمر على أبي بكر وجواب أبي بكر دل على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة إذ لو سمعه عمر لم يحتج على

[ 283 ]

أبي بكر ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمرو لم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله إلا بحقه قال الحافظ إن كان الضمير في بحقه للإسلام فمهما ثبت أنه من حق الاسلام تناوله ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة انتهى (ومن قال لا إله الله) يعني كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله للإجماع على أنه لا يعتد في الاسلام بتلك وحدها (عصم) بفتح الصاد أي حفظ ومنع (إلا بحقه) قال الطيبي أي لا يحل لأحد أن يتعرض لماله ونفسه بوجه من الوجوه إلا بحقه أي بحق هذا القول أو بحق أحد المذكورين (وحسابه على الله) قال الطيبي يعني من قال لا إله إلا الله وأظهر الاسلام نترك مقاتلته ولا نفتش باطنه هل هو مخلص أم لا فإن ذلك إلى الله تعالى وحسابه عليه (من فرق بين الصلاة والزكاة) يجوز تشديد فرق وتخفيفه والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدا أو مانعا مع الاعتراف وإنما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الاخرين مجاز تغليبا وإنما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لأنهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم قال المازري ظاهر السياق أن عمر كان موافقا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لورودهما في الكتاب والسنة موردا واحدا (فإن الزكاة حق المال) يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حق النفس الصلاة وحق المال الزكاة فمن صلى عصم نفسه ومن زكى عصم ماله فإن لم يصل قوتل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرا وإن نصب الحرب لذلك قوتل وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لما احتاج إلى هذا الاستنباط لكنه يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري قاله الحافظ (والله لو منعوني عقالا) قال في النهاية أراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير الذي كان يؤخذ في الصدقة لأن على صاحبها التسليم وإنما يقع القبض بالرباط وقيل أراد ما يساوي عقالا من حقوق الصدقة وقيل إذا أخذ المصدق أعيان الابل قيل أخذ عقالا وإذا أخذ أثمانها قيل أخذ نقدا وقيل أراد بالعقال صدقة العام يقال أخذ المصدق عقال هذا العام أي أخذ منهم صدقته وبعث فلان على عقال بني فلان إذا بعث على صدقاتهم واختاره أبو عبيد وقال هو أشبه عندي بالمعنى وقال الخطابي إنما يضرب المثل في مثل هذا بالأقل لا بالأكثر وليس بسائر في لسانهم أن العقال صدقة عام وفي أكثر الروايات لو منعوني عناقا وفي أخرى جديا قلت قد جاء في الحديث ما يدل على القولين فمن الأول حديث عمر أنه قال يأخذ مع كل فريضة عقالا ورواه فإذا جاءت إلى

[ 284 ]

المدينة باعها ثم تصدق بها وحديث محمد بن مسلمة أنه كان يعمل على الصدقة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يأمر الرجل إذا جاء بقريضتين أن يأتي بعقاليهما وقرانيهما ومن الثاني حديث عمر أنه أخر الصدقة عام الرمادة فلما أحيا الناس بعث عامله فقال اعقل عنهم عقالين فأقسم فيهم عقالا وائتني بالاخر يريد صدقة عامين انتهى ما في النهاية وقوله ورواه هو بكسر الراء وفتح الواو ممدودا حبل يقرن به البعيران وقيل حبل يروى به على البعير أي يشد به المتاع عليه وقد بسط النووي هنا الكلام في تفسير العقال وقال وذهب كثيرون من المحققين إلى أن المراد بالعقال الحبل الذي يعقل به البعير وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من حذاق المتأخرين انتهى (لقاتلتهم على منعه) أي لأجل منعه (فوالله ما هو) أي الشأن (إلا أن رأيت) أي علمت (أن الله قد شرح صدر أبي بكر) قال الطيبي المستثنى منه غير مذكور أي ليس الأمر شيئا من الأشياء إلا علمي بأن أبا بكر محق فهذا الضمير يفسره ما بعده نحو قوله تعالى إن هي إلا حياتنا الدنيا (فعرفت أنه الحق) أي ظهر له من صحة احتجاجه لا أنه قلده في ذلك قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي باب (ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة قوله (وأن يستقبلوا قبلتنا) إنما ذكره مع اندراجه في الصلاة في قوله وأن يصلوا

[ 285 ]

صلاتنا لأن القبلة أعرف إذ كل أحد يعرف قبلته وإن لم يعرف صلاته ولأن في صلاتنا ما يوجد في صلاة غيره واستقبال قبلتنا مخصوص بنا ولم يتعرض للزكاة وغيرها من الأركان اكتفاء بالصلاة التي هي عماد الدين أو لتأخر وجوب تلك الفرائض عن زمن صدور هذا القول ثم لما ميز المسلم عن غيره عبادة ذكر ما يميزه عبادة وعادة بقوله (ويأكلوا ذبيحتنا) فإن التوقف عن أكل الذبائح كما هو من العبادات فكذلك من العادات الثابتة في الملل المتقدمات والذبيحة فعيلة بمعنى مفعولة والتاء للجنس كما في الشاة (وأن يصلوا صلاتنا) أي كما نصلي ولا توجد إلا من موحد معترف بنبوته ومن اعترف به فقد اعترف بجميع ما جاء به فلذا جعل الصلاة علما لإسلامه (حرمت) قال الحافظ بفتح أوله وضم الراء ولم أره في شئ من الروايات بالتشديد انتهى (إلا بحقها) أي إلا بحق الدماء والأموال وفي حديث ابن عمر فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الاسلام (لهم ما للمسلمين) أي من النفع (وعليهم ما على المسلمين) أي من المضرة قوله (وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة) أما حديث معاذ بن جبل فأخرجه أحمد في مسنده وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد وابن خزيمة قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه البخاري وأبو داود والنسائي باب ما جاء بني الاسلام على خمس قوله (عن سعير) بضم السين والعين المهملتين واخره راء مصغرا (بن الخمس) بكسر الخاء المعجمة وسكون الميم ثم مهملة

[ 286 ]

قوله (بني الاسلام على خمس) أي دعائم وصرح به عبد الرزاق في روايته وفي رواية لمسلم على خمسة أي أركان (شهادة أن لا إله إلا الله) بالجر على البدل من خمس ويجوز الرفع على حذف الخبر والتقدير منها شهادة أن لا إله إلا الله ويجوز النصب بتقدير أعني (وإقام الصلاة) أي المداومة عليها أو المراد الإتيان بها بشروطها وأركانها (وإيتاء الزكاة) أي إعطائها مستحقيها بإخراج جزء من المال على وجه مخصوص تنبيه قال القسطلاني (علي) في قوله بني الاسلام على خمس بمعنى (من) وبهذا يحصل الجواب عما يقال إن هذه الخمس هي الاسلام فكيف يكون الاسلام مبنيا عليها والمبنى لا بد أن يكون غير المبني عليه ولا حاجة إلى جواب الكرماني بأن الاسلام عبارة عن والمجموع غير كل واحد من أركانه انتهى قلت إن ثبت مجئ على بمعنى من فحينئذ لا حاجة إلى جواب الكرماني وإلا فلا شك أن إليه حاجة لدفع الاعتراض قوله (وفي الباب عن جرير بن عبد الله) أخرجه أحمد في مسنده قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي) بضم الجيم وفتح الميم وكسر الحاء المهملة المكى ثقة حجة من السادسة (عن عكرمة بن خالد) بن العاص بن هشام المخزومي ثقة من الثالثة

[ 287 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) أي حديث حنظلة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر حديث حسن صحيح وأخرجه الشيخان أيضا من هذا الطريق باب ما جاء في وصف جبرئيل للنبي صلى الله عليه وسلم الإيمان والإسلام قوله (عن كهمس) بفتح كاف وميم بينهما هاء ساكنة وبسين مهملة (ابن الحسن) التميمي أبي الحسن البصري ثقة من الخامسة ووقع في النسخة الأحمدية في باب الصلاة قبل المغرب في سند حديث عبد الله بن مغفل كهمس بن الحسين بالتصغير وهو غلط والصحيح كهمس بن الحسن بالتكبير كما هنا قوله (أول من تكلم في القدر) أي أول من قال ينفي القدر فابتدع وخالف الصواب الذي عليه أهل الحق ويقال القدر والقدر بفتح الدال وإسكانها لغتان مشهورتان (معبد الجهني) بضم الجيم نسبة إلى جهينة قبيلة من قضاعة ومعبد هذا هو ابن خالد الجهني كان يجالس الحسن البصري وهو أول من تكلم في البصرة بالقدر فسلك أهل البصرة بعده مسلكه لما رأوا عمرو بن عبيد ينتحله قتله الحجاج بن يوسف صبرا أو قيل أنه معبد بن عبد الله بن عويمر نقله النووي عن السمعاني (فاكتنفته أنا وصاحبي) يعني صرنا في ناحيتيه وكنفا الطائر جناحاه وزاد وزاد مسلم فقال أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله (فظننت أن صاحبي سيكل الكلام إلي) لم تقع هذه العبارة في بعض النسخ ومعناها يسكت ويفوضه إلي لإقدامي وجرأتي وبسطة لساني فقد جاء عنه في رواية لأني كنت أبسط لسانا (فقلت يا أبا عبد الرحمن) كنية عبد الله بن عمر (إن قوما يقرأون القرآن ويتقفرون العلم) بتقديم القاف على الفاء أي يطلبونه وفي رواية مسلم ظهر قبلنا ناس يقرأون القرآن ويتقفرون العلم قال النووي

[ 288 ]

هو بتقديم القاف على الفاء معناه يطلبونه ويتتبعونه هذا هو المشهور وقيل معناه يجمعونه ورواه بعض شيوخ المغاربة من طريق ابن ماهان يتفقرون بتقديم الفاء وهو صحيح أيضا معناه يبحثون على غمضة ويستخرجون خفيه وروي في غير مسلم يتقفون بتقديم القاف وحذف الراء وهو صحيح أيضا ومعناه أيضا يتتبعون (ويزعمون أن لا قدر وأن الأمر أنف) بضم الهمزة والنون أي مستأنف لم يسبق به قدر ولا علم من الله تعالى وإنما يعلمه بعد وقوعه وهذا القول قول غلاتهم وليس قول جميع القدرية وكذب قائله وضل وافترى عافانا الله وسائر المسلمين (قال) أي ابن عمر (إني منهم برئ وأنهم مني برآء) بضم الموحدة وفتح الراء جمع برئ كحكيم وحكماء وأصل البراءة الانفصال من الشئ والمعنى أني لست منهم وهم ليسوا مني (والذي يحلف به عبد الله لو أن أحدهم أنفق) يعني في سبيل الله تعالى أي طاعته كما جاء في رواية أخرى (ما قبل ذلك منه حتى يؤمن بالقدر) (خيره وشره) قال النووي هذا الذي قاله ابن عمر رضي الله عنهما ظاهر في تكفير القدرية قال القاضي عياض هذا في القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم الله تعالى بالكائنات وقال والقائل بهذا كافر بلا خلاف وهؤلاء الذين ينكرون القدر هم الفلاسفة في الحقيقة قال غيره ويجوز أنه لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج من الملة فيكون من قبيل كفران النعم إلا أن قوله (ما قبله الله منه) ظاهر في التكفير فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر إلا أنه يجوز أن يقال في المسلم لا يقبل عمله بمعصية وإن كان صحيحا كما أن الصلاة في الدار المغصوبة صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل باجماع السلف وهي غير مقبولة فلا ثواب فيها على المختار عن أصحابنا انتهى (ثم أنشأ يحدث) أي جعل يحدث ابن عمر (شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر) بإضافة شديد إلى ما بعده إضافة لفظية مقيدة للتخفيف فقط صفة رجل واللام في الموضعين عوض عن المضاف إليه العائد إلى الرجل أي شديد بياض ثيابه شديد سواد شعره (لا يرى عليه أثر السفر) روى بصيغة المجهول الغائب ورفع الأثر وهو رواية الأكثر والأشهر وروى بصيغة المتكلم المعلوم ونصب الأثر والجملة حال من رجل أو صفة له والمراد بالأثر

[ 289 ]

التعب والتغيير والغبار (فألزق ركبته بركبته) وفي رواية مسلم فأسند ركبتيه ووضع كفيه على مخذيه قال النووي معناه أن الرجل الداخل وضع كفيه على فخذي نفسه وجلس على هيئة المتعلم انتهى قال الحافظ في الفتح وفي رواية لسليمان التيمي ليس عليه سحناء السفر وليس من البلد فتخطى حتى برك بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم كما يجلس أحدنا في الصلاة ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في حديث ابن عباس وأبي عامر الأشعري ثم وضع يده على ركبتي النبي صلى الله عليه وسلم فأفادت هذه الرواية أن الضمير في قوله على فخذيه يعود على النبي صلى الله عليه وسلم وبه جزم البغوي وإسماعيل التيمي بهذه الرواية ورجحه الطيبي بحثا لأنه نسق الكلام خلافا لما جزم به النووي ووافقه التوربشتي لأنه حمله على أنه جلس كهيئة المتعلم بين يدي من يتعلم منه وهذا وإن كان ظاهرا من السياق لكن وضعه يديه على فخذي النبي صلى الله عليه وسلم صنيع منبه للإصغاء إليه (ثم قال يا محمد ما الإيمان) فإن قيل كيف بدأ بالسؤال قبل السلام أجيب بأنه يحتمل أن يكون ذلك مبالغة في التعمية لأمره أو ليبين أن ذلك غير واجب أو سلم فلم ينقله الراوي قال الحافظ وهذا الثالث هو المعتمد فقد ثبت في رواية أبي فروة ففيها بعد قوله كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط فقال السلام عليك يا محمد فرد عليه السلام قال أدنوا يا محمد قال أدن فما زال يقول أدنو مرارا ويقول له أدن ونحوه في رواية عطاء عن ابن عمر لكن قال السلام عليك يا رسول الله وفي رواية مطر الوراق فقال رسول الله أدنو منك قال أدن ولم يذكر السلام فاختلفت الروايات هل سلم أولا فمن ذكر السلام مقدم على من سكت عنه (قال أن تؤمن بالله) أي بوجوده وأنه متصف بصفات الكمال منزه عن صفات النقص (وملائكته) الإيمان بالملائكة هو التصديق بوجودهم وأنهم كما وصفهم الله تعالى عباد مكرمون وقدم الملائكة على الكتب والرسل نظرا للترتيب الواقع لأنه سبحانه وتعالى أرسل الملك بالكتاب إلى الرسول وليس فيه متمسك لمن فضل الملك على الرسول (وكتبه) الإيمان بكتب الله التصديق بأنها كلام الله وأن ما تضمنته حق (ورسله) الإيمان بالرسل التصديق بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله ودل الإجمال في الملائكة والكتب والرسل على الاكتفاء بذلك في الإيمان بهم غير تفصيل إلا من ثبتت تسميته فيجب الإيمان به على التعيين (واليوم الأخر) المراد بالإيمان به التصديق بما يقع فيه من الحساب والميزان والجنة والنار (والقدر) مصدر تقول قدرت الشئ بتخفيف الدال وفتحها أقدره بالكسر والفتح قدرا وقدرا إذا أحطت بمقداره والمراد أن الله تعالى علم مقادير الأشياء وأزمانها قبل إيجادها ثم أوجد ما سبق في علمه أنه يوجد فكل محدث

[ 290 ]

صادر عن علمه وقدرته وإرادته هذا هو المعلوم من الدين بالبراهين القطعية وعليه كان السلف من الصحابة وخيار التابعين إلى أن حدثت بدعة القدر في أواخر زمن الصحابة (خيره وشره) بالجر بدل من القدر (قال شهادة أن لا إله إلا الله) أن مخففة من المثقلة أي أنه والضمير للشأن ولا هو النافية للجنس على سبيل التنصيص على نفي كل فرد من أفراده (وأن محمدا عبده ورسوله) أي وشهادة أن محمدا الخ قال الخطابي في معالم السنن ما أكثر ما يغلط الناس في هذه المسألة فأما الزهري فقال الإسلام الكلمة والإيمان العمل واحتج بقوله تعالى قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وذهب غيره الى أن الإيمان والإسلام شئ واحد واحتج بقوله تعالى فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين قال الخطابي والصحيح من ذلك أي يقيد الكلام في هذا ولا يطلق وذلك أن المسلم قد يكون مؤمنا في بعض الأحوال ولا يكون مؤمنا في بعضها والمؤمن مسلم في جميع الأحوال فكل مؤمن مسلم وليس كل مسلم مؤمنا وإذا حملت الأمر على هذا استقام لك تأويل الآيات واعتدل القول فيها ولم يختلف شئ منها وأصل الإيمان التصديق وأصل الإسلام الاستسلام والانقياد فقد يكون المرء مستسلما في الظاهر غير منقاد في الباطن وقد يكون صادقا في الباطن غير منقاد في الظاهر انتهى قال العيني في العمدة بعد نقل كلام الخطابي هذا ما لفظه هذا إشارة إلى أن بينهما عموما وخصوصا مطلقا كما صرح به بعض الفضلاء والحق أن بينهما عموما وخصوصا من وجه لأن الإيمان أيضا قد يوجد بدون الإسلام كما في شاهق الجبل إذا عرف الله بعقله وصدق بوجوده ووحدته وسائر صفاته قبل أن تبلغه دعوة نبي وكذا في الكافر إذا اعتقد جميع ما يجب الإيمان به اعتقادا جازما ومات فجأة قبل الإقرار والعمل انتهى وقال الحافظ ابن كثير في تفسير قوله تعالى قالت الأعراب آمنا الخ قد استفيد من هذه الآية الكريمة أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة ويدل عليه حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئا فقال سعد رضي الله عنه يا رسول الله أعطيت فلانا وفلانا ولم تعط فلانا شيئا وهو مؤمن فقال النبي صلى الله عليه وسلم أو مسلم حتى أعادها سعد ثلاثا والنبي صلى الله عليه وسلم أو مسلم الحديث أخرجه الشيخان فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم بين المؤمن والمسلم فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من صحيح البخاري انتهى (قال فما الإحسان الخ) هو مصدر تقول أحسن يحسن إحسانا ويتعدى بنفسه وبغيره

[ 291 ]

تقول أحسنت كذا إذا اتقنته وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع والأول هو المراد لأن المقصود إتقان العبادة وقد يلحظ الثاني بأن المخلص مثلا محسن بإخلاصه إلى نفسه وإحسان العبادة الإخلاص فيها والخشوع وفراغ البال حال التلبس بها ومراقبة المعبود وأشار في الجواب إلى حالتين أرفعهما أي يغلب عليه مشاهدة الحق حتى كأنه يراه بعينه وهو قوله كأنك تراه أي وهو يراك والثانية أن يستحضر أن الحق مطلع عليه يرى كل ما يعمل وهو قوله فإنه يراك وهاتان الحالتان يثمرهما معرفة الله وخشيته وقال النووي هذا من جوامع الكلم التي أوتيها صلى الله عليه وسلم لأنا لو قدرنا أن أحدنا قام في عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئا مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به فقال صلى الله عليه وسلم اعبد الله في جميع أحوالك كعبادتك في حال العيان فإن التتميم المذكور في حال العيان إنما كان لعلم العبد باطلاع الله سبحانه وتعالى عليه فلا يقدم العبد على تقصير في هذا الحال للاطلاع عليه وهذا المعنى موجود مع عدم رؤية العبد فينبغي أن يعمل بمقضاه فمقصود الكلام الحث على الإخلاص في العبادة ومراقبة العبد ربه تبارك وتعالى في إتمامه الخشوع والخضوع وغير ذلك (قال) أي عمر رضي الله عنه (يقول) أي جبرئيل عليه السلام (صدقت) بفتح الفوقية (قال) أي عمر رضي الله عنه (فتعجبنا منه يسأله ويصدقه) سبب تعجبهم أن هذا خلاف عادة السائل الجاهل إنما هذا كلام خبير بالمسؤال عنه ولم يكن في ذلك الوقت من يعلم هذا غير النبي صلى الله عليه وسلم (قال فمتى الساعة) أي متى تقوم الساعة واللام للعهد والمراد يوم القيامة (ما المسئول عنها) ما نافية (بأعلم) الباء زائدة لتأكيد النفي قال الحافظ وهذا وإن كان مشعرا بالتساوي في العلم لكن المراد التساوي في العلم بأن الله تعالى استأثر بعلمها لقوله بعد خمس لا يعلمها إلا الله قال النووي يستنبط منه أن العالم إذا سئل عما لا يعلم بأنه لا يعلمه ولا يكون في ذلك نقص من مرتبته بل يكون ذلك دليلا على مزيد ورعه (فما أمارتها) بفتح الهمزة والأمارة والأمار بإثبات الهاء وحذفها هي العلامة (قال أن تلد الأمة ربتها) قال النووي وفي الرواية الأخرى ربها على التذكير وفي أخرى بعلها قال يعني السراري ومعنى ربها وربتها سيدها ومالكها وسيدتها ومالكتها وقال الأكثرون من العلماء هو إخبار عن كثرة السراري وأولادهن فإن ولدها من سيدها بمنزلة سيدها لأن مال الإنسان صائر إلى ولده وقد يتصرف فيه في الحال تصرف المالكين إما بتصريح أبيه بالإذن وإما بما يعلمه بقرينة الحال أو عرف الاستعمال

[ 292 ]

وقيل معناه أن الآباء يلدن الملوك فتكون أمه من جملة رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته وهو قول إبراهيم الحربي وقيل معناه أنه تفسد أحوال الناس فيكثر بيع أمهات الأولاد في آخر الزمان فيكثر تردادها في أيدي المشترين حتى يشتريها ابنها ولا يدري ويحتمل على هذا القول أن لا يختص هذا بأمهات الأولاد فإنه متصور في غيرهن فإن الأمة تلد ولدا حرا من غير سيدها بشبهة أو ولدا رقيقا بنكاح أو زنا ثم تباع الأمة في الصورتين بيعا صحيحا وتدور في الأيدي حتى يشتريها ولدها وهذا أكثر وأعم من تقديره في أمهات الأولاد وقيل في معناه غير ما ذكرناه ولكنها أقوال ضعيفة جدا أو فاسد فتركتها وأما بعلها فالصحيح في معناه أن البعل هو المالك أو السيد فيكون بمعنى ربها على ما ذكرنا قال أهل اللغة بعل الشئ ربه ومالكه قال ابن عباس والمفسرون في قوله تعالى أتدعون بعلا أي ربا وقيل المراد بالبعل في الحديث الزوج ومعناه نحو ما تقدم أنه يكثر بيع السراري حتى يتزوج الإنسان أمه ولا يدري وهذا أيضا معنى صحيح إلا أن الأول أظهر لأنه إذا أمكن حمل الروايتين في القضية الواحدة على معنى واحد كان أولى (وأن ترى) خطاب عام ليدل على بلوغ الخطيب في العلم مبلغا لا يختص به رؤية راء (الحفاة) بضم الحاء جمع الحافي وهو من لا فعل له (العراة) جمع العاري وهو صادق على من يكون بعض بدنه مكشوفا مما يحسن وينبغي أن يكون ملبوسا (العالة) جمع عائل وهو الفقير من عال يعيل إذا افتقر أو من عال يعول إذا افتقر وكثر عياله (ورعاء الشاء) بكسر الراء والمد جمع راع كتاجر وتجار الشاء جمع شاء والأظهر أنه اسم جنس (يتطاولون في البنيان) أي يتفاضلون في ارتفاعه وكثرته ويتفاخرون في حسنه وزينته وهو مفعول ثان إن جعلت الرؤية فعل البصيرة أو حال إن جعلتها فعل الباصرة ومعناه أن أهل البادية وأشباههم من أهل الحاجة والفاقة تتبسط لهم الدنيا حتى يتباهون في البنيان (فلقيني النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك بثلاث) في ظاهر هذا مخالفة لقوله في حديث أبي هريرة عند الشيخين ثم أدبر الرجل فقال النبي صلى الله عليه وسلم ردوه علي فأخذوا ليردوه فلم يروا شيئا فقال النبي صلى الله عليه وسلم هذا جبريل فيحتمل الجمع بينهما أن عمر رضي الله عنه لم يحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم لهم في الحال بل

[ 293 ]

كان قد قام من المجلس فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم الحاضرين في الحال وأخبر عمر بعد ثلاث إذ لم يكن حاضر وقت إخبار الباقين (فقال يا عمر هل تدري من السائل) زاد مسلم في روايته قلت الله ورسوله أعلم قوله (حدثنا أحمد بن محمد) بن موسى أبو العباس المعروف بمردويه (أخبرنا معاذ بن هشام) وفي بعض النسخ أخبرنا معاذ بن معاذ وهو الظاهر لأن مسلما روى هذا الحديث من طريق عبيد الله بن معاذ العنبري حدثنا أبي حدثنا كهمس ووالد عبيد الله هذا هو معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري أبو المثنى البصري القاضي ثقة متقن من كبار التاسعة روى عن كهمس وغيره وعنه ابنه عبيد الله وأبو موسى محمد بن المثنى وغيرهما قوله (وفي الباب عن طلحة بن عبيد الله وأنس بن مالك وأبي هريرة) أما حديث طلحة بن عبيد الله فأخرجه الشيخان وأما حديث أنس فأخرجه البزار والبخاري في خلق أفعال العباد وإسناده حسن كذا في الفتح وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان قوله (هذا حديث صحيح حسن) وأخرجه مسلم (وقد روى من غير وجه نحو هذا) أي عن عبد الله بن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في إضافة الفرائض إلى الإيمان أي نسبتها إليه بأن تجعل الفرائض من الإيمان أو يطلق هو عليها

[ 294 ]

قوله (قدم وفد عبد القيس) الوفد جمع وافد وهو الذي أتى إلى الأمير برسالة من قوم وقيل رهط كرام وعبد القيس أبو قبيلة عظيمة تنتهي إلى ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان وربيعة قبيلة عظيمة في مقابلة مضر وكانت قبيلة عبد القيس ينزلون البحرين وحوالي القطيف وما بين هجر إلى الديار المضرية وكانت وفادتهم سنة ثمان (فقالوا إنا هذا الحي من ربيعة) قال ابن الصلاح الحي منصوب على الاختصاص والمعنى إنا هذا الحي حي من ربيعة الحي هو اسم لمنزل القبيلة ثم سميت القبيلة به لأن بعضهم يحيا ببعض (ولسنا نصل إليك إلا في الشهر الحرام) المراد به الجنس لأن الأشهر الحرم أربعة ذو القعدة وذو الحجة ومحرم متوالية ورجب فرد قال تعالى إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم وإنما قالوا ذلك اعتذارا عن عدم الإتيان إليه عليه الصلاة والسلام في غير هذا الوقت لأن الجاهلية كانوا يحاربون بعضهم بعضا ويكفون في الأشهر الحرم تعظيما لها وتسهيلا على زوار البيت الحرام من الحروب والغارات الواقعة منهم في غيرها فلا يأمن بعضهم بعضا في المسالك والمراحل إلا فيها ومن ثم كان يمكن مجئ هؤلاء إليه عليه الصلاة والسلام فيها دون ما عداها لأمنهم من كفار مضر الحاجزين بين منازلهم وبين المدينة وكان هذا التعظيم في أول الإسلام ثم نسخ بقوله تعالى اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وقيل اللام للعهد والمراد شهر رجب وفي رواية البيهقي التصريح به وكانت مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب فلهذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة عند البخاري حيث قال رجب مضر والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريمهم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى إلا أنهم ربما أفدوها بخلافة (نأخذه عنك) بالرفع على أنه صفة لشئ وبالجزم على أنه جواب الأمر (آمركم بأربع) أي خصال أو جمل لقولهم حدثنا يحمل من الأمر وهي رواية قرة عند البخاري في المغازي (الإيمان بالله) هذه إحدى الخصال الأربع (ثم فسرها) أي الإيمان بالله وتأنيث الضمير باعتبار أنه خصلة (شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله) برفع شهادة على أنها خبر مبتدأ محذوف أي هو شهادة أن لا إله إلا الله (وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خمس ما غنمتم) بالجر في الثلاث عطف على الإيمان وهذه هي الخصال الثلاث

[ 295 ]

الباقية ويحتمل أن يكون إقام الصلاة وما عطف عليه بالرفع عطفا على شهادة أن لا إله إلا الله وعلى هذا الاحتمال مطابقة الحديث بالباب ظاهرة ولكن لا بد أن يقال إن الراوي حذف الخصال الثلاث الباقية إختصارا أو نسيانا ووقع في رواية البخاري أمرهم بأربع ونهاهم عن أربع أمرهم بالإيمان بالله وحده قال أتدرون ما الإيمان بالله وحده قالوا الله ورسوله أعلم قال شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصيام رمضان وأن تعطوا من المغنم الخمس قال السيد جمال الدين قيل هذه الرواية لا تخلو عن إشكال لأنه إن قرئ وإقام الصلاة الخ بالرفع على أنها معطوفة على شهادة ليكون المجموع من الإيمان فأين الثلاثة الباقية وإن قرئت بالجر على أنها معطوفة على قوله بالإيمان يكون المذكور خمسة لا أربعة وأجيب على التقدير الأول بأن الثلاثة الباقية حذفها الراوي اختصارا أو نسيانا وعلى التقدير الثاني بأنه عد الأربع التي وعدهم ثم زادهم خامسة وهي أداء الخمس لأنهم كانوا مجاورين لكفار مضر وكانوا أهل جهاد وغنائم كذا في المرقاة قلت قد بسط الحافظ في الفتح الكلام في هذا المقام بسطا حسنا فعليك أن تراجعه وقد ذكر لعدم ذكر الحج في هذا الحديث وجوها منها أنه لم يكن فرض ثم قال هذا هو المعتمد قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي (وقد روى شعبة عن أبي جمرة أيضا وزاد فيه أتدرون ما الإيمان الخ) رواية شعبة هذه أخرجها الشيخان (قال قتيبة وكنا نرضى أن نرجع كل يوم من عند عباد بن عباد بحديثين) هذا كناية عن كونه ثقة وأما إيراد ابن الجوزي في موضوعات حديث أنس إذا بلغ العبد أربعين سنة من طريق عباد

[ 296 ]

هذا ونسبته إلى الوضع وإفحاش القول فيه فوهم منه شنيع جدا فإنه التبس عليه برا وآخر كما في تهذيب التهذيب باب في استكمال الإيمان وزيادته ونقصانه قال العيني في شرح البخاري النوع الثالث في أن الإيمان هل يزيد وينقص وهو أيضا من فروع اختلافهم في حقيقة الإيمان فقال بعض من ذهب إلى أن الإيمان هو التصديق أن حقيقة التصديق شئ واحد لا يقبل الزيادة والنقصان وقال آخرون إنه لا يقبل النقصان لأنه لو نقص لا يبقى إيمانا ولكن يقبل الزيادة لقوله تعالى وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا ونحوها من الآيات وقال الداودي سئل مالك عن نقص الإيمان وقال قد ذكر الله تعالى زيادته في القرآن وتوقف عن نقصه وقال لو نقص لذهب كله وقال ابن بطال مذهب جماعة من أهل السنة من سلف الأمة وخلفها أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص والحجة على ذلك ما أورده البخاري قال فإيمان من لم تحصل له الزيادة ناقص وذكر الحافظ أبو القاسم هبة الله اللالكائي في كتاب شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة أن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وبه قال من الصحابة عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وعمار وأبو هريرة وحذيفة وسلمان وعبد الله بن رواحة وأبو أمامة وجندب بن عبد الله وعمير بن حبيب وعائشة رضي الله تعالى عنهم ومن التابعين كعب الأحبار وعروة وعطاء وطاوس ومجاهد وابن أبي مليكة وميمون بن مهران وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير والحسن ويحيى بن أبي كثير والزهري وقتادة وأيوب ويونس وابن عون وسليمان التيمي وإبراهيم النخعي وأبو البحتري وعبد الكريم الجريري وزيد بن الحارث والأعمش ومنصور والحكم وحمزة الزيات وهشام بن حسان ومعقل بن عبيد الله الجريري ثم محمد بن أبي ليلى والحسن بن صالح ومالك بن مغول ومفضل بن مهلهل وأبو سعيد الفزاري وزائدة وجرير بن عبد الحميد وأبو هشام عبد ربه وعبثر بن القاسم وعبد الوهاب الثقفي وابن المبارك وإسحاق بن إبراهيم وأبو عبيد بن سلام وأبو محمد الدارمي والذهلي ومحمد بن أسلم الطوسي وأبو زرعة وأبو حاتم وأبو داود وزهير بن معاوية وزائدة وشعيب بن حرب وإسماعيل بن عياش والوليد بن مسلم والوليد بن محمد والنضر بن شميل والنضر بن محمد وقال سهل بن متوكل

[ 297 ]

أدركت ألف أستاذ كلهم يقول الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وقال يعقوب بن سفيان أن أهل السنة والجماعة على ذلك بمكة والمدينة والبصرة والكوفة والشام منهم عبيد الله بن يزيد المقري وعبد الملك الماجشون ومطرف ومحمد بن عبيد الله الأنصاري والضحاك بن مخلد وأبو الوليد وأبو النعمان والقعني وأبو نعيم وعبيد الله بن موسى وقبيصة وأحمد بن يونس وعمرو بن عون وعاصم بن على وعبد الله بن صالح كاتب الليث وسعيد بن أبي مريم والنضر بن عبد الجبار وابن بكير وأحمد بن صالح وأصبغ بن الفرج وآدم بن أبي إياس وعبد الأعلى بن مسهر وهشام بن عمار وسليمان بن عبد الرحمن وعبد الرحمن بن إبراهيم وأبو اليمان الحكم بن نافع وحيوة بن شريح ومكي بن إبراهيم وصدقة بن الفضل ونظراؤهم من أهل بلادهم وذكر أبو الحسن عبد الرحمن بن عمر في كتاب الإيمان ذلك عن خلق قال وأما توقف مالك عن القول بنقصان الإيمان فخشية أن يتناول عليه موافقة الخوارج وقال رسته ما ذاكرت أحدا من أصحابنا من أهل العلم مثل علي بن المديني وسليمان يعني ابن حرب والحميدي وغيرهم إلا يقولون الإيمان قول وعمل يزيد وينقص وكذا روي عن عمير بن حبيب وكان من أصحاب الشجرة وحكاه اللالكائي في كتاب السنن عن وكيع وسعيد بن عبد العزيز وشريك وأبي بكر بن عياش وعبد العزيز بن أبي سلمة والحمادين وأبي ثور والشافعي وأحمد بن حنبل وقال الإمام هذا البحث لفظي لأن المراد بالإيمان إن كان هو التصديق فلا يقبلهما وإن كان الطاعات فيقبلهما ثم قال الطاعات مكملة للتصديق فكل ما قام من الدليل على أن الإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان كان مصروفا إلى أصل الإيمان الذي هو التصديق وكل ما دل على كون الإيمان يقبل الزيادة والنقصان فهو مصروف إلى الكامل وهو مقرون بالعمل وقال بعض المتأخرين الحق أن الإيمان يقبلهما سواء كان عبارة عن التصديق مع الأعمال وهو ظاهر أو بمعنى التصديق وحده لأن التصديق بالقلب هو الاعتقاد الجازم وهو قابل للقوة والضعف فإن التصديق بجسمية الشبح الذي بين أيدينا أقوى من التصديق بجسميته إذا كان بعيدا عنا ولأنه يبتدي في التنزل من أجلى البديهيات كقولنا النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان ثم ينزل إلى ما دونه كقولنا الأشياء المتساوية بشئ واحد متساوية ثم إلى أجلى النظريات كوجود الصانع ثم إلى ما دونه ككونه مرئيا ثم إلى أخفاها كاعتقاد أن العرض لا يبقى زمانين وقال بعض المحققين الحق أن التصديق يقبل الزيادة والنقصان بوجهين الأول القوة والضعف لأنه من الكيفيات النفسانية وهي تقبل الزيادة والنقصان كالفرح والحزن والغضب

[ 298 ]

ولو لم يكن كذلك يقتضي أن يكون إيمان النبي صلى الله عليه وسلم وأفراد الأمة سواء وأنه باطل إجماعا ولقول إبراهيم عليه السلام (ولكن ليطمئن قلبي) الثاني التصديق التفصيلي في أفراد ما علم مجيئه به جزء من الإيمان يثاب عليه ثوابه على تصديقه بالآخر وقال بعضهم في هذا المقام الذي يؤدي إليه نظري أنه ينبغي أن يكون الحق الحقيق بالقبول أن الإيمان بحسب التصديق يزيد بحسب الكمية المعظمة وهي العدد قبل تقرر الشرائع بأن يؤمن الإنسان بجملة ما ثبت من الفرائض ثم يثبت فرض آخر فيؤمن به أيضا ثم وثم فيزداد إيمانه أو يؤمن بحقيقة كل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إجمالا قبل أن تبلغ إليه الشرائع تفصيلا ثم تبلغه فيؤمن بها تفصيلا بعدما آمن به إجمالا فيزداد إيمانه فإن قلت يلزم من هذا تفضيل آمن من بعد تقرير الشرائع على من مات في زمن الرسول عليه السلام من المهاجرين والأنصار لأن إيمان أولئك أزيد من إيمان هؤلاء قلت لا نسلم أن هذه الزيادة سبب التفضيل في الآخرة وسند المنع أن كل واحد من هذين الفريقين مؤمن بجميع ما يجب الإيمان به يحسب زمانه وهما متساويان في ذلك وأيضا إنما يلزم تفضيلهم على الصحابة بسبب زيادة عدد إيمانهم لو لم يكن لإيمانهم ترجيح باعتبار آخر وهو قوة اليقين وهو ممنوع لأن لإيمانهم ترجيحا ألا ترى إلى قوله عليه السلام لو وزن إيمان أبي بكر مع إيمان جميع الخلق لرجح إيمان أبي بكر رضي الله عنه ولا ينقص الإيمان بحسب العدد قبل تقرر الشرائع ولا يلزم ترك الإيمان بنقص ما يجب الإيمان به ويزيد وينقص بحسب العدد بعد تقرر الشرائع بتكرار التصديق والتلفظ بكلمتي الشهادة مرة بعد أخرى بعد الذهول عنه تكرارا كثيرا أو قليلا ويزيد وينقص مطلقا أي قبل تقرر الشرائع وبعده بحسب الكيفية أي القوة والضعف بحسب ظهور أدلة حقية المؤمن به وخفائها وقوتها وضعفها وقوة اعتقاد المقلد في المقلد وضعفه وروى عن بعض المحققين أنه قال الأظهر أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة ولهذا يكون إيمان الصديقين والراسخين في العلم أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تغريهم الشبهة ولا يزلزل إيمانهم معارض ولا تزال قلوبهم منشرحة للإسلام وإن اختلفت عليهم الأحوال انتهى كلام العيني بلفظه وقال بعد ورقة قوله يزيد وينقص أي الإيمان والإسلام يقبل الزيادة والنقصان هذا على تقدير دخول القول والفعل فيه ظاهر وأما على تقدير أن يكون نفس التصديق فإنه أيضا يزيد وينقص أي قوة وضعفا أي إجمالا وتفصيلا أو تعددا بحسب تعدد المؤمن به كما حققناه فيما مضى انتهى

[ 299 ]

قلت قول من قال من أهل العلم إن نفس التصديق يزيد وينقص هو الحق والصواب والله تعالى أعلم قوله (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا) بضم اللام ويسكن لأن كمال الإيمان يوجب حسن الخلق والإحسان إلى كافة الإنسان (وألطفهم بأهله) أي أرفقهم وأبرهم بنسائه وأولاده وأقاربه وعترته وفي الحديث أن المؤمنين كلهم ليسوا سواء في الإيمان بل بعضهم أكمل إيمانا من بعض وبه مطابقة لحديث الباب قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأنس بن مالك) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الترمذي وأخرجه أبو داود مختصرا وأما حديث أنس فأخرجه الترمذي في صفة جهنم وأخرجه أيضا الشيخان قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه الحاكم قوله (كان والله من الفقهاء ذوي الألباب) زاد الحافظ في تهذيب التهذيب بعد هذا ما أدركت بهذا المصر رجلا كان أعلم بالفقهاء من أبي قلابة قوله (حدثنا أبو عبد الله بن هريم) بضم الهاء وفتح الراء مصغرا (بن مسعر) بكسر الميم وسكون السين وفتح العين المهملتين (الأزدي الترمذي) مقبول من العاشرة

[ 300 ]

قوله (خطب الناس) وفي حديث أبي سعيد عند الشيخين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في أضح أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال يا معشر النساء تصدقن الخ (ثم قال يا معشر) النساء أي جماعتهن والخطاب عام غلبت الحاضرات على الغيب قال أهل اللغة المعشر هم الجماعة الذين أمرهم واحد أي مشتركون وهو اسم يتناولهم كالإنس معشر والجن معشر والأنبياء معشر والنساء معشر ونحو ذلك وجمعه معاشر (تصدقن) أمر لهن أي أعطين الصدقة (ولم ذاك) أصله لما حذفت ألف ما الاستفهامية بدخول حرف الجر عليها تخفيفا واللام متعلقة بمقدر بعدها والواو إما للعطف على مقدر قبله والتقدير فقالت كيف يكون ذاك ولأي شئ نكون أكثر أهل النار أو زائدة ليدل على أنه متصل بما قبله لا سؤال مستقل بنفسه منقطع عما قبله (لكثرة لعنكن) اللعن هو الدعاء بالإبعاد من رحمه الله تعالى (يعني وكفركن العشير) هذا وقول بعض الرواة وفي حديث أبي سعيد تكثرن اللعن وتكفرن العشير قال النووي العشير بفتح العين وكسر الشين وهو في الأصل المعاشر مطلقا والمراد هنا الزوج انتهى وكفران العشير جحد نعمته وإنكارها أو سترها بترك شكرها واستعمال الكفران في النعمة والكفر في الدين أكثر (من ناقصات عقل ودين) صفة موصوف محذوف أي ما رأيت أحدا من ناقصات (أغلب لذوي الألباب) أي لذوي العقول والألباب جمع اللب وهو العقل الخالص من شوب الهوى وفيه مبالغة لأنه إذا كان ذو اللب والرأي مغلوبا فغيره أولى (منكن) متعلق بأغلب (وما نقصان عقلها ودينها) كأنه خفي عليها ذلك حتى سألت عنه (قال شهادة امرأتين منكن بشهادة رجل) وفي حديث أبي سعيد أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل قال الحافظ أشار بقوله مثل نصف شهادة الرجل إلى قوله تعالى فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء لأن الاستظهار بأخرى مؤذن بقلة ضبطها وهو مشعر بنقص عقلها (ونقصان دينكن الحيضة) بفتح الحاء (فتمكث إحداكن الثلاث والأربع) أي ثلاث ليال مع أيامها وأربع ليال مع أيامها (لا تصلي) أي ولا تصوم وفي حديث أبي سعيد أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم (قلن بلى) قال

[ 301 ]

فذلك من نقصان دينها قال النووي وأما وصفه صلى الله عليه وسلم النساء بنقصان الدين لتركهن الصلاة والصوم في زمن الحيض فقد يستشكل معناه وليس بمشكل بل هو ظاهر فإن الدين والإيمان والإسلام مشتركة في معنى واحد كما قدمنا في مواضع وقد قدمنا أيضا في مواضع أن الطاعات تسمى إيمانا ودينا وإذا اثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه ومن نقصت عبادته نقص دينه انتهى قوله (وفي الباب عن أبي سعيد وابن عمر) أما حديث أبي سعيد فقد تقدم تخريجه آنفا وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم نحو حديث أبي سعيد وأبي هريرة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (الإيمان بضع وسبعون بابا) وفي روايات الشيخين شعبة مكان بابا فالمراد بالباب هنا الشعبة وهي القطعة من الشئ والمراد الخصلة أو الجزء قاله الحافظ والبضع بكسر الباء هو ما بين الثلاث إلى التسع أو إلى الخمس أو ما بين الواحدة إلى الرابعة أو من أربع إلى تسع أو هو سبع كذا في القاموس اعلم أنه وقع في هذه الرواية بضع وسبعون ووقع في رواية البخاري في كتاب الإيمان بضع وستون وفي رواية لمسلم بضع وسبعون وفي أخرى له بضع وسبعون أو بضع وستون بالشك ووقع في الرواية الآتية أربعة وستون قال الحافظ وأما رواية الترمذي بلفظ أربع وستون فمعلولة وعلى صحتها لا تخالف رواية البخاري وترجيح رواية بضع وسبعون لكونها زيادة ثقة كما ذكره الحليمي ثم عياض لا يستقيم إذ الذي زادها لم يستمر على الجزم بها لا سيما مع اتحاد المخرج وقد رجح ابن الصلاح الأقل لكونه المتيقن (فأدناها) أي أقربها منزلة وأدونها مقدارا ومرتبة بمعنى أقربها تناولا وأسهلها تواصلا من الدنو بمعنى القرب فهو ضد فلان بعيد المنزلة أي رفيعها أو من الدناءه أي أقلها فائدة لأنها دفع أدنى ضرر (إماطة الأذى) أي تنحيته وإبعاده والمراد بالأذى كل ما يؤذي من حجر ومدر أو شوك أو غيره (وأرفعها قول لا إله إلا الله) وفي رواية مسلم أفضلها مكان أرفعها قال

[ 302 ]

القاضي قد نبه صلى الله عليه وسلم على أن أفضلها التوحيد المتعين على كل أحد والذي لا يصح شئ من الشعب إلا بعد صحته وأدناها ما يتوقع ضرره بالمسلمين من إماطة الأذى عن طريقهم وبقي بين هذين الطريقين أعداد لو تكلف المجتهد تحصيلها بغلبه الظن وشدة التتبع لأمكنه وقد فعل ذلك بعض من تقدم وفي الحكم بأن ذلك مراد النبي صلى الله عليه وسلم صعوبة ثم إنه لا يلزم معرفة أعيانها ولا يقدح جهل ذلك في الإيمان إذ أن أصول الإيمان وفروعه معلومة محققة والإيمان بأن هذا العدد واجب في الجملة انتهى وقد صنف في تعيين هذه الشعب جماعة منهم الإمام أبو عبد الله الحليمي صنف فيها كتابا سماه فوائد المنهاج والحافظ أبو بكر البيهقي وسماه شعب الإيمان والشيخ عبد الجليل أيضا سماه شعب الإيمان وإسحاق بن القرطبي وسماه كتاب النصائح والامام أبو حاتم وسماه وصف الإيمان وشعبه قاله العيني وقال الحافظ في الفتح ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد وأقربها إلى الصواب طريقة ابن حبان لكن لم يقف على بيانه من كلامه وقد لخصت مما أورده ما أذكره ثم ذكره الحافظ بقوله وهو أن هذه الشعب تتفرع من أعمال القلب وأعمال اللسان وأعمال البدن فأعمال القلب فيها المعتقدات والنيات وتشتمل على أربع وعشرين خصلة الخ قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة باب ما جاء أن الحياء من الإيمان تقدم تفسير الحياء لغة وشرعا في باب الحياء من أبواب البر والصلة

[ 303 ]

قوله (وهو يعظ أخاه في الحياء) أي ينصح أو يخوف أو يذكر كذا شرحوه والأولى أن يشرح بما جاء عند البخاري في الأدب ولفظه يعاتب أخاه في الحياء يقول إنك لتستحيي حتى كأنه يقول قد أضربك انتهى ويحتمل أن يكون جمع له العتاب والوعظ فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الاخر لكن المخرج متحد فالظاهر أنه من تصرف الراوي بحسب ما اعتقد أن كل لفظ منهما يقوم مقام الاخر وفي سببية فكأن الرجل كان كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فعاتبه أخوه على ذلك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم دعه أي اتركه على هذا الخلق السني ثم زاد في ذلك ترغيب الحكمة بأنه من الإيمان وإذا كان الحياء يمنع صاحبه من استيفاء حق نفسه جر له ذلك تحصيل أجر ذلك الحق لا سيما إذا كان المتروك له مستحقا كذا في الفتح (الحياء من الايمان) أي بعضه أو من شعبه قاله القاري وقد ذكر النووي كلاما نافعا مفيدا فيما يتعلق بالحياء ونقلناه عن شرح مسلم في باب الحياء فعليك أن تطالعه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) أخرجه الترمذي في باب الحياء باب ما جاء في حرمة الصلاة قوله (أخبرنا عبد الله بن معاذ) بن نشيط بفتح النون بعدها معجمة الصنعاني صاحب معمر صدوق تحامل عليه عبد الرزاق من التاسعة قوله (قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأصبحت يوما قريبا منه ونحن نسير) وفي رواية

[ 304 ]

قال بينما نحن نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وقد أصابنا الحر فتفرق القوم فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أقربهم مني فدنوت منه وقلت (أخبرني بعمل يدخلني الجنة) برفع يدخل على أنه صفة عمل إما مخصصة أو مادحة أو كاشفة فإن العمل إذا لم يكن بهذه الحيثية كأنه لا عمل وقيل بالجزم وفيه تكلف (عن عظيم) أي عن عمل عظيم فعله على النفوس (وإنه ليسير) أي هين وسهل (على من يسره الله) أي جعله سهلا (تعبد الله) إما بمعنى الأمر وكذا ما بعده وإما خبر مبتدأ محذوف تعويلا على أقوى الدليلين أي هو أن تعبد أي العمل الذي يدخلك الجنة عبادتك الله بحذف أن أو تنزيل الفعل منزلة المصدر وعدل عن صيغة الأمر تنبيها على أن المأمور كأنه متسارع إلى الامتثال وهو بخبر عنه إظهارا لرغبته في وقوعه وفصله عن الجملة الأولى لكونه بيانا أو استئنافا (ألا أدلك على أبواب الخير) أي الطرق الموصلة به (الصوم جنة) بضم الجيم الترس أي مانع من النار أو من المعاصي بكسرة الشهوة وضعف القوة وقال في النهاية الصوم جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات والجنة الوقاية انتهى (والصدقة تطفئ الخطيئة) من الاطفاء أي تذهبها وتمحو أثرها أي إذا كانت متعلقة بحق الله تعالى وإذا كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضا عن مظلمته (وصلاة الرجل من جوف الليل) مبتدأ خبره محذوف أي كذلك يعني تطفي الخطيئة أو هي من أبواب الخير والأول أظهر قال القاضي وقيل الأظهر أن بقدر الخبر وهو شعار الصالحين كما في جامع الأصول ذكره القاري (ثم تلا) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم تتجافى جنوبهم أي تتباعد (عن المضاجع) أي المفارش والمراقد يدعون ربهم بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء (حتى بلغ يعملون) بقية الاية خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (ألا أخبرك برأس الأمر كله) أي بأصل كل أمر (وعموده) بفتح أوله أي ما يقوم ويعتمد عليه (وذروة سنامه) بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحكي فتحها أعلى الشئ

[ 305 ]

والسنام بالفتح ما ارتفع عن ظهر الجمل قريب عنقه (قال رأس الأمر) أي أمر الدين (الإسلام) يعني الشهادتين وهو من باب التشبيه المقلوب إذ المقصود تشبيه الاسلام برأس الأمر ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه (وعموده الصلاة) يعني الاسلام هو أصل الدين إلا أنه ليس له قوة وكمال كالبيت الذي ليس له عمود فإذا صلى وداوم قوى دينه ولم يكن له رفعة فإذا جاهد حصل لدينه رفعة وهو معنى قوله (وذروة سنامه الجهاد) وفيه إشعار إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال والجهاد من الجهد بالفتح وهو المشقة أو بالضم وهو الطاقة لأنه يبذل الطاقة في قتال العدو عند فعل العدو مثل ذلك (ألا أخبرك بملاك ذلك كله) الملاك ما به إحكام الشئ وتقويته من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها والرواية بالكسر وذلك إشارة إلى ما ذكر من أول الحديث إلى هنا من العبادات وأكده بقوله كله لئلا يظن خلاف الشمول أي بما تقوم به تلك العبادات جميعها (فأخذ) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (بلسانه) الباء زائدة والضمير راجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (قال كف) الرواية بفتح الفاء المشددة أي امنع (هذا) إشارة إلى اللسان أي لسانك المشافة له وتقديم المجرور على المنصوب للاهتمام به وتعديته بعلى للتضمين أو بمعنى عن وإيراد اسم الاشارة لمزيد التعيين أو للتحقير وهو مفعول كف وإنما أخذ عليه الصلاة والسلام بلسانه وأشار إليه من غير اكتفاء بالقول تنبيها على أن أمر اللسان صعب والمعنى لا تكلم بما لا يعنيك فإن من كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كثرت ذنوبه ولكثرة الكلام مفاسد لا تحصى (وإنا لمؤاخذون) بالهمز ويبدل أي هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا (بما نتكلم به) يعني بجميعه إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام (ثكلتك) بكسر الكاف أي فقدتك وهو دعاء عليه بالموت على ظاهره ولا يراد وقوعه بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة وتعجيب وتعظيم للأمر (وهل يكب) بفتح الياء وضم الكاف من كبه إذا صرعه على وجهه بخلاف أكب فإن معناه سقط على وجهه وهو من النوادر وهو عطف على مقدر أي هل تظن غير ما قلت وهل يكب (الناس) أي يلقيهم ويسقطهم ويصرعهم (على وجوههم أو على مناخرهم) شك من الراوي والمنخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحهما ثقب

[ 306 ]

بالدربوس الأنف والاستفهام للنفي خصهما بالكب لأنهما أول الأعضاء سقو (إلا حصائد ألسنتهم) أي محصوداتها شبه ما يتكلم به الانسان بالزرع المحصود بالمنجل وهو من بلاغة النبوة فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والردي فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسنا وقبيحا والمعنى لا يكب الناس في النار إلا حصائد ألسنتهم من الكفر والقدف والشتم والغيبة والنميمة والبهتان ونحوها والاستثناء مفرغ وهذ الحكم وارد على الأغلب أي على الأكثر لأنك إذا جربت لم تجد أحدا حفظ لسانه عن السوء ولا يصدر عنه شئ يوجب دخول النار إلا نادرا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي وابن ماجه قوله (عن عمرو بن الحارث) الأنصاري مولاهم المصري (عن دراج) بفتح الدال المهملة وشدة الراء آخره جيم (أبي السمح) بمهملتين الأولى مفتوحة والميم ساكنة قيل اسمه عبد الرحمن ودراج لقب السهمي مولاهم المصري القاص صدوق في حديثه عن أبي الهيثم ضعف من الرابعة قوله (إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد) أي يخدمه ويعمره وقيل المراد التردد إليه في إقامة الصلاة وجماعته وهذا هو التعهد الحقيقي وهو عمارته صورة (فاشهدوا له بالإيمان) أي بأنه مؤمن قال الطيبي التعهد والتعاهد الحفظ بالشئ وورد في بعض الروايات وهي رواية للترمذي يعتاد بدل يتعاهد وهو أقوى سندا وأوفق معنى لشموله جميع ما يناط به المسجد من العمارة واعتياد الصلاة وغيرها ألا ترى إلى ما أشهد به النبي صلى الله عليه وسلم بقوله فاشهدوا له أي اقطعوا له القول با يمان لأن الشهادة قول صدر عن مواطأة القلب على القطع وقال ابن حجر بل التعهد أولى لأنه مع شموله لذلك يشمل تعهدها بالحفظ والعمارة والكنس والتطييب وغير ذلك كما يدل عليه استشهاده عليه السلام بالاية الاتية كذا في المرقاة قلت رواية الترمذي التي فيها يعتاد أخرجها هو في التفسير (إنما يعمر مساجد الله) أي بإنشائها أو ترميمها أو إحيائها بالعبادة

[ 307 ]

والدروس قال صاحب الكشاف عمارتها كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر وصيانتها عما لم تبن له المساجد من حديث الدنيا فضلا عن فضول الحديث انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه والدارمي وابن خزيمة والحاكم وقال صحيح وقال الذهبي في إسناده دراج وهو كثير المناكير نقله ميرك عن التخريج باب ما جاء في ترك الصلاة قوله (أخبرنا جرير) بن عبد الحميد (وأبو معاوية) اسمه محمد بن خازم الضرير الكوفي قوله (بين الكفر والإيمان ترك الصلاة) أي ترك الصلاة وصلة بين الكفر والإيمان قال ابن الملك متعلق بين محذوف تقديره تركها وصلة بينه وبينه وقال بعضهم قد يقال لما يوصل الشئ إلى الشئ من شخص أو هدية هو بينهما وقال الطيبي ترك الصلاة مبتدأ والظرف المقدم خبره والظاهر أن فعل الصلاة هو الحاجز بين العبد والكفر قوله (بين العبد وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة) كذا وقع في نسخ الترمذي أو الكفر بلفظ أو ووقع في رواية مسلم والكفر بالواو قال النووي هكذا هو في جميع الأصول من صحيح مسلم الشرك والكفر بالواو وفي مخرج أبي عوانة الأسفرايني وأبي نعيم الأصبهاني أو الكفر بأو لكل واحد منهما وجه ومعنى بينه ويبن الشرك ترك الصلاة أي الذي يمنع من كفره كونه لم يترك الصلاة فإذا تركها لم يبق بينه وبين الشرك حائل بل دخل فيه إن الشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد وهو الكفر بالله تعالى وقد يفرق بينهما فيختص المشرك بعبدة الأوثان وغيرها من المخلوقات مع اعترافهم بالله تعالى ككفار قريش فيكون الكفر أعم من الشرك

[ 308 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وأبو الزبير اسمه محمد بن مسلم بن تدرس) بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء قوله (ويوسف بن عيسى) أبو يعقوب المروزي (أخبرنا الفضل بن موسى) السيناني المروزي (عن الحسين بن واقد) المروزي (أخبرنا علي بن الحسين بن واقد) المروزي صدوق يهم من العاشرة (وحدثنا محمد بن علي بن الحسن الشقيقي) المروزي ثقة صاحب حديث من الحادية عشرة (أخبرنا علي بن الحسين بن شقيق) أبو عبد الرحمن المروزي قوله (العهد الذي بيننا وبينهم) يعني المنافقين (الصلاة) أي هو الصلاة بمعنى أنها الموجبة لحقن دمائهم كالعهد في حق المعاهدين (فمن تركها فقد كفر) أي فإذا تركوها برئت منهم الذمة ودخلوا في حكم الكفار نتقاتلهم كما نقاتل من لا عهد له قال القاضي ضمير الغائب يعني في قوله وبينهم للمنافقين شبه الموجب لإبقائهم وحقن دمائهم بالعهد المتقتضى لإبقاء المعاهد والكف عنه ذوالمعنى أن العمدة في إجراء أحكام الاسلام عليهم تشبههم

[ 309 ]

بالمسلمين في حضور صلاتهم ولزوم جماعتهم وانقيادهم للأحكام الظاهرة فإذا تركوا ذلك كانوا هم والكفار سواء قال التوربشتي ويؤيد هذا المعنى قوله عليه الصلاة والسلام لما استؤذن في قتل المنافقين ألا إني نهيت عن قتل المصلين قيل يمكن أن يكون ضمير الغائبين عاما فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان منافقا أو لا يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لأبي الدرداء لا تترك صلاة مكتوبة متعمدا فمن تركها متعمدا فقد برئت منه الذمة قوله (وفي الباب عن أنس وابن عباس) أما حديث أنس فأخرجه الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به ولفظه من ترك الصلاة متعمدا فقد كفر جهارا ورواه محمد بن نصر في كتاب الصلاة ولفظه سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بين العبد والكفر أو الشرك ترك الصلاة فإذا ترك الصلاة فقد كفر ورواه ابن ماجه عن يزيد الرقاشي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ليس بين العبد والشرك إلا ترك الصلاة فإذا تركها فقد أشرك وأما حديث ابن عباس فأخرجه يعلى بإسناد حسن ولفظه عرى الاسلام وقواعد الدين ثلاثة عليهن أسس الاسلام من ترك واحدة منهن فهو بها كافر حلال الدم شهادة أن لا إله إلا الله والصلاة المكتوبة وصوم رمضان كذا في الترغيب قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه وقال صحيح ولا نعرف له علة قوله (لا يرون) من الرأي أي لا يعتقدون (من الأعمال) صفة لقوله شيئا (تركه كفر) صفة ثانية له (غير الصلاة) استثناء والمستثنى منه الضمير الراجع إلى شيئا قاله الطيبي والمراد ضمير تركه ثم الحصر يفيد أن ترك الصلاة عندهم كان من أعظم الوزر وأقرب إلى الكفر قاله القاري قلت بل قول عبد الله بن شقيق هذا بظاهره يدل على أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يعتقدون أن ترك الصلاة كفر والظاهر من الصيغة أن هذه المقالة اجتمع عليها الصحابة لأن

[ 310 ]

قوله كان أصحاب رسول الله جمع مضاف وهو من المشعرات بذلك وأثر عبد الله بن شقيق هذا أخرجه الحاكم أيضا وصححه على شرطهما وذكره الحافظ في التلخيص ولم يتكلم عليه قال الشوكاني في النيل في باب حجة من كفر تارك الصلاة لا خلاف بين المسلمين في كفر من ترك الصلاة منكرا بوجوبها إلا أن يكون قريب عهد بالاسلام أو لم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة وإن كان تركه لها تكاسلا مع اعتقاده لوجوبها كما هو حال كثير من الناس فقد اختلف في ذلك فذهب الجماهير من السلف والخلف منهم مالك والشافعي إلى أنه لا يكفر بل يفسق فإن تاب وإلا قتلناه حدا كالزاني المحصن ولكنه يقتل بالسيف وذهب من السلف إلى أنه يكفر وهو مروى عن علي بن أبي طالب عليه السلام وهو إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل وبه قال عبد الله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وهو وجه لبعض أصحاب الشافعي وذهب أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة المزني صاحب الشافعي إلى أنه لا يكفر ولا يقتل بل يعزر ويحبس حتى يصلي احتج الأولون على عدم كفره بقول الله عز وجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء وبما سيأتي من الأحاديث في باب حجة من لم يكفر تارك الصلاة ولم يقطع عليه بخلو كحديث عبادة بن الصامت خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن لم يضيع منهن شيئا استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه واحتجوا على قتله بقوله تعالى فإن تابوا وأقاموا الصلاة وأتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وبقوله صلى الله عليه وسلم أمرت أن اقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا دماءهم وأموالهم إلا بحقها الحديث متفق عليه وتألوا قوله صلى الله عليه وسلم بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة وسائر أحاديث الباب على أنه مستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر وهي القتل وأنه محمول على المستحل أو على أنه قد يؤول به إلى الكفر أو على أن فعله فعل الكفار واحتج أهل القول الثاني بأحاديث الباب واحتج أهل القول الثالث على عدم الكفر بما احتج به أهل القول الأول وعلى عدم القتل بحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وليس فيه الصلاة والحق أنه كافر يقتل أما كفره فلأن الأحاديث قد صحت أن الشارع سمي تارك

[ 311 ]

الصلاة بذلك الاسم وجعل الحائل بين الرجل وبين إطلاق هذا الاسم عليه هو الصلاة فتركها مقتض لجواز الاطلاق ولا يلزمنا شئ من المعارضات التي أوردها الأولون لأنا نقول لا يمنع أن يكون بعض أنواع الكفر غير مانع المغفرة واستحقاق الشفاعة ككفر أهل القبلة ببعض الذنوب التي سماها الشارع كفرا فلا من ملجى إلى التأويلات التي وقع الناس في مضيقها وأما أنه يقتل فلأن حديث أمرت أن أقاتل الناس يقضي بوجوب القتل لاستلزام المقاتلة له وقد شرط الله في القران التخلية بالتوبة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فقال فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم فلا يخلي من لم يقم الصلاة انتهى كلام الشوكاني مختصرا ملخصا قلت لو تأملت في ما حققه الشوكاني في تارك الصلاة من أنه كافر وفي ما ذهب إليه الجمهور من أنه لا يكفر لعرفت أنه نزاع لفظي لأنه كما لا يخلد هو في النار ولا يحرم من الشفاعة عند الجمهور كذلك لا يخلد هو فيها ولا يحرم منها عند الشوكاني أيضا باب قوله (عن ابن الهاد) اسمه يزي بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي أبو عبد الله المدني ثقة مكثر من الخامسة قوله (ذاق طعم الايمان من رضي بالله) قال صاحب التحرير معنى رضيت بالشئ قنعت به واكتفيت به ولم أطلب معه غيره فمعنى الحديث لم يطلب غير الله تعالى ولم يسمع في غير طريق الإسلام ولم يسلك إلا بما يوافق شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ولا شك في أن من كانت هذه صفته فقد خالطت حلاوة الإيمان قلبه وذاق طعمه وقال القاضي عياض معنى الحديث صح إيمانه واطمأنت به نفسه وخامر باطنه لأن رضاه بالمذكورات دليل لثبوت معرفته ونفاذ بصيرته ومخالطة بشاشته قلبه لأن من رضي أمر سهل عليه فكذا المؤمن إذا دخل قلبه الإيمان سهل عليه طاعات الله تعالى ولذت له (ربا) بالنصب على التمييز وكذا أخوانه

[ 312 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم قوله (عن أيوب) هو ابن أبي تميمة السختياني قوله (ثلاث) مبتدأ والجملة الشرطية خبره وجاز مع أنه نكرة لأن التقدير خصال ثلاث (وجد بهن) أي بسبب وجودهن (طعم الإيمان) بفتح الطاء أي لذاته وفي رواية لمسلم حلاوة الإيمان قال العلماء معنى حلاوة الإيمان استلذاذه الطاعات وتحمله المشاق في رضى الله ورسوله وإيثار ذلك على عرض الدنيا ومحبة العبد لله سبحانه وتعالى بفعل طاعته وترك مخالفته وكذا محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال القاضي عياض هذا الحديث بمعنى حديث ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا إلخ وذلك أنه لا تصح محبة الله تعالى ورسوله حقيقة وحب الأدمي في الله ورسوله صلى الله عليه وسلم وكراهته الرجوع في الكفر إلا لمن قوي بالإيمان يقينه واطمأنت به نفسه وانشرح له صدره وخالط لحمه ودمه وهذا هو الذي وجد حلاوته قال والحب في الله من ثمرات حب الله وأصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب ثم الميل قد يكون لما يستلذه الانسان ويستحسنه كحسن الصورة والصوت والطعام ونحوها وقد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين والعلماء وأهل الفضل مطلقا وقد يكون لإحسانه إليه ودفعه المضار والمكاره عنه وهذه المعاني كلها موجودة في النبي صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن وكمال خلال الجلال وأنواع الفضائل وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم ودوام النعيم والإبعاد من الجحيم وقد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق الله تعالى فإن الخبر كله منه سبحانه وتعالى قال مالك وغيره المحبة في الله تعالى من واجبات الاسلام (من كان) لا بد من تقدير مضاف قبله لأنه إما بدل أو بيان أو خبر مبتدأ محذوف هو هي أو هن أو إحداها أي محبة من كان (الله ورسوله) برفعهما (أحب إليه) بالنصب على أنه خبر كان (مما سواهما) يعم ذوي العقول وغيرهم من المال والجاه وسائر الشهوات (وأن يحب المرء) أي وثانيتها أن يحب المرء وفي رواية لمسلم من كان يحب المرء (لا يحبه إلا لله) استثناء مفرغ أي لا يحبه لغرض وعرض وعوض ولا يشوب محبته حظ دنيوي ولا امر بشر بل محبته تكون خالصة لله تعالى فيكون متصفا بالحب في الله وداخلا في المتحابين لله والجملة حال من الفاعل أو

[ 313 ]

المفعول أو منهما (وأن يكره) أي ثالثتها أن يكره (أن يعود في الكفر) أي يرجع أو يتحول وقيل أن يصبر بدليل تعديته بفي على حد (أو لتعوددن في ملتنا) فيشمل من لم يسبقه له كفر أيضا ولا ينافيه قوله (بعد إذ أنقذه منه) أي أخلصه ونجاه من الكفر لأن أنقذ بمعنى حفظ بالعصمة ابتداء بأن يولد على الاسلام ويستمر بهذا الوصف على الدوام أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان أو لا يشمله ولكنه مفهوم من طريق المساوة بل الأولى قاله القاري وقال النووي قوله يعود أو يرجع معناه يصير وقد جاء العود والرجوع بمعنى الصيرورة انتهى (أن يقذف) بصيغة المجهول أي يلقى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجه باب ما جاء لا يزني الزاني وهو مؤمن قوله (لا يزني الزاني وهو مؤمن) الواو للحال قال النووي هذا الحديث مما اختلف العلماء معناه فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشي ويراد نفي كماله ومختاره كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا الابل ولا عيش إلا عيش الاخرة وإنما تأولناه على ما ذكرناه لحديث أبي ذر وغيره من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنى وإن سرق وحديث عبادة بن الصامت الصحيح المشهور أنهم بايعوه صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا إلى آخره ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم فمن وفى منكم فأجره على الله ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه فهذان الحديثان مع نظائرهما في الصحيح مع قول الله عز وجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء مع إجماع أهل الحق على أن الزاني والسارق والقاتل وغيرهم من أصحاب الكبائر غير

[ 314 ]

الشرك لا يكفرون بذلك بل هم المؤمنون ناقصو الإيمان إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة فإن شأن الله تعالى عفا عنهم وأدخلهم الجنة أولا وإن شاء عذبهم ثم أدخلهم الجنة فكل هذه الدلائل تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه وتأول بعض العلماء هذا الحديث على من فعل مستحلا مع علمه بورود الشرع بتحريمه وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أن معناه ينزع منه نور الإيمان فيه حديث مرفوع وذهب الزهري إلى أن هذا الحديث وما أشبهه يؤمن بها وتمر على ما جاءت ولا يخاض في معناها وأنا لا نعلم معناها وقال أروها كما أمرها من قبلكم انتهى كلام النووي مختصرا قلت قال البخاري في صحيحه وقال ابن عباس ينزع عنه نور الإيمان في الزنا قال الحافظ وصله أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الإيمان من طريق عثمان بن أبي صفية قال كان ابن عباس يدعو غلمانه غلاما فيقول ألا أزوجك ما عبد يزني إلا نزع الله منه نور الإيمان وقد روى مرفوعا أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عن ابن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من نزع الله نور الإيمان من قبله فإن شاء أن يرده رده وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود (ولكن التوبة معروضة) زاد مسلم في رواية بعده والمعنى لكن التوبة تعرض عليه فإن تاب تاب الله عليه قوله (وفي الباب عن ابن عباس وعائشة وعبد الله بن أبي أوفى) أما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وأما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث عبد الله بن أبي أوفى فأخرجه ابن أبي شيبة قوله (حديث أبي هريرة حسن غريب صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي قوله (وقد روى عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا زنى) أي أخذ وشرع في الزنا (العبد) أي المؤمن (خرج من الإيمان) أي نوره وكماله أو يصير كأنه خرج إذا لا يمنع إيمانه عن ذلك كما لا يمنع من خرج منه الإيمان أنه من باب التغليظ في الوعيد قال التوربشتي هذا

[ 315 ]

من باب الزجر والتهديد وهو كقول القائل لمن اشتهر بالرجولية والمروءة ثم فعل ما ينافي شيمته عدم عنه الرجولية والمروءة تعبيرا وتنكيرا لينتهي عما صنع واعتبارا وزجرا للسامعين ولطفا بهم وتنبيها على أن الزنا من شيم أهل الكفر وأعمالهم فالجمع بينه وبين الإيمان كالجمع بين المتنافيين وفي قوله صلى الله عليه وسلم فكان فوق رأسه كالظلة وهو أول سحابة تظل إشارة إلى أنه وإن خالف حكم الإيمان فإنه تحت ظله لا يزول عنه حكم الإيمان ولا يرتفع عنه اسمه (عاد إليه الإيمان) قيل هذا تشبيه المعنى بالمحسوس يجامع بمعنوي وهو الاشراف على الزوال وفيه إيماه بأن المؤمن في حالة اشتغاله بالمعصية يصير كالفاقد للإيمان لكن لا يزول حكمه واسمه بل هو بعد في ظل رعايته وكنف بركته إذا نصب فوقه كالسحابة تظلهه فإذا فرغ من معصيته عاد الإيمان إليه وحديث أبي هريرة هذا ذكره الترمذي معلقا ووصله أبو داود في سننه والبيهقي والحاكم وقال صحيح على شرطهما ووافقه الذهبي قوله (وروى عن أبي جعفر محمد بن علي) بن الحسين بن علي بن أبي طالب المشهور بالباقر (أنه قال في هذا خروج عن الإيمان إلى الاسلام) يعني أنه جعل الإيمان أخص من الاسلام فإذا خرج من الإيمان بقي في الاسلام وهذا يوافق قول الجمهور أن المراد بالإيمان هنا كماله لا أصله قاله الحافظ وقوله (روى ذلك علي بن أبي طالب وعبادة بن الصامت وخزيمة بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم) تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في باب ما جاء إن الحدود كفارة لأهلها قوله (حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر أحمد بن عبد الله الهمداني) أعلم أنه قد وقع في

[ 316 ]

النسخة الأحمدية حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر حدثنا أحمد بن عبد الله الهمداني بزيادة لفظ حدثنا بين أبي السفر وأحمد وهذا غلط صريح والصواب حذف لفظ أخبرنا لأن أحمد بن عبد الله الهمداني هو اسم أبي عبيدة أبي السفر (أخبرنا الحجاج بن محمد المصيصي) الأعور قوله (من أصاب حدا) أي ذنبا يوجب الحد فأقيم المسبب مقام السبب ويجوز أن يراد بالحد المحرم من قوله تلك حدود الله فلا تعتدوها أي تلك محارمه ذكره الطيبي (فعجل) بصيغة المجهول أي فقدم (أن يثنى) بتشديد النون أي يكرر (فستره الله عليه) قال الترمذي في باب إن الحدود كفارة لأهلها قال الشافعي وأحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستر على نفسه ويتوب فيما بينه وبين ربه وكذلك روي عن أبي بكر وعمر أنهما أمرا أن يستر على نفسه انتهى قلت روى محمد في الموطإ عن سعيد بن المسيب أن رجلا من أسلم أتى أبا بكر فقال إن الاخر قد زنى قال له أبو بكر هل ذكرت هذا لأحد غيري قال لا قال أبو بكر تب إلى الله عز وجل واستتر بستر الله فإن الله يقبل التوبة عن عباده قال سعيد فلم تقر به نفسه حتى أتى عمر بن الخطاب فقال له كما قال لأبي بكر فقال له كما قال أبو بكر الخ قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن ماجه والحاكم وقال المناوي إسناده جيد قوله (وهذا قول أهل العلم لا نعلم أحدا كفر بالزنا والسرقة وشرب الخمر) قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام الترمذي هذا يعني ممن يعتد بخلافه انتهى

[ 317 ]

باب ما جاء في أن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده قوله (المسلم من سلم المسلمون إلخ) تقدم شرح هذا في أواخر أبواب صفة القيامة (والمؤمن) أي الكامل (من أمنه الناس) كعلمه أي ائتمنه يعني جعلوه أمينا وصاروا منه على أمن (على دمائهم وأموالهم) لكمال أمانته وديانته وعدم خيانته وحاصل الفقرتين إنما هو التنبيه على تصحيح اشتقاق الاسمين فمن زعم أنه متصف به ينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتق منه فإن لم يوجد فيه فهو كمن زعم أنه كريم ولا كرم له قوله (هذا حديث صحيح غريب من حديث أبي موسى الأشعري) حديث أبي موسى هذا قد تقدم بسنده ومتنه في أواخر أبواب صفة القيامة وتقدم شرحه هناك قوله (وفي الباب عن جابر وأبي موسى وعبد الله بن عمرو) أما حديث جابر وهو ابن عبد الله فأخرجه مسلم وأما حديث أبي موسى فأخرجه الترمذي في هذا الباب فالظاهر أنه أشار إلى حديث آخر في هذا وأن حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخاري بلفظ المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه وأخرجه مسلم بلفظ إن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي المسلمين خير قال من سلم المسلمون من لسانه ويده قوله (وحديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي

[ 318 ]

باب ما جاء أن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا قوله (إن الاسلام بدأ غربيا) قال النووي في شرح مسلم بدأ بالهمزة من الابتداء قال القاضي عياض في قوله غريبا روى ابن أبي أويس عن مالك رحمه الله تعالى أن معناه في المدينة وأن الاسلام بدأ بها غريبا وسيعود إليها قال القاضي وظاهر الحديث العموم وأن الاسلام بدأ في احاد من الناس وقلة ثم انتشر فظهر ثم سيلحقه النقص والاختلال حتى لا يبقى إلا في آحاده وقلة أيضا كما بدأ (فطوبى) قال النووي طوبي فعلى من الطيب قاله الفراء وقال إنما جاءت الواو لضمه الطاء وأما معنى طوبى فاختلف المفسرون في معنى قوله تعالى (طوبي لهم) فروى عن ابن عباس رضي الله عنه أن معناه فرح وقرة عين وقال عكرمة نعم ما لهم وقال الضحاك غبطة لهم وقال قتادة حسنى لهم وقال إبراهيم خير لهم وكرامة وقال ابن عجلان دوام الخير وقيل الجنة وقيل شجرة في الجنة وكل هذه الأقوال محتملة في الحديث انتهى كلام النووي (للغرباء) أي المسلمين الذين في أوله وآخره لصبرهم على الأذى وقيل المراد بالغرباء المهاجرون الذين هجروا إلى الله قال القاري والأظهر أنهم هم الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعده من سنته كما ورد مفسرا في حديث عمرو بن عوف يعني حديثه الاتي في هذا الباب وقد صنف الحافظ أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب الحنبلي في شرح هذا الحديث رسالة سماها كشف الكربة في وصف حال أهل الغربة وقد طبعت بمصر وشاعت قوله (وفي الباب عن سعد وابن عمر وجابر وأنس وعبد الله بن عمرو) أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص فأخرجه أحمد وأما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم وأما حديث جابر فأخرجه الطبراني وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه وأما حديث عبد الله بن عمرو فلينظر من أخرجه

[ 319 ]

قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح من حديث ابن مسعود) وأخرجه ابن ماجه قوله (وأبو الأحوص اسمه عوف بن مالك بن نضله الجشمي) بضم الجيم وفتح المعجمة الكوفي مشهور بكنيته ثقة من الثالثة قتل في ولاية الحجاج على العراق قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (أخبرنا إسماعيل بن أبي أويس) هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي أبو عبد الله بن أبي أويس المدني صدوق أخطأ في أحاديث من حفظه من العاشرة (عن أبيه) هو عبد الله (عن جده) هو عمرو بن عوف وقد تقدم تراجم هؤلاء الثلاثة في باب التكبير في العيدين قوله (إن الدين ليأرز) بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء وقد تضم بعدها زاي وحكى ابن التين عن بعضهم فتح الراء وقال إن الكسر هو الصواب وحكى أبو الحسن بن سراج ضم الراء ومعناه ينضم ويجتمع (إلى الحجاز) وهو اسم مكة والمدينة وحواليهما في البلاد وسميت حجازا لأنها حجزت أي منعت وفصلت بين بلاد نجد والغور وفي حديث ابن عمر عند مسلم إن الاسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ هو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها قال القاري والمراد أن أهل الإيمان يفرون بإيمانهم إلى المدينة وقاية بها عليه أو لأنها وطنه الذي ظهر وقوي بها وهذا إخبار عن آخر الزمان حين يقل الاسلام انتهى (كما تأرز الحية إلى جحرها) بضم الجيم وسكون الحاء المهملة أي ثقبها (وليعقلن) جواب قسم محذوف أي والله ليعتصمن عطف على ليأرز أو على إن ومعمولها أي ليتحصن وينضم ويلتجي (الدين) أبرزه وحقه الاضمار إعلاما بعظيم شرفه ومزيد فخامته ومن ثم ضوعفت أدوات التأكيد وأتى بالقسم المقدر يقال عقل الوعل أي امتنع بالجبال العوالي يعقل عقولا أي ليمتنعن بالحجاز ويتخذن منه حصنا وملجا (معقل الأروية من رأس الجبل) الأروية بضم الهمزة وتكسر

[ 320 ]

وتشد الياء الأنثى من المعز الجبلي والمعقل مصدر بمعنى العقل ويجوز أن يكون اسم مكان أس كاتخاذ الأروية من رأس الجبال حصنا دون واعل لأنها أقدر من الذكر على التمكن من الجبال الوعرة والمعنى أن الدين في آخر الزمان عند ظهور الفتن واستيلاء الكفرة والظلمة على بلاد أهل الاسلام يعود إلى الحجاز كما بدأ منه (إن الدين بدأ) بالهمز هو الصحيح (غريبا) أي كالغريب أو حال (ويرجع غريبا) أي كما بدأ يعني أهل الدين في الأول كانوا غرباء ينكرهم الناس ولا يخالطونهم هكذا في الاخر (فطوبى للغرباء) أي أولا وآخرا (الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي) أي يعملون بها ويظهرونها بقدر طاقتهم قوله (هذا حديث حسن) اعلم أن الترمذي قد يحسن حديث كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده وقد يصححه وكثير هذا ضعيف عند كثير من المحدثين بل عند الأكثر بل قال ابن عبد البر إنه مجمع على ضعفه وقال الحافظ الذهبي في الميزان بعد ذكر كلام المحدثين فيه ما لفظه وأما الترمذي فروى من حديثه الصلح جائز بين المسلمين وصححه فلهذا لا يعتمد العلماء على تصحيح الترمذي انتهى باب ما جاء في علامة المنافق قوله (أخبرنا يحيى بن محمد بن قيس) المحاربي الضرير أبو محمد المدني نزيل البصرة لقبه أبو زكير بالتصغير وصدوق يخطئ كثيرا من الثامنة قوله (آية المنافق ثلاث) الاية العلامة وإفراد الاية إما على إرادة الجنس أو أن العلامة إنما تحصل باجتماع الثلاث والأول هو الظاهر وقد رواه أبو عوانة في صحيحه بلفظ علامات

[ 321 ]

المنافق فإن قيل ظاهره الحصر في الثلاث فكيف الجمع بين هذا الحديث عبد الله بن عمرو الاتي بلفظ أربع من كن فيه الخ يقال قد أجاب القرطبي باحتمال أنه استجد له صلى الله عليه وسلم من العلم بخصالهم ما لم يكن عنده قال الحافظ في الفتح ليس بين الحديثين تعارض لأنه لا يلزم من عد الخصلة المذمومة الدالة على كمال النفاق كونها علامة على لاحتمال أن تكون العلامات دالات على أصل النفاق والخصلة الزائدة إذا أضيفت إلى ذلك كمل بها خلوص النفاق على أن في رواية مسلم من طريق علاء ابن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ما يدل على إرادة عدم الحصر فإن لفظه من علامة المنافق ثلاث وكذا أخرج الطبراني في الأوسط من حديث أبي سعيد الخدري وإذا أحمل اللفظ الأول على هذا لم يرد السؤال فيكون قد أخبر ببعض العلامات في وقت وببعضها في وقت آخر انتهى (وإذا وعد) أي أخبر بخير في المستقبل وإذ وعد يغلب في الخير وأوعد في الشر وأيضاف الخلف في الوعيد من مكارم الأخلاق (أخلف) أي جعل الوعد خلافا بأن لم يف بوعده ووجه المغايرة بين هذه وما قبلها أن الاخلاف قد يكون بالفعل وهو غير الكذب الذي هو لازم التحديث وليس فيه ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد لأن ذم الاخلاف إنما هو من حيث تضمينه الكذب المذموم إن عزم على الإخلاف حال الوعد لا إن طرأ له كما هو واضح على أن علامة النفاق لا يلزم تحريمها إذ المكروه لكونه يجر إلى الحرام يصح أن يكون علامة على المحرم ونظائره علامات الساعة فإن منها ما ليس بمحرم (وإذا ائتمن) باللبناء للمجهول أي جعل أمينا (خان) أي في ما ائتمن قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الشيخان وابن ماجه قوله (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود وأنس وجابر) أما حديث عبد الله بن مسعود وحديث جابر فلينظر من أخرجهما وأما حديث أنس فأخرجه أبو يعلى قوله (عن أبيه) هو مالك بن أبي عامر الأصبحي سمع من عمر ثقة من الثانية

[ 322 ]

(واسمه نافع بن مالك بن أبي عامر الخولاني الأصبحي) بفتح الهمزة وسكون الصاد المهملة وفتح الموحدة وبالحاء المهملة التيمي المدني ثقة من الرابعة قوله (عن عبد الله بن مرة) الهمداني الخارفي بمعجمة وراء وفاء الكوفي ثقة من الثالثة قوله (أربع) أي خصال أربع (كان منافقا) زاد البخاري خالصا (حتى يدعها) أي يتركها (وإذا خاصم فجر) أي مال عن الحق وقال الباطل والكذب قال أهل اللغة أصل الفجور الميل عن القصد قاله النووي وقال القاري أي شتم ورمى بالأشياء القبيحة (وإذا عاهد غدر) أي نقض العهد ابتداء قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي قوله (وإنما معنى هذا عند أهل العمل نفاق العمل وإنما كان نفاق التكذيب على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ) قال الحافظ في الفتح النفاق لغة مخالفة الباطن للظاهر فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر وإلا فهو نفاق العمل ويدخل فيه الفعل والترك وتتفاوت مراتبه قال وقال النووي هذا الحديث عده جماعة من العلماء مشكلا من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المجمع على عدم الحكم بكفره قال وليس فيه إشكال بل معناه صحيح والذي قاله المحققون أن معناه أن هذه خصال نفاق وصاحبها شبيه بالمنافقين في هذه الخصال ومتخلف بأخلاقهم قال الحافظ ومحصل هذا الجواب الحمل في التسمية على المجاز أي صاحب هذه الخصال كالمنافق وهو بناء على أن المراد بالنفاق نفاق الكفر وقد قيل في الجواب عنه إن المراد بالنفاق العمل وهذا ارتضاه القرطبي واستدل له نقول عمر لحذيفة هل تعلم في شيئا

[ 323 ]

من النفاق فإنه لم يرد بذلك نفاق الكفر وإنما أراد نفاق العمل ويؤيد وصفه بالخالص في الحديث الثاني بقوله كان منافقا خالصا وقيل المراد باطلاق النفاق الانذار والتحذير عن ارتكاب هذه الخصال وأن الظاهر غير مراد وهذا ارتضاء الخطابي وذكر أيضا أنه يحتمل أن المتصف بذلك هو من اعتاد ذلك وصار له ديدنا قال ويدل عليه التعبير بإذا بإنها تدل على تكرر الفعل كذا قال والأولى ما قال الكرماني إن حذف المفعول من حديث يدل على العموم أي إذا حدث في كل شئ كذب فيه أو يصير قاصرا أي إذا وجد ماهية التحديث كذب وقيل هو محمول على من غلبت عليه هذه الخصال وتهاون بها واستخف بأمرها فإن من كان كذلك كان فاسد الاعتقاد غالبا وهذه الأجوبة كلها مبنية على أن اللام في المنافق للجنس ومنهم من ادعى أنها للعهد فقال إنه ورد في حق شخص معين أو في حق المنافقين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وتمسك هؤلاء بأحاديث ضعيفة جاءت في ذلك لو ثبت شئ منها لتعين المصير إليه وأحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي قلت الأمر كما قال الحافظ من أن أحسن الأجوبة ما ارتضاه القرطبي وقد نقل الترمذي هذا القول عن أهل العلم مطلقا قوله (أخبرنا أبو عامر) هو العقدي اسمه عبد الملك بن عمرو (أن يفي به) بفتح فكسر وأصله أن يوفي من الوفاء (فلم يف به) أي بغدر (فلا جناح عليه) أي فلا إثم عليه هذا دليل على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن لم يقترن معها المنوي ويختلف عنها قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود (وأبو النعمان مجهول وأبو وقاص مجهول)

[ 324 ]

أما أبو النعمان فوثقه ابن حبان وأما أبو وقاص فهو مجهول بالاتفاق ولم أر من وثقه فالحديث ضعيف باب ما جاء سباب المؤمن فسوق قوله (أخبرنا عبد الحكيم بن منصور الواسطي) الخزاعي أبو سهل وأبو سفيان متروك كذبه ابن معين من السابعة (عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود) الهدلي الكوفي ثقة من صغار الثانية وقد سمع عن أبيه لكن شيئا يسيرا كذا في التقريب وذكر في تهذيب التهذيب اختلاف أئمة الحديث في سماعة من أبيه قوله (قتال المسلم أخاه كفر) قال النووي أما قتاله بغير حق فلا يكفر به عند أكهل الحق كفرا يخرج عن الملة إلا إذا استحله فإذا تقرر هذا فقيل في تأويل الحديث أقوال أحدها أنه في المستحل والثاني أن المراد كفر الاحسان والنعمة وأخوة الاسلام لا كفر الجحود والثالث أنه يؤول إلى الكفر بشؤمه والرابع أنه كفعل الكفار وقال ثم إن الظاهر من قتاله المقاتلة المعروفة (وسبابه فسوق) السب في اللغة الشتم والتكلم في عرض الانسان بما يعيبه والفسق في اللغة الخروج والمراد به في الشرع الخروج عن الطاعة وأما معنى الحديث فسب المسلم بغير حق حرام بإجماع الأمة وفاعله فاسق كما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قاله النووي قوله (وفي الباب عن سعد وعبد الله بن مغفل) أما حديث سعد وهو ابن أبي وقاص فأخرجه ابن ماجه وأما حديث عبد الله بن مغفل فأخرجه الطبراني في الكبير قوله (حديث ابن مسعود حديث حسن صحيح) في سند حديث ابن مسعود هذا عبد الحكيم بن منصور الواسطي وهو متروك وكذبه ابن معين فتصحيحه له لمجيئه من طرق أخرى صحيحة

[ 325 ]

قوله (عن زبيد) بضم الزاي وفتح الموحدة مصغرا هو ابن الحارث بن عبد الكريم بن عمرو بن كعب اليامي ويقال الأيامي أبو عبد الرحمن ويقال أبو عبد الله الكوفي ثقة ثبت عابد من السادسة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وابن ماجة باب فيمن رمى أخاه بكفر يقال رماه بكذا عابه واتهمه به قوله (حدثنا أحمد بن منيع) بن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي نزيل بغداد الأصم ثقة حافظ من العاشرة (عن ثابت بن الضحاك) بن خليفة الأشهلي صحابي مشهور روى عنه أبو قلابة مات سنة خمس وأربعين قاله الفلاس والصواب سنة أربع وستين قوله (ليس على العبد نذر فيما لا يملك) قال ابن الملك رحمه الله كأن يقول إن شفي الله مريضي ففلان حر وهو ليس في ملكه وقال الطيبي رحمه الله معناه أنه لو نذر عتق عبد لا يملكه أو التضحي بشاة غيره أو نحو ذلك لم يلزمه الوفاء به وإن دخل ذلك في ملكه وفي رواية ولا نذر فيما لا يملك أي لا صحة له ولا عبرة به قلت أشار الطيبي إلى ما روى أبو داود والترمذي في الطلاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذر لابن آدم فيما لا يملك ولا طلاق فيما لا يملك قال الترمذي حسن صحيح وهو أحسن شئ روى في هذا الباب (لاعن المؤمن

[ 326 ]

بأسكقاتله) أي لعن المؤمن كقتله في أصل الإثم فلاعنه كقاتله قال الطيبي رحمه الله أي في التحريم أو في العقاب (ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقاتله) قال الطيبي وجه التشبيه هنا أظهر لأن النسبة إلى الكفر الموجب للقتل فالقذف بالكفر تسبب إليه والمتسب إلى الشئ كفاعله والقذف في الأصل الرمي ثم شاع عرفا في الرمي بالزنا ثم استعير لكل ما يعاب به الإنسان ويحيق به ضرره (ومن قتل نفسه بشئ) أي من آلات القتل أو بأكل السم أو غير ذلك قوله (وفي الباب عن أبي ذر وابن عمر) أما حديث أبي ذر فأخرجه البخاري عنه مرفوعا لا يرمي رجل رجلا بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك وأخرجه البخاري ومسلم عنه مرفوعا من دعا رجلا بالكفر أو قال عدو الله وليس كذلك إلا حار عليه وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في هذا الباب قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (أيما رجل قال لأخيه كافر) بضم الراء على البناء فإنه منادي حذف حرف ندائه كما ذكره ميرك ويؤيده ما جاء في رواية بالنداء ويجوز تنوينه على أنه خبر محذوف تقديره أنت أو هو (فقد باء به) أي رجع بتلك المقالة قال الطيبي لأنه إذا قال القائل لصاحبه يا كافر مثلا فإن صدق رجع إليه كلمة الكفر الصادر منه مقتضاها وإن كذب واعتقد بطلان دين الاسلام رجعت إليه هذه الكلمة قال النووي اختلف في تأويل هذا الرجوع فقيل رجع عليه الكفر إن كان مستحلا وهذا يعيد من سياق الخبر وقيل محمول على الخوارج لأنهم يكفرون المؤمنين هكذا نقله عياض عن مالك وهو ضعيف لأن الصحيح عند الأكثرين أن الخوارج لا يكفرون ببدعتهم قال الحافظ ولما قاله مالك وجه وهو أن منهم من يكفر كثيرا من الصحابة لمن شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة وبالإيمان فيكون تكفيرهم من حيث تكذيبهم للشهادة المذكورة لا من مجرد صدور التكفير منهم بتأويل والتحقيق أن الحديث سبق لزجر المسلم عن أن يقول ذلك لأخيه المسلم وذلك قبل وجود فرقة الخوارج وغيرهم وقيل معناه

[ 327 ]

رجعت عليه نقيصته لأخيه ومعصية تكفيره وهذا لا بأس به وقيل يخشى عليه أن يؤول به ذلك إلى الكفر كما قيل المعاصي يريد الكفر فيخاف على من أدامها وأصر عليها سوء الخاتمة وأرجح من الجميع أن من قال ذلك لمن يعرف منه الاسلام ولم يقم له شبهة في زعمه أنه كافر فإنه يكفر بذلك فمعنى الحديث فقد رجع عليه تكفيره فالراجع التكفير لا الكفر فكأنه كفر نفسه لكونه كفر من هو مثله ومن لا يكفره إلا كافر يعتقد بطلان دين الاسلام ويؤيده أن في بعض طرقه وجب الكفر على أحدهما قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان باب ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله قوله (عن ابن محيريز) اسمه عبد الله بن محيريز بضم ميم وفتح مهملة وسكون ياءين بينهما راء مكسورة وبزاي ابن جنادة بن وهب الجمحي المكي كان يتيما في حجر أبي محذورة بمكة ثم نزل بيت المقدس ثقة عابد من الثالثة قوله (عن الصنابحي عن عبادة بن الصامت أنه قال دخلت عليه) قال النووي هذا كثير يقع مثله وفيه صنعة حسنة وتقديره عن الصنابحي أنه حدث عن عبادة بحديث قاله في دخلت عليه (فقال مهلا) بفتح الميم وسكون الهاء معناه انظرني قال الجوهري يقال مهلا يا رجل بالسكون وكذلك للاثنين والجمع والمؤنث وهي موحدة بمعنى أمهل (والله ما من حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم في خير إلا حدثتكموه الخ) قال القاضي عياض فيه دليل على أنه كتم ما خشي الضرر فيه والفتنة مما لا يحتمله عقل كل أحد وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه

[ 328 ]

حد من حدود الشريعة قال ومثل هذا عن الصحابة كثير في ترك الحديث بما ليس تحته عمل ولا تدعو إليه ضرورة أو لا يحتمله عقول العامة أو خشيت مضرته على قائله أو سامعه لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين والإمارة وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة وذم آخرين ولعنهم انتهى (وقد أحيط بنفسي) معناه قربت من الموت وأيست من النجاة والحياة قال صاحب التحرير أصل الكلمة في الرجل يجتمع عليه أعداؤه فيقصدونه ويأخذون عليه جميع الجوانب بحيث لا يبقى له في الخلاص مطمع فيقال أحاطوا به أي أطافوا به من جوانبه ومقصوده قرب موتي (حرم الله) عليه النار أي الخلود فيها كالكفار قوله (وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان الخ) أما حديث عمر وحديث طلحة فأخرجهما أبو نعيم في الحلية وأما حديث عثمان فأخرجه مسلم وأما حديث جابر وحديث ابن عمر فأخرجهما الدارقطني في العلل وأما أحاديث أبي بكر وعلي وزيد بن خالد فلينظر من أخرجها قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم قوله (فقال إنما كان هذا في أول الاسلام قبل نزول الفرائض والأمر والنهي) قال القاضي عياض حكى عن جماعة من السلف منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهي وقال بعضهم هي مجملة يحتاج إلى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصري وقيل إن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخاري ذكر النووي كلام القاضي هذا في شرح مسلم ثم قال وما حكاه عن ابن المسيب وغيره ضعيف بل باطل وذلك لأن راوي أحد هذه الأحاديث أبو هريرة وهو

[ 329 ]

متأخر الاسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات كانت فروضها مستقرة وكانت الصلاة والزكاة والصيام وغيرها من الأحكام قد تقرر فرضها وكذا الحج على قول من قال فرض سنة خمس أو ست وهما أرجح من قول من قال سنة تسع (ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا في النار بذنوبهم فإنهم لا يخلدون في النار) قال النووي اعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فإن كان سالما من المعاصي كالصغير والمجنون الذي أتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصي إذا لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذي لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف في الورود والصحيح أن المراد به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم عافانا الله منها ومن سائر المكروه وأما من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو في مشيئة الله تعالى فإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة أولا وجعله كالقسم الأول وإن شاء عذبه بالقدر الذي يريده سبحانه ثم يدخله الجنة فلا يخلد في النار أحد مات على التوحيد ولو عمل من المعاصي ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق في هذه المسألة وقد تظاهرت أدلة الكتاب والسنة وإجماع من يعتد به على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص تحصل العلم القطعي فإذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ما ورد من أحاديث الباب وغيره فإذا ورد حديث في ظاهره مخالفة لها وجب تأويله عليه ليجمع بين نصوص الشرع انتهى (عن النبي صلى الله عليه وسلم قال سيخرج قوم من النار من أهل التوحيد ويدخلون الجنة) ذكر الترمذي هذا الحديث لتأييد قول بعض أهل في العلم تفسير قول النبي صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله دخل الجنة (وهكذا روي عن سعيد بن جبير وإبراهيم النخعي الخ) روى الحافظ ابن جرير في تفسيره بعض هذه الاثار بأسانيده

[ 330 ]

قوله (حدثني عامر بن يحيى) المعافري أبو خنيس بمعجمة ونون مصغرا ثقة من السادسة قوله (إن الله سيخلص) بتشديد اللام أي يميز ويختار (رجلا من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة) وفي رواية ابن ماجه يصاح برجل من أمتي يوم القيامة على رؤوس الخلائق (فينشر) بضم الشين المعجمة أي فيفتح (تسعة وتسعين سجلا) بكسرتين فتشديد أي كتابا كبيرا (كل سجل مثل مد البصر) أي كل كتاب منها طوله وعرضه مقدار ما يمتد إليه بصر الانسان (ثم يقول) أي الله سبحانه وتعالى (أتنكر من هذا) أي المكتوب (أظلمك كتبتي) بفتحات جمع كاتب والمراد الكرام الكاتبون (الحافظون) أي لأعمال بني آدم (فيقول أفلك عذر) أي فيما فعلته من كونه سهوا أو خطأ أو جهلا ونحو ذلك (فيقول بلى) أي لك عندنا ما يقوم مقام عذرك (إن لك عندنا حسنة) أي واحدة عظيمة مقبولة وفي رواية ابن ماجه ثم يقول ألك عن ذلك حسنة فيهاب الرجل فيقول لا فبقول بلى إن لك عندنا حسنات (فيخرج) بصيغة المجهول المذكر وفي رواية ابن ماجه فتخرج له (بطاقة) قال في النهاية البطاقة رقعة صغيرة يثبت فيها مقدار ما تجعل فيه إن كان عينا فوزنه أو عدده وإن كان متاعا فثمنه قيل سميت بذلك لأنها تشد بطاقة من الثوب فتكون الباء حينئذ زائدة وهي كلمة كثيرة الاستعمال بمصر وقال في القاموس البطاقة ككتابة الرقعة الصغيرة المنوطة بالثوب التي فيها رقم ثمنه سميت لأنها تشد بطاقة من هدب الثوب (فيها) أي مكتوب في البطاقة (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله) قال القاري يحتمل أن الكلمة هي أول ما نطق بها ويحتمل

[ 331 ]

أن تكون غير تلك المرة مما وقعت مقبولة عند الحضرة وهو الأظهر في مادة الخصوص من عموم الأمة (احضر وزنك) أي الوزن الذي لك أو وزن عملك أو وقت وزنك أو آلة وزنك وهو الميزان ليظهر لك انتفاء الظلم وظهور العدل وتحقق الفضل (فيقول يا رب ما هذه البطاقة) أي الواحدة (مع هذه السجلات) أي الكثيرة وما قدرها يجنبها ومقابلتها (فقال فإنك لا تظلم) أي لا يقع عليك الظلم لكن لا بد من اعتبار الوزن كي يظهر أن لا ظلم عليك فاحضر الوزن قيل وجه مطابقة هذا جوابا لقوله ما هذه البطاقة أن اسم الاشارة للتحقير كأنه أنكر أن يكون مع هذا البطاقة المحقرة موازنة لتلك السجلات فرد بقوله إنك لا تظلم بحقيرة أي لا تحقر هذه فإنها عظيمة عنده سبحانه إذ لا يثقل مع اسم الله شئ ولو ثقل عليه شئ لظلمت (قال فتوضع السجلات في كفه) بكسر فتشديد أي فردة من زوجي الميزان ففي القاموس الكفة بالكسر من الميزان معروف ويفتح (والبطاقة) أي وتوضع (في كفه) أي في أخرى (فطاشت السجلات) أي خفت (وثقلت البطاقة) أي رجحت والتعبير بالمضي لتحقق وقوعه (ولا يثقل) أي ولا يرجح ولا يغلب (مع اسم الله شئ) والمعنى لا يقاومه شئ من المعاصي بل يترجح ذكر الله تعالى على جميع المعاصي فإن قيل الأعمال أعراض لا يمكن وزنها وإنما توزن الأجسام أجيب بأنه يوزن السجل الذي كتب فيه الأعمال ويختلف باختلاف الأحوال أو أن الله يجسم الأفعال والأقوال فتوزن فتثقل الطاعات وتطيش السيئات لثقل العبادة على النفس وخفة المعصية عليها ولذا ورد حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات قوله (هذا حديث حسن غريب) واخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه والحاكم والبيهقي وقال الحاكم صحيح على شرط مسلم كذا في الترغيب

[ 332 ]

باب ما جاء في افتراق هذه الأمة قوله (تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة) شك من الراوي ووقع في حديث عبد الله بن عمرو الاتي وإن بني إسرائيل تفرقت على اثنتين وسبعين ملة من غير شك (والنصارى مثل ذلك) أي أنهم أيضا تفرقوا على إحدى وسبعين فرقة أو ثنتين وسبعين فرقة (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة) المراد من أمتي الإجابة وفي حديث عبد الله بن عمرو الاتي كلهم في النار إلا ملة واحدة وهذا من معجزاته صلى الله عليه وسلم لأنه أخبر عن غيب وقع قال العلقمي قال شيخنا ألف الامام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي في شرح هذا الحديث كتابا قال فيه قد علم أصحاب المقالات أنه صلى الله عليه وسلم لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة وما جرى مجرى هذه الأبواب لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضا بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف وقد حدث في آخر أيام الصحابة خلاف القدرية من معبد الجهني وأتباعه ثم حدث الخلاف بعد ذلك شيئا فشيئا إلى أن تكاملت الفرق الضالة اثنتين وسبعين فرقة والثالثة والسبعون هم أهل السنة والجماعة وهي الفرقة الناجية انتهى باختصار يسير قوله (وفي الباب عن سعد وعبد الله بن عمرو وعوف بن مالك) أما حديث سعد فلينظر من أخرجه وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الترمذي بعد هذا الحديث وأما

[ 333 ]

حديث عوف بن مالك فأخرجه ابن ماجة مرفوعا ولفظه افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار وافترقت النصارى على ثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وثنتان وسبعون في النار قيل يا رسول الله من هم قال الجماعة وفي الباب أيضا عن معاوية بن أبي سفيان أخرجه أحمد وأبو داود فيه ألا إن من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة وإن هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم وصححه ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره قوله (أخبرنا أبو داود) اسمه عمر بن سعد بن عبيد (الحفري) بفتح المهملة والفاء نسبة إلى موضع بالكوفة ثقة عابد من التاسعة (عن عبد الله بن يزيد) المعافري أبي عبد الرحمن الحبلي (ليأتين على أمتي) من الإتيان وهو المجئ بسهولة وعدى بعلى لمعنى الغلبة المؤدية إلى الهلاك ومنه قوله تعالى ما تذر من شئ أتت عليه (ما أتى على بني إسرائيل) ما موصولة وهي مع صلتها فاعل ليأتين (حذو النعل بالنعل) حذو النعل استعارة في التساوي وقيل الحذو القطع والتقدير أيضا يقال حذوت النعل بالنعل إذا قدرت كل واحدة من طاقاتها على صاحبتها لتكونا على السواء ونصبه على المصدر أي يحذونهم حذوا مثل حذو النعل بالنعل أي تلك المماثلة المذكورة في غابة المطابقة والموافقة كمطابقة النعل بالنعل (حتى إن كان منهم) حتى ابتدائية والواقع بعده جملة شرطية وقوله الاتي لكان إما جواب قسم مقدر والمجموع جواب الشرط وإما إن بمعنى لو كما يقع عكسه وليست إن هذه مخففة من المثقلة كما زعم كذا نقله السيد جمال الدين عن زين العرب وفي الأزهار بكسر الهمزة وسكون النون مخففة أي حتى إنه كذا ذكره الأبهري وهذا الخلاف مبني على أنه هل يجوز حذف ضمير الشأن من إن المكسورة فمنعه ابن الحاجب وجوزه ابن الملك (من أتى أمة علانية) إتيانها كناية عن الزنا (من يصنع) أي

[ 334 ]

يفعل (ذلك) أي الإتيان (وإن بني إسرائي تفرقت على ثنتين وسبعين ملة) سمي عليه الصلاة والسلام طريقة كل واحد منهم ملة اتساعا وهي في الأصل ما شرع الله لعباده على ألسنة أنبيائه ليتوصلوا به إلى القرب من حضرته تعالى ويستعمل في جملة الشرائع دون آحادها ولا تكاد توجد مضافة إلى الله تعال ولا إلى آحاد أمة النبي بل يقال ملة محمد صلى الله عليه وسلم أو ملتهم كذا ثم إنها اتسعت فاستعملت في الملل الباطلة لأنهم لما عظم تفرقهم وتدينت كل فرقة منهم بخلاف ما تدين به غيرها كانت طريقة كل منهم كالملة الحقيقية في التدين فسميت باسمها مجازا وقيل الملة كل فعل وقول اجتمع عليه جماعة وهو قد يكون حقا وقد يكون باطلا والمعنى أنهم يفترقون فرقا تتدين كل واحدة منها بخلاف ما تتدين به الأخرى (وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة) قيل فيه إشارة لتلك المطابقة مع زيادة هؤلاء في ارتكاب البدع بدرجة (إلا ملة) بالنصب أي إلا أهل ملة (قالوا من هي) أي تلك الملة أي أهلها الناجية (ما أنا عليه وأصحابي) أي هي ما أنا عليه وأصحابي قوله (هذا حديث حسن غريب) في سنده عبد الرحمن بن زياد الإفريقي وهو ضعيف فتحسين الترمذي له لاعتضاده بأحاديث الباب وحديث عبد الله بن عمرو هذا أخرجه أيضا الحاكم وفيه ما أنا عليه اليوم وأصحابي (مفسر) اسم مفعول من التفسير أي مبين بين فيه ما لم يبين في حديث أبي هريرة المتقدم واعلم أن أصول البدع كما نقل في المواقف ثمانية المعتزلة القائلون بأن العباد خالقو اعمالهم وبنفي الرؤية وبوجوب الثواب والعقاب وهم عشرون فرقة والشيعة المفرطون في محبة علي كرم الله وجهه وهم اثنان وعشرون فرقة والخوارج المفرطة المكفرة له رضي الله عنه ومن أذنب كبيرة وهم عشرون فرقة والمرجئة القائلة بأنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهي خمس فرق والنجارية الموافقة لأهل السنة في خلق الأفعال والمعتزلة في نفي الصفات وحدوث الكلام وهم ثلاث فرق والجبرية القائلة بسلب الاختيار عن العباد فرقة واحدة والمشبهة الذين يشبهون الحق بالخلق في الجسمية والحلول فرقة أيضا فتلك اثنتان وسبعون فرقة كلهم في النار والفرقة الناجية هم أهل السنة البيضاء المحمدية والطريقة النقية الأحمدية كذا في المرقاة

[ 335 ]

قوله (عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني) بفتح المهملة وسكون التحتانية بعدها موحدة كنيته أبو زرعة الحمصي ثقة من السادسة وروايته عن الصحابة مرسلة (عن عبد الله بن الديلمي) هو عبد الله بن فيروز الديلمي أخو الضحاك ثقة من كبار التابعين منهم من ذكره في الصحابة قوله (خلق خلقه) أي الثقلين من الجن وا نس فإن الملائكة ما خلقوا إلا من نور (في الظلمة) أي الكائنين في ظلمة النفس الأمارة بالسوء المجبولة بالشهوات المردية والأهواء المضلة (فألقى) وفي رواية فرش (من نوره) أي شيئا من نوره (فمن أصابه من ذلك النور) أي شئ من ذلك النور (اهتدى) أي إلى طريق الجنة (ومن أخطأه) أي ذلك النور يعني جاوزه ولم يصل إليه (ضل) أي خرج عن طريق الحق (فلذلك) أي من أجل أن الاهتداء والضلال قد جرى (أقول جف القلم على علم الله) أي على ما علم الله وحكم به في الأزل لا يتغير ولا يتبدل وجفاف القلم عبارة عنه وقيل من أجل عدم تغير ما جرى في الأزل تقديره من الإيمان والطاعة والكفر والمعصية أقول جف القلم قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والحاكم وصححه وابن حبان قوله (أخبرنا أبو أحمد) الزبيري (عن أبي إسحاق) هو السبيعي (عن عمرو بن ميمون) الأودي الكوفي قوله (أتدري) أي أتعرف (ما حق الله على العباد) الحق كل موجود متحقق أو ما سيوجد لا محالة ويقال للكلام الصدق حق لأن وقوعه متحقق لا يتردد فيه وكذا الحق المستحق

[ 336 ]

على الغير إذا كان لا تردد فيه والمراد هنا ما يستحقه الله على عباده مما جعله محتما عليهم قاله ابن التيمي في التحرير وقال القرطبي حق الله على العباد هو ما وعدهم به من الثواب وألزمهم إياه بخطابه (أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا) المراد بالعبادة عمل الطاعات واجتناب المعاصي وعطف عليها عدم الشرك لأنه تمام التوحيد والحكمة في عطفه على العبادة أن بعض الكفرة كانوا يدعون أنهم يعبدون الله ولكنهم كانوا يعبدون آلهة أخرى فاشترط نفي ذلك والجملة حالية والتقدير يعبدونه في حال عدم الاشراك به قال ابن حبان عبادة الله إقرار باللسان وتصديق بالقلب وعمل بالجوارح ولهذا قال في الجواب فما حق العباد إذا فعلوا ذلك فعبر بالفعل ولم يعبر بالقول (أن لا يعذبهم) وفي رواية للبخاري حق العباد على الله أن لا يعذبهم قال القرطبي حق العباد على الله ما وعدهم به من الثواب والجزاء فحق ذلك ووجب بحكم وعده الصدق وقوله الحق الذي لا يجوز عليه الكذب في الخبر ولا الخلف في الوعد فالله سبحانه وتعالى لا يجب عليه شئ بحكم الأمر إذ لا آمر فوقه ولا حكم للعقل لأنه كاشف لا موجب انتهى قال الحافظ وتمسك بعض المعتزلة بظاهره ولا متمسك لهم فيه مع قيام الاحتمال قال وقد تقدم في العلم عدة أجوبة غير هذه ومنها أن المراد بالحق ههنا المتحقق الثابت أو الجدير لأن إحسان الرب لمن لا يتخذ ربا سواه جدير في الحكمة أن لا يعذبه أو المراد أنه كالواجب في تحققه وتأكده أو ذكر على سبيل المقابلة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي قوله (عن حبيب بن أبي ثابت) قال الحافظ حبيب بن أبي ثابت قيس ويقال هند بن دينار الأسدي مولاهم أبو يحيى الكوفي ثقة فقيه جليل وكان كثير الارسال والتدليس من الثالثة

[ 337 ]

قوله (فبشرني) بأن قال لي (إنه من مات لا يشرك بالله شيئا) أي وي أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله (دخل الجنة وإن زنى وإن سرق) أي وإن ارتكب كل كبيرة فلا بد من دخوله إياها إما ابتداء إن عفي عنه أو بعد دخوله النار حسبما نطقت به الأخبار قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وفي الباب عن أبي الدرداء) أخرجه أحمد في مسنده

[ 338 ]

أبواب العلم وقع في بعض النسخ بسم الله الرحمن الرحيم أبواب العلم باب إذا أراد الله بعبد خيرا فقهه في الدين قوله (من يرد الله به خيرا) قال الحافظ نكر خيرا ليشمل القليل والكثير والتنكير للتعظيم لأن المقام يقتضيه (يفقهه) بتشديد القاف وفي حديث عمر عند ابن أبي عاصم في كتاب العلم يفهمه بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم قال الحافظ وإسناده حسن والفقه هو الفهم قال الله تعالى لا يكادون يفقهون حديثا أي لا يفهمون والمراد الفهم في الأحكام الشرعية يقال فقه بالضم إذا صار الفقه له سجية وفقه بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم وفقه بالكسر إذا فهم ومفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين أي يتعلم قواعد الاسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير وقد أخرج أبو يعلى حديث معاوية من وجه آخر ضعيف وزاد في آخره ومن لم يتفقه في الدين لم يبال الله به والمعنى صحيح لأن من لم يعرف أمور دينه لا يكون فقيها ولا طالب فقه فيصح أن يوصف بأنه ما أريد به الخير قوله (وفي الباب عن عمر وأبي هريرة ومعاوية) أما حديث عمر فأخرجه ابن أبي

[ 339 ]

عاصم في كتاب العلم وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه وأما حديث معاوية وهو ابن أبي سفيان فأخرجه أحمد والشيخان قوله (هذا حسن صحيح) وأخرجه أحمد باب فضل طلب العلم قوله (من سلك) أي دخل أو مشي (طريقا) أي حسية أو معنوية (يلتمس فيه) أي يطلب فيه والجملة حال أو صفة (علما) نكرة ليشمل كل نوع من أنواع علوم الدين قليلة أو كثيرة إذا كان بنية القربة والنفع والانتفاع وفيه استحباب الرحلة في طلب العلم وقد ذهب موسى إلى الخضر عليهما الصلاة والسلام وقال هل هل اتبعك على أن تعلمن مما علمت رشدا ورحل جابر بن عبد الله من مسيرة شهر إلى عبد الله بن قيس في حديث واحد (طريقا) أي موصلا ومنهيا (إلى الجنة) مع قطع العقبات الشاقة دونها يوم القيامة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه مسلم مطولا قوله (أخبرنا خالد بن يزيد العتكي) بفتح العين المهملة والفوقية الأزدي البصري صاحب اللؤلؤ صدوق يهم من الثامنة (عن أبي جعفر الرازي) التميمي مولاهم مشهور بكنيته واسمه عيسى بن أبي عيسى عبد الله بن ماهان وأصله من مرو وكان يتجر إلى الري صدوق سيئ الحفظ خصوصا عن مغيرة من كبار السابعة (عن الربيع بن أنس) البكري أو الحنفي بصري نزل خراسان صدوق له أوهام رمي بالتشيع من الخامسة

[ 340 ]

قوله (من خرج) أي من بيته أو بلده (في طلب العلم) أي الشرعي فرض عين أو كفاية (فهو في سبيل الله) أي في الجهاد لما أن في طلب العلم من إحياء الدين وإذلال الشيطان وإتعاب النفس كما في الجهاد (حتى يرجع) أي إلى بيته قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه الدارمي والضياء المقدسي قوله (أخبرنا محمد بن المعلى) بن عبد الكريم الهمداني اليامي بالتحتانية الكوفي نزيل الري صدوق من الثامنة (أخبرنا زياد بن خيثمة) الجعفي الكوفي ثقة من السابعة قوله (من طلب العلم) أي العلم الشرعي ليعمل به (كان) أي طلبه للعلم (كفارة) وهي ما يستر الذنوب ويزيلها من كفر إذا ستر (لما مضى) أي من ذنوبه قيل هذا الحديث مع ما فيه من الضعف مخالف للكتاب والسنن المشهورة في إيجب الكفارات والحدود إلا إذا قلنا بالتخصيص يعني بالصغائر وهو موضع بحث كذا في زين العرب نقله السيد والظاهر أن الكفارة مختصة بالصغائر أو بحقوق الله التي ليس لها تدارك أو يشمل حقوق العباد التي لا يمكن تداركه لها ويمكن أن يكون المعنى أن طلب العلم وسيلة إلى ما يكفر به ذنوبه كله من التوبة ورد المظالم وغيرها كذا في المرقاة قوله (هذا حديث ضعيف الاسناد) وأخرجه الدارمي قوله (أبو داود اسمه نفيع الأعمى) مشهور بكنيته كوفي ويقال له نافع (يضعف في الحديث) قال الحافظ متروك وقد كذبه ابن معين من الخامسة (ولا نعرف) يفتح النون وكسر الراء أو بضم التحتية وفتح الراء (لعبد الله بن سخبرة) قال في تهذيب التهذيب روى عن أبيه وعنه أبو داود الأعمى روى له الترمذي حديثا واحدا وضعفه وقال في التقريب مجهول من

[ 341 ]

الرابعة (كبير شئ) أي كثير شئ من الأحاديث (ولا لأبيه) هو سخبرة بفتح السين المهملة وسكون الخاء المعجمة وفتح الموحدة وبالراء قال في التقريب سخبر في إسناد حديثه ضعف وعند الترمذي عن سخبرة وليس بالأزدي وقال غير هو الأزدي باب ما جاء في كتمان العلم قوله (عن عمارة بن زاذان) الصيدلاني أبي سلمة البصري صدوق كثير الخطأ من السابعة (عن علي بن الحكم) البناني بضم الموحدة وبنونين الأولى خفيفة كنيته أبو الحكم البصري ثقة ضعفه الأزدي بلا حجة من الخامسة (عن عطاء) هو ابن أبي رباح قوله (من سئل عن علم علمه) وهو علم يحتاج إليه السائل في أمر دينه (ثم كتمه) بعدم الجواب أو بمنع الكتاب (ألجم) أي أدخل في فمه لجام لأنه موضع خروج العلم والكلام قال الطيبي شبه ما يوضع في فيه من النار بلجام في الدابة بلجام من نار مكافأة له حيث ألجم نفسه بالسكوت وشبه بالحيوان الذي سخر ومنع من قصده ما يريده فإن العالم من شأنه أن يدعو إلى الحق قال ابن حجر ثم هنا استبعادية لأن تعلم العلم إنما يقصد لنشره ونفعه الناس وبكتمه يزول ذلك الغرض الأكمل فكان بعيدا ممن هو في صورة العلماء والحكماء قال السيد هذا في العلم اللازم التعليم كاستعلام كافر عن الاسلام ما هو وحديث عهد به عن تعليم صلاة حضر وقتها وكالمستفتي في الحلال والحرام فإنه يلزم في هذه الأمور الجواب لا نوافل العلوم الغير الضررية وقيل العلم هنا علم الشهادة قوله (وفي الباب عن جابر وعبد الله بن عمرو) أما حديث جابر فأخرجه ابن ماجة عنه مرفوعا إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فمن كتم حديثا فقد كتم ما أنزل الله قال المنذري فيه انقطاع وأما حديث عبد الله بن عمر فأخرجه ابن حبان في صحيحه بنحو حديث أبي هريرة والحاكم وقال صحيح لا غبار عليه

[ 342 ]

قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وقال صحيح والحديث سكت عنه وأبو داود وقال المنذري بعد نقل تحسين الترمذي ما لفظه وقد روى عن أبي هريرة من طرق فيها مقال والطريق الذي خرج بها أبو داود طريق حسن فإنه رواه عن التبوذكي وقد به البخاري ومسلم عن حماد بن سلمة وقد احتج به مسلم واستشهد به البخاري عن علي بن الحكم البناني قال الامام أحمد ليس فيه بأس وقال أبو حاتم الرازي لا بأس به صالح الحديث عن عطاء بن أبي رباح وقد اتفق الامامان على الاحتجاج به وقد روى هذا الحديث أيضا من رواية عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعمر بن عبسة وعلي بن طلق وفي كل مها مقال انتهى باب ما جاء في الاستيصاء بمن يطلب العلم قوله (عن سفيان) هو الثوري (من أبي هارون) اسمه عمارة بن جوين بجيم مصغرا العبدي مشهور بكنيته متروك ومنهم من كذبه شيعي من الرابعة (فيقول مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال المناوي أي رحبت بلادكم واتسعت وأتيتم أهلا فلا تستوحشوا بوصيته صلى الله عليه وسلم (إن الناس لكم تبع) جمع تابع كخدم جمع خادم والخطاب لعلماء الصحابة يعني إن الناس يتبعونكم في أفعالكم وأقوالكم لأنكم أخذتم عني مكارم الأخلاق وفيه مأخذ لتسمية التابعي تابعيا وإن كانت التبعية عامة بواسطة أو بغير واسطة ولكن المطلق ينحرف إلى الكامل (من أقطار الأرض) جمع قطر بضم القاف وسكون الطاء المهملة الناحية والجانب أي من جوانبها (يتفقهون في الدين) أي يطلبون الفقه والفهم فيه والجملة استئنافية لبيان علة الإتيان أو حال من المرفوع في يأتونكم وهو أقرب إلى الذوق قاله الطيبي (فإذا أتوكم) أي بهذا القصد وأثر إذا على إن لإفادتها تحقيق وقوع هذا الأمر من أعلام نبوته لوقوع ذلك كما أخبر به (فاستوصوا بهم خيرا) أي في تعليمهم علوم الدين وتحقيقهم اطلبوا الوصية والنصيحة بهم من

[ 343 ]

أنفسكم فالسين للطلب والكلام من باب التجريد أي ليجرد كل منكم شخصا من نفسه ويطلب منه التوصية في حق الطالبين ومراعاة أحوالهم وقيل الاستصياء طلب الوصية من نفسه أو من غيره بأحد أو بشئ يقال استوصيت زيدا بعمرو خيرا أي طلبت من زيد أن يفعل بعمرو خيرا والباء في بهم للتعدية وقيل الاستصياء قبول الوصية ومعناه اقبلوا الوصية مني بإيتائهم خيرا وقيل معناه مروهم بالخير وعظوهم وعلموهم إياه كذا في المرقاة قوله (قال علي بن عبد الله) هو ابن المديني (قال يحيى بن سعيد) هو القطان (وما زال ابن عون) اسمه عبد الله عون بن أرطبان أبو عون البصري ثقة ثبت فاضل من أقران أيوب في العلم والعمل والسن من السادسة قوله (يأتيكم رجال من قبل المشرق) ورواه ابن ماجة من طريق الحكم عن أبي هارون عن أبي سعيد رضي الله عنه بلفظ سيأتيكم أقوام يطلبون العلم فإذا رأيتموهم فقولوا لهم مرحبا مرحبا بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقنوهم قلت للحكم ما أقنوهم قال علموهم قوله (وهذا حديث الخ) وهو ضعيف لضعف أبي هارون وأخرجه أيضا ابن ماجة باب ما جاء في ذهاب العلم قوله (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا) أي محوا من الصدور والمراد به علم الكتاب

[ 344 ]

والسنة وما يتعلق بهما قال القاري انتزاعا مفعول مطلق على معنى يقبض نحو رجع القهقري وقوله (ينتزعه من الناس) صفة مبينة للنوع كذا قاله السيد جمال الدين وقال ابن الملك انتزاعا مفعول مطلق للفعل الذي بعده والجملة حالية يعني لا يقبض العلم من الناس بأن يرفعه من بينهم إلى السماء (ولكن يقبض العلم) أي يرفعه (يقبض العلماء) أي بموتهم وقبض أرواحهم (حتى إذا لم يترك) أي الله تعالى (اتخذ الناس رؤوسا) قال النووي ضبطناه في البخاري رؤوسا بضم الهمزة والتنوين جمع رأس وضبطوه في مسلم هنا بوجهين أحدهما هذا والثاني رؤساء جمع رئيس وكلاهما صحيح والأول اشهر انتهى قال الحافظ في الفتح بعد نقل كلام النووي هذا وفي رواية أبي ذر أيضا بفتح الهمزة وفي آخره همزة أخرى مفتوحة جمع رئيس (فأفتوا) من الافتاء أي أجابوا وحكموا (بغير علم) وفي رواية أبي الأسود في الاعتصام عند البخاري فيفتون برأيهم (فضلوا) أي صاروا ضالين (وأضلوا) أي مضلين لغيرهم وفي الحديث الحث على حفظ العلم والتحذير من ترئيس الجهلة وفيه أن الفتوى هي الرياسة الحقيقية وذم من يقدم عليها بغير علم واستدل به الجمهور على القول بخلو الزمان عن مجتهد ولله الأمر يفعل ما يشاء قوله (وفي الباب عن عائشة وزياد بن لبيد) أما حديث عائشة فلينظر من أخرجه وأما حديث زياد بن لبيد فأخرجه أحمد وابن ماجة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان وابن ماجة قوله (فشخص ببصره) أي رفعه (هذا أوان) أي وقت (يختلس العلم من الناس) أي

[ 345 ]

يختطف ويسلب علم الوحي منهم والجملة صفة أوان (حتى لا يقدروا منه) أي من العلم (على شئ) أي من رسول الله صلى الله عليه وسلم قاله ابن الملك قاله القاري والأظهر على شئ من العلم قال الطيبي فكأنه عليه الصلاة والسلام لما نظر إلى السماء كوشف باقتراب أجله فأخبر بذلك (فقال زياد بن لبيد الأنصاري) الخزرجي خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأقام معه حتى هاجر فكان يقال له مهاجري أنصاري (وقد قرأنا القرآن فوالله لنقرأنه ولنقرئنه نساءنا وأبناءنا) يعني والحال أن القرآن مستمر بين الناس إلى يوم القيامة كما يدل عليه قوله تعالى إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (قال ثكلتك أمك) أي فقدتك وأصله الدعاء بالموت ثم يستعمل في التعجب (إن كنت) إن مخففة من الثقيلة بدليل اللام الاتية الفارقة واسمها ضمير الشأن محذوف أي أن الشأن كنت أنا (لأعدك) وفي رواية لأراك (فماذا تغني عنهم) أي فماذا تنفعهم وتفيدهم وفي حديث زياد بن لبيد عند ابن ماجة أو ليس هذه اليهود والنصاري يقرؤون التوراة والإنجيل لا يعملون بشئ مما فيهما قال القاري أي فكما لم تفدهم قراءتهما مع عدم العلم بما فيهما فكذلك أنتم والجملة حال من يقرأون أي يقرأون غير عاملين نزل العالم الذي لا يعمل بعلمه منزلة الجاهل بل منزلة الحمار الذي يحمل أسفارا بل أولئك كالأنعام بل هم أضل (الخشوع) قال في الجمع الخشوع في الصوت والبصر كالخضوع في البدن

[ 346 ]

باب ما جاء في من يطلب بعلمه الدنيا قوله (حدثني ابن كعب بن مالك) هو إما عبد الرحمن بن كعب أو عبد الله ابن كعب وهما من ثقات التابعين (من طلب العلم) أي لا لله بل (ليجاري به العلماء) أي يجري معهم في المناظرة والجدال ليظهر علمه في الناس رياء وسمعه كذا في المجمع (أو ليماري به السفهاء) جمع السفية وهو قليل العقل والمراد به الجاهل أي ليجادل به الجهال والمماراة من المرية وهي الشك فإن كل واحد من المتحاجين يشك فيما يقول صاحبه ويشككه مما يورد على حجته أو من المرى وهو مسح الحالب ليستنزل ما به من اللبن فإن كلا من المتناظرين يستخرج ما عند صاحبه كذا حققه الطيبي (ويصرف به وجوه الناس إليه) أي يطلبه بنية تحصيل المال والجاه وإقبال العامة عليه قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجة عن ابن عمر قوله (وإسحاق بن يحيى بن طلحة ليس بذاك القوى عندهم الخ) قال في التقريب إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله التيمي ضعيف من الخامسة قوله (حدثنا نصر بن علي) وفي بعض النسخ حدثنا على بن نصر بن علي ابن نصر بن علي والظاهر أن هاتينن النسختين صحيحتان فإن نصر بن علي وابنه علي بن نصر بن علي كليهما من شيوخ الترمذي ومن أصحاب محمد بن عباد الهنائي أخبرنا محمد بن عباد الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون أبو عباد البصري صدوق من التاسعة (عن خالد بن دريك) بالمهملة

[ 347 ]

والراء والكاف مصغرا ثقة يرسل من الثالثة وفي تهذيب التهذيب روى عن ابن عمر وعائشة ولم يدركهما قوله (من تعلم علما) وفي حديث أبي هريرة عند أحمد وأبي داود من تعلم علما مما يبتغي به وجه الله (لغير الله) من نحو الجاه وجلب الدنيا (أو أراد به غير الله) الظاهر أن أو للشك (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ له فيها منزلا فإنها داره وقراره والحديث فيه انقطاع فإن خالد بن دريك لم يدرك ابن عمر رضي الله عنه وأخرجه أيضا ابن ماجة من طريق محمد بن عباد المذكور باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع قوله (أخبرني عمر بن سليمان من ولد عمر بن الخطاب) قال في التقريب عمر بن سليمان بن عاصم بن عمر بن الخطاب ثقة من السادسة ويقال اسمه عمرو (سمعت عبد الرحمن بن أبان بن عثمان) ابن عفان الأموي المدني ثقة مقل عابد من السادسة (يحدث عن أبيه) هو أبان عثمان بن عفان الأموي أبو سعيد وقيل أبو عبد الله مدني ثقة من الثالثة قوله (نضر الله) قال التوربشتي النضرة الحسن والرونق يتعدى ولا يتعدى وروى مخففا ومثقلا انتهى وقال النووي التشديد أكثر وقال الأبهري روى أبو عبيدة بالتخفيف قال هو لازم ومتعدي ورواه الأصمعي بالتشديد وقال المخفف لازم والتشديد للتعدية وعلى الأول للتكثير والمبالغة انتهى والمعنى خصه الله بالبهجة والسرور لما رزق بعلمه ومعرفته من القدر

[ 348 ]

والمنزلة بين الناس في الدينا ونعمه في الاخرة حتى يرى عليه رونق الرخاء والنعمة ثم قيل إنه إخبار يعني جعله ذا نضرة وقيل دعاء له بالنضرة وهي البهجة والبهاء في الوجه من أثر النعمة (فحفظه) أي بالقلب أو بالكتابة (فرب حامل فقه) أي علم (إلى من هو أفقه منه) أي فرب حامل فقه قد يكون فقيها ولا يكون أفقه فيحفظه ويبلغه إلى من هو أفقه منه فيستنبط منه مالا يفهمه الحامل أو إلى من يصير أفقه منه إشارة إلى فائدة النقل والداعي إليه قال الطيبي هو صفة لمدخول رب استغنى بها عن جوابها أي رب حامل فقه أداه إلى من هو أفقه منه (ورب حامل فقه ليس بفقيه) بين به أن راوي الحديث ليس الفقه من شرطه إنما شرطه الحفظ وعلى الفقيه التفهم والتدبر قاله المناوي قوله (وفي الباب عن عبد الله بن مسعود ومعاذ بن جبل وجبير بن مطعم) وأبي الدرداء وأنس أما حديث عبد الله بن مسعود فأخرجه الترمذي بعد هذا الحديث وأما حديث معاذ بن جبل فلينظر من أخرجه وأما حديث جبير بن مطعم فأخرجه أحمد وابن ماجة والطبراني في الكبير كذا في الترغيب وأما حديث أبي الدرداء فأخرجه الدارمي وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجة والطبراني في الأوسط قوله (حديث زيد بن ثابت حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والدارمي وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تحسين الترمذي فأقره قوله (سمع منا شيئا) وفي رواية ابن ماجة حديثا بدل شيئا قال الطيبي يعم الأقوال والأفعال الصادرة من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم يدل عليه صيغة الجمع في منا قلت الظاهر عندي أن المعنى من سمع مني أو من أصحابي حديثا من أحاديثي فبلغه الخ والله تعالى أعلم (فلبغه كما سمعه) أي من غير زيادة ونقصان وخص مبلغ الحديث كما

[ 349 ]

سمعه بهذا الدعاء لأنه سعى في نضارة العلم وتجديد السنة فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله وهذا يدل على شرف الحديث وفضلة ودرجة طلابه حيث خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بدعاء لم يشرك فيه أحد من الأمة ولو لم يكن في طلب الحديث وحفظه وتبليغه فائدة سوى أن يستفيد بركة هذه الدعوة المباركة لكفى ذلك فائدة وغنما وجل من الدارين حظا وقسما وقال محيي السنة أختلف في نقل الحديث بالمعنى وإلى جوازه ذهب الحسن والشعبي أو النخعي وقال مجاهد انقص من الحديث ما شئت ولا تزد وقال سفيان إن قلت حدثتكم كما سمعت فلا تصدقوني فإنما هو المعنى وقال وكيع إن لم يكن المعنى واسعا فقد هلك الناس وقال أيوب عن ابن سيرين كنت أسمع الحديث عن عشرة واللفظ مختلف والمعنى واحد وذهب قوم إلى اتباع اللفظ منهم ابن عمر وهو قول القاسم بن محمد وابن سيرين ومالك بن أنس وابن عيينة وقال محيي السنة الرواية بالمعنى حرام عند جماعات من العلماء وجائزة عند الأكثرين والأولى اجتنابها انتهى قلت مسألة الرواية بالمعنى مبسوطة في كتب أصول الحديث عليك أن تراجعها (فرب) للتقليل وقد ترد للتكثير (مبلغ) بفتح اللام وأوعى نعت له والذي يتعلق به رب محذوف وتقديره يوجد أو يكون ويجوز على مذهب الكوفيين في أن رب اسم أن تكون هي مبتدأ وأوعى الخبر فلا حذف ولا تقدير والمراد رب مبلغ عني أوعي أي أفهم لما أقول من سامع مني وصرح بذلك أبو القاسم بن مندة في روايته من طريق هوذة عن ابن عون ولفظه فإنه عسى أن بعض من لم يشهد أوعى لما أقول من بعض من شهد قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجة وابن حبان قال المناوي وإسناده صحيح باب ما جاء في تعظيم الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (أخبرنا عاصم) هو ابن بهدلة (عن زر) بكسر الزاي وتشديد الراء وهو ابن حبيش (عن عبد الله) هو ابن مسعود

[ 350 ]

قوله (من كذب علي) قال الكرماني معنى كذب عليه نسب الكلام كاذبا إليه سواء كان عليه أو له انتهى قال القاري وبهذا يندفع زعم من جوز وضع الأحاديث للتحريض على العبادة كما وقع لبعض الصوفية الجهلة في وضع أحاديث في فضائل السور وفي الصلاة الليلية والنهارية وغيرهما والأظهر أن تعديته بعلى لتضمين معنى الافتراء (متعمدا) نصب على الحال وليس حالا مؤكدا لأن الكذب قد يكون من غير تعمد وفيه تنبيه على عدم دخول النار فيه (فليتبوأ مقعده من النار) أي فليتخذ لنفسه منزلا يقال تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه سكنا وهو أمر بمعنى الخبر أيضا أو بمعنى التهديد أو بمعنى التهكم أو دعاء على فاعل ذلك أي بوأه الله ذلك قال الكرماني يحتمل أن يكون الأمر على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوأ ويلزم عليه كذا قال وأولها أولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ بني له بيت في النار قال الطيبي فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد بجزائه التبوأ وحديث عبد الله بن مسعود هذا أخرجه ابن ماجة أيضا قوله (لا تكذبوا علي) هو عام في كل كاذب مطلق في كل نوع من الكذب ومعناه لا تنسبوا الكذب إلى ولا مفهوم لقوله على لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب وقد اغتر قوم من الجهلة فوضعوا أحاديث في الترغيب والترهيب وقالوا نحو لم نكذب عليه بل فعلنا ذلك لتأييد شريعته وما دروا أن تقويله صلى الله عليه وسلم ما لم يقل يقتضي الكذب على الله تعالى لأنه إثبات حكم من الأحكام الشرعية سواء كان في الإيجاب أو الندب وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه ولا يعتد بمن خالف من الكرامية حيث جوزوا وضع الكذب في الترغيب والترهيب في تثبيت ما ورد في القرآن والسنة واحتج بأنه كذب له لا عليه وهو جهل باللغة العربية وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت وهي ما أخرجه البزار من حديث ابن مسعود بلفظ من كذب على ليضل به الناس الحديث وقد اختلف في وصله وإرساله ورجح الدارقطني والحاكم

[ 351 ]

إرساله وأخرجه الدارمي من حديث يعلى بن مرة بسند ضعيف وعلى تقدير ثبوته فليست اللام فيه للعلة بل للصيرورة كما فسر قوله تعالى فمن أظلم ممن أفترى على الله كذبا ليضل الناس والمعنى إن مال أمره إلى الإضلال أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له كقوله تعالى لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة ولا تقتلوا أولادكم من إملاق فإن قتل الأولاد ومضاعفة الربا والإضلال في هذه الآيات إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا اختصاص الحكم (يلج في النار) أي يدخلها قوله (وفي الباب عن أبي بكر وعمر وعثمان الخ) قد ذكر الحافظ السيوطي في كتابه الجامع الصغير أسماء من أخرج أحاديث هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين فإن شئت الوقوف على ذلك فارجع إليه قال ابن الجوزي رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية وتسعون صحابيا منهم العشرة ولا يعرف ذلك لغيره وخرجه الطبراني عن نحو هذا العدد وذكر ابن دحية أن أخرج من نحو أربعمائة طريق وقال بعضهم بل رواه مائتان من الصحابة وألفاظهم متقاربة والمعنى واحد ومنها من نقل عني ما لم أقله فليتبوأ مقعده من النار قالوا وذا أصعب ألفاظه وأشقها لشموله للمصحف واللحان والمحرف وقال ابن الصلاح ليس في مرتبته من المتواتر غيره قوله (والمنقع) وفي بعض النسح المقنع بتقديم القاف على النون قال في هامش النسخة الأحمدية والمنقع ذكره ابن سعد في طبقات أهل البصرة من الصحابة فقال المنقع بن حصين بن يزيد وله رؤية ذكره الثلاثة في الصحابة بخط شيخنا قال ابن عبد البر الملفع بلام وفاء وهو ابن الحصين بن يزيد بن شبيب التميمي السعدي ويقال فيه المنقع بنون وقاف والله أعلم وقال أبو حاتم الرازي المنقع له صحبة انتهى رأيت في بعض الهوامش المنقع بالتشديد والمحفوظ بالتخفيف هذا في حاشية نسخة صحيحة منقولة من العرب انتهى ما في هامش النسخة الأحمدية قوله (حديث علي بن أبي طالب حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجة

[ 352 ]

قوله (من كذب علي) وفي رواية الشيخين من تعمد علي كذبا (حسبت أنه قال متعمدا) هذا قول بعض الرواة والظاهر أنه قول ابن شهاب والضمير في أنه راجع إلى أنس قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) وأخرجه الشيخان باب ما جاء في من روى حديثا وهو يرى أنه كذب قوله (وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين) قال النووي ضبطناه يرى بضم الياء والكاذبين بكسر الباء وفتح النون على الجمع وهذا هو المشهور في اللفظين قال القاضي عياض الرواية فيه عندنا الكاذبين على الجمع ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المستخرج على صحيح مسلم في حديث سمرة الكاذبين بفتح الياء وكسر النون على التثنية واحتج به على أن الراوي له يشارك البادي بهذا الكذب ثم رواه أبو نعيم من رواية المغيرة الكاذبين أو الكاذبين على الشك في التثنية والجمع وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من يرى وهو ظاهر حسن فأما من ضم الياء فمعناه يظن وأما من فتحها فظاهر ومعناه وهو يعلم ويجوز أن يكون

[ 353 ]

بمعنى يظن أيضا فقد حكى رأى بمعنى ظن وقيد بذلك لأنه لا يأثم إلا بروايته ما يعلمه أو يظنه كذبا أما ما لا يعلمه ولا يظنه فلا إثم عليه في روايته وإن ظنه غيره كذابا أو علمه انتهى قوله (وفي الباب عن علي بن أبي طالب وسمرة) أما حديث علي بن أبي طالب فأخرجه ابن ماجة وأما حديث سمرة فأخرجه مسلم وغيره قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجة قوله (وروى شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن سمرة الخ) وصله مسلم في صحيحه قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال أخبرنا وكيع عن شعبة الخ (وروى الأعمش وابن أبي ليلى عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي الخ) وصله ابن ماجة فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى عن الحكم الخ وقال حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا محمد بن فضيل عن الأعمش عن الحكم الخ (سألت عبد الله بن عبد الرحمن أبا محمد) هو الإمام الدارمي (أتخاف أن يكون قد دخل في الحديث النبي الخ) يعني حديث من حدث عن حديثا وهو يرى الخ

[ 354 ]

باب ما نهى عنه أن يقال عند حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (وسالم أبي النضر) عطف على قوله محمد بن المنكدر (عن عبيد الله ابن أبي رافع عن أبي رافع) يعني روى بن المنكدر وسالم أبو النضر كلاهما عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي رافع من قوله لأالفين الخ موقوفا عليه (وغيره رفعه) يعني روى غير قتيبة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم مرفوعا كما رواه أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن محمد بن حنبل وعبد الله بن محمد النفيلي قالا أخبرنا سفيان عن أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا ألفين الحديث قوله (لا ألفين) بالنون المؤكدة من الإلفاء أي لا أجدن وهو كقولك لا أرينك ههنا نهى نفسه أي تراهم على هذه الحالة والمراد نهيهم عن تلك الحالة على سبيل المبالغة (متكئا) حال أو مفعول ثان (على أريكته) أي سريره المزين بالحلل والأثواب في قبة أو بيت كما للعروس يعني الذي لزم البيت وقعد عن طلب العلم قيل المراد بهذه الصفة الترفه والدعة كما هو عادة المتكبر المتجبر القليل الاهتمام بأمر الدين (فيقول لا أدري) أي لا أعلم غير القرآن ولا أتبع غيره أو لا أدري قول الرسول (ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه) ما موصولة أو موصوفة يعني الذي وجدناه في القرآن اتبعنا وما وجدناه في غيره لا نتبعه أي وهذا الأمر الذي أمر به عليه الصلاة والسلام أو نهى عنه لم نجده في كتاب الله فلا نتبعه والمعنى لا يجوز الإعراض عن حديثه عليه الصلاة والسلام لأن المعرض عنه معرض عن القرآن قال تعالى وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا وقال تعالى وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى وأخرج الدارمي عن يحيى بن كثير قال كان جبرئيل ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن كذا في الدر ذكره القاري في المرقاة وهذا الحديث دليل من دلائل النبوة وعلامة من علاماتها فقد وقع ما أخبر به فإن رجلا قد خرج في الفنجاب من إقليم الهند وسمى نفسه بأهل القرآن وشتان بينه وبين أهل

[ 355 ]

القرآن بل هو من أهل الالحاد وكان قبل ذلك من الصالحين فأضله الشيطان وأغواه وأبعده عن الصراط المستقيم فتفوه بما لا يتكلم به أهل الإسلام فأطال لسانه في رد الأحاديث النبوية بأسرها ردا بليغا وقال هذه كلها مكذوبة ومفتريات على الله تعالى وإنما يجب العمل على القرآن العظيم فقط دون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وإن كانت صحيحة متواترة ومن عمل على غير القرآن فهو داخل تحت قوله تعالى ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون غير ذلك من أقواله الكفرية وتبعه على ذلك كثير من الجهال وجعلوه إماما وقد أفتى علماء العصر بكفره وإلحاده وخرجوه عن دائرة الإسلام والأمر كما قالوا قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والبيهقي في دلائل النبوة قوله (وسالم أبي النضر) بالجر عطف على قوله ابن المنكدر (بين حديث محمد بن المنكدر من حديث سالم أبي النضر) أي ميزه عنه فيقول عن ابن المنكدر عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ألفين أحدكم الخ ويقول عن سالم أبي النضر عن عبيد الله بن أبي رافع عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم لا ألفين أحدكم الخ وإذا جمعهما روى هكذا أي بعطف سالم أبي النضر على ابن المنكدر كما ذكره الترمذي بقوله وروى بعضهم عن سفيان الخ قوله (عن الحسن بن جابر اللخمي) الكندي مقبول من الثالثة وذكره ابن حبان في الثقات قوله (ألا) حرف التنبيه (هل عسى) أي قد قرب (يبلغه الحديث عني) خبر عسى وفي رواية أبي داود ألا أني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته قال

[ 356 ]

الطيبي في تكرير كلمة التنبيه توبيخ وتقريع نشأ من غضب عظيم على من ترك السنة والعمل بالحديث استغناء بالكتاب فكيف بمن رجح الرأي على الحديث انتهى قال القاري لذا رجح الإمام الأعظم الحديث ولو ضعيفا على الرأي ولو قويا انتهى (فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالا استحللناه وما وجدنا فيه حراما حرمناه وفي رواية أبي داود عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه (وإن) هذا ابتداء الكلام من النبي صلى الله عليه وسلم والواو للحال وفيه التفات ويحتمل أن يكون من كلام الراوي وهو بعيد (ما حرم) قال الأبهري ما موصولة معنى مفصولة لفظا أي الذي حرمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في غير القرآن (كما حرم الله) أي في القرآن وفي الاقتصار على التحريم من غير ذكر التحليل إشارة إلى أن الأصل في الأشياء إباحتها وقال ابن حجر أي ما حرم وأحل رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم وأحل الله قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود وابن ماجة والدارمي باب ما جاء في كراهية كتابة العلم قوله (عن أبية) هو أسلم العدوي مولى عمر مخضرم مات سنة ثمانين وقيل بعد سنة ستين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة قوله (استأذنا) أي طلبنا الإذن منه صلى الله عليه وسلم (في الكتابة) أي في كتابة أحاديثه (فلم يأذن لنا) فيه دلالة على منع كتاية الأحاديث النبوية وروى مسلم هذا الحديث بلفظ لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن قال الحافظ في الفتح اختلف السلف في ذلك عملا وتركا وإن كان الأمر استقر والإجماع انعقد على جواز كتابة العلم بل على استحبابه بل لا يبعد وجوبه على من خشي النسيان ممن يتعين عليه تبليغ العلم انتهى

[ 357 ]

قوله (وقد روى هذا الحديث من غير هذا الوجه أيضا) وأخرجه مسلم وتقدم لفظه آنفا باب ما جاء في الرخصة فيه قوله (عن الخليل بن مرة) الضبعي البصري نزل الرقة ضعيف من السابعة (عن يحيى بن أبي صالح) قال في تهذيب التهذيب يحيى بن أبي صالح أبو الخباب ويقال هو السمان عن أبي هريرة وقيل عن أبيه عن أبي هريرة في الرخصة في كتابة الحديث وقوله استعن بيمينك وعنه الخليل بن مرة قال أبو حاتم شيخ مجهول لا أعرفه وذكره ابن حبان في الثقات قوله (استعن بيمينك) بأن تكتب ما تخشى نسيانه إعانة لحفظك (وأومأ) أي أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم (بيده الخط) أي الكتابة قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو) بن العاص قال كنت أكتب كل شئ أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فمنعتني قريش وقالوا تكتب كل شئ ورسول الله صلى الله عليه وسلم بشر يتكلم في الغضب فأمسكت عن الكتاب حتى ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حقا أخرجه الدارمي قوله (وسمعت محمد بن إسماعيل يقول الخليل بن مرة منكر الحديث) فالحديث ضعيف منكر وأخرجه الحكيم الترمذي عن ابن عباس كما في الجامع الصغير للسيوطي

[ 358 ]

قوله (أن لرسول الله صلى الله عليه وسلم خطب فذكر قصة في الحديث) أخرجه البخاري بقصته في كتاب العلم وفي مواضع من صحيحه ومسلم في كتاب الحج (فقال أبو شاه) بهاء منونة قاله الحافظ (اكتبوا لي يا رسول الله) وفي مسلم قال الوليد فقلت للأوزاعي ما قوله اكتبوا لي يا رسول الله قال هذه الخطبة التي سمعها من النبي صلى الله عليه وسلم وكذا في صحيح البخاري في كتاب اللقطة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اكتبوا لأبي شاه) هذا دليل صريح على جواز كتابة الحديث قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة قوله (ليس أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كان يكتب وكنت لا أكتب) هذا استدلال من أبي هريرة على ما ذكره من أكثرية ما عند عبد الله بن عمرو أي ابن العاص على ما عنده ويستفاد من ذلك أن أبا هريرة كان جازما بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم منه إلا عبد الله مع أن الموجود المروي عن عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المروي عن أبي هريرة بأضعاف مضاعفة فإن قلنا الاستثناء منقطع إشكال إذ التقدير لكن الذي كان من عبد الله وهو الكتابة لم يكن مني سواء لزم منه كونه أكثر حديثا لما تقتضيه العادة أم لا وإن قلنا الاستثناء متصل فالسبب فيه من جهات أحدها أن عبد الله كان مشتغلا بالعبادة أكثر من اشتغاله بالتعليم فقلت الرواية عنه

[ 359 ]

ثانيها أنه كان أكثر مقامه بعد فتوح الأمصار بمصر أو بالطائف ولم تكن الرحلة إليهما ممن يطلب العلم كالرحلة إلى المدينة وكان أبو هريرة متصديا فيها للفتوى والتحديث إلى أن مات ويظهر هذا من كثرة من حمل عن أبي هريرة فقد ذكر البخاري أنه روى عنه ثمان مائة نفس من التابعين ولم يقع هذا لغيره ثالثها ما اختص به أبو هريرة من دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له بأنه لا ينسى ما يحدثه به رابعها أن عبد الله كان قد ظفر في الشام بحمل جمل من كتب أهل الكتاب فكان ينظر فيها ويحدث منها فتجنب الأخذ عنه لذلك كثير من أئمة التابعين قاله الحافظ وقال قوله ولا أكتب قد يعارضه ما أخرجه ابن وهب من طريق الحسن بن عمرو بن أمية قال تحدث عند أبي هريرة بحديث فأخذ بيدي إلى بيته فارانا كتبا من حديث النبي صلى الله عليه وسلم وقال هذا هو مكتوب عندي قال ابن عبد البر حديث همام أصح ويمكن الجمع بأنه لم يكن يكتب في العهد النبوي ثم كتب بعده قال الحافظ وأقوى من ذلك أنه لا يلزم من وجود الحديث مكتوبا عنده أن يكون مكتوبا بخطه وقد ثبت أنه لم يكن يكتب فتعين أن المكتوب بغير خطه وقال ويستفاد منه يعني من حديث أبي هريرة هذا ومن حديث علي يعني الذي فيه ذكر الصحيفة ومن قصة أبي شاه أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في كناية الحديث عنه وهو يعارض حديث أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن رواه مسلم والجمع بينهما أن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية التباسه بغيره والإذن في غير ذلك أو أن النهي خاص بكتابة غير القرآن مع القرآن في شئ واحد والإذن في تفريقها أو النهي متقدم والإذن ناسخ له عند الأمن من الالتباس وهو أقربها مع أنه لا ينافيها وقيل النهي خاص بمن خشي منه الاتكال على الكتابة دون الحفط والإذن لمن أمن منه ذلك ومنهم من أعل حديث أبي سعيد وقال الصواب وقفه على أبي سعيد قاله البخاري وغيره قال العلماء كره جماعة من الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظا كما أخذوا حفظا لكن لما قصرت الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دونوه وأول من دون الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة بأمر عمر بن عبد العزيز ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير فلله الحمد انتهى كلام الحافظ قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري والنسائي

[ 360 ]

باب ما جاء في الحديث عن بني إسرائيل قوله (حدثنا محمد بن يحيى) هو الإمام الذهلي (بلغوا عني ولو آية) أي ولو كان المبلغ آية قال في اللمعات الظاهر أن المراد آية القرآن أي ولو كانت آية قصيرة من القرآن والقرآن مبلغ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه الجاني به من عند الله ويفهم منه تبليغ الحديث بالطريق الأولى فإن القرآن مع انتشاره وكثرة حملته وتكفل الله سبحانه بحفظه لما أمرنا بتبليغه فالحديث أولى انتهى والآية ما وزعت السورة عليها وقيل المراد بالآية هنا الكلام المفيد نحو من صمت نجا والدين النصيحة أي بلغوا عني أحاديثي لو كانت قليلة وقيل المراد من الآية الحكم الموحي إليه صلى الله عليه وسلم وهو أعم من المتلوة وغيرها بحكم عموم الوحي الجلي والخفي قلت الظاهر هو الأول (وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) الحرج الضيق والإثم قال السيد جمال الدين ووجه التوفيق بين النهي عن الاشتغال بما جاء عنهم وبين الترخيص المفهوم من هذا الحدث أن المراد بالتحدث ههنا التحدث بالقصص من الآيات العجيبة كحكاية عوج بن عنق وقتل بني إسرائيل أنفسهم في توبتهم من عبادة العجل وتفصيل القصص المذكورة في القرآن لأن في ذلك عبرة وموعظة لأولي الألباب وأن المراد بالنهي هناك النهي عن نقل أحكام كتبهم لأن جميع الشرائع والأديان منسوخة بشريعة نبينا صلى الله عليه وسلم قال القاري لكن قال ابن قتيبة وما روى عن عوج أنه رفع جبلا قدر عسكر موسى عليه السلام وهم كانوا ثلاثمائة ألف ليضعه عليهم فنقره هدهد بمنقاره وثقبه ووقع في عنقه فكذب لا أصل له كذا نقله الأبهري انتهى قلت قال

[ 361 ]

ابن قتيبة الدينوري في كتابه تأويل مختلف الحديث قالوا رويتم أن عوجا اقتلع جبلا قدره فرسخ في فرسخ على قدر عسكر موسى فحمله على رأسه ليطبقه عليهم فصار طوقا في عنقه حتى مات وأنه كان بخوض البحر فلا يجاوز كبتيه وكان يصيد الحيتان من لججه ويشويها في عين الشمس وأنه لما مات وقع على نيل مصر فجسر للناس سنة أي صار جسرا لهم يعبرون عليه من جانب إلى جانب وأن طول موسى عليه السلام كان عشرة أذرع وطول عصاه عشرة ووثب عشرا ليضربه فلم يبلغ عرقوبه قالوا وهذا كذب بين لا يخفى على عاقل ولا على جاهل وكيف صار في زمن موسى عليه السلام من خالف أهل الزمان هذه المخالفة وكيف يجوز أن يكون من ولد آدم من يكون بينه وبين آدم هذا التفاوت وكيف يطيق آدمي حمل جبل على رأسه قدره فرسخ في فرسخ قال ابن قتيبة ونحن نقول أن هذا حديث لم يأت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحابته وإنما هو خبر من الأخبار القديمة التي يرويها أهل الكتاب سمعه قوم منهم على قديم الأيام فتحدثوا به انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والبخاري باب ما جاء الدال على الخير كفاعله قوله (أخبرنا أحمد بن بشير) بالفتح المخزومي مولى عمرو بن حريث أبو بكر الكوفي صدوق له أوهام من التاسعة (عن شبيب بن بشر) قال في التقريب شبيب بوزن طويل ابن بشر أو ابن بشير البجلي الكوفي صدوق يخطئ من الخامسة قوله (يستحمله) أي يطلب منه المركب (فحمله) أي أعطاه المركب (فقال) أي رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الدال على الخير كفاعله) لإعانته عليه فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه وإلا فله ثواب دلالته قاله المناوي

[ 362 ]

قوله (وفي الباب عن أبي مسعود وبريدة) أما حديث أبي مسعود فأخرجه الترمذي بعد هذا وأما حديث بريدة فأخرجه أحمد وأبو يعلى والضياء عنه مرفوعا الدال على الخير كفاعله والله يحب إغاثة اللهفان كذا في الجامع الصغير قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن أبي الدنيا في قضاء الحوائج كذا في الجامع الصغير وقال المناوي في شرحه بإسناد حسن قوله (عن أبي مسعود البدري) اسمه عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري صحابي جليل قوله (فقال إنه قد أبدع بي) على بناء المفعول يقال أبدعت الراحلة إذا انقطعت عن السير لكلال جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه إبداعا عنها أي إنشاء أمر خارج مما اعتيد منها ومعنى أبدع بالرجل انقطع به راحلته كذا حققه الطيبي أي انقطع راحلتي بي ولما حول للمفعول صار الظرف نائبه كسير بعمرو (من دل) أي بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الكتابة (على خير) أي علم أو عمل مما فيه أجر وثواب (فله) أي فللدال (مثل أجر فاعله) أي من غير أن ينقص من أجره شئ (أو قال عامله) شك من الراوي قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

[ 363 ]

قوله (اشفعوا) وفي رواية لمسلم كان إذا أتاه طالب حاجة أقبل على جلسائه فقال اشفعوا الخ وفي رواية للبخاري إذا جاء رجل يسأل أو طالب حاجة أقبل علينا بوجهه فقال أشفعوا الخ (ولتؤجروا) عطف على اشفعوا واللام لام الأمر (وليقضي الله الخ) بلام التأكيد أي يحكم وفيه إشارة إلى أن ما يجري على لسانه صلى الله عليه وسلم فهو من الله سواء كان قبول الشفاعة أو عدمه وفي الحديث الحض على الخير بالفعل وبالتسبب إليه بكل وجه والشفاعة إلى الكبير في كشف كربة ومعونة ضعيف إذ ليس كل أحد يقدر على الوصول إلى الرئيس ولا التمكن منه ليلج عليه أو يوضح له مراده ليعرف حاله على وجهه وإلا فقد كان صلى الله عليه وسلم لا يحتجب قال عياض ولا يستثنى من الوجوه التي تستحب الشفاعة فيها إلا الحدود وإلا فما لأحد فيه تجوز الشفاعة فيه ولا سيما ممن وقعت منه الهفوة أو كان من أهل الستر والعفاف قال وأما المصرون على فسادهم المشتهرون في باطنهم فلا يشفع فيهم ليزجروا عن ذلك قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان (ويريد) بضم الموحدة وفتح الراء مصغرا (بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى قد روى عنه الثوري سفيان بن عيينة) وروى هو عن جده والحسن البصري وعطاء وأبي أيوب صاحب أنس (وبريد يكنى أبا بردة هو ابن أبي موسى الأشعري) مقصود الترمذي من هذا الكلام أن بريد بن عبد الله هذا يكنى بأبي بردة بكنية جده وهو أبو بردة بن أبي موسى الأشعري قوله (عن عبد الله بن مرة) هو الهمداني

[ 364 ]

قوله (ما من نفس تقتل) بصيغة المجهول (إلا كان على ابن آدم) زاد في رواية الشيخين الأول وهو صفة لابن آدم وهو قابيل قتل أخاه هابيل (إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر) (كفل) بكسر الكاف وسكون الفاء أي نصيب (من دمها) أي دم النفس (وقال عبد الرزاق سن القتل) يعني من المجرد وأما وكيع فقال أسن بالهمزة من باب الإفعال ومعنى سن وأسن واحد أي أول من سلك هذه الطريقة السيئة وأتي بها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة باب ما جاء في من دعا إلى هدى فاتبع أو إلى ضلالة قوله (من دعا إلى هدى) قال الطيبي الهدى إما الدلالة الموصلة أو مطلق الدلالة والمراد هنا ما يهدي به من الأعمال الصالحة وهو بحسب التنكير شائع في جنس ما يقال هدى فأعظمه هدى من دعا إلى الله وعمل صالحا وأدناه هدى من دعا إلى إماطة الأذى عن طريق المسلمين (كان له) أي للداعي (مثل أجور من يتبعه) فيعمل بدلالته أو يمتثل أمره (لا ينقص) بضم القاف (ذلك) إشارة إلى مصدر وكان كذا قيل والأظهر أنه راجع إلى الأجر (من أجورهم شيئا) قال ابن الملك هو مفعول به أو تمييز بناء على أن النقص يأتي لازما ومتعديا انتهى قال القاري والظاهر إن يقال إن شيئا مفعول به أي شيئا من أجورهم أو مفعول مطلق أي شيئا من النقص قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم

[ 365 ]

قوله (عن ابن جرير بن عبد الله) اسمه المنذر بن جرير بن عبد الله البجلي الكوفي مقبول من الثالثة قوله (من سن سنة خير) وفي رواية مسلم من سن في الإسلام سنة حسنة أي أتى بطريقة مرضية يشهد لها أصل من أصول الدين (فاتبع) بصيغة المجهول والضمير إلى من (عليها) أو على تلك السنة (فله أجره) الضميران يرجعان إلى من سن أي له أجر عمله بتلك السنة (غير منقوص من أجورهم شيئا) بالنصب على أنه مفعول مطلق أي لا ينقص من أجورهم شيئا من النقص (ومن سن سنة شر) وفي بعض النسخ سنة سيئة وفي رواية مسلم ومن سن في الإسلام سنة سيئة أي طريقة غير مرضية لا يشهد لها أصل من أصول الدين قوله (وفي الباب عن حذيفة) أخرجه أحمد قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولا وابن ماجة من طريق المنذر بن جرير عن أبيه باب الأخذ بالنسة واجتناب البدع قوله (عن عبد الرحمن بن عمرو) بن عبسة (السلمي) الشامي مقبول من الثالثة (عن

[ 366 ]

العرباض) بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها موحدة واخره معجمة (بن سارية) السلمى كنيته أبو نجيح صحابي كان من أهل الصفة ونزل حمص قوله (ذرفت) أي دمعت (ووجلت) بكسر الجيم أي خافت (إن هذه موعظة مودع) بالاضافة فإن المودع بكسر الدال عند الوداع لا يترك شيئا مما يهم المودع بفتح الدال أي كأنك تودعنا بها لما رأى من مبالغته صلى الله عليه وسلم في الموعظة (فماذا تعهد إلينا) أي فبأي شئ توصينا (وإن عبد حبشي) أي وإن تأمر عليكم عبد حبشي كما في رواية الأربعين للنووي أي صار أميرا أدنى الخلق فلا تستنكفوا عن طاعته أو لو استولى عليكم عبد حبشي فأطيعوه مخافة إثارة الفتن ووقع في بعض نسخ أبي داود وإن عبدا حبشيا بالنصب أي وإن كان المطاع عبدا حبشيا قال الخطابي يريد به طاعة من ولاه الإمام عليكم وإن كان عبدا حبشا ولم يرد بذلك أن يكون الامام عبدا حبشيا وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال الأئمة من قريش وقد يضرب المثل في الشئ بما لا يكاد يصح في الوجود كقوله صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو مثل مفحص قطاة بنى الله له بيتا في الجنة وقدر مفحص القطاة لا يكون مسجدا لشخص آدمي ونظائر هذا الكلام كثيرة (وإياكم ومحدثات الأمور الخ) وفي رواية أبي داود وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعه ضلالة قال الحافظ بن رجب في كتاب جامع العلوم والحكم فيه تحذير للأمة من اتباع الأمور المحدثة المبتدعة وأكد ذلك بقوله كل بدعة ضلالة والمراد بالبدعة ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعا وإن كان بدعة لغة فقوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة من جوامع الكلم لا يخرج عنه شئ وهو أصل عظيم من أصول الدين وأما ما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية فمن ذلك قول عمر رضي الله عنه في التراويح نعمت البدعة هذه وروى عنه أنه قال إن كانت هذه بدعة فنعمت البدعة ومن ذلك أذان الجمعة الأول زاده عثمان لحاجة الناس إليه وأقره علي واستمر عمل المسلمين عليه وروي عن ابن عمر أنه قال هو بدعة

[ 367 ]

ولعله أراد ما أراد أبوه في الترا انتهى ملخصا (فمن أدرك ذلك) أي زمن الاختلاف الكثير (فعليه بسنتي) أي فليلزم سنتي (وسنة الخلفاء الراشدين المهديين) فإنهم لم يعملوا إلا بسنتي فالاضافة إليهم إما لعملهم بها أو لاستنباطهم وإختيارهم إياها قاله القاري وقال الشوكاني في الفتح الرباني إن أهل العلم قد أطالوا الكلام في هذا وأخذوا في تأويله بوجوه أكثرها متعسفة والذي ينبغي التعويل عليه والمصير إليه هو العمل بما يدل عليه هذا التركيب بحسب ما تقتضيه لغة العرب فالسنة هي الطريقة فكأنه قال الزموا طريقتي وطريقة الخلفاء الراشدين وقد كانت طريقتهم هي نفس طريقته فإنهم أشد الناس حرصا عليها وعملا بها في كل شئ وعلى كل حال كانوا يتوقون مخالفته في أصغر الأمور فضلا عن أكبرها وكانوا إذا أعوزهم الدليل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم عملوا بما يظهر لهم من الرأي بعد الفحص والبحث والتشاور والتدبر وهذا الرأي عند عدم الدليل هو أيضا من سنته لما دل عليه حديث معاذ لما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم بما تقضي قال بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فبسنة رسول الله قال فإن لم تجد قال أجتهد رأيي قال الحمدلله الذي وفق رسول رسوله أو كما قال وهذا الحديث وإن تكلم فيه بعض أهل العلم بما هو معروف فالحق أنه من قسم الحسن لغيره وهو معمول به وقد أوضحت هذا في بحث مستقل فإن قلت إذا كان ما عملوا فيه بالرأي هو من سنته لم يبق لقوله وسنة الخلفاء الراشدين ثمرة قلت ثمرته أن من الناس من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم وأدرك زمن الخلفاء الراشدين أو أدرك زمنه وزمن الخلفاء ولكنه حدث أمر لم يحدث في زمنه ففعله الخلفاء فأشار بهذا الارشاد إلى سنة الخلفاء إلى دفع ما عساه يتردد في بعض النفوس من الشك ويختلج فيها من الظنون فأقل فوائد الحديث أن ما يصدر عنهم من الرأي وإن كان من سننه كما تقدم ولكنه أولى من رأي غيرهم عند عدم الدليل وبالجملة فكثيرا ما كان صلى الله عليه وسلم ينسب الفعل أو الترك إليه أو إلى أصحابه في حياته مع أنه لا فائدة لنسبته إلى غيره مع نسبته إليه لأنه محل القدرة ومكان الأسوة فهذا ما ظهر لي في تفسير هذا الحديث ولم أقف عند تحريره على ما يوافقه من كلام أهل العلم فإن كان صوابا فمن الله وإن كان خطأ فمنى ومن الشيطان وأستغفر الله العظيم انتهى كلام الشوكاني وقد ذكرنا كلام صاحب سبل السلام في بيان معنى هذا الحديث في باب آذان الجمعة وقال القاري في المرقاة قيل هم الخلفاء الأربعة أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم لأنه عليه الصلاة والسلام قال الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقد انتهى بخلافة علي كرم الله وجهه قال بعض المحققين وصف الراشدين بالمهديين لأنه إذا لم يكن مهتديا في نفسه لم يصلح يزيد

[ 368 ]

أن يكون هاديا لغيره لأنه يوقع الخلق في الضلالة من حيث لا يشعر وهم الصديق والفاروق وذو النورين وأبو تراب على المرتضى رضي الله عنهم أجمعين لأنهم لما كانوا أفضل الصحابة وواظبوا على استمطار الرحمة من الصحابة النبوية وخصهم الله بالمراتب العلية والمناقب السنية ووطنوا أنفسهم عل مشاق الأسفار ومجاهدة القتال مع الكفار أنعم الله عليهم بمنصب الخلافة العظمى والتصدي إلى الرياسة الكبرى شاعة أحكام الدين وإعلاء أعلام الشرع المتين رفعا لدرجاتهم وإزديادا لمثوباتهم انتهى (عضوا) بفتح العين (عليها) أي على السنة (بالنواجذ) جمع ناجذة بالذال المعجمة وهي الضرس الأخير وقيل هو مرادف السن وقيل هو الناب قال الماوردي إذ تكاملت الأسنان فهي ثنتان وثلاثون منها أربعة ثنايا وهي أوائل ما يبدو للناظر من مقدم الفم ثم أربع رباعيات ثم أربع أنياب ثم أربع ضواحك ثم اثنا عشر أضراس وهي الطواحن ثم أربع نواجذ وهي أواخر الأسنان كذا نقله الأبهري والصحيح أن الأضراس عشرون شاملة للضواحك والطواحن والنواجذ والله أعلم والعض كناية عن شدة ملازمة السنة والتمسك بها فإن من أراد أن يأخذ شيئا أخذا شديدا يأخذ بأسنانه أو المحافظة على الوصية بالصبر على مقاساة الشدائد كمن أصابه ألم لا يريد أن يظهره فيشتد بأسنانه بعضها على بعض قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره وقال والخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر فخص اثنين وقال فإن لم تجدني فأتى أبا بكر فخصه فإذا قال أحدهم وخالفه فيه غيره من الصحابة كان المصير إلى قوله أولى والمحدث على قسمين محدث ليس له أصل إلا الشهرة والعمل بالإرادة فهذا باطل وما كان على قواعد الأصول أو مردودا إليها فليس ببدعة ولا ضلالة انتهى كلام المنذري قوله (حدثنا بذلك الحسن بن علي الخلال وغير واحد قالوا أخبرنا أبو عاصم عن ثور بن يزيد الخ) ورواه ابن ماجه عن يحيى بن حكيم حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي

[ 369 ]

حدثنا ثور بن يزيد الخ (وقد روى هذا الحديث عن حجر بن حجر الخ) وصله أبو داود في سننه وحجر بن حجر هذا بضم الحاء المهملة وسكون الجيم الكلاعي بفتح الكاف وتخفيف اللام الحمصي مقبول من الثالثة قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (أخبرنا محمد بن عيينة) الفزاري المصيصي مقبول من العاشرة (عن مروان بن معاوية) بن الحارث بن أسماء الفزري أبي عبد الله الكوفي نزيل مكة ثم دمشق ثقة حافظ وكان يدلس أسماء الشيوخ من الثامنة (عن جده) هو عمرو بن عوف المزني (قال لبلال بن الحارث) المزني مدني صحابي كنيته أبو عبد الرحمن مات سنة ستين وله ثمانون سنة (إعلم) أي تنبه وتهيأ لحفظ ما أقول لك (قال أعلم) أي أنا متهيئ لسماع ما تقول وحفظه رضي الله عنه وفي بعض النسخ ما أعلم بزيادة ما الاستفهامية أي أي شئ أعلم (من أحيا سنة) أي أظهرها وأشاعها بالقول أو العمل (من سنني) قال الأشرف ظاهر النظم يقتضي أن يقال من سنني لكن الرواية بصيغة الافراد انتهى فيكون المراد بها الجنس (قد أميتت بعدي) قال ابن الملك أي تركت تلك السنة عن العمل بها يعني من أحياها من بعدي بالعمل بها أو حث الغير على العلم بها (من غير أن ينقص) متعد ويحتمل اللزوم (من أجورهم) من التبعيض أي من أجور من عمل بها فأفرد رعاية للفظه وجمع ثانيا لمعناه (شيئا) مفعول به أو مفعول مطلق لأنه حصل له باعتبار الدلالة والإحياء والحق وللعاملين باعتبار الفعل فلم يتواردا على محل واحد حتى يتوهم أن حصول أحدهما ينقص الاخر (ومن ابتدع بدعة ضلالة) قال صاحب الدين الخالص قال في المرقاة قيد به لإخراج البدعة الحسنة وزاد في أشعة اللمعات لأن فيها مصلحة الدين وتقويته وترويجه انتهى وأقول هذا غلط فاحش

[ 370 ]

من هذين القائلين لأن الله ورسوله لا يرضيان بدعة أي بدعة كانت ولو أراد النبي صلى الله عليه وسلم إخراج الحسنة منها لما قال فيما تقدم من الأحاديث كل بدعة ضلالة وكل محدثة بدعة وكل ضلالة في النار كما ورد بهذا اللفظ في حديث آخر بل هذا اللفظ ليس بقيد في الأصل هو إخبار عن الانكار على البدع وأنها مما لا يرضاه الله ولا رسوله ويؤيده قوله تعالى رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم وأما ظن مصلحة الدين وتقويته فيها فمن وادي قوله سبحانه إن بعض الظن إثم ولا أدري ما معنى قوله سبحانه (إن بعض الظن إثم) ولا أدري ما معنى قوله تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا إن كانت تلك المصلحة في ترويج البدعات يا لله العجب من أمثال هذه القالة لم يعلموا أن في إشاعة البدع إماتة السنن وفي إماتتها إحياء الدين وعلومه والذي نفسي بيده إن دين الله الاسلام كامل تام غير ناقص ولا يحتاج إلى شئ في كماله وإتمامه ونصوصه مع أدلة السنة المطهرة كافية وافية شافية لجميع الحوادث والقضايا إلى يوم القيامة انتهى ما في الدين الخالص مختصرا قلت قوله بدعة ضلالة يروى با ضافة ويجوز أن ينصب موصوفا وصفة وهذه الصفة ليست للاحتراز عن البدعة الحسنة بل هي صفة كاشفة للبدعة يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم كل بدعة ضلالة كما في رواية أبي داود عن العرباض بن سارية رضي الله عنه (لا يرضاها الله ورسوله) هذا أيضا صفة كاشفة بقوله بدعة قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجة والحديث ضعيف لضعف كثير بن عبد الله وقد اعترض على تحسين الترمذي لحديثه قال المنذري في الترغيب بعد نقل تحسين الترمذي بل كثير بن عبد الله متروك واه ولكن للحديث شواهد انتهى قوله (عن أبيه) هو عبد الله بن المثنى بن عبد الله (عن علي بن زيد) هو ابن جدعان قوله (قال لي) أي وحدي أو مخاطبا لي من بين أصحابي (يا بني) بضم الباء تصغير ابن وهو تصغير لطف ومرحمة ويدل على جواز هذا لمن ليس ابنه ومعناه اللطف وأنك عندي بمنزلة ولدي في الشفقة (إن قدرت) أي استطعت والمراد اجتهد قدر ما تقدر (أن تصبح وتمسي) أي تدخل في

[ 371 ]

وقت الصباح والمساء والمراد جميع الليل والنهار (ليس في قلبك) الجملة حال من الفاعل تنازع فيه الفعلان أي وليس كائنا في قلبك (غش) بالكسر ضد النصح الذي هو إرادة الخير للمنصوح له (لأحد) وهو عام للمؤمن والكافر فإن نصيحة الكافر أن يجتهد في إيمانه ويسعى في خلاصه من ورطة الهلاك باليد واللسان والتالف بما يقدر عليه من المال كذا ذكره الطيبي (فافعل) جزاء كناية عما سبق في الشرط أي افعل نصيحتك (وذلك) أي خلو القلب من الغش قال الطيبي وذلك إشارة إلى أنه رفيع المرتبة أي بعيد التناول (من سنتي) أي طريقتي (ومن أحيا سنتي) أي أظهرها وأشاعها بالقول أو العمل (فقد أحياني ومن أحياني) كذا في النسخ الحاضرة من الاحياء في المواضع الثلاثة وأورد صاحب المشكاة هذا الحديث نقلا عن الترمذي بلفظ من أحب سنتي فقد أحبني ومن أحبني كان معي في الجنة من الإحباب في المواضع الثلاثة فالظاهر أنه قد وقع في بعض نسخ الترمذي هكذا والله تعالى أعلم (كان معي في الجنة) أي معية مقاربة لا معية متحدة في الدرجة قال الله تعالى ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم الاية (وفي الحديث قصة طويلة) لم أقف على من أخرج هذا الحديث بالقصة الطويلة فلينظر من أخرجه بها قوله (وعلي بن زيد صدوق) وضعفه غير واحد من أئمة الحديث (وكان رفاعا) بفتح الراء وتشديد الفاء أي كان يرفع الأحاديث الموقوفة كثيرا (وقد روى عباد) بن ميسرة (المنقري) بكسر الميم وسكون النون البصري المعلم لين الحديث عابد من السابعة (ولا غيره) بالنصب عطف على هذا الحديث (ومات أنس بن مالك سنة ثلاث وتسعين ومات سعيد بن المسيب بعده بسنتين الخ مقصود الترمذي بهذا أن المعاصرة بين أنس وبين سعيد بن المسيب ثابتة فيمكن سماعه منه)

[ 372 ]

باب في الانتهاء عما نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله (اتركوني ما تركتكم) أي مدة تركي إياكم من التكليف (فإنما هلك من كان قبلكم) أي من اليهود والنصارى (بكثرة سؤالهم) كسؤال الرؤية والكلام وقضية البقرة (واختلافهم) عطف على الكثرة لا على السؤال لأن نفس الاختلاف موجب للهلاك من غير الكثرة (على أنبيائهم) يعتي إذا أمرهم الأنبياء بعد السؤال أو قبله واختلفوا عليهم فهلكوا واستحقوا الاهلاك وفي رواية مسلم فإذا أمرتكم بشئ فائتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه قال النووي في شرح مسلم فإذا أمرتكم بشئ فاتوا منه استطعتم هذا من قواعد الاسلام المهمة ومن جوامع الكلم التي أعطيها صلى الله عليه وسلم ويدخل فيه ما لا يحصى من الأحكام كالصلاة بأنواعها فإذا عجز عن بعض أركانها أو بعض شروطها أتى بالباقي وإذا عجز عن بعض أعضاء الوضوء أو الغسل غسل الممكن وإذا وجد بعض ما يكفيه من الماء لطهارته أو لغسل النجاسة فعل الممكن وأشباه هذا غير منحصرة وأما قوله صلى الله عليه وسلم وإذا نهيتكم عن شئ فدعوه فهو على اطلاقه فإن وجد عذر يبيحه كأكل الميتة عند الضرورة أو شرب الخمر عند الاكراه أو التلفظ بكلمة الكفر إذا أكره ونحو ذلك فهذا ليس منهيا عنه في هذا الحال قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في صحيحه في كتاب الحج باب ما جاء في عالم المدينة قوله (عن أبي هريرة رواية) بالنصب على التمييز وهو كناية عن رفع الحديث إلى رسول

[ 373 ]

الله صلى الله عليه وسلم وإلا لكان موقوفا (يوشك) بالكسر والفتح لغة رديئة أي يقرب (أن يضرب الناس) هو في محل الرفع اسم ليوشك ولا حاجة إلى الخير لاشتمال الاسم على المسند والمسند إليه (أكباد الابل) أي المحاذي لأكبادها يعني يرحلون ويسافرون في طلب العلم وهو كناية عن إسراع الابل وإجهادها في السير قال الطيبي ضرب أكباد الابل كناية عن السير السريع لأن من أراد ذلك يركب الابل ويضرب على أكبادها بالرجل وفي إيراد هذا القول تنبيه على أن طلبة العلم أشد الناس حرصا وأعزهم مطلبا لأن الجد في الطلب إنما يكون بشدة الحرص وعزة المطلب والمعنى قرب أن يأتي زمان يسير الناس سيرا شديدا في البلدان البعيدة (يطلبون العلم) حال أو بدل (فلا يجدون أحدا) أي في العالم (أعلم من عالم المدينة) قيل هذا في زمان الصحابة والتابعين وأما بعد ذلك فقد ظهرت العلماء الفحول في كل بلدة من بلاد الاسلام أكثر ما كانوا بالمدينة فالإضافة للجنس قوله (قال في هذا من عالم المدينة) قوله من عالم المدينة بيان لقوله هذا (أنه مالك بن أنس) يعني إمام دار الهجرة رحمه الله (هو العمري الزاهد واسمه عبد العزيز بن عبد الله) كذا فسر الترمذي العمري الزاهد بعبد العزيز بن عبد الله وقد صرح الحافظ في تهذيب التهذيب بأن العمري الزاهد هو ابنه عبد الله فقال في ترجمته عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي العمري الزاهد المدني روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم مرسلا لما استعمل عليا على اليمن قال له قدم الوضيع قبل الشريف قدم الضعيف قبل القوي وعن أبيه وغيره وعن ابن عيينة وغيره قال النسائي ثقة وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان من أزهد أهل زمانه وأشدهم تخليا للعبادة وتوفي سنة أربع وثمانين ومائة وقال ابن سعد كان عابدا ناسكا عالما وقال الترمذي سمعت إسحاق يقول سمعت ابن عيينة يقول في قول النبي صلى الله عليه وسلم يوشك أن يضرب الناس أكباد الابل الحديث هو العمري وقال ابن أبي خثيمة

[ 374 ]

أخبرنا مصعب قال كان العمري يأمر بالمعروف ويتقدم بذلك على الخلفاء ويحتملون له ذلك وقال الزبير كان أزهد أهل زمانه وأعبدهم انتهى مختصرا وقال في التقريب في ترجمة عبد العزيز بن عبد الله ما لفظه عبد العزيز بن عبد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي المدني ثقة من السادسة وهو والد عبد الله الزاهد العمري انتهى فقول الترمذي واسمه عبد العزيز بن عبد الله ليس بصحيح والصواب أن اسم العمري الزاهد عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري رحمه الله (أخبرنا إبراهيم ابن موسى) هو المعروف بالصغير (أخبرنا روح بن جناح) الأموي مولاهم أبو سعد الدمشقي ضعيف اتهمه ابن حبان من السابعة قوله (فقيه) وفي رواية ابن ماجه فقيه واحد (أشد على الشيطان) لأن الفقيه لا يقبل إغواءه ويأمر الناس بالخير على ضد ما يأمرهم بالشر (من ألف عابد) قيل المراد الكثرة وذلك لأن الشيطان كلما فتح بابا من الأهواء على الناس وزين الشهوات في قلوبهم بين الفقيه العارف بمكائده ومكامن غوائله للمريد السالك ما يسد ذلك الباب ويجعله خائبا خاسرا بخلاف العابد فإنه ربما يشتغل بالعبادة وهو في حبائل الشيطان ولا يدري قوله (هذا حديث حسن غريب) قال الحافظ في تهذيب التهذيب قال الساجي هو حديث منكر قال الشوكاني في الفوائد المجموعة حديث ما عبد الله بشئ أفضل من فقه في الدين وفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد ولكل شئ عماد وعماد هذا الدين الفقه قال في المختصر ضعيف وفي المقاصد لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد أسانيده ضعيفة لكنه يتقوى بعضها ببعض

[ 375 ]

قوله (أخبرنا عاصم بن رجاء بن حيوة) الكندي الفلسطيني صدوق يهم من الثامنة (عن قيس بن كثير) قال الحافظ في التقريب كثير بن قيس الشامي ويقال قيس بن كثير والأول أكثر ضعيف من الثالثة وقال في تهذيب التهذيب كثير بن قيس ويقال قيس بن كثير شامي روى عن أبي الدرداء في فضل العلم وعنه داود بن جميل جاء في أكثر الروايات أنه كثير بن قيس على اختلاف في الاسناد إليه وتفرد محمد بن يزيد الواسطي في إحدى الروايتين عنه بتسمية قيس بن كثير وهو وهم قوله (من المدينة) المنورة (وهو) أي أبو الدرداء (بدمشق) بكسر الدال وفتح الميم ويكسر (ما أقدمك) ما استفهامية أي أي شئ جاء بك هنا (حديث) أي أقدمني حديث يعني جئتك لتحدثني به (أما جئت) بهمزة الاستفهام وما نافية (من سلك) أي دخل أو مشى (طريقا) أي قريبا أو بعيدا (يبتغي فيه) أي في ذلك الطريق أو في ذلك المسلك أو في سلوكه (علما) قال الطيبي وإنما أطلق الطريق والعلم ليشملا في جنسهما أي طريق كان من مفارسة الأوطان والضرب في البلدان إلى غير ذلك وأي علم كان من علوم الدين قليلا أو كثيرا رفعيا أو غير رفيع (سلك الله به) الضمير عائد إلى من والباء للتعدية أي جعله سالكا ووفقه أن يسلك طريق الجنة وقيل عائد إلى العلم والباء للسببية وسلك بمعنى سهل والعائد إلى من محذوف والمعنى سهل الله له بسبب العلم (طريقا إلى الجنة) فعلى الأول سلك من السلوك وعلى الثاني من السلك والمفعول محذوف كقوله تعالى ويسلكه عذابا صعدا قيل عذابا مفعول ثان وعلى التقديرين نسبة سلك إلى الله تعالى على طريق المشاكلة كذا قال الطيبي (لتضع أجنحتها) جمع جناح (رضي) حال أو مفعول له على معنى إرادة رضا ليكون فعلا لفاعل الفعل المعلل به (لطالب العلم) اللام متعلق برضا وقيل التقدير لأجل الرضا الواصل منها إليه أو لأجل إرضائها لطالب العلم بما يصنع من حيازة الوراثة العظمى وسلوك السنن الأسنى قال زين العرب وغيره قيل معناه أنها تتواضع لطالبه توقيرا لعلمه كقوله تعالى

[ 376 ]

واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي تواضع لهما أو المراد الكف عن الطيران والنزول للذكر كقوله في حديث أبي هريرة وحفت بهم الملائكة أو معناه المعونة وتيسير المؤونة بالسعي في طلبه أو المراد تليين الجانب والانقياد وألفئ عليه بالرحمة والانعطاف أو المراد حقيقته وإن لم تشاهد وهي فرش الجناح وبسطها لطالب العلم لتحمله عليها وتبلغه مقعده من البلاد نقله السيد جمال الدين ونقل ابن القيم عن أحمد بن شعيب قال كنا عند بعض المحدثين بالبصرة فحدثنا بهذا الحديث وفي المجلس شخص من المعتزلة فجعل يستهزئ بالحديث فقال والله لأطرقن غدا نعلي وأطأ بها أجنحة الملائكة ففعل ومشى في النعلين فحفت رجلاه ووقعت فيهما الأكلة وقال الطبراني سمعت ابن يحيى الساجي يقول كنا نمشي في أزقة البصرة إلى باب بعض المحدثين فأسرعنا المشي وكان معنا رجل ماجن متهم في دينه فقال ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة لا تكسروها كالمستهزئ بالحديث فما زال عن موضعه حتى حفت رجلاه وسقط إلى الأرض انتهى والحفاء رقة القدم على ما في القاموس وفي رواية في السنن والمسانيد عن صفوان بن عسال قال قلت يا رسول الله جئت أطلب العلم قال مرحبا بطالب العلم إن طالب العلم لتحف به الملائكة وتظله بأجنحتها فيركب بعضها على بعض حتى تبلغ السماء الدنيا من حبهم لما يطلب نقله الشيخ ابن القيم وقال الحاكم إسناده صحيح كذا في المرقاة (وإن العالم ليستغفر له) قال الطيبي هو مجاز من إرادة استقامة حال المستغفر له انتهى قال القاري والحقيقة أولى (حتى الحيتان) جمع الحوت خص لدفع إيهام أن من في الأرض لا يشمل من في البحر كذا قيل (وفضل العالم) أي الغالب عليه العلم وهو الذي يقوم بنشر العلم بعد أدائه ما توجه إليه من الفرائض والسنن المؤكدة (على العابد) أي الغالب عليه العبادة وهو الذي يصرف أوقاته بالنوافل مع كونه عالما بما تصح به العبادة (كفضل القمر) أي ليلة البدر كما في رواية (على سائر الكواكب) قال القاضي شبه العالم بالقمر والعابد بالكواكب لأن كمال العبادة ونورها لا يتعدى من العابد ونور العالم يتعدى إلى غيره (إن العلماء ورثة الأنبياء) وإنما لم يقل ورثة الرسل ليشمل الكل قاله ابن الملك (لم يورثوا) بالتشديد من التوريث (دينارا ولا درهما) أي شيئا من الدنيا وخصا لأنهما أغلب أنواعها وذلك إشارة إلى زوال الدنيا وأنهم لم يأخذوا منها إلا بقدر ضرورتهم فلم يورثوا شيئا منها لئلا يتوهم أنهم كانوا يطلبون شيئا منها يورث عنهم (فمن أخذ به) أي

[ 377 ]

بالعلم (فقد أخذ بحظ وافر) أي أخذ حظا وافرا يعني نصيبا تاما أي لا حظ أوفر منه والباء زائدة للتأكيد أو المراد أخذه متلبسا بحظ وافر من ميراث النبوة ويجوز أن يكون أخذ بمعنى الأمر أي فمن أراد أخذه فليأخذ بحظ وافر ولا يقتنع بقليل (هكذا حدثنا محمود بن خداش هذا الحديث) يعني عن عاصم بن رجاء عن قيس بن كثير من غير واسطة بينهما (وإنما يروى هذا الحديث عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن داود بن جميل عن كثير بن قيس) يعني بزيادة داود بن جميل بن عاصم بن رجاء وكثير بن قيس وكذلك رواه أبو داود وابن ماجه وداود بن جميل هذا ضعيف ويقال اسمه الوليد كذا في التقريب قال في تهذيب التهذيب روى عن كثير بن قيس على خلاف فيه وعنه عاصم بن رجاء بن حيوة ذكره ابن حبان في الثقات وفي إسناد حديثه اختلاف وقال الدارقطني مجهول وقال مرة هو ومن فوقه إلى أبي الدرداء ضعفاء (وهذا أصح من حديث محمود بن خداش) أي هذا الحديث الذي يروى عن عاصم عن داود بن جميل عن كثير بن قيس أصح من حديث محمود بن خداش المذكور في هذا الباب بإسقاط داود بن جميل وحديث أبي الدرداء هذا أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والدارمي وقال المنذري في تلخيص السنن قد اختلف في هذا الحديث اختلافا كثيرا ثم ذكره مفصلا من شاء الوقوف على ذلك فليراجعه قوله (اخبرنا أبو الأحوص) اسمه سلام بن سليم (عن ابن أشوع) قال في التقريب سعيد بن عمرو بن أشوع الهمداني الكوفي قاضيها ثقة رمي بالتشيع من السادسة (عن يزيد بن سلمة) بن يزيد (الجعفي) صحابي له حديث ويقال إنه نزل الكوفة قوله (أخاف أن ينسى) بضم التحتية من الإنساء (أوله) بالنصب على المفعولية (آخره) بالرفع على الفاعلية (تكون جماعا) بكسر الجيم قال في المجمع الجماع ما جمع عددا أي كلمة

[ 378 ]

تجمع كلمات (اتق الله) أي خفه واخش عقابه (فيما تعلم) أي في الشئ الذي تعلمه وذلك بأن تجتنب المنهى عنه كله وتفعل من المأمور به ما تستطيعه قوله (هذا حديث الخ) وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (وابن أشوع اسمه سعيد بن أشوع) أشوع هو جد سعيد واسم أبيه عمرو كما عرفت قوله (حدثنا أبو كريب) اسمه محمد بن العلاء (حدثنا خلف بن أيوب العامري) أبو سعيد البلخي فقيه من أهل الرأي ضعفه يحيى بن معين ورمي بالإرجاء من التاسعة (عن عوف) هو ابن أبي جميلة (عن ابن سيرين) هو محمد قوله (خصلتان لا تجتمعان في منافق) بأن تكون فيه واحدة دون الأخرى أو لا يكونا فيه بأن لا توجد واحدة منهما فيه وإنما عبر بالإجتماع تحريضا للمؤمنين على جمعهما وزجرا لهم عن الاتصاف بأحدهما والمنافق إما حقيقي وهو النفاق الاعتقادي أو مجازي وهو المرائي وهو النفاق العملي (حسن سمت) أي خلق وسيرة وطريقة قال الطيبي هو التزيي بزي الصالحين وقال ميرك السمت بمعنى الطريق أعني المقصد وقيل المراد هيئة أهل الخير والأحسن ما قاله ابن حجر أنه تحرى طرق الخير والتزيي بزي الصالحين مع التنزه عن المعائب الظاهرة والباطنة (ولا فقه في الدين) عطف بلا لأن حسن سمت في سياق النفي فلا لتأكيد النفي المساق قال التوربشتي حقيقة الفقه في الدين ما وقع في القلب ثم ظهر على اللسان فأفاد العمل وأورث الخشية والتقوى وأما الذي يتدارس أبوابا منه ليتعزز به ويتأكل به فإنه بمعزل عن الرتبة العظمى لأن الفقه تعلق بلسانه دون قلبه ولهذا قال علي كرم الله وجهه ولكني أخشى عليكم كل منافق عليم اللسان قيل ليس المراد أن إحداهما قد يحصل دون الأخرى بل هو تحريض للمؤمنين على الاتصاف بهما والاجتناب عن أضدادهما فإن المنافق من يكون عاريا منهما وهو من باب التغليظ ونحوه قوله تعالى فويل للمشركين الذي لا يؤتون الزكاة إذ فيه حث على أدائها وتخويف من المنع حيث جعله من أوصاف المشركين كذا قاله الطيبي

[ 379 ]

قوله (هذا حديث غريب) وهو ضعيف لضعف خلف بن أيوب (ولا أدري كيف هو) أي كيف حال خلف بن أيوب قال الحافظ في تهذيب التهذيب وقد ذكره الحاكم في تاريخ نيسابور وأطال ترجمته وقال فيه فقيه أهل بلخ وزاهدهم تفقه بأبي يوسف وابن أبي ليلى وأخذ الزهد عن إبراهيم بن أدهم روى عنه يحيى بن معين وذكر جماعة قال وكان قدومه إلى نيسابور سنة 203 وتوفي في شهر رمضان سنة وقال العقيلي عن أحمد حدث عن عوف وقيس بمناكير وكان مرجئا وقال معاوية بن صالح عن يحيى بن معين ضعيف وقال الخليلي صدوق مشهور كان يوصف بالستر والصلاح والزهد وكان فقيها على رأي الكوفيين وذكره ابن حبان في الثقات وقال كان مرجئا غاليا استحب مجانبة حديثه لتعصبه انتهى قوله (حدثنا محمد بن عبد الأعلى) هو الصنعاني (أخبرنا سلمة بن رجاء) التميمي أبو عبد الرحمن الكوفي صدوق يغرب من الثامنة قوله (ذكر) بصيغة المجهول (رجلان) قال القاري يحتمل أن يكون تمثيلا وأن يكونا موجودين في الخارج قبل زمانه أو في أوانه (أحدهما عابد) أي كامل في العبادة (والاخر عالم) أي كامل بالعلم (فضل العالم) بالعلوم الشرعية مع القيام بفرائض العبودية (على العابد) أي على المتجرد للعبادة بعد تحصيل قدر الفرض من العلوم (كفضلي على أدناكم) أي نسبة شرف العالم إلى شرف العابد كنسبة شرف الرسول إلى شرف أدنى الصحابة قال القاري فيه مبالغة لا تخفي فإنه لو قال كفضلي على أعلاكم لكفي فضلا وشرفا والظاهر أن اللام فيهما للجنس فالحكم عام ويحتمل العهد فغيرهما يؤخذ بالمقايسة (ثم قال رسول الله إن الله) استئناف فيه تعليل (وملائكته) قال القاري أي حملة العرش وقوله (وأهل السموات) تعميم بعد تخصيص انتهى

[ 380 ]

(والأرضين) أي أهل الأرضين من الإنس والجن وجميع الحيوانات (حتى النملة) بالنصب على أن حتى عاطفة وبالجر على أنها جارة وبالرفع على أنها ابتدائية والأول أصح (في جحرها) بضم الجيم وسكون الحاء أي ثقبها قال الطيبي وصلاته بحصول البركة النازلة من السماء (وحتى الحوت) كما تقدم وهما غايتان مستوعبتان لدواب البر والبحر (ليصلون) فيه تغليب للعقلاء على غيرهم أي يدعون بالخير (على معلم الناس الخير) قيل أراد بالخير هنا علم الدين وما به نجاة الرجل ولم يطلق المعلم ليعلم أن استحقاق الدعاء لأجل تعليم علم موصول إلى الخير انتهى وفيه إشارة إلى وجه الأفضلية بأن نفع العلم متعد ونفع العبادة قاصر قوله (هذا حديث حسن غريب صحيح) ورواه الدارمي عن مكحول مرسلا ولم يذكر رجلان وقال فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ثم تلا هذه الاية (إنما يخشى الله من عباده العلماء) وسرد الحديث إلى آخره كذا في المشكاة وقال المنذري في الترغيب بعد ذكر حديث أبي أمامة ما لفظه رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح ورواه البزار من حديث عائشة مختصرا قال معلم الخير يستغفر له كل شئ حتى الحيتان في البحر انتهى قوله (يدعي كبيرا في ملكوت السموات) أي في ملك السموات والمعنى أن أهل السموات يدعونه كبيرا لكبر شأنه لجمعه العلم والعمل والتعليم وهذا قول الفضيل ولم أقف على حديث مرفوع يدل على هذا قوله (لن يشبع المؤمن) أي الكامل (من خير) أي علم (حتى يكون) لما كان يشبع مضارعا دالا على الاستمرار تعلق به حتى (منتهاه) أي غايته ونهايته (الجنة) بالنصب على الخبرية أو الرفع على الاسمية يعني حتى يموت فيدخل الجنة

[ 381 ]

قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه ابن حبان قوله (الكلمة الحكمة) قال مالك الحكمة هي الفقه في الدين قال تعالى يؤتى الحكمة من يشاء الاية وقيل التي أحكمت مبانيها بالنقل والعقل دالة على معنى فيه دقة مصونة معانيها عن الاختلال والخطأ والفساد وقال السيد جمال الدين جعلت الكلمة نفس الحكمة مبالغة كقولهم رجل عدل ويروى كلمة الحكمة بالإضافة من إضافة الموصوف إلى الصفة ويروى الكلمة الحكيمة على طريق الإسناد المجازي لأن الحكيم قائلها كقوله تعالى يس والقرآن الحكيم كذا في شرح الطيبي (ضالة المؤمن) أي مطلوبه (فهو أحق بها) أي بقبولها قال السيد جمال الدين يعني أن الحكيم يطلب الحكمة فإذا تفوه بها من ليس لها بأهل ثم وقعت إلى أهلها فهو أحق بها من قائلها من غير التفات إلى خساسة من وجدها عنده أو المعنى أن الناس يتفاوتون في فهم المعاني واستنباط الحقائق المحتجبة واستكشاف الأسرار المرموزة فينبغي أن لا ينكر من قصر فهمه عن إدراك حقائق الايات ودقائق الأحاديث على من رزق فهما وألهم تحقيقا كما لا ينازع صاحب الضالة في ضالته إذا وجدها أو كما أن الضالة إذا وجدت مضيعة فلا تترك بل تؤخذ ويتفحص عن صاحبها حتى ترد عليه كذلك السامع إذا سمع كلاما لا يفهم معناه ولا يبلغ كنهه فعليه أن لا يضيعه وأن يحمله إلى من هو أفقه منه فلعله يفهم أو يستنبط منه ما لا يفهمه ولا يستنبطه هو أو كما أنه لا يحل منع صاحب الضالة عنها فإنه أحق بها كذلك العالم إذا سئل عن معنى لا يحل له كتمانه إذا رأى في السائل استعدادا لفهمه كذا قاله زين العرب تبعا للطيبي قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه وأخرجه ابن عساكر عن علي كما في الجامع الصغير قال المناوي بإسناد حسن قوله (وإبراهيم بن الفضل المخزومي ضعيف في الحديث) قال في التقريب إبراهيم بن الفضل المخزومي المدني أبو إسحاق ويقال إبراهيم بن إسحاق متروك من الثامنة

[ 382 ]

(أبواب الاستئذان والاداب) بلفظ الجمع في أكثر النسخ والأدب استعمال ما يحمد قولا وفعلا وعبر بعضهم عنه بأنه الأخذ بمكارم الأخلاق وقيل الوقوف مع المستحسنات وقيل هو تعظيم من فوقك والرفق بمن دونك وقيل إنه مأخوذ من المأدبة وهي الدعوة إلى الطعام سمي بذلك لأنه يدعى إليه قاله الحافظ في الفتح باب ما جاء في إفشاء السلام قوله (لا تدخلوا الجنة) كذا في النسخ الحاضرة عندنا بحذف النون وكذا في عامة نسخ أبي داود قال القاري ولعل الوجه أن النهي قد يراد به النفى كعكسه المشهور عند أهل العلم انتهى ووقع في صحيح مسلم لا تدخلون بإثبات النون وهو الظاهر (ولا تؤمنوا) بحذف النون في النسخ الحاضرة وكذا في صحيح مسلم قال النووي هكذا هو في جميع الأصول والروايات ولا تؤمنوا بحذف النون من آخره وهي لغة معروفة صحيحة انتهى وقال القاري لعل حذف النون المجانسة والازدواج (حتى تحابوا) بحذف إحدى التائين وتشديد الموحدة المضمومة قال النووي معنى قوله صلى الله عليه وسلم ولا تؤمنوا حتى تحابوا أي لا يكمل إيمانكم ولا

[ 383 ]

يصلح حالكم في الإيمان إلا بالتحابب وأما قوله صلى الله عليه وسلم لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا فهو على ظاهره وإطلاقه فلا يدخل الجنة إلا من مات مؤمنا وإن لم يكن كامل الإيمان فهذا هو الظاهر من الحديث وقال الشيخ أبو عمرو معنى الحديث لا يكمل إيمانكم إلا بالتحابب ولا تدخلون الجنة عند دخول أهلها إذا لم تكونوا كذلك قال النووي وهذا الذي قاله محتمل انتهى (أفشوا السلام بينكم) بقطع الهمزة المفتوحة من الافشاء وهو الاظهار وفيه الحث العظيم على إفشاء السلام وبذله للمسلمين كلهم من عرفت ومن لم تعرف قال الطيبي جعل إفشاء السلام سببا للمحبة والمحبة سببا لكمال الإيمان لأن إفشاء السلام سبب للتحابب والتوادد أو هو سبب الإلفة والجمعية بين المسلمين المسبب لكمال الدين وإعلاء كلمة الاسلام وفي التهاجر والتقاطع التفرقة بين المسلمين وهي سبب لانثلام الدين الوهن في الاسلام انتهى قال الحافظ الافشاء الاظهار والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته وأخرج البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح عن ابن عمر إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله ونقل النووي عن المتولي أنه قال يكره إذا لقى جماعة أن يخص بعضهم بالسلام لأن القصد بمشروعية السلام تحصيل الألفة وفي التخصيص إيحاش لغير من خص بالسلام قوله (وفي الباب عن عبد الله بن سلام وشريح بن هانئ عن أبيه وعبد الله بن عمرو والبراء وأنس وابن عمر) أما حديث عبد الله بن سلام فأخرجه الترمذي قبل صفة أبواب الجنة وأما حديث شريح بن هانئ عن أبيه فأخرجه الطبراني عنه قال يا رسول الله أخبرني بشئ يوجب لي الجنة قال طيب الكلام وبذل السلام وإطعام الطعام وأخرجه أيضا ابن حبان في صحيحه في حديث والحاكم وصححه وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه ولفظ البخاري أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أي الاسلام خير قال تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف وأما حديث البراء فأخرجه الشيخان وأما حديث أنس فأخرجه الطبراني عنه بإسناد حسن قال كنا إذا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتفرق بيننا شجرة فإذا التقينا يسلم بعضنا على بعض وروى البخاري في الأدب المفرد عنه مرفوعا السلام اسم من اسماء الله وضعه الله في الأرض فأفشوه بينكم قال الحافظ سنده حسن وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن ماجه

[ 384 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود وابن ماجه باب ما ذكر في فضل السلام قوله (حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن) هو الدارمي (والحسين بن محمد) ابن جعفر (الجريري) قال في هامش النسخة الأحمدية كذا في النسخة الدهلوية بالجيم لكن في نسخة صحيحة بالحاء المهملة وقد سبق الكلام في أنه بالحاء أو بالجيم مصغرا ومكبرا في الباب الذي قبل باب رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم في الميزان والدلو (أخبرنا محمد بن كثير) العبدي البصري ثقة لم يصب من ضعفه من كبار العاشرة (عن عوف) هو ابن أبي جميلة العبدي الهجري قوله (فقال النبي صلى الله عليه وسلم عشر) أيه عشر حسنات أو كتب أو حصل له أو ثبت عشر أو المكتوب له عشر (فقال النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثون) أي بكل لفظ عشر حسنات قال الحافظ في الفتح لو زاد المبتدئ ورحمة الله استحب أن يزاد وبركاته فلو زاد وبركاته فهل تشرع الزيادة في الرد وكذا لو زاد المبتدئ على وبركاته هل يشرع له ذلك أخرج مالك في الموطأ عن ابن عباس قال انتهى السلام إلى البركة وأخرج البيهقي في الشعب من طريق عبد الله بن بابيه قال جاء رجل إلى ابن عمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال حسبك وبركاته انتهى إلى وبركاته ومن طريق زهرة بن معبد قال قال عمر انتهى السلام إلى وبركاته ورجاله ثقات وجاء عن ابن عمر الجواز فأخرج مالك أيضا في الموطأ عنه أنه زاد في الجواب والغاديات والرائحات وأخرج البخاري في الأدب المفرد من طريق عمرو بن شعيب عن سالم مولى ابن عمر قال كان ابن عمر يزيد إذا رد السلام فأتيته مرة فقلت السلام عليكم فقال السلام عليكم ورحمة الله ثم أتيته فزدت وبركاته فرد وزادني وطيب صلاته ونقل ابن دقيق العيد عن أبي

[ 385 ]

الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى فحيوا بأحسن منها الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه بسند ضعيف نحو حديث عمران وزاد في آخره ثم جاء آخر وزاد ومغفرته فقال أربعون قال وهكذا تكون الفضائل وأخرج ابن السني في كتابه بسند واه من حديث أنس قال كان رجل يمر فيقول السلام عليك يا رسول الله فيقول له وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه وأخرج البيهقي في الشعب بسند ضعيف أيضا من حديث زيد بن أرقم كنا إذا سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم قلنا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته وهذه الأحاديث الضعيفة إذا انضمت قوي ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على وبركاته انتهى ما في الفتح قوله (هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه) وأخرجه أبو داود والنسائي والبيهقي وحسنه كذا في الترغيب قوله (وفي الباب عن أبي سعيد وعلي وسهل بن حنيف) أما حديث أبي سعيد فلينظر من أخرجه وأما حديث علي فأخرجه أبو نعيم في عمل يوم وليلة وأما حديث سهل بن حنيف فأخرجه الطبراني عنه مرفوعا بسند ضعيف من قال السلام عليكم كتبت له عشر حسنات ومن زاد ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن زاد وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة ذكره الحافظ في الفتح باب ما جاء في الاستئذان ثلاثة قال النووي أجمع العلماء أن الاستئذان مشروع وتظاهرت به دلائل القرآن والسنة وإجماع الأمة والسنة أن يسلم ويستأذن ثلاث فيجمع بين السلام والاستئذان أو تقديم الاستئذان ثم السلام والصحيح الذي جاءت به السنة وقاله المحققون أنه يقدم السلام فيقول السلام عليكم أأدخل والثاني يقدم الاستئذان والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام وإلا قدم الاستئذان وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثان في تقديم السلام أما إذا استأذن ثلاث فلم يؤذن له وظن أنه لم يسمعه

[ 386 ]

ففيه ثلاث مذاهب أظهرها أنه ينصرف ولا يعيد الاستئذان والثاني يزيد فيه والثالث إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده وإن كان بغيره أعاده فمن قال بالأظهر فحجته قوله صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث يعني حديث الباب فلم يؤذن له فليرجع ومن قال بالثاني حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه فلم يأذن انتهى كلام النووي قوله (اخبرنا عبد الأعلى بن عبد الأعلى) البصري الساجي بالمهملة أبو محمد وكان يغضب إذا قيل له أبو همام ثقة من الثامنة (عن الجريري) بضم الجيم مصغرا قوله (فقال عمر واحدة) أي هذه استئذانه واحدة (ثم سكت) أي أبو موسى (فقال عمر ثنتان) أي هذه مع الأولى ثنتان (فقال عمر ثلاث) أي هذه مع الأوليين ثلاث والمقصود أنه عليك أن تقف حتى آذن لك (علي به) أي ائتوني به (ما هذا الذي صنعت) وفي رواية لمسلم ما حملك على ما صنعت والمعنى لم رجعت بعد استئذانك ثلاثا ولم لم تقف حتى آذن لك (قال) أي أبو موسى (السنة) بالنصب أي اتبعت السنة فيما صنعت (قال) أي عمر (السنة) أي اتبعت السة قال الحافظ في رواية عبيد بن حنين عن أبي موسى عند البخاري في الأدب المفرد فقال يا عبد الله أشتد عليك أن تحتبس على بابي اعلم أن الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك فقلت بل استأذنت إلى آخره قال وفي هذه الزيادة دلالة على أن عمر أراد تأديبه لما بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال إمرته وقد كان عمر استخلفه على الكوفة ما كان عمر فيه من الشغل انتهى وفي رواية لمسلم فقال يا أبا موسى ما ردك كنا في شغل قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاستئذان ثلاث فإن أذن لك وإلا فارجع (والله لتأتيني على هذا ببرهان وبينة) المراد بها الشاهد ولو كان واحدا وإنما أمره بذلك ليزداد فيه وثوقا لا للشك في صدق خبره عنده رضي الله تعالى عنه (أو لأفعلن بك) وفي رواية لمسلم فقال إن كان هذا شئ حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فها وإلا لأجعلنك عظة وفي رواية أخرى له قال فوالله لأوجعن ظهرك ويطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا (قال) أي أبو سعيد (فأتانا) أي أبو موسى

[ 387 ]

(ونحن رفقة من الأنصار) وفي رواية لمسلم كنت جالسا بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعا أو مذعورا (فجعل القوم يمازحونه) وفي رواية لمسلم قال فجعلوا يضحكون قال فقلت أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع وتضحكون قال النووي سبب ضحكهم التعجب من فزع أبي موسى وذعره وخوفه من العقوبة مع أنهم قد آمنوا أن يناله عقوبة أو غيرها لقوة حجته وسماعهم ما أنكر عليه من النبي صلى الله عليه وسلم انتهى (ما كنت علمت بهذا) وفي رواية لمسلم فقام أبو سعيد فقال كنا نؤمر بهذا فقال عمر خفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألهاني عنه الصفق بالأسواق قال النووي قد تعلق بهذا الحديث من يقول لا يحتج بخبر الواحد وزعم أن عمر رضي الله عنه رد حديث أبي موسى هذا لكونه خبر واحد وهذا مذهب باطل وقد أجمع من يعتد به على الاحتجاج بخبر الواحد ووجوب العمل به ودلائله من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين وسائر الصحابة ومن بعدهم أكثر من أن يحصروا وأما قول عمر لأبي موسى أقم عليه البينة فليس معناه رد خبر الواحد من حيث هو خبر واحد ولكن خاف عمر مسارعة الناس إلى القول على النبي صلى الله عليه وسلم حتى يقول عليه بعض المبتدعين أو الكاذبين أو المنافقين ونحوهم ما لم يقل وإن كل من وقعت له قضية وضع فيها حديثا على النبي صلى الله عليه وسلم فأراد سد الباب خوفا من غير أبي موسى لا شكا في رواية أبي موسى فإنه عند عمر أجل من أن يظن به أن يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقل بل أراد زجر غيره بطريقة فإن من دون أبي موسى إذا رأى هذه القضية أو بلغته وكان في قلبه مرض أو أراد وضع حديث خاف مثل قضية أبي موسى فامتنع من وضع الحديث والمسارعة إلى الرواية بغير يقين ومما يدل على أن عمر لم يرد خبر أبي موسى لكونه خبر واحد أنه طلب منه إخبار رجل آخر حتى يعمل بالحديث ومعلوم أن خبر الإثنين خبر واحد وكذا ما زاد حتى يبلغ التواتر فما لم يبلغ التواتر فهو خبر واحد ومما يؤيده أيضا ما ذكره مسلم في الرواية الأخيرة من قضية أبي موسى هذه أن أبيا رضي الله عنه قال يا ابن الخطاب فلا تكونن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت انتهى كلام النووي قال ابن بطال فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره وقد قيل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها وأخذ الجزية من المجوس

[ 388 ]

إلى غير ذلك لكنه قد يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك انتهى وفي الحديث أن العالم المتبحر قد يخفي عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه قال ابن بطال وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه وقال الإمام تقي الدين بن دقيق العيد وهذا الحديث يرد على من يغلو من المقلدين إذا استدل عليه بحديث فيقول لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فإن ذلك لما خفي عن أكابر الصحابة وجاز عليهم فهو على غيرهم أجوز انتهى قوله (وفي الباب عن علي وأم طارق مولاة سعد) أما حديث علي فلينظر من أخرجه وأما حديث أم طارق مولاة سعد فأخرجه الطبراني قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود وابن ماجه (اسمه المنذر ابن مالك بن قطعة) قال في التقريب بضم القاف وفتح المهملة وقال في الخلاصة بكسر القاف وسكون المهملة الأولى وكذا ضبطه صاحب مجمع البحار في كتابه المغني قوله (عن عكرمة بن عمار) العجلي اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب من الخامسة (حدثني أبو زميل) بضم الزاي وفتح الميم مصغرا اسمه سماك بن الوليد الحنفي اليمامي الكوفي ليس به بأس من الثالثة قوله (قال استأذنت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثا فأذن لي) كذا أخرجه الترمذي ههنا مختصرا وأخرجه في تفسير سورة التحريم مطولا وأخرجه الشيخان أيضا مطولا (وإنما أنكر عمر

[ 389 ]

عندنا على أبي موسى حين روى إلخ) قال الحافظ وقد استشكل ابن العربي إنكار عمر على أبي موسى حديثه المذكرو مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في حديث ابن عباس الطويل في هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في المشربة فإن فيه أن عمر استأذن مرة بعد مرة فلما لم يؤذن له في الثالثة رجع حتى جاءه الاذن وذلك بين في سياق البخاري قال والجواب عن ذلك أنه لم يقض فيه بعلمه أو لعله نسي ما كان وقع له ويؤيده قوله شغلني الصفق بالأسواق قال الحافظ والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقة لما رواه أبو موسى بل استأذن في كل مرة فلم يؤذن له فرجع فلما رجع في الثالثة استدعي فأذن له ولفظ البخاري الذي أحال عليه ظاهر فيما قلته وقد استوفيت طرقه عند شرح الحديث في أواخر النكاح وليس فيه ما ادعاه انتهى باب ما جاء كيف رد السلام قوله (حدثنا إسحاق بن منصور) الكوسج (أخبرنا عبد الله بن نمير) الهمداني أبو هشام الكوفي (أخبرنا عبيد الله بن عمر) العمري قوله (دخل رجل) هو خلاد بن رافع وتقدم هذا الحديث مع شرحه في باب وصف الصلاة (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك) وفي رواية للشيخين وعليك السلام وفيه أن السنة في رد السلام أن يقول وعليكم السلام بالواو قال النووي اعلم أن ابتداء السلام سنة ورده واجب فإن كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم إذا سلم بعضهم حصلت سنة السلام في حق جميعهم فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد وإن كانوا جماعة كان الرد فرض

[ 390 ]

كفاية في حقهم فإذا رد واحد منهم سقط الحرج عن الباقين والأفضل أن يبتدي الجميع بالسلام وأن يرد الجميع وعن أبي يوسف أنه لابد أن يرد الجميع ونقل ابن عبد البر وغيره إجماع المسلمين على أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض وأقل السلام أن يقول السلام عليكم فإن كان المسلم عليه واحدا فأقله السلام عليك والأفضل أن يقول السلام عليكم ليتناوله وملكيه وأكمل منه أن يزيد ورحمة الله وأيضا وبركاته ولو قال سلام عليكم أجزأه ويكره أن يقول المبتدئ عليكم السلام فإن قاله استحق الجواب على الصحيح المشهور وقيل لا يستحقه وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تقل عليك السلام فإن عليك السلام تحية الموتى وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته فيأتي بالواو فلو حذفها جاز وكان تاركا للأفضل ولو اقتصر على وعليكم السلام أو على عليكم السلام أجزأه ولو اقتصر على عليكم لم يجزئه بلا خلاف ولو قال وعليكم بالولو ففي إجزائه وجهان لأصحابنا قالوا وإذا قال المبتدئ سلام عليكم أو السلام عليكم فقال المجيب مثله سلام عليكم أو السلام عليكم كان جوابا وأجزأه قال الله تعالى قالوا سلاما قال سلام ولكن بالألف واللام أفضل وأقل السلام ابتداء وردا أن يسمع صاحبه ولا يجزئه دون ذلك ويشترط كون الرد على الفور انتهى كلام النووي قوله (وروى يحيى بن سعيد القطان هذا الحديث الخ) قد تقدم الكلام في هذا في باب وصف الصلاة باب ما جاء في تبليغ السلام قوله (حدثنا علي بن المنذر الكوفي) الطريقي صدوق يتشيع من العاشرة (عن زكريا بن أبي زائدة) بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي الكوفي ثقة وكان يدلس وسماعه من أبي إسحاق بآخره من السادسة (عن عامر) هو الشعبي

[ 391 ]

قوله (إن جبرائيل يقرئك السلام) من الاقراء ففي القاموس قرأ عليه السلام أبلغه كأقرأه أو لا يقال أقرأه إلا إذا كان السلام مكتوبا انتهى قال الحافظ في الفتح قال النووي في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام ويجب على الرسول تبليغه لأنه أمانة وتعقب بأنه بالوديعة أشبه والتحقيق من الرسول إن التزمه أشبه الأمانة وإلا فوديعة والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شئ قال وفيه إذا أتاه سلام من شخص أو في ورقة وجب الرد على الفور ويستحب أن يرد على المبلغ كما أخرج النسائي عن رجل من بني تميم أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم سلام أبيه فقال له وعليك وعلى أبيك السلام وق تقدم في المناقب أن خديجة لما بلغها النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل سلام الله عليها قالت إن الله هو السلام ومنه السلام وعليك وعلى جبريل السلام ولم أر في شئ من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أنه غير واجب انتهى ما في الفتح قوله (وفي الباب عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده) روى أبو داود في سننه قال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة أخبرنا إسماعيل عن غالب قال إنا لجلوس بباب الحسن إذ جاء رجل فقال حدثني أبي عن جدي قال بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ائته فاقرأه السلام قال فأتيته فقلت إن أبي يقرئك السلام فقال عليك وعلى أبيك السلام قال المنذري وأخرجه النسائي وقال فيه عن رجل من بني نمير عن أبيه عن جده هذا الإسناد فيه محاصيل قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان من طريق عامر عن أبي سلمة عن عائشة ومن طريق الزهري عن أبي سلمة عنها وأخرجه الترمذي أيضا من هذين الطريقين في فضل عائشة باب ما جاء فضل الذي يبدأ بالسلام قوله (أخبرنا قران) بضم أوله بتشديد الراء (بن تمام الأسدي) الكوفي نزيل بغداد صدوق ربما أخطأ من الثامنة (عن سليم بن عامر) الكلاعي

[ 392 ]

قوله (فقال أولاهما بالله) أي أقرب المتلاقيين إلى رحمة الله من بدأ بالسلام وفي رواية أبي داود إن أولى الناس بالله تعالى من بدأهم بالسلام قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود وسكت عنه هو والمنذري باب ما جاء في كراهية إشارة اليد بالسلام قوله (ليس منا) أي من أهل طريقتنا ومراعي متابعتنا (من تشبه بغيرنا) أي من غير أهل ملتنا (لا تشبهوا) بحذف إحدى التائين (باليهود ولا بالنصاري) زيد لا لزيادة التأكيد (فإن تسليم اليهود الإشارة بالأصابع وتسليم النصارى الإشارة بالأكف) بفتح فضم جمع كف والمعنى لا تشبهوا بهم جميعا في جميع أفعالهم خصوصا في هاتين الخصلتين ولعلهم كانوا يكتفون في السلام أو رده أو فيهما بالإشارتين من غير نطق بلفظ السلام الذي هو سنة آدم وذريته من الأنبياء والأولياء قوله (هذا حديث إسناده ضعيف) لضعف ابن لهيعة قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث في سنده ضعف لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والأكف الإشارة

[ 393 ]

فائدة قال النووي لا يرد على هذا (يعني حديث جابر هذا) حديث أسماء بنت يزيد مر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والإشارة وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ فسلم علينا انتهى والنهي عن السلام بالإشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والأخرس وكذا السلام على الأصم انتهى وحديث أسماء بنت يزيد المذكور يأتي في باب التسليم على النساء باب ما جاء في التسليم على الصبيان قد بوب البخاري أيضا بلفظ باب التسليم على الصبيان قال الحافظ وكأنه ترجم بذلك للرد على من قال لا يشرع لأن الرد فرض وليس الصبي من أهل القرض وأخرج ابن أبي شيبة من طريق أشعث قال الحسن لا يرى التسليم على الصبيان وعن ابن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولا يسمعهم انتهى قوله (عن سيار) قال في التقريب سيار أبو الحكم العنزي وأبوه يكنى أبا سيار واسمه وردان وقيل ورد وقيل غير ذلك وهو أخو مساور الوراق لأمه ثقة وليس هو الذي يروي عن طارق بن شهاب من السادسة وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن ثابت البناني وغيره وعنهم شعبة وغيره قوله (كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فمر على صبيان) بكسر الصاد على المشهور وبضمها (فسلم عليهم) قال الحافظ وأخرج النسائي حديث الباب من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بأتم من سياقه ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الأنصار فيسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرة بخلاف سياق الباب حيث قال مر على صبيان فسلم عليهم فإنها تدل على أنها واقعة حال انتهى قال النووي في شرح مسلم فيه استحباب

[ 394 ]

السلام على الصبيان المميزين والندب إلى التواضع وبذل السلام للناس كلهم وبيان تواضعه صلى الله عليه وسلم وكمال شفقته على العالمين واتفق العلماء على استحباب السلام على الصبيان ولو سلم على رجال وصبيان فرد السلام صبي منهم هل يسقط فرض الرد عن الرجال ففيه وجهان لأصحابنا أصحهما يسقط ومثله الخلاف في صلاة الجنازة هل يسقط فرضها بصلاة الصبي الأصح سقوطه ونص عليه الشافعي ولو سلم صبي على رجل لزم الرجل رد السلام هذا هو الصواب الذي أطبق عليه الجمهور وقال بعض أصحابنا لا يجب وهو ضعيف أو غلط انتهى قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي باب ما جاء في التسليم على النساء قوله (أخبرنا عبد الحميد بن بهرام) الفزاري المدائني صدوق من السادسة قوله (وعصبة) بضم العين وسكون الصاد أي جماعة والواو للحال (فألوى بيده بالتسليم) قال في المجمع ألوى برأسه ولواه أماله من جانب إلى جانب انتهى والمعنى أشار بيده بالتسليم وهذا محمول على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين اللفظ والإشارة ويدل على هذا أن أبا داود روى هذا الحديث وقال في روايته فسلم علينا كما عرفت في الباب المتقدم وقد عقد البخاري في صحيحه بابا بلفظ تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال وأورد فيه حديثين الأول

[ 395 ]

حديث سهل الذي فيه ذكر تسليم الصحابة رضي الله تعالى عنهم على العجوز التي كانت تقدم إليهم يوم الجمعة طعاما فيه سلق والثاني حديث عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام قال الحافظ أشار بهذه الترجمة إلى رد ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال وهو مقطوع أو معضل والمراد بجوازه أن يكون عند أمن القتنة وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا حسنه الترمذي وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه وله شاهد من حديث جابر عند أحمد وقال الحليمي كان النبي صلى الله عليه وسلم للعصمة مأمونا من الفتنة فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم وإلا فالصمت أسلم وأخرج أبو نعيم في عمل يوم وليلة من حديث واثلة مرفوعا يسلم الرجال على النساء ولا يسلم النساء على الرجال وسنده واه ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفا عليه وسنده جيد وثبت في مسلم حديث أم هانئ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه انتهى كلام الحافظ وقال النووي إن كن النساء جمعا سلم عليهن وإن كانت واحدة سلم عليها النساء وزوجها وسيدها ومحرمها سواء أكانت جميلة أو غيرها وأما الأجنبي فإن كانت عجوزا لا تشتهي استحب السلام عليها واستحب لها السلام عليه ومن سلم منهما لزم الاخر رد السلام عليه وإن كانت شابة أو عجوزا تشتهي لم يسلم عليها الأجنبي ولم تسلم عليه ومن سلم منهما لم يستحق جوابا ويكره رد جوابه هذا مذهبنا ومذهب الجمهور وقال ربيعة لا يسلم الرجال على النساء ولا النساء على الرجال وهذا غلط وقال الكوفيون لا يسلم الرجال على النساء إذا لم يكن فيهن محرم انتهى قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أبو داود وابن ماجه والدارمي وله شاهد من حديث جابر عند أحمد كما عرفت في كلام الحافظ (قال محمد) يعني البخاري (وقوى) أي محمد (أمره) أي جعله قويا غير ضعيف (وقال) أي محمد (إنما تكلم فيه ابن عون) قال النووي هو الامام الجليل المجمع على جلالته وورعه عبد الله بن عون بن أرطبان أبو عون البصري كان يسمى سيد القراء أي العلماء وأحواله ومناقبه أكثر من أن تحصر (ثم روى) أي ابن عون (عن هلال ابن أبي زينب) قال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن شهر بن حوشب عن أبي

[ 396 ]

هريرة في فضل الشهيد وعنه ابن عون قال أبو داود لا أعلم روى عنه غيره وذكره ابن حبان في الثقات انتهى وقال الذهبي في الميزان هلال بن أبي زينب عن شهر بن حوشب قال أحمد بن حنبل تركوه قال لا يعرف تفرد عنه ابن عون له حديث في الشهداء أخرجه أحمد في مسنده عن شهر عن أبي هريرة انتهى قوله (حدثنا أبو داود) اسمه سليمان بن أسلم البلخي المصاحفي (إن شهرا نزكوه) بفتح النون والزاي (تزكوه أي طعنوا فيه) وقال مسلم في مقدمة صحيحه بعد ذكر قول ابن عون إن شهرا نزكوه يقول أخذته لسنة الناس تكلموا فيه قال النووي قوله نزكوه هو بالنون والزاي المفتوحتين معناه طعنوا فيه وتكلموا بجرحه فكأنه يقول طعنوه بالنيزك بفتح النون وإسكان المثناة من تحت وفتح الزاي وهو رمح قصير وهذا الذي ذكرته هو الرواية الصحيحة المشهورة وكذا ذكرها من أهل الأدب واللغة والغريب الهروي في غريبه وحكى القاضي عياض عن كثير من رواة مسلم أنهم رووه تركوه بالتاء والراء وضعفه القاضي وقال الصحيح بالنون والزاي قال وهو الأشبه بسياق الكلام وقال غير القاضي رواية التاء تصحيف وتفسير مسلم يردها ويدل عليه أيضا أن شهرا ليس متروكا بل وثقه كثير من كبار الأئمة السلف أو أكثرهم باب ما جاء في التسليم إذا دخل بيته قوله (حدثنا أبو حاتم الأنصاري البصري مسلم بن حاتم) صدوق ربما وهم من العاشرة (أخبرنا محمد بن عبد الله) بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي ثقة من التاسعة (عن أبيه) أي عبد الله بن المثنى وهو صدوق كثير الغلط من السادسة

[ 397 ]

قوله (يكون بركة) جملة مستأنفة متضمنة للعلة أي فإنه يكون أي السلام سبب زيادة بركة وكثرة خير ورحمة قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) فإن قلت كيف صححه الترمذي وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما في التقريب قلت علي بن زيد هذا صدوق عند الترمذي كما في تهذيب التهذيب وغيره باب ما جاء في السلام قبل الكلام قوله (حدثنا سعيد بن زكريا) القرشي المائني صدوق لم يكن بالحافظ من التاسعة (عن عنبسة بن عبد الرحمن) بن عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي متروك رماه أبو حاتم بالوضع من الثامنة (عن محمد بن زاذان) المدني متروك من الخامسة (عن محمد بن المنكدر) بن عبد الله بن الهدير التيمي المدني ثقة فاضل من الثالثة قوله (السلام قبل الكلام) أي السنة أن يبدأ به قبل الكلام لأن في الابتداء بالسلام إشعارا بالسلامة وتفاؤلا بها وإيناسا لمن يخاطبه وتبركا بالابتداء بذكر الله وقال القاري لأنه تحية يبدأ به فيفوت بافتتاح الكلام كتحية المسجد فإنها قبل الجلوس قوله (لا تدعوا أحدا إلى الطعام) أي إلى أكله (حتى يسلم) فإن السلام تحية الإسلام فما لم يظهر الإنسان شعار الإسلام لا يكرم ولا يقرب

[ 398 ]

قوله (هذا حديث منكر لا نعرفه إلا من هذا الوجه) قال الحافظ في التلخيص بعد نقل كلام الترمذي هذا وحكم عليه ابن الجوزي بالوضع وذكره ابن عدى في ترجمة حفص بن عمر الأيلي وهو متروك بلفظ السلام قبل السؤال من بدأكم بالسؤال فلا تجيبوه انتهى باب ما جاء في كراهية التسليم على الذمي قوله (لا تبدأوا اليهود والنصارى) قد سبق هذا الحديث في باب التسليم على أهل الكتاب من أبوب السير قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وأبو داود قوله (السام عليك) معنى السام الموت وألفه عن واو (إن الله يحب الرفق) أي لين الجانب وأصل الرفق ضد العنف (قد قلت عليكم) أي فقها لهذا المعنى قال النووي في شرح مسلم أتفق العلماء عن الرد على أهل الكتاب إذا سلموا لكن لا يقال لهم وعليكم السلام بل

[ 399 ]

يقال عليكم فقط أو عليكم وقد جاءت الأحاديث التي ذكرها مسلم عليكم وعليكم يإثبات الواو وحذفها وأكثر الروايات بإثباتها وعلى هذا في معناه وجهان أحدهما أنه على ظاهره فقالوا عليكم الموت فقال وعليكم أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء وكلنا نموت والثاني أن الواو ههنا للاستئناف لا للعطف والتشريك وتقديره وعليكم ما تستحقونه من الذم وأما من حذف الواو فتقديره بل عليكم السام قال القاضي اختار بعض العلماء منهم ابن حبيب المالكي حذف الواو لئلا يقتضي التشريك وقال غيره بإثباتها كما هو في أكثر الروايات قال وقال بعضهم يقول عليكم السلام بكسر السين أي الحجارة وهذا ضعيف وقال الخطابي عامة المحدثين يروون هذا الحرف وعليكم بالواو وكان ابن عيينة يرويه بغير واو قال الخطابي وهذا هو الأصوب لأنه إذا حذف الواو صار كلامهم بعينه مردودا عليهم خاصة وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه هذا كلام الخطابي والصواب أن إثبات الواو وحذفها جائزان كما صحت به الروايات وأن الواو أجود كما هو في أكثر الروايات ولا مفسدة فيه لأن السام الموت وهو علينا وعليهم ولا ضرر في قوله بالواو واختلف العلماء في رد السلام على الكفار وابتدائهم به فمذهبنا تحريم ابتدائهم به ووجوب رده عليهم بأن يقول وعليكم أو عليكم فقط ودليلنا في الابتداء قوله صلى الله عليه وسلم لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام وفي الرد قوله صلى الله عليه وسلم فقولوا وعليكم وبهذا الذي ذكرناه عن مذهبنا قال أكثر العلماء وعامة السلف وذهبت طائفة إلى جواز ابتدائنا لهم بالسلام روى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن أبي محيريز وهو وجه لبعض أصحابنا حكاه الماوردي لكنه قال يقول السلام عليك ولا يقول عليكم بالجمع واحتج هؤلاء بعموم الأحاديث بإفشاء السلام وهي حجة باطلة لأنه عام مخصوص بحديث لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام قوله (وفي الباب عن أبي بصرة الغفاري وابن عمر وأنس وأبي عبد الرحمن الجهني) أما حديث أبي بصرة الغفاري فأخرجه النسائي وأما حديث ابن عمر فأخرجه الترمذي في باب التسليم على أهل الكتاب وأما حديث أنس فأخرجه أحمد والشيخان وأبو داود وابن ماجه وأما حديث أبي عبد الرحمن الجهني فأخرجه ابن ماجه قوله (حديث عائشة حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجه

[ 400 ]

باب ما جاء في السلام على مجلس فيه المسلمون وغيرهم قوله (مر بمجلس فيه أخلاط) بفتح الهمزة جمع خلط قال في القاموس الخلط بالكسر كل ما خالط الشئ ومن التمر المختلط من أنواع شتى وجمعه أخلاط انتهى والمراد هنا المختلطون (من المسلمين واليهود) وفي رواية الشيخين من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود (فسلم عليهم) قال النووي السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم ويقصد به المسلم قال ابن العربي ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السنة والبدعة وبمجلس فيه عدول وظلمة وبمجلس فيه محب ومبغض ذكره الحافظ في الفتح قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان مطولا باب ما جاء في تسليم الراكب على الماشي قوله (يسلم الراكب على الماشي الخ) قال الحافظ في الفتح قد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء فقال ابن بطال عن المهلب تسليم الصغير لأجل حق الكبير لأنه أمر بتوقيره والتواضع له وتسليم القليل لأجل حق الكثير لأن حقهم أعظم وتسليم المار لشبهه بالداخل على أهل المنزل وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع وقال ابن العربي حاصل ما في هذا الحديث أن الفضول بنوع ما يبدأ الفاضل وقال المازري أما

[ 401 ]

أمر الراكب فلأن له مزية على الماشي فعوض الماشي بأن يبدأه الراكب بالسلام أحتياطا على الراكب من الزهو أن لو حاز الفضيلتين وأما الماشي فلما يتوقع القاعد منه من الشر ولا سيما إذا كان راكبا فإذا ابتدأ بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه أو لأن في التصرف في الحاجات امتهانا فصار للقاعد مزية فأمر بالابتداء أو لأن القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم فسقطت البداءة عنه للمشقة بخلاف المار فلا مشقة عليه وأما القليل فلفضيلة الجماعة أو لأن الجماعة لو ابتدأوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم وكأنه لمراعاة السن فإنه معتبر في أمور كثيرة في الشرع فلو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الأصغر أعلم مثلا فيه نظر ولم أر فيه نقلا والذي يظهر اعتبار السن لأنه الظاهر كما تقدم الحقيقة على المجاز ونقل ابن دقيق العيد عن ابن رشد أن محل الأمر في تسليم الصغير على الكبير إذا التقيا فإن كان أحدهما راكبا والاخر ماشيا بدأ الراكب وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير انتهى ما في الفتح قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن شبل وفضالة بن عبيد وجابر) أما حديث عبد الرحمن بن شبل فأخرجه عبد الرزاق وأحمد بسند صحيح بلفظ يسلم الراكب على الراجل والراجل على الجالس والأقل على الأكثر فمن أجاب كان له ومن لم يجب فلا شئ له كذا في الفتح وأما حديث فضالة بن عبيد فأخرجه الترمذي في هذا الباب وأما حديث جابر فلينظر من أخرجه (هذا حديث قد روى من غير وجه عن أبي هريرة) حديث أبي هريرة هذا أخرجه الشيخان من غير طريق الترمذي (وقال أيوب السختياني الخ) فحديث أبي هريرة من هذا الطريق منقطع قوله (عن أبي علي الجنبي) بفتح الجيم وسكون النون بعدها موحدة اسمه عمرو بن مالك الهمداني المرادي ثقة من الثالثة

[ 402 ]

قوله (والماشي على القائم) الظاهر أن المراد بالقائم المستقر في مكانه سواء كان جالسا أو واقفا أو مضطجعا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في الأدب المفرد والنسائي وابن حبان في صحيحه قوله (والقليل على الكثير) قال النووي هذا الأدب إنما هو فيما إذا تلاقى اثنان في طريق أما إذا ورد على قعود أو قاعد فإن لوارد يبدأ بالسلام بكل حال سواء كان صغيرا أو كبيرا قليلا أو كثيرا قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وأبو داود باب ما جاء التسليم عند القيام والقعود قوله (إذا انتهى) أي جاء ووصل (فإن بدا) بالألف أي ظهر (ثم إذا قام) أي بعد أن يجلس والظاهر أن المراد به أنه إذا أراد أن ينصرف ولو لم يجلس (فليست الأولى) أي التسليمة الأولى (بأحق) أي بأولى وأليق (من الاخرة) قال الطيبي أي كما أن التسليمة الأولى إخبار عن

[ 403 ]

سلامتهم من شره عند الحضور فكذلك الثانية إخبار عن سلامتهم من شره عند الغيبة وليست السلامة عند الحضور أولى من السلامة عند الغيبة بل الثانية أولى انتهى قال النووي ظاهر هذا الحديث يدل على أنه يجب على الجماعة رد السلام على الذي يسلم على الجماعة عند المفارقة قال القاضي حسين وأبو سعيد المتولي جرت عادة بعض الناس بالسلام عند المفارقة وذلك دعاء يستحب جوابه ولا يجب لأن التحية إنما تكون عند اللقاء لا عند الانصراف وأنكره الشاشي وقال إن السلام سنة عند الانصراف كما هو سنة عند اللقاء فكما يجب الرد عند اللقاء كذلك عند الانصراف وهذا هو الصحيح انتهى قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم (وقد روي هذا الحديث عن ابن عجلان أيضا عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه النسائي من هذا الطريق ومن الطريق السابق أيضا كما صرح به المنذري في تلخيص السنن وقال الترمذي في باب وصف الصلاة وسعيد المقبري قد سمع من أبي هريرة وروى عن أبيه عن أبي هريرة باب ما جاء في الاستئذان قبالة البيت قال في القاموس قبالته بالضم تجاهه والظاهر أن مقصود الترمذي بهذا الباب أنه لا ينبغي المستأذن أن يقوم تجاه الباب للاستئذان بل يقوم في أحد جانبيه كما روى أحمد في مسنده عن عبد الله بن يسر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جاء الباب يستأذن لم يستقبله يقول يمشي مع الحائط حتى يستأذن فيؤذن له أو ينصرف قوله (عن عبيد الله بن أبي جعفر) المصري أبي بكر الفقيه مولى بني كتانة أو أمية قيل اسم أبيه يسار ثقة وقيل عن أحمد إنه لينه وكان فقيها عابدا قال أبو حاتم هو مثل يزيد بن حبيب من الخامسة قوله (من كشف) أي رفع وأزال (سترا) بكسر أوله أي ستارة وحاجزا (فأدخل بصره

[ 404 ]

في البيت قبل أن يؤذن له) أي في الكشف والدخول (فرأى عورة أهل البيت) وهي كل ما يستحيي منه إذا ظهر (فقد أتى حدا) أي فعل شيئا يوجب الحد أي التعزير (لا يحل له أن يأتيه) استئناف متضمن للعلة أو معناه أتى أمرا لا يحل له أن يأتيه وإليه ينظر قوله تعالى ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه ويؤيده قوله (لو أنه حين أدخل بصره فاستقبله رجل) أي من أهل البيت (ففقا) قال في القاموس فقأ العين كمنع كسرها أو قلعها أو بحقها (عينيه) وفي بعض النسخ عينه بالإفراد (ما عبرت عليه) أي ما نسبته إلى العيب قال الطيبي يحتمل أن يراد به العقوبة المانعة عن إعادة الجاني فالمعنى فقد أتى موجب حد على حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كما ذهب إليه الأشرف والمظهر وإن يراد به الحاجز بين الموضعين كالحمى فقوله لا يحل صفة فارقة تخصص الاحتمال الثاني بالمراد ويدل عليه إيقاع قوله (وإن مر رجل على باب لا ستر له) مقابلا لقوله من كشف سترا إلخ (غير مغلق) بفتح اللام أي غير مردود وغير منصوب على الحالية وقيل مجرور على أنه صفة باب (فنظر) أي من غير قصد (فلا خطيئة عليه إنما الخطيئة على أهل البيت) فيه أن أحد الأمرين واجب إما الستر وإما الغلق قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي أمامة) أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وغيرهما ولفظ البخاري قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم لو أن امرا اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح وأما حديث أبي أمامة فأخرجه أحمد وفيه ولا يدخل عينيه بيتا حتى يستأذن قوله (هذا حديث غريب) قال المنذري في الترغيب بعد ذكر هذا الحديث رواه أحمد ورواته رواة الصحيح إلا ابن لهيمة ورواه الترمذي وقال حديث غريب الخ

[ 405 ]

باب من اطلع في دار قوم بغير إذنهم قوله (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في بيته فاطلع عليه رجل) وفي رواية للبخاري أن رجلا أطلع في جحر في بعض حجر النبي صلى الله عليه وسلم (فأهوى إليه بمشقص) قال في النهاية أهوى بيده إليه أي مدها نحوه وأمالها إليه انتهى والمشقص بكسر أوله وسكون ثانيه وفتح ثالثه نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض وفي رواية للبخاري فقام إليه بمشقص أو مشاقص وجعل بختله ليطعنه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله (أن رجلا أطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم من جحر) بضم الجيم وسكون المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط وأصلها مكامن الوحش (في حجرة النبي صلى الله عليه وسلم) بضم الحاء المهملة وسكون الجيم (ومع النبي صلى الله عليه وسلم مدراة) وفي رواية الشيخين مدري قال الحافظ المدري بكسر الميم وسكون المهملة عود تدخله المرأة في رأسها لتضم بعض شعرها إلى بعض وهو يشبه المسلة يقال مدرت المرأة سرحت شعرها وقيل مشط له أسنان يسيرة وقال الأصمعي وأبو عبيد هو المشط وقال الجوهري أصل المدري القرن كذلك المدراة وقيل هو عود أو حديدة كما كالخلال لها رأس محدد وقيل خشبة على شكل شئ من أسنان المشط ولها ساعد جرت عادة الكبير أن يحك بها ما لا تصل إليه يده من جسده ويسرح بها الشعر الملبد من لا يحضره المشط وقد ورد في حديث لعائشة ما يدل على أن المدري غير المشط أخرجه الخطيب في الكفاية عنها قالت خمس لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يدعهن في سفر ولا حضر المرأة والمكحلة والمشط المدري والسواك وفي إسناده أبو أمية بن يعلى وهو ضعيف وأخرجه ابن عدي من وجه آخر ضعيف أيضا وأخرجه الطبراني في مسند الشاميين من وجه آخر عن عائشة أقوى من هذا لكن فيه

[ 406 ]

قارورة دهن بدل المدري (يحك) بصيغة الفاعل (بها) أي بالمدراة (لو علمت) أي يقينا (أنك تنظر) أي قصدا وعمدا (لطعنت بها في عينك) قال الطيبي دل على أن الاطلاع مع غير قصد النظر لا يترتب عليه الحكم كالمار (إنما جعل) أي شرع (الاستيذان من أجل البصر) قال النووي معناه أن الاستئذان مشروع ومأمور به وإنما جعل لئلا يقع البصر على الحرم فلا يحل لأحد أن ينظر في جحر باب ولا حفيرة مما هو متعرض فيه لوقوع بصره على امرأة أجنبية انتهى وقال الحافظ ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم لئلا تكون منكشفة العورة وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلا بإذن ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال أستأذن على أمي فقال ما على كل أحيانها تريد أن تراها ومن طريق مسلم بن نذير سأل رجل حذيفة أستأذن على أمي قال إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي علي أمي فدخل واتبعته فدفع في صدري وقال تدخل بغير إذن ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي قال نعم قلت إنها في حجري قال أتحب أن تراها عريانة وأسانيد هذه الاثار كلها صحيحة انتهى قوله (وفي الباب عن أبي هريرة) لعله أشار إلى حديثه الذي أشار إليه في الباب المتقدم وقد ذكرنا لفظه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما باب ما جاء التسليم قبل الاستئذان قوله (أخبرني عمرو بن أبي سفيان) بن عبد الرحمن بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي ثقة من الخامسة روى عن أمية بن صفوان وابن عم أبيه عمرو بن عبد الله بن صفوان

[ 407 ]

وغيرهما وعنه أخوه حنظلة وابن جريج وغيرهما (أن عمرو بن عبد الله بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي صدوق شريف من الرابعة (أن كلدة) بكاف ولام مفتوحتين (بن حنبل) بفتح المهملة والموحدة بينهما نون ساكنة قال في التقريب كلدة بن الحنبل ويقال ابن عبد الله بن الحنبل الجمحي المكي صحابي له حديث وهو أخو صفوان بن أمية لأمه انتهى وقال في تهذيب التهذيب في ترجمته روى عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة الاستئذان والسلام وعنه أمية بن صفوان بن أمية وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية انتهى (أن صفوان بن أمية) بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمع القرشي الجمحي كنيته أو وهب وقيل أبو أمية قتل أبوه يوم بدر كافرا وأسلم هو بعد الفتح وكان من المؤلفة وشهد اليرموك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم وعنه أولاده أمية وعبد الله وعبد الرحمن وغيرهم (بعثه) أي أرسله زاد أحمد في روايته في الفتح (ولبإ) كعنب وهو أول ما يحلب عند الولادة كذا في النهاية (وضغابيس) جمع ضغبوس بالضم وهي صغار القثاء وقيل هي نبت ينبت في أصول الثمام يشبه الهليون يسلق بالخل والزيت ويؤكل كذا في النهاية (والنبي صلى الله عليه وسلم بأعلى الوادي) وفي رواية أبي داود بأعلى مكة قوله (قال عمرو) أي ابن أبي سفيان (وأخبرني بهذا الحديث أمية بن صفوان) بن أمية بن خلف الجمحي المكي مقبول من الرابعة (ولم يقل سمعته من كلدة) أي لم يذكر لفظ الاخبار وقال أبو داود في سننه بعد رواية هذا الحديث ما لفظه قال عمرو وأخبرني ابن صفوان بهذا أجمع عن كلدة بن الحنبل ولم يقل سمعته منه انتهى والحاصل أن عمرو بن أبي سفيان روى هذا الحديث عن شيخين له أحدهما عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية وثانيهما أمية بن صفوان بن أمية وكلاهما روياه عن كلدة لكن الأول روى عنه بلفظ الاخبار والثاني بلفظ عن قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي

[ 408 ]

قوله (استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي) وفي رواية البخاري أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي فدققت الباب قال ابن العربي في حديث جابر مشروعية دق الباب ولم يقع في الحديث بيان هل كان بآلة أو بغير آلة قال الحافظ وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد من حديث أنس أن أبواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالأظافير وأخرجه الحاكم في علوم الحديث من حديث المغيرة بن شعبة وهذا محمول منهم على المبالغة في الأدب وهو حسن لمن قرب محله من بابه أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه وذكر السهيلي أن السبب في قرعهم بابه بالأظافير أن بابه لم يكن فيه حلق فلأجل ذلك فعله والذي يظهر أنه إنما كانوا يفعلون ذلك توقيرا وإجلالا وأدبا انتهى (فقال من هذا) أي الذي يستأذن (فقال أنا أنا) إنكار عليه أي قولك أنا مكروه فلا تعد وأنا الثاني تأكيد للأول قاله الطيبي ويمكن أن يكون معنى قوله أنا أنا إن كلمة أنا عامة كما تصدق عليك تصدق علي أيضا فلا تغني عن سؤال السائل قال النووي قال العلماء إذا استأذن أحد فقيل له من أنت أو من هذا كره أن يقول أنا لهذا الحديث ولأنه لم يحصل بقوله أنا فائدة ولا زيادة بل الابهام باق بل ينبغي أن يقول فلان باسمه وإن قال أنا فلان فلا بأس كما قالت أم هانئ حين استأذنت فقال النبي صلى الله عليه وسلم من هذه فقالت أنا أم هانئ ولا بأس بقوله أنا أبو فلان أو القاضي فلان أو الشيخ فلان إذا لم يحصل التعريف بالاسم لخفائه والأحسن في هذا أن يقول أنا فلان المعروف بكذا انتهى (كأنه كره ذلك أي قوله أنا في جواب من هذا لأنه ليس فيه بيان إلا إن كان المستأذن ممن يعرف المستأذن عليه صوته ولا يلتبس بغيره والغالب الالتباس قاله المهلب قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه

[ 409 ]

باب ما جاء كراهية طروق الرجل أهله ليلا إقوله (نهاهم أن يطرقوا) من باب نصر ينصر قال الحافظ في الفتح قال أهل اللغة الطروق بالضم المجئ بالليل من سفر أو غيره على غفلة ويقال لكل آت بالليل طارق ولا يقال بالنهار إلا مجازا وقال بعض أهل اللغة أصل الطروق الدفع والضرب وبذلك سميت الطريق لأن المارة تدقها بأرجلها وسمي الاتي بالليل طارقا لأنه يحتاج غالبا إلى دق الباب وقيل أصل الطروق السكون ومنه أطرق رأسه فلما كان الليل يسكن فيه سمي الاتي فيه طارقا انتهى وقد روي هذا الحديث عن جابر بألفاظ فروى مسلم من طريق سيار عن عامر عنه بلفظ إذا قدم أحدكم ليلا فلا يأتين أهله طروقا حتى تستحد المغيبة وتمتشط الشعثة ومن طريق عاصم عن الشعبي عنه بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أطال الرجل الغيبة أن يأتي أهله طروقا ومن طريق سفيان عن محارب عنه بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم قال النووي معنى هذه الروايات كلها أنه يكره لمن طال سفره أن يقدم على امرأته ليلا بغتة فأما من كان سفره قريبا تتوقع امرأته إتيانه ليلا فلا بأس كما قال في إحدى هذه الروايات إذا أطال الرجل الغيبة وإذا كان في قفل عظيم أو عسكر ونحوهم واشتهر قدومهم ووصولهم وعلمت امرأته وأهله أنه قادم معهم وأنهم الان داخلون فلا بأس بقدومه متى شاء لزوال المعنى الذي نهي بسببه فإن المراد أن يتأهبوا وقد حصل ذلك ولم يقدم بغتة ويؤيد ما ذكرناه ما جاء في الحديث الاخر أمهلوا حتى ندخل ليلا أي عشاء كي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة فهذا تصريح فيما قلناه وهو مفروض في أنهم أرادوا الدخول في أوائل النهار بغنة فأمرهم بالصبر إلى آخر النهار ليبلغ خبر قدومهم إلى المدينة وتتأهب النساء وغيرهن انتهى كلام النووي قوله (وفي الباب عن أنس وابن عمر وابن عباس) أما حديث أنس فأخرجه أحمد والشيخان والنسائي وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن خزيمة في صحيحه وأما حديث ابن عباس فأخرجه أيضا ابن خزيمة

[ 410 ]

قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والشيخان قوله (وقد روي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم نهاهم أن يطرقوا النساء ليلا قال فطرق رجلان الخ) رواه ابن خزيمة ورواه عن ابن عمر أيضا كما في الفتح باب ما جاء في تتريب الكتاب قوله (عن حمزة) بن أبي حمزة الجعفي الجزري النصيبي واسم أبيه ميمون وقيل عمرو متروك منهم بالوضع من السابعة قوله (فليتربه) بتشديد الراء من التتريب ويجوز أن يكون من الإتراب قال في المجمع أي ليسقطه على التراب اعتمادا على الحق تعالى في إيصاله إلى المقصد أو أراد ذو التراب على المكتوب أو ليخاطب الكاتب خطابا على غاية التواضع أقوال انتهى وقال المظهر قيل معناه فليخاطب خطابا على غاية التواضع والمراد بالتتريب المبالغة في التواضع في الخطاب قال القاري هذا موافق لمتعارف الزمان لا سيما فيما بين أرباب الدنيا وأصحاب الجاه لكنه مع بعد مأخذ هذا المعنى من المبنى مخالف لمكاتبته صلى الله عليه وسلم إلى الملوك وكذا إلى الأصحاب انتهى قيل ويمكن أن يكون الغرض من التتريب تجفيف بلة المداد صيانة عن طمس الكتابة ولا شك أن بقاء الكتابة على حالها أنجح للحاجة وطموسها مخل للمقصود قلت قول من قال إن المراد بتتريب الكتاب ذو التراب عليه للتجفيف هو المعتمد قال في القاموس أتربه جعل عليه التراب انتهى وقال في النهاية يقال أتربت الشئ إذا جعلت عليه التراب (فإنه نجح للحاجة) بتقديم الجيم على الحاء أي أقرب لقضاء مطلوبه وتيسر مأربه

[ 411 ]

قوله (هذا حديث منكر) لأن في سنده حمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو متروك متهم بالوضع كما عرفت والحديث قد أخرجه أيضا ابن ماجه من طريق بقية عن أبي أحمد الدمشقي عن أبي الزبير عن جابر ولفظه تربوا صحفكم أتجح لها إن التراب مبارك وأبو أحمد الدمشقي مجهول وفي الباب عن أبي الدرداء أخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ إذا كتب أحدكم إلى إنسان فليبدأ بنفسه وإذا كتب فليترب كتابه فهو أنجح قال المناوي وهو ضعيف كما بينه الهيثمي (وحمزة هو ابن عمرو النصيبي الخ) قال الحافظ في تهذيب التهذيب قال المزي لا نعلم أحدا قال فيه حمزة ابن عمرو إلا الترمذي وكأنه اشتبه عليه بحماد بن عمرو النصيبي وقد ذكره العقيلي فقال حمزة بن أبي حمزة النصيبي وهو حمزة بن ميمون ثم ساق له الحديث الذي أخرحه الترمذي انتهى وقال في التقريب في ترجمته) واسم أبيه ميمون وقيل عمر وكما عرفت آنفا باب قوله (حدثنا عبد الله بن الحارث) بن عبد الملك المخزومي أبو محمد المكي ثقة من الثامنة ووقع في النسخة الأحمدية عبيد الله بن الحارث بالتصغير وهو غلط (عن أم سعد) قال الحافظ في تهذيب التهذيب أم سعد قيل إنها بنت زيد بن ثابت وقيل امرأته وقيل إنها من المهاجرات روت عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن زيد بن ثابت وعائشة روى حديثها عنبسة بن عبد الرحمن أحد المتروكين عن محمد بن زاذان عنها وقيل عن محمد بن وردان عن عبد الله بن خارجة عنها انتهى قوله (فسمعته) أي النبي صلى الله عليه وسلم (يقول) أي له (ضع القلم على أذنك) بضم الذال

[ 412 ]

ويسكن أي فوق أذنك معتمدا عليها (فإنه أذكر للمعلي) وفي بعض النسخ للمالي قال في المجمع هو فاعل من ملا يملي ولم يجئ في اللغة وإنما فيها ممل ومملئ وفيه أذكر للمعلي وروى المعلي والمراد به الكاتب مجازا يريد وضع القلم على الأذن أسرع تذكرا فيما يريد الكاتب إنشاءه من العبارات لأنه يقتضي التأني وعدم العجلة وكون القلم في اليد يحمل على الكتب بأدنى تفكر فلا يحسن عبارته وفي وضعه على الأرض صورة الفراغ عن الكتابة فتقاعد النفس عن التأمل كذا قيل انتهى وقال القاري معناه أن وضع القلم على الأذن أقرب تذكرا لموضعه وأيسر محلا لتتاوله بخلاف ما إذا وضعه في محل آخر فإنه ربما يتعسر عليه حصوله بسرعة من غير مشقة انتهى ووقع في المشكاة فإنه أذكر للمآل قال القاري أي لعاقبة الأمر والمعنى أنه أسرع تذكيرا فيما يراد من إنشاء العبارة في المقصود ثم قال لعل لفظ المملي هو الصحيح في الحديث وأن لفظ للمآل مصحف عن هذا المقال ويؤيده رواية ابن عساكر عن أنس بلفظ أذكر لك قوله (هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وهو إسناد ضعيف) قال القاري لكن يعضده أن ابن عساكر روى عن أنس مرفوعا ولفظه إذا كتبت فضع قلمك على أذنك فإنه أذكر لك وقال السيوطي في تعقباته على موضوعات ابن الجوزي حديث زيد بن ثابت ضع القلم على أذنك الحديث فيه عنبسة متروك عن محمد بن زاذان لا يكتب حديثه قال الحديث أخرجه الترمذي من هذا الوجه وله شاهد من حديث أنس أخرجه الديلمي انتهى باب ما جاء في تعليم السريانية بضم السين وسكون الراء وهي لغة الإنجيل والعبرانية لغة التوراة قوله (عن أبيه زيد بن ثابت) بن الضحاك بن لوذان الأنصاري النجاري كنيته أبو سعيد ويقال أبو خارجة صحابي مشهور كتاب الوحي قال مسروق كان من الراسخين في العلم

[ 413 ]

قوله (وقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم في تعليل الأمر على وجه الاستئناف المبين (إني والله ما آمن) بمد همز وفتح ميم مضارع متكلم من أمن الثلاثي ضد خاف (يهود) أي في الزيادة والنقصان (على كتابي) أي لا في قراءته ولا في كتابته قال المظهر أي أخاف إن أمرت يهوديا بأن يكتب مني كتابا إلى اليهود أن يزيد فيه أو ينقص وأخاف إن جاء كتاب من اليهود فيقرأه يهودي فيزيد وينقص فيه (قال) أي زيد (فما مر بي) أي ما مضى علي من الزمان (حتى تعلمته) قال الطيبي مغياه مقدر أي ما مر بي نصف شهر في التعلم حتى كمل تعلمي قال القاري قيل فيه دليل على جواز تعلم ما هو حرام في شرعنا للتوقي والحذر عن الوقوع في الشر كذا ذكره الطيبي في ذيل كلام المظهر وهو غير ظاهر إذ لا يعرف في الشرع تحريم تعلم لغة من اللغات سريانية أو عبرانية أو هندية أو تركية أو فارسية وقد قال تعالى ومن آيانه خلق السموات والأرض واختلاف ألسنتكم أي لغاتكم بل هو من جملة المباحات نعم يعد من اللغو ومما لا يعني وهو مذموم عند أرباب الكمال إلا إذا ترتب عليه فائدة فحينئذ يستحب كما يستفاد من الحديث انتهى (كان) أي النبي صلى الله عليه وسلم (إذا كتب إلى يهود) أي أراد أن يكتب إليهم أو إذا أمر بالكتابة إليهم (كتبت إليهم) أي بلسانهم (قرأت له) أي لأجله (كتابهم) أي مكتوبهم إليه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وذكره البخاري في صحيحه معلقا قال الحافظ في الفتح هذا التعليق من الأحاديث التي لم يخرجها البخاري إلا معلقة وقد وصله مطولا في كتاب التاريخ قال وأخرجه أبو داود والترمذي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد وقال الترمذي حسن صحيح انتهى قوله (وقد رواه الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت يقول أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلم السريانية) قال الحافظ بعد نقل كلام الترمذي هذا ما لفظه هذه الطريق

[ 414 ]

وقعت لي بعلو في فوائد هلال الحفار قال وأخرجه أحمد وإسحاق في مسنديهما وأبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف انتهى كلام الحافظ مختصرا فائدة وقع في رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجه لفظ أن أتعلم له كلمات من كتاب يهود ووقع في رواية الأعمش عن ثابت بن عبيد أن أتعلم السريانية قال الحافظ قصة ثابت يمكن أن تتخذ مع قصة خارجة بأن من لازم تعلم كتابة اليهودية تعلم لسانهم ولسانهم السريانية لكن المعروف أن لسانهم العبرانية فيحتمل أن زيدا تعلم اللسانين لاحتياجه إلى ذلك باب في مكاتبة المشركين قوله (حدثنا يوسف بن حماد البصري) المعنى ثقة من العاشرة (أخبرنا عبد الأعلى) ابن عبد الأعلى قوله (كتب قبل موته إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء ثقيلة كياء النسب وقبل بالتخفيف ورجحه الصغاني وحكى المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم وخطأه قال النووي أما كسرى فبفتح الكاف وكسرها وهو لقب لكل من ملك من ملوك الفرس وقيصر لقب من ملك الروم والنجاشي لقب من ملك الحبشة وخاقان لكل من ملك الترك وفرعون لكل من ملك القبط والعزيز لكل من ملك مصر وتبع لكل من ملك حمير (وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله) روى الطبراني من حديث المسور بن مخرمة قال خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه فقال إن الله بعثني للناس كافة فأدوا عني ولا تختلفوا علي فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي باليمامة والعلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي يهجر وعمرو بن العاص إلى جيفر وعباء ابني الجلندي بعمان ودحية إلى قيصر وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر للغساني وعمرو بن أمية

[ 415 ]

إلى النجاشي فرجعوا جميعا قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم غير عمرو بن العاص وزاد أصحاب السير أنه بعث المهاجر بن أبي أمية بن الحارث بن عبد كلال وجرير إلى ذي الكلاع والسائب إلى مسيلمة وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس ذكره الحافظ في الفتح (وليس بالنجاشي الذي صلى عليه) أي النبي صلى الله عليه وسلم فيه أن النجاشي الذي بعث إليه غير النجاشي الذي أسلم وصلى عليه واسمه أصحمة بوزن أفعلة مفتوح العين قال النووي في هذا الحديث جوار مكاتبة الكفار ودعائهم إلى الاسلام والعمل بالكتاب وبخبر الواحد قوله (هذا حديث حسن صحيح غريب) وأخرجه مسلم باب ما جاء كيف يكتب إلى أهل الشرك قوله (أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة) بن مسعود الهذلي أبو عبد الله المدني ثقة فقيه ثبت من الثالثة (أن أبا سفيان بن حرب) اسمه صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي صحابي شهير أسلم عام الفتح قوله (أن هرقل) بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف هذا هو المشهور ويقال هرقل بكسر الهاء وإسكان الراء وكسر القاف حكاه الجوهري في صحاحه وهو اسم علم له ولقبه قيصر وكذا كل من ملك الروم يقال له قيصر (أرسل إليه) أي إلى أبي سفيان (في نفر من قريش) وفي رواية للبخاري في ركب من قريش قال الحافظ جمع راكب كصحب وصاحب وهم أولو الابل العشرة فما فوقها والمعنى أرسل إلى أبي سفيان حال كونه في جملة الركب وذاك لأنه كان كبيرهم فلهذا خصه وكان عدد الركب ثلاثين رجلا رواه الحاكم في الإكليل انتهى (وكانوا تجارا) بضم التاء وتشديد الجيم أو كسرها والتخفيف جمع تاجر (فذكر الحديث) ورواه الشيخان بطوله (ثم دعا) أي من وكل ذلك إليه ولهذا عدى إلى الكتاب بالباء والله أعلم

[ 416 ]

(بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرئ) وفي رواية البخاري ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به مع دحية الكلبي إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل فقرأه (فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم السلام على من اتبع الهدى أما بعد) وتمامه فإني ادعوك بدعاية الاسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين فإن توليت فإن عليك إثم اليريسيين يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون كذا في رواية الشيخين قال النووي في هذا الكتاب جعل من القواعد وأنواع من الفوائد منها استحباب الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا ومنها أن قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الاخر كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه الحمد الله فهو أجزم المراد بالحمد لله ذكر الله تعالى وقد جاء في رواية بذكر الله تعالى وهذا الكتاب كان ذا بال من المهمات العظام وبد فيه بالبسملة دون الحمد ومنها أن السنة في المكاتبة والرسائل بين الناس أن يبدأ الكاتب بنفسه فيقول من زيد إلى عمرو وهذه مسألة مختلف فيها قال الامام أبو جعفر في كتابه صناعة الكتاب قال أكثر العلماء يستحب أن يبدأ بنفسه كما ذكرنا ثم روى فيه أحاديث كثيرة وآثارا قال وهذا هو الصحيح عند أكثر العلماء لأنه إجماع الصحابة قال وسواء في هذا تصدير الكتاب والعنوان قال ورخص جماعة في أن يبدأ بالمكتوب إليه فيقول في التصدير والعنوان إلى فلان من فلان ثم روى بإسناده أن زيد بن ثابت كتب إلى معاوية فبدأ باسم معاوية وعن محمد بن الحنفية وبكر بن عبد الله وأيوب السختياتي أنه لا بأس بذلك قال وأما العنوان فالصواب أن يكتب عليه إلى فلان ولا يكتب لفلان لأنه إليه لا له إلا على مجاز قال هذا هو الصواب الذي عليه أكثر العلماء من الصحابة والتابعين ومنها التوقي في المكاتبة واستعمال الورع فيها فلا يفرط ولا يفرط ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل عظيم الروم فلم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الاسلام ولا سلطان لأحد إلا من ولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو ولاه من أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرطه وإنما ينفذ من تصرفات الكفار ما ينفذه للضرورة ولم يقل إلى هرقل فقط بل أتى بنوع من الملاطفة فقال عظيم الروم أي الذي يعظمونه ويقدمونه وقد أمر الله تعالى بإلانة القول لمن يدعى إلى الاسلام فقال تعالى ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وقال تعالى فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وغير ذلك ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة فإن قوله صلى الله عليه وسلم أسلم تسلم في نهاية من الاختصار وغاية من الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني مع ما فيه

[ 417 ]

من بديع التجنيس وشموله لسلامته من خزي الدنيا بالحرب والسبي والقتل وأخذ الديار والأموال ومن عذاب الاخرة ومنها استحباب أما بعد في الخطب والمكاتبات وقد ترجم البخاري لهذه بابا في كتاب الجمعة ذكر فيه أحاديث كثيرة انتهى كلام النووي وفيه أن السنة إذا كتب كتابا إلى الكفار أن يكتب السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك قال ابن بطال في الحديث حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة قال الحافظ في جواز السلام على الإطلاق نظر والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد مثل ما في الخبر السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك انتهى قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري مختصرا ومطولا وأخرجه مسلم مطولا باب ما جاء في ختم الكتاب قوله (إلى العجم) وفي رواية للبخاري إلى رهط أو أناس من الأعاجم وفي رواية لمسلم إلى كسرى وقيصر والنجاشي (إلا كتابا عليه خاتم) فيه حذف مضاف أي عليه نقش خاتم (فاصطنع خاتما) أي أمر أن يصنع له وفي رواية للبخاري فاتخذ النبي صلى الله عليه وسلم خاتما من فضة نقشه محمد رسول الله قال الحافظ جزم أبو الفتح اليعمري أن اتخاذ الخاتم كان في السنة السابعة وجزم غيره بأنه كان في السادسة ويجمع بأنه كان في أواخر السادسة وأوائل السابعة لأنه إنما اتخذه عند إرادته مكاتبة الملوك وكان إرساله إلى الملوك في مدة الهدنة وكان في ذي القعدة سنة ست ورجع إلى المدينة في ذي الحجة ووجه الرسل في المحرم من السابعة وكان اتخاذه الخاتم قبل إرساله الرسل إلى الملوك انتهى (فكأني أنظر إلى بياضه في كفه) وفي رواية للبخاري فكأني بوبيص

[ 418 ]

أو بصيص الخاتم في أصبع النبي صلى الله عليه وسلم أو في كفه وفي أخرى له فإني لأرى بريقه في خنصره قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان باب كيف السلام قوله (أخبرنا سليمان بن المغيرة) القيسي مولاهم البصري أبو سعيد ثقة قال يحيى بن معين من السابعة أخرج له البخاري مقرونا وتعليقا (أخبرنا ابن أبي ليلى) هو عبد الرحمن بن أبي ليلى قوله (قد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الجهد) بفتح الجيم وهو المشقة والجوع (فليس أحد يقبلنا) هذا محمول على أن الذين عرضوا أنفسهم عليهم كانوا مقلين ليس عندهم شئ يواسون (فإذا ثلاثة أعتز) كذا في النسخ الموجودة بالتاء وكذلك في صحيح مسلم والظاهر أن يكون ثلاث أعنز بغير التاء قال في القاموس العنز الأنثى من المعز والجمع أعنز وعنوز وعناز (احتلبوا هذا اللبن) زاد مسلم بيننا (فيشرب كل إنسان) أي منا كما في رواية مسلم (وترفع) بالنون وفي بعض النسخ بالياء في صحيح مسلم بالنون (فيسلم تسليما لا يوقظ النائم ويسمع اليقظان) قال النووي فيه أدب السلام على الأيقاظ في موضع فيه نيام أو من في معناهم وأن يكون سلاما متوسطا بين الرفع والمخافتة بحيث يسمع الأيقاظ ولا يهوش على غيرهم

[ 419 ]

بابقوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولا في باب إكرام الضيف وفضل إيثاره باب ما جاء في كراهية التسليم على من يبول قوله (أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول الخ) قد تقدم هذا الحديث بسنده ومتنه في باب كراهة رد السلام غير متوضئ وتقدم هناك شرحه قوله (وفي الباب عن علقمة بن الفغواء الخ) وقد تقدم تخريج أحاديث هؤلاء الصحابة في الباب المذكور اعلم أنه قد وقع في النسخة الأحمدية في الباب المذكرو علقمة بن الشفواء بالشين والفاء وهو غلط والصحيح علقمة بن الغفواء بفاء مفتوحة وغين معجمة ساكنة كما وقع في هذا الباب وكذلك وقع بالفاء والغين المعجمة في مجمع الزوائد في باب قراءة الجنب وكذلك وقع في رواية الدارقطني والطحاوي من طريق عبد الله بن محمد بن حزم عن عبد الله بن علقمة بن الفغواء عن أبيه وقال ابن حبان علقمة بن الفغراء بفاء مفتوحة ومعجمة ساكنة له صحبة وكذا ضبطه صاحب مجمع البحار في المغني بفاء مفتوحة وسكون غين معجمة

[ 420 ]

باب ما جاء في كراهية أن يقول عليك السلام مبتدئا قوله (عن أبي تميمة) بفتح أوله اسمه طريف ابن مجالد (الهجيمي) بالجيم مصغرا البصري ثقة من الثالثة قوله (ولا أعرفه) أي النبي صلى الله عليه وسلم (قال إن عليك السلام تحية الميت) قال الخطابي هذا يوهم أن السنة في تحية الميت أن يقال له عليك السلام كما يفعله كثير من العامة وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دخل المقبرة فقال السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين فقدم الدعاء على اسم المدعو له هو في تحية الأحياء وإنما كان ذلك القول منه إشارة إلى ما جرت به العادة منهم في تحية الأموات إذ كانوا يقدمون اسم الميت على الدعاء وهو مذكور في أشعارهم كقول الشاعر عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته إن شاء أن يترحما وكقول الشماخ عليك السلام من أمير وباركت * يد الله ذلك الأديم الممزق والسنة لا تختلف في تحية الأحياء والأموات بدليل حديث أبي هريرة الذي ذكرناه والله أعلم انتهى وقال الحافظ ابن القيم في كتابه زاد المعاد وكان هديه في ابتداء السلام أن يقول السلام عليكم ورحمة الله وكان يكره أن يقول المبتدئ عليك السلام قال أبو جري الهجيمي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت عليك السلام يا رسول الله فقال لا تقل عليك السلام لأن عليك السلام تحية الموتى حديث صحيح وقد أشكل هذا الحديث على طائفة وظنوه معارضا لما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في السلام على الأموات بلفظ السلام عليكم بتقديم السلام فظنوا أن قوله فإن عليك السلام فحية الموتى إخبار عن المشروع وغلطوا في ذلك غلطا أوجب لهم ظن التعارض

[ 421 ]

وإنما معنى قوله فإن عليك السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا المشروع أي أن الشعراء وغيرهم يحيون الموتى بهذه اللفظة كقول قائلهم عليك سلام الله قيس بن عاصم * ورحمته ما شاء أن يترحما فما كان قيس هلكه هلك واحد * ولكنه بنيان قوم تهدما فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيا بتحية الأموات ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم وكان يرد على المسلم وعليك السلام بالواو وبتقديم عليك على لفظ السلام انتهى قلت في قوله ومن كراهته لذلك لم يرد على المسلم نظر فإنه قد وقع في رواية الترمذي هذه ثم رد على النبي صلى الله عليه وسلم قال وعليك ورحمة الله قوله (عن أبي غفار المثنى بن سعيد الطائي) قال في التقريب المثنى بن سعد أو سعيد الطائي أبو غفار بكسر المعجمة وتخفيف الفاء آخره راء وقيل بفتح المهملة والتشديد آخره نون بصرى ليس به بأس من السادسة (عن جابر بن سليم) كنيته أبو جرى بضم الجيم وفتح الراء مصغرا قال الحافظ في التقريب أبو جرى بالتصغير الهجيمي بالتصغير أيضا اسمه جابر ابن سليم وقيل سليم بن جابر صحابي معروف انتهى وقال في تهذيب التهذيب قال البخاري جابر بن سليم أصح وكذا ذكره البغوي والترمذي وابن حبان وغيرهم انتهى قوله (وذكر قصة طويلة) كذا رواه الترمذي مختصرا ورواه أبو داود مطولا بالقصة الطويلة في باب إسبال الإزار قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم وصححه

[ 422 ]

قوله (أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم سلم ثلاثا) قال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد كان من هديه صلى الله عليه وسلم أن يسلم ثلاثا كما في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا حتى تفهم عنه وإذا أتى على قوم فسلم عليهم سلم ثلاثا حتى يفهم ولعل هذا كان هديه في السلام على الجمع الكثير الذين لا يبلغهم سلام واحد أو هديه في إسماع السلام الثاني والثالث إن ظن أن الأول لم يحصل به الاسماع كما سلم لما انتهى إلى منزل سعد بن عبادة ثلاثا فلما لم يجبه أحد رجع وإلا فلو كان هديه الدائم التسليم ثلاثا لكان أصحابه يسلمون عليه كذلك وكان يسلم على كل من لقيه ثلاثا وإذا دخل بيته ثلاثا ومن تأمل هديه علم أن الأمر ليس كذلك وأن تكرار السلام منه كان أمرا عارضا في بعض الأحيان انتهى (وإذا تكلم بكلمة) أي جملة مفيدة (أعادها ثلاثا) زاد البخاري في رواية حتى تفهم عنه قوله (هذا حديث غريب صحيح وأخرجه أحمد والبخاري . باب قوله (حدثنا الأنصاري) هو إسحاق بن موسى الأنصاري (عن أبي مرة) اسمه يزيد مولى عقيل بن أبي طالب ويقال مولى أخته أم هاني مدني مشهور بكنيته ثقة من الثالثة قوله (إذ أقبل ثلاثة نفر) النفر بالتحريك للرجال من ثلاثة إلى عشرة والمعنى ثلاثة هم نفر والنفر اسم جمع ولهذا وقع مميزا للجمع كقوله تعالى وتسعة رهط (فأقبل اثنان) بعد قوله أقبل ثلاثة هما إقبالان كأنهم أقبلوا أولا من الطريق فدخلوا المسجد مارين كما في حديث أنس فإذا ثلاثة نفر يمرون فلما رأوا مجلس النبي صلى الله عليه وسلم أقبل إليه اثنان منهم واستمر الثالث ذاهبا كذا

[ 423 ]

في الفتح (فلما وقفا على رسول الله صلى الله عليه وسلم) أي على مجلس رسول صلى الله عليه وسلم أو على بمعنى عند (فرأى فرجة) بضم الفاء وفتحها لغتان وهي الخلل بين الشيئين ويقال لها أيضا فرج ومنه قوله تعالى وما لها من فروج جمع فرج وأما الفرجة بمعنى الراحة من الغم فذكر الأزهري فيها فتح الفاء وضمها وكسرها وقد فرج له في الحلقة والصف ونحوهما بتخفيف الراء يفرج بضمها (في الحلقة) بإسكان اللام على المشهور كل شئ مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتحتين وحكى فتح اللام في الواحد وهو نادر (أما أحدهم فأوى إلى الله فآواه الله) قال النووي لفظه أوى بالقصر وآواه بالمد هكذا الرواية وهذه هي اللغة الفصيحة وبها جاء القرآن أنه إذا كان لازما كان مقصورا وإن كان متعديا كان ممدودا قال الله تعالى أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة وقال تعالى إذ أوى الفتية إلى الكهف وقال في التعدي وآويناهما إلى ربوة وقال تعالى ألم يجدك يتيما فآوى قال القاضي وحكى بعض أهل اللغة فيهما جميعا لغتين القصر والمد فيقال أويت إلى الرجل بالقصر والمد وآويته وأويته بالمد والقصر والمشهور الفرق كما سبق قال العلماء معنى أوى إلى الله أي لجأ إليه قال القاضي وعندي أن معناه هنا دخل مجلس ذكر الله تعالى أو دخل مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومجمع أوليائه وانضم إليه ومعنى آواه الله أي قبله وقربه وقيل معناه رحمه أو آواه إلى جنته أو كتبها له (وأما الاخر فاستحيى فاستحيى الله منه) قال النووي أي ترك المزاحمة والتخطي حياء من الله تعالى ومن النبي صلى الله عليه وسلم والحاضرين أو استحياء منهم أن يعرض ذاهبا كما فعل الثالث فاستحيى الله منه أي رحمه ولم يعذبه بل غفر ذنوبه وقيل جازاه بالثواب قالوا ولم يلحقه بدرجة صاحبه الأول في الفضيلة الذي آواه وبسط له اللطف وقربه قال وهذا دليل اللغة الفصيحة أنه يجوز في الجماعة أن يقال في غير الأخير منهم الاخر فيقال حضرني ثلاثة أما أحدهم فقرشي وأما الاخر فأنصاري وأما الاخر فتيمي وقد زعم بعضهم أنه لا يستعمل الاخر إلا في الأخير خاصة وهذا الحديث صريح في الرد عليه انتهى (وأما الاخر فأعرض فأعرض الله عنه) أي لم يرحمه وقيل سخط عليه وهذا محمول على إنه ذهب معرضا لا لعذر وضرورة قاله النووي وقال الحافظ أي سخط عليه وهو محمول على من ذهب معرضا لا لعذر هذا إن كان مسلما ويحتمل أن يكون منافقا واطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أمره كما

[ 424 ]

يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم فأعرض الله عنه إخبارا أو دعاء ووقع في حديث أنس فاستغنى فاستغنى الله عنه وهذا يرشح كونه خبرا وإطلاق الاعراض وغيره في حق الله تعالى على سبيل المقابلة والمشاكلة فيحمل كل لفظ منها على ما يليق بجلاله سبحانه وتعالى وفائدة إطلاق ذلك بيان الشئ بطريق واضح انتهى وفي الحديث استحباب جلوس العالم لأصحابه وغيرهم في موضع بارز ظاهر للناس والمسجد أفضل فيذاكرهم العلم والخير وفيه جواز حلق العلم والذكر في المسجد واستحباب دخولها ومجالسة أهلها وكراهة الانصراف عنها من غير عذر واستحباب القرب من كبير الحلقة ليسمع كلامه سماعا بينا ويتأدب بأدبه وأن قاصد الحلقة إن رأى فرجة دخل فيها وإلا جلس وراءهم وفيه الثناء على من فعل جميلا فإنه صلى الله عليه وسلم أثنى على الاثنين في هذا الحديث وأن الإنسان إذا فعل قبيحا ومذموما وباح به جاز أن ينسب إليه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري في العلم وفي الصلاة وأخرجه مسلم في كتاب السلام وأخرجه النسائي في العلم قوله (كنا إذا أتينا النبي صلى الله عليه وسلم) أي مجلسه الشريف (جلس أحدنا حيث ينتهي) أي هو إليه من المجلس أو حيث ينتهي المجلس إليه والحاصل أنه لا يتقدم على أحد من حضارة نأدبا وتركا للتكلف ومخالفة لحظ النفس من طلب العلو كما هو شأن أرباب الجاه قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أبو داود والنسائي باب ما جاء في الجالس على الطريق قوله (ولم يسمعه منه) أي لم يسمع أبو إسحاق هذا الحديث من البراء (إن كنتم لا بد

[ 425 ]

فاعلين) أي الجلوس في الطريق (فردوا السلام) أي على المسلمين (واهدوا السبيل) أي للضال والأعمى وغيرهما وقد ذكر في هذا الحديث ثلاثة حقوق من حقوق الطريق وقد جاءت في الأحاديث حقوق أخرى غير هذه الثلاثة قال الحافظ بعد ذكر هذه الأحاديث ما لفظه ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبا وقد نظمتها في ثلاثة أبيات وهي جمعت آداب من رام الجلوس على الط * ريق من قول خير الخلق إنسانا أفش السلام وأحسن في الكلام وشم‍ * - ت عاطسا وسلاما رد إحسانا في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث * لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا بالعرف مر وانه عن نكر وكف أذى * وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وأبي شريح الخزاعي) أما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود وابن حبان وأما حديث أبي شريح الخزاعي فأخرجه أحمد وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها الحافظ في الفتح قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد والحديث منقطع فتحسينه لشواهده باب ما جاء في المصافحة قال في تاج العروس شرح القاموس الرجل يصافح الرجل إذا وضع صفح كفه في صفح كفه وصفحا كفيهما وجهاهما ومنه حديث المصافحة عند اللقاء وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه كذا في اللسان والأساس والتهذيب فلا يلتفت إلى من زعم أن المصافحة غير عربي انتهى وقال الجزري في النهاية ومنه حديث المصافحة عند اللقاء وهي مفاعلة من إلصاق صفح الكف بالكف وإقبال الوجه على الوجه وقال الحافظ في الفتح هي مفاعلة من الصفحة والمراد بها الإفضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد وكذا قال القاري في المرقاة والطحاوي وغيرهما من العلماء الحنفية قوله (أخبرنا عبد الله) هو ابن المبارك (أخبرنا حنظلة بن عبيد الله) قال الذهبي في

[ 426 ]

الميزان حنظلة السدوسي البصري يقال ابن عبد الله ويقال ابن عبيد الله وقيل بن أبي صفية قال يحيى تركته عمدا كان قد اختلط وضعفه أحمد وقال منكر الحديث يحدث بأعاجيب وقال ابن معين ليس بشئ تغير في خر عمره وقال النسائي ليس بقوي وقال مرة ضعيف قال له في الكتابين يعني الترمذي وابن ماجة حديث واحد وهو أينحني بعضنا لبعض حديث قال لا حسنة الترمذي انتهى قوله (الرجل منا) أي من المسلمين (يلقي أخاه) أي في الدين (أو صديقه) أي حبيبه وهو أخص مما قبله (أينحني له) من الانحناء وهو إمالة الرأس والظهر (قال لا) فإنه في معنى الركوع وهو كالسجود من عبادة الله سبحانه (قال أفيلتزمه) أي يعتنقه ويضمه إلى نفسه (ويقبله) من التقبيل (قال لا) استدل بهذا الحديث من كره المعانقة والتقبيل وسيأتي الكلام في هاتين المسألتين في الباب الذي يليه (قال فيأخذ بيده ويصافحه) عطف تفسير أو الثاني أخص وأتم قال القاري قلت بل الثاني المتعين فإن الأخذ باليد والمصافحة عموما وخصوصا مطلقا قوله (هذا حديث حسن) وأخرجه ابن ماجة في الأدب ومداره على حنظلة السدوسي وقد عرفت حالة قوله (قلت لأنس بن مالك هل كانت المصافحة في أصحاب رسول الله قال نعم) فيه مشروعية المصافحة قال ابن بطال المصافحة حسنة عند عامة العلماء وقد استحبها مالك بعد كراهته وقال النووي المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي قال الحافظ ويستثنى من عموم الأمر بالمصافحة المرأة الأجنبية والأمرد الحسن انتهى تنبيه قال النووي في الأذكار اعلم أن هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه ولكن لا بأس به فإن أصل المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرطوا فيها

[ 427 ]

في كثير من الأحوال أو أكثرها لا تخرج ذلك البعض عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها وقد ذكر الامام أبو محمد بن عبد السلام أن البدع على خمسة أقسام واجبة ومحرمة ومكروهة ومستحبة ومباحة قال ومن أمثلة البدع المباحة المصافحة عقب الصبح والعصر انتهى قال الحافظ بعد ذكر كلام النووي هذا ما لفظه وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت ومنهم من أطلق مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها انتهى وقال القاري بعد ذكر كلام النووي ولا يخفى أن في كلام الامام نوع تناقض لأن إتيان السنة في بعض الأوقات لا يسمى بدعة مع أن عمل الناس في الوقتين المذكورين ليس على وجه الاستحباب المشروع فإن محل المصافحة المشروعة أول الملاقاة وقد يكون جماعة يتلاقون من غير مصافحة ويتصاحبون بالكلام ومذاكرة العلم وغير مدة مديدة ثم إذا صلوا يتصافحون فأين هذا من السنة المشروعة ولهذا صرح بعض علمائنا بأنها مكروهة حينئذ وأنها من البدع المذمومة انتهى قلت الأمر كما قال القاري والحافظ وقال صاحب عون المعبود وتقسيم البدع إلى خمسة أقسام كما ذهب إليه ابن عبد السلام وتبعه النووي أنكر عليه جماعة من العلماء المحققين ومن آخرهم شيخنا القاضي العلامة بشير الدين القنوجي فإنه رد عليه ردا بليغا قال وكذا المصافحة والمعانقة بعد صلاة العيدين من البدع المذمومة المخالفة للشرع انتهى قلت وقد أنكر القاضي الشوكاني أيضا على تقسيم البدعة إلى الأقسام الخمسة في نيل الأوطار في باب الصلاة في ثوب الحرير والقصب وأنكر عليه أيضا صاحب الدين الخالص ورده بستة وجوه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري قوله (عن سفيان) هو الثوري (عن خيثمة) الظاهر أنه ابن عبد الرحمن ابن أبي سبرة الجعفي الكوفي ثقة وكان يرسل من الثالثة قوله (من تمام التحية الأخذ باليد) أي إذا لقي المسلم فسلم عليه فمن تمام السلام أن يضع يده في يده فيصافحه فإن المصافحة سنة مؤكدة

[ 428 ]

أخرج قوله (وهذا حديث غريب) في سنده رجل لم يسم (وقال) أي محمد (إنما أراد) أي يحيى بن سليم الطائفي (حديث سفيان عن منصور الخ) يعني أراد يحيى بن سليم أن يروي بهذا السند حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر فوهم فروى بهذا السند حديث من تمام التحية الأخذ باليد وأما حديث لا سمر إلا لمصل أو مسافر بهذا السند فأخرجه أحمد في مسنده (قال محمد وإنما يروي عن منصور عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أو غيره قال من تمام التحية الأخذ باليد) يعني حديث من تمام التحية الأخذ باليد قول عبد الرحمن بن يزيد أو غيره وليس هو بحديث مرفوع قال الحافظ في الفتح بعد ذكر هذا الحديث حكى الترمذي عن البخاري أنه رجح أنه موقوف على عبد الرحمن بن يزيد النخعي أحد التابعين انتهى قوله (أخبرنا عبد الله) هو ابن مبارك (أخبرنا يحيى بن أيوب) هو الغافقي قوله (من تمام عيادة المريض) أي كمالها (أن يضع أحدكم) يعني العائد له (يده) والأولى كونها اليمنى (على جبهته) حيث لا عذر (أو قال علي يده) شك من الراوي (فيسأله) بالنصب (كيف هو) أي كيف حاله أو مرضه (وتمام تحيتكم بينكم) أي الواقعة فيما بينكم (المصافحة) قال الطيبي يعني لا مزيد على هذين فلو زدتم على هذا دخل في التكلف وهو بيان لقصة الأمور لا أنه نهى عن الزيادة والنقصان انتهى قوله (هذا إسناد ليس بالقوى) لضعف علي بن يزيد صاحب القاسم بن عبد الرحمن

[ 429 ]

والحديث أخرجه أحمد أيضا (والقاسم شامي) يعني القاسم هذا شامي قوله (ما من مسلمين) من مزيدة لمزيد الاستغراق (يلتقيان) أي يتلاقيان (فيتصافحان) زاد ابن السني ويتكاشفان بود ونصيحة (إلا غفر لهما) بصيغة المجهول (قبل أن يتفرقا) بالأبدان أو بالفراغ عن المصافحة وهو أظهر في إرادة المبالغة وفي رواية لأبي داود إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه غفر لهما وفيه سنية المصافحة عند الملتقى وأنه يستحب عند المصافحة حمدالله تعالى والاستغفار وهو قوله يغفر الله لنا ولكم وأخرج ابن السني عن أنس قال ما أخذ رسول الله بيد رجل ففارقه حتى قال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة وقنا عذاب النار وفيه عن أنس عن النبي قال ما من عبدين متحابين في الله يستقبل أحدهما صاحبه فيصافحه فيصليان على النبي إلا لم يتفرقا حتى تغفر ذنوبهما ما تقدم منها وما تأخر وفي الترغيب للمنذري عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنه عن النبي قال إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلم عليه وأخذ بيده فصافحه تناثرت خطاياهما كما يتناثر ورق الشجر رواه الطبراني في الأوسط ورواته لا أعلم فيهم مجروحا وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه أن النبي قال إن المسلم المسلم إذا لقي أخاه فأخذ بيده تحاتت عنهما ذنوبهما كما يتحات الورق عن الشجرة اليابسة في ريح يوم عاصف وإلا غفر لهما ولو كانت ذنوبهما مثل زبد البحر رواه الطبراني بإسناد حسن انتهى قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجة والضياء كذا في الجامع الصغير فائدة في بيان أن السنة في المصافحة أن تكون باليد الواحدة أعلم أن السنة أن تكون المصافحة باليد الواحدة أعني اليمنى من الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة وقد صرح به العلماء الحنفية والشافعية والحنبلية قال الفقيه الشيخ

[ 430 ]

محمد أمين المعروف بابن عابدين رحمه الله في رد المحتار على الدار المختار قوله (فإن لم يقدر) أي على تقبيله إلا بالايذاء أو مطلقا يضع يديه عليه ثم يقبلهما أو يضع إحدهما والأولى أن تكون اليمنى لأنها المستعملة فيما فيه شرف ولما نقل عن البحر العميق من أن الحجر يمين الله يصافح بها عباده والمصافحة باليمنى انتهى وقال الشيخ ضياء الدين الحنفي النقشبندي في كتابه لوامع العقول شرح راموز الحديث في شرح حديث إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله الحديث ما لفظه والظاهر من آداب الشريعة تعين اليمنى من الجانبين لحصول السنة كذلك فلا تحصل باليسرى في اليسرى ولا في اليمنى انتهى وقال الامام النووي يستحب أن تكون المصافحة باليمنى وهو أفضل انتهى ذكره الشيخ عبد الله بن سلمان اليمني الزبيدي في رسالته في المصافحة وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي الشافعي في كتابه الروض النضير شرح الجامع الصغير ولا تحصل السنة إلا بوضع اليمنى في اليمنى حيث لا عذر انتهى وقال الشيخ علي بن أحمد العزيزي في كتابه السراج المنير شرح الجامع الصغير إذا لقيت الحاج أي عند قدومه من حجة فسلم عليه وصافحة أي ضع يدك اليمنى في يده اليمنى انتهى وقال الشيخ العلقمي رحمه الله في كتابه الكوكب المنير شرح الجامع الصغير في شرح حديث إذا التقى المسلمان فتصافحا الخ قال ابن رسلان ولا تحصل هذه السنة إلا بأن يقع بشرة أحد الكفين على الاخر انتهى وقال الشيخ العالم الرباني السيد عبد القادر الجيلاني في كتابه غنية الطالبين فصل فيما يستحب فعله بيمينه وما يستحب فعله بشماله يستحب له تناول الأشياء بيمينه والأكل والشرب والمصافحة والبداءة بها في الوضوء والانتعال ولبس الثياب الخ والدليل على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى من الجانبين سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة ما رواه الامام أحمد في مسنده حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا علي بن عياش قال حدثنا حسان بن نوح حمصي قال رأيت عبد الله بن بسر يقول ترون كفي هذه فأشهد أني وضعتها على كف محمد الحديث إسناده صحيح ورواه الحافظ ابن عبد البر في كتابه التمهيد قال حدثنا عبد الوارث بن سفيان قال حدثنا قاسم بن أصبغ حدثنا ابن وضاح قال حدثنا يعقوب بن كعب قال حدثنا مبشر بن إسماعيل عن حسان بن نوح عن عبد الله بن بسر قال ترون يدي هذه صافحت بها رسول الله الحديث رجاله كلهم ثقات وإسناده متصل أما الحافظ ابن عبد البر فهو ثقة حجة كما في تذكرة الحفاظ وأما عبد الوارث بن سفيان فهو من شيوخة الكبار قد أكثر الرواية عنه في معرض الاحتجاج في

[ 431 ]

التمهيد والاستيعاب وغيرهما وأما ابن وضاح فاسمه محمد قال في تذكرة الحفاظ هو الحافظ الكبير أبو عبد الله القرطبي قال ابن الفرضي كان عالما بالحديث بصيرا بطرقه متكلما بعلله وكان أحمد بن الحباب لا يقدم عليه أحدا ممن أدركه انتهى وقد صحح ابن القطان إسنادا لحديث بئر بضاعة وقع فيه محمد بن وضاح هذا حيث قال وله إسناد صحيح من رواية سهل بن سعد قال قاسم بن أصبغ حدثنا محمد بن وضاح حدثنا أبو علي عبد الصمد بن أبي سكينة حدثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال قالوا يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة الخ ذكر الحافظ الزيلعي كلام ابن القطان هذا في تخريج الهداية وأقره وأما يعقوب بن كعب ومبشر بن إسماعيل وحنان بن نوح فهم أيضا ثقات فالحديث صحيح ورواه الحافظ الدولابي في كتابه الأسماء والكنى قال حدثنا أبو هاشم زياد بن أيوب قال حدثنا مبشر بن إسماعيل الحلبي عن أبي معاوية حسان بن نوح قال سمعت عبد الله بن بسر يقول ترون هذه اليد فإني وضعتها على يد رسول الله الحديث رجاله ثقات إلا الحافظ الدولابي فقال الدارقطني تكلموا فيه وما يتبين من أمره إلا خير وقال أبو سعيد بن يونس كان أبو بشر يعني الدولابي من أهل الصنعة وكان يضعف كذا في تذكرة الحفاظ ويؤيد حديث عبد الله بن بسر هذا حديث أبي أمامة تمام التحية الأخذ باليد والمصافحة باليمنى رواه الحاكم في الكنى كذا في كنز العمال ويؤيده أيضا حديث أنس بن مالك قال صافحت بكفي هذه كف رسول الله فمامست خزا ولا حريرا ألين من كفه ذكره الشيخ محمد عابد السندي في حصر الشارد والقاضي الشوكاني في إتحاف الأكابر وهذان الحديثان إنما ذكرناهما للتأييد والاستشهاد لأن في أسانيدهما ضعفا وكلاما والدليل الثاني على ما قلنا من أن السنة في المصافحة أن تكون باليمنى سواء كانت عند اللقاء أو عند البيعة ما رواه مسلم في صحيحه عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي فقلت أبسط يمينك فلأبايعك فبسط يمينه فقبضت يدي فقال مالك يا عمرو قلت أردت أن أشترط قال تشترط ماذا قلت أن يغفر لي قال أما علمت يا عمرو أن الاسلام يهدم ما كان قبله الحديث ورواه أبو عوانة في صحيحه وفيه فقلت يا رسول الله ابسط يدك لأبايعك فبسط يمينه قال القاري في المرقاة في شرح هذا الحديث أبسط يمينك أي افتحها ومدها لأضع يمينى عليها كما هو العادة في البيعة انتهى وهذا الحديث نص صريح في أن السنة في المصافحة عند البيعة باليد اليمن من الجانبين وقد صحت في هذا أحاديث كثيرة ذكرناها في رسالتنا المسماة بالمقالة الحسنى في سنية المصافحة باليد اليمنى فمنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد

[ 432 ]

صحيح عن أبي غادية يقول بايعت رسول الله قال أبو سعيد فقلت له بيمينك قال نعم الحديث ومنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن أنس بن مالك يقول بايعت رسول الله بيدي هذه يعني اليمنى على السمع والطاعة فيما استطعت ومنها ما رواه أحمد في مسنده بإسناد صحيح عن زياد بن علاقة قال سمعت جريرا يقول حين مات المغيرة الحديث وفيه أما بعد فإني أتيت رسول الله أبايعه بيدي هذه على الاسلام فاشترط على النصح فإن قلت أحاديث عمرو بن العاص وأبي غادية وأنس بن مالك وجرير رضي الله تعالى عنهم إنما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة لا عند اللقاء قلت هذه الأحاديث كما تدل على سنية المصافحة باليد اليمنى عند البيعة كذلك تدل على سنيتها باليد اليمنى عند اللقاء أيضا لأن المصافحة عند اللقاء والمصافحة عند البيعة متحدتان في الحقيقة ولم يثبت تخالف حقيقتهما بدليل أصلا والدليل الثالث أن المصافحة هي إلصاق صفح الكف بصفح الكف فالمصافحة المسنونة إما أن تكون باليد الواحدة من الجانبين أو باليدين وعلى كلا التقديرين المطلوب ثابت أما على التقدير الأول فظاهر وأما على التقدير الثاني فإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى وبإلصاق صفح كف اليسرى بصفح كف اليسرى على صورة المقراض فعلى هذا تكون مصافحتان ونحن مأمورون بمصافحة واحدة لا بمصافحتين وإن كانت بإلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى وإلصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى من الجانبين فالمصافحة هي إلصاق صفح كف اليمنى بصفح كف اليمنى ولا عبرة لصاق صفح كف اليسرى بظهر كف اليمنى لأنه خارج عن حقيقة المصافحة فإن قيل قد عرف المصافحة بعض أهل اللغة بأخذ اليد قال في القاموس المصافحة الأخذ باليد كالتصافح انتهى والأخذ باليد عام شامل لأخذ اليد واليدين بإلصاق صفح الكف يصفح الكف أو بظهرها قلت هذا تعريف بالأعم لأنه يصدق على أخذ العضد وعلى أخذ المرفق وعلى أخذ الساعد لأن اليد في اللغة الكف ومن أطراف الأصابع إلى الكتف وهو ليس بمصافحة بالاتفاق والتعريف الصحيح الجامع المانع هو ما فسر به أكثر أهل اللغة وعليه يدل لفظ المصافحة والتصافح فبين المصافحة والأخذ باليد عموم وخصوص مطلق وأما قول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه علمني النبي وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن أخرجه الشيخان فليس من المصافحة في شئ بل هو من باب الأخذ باليد عند التعليم لمزيد الاعتناء والاهتمام به قال الفاضل اللكنوي في بعض فتاواه واتجه در صحيح بخاري أن عبد الله بن مسعود مروى است علمني رسول الله وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمني السورة من القرآن التحيات لله والصلوات والطيبات الحديث ليس ظاهر أن است كه مصافحة

[ 433 ]

متوارثة كه بوقت تلاقي مسنون است نبوده بدكه طريقه تعليميه بوده كه اكابر بوقت اهتمام تعليم جيزي ازهر دو دست يايكدست دست اصاغر كرفته تعليم ميسازند وحاصله أن ما روى في صحيح البخاري عن عبد الله بن مسعود علمني رسول الله وكفي بين كفيه الخ فالظاهر أنه لم يكن من المصافحة المسنونة عند التلاقي بل هو من باب أخذ اليد عند الاهتمام بالتعليم كما يصنعه الأكابر عند تعليم الأصاغر فيأخذون باليد الواحدة أو باليدين يد الأصاغر وقد صرح الفقهاء الحنفية أيضا بأن كون كف ابن مسعود بين كفيه كان لمزيد الاعتناء والاهتمام بتعليمه التشهد وقد ثبت عن رسول الله الأخذ باليد عند التعليم بأحاديث كثيرة منها ما رواه أحمد في مسنده عن أبي قتادة وأبي الدهماء قالا كان يكثران السفر نحو هذا البيت قالا أتينا على رجل من أهل البادية فقال البدوي أخذ رسول الله بيدي فجعل يعلمني مما علمه الله تبارك وتعالى الحديث ومنها ما رواه الترمذي عن شكل بن حميد قال أتيت النبي فقلت يا رسول الله علمني تعوذ أتعوذ به قال فأخذ بكفي وقال قل اللهم إني أعوذ بك من شر سمعي الحديث ومنها ما رواه أحمد والترمذي عن أبي هريرة قال قال رسول الله من يأخذ عني هؤلاء الكلمات فيعمل بهن أو يعلم من يعمل بهن قلت أنا يا رسول الله فأخذ بيدي فعد خمسا فقال اتق المحارم تكن أعبد الناس الحديث باب ما جاء في المعانقة والقبلة قوله (حدثنا محمد بن إسماعيل) هو الإمام البخاري (حدثنا إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد) ابن هانئ الشجري لين الحديث روى عن أبيه وعنه البخاري في غير الصحيح وأبو إسماعيل الترمذي وغيرهما (حدثني أبي يحيى بن محمد) هو ضعيف وكان ضريرا يتلقن من التاسعة (عن محمد بن إسحاق) هو صاحب المغازي قوله (قدم زيد بن حارثة المدينة) أي من غزوة أو سفر (ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي) الجملة معترضة حالية (فأتاه) أي فجاء زيد (فقرع الباب) أي قرعا متعارفا له أو مقرونا بالسلام

[ 434 ]

والاستئذان (فقام إليه) أي متوجها إليه (عريانا يجر ثوبه) أي رداءه من كمال فرحه بقدومه ومأتاه قال في المفاتيح تريد أنه صلى الله عليه وسلم كان ساترا ما بين سرته وركبته ولكن سقط رداءه عن عاتقه فكان ما فوق سرته عريانا انتهى (والله ما رأيته عريانا) أي يستقبل أحدا (قبله) أي قبل ذلك اليوم (ولا بعده) أي بعد ذلك اليوم (فاعتنقه وقبله) فإن قيل كيف تحلف أم المؤمنين على أنها لم تره عريانا قبله ولا بعده مع طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد قيل لعلها أرادت عريانا استقبل رجلا واعتنقه فاختصرت الكلام لدلالة الحال أو عريانا مثل ذلك العري واختار القاضي الأول وقال الطيبي هذا هو الوجه لما يشم من سياق كلامها رائحة الفرح والاستبشار بقدومه وتعجيله للقائه بحيث لم يتمكن من تمام التردي بالرداء حتى جره وكثيرا ما يقع مثل هذا انتهى كذا في المرقاة وفي الحديث مشروعية المعانقة للقادم من السفر وهو الحق والصواب وقد ورد أيضا في المعانقة حديث أبي ذر أخرجه أحمد وأبو داود من طريق رجل من عنزة لم يسم قال قلت لأبي ذر هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه قال ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم فلم أكن في أهلي فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكان أجود وأجود وأجود ورجاله ثقات إلا هذا الرجل المبهم وأخرج الطبراني في الأوسط من حديث أنس كانوا إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا وأخرج البخاري في الأدب المفرد وأحمد وأبو يعلى في مسنديهما من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل أنه سمع جابر بن عبد الله يقول بلغني عن رجل حديث سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم فاشتريت بعيرا ثم شددت رحلي فسرت إليه شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس فقلت للبواب قل له جابر على الباب فقال ابن عبد الله قلت نعم فخرج فاعتنقني فقلت حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فخشيت الحديث فإن قلت ما وجه التوفيق بين حديث عائشة هذا وبين حديث أنس المتقدم الذي يدل على عدم مشروعية المعانقة قلت حديث أنس لغير القادم من السفر وحديث عائشة للقادم والله أعلم قوله (هذا حديث حسن غريب) ذكر الحافظ هذا الحديث في الفتح ونقل تحسين الترمذي له وسكت عنه

[ 435 ]

باب ما جاء في قبلة اليد والرجل أي في تقبيلهما قوله (أخبرنا عبد الله بن إدريس) هو الأودي المعافري أبو محمد الكوفي (وأبو أسامة) هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي (عن عبد الله بن سلمة) بكسر اللام المرادي الكوفي تنبيه قال النووي في مقدمة شرح مسلم سلمة كله بفتح اللام إلا عمرو بن سلمة إمام قومه وبني سلمة القبيلة من الأنصار فبكسر اللام وفي عبد الخالق بن سلمة الوجهان انتهى قلت وعبد الله بن سلمة هذا أيضا بكسر اللام كما في التقريب والخلاصة قوله (قال يهودي لصاحبه) أي من اليهود (اذهب بنا) الباء للمصاحبة أو التعدية (إلى هذا النبي) أي لنسأله عن مسائل (فقال صاحبه لا تقل) أي له كما في رواية (نبي) أي هو نبي (إنه) بكسر الهمزة استئناف فيه معنى التعليل أي لأنه (لو سمعك) أي سمع قولك إلى هذا النبي (كان له أربعة أعين) هكذا وقع في النسخ الموجودة ووقع في المشكاة أربع أعين بغير التاء وهو الظاهر يعني يسر بقولك هذا النبي سرورا يمد الباصرة فيزداد به نورا على نور كذى عينين أصبح يبصر بأربع فإن الفرح يمد الباصرة كما أن الهم والحزن يخل بها ولذا يقال لمن أحاطت به الهموم أظلمت عليه الدنيا (فسألاه) أي امتحانا (عن تسع آيات بينات) أي واضحات والآية العلامة الظاهرة تستعمل في المحسوسات كعلامة الطريق والمعقولات كالحكم الواضح والمسألة الواضحة فيقال لكل ما تتفاوت فيه المعرفة بحسب التفكر فيه والتأمل وحسب منازل الناس في العلم آية والمعجزة آية ولكل جملة دالة على حكم من أحكام الله آية ولكل كلام منفصل بفصل لفظي آية والمراد بالآيات ههنا أما المعجزات التسع وهي العصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والسنون ونقص من الثمرات وعلى هذا فقوله لا تشركوا كلام مستأنف ذكره عقيب الجواب ولم يذكر الراوي الجواب استغناء بما في

[ 436 ]

القرآن أو بغيره ويؤيده ما في رواية الترمذي في التفسير فسألاه عن قول الله تعالى ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات وأما الأحكام العامة الشاملة للملل الثابتة في كل الشرائع وبيانها ما بعدها سميت بذلك لأنها تدل على حال المكلف بها عن السعادة والشقاوة وقوله وعليكم خاصة حكم مستأنف زائد على الجواب ولذا غير السياق (لا تشركوا بالله) أي بذاته وصفاته وعبادته (شيئا) من الأشياء أو الإشراك (ولا تمشوا ببرئ) بهمزة وإدغام أي بمتبرئ من الإثم والباء للتعدية أي لاتسعوا ولا تتكلموا بسوء ليس له ذنب (إلى ذي سلطان) أي صاحب قوة وقدرة وغلبة وشوكة (ولا تسحروا) بفتح الحاء (ولا تأكلوا الربا) فإنه سحق ومحق (ولا تقذفوا) بكسر الذال (محصنة) بفتح الصاد ويكسر أي لا ترموا بالزنا عفيفة (ولا تولوا) بضم التاء واللام من ولي تولية إذا أدبر أي ولا تولوا أدباركم ويجوز أن يكون بفتح التاء واللام من التولي وهو الإعراض والإدبار أصله تتولوا فحذف إحدى التائين (الفرار) بالنصب على أنه مفعول له أي لأجل الفرار (يوم الزحف) أي الحرب مع الكفار (وعليكم) ظرف وقع خبرا مقدما (خاصة) منونا حال من الضمير المجرور والمستتر في الظرف عائد إلى المبتدأ أي مخصوصين بهذه العاشرة أو حال كون الاعتداء مختصا بكم دون غيركم من الملل أو تمييز والخاصة ضد العامة (اليهود) نصب على التخصيص والتفسير أي أعني اليهود ويجوز أن يكون خاصة بمعنى خصوصا ويكون اليهود معمولا لفعله أي أخص اليهود خصوصا (ألا تعتدوا) بتأويل المصدر في محل الرفع على أنه مبتدأ من الاعتداء (في السبت) أي لا تتجاوزوا أمر الله في تعظيم السبت بأن لا تصيدوا السمك فيه وقيل عليكم اسم فعل بمعنى خذوا أو أن لا تعتدوا مفعوله أي الزموا ترك الاعتداء (قال) أي صفوان (فقبلوا يديه ورجليه) صلى الله عليه وسلم (وقالوا) وفي رواية الترمذي في التفسير فقبلا يديه ورجليه وقالا (نشهد أنك نبي) إذ هذا العلم من الأمي معجزة لكن نشهد أنك نبي إلى العرب (أن تتبعوني) بتشديد التاء وقيل بالتخفيف أي من أن تقبلوا نبوتي بالنسبة إليكم وتتبعوني في الأحكام الشرعية التي هي واجبة عليكم (قال) لم يقع هذا اللفظ في أكثر النسخ (دعا ربه أن لا يزال) أي بأن لا ينقطع (من ذريته نبي) إلى يوم القيامة فيكون مستجابا

[ 437 ]

فيكون من ذريته نبي ويتبعه اليهود وربما يكون لهم الغلبة والشوكة (وإنا نخاف إن تبعناك تقتلتنا اليهود) أي فإن تركتا دينهم واتبعناك لقتلنا اليهود إذا ظهر لهم نبي وقوة وهذا افتراء محض على داود عليه الصلاة والسلام لأنه قرأ في التوراة والزبور بعث محمد صلى الله عليه وسلم النبي وأنه خاتم النبيين وأنه ينسخ به الأديان فكيف يدعو بخلاف ما أخبر الله تعالى به من شأن محمد صلى الله عليه وسلم ولئن سلم فعيسى من ذريته وهو نبي باق إلى يوم الدين والحديث يدل على جواز تقبيل اليد والرجل قال ابن بطال اختلفوا في تقبيل اليد فأنكره مالك وأنكر ما روي فيه وأجازه آخرون واحتجوا بما روى عن ابن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فروا قالوا نحن الفرارون فقال بل أنتم الكرارون إنا فئة المؤمنين قال فقبلنا يده قال وقيل أبو لبابة وكعب بن مالك صاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليه ذكره الأبهري وقبل أبو عبيدة يد عمر حين قدم وقبل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه قال الأبهري وإنما كرهها مالك إذا كانت على وجه التعظيم والتكبر وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز قال ابن بطال وذكر الترمذي من حديث صفوان بن عسال أن يهوديين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات الحديث وفي آخره فقبلا يده ورجله قال الترمذي حسن صحيح قال الحافظ حديث ابن عمر أخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وحديث أبي لبابة أخرجه البيهقي في الدلائل وابن المقري وحديث كعب وصاحبيه أخرجه ابن المقري وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في جامعه وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني وابن المقري وحديث صفوان أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقري جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله أخرجه أبو داود ومن حديث فريدة العصر مثله ومن حديث أسامة بن شريك قال قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده وسنده قوي ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل يده ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له وأخرج البخاري في الأدب المفرد من رواية عبد الرحمن بن رزين قال أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها وعن ثابت أنه قبل يد أخرجه البيهقي في الدلائل وابن المقري وحديث كعب وصاحبيه أخرجه ابن المقري وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في جامعه وحديث ابن عباس أخرجه الطبراني وابن المقري وحديث صفوان أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقري جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله أخرجه أبو داود ومن حديث فريدة العصر مثله ومن حديث أسامة بن شريك قال قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده وسنده قوي ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل يده ومن حديث بريدة في قصة الأعرابي والشجرة فقال يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له وأخرج البخاري في الأدب المفرد من رواية عبد الرحمن بن رزين قال أخرج لنا سلمة بن الأكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها وعن ثابت أنه قبل يد أنس وأخرج أيضا أن عليا قبل يد العباس ورجله وأخرجه ابن المقري وأخرج من طريق أبي مالك الأشجعي قال قلت لابن أبي أوفى ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فناولنيها فقبلتها قال النووي تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو

[ 438 ]

ذلك من الأمور الدينية لا يكره بل يستحب فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة وقال أبو سعيد المتولي لا يجوز كذا في الفتح قوله (وفي الباب عن يزيد بن الأسود وابن عمر وكعب بن مالك) أما حديث يزيد بن الأسود فأخرجه أحمد وأما حديث ابن عمر فأخرجه البخاري في الأدب المفرد وأبو داود وابن ماجة الترمذي في أواخر أبواب الجهاد وليس فيه ذكر التقبيل وأما حديث كعب بن مالك فأخرجه ابن المقري قوله هذا حديث حسن صحيح وأخرجه النسائي وابن ماجة والحاكم وصححه تم - بحمد الله - الجزء السابع ، ويليه الجزء الثامن وأوله باب ما جاء في مرحبا

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية