تحفة الاحوذي بشرح جامع الترمذي للامام الحافظ أبي العلا محمد عبد الرحمن ابن عبد الرحيم المباركفوري 1283 - 1353 ه . طبعة جديدة مقارنة مع الطبعتين الهندية والمصرية ، مع ملحق خاص بالاحاديث المستدركة من جامع الترمذي الجزء الاول أبواب الطهارة - أبواب الصلاة . دار الكتب العلمية بيروت - لبنان
[ 2 ]
الطبعة الاولى 1410 ه . 1990 م مقدمة الشارع
[ 3 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ونؤمن به ، ونتوكل عليه ، وننعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له . وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله .
أما بعد : فيقول العبد الضعيف ، الراجي رحمة ربه الكريم . محمد عبدالرحم ن ابن الحافظ عبد الرحيم ، جعل الله مالهما النعيم المقيم : إني قد فرغت بعونه تعالى من تحرير المقدمة التي كنت أردت إيرادها في أول شرحي لجامع الترمذي ، والان قد حان الشروع في تحرير الشرح ، وفقني الله تعالى لاتمامه ، وأعانني عليه بفضله وكرمه وسميته " تحفة الاحوذي في شرح جامع الترمذي " ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم ، وانفع به كل من يرومه من الطالب المبتدي والراغب المتهي ، واجعله لنا من الباقيات الصالحات ، ومن الاعمال التي لا تنقطع بعد الممات . اعلم زادك الله علما نافعا : أني رأيت أن أكثر شراح كتب الحديث قد بدأوا شروحهم بذكر أسانيدهم إلى مصنفيها ، وحكى الحافظ ابن حجر في " فتح الباري " عن بعض الفضلاء : أن الاسانيد أنساب الكتب ، فأحببت أن أبدأ شرحي بذكر إسنادي إلى الامام الترمذي رحمه الله تعالى أنساب الكتب ، فأحببت أن أبدأ شرحي بذكر إسنادي إلى الامام الترمذي رحمه الله تعالى ، فأقول : إني قرأت جامع الترمذي من أوله إلى آخره على شيخنا : العلامة السيد محمد نذير حسين ، المحدث الدهلوي ، رحمه الله تعالى سنة ست بعد ألف وثلاثمائة من الهجرة النبوية ، في دهلي ، فأجازني به ، ويجمع ما قرأت عليه من كتب الحديث وغيرها ، كتب لي الاجازة بخطه الشريف ، وهذه صورتها . الحمد لله رب العالمين : والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين . أما بعد : فيقول العبد الضعيف ، طالب الحسنيين ، محمد نذير حسين ، عافاه الله تعالى في الدارين ، إن المولوي الذكي ، أبا العلي ، محمد عبد الرحمن ابن الحافظ الحاج عبد الرحيم الاعظم كدهي ، المباركفوري ، قد قرأ على صحيح البخاري وصحيح ابن ماجة ، ومشكاة المصابيح ، وبلوغ المرام ، وتفسير الجلالين ، وتفسير البيضاوي ، وأوائل الهداية وأكثر شرح نخبة الفكر ، وسمع ترجمة القرآن المجيد إلا ستة أجزأ ، فعليه أن يشتغل بإقراء الكتب المذكورة ، والمؤطأ وسنن الدارمي والمنتقي ، وغيرها من كتب الحديث والتفسير والفقه ، وتدريسها ، لانه أهلها بالشروح
[ 4 ]
المعتبرة عند أهل الحديث ، وإني حصلت القراءة والسماعة والاجازة عن الشيخ المكرم الاورع البارع في الافاق محمد إسحاق المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى ، وهو حصل القراءة والسماعة والاجازة عن الشيخ الاجل مسند الوقت الشاه عبد العزيز المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى ، وهو حصل القراءة والسماعة والاجازة عن الشيخ القرم المعظم بقية السلف وحجة الخلف الشاه ولي الله المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى ، وباقي السند مكتوب عنده . وأوصيه بتقوى الله تعالى في السر والعلانية ، وإشاعة السنة السنية بلا خوف لومة لائم حرر سنة 1306 الهجرية المقدسة . قلت : باقي السند هكذا : قال الشاه ولي الله : قرأت طرفا من جامع الترمذي على أبي الطاهر : يعني محمد بن أبراهيم الكردي المدني ، وأجاز لسائره عن أبيه يعني إبراهيم الكردي المدني ، عن المزاحي ، يعني السلطان بن أحمد ، عن الشهاب أحمد بن الخليل السبكي ، عن النجم الغيطي ، عن الزين زكريا ، عن العز عبد الرحيم بن محمد بن الفرات عن عمر بن الحسن المراغي ، عن الفخر بن أحمد البخاري ، عن عمر بن طبرزد البغدادي ، أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن عبد الله بن أبي سهل الكروخي ، أخبرنا القاضي أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد الازدي ، أخبرنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله الجراحي المروزي ، أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب المحبوبي المروزي ، أخبرنا أبو عيسى بن سورة بن موسى الترمذي . قلت : وإني قرأت أطرافا من جامع الترمذي وغيره من الامهات الست وغيرها على شيخنا العلامة الشيخ حسين بن محسن الانصاري الخزرجي اليماني ، فأجازني لسائر ما قرأت عليه من كتب الحديث ، بل لجميع ما حواه إتحاف الاكابر في إسناد الدفاتر ، من الكتب الحديثية وغيرها ، وكتب لى الاجازة وهذه صورتها : الحمد لله الذي تواتر علينا فضله وإحسانه ، الموصول إلينا بره وامتنانه ، والصلاة والسلام على من صح سند كمالاته ، وتسلسل إلينا مرفوع ما وصل من هباته ، وعلى آله وأصحابه ، وناصريه وأحزابه .
وبعد : فإنه وقع الاتفاق في بلدة آره بالمولوي محمد عبد الرحمن : المتوطن مباركبور من توابع أعظم كده ، وقرأ علي أطرافا من الامهات الست ، ومن موطأ الامام مالك ومن مسند الدارمي ، ومن مسند الامام الشافعي ، والامام أحمد ، ومن الادب المفرد للبخاري ، ومن معجم الطبراني الصغير ، ومن سنن الدارقطني ، وطلب مني الاجازة بعد القراءة ، ووصل سنده بسند مؤلفيها الاجلاء القادة ، فأسعفته بمطلوبه ، تحقيقا لظنه ومرغوبه ، وإن كنت لست أهلا لذلك ولا ممن يخوض في هذه المسالك ، ولكن تشبها بالائمة الاعلام السابقين الكرام .
[ 5 ]
وإذا أجزت مع القصور فإنني أرجو التشبه بالذين أجازوا للسالكين إلى الحقيقة منهجا سبقوا إلى غرف الجنان ففازوا فأقول وبالله التوفيق : إني قد أجزت المولوي محمد عبد الرحمن المذكور أن يروي عني هذه الكتب المذكورة بأسانيدها المتصلة إلى مؤلفيها ، المذكورة في ثبت شيخ مشايخنا الامام الحافظ الرباني ، القاضي محمد بن علي الشوكاني ، المسمى " بإتحاف الاكابر في إسناد الدفاتر " مع بيان كل إسناد إلى مؤلفه ، بل أجزته أن يروي عني جميع ما حواه إتحاف الاكابر من كتب الحديثية وغيرها ، أجازني برواية جميع ما فيه شيخاي : الشريف محمد بن ناصر الحسني الحازمي ، وشيخنا القاضي العلامة أحمد ابن الامام المؤلف محمد بن علي الشوكاني كلاهما عن مؤلفه الامام الحافظ الرباني محمد بن علي الشوكاني رحمه الله تعالى ، وأوصيه بتقوى الله في السر والعلن ، ومتابعة السنن ، وأن لا ينساني من صالح دعواته في كل حالاته ، ومشايخي ووالدي وأولادي ، وفقنا الله وإياه لما يرضاه ، وسلك بنا وبه بطريق النجاة ، والحمد لله رب العالمين أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ، وحسبنا الله ونعم الوكيل ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله وصحبه وسلم . مؤرخه يوم الاحد لاثنتي عشرة خلون من شهر شعبان أحد شهور ألف وثلاثمائة وأربعة عشر من الهجرة النبوية ، على مشرفها أفضل الصلاة وأزكى التسليم والتحية . أملاه المجيز بلسانه ، الحقير الفقير إلى إحسان ربه الكريم الباري ، حسين بن محسن الانصاري الخزرجي
اليماني ، عفا الله عنه . قلت : ثبت شيخ شيوخ مشايخنا القاضي الشوكاني المسمى بإتحاف الاكابر عندي موجود ، نقلته من نسخة قلمية صحيحة ، والان قد طبع هذا الثبت المبارك ، وشاع ، وقد ذكر القاضي الشوكاني مصنف هذا الثبت أسانيد جامع الترمذي في فصل السين ، فقال : سنن الترمذي أرويها بالسماع لجميعها من لفظ شيخنا السيد العلامة عبد القادر أحمد بإسناده المتقدم في تفسير الثعلبي ، إلى الشماخي ، عن أحمد بن محمد الشرجي اليمني ، عن زاهر بن رستم الاصفهاني ، عن القاسم بن أبي سهل الهروي ، عن محمود بن القاسم الازدي ، عن عبد الجبار بن محمد المروزي ، عن محمد بن أحمد بن محبوب المروزي عن المؤلف . وأرويها عن شيخنا المذكور بإسناده المتقدم في أول هذا المختصر إلى محمد البابلي ، عن النور علي بن يحيى الزيادي ، عن الرملي ، بإسناده المتقدم قريبا إلى ابن طبرزد ، عن عبد الملك بن أبي سهل الكروخي ، عن محمود بن القاسم الازدي ، عن عبد الجبار بن محمد المروزي ، عن محمد بن محبوب المروزي ، عن المؤلف . وأرويها عن شيخنا المذكور ، عن محمد بن الطيب المغربي ، عن إبراهيم بن محمد المراغي ،
[ 6 ]
عن أحمد بن محمد العجلي ، عن يحيى بن مكرم الطبري ، عن جده المحب الطبري عن الزين المراغي ، عن أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار ، عن أبي النجا عبد الله بن عمر اللتي ، عن أبي الوقت عبد الاول بن عيسى السجزي ، عن أبي عامر الازدي ، عن أبي محمد الجراحي ، عن أبي العباس المحبوبي ، عن المؤلف . وأوريها عن شيخنا السيد علي بن إبراهيم بن عامر بإسناده السابق في سنن أبي داود إلى الديبع ، عن السخاوي ، عن ابن حجر ، عن البرهان التنوخي ، عن أبي القاسم بن عساكر ، عن عبد الرحمن بن محمد بن مسعود ، عن محمد بن علي بن صالح ، عن أبي عامر محمود بن القاسم الازدي ، عن أبي العباس محمد بن أحمد المحبوبي عن المؤلف .
وأوريها عن شيخنا السيد علي المذكور ، وشيخنا الحسن بن إسماعيل المغربي بالاسناد المتقدم في سنن أبي داود إلى علي بن أحمد المرحومي ، عن إبراهيم الذماري ، عن الشهاب القليوبي ، عن النور الزيادي ، عن الشمس الرملي ، عن زكريا الانصاري ، عن الشمس القاياتي ، عن أحمد بن أبي زرعة ، عن أبيه ، عن الزين عبد الرحيم العراقي ، عن عمر العراقي ، عن علي بن البخاري ، عن ابن طبرزد بإسناده السابق إلى المؤلف . وأوريها عن شيخنا يوسف بن محمد بن علاء الدين المزجاجي ، عن أبيه عن جده عن إبراهيم الكردي بإسناده المتقدم في سنن أبي داود إلى ابن طبرزد بإسناده المذكور ههنا إلى المؤلف . انتهى ما في إتحاف الاكابر . قلت : قد قال العلامة الشوكاني في خطبة هذا الثبت : قد اقتصرت في الغالب على ذكر إسناد واحد ، وأحلت في أسانيد البعض على البعض طلبا للاختصار . انتهى . فعليك أن ترجع إلى إتحاف الاكابر لتقف على ما أحال عليه في أسانيد جامع الترمذي بعضها على البعض ، وأنا أذكر ههنا إسناده المتقدم في تفسير الثعلبي إلى الشماخي . قال الشوكاني : تفسير الكشف والبيان في تفسير القرآن : أرويه عن شيخي السيد عبد القادر بن أحمد ، عن شيخه السيد سليمان بن يحيى الاهدل ، عن السيد أحمد بن محمد الاهدل ، عن السيد يحيى بن محمد البطاح الاهدل ، عن السيد طاهر بن حسين الاهدل ، عن الحافظ الديبع ، عن زين الدين الشرجي ، عن نفيس الدين العلوي ، عن أبيه عن أحمد بن أبي الخير الشماخي إلخ . وها أنا أشرع في المقصود ، متوكلا على الله الملك الودود ، وما توفيقي إلا بالله ، وهو حسبي ونعم الوكيل .
[ 7 ]
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله وأصحابه أجمعين . أما بعد : فيقول العبد الضعيف ، محمد عبد الرحمن ابن الحافظ عبد الرحيم المباركفوري (1)
عفا الله عنه تعالى عنهما : إني قرأت هذا الكتاب المبارك ، أعني " جامع الترمذي " من أوله إلى آخره ، على شيخنا العلامة السيد محمد نذير حسين المحدث الدهلوي رحمه الله تعالى ، أجازني به وقال : إني حصلت القراءة والسماعة والاجازة عن الشيخ المكرم الاورع البارع في الافاق ، محمد إسحاق ، المحدث الدهلوي ، وهو حصل القراءة والسماعة والاجازة عن أبيه الشيخ القرم المعظم بقية السلف حجة الخلف الشاه ولي الله بن الشاه عبد الرحيم المحدث الدهلوي ، وقال الشاه ولي الله : قرأت على أبي الطاهر المدني طرفا من جامع الترمذي وأجاز لسائره ، عن أبيه ، عن المزاحي ، عن الشهاب أحمد السبكي عن النجم الغيطي ، عن الزين زكريا ، عن العز عبد الرحيم بن محمد الفرات ، عن عمر بن الحسن المراغي ، عن الفخر بن أحمد البخاري ، عن عمر بن طبرزد البغدادي ، أخبرنا أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم إلخ . . .
(1) مباركبور : قرية كبيرة عامرة من قرى بلدة كده الواقعة في أرض الهند . وهي في وسط بلاد جونفور ونبارس وغازيفور وكوركهبور . (*)
[ 9 ]
[ بسم الله الرحمن الرحيم ] قوله (بسم الله الرحمن الرحيم) افتتح الكتاب بالبسملة اقتداء بكتاب الله العظيم ، واقتفاء بكتب نبيه الكريم ، وعملا بحديثه في بداءة كل أمر ذي بال ببسم الله الرحمن الرحيم . وهو ما أخرجه الحافظ عبد القادر الرهاوي في أربعينه من حديث أبي هريرة مرفوعا " كل أمر ذي بال لا يبدأ ببسم الله الرحمن الرحيم فهو أقطع " واقتصر المصنف على البسملة كالامام البخاري في صحيحه ، وكأكثر المتقدمين في تصانيفهم ، ولم يأت بالحمد والشهادة ، مع ورود قوله (صلى الله عليه وسلم) " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله فهو أقطع " وقوله " كل خطبة ليس فيها شهادة فهي كاليد الجذماء " وأخرجهما أبو داود وغيره من حديث أبي هريرة ، لما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : من أن الحديثين في كلم منهما مقال ، سلمنا صلاحيتهما للحجة لكن ليس فيهما أن ذلك اقتصارا على البسملة ، لان القدر الذي يجمع الامور الثلاثة ذكر الله ، وقد حصل بها ، انتهى كلام الحافظ . قلت : قد جاء
في رواية لفظ " ذكر الله " . ففي مسند الامام أحمد : حدثنا أبي حدثنا يحيى بن آدم حدثنا ابن المبارك عن الاوزاعي عن قرة بن عبد الرحمن عن الزهري عن أبي هريرة قال قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) " كل أمر ذي بال لا يفتتح بذكر الله فهو أبتر أو أقطع " فبهذه الرواية يجمع بين الروايات الثلاث المختلفة ما لفظه : وأما الحمد والبسملة فجائز ان ، يعني بهما ما هو الاعم منهما وهو ذكر الله والثناء عليه على الجملة ، إما بصيغة الحمد أو غيرها ، ويدل على ذلك رواية ذكر الله ، وحينئذ فالحمد والذكر والبسملة سواء ، وجائز أن يعني خصوص الحمد وخصوص البسملة ، وحينئذ فرواية الذكر أعم ، فيقضى لها على الروايتين الاخريين لان المطلق إذا قيد بقيدين والبسملة متنافيان لم يحمل على واحد منهما ، ويرجع إلى أصل الاطلاق ، وإنما قلنا إن خصوص الحمد والبسملة متنافيان ، لان البداءة إنما تكون بواحد ، ولو وقع الابتداء بالحمد لما وقع بالبسملة وعكسه ، ويدل على أن المراد الذكر ، فتكون روايته هي المعتبرة [ و ] أن غالب الاعمال الشرعية غير مفتتحة بالحمد ، ولم لا يكون المراد ما هو أعم من لفظ الحمد والبسملة ، ويدل على ذلك ما ذكرت لك من الاعمال الشرعية التي لم يشرع الشارع افتتاحها بالحمد بخصوصه . انتهى كلام التاج السبكي . ثم قال الحافظ ابن حجر في تأييد كلامه المذكور : ويؤيده أن أول شئ نزل من القرآن اقرأ باسم ربك ، فطريق التأسي به
[ 10 ]
[ . . . . . . . . . . . . . ] الافتتاح بالبسملة ، ويؤيده أيضا وقوع كتب النبي (صلى الله عليه وسلم) إلى الملوك وكتبه في القضايا مفتتحة بالتسمية دون حمدلة وغيرها ، كما في حديث أبي سفيان في قصة هرقل ، وحديث البراء في قصة سهيل بن عمرو في صلح الحديبية وغير ذلك من الاحاديث انتهى . تنبيه : قال الشيخ بدر الدين العيني في عمدة القاري شرح البخاري : اعتذروا عن البخاري أي عن اقتصاره على البسملة بأعذار هي بمعزل عن القبول ، ثم ذكر العيني سبعة أعذار ، واعترض على كل واحد منها ثم قال : والاحسن فيه ما سمعته من بعض أساتذتي الكبار أنه ذكر الحمد بعد التسمية كما هو دأب المصنفين في مسودته ، كما ذكره في بقية مصنفاته ، وإنما سقط
ذلك من بعض المبيضين فاستمر على ذلك . انتهى كلام العيني ، قلت : هذا الاعتذار أيضا بمعزل عن القبول ، فإنه ليس بحسن فضلا عن أن يكون أحسن ، بل هو أبعد الاعذار كلها ، فإن قوله : إنه ذكر الحمد بعد التسمية ، كما صرح به الحافظ ابن حجر ، وأما قوله كما ذكره في بقية مصنفاته ، فيدل على أنه لم ير بقية مصنفات البخارج أيضا ، فإن من مصنفاته الادب المفرد وكتاب خلق أفعال العباد والرد على الجهمية وكتاب الضعفاء والتاريخ الصغير وجزء القراءة خلف الامام وجزء رفع اليدين ، ولم يذكر في ابتداء واحد من هذه الكتب الحمد بعد التسمية ، بل اقتصر في كل منها على التسمية . قال الحافظ في الفتح : وأبعد من ذلك كله قول من ادعى أنه ابتداء الخطبة فيها حمد وشهادة فحذفها بعض من حمل عنه الكتاب ، وكأن قائل هذا ما رأى تصانيف الائمة من شيوخ البخاري وشيوخ شيوخه وأهل عصره ، كمالك في الموطأ وعبد الرزاق في المصنف وأحمد في المسند وأبي داود في السنن إلى ما لا يحصى ممن لم يقدر في ابتداء تصنيفه خطبة ولم يزد على التسمية وهم الاكثر ، والقليل منهم من افتتح كتابه بخطبة ، أفيقال في كل هؤلاء إن الرواة عنه حذفوا ذلك ؟ كلا بل يحمل ذل من صنيعهم على أنهم حمدوا لفظا ، ويؤيده ما رواه الخطيب في الجامع عن أحمد : أنه كان يتلفظ بالصلاة على النبي (صلى الله عليه وسلم) إذا كتب الحديث ، ولا يكتبها ، والحامل له على ذلك إسراع أو غيره ، أو يحمل على أنهم رأوا ذلك مختصا بالخطب دون الكتب ، ولهذا من افتتح كتابه منهم بخطبة حمد وتشهد كما صنع مسلم والله تعالى أعلم . انتهى كلام الحافظ . تنبيه آخر : قد اختلفوا في حديث الحمد المذكور ، فبعضهم ضعفوه كالحافظ ابن حجر ، وبعضهم حسنوه كالحافظ ابن الصلاح ، وبعضهم صححوه كابن حبان . قال العيني " في عمدة
[ 11 ]
[ أخبرنا الشيخ أبو الفتح عبد الملك بن أبي القاسم عبد الله بن أبي سهل الهروي الكروخي في العشر الاول من ذي الحجة سنة 547 سبع وأربعين وخمسمائة ، بمكة ] القارئ " : الحديث صحيح صححه ابن حبان وأبو عوانة ، وقد تابع سعيد بن عبد العزيز قرة كما أخرجه النسائي . انتهى . قلت : قد وقع في إسناده ومتنه اختلاف كثير ، وقد استوعب طرقه
وألفاظه تاج الدين السبكي في أول كتاب طبقات الشافعية الكبرى ، وبسط الكلام في بيان ما وقع إسناده ومتنه من الاختلاف ، ثم في دفعه ، وقال في آخر كلامه ما لفظه : هذا منتهى الكلام على الحديث ، ولا ريب في أنه بعد ثبوت صحته ورفعه مسندا غير بالغ مبلغ الاحاديث المتفق على أنها مسندة ، ولكن الصحيح مراتب . انتهى كلام السبكي ، وقال في أثناء كلامه : وقد قضى ابن الصلاح بأن الحديث حسن دون الصحيح وفوق الضعيف ، محتجا بأن رجاله رجال الصحيحين سوى قرة ، قال : فإنه ممن انفرد مسلم عن البخاري بالتخريج له انتهى . فائدة : قال الحافظ في الفتح : اختلف القدماء فيما إذا كان الكتاب كله شعرا ، فجاء عن الشعبي منع ذلك ، يعني كتاب بسم الله الرحمن الرحيم في أوله ، وعن الزهري قال مضت السنة أن لا يكتب في الشعر بسم الله الرحمن الرحيم ، وعن سعيد بن جبير جواز ذلك ، وتابعه على ذلك الجمهور ، وقال الخطيب هو المختارر انتهى . وقال القاري في المرقاة : والاحسن التفصيل ، بل هو الصحيح ، فإن الشعر حسنه حسن وقبيحه قبيح ، فيصان إيراد البسملة في الهجويات ومدائح الظلمة ونحوها . انتهى . قوله : أخبرنا الشيخ (أبو الفتح) قائله عمر بن طبرزد البغدادي تلميذ أبي الفتح عبد الملك . (عبد الله بن أبي سهل) بالجر هو اسم أبي القاسم (الهروي) بالهاء والراء المهملة المفتوحتين نسبة إلى الهراة مدينة مشهورة بخراسان كذا في المغني للعلامة محمد طاهر صاحب مجمع البحار . (الكروخي) بفتح الكاف وضم الراء الخفيفة وبالخاء المعجمة منسوب إلى كروخ من بلاد خراسان ، والمراد به عبد الملك بن أبي القاسم راوي الترمذي ، كذا في المغني ، وقال في القاموس : كروخ كصبور قرية بهراة انتهى . فائدة : قال الحافظ ابن الصلاح في مقدمته : قد كانت العرب إنما تنسب إلى قبائلها ، فلما جاء الاسلام وغلب عليهم مسكن القرى والمدائن حدث فيما بينهم الانتساب إلى الاوطان وأضاع كثير منهم أنسابهم ، فلم يبق لهم غير الانتساب إلى الاوطان ، قال : ومن كان من الناقلة من بلد إلى بلد وأراد الجمع بينهما بالانتساب فليبدأ بالاول ثم بالثاني المنتقل إليه . وحسن أن يدخل على الثاني
كلمة " ثم " ، فيقال في الناقلة من مصر إلى دمشق مثلا " فلان المصري ثم الدمشقي " ومن كان من
[ 12 ]
[ شرفها الله وأنا أسمع . قال : أنا القاضي الزاهد أبو عامر محمود بن القاسم بن محمد الازدي رحمه الله قراءة عليه وأنا أسمع في ربيع الاول من سنة اثنين وثمانين وأربعمائة ، ] أهل قرية من قرى بلدة فجائز أن ينسب إلى القرية أو إلى البلدة أيضا وإلى الناحية التي تلك البلدة منها أيضا . انتهى . (وأنا أسمع) جملة حالية ، أي قال عمر بن طبرزد ، أخبرنا أبو الفتح والحال أني كنت سامعا (قال أنا القاضي) أي قال الكروخي : أخبرنا القاضي ، فقوله " أنا " رمز إلى أخبرنا ، قال النووي في مقدمة شرح مسلم : جرت العادة بالاقتصار على الرمز في حدثنا وأخبرنا ، واستمر الاصطلاح عليه من قديم الاعصار إلى زماننا واشتهر ذلك بحيث لا يخفى ، فيكتبون من حدثنا " ثنا " وهي الثاء والنون والالف ، وربما حذف الثاء ، ويكتبون من أخبرنا " أنا " ولا تحسن زيادة الباء قبل نا . انتهى . فائدة : قال النووي : كان من مذهب مسلم رحمه الله الفرق بين حدثنا وأخبرنا : أن حدثنا لا يجوز إطلاقه إلا لما سمعه من لفظ الشيخ خاصة ، وأخبرنا لما قرئ على الشيخ ، وهذا الفرق هو مذهب الشافعي وأصحابه ، وجمهور أهل العلم بالمشرق . قال محمد بن الحسن الجوهري المصري : وهو مذهب أكثر أهل الحديث الذين لا يحصيهم أحد ، وروي هذا المذهب أيضا عن ابن جريج والاوزاعي وابن وهب ، وقال الحافظ ابن حجر في شرح النخبة : وتخصيص التحديث بما سمع من لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحا انتهى . قلت : وكذا الاخبار مخصوص بالقراءة على الشيخ ، قال الحافظ : ولا فرق بين التحديث والاخبار من حيث اللغة ، وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد ، لكن لما تقرر في الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية ، فتقدم على الحقيقة اللغوية ، مع أن هذا الاصطلاح إنما شاع عند المشارقة ومن تبعهم ، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح ، بل الاخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد انتهى كلام الحافظ . قلت : وهو مذهب الامام البخاري . واعلم ان ههنا تفصيلا آخر ، وهو أن من سمع وحده من
لفظ الشيخ قال حدثني ، ومن سمع مع غيره جمع ، فقال حدثنا ، وكذا الفرق بين أخبرني وبين أخبرنا (الازدي) منسوب إلى الازد : بفتح الهمزة المفتوحة وسكون الزاي المعجمة ، قبيلة (قراءة عليه وأنا أسمع) أي أخبرنا القاضي حال كونه يقرأ عليه وأنا أسمع ، أو حال كونه قارئا عليه غيري وأنا أسمع ، فقوله قراءة مصدر بمعنى اسم المفعول أو اسم الفاعل ، منصوب على الحالية ، قال السيوطي في تدريب الراوي : قول الراوي أخبرنا سماعا أو قراءة هو من باب قولهم " أتيته سعيا " وكلمته مشافهة ، وللنحاة موقعه نعتا ، في " زيد عدل " وأنه لا يستعمل منها إلا ما سمع ولا يقاس ، فعلى هذا استعمال الصيغة المذكورة في الرواية ممنوع ، لعدم نطق العرب بذلك . والثاني
[ 13 ]
[ قال الكروخي : وأخبرنا الشيخ أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن علي بن إبراهيم الترياقي ، والشيخ أبو بكر أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل بن أبي حامد الغورجي رحمهما الله قراءة عليهما وأنا أسمع في ربيع الاخر من سنة إحدى وثمانين وأربعمائة ، قالوا أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد بن عبد الله بن أبي الجراح المروزي المرزباني قراءة عليه ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي ، فأقر به الشيخ الثقة الامين ، ] وهو للمبرد : ليست أحوالا بل مفعولات لفعل مضمر من لفظها ، وذلك المضمر هو الحال ، وأنه يقاس في كل ما دل عليه الفعل المتقدم ، وعلى هذا تتخرج الصيغة المذكورة ، بل كلام ابن حبان في تذكرته يقتضي أن أخبرنا سماعا مسموع ، وأخبرنا قراءة لم يسمع ، وأنه يقاس على الاول على هذا . القول الثالث : وهو للزجاج ، قال بقول سيبويه فلا يضمر لكنه مقيس . الرابع : وهو للسيرافي ، قال هو من باب " جلست قعودا " منصوب بالظاهر ، مصدرا معنويا . انتهى كلام السيوطي (الترياقي) منسوب إلى الترياق : بالكسر قرية بهراة (الغورجي) قال في المغني : بمضمونة وسكون واو وبراء وجيم منسوب كذا ، والمراد منه أحمد بن عبد الصمد بن أبي الفضل أحد مشايخ الكروخي في الترمذي . انتهى . قال في القاموس في باب الغور : الغورة بالضم قرية عند باب
هراة وهو غورجي على خلاف القياس انتهى (قالوا) أي الازدي والترياقي والغورجي ، وهم شيوخ الكروخي ، (الجراحي) قال في المغني : بمفتوحة وشدة راء وبحاء مهملة منه عبد مروي ومروي ومروزي انتهى . وقال فيه أيضا : المروزي نسبة إلى مرو بزيادة زاي مدينة بخراسان انتهى وقال ابن الهمام في فتح القدير المروي بسكون الراء نسبة إلى قرية من قرى الكوفة ، وأما النسبة إلى مرو المعروفة بخراسان فقد التزموا فيها بزيادة الزاي ، كأنه للفرق بين القريتين انتهى (المرزباني) قال في المغني : بمفتوحة وسكون راء وضم زاي وبموحدة وبنون ، منسوب إلى مرزبان : جد محمد بن أحمد راوي الترمذي انتهى . وقلت فيه أن المرزباني وقع نعتا لابي محمد عبد الجبارر لا لمحمد بن أحمد ، وقال في القاموس : المرزبة كمرحلة رئاسة الفرس ، وهو مرزبانهم بضم الزاي ج مرازبة . (أنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي فأقر به الشيخ الثقة الامين) ، هكذا وقعت هذه العبارة في النسخ المطبوعة في الهند بزيادة لفظ " فأقر به الشيخ الثقة الامين " بعد لفظ المروزي ، وقد وقعت هذه العبارة في بعض النسخ القلمية الصحيحة هكذا : أنا الشيخ الثقة الامين أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل
[ 14 ]
المحبوبي المروزي ، بحذف لفظ فأقر به ، ووقوع لفظ الشيخ الثقة الامين بعد لفظ [ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ] أنا ، وهكذا وقعت هذه العبارة في الاثبات الصحيحة ، كثبت الكردي والكزبري والشنواني والشاه ولي الله ، وهذا مما أفادني شيخنا العلامة القاضي حسين بن محسن الانصاري الخزرجي السعدي اليماني غفر الله له ، وقد وقعت هذه العبارة في نسخة قلمية صحيحة عتيقة هكذا : قال أنبأ أبو العباس محمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي الشيخ الثقة الامين قال أنبأ أبو عيسى بن سورة الترمذي ، بحذف لفظ فأقر به ، وهذه النسخة موجودة في مكتبة خدابخش خان العظيم أبادي . تنبيه : العبارة التي وقعت في بعض النسخ القلمية والاثبات الصحيحة معناها ظاهر واضح وكذا العبارة التي وقعت في النسخة القلمية العتيقة معناها واضح ، وأما العبارة التي وقعت في النسخ المطبوعة فقد جزم بعض أهل العلم بأن جملة فأقر به الشيخ الثقة الامين فيها غلظ لا يستقيم
معناها . قلت : هذه الجملة فيها ليست عندي بغلط بل هي صحيحة معناها مستقيم ، فاعلم أن المراد بالشيخ الثقه الامين في هذه الجمله أبو محمد عبد الجبار ، والمعنى ، أن القاضي الزاهد أبا عامر والشيخ أبا نصر عبد العزيز والشيخ أبا بكر أحمد بن عبد الصمد من تلامذة أبي محمد عبد الجبار أخذوا هذا الكتاب عنه بالعرض عليه ، بأن كان أحد من تلامذة أبي محمد عبد الجبار أخذوا هذا الكتاب عنه بالعرض عليه ، بأن كان أحد من تلامذته يقرؤه عليه والباقون أبي محمد عبد الجبار أخذوا هذا الكتاب عنه بالعرض عليه ، بأن كان أحدا من تلامذته يقرؤه عليه والباقون كانوا يسمعون ، والشيخ أبو محمد عبد الجبار كان مصغيا فاهما غير منكر ، وكان قراءة القارئ عليه هكذا . قلت : أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب بن فضيل المحبوبي المروزي إلخ فأقر به الشيخ الثقة الامين . أي أبو محمد عبد الجبار يعني فأقر بما قرئ عليه ، ولم ينكر فصح سماعهم منه وجاز لهم الرواية عنه . وينبغي لكل من يقرأ هذا الكتاب على شيخه ويعرضه عليه أن يقول بعد قوله قراءة عليه : قيل له قلت أخبرنا أبو العباس إلخ ، ولا بد لنا من أن نذكر ههنا بعض عبارات تدريب الراوي وغيره ليتضح لك ما قلنا في تصحيح الجملة المذكورة . قال السيوطي في التدريب ، القسم الثاني من وجوه التحمل : القراءة على الشيخ ، ويسميها أكثر المحدثين عرضا ، سواء قرأت عليه بنفسك أو قرأ عليه غيرك وأنت تسمع ، والاحوط في الرواية بها أن يقول قرأت على فلان إن قرأ بنفسه ، أو قرئ عليه وأنا أسمع فأقر به ، ثم يلي ذلك عبارات السماع مقيدة بالقراءة : كحدثنا بقراءتي أو قراءة عليه وأنا أسمع ، أو أخبرنا بقراءتي أو قراءة عليه وأنا أسمع انتهى . وقال فيه : وإذا قرأ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو نحوه كقلت أخبرنا فلان والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر ولا مقر لفظا صح السماع وجازت الرواية به اكتفاء بالقرائن الظاهرة ، ولا يشترط نطق الشيخ بالاقرار كقوله نعم ، على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون وشرط بعض
[ 15 ]
أصحاب الشافعية والظاهريين نطقه به انتهى كلام السيوطي ملخصا . وقال النووي [ . . . . . . . . . ] في مقدمة
شرح مسلم : جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الاسناد في الخط ، وينبغي للقارئ أن يلفظ بها ، وإذا كان في الكتاب : قرئ على فلان أخبرك فلان فليقل القارئ : قرئ على فلان قيل له أخبرك فلان ، وإذا كان فيه قرئ على فلان أخبرنا فلان فليقل قرئ على فلان قيل له قلت أخبرنا فلان . انتهى كلام النووي . فإذا وقفت على هذه العبارات وعرفت مدلولها يتضح لك ما قلنا في تصحيح جملة فأقر به الشيخ الثقة الامين إن شاء الله تعالى . تنبيه : قال صاحب العرف الشذي في توجيه الجملة المذكورة ما لفظه : المراد بالشيخ هو المحبوبي كما في ثبت ابن عابدين ، وهذه العبارة يعني فأقر به الشيخ الثقة الامين ليست في النسخ المعتبرة ، وأما على تقدير وجودها في الكتاب فمرادها أن الشيخ المحبوبي نسخ الكتاب ، وكان علم من قلبه بالصدور ، فإذ صار العلم بالكتاب فاحتاج تلامذة الشيخ المحبوبي إلى أن يقر المحبوبي بكتابه وصحته ، فلذا قال تلميذ المحبوبي أقر الشيخ المحبوبي بهذا الكتاب لتوثيق الكتاب انتهى كلامه . قلت : هذا التوجيه باطل جدا ، فإن مبناه على أن علم من قبل الشيخ المحبوبي من أصحاب الكتب الستة وغيرهم كان في الصدور ولم يكن في الكتاب ، وهذا باطل ظاهر البطلان ، وقد عرفت في المقدمة أن تدوين الاحاديث وجمعها في الكتاب قد حدث في أواخر عصر التابعين ، قال الحافظ في مقدمة الفتح : إن آثار النبي (صلى الله عليه وسلم) لم تكن في عصره وعصر أصحابه وتبعهم مدونة في الجوامع . إلى أن قال : ثم حدث في أواخر عصر التابعين تدوين الاثار وتبويب الاخبار لما انتشر العلماء بالامصار وكثر الابتداع اه . وتنبيه آخر : وقال بعضهم في توجيه الجملة المذكورة : إن قوله فأقر به الشيخ الثقة الامين يحتمل وجهين أحدهما أن يقال : بأن المراد بالشيخ الثقة الامين هو أبو العباس الذي تلميذه أبو محمد عبد الجبار ، والمعنى على هذا الوجه : أن القاضي الزاهد أبا عامر أو الشيخ أبا نصر أو الشيخ أبا بكر الذين هم تلامذة أبي محمد عبد الجبار قد سأل أستاذ أستاذه أعني أبا العباس عن أنك أخبرت تلميذك أبا محمد عبد الجبار بهذا الكتاب فأقر به ، أي بالاخبار بهذا الكتاب أبو العباس
وأجاب بإقرار الاخبار ، وثانيهما أن يراد بالشيخ الثقة الامين أبو محمد عبد الجبار ، ويكون المعنى على هذا أنه سأله أحد تلامذته وهم القاضي الزاهد أبو عامر وأبو نصر وأبو بكر عن أنك أخبرك شيخك أبو العباس فأقر به أبو محمد عبد الجبار بأخذ هذا الكتاب من شيخه أبي العباس . هذا هو الوجه الثاني ، فعلى كلا الوجهين : الضمير في قوله به راجع إلى الاخبار بهذا الكتاب الذي يفهم
[ 16 ]
[ . . . . . . . . . . . . . . . . . . ] ضمنا ، وفاعل قوله أقر المعبر عنه بالشيخ الثقة الامين إما أبو العباس . وإما أبو محمد عبد الجبار انتهى كلامه . قلت : هذا التوجيه أيضا ليس بشئ ، فإن في كلا الوجهين من هذا التوجيه نظرا ، أما الوجه الاول : فلان مبناه على أن أحدا من تلامذة أبي محمد عبد الجبار المذكورين قد لقي أستاذ أستاذه أعني أبا العباس ، وهذا ادعاء محض . فلا بد لهذا البعض أن يثبت أولا لقاءه منه ثم بعد ذلك يتوجه إلى هذا الوجه ودونه خرط القتاد . وأما الوجه الثاني ففيه أن أبا محمد عبد الجبار ، لما حدث تلامذته المذكورين بلفظ أخبرنا أبو العباس فبعد سماعهم هذا اللفظ منه لا معنى لسؤال أحد تلامذته عن أنك أخبرك شيخك أبو العباس ، فتفكر . تنبيه آخر : قال صاحب الطيب الشذي في توجيه الجملة المذكورة ما لفظه : الظاهر أن المراد بالشيخ الثقة أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، فقائل هذا القول هو أبو محمد عبد الجبار الجراحي ، فالمعنى أن تلامذة أبي العباس لما قرؤا الكتاب على أستاذهم أبي العباس فقال لهم : نعم هذا كنت قرأت عليكم . انتهى كلامه . قلت : هذا التوجيه أيضا باطل ظاهر البطلان ، فإن تلامذة أبي العباس إما كانوا قرؤا الكتاب على أستاذهم أبي العباس وكان هو ساكتا مصغيا لقراءتهم أو كان هو القارئ وهم كانوا ساكتين مصغين لقراءته ، فعلى التقدير الاول لا معنى لقوله ، فقال لهم نعم هكذا كنت قرأت عليكم ، وعلى التقدير الثاني لا معنى لقوله لما قرؤا الكتاب فتفكر ثم قال ويمكن أن يكون المراد من
الثقة الامين هو عبد الجبار ، وقائل قوله فأقر به أيضا عبد الجبار ، فالمعنى أن تلامذة عبد الجبار قالوا له أخبرك أبو العباس ؟ فقال : نعم أخبرني أستاذي أبو العباس . فهذا معنى قوله فأقر به الشيخ الثقة الامين . انتهى . قلت : قد أخذ هذا صاحب الطيب الشذي من الوجه الثاني من الوجهين المذكورين لبعضهم ، ولكنه قد تخبط في قوله ، وقائل قوله أقر به أيضا عبد الجبار .
[ 17 ]
قوله (أخبرني أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة) بفتح السين وسكون الواو (الترمذي) بكسر التاء والميم وبضمهما وبفتح التاء وكسر الميم مع الذال المعجمة ، نسبة الى مدينة قديمة على طرق جيحون : نهر بلخ (الحافظ) تقدم حد الحافظ في المقدمة ، وتقدم فيها أيضا ترجمة ابي عيسى الترمذي وما يتعلق بكنيته . قوله (أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أبواب جمع باب وهو حقيقة لما كان حسيا يدخل منه إلى غيره ومجاز لعنوان جملة من المسائل المتناسبة واعلم أنه قد جرت عادة أكثر المصنفين من الفقهاء أنهم يذكرون مقاصدهم بعنوان الكتاب والباب والفصل فالكتاب عندهم عبارة عن طائفة من المسائل اعتبرت مستقلة شملت أنواعا أو لم تشمل فإن كان تحته أنواع فكل نوع يسمى بالباب والأشخاص المندرجة تحت النوع تسمى بالفصول وقال السيد نور الدين في فروق اللغات الكتاب هو الجامع لمسائل متحدة في الجنس مختلفة في النوع والفصل هو الجامع لمسائل متحدة في النوع مختلفة في الصنف والفصل هو الجامع لمسائل متحدة في الصنف مختلفة في الشخص انتهى وهكذا جرت عادة أكثر المحدثين أنهم يذكرون الأحاديث والآثار في كتبهم على طريقة الفقهاء بعنوان الكتاب والباب لكن الترمذي يذكر مكان الكتاب لفظ الأبواب ولفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقول أبواب الطهارة وأبواب الصلاة وأبواب الزكاة وهكذا ثم يزيد بعد الأبواب مثلا يقول أبواب الطهارة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبواب الصلاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال بعض العلماء في توجه هذه الزيادة ما لفظه فائدة ذكره أي ذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الإشارة إلى أن الأحاديث الواردة فيها مرفوعات لا موقوفات ذلك لأن قبل زمان الترمذي وطبقته كانت العادة أنهم كانوا يخلطون الأحاديث والآثار كما يفصح عنه مؤطا مالك ومغازي موسى بن عقبة وغيرهما ثم جاء البخاري والترمذي وأقرانهما فميزوا الأحاديث المرفوعة عن الآثار انتهى والمراد
[ 18 ]
من الطهارة الطهارة من الحدث والخبث وأصلها النظافة والنزاهة من كل عيب حسي أو معنوي ومنه قوله تعالى إنهم أناس يتطهرون والطهارة لما كانت مفتاح الصلاة التي هي عماد الدين افتتح المؤلفون بها مؤلفاتهم . قوله (باب ما جاء لا تقبل صلاة بغير طهور) بضم الطاء وفتحها 1 - قوله (حدثنا قتيبة) بضم القاف وفتح المثناة الفوقانية (بن سعيد) الثقفي مولاهم أبو رجاء البغلاني محدث خراسان ولد سنة 149 تسع وأربعين ومائة وسمع من مالك والليث وابن لهيعة وشريك وطبقتهم وعنه الجماعة سوى ابن ماجه وكان ثقة عالما صاحب حديث ورحلات وكان غنيا متمولا قال ابن معين ثقة وقال النسائي ثقة مأمون مات سنة 240 أربعين ومائتين عن إحدى وتسعين سنة كذا في تذكرة الحفاظ (أبو عوانة) اسمه الوضاح بن عبد الله اليشكرى الواسطي البزاز أحد الأعلام روى عن قتادة وابن المنكدر وخلق وعنه قتيبة ومسدد وخلائق ثقة ثبت مات سنة 176 ست وسبعين ومائة فائدة قال النووي جرت عادة أهل الحديث بحذف قال ونحوه فيما بين رجال الإسناد في الخط وينبغي للقارئ أن يلفظ بها انتهى قلت فينبغي للقارئ أن يقرأ هذا السند هكذا قال حدثنا قتيبة بن سعيد قال أخبرنا أبو عوانة بذكر لفظ قال قبل حدثنا قتيبة وقبل أخبرنا أبو عوانة (عن سماك) بكسر السين المهملة وتخفيف الميم (بن حرب) ابن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة وقد تغير بآخره فكان ربما يلقن كذا في التقريب وقال في الخلاصة أحد الأعلام التابعين عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير ثم عن
علقمة بن وائل ومصعب ابن سعد وغيرهم وعنه الأعمش وشعبة وإسرائيل وزائدة وأبو عوانة وخلق قال ابن المديني له نحو مائتي حديث وقال أحمد أصح حديثا من عبد الملك بن عمرو وثقه أبو حاتم وابن معين في رواية ابن أبي خيثمة وابن أبي مريم وقال أبو طالب عن أحمد مضطرب الحديث قلت عن عكرمة فقط مات سنة 123 ثلاث وعشرين ومائة انتهى (ح) اعلم أنه إذا كان للحديث إسنادان أو أكثر كتبوا عند الإنتقال من إسناد إلى إسناد ح وهي حاء مهملة مفردة والمختار أنها مأخوذة من التحول لتحوله من إسناد إلى إسناد وأنه يقول القارئ إذا انتهى إليها ح ويستمر في قراءة ما بعدها وقيل إنها من حال الشئ يحول إذا حجز لكونها حالت بين الإسنادين وأنه لا
[ 19 ]
يلفظ عند الإنتهاء إليها بشئ وليست من الرواية وقيل إنها رمز إلى قوله الحديث وأن أهل المغرب كلهم يقولون إذا وصلوا إليها الحديث قاله النووي (قال ونا هناد) أي قال أبو عيسى الترمذي وحدثنا هناد وهو ابن السرى بن مصعب الحافظ القدوة الزاهد شيخ الكوفة أبو السرى التميمي الدارمي روى عن أبي الأحوص سلام وشريك بن عبد الله وإسماعيل بن عياش وطبقتهم وعنه الجماعة سوى البخاري وخلق سئل أحمد بن حنبل عمن يكتب بالكوفة قال عليكم بهناد قال قتيبة ما رأيت وكيعا يعظم أحدا تعظيمه هناد ثم يسأله عن الأهل وقال النسائي ثقة توفي سنة 243 ثلاث وأربعين ومائتين عن إحدى وتسعين سنة وما تزوج قط ولا تسرى وكان يقال له راهب الكوفة وله مصنف كبير في الزهد كذا في تذكرة الحفاظ تنبيه قال صاحب العرف الشذي ما لفظه ربما تجد في كتب الصحاح وغيرها أنهم يبدؤن السند من الأول أي الأعلى بالعنعنة ثم في الأسفل بالإخبار والتحديث لأن التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين فاحتاج المحدثون إلى التصريح بالسماع انتهى قلت قوله التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين مبني على غفلته عن أسماء الرجال فقد كان التدليس في السلف وكان كثير من التابعين وأتباعهم مدلسين وهذا أمر جلي
عند من طالع كتب أسماء الرجال والكتب المؤلفة في المدلسين ومن التابعين الذين كانوا موصوفين بالتدليس معروفين به قتادة وأبو الزبير المكي وحميد الطويل وعمرو بن عبد الله السبيعي والزهري والحسن البصري وحبيب بن أبي ثابت الكوفي وابن جريج المكي وسليمان التيمي وسليمان بن مهران الأعمش ومحمد بن عجلان المدني وعبد الملك بن عمير القبطي الكوفي وعطية بن سعيد العوفي وغيرهم فهؤلاء كلهم من التابعين موصفون بالتدليس فقول هذا القائل التدليس لم يكن في السلف وحدث في المتأخرين باطل بلا مرية بل الأمر بالعكس قال الفاضل اللكنوي في ظفر الأماني ص 213 قال الحلبي في التبيين التدليس بعد سنة ثلاثمائة يقل جدا قال الحاكم لا أعرف في المتأخرين يذكر به إلا أبا بكر محمد بن محمد بن سليمان الباغندي انتهى تنبيه آخر وقال هذا القائل قال شعبة إن التدليس حرام والمدلس ساقط العدالة ومن ثم قالوا السند الذي فيه شعبة برئ من التدليس وإن كان بالعنعنة انتهى قلت لم يقل أحد من أئمة الحديث أن السند الذي فيه شعبة برئ من التدليس بل قالوا إن شعبة لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم صرح به الحافظ في الفتح وقال البيهقي في المعرفة روينا عن شعبة قال كنت أتفقد قتادة فإذا قال ثنا وسمعت حفظته وإذا
[ 20 ]
قال حدث فلان تركته وقال روينا عن شعبة أنه قال كفتكم تدليس ثلاثة الأعمش وأبي إسحاق وقتادة قال الحافظ في كتابه تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس بعد ذكر كلام البيهقي هذا ما لفظه فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق أشعبة دلت على السماع ولو كانت معنعنة انتهى وأما القول بأن السند الذي فيه شعبة برئ من التدليس فلم يقل بهذا الإطلاق أحد فتفكر (نا وكيع) هو ابن الجراح بن مليح الرواسي الكوفي محدث العراق ولد سنة تسع وعشرين ومائة سمع هشام بن عروة والأعمش وابن عون وابن
جريج وسفيان وخلائق وعنه ابن المبارك مع تقدمه وأحمد وابن المديني ويحيى وإسحاق وزهير يونس بن أبي وأمم سواهم وكان أبوه على بيت المال وأراد الرشيد أن يولي وكيعا قضاء الكوفة فامتنع وقال أحمد ما رأيت أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع توفى سنة 197 سبع وتسعين ومائة يوم عاشوراء كذا في تذكرة الحفاظ وقال الحافظ في التقريب ثقة حافظ تنبيه قال بعض الحنفية إن وكيع بن الجراح كان يفتي بقول أبي حنيفة وكان قد سمع منه شيئا كثيرا انتهى وزعم بعضهم أنه كان حنفيا يفتى بقول أبي حنيفة ويقلده قلت القول بأن وكيعا كان حنفيا يقلد أبا حنيفة باطل جدا ألا ترى أن الترمذي قال في جامعه هذا في باب إشعاء البدن سمعت يوسف بن عيسى يقول سمعت وكيعا يقول حين روى هذا الحديث (يعني حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قلد النعلين وأشعر الهدى) فقال لا تنظروا إلى قول أهل الرأي في الإشعار فإن الإشعار سنة وقولهم بدعة وسمعت أبا السائب يقول كنا عند وكيع فقال رجل ممن ينظر في الرأي أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ويقول أبو حنيفة هو مثلة قال الرجل فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال الإشعار مثله قال فرأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال أقول لك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول قال إبراهيم ما أحقك بأن تحبس ثم لا تخرج حتى تنزع عن قولك هذا انتهى فقول وكيع هذا من أوله إلى آخره ينادي بأعلى نداء أنه لم يكن مقلدا لأبي حنيفة ولا لغير بل كان متبعا للسنة منكرا أشد الإنكار على من يخالف السنة وعلى من يذكر عنده قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيذكر هو قول أحد من الناس مخالفا لقوله صلى الله عليه وسلم وأما من قال إن وكيعا كان يفتي بقول أبي حنيفة فليس مراده أنه كان يفتي بقوله في جميع المسائل بل مراده أنه كان يفتي بقوله في بعض المسائل ثم لم يكن إفتاؤه في بعضها تقليدا لابي حنفية بل كان اجتهاد منه فوافق قوله فظن أنه كان يفتي بقوله والدليل على هذا كله قول وكيع المذكور ثم الظاهر أن المسألة التي يفتي فيها وكيع بقول أبي حنيفة هي شرب نبيذ الكوفيين قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ في ترجمته ما فيه إلا شربه لنبيذ الكوفيين وملازمته له جاء ذلك من غير وجه عنه انتهى
[ 21 ]
(عن إسرائيل هو ابن) يونس بن أبي إسحاق السبيعي الكوفي قال أحمد ثبت وقال أبو حاتم صدوق من أتقن أصحاب إسحاق قال الحافظ في التقريب ثقة تكلم فيه بلا حجة (عن مصعب بن سعد) ابن أبي وقاص الزهري المدني ثقة من أوساط التابعين أرسل عن عكرمة بن أبي جهل مات سنة 301 ثلاث ومائة (عن ابن عمر) هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي أبو عبد الرحمن ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد وهو ابن أربع عشرة سنة وهو أحد المكثرين من الصحابة والعبادلة وكان من أشد الناس اتباعا للأثر مات سنة 37 ثلاث وسبعين في آخرها أو أول التي تليها كذا في التقريب قوله (لا تقبل صلاة بغير طهور) بضم الطاء والمراد به ما هو أعم من الوضوء والغسل قال النووي قال جمهور أهل اللغة يقال الطهور والوضوء بضم أولهما إذا أريد به الفعل الذي هو المصدر ويقال الطهور والوضوء بفتح أولهما إذا أريد به الماء الذي يتطهر به هكذا نقله ابن الأنباري وجماعات من أهل اللغة وغيرهم عن أكثر أهل اللغة وذهب الخليل والأصمعي وأبو حاتم السجستاني وجماعة إلى أنه بالفتح فيهما انتهى والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا لم تقبل له صلاة فهو الحقيقي لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع ولهذا كان بعض السلف يقول لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا قاله ابن عمر قال لأن الله تعالى قال إنما يتقبل الله من المتقين كذا في فتح الباري والحديث نص في وجوب الطهارة للصلاة وقد أجمعت الأمة على أن الطهارة شرط في صحة الصلاة وأجمعت على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة والحديث دليل على وجوب الطهارة لصلاة الجنازة أيضا لأنها صلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم من صلى على الجنازة وقال صلوا على صاحبكم وقال صلوا على النجاشي قال الإمام البخاري سماها صلاة وليس فيها ركوع ولا
سجود ولا يتكلم فيها وفيها تكبير وتسليم وكان ابن عمر لا يصلي عليها إلا طاهرا انتهى قال الحافظ ونقل ابن عبد البر الإتفاق على اشتراط الطهارة لها يعني لصلاة الجنازة إلا عن الشعبي قال ووافقه إبراهيم بن علية ونقل غيره أن ابن جرير الطبري وافقهما على ذلك وهو مذهب شاذ انتهى كلام الحافظ
[ 22 ]
قلت والحق أن الطهارة شرط في صحة صلاة الجنازة ولا التفات إلى ما نقل عن الشعبي وغيره فائدة قال البخاري في صحيحه إذا أحدث يوم العيد أو عند الجنازة يطلب الماء ولا يتيمم انتهى قال الحافظ في الفتح وقد ذهب جمع من السلف إلى أنه يجزئ لها التيمم لمن خاف فواتها يعني فوات صلاة الجنازة لو تشاغل بالوضوء وحكاه ابن المنذر عن عطاء وسالم والزهرى والنخعي وربيعة والليث والكوفيين وهي رواية عن أحمد وفيه حديث مرفوع عن ابن عباس رواه ابن عدي وإسناده ضعيف انتهى (ولا صدقة من غلول) بضم الغين والغلول الخيانة وأصله السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة قاله النووي وقال القاضي أبو بكر بن العربي الغلول الخيانة خفيفة فالصدقة من مال حرام في عدم القبول واستحقاق العقاب كالصلاة بغير طهور في ذلك انتهى قوله (قال هناد في حديثه إلا بطهور) أي مكان بغير طهور ومقصود الترمذي بهذا إظهار الفرق بين حديث قتيبة وحديث هناد فيقال قتيبة في حديثه لا تقبل صلاة بغير طهور وقال هناد في حديثه لا تقبل صلاة إلا بطهور قوله (هذا الحديث أصح شئ في هذا الباب وأحسن) والحديث وأخرجه الجماعة إلا البخاري كذا في المنتقى ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ لا صلاة لمن لا طهور له (وفي الباب عن أبي المليح عن أبيه وأبي هريرة وأنس) أما حديث أبي المليح عن أبيه فأخرجه أبو داود والنسائي
وابن ماجه ولفظه لا يقبل الله صدقه من غلول ولا صلاة بغير طهور والحديث سكت عند أبو داود ثم المنذري وأما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان بلفظ لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ الحديث وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه بلفظ لا يقبل الله صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول قال الحافظ في التلخيص وفي الباب عن والد أبي المليح وأبي هريرة وأنس وأبي بكرة وأبي بكر الصديق والزبير بن العوام وأبي سعيد الخدري وغيرهم وقد أوضحت طرقه وألفاظه في الكلام على أوائل الترمذي انتهى قلت وفي الباب أيضا عن عمران بن حصين وأبي سبرة وأبي الدرداء وعبد الله بن مسعود ورباح بن حويطب عن جدته وسعد بن عمارة ذكر حديث هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد في باب فرض الوضوء مع الكلام عليها فمن شاء الوقوف عليها فليرجع إليه
[ 23 ]
تنبيهان الأول أن قول الترمذي هذا الحديث يعني حديث ابن عمر أصح شئ في هذا الباب فيه نظر بل أصح شئ في هذا الباب هو حديث أبي هريرة الذي أشار إليه الترمذي وذكرنا لفظه فإنه متفق عليه الثاني قد جرت عادة الترمذي في هذا الجامع أنه يقول بعد ذكر أحاديث الأبواب وفي الباب عن فلان وفلان فإنه لا يريد ذلك الحديث بعينه بل يريد أحاديث أخر يصح أن تكتب في الباب قال الحافظ العراقي وهو عمل صحيح إلا أن كثيرا من الناس يفهمون من ذلك أن من سمى ممن الصحابة يروون ذلك الحديث بعينه وليس كذلك بل قد يكون كذلك وقد يكون حديثا آخر يصح إيراده في ذلك الباب وقد تقدم ما يتعلق به في المقدمة فتذكر قوله (وأبو المليح) بفتح الميم وكسر اللام (بن أسامة اسمه عامر) قال الحافظ في التقريب أبو المليح بن أسامة بن عمير أو عامر بن حنيف بن ناجية الهذلي اسمه عامر وقيل زيد وقيل زياد
ثقة من الثالثة قوله باب ما جاء في فضل الطهور بضم الطاء وقد تقدم قول أكثر أهل اللغة أنه يقال الطهور بالضم إذا أريد به الفعل ويقال بالفتح إذا أريد به الماء والمراد هنا الفعل 2 - قوله حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري) الخطمي المديني الفقيه الحافظ الثبت أبو موسى قاضي نيسابور سمع سفيان بن عيينة وعبد السلام بن حرب ومعن بن عيسى وكان من أئمة الحديث صاحب سنة ذكره أبو حاتم فأطنب في الثناء عليه وقال النسائي ثقة حدث عنه مسلم والترمذي والنسائي وآخرون قيل إنه توفي بجوسية بليدة من أعمال حمص في سنة أربع وأربعين ومائتين كذا في تذكرة الحفاظ وقال في التقريب ثقة متقن فائدة قال الحافظ الذهبي في الميزان إذا قال الترمذي ابن الأنصاري فيعني به إسحاق بن موسى الأنصاري انتهى قلت الأمر كما قال الذهبي لكن يقول الترمذي الأنصاري لا ابن الأنصاري كما قال في باب ماء البحر أنه طهور حدثنا قتيبة عن مالك ح وحدثنا الأنصاري قال
[ 24 ]
حدثنا معن إلخ وكما قال في باب التغليس بالفجر حدثنا قتيبة عن مالك بن أنس ح قال ونا الأنصاري نا معن إلخ ئم قال قال الأنصاري فمر النساء متلففات بمروطهن إلخ فالحاصل أن الترمذي إذا قال في شيوخه الأنصاري فيعني به إسحاق بن موسى الأنصاري لا غير فاحفظ فإنه نافع تنبيه قد غفل صاحب الطيب الشذي عما ذكرنا انفا من أن الترمذي إذا يقول الأنصاري فيعني به إسحاق بن موسى الأنصاري فلذلك قد وقع في مغلطة عظيمة وهي أنه قال في باب ماء البحر أنه طهور ما لفظه قوله الأنصاري هو يحيى بن سعيد الأنصاري كما يظهر من تصريح الحافظ في التلخيص كما سيأتي في تصحيح الحديث انتهى قلت العجب أنه من هذه الغفلة الشديدة كيف جوز أن الأنصاري هذا هو يحيى بن سعيد الأنصاري والأنصاري هذا هو شيخ
الترمذي فإنه قال حدثنا الأنصاري ويحيى ابن سعيد الأنصاري من صغار التابعين فبين الترمذي وبينه مفاوز تنقطع فيها أعناق المطايا فهل يمكن أن يقول الترمذي حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاري كلا ثم كلا ثم العجب على العجب أنه قال كما يظهر من تصريح الحافظ في التلخيص ولم يصرح الحافظ في التلخيص أو الأنصاري هذا يحيى بن سعيد الأنصاري ولا يظهر هذا من كلامه البتة وقد وقع هو في هذا في مغلطة أخرى والأصل أن الرجل إذا تكلم في غير فنه يأتي بمثل هذه العجائب (نا معن بن عيسى) أبو يحي المدني القزاز الأشجعي مولاهم أخذ عن ابن أبي ذئب ومعاوية بن صالح ومالك وطبقتهم روى عنه ابن أبي خيثمة وهارون الجمال وخلق قال أبو حاتم هو أحب إلى من ابن وهب وهو أثبت أصحاب مالك توفي في شوال سنة 198 ثمان وتسعين ومائة كذا في تذكرة الحفاظ وقال في التقريب ثقة ثبت (نا مالك بن أنس) هو مالك بن أنس بن مالك الأصبحي المدني إمام دار الهجرة رأس المتقنين وكبير المثبتين تقدم ترجمته في المقدمة (عن سهيل بن أبي صالح) المدني صدوق تغير حفظه بآخره روى له البخاري مقرونا وتعليقا من السادسة مات في خلافة المنصور كذا في التقريب قلت قال الذهبي في الميزان وقال غيره أي ابن معين إنما أخذ عنه مالك قبل التغير وقال الحاكم روى له مسلم الكثير وأكثرها في الشواهد انتهى (عن أبيه) أي أبي صالح واسمه ذكوان كما صرح به الترمذي في هذا الباب قال الحافظ في التقريب ذكوان أبو صالح السمان الزيات المدني ثقة ثبت وكان يجلب الزيت إلى الكوفة من الثالثة مات سنة 101 إحدى ومائة تنبيه اعلم أن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان وهذا ظاهر لمن
[ 25 ]
له أدنى مناسبة بفن الحديث وقد صرح به الترمذي في هذا الباب وقد وقع صاحب الطيب الشذى ههنا في مغلطة عظيمة فظن أن أبا صالح والد سهيل هذا هو أبو صالح الذي اسمه مينا حيث قال قوله عن أبيه مولى ضباعة لين الحديث من الثالثة واسمه مينا بكسر الميم انتهى
والعجب كل العجب أنه كيف وقع في هذه المغلطة مع أن الترمذي قد صرح في هذا الباب بأن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان واسمه ذكوان ثم قد حكم الترمذي بأن هذا الحديث حسن صحيح فكيف ظن أن أبا صالح والد سهيل هو أبو صالح الذي اسمه مينا وهو لين الحديث قوله (إذا توضأ العبد المسلم أو المؤمن) هذا شك من الراوي وكذا قوله مع الماء أو مع قطر الماء قاله النووي وغيره (فغسل وجهه) عطف على توضأ عطف تفسير أو المراد إذا أراد الوضوء وهو الأوجه (خرجت من وجهه) جواب إذا (كل خطيئة نظر إليها) أي إلى الخطيئة يعني إلى سببها إطلاقا لاسم المسبب على السبب مبالغة (بعينيه) قال الطيبي تأكيد (مع الماء) أي مع انفصاله (أو مع آخر قطر الماء أو نحو هذا) قيل أو لشك الراوي وقيل لأحد الأمرين والقطر إجراء الماء وإنزال قطره كذا في المرقاة قلت أو ههنا للشك لا لأحد الأمرين يدل عليه قوله أو نحو هذا قال القاضي المراد بخروجها مع الماء المجاز والاستعارة في غفرانها لأنها ليست بأجسام فتخرج حقيقة وقال ابن العربي في عارضة الأحوذي قوله خرجت الخطايا يعني غفرت لأن الخطايا هي أفعال وأعراض لا تبقى فكيف توصف بدخول أو بخروج ولكن البارئ لما أوقف المغفرة على الطهارة الكاملة في العضو ضرب لذلك مثلا بالخروج انتهى قال السيوطي في قوت المغتدي بعد نقل كلام ابن العربي هذا ما لفظه بل الظاهر حمله على الحقيقة وذلك أن الخطايا تورث في الباطن والظاهر سوادا يطلع عليه أرباب الأحوال والمكاشفات والطهارة تزيله وشاهد ذلك ما أخرجه المصنف والنسائي وابن ماجه والحاكم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه وذلك الران الذي ذكره الله في القران كلا بل ران على قلوبهم ما كانو يكسبون وأخرج أحمد وابن خزيمة عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود ياقوتة بيضاء من الجنة وكان أشد بياضا من الثلج وإنما خطايا المشركين قال السيوطي فإذا أثرت الخطايا أثرت الخطايا في الحجر ففي جسد فاعلها
أولى فإما أن يقدر خرج من وجهه أثر خطيئه أو السواد الذي أحدثته وإما أن يقال إن الخطيئة
[ 26 ]
نفسها تتعلق بالبدن على أنها جسم لا عرض بناء على إثبات عالم المثال وأن كل ما هو في هذا العالم عرض له صورة في عالم المثال ولهذا صح عرض الأعراض على آدم عليه السلام ثم الملائكة وقيل لهم أنبئوني بأسماء هؤلاء وإلا فكيف يتصور عرض الأعراض لو لم يكن لها صورة تشخص بها قال وقد حققت ذلك في تأليف مستقل وأشرت إليه في حاشيتي التي علقتها على تفسير البيضاوي ومن شواهده في الخطايا ما أخرجه البيهقي في سننه عن ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن العبد إذا قام يصلي أتى بذنوبه فجعلت على رأسه وعاتقه فكلما اركع وسجد تساقطت عنه وأخرج البزار والطبراني عن سلمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلم يصلي وخطاياه مرفوعة على رأسه كلما سجد تحاتت عنه انتهى كلام السيوطي قلت لا شك في أن الظاهر هو حمله على الحقيقة وأما إثبات عالم المثال فعندي فيه نظر فتفكر قوله (بطشتها) أي أخذتها (حتى يخرج نقيا من الذنوب) قال ابن الملك أي حتى يفرغ المتوضئ من وضوئه طاهرا من الذنوب أي التي اكتسبها بهذه الأعضاء أو من جميع الذنوب من الصغائر وقيل حتى يخرج المتوضئ إلى الصلاة طاهرا من الذنوب قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي قوله حتى يخرج مترتب على تمام الوضوء لأن تقديره وهكذا باقي أعضاء الوضوء كما يفيد رواية مسلم فإذا غسل رجليه الحديث وروايات غيره انتهى قلت الأمر كما قال السندي فروى مالك والنسائي عن عبد الله الصنابحى مرفوعا إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت الخطايا من فيه وإذا استنثر خرجت الخطايا من أنفه وإذا غسل وجهه خرجت الخطايا من وجهه حتى تخرج من تحت أشفار عينيه فإذا غسل يديه خرجت الخطايا من يديه حتى تخرج من تحت أظفار يديه فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه فإذا غسل رجليه خرجت الخطايا من رجليه حتى تخرج من أظفار رجليه ثم كان مشيه إلى المسجد
وصلاته نافلة له كذا في المشكاة قال الطيبي فإن قيل ذكر لكل عضو ما يخص به من الذنوب وما يزيلها عن ذلك والوجه مشتمل على العين والأنف والأذن فلم خصت العين بالذكر أجيب بأن العين طليعة القلب ورائده فإذا ذكرت أغنت عن سائرها انتهى قال ابن حجر المكي معترضا على الطيبي كون العين طليعة كما ذكره لا ينتج الجواب عن تخصيص خطيئتها بالمغفرة كما هو جلي
[ 27 ]
بل الذي يتجه في الجواب عن ذلك أن سبب التخصيص هو أن كلا من الفم والأنف والأذن له طهارة مخصوصة خارجة عن طهارة الوجه فكانت متكفلة بإخراج خطاياه بخلاف العين فإنه ليس لها طهارة إلا في غسل الوجه فخصت خطيئتها بالخروج عند غسله دون غيرها مما ذكر ذكره القاري في المرقاة ص 64 ج 2 انتهى قلت الأمر كما قال ابن حجر يدل عليه رواية مالك والنسائي المذكورة قال ابن العربي في العارضة الخطايا المحكوم بمغفرتها هي الصغائر دون الكبائر لقول النبي صلى الله عليه وسلم الصلوات الخمس والجمعة كفارة لما بينهن ما أجتنبت الكبائر فإذا كانت الصلاة مقرونة بالوضوء لا تكفر الكبائر فانفراد الوضوء بالتقصير عن ذلك أحرى قال وهذا التكفير إنما هو للذنوب المتعلقة بحقوق الله سبحانه وأما المتعلقة بحقوق الآدميين فإنما يقع النظر فيها بالمقاصة مع الحسنات والسيئات قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم في صحيحه وتقدم في المقدمة حد الحسن والصحيح مفصلا قوله (وأبو صالح والد سهيل هو أبو صالح السمان) بشدة الميم أي بائع السمن وكان يجلب الزيت والسمن إلى الكوفة (واسمه ذكوان) المدني مولى جويرية الغطفانية شهد الدار وحصار عثمان وسأل سعد بن أبي وقاص وسمع أبا هريرة وعائشة وعدة من الصحابة وعند ابنه سهيل والأعمش وطائفة ذكره أحمد فقال ثقة من أجل الناس وأوثقهم قال الأعمش سمعت من أبي صالح ألف حديث توفي سنة إحدى ومائة قوله (وأبو هريرة اختلفوا في اسمه فقالوا عبد شمس وقالوا عبد الله بن عمرو وهكذا قال
محمد بن إسماعيل وهذا الأصح) قال الحافظ ابن حجر في التقريب أبو هريرة الدوسي الصحابي الجليل حافظ الصحابة اختلف في اسمه واسم أبيه قيل عبد الرحمن بن صخر وقيل ابن غنم إلى ذكر تسعة عشر قولا ثم قال هذا الذي وقفنا عليه من الاختلاف واختلف في أيها أرجح فذهب الأكثرون إلى الأول أي عبد الرحمن بن صخرو ذهب جمع من النسابين إلى عمرو بن عامر انتهى وفي المرقاة شرح المشكاة قال الحاكم أبو أحمد أصح شئ عندنا في اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر وغلبت عليه كنيته فهو كمن لا اسم له أسلم عام خيبر وشهدها مع النبي صلى الله عليه وسلم
[ 28 ]
ثم لزمه وواظب عليه راغبا في العلم راضيا بشبع بطنه وكان يدور معه حيث ما دار وقال البخاري روى عنه أكثر من ثمانمائة رجل فمنهم ابن عباس وابن عمرو وجابر وأنس قيل سبب تلقيبه بذلك ما رواه ابن عبد البر عنه أنه قال كنت أحمل يوما هرة في كمي فرآني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هذه فقلت هرة فقال يا أبا هريرة انتهى ما في المرقاة وذكر الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ أنه قال كناني أبي بأبي هريرة لأني كنت أرعى غنما فوجدت أولاد هرة وحشية فلما أبصرهن وسمع أصواتهن أخبرته فقال أنت أبو هر وكان اسمي عبد شمس انتهى قلت روى الترمذي في هذا الكتاب في مناقب أبي هريرة بسند عن عبد الله بن أبي رافع قال قلت لأبي هريرة لم كنيت أبا هريرة قال أما تفرق مني قلت بلى والله إني لأهابك قال كنت أرعى غنم أهلي وكانت لي هريرة صغيرة فكنت أضعها بالليل في شجرة فإذا كان النهار ذهبت بها معي فلعبت بها فكنوني أبا هريرة هذا حديث حسن غريب فائدة اختلف في صرف أبي هريرة ومنعه قال القاري في المرقاة جر هريرة هو الأصل وصوبه جماعة لأنه جزء علم واختار آخرون منع صرفه كما هو الشائع على ألسنة العلماء من المحدثين وغيرهم لأن الكل صار كالكلمة الواحدة انتهى قلت وقد صرح غير واحد من أهل العلم أن منعه من الصرف هو الجاري على ألسنة أهل الحديث فالراجح هو منعه من الصرف
وكان هو الجاري على ألسنة جميع شيوخنا غفر الله لهم وأدخلهم جنة الفردوس الأعلى ويؤيد منع صرفه منع صرف ابن داية علما للغراب قال قيس بن ملوح المجنون أقول وقد صاح ابن داية غدوة ببعد النوى لا أخطأتك الشبائك قال القاضي البيضاوي في تفسيره المسمى بأنوار التنزيل في تفسير قوله تعالى شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن رمضان مصدر رمض إذا احترق فأضيف إليه الشهر وجعل علما ومنع من الصرف للعلمية والألف والنون كما منع داية في ابن داية علما للغراب للعلمية والتانيث انتهى فائدة قد تفوه بعض الفقهاء الحنفية بأن أبا هريرة لم يكن فقيها وقولهم هذا باطل مردود عليهم وقد صرح أجلة العلماء الحنفية بأن رضي الله عنه كان فقيها قال صاحب السعاية شرح شرح الوقاية وهو من العلماء الحنفية ردا على من قال منهم أن أبا هريرة كان غير فقيه ما لفظه كون أبي هريرة غير فقيه غير صحيح بل الصحيح أنه من الفقهاء الذي كانوا يفتون في زمان النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به ابن الهمام في تحرير الأصول وابن حجر في الإصابة في أحوال الصحابة انتهى وفي بعض حواشي نور الأنوار أن أبا هريرة كان فقيها صرح به ابن الهمام في التحرير
[ 29 ]
كيف وهو لا يعمل بفتوى غيره وكان يفتي بزمن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم وكان يعارض أجلة الصحابة كابن عباس فإنه قال إن عدة الحامل المتوفى عنها زوجها أبعد الأجلين فرده أبو هريرة وأفتى بأن عدتها وضع الحمل كذا قيل انتهى قلت كان أبو هريرة رضي الله عنه من فقهاء الصحابة ومن كبار أئمة الفتوى قال الحافظ الذهبي في تذكرة الحفاظ أبو هريرة الدوسي اليماني الحافظ الفقيه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان من أوعية العلم ومن كبار أئمة الفتوى مع الجلالة والعبادة والتواضع انتهى وقال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين ثم قام بالفتوى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم برك الاسلام وعصابة الايمان وعسكر القرآن وجند الرحمن أولئك أصحابه صلى الله عليه وسلم وكانوا بين مكثر منها ومقل ومتوسط وكان المكثرون منهم سبعة عمر بن الخطاب وعلى بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وعائشة أم المؤمنين وزيد بن
ثابت وعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر والمتوسطون منهم فيما روى عنهم من الفتيا أبو بكر الصديق وأم سلمة وأنس بن مالك وأبو سعيد الخدري وأبو هريرة إلخ فلا شك في أن أبا هريرة رضي الله عنه كان فقيها من فقهاء الصحابة ومن كبار أئمة الفتوى فإن قيل قد قال إبراهيم النخعي أيضا إن أبا هريرة لم يكن فقيها والنخعي من فقهاء التابعين قلت قد نقم على إبراهيم النخعي لقوله إن أبا هريرة لم يكن فقيها قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمته وكان لا يحكم العربية ربما لحن ونقموا عليه قوله لم يكن أبو هريرة فقيها انتهى عبرة قال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي في بحث حديث المصراة المروي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهما قال بعضهم هذا الحديث لا يقبل لأنه يرويه أبو هريرة وابن عمر ولم يكونا فقيهين وإنما كانا صالحين فروايتهما إنما تقبل في المواعظ لا في الأحكام وهذه جرأة على الله واستهزاء في الدين عند ذهاب حملته وفقد نصرته ومن أفقه من أبي هريرة وابن عمر ومن أحفظ منهما خصوصا من أبي هريرة وقد بسط رداءه وجمعه النبي صلى الله عليه وسلم وضمه إلى صدره فما نسي شيئا أبدا ونسأل الله المعافاة من مذهب لا يثبت إلا بالطعن على الصحابة رضي الله عنهم ولقد كنت في جامع المنصور من مدينة السلام في مجلس علي بن محمد الدامغاني قاضي القضاة فأخبرني به بعض أصحابنا وقد جرى ذكر هذه المسألة أنه تكلم فيها بعضهم يوما وذكر هذا الطعن في أبي هريرة فسقط من السقف حية عظيمة في وسط المسجد فأخذت في سمت المتكلم بالطعن ونفر الناس وارتفعوا وأخذت الحية تحت السواري فلم يدر أين ذهبت فارعوى من بعد ذلك من الترسل في هذا القدح انتهى
[ 30 ]
قوله (وفي الباب عن عثمان وثوبان والصنابحى وعمر وبن عبسة وسلمان وعبد الله بن
عمرو) أما حديث عثمان فأخرجه الشيخان بلفظ قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من جسده حتى تخرج من تحت أظفاره وأما حديث ثوبان فأخرجه مالك وأحمد وابن ماجه والدارمي وأما حديث الصنابحي فأخرجه مالك والنسائي وابن ماجه والحاكم وقال صحيح على شرطهما ولا علة له والصنابحي صحابي مشهور كذا في الترغيب للمنذري وأما حديث عمرو بن عبسة فأخرجه مسلم وأما حديث سلمان فأخرجه البيهقي في شعب الايمان بلفظ إذا توضأ العبد تحاتت عنه ذنوبه كما تحات ورق هذه الشجرة وأما حديث عبد الله بن عمرو فلم أقف عليه وفي الباب عن عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سوى المذكورين ذكر أحاديثهم المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع الزوائذ قوله (والصنابحي هذا الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في فضل الطهور هو عبد الله الصنابحي) هذه العبارة ليست في النسخ المطبوعة إنما هي في بعض النسخ القلمية الصحيحة وحديث عبد الله الصنابحي هذا أخرجه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن عبد الله الصنابحي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ العبد المؤمن فمضمض خرجت خطاياه من فيه الحديث قال الحافظ ابن عبد البر قد اختلف على عطاء فيه قال بعضهم عن عبد الله الصنابحي وقال بعضهم عن أبي عبد الله الصنابحي وهو الصحيح كذا في المحلى وقال البخاري وهم مالك في قوله عبد الله الصنابحي وإنما هو أبو عبد الله كذا في إسعاف المبطأ (والصنابحي الذي روى عن أبي بكر الصديق ليس له سماع من النبي صلى الله عليه وسلم واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ويكنى أبا عبد الله) قال الحافظ في التقريب عبد الرحمن بن عسيلة بمهملة مصغرا المرادي أبو عبد الله الصنابحي ثقة من كبار التابعين قدم المدينة بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أيام مات في خلافة عبد الملك انتهى (رحل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في الطريق) روى البخاري في صحيحه عن أبي الخير عن الصنابحي أنه قال متى هاجرت قال خرجنا من اليمن مهاجرين فقدمنا الجحفة فأقبل راكب فقلت له الخبر الخبر
[ 31 ]
فقال دفنا النبي صلى الله عليه وسلم منذ خمس قلت هل سمعت في ليلة القدر شيئا قال أخبرني بلال مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم أنه في السبع في العشر الأواخر (والصنابح بن الأعسر الأحمسي صاحب النبي صلى الله عليه وسلم يقال له الصنابحي أيضا) قال الحافظ في التقريب الصنابح بضم أوله ثم نون وموحدة ومهملة ابن الأعسر الأحمسي صحابي سكن الكوفة ومن قال فيه الصنابحي فقد وهم انتهى (وإنما حديثه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إني مكاثر بكم الأمم) قال في مجمع البحار كاثرته أي غلبته وكنت أكثر منه يعني إني أباهي بأكثرية أمتي على الأمم السالفة فلا تقتتلن بعدي بصيغة النهي المؤكد بنون التأكيد من الاقتتال قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي فإن قلت ما وجه تترتب قوله لا تقتتلن بعدي على المكاثرة قلت وجهه أن الاقتتال موجب لقطع النسل إذا لا تناسل من الأموات فيؤدي إلى قلة الأمة فينافي المطلوب فلذلك نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه فإن قلت المقتول ميت بأجله فلا وجه لقطع النسل بسبب الاقتتال قلت إما أن يقال إن الإقدام على الاقتتال مفض بقطع النسل فالنسل باعتبار فعلهم الاختياري أو يقال يكون لهم أجلان أجل على تقدير الاقتتال وأجل بدونه ويكون الثاني أطول من الأول وبالاقتتال يقصر الأجل فتقل الأمة وهذه يرد عليه أن عند الله لا يكون إلا أجل واحد انتهى كلام أبي الطيب وحديث الصنابحي هذا أخرجه أحمد في مسنده ص 153 ج 4 بألفاظ تنبيه أعلم أنه يفهم من كلام الترمذي المذكور أمران أحدهما أن عبد الله الصنابحي الذي روى في فضل الطهور صحابي والثاني أن عبد الله الصنابحي هذا غير الصنابحي الذي اسمه عبد الرحمن بن عسيلة وكنيته أبو عبد الله لكنه ليس هذان الأمران متفقا عليهما بل في كل منهما اختلاف قال الحافظ في التقريب عبد الله الصنابحي مختلف في وجوده فيقل صحابي مدني وقيل هو أبو عبد الله الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة وقال ابن أبي حاتم في مراسيله عبد الله الصنابحي هم ثلاثة فالذي يروي عنه عطاء بن يسار هو عبد الله الصنابحي ولم تصح صحبته انتهى وقال السيوطي في إسعاف المبطأ عبد الله الصنابحي ويقال أبو عبد الله مختلف في صحبته روي عن النبي صلى
الله عليه وسلم وعن أبي بكر وعبادة بن الصامت وعنه عطاء بن يسار وقال البخاري وهم مالك في قوله عبد الله الصنابحي وإنما هو أبو عبد الله واسمه عبد الرحمن بن عسيلة ولم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم وكذا قال غير واحد وقال يحيى بن معين عبد الله الصنابحي يروي عنه المدنيون يشبه أن تكون له صحبة انتهى قوله باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور بضم الطاء المهملة
[ 32 ]
قوله (حدثنا هناد وقتيبة) تقدم ترجمتهما (ومحمود بن غيلان) العدوي مولاهم المروزي أبو أحمد أحد أئمة الأثر حدث عن سفيان بن عيينة والفضل بن موسى السيناني والوليد بن مسلم وأبي عوانة ووكيع وخلق وعنه الجماعة سوى أبي داود قال أحمد بن حنبل أعرف بالحديث صاحب سنة وقال النسائي ثقة كذا في تذكرة الحفاظ توفي سنة 239 تسع وثلاثين ومائتين (قالوا نا وكيع) تقدم (عن سفيان) هو الثوري وهو سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة وكان ربما دلس مات سنة 161 إحدى وستين ومائة ومولده سنة 77 سبع وسبعين كذا في التقريب والخلاصة قلت قال الحافظ في طبقات المدلسين وهم أي المدلسون على مراتب الأولى من لم يوصف بذلك إلا نادرا كيحيى بين سعيد الأنصاري الثانية من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روي كالثوري أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة انتهى (وثنا بن بشار) لقبه بندار بضم الموحدة وسكون النون قال الذهبي في تذكرة الحفاظ بندار الحافظ الكبير الإمام محمد بن عثمان العبدي البصري النساج كان عالما بحديث البصرة متقنا مجودا لم يرحل برا بأمه ثم ارتحل بعدها سمع معتمر بن سليمان وغندرا ويحيى بن سعيد وطبقتهم حدث عنه الجماعة وخلق كثير قال أبو حاتم صدوق وقال العجلي ثقة كثير الحديث حائك قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد له حدثنا إمام أهل زمانه في العلم والأخبار محمد بن بشار قال الذهبي لا عبرة بقول من ضعفه توفي سنة 252 اثنتين وخمسين ومائتين
انتهى وقال رجى في الخلاصة قال النسائي لا بأس به وقال الذهبي انعقد الإجماع بعد على الإحتجاج ببندار انتهى ما في الخلاصة (نا عبد الرحمن) بن مهدي بن حسان الأزدي مولاهم أبو سعيد البصري اللؤلؤي الحافظ العلم عن عمر بن ذر وعكرمة بن عمار وشعبة والثوري ومالك وخلق وعنه ابن المبارك وابن وهب أكبر منه وأحمد وابن معين قال ابن المديني أعلم الناس بالحديث ابن مهدي وقال أبو حاتم إمام ثقة أثبت من القطان وأتقن من وكيع وقال أحمد إذا حدث ابن مهدي عن رجل فهو حجة وقال القواريري أملى علينا ابن مهدي عشرين ألفا من حفظه قال ابن سعد مات سنة 891 ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن ثلاث وستين سنة وكان يحج كل سنة كذا في الخلاصة (عن عبد الله بن محمد بن عقيل) بفتح العين ابن أبي طالب الهاشمي أبي محمد المدني عن أبيه وخاله محمد بن الحنفية وعنه ابن عجلان والسفيانان وسيجئ كلام أئمة الحديث فيه (عن محمد بن الحنفية) هو محمد بن
[ 33 ]
علي ابن أبي طالب الهاشمي أبو محمد الإمام المعروف بابن الحنفية أمه خولة بنت جعفر الحنفية نسب إليها روى عن أبيه وعثمان وغيرهما وعنه بنوه إبراهيم وعبد الله والحسن وعمرو ابن دينار وخلق قال إبراهيم بن الجنيد لا نعلم أحدا أسند عن علي أكثر ولا أصح مما أسند محمد بن الحنيفة مات سنة ثمانين كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة عالم من الثانية مات بعد الثمانين قوله مفتاح الصلاة الطهور بالضم ويفتح والمراد به المصدر وسمى النبي صلى الله عليه وسلم الطهور مفتاحا مجاز لأن الحدث مانع من الصلاة فالحدث كالقفل موضوع على المحدث حتى إذا توضأ انحل الغلق وهذه استعارة بديعة لا يقدر عليها إلا النبوة وكذلك مفتاح الجنة الصلاة لأن أبواب الجنة مغلقة يفتحها الطاعات وركن الطاعات الصلاة قاله ابن العربي وتحريمها التكبير قال المظهري سمى الدخول في الصلاة تحريما لأنه يحرم الأكل والشرب وغيرهما على المصلي فلا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالتكبير مقارنا به النية انتهى قال القاري وهو ركن عند الشافعي وشرط
عندنا ثم المراد بالتكبير المذكور في الحديث وفي قوله تعالى وربك فكبر هو التعظيم وهو أعم من خصوص الله أكبر وغيره مما أفاده التعظيم والثابت ببعض الأخبار اللفظ المخصوص فيجب العمل به حتى يكره لمن يحسنه تركه كما قلنا في القراءة مع الفاتحة وفي الركوع والسجود مع التعديل كذا في الكافي قال ابن الهمام وهذا يفيد وجوبه ظاهرا وهو مقتضى المواظبة التي لم تقترن بترك فينبغي أن يعول على هذا انتهى ما في المرقاة قال ابن العربي قوله تحريمها التكبير يقتضي أن تكبيرة الإحرام جزء من أجزائها كالقيام والركوع والسجود خلافا لسعيد والزهري فإنهما يقولان إن الإحرام يكون بالنية وقوله التكبير يقتضي اختصاص إحرام الصلاة بالتكبير دون غيره من صفات تعظيم الله تعالى وجلاله وهو تخصيص لعموم قوله وذكر اسم ربه فصلى فخص التكبير بالسنة من الذكر المطلق في القرآن لا سيما وقد اتصل في ذلك فعله بقوله فكان يكبر صلى الله عليه وسلم ويقول الله أكبر وقال أبو حنيفة يجوز بكل لفظ فيه تعظيم الله تعالى لعموم القرآن وقد بينا أنه متعلق ضعيف وقال الشافعي يجوز بقولك الله الأكبر وقال أبو يوسف يجوز بقولك الله الكبير أما الشافعي فأشار إلى أن الألف واللام زيادة لم تخل باللفظ ولا بالمعنى وأما أبو يوسف فتعلق بأنه لم يخرج من اللفظ الذي هو التكبير قلنا لأبي يوسف إن كان لم يخرج عن اللفظ الذي هو في الحديث فقد خرج عن اللفظ الذي جاء به الفعل ففسر المطلق في القول وذلك لا يجوز في العبارات التي يتطرق إليها التعليل وبهذا يرد على الشافعي أيضا فإن العبادات إنما تفعل على الرسم الوارد دون نظر إلى شئ من المعنى قال قال علماؤنا قوله تحريمها التكبير يقتضي اختصاص التكبير بالصلاة دون غيره من اللفظ لأنه ذكره بالألف واللام الذي هو باب شأنه التعريف كالإضافة وحقيقة الألف واللام
[ 34 ]
إيجاب الحكم لما ذكر ونفيه عما لم يذكر وسلبه عنه وعبر عنه بعضهم بأنه الحصر قال وقوله تحليلها التسليم مثله في حصر الخروج عن الصلاة على التسليم دون غيره من سائر الأفعال المناقضة للصلاة خلافا لأبي حنيفة حيث يرى الخروج منها بكل فعل وقول يضاد كالحدث ونحوه حملا على
السلام وقياسا عليه وهذا يقتضي إبطال الحصر انتهى كلام ابن العربي ملخصا قال لحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين المثال الخامس عشر رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول في الصلاة بقوله إذا أقيمت الصلاة فكبر وقوله تحريمها التكبير وقوله لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلة ويقول الله أكبر وهي نصوص في غاية الصحة فردت بالمتشابه من قوله تعالى وذكر اسم ربه فصلى انتهى وتحليلها التسليم التحليل جعل الشئ المحرم حلال وسمى التسليم به لتحليل ما كان حراما على المصلي لخروجه عن الصلاة وهو واجب قال ابن الملك إضافة التحريم والتحليل إلى الصلاة لملابسة بينهما وقال بعضهم أي سبب كون الصلاة محرمة ما ليس منها التكبير ومحللة التسليم أي إنها صارت بهما كذلك فهما مصدران مضافان إلى الفاعل كذا في المرقاة وقال الحافظ ابن الأثير في النهاية كأن المصلي بالتكبير والدخول في الصلاة صار ممنوعا من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها فقيل للتكبير تحريم لمنعه المصلي من ذلك ولهذا سميت تكبيرة الإحرام أي الإحرام بالصلاة وقال قوله تحليلها التسليم أي صار المصلي بالتسليم يحل له ما حرم عليه بالتكبير من الكلام والأفعال الخارجة عن كلام الصلاة وأفعالها كما يحل للمحرم بالحج عند الفراغ منه ما كان حراما عليه انتهى قال الرافعي وقد روى محمد بن أسلم في مسنده هذا الحديث بلفظ وإحرامها التكبير وإحلالها التسليم قوله (هذا الحديث أصح شئ في هذا الباب وأحسن) هذا الحديث أخرجه أيضا الشافعي وأحمد والبزار وأصحاب السنن إلا النسائي وصححه الحاكم وابن السكن من حديث عبد اللهبن محمد بن عقيلة عن ابن الحنفية عن علي قال البزار لا يعلم عن علي إلا من هذا الوجه وقال أبو نعيم تفرد به ابن عقيل عن ابن الحنفية عن علي وقال العقيلي في إسناده لين وهو أصلح من حديث جابر كذا في التلخيص وقال الزيلعي في نصب الراية قال النووي في الخلاصة هو حديث حسن انتهى (وعبد الله بن محمد بن عقيل هو صدوق وقد تكلم فيه بعض
[ 35 ]
أهل العلم من قبل حفظه) قال أبو حاتم وغيره لين الحديث وقال ابن خزيمة لا يحتج به وقال ابن حبان ردئ الحفظ يجئ بالحديث على غير سننه فوجبت مجانبة أخباره وقال أبو أحمد الحاكم ليس بالمتين عندهم وقال أبو زرعة يختلف عنه في الأسانيد وقال الفسوى في حديثه ضعف وهو صدوق كذا في الميزان (وسمعت محمد ابن إسماعيل) يعني البخاري (يقول كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم والحميدي يحتجون بحديث عبد الله بن محمد بن عقيل قال محمد وهو مقارب الحديث) هذا من ألفاظ التعديل وتقدم تحقيقه في المقدمة قال الحافظ الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الله بن محمد ابن عقيل بعد ذكر أقوال الجارحين والمعدلين حديثه في مرتبة الحسن انتهى فالراجح المعول عليه هو أن حديث علي المذكور حسن يصلح للاحتجاج وفي الباب أحاديث أخرى كلها يشهد له قوله (وفي الباب عن جابر وأبي سعيد) أما حديث جابر فأخرجه أحمد والبزار والترمذي والطبراني من حديث سليمان بن قرم عن أبي يحيى القتات عن مجاهد عنه وأبو يحيى القتات ضعيف وقال ابن عدي أحاديثه عندي حسان وقال ابن العربي حديث جابر أصح شئ في هذا الباب كذا قال وقد عكس ذلك العقيلي وهو أقعد منه بهذا الفن كذا في التلخيص وأما حديث أبي سعيد فأخرجه الترمذي وابن ماجه وفي إسناده أبو سفيان طريف وهو ضعيف قال الترمذي حديث علي أجود إسنادا من هذا كذا في التلخيص قلت قد أخرج الترمذي حديث أبي سعيد في كتاب الصلاة في باب ما جاء في تحريم الصلاة وتحليلها وقال بعد إخراجه حديث علي بن أبي طالب أجود إسنادا وأصح من حديث أبي سعيد انتهى وفي الباب أيضا عن عبد الله بن زيد وابن عباس وغيرهما ذكر أحاديثهم الترمذي ابن حجر في التلخيص والحافظ الزيلعي في نصب الراية باب ما يقول إذا دخل الخلاء بفتح الخاء والمد أي موضع قضاء الحاجة سمى به لخلائه في
[ 36 ]
غير أوقات قضاء الحاجة وهو الكنيف والحش والمرفق والمرحاض أيضا وأصله المكان الخالي ثم كثر استعماله حتى تجوز به عن ذلك قاله العيني 5 - قوله (حدثنا قتيبة وهناد قالا نا وكيع) تقدم تراجم هؤلاء (عن شعبة) بن الحجاج ابن الورد العتكي مولاهم أبو بسطام الواسطي ثم البصري ثقة حافظ متقن كان الثوري يقول هو أمير المؤمنين في الحديث وهو أول من فتش بالعراق عن الرجال وذب عن السنة وكان عابدا كذا في التقريب وقال أحمد بن حنبل كان شعبة أمة وحده في هذا الشأن يعني في الرجال وبصره بالحديث وقال الشافعي لولا شعبة لما عرف الحديث بالعراق ولد شعبة سنة 28 ثنتين وثمانين ومات 061 ستين ومائة كذا في تذكرة الحفاظ (عبد العزيز بن صهيب) البناني بنانة بن سعد بن لؤي بن غالب مولاهم البصري عن أنس وشهر وعنه شعبة والحمادان وثقه أحمد قال ابن قانع مات سنة 031 ثلاثين ومائة (عن أنس بن مالك) بن النضر الأنصاري الخزرجي خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم خدمه عشر سنين صحابي مشهور مات سنة 039 29 اثنتين وقيل ثلاث وتسعين وقد جاوز المائة قوله (إذا دخل الخلاء) أي موضع قضاء الحاجة وفي الأدب المفرد للبخاري من طريق سعيد بن زيد عن عبد العزيز عن أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يدخل الخلاء وأفادت هذه الرواية تبيين المراد من قوله إذا دخل الخلاء أي كان يقول هذا الذكر عند إرادة الدخول لا بعده قال الحافظ في الفتح الكلام ههنا في مقامين الأول هل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها تحضرها الشياطين كما ورد في حديث زيد بن أرقم في السنن أو يشمل حتى لو بال في إناء مثلا في جانب البيت الأصح الثاني ما لم يشرع في قضاء الحاجة المقام الثاني متى يقول ذلك فمن يكره ذكر الله في تلك الحالة يفصل أما في الأمكنة المعدة لذلك فيقول قبيل دخولها وأما في غيرها فيقوله في أول الشروع كتشمير ثيابه مثلا وهذا مذهب الجمهور وقالوا في من نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه ومن يجيز مطلقا لا يحتاج إلى
[ 37 ]
تفصيل انتهى كلام الحافظ قلت القول الراجح المنصور هوما ذهب إليه الجمهور (قال اللهم إني أعوذ بك) أي ألوذ والتجئ قال ابن الأثير عذت به عوذا ومعاذا أي لجأت إليه والمعاذ المصدر والمكان الزمان (قال شعبة وقد قال) أي عبد العزيز (مرة أخرى أعوذ بالله) أي مكان اللهم إني أعوذ بك يعني قال عبد العزيز مرة اللهم إني أعوذ بك وقال مرة أخرى أعوذ بالله قال العيني في عمدة القاري وقد وقع في رواية وهب فليتعوذ بالله وهو يشمل كل ما يأتي به من أنواع الإستعاذة من قوله أعوذ بك أستعيذ بك أعوذ بالله أستعيذ بالله اللهم إني أعوذ بك ونحو ذلك من أشباه ذلك انتهى قلت والأولى أن يختار من أنواع الإستعاذة ما جاء في الحديث وقد ثبت زيادة بسم الله مع التعوذ فروى العمري حديث الباب بلفظ إذا دخلتم الخلاء فقولوا بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث قال الحافظ في الفتح إسناده على شرط مسلم (من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث) قال الحافظ في فتح الباري وقع في رواية الترمذي وغيره أعوذ بالله من الخبث والخبيث أو الخبث والخبائث هكذا على الشك الأول بالإسكان مع الإفراد والثاني بالتحريك مع الجمع أي من الشئ المكروه ومن الشئ المذموم أو من ذكران الشياطين وإنائهم انتهى كلام الحافظ قلت وجاء في رواية صحيح البخاري وعامة الروايات اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث من غير شك قال الحافظ تحت هذه الرواية الخبث بضم المعجمة والموحدة كذا في الرواية وقال الخطابي أنه لا يجوز غيره وتعقب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره مما جاء على هذا الوجه ككتب وكتب قال النووي وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة منهم أبو عبيدة إلا أن يقال إن ترك التخفيف أولى لئلا يشبه بالمصدر والخبث جمع خبيث والخبائث جمع خبيثة يريد ذكر أن الشياطين وإناثهم قاله الخطابي وابن حبان وغيرهما ووقع في نسخة ابن عساكر قال أبو عبد الله أي البخاري ويقال الخبث أي بإسكان الموحدة فإن كانت مخففة عن المحركة فقد تقدم توجيهه وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي المكروه
قال فإن كان من الكلام فهو الشتم وإن كان من الملل فهو الكفر وإن كان من الطعام فهو الحرام وإن كان من الشراب فهو الضار وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ليحصل التناسب ولهذا وقع في رواية الترمذي وغيره إلى آخر ما نقلت عباراته آنفا قوله (وفي الباب عن علي وزيد بن أرقم وجابر وابن مسعود) أما حديث علي فأخرجه الترمذي
[ 38 ]
وابن ماجه وأما حديث زيد بن أرقم فأخرجه أبو داود ابن ماجه وأما حديث جابر فلم أقف عليه وأما حديث ابن مسعود فأخرجه الاسماعيلي في معجمه قال العيني بإسناد جيد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الغائط قال أعوذ بالله من الخبث والخبائث قوله (وحديث أنس أصح شئ في هذا الباب وأحسن) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله (وحديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب) يعني روى بعض رواته على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له (روى هشام الدستوائي إلخ) هذا بيان الإضطراب والدستوائي منسوب إلى دستواء بفتح الدال كورة من الأهواز أو قرية كذا في المغني وتوضيح الإضطراب على ما في غاية المقصود للعلامة أبي الطيب غفر الله له أن هشاما وسعيد بن أبي عروبة وشعبة ومعمرا كلهم يروون عن قتادة على اختلاف بينهم فروى سعيد عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد بن أرقم وروى هشام عن قتادة عن زيد بن أرقم فبين قتادة وزيد بن أرقم واسطة القاسم في رواية سعيد وليست هي في رواية هشام وروى شعبة ومعمر عن قتادة عن النضر بن أنس ثم اختلف فروى شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد بن أرقم وروى معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه فالإضطراب في موضعين الأول في شيخ قتادة ففي رواية سعيد أن قتادة يرويه عن القاسم عن زيد بن أرقم وفي رواية هشام أنه يرويه عن زيد بن أرقم وفي رواية شعبة أنه يرويه عن النضر بن أنس عن زيد بن
أرقم والثاني في شيخ النضر بن أنس ففي رواية شعبة أن النضر يرويه عن زيد بن أرقم وفي رواية معمر أنه يرويه عن أبيه انتهى ما في غاية المقصود (قال أبو عيسى سألت محمدا) يعني
[ 39 ]
البخاري (عن هذا) أي عن هذا الإضطراب (فقال يحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعا) قال العلامة أبو الطيب في غاية المقصود أي يحتمل أن يكون قتادة سمع من القاسم والنضر بن أنس كما صرح به البيهقي وأخطأ من أرجع الضمير من محشى الترمذي إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس انتهى قلت الأمر كما قال أبو الطيب إرجاع ضمير عنهما إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق وأما إرجاعه إلى زيد بن أرقم والنضر بن أنس فخطأ قال العلامة العيني في عمدة القاري شرح البخاري قال الترمذي حديث زيد بن أرقم في إسناده اضطراب وأشار إلى اختلاف الرواية فيه وسأل الترمذي البخاري عنه فقال لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف الشيبابي والنضر بن أنس عن أنس ولم يقض فيه بشئ انتهى كلام العيني وروى أبو داود في سننه حديث زيد بن أرقم هكذا حدثنا عمرو بن مرزوق أنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس عن زيد أرقم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلخ قال السيوطي قوله أنا شعبة عن قتادة عن النضر بن أنس إلخ قال البيهقي في سننه هكذا رواه معمر عن قتادة وابن علية وأبو الجماهر عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ورواه يزيد بن زريع وجماعة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن القاسم بن عوف الشيباني عن زيد ابن أرقم قال أبو عيسى قلت لمحمد يعني البخاري أي الروايات عندكم أصح فقال لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم ولم يقض في هذا بشئ وقال البيهقي وقيل عن معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أنس وهو وهم انتهى فثبت من هذا كله أن إرجاع ضمير عنهما إلى القاسم والنضر بن أنس هو الحق والصواب تنبيه قول البخاري المذكور في كلام العيني لعل قتادة سمعه من القاسم بن عوف
الشيباني والنضر بن أنس عن أنس مخالف لقوله المذكور في كلام البيهقي بلفظ لعل قتادة سمع منهما جميعا عن زيد بن أرقم والظاهر عندي أن لفظ عن أنس المذكور في كلام العيني سهو من الناسخ فتأمل فإن قلت لا يندفع الإضطراب من كل وجه بقول البخاري فيحتمل أن يكون قتادة روى عنهما جميعا قلت نعم إلا أن يقال إن قتادة روى عنهما عن زيد بن أرقم وروى عن زيد ابن أرقم من
[ 40 ]
غير واسطة وأما رواية معمر عن قتادة عن النضر بن أنس عن أبيه فوهم كما صرح به البيهقي والله تعالى أعلم 6 - قوله (حدثنا أحمد بن عبدة الضبي) أبو عبد الله البصري عن حماد بن زيد وأبي عوانة وعبد الواحد بن زياد وخلق وعنه مسلم وأصحاب السنن الأربعة وثقة أبو حاتم والنسائي مات سنة 542 خمس وأربعين ومائتين كذا في الخلاصة وقال الذهبي في الميزان وقال ابن خراش تكلم الناس فيه فلم يصدق ابن خراش في قوله هذا فالرجل حجة انتهى (نا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل الأزرق البصري الحافظ مولى جرير بن حازم وأحد الأعلام عن أنس بن سيرين وثابت وعاصم بن بهدلة وابن واسع وأيوب وخلق كثير وعنه الثوري وابن مهدي وابن المديني وخلائق قال ابن مهدي ما رأيت أحفظ منه ولا أعلم بالسنة ولا أفقه بالبصرة منه توفي سنة 791 سبع وتسعين ومائة عن إحدى وثمانين سنة كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة ثبت فقيه قوله (قال اللهم) معناه يا الله (إني أعوذ بك) قال ابن العربي ألجأ وألوذ والعوذ بإسكان العين والعياذ والمعاذ والملجأ ما سكنت إليه تقية عن محذور قال كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما من الشيطان حتى من الموكل به بشرط استعاذته منه ومع ذلك فقد كان اللعين يعرض له ليلة الإسراء فدفعه بالإستعاذة وعرض له في الصلاة فشد وثاقه ثم أطلقه وكان يخص الإستعاذة
في هذا الموضع بوجهين أحدهما إنه خلاء وللشيطان بعادة الله قدرة تسلط في الخلاء ليس له في الملاء قال صلى الله عليه وسلم الراكب شيطان والراكبان شيطانان والثلاثة ركب الثاني إنه موضع قذر ينزه ذكر الله عن الجريان فيه على اللسان فيغتنم الشيطان عند ذكر الله فإن ذكره يطرده فلجأ إلى الإستعاذة قبل ذلك ليعقدها عصمة بينه وبين الشيطان حتى يخرج وليعلم أمته انتهى كلامه وقال الحافظ في الفتح كان صلى الله عليه وسلم يستعيذ إظهار للعبودية ويجهر بها للتعليم انتهى (من الخبث) بضم الخاء المعجمة والموحدة جميع خبيث أي ذكران الشياطين (والخبائث) جمع خبيثة أي إناث الشياطين
[ 41 ]
قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشخان قوله باب ما يقول إذا خرج من الخلاء 7 - قوله (حدثنا محمد بن حميد بن إسماعيل) كذا في النسخ المطبوعة في الهند وإني لم أجد في كتب الرجال رجلا اسمه محمد بن حميد بن إسماعيل من شيوخ الترمذي وفي النسخة المصرية حدثنا محمد بن إسماعيل ثنا حميد قال حدثنا مالك بن إسماعيل إلخ وإني لم أجد في كتب الرجال رجلا اسمه حميد وهو من تلامذة مالك بن إسماعيل ومن شيوخ محمد بن إسماعيل فتفكر وتأمل وقال بعضهم لعل لفظ حميد ههنا زائد في كلتا النسختين والصحيح هكذا حدثنا محمد بن إسماعيل قال حدثنا مالك بن إسماعيل ويدل على ذلك ما قال في الذر الغالي شرح إرشاد المتجلي بعد ما ذكر رواية أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الغائط قال غفرانك قال عقب ذلك وكذا رواه البخاري في الأدب المفرد وعنه رواه الترمذي عن عائشة وأورد رواية عائشة هذه بهذا المتن والسند وقال في ابتداء السند حدثنا مالك بن إسماعيل فظهر من هذا ومن النسخة المصرية أن الترمذي روى هذا الحديث عن محمد بن إسماعيل أعني البخاري دون محمد بن حميد انتهى كلامه بلفظه (نا مالك بن إسماعيل) ابن درهم النهدي مولاهم أبو غسان الكوفي الحافظ روى عن
إسرائيل وأسباط بن النصر والحسن بن صالح وخلق وعنه البخاري والباقون بواسطة قال ابن معين ليس بالكوفة أتقن منه وقال يعقوب بن شيبة ثقة صحيح الحديث من العابدين مات سنة 219 تسع عشرة ومائتين كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة متقن صحيح الكتاب عابد من صغار التاسعة انتهى (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الكوفي ثقة تكلم فيه بلا حجة قال أحمد ثقة ثبت وقال أبو حاتم صدوق من أتقن أصحاب أبي إسحاق ولد سنة 100 مائة ومات سنة 261 اثنتين وستين ومائة
[ 42 ]
(عن يوسف بن أبي بردة) بن أبي موسى الأشعري الكوفي روى عن أبيه وعنه إسرائيل وسعيد بن مسروق وثقة ابن حيان كذا في الخلاصة وقال الحافظ مقبول (عن أبيه) أي أبي بردة بن أبي موسى الأشعري قيل اسمه عامر وقيل الحارث ثقة من الثالثة قال في الخلاصة أبو بردة بن أبي موسى الأشعري الفقيه قاضي الكوفة اسمه الحارث أو عامر عن علي والزبير وحذيفة وطائفة وعنه بنوه عبد الله ويوسف وسعيد وبلال وخلق وثقة غير واحد توفي 301 ثلاث ومائة قوله (إذا خرج من الخلاء قال غفرانك) إما مفعول به منصوب بفعل مقدر أي أسألك غفرانك أو أطلب أو مفعول مطلق أي اغفر غفرانك وقد ذكر في تعقيبه صلى الله عليه وسلم الخروج بهذا الدعاء وجهان أحدهما أنه استغفر من الحالة التي اقتضت هجران ذكر الله تعالى فأنه يذكر الله تعالى في سائر حالاته إلا عند الحاجة وثانيهما أن القوة البشرية قاصرة عن الوفاء بشكر ما أنعم الله عليه من تسويغ الطعام والشراب وترتيب الغذاء على الوجه المناسب لمصلحة البدن إلى أوان الخروج فلجأ إلى الإستغفار اعترافا بالقصور عن بلوغ حق تلك النعم كذا في المرقاة
قلت الوجه الثاني هو المناسب لحديث أنس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني رواه ابن ماجه قال القاضي أبو بكر بن العربي سأل المغفرة من تركه ذكر الله في تلك الحالة ثم قال فإن قيل إنما تركه بأمر ربه فكيف يسأل المغفرة عن فعل كان يأمر الله والجواب أن الترك وإن كان بأمر الله إلا أنه من قبل نفسه وهو الإحتياج إلى الخلاء انتهى فإن قيل قد غفر له صلى الله عليه وسلم ما تقدم من ذنبه وما تأخر فما معنى سؤاله المغفرة يقال كان النبي صلى الله عليه وسلم يطلب المغفرة من ربه قبل أن يعلمه أنه قد غفر له وكان يسألها بعد ذلك لأنه غفر له بشرط استغفاره ورفع إلى شرف المنزلة بشرط أن يجتهد في الأعمال الصالحة والكل له حاصل بفضل الله تعالى قاله ابن العربي قوله (هذا حديث غريب حسن) قال القاضي الشوكاني في نيل الأوطار هذا الحديث
[ 43 ]
أخرجه الخمسة إلا النسائي وصححه الحاكم وأبو حاتم قال في البدر المنير ورواه الدارمي وصححه ابن خزيمة وابن حبان انتهى (ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة) قال النووي في شرح المهذب وهو حديث حسن صحيح وجاء في الذي يقال عقب الخروج من الخلاء أحاديث كثيرة ليس فيها شئ ثابت إلا حديث عائشة المذكور قال وهذا مراد الترمذي بقوله ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة كذا في قوت المغتذي وقال العيني في شرح البخاري بعد ذكر حديث عائشة المذكور أخرجه ابن حبان وابن خزيمة وابن الجارود والحاكم في صحيحهم وقال أبو حاتم الرازي هو أصح شئ في هذا الباب فإن قلت لما أخرجه الترمذي وأبو علي الطرطوسي قالا هذا حديث غريب حسن لا يعرف إلا من حديث إسرائيل عن يوسف بن أبي بردة ولا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة قلت قوله غريب مردود بما ذكرنا من تصحيحه ويمكن أن تكون الغرابة بالنسبة إلى الراوي لا إلى الحديث إذ الغرابة والحسن في المتن لا يجتمعان فإن قلت غرابة السند بتفرد إسرائيل غرابة المتن لكونه لا يعرف غيره
قلت إسرائيل متفق على إخراج حديثه عند الشيخين والثقة إذا انفرد بحديث ولم يتابع عليه لا ينقص عن درجة الحسن وإن لم يرتق إلى درجة الصحة وقولهما لا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة ليس كذلك فإن فيه أحاديث وإن كانت ضعيفة منها حديث أنس رضي الله عنه رواه ابن ماجه قال كان صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني ومنها حديث أبي ذر مثله وأخرجه النسائي ومنها حديث ابن عباس أخرجه الدارقطني مرفوعا الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذيني وأمسك علي ما ينفعني ومنها حديث سهل بن خيثمة نحوه وذكره ابن الجوزي في العلل ومنها حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعا أخرجه الدارقطني الحمد لله الذي أذاقني لذته وأبقى على قوته وأذهب عني أذاه انتهى كلام العيني قلت المراد بقول الترمذي غريب من جهة السند فإنه قال لا نعرفه إلا من حديث إسرائيل ولا منافاة بين أن يكون الحديث غريبا من جهة السند وبين أن يكون حسنا أو صحيحا كما تقرر في مقره فقول العلامة العيني قوله غريب مردود بما ذكرنا من تصحيحه مردود عليه وأما قول الترمذي لا يعرف في هذا الباب إلا حديث عائشة فقد عرفت ما هو المراد منه
[ 44 ]
باب في النهي عن استقبال القبلة بغائط أو بول 8 - قوله (حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومي) ابن حسان المكي القرشي روى عن ابن عيينة والحسين بن زيد العلوي وعنه الترمذي والنسائي ووثقه مات سنة 942 تسع وأربعين ومائتين (أنا سفيان بن عيينة) بن أبي عمران ميمون الهلالي أبو محمد الكوفي ثم المكي ثقة حافظ فقيه إمام حجة إلا أنه تغير حفظه بآخر وكان ربما دلس لكن عن الثقات من رؤوس الطبقة
الثامنة وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار (عن الزهري) يأتي اسمه وترجمته في هذا الباب (عن عطاء بن يزيد الليثي) المدني نزيل الشام ثقة من الثالثة (عن أبي أيوب الأنصاري) يأتي اسمه وترجمته قوله (إذا أتيتم الغائط) أي في موضع قضاء الحاجة والغائط في الأصل المطمئن من الأرض ثم صار يطلق على كل مكان أعد لقضاء الحاجة وعلى النجو نفسه أي الخارج من الدبر قال الخطابي أصله المطمئن من الأرض كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لذكره بخاص اسمه ومن عادة العرب التعفف في ألفاظها واستعمال الكناية في كلامها وصون الألسنة عما تصان الأبصار والأسماع عنه (فلا تستقبلوا القبلة) أي جهة الكعبة (بغائط ولا بول) الباء متعلقة بمحذوف وهو حال من ضمير لا تستقبلوا أي لا تستقبلوا القبلة حال كونكم مقترنين بغائط أو بول قال السيوطي قال أهل اللغة أصل الغائط المكان المطمئن كانوا يأتونه للحاجة فكنوا به عن نفس الحدث كراهة لاسمه قال وقد اجتمع الأمران في الحديث فالمراد بالغائط في أوله المكان وفي آخره الخارج قال ابن العربي غلب هذا الاسم على الحاجة حتى صار فيها أعرف منه في مكانها وهو أحد قسمي المجاز انتهى كلام السيوطي (ولكن شرقوا أو غربوا) أي توجهوا إلى جهة المشرق أو المغرب هذا خطاب لأهل المدينة ومن قبلته على ذلك السمت ممن هو في جهة الشمال والجنوب فأما من قبلته الغرب أو الشرق فإنه ينحرف إلى الجنوب أو الشمال كذا في المجمع وشرح السنة (فوجدنا مراحيض) بفتح الميم وبالحاء المهملة والضاد المعجمة جمع مرحاض
[ 45 ]
بكسر الميم وهو البيت المتخذ لقضاء حاجة الإنسان أي التغوط قاله النووي وقال ابن العربي المراحيض واحدها مرحاض مفعال من رحض إذا غسل يقال ثوب رحيض أي غسيل والرحضاء عرق الحمى والرحضة إناء يتوضأ به انتهى (فننحرف عنها) أي عن جهة القبلة قاله القسطلاني (ونستغفر الله) قال ابن العربي يحتمل
ثلاثة وجوه الأول أن يستغفر الله من الإستقبال الثاني أن يستغفر الله من ذنوبه فالذنب يذكر بالذنب الثالث أن نستغفر الله لمن بناها فإن الإستغفار للمذنبين سنة وقال ابن دقيق العيد قوله ونستغفر الله قيل يراد به لباني الكنيف على هذه الصورة الممنوعة عنده وإنما حملهم على هذا التأويل أنه إذا انحرف عنها لم يفعل ممنوعا فلا يحتاج إلى الإستغفار والأقرب أنه استغفار لنفسه ولعل ذلك لأنه استقبل واستدبر بسبب موافقته لمقتضى النهي غلطا أو سهوا فيتذكر فينحرف ويستغفر الله فإن قلت فالغالط والساهي لم يفعلا إثما فلا حاجة به إلى الإستغفار قلت أهل الورع والمناصب العلية في التقوى قد يفعلون مثل هذا بناء على نسبتهم التقصير إلى أنفسهم في عدم التحفظ ابتداء انتهى كلام ابن دقيق العيد قال صاحب بذل المجهود يعني كنا نجلس مستقبلي القبلة نسيانا على وفق بناء المراحيض ثم ننتبه على تلك الهيئة المكروهة فننحرف عنها ونستغفر الله تعالى عنها وتأويل الإستغفار لباني الكنف بعيد غاية البعد قال وكان بناؤها من الكفار وبعيد غاية البعد أن يكون بناؤها من المسلمين مستقبلي القبلة انتهى قلت يمكن أن يكون بناؤها من بعض المسلمين الذين كان مذهبهم جواز استقبال القبلة واستدبارها في الكنف والمراحيض كما هو مذهب الجمهور فليس فيه بعد غاية البعد والله تعالى أعلم ثم القول بأن المراد كنا نجلس مستقبلي القبلة نسيانا إلخ فيه أن النسيان يكون مرة أو مرتين ولفظ كنا ننحرف كما في رواية على الاستمرار والتكرار فتفكر قوله (وفي الباب عن عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي) صحابي شهد فتح مصر واختط بها دارا مات سنة 68 ست وثمانين بمصر وهو آخر من مات بها من الصحابة (ومعقل بن أبي الهيثم ويقال معقل بن أبي معقل) ويقال أيضا معقل بن أم معقل وكله واحد يعد في أهل المدينة روى عنه أبو سلمة وأبو زيد مولاه وأم معقل توفي في أيام معاوية رضي الله عنه قاله ابن الأثير وقال الحافظ له ولأبيه صحبة (وأبي أمامة وأبي هريرة رضي الله عنه وسهل بن حنيف) أما
[ 46 ]
حديث عبد الله بن الحارث فأخرجه ابن ماجه وابن حبان قاله الحافظ وأما حديث معقل فأخرجه أبو داود وابن ماجه وأما حديث أبي هريرة فأخرجه مسلم في صحيحه مرفوعا بلفظ إذا جلس أحدكم على حاجة فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها وأخرجه أيضا ابن ماجه والدارمي وأما حديث سهل ابن حنيف فأخرجه الدارمي قوله (حديث أبي أيوب أحسن شئ في هذا الباب وأصح) وأخرجه الشيخان قوله (وأبو أيوب اسمه خالد بن زيد) قال الحافظ في التقريب خالد بن زيد ابن كليب الأنصاري أبو أيوب من كبار الصحابة شهد بدرا ونزل النبي صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة عليه مات غازيا بالروم سنة 05 خمسين وقيل بعدها انتهى (والزهري اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري وكنيته أبو بكر) هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري متفق على جلالته وإتقانه وهو من رؤوس الطبقة الرابعة كذا في التقريب وقال في الخلاصة هو أحد الأئمة الأعلام وعالم الحجاز والشام قال الليث ما رأيت عالما قط أجمع من ابن شهاب وقال مالك كان ابن شهاب من أسخى الناس وتقيا ما له في الناس نظير مات سنة 421 أربع وعشرين ومائة انتهى قوله (قال أبو الوليد المكي) هو موسى بن أبي الجارود المكي أبو الوليد صاحب الشافعي عن ابن عيينة والبوطي وجماعة وعنه الترمذي وثقة ابن حبان كذا في الخلاصة (قال أبو عبد الله الشافعي) هو الإمام الشافعي أحد الأئمة المشهورين اسمه محمد ابن إدريس وتقدم ترجمته في المقدمة (إنما هذا في الفيافي) على وزن الصحارى ومعناه واحدها الفيفاء بمعنى الصحراء (فأما في الكنف المبنية) جمع كنيف أي البيوت المتخذة لقضاء الحاجة (له رخصة في أن يستقبلها) جزاء أما أي فجائز له أن يستقبل القبلة فيها (وهكذا قال إسحاق) هو إسحاق بن راهوية ثقة حافظ مجتهد
[ 47 ]
قرين الإمام أحمد بن حنبل تقدم ترجمته في المقدمة فمذهب الشافعي وإسحاق أن استقبال القبلة واستدبارها بالغائط والبول حرام في الصحراء وجائز في البنيان ففرقا بين الصحراء والبنيان قال الحافظ في الفتح وبالتفريق بين البنيان والصحراء مطلقا قال الجمهور وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق وهو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة انتهى (وقال أحمد بن حنبل) هو الإمام أحمد بن محمد بن حنبل أحد الأئمة الأربعة المشهورين تقدم ترجمته في المقدمة (إنما الرخصة إلخ) حاصل قوله أنه لا يجوز الإستقبال في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الإستدبار فيهما وعن الإمام أحمد في هذا روايتان إحداهما هذه التي ذكرها الترمذي والرواية الثانية عنه كقوله الشافعي وإسحاق المذكور وعنه رواية ثالثة كما ستعرف اعلم أن الترمذي ذكر في هذا الباب قولين قول الشافعي وقول أحمد بن حنبل وههنا أربعة أقوال فلنا أن نذكرها مع بيان ما لها وما عليها قال النووي في شرح مسلم قد اختلف العلماء في النهي عن استقبال القبلة بالبول والغائط على مذاهب الأول مذهب مالك والشافعي أنه يحرم استقبال القبلة في الصحراء بالبول والغائط ولا يحرم ذلك بالبنيان وهذا مروي عن العباس بن عبد المطلب وعبد الله بن عمر والشعبي وإسحاق بن راهوية وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين والمذهب الثاني أنه لا يجوز ذلك لا في الصحراء ولا في البنيان وهو قول أبي أيوب الأنصاري الصحابي ومجاهد وإبراهيم النخعي وسفيان الثوري وأبي ثور وأحمد في رواية والمذهب الثالث جواز ذلك في الصحراء والبنيان جميعا وهو مذهب عروة بن الزبير وربيعه شيخ مالك وداود الظاهري والمذهب الرابع لا يجوز له الإستقبال في الصحراء ولا في البنيان ويجوز الإستدبار فيهما وهي إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأحمد واحتج المانعون مطلقا بالأحاديث الصحيحة الواردة في النهي مطلقا كحديث سلمان وأبي أيوب وأبي هريرة وغيرهم
واحتج من أباح مطلقا بحديث ابن عمر المذكور في الكتاب يعني في صحيح مسلم أنه
[ 48 ]
رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت القدس مستدبرا القبلة وبحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أوقد فعلوها حولوا مقعدي إلى القبلة رواه أحمد وابن ماجه وإسناده حسن واحتج من أباح الإستدبار دون الإستقبال بحديث سلمان يعني الذي رواه مسلم بلفظ لقد نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين الحديث واحتج من حرم الإستقبال والإستدبار في الصحراء وأباحهما في البنيان بحديث من عمر وبحديث عائشة المذكورين وبحديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وإسناده حسن وبحديث مروان الأصغر قال رأيت ابن عمر أناخ راحلته مستقبل القبلة ثم جلس يبول إليها فقلت يا أبا عبد الرحمن أليس قد نهى عن ذلك فقال بلى إنما نهى عن ذلك في الفضاء فإذا كان بينك وبين القبلة شئ يسترك فلا بأس رواه أبو داود وغيره فهذه أحاديث صحيحة صريحة بالجواز بين البنيان وحديث أبي أيوب وسلمان وأبي هريرة وغيرهم وردت بالنهي فتحمل على الصحراء ليجمع بين الأحاديث ولا خلاف بين العلماء أنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث لا يصار إلى ترك بعضها بل يجب الجمع بينها والعمل بجميعها وقد أمكن الجمع على ما ذكرناه فوجب المصبر إليه انتهى كلام النووي بتلخيص قلت رجح النووي مذهب مالك والشافعي وغيرهما ورجحه أيضا الحافظ ابن حجر حيث قال هو أعدل الأقوال لإعماله جميع الأدلة وعندي أولى الأقوال وأقواها دليلا هو قول من قال إنه لا يجوز ذلك مطلقا لا في البنيان ولا في الصحراء فإن القانون الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب لأمته هو قوله لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها وهو بإطلاقه شامل للبنيان والصحراء ولم يغيره صلى الله عليه وسلم في حق أمته لا مطلقا
ولا من وجه فأما حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم إلخ الذي ذكره النووي وقال إسناده حسن فهو حديث ضعيف منكر لا يصلح للاحتجاج قال الحافظ الذهبي في الميزان خالد بن أبي الصلت عن عراك بن مالك عن عائشة حولوا مقعدتي نحو القبلة أو قد فعلوها لا يكاد يعرف تفرد عنه خالد الحذاء وهذا حديث منكر فتارة رواه الحذاء عن عراك وتارة يقول عن رجل عن عراك وقد روى عن خالد بن أبي الصلت سفيان بن حصين ومبارك بن فضالة وغيرهما وذكره ابن حبان في الثقات وما علمت أحدا يعرض إلى لينه لكن
[ 49 ]
الخبر منكر انتهى وقال البخاري خالد بن أبي الصلت عن عراك مرسل كذا في التهذيب وقال ابن حزم في المحلى إنه ساقط لأن راويه خالد الحذاء وهو ثقة عن خالد ابن أبي الصلت وهو مجهول لا ندري من هو وأخطأ فيه عبد الرزاق فرواه عن خالد الحذاء عن كثير بن الصلت وهذا أبطل وأبطل لأن خالدا الحذاء لم يدرك كثير بن الصلت انتهى ولو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة على تغيير ذلك القانون ونسخة لأن نصه صلى الله عليه وسلم يبين أنه إنما كان قبل النهي لأن من الباطل المحال أن يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاهم عن استقبال القبلة بالبول والغائط ثم ينكر عليهم طاعته في ذلك وهذا مالا يظنه مسلم ولا ذو عقل وفي هذا الخبر إنكار ذلك عليهم فلو صح لكان منسوخا بلا شك وأما حديث جابر قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها فهو أيضا ليس بدليل على نسخ ذلك القانون قال الحافظ ابن حجر في التلخيص في الإحتجاج به نظر لأنها حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل أن يكون لعذر ويحتمل أن يكون في بنيان ونحوه انتهى وقال القاضي الشوكاني في النيل إن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بنا
كما تقرر في الأصول انتهى وأما حديث ابن عمر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم مستقبلا بيت المقدس مستدبرا القبلة فهو أيضا لا يدل على نسخ ذلك القانون لما مر في حديث جابر آنفا وأما حديث مروان الأصغر فهو أيضا لا يدل على نسخ ذلك القانون لأن قول ابن عمر فيه إنما نهى عن ذلك في الفضاء يحتمل أنه قد علم ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويحتمل أنه قال ذلك استنادا إلى الفعل الذي شاهده ورواه فكأنه لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم في بيت حفصة مستدبرا القبلة فهم اختصاص النهي بالبنيان فلا يكون هذا الفهم حجة فإذا جاء الإحتمال بطل الإستدلال فالحاصل أن أولى الأقوال وأقواها عندي والله أعلم هو قول من قال إنه لا يجوز الإستقبال والإستدبار مطلقا قال القاضي الشوكاني في النيل الإنصاف الحكم بالمنع مطلقا والجزم بالتحريم حتى ينتهض دليل يصلح للنسخ أو التخصيص أو المعارضة ولم نقف على شئ من ذلك انتهى وقال ابن العربي في شرح الترمذي والمختار والله الموفق أنه لا يجوز الإستقبال ولا الإستدبار في الصحراء ولا في البنيان لأنا إن نظرنا إلى المعاني فقد بينا أن الحرمة للقبلة ولا يختلف في البادية ولا في الصحراء وإن نظرنا إلى الآثار فإن حديث أبي أيوب عام في كل
[ 50 ]
موضع معلل بحرمة القبلة وحديث ابن عمر لا يعارضه ولا حديث جابر لأربعة أوجه أحدهما أنه قول وهذان فعلان ولا معارضة بين القول والفعل الثاني أن الفعل لا صيغة له وإنما هو حكاية حال وحكايات الأحوال معرضة للأعذار والأسباب والأقوال لا محتمل فيها من ذلك الثالث أن القول شرع مبتدأ وفعله عادة والشرع مقدم على العادة الرابع أن هذا الفعل لو كان شرعا لما تستر به انتهى وقد قال ابن العربي قبل هذا اختلف في تعليل المنع في الصحراء فقيل ذلك لحرمة المصلين وقيل ذلك لحرمة القبلة ولكن
جاز في الحواضر للضرورة والتعليل بحرمة القبلة أولى لخمسة أوجه أحدها أن الوجه الأول قاله الشعبي فلا يلزم الرجوع إليه الثاني أنه إخبار عن مغيب فلا يثبت إلا عن الشارع الثالث أنه لو كان لحرمة المصلين لما جاز التغريب والتشريق أيضا لأن العورة لا تخفي معه أيضا عن المصلين وهذا يعرف باختبار المعاينة الرابع أن النبي صلى الله عليه وسلم عليه وسلم إنما علل بحرمة القبلة فروي أنه قال من جلس لبول قبالة القبلة فذكر فانحرف عنها إجلالا لها لم يقم من مجلسه حتى يغفر له أخرجه البزار الخامس أن ظاهر الأحاديث يقتضي أن الحرمة إنما هي للقبلة لقوله لا تستقبلوا القبلة فذكرها بلفظها فأضاف الإحترام لها انتهى قلت الظاهر أن الحرمة إنما هي للقبلة والله تعالى أعلم ولو صح حديث البزار الذي ذكره ابن العربي لكان قاطعا في ذلك لكن لم نقف على سنده فالله أعلم بحال إسناده باب ما جاء من الرخصة في ذلك أي في استقبال القبلة بغائط أو بول 9 - قوله (حدثنا محمد بن بشار) هو بندار الحافظ ثقة (ومحمد بن المثنى) بن عبيد العنزي أبي موسى البصري المعروف بالزمن مشهور بكنيته وباسمه ثقة ثبت من العاشرة وكان هو وبندار فرسى رهان وماتا في سنة واحدة كذا في التقريب روى عن معتمر وابن عيينة وغندر
[ 51 ]
وخلق وعنه الأئمة الستة وخلق قال محمد بن يحيى حجة مات سنة 252 اثنتين وخمسين ومائتين كذا في الخلاصة (قالا نا وهب بن جرير) بن حازم بن زيد أبو عبد الله الأزدي البصري ثقة عن أبيه وابن عون وشعبة وخلق وعنه أحمد وإسحاق وابن معين ووثقه مات سنة 206 ست ومائتين (نا أبي) جرير بن حازم ثقة لكن في حديثه عن قتادة ضعف وله أوهام إذا حدث من حفظه مات سنة 071 سبعين ومائة بعد ما اختلط لكن لم يحدث في حال اختلاطه كذا في التقريب (عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي المدني نزيل العراق إمام المغازي
صدوق يدلس ورمي بالتشيع والقدر مات سنة 150 خمسين ومائة ويقال بعدها كذا في التقريب وقال في القول المسدد وأما حمله أي ابن الجوزي على محمد بن إسحاق فلا طائل فيه فإن الأئمة قبلوا حديثه وأكثر ما عيب فيه التدليس والرواية عن المجهولين وأما هو في نفسه فصدوق وهو حجة في المغازي عند الجمهور انتهى قلت الأمر كما قال الحافظ فالحق أن محمد بن إسحاق في نفسه صدوق صالح للاحتجاج وقد اعترف به العيني وابن الهمام من الأئمة الحنفية قال العيني في عمدة القاري شرح البخاري ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى وقال ابن الهمام في فتح القدير أما ابن إسحاق فثقة ثقة لا شبهة عندنا في ذلك ولا عند محققي المحدثين انتهى تنبيه قال صاحب العرف الشذي اختلف أهل الجرح والتعديل في ابن إسحاق ما لم يختلف في غيره حتى إنه قال مالك بن أنس إن قمت بين الحجر الأسود وباب الكعبة لحلفت أنه دجال كذاب وقال البخاري إنه إمام الحديث وقال ابن الهمام إنه ثقة ثلاث مرات وقال حافظ الدنيا إنه ثقة وفي حفظه شئ وإما البيهقي فيتكلم فيه في كتابه الأسماء والصفات واعتمده في كتاب القراءة خلف الإمام فالعجب وعندي أنه من رواة الحسان كما في الميزان ويمكن أن يكون في حفظه شئ انتهى كلامه بلفظه قلت جروح من جرح في ابن إسحاق كلها مدفوعة والحق أنه ثقة قابل للاحتجاج قال الفاضل اللكنوي في إمام الكلام محمد بن إسحاق وإن كان متكلما فيه من جانب كثير من الأئمة لكن جروحهم لها محامل صحيحة وقد عارضها تعديل جمع من ثقات الأمة ولذا صرح جمع من النقاد بأن حديثه لا ينحط عن درجة الحسن بل صححه بعض أهل الإسناد وقال في السعاية والحق في ابن إسحاق هو التوثيق انتهى وقال ابن الهمام في فتح القدير (وهو أي توثيق ابن إسحاق) هو الحق الأبلج وما نقل عن
[ 52 ]
مالك لا يثبت ولو صح لم يقبله أهل العلم كيف وقد قال شعبة فيه هو أمير المؤمنين في الحديث وروى عنه مثل الثوري وابن إدريس وحماد بن زيد ويزيد بن زريع وابن عليه وعبد الوارث وابن المبارك واحتمله أحمد وابن معين وعامة أهل الحديث غفر الله لهم إلى أن قال وإن مالكا رجع عن الكلام في ابن إسحاق واصطلح معه وبعث إليه هدية انتهى كلام ابن الهمام فأما قول صاحب العرف الشذي وأما البيهقي إلى قوله فالعجب فلم يذكر ما تكلم به البيهقي في الأسماء والصفات في ابن إسحاق حتى ينظر فيه أنه هو قابل للعجب أم لا ولو سلم أنه قابل للعجب فصنيع العيني أعجب فإنه يتكلم في ابن إسحاق ويجرحه إذا وقع هو في إسناد حديث يخالف مذهب الحنفية ويوثقه ويعتمده إذا وقع في إسناد حديث يوافق مذهبهم ألا ترى أنه قال في البناية في تضعيف حديث عبادة في القراءة خلف الإمام ما لفظه في حديث عبادة محمد بن إسحق بن يسار وهو مدلس قال النووي ليس فيه إلا التدليس قلت المدلس إذا قال عن فلان لا يحتج بحديثه عند جميع المحدثين مع أنه كذبه مالك وضعفه أحمد وقال لا يصح الحديث عنه وقال أبو زرعة الرازي لا يصح الحديث عنه وقال أبو زرعة الرازي لا يقضي له بشئ انتهى كلامه فانظر كيف تكلم العيني في ابن إسحاق ههنا وقال في عمدة القاري في تصحيح حديث أبي هريرة التسبيح للرجال والتصفيق للنساء ومن أشار في الصلاة إشارة تفهم عنه فليعدها ما لفظه إسناد هذا الحديث صحيح وتعليل ابن الجوزي بابن إسحاق ليس بشئ لأن ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى كلام العيني فانظر ههنا كيف اعتمد علي ابن إسحاق ولم يبال بتدليسه أيضا مع أنه روى هذا الحديث عن يعقوب بن عتبة بعن وكذلك صنيعة في عدة مواضع من كتابه فاعتبرو يا أولى الأبصار (عن أبان بن صالح) وثقة الأئمة ووهم ابن حزم فجهله وابن عبد البر فضعفه قاله الحافظ في التقريب (عن مجاهد) هو ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة أبو الحجاج المخزومي مولاهم المكي ثقة إمام في التفسير وفي العلم من أوساط التابعين مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو
أربع ومائة وله ثلاث وثمانون (عن جابر) هو ابن عبد الله بن عمرو بن حرام بمهملة وراء الأنصاري ثم السلمي بفتحتين صحابي ابن صحابي غزا تسع عشرة غزوة ومات بالمدينة بعد السبعين وهو ابن أربع وتسعين قوله (فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها) استدل به من قال بجواز الإستقبال والإستدبار
[ 53 ]
في الصحراء والبنيان وجعله ناسخا لأحاديث المنع وفيه ما سلف من أنها حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل أن يكون لعذر قوله (وفي الباب عن أبي قتادة وعائشة وعمار) أما حديث أبي قتادة فأخرجه الترمذي بعد هذا وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد وقد تقدم لفظه وأما حديث عمار فأخرجه الطبراني في الكبير قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم مستقبل القبلة بعد النهي لغائط أو بول قال الهيثمي في مجمع الزوائد فيه جعفر بن الزبير وقد أجمعوا على ضعفه قوله (حديث جابر في هذا الباب حديث حسن غريب) قال في المنتقى رواه الخمسة إلا النسائي انتهى قال في النيل وأخرجه أيضا البزار وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والدارقطني وحسنه الترمذي ونقل عن البخاري تصحيحه حسنه أيضا ابن السكن وتوقف فيه النووي لعنعنة ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث في رواية أحمد وغيره وضعفه ابن عبد البر بأبان بن صالح القرشي قال الحافظ ووهم في ذلك فإنه ثقة بالإتفاق وادعى ابن حزم أنه مجهول فغلط انتهى 10 - قوله (وقد روى هذا الحديث ابن لهيعة) هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي أبو عبد الرحمن المصري القاضي صدوق خلط بعد احتراق كتبه ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما وله في مسلم بعض شئ مقرون كذا قال الحافظ في التقريب ويجيئ باقي الكلام عليه عند كلام الترمذي عليه (عن أبي الزبير) اسمه
محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء الأسدي المكي صدوق إلا أنه يدلس كذا في التقريب قلت هو من رجال الكتب الستة (عن أبي قتادة) الأنصاري المدني شهد أحد وما بعدها ولم يصح شهوده بدرا مات سنة 54 أربع وخمسين
[ 54 ]
قوله (وابن لهيعة ضعيف عند أهل الحديث ضعفه يحيى بن سعيد القطان وغيره) قال يحيى بن معين ليس بالقوي وقال مسلم تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي كذا في الخلاصة وقال أطال الحافظ الذهبي الكلام في ترجمته في ميزان الإعتدال قلت ومع ضعفه فهو مدلس أيضا كما عرفت وكان يدلس عن الضعفاء قال الحافظ في طبقات المدلسين عبد الله بن لهيعة الحضرمي قاضي مصر اختلط في آخر عمره وكثر عنه المناكير في روايته وقال ابن حبان كان صالحا ولكنه كان يدلس عن الضعفاء انتهى قوله (حدثنا عبدة) هو ابن سليمان الكلابي أبو محمد الكوفي عن هشام بن عروة والأعمش وطائفة وعنه أحمد وإسحاق وهناد بن السري وأبو كريب وخلق وثقه أحمد وابن سعد والعجلي مات سنة 781 سبع وثمانين ومائة (عن عبد الله بن عمر) ابن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري المدني أحد الفقهاء السبعة والعلماء الأثبات قال النسائي ثقة ثبت مات سنة 147 سبع وأربعين ومائة (عن محمد بن يحيى بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الموحدة ابن منقذ الأنصاري المدني ثقة فقيه وثقة ابن معين والنسائي وغيرهما مات سنة 121 إحدى وعشرين ومائة (عن عمه واسع بن حبان) بفتح المهملة وتشديد الوحدة ابن منقذ بن عمرو الأنصاري المازني المدني صحابي ابن صحابي ثقة من كبار التابعين قاله الحافظ قوله (رقيت) أي علوت وصعدت (على بيت حفصة) هي أخت ابن عمر قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي قوله على بيت حفصة وقع في رواية على ظهر بيت لنا وفي أخرى ظهر بيتنا وكلها في الصحيح وفي رواية لابن خزيمة دخلت على حفصة بنت عمر فصعدت ظهر البيت وطريق الجمع أن يقال أضاف البيت إليه على سبيل المجاز
لكونها أخته وأضافه إلى حفصة لأنه البيت الذي أسكنها فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أضافه إلى نفسه باعتبار ما آل إليه حاله لأنه ورث حفصة دون إخوته لكونه شقيقها انتهى (فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة) استدل به من قال بجواز الإستقبال والإستدبار ورأى أنه ناسخ واعتقد الإباحة مطلقا وبه احتج من خص عدم الجواز بالصحارى ومن خص المنع بالإستقبال دون الإستدبار في
[ 55 ]
الصحارى والبنيان وقد عرفت ما فيه من أنها حكاية فعل لا عموم لها فيحتمل أن يكون لعذر وأن فعله صلى الله عليه وسلم لا يعارض القول الخاص بالأمة قاله الشوكاني في النيل باب النهي عن البول قائما قوله (حدثنا علي بن حجر) بضم الحاء وسكون الجيم ابن إياس السعدي المروزي نزيل بغداد ثم مرو ثقة حافظ روى عن شريك وإسماعيل بن جعفر وهقل بن زياد وهشيم وخلائق وعنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي ووثقه مات سنة 442 أربع وأربعين ومائتين (أنا شريك) بن عبد الله النخعي الكوفي القاضي صدوق يخطئ كثيرا تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة كذا في التقريب وقال في الخلاصة روى عن زياد بن علاقة وزبيد وسلمة بن كهيل وسماك وخلق وعنه هشيم وعباد بن العوام وابن المبارك وعلي بن حجر وأمم قال أحمد هو في أبي إسحاق أثبت من زهير وقال ابن معين ثقة يغلط وقال العجلي ثقة قال يعقوب بن سفيان ثقة سئ الحفظ مات سنة 771 سبع وسبعين ومائة (عن المقدام) بكسر الميم (بن شريح) بضم الشين مصغرا ابن هاني بن يزيد الحارثي الكوفي ثقة روى عن أبيه وعند ابنه يزيد ومسعر وغيرهما وثقه أبو حاتم وأحمد والنسائي (عن أبيه) شريح بن هاني أبي المقدام من كبار أصحاب علي روى عن أبيه وعمر وبلال وعنه ابنه المقدام والشعبي وثقه ابن معين وهو مخضرم قوله (من حدثكم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبول قائما فلا تصدقوه) فيه دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان يبول قائما بل كان هديه في البول القعود ولكن قول عائشة هذا لا ينفي إثبات من
أثبت وقوع البول منه حال القيام كما سيأتي في الباب الذي بعده قوله (وفي الباب عن عمر وبريدة) أما حديث عمر فأخرجه ابن ماجه والبيهقي وأما حديث بريدة فأخرجه البزار مرفوعا بلفظ ثلاث من الجفاء أن يبول الرجل قائما أو يمسح جبهته قبل أن يفرغ من صلاته أو ينفخ من صلاته أو ينفخ في سجوده كذا في النيل وفي الباب أيضا عن جابر قال
[ 56 ]
نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائما أخرجه ابن ماجه وفي إسناده عدى بن الفضل وهو متروك قوله (حديث عائشة أحسن شئ في هذا الباب وأصح) حديث عائشة هذا أخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه وفي إسناده شريك بن عبد الله النخعي وقد عرفت أنه صدوق يخطئ كثيرا وتغير حفظه منذ ولي الكوفة قال الحافظ في الفتح لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عن البول قائما شئ كما بينته في أوائل شرح الترمذي انتهى كلام الحافظ قلت فالمراد بقول الترمذي حديث عائشة أحسن شئ في هذا الباب وأصح أي هو أقل ضعفا وأرجح مما ورد في هذا الباب والله تعالى أعلم قوله (وحديث عمر إنما روي من حديث عبد الكريم بن أبي المخارق إلخ) أخرجه ابن ماجه والبيهقي من هذا الطريق (فما بلت قائما بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك قوله (إنما رفع هذا الحديث عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة أبو أمية المعلم البصري نزيل مكة (وهو ضعيف عند أهل الحديث) قال الحافظ ابن حجر في مقدمة فتح الباري عبد الكريم بن أبي المخارق أبو أمية البصري نزيل مكة متروك عند أئمة الحديث انتهى (ضعفه أيوب السختياني) بفتح المهملة بعدها معجمة ساكنة ثم مثناة فوقية مكسورة تم تحتانية وآخرة نون هو أيوب بن أبي تميمة كيسان البصري ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء تقدم ترجمته في المقدمة (وروى عبيد الله عن نافع عن ابن عمر قال قال عمر ما بلت قائما منذ أسلمت) أخرجه البزار قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات وهذا الأثر يدل على أن عمر ما بال
قائما منذ أسلم ولكن قال الحافظ في فتح الباري قد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياما انتهى (وهذا) أي حديث عمر الموقوف (أصح من حديث أبي الحارق) لضعفه (وحديث بريدة في هذا غير محفوظ) قال العيني في شرح البخاري في قول الترمذي في هذا نظر لأن البزار أخرجه
[ 57 ]
بسند صحيح قال حدثنا نصر بن علي حدثنا عبد الله بن داود حدثنا سعيد بن عبيد الله حدثنا عبد الله بن بريدة عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من الجفاء إن يبول الرجل قائما الحديث وقال لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلا سعيد بن عبد الله انتهى كلام العيني قلت الترمذي من أئمة هذا الشأن فقوله حديث بريدة في هذا غير محفوظ يعتمد عليه وأما إخراج البزار حديثه بسند ظاهره الصحة لا ينافي كونه غير محفوظ قوله (ومعنى النهي عن البول قائما على التأديب لا على التحريم) يدل عليه حديث أبي حذيفة الآتي في الباب الذي بعده (وقد روي عن عبد الله بن مسعود قال إن من الجفاء) قال في الصراح جفا بالمد بدى وستم يقال جفوته فهو مجفو ولا تقل جفيت وفلان ظاهر الجفوة بالكسر أي ظاهر الجفاء انتهى وقال المناوي في شرح الجامع الصغير الجفاء ترك البر والصلة وغلظ الطبع (وأنت قائم) جملة حالية وهذا الأثر ذكره الترمذي هكذا معلقا ولم أقف على من وصله باب ما جاء من الرخصة في ذلك 13 - (قوله حدثنا هناد) تقدم (نا وكيع) تقدم (عن الأعمش) هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمد الكوفي ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس من الخامسة كذا في التقريب وقال في مقدمته الخامسة الطبقة الصغرى من التابعين الذين رأوا الواحد والإثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة كالأعمش انتهى
وقال في الخلاصة رأى أنسا يبول انتهى (عن أبي وائل) اسمه شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم مات في خلافة
[ 58 ]
عمر بن عبد العزيز وله مائة سنة قوله (أتى سباطة قوم) بضم السين المهملة بعدها موحدة هي المزبلة والكناسة تكون بفناء الدور مرفقا لأهلها وتكون في الغالب سهلة لا يرتد فيها البول على البائل وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها لا تخلو عن النجاسة (فأتيته بوضوء) بفتح الواو (فدعاني حتى كنت عند عقبيه) وفي رواية البخاري فأشار إلي قال الحافظ ليست فيه دلالة على جواز الكلام في حال البول لأن هذه الرواية بينت أن قوله في رواية مسلم أنه كان بالإشارة لا باللفظ قال وأما مخالفته صلى الله عليه وسلم لما عرف من عادته من الإبعاد عن قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظارة فقد قيل فيه أنه صلى الله عليه وسلم مشغولا بمصالح المسلمين فلعله طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول فلو أبعد لتضرر واستدعى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يمر به وكان قدامه مستور بالحائط أو لعله فعله لبيان الجواز ثم هو في البول وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشف ولما يقترن به من الرائحة والغرض من الإبعاد التستر وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر روى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض سكك المدينة فانتهى إلى سباطة قوم فقال يا حذيفة استرني فذكر الحديث وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة وكأن حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه استدبره وظهر أيضا أن ذلك كان في الحضر لا في السفر انتهى قوله (وهكذا روى منصور) هو ابن المعتمر السلمى أبو عتاب الكوفي أحد الأعلام المشاهير عن إبراهيم وأبي وائل وخلق وعنه أيوب وشعبة وزائدة وخلق قال أبو حاتم متقن لا يخلط ولا يدلس وقال العجلى ثقة ثبت له نحو ألفي حديث قال زائدة صام منصور أربعين
سنة وقام ليلها توفى سنة 231 اثنتين وثلاثين ومائة (عبيدة) بضم العين مصغرا (الضبي) بفتح الضاد المعجمة وشدة الموحدة المكسورة هو عبيدة ابن معتب روى عن إبراهيم النخعي وأبي وائل وعنه شعبة وهشيم قال ابن عدي مع ضعفه يكتب حديثه علق له البخاري فرد
[ 59 ]
حديث كذا في الخلاصة وقال في التقريب ضعيف واختلط بآخره (وحديث أبي وائل عن حذيفة أصح) يعني من حديثه عن المغيرة قال الحافظ في الفتح هو كما قال الترمذي وإن جنح ابن خزيمة إلى تصحيح الروايتين لكون حماد بن أبي سليمان وافق عاصما على قوله عن المغيرة فجاز أن يكون أبو وائل سمعه منهما فيصح القولان معا لكن من حيث الترجيح رواية الأعمش ومنصور لاتفاقهما أصح من رواسة حماد وعاصم لكونهما في حفظهما مقال انتهى قلت الظاهر أن الروايتين صحيحتان ورواية الأعمش ومنصور أصح والله أعلم وحديث حذيفة هذا أخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم قوله (وقد رخص قوم من أهل العلم في البول قائما) واحتجوا بحديث الباب وأجابوا عن حديث عائشة الذي أخرجه الترمذي في الباب المتقدم بأنه مستند إلى علمها فيحمل على ما وقع منه في البيوت وأما في غير البيوت فيم تطلع هي عليه وقد حفظه حذيفة وهو من كبار الصحابة وعن حديثها الذي أخرجه أبو عوانة في صحيحة والحاكم قالت ما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما منذ أنزل عليه القرآن بأنه أيضا مستند إلى علمها فقد ثبت أن قوله صلى الله عليه وسلم عند سباطة قوم كان بالمدينة كما جاء في بعض الروايات الصحيحة قال الحافظ في الفتح وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة فتضمن الرد على ما نفته من أن ذلك لم يقع بعد نزول القرآن وقد ثبت عن عمر وعلي وزيد بن ثابت وغيرهم أنهم بالوا قياما وهو دال على الجواز من غير كراهة إذا أمن الرشاش ولم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في النهي عنه شئ انتهى قال قوم بكراهة البول قائما إلا من عذر واستدلوا بحديثي عائشة المذكورين وقد عرفت الجواب عنهما وقالوا إن بوله صلى الله عليه وسلم قائما كان لعذر
[ 60 ]
فقيل فعل ذلك لأنه لم يجد مكانا للجلوس لامتلاء الموضع بالنجاسة وقيل كان ما يقابله من السباطة عاليا ومن خلفه منحدرا متسفلا لو جلس مستقبل السباطة سقط إلى خلفه ولو جلس مستدبرا لها بدت عورته للناس وقيل إنما بال قائما لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت ففعل ذلك لكونه قريبا من الدار قال الحافظ ما رواه عبد الرزاق عن عمر رضي الله عنه قال البول قائما أحصن للدبر وقيل السبب في ذلك ما روى الشافعي وأحمد أن العرب كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك فلعله كان به وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال إنما بال رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما لجرح كان في مأبضه والمأبض بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة باطن الركبة فكأنه لم يتمكن لأجله من القعود قال الحافظ في الفتح لو صح هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدم لكن ضعفه الدارقطني والبيهقي والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز وكان أكثر أحواله البول عن قعود وسلك أبو عوانة في صحيحه وابن شاهين فيه مسلكا آخر فزعما أن البول عن قيام منسوخ واستدلا عليه بحديثي عائشة يعني المذكورين الصواب أنه غير منسوخ انتهى كلام الحافظ تنبيه قال صاحب العرف الشذي إن في البول قائما رخصة وينبغي الآن المنع عنه لأنه عمل غير أهل الإسلام انتهى بلفظه قلت بعد التسليم أن البول قائما رخصه لا وجه للمنع عنه في هذا الزمان وأما عمل غير أهل الإسلام عليه فليس موجبا للمنع باب في الإستتار عند الحاجة 14 - قوله (نا عبد السلام بن حرب الملائي) أبو بكر الكوفي أصله بصري ثقة حافظ
[ 61 ]
فقوله (إذا أراد الحاجة) أي قضاء الحاجة والمعنى إذا أراد القعود للغائط أو للبول (حتى يدنوا من الأرض) أي حتى يقرب منها محافظة على التستر واحترازا عن كشف العورة وهذا من أدب قضاء الحاجة قال الطيبي يستوي فيه الصحراء والبنيان لأن في رفع الثوب كشف العورة وهو لا يجوز إلا عند الحاجة ولا ضرورة في الرفع قبل القرب من الأرض قوله (هكذا روى محمد بن ربيعة) الكلابي الرؤاسي أبو عبد الله ابن عم وكيع الكوفي عن الأعمش وهشام بن عروة وابن جريج وطائفة وعنه أحمد وثقة ابن معين وأبو داود والدارقطني (وروى وكيع والحماني) بكسر المهملة وشدة الميم وهو عبد الحميد ابن عبد الرحمن أبو يحيى الكوفي عن الأعمش وعنه ابنه يحيى وأبو كريب وثقه ابن معين وضعفه أحمد وابن سعد كذا في الخلاصة وقال في التقريب لقبه بشمين صدوق يخطئ ورمي بالإرجاء من التاسعة مات سنة اثنتين ومائتين انتهى (عن الأعمش قال قال ابن عمر إلخ) فحديث وكيع الحماني عن الأعمش عن ابن عمر وأما حديث عبد السلام بن حرب محمد بن ربيعة فعن الأعمش عن أنس (وكلا الحديثين) أي حديث أنس وحديث ابن عمر رضي الله عنه (مرسل) أي منقطع وصورة المرسل أن يقول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل بحضرته كذا أو نحو ذلك ولا يذكر الصحابي وقد يجئ عند المحدثين رحمهم الله المرسل والمنقطع بمعنى والإصطلاح الأول أشهر وذكر السيوطي هذا الحديث في الجامع الصغير وقال رواه أبو داود والترمذي عن أنس وابن عمر والطبراني في الأوسط عن جابر انتهى وقال المناوي في شرح الجامع الصغير وبعض أسانيده صحيح قلت والحديث أخرجه أيضا أبو داود والدارمي (ويقال لم يسمع الأعمش عن أنس إلخ) قال علي بن المديني الأعمش لم يسمع من أنس بن مالك إنما رآه رؤية بمكة يصلي خلف المقام فأما طرق الأعمش عن أنس فإنما
يرويها عن يزيد الرقاشي عن أنس كذا في كتاب المراسيل لابن أبي حاتم ويزيد الرقاشي هذا هو يزيد بن أبان الرقاشي أبو عمرو البصري القاص زاهد ضعيف وقال الحافظ
[ 62 ]
المنذري في تلخيص السنن بعد نقل كلام الترمذي هذا وذكر أبو نعيم الأصفهاني أن الأعمش رأى أنس بن مالك وابن أبي أوفى وسمع منهما والذي قاله الترمذي هو المشهور انتهى (والأعمش اسمه سليمان بن مهران) بكسر الميم وكنيته أبو محمد ثقة حافظ عارف بالقراءة ورع لكنه يدلس وهو من صغار التابعين الذين رأوا الواحد والإثنين ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة رضي الله عنهم ولد سنة 61 إحدى وستين ومات سنة 148 ثمان وأربعين ومائة (الكاهلي وهو مولى لهم) أي نسبة الأعمش إلى قبيلة كاهل من جهة أنه مولى لهم لا من جهة أنه هو منهم صلبية قال ابن الصلاح في مقدمته النوع الرابع والستون معرفة الموالي من الرواة والعلماء وأهم ذلك معرفة الموالي المنسوبين إلى القبائل بوصف الإطلاق فإن الظاهر في المنسوب إلى قبيلة كما إذا قيل فلان القرشي أنه منهم صلبية فإذا بيان من قيل فيه قرشي من أجل كونه مولى لهم مهم انتهى فائدة أعلم أن من الموالي من يقال له مولى فلان أو لبني فلان والمراد به مولى العتاقة وهذا هو الأغلب في ذلك ومنهم من أطلق عليه لفظ المولى والمراد به ولاء الإسلام ومنهم أبو عبد الله البخاري فهو محمد بن إسماعيل الجعفي مولاهم نسب إلى ولاء الجعفيين لأن جده وأظنه الذي يقال له الأحنف أسلم وكان مجوسيا على يد اليمان بن أخنس الجعفي وكذلك الحسن بن عيسى الماسرجسي مولى عبد الله بن المبارك إنما ولاؤه له من حيث كونه أسلم وكان نصرانيا على يديه ومنهم من هو مولى بولاء الحلف والموالاة كما لك بن أنس الإمام ونفره هم أصبحيون صلبية ويقال له التيمي لأن نفره أصبح موال لتيم قريش بالحلف وقيل لأن جده مالك بن أبي عامر كان عسيفا على طلحة بن عبيد الله التيمي أي أجيرا وطلحة يختلف بالتجارة فقيل هو مولى التيميين لكونه مع طلحة ابن عبيد الله التيمي وهذا قسم رابع كما قيل في مقسم أنه مولى ابن عباس
للزومه إياه كذا في مقدمة ابن الصلاح فائدة أخرى قال ابن الصلاح في مقدمته روينا عن الزهري قال قدمت على عبد الملك بن مروان فقال من أين قدمت يا زهري قلت من مكة قال فمن خلفت بها يسود أهلها قلت عطاء بن أبي رباح قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي قال وبم سادهم قلت بالديانة والرواية قال إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا قال فمن يسود أهل اليمن
[ 63 ]
قال قلت طاووس بن كيسان قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي قال وبم سادهم قلت بما سادهم به عطاء قال إنه لينبغي قال فمن يسود أهل مصر قال قلت يزيد بن أبي حبيب قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي قال فمن يسود أهل الشام قال قلت مكحول قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل قال فمن يسود أهل الجزيرة قلت ميمون بن مهران قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي قال فمن يسود أهل خراسان قال قلت الضحاك بن مزاحم قال فمن العرب أو من الموالي قال قلت من الموالي قال فمن يسود أهل البصرة قال قلت الحسن بن أبي الحسن قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من الموالي قال فمن يسود أهل الكوفة قال قلت إبراهيم النخعي قال فمن العرب أم من الموالي قال قلت من العرب قال ويلك يا زهري فرجت عني والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها قال قلت يا أمير المؤمنين إذا هو أمر الله ودينه من حفظه ساد ومن ضيعه سقط وفيما نرويه عن عبد الله بن زيد بن أسلم قال لما مات العبادلة صار الفقه في جميع البلدان إلى جميع الموالي إلا المدينة فإن الله حصنها بقرشي فكان فقيه أهل المدينة سعيد بن المسيب غير مدافع قلت وفي هذا بعض الميل لقد كان حينئذ من العرب غير ابن المسيب فقهاء أئمة مشاهير انتهى كلام ابن الصلاح (قال الأعمش كان أبي حميلا فورثه مسروق) أي جعله وارثا والحميل الذي يحمل من بلاده صغيرا إلى دار الإسلام كذا في مجمع البحار وفي توريثه من أمه التي جاءت معه وقالت إنه هو ابنها
خلاف فعند مسروق أنه يرثها فلذلك ورث والد الأعمش أي جعله وارثا وعند الحنفيه أنه لا يرث من أمه قال الإمام محمد في موطئه أخبرنا مالك أخبرنا بكير بن عبد الله بن الأشج عن سعيد ابن المسيب قال أبي عمر بن الخطاب أن يورث أحدا من الأعاجم إلا ما ولد في العرب قال محمد وبهذا نأخذ لا يورث الحميل الذي يسبى وتسبى معه امرأة وتقول هو ولدي أو تقول هو أخي أو يقول هي أختي ولا نسب من الأنساب يورث إلا ببينة إلا الوالد والولد فإنه إذا ادعى الوالد أنه ابنه وصدقه فإنه ابنه ولا يحتاج في هذا إلى بينة انتهى ومسروق هذا هو ابن الأجدع بن مالك الهمداني الوداعي أبو عائشة الكوفي ثقة فقيه عابد مخضرم من الثانية كذا في التقريب وقال في الخلاصة أخذ عن عمر وعلي ومعاذ وابن مسعود وعنه إبراهيم والشعبي وخلق وعن الشعبي قال ما علمت أحدا كان أطلب للعلم منه وكان أعلم بالفتوى من شريح وكان شريح يستشيره وكان مسروق لا يحتاج إلى شريح مات سنة 36 ثلاث وستين كذا في تذكرة الحفاظ وقال أبو سعد السمعاني سمى مسروقا لأنه سرقة إنسان في صغره ثم وجد وغير عمر اسم أبيه إلى
[ 64 ]
عبد الرحمن فأثبت في الديوان مسروق بن عبد الرحمن كذا في التهذيب تنبيه لم يشر الترمذي إلى حديث آخر في الباب فأعلم أنه قد جاء في الباب عن أبي هريرة أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه وعن عبد الله بن جعفر أخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه وعن جابر أخرجه أبو داود وابن ماجه وعن المغيرة أخرجه النسائي وأبو داود والترمذي باب كراهية الإستنجاء باليمين 15 - قوله (حدثنا محمد بن أبي عمر المكي) هو محمد بن أبي عمر العدني نزيل مكة ويقال إن أبا عمر كنيته يحيى صدوق صنف المسند وكان لازم ابن عيينة لكن قال أبو حاتم فيه غفلة كذا في التقريب وقال في الخلاصة روى عن فضيل بن عياض وأبي معاوية وخلق وعنه مسلم والترمذي وابن ماجه مات سنة 342 ثلاث وأربعين ومائتين (عن معمر) بن
راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا وكذا فيما حدث به بالبصرة من كبار السابعة (عن يحيى بن أبي كثير) الطائي مولاهم اليمامي ثقة ثبت لكنه يدلس ويرسل من الخامسة (عن عبد الله بن أبي قتادة) الأنصاري المدني ثقة من الثانية (عن أبيه) أي أبي قتادة الأنصاري السلمي فارس رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمه الحارث بن ربعي شهد أحدا والمشاهد مات سنة 45 أربع وخمسين بالمدينة وهو الأصح قوله (نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه) أي بيده اليمنى تكريما لليمين والنهي في هذا الحديث مطلق غير مقيد بحالة البول وقد جاء مقيدا ففي صحيح مسلم عن أبي قتادة بلفظ لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول وفي صحيح البخاري عنه إذا بال أحدكم فلا يأخذن ذكره بيمينه قال البخاري في صحيحه باب لا يمسك ذكره بيمينه إذا بال قال الحافظ في الفتح أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب قبله محمول على المقيد بحالة البول فيكون ما عداه مباحا وقال بعض العلماء يكون ممنوعا أيضا من باب الأولى لأنه نهى عن ذلك مع مظنة الحاجة في تلك الحالة وتعقبه أبو محمد بن أبي جمرة بأن مظنة الحاجة لا
[ 65 ]
تختص بحالة الإستنجاء وإنما خص النهي بحالة البول من جهة الشئ يعطى حكمه فلما منع الاستنجاء باليمين منع مس آلته حسما للمادة ثم استدل على الإباحة بقوله صلى الله عليه وسلم لطلق بن علي حين سأله عن مس ذكره إنما هو بضعة منك فدل على الجواز في كل حال فخرجت حالة البول بهذا الحديث الصحيح وبقي ما عداها على الإباحة انتهى والحديث الذي أشار إليه صحيح أو حسن وقد يقال حمل المطلق على المقيد غير متفق عليه بين العلماء ومن قال به اشترط فيه شروطا لكن نبه ابن دقيق العيد على أن محل الإختلاف إنما هو حيث يتغاير مخارج الحديث بحيث يعد حديثين مختلفين أما إذا اتحد المخرج وكان الإختلاف فيه من بعض الرواة فينبغي حمل المطلق على المقيد بلا خلاف لأن التقييد حينئذ يكون زيادة من عدل فتقبل انتهى ما في فتح الباري
قلت لا شك في أن حديث أبي قتادة الذي رواه الترمذي في هذا الباب مطلق فالظاهر هو أن يحمل على المقيد لاتحاد المخرج وأما حديث أبي قتادة الذي أخرجه البخاري بلفظ وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه وإليه أشار الحافظ بقوله أشار بهذه الترجمة إلى أن النهي المطلق عن مس الذكر باليمين كما في الباب قبله إلخ ففي كونه مطلقا كلام فتدبر قوله (وفي الباب عن عائشة وسلمان وأبي هريرة وسهل بن حنيف) أما حديث عائشة فأخرجه أبو داود من طريق إبراهيم عنها بلفظ قلت كانت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم اليمنى لطهوره وطعامه وكانت يده اليسرى لخلائه وما كان من أذى قال المنذري إبراهيم لم يسمع من عائشة فهو منقطع وأخرجه من حديث الأسود عن عائشة بمعناه وأخرجه في اللباس من حديث مسروق عن عائشة ومن ذلك الوجه أخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه انتهى كلام المنذري أما حديث سلمان فأخرجه مسلم بلفظ قال نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة لغائط أو بول أو نستنجي باليمين الحديث وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه والدارمي وفيه ونهى أن يستنجي الرجل بيمينه وأما حديث سهل بن خنيف فلم أقف عليه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان بلفظ قال إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء وإذا أتى الخلاء فلا يمس ذكره بيمينه ولا يتمسح بيمينه قوله (وأبو قتادة اسمه الحارث بن ربعي) بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة ابن بلدمة بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة السلمي بفتحتين المدني شهد أحدا وما بعدها ولم يصح شهوده بدرا
[ 66 ]
باب الإستنجاء بالحجارة 16 - قوله (حدثنا هناد تقدم (عن الأعمش) تقدم (عن إبراهيم) هو إبراهيم ابن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي الكوفي الفقيه ثقة إلا أنه يرسل كثيرا (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي أبو بكر الكوفي ثقة
قوله (قيل لسلمان) الفارسي ويقال له سلمان الخير وسئل عن نسبه فقال أنا سلمان بن الإسلام أصله من فارس أسلم مقدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان من خيار الصحابة وزهادهم وفضلائهم والقائلون هم المشركون كما في رواية ابن ماجه قال له بعض المشركين وهم يستهزئون به وفي رواية مسلم قال لنا المشركون (حتى الخراءة) قال الخطابي الخراءة بكسر الخاء ممدودة الألف أدب التخلي والقعود عند الحاجة وقال النووي الخراءة بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الراء وبالمد وهو اسم لهيئة الحدث وأما نفس الحدث فبحذف التاء وبالمدمع فتح الخاء وكسرها انتهى (أجل) بسكون اللام حرف إيجاب بمعنى نعم (أو أن نستنجي باليمين) الإستنجاء باليمين للتنبيه على إكرامها وصيانتها عن الأقذار ونحوها (أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار) وفي رواية لأحمد ولا نكتفي بدون ثلاثة أحجار قال الخطابي فيه بيان أن الاستنجاء بالأحجار أحد الطهرين وأنه إذا لم يستعمل الماء لم يكن بد من الحجارة أو ما يقوم مقامها وهو قول سفيان الثوري ومالك بن أنس والشافعي وأحمد بن حنبل وفي قوله أو أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار البيان الواضح أن الاقتصار على أقل من ثلاثة أحجار لا يجوز وإن وقع الإنقاء بما دونها ولو كان المراد به الإنقاء حسب لم يكن لاشتراط عدد الثلاث معنى إذا كان معلوما أن الإنقاء يقع بالمسحة الواحدة وبالمسحتين فلما اشترط العدد لفظا وعلما لإنقاء فيه معنى دل على
[ 67 ]
إيجاب الأمرين انتهى مختصرا قال المظهري الاستنجاء بثلاثة أحجار واجب عند الشافعي رحمه الله وإن حصل النقاء بأقل وعند أبي حنيفة النقاء متعين لا العدد انتهى واستدل للشافعي بحديث الباب واستدل لأبي حنيفة رحمه الله بقوله صلى الله عليه وسلم من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج قال القاري في المرقاة هذا يدل دلالة واضحة على جواز الإستنجاء بأقل من ثلاثة أحجار وعدم شرط الإيتار وهو مذهب أبي حنيفة انتهى
قلت حديث من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج أخرج أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة وهو بظاهره مخالف لحديث سلمان المذكور في الباب وحديث سلمان أصح منه فيقدم عليه أو يجمع بينهما بما قال الحافظ في الفتح ما لفظه وأخذ بهذا أي بحديث سلمان الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء إذا لم يحصل بها فيزاد متى ينقى ويستحب حينئذ الإيتار لقوله من استجمر فليوتر وليس بواجب الزيادة في أبي داود حسنة الإسناد قال ومن لا فلا حرج وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب انتهى وقال ابن تيمية في المنتقى بعد ذكر حديث أبي هريرة المذكور ما لفظه وهذا محمول على أن القطع على وترسنة فيما زاد على ثلاث جمعا بين النصوص انتهى (وأن نستنجي برجيع أو عظم) لفظ أو للعطف لا للشك ومعناه الواو أي نهانا عن الإستنجاء بهما والرجيع هو الروث والعذرة فعيل بمعنى فاعل لأنه رجع عن حالته الأولى بعد أن كان طعاما أو علفا والروث هو رجيع ذوات الحوافر وجاء عند أبي داود في رواية رويفع بن ثابت رجيع دابة وأما عذرة الإنسان فهي داخل تحت قوله صلى الله عليه وسلم إنها ركس وأما علة النهي عن الاستنجاء بالرجيع والعظيم فيأتي بيانها كراهية ما يستنجي به قوله (وفي الباب عن عائشة وخزيمة بن ثابت وجابر وخلاد بن السائب عن أبيه) أما حديث عائشة فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والدارمي بلفظ قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه والحديث
[ 68 ]
سكت عنه أبو داود ثم المنذري وأما حديث خزيمة بن ثابت فأخرجه أبو داود وابن ماجه بلفظ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الاستطابة فقال بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع والحديث سكت عنه أبو داود ثم المنذري وأما حديث جابر فأخرجه أحمد عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استجمر أحدكم فليستجمر ثلاثا قال الهيثمي رجاله ثقات وأما حديث السائب والدخلاد فأخرجه الطبراني في
الكبير والأوسط عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا دخل أحدكم الخلاء فليمسح يثلاثة أحجار قال الهيثمي وفيه حماد بن الجعد وقد أجمعوا على ضعفه قوله (حديث سلمان حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم قوله (وهو قول أكثر أهل العلم إلخ) وهو الحق والصواب يدل عليه أحاديث الباب باب في الإستنجاء بالحجرين 17 - قوله (عن أبي عبيدة) هو ابن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي ثقة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه كذا في التقريب (عن عبد الله) هو ابن مسعود بن غافل بمعجمة ثم فاء مكسورة ابن حبيب ابن عبد الرحمن الكوفي أحد السابقين الأولين وصاحب النعلين شهد بدرا والمشاهد مات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين عن بضع وستين سنة قوله (فأتيته بحجرين وروثة) زاد ابن خزيمة في رواية له في هذا الحديث إنها كانت روثة حمار ونقل التميمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير وفي رواية البخاري وغيره فوجدت الحجرين والتمست الثالث فلم أجد فأخذت روثة فأتيت بها أي بالثلاثة من
[ 69 ]
الحجرين والروثة (فأخذ الحجرين وألقى الروثة) استدل به الطحاوي على عدم اشتراط الثلاثة قال لأنه لو كان مشترطا لطلب ثالثا كذا قال وغفل رحمه الله عما أخرجه أحمد في مسنده من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن ابن مسعود في هذا الحديث فإن فيه فألقى الروثة وقال إنها ركس ائتني بحجر ورجاله ثقات أثبات وقد تابع عليه معمر أبو شيبة الواسطي وهو ضعيف أخرجه الدارقطني وتابعهما عمار بن رزيق أحد الثقات عن أبي إسحاق وقد قيل إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه الكرابيسي وعلى تقدير أنه أرسله عنه فالمرسل حجة عند المخالفين وعندنا أيضا إذا اعتضد قاله الحافظ ابن حجر في فتح الباري وتعقب عليه العيني في عمدة القاري ص 737 ج 1 شرح البخاري فقال لم يغفل
الطحاوي عن ذلك وإنما الذي نسبه إلى الغفلة هو الغافل وكيف يغفل عن ذلك وقد ثبت عنده عدم سماع أبي إسحاق عن علقمة فالحديث عنده منقطع والمحدث لا يرى العمل به وأبو شيبة الواسطي ضعيف فلا يعتبر بمتابعته فالذي يدعي صنعة الحديث كيف يرضي بهذا الكلام انتهى قلت هذا غفلة شديدة من العيني فإن الطحاوي رحمه الله قد احتج بحديث أبي إسحاق عن علقمة في مواضع من كتابه شرح الآثار فمنها ما قال حدثنا أبو بكرة قال ثنا أبو داود قال ثنا خديج بن معاوية عن أبي إسحاق عن علقمة بن مسعود قال ليت الذي يقرأ خلف الإمام ملئ فوه ترابا سلمنا أن أبا شيبة ضعيف فلا يعتبر بمتابعته لكن عمار بن رزيق ثقة وهو قد تابعهما فمتابعته معتبرة بلا شك على أن قول الطحاوي لو كان مشترطا لطلب ثالثا فيه نظر لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثالثا بنفسه من دون طلب أو استنجى بحجر وطرفي حجر آخر والإحتمال لا يصح الإستدلال قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية قال ابن الجوزي في التحقيق وحديث البخاري ليس فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون عليه السلام أخذ حجرا ثالثا مكان الروثة وبالإحتمال لا يتم الإستدلال انتهى قوله (وقال إنها ركس) كذا وقع ههنا بكسر الراء وإسكان الكاف فقيل هي لغة في رجس ويدل عليه رواية ابن ماجه وابن خزيمة في هذا الحديث فإنها عندهما بالجيم وقيل الركس الرجيع رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة قاله الخطابي وغيره والأولى أن يقال رد من حالة الطعام إلى حالة الروث كذا في فتح الباري
[ 70 ]
قوله (وهكذا روى قيس بن الربيع) الأسدي أبو محمد الكوفي صدوق تغير لما كبر وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به (وهذا حديث فيه اضطراب) أي في سنده اضطراب فأصحاب أبي إسحاق يختلفون عليه كما بينه الترمذي (سألت عبد الله بن عبد الرحمن) هو أبو محمد الدارمي الحافظ صاحب المسند وتقدم ترجمته في المقدمة (سألت محمدا) هو الإمام
البخاري (وكأنه) أي محمدا البخاري (أشبه) أي بالصحة وأقرب إلى الصواب (ووضعه في كتابه الجامع) أي الجامع الصحيح المشهور بصحيح البخاري في باب لا يستنجي بروث (لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء) أي معمر وعمار بن رزيق وزهير وزكريا بن أبي زائدة (وتابعه) أي إسرائيل (على ذلك) أي على روايته عن أبي عبيدة عن عبد الله (قيس بن الربيع)
[ 71 ]
بالرفع فاعل تابع (وزهير في أبي إسحاق) أي في رواية الحديث عن أبي إسحاق ليس بالقوي (لأن سماعه منه) أي لأن سماع زهير من أبي إسحاق (بأخرة) بفتح الهمزة والخاء أي في آخر عمره في نسخة قلمية صحيحة بآخره اعلم أن الترمذي رجح رواية إسرائيل على رواية زهير التي وضعها الإمام البخاري في صحيحه وعلى روايات معمر وغيره بثلاثة وجوه الأول أن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من زهير ومعمر وغيرهما الثاني أن قيس بن الربيع تابع إسرائيل على روايته عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله الثالث أن سماع إسرائيل من أبي إسحاق ليس في آخر عمره وسماع زهير منه في آخر عمره قلت في كل من هذه الوجوه الثلاثة نظر فما قال في الوجه الأول فهو معارض بما قال الآجرى سألت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال زهير فوق إسرائيل بكثير وما قال في الوجه الثاني من متابعة قيس بن الربع لرواية إسرائيل فإن شريكا القاضي تابع زهيرا وشريك أوثق من قيس وأيضا تابع زهيرا إبراهيم بن يوسف عن أبيه وابن حماد الحنفي وأبو مريم وزكريا بن أبي زائدة وما قال في الوجه الثالث فهو معارض بما قال الذهبي في الميزان قال أحمد بن حنبل حديث زكريا وإسرائيل عن أبي إسحاق لين سمعا منه بآخره فظهر الآن أنه ليس لترجيح رواية إسرائيل وجه صحيح بل الظاهر أن الترجيح لرواية زهير التي رجحها البخاري
ووضعها في صحيحه قال الحافظ ابن حجر في مقدمة ص 304 فتح الباري حكى ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي زرعة أنهما رجحا رواية إسرائيل وكأن الترمذي تبعهما في ذلك والذي يظهر أن الذي رجحه البخاري هو الأرجح وبيان ذلك أن مجموع كلام هؤلاء الأئمة مشعر بأنه الراجح على الروايات كلها أما طريق إسرائيل وهي عن أبي عبيدة عن أبيه وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه فيكون الإسناد منقطعا أو رواية زهير وهي عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود فيكون متصلا وهو تصرف صحيح لأن الأسانيد فيه إلى زهير وإلى إسرائيل أثبت من بقية الأسانيد وإذا تقرر ذلك كان دعوى الاضطراب في الحديث منفية لأن الاختلاف على الحفاظ في
[ 72 ]
الحديث لا يوجب أن يكون مضطربا إلا بشرطين أحدهما استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح وثانيهما مع الإستواء أن يتعذر الجمع على قواعد المحدثين أو يغلب على الظن أن ذلك الحافظ لم يضبط ذلك الحديث بعينه فحينئذ يحكم على تلك الرواية وحدها بالإضطراب ويتوقف على الحكم بصحة ذلك الحديث لذلك وههنا يظهر عدم استواء وجوه الاختلاف على أبي إسحاق فيه لأن الروايات المختلفة عنه لا يخلو إسناد منها من مقال غير الطريقين المقدم ذكرهما عن زهير وعن إسرائيل مع أنه يمكن رد أكثر الطرق إلى رواية زهير والذي يظهر بعد ذلك تقديم رواية زهير لأن يوسف بن إسحاق بن أبي إسحاق قد تابع زهيرا وقد رواه الطبراني في المعجم الكبير من رواية يحيى بن أبي زائدة عن أبيه عن أبي إسحاق كرواية زهير ورواه أبو بكر بن أبي شيبة في مصنفه من طريق ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن ابن مسعود كرواية زهير عن أبي إسحاق وليث وإن كان ضعيف الحفظ فإنه يعتبر به ويستشهد فيعرف أن له من رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه أصلا انتهى كلام الحافظ قوله (سمعت أحمد بن الحسن) ابن جنيدب الترمذي الحافظ الجوال كان من تلامذة أحمد بن حنبل روى عن أبي عاصم والفريابي ويعلى بن عبيد وغيرهم وعنه البخاري والترمذي
وابن خزيمة وكان أحد أوعية الحديث مات سنة 502 خمس ومائتين (إذا سمعت الحديث عن زائدة) هو ابن قدامة الثقفي أبو الصلت الكوفي أحد الأعلام روى عن سماك بن حرب وزياد بن علاقة وعاصم بن بهدلة وعنه ابن عيينة وابن مهدي وغيرهما وثقه أبو حاتم وغيره مات غازيا بأرض الروم سنة 261 اثنتين وستين ومائة كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة ثبت صاحب سنة (وزهير) تقدم ترجمته آنفا (إلا حديث إبى إسحق) قال في الخلاصة قال أحمد زهير سمع من أبي إسحاق بأخرة وقال في هامشها نقلا عن التهذيب وقال أبو زرعة ثقة إلا أنه سمع من أبي إسحاق بعد الاختلاط انتهى (وأبو إسحاق اسمه عمرو بن عبد الله السبيعي الهمداني) قال في التقريب مكثر ثقة عابد من الثالثة يعني من أوساط التابعين اختلط بآخره مات سنة 921 تسع وعشرين ومائة وقيل قبل ذلك انتهى وقال في الخلاصة أحد أعلام التابعين قال أبو حاتم ثقة يشبه الزهري في الكثرة وقال حميد الرؤاسى سمع منه ابن عيينة بعد ما اختلط انتهى قلت
[ 73 ]
هو مدلس صرح به الحافظ في طبقات المدلسين (ولا يعرف اسمه) اسمه عامر لكنه مشهور بكنيته (حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي مولاهم الكوفي أبو عبد الله الكرابيسي الحافظ ربيب شعبة جالسة نحوا من عشرين سنة لقبه غندر قال ابن معين كان من أصح الناس كتابا قال أبو داود مات سنة 391 ثلاث وتسعين ومائة وقال ابن سعد سنة أربع كذا في الخ صة وقال الحافظ ثقة صحيح الكتاب إلا أن فيه غفلة انتهى (عن عمرو بن مرة) بن عبد الله بن طارق الجملي المرادي الكوفي الأعمى ثقة عابد كان لا يدلس ورمي بالإرجاء قوله (سألت أبا عبيدة بن عبد الله هل تذكر من عبد الله شيئا قال لا) هذا نص صحيح صريح في أن أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه شيئا وهو القول الراجح قال الحافظ في التقريب أبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود مشهور بكنيته والأشهر أنه لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر كوفي ثقة والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه وقال في تهذيب التهذيب
روى عن أبيه ولم يسمع منه ذكره ابن حبان في الثقات وقال لم يسمع من أبيه شيئا وقال ابن أبي حاتم في المراسيل قلت لأبي هل سمع أبو عبيدة من أبيه قال يقال إنه لم يسمع انتهى وقال الحافظ في الفتح أبو عبيدة لم يسمع من أبيه على الصحيح انتهى تنبيه قال العيني في شرح البخاري رادا على الحافظ ما لفظه وأما قول هذا القائل أبو عبيدة لم يسمع من أبيه فمردود بما ذكر في المعجم الأوسط للطبراني من حديث زياد ابن سعد عن أبي الزبير قال حدثني يونس بن عتاب الكوفي سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر الحديث وبما أخرج الحاكم في مستدركه من حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف عليه السلام وصحح إسناده وبما حسن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه منها لما كان يوم بدر جئ بالأسرى ومنها كان في الركعتين الأوليين كأنه على الرضف ومنها قوله ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله ومن شرط الحديث الحسن أن يكون متصل الإسناد عند المحدثين انتهى كلام العيني قلت لا بد للعيني أن يثبت أولا صحة رواية المعجم الأوسط ثم بعد ذلك يستدل بها على صحة سماع أبي عبيدة ودونه خرط القتاد وأما استدلاله على سماعه من أبيه بما أخرجه الحاكم وتصحيحه فعجيب جدا فإن تساهله مشهور وقد ثبت بسند صحيح عن أبي عبيدة نفسه عدم سماعه من أبيه كما عرفت وأما استدلاله على ذلك بما حسن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه فمبني على أنه لم يقف على أن الترمذي قد يحسن الحديث مع الإعتراف بانقطاعه وقد ذكرنا ذلك في المقدمة
[ 74 ]
باب كراهية ما يستنجى به أي في بيان الأشياء التي يكره الإستنجاء بها وقد تقدم في المقدمة مبسوطا أن إطلاق لفظ الكراهية جاء في كلام الله ورسوله بمعنى التحريم والسلف كانوا يستعملون هذا اللفظ في معناه الذي استعمل فيه كلام الله ورسول ولكن المتأخرين اصطلحوا
على تخصيص لفظ الكراهية بما ليس بمحرم وتركه أرجح من فعله ثم حمل من حمل منهم كلام الأئمة على الإصطلاح الحادث فغلط في ذلك 18 - قوله (نا حفص بن غياث) بمعجمة مكسورة وياء ومثلثة ابن طلق بن معاوية النخعي أبو عمر الكوفي القاضي ثقة فقيه تغير حفظه قليلا في الآخر من الثامنة أي من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين كذا في التقريب وقال في مقدمة فتح الباري أجمعوا على توثيقه والاحتجاج به إلا أنه ساء حفظه في الآخر فمن سمع من كتابه أصح ممن سمع من حفظه روى له الجماعة (عن داود بن أبي هند) القشيري مولاهم ثقة متقن إلا أنه يهم بآخرة روى عن ابن المسيب وأبي العالية والشعبي وخلق وعنه يحيى بن سعيد قرينة وقتادة كذلك وشعبة والثوري وخلق وثقه أحمد والعجلي وأبو حاتم والنسائي مات سنة 931 تسع وثلاثين ومائة كذا في التقريب والخلاصة (عن الشعبي) هو عامر بن شراحيل الشعبي بفتح الشين أبو عمرو ثقة مشهور فقيه فاضل من الطبقة الوسطى من التابعين قال مكحول ما رأيت أفقه منه وكذلك قال أبو مجلز قال الشعبي أدركت خمسمائة من الصحابة قال ابن عيينة كانت الناس تقول ابن عباس في زمانه والشعبي في زمانه توفي سنة ثلاث ومائة كذا في التقريب والخلاصة (عن علقمة) بن قيس بن عبد الله النخعي الكوفي ثقة ثبت فقيه عابد من كبار التابعين عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وطائفة وعنه إبراهيم النخعي والشعبي وخلق قال ابن المديني أعلم الناس بابن مسعود علقمة والأسود قال ابن سعد مات سنة 62 اثنتين وستين كذا في التقريب والخلاصة قوله (لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام) جمع عظم وتقدم معنى الروث في الباب المتقدم (فإنه زاد إخوانكم من الجن) قال الطيبي الضمير في فإنه راجع إلى الروث والعظام باعتبار المذكور كما ورد في شرح السنة وجامع الأصول وفي بعض نسخ المصابيح وفي بعضها وجامع
[ 75 ]
الترمذي فإنها فالضمير راجع إلى العظام والروث تابع لها وعليه قوله تعالى وإذا رأوا تجارة أو
لهوا انفضوا إليها وقال ابن حجر وإنما سكت عن الروث لأن كونه زادا لهم إنما هو مجاز لما تقرر أنه لدوابهم انتهى كذا في المرقاة وفي رواية مسلم في قصة ليلة الجن وسألوه عن الزاد فقال لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة لدوابكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام الجن وحديث الباب يدل على أنه لا يجوز الإستنجاء بالروث والعظم والعلة أنهما من طعام الجن العظام لهم والروث لدوابهم وروى الدارقطني عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بروث أو عظم وقال أنهما لا يطهران قال الدارقطني بعد روايته إسناده صحيح وهذا الحديث يدل على أن العلة أنهما لا يطهران قال في سبل السلام علل في رواية الدارقطني بأنهما لا يطهران وعلل بأنهما من طعام الجن وعللت الروثة بأنها ركس والتعليل بعدم التطهير فيها عائد إلى كونها ركسا وأما عدم تطهير العظم فإنه لزج لا يتماسك فلا ينشف النجاسة ولا يقطع البلة قال ولاتنافي بين هذه الروايات فقد يعلل الأمر الواحد بعلل كثيرة قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وسلمان وعلي وابن عمر) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البخاري في كتاب الطهارة وفي باب ذكر الجن وأما حديث سلمان فأخرجه الجماعة إلا البخاري كذا في نصب الراية وأما حديث جابر فأخرجه مسلم عن أبي الزبير عنه بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أو بعر وحديث ابن مسعود المذكور في الباب أخرجه أيضا النسائي إلا أنه لم يذكر زاد إخوانكم من الجن كذا في المشكاة قوله (وقد روى هذا الحديث إسماعيل بن إبراهيم) بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر البصري المعروف ابن علية ثقة حافظ من الطبقة الوسطى من أتباع التابعين روى عن أيوب وعبد العزيز بن رفيع وروح بن القاسم وخلق وعنه أحمد وابن راهوية وعلى بن حجر وخلق كثير قال شعبة ابن علية ريحانة الفقهاء قال أحمد إليه المنتهى في الثبت وقال ابن معين كان ثقة مأمونا ورعا تقيا (الحديث بطوله) بالنصب أي أتم الحديث بطوله وأخرج الترمذي هذا الحديث بطوله في تفسير
سورة الأحقاف ومسلم في كتاب الصلاة في باب الجهر بالقراءة في الصبح
[ 76 ]
والقراءة على الجن قال الترمذي في التفسير حدثنا علي بن حجر نا إسماعيل بن إبراهيم عن داود عن الشعبي عن علقمة قال قلت لابن مسعود هل صحب النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الجن منكم أحد قال ما صحبة منا أحد ولكن افتقدناه ذات ليلة وهو بمكة اغتيل استطير ما فعل به فبتنا بشر ليلة بات بها قوم حتى إذا أصبحنا أو كان في وجه الصبح إذا نحن به يجئ من قبل حراء قال فذكروا الذي كانوا فيه قال فقال أتانى داعي الجن فأتيتهم فقرأت عليهم قال فانطلق فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم قال الشعبي سألوه الزاد وكانوا من الجزيرة فقال كل عظم يذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أو فرما كان لحما وكل بعرة أو روثة علف لدوابهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما زاد إخوانكم من الجن هذا حديث حسن صحيح (وكأن رواية إسماعيل أصح من رواية حفص بن غياث) والفرق بين روايتيهما أن رواية إسماعيل مقطوعة ورواية حفص بن غياث مسندة ووجه كون رواية إسماعيل أصح أن حفصا خالف أصحاب داود بن أبي هند فروى هذه الرواية مسندة وهم رووها من قول الشعبي قال النووي في شرح مسلم قال الدارقطني انتهى حديث ابن مسعود عند قوله فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وما بعده من كلام الشعبي كذا رواه أصحاب داود الراوي عن الشعبي وابن علية وابن زريع وابن أبي زائدة وابن إدريس وغيرهم هكذا قال الدارقطني وغيره ومعنى قوله إنه من كلام الشعبي أنه ليس مرويا عن ابن مسعود بهذا الحديث وإلا فالشعبي لا يقول هذا الكلام إلا بتوقيف عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى قوله (وفي الباب عن جابر وابن عمر) كذا في النسخ الموجودة عندنا وهو تكرار باب الإستنجاء بالماء 19 - قوله (حدثنا قتيبة ومحمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب) الأموي البصري صدوق من كبار العاشرة روى عن عبد الواحد بن زياد وأبي عوانة ويزيد بن زريع وعنه مسلم والترمذي والنسائي وقال لا بأس وابن ماجه مات سنة 244 أربع وأربعين ومائتين (عن
[ 77 ]
قتادة) بن دعامة السدوسي البصري ثقة ثبت يقال ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة قال ابن المسيب ما أتانا عراقي أحفظ من قتادة وقال ابن سيرين قتادة أحفظ الناس وقال ابن مهدي قتادة أحفظ الناس وقال ابن مهدي قتادة أحفظ من خمسين مثل حميد توفي سنة 117 سبع عشرة ومائة وقد احتج به أرباب الصحاح كذا في التقريب والخلاصة قلت لكنه مدلس (عن معاذة) بنت عبد الله العدوية أم الصهباء البصرية العابدة قال ابن معين ثقة حجة روت عن علي وعائشة وعنها أبو قلابة ويزيد الرشك وأيوب وطائفة قال الذهبي بلغني أنها كانت تحيي الليل وتقول عجبت لعين تنام وقد علمت طول الرقاد في القبور قال ابن الجوزي توفيت سنة 38 ثلاث وثمانون قوله (قالت) أي للنساء (أي يستطيبوا) أي أن يستنجوا والإستطابة الاستنجاء (فأني استحييهم) أي من بيان هذا الأمر (كان يفعله) أي الاستنجاء بالماء قوله (وفي الباب عن جرير بن عبد الله البجلي وأنس وأبي هريرة) أما حديث جرير ابن عبد الله فأخرجه ابن خزيمة في صحيحه من حديث إبراهيم بن جرير عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بأداوة من ماء فاستنجى منها ومسح يده بالتراب قال الحافظ في التقريب إبراهيم بن جرير بن عبد الله البجلي صدوق إلا إنه لم يسمع من أبيه وقد روى عنه بالعنعنة وجاءت رواية بصريح التحديث لكن الذنب لغيره وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء فأحمل أنا وغلام نحوي أداوة من ماء وعنزة فيستنجي بالماء وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه مرفوعا قال نزلت هذه الآية في أهل قباء فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله يحب المطهرين قال كانوا يستنجون بالماء فنزلت فيهم هذه الآية وسنده ضعيف وفي الباب أحاديث صحيحة أخرى ومن هنا ظهر أن قوله من قال من الأئمة إنه لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث ليس بصحيح قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد والنسائي قوله (وعليه العمل عند أهل العلم يختارون الاستنجاء بالماء وإن كان الاستنجاء
[ 78 ]
بالحجارة يجزئ عندهم إلخ) قال العيني مذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولا ثم يستعمل الماء فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ويكون أبلغ في النظافة فإن أراد الإقتصار على أحدهما فالماء أفضل لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها والحجر يزيل العين دون الأثر لكنه معفو عنه في حق نفسه وتصح الصلاة معه انتهى كلام العيني اعلم أن الإمام البخاري قد بوب في صحيحه باب الاستنجاء بالماء وذكر فيه حديث أنس المذكور قال الحافظ في الفتح أراد البخاري بهذه الترجمة الرد على من كرهه وعلى من لغي وقوعه من النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال إذا لا يزال في يدي نتن وعن نافع عن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء وعن ابن الزبير قال ما كنا نفعله ونقل ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم استنجى بالماء وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء لأنه مطعوم انتهى قلت لعل الترمذي أيضا أراد ما أراد البخاري والله تعالى أعلم باب ما جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة أبعد في المذهب 20 - قوله (نا عبد الوهاب الثقفي) هو عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت أبو محمد البصري ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين روى عن حميد وأيوب وخالد الحذاء وخلق وعنه أحمد وإسحاق وابن معين والمديني ومن القدماء الشافعي قال ابن المديني ليس في الدنيا كتاب عن يحيى الأنصاري أصح من كتاب عبد الوهاب مات سنة 491 أربع وتسعين ومائة (عن محمد بن عمرو) بن علقمة بن وقاص الليثي المدني صدوق له أوهام قاله الحافظ في التقريب وقال في تهذيب التهذيب روى عن أبيه وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبيدة بن سفيان وذكر كثيرا من شيوخه ثم ذكر أقوال أئمة الحديث فيه وحاصلها ما قال في التقريب من أنه صدوق له أوهام
[ 79 ]
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قيل اسمه عبد الله وقيل إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة كذا في التقريب (عن المغيرة بن شعبة) بن مسعود بن معتب الثقفي صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية وولي إمرة البصرة ثم الكوفة كذا في التقريب قوله (فأبعد في المذهب) بفتح الميم أي فأبعد في الذهاب عند قضاء الحاجة وفي رواية أبي داود كان إذا ذهب المذهب أبعد قال الشيخ ولى الدين العراقي بفتح الميم وإسكان الذال مفعل من الذهاب ويطلق على معنين أحدهما المكان الذي يذهب إليه والثاني المصدر يقال ذهب ذهابا ومذهبا فيحمل أن يراد المكان فيكون التقدير إذا ذهب في المذهب أي موضع التغوط ويحتمل أن يراد المصدر أي ذهب مذهبا والإحتمال الأول هو المنقول عن أهل العربية وقال به أبو عبيد وغيره وجزم به في النهاية ويوافق الإحتمال الثاني قوله في رواية الترمذي أتى حاجته فأبعد في المذهب فإنه يتعين فيها أن يراد بالمذهب المصدر انتهى قوله (وفي الباب عن عبد الرحمن بن أبي قراد) بضم القاف وتخفيف الراء الأنصاري صحابي له حديث ويقال له ابن الفاكه وأخرج حديثه النسائي وابن ماجه قال خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الخلاء وكان إذا أراد الحاجة أبعد هذا لفظ النسائي (وأبي قتادة وجابر ويحيى بن عبيد عن أبيه وأبي موسى وابن عباس وبلال بن الحارث) أما حديث أبي قتادة فلم أقف عليه وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتي البراز حتى يتغيب فلا يرى وأخرجه أيضا أبو داود قال المنذري فيه إسماعيل بن عبد الملك الكوفي نزيل مكة قد تكلم فيه غير واحد وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في الأوسط وفيه سعد بن طريف اتهم بالوضع كذا في مجمع الزوائد وأما حديث بلال بن الحارث فأخرجه ابن ماجه وفيه كثير بن عبد الله ابن عمرو بن عوف وقد أجمعوا على ضعفه وقد حسن الترمذي حديثه قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الدارمي وأبو داود والنسائي وابن ماجه
وسكت عنه أبو داود ونقل المنذري تصحيح الترمذي وأقره
[ 80 ]
قوله (وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يرتاد لبوله مكانا) أي يطلب مكانا لينا لئلا يرجع إليه رشاش بوله يقال راد وارتاد واستراد كذا في النهاية للجزري ولم أقف على من أخرج هذا الحديث بهذا اللفظ وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبوأ لبوله كما يتبوأ لمنزله قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد بعد ذكره هو من رواية يحيى بن عبيد بن رجى عن أبيه قال ولم أر من ذكرهما وبقية رجاله موثقون انتهى وأخرج أبو داود عن أبي موسى قال كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم فأراد أن يبول فأتى دمثا في أصل جدار فبال ثم قال إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله قوله (اسمه عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري) قال في التقريب أبو سلمة ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني قيل اسمه عبد الله وقيل اسمه إسماعيل ثقة مكثر من الثالثة يعني من الطبقة الوسطى من التابعين وقال في الخلاصة قال عمرو ابن علي ليس له اسم روى عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وخلق وعنه عمرو وعروة والأعرج والشعبي والزهري وخلق قال ابن سعد كان ثقة فقيها كثير الحديث ونقل أبو عبد الله الحاكم أنه أحد الفقهاء السبعة انتهى باب ما جاء في كراهية البول في المغتسل 21 - قوله (وأحمد بن محمد بن موسى) المروزي أبو العباس السمسار مردويه الحافظ عن بن المبارك وجرير بن عبد الحميد وإسحاق الأزرق وعنه البخاري والترمذي والنسائي وقال لا بأس به مات سنة 532 خمس وثلاثين ومائتين قال الحافظ ابن حجر هو المعروف بمردويه ثقة حافظ انتهى وفي المغني لصاحب مجمع البحار مروديه بمفتوحة وسكون راء وضم مهملة وبتحتية لقب أحمد بن محمد (قالا أنا عبد الله بن المبارك تقدم ترجمته في المقدمة (عن معمر) تقدم (عن أشعت) بن عبد الله بن جابر أبي عبد الله البصري عن أنس وشهرين حوشب
[ 81 ]
وغيرهما وعنه معمر وشعبة وغيرهما وثقة النسائي وغيره وأورده العقيلي في الضعفاء وقال في حديثه وهم قال الذهبي قول العقيلي في حديثه وهم ليس بمسلم وأنا أتعجب كيف لم يخرج له الشيخان وقال الشيخ ولي الدين العراقي لا يعتبر بما وقع في أحكام عبد الحق من أن أشعث لم يسمعه من الحسن فإنه وهم (عن الحسن) بن أبي الحسن يسار البصري ثقة فقيه فاضل مشهور يرسل كثيرا ويدلس وهو رأس أهل الطبقة الثالثة قال البزار كان يروي عن جماعة لم يسمع منهم فيتجوز ويقول حدثنا وخطبنا يعني قومه الذين حدثوا وخطبوا بالبصرة كذا في التقريب قال الشيخ ولي الدين العراقي قد صرح أحمد بن حنبل بسماع الحسن من عبد الله بن مغفل قوله (نهى أن يبول الرجل في مستحمه) أي في مغتسله كما جاء في الحديث الذي أشار إليه الترمذي وقد ذكرنا لفظه قال الجزري في النهاية المستحم الموضع الذي يغتسل فيه بالحميم وهو في الأصل الماء الحار ثم قيل للاغتسال بأي ماء كان استحمام وإنما نهى عن ذلك إذا لم يكن له مسلك يذهب فيه البول أو كان المكان صلبا فيوهم المغتسل أنه أصابه منه شئ فيحصل منه الوسواس انتهى (وقال إن عامة الوسواس) بكسر الواو الأولى وفي رواية أبي داود فإن عامة الوسواس (منه) أي من البول أي من البول في المستحم أي أكثر الوسواس يحصل من البول في المغتسل لأنه يصير الموضع نجسا فيقع في قلبه وسوسة بأنه هل أصابه شئ من رشاشة أم لا قال الجزري في النهاية وسوست إليه نفسه وسوسة ووسوسا بالكسر وهو بالفتح الإسم والوسواس أيضا اسم للشيطان انتهى قوله (وفي الباب عن رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم) أخرجه أبو داود بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله وأخرجه النسائي مختصرا وسكت عنه أبو داود والمنذري قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وسكت عنه أبو داود والمنذري
[ 82 ]
قوله (ورخص فيه بعض أهل العلم منهم ابن سيرين) هو محمد بن سيرين الأنصاري أبو بكر بن أبي عمرة البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر كان لا يرى الرواية بالمعنى من الثالثة مات سنة 110 عشر ومائة كذا في التقريب وكره ذلك آخرون واستدلوا عليه بحديث الباب وقولهم هو الراجح الموافق لحديث الباب قال الشوكاني في النيل وربط النهي بعلة إفضاء المنهي عنه إلى الوسوسة يصلح قرينة تصرف النهي عن التحريم إلى الكراهة (قيل له) أي لابن سيرين (يقال إن عامة الواسواس منه فقال ربنا الله لا شريك له) قال أبو الطيب السندي في شرحه للترمذي فهو المتوحد في خلقه لا دخل للبول في المغتسل في شئ من الخلق قال بعض العلماء في جوابه إن الله تعالى جعل للأشياء أسبابها فلا بد من التجنب عن الأسباب القبيحة أقول علم قبحه بنهي الشارع عنه انتهى كلام أبي الطيب (وقال ابن المبارك قد وسع في البول في المغتسل إذا جرى فيه الماء) قال الحافظ ولي الدين العراقي حمل جماعة من العلماء هذا الحديث على ما إذا كان المغتسل لينا وليس فيه منفذ بحيث إذا نزل فيه البول شربته الأرض وإذا استقر فيها فإن كان صلبا ببلاط ونحوه بحيث يجري عليه البول ولا يستقر أو كان فيه منفذ كالبلوعة ونحوها فلا نهي روى ابن أبي شيبة عن عطاء قال إذا كان يسيل فلا بأس وقال ابن ماجه في سننه سمعت على بن محمد الطنافسي يقول إنما هذا في الحفيرة فأما اليوم لمغتسلاتهم الجص والقير فإذا بال فأرسل عليه فلا بأس به وقال النووي إنما نهى عن الإغتسال فيه إذا كان صلبا يخاف منه إصابة رشاشة فإن كان لا يخاف ذلك بأن يكون له منفذ أو غير ذلك فلا كراهة قال الشيخ ولي الدين وهو عكس ما ذكره الجماعة فإنهم حملوا النهي على الأرض اللينة وحمله هو على الصلبة وقد لمح هو معنى آخر وهو أنه في الصلبة يخشى عود الرشاش بخلاف الرخوة وهم نظروا إلى أنه في الرخوة يستقر موضعه وفي الصلبة يجري ولا يستقر فإذا صب عليه الماء ذهب أثره بالكلية انتهى والذي قاله النووي سبقه إليه صاحب النهاية كما عرفت آنفا قلت والأولى أن يحمل الحديث على إطلاقه ولا يقيد المستحم بشئ من القيود فيحترز عن
البول في المغتسل مطلقا سواء كان له مسلك أم لا سواء كان المكان صلبا أو لينا فإن الوسواس قد يحصل من البول في المغتسل الذي له مسلك أيضا وكذلك قد يحصل الوسواس منه في
[ 83 ]
المغتسل اللين والصلب كما لا يخفى قوله (حديثا بذلك) أي بقول ابن المبارك المذكور (أحمد بن عبدة الآملي) بالمد وضم الميم يكنى أبا جعفر صدوق من الحادية عشرة روى عنه داود والترمذي (عن حبان) بكسر الحاء المهملة وشدة الموحدة هو حبان بن موسى بن سوار السلمي أبو محمد المروزي عن ابن المبارك وأبي حمزة السكري وعنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي قال ابن معين لا بأس به وذكره ابن حبان في الثقات كذا في الخلاصة وقال الحافظ ثقة باب ما جاء في السواك هو بكسر السين على الأفصح ويطلق على الآلة وعلى الفعل وهو المراد هنا 22 - قوله (حدثنا أبو كريب) هو محمد بن العلاء بن كريب الهمداني الكوفي مشهور بكنيته ثقة حافظ من العاشرة روى عنه الأئمة الستة (عن أبي سلمة) هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري قوله (لولا أن أشق على أمتي) أي لولا أن أثقل عليهم المشقة وهي الشدة قاله في النهاية يقال شق عليه أي ثقل أو حمله من الأمر الشديد ما يشق ويشتد عليه والمعنى لولا خشية وقوع المشقة عليهم أو أن مصدريه في محل الرفع على الابتداء والخبر محذوف وجوبا أي لولا المشقة موجودة (لأمرتهم) أي وجوبا (بالسواك) أي باستعمال السواك لأن السواك هو الآلة ويستعمل في الفعل أيضا (عند كل صلاة) قال القاري في المرقاة أي عند وضوئها لما روى ابن خزيمة في صحيحه والحاكم وقال صحيح الإسناد والبخاري تعليقا في كتاب الصوم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء ولخبر أحمد وغيره لولا أن أشق على
أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور فتبين موضع السواك عند كل صلاة والشافعية يجمعون بين
[ 84 ]
الحديثين بالسواك في ابتداء كل منهما ثم اعلم أن ذكر الوضوء والطهور بيان للمواضع التي يتأكد استعمال السواك فيها أما أصل استحبابه فلا يتقيد بوقت ولا سبب نعم باعتبار بعض الأسباب يتأكد استحبابه كتغير الفم بالأكل أو بسكوت طويل ونحوهما وإنما لم يجعله علماؤنا من سنن الصلاة نفسها لأنه مظنة جراحة اللثة وخروج الدم وهو ناقض عندنا فربما يفضي إلى حرج ولأنه لم يروا أنه عليه الصلاة والسلام استاك عند قيامه إلى الصلاة فيحمل قوله عليه الصلاة والسلام لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة على كل وضوء بدليل رواية أحمد والطبراني لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء أو التقدير لولا وجود المشقة عليهم بالسواك عند كل صلاة لأمرتهم به لكنى لم آمر به لأجل وجودها وقد قال بعض علمائنا من الصوفية في نصائحه العبادية ومنها مداومة السواك لا سيما عند الصلاة قال النبي صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة أو عند كل صلاة رواه الشيخان وروى أحمد أنه عليه الصلاة والسلام قال صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك والباء للالصاق أو المصاحبة وحقيقتهما فيما اتصل حسا أو عرفا وكذا حقيقة كلمة مع وعند والنصوص محمولة على ظواهرها إذا أمكن وقد أمكن ههنا فلا مساغ إذا على حل الحمل على المجاز أو تقدير مضاف كيف وقد ذكر السواك عند نفس الصلاة في بعض كتب الفروع المعتبرة قال في التتارخانية نقلا عن التتمة ويستحب السواك عندنا عند كل صلاة ووضوء وكل شئ يغير الفم وعند اليقظة انتهى وقال الفاضل المحقق ابن الهمام في شرح الهداية ويستحب في خمسة مواضع اصفراء السن وتغير الرائحة والقيام من النوم والقيام إلى الصلاة وعند الوضوء انتهى فظهر أن ما ذكر في الكتب من تصريح الكراهة عند الصلاة معللا بأنه قد يخرج الدم فينتقض الوضوء ليس له وجه نعم من يخاف ذلك فليستعمل بالرفق على نفس الأسنان واللسان دون اللثة وذلك لا يخفى انتهى
كلام القاري قلت حديث أبي هريرة المذكور في الباب ورد بألفاظ قال المنذري في الترغيب عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة رواه البخاري واللفظ له ومسلم إلا أنه قال عند كل صلاة والنسائي وابن حبان في صحيحه إلا أنه قال مع الوضوء عند كل صلاة ورواه أحمد وابن خزيمة في صحيحه وعندهما لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء انتهى ما في الترغيب وذكر الحافظ في بلوغ المرام حديث أبي هريرة لفظ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء وقال أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا انتهى فلو يحمل قوله صلى الله عليه وسلم عند كل صلاة على كل وضوء كما قال
[ 85 ]
القاري وغيره يرد عليه ما ذكره بعض علماء الحنفية من الصوفية ولو يحمل على ظاهره ويقال باستحباب السواك عند نفس الصلاة أيضا ويجمع بين الروايتين كما قال الشافعية وبعض العلماء الحنفية من الصوفية لا يرد عليه شئ وهو الظاهر فهو الراجح فقد حمله رواية زيد بن خلد الجهني على ظاهره كما رواه الترمذي في هذا الباب وروى الخطيب في كتاب أسماء من روى عن مالك من طريق يحيى بن ثابت عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة قال كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم سوكهم على آذانهم يستنون بها لكل صلاة وروى عن ابن أبي شيبة عن صالح بن كيسا أن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروحون والسواك على آذانهم قال الشيخ العلامة شمس الحق رحمه الله في غاية المقصود ما لفظه وأحاديث الباب مع ما أخرجه مالك وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء تدل على مشروعية السواك عند كل وضوء وعند كل صلاة فلا حاجة إلى تقدير العبارة بأن يقال أي عند كل وضوء
وصلاة كما قدرها بعض الحنفية بل في هذا رد السنة الصحيحة الصريحة وهي السواك عند الصلاة وعلل بأنه لا ينبغي عمله في المساجد لأنه من إزالة المستقذرات وهذا التعليل مردود لأن الأحاديث دلت على استحبابه عند كل صلاة وهذا لا يقتضي أن لا يعمل إلا في المساجد حتى يتمشى هذا التعليل بل يجوز أن يستاك ثم يدخل المسجد للصلاة كما روى الطبراني في معجمه عن صالح بن أبي صالح عن زيد بن خالد الجهني قال ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته لشئ من الصلوات حتى يستاك انتهى وإن كان في المسجد فأراد أن يصلي جاز أن يخرج من المسجد ثم يستاك ثم يدخل ويصلي ولو سلم فلا نسلم أنه من إزالة المستقذرات كيف وقد تقدم أن زيد بن خالد الجهني كان يشهد الصلوات في المساجد وسواكه على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب لا يقوم إلى الصلاة إلا استن ثم رده إلى موضعه وأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سوكهم خلف آذانهم يستنون بها لكل صلاة وأن عبادة بن الصامت وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يروحون والسواك على آذانهم انتهى قلت كلام الشيخ شمس الحق هذا كلام حسن طيب لكن صاحب الطيب الشذي لم يرض به فنقل شيئا منه وترك أكثره ثم تفوه بما يدل على أنه لم يفهم كلامه المذكور أو له تعصب شديد يحمله على مثل هذا التفوه
[ 86 ]
وأما حديث أحمد الذي ذكره القاري بلفظ صلاة بسواك أفضل من سبعين صلاة بغير سواك فلم أقف على هذا اللفظ نعم روى أحمد وغيره عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال فضل الصلاة بالسواك على الصلاة بغير سواك سبعون ضعفا قال المنذري بعد ذكره رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن خزيمة في صحيحه وقال في القلب من هذا الخبر شئ فإني أخاف أن يكون محمد بن إسحاق لم يسمعه من ابن شهاب ورواه الحاكم وقال صحيح الإسناد كذا قال
ومحمد بن إسحاق إنما أخرج له مسلم في المتابعات وعن ابن عباس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأن أصلي ركعتين بسواك أحب إلى من أن أصلي سبعين ركعة بغير سواك رواه أبو نعيم في كتاب السواك بإسناد جيد وعن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتان بالسواك أفضل من سبعين ركعة بغير سواك رواه أبو نعيم أيضا بإسناد صحيح انتهى ما في الترغيب قوله (وأما محمد) بن إسماعيل البخاري (فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح) قال الحافظ في فتح الباري حكى الترمذي عن البخاري أنه سأله عن رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ورواية محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن زيد بن خالد فقال رواية محمد بن إبراهيم أصح قال الترمذي كلا الحديثين صحيح عندي قلت رجح البخاري عن طربق محمد بن إبراهيم لأمرين أحدهما أن فيه قصة وهي قول أبي سلمة فكان زيد بن خالد يضع السواك منه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك ثانيهما أنه توبع فأخرج الإمام أحمد من طريق يحيى بن أبي كثير حدثنا أبو سلمة عن زيد بن خالد فذكر نحوه انتهى كلام الحافظ
[ 87 ]
قوله (وفي الباب عن أبي بكر الصديق وعلي وعائشة وابن عباس وحذيفة وزيد بن خالد وأنس وعبد الله بن عمرو وأم حبيبة وابن عمر وأبي أمامة وأيوب وتمام بن عباس وعبد الله بن حنظلة وأم سلمة وواثلة وأبي موسى) أما حديث أبي بكر رضي الله عنه فأخرجه أحمد وأبو يعلى مرفوعا بلفظ السواك مطهرة للفم مرضاة للرب قال الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله ثقات إلا أن عبد الله بن محمد لم يسمع من أبي بكر وأما حديث علي فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء قال الهيثمي فيه ابن إسحاق وهو ثقة مدلس وقد صرح بالتحديث وإسناده حسن انتهى وقد حسن إسناده أيضا المنذري في الترغيب
وأما حديث عائشة فأخرجه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما بمثل حديث أبي بكر المذكور وأخرجه البخاري معلقا مجزوما قال المنذري وتعليقات البخاري المجزومة صحيحة انتهى ولعائشة أحاديث أخرى في السواك وأما حديث ابن عباس فأخرجه الطبراني في الكبير والأوسط بمثل حديث أبي بكر المذكور وزاد فيه ومجلاة للبصر ولابن عباس أحاديث أخرى في السواك وأما حديث حذيفة فأخرجه الشيخان بلفظ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام للتهجد من الليل يشوس فاه بالسواك وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه أبو داود والترمذي وأما حديث أنس فأخرجه البخاري بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد أكثرت عليكم في السواك ولأنس أحاديث في السواك وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو نعيم في كتاب السواك بلفظ لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك بالأسحار وفي إسناد ابن لهيعة وأما حديث أم حبيبة فأخرجه أحمد وأبو يعلى بلفظ قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة قال الهيثمي رجاله ثقات وأما حديث ابن عمر فأخرجه أحمد مرفوعا بلفظ عليكم بالسواك فإنه مطيبة للفم مرضاة للرب تبارك وتعالى وفي إسناده ابن لهيعة ولابن عمر أحاديث أخرى في السواك وأما حديث أبي أمامة فأخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ تسوكوا فإن السواك مطهرة للفم مرضاة للرب ما جاءني جبريل إلا أوصاني بالسواك الحديث وأما حديث أبي أيوب فأخرجه أحمد والترمذي مرفوعا بلفظ أربع من سنن المرسلين الختان والتعطر والسواك والنكاح وأما حديث تمام ابن عباس فأخرجه أحمد والطبراني في
[ 88 ]
الكبير مرفوعا بلفظ ما لكم تدخلون على قلحا استاكوا فلولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل طهور هذا لفظ الطبراني قال الهيثمي فيه أبو علي الصيقل وهو مجهول وأما حديث عبد الله بن حنظلة فلم أقف عليه وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطبراني قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زال جبريل يوصيني بالسواك حتى خفت على أضراسي قال المنذري
إسناده لين وأما حديث واثلة وهو ابن الأسقع فأخرجه أحمد والطبراني مرفوعا بلفظ قال أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب علي قال المنذري فيه ليث بن سليم وأما حديث أبي موسى فأخرجه الشيخان في السواك على طرف اللسان أعلم أنه قد جاء في السواك أحاديث كثيرة عن هؤلاء الصحابة المذكورين وغيرهم رضوان الله عليهم في الصحاح وغيرها ذكرها الحافظ عبد العظيم المنذري في الترغيب والحافظ الهيثمي في موضعين من كتابه مجمع الزوائد والحافظ ابن حجر في التلخيص والشيخ على المتقي في كنز العمال من شاء الإطلاع عليها فليرجع إلى هذه الكتب 23 - قوله (نا عبدة) تقدم (عن محمد بن إبراهيم) بن الحارث بن خالد التيمي أبو عبد الله المدني ثقة له أفراد من الرابعة روى عن أنس وجابر وغيرهما وعنه يحيى بن أبي كثير وابن إسحاق وعدة قال ابن سعد كان فقيها محدثا وقال أحمد يروي مناكير ووثقه ابن معين وأبو حاتم والنسائي وابن خراش توفي سنة 021 عشرين ومائة قوله (لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك) أي بفرضيته أي لولا مخافة المشقة عليهم بالسواك عند كل صلاة لأمرت به وفرضت عليهم لكن لم آمر به ولم أفرض عليهم لأجل خوف المشقة قال القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة اختلف العلماء في السواك فقال إسحاق إنه واجب ومن تركه عمدا أعاد الصلاة وقال الشافعي سنة من سنن الوضوء واستحبه مالك في كل حال يتغير فيه الفم وأما من أوجبه فظاهر الأحاديث تبطل قوله فأما القول بأنه سنة أو مستحب فمتعارف وكونه سنة أقوى انتهى (ولأخرت العشاء إلى ثلث الليل) يأتي الكلام عليه في موضعه (قال) أي أبو سلمة (فكان زيد بن خالد) راوي الحديث (يشهد الصلوات) أي الخمس أي يحضرها (في المسجد) للجماعة (وسواكه على أذنه) بضم الذال ويسكن والجملة حال (موضع
[ 89 ]
القلم من أذن الكاتب) أي والحال أن سواكه كان موضوعا على أذنه موضع القلم من أذن الكاتب (لا يقوم إلى الصلاة إلا استن) أي استاك والاستنان استعمال السواك (ثم رده) أي السواك (إلى
موضعه) أي من الأذن وفي رواية أبي داود قال أبو سلمة فرأيت زيدا يجلس في المسجد وإن السواك من أذنه موضع القلم من أذن الكاتب فكلما قام إلى الصلاة استاك قال القاري في المرقاة قد انفرد زيد بن خالد به فلا يصلح حجة أو استاك لطهارتها انتهى قلت فيه أنه لم ينفرد به زيد بن خالد كما عرفت ثم صنيعه هذا يدل عليه ظاهر حديث الباب وليس ينفيه شئ من الأحاديث المرفوعة فكيف لا يكون حجة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أبو داود باب ما جاء إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء 24 - قوله (حدثنا أبو الوليد أحمد بن بكار) بفتح الموحدة وتشديد الكاف هو أحمد بن عبد الرحمن بن بكار بن عبد الملك بن الوليد بن أبي أرطاة قال الحافظ صدوق وتكلم فيه بلا حجة (من ولد بسر بن أرطاة) بضم الواو وسكون اللام جمع ولد بسر بضم الموحدة وسكون المهملة ويقال له بسر بن أبي أرطاة (قال نا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم أبو العباس الدمشقي ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية روى عن ابن عجلان والأوزاعي وغيرهما وعنه أحمد وإسحاق وابن المديني وخلق مات سنة 591 خمس وتسعين ومائة (عن الأوزاعي) اسمه عبد الرحمن بن عمرو بن أبي عمرو الفقيه ثقة جليل قال ابن سعد كان ثقة مأمونا فاضلا خيرا كثير الحديث والعلم والفقه قال إسحاق إذا اجتمع الأوزاعي والثوري ومالك على الأمر فهو سنة مات سنة 751 سبع وخمسين ومائة (عن الزهري) اسمه محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري وكنيته أبو بكر
[ 90 ]
الفقيه الحافظ متفق على جلالته وإتقانه وهو من رؤوس الطبقة الرابعة كذا في التقريب ومحمد بن مسلم هذا معروف بالزهري وابن شهاب (عن سعيد بن المسيب) بن حزن أبي وهب بن عمرو القرشي المخزومي أحد العلماء الأثبات الفقهاء الكبار من كبار الثانية قال ابن
المديني لا أعلم في التابعين أوسع علما منه مات بعد التسعين وقد ناهز الثمانين كذا في التقريب (وأبي سلمة) هو ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني أحد الأعلام قال عمرو بن علي ليس له اسم روى عن أبيه وأسامة بن زيد وأبي أيوب وأبي هريرة وغيرهم وعنه ابنه عمر وعروة والأعرج والزهري وغيرهم قال ابن سعد كان ثقة فقيها كثير الحديث مات سنة 49 أربع وتسعين وكان مولده في بضع وعشرين قوله (إذا استيقظ أحدكم من الليل) كذا في رواية الترمذي وابن ماجه وفي رواية الشيخين إذا استيقظ أحدكم من نومه وليس في روايتهما من الليل (فلا يدخل) من الإدخال وفي رواية الشيخين فلا يغمس (يده في الإناء) أي في إناء الماء (حتى يفرغ) من الإفراغ أي حتى يصب الماء (عليها) أي على يده (مرتين أو ثلاثا) وفي رواية مسلم وغيره حتى يغسلها ثلاثا وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني حتى يغسلها ثلاث مرات (فإنه لا يدري أين باتت يده) روى النووي عن الشافعي وغيره من العلماء أن أهل الحجاز كانوا يستنجون بالحجارة وبلادهم حارة فإذا ناموا عرقوا فلا يؤمن أن تطوف يده على موضع النجاسة أو على بثرة أو قملة والنهي عن الغمس قبل غسل اليد مجمع عليه لكن الجماهير على أنه نهي تنزيه لا تحريم فلو غمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس وقال التوبشتي هذا في حق من بات مستنجيا بالأحجار معروريا ومن بات على خلاف ذلك ففي أمره سعة ويستحب له أيضا غسلها لأن السنة إذا وردت لمعنى لم تكن لتزول بزوال ذلك المعنى كذا في المرقاة قوله (وفي الباب عن ابن عمر وجابر وعائشة) أما حديث ابن عمر فأخرجه الدارقطني وقال إسناده حسن ولفظه إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده أو أين طافت يده وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه والدارقطني وأما حديث عائشة فأخرجه ابن أبي حاتم في العلل وحكى عن أبيه أنه وهم كذا في النيل
[ 91 ]
قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله (قال الشافعي وأحب لكل من استيقظ من النوم قائلة كانت أو غيرها أن لا يدخل يده في وضوئه فإن أدخل يده قبل أن يغسلها كرهت ذلك له ولم يفسد ذلك الماء إذا لم يكن على يده نجاسة) فحمل الشافعي حديث الباب على الاستحباب وهو قول الجمهور قال ابن تيمية في المنتقى وأكثر العلماء حملوا هذا يعني حديث الباب على الاستحباب مثل ما روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات فإن الشيطان يبيت على خياشيمه متفق عليه انتهى قال الشوكاني في النيل وإنما مثل المصنف محل النزاع بهذا الحديث لأنه قد وقع الإتفاق على عدم وجوب الاستنثار عند الإستيقاظ ولم يذهب إلى وجوبه أحد انتهى وقال أحمد ابن حنبل إذا استيقظ من الليل فأدخل يده في وضوئه قبل أن يغسلها فأعجب إلى أن يهريق الماء قال في المرقاة ذهب الحسن البصري والإمام أحمد في إحدى الروايتين إلى الظاهر وحكما بنجاسة الماء كذا نقله الطيبي قال الشمني عن عروة بن الزبير أحمد بن جنبل وداود أنه يجب على المستيقط من نوم الليل غسل اليدين لظاهر الحديث انتهى ما في المرقاة وقال النووي في شرح مسلم تحت حديث الباب فيه النهي عن غمس اليد في الإناء قبل غسلها وهذا مجمع عليه لكن الجماهير من العلماء المتقدمين والمتأخرين على أنه نهي تنزيه لا تحريم فلو خالف وغمس لم يفسد الماء ولم يأثم الغامس وحكى أصحابنا عن الحسن البصري أنه ينحبس أن كان قام من نوم الليل وحكاه أيضا عن إسحاق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبري وهو ضعيف جدا فإن الأصل في الماء واليد الطهارة فلا ينجس بالشك وقواعد الشرع متظاهرة على هذا قال ثم مذهبنا ومذهب المحققين أن هذا الحكم ليس مخصوصا بالقيام من النوم بل المعتبر فيه الشك في نجاسة اليد فمتى شك في نجاستها كره له غمسها في الإناء قبل غسلها سواء قام من نوم الليل أو النهار أو شك في نجاستها من غير نوم وهذا مذهب جمهور العلماء وحكى عن أحمد بن حنبل رواية أنه إن قام من نوم الليل كره كراهة تحريم وإن قام من نوم النهار كره كراهة تنزيه ووافقه عليه داود الظاهري اعتمادا على لفظ المبيت في الحديث وهذا مذهب
ضعيف جدا فإن النبي صلى الله عليه وسلم نبه على العلة بقوله فإنه لا يدري أين باتت يده ومعناه أنه لا يأمن النجاسة على يده أو هذا عام لوجود
[ 92 ]
احتمال النجاسة في نوم الليل والنهار وفي اليقظة وذكر الليل أولا لكونه الغالب ولم يقتصر عليه خوفا من توهم أنه مخصوص به بل ذكر العلة بعده انتهى كلام النووي (وقال إسحاق) هو ابن راهوية (إذا استيقظ من النوم بالليل أو النهار فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها) فلم يخص إسحاق بن راهويه الحكم بالاستيقاظ من نوم الليل كما خصه به الإمام أحمد قلت القول الراجح عندي هو ما ذهب إليه إسحاق والله تعالى أعلم وأما إذا أدخل يده في الإناء قبل غسلها فهل صار الماء نجسا أم لا فالظاهر أن الماء صار مشكوكا فحكمه حكم الماء المشكوك والله تعالى أعلم واعلم أن الجمهور اعتذروا عن حمل حديث الباب على الوجوب بأعذار لا يطمئن بواحد منها قلبي فمن اطمأن بها قلبه فليقل بما قال به الجمهور باب في التسمية عند الوضوء ورد في هذا الباب أحاديث كثيرة واختلف أئمة الحديث في صحتها وضعفها فقال بعضهم كل ما روي في هذا الباب فهو ليس بقوي وقال بعضهم لا يخلو هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح وقال الحافظ ابن حجر والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا انتهى قلت الأمر كما قال الحافظ ومقتضى أحاديث الباب هو الوجوب والله تعالى أعلم 25 - قوله (حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي الجهضمي ثقة ثبت طلب للقضاء فامتنع من العاشرة كذا في التقريب وقال في الخلاصة أحد أئمة البصرة روى عن المعتمر ويزيد بن زريع وابن عيينة وخلق وعنه ع يعني الأئمة الستة قال أبو حاتم هو عندي أوثق من
[ 93 ]
الفلاس وأحفظ قال البخاري مات سنة 052 خمسين ومائتين (وبشر بن معاذ) البصري الضرير يكنى أبا سهل صدوق من العاشرة (والعقدي) بفتح المهملة والقاف (نا بشر بن المفضل بن لاحق الرقاشي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت عابد من الثامنة) (عن عبد الرحمن بن حرملة) بن عمرو بن سنة الأسلمي المدني صدوق ربما أخطأ (عن أبي ثقال) بكسر المثلثة بعدها فاء (المري) بضم الميم وتشديد الراء اسمه ثمامة بن وائل بن حصين وقد ينسب لجده وقيل اسمه وائل بن هاشم بن حصين وهو مشهور بكنيته مقبول من الخامسة كذا في التقريب وقال في الخلاصة قال البخاري في حديثه نظر انتهى كذا في الخلاصة (عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب) بفتح الراء وبالموحدة المدني قاضيها قال في التقريب مقبول (عن جدته) وفي رواية الحاكم حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الحافظ في التقريب أسماء بنت سعيد بن زيد ابن عمرو بن نفيل لم تسم في الكتابين يعني جامع الترمذي وسنن ابن ماجه وسماها البيهقي ويقال إن لها صحبة انتهى وذكرها الحافظ الذهبي في الميزان في النسوة المجهولات (عن أبيها) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أبو الأعور أحد العشرة قوله (لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) قال الشاه ولي الله الدهلوي في كتابه حجة الله البالغة هو نص على أن التسمية ركن أو شرط ويحتمل أن يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي بمثل هذا التأويل فإنه من التأويل البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ انتهى قلت لا شك في أن هذا الحديث نص على أن التسمية ركن للوضوء أو شرط له لأن ظاهر قوله لا وضوء أنه لا يصح ولا يوجد إذ الأصل في النفي الحقيقة قال القاري في المرقاة قال القاضي هذه الصيغة حقيقة في نفي الشئ ويطلق مجازا على الاعتداد به لعدم صحته كقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة إلا بطهور وعلى نفي كماله كقوله عليه الصلاة والسلام لا صلاة
لجار المسجد إلا في المسجد وههنا محمولة على نفي الكمال خلافا لأهل الظاهر لما روى ابن عمر
[ 94 ]
وابن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهورا لأعضاء وضوئه والمراد بالطهارة من الذنوب لأن الحدث لا يتجزأ انتهى قلت حديث ابن عمر وابن مسعود هذا ضعيف رواه الدارقطني والبيهقي من حديث ابن عمر وفيه أبو بكر الداهري عبد الله بن الحكم وهو متروك ومنسوب إلى الوضع ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من حديث أبي هريرة وفيه مرداس بن محمد ابن عبد الله بن أبان عن أبيه وهما ضعيفان ورواه الدارقطني والبيهقي أيضا من حديث ابن مسعود وفي إسناده يحيى بن هشام السمسار وهو متروك فالحديث لا يصلح للاحتجاج فلا يصح الاستدلال به على أن النفي في قوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه محمول على نفي الكمال فإن قلت قد صرح ابن سيد الناس في شرح الترمذي بأنه قد روي في بعض الروايات لا وضوء كاملا وقد استدل به الرافعي فهذه الرواية صريحة في أن المراد في قوله لا وضوء في حديث الباب نفي الكمال قلت قال الحافظ في التلخيص لم أره هكذا انتهى فلا يعلم حال هذه الرواية كيف هي صالحة للاحتجاج أم لا والله تعالى أعلم قوله (في الباب عن عائشة وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد وأنس) أما حديث عائشة فأخرجه البزار وأبو بكر بن أبي شيبة في مسنديهما وابن عدي وفي إسناده حارثة بن محمد وهو ضعيف وأما حديث أبي هريرة فأخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه والترمذي في العلل والدارقطني وابن السكن والحاكم والبيهقي من طريق محمد ابن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة عن أبيه عن أبي هريرة بهذا اللفظ ورواه الحاكم من هذا الوجه فقال يعقوب بن أبي سلمة وادعى أنه الماجشون وصححه لذلك فوهم والصواب أنه الليثي قال الحافظ قال
البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة وأبوه ذكره ابن حبان في الثقات وقال ربما أخطأ وهذه عبارة عن ضعفه فإنه قليل الحديث جدا ولم يرو عنه سوى ولده فإذا كان يخطئ مع قلة ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة قال ابن الصلاح انقلب إسناده على الحاكم فلا يحتج لثبوته بتخريجه له وتبعه النووي وله طرق أخرى كلها ضعيفة وأما حديث أبي سعيد الخدري فأخرجه أحمد والدارمي والترمذي في العلل وابن ماجه وابن السكن والبزار والدارقطني والحاكم
[ 95 ]
والبيهقي بلفظ حديث الباب وزعم ابن عدي أن زيد بن الحباب تفرد به عن كثير بن زيد قال الحافظ وليس كذلك فقد رواه الدارقطني من حديث أبي عامر العقدي وابن ماجه من حديث أبي أحمد الزهري وكثير بن زيد قال ابن معين ليس بالقوي وقال أبو زرعة صدوق فيه لين وقال أبو حاتم صالح الحديث ليس بالقوي يكتب حديثه وكثير بن زيد رواه عن ريح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد وربيح قال أبو حاتم شيخ وقال البخاري منكر الحديث وقال أحمد ليس بالمعروف وقال المروزي لم يصححه أحمد وقال ليس فيه شئ يثبت وقال البزار كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي وذكر أنه روى عن كثير بن زيد عن الوليد بن رباح عن أبي هريرة وقال العقيلي الأسانيد في هذا الباب فيها لين وقد قال أحمد بن حنبل إنه أحسن شئ في هذا الباب وقد قال أيضا لا أعلم في التسمية حديثا صحيحا وأقوى شئ فيه حديث كثير بن زيد عن ربيح وقال إسحاق هذا يعني حديث أبي سعيد أصح ما في الباب وأما حديث سهل ابن سعد فأخرجه ابن ماجه والطبراني وفيه عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد بن سعد وهو ضعيف وتابعه أخوه أبي بن عباس وهو مختلف فيه وأما حديث أنس فأخرجه عبد الملك بن حبيب الأندلسي وعبد الملك شديد الضعف قوله (قال أحمد لا أعلم في هذا الباب حديثا له إسناد جيد) وقال البزار كل ما روي في هذا الباب فليس بقوي
قلت أحاديث هذا الباب كثيرة يشد بعضها بعضا فمجموعها يدل أن لها أصلا قال الحافظ ابن حجر والظاهر أن مجموع الأحاديث يحدث منها قوة تدل على أن له أصلا وقال أبو بكر بن أبي شيبة ثبت لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وقال ابن سيد الناس في شرح الترمذي لا يخلوا هذا الباب من حسن صريح وصحيح غير صريح انتهى وقال الحافظ المنذري في الترغيب وفي الباب أحاديث كثيرة لا يسلم شئ منها عن مقال وقد ذهب الحسن وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر إلى وجوب التسمية في الوضوء حتى إنه إذا تعمد تركها أعاد الوضوء وهو راوية عن الإمام أحمد ولا شك أن الأحاديث التي وردت فيها إن كان لا يسلم شئ منها عن مقال فإنها تتعاضد بكثرة طرقها وتكتسب قوة انتهى كلام المنذري وحديث الباب أعني حديث سعيد بن زيد أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والبزار والدارقطني والعقيلي والحاكم وأعل بالاختلاف والإرسال وفي إسناده أبو ثفال عن رباح مجهولان فالحديث ليس بصحيح قاله أبو حاتم وأبو زرعة وقد أطال الكلام على
[ 96 ]
حديث سعيد بن زيد هذا الحافظ ابن حجر في التلخيص قوله (وقال إسحاق إن ترك التسمية عامدا أعاد الوضوء وإن كان ناسيا أو متأولا أجزأه) فعند إسحاق التسمية واجب في الوضوء وهو قول الظاهرية وإحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل واختلفوا هل هي واجبة مطلقا أو على الذاكر فعند إسحاق على الذاكر وعند الظاهرية مطلقا وذهبت الشافعية والحنفية ومالك وربيعة إلى أنها سنة واحتج الأولون بأحاديث الباب واحتج الآخرون بحديث ابن عمر مرفوعا من توضأ وذكر اسم الله كان طهورا لجميع بدنه الحديث وقد تقدم وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج قوله (قال محمد بن إسماعيل أحسن شئ في هذا الباب حديث رباح بن عبد الرحمن) يعني حديث سعيد بن زيد المذكور في هذا الباب وقال أحمد أقوى شئ فيه حديث كثير ابن زيد عن ربيح يعني حديث أبي سعيد وسئل إسحاق بن راهويه أي حديث أصح في التسمية فذكر حديث أبي سعيد
قوله (وأبو ثفال المرى أسمه ثمامة) بضم المثلثة (بن حصين) بالتصغير وحصين جد أبي ثقال واسم أبيه وائل كما تقدم (فنسبه إلى جده) أي إلى جده الأعلى
[ 97 ]
باب ما جاء في المضمضة والإستنشاق أصل المضمضة في اللغة التحريك ومنه مضمض النعاس في عينية إذا تحركتا بالنعاس ثم اشتهر استعماله في وضع الماء في الفم وتحريكه وأما معناه في الوضوء الشرعي فأكمله أن يضع الماء في الفم ثم يديره ثم يمجه كذا في الفتح والاستنشاق هو إدخال الماء في الأنف 27 - قوله (وجرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه مات سنة 188 ثمان وثمانين ومائة وهو من رجال الكتب الستة (عن منصور) بن المعتمر بن عبد الله السلمي الكوفي ثقة ثبت وكان لا يدلس من طبقة الأعمش مات سنة 132 اثنتين وثلاثين ومائة وهو من رجال الكتب الستة أيضا (عن هلال بن يساف) قال في التقريب بكسر التحتية وكذا في القاموس وقال الخزرجي بفتح التحتية الأشجعي مولاهم ثقة من أوساط التابعين (عن سلمة بن قيس) الأشجعي صحابي سكن الكوفة قوله إذا توضأت فانتثر قال في القاموس استنثر استنشق الماء ثم استخرج بنفس الأنف كانتثر انتهى وقال الحافظ الاستنثار هو طرح الماء الذي يستنثقه المتوضئ أي يجذبه بريح أنفه لتنظيف ما في داخله فيخرجه بريح أنفه سواء كان بإعانة يده أم لا وحكي عن مالك كراهية فعله بغير إعانة اليد لكونه يشبه فعل الدابة والمشهور عدم الكراهة وإذا استنثر بيده فالمستحب أن يكون باليسرى بوب عليه النسائي وأخرجه مقيد بها من حديث علي انتهى (وإذا استجمرت) أي إذا استعملت الجمار وهي الحجارة الصغار في الاستنجاء (فأوتر) أي ثلاثا أو خمسا ووقع في رواية أبي هريرة من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن ومن لا فلا حرج
أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه قال الحافظ في الفتح وهذه الزيادة حسنة الإسناد وأخذ بهذه الرواية أبو حنيفة ومالك فقالوا لا يعتبر العدد بل المعتبر الإيتار وأخذ الشافعي وأحمد وأصحاب
[ 98 ]
الحديث بحديث سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار رواه مسلم فاشترطوا أن لا ينقص من الثلاث مع مراعاة الإنقاء وإذا لم يحصل بها فيزاد حتى ينقى ويستحب حينئذ الإيتار لقوله من استجمر فليوتر وليس بواجب لقوله من لا فلا حرج وبهذا يحصل الجمع بين الروايات في هذا الباب انتهى قوله (وفي الباب عن عثمان ولقيط بن صبرة وابن عباس والمقدام بن معد يكرب ووائل بن حجر) أما حديث عثمان فأخرجه الشيخان وأما حديث لقيط بن صبرة فأخرجه أحمد وأهل السنن الأربع والشافعي وابن الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وفيه وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما وفي رواية من هذا الحديث إذا توضأت فمضمض أخرجها أبو داود وغيره قال الحافظ في الفتح إن إسنادها صحيح وقد رد الحافظ في التلخيص ما أعل به حديث لقيط بن صبرة من أنه لم يرو عن عاصم بن لقيط بن صبرة إلا إسماعيل بن كثير وقال ليس بشئ لأنه روى عنه غيره وصححه الترمذي والبغوي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة وقال النووي هو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بالأسانيد الصحيحة وأما حديث ابن عباس فأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن الجارود والحاكم وصححه ابن القطان ولفظه استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثا كذا في التلخيص وأما حديث المقدام بن معد يكرب فأخرجه أبو داود وسكت عنه هو والمنذري وأما حديث وائل بن حجر فأخرجه الطبراني في الكبير والبزار وفيه سعيد بن عبد الجبار قال النسائي ليس بالقوي وذكره ابن حبان في الثقات وفي مسند البزار والطبراني محمد بن حجر وهو ضعيف كذا في مجمع الزوائد ص 94 ج 1 وفي الباب أحاديث أخرى منها حديث أبي هريرة إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر أخرجه الشيخان
قوله (حديث سلمة بن قيس حديث حسن صحيح) وأخرجه النسائي قوله (فقالت طائفة منهم إذا تركهما في الوضوء حتى صلى أعاد الصلاة ورأوا ذلك في
[ 99 ]
الوضوء والجنابة سواء وبه يقول ابن أبي ليلى وعبد الله بن المبارك وأحمد وإسحاق) واستدلوا بأحاديث الباب وقولهم هو الراجح لثبوت الأمر بهما والأصل في الأمر الوجوب مع ثبوت مواظبته صلى الله عليه وسلم عليهما (وقال أحمد الاستنشاق أو كد من المضمضة) لما ورد في حديث لقيط بن صبرة وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (وقالت طائفة من أهل العلم يعيد في الجنابة ولا يعيد في الوضوء وهو قول سفيان الثوري وبعض أهل الكوفة) وهو قول أبي حنيفة ومن تبع فعند هؤلاء المضمضة والاستنشاق سنتان في الوضوء وواجبان في غسل الجنابة واستدلوا على عدم الوجوب في الوضوء بحديث عشر من سنن المرسلين وقد رده الحافظ في التلخيص وقال إنه لم يرد بلفظ عشر من السنن بل بلفظ من الفطرة ولو ورد لم ينتهض دليلا على عدم الوجوب لأن المراد به السنة أي الطريقة لا السنة بالمعنى الأصولي واستدلوا أيضا بحديث ابن عباس مرفوعا بلفظ المضمضة والاستنشاق سنة رواه الدارقطني قال الحافظ وهو حديث ضعيف واستدلوا أيضا بما رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم من قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي توضأ كما أمرك الله فأحاله على الآية وليس فيها ذكر المضمضة والاستنشاق والاستنثار ورد بأن الأمر بغسل الوجه أمر بها وبأن وجوبها ثبت بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر منه أمر من الله تعالى بدليل وما آتاكم الرسول فخذوه قوله (وقالت طائفة لا يعيد في الوضوء ولا في الجنابة إلخ) ليس لهذه الطائفة دليل صحيح وقد اعترف جماعة من الشافعية وغيرهم بضعف دليل من قال بعدم وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار قاله في النيل والله تعالى أعلم
[ 100 ]
باب في المضمضة والاستنشاق من كف واحد 28 - قوله (حدثنا يحيى بن موسى) بن عبد ربه الحدني البلخي أبو زكريا لقبهخت بفتح المعجمة وتشديد المثناة ثقة روى عن الوليد بن مسلم ووكيع وغيرهما وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي والسراج وقال مأمون مات سنة 042 أربعين ومائتين كذا في التقريب والخلاصة (نا إبراهيم بن موسى) بن يزيد التميمي أبو إسحاق الفراء الصغير الرازي الحافظ أحد بحور الحديث وكان أحمد ينكر على من يقول الصغير ويقول هو كبير في العلم والجلالة روى عن أبي الأحوص وخالد الطحان وغيرهما وعنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم قال أبو زرعة كتبت عنه مائة ألف حديث وهو أتقن وأحفظ من أبي بكر بن أبي شيبة وثقة النسائي مات بعد العشرين ومائتين (نا خالد) هو خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد المزني مولاهم الواسطي الطحان ثقة ثبت قال أحمد كان ثقة دينا بلغني أنه اشترى نفسه من الله ثلاث مرات يتصدق بوزن نفسه فضة (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني سبط عبد الله بن زيد وثقة أبو حاتم والنسائي (عن أبيه) هو يحيى بن عمارة وثقة النسائي وغيره (عن عبد الله بن زيد) هو عبد الله بن زيد بن عاصم وهو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الأذان كذا قاله الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين وغلطوا سفيان بن عيينة في قوله هو هو وممن نص على غلطه في ذلك البخاري في كتاب الاستسقاء من صحيحه وقد قيل إن صاحب الأذان لا يعرف له غير حديث الأذان والله أعلم قاله النووي قوله (مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا) وفي رواية مسلم مضمض واستنشق من كف واحدة ففعل ذلك ثلاثا وكذلك وقع في رواية البخاري قال النووي فيه حجة صريحة للمذهب الصحيح المختار أن السنة في المضمضة والاستنشاق أن يكون بثلاث غرفات يتمضمض ويستنشق من كل واحدة منها انتهى وقال الحافظ في الفتح وهو صريح
في الجمع في كل مرة انتهى
[ 101 ]
قلت حديث عبد الله بن زيد هذا دليل صحيح صريح لمن قال إن المستحب في المضمضة والاستنشاق أن يجمع بينهما بثلاث غرفات بأن يتمضمض ويستنشق من غرفة ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة ثم يتمضمض ويستنشق من غرفة وإليه ذهب طائفة من أهل العلم وإليه ذهب الشافعي كما هو المشهور عنه وقال الحافظ ابن القيم في زاد المعاد وكان هديه صلى الله عليه وسلم الوصل بين المضمضة والاستنشاق كما في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تمضمض واستنشق من كف واحدة فعل ذلك ثلاثا وفي لفظ تمضمض واستنثر غرفات فهذا أصح ما روى في المضمضة والاستنشاق ولم يجئ الفصل بين المضمضة والاستنشاق في حديث صحيح البتة انتهى فإن قلت قال القاري في المرقاة قوله مضمض واستنشق من كف واحد فيه حجة للشافعي كذا قاله ابن الملك وغيره من أئمتنا والأظهر أن قوله من كف تنازع فيه الفعلان والمعنى مضمض من كف وقيد الواحدة احترازا عن التثنية انتهى وقال العيني في شرح البخاري ص 096 ج 1 والجواب عما ورد في الحديث فتمضمض واستنشق بكف واحد أنه محتمل لأنه يحتمل أنه تمضمض واستنشق بكف واحد بماء واحد ويحتمل أنه فعل ذلك بكف واحد بمياه والمحتمل لا يقوم به حجة ويرد هذا المحتمل إلى الحكم الذي ذكرنا توفيقا بين الدليلين وقد يقال إن المراد استعمال الكف الواحد بدون الاستعانة بالكفين انتهى كلام العيني قلت قوله صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد فعل ذلك ثلاثا هو ظاهر في الجمع بين المضمضة والاستنشاق ولذلك قال ابن الملك وغيره من الأئمة الحنفية فيه حجة للشافعي وقد جاءت أحاديث أخرى صحيحة صريحة في الجمع لا احتمال فيها غيره فمنها حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة وجمع بين المضمضة والاستنشاق
رواه الدارمي وابن حبان والحاكم وإسناده حسن ومنها حديث ابن عباس أيضا قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فغرف غرفة فتمضمض واستنشق ثم غرف غرفة فغسل وجهه ثم غرف غرفة فغسل يده اليمنى رواه النسائي ومنها حديث ابن عباس أيضا أنه توضأ فغسل وجهه أخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه الحديث وفي آخره ثم قال هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ رواه البخاري في باب غسل الوجه
[ 102 ]
باليدين من غرفة واحدة ومنها حديث علي رواه أبو داود عن عبد خير قال رأيت عليا أتى بكرسي فقعد عليه ثم أتى بكوز من ماء فغسل يده ثلاثا ثم تمضمض مع الاستنشاق بماء واحد وسكت عنه أبو داود والمنذري ورواه النسائي بلفظ ثم مضمض واستنشق بكف واحد وفي آخر من سره أن ينظر إلى طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذا طهوره ولأبي داود الطيالسي في حديث علي ثم تمضمض ثلاثا مع الاستنشاق بماء واحد كما في التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر فظهر أن ما ذكره القاري والعيني من التأويل لا يليق أن يلتفت إليه ولذلك لم يرض به العيني نفسه حيث قال في شرح البخاري بعد ما ذكر من التأويل وفيه نظر لا يخفى والأحسن أن يقال إن كل ما روي من ذلك في هذا الباب هو محمول على الجواز انتهى وقال بعض العلماء الحنفية في شرحه لشرح الوقاية وذكر السغناقي في النهاية بعد ما ذكر مستند الشافعي أنه عليه الصلاة والسلام كان يتمضمض ويستنشق بكف واحد له عندنا تأويلان أحدهما أنه لم يستعن في المضمضة والاستنشاق باليدين كما في غسل الوجه والثاني أنه فعلهما باليد اليمنى ورده العيني بأن الأحاديث المصرحة بأنه تمضمض واستنشق بماء واحد لا يمكن تأويلها بما ذكره انتهى كلام بعض العلماء وأعلم أن مذهب الإمام أحمد ومذهب الإمام الشافعي المشهور هو الوصل بين المضمضة
والاستنشاق وحجتهم حديث عبد الله بن زيد المذكور في الباب والأحاديث التي ذكرناها ومذهب الإمام أبي حنيفة الفصل بينهما بأن يتمضمض ثلاثا بثلاث غرفات ثم يستنشق كذلك وحجتهم حديث كعب بن عمرو قال العيني في عمدة القاري ص 096 ج 1 وأما وجه الفصل بينهما كما هو مذهبنا فما رواه الطبراني عن طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمرو اليامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فمضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا فأخذ لكل واحدة ماء جديدا وكذا روى عنه أبو داود في سننه وسكت عنه وهو دليل رضاه بالصحة انتهى كلام العيني قلت حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده الذي رواه أبو داود في سننه والطبراني في معجمه ضعيف لا تقوم بمثله حجة لأن في سنديهما ليث بن أبي سليم وهو ضعيف اختلط أخيرا لم يميز حديثه فترك وأيضا في سنديهما مصرف بن عمرو وهو مجهول قال الحافظ ابن حجر في التلخيص ص 28 أما حديث طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده فرواه أبو داود في حديث فيه
[ 103 ]
ورأيته يفصل بين المضمضة والاستنشاق وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وقال ابن حبان كان يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم تركه يحيى بن القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد ابن حنبل وقال النووي في تهذيب الأسماء اتفق العلماء على ضعفه انتهى وقال في التقريب صدوق اختلط أخيرا ولم يتميز حديثه فترك انتهى وقال فيه مصرف بن عمرو بن كعب بن عمرو واليامي الكوفي روى عنه طلحة بن مصرف مجهول انتهى والعلامة العيني ذكر حديث الطبراني ولم يذكر سنده بتمامه وسنده هكذا قال الطبراني حدثنا الحسين بن إسحاق التستري حدثنا شيبان بن فروخ ثنا أبو سلمة الكندي ثنا ليث ابن أبي سليم حدثني طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده كعب بن عمر واليامي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ إلخ هكذا في تخريج الهداية للزيلعي
واحتج الحنفية أيضا على الفصل بالأحاديث التي وقع فيها لفظ مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا وأنت تعلم أن هذا اللفظ ليس صريحا فيما ذهبوا إليه من الفصل بل هو محتمل فإنه يحتمل أن يكون معناه أنه مضمض ثلاثا بثلاث غرفات أخرى واستنشق ثلاثا بثلاث غرفات ويحتمل أن يكون معناه أنه مضمض واستنشق بغرفة ثم فعل هكذا ثم فعل هكذا فللقائلين بالوصل أن يجيبوا عن هذا بمثل ما أجاب الحنفية عن حديث عبد الله ابن زيد المذكور بأن يقولوا هذا محتمل والمحتمل لا يقوم به حجة أو يرد هذا المحتمل إلى الأحاديث المحكمة الصريحة في الوصل المذكور توفيقا بين الدليلين واحتجوا أيضا بما رواه ابن السكن في صحاحه عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال شهدت علي بن أبي طالب وعثمان بن عفان توضئا ثلاثا ثلاثا وأفردا المضمضة من الاستنشاق ثم قالا هكذا رأينا رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ذكره الحافظ في التلخيص قلت ذكر الحافظ هذا الحديث في التلخيص لكنه لم يذكر سنده ولم يبين أنه صحيح أو حسن فلا يعلم حال إسناده فمتى لم يعلم أنه حسن أو صحيح لا يصلح للاحتجاج ولو فرض أن هذا الحديث قابل للاحتجاج وأن الأحاديث التي وقع فيها مضمض ثلاثا واستنشق ثلاثا تدل صراحة على الفصل فيقال إن الفصل والوصل كلاهما ثابتان جائزان كما قال العلامة العيني
[ 104 ]
الأحسن أن يقال إن كل ما روى من ذلك فهو محمول على الجواز وقد تقدم قوله هذا وقال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام ومع ورود الروايتين بالجمع وعدمه فالأقرب التخيير وأن الكل سنة وإن كان رواية الجمع أكثر وأصح انتهى وقال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي الجمع أقوى في النظر وعليه يدل الظاهر من الأثر وقد أخبرنا شيخنا أبو عبد الله محمد بن يوسف بن أحمد القيسي قال رأيت النبي
صلى الله عليه وسلم في المنام فقلت له أجمع بين المضمضة والاستنشاق في غرفة واحدة قال نعم فائدة اعلم أن اختلاف الأئمة في الوصل والفصل إنما هو في الأفضلية لا في الجواز وعدمه وقد صرح به الخطيب الشافعي وابن أبي زيد المالكي وغيرهما وذكر صاحب الفتاوي الظهيرية إنه يجوز عند أبي حنيفة أيضا وصل المضمضة بالاستنشاق قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عباس) تقدم تخريجه قوله (حديث عبد الله بن زيد حديث حسن غريب) حديث عبد الله بن زيد هذا أخرجه البخاري ومسلم في صحيحيهما فالظاهر أن يقول حديث صحيح (ولم يذكروا هذا الحرف) أي هذا اللفظ (أن النبي صلى الله عليه وسلم مضمض واستنشق من كف واحد) بيان لقوله هذا الحرف (وخالد ثقة حافظ عند أهل الحديث) يعني والزيادة من الثقة الحافظ مقبول قوله (قال بعض أهل العلم إلخ) ذكر الترمذي هنا ثلاثة أقوال لكن لا يظهر الفرق بين الثاني والثالث فتفكر (وقال الشافعي إن جمعها في كف فهو جائز وإن فرقهما فهو أحب) جاء عن الشافعي في هذه المسألة قولان أحدهما كقول أبي حنيفة وهو الذي نقله الترمذي ههنا والثاني أن يتمضمض بغرفة ويستنشق بها ثم هكذا ثم هكذا وهذا هو المشهور عنه قال العيني في عمدة
[ 105 ]
القاري ص 690 ج 1 روى البويطي عن الشافعي أن يأخذ ثلاث غرفات للمضمضة وثلاث غرفات للاستنشاق وفي رواية غيره عنه في الأم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف غرفة يتمضمض بها ويستنشق ثم يغرف ثالثة يتمضمض بها ويستنشق فيجمع في كل غرفة بين المضمضة والاستنشاق واختلف نصه في الكيفيتين فنص في الأم وهو نص مختصر المزني أن الجمع أفضل ونص البويطي أن الفصل أفضل ونقله الترمذي عن الشافعي قال النووي قال صاحب المهذب القول بالجمع أكثر في كلام الشافعي وهو أكثر في الأحاديث الصحيحة انتهى كلام العيني باب ما جاء في تخليل اللحية بكسر اللام وسكون الحاء اسم لجمع من الشعر ينبت على الخدين والذقن
29 - قوله (حدثنا ابن أبي عمر) هو محمد بن يحيى بن أبي عمر المدني نزيل مكة تقدم (عن عبد الكريم بن أبي المخارق) بضم الميم وبالخاء المعجمة المعلم البصري نزيل مكة واسم أبيه قيس وقيل طارق ضعيف (أبي أمية) كنية عبد الكريم (عن حسان بن بلال) المزني البصري روى عن عمار بن ياسر وحكيم بن حزام وعنه أبو قلابة وأبو بشر وغيرهما وثقه ابن المديني قوله (فخلل لحيته) أي أدخل أصابعه في خلال لحيته (فقيل له) أي لعمار (أو قال) أي حسان بن بلال (فقلت له) أي لعمار (يخلل لحيته) قال ابن العربي أي يدخل يده في خللها وهي الفروج التي بين الشعر ومنه فلان خليل فلان أي يخالل حبه فروج جسمه حتى يبلغ إلى قلبه ومنه الخلال وبناء ذلك كله يرجع إلى هذا انتهى والحديث يدل على مشروعية تخليل اللحية في الوضوء قال الشوكاني وقد اختلف الناس في ذلك فذهب إلى وجوب ذلك في الوضوء والغسل العترة والحسن بن صالح وأبو ثور
[ 106 ]
والظاهرية كذا في البحر واستدلوا بما وقع في أحاديث الباب بلفظ هكذا أمرني ربي وذهب مالك والشافعي والثوري والأوزاعي إلى أن تخليل اللحية ليس بواجب في الوضوء قال مالك وطائفة من أهل المدينة ولا في غسل الجنابة وقال الشافعي وأبو حنيفة وأصحابهما والثوري والأوزاعي والليث وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وداود والطبري وأكثر أهل العلم أن تخليل اللحية واجب في غسل الجنابة ولا يجب في الوضوء هكذا في شرح الترمذي لابن سيد الناس قال وأظنهم فرقوا بين ذلك والله تعالى أعلم لقوله صلى الله عليه وسلم تحت كل شعرة جنابة فبلو الشعر وأتقوا البشر انتهى وقال القاضي أبو بكر بن العربي في عارضة الأحوذي اختلف العلماء في تخليلها على أربعة أقوال أحدها أنه لا يستحب قاله مالك
الثاني أنه يستحب قاله ابن حبيب الثالث أنها إن كانت خفيفة وجب إيصال الماء إليها وإن كانت كثيفة لم يجب ذلك قاله مالك عن عبد الوهاب الرابع من علمائنا من قال يغسل ما قابل الذقن إيجابا وما وراءه استحبابا وفي تخليل اللحية في الجنابة روايتان عن مالك إحداهما أنه واجب وإن كثفت رواه ابن وهب وروى ابن القاسم وابن عبد الحكم سنة لأنها قد صارت في حكم الباطن كداخل العين ووجه آخر وهو قول أبي حنيفة والشافعي أن الفرض قد انتقل إلى الشعر بعد نباته كشعر الرأس انتهى كلام ابن العربي قلت أرجح الأقوال وأقواها عندي هو قول أكثر أهل العلم والله تعالى أعلم 30 - قوله (نا سفيان) هو ابن عيينة (عن سعيد بن أبي عروبة) البشكرى مولاهم أبي النضر البصري ثقة حافظ له تصانيف لكنه كثير التدليس واختلط وكان من أثبت الناس في قتادة (عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري الأكمة ثقة ثبت مدلس احتج به أرباب الصحاح (عن حسان بن بلال عن عمار عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله) قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر هذه الرواية حسان ثقة لكن لم يسمعه ابن عيينة من سعيد ولا قتادة من حسان انتهى
[ 107 ]
فحديث عمار من هذا الطريق ضعيف ومن طريق عبد الكريم بن أبي المخارق عن حسان أيضا ضعيف لأنه لم يسمع منه هذا الحديث كما بينه الترمذي قوله (وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وأنس وابن أوفى وأبي أيوب) أما حديث عائشة فأخرجه أحمد من رواية طلحة بن عبد الله بن كريز عنها وإسناده حسن كذا في التلخيص وأما حديث أم سلمة فأخرجه الطبراني والعقيلي والبيهقي بلفظ كان إذا توضأ خلل لحيته وفي إسناده خالد بن إلياس وهو منكر الحديث كذا في التلخيص وأما حديث أنس فأخرجه أبو داود بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكة فخلل به لحيته
وقال هكذا أمرني ربي وفي إسناده الوليد بن زروان وهو مجهول الحال وله طرق أخرى عن أنس ضعيفة قاله الحافظ وأما حديث ابن أبي أوفى فأخرجه أبو عبيد في كتاب الطهور وفي إسناده أبو الورقاء وهو ضعيف وهو في الطبراني أيضا كذا في التلخيص وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن ماجه والعقيلي وأحمد والترمذي في العلل وفيه أبو سورة لا يعرف قلت وفي الباب أيضا عن ابن عباس وابن عمر وأبي أمامة وأبي الدرداء وكعب بن عمرو وأبي بكرة وجابر بن عبد الله وجرير وعبد الله بن عكبرة ذكر أحاديث هؤلاء مع الكلام عليها الحافظ الزيلعي في تخريج الهداية والحافظ في التلخيص قال ابن أبي حاتم في كتاب العلل سمعت أبي يقول لا يثبت في تخليل اللحية حديث انتهى وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه ليس في تخليل اللحية شئ صحيح انتهى قلت قولهما هذا معارض بتصحيح الترمذي لحديث عثمان الآتي وبتصحيح الحاكم وابن القطان وغيرهما لبعض أحاديث الباب غيره ولا شك في أن أحاديث تخليل اللحية كثيرة ومجموعها يدل على أن لها أصلا كيف وقد صحح الترمذي حديث عثمان وحسنه الإمام البخاري كما ستعرف وحسن الحافظ ابن حجر حديث عائشة وهي بمجموعها تصلح للاحتجاج على استحباب تخليل اللحية في الوضوء وهذا هو الحق عندي والله تعالى أعلم قوله (عن عامر بن شقيق) بن جمرة بالجيم والراء الأسدي الكوفي لين الحديث كذا في
[ 108 ]
التقريب وقال الذهبي في الميزان ضعفه ابن معين وقال أبو حاتم ليس بقوي وقال النسائي ليس به بأس انتهى وذكره ابن حبان في الثقات وحسن حديثه الإمام البخاري وصححه الترمذي فالظاهر أنه يصلح للاحتجاج وأما قول أبي حاتم ليس بقوي وتضعيف ابن معين فهو مجمل قوله (كان يخلل لحيته) وفي حديث أنس عند أبي داود أخذ كفا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته وفي حديث ابن عمر عند ابن ماجه والدارقطني والبيهقي كان إذا توضأ
عرك عارضيه بعض العرك ثم يشبك لحيته بأصابعه من تحتها وحديث ابن عمر هذا صححه ابن السكن وضعفه غيره قوله (هذا حديث صحيح) وقال الترمذي في علله الكبير قال محمد بن إسمعيل يعني البخاري أصح شئ عندي في التخليل حديث عثمان وهو حديث حسن انتهى وقال الحافظ الزيلعي أمثل أحاديث تخليل اللحية حديث عثمان وقال الحافظ في بلوغ المرام أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة انتهى ورواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد انتهى والحديث رواه أيضا ابن ماجه وابن حبان وابن خزيمة والدارقطني قوله (وقال بهذا أكثر أهل العلم) أي قالوا بما يدل عليه أحاديث الباب من استحباب تخليل اللحية (من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم رأوا تخليل اللحية) وقد روي عن ابن عباس وابن عمر وأنس وعلي وسعيد بن جبير وأبي قلابة ومجاهد وابن سيرين والضحاك وإبراهيم النخعي أنهم كانوا يخللون لحاهم ومن روي عنه أنه كان لا يخلل إبراهيم النخعي والحسن وابن الحنفية وأبو العالية وأبو جعفر الهاشمي والشعبي ومجاهد والقاسم وابن أبي ليلى ذكر ذلك عنهم ابن أبي شيبة بأسانيده إليهم ذكره الشوكاني (وقال إسحاق إن تركه ناسيا أو متأولا أجزأه وإن تركه عامدا أعاده) أي أعاد الوضوء فعند إسحاق تخليل اللحية واجب في
[ 109 ]
الوضوء واستدل من قال بالوجوب ببعض أحاديث التخليل الذي وقع فيه قوله صلى الله عليه وسلم هكذا أمرني ربي أجاب عنه من قال بالاستحباب بأنه لا يصلح للاستدلال به على الوجوب لما فيه من المقال وقال الشوكاني في النيل والإنصاف أن أحاديث الباب بعد تسليم انتهاضها للاحتجاج وصلاحيتها للاستدلال لا تدل على الوجوب لأنها أفعال وما ورد في بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وسلم هكذا أمرني ربي لا يفيد الوجوب على الأمة لظهوره في الاختصاص به وهو يتخرج على الخلاف المشهور في الأصول هل يعم الأمة ما كان ظاهر الاختصاص به أم لا والفرائض
لا تثبت إلا بيقين والحكم على ما لم يفرضه الله بالفرضية كالحكم على ما فرضه بعدمها لا شك في ذلك لأن في كل واحد منهما من التقول على الله بما لم يقل ولا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي كث اللحية لغسل وجهه وتخليل لحيته ودفع ذلك كما قال بعضهم بالوجدان مكابرة منه نعم الاحتياط والأخذ بالأوثق لا شك في أولويته لكن بدون مجاراة على الحكم بالوجوب انتهى كلام الشوكاني وقد استدل من قال بعدم الوجوب بحديث ابن عباس أنه توضأ فغسل وجهه فأخذ غرفة من ماء فتمضمض بها واستنشق ثم أخذ غرفة من ماء فجعل بها هكذا أضافها إلى يده الأخرى فغسل بها وجهه ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليمنى ثم أخذ غرفة من ماء فغسل بها يده اليسرى الحديث رواه البخاري وإلى هذا الاستدلال أشار الشوكاني بقوله ولا شك أن الغرفة الواحدة لا تكفي لغسل وجهه وتخليل لحيته إلخ وقد استدل ابن تيمية بحديث ابن عباس هذا على عدم وجوب إيصال الماء إلى باطن اللحية الكثة فقال وقد علم أنه صلى الله عليه وسلم كان كث اللحية وأن الغرفة الواحدة وإن عظمت لا تكفي غسل باطن اللحية الكثة مع غسل الوجه فعلم أنه لا يجب انتهى
[ 110 ]
باب ما جاء في مسح الرأس أنه يبدأ بمقدم الرأس إلى مؤخره أي ذاهبا إلى مؤخره 32 - قوله (مسح رأسه) زاد ابن الطباع كله وكذا في رواية ابن خزيمة (فأقبل بهما وأدبر) أي بدأ بمقدم الرأس الذي يلي الوجه وذهب بهما إلى القفا ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه وهو مبتدأ الشعر وهذا المعنى هو المتعين المعتمد ويدل عليه قوله (بدأ بمقدم رأسه ثم ذهب بهما إلى قفاه إلخ) وهذه الجملة عطف بيان لقوله فأقبل بهما وأدبر ومن ثم لم تدخل الواو على بدأ قال الزرقاني قال الحافظ في الفتح الظاهر أنه من الحديث وليس مدرجا من كلامه مالك ففيه حجة على من قال السنة أن أن يبدأ بمؤخر الرأس إلى مقدمة لظاهر قوله أقبل وأدبر
ويرد عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب وعند البخاري من رواية سليمان بن بلال فأدبر بيديه وأقبل فلم يكن في ظاهرة حجة لأن الإقبال والإدبار ن الأمور الإضافية ولم يعين ما أقبل إليه وما أدبر عنه ومخرج الطريقين متحد فهما بمعنى واحد وعينت رواية مالك البداءة بمقدم الرأس فيحمل قوله أقبل على أنه من تسمية الفعل بابتدائه أي بدأ بقبل الرأس وقيل في توجيهه غير ذلك انتهى كلام الحافظ قوله (وفي الباب عن معاوية والمقدام بن معد يكرب وعائشة) أما حديث معاوية فأخرجه
[ 111 ]
أبو داود بلفظ إن معاوية توضأ للناس كما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فلما بلغ رأسه غرف غرفة من ماء فتلقاها بشماله حتى وضعها على وسط رأسه حتى قطر الماء أو كاد يقطر ثم مسح من مقدمه إلى مؤخره إلى مقدمه وأما حديث المقدام بن معد يكرب فأخرجه أيضا أبو داود وفيه فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى القفا ثم ردهما إلى المكان الذي منه بدأ والحديثان سكت عليهما أبو داود ثم المنذري وأما حديث عائشة فأخرجه النسائي وفيه ووضعت يدها في مقدم رأسها ثم مسحت رأسها واحدة إلى مؤخرة قوله (حديث عبد الله بن زيد أصح شئ في هذا الباب) حديث عبد الله بن زيد هذا أخرجه الجماعة (وبه يقول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الحافظ ابن عبد البر أصح حديث في هذا الباب حديث عبد الله بن زيد والمشهور المتداول الذي عليه الجمهور البداءة من مقدم الرأس إلى مؤخره انتهى باب ما جاء أنه يبدأ بمؤخر الرأس 33 - قوله (نا بشر بن المفضل) بن لاحق الرقاشي أبو إسماعيل البصري ثقة ثبت عابد قال أحمد إليه المنتهى في التثبيت في البصرة وقال ابن المديني كان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة
ويصوم يوما ويفطر يوما سنة 187 سبع وثمانين ومائة (عن عبد الله بن محمد بن عقيل) متكلم فيه تقدم ترجمته في باب مفتاح الصلاة الطهور (عن الربيع) بضم الراء وفتح الموحدة وكسر التحتانية المشددة أنصارية نجارية من المبايعات تحت الشجرة (بنت معوذ) بضم الميم وفتح العين وكسر الواو المشددة (بن عفراء) بسكون
[ 112 ]
العين المهملة وسكون الفاء والمد (مسح برأسه مرتين بدأ بمؤخر رأسه تم بمقدمه) الظاهر أن قوله بدأ بمؤخر رأسه بيان لقوله مرتين فليستا بمسحتين والحديث يدل على البداءة بمؤخر الرأس وهو مذهب بعض أهل الكوفة كما حكى الترمذي وأجاب ابن العربي عنه بأن تحريف من الراوي بسبب فهمه فإنه فهم من قوله فأقبل بهما وأدبر أنه يقتضي الإبتداء بمؤخر الرأس فصرح بما فهم منه وهو مخطئ في فهمه وأجاب غيره بأنه عارض ما هو أصح منه وهو حديث عبد الله بن زيد وبأنه فعل لبيان الجواز وقال الشوكاني قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي هذه الرواية محمولة على الرواية بالمعنى عند من يسمي الفعل بما ينتهي إليه كأنه حمل قوله ما أقبل وما أدبر على الابتداء بمؤخر الرأس فأداها بمعناها عنده وإن لم يكن كذلك قال ذكر معناه ابن العربي ويمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم فعل هذا لبيان الجواز مرة وكانت مواظبته على البداءة بمقدم الرأس وما كان أكثر مواظبة عليه كان أفضل والبداءة بمؤخر الرأس محكية عن الحسن بن حي ووكيع بن الجراح قال أبو عمر بن عبد البر قد توهم بعض الناس في حديث ابن عبد الله بن زيد في قوله ثم مسح رأسه بيديه فأقبل بهما وأدبر أن بدأ بمؤخر رأسه وتوهم غيره أنه بدأ من وسط رأسه فأقبل بيده وأدبر هذه ظنون لا تصح وقد روى عن ابن عمر أنه كان يبدأ من وسط رأسه ولا يصح وأصح حديث في الباب حديث عبد الله بن زيد والمشهور المتداول الذي عليه الجمهور البداءة من مقدم الرأس إلى مؤخره انتهى
قوله (هذا حديث حسن) حديث ربيع بنت معوذ هذا له روايات وألفاظ مدار الكل على عبد الله بن محمد بن عقيل وفيه مقال مشهور لا سيما إذا عنعن وقد فعل ذ لك في جميعها قاله الشوكاني قلت عبد الله بن محمد بن عقيل مدلس كما صرح به الحافظ في طبقات المدلسين ولذا قال الشوكاني لا سيما إذا عنعن (وحديث عبد الله بن زيد أصح من هذا وأجود) لأن حديث عبد الله بن زيد متفق عليه وأما حديث ربيع بنت معوذ هذا فقد عرفت حاله (وقد ذهب بعض
[ 113 ]
أهل الكوفة إلى هذا الحديث) وهو مذهب مرجوح والمذهب الراجح المعول عليه هو البداءة بمقدم الرأس باب ما جاء أن مسح الرأس مرة 34 - قوله (نا بكر بن مضر) بن محمد بن حكيم مولى شرحبيل بن حسنة وثقه أحمد وابن معين (عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان المدني صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة كذا في التقريب قوله (ومسح ما أقبل منه وما أدبر) هذا عطف تفسيري نقوله ومسح رأسه أي مسح ما أقبل من الرأس ومسح ما أدبر من الرأس أي مسح من مقدم الرأس إلى منتهاه ثم رد يديه من مؤخر الرأس إلى مقدمه (وصدغيه وأذنيه) معطوفان على ما أقبل والصدغ بضم الصاد المهملة وسكون الدال الموضع الذي بين العين والأذن والشعر المتدلي على ذلك الموضع (مرة واحدة) متعلق بمسح فيكون قيدا في الإقبال والإدبار وما بعده فباعتبار الإقبال يكون مرة وباعتبار الإدبار مرة أخرى وهو مسح واحد وبه يجمع بينه وبين ما سبق من حديثها أنه مسح برأسه مرتين والحديث يدل على مشروعية مسح الصدغ والأذن وأن مسحهما مع الرأس وأنه مرة واحدة قوله (وفي الباب عن علي وجد طلحة بن مصرف) أما حديث علي فأخرجه الترمذي وابن ماجة وأما حديث جد طلحة بن مصرف فأخرجه أحمد عن ليث عن طلحة بن مصرف عن أبيه
عن جده أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح رأسه حتى بلغ القذال وما يليه من مقدم العنق وفيه ليث بن أبي سليم وهو ضعيف وأخرجه أبو داود وذكر له علة أخرى عن أحمد بن حنبل قال كان ابن عيينة ينكره ويقول أيش هذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده قوله حديث الربيع
[ 114 ]
حديث حسن صحيح قال الشوكاني وفي تصحيحه نظر فإنه روي من طريق ابن عقيل انتهى قلت تقدم الكلام في ابن عقيل في باب مفتاح الصلاة الطهور فتذكر قوله (وقد روى من غير وجه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح برأسه مرة) روى الطبراني في الأوسط من حديث أنس بلفظ ومسح برأسه مرة قال الحافظ وإسناده صالح ورواه بن السكن من حديث رزيق بن حكيم عن رجل من الأنصار مثله وفي الباب أحاديث كثيرة مذكورة في التلخيص والنيل ونصب الراية والدراية قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم وبه يقول جعفر بن محمد وسفيان الثوري وابن المبارك والشافعي وإسحاق رأوا مسح الرأس مرة واحدة) قال في شرح السنة اختلفوا في تكرار المسح هل هو سنة أم لا فالأكثر على أنه يمسح مرة واحدة ومنهم الأئمة الثلاثة والمشهور من مذهب الشافعي أن المسح بثلاثة أصابع بثلاثة مياه جديدة كذا في المرقاة وقال في النيل قد اختلف في ذلك فذهب عطاء وأكثر العترة والشافعي إلى أنه يستحب تثليث مسحه كسائر الأعضاء انتهى فعلم أن للشافعي في مسح الرأس قولان التوحيد والتثليث ذكر الأول الترمذي والثاني صاحب شرح السنة واستدل من قال بالمسح مرة واحدة بأحاديث الباب وبما في الصحيحين من حديث عثمان وعبد الله بن زيد من إطلاق مسح الرأس مع ذكر تثليث غيره من الأعضاء وهو القول الراجح المعول عليه واستدل من قال بتثليث المسح بأحاديث لا يخلو واحد منها من كلام قال القاضي الشوكاني في النيل والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما هو
المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة وحديث من زاد على هذا فقد أساء وظلم الذي صححه ابن خزيمة وغيره قاض بالمنع من الزيادة على الوضوء الذي قال بعده النبي صلى الله عليه وسلم هذه المقالة كيف وقد ورد في رواية سعيد بن منصور في هذا الحديث التصريح بأنه مسح رأسه مرة واحدة ثم قال من زاد قال الحافظ في الفتح ويحمل ما ورد من الأحاديث في تثليث المسح
[ 115 ]
إن صحت على إرادة الإستيعاب بالمسح لا أنها مسحات مستقلة لجميع الرأس جميعا بين الأدلة انتهى قوله (حدثنا محمد بن منصور) بن داود الطوسي أبو جعفر العابد نزيل بغداد ثقة من صغار العاشرة (سألت جعفر بن محمد) بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي المعروف بالصادق ثقة صدوق فقيه إمام مات سنة 841 ثمان وأربعين ومائة عن ثمان وستين سنة (فقال إي والله) بكسر الهمزة حرف إيجاب باب ما جاء أنه يأخذ لرأسه ماء جديد 35 - قوله (حدثنا علي بن خشرم) بمعجمتين على وزن جعفر المروزي ثقة (نا عبد الله ابن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري الفقيه حافظ عابد من التاسعة مات سنة تسع وتسعين ومائة عن أربع وسبعين سنة (نا عمرو بن الحارث) بن يعقوب الأنصاري مولاهم المصري أبو أيوب ثقة فقيه حافظ من السابعة مات قديما قبل الخمسين ومائة (عن حبان) بفتح الحاء المهملة وبالموحده المشددة (بن واسع) بن حبان بن منقذ ابن عمرو الأنصاري ثم المازني المدني صدوق من الخامسة (عن أبيه) واسع بن حبان بفتح المهملة ثم موحدة ثقيلة صحابي ابن صحابي وقيل بل ثقة من كبار التابعين قوله (وأنه مسح بماء غير فضل يديه) قال النووي معناه أنه مسح الرأس بماء جديد لا ببقية من ماء يديه ولا يستدل بهذا على أن الماء المستعمل لا تصح الطهارة به لأن هذا إخبار عن الإتيان بماء جديد للرأس ولا يلزم من ذلك اشتراطه انتهى قال في سبل السلام وأخذ ماء جديد للرأس
[ 116 ]
أمر لا بد منه وهو الذي دلت عليه الأحاديث قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم مطولا قوله (وأنه مسح بماء غبر) بالغين المعجمة والباء الموحدة المفتوحتين أي بقي وما موصولة وفي بعض النسخ بماء غبر (فضل يديه) كذا في النسخ المطبوعة الموجودة عندنا وفي نسخة قلمية عتيقة صحيحة من فضل يديه بزيادة لفظة من وهو الظاهر والظاهر عندي أن من بيانية والمعنى أنه لم يمسح الرأس بماء جديد بل مسح بما بقي على يديه أي ببقية من ماء يديه وأما على ما في النسخة المطبوعة فالظاهر أن فضل يديه بالجر يدل ما غبر ويجوز أن يكون بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي وهو فضل يديه هذا كله ما عندي والله تعالى أعلم ورواية ابن لهيعة هذه مخالفة لرواية عمرو بن الحارث المذكورة أولا ولكن رواية عمرو أصح من رواية ابن لهيعة كما صرح به الترمذي قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم رأوا أن يأخذ لرأسه ماء جديدا) واستدلوا على ذلك بحديث الباب قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي وبه أخذ علماؤنا يعني الحنفية غير أنهم قالوا هذا إذا أصاب يده شيئا بحيث لم يبق البلل في يده وهو لا ينافي الحديث بل العلة تقتضيه نعم ظاهر هذا الحديث الإطلاق فيأخذ ماء جديدا على كل حال لكن الحديث الثاني مسح رأسه بماء غبر أي بقي من فضل يديه يدل على الذي ذهب إليه علماؤنا فهم حملوا الحديثين على حالة والآخر على حالة أخرى ففيه جمع بين الحديثين ولا شك أن الجمع أولى انتهى كلام أبي الطيب قلت رواية مسح بما غبر تفرد بها ابن لهيعة وهو ضعيف وخالف فيها عمرو بن الحارث وهو ثقة حافظ فهذه الرواية غير محفوظة نعم أخرج أبو داود عن ربيع بنت معوذ أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح برأسه من فضل ماء كان في يده قال السيوطي في مرقاة الصعود احتج به من رأى طهورية الماء المستعمل وتأوله البيهقي على أنه أخذ ماء جديدا وصب نصفه ومسح ببلل يده ليوافق
[ 117 ]
حديث عبد الله بن زيد ومسح رأسه بماء غير فضل يديه أخرجه مسلم والمصنف يعني أبا داود والترمذي انتهى كلام السيوطي قلت إن صح حديث ربيع بنت معوذ هذا فلا حاجة إلى تأويل البيهقي بل يقال كلا الأمرين جائزان إن شاء أخذ لرأسه ماء جديد أو إن شاء مسحه بفضل ما يكون في يده لكن في سنده ابن عقيل وفيه مقال مشهور كما عرفت وفي متنه اضطراب فإن ابن ماجه أخرج من طريق شريك عن عبد الله بن عقيل عن الربيع بنت معوذ قالت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بميضأة فقال اسكبي فسكبت فغسل وجهه وذراعيه وأخذ ماء جديدا فمسح به رأسه مقدمه ومؤخره فالقول الراجح هو أن يؤخذ لمسح الرأس ماء جديد والله تعالى أعلم باب مسح الأذنين ظاهرهما وباطنهما 36 - قوله (نا ابن إدريس) هو عبد الله بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي الكوفي ثقة فقيه عابد من الثامنة (عن ابن عجلان) هو محمد بن عجلان المدني صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة (عن زيد بن أسلم) العدوي مولاهم المدني ثقة (عن عطاء بن يسار) الهلالي المدني مولى ميمونة ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة من صغار الثالثة قوله (ظاهرهما وباطنهما) بالجر فيهما بدلان من أذنيه وظاهر الأذنين خارجهما مما يلي الرأس وباطن الأذنين داخلهما مما يلي الوجه وأخرج ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ فغرف غرفة فغسل وجهه الحديث ، وفيه ثم غرف غرفة فمسح برأسه وأذنيه داخلهما بالسبابتين وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما ذكره الحافظ في التلخيص وقال صححه ابن خزيمة وابن مندة قال ورواه أيضا النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي ولفظ النسائي ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه ولفظ ابن
[ 118 ]
ماجه مسح أذنيه فأدخل فيهما السبابتين وخالف إبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما ذكره الحافظ في التلخيص وقال صححه ابن خزيمة وابن مندة قال ورواه أيضا النسائي وابن ماجه والحاكم والبيهقي ولفظ النسائي ثم مسح برأسه وأذنيه باطنهما بالسبابتين وظاهرهما بإبهاميه ولفظ ابن ماجه مسح أذنيه فأدخلهما السبابتين وخالف بأبهمامية إلى ظاهر أذنيه فمسح ظاهرهما وباطنهما انتهى وفي حديث المقدام بن معد يكرب وأدخل أصبعيه في صماخي أذنه أخرجه أبو داود والطحاوي ففي هذه الآثار بيان كيفية مسح الأذنين قوله (وفي الباب عن الربيع) أخرجه أبو داود والترمذي والحاكم في المستدرك (حديث ابن عباس حديث حسن صحيح) وصححه أيضا ابن خزيمة وابن مندة كما تقدم قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم يرون مسح الأذنين ظهورهما وبطونهما) وهو الحق يدل عليه أحاديث الباب باب ما جاء أن الأذنين من الرأس 37 - قوله (عن سنان بن ربيعة) الباهلي البصري أبي ربيعة صدوق فيه لين أخرج له البخاري مقرونا من الرابعة (عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي مولى أسماء بنت يزيد بن السكن صدوق كثير الإرسال والأوهام من الثالثة كذا في التقريب قوله (وقال الأذنان من الرأس) أي فيمسحان معه لا من الوجه فيغسلان معه (قال حماد)
[ 119 ]
أي ابن زيد (لا أدري هذا) أي قوله الأذنان من الرأس قوله (وفي الباب عن أنس) قد ورد في أن الأذنين من الرأس ثمانية أحاديث قال الحافظ في التلخيص الأول حديث أبي أمامة رواه د ت ق وقد بينت أنه مدرج في كتابي في ذلك الثاني حديث عبد الله ين زيد قواه المنذري وابن دقيق العيد وقد بينت أيضا أنه مدرج الثالث حديث ابن عباس رواه البزار وأعله الدارقطني بالاضطراب وقال إنه وهم
والصواب رواية ابن جريج عن سليمان بن موسى مرسلا والرابع حديث أبي هريرة رواه ابن ماجه وفي عمرو بن الحصين وهو متروك الخامس حديث أبي موسى أخرجه الدارقطني واختلف في وقفه ورفعه وصوب الوقف وهو منقطع أيضا السادس حديث ابن عمر أخرجه الدارقطني وأعله أيضا السابع حديث عائشة أخرجه الدارقطني وفيه محمد بن الأزهر وقد كذبه أحمد الثامن حديث أنس أخرجه الدارقطني من طريق عبد الحكيم عن أنس وهو ضعيف انتهى ما في التلخيص قلت حديث عبد الله بن زيد أخرجه ابن ماجه قال الزيلعي في تخريج الهداية بعد ذكره هذا أمثل إسناد في الباب لاتصاله وثقة رواته انتهى لكن قال الحافظ أنه مدرج كما عرفت قال الزيلعي أما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني عن أبي كامل الجحدري ثنا غندر محمد بن جعفر عن ابن جريج عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الأذنان من الرأس قال ابن القطان إسناده صحيح لاتصاله وثقة رواته انتهى قال وأعله الدارقطني با ضطراب في إسناده وقال إسناده وهم وإنما هو مرسل ثم أخرجه عن ابن جريج عن سليمان بن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا وتبعه عبد الحق في ذلك وقال ابن جريج الذي دار الحديث عليه يروى عنه عن سليمان ابن موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا قال
[ 120 ]
وهذا ليس بقدح فيه وما يمنع أن يكون فيه حديثان مسند ومرسل انتهى قلت كلام ابن القطان هذا متجه قوله (هذا حديث ليس إسناده بذاك القائم) أي ليس بالقوي قال ابن دقيق العيد في الأمام وهذا الحديث معلول بوجهين أحدهما الكلام في شهر بن حوشب والثاني الشك في رفعه ولكن شهرا وثقه أحمد ويحي والعجلي ويعقوب بن شيبة وسنان بن ربيعة أخرج له
البخاري وهو وإن كان قد لين فقال ابن عدي أرجو أنه لا بأس به وقال ابن معين ليس بالقوي فالحديث عندنا حسن والله أعلم انتهى كلامه وقال ابن القطان في الوهم والإيهام شهر بن حوشب ضعفه قوم ووثقه الأخرون وممن وثقه ابن حنبل وابن معين وقال أبو زرعة لا بأس به وقال أبو حاتم ليس هو بدون ابن الزبير وغير هؤلاء ضعفه ولا أعرف لمضعفه حجة كذا في تخريج الزيلعي وقال الزيلعي وقد صحح الترمذي في كتابه حديث شهر بن حوشب عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم لف على الحسن والحسين وعلي وفاطمة كساء وقال هؤلاء أهل بيتي ثم قال هذا حسن صحيح قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم أن الأذنين من الرأس) أي فيمسحان معه وهو القول الراجح المعول عليه (به يقول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق) وهو قول أبي حنيفة (وقال بعض أهل العلم ما أقبل من الأذنين فمن الوجه وما أدبر فمن الرأس) وإليه ذهب الشعبي والحسن بن صالح ومن تبعهم فإنهم قالوا يغسل ما أقبل منهما مع الوجه ويمسح ما أدبر مع الرأس ذكره العيني وغيره (وقال إسحاق أختار أن يمسح مقدمهما مع وجهه ومؤخره مع رأسه) ذكر الترمذي في هذه المسألة ثلاثة مذاهب وههنا مذاهب أخرى فمنها أن الأذنين من الوجه فيغسلان معه وإليه ذهب الزهري وداود ذكره الشوكاني في النيل ومنها مذهب ابن شريح أنه كان يغسلهما مع الوجه ويمسحهما مع الرأس
[ 121 ]
واستدل من قال إن الأذنين من الرأس بأحاديث الباب واستدل الطحاوي لمذهب الشعبي ومن تبعه في شرح الآثار بما رواه بسنده عن علي أنه حكى الوضو النبوي فأخذ حفنة من ماء بيديه جميعا فضرب بهما وجهه ثم الثانية مثل ذلك ثم الثالثة ثم ألقم إبهاميه ما أقبل من أذنيه ثم أخذ كفا من ماء بيده اليمنى فصبها على ناصيته ثم أرسلها تسيل على وجهه ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثا واليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه
وظهور أذنيه وذكر ابن تيمية هذا الحديث في المنتقى نقلا عن مسند أحمد وأبي داود وقال فيه حجة لمن رأى ما أقبل من الأذنين من الوجه انتهى قلت قال المنذري في الحديث مقال قال الترمذي سألت محمد بن إسماعيل عنه فضعفه وقال ما أدري ما هذا انتهى وقال الحافظ في التلخيص ورواه البزار وقال لا نعلم أحد روى هذا هكذا إلا من حديث عبيد الله الخولاني ولا نعلم أن أحدا رواه عنه إلا محمد بن طلحة بن يزيد بن ركانة وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فيه وأخرجه ابن حبان من طريقه مختصرا وضعفه البخاري فيما حكاه الترمذي انتهى فهذا الحديث لا يصلح للاستدلال وذكر الحافظ الزيلعي في نصب الراية في استدلال ابن شريح أنه روى أصحاب السنن عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجود القرآن سجد وجهى للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره فهذا الحديث يدل على أن الأذنين من الوجه فبهذا الحديث وحديث الأذنان من الرأس استند ابن شريح فيما كان يفعله قلت حديث عائشة هذا ليس بنص على أن الأذنين من الوجه ولم أقف على حديث صحيح صريح يدل على كون الأذنين من الوجه ثم لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم غسل الأذنين وإنما الثابت عنه صلى الله عليه وسلم هو مسح الأذنين فقط فالقول الراجح المعول عليه هو أن الأذنين من الرأس لأحاديث الباب ويدل عليه حديث الصنابحي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا توضأ العبد المؤمن فتمضمض خرجت الخطايا من فيه وذكر الحديث وفيه فإذا مسح برأسه خرجت الخطايا من رأسه حتى تخرج من أذنيه رواه مالك والنسائي وابن ماجه قال ابن تيمية في المنتقي فقوله تخريج من أذنيه إذا مسح رأسه دليل على أن الأذنين داخلتان في مسماه ومن جملته انتهى فالمتعين هو مسح الأذنين مع الرأس واختلفوا في أنهما يمسحان ببقية ماء الرأس أو بماء جديد قال الشوكاني في النيل ذهب
[ 122 ]
مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور إلى أنه يؤخذ لهما ماء جديد وذهب الثوري وأبو حنيفة إلى أنهما
يمسحان مع الرأس بماء واحد قال ابن عبد البر وروى عن جماعة مثل هذا القول من الصحابة والتابعين واحتج الأولون بما في حديث عبد الله ابن زيد في صفة وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به الرأس أخرجه الحاكم من طريق حرملة عن ابن وهب قال الحافظ إسناد ظاهره الصحة وأخرجه البيهقي من طريق عثمان الدارمي عن الهيثم بن خارجة عن ابن وهب بلفظ فأخذ لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذ لرأسه وقال هذا إسناد صحيح لكن ذكر الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد في الإمام أنه رأى في رواية ابن المقبري عن ابن قتيبة عن حرملة بهذا الاسناد ولفظه ومسح برأسه بماء غير فضل يديه لم يذكر الأذنين وقال الحافظ كذا هو في صحيح ابن حبان عن ابن مسلم عن حرملة وكذا رواه الترمذي عن علي بن خشرم عن ابن وهب وقال عبد الحق ورد الأمر بتجديد الماء للأذنين من حديث نمران بن جارية عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم وتعقبه ابن القطان بأن الذي في رواية جارية بلفظ أخذ للرأس ماء جديدا رواه البزار والطبراني وروى في الموطأ عن نافع عن ابن عمر أنه كان إذا توضأ يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه وصرح الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ذكر حديث البيهقي السابق أن المحفوظ ما عند مسلم من هذا الوجه بلفظ ومسح برأسه بماء غير فضل يديه وأجاب القائلون أنهما يمسحان بماء الرأس بما سلف من إعلال هذا الحديث قالوا فيوقف على ما ثبت من مسحهما مع الرأس كما في حديث ابن عباس والربيع وغيرهما قال ابن القيم في الهدى لم يثبت عنه أنه أخذ لهما ماء جديدا وإنما صح ذلك عن ابن عمر انتهى ما في النيل قلت لم أقف على حديث مرفوع صحيح خال عن الكلام يدل على مسح الأذنين لماء جديد نعم ثبت ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما من فعله روى الامام مالك في موطئه عن نافع أن عبد الله بن عمر كان يأخذ الماء بأصبعيه لأذنيه والله تعالى أعلم
[ 123 ]
باب في تخليل الأصابع 38 - قوله (عن سفيان) هو الثوري (عن أبي هاشم) أسمه إسماعيل بن كثير الحجازي المكي ثقة من السادسة (عن عاصم بن لقيط بن صبرة) بفتح المهملة وكسر الموحدة العقيلي بالتصغير ثقة من الثالثة (عن أبيه) لقيط بن صبرة صحابي مشهور قوله (إذا توضأت فخلل الأصابع) صيغة أمر من التخليل وهو إدخال الشئ خلال شئ وهو وسطه والحديث دليل على وجوب تخليل أصابع اليدين والرجلين قوله (وفي الباب عن ابن عباس والمستورد وأبي أيوب) أما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وابن ماجه والترمذي وأما حديث المستورد فأخرجه الخمسة إلا أحمد وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قلت وفي الباب أيضا عن عثمان أخرجه الدارقطني بلفظ أنه خلل أصابع قدميه ثلاثا وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كما فعلت وعن الربيع بنت معوذ أخرجه الطبراني في الأوسط قال الحافظ وإسناده ضعيف وعن عائشة أخرجه الدارقطني وفيه عمر بن قيس وهو منكر الحديث وعن وائل بن حجر أخرجه الطبراني في الكبير قال الحافظ فيه ضعف وانقطاع وعن عبد الله بن زيد أخرجه أحمد وعن أبي هريرة أخرجه الدارقطني خللوا بين أصابعكم لا يخللها الله يوم القيامة بالنار وفي الباب أيضا أحاديث أخرى عن غير هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم أجمعين من شاء الوقوف عليها فليرجع إلى النيل قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي والشافعي وابن
[ 124 ]
الجارود وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي مطولا ومختصرا وصححه أيضا البغوي وابن القطان قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم أنه يخلل أصابع رجليه في الوضوء وبه يقول أحمد وإسحاق) قال ابن سيد الناس في شرح الترمذي قال أصحابنا من سنن الوضوء تخليل
أصابع الرجلين في غسلهما قال وهذا إذا كان الماء يصل إليها من غير تخليل فلو كانت الأصابع ملتفة لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته لكن لأداء فرض الغسل انتهى قال الشوكاني بعد ذكر كلام ابن سيد الناس هذا والأحاديث قد صرحت بوجوب التخليل وثبت من قوله صلى الله عليه وسلم وفعله ولا فرق بين إمكان وصول الماء بدون تخليل وعدمه ولا بين أصابع اليدين والرجلين فالتقييد بأصابع الرجلين أو بعدم إمكان وصول الماء لا دليل عليه انتهى قلت الأمر كما قال الشوكاني (وقال إسحاق يخلل أصابع يديه ورجليه) قول إسحاق هذا هو الراجح المعول عليه طلاق قوله صلى الله عليه وسلم فخلل الأصابع ولحديث ابن عباس الآتي في هذا الباب 39 - قوله (حدثنا إبراهيم بن سعيد) الجوهري أبو إسحاق الطبري نزيل بغداد ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة من العاشرة (قال ثنا سعد بن عبد الحميد بن جعفر) الأنصاري أبو معاذ المدني نزيل بغداد صدوق له أغاليط من كبار العاشرة (قال ثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد) المدني مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد وكان فقيها من السابعة كذا في التقريب وقال في الخلاصة قال ابن معين ما حدث بالمدينة فهو صحيح وقال في هامش الخلاصة نقلا عن التهذيب وما حدث به ببغداد والعراق فمضطرب (عن موسى بن عقبة) بن أبي عياش مولى آل الزبير ثقة فقيه إمام في المغازي من الخامسة لم يصح أن ابن معين لينه كذا في التقريب وقال في الخلاصة قال مالك عليكم بمغازي عقبة فإنه ثقة وهي أصح المغازي مات سنة 141 إحدى وأربعين ومائة (عن صالح مولى التوأمة) بفتح المثناة وسكوت الواو
[ 125 ]
وبعدها همزة مفتوحة صدوق اختلط بآخره قال ابن عدي لا بأس برواية القدماء عنه كابن أبي ذئب وابن جريج من الرابعة كذا في التقريب قلت سماع موسى ابن عقبة منه قبل أن يختلط قوله (إذا توضأت بين يديك ورجليك) هذا الحديث حجة على من قيد التخليل بأصابع الرجلين وأما ما جاء في بعض الأحاديث من ذكر الرجلين فقط فهو تنصيص
ببعض الأفراد قوله (هذا حديث حسن غريب) قال في النيل فيه صالح مولى التوأمة وهو ضعيف ولكن حسنه البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح وسماع موسى عنه قبل أن يختلط انتهى قوله (عن يزيد بن عمرو) المعافري المصري صدوق من الرابعة (عن أبي عبد الرحمن الحبلى) بضم المهملة والموحدة المعافري ثقة من الثالثة قوله (ذلك) أي خلل (بخنصره) أي بخنصر يده اليسرى قوله (هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة) عرابة هذا الحديث والذي قبله ترجع إلى الاسناد فلا ينافي الحسن قاله ابن سيد الناس وقد شارك ابن لهيعة في روايته عن يزيد بن عمرو الليث وعمرو بن الحارث فالحديث إذن صحيح سالم عن الغرابة كذا في النيل
[ 126 ]
باب ما جاء ويل للأعقاب من النار قوله (ثنا عبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة قوله (ويل للأعقاب من النار) الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب كذا في المجمع قال الحافظ في الفتح اختلف في معناه على أقوال أظهرها ما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد مرفوعا ويل واد في جهنم قال الحافظ وجاز الابتداء بالنكرة لأنه دعاء انتهى والأعقاب جمع عقب بفتح عين وكسر قاف وبفتح عين وكسرها مع سكون قاف مؤخر القادم قال البغوي معناه ويل لأصحاب الأعقاب المقصرين في غسلها وقيل أراد أن العقب مختص بالعقاب ورواه غيره مطولا فروى عبد الله بن عمرو قال تخلف النبي صلى الله عليه وسلم عنا في سفرة فأدركنا وقد أرهقنا العصر فجعلنا نتوضأ ونمسح على أرجلنا فنادى بأعلى صوته ويل
للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا أخرجه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري والحديث دليل على وجوب غسل الرجلين وأن المسح لا يجزئ قال ابن خزيمة لو كان الماسح مؤديا للفرض لما توعد بالنار وأشار بذلك إلى ما كان من الخلاف من الشيعة أن الواجب المسح أخذ بظاهر قراءة وأرجلكم بالخفض وقد تواترت الأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في صفة وضوئه أنه غسل رجليه وهو المبين لأمر الله وقال في حديث عمرو بن عنبسة الذي رواه ابن خزيمة وغيره مطولا في فضل الوضوء ثم يغسل قدميه كما أمره الله ولم يثبت عن أحد من الصحابة خلاف ذلك إلا عن علي وابن عباس وأنس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك قال عبد الرحمن بن أبي ليلى أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غسل القدمين رواه سعيد بن منصور وادعى الطحاوي وابن حزم أن المسح منسوخ والله أعلم كذا في فتح الباري
[ 127 ]
قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعائشة وجابر بن عبد الله وعبد الله بن الحارث ومعيقب وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان) أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأما حديث عائشة فأخرجه مسلم وأما حديث جابر بن عبد الله فأخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه بلفظ ويل للعراقيب من النار وأخرجه ابن ماجه وأخرجه الطحاوي أيضا كذا في عمدة القاري ص 656 ج 1 وأما حديث عبد الله بن الحارث فسيجئ تخريجه وأما حديث معيقيت فأخرجه أحمد والطبراني في الكبير بمثل حديث الباب قال الهيثمي وفيه أيوب بن عتبة والأكثر على تضعيفه وأما حديث خالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص ويزيد بن أبي سفيان فأخرجه ابن ماجه بلفظ أتموا الوضوء ويل للأعقاب من النار قلت وفي الباب أيضا عن عبد الله بن عمر أخرجه ابن أبي شيبة وعن أبي أمامة أخرجه أيضا ابن أبي شيبة وقد روى من حديث أبي أمامة ومن حديث أخيه ومن حديثهما معا ومن حديث أحدهما على الشك قاله ابن سيد الناس وعن عمر بن الخطاب أخرجه مسلم وعن
خالد بن معدان أخرجه أحمد كذا في النيل وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها العيني في عمدة القاري ص 656 ج 1 بألفاظها من شاء الوقوف عليها فليرجع إليه قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه (وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار) قال المنذري في الترغيب هذا الحديث الذي أشار إليه الترمذي رواه الطبراني في الكبير وابن خزيمة في صحيحه من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء الزبيدي مرفوعا ورواه أحمد موقوفا عليه انتهى (وفقه هذا الحديث أنه لا يجوز المسح على القدمين إذا لم يكن عليهما خفان أو جوربان)
[ 128 ]
إذ لو جاز المسح على القدمين لم يدع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الماسح على القدمين بالويل من النار وقوله جوربان تثنية جورب ويجئ تفسيره وحكم المسح عليهما باب ما جاء في الوضوء مرة مرة 42 - قوله (عن سفيان) هو الثوري لأن أبا نعيم صرح به في كتابه قاله العيني (توضأ مرة مرة) فيه دليل على أن الواجب من الوضوء مرة مرة ولهذا اقتصر عليه النبي صلى الله عليه وسلم ولو كان الواجب مرتين مرتين أو ثلاثا ثلاثا لما اقصر على مرة مرة قال النووي قد أجمع المسلمون على أن الواجب في غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث سنة وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وبعض الأعضاء وبعضها مرتين والاختلاف دليل على جواز ذلك كله وأن الثلاث هي الكمال والواحدة تجزئ انتهى قوله (وفي الباب عن عمر وجابر وبريدة وأبي رافع وابن الفاكه) أما حديث عمر فأخرجه الترمذي وابن ماجه وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه وأما حديث بريدة فأخرجه البزار وأما حديث أبي رافع فأخرجه البزار أيضا والدارقطني في سننه وأما حديث ابن الفاكه فأخرجه البغوي في معجمه وفيه عدي بن الفضل وهو متروك وقد ذكر العيني في شرح
البخاري حديث ابن الفاكه بسنده ومتنه قلت وفي الباب أيضا عن عبد الله بن عمر أخرجه البزار وعن عكراش بن ذؤيب ذكره أبو بكر الخطيب وعن أبي بن كعب أخرجه ابن ماجه قوله (حديث ابن عباس أحسن شئ في هذا الباب وأصح) أخرجه الجماعة إلا مسلما
[ 129 ]
قوله (وروى رشدين) بكسر الراء وسكون الشين المعجمة (بن سعد) المهري أبو الحجاج المصري ضعيف رجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة وقال ابن يونس كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين في الحديث من السابعة (وغيره) كابن لهيعة (عن الضحاك بن شرحبيل) الغافقي المصري صدوق بهم من الرابعة ورواية رشدين هذه أخرجها ابن ماجه (والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد) المدني صدوق له أوهام ورمي بالتشيع من كبار السابعة (وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد) بن عبيد الدراوردي أبو محمد الجهني مولاهم المدني صدوق كان يحدث من كتب غيره فيخطئ قال النسائي حديثه عن عبيد الله العمري منكر من الثامنة باب ما جاء في الوضوء مرتين مرتين 43 - قوله (حدثنا أبو كريب ومحمد بن رافع) القشيري النيسابوري ثقة عابد من الحادية عشرة (نا زيد بن حباب) بضم المهملة وموحدتين أبو الحسين العكلي أصله من خراسان وكان بالكوفة ورحل في الحديث فأكثر منه وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري من التاسعة (عن عبد الرحمن بن ثابت بن ثوبان) العنسي الدمشقي الزاهد صدوق يخطئ ورمي بالقدر وتغير بآخره من السابعة (حدثني عبد الله بن الفضل) الهاشمي المدني ثقة من الرابعة (عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج) المدني ثقة عالم من الثالثة
[ 130 ]
قوله (توضأ مرتين مرتين) أي غسل أعضاء وضوئه مرتين مرتين وفيه دليل على أن
التوضأ مرتين مرتين يجوز ولا خلاف في ذلك قوله (هذا حديث حسن غريب إلخ) وأخرجه أبو داود قوله (وفي الباب عن جابر) أخرجه ابن ماجه وفي الباب أيضا عن عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتين مرتين أخرجه أحمد والبخاري (وقد روى عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا) يجئ تخريجه في الباب الآتي باب ما جاء في الوضوء ثلاثا ثلاثا 44 - قوله (نا عبد الرحمن بن مهدي) بن حسان العنبري مولاهم أبو سعيد البصري ثقة ثبت حافظ عارف بالرجال والحديث قال ابن المديني ما رأيت أعلم منه مات سنة ثمان وتسعين ومائة بالبصرة عن ثلاث وستين سنة (عن سفيان) هو الثوري (عن أبي حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد المثناة التحتية ابن قيس الهمداني الوادعي قيل اسمه عمرو بن نصر وقيل اسمه عبد الله وقيل اسمه عامر بن الحارث وقال أبو أحمد الحاكم وغيره لا يعرف اسمه مقبول من الثالثة قوله (توضأ ثلاثا ثلاثا) قد أجمع العلماء على أن الواجب غسل الأعضاء مرة واحدة وأن الثلاث سنة لثبوت الاقتصار من فعله صلى الله عليه وسلم على مرة واحدة مرتين كما تقدم
[ 131 ]
قوله (وفي الباب عن عثمان والربيع وابن عمر وعائشة وأبي رافع وعبد الله بن عمرو ومعاوية وأبي هريرة وجابر وعبد الله بن زيد وأبي ذر) أما حديث عثمان فأخرجه أحمد ومسلم بلفظ حديث الباب وأما حديث الربيع وهي بنت معوذ بن عفراء فأخرجه الترمذي وأبو داود وابن ماجه وأما حديث ابن عمر فأخرجه ابن حبان وغيره أنه توضأ ثلاثا ثلاثا ورفع ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأما حديث عائشة وأبي هريرة فأخرجه ابن ماجه بسند لا بأس به أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وأما حديث أبي أمامة فأخرجه ثابت بن القاسم السرقسطي في كتاب الدلائل بسند
لا بأس به أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا وأما حديث أبي رافع فأخرجه الطبراني في الأوسط وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وأما حديث معاوية ففي كتاب المفرد لأبي داود من حديث علي بن أبي جملة عن أبيه عن أمير المؤمنين عبد الملك حدثني أبو خالد عن معاوية رضي الله عنه رأيت النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثا ثلاثا كذا في عمدة القاري ص 847 ج 1 وفي الباب أحاديث كثيرة أخرجها أصحاب الصحاح الستة وغيرهم قوله (حديث على أحسن شئ في هذا الباب وأصح) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وقال ابن المبارك لا آمن إذا زاد في الوضوء على الثلاث أن يأثم) يدل عليه حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم رواه النسائي وابن ماجه قال الإمام حافظ الدين النسفي هذا إذا زاد معتقدا أن السنة هذا فأما لو زاد لطمانينة القلب
[ 132 ]
عند الشك أو نية وضوء آخر فلا بأس لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بترك ما يريبه إلى ما لا يريبه انتهى قال القاري قلت أما قوله لطمأنينة القلب عند الشك ففيه أن الشك بعد الثليث لا وجه له وإن وقع بعده فلا نهاية له وهو الوسوسة ولهذا أخذ ابن المبارك بظاهره فقال لا آمن إذا زاد على الثلاث أن يأثم انتهى قال القاري وأما قوله أو بنية وضوء آخر فيه إن قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد مع أنه لا يتصور التجديد إلا بعد تمام الوضوء لا في الأثناء وأما قوله لأنه أمر بترك ما يريبه إلخ ففيه أن غسل المرة الأخرى مما يريبه فينبغي تركه إلى ما لا يريبه وهو ما عينه الشارع ليتخلص عن الريبة والوسوسة انتهى كلام القاري قلت قوله قبل الإتيان بعبادة بعد الوضوء لا يستحب له التجديد يخدشه إطلاق حديث الوضوء على الوضوء نور على نور لكن هذا الحديث ضعيف قال الحافظ العراقي في تخريج
الإحياء لم أقف عليه وقال الحافظ ابن حجر هو حديث ضعيف رواه رزين في مسنده (وقال أحمد وإسحاق لا يزيد الثلاث إلا رجل مبتلي) أي بالجنون لمظنة أنه بالزيادة يحتاط لدينه قال ابن حجر ولقد شاهدنا من الموسوسين من يغسل يده بالمئين وهو مع ذلك يعتقد أن حدثه هو اليقين كذا في المرقاة باب ما جاء في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي أي باب الحديث الذي ورد في الوضوء مرة ومرتين وثلاثا يعني في الحديث الواحد المشتمل على ثلاث أحوال في ثلاث أوقات فيرجع مآل هذا الباب الواحد إلى مجموع الأبواب الثلاثة إلا أن الأبواب الثلاثة السابقة باعتبار الأحاديث الثلاثة وهذا الباب باعتبار حديث واحد لا باعتبار حالة لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجمع الأحوال المذكورة في وضوء واحد انتهى 45 - (حدثنا إسماعيل بن موسى الفزاري) الكوفي أبو محمد أو أبو إسحاق نسيب السدي
[ 133 ]
أو ابن أخته أو ابن بنته صدوق يخطئ ورمي بالرفض من العاشرة 46 - (عن ثابت بن أبي صفية) الثمالي بضم المثلثة كنيته أبو حمزة واسم أبيه دينار وقيل سعيد كوفي ضعيف رافضي من الخامسة مات في خلافة أبي جعفر قوله (قال قلت لأبي جعفر) هو محمد الباقر (حدثك جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرة مرة) أي تارة (ومرتين مرتين) أي أخرى (وثلاثا ثلاثا) أي أخرى (قال نعم) قال الطيبي من عادة المحدثين أن يقول القارئ بين يدي الشيخ حدثك فلان عن فلان يرفع إسناده وهو ساكت يقرر وذلك كما يقول الشيخ حدثني فلان عن فلان ويسمعه الطالب انتهى وتوضيحه ما قال ابن حجر أن من أحد طرق الرواية أن يقول التلميذ للشيخ حدثك فلان عن فلان كذا والشيخ يسمع فإذا فرغ قال نعم فهو بمنزلة قول الشيخ حدثني فلان إلخ والتلميذ ساكت أي يسمع
كذا في المرقاة قلت قال السيوطي في تدريب الراوي إذا قرئ على الشيخ قائلا أخبرك فلان أو نحوه كقلت أخبرنا فلان والشيخ مصغ إليه فاهم له غير منكر ولا مقر لفظا صح السماع وجازت الرواية به اكتفاء بالقرائن الظاهرة ولا يشترط نطق الشيخ بالإقرار كقوله نعم على الصحيح الذي قطع به جماهير أصحاب الفنون وشرط بعض الشافعية والظاهريين نطقه به انتهى كلام السيوطي قوله (وروى وكيع هذا الحديث إلخ) الفرق بين رواية وكيع وشريك أن وكيعا رواه مختصرا بلفظ توضأ مرة مرة قال نعم ولم يذكر لفظ مرتين مرتين وثلاثا ثلاثا وأما شريك فرواه بلفظ توضأ مرة مرة ومرتين مرتين وثلاثا ثلاثا قال نعم وحديث شريك رواه ابن ماجه أيضا وقال علي القاري في المرقاة سنده حسن قلت في سنده شريك وقد عرفت حاله وأيضا في سنده ثابت بن أبي صفية وهو ضعيف
[ 134 ]
كما عرفت ولكن في الباب أحاديث صحيحة (وشريك كثير الغلط) شريك هذا هو ابن عبد الله النخعي الكوفي القاضي بواسط تقدم ترجمته باب فيمن توضأ بعض وضوئه مرتين وبعضه ثلاثا 47 - قوله (عن عمرو بن يحيى) بن عمارة بن أبي حسن المازني المدني سبط عبد الله ابن زيد بن عاصم ثقة وثقة أبو حاتم والنسائي (عن أبيه) يحيى بن عمارة ثقة من الثالثة قوله (توضأ فغسل وجهه ثلاثا وغسل يديه مرتين مرتين ومسح برأسه وغسل رجليه) كذا في النسخة الحاضرة المطبوعة وفي نسخة قلمية عتيقة صحيحة وغسل رجليه مرتين بزيادة لفظ مرتين قوله (هذا حديث صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم مطولا
قوله (وقد ذكر في غير حديث) أي في عدة أحاديث (وقد رخص بعض أهل العلم في ذلك لم يروا بأسا أن يتوضأ الرجل بعض وضوئه ثلاثا
[ 135 ]
وبعضه مرتين أو مرة) وهو القول الراجح المعول عليه لأحاديث الباب باب في وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كيف كان 48 - قوله (نا أبو الأحوص) هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي ثقة متقن صاحب حديث من السابعة (عن أبي إسحاق) هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي ثقة مدلس (عن أبي حية) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتانية المفتوحة هو ابن قيس الهمداني الوادعي عن علي وعنه أبو إسحاق فقط قال أحمد شيخ كذا في الخلاصة وقال الحافظ في التقريب قيل اسمه عمرو بن نصر وقيل اسمه عبد الله وقيل اسمه عامر بن الحارث وقال أبو أحمد الحاكم وغيره لا يعرف اسمه مقبول من الثالثة انتهى قوله (توضأ فغسل كفيه) أي شرع في الوضوء أو أراده فالفاء تعقيبية والأظهر أنها لتفصيل ما أجمل في قوله توضأ قاله القارى (فغسل كفيه) المراد من الكفين اليدان إلى الرسغين (حتى أنقاهما) أي أزال الوسخ عنهما (ومسح برأسه مرة) فيه دليل على أن السنة في مسح الرأس أن يكون مرة واحدة وعليه الجمهور وقد تقدم الكلام في هذا في باب ما جاء أن مسح الرأس مرة (ثم غسل قدميه إلى الكعبين) فيه رد على من جوز المسح على الرجلين بغير خف أو جورب (ثم قام فأخذ فضل طهوره) بفتح الطاء أي بقية مائه الذي توضأ به (فشربه وهو قائم) زاد في رواية للبخاري ثم قال إن أناسا يكرهون الشرب قائما وإن النبي صلى الله عليه وسلم صنع مثل ما صنعت قال ابن الملك أما شرب فضله فلأنه ماء أدى به عبادة وهي الوضوء فيكون فيه بركة فيحسن شربه قائما تعليما الأمة أن الشرب قائما جائز فيه قلت هذا الحديث يدل على جواز الشرب قائما وثبت الشرب قائما عن عمر أخرجه الطبري وفي الموطأ أن عمر وعثمان وعليا كانوا يشربون قياما وكان سعد وعائشة لا يرون بذلك بأسا
[ 136 ]
وثبتت الرخصة عن جماعة من التابعين وقد ثبت المنع عن الشرب قائما ففي صحيح مسلم عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائما وفي رواية أخرى عنده نهى أن يشرب الرجل قائما وفيه عن أبي هريرة لا يشربن أحدكم قائما فمن نسي فليستقي فسلك أهل العلم في هذا مسالك فمنهم من قال إن أحاديث الجواز أثبت من أحاديث النهي ومنهم من قال إن أحاديث النهي منسوخة بأحاديث الجواز ومنهم من قال إن أحاديث النهي محمولة على كراهة التنزيه وأحاديث الجواز على بيانه قال الحافظ هذا أحسن المسالك وأسلمها وأبعدها من الاعتراض ويأتي الكلام مبسوطا في هذه المسألة في موضعها (ثم قال) أي علي رضي الله عنه (كيف كان طهور رسول الله صلى الله عليه وسلم) بضم الطاء أي وضوءه وطهارته قوله (وفي الباب عن عثمان وعبد الله بن زيد وابن عباس وعبد الله بن عمرو وعائشة والربيع وعبد الله بن أنيس) أما حديث عثمان فأخرجه البخاري ومسلم وغيرها وأما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه مطولا ومختصرا وأما حديث ابن عباس فأخرجه البخاري وغيره وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وأما حديث عائشة فلم أقف عليه وأما حديث الربيع وهي بنت معوذ بن عفراء فأخرجه أبو داود وأما حديث عبد الله بن أنيس فلينظر من أخرجه 49 - قوله (عن عبد خير) بن يزيد الهمداني أبي عمارة الكوفي مخضرم ثقة من الثانية لم يصح له صحبة وهو من كبار أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه (حديث علي رواه أبو إسحاق الهمداني) هو عمرو بن عبد الله السبيعي أي روى أبو إسحاق الهمداني حديث علي عن
[ 137 ]
ثلاثة شيوخ أبي حية وعبد خير والحارث وهؤلاء رووا عن علي قوله (وقد رواه زائدة بن قدامة وغير واحد عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي
حديث الوضوء بطوله) أخرج حديث قدامة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي أبو داود والنسائي والدارمي والدارقطني (فقال مالك بن عرفطة) بضم العين وسكون الراء المهملتين وضم الفاء وفتح الطاء أي قال شعبة مالك بن عرفطة مكان خالد بن علقمة واتفق الحفاظ كالترمذي وأبي داود والنسائي على وهم شعبة في تسمية شيخه بمالك بم عرفطة وإنما هو خالد بن علقمة قال النسائي في سننه قال أبو عبد الرحمن هذا خطأ والصواب خالد بن علقمة ليس مالك بن عرفطة انتهى قوله (وروى عن أبي عوانة إلخ) بصيغة المجهول أي روى مرة عن أبي عوانة عن خالد بن علقمة عن عبد خير عن علي وروى مرة أخرى عن أبي عوانة عن مالك بن عرفطة كما روى شعبة والصحيح خالد بن علقمة قال أبو داود في سننه مالك بن عرفطة إنما هو خالد بن علقمة أخطأ فيه شعبة قال داود قال أبو عوانة يوما حدثنا مالك بن عرفطة عن عبد خير فقال عمرو الأعصف رحمك الله أبا عوانة هذا خالد بن علقمة ولكن شعبة مخطئ فيه فقال أبو عوانة هو في كتابي خالد بن علقمة ولكن قال شعبة هو مالك بن عرفطة قال أبو داود حدثنا عمرو بن عون قال حدثنا أبو عوانة عن مالك بن عرفطة قال أبو داود وسماعه قديم قال أبو داود وحدثنا أبو كامل قال حدثنا أبو عوانة عن خالد بن علقمة وسماعه متأخر كان بعد ذلك رجع إلى الصواب انتهى اعلم أن هذه العبارة ليست في أكثر نسخ أبي داود قال الحافظ المزي بعد ذكر هذه العبارة في رواية أبي الحسن بن العبد ولم يذكره أبو القاسم انتهى
[ 138 ]
باب في النضح بعد الوضوء المراد بالنضح ههنا هو أن يأخذ قليلا من الماء فيرش به مذاكيره بعد الوضوء لينفي عنه الوسواس وقد نضح عليه الماء ونضحه به إذا رشه عليه كذا في النهاية
50 - قوله (وأحمد بن أبي عبيد الله السليمي) بفتح المهملة وكسر اللام (البصري) الوراق ثقة من العاشرة (نا أبو قتيبة سلم بن قتيبة) الخراساني نزيل البصرة صدوق من التاسعة (عن الحسن بن علي الهاشمي) هو الحسن بن علي بن محمد بن ربيعة بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب النوفلي الهاشمي ضعيف كذا في التقريب (عن عبد الرحمن) وفي نسخة قلمية عتيقة صحيحة عن الأعرج وعبد الرحمن هذا هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج ثقة ثبت من الثالثة قوله (يا محمد إذا توضأت) أي إذا فرغت من الوضوء (فانتضح) قال القاضي أبو بكر بن العربي في العارضة اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث على أربعة أقوال الأول معناه إذا توضأت فصب الماء على العضو صبا ولا تقتصر على مسحة فإنه لا يجزئ فيه إلا الغسل الثاني معناه استبرئ الماء بالنثر والتنحنح يقال نضحت استبرأت وانتضحت تعاطيت الاستبراء له الثالث معناه إذا توضأت فرش الإزار الذي يلي الفرج ليكون ذلك مذهبا للوسواس
[ 139 ]
الرابع معناه الاستنجاء بالماء إشارة إلى الجمع بينه وبين الأحجار فإن الحجر يخفف الوسخ والماء يطهره وقد حدثني أبو مسلم المهدي قال من الفقه الرائق الماء يذهب الماء معناه أن من استنجى بالأحجار لا يزال البول يرشح فيجد منه البلل فإذا استعمل الماء نسب الخاطر ما يجد من البلل إلى الماء وارتفع الوسواس انتهى كلام ابن العربي ملخصا وقال الخطابي في معالم السنن الانتضاح ههنا الاستنجاء بالماء وكان من عادة أكثرهم أن يستنجوا بالحجارة لا يمسون الماء وقد يتأول الانتضاح أيضا على رش الفرج بالماء بعد الاستنجاء ليدفع بذلك وسوسة الشيطان انتهى وذكر النووي عن الجمهور أن الثاني هو المراد ههنا وفي جامع الأصول الانتضاح رش الماء على الثوب ونحوه والمراد به أن يرش على فرجه بعد الوضوء ماء
ليذهب عنه الوسواس الذي يعرض للانسان أنه قد خرج منذ ذكره بلل فإذا كان ذلك المكان بللا ذهب ذلك الوسواس وقيل أراد بالانتضاح الاستنجاء بالماء لأن الغالب كان من عادتهم أنهم يستنجون بالحجارة انتهى قلت والحق أن المراد بالانتضاح في هذا الحديث هو الرش على الفرج بعد الوضوء كما يدل عليه ألفاظ أكثر الأحاديث الواردة في هذا الباب قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه (وسمعت محمدا يقول الحسن بن علي الهاشمي منكر الحديث) قال في شرح النخبة قولهم متروك أو ساقط متروك أو ساقط أو فاحش الغلط ومنكر الحديث أشد من قولهم ضعيف أو ليس بالقوي أو فيه مقال انتهى قال الذهبي في الميزان ضعفه أحمد والنسائي وأبو حاتم والدارقطني وقال البخاري منكر الحديث انتهى قلت فحديث الباب ضعيف وفي الباب أحاديث عديدة مجموعها يدل على أن له أصلا قوله (وفي الباب عن أبي الحكم بن سفيان وابن عباس وزيد بن حارثة وأبي سعيد) أما حديث الحكم بن سفيان فأخرجه أبو داود وابن ماجه ولفظه أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ثم أخذ كفا من ماء فنضح به فرجه وأما حديث ابن عباس فأخرجه عبد الرزاق في جامعه أنه شكى إليه رجل فقال إني أكون في الصلاة فيتخيل لي أن بذكري بللا فقال قاتل الله الشيطان
[ 140 ]
إنه يمس ذكر الإنسان ليريه أنه قد أحدث فإذا توضأت فانضح فرجك بالماء فإن وجدت فقل هو من الماء ففعل الرجل ذلك فذهب كذا في شرح سراج أحمد وأما حديث زيد بن حارثة فأخرجه ابن ماجه ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم علمني جبريل الوضوء وأمرني أن أنضح تحت ثوبي لما يخرج من البول بعد الوضوء وأخرجه الدارقطني أيضا وفيه ابن لهيعة وفيه مقال مشهور وأما حديث أبي سعيد فلم أقف على من أخرجه وفي الباب أيضا عن جابر قال توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فنضح فرجه أخرجه ابن ماجه وعن أسامة بن زيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل عليه
السلام لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم فعلمه الوضوء فلما فرغ من وضوئه أخذ حفنة من ماء فرش بها نحو الفرج فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرش بعد وضوئه رواه أحمد وفيه رشدين ابن سعد وثقه هيثم بن خارجة وأحمد بن حنبل في رواية وضعفه آخرون كذا في مجمع الزوائد قوله (وقال بعضهم) أي بعض الرواة (سفيان بن الحكم أو الحكم بن سفيان) أي بالشك (واضطربوا في الحديث) أي في إسناد هذا الحديث قال الحافظ ابن الأثير ورواه روح بن القاسم وشعبة وشيبان ومعمر وأبو عوانة وزائدة وجرير بن عبد الحميد وإسرائيل وهريم بن سفيان مثل سفيان على الشك وقال شعبة وأبو عوانة وجرير عن الحكم أو ابن الحكم ورواه عامة أصحاب الثوري على الشك إلا عفيف بن سالم والفريابي فإنهما روياه فقالا الحكم بن سفيان من غير شك ورواه وهيب بن خالد عن منصور عن الحكم عن أبيه ورواه مسعر عن منصور فقال عن رجل من ثقيف ولم يسمه وممن رواه ولم يشك سلام بن أبي مطيع وقيس بن الربيع وشريك فقالوا عن الحكم بن سفيان ولم يشكوا انتهى وقال الحافظ هو الحكم بن سفيان بن عثمان بن عامر بن معتب بن مالك بن كعب بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي قال أبو زرعة وأبو إبراهيم الحربي له صحبة واختلف فيه على مجاهد فقيل هكذا وقيل سفيان بن الحكم وقيل غير ذلك وقال أحمد والبخاري ليست للحكم صحبة وقال ابن المديني والبخاري وأبو حاتم الصحيح الحكم بن سفيان انتهى وقال ابن عبد البر له حديث واحد وهو مضطرب الإسناد انتهى تنبيه كون هذا الحديث مضطرب الإسناد ظاهر من كلام الحافظ ابن الأثير وقد صرح به الحافظ ابن عبد البر ولم يقف على هذا صاحب الطيب الشذي فاعترض على الإمام الترمذي الذي هو من أئمة الحديث حيث قال إن ما جرح الترمذي باضطراب ليس بسديد انتهى
[ 141 ]
فالعجب أنه مع عدم وقوفه كيف ارتكب هذه الجرأة الشنيعة ثم قال قوله واضطربوا في هذا الحديث الحديث بالمعنى اللغوي أي في لفظ الحكم بن سفيان انتهى قلت هذا جهل على
جهل باب في إسباغ الوضوء قوله (في إسباغ الوضوء) أي إتمامه وإكماله والإسباغ في اللغة الإتمام ومنه درع سابغ 51 - قوله (نا إسماعيل بن جعفر) بن أبي كثير الأنصاري الزرقي أبو إسحاق القاري ثقة ثبت (عن العلاء بن عبد الرحمن) بن يعقوب الحرقي أبي شبل صدوق ربما وهم (عن أبيه) ثقة قوله (ألا أدلكم) الهمزة للاستفهام ولا نافية وليس ألا للتنبيه بدليل قولهم بلى (يمحو الله به الخطايا) قال القاضي عياض محو الخطايا كناية عن غفرانها قال ويحتمل محوها من كتاب الحفظة ويكون دليلا على غفرانها قاله النووي (ويرفع به الدرجات) أي يعلي به المنازل في الجنة (قالوا بلى يا رسول الله) فائدة السؤال والجواب أن يكون الكلام أوقع في النفس بحكم الإبهام والتبيين (قال إسباغ الوضوء) أي إتمامه وإكماله باستيعاب المحل بالغسل وتطويل الغرة وتكرار الغسل ثلاثا (على المكاره) جمع مكره بفتح الميم ما يكرهه شخص ويشق عليه والكره بالضم والفتح المشقة أي يتوضأ مع برد شديد وعلل يتأذى معها بمس الماء ومع إعوازه والحاجة إلى طلبه والسعي في تحصيله وابتياعه بالثمن الغالي ونحوها مما يشق كذا في المجمع (وكثرة الخطى إلى المساجد) الخطى بضم الخاء المعجمة جمع خطوة وهي ما بين القدمين قال النووي كثرة الخطى
[ 142 ]
تكون ببعد الدار وكثرة التكرار (وانتظار الصلاة) أي وقتها أو جماعتها (بعد الصلاة) يعني إذا صلى بالجماعة أو منفردا ثم ينتظر صلاة أخرى ويعلق في فكره بها بأن يجلس في المجلس أو في بيته ينتظرها أو يكون في شغله وقلبه معلق بها (فذلكم الرباط) بكسر الراء وأصل الرباط أن يربط الفريقان خيولهم في ثغر كل منهما معدا لصاحبه يعني أن المواظبة على الطهارة ونحوها كالجهاد وقيل معناه أن هذه الخلال تربط صاحبها عن المعاصي وتكفه عن المحارم كذا في المجمع وقال النووي في شرح صحيح مسلم قوله فذلكم الرباط أي الرباط المرغب فيه
وأصل الرباط الحبس على الشئ كأنه حبس نفسه على هذه الطاعة وقيل إنه أفضل الرباط كما قيل الجهاد جهاد النفس ويحتمل أنه الرباط المتيسر الممكن أي إنه من أنواع الرباط انتهى وقال القاضي إن هذه الأعمال هي المرابطة الحقيقية لأنها تسد طرق الشيطان على النفس وتقهر الهوى وتمنعها من قبول الوساوس فيغلب بها حزب الله جنود الشيطان وذلك هو الجهاد الأكبر 52 - قوله (ثلاثا) أي قال هذه الكلمة ثلاث مرات وحكمة تكرارها للاهتمام بها وتعظيم شأنها وقيل كررها على عادته في تكرار الكلام ليفهم عنه والأول أظهر والله أعلم قوله (وفي الباب عن علي وعبد الله بن عمرو وابن عباس وعبيدة ويقال عبيدة بن عمرو وعائشة وعبد الرحمن بن عائشة وأنس) أما حديث علي فأخرجه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح والحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولفظه إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إسباغ الوضوء في المكاره وإعمال الأقدام إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة يغسل الخطايا غسلا كذا في الترغيب وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه والدارمي وأما حديث ابن عباس فأخرجه الترمذي بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاني الليلة آت من ربي وفي رواية رأيت ربي في أحسن صورة فقال لي يا محمد قلت لبيك رب وسعديك قال هل تدري فيم يحيصم الملأ الأعلى الحديث وأما حديث عبيدة بن عمرو فأخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير ورجال أحمد ثقات ولفظه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم
[ 143 ]
توضأ فأسبغ الوضوء كذا في مجمع الزوائد وأما حديث عبد الرحمن بن عائش فأخرجه البغوي في شرح السنة كذا في المشكاة ص 26 وأما حديث أنس فأخرجه البزار ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أدلكم على ما يكفر الله به الخطايا إسباغ الوضوء وكثرة الخطى إلى المساجد قال في مجمع الزوائد عاصم بن بهدلة لم يسمع من أنس وبقية رجاله ثقات قوله (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح) والحديث رواه مسلم أيضا
قوله (والعلاء بن عبد الرحمن هو ابن يعقوب الجهني) ضمير هو يرجع إلى العلاء لا إلى عبد الرحمن (وهو) أي العلاء بن عبد الرحمن فهذا الضمير أيضا يرجع إلى العلاء لا إلى عبد الرحمن (ثقة عند أهل الحديث) قال الحافظ في تهذيب التهذيب في ترجمة العلاء بن عبد الرحمن وقال الترمذي وهو ثقة عند أهل الحديث انتهى فظهر أن ضمير هو في قوله وهو ثقة عند أهل الحديث باب المنديل بعد الوضوء قال في القاموس المنديل بالكسر والفتح وكمنبر الذي يتمسح به وتمندل به وتمندل تمسح انتهى أي باب استعمال المنديل بعد الوضوء لتنشيف الماء قوله حدثنا سفيان بن وكيع بن الجراح أبو محمد الرواس الكوفي كان صدوقا إلا أنه إبتلي بوراقه فأدخل عليه ما ليس من حديثه فنصح فلم يقيل فسقط حديثه كذا في التقريب (عن أبي معاذ) اسمه سليمان بن أرقم وهو ضعيف عند أصل الحديث كما صرح به الترمذي فيما بعده 53 - قوله (كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم خرقة ينشف بها بعد الوضوء) من التنشيف قال
[ 144 ]
الجزري في النهاية أصل النشف دخول الماء في الأرض والثوب يقال نشفت الأرض الماء تنشفه نشفا شربته ونشف الثوب العرق وتنشفه وأرض نشفة ومنه الحديث كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم نشافة ينشف بها غسالة وجهه يعني منديلا يمسح بها وضوءه انتهى وقال في القاموس نشف الثوب العرق كسمع ونصر شربه والحوض الماء شربه كتنشفه وقال فيه نشف الماء تنشيفا أخذه بخرقة ونحوها انتهى والحديث دليل جواز التنشيف بعد الوضوء لكنه حديث ضعيف قوله (وفي الباب عن معاذ بن جبل) أخرجه الترمذي في هذا الباب قلت وفي الباب أحاديث أخرى فمنها حديث الوضين بن عطاء أخرجه ابن ماجه عن محفوظ بن علقمة عن سلمان أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فقلب جبة صوف كانت عليه فمسح بها وجهه
وهذا ضعيف عند جماعة ومنها حديث أبي بكر كانت للنبي صلى الله عليه وسلم خرقة يتنشف بها بعد الوضوء أخرجه البيهقي وقال إسناده غير قوي ومنها حديث أنس مثله وأعله ومنها حديث أبي مريم إياس بن جعفر عن فلان رجل من الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان له منديل أو خرقة يمسح بها وجهه إذا توضأ أخرجه النسائي في الكنى بسند صحيح ومنها حديث منيب بن مدرك المكي الأزدي قال رأيت جارية تحمل وضوء ومنديلا فأخذ صلى الله عليه وسلم الماء فتوضأ ومسح بالمنديل وجهه أسنده الإمام مغلطائي في شرحه كذا في عمدة القاري شرح البخاري للعيني قلت هذه الأحاديث كلها ضعيفة إلا حديث أبي مريم عن رجل من الصحابة فقال العيني أخرجه النسائي في الكنى بسند صحيح وإني لم أقف على سنده ولم أظفر بكتاب الكنى للنسائي 54 - قوله (حدثنا رشدين بن سعد) بكسر الراء وسكون الشين المعجمة على وزن مسكين قال الحافظ ضعيف ورجح أبو حاتم عليه ابن لهيعة وقال ابن يونس كان صالحا في دينه فأدركته غفلة الصالحين فخلط في الحديث انتهى
[ 145 ]
وقال الذهبي في الميزان كان صالحا عابدا سئ الحفظ غير معتمد انتهى (عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم) بفتح أوله وسكون النون وضم العين المهملة الإفريقي قال الحافظ ضعيف في حفظه وكان رجلا صالحا انتهى قلت هو مع ضعفه مدلس أيضا صرح به الحافظ في طبقات المدلسين (عن عتبة بن حميد) الضبي البصري يكنى أبا معاذ وثقه ابن حبان وضعفه أحمد وقال أبو حاتم صالح كذا في الخلاصة وقال في التقريب صدوق له أوهام (عن عبادة بن نسي) بضم النون وفتح المهملة وشدة التحتانية الخفيفة الكندي قاضي
طبرية ثقة فاضل من الثالثة قاله الحافظ (عن عبد الرحمن بن غنم) بفتح المعجمة وسكون النون الأشعري مختلف في صحبته وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين قاله الحافظ قوله (إذا توضأ مسح وجهه بطرف ثوبه) أي نشف به بعد الوضوء وهذا الحديث أيضا دليل على جواز التنشيف لكن هذا الحديث أيضا ضعيف قوله (حديث عائشة ليس بالقائم) وصححه الحاكم والحق أنه ضعيف قوله (وأبو معاذ يقولون هو سليمان بن أرقم وهو ضعيف عند أهل الحديث) قال الخزرجي في الخلاصة سليمان بن أرقم البصري أبو معاذ عن الحسن وعطاء وعنه الثوري ويحيى بن حمزة قال الترمزي متروك انتهى وقال الذهبي في الميزان قال خ هو مولى قريظة أو النضير روى عن الحسن والزهري أنهم تركوه وقال أحمد لا يروي عنه وقال عباس وعثمان عن ابن معين ليس بشئ وقال
[ 146 ]
الجوزجاني ساقط وقال أبو داود والدارقطني متروك وقال أبو زرعة ذاهب وقال محمد بن عبد الله الأنصاري كنا ننهي عن مجالسة سليمان بن أرقم فذكر منه أمرا عظيما انتهى قوله (وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم في المنديل بعد الوضوء) قال ابن المنذر أخذ المنديل بعد الوضوء عثمان والحسن ابن علي وأنس وبشير بن أبي مسعود ورخص فيه الحسن وابن سيرين وعلقمة والأسود ومسروق والضحاك وكان مالك والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي لا يرون به بأسا كذا في عمدة القاري واحتج المرخصون بأحاديث الباب وبحديث أم هاني عند الشيخين قام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى غسله فسترت عليه فاطمة ثم أخذ ثوبه فالتحف به قال العيني هذا ظاهر في التنشف بحديث قيس بن سعد رواه أبو داود أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فوضعنا له ماء فاغتسل ثم أتيناه بملحفة ورسية فاشتمل بها فكأني أنظر إلى أثر الورس عليه قلت في الاستدلال بهذين الحديثين على جواز التنشيف بعد الوضوء تأمل كما لا يخفى
على المتأمل (ومن كرهه إنما كره من قبل أنه قيل إن الوضوء يوزن) أي من جهة أن ماء الوضوء يوزن فيكره إزالته بالتنشيف وفيه أن الظاهر أن المراد ما استعمل في الوضوء يوزن لا الباقي على الأعضاء وقيل لأن ماء الوضوء نور يوم القيامة وفيه مثل ما في ما قبله وقيل لأنه إزالة لأثر العبادة وفيه أنه قد ثبت نفضه صلى الله عليه وسلم يديه بعد الغسل قال ابن دقيق العيد نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة انتهى وقيل لأن الماء يسبح ما دام على أعضاء الوضوء وفيه ما قال القاري من أن عدم تسبيح ماء الوضوء إذا نشف يحتاج إلى نقل صحيح انتهى
[ 147 ]
قلت قد كره التنشيف عبد الرحمن بن أبي ليلى والنخعي وابن المسيب ومجاهد وأبو العالية كما ذكره العيني واحتجوا بما ذكر وقد عرفت ما فيه واحتجوا بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يمسح وجهه بالمنديل بعد الوضوء ولا أبو بكر ولا عمر ولا ابن مسعود أخرجه ابن شاهين في الناسخ والمنسوخ وفيه أن هذا الحديث ضعيف صرح به الحافظ في التلخيص فلا يصلح للاستدلال وبحديث ميمونة في غسل النبي صلى الله عليه وسلم وفيه فناولته ثوبا فلم يأخذه فانطلق وهو ينفض يديه أخرجه البخاري قالوا هذا الحديث يدل على كراهة التنشيف بعد الغسل فيثبت به كراهته بعد الوضوء أيضا وفيه ما قال الحافظ من أنه لا حجة فيه لأنها واقعة حال يتطرق إليه الاحتمال فيجوز أن يكون عدم الأخذ لأمر آخر لا يتعلق بكراهة التنشيف بل لأمر يتعلق بالخرقة أو لكونه كان
مستعجلا أو غير ذلك قال المهلب يحتمل تركه الثوب لإبقاء بركة الماء أو للتواضع أو لشئ آخر رآه في الثوب من حرير أو وسخ وقد وقع عند الإسماعيلي من رواية أبي عوانة في هذا الحديث عن الأعمش قال فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال لا بأس بالمنديل وإنما رده مخافة أن يصير عادة وقال التيمي في شرحه في هذا الحديث دليل على أنه كان ينشف ولولا ذلك لم تأته بالمنديل وقال ابن دقيق العيد نفضه الماء بيده يدل على أن لا كراهة في التنشيف لأن كلا منهما إزالة انتهى كلام الحافظ والقول الراجح عندي هو قول من قال بجواز التنشيف والله تعالى أعلم قوله (حدثنا محمد بن حميد) بن حيان الرازي حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه (قال حدثنا جرير) هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها ثقة صحيح الكتاب قيل كان في آخر عمره يهم من حفظه (حدثنيه علي بن مجاهد) بن مسلم القاضي الكابلي بضم الموحدة وتخفيف اللام متروك وليس في شيوخ أحمد أضعف منه (عني) كان جرير حدث به أولا على بن مجاهد ثم نسي جرير فأخبره علي بن مجاهد بأنك حدثتني به عن
[ 148 ]
ثعلبة فرواه جرير بعد ما نسى وقال حدثنيه علي بن مجاهد عني قال ابن الصلاح وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها وكان أحدهم يقول حدثني فلان عني عن فلان بكذا وصنف في ذلك الخطيب أخبار من حدث ونسي وكذلك الدارقطني (وهو عندي ثقة) هذا قول جرير (عن ثعلبة) بن سهيل التميمي الطهوي الكوفي كان يسكن بالري وكان متطببا روى عن الزهري وغيره وعنه جرير بن عبد الحميد وغيره قال الحافظ في تهذيب روى له الترمذي أثرا موقوفا في الوضوء انتهى قلت أشار الحافظ إلى أثر الزهري هذا
باب ما يقال بعد الوضوء 55 - قوله (حدثنا جعفر بن محمد بن عمران الثعلبي) بالمثلثة ثم المهملة وفتح اللام وقد ينسب إلى جده صدوق روى عن وكيع ويحيى بن سليم وعنه أبو داود والترمذي والنسائي قال أبو حاتم صدوق قال الذهبي توفي بعد الأربعين ومائتين (عن معاوية بن صالح) بن حدير الحضرمي أحد الأعلام وقاضي الأندلس وثقة أحمد وابن معين روى عن مكحول وربيعة بن يزيد وخلق وعنه الثوري والليث وابن وهب وخلق قال ابن عدي هو عندي ثقة إلا أنه يقع في حديثه إفرادات مات سنة 851 ثمان وخمسين ومائة (عن ربيعة بن يزيد الدمشقي) قال الحافظ ثقة عابد وقال في الخلاصة أحد الأعلام روى عن واثلة وعبد الله بن الديلمي وجبير بن نفير وعنه جعفر بن ربيعة وحيوة بن شريح والأوزاعي وثقة النسائي قتل سنة 321 ثلاث وعشرين ومائة (عن أبي إدريس الخولاني) اسمه عائذ الله بن عبد الله ولد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين
[ 149 ]
وسمع من كبار الصحابة ومات سنة 08 ثمانين قال سعيد بن عبد العزيز كان عالم الشام بعد أبي الدرداء (وأبي عثمان) قال في التقريب أبو عثمان شيخ لربيعة بن يزيد بن يزيد الدمشقي قيل هو سعيد بن هاني الخولاني وقيل جرير بن عثمان وإلا فمجهول قلت قال أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سعيد عن ابن وهب عن معاوية بن صالح عن أبي عثمان وأظنه سعيد بن هانئ عن جبير بن نفير عن عقبة قال معاوية وحدثني ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس عن عقبة إلخ فرواية أبي داود هذا تؤيد أن أبا عثمان هو سعيد بن هانئ
وأيضا تدل على أن قوله وأبي عثمان في رواية الترمذي معطوف على ربيعة تنبيه اعلم أن حديث الباب قد أخرجه مسلم بدون زيادة اللهم اجعلني من التوابين إلخ بإسنادين أحدهما عن شيخه محمد بن حاتم قال نا عبد الرحمن بن مهدي قال نا معاوية بن صالح عن ربيعة يعني ابن يزيد عن أبي إدريس الخولاني عن عقبة بن عامر قال وحدثني أبو عثمان عن جبير بن نفير عن عقبة بن عامر وثانيهما روى عن شيخه أبي بكر بن أبي شيبة قال نا زيد بن الحباب قال نا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن أبي إدريس الخولاني وأبي عثمان عن جبير بن نفير بن مالك الحضرمي عن عقبة بن عامر وحقق النووي في شرح مسلم أن قائل وحدثني أبو عثمان في السند الأول هو معاوية ابن صالح وأن قوله وأبي عثمان في السند الثاني معطوف على ربيعة وأطنب في تصويبه نقلا عن أبي علي الغساني الجياني ثم قال النووي قال أبو علي وقد خرج أبو عيسى الترمذي في مصنفه هذا الحديث من طريق زيد بن الحباب عن شيخ له لم يقيم إسناده عن زيد وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب وزيد برئ من هذه العهدة والوهم في ذلك من أبي عيسى أو من شيخه الذي حدثه به لأنا قدمنا من رواية أئمة حفاظ عن زيد بن الحباب ما خالف ما ذكره أبو عيسى انتهى قلت قوله وحمل أبو عيسى في ذلك على زيد بن الحباب إلخ يشير به إلى قوله أبي عيسى فيما بعد قد خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث إلخ
[ 150 ]
قوله (اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين) جمع بينها إلماما بقوله تعالى إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ولما كانت التوبة طهارة الباطن عن أدران الذنوب والوضوء طهارة الظاهر عن الأحداث المانعة عن التقرب إليه تعالى ناسب الجمع بينهما قوله (وفي الباب عن أنس وعقبة بن عامر) وأما حديث أنس فأخرجه ابن ماجه وأما
حديث عقبة بن عامر فأخرجه مسلم قوله (خولف زيد بن الحباب في هذا الحديث) خالفه عبد الله بن صالح وغيره وبين الترمذي صورة المخالفة بقوله روى عبد الله بن صالح وغيره إلخ قوله (هذا حديث في إسناده اضطراب ولا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم كثير شئ) أعلم أن حديث عمر هذا أخرجه مسلم في صحيحه من وجه آخر بدون زيادة اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين فهو صحيح سالم من الاضطراب قال الحافظ في التلخيص بعد ذكر كلام الترمذي هذا ما لفظه لكن رواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض والزيادة التي عنده رواها البزار والطبراني في الأوسط من طريق ثوبان ولفظه من دعا بوضوء فتوضأ فساعة فرغ من وضوئه يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين الحديث ورواه ابن ماجه من حديث أنس انتهى ما في التلخيص
[ 151 ]
ثم اعلم أنه لم يصح في هذا الباب غير حديث عمر الذي رواه مسلم وقد جاء في هذا الباب أحاديث ضعاف منها حديث أبي سعيد بلفظ من توضأ فقال سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت استغفرك وأتوب إليك كتب في رق ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى يوم القيامة واختلف في رفعه ووقفه والمرفوع ضعيف وأما الموقوف فهو صحيح كما حقق ذلك الحافظ في التلخيص ثم أعلم أن ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يقال عند غسل الوجه اللهم بيض وجهي يوم تبيض وجوه وتسود وجوه وعند غسل اليد اليمنى اللهم اعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابا يسيرا إلخ فلم يثبت فيه حديث قال الحافظ في التلخيص قال الرافعي ورد بها الأثر عن الصالحين قال النووي في الروضة هذا الدعاء لا أصل له وقال ابن الصلاح لم يصح فيه حديث
قال الحافظ روى فيه عن علي من طرق ضعيفة جدا أوردها المستغفري في الدعوات وابن عساكر في أماليه انتهى وقال ابن القيم في الهدى ولم يحفظ عنه أنه كان يقول على وضوئه شيئا غير التسمية وكل حديث في أذكار الوضوء الذي يقال عليه فكذب مختلق لم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا منه ولا علمه لأمته ولا يثبت عنه غير التسمية في أوله وقوله أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين في اخره انتهى باب الوضوء بالمد 56 - قوله (قال حدثنا إسماعيل بن علية) هو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم أبو بشر المعروف بابن علية ثقة حافظ من الثامنة (عن أبي ريحانة) اسمه عبد الله ابن مطر البصري مشهور بكنيته صدوق تغير باخره من الثالثة (عن سفينة) هو مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم يكنى أبا عبد الرحمن يقال كان اسمه مهران أو غير ذلك فلقب سفينة لكونه حمل شيئا كبيرا في السفر مشهور له أحاديث
[ 152 ]
قوله (كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع) قال الحافظ في فتح الباري المد بضم الميم وتشديد الدال إناء يسع رطلا وثلثا بالبغدادي قاله جمهور أهل العلم وخالف بعض الحنفية فقالوا المد رطلان انتهى وقال العيني في عمدة القاري وهو أي المد رطلان عند أبي حنيفة وعند الشافعي رطل وثلث بالعراق وأما الصاع فعند أبي يوسف خمسة أرطال وثلث رطل عراقية وبه قال مالك والشافعي وأحمد وقال أبو حنيفة ومحمد الصاع ثمانية أرطال انتهى وقال العيني معترضا على الحافظ ما لفظه مذهب أبي حنيفة أن المد رطلان وما خالف أبو حنيفة أصلا لأنه يستدل في ذلك بما رواه جابر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال أخرجه ابن عدي وبما رواه أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد
رطلين ويغتسل بالصاع ثمانية أرطال أخرجه الدارقطني انتهى كلام العيني قلت هذان الحديثان ضعيفان لا تقوم بهما الحجة أما حديث جابر فأخرجه ابن عدي في الكامل عن عمران بن موسى بن وجيه الوجيهي عن عمرو بن دينار عنه وضعف عمران بن موسى هنا عن البخاري والنسائي وابن معين ووافقهم وقال إنه في عداد من يضع الحديث كذا في نصب الراية وقال الحافظ في الدارية فيه عمران ابن موسى وهو هالك انتهى وأما حديث أنس فقال الحافظ في الدراية بعد ذكره هو من رواية ابن أبي ليلى عن عبد الكريم عن أنس وإسناده ضعيف وأخرجه أيضا من طريق أخرى وفيه موسى ابن نصر وهو ضعيف جدا والحديث في الصحيحين عن أنس ليس فيه ذكر الوزن انتهى كلام الحافظ وقال الزيلعي في نصب الراية أخرجه الدارقطني في سننه من ثلاثة طرق ثم ذكرها ثم قال وضعف البيهقي هذه الأسانيد الثلاثة وقال الصحيح عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد انتهى كلام الزيلعي والعجب من العيني أنه استدل لأبي حنيفة بهذين الحديثين الضعيفين ولم يذكر ما فيهما من المقال الذي يسقطهما عن الاحتجاج واستدل لأبي حنيفة بما رواه الدارقطني عن صالح بن موسى الطلحي حدثنا منصور بن المعتمر عن إبراهيم عن عائشة قالت جرت السنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغسل من الجنابة صاع من ثمانية أرطال وفي الوضوء رطلان وهذا الحديث أيضا ضعيف قال الدارقطني بعد روايته لم يروه عن منصور غير صالح وهو ضعيف الحديث انتهى
[ 153 ]
والحاصل أنه لم يقم دليل صحيح على ما ذهب إليه أبو حنيفة من أن المد رطلان لذلك ترك الامام أبو يوسف مذهبه واختار ما ذهب إليه جمهور أهل العلم أن المد رطل وثلث رطل قال البخاري في صحيحه باب صاع المدينة ومد النبي صلى الله عليه وسلم وبركته وما توارث أهل المدينة من ذلك قرنا بعد قرن انتهى
قال العيني في عمدة القاري قوله وما توراث أهل المدينة أي بيان ما توارث أهل المدينة قرنا أي جيلا بعد جيل على ذلك ولم يتغير إلى زمنه ألا ترى أن أبا يوسف لما اجتمع مع مالك في المدينة فوقعت بينهما المناظرة في قدر الصاع فزعم أبو يوسف أنه ثمانية أرطال وقام مالك ودخل بيته وأخرج صاعا وقال هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو يوسف فوجدته خمسة أرطال وثلثا فرجع أبو يوسف إلى قول مالك وخالف صاحبيه في هذا انتهى كلام العيني وأخرج الطحاوي في شرح الآثار قال حدثنا ابن أبي عمران قال أخبرنا علي بن صالح وبشر بن الوليد جميعا عن أبي يوسف قال قدمت المدينة فأخرجه إلى من أثق به صاعا فقال هذا صاع النبي صلى الله عليه وسلم فقدرته فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل وسمعت ابن أبي عمران يقول يقال إن الذي أخرج هذا لأبي يوسف هو مالك بن أنس انتهى وقال الحافظ في التلخيص الحبير قوله والدليل على أن الصاع خمسة أرطال وثلث فقط بنقل أهل المدينة خلفا عن سلف ولمالك مع أبي يوسف فيه قصة مشهورة والقصة رواها البيهقي بإسناد جيد وأخرج ابن خزيمة والحاكم من طريق عروة عن أسماء بنت أبي بكر أمه أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمد الذي يقتات به أهل المدينة وللبخاري عن مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يعطي زكاة رمضان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بالمد الأول انتهى ما في التلخيص وقال الزيلعي في نصب الراية والمشهور ما أخرجه البيهقي عن الحسين بن الوليد القرشي وهو ثقة قال قدم علينا أبو يوسف من الحج فقال إني أريد أن أفتح عليكم بابا من العلم أهمني ففحصت عنه فقدمت المدينة فسألت عن الصاع فقالوا صاعنا هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت لهم ما حجتكم في ذلك فقالوا نأتيك بالحجة غدا فلما أصبحت أتاني نحو من خمسين شيخا من أبناء المهاجرين والأنصار مع كل رجل منهم الصاع تحت ردائه كل رجل منهم يخبر عن أبيه وأهل بيته أن هذا صاع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنظرت فإذا هي سواء قال فعيرته فإذا هو خمسة أرطال وثلث بنقصان يسير فرأيت أمرا قويا فتركت قول أبي حنيفة رضي الله عنه في الصاع وأخذت بقول أهل المدينة هذا هو المشهور من قول أبي يوسف
[ 154 ]
وقد روى أن مالكا رضي الله عنه ناظره واستدل عليه بالصيعان التي جاء بها أولئك الرهط فرجع أبو يوسف إلى قوله وقال عثمان بن سعيد الدارمي سمعت علي بن المديني يقول عيرت صاع النبي صلى الله عليه وسلم فوجدته خمسة أرطال وثلث رطل بالثمر انتهى ما في نصب الراية وروى البخاري في صحيحة ص 082 ج 7 بإسناده عن السائب بن يزيد أنه كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم مدا وثلثا بمدكم اليوم فزيد فيه في زمن عمر بن عبد العزيز قال الحافظ في الفتح قال ابن بطال هذا يدل على أن مدهم حين حدث به السائب كان أربعة أرطال فإذا زيد عليه ثلثه وهو رطل وثلث قام منه خمسة أرطال وثلث وهو الصاع بدليل أن مده صلى الله عليه وسلم رطل وثلث وصاعه أربعة أمداد انتهى ثم روى البخاري عن نافع قال كان ابن عمر يعطي زكاة رمضان بمد النبي صلى الله عليه وسلم المد الأول وفي كفارة اليمين بمد النبي صلى الله عليه وسلم قال أبو قتيبة قال لنا مالك مدنا أعظم من مدكم ولا نرى الفضل إلا في مد النبي صلى الله عليه وسلم وقال لي مالك لو جاءكم أمير فضرب مدا أصغر من مد النبي صلى الله عليه وسلم بأي شئ كنتم تعطون قلت كنا نعطي بمد النبي صلى الله عليه وسلم قال أفلا ترى أن الأمر إنما يعود إلى مد النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ويأتي باقي الكلام فيما يتعلق بالمد والصاع في باب صدقة الفطر قوله (وفي الباب عن عائشة وجابر وأنس بن مالك) أما حديث عائشة فأخرجه الشيخان قالت كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد من قدح يقال له الفرق ولها روايات أخرى ففي بعضها كان يغتسل بخمس مكاكيك ويتوضأ بمكوك وفي أخرى يغسله الصعاع ويوضئه المد وأما حديث جابر فأخرجه أحمد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يجزئ من الغسل الصاع ومن الوضوء المد كذا في المنتقى وقال الشوكاني وأخرجه أبو داود وابن خزيمة وابن ماجه بنحوه وصححه ابن القطان وأما حديث أنس فأخرجه الشيخان قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد ويتوضأ بالمد
قوله (حديث سفينة حديث صحيح) وأخرجه أحمد ومسلم وابن ماجه كذا في المنتقى
[ 155 ]
قوله (هكذا رأى بعض أهل العلم الوضوء بالمد والغسل بالصاع) أي بالتوقيت والتحديد (وقال الشافعي وأحمد وإسحاق ليس معنى هذا الحديث على التوقيت إلخ) هذا القول هو الراجح المعول عليه قال ابن حجر قد روى مسلم من حديث عائشة رضي الله عنها أنها كانت تغتسل هي والنبي صلى الله عليه وسلم من إناء واحد هو الفرق قال ابن عيينة والشافعي وغيرهما هو ثلاثة آصع وروى مسلم أيضا من حديثها أنه صلى الله عليه وسلم كان يغتسل من إناء يسع ثلاثة أمداد فهذا يدل على اختلاف الحال في ذلك بقدر الحاجة وفيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر في حديث الباب كابن شعبان من المالكية وكذا من قال به من الحنفيه مع مخالفتهم له في مقدار المد والصاع وحمله الجمهور على الاستحباب لأن أكثر من قدر وضوءه وغسله صلى الله عليه وسلم من الصحابة قدرهما بذلك ففي مسلم عن سفينة مثله ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر مثله وفي الباب عن عائشة وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وغيرهم وهذا إذا لم تدع الحاجة إلى الزيادة وهو أيضا في حق من يكون خلقه معتد انتهى كلام الحافظ واعترض العيني على قوله فيه رد على من قدر الوضوء والغسل بما ذكر إلخ بأنه لا رد فيه على من قال به من الحنفية لأنه لم يقل ذلك بطريق الوجوب كما قال ابن شعبان بطريق الوجوب فإنه قال لا يجزئ أقل من ذلك وأما من قال به من الحنفية فهو محمد بن الحسن فإنه روي عنه أنه قال إن المغتسل لا يكن أن يعم جسده بأقل من مد وهذا يختلف باختلاف أجساد الأشخاص انتهى كلام العيني قلت قول محمد بن الحسن المذكور يدل دلالة ظاهرة على أنه قال ذلك بطريق الوجوب فإنه إذا لا يمكن عنده أن يعم المغتسل جسده بأقل من مد وجب أن يكون الماء مدا أو أكثر ولا يجزئ أقل من ذلك
وأما قول العيني وهذا يختلف باختلاف أجساد الأشخاص فلا يجدي نفعا لأن محمد ابن الحسن لم يخص مغتسلا عن مغتسل فتفكر ثم قال العيني إن الروايات مختلفة في هذا الباب ففي رواية أبي داود من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بالصاع ويتوضأ بالمد وفي حديث
[ 156 ]
أم عمارة أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فأتى بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد وفي رواية ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما والحاكم في مستدركه من حديث عبد الله بن زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بثلثي مد من ماء فتوضأ فجعل يدلك ذراعيه وقال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين وذكر روايات كثيرة مختلفة ثم قال قال النووي قال الشافعي وغيره من العلماء الجمع بين هذه الروايات أنها كانت اغتسالات في أحوال وجد فيها أكثر ما استعمله وأقله فدل على أنه لا حد في قدر ماء الطهارة يجب استيفاؤه ثم قال الاجماع قائم على ذلك انتهى قلت في دعوى الاجماع كلام كيف وقد عرفت مذهب ابن شعبان وبعض الحنفية باب كراهية الاسراف في الوضوء 57 - قوله (نا أبو داود) هو الطيالسي واسمه سليمان بن داود بن الجارود الفارسي مولى الزبير الطيالسي البصري أحد الأعلام الحفاظ روى عن ابن عوف وهشام بن أبي عبد الله وخلائق وعنه أحمد وابن المديني وابن بشار وخلق قال ابن مهدي أبو داود أصدق الناس وقال أحمد ثقة يحتمل خطؤه وقال وكيع جبل العلم مات سنة 402 أربع ومائتين عن إحدى وسبعين كذا في الخلاصة وقال في التقريب ثقة حافظ غلط في أحاديث (نا خارجة بن مصعب) أبو الحجاج السرخسي متروك وكان يدلس عن الكذابين ويقال إن ابن معين كذبه قاله الحافظ (عن يونس بن عبيد) العبدي مولاهم أبو عبد الله البصري أحد الأئمة وثقة أحمد وأبو حاتم (عن الحسن) هو البصري (عن عتي) بضم أوله مصغرا ثقة من الثالثة قوله (أن للوضوء شيطانا) أي للوسوسة فيها (يقال له الولهان) بفتحتين مصدر وله يوله
ولهانا وهو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد وغاية العشق سمي بها شيطان الوضوء إما لشدة حرصه على طلب الوسوسة في الوضوء وإما لقائه الناس بالوسوسة في مهواة الحيرة حتى يرى صاحبه حيران ذاهب العقل لا يدري كيف يلعب به الشيطان ولم يعلم هل وصل الماء إلى العضو أم لا وكم مرة غسله فهو بمعنى اسم الفاعل أو باق على مصدريته للمبالغة كرجل عدل قاله
[ 157 ]
القاري (فاتقوا وسواس الماء) قال الطيبي أي وسواسه هل وصل الماء إلى أعضاء الوضوء أم لا وهل غسل مرتين أو مرة وهل هو طاهر أو نجس أو بلغ قلتتين أو لا وقال ابن الملك وتبعه ابن حجر أي وسواس الولهان وضع الماء موضع ضميره مبالغة في كمال الوسواس في شأن الماء أو لشدة ملازمته له كذا في المرقاة والحديث يدل على كراهية الاسراف في الماء للوضوء وقد أجمع العلماء على النهي عن الاسراف في الماء ولو على شاطئ النهر قوله (وفي الباب عن عبد الله بن عمرو وعبد الله بن مغفل) أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه النسائي وابن ماجه ولفظه قال جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن الوضوء فأراه ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا الوضوء فمن زاد على هذا فقد أساء وتعدى وظلم وأما حديث عبد الله بن مغفل فأخرجه أبو داود وابن ماجه ولفظه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الطهور والدعاء قوله (حديث أبي بن كعب حديث غريب) وأخرجه ابن ماجه (لأنا لا نعلم أحدا أسنده) أي رواه مرفوعا (وخارجة ليس بالقوي عند أصحابنا) أي أهل الحديث قاله الطيبي كذا في المرقاة قلت الأمر كما قال الطيبي وقد تقدم في المقدمة تحقيق ذلك (وضعفه ابن المبارك) قال الذهبي في الميزان وهاه أحمد وقال ابن معين ليس بثقة وقال أيضا كذاب وقال البخاري تركه ابن المبارك ووكيع وقال الدارقطني وغيره ضعيف وقال ابن عدي هو ممن يكتب حديثه قال الذهبي انفرد بخبر إن للوضوء شيطانا يقال له الولهان مات سنة 168 ثمان وستين ومائة وكان له جلالة بخراسان انتهى باب الوضوء لكل صلاة
58 - قوله (حدثنا محمد بن حميد الرازي) بن حيان الرازي حافظ ضعيف وكان ابن
[ 158 ]
معين حسن الرأي فيه من العاشرة روي عن يعقوب بن عبد الله القمي وجرير ابن عبد الحميد وسلمة بن الفضل وغيرهم وعنه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد ابن حنبل ويحيى بن معين وغيرهم كذا في التقريب وتهذيب التهذيب وقال في الخلاصة قال ابن معين ثقة كيس وقال البخاري فيه نظر وكذبه الكوسج وأبو زرعة وصالح بن محمد وابن خراش مات سنة 842 ثمان وأربعين ومائتين (نا سلمة بن الفضل) الأبرش بالمعجمة مولى الأنصار قاضي الري صدوق كثير الخطأ من التاسعة قاله الحافظ روى عن ابن إسحاق وحجاج بن أرطاة وعنه عثمان بن أبي شيبة وابن معين ووثقه وقال مرة ليس به بأس يتشيع قال البخاري عنده مناكير وقال أبو حاتم محله الصدق وقال ابن سعد كان ثقة صدوقا وهو صاحب مغازي ابن إسحاق وقال النسائي ضعيف كذا في الخلاصة وهامشها قوله (عن حميد) هو حميد بن أبي حميد الطويل البصري ثقة مدلس روى عن أنس والحسن وعكرمة وعنه شعبة ومالك والسفيانان والحمادان وخلق قال القطان مات حميد وهو قائم يصلي قال شعبة لم يسمع حميد من أنس إلا أربعة وعشرين حديثا مات سنة 142 ثنتين وأربعين ومائة قوله (كان يتوضأ لكل صلاة) أي مفروضة (كنا نتوضأ وضوء واحدا) أي كنا نصلي الصلوات بوضوء واحد ما لم نحدث كما في الرواية الاتية قوله (حديث أنس حديث حسن غريب) تفرد به محمد بن إسحاق وهو مدلس ورواه عن حميد معنعنا قوله (وقد كان بعض أهل العلم يرى الوضوء لكل صلاة استحبابا لا على الوجوب) بل ان أكثر أهل العلم يرون الوضوء لكل صلاة استحبابا لا على الوجوب قال الطحاوي في شرح الآثار ذهب قوم إلى أن الحاضرين يجب عليهم أن يتوضؤا لكل صلاة واحتجوا في ذلك بهذا
[ 159 ]
الحديث أي بحديث سليمان عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتوضأ لكل صلاة وخالفهم في ذلك أكثر العلماء فقالوا لا يجب الوضوء إلا من حدث انتهى وقال الحافظ في الفتح اختلف السلف في معنى قوله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم الاية فقال الأكثرون التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين واستدل الدارمي في مسنده على ذلك بقوله صلى الله عليه وسلم لا وضوء إلا لمن أحدث ومن العلماء من حمله على ظاهره وقال كان الوضوء لكل صلاة واجبا ثم اختلفوا أهل نسخ أو استمر حكمه ويدل على النسخ ما أخرجه أبو داود وصححه ابن خزيمة من حديث عبد الله بن حنظلة أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالسواك وذهب إلى استمرار الوجوب قوم كما جزم به الطحاوي ونقله ابن عبد البر عن عكرمة وابن سيرين وغيرهما واستبعده النووي وجنح إلى تأويل ذلك إن ثبت عنهم وجزمنا بأن الاجماع استقر على عدم الوجوب ويمكن حمل الاية على ظاهرها من غير نسخ ويكون الأمر في حق المحدثين على الوجوب وفي حق غيرهم على الندب وحصل بيان ذلك بالسنة انتهى كلام الحافظ قوله (نا يحيى بن سعيد) هو القطان (نا سفيان بن سعيد) هو الثوري (عن عمرو ابن عامر الأنصاري) الكوفي ثقة قوله (كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة) قال الحافظ أي مفروضة وظاهره أن تلك كانت عادته قال الطحاوي يحتمل أن ذلك كان واجبا عليه خاصة ثم نسخ يوم الفتح بحديث بريدة يعني الذي أخرجه مسلم أنه صلى الله عليه وسلم صلى الصلوات يوم الفتح بوضوء واحد قال ويحتمل أنه كان يفعله استحبابا ثم خشي أن يظن وجوبه فتركه لبيان الجواز قال الحافظ وهذا أقرب وعلى التقدير الأول فالنسخ كان قبل الفتح بدليل حديث سويد بن النعمان فإنه كان في خيبر وهي قبل الفتح بزمان انتهى قلت وحديث سويد بن النعمان الذي أشار إليه الحافظ أخرجه البخاري وغيره قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فلما صلى دعا بالأطعمة فلم يؤت إلا بالسويق فأكلنا وشربنا ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم إلى المغرب
فمضمض ثم صلى لنا المغرب ولم يتوضأ (قلت فأنتم ما كنتم تصنعون) وفي رواية البخاري قلت كيف كنتم تصنعون والقائل عمرو بن عامر والمراد الصحابة قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري وغيره قوله (من توضأ على طهر) أي مع كونه طاهرا (كتب الله له به عشر حسنات) قال ابن
[ 160 ]
رسلان يشبه أن يكون المراد كتب الله له به عشرة وضوءات فإن أقل ما وعد به من الأضعاف الحسنة بعشر أمثالها وقد وعد بالواحدة سبعمائة ووعد ثوابا بغير حساب قال في شرح السنة تحديد الوضوء مستحب إذا كان قد صلى بالوضوء الأول صلاة وكرهه قوم إذا لم يصل بالأول صلاة ذكره الطيبي قال القاري ولعل سبب الكراهة هو الاسراف فائدة قال الحافظ المنذري في الترغيب وأما الحديث الذي يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الوضوء على الوضوء نور على نور فلا يحضرني له أصل من حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولعله من كلام بعض السلف قوله (روى هذا الحديث الافريقي) هو عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الافريقي وهو ضعيف (عن أبي غطيف) بالتصغير الهذلي قال الحافظ مجهول (حدثنا بذلك الحسين بن حريث المروزي) ثقة من العاشرة (حدثنا محمد بن يزيد الواسطي) أصله شامي ثقة ثبت عابد من كبار التاسعة قوله (وهو إسناد ضعيف) لأن الافريقي ضعيف وأبا غطيف مجهول والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه أيضا قوله (قال علي) هو علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن ابن المديني البصري ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عنده وقال القطان كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا وكذلك قال شيخه ابن عيينة وقال النسائي كأن الله خلق عليا لهذا الشأن قوله (هذا إسناد مشرقي) أي رواة هذا الحديث أهل المشرق وهم أهل الكوفة والبصرة
كذا في بعض الحواشي
[ 161 ]
باب ما جاء أنه يصلي الصلوات بوضوء واحد 61 - قوله (عن سفيان) هو ابن سعيد الثوري (عن علقمة بن مرثد) بفتح الميم والثاء وسكون الراء بينهما وثقة أحمد والنسائي قوله (عمدا صنعته) أي لبيان الجواز قال القاري في المرقاة شرح المشكاة الضمير راجع للمذكور وهو جمع الصلوات الخمس بوضوء واحد والمسح على الخفين وعمدا تمييزا أو حال من الفاعل فقدم اهتماما بشرعية المسألتين في الدين واختصاصهما ردا لزعم من لا يرى المسح على الخفين وفيه دليل على أن من يقدر أن يصلي صلوات كثيرة بوضوء واحد لا تكره صلاته إلا أن يغلب عليه الأخبثان كذا ذكره الشراح لكن رجوع الضمير إلى مجموع الأمرين يوهم أنه لم يكن يمسح على الخفين قبل الفتح والحال أنه ليس كذلك فالوجه أن يكون الضمير راجعا إلى الجمع فقط أي جمع الصلوات بوضوء واحد انتهى كلامه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم والنسائي وابن ماجه قوله (وروى هذا الحديث علي بن قادم) الخزاعي الكوفي صدوق (وروى سفيان الثوري
[ 162 ]
هذا الحديث أيضا عن محارب بن دثار) أي كما رواه عن علقمة بن مرثد فهذا الحديث عند سفيان عن شيخين علقمة بن مرثد ومحارب بن دثار كلاهما عن سليمان بن بريدة (مرسل) أي هذا مرسل وفي نسخة قلمية صحيحة مرسلا وهو الظاهر (وهذا أصح من حديث وكيع) أي هذا المرسل الذي رواه عبد الرحمن بن مهدي وغيره عن سفيان عن محارب بن دثار عن سليمان بن بريدة بدون ذكر عن أبيه أصح من حديث وكيع الذي رواه عن سفيان عن محارب مسندا بذكر عن أبيه ووجه كون المرسل أصح لأن رواته أكثر والمرسل قول التابعي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا أو فعل كذا والمسند ما اتصل سنده مرفوعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
تنبيه أعلم أن سفيان روى هذا الحديث عن شيخين علقمة بن مرثد ومحارب بن دثار واختلاف أصحاب سفيان في روايته مرسلا ومسندا إنما هو في روايته عن محارب لا في روايته عن علقمة فإن أصحابه لا يختلفون في روايته عن علقمة في الاسناد وا رسال بل كلهم متفقون في روايته مسندا وهذا ظاهر على من وقف على طرق الحديث ولم يقف على هذا صاحب الطيب الشذي فاعترض على الترمذي حيث قال ولعل الحق خلافه ثم هذا المعترض يظن أن بين الارسال والرفع منافاة فإنه قال في شرح قول الترمذي وهذا أصح من حديث وكيع أي رواية الإرسال أصح من رواية الرفع وجه الصحة كون المرسلين أكثر ممن رفعه انتهى والأمر ليس كذلك وهذا ظاهر فإن رواية الارسال أيضا مرفوعة قوله (والعمل على هذا عند أهل العلم إلخ) قال النووي في شرح صحيح مسلم في هذا الحديث أنواع من العلم منها جواز الصلوات المفروضات والنوافل بوضوء واحد ما لم يحدث وهذا جائز بإجماع من يعتد به وحكى الطحاوي وابن بطال عن طائفة أنهم قالوا يجب الوضوء لكل صلاة وإن كان متطهرا واحتجوا بقول الله تعالى إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم
[ 163 ]
الآية وما أظن هذا المذهب يصح عن أحد ولعلهم أرادوا استحباب تجديد الوضوء عند كل صلاة ودليل الجمهور الأحاديث الصحيحة منها هذا الحديث وحديث أنس وحديث سويد بن النعمان وفي معناه أحاديث كثيرة وأما الاية الكريمة فالمراد بها والله أعلم إذا قمتم محدثين انتهى كلام النووي مختصرا وقال الحافظ في الفتح اختلف السلف في معنى الاية فقال الأكثرون التقدير إذا قمتم إلى الصلاة محدثين وقال الآخرون بل الأمر على عمومه من غير تقدير حذف إلا أنه في حق المحدث على الايجاب وفي حق غيره على الندب وقال بعضهم كان على الايجاب ثم نسخ فصار مندوبا ويدل لهذا ما رواه أحمد وأبو داود عن عبد الله بن حنظلة الأنصاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بالوضوء لكل صلاة طاهرا كان أو غير طاهر فلما شق عليه وضع عنه الوضوء إلا من
حدث ولمسلم من حديث بريدة كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوضأ عند كل صلاة فلما كان يوم الفتح صلى الصلوات بوضوء واحد فقال له عمر أنك فعلت شيئا لم تكن تفعله فقال عمدا فعلته أي لبيان الجواز وسيأتي حديث أنس في ذلك انتهى كلام الحافظ قلت (وإرادة الفضل) بالنصب عطف على استحبابا أي وطلبا للفضيلة والثواب لا على الوجوب قوله (وفي الباب عن جابر بن عبد الله) أخرجه ابن ماجه باب في وضوء الرجل والمرأة من إناء واحد 62 - قوله (عن عمرو بن دينار) المكي أبي محمد الأثرم الجمحي مولاهم ثقة ثبت من الرابعة (عن أبي الشعثاء) اسمه جابر بن زيد الأزدي ثم الخزاعي البصري مشهور بكنيته ثقة فقيه من الثالثة كذا في التقريب وقال في الخلاصة روى عن ابن عباس فأكثر ومعاوية وابن عمرو عنه عمرو بن دينار وقتادة وخلق قال ابن عباس هو من العلماء انتهى
[ 164 ]
قوله (وضوء الرجل) بضم الواو لأن المراد الفعل قوله (كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم) يحتمل أن يكون مفعولا معه يحتمل أن يكون عطفا على الضمير وهو من باب تغليب المتكلم على الغائب لكونها هي السبب في الاغتسال فكأنها أصل في الباب قاله الحافظ قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري ومسلم قوله (وهو قول عامة الفقهاء إلخ) قال النووي في شرح مسلم وأما تطهير الرجل والمرأة من إناء واحد فهو جائز بإجماع المسلمين لهذه الأحاديث التي في الباب انتهى وقال الحافظ في الفتح نقل الطحاوي ثم القرطبي والنووي الاتفاق على جواز اغتسال الرجل والمرأة من الاناء الواحد وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة أنه كان ينهي عنه وكذا حكاه ابن عبد البر عن قوم وهذا الحديث حجة عليهم انتهى وتعقب العيني على الحافظ فقال في نظره نطر لأنهم
قالوا با تفاق دون الاجماع فهذا القائل لم يعرف الفرق بين الاتفاق وا جماع انتهى كلام العيني قلت قال النووي هو جائز بإجماع المسلمين كما عرفت فنظر الحافظ صحيح بلا مرية ونظر العيني مردود عليه قوله (وفي الباب عن علي وعائشة وأنس وأم هانئ وأم صبية وأم سلمة وابن عمر) أما حديث علي فأخرجه أحمد وأما حديث عائشة وأنس فأخرجه البخاري وغير وأما حديث أم هانئ فأخرجه النسائي وأما حديث أم صبية بصاد مهملة وموحدة مصغرا فأخرجه أبو داود والطحاوي وأما حديث أم سلمة فأخرجه ابن ماجه والطحاوي وأما حديث ابن عمر فأخرجه مالك في الموطأ والنسائي وابن ماجه
[ 165 ]
باب كراهية فضل طهور المرأة قوله (عن سفيان) هو الثوري (عن سليما التيمي) هو ابن طرخان أبو المعتمر البصري نزل في التيم فنسب إليهم ثقة عابد من الرابعة (عن أبي حاجب) اسمه سودة بن عاصم العنزي البصري صدوق يقال إن مسلما أخرج له من الثالثة (عن رجل من بني غفار) هو الحكم بن عمرو قاله الحافظ قوله (عن فضل طهور المرأة) أي عما فضل من الماء بعد ما توضأت المرأة منه قوله (وفي الباب عن عبد الله بن سرجس) بفتح المهملة وسكون الراء وكسر الجيم بعدها مهملة صحابي سكن البصرة وحديثه أخرجه ابن ماجه بلفظ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل الرجل بفضل وضوء المرأة والمرأة بفضل الرجل ولكن يشرعان جميعا قال ابن ماجه بعد إخراجه ما لفظه الصحيح هو الأول والثاني وهم انتهى قلت أراد بالأول حديث الحكم بن عمرو الآتي فإنه أخرجه قبل حديث عبد الله بن سرجس وأراد بالثاني حديث عبد الله بن سرجس وفي الباب ما أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حميد بن عبد الرحمن الحميري قال لقيت رجلا صحب النبي صلى الله عليه وسلم أربع سنين فقال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل ويغتسل الرجل بفضل المرأة وليغترفا جميعا قال في الفتح رجاله ثقات ولم أقف لمن أعله على حجة قوية انتهى
وقال في البلوغ إسناده صحيح قال أحمد قيده بما إذا خلت به لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز إذا اجتمعا ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث الواردة في منع التطهر بفضل المرأة وفي جواز ذلك مضطربة قال لكن صح عن عدة من الصحابة المنع فيما إذا خلت به وعورض بصحة الجواز عن جماعة من الصحابة منهم ابن عباس والله أعلم انتهى أعلم أن لأحمد في هذه المسألة قولين أحدهما هذا الذي ذكره الترمذي وهو المشهور والثاني كقول الجمهور قال ابن قدامة في المغنى اختلفت الرواية عن أحمد والمشهور عنه أنه لا يجوز ذلك إذا خلت به والثانية يجوز الوضوء به للرجال والنساء اختارها ابن عقيل وهو قول أكثر أهل العلم
[ 166 ]
قوله (وكره بعض أهل العلم الوضوء بفضل المرأة وهو قول أحمد وإسحاق إلخ) قال الحافظ في الفتح صح عن عبد الله بن سرجس الصحابي وسعيد بن المسيب والحسن البصري أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة وبه قوله (قال نا أبو داود) هو الطيالسي ففي رواية أبي داود حدثنا ابن بشار قال حدثنا أبو داود يعني الطيالسي وأبو داود الطيالسي اسمه سليمان بن داود بن الجارود البصري أحد حفاظ الإسلام والطيالسي بفتح الطاء وخفة التحتية وكسر اللام منسوب إلى بيع الطيالسة جمع طيلسان هو نوع من الأردية (عن عاصم) هو ابن سليمان الأحول أبو عبد الرحمن البصري وثقه ابن معين وأبو زرعة وقال أحمد ثقة من الحفاظ (عن الحكم) بفتح الحاء والكاف (بن عمرو الغفاري) ويقال له الحكم ابن الأقرع صحابي نزل البصرة قوله (نهى عن أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة) قيل النهي محمول على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز الآتية في الباب الاتي (أو قال) وقال بسؤرها شك من شعبة قوله (هذا حديث حسن) قال الحافظ في الفتح حديث الحكم بن عمرو وأخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي وصححه ابن حبان وأغرب النووي فقال اتفق الحفاظ على تضعيفه
باب الرخصة في ذلك 65 - قوله (نا أبو الأحوص) اسمه سلام بن سليم الكوفي الحافظ قال ابن معين ثقة
[ 167 ]
متقن (عن عكرمة) هو عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس أصله بربري ثقة ثبت عالم بالتفسير لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر ولا يثبت عنه بدعة كذا في التقريب قوله (بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم) هي ميمونة رضي الله عنها لما أخرجه الدارقطني من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل منه فقلت له فقال الماء ليس عليه جنابة واغتسل منه (في جفنة) بفتح الجيم وسكون الفاء أي قصعة كبيرة وجمعة جفان (إني كنت جنبا) يضم الجيم والنون والجنابة معروفة يقال منها أجنب بالألف وجنب على وزن قرب فهو جنب ويطلق على الذكر والأنثى والمفرد والتثنية والجمع (إن الماء لا يجنب) بضم الياء وكسر النون ويجوز فتح الياء وضم النون قال الزعفراني أي لا يصير جنبا كذا في المرقاة وحديث ابن عباس هذا يدل على جواز التطهر بفضل المرأة وحديث الحكم بن عمرو الغفاري الذي تقدم في الباب المتقدم يدل على النهي عن ذلك وقد جمع بينهما بأن النهي محمول على ما تساقط من الأعضاء لكونه قد صار مستعملا والجواز على ما بقي من الماء وبذلك جمع الخطابي وبأن النهي محمول على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز قيل إن قول بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إني كنت جنبا عند إرادته صلى الله عليه وسلم التوضؤ بفضلها يدل على أن النهي كان متقدما فحديث الجواز ناسخ لحديث النهي والله تعالى أعلم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وقال الحافظ في البلوغ وصححه ابن خزيمة وقال في الفتح وقد أعله قوم بسماك بن حرب رواية عن عكرمة لأنه كان يقبل التلقين لكن قد رواه عنه شعبه وهو لا يحمل عن مشايخه إلا صحيح حديثهم انتهى وأخرج أحمد ومسلم عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة وأخرج أحمد وابن ماجه عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ بفضل غسلها من الجنابة
قوله (وهو قول سفيان الثوري ومالك والشافعي) قال النووي في شرح مسلم وأما تطهير الرجل بفضلها فهو جائز عندنا وعند مالك وأبي حنيفة وجماهير العلماء سواء خلت به أو لم تخل قال بعض أصحابنا ولا كراهة في ذلك للأحاديث الصحيحة الواردة به وذهب أحمد بن حنبل وداود
[ 168 ]
إلى أنها إذا خلت بالماء واستعملته لا يجوز للرجل استعمال فضلها وروى عن أحمد كمذهبنا وروى عن الحسن وسعيد بن المسيب كراهة فضلها مطلقا والمختار ما قاله الجماهير لهذه الأحاديث الصحيحة في تطهيره صلى الله عليه وسلم مع أزواجه وكل واحد منهما يستعمل فضل صاحبه ولا تأثير للخلوة انتهى قلت هذا الاختلاف في تطهير الرجل بفضل المرأة وأما تطهير المرأة بفضل الرجل فقال النووي جائز بالإجماع وتعقبه الحافظ بأن الطحاوي قد أثبت فيه الخلاف واعلم أن الامام أحمد ومن تبعه حملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به قال ابن تيمية في المنتقى أكثر أهل العلم على الرخصة للرجل من فضل طهور المرأة والإخبار بذلك أصح وكرهه أحمد وإسحاق إذا خلت به وهو قول عبد الله بن سرجس وحملوا حديث ميمونة على أنها لم تخل به جمعا بينه وبين حديث الحكم انتهى قلت في هذا الحمل نظر فإن الخلوة عند الامام أحمد كما في المغنى لابن قدامة استعمالها للماء من غير مشاركة الرجل في استعماله لأن أحمد قال إذا خلت به فلا يعجبني أن يغتسل به وإذا شرعا فيه جميعا فلا بأس به وظاهر أن ميمونة رضي الله عنها خلت به كيف هو وقد قالت أجنبت فاغتسلت من جفنة ففضلت فيها فضلة فجاء النبي صلى الله عليه وسلم إلخ كما في رواية الدارقطني فكيف يصح حمل حديث ميمونة على أنها لم تخل به وأما ما نقل الميموني عن أحمد من أنه قال الأحاديث من الطرفين مضطربة فأجاب عنه الحافظ بأنه إنما يصار إليه عند تعذر الجمع وهو ممكن بأن يحمل أحاديث النهي على ما تساقط من الأعضاء والجواز على ما بقي من الماء أو يحمل النهي على التنزيه جمعا بين الأدلة انتهى
قلت حمل النهي على التنزيه هو أولى والله تعالى أعلم باب ما جاء أن الماء لا ينجسه شئ 66 - قوله (والحسن بن علي الخلال) الحلواني الريحاني المكي روى عن عبد الرزاق ووكيع وعبد الصمد وخلق وعنه الأئمة الستة كان ثقة ثبتا متقنا توفي بمكة سنة 242 اثنتين وأربعين ومائتين (نا أبو أسامة) هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم الكوفي مشهور بكنيته ثقة ثبت ربما دلس وكان باخره يحدث من كتب غيره من كبار التاسعة مات سنة 201 إحدى ومائتين وهو ابن
[ 169 ]
ثمانين (عن الوليد بن كثير) المدني ثم الكوفي وثقة ابن معين وأبو داود (عن محمد بن كعب) بن سليم بن أسد القرظي المدني وكان قد نزل الكوفة مدة ثقة عالم من الثالثة ولد سنة 04 أربعين على الصحيح ووهم من قال ولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كذا في التقريب (عن عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج) قال الحافظ في التقريب عبيد الله ابن عبد الله بن رافع بن خديج يأتي في عبيد الله بن عبد الرحمن ثم قال فيه عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع الأنصاري ويقال ابن عبد الله هو راوي حديث بئر بضاعة مستور من الرابعة انتهى قلت فالحق أنه ليس بمستور كما ستعرف (عن أبي سعيد الخدري) بضم الخاء المعجمة اسمه سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري له ولأبيه صحبة استصغر بأحد ثم شهد ما بعدها وروى الكثير مات بالمدينة سنة ثلاث أو أربع أو خمس وستين كذا في التقريب قوله (قيل يا رسول الله أنتوضأ) كذا في النسخ الحاضرة بالنون والتاء بصيغة المتكلم مع الغير وقال الحافظ في التلخيص قوله أنتوضأ بتائين خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم انتهى قلت والظاهر هو ما قال الحافظ ففي رواية قاسم بن أصبغ في مصنفه قالوا يا رسول الله إنك تتوضأ من بئر بضاعة الحديث (من بئر بضاعة) بضم الباء الموحدة وأجيز كسرها وبالضاد
المعجمة وحكي بالصاد المهملة وهي بئر معروفة بالمدينة قاله ابن الملك وقال الطيبي نقلا عن التوربشتي بضاعة دار بني ساعدة بالمدينة وهم بطن من الخزرج وأهل اللغة يضمون الباء ويكسرونها والمحفوظ في الحديث الضم (وهي بئر يلقى فيها الحيض) بكسر الحاء المهملة وفتح التحتية جمع حيضة بكسر الحاء وسكون التحتية وهي الخرقة التي تستعمل في دم الحيض (ولحوم الكلاب والنتن) بفتح النون وسكون التاء وتكسر وهي الرائحة الكريهة والمراد ههنا الشئ النتن كالعذرة والجيفة قال ابن رسلان في شرح سنن أبي داود وينبغي أن يضبط بفتح النون وكسر التاء وهو الشئ الذي له رائحة كريهة من قولهم نتن الشئ بكسر التاء ينتن بفتحها فهو نتن انتهى
[ 170 ]
قال الطيبي معنى قوله يلقى فيها أن البئر كانت بمسيل من بعض الأودية التي يحتمل أن ينزل فيها أهل البادية فتلقي تلك القاذورات بأفنية منازلهم فيكسحها السيل فيلقيها في البئر فعبر عنه القائل بوجه يوهم أن الإلقاء من الناس لقلة تدينهم وهذا مما لا يجوزه مسلم فأنى يظن ذلك بالذين هم أفضل القرون وأزكاهم انتهى قلت كذلك قال غير واحد من أهل العلم وهو الظاهر المتعين (إن الماء طهور) أي طاهر مطهر قال القاري في المرقاة قيل الألف واللام للعهد الخارجي فتأويله إن الماء الذي تسألون عنه وهو ماء بئر بضاعة فالجواب مطابقى لا عموم كلي كما قاله الامام مالك انتهى وإن كان الألف واللام للجنس فالحديث مخصوص بالإتفاق كما ستقف (لا ينجسه شئ) لكثرته فإن بئر بضاعة كان بئرا كثيرا الماء يكون ماؤها أضعاف قلتين لا يتغير بوقوع هذه الأشياء والماء الكثير لا ينجسه شئ ما لم يتغير قال العلامة الشاه ولي الله الدهلوي في حجة الله البالغة قوله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شئ معناه المعادن لا تنجس بملاقاة النجاسة إذا أخرجت ورميت ولم يتغير أحد أوصافه ولم تفحش وهل يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقر فيها النجاسات كيف وقد جرت عادة
بني ادم با جتناب عما هذا شأنه فكيف يستقي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم بل كانت تقع فيها النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها كما تشاهد من آبار زماننا ثم تخرج تلك النجاسات فلما جاء الاسلام سألوا عن الطهارة الشرعية الزائدة على ما عندهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الماء طهور لا ينجسه شئ يعني لا ينجس نجاسة غير ما عندكم انتهى قوله (هذا حديث حسن وقد جود أبو أسامة هذا الحديث) أي رواه بسند جيد وصححه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وأبو محمد بن حزم قاله الحافظ في التلخيص وزاد في البدر المنير والحاكم وآخرون من الأئمة الحفاظ فإن قلت في سند هذا الحديث عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج وهو مستور كما قال الحافظ في التقريب فكيف يكون هذا الحديث صحيحا أو حسنا قلت صحح هذا الحديث أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وهما إماما الجرح والتعديل
[ 171 ]
وأيضا صحح هذا الحديث الحاكم وغيره وذكر ابن حبان عبيد الله هذا في الثقات فثبت أنه لم يكن عند هؤلاء الأئمة مستورا والعبرة لقول من عرف لا بقول من جهل فإن قلت قال ابن القطان في كتابه الوهم والإبهام إن في إسناده اختلافا فقوم يقولون عبيد الله بن عبد الله بن رافع وقوم يقولون عبد الله بن عبد الله بن رافع ومنهم من يقول عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع ومنهم من يقول عبد الله ومنهم من يقول عن عبد الرحمن بن رافع فيحصل فيه خمسة أقوال وكيف ما كان فهو لا يعرف له حال ولا عين كذا في تخريج الهداية للزيلعي وقال الحافظ في التلخيص وأعله ابن القطان بجهالة راوية عن أبي سعيد واختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه قلت أما إعلاله بجهالة الراوي عن أبي سعيد فليس بشئ فإنه إن جهله ابن القطان فقد عرفه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين وغيرهما وأما إعلاله باختلاف الرواة في اسمه واسم أبيه فهو
أيضا ليس بشئ لأن اختلاف الرواة في السند أو المتن لا يوجب الضعف إلا بشرط استواء وجوه الاختلاف فمتى رجح أحد الأقوال قدم ولا يعل الصحيح بالمرجوح وههنا وجوه الاختلاف ليست بمستوية بل رواية الترمذي وغيره التي وقع فيها عبيد الله بن عبد الله بن رافع بن خديج راجحة وباقي الروايات مرجوحة فإن مدار تلك الروايات على محمد بن إسحاق وهو مضطرب فيها وتلك الروايات مذكورة في سنن الدراقطني فهذه الرواية الراجحة تقدم على تلك الروايات المرجوحة ولا تعل هذه بتلك (وفي الباب عن ابن عباس وعائشة) أما حديث ابن عباس فأخرجه أحمد وابن خزيمة وابن حبان بلفظ إن الماء لا ينجسه شئ ورواه أصحاب السنن بلفظ إن الماء لا يجنب وفيه قصة وقال الحازمي لا يعرف مجودا إلا من حديث سماك بن حرب عن عكرمة وسماك مختلف فيه وقد احتج به مسلم كذا في التلخيص وأما حديث عائشة فأخرجه الطبراني في الأوسط وأبو يعلى والبزار وأبو علي بن السكن في صحاحه من حديث شريك بلفظ إن الماء لا ينجسه شئ ورواه أحمد من طريق أخرى صحيحة لكنه موقوف كذا في التلخيص قلت وفي الباب أيضا عن جابر بلفظ إن الماء لا ينجسه شئ وفيه قصة أخرجه ابن ماجه
[ 172 ]
وفي إسناده أبو سفيان طريف بن شهاب وهو ضعيف متروك وقد اختلف فيه على شريك الراوي عنه وههنا فوائد متعلقة بحديث الباب فلنا أن نذكرها الفائدة الأولى أعلم أن بئر بضاعة كانت بئر معروفة بالمدينة ولم تكن غديرا أو طريقا للماء إلى البساتين والدليل على ذلك أنها لو كانت غديرا أو طريقا للماء إلى البساتين لم تسم بئرا قال في القاموس بئر بضاعة بالضم وقد يكسر بالمدينة قطر رأسها ستة أذرع انتهى وقال في النهاية هي بئر معروفة بالمدينة انتهى
وقال أبو داود في سننه سمعت قتيبة بن سعيد قال سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها قال أكثر ما يكون الماء إلى العانة قلت فإذا نقصت قال دون العورة قال أبو داود وقدرت أنا بئر بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني إليه هل غير بناؤها قال لا ورأيت فيها ماء متغير اللون انتهى وأما قول صاحب الهداية إن ماء بئر بضاعة كان جاريا بين البساتين وكذا زعم الطحاوي أن بئر بضاعة كانت طريقا للماء إلى البساتين فغلط لا دليل عليه قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية وقول صاحب الكتاب إن ماءها كان جاريا إلى البساتين هذا رواه الطحاوي في شرح الاثار عن الواقدي فقال أخبرنا أبو جعفر محمد بن أبي أحمد بن أبي عمران عن أبي عبد الله محمد بن شجاع الثلجي عن الواقدي قال كانت بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين انتهى وهذا سند ضعيف مرسل ومدلوله على جريانه غير ظاهر قال البيهقي في المعرفة وزعم الطحاوي أن بئر بضاعة كان ماؤها جاريا لا يستقر وأنها كانت طريقا إلى البساتين ونقل ذلك عن الواقدي والواقدي لا يحتج بما يسند فضلا عما يرسله وحال بئر بضاعة مشهور بين أهل الحجاز بخلاف ما حكاه انتهى ما في نصب الراية وقال الحافظ ابن حجر في الدراية وأما قوله إن ماء بئر بضاعة كان جاريا بين البساتين فهو كلام مردود على من قاله وقد سبق إلى دعوى ذلك وجزم به الطحاوي فأخرج عن أبي جعفر بن أبي عمران عن محمد بن شجاع الثلجي عن الواقدي قال كانت بئر بضاعة طريقا للماء إلى البساتين وهذا إسناد واه جدا ولو صح لم يثبت به المراد لاحتمال أن يكون المراد أن الماء كان ينقل منها بالسانية إلى البساتين ولو كانت سيحا جاريا لم تسم بئرا انتهى كلام الحافظ
[ 173 ]
قلت العجب من الطحاوي أنه أسنده من طريق محمد بن شجاع الثلجي عن الواقدي وجزم به محمد بن شجاع الثلجي كذاب قال الذهبي في الميزان محمد بن شجاع الثلجي
الفقيه البغدادي أبو عبد الله صاحب التصانيف قال ابن عدي كان يضع الحديث في التشبيه وينسبها إلى أهل الحديث يثلبهم بذلك قال الذهبي جاء من غير وجه أنه كان ينال من أحمد وأصحابه يقول أيش قام به أحمد وقال زكريا الساجي محمد بن شجاع كذاب احتال في إبطال الحديث نصرة للرأي انتهى كلام الحافظ الذهبي والواقدي متروك قد استقر الاجماع على وهنه ومع هذا لم يدرك عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولا عصر الصحابة رضي الله عنهم فإنه مات سنة سبع ومائتين ولم يذكر من أخذ هذا عنه فكيف يعبأ بقوله هذا ثم قول الواقدي هذا معارض بقوله الاخر فحكى البلاذري في تاريخه عن الواقدي أنه قال تكون بئر بضاعة سبعا في سبع وعيونها كثيرة فهي لا تنزح انتهى الفائدة الثانية حديث الباب قد استدل به الظاهرية على ما ذهبوا إليه من أن الماء لا يتنجس مطلقا وأن تغير لونه أو طعمه أو ريحه بوقوع النجاسة فيه وأما غيرهم فكلهم خصصوه أما المالكية فبحديث أبي أمامة مرفوعا إن الماء لا ينجسه شئ إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه أخرجه ابن ماجه ومذهبهم أن الماء لا يتنجس إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه وأما الشافعية فبحديث القلتين وهو حديث صحيح كما ستعرف ومذهبهم أن الماء إن كان قلتين لا يتنجس إلا أن تغير ريحه أو طعمه أو لونه وإن كان دون القلتين يتنجس وإن لم يتغير أحد أوصافه وأما الحنفية فبالرأي ولهم في هذا الباب أثنا عشر مذهبا الأول التحديد بالتحريك قال الامام محمد في موطئه ص 66 إذا كان الحوض عظيما إن حركت منه ناحية لم تتحرك به الناحية الأخرى لم يفسد ذلك الماء ما ولغ فيه سبع ولا ما وقع فيه من قذر إلا أن يغلب على ريح أو طعم فإذا كان حوضا صغيرا إن حركت منه ناحية تحركت الناحية الأخرى فولغ فيه السباع أو وقع فيه القذر لا يتوضأ منه قال وهذا كله قول أبي حنيفة انتهى كلامه قلت وهو مذهب أصحابه القدماء والثاني التحديد بالكدرة والثالث التحديد بالصبغ والرابع التحديد بالسبع في السبع والخامس التحديد بالثمانية في الثمانية والسادس
عشرين في عشرين والسابع العشر في العشر وهو مذهب جمهور الحنفية المتأخرين والثامن خمسة عشر في خمسة عشر والتاسع اثنا عشر في اثنا عشر قال صاحب التعليق الممجد بعد ذكر مذهب الظاهرية ومذهب المالكية ومذهب الشافعية وهذه المذاهب الإثني عشر للحنفية ما لفظه ولقد
[ 174 ]
خضت في بحار هذه المباحث وطالعت لتحقيقها كتب أصحابنا يعني الحنفية وكتب غيرهم المعتمدة فوضح لنا ما هو الأرجح منها وهو الثاني يعني مذهب المالكية ثم الثالث يعني مذهب الشافعية ثم الرابع وهو مذهب قدماء أصحابنا وأئمتنا والباقية مذاهب ضعيفة انتهى كلامه قلت والمذهب الرابع أعني مذهب قدماء الحنفية أيضا ضعيف لم يقم عليه دليل صحيح فإن قلت قد احتج الامام محمد على هذا المذهب بما رواه بإسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه خرج في ركب فيهم عمرو بن العاص حتى وردوا حوضا فقال عمرو بن العاص يا صاحب الحوض هل ترد حوضك السباع فقال عمر بن الخطاب يا صاحب الحوض لا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا قال الحنفية إن غرض عمر من قوله لا تخبرنا أنك لو أخبرتنا لضاق الحال فلا تخبرنا فإنا نرد على السباع وترد علينا ولا يضرنا ورودها عند عدم علمنا ولا يلزمنا الاستفسار من ذلك ولو كان سؤر السباع طاهرا لما منع صاحب الحوض عن الإخبار لأن إخباره لا يضر قالوا والحوض كان صغيرا يتنجس بملاقاة النجاسة وإلا فلو كان كبيرا لما سأل فكيف قلتم إن المذهب الرابع لم يقم عليه دليل صحيح قلت يحتمل أن يكون غرض عمر من قوله لا تخبرنا أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى إخبارك وعلى هذا حمل المالكية والشافعية قوله لا تخبرنا لم يقم وإذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال ثم هذا الاستدلال موقوف على نجاسة سئور السباع وهي ليست بمتفق عليها بل المالكية والشافعية قائلون بطهارته وقد ورد بذلك بعض الأحاديث المرفوعة قال ابن الأثير في جامع الأصول زاد رزين قال زاد بعض الرواة في قول عمر إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لها ما أخذت في بطونها وما بقي فهو لنا طهور وشراب انتهى
وروى ابن ماجه عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع والكلاب والحمر وعن الطهارة منها فقال لها ما حملت في بطونها ولنا ما غبر طهور وروى الدارقطني في سننه عن جابر قيل يا رسول الله انتوضأ بما أفضلت الحمر قال نعم وبما أفضلت السباع وهذه الأحاديث تؤيد ما قال المالكية والشافعية من أن غرض عمر من قوله لا تخبرنا أن كل ذلك عندنا سواء أخبرتنا أو لم تخبرنا فلا حاجة إلى إخبارك فتفكر والحاصل أن الاستدلال بقول عمر المذكور على المذهب الرابع ليس بمستقيم على أنه ليس فيه ما يدل على ما في المذهب الرابع من التحريك وتحديده
[ 175 ]
فإن قلت كيف قلتم إن المذهب الرابع أيضا ضعيف لم يقم عليه دليل صحيح وقد أقام عليه الحنفية دلائل من الكتاب والسنة قال صاحب البحر الرائق استدل أبو حنيفة على ما ذكره الرازي في أحكام القرآن بقوله تعالى ويحرم عليهم الخبائث والنجاسات لا محالة من الخبائث فحرمها الله تعالى تحريما مبهما ولم يفرق بين حالة اختلاطها وانفرادها بالماء فوجب تحريم كل ما تيقنا فيه جزءا من النجاسة ويكون جهة الحظر من النجاسة أولى من جهة الإباحة لأن الأصل أنه إذا اجتمع المحرم والمبيح قدم المحرم ويدل عليه من السنة قوله صلى الله عليه وسلم لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل فيه من الجنابة وفي لفظ آخر ولا يغتسل فيه من جنابة ومعلوم أن البول القليل في الماء الكثير لا يغير لونه ولا طعمه ولا رائحته ويدل أيضا قوله عليه الصلاة والسلام إذا استيقظ أحدكم من منامه فليغسل يده ثلاثا قبل أن يدخلها في الاناء فإنه لا يدري أين باتت يده فأمر بغسل اليد احتياطا من نجاسة أصابته من موضع الاستنجاء ومعلوم أنها لا تغير الماء ولولا أنها مفسدة عند التحقيق لما كان للأمر بالاحتياط معنى وحكم النبي صلى الله عليه وسلم بنجاسته بولوغ الكلب بقوله طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسل سبعا وهو لا يغير وهذا كلام الرازي والحاصل أنه حيث غلب على الظن وجود نجاسة في الماء لا يجوز استعماله لهذه الدلائل لا
فرق بين أن يكون قلتين أو أكثر أو أقل تغير أو لا وهذا هو مذهب أبي حنيفة والتقدير بشئ دون شئ لا بد من نص ولم يوجد انتهى كلام صاحب البحر الرائق وقال أيضا وما صرنا إليه يشهد له الشرع والعقل أما الشرع فقد قدمنا الأحاديث الواردة في ذلك وأما العقل فإنه إذا لم يتيقن بعدم النجاسة إلى الجانب الآخر أو يغلب على ظننا والظن كاليقين فقد استعملت الماء الذي فيه نجاسة يقينا وأبو حنيفة لم يقدر ذلك بشئ بل اعتبر غلبة ظن المكلف فهذا دليل عقلي مؤيد بالأحاديث الصحيحة المتقدمة فكان العمل به متعينا انتهى قلت هذه الدلائل كلها غير مفيدة أما الاستدلال بآية ويحرم عليهم الخبائث فلأن هذه الاية تفيد تحريم أكل الخبائث لا مطلق استعمالها بقرينة ما قبله وهو قوله تعالى ويحل لهم الطيبات فإن الحل والحرمة غالبا يستعملان في المأكولات ولذا فسر المفسرون الخبائث بالميتة والدم والخنزير وأمثال ذلك فالمعنى يحل لهم أكل الطيبات ويحرم أكل الخبائث فإذن لا تفيد الاية إلا حرمة النجاسة المخلوطة بالماء أكلا لا حرمة مطلق استعمالها ولئن سلمنا أن المراد تحريم
[ 176 ]
استعمال مطلق النجاسة فلا يفيد أيضا إذا الماء سيال بالطبع مغير لما اختلط به إلى نفسه إذا غلب عليه فإذا وقعت النجاسة في ماء ولم يغلب ريحه أو لونه أو طعمه عليه حصل العلم بأن تلك النجاسة فيه قد تغيرت إلى طبيعة الماء الغالب ولم تبق نجاسة وخبيثة فينبغي الوضوء حينئذ سواء تحرك جانب منه بتحريك جانب منه أو لم يتحرك بخلاف ما إذا غلب ريحه أو طعمه أو لونه فإنه لم يعلم مغلوبية الماء وبقاء النجاسة على حالها فلا يجوز الوضوء ح وأما الاستدلال بحديث لا يبولن فلأنه بعد تسليم دلالته على التحريم والتنجس إنما يفيد تنجس الماء الدائم في الجملة لا على تنجس كل ماء ولو حمل على الكلية للزم تنجس الحوض الكبير أيضا بالبول ولا قائل به وكذا الاستدلال بحديث الاستيقاظ فإنه لا يدل إلا على تنجس الماء في الجملة لا على الكلية فلا ينتهض هذا وأمثاله إلا إلزاما على من قال بالطهارة مطلقا لا تحقيقا لمذهب أبي حنيفة وكذا
حديث ولوغ الكلب وأمثاله وأما شهادة العقل فتعارضه شهادة أخرى وهي ما مر من كون الماء مغيرا إلى نفسه وبالجملة الدلائل لا تثبت التحديد بالتحريك وأما التحديد بالقلتين فقد ثبت من كلام الشارع بنفسه وكذا التحديد بالغير وعدمه ثابت من كلامه الشارع ومؤيد بشهادة العقل أيضا والقياسات العقلية والاستنباطات الفقهية من الآيات المبهمة والأحاديث المطلقة لا تعارض هذه التحديدات المصرحة كذا أجاب صاحب السعاية حاشية شرح الوقاية وهو من العلماء الحنفية وقد أجاد وأصاب ثم قال والذي أظن أن هذه الأخبار لم تصل إلى الإمام أبي حنيفة أو وصلته وحملها على معنى لاح له وإلا لقال بها حتما ولم يحتج إلى الاستنباط قطعا ولقوة دليل الشافعية والمالكية في هذا الباب جوز أصحابنا تقليدهم في ذلك بل قلدهم أبو يوسف في بعض الوقائع مع كونه مجتهدا قد صرحوا بأن المجتهد يحرم عليه التقليد كما في الطريقة المحمدية وشرحها الحديقة الندية وقد جوز أئمتنا الحنفية الأخذ في باب الطهارة بمذهب الغير ولو كان الأخذ بعد صدور الفعل فاسدا في مذهبه كما حكى أن أبا يوسف اغتسل ليوم الجمعة وصلى بالناس إماما ببغداد فوجدوا الذي في البئر الذي اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر بذلك فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة تمسكا بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا كذا في التاتار خانية وغيرها ولعل حرمة التقليد للمجتهد مقيدة بما إذا لم يكن ما قلده حكما قويا موافقا للقياس داخلا في ظاهر النص فإذا كان حكما ضعيفا مخالفا للقياس غير داخل في ظاهر النص يحرم تقليد المجتهد فيه لمجتهد آخر وهذه المسألة الحكم فيها قوي لأن عدم التغير بوقوع النجاسة دليل على بقاء الطهارة موافق للقياس داخل في ظاهر النص وهو حديث القلتين انتهى كلامهما ملخصا
[ 177 ]
انتهى كلام صاحب السعاية الفائدة الثالثة تمسك الظاهرية بحديث الباب على أن البئر لا تتنجس بوقوع النجاسة فيها قليلا كان الماء فيها أو كثيرا تغير لونه أو طعمه أو ريحه أو لم يتغير وقد عرفت أن حديث الباب وما
في معناه ليس على إطلاقه وعمومه بل هو مخصوص بأحاديث أخرى صحيحة ولنا أن نذكر ههنا مذاهب أخرى في طهارة البئر ونجاستها فاعلم أنهم اختلفوا فيما إذا وقعت نجاسة في البئر هل تتنجس أم لا على مذاهب الأول مذهب الظاهرية وقد ذكرناه آنفا والثاني أنه إن تغير لونه أو طعمه أو ريحه يتنجس وإلا لا وهو مذهب المالكية وتمسكوا بحديث الماء طهور لا ينجسه شئ إلا ما تغير لونه أو طعمه أو ريحه وقد تقدم تخريجه والثالث أن الماء في البئر إن كان دون القلتين يتنجس وإن كان قدر القلتين فصاعدا لا يتنجس إلا إذا تغير لونه أو طعمه أو ريحه وهو مذهب الشافعية وتمسكوا بحديث القلتين وهو المذهب الراجح وبه عمل الامام أبو يوسف في بغداد كما عرفت أن أبا يوسف اغتسل يوم الجمعة وصلى بالناس إماما ببغداد فوجدوا في البئر الذي اغتسل من مائه فأرة ميتة فأخبر بذلك فقال نأخذ بقول إخواننا من أهل المدينة تمسكا بالحديث المروي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنه قال إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا كذا في التتارخانية وغيرها والرابع إن كان غديرا عظيما بحيث لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر لم يتنجس وإلا يتنجس وهو مذهب المتقدمين من الحنفية الخامس إن كان عشرا في عشر لا يتنجس وإلا يتنجس وهو مسلك أكثر المتأخرين من الحنفية وقد مر في الفائدة الثانية أن للحنفية في الماء أربعة عشر مذهبا فكلها تجري ههنا وها هنا مذهب آخر زائد على ما مر خاص بالآبار وهو ما روي عن محمد أنه قال اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف على أن ماء البئر في حكم الماء الجاري لأنه ينبع من أسفله ويؤخذ من أعلاه فهو كحوض الحمام يصب من جانب ويخرج من جانب آخر فلا يتنجس كذا نقله في الغنية وفتح القدير وغيرهما ثم إذا تنجس ماء البئر هل يطهر بنزح الماء أم لا فقال بشر المريسي إنه لا يطهر أبدا لأنه وإن نزح جميع ما فيها يبقى الطين والحجارة نجسا فيتنجس الماء الجديد فلا سبيل إلى طهارته كذا
حكاه ابن الهمام والعيني وغيرهما عنه وقال غير بشر المريسي من أهل العلم يطهر البئر بنزح الماء
[ 178 ]
واستدل الحنفية على تنجس ماء البئر وإن كان زائدا على قدر القلتين وطهارته بنزح الماء بما رواه الطحاوي وابن أبي شيبة عن عطاء أن حبشيا وقع في زمزم فمات فأمر ابن الزبير فنزح ماءها فجعل الماء لا ينقطع فنظر فإذا عين تجري من قبل الحجر الأسود فقال ابن الزبير حسبكم قالوا إسناد هذا الأثر صحيح ويردون به حديث القلتين قلت سلمنا أن إسناده صحيح لكن قد تقرر أن صحة الإسناد لا تستلزم صحة المتن ولو سلم صحة المتن فيحتمل أن يكون نزح لنجاسة ظهرت على وجه الماء أو تطييبا للقلوب وتنظيفا للماء فإن زمزم للشرب لا من جهة الوجوب الشرعي وقد اعترف به صاحب السعاية من الحنفية حيث قال فيها ص 224 وما روي عنهم من النزح لا يدل على النجاسة بل يحتمل التنظيف والتنزه انتهى وأما ما قال صاحب الجوهر النقي من أن الراوي جعل علة نزحها موته دون غلبة دمه لقوله مات فأمر أن تنزح كقوله زنى ماعز فرجم انتهى ففيه نظر فإنه ليس فيه دليل على أن الموت كان علة للنزح إنما فيه أن الزنجي مات في زمزم فأمر بعد ذلك أن تنزح وأما أن علة النزح هل هي الموت أو أمر آخر فلا يدل عليه لفظ مات فأمر أن تنزح كما قال الطحاوي في شرح الآثار ليس في حديث أبي الدرداء وثوبان قاء فأفطر دليل على أن القئ كان مفطرا له إنما فيه أنه قاء فأفطر بعد ذلك انتهى وقال الشيخ العلامة محدث الهند الشاه ولي الله في كتابه حجة الله البالغة ص 142 ج 1 وقد أطال القوم في فروع موت الحيوان في البئر والعشر في العشر والماء الجاري وليس في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبتة وأما الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي وعلى في الفأرة والنخعي والشعبي في نحو السنور فليست مما يشهد له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى وعلى تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطيبا للقلوب وتنظيفا للماء لا من جهة الوجوب الشرعي كما ذكر في كتب المالكية ودون نفي هذا الاحتمال خرط القتاد وبالجملة فليس في هذا الباب شئ يعتد به ويجب العمل
عليه وحديث القلتين أثبت من ذلك كله بغير شبهة ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع في هذه المسائل لعباده شيئا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات وهي مما يكثر وقوعه وتعم به البلوى ثم لا ينص عليه النبي صلى الله عليه وسلم نصا جليا ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد فيه انتهى كلامه وقال الحافظ ابن حجر في الدراية روى البيهقي من طريق ابن عيينة كنت أنا بمكة منذ سبعين سنة لم أر صغيرا ولا كبيرا يعرف حديث الزنجي ولا سمعت أحدا يقول نزحت زمزم وقال الشافعي إن ثبت هذا عن ابن عباس فلعل نجاسته ظهرت على وجه الماء أو نزحها للتنظيف انتهى قال البيهقي في السنن الكبرى بعد ذكر قول الشافعي وابن عيينة وعن أبي عبيد
[ 179 ]
قال وكذلك لا ينبغي لأن الآثار جاءت في نعتها أنها لا تنزح ولا تذم انتهى قلت فهذه الآثار أيضا تخدش في صحة واقعة نزح زمزم فإن صحتها تخالف قوله لا تنزح وكذلك تخالف قوله لا تذم فأي مذمة لزمزم تكون أقبح من أن يكون ماؤها نجسا خبيثا فإن قلت أجاب عن ذلك صاحب الجوهر النقي حيث قال ليس فيه أن ابن عباس وابن الزبير قدرا على استئصال الماء بالنضح حتى يكون مخالفا للآثار التي ذكرها أبو عبيد بل صرح في رواية ابن أبي شيبة بأن الماء لم ينقطع وفي رواية البيهقي بأن العين غلبتهم حتى دست بالقباطي والمطارف انتهى قلت ظن صاحب الجوهر النقي أن نزح البئر لا يكون إلا باستئصال مائها وليس كذلك ففي القاموس نزح البئر استقى ماءها حتى ينفد أو يقل انتهى وأما قول بعضهم عدم علمهما لا يصح دليلا فإنهما لم يدركا ذلك الوقت وبينه وبينهما قريب من مائه وخمسين سنة ففيه أن وقوع الزنجي في زمزم وموته فيها ثم نزحها من الوقائع العظام والحوادث الجسام فلو كان هذا صحيحا لم يكن في ذلك الوقت نسيا منسيا بحيث لا يعرفه أحد من أهل مكة لا صغير ولا كبير إذ بعيد كل البعد أن يحدث مثل هذه الحادثة بمكة في زمن ابن عباس وابن الزبير وهما من صغار الصحابة ثم لا يعرفه أحد من أهل مكة في زمن سفيان بن عيينة وهو من أوساط
التابعين ولو سلم ثبوت واقعة نزح زمزم فلا تدل على أن نزحها كان لنجاسة كما قد عرفت باب منه اخر 67 - قوله (عن محمد بن إسحاق) هو إمام المغازي صدوق يدلس كذا في التقريب وقال ابن الهمام في فتح القدير أما ابن إسحاق فثقة لا شبهة عندنا ولا عند محققي المحدثين انتهى وقال العيني في عمدة القاري ابن إسحاق من الثقات الكبار عند الجمهور انتهى وتقدم ترجمته في باب الرخصة في استقبال القبلة بغائط أو بول بأبسط من هذا (عن محمد بن جعفر بن الزبير) بن العوام الأسدي ثقة (عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب شقيق سالم ثقة قوله (وهو يسأل) بصيغة المجهول جملة حالية (عن الماء يكون في الفلاة من الأرض) قال في القاموس الفلاة القفر أو المفازة لا ماء فيها أو الصحراء الواسعة ج فلا وفلوات وفلى وفلى (وما
[ 180 ]
ينوبه من السباع والدواب) عطف على الماء يقال ناب المكان وأنابه إذا تردد إليه مرة بعد أخرى (قال) صلى الله عليه وسلم إذا كان الماء قلتين تثنية القلة وسيأتي بيان معنى القلة (لم يحمل الخبث) بفتحتين النجس أي لم ينجس بوقوع النجاسة فيه وفي رواية لأبي داود إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس ولفظ الحاكم فقال إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ قال القاضي الحديث بمنطوقه يدل على أن الماء إذا بلغ قلتين لم ينجس بملاقاة النجاسة فإن معنى لم يحمل لم يقبل النجاسة كما يقال فلان لا يقبل ضيما إذا امتنع عن قبوله وذلك إذا لم يتغير فإن تغير نجس ويدل بمفهومه على أنه إذا كان أقل ينجس بالملاقاة وهذا المفهوم يخصص حديث خلق الماء طهورا عند من قال بالمفهوم ومن لم يقل به أجراه على عمومه كما لك فإن الماء قل أو كثر لا ينجس عنده إلا بالتغير وقال الحافظ في التلخيص قوله لم يحمل الخبث معناه لم ينجس بوقوع النجاسة فيه كما فسره في الرواية الأخرى التي رواها أبو داود وابن حبان وغيرهما إذا بلغ الماء قلتين لم ينجس والتقدير لا يقبل النجاسة بل يدفعها عن نفسه ولو كان المعنى يضعف عن حمله لم يكن للتقييد معنى فإن ما دونها أولى بذلك وقيل معناه لا يقبل حكم النجاسة كما في قوله تعالى مثل الذين حملوا التوراة ثم لم
يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا أي لم لم يقبلوا حكمها انتهى كلام الحافظ قوله (قال محمد بن إسحاق القلة هي الجرار) جمع جرة بفتح الجيم بالفارسية سوى وقال في القاموس القلة بالضم الحب العظيم والجرة العظيمة أو عامة أو من الفخار والكوز الصغار ضد ج كصرد وجبال انتهى والحب بضم الحاء المهملة بالفارسية خم وقال الجزري في النهاية القلة الحب العظيم والجمع قلال وهي معروفة بالحجار انتهى قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق قالوا إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شئ ما لم يتغير ريحه أو طعمه) أي أو لونه واستدلوا بحديث الباب وهو حديث صحيح قابل للاحتجاج وضعفه جماعة لكن الحق أنه صحيح قال الحافظ أبو الفضل العراقي في أماليه قد صحح هذا الحديث الجم الغفير من أئمة الحفاظ الشافعي وأبو عبيد وأحمد وإسحاق ويحيى بن معين وابن
[ 181 ]
خزيمة والطحاوي وابن حبان والدارقطني وابن منده والحاكم والخطابي والبيهقي وابن حزم وآخرون كذا في قوت المغتذي وقال الحافظ في فتح الباري رواته ثقات وصححه جماعة من أهل العلم انتهى وقال فيه أيضا الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك وقال في بلوغ المرام صححه ابن خزيمة وابن حبان انتهى وقال في التلخيص قال الحاكم صحيح على شرطهما وقد احتجا بجميع رواته وقال ابن منده إسناده على شرط مسلم وقال ابن معين الحديث جيد الإسناد وقال ابن دقيق العيد هذا الحديث قد صححه بعضهم وهو صحيح على طريق الفقهاء لأنه وإن كان مضطرب الاسناد مختلفا في بعض ألفاظه فإنه يجاب عنه بجواب صحيح بأن يمكن الجمع بين الروايات انتهى ما في التلخيص والذين لم يقولوا بحديث القلتين فمنهم من اعترف بصحة واعتذر من العمل به بالإجمال في معنى القلة قال الحافظ في الفتح قول من لا يعتبر إلا التغير وعدمه قوي لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه وقد اعترف الطحاوي من الحنفية بذلك لكنه اعتذر من القول به
فإن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة ولم يثبت من الحديث تقديرهما فيكون مجملا فلا يعمل به وقواه ابن دقيق العيد لكن استدل له غيرهما فقال أبو عبيد القاسم بن سلام المراد القلة الكبيرة إذ لو أراد الصغيرة لم يحتج لذكر العدد فإن الصغير بين قدر واحدة كبيرة ويرجع في الكبيرة إلى العرف عند أهل الحجاز والظاهر أن الشاع عليه السلام ترك تحديدها على سبيل التوسعة والعلم محيط بأنه ما خاطب الصحابة إلا بما يفهمون فانتهى الإجمال انتهى كلام الحافظ وقال الزيلعي في نصب الراية قال البيهقي في كتاب المعرفة وقلال هجر كانت مشهورة عند أهل الحجاز ولشهرتها عندهم شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأى ليلة المعراج من نبق سدرة المنتهى بقلال هجر فقال في حديث مالك بن صعصعة رفعت إلى سدرة المنتهى فإذا ورقها مثل آذان الفيلة وإذا نبقها مثل قلال هجر قال واعتذار الطحاوي في ترك الحديث أصلا بأنه لا يعلم مقدار القلتين لا يكون عذرا عند من علمه انتهى وقال الحافظ في الفتح بعد ذكر كلام البيهقي هذا فإن قيل أي ملازمة بين هذا التشبيه وبين ذكر القلة في حد الماء فالجواب أن التقييد بها في حديث المعراج دال على أنها كانت معلومة عندهم بحيث يضرب بها المثل في الكبر كما أن التقييد المطلق إنما ينصرف إلى التقييد المعهود وقال الأزهري القلال مختلفة في قرى العرب وقلال هجر أكبرها وقلال هجر مشهورة الصنعة معلومة
[ 182 ]
المقدار والقلة لفظ مشترك وبعد صرفها إلى أحد معلوماتها وهي الأواني تبقى مترددة بين الكبار والصغار والدليل على أنها من الكبار جعل الشارع الحد مقدارا بعدد فدل على أنه أشار إلى أكبرها لأنه لا فائدة في تقديره بقلتين صغيرتين مع القدرة على تقديره بواحدة كبيرة انتهى قلت وقد جاء في حديث ضعيف تقييد القلتين بقلال هجر وهو ما روى ابن عدي من حديث ابن عمر إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر لم ينجسه شئ قال الحافظ في التلخيص في إسناده المغيرة بن صقلاب وهو منكر الحديث قال النفيلي لم يكن مؤتمنا على الحديث وقال ابن
عدي لا يتابع على عامة حديثه انتهى قلت قال الذهبي في الميزان في ترجمة المغيرة بن صقلاب قال أبو حاتم صالح الحديث وقال أبو زرعة لا بأس به انتهى فالاعتذار من القول بحديث القلتين بزعم الإجمال في معنى القلة اعتذار بارد ومن الذين لم يقولوا به اعتذروا بأن الحديث ضعيف مضطرب الاسناد قالوا إن محمد بن إسحاق يروي تارة عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر كما رواه الترمذي وغيره وتارة عن الزهري عن سالم عن ابن عمر وتارة عنه عن عبيد الله عن أبي هريرة ثم وقع الاختلاف في شيخ محمد بن جعفر فقال مرة عن عبد الله بن عبد الله المكبر ومرة عن عبيد الله بن عبد الله المصغر قلت هذا الاعتذار أيضا بارد فإن هذا الاختلاف ليس قادحا مورثا لضعف الحديث فإن وجوه الاختلاف ليست بمستوية فإن الرواية الصحيحة المخفوظة هي رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن عبيد الله عن ابن عمر كما رواها الترمذي وغيره كذلك رواها جماعة كثيرة عن ابن إسحاق قال الدارقطني في سننه رواه إبراهيم ابن سعد وحماد بن سلمة ويزيد بن زريع وعبد الله بن المبارك وعبد الله بن نمير وعبد الرحيم ابن سليمان وأبو معاوية الضرير ويزيد بن هارون واسماعيل بن عياش وأحمد بن خالد الوهبي وسفيان الثوري وسعيد بن زيد أخو حماد بن زيد وزائدة بن قدامة عن محمد ابن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وقال الدارقطني فيه ورواه عاصم بن المنذر بن الزبير بن العوام عن عبد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم فكان في هذه الرواية قوة لرواية محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن أبيه انتهى وأما رواية ابن إسحاق عن الزهري عن سالم عن ابن عمر فمدارها على عبد الوهاب ابن
[ 183 ]
عطاء وهو مدلس ورواها عن ابن إسحاق بالعنعنة فهي ضعيفة لمظنة التدليس على أنه قد خالف
جميع أصحاب ابن إسحاق وأما روايته عن الزهري عن عبيد الله عن أبي هريرة فليست بمحفوظة قال الدارقطني نا أبو سهل أحمد بن محمد بن زياد وعمر بن عبد العزيز بن دينار قالا حدثنا أبو إسماعيل الترمذي نا محمد بن وهب المسلمي نا ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه سئل عن القليب الحديث قال الدارقطني كذا رواه محمد بن وهب عن إسماعيل بن عياش بهذا الاسناد والمحفوظ عن ابن عياش عن محمد بن إسحاق عن محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر عن أبيه انتهى وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب المتن ففي بعضها قلتين وفي بعضها قلتين أو ثلاثا وفي رواية موقوفة أربعين قلة وكذلك في رواية مرفوعة أربعين قلة قلت هذا الاعتذار أيضا بارد فإن هذا الاختلاف أيضا ليس قادحا مورثا للضعف فإن رواية أربعين قلة التي هي مرفوعة ضعيفة جدا فإن في سندها القاسم بن عبد الله العمري قال ابن التركماني في الجوهر النقي حكى البيهقي عن القاسم بن عبد الله العمري كان ضعيفا كثير الخطأ وفي كتاب ابن الجوزي قال أحمد ليس هو عندي بشئ كان يكذب ويضع الحديث ترك الناس حديثه وقال يحيى ليس بشئ وقال مرة كذاب خبيث وقال الرازي والنسائي والأزدي متروك الحديث وقال أبو زرعة لا يساوي شيئا متروك الحديث انتهى وقال الزيلعي في نصب الراية روى الدارقطني في سننه وابن عدي في الكامل والعقيلي في كتابه عن القاسم بن عبد الله العمري عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بلغ الماء أربعين قلة فإنه لا يحمل الخبث انتهى
قال الدارقطني كذا رواه القاسم العمري عن ابن المنكدر عن جابر ووهم في إسناده وكان ضعيفا كثير الخطأ وخالفه روح بن القاسم وسفيان الثوري ومعمر بن راشد رووه عن ابن المنكدر عن عبد الله بن عمرو موقوفا ورواه أيوب السختياني عن محمد بن المنكدر من قوله لم
[ 184 ]
يجاوزه ثم روى بأسناد صحيح من جهة روح بن القاسم عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن عمرو قال إذا بلغ الماء أربعين قلة لم ينجس انتهى فرواية أربعين قلة التي هي مرفوعة لشدة ضعفها لا تساوي رواية قلتين وأما رواية أربعين قلة التي هي موقوفة فهي قول عبد الله بن عمرو وقوله هذا وإن كان صحيحا من جهة السند فهو لا يساوي رواية قلتين التي هي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما رواية قلتين أو ثلاثا فقد قال البيهقي في المعرفة قوله أو ثلاث شك وقع لبعض الرواة انتهى فرواية قلتين أو ثلاثا بالشك ترجع إلى رواية قلتين التي هي خالية عن الشك والظاهر أن الشك من حماد بن سلمة فإن بعض أصحابه يروون عنه قلتين وبعضهم قلتين أو ثلاثا أو من عاصم بن المنذر فإن كل من روى هذا الحديث غيره عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر إنما رواه بلفظ قلتين بغير شك والله تعالى أعلم وقد اعتذروا أيضا بأن الحديث مضطرب من جهة المعنى فإن القلة مشترك بين رأس الرجل ورأس الجبل والجرة والقربة وغير ذلك ولم يتعين معناها وإن أريد بها الأواني كالجرة والخابية فلم يثبت مقدارها مع أنها متقاربة جدا قلت هذا الاعتذار أيضا ليس بشئ فإن القلة بمعنى رأس الرجل أو رأس الجبل لا يحصل بها التحديد البتة والمقصود من الحديث ليس إلا التحديد فلا يجوز أن يراد من القلة رأس الرجل أو رأس
الجبل فتعين أن المراد من القلة الأواني ولما كانت قلال هجر مشهورة معروفة المقدار عند العرب كثيرة الاستعمال في أشعارهم ولذلك شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم نبق سدرة المنتهى بقلال هجر تعين أن تكون هي مرادة في الحديث وقد تقدم ما يتعلق بهذا فتذكر والحاصل أن حديث الباب صحيح قابل للاحتجاج وكل ما اعتذروا به عن العمل والقول به فهو مدفوع
[ 185 ]
قوله (وقالوا يكون نحوا من خمس قرب) جمع قربة أي يكون مقدار القلتين قريبا من خمس قرب وذلك نحو خمسمائة رطل كما في السبل وقال الجزري في النهاية القاسة الحب العظيم والجمع قلال وهي معروفة بالحجاز ومنه الحديث في صفة سدرة المنتهى نبقها مثل قلال هجر وهجر قرية قريبة من المدينة وليست هجر البحرين وكانت تعمل بها القلال تأخذ الواحدة منها مزادة من الماء سميت قلة لأنها تقل أي ترفع وتحمل انتهى كلام الجزري وقال الشيخ محمد طاهر في مجمع البحار القلة جرة عظيمة تسع خمسمائة رطل انتهى باب كراهية البول في الماء الراكد أي الساكن الذي لا يجري 68 - قوله (عن همام بن منبه) بن كامل الا بناوي الصنعاني اليماني عن أبي هريرة نسخة صحيحة ومعاوية وابن عباس وطائفة وعنه أخوه وهب ومعمر وثقه ابن معين قال ابن سعد مات سنة إحدى وثلاثين ومائة قوله (لا يبولن) بفتح اللام وبنون التأكيد الثقيلة (في الماء الدائم) زاد في رواية البخاري الذي لا يجري وهو تفسير للدائم وإيضاح لمعناه (ثم يتوضأ منه) كذا في رواية الترمذي وأحمد وعبد الرزاق وابن أبي شيبة وابن حبان
وفي رواية الشيخين وغيرهما ثم يغتسل فيه قال الحافظ في الفتح بضم اللام على المشهور وقال ابن مالك يجوز الجزم عطفا على يبولن لأنه مجزوم الموضع بلا الناهية ولكنه بني على الفتح لتوكيده بالنون ومنع ذلك القرطبي فقال لو أريد النهي يقال ثم لا يغتسلن فحينئذ يتساوى الأمران في النهي عنهما لأن المحل الذي تواردا عليه شئ واحد وهو الماء قال فعدوله عن ذلك يدل على أنه لم يرد
[ 186 ]
العطف بل نبه على مآل الحال والمعنى أنه إذا بال فيه قد يحتاج إليه فتمتنع عليه استعماله ومثله يقوله صلى الله عليه وسلم لا يضربن أحدكم امرأته ضرب الأمة ثم يضاجعها فإنه لم يروه أحد بالجزم لأن المراد النهي عن الضرب لأنه يحتاج في مآل حاله إلى مضاجعتها فتمتنع لإساءته إليها فلا يحصل له مقصوده وتقدير اللفظ ثم هو يضاجعها وفي حديث الباب ثم هو يغتسل منه وتعقب بأنه لا يلزم من تأكيد النهي أن لا يعطف عليه نهي آخر غير مؤكد لاحتمال أن يكون للتأكيد في أحدهما معنى ليس ل خر قال القرطبي ولا يجوز النصب إذ لا تضمر أن بعد ثم وأجازه ابن مالك بإعطاء ثم حكى الواو وتعقبه النووي بأن ذلك يقتضي أن يكون النهي عنه الجمع بين الأمرين دون إفراد أحدهما وضعفه ابن دقيق العيد بأنه لا يلزم أن يدل على الأحكام المتعددة لفظ واحد فيؤخذ النهي عن الجمع بينهما من هذا الحديث أن تثبيت رواية النصب ويؤخذ النهي عن الافراد من حديث آخر قال الحافظ وهو ما رواه مسلم من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن البول في الماء الراكد وعنده من طريق أبي السائب عن أبي هريرة بلفظ لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب وروى أبو داود النهي عنهما في حديث واحد ولفظه لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ولا
يغسل فيه من الجنابة انتهى كلام الحافظ فكل ما ذكر في يغتسل من الإعراب يجري في يتوضأ والحديث بظاهره يدل على تنجس الماء الراكد مطلقا قليلا كان أو كثيرا لكنه ليس بمجهول على ظاهره بالاتفاق قال العيني في عمدة القاري هذا الحديث عام فلا بد من تخصيصه اتفاقا بالماء المتبحر الذي لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الطرف الاخر أو بحديث القلتين كما ذهب إليه الشافعي أو بالعمومات الدالة على طهورية الماء ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة كما ذهب إليه مالك رحمه الله انتهى وقال الحافظ في الفتح لا فرق في الماء الذي لا يجري في الحكم المذكور بين بول الآدمي وغيره خلافا لبعض الحنابلة ولا بين أن يبول في الماء أو يبول في ماء ثم يصبه فيه خلافا للظاهرية
[ 187 ]
وهذا كله محمول على الماء القليل عند أهل العلم على اختلافهم في حد القليل وقد تقدم قول من لا يعتبر وعدمه وهو قوي لكن الفصل بالقلتين أقوى لصحة الحديث فيه انتهى قلت الأمر عندي كما قال الحافظ والله تعالى أعلم قال ونقل عن مالك أنه حمل النهي على التنزيه فيما لا يتغير وهو قول الباقين في الكثير وقال القرطبي يمكن حمله على التحريم مطلقا على قاعدة سد الذريعة يفضي إلى تنجيس الماء انتهى قلت ما قال القرطبي حسن جيد قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه البخاري بلفظ لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه وأخرجه مسلم بهذا اللفظ إلا أن فيه منه مكان فيه وأخرجه أيضا أبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وفي الباب عن جابر) أخرجه مسلم مرفوعا بلفظ أنه نهي أن يبال في الماء الراكد وفي الباب أيضا عن ابن عمر مرفوعا بلفظ لا يبولن أحدكم في الماء الناقع باب في ماء البحر أنه طهور
69 - قوله (وحدثنا الأنصاري) هو إسحاق بن موسى الأنصاري وقد تقدم في باب ما جاء في فضل الطهور أن الترمذي إذا قال الأنصاري يريد به إسحاق بن موسى الأنصاري (عن صفوان بن سليم) بضم السين وفتح اللام الزهري مولاهم المدني روى عن ابن عمر وأبي أمامة بن سهل ومولاه حميد بن عبد الرحمن وعنه مالك والليث بن سعد وخلق قال أحمد ثقة من خيار عباد الله الصالحين يستشفي بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره وقال أنس بن عياض رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له غدا القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة مات سنة 231 اثنتين وثلاثين ومائة كذا في الخلاصة قلت هو من رجال الكتب الستة (عن سعيد بن سلمة من آل ابن الأزرق) وثقه النسائي (أن المغيرة بن أبي بردة) الكناني روى عن أبي هريرة وعنه سعيد بن سلمة
[ 188 ]
وثقه النسائي كذا في الخلاصة قوله (سأل رجل) سمى ابن بشكوال السائل عبد الله المدلجي وقال النووي في شرح المهذب اسمه عبيد وقيل عبد قال وأما قول السمعاني في الأنساب اسمه العركي ففيه إيهام أن العركي اسم علم له وليس كذلك بل العركي وصف له وهو ملاح السفينة كذا في قوت المغتذي (إنا نركب البحر) زاد الحاكم نريد الصيد قال الزرقاني المراد من البحر الملح لأنه المتوهم فيه لأنه مالح ومر وريحه منتن انتهى (ونحمل معنا القليل من الماء) وفي رواية أحمد والحاكم والبيهقي قال كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما فجاء صياد فقال يا رسول الله إنا ننطلق في البحر نريد الصيد فيحمل أحدنا معه الاداوة وهو يرجو أن يأخذ الصيد قريبا فربما وجده كذلك وربما لم يجد الصيد حتى يبلغ من البحر مكانا لم يظن أن يبلغه فلعله يحتلم أو يتوضأ فإن اغتسل أو توضأ بهذا الماء فلعل أحدنا يهلكه العطش فهل ترى في ماء البحر أن نغتسل به أو نتوضأ إذا خفنا ذلك (عطشنا) بكسر الطاء (هو الطهور) بفتح الطاء أي المطهر قال ابن الأثير في النهاية وقال المجد في القاموس الطهور المصدر واسم ما يتطهر به أو
الطاهر المطهر انتهى قلت المراد ههنا هو المعنى الأخير قال الزرقاني أي البالغ في الطهارة ومنه قوله تعالى وأنزلنا من السماء ماء طهورا أي طاهرا في ذاته مطهرا لغيره قال ولم يقل في جوابه نعم مع حصول الغرض به ليقرن الحكم بعلته وهي الطهورية المتناهية في بابها انتهى قوله (ماؤه) بالرفع فاعل الطهور (الحل) أي الحلال كما في رواية الدارقطني عن جابر وأنس وابن عمرو (ميتته) بالرفع فاعل الحل قال الرافعي لما عرف صلى الله عليه وسلم اشتباه الأمر على السائل في ماء البحر أشفق أن يشتبه عليه حكم ميتته وقد يبتلي بها راكب ابحر فعقب الجواب عن سؤاله ببيان حكم الميتة وقال غيره سأله عن مائه فأجابه عن مائه وطعامه لعلمه بأنه قد يعوزهم الزاد فيه كما يعوزهم
[ 189 ]
الماء فلما جمعتهم الحاجة انتظم الجواب بهما وقال ابن العربي وذلك من محاسن الفتوى أن يجاء في الجواب بأكثر مما يسئل عنه تتميما للفائدة وأفادة لعلم آخر غير مسؤل عنه ويتأكد ذلك عند ظهور الحاجة إلى الحكم كما هنا لأن من توقف في طهورية ماء البحر فهو عن العلم بحل ميتته مع تقدم تحريم الميتة أشد توقفا قال الشيخ محمد بن إسماعيل الأمير في السبل المراد بالميتة ما مات فيه من دوابه مما لا يعيش إلا فيه لا ما مات فيه مطلقا فإنه وأن صدق عليه لغة أنه ميتة بحر فمعلوم أنه لا يراد إلا ما ذكرنا قال وظاهره حل كل ما مات فيه ولو كان كالكلب والخنزير انتهى قلت اختلف أهل العلم في حل غير السمك من دواب البحر فقال الحنفية يحرم أكل ما سوى السمك وقال أحمد يؤكل كل ما في البحر إلا الضفدع والتمساح وقال ابن أبي ليلى ومالك يباح كل ما في البحر وذهب جماعة إلى أن ماله نظير من البر يؤكل نظيره من حيوان البحر مثل بقر الماء ونحوه ولا
يؤكل نظيره في البر مثل كلب الماء وخنزير الماء فلا يحل أكله وعن الشافعية أقوال قال الحافظ في الفتح لا خلاف بين العلماء في حل السمك على اختلاف أنواعه وإنما اختلف فيما كان على صورة حيوان البر كالآدمي والكلب والخنزير والثعبان فعند الحنفية وهو قول الشافعية يحرم ما عدا السمك وعن الشافعية الحل مطلقا على الأصح المنصوص وهو مذهب المالكية إلا الخنزير في رواية وحجتهم قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وحديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهم وعن الشافعية ما يؤكل نظيره في البر حلال وما لا فلا واستثنوا على الأصح ما يعيش في البحر والبر وهو نوعان النوع الأول ما ورد في منع أكله شئ يخصه كالضفدع وكذا استثناه أحمد للنهي عن قتله ومن المستثنى أيضا التمساح لكونه يعدو بنابه ومثله القرش في البحر الملح خلافا لما أفتى به المحب الطبري والثعبان والعقرب والسرطان والسلحفاة للاستخباث والضرر اللاحق من السم النوع الثاني ما لم يرد فيه مانع فيحل أكله بشرط التذكية كالبط وطير الماء انتهى كلام
[ 190 ]
الحافظ باختصار وقال العيني في عمدة القاري ص 03 ج 1 وعندنا يكره أكل ما سوى السمك من دواب البحر كالسلحفاة والضفدع وخنزير الماء واحتجوا بقوله تعالى يحرم عليهم الخبائث وما سوى السمك خبيث انتهى كلام العيني وأجاب الحنفية عن قوله الحل ميتته بأن المراد من الميتة السمك لا غيره بدليل حديث ابن عمر رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أحلت لنا ميتتان ودمان فأما الميتتان فالجراد والحوت وأما الدمان فالطحال والكبد أخرجه أحمد وابن ماجه
وقالوا في تفسير قوله تعالى أحل لكم صيد البحر وطعامه إن المراد من صيد البحر مصيدات البحر مما يؤكل ومما لا يؤكل والمراد من طعامه ما يطعم من صيده والمعنى أحل لكم الانتفاع بجميع ما يصاد في البحر وأحل لكم أكل المأكول منه وهو السمك وحده وقال من ذهب إلى حل جميع ما في البحر من دوابه مطلقا أو مستثنيا بعضها في تفسير قوله تعالى هذا إن المراد بصيد البحر ما صيد من البحر والمراد من طعامه ما قذفه البحر ورماه إلى الساحل والمعنى أحل لكم أكل جميع ما صدتم من البحر وما قذفه البحر قال الخازن في تفسيره المراد بالصيد ما صيد من البحر فأما طعامه فاختلفوا فيه فقيل ما قذفه البحر ورمى به إلى الساحل ويروي ذلك عن أبي بكر وعمرو ابن عمر وأيوب وقتادة وقيل صيد البحر طريه وطعامه مالحه ويروى ذلك عن سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والسدي ويروى عن ابن عباس ومجاهد كالقولين انتهى وقال الامام البخاري في صحيحه قال عمر صيده ما أصطيد وطعامه ما رمي به قال الحافظ في الفتح وصله المصنف في التاريخ وعبد بن حميد عن أبي هريرة قال لما قدمت البحرين سألني أهلها عما قذف البحر فأمرتهم أن يأكلوه فلما قدمت على عمر فذكر قصة قال فقال عمر قال الله عز وجل في كتابه أحل لكم صيد البحر وطعامه فصيده ما صيد وطعامه ما قذف فإذا عرفت هذا كله فاعلم أن السمك بجميع أنواعه حلال بلا شك وأما غير السمك من سائر دواب البحر فما كان منه ضارا يضر أكله أو مستخبثا أو ورد نص في منع أكله فهو حرام وأما ما لم يثبت بنص صريح أكله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة رضي الله عنهم مع
[ 191 ]
وجوده في ذلك العهد فا قتداء بهم في عدم الأكل هو المتعين هذا ما عندي والله تعالى أعلم تنبيه قال صاحب العرف الشذي ما لفظ قال مولانا محمود حسن إن الحل أي في قوله الحل ميتته بمعنى الطاهر وثبت الحل بمعنى الطهارة كما في قصة صفية بنت حي حلت بالصهباء أي طهرت من الحيض انتهى
قلت القول بأن المراد من الحل في قوله صلى الله عليه وسلم الحل ميتته بمعنى الطاهر غير محمود بل هو باطل جدا أما أولا فلأنه لم يقل به أحد ممن قبله من أهل العلم الذين عليهم الاعتماد وأما ثانيا فلأنه يلزم على هذا أن يكون لفظ الحل حشوا لا طائل تحته فإنه يكفي أن يقول هو الطهور ماؤه وميتته وأما ثالثا فلأن ابن عمر أحد رواة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قد فهم هو من لفظ الحل الحلال دون الطهارة ففي التلخيص وروى الدارقطني من طريق عمرو بن دينار عن عمرو بن دينار عن عبد الرحمن بن أبي هريرة أنه سأل ابن عمر آكل ما طفى على الماء قال إن طافيه ميتته وقال النبي صلى الله عليه وسلم إن ماءه طهور وميتته حل فانظر أن ابن عمر أراد من لفظ الحلال ضد الحرام دون معنى الطاهر وقد تقرر أن راوي الحديث أدرى بمعناه وقال أيضا والمراد بالميتة غير المذبوح فلا يدل على حل الطافي قال وأثر أبي بكر الصديق في الطافي مضطرب اللفظ انتهى قلت القول بأن المراد بالميتة غير المذبوح لئلا يدل على حل الطافي مما لا يصغي إليه فإن الطافي حلال عند الجمهور وهو الحق والصواب يدل على حله ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عمرو أنه سمع جابرا يقول غزونا جيش الخبط وأمر علينا أبو عبيدة فجعنا جوعا شديدا فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له العنبر فأكلنا منه نصف شهر الحديث ورواه مسلم أيضا وفي رواية عندهما فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كلوا رزقا أخرجه الله أطعمونا إن كان معكم فأتاه بعضهم بعضو فأكله قال الحافظ يستفاد منه إباحة ميتة البحر سواء مات بنفسه أو مات با صطياد وهو قول الجمهور انتهى وقد تقدم قول عمر صيده ما أصطيد وطعامه ما رمى وقال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه الطافي حلال ذكره البخاري معلقا قال الحافظ وصله أبو بكر بن أبي شيبة والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك ابن أبي بشير عن عكرمة عن ابن
[ 192 ]
عباس قال أشهد على أبي بكر أنه قال السمكة الطافية حلال زاد الطحاوي لمن أراد أكله وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس من أبي بكر إن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله فإنه ذكي وأما حديث جابر ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوه وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه أخرجه أبو داود فالصحيح أنه موقوف كما حققه الحافظ في الفتح وقال وإذا لم يصح إلا موقوفا فقد عارضه قول أبي بكر وغيره والقياس يقتضي حله لأنه سمك لو مات في البر لأكل بغير تذكية ولو نضب عنه الماء أو قتلته سمكة أخرى فمات لأكل فكذلك إذا مات وهو في البحر انتهى وأما قوله وأثر أبي بكر الصديق مضطرب اللفظ فعجيب جدا فإنه لم يرو عنه أثر خلاف قوله الطافي حلال البتة وأما أثره بلفظ إن الله ذبح لكم ما في البحر إلخ فهو ليس ينافي أثره الأول قوله (وفي الباب عن جابر) هو ابن عبد الله (والفراسي) بكسر الفاء وتخفيف الراء وبالمهملة صحابي أما حديث جابر فأخرجه أحمد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني والحاكم من طريق عبيد الله بن مقسم عنه قال أبو علي بن السكن حديث جابر أصح ما روى في هذا الباب ورواه الطبراني في الكبير والدارقطني والحاكم من حديث المعافي بن عمران عن ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر وإسناده حسن ليس فيه إلا ما يخشى من التدليس أما حديث الفراسي فأخرجه البيهقي وفي الباب أيضا عن ابن عباس وعبد الله بن عمرو وعلي بن أبي طالب وغيرهم رضي الله عنهم ذكر أحاديثهم الحافظ في التلخيص مع الكلام عليها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وقد صحح هذا الحديث غير الترمذي ابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان والحاكم وابن منده وأبو محمد البغوي كذا في قوت المغتذي والحديث أخرجه أيضا مالك والشافعي عنه والأربعة وابن خزيمة وابن حبان والحاكم والبيهقي وصححه البخاري
فيما حكى عنه الترمذي كذا في التلخيص
[ 193 ]
قوله (وهو قول أكثر الفقهاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلخ) وهذا هو الحق يدل عليه أحاديث الباب (وقد كره بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء بماء البحر منهم ابن عمر وعبد الله بن عمرو) لم يقم على الكراهة دليل صحيح قال الزرقاني التطهير بماء البحر حلال صحيح كما عليه جمهور السلف والخلف وما نقل عن بعضهم من عدم الإجزاء به مزيف أو مؤل بأنه أراد بعدم الإجزاء على وجه الكمال عنده (وقال عبد الله بن عمرو وهو نار) قال القاضي أبو بكر بن العربي أراد به طبق النار لأنه ليس بنار في نفسه انتهى وقيل إنه أراد أنه ضار يورث المرض قلت ما قال ابن العربي هو الراجح وهو الظاهر قال الشوكاني في النيل فإن قيل كيف شكوا في جواز الوضوء بماء البحر قلنا يحتمل أنهم لما سمعوا قوله صلى الله عليه وسلم لا تركب البحر إلا حاجا أو معتمرا أو غازيا في سبيل الله فإن تحت البحر نارا وتحت النار بحر أخرجه أبو داود وسعيد بن منصور في سننه عن ابن عمر مرفوعا ظنوا أنه لا يجزئ التطهر به وقد روي موقوفا على ابن عمر بلفظ ماء البحر لا يجزئ من وضوء ولا جنابة إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا حتى عد سبعة أبحر وسبع أنيار وروى أيضا عن ابن عمرو بن العاص أنه لا يجزئ التطهر به ولا حجة في أقوال الصحابة لا سيما إذا عارضت المرفوع والإجماع وحديث ابن عمر المرفوع قال أبو داود رواته مجهولون وقال الخطابي ضعفوا إسناده وقال البخاري ليس هذا الحديث بصحيح وله طريق أخرى عند البزار وفيها ليث بن أبي سليم وهو ضعيف قال في البدر المنير في الحديث جواز الطهارة بماء البحر وبه قال جميع العلماء إلا ابن عبد البر وابن عمر وسعيد بن المسيب وروى مثل ذلك عن أبي هريرة وروايته ترده وكذا رواية عبد الله بن عمر وتعريف الطهور بلام الجنسية المفيدة للحصر لا ينفي طهورية غيره من المياه لوقوع ذلك جوابا لسؤال من شك في طهورية ماء البحر من غير قصد للحصر وعلى تسليم أنه لا تخصيص بالسبب
ولا يقصر الخطاب العام عليه فمفهوم الحصر المفيد لنفي الطهورية عن غير مائه عموم مخصص بالمنطوقات الصحيحة الصريحة القاضية باتصاف غيره بها انتهى وقال ابن قدامة في المغني وقولهم
[ 194 ]
هو نار إن أريد به أنه نار في الحال فهو خلاف الحس وإن أريد به أنه يصير نارا لم يمنع ذلك الوضوء به حال كونه ماء انتهى باب التشديد في البول 70 - قوله (عن طاووس) بن كيسان اليماني أبي عبد الرحمن الحميري مولاهم الفارسي يقال اسمه ذكوان وطاووس لقب ثقة فقيه فاضل من الثالثة روى عن أبي هريرة وعائشة وابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهم قال طاووس أدركت خمسين من الصحابة وعنه مجاهد والزهري وخلق قال ابن عباس إني لأظن طاووسا من أهل الجنة وقال عمرو بن دينار ما رأيت مثله وقال ابن حبان حج أربعين حجة مات سنة ست ومائة قوله (مر على قبرين) وفي رواية ابن ماجه مر بقبرين جديدين (فقال إنهما يعذبان) أي إن صاحبي القبرين يعذبان قال الحافظ في الفتح يحتمل أن يقال أعاد الضمير على غير مذكور لأن سياق الكلام يدل عليه وأن يقال أعاده على القبرين مجازا والمراد من فيهما قال وقد اختلف في المقبورين فقيل كانا كافرين وبه جزم أبو موسى المديني واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قبرين من بني النجار هلكا في الجاهلية فسمعهما يعذبان في البول والنميمة قال أبو موسى هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح لأنهما لو كان مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى ولكنه لما رآهما يعذبان لم يستجز للطفه وعطفه حرمانهما من إحسانه فشفع لهما إلى المدة المذكورة قال الحافظ الحديث الذي احتج به أبو موسى ضعيف كما اعترف به وقد رواه أحمد بإسناد صحيح على شرط مسلم وليس فيه سبب التعذيب فهو من تخليط ابن لهيعة وهو مطابق لحديث
جابر الطويل الذي قدمنا أن مسلما أخرجه واحتمال كونهما كافرين فيه ظاهر وأما حديث الباب فالظاهر من مجموع طرقه أنهما كانا مسلمين ففي رواية ابن ماجه مر بقبرين جديدين فانتفى كونهما في الجاهلية
[ 195 ]
وفي حديث أبي أمامة عند أحمد أنه صلى الله عليه وسلم مر بالبقيع فقال من دفنتم اليوم ههنا فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين لأن البقيع مقبرة المسلمين والخطاب للمسلمين مع جريان العادة بأن كل فريق يتولاه من هو منهم ويقوي كونهما كانا مسلمين رواية أبي بكرة عند أحمد والطبراني بإسناد صحيح يعذبان وما يعذبان في كبير وبلى وما يعذبان إلا في الغيبة والبول فهذا الحصر ينفي كونهما كانا كافرين لأن الكافر وإن عذب على ترك أحكام الاسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف انتهى (وما يعذبان في كبير) أي في أمر كان يكبر عليهما ويشق فعله لو أراده لا أنه في نفسه غير كبير كيف وهما يعذبان فيه فإن عدم التنزه يبطل الصلاة والنميمة سعى بالفساد كذا في النهاية والمجمع وقال ابن دقيق العيد أي إنه سهل يسير على من يريد التوقي عنه ولا يريد بذلك أنه صغير من الذنوب غير كبير منها لأنه قد ورد في الصحيح من الحديث وإنه لكبير فيحمل قوله إنه لكبير على كبر الذنب وقوله وما يعذبان في كبير على سهولة الدفع والاحتراز وأما هذا فكان لا يستتر من بوله أي لا يجعل بينه وبين بوله سترة يعني لا يتحفظ منه ولمسلم وأبي داود في حديث الأعمش لا يستتر وقد وقع لأبي نعيم في المستخرج من طريق وكيع عن الأعمش كان لا يتوقى وهي مفسرة للمراد كذا في الفتح وفيه التحذير من ملابسه البول ويلحق به غيره من النجاسات وأما هذا فكان يمشي بالنميمة هي نقل كلام الغير بقصد الاضرار وهي من أقبح القبائح قاله النووي وقال الجزري في النهاية هي نقل الحديث من قوم إلى قوم على جهة الافساد والشر وقد تم الحديث ينمه وينمه نما فهو نمام والاسم النميمة قوله (وفي الباب عن زيد بن ثابت وأبي بكرة وأبي هريرة وأبي موسى وعبد الرحمن ابن
حسنة) أما حديث زيد بن ثابت فلم أقف على من أخرجه وأما حديث أبي بكرة فأخرجه أحمد والطبراني في الأوسط بمعنى حديث الباب وأخرجه ابن ماجه مختصرا وأما حديث أبي هريرة فأخرجه ابن ماجه مرفوعا بلفظ أكثر عذاب القبر من البول وأخرجه أحمد والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين ولا أعلم له علة قال المنذري وهو كما قال وأما حديث أبي موسى فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يبول قاعدا قد جافى بين فخديه حتى جعلت آوي له من طول الجلوس الحديث قال الهيثمي فيه علي بن عاصم وكان كثير الخطأ والغلط وينبه على غلطه فلا يرجع ويحتقر الحفاظ انتهى وأما حديث عبد الرحمن بن حسنة فأخرجه ابن ماجه وابن حبان في صحيحه وفي الباب أحاديث أخرى ذكرها المنذري في الترغيب والهيثمي في مجمع
[ 196 ]
الزوائد قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وروى منصور هذا الحديث عن مجاهد عن ابن عباس) منصور هذا هو ابن المعتمر (ورواية الأعمش أصح) أي رواية الأعمش بذكر طاووس بين مجاهد وابن عباس وأصح من رواية منصور ثم بين الترمذي وجه كونها أصح بقوله سمعت أبا بكر إلخ وروى البخاري هذا الحديث في صحيحه على الوجهين قال الحافظ في الفتح وإخراجه له على الوجهين يقتضي صحتهما عنده فيحمل على أن مجاهد اسمعه من طاووس عن ابن عباس ثم سمعه من ابن عباس بلا واسطة أو العكس ويؤيده أن في سياقه عن طاووس زيادة على ما في روايته عن ابن عباس وصرح ابن حبان بصحة الطريقين معا وقال الترمذي رواية الأعمش أصح انتهى قلت وقال البخاري أيضا إن رواية الأعمش أصح قال الترمذي في العلل سألت محمدا أيهما أصح فقال رواية الأعمش أصح انتهى ويؤيد من قال بصحة الطريقين أن شعبة ابن الحجاج رواه عن الأعمش كما رواه منصور ولم يذكر طاووسا قاله العيني (وسمعت أبا بكر محمد بن أبان) بفتح همزة وخفة موحدة وبنون بالصرف وتركه والصرف هو المختار كذا في المغني ومحمد بن أبان
هذا لقبه حمدويه وكان مستملى وكيع ثقة حافظ روى عن ابن عيينة وغندر وطبقتهما وعنه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وغيرهم قال ابن حبان كان ممن جمع وصنف مات ببلخ سنة 144 أربع وأربعين ومائة
[ 197 ]
باب ما جاء في نضح بول الغلام قبل أن يطعم 71 - قوله (عن أم قيس بنت محصن) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين آخره نون هي أخت عكاشة صحابية مشهورة من المهاجرات الأول طال عمرها بدعوة من النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعلم أن امرأة عمرت ما عمرت قوله (لم يأكل الطعام) صفة لابن (فبال عليه) وفي رواية البخاري فبال على ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم (فرشه عليه) وفي رواية البخاري فنضحه ولم يغسله وفي رواية لمسلم فلم يزد على أن نضح بالماء قال الحافظ ولا تخالف بين الروايتين أي بين نضح ورش لأن المراد به أن الابتداء كان بالرش وهو تنقيط الماء وانتهى إلى النضح وهو صب الماء ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير عن هشام فدعا بماء فصبه عليه ولأبي عوانة فصبه على البول يتبعه إياه انتهى قوله (وفي الباب عن علي وعن عائشة وزينب ولبابة بنت الحارث وهي أم الفضل بن عباس بن عبد المطلب وأبي السمح وعبد الله بن عمرو وأبي ليلى وابن عباس) أما حديث علي فأخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي قال الحافظ في الفتح وإسناده صحيح ولفظه ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية وبعضهم رواه موقوفا وليس ذلك بعلة قادحة قاله الحافظ وأما حديث عائشة فأخرجه الشيخان وغيرهما ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالصبيان فيدعو لهم فأتى بصبي فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه زاد مسلم ولم يغسله وأما حديث زينب وهي بنت جحش فأخرجه الطبراني مطولا وفيه أنه يصب من الغلام ويغسل من الجارية وفي إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف قاله العيني وقال الحافظ أخرجه
عبد الرزاق
[ 198 ]
وأما حديث لبابة فأخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه والكجي في سننه ولفظه قالت كان الحسين بن علي في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبال عليه فقلت البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله قال إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر وأخرجه البيهقي أيضا في سننه من وجوه كثيرة والطحاوي أيضا من وجهين وأما حديث أبي السمح فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه قال كنت أخدم النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام وأبو السمح لا يعرف له اسم ولا يعرف له غير هذا الحديث كذا قاله أبو زرعة وقيل اسمه إياد أما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه الطبراني في الأوسط أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي بصبي فبال عليه فنضحه وأتي بجارية فبالت عليه فغسله وأما حديث أبي ليلى فأخرجه الطحاوي في شرح الآثار وأما حديث ابن عباس فأخرجه الدارقطني عنه قال أصاب ثوب النبي صلى الله عليه وسلم وجلده بول صغير وهو صغير فصب عليه من الماء بقدر ما كان من البول قال الحافظ إسناده ضعيف قوله (وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم إلخ) قال الحافظ في الفتح واختلف العلماء في ذلك على ثلاثة مذاهب أصحها الاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية وهو قول على عطاء والحسن والزهري وإسحاق وابن وهب وغيرهم والثاني يكفي النضح فيهما وهو مذهب الأوزاعي وحكى عن مالك والشافعي وخصص ابن العربي النقل في هذا بما إذا كانا لم يدخل أجوافهما شئ أصلا والثالث هما سواء في وجوب الغسل وبه قال الحنفية والمالكية قال ابن دقيق العيد اتبعوا في ذلك القياس وقالوا المراد بقولها ولم يغسله أي غسلا مبالغا فيه وهو خلاف الظاهر ويبعده ما ورد
في الأحاديث الأخرى من التفرقة بين بول الصبي والصبية فإنهم لا يفرقون بينهما قال وقد ذكر في التفرقة بينها أوجه منها ما هو ركيك وأقوى ذلك ما قيل إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث يعني فحصلت الرخصة في الذكور لكثرة المشقة انتهى قلت احتج الأولون القائلون بالاكتفاء بالنضح في بول الصبي لا الجارية بأحاديث الباب
[ 199 ]
وهي نصوص صريحة فيما ذهبوا إليه وأما المذهب الثاني فلم أقف على دليله وأحاديث الباب ترده وأما المذهب الثالث وهو مذهب الحنفية والمالكية فاستدلوا عليه بأنه لا فرق بين بول الصبي وبول الصبية في النجاسة فهما نجسان فهما سواء في وجوب الغسل وأجابوا عن أحاديث الباب بأن المراد بالرش والنضح فيهما الغسل فإنه قد يذكر النضح ويراد به الغسل وكذلك قد يذكر الرش ويراد به الغسل أما الأول فكما في حديث علي عند أبي داود وغيره إذا وجد أحدكم ذلك أي المذي فلينضح فرجه وليتوضأ وضوءه للصلاة رواه أبو داود وغيره فإن المراد بقوله فلينضح الغسل والدليل عليه أن هذا الحديث رواه مسلم وغيره ووقع فيه بغسل ذكره ويتوضأ ومما يدل على أنه قد ذكر النضح ويراد به الغسل ما رواه الترمذي عن سهل بن حنيف قال كنت ألقى من المذي شدة وكنت أكثر منه الغسل الحديث وفيه قلت يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه فقال يكفيك أن تأخذ كفا من ماء فتنضح به من ثوبك حيث يرى أنه أصابه فإن المراد يالنضح ههنا الغسل وأما الثاني وهو أن الرش قد يذكر ويراد به الغسل ففي حديث أسماء رضي الله عنها عند الترمذي حتيه ثم اقرصيه ثم رشيه وصلي فيه أراد اغسليه فلما ثبت أن النضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل وجب حمل ما جاء في الباب من النضح والرش على الغسل هكذا أجاب العلامة العيني وغيره من العلماء الحنفية وفيه أنه لا شك في أنه قد يذكر النضح ويراد به الغسل وكذلك الرش لكن هذا إذا لم يكن مانع يمنع منه بل يكون هناك دليل يدل على أن يراد بالنضح أو الرش الغسل كما في حديث
علي وحديث أسماء المذكورين وأما فيما نحن فيه فليس ههنا دليل يدل على أن يراد بالرش أو النضح الغسل بل ههنا دليل يدل على عدم إرادة الغسل ففي حديث أم قيس بنت محصن عند البخاري فنضحه ولم يغسله وفي حديث عائشة عند مسلم فدعا بماء فأتبعه إياه ولم يغسله فقوله ولم يغسله دليل صريح على أنه ليس المراد بالنضح أو الرش في أحاديث الباب الغسل وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث لبابة بنت الحارث إنما يغسل من بول الأنثى وينضح من بول الذكر في جواب لبابة حين قالت البس ثوبا وأعطني إزارك حتى أغسله أيضا دليل واضح على أنه لم يرد بالنضح أو الرش في أحاديث الباب الغسل وأيضا قوله صلى الله عليه وسلم في حديث علي ينضح بول الغلام ويغسل بول الجارية دليل على أنه ليس المراد بالنصح الغسل وإلا لكان المعنى يغسل بول الغلام ويغسل بول الجارية وهو كما ترى فجوابهم بأن ما جاء في هذا الباب من النضح والرش محمول على الغسل غير صحيح فإن قيل قال العيني وغيره من العلماء الحنفية المراد بالنضح والرش في أحاديث الباب الغسل
[ 200 ]
من غير عرك وبالغسل الغسل بعرك أو المراد بهما الغسل من غير مبالغة فيه وبالغسل الغسل بالمبالغة فيه قلنا قولهم هذا لا دليل عليه بل ظاهر أحاديث الباب يبطله فإن قيل المراد بالرش والنضح في أحاديث الباب الصب وإتباع الماء توفيقا بين الأحاديث فقد وقع في حديث عائشة عند مسلم من طريق جرير عن هشام فدعا بماء فصبه عليه ولأبي عوانة فصبه على البول يتبعه إياه ورواه الطحاوي في شرح الاثار بلفظ إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بصبي فبال عليه فأتبعه الماء ولم يغسله وفي حديث أم الفضل عند الطحاوي إنما يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية ووقع في حديث أبي ليلى عند الطحاوي فصب عليه الماء وإتباع الماء والصب نوع من الغسل وحكمه حكم الغسل ألا ترى أن رجلا لو أصاب ثوبه عذرة فأتبعها الماء حتى ذهب بها أن ثوبه قد طهر انتهى فثبت أن بول الغلام وبول الجارية هما سواء في وجوب الغسل وهو مذهب الحنفية والمالكية
قلنا سلمنا أن المراد بالنضح والرش في أحاديث الباب إنباع الماء والصب لكن لا نسلم أن مطلق الصب وإتباع الماء نوع من الغسل وحكمه حكم الغسل ألا ترى أن رجلا لو أصاب ثوبه عذرة فأتبعها الماء وصب عليه لكن لم يذهب بها لا يطهر ثوبه وقد وجد إتباع الماء والصب والعجب من الطحاوي أنه كيف قال إتباع الماء حكمه حكم الغسل وقد روى هو حديث عائشة بلفظ فأتبعه الماء ولم يغسله وأيضا رواه بلفظ فنضحه ولم يغسله وأيضا روى هو حديث أم قيس بلفظ فدعا فنضحه ولم يغسله وأعلم أنه لم يرد في حديث من أحاديث الباب النضح أو الرش أو الصب أو إتباع الماء مقيدا بالذهاب بالبول أو بأثر البول أعني لم يرد في حديث فصب عليه الماء حتى ذهب به أو حتى ذهب بأثره أو فنضحه أو رشه حتى ذهب به أو بأثره بل وقعت هذه الألفاظ مطلقة وأيضا لم يرد في حديث صحيح من أحاديث الباب بيان مقدار الماء إلا في حديث ابن عباس ففيه فصب عليه من الماء بقدر ما كان من البول وهو حديث ضعيف كما عرفت ثم الظاهر من صب الماء على البول بقدره أنه لا يذهب به بالكلية فتأمل هذا ما عندي والله تعالى أعلم فإن قيل بول الغلام نجس فنجاسته هي موجبة لحمل النضح والرش وصب الماء وإتباع الماء على الغسل فإن الثوب أو البدن إذا أصابته نجاسة أية نجاسة كانت لا يطهر إلا بالغسل قلنا نجاسة بول الغلام لا توجب حمل النضح والرش وغيرهما على الغسل وقولكم إن
[ 201 ]
الثوب أو البدن إذا أصابته نجاسة أية نجاسة كانت لا يطهر إلا بالغسل ممنوع ألا ترون أن الثوب إذا أصابه المني ويبس كفى لطهارته الفرك ولا يجب الغسل مع أن المني اليابس نجس كما أن المني الرطب نجس فنقول بول الغلام إذا أصاب البدن أو الثوب كفى لطهارته النضح والرش ولا يجب الغسل وأما بول الجارية إذا أصاب الثوب فلا يطهر إلا بالغسل مع أن بول الغلام نجس كما أن بول الجارية نجس فتفكر فإن قيل إن بين المني الرطب واليابس فرقا بالرطوبة واليبوسة ولا فرق بين بول الجارية
وبول الغلام بوجه قلنا لا نسلم أن لا فرق بين بول الغلام وبول الجارية بوجه قال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضحه من بول الصبي إذا لم يطعما فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال أحدها أنهما يغسلان جميعا والثاني ينضحان والثالث التفرقة وهو الذي جاءت به السنة وهذا من محاسن الشريعة وتمام حكمتها ومصلحتها والفرق بين الصبي والصبية من ثلاثة أوجه أحدها كثرة حمل الرجال والنساء للذكر فتعم البلوى ببوله فيشق عليه غسله والثاني أن بوله لا ينزل في مكان واحد بل ينزل متفرقا ههنا وههنا فيشق غسل ما أصابه كله بخلاف بول الأنثى الثالث أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذكر وسببه حرارة الذكر ورطوبة الأنثى فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيب منها ما يحصل من رطوبة وهذه معان مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق انتهى كلامه فحاصل الكلام أن أصح المذاهب وأقواها في هذا الباب مذهب من قال بالاكتفاء بالنضح في بول الغلام وبوجوب الغسل في بول الجارية والله تعالى أعلم قال الحافظ ابن القيم في إعلام الموقعين بعد ذكر أحاديث الباب ما لفظه فردت هذه السنن بقياس متشابه على بول الشيخ وبعموم لم يرد به هذا الخاص وهو قوله إنما يغسل الثوب من أربع من البول والغائط والمني والدم وهذا الحديث لا يثبت فإنه من رواية علي بن زيد بن جدعان عن ثابت بن حماد قال أبو علي لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد وأحاديثه مناكير ومعلولات ولو صح وجب العمل بالحديثين ولا يضرب أحدهما بالآخر ويكون البول فيه مخصوصا ببول الصبي كما خص منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة انتهى
[ 202 ]
قوله (وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا) لحديث علي بن أبي طالب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال بول الغلام الرضيع ينضح وبول الجارية يغسل قال قتادة وهذا ما لم يطعما فإذا طعما غسلا جميعا رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن كذا في المنتقى قال الشوكاني في النيل قوله بول الغلام الرضيع هذا تقييد للفظ الغلام بكونه رضيعا وهكذا يكون تقييدا للفظ الصبي والصغير والذكر الواردة في بقية الأحاديث انتهى وروى أبو داود عن علي رضي الله عنه موقوفا قال يغسل بول الجارية ينضح وبول الغلام ما لم يطعم وروى من طريق الحسن عن أمه قالت إنها أبصرت أم سلمة تصب الماء على بول الغلام ما لم يطعم فإذا طعم غسلته وكانت تغسل بول الجارية قال الحافظ في التلخيص سنده صحيح ورواه البيهقي من وجه آخر عنها موقوفا أيضا وصححه انتهى وفي حديث أم قيس المذكور في الباب دخلت بابن لي على النبي صلى الله عليه وسلم لم يأكل الطعام قال الحافظ في الفتح المراد بالطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه والتمر الذي يحنك به والعسل الذي يلعقه للمداواة وغيرها فكان المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن على الاستقلال هذا مقتضى كلام النووي في شرح مسلم وشرح المهذب وأطلق في الروضة تبعا لأصلها أنه لم يطعم ولم يشرب غير اللبن وقال في نكت التنبيه المراد أنه لم يأكل غير اللبن وغير ما يحنك به وما أشبهه وحمل الموفق الحموي في شرح التنبيه قول ما لم قولهما لم يأكل على ظاهر فقال معناه لم يستقل بجعل الطعام في فيه والأول أظهر وبه جزم الموفق ابن قدامة وغيره وقال ابن التين يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت بالطعام ولم يستغن به عن الرضاع ويحتمل أنها إنما جاءت به عند ولادته ليحنكه صلى الله عليه وسلم فيحمل النفي على عمومه انتهى باب ما جاء في بول ما يؤكل لحمه 72 - قوله (حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني) أبو علي البغدادي صاحب الشافعي عن ابن عيينة وعبيد بن حميد وغيرهما وعنه البخاري وأصحاب السنن الأربعة وثقة النسائي مات في بعض سنة 062 ستين ومائتين (نا عفان بن مسلم) بن عبد الله الباهلي أبو عثمان الصفار البصري ثقة ثبت قال ابن المديني كان إذا شك في حرف من الحديث تركه وربما وهم وقال ابن معين أنكرناه في صفر سنة تسع عشرة ومات بعدها بيسير من كبار العاشرة كذا في التقريب وقال في
الخلاصة اختلط سنة 91 تسع عشرة ومات سنة 022 عشرين ومائتين قاله البخاري وأبو داود
[ 203 ]
ومطين انتهى (نا حماد بن سلمة) بن دينار البصري أبو سلمة ثقة عابد أثبت الناس في ثابت وتغير حفظه من كبار الثامنة روي عن ثابت وسماك وقتادة وحميد وخلق وعنه ابن جريج وابن إسحاق شيخاه وشعبه ومالك وأمم قال القطان إذا رأيت الرجل يقع في حماد فاتهمه على الاسلام توفي 167 سنة سبع وستين ومائة فائدة إذا روى عفان عن حماد غير منسوب فهو ابن سلمة قاله الحافظ أبو الحجاج (أنا حميد وقتادة وثابت) أما حميد فهو ابن أبي حميد الطويل أبو عبيدة البصري اختلف في اسم أبيه على عشرة أقوال ثقة مدلس عابه زائدة لدخوله في شئ من أمر الأمراء قال القطان مات حميد وهو قائم يصلي مات سنة 142 اثنتين وأربعين ومائة وأما قتادة فهو ابن دعامة وأما ثابت فهو ابن أسلم البناني بضم الموحدة ونونين مخففين أبو محمد البصري ثقة عابد قوله (أن أناسا من عرينة) بالعين والراء المهملتين والنون مصغرا حي من قضاعة وحي من بجيلة والمراد ههنا الثاني كذا ذكره موسى بن عقبة في المغازي كذا في الفتح (قدموا) بكسر الدال أي نزلوا وجاؤا (فاجتووها) من الاجتواء أي كرهوا هواء المدينة وماءها قال ابن فارس اجتويت البلد إذا كرهت المقام فيه وإن كنت في نعمة وقيده الخطابي بما إذا تضرر بالإقامة وهو المناسب لهذه القصة وقال القزاز اجتووا أي لم يوافقهم طعامها وقال ابن العربي داء يأخذ من الوباء وفي رواية أخرى استوخموا قال وهو بمعناه وقال غيره داء يصيب الجوف وفي رواية أبي عوانة عن أنس في هذه القصة فعظمت بطونهم (واستاقوا الإبل) من السوق وهو السير العنيف أي ساقوها بمبالغة بليغة واهتمام تام (فقطع أيديهم وأرجلهم) أي أمر بقطعهما وفي رواية البخاري فأمر فقطع أيديهم وأرجلهم (من خلاف) فيه رد على من قال إنه قطع يدي كل واحد ورجليه (وسمر أعينهم) وفي
نسخة صحيحة قلمية وسمل باللام قال الخطابي السمل فقأ العين بأي شئ كان قال أبو ذئيب الهذلي والعين بعدهم كأن حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع قال والسمر لغة في السمل وقد يكون من المسمار يريد أنهم كحلوا بأميال قد أحميت قال
[ 204 ]
الحافظ قد وقع التصريح بالمراد عند المصنف يعني البخاري من رواية وهيب عن أيوب ومن رواية الأوزاعي عن يحيى كلاهما عن أبي قلابة ولفظه ثم أمر بمسامير فأحميت فكحلهم بها فهذا يوضح ما تقدم ولا يخالف ذلك رواية السمل لأنه فقأ العين بأي شئ كان كما مضى انتهى كلام الحافظ (وألقاهم بالحرة) هي أرض ذات حجارة سود معروفة بالمدينة وإنما ألقاهم فيها لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا (يكد الأرض) أي يحكها والكد الحك (يكدم الأرض) أي يعض عليها قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان قوله (وهو قول أكثر أهل العلم قالوا لا بأس ببول ما يؤكل لحمه) وهو قول مالك وأحمد وطائفة من السلف ووافقهم من الشافعية ابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان والاصطخري والروياني وذهب الشافعي والجمهور إلى القول بنجاسة الأبوال والأوراث كلها من مأكول اللحم وغيره قاله الحافظ قلت وذهب إلى طهارة بول ما يؤكل لحمه محمد بن الحسن من أصحاب أبي حنيفة واحتج من قال بطهارة بول مأكول اللحم بأحاديث منها حديث الباب أما من الابل فبهذا الحديث وأما من مأكول اللحم فبالقياس عليه قال ابن العربي تعلق بهذا الحديثث من قال بطهارة أبوال الإبل وعورضوا بأنه أذن لهم في شربها للتداوي وتعقب بأن التداوي ليس حال ضرورة بدليل أنه لا يجب فكيف يباح الحرام لما لا يجب وأجيب بمنع أنه ليس حال ضرورة إذا أخبره بذلك من يعتمد على خبره وما أبيح للضرورة
لا يسمى حراما وقت تناوله لقوله تعالى وقد فصل لكم ما حرم عليكم إلا ما اضطررتم إليه فما اضطر إليه المرء فهو غير محرم عليه كالميتة للمضطر والله أعلم قال الحافظ بعد نقل كلام ابن العربي هذا وما تضمنه كلامه من أن الحرام لا يباح إلا لأمر واجب غير مسلم فإن الفطر في رمضان حرام ومع ذلك فيباح لأمر جائز كالسفر
[ 205 ]
وأما قول غيره لو كان نجسا ما جاز التداوي به لحديث إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها والنجس حرام فلا يتداوى به لأنه غير شفاء فجوابه أن الحديث محمول على حالة الاختيار وأما في حال الضرورة فلا يكون حراما كالميتة للضرورة ولا يرد قوله صلى الله عليه وسلم في الخمر إنها ليست بدواء إنها داء في جواب من سأل عن التداوي بها فإن ذلك خاص بالخمر ويلتحق بها غيرها من المسكر والفرق بين المسكر وبين غيره من النجاسات أن الحديث باستعماله في حالة الاختيار دون غيره ولأن شربه يجر إلى مفاسد كثيرة ولأنهم كانوا في الجاهلية يعتقدون أن في الخمر شفاء فجاء الشرع بخلاف معتقدهم قاله الطحاوي بمعناه وأما أبوال الابل فقد روى ابن المنذر عن ابن عباس مرفوعا إن في أبوال الابل شفاء لذربة بطونهم والذرب فساد المعدة فلا يقاس ما ثبت أن فيه دواء على ما ثبت نفي الدواء عنه وبهذه الطريق يحصل الجمع بين الأدلة والعمل بمقتضاها كلها انتهى كلام الحافظ و منها أحاديث الاذن بالصلاة في مرابض الغنم وأجيب عنها بأنها لا دلالة فيها على جواز المباشرة ورد هذا الجواب بأن أحاديث الاذن بالصلاة في مرابض الغنم مطلقة ليس فيها تخصيص موضع دون موضع ولا تقييد بحائل فهذه الأحاديث بإطلاقها تدل على جواز الصلاة فيها بحائل وبغير حائل وفي كل موضع منها قال الحافظ ابن تيمية فإذا أطلق الاذن في ذلك ولم يشترط حائلا يقي من الأبوال وأطلق
الاذن في الشرب لقوم حديثي العهد بالإسلام جاهلين بأحكامه ولم يأمرهم بغسل أفواههم وما يصيبهم منها لأجل صلاة ولا لغيرها مع اعتيادهم شربها دل ذلك على مذهب القائلين بالطهارة انتهى كذا نقل الشوكاني قوله هذا في النيل ومنها حديث البراء مرفوعا لا بأس ببول ما أكل لحمه وحديث جابر ما أكل لحمه فلا بأس ببوله رواهما الدارقطني وهما ضعيفان لا يصلحان للاحتجاج قال الحافظ في التلخيص إسناد كل منهما ضعيف جدا انتهى واحتج من قال بنجاسة الأبوال والأرواث كلها وإليه ذهب الشافعي والجمهور كما عرفت وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف بحديث أبي هريرة مرفوعا استنزهوا من البول فإن عامة عذاب
[ 206 ]
القبر منه صححه ابن خزيمة وغيره قالوا هذا الحديث بعمومه ظاهر في تناول جميع الأبوال فيجيب اجتنابها لهذا الوعيد وبحديث ابن عباس المتفق عليه قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بقبرين فقال إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير أما أحدهما فكان لا يستتر من البول الحديث قالوا فعم جنس البول ولم يخصه ببول الانسان وأجيب عنه بأن المراد به بول الانسان لما في صحيح البخاري بلفظ كان لا يستتر من بوله قال البخاري ولم يذكر سوى بول الناس انتهى فالتعريف في البول للعهد قال ابن بطال أراد البخاري أن المراد بقوله كان لا يستتر من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان فلا يكون فيه حجة لمن حمله على العموم في بول جميع الحيوان انتهى قلت وأجيب عن حديث أبي هريرة المذكور أيضا بهذا الجواب أعني أن المراد بقوله استنزهوا من البول بول الناس لا بول سائر الحيوان وقد ذكرنا دلائل الفريقين مع بيان ما لها وما عليها فتأمل وتدبر وعندي القول الظاهر قول من قال بطهارة بول ما يؤكل لحمه والله تعالى أعلم
73 - قوله (حدثنا الفضل بن سهل الأعرج) البغدادي أصله من خراسان صدوق من الحادية عشرة (نا يحيى بن غيلان) بن عبد الله بن أسماء الخزاعي أو الأسلمي البغدادي أبو الفضل ثقة من العاشرة (إنما سمل النبي صلى الله عليه وسلم أعينهم لأنهم سملوا أعين الرعاة) تقدم معنى السمل أي فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على سبيل القصاص قال العيني في عمدة القاري السؤال الثاني ما وجه تعذيبهم بالنار الجواب أنه كان قبل نزول الحدود وآية المحاربة والنهي عن المثلة فهو منسوخ وقيل ليس بمنسوخ وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قصاصا لأنهم فعلوا بالرعاة مثل ذلك وقد رواه مسلم في بعض طرقه انتهى (هذا حديث غريب إلخ) وأخرجه مسلم (وهو معنى قوله والجروح قصاص) قال الله
[ 207 ]
تعالى وكتبنا عليهم فيها أي في التوراة أن النفس بالنفس أي أن النفس تقتل بالنفس إذا قتلتها والعين بالعين أي والعين تفقأ بالعين والأنف بالأنف أي والأنف يجدع بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص أي يقتص فيها إذا أمكن كاليد والرجل والذكر ونحو ذلك وما لا يمكن فيه الحكومة وهذا الحكم وإن كتب عليهم فهو مقرر في شرعنا كذا في تفسير الجلالين (وقد روي عن محمد بن سيرين أنه قال إنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تنزل الحدود) قال الحافظ في الفتح مال جماعة منهم ابن الجوزي إلى أنه وقع ذلك عليهم على سبيل القصاص وذهب إلى أن ذلك منسوخ قال ابن شاهين عقب حديث عمران بن حصين في النهي عن المثلة هذا الحديث ينسخ كل مثلة وتعقبه ابن الجوزي بأن ادعاء النسخ يحتاج إلى تاريخ قال الحافظ يدل عليه ما رواه البخاري في الجهاد من حديث أبي هريرة في النهي عن التعذيب بالنار بعد الاذن فيه وقصة العرنيين قبل إسلام أبي هريرة وقد حضر الاذن ثم النهي وروى قتادة عن ابن سيرين أن قصتهم كانت قبل أن تنزل الحدود ولموسى بن عقبة في المغازي
وذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى بعد ذلك عن المثلة بالآية التي في سورة المائدة وإلى هذا مال البخاري وحكاه أمام الحرمين في النهاية عن الشافعي انتهى كلام الحافظ بالاختصار باب ما جاء في الوضوء من الريح 74 - قوله (لا وضوء إلا من صوت أو ريح) أي لا وضوء واجب إلا من سماع صوت أو وجدن رائحة ريح خرجت منه قال الطيبي نفي جنس أسباب التوضؤ واستثنى منه الصوت والريح والنواقض كثيرة ولعل ذلك في صورة مخصوصة يعني بحسب السائل فالمراد نفي جنس الشك وإثبات اليقين أي لا يتوضأ عن شك مع سبق ظن الطهارة إلا بيقين الصوت أو الرائحة قوله (وهذا حديث حسن صحيح) وأخرجه أحمد وابن ماجه
[ 208 ]
75 - قوله (إذا كان أحدكم في المسجد) قيل يوهم أن حكم غير المسجد بخلاف المسجد لكن أشير به إلى أن الأصل أن يصلي في المسجد لأنه مكانها فعلى المؤمن ملازمة الجماعات في المسجد (فوجد ريحا بين أليتيه) تثنية الألية قال في القاموس الألية العجزة أو ما ركب العجز من لحم أو شحم وفي رواية مسلم إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه أخرج منه شئ أم لا (فلا يخرج من المسجد) للتوضؤ (حتى يسمع صوتا) أي صوت ريح خرج منه (أو يجد ريحا) أي يجد رائحة ريح خرجت منه قال في شرح السنة معناه حتى يتيقن الحدث لا لأن سماع الصوت أو وجدان الريح شرط إذ قد يكون أصم فلا يسمع الصوت وقد يكن أخشم فلا يجد الريح وينتقض طهره إذا تيقن الحدث قال الإمام في الحديث دليل على أن الريح الخارجة من أحد السبيلين توجب الوضوء وقال أصحاب أبي حنيفة خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء وفيه دليل على أن اليقين لا يزول بالشك في شئ من أمر الشرع وهو قول عامة أهل العلم انتهى وقال النووي هذا الحديث أصل من أصول الحديث وقاعدة عظيمة من قواعد الدين وهي أن الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك ولا يضر الشك الطارئ عليها فمن
ذلك مسألة الباب التي ورد فيها الحديث وهي أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة ولا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة هذا مذهبنا ومذهب جماهير العلماء من السلف والخلف قال أصحابنا ولا فرق في شكه بين أن يستوي الاحتمالان في وقوع الحدث وعدمه أو يترجح أحدهما ويغلب في ظنه فلا وضوء عليه في كل حال أما إذا تيقن الحدث وشك في الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين انتهى والحديث لم يحكم عليه الترمذي بشئ من الصحة والضعف وهو حديث صحيح وأخرجه مسلم 76 - قوله (إن الله لا يقبل صلاة أحدكم) قال القاري في المرقاة أي قبول إجابة وإثابة
[ 209 ]
بخلاف المبسل والآبق فإن صلاتهما لا تقبل أيضا لكنها لا تقبل بترك الإثابة وتقبل إجابة فلا يرد ما قيل من أنه لا يلزم من عدم القبول عدم الجواز والصحة مع أن الطهارة شرط الصحة انتهى وقال الحافظ في فتح الباري والمراد بالقبول ههنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء وحقيقة القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ولما كان الاتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا وأما القبول المنفي في مثل قوله صلى الله عليه وسلم من أتى عرافا لم تقبل له صلاة فهو الحقيقي لأنه قد يصح العمل ويتخلف القبول لمانع ولهذا كان بعض السلف يقول لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا قاله ابن عمر قال لأن الله تعالى قال إنما يتقبل الله من المتقين انتهى (إذا أحدث) أي صار ذا حدث قبل الصلاة أو في أثنائها (حتى يتوضأ) أي بالماء أو ما يقوم مقامه وقد روى النسائي بإسناد قوي عن أبي ذر مرفوعا الصعيد الطيب وضوء المسلم فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه قام مقامه ولا يخفى أن المراد بقبول صلاة من كان محدثا فتوضأ أي مع باقي شروط الصلاة كذا في فتح الباري
(قوله هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه الشيخان وغيرهما قوله (وفي الباب عن عبد الله بن زيد وعلي بن طلق وعائشة وابن عباس وأبي سعيد) أما حديث عبد الله بن زيد فأخرجه الشيخان وغيرهما ففي صحيح البخاري عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشئ في الصلاة فقال لا ينفتل أو لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا قال الحافظ في الفتح قوله عن عمه هو عبد الله بن زيد بن عاصم المازني الأنصاري سماه مسلم وغيره في روايتهم لهذا الحديث من طريق ابن عيينة انتهى وأما حديث علي بن طلق فأخرجه أبو داود والترمذي وأما حديث عائشة فأخرجه أحمد والبزار والطبراني في الكبير وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم الريح أن يتوضأ قال الهيثمي رجال أحمد رجال الصحيح إلا أن فيه محمد بن إسحاق وقد قال حدثني هشام
[ 210 ]
بن عروة وأما حديث ابن عباس فأخرجه البزار والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يخيل إليه في صلاته أنه أحدث ولم يحدث فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الشيطان يأتي أحدكم وهو في صلاته حتى يفتح مقعدته فيخيل إليه أنه أحدث ولم يحدث فإذا وجد أحدكم وهو ذلك فلا ينصرف حتى يسمع ذلك بأذنه أو يجد ريح ذلك بأنفه قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح انتهى وأما حديث أبي سعيد فأخرجه أبو يعلى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن الشيطان يأتي أحدكم في صلاته فيمد شعره من دبره فيرى أنه قد أحدث فلا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ورواه ابن ماجه باختصار وفيه علي بن زيد واختلف في الاحتجاج به كذا في مجمع الزوائد قوله (هذا حديث حسن صحيح) كذا في النسخ الموجودة وهو تكرار قوله (وقال) أي ابن المبارك (إذا خرج من قبل المرأة الريح وجب عليها الوضوء وهو
قول الشافعي وإسحاق) وقال أصحاب أبي حنيفة خروج الريح من القبل لا يوجب الوضوء قال القاري في المرقاة توجيه قول الحنفية أنه نادر فلا يشمله النص كذا قيل والصحيح ما قاله ابن الهمام من أن الريح الخارج من الذكر اختلاج لا ريح فلا ينقض كالريح الخارجة من جراحة في البطن انتهى وقال بعض العلماء الحنفية في شرحه لشرح الوقاية اتفق أصحابنا على أن الريح الخارجة من الدبر ناقضة واختلفوا في الخارجة من الذكر وقبل المرأة فروى القدوري عن محمد أنه يوجب الوضوء وبه أخذ بعض المشايخ وقال أبو الحسن لا وضوء فيهما إلا أن تكون المرأة مفضاة والمفضاة هي التي اختلط سبيلاها القبل والدبر وقيل مسلك البول والحيض فيستحب لها الوضوء وكان الشيخ أبو حفص الكبير يقول إذا كانت المرأة مفضاة
[ 211 ]
يجب عليها الوضوء وإن لم تكن مفضاة لا يجب وهكذا ذكر هشام في نوادره عن محمد ومن المشايخ من قال في المفضاة إذا كان الريح منتنا يجب الوضوء وما لا فلا كذا في الذخيرة وبه علمت أن الاختلاف في الريح الخارجة منهما على قولين الأول أنه يوجب الوضوء ودليله عموم ما ورد في الحديث إن الحدث ما خرج من أحد السبيلين فإن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب وبه قال الشافعي كذا في البناية والثاني أنه لا يوجب وإليه مال صاحب الهداية وعلل بأنها لا تنبعث عن محل النجاسة وهو مبني على أن عين الريح ليست بنجسة وإنما يتنجس بمرورها على محل النجاسة وهذا لا يتمشى على قول من قال من المشايخ بتنجس عين الريح والأولى في التعليل ما ذكره غيره أنها اختلاج لا ريح وليس بشئ خارج لكن هذا أيضا قاصر فإنه لا يتمشى في ما إذا وجدت النتن أو سمعت الصوت من القبل أو الذكر فإن هناك لا
شك في خروج شئ وممن اختار هذا القول قاضي خان في فتاواه وصاحب مراقي الفلاح وقال هو الأصح لأنه اختلاج لا ريح وإن كان ريحا فلا نجاسة فيه وريح الدبر ناقضة لمرورها بالنجاسة وصاحب التنوير وصاحب الدر المختار وغيرهم من المتأخرين ولا يخفى عليك أن الموافق للأحاديث هو القول الأول فليكن هو المعول انتهى باب الوضوء من النوم 77 - قوله (المعنى واحد) أي معنى أحاديث إسماعيل وهناد ومحمد واحد وفي ألفاظها اختلاف قوله (نام وهو ساجد) أي نام في حالة السجدة (حتى غط) قال في القاموس غط النائم
[ 212 ]
صات انتهى والمعنى نام صلى الله عليه وسلم في حالة السجدة حتى سمع غطيطه وهو صوت يخرج مع نفس النائم (أو نفخ) شك من الراوي قال في مجمع البحار حتى نفخ أي تنفس بصوت حتى يسمع منه صوت النفخ كما يسمع من النائم (ثم قام يصلي) أي من غير أن يتوضأ وضوءا جديدا (إلا على من نام مضطجعا) أي واضعا جنبه على الأرض قال في القاموس ضجع كمنع وضع جنبه بالأرض كأضجع واضطجع (استرخت) أي فترت وضعفت (مفاصله) جمع مفصل وهو رؤوس العظام والعروق قوله (وفي الباب عن عائشة وابن مسعود وأبي هريرة) أما حديث عائشة فأخرجه ابن ماجه عنها قالت كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينام حتى ينفخ ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ قال الطنافسي قال وكيع تعني وهو ساجد وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أيضا ابن ماجه عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نام حتى نفخ ثم قام فصلى وأما حديث أبي هريرة فأخرجه البيهقي بلفظ من استحق النوم وجب عليه الوضوء وقال
بعده لا يصح رفعه وروى موقوفا وإسناده صحيح ورواه في الخلافيات من طريق آخر عن أبي هريرة وأعله بالربيع بن بدر عن ابن عدي وكذا قال الدارقطني في العلل إن وقفه أصح كذا في التلخيص واعلم أن الترمذي لم يحكم على حديث ابن عباس المذكور بشئ من الصحة أو الضعف ههنا وقد تكلم عليه في علله المفرد وقد تكلم عليه غيره من أئمة الحديث قال الحافظ في التلخيص مداره على يزيد أبي خالد الدالاني وعليه اختلف في ألفاظه ضعف الحديث من أصله أحمد والبخاري فيما نقله الترمذي في العلل المفرد وأبو داود في السنن والترمذي وإبراهيم الحربي في علله وغيرهم وقال البيهقي في الخلافيات تفرد به أبو خالد الدالاني وأنكره عليه جميع أئمة الحديث وقال في السنن أنكره عليه جميع الحفاظ وأنكروا سماعه من قتادة وقال الترمذي رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن ابن عباس قوله ولم يذكر فيه أبا العالية ولم يرفعه انتهى
[ 213 ]
قوله (كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينامون ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤون) وفي رواية أبي داود كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون فظهر من هذه الرواية أن المراد من قوله ينامون أنهم كانوا ينامون قعودا وكان نومهم هذا في انتظار العشاء الآخرة قال في القاموس خفق فلان حرك رأسه إذا نعس وقال الخطابي معناه تسقط أذقانهم على صدورهم قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مسلم وأبو داود قوله (سمعت صالح بن عبد الله) بن ذكوان الباهلي الترمذي نزيل بغداد عن مالك وشريك وابن المبارك وخلق وعنه الترمذي وأبو حاتم وقال صدوق مات سنة 932 تسع وثلاثين ومائتين (فقال لا وضوء عليه) أي لا يجب عليه الوضوء قوله (واختلف العلماء في الوضوء من النوم فرأى أكثرهم أنه لا يجب عليه الوضوء إذا نام قاعدا أو قائما حتى ينام مضطجعا وبه يقول الثوري وابن المبارك وأحمد) واستدلوا على ذلك
بحديث ابن عباس المذكور وقد عرفت ما فيه من المقال لكن قال الشوكاني في النيل والمقال الذي فيه منجبر بما له من الطرق والشواهد ورجح هذا المذهب قلت هذا المذهب هو أرجح المذاهب عندي والله تعالى أعلم وهو مذهب عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما فروى الامام مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب قال إذا نام أحدكم مضطجعا فليتوضأ
[ 214 ]
وروى البيهقي من طريق يزيد بن قسيط عن أبي هريرة أنه سمعه يقول ليس على المحتبي النائم ولا على القائم النائم وضوء حتى يضطجع قال الحافظ إسناده جيد ومن المؤيدات لهذا المذهب حديث أنس المذكور قال الشوكاني والأحاديث المطلقة في النوم تحمل على المقيدة بالاضطجاع قال ومن المؤيدات لهذا الجمع ما رواه مسلم عن ابن عباس بلفظ إذا أغفيت يأخذ بشحمة أذني وحديث إذا نام العبد في صلاته باهى الله به ملائكته أخرجه الدارقطني وابن شاهين من حديث أبي هريرة والبيهقي من حديث أنس وابن شاهين أيضا من حديث أبي سعيد وفي جميع طرقه مقال وحديث من استحق النوم وجب عليه الوضوء عند البيهقي من حديث أبي هريرة بإسناد صحيح قال البيهقي روى ذلك مرفوعا ولا يصح وقال الدارقطني وقفه أصح وقد فسر استحقاق النوم بوضع الجنب انتهى كلام الشوكاني (وقال بعضهم إذا نام حتى غلب على عقله وجب عليه الوضوء وبه يقول إسحاق) وعن إسحاق قول آخر وهو أن النوم حدث ينقض قليله وكثيرة قال الحافظ في الفتح نقل ابن المنذر وغيره عن بعض الصحابة والتابعين المصير إلى أن النوم حدث ينقض قليله وكثيرة وهو قول أبي عبيدة وإسحاق بن راهوية قال ابن المنذر وبه أقول لعموم حديث صفوان بن عسال يعني الذي صححه ابن خزيمة وغيره ففيه إلا من غائط أو
بول أو نوم فسوى بينهما في الحكم والمراد بقليلة وكثيرة طول زمانه وقصره لا مبادية انتهى كلام الحافظ قلت وأما قول إسحاق الذي ذكره الترمذي فمبني على أن النوم ليس بحديث بل هو مظنة الحدث (وقال الشافعي من نام قاعدا فرأى رؤيا أو زالت مقعدته لوسن النوم فعليه الوضوء) الوسن أول النوم وقد وسن يوسن سنة فهو وسن ووسنان والهاء في السنة عوض من الواو المحذوفة قاله الجزري في النهاية
[ 215 ]
واعلم أن للشافعي في انتقاض الوضوء من النوم أقوالا قال الحافظ في الفتح وقيل لا ينقض نوم غير القاعد مطلقا وهو قول الشافعي في القديم وعنه التفصيل بين خارج الصلاة فينقض أو داخلها فلا وفصل في الجديد بين القاعد المتمكن فلا ينقض وبين غيره فينقض وفي المهذب وإن وجد منه النوم وهو قاعد ومحل الحدث منه متمكن بالأرض فالمنصوص أنه لا ينقض وضوءه وقال البويطي ينقض وهو اختيار المزني انتهى وتعقب بأن لفظ البويطي ليس صريحا في ذلك فإنه قال ومن نام جالسا أو قائما فرأى رؤيا وجب عليه الوضوء قال النووي هذا قابل للتأويل انتهى ما في الفتح باب الوضوء مما غيرت النار 79 - قوله (الوضوء مما مست النار) وفي رواية مسلم توضئوا مما مست النار (ولو من ثور أقط) بفتح الهمزة وكسر القاف وهو لبن مجفف مستحجر والثور قطعة منه والحديث دليل على وجوب الوضوء مما مست النار وبه قال بعض أهل العلم والأكثر على أنه منسوخ كما ستعرف (أنتوضأ من الدهن) أي الذي مسته النار (أنتوضأ من الحميم) وهو الماء الحار بالنار
(إذا سمعت حديثا عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تضرب له مثلا) بل اعمل به واسكت عن ضرب المثل له قوله (وفي الباب عن أم حبيبة وأم سلمة وزيد بن ثابت وأبي طلحة وأبي أيوب وأبي موسى)
[ 216 ]
أما حديث أم حبيبة فأخرجه الطحاوي وأحمد وأبو داود والنسائي ولفظه توضؤا مما مست النار وأما حديث زيد بن ثابت فأخرجه مسلم بلفظ توضؤا مما مست النار وأما حديث أبي طلحة فأخرجه الطحاوي والطبراني في الكبير عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أكل ثور أقط فتوضأ وأما حديث أبي أيوب فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أكل مما غيرت النار توضأ قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله رجال الصحيح وأما حديث أبي موسى فأخرجه أحمد والطبراني في الأوسط بلفظ توضؤا مما غيرت النار لونه قال الهيثمي في مجمع الزوائد رجاله موثقون قوله (وقد رأى بعد أهل العلم الوضوء مما غيرت النار وأكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم على ترك الوضوء مما غيرت النار) قال الحازمي في كتاب الاعتبار قد اختلف أهل العلم في هذا الباب فبعضهم ذهب إلى الوضوء مما مست النار وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر وأبو طلحة وأنس بن مالك وأبو موسى وعائشة وزيد ابن ثابت وأبو هريرة وأبو غرة الهذلي وعمر بن عبد العزيز وأبو مجاز لاحق بن حميد وأبو قلابة ويحيى بن يعمر والحسن البصري والزهري وذهب أكثر أهل العلم وفقهاء الأمصار إلى ترك الوضوء مما مست النار ورأوه آخر الأمرين من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم
وممن لم ير منه الوضوء أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وابن عباس وعامر ابن ربيعة وأبو أمامة والمغيرة بن شعبة وجابر بن عبد الله رضوان الله تعالى عليهم أجمعين ومن التابعين عبيدة السلماني وسالم بن عبد الله والقاسم بن محمد ومن معهم من فقهاء أهل المدينة ومالك بن أنس والشافعي وأصحابه وأهل الحجاز وعامتهم وسفيان الثوري وأبو حنيفة وأهل
[ 217 ]
الكوفة وابن المبارك وأحمد وإسحاق انتهى كلام الحازمي قلت والظاهر الراجح ما ذهب إليه أكثر أهل العلم والله تعالى أعلم باب ما جاء في ترك الوضوء مما غيرت النار 80 - قوله (وأتته بقناع) بكسر القاف قال الجزري في النهاية القناع هو الطبق الذي يؤكل عليه (فأتته بعلالة) بضم العين وهي البقية من كل شئ (فأكل ثم صلى العصر ولم يتوضأ) هذا دليل على أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب قوله (وفي الباب عن أبي بكر الصديق) قال إن النبي صلى الله عليه وسلم نهش من كتف ثم صلى ولم يتوضأ أخرجه أبو يعلى والبزار وفيه هشام بن مصك وقد أجمعوا على ضعفه كذا في مجمع الزوائد (ولا يصح حديث أبي بكر في هذا من قبل إسناده إنما رواه حسام بن مصك) بكسر الميم وفتح المهملة بعدها كاف مثقلة الأزدي أبو سهل البصري ضعيف يكاد أن يترك قوله (وفي الباب عن أبي هريرة وابن مسعود وأبي رافع وأم الحكم وعمرو ابن أمية وأم عامر وسويد بن النعمان وأم سلمة) أما حديث أبي هريرة فأخرجه البزار بلفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ من أثوار أقط ثم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ
[ 218 ]
قال في مجمع الزوائد هو في الصحيح خلا قوله ثم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ ورجاله رجال الصحيح خلا شيخ البزار انتهى وعن انتهى أيضا قال نشلت لرسول الله صلى الله عليه وسلم
كتفا من قدر العباس فأكلها وقام يصلي ولم يتوضأ أخرجه أبو يعلى قال في مجمع الزوائد فيه محمد بن عمرو عن أبي سلمة وهو حديث حسن انتهى وأما حديث ابن مسعود فأخرجه أحمد وأبو يعلى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل اللحم ثم يقوم إلى الصلاة ولا يمس ماء قال في مجمع الزوائد رجاله موثقون وأما حديث أبي رافع فأخرجه مسلم بلفظ قال أشهد لقد كنت أشوي لرسول الله صلى الله عليه وسلم بطن الشاة ثم صلى ولم يتوضأ وله حديث آخر في هذا الباب أخرجه أحمد ذكره صاحب المشكاة وأما حديث أم الحكم فلم أقف عليه وأما حديث عمرو بن أمية فأخرجه الشيخان وأما حديث أم عامر فأخرجه الطبراني في الكبير وأما حديث سويد بن النعمان فأخرجه البخاري وأما حديث أم سلمة فأخرجه أحمد بلفظ إنها قالت قربت إلى النبي صلى الله عليه وسلم جنبا مشويا فأكل منه ثم قام إلى الصلاة ولم يتوضأ قوله (والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين ومن بعدهم إلخ) وعليه كان عمل الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم قال البخاري في صحيحه وأكل أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم لحما فلم يتوضؤا قال الحافظ في الفتح وصله الطبراني في مسند الشاميين بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر قال رأيت أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مسته النار ولم يتوضؤا ورويناه من طرق كثيرة عن جابر مرفوعا وموقوفا على الثلاثة مفرقا ومجموعا
[ 219 ]
قوله (رأوا ترك الوضوء مما مست النار) أي اعتقدوه (وهذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكأن) بتشديد النون من الحروف المشبهة بالفعل (هذا الحديث ناسخ للحديث الأول حديث الوضوء مما مست النار) قوله (حديث الوضوء مما مست النار) بدل من قوله الحديث الأول وكان الزهري يرى أن الأمر بالوضوء مما مست النار ناسخ لأحاديث الإباحة لأن الإباحة
سابقة واعترض عليه بحديث جابر قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما لكن قال أبو داود وغيره إن المراد بالأمر هنا الشأن والقصة لا مقابل النهي وأن هذ اللفظ مختصر من حديث جابر المشهور في قصة المرأة التي صنعت للنبي صلى الله عليه وسلم شاة فأكل منها ثم توضأ وصلى الظهر ثم أكل منها وصلى العصر ولم يتوضأ فيحتمل أن تكون هذه القصة وقعت قبل الأمر بالوضوء مما مست النار وأن وضوءه لصلاة الظهر كان عن حدث لا بسبب الأكل من الشاة وحكى البيهقي عن عثمان الدارمي أنه قال لما اختلفت أحاديث الباب ولم يتبين الراجح منها نظرنا إلى ما عمل به الخلفاء الراشدون بعد النبي صلى الله عليه وسلم فرجحنا به أحد الجانبين وارتضى النووي بهذا في شرح المهذب وبهذا تظهر حكمة تصدير البخاري حديث الباب يعني حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أكل كتف شاة ثم صلى ولم يتوضأ بالأثر المنقول عن الخلفاء الثلاثة قال النووي كان الخلاف فيه معروفا بين الصحابة والتابعين ثم استقر الإجماع على أنه لا وضوء مما مست النار إلا ما تقدم استثناؤه من لحوم الإبل وجمع الخطابي بوجه آخر وهو أن أحاديث الأمر محمولة على الاستحباب لا على الوجوب كذا في الفتح قلت واختاره صاحب المنتقي فقال هذه النصوص يعني التي فيها ترك الوضوء مما مست النار إنما تنفي الإيجاب ولهذا قال الذي سأله أنتوضأ من لحوم الغنم قال
[ 220 ]
إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ ولولا أن الوضوء من ذلك مستحبا لما أذن فيه لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة انتهى واختار الشوكاني أن حديث الأمر بالوضوء مما مست النار ليس بمنسوخ فقال في النيل وأجاب الأولون يعني الذين قالوا بترك الوضوء مما مست النار عن ذلك يعني عن حديث الأمر بالوضوء مما مست النار بجوابين
الأول أنه منسوخ بحديث جابر الثاني أن المراد بالوضوء غسل الفم والكفين قال ولا يخفاك أن الجواب الأول إنما يتم بعد تسليم أن فعله صلى الله عليه وسلم يعارض القول الخاص بنا وينسخه والمتقرر في الأصول خلافه وأما الجواب الثاني فقد تقرر أن الحقائق الشرعية مقدمة على غيرها وحقيقة الوضوء الشرعية هي غسل جميع الأعضاء التي تغسل للوضوء فلا تخالف هذه الحقيقة إلا لدليل وأما دعوى الاجماع فهي من الدعاوى التي لا يهابها طالب الحق ولا يحول بينه وبين مراده منه نعم الأحاديث الواردة في ترك الوضوء من لحوم الغنم مخصصة لعموم الأمر بالوضوء مما مست النار وما عدا لحوم الغنم داخل تحت ذلك العموم انتهى كلام الشوكاني باب ما جاء في الوضوء من لحوم الإبل 81 - قوله (نا أبو معاوية) هو محمد بن خازم الضرير أحد الأئمة ثقة (عن عبد الله بن عبد الله) الهاشمي مولاهم الرازي الكوفي القاضي عن جابر بن سمرة وعبد الرحمن بن أبي ليلى وعنه الأعمش وحجاج بن أرطاة وثقه أحمد بن حنبل (عن عبد الرحمن بن أبي ليلى) الأنصاري المدني ثم الكوفي ثقة من الثانية اختلف في سماعه عن عمر قاله الحافظ في التقريب وقال الخزرجي في الخلاصة روى عن عمر ومعاذ وبلال وأبي ذر وأدرك مائة وعشرين من الصحابة الأنصاريين
[ 221 ]
وعنه ابنه عيسى ومجاهد وعمرو بن ميمون أكبر منه والمنهال بن عمرو وخلق وثقه ابن معين مات سنة 38 ثلاث وثمانين انتهى قوله (فقال توضؤا منها) فيه دليل على أن أكل لحوم الإبل ناقض للوضوء قال النووي اختلف العلماء في أكل لحوم الجزور فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينقض الوضوء وممن ذهب
إليه الخلفاء الأربعة الراشدون أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم وذهب إلى انتقاض الوضوء به أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن المنذر وابن خزيمة واختاره الحافظ أبو بكر البيهقي وحكى عن أصحاب الحديث مطلقا وحكى عن جماعة من الصحابة واحتج هؤلاء بحديث جابر بن سمرة الذي رواه مسلم قال أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا حديثان حديث جابر وحديث البراء وهذا المذهب أقوى دليلا وإن كان الجمهور على خلافه وقد أجاب الجمهور عن هذا الحديث بحديث جابر كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار ولكن هذا الحديث عام وحديث الوضوء من لحوم الإبل خاص والخاص مقدم على العام انتهى قال الحافظ في التلخيص قال البيهقي حكى بعض أصحابنا عن الشافعي قال إن صح الحديث في لحوم الإبل قلت به قال البيهقي قد صح فيه حديثان حديث جابر بن سمرة وحديث البراء قاله أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه انتهى وقال الدميري وأنه المختار المنصور من جهة الدليل انتهى وقال بعض علماء الحنفية في تعليقه على الموطأ للإمام محمد ولاختلاف الأخبار في هذا الباب أي الوضوء مما مست النار اختلف العلماء فيه فمنهم من جعله ناقضا بل جعله الزهري ناسخا لعدم النقض ومنهم من لم يجعله ناقضا وعليه الأكثر ومنهم من قال من أكل لحم الإبل خاصة وجب عليه الوضوء وليس عليه الوضوء في غيره
[ 222 ]
أخذا من حديث البراء وغيره وبه قال أحمد وإسحاق وطائفة من أهل الحديث وهو مذهب قوي
من حيث الدليل قد رجحه النووي وغيره انتهى وأما قول من قال إن المراد من قوله توضؤا منها غسل اليدين والفم لما في لحم الإبل من رائحة كريهة ودسومة غليظة بخلاف لحم الغنم فهو بعيد لأن الظاهر منه هو الوضوء الشرعي لا اللغوي وحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية واجب وأما قول من قال إن حديث البراء وما في معناه منسوخ فهو أيضا بعيد فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال وقد ذكر العلامة الموفق ابن قدامة في المغني في هذا البحث كلاما حسنا مفيدا قال إن أكل لحم الإبل ينقض الوضوء على كل حال نيئا ومطبوخا عالما كان أو جاهلا وبهذا قال جابر بن سمرة ومحمد بن إسحاق وإسحاق وأبو خيثمة ويحيى بن يحيى وابن المنذر وهو أحد قولي الشافعي قال الخطابي ذهب إلى هذا عامة أصحاب الحديث وقال الثوري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي لا ينقض الوضوء بحال لأنه روي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال الوضوء مما يخرج لا مما يدخل وروي عن جابر قال كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار رواه أبو داود ولنا ما روى البراء بن عازب قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لحوم الإبل فقال توضؤا منها وسئل عن لحوم الغنم فقال لا يتوضأ منها رواه مسلم وأبو داود وروى جابر بن سمرة عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله أخرجه مسلم وروى الامام أحمد بإسناده عن أسيد بن حضير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم توضؤا من لحوم الإبل ولا تتوضؤا من لحوم الغنم وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك قال أحمد وإسحاق بن راهويه فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث البراء وحديث جابر بن سمرة وحديثهم عن ابن عباس لا أصل له وإنما هو من قول ابن عباس موقوفا عليه ولو صح لوجب تقديم حديثنا عليه لكونه أصح منه وأخص والخاص يقدم على العام وحديث
جابر لا يعارض حديثنا أيضا لصحته وخصوصه فإن قيل فحديث جابر متأخر فيكون ناسخا قلنا لا يصح النسخ به لوجوه أربعة
[ 223 ]
أحدها أن الأمر بالوضوء من لحوم الابل متأخر عن نسخ الوضوء مما مست النار أو مقارن له بدليل أنه قرن الأمر بالوضوء من لحوم الابل بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم وهي مما مست النار فإما أن يكون النسخ حصل بهذا النهي وإما أن يكون بشئ قبله فإن كان به فالأمر بالوضوء من لحوم الإبل مقارن لنسخ الوضوء مما غيرت النار فكيف يجوز أن يكون منسوخا به ومن شرط الناسخ تأخره وإن كان النسخ قبله لم يجز أن ينسخ بما قبله الثاني أن أكل لحوم الإبل إنما نقض لكونه من لحوم الإبل لا لكونه مما مست النار ولهذا ينقض وإن كان نيئا فنسخ إحدى الجهتين لا يثبت به نسخ الجهة الأخرى كما لو حرمت المرأة للرضاع ولكونها ربيبة فنسخ التحريم بالرضاع ولم يكن نسخا لتحريم الربيبة الثالث أن خبرهم عام وخبرنا خاص والعام لا ينسخ به الخاص لأن من شرط النسخ تعذر الجمع والجمع بين العام والخاص ممكن بتنزيل العام على ما عدا محل التخصيص الرابع أن خبرنا صحيح مستفيض ثبتت له قوة الصحة والاستفاضة والخصوص وخبرهم ضعيف لعدم هذه الوجوه الثلاثة فيه لا يجوز أن يكون ناسخا له فإن قيل الأمر بالوضوء في خبركم يحتمل الاستحباب فنحمله عليه ويحتمل أنه أراد بالوضوء غسل اليدين لأن الوضوء إذا أضيف إلى الطعام اقتضى غسل اليد كما كان عليه السلام يأمر بالوضوء قبل الطعام وبعده وخص ذلك بلحم الإبل لأن فيه من الحرارة والزهومة ما ليس في غيره قلنا أما الأول فمخالف للظاهر من ثلاثة أوجه أحدها أن مقتضى الأمر الوجوب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن حكم هذا اللحم فأجاب بالأمر بالوضوء منه فلا يجوز حمله على
غير الوجوب لأنه يكون تلبيسا على السائل لا جوابا الثالث أنه عليه السلام قرنه بالنهي عن الوضوء من لحوم الغنم والمراد بالنهي ههنا نفي الإيجاب لا التحريم فيتعين حمل الأمر على الإيجاب ليحصل الفرق وأما الثاني فلا يصح لوجوه أربعة أحدها أنه يلزم منه حمل الأمر على الاستحباب فإن غسل اليد بمفرده غير واجب وقد بينا فساده الثاني أن الوضوء إذا جاء في لسان الشارع وجب حمله على الوضوء الشرعي دون اللغوي لأن الظاهر منه أنه إنما يتكلم بموضوعاته
[ 224 ]
الثالث أنه يخرج جوابا لسؤال السائل عن حكم الوضوء من لحومها والصلاة في مباركها فلا يفهم من ذلك سوى الوضوء المراد للصلاة الرابع أنه لو أراد غسل اليد لما فرق بينه وبين لحم الغنم فإن غسل اليد منها مستحب ولهذا قال من بات وفي يده ريح غمر فأصابه شئ فلا يلومن إلا نفسه وما ذكروه من زيادة الزهومة فأمر يسير لا يقتضي التفريق والله أعلم ثم لا بد من دليل نصرف به اللفظ عن ظاهره ويجب أن يكون الدليل له من القوة بقدر قوة الظواهر المتروكة وأقوى منها وليس لهم دليل انتهى كلام ابن قدامة تنبيه قال صاحب بذل المجهود أخرج ابن ماجه عن أسيد بن حضير وعبد الله بن عمرو يرفعانه توضؤا من ألبان الابل وهذا محمول عند جميع الأمة على شربها بأن يستحب له أن يمضمض ويزيل الدسومة عن فمه كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور أن يغسل يده وفمه وينفي الدسومة والزهومة انتهى كلامه قلت قوله هذا محمول عند جميع الأمة على شربها بأن يستحب له إلخ مبني على غفلته عن مذاهب الأمة
قال ابن قدامة وفي شرب لبن الإبل روايتان إحداهما ينقض الوضوء لما روى أسيد بن حضير الثانية لا وضوء فيه لأن الحديث إنما ورد في اللحم وقولهم فيه حديثان صحيحان يدل على أن لا صحيح فيه سواهما والحكم ههنا غير معقول فيجب الاقتصار على مورد النص انتهى كلام ابن قدامة على أن استجاب المضمضة من شرب لبن الإبل ليس لحديث أسيد وعبد الله بن عمرو بل لحديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فمضمض وقال إن له دسما قال الحافظ في الفتح فيه بيان لعلة المضمضة من اللبن فيدل على استحبابها من كل شئ دسم ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف انتهى وأما حديث أسيد بن حضير وحديث عبد الله بن عمرو فضعيفان لا يصلحا للاحتجاج قال صاحب الشرح الكبير المسمى بالشافي شرح المقنع حديث أسيد بن حضير في طريقه الحجاج بن أرطاة قال الامام أحمد والدارقطني لا يحتج به وحديث عبد الله بن عمرو رواه ابن ماجه من رواية
[ 225 ]
عطاء بن السائب وقد قيل عطاء اختلط في اخر عمره قال أحمد من سمع منه قديما فهو صحيح ومن سمع منه حديثا لم يكن بشئ انتهى قلت روى هذا الحديث عن عطاء بن السائب خالد بن يزيد بن عمر الفزاري وهو ممن رووا عنه بعد اختلاطه قال الحافظ في مقدمة الفتح يحصل لي من مجموع كلام الأئمة أن رواية شعبة وسفيان الثوري وزهير بن معاوية وزائدة وأيوب وحماد بن زيد عنه قبل الاختلاط وأن جميع من روى عنه غير هؤلاء فحديثه ضعيف لأنه بعد اختلاطه إلا حماد بن سلمة فاختلف قولهم فيه انتهى قلت وأيضا في سند حديث عبد الله بن عمرو بقية المدلس وهو رواه عن خالد بن يزيد بالعنعنة فقول صاحب بذل المجهود كذلك يستحب له إذا أكل لحم الجزور أن يغسل يده وفمه
إلخ ليس مما يصغي إليه تنبيه اخر قال صاحب بذل المجهود ولما كان لحوم الإبل داخلة فيما مست النار وكان فردا من أفراده ونسخ وجوب الوضوء عنه بجميع أفرادها يعني بحديث جابر أنه قال كان آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست النار استلزم نسخ الوجوب عن هذا الفرد أيضا انتهى قلت من قال بانتقاض الوضوء من أكل لحوم الإبل قال الموجب للوضوء إنما هو أكل لحوم الإبل من جهة كونها لحوم الإبل لا من جهة كونها مما مست النار ولذلك يقولون بوجوب الوضوء من أكل لحم الإبل مطلقا مطبوخا كان أو نيئا أو قديدا فنسخ وجوب الوضوء مما مست النار بحديث جابر المذكور لا يستلزم نسخ وجوب الوضوء من أكل لحوم الإبل فإن لحوم الابل من جهة كونها لحوم الإبل ليست فردا من أفراد مما مست النار البتة وقد أوضحه ابن قدامة كما عرفت قال الحافظ ابن القيم وأما من يجعل لحوم الإبل هو الموجب للوضوء سواء مسته النار أو لم تمسه فيوجب الوضوء من نيئة ومطبوخه وقد يده فكيف يحتج عليه بهذا الحديث انتهى فقول صاحب بذل المجهود ولما كان لحوم الإبل داخلة فيما مست النار وكان فردا من أفراده إلخ مبني على عدم تدبره قوله (وفي الباب عن جابر بن سمرة وأسيد بن حضير) أما حديث جابر بن سمرة فأخرجه مسلم في صحيحه عنه بلفظ أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتوضأ من لحوم الغنم قال إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ قال أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم فتوضأ من لحوم الابل الحديث
[ 226 ]
وأما حديث أسيد بن حضير فأخرجه ابن ماجه عنه مرفوعا بلفظ لا توضؤا من ألبان الغنم وتوضؤا من ألبان الإبل وفي الباب أيضا عن ذي الغرة أخرجه عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وعن عبد الله بن عمرو أخرجه ابن ماجه
قوله (وقد روى الحجاج بن أرطاة عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أسيد بن حضير) فخالف الحجاج بن أرطاة الأعمش فإنه قال عن البراء بن عازب وقال الحجاج عن أسيد بن حضير وحديث الحجاج بن أرطاة أخرجه ابن ماجه (والصحيح حديث عبد الرحمن ابن أبي ليلى عن البراء بن عازب) فإن الأعمش الراوي عن عبد الله بن عبد الله أوثق وأحفظ من الحجاج قال الحافظ في التلخيص قال ابن خزيمة في صحيحه لم أر خلافا بين علماء الحديث أن هذا الخبر أي حديث البراء صحيح من جهة النقل العدالة ناقليه وذكر الترمذي الخلاف فيه علي ابن أبي ليلى هل هو عن البراء أو عن ذي الغرة أو عن أسيد بن حضير وصحح أنه عن البراء وكذا ذكره ابن أبي حاتم في العلل عن أبيه انتهى (وروى عبيدة) بضم العين وفتح الموحدة ابن المعتب بكسر المثناة الثقيلة بعدها موحدة (الضبي) أبو عبد الرحيم الكوفي الضرير ضعيف واختلط بآخره ما له في البخاري سوى موضع واحد في الأضاحي كذا في التقريب وقال في الخلاصة قال ابن عدى مع ضعفه يكتب حديثه علق له البخاري فرد حديث (عن عبد الله بن عبد الله الرازي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن ذي الغرة) أخرج حديث عبيدة هذا عبد الله بن أحمد في مسند أبيه ومداره على عبيدة الضبي وهو ضعيف كما عرفت (وروى حماد بن سلمة هذا الحديث عن الحجاج بن أرطاة فأخطأ فيه) وخطؤه في مقامين
[ 227 ]
(وقال عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبيه) هذا هو خطؤه الأول والصحيح عن عبد الله بن عبد الله عن عبد الرحمن بن أبي ليلى (عن أسيد بن حضير) هذا هو خطؤه الثاني والصحيح عن البراء بن عازب (قال إسحاق أصح ما في هذا الباب) أي في باب الوضوء من لحوم الإبل (حديثان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث البراء) أي الذي أخرجه الترمذي في هذا الباب وأخرجه أيضا أبو داود وابن ماجه وابن حبان وابن الجارود وابن خزيمة (وجابر بن سمرة) أخرجه
مسلم وتقدم لفظه باب الوضوء من مس الذكر قوله 82 - قوله (عن بسرة بنت صفوان) بضم الموحدة وسكون السين صحابية لها سابقة وهجرة عاشت إلى ولاية معاوية قوله (ومن مس ذكره فلا يصلي حتى يتوضأ) فيه دليل على أن مس الذكر ينقض الوضوء والمراد مسه من غير حائل لما أخرج ابن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه ليس دونها حجاب ولا ستر فقد وجب عليه الوضوء وصححه الحاكم وابن عبد البر وقال ابن السكن هو أجود ما روي في هذا الباب
[ 228 ]
قوله (وفي الباب عن أم حبيبة وأبي أيوب وأبي هريرة وأروى ابنة أنيس وعائشة وجابر وزيد بن خالد وعبد الله بن عمرو) وأيضا في الباب عن سعد بن أبي وقاص وأم سلمة وابن عباس وابن عمر وطلق بن علي والنعمان بن بشير وأنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة فأما حديث أم حبيبة فأخرجه ابن ماجه والأثرم وصححه أحمد وأبو زرعة كذا في المنتقى وقال الخلال في العلل صحح أحمد حديث أم حبيبة وقال ابن السكن لا أعلم به علة كذا في التلخيص وأما حديث أبي أيوب فأخرجه ابن ماجه وأما حديث أبي هريرة فتقدم تخريجه وأما حديث أروى ابنة أنيس بضم الهمزة وفتح النون مصغرا فأخرجه البيهقي قال الحافظ في التلخيص وسأل الترمذي البخاري عنه فقال ما تصنع بهذا لا تشتغل به وأما حديث عائشة فأخرجه الدارقطني وضعفه قال الحافظ وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو وأما حديث جابر فأخرجه ابن ماجه والأثرم وقال ابن عبد البر إسناده صالح وقال الضياء لا أعلم بإسناده بأسا وقال الشافعي سمعت جماعة من الحفاظ غير ابن نافع يرسلونه
وأما حديث زيد بن خالد فأخرجه أحمد والبزار وأما حديث عبد الله بن عمرو فأخرجه أحمد والبيهقي من طريق بقية حدثني محمد بن الوليد الزبيدي حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه أيما رجل مس فرجه فليتوضأ وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ قال الترمذي في العلل عن البخاري هو عندي صحيح وأما حديث سعد بن أبي وقاص فأخرجه الحاكم وأما حديث أم سلمة فذكره الحاكم وأما حديث ابن عباس فأخرجه البيهقي وفي إسناده الضحاك بن حمزة وهو منكر الحديث وأما حديث ابن عمرو فأخرجه الدارقطني والبيهقي وأما حديث على بن طلق فأخرجه الطبراني وصححه وأما حديث النعمان بن بشير فذكره ابن منده وكذا حديث أنس وأبي بن كعب ومعاوية بن حيدة وقبيصة كذا في التلخيص ص 46
[ 229 ]
قوله (هذا) أي حديث بسرة (حديث حسن صحيح) وأخرجه الخمسة كذا في المنتقى وقال في النيل وأخرجه أيضا مالك والشافعي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود وقال أبو داود قلت لأحمد حديث بسرة ليس بصحيح قال بل هو صحيح وقال الدارقطني صحيح ثابت وصححه أيضا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد البر وأبو حامد بن الشرقي والبيهقي والحازمي قاله الحافظ قلت وكل ما طعنوا به في صحة حديث بسرة هذا فهو مدفوع والحق أنه صحيح قوله (وهكذا روى غير واحد مثل هذا عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة إلخ) حاصله أن غير واحد من أصحاب هشام رووا هذا الحديث عن هشام بن عروة عن أبيه عن بسرة بلا ذكر واسطة بين عروة وبسرة وهكذا روى أبو الزناد عن عروة عن بسرة ورواه غير واحد من أصحاب هشام عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة بذكر واسطة مروان بن عروة وبسرة وليست رواية من روى بلا ذكر واسطة بين عروة وبسرة بمنقطعة قال الحافظ في التلخيص وقد جزم ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة بأن عروة سمعه من بسرة وفي صحيح ابن
خزيمة وابن حبان قال عروة فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدقته واستدل على ذلك برواية جماعة من الأئمة له عن هشام بن عروة عن أبيه عن مروان عن بسرة قال عروة ثم لقيت بسرة فصدقته انتهى قوله (وهو قول غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وبه يقول الأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق) وقال الحافظ الحازمي في كتاب الاعتبار ص 40 وممن روى عنه الإيجاب يعني
[ 230 ]
إيجاب الوضوء من مس الذكر من الصحابة عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو أيوب الأنصاري وزيد بن خالد وأبو هريرة وعبد الله بن عمرو بن العاص وجابر وعائشة وأم حبيبة وبسرة بنت صفوان وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين وابن عباس في إحدى الروايتين رضوان الله عليهم أجمعين ومن التابعين عروة ابن الزبير وسليمان بن يسار وعطاء بن أبي رباح وأبان بن عثمان وجابر بن زيد والزهري ومصعب بن سعد ويحيى بن أبي كثير عن رجال من الأنصار وسعيد بن المسيب في أصح الروايتين وهشام بن عروة والأوزاعي وأكثر أهل الشام والشافعي وأحمد وإسحاق والمشهور من قول مالك أنه كان يوجب منه الوضوء انتهى قوله (قال أبو زرعة حديث أم حبيبة في هذا الباب أصح) تقدم تخريج حديث أم حبيبة (وقال محمد) يعني البخاري (لم يسمع مكحول من عنبسة بن أبي سفيان) وكذا قال يحيى بن معين وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي أنه لم يسمع منه وخالفهم دحيم وهو أعرف بحديث الشاميين فأثبت سماع مكحول من عنبسة قاله الحافظ باب ترك الوضوء من مس الذكر قوله (نا ملازم بن عمرو) بن عبد الله بن بدر السحيمى بالمهملتين مصغرا أبو عمرو اليمامي وثقه ابن معين والنسائي وغيرهما (عن عبد الله بن بدر) السحيمي اليمامي روى عن ابن
[ 231 ]
عباس وطلق بن علي وعنه سبطه ملازم بن عمرو وعكرمة بن عمار وثقه ابن معين وأبو زرعة (عن قيس بن طلق بن علي الحنفي) اليمامي وثقه العجلي وابن معين وابن حبان والحنفي بفتح الحاء والنون منسوب إلى حنفية قبيلة من اليمامة (عن أبيه) أي طلق بن علي صحابي وفد قديما وبنى في المسجد كذا في الخلاصة وقال الطيبي إن طلقا قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني مسجد المدينة وذلك في السنة الأولى قوله (وهل هو إلا مضغة) بضم الميم وسكون الضاد وفتح الغين المعجمتين أي قطعة لحم أي ليس الذكر إلا قطعة لحم (منه) أي من الرجل (أو بضعة) بفتح الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة بمعنى المضغة وهما لفظان مترادفان معناهما القطعة من اللحم وأو للشك من الراوي وفي رواية أبي داود قال قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فجاء رجل كأنه بدوي فقال يا بني الله ما ترى في مس الرجل ذكره بعد ما يتوضأ فقال صلى الله عليه وسلم هل هو إلا مضغة منه أو بضعة منه قوله (وفي الباب عن أبي أمامة) أخرجه ابن ماجه وفي سنده جعفر بن الزبير وهو متروك والقاسم وهو ضعيف قال الحافظ الزيلعي هو حديث ضعيف قال البخاري والنسائي والدارقطني في جعفر ابن الزبير متروك والقاسم أيضا ضعيف وفي الباب أيضا عن عصمة بن مالك قال الحافظ الزيلعي هو حديث ضعيف أيضا قوله (وقد روى عن غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وبعض التابعين أنهم لم يروا الوضوء من مس الذكر وهو قول أهل الكوفة وابن المبارك) قال الحازمي في كتاب الاعتبار ص 40 قد اختلف أهل العلم في هذا الباب فذهب بعضهم إلى حديث طلق بن علي ورأوا ترك الوضوء من مس الذكر روى ذلك عن علي بن أبي طالب وعمار بن ياسر وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وحذيفة بن اليمان وعمران بن حصين وأبي الدراداء وسعد بن أبي وقاص في إحدى الروايتين وسعيد بن المسيب في إحدى الروايتين وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي
[ 232 ]
وربيعة بن عبد الرحمن وسفيان بن زائدة الثوري وأبي حنيفة وأصحابه ويحيى بن معين وأهل الكوفة انتهى واستدل هؤلاء بحديث طلق بن علي المذكور هذا الباب وأجاب ابن الهمام عن حديث بسرة بنت صفوان المذكور في الباب المتقدم بأن حديث طلق بن علي يترجح عليه بأن حديث الرجال أقوى لأنهم أحفظ للعلم وأضبط ولهذا جعلت شهادة امرأتين بمنزلة رجل وفيه أن بسرة بنت صفوان لم تنفرد بحديث إيجاب الوضوء من مس الذكر بل رواه عدة رجال من الصحابة منهم أبو هريرة وحديثه صحيح كما عرفت ومنهم عبد الله بن عمرو وحديثه أيضا صحيح كما عرفت ومنهم جابر وإسناد حديثه صالح كما عرفت ومنهم زيد بن خالد وسعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن عمرو وغيرهم وتقدم تخريج أحاديثهم وأجاب بعضهم بأن حديث طلق أثبت من حديث بسرة وقد أسند الطحاوي إلى ابن المديني أنه قال حديث ملازم بن عمرو أحسن من حديث بسرة وعن عمرو بن علي الفلاس أنه قال حديث طلق عندنا أثبت من حديث بسرة وفيه أن الظاهر أن حديث بسرة هو الأثبت والأقوى والأرجح قال البيهقي يكفي في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق أن حديث طلق لم يخرجه الشيخان ولم يحتجا بأحد رواته وحديث بسرة قد احتجا بجميع رواته كذا في التلخيص قال العلامة محمد بن إسماعيل الأمير في سبل السلام حديث بسرة أرجح لكثرة من صححه ولكثرة شواهده وقد اعترف بذلك بعض العلماء الحنفية حيث قال في تعليقه على موطأ الإمام محمد الإنصاف في هذا البحث أنه إن اختير طريق الترجيح ففي أحاديث النقض كثرة وقوة انتهى وقال في حاشيته على شرح الوقاية إن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصة انتهى وأجاب بعضهم بأن حديث بسرة منسوخ بحديث طلق
وفيه أن هذا دعوى من غير دليل بل الدليل يقتضي خلافه كما ستعرف عن قريب وأجاب بعضهم بأن المراد بالوضوء في حديث بسرة الوضوء اللغوي أو غسل اليد وفيه أن الواجب أن تحمل الألفاظ الشرعية على معانيها الشرعية على أنه قد وقع في حديث ابن عمر عند الدارقطني فليتوضأ وضوءه للصلاة
[ 233 ]
وقال بعضهم إن حديث بسرة وحديث طلق تعارضا فتساقطا والأصل عدم النقض وفيه أن حديث بسرة هو أثبت وأقوى وأرجح من حديث طلق كما عرفت فيقدم عليه ثم الظاهر أن حديث بسرة متأخر وحديث طلق متقدم فيجعل المتأخر ناسخا والمتقدم منسوخا كما ستعرف عن قريب واحتج من قال بنقض الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة المذكور في الباب المتقدم وله شواهد كثيرة كما عرفت وأجابوا عن حديث طلق أو بأنه ضعيف وثانيا بأنه منسوخ قال الحازمي في كتاب الاعتبار قالوا أما حديث طلق فلا يقاوم هذا الحديث يعني حديث بسرة لأسباب منها نكارة سنده وركاكة روايته قال الشافعي في القديم وزعم يعني من خالفه أن قاضي اليمامة ومحمد بن جابر ذكرا عن قيس بن طلق عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل على أن لا وضوء منه قال الشافعي قد سألنا عن قيس فلم نجد من يعرفه بما يكون لنا فيه قبول خبره وقد عارضه من وصفنا نعته ورجاحته في الحديث وثبته وأشار الشافعي إلى حديث أيوب بن عتبة قاضي اليمامة ومحمد بن جابر السحيمي عن قيس بن طلق وقد مر حديثهما وأيوب بن عتبة ومحمد بن جابر ضعيفان عند أهل العلم بالحديث وقد روى حديث طلق أيضا ملازم بن عمرو عن عبد الله بن بدر عن قيس إلا أن صاحبي الصحيح لم يحتجا بشئ من روايتهما
ورواه أيضا عكرمة بن عمارة عن قيس عن النبي صلى الله عليه وسلم مرس وعكرمة أقوى من رواه عن قيس إلا أنه رواه منقطعا قالوا وقد روينا عن يحيى بن معين أنه قال لقد أكثر الناس في قيس بن طلق وأنه لا يحتج بحديثه روينا عن أبي حاتم أنه قال سألت أبي زرعة عن هذا الحديث فقالا قيس بن طلق ليس ممن تقوم به حجة ووهناه ولم يثبتاه قالوا وحديث قيس بن طلق كما لم يخرجه صاحبا الصحيح لم يحتجا أيضا بشئ من رواياته ولا بروايات أكثر رواة حديثه في غير هذا الحديث
[ 234 ]
وحديث بسرة وإن لم يخرجاه لاختلاف وقع في سماع عروة من بسرة أو هو عن مروان عن بسرة فقد احتجا بسائر رواة حديثها مروان فمن دونه قالوا فهذا وجه رجحان حديثها على حديث قيس من طريق الإسناد كما أشار إليه الشافعي لأن الرجحان إنما يقع بوجود شرائط الصحة والعدالة في حق هؤلاء الرواة دون من خالفهم انتهى كلام الحازمي قلت الراجح المعول عليه هو أن حديث بسرة وحديث طلق كلاهما صحيحان لكن حديثها أصح وأثبت وأرجح من حديثه كما عرفت فيما تقدم وأما القول بأن حديث طلق منسوخ فاستدلوا عليه بأن حديث طلق متقدم وحديث بسرة متأخر قال الحازمي في كتاب الاعتبار ص 54 و 64 الدليل على ذلك يعني النسخ من جهة التاريخ أن حديث طلق كان في أول الهجرة زمن كان النبي صلى الله عليه وسلم يبني المسجد وحديث بسرة وأبي هريرة وعبد الله بن عمرو كان بعد ذلك لتأخرهم في الاسلام ثم روى الحازمي بإسناده عن طلق بن علي قال قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبنون المسجد فقال يا يمامي أنت أرفق بتخليط الطين ولدغتني عقرب فرقاني رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال كذا روى من هذا الوجه مختصرا وقد روى من وجه أخر أتم من هذا وفيه ذكر الرخصة في مس الذكر قالوا إذا ثبت أن حديث طلق متقدم وأحاديث المنع متأخرة وجب المصير إليها وصح ادعاء النسخ في ذلك ثم نظرنا هل نجد أمرا يؤكد ما صرنا إليه فوجدنا طلقا روى حديثا في المنع فدلنا ذلك على صحة النقل في إثبات النسخ وأن طلقا قد شاهد الحالتين وروى الناسخ والمنسوخ ثم ذكر الحازمي بإسناده عن قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من مس فرجه فليتوضأ قال الطبراني لم يرو هذا الحديث عن أيوب بن عتبة إلا حماد بن محمد وهما عندي صحيحان يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي صلى الله عليه وسلم قبل هذا ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة وأم حبيبة وأبي هريرة وزيد بن خالد الجهني وغيرهم ممن روى عن النبي صلى الله عليه وسلم الأمر بالوضوء من مس الذكر فسمع الناسخ والمنسوخ ثم روى الحازمي بإسناده عن إسمعيل سعيد الكسائي الفقيه أنه قال المذهب في ذلك
[ 235 ]
عند من يرى الوضوء من ذلك يقولون قد ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الوضوء من مس الذكر من وجوه شتى فلا يرد ذلك بحديث ملازم بن عمرو وأيوب بن عتبة ولو كانت روايتهما مثبة لكان في ذلك مقال لكثرة من روى بخلاف روايتهما ومع ذلك الاحتياط في ذلك أبلغ ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناده صحيح أنه نهى أن يمس الرجل ذكره بيمينه أفلا ترون أن الذكر لا يشبه سائر الجسد ولو كان ذلك بمنزلة الإبهام والأنف والأذن وما هو منا كان لا بأس علينا أن نمسه بأيماننا وكيف يشبه الذكر بما وصفوه من الإبهام وغيره ذلك ولو كان ذلك شرعا سواءا لكان سبيله في المس ما سميناه ولكن ههنا علة قد غابت عنا معرفتها ولعل ذلك أن تكون عقوبة لكي يترك الناس مس الذكر فنصير من ذلك إلى الاحتياط انتهى كلام الحازمي قال ابن حبان في صحيحه إن حديث طلق أوهم عالما من الناس أنه معارض لحديث بسرة
وليس كذلك لأنه منسوخ فإن طلق بن علي كان قدومه على النبي صلى الله عليه وسلم أول سنة من سني الهجرة حيث كان المسلمون يبنون مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ثم أخرجه بسنده إلى طلق بن علي قال وأبو هريرة إسلامه سنة سبع من الهجرة فكان خبر أبي هريرة بعد خبر طلق لسبع سنين وطلق بن علي رجع إلى بلده ثم أخرج عن طلق بن علي قال خرجنا وفدا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة نفر خمسة من بني حنيفة ورجلا من بني ابن ربيعة حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايعناه وصلينا معه وأخبرنا أن بأرضنا بيعة لنا واستوهبناه من فضل طهوره فقال اذهبوا بهذا الماء فإذا قدمتم بلدكم فاكسروا بيعتكم ثم انضحوا مكانها من هذا الماء واتخذوا مكانها مسجدا وفيه حتى قدمنا بلدنا فعملنا الذي أمرنا قال ابن حبان فهذا بيان واضح أن طلق بن علي رجع إلى بلده بعد قدومه ثم لا يعلم له رجوع إلى المدينة بعد ذلك فمن ادعى ذلك فليثبته بسنة مصرحة ولا سبيل له إلى ذلك انتهى كلام ابن حبان قال بعض العلماء الحنفية في شرحه لشرح الوقاية المسمى بالسعاية بعد ذكر كلام الحازمي المذكور ما لفظه هذا تحقيق حقيق بالقبول فإنه بعد إدارة النظر من الجانبين يتحقق أن أحاديث النقض أكثر وأقوى من أحاديث الرخصة وأن أحاديث الرخصة متقدمة وهو وإن لم يكن متيقنا لجواز أن يكون حديث أبي هريرة وغيره من مراسيل الصحابة لكنه هو الظاهر فالأخذ بالنقض أحوط وهو وإن كان مما يخالفه القياس من كل وجه لكن لا مجال بعد ورود الحديث وأما كون أجل الصحابة كابن مسعود وابن عباس وعلي ونحوهم قائلين بالرخصة فلا يقدح بعد ثبوت الآثار المرفوعة والعذر من قبلهم أنه قد بلغهم حديث طلق وأمثاله ولم يبلغهم ما ينسخه
[ 236 ]
ولو وصل لقالوا به وهذا ليس بمستبعد فقد ثبت انتساخ التطبيق في الركوع عند جمع ولم يبلغ ابن مسعود وحتى دام على ذلك مع كونه ملازما للرسول عليه الصلاة والسلام انتهى كلامه قلت الأمر عندي كما قال صاحب السعاية والله تعالى أعلم
قوله (وهذا الحديث أحسن شئ روى في هذا الباب) وأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان والطبراني وابن حزم وقال ابن المديني هو أحسن من حديث بسرة وضعفه الشافعي وأبو حاتم وأبو زرعة والدارقطني والبيهقي وابن الجوزي وادعى فيه النسخ ابن حبان والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون كذا في التلخيص قلت تقدم كلام الحازمي وابن حبان قوله (وقد تكلم بعض أهل الحديث في محمد بن جابر وأيوب بن عتبة) قال الخزرجي في الخلاصة في ترجمة محمد بن جابر ضعفه ابن معين وقال الفلاس صدوق متروك الحديث وقال الحافظ في التقريب صدوق ذهبت كتبه فساء حفظه وخلط كثيرا وعمى فصار يلقن ورجحه أبو حاتم على ابن لهيعة انتهى وقال الحافظ في ترجمة أيوب بن عتبة ضعيف وقال الذهبي في الميزان في ترجمته ضعفه أحمد وقال مرة ثقة لا يقيم حديث يحيى وقال ابن معين ليس بالقوى وقال البخاري هو عندهم لين وقال أبو حاتم أما كتبه فصحيحة ولكن يحدث من حفظه فيغلط وقال ابن عدى مع ضعفه يكتب حديثه وقال النسائي مضطرب الحديث انتهى ورواية محمد بن جابر عن قيس بن طلق عن أبيه أخرجها أبو داود وابن ماجه
[ 237 ]
باب ترك الوضوء من القبلة 86 - قوله (عن عروة) قال الحافظ الزيلعي لم ينسب الترمذي عروة في هذا الحديث أصلا وأما ابن ماجه فإنه نسبه فقال حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا وكيع ثنا الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن عروة بن الزبير عن عائشة فذكره وكذلك رواه الدارقطني ورجال هذا السند كلهم ثقات انتهى وكذلك قال الحافظ ابن حجر وقال وأيضا فالسؤال الذي في رواية أبي داود ظاهر في أنه ابن الزبير لأن المزني لا يجسر أن يقول ذلك الكلام لعائشة انتهى كلام الحافظ وأراد بالسؤال الذي في رواية أبي داود قوله من هي إلا أنت وهذا السؤال موجود في رواية الترمذي أيضا
قوله (قبل بعض نسائه) أي بعض أزواجه (ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ) أي فصلى بالوضوء السابق ولم يتوضأ وضوءا جديدا من التقبيل وفيه دليل على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء قوله (قد روى نحو هذا عن غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة قالوا ليس في القبلة وضوء) وإليه ذهب علي وابن عباس وعطاء وطاوس وأبو حنيفة واستدل لهم بحديث عائشة المذكور في الباب وهو حديث ضعيف لكنه مروي من طرق يقوي بعضها بعضا وبحديث أبي سلمة عن عائشة قالت كنت أنام بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتها والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح أخرجه البخاري ومسلم وفي لفظ فإذا أراد أن يسجد غمز رجلي فضممتها إلي ثم سجد وبحديثها قالت إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصلي وأني لمعترضة بين يديه اعتراض
[ 238 ]
الجنازة حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله أخرجه النسائي قال الحافظ في التلخيص إسناده صحيح وقال الزيلعي إسناده على شرط الصحيح وبحديثها قالت فقدت رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة من الفراش فالتمسته فوضعت يدي على باطن قدميه وهو في المسجد وهما منصوبتان الحديث أخرجه مسلم والترمذي (وقال مالك بن أنس والأوزاعي والشافعي وأحمد وإسحاق في القبلة وضوء وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين) وإلى ذلك ذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري واستدل هؤلاء بقوله تعالى أو لامستم النساء قالوا هذه الآية صرحت بأن اللمس من جملة الأحداث الموجبة للوضوء وهو حقيقة في لمس اليد ويؤيد بقاؤه على معناه الحقيقي قراءة أو لمستم فإنها ظاهرة في مجرد اللمس من دون جماع روى البيهقي عن أبي عبيدة وطارق بن شهاب عن عبد الله قال قوله أو لامستم النساء قول معناه ما دون الجماع قال البيهقي هذا إسناد موصول صحيح وروى مالك في الموطأ عن عبد الله بن عمر أنه كان يقول قبله الرجل أمرأته وجسها بيده من الملامسة فمن قبل أمرأته أو جسها بيده فعليه الوضوء
وقد أجيب عن هذا بأنه لا كلام في أن حقيقة الملامسة واللمس هو الجس باليد لكن المراد في الآية المجاز وهو الجماع لوجود القرينة وهي أحاديث عائشة المذكورة التي استدل بها القائلون بأن القبلة ليس فيها وضوء وقد صرح ابن عباس رضي الله عنهما الذي علمه الله تأويل كتابه واستجاب فيه دعوة رسوله بأن اللمس المذكور في الآية هو الجماع وقد تقرر أن تفسيره أرجح من تفسير غيره لتلك المزية وكذلك صرح على رضي الله عنه أيضا قال الحافظ عماد الدين في تفسيره اختلف المفسرون والأئمة في معنى ذلك على قولين أحدهما أن ذلك كناية عن الجماع لقوله تعالى وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة الآية وقال تعالى يا أيها الذين امنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن الآية قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا وكيع عن سفيان عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى أو لامستم النساء قال الجماع وروي عن علي وأبي بن كعب ومجاهد وطاوس والحسن وعبيد بن عمير وسعيد بن جبير والشعبي وقتادة ومقاتل بن حيان نحو ذلك وقال ابن جرير حدثني حميد بن مسعدة ثنا يزيد بن زريع ثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جبير قال ذكروا اللمس فقال ناس من الموالي ليس بالجماع وقال ناس من العرب اللمس الجماع قال فلقيت ابن عباس فقلت له إن ناسا من الموالي والعرب
[ 239 ]
اختلفوا في اللمس فقالت الموالي ليس بالجماع وقالت العرب الجماع قال فمن أي الفريقين كنت قلت كنت من الموالي قال غلب فريق الموالي إن اللمس والمس والمباشرة الجماع ولكن الله يكني ما شاء بما شاء إلى أن قال وقد صح من غير وجه عن عبد الله بن عباس أنه قال ذلك ثم قال ابن جرير وقال آخرون عنى الله تعالى بذلك كل من لمس بيد أو بغيرها من أعضاء الانسان وأوجب الوضوء على كل من مس بشئ من جسده شيئا من جسدها ثم أورد أثر عبد الله بن مسعود وابن عمر وأقوال جماعة من التابعين في أن القبلة من المس وفيها الوضوء ثم قال والقول بوجوب الوضوء من المس هو قول الشافعي وأصحابه ومالك والمشهور عن أحمد بن حنبل ثم قال ابن
جرير وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال عنى الله بقوله أو لامستم النساء الجماع دون غيره عن معاني اللمس لصحة الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قبل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ انتهى قلت قول من قال إن مس المرأة لا ينقض الوضوء هو الأقوى والأرجح عندي والله تعالى أعلم قوله (وإنما ترك أصحابنا حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا لأنه لا يصح عندهم لحال الإسناد) فهو ضعيف لكن قال الشوكاني في النيل الضعيف منجبر بكثرة رواياته وبحديث لمس عائشة لبطن قدم النبي صلى الله عليه وسلم والاعتذار عن حديث عائشة في لمسها لقدمه صلى الله عليه وسلم بما ذكره ابن حجر في الفتح من أن اللمس يحتمل أنه كان بحائل أو على أن ذلك خاص به تكلف ومخالفة للظاهر انتهى كلامه والمراد من قوله أصحابنا أهل الحديث قال الشيخ سراج أحمد السرهندي في شرح الترمذي ما لفظه وجزاين نيست له ترك كردند أصحاب ما أهل حديث حديث عائشة إلخ وقال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي قوله وإنما ترك أصحابنا أي من أهل الحديث أو من الشافعية كذا قال بعض العلماء لكن الظاهر هو الأول انتهى قلت بل هو المتعين وقد تقدم ما يتعلق بقوله أصحابنا في المقدمة (قال وسمعت أبا بكر العطار البصري) اسمه أحمد بن محمد بن إبراهيم صدوق من الحادية عشرة كذا في التقريب (وقال هو شبه لا شئ) يعني أنه ضعيف والحديث أخرجه أبو
[ 240 ]
داود وابن ماجه (وقال حبيب بن أبي ثابت لم يسمع من عروة) قال ابن أبي حاتم في كتاب المراسيل ذكر أبي عن إسحق بن منصور عن يحيى بن معين قال لم يسمع حبيب بن أبي ثابت من عروة وكذلك قال أحمد لم يسمع من عروة انتهى (وقد روى عن إبراهيم التيمي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبلها ولم يتوضأ) أخرجه أبو داود والنسائي (وهذا لا يصح أيضا ولا يعرف لإبراهيم التيمي سماعا من عائشة) قال الدارقطني في سننه بعد رواية حديث إبراهيم التيمي عن عائشة وإبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة ولا من حفصة ولا أدرك زمانهما وقد روى هذا الحديث
معاوية بن هشام عن الثوري عن أبي روق عن إبراهيم التيمي عن أبيه عن عائشة فوصل إسناده واختلف عنه في لفظه فقال عثمان بن أبي شيبة عنه بهذا الإسناد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل وهو صائم وقال عنه غير عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبل ولا يتوضأ والله أعلم انتهى (وليس يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب شئ) أي في باب ترك الوضوء من القبلة لكن حديث الباب مروي من طرق كثيرة فالضعف منجبر بكثرة الطرق ويؤيده أحاديث عائشة الأخرى كما قد عرفت واعلم أن القائلين بانتقاض الوضوء من القبلة ولمس المرأة اختلفوا في اشتراط وجود اللذة وعدمه قال الزرقاني في شرح الموطأ لم يشترط الشافعي وجود اللذة لظاهر قول ابن عمر وابن مسعود وعمر والآية وللاجماع على وجوب الغسل على المستكرهة والنائمة بالتقاء الختانين وإن لم تقع لذة واشترط مالك اللذة أو وجودها عند اللمس وهو أصح لأنه لم يأت في الملامسة إلا قولان الجماع وما دونه ومن قال بالثاني إنما أراد ما دونه مما ليس بجماع ولم يرد اللطمة ولا قبلة الرجل ابنته ولا اللمس بلا شهوة فلم يبق إلا ما وقعت به اللذة إذ لا خلاف أن من لطم أمرأته أو داوى جرحها لا وضوء عليه فكذلك من لمس ولم يلتذ كذا قال ابن عبد البر وفيه نظر فذهب الشافعي أن مس المرأة بلطمها أو مداوة جرحها ناقض للوضوء فإن أراد نفي الخلاف في مذهبه لم يتم الدليل لأنه من جملة محمل النزاع انتهى كلام الزرقاني
[ 241 ]
باب الوضوء من القئ والرعاف بضم الراء الدم الذي يخرج من الأنف وأيضا الدم بعينه كذا في القاموس 87 - قوله (حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر) اسمه أحمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي السفر بفتح السين والفاء سعيد بن يحمد الكوفي روى عن عبد الله بن نمير وأبي أسامة وعبد الصمد بن عبد الوارث وغيرهم وعنه الترمذي والنسائي وابن ماجه قال أبو حاتم شيخ مات سنة 852 ثمان وخمسين ومائتين كذا في الخلاصة وقال في التقريب صدوق يهم
(وإسحق بن منصور) بن بهرام الكوسج أبو يعقوب التميمي المروزي ثقة ثبت من الحادية عشرة كذا في التقريب وقال في الخلاصة هو أحد الأئمة المتمسكين بالسنة صاحب مسائل الإمامين أحمد وإسحاق رحال جوال واسع العلم عن ابن عيينة والنضر بن شميل وخلق وعنه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وقال ثقة ثبت مات سنة 152 إحدى وخمسين ومائتين (قال أبو عبيدة ثنا وقال إسحاق أنا عبد الصمد بن عبد الوارث) يعني قال أبو عبيدة في روايته ثنا عبد الصمد بلفظ التحديث وقال إسحاق في روايته أنا عبد الصمد بلفظ الإخبار وعبد الصمد بن عبد الوارث هذا هو ابن سعيد العنبري التنوري أبو سهل البصري الحافظ صدوق ثبت في شعبة من التاسعة مات سنة 702 سبع ومائتين (قال حدثني أبي) هو عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان التميمي العنبري قال النسائي ثقة ثبت وقال الحافظ الذهبي أجمع المسلمون على الاحتجاج به قال ابن سعد توفي سنة 081 سنة ثمانين ومائة (عن حسين المعلم) هو الحسين بن ذكوان المعلم الكتب العوذي البصري ثقة ربما وهم قاله الحافظ (عن يعيش بن الوليد المخزومي) الأموي المعيطي روى عن أبيه ومعاوية وعنه يحيى بن أبي كثير والأوزاعي وثقه النسائي (عن أبيه) هو الوليد بن هشام بن معاوية بن هشام بن عقبة بن أبي معيط بالتصغير الأموي أبو يعيش المعيطي ثقة من السادسة
[ 242 ]
(عن معدان بن أبي طلحة) ويقال ابن طلحة اليعمري شامي ثقة قاله الحافظ قوله (قاء فتوضأ) قال أبو الطيب السندي في شرح الترمذي الفاء تدل على أن الوضوء كان مرتبا على القئ وبسببه وهو المطلوب فتكون هي للسببية فيندفع به ما أجاب به القائلون بعدم النقض من أنه لا دلالة في الحديث على أن القئ ناقض للوضوء لجواز أن يكون الوضوء بعد القئ على وجه الاستحباب أو على وجه الاتفاق انتهى قلت قوله قاء فتوضأ ليس نصا صريحا في أن القئ ناقض للوضوء لاحتمال أن تكون الفاء
للتعقيب من دون أن تكون للسببية قال الطحاوي في ح الاثار وليس في هذين الحديثين يعني في حديث أبي الدرداء وثوبان بلفظ قاء فأفطر دلالة على أن القئ كان مفطرا له إنما فيه قاء فأفطر بعد ذلك انتهى (فلقيت ثوبان) قائله معدان بن أبي طلحة (فذكرت ذلك له) أي فذكرت لثوبان أن أبا الدرداء حدثني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ (فقال) أي ثوبان (صدق) أي أبو الدرداء (أنا صببت له) صلى الله عليه وسلم (وضوأه) بفتح الواو أي ماء وضوئه (وقال إسحاق بن منصور معدان بن طلحة) بحذف لفظ أبي (وابن أبي طلحة أصح) بزياده لفظ أبي كما في رواية أبي عبيدة قوله (وقد رأى غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم من التابعين الوضوء من القئ والرعاف وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق) وهو قول الزهري وعلقمة والأسود وعامر الشعبي وعروة بن الزبير والنخعي وقتادة والحكم بن عيينة وحماد والثوري والحسن بن صالح بن حي وعبيد الله بن الحسين والأوزاعي كذا ذكره ابن عبد البر واستدل لهم بحديث الباب
[ 243 ]
قلت الاستدلال بحديث الباب موقوف على أمرين الأول أن تكون الفاء في فتوضأ للسببية وهو ممنوع كما عرفت والثاني أن يكون لفظ فتوضأ بعد لفظ قاء محفوظا وهو محل تأمل فإنه روى أبو داود هذا الحديث بلفظ قاء فأفطر وبهذا اللفظ ذكر الترمذي في كتاب الصيام حيث قال وروى عن أبي الدرداء وثوبان وفضالة بن عبيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال وإنما معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان صائما فقاء فضعف فأفطر لذلك هكذا روى في بعض الحديث مفسرا انتهى وأورده الشيخ ولي الدين محمد بن عبد الله في المشكاة بلفظ قاء فأفطر وقال رواه أبو داود والترمذي والدارمي انتهى
وأورده الحافظ في التلخيص بهذا اللفظ حيث قال حديث أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر أحمد وأصحاب السنن الثلاثة وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم من حديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال معدان فلقيت ثوبان في مسجد دمشق إلخ ورواه الطحاوي بهذا اللفظ في شرح الاثار فمن يروم الاستدلال بحديث الباب على أن القئ ناقض للوضوء لا بد له من أن يثبت أن لفظ توضأ بعد لفظ قاء محفوظ فما لم يثبت هذان الأمران لا يتم الاستدلال واستدل لهم أيضا بحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من أصابه قئ أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم أخرجه ابن ماجه قلت هذا حديث ضعيف فإنه من رواية إسمعيل بن عياش عن ابن جريج وهو حجازي ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة ثم الصواب أنه مرسل واستدل لهم أيضا بأحاديث أخرى ذكرها الزيلعي في نصب الراية والحافظ في الدراية وكلها ضعيفة لا يصلح واحد منها للاستدلال من شاء الوقوف عليها وعلى ما فيها من الكلام فليرجع إلى هذين الكتابين قال النووي في الخلاصة ليس في نقض الوضوء وعدم نقضه بالدم والقئ والضحك في الصلاة حديث صحيح انتهى كذا في نصب الراية ص 32 (وقال بعض أهل العلم ليس في القئ والرعاف وضوء وهو قول مالك والشافعي) فعند مالك لا يتوضأ من رعاف ولا قئ ولا قيح يسيل من الجسد ولا يجب الوضوء إلا من حدث يخرج من ذكر أو دبر وقيل ومن
[ 244 ]
نوم وعليه جماعة أصحابه وكذلك الدم عنده يخرج من الدبر لا وضوء فيه لأنه يشترط الخروج المعتاد وقول الشافعي في الرعاف وسائر الدماء الخارجة كقوله إلا ما يخرج من المخرجين سواء كان دما أو حصاة أو دودا أو غير ذلك وممن كان لا يرى في الدماء الخارجة من غير المخرجين الوضوء طاوس ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن عبد الرحمن وأبو ثور كذا قال ابن عبد البر
في الاستذكار وقال البخاري في صحيحه وقال الحسن ما زال المسلمون يصلون في جراحاتهم وقال طاوس ومحمد بن علي وعطاء وأهل الحجاز ليس في الدم وضوء انتهى قال الحافظ في الفتح قوله وأهل الحجاز هو من عطف العام على الخاص لأن الثلاثة المذكورين قيل حجازيون وقد رواه عبد الرزاق من طريق أبي هريرة وسعيد بن جبير وأخرجه ابن أبي شيبة من طريق ابن عمر وسعيد بن المسيب وأخرجه إسمعيل القاضي من طريق أبي الزناد عن الفقهاء السبعة من أهل المدينة وهو قول مالك والشافعي قال وقد صح أن عمر صلى وجرحه ينبع انتهى كلام الحافظ قلت أثر عمر هذا رواه مالك في الموطأ وفيه فصلى عمر وجرحه يثعب دما قال الزرقاني بمثلثة ثم عين مفتوحة قال ابن الأثير أي يجري انتهى واحتج لمالك والشافعي ومن تبعهما بما في صحيح البخاري تعليقا عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في غزوة ذات الرقاع فرمى رجل بسهم فنزفه الدم فركع وسجد ومضى في صلاته انتهى أجاب عنه الشيخ عبد الحق الدهلوي في اللمعات بأنه إنما ينتهض حجة إذا ثبت اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل وقال الخطابي ولست أدري كيف يصح الاستدلال والدم إذا سال أصاب بدنه وربما أصاب ثيابه ومع إصابة شئ من ذلك لا تصح صلاة إلا أن يقال إن الدم كان يجري من الجرح على سبيل الدفق حتى لم يصب شيئا من ظاهر بدنه وإن كان كذلك فهو أمر عجب كذا ذكره الشمني انتهى كلام الشيخ قلت حديث جابر المذكور صحيح قال الحافظ في فتح الباري أخرجه أحمد وأبو داود والدارقطني وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم انتهى والظاهر هو اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل فإن صلاته تلك كانت في حالة الحراسة بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وذكر العلامة العيني حديث جابر هذا في شرح الهداية من رواية سنن أبي داود وصحيح ابن حبان والدارقطني والبيهقي قال وزاد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعا لهما قال ولم يأمره بالوضوء ولا بإعادة الصلاة انتهى فإن كان الأمر كما قال العيني فاطلاعه صلى الله عليه وسلم على صلاة ذلك الرجل ثابت وأما قول الخطابي
ولست أدري كيف يصح الاستدلال إلخ فقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره ويحتمل أن يكون الدم أصاب الثوب فقط فنزعه ولم يسل على جسمه إلا قدر يسير معفو عنه ثم الحجة قائمة به على كون
[ 245 ]
خروج الدم لا ينقض ولم يظهر الجواب عن كون الدم أصابه انتهى وأجاب هؤلاء عما تمسك به الأولون بأن حديث أبي الدرداء المذكور في الباب بلفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر ليس بنص صريح في أن القئ ناقض للوضوء كما عرفت ثم هو مروي بهذا اللفظ وقد روي بلفظ قاء فأفطر قال الشوكاني في النيل الحديث عند أحمد وأصحاب السنن الثلاث وابن الجارود وابن حبان والدارقطني والبيهقي والطبراني وابن منده والحاكم بلفظ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر قال معدان فلقيت ثوبان في مسجد دمشق الحديث وبأن حديث عائشة المذكور ضعيف لا يصلح للاحتجاج فإنه من رواية إسمعيل بن عياش عن ابن جريج وهو حجازي ورواية إسمعيل عن الحجازيين ضعيفة قوله (وحديث حسين أحسن شئ في هذا الباب) قال ابن منده إسناده صحيح متصل وتركه الشيخان في سنده قال الترمذي جوده حسين وكذا قال أحمد وفيه اختلاف كثير ذكره الطبراني وغيره كذا في النيل باب الوضوء بالنبيذ بفتح النون وكسر الباء ما يعمل من الأشربة من التمر والزبيب والعسل والحنطة والشعير نبذت التمر والعنب إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذا وأنبذته اتخذته نبيذا سواء كان مسكرا أم لا ويقال للخمر المعتصر من العنب نبيذ كما يقال للنبيذ خمر قاله ابن الأثير في النهاية 88 - قوله (نا شريك) هو شريك بن عبد الله النخعي الكوفي (عن أبي فزارة) اسمه راشد بن كيسان الكوفي ثقة من الخامسة (عن أبي زيد) مجهول ليس يدري من هو ولا يعرف أبوه ولا بلده
[ 246 ]
قوله (سألني النبي صلى الله عليه وسلم ما في إداوتك) بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء وفي
رواية أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له ليلة الجن ما في إداوتك (فقال) أي النبي صلى الله عليه وسلم (تمرة طيبة وماء طهور) بفتح الطاء أي النبيذ ليس إلا تمرة وهي طيبة وماء وهو طهور فليس فيه ما يمنع التوضؤ قوله (وإنما روي هذا الحديث عن أبي زيد عن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم وأبو زيد رجل مجهول عند أهل الحديث) قال الحافظ الزيلعي في نصب الراية قال ابن حبان في كتاب الضعفاء أبو زيد شيخ يروي عن ابن مسعود ليس يدري من هو ولا أبوه ولا بلده ومن كان بهذا النعت ثم لم يرو إلا خبرا واحدا خالف فيه الكتاب والسنة والإجماع والقياس استحق مجانبة ما رواه انتهى وقال ابن أبي حاتم في كتابه العلل سمعت أبا زرعة يقول حديث أبي فزارة بالنبيذ ليس بصحيح وأبو زيد مجهول وذكر ابن عدي عن البخاري قال أبو زيد الذي روى حديث ابن مسعود في الوضوء بالنبيذ مجهول لا يعرف بصحبة عبد الله ولا يصح هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو خلاف القرآن انتهى قال القاري في المرقاة قال السيد جمال أجمع المحدثون على أن هذا الحديث ضعيف انتهى وقال الحافظ في فتح الباري هذا الحديث أطبق علماء السلف على تضعيفه انتهى وقال الطحاوي في معاني الاثار إن حديث ابن مسعود روي من طرق لا تقوم بمثلها حجة انتهى والحديث أخرجه أبو داود وابن ماجه قوله (وقد رأى بعض أهل العلم الوضوء بالنبيذ منهم سفيان وغيره) ومنهم أبو حنيفة
[ 247 ]
قال في شرح الوقاية فإن عدم الماء إلا نبيذ التمر قال أبو حنيفة بالوضوء به فقط وأبو يوسف بالتيمم فحسب ومحمد بهما انتهى واستدل لهم بحديث عبد الله بن مسعود المذكور في الباب وقد عرفت أنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج
وروي أن الإمام أبا حنيفة رجع إلى قول أبي يوسف قال القاري في المرقاة وفي خزانة الأكمل قال التوضؤ بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد وفي رواية عنه يتوضأ ولا يتيمم وفي رواية يتيمم ولا يتوضأ وبه أخذ أبو يوسف وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول انتهى وقال العيني في شرح البخاري ص 849 ج 1 ما لفظه وفي أحكام القران لأبي بكر الرازي عن أبي حنيفة في ذلك ثلاث روايات إحداها يتوضأ به ويشترط فيه النية ولا يتيمم وهذه هي المشهورة وقال قاضيخان هو قوله الأول وبه قال زفر والثانية يتيمم ولا يتوضأ رواها عنه نوح بن أبي مريم وأسد بن عمر والحسن بن زياد قال قاضيخان وهو الصحيح عنه والذي رجع إليها وبها قال أبو يوسف وأكثر العلماء واختار الطحاوي هذا والثالثة روى عنه الجمع بينهما وهذا قول محمد انتهى (وقال بعض أهل العلم لا يتوضأ بالنبيذ وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) وبه قال أكثر العلماء وجمهورهم ودليلهم أن النبيذ ليس بماء وقال الله تعالى فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا وأجابوا عن حديث الباب بأنه ضعيف لا يصلح للاحتجاج وضعف الطحاوي أيضا حديث عبد الله بن مسعود واختار أنه لا يجوز بالنبيذ الوضوء في سفر ولا في حضر وقال إن حديث ابن مسعود روي من طرق لا تقوم بمثلها حجة وقد قال عبد الله ابن مسعود إني لم أكن ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم ووددت أني كنت معه وسئل أبو عبيدة هل كان أبوك ليلة الجن مع النبي صلى الله عليه وسلم فقال لا مع أن فيه انقطاعا لأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه ولم نعتبر فيه اتصالا ولا انقطاعا ولكنا احتججنا بكلام أبي عبيدة لأن مثله في تقدمه في العلم ومكانه من أمره لا يخفى عليه مثل هذا فجعلنا قوله حجة فيه (وقول
[ 248 ]
من قال لا يتوضأ بالنبيذ أقرب إلى الكتاب وأشبه لان الله تعالى قال (فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) أي والنبيذ ليس بماء قال ابن العربي في العارضة والماء يكون في تصفيته ولونه وطعمه فإذا خرج عن إحداها لم يكن ماء وقال فلم يجعل بين الماء والتيمم واسطة وهذه زيادة على ما في كتاب الله عز وجل والزيادة عندهم على النص نسخ ونسخ القرآن عندهم لا يجوز إلا بقرآن مثله أو بخبر متواتر ولا ينسخ الخبر الواحد إذا صح فكيف إذا كان ضعيفا مطعونا فيه انتهى تنبيه قال صاحب العرف الشذي وأما قول إنه يلزم الزيادة على القاطع بخبر الواحد فالجواب أنه وإن كان الماء المنبذ مقيدا في بادئ الرأي إلا أن العرب يستعملون النبيذ موضع الماء المطلق فلم يكن على طريق التفكه بل يكون مثل الماء المخلوط بالثلج المستعمل في زماننا فإنه لا يقول أحد بأنه ماء مقيد انتهى قلت هذا الجواب واه جدا فإن النبيذ لو كان مثل الماء المخلوط بالثلج لم يقع الاختلاف في جواز التوضؤ به عند عدم الماء بل يجوز الوضوء به عند وجود الماء أيضا كما يجوز الوضوء بالماء المخلوط بالثلج عند وجود الماء الخالص بالاتفاق والعجب كل العجب أنه كيف تفوه بأن النبيذ مثل الماء المخلوط بالثلج ومعلوم أن الثلج نوع من أنواع من المياه الصرفة فالماء المخلوط به ماء صرف وأما النبيذ فليس بماء صرف بل هو ماء اختلط به أجزاء ما ألقي فيه من التمر وغيره وصار طعمه حلوا بحيث زال عنه اسم الماء ألا ترى أنه وقع في بعض الروايات أنه صلى الله عليه وسلم سأل ابن مسعود هل معك ماء فقال لا مع أنه كان معه النبيذ قال الزيلعي في نصب الراية إنه عليه السلام قال هل معك ماء قال لا فدل على أن الماء استحال في التمر حتى سلب عنه اسم الماء وإلا لما صح نفيه عنه انتهى وأما قوله إن العرب
يستعملون النبيذ موضع المطلق إلخ فلا يجدي نفعا فإن باستعمالهم شيئا غير الماء مكان الماء المطلق لا يكون ذلك الشئ عند الشرع ماء مطلقا وفي حكمه
[ 249 ]
واعلم أن هذا الإشكال الذي ذكره القاضي أبو بكر بن العربي عسير جدا على الحنفية لا يمكن منهم دفعه ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا وأما ما قيل من أن حديث النبيذ مشهور يزاد بمثله على الكتاب فهو مما لا يلتفت إليه فإن شراح الهداية قد بينوا أن هذا الحديث ليس مشهورا بالشهرة الاصطلاحية الذي تجوز به الزيادة نعم له شهرة عرفية ولغوية كما ذكره صاحب السعاية وقال الزيلعي في نصب الراية أما كونه مشهورا فليس يريد الاصطلاحي انتهى وأما قول صاحب بذل المجهود قال به جماعة من كبراء الصحابة منهم علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم فتبين أن الحديث ورد مورد الشهرة والاستفاضة حيث عمل به الصحابة وتلقوه بالقبول ومثله مما ينسخ به الكتاب فمبني على قلة اطلاعه فإنه لم يثبت بسند صحيح عن أحد من الصحابة التوضؤ بالنبيذ قال الحافظ في الدراية قوله والحديث مشهور عمل به الصحابة أما الشهرة فليست الاصطلاحية وإنما يريد شهرته بين الناس وأما عمل الصحابة فلم يثبت عن أحد منهم فقد أخرج الدارقطني ذلك من وجهين ضعيفين عن علي ومن وجه اخر أضعف منهما عن ابن عباس ومن طريق أخرى عن ابن عباس مرفوعا إذا لم يجد أحدكم ماء ووجد النبيذ فليتوضأ به وأخرجه من وجه اخر نحوه وقال الصواب موقوف على عكرمة قال البيهقي رواه هقل والوليد عن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة من قوله وكذا قال شيبان وعلي بن المبارك عن يحيى انتهى باب المضمضة من اللبن 89 - قوله (عن عقيل) بضم العين مصغرا هو ابن خالد بن عقيل بالفتح الأيلي أبو خالد مولى عثمان روى عن القاسم وسالم والزهري وخلق وعنه أيوب بن أيوب والليث وثقه أحمد
قال أبو حاتم أثبت من معمر مات سنة 141 إحدى وأربعين ومائة قوله (إن له دسما) منصوب على أنه اسم إن وقدم عليه خبره والدسم بفتحتين الشئ الذي يظهر على اللبن من الدهن وهو بيان لعلة المضمضة من اللبن فيدل على استحبابها من كل شئ دسم ويستنبط منه استحباب غسل اليدين للتنظيف قاله الحافظ وغيره
[ 250 ]
قوله (وفي الباب عن سهل بن سعد وأم سلمة) أخرج حديثهما ابن ماجه قال الحافظ في الفتح وإسناد كل منهما حسن قوله (وهذا حديث حسن صحيح) هذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الخمسة وهم الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي عن شيخ واحد وهو قتيبة قاله الحافظ قوله (وهذا عندنا على الاستحباب) فإن قلت روى ابن ماجه هذا الحديث من طريق الوليد بن مسلم قال حدثنا الأوزاعي فذكره بصيغة الأمر مضمضوا من اللبن الحديث ورواه ابن ماجه من حديث أم سلمة وسهل بن سعد مثله وأصل الأمر الوجوب قلت نعم الأصل في الأمر الوجوب لكن إذا وجد دليل الاستحباب يحمل عليه وههنا دليل الاستحباب موجود قال الحافظ في الفتح والدليل على أن الأمر فيه للاستحباب ما رواه الشافعي عن ابن عباس راوي الحديث أنه شرب لبنا فمضمض ثم قال لو لم أتمضمض ما باليت وروى أبو داود بإسناد حسن عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم شرب لبنا فلم يتمضمض ولم يتوضأ انتهى كلام الحافظ فإن قلت ادعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس قلت لم يقل به أحد ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ قاله العيني باب في كراهة رد السلام غير متوضئ 90 - قوله (قالا نا أبو أحمد) اسمه محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي الزبيري
[ 251 ]
الكوفي ثقة ثبت إلا أنه قد يخطئ في حديث الثوري من التاسعة مات سنة 203 ثلاث ومائتين كذا في التقريب (عن سفيان) هو الثوري (عن الضحاك بن عثمان) بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي المدني روى عن زيد بن أسلم ونافع وخلق وعنه الثوري وابن وهب ويحيى القطان وخلق وثقه ابن معين وأبو داود وابن سعد وقال توفي بالمدينة سنة 351 ثلاث وخمسين ومائة وقال أبو زرعة ليس بقوي كذا في الخلاصة وقال في التقريب صدوق يهم قوله (فلم يرد عليه) في هذا دلالة على أن المسلم في هذه الحالة لا يستحق جوابا وهذا متفق عليه بين العلماء بل قالوا يكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط فإن سلم كره له رد السلام ويكره للقاعد لقضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشئ من الأذكار فلا يرد السلام ولا يشمت العاطس ولا يحمد الله تعالى إذا عطس وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن ماجه أن رجلا مر على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلم عليه فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأيتني على مثل هذه الحالة فلا تسلم علي فإنك إن فعلت ذلك لم أرد عليك قوله (هذا حديث حسن صحيح) أخرجه الجماعة إلا البخاري قوله (وإنما يكره هذا) أي رد السلام (إذا كان) أي الذي سلم عليه (على الغائط والبول) وأما إذا فرغ وقام فلا كراهة في رد السلام وعلى هذا فلا مطابقة بين الحديث والباب إذ الحديث خاص والباب عام قوله (وفي الباب عن المهاجر بن قنفذ وعبد الله بن حنظلة وعلقمة بن الشفواء وجابر والبراء) أما حديث المهاجر بن قنفذ فأخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بلفظ إنه سلم على
[ 252 ]
النبي صلى الله عليه وسلم وهو يتوضأ فلم يرد عليه حتى فرغ من وضوئه فرد عليه وقال إنه لم يمنعني أن أرد عليك إلا أني كرهت أن أذكر الله إلا على طهارة ولفظ أبو داود وهو يبول وأما حديث عبد الله بن حنظلة فأخرجه أحمد بلفظ إن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وقد بال فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال بيده
إلى الحائط يعني أنه تيمم قال الهيثمي في مجمع الزوائد فيه رجل لم يسم انتهى وأما حديث علقمة بن الشفواء فأخرجه الطبراني في الكبير بلفظ قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أهرق الماء نكلمه فلا يكلمنا حتى يأتي منزله فيتوضأ وضوءه للصلاة قلنا يا رسول الله نكلمك فلا تكلمنا ونسلمك فلا ترد علينا حتى نزلت اية الرخصة يا أيها الذين امنوا إذا قمتم إلى الصلاة الاية قال الهيثمي وفيه جابر الجعفي وهو ضعيف انتهى وأما حديث جابر وهو ابن عبد الله فأخرجه ابن ماجه وقد تقدم لفظه وفي الباب عن جابر بن سمرة أيضا قال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يبول فسلمت عليه فلم يرد علي ثم دخل بيته ثم خرج فقال وعليكم السلام أخرجه الطبراني في الكبير والأوسط وقال تفرد به الفضل بن أبي حسان قال الهيثمي في مجمع الزوائد لم أجد من ذكره وأما حديث البراء وهو ابن عازب فأخرجه الطبراني في الأوسط بلفظ إنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبول فلم يرد عليه السلام حتى فرغ قال الهيثمي فيه من لم أعرفه انتهى باب ما جاء في سؤر الكلب 91 - قوله (حدثنا سوار) بفتح السين وتشديد الواو (بن عبد الله العنبري) التميمي البصري قاضي الرصافة وغيرها ثقة من العاشرة غلط من تكلم فيه قاله الحافظ روى عن معتمر بن سليمان ويزيد بن زريع وغيرهما وعنه أبو داود والترمذي والنسائي ووثقه قال ابن حبان في الثقات مات سنة 543 خمس وأربعين ومائتين (نا المعتمر بن سليمان) التيمي أبو محمد البصري أحد الأعلام يلقب بالطفيل ثقة مات سنة 781 سبع وثمانين ومائة (قال سمعت أيوب) بن أبي تميمه كيسان السختياني البصري الفقيه أحد الأئمة الأعلام ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء مات سنة 131 إحدى وثلاثين ومائة وله خمس وستون عن محمد بن سيرين الأنصاري البصري ثقة ثبت عابد كبير القدر كان لا يرى الرواية بالمعنى من الثالثة مات سنة 110 عشرة ومائة
[ 253 ]
قوله (إذا ولغ) يقال ولغ يلغ بالفتح فيهما إذا شرب بطرف لسانه أو أدخل لسانه فيه فحركه
وقال ثعلب هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من كل مائع فيحركه زاد ابن درستويه شرب أو لم يشرب كذا في الفتح (أولاهن أو اخراهن بالتراب) كذا في رواية الترمذي وفي رواية مسلم وغيره من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين أولاهن قال الحافظ في الفتح هي رواية الأكثر عن ابن سيرين ثم ذكر الروايات المختلفة في محل غسلة التتريب ثم قال ورواية أولاهن أرجح من حيث الأكثرية والأحفظية ومن حديث المعنى أيضا لأن تتريب الأخيرة يقتضي الاحتياج إلى غسلة أخرى لتنظيفه انتهى فقوله أولاهن أو أخراهن بالتراب في رواية الترمذي إن كانت كلمة أو فيه للشك من الراوي فيرجع إلى الترجيح وقد عرفت أن رواية أولاهن أرجح وإن كانت من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فهو تخيير منه قوله (وإذا ولغت فيه الهرة غسل مرة) هذه الجملة ليست من الحديث المرفوع بل هي مدرجة وسيجئ تحقيقه قوله (هذا حديث حسن صحيح) وأخرجه مالك وأحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه قوله (وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق) قال الشوكاني في النيل والحديث يدل على وجوب الغسلات السبع من ولوغ الكلب وإليه ذهب ابن عباس وعروة بن الزبير ومحمد بن سيرين وطاوس وعمرو بن دينار والأوزاعي ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيد وداود انتهى وقال النووي فيه وجوب غسل نجاسة ولوغ الكلب سبع مرات وهذا مذهبنا ومذهب مالك والجماهير وقال أبو حنيفة يكفي غسله ثلاث مرات انتهى وقال الحافظ في الفتح أما الحنفية فلم يقولوا بوجوب السبع ولا التتريب واعذر الطحاوي وغيره عنهم بأمور
[ 254 ]
منها كون أبي هريرة راويه أفتى بثلاث غسلات فثبت بذلك نسخ السبع
وتعقب بأنه يحتمل أن يكون أفتى بذلك لاعتقاده ندبية السبع لا وجوبها أو كان نسي ما رواه والاحتمال لا يثبت النسخ وأيضا فقد ثبت أنه أفتى بالغسل سبعا ورواية من روى عنه موافقة فتياه لروايته أصح من رواية من روى عنه مخالفتها من حيث الإسناد ومن حيث النظر أما النظر فظاهر وأما الأسناد فالموافقة وردت من رواية حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عنه وهذا من أصح الأسانيد وأما المخالفة فمن رواية عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه وهو دون الأول في القوة بكثير ومنها أن العذرة أشد في النجاسة من سؤر الكلب ولم تقيد بالسبع فيكون الولوغ كذلك من باب الأولى وأجيب بإنه لا يلزم من كونها أشد منه في الاستقذار أن لا يكون منها في تغليظ الحكم وبأنه قياس في مقابلة النص وهو فاسد الاعتبار ومنها دعوى أن الأمر بذلك كان عند الأمر بقتل الكلاب فلما نهى عن قتلها نسخ الأمر بالغسل وتعقب بأن الأمر بقتلها كان في أوائل الهجرة والأمر بالغسل متأخر جدا لأنه من رواية أبي هريرة وعبد الله بن مغفل وقد ذكر ابن مغفل أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالغسل وكان إسلامه سنة سبع كأبي هريرة بل سياق مسلم ظاهر في أن الأمر بالغسل كان بعد الأمر بقتل الكلاب انتهى كلام الحافظ تنبيه ذكر النيموي فعل أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة أنه قال إذا ولغ الكلب في الإناء غسله ثلاث مرات قال رواه الدارقطني واخرون وإسناده صحيح ثم ذكر قول أبي هريرة عن عطاء عن أبي هريرة قال إذا ولغ الكلب في الاناء فأهرقه ثم اغسله ثلاث مرات قال رواه الدارقطني والطحاوي وإسناده صحيح انتهى
قلت مدار فعل أبي هريرة وقوله على عبد الملك بن أبي سليمان لم يروهما غيره وهو وإن كان ثقة لكن كان له أوهام وكان يخطئ قال الحافظ في التقريب صدوق له أوهام