الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فتح الباري - ابن حجر ج 12

فتح الباري

ابن حجر ج 12


[ 1 ]

فتح الباري شرح صحيح البخاري للامامي الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى المجلد الثاني عشر دار المعرفة بيروت - لبنان

[ 2 ]

بسم الله الرحمن الرحيم قوله كتاب الفرائض جمع فريضة كحديقة وحدائق والفريضة فعيلة بمعنى مفروضة مأخودة من الفرض وهو القطع يقال فرضت لفلان كذا أي قطعت له شيئا من المال قال الخطابي وقيل هو من فرض القوس وهو الحز الذي في طرفيه حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول وقيل الثاني خاص بفرائض الله وهي ما ألزم به عباده وقال الراغب الفرض قطع الشئ الصلب والتأثير فيه وخصت المواريث باسم الفرائض من قوله تعالى نصيبا مفروضا أي مقدرا أو معلوما أو مقطوعا عن غيرهم قوله وقول الله يوصيكم الله في أولادكم أفاد السبيلي أن الحكمة في التعبير بلفظ الفعل المضارع لا بلفظ الفعل الماضي كما في قوله تعالى ذلكم وصاكم به وسورة أنزلناها وفرضناها الاشارة إلى أن هذه الآية ناسخة للوصية المكتوبة عليهم كما سيأتي بيانه قريبا في باب ميراث الزوج قال وأضاف الفعل إلى اسم المظهر تنويها بالحكم وتعظيما له وقال في أولادكم ولم يقل بأولادكم إشارة إلى الامر بالعدل فيهم ولذلك لم يخص الوصية بالميراث بل أتى باللفظ عاما وهو كقوله لاأشهد على جور وأضاف الاولاد إليهم مع أنه الذي أوصى بهم إشارة إلى أنه أرحم بهم من أبائهم قوله إلى قوله وصية من الله والله عليم حليم كذا لابي ذر وأما غيره فساق الآية الاولى وقال بعد قوله عليما حكيما إلى قوله والله عليم حليم وذكر فيه حديث جابر مرضت فعادني النبي صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله كيف أصنع في مالي فلم يجبني بشئ حتى نزلت آية الميراث

[ 3 ]

هكذا وقع في رواية قتيبة وقد تقدم في تفسير سورة النساء أن مسلما أخرجه عن عمرو الناقد عن سفيان وهو بن عيينة شيخ قتيبة فيه وزاد في أخره يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وبينت هناك أن هذه الزيادة مدرجة وأن الصواب ما أخرجه الترمذي من طريق يحيى بن أدم عن بن عيينة حتى نزلت يوصيكم الله في أولادكم وأما قول البخاري في الترجمة إلى والله عليم حليم فأشار به إلى أن مراد جابر من آية الميراث قوله وان كان رجل يورث كلالة أو امرأة وقد سبق في آخر تفسير النساء ما أخرجه النسائي من وجه آخر عن جابر أن يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة نزلت فيه وقد أشكل ذلك قديما قال بن العربي بعد أن ذكر الروايتين في إحداهما فنزلت يستفتونك وفي أخرى آية المواريث هذا تعارض لم يتفق بيانه إلى الآن ثم أشار إلى ترجيح آية المواريث وتوهيم يستفتونك ويظهر أن يقال أن كلا من الآيتين لما كان فيها ذكر الكلالة نزلت في ذلك لكن الآية الاولى لما كانت الكلالة فيها خاصة بميراث الاخوة من الام كما كان بن مسعود يقرأ وله أخ أو أخت من أم وكذا قرأ سعيد بن أبي وقاص أخرجه البيهقي بسند صحيح استفتوا عن ميراث غيرهم من الاخو فنزلت الاخيرة فيصح أن كلا من الآيتين نزلت في قصة جابر لكن المتعلق به من الآية الاولى ما يتعلق بالكلالة وأما سبب نزول أولها فورد من حديث جابر أيضا في قصة ابنتي سعد بن الربيع ومنع عمهما أن يرثا من أبيهما فنزلت يوصيكم الله الآية فقال للعم أعط ابنتي سعد الثلثين وقد بينت سياقه من وجه آخر هناك وبالله التوفيق وقد وقع في بعض طرق حديث جابر المذكور في الصحيحين فقلت يا رسول الله إنما يرثني كلالة وقوله فلم يجبني بشئ استدل به على أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يجتهد ورد بأنه لا يلزم من انتظاره الوحي في هذه القصة الخاصة عموم ذلك في كل قصة ولا سيما وهي في مسألة المواريث التي غالبها لا مجال للرأي فيه سلمنا أنه كان يمكنه أن يجتهد فيها لكن لعلة كان ينتظر الوحي أولا فان لم ينزل اجتهد فلا يدل على نفي الاجتهاد مطلقا قوله باب تعليم الفرائض وقال عقبة بن عامر تعلموا قبل الظانين يعني الذين يتكلمون بالظن هذا الاثر لم أظفر به موصولا وقوله قبل الظانين فيه إشعار بأن أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها وأن نقل عن بعضهم الفتوى بالرأي فهو قليل بالنسبة وفيه انذار بوقوع ما حصل من كثرة القائلين بالرأي وقيل مراده قبل اندراس العلم وحدوث من يتكلم بمقتضى ظنه غير مستند إلى علم قال بن المنير وانما خص البخاري قول عقبة بالفرائض لانها أدخل فيه من غيرها لان الفرائض الغالب عليها التعبد وانحسام وجوه الرأي والخوض فيها بالظن لا انضباط له بخلاف غيرها من أبواب العلم فان للرأي فيها مجالا والانضباط فيها ممكن غالبا ويؤخذ من هذا التقرير مناسبة الحديث المرفوع للترجمة وقيل وجه المناسبة أن فيه إشارة إلى أن النهي عن العمل بالظن يتضمن الحث على العمل بالعلم وذلك فرع تعلمه وعلم الفرائض يؤخذ غالبا بطريق العلم كما تقدم تقريره وقال الكرماني يحتمل أن يقال لما كان في الحديث وكونوا عباد الله إخوانا يؤخذ منه تعلم الفرائض ليعلم الاخ الوارث من غيره وقد ورد في الحث على تعلم الفرائض حديث ليس على شرط المصنف أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم من حديث بن مسعود رفعه تعلموا الفرائض وعلموها الناس فاني امرؤ مقبوض وان العلم سيقبض حتى يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل

[ 4 ]

بينهما ورواته موثقون إلا أنه اختلف فيه على عوف الاعرابي اختلافا كثيرا فقال الترمذي انه مضطرب والاختلاف عليه انه جاء عنه من طريق أبي مسعود وجاء عنه من طريق أبي هريرة وفي اسانيدها عنه أيضا اختلاف ولفظه عند الترمذي من حديث أبي هريرة تعلموا الفرائض فانها نصف العلم وانه أول ما ينزع من أمتي وفي الباب عن أبي بكرة أخرجه الطبراني في الاوسط من طريق راشد الحماتي عن عبد الرحمن بن أبي بكر عن أبيه رفعه تعلموا القرآن والفرائض وعلموها الناس أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما وراشد مقبول لكن الراوي عنه مجهول وعن أبي سعيد الخدري بلفظ تعلموا الفرائض وعلموها الناس أخرجه الدارقطني عن طريق عطية وهو ضعيف وأخرج الدارمي عن عمر موقوفا تعلموا الفرائض كما تعلمون القرآن وفي لفظ عنه تعلموا الفرائض فانها من دينكم وعن بن مسعود موقوفا أيضا من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض ورجالها ثقات إلا أن في أسانيدها انقطاعا قال بن الصلاح لفظ النصف في هذا الحديث بمعنى أحد القسمين وإن لم يتساويا وقد قال بن عيينة إذ سئل عن ذلك انه يبتلى به كل الناس وقال غيره لان لهم حالتين حالة حياة وحالة موت والفرائض تتعلق بأحكام الموت وقيل لان الاحكام تتلقى من النصوص ومن القياس والفرائض لا تتلقى إلا من النصوص كما تقدم ثم ذكر حديث أبي هريرة إياكم والظن الحديث وقد تقدم من وجه آخر عن أبي هريرة في باب ما ينهى عن التحاسد في أوائل كتاب الادب وتقدم شرحه مستوفى وفيه بيان المراد بالظن هنا وأنه الذي لا يستند إلى أصل ويدخل فيه ظن السوء بالمسلم وابن طاوس المذكور في السند هو عبد الله قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة هو بالرفع أي المتروك عنا صدقة وادعى الشيعة أنه بالنصب على أن ما نافية ورد عليهم بأن الرواية ثابتة بالرفع وعلى التنزل فيجوز النصب على تقدير حذف تقديره ما تركنا مبذول صدقة قاله بن مالك وينبغي الاضراب عنه والوقوف مع ما ثبتت به الرواية وذكر فيه أربعة أحاديث احداها حديث أبي بكر في ذلك وقصته مع فاطمة وقد مضى في فرض الخمس مشروحا وسياقه أتم مما هنا وقوله فيه انما يأكل آل محمد من هذا المال كذا

[ 5 ]

وقع وظاهرة الحصر وأنهم لا يأكلون إلا من هذا المال وليس ذلك مرادا وانما المراد العكس وتوجيهه أن من للتبعيض والتقدير إنما يأكل آل محمد بعض هذا المال يعني بقدر حاجتهم وبقيته للمصالح ثانيها حديث عائشة بلفظ الترجمة وأورده آخر الباب بزيادة فيه ثالثها حديث عمر في قصة علي والعباس مع عمر في منازعتهما في صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه قول عمر لعثمان وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص والزبير بن العوام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث ما تركنا صدقة يريد نفسه فقالوا قد قال ذلك وفيه أنه قال مثله لعلي وللعباس فقال كذلك الحديث بطوله وقد مضى مطولا في فرض الخمس وذكر شرحه هناك تنبيهات الراء من قوله لا نورث بالفتح في الرواية ولو روي بالكسر لصح المعنى أيضا وقوله فكانت خالصة لرسول الله صلى الله عليه وسلم كذا للاكثر وفي رواية أبي ذر عن المستملي والكشميهني خاصة وقوله لقد أعطاكموه أي المال في رواية الكشميهني أعطاكموها أي الخالصة له وقوله فوالله الذي بإذنه في رواية الكشميهني بحذف الجلالة رابعها حديث أبي هريرة وإسماعيل شيخه هو بن أبي أكثر عنه وأما إسماعيل بن أبان شيخه في الحديث الذي قبله بحديث فلا رواية له عن مالك قوله لا يقتسم كذا لابي ذر عن غير الكشميهني وللباقين لا يقسم بحذف التاء الثانية قال بن التين الرواية في الموطأ وكذا قرأته في البخاري برفع الميم على أنه خبر والمعنى ليس يقسم ورواه بعضهم بالجزم كأنه نهاهم إن خلف شيئا لا يقسم بعده فلا تعارض بين هذا وما تقدم في الوصايا من حديث عمرو بن الحارث الخزاعي ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا ولا درهما ويحتمل أن يكون الخبر بمعنى النهي فيتحد معنى الروايتين ويستفاد من رواية الرفع أنه أخبر أنه لا يخلف شيئا مما جرت العادة بقسمته كالذهب والفضة وأن الذي يخلفه من غيرهما لا يقسم أيضا بطريق الارث بل تقسم منافعة لمن ذكر قوله ورثتي أي بالقوة لو كنت ممن يورث أو المراد لا يقسم مال تركه لجهة الارث فأتى بلفظ ورثتي ليكون الحكم معللا بما به الاشتقاق وهو الارث فالمنفي اقتسامهم بالارث عنه قاله السبكي الكبير قوله ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة تقدم الكلام على المراد بقوله عاملي في أوائل فرض الخمس مع شرح الحديث وحكيت فيه ثلاثة أقوال ثم وجدت في الخصائص لابن دحية حكاية قول رابع أن المراد خادمه وعبر عن العامل على الصدقة بالعامل على النخل وزاد أيضا وقيل الا جبر ويتحصل من المجموع خمسة أقوال الخليفة والصانع والناظر والخادم وحافر قبره عليه الصلاة والسلام وهذا إن كان المراد بالخادم الجنس والا فان كان الضمير للنخل فيتحد مع الصانع أو الناظر وقد ترجم المصنف عليه في أواخر الوصايا باب نفقة قيم الوقف وفيه إشارة إلى ترجيح حمل العامل على الناظر ومما يسأل عنه تخصيص النساء بالنفقة والمؤنة بالعامل وهل بينهما مغايرة وقد أجاب عنه السبكي الكبير بأن المؤنة في اللغة القيام بالكفاية والانفاق بذل القوت قال وهذا يقتضي أن النفقة دون المؤنة والسر في التخصيص المذكور الاشارة إلى أن أزواجه صلى الله عليه وسلم لما اخترن الله ورسوله والدار الآخرة كان لا بد لهن من القوت فاقتصر على ما يدل عليه والعامل لما كان في صورة الاجير فيحتاج إلى ما يكفيه اقتصر على ما يدل عليه انتهى ملخصا ويؤيده قول أبي بكر الصديق إن حرفتي كانت تكفي عائلتي فاشتغلت عن ذلك

[ 6 ]

بأمر المسلمون فجعلوا له قدر كفايته ثم قال السبكي لا يعترض بأن عمر كان فضل عائشة في العطاء لانه علل ذلك بمزيد حب رسول الله صلى الله عليه وسلم لها قلت وهذا ليس مما بدأ به لان قسمة عمر كانت من الفتوح وأما ما يتعلق بحديث الباب ففيما يتعلق بما خلفه النبي صلى الله عليه وسلم وأنه يبدأ منه بما ذكر وأفاد رحمه الله أنه يدخل في لفظ نفقة نسائي كسوتهن وسائر اللوازم وهو كما قال ومن ثم استمرت المساكن التي كن فيها قبل وفاته صلى الله عليه وسلم كل واحدة باسم التي كانت فيه وقد تقدم تقرير ذلك في أول فرض الخمس وإذا انضم قوله ان الذي تخلفه صدقة الا أن آله تحرم عليهم الصدقة تحقق قوله لا نورث وفي قول عمر يريد نفسه إشارة إلى أن النون في قوله نورث للمتكلم خاصة لا للجمع وأما ما اشتهر في كتب أهل الاصول وغيرهم بلفظ نحن معاشر الانبياء لا نورث فقد أنكره جماعة من الائمة وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ نحن لكن أخرجه النسائي عن طريق بن عيينة عن أبي الزناد بلفظه إنا معاشر الانبياء لا نورث الحديث أخرجه عن محمد بن منصور عن بن عيينة عنه وهو كذلك في مسند الحميدي عن بن عيينة وهو من أتقن أصحاب بن عيينة فيه وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور وأخرجه الطبراني في الاوسط بنحو اللفظ المذكور وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانئ عن فاطمة عليها السلام عن أبي بكر الصديق بلفظ إن الانبياء لا يورثون قال بن بطال وغيره ووجه ذلك والله أعلم أن الله بعثهم مبلغين رسالته وأمرهم أن لا يأخذوا على ذلك أجرا كما قال قل لا أسألكم عليه أجرا وقال نوح وهود وغيرهما نحو ذلك فكانت الحكمة في أن لا يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم قال وقوله تعالى وورث سليمان داود حمله أهل العلم بالتأويل على العلم والحكمة وكذا قول زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثني وقد حكى بن عبد البر أن للعلماء في ذلك قولين وأن الاكثر على أن الانبياء لا يورثون وذكر أن ممن قال بذلك من الفقهاء إبراهيم بن إسماعيل بن علية ونقله عن الحسن البصري عياض في شرح مسلم وأخرج الطبري من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن أبي صالح في قوله تعالى حكاية عن زكريا واني خفت الموالي قال العصبة ومن قوله وهب لي من لدنك وليا يرثني قال يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة ومن طريق قتادة عن الحسن نحوه لكن لم يذكر المال ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن رفعه مرسلا رحم الله أخي زكريا ما كان عليه من يرث ماله قلت وعلى تقديري تسليم القول المذكور فلا معارض من القرآن لقول نبينا عليه الصلاة والسلام لا نورث ما تركنا صدقة فيكون ذلك من خصائصه التي أكرم بها بل قول عمر يريد نفسه يؤيد اختصاصه بذلك وأما عموم قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم الخ فأجيب عنها بأنها عامة فيمن ترك شيئا كان يملكه وإذا ثبت أنه وقفه قبل موته فلم يخلف ما يورث عنه فلم يورث وعلى تقدير أنه خلف شيئا مما كان يملكه فدخوله في الخطاب قابل للتخصيص لما عرف من كثرة خصائصه وقد اشتهر عنه أنه لا يورث فظهر تخصيصه بذلك دون الناس وقيل الحكمة في كونه لا يورث حسم المادة في تمني الوارث موت المورث من أجل المال وقيل لكون النبي كالاب لامته فيكون ميراثه للجميع وهذا معنى الصدقة العامة وقال بن المنير في الحاشية يستفاد من الحديث ان من قال داري صدقة لا تورث أنها تكون حبسا ولا يحتاج إلى التصريح بالوقف أو الحبس وهو حسن لكن هل يكون

[ 7 ]

ذلك صريحا أو كناية يحتاج إلى نية وفي حديث أبي هريرة دلالة على صحة وقف المنقولات وأن الوقف لا يختص بالعقار لعموم قوله ما تركت بعد نفقة نسائي الخ ثم ذكر حديث عائشة أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن فقالت عائشة أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نورث ما تركنا صدقة أورده من رواية مالك عن بن شهاب عن عروة وهذا الحديث في الموطأ ووقع في رواية بن وهب عن مالك حدثني بن شهاب وفي الموطأ للدارقطني من طريق القعني يسألنه ثمنهن وكذا أخرجه من طريق جويرية بن أسماء عن مالك وفي الموطأ أيضا أرسلنا عثمان بن عفان إلى أبي بكر الصديق وفيه فقالت لهن عائشة وفيه ما تركنا فهو صدقة وظاهر سياقه أنه من مسند عائشة وقد رواه إسحاق بن محمد الفروي عن مالك بهذا السند عن عائشة عن أبي بكر الصديق أورده الدارقطني في الغرائب وأشار إلى أنه تفرد بزيادة أبي بكر في مسنده وهذا يوافق رواية معمر عن بن شهاب المذكورة في أول هذا الباب فان فيه عن عائشة أن أبا بكر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره فيحتمل أن تكون عائشة سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم كما سمعه أبوها ويحتمل أن تكون انما سمعته من أبيها عن النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلته عن النبي صلى الله عليه وسلم لما طالب بالازواج ذلك والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلاهله هذ الترجمة لفظ الحديث المذكور في الباب من طريق أخرى عن أبي سلمة وأخرجه الترمذي في أول كتاب الفرائض من طريق محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة بهذا اللفظ وبعده ومن ترك ضياعا فإلي وقال بعده راواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أطول من هذا قوله في السند عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وقد بينت في الكفالة الاختلاف على الزهري في صحابيه وأن معمرا انفرد عنه بقوله عن جابر بدل أبي هريرة قوله أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم هكذا أورده مختصرا وتقدم في الكفالة من طريق عقيل عن بن شهاب بذكر سببه في أوله ولفظه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤتي بالرجل المتوفى عليه الدين فيقول هل ترك لدينه قضاء فان قيل نعم صلى عليه وإلا قال صلوا على صاحبكم فلما فتح الله عليه الفتوح قال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم الحديث وتقدم في القرض وفي تفسير الاحزاب عن رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة عن أبي هريرة بلفظ ما من مؤمن إلا وأنا أولى به في الدنيا والآخرة اقرؤا ان شئتم النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم الحديث وفي حديث جابر عند أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول أنا أولى بكل مؤمن من نفسه وقوله هنا فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعلينا قضاؤه يخص ما أطلق في رواية عقيل بلفظ فمن توفي من المؤمنين وترك دينا فعلي قضاؤه وكذا قوله في الرواية الاخرى في تفسير الاحزاب فإن ترك دينا أو ضياعا فليأتني فأنا مولاه أو وليه فعرف أنه مخصوص بمن لم يترك وفاء وقوله فليأتني أي من يقوم مقامه في السعي في وفاء دينه أو المراد صاحب الدين وأما الضمير في قوله مولاه فهو الميت المذكور وسيأتي بعد قليل من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ فأنا وليه فلا دعي له وقد تقدم شرح ما يتعلق بهذا الشق في الكفالة وبيان الحكمة في ترك الصلاة على من مات وعليه دين بلا وفاء وأنه كان إذا وجد من يتكفل بوفاءه صلى عليه

[ 8 ]

وان ذلك كان قبل أن يفتح الفتوح كما في رواية عقيل وهل مان ذلك من خصائصه أو يجب على ولاة الامر بعده والراجح الاستمرار لكن وجوب الوفاء إنما هو من مال المصالح ونقل بن بطال وغيره أنه كان صلى الله عليه وسلم يتبرع بذلك وعلى هذا لا يجب على من بعده وعلى الاول قال بن بطال فان لم يعط الامام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة لانه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال ما لم يكن دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا قلت والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة وهو كمن له حق وعليه حق وقد مضى أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة فيحمل قوله لا يحبس أي معذبا مثلا والله أعلم قوله ومن ترك مالا فلورثته أي فهو لورثته وثبتت كذلك هنا في الكشميهني وكذا لمسلم وفي رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة فليرثه عصبته من كانوا ولمسلم من طريق الاعرج عن أبي هريرة فإلى العصبة من كان وسيأتي بعد قليل من رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ فماله لموالي العصبة أي أولياء العصبة قال الداودي المراد بالعصبة هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب لان العاصب في الاصطلاح من له سهم مقدر من المجمع على توريثهم ويرث كل المال إذا انفرد ويرث ما فضل بعد الفروض بالتعصيب وقيل المراد بالعصبة هنا قرابة الرجل وهم من يلتقي مع الميت في أب ولو علا سموا بذلك لانهم يحيطون به يقال عصب الرجل بفلان أحاط به ومن ثم قيل تعصب لفلان أي أحاط به وقال الكرماني المراد العصبة بعد أصحاب الفروض قال ويؤخذ حكم أصحاب الفروض من ذكر العصبة بطريق الاولى ويشير إلى ذلك قوله من كانوا فأنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير قال ويحتمل أن تكون من شرطية قوله باب ميراث الولد من أبيه وأمه لفظ الولد أعم من الذكر والانثى ويطلق على الولد للصلب وعلى ولد الولد وإن سفل قال بن عبد البر أصل ما بنى عليه مالك والشافعي وأهل الحجاز ومن وافقهم في الفرائض قول زيد بن ثابت وأصل ما بنى عليه أهل العراق ومن وافقهم فيها قول علي بن أبي طالب وكل من الفريقين لا يخالف قول صاحبه الا في اليسير النادر إذا ظهر له مما يجب عليه الانقياد إليه قوله وقال زيد بن ثابت الخ وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه فذكر مثله سواء الا أنه قال بعد قوله وان كان معهن ذكر فلا فريضة لاحد منهن ويبدأ بمن شركهم فيعطى فريضته فما بقى بعد ذلك فللذكر مثل حظ الانثيين قال بن بطال قوله وان كان معهن ذكر يريد إن كان مع البنات أخ من أبيهن وكان معهم غيرهن ممن له فرض مسمى كالاب مثلا قال ولذلك قال شركهم ولم يقل شركهن فيعطى الاب مثلا فرضه ويقسم ما بقي بين الابن والبنات للذكر مثل حظ الانثيين قال وهذا تأويل حديث الباب وهو قوله ألحقوا الفرائض بأهلها قوله بن طاوس هو عبد الله قوله عن بن عباس قيل تفرد وهيب بوصله ورواه الثوري عن بن طاوس لم يذكر بن عباس بل أرسله أخرجه النسائي والطحاوي وأشار النسائي إلى ترجيح الارسال ورجح عند صاحبي صحيح الموصول لمتابعة روح بن القاسم وهيبا عندهما ويحيى بن أيوب عند مسلم وزياد بن سعد وصالح عند الدارقطني واختلف على معمر فرواه عبد الرزاق عنه موصولا أخرجه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة

[ 9 ]

ورواه عبد الله بن المبارك عن معمر والثوري جميعا مرسلا أخرجه الطحاوي ويحتمل أن يكون حمل رواية معمر على روايه الثوري وانما صححاه لان الثوري وأن كان أحفظ منهم لكن العدد الكثير يقاومه وإذا تعارض الوصل والارسال ولم يرجح أحد الطريقين قدم الوصل والله أعلم قوله ألحقوا الفرائض بأهلها المراد بالفرائض هنا الانصباء المقدرة في كتاب الله تعالى وهي النصف ونصفه ونصف نصفه والثلثان ونصفهما ونصف نصفهما والمراد بأهلها من يستحقها بنص القرآن ووقع في رواية روح بن القاسم عن بن طاوس اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله أي على وفق ما أنزل في كتابه قوله فما بقى في رواية روح بن القاسم فما تركت أي أبقت قوله فهو لاولى في رواية الكشميهني فلاولى بفتح الهمزة واللام بينهما واو ساكنة أفعل تفضيل من الولي بسكون اللام وهو القرب أي لمن يكون أقرب في النسب إلى المورث وليس المراد هنا الاحق وقد حكى عياض أن في رواية بن الحذاء عن بن ماهان في مسلم فهو لادنى بدال ونون وهي بمعني الاقرب قال الخطابي المعنى أقرب رجل من العصبة وقال بن بطال المراد بأولى رجل أن الرجال من العصبة بعد أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد فان استنووا اشتركوا قال ولم يقصد في هذا الحديث من يدلى بالآباء والامهات مثلا لانه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة كذا قال بن المنير وقال بن التين انما المراد به العمة مع العم وبنت الاخ مع بن الاخ وبنت العم مع بن العم وخرج من ذلك الاخ والاخت لابوين أو لاب فانهم يرثون بنص قوله تعالى وان كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين ويستثنى من ذلك من يحجب كالاخ للاب مع البنت والاخت الشقيقة وكذا يخرج الاخ والاخت لام لقوله تعالى فلكل واحد منهما السدس وقد نقل الاجماع على أن المراد بها الاخوة من الام وسيأتي مزيد في هذا في باب ابني عم أحدهما أخ لام وأخر زوج قوله رجل ذكر هكذا في جميع الروايات ووقع في كتب الفقهاء كصاحب النهاية وتلميذه الغزالي فلاولى عصبة ذكر قال بن الجوزي والمنذري هذه اللفظة ليست محفوظة وقال بن الصلاح فيها بعد عن الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية فان العصبة في اللغة اسم للجمع لا للواحد كذا قال والذي يظهر أنه اسم جنس ويدل عليه ما وقع في بعض طرق حديث أبي هريرة الذي في الباب قبله فليرثه عصبتة من كانوا قال بن دقيق العيد قد استشكل بأن الاخوات عصبات البنات والحديث يقتضي اشتراط الذكورة في العصبة المستحق للباقي بعد الفروض والجواب أنه من طريق المفهوم وقد اختلف هل له عموم وعلى التنزل فيخص في الخبر الدال على أن الاخوات عصبات البنات وقد استشكل التعبير بذكر بعد التعبير برجل فقال الخطابي انما كرر للبيان في لغته بالذكورة ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو بن عم مثلا وكان معه أخت له أن الاخت لا ترث ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الانثيين وتعقب بأن هذا ظاهر من التعبير بقوله رجل والاشكال باق إلا أن كلامه ينحل إلى أنه للتأكيد وبه جزم غيره كابن التين قال ومثله بن لبون ذكر وزيفه القرطبي فقال قيل أنه للتأكيد اللفظي ورد بأن العرب انما تؤكد حيث يفيد فائدة إما تعين المعنى في النفس وإما رفع توهم المجاز وليس ذلك موجودا هنا وقال غيره هذا التوكيد لمتعلق الحكم وهو الذكورة لان الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة

[ 10 ]

في الامر فقد حكى سيبويه مررت برجل رجل أبوه فلهذا احتاج الكلام إلى زيادة التوكيد لذكر حتى لا يظن أن المراد به خصوص البالغ وقيل خشية أن يظن بلفظ رجل الشخص وهو أعم من الذكر والانثى وقال بن العربي في قوله ذكر الاحاطة بالميراث انما تكون للذكر دون الانثى ولا يرد قول من قال أن البنت تأخذ جميع المال لانها انما تأخذه بسببين متغايرين والاحاطة مختصة بالسبب الواحد وليس إلا الذكر فلهذا نبه عليه بذكر الذكورية قال وهذا لا يتفطن له كل مدع وقيل أنه احتراز عن الخنثى في الموضعين فلا تؤخذ الخنثى في الزكاة ولا يجوز الخنثى المال إذا انفرد وقيل للاعتناء بالجنس وقيل للاشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال امرأة أنثى وقيل لنفي توهم اشتراك الانثى معه لئلا يحمل على التغليب وقيل ذكر تنبيها على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح الارث ولهذا جعل للذكر مثل حظ الانثيين وحكمته أن الرجال تلحقهم المؤن كالقيام بالعيال والضيفان وإرفاد القاصدين ومواساة السائلين وتحمل الغرامات وغير ذلك هكذا قال النووي وسبقه القاضي عياض فقال قيل هو على معنى اختصاص الرجال بالتعصيب بالذكورية التي بها القيام على الاناث وأصله للمازري فإنه قال بعد أن ذكر استشكال ما ورد في هذا وهو رجل ذكر وفي الزكاة بن لبون ذكر قال والذي يظهر لي أن قاعدة الشرع في الزكاة الانتقال من سن إلى أعلى منها ومن عدد إلى أكثر منه وقد جعل في خمسة وعشرين بنت مخاض وسنا أعلى منها وهو بن لبون فقد يتخيل أنه على خلاف القاعدة وأن السنين كالسن الواحد لان بن اللبون أعلى سنا لكنه أدنى قدرا فنبه بقوله ذكر على أن الذكورية تبخسه حتى يصير مساويا لبنت مخاض مع كونها أصغر سنا منه وأما في الفرائض فلما علم أن الرجال هم القائمون بالامور وفيهم معنى التعصيب وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء فعبر بلفظ ذكر إشارة إلى العلة التي لاجلها اختص بذلك فهما وان اشتركا في أن السبب في وصف كل منهما بذكر التنبيه على ذلك لكن متعلق التنبيه فيهما مختلف فإنه في بن اللبون إشارة إلى النقص وفي الرجل إشارة إلى الفضل وهذا قد لخصه القرطبي وارتضاه وقيل انه وصف لاولى لا لرجل قاله السهيلي وأطال في تقريره وتبجح به فقال هذا الحديث أصل في الفرائض وفيه إشكال وقد تلقاه الناس أو أكثرهم على وجه لا تصح إضافته إلى من أوتي جوامع الكلم واختصر له الكلام اختصارا فقالوا هو نعت لرجل وهذا لا يصح لعدم الفائدة لانه لا يتصور أن يكون الرجل إلا ذكرا وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم ولو كان كما زعموا لنقص فقه الحديث لانه لا يكون فيه بيان حكم الطفل الذي لم يبلغ سن الرجولية وقد اتفقوا على أن الميراث يجب له ولو كان بن ساعة فلا فائدة بتخصيصه بالبالغ دون الصغير قال والحديث إنما سيق لبيان من يستحق الميراث من القرابة بعد أصحاب السهام ولو كان كما زعموا لم يكن فيه تفرقة بين قرابة الاب وقرابة الام قال فإذا ثبت هذا فقوله أولى رجل دكر يريد القريب في النسب الذي قرابته من قبل رجل وصلب لا من قبل بطن ورحم فالاولى هنا ولي الميت فهو مضاف إليه في المعنى دون اللفظ وهو في اللفظ مضاف إلى النسب وهو الصلب فعبر عن الصلب بقوله أولى رجل لان الصلب لا يكون إلا رجلا فأفاد بقوله لاولى رجل نفي الميراث عن الاولى الذي هو من قبل الام كالخال وأفاد بقوله ذكر نفي الميراث عن النساء وان كن من المدلين إلى

[ 11 ]

الميت من قبل صلب لانهن إناث قال وسبب الاشكال من وجهين أحدهما أنه لما كان مخفوضا ظن نعتا لرجل ولو كان مرفوعا لم يشكل كأن يقال فوارثه أولى رجل ذكر والثاني أنه جاء بلفظ أفعل وهذا الوزن إذا أريد به التفضيل كان بعض ما يضاف إليه كفلان أعلم انسان فمعناه أعلم الناس فتوهم أن المراد بقوله أولى رجل أولى الرجال وليس كذلك وإنما هو أولى الميت بإضافة النسب وأولى صلب بإضافته كما تقول هو أخوك أخو الرخاء لا أخو البلاء قال فالاولى في الحديث كالولي فان قيل كيف يضاف للواحد وليس بجزء منه فالجواب إذا كان معناه الاقرب في النسب جازت إضافته وان لم يكن جزءا منه كقوله صلى الله عليه وسلم في البر بر أمك ثم أباك ثم أدناك قال وعلى هذا فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة المعاني ما ليس في غيره فالحمد لله الذي وفق وأعان انتهى كلامه ولا يخلو من استغلاق وقد لخصه الكرماني فقال ذكر صفة لاولى لا لرجل والاولى بمعنى القريب الاقرب فكأنه قال فهو لقريب الميت ذكر من جهة رجل وصلب لا من جهة بطن ورحم فالاولى من حيث المعنى مضاف إلى الميت وأشير بذكر الرجل إلى الاولوية فأفاد بذلك نفي الميراث عن الاولى الذي من جهة الام كالخال وبقوله ذكر نفيه عن النساء بالعصوية وان كن من المدلين للميت من جهة الصلب انتهى وقد أوردته كما وجدته ولم أحذف منه إلا أمثلة أطال بها وكلمات طويلة تبجح بها بسبب ما ظهر له من ذلك والعلم عند الله تعالى قال النووي أجمعوا على أن الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم للاقرب فالاقرب فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب والعصبة كل ذكر يدلى بنفسه بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى فمتى انفرد أخذ جميع المال وان كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي وان كان مع مستغرقين فلا شئ له قال القرطبي وأما تسمية الفقهاء الاخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز لانها لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب قلت وقد ترجم البخاري بذلك كما سيأتي قريبا قال الطحاوي استدال قوم يعني بن عباس ومن تبعه بحديث بن عباس على أن من خلف بنتا وأخا شقيقا وأختا شقيقة كان لابنته النصف وما بقي لاخيه ولا شئ لاخته ولو كانت شقيقة وطردوا ذلك فيما لو كان مع الاخت الشقيقة عصبة فقال لا شئ لها مع البنت بل الذي يبقى بعد البنت للعصبة ولو بعدوا وأحتجوا أيضا بقوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك قالوا فمن أعطى الاخت مع البنت خالف ظاهر القرآن قال واستدل عليهم بالاتفاق على أن من ترك بنتا وابن بن وبنت بن متساويين أن للبنت النصف وما بقي بين بن الابن وبنت الابن ولم يخص بن الابن بما بقي لكونه ذكرا بل ورثوا معه شقيقته وهي أنثى قال فعلم بذلك أن حديث بن عباس ليس على عمومه بل هو في شئ خاص وهو ما إذا ترك بنتا وعما وعمة فان للبنت النصف وما بقي للعم دون العمة إجماعا قال فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الاخت مع الاخ بالابن والبنت لا بالعم والعمة لان الميت لو لم يترك إلا أخا وأختا شقيقتين فالمال بينهما فكذلك لو ترك بن بن وبنت بن بخلاف ما لو ترك عما وعمة فان المال كله للعم دون العمة باتفاقهم قال وأما الجواب عما احتجوا به من الآية فهو أنهم أجمعوا على أن الميت لو ترك بنتا وأخا لاب كان للبنت النصف وما بقي للاخ وأن معنى قوله تعالى ليس له ولد انما هو ولد يحوز المال كله لا الولد الذي لا يحوز وأقرب العصبات البنون ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الاب ثم الجد والاخ إذا

[ 12 ]

انفرد واحد منهما فان اجتمعا فسيأتي حكمه ثم بنو الاخوة ثم بنوهم وإن سفلوا ثم الاعمام ثم بنوهم وإن سفلوا ومن أدلى بأبوين يقدم على من أدلى بأب لكن يقدم الاخ من الاب على بن الاخ من الابوين ويقدم بن أخ لاب على عم لابوين ويقدم عم لاب على بن عم لابوين واستدل به البخاري على أن بن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه بن وعلى أن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أب وعلى أن لاخ من الام إذا كان بن عم يرث بالفرض والتعصيب وسيأتي جميع ذلك والبحث فيه قوله باب ميراث البنات الاصل فيه كما تقدم في أول كتاب الفرائض قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وقد تقدمت الاشارة إليه والى سبب نزولها وان أهل الجاهلية كانوا لا يورثون البنات كما حكاه جعفر بن حبيب في كتاب المحبر وحكى ان بعض عقلاء الجاهلية ورث البنت لكن سوى بينها وبين الذكر وهو عامر بن جشم بضم الجيم وفتح المعجمة وقد تمسك بالسبب المذكور من أجاب عن السؤال المشهور في قوله تعالى فان كن نساء فوق اثنتين حيث قيل ذكر في الآية حكم البنتين في حال اجتماعهما مع الابن دون الانفراد وذكر حكم البنت الواحدة في الحالين وكذا حكم ما زاد على البنتين وقد انفرد بن عباس بأن حكمهما حكم الواحدة وأبى ذلك الجمهور واختلف في مأخذهم فقيل حكمهما حكم الثلاث فما زاد ودليله بيان السنة فان الآية لما كانت محتملة بينت السنة أن حكمهما حكم ما زاد عليهما وذلك واضح في سبب النزول فان العم لما منع البنتين من الارث وشكت ذلك أمهما قال صلى الله عليه وسلم لها يقضي الله في ذلك فنزلت آية الميراث فأرسل إلى العم فقال أعط بنتي سعد الثلثين فلا يرد على ذلك أنه يلزم منه نسخ الكتاب بالسنة فإنه بيان لا نسخ وقيل بالقياس على الاختين وهما أولى لما يختص بهما من أنهما أمس رحما بالميت من أختيه فلا يقصر بهما عنهما وقيل أن لفظ فوق في الآية مقحم وهو غلط وقال المبرد يؤخذ من جهة أن أقل عدد يجتمع به الصنفان ذكر وأنثى فان كان للواحدة ثلث كان للبنتين الثلثان وقال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن يؤخذ ذلك من قوله تعالى للذكر مثل حظ الانثيين لانه يقتضي أنه إذا كان ذكر وأنثى فللذكر الثلثان وللانثى الثلث فإذا استحقت الثلث مع الذكر فاستحقاقها الثلث مع أنثى مثلها بطريق الاولى وقال السهيلي يؤخذ ذلك من المجئ بلام التعريف التي للجنس في قوله حظ الانثيين فإنه يدل على انهما استحقا الثلثين وأن الواحدة لها مع الذكر الثلث وكان ظاهر ذلك أنهن لو كن ثلاثا لاستوعبن المال فلذلك ذكر حكم الثلاث فما زاد واستغنى عن إعادة حكم الانثيين لانه قد تقدم بدلالة اللفظ وقال صاحب الكشاف وجهه أن الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالاثنتان كذلك يحوزان الثلثين فلما ذكر ما دل على حكم الثنتين ذكر بعده حكم ما فوق الثنتين وهو منتزع من كلام القاضي وقرر الطيبي فقال اعتبر القاضي الفاء في قوله تعالى فان كن نساء لان مفهوم ترتيب الفاء ومفهوم الوصف في قوله فوق اثنين مشعران بذلك فكأنه لما قال للذكر مثل حظ الانثيين علم بحسب الظاهر من عبارة النص حكم الذكر مع الانثى إذا اجتمعا وفهم منه بحسب إشارة النص حكم الثنتين لان الذكر كما يحوز الثلثين مع الواحدة فالثنتان يحوزان الثلثين ثم أراد أن يعلم حكم ما زاد على الثنتين فقال فان كن نساء فوق اثنتين فمن نظر إلى عبارة النص قال أريد حالة الاجتماع دون الانفراد ومن نظر إلى إشارة النص قال ان حكم الثنتين حكم

[ 13 ]

الذكر مطلقا واعترض على هذا التقرير بأنه ثبت بما ذكر أن لهما الثلثين في صورة ما وليست هي صورة الاجتماع دائما إذ ليس للبنتين مع الابن الثلثان والجواب عنه عسر إلا إن انضم إليه أن الحديث بين ذلك ويعتذر عن بن عباس بأنه لم يبلغه فوقف مع ظاهر الآية وفهم أن قوله فوق اثنتين لانتفاء الزيادة على الثلثين لا لاثبات ذلك الثنتين وكذا يرد على جواب السهيلي أن الاثنتين لا يستمر الثلثان حظهما في كل صورة والله أعلم ثم ذكر المصنف في الباب حديث سعد بن أبي وقاص في الوصية بالثلث وقد مضى شرحه مستوفى في الوصايا والغرض منه قوله وليس يرثني إلا ابنتي وقد تقدم أن الذي نفاه سعد أولاده وإلا فقد كان له من العصبات من يرثه وحديث معاذ في توريث البنت والاخت وسيأتي شرحه قريبا في باب ميراث الاخوات مع البنات من وجه أخر عن الاسود وأبو النضر المذكور في سنده هو هاشم بن القاسم وشيبان هو بن عبد الرحمن والاشعث هو بن أبي الشعثاء سليم المحاربي وقد أخرجه يزيد بن هارون في كتاب الفرائض له عن سفيان الثوري عن أشعث بن أبي الشعثاء عن الاسود بن يزيد قال قضى بن الزبير في ابنه وأخت فأعطى الابنة النصف وأعطى العصبة بقية المال فقلت له إن معاذا قضى فيها باليمن فذكره قال فقال له أنت رسولي إلى عبد الله بن عتبة وكان قاضي الكوفة فحدثه بهذا الحديث وأخرجه الدارمي والطحاوي من طريق الثوري نحوه قوله ميراث بن الابن إذا لم يكن بن أي للميت لصلبه سواء كان أباه أو عمه قوله وقال زيد بن ثابت الخ وصله سعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه وقوله بمنزلة الولد أي للصلب وقوله إذا لم يكن دونهم أي بينهم وبين الميت وقوله ولد ذكر احترز به عن الانثى وسقط لفظ ذكر من رواية الاكثر وثبت الكشميهني وهي في رواية سعيد بن منصور المذكورة وقوله يرثون كما يرثون ويحجبون كما يحجبون أي يرثون جميع المال إذا انفردوا ويحجبون من دونهم في الطبقة ممن بينه وبين الميت مثلا اثنان فصاعدا ولم يرد تشبيههم بهم من كل جهة وقوله في آخره ولا يرث ولد الابن مع الابن تأكيد لما تقدم فان حجب أولاد الابن بالابن انما يؤخذ من قوله إذا لم يكن دونهم إلى آخره بطريق المفهوم ثم ذكر حديث بن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها وقد مضى شرحه قريبا قال بن بطال قال أكثر الفقهاء فيمن خلفت زوجا وأبا وبنتا وابن بن وبنت بن تقدم الفروض فللزوج الربع وللاب السدس وللبنت النصف وما بقي بين ولدي الابن الذكر مثل حظ الانثيين فان كانت البنت أسفل من الابن فالباقي له دونها وقيل الباقي له مطلقا لقوله فما بقي فلاولى رجل ذكر وتمسك زيد بن ثابت والجمهور بقوله تعالى في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين وقد اجمعوا أن بني البنين ذكورا وإناثا كالبنين عند فقد البنين إذا استووا في التعدد فعلى هذا تخص هذه الصورة من عموم فلاولى رجل ذكر قوله باب ميراث ابنة بن مع ابنة في رواية الكشميهني مع بنت قوله حدثنا أبو قيس هو عبد الرحمن بن ثروان بفتح المثلثة وسكون الراء وهزيل بالزاي مصغر ووقع في كتب كثير من الفقهاء هذيل بالذال المعجمة قيس واسمه عبد الرحمن قوله سئل أبو موسى في رواية غندر عن شعبة عن النسائي جاء رجل إلى أبي موسى الاشعري وهو الامير والي سلمان بن ربيعة الباهلي فسألهما وكذا أخرجه

[ 14 ]

أبو داود من طريق الاعمش عن أبي قيس لكن لم يقل وهو الامير وكذا للترمذي وابن ماجة والطحاوي والدارمي من طرق عن سفيان الثوري بزيادة سلمان بن ربيعة مع أبي موسى وقد ذكروا أن سلمان المذكور كان على قضاء الكوفة قوله وائت بن مسعود فسيتابعني في رواية الاعمش والثوري المشار إليهما فقال له أبو موسى وسلمان بن ربيعة وفيها أيضا فسيتابعنا وهذا قاله أبو موسى على سبيل الظن لانه اجتهد في المسألة ووافقه سلمان فظن أن بن مسعود يوافقهما ويحتمل أن يكون سبب قوله ائت بن مسعود الاستثبات قوله فقال لقد ضللت إذا قاله جوابا عن قول أبي موسى أنه سيتابعه وأشار إلى أنه لو تابعه لخالف صريح السنة عنده وأنه لو خالفها عامدا لضل قوله أقضي فيها بما قضى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الدارقطني من طريق حجاج بن أرطاة عن عبد الرحمن بن مروان فقال بن مسعود كيف أقول يعني مثل قول أبي موسى وقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكره قوله فأتينا أبا موسى فأخبرناه بقول بن مسعود فيه إشارة إلى أن هزيلا الراوي توجه مع السائل إلى بن مسعود فسمع جوابه فعاد إلى أبي موسى معهم فأخبروه قوله لا تسألوني ما دام هذا الحبر بفتح مهملة وبكسرها أيضا وسكون الموحدة حكاه الجوهري ورجح الكسر وجزم الفراء بأنه بالكسر وقال سمي باسم الحبر الذي يكتب به وقال أبو عبيد الهروي هو العالم بتحبير الكلام وتحسينه وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين وأنكر أبو الهيثم الكسر وقال الراغب سمي العالم حبرا لما يبقى من أثر علومه وكانت هذه القصة في زمن عثمان لانه هو الذي أمر أبا موسى على الكوفة وكان بن مسعود قبل ذلك أميرها ثم عزل قبل ولاية أبي موسى عليها بمدة قال بن بطال فيه ان العالم يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة ولا يتولى الجواب إلى أن يبحث عن ذلك وفيه أن الحجة عند التنازع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليها وفيه ما كانوا عليه من الانصاف والاعتراف بالحق والرجوع إليه وشهادة بعضهم لبعض بالعلم والفضل وكثرة اطلاع بن مسعود على السنة وتثبت أبي موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنه أعلم منه قال ولا خلاف بين الفقهاء فيما راواه بن مسعود وفي جواب أبي موسى إشعار بأنه رجع عما قاله قال بن عبد البر لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى الاشعري وسلمان بن ربيعة الباهلي وقد رجع أبو موسى عن ذلك ولعل سلمان أيضا رجع كأبي موسى وسلمان المذكور مختلف في صحبته وله أثر في فتوح العراق أيام عمر وعثمان واستشهد في زمن عثمان وكان يقال له سلمان الخيل لمعرفته بها واستدل الطحاوي بحديث بن مسعود هذا على أن المراد بحديث بن عباس فما أبقت الفرائض فلاولى رجل ذكر من يكون أقرب العصبات إلى الميت فلو كان هناك عصبة أقرب إلى الميت ولو كانت أنثى كان المال الباقي لها ووجه الدلالة منه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الاخوات من قبل الاب مع البنت عصبة فصرن مع البنات في حكم الذكور من قبل الارث وقال غيره وجه كون الولد المذكور في قوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد ذكرا أنه الذي يسبق إلى الوهم من قول القائل قال ولد فلان كذا فأول ما يقع في نفس السامع أن المراد الذكر وإن كان الاناث أيضا اولادا بالحقيقة ولكن هو أمر شائع وقد قال الله تعالى إنما أموالكم وأولادكم فتنة وقال لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم وقال حكاية عن الكافر الذي قال لاوتين مالا وولدا والمراد بالاولاد والولد في هذه

[ 15 ]

الآي الذكور دون الاناث لان العرب ما كانت تتكاثر بالبنات فإذا حمل قوله تعالى إن امرؤ هلك ليس له ولد على الولد الذكر لم يمنع الاخت الميراث مع البنت وعلى تقدير أن يكون الولد في الآية أعم فأنه محتمل لان يراد به العموم على ظاهره وأن يراد به خصوص الذكر فبينت السنة الصحيحة أن المراد به الذكور دون الاناث قال بن العربي يؤخذ من قصة أبي موسى وابن مسعود جواز العمل بالقياس قبل معرفة الخبر والرجوع إلى الخبر بعد معرفته ونقض الحكم إذا خالف النص قلت ويؤخذ من صنيع أبي موسى أنه كان يرى العمل بالاجتهاد قبل البحث عن النص وهو لائق بمن يعمل بالعام قبل البحث عن المخصص وقد نقل بن الحاجب على منع العمل بالعموم قبل البحث عن المخصص وتعقب بأن أبوي إسحاق الاسفرايني والشيرازي حكيا الخلاف وقال أبو بكر الصيرفي وطائفة وهو المشهور وعن الحنفية يجب الانقياد للعموم في الحال وقال بن شريح وابن خيران والفضال يجب البحث قال أبو حامد وكذا الخلاف في الامر والنهي المطلق قوله باب ميراث الجد مع الاب والاخوة المراد بالجد هنا من يكون من قبل الاب والمراد بالاخوة الاشقاء ومن الاب وقد انعقد الاجماع على أن الجد لا يرث مع وجود الاب قوله وقال أبو بكر وابن عباس وابن الزبير الجد أب أي هو أب حقيقة لكن تتفاوت مراتبه بحسب القرب والبعد وقيل المعنى أنه ينزل منزلة الاب في الحرمة ووجوه البر والمعروف عن المذكورين الاول قال يزيد بن هارون في كتاب الفرائض له أخبرنا محمد بن سالم عن الشعبي أن أبا بكر وابن عباس وابن الزبير كانوا يجعلون الجد أبا يرث ما يرث ويحجب ما يحجب ومحمد بن سالم ضعيف والشعبي عن أبي بكر منقطع وقد جاء من طريق أخرى وإذا حمل ما نقله الشعبي على العموم لزم منه خلاف ما اجمعوا عليه في صورة وهي أم الاب إذا علت تسقط بالاب ولا تسقط بالجد واختلف في صورتين إحداهما أن بني العلات والاعيان يسقطون بالاب ولا يسقطون بالجد إلا عند أبي حنيفة ومن تابعه والام مع الاب وأحد الزوجين تأخذ ثلث ما بقي ومع الجد تأخذ ثلث الجميع إلا عند أبي يوسف فقال هو كالاب وفي الارث بالولاء صورة ثالثة فيها اختلاف أيضا فاما قول أبي بكر وهو الصديق فوصله الدارمي بسند على شرط مسلم عن أبي سعيد الخدري أن أبا بكر الصديق جعل الجد أبا وبسند صحيح إلى أبي موسى أن أبا بكر مثله وبسند صحيح أيضا إلى عثمان بن عفان أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا وفي لفظ له أنه جعل الجد أبا إذا لم يكن دونه أب وبسند صحيح عن بن عباس أن أبا بكر كان يجعل الجد أبا وقد أسند المصنف في آخر الباب عن بن عباس أن أبا بكر أنزله أبا وكذا مضى في المناقب موصولا عن بن الزبير أن أبا بكر أنزله أبا وأما قول بن عباس فأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب الفرائض من طريق عمرو بن دينار عن عطاء عن بن عباس قال الجد أب وأخرج الدارمي بسند صحيح عن طاوس عنه أنه جعل الجد أبا وأخرج يزيد بن هارون من طريق ليث عن طاوس أن عثمان وابن عباس كان يجعلان الجد أبا اما قول بن الزبير فتقدم في المناقب موصولا من طريق بن أبي مليكة قال كتب أهل الكوفة إلى بن الزبير في الجد فقال ان أبا بكر أنزله أبا وفيه دلالة على أنه أفتاهم بمثل قول أبي يكر وأخرج يزيد بن هارون من طريق سعيد بن جبير قال كنت كاتبا لعبد الله بن عتبة فأتاه كتب بن الزبير أن أبا بكر جعل الجد أبا قوله وقرأ بن عباس يا بني آدم

[ 16 ]

واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب أما احتجاج بن عباس بقوله تعالى يا بني آدم فوصله محمد بن نصر من طريق عبد الرحمن بن معقل قال جاء رجل إلى بن عباس فقال له كيف تقول في الجد قال أي أب لك أكبر فسكت وكأنه عي عن جوابه فقلت أنا آدم فقال أفلا تسمع إلى قوله تعالى يا بني آدم أخرجه الدارمي من هذا الوجه وأما احتجاجه بقوله تعالى واتبعت ملة آبائي فوصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عن بن عباس قال الجد أب وقرأ واتبعت ملة آبائي الآية واحتج بعض من قال بذلك بقوله صلى الله عليه وسلم أنا بن عبد المطلب وانما هو بن ابنه قوله ولم يذكر هو بضم أوله على البناء للمجهول قوله أن أحدا خالف أبا بكر في زمانه وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم متوافرون كأنه يريد بذلك تقوية حجة القول المذكور فان الاجماع السكوتي حجة وهو حاصل في هذا وممن جاء عنه التصريح بأن الجد يرث ما كان يرث الاب عند عدم الاب غير من سماه المصنف معاذ وأبو الدرداء وأبو موسى وأبي بن كعب وعائشة وأبو هريرة ونقل ذلك أيضا عن عمر وعثمان وعلي وابن مسعود على اختلاف عنهم كما سيأتي ومن التابعين عطاء وطاوس وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو الشعثاء وشريح والشعبي ومن فقهاء الامصار عثمان التيمي وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه وداود وأبو ثور والمزني وابن سريج وذهب عمر وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود إلى توريث الاخوة مع الجد لكن اختلفوا في كيفية ذلك كما سيأتي بيانه قوله وقال بن عباس يرثني بن ابني دون إخوتي ولا أرث أنا بن ابني ووصله سعيد بن منصور من طريق عطاء عنه قال فذكر قال بن عبد البر وجه قياس بن عباس أن بن الابن لما كان كالابن عند عدم الابن كان أبو الأب عند عدم الاب كالاب وقد ذكر من وافق بن عباس في هذا توجيه قياسه المذكور من جهة أنهم اجمعوا على أنه كالاب في الشهادة له وفي العتق عليه وأنه لا يفتص منه وأنه ذو فرض أو عاصب وعلى أن من ترك ابنا وأبا أن للاب السدس والباقي للابن وكذا لو ترك جدة لابيه وابنا وعلى أن الجد يضرب مع أصحاب الفروض بالسدس كما يضرب الاب سواء قيل بالعول أم لا واتفقوا على أن بن الابن بمنزلة الابن في حجب الزوج عن النصف والمرأة عن الربع والام عن الثلث كالابن سواء فلو أن رجلا ترك آبويه وابن ابنة كان لكل من آبويه السدس وأن من ترك أبا جده وعمه أن المال لابي جده دون عمه فينبغي أن يكون لوالد أبيه دون إخوته فيكون الجد أولى من أولاد أبيه كما أن أباه أولى من أولاد أبيه وعلى أن الاخوة من الام لا يرثون مع الجد كما لا يرثون مع الاب فحجبهم الجد كما حجبهم الاب فينبغي أن يكون الجد كالاب في حجب الاخوة وكذا القول في بني الاخوة ولو كانوا أشقاء وقال السهيلي لم ير زيد بن ثابت لاحتجاج بن عباس بقوله تعالى يا بني آدم ونحوها مما ذكر عنه حجة لان ذلك ذكر في مقام النسبة والتعريف فعبر بالبنوة ولو عبر بالولادة لكان فيه متعلق ولكن بين التعبير بالولد والابن فرق ولذلك قال تعالى يوصيكم الله في أولادكم ولم يقل في أبنائكم ولفظ الولد يقع على الذكر والانثى والواحد والجمع بخلاف الابن وأيضا فلفظ الولد يليق بالميراث بخلاف الابن تقول بن فلان من الرضاعة ولا تقول ولده وكذا كان من يتبنى ولد غيره قال له ابني وتبناه ولا يقول ولدي ولا ولده ومن ثم قال في آية التحريم وحلائل أبنائكم إذ لو قال وحلائل أولادكم لم يحتج إلى أن يقول من أصلابكم لان الولد لا يكون إلا من صلب أو بطن قوله ويذكر عن عمر وعلي وابن مسعود

[ 17 ]

وزيد أقاويل مختلفة سقط ذكر زيد من شرح بن بطال فلعله من النسخة وقد أخذ بقوله جمهور العلماء وتمسكوا بحديث أفرضكم زيد وهو حديث حسن أخرجه أحمد وأصحاب السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من رواية أبي قلابة عن أنس وأعله بالارسال ورجحه الدارقطني والخطيب وغيرهما وله متابعات وشواهد ذكرتها في تخريج أحاديث الرافعي فأما عمر فأخرج الدارمي بسند صحيح عن الشعبي قال أول جد ورث في الاسلام عمر فأخذ ماله فأتاه علي وزيد يعني بن ثابت فقالا ليس لك ذلك انما أنت كأحد الاخوين وأخرج بن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن غنم مثله دون قوله فأتاه الخ لكن قال فأراد عمر أن يحتار المال فقلت له يا أمير المؤمنين أنهم شجرة دونك يعني بني أبيه وأخرج الدارقطني بسند قوي عن زيد بن ثابت أن عمر أتاه فذكر قصة فيها أن مثل الجد كمثل شجرة نبتت على ساق واحد فخرج منها غصن ثم خرج من الغصن غصن فان قطعت الغصن رجع الماء إلى الساق وان قطعت الثاني رجع الماء إلى الاول فخطب عمر الناس فقال أن زيدا قال في الجد قولا وقد أمضيته وأخرج الدارمي من طريق إسماعيل بن أبي خالد قال قال عمر خذ من الجد ما اجتمع عليه الناس وهذا منقطع وأخرج الدارمي من طريق عيسى الخياط عن الشعبي قال كان عمر يقاسم الجد مع الاخ والاخوين فإذا زادوا أعطاه الثلث وكان يعطيه مع الولد السدس وأخرج البيهقي بسند صحيح عن يونس بن يزيد عن الزهري حدثني سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وقبيصة بن ذؤيب أن عمر قضى أن الجد يقاسم الاخوة للاب والام والاخوة للاب ما كانت المقاسمة خيرا له من الثلث فان كثر الاخوة أعطى الجد الثلث وأخرج يزيد بن هارون في كتاب الفرائض عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو قال اني لاحفظ عن عمر في الجد مائة قضية كلها ينقض بعضها بعضا وروينا في الجزء الحادي عشر من فوائد أبي جعفر الرازي بسند صحيح إلى بن عون عن محمد بن سيرين سألت عبيدة عن الجد فقال قد حفظت عن عمر في الجد مائة قضية مختلفة وقد استبعد بعضهم هذا عن عمر وتأول البزار صاحب المسند قوله قضايا مختلفة على اختلاف حال من يرث مع الجد كأن يكون أخ واحد أو أكثر أو أخت واحدة أو أكثر ويدفع هذا التأويل ما تقدم من قول عبيدة بن عمرو ينقض بعضها بعضا وسيأتي عن عمر أقوال أخرى وأما علي فأخرج بن أبي شيبة ومحمد بن نصر بسند صحيح عن الشعبي كتب بن عباس إلى علي يسأله عن ستة إخوة وجد فكتب إليه أن اجعله كأحدهم وامح كتابي واخرج الدارمي بسند قوي عن الشعبي قال كتب بن عباس إلى علي وابن عباس بالبصرة اني أتيت بجد وستة إخوة فكتب إليه على أن أعط الجد سبعا ولا تعطه أحدا بعده وبسند صحيح إلى عبد الله بن سلمة أن عليا كان يجعل الجد أخا حتى يكون سادسا ومن طريق الحسن البصري أن عليا كان يشرك الجد مع الاخوة إلى السدس ومن طريق إبراهيم النخعي عن علي نحوه وأخرج بن أبي شيبة من وجه آخر عن الشعبي عن علي أنه أتى في جد وستة إخوة فأعطى الجد السدس وأخرج يزيد بن هارون في الفرائض له عن محمد بن سالم عن الشعبي عن علي نحوه ومحمد بن سالم هذا فيه ضعف وسيأتي عن علي أقوال أخرى وأخرج الطحاوي من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال حدثت أن علي كان ينزل بني الاخوة مع الجد منزلة آباءهم ولم يكن أحد من الصحابة يفعله غيره ومن طريق السري بن يحيى عن الشعبي

[ 18 ]

عن علي كقول الجماعة وأما عبد الله بن مسعود فأخرج الدارمي بسند صحيح إلى أبي إسحاق السبيعي قال دخلت على شريح وعنده عامر يعني الشعبي وعبد الرحمن بن عبد الله أي بن مسعود في فريضة امرأة منا تسمى العالية تركت زوجها وأمها وأخاها لابيها وجدها فذكر قصة فيها فاتيت عبيدة بن عمرو وكان يقال ليس بالكوفة اعلم بفريضة من عبيدة والحارث الاعور فسألته فقال ان شئتم نبأتكم بفريضة عبد الله بن مسعود في هذا فجعل للزوج ثلاثة أسهم النصف وللام ثلث ما بقي وهو السدس من رأس المال وللاخ سهم وللجد سهم وروينا في كتاب الفرائض لسفيان الثوري من طريق النخعي قال كان عمر وعبد الله يكرهان أن يفضلا أما على جد وأخرج سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة بسند واحد صحيح إلى عبيد بن نضلة قال كان عمر وابن مسعود يقاسمان الجد مع الاخوة ما بينه وبين أن يكون السدس خيرا له من مقاسمة الاخوة وأخرجه محمد بن نصر مثله سواء وزاد ثم ان عمر كتب إلى عبد الله ما أرانا إلا قد أجحفنا بالجد فإذا جاءك كتابي هذا فقاسم به مع الاخوة ما بينه وبين أن يكون الثلث خيرا له من مقاسمتهم فأخذ بذلك عبد الله وأخرج محمد بن نصر بسند صحيح إلى عبيدة بن عمرو قال كان يعطي الجد مع الاخوة الثلث وكان عمر يعطيه السدس ثم كتب عمر إلى عبد الله إنا نخاف أن نكون قد أجحفنا بالجد فأعطه الثلث ثم قدم على هاهنا يعني الكوفة فأعطاه السدس قال عبيدة فرأيهما في الجماعة أحب إلى من رأى أحدهما في الفرقة ومن طريق عبيد بن نضيلة ان عليا كان يعطي الجد الثلث ثم تحول إلى السدس وأن عبد الله كان يعطيه السدس ثم تحول إلى الثلث وأما زيد بن ثابت فأخرج الدارمي من طريق الحسن البصري قال كان زيد يشرك الجد مع الاخوة إلى الثلث وأخرج البيهقي من طريق بن وهب أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد قال أخذ أبو الزناد هذه الرسالة من خارجة بن زيد بن ثابت ومن كبراء آل زيد بن ثابت فذكر قصة فيها قال زيد بن ثابت وكان رأيي أن الاخوة أولى بميراث أخيهم من الجد وكان عمر يرى أن الجد أولى بميراث بن ابنه من إخوته وأخرجه بن حزم من طريق إسماعيل القاضي عن إسماعيل بن أبي أويس عن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد عن أبيه قال كان رأيي أن الاخوة أحق بميراث أخيهم من الجد وكان أمير المؤمنين يعني عمر يعطيهم بالوجه الذي يراه على قدر كثرة الاخوة وقلتهم قلت فاختلف النقل عن زيد وأخرج عبد الرزاق من طريق إبراهيم قال كان زيد بن ثابت يشرك الجد مع الاخوة إلى الثلث فإذا بلغ الثلث أعطاه إياه والاخوة ما بقي ويقاسم الاخ للاب ثم يرد على أخيه ويقاسم بالاخوة من الاب مع الاخوة الاشقاء ولا يورث الاخوة للاب شيئا ولا يعطي أخا لام مع الجد شيئا قال بن عبد البر تفرد زيد من بين الصحابة في معادلته الجد بالاخوة بالاب مع الاخوة الاشقاء وخالفه كثير من الفقهاء القائلين بقوله في الفرائض في ذلك لان الاخوة من الاب لا يرثون مع الاشقاء فلا معنى لادخالهم معهم لانه حيف على الجد في المقاسمة وقد سأل بن عباس زيدا عن ذلك فقال انما أقول في ذلك برأيي كما تقول أنت برأيك وقال الطحاوي ذهب مالك والشافعي وأبو يوسف إلى قول زيد بن ثابت في الجد ان كان معه إخوة أشقاء قاسمهم ما دامت المقاسمة خيرا له من الثلث وان كان الثلث خيرا له أعطاه إياه ولا ترث الاخوة من الاب مع الجد شيئا ولا بنو الاخوة ولو كانوا أشقاء وإذا كان مع الجد والاخوة أحد من أصحاب

[ 19 ]

الفروض بدأ بهم ثم أعطى الجد خير الثلاثة من المقاسمة ومن ثلث ما بقى ومن السدس ولا ينقصه من السدس إلا في الاكدرية قال وروى هشام عن محمد بن الحسن أنه وقف في الجد قال أبو يوسف وكان بن أبي ليلى يأخذ في الجد بقول علي ومذهب أحمد أنه كواحد الاخوة فان كان الثلث أحظ له أخذه وله مع ذي فرض بعده الاحظ من مقاسمة كأخ أو ثلث الباقي أو سدس الجميع والاكدرية المشار إليها تسمى مربعة الجماعة لانهم أجمعوا على أنها أربعة ولكن اختلفوا في قسمها وهي زوج وأم وأخت وجد فللزوج النصف وللام الثلث وللجد السدس وللاخت النصف وتصح من سبعة وعشرين للزوج تسعة وللام ستة وللاخت أربعة وللجد ثمانية وقد نظمها بعضهم ما فرض أربعة يوزع بينهم ميراث ميتهم بفرض واقع فلواحد ثلث الجميع وثلث ما يبقى لثانيهم بحكم جامع ولثالث من بعد ذا ثلث الذي يبقى وما يبقى نصيب الرابع ثم ذكر المصنف حديث بن عباس ألحقوا الفرائض وقد تقدم شرحه ووجه تعلقه بالمسألة أنه دل على أن الذي يبقى بعد الفرض يصرف لاقرب الناس للميت فكان الجد أقرب فيقدم قال بن بطال وقد احتج به من شرك بين الجد والاخ فإنه أقرب إلى الميت بدليل أنه ينفرد بالولاء ولانه يقوم مقام الولد في حجب الام من الثلث إلى السدس ولان الجد انما يدلى إلى الميت وهو ولد ابنه والاخ يدلى بالميت وهو ولد أبيه والابن أقوى من الاب لان الابن ينفرد بالمال ويرد الاب إلى السدس ولا كذلك الاب فتعصيب الاخ تعصيب بنوة وتعصيب الجد تعصيب أبوه والبنوة أقوى من الابوة في الارث ولان الاخت فرضها النصف إذا انفردت فلم يسقطها الجد كالبنت ولان الاخ يعصب أخته بخلاف الجد فامتنع من قوة تعصيبه عليه أن يسقط به وقال السهيلي الجد أصل ولكن الاخ في الميراث أقوى سببا منه لانه يدلى بولاية الاب فالولادة أقوى الاسباب في الميراث فإن قال الجد وأنا أيضا ولدت الميت قيل له انما ولدت والده وأبوه ولد الاخوة فصار سببهم قويا وولد الولد ليس ولدا إلا بواسطة وان شاركه في مطلق الولدية ثم ذكر حديث بن عباس أيضا في فضل أبي بكر وقد تقدم شرحه مستوفى في المناقب وقوله أفضل أو قال خير شك من الراوي وكذا قوله أنزله أبا أو قال قضاه أبا قوله باب ميراث الزوج مع الولد وغيره أي من الوارثين فلا يسقط الزوج بحال وانما يحطه الولد عن النصف إلى الربع ذكر فيه حديث بن عباس كان المال أي المخلف عن الميت للولد والوصية للوالدين الحديث وقد تقدم في الوصايا وذكرت شرحه هناك مستوفى سندا ومتنا ولله الحمد قال بن المنير استشهاد البخاري بحديث بن عباس هذا مع أن الدليل من الآية واضح إشارة منه إلى تقرير سبب نزول الآية وأنها على ظاهرها غير مؤولة ولا منسوخة وأفاد السهيلي أن في الآية التي نسختها وهي يوصيكم الله إشارة إلى استمرارها فلذلك عبر بالفعل الدال على الدوام بخلاف غيرها من الآيات حيث قال في الآية المنسوخة الحكم كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت ان ترك خيرا الآية قوله وجعل للابوين لكل واحد منهما السدس أفاد السهيلي أن الحكمة في إعطاء الوالدين ذلك والتسوية بينهما ليستمرا فيه فلا يجحف بهما ان كثرت الاولاد مثلا وسوى بينهما في ذلك مع وجود الولد أو الاخوة لما يستحقه

[ 20 ]

كل منهما على الميت من التربية ونحوها وفضل الاب على الام عند عدم الولد والاخوة لما للاب من الامتياز بالانفاق والنصرة ونحو ذلك وعوضت الام عن ذلك بأمر الولد بتفضيلها على الاب في البر في حال حياة الولد انتهى ملخصا وأخرج عبد بن حميد من طريق قتادة عن بعض أهل العلم أن الاب حجب الاخوة وأخذ سهامهم لانه يتولى إنكاحهم والانفاق عليهم دون الام قوله باب ميراث المرأة والزوج مع الولد وغيره أي من الوارثين فلا يسقط إرث واحد منهما بحال بل يحط الولد الزوج من النصف إلى الربع ويحط المرأة من الربع إلى الثمن ذكر فيه حديث أبي هريرة في قصة المرأة التي ضربت الاخرى فأسقطت جنينا ثم ماتت الضاربة فقضى النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة وأن العقل على عصبة القاتلة وأن ميراث الضاربة لبنيها وزوجها وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الديات إن شاء الله تعالى ووجه الدلالة منه على الترجمة ظاهرة لان ميراث الضاربة لبنيها وزوجها لا لعصبتها الذين عقلوا عنها فورث الزوج مع ولده وكذا لو كان الاب هو الميت لورثت الام مع الاولاد أشار إلى ذلك بن التين وكذا لو كان هناك عصبة بغير ولد قوله باب ميراث الاخوات مع البنات عصبة قال بن بطال أجمعوا على أن الاخوات عصبة البنات فيرثن ما فضل عن البنات فمن لم يخلف إلا بنتا وأختا فللبنت النصف وللاخت النصف الباقي على ما في حديث معاذ وان خلف بنتين وأختا فلهما الثلثان وللاخت ما بقى وإن خلف بنتا وأختا وبنت بن فللبنت النصف ولبنت الابن تكملة الثلثين وللاخت ما بقى على ما في حديث بن مسعود لان البنات لا يرثن أكثر من الثلثين ولم يخالف في شئ من ذلك إلا بن عباس فإنه كان يقول للبنت النصف وما بقى للعصبة وليس للاخت شئ وكذا البنتين الثلثان وللبنت وبنت الابن كما مضى والباقي للعصبة فإذا لم تكن عصبة رد الفضل على البنت أو البنات وقد تقدم البحث في ذلك قال ولم يوافق بن عباس على ذلك أحد إلا أهل الظاهر قال وحجة الجماعة من جهة النظر أن عدم الولد في قوله تعالى ان امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت إنما جعل شرطا في فرضها الذي تقاسم به الورثة لا في توريثها مطلقا فإذا عدم الشرط سقط الفرض ولم يمنع ذلك أن ترث بمعنى آخر كما شرط في ميراث الاخ من أخته عند عدم الولد وهو يرثها إن لم يكن لها ولد وقد أجمعوا على أنه يرثها مع البنت وهو كما جعل النصف في ميراث الزوج شرطا إذا لم يكن ولد ولم يمنع ذلك أن يأخذ النصف مع البنت فيأخذ نصف النصف بالفرض والنصف الآخر بالتعصيب إن كان بن عم مثلا وكذلك الاخت والله أعلم قوله عن سليمان هو الاعمش وإبراهيم هو النخعي والاسود هو بن يزيد وهو خال إبراهيم الراوي عنه قوله ثم قال سليمان قضى فينا ولم يذكر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل ذلك هو شعبة وسليمان هو الاعمش وهو موصول بالسند المذكور وحاصله أن الاعمش روى الحديث أولا بإثبات قوله على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون مرفوعا على الراجح في المسألة ومرة دونها فيكون موقوفا وقد أخرجه الاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن بشر بن خالد شيخ البخاري فيه مثله لكن قال قال سليمان بعد قال القاسم وحدثنا محمد بن عبد الاعلى حدثنا خالد بسنده بلفظ قضى بذلك معاذ فينا قلت وقد مضى في باب ميراث البنات من وجه آخر عن الاسود بن يزيد قال أتانا معاذ بن جبل باليمن معلما وأميرا فسألنا عن رجل فذكره وسياقه مشعر بأن ذلك كان في عهد النبي

[ 21 ]

صلى الله عليه وسلم لان النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي أمره على اليمن كما مضى صريحا في كتاب الزكاة وغيره وأخرجه أبو داود والدار قطني من وجه ثالث عن الاسود أن معاذ ورث فذكره وزاد هو باليمن ونبي الله صلى الله عليه وسلم يومئذ حي وللدار قطني من وجه آخر عن الاسود قدم علينا معاذ حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكره باختصار وهذا أصرح ما وجدت في ذلك قوله عبد الرحمن هو بن مهدي وسفيان هو الثوري وأبو قيس هو عبد الرحمن وقد مضى ذكره وشرح حديثه قبل هذا بأربعة أبواب من طريق شعبة عن أبي قيس وفيه قصة أبي موسى وجزم فيه بقوله لاقضين فيها بقضاء النبي صلى الله عليه وسلم وأما قوله هنا أو قال قال النبي صلى الله عليه وسلم فهو شك من بعض رواته وأكثر الرواة أثبتوا الزيادة ففي رواية وكيع وغيره عن سفيان عند النسائي وغيره سأقضي فيها بما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومراده بالقضاء بالنسبة إليه الفتيا فان بن مسعود يومئذ لم يكن قاضيا ولا أميرا قوله باب ميراث الاخوات والاخوة ذكر فيه حديث جابر المذكور في أول كتاب الفرائض والغرض منه قوله انما لي أخوات فإنه يقتضي أنه لم يكن له ولد واستنبط المصنف الاخوة بطريق الاولى وقدم الاخوات في الذكر للتصريح بهن في الحديث عبد الله المذكور في السند هو بن المبارك قال بن بطال أجمعوا على أن الاخوة الاشقاء أو من الاب لا يرثون مع الابن وان سفل ولا مع الاب وأختلفوا فيهم مع الجد على ما مضت الاشارة إليه وما عدا ذلك فللواحدة من الاخوات النصف وللبنتين فصاعدا الثلثان وللاخ الجميع فما زاد فبالقسمة السوية وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل حظ الانثيين كما نص عليه القرآن ولم يقع في كل ذلك اختلاف إلا في زوج وأم وأختين لام وأخ شقيق فقال الجمهور يشرك بينهم وكان علي وأبي وأبو موسى لا يشركون الاخوة ولو كانوا أشقاء مع الاخوة للام لانهم عصبة وقد استغرقت الفرائض المال وبذلك قال جمع من الكوفيين قوله باب يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة ذكر فيه حديث البراء من طريق أبي إسحاق عنه آخر آية نزلت خاتمة سورة النساء يستفتونك قل الله يفتكم في الكلالة وأراد بذلك ما فيها من التنصيص على ميراث الاخوة وقد أخرج أبو داود في المراسيل من وجه آخر عن أبي إسحاق عن أبي سلمة بن عبد الرحمن جاء رجل فقال يا رسول الله ما الكلالة قال من لم يترك ولدا ولا والدا فورثته كلالة ووقع في صحيح مسلم عن عمر أنه خطب ثم قال إني لا أدع بعدي شيئا أهم عندي من الكلالة وما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما راجعته في الكلالة حتى طعن بأصبعه في صدري فقال ألا يكفيك آية النصف التي في آخر سورة النساء وقد اختلف في تفسير الكلالة والجمهور على أنه من لا ولد له ولا والد واختلف في بنت وأخت هل ترث الاخت مع البنت وكذا في الجد هل يتنزل منزلة الاب فلا ترث معه الاخوة قال السهيلي الكلالة من الاكليل المحيط بالرأس لان الكلالة وراثة تسكللت العصبة أي أحاطت بالميت وإن عنيت المصدر قلت ورثوه عن كلالة وتطلق الكلالة على الورثة مجازا قال ولا يصح قول من قال الكلالة المال ولا الميت الا على إرادة تفسيره معنى من غير نظر إلى حقيقة اللفظ ثم قال ومن العجب أن الكلالة في الآية الاولى من النساء لا يرث فيها الاخوة مع البنت مع أنه لم يقع فيها التقييد بقوله ليس له ولد وقيد به في الآية

[ 22 ]

الثانية مع أن الاخت فيها ورثت مع البنت والحكمة فيها أن الاولى عبر فيها بقوله تعالى وان كان رجل يورث فإن مقتضاه الاحاطة بجميع المال فأغنى لفظ يورث عن القيد ومثله قوله تعالى وهو يرثها ان لم يكن لها ولد أي يحيط بميراثها وأما الآية الثانية فالمراد بالولد فيها الذكر كما تقدم تقريره ولم يعبر فيها بلفظ يورث فلذلك ورثت الاخت مع البنت وقال بن المنير الاستدلال بآية الكلالة على أن الاخوات عصبة لطيف جدا وهو أن العرف في آيات الفرائض قد اطرد على أن الشرط المذكور فيها هو لمقدار الفرض لا لاصل الميراث فيفهم أنه إذا لم يوجد الشرط أن يتغير قدر الميراث فمن ذلك قوله ولابويه لكل واحد منهما السدس مما ترك ان كان له ولد فان لم يكن له ولد وورثه أبواه فلامه الثلث فتغير القدر ولم يتغير أصل الميراث وكذا في الزوج وفي الزوجة فقياس ذلك أن يطرد في الاخت فلها النصف ان لم يكن ولد فان كان ولد تغير القدر ولم يتغير أصل الارث وليس هناك قدر يتغير إليه الا التعصيب ولا يلزم من ذلك أن ترث الاخت مع الابن لانه خرج بالاجماع فيبقى ما عداه على الاصل والله اعلم وقد تقدم الكلام في آخر ما نزل من القرآن في آخر تفسير سورة البقرة وقال الكرماني اختلف في تعيين آخر ما نزل فقال البراء هنا خاتمة سورة النساء وقال بن عباس كما تقدم في آخر سورة البقرة آية الربا وهذا اختلاف بين الصحابيين ولم ينقل واحد منهما ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل على أن كلا منهما قال بظنه وتعقب بان الجمع أولى كما تقدم بيانه هناك قوله باب ابني عم أحدهما أخ للام والآخر زوج صورتها أن رجلا تزوج امرأة فأتت منه بابن ثم تزوج أخرى فأتت منه بآخر ثم فارق الثانية فتزوجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني لامه وابنة عمه فتزوجت هذه البنت الابن الاول وهو بن عمها ثم ماتت عن ابني عمها قوله وقال علي للزوج النصف وللاخ من الام السدس وما بقي بينهما نصفان وحاصله أن الزوج يعطي النصف لكونه زوجا ويعطي الآخر السدس لكونه أخا من أم فيبقى الثلث فيقسم بينهما بطريق العصوبة فيصبح للاول الثلثان بالفرض والتعصيب وللآخر الثلث بالفرض والتعصيب وهذا الاثر وصله عن علي رضي الله عنه سعيد بن منصور من طريق حكيم بن غفال قال أتى شريح في امرأة تركت ابني عمها أحدهما زوجها والآخر أخوها لامها فجعل للزوج النصف والباقي للاخ من الام فأتوا عليا فذكروا له ذلك فأرسل إلى شريح فقال ما قضيت أبكتاب الله أو سنة من رسول الله فقال بكتاب الله قال أين قال وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله قال فهل قال للزوج النصف وللاخ ما بقى ثم أعطى الزوج النصف وللاخ من الام السدس ثم قسم ما بقى بينهما وأخرج يزيد بن هارون والدارمي من طريق الحارث قال أتى علي في ابني عم أحدهما أخ لام فقيل له ان عبد الله كان يعطي الاخ للام المال كله فقال يرحمه الله ان كان لفقيها ولو كنت أنا لاعطيت الاخ من الام السدس ثم قسمت ما بقى بينهما قال بن بطال وافق عليا زيد بن ثابت والجمهور وقال عمر وابن مسعود جميع المال يعني الذي يبقى بعد نصيب الزوج للذي جمع القرابتين فله السدس بالفرض والثلث الباقي بالتعصيب وهو قول الحسن وأبي ثور وأهل الظاهر واحتجوا بالاجماع في أخوين أحدهما شقيق والآخر لاب أن الشقيق يستوعب المال لكونه أقرب بأم وحجة الجمهور ما أشار إليه البخاري في حديث أبي هريرة الذي أورده في الباب بلفظ فمن مات وترك مالا فماله لموالي العصبة

[ 23 ]

والمراد بموالي العصبة بنوا العم فسوى بينهم ولم يفضل أحدا على أحد وكذا قال أهل التفسير في قوله واني خفت الموالي من ورائي أي بنى العم فان احتجوا بالحديث الآخر المذكور في الباب أيضا من حديث بن عباس فما تركت الفرائض فالاولي رجل ذكر فالجواب أنهما من جهة التعصيب سواء والتقدير ألحقوا الفرائض بأهلها أي أعطوا أصحاب الفروض حقهم فان بقى شئ فهو للاقرب فلما أخد الزوج فرضه الاخ من الام فرضه صار ما بقي موروثا بالتعصيب وهما في ذلك سواء وقد أجمعوا في ثلاثة إخوة للام أحدهم بن عم أن للثلاثة الثلث والباقي لابن العم قال المازري مراتب التعصيب البنوة ثم الابوة ثم الجدودة فالابن أولى من الاب وان فرض له معه السدس وهو أولى من الاخوة وبنيهم لانهم ينتسبون بالمشاركة في الابوة والجدودة والاب أولى من الاخوة ومن الجد لانهم به ينتسبون فيسقطون مع وجوده والجد أولى من بني الاخوة لانه كالاب معهم ومن العمومة لانهم به ينتسبون والاخوة وبنوهم أولى من العمومة وبنيهم لان تعصيب الاخوة بالابوة والعمومة بالجدودة هذا ترتيبهم وهم يختلفون في القرب فالاقرب أولى كالاخوة مع بنيهم والعمومة مع بنيهم فان تساووا في الطبقة والاقرب ولاحدهما زيادة كالشقيق مع الاخ لاب قدم وكذا الحال في بنيهم وفي العمومة وبنيهم فان كانت زيادة الترجيح بمعنى غير ما هما فيه كابني عم أحدهما أخ لام فقيل يستمر الترجيح فيأخذ بن العم الذي هو أخ لام جميع ما بقى بعد فرض الزوج وهو قول عمر وابن مسعود وشريح والحسن وابن سيرين والنخعي وأبي ثور والطبري داود ونقل عن أشهب وأبي ذلك الجمهور فقالوا بل يأخذ الاخ من الام فرضه ويقسم الباقي بينهما والفرق بين هذه الصورة وبين تقدم الشقيق على الاخ لاب طريق الترجيح لان الشرط فيها أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب لان الشقيق شارك شقيقه في جهة القرب المتعلقة بالتعصيب بخلاف الصورة المذكورة والله اعلم قوله حدثنا محمود هو بن غيلان وعبيد الله شيخه هو بن موسى وقد حدث البخاري عنه كثيرا بغير واسطة وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق وأبو حصين بفتح أوله هو عثمان بن عاصم وأبو صالح هو ذكوان السمان قوله أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم زاد في رواية الاصيلي هنا وأزواجه أمهاتهم قال عياض وهي زيادة في الحديث لا معنى لها قوله فلادعي له قال بن بطال هي لام الامر أصلها الكسر وقد تسكن مع الفاء والواو غالبا فيهما واثبات الالف بعد العين جائز كقوله ألم يأتيك والاخبار تنمى والاصل عدم الاشباع للجزم والمعنى فادعوني له أقوم بكله وضياعه قوله والكل العيال ثبت هذا التفسير في آخر الحديث في رواية المستملي والكشميهني وأصل الكل الثقل ثم استعمل في كل أمر يصحب والعيال فرد من أفراده وقال صاحب الاساس كل بصره فهو كليل وكل عن الامر لم تنبعث نفسه له وكل كلالة أي قصر عن بلوغ القرابة وقد مضى شرح حديث بن عباس في أوائل الفرائض وروح شيخ يزيد بن زريع فيه هو بن القاسم العنبري قوله باب ذوي الارحام أي بيان حكمهم هل يرثون أولا وهم عشرة أصناف الخال والخالة والجد للام وولد البنت وولد الاخت وبنت الاخ وبنت العم والعمة والعم للام وابن الاخ للام ومن أدلى بأحد منهم فمن ورثهم قال أولاهم أولاد البنت ثم أولاد الاخت وبنات الاخ ثم العم والعمة والخال والخالة وإذا استوى اثنان قدم الاقرب إلى صاحب فرض أو عصبة رحمه قوله إسحاق بن إبراهيم

[ 24 ]

هو الامام المعروف بابن راهويه قوله قلت لابي أسامة حدثكم إدريس أي بن يزيد بن عبد الرحمن الاودي والد عبد الله وطلحة شيخه هو بن مصرف وقد نسبة المصنف في التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة وقال في آخره سمع إدريس من طلحة وأبو أسامة من إدريس وقد صرح هنا بالثاني ووقع في رواية أبي داود عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة حدثني إدريس بن يزيد حدثنا طلحة بن مصرف وكذا أخرجه الاسماعيلي عن الهنجاني عن أبي كريب عن أبي أسامة وكذا عند الطبري عن أبي كريب قوله ولكل جعلنا هو إلى والذين عاقدت أيمانكم قال كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الانصاري المهاجري دون ذوى رحمه للاخوة التي آخى النبي صلى الله عليه وسلم بينهم فلما نزلت ولكل جعلنا موالي قال نسختها والذين عاقدت أيمانكم قال بن بطال كذا وقع في جميع النسخ نسختها والذين عاقدت ايمانكم والصواب ان المنسوخة والذين عاقدت ايمانكم والناسخة ولكل جعلنا موالي قال ووقع في رواية الطبري بيان ذلك ولفظه فلما نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي نسخت قلت وقد تقدم في الكفالة التفسير من رواية الصلت بن محمد عن أبي أسامة مثل ما عزاه للطبري فكان عزوه إلى ما في البخاري أولى إلى مع أن في سياقه فائدة أخرى وهو أنه قال ولكل جعلنا موالي ورثة فأفاد تفسير الموالي بالورثة وأشار إلى أن قوله والذين عاقدت أيمانكم ابتداء شئ يريد أن يفسره أيضا ويؤيده أنه وقع في رواية الصلت ثم قال والذين عاقدت وبقى قوله نسختها مشكلا كما قال بن بطال وقد أجاب بن المنير في الحاشية فقال الضمير في نسختها عائد على المؤاخاة لا على الآية والضمير في نسختها وهو الفاعل المستتر يعود على قوله ولكل جعلنا موالي وقوله والذين عاقدت أيمانكم بدل من الضمير وأصل الكلام لما نزلت ولكل جعلنا موالي نسخت والذين عاقدت أيمانكم قال الكرماني فاعل نسختها آية جعلنا والذين عاقدت منصوب بإضمار أعني قلت ووقع في سياقه هنا أيضا موضع آخر وهو أنه عبر بقوله يرث الانصاري المهاجري وتقدم في رواية الصلت بالعكس وأجاب عنه الكرماني بأن المقصود اثبات الوراثة بينهما في الجملة قلت والاولى أن يقرأ الانصاري بالنصب على أنه مفعول مقدم فتتحد الروايتان ووقع في رواية الصلت موضع ثالث مشكل وهو قوله والذين عاقدت أيمانكم من النصر الخ وظاهر الكلام أن قوله من النصر يتعلق بعاقدت أيمانكم وليس كذلك وإنما يتعلق بقوله فآتوهم نصيبهم وقد بين ذلك أبو كريب في روايته وكذلك أخرجه أبو داود عن هارون بن عبد الله عن أبي أسامة وقد تقدم في تفسير النساء عدة طرق لذلك مع إعراب الآية والكلام على حكم المعاقدة المذكورة ونسخها بما يغني عن إعادته والمراد بإيراد الحديث هنا أن قوله تعالى ولكل جعلنا موالي نسخ حكم الميراث الذي دل عليه والذين عاقدت أيمانكم قال بن بطال أكثر المفسرين على أن الناسخ لقوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم قوله تعالى في الانفال وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض وبذلك جزم أبو عبيد في الناسخ والمنسوخ قلت كذا أخرجه أبو داود بسند حسن عن بن عباس قال بن الجوزي كان جماعة من المحدثين يروون الحديث من حفظهم فتقصر عباراتهم خصوصا العجم فلا يبين للكلام رونق مثل هذه الالفاظ في هذا الحديث وبيان ذلك أن مراد الحديث المذكور أن النبي صلى الله عليه وسلم كان آخى بين المهاجرين والانصار فكانوا يتوارثون بتلك الاخوة ويرونها

[ 25 ]

داخلة في قوله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فلما نزل قوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله نسخ الميراث بين المتعاقدين وبقي النصر والرفادة وجواز الوصية لهم وقد وقع في رواية العوفي عن بن عباس بيان السبب في إرثهم قال كان الرجل في الجاهلية يلحق به الرجل فيكون تابعه فإذا مات الرجل صار لاقاربه الميراث وبقى تابعه ليس له شئ فنزلت والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم فكانوا يعطونه من ميراثه ثم نزلت وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله فنسخ ذلك قلت والعوفي ضعيف والذي في البخاري هو الصحيح المعتمد وتصحيح السياق قد ظهر في نفس الرواية وأن بعض الرواة قدم بعض الالفاظ على بعض وحذف منها شيئا وأن بعضهم ساقها على الاستقامة وذلك هو المعتمد قال بن بطال اختلف الفقهاء في توريث ذوي الارحام وهم من لاسهم له وليس بعصبة فذهب أهل الحجاز والشام إلى منعهم الميراث وذهب الكوفيون وأحمد وإسحاق إلى توريثهم واحتجوا بقوله تعالى وأولو الارحام بعضهم أولى ببعض واحتج الآخرون بأن المراد بها من له سهم في كتاب الله لان آية الانفال مجملة وآية المواريث مفسرة وبقوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلعصبته وأنهم أجمعوا على ترك القول بظاهرها فجعلوا ما يخلفه المعتوق إرثا لعصبته دون مواليه فان فقدوا فلمواليه دون ذوي رحمه واختلفوا في توريثهم فقال أبو عبيد رأي أهل العراق رد ما بقى من ذوي الفروض إذا لم تكن عصبة على ذوي الفروض وإلا فعليهم وعلى العصبة فان فقدوا أعطوا ذوي الارحام وكان بن مسعود ينزل كل ذي رحم منزلة من يجر إليه وأخرج بسند صحيح عن بن مسعود أنه جعل العمة كالاب والخالة كالام فقسم المال بينهما أثلاثا وعن علي أنه كان لا يرد على البنت دون الام ومن أدلتهم حديث الخال وارث من لا وارث له وهو حديث حسن أخرجه الترمذي وغيره وأجيب عنه بأنه يحتمل أن يرد به إذا كان عصبة ويحتمل أن يريد بالحديث المذكور السلب كقولهم الصبر حيلة من لا حيلة له ويحتمل أن يكون المراد به السلطان لانه خال المسلمين حكى هذه الاحتمالات بن العربي قوله باب ميراث الملاعنة بفتح العين المهملة ويجوز كسرها والمراد بيان ما ترثه من ولدها الذي لاعنت عليه ذكر فيه حديث بن عمر المختصر في الملاعنة وقد مضى شرحه في كتاب اللعان ومن وجه آخر مطول عن بن عمر ومن حديث سهل بن سعد والغرض منه هنا قوله وألحق الولد بالمرأة وقد اختلف السلف في معنى إلحاقه بأمه مع اتفاقهم على أنه لا ميراث بينه وبين الذي نفاه فجاء عن علي وابن مسعود أنهما قالا في بن الملاعنة عصبته عصبة أمه يرثهم ويرثونه أخرجه بن أبي شيبة وقال النخعي والشعبي وجاء عن علي وابن مسعود أنهما كانا يجعلان أمه عصبة وحدها فتعطى المال كله فإن ماتت أمه قبله فماله لعصبتها وبه قال جماعة منهم الحسن وابن سيرين ومكحول والثوري وأحمد في رواية وجاء عن علي أن بن الملاعنة ترثه أمه وإخوته منها فان فضل شئ فهو لبيت المال وهذا قول زيد بن ثابت وجمهور العلماء وأكثر فقهاء الامصار قال مالك وعلى هذا أدركت أهل العلم وأخرج عن الشعبي قال بعث أهل الكوفة إلى الحجاز في زمن عثمان يسألون عن ميراث بن الملاعنة فأخبروهم أنه لامه وعصبتها وجاء عن بن عباس عن علي أنه أعطى الملاعنة الميراث وجعلها عصبة قال بن عبد البر الرواية الاولى أشهر عند أهل الفرائض قال بن بطال هذا الخلاف إنما نشأ من حديث الباب حيث جاء فيه

[ 26 ]

وألحق الولد بالمرأة لانه لما ألحق بها قطع نسب أبيه فصار كمن لا أب له من أولاد البغي وتمسك الآخرون بأن معناه إقامتها مقام أبيه فجعلوا عصبة أمه عصبة أبيه قلت وقد جاءني المرفوع ما يقوي القول الاول فأخرج أبو داود من رواية مكحول مرسلا ومن رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميراث بن الملاعنة لامه ولورثتها من بعدها ولاصحاب السنن الاربعة عن وائلة رفعه تحوز المرأة ثلاثة مواريث عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه قال البيهقي ليس بثابت قلت وحسنه الترمذي وصححه الحاكم وليس فيه سوى عمر بن رؤية بضم الراء وسكون الواو بعدها وحدة مختلف فيه قال البخاري فيه نظر ووثقه جماعة وله شاهد من حديث بن عمر عند بن المنذر ومن طريق داود بن أبي هند عن عبد الله بن عبيد بن عمير عن رجل من أهل الشام أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لامه هي بمنزلة أبيه وأمه وفي رواية أن عبد الله بن عبيد كتب إلى صديق له من أهل المدينة يسأله عن ولد الملاعنة فكتب إليه اني سألت فأخبرت أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى به لامه وهذه طرق يقوي بعضها ببعض قال بن بطال تمسك بعضهم بالحديث الذي جاء أن الملاعنة بمنزلة أبيه وأمه وليس فيه حجة لان المراد أنها بمنزلة أبيه وأمه في تربيته وتأديبه وغير ذلك مما يتولاه أبوه فأما الميراث فقد اجمعوا أن بن الملاعنة لو لم تلاعن أمه وترك أمه وأباه كان لامه السدس فلو كانت بمنزلة أبيه وأمه لورثت سدسين فقط سدس بالامومة وسدس بالابوة كذا قال وفيه نظر تصويرا واستدلالا وحجة الجمهور ما تقدم في اللعان أن في رواية فليح عن الزهري عن سهل في آخره فكانت السنة في الميراث أن يرثها وترث منه ما فرض لها أخرجه أبو داود وحديث بن عباس فهو لاولى رجل ذكر فأنه جعل ما فضل عن أهل الفرائض لعصبة الميت دون عصبة أمه وإذا لم يكن لولد الملاعنة عصبة من قبل أبيه فالمسلمون عصبته وقد تقدم من حديث أبي هريرة ومن ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا قوله باب الولد للفراش حرة كانت أي المستفرشة أو أمة قوله عن عروة في رواية شعيب عن الزهري في العتق حدثني عروة وكذا وقع في رواية عبد الله بن مسلمة عن مالك في المغازي لكن أخرجه في الوصايا بلفظ عن عروة قوله كان عتبة عهد إلى أخيه في رواية يحيى بن قزعة عن مالك في أوائل البيوع بن أبي وقاص في الموضعين وكذا في رواية شعيب والليث وغيرهما عن الزهري وفي رواية بن عيينة عن الزهري الماضية في الاشخاص أوصاني أخي إذا قدمت يعني مكة أن اقبض إليك بن أمة زمعة فإنه ابني قوله ان بن وليدة زمعة في رواية بن عيينة عن بن شهاب الماضية في المظالم بن امة زمعة والوليدة في الاصل المولودة وتطلق على الامة وهذه الوليدة لم أقف على أسمها لكن ذكر مصعب الزبيري وابن أخيه الزبير في نسب قريش أنها كانت أمة يمانية والوليدة فعيلة من الولادة بمعنى مفعولة قال الجوهري هي الصبية والامة والجمع ولائد وقيل انها أسم لغير أم الولد وزمعة بفتح الزاي وسكون الميم وقد تحرك قال النووي التسكين أشهر وقال أبو الوليد الوقثي التحريك هو الصواب قلت والجاري على ألسنة المحدثين التسكين في الاسم والتحريك في النسبة وهو بن قيس بن عبد شمس القرشي العامري والد سودة زوج النبي صلى الله عليه وسلم وعبد بن زمعة بغير إضافة ووقع في مختصر بن الحاجب عبد الله وهو غلط نعم عبد الله بن زمعة آخر وفي بعض

[ 27 ]

الطرق من غير رواية عائشة عند الطحاوي في هذا الحديث عبد الله بن زمعة ونبه على أنه غلط وأن عبد الله بن زمعة هو بن الاسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى آخر قلت وهو الذي مضى حديثه في تفسير والشمس وضحاها وقد وقع لابن الاسود وليس كذلك بل عبد بغير إضافة وعبد الرحمن أخوان عامريان من قريش وعبد الله بن زمعة قرشي أسدي من قريش أيضا وقد أوضحت ذلك في الاصابة في تميز الصحابة والابن المذكور اسمه عبد الرحمن وذكره بن عبد البر في الصحابة وغيره وقد أعقب بالمدينة وعتبة بن أبي وقاص أخو سعد مختلف في صحبته فذكره في الصحابة العسكري وذكر ما نقله الزبير بن بكار في النسب أنه كان أصاب دما بمكة في قريش فانتقل إلى المدينة ولما مات أوصى إلى سعد وذكره بن مندة في الصحابة ولم يذكر مستندا إلا قول سعد عهد إلى أخي أنه ولده واستنكر أبو نعيم ذلك وذكر أنه الذي شج وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد قال وما علمت له اسلاما بل قد روى عبد الرزاق من طريق عثمان الجزري عن مقسم أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بأن لا يحول على عتبة الحول حتى يموت كافرا فمات قبل الحول وهذا مرسل وأخرجه من وجه آخر عن سعيد بن المسيب بنحوه وأخرج الحاكم في المستدرك من طريق صفوان بن سليم عن أنس أنه سمع حاطب بن أبي بلتعة يقول ان عتبة لما فعل بالنبي صلى الله عليه وسلم ما فعل تبعته فقتلته كذا قال وجزم بن التين والدمياطي بأنه مات كافرا قلت وأم عتبة هند بنت وهب بن الحارث بن زهرة وأم أخيه سعد حمنة بنت سفيان بن أمية قوله فلما كان عام الفتح أخذه سعد فقال بن أخي في رواية يونس عن الزهري في المغازي فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة في الفتح وفي رواية معمر عن الزهري عند أحمد وهي لمسلم لكن لم يسق لفظها فلما كان يوم الفتح رأى سعد الغلام فعرفه بالشبه فاحتضنه وقال بن أخي ورب الكعبة وفي رواية الليث فقال سعد يا رسول الله هذا بن أخي عتبة بن أبي وقاص عهد إلى أنه ابنه وعتبة بالجر بدل من لفظ أخي أو عطف بيان والضمير في أخي لسعد لا لعتبة قوله فقام عبد بن زمعة فقال أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه في رواية معمر فجاء عبد بن زمعة فقال بل هو أخي ولد على فراش أبي من جاريته وفي رواية يونس يا رسول الله هذا أخي هذا بن زمعة ولد على فراشه زاد في رواية الليث أنظر إلى شبهه يا رسول الله وفي رواية يونس فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو أشبه الناس بعتبة بن أبي وقاص وفي رواية الليث فرأى شبها بينا بعتبة وكذا لابن عيينة عند أبي داود وغيره قال الخطابي وتبعه عياض والقرطبي وغيرهما كان أهل الجاهلية يقتنون الولائد ويقررون عليهن الضرائب فيكتسبن بالفجور وكانوا يلحقون النسب بالزناة إذا ادعوا الولد كما في النكاح وكان لزمعة أمة وكان يلم بها فظهر بها حمل زعم عتبة بن أبي وقاص أنه منه وعهد إلى أخيه سعد أن يستلحقه فخاصم فيه عبد بن زمعة فقال له سعد هو بن أخي على ما كان عليه الامر في الجاهلية وقال عبد هو أخي على ما استقر عليه الامر في الاسلام فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم حكم الجاهلية وألحقه بزمعة وأبدل عياض قوله إذا ادعوا الولد بقوله إذا اعترفت به الام وبنى عليهما القرطبي فقال ولم يكن حصل إلحاقه بعتبة في الجاهلية إما لعدم الدعوة وإما لكون الام لم تعترف به لعتبة قلت وقد مضى في النكاح

[ 28 ]

من حديث عائشة ما يؤيد أنهم كانوا يعتبرون استلحاق الام في صورة وإلحاق القائف في صورة ولفظها أن النكاح في الجاهلية كان على أربعة أنحاء الحديث وفيه يجتمع الرهط ما دون العشرة فيدخلون على المرأة كلهم يصيبها فإذا حملت ووضعت ومضت ليال أرسلت إليهم فاجتمعوا عندها فقالت قد ولدت فهو ابنك يا فلان فيلحق به ولدها ولا يستطيع أن يمتنع إلا أن قالت ونكاح البغايا كن ينصبن على أبوابهن رايات فمن أرادهن دخل عليهن فإذا حملت إحداهن فوضعت جمعوا لها القافة ثم ألحقوا ولدها بالذي يرى القائف لا يمتنع من ذلك انتهى واللائق بقصة أمة زمعة الاخير فلعل جمع القافة لهذا الولد تعذر بوجه من الوجوه أو أنها لم تكن بصفة البغايا بل أصابها عتبة سرا من زنا وهما كافران فحملت وولدت ولدا يشبهه فغلب على ظنه أنه منه فبغته الموت قبل استلحاقه فأوصى أخاه أن يستلحقه فعمل سعد بعد ذلك تمسكا بالبراءة الاصلية قال القرطبي وكان عبد بن زمعة سمع أن الشرع ورد بان الولد للفراش وإلا فلم يكن عادتهم الالحاق به كذا قاله وما أدرى من أين له هذا الجزم بالنفي وكأنه بناه على ما قال الخطابي أمة زمعة كانت من البغايا اللاتي عليهن من الضرائب فكان الالحاق مختصا باستلحاقها على ما ذكر أو بالحاق القائف على ما في حديث عائشة لكن لم يذكر الخطابي مستندا لذلك والذي يظهر من سياق القصة ما قدمته أنها كانت أمة مستفرشة لزمعة فأنفق على أن عتبة زنى بها كما تقدم وكانت طريقة الجاهلية في مثل ذلك أن السيد إن استلحقه لحقة وان نفاه انتفى عنه وإذا ادعاه غيره كان مرد ذلك إلى السيد أو القافة وقد وقع في حديث بن الزبير الذي أسوقه بعد هذا ما يؤيد ما قلته وأما قوله ان عبد بن زمعة سمع أن الشرع الخ نفيه نظر لانه يبعد أن يسمع ذلك عبد بن زمعة وهو بمكة لم يعلم بعد ولا يسمعه سعد بن أبي وقاص وهو من السابقين الاولين الملازمين لرسول الله صلى الله عليه وسلم من حين إسلامه إلى حين فتح مكة نحو العشرين سنة حتى ولو قلنا ان الشرع لم يرد بذلك الا في زمن الفتح فبلوغه لعبد قبل سعد بعيد أيضا والذي يظهر لي أن شرعية ذلك انما عرفت من قوله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة الولد للفراش وإلا فما كان سعد لو سبق علمه بذلك ليدعيه بل الذي يظهر أن كلا من سعد وعتبة بنى على البراءة الاصلية وأن مثل هذا الولد يقبل النزاع وقد أخرج أبو داود تلو حديث الباب بسند حسن إلى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال يا رسول الله ان فلان ابني عاهرت بأمه في الجاهلية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا دعوة في الاسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الحجر وقد وقع في بعض طرقه أن ذلك وقع في زمن الفتح وهو يؤيد ما قلته واستدل بهذه القصة على أن الاستلحاق لا يختص بالاب بل للاخ أن يستلحق وهو قول الشافعية وجماعة بشرط أن يكون الاخ حائزا أو يوافقه باقي الورثة وامكان كونه من المذكور وأن يوافق على ذلك ان كان بالغا عاقلا وأن لا يكون معروف الاب وتعقب بأن زمعة كان له ورثة غير عبد وأجيب بأنه لم يخلف وارثا غيره إلا سودة فان كان زمعة مات كافرا فلم يرثه إلا عبد وحده وعلى تقدير أن يكون أسلم وورتثه سودة فيحتمل أن تكون وكلت أخاها في ذلك أو ادعت أيضا وخص مالك وطائفة الاستلحاق بالاب وأجابوا بأن الالحاق لم ينحصر في استلحاق عبد لاحتمال أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على ذلك بوجه من الوجوه كاعتراف زمعة بالوطئ ولانه انما حكم بالفراش لانه قال بعد قوله هو لك الولد

[ 29 ]

للفراش لانه لما أبطل الشرع الحاق هذا الولد بالزاني لم يبق صاحب الفراش وجرى المزني على القول بأن الالحاق يختص بالاب فقال أجمعوا على أنه لا يقبل اقرار أحد على غيره والذي عندي في قصة عبد بن زمعة أنه صلى الله عليه وسلم أجاب عن المسألة فأعلمهم أن الحكم كذا بشرط أن يدعي صاحب الفراش لا أنه قبل دعوى سعد عن أخيه عتبة ولا دعوى عبد بن زمعة عن زمعة بل عرفهم أن الحكم في مثلها يكون كذلك قال ولذلك قال احتجي منه يا سودة وتعقب بأن قوله لعبد بن زمعة هو أخوك يدفع هذا التأويل واستدل به على أن الوصي يجوز له أن يستلحق ولد موصيه إذا أوصى إليه بأن يستلحقه ويكون كالوكيل عنه في ذلك وقد مضى التبويب بذلك في كتاب الاشخاص وعلى أن الامة تصير فراشا بالوطئ فإذا اعترف السيد بوطئ أمته أو ثبت ذلك بأي طريق كان ثم أتت بولد لمدة الامكان بعد الوطئ لحقه من غير استلحاق كما في الزوجة لكن الزوجة تصير فراشا بمجرد العقد فلا يشترط في الاستلحاق إلا الامكان لانها تراد الموطئ فجعل العقد عليها كالوطئ بخلاف الامة فأنها تراد لمنافع أخرى فاشترط في حقها الوطئ ومن ثم يحوز الجمع بين الاختين بالملك دون الوطئ وهذا قول الجمهور وعن الحنفية لا تصير الامة فراشا إلا إذا ولدت من السيد ولدا ولحق به فمهما ولدت بعد ذلك لحقه إلا أن ينفيه وعن الحنابلة من اعترف بالوطئ فأتت منه لمدة الامكان لحقه وأن ولدت منه أولا فاستلحقه لم يلحقه ما بعده إلا بإقرار مستأنف على الراجح عندهم وترجيح المذهب الاول ظاهر لانه لم ينقل أنه كان لزمعة من هذه الامة ولد آخر والكل متفقون على أنها لا تصير فراشا إلا بالوطئ قال النووي وطئ زمعة أمته المذكورة علم إما ببينة وإما باطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك قلت وفي حديث بن الزبير ما يشعر بأن ذلك كان أمرا مشهورا وسأذكر لفظه قريبا واستدل به على أن السبب لا يخرج ولو قلنا أن العبرة بعموم اللفظ ونقل الغزالي تبعا لشيخه والآمدي ومن تبعه عن الشافعي قولا بخصوص السبب تمسكا بما نقل عن الشافعي أنه ناظر بعض الحنفية لما قال أن أبا حنيفة خص الفراش بالزوجة وأخرج الامة من عموم الولد للفراش فرد عليه الشافعي بأن هذا ورد على سبب خاص ورد ذلك الفخر الرازي على من قاله بأن مراد الشافعي أن خصوص السبب لا يخرج والخبر انما ورد في حق الامة فلا يجوز إخراجه ثم وقع الاتفاق على تعميمه في الزوجات لكن شرط الشافعي والجمهور الامكان زمانا ومكانا وعن الحنفية يكفي مجرد العقد فتصير فراشا ويلحق الزوج الولد وحجتهم عموم قوله الولد للفراش لانه لا يحتاج إلى تقدير وهو الولد لصاحب الفراش لان المراد بالفراش الموطوءة ورده القرطبي بأن الفراش كناية عن الموطوءة لكون الواطئ يستفرشها أي بصيرها بوطئه لها فراشا له يعني فلا بد من اعتبار الوطئ حتى تسمى فراشا وألحق به إمكان الوطئ فمع عدم إمكان الوطئ لا تسمى فراشا وفهم بعض الشراح عن القرطبي خلاف مراده فقال كلامه يقتضي حصول مقصود الجمهور بمجرد كون فراش هو الموطوءة وليس هو المراد فعلم أنه لا بد من تقدير محذوف لانه قال أن الفراش هو الموطوءة والمراد به أن الولد لا يلحق بالواطئ قال المعترض وهذا لا يستقيم إلا مع تقدير الحذف قلت وقد بينت وجه استقامته بحمد الله ويؤيد ذلك أيضا أن بن الاعرابي اللغوي نقل أن الفراش عند العرب يعبر به عن الزوج وعن المرأة والاكثر إطلاقه على المرأة ومما ورد في التعبير به عن الرجل قول جرير فيمن تزوجت بعد

[ 30 ]

قتل زوجها أو سيدها باتت تعانقه وبات فراشها خلف العباءة بالبلاء ثقيلا وقد يعبر به عن حالة الافتراش ويمكن حمل الخبر عليها فلا بتعين الحذف نعم لا يمكن حمل الخبر على كل واطئ بل المراد من له الاختصاص بالوطئ كالزوج والسيد ومن ثم قال بن دقيق العيد معنى الولد للفراش تابع للفراش أو محكوم به للفراش أو ما يقارب هذا وقد شنع بعضهم على الحنفية بأن من لازم مذهبهم إخراج السبب مع المبالغة في العمل بالعموم في الاحوال وأجاب بعضهم بأنه خصص الظاهر القوي بالقياس وقد عرف من قاعدته تقديم القياس في مواضيع على خبر الواحد وهذا منها واستدل به على أن القائف إنما يعتمد في الشبه إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه لان الشارع لم يلتفت هنا إلى الشبه والتفت إليه في قصة زيد بن حارثة وكذا لم يحكم بالشبه في قصة الملاعنة لانه عارضه حكم أقوى منه وهو مشروعية اللعان وفيه تخصيص عموم الولد للفراش وقد تمسك بالعموم الشعبي وبعض المالكية وهو شاذ ونقل عن الشافعي أنه قال لقوله الولد للفراش معنيان أحدهما هو له ما لم ينفه فإذا نفاه بما شرع له كاللعان أنتفي عنه والثاني إذا تنازع رب الفراش والعاهر فالولد لرب الفراش قلت والثاني منطبق على خصوص الواقعة والاول أعم قوله فتساوقا أي تلازما في الذهاب بحيث أن كلا منهما كان كالذي يسوق الآخر قوله هو لك يا عبد بن زمعة كذا للاكثر وقد تقدم ضبط عبد وأنه يجوز فيه الضم والفتح وأما بن فهو منصوب على الحالين ووقع في رواية النسائي هو لك عبد بن زمعة بحذف حرف النداء وقرأه بعض المخالفين بالتنوين وهو مردود فقد وقع في رواية يونس المعلقة في المغازي هو لك هو أخوك يا عبد ووقع لمسدد عن بن عيينة عند أبي داود هو أخوك يا عبد قال بن عبد البر نثبت الامة فراشا عند أهل الحجاز إن أقر سيدها أنه كان يلم بها وعند أهل العراق إن أقر سيدها بالولد وقال المازري يتعلق بهذا الحديث استلحاق الاخ لاخيه وهو صحيح عند الشافعي إذا لم يكن له وارث سواه وقد تعلق أصحابه بهذا الحديث لانه لم يرد أن زمعة ادعاه ولدا ولا اعترف بوطئ أمه فكان المعول في هذه القصة على استلحاق عبد بن زمعة قال وعندنا لا يصح استلحاق الاخ ولا حجة في هذا الحديث لانه يمكن أن يكون ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم أن زمعة كان يطأ أمته فألحق الولد به لان من ثبت وطؤه لا يحتاج إلى الاعتراف بالوطئ وانما يصعب هذا على العراقيين ويعسر عليهم الانفصال عما قاله الشافعي لما قررناه أنه لم يكن لزمعة ولد من الامة المذكورة سابق ومجرد الوطئ لا عبرة به عندهم فيلزمهم تسليم ما قال الشافعي قال ولما ضاق عليهم الامر قالوا الرواية في هذا الحديث هو لك عبد بن زمعة وحذف حرف النداء بين عبد وابن زمعة والاصل يا بن زمعة قالوا والمراد أن الولد لا يلحق بزمعة بل هو عبد لولده لانه وارثه ولذلك أمر سودة بالاحتجاب منه لانها لم ترث زمعة لانه مات كافرا وهي مسلمة قال وهذه الرواية التي ذكروها غير صحيحة ولو وردت لرددناها إلى الرواية المشهورة وقلنا بل المحذوف حرف النداء بين لك وعبد كقوله تعالى حكاية عن صاحب يوسف حيث قال يوسف أعرض عن هذا انتهى وقد سلك الطحاوي فيه مسلكا آخر فقال معنى قوله هو لك أي يدك عليه لا أنك تملكه ولكن تمنع غيرك منه إلى أن يتبين أمره كما قال لصاحب اللفظة هي لك وقال له إذا جاء صاحبها

[ 31 ]

فأدها إليه قال ولما كانت سودة شريكة لعبد في ذلك لكن لم يعلم منها تصديق ذلك ولا الدعوى به ألزم عبدا بما أقر به على نفسه ولم يجعل ذلك حجة عليها فأمرها بالاحتجاب وكلامه كله متعقب بالرواية الثانية المصرح فيها بقوله هو أخوك فإنها رفعت الاشكال وكأنه لم يقف عليها وعلى حديث بن الزبير وسودة الدال على أن سودة وافقت أخاها عبدا في الدعوى بذلك قوله الولد للفراش وللعاهر الحجر تقدم في غزوة الفتح تعليقا من رواية يونس عن بن شهاب قالت عائشة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الولد الخ وهذا منقطع وقد وصله غيره عن بن شهاب ووقع في رواية يونس أيضا قال بن شهاب وكان أبو هريرة يصيح بذلك وقد قدمت هناك أن مسلما أخرجه موصولا من رواية بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة وأبي هريرة وقوله وللعاهر الحجر أي للزاني الخيبة والحرمان والعهر بفتحتين الزنا وقيل يختص بالليل ومعنى الخيبة هنا حرمان الولد الذي يدعيه وجرت عادة العرب أن تقول لمن خاب له الحجر وبفيه الحجر والتراب ونحو ذلك وقيل المراد بالحجر هنا أنه يرجم قال النووي وهو ضعيف لان الرجم مختص بالمحصن ولانه لا يلزم من رجمه نفي الولد والخبر انما سيق لنفي الولد وقال السبكي والاول أشبه بمساق الحديث لتعم الخيبة كل زان ودليل الرجم مأخوذ من موضع آخر فلا حاجة للتخصيص من غير دليل قلت ويؤيد الاول أيضا ما أخرجه أبو أحمد الحاكم من حديث زيد بن أرقم رفعه الولد للفراش وفي فم العاهر الحجر وفي حديث بن عمر عند بن حبان الولد للفراش وبفي العاهر الاثلب بمثلثة ثم موحدة بينهما لام ويفتح أوله وثالثه ويكسران قيل هو الحجر وقيل دقاقه وقيل التراب قوله ثم قال لسودة احتجبي منه في رواية الليث واحتجبي منه يا سودة بنت زمعة قوله فما رآها حتى لقي الله في رواية معمر قالت عائشة فوالله ما رآها حتى ماتت وفي رواية الليث فلم تره سودة قط يعني في المدة التي بين هذا القول وبين موت أحدهما وكذا لمسلم من طريقه وفي رواية بن جريج في صحيح أبي عوانة مثله وفي رواية الكشميهني الآتية في حديث الليث أيضا فلم تره سودة بعد وهذا إذا ضمت إلى رواية مالك ومعمر استفيد منها أنها امتثلت الامر وبالغت في الاحتجاب منه حتى انها لم تره فضلا عن أن يراها لانه ليس في الامر المذكور دلالة على منعها من رؤيته وقد استدل به الحنفية على أنه لم يلحقه بزمعة لانه لو ألحقه به لكان أخا سودة والاخ لا يؤمر بالاحتجاب منه وأجاب الجمهور بأن الامر بذلك كان للاحتياط لانه وإن حكم بأنه أخوها لقوله في الطرق الصحيحة هو أخوك يا عبد وإذا ثبت أنه أخو عبد لابيه فهو أخو سودة لابيها لكن لما رأى الشبه بينا بعتبة أمرها بالاحتجاب منه احتياطا وأشار الخطابي إلى أن في ذلك مزية لامهات المؤمنين لان لهن في ذلك ما ليس لغيرهن قال والشبه يعتبر في بعض المواطن لكن لا يقضى به إذا وجد ما هو أقوى منه وهو كما يحكم في الحادثة ثم يوجد فيها نص فيترك القياس قال وقد جاء في بعض طرق هذا الحديث وليس بالثابت احتجبي منه يا سودة فإنه ليس لك بأخ وتبعه النووي فقال هذه الزيادة باطلة مردودة وتعقب بأنها وقعت في حديث عبد الله بن الزبير عند النسائي بسند حسن ولفظه كانت لزمعة جارية يطؤها وكان يظن بآخر أنه يقع عليها فجاءت بولد يشبه الذي كان يظن به فمات زمعة فذكرت ذلك سودة للنبي صلى الله عليه وسلم فقال الولد للفراش وأحتجبي منه يا سودة فليس لك

[ 32 ]

بأخ ورجال سنده رجال الصحيح إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل الزبير وقد طعن البيهقي في سنده فقال فيه جرير وقد نسب في أخر عمره إلى سوء الحفظ وفيه يوسف وهو غير معروف وعلى تقدير ثبوته فلا يعارض حديث عائشة المتفق على صحته وتعقب بأن جريرا هذا لم ينسب إلى سوء حفظ وكأنه اشتبه عليه بجرير بن حازم وبأن الجمع بينهما ممكن فلا ترجيح وبأن يوسف معروف في موالي آل الزبير وعلى هذا فيتعين تأويله وإذا ثبتت هذه الزيادة تعين تأويل نفي الاخوة عن سودة على نحو ما تقدم من أمرها بالاحتجاب منه ونقل بن العربي في القوانين عن الشافعي نحو ما تقدم وزاد ولو كان أخاها بنسب محقق لما منعها كما أمر عائشة أن لا تحتجب من عمها من الرضاعة وقال البيهقي معنى قوله ليس لك بأخ إن ثبت ليس لك بأخ شبها فلا يخالف قوله لعبد هو أخوك قلت أو معنى قوله ليس لك بأخ بالنسبة للميراث من زمعة لان زمعة مات كافرا وخلف عبد بن زمعة والولد المذكور وسودة فلا حق لسودة في إرثه بل حازه عبد قبل الاستلحاق فإذا استلحق الابن المذكور شاركه في الارث دون سودة فلهذا قال لعبد هو أخوك وقال لسودة ليس لك بأخ وقال القرطبي بعد أن قرر أن أمر سودة بإلاحتجاب للاحتياط وتوقي الشبهات ويحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمر الحجاب في حق أمهات المؤمنين كما قال أفعمياوان أنتما فنهاهما عن رؤية الاعمى مع قوله لفاطمة بنت قيس اعتدي عند بن أم مكتوم فأنه اعمى فغلظ الحجاب في حقهن دون غيرهن وقد تقدم في تفسير الحجاب قول من قال أنه كان يحرم عليهن بعد الحجاب إبراز أشخاصهن ولو كن مستترات إلا لضرورة بخلاف غيرهن فلا يشترط وأيضا فان للزوج ان يمنع زوجته من الاجتماع بمحارمها فلعل المراد بالاحتجاب عدم الاجتماع به في الخلوة وقال بن حزم لا يجب على المرأة أن يراها أخوها بل الواجب عليها صلة رحمها ورد على من زعم أن معنى قوله هو لك أي عبد بأنه لو قضى بأنه عبد لما أمر سودة بالاحتجاب منه إما لان لها فيه حصة واما لان من في الرق لا يحتجب منه على القول بذلك وقد تقدم جواب المزني عن ذلك قريبا واستدل به بعض المالكية على مشروعية الحكم بين حكمين وهو أن يأخذ الفرع شبها من أكثر من أصل فيعطى أحكاما بعدد ذلك وذلك أن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة في النسب والشبه يقتضي إلحاقه بعتبة فأعطى الفرع حكما بين حكمين فروعي الفراش في النسب والشبه البين في الاحتجاب قال وإلحاقه بهما ولو كان من وجه أولى من الغاء أحدهما من كل وجه قال بن دقيق العيد ويعترض على هذا بأن صورة المسألة ما إذا دار الفرع بين أصلين شرعيين وهنا الالحاق شرعي للتصريح بقوله الولد للفراش فبقي الامر بالاحتجاب مشكلا لانه يناقض الالحاق فتعين أنه للاحتياط لا لوجوب حكم شرعي وليس فيه إلا ترك مباح مع ثبوت المحرمية واستدل به على أن حكم الحاكم لا يحل الامر في الباطن كما لو حكم بشهادة فظهر أنها زور لانه حكم بأنه أخو عبد وأمر سودة بالاحتجاب بسبب الشبه بعتبة فلو كان الحكم يحل الامر في الباطن لما أمرها بالاحتجاب واستدل به على أن لوطئ الزنا حكم وطئ الحلال في حرمة المصاهرة وهو قول الجمهور ووجه الدلالة أمر سودة بالاحتجاب بعد الحكم بأنه أخوها لاجل الشبه بالزاني وقال مالك في المشهور عنه والشافعي لا أثر لوطئ الزنا بل للزاني أن يتزوج أم التي زنى بها وبنتها وزاد الشافعي ووافقه بن الماجشون والبنت التي تلدها المزني بها ولو عرفت أنها منه قال النووي وهذا احتجاج باطل لانه على تقدير أن يكون من الزنا

[ 33 ]

فهو أجنبي من سودة لا يحل لها أن تظهر له سواء ألحق بالزاني أم لا فلا تعلق له بمسألة البنت المخلوقة من الزنا كذا قال وهو رد للفرع برد الاصل وإلا فالبناء الذي بنوه صحيح وقد أجاب الشافعية عنه بما تقدم أن الامر بالاحتجاب للاحتياط ويحمل الامر في ذلك إما على الندب وإما على تخصيص أمهات المؤمنين بذلك فعلى تقدير الندب فالشافعي قائل به في المخلوقة من الزنا وعلى التخصيص فلا إشكال والله اعلم ويلزم من قال بالوجوب أن يقول به في تزويج البنت المخلوقة من ماء الزنا فيجيز عند فقد الشبه ويمنع عند وجوده واستدل به على صحة ملك الكافر الوثني الامة الكافرة وأن حكمها بعد أن تلد من سيدها حكم القن لان عبدا وسعدا أطلقا عليهما أمة ووليدة ولم ينكر ذلك النبي صلى الله عليه وسلم كذا أشار إليه البخاري في كتاب العتق عقب هذا الحديث بعد أن ترجم له أم الولد ولكنه ليس في أكثر النسخ وأجيب بأن عتق أم الولد بموت السيد ثبت بأدلة أخرى وقيل أن غرض البخاري بإيراده بأن بعض الحنفية لما ألزم أن أم الولد المتنازع فيه كانت حرة رد ذلك وقال بل كانت عتقت وكأنه قد ورد في بعض طرقه أنها أمة فمن أدعى أنها عتقت فعليه البيان قوله عن يحيى هو بن سعيد القطان ومحمد بن زياد هو الجمحي قوله الولد لصاحب الفراش كذا في هذه الرواية وزاد آدم عن شعبة وللعاهر الحجر وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق معاذ عن شعبة ولهذا الحديث سبب غير قصة بن زمعة فقد أخرجه أبو داود وغيره من رواية حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قام رجل فقال لما فتحت مكة إن فلانا ابني فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا دعوة في الاسلام ذهب أمر الجاهلية الولد للفراش وللعاهر الاثلب قيل ما الاثلب قال الحجر تكملة حديث الولد للفراش قال بن عبد البر هو من أصح ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة فذكره البخاري في هذا الباب عن أبي هريرة وعائشة وقال الترمذي عقب حديث أبي هريرة وفي الباب عن عمر وعثمان وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمرو وأمبي أمامة عمرو وابن عمر وزاد أبو القاسم بن منده في تذكرته معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن أبي وقاص وسودة بنت زمعة ووقع لي من حديث بن عباس وأبي مسعود البدري ووائلة بن الاسقع وزينب بنت جحش وقد رقمت عليها علامات من أخرجها من الائمة فطب علامة الطبراني في الكبير وطس علامته في الاوسط وبز علامة البزار وص علامة أبي يعلى الموصلي وتم علامة تمام في فوائد وجميع هؤلاء وقع عندهم الولد للفراش وللعاهر الحجر ومنه من اقتصر على الجملة الاولى وفي حديث عثمان قصة وكذا علي وفي حديث معاوية قصة أخرى له مع نصر بن حجاج وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد فقال له نصر فأين قضاؤك في زياد فقال قضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم خير من قضاء معاوية وفي حديث أبي أمامة وابن مسعود وعبادة أحكام أخرى وفي حديث عبد الله بن حذافة قصة له في سؤاله عن اسم أبيه وفي حديث بن الزبير قصة نحو قصة عائشة باختصار وقد أشرت إليه وفي حديث سودة نحوه ولم تسمى في رواية أحمد بل قال عن بنت زمعة وفي حديث زينب قصة ولم يسمى أبوها بل فيه عن زينب الاسدية وبالله التوفيق وجاء من مرسل عبيد بن عمير وهو أحد كبار التابعين أخرجه بن عبد البر بسند

[ 34 ]

صحيح إليه قوله باب انما الولاء لمن أعتق وميراث اللقيط وقال عمر اللقيط حر هذه الترجمة معقودة لميراث اللقيط فأشار إلى ترجيح قول الجمهور أن اللقيط حر وولاؤه في بيت المال والى ما جاء عن النخعي أن ولاءه للذي التقطه واحتج بقول عمر لابي جميلة في الذي التقطه اذهب فهو حر وعلينا نفقته ولك ولاؤه وتقدم هذا الاثر معلقا بتمامه في أوائل الشهادات وذكرت هناك من وصله وأجبت عنه بأن معنى قول عمر لك ولاؤه أي أنت الذي تتولى تربيته والقيام بأمره فهي ولاية الاسلام لا ولاية العتق والحجة لذلك صريح الحديث المرفوع انما الولاء لمن أعتق فاقتضى أن من لم يعتق لا ولاء له لان العتق يستدعي سبق ملك واللقيط من دار الاسلام لا يملكه المتلقط لان الاصل في الناس الحرية إذ لا يخلو المنبوذ أن يكون بن حرة فلا يسترق أو بن أمة قوم فميراثه لهم فإذا جهل وضع في بيت المال ولا رق عليه للذي التقطه وجاء عن علي أن اللقيط مولى من شاء وبه قال الحنفية إلى أن يعقل عنه فلا ينتقل بعد ذلك عمن عقل عن وقد خفي كل هذا على الاسماعيلي فقال ذكر ميراث اللقيط في ترجمة الباب وليس له في الحديث ذكر ولا عليه دلالة يريد أن حديث عائشة وابن عمر مطابق لترجمة انما الولاء لمن أعتق وليس في حديثه ذكر ميراث اللقيط وقد جرى الكرماني على ذلك فقال فان قلت فأين ذكر ميراث اللقيط قلت هو ما ترجم به ولم يتفق له إيراد الحديث فيه قلت وهذا كله انما هو بحسب الظاهر وأما بحسب تدقيق النظر ومناسبة إيراده في أبواب المواريث فبيانه ما قدمت والله اعلم قال بن المنذر اجمعوا على أن اللقيط حر الا رواية عن النخعي وعنه كالجماعة وعنه كالمنقول عن الحنفية وقد جاء عن شريح نحو الاول وبه قال إسحاق بن راهويه قوله الحكم هو بن عتيبة بمثناة ثم موحدة مصغرة وإبراهيم هو النخعي والاسود هو بن يزيد والثلاثة تابعيون كوفيون قوله قال الحكم وكان زوجها حرا هو موصول إلى الحكم بالاسناد المذكور ووقع في رواية الاسماعيلي من رواية أبي الوليد عن شعبة مدرجا في الحديث ولم يقل ذلك الحكم من قبل نفسه فسيأتي في الباب الذي يليه من طريق منصور عن إبراهيم أن الاسود قاله أيضا فهو سلف الحكم فيه قوله وقول الحكم مرسل أي ليس بمسند إلى عائشة راوية الخبر فيكون في حكم المتصل المرفوع قوله وقال بن عباس رأيته عبدا زاد في الباب الذي يليه وقول الاسود منقطع أي لم يصله بذكر عائشة فيه وقول بن عباس أصح لانه ذكر أنه رآه وقد صح أنه حضر القصة وشاهدها فيترجح قوله على قول من لم يشهدها فان الاسود لم يدخل المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأما الحكم فولد بعد ذلك بدهر طويل ويستفاد من تعبير البخاري قول الاسود منقطع جواز إطلاق المنقطع في موضع المرسل خلافا لما اشتهر في الاستعمال من تخصيص المنقطع بما يسقط منه من اثناء السند واحد إلا في صورة سقوط الصحابي بين التابعي والنبي صلى الله عليه وسلم فان ذلك يسمى عندهم المرسل ومنهم من خصه بالتابعي الكبير فيستفاد من قول البخاري أيضا وقول الحكم مرسل أنه يستعمل في التابعي الصغير أيضا لان الحكم من صغار التابعين واستدل به لاحدى الروايتين عن أحمد أن من أعتق عن غيره فالولاء للمعتق والاجر للمعتق عنه وسيأتي البحث فيه في باب ما يرث النساء من الولاء قوله باب ميراث السائبة بمهملة وموحدة

[ 35 ]

بوزن فاعلة وتقدم بيانها في تفسير المائدة والمراد بها في الترجمة العبد الذي يقول له سيده لا ولاء لاحد عليك أو أنت سائبة يريد بذلك عتقه وأن لا ولاء لاحد عليه وقد يقول له أعتقتك سائبة أو أنت حر سائبة ففي الصيغتين الاوليين يفتقر في عتقه إلى نية وفي الاخريين يعتق واختلف في الشرط فالجمهور على كراهيته وشذ من قال بإباحتة واختلف في ولائه وسأبينه في الباب الذي بعده ان شاء الله تعالى قوله عن هزيل في رواية يزيد بن أبي الحكم العدني عن سفيان عند الاسماعيلي حدثني هزيل بن شرحبيل وهو بالزاي مصغر ووهم من قاله بالذال المعجمة وقد تقدم ذلك قريبا وأن سفيان في السند هو الثوري وأن أبا قيس هو عبد الرحمن قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله إن أهل الاسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون هذا طرف من حديث أخرجه الاسماعيلي بتمامه من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بسنده هذا إلى هزيل قال جاء رجل إلى عبد الله فقال إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات فترك مالا ولم يدع وارثا فقال عبد الله فذكر حديث الباب وزاد وأنت ولي نعمته فلك ميراثه فان تأثمت أو تحرجت في شئ فنحن نقبله ونجعله في بيت المال وفي رواية العدني فان تحرجت ولم يشك وقال فارنا نجعله في بيت المال ومعنى تأثمت بالمثلثة قبل الميم خشيت أن تقع في الاثم وتحرجت بالحاء المهملة ثم الجيم بمعناه وبهذا الحكم في السائبة قال الحسن البصري وابن سيرين والشافعي وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن بن سيرين ان سالما مولى أبي حذيفة الصحابي المشهور أعتقته امرأة من الانصار سائبة وقالت له وال من شئت فوالى أبا حذيفة فلما استشهد باليمامة دفع ميراثه للانصارية أو لابنها وأخرج بن المنذر من طريق بكر بن عبد الله المزني أن بن عمر اتى بمال مولى له مات فقال إنا كنا أعتقناه سائبة فأمر أن يشترى بثمنه رقابا فتعتق وهذا يحتمل أن يكون فعله على سبيل الوجوب أو على سبيل الندب وقد أخذ بظاهره عطاء فقال إذا لم يخلف السائبة وارثا دعى الذي أعتقه فان قبل ماله وإلا أبتيعت به رقاب فأعتقت وفيه مذهب آخر أن ولاءه للمسلمين يرثونه ويعقلون عنه قاله عمر بن عبد العزيز والزهري وهو قول مالك وعن الشعبي والنخعي والكوفيين لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته قال بن المنذر واتباع ظاهر قوله الولاء لمن أعتق أولى قلت والى ذلك أشار البخاري بإيراد حديث عائشة في قصة بريرة وفيه فانما الولاء لمن أعتق وفيه قول الاسود إن زوج بريرة كان حرا وقد تقدم الكلام على ذلك في الباب الذي قبله قوله باب إثم من تبرأ من مواليه هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد والطبراني من طريق سهل بن معاذ بن أنس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن لله عبادا لا يكلمهم الله تعالى الحديث وفيه رجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه عند أحمد كفر بالله تبرؤ من نسب وان دق وله شاهد عن أبي بكر الصديق وأما حديث الباب فلفظه من والى قوما بغير إذن مواليه فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين ومثله لاحمد وابن ماجة وصححه بن حبان عن بن عباس ولابي داود من حديث أنس فعليه لعنة الله المتتابعة إلى يوم القيامة وقد مضى شرح حديث الباب في فضل المدينة وفي الجزية ويأتي في الديات وفي معنى حديث علي في هذا حديث عائشة مرفوعا من تولى إلى غير مواليه فليتبوأ مقعده من النار صححه بن حبان ووالد إبراهيم التيمي

[ 36 ]

الراوي له عن علي اسمه يزيد بن شريك وقد رواه عن علي جماعة منهم أبو جحيفة وهب بن عبد الله السواني ومضى في كتاب العلم وذكرت هناك وفي فضائل المدينة اختلاف الرواة عن علي فيما في الصحيفة وان جميع ما رووه من ذلك كان فيها وكان فيها أيضا ما مضى في الخمس من حديث محمد بن الحنفية أن أباه علي بن أبي طالب أرسله إلى عثمان بصحيفة فيها فرائض الصدقة فان رواية طارق بن شهاب عن علي في نحو حديث الباب عند أحمد أنه كان في صحيفته فرائض الصدقة وذكرت في العلم سبب تحديث علي بن أبي طالب بهذا الحديث وإعراب قوله إلا كتاب الله وتفسير الصحيفة وتفسير العقل ومما وقع فيه في العلم لا يقتل مسلم بكافر وأحلت بشرحه على كتاب الديات والذي تضمنه حديث الباب مما في الصحيفة المذكورة أربعة أشياء أحدها الجراحات وأسنان الابل وسيأتي شرحه في الديات وهل المراد بأسنان الابل المتعلقة بالخراج أو المتعلقة بالزكاة أو أعم من ذلك ثانيها المدينة حرم وقد مضى شرحه مستوفى في مكانه في فضل المدينة في أواخر الحج وذكرت فيه ما يتعلق بالسند وبيان الاختلاف في تفسير الصرف والعدل ثالثها ومن والى قوما هو المقصود هنا وقوله في بغير إذن مواليه قد تقدم هناك أن الخطابي زعم أن له مفهوما وهو أنه إذا استأذن مواليه منعوه ثم راجعت كلام الخطابي وهو ليس اذن الموالي شرطا في ادعاء نسب وولاء ليس هو منه واليه وإنما ذكر تأكيدا للتحريم ولانه إذا استأذنهم منعوه وحالوا بينه وبين ما يفعل من ذلك انتهى وهذا لا يطرد لانهم قد يتواطئون معه على ذلك لغرض ما والاولى ما قال غيره أن التعبير بالاذن ليس لتقييد الحكم بعدم الاذن وقصره عليه وانما ورد الكلام بذلك على أنه الغالب انتهى ويحتمل أن يكون قول من تولى شاملا المعنى الاعم من الموالاة وأن منها مطلق النصرة والاعانة والارث ويكون قوله بغير اذن مواليه يتعلق بمفهومه بما عدا الميراث ودليل إخراجه حديث انما الولاء لمن أعتق والعلم عند الله تعالى وكأن البخاري لحظ هذا فعقب الحديث بحديث بن عمر في النهي عن بيع الولاء وعن هبته فإنه يؤخذ منه عدم اعتبار الاذن في ذلك بطريق الاولى لانه إذا منع السيد من بيع الولاء مع ما تحصل له من العوض ومن هبته مع ما يحصل له من المانة بذلك فمنعه من الاذن بغير عوض ولا مانة أولى وهو مندرج في الهبة وفي الحديث أن انتماء المولى من أسفل إلى غير مولاه من فوق حرام لما فيه من كفر النعمة وتضييع حق الارث بالولاء والعقل وغير ذلك وبه استدل مالك على ما ذكر عنه بن وهب في موطئه قال سئل عن عبد يبتاع نفسه من سيده على أنه يوالي من شاء فقال لا يجوز ذلك واحتج بحديث بن عمر ثم قال فتلك الهبة المنهي عنها وقد شذ عطاء بن أبي رباح بالاخذ بمفهوم هذا الحديث فقال فيما أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج عنه إن أذن الرجل لمولاه أن يوالي من شاء جاز واستدل بهذا الحديث قال بن بطال وجماعة الفقهاء على خلاف ما قال عطاء قال ويحمل حديث علي على أنه جرى على الغالب مثل قوله تعالى ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق وقد أجمعوا على أن قتل الولد حرام سواء خشي الاملاق أم لا وهو منسوخ بحديث النهي عن بيع الولاء وعن هبته قلت قد سبق عطاء إلى القول بذلك عثمان فروى بن المنذر أن عثمان اختصموا إليه في نحو ذلك فقال للعتيق وال من شئت وأن ميمونة وهبت ولاء مواليها للعباس وولده والحديث الصحيح مقدم على جميع ذلك فلعله لم يبلغ

[ 37 ]

هؤلاء أو بلغهم وتأولوه وانعقد الاجماع على خلاف قولهم قال بن بطال وفي الحديث أنه لا يجوز للعتيق أن يكتب فلان بن فلان ويسمي نفسه ومولاه الذي أعتقه بل يقول فلان مولى فلان ولكن يجوز له أن ينتسب إلى نسبة كالقرشي وغيره قال والاولى أن يفصح بذلك أيضا كأن يقول القرشي بالولاء أو مولاهم قال وفيه أن من علم ذلك وفعله سقطت شهادته لما ترتب عليه من الوعيد ويجب عليه التوبة والاستغفار وفي جواز لعن أهل الفسق عموما ولو كانوا مسلمين رابعها وذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الجزية وأما حديث الباب الثاني فقد مضى في كتاب العتق وأحلت بشرحه على ما هنا قوله حدثنا سفيان هو الثوري قوله عن عبد الله بن دينار هكذا قال الحفاظ من أصحاب سفيان الثوري عنه منهم عبد الرحمن بن مهدي ووكيع وعبد الله بن نمير وغيرهم قوله عن بن عمر في رواية الاسماعيلي من طريق أحمد بن سنان عن عبد الرحمن بن مهدي عن شعبة وسفيان عن بن دينار سمعت بن عمر وقد اشتهر هذا الحديث عن عبد الله بن دينار حتى قال مسلم لما أخرجه في صحيحه الناس في هذا الحديث عيال عليه وقال الترمذي بعد تخريجه حسن صحيح لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار رواه عنه سعيد وسفيان ومالك ويروى عن شعبة أنه قال وددت أن عبد الله بن دينار لما حدث بهذا الحديث أذن لي حتى كنت أقوم إليه فأقبل رأسه قال الترمذي وروى يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار قلت وصل رواية يحيى بن سليم بن ماجة ولم ينفرد به يحيى بن سليم فقد تابعه أبو ضمرة أنس بن عياض ويحيى بن سعيد الاموي كلاهما عن عبيد الله بن عمر أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريقهما لكن قرن كل منهما نافعا بعبد الله بن دينار وأخرجه بن حبان في الثقات في ترجمة أحمد بن أبي أوفى وساقه من طريقه عن شعبة عن عبد الله بن دينار وعمرو بن دينار جميعا عن بن عمر وقال عمرو بن دينار غريب وقد أعتنى أبو نعيم الاصبهاني بجمع طرقه عن عبد الله بن دينار فأورده عن خمسه وثلاثين نفسا ممن حدث به عن عبد الله بن دينار منهم من الاكابر يحيى بن سعيد الانصاري وموسى بن عقبة ويزيد بن الهاد وعبيد الله العمري وهؤلاء من صغار التابعين وممن دونهم مسعر والحسن بن صالح بن حي وورقاء وأيوب بن موسى وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وعبد العزيز بن مسلم وأبو أويس وممن لم يقع له بن جريج وهو عند أبي عوانة وسليمان بن بلال وهو عند مسلم وأحمد بن حازم المغافري في جزء الهروي من طريق الطبراني قوله عن بن عمر في رواية أبي داود الحفري عن سفيان عند الاسماعيلي سمعت بن عمر وكذا مضى في العتق من رواية شعبة وفي مسند الطيالسي عن شعبة قلت لعبد الله بن دينار أنت سمعت هذا من بن عمر قال نعم سأله ابنه عنه وذكره أبو عوانة عن بهز بن أسد عن شعبة قلت لابن دينار أنت سمعته من بن عمر قال نعم وسأله ابنه حمزة عنه وكذا وقع في رواية عفان عن شعبة عند أبي نعيم وأخرجه من وجه آخر أن شعبة قال قلت لابن دينار آلله لقد سمعت بن عمر يقول هذا فيحلف له وقيل لابن عيينة إن شعبة يستحلف عبد الله بن دينار قال لكنا لم نستحلفه سمعته منه مرارا رويناه في مسند الحميدي عن سفيان وأخرجه الدار قطني في غرائب مالك من طريق الحسن بن زياد اللؤلؤي عن مالك عن بن دينار عن حمزة بن عبد الله بن عمر أنه سأل أباه عن شراء الولاء فذكر

[ 38 ]

الحديث فهذا ظاهره أن بن دينار لم يسمعه من بن عمر وليس كذلك وقال بن العربي في شرح الترمذي تفرد بهذا الحديث عبد الله بن دينار وهو من الدرجة الثانية من الخبر لانه لم يذكر لفظ النبي صلى الله عليه وسلم وكأنه نقل معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم انما الولاء لمن أعتق قلت ويؤيده أن بن عمر روى هذا الحديث عن عائشة في قصة بريرة كما مضى في العتق لكن جاءت عنه صيغة الحديث من وجه آخر أخرجه النسائي وأبو عوانة من طريق الليث عن يحيى بن أيوب عن مالك ولفظه سمعت النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن بيع الولاء وعن هبته ووقع في رواية محمد بن أبي سليمان التي أشرت إليها بلفظ الولاء لا يباع ولا يوهب وفي رواية عتبان بن عبيد عن شعبة مثله ذكره أبو نعيم وزاد محمد بن سليمان في السند عن بن عمر عن عمر فوهم أخرجه الدارقطني أيضا وضعفه وأتفق جميع من ذكرنا على هذا اللفظ وخالفهم أبو يوسف القاضي فرواه عن عبد الله بن دينار عن بن عمر بلفظ الولاء لحمة كلحمة النسب أخرجه الشافعي ومن طريقه الحاكم ثم البيهقي وأدخل بشر بن الوليد بين أبي يوسف وبين بن دينار عبيد الله بن عمر أخرجه أبو يعلى في مسنده عنه وأخرجه بن حبان في صحيحه عن أبي يعلى وأخرجه أبو نعيم من طريق عبد الله بن جعفر بن أعين عن بشر فزاد في المتن لا يباع ولا يوهب ومن طريق عبد الله بن نافع عن عبد الله بن دينار إنما الولاء نسب لا يصح بيعه ولا هبته والمحفوظ في هذا ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري عن داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب موقوفا عليه الولاء لحمة كلحمة النسب وكذا ما أخرجه البزار والطبراني من طريق سليمان بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده رفعه الولاء ليس بمنتقل ولا متحول وفي سنده المغيرة بن جميل وهو مجهول نعم عن بن عباس من قوله الولاء لمن أعتق لا يجوز بيعه ولا هبته وقال بن بطال اجمع العلماء على أنه لا يجوز تحويل النسب فإذا كان حكم الولاء حكم النسب فكما لا ينتقل النسب لا ينتقل الولاء وكانوا في الجاهلية ينقلون الولاء بالبيع وغيره فنهى الشرع عن ذلك وقال بن عبد البر اتفق الجماعة على العمل بهذا الحديث إلا ما روى عن ميمونة أنها وهبت ولاء سليمان بن يسار لابن عباس وروى عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء يجوز للسيد أن يأذن لعبده أن يوالي من شاء قلت وقد تقدم البحث فيه في الباب الذي قبله وقال بن بطال وغيره جاء عن عثمان جواز بيع الولاء وكذا عن عروة وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء وكذا عن بن عباس ولعلهم لم يبلغهم الحديث قلت قد انكر ذلك بن مسعود في زمن عثمان فأخرج عبد الرزاق عنه أنه كان يقول أيبيع أحدكم نسبه ومن طريق علي الولاء شعبة من النسب ومن طريق جابر أنه انكر بيع الولاء وهبته ومن طريق عطاء أن بن عمر كان ينكره ومن طريق عطاء عن بن عباس لا يجوز وسنده صحيح ومن ثم فصلوا في النقل عن بن عباس بين البيع والهبة وقال بن العربي معنى الولاء لحمة كلحمة النسب أن الله أخرجه بالحرمة إلى النسب حكما كما أن الاب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حسا لان العبد كان كالمعدوم في حق الاحكام لا يقضي ولا يلي ولا يشهد فأخرجه سيده بالحرية إلى وجود هذه الاحكام من عدمها فلما شابه حكم النسب أنيط بالمعتق فلذلك جاء انما الولاء لمن أعتق وألحق برتبة النسب فنهى عن بيعه وهبته وقال القرطبي استدل للجمهور بحديث الباب ووجه الدلالة أنه أمر وجودي لا يتأتى الانفكاك عنه كالنسب فكما لا تنتقل الابوة والجدودة فكذلك لا ينتقل الولاء إلا أنه يصح في الولاء جرما يترتب عليه من الميراث كما لو تزوج عبد معتقة آخر فولد له منها ولد

[ 39 ]

فإنه ينعقد حرا لحرية أمه فيكون ولاؤه لمواليها لو مات في تلك الحالة ولو أعتق السيد أباه قبل موت الولد فان ولاءه ينتقل إذا مات لمعتق أبيه اتفاقا انتهى وهذا لا يقدح في الاصل المذكور أن الولاء لحمة كلحمة النسب لان التشبيه لا يستلزم التسوية من كل وجه وأختلف فيمن أشتري نفسه من سيده كالمكاتب فالجمهور على أن ولاءه لسيده وقيل لا ولاء عليه وفي ولاء من أعتق سائبة وقد تقدم قريبا قوله باب إذا أسلم على يديه كذا للنسفي وزاد الفربري والاكثر رجل ووقع في رواية الكشميهني الرجل وبالتنكير أولى قوله وكان الحسن لا يرى له ولاية كذا للاكثر وفي رواية الكشميهني ولاء بالهمز بدل الياء من الولاء وهو المراد بالولاية واثر الحسن هذا وهو البصري وصله سفيان الثوري في جامعه عن مطرف عن الشعبي وعن يونس وهو بن عبيد عن الحسن قالا في الرجل يوالي الرجل قالا هو بين المسلمين وقال سفيان وبذلك أقول وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن سفيان وكذا رواه الدارمي عن أبي نعيم عن سفيان وأخرجه بن أبي شيبة أيضا من طريق يونس عن الحسن لا يرثه إلا إن شاء أوصى له بماله قوله ويذكر عن تميم الداري رفعه هو أولى الناس بمحياه ومماته هذا الحديث أغفله من صنف في الاطراف وكذا من صنف في رجال البخاري لم يذكروا تميما الداري فيمن أخرج له وهو ثابت في جميع النسخ هنا وذكر البخاري من روايته حديثا في الايمان لكن جعله ترجمة باب وهو الدين النصيحة وقد أخرجه مسلم من حديثه وليس له عنده غيره وقد تكلمت عليه هناك وذكرت من حديث أبي هريرة وغيره أيضا فلم يتعين المراد في تميم وهو بن أوس بن خارجة بن سواد اللخمي ثم الداري نسب إلى بني الدار بن لخم وكان من أهل الشام ويتعاطى التجارة في الجاهلية وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم فيقبل منه وكان إسلامه سنة تسع من الهجرة وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وهو على المنبر عن تميم في قصة الجساسة والدجال وعد ذلك في مناقبه وفي رواية الاكابر عن الاصاغر وقد وجدت رواية النبي صلى الله عليه وسلم عن غير تميم وذلك فيما أخرجه أبو عبد الله بن منده في معرفة الصحابة في ترجمة زرعة بن سيف بن ذي يزن فساق بسنده إلى زرعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إليه كتابا وفيه وأن مالك بن مزرد الرهاوي قد حدثني أنك أسلمت وقاتلت المشركين فأبشر بخير الحديث وكان تميم الداري من أفاضل الصحابة وله مناقب وهو أول من أسرج المساجد وأول من قضى على الناس أخرجهما الطبراني وسكن تميم بيت المقدس وكان سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطعه عيون وغيرها إذا فتحت ففعل فتسلمها بذلك لما فتحت بزمن عمر ذكر ذلك بن سعد وغيره ومات تميم سنة أربعين وقوله رفعه هو في معنى قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحوها وقد وصله البخاري في تاريخه وأبو داود وابن أبي عاصم والطبراني والباغندي في مسند عمر بن عبد العزيز بالعنعنة كلهم من طريق عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال سمعت عبيد الله بن موهب يحدث عمر بن عبد العزيز عن قبيصة بن ذؤيب عن تميم الداري قال قلت يا رسول الله ما السنة في الرجل يسلم على يدي رجل من المسلمين قال هو أولى الناس بمحياه ومماته قال البخاري قال بعضهم عن بن موهب سمع تميما ولا يصح لقول النبي صلى الله عليه وسلم الولاء لمن أعتق وقال الشافعي هذا الحديث ليس بثابت إنما يرويه عبد العزيز بن عمر عن بن موهب وابن موهب ليس بالمعروف ولا نعلمه لقى تميما ومثل

[ 40 ]

هذا لا يثبت وقال الخطابي ضعف أحمد هذا الحديث وأخرجه أحمد والدارمي والترمذي والنسائي من رواية وكيع وغيره عن عبد العزيز عن بن موهب عن تميم وصرح بعضهم بسماع بن موهب من تميم وأما الترمذي فقال ليس إسناده بمتصل قال وأدخل بعضهم بين بن موهب وبين تميم قبيصة رواه يحيى بن حمزة قلت ومن طريقه أخرجه من بدأت بذكره وقال بعضهم أنه تفرد فيه بذكر قبيصة وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن بن موهب بدون ذكر تميم أخرجه النسائي أيضا وقال بن المنذر هذا حديث مضطرب هل هو عن بن موهب عن تميم أو بينهما قبيصة وقال بعض الرواة فيه عن عبد الله بن موهب وبعضهم بن موهب وعبد العزيز راويه ليس بالحافظ قلت هو من رجال البخاري كما تقدم في الاشربة ولكنه ليس بالمكثر وأما بن موهب فلم يدرك تميما وقد أشار النسائي إلى أن الرواية التي وقع التصريح فيها بسماعه من تميم خطأ ولكن وثقه بعضهم وكان عمر بن عبد العزيز ولاه القضاء ونقل أبو زرعة الدمشقي في تاريخه بسند له صحيح عن الاوزاعي أنه كان يدفع هذا الحديث ولا يرى له وجها وصحح هذا الحديث أبو زرعة الدمشقي وقال هو حديث حسن المخرج متصل والى ذلك أشار البخاري بقوله وأختلفوا في صحة هذا الخبر وجزم في التاريخ بأنه لا يصح لمعارضته حديث انما الولاء لمن أعتق ويؤخذ منه أنه لو صح سنده لما قاوم هذا الحديث وعلى التنزل فتردد في الجمع هل يخص عموم الحديث المتفق على صحته بهذا فيستثنى منه من أسلم أو تؤول الاولوية في قوله أولى الناس بمعنى النصرة والمعاونة وما أشبه ذلك لا بالميراث ويبقى الحديث المتفق على صحته على عمومه جنح الجمهور إلى الثاني ورجحانه ظاهر وبه جزم بن القصار فيما حكاه بن بطال فقال لو صح الحديث لكان تأويله أنه أحق بموالاته في النصر والاعانة والصلاة عليه إذا مات ونحو ذلك ولو جاء الحديث بلفظ أحق بميراثه لوجب تخصيص الاول والله أعلم قال بن المنذر قال الجمهور بقول الحسن في ذلك وقال حماد وأبو حنيفة وأصحابه وروى عن النخعي أنه يستمر إن عقل عنه وإن لم يعقل عنه فله أن يتحول لغيره واستحق الثاني وهلم جرة وعن النخعي قول آخر ليس له أن يتحول وعنه ان استمر إلى أن مات تحول عنه وبه قال إسحاق وعمر بن عبد العزيز ووقع ذلك في طريق الباغندي التي أسلفتها وفي غيرها أنه أعطى رجلا أسلم على يديه رجل فمات وترك مالا وبنتا نصف المال الذي بقى بعد نصيب البنت ثم ذكر المنصف حديث بن عمر في قصة بريرة من أجل قوله فيه فإن الولاء لمن أعتق لان اللام فيه للاختصاص أي الولاء مختص بمن أعتق وقد تقدم توجيهه وقوله فيه لا يمنعك وقع في رواية الكشميهني لا يمنعنك بالتأكيد ثم ذكر حديث عائشة في ذلك مختصرا وقال في آخره قال وكان زوجها حرا وقد تقدم قبل باب من وجه آخر عن منصور أن قائل ذلك هو الاسود راويه عن عائشة وفي الباب الذي قبله من طريق الحكم عن إبراهيم أنه الحكم ومضى الكلام على ذلك مستوفى بحمد الله تعالى ومحمد المذكور في أول السند الثاني قال أبو علي الغساني هو بن سلام إن شاء الله وجرير هو بن عبد الحميد قلت وقد وقع في الاستقراب حدثنا محمد حدثنا جرير كذا عند الاكثر غير منسوب ووقع في رواية أبي علي بن شبويه عن الفربري محمد بن سلام وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني محمد بن يوسف يعني البيكندي وليس في الكتاب محمد عن جرير سوى هذين الموضعين والمرجح أنه بن سلام وقد أغرب أبو نعيم فأخرج الحديث من طريق عثمان

[ 41 ]

بن أبي شيبة عن جرير ثم قال أخرجه البخاري عن عثمان كذا وجدته وما أظنه إلا ذهولا قوله باب ما يرث النساء من الولاء ذكر فيه حديث بن عمر المذكور في الباب قبله من وجه آخر عن نافع وحديث عائشة من وجه آخر عن منصور مقتصرا على قوله الولاء لمن أعطى الورق وولي النعمة وهذا اللفظ لوكيع عن سفيان الثوري عن منصور وقد أخرجه الترمذي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بلفظ أنها أرادت أن تشتري بريرة فأشترطوا الولاء فقال النبي صلى الله عليه وسلم فذكره وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق وكيع أيضا ومن طريق عبد الرحمن بن مهدي جميعا عن سفيان تاما وقال لفظهما واحد فعرف أن وكيعا كان ربما اختصره وعرف أنه في قصة بريرة وقد ذكر أصحاب منصور كأبي عوانة بلفظ انما الولاء لمن أعتق وكذلك ذكره أصحاب إبراهيم كالحكم والاعمش وأصحاب الاسود وأصحاب عائشة وكلها في الكتب الستة وتفرد الثوري وتابعه جرير عن منصور بهذا اللفظ ويحتمل أن يكون منصور رواه لهما بالمعنى وقد تفرد الثوري بزيادة قوله وولى النعمة ومعنى قوله أعطى الورق أي الثمن وإنما صحة العتق تستدعي سبق ملك والملك يستدعي ثبوت العوض قال بن بطال هذا الحديث يقتضي أن الولاء لكل معتق ذكرا كان أو أنثى وهو مجمع عليه وأما جر الولاء فقال الابهري ليس بين الفقهاء اختلاف أنه ليس للنساء من الولاء إلا ما أعتقن أو أولاد من أعتقن إلا ما جاء عن مسروق أنه قال لا يختص الذكور بولاء من أعتق آباءهم بل الذكور والاناث فيه سواء كالميراث ونقل بن المنذر عن طاوس مثله وعليه اقتصر سحنون فيما نقله بن التين وتعقب الحصر الذي ذكره الابهري تبعا لسحنون وغيره بأنه يرد عليه ولد الاناث من ولد من أعتقن قال والعبارة السالمة أن يقال إلا ما اعتقن اوجر اليهن من اعتقن بولاده أو عتق احترازا ممن لها ولد من زنا أو كانت ملاعنة أو كان زوجها عبدا فان ولاء ولد هؤلاء كلهم لمعتق الام والحجة للجمهور اتفاق الصحابة ومن حيث النظر أن المرأة لا تستوعب المال بالفرض الذي هو آكد من فأختص بولاء من يستوعب المال وهو الذكر وانما ورثن من عتقن لانه عن مباشرة لاعن جر الارث واستدل بقوله الولاء لمن أعطى الورق على من قال فيمن أعتق قوله الولاء لمن أعطى الورق فدل على أن المراد بقوله لمن أعتق لمن كان من عتق في ملكه حين العتق لا لمن باشر العتق فقط قوله باب بالتنوين مولى القوم من أنفسهم أي عتيقهم ينسب نسبتهم ويرثونه قوله وابن الاخت منهم أي لانه ينتسب إلى بعضهم وهي أمة قوله حدثنا شعبة حدثنا معاوية بن قرة وقتادة عن أنس هكذا وقع في رواية آدم عن شعبة مقرونا وأكثر الرواة قالوا عن شعبة عن قتادة وحده عن أنس وقد تقدم بيان ذلك في مناقب قريش وأورده مختصرا ومن وجه آخر عن شعبة عن قتادة مطولا في غزوة حنين وتقدمت فوائده هناك وفي كتاب الجزية وأخرجه الاسماعيلي من طرق عن شعبة عن قتادة وقال المعروف عن شعبة في مولى القوم منهم أو من أنفسهم روايته عن قتادة وعن معاوية بن قرة والمعروف عنه في بن أخت القوم منهم أو من أنفسهم روايته عن قتادة وحده وانفرد علي بن الجعد عن شعبة به عن معاوية بن قرة أيضا قلت وليس كما قال بل

[ 42 ]

تابعه أبو النصر عن شعبة عن معاوية بن قرة أيضا أخرجه أحمد في مسنده عنه وأفاد فيه أن المعني بذلك النعمان بن مقرن المزني وكانت أمه انصارية والله أعلم واستدل بقوله بن أخت القوم منهم من قال بأن ذوي الارحام يرثون كما يرث العصبات وحمله من لم يقل بذلك على ما تقدم وكأن البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث لانه لو صح الاستدلال بقوله بن أخت القوم منهم على إرادة الميراث لصح الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورد مثله في حقه لدل على أن المراد بقوله من أنفسهم وكذا منهم في المعاونة والانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك لا في الميراث وقال بن أبي جمرة الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلا عن أولاد الاخوات حتى قال قائلهم بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الاباعد فأراد بهذا الكلام التحريض على الالفة بين الاقارب قلت وأما القول في الموالي فالحكمة فيه ما تقدم ذكره من جواز نسبة العبد إلى مولاه لا بلفظ البنوة لما سيأتي قريبا من الوعيد الثابت لمن انتسب إلى غير أبيه وجواز نسبته إلى نسب مولاه بلفظ النسبة وفي ذلك جمع بين الادلة وبالله التوفيق قوله باب ميراث الاسير أي سواء عرف خبره أم جهل قوله وكان شريح بمعجمة أوله ومهملة آخره وهو بن الحارث القاضي الكندي الكوفي المشهور قوله يورث الاسير في أيدي العدو ويقول هو أحوج إليه وصله بن أبي شيبة والدارمي من طريق داود بن أبي هند عن الشعبي عن شريح قال يورث الاسير إذا كان في أرض العدو وزاد بن أبي شيبة قال شريح أحوج ما يكون إلى ميراثه وهو أسير قوله وقال عمر بن عبد العزيز أجز وصية الاسير وعتاقته وما صنع في ماله ما لم يتغير عن دينه فانما هو ماله يصنع فيه ما يشاء في رواية الكشميهني ما شاء وهذا وصله عبد الرزاق عن معمر عن إسحاق بن راشد أن عمر كتب إليه أن أجز وصية الاسير وأخرجه الدارمي من طريق بن المبارك عن معمر عن إسحاق بن راشد عن عمر بن عبد العزيز في الاسير يوصى قال أجز له وصيته ما دام على الاسلام لم يتغير عن دينه قال بن بطال ذهب الجمهور إلى أن الاسير إذا وجب له ميراث أنه يوقف له وعن سعيد بن المسيب أنه لم يورث الاسير في أيدي العدو قال وقول الجماعة أولى لانه إذا كان مسلما دخل تحت عموم قوله صلى الله عليه وسلم من ترك مالا فلورثته والى هذا أشار البخاري بإيراد حديث أبي هريرة وقد تقدم شرحه قريبا وأيضا فهو مسلم تجري عليه أحكام المسلمين فلا يخرج عن ذلك إلا بحجة كما أشار إليه عمر بن عبد العزيز ولا يكفي أن يثبت أنه ارتد حتى يثبت أن ذلك وقع منه طوعا فلا يحكم بخروج ماله عنه حتى يثبت أنه ارتد طائعا لا مكرها وما ذكره بن بطال عن سعيد بن المسيب أخرجه بن أبي شيبة وأخرج عنه أيضا رواية أخرى أنه يرث وعن الزهري روايتين أيضا وعن النخعي لا يرث تنبيه تقدم في أواخر النكاح في باب حكم المفقود في أهله وماله أشياء تتعلق بالاسير في حكم زوجته وماله وأن زوجته لا تتزوج وماله لا يقسم ما تحققت حياته وعلم مكانه فإذا انقطع خبره فهو مفقود وتقدم بيان الاختلاف في حكمه هناك قوله باب لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم هكذا ترجم بلفظ الحديث ثم قال وإذا أسلم قبل أن يقسم الميراث فلا ميراث له فأشار إلى ان عمومه يتناول هذه الصورة فمن قيد عدم التوارث بالقسمة احتاج إلى دليل وحجة

[ 43 ]

الجماعة أن الميراث يستحق بالموت فإذا أنتقل عن ملك الميت بموته لم ينتظر قسمته لانه استحق الذي أنتقل عنه ولو لم يقسم المال قال بن المنير صورة المسألة إذا مات مسلم وله ولدان مثلا مسلم وكافر فأسلم الكافر قبل قسمة المال قال بن المنذر ذهب الجمهور إلى الاخ بما دل عليه عموم حديث أسامة يعني المذكور في هذا الباب إلا ما جاء عن معاذ قال يرث المسلم من الكافر من غير عكس واحتج بأنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الاسلام يزيد ولا ينقص وهو حديث أخرجه أبو داود وصححه الحاكم من طريق يحيى بن يعمر عن أبي الاسود الدؤلي عنه قال الحاكم صحيح الاسناد وتعقب بالانقطاع بين أبي الاسود ومعاذ ولكن سماعه منه ممكن وقد زعم الجوزقاني أنه باطل وهي مجازفة وقال القرطبي في المفهم وهو كلام محكي ولا يروى كذا قال وقد رواه من قدمت ذكره فكأنه ما وقف على ذلك وأخرج أحمد بن منيع بسند قوي عن معاذ أنه كان يورث المسلم من الكافر بغير عكس وأخرج مسند عنه أن أخوين اختصما إليه مسلم ويهودي مات أبوهما يهوديا فحاز ابنه اليهودي ماله فنازعه المسلم فورث معاذ المسلم وأخرج بن أبي شيبة من طريق عبد الله بن معقل قال ما رأيت قضاء أحسن من قضاء قضى به معاوية نرث أهل الكتاب ولا يرثونا كما يحل النكاح فيهم ولا يحل لهم وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي وإسحاق وحجة الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع وجوده وأما الحديث فليس نصا في المراد بل هو محمول على أنه يفضل غيره من الاديان ولا تعلق له بالارث وقد عارضه قياس آخر وهو أن التوارث يتعلق بالولاية ولا ولاية بين المسلم والكافر لقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض وبأن الذمي يتزوج الحربية ولا يرثها وأيضا فان الدليل ينقلب فيما لو قال الذمي أرث المسلم لانه يتزوج إلينا وفيه قول ثالث وهو الاعتبار بقسمة الميراث جاء ذلك عن عمر وعثمان وعن عكرمة والحسن وجابر بن زيد وهو رواية عن أحمد قلت ثبت عن عمر خلافه كما مضى في باب توريث دور مكة من كتاب الحج فان فيه بعد ذكر حديث الباب مطولا في ذكر عقيل بن أبي طالب فكان عمر يقول فذكر المتن المذكور هنا سواء قوله عن بن شهاب هو الزهري وكذا وقع في رواية للاسماعيلي من وجه آخر عن أبي عاصم قوله عن علي بن حسين هو المعروف بزين العابدين وعمرو بن عثمان أي بن عفان وقد تقدم في الحج من هذا الشرح بيان من رواه عن الزهري مصرحا بالاخبار بينه وبين علي وكذا بين علي وعمرو واتفق الرواة عن الزهري أن عمرو بن عثمان بفتح أوله وسكون إلا أن مالكا وحده قال عمر بضم أوله وفتح الميم وشذت روايات عن غير مالك على وفقه وروايات عن مالك على وفق الجمهور وقد بين ذلك بن عبد البر وغيره ولم يخرج البخاري رواية مالك وقد عد ذلك بن الصلاح في علوم الحديث له في أمثلة المنكر وفيه نظر أوضحه شيخنا في النكت وزدت عليه في الافصاح قوله لا يرث المسلم الكافر الخ تقدم في المغازي بلفظ المؤمن في الموضعين وأخرجه النسائي من رواية هشيم عن الزهري بلفظ لا يتوارث أهل ملتين وجاءت رواية شاذة عن بن عيينة عن الزهري مثلها وله شاهد عند الترمذي من حديث جابر وآخر من حديث عائشة عند أبي يعلى وثالث من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده في السنن الاربعة وسند أبي داود فيه إلى عمرو صحيح وتمسك بها من قال لا يرث أهل ملة كافرة من أهل ملة أخرى كافرة وحملها الجمهور على أن المراد بإحدى الملتين

[ 44 ]

الاسلام وبالاخرى الكفر فيكون مساويا للرواية التي بلفظ حديث الباب وهو أولى من حملها على ظاهر عمومها حتى يمتنع على اليهودي مثلا أن يرث من النصراني والاصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر وهو قول الحنفية والاكثر ومقابلة عن مالك وأحمد وعنه التفرقة بين الذمي والحربي وكذا عند الشافعية وعن أبي حنيفة لا يتوارث حربي من ذمي فان كانا حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة وعند الشافعية لا فرق وعندهم وجه كالحنفية وعن الثوري وربيعة وطائفة الكفر ثلاث ملل يهودية ونصرانية وغيرهم فلا ترث ملة من هذه من ملة من الملتين وعن طائفة من أهل المدينة والبصرة كل فريق من الكفار ملة فلم يورثوا مجوسيا من وثني ولا يهوديا من نصراني وهو قول الاوزاعي وبالغ فقال ولا يرث أهل نحلة من دين واحد أهل نحلة أخرى كاليعقوبية والملكية من النصارى واختلف في المرتد فقال الشافعي وأحمد يصير ماله إذا مات فيئا للمسلمين وقال مالك يكون فيئا إلا إن قصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم وكذا قال في الزنديق وعن أبي يوسف ومحمد بورثته المسلمين وعن أبي حنيفة ما كسبه قبل الردة لورثته المسلمين وبعد الردة لبيت المال وعن بعض التابعين كعلقمة يستحقه أهل الدين الذي أنتقل إليه وعن داود يختص بورثته من أهل الدين الذي أنتقل إليه ولم يفصل فالحاصل من ذلك ستة مذاهب حررها الماوردي واحتج القرطبي في المفهم بمذهبه بقوله تعالى لكل جعلنا شرعة ومنهاجا فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة قال وأما ما احتجوا به من قوله تعالى ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم فوحد الملة فلا حجة فيه لان الوحدة في اللفظ وفي المعنى الكثرة لانه اضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل أخذ عن علماء الدين علمهم يريد علم كل منهم قال واحتجوا بقوله قل يا أيها الكافرون إلى آخرها والجواب أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش وهم أهل وثن وأما ما أجابوا به عن حديث لا يتوارث أهل ملتين بأن المراد ملة الكفر وملة الاسلام فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود في حديث غيره واستدل بقوله لا يرث الكافر المسلم على جواز تخصيص عموم الكتاب بالآحاد لان قوله تعالى يوصيكم الله في أولادكم عام في الاولاد فخص منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور وأجيب بأن المنع حصل بالاجماع وخير الواحد إذا حصل الاجماع على وفقه كان التخصيص بالاجماع لا بالخبر فقط قلت لكن يحتاج من احتج في الشق الثاني به إلى جواب وقد قال بعض الحذاق طريق العام هنا قطعي ودلالته على كل فرد ظنية وطريق الخاص هنا ظنية ودلالته عليه قطعية فيتعادلان ثم يترجح الخاص بان العمل به يستلزم الجمع بين الدليلين المذكورين بخلاف عكسه قوله باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني كذا للاكثر بغير حديث ولابي ذر عن المستملي والكشميهني باب من ادعى أخي أو بن أخ ولم يذكر فيه حديثا ثم قال عن الثلاثة باب ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني ولم يذكر أيضا فيه حديثا ثم قال عنهم باب إثم من انتفى من ولده وذكر قصة سعد وعبد بن زمعة فجرى بن بطال وابن التين على حذف باب ميراث العبد حديثا على ما وقع عند الاكثر وأما الاسماعيلي فلم يقع عنده باب ميراث العبد النصراني بل وقع عنده باب إثم من انتفى من ولده وقال ذكر بلا حديث ثم قال باب

[ 45 ]

من ادعى أخا أو بن أخ وهذا كله راجع إلى رواية الفربري عن البخاري وأما النسفي فوقع عنده باب ميراث العبد النصراني و المكاتب النصراني وقال لم يكتب فيه حديثا وفي عقبة باب إثم من انتفى من ولده ومن ادعى أخا أو بن أخ وذكر فيه قصة بن زمعة فتلخص لنا من هذا كله أن الاكثر جعلوا قصة بن زمعة لترجمة من ادعى أخا أو بن أخ ولا إشكال فيه وأما الترجمتان فسقطت إحداهما عند بعض وثبتت عند بعض قال بن بطال لم يدخل البخاري تحت هذا الرسم حديثا ومذهب العلماء أن العبد النصراني إذا مات فماله لسيده بالرق لان مالك العبد غير صحيح لا مستقر فهو مال السيد يستحقه لا بطريق الميراث وانما يستحق بطريق الميراث ما يكون ملكا مستقرا لمن يورث عنه وعن بن سيرين ماله لبيت المال وليس للسيد فيه شئ لاختلاف دينهما وأما المكاتب فان مات قبل أداء كتابته وكان في ماله وفاء لباقي كتابته أخذ ذلك في كتابته فما فضل فهو لبيت المال قلت وفي مسألة المكاتب خلاف ينشأ من الخلاف فيمن أدى بعض كتابته هل يعتق منه بقدر ما أدى أو يستمر على الرق ما بقى عليه شئ وقد مضى الكلام على ذلك في كتاب العتق وقال بن المنير يحتمل أن يكون البخاري أراد أن يدرج هذه الترجمة تحت الحديث الذي قبلها لان النظر فيه محتمل كأن يقال يأخذ المال لان العبد ملكه وله انتزاعه منه حيا فكيف لا يأخذه ميتا ويحتمل أن يقال لا يأخذ لعموم لا يرث المسلم الكافر والاول أوجه قلت وتوجيه ما تقدم وجرى الكرماني على ما وقع عند أبي نعيم فقال ههنا ثلاث تراجم متوالية والحديث ظاهر للثالثة وهي من ادعى أخا أو بن أخ قال وهذا يؤيد ما ذكروا أن البخاري ترجم لابواب وأراد أن يلحق بها الاحاديث فلم يتفق له إتمام ذلك وكان اخلي بين كل ترجمتين بياضا فضم النقلة بعض ذلك إلى بعض قلت ويحتمل أن يكون في الاصل ميراث العبد النصراني والمكاتب النصراني كان مضموما إلى لا يرث المسلم الكافر الخ وليس بعد ذلك ما يشكل إلا ترجمة من انتفى من ولده ولا سيما على سياق أبي ذر وسأذكره في الباب الذي يليه تكميل لم يذكر البخاري ميراث النصراني إذا أعتقه المسلم وقد حكى فيه بن التين ثمانية أقوال فقال عمر بن عبد العزيز والليث والشافعي هو كالمولى المسلم إذا كان له ورثة وإلا فماله لسيده وقيل يرثه الولد خاصة وقيل الولد والوالد خاصة وقيل هما والاخوة وقيل هم والعصبة وقيل ميراثه لذوي رحمه وقيل لبيت المال فيئا وقيل يوقف فمن ادعاه من النصارى كان له انتهى ملخصا وما نقله عن الشافعي لا يعرفه أصحابه واختلف في عكسه فالجمهور أن الكافر إذا أعتق مسلما لا يرثه بالولاء وعن أحمد رواية أنه يرثه ونقل مثله عن علي وأما ما أخرج النسائي والحاكم من طريق أبي الزبير عن جابر مرفوعا لا يرث المسلم النصراني إلا أن يكون عبده أو أمته وأعله بن حزم بتدليس أبي الزبير وهو مردود فقد أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابرا فلا حجة فيه لكل من المسألتين لان ظاهر في الموقوف قوله باب إثم من انتفى من ولده أورد فيه حديث عائشة في قصة مخاصمة سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة وقد مضى شرحه مستوفى في باب الولد للفراش وقد خفي توجيه هذه الترجمة لهذا الحديث ويحتمل أن يخرج على أن عتبة بن أبي وقاص مات مسلما وأن الذي حمله على أن يوصي أخاه بأخذ ولد وليدة زمعة خشية

[ 46 ]

أن يكون سكوته عن ذلك مع اعتقاده أنه ولده يتنزل منزلة النفي وكان سمع ما ورد في حق من انتفى من ولده من الوعيد فعهد إلى أخيه أنه ابنه وأمر باستلحاقه وعلى تقدير أن يكون عتبة مات كافرا فيحتمل أن يكون ذلك هو الحامل لسعد على استلحاق بن أخيه ويلحق انتفاء ولد الاخ بالانتفاء من الولد لانه قد يرث من عمه كما يرث من أبيه وقد ورد الوعيد في حق من انتفى من ولده من رواية مجاهد عن بن عمر رفعه من انتفى من ولده ليفضحه في الدنيا فضحه الله يوم القيامة الحديث وفي سنده الجراح والد وكيع مختلف فيه وله طريق أخرى عن بن عمر أخرجه بن عدي بلفظ من انتفى من ولده فليتبوأ مقعده من النار وفي سنده محمد بن أبي الزعيزعة راويه عن نافع قال أبو حاتم منكر الحديث وله شاهد من حديث أبي هريرة أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم بلفظ وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه احتجب الله منه الحديث وفي سنده عبيد الله بن يوسف حجازي ما روى عنه سوى يزيد بن الهاد قوله باب من ادعى إلى غير أبيه لعل المراد إثم من ادعى كما صرح به في الذي قبله أو أطلق لوقوع الوعيد فيه بالكفر وبتحريم الجنة فوكل ذلك إلى نظر من يسعى في تأويله عز وجل قوله خالد هو بن عبد الله يعني الواسطي الطحان وخالد شيخه هو بن مهران الحذاء وأبو عثمان هو النهدي وسعد هو بن أبي وقاص والسند إلى سعد كله بصريون والقائل فذكرته لابي بكرة هو أبو عثمان وقد وقع في رواية هشيم عن خالد الحذاء عند مسلم في أوله قصة ولفظه عن أبي عثمان قال لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت ما هذا الذي صنعتم إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول فذكر الحديث مرفوعا فقال أبو بكرة وأنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم والمراد بزياد الذي ادعى زياد بن سمية وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة زوجها المولى عبيد فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف فلما كان في خلافة عمر سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر وكان بليغا فأعجبه فقال إني لاعرف من وضعه في أمه ولو شئت لسميته ولكن أخاف من عمر فلما ولى معاوية الخلافة كان زياد على فارس من قبل علي فأراد مداراته فأطمعه في أن يلحقه بأبي سفيان فأصغى زياد إلى ذلك فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية وأمره على البصرة ثم على الكوفة وأكرمه وسار زياد سيرته المشهورة وسياسته المذكورة فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية محتجين بحديث الولد للفراش وقد مضى قريبا شئ من ذلك وانما خص أبو عثمان أبا بكرة بالانكار لان زيادا كان أخاه من أمه ولابي بكرة مع زياد قصة تقدمت الاشارة إليها في كتاب الشهادات وقد تقدم الحديث في غزوة حنين من رواية عاصم الاحول عن أبي عثمان قال سمعت سعدا وأبا بكرة وتقدم هناك ما يتعلق بأبي بكرة قوله من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام وفي رواية عاصم المشار إليها عند مسلم من ادعى أبا في الاسلام غير أبيه والثاني مثله وقد تقدم شرحه في مناقب قريش في الكلام على حديث أبي ذر وفيه من ادعى لغير أبيه وهو يعلمه الا كفر ووقع هناك الا كفر بالله وتقدم القول فيه وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق كفر بالله انتفى من نسب وان دق أخرجه الطبراني الرب عز وجلقوله أخبرني عمرو هو بن الحارث وعراك بكسر المهملة وتخفيف الراء وآخره كاف هو بن مالك قوله عن أبي هريرة في رواية مسلم عن هارون بن سعيد

[ 47 ]

عن بن وهب بسنده إلى عراك أنه سمع أبا هريرة قوله لا ترغبوا عن آبائكم فمن رغب عن أبيه فهو كفر كذا للاكثر وكذا لمسلم ووقع للكشميهني فقد كفر وسيأتي في باب رجم الحبلى من الزنا في حديث عمر الطويل لا ترغبوا عن آبائكم فهو كفر بربكم قال بن بطال ليس معنى هذين الحديثين أن من اشتهر بالنسبة إلى غير أبيه أن يدخل في الوعيد كالمقداد بن الاسود وانما المراد به من تحول عن نسبته لابيه إلى غير أبيه عالما عامدا مختارا وكانوا في الجاهلية لا يستنكرون أن يتبنى الرجل ولد غيره ويصير الولد ينسب إلى الذي تبناه حتى نزل قوله تعالى ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله وقوله سبحانه تعالى وما جعل أدعياءكم أبناءكم فنسب كل واحد إلى أبيه الحقيقي وترك الانتساب إلى من تبناه لكن بقى بعضهم مشهورا بمن تبناه فيذكر به لقصد التعريف لا لقصد النسب الحقيقي كالمقداد بن الاسود وليس الاسود أباه وانما كان تبناه واسم أبيه الحقيقي عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة البهراني وكان أبوه حليف كندة فقيل له الكندي ثم حالف هو الاسود بن عبد يغوث الزهري فتبنى المقداد فقيل له بن الاسود انتهى ملخصا موضحا قال وليس المراد بالكفر حقيقة الكفر التي يخلد صاحبها في النار وبسط القول في ذلك وقد تقدم توجيهه في مناقب قريش وفي كتاب الايمان في أوائل الكتاب وقال بعض الشراح سبب إطلاق الكفر هنا أنه كذب على الله كأنه يقول خلقني الله من ماء فلان وليس كذلك لانه انما خلقه من غيره واستدل به على أن قوله في الحديث الماضي قريبا بن أخت القوم من أنفسهم ومولى القوم من أنفسهم ليس على عمومه إذ لو كان على عمومه لجاز أن ينسب إلى خاله مثلا وكان معارضا لحديث الباب المصرح بالوعيد الشديد لمن فعل ذلك فعرف أنه خاص والمراد به أنه منهم في الشفقة والبر والمعاونة ونحو ذلك قوله باب إذا ادعت المرأة ابنا ذكر قصة المرأتين اللتين كان مع كل منهما بن فأخذ الذئب أحدهما فأختلفتا في أيهما الذاهب فتحا كمتا إلى داود وفيه حكم سليمان وقد مضى شرحه مستوفى في ترجمة سليمان من أحاديث الانبياء قال بن بطال أجمعوا على أن الام لا تستلحق بالزوج ما ينكره فان أقامت البينة قبلت حيث تكون في عصمته فلو لم تكن ذات زوج وقالت لمن لا يعرف له أب هذا ابني ولم ينازعها فيه أحد فإنه يعمل بقولها وترثه ويرثها ويرثه إخوته لامه ونازعه بن التين فحكى عن بن القاسم لا يقبل قولها إذا ادعت اللقيط وقد استنبط النسائي في السنن الكبرى من هذا الحديث أشياء نفيسة فترجم نقض الحاكم ما حكم به غيره ممن هو مثله أو أجل إذا اقتضى الامر ذلك ثم ساق الحديث من طريق علي بن عياش عن شعيب بسنده المذكور هنا وصرح فيه بالتحديث بين أبي الزناد وبين الاعرج وأبي هريرة وساق الحديث نحو أبي اليماني وترجم أيضا الحاكم بخلاف ما يعترف به المحكوم له إذا تبين للحاكم أن الحق غير ما اعترف به وساق الحديث من طريق مسكين بن بكير عن شعيب وفيه فقال اقطعوه نصفين لهذه نصف ولهذه نصف فقالت الكبرى نعم اقطعوه فقالت الصغرى لا تقطعوه هو ولدها فقضى به للتي أبت أن يقطعه فأشار إلى قول الصغرى هو ولدها ولم يعمل سليمان بهذا الاقرار بل قضى به لها مع اقرارها بأنه لصاحبتها وترجم له التوسعة للحاكم أن يقول للشئ الذي لا يفعله افعل ليستبين له الحق وساقه من طريق محمد بن عجلان عن أبي الزناد وفيه فقال ائتوني بالسكين أشق الغلام بينهما فقالت الصغرى أتشقه فقال نعم فقالت لا تفعل

[ 48 ]

حظي منه لها وقد أخرجه مسلم من طريق أبي الزناد ولم يسق لفظه بل أحال به على رواية ورقاء عن أبي الزناد وقد ذكرت ما فيها في ترجمة سليمان ثم ترجم الفهم في القضاء والتدبر فيه والحكم بالاستدلال ثم ساقه من طريق بشير بن نهيك عن أبي هريرة وذكر الحديث مختصرا وقال في آخره فقال سليمان يعني للكبرى لو كان ابنك لم ترضي ان يقطع قوله باب القائف هو الذي يعرف الشبه ويميز الاثر سمي بذلك لانه يقفو الاشياء أي يتبعها فكأنه مقلوب من القافي قال الاصمعي هو الذي يقفو الاثر ويقتافه قفوا وقيافة والجمع القافة كذا وقع في الغريبين والنهاية قوله في الطريق الثانية عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري أخرجه أبو نعيم قوله دخل على مسرورا تبرق أسارير وجه تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم قوله فقال ألم ترى إلى مجزز في الرواية التي بعدها ألم ترى أن مجززا والمراد من الرؤية هنا الاخبار أو العلم ومضى في مناقب زيد من طريق أبي عيينة عن الزهري الم تسمعي ما قال المدلجي ومضى في صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق إبراهيم بن محمد عن الزهري بلفظ دخل على قائف الحديث وفيه فسر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم وأعجبه وأخبر به عائشة ولمسلم من طريق معمر وابن جريج عن الزهري وكان مجزز قائفا ومجزز بضم الميم وكسر الزاي الثقيلة وحكى فتحها وبعدها زاي أخرى هذا هو المشهور ومنهم من قال بسكون الحاء المهملة وكسر الراء ثم زاي وهو بن الاعور بن جعدة المدلجي نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناف بن كنانة وكانت القيافة فيهم وفي بني أسد والعرب تعترف لهم بذلك وليس ذلك خاصا بهم على الصحيح وقد أخرج يزيد بن هارون في الفرائض بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب أن عمر كان قائفا أورده في قصته وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا أسديا لا أسد قريش ولا أسد خزيمة ومجزز المذكور هو والد علقمة بن مجزز الماضي ذكره في باب باب سرية عبد الله بن حذافة من المغازي وذكر مصعب الزبيري والواقدي أنه سمي مجززا لانه كان إذا أخذ أسيرا في الجاهلية جز ناصيته وأطلقه وهذا يدفع فتح الزاي الاولى من اسمه وعلى هذا كان له اسم غير مجزز لكني لم أر من ذكره وكان مجزز عارفا بالقيافة وذكره بن يونس فيمن شهد فتح مصر وقال لا أعلم له رواية قوله نظر آنفا بالمد ويجوز القصر أي قريبا أو أقرب وقت قوله إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد في الرواية التي بعدها دخل علي فرأى أسامة بن زيد وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامها وفي رواية إبراهيم بن سعد وأسامة وزيد مضطجعان وفي هذه الزيادة دفع توهم من يقول لعله حاباهما بذلك لما عرف من كونهم كانوا يطعنون في أسامة قوله بعضها من بعض من رواية الكشميهني لمن بعض قال أبو داود نقل أحمد بن صالح عن أهل النسب أنهم كانوا في الجاهلية يقدحون في نسب أسامة لانه كان أسود شديد السواد وكان أبوه زيد أبيض من القطن فلما قال القائف ما قال مع اختلاف اللون سر النبي صلى الله عليه وسلم لذلك لكونه كافا لهم عن الطعن فيه لاعتقادهم ذلك وقد أخرج عبد الرزاق من طريق بن سيرين أن أم أسامة وهي أم أيمن مولاة النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء فلهذا جاء أسامة أسود وقد وقع في الصحيح عن بن شهاب أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة لعبد الله والد النبي صلى الله عليه وسلم ويقال كانت من سبي الحبشة الذين قدموا زمن الفيل فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله وتزوجت قبل زيد

[ 49 ]

الهبة قال عياض لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكروا سواد ابنها أسامة لان السوداء قد تلد من الابيض أسود قلت يحتمل أنها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد فوقع الانكار لذلك وفي الحديث جواز الشهادة على المنتقبة والاكتفاء بمعرفتها من غير رؤية الوجه وجواز اضطجاع الرجل مع ولده في شعار واحد وقبول شهادة من يشهد قبل أن يستشهد عند عدم التهمة وسرور الحاكم لظهور الحق لاحد الخصمين عند السلامة من الهوى وتقدم في باب إذا عرض لنفي الولد من كتاب اللعان حديث أبي هريرة في قصة الذي قال أن امرأتي ولدت غلاما أسود وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم لعله نزعه عرق ومضى شرحه هناك وبالله التوفيق تنبيه وجه إدخال هذا الحديث في كتاب الفرائض الرد على من زعم أن القائف لا يعتبر قوله فان من اعتبر قوله فعمل به لزم منه حصول التوراث بين الملحق والملحق به خاتمة اشتمل كتاب الفرائض من الاحاديث المرفوعة على ثلاثة وأربعين حديثا المعلق منها حديث تميم الداري فيمن أسلم على يديه والبقية موصول والمكرر منها فيه وفيما مضى سبعة وثلاثون حديثا والبقية خالصة لم يخرج مسلم منها سوى حديث أبي هريرة في الجنين غرة وحديث بن عباس ألحقوا الفرائض بأهلها وأما حديث معاذ في توريث الاخت والبنت وحديث بن مسعود في توريث بنت الابن وحديثه في السائبة وحديث تميم الداري المعلق فانفرد البخاري بتخريجها وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم أربعة وعشرون أثرا والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحدود جمع حد والمذكور فيه هنا حد الزنا والخمر والسرقة وقد حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد به في سبعة عشر شيئا فمن المتفق عليه الردة والحرابة ما لم يتب قبل القدرة والزنا والقذف به وشرب الخمر سواء أسكر أم لا والسرقة ومن المختلف فيه جحد العارية وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر والقذف بغير الزنا والتعريض بالقذف واللواط ولو بمن يحل له نكاحها وإتيان البهيمة والسحاق وتمكين المرأة القرد وغيره من الدواب من وطئها والسحر وترك الصلاة تكاسلا والفطر في رمضان وهذا كله خارج عما تشرع فيه المقاتلة كما لو ترك قوم الزكاة ونصبوا لذلك الحرب وأصل الحد ما يحجز بين شيئين فيمنع اختلاطهما وحد الدار ما يميزها وحد الشئ وصفه المحيط به المميز له عن غيره وسميت عقوبة الزاني ونحوه حدا لكونها تمنعه المعاودة أو لكونها مقدرة من الشارع وللاشارة إلى المنع سمى البواب حدادا قال الراغب وتطلق الحدود ويراد بها نفس المعاصي كقوله تعالى تلك حدود الله فلا تقربوها وعلى فعل فيه شئ مقدر ومنه ومن يتعدى حدود الله فقد ظلم نفسه وكأنها لما فصلت بين الحلال والحرام سميت حدودا فمنها ما زجر عن فعله ومنها ما زجر من الزيادة عليه والنقصان منه وأما قوله تعالى إن الذين يحادون الله ورسوله فهو من الممانعة ويحتمل أن يراد استعمال الحديث إشارة إلى المقاتلة وذكرت البسملة في رواية أبي ذر سابقة على كتاب قوله باب ما يحذر من الحدود كذا للمستملي ولم

[ 50 ]

يذكر فيه حديثا ولغيره وما يحذر عطفا على الحدود وفي رواية النسفي جعل البسملة بين الكتاب والباب ثم قال لا يشرب الخمر وقال بن عباس الخ قوله باب الزنا وشرب الخمر أي التحذير من تعاطيهما ثبت هذا المستملي وحده قوله وقال بن عباس ينزع منه نور الايمان في الزنا وصله أبو بكر بن أبي شيبة في كتاب الايمان من طريق عثمان بن أبي صفية قال كان بن عباس يدعو غلمانه غلاما غلاما فيقول ألا أزوجك ما من عبد يزني إلا نزع الله منه نور الايمان وقد روى مرفوعا أخرجه أبو جعفر الطبري من طريق مجاهد عن بن عباس سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من زنى نزع الله نور الايمان من قلبه فان شاء أن يرده إليه رده وله شاهد من حديث أبي هريرة عند أبي داود قوله عن أبي بكر بن عبد الرحمن أي بن الحارث بن هشام المخزومي ووقع في رواية مسلم من طريق شعيب بن الليث عن أبيه حدثني عقيل بن خالد قال قال بن شهاب أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قوله لآ يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن قيد نفي الايمان بحالة ارتكابه لها ومقتضاه أنه لا يستمر بعد فراغه وهذا هو الظاهر ويحتمل بأن يكون المعنى أن زوال ذلك إنما هو إذا أقلع الاقلاع الكلي واما لو فرغ وهو مصر تلك المعصية فهو كالمرتكب فيتجه أن نفي الايمان عنه يستمر ويؤيده ما وقع في بعض طرقه كما سيأتي في المحاربين من قول بن عباس فان تاب عاد إليه ولكن أخرج الطبري من طريق نافع بن جبير بن مطعم عن بن عباس قال لا يزني حين يزني وهو مؤمن فإذا زال رجع إليه الايمان ليس إذا تاب منه ولكن إذا تأخر عن العمل به ويؤيده أن المصر وان كان إثمه مستمرا لكن ليس إثمة كمن باشر الفعل كالسرقة مثلا قوله ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن في الرواية الماضية في الاشربة ولا يشربها ولم يذكر اسم الفاعل من الشرب كما ذكره في الزنا والسرقة وقد تقدم الكلام على ذلك في كتاب الاشربة قال بن مالك فيه جواز حذف الفاعل بدلالة الكلام عليه والتقدير ولا يشرب الشارب الخمر الخ ولا يرجع الضمير إلى الزاني لئلا يختص به بل هو عام في حق كل من شرب وكذا القول في لا يسرق ولا يقتل وفي لا يغل ونظير حذف الفاعل بعد النفي قراءة هشام ولا يحسبن الذين قتلوا في سبيل الله بفتح الياء التحتانية أوله أي لا يحسبن حاسب قوله ولا ينتهب نهبة بضم النون هو المال المنهوب والمراد به المأخوذ جهرا قهرا ووقع في رواية همام عند أحمد والذي نفس محمد بيده لا ينتهبن أحدكم نهبة الحديث وأشار برفع البصر إلى حالة المنهوبين فانهم ينظرون إلى من ينهبهم ولا يقدرون على دفعه ولو تضرعوا إليه ويحتمل أن يكون كناية عن عدم التستر بذلك فيكون صفة لازمة للنهب بخلاف السرقة والاختلاس فإنه يكون في خفية والانتهاب أشد لما فيه من مزيد الجراءة وعدم المبالاة وزاد في رواية يونس بن يزيد عن بن شهاب التي يأتي التنبيه عليها عقبها ذات شرف أي ذات قدر حيث يشرف الناس لها ناظرين إليها ولهذا وصفها بقوله يرفع الناس إليه فيها أبصارهم ولفظ يشرف وقع في معضم الروايات في الصحيحين وغيرهما بالشين المعجمة وقيدها بعض رواة مسلم بالمهملة وكذا نقل عن إبراهيم الحربي وهي ترجع إلى التفسير الاول قاله بن الصلاح قوله يرفع الناس الخ هكذا وقع تقييده بذلك في النهبة دون السرقة قوله وعن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله إلا النهبة هو موصول بالسند المذكور وقد أخرجه مسلم من طريق شعيب بن

[ 51 ]

الليث بلفظ قال بن شهاب وحدثني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث أبي بكر هذا إلا النهبة من طريق يونس بن يزيد عن بن شهاب سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن المسيب يقولان قال أبو هريرة فذكره مرفوعا وقال بعده قال بن شهاب وأخبرني عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام أن أبا بكر يعني أباه كان يحدثه عن أبي هريرة ثم يقول كان أبو بكر يلحق معهن ولا ينتهب نهبة ذات شرف والباقي نحو الذي هنا وتقدم في كتاب الاشربة أن مسلما أخرجه من رواية الاوزاعي عن بن شهاب عن بن المسيب وأبي سلمة وأبي بكر بن عبد الرحمن ثلاثتهم عن أبي هريرة وساقه مساقا واحدا من غير تفصيل قال بن الصلاح في كلامه على مسلم قوله وكان أبو هريرة يلحق معهن ولا ينتهب يوهم أنه موقوف على أبي هريرة وقد رواه أبو نعيم في مستخرجه على مسلم من طريق همام عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال والذي نفس محمد بيده لا ينتهب أحدكم نهبة الحديث فصرح برفعه انتهى وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه لكن لم يسق لفظه بل قال مثل حديث الزهري لكن قال يرفع إليه المؤمنون أعينهم فيها الحديث قال وزاد ولا يغل أحدكم حين يغل وهو مؤمن فاياكم إياكم وسيأتي في المحاربين من حديث بن عباس هذا فيه من الزيادة ولا يقتل وتقدمت الاشارة إلى بعض ما قيل في تأويله في أول كتاب الاشربة واستوعبه هنا إن شاء الله تعالى قال الطبري اختلف الرواة في أداء لفظ هذا الحديث وأنكر بعضهم أن يكون صلى الله عليه وسلم قاله ثم ذكر الاختلاف في تأويله ومن أقوى ما يحمل على صرفه عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد فلو كان المراد بنفي الايمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة لان المكلفين فيما يتعلق بالايمان والكفر سواء فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة وقال النووي اختلف العلماء في معنى هذا الحديث الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الايمان هذا من الالفاظ التي تطلق على نفي الشئ والمراد نفي كماله كما يقال لا علم إلا ما نفع ولا مال إلا ما يغل ولا عيش إلا عيش الآخرة وانما تأولناه لحديث أبي ذر من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق وحديث عبادة الصحيح المشهور أنهم بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا الحديث وفي آخره ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب به في الدنيا فهو كفارة ومن لم يعاقب فهو إلى الله ان شاء عفا عنه وان شاء عذبه فهذا مع قول الله عزوجل إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء مع إجماع أهل السنة على أن مرتكب الكبائر لا يكفر إلا بالشرك يضطرنا إلى تأويل الحديث ونظائره وهو تأويل ظاهر سائغ في اللغة مستعمل فيها كثيرا قال وتأوله بعض العلماء على من فعل مستحيلا مع علم بتحريمه وقال الحسن البصري ومحمد بن جرير الطبري معناه ينزع عنه اسم المدح الذي سمى الله به أولياءه فلا يقال في حقه مؤمن ويستحق اسم الذم فيقال سارق وزان وفاجر وفاسق وعن بن عباس ينزع منه نور الايمان وفيه حديث مرفوع وعن المهلب تنزع منه بصيرته في طاعة الله وعن الزهري أنه من المشكل الذي نؤمن به وتمر كلما جاء ولا نعترض لتأويله قال وهذه الاقوال محتملة والصحيح ما قدمته قال وقيل في معناه غير ما ذكرته مما ليس بظاهر بل

[ 52 ]

بعضها غلط فتركتها انتهى ملخصا وقد ورد في تأويله بالمستحل حديث مرفوع عن علي عند الطبري في الصغير لكن في سنده راو كذبوه فمن الاقوال التي لم يذكرها ما أخرجه الطبري من طريق محمد بن زيد بن واقد بن عبد الله بن عمر أنه خبر بمعنى النهي والمعنى لا يزنين مؤمن ولا يسرقن مؤمن وقال الخطابي كان بعضهم يرويه ولا يشرب بكسر الباء على معنى النهي والمعنى المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك ورد بعضهم هذا القول بأنه لا يبقى التقييد بالظرف فائدة فان الزنا منهي عنه في جميع الملل وليس مختصا بالمؤمنين قلت وفي هذا الرد نظر واضح لمن تأمله ثانيها أن يكون بذلك منافقا نفاق معصية لا نفاق كفر حكاه بن بطال عن الاوزاعي وقد مضى تقريره في كتاب الايمان أول الكتاب ثالثها أن معنى نفي كونه مؤمنا أنه شابه الكافر في عمله وموقع التشبيه أنه مثله في جواز قتله في تلك الحالة ليكف عن المعصية ولو أدى إلى قتله فإنه لو قتل في تلك الحالة كان دمه هدرا فانتفت فائدة الايمان في حقه بالنسبة إلى زوال عصمته في تلك الحالة وهذا يقوي ما تقدم من التقييد بحالة التلبس بالمعصية رابعها معنى قوله ليس بمؤمن أي ليس بمستحضر في حالة تلبسه بالكبيرة جلال من آمن به فهو كناية عن الغفلة التي جلبتها له غلبة الشهوة وعبر عن هذا بن الجوزي بقوله فان المعصية تذهله عن مراعاة الايمان وهو تصديق القلب فكأنه نسي من صدق به قال ذلك في تفسير نزع نور الايمان ولعل هذا هو مراد المهلب خامسها معنى نفي الايمان نفي الامان من عذاب الله لان ايمان مشتق من الامن سادسها أن المراد به الزجر والتنفير ولا يراد ظاهره وقد أشار إلى ذلك الطيبي فقال يجوز أن يكون من باب التغليظ والتهديد كقوله تعالى ومن كفر فان الله غني عن العالمين يعني أن هذه الخصال ليست من صفات المؤمن لانها منافية لحاله فلا ينبغي أن يتصف بها سابعها أنه يسلب الايمان حال تلبسه بالكبيرة فإذا فارقها عاد إليه وهو ظاهر ما أسنده البخاري عن بن عباس كما سيأتي في باب إثم الزنا من كتاب المحاربين عن عكرمة عنه بنحو حديث الباب قال عكرمة قلت لابن عباس كيف ينزع منه الايمان قال هكذا وشبك بين أصابعه ثم أخرجها فإذا تاب عاد إليه هكذا ثم شبك بين أصابعه وجاء مثل هذا مرفوعا أخرجه أبو داود والحاكم بسند صحيح من طريق سعد المقبري أنه سمع أبا هريرة رفعه إذا زنى الرجل خرج منه الايمان فكان عليه كالظلة فإذا أقلع رجع إليه الايمان وأخرج الحاكم من طريق بن حجيرة أنه سمع أبا هريرة يقول من زنى أو شرب الخمر نزع الله منه الايمان كما يخلع الانسان القميص من رأسه وأخرج الطبراني بسند جيد من رواية رجل من الصحابة لم يسم رفعه من زنى خرج منه الايمان فان تاب تاب الله عليه وأخرج الطبري من طريق عبد الله بن رواحة مثل الايمان مثل قميص بينما أنت مدبر عنه إذا لبسته وبينما أنت قد لبسته إذ نزعته قال بن بطال وبيان ذلك أن الايمان هو التصديق غير أن للتصديق معنيين أحدهما قول والآخر عمل فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الايمان فإذا كف عنها عاد له الاسم لانه في حال كفه عن الكبيرة مجتنب بلسانه ولسانه مصدق عقد قلبه وذلك معنى الايمان قلت وهذا القول قد يلاقي ما أشار إليه النووي فيما نقله عن بن عباس ينزع منه نور الايمان لانه يحمل منه على ان المراد في هذه الاحاديث نور الايمان وهو عبارة عن فائدة التصديق وثمرته وهو العمل بمقتضاه ويمكن رد هذا

[ 53 ]

القول إلى القول الذي رجحه النووي فقد قال بن بطال في آخر كلامه تبعا للطبري الصواب عندنا قول من قال يزول عنه اسم الايمان الذي هو بمعنى المدح إلى الاسم الذي بمعنى الذم فقال له فاسق مثلا ولا خلاف أنه يسمى بذلك ما لم تظهر منه التوبة فالزائل عنه حينئذ اسم الايمان بالاطلاق والثابت له اسم الايمان بالتقييد فيقال هو مصدق بالله ورسوله لفظا واعتقادا لا عملا ومن ذلك الكف عن المحرمات وأظن بن بطال تلقى ذلك من بن حزم فإنه قال المعتمد عليه عند أهل السنة أن الايمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح وهو يشمل عمل الطاعة والكف عن المعصية فالمرتكب لبعض ما ذكر لم يختل اعتقاده ولا نطقه بل اختلت طاعته فقط فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع فمعنى نفي الايمان محمول على الانذار بزواله ممن اعتاد ذلك لانه يخشى عليه أن يقضي به إلى الكفر وهو كقوله ومن يرتع حول الحمى الحديث أشار إليه الخطابي وقد أشار المازري إلى أن القول المصحح هنا مبني على قول من يرى أن الطاعات تسمى إيمانا والعجب من النووي كيف جزم بأن في التأويل المنقول عن بن عباس حديثا مرفوعا ثم صحح غيره فلعله لم يطلع على صحته وقد قدمت أنه يمكن رده إلى القول الذي صححه قال الطيبي يحتمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور وقد مضى أن الحياء من من الايمان فيكون التقدير لا يزني حين يزني وهو يستحي من الله لانه لو استحى منه وهو يعرف انه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك والى ذلك تصح إشارة بن عباس تشبيك اصابعه ثم أخراجها منها ثم إعادتها إليها ويعضده حديث من استحى من الله حق الحياء فليحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى انتهى وحاصل ما اجتمع لنا من الاقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولا خارجا عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة وقد أشرت إلى بعض الاقوال المنسوبة لاهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض قال المازري هذه التأويلات تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة وكذا قول المعتزلة انه فاسق مخلد في النار فان الطواف المذكورين تعلقوا بهذا الحديت وشبهه وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم قال القاضي عياض أشار بعض العلماء إلى أن في الحديث تنبيها على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها فنبه بالزنا على جميع الشهوات وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام وبالخمر على جميع ما يصدر عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله وترك توقيرهم والحياء منهم وعلى جمع الدنيا من غير وجهها وقال القرطبي بعد أن ذكره ملخصا وهذا لا يتمشى الا مع المسامحة والاولى أن يقال ان الحديث يتضمن التحرز من ثلاثة أمور هي من أعظم أصول المفاسد وأضدادها من أصول المصالح وهى استباحة الفروج المحرمة وما يؤدى إلى اختلال العقل وخص الخمر بالذكر لكونها أغلب الوجوه في ذلك والسرقة بالذكر لكونها أغلب الوجوه التي يؤخذ بها مال الغير بغير حق قلت وأشار بذلك إلى أن عموم ما ذكره الاول يشمل الكبائر والصغائر وليست الصغائر مرادة هنا لانها تكفر باجتناب الكبائر فلا يقع الوعيد عليها بمثل التشديد الذي في هذا الحديث وفي الحديث من الفوائد أن من زنى دخل في هذا الوعيد سواء كان بكرا أو محصنا وسواء كان المزني بها أجنبية أو محرما ولا شك أنه في حق المحرم

[ 54 ]

فحش ومن المتزوج أعظم ولا يدخل فيه ما يطلق عليه اسم الزنا من اللمس المحرم وكذا التقبيل والنظر لانها وان سميت في عرف الشرع زنا فلا تدخل في ذلك لانها من الصغائر كما تقدم تقريره في تفسير اللمم وفيه أن من سرق قليلا أو كثيرا وكذا من انتهب أنه يدخل في الوعيد وفيه نظر فقد شرط بعض العلماء وهو لبعض أيضا في كون الغصب كبيرة أن يكون المغصوب نصابا وكذا في السرقة وإن كان بعضهم أطلق فيها فهو محمول على ما اشتهر أن وجوب للقطع فيها متوقف على وجود النصاب وإن كان سرقة ما دون النصاب حراما وفي الحديث تعظيم شأن أخذ حق الغير بغير حق لانه صلى الله عليه وسلم أقسم عليه ولا يقسم الا على إرادة تأكيد المقسم عليه وفيه أن من شرب الخمر دخل في الوعيد المذكور سواء كان المشروب كثيرا أم قليلا لان شرب القليل من الخمر معدود من الكبائر وان كان ما يترتب على الشرب من المحذور من اختلال العقل أفحش من شرب مالا يتغير معه العقل وعلى القول الذي رجحه النووي لا إشكال في شئ من ذلك لان لنقص الكمال مراتب بعضها أقوى من بعض واستدل به من قال إن الانتهاب كله حرام حتى فيما أذن مالكه كالنثار في العرس ولكن صرح الحسن والنخغي وقتادة فيما أخرجه بن المنذر عنهم بأن شرط التحريم أن يكون بغير اذن المالك وقال أبو عبيدة هو كما قالوا وأما النهبه المختلف فيها فهو ما أذن فيه صاحبه واباحه وغرضه تساويهم أو مقاربة التساوي فإذا كان القوي منهم يغلب الضعيف ولم تطب نفس صاحبه بذلك فهو مكروه وقد ينتهى إلى التحريم وقد صرح المالكية والشافعية والجمهور بكراهيته وممن كرهه من الصحابة أبو مسعود البدري ومن التابعين النخعي وعكرمة قال بن المنذر ولم يكرهوه من الجهة المذكورة بل لكون الاخذ في مثل ذلك انما يحصل لمن فيه فضل قوة أو قلة حياء واحتج الحنفية ومن وافقهم بأنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه أبو داود من حديث عبد الله بن قرظ ان النبي صلى الله عليه وسلم قال في البدن التي نحرها من شاء اقتطع واحتجوا أيضا بحديث معاذ رفعه انما نهيتكم عن نهي العساكر فأما العرسان فلا الحديث وهو حديث ضعيف في سنده ضعف وانقطاع قال بن المنذر هي حجة قوية في جواز أخذ ما ينثر في العرس ونحوه لان المبيح لهم قد علم اختلاف حالهم في الاخذ كما علم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأذن فيه في أخذ البدن التي نحرها وليس فيها معنى إلا وهو موجود في النثار قلت بل فيها معنى ليس في غيرها بالنسبة إلى المأذون لهم فانهم كانوا الغاية في الورع والانصاف وليس غيرهم في ذلك مثلهم قوله باب ما جاء في ضرب شارب الخمر أي خلافا لمن قال يتعين الجلد وبيان الاختلاف في كميته وقد تقدم الكلام على تحريم الخمر ووقته وسبب نزوله وحقيقتها وهل هي مشتقة وهل يجوز تذكيرها في أول كتاب الاشربة قوله عن قتادة عن أنس في رواية لمسلم والنسائي سمعت أنا أخرجاها من طريق خالد بن الحارث عن شعبة وهو يدل على أن رواية شبابة عن شعبة بزيادة الحسن بين قتادة وأنس التي أخرجها النسائي من المزيد في متصل الاسانيد قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكر طريق شعبة عن قتادة ولم يسق المتن وتحول إلى طريق هشام عن قتادة فساق المتن على لفظه وقد ذكر في الباب الآتي بعد باب عن شيخ آخر عن هشام بهذا اللفظ وأما لفظ شعبة فأخرجه البيهقي في الخلافيات من طريق جعفر بن محمد القلانسي عن آدم شيخ البخاري

[ 55 ]

فيه بلفظ ان النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل شرب الخمر نضربه بجريدتين نحوا من أربعين ثم صنع أبو بكر مثل ذلك فلما كان عمر استشار الناس فقال له عبد الرحمن بن عوف أخف الحدود ثمانون ففعله عمر ولفظ رواية خالة التي ذكرتها إلى قوله نحو من أربعين وأخرجه مسلم والنسائي أيضا من طريق محمد بن جعفر عن شعبة مثل رواية آدم إلا أنه قال وفعله أبو بكر فلما كان عمر أي في خلافته استشار الناس فقال عبد الرحمن يعني بن عوف أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر ووقع لبعض رواة مسلم أخف الحدود ثمانين قال بن دقيق العيد فيه حذف عامل النصب جعله وتعقبه الفاكهي فقال هذا بعيد أو باطل وكأنه صدر عن غير تأمل لقواعد العربية ولا لمراد المتكلم إذ لا يجوز أجود الناس الزيدين على تقدير اجعلهم لان مراد عبد الرحمن الاخبار بأخف الحدود لا الامر بذلك فالذي يظهر أن راوي النصب وهم واحتمال توهيمه أولى من ارتكاب ما لا يجوز لفظا ولا معنى ورد عليه تلميذه بن مرزوق بأن عبد الرحمن مستشار والمستشار مسؤل والمستشير سائل ولا يبعد أن يكون المستشار آمرا قال والمثال الذي مثل به غير مطابق قلت بل هو مطابق لما ادعاه أن عبد الرحمن قصد الاخبار فقط والحق أنه أخبر برأيه مستندا إلى قياس وأقرب التقادير أخف الحدود أجده ثمانين أو أجد أخف الحدود ثمانين فنصبهما وأعرب بن العطار صاحب النووي في شرح العمدة فنقل عن بعض العلماء أنه ذكره بلفظ أخف الحدود ثمانون بالرفع وأعربه مبتدأ وخبرا قال ولا أعلمه منقولا رواية كذا قال والرواية بذلك ثابتة والاولى في توجيهها ما أخرجه مسلم أيضا من طريق معاذ بن هشام عن أبيه جلد أبو بكر أربعين فلما كان عمرو دنى الناس من الريف والقرى قال ما ترون في جلد الخمر فقال عبد الرحمن بن عوف أرى أن تجعلها كأخف الحدود قال فجلد عمر ثمانين فيكون المحذوف من هذه الرواية المختصرة أرى أن تجعلها وأداة التشبيه وأخرج النسائي من طريق يزيد بن هارون عن شعبة فضربه بالنعال نحوا من أربعين ثم أتى به أبو بكر فصنع به مثل ذلك ورواه همام عن قتادة بلفظ فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال أخرجه أحمد والبيهقي وهذا يجمع بين ما اختلف فيه على شعبة وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا إنه جلده بجريدتين أربعين فتكون الجملة ثمانين كما أجاب به بعض الناس رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ جلد بالجريد والنعال أربعين علقه أبو داود بسند صحيح ووصله البيهقي وكذا أخرجه مسلم من طريق وكيع عن هشام بلفظ كان يضرب في الخمر مثله وقد نسب صاحب العمدة قصة عبد الرحمن هذه إلى تخريج الصحيحين ولم يخرج البخاري منها شيئا وبذلك جزم عبد الحق في الجمع ثم المنذري نعم ذكر معنى صنيع عمر فقط في حديث السائب في الباب الثالث وسيأتي بسط ذلك تنبيه الرجل المذكور لم أنف على اسمه صريحا لكن سأذكر في باب ما يكرهه من لعن الشارب ما يؤخذ منه أنه النعيمان قوله باب من أمر ضرب الحد في البيت يعني خلافا لمن قال لا يضرب الحد سرا وقد ورد عن عمر في قصة ولد أبي شحمة لما شرب بمصر فحده عمرو بن العاص في البيت أن عمر أنكر عليه وأحضره إلى المدينة وضربه الحد جهرا روى ذلك بن سعد وأشار إليه الزبير وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن بن عمر مطولا وجمهور أهل العلم على الاكتفاء وحملوا صنيع عمر على

[ 56 ]

المبالغة في تأديب ولده لا أن إقامة الحد لا تصح إلا جهرا قوله عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي وأيوب هو السختياني وابن أبي مليكة هو عبد الله بن عبيد الله وقد سمى في الباب الذي بعده من رواية وهيب بن خالد عن أيوب قوله عن عقبة بن الحارث أي بن عامر بن نوفل بن عبد مناف ووقع في رواية عبد الوارث عن أيوب عند أحمد حدثني عقبة بن الحارث وقد اتفق هؤلاء على وصله وخالفهم إسماعيل بن علية فقال عن أيوب عن بن أبي مليكة مرسلا أخرجه مسدد عنه قوله جئ كذا لهم على البناء للمجهول وقد ذكرت في الوكالة تسمية الذي أتى به ولم ينبه عليه أحد ممن صنف في المبهمات قوله بالنعيمان أو بابن النعيمان في رواية الكشميهني في الباب الذي يليه نعيمان بغير ألف ولام في الموضعين وقد تقدم التنبيه على ذلك في كتاب الوكالة وأنه وقع عند الاسماعيلي النعيمان بغير شك فان الزبير بن بكار وابن مندة أخرجا الحديث من وجهين فيهما النعمان بغير شك وذكرت نسبه هناك وفي رواية الزبير كان النعيمان يصبب الشراب وهذا يعكر على قول بن عبد البر ان الذي كان أتى به قد شرب الخمر هو بن النعيمان فإنه قيل في ترجمة النعيمان كان رجلا صالحا وكان له بن انهمك في شرب الخمر فجلده النبي صلى الله عليه وسلم وقال في موضع آخر أظن بن النعيمان جلد في الخمر أكثر من خمسين مرة وذكر الزبير بن بكار أيضا أنه كان مزاحا وله في ذلك قصة مع سويبط بن حرملة ومع مخرمة بن نوفل والد المسور مع أمير المؤمنين عثمان ذكرها الزبير مع نظائر لها في كتاب الفكاهة والمزاح وذكر محمد بن سعد عليه وسلم ووقع في رواية معلى بن أسد عن وهيب عند النسائي فشق على النبي صلى الله عليه وسلم مشقة شديدة وسيأتي بقية ما يتعلق بقصة النعيمان في الباب الذي يليه ان شاء الله تعالى واستدل به على جواز إقامة الحد على السكران في حال سكره وبه قال بعض الظاهرية والجمهور على خلافه وأولوا الحديث بأن المراد ذكر سبب الضرب وأن ذلك الوصف استمر في حال ضربه وأيدوا ذلك بالمعنى وهو أن المقصود بالضرب في الحد الايلام ليحصل به الردع وفي الحديث تحريم الخمر ووجوب الحد على شاربها سواء كان شرب كثيرا أم قليلا وسواء أسكر أم لا قوله باب الضرب بالجريد والنعال أي في شرب الخمر وأشار بذلك إلى أنه لا يشترط الجلد وقد اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال وهي أوجه عند الشافعية أصحها يجوز الجلد بالسوط ويجوز الاقتصار على الضرب بالايدي والنعال والثياب ثانيها يتعين الجلد ثالثها يتعين الضرب وحجة الراجح أنه فعل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يثبت نسخه والجلد في عهد الصحابة فدل على جوازه وحجة الآخر أن الشافعي قال في الام لو قام عليه الحد بالسوط فمات وجبت الدية فسوى بينه وبين ما إذا زاد فدل على أن الاصل الضرب بغير السوط وصرح أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز بالسوط وصرح القاضي حسين بتعيين السوط واحتج بأنه إجماع الصحابة ونقل عن النص في القضاء ما يوافقه ولكن في الاستدلال بإجماع الصحابة نظر فقد قال النووي في شرح مسلم أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب ثم قال والاصح جوازه بالسوط وشذ من قال هو شرط وهو غلط منابذ للاحاديث الصحيحة قلت وتوسط بعض المتأخرين فعين السوط للمتمردين وأطراف الثياب والنعال للضعفاء ومن

[ 57 ]

عداهم بحسب ما يليق بهم وهو متجه ونقل بن دقيق العيد عن بعضهم أن معنى قوله نحوا من أربعين تقدير أربعين ضربة بعصا مثلا لا أن المراد عدد معين ولذلك وقع في بعض طرق عبد الرحمن بن أزهر أن أبا بكر سأل من حضر ذلك الضرب فقومه أربعين فضرب أبو بكر أربعين قال وهذا عندي خلاف الظاهر ويبعده قوله في الرواية الاخرى جلد في الخمر أربعين قلت ويبعد التأويل المذكور ما تقدم من رواية همام في حديث أنس فأمر عشرين رجلا فجلده كل رجل جلدتين بالجريد والنعال وذكر المصنف فيه خمسة أحاديث الاول حديث عقبة بن الحارث وقد تقدم في الباب الذي قبله وهو ظاهر فيما ترجم له الثاني حديث أنس وقد تقدم أيضا في الباب الاول وقوله فيه جلد تقدم في الباب الاول بلفظ ضرب ولا منافاة بينهما لان معنى جلد هنا ضربه فأصاب جلده وليس المراد به ضربه بالجلد الثالث حديث أبي هريرة قوله أبو ضمرة أنس يعني بن عياض قوله عن يزيد بن الهاد وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد فنسب إلى جده الاعلى وهو وشيخه وشيخ شيخه مدنيون تابعيون ووقع في آخر الباب الذي يليه أنس بن عياض حدثنا بن الهاد قوله عن محمد بن إبراهيم أي بن الحارث بن خالد التيمي زاد في رواية الطحاوي من طريق نافع بن يزيد عن بن الهاد عن محمد بن إبراهيم أنه حدثه عن أبي سلمة قوله عن أبي سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف وصرح به في رواية الطحاوي قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب في الرواية التي في الباب الذي يليه بسكران وهذا الرجل يحتمل أن يفسر بعبد الله الذي كان يلقب حمارا المذكور في الباب الذي بعده من حديث عمر ويحتمل أن يفسر بابن النعيمان والاول أقرب لان في قصته فقال رجل من القوم اللهم العنه ونحوه في القصة المذكور في حديث أبي هريرة لكن لفظه قال بعض القوم أخزاك الله ويحتمل أن يكون ثالثا فان الجواب في حديثي عمر وأبي هريرة مختلف وأخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد أتى النبي صلى الله عليه وسلم بنشوان فأمر به فنهز بالايدي وخفق بالنعال الحديث ولعبد الرزاق بسند صحيح عن عبيد بن عمير أحد كبار التابعين كان الذي يشرب الخمرة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبعض إمارة عمر يضربونه بأيديهم ونعالهم ويصكونه قوله قال اضربوه هذا يفسر الرواية الآتية بلفظ فأمر بضربه ولكن لم يذكر فيهما عددا قوله قال بعض القوم في الرواية الآتية فقال رجل وهذا الرجل هو عمر بن الخطاب إن كانت هذه القصة متحدة مع حديث عمر في قصة حمار كما سأبينه قوله لا تقولوا هكذا لا تعينوا عليه الشيطان في الرواية الاخرى لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم ووجه عونهم الشيطان بذلك أن الشيطان يريد بتزيينه له المعصية أن يحصل له الخزي فإذا دعوا عليه بالخزي فكأنهم قد حصلوا مقصود الشيطان ووقع عند أبي داود من طريق بن وهب عن حيوة بن شريح ويحيى بن أيوب وابن لهيعة ثلاثتهم عن يزيد بن الهاد نحوه وزاد في آخره ولكن قولوا اللهم اغفر له اللهم ارحمه زاد فيه أيضا بعض الضرب ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا صحابه بكتوه وهو أمر بالتبكيت وهو مواجهته بقبيح فعله وقد فسره في الخبر بقوله فأقبلوا عليه يقولون له ما اتقيت الله عزوجل ما خشيت الله جل ثناؤه ما استحيت من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أرسلوه وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر عند الشافعي بعد ذكر الضرب ثم قال عليه الصلاة والسلام بكتوه فبكتوه ثم أرسله ويستفاد من ذلك منع الدعاء على العاصي

[ 58 ]

بالابعاد عن رحمة الله كاللعن وسيأتي مزيد لذلك في الباب الذي يليه إن شاء الله تعالى الحديث الرابع قوله سفيان هو الثوري وصرح به في رواية مسلم وأبو حصين بمهملتين مفتوح أوله وعمير بن سعيد بالتصغير وأبوه بفتح أوله وكسر ثانيه تابعي كبير ثقة قال النووي هو في جميع النسخ من الصحيحين هكذا ووقع في الجمع للحميدي سعد بسكون العين وهو غلط ووقع في المهذب وغيره عمر بن سعد بحذف الياء فيهما وهو غلط فاحش قلت ووقع في بعض النسخ من البخاري كما ذكر الحميدي ثم رأيته في تقييد أبي علي الجياني منسوبا لابي زيد المروزي قال والصواب سعيد وجزم بذلك بن حزم وأنه في البخاري سعد بسكون العين فلعله سلف الحميدي ووقع النسائي والطحاوي وسكون الميم والمحفوظ عمير كما قال النووي وقد أعل بن حزم الخبر بالاختلاف في اسم عمير واسم أبيه وليست بعلة تقدح في روايته وقد عرفه ووثقه من صحيح حديثه وقد عمر عمير المذكور وعاش الى خمس عشر ومائة قوله ما كنت لاقيم اللام لتأكيد النفي كما في قوله تعالى وما كان الله ليضيع إيمانكم قوله فيموت فأجد بالنصب فيهما ومعنى أجد من الوجد وله معان اللائق منها هنا الحزن وقوله فيموت مسبب عن أقيم وقوله فأجد مسبب عن السبب والمسبب معا قوله إلا صاحب الخمر أي شاربها وهو بالنصب ويجوز الرفع والاستثناء منقطع أي لكن أجد من حد شارب الخمر إذا مات ويحتمل أن يكون التقدير ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئا إلا موت شارب الخمر فيكون الاستثناء على هذا متصلا قاله الطيبي قوله فإنه لو مات وديته أي أعطيت ديته لمن يستحق قبضها وقد جاء مفسرا من طريق أخرى أخرجها النسائي وابن ماجة من رواية الشعبي عن عمير بن سعيد قال سمعت عليا يقول من أقمنا عليه حدا فمات فلا دية له إلا من ضربناه في الخمر قوله لم يسنه أي لم يسن فيه عددا معينا في رواية شريك فان رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يستن فيه شيئا ووقع في رواية الشعبي فانما هو شئ صنعناه تكملة اتفقوا على أن من مات من الضرب في الحد لا ضمان على قاتله إلا في حد الخمر فعن على ما تقدم وقال الشافعي أن ضرب بغير السوط فلا ضمان وان جلد بالسوط ضمن قيل الدية وقيل قدر تفاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره والدية في ذلك على عاقلة الامام وكذلك لو مات فيما زاد على الاربعين الحديث الخامس قوله عن الجعيد بالجيم والتصغير ويقال الجعد بفتح أوله ثم سكون وهو تابعي صغير تقدمت روايته عن السائب بن يزيد في كتاب الطهارة وروى عنه هنا بواسطة وهذا السند للبخاري في غاية العلو لان بينه وبين التابعي فيه واحد فكان في حكم الثلاثيات وإن كان التابعي رواه عن تابعي أخر وله عنده نظائر ومثله ما أخرجه في العلم عن عبيد الله بن موسى عن معروف عن أبي الطفيل عن علي فان أبا الطفيل صحابي فيكون في حكم الثلاثيات لان بينه وبين الصحابي فيه اثنين وإن كان صحابيه انما رواه عن صحابي أخر وقد أخرجه النسائي من رواية حاتم بن إسماعيل عن الجعيد سمعت السائب فعل هذا فإدخال يزيد بن خصيفة بينهما إما من المزيد في متصل الاسانيد وإما أن يكون الجعيد سمعه من السائب وثبت فيه يزيد ثم ظهر لي السبب في ذلك وهو أن رواية الجعيد المذكورة عن السائب مختصرة فكأنه سمع الحديث تاما من يزيد عن السائب فحدث

[ 59 ]

بما سمعه من السائب عنه من غير ذكر يزيد وحدث أيضا بالتام فذكر الواسطة ويزيد بن خصيفة المذكور هو بن عبد الله بن خصيفة نسب لجده وقيل هو يزيد بن عبد الله بن يزيد بن خصيفة فيكون نسب إلى جد أبيه وخصيفة هو بن يزيد بن ثمامة أخو السائب بن يزيد صحابي هذا الحديث فتكون رواية يزيد من خصيفة لهذا الحديث عن عم أبيه أو عم جده قوله كنا نؤتى بالشارب فيه إسناد القائل الفعل بصيغة الجمع التي يدخل هو فيها مجازا لكونه مستويا معهم في أمرها وإن لم يباشر هو ذلك الفعل الخاص لان السائب كان صغيرا جدا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فقد تقدم في الترجمة النبوية أنه كان بن ست سنين فيبعد ان يكون شارك من كان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيما ذكر من ضرب الشارب فكان مراده بقوله كنا أي الصحابة لكن يحتمل أن يحضر مع أبيه أو عمه فيشاركهم في ذلك فيكون الاسناد على حقيقته قوله وإمرة أبي بكر بكسر الهمزة وسكون الميم أي خلافته وفي رواية حاتم من زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وبعض زمان عمر قوله وصدرا من خلافة عمر أي جانبا أوليا قوله فنقوم إليه بأيدينا ونعالنا وأرديتنا أي فنضربه بها قوله حتى كان آخر إمرة عمر فجلد أربعين ظاهره أن التحديد بأربعين انما وقع في آخر خلافة عمر وليس كذلك لما في قصة خالد بن الوليد وكتابته إلى عمر فإنه يدل على أن أمر عمر بجلد ثمانين كان في وسط إمارته لان خالدا مات في وسط خلافة عمر وإنما المراد بالغاية المذكورة أولا استمرار الاربعين فليست الفاء معقبة لآخر الامرة بل لزمان أبي بكر وبيان ما وقع في زمن عمر فالتقدير فاستمر جلد أربعين والمراد بالغاية الاخرى في قوله حتى إذا عتوا تأكيدا لغاية الاولى وبيان ما صنع التجبر والمراد هنا انهماكهم في الطغيان والمبالغة في الفساد في شرب الخمر لانه ينشأ عنه الفساد قوله وفسقوا أي خرجوا عن الطاعة ووقع في رواية النسائي فلم ينكلوا أي يدعوا قوله جلد ثمانين وقع في مرسل عبيد بن عمير أحد كبار التابعين فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عنه نحو حديث السائب وفيه أن عمر جعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ستين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أدنى الحدود وهذا يدل على أنه وافق عبد الرحمن بن عوف في أن الثمانين أدنى الحدود وأراد بذلك الحدود المذكورة في القرآن وهي حد الزنا وحد السرقة للقطع وحد القذف وهي أخفها عقوبة وأدناها عددا وقد مضى من حديث أنس في رواية شعبة وغيره سبب ذلك وكلام عبد الرحمن فيه حيث قال أخف الحدود ثمانون فأمر به عمر وأخرج مالك في الموطأ عن ثور بن يزيد أن عمر استشار في الخمر فقال له علي بن أبي طالب ترى أن تجعله ثمانين فإنه إذا شرب سكر وإذا سكر هذى وإذا هذى افترى فجلد عمر في الخمر ثمانين وهذا معضل وقد وصله النسائي والطحاوي من طريق يحيى بن فليح عن ثور عن عكرمة عن بن عباس مطولا ولفظه ان الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالايدي والنعال والعصا حتى توفى فكانوا في خلافة أبي بكر أكثر منهم فقال أبو بكر لو فرضنا لهم حدا فتوخى نحو ما كانوا يضربون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فجلدهم أربعين حتى توفى ثم

[ 60 ]

كان عمر فجلدهم كذلك حتى أتى برجل فذكر قصة وأنه تأول قوله تعالى ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا وأن بن عباس ناظره في ذلك واحتج ببقية الآية وهو قوله تعالى إذا ما اتقوا والذي يرتكب ما حرمه الله ليس بمتق فقال عمر ما ترون فقال علي فذكره وزاد بعد قوله وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون جلدة فأمر به عمر فجلده ثمانين ولهذا الاثر عن علي طرق أخرى منها ما أخرجها الطبراني والطحاوي والبيهقي من طريق أسامة بن زيد عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن أن رجلا من بني كلب يقال له بن دبرة أخبره أن أبا بكر كان يجلد في الخمر أربعين وكان عمر يجلد فيها أربعين قال فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر فقلت أن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة فقال عمر لمن حوله ما ترون قال ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف في المسجد فقال علي فذكر مثل رواية ثور الموصولة ومنها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن عكرمة أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له علي إن السكران إذا سكر هذى الحديث ومنها ما أخرجه بن أبي شيبة من رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي قال شرب نفر من أهل الشام الخمر وتأولوا الآية المذكورة فاستشار عمر فيهم فقلت أرى أن تستتيبهم فإن تابوا ضربتهم ثمانين ثمانين وإلا ضربت أعناقهم لانهم استحلوا ما حرم الله فاستتابهم فتابوا فضربهم ثمانين ثمانين وأخرج أبو داود والنسائي من حديث عبد الرحمن بن أزهر في قصة الشارب الذي ضربه النبي صلى الله عليه وسلم بحنين وفيه فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد ان الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا العقوبة قال وعنده المهاجرون والانصار فسألهم واجتمعوا على أن يضربه ثمانين وقال علي فذكر مثله وأخرج عبد الرزاق عن بن جريج ومعمر عن بن شهاب قال فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا وفرض فيها عمر ثمانين قال الطحاوي جاءت الاخبار متواترة عن علي أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسن في الخمر شيئا ويؤيده فذكر الاحاديث التي ليس فيها تقييد بعدد حديث أبي هريرة وحديث عقبة بن الحارث المتقدمين وحديث عبد الرحمن بن أزهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى برجل قد شرب الخمر فقال للناس اضربوه فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا ومنهم من ضربه بالجريد ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم ترابا فرمى به في وجهه وتعقب بأنه قد ورد في بعض طرقه ما يخالف قوله وهو ما عند أبي داود والنسائي في هذا الحديث ثم أتى أبو بكر بسكران فتوخى الذي كان من ضربهم عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فضربه أربعين ثم أتى عمر بسكران فضربه أربعين فأنه يدل على أنه وان لم يكن في الخبر تنصيص على عدد معين ففيما اعتمده أبو بكر حجة على ذلك ويؤيده ما أخرجه مسلم من طريق حضير بمهملة وضاد معجمة مصغر بن المنذر أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة في الخمر فقال لعبد الله بن جعفر أجلده فجلده فلما بلغ أربعين قال أمسك جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم أربعين وجلد أبو بكر أربعين وجلد عمر ثمانين وكل سنة وهذا أحب الي فان فيه الجزم بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وسائر الاخبار ليس فيها عدد إلا بعض الروايات الماضية عن أنس ففيها نحو الاربعين والجمع بينها أن عليا أطلق الاربعين فهو حجة على من ذكرها بلفظ التقريب وادعى الطحاوي أن رواية أبي ساسان هذه ضعيفة لمخالفتها الآثار المذكورة ولان راويها عبد الله بن فيروز المعروف بالداناج بنون وجيم ضعيف وتعقبه البيهقي بأنه حديث

[ 61 ]

صحيح مخرج في المسانيد والسنن وأن الترمذي سأل البخاري عنه فقواه وقد صححه مسلم وتلقاه الناس بالقبول وقال بن عبد البر أنه أثبت شئ في هذا الباب قال البيهقي وصحة الحديث انما تعرف بثقة رجاله وقد عرفهم حفاظ الحديث وقبلوهم وتضعيفه الداناج لا يقبل لان الجرح بعد ثبوت التعديل لا يقبل إلا مفسرا ومخالفة الراوي غيره في بعض ألفاظ الحديث لا تقتضي تضعيفه ولا سيما مع ظهور الجمع قلت وثق الدانا المذكور أبو زرعة والنسائي وقد ثبت عن علي في هذه القصة من وجه آخر أنه جلد الوليد أربعين ثم ساقه من طريق هشام بن يوسف عن معمر وقال أخرجه البخاري وهو كما قال وقد تقدم في مناقب عثمان وأن بعض الرواة قال فيه إنه جلد ثمانين وذكرت ما قيل في ذلك هناك وطعن الطحاوي ومن تبعه في رواية أبي ساسان أيضا بأن عليا قال وهذا أحب الي أي جلد أربعين مع أن عليا جلد النجاشي الشاعر في خلافته ثمانين وبأن بن أبي شيبة أخرج من وجه آخر عن علي أن حد النبيذ ثمانون والجواب عن ذلك من وجهين أحدهما أنه لا تصح أسانيد شئ من ذلك عن علي والثاني على تقدير ثبوته فأنه يجوز أن ذلك يختلف بحال الشارب وأن حد الخمر لا ينقص عن الاربعين ولا يزاد على الثمانين والحجة انما هي في جزمه بأنه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وقد جمع الطحاوي بينهما بما أخرجه هو والطبري من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن علي جلد الوليد بسوط له طرفان وأخرج الطحاوي أيضا من طريق عروة مثله لكن قال له ذنبان أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان قال الطحاوي ففي هذه الحديث أن علي جلده ثمانين لان كل سوط سوطان وتعقب بأن السند الاول منقطع فان أبا جعفر ولد بعد موت علي بأكثر من عشرين سنة وبأن الثاني في سنده بن لهيعة وهو ضعيف وعروة لم يكن في الوقت المذكور مميزا وعلى تقدير ثبوته فليس في الطريقين أن الطرفين أصاباه في كل ضربة وقال البيهقي يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين فأراد بالاربعين ما أجتمع من عشرين وعشرين ويوضح ذلك قوله في بقية الخبر وكل سنة وهذا أحب إلى لانه لا يقتضي التغاير والتأويل المذكور يقتضي أن يكون كل من الفريقين جلد ثمانين فلا يبقى هناك عدد يقع التفاضل فيه واما دعوة من زعم أن المراد بقوله هذا الاشارة إلى الثمانين فيلزم من ذلك أن يكون علي رجح ما فعل عمر على ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهذا لا يظن به قاله البيهقي واستدل الطحاوي لضعف حديث أبي ساسان بما تقدم ذكره من قول علي إنه إذا سكر هذى الخ قال فلما اعتمد علي في ذلك على ضرب المثل واستخرج الحد بطريق الاستنباط دل على أنه لا توقيف عنده من الشارع في ذلك فيكون جزمه بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين غلطا من الراوي إذ لو كان عنده الحديث المرفوع لم يعدل عنه إلى القياس ولو كان عند من بحضرته من الصحابة كعمر وسائر من ذكر في ذلك شئ مرفوع لانكروا عليه وتعقب بأنه إنما يتجه الانكار لو كان المنزع واحدا فاما مع الاختلاف فلا يتجه الانكار وبيان ذلك أن في سياق القصة ما يقتضي أنهم كانوا يعرفون أن الحد أربعون وانما تشاوروا في أمر يحصل به الارتداع يزيد على ما كان مقررا ويشير إلى ذلك ما وقع من التصريح في بعض طرقه أنهم احتقروا العقوبة وانهمكوا فاقتضى رأيهم أن يضيفوا إلى الحد المذكور قدره إما اجتهادا بناء على جواز دخول القياس في الحدود فيكون حدا أو استنبطوا من النص معنى يقتضي

[ 62 ]

الزيادة في الحد لا النقصان منه أو القدر الذي زادوه كان على سبيل التعزير تحذيرا وتخويفا لان من أحتقر العقوبة إذا عرف أنها غلظت في حقه كان أقرب إلى ارتداعه فيحتمل أن يكونوا ارتدعوا بذلك ورجع الامر إلى ما كان عليه قبل ذلك فرأى علي الرجوع إلى الحد المنصوص وأعرض عن الزيادة لانتفاء سببها ويحتمل أن يكون القدر الزائد كان عندهم خاصا بمن تمرد وظهرت منه امارات الاشتهار للفجور ويدل على ذلك أن في طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عند الدارقطني وغيره فكان عمر إذا أتى بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين قال وكذلك عثمان جلد أربعين وثمانين وقال المازري لو فهم الصحابة أن النبي صلى الله عليه وسلم حد في الخمر حدا معينا لما قالوا فيه بالرأي كما لم يقولوا بالرأي في غيره فلعلهم فهموا أنه ضرب فيه باجتهاده في حق من ضربه انتهى وقد وقع التصريح بالحد المعلوم وجب المصير إليه ورجح القول بأن الذي اجتهدوا فيه زيادة على الحد انما هو التعزير على القول بأنهم اجتهدوا في الحد المعين لما يلزم منه من المخالفة التي ذكرها كما سبق تقريره وقد أخرج عبد عن بن جريج أنبأنا عطاء أنه سمع عبيد بن عمير يقول كان الذي يشرب الخمر يضربونه بأيديهم ونعالهم فلما كان عمر فعل ذلك حتى خشي فجعله أربعين سوطا فلما رآهم لا يتناهون جعله ثمانين سوطا وقال هذا أخف الحدود والجمع بين حديث علي المصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم جلد أربعين وأنه سنة وبين حديثه المذكور في هذا الباب أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه بأن يحمل النفي على أنه لم يحد الثمانين أي لم يسن شيئا زائدا على الاربعين ويؤيده قوله وانما هو شئ صنعناه نحن يشير إلى ما أشار به على عمر وعلى هذا فقوله لو مات لوديته أي في الاربعين الزائدة وبذلك جزم البيهقي وابن حزم ويحتمل أن يكون قوله لم يسنه أي الثمانين لقوله في الرواية الاخرى وانما هو شئ صنعناه فكأنه خاف من الذي صنعوه باجتهادهم أن لا يكون مطابقا واختص هو بذلك لكونه الذي كان أشار بذلك واستدل له ثم ظهر له أن الوقوف عندما كان الامر عليه أولا أولى فرجع إلى ترجيحه وأخبر بأنه لو أقام الحد ثمانين فمات المضروب وداه للعلة المذكورة ويحتمل أن يكون الضمير في قوله لم يسنه لصفة الضرب وكونها بسوط الجلد أي لم يسن جلد السوط وانما كان يضرب فيه بالنعال وغيرها مما تقدم ذكره أشار إلى ذلك البيهقي وقال بن حزم أيضا لو جاء من غير علي من الصحابة في حكم واحد أنه مسنون وأنه غير مسنون لوجب حمل أحدهما على غير ما حمل عليه الآخر فضلا عن علي مع سعة حلمه وقوة فهمه وإذا تعارض خبر عمير بن سعيد وخبر أبي ساسان فخبر أبي ساسان أولى بالقبول لانه مصرح فيه برفع الحديث عن علي وخبر عمير موقوف على علي وإذا تعارضا المرفوع والموقوف قدم المرفوع وأما دعوى ضعف سند أبي ساسان فمردودة والجمع أولى مهما أمكن من توهين الاخبار الصحيحة وعلى تقدير أن تكون إحدى الروايتين وهما فرواية الاثبات مقدمة على رواية النفي وقد ساعدتها رواية أنس على اختلاف ألفاظ النقلة عن قتادة وعلى تقدير أن يكون بينهما تمام التعارض فحديث أنس سالم من ذلك واستدل بصنيع عمر في جلد شارب الخمر ثمانين على أن حد الخمر ثمانون وهو قول الائمة الثلاثة وأحد القولين للشافعي واختاروه بن المنذر والقول الآخر للشافعي وهو الصحيح أنه أربعون قلت جاء عن أحمد كالمذهبين قال القاضي عياض أجمعوا على وجوب

[ 63 ]

الحد في الخمر وأختلفوا في تقديره فذهب الجمهور إلى الثمانين وقال الشافعي في المشهور عنه وأحمد في رواية وأبو ثور وداود أربعين وتبعه على نقل الاجماع بن دقيق العيد والنووي ومن تبعهما وتعقب بأن الطبري وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها وإنما فيها التعزير واستدلوا بأحاديث الباب فأنها ساكتة عن تعيين عدد الضرب واصرحها حديث أنس ولم يجزم فيه بالاربعين في أرجح الطرق عنه وقد قال عبد الرزاق أنبأنا بن جريج ومعمر سئل بن شهاب كم جلد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر فقال لم يكن فرض فيها حدا كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ونعالهم حتى يقول لهم ارفعوا وورد أنه لم يضربه أصلا وذلك فيما أخرجه أبو داود والنسائي بسند قوي عن بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوقت في الخمر حدا قال بن عباس وشرب رجل فسكر فانطلق به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فلما حاذى دار العباس انفلت فدخل على العباس فألتزمه فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فضحك ولم يأمر فيه بشئ وأخرج الطبري من وجه أخر عن بن عباس ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخمر إلا أخيرا ولقد حجرته من الليل سكران فقال ليقم إليه رجل فيأخذ بيده حتى يرده إلى رحله والجواب أن الاجماع انعقد بعد ذلك على وجوب الحد لان أبا بكر تحرى ما كان النبي صلى الله عليه وسلم ضرب السكران فصيره حدا وأستمر عليه وكذا استمر من بعده وإن اختلفوا في العدد وجمع القرطبي بين الاخبار بأنه لم يكن أولا في شرب الخمر حد وعلى ذلك يحمل حديث بن عباس في الذي استجار بالعباس ثم شرع فيه التعزير على ما في سائر الاحاديث التي لا تقدير فيها ثم شرع الحد ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين ومن ثم توخى أبو بكر ما فعل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم فاستقر عليه الامر ثم رأى عمر ومن رافقه الزيادة على الاربعين إما حدا بطريق الاستنباط وإما تعزيرا قلت وبقي ما ورد في الحديث أنه إن شرب فحد ثلاث مرات ثم شرب قتل في الرابعة وفي رواية في الخامسة وهو حديث مخرج بالسنن من عدة طرق أسانيدها قوية ونقل الترمذي الاجماع على ترك القتل وهو محمول على من بعد من نقل غيره عنه قول به كعبد الله بن عمرو فيما أخرجه أحمد والحسن البصري وبعض أهل الظاهر وبالغ النووي فقال هو قول باطل مخالف لاجماع الصحابة فمن بعدهم والحديث أو أرد فيه منسوخ إما بحديث لا يحل دم امرئ مسلم إلا إحدى ثلاث وأما بأن الاجماع دل على نسخه قلت بل دليل النسخ منصوص وهو ما أخرجه أبو داود من طريق الزهري عن قبيصة في هذه القصة قال فأتى برجل قد شرب فجلده ثم أتى به قد شرب فجلده ثم أتى به فجلده ثم أتى به فجلده فرفع القتل وكانت رخصة وسيأتي بسط ذلك في الباب الذي يليه واحتج من قال إن حده ثمانون بالاجماع في عهد عمر حيث وافقه على ذلك كبار الصحابة وتعقب بأن عليا أشار على عمر بذلك ثم رجع علي عن ذلك واقتصر على الاربعين لانها القدر الذي اتفقوا عليه في زمن أبي بكر مستندين إلى تقدير ما فعل في بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم وأما الذي أشار به فقد تبين من سياق قصته أنه أشار بذلك ردعا للذين انهمكوا لان في بعض طرق القصة كما تقدم انهم احتقروا العقوبة وبهذا تمسك الشافعية فقالوا أقل ما في حد الخمر أربعون وتجوز الزيادة فيه إلى الثمانين على سبيل التعزير ولا يجاوز الثمانين واستندوا إلى أن التعزير إلى رأي الامام

[ 64 ]

فرأى عمر فعله بموافقة علي ثم رجع علي ووقف عند ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر ووافقه عثمان على ذلك وأما قول علي وكل سنة فمعناه أن الاقتصار على الاربعين سنة النبي صلى الله عليه وسلم فصار إليه أبو بكر والوصول إلى الثمانين سنة عمر ردعا للشاربين الذين احتقروا العقوبة الاولى ووافقهم من ذكر في زمانه للمعنى الذي تقدم وسوغ لهم ذلك إما اعتقادهم جواز القياس في الحدود على رأي من يجعل الجميع حدا وإما أنهم جعلوا الزيادة تعزيرا بناء على جواز أن يبلغ بالتعزير قدر الحد ولعلهم لم يبلغهم الخبر الآتي في باب التعزير وقد تمسك بذلك من قال بجواز القياس في الحدود وادعى إجماع الصحابة وهي دعوى ضعيفة لقيام الاحتمال وقد شنع بن حزم على الحنفية في قولهم أن القياس لا يدخل في الحدود والكفارات مع جزم الطحاوي ومن وافقه منهم بأن حد الخمر وقع بالقياس على حد القذف وبه تمسك من قال بالجواز من المالكية والشافعية واحتج من منع ذلك بأن الحدود والكفارات شرعت بحسب المصالح وقد تشترك أشياء مختلفة وتختلف أشياء متساوية فلا سبيل إلى علم ذلك إلا بالنص وأجابوا عما وقع في زمن عمر بأنه لا يلزم من كونه جلد قدر حد القذف أن يكون جعل الجميع حدا بل الذي فعلوه محمول على أنهم لم يبلغهم أن النبي صلى الله عليه وسلم حد فيه أربعين إذ لو بلغهم لما جاوزوه كما لم يجاوزوا غيره من الحدود المنصوصة وقد اتفقوا على أنه لا يجوز أن يستنبط من النص معنى يعود عليه بالابطال فرجح أن الزيادة كانت تعزيرا ويؤيده ما أخرجه أبو عبيد في غريب الحديث بسند صحيح عن أبي رافع عن عمر أتى بشارب فقال لمطيع بن الاسود إذا أصبحت غدا فاضربه فجاء عمر فوجده يضربه ضربا شديدا فقال كم ضربته قال ستين قال اقتص عنه بعشرين قال أبو عبيد يعني اجعل شدة ضربك له قصاصا بالعشرين التي بقيت من الثمانين قال أبو عبيد فيؤخد من هذا الحديث أن ضرب الشارب لا يكون شديدا وأن لا يضرب في حال السكر لقوله إذا أصبحت فأضربه قال البيهقي ويؤخذ منه أن الزيادة على الاربعين ليست بحد إذا لو كانت حدا لما جاز النقص منه بشدة الضرب إذ لا قائل به وقال صاحب المفهم ما ملخصه بعد أن ساق الاحاديث الماضية هذا كله يدل على أن الذي وقع في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان أدبا وتعزيرا ولذلك قال علي فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يسنه فلذلك ساغ للصحابة الاجتهاد فيه فألحقوه بأخف الحدود وهذا قول طائفة من علمائنا ويرد عليهم قول على جلد النبي صلى الله عليه وسلم أربعين وكذا وقوع الاربعين في عهد أبي بكر وفي خلافة عمر أولا أيضا ثم في خلافة عثمان فلولا أنه حد لاختلف التقدير قيام الاجماع على أن في الخمر الحد وإن وقع الاختلاف في الاربعين والثمانين قال والجواب أن النقل عن الصحابة اختلف في التحديد والتقدير ولا بد من الجمع بين مختلف أقوالهم وطريقه أنهم فهموا أن الذي وقع في زمنه صلى الله عليه وسلم كان أدبا من أصل ما شاهدوه من اختلاف الحال فلما كثر الاقدام على الشرب ألحقوه بأخف الحدود المذكورة في القرآن وقوى ذلك عندهم وجود الافتراء من السكر فأثبتوها حدا ولهذا أطلق على أن عمر جلد ثمانين وهى سنة ثم ظهر لعلي أن الاقتصار على الاربعين أولى مخافة أن يموت فتجب فيه الدية ومراده بذلك الثمانون وبهذا يجمع بين قوله لم يسنه وبين تصريحه بأنه صلى الله عليه وسلم جلد أربعين قال وغاية هذا البحث أن الضرب في الخمر

[ 65 ]

تعزير يمنع من الزيادة على غايته وهي مختلف فيها قال وحاصل ما وقع من استنباط الصحابة أنهم أقاموا السكر مقام القذف لانه لا يخلو عنه غالبا فأعطوه حكمه وهو من أقوى حجج القائلين بالقياس فقد اشتهرت هذه القصة ولم ينكرها في ذلك الزمان منكر قال وقد اعترض بعض أهل النظر بأنه إن ساغ إلحاق حد السكر لحد القذف فليحكم له بحكم الزنا والقتل لانهما مظنته وليقتصروا في الثمانين على من سكر لا على من اقتصر على الشرب ولم يسكر قال وجوابه أن المظنة موجودة غالبا في القذف نادرة في الزنا والقتل والوجود يحقق ذلك وانما أقاموا الحد على الشارب وان لم يسكر مبالغة في الردع لان القليل يدعو إلى الكثير والكثير يسكر غالبا وهو المظنة ويؤيده أنه اتفقوا على إقامة الحد في الزنا بمجرد الايلاج وان لم يتلذذ ولا أنزل ولا أكمل قلت والذي تحصل لنا من الآراء في حد الخمر ستة أقوال الاول أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجعل فيها حدا معلوما بل كان يقتصر في ضرب الشارب على ما يليق به قال بن المنذر قال بعض أهل العلم أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمرهم بضربه وتبكيته فدل على أن لا حد في السكر بل فيه التنكيل والتبكيت ولو كان ذلك على سبيل الحد لبينه بيانا واضحا قال فلما كثر الشراب في عهد عمر استشار الصحابة ولو كان عندهم عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ محدود لما تجاوزوه كما لم يتجاوزوا حد القذف ولو كثر القاذفون وبالغوا في الفحش فلما اقتضى رأيهم أن يجعلوه كحد القذف واستدل علي بما ذكر من أن في تعاطيه ما يؤدي إلى وجود القذف غالبا أو إلى ما يشبه القذف ثم رجع إلى الوقوف عند تقدير ما وقع في زمن النبي صلى الله عليه وسلم دل على صحة ما قلناه لان الروايات في التحديد بأربعين اختلفت عن أنس وكذا عن علي فالاولى أن لا يتجاوز أقل ما ورد أن النبي صلى الله عليه وسلم ضربه لانه المحقق سواء كان ذلك حدا أو تعزيرا الثاني أن أن الحد فيه أربعون ولا تجوز الزيادة عليها الثالث مثله لكن للامام أن يبلغ به ثمانين وهل تكون الزيادة من تمام الحد أو تعزيرا قولان الرابع أنه ثمانون ولا تجوز الزيادة عليه الخامس كذلك وتجوز الزيادة تعزيرا وعلى الاقوال كلها هل يتعين الجلد بالسوط أو يتعين بما عداه أو يجوز بكل من ذلك أقوال السادس إن شرب فجلد ثلاث مرات فعاد الرابعة وجب قتله وقيل أن شرب أربعا فعاد الخامسة وجب قتله وهذا السادس في الطرف الابعد من القول الاول وكلاهما شاذ وأظن الاول رأي البخاري فإنه لم يترجم بالعدد أصلا ولا أخرج هنا في العدد الصريح شيئا مرفوعا وتمسك من قال لا يزاد على الاربعين بأن أبا بكر تحرى ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم فوجده أربعين فعمل به ولا يعلم له في زمنه مخالف فان كان السكوت إجماعا فهذا الاجماع سابق على ما وقع في عهد عمر والتمسك به أولى لان مستنده فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن ثم رجع إليه علي ففعله في زمن عثمان بحضرته وبحضرة من كان عنده من الصحابة منهم عبد الله بن جعفر الذي باشر ذلك والحسن بن علي فان كان السكوت إجماعا فهذا هو الاخير فينبغي ترجيحه وتمسك من قال بجواز بما صنع في عهد عمر من الزيادة ومنهم من أجاب عن الاربعين بأن المضروب كان عبدا وهو بعيد فاحتمل الامرين أن يكون حدا أو تعزيرا وتمسك من قال بجواز الزيادة على الثمانين تعزيرا بما تقدم في الصيام أن عمر حد الشارب في رمضان ثم نفاه إلى الشام وبما أخرجه بن أبي شيبة أن عليا جلد النجاشي الشاعر

[ 66 ]

ثمانين ثم أصبح فجلده عشرين بجراءته بالشرب في رمضان وسيأتي الكلام في جواز الجمع بين الحد والتعزير في الكلام على تغريب الزاني ان شاء الله تعالى وتمسك من قال يقتل في الرابعة أو الخامسة بما سأذكره في الباب الذي بعده ان شاء الله تعالى وقد استقر الاجماع على ثبوت حد الخمر وأن لا قتل فيه واستمر الاختلاف في الاربعين والثمانين وذلك خاص بالحر المسلم وأما الذمي فلا يحد فيه وعن أحمد رواية أنه يحد وعنه إن سكر والصحيح عندهم كالجمهور وأما من هو في الرق فهو على النصف من ذلك إلا عند أبي ثور وأكثر أهل الظاهر فقالوا الحر والعبد في ذلك سواء لا ينقص عن الاربعين نقله بن عبد البر وغيره عنهم وخالفهم بن حزم فوافق الجمهور قوله باب ما يكره من لعن شارب الخمر وأنه ليس بخارج من الملة يشير إلى طريق الجمع بين ما تضمنه حديث الباب من النهي عن لعنه وما تضمنه حديث الباب الاول لا يشرب الخمر وهو مؤمن وأن المراد به نفي كان الايمان لا أنه يخرج عن الايمان جملة وعبر بالكراهة هنا إشارة إلى أن النهي للتنزيه في حق من يستحق اللعن إذا قصد به اللاعن محض السب لا إذا قصد معناه الاصلي وهو الابعاد عن رحمة الله فأما إذا قصده فيحرم ولا سيما في حق من لا يستحق اللعن كهذا الذي يحب الله ورسوله ولا سيما مع إقامة الحد عليه بل يندب الدعاء له بالتوبة والمعفرة كما تقدم تقريره في الباب الذي قبله في الكلام على حديث أبي هريرة ثاني حديثي الباب وبسبب هذا التفصيل عدل عن قوله في الترجمة كراهية لعن شارب الخمر إلى قوله ما يكره من فأشار بذلك إلى التفصيل وعلى هذا التقرير فلا حجة فيه لمنع لعن الفاسق المعين مطلقا وقيل أن المنع خاص بما يقع في حضرة النبي صلى الله عليه وسلم لئلا يتوهم الشارب عند عدم الانكار أنه مستحق لذلك فربما أوقع الشيطان في قلبه ما يتمكن به من فتنه والى ذلك الاشارة بقوله في حديث أبي هريرة لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم وقيل المنع مطلقا في حق من أقيم عليه الحد لان الحد قد كفر عنه الذنب المذكور وقيل المنع مطلقا في حق ذي الزلة والجواز مطلقا في حق المجاهرين وصوب بن المنير أن المنع مطلقا في حق المعين والجواز في حق غير المعين لانه في حق غير المعين زج عن تعاطي ذلك الفعل وفي حق المعين أذى له وسب وقد ثبت النهي عن أذى المسلم واحتج من أجاز لعن المعين بأن النبي صلى الله عليه وسلم إنما لعن من يستحق اللعن فيستوي المعين وغيره وتعقب بأنه إنما يستحق اللعن بوصف الابهام ولو كان لعنه قبل الحد جائزا لاستمر بعد الحد كما لا يسقط التغريب بالجلد وأيضا فنصيب غير المعين من ذلك يسير جدا والله اعلم قال النووي في الاذكار وأما الدعاء على انسان بعينه ممن اتصف بشئ من المعاصي فظاهر الحديث أنه لا يحرم وأشار الغزالي إلى تحريمه وقال في باب الدعاء على الظلمة بعد أن أورد أحاديث صحيحة في الجواز قال الغزالي وفي معنى اللعن الدعاء على الانسان بالسوء حتى على الظالم مثل لا أصح الله جسمه وكل ذلك مذموم انتهى والاولى حمل كلام الغزالي على الاول وأما الاحاديث فتدل على الجواز كما ذكره النووي في قوله صلى الله عليه وسلم الذي قال كل بيمينك فقال لا أستطيع فقال لا استطعت فيه دليل على جواز الدعاء على من خالف الحكم الشرعي ومال هنا إلى الجواز قبل إقامة الحد والمنع بعد إقامته وصنيع البخاري يقتضي لعن المتصف بذلك من غير أن يعين باسمه فيجمع بين المصلحتين لان لعن المعين والدعاء عليه قد يحمله على

[ 67 ]

التمادي أو يقنطه من قبول التوبة بخلاف ما إذا صرف ذلك إلى المتصف فان فيه زجرا وردعا عن ارتكاب ذلك وباعثا لفاعله على الاقلاع عنه ويقويه النهي عن التئزيب على الامة إذا جلدت على الزنا كما سيأتي قريبا واحتج شيخنا الامام البلقيني على جواز لعن المعين بالحديث الوارد في المرأة إذا دعاها زوجها إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح وهو في الصحيح وقد توقف فيه بعض من لقيناه بأن اللاعن لها الملائكة فيتوقف الاستدلال به على جواز التأسي بهم وعلى التسليم فليس في الخبر تسميتها والذي قاله شيخنا أقوى فأن الملك معصوم والتأسي بالمعصوم مشروع والبحث في جواز لعن المعين وهو الموجود قوله أن رجلا كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان اسمه عبد الله وكان يلقب حمارا ذكر الواقدي في غزوة خيبر من مغازيه عن عبد الحميد بن جعفر عن أبيه قال ووجد في حصن الصعب بن معاذ فذكر ما وجد من الثياب وغيرها إلى أن قال وزقاق خمر فأريقت وشرب يومئذ من تلك الخمر رجل يقال له عبد الله الحمار وهو باسم الحيوان المشهور وقد وقع في حديث الباب أن الاول اسمه والثاني لقبه وجوز بن عبد البر أنه بن النعيمان المبهم في حديث عقبة بن الحارث فقال في ترجمة النعيمان كان رجلا صالحا وكان له بن انهمك في الشراب فجلده النبي صلى الله عليه وسلم فعلى هذا يكون كل من النعيمان وولده عبد الله جلد في الشرب وقوى هذا عنده بما أخرجه الزبير بن بكار في الفاكهة من حديث محمد بن عمرو بن حزم قال كان بالمدينة رجل يصيب الشراب فكان يؤتي به النبي صلى الله عليه وسلم فيضربه بنعله ويأمر أصحابه فيضربونه بنعالهم ويحثون عليه التراب فلما كثر ذلك منه قال له رجل لعنك الله فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تفعل فإنه يحب الله ورسوله وحديث عقبة اختلف ألفاظ ناقليه هل الشارب النعيمان أو بن النعيمان والراجح النعيمان فهو غير المذكور هنا لان قصة عبد الله كانت في خيبر فهي سابقة على قصة النعيمان فأن عقبة بن الحارث من مسلمة الفتح والفتح كان بعد خيبر بنحو من عشرين شهرا والاشبه أنه المذكور في حديث عبد الرحمن بن أزهر لان عقبة بن الحارث ممن شهدها من مسلمة الفتح لكن في حديثه أن النعيمان ضرب في البيت وفي حديث عبد الرحمن بن أزهر أنه أتى به والنبي صلى الله عليه وسلم عند رحل خالد بن الوليد ويمكن الجمع بأنه أطلق على رحل خالد بيتا فكأنه كان بيتا من شعر فأن كان كذلك فهو الذي في حديث أبي هريرة لان في كل منهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاصحابه بكتوه كما تقدم قوله وكان يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يقول بحضرته أو يفعل ما يضحك منه وقد أخرج أبو يعلى من طريق هشام بن سعد عن زيد بن أسلم بسند الباب ان رجلا كان يلقب حمارا وكان يهدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم العكة من السمن والعسل فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أعط هذا متاعه فما يزيد النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبسم ويأمر به فيعطى ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم بعد قوله يحب الله ورسوله قال وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا اشترى منها ثم جاء فقال يا رسول الله هذا أهديته لك فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال أعط هذا الثمن فيقول ألم تهده الي فيقول ليس عندي فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه وهذا مما يقوي أن صاحب الترجمة والنعيمان واحد والله أعلم قوله قد جلد في الشراب أي بسبب شربه الشراب المسكر وكان فيه مضمرة أي كان قد جلد ووقع

[ 68 ]

في رواية معمر عن زيد بن أسلم بسنده هذا عند عبد الرزاق أتي برجل قد شرب الخمر فحد ثم أتى به فحد ثم أتى به فحد ثم أتى به فحد أربع مرات قوله فأتى به يوما فذكر سفيان اليوم الذي أتى به فيه والشراب الذي شربه من عند الواقدي ووقع في روايته وكان قد أتى به في الخمر مرارا قوله فأمر به فجلد في رواية الواقدي فأمر به فخفق بالنعال وعلى هذا فقوله فجلد أي ضرب ضربا أصاب جلده وقد يؤخذ منه أنه المذكور في حديث أنس في الباب الاول قوله قال رجل من القوم لم أرى هذا الرجل مسمى وقد وقع في رواية معمر المذكورة فقال رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رأيته مسمى في رواية الواقدي فعنده فقال عمر قوله ما أكثر ما يؤتى به في رواية الواقدي ما يضرب وفي رواية معمر ما أكثر ما يشرب وما أكثر ما يجلد قوله لا تلعنوه في رواية الواقدي لا تفعل يا عمر وهذا قد يتمسك به من يدعي اتحاد القصتين وهو بعيد لما بينته من اختلاف الوقتين ويمكن الجمع بأن ذلك وقع للنعيمان ولابن النعيمان وأن اسمه عبد الله ولقبه حمار والله أعلم قوله فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله كذا للاكثر بكسر الهمزة ويجوز على رواية بن السكن الفتح والكسر وقال بعضهم الرواية بفتح الهمزة على أن ما نافية يحيل المعنى إلى ضده وأغرب بعض شراح المصابيح فقال ما موصولة وان مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي علمت لكونه مشتملا على المنسوب والمنسوب إليه والضمير في أنه يعود إلى الموصول والموصول مع صلته خبر مبتدأ محذوف تقديره هو الذي علمت والجملة في جواب القسم قال الطيبي وفيه تعسف وقال صاحب المطالع ما موصولة وإنه بكسر الهمزة مبتدأ وقيل بفتحها وهو مفعول علمت قال الطيبي فعلى هذا علمت بمعنى عرفت وانه خبر الموصول وقال أبو البقاء في إعراب الجمع ما زائدة أي فو الله علمت أنه والهمزة على هذا مفتوحة قال ويحتمل أن يكون المفعول محذوفا أي ما علمت عليه أو فيه سوءا ثم أستأنف فقال انه يحب الله ورسوله ونقل عن رواية بن السكن أن التاء بالفتح للخطاب تقريرا ويصح على هذا كسر الهمزة وفتحها والكسر على جواب القسم والفتح معمول علمت وقيل ما زائدة للتأكيد والتقدير لقد علمت قلت وقد حطى في المطالع أن في بعض الروايات فوالله لقد علمت وعلى هذا فالهمزة مفتوحة ويحتمل أن تكون ما مصدرية وكسرت إن لانها جواب القسم قال الطيبي وجعل ما نافية أظهر لاقتضاء القسم أن يلتقي بحرف النفي وبان وباللام بخلاف الموصولة ولان الجملة القسمية جئ بها مؤكدة لمعنى النفي مقررة للانكار ويؤيده أنه وقع في شرح السنة فوالله ما علمت إلا أنه قال فمعنى الحصر في هذه الرواية بمنزلة تاء الخطاب في الرواية الاخرى لارادة مزيد الانكار على المخاطب قلت وقد وقع في رواية أبي ذر عن الكشميهني مثل ما عزاه لشرح السنة ووقع في رواية الاسماعيلي من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه فوالله ما علمت أنه ليحب الله ورسوله ويصح معه أن تكون ما زائدة وأن تكون ظرفية أي مدة على ووقع في رواية معمر والواقدي فإنه يحب الله ورسوله كذا في رواية محمد بن عمرو بن حزم ولا إشكال فيها لانها جاءت تعليلا لقوله لا تفعل يا عمر والله أعلم وفي هذا الحديث من الفوائد جواز التلقيب وقد تقدم القول فيه في كتاب الادب وهو محمول هنا على أنه كان لا يكرهه أو أنه ذكر به على سبيل التعريف لكثرة من كان يسمى بعبد الله أو أنه لما تكرر منه الاقدام على الفعل المذكور نسب إلى البلا فأطلق عليه اسم من يتصف بها

[ 69 ]

ليرتدع بذلك وفيه الرد على من زعم أن مرتكب الكبيرة كافر لثبوت النهي عن لعنه والامر بالدعاء له وفيه أن لا تنافي بين ارتكاب النهي وثبوت محبة الله ورسوله في قلب المرتكب لانه صلى الله عليه وسلم أخبر بأن المذكور يحب الله ورسوله مع وجود ما صدر منه وأن من تكررت منه المعصية لا تنزع منه محبة الله ورسوله ويؤخذ منه تأكيدا ما تقدم أن نفي الايمان عن شارب الخمر لا يراد به زواله بالكلية بل نفي كماله كما تقدم ويحتمل أن يكون استمرار ثبوت محبة الله ورسوله في قلب العاصي مقيدا بما إذا ندم على وقوع المعصية وأقيم عليه الحد فكفر عن الذنب المذكور بخلاف من لم يقع منه ذلك فأنه يخشى عليه بتكرار الذنب أن يطبع على قلبه شئ حتى يسلب منه ذلك نسأل الله العفو والعافية وفيه ما يدل على نسخ الامر الوارد بقتل شارب الخمر إذا تكرر منه إلى الرابعة أو الخامسة فقد ذكر بن عبد البر أنه أتى به أكثر من خمسين مرة والامر منسوخ أخرجه الشافعي في رواية حرملة عنه وأبو داود وأحمد والنسائي والدارمي وابن المنذر وصححه بن حبان كلهم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رفعه إذا سكر فاجلدوه ثم إذا سكر فاجلدوه ثم إذا سكر فأجلدوه ثم إذا سكر فاقتلوه ولبعضهم فاضربوا عنقه وله من طريق أخرى عن أبي هريرة أخرجها عبد الرزاق وأحمد والترمذي تعليقا والنسائي كلهم من رواية سهيل من أبي صالح عن أبيه عنه بلفظ إذا شربوا فاجلدوهم ثلاثا فإذا شربوا الرابعة فاقتلوهم وروى عن عاصم بن بهدلة عن أبي صالح فقال أبو بكر بن عياش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد كذا أخرجه بن حبان من رواية عثمان بن أبي شيبة عن أبي بكر وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عنه فقال عن معاوية بدل أبي سعيد وهو المحفوظ وكذا أخرجه أبو داود من رواية أبان العطار عنه وتابعه الثوري وشيبان بن عبد الرحمن وغيرهما عن عاصم ولفظ الثوري عن عاصم ثم إن شرب الرابعة فاضربوا عنقه ووقع في رواية أبان عند أبي داود ثم إن شربوا فاجلدوهم ثلاث مرات بعد الاولى ثم قال ان شربوا فاقتلوهم ثم ساقه أبو داود من طريق حميد بن يزيد عن نافع عن بن عمر قال وأحسبه قال في الخامسة ثم ان شربها فاقتلوه قال وكذا في حديث عطيف في الخامسة قال أبو داود وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه وسهيل بن أبي صالح عن أبيه كلاهما عن أبي هريرة في الرابعة وكذا في رواية بن أبي نعيم عن بن عمر وكذا في رواية عبد الله بن عمرو بن العاص والشريد وفي رواية معاوية فان عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه وقال الترمذي بعد تخريجه وفي الباب عن أبي هريرة والشريد والشرحبيل بم أوس وأبي الرمداء وجرير وعبد الله بن عمرو قلت وقد ذكرت حديث أبي هريرة وأما حديث الشريد وهو بن أوس الثقفي فأخرجه أحمد والدارمي والطبراني وصححه الحاكم بلفظ إذا شرب فاضربوه وقال في آخره ثم ان عاد الرابعة فاقتلوه وأما حديث شرحبيل وهو الكندي فأخرجه أحمد والحاكم والطبراني وابن مندة في المعرفة ورواته ثقات نحو رواية الذي قبله وصححه الحاكم من وجه آخر وأما حديث أبي الرمداء وهو بفتح الراء وسكون الميم بعدها دال مهملة وبالمد وقيل بموحدة ثم ذال معجمة وهو يدري نزل مصر فأخرجه الطبراني وابن مندة وفي سنده بن لهيعة وفي سياق حديثه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالذي شرب الخمر في الرابعة أن تضرب عنقه فضربت فأفاد أن ذلك عمل به قبل النسخ فان ثبت كان فيه رد على من زعم أنه لم يعمل به وأما حديث جرير فأخرجه الطبراني والحاكم ولفظه

[ 70 ]

من شرب الخمر فاجلدوه وقال فيه فان عاد في الرابعة فاقتلوه وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص فأخرج أحمد والحاكم من وجهين عنه وفي كل منهما مقال ففي رواية شهر بن حوشب عنه فان شربها الرابعة فاقتلوه قلت ورويناه عن أبي سعيد أيضا كما تقدم وعن بن عمر وأخرجه النسائي والحاكم من رواية عبد الرحمن بن أبي نعيم عن بن عمر ونفر من الصحابة بنحوه وأخرجه الطبراني موصولا من طريق عياض بن عطيف عن أبيه وفيه في الخامسة كما أشار إليه أبي داود وأخرجه الترمذي تعليقا والبزار والشافعي والنسائي والحاكم موصولا من رواية محمد بن المنكدر عن جابر وأخرجه البيهقي والخطيب في المبهمات من وجهين أخرين عن بن المنكدر وفي رواية الخطيب جلد وللحاكم من طريق يزيد بن أبي كبشة سمعت رجلا من الصحابة يحدث عبد الملك بن مروان رفعه بنحوه ثم أن عاد في الرابعة فاقتلوه وأخرجه عبد الرزاق عن معمر عن بن المنكدر مرسلا وفيه أتى بابن النعيمان بعد الرابعة وأبو داود من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من شرب الخمر فاجلدوه إلى ان قال ثم إذا شرب في الرابعة فاقتلوه قال فأتي برجل قد شرب فجلده ثم أتي به قد شرب فجلده ثم أتى به وقد شرب فجلده ثم أتي به في الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن الناس وكانت رخصة وعلقه الترمذي فقال روى الزهري وأخرجه الخطيب في المبهمات من طريق محمد بن إسحاق عن الزهري وقال فيه فأتي برجل من الانصار يقال له نعيمان فضربه أربع مرات فرأى المسلمون أن القتل قد أخر وأن الضرب قد وجب وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة وولد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ولم يسمع منه ورجال هذا الحديث ثقات مع إرساله لكنه أعل بما أخرجه الطحاوي من طريق الاوزاعي عن الزهري قال بلغني عن قبيصة ويعارض ذلك رواية بن وهب عن يونس عن الزهري أن قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي صلى الله عليه وسلم وهذا أصح لان يونس أحفظ لرواية الزهري من الاوزاعي والظاهر أن الذي بلغ قبيصة ذلك صحابي فيكون الحديث على شرط الصحيح لان إبهام الصحابي لا يضر وله شاهد أخرجه عبد الرزاق عن معمر قال حدثت به بن المنكدر فقال ترك ذلك قد أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بابن نعيمان فجلده ثلاثا ثم أتي به في الرابعة فجلده ولم يزد ووقع عند النسائي من طريق محمد بن إسحاق عن بن المنكدر عن جابر فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم برجل منا قد شرب في الرابعة فلم يقتله وأخرجه من وجه آخر عن محمد بن إسحاق بلفظ فان عاد الرابعة فاضربوا عنقه فضربه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع مرات فرأى المسلمون أن الحد قد وقع وأن القتل قد رفع قال الشافعي بعد تخريجه هذا ما لا اختلاف فيه بين أهل العلم علمته وذكره أيضا عن أبي الزبير مرسلا وقال أحاديث القتل منسوخة وأخرجه أيضا من رواية بن أبي ذئب حدثني بن شهاب أتى النبي صلى الله عليه وسلم بشارب فجلده ولم يضرب عنقه وقال الترمذي لا نعلم بين أهل العلم في هذا اختلافا في القديم والحديث قال وسمعت محمدا يقول حديث معاوية في هذا أصح وانما كان هذا في أول الامر ثم نسخ بعد وقال في العلل آخر الكتاب جميع ما في هذا الكتاب قد عمل به أهل العلم إلا هذا الحديث وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر وتعقبه النووي فسلم قوله في حديث الباب دون الآخر

[ 71 ]

ومال الخطابي إلى تأويل الحديث في الامر بالقتل فقال قد يرد الامر بالوعيد ولا يراد به وقوع الفعل وانما قصد به الردع والتحذير ثم قال ويحتمل أن يكون القتل في الخامسة كان واجبا ثم نسخ بحصول الاجماع من الامة على أنه لا يقتل وأما بن المنذر فقال كان العمل فيمن شرب الخمر أن يضرب وينكل به ثم نسخ بالامر بجلده فان تكرر ذلك أربعا قتل ثم نسخ ذلك بالاخبار الثابتة وباجماع أهل العلم إلا من شذ ممن لا يعد خلافه خلافا قلت وكأنه أشار إلى بعض أهل الظاهر فقد نقل عن بعضهم واستمر عليه بن حزم منهم واحتج له وادعى أن لا إجماع وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما أخرجه هو والامام من طريق الحسن البصري عن عبد الله بن عمرو وأنه قال ائتوني برجل أقيم عليه الحد يعني ثلاثا ثم سكر فان لم اقتله فأنا كذاب وهذا منقطع لان الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو وكما جزم به بن المديني وغيره فلا حجة فيه وإذا لم يصح هذا عن عبد الله بن عمرو لم يبق لمن رد الاجماع على ترك القتل متمسك حتى ولو ثبت عن عبد الله بن عمرو لكان عذره أنه لم يبلغه النسخ وعد ذلك نزره المخالف وقد جاء عن عبد الله بن عمرو أشد من الاول فأخرج سعيد بن منصور عنه بسند لين قال لو رأيت أحدا يشرب الخمر واستطعت أن أقتله لقتلته وأما قول بعض من انتصر لابن حزم فطعن في النسخ بأن معاوية انما أسلم بعد الفتح وليس في شئ من أحاديث غيره الدالة على نسخه التصريح بأن ذلك متأخر عنه وجوابه أن معاوية أسلم قبل الفتح وقيل في الفتح وقصة بن النعيمان كانت بعد ذلك لان عقبة بن الحارث حضرها إما بحنين وإما بالمدينة وهو انما أسلم في الفتح وحنين وحضور عقبة إلى المدينة كان بعد الفتح جزما فثبت ما نفاه هذا القائل وقد عمل بالناسخ بعض الصحابة فأخرج عبد الرزاق في مصنفه بسند لين عن عمر بن الحطاب أنه جلد أبا محجن الثقفي في الخمر ثمان مرار وأورد نحو ذلك عن سعيد بن أبي وقاص وأخرج حماد بن سلمة في مصنفه من طريق أخرى رجالها ثقات أن عمر جلد أبا محجن في الخمر أربع مرار ثم قال له أنت خليع فقال أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدا قوله حدثنا علي بن عبد الله بن جعفر هو المعروف بابن المديني قوله أتى النبي صلى الله عليه وسلم بسكران فأمر بضربه وقع في رواية المستملي فقام ليضربه وهو تصحيف فقد تقدم الحديث في الباب الذي قبله من وجه أخر عن أبي ضمرة على الصواب بلفظ فقال اضربوه قال القرطبي ظاهره يقتضي أن السكر بمجرده موجب للحد لان الفاء للتعليل كقوله سهى فسجد ولم يفصل هل سكر من ماء عنب أو غيره ولا هل شرب قليلا أو كثيرا ففيه حجة للجمهور على الكوفيين في التفرقة وقد مضى بيان ذلك في الاشربة قوله باب السارق حين يسرق ذكر فيه حديث بن عباس نحو حديث أبي هريرة الماضي في أول الحدود مقتصرا فيه على الزنا والسرقة ولابي ذر مولا يسرق السارق وسقط لفظ السارق من رواية غيره وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عمرو بن علي شيخ البخاري فيه وأخرجه أيضا من طريق إسحاق بن يوسف الازرق عن الفضل بن غزوان بسنده في ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا يقتل وهو مؤمن قال عكرمة قلت لابن عباس كيف ينتزع منه الايمان قال هكذا فان تاب راجعه الايمان وقد تقدم بسط هذا في أول كتاب الحدود قوله لعن السارق إذا لم يسم أي إذا لم يعين إشارة إلى الجمع بين النهي عن لعن الشارب المعين كما مضى تقريره وبين حديث الباب قال بن بطال معناه لا ينبغي تعيين أهل المعاصي ومواجهتهم باللعن

[ 72 ]

وإنما بنبغي أن يلعن في الجملة من فعل ذلك ليكون ردعا لهم وزجرا عن انتهاك شئ منها ولا يكون لمعين لئلا يقنط قال فان كان هذا مراد البخاري فهو غير صحيح لانه إنما نهى عن لعن الشارب وقال لا تعينوا عليه الشيطان بعد إقامة الحد عليه قلت وقد تقدم تقرير ذلك قريبا وقال الداودي قوله في هذا الحديث لعن الله السارق يحتمل أن يكون خبرا ليرتدع من سمعه عن السرقة ويحتمل أن يكون دعاء قلت ويحتمل أن لا يراد به حقيقة اللعن بل للتنفير فقط وقال الطيبي لعل هنا المراد باللعن الاهانة والخذلان كأنه قيل لما استعمل أعز شئ في أحقر شئ خذله الله حتى قطع وقال عياض جوز بعضهم لعن المعين ما لم يحد لان الحد كفارة قال وليس هذا بسديد لثبوت النهي عن اللعن في الجملة فحمله على المعين أولى وقد قيل إن لعن النبي صلى الله عليه وسلم لاهل المعاصي كان تحذيرا لهم عنها قبل وقوعها فإذا فعلوها استغفر لهم ودعا لهم بالتوبة وأما من أغلظ له ولعنه تأديبا على فعل فعله فقد دخل في عموم شرطه حيث قال سألت ربي أن يجعل لعني له كفارة ورحمة قلت وقد تقدم الكلام عليه فيما مضى وبينت هناك أنه مقيد بما إذا صدر في حق من ليس له بأهل كما قيد له بذلك في صحيح مسلم قوله عن أبي هريرة في رواية محمد بن الحسين عن أبي الحنين عن عمر بن حفص شيخ البخاري فيه سمعت أبا هريرة وكذا في رواية عبد الواحد بن زياد عن الاعمش عن أبي صالح سمعت أبي هريرة وسيأتي بعد سبعة أبواب في باب توبة السارق وقال بن حزم وقد سلم من تدليس الاعمش قلت ولم ينفرد به الاعمش أخرجه أبو عوانة في صحيحه من رواية أبي بكر بن عياش عن أبي حصين عن أبي صالح قوله لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده في رواية عيسى بن يونس عن الاعمش عند مسلم والاسماعيلي ان سرق بيضة قطعت يده وان سرق حبلا قطعت يده قوله قال الاعمش هو موصول بالاسناد المذكور قوله كانوا يرون بفتح أوله من الرأي وبضمه من الظن قوله أنه بيض الحديد في رواية الكشميهني بيضة الحديد قوله والحبل كانوا يرون أنه منها ما يساوي دراهم وقع لغير أبي ذر يسوى وقد أنكر بعضهم صحتها والحق أنها جائزة لكن بقلة قال الخطابي تأويل الاعمش هذا غير مطابق لمذهب الحديث ومخرج الكلام فيه وذلك أنه ليس بالشائع في الكلام أن يقال في مثل ما ورد فيه الحديث من اللوم والتثريب أخزى الله فلانا عرض نفسه للتلف في مال له قدر ومزية وفي عرض له قيمة انما يضرب المثل في مثله بالشئ الذي لا وزن له ولا قيمة هذا حكم العرف الجاري في مثله وانما وجه الحديث وتأويله ذم السرقة وتهجين أمرها وتحذير سوء مغبتها فيما قل وكثر من المال كأنه يقول ان سرقة الشئ اليسير الذي لا قيمة له كالبيضة المذرة والحبل الحاق الذي لا قيمة له إذا تعاطاه فاستمرت به العادة لم ييأس أن يؤديه ذلك إلى سرقة ما فوقها حتى يبلغ قدر ما تقطع فيه اليد فتقطع يده كأنه يقول فليحذر هذا الفعل وليتوقه قبل أن تملكه العادة ويمرن عليها ليسلم من سوء مغبته ووخيم عاقبته قلت وسبق الخطابي إلى ذلك أبو محمد بن قتيبة فيما حكاه بن بطال فقال احتج الخوارج بهذا الحديث على أن القطع يجب في قليل الاشياء وكثيرها ولا حجة لهم فيه وذلك أن الآية لما نزلت قال عليه والسلام ذلك على ظاهر ما نزل ثم أعلمه الله أن القطع لا يكون إلا في ربع دينار فكان بيانا لما أجمل فوجب المصير إليه قال وأما قول الاعمش أن البيضة في هذا الحديث بيضة الحديد التي تجعل في الرأس في الحرب وأن الحبل من حبال السفن فهذا تأويل

[ 73 ]

بعيد لا يجوز عند من يعرف صحيح كلام العرب لان كل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة وهذا ليس موضع تكثير لما سرقه السارق ولان من عادة العرب والعجم أن يقولوا قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب في عقد جوهر وتعرض للعقوبة بالغلول في جراب مسك وانما العادة في مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد في حبل رث أو في كبة شعر أو رداء خلق وكل ما كان نحو ذلك كان أبلغ انتهى ورأيته في غريب الحديث لابن قتيبة وفيه حضرت يحيى بن أكثم بمكة قال فرأيته يذهب إلى هذا التأويل ويعجب به ويبدئ ويعيد قال وهذا لا يجوز فذكره وقد تعقبه أبو بكر بن الانباري فقال ليس الذي طعن به بن قتيبة على تأويل الخبر بشئ لان البيضة من السلاح ليست علما في كثرة الثمن ونهاية في غلو القيمة فتجري مجرى العقد من الجوهر والجراب من المسك اللذين ربما يتساويان الالوف من الدنانير بل البيضة من الحديد ربما اشتريت بأقل مما يجب فيه القطع وانما مراد الحديث أن السارق يعرض قطع يده بما لا غنى له به لان البيضة من السلاح لا يستغني بها أحد وحاصله أن المراد بالخبر أن السارق يسرق الجليل وقال المازري تأول بعض الناس البيضة في الحديث ببيضة الحديد لانه يساوي نصاب القطع وحمله بعضهم على المبالغة في التنبيه على عظم ما خسر وحقر ما حصل وأراد من جنس البيضة والحبل ما يبلغ النصاب قال القرطبي ونظير حمله على المبالغة ما حمل عليه قوله صلى الله عليه وسلم من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة فأن أحد ما قيل فيه إنه أراد المبالغة في ذلك وإلا فمن المعلوم أن مفحص القطاة وهو قدر ما تحضن فيه بيضها لا يتصور أن يكون مسجدا قال ومنه تصدقن ولو بظلف محرق وهو مما لا يتصدق به ومثله كثير في كلامهم وقال عياض لا ينبغي أن يلتفت لما ورد أن البيضة بيضة الحديد والحبل حبل السفن لان مثل ذلك له قيمة وقدر فان سياق الكلام يقتضي ذم من أخذ القليل لا الكثير والخبر إنما ورد لتعظيم ما جنى على نفسه بما تقل به قيمته لا بأكثر والصواب تأويله على ما تقدم من تقليل أمره وتهجين فعله وأنه إن لم يقطع في هذا القدر جرته عادته إلى ما هو أكثر منه وأجاب بعض من انتصر لتأويل الاعمش أن النبي صلى الله عليه وسلم قاله عند نزول الآية مجملة قبل بيان نصاب القطع انتهى وقد أخرج بن أبي شيبة عن حاتم بن إسماعيل عن جعفر بن محمد عم أبيه عن علي أنه قطع يد سارق في بيضة حديد ثمنها ربع دينار ورجاله ثقات مع انقطاعه ولعل هذا مستند التأويل الذي أشار إليه الاعمش وقال بعضهم البيضة في اللغة تستعمل في المبالغة في المدح وفي المبالغة في الذم فمن الاولى قولهم فلان بيضة البلد إذا كان فردا في العظمة وكذا في الاحتقار ومنه قول أخت عمرو بن عبد ود لما قتل علي أخاها يوم الخندق في مرثيتها له لكن قاله من لا يعاب به من كان يدعى قديما بيضة البلد ومن الثاني قول الآخر يهجو قوما تأبى قضاعة أن تبدي لكم نسبا وابنا نزار فانتم بيضة البلد ويقال في المدح أيضا بيضة القوم أي وسطهم وبيضة السنام أي شحمته فلما كانت البيضة تستعمل في كل من الامرين حسن التمثيل بها كأنه قال يسرق الجليل والحقير فيقطع فرب

[ 74 ]

أنه عذر بالجليل فلا عذر له بالحقير وأما الحبل فأكثر ما يستعمل في التحقير كقولهم ما ترك فلان عقالا ولا ذهب من فلان عقال فكان المراد أنه إذا اعتاد السرقة لم يتمالك مع غلبة العادة التمييز بين الجليل والحقير وأيضا فالعار الذي يلزمه بالقطع لا يساوي ما حصل له ولو كان جليلا والى هذا أشار القاضي عبد الوهاب بقوله صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال ففهم حكمه الباري ورد بذلك على قول المعري يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار وسيأتي مزيد لهذا في باب السرقة إن شاء الله تعالى قوله باب الحدود كفارة قوله حدثنا محمد بن يوسف لم أره منسوبا ويحتمل أن يكون هو البيكندي ويحتمل أن يكون الفريابي وبه جزم أبو نعيم في المستخرج وابن عيينة هو سفيان قوله عن الزهري في رواية الحميدي عن سفيان بن عيينة سمعت الزهري أخرجه أبو نعيم وذكر حديث عبادة بن الصامت وفيه ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به فهو كفارة وقد تقدم أن عند مسلم من وجه آخر ومن أتى منكم حدا ولاحمد من حديث خزيمة بن ثابت رفعه من أصاب ذنبا أقيم عليه حد ذلك الذنب فهو كفارته وسنده حسن وفي الباب عن جرير بن عبد الله نحوه عند أبي الشيخ وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عنده بسند صحيح إليه نحو حديث عبادة وفيه فمن فعل من ذلك شيئا فأقيم عليه الحد فهو كفارته وعن ثابت بن الضحاك نحوه عند أبي الشيخ وقد ذكرت شرح حديث الباب مستوفى في الباب العاشر من كتاب الايمان في أول الصحيح وقد استشكل بن بطال قوله الحدود كفارة مع قوله في الحديث الآخر ما أدري الحدود كفارة لاهلها أو لا وأجاب بأن سند حديث عبادة أصح وأجيب بأن الثاني كان قبل أن يعلم بأن الحدود كفارة ثم أعلم فقال الحديث الثاني وبهذا جزم بن التين وهو المعتمد وقد أجيب من توقف في ذلك لاجل أن الاول من حديث أبي هريرة وهو متأخر الاسلام عن بيعة العقبة والثاني وهو التردد من حديث عبادة بن الصامت وقد ذكر في الخبر أنه ممن بايع ليلة العقبة وبيعة العقبة كانت قبل إسلام أبي هريرة بست سنين وحاصل الجواب أن البيعة المذكورة في حديث الباب كانت متأخرة عن إسلام أبي هريرة بدليل أن الآية المشار إليها في قوله وقرأ الآية كلها هي قوله تعالى يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات يبايعنك على أن لا يشركن بالله شيئا إلى آخرها وكان نزولها في فتح مكة وذلك بعد إسلام أبي هريرة بنحو سنتين وقررت ذلك تقريرا بينا وانما وقع الاشكال من قوله هناك إن عبادة بن الصامت وكان أحد النقباء ليلة العقبة قال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال بايعوني على أن لا تشركوا فإنه يوهم أن ذلك كان ليلة العقبة وليس كذلك بل البيعة التي وقعت في ليلة العقبة كانت على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره الخ وهو من حديث عبادة أيضا كما أوضحت هناك قال بن العربي دخل في عموم قوله المشرك أو هو مستثنى فان المشرك إذا عوقب على شركه لم يكن ذلك كفارة له بل زيادة في نكاله قلت وهذا لا خلاف فيه قال وأما ا لقتل فهو كفارة بالنسبة إلى الولي المستوفي للقصاص في حق المقتول لان القصاص ليس بحق له بل يبقى حق المقتول فيطالبه به في الآخرة كسائر الحقوق قلت والذي قاله في مقام لمنع

[ 75 ]

وقد نقلت في الكلام على قوله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا قول من قال يبقى للمقتول حق التشفي وهو أقرب من إطلاق بن العربي هنا قال وأما السرقة فتتوقف براءة السارق فيها على رد المسروق لمستحقه وأما الزنا فأطلق الجمهور أنه حق الله وهي غفلة لان لآل المزني بها في ذلك حقا لما يلزم منه من دخول العار على أبيها وزوجها وغيرهما ومحصل ذلك أن الكفارة تختص بحق الله تعالى دون حق الآدمي في جميع ذلك قوله باب ظهر المؤمن حمى أي محمي معصوم من الايذاء قوله إلا في حد أو في حق أي لا يضرب ولا يذل إلا على سبيل الحد والتعزير تأديبا وهذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر الزهري عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ظهور المسلمين حمى إلا في حدود الله وفي محمد بن عبد العزيز ضعف وأخرجه الطبراني من حديث عصمة بن مالك الخطمي بلفظ ظهر المؤمن حمى إلا بحقه وفي سنده الفضل بن المختار وهو ضعيف ومن حديث أبي أمامة من جرد ظهر مسلم من غير حق لقى الله وهو عليه غضبان وفي سنده أيضا مقال قوله حدثنا محمد بن عبد الله في رواية غير أبي ذر حدثني قال الحاكم محمد بن عبد الله هذا هو الذهلي وقال أبو علي الجياني لم أره منسوبا في شئ من الروايات قلت وعلى قول الحاكم فيكون نسب لجده لانه محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس وقد حدث البخاري في الصحيح عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي وعن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج بالمثلثة والجيم وعن غيرهما وقد بينت ذلك موضحا في أخر حديث في كتاب الايمان والنذور وقد سقط محمد بن عبد الله من رواية أبي أحمد الجرجاني عن الفربري وأعتمد أبو نعيم في مستخرجه على ذلك فقال رواه البخاري عن عاصم بن علي وعاصم المذكور هو بن عاصم الواسطي وشيخ عاصم بن محمد أي بن زيد بن عبد الله بن عمر وشيخه واقد هو أخوه قوله قال عبد الله هو بن عمر جد الراوي عنه قوله ألا أي شهر تعلمونه هو بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف افتتاح للتنبيه لما يقال وقد كررت في هذه الرواية سؤلا وجوابا وقوله في هذه الرواية أي يوم تعلمونه أعظم حرمة قالوا يومنا هذا يعارضه أن يوم عرفة أعظم الايام وأجاب الكرماني بأن المراد باليوم الوقت الذي تؤدى فيه المناسك ويحتمل أن يختص يوم النحر بمزيد الحرمة ولا يلزم من ذلك حصول المزية التي أختص بها يوم عرفة وقد تقدم بعض الكلام على هذا الحديث في كتاب العلم وتقدم ما يتعلق بالسؤال والجواب مبسوطا في باب الخطبة أيام منى من كتاب الحج ومضى ما يتعلق بقوله ويلكم أو ويحكم في كتاب الادب ويأتي ما يتعلق بقوله لا ترجعوا بعدي مستوفى في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى رضي الله تعالى عنه قوله باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله ذكر فيه حديث عائشة ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا أختار أيسرهما وقد تقدم شرحه مستوفى في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من كتاب المناقب وقوله هنا ما لم يأثم في رواية المستملي ما لم يكن إثم قال بن بطال هذا التخيير ليس من الله لان الله لا يخير رسوله بين أمرين أحدهما إثم إلا إن كان في الدين وأحدهما يئول إلى الاثم كالغلو فإنه مذموم كما لو أوجب الانسان على نفسه شيئا شاقا من العبادة فعجز عنه ومن ثم نهى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الترهب قال بن التين المراد التخيير في أمر الدنيا وأما أمر الآخرة فكلما صعب كان

[ 76 ]

أعظم ثوابا كذا قال وما أشار إليه بن بطال أولى وأولى منهما أن ذلك في أمور الدنيا لان بعض أمورها قد يفضي إلى الاثم كثيرا والاقرب أن فاعل التخيير الآدمي وهو ظاهر وأمثلته كثيرة ولا سيما إذا صدر من الكافر قوله باب إقامة الحدود على الشريف والوضيع هو من الوضع وهو النقص ووقع هنا بلفظ الوضيع وفي الطريق التي تليه بلفظ الضعيف وهي رواية الاكثر في هذا الحديث وقد رواه بلفظ الوضيع أيضا النسائي من طريق إسماعيل بن أمية عن الزهري والشريف يقابل الاثنين لما يستلزم الشرف من الرفعة والقوة ووقع للنسائي أيضا في رواية لسفيان بلفظ الدون الضعيف قوله حدثنا أبو الوليد هو الطيالسي قوله حدثنا الليث عن بن شهاب في رواية أبي النضر هاشم بن القاسم عن الليث عند أحمد حدثنا بن شهاب ولا يعارض ذلك رواية أبي صالح عن الليث عن يونس عن بن شهاب فيما أخرجه أبو داود لان لفظ السياقين مختلف فيحمل على أنه عند الليث بلا واسطة باللفظ الاول وعنده باللفظ الثاني بواسطة وسأوضح ذلك قوله عن عروة في رواية بن وهب عن يونس عن بن شهاب أخبرني عروة بن الزبير وقد مضى سياقه في غزوة الفتح قوله أن أسامة هو بن زيد بن حارثة قوله كلم النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هكذا رواه أبو الوليد مختصرا ورواه غيره عن الليث مطولا كما في الباب بعده قوله ويتركون على الشريف كذا لابي ذر عن الكشميهني وفيه حذف تقديره ويتركون إقامة الحد على الشريف فلا يقيمون عليه الحد قوله لو فاطمة كذا للاكثر قال بن التين التقدير لو فعلت فاطمة ذلك لان لواليها الفعل دون الاسم قلت الاولى التقدير بما جاء في الطريق الاخرى لو أن فاطمه كذا في رواية الكشميهني هنا وهي ثابتة سائر سائر طرق هذا الحديث في غير هذا الموضع ولو هنا شرطية وحذف أن ورد معها كثيرا كقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي عند مسلم لو أهل عمان أتاهم رسولي فالتقدير لو أن أهل عمان وقد أنكر بعض الشراح من شيوخنا على بن التين إيراده هنا بحذف أن ولا إنكار عليه فان ذلك ثابت هنا في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني وكذا هو في رواية النسفي ووقع في رواية إسحاق بن راشد عن بن شهاب عند النسائي لو سرقت فاطمة وهو يساعد تقدير بن التين بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان كذا قيد ما أطلقه في حديث الباب أتشفع في حد من حدود الله ليس القيد صريحا فيه وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه صريحا وهو في مرسل حبيب بن أبي ثابت الذي أشرت إليه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لما شفع فيها لا تشفع في حد فان الحدود إذا انتهت الي فليس لها مترك وله شاهد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب ترجم له أبو داود العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان وصححه الحاكم وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح وأخرج أبو داود أيضا وأحمد وصححه الحاكم من طريق يحيى بن راشد قال خرج علينا بن عمر فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله في أمره وأخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر أصح منه عن بن عمر موقوفا وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة في الاوسط للطبراني وقال فقد ضاد الله في ملكه وأخرج أبو يعلى من طريق أبي المحياة عن أبي مطر رأيت عليا أتى بسارق فذكر قصة فيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى

[ 77 ]

بسارق فذكر قصة فيها قالوا يا رسول الله أفلا عفوت قال ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم وأخرج الطبراني عن عروة بن الزبير قال لقي الزبير سارقا فشفع فيه فقيل له حتى يبلغ الامام فقال إذا بلغ الامام فلعن الله الشافع والمشفع وأخرج الموطأ عن ربيعة عن الزبير وهو منقطع مع وقفة وهو عند بن أبي شيبة بسند حسن عن الزبير موقوفا وبسند آخر حسن عن علي نحوه كذلك وبسند صحيح عن عكرمة ان بن عباس وعمارا والزبير أخذوا سارقا فخلوا سبيله فقلت لابن عباس بئسما صنعتم حين خليتم سبيله فقال لا أم لك أما لو كنت أنت لسرك أن يخلى سبيلك وأخرجه الدارقطني من حديث الزبير موصولا مرفوعا بلفظ اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي فإذا وصل الوالي فعفا فلا عفا الله عنه والموقوف هو المعتمد وفي الباب غير ذلك حديث صفوان بن أمية عند أحمد وأبي داود والنسائي وابن ماجة والحاكم في قصة الذي سرق رداؤه ثم أراد أن لا يقطع فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل لا قبل أن تأتيني به وحديث بن مسعود في قصة الذي سرق فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطعه فرأوا منه أسفا عليه فقالوا يا رسول الله كأنك كرهت كرهت قطعه فقال وما يمنعني لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم انه ينبغي للامام إذا انهي إليه حد أن يقيمه والله عفو يحب العفو وفي الحديث قصة مرفوعة وأخرج موقوفا أخرجه أحمد وصححه الحاكم وحديث عائشة مرفوعا أقبلوا ذوي الهيآت زلاتهم إلا في الحدود أخرجه أبو داود ويستفاد منه جواز الشفاعة فيما يقتضي التعزير وقد نقل بن عبد البر وغيره في الاتفاق ويدخل فيه سائر الاحاديث الواردة في ندب الستر على المسلم وهي محمولة على ما لم يبلغ الامام قوله عن عائشة كذا قال الحفاظ من أصحاب بن شهاب عن عروة وشذ عمر بن قيس الماصر بكسر المهملة فقال بن شهاب عن عروة عن أم سلمة فذكر حديث الباب سواء أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة والطبراني وقال تفرد به عمر بن قيس يعني من حديث أم سلمة قال الدارقطني في العلل الصواب رواية الجماعة قوله أن قريشا أي القبيلة المشهورة وقد تقدم بيان المراد بقريش الذي انتسبوا إليه في المناقب وأن الاكثر أنه فهر بن مالك والمراد بهم هنا من أدرك القصة التي تذكر بمكة قوله أهمتهم المرأة أي أجلبت إليهم هما أو صيرتهم ذوي هم بسبب ما وقع منها يقال أهمني الامر أي أقلقني ومضى فس المناقب من رواية قتيبة عن الليث بهذا السند أهمهم شأن المرأة أي أمرها المتعلق بالسرقة وقد وقع في رواية مسعود بن الاسود الآتي التنبيه عليها لما سرقت تلك المرأة أعظمنا ذلك فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومسعود المذكور من بطن آخر من قريش وهو من بني عدي بن كعب رهط عمر وسبب إعظامهم ذلك خشية أن تقطع يدها لعلمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يرخص في الحدود وكان قطع السارق معلوما عندهم قبل الاسلام ونزل القرآن بقطع السارق فاستمر الحال فيه وقد عقد بن الكلبي بابا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة فذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب جد النبي صلى الله عليه وسلم وذكر من قطع في السرقة عوف بن عبد بن عمرو بن مخزوم ومقيس بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم وغيرهما وأن عوف السابق لذلك قوله المخزومية نسبة إلى مخزوم بن يقظة بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب ومخزوم أخو كلاب بن مرة الذي نسب إليه

[ 78 ]

بنو عبد مناف ووقع في رواية إسماعيل بن أمية عن محمد بن مسلم وهو الذي عند النسائي سرقت امرأة من قريش من بني مخزوم واسم المرأة على الصحيح فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الاسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي صلى الله عليه وسلم قتل أبوها كافرا يوم بدر قتله حمزة بن عبد المطلب ووهم من زعم أن له صحبة وقيل هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الاسد وهي بنت عم المذكورة أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج قال أخبرني بشر بن تيم أنها أم عمرو بن سفيان بن عبد الاسد وهذا معضل ووقع مع ذلك في سياقه أنه قال عن ظن وحسبان وهو غلط ممن قاله لان قصتها مغايرة للقصة المذكورة في هذا الحديث كما سأوضحه قال بن عبد البر في الاستيعاب فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد هي التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها لانها سرقت حليا فكلمت قريش أسامة فشفع فيها وهو غلام الحديث قلت وقد ساق ذلك بن سعد في ترجمتها في الطبقات من طريق الاجلح بن عبد الله الكندي عن حبيب بن أبي ثابت رفعه ان فاطمة بنت الاسود بن عبد الاسد سرقت حليا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستشفعوا الحديث وأورد عبد الغني بن سعيد المصري في المبهمات من طريق يحيى بن سلمة بن كهيل عن عمار الدهني عن شقيق قال سرقت فاطمة بنت أبي أسد بنت أخي أبى سلمة فأشفقت قريش أن يقطعها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث والطريق الاولى أقوى ويمكن أن يقال لا منافاة بين قوله بنت الاسود وبنت أبي الاسود لاحتمال أن تكون كنية الاسود أبا الاسود وأما قصة أم عمرو فذكرها بن سعد أيضا وابن الكلبي في المثالب وتبعه الهيثم بن عدي فذكروا أنها خرجت ليلا فوقعت بركب نزول فأخذت عيبة لهم فأخذها القوم فأوثقوها فلما أصبحوا أتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بحقوى أم سلمة فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت وأنشدوا في ذلك شعرا قاله خنيس بن يعلى بن أمية وفي رواية بن سعد أن ذلك كان في حجة الوداع وقد تقدم في الشهادات وفي غزوة الفتح أن قصة فاطمة بنت الاسود كانت عام الفتح فظهر تغاير القصتين وأن بينهما أكثر من سنتين ويظهر من ذلك خطأ من اقتصر على أنها أم عمرو كابن الجرزي ومن رددها بين فاطمة وأم عمرو كابن طاهر وابن بشكوال ومن تبعهما فلله الحمد وقد تقلد بن حزم ما قاله بشر بن تيم لكنه جعل قصة أم عمرو بنت سفيان في جحد العارية وقصة فاطمة في السرقة وهو غلط أيضا لوقوع التصريح في قصة أم عمرو بأنها سرقت قوله التي سرقت زاد يونس في روايته في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة الفتح ووقع بيان المسروق في حديث مسعود بن أبي الاسود المعروف بابن العجماء فأخرج بن ماجة وصححه الحاكم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن طلحة بن ركانة عن أمه عائشة بنت مسعود بن الاسود عن أبيها قال لما سرقت المرأة تلك القطيفة من بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظمنا ذلك فجئنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم نكلمه وسنده حسن وقد صرح فيه بن إسحاق بالتحديث في رواية الحاكم وكذا علقه أبو داود فقال روى مسعود بن الاسود وقال الترمذي بعد حديث عائشة المذكور هنا وفي الباب عن مسعود بن العجماء وقد أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق يزيد بن أبي حبيب عن محمد بن طلحة فقال عن خالته بنت مسعود بن العجماء عن أبيها فيحتمل أن يكون محمد بن طلحة سمعه من أمه ومن خالته ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت

[ 79 ]

الذي أشرت إليه أنها سرقت حليا ويمكن الجمع بأن الحلى كان في القطيفة فالذي ذكر القطيفة أراد بما فيها والذي ذكر الحلى ذكر المظروف دون الظرف ثم رجع عندي أن ذكر الحلى في قصة هذه المرأة وهم كما سأبينه ووقع في مرسل الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب فيما أخرجه عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني عمرو بن دينار أن الحسن أخبره قال سرقت امرأة قال عمرو وحسبت أنه قال من ثياب الكعبة الحديث وسنده إلى الحسن صحيح فان أمكن الجمع والا فالاول أقوى وقد وقع في رواية معمر عن الزهري في هذا الحديث أن المرأة المذكورة كانت تستعير المتاع وتجحده أخرجه مسلم وأبو داود وأخرجه النسائي من رواية شعيب بن أبي حمزة عن الزهري بلفظ استعارت امرأة على ألسنة ناس يعرفون وهي لا تعرف حليا فباعته وأخذت ثمنة الحديث وقد بينه أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فيما أخرجه عبد الرزاق بسند صحيح إليه ان امرأة جاءت امرأة فقالت ان فلانة تستعيرك حليا فأعارتها إياه فمكثت لا تراه فجاءت إلى التي استعارت لها فسألتها فقالت ما استعرتك شيئا فرجعت إلى الاخرى فأنكرت فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فدعاها فسألها فقالت والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا فقال اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت فراشها فأتوه فأخذوه وأمر بها الحديث فيحتمل أن تكون سرقت القطيفة وجحدت الحلى وأطلق عليها في جحد الحلى في رواية حبيب بن أبي ثابت سرقت مجازا قال شيخنا في شرح الترمذي اختلف على الزهري فقال الليث ويونس وإسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد سرقت وقال معما وشعيب إنها استعارت وجحدت قال ورواه سفيان بن عيينة عن أيوب بن موسى عن الزهري فاختلف عليه سندا ومتنا فرواه البخاري يعني كما تقدم في الشهادات عن على بن المديني عن بن عيينة قال ذهبت أسال الزهري عن حديث المخزومية فصاح علي فقلت لسفيان فلم يحفظه عن أحد قال وجدت في كتاب كتبه أيوب بن موسى عن الزهري وقال فيه انها سرقت وهكذا قال محمد بن منصور عن بن عيينة انها سرقت أخرجه النسائي عنه وعن رزق الله بن موسى عن سفيان كذلك لكن قال اتي النبي صلى الله عليه وسلم بسارق فقطعه فذكره مختصرا ومثله لابي يعلى عن محمد بن عباد عن سفيان وأخرجه أحمد عن سفيان كذلك لكن في آخره قال سفيان لا أدري ما هو وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن راهويه عن سفيان عن الزهري بلفظ كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده الحديث وقال في آخره قيل لسفيان من ذكره قال أيوب بن موسى فذكره بسنده المذكور وأخرجه من طريق بن أبي زائدة عن أبي عيينة عن الزهري بغير واسطة وقال فيه سرقت قال شيخنا وابن عيينة لم يسمعه من الزهري ولا ممن سمعه من الزهري إنما وجده في كتاب أيوب بن موسى ولم يصرح بسماعه من أيوب بن موسى ولهذا قال في رواية أحمد لا أدري كيف هو كما تقدم وجزم جماعة بأن معمرا تفرد عن الزهري بقوله استعارت وجحدت وليس كذلك بل تابعه شعيب كما ذكره شيخنا عند النسائي ويونس كما أخرجه أبو داود من رواية أبي صالح كاتب الليث عن الليث عنه وعلقه البخاري لليث عن يونس لكن لم يسق لفظه كما نبهت عليه وكذا ذكر البيهقي أن شبيب بن سعيد رواه عن يونس وكذلك رواه بن أخي الزهري عن الزهري أخرجه بن أيمن في مصنفه عن إسماعيل القاضي بسنده إليه وأخرج أصله أبو عوانة في صحيحه والذي اتضح لي أن الحديثين محفوظان عن الزهري وأنه كان يحدث تارة بهذا وتارة

[ 80 ]

بهذا فحدث يونس عنه بالحديثين واقتصرت كل طائفة من أصحاب الزهري غير يونس على أحد الحديثين فقد أخرج أبو داود والنسائي وأبو عوانة في صحيحه من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر أن امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وأخرجه النسائي وأبو عوانة أيضا من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر عن نافع بلفظ استعارت حليا وقد اختلف نظر العلماء في ذلك فأخذ بظاهره أحمد في اشهر الروايتين عنه وإسحاق وانتصر له بن حزم من الظاهرية وذهب الجمهور إلى أنه لا يقطع في جحد العارية وهي رواية عن أحمد أيضا وأجابوا عن الحديث بأن رواية من روى سرقت أرجح وبالجمع بين الروايتين بضرب من التأويل فأما الترجيح فنقل النووي أن رواية معمر شاذة مخالفة لجماهير الرواة قال والشاذة لا يعمل بها وقال بن المنذر في الحاشية وتبعه المحب الطبري قيل إن معمرا انفرد بها وقال القرطبي رواية أنها سرقت أكثر وأشهر من رواية الجعد فقد انفرد بها معمر وحده من بين الائمة الحفاظ وتابعه على ذلك من لا يقتدى بحفظه كابن أخ الزهري ونمطه هذا قول المحدثين قلت سبقه لبعضه القاضي عياض وهو يشعر بأنه لم يقف على رواية شعيب ويونس بموافقة إذ لو وقف عليها لم يجزم بتفرد معمر وأن من وافقه كابن أخي الوهري ونمطه ولا زاد القرطبي نسبة ذلك للمحدثين إذ لا يعرف عن أحد من المحدثين أنه قرن شعيب بن أبي حمزة ويونس بن يزيد وأيوب بن موسى بابن أخي الزهري بل هم متفقون على أن شعيب ويونس أرفع درجة في حديث الزهري من بن أخيه ومع ذلك فليس في هذا الاختلاف عن الزهري ترجيح بالنسبة إلى اختلاف الرواة عنه الا لكون رواية سرقت متفقا عليها ورواية جحدت انفرد بها مسلم وهذا لا يدفع تقديم الجمع إذا أمكن بين الروايتين وقد جاء عن بعض المحدثين عكس كلام القرطبي فقال لم يختلف على معمر ولا على شعيب وهما في غاية الجلالة في الزهري وقد وافقهما بن أخي الزهري وأما الليث ويونس وإن كانا في الزهري كذلك فقد اختلف عليهما فيه وأما إسماعيل بن أمية وإسحاق بن راشد فدون معمر وشعيب في الحفظ قلت وكذا اختلف على أيوب بن موسى كما تقدم وعلى هذا فيتعادل الطريقين ويتعين الجمع فهو أولى من اطراح أحد الطريقين فقال بعضهم كما تقدم عن بن حزم وغيره هما قصتان مختلفتان لامرأتين مختلفتين وتعقب بأن في كل من الطريقين أنهم استشفعوا بأسامة وأنه شفع وأنه قيل له لا تشفع في حد من حدود الله فيبعد عن أسامة يسمع النهي المؤكد عن ذلك ثم يعود إلى ذلك مرة أخرى ولا سيما إن اتحد زمن القصتين وأجاب بن حزم بأنه يجوز أن ينسى ويجوز أن يكون الزجر عن الشفاعة في حد السرقة تقدم فظن أن الشفاعة في جحد العارية جائز وأن لا حد فيه فشفع فاجيب بأن فيه الحد أيضا ولا يخفى ضعف الاحتمالين وحكى بن المنذر عن بعض العلماء أن القصة لامرأة واحدة استعارت وجحدت وسرقت فقطعت للسرقة لا للعارية قال وبذلك نقول وقال الخطابي في معالم السنن بعد أن حكى الخلاف وأشار إلى ما حكاه بن المنذر وانما ذكرت العارية والجحد في هذه القصة تعريفا لها بخاص صفتها إذ كانت تكثر ذلك كما عرفت بأنها مخزومية وكأنها لما كثر منها ذلك ترقت إلى السرقة وتجرأت عليها وتلقف هذا الجواب من الخطابي جماعة منهم البيهقي فقال تحمل رواية من ذكر جحد الجارية على

[ 81 ]

تعريفها بذلك والقطع على السرقة وقال المنذري نحوه ونقله المازري ثم النووي عن العلماء وقال القرطبي يترجح أن يدها قطعت على السرقة لا لاجل جحد العارية من أوجه أحدها قوله في آخر حديث الذي ذكرت فيه العارية لو أن فاطمة سرقت فان فيه دلالة قاطعة على أن المرأة قطعت في السرقة إذ لو كان قطعها لاجل الجحد لكان ذكر السرقة لاغيا ولقال لو أن فاطمة جحدت العارية قلت وهذا قد أشار إليه الخطابي أيضا ثانيها لو كانت قطعت في جحد العارية لوجب قطع كل من جحد شيئا إذا ثبت عليه ولو لم يكن بطريق العارية ثالثها أنه عارض ذلك حديث ليس على خائن ولا مختلس ولا منتهب قطع الزبير عن جابر رفعه وصرح بن جريج في رواية النسائي بقوله أخبرني أبو الزبير ووهم بعضهم هذه الرواية فقد صرح أبو داود بأن بن جريج لم يسمعه من أبي الزبير قال وبلغني عن أحمد أنما سمعه بن جريج من ياسين الزيات ونقل بن عدي في الكامل عن أهل المدينة أنهم قالوا لم يسمع بن جريج من أبي الزبير وقال النسائي رواه الحفاظ من أصحاب بن جريج عنه عن أبي الزبير فلم يقل أحد منهم أخبرني ولا أحسبه سمعه قلت لكن وجد له متابع عن أبي الزبير أخرجه النسائي أيضا من طريق المغيرة بن مسلم عن أبي الزبير لكن أبو الزبير مدلس أيضا وقد عنعنه عن جابر لكن أخرجه بن حبان من وجه أخر عن جابر بمتابعة أبي الزبير فقوي الحديث وقد اجمعوا على العمل به إلا من شد فنقل بن المنذر عن إياس بن معاوية أنه قال المختلس يقطع كأنه الحقه بالسارق اشتراكهما في الاخذ خفية ولكنه خلاف ما صرح به في الخبر والا ما ذكر من قطع جاحد العارية وأجمعوا على أن لا قطع على الخائن في غير ذلك ولا على المنتهب إلا إن كان قاطع طريق والله أعلم وعارضه غيره ممن خالف فقال بن القيم الحنبلي لا تنافي بين جحد العارية وبين السرقة فان الجحد داخل في اسم السرقة فيجمع بين الروايتين بأن الذين قالوا سرقت أطلقوا على الجحد سرقة كذا قال ولا يخفى بعده قال والذي أجاب به الخطابي مردود لان الحكم المرتب على الوصف معمول به ويقويه أن لفظ الحديث وترتيبه في إحدى الروايتين القطع على السرقة وفي الاخرى على الجحد على حد سواء وترتيب الحكم على الوصف يشعر بالعلية فكل من الروايتين دال على أن علة القطع كل من السرقة وجحد العارية على انفراده ويؤيد ذلك أن سياق حديث بن عمر ليس فيه ذكر للسرقة ولا للشفاعة من أسامة وفيه التصريح بأنها قطعت في ذلك وابسط ما وجدت من طرقه ما أخرجه النسائي في رواية له ان امرأة كانت تستعير الحلي في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستعارت من ذلك حليا فجمعته ثم أمسكته فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتتب امرأة إلى الله تعالى وتؤد ما عندها مرارا فلم تفعل فأمر بها فقطعت وأخرج النسائي بسند صحيح من مرسل سعيد بن المسيب ان امرأة من بني مخزوم استعارت حليا على لسان أناس فجحدت فأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم فقطعت وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح أيضا إلى سعيد قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بامرأة من بيت عظيم من بيوت قريش قد أتت أناسا فقالت إن آل فلان يستعيرونكم كذا فأعاروها ثم أتوا أولئك فانكروا ثم أنكرت هي فقطعها النبي صلى الله عليه وسلم وقال بن دقيق العيد صنيع صاحب العمدة حيث أورد الحديث بلفظ الليث ثم قال وفي لفظ فذكر لفظ

[ 82 ]

معمر يقتضي أنها قصة واحدة واختلف فيها هل كانت سارقة أو جاحدة يعني لانه أورد حديث عائشة باللفظ الذي أخرجاه من طريق الليث ثم قال وفي لفظ كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقطع يدها وهذه رواية معمر في مسلم فقط قال وعلى هذا فالحجة في هذا الخبر في قطع المستعير ضعيفة لانه اختلاف في واقعة واحدة فلا يبت الحكم فيه بترجيح من روى أنها جاحدة على الرواية الاخرى يعني وكذا عكسه فيصح أنها قطعت بسبب الامرين والقطع في السرقة متفق عليه فيترجح على القطع في الجحد المختلف فيه قلت وهذه أقوى الطرق في نظري وقد تقدم الرد على من زعم أن القصة وقعت لامرأتين فقطعتا في أوائل الكلام على هذا الحديث والالزام الذي ذكره القرطبي في أنه لو ثبت القطع في جحد العارية للزم القطع في جحد غير العارية قوى أيضا فان من يقول بالقطع في جحد العارية لا يقول به في جحد غير العارية فيقاس المختلف فيه على المتفق عليه إذ لم يقل أحد بالقطع في الجحد على الاطلاق وأجاب بن القيم بأن الفرق بين جحد العارية وجحد غيرها أن السارق لا يمكن الاحتراز منه وكذلك جاحد العارية خلاف المختلس من غير حرز والمنتهب قال ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية فلو علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شئ عليه لجر ذلك إلى سد باب العارية وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشريعة بخلاف ما إذا علم أنه يقطع فان ذلك يكون أدعى إلى استمرار العارية وهي مناسبة لا تقوم بمجردها حجة إذا ثبت حديث جابر في أن لا قطع على خائن وقد فر من هذا بعض من قال بذلك فخص القطع بمن استعار على لسان غيره مخادعا للمستعار منه ثم تصرف في العارية وأنكرها لما طولب بها فان هذا لا يقطع بمجرد الخيانة بل لمشاركته السارق في أخذ المال خفية تنبيه قول سفيان المتقدم ذهبت أسأل الزهري عن حديث المخزومية التي سرقت فصاح علي مما يكثر السؤال عنه وعن سببه وقد أوضح ذلك بعض الرواة عن سفيان فرأينا في كتاب المحدث الفاضل لابي محمد الرامهرمزي من طريق سليمان بن عبد العزيز أخبرني محمد بن إدريس قال قلت لسفيان بن عيينة كم سمعت من الزهري قال أما مع الناس فما أحصي وأما وحدي فحديث واحد دخلت يوما من باب بني شيبة فإذا أنابه جالس إلى عمود فقلت يا أبا بكر حدثني حديث المخزومية التي قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدها قال فضرب وجهي بالحصى ثم قال قم فما يزال عبد يقدم علينا بما نكره قال فقمت منكرا فمر رجل فدعاه فلم يسمع فرماه بالحصى فلم يبلغه فاضطر الي فقال ادعه لي فدعوته له فاتاه فقضى حاجته فنظر الي فقال تعال فجئت فقال أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العجماء جبار الحديث ثم قال لي هذا خير لك من الذي أردت قلت وهذا الحديث الاخير أخرجه مسلم والاربعة من طريق سفيان بدون قصة قوله فقالوا من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أي يشفع عنده فيها أن لا تقطع إما عفوا وأما بفداء وقد وقع ما يدل على الثاني في حديث مسعود بن الاسود ولفظه بعد قوله أعظمنا ذلك فجئنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلنا نحن نفديها بأربعين أوقية فقال تطهر خير لها وكأنهم ظنوا أن الحد يسقط بالفدية كما ظن ذلك من أفتى والد العسيف الذي زنى بأنه يفتدي منه بمائة شاة ووليدة ووجدت لحديث مسعود هذا شاهدا عند أحمد من حديث عبد الله بن عمرو أن امرأة سرقت على عهد رسول الله صلى الله

[ 83 ]

عليه وسلم فقال قومها نحن نفديها قوله ومن يجترئ عليه بسكون الجيم وكسر الراء يفتعل من الجرأة بضم الجيم وسكون الراء وفتح الهمزة ويجوز فتح الجيم والراء مع المد ووقع في رواية قتيبة فقالوا ومن يجترئ عليه وهو أوضح لان الذي استفعم بقوله من يكلم غير الذي أجاب بقوله ومن يجترئ والجرأة هي الاقدام بادلال والمعنى ما يجترئ عليه إلا أسامة وقال الطيبي الواو عاطفة على محذوف تقديره لا يجترئ عليه أحد لمهابته لكن أسامة له عليه إدلال فهو يجسر على ذلك ووقع في حديث مسعود بن الاسود بعد قوله تطهر خير لها فلما سمعنا لين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم أتينا أسامة ووقع في رواية يونس الماضية في الفتح ففزع قومها إلى أسامة أي لجؤا وفي رواية أيوب بن موسى في الشهادات فلم يجترئ أحد أن يكلمه إلا أسامة وكان السبب في اختصاص أسامة بذلك ما أخرجه بن سعد من طريق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لاسامة لا تشفع في حد وكان إذا شفع شفعه بتشديد الفاه أي قبل شفاعته وكذا وقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشفعه قوله حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر المهملة بمعنى محبوب مثل قسم بمعنى مقسوم وفي ذلك تلميح بقول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم إني أحبه فأحبه وقد تقدم في المناقب قوله فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنصب وفي رواية قتيبة فكلمه أسامة وفي الكلام شئ مطوي تقديره فجاءوا إلى أسامة فكلموه في ذلك فجاء أسامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكلمه ووقع في رواية يونس فأتى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه فيها فأفادت هذه الرواية أن الشافع يشفع بحضرة المشفوع له ليكون أعذر له عنده إذا لم تقبل شفاعته وعند النسائي من رواية إسماعيل بن أمية فكلمه فزبره بفتح الزاي والموحدة أي أغلظ له في النهي حتى نسبه إلى الجهل لان الزبر بفتح ثم سكون هو العقل وفي رواية يونس فكلمه فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد شعيب عند النسائي وهو يكلمه وفي مرسل حبيب بن أبي ثابت فلما أقبل أسامة ورآه النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تكلمني يا أسامة قوله فقال أتشفع في حد من حدود الله بهمزة الاستفهام الانكاري لانه كان سبق له منع الشفاعة في الحد قبل ذلك زاد يونس وشعيب فقال أسامة استغفر لي يا رسول الله ووقع في حديث جابر عند مسلم والنسائي ان امرأة من بني مخزوم سرقت فأتى بها النبي صلى الله عليه وسلم فعاذت بأم سلمة بذال معجمة أي استجارت أخرجاه من طريق معقل بن يسار عن عبيد الله عن أبي الزبير عن جابر وذكره أبو داود تعليقا والحاكم موصولا من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزبير عن جابر فعاذت بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم قال المنذري يجوز أن تكون عاذت بكل منهما وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأن زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت ماتت قبل هذه القصة لان هذه القصة كما تقدم كانت في غزوة الفتح وهي في رمضان سنة ثمان وكان موت زينب قبل ذلك في جمادى الاولى من السنة فلعل المراد أنها عاذت بزينب ربيبة النبي صلى الله عليه وسلم وهي بنت أم سلمة فتصحفت على بعض الرواة قلت أو نسبت زينب بنت أم سلمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم مجازا لكونها ربيبته فلا يكون فيها تصحيف ثم قال شيخنا وقد أخرج أحمد هذا الحديث من طريق بن أبي الزناد عن موسى بن عقبة وقال فيه فعاذت بربيب النبي صلى الله عليه وسلم براء وموحدة مكسورة وحذف

[ 84 ]

لفظ بنت وقال في آخره قال بن أبي الزناد وكان ربيب النبي صلى الله عليه وسلم سلمة بن أبي سلمة وعمر بن أبي سلمة فعاذت بأحدهما قلت وقد ظفرت بما يدل على أنه عمر بن أبي سلمة فأخرج عبد الرزاق من مرسل الحسن بن محمد بن علي قال سرقت امرأة فذكر الحديث وفيه فجاء عمر بن أبي سلمة فقال للنبي صلى الله عليه وسلم أي أبه إنها عمتي فقال لو كانت فاطمة بنت محمد لقطعت يدها قال عمرو بن دينار الراوي عن الحسن فلم أشك أنها بنت الاسود بن عبد الاسد قلت ولا منافاة بين الروايتين عن جابر فإنه يحمل على أنها استجارت بأم سلمة وبأولادها وأختصها بذلك لانها قريبتها وزوجها عمها وانما قال عمر بن أبي سلمة عمتي من جهة السن وإلا فهي بنت عمه أخي أبيه وهو كما قالت خديجة لورقة في قصة المبعث أي عم أسمع من بن أخيك وهو بن عمها أخي أبيها أيضا ووقع عند أبي الشيخ من طريق أشعث عن أبي الزبير عن جابر أن امرأة من بني مخزوم سرقت فعاذت بأسامة وكأنها جاءت مع قومها فكلموا أسامة بعد أن استجارت بأم سلمة ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت فاستشفعوا على النبي صلى الله عليه وسلم بغير واحد فكلموا أسامة قوله ثم قام فخطب في رواية قتيبة فاختطب وفي رواية يونس فلما كان العشى قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا قوله فقال يا أيها الناس في رواية قتيبة بحذف يا من أوله وفي رواية يونس فقام خطيبا فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال أما بعد قوله انما ضل من كان قبلكم في رواية أبي الوليد هلك وكذا لمحمد بن رمح عند مسلم وفي رواية سفيان عند النسائي انما هلك بنو إسرائيل وفي رواية قتيبة أهلك من كان قبلكم قال بن دقيق العيد الظاهر أن هذا الحصر ليس عاما فان بني إسرائيل كان فيهم أمور كثيرة تقتضي الاهلاك فيحمل ذلك على حصر المخصوص وهو الاهلاك بسبب المحاباة في الحدود فلا ينحصر ذلك في حد السرقة قلت يؤيد هذا الاحتمال ما أخرجه أبو الشيخ في كتاب السرقة من طريق زاذان عن عائشة مرفوعا انهم عطلوا الحدود عن الاغنياء وأقاموها على الضعفاء والامور التي أشار إليها الشيخ سبق منها في ذكر بني إسرائيل حديث بن عمر في قصة اليهوديين اللذين زنيا وسيأتي شرحه بعد هذا وفي التفسير حديث بن عباس في أخذ الدية من الشريف إذا قتل عمدا والقصاص من الضعيف وغير ذلك قوله انهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه في رواية قتيبة إذا سرق فيهم الشريف وفي رواية سفيان عند النسائي حين كانوا إذا أصاب فيهم الشريف الحد تركوه ولم يقيموه عليه وفي رواية إسماعيل بن أمية وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه قوله وايم الله تقدم ضبطها في كتاب الايمان والنذور ووقع مثله في رواية إسحاق بن راشد ووقع في رواية أبي الوليد والذي نفسي بيده وفي رواية يونس والذي نفس محمد بيده قوله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت هذا من الامثلة التي صح فيها أن لو حرف امتناع لامتناع وقد أتقن القول في ذلك صاحب المغني وسيأتي بسط ذلك في كتاب التمني إن شاء الله تعالى وقد ذكر بن ماجد عن محمد بن رمح شيخه في هذا الحديث سمعت الليث يقول عقب هذا الحديث قد أعاذها الله من أن تسرق وكل مسلم ينبغي له أن يقول هذا ووقع للشافعي أنه لما ذكر هذا الحديث قال فذكر عضوا شريفا من امرأة شريفة واستحسنوا ذلك منه لما فيه من الادب البالغ وانما خص صلى الله عليه وسلم فاطمة ابنته بالذكر لانها أعز أهله عنده ولانه لم يبق من بناته حينئذ غيرها فأراد المبالغة في إثبات إقامة الحد على كل مكلف وترك المحاباة في ذلك

[ 85 ]

ولان اسم السارقة وافق اسمها عليها السلام فناسب أن يضرب المثل بها قوله لقطع محمد يدها في رواية أبي الوليد والاكثر لقطعت يدها وفي الاول تجريد زاد يونس في روايته من رواية بن المبارك عنه كما مضى في غزوة الفتح ثم أمر بتلك المرأة التي سرقت فقطعت يدها ووقع في حديث بن عمر في رواية للنسائي قم يا بلال فخذ بيدها فاقطعها وفي أخرى له فأمر بها فقطعت وفي حديث جابر عند الحاكم فقطعها وذكر أبو داود تعليقا عن محمد بن عبد الرحمن بن غنج عن نافع عن صفية بن أبي عبيد نحو حديث المخزومية وزاد فيه قال نشهد عليها وزاد يونس أيضا في روايته قالت عائشة فحسنت توبتها بعد وتزوجت وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه الاسماعيلي من طريق نعيم بن حماد عن بن المبارك وفيه قال عروة قالت عائشة ووقع في رواية شعيب عند الاسماعيلي في الشهادات وفي رواية بن أخي الزهري عند أبي عوانة كلاهما عن الزهري قال وأخبرني القاسم بن محمد أن عائشة قالت فنكحت تلك المرأة رجلا من بني سليم وتابت وكانت حسنة التلبس وكانت تأتيني فأرفع حاجتها الحديث وكأن هذه الزيادة كانت عند الزهري عن عروة وعن القاسم جميعا عن عائشة وعندهما زيادة على الآخر وفي آخر حديث مسعود بن الحكم عند الحاكم قال بن إسحاق وحدثني عبد الله بن أبي بكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بعد ذلك يرحمها ويصلها وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد أنها قالت هل لي من توبة يا رسول الله فقال أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك وفي هذا الحديث من الفوائد منع الشفاعة في الحدود وقد تقدمت في الترجمة الدلالة على تقييد بما إذا انتهى ذلك إلى أولي الامر واختلف العلماء في ذلك فقال أبو عمر بن عبد البر لا أعلم خلافا أن الشفاعة في ذوي الذنوب حسنة جميلة ما لم تبلغ السلطان وأن على السلطان أن يقيمها إذا بلغته وذكر الخطابي وغيره عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذى الناس ومن لم يعرف فقال لا يشفع للاول مطلقا سواء بلغ الامام أم لا وأما من لم يعرف بذلك فلا بأس أن يشفع له ما لم يبلغ الامام وتمسك بحديث الباب من أوجب إقامة الحد على القاذف إذا بلغ الامام ولو عفا المقذوف وهو قول الحنفية والثوري والاوزاعي وقال مالك والشافعي وأبو يوسف يجوز العفو مطلقا ويدرأ بذلك الحد لان الامام لو وجد بعد عفو المقذوف لجاز أن يقيم البينة بصدق القاذف فكانت تلك شبهة قوية وفيه دخول النساء مع الرجال في حد السرقة وفيه قبول توبة السارق ومنقبة لاسامة وفيه ما يدل على أن فاطمة عليها السلام عند أبيها صلى الله عليه وسلم في أعظم المنازل فأن في القصة إشارة إلى أنها الغاية في ذلك عنده ذكره بن هبيرة وقد تقدمت مناسبة اختصاصها بالذكر دون غيرها من رجال أهله ولا يؤخذ منه أنها أفضل من عائشة لان من جملة ما تقدم من المناسبة كون اسم صاحبة وافق اسمها ولا تنتفى المساواة وفيه ترك المحاباة في إقامة الحد على من وجب عليه ولو كان ولدا أو قريبا أو كبير القدر والتشديد في ذلك والانكار على من رخص فيه أو تعرض للشفاعة فيمن وجب عليه وفيه جواز ضرب المثل بالكبير القدر للمبالغة في الزجر عن الفعل ومراتب ذلك مختلفة ولا يحق ندب الاحتراز من ذلك حيث لا يترجح التصريح بحسب المقام كما تقدم نقله عن الليث والشافعي ويؤخذ منه جواز الاخبار عن أمر مقدر يفيد القطع بأمر محقق وفيه أن من حلف على أمر يتحقق أنه يفعله أو لا يفعله

[ 86 ]

لا يحنث كمن قال لمن خاصم أخاه والله لو كنت حاضرا لهشمت أنفك خلافا لمن قال يحنث مطلقا وفيه جواز التوجع لمن أقيم عليه الحد بعد إقامته عليه وقد حكى بن الكلبي في قصة أم عمرو بنت سفيان أن امرأة أسيد بن حضيرأوتها بعد أن قطعت وصنعت لها طعاما وأن أسيدا ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم كالمنكر على امرأته فقال رحمتها رحمها الله وفيه الاعتبار بأحوال من مضى من الامم ولا سيما من خالف أمر الشرع وتمسك به بعض من قال إن شرع من قبلنا شرع لنا لان فيه إشارة إلى تحذير من فعل الشئ الذي جر الهلاك إلى الذين من قبلنا لئلا يهلك كما هلكوا وفيه نظر وإنما يتم أن لو لم يرد قطع السارق في شرعنا وأما اللفظ العام فلا دلالة فيه على المدعي أصلا قوله باب قول الله تعالى والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما كذا أطلق في الآية اليد وأجمعوا على أن المراد اليمنى إن كانت موجودة واختلفوا فيما لو قطعت الشمال عمدا أو خطأ هل يجزئ وقدم السارق على السارقة وقدمت الزانية على الزاني لوجود السرقة غالبا في الذكورية ولان داعية الزنا في الاناث أكثر ولان الانثى سبب في وقوع الزنا إذ لا يتأتى غالبا إلا بطواعيتها وقوله بصيغة الجمع ثم التثنية إشارة إلى أن المراد جنس السارق فلوحظ فيه المعنى فجمع والتثنية بالنظر إلى الجنسين المتلفظ بهما والسرقة بفتح السين وكسر الراء ويجوز إسكانها ويجوز كسر أوله وسكون ثانيه الاخذ خفية وعرفت في الشرع بأخذ شئ خفية ليس للآخذ أخذه ومن اشترط الحرز وهم الجمهور زاد فيه من حرز مثله قال بن بطال الحرز مستفاد من معنى السرقة يعني في اللغة ويقال لسارق الابل الخارب بخاء معجمة وللسارق بالمكيال مطفف وللسارق في الميزان مخسر في أشياء أخرى ذكرها بن خالويه في كتاب ليس قال المازري ومن تبعه صان الله الاموال بايجاب قطع سارقها وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها من الانتهاب والغصب ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد ثم لما خانت هانت وفي ذلك إشارة إلى الشبهه التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله يد بخمس مئين عسجد وديت ما بالها قطعت في ربع دينار فأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله صيانة العضو أغلاها وأرخصها صيانة المال فافهم حكمة الباري وشرح ذلك أن الدية لو كانت ربع دينار لكثرت الجنايات على الايدي ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الاموال فظهرت الحكمة في الجانبين وكان في ذلك صيانة من الطرفين وقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس فقال القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى فان الغصب أكثر هتكا للحرمة من السرقة فدل على عدم اعتبار القياس لانه إذا لم يعمل به في الاعلى فلا يعمل به في المساوي وجوابه أن الادلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لايرادها وستأتي الاشارة إلى شئ من ذلك في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى قوله وقطع علي من الكف أشار بهذا الاثر إلى الاختلاف في محل القطع وقد اختلف في حقيقة اليد فقيل أولها من المنكب وقيل من المرفق وقيل من الكوع وقيل من أصول الاصابع فحجة الاول أن العرب تطلق الايدي على

[ 87 ]

ذلك ومن الثاني آية الوضوء ففيها وأيديكم إلى المرافق ومن الثالث آية التيمم ففي القرآن فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه وبينت السنة كما تقدم في بابه أنه عليه الصلاة والسلام مسح على كفيه فقط وأخذ بظاهر الاول بعض الخوارج ونقل عن سعيد بن المسيب واستنكره جماعة والثاني لا نعلم من قال به في السرقة والثالث قول الجمهور ونقل بعضهم فيه الاجماع والرابع نقل عن علي واستحسنه أبو ثور ورد بأنه لا يسمى مقطوع اليد لغة ولا عرفاه بل مقطوع الاصابع وبحسب هذا الاختلاف وقع الحلف في محل القطع فقال بالاول الخوارج وهم محجوجون بإجماع السلف على خلاف قولهم وألزم بن حزم الحنفية بأن يقولوا بالقطع من المرفق قياسا على الوضوء وكذا التيمم عندهم قال وهو أولى من قياسهم قدر المهر على نصاب السرقة ونقله عياض قولا شاذا وحجة الجمهور الاخذ بأقل ما ينطلق عليه الاسم لان اليد قبل السرقة كانت محترمة فلما جاء النص بقطع اليد وكانت تطلق على هذه المعاني وجب أن لا يترك المتيقن وهو تحريمها إلا بمتيقن وهو القطع من الكف وأما الاثر عن علي فوصله الدارقطني من طريق حجية بن عدي أن عليا قطع من المفصل وأخرج بن أبي شيبة من مرسل رجاء بن حيوة أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع من المفصل وأورده أبو الشيخ في كتاب حد السرقة من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه مثله ومن طريق وكيع عن سفيان عن أبي الزبير عن جابر رفعه مثله وأخرج سعيد بن منصور عن حماد بن زيد عن عمرو بن دينار قال كان عمر يقطع من المفصل وعلي يقطع من مشط القدم وأخرج بن أبي شيبة من طريق بن أبي حيوة أن عليا قطعه من المفصل وجاء عن علي أنه قطع اليد من الاصابع والرجل من مشط القدم أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عنه وهو منقطع وان كان رجال السند من رجال الصحيح وقد أخرج عبد الرزاق من وجه آخر أن عليا كان يقطع الرجل من الكعب وذكر الشافعي في كتاب اختلاف علي وابن مسعود أن عليا كان يقطع من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة ويقول استحي من الله أن أتركه بلا عمل وهذا يحتمل أن يكون بقي الابهام والسبابة وقطع الكف والاصابع الثلاثة ويحتمل أن يكون بقي الكف أيضا والاول أليق لانه موافق لما نقل البخاري أنه قطع من الكف وقد وقع في بعض النسخ بحذف من بلفظ وقطع على الكف قوله وقال قتادة في امرأة سرقت فقطعت شمالها ليس إلا ذلك وصله أحمد في تاريخه عن محمد بن الحسين الواسطي عن عوف الاعرابي عنه هكذا قرأت بخط مغلطاي في شرحه ولم يسق لفظه وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن قتادة فذكر مثل قول الشعبي لا يزاد على ذلك قد أقيم عليه الحد وكان ساق بسنده عن الشعبي أنه سئل عن سارق قدم ليقطع فقدم شماله فقطعت فقال لا يزاد على ذلك وأشار المصنف بذكره إلى أن الاصل أن أول شئ يقطع من السارق اليد اليمنى وهو قول الجمهور وقد قرأ بن مسعود فاقطعوا أيمانهما وأخرج سعيد بن منصور بسند صحيح عن إبراهيم قال هل قراءتنا يعني أصحاب بن مسعود ونقل فيه عياض الاجماع وتعقب نعم قد شذ من قال إذا قطع الشمال أجزأت مطلقا كما هو ظاهر النقل عن قتادة وقال مالك إن كان عمدا وجب القصاص على القاطع ووجب قطع اليمين وان كان خطأ وجبت الدية ويجزئ عن السارق وكذا قال أبو حنيفة عن الشافعي وأحمد قولان في السارق واختلف السلف فيمن سرق فقطع ثم سرق ثانيا فقال الجمهور تقطع رجله اليسرى ثم إن سرق

[ 88 ]

فاليد اليسرى ثم إن سرق فالرجل اليمنى واحتج لهم بآية المحاربة وبفعل الصحابة وبأنهم فهموا من الآية أنها في المرة الواحدة فإذا عاد السارق وجب عليه القطع ثانيا إلى أن لا يبقى له ما يقطع ثم إن سرق عزر وسجن وقيل يقتل في الخامسة قاله أبو مصعب الزهري المدني صاحب مالك وحجته ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديث جابر قال جئ بسارق إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أقتلوه فقالوا يا رسول الله إنما سرق قال اقطعوه ثم جئ به الثانية فقال أقتلوه ذكر مثله إلى أن قال فأتى به الخامسة فقال أقتلوه قال جابر فأنطلقنا به فقتلناه ورميناه في بئر قال النسائي هذا حديث منكر ومصعب بن ثابت راويه ليس بالقوي وقد قال بعض أهل العلم كابن المنكدر والشافعي أن هذا منسوخ وقال بعضهم هو خاص بالرجل المذكور فكأن النبي صلى الله عليه وسلم اطلع على أنه واجب القتل ولذلك أمر بقتله من أول مرة ويحتمل أنه كان من المفسدين في الارض قلت وللحديث شاهد من حديث الحارث بن حاطب أخرجه النسائي ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بلص فقال أقتلوه فقالوا إنما سرق فذكر نحو حديث جابر في قطع أطرافه الاربع إلا أنه قال في آخره ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر فقال أبو بكر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم بهذا حين قال أقتلوه ثم دفعه إلى فتية من قريش فقتلوه قال النسائي لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا قلت نقل المنذري تبعا لغيره فيه الاجماع ولعلهم أرادوا أنه استقر على ذلك وإلا فقد جزم الباجي في اختلاف العلماء أنه قول مالك ثم قال وله قول آخر لا يقتل وقال عياض لا أعلم أحدا من أهل العلم قال به إلا ما ذكر أبو مصعب صاحب مالك في مختصره عن مالك وغيره من أهل المدينة فقال ومن سرق ممن بلغ الحلم قطع يمينه ثم ان عاد فرجله اليسرى ثم إن عاد فيده اليسرى ثم إن عاد فرجله اليمنى فان سرق في الخامسة قتل كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمر بن عبد العزيز انتهى وفيه قول ثالث بقطع اليد بعد اليد ثم الرجل بعد الرجل نقل عن أبي بكر وعمر ولا يصح وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن القاسم بن محمد أن أبا بكر قطع يد سارق في الثالثة ومن طريق سالم بن عبد الله أن أبا بكر انما قطع رجله وكان مقطوع اليد ورجال السندين ثقات مع انقطاعهما وفيه قول رابع تقطع الرجل اليسرى بعد اليمنى ثم لا قطع أخرجه عبد الرزاق من طريق الشعبي عن علي وسنده ضعيف ومن طريق أبي الضحى أن عليا نحوه ورجاله ثقات مع انقطاعه وبسند صحيح عن إبراهيم النخعي كانوا يقولون لا يترك بن آدم مثل البهيمة ليس له يد يأكل بها ويستنجي بها وبسند حسن عن عبد الرحمن بن عائذ أن عمر أراد أن يقطع في الثالثة فقال له علي اضربه وأحبسه ففعل وهذا قول النخعي والشعبي والاوزاعي والثوري وأبي حنيفة وفيه قول خامس قاله عطاء لا يقطع شئ من الرجلين أصلا على ظاهر الآية وهو قول الظاهرية قال بن عبد البر حديث القتل في الخامسة منكر وقد ثبت لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وثبت السرقة فاحشة وفيها عقوبة وثبت عن الصحابة قطع الرجل بعد اليد وهم يقرءون والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما كما اتفقوا على الجزاء في الصيد وإن قتل خطأ وهم يقرءون ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم ويمسحون على الخفين وهم يقرءون غسل الرجلين وانما قالوا جميع ذلك بالسنة ثم ذكر المصنف في الباب ثلاثة أحاديث أحدها حديث عائشة من طريقين

[ 89 ]

الاولى قوله عن عمرة قال الدارقطني في العلل اقتصر إبراهيم بن سعد وسائر من رواه عن بن شهاب على عمرة ورواه يونس عنه فزاد مع عمرة عروة قلت وحكى بن عبد البر أن بعض الضعفاء وهو إسحاق الحنيني بمهملة ونونين مصغر رواه عن مالك عن الزهري عن عروة عن عمرة عن عائشة وكذا روى عن الاوزاعي عن الزهري قال بن عبد البر وهذان الاسنادان ليسا صحيحين وقول إبراهيم ومن تابعه هو المعتمد وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية زكريا بن يحيى وحمويه عن إبراهيم بن سعد ورواية يونس يجمعهما صحيحة قلت وقد صرح بن أخي بن شهاب عن عمه بسماعه له من عمرة وبسماع عمرة له من عائشة أخرجه أبو عوانة وكذا عند مسلم من وجه آخر عن عمرة أنها سمعت عائشة قوله تقطع اليد في ربع دينار في رواية يونس تقطع يد السارق وفي رواية حرملة عن بن وهب عند مسلم لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار وكذا عنده من طريق سليمان بن يسار عن عمرة قوله فصاعدا قال صاحب المحكم يختص هذا بالفاء ويجوز ثم بدلها ولا تجوز الواو وقال بن جني هو منصوب على الحال المؤكدة أي ولو زاد ومن المعلوم أنه إذا زاد لم يكن إلا صاعدا قلت ووقع في رواية سليمان بن يسار عن عمرة عند مسلم فما فوقه بدل فصاعدا وهو بمعناه قوله وتابعه عبد الرحمن بن خالد وابن أخي الزهري ومعمر عن الزهري أي في الاقتصار على عمرة ثم ساق رواية يونس وليس في أخره فصاعدا وقد أخرجه مسلم عن حرملة والاسماعيلي من طريق همام كلاهما عن بن وهب بإثباتها وأما متابعة عبد الرحمن بن خالد وهو بن مسافر فوصلها الذهلي في الزهريات عن عبد الله بن صالح عن الليث عنه نحو رواية إبراهيم بن سعد وقرأت بخط مغلطاي وقلده شيخنا بن الملقن أن الذهلي أخرجه في علل حديث الزهري عن محمد بن بكر وروح بن عبادة جميعا عن عبد الرحمن وهذا الذي قاله لا وجود له بل ليس لروح ولا لمحمد بن بكر عن عبد الرحمن هذا رواية أصلا وأما متابعة بن أخي الزهري وهو محمد بن عبد الله بن مسلم فوصلها أبو عوانة في صحيحه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن بن أخي بن شهاب عن عمه وقرأت بخط مغلطاي وقلده شيخنا أيضا أن الذهلي أخرجه عن روح بن عبادة عنه قلت ولا وجود له أيضا وإنما أخرجه عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد وأما متابعة معمر فوصلها أحمد عن عبد الرزاق عنه وأخرجه مسلم من رواية عبد الرزاق لكن لم يسق لفظه وساق النسائي ولفظه تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا ووصلها أيضا هو وأبو عوانة من طريق سعيد بن أبي عروبه عن معمر وقال أبو عوانة في أخره قال سعيد نبلنا معمرا رويناه عنه وهو شاب وهو بنون وموحدة ثقيلة أي صيرناه نبيلا قلت وسعيد أكبر من معمر وقد شاركه في كثير من شيوخه ورواه بن المبارك عن معمر لكن لم يرفعه أخرجه النسائي وقد رواه عن الزهر أيضا سليمان بن كثير أخرجه مسلم من رواية يزيد بن هارون عنه مقرونا برواية إبراهيم بن سعد قوله عن يونس في رواية مسلم عن حرملة وأبي داود عن أحمد بن صالح كلاهما عن بن وهب قوله حدثنا الحسين هو بن ذكوان المعلم وهو بصري ثقة وفي طبقه حسين بن واقد قاضي مرو وهو دونه في الاتقان قوله عن محمد بن عبد الرحمن الانصاري في رواية الاسماعيلي من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث سمعت أبي يقول حدثنا الحسين المعلم عن يحيى حدثني محمد بن عبد الرحمن الانصاري قال الاسماعيلي رواه حرب بن شداد

[ 90 ]

عن يحيى بن أبي كثير كذلك وقال همام بن يحيى عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن زرارة قلت نسب عبد الرحمن إلى جده وهو عبد الرحمن بن سعد بن زرارة قال الاسماعيلي ورواه إبراهيم القناد عن يحيى عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان كذا حدثناه بن صاعد عن لوين عن القناد والذي قبله أصح وبه جزم البيهقي وأن من قال فيه بن ثوبان فقد غلط قلت وأخرجه النسائي من رواية عبد الرحمن بن أبي الرجال عن محمد بن عبد الرحمن عن أبيه عن عمرة عن عائشة مرفوعا ولفظه تقطع يد السارق في ثمن المجن وثمن المجن ربع دينار وأخرجه من طريق سليمان بن يسار عن عمرة بلفظ لا تقطع يد السارق فيما دون ثمن المجن قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت ربع دينار وقد توبع حسين المعلم عن يحيى أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق هقل بن زياد عنه بلفظه قوله عن عمرة بنت عبد الرحمن حدثته أي أنها حدثته وكذا في قوله عن عائشة حدثتهم وقد جرت عادتهم بحذفها في مثل هذا كما أكثروا من حذف قال في مثل حدثنا عثمان حدثنا عبدة وفي مثل سمعت أبي حدثنا فلان وذكر بن الصلاح أنه لا بد من النطق بقال وفيه بحث ولم ينبه على حذف أن التي أشرت إليها وفي رواية عبد الصمد المذكورة أن عمرة حدثته أن عائشة أم المؤمنين حدثتها قوله تقطع اليد في ربع دينار هكذا في هذه الرواية مختصرا وكذا في رواة مسلم وأخرجه أبو داود عن أحمد بن صالح عن بن وهب بلفظ القطع في ربع دينار فصاعدا وعن وهب بن بيان عن بن وهب بلفظ تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا وأخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن يونس بلفظ تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا ورواه مالك في رفعه صريحا لكنه في معنى المرفوع وأخرجه الطحاوي من رواية بن عيينة عن يحيى كذلك ومن رواية جماعة عن عمرة موقوفا على عائشة قال بن عيينة ورواية يحيى مشعرة بالرفع ورواية الزهري صريحة فيه وهو أحفظهم وقد أخرجه مسلم من طريق أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة مثل رواية سليمان بن يسار عنها التي أشرت إليها آنفا وكذا أخرجه النسائي من طريق بن الهاد بلفظ لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا وأخرجه من طريق مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة موقوفا وحاول الطحاوي تعليل رواية أبي بكر المرفوعة برواية ولده الموقوفة وأبو بكر أتقن وأعلم من ولده على أن الموقوف في مثل هذا لا يخالف المرفوع لان الموقوف محمول على طريق الفتوى والعجب أن الطحاوي ضعف عبد الله بن أبي بكر في موضع آخر ورام هنا تضعيف الطريق القويمة بروايته وكأن البخاري أراد الاستظهار لرواية الزهري عن عمرة بموافقة محمد بن عبد الرحمن الانصاري عنها لما وقع في رواية بن عيينة عن الزهري من الاختلاف في لفظ المتن هل هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من فعله وكذا رواه بن عيينة عن غير الزهري فيما أخرجه النسائي عن قتيبة عنه عن يحيى بن سعيد وعبد ربه بن سعيد وزريق صاحب أيلة أنهم سمعوا عمرة عن عائشة قالت القطع في ربع دينار فصاعدا ثم أخرجه النسائي من طرق عن يحيى بن سعيد به مرفوعا وموقوفا وقال الصواب ما وقع في رواية مالك عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة ما طال على العهد ولا نسيت القطع في ربع دينار فصاعدا وفي هذا إشارة إلى الرفع والله أعلم وقد تعلق بذلك بعض من لم يأخذ

[ 91 ]

بهذا الحديث فذكره يحيى بن يحيى وجماعة عن بن عيينة بلفظ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقطع السارق في ربع دينار فصاعدا أورده الشافعي والحميدي وجماعة عن بن عيينة بلفظ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقطع اليد الحديث وعلى هذا التعليل عول الطحاوي فأخرج الحديث عن يونس بن عبد الاعلى عن بن عيينة بلفظ كان يقطع وقال هذا الحديث لا حجة فيه لان عائشة إنما أخبرت عما قطع فيه فيحتمل أن يكون ذلك لكونها قومت ما وقع القطع فيه إذ ذاك فكان عندها ربع دينار فقالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يقطع في ربع دينار مع احتمال أن تكون القيمة يومئذ أكثر وتعقب باستبعاد أن تجزم عائشة بذلك مستندة إلى ظنها المجرد وأيضا فاختلاف التقويم وان كان ممكن لكن محال في العادة أن يتفاوت هذا التفاوت الفاحش بحيث يكون عند قوم أربعة اضعاف قيمته عند آخرين وانما يتفاوت بزيادة قليلة أو نقص قليل ولا يبلغ المثل غالبا وادعى الطحاوي اضطراب الزهري في هذا الحديث لاختلاف الرواة عنه في لفظه ورد بأن من شرط الاضطراب أن تتساوى وجوهه فأما إذا رجح بعضها فلا ويتعين الاخذ بالراجح وهو هنا كذلك لان جل الرواة عن الزهري ذكروه عن لفظ النبي صلى الله عليه وسلم على تقرير قاعدة شرعية في النصاب وخالفهم بن عيينة تارة ووافقهم تارة فالاخذ بروايته الموافقة للجماعة أولى وعلى تقدير أن يكون بن عيينة اضطرب فيه فلا يقدح ذلك في رواية من ضبطه وأما نقل الطحاوي عن المحدثين أنهم يقدمون بن عيينة في الزهري على يونس فليس متفقا عليه بل أكثرهم على العكس وممن جزم بتقديم يونس على سفيان في الزهري يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصري وذكر أن يونس صحب الزهري أربع عشر سنة وكان يزامله في السفر وينزل عليه الزهري إذا قدم أيلة وكان يذكر أنه كان يسمع الحديث الواحد من الزهري مرارا وأما بن عيينة فانما سمع منه سنة ثلاث وعشرين ومائة ورجع الزهري فمات في التي بعدها ولو سلم أن بن عيينة أرجح في الزهري من يونس فلا معارضة بين روايتيهما فتكون عائشة أخبرت في الفعل والقول معا وقد وافق الزهري في الرواية عن عمرة جماعة كما سبق وقد وقع الطحاوي في معابه على من احتج بحديث الزهري مع اضطرابه على رأيه فأحتج بحديث محمد بن إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن بن عباس قال قطع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا في مجن قيمته دينار أو عشرة دراهم أخرجه أبو داود واللفظ له وأحمد والنسائي والحاكم ولفظ الطحاوي كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم وهو أشد في الاضطراب من حديث الزهري فقيل عنه هكذا وقيل عنه عن عمرو بن شعيب عن عطاء عن بن عباس وقيل عنه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ولفظه كانت قيمة المجن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم وقيل عنه عن عمرو عن عطاء مرسلا وقيل عن عطاء عن أيمن أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته دينار كذا قال منصور والحكم بن عتيبة عن عطاء وقيل عن منصور عن مجاهد وعطاء جميعا عن أيمن وقيل عن مجاهد عن أيمن بن أم أيمن عن أم أيمن قالت لم يقطع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا في ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار أخرجه النسائي ولفظ الطحاوي لا تقطع يد السارق إلا في حجفة وقومت يومئذ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا أو عشرة دراهم وفي لفظ له أقل ما يقطع فيه السارق ثمن المجن وكان يقوم يومئذ بدينار واختلف

[ 92 ]

في لفظه أيضا على عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده فقال حجاج بن أرطاة عنه بلفظ لا قطع فيما دون عشرة دراهم وهذه الرواية لو ثبتت لكانت نصا في تحديد النصاب إلا أن حجاج بن أرطاة ضعيف ومدلس حتى ولو ثبت روايته لم تكن مخالفة لرواية الزهري بل يجمع بينهما بأنه كان أولا لا قطع فيما دون العشرة ثم شرع القطع في الثلاثة فما فوقها فزيد في تغليظ الحد كما زيد في تغليظ حد الخمر كما تقدم وأما سائر الروايات فليس فيها إلا أخبار عن فعل وقع في عهده صلى الله عليه وسلم وليس فيه تحديد النصاب فلا ينافي رواية بن عمر الآتية أنه قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وهو مع كونه حكاية فعل فلا يخالف حديث عائشة من رواية الزهري فأن ربع دينار صرفه ثلاثة دراهم وقد أخرج البيهقي من طريق بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب عن سليمان بن يسار عن عمرة قالت قيل لعائشة ما ثمن المجن قالت ربع دينار وأخرج أيضا من طريق بن إسحاق عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم قال أتيت بنبطي قد سرق فبعثت إلى عمرة فقالت أي بني ان لم يكن بلغ ما سرق ربع دينار فلا تقطعه فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم حدثتني عائشة أنه قال لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا فهذا يعارض حديث بن إسحاق الذي اعتمده الطحاوي وهو من رواية بن إسحاق أيضا وجمع البيهقي بين ما اختلف في ذلك عن عائشة بأنها كانت تحدث به تارة وتارة تستفتى فتفتي واستند إلى ما أخرجه من طريق عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة ان جارية سرقت فسئلت عائشة فقالت القطع في ربع دينار فصاعدا الطريق الثاني لحديث عائشة قوله حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا عبدة هو بن سليمان ثم قال حدثنا عثمان حدثنا حميد بن عبد الرحمن وقد أخرجه مسلم عن عثمان هذا قال حدثنا عبدة بن سليمان وحميد بن عبد الرحمن جمعهما وضمهما إلى غيرهما فقال كلهم عن هشام وحميد بن عبد الرحمن هذا هو الرؤاسي بضم الراء ثم همزة خفيفة ثم سين مهملة وقد أخرجه مسلم عن محمد بن عبد الله بن نمير عنه ونسب كذلك قوله عن أبيه أخبرتني عائشة أن يد السارق لم تقطع الخ وقع عند الاسماعيلي من طريق هارون بن إسحاق عن عبدة بن سليمان فيه زيادة قصة في السند ولفظه عن هشام بن عروة أن رجلا سرق قدحا فأتى به عمر بن عبد العزيز فقال هشام بن عروة قال أبي إن اليد لا تقطع في الشئ التافه ثم قال حدثتني عائشة وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبدة بن سليمان وهكذا رواه وكيع وغيره عن هشام لكن أرسله كله قوله لم يقطع على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الا في ثمن مجن حجفة أو ترس المجن بكسر الميم وفتح الجيم مفعل من الاجتنان وهو الاستتار مما يحاذره المستتر وكسرت ميمه لانه آلة في ذلك والجحفة بفتح المهملة والجيم ثم فاء هي الدرقة وقد تكون من خشب أو عظم وتغلف بالجلد أو غيره والترس مثله لكن يطارق فيه بين جلدين وقيل هما بمعنى واحد وعلى الاول أو في الخبر للشك وهو المعتمد ويؤيده رواية عبد الله بن المبارك عن هشام التي تلي رواية حميد بن عبد الرحمن بلفظ في أدنى ثمن جحفة أو ترس كل واحد منهما ذو ثمن والتنوين في قوله ثمن للتكثير والمراد أنه ثمن يرغب فيه فأخرج الشئ التافه كما فهمه عروة راوي الخبر وليس المراد ترسا بعينه ولا حجفة بعينها وانما المراد الجنس وأن القطع كان يقع في كل شئ يبلغ قدر ثمن المجن سواء كان ثمن المجن كثيرا أو قليلا والاعتماد انما هو على الاقل فيكون نصابا ولا يقطع فيما دونه ورواية أبي أسامة عن هشام جامعة

[ 93 ]

بين الروايتين المذكورتين أولا وقوله فيها كان كل واحد منهما ذا ثمن كذا ثبت في الاصول وأفاد الكرماني أنه وقع في بعض النسخ وكان كل واحد منهما ذا ثمن كذا ثبت في الاصول وأفاد الكرماني في كان قوله رواه وكيع وابن إدريس عن هشام عن أبيه مرسلا أما رواية وكيع فأخرجها بن أبي شيبة في مصنفه عنه ولفظه عن هشام بن عروة عن أبيه قال كان السارق في عهد النبي صلى الله عليه وسلم يقطع في ثمن المجن وكان المجن يومئذ له ثمن ولم يكن يقطع في الشئ التافه وأما رواية بن إدريس وهو عبد الله الاودي الكوفي فأخرجها الدارقطني في العلل والبيهقي من طريق يوسف بن موسى عن جرير وعبد الله بن إدريس ووكيع ثلاثتهم عن هشام عن أبيه أن يد السارق لم تقطع فذكر مثل سياق أبي أسامة سواء وزاد ولم يكن يقطع في الشئ التافه وقرأت بخط مغلطاي وتبعه شيخنا بن الملقن أن رواية بن إدريس عند عبد الرزاق عنه فيما ذكره الطبراني في الاوسط كذا قال الاسماعيلي ووصله أيضا عن هشام عمر بن علي المقدمي وعثمان الغطفان وعبد الله بن قبيصة الفزاري وأرسله أيضا عبد الرحيم بن سليمان وحاتم بن إسماعيل وجرير قلت وقد ذكرت رواية جرير وأما عبد الرحمن فاختلف عليه فقيل عنه مرسلا ووصله عنه أبو بكر بن أبي شيبة أخرجه مسلم تنبيه لم تختلف الرواة عن هشام بن عروة عن أبيه في هذا المتن وأما الزهري فاختلف عليه في سنده ولم يختلف عليه في المتن أيضا كما تقدم وهو حافظ فيحتمل أن يكون عروة حدثه به على الوجهين كما تقدم ويحتمل أن يكون لفظ عروة هو الذي حفظه هشام عنه وحمل يونس حديث عروة على حديث عمرة فساق على لفظ عمرة وهذا يقع لهم كثيرا ويشهد للاول أن النسائي أخرجه من طريق حفص بن حسان عن يونس عن الزهري عن عروة وحده عن عائشة بلفظ رواية بن عيينة ورواه أيضا من رواية القاسم بن مبرور عن يونس بهذا السند لكن لفظ المتن أو نصف دينار فصاعدا وهي رواية شاذة الحديث الثاني حديث بن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم أورده من حديث مالك قال بن حزم لم يروه عن بن عمر إلا نافع وقال بن عبد البر هو أصح حديث روي في ذلك قوله تابعه محمد بن إسحاق يعني عن نافع أي في قوله ثمنه وروايته موصولة عند الاسماعيلي من طريق عبد الله بن المبارك عن مالك ومحمد بن إسحاق وعبيد الله بن عمر ثلاثتهم عن نافع عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم وقد أخرجه المؤلف رحمه الله من رواية جريرية وهو بن أسماء مثل هذا السياق سواء ومن رواية عبيد الله وهو بن عمر أي العمري مثله ومن رواية موسى بن عقبة عن نافع بلفظ الله تعالى قطع النبي صلى الله عليه وسلم يد سارق مثله قوله وقال الليث حدثني نافع قيمته يعني أن الليث رواه عن نافع كالجماعة لكن قال قيمته بدل قولهم ثمنه ورواية الليث وصلها مسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع سارقا في مجن قيمته ثلاثة دراهم وأخرجه مسلم أيضا من رواية سفيان الثوري عن أبي أيوب السختياني وأيوب بن موسى وإسماعيل بن أمية ومن رواية بن وهب عن حنظلة بن أبي سفيان ومالك وأسامة بن زيد كلهم عن نافع قال بعضهم ثمنه وقال بعضهم قيمته هذا لفظ مسلم ولم يميز وقد أخرجه أبو داود من رواية بن جريج أخبرني إسماعيل بن أمية عن نافع ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قطع يد رجل سرق ترسا من صيغة النساء ثمنه ثلاثة دراهم

[ 94 ]

وأخرجه النسائي من رواية بن وهب عن حنظلة وحده بلفظ ثمنه ومن طريق مخلد بن يزيد عن حنظلة بلفظ قيمته فوافق الليث في قوله قيمته لكن خالف الجميع فقال خمسة دراهم وقول الجماعة ثلاثة دراهم هو المحفوظ وقد أخرجه الطحاوي من طريق عبيد الله بن عمر بلفظ قطع في مجن قيمته ومن رواية أيوب ومن رواية مالك قال مثله ومن رواية بن إسحاق بلفظ أتي برجل سرق حجفة قيمتها ثلاثة دراهم فقطعه تنبيه قوله قطع معناه أمر لانه صلى الله عليه وسلم لم يكن يباشر القطع بنفسه وقد تقدم في الباب قبله أن بلالا هو الذي باشر قطع يد المخزومية فيحتمل أن يكون هو الذي كان موكلا بذلك ويحتمل غيره وقوله قيمته قيمة الشئ ما تنتهي إليه الرغبة فيه وأصله قومة فأبدلت الواو ياء لوقوعها بعد كسره به المبيع عند البيع والذي يظهر أن المراد هنا القيمة وأن من رواه بلفظ قد يختلفان والمعتبر إنما هو القيمة ولعل التعبير بالثمن لكونه صادف القيمة في ذلك الوقت في ظن الراوي أو باعتبار الغلبة وقد تمسك مالك بحديث بن عمر في اعتبار النصاب بالفضة وأجاب الشافعية وسائر من خالفه بأنه ليس في طرقه أنه لا يقطع في أقل من ذلك وأورد الطحاوي حديث سعد الذي أخرجه بن مالك أيضا وسنده ضعيف ولفظه لا يقطع السارق إلا في المجن قال فعلمنا أنه لا يقطع في أقل من ثمن المجن لكن اختلف في ثمن المجن ثم ساق حديث بن عباس قال كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة دراهم قال فالاحتياط أن لا يقطع إلا فيما اجتمعت فيه هذه الآثار وهو عشرة ولا يقطع فيما دونها لوجود الاختلاف فيه وتعقب بأنه لو سلم في الدراهم لم يسلم في النص الصريح في ربع دينار كما تقدم إيضاحه ودفع ما أعله به والجمع بين ما اختلفت الروايات في ثمن المجن ممكن بالحمل على اختلاف الثمن والقيمة أو على تعدد المجان التي قطع فيها وهو أولى وقال بن دقيق العيد الاستدلال بقوله قطع في مجن على اعتبار النصاب ضعيف لانه حكاية فعل ولا يلزم من القطع في هذا المقدار عدم القطع فيما دونه بخلاف قوله يقطع في ربع دينار فصاعدا فأنه بمنطوقه يدل على أنه يقطع فيما إذا بلغ وكذا فيما زاد عليه وبمفهومه على أنه لا قطع فيما دون ذلك قال واعتماد الشافعي على حديث عائشة وهو قول أقوى في الاستدلال من الفعل المجرد وهو قوي في الدلالة على الحنفية لانه صريح في القطع في دون القدر الذي يقولون بجواز القطع فيه ويدل على القطع فيما يقولون به بطريق الفحوى وأما دلالته على عدم القطع في دون ربع دينار فليس هو من حيث منطوقه بل من حيث مفهومه فلا يكون حجة على من لا يقول بالمفهوم قلت وقرر الباجي طريق الاخذ بالمفهوم هنا فقال دل التقويم على أن القطع يتعلق بقدر معلوم وإلا فلا يكون لذكره فائدة وحينئذ فالمعتمد ما ورد به النص صريحا مرفوعا في اعتبار ربع دينار وقد خالف من المالكية في ذلك من القدماء بن عبد الحكم وممن بعدهم بن العربي فقال ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث إلى أن القطع لا يكون إلا في عشرة دراهم وحجته أن اليد محترمة بالاجماع فلا تستباح إلا بما أجمع عليه والعشرة متفق على القطع فيها عند الجميع فيتمسك به ما لم يقع الاتفاق على ما دون ذلك وتعقب بأن الآية دلت على القطع في كل قليل وكثير وإذا اختلفت الروايات في النصاب أخذ بأصح ما ورد

[ 95 ]

في الاقل ولم يصح أقل من ربع دينار أو ثلاثة دراهم فكان اعتبار ربع دينار أقوى من وجهين أحدهما أنه صريح في الحصر حيث ورد بلفظ لا تقطع اليد إلا في ربع دينار فصاعدا وسائر الاخبار الصحيحة الواردة حكاية فعل لا عموم فيها والثاني أن المعول عليه في القيمة الذهب لانه الاصل في جواهر الارض كلها ويؤيده ما نقل الخطابي استدلالا على أن أصل النقد في ذلك الزمان الدنانير بأن الصكاك القديمة كان يكتب فيها عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل فعرفت الدراهم بالدنانير وحصرت بها والله أعلم وحاصل المذاهب في القدر الذي يقطع السارق فيه يقرب من عشرين مذهبا الاول يقطع في كل قليل وكثير تافها كان أو غير تافه نقل عن أهل الظاهر والخوارج ونقل عن الحسن البصري وبه قال أبو عبد الرحمن بن بنت الشافعي ومقابل هذا القول في الشذوذ ما نقله عياض ومن تبعه عن إبراهيم النخعي أن القطع لا يجب إلا في أربعين درهما أو أربعة دنانير وهذا هو القول الثاني الثالث مثل الاول إلا إن كان المسروق شيئا تافها لحديث عروة الماضي لم يكن القطع في شئ من التافه ولان عثمان قطع في فخارة خسيسة وقال لمن يسرق السياط لان عدتم لاقطعن فيه وقطع بن الزبير في نعلين أخرجهما بن أبي شيبة وعن عمر بن عبد العزيز أنه قطع في مد أو مدين الرابع تقطع في درهم فصاعدا وهو قول عثمان البتي بفتح الموحدة وتشديد المثناة من فقهاء البصرة وربيعة من فقهاء المدينة ونسبة القرطبي إلى عثمان فأطلق ظنا منه أنه الخليفة وليس كذلك الخامس في درهمين وهو قول الحسن البصري جزم به بن المنذر عنه السادس فيما زاد على درهمين ولو لم يبلغ الثلاثة أخرجه بن أبي شيبة بسند قوي عن أنس أن أبا بكر قطع في شئ ما يساوي درهمين وفي لفظ لا يساوي ثلاثة دراهم السابع في ثلاثة دراهم ويقوم ما عداها بها ولو كان ذهبا وهي رواية عن أحمد وحكاه الخطابي عن مالك الثامن مثله لكن إن كان المسروق ذهبا فنصابه ربع دينار وإن كان غيرهما فان بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به وان لم تبلغ لم يقطع ولو كان نصف دينار وهذا قول مالك عند اتباعه وهي رواية عن أحمد واحتج له بما أخرجه أحمد من طريق محمد بن راشد عن يحيى بن يحيى الغساني عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن عمرة عن عائشة مرفوعا اقطعوا في ربع دينار ولا تقطعوا في أدنى من ذلك قالت وكان ربع دينار قيمته يومئذ ثلاثة دراهم والمرفوع من هذه الرواية نص في أن المعتمد والمعتبر في ذلك الذهب والموقوف منه يقتضي أن الذهب يقوم بالفضة وهذا يمكن تأويله فلا يرتفع به النص الصريح التاسع مثله إلا إن كان المسروق غيرهما قطع به إذا بلغت قيمته أحدهما وهو المشهور عن أحمد ورواية عن إسحاق العاشر مثله لكن لا يكتفي بأحدهما إلا إذا كانا غالبين فان كان أحدهما غالبا فهو المعول عليه وهو قول جماعة من المالكية وهو الحادي عشر الثاني عشر ربع دينار أو ما يبلغ قيمته من فضة أو عرض وهو مذهب الشافعي وقد تقدم تقريره وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز والاوزاعي والليث ورواية عن إسحاق وعن داود ونقله الخطابي وغيره عن عمر وعثمان وعلي وقد أخرجه بن المنذر عن عمر بسند منقطع أنه قال إذا أخذ السارق ربع دينار قطع ومن طريق عمرة أتى عثمان بسارق سرق أترجة قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار باثنى عشر فقطع ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه أن عليا قطع في ربع دينار كانت قيمته درهمين ونصفا الثالث عشر أربعة

[ 96 ]

دراهم نقله عياض عن بعض الصحابة ونقله بن المنذر عن أبي هريرة وأبي سعيد الرابع عشر ثلث دينار حكاه بن المنذر عن أبي جعفر الباقر الخامس عشر خمسة دراهم وهو قول بن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء الكوفة ونقل عن حسن البصري وعن سليمان بن يسار أخرجه النسائي وجاء عن عمر بن الخطاب لا تقطع الخمس إلا في خمس أخرجه بن المنذر من طريق منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عنه وأخرج بن أبي شيبة عن أبي هريرة وابن سعيد مثله ونقل أبو زيد الدبوسي عن مالك وشذ بذلك السادس عشر عشرة دينار أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض بن حزم عن طائفة وجزم بن المنذر بأنه قول النخعي الثامن عشر دينار أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحدهما حكاه بن حزم أيضا وأخرجه بن المنذر عن علي بسند ضعيف وعن بن مسعود بسند منقطع قال وبه قال عطاء التاسع عشر ربع دينار فصاعدا من الذهب على ما دل عليه حديث عائشة ويقطع في القليل والكثير من الفضة والعروض وهو قول بن حزم ونقل بن عبد البر نحوه عن داود واحتج بأن التحديد في الذهب ثبت صريحا في حديث عائشة ولم يثبت التحديد صريحا في غيره فبقي عموم الآية على حاله فيقطع فيما قل أو كثر إلا إذا كان الشئ تافها وهو موافق للشافعي إلا في قياس أحد النقدين على الآخر وقد أيده الشافعي بأن الصرف يومئذ كان موافقا لذلك واستدل بأن الدية على أهل الذهب ألف دينار وعلى أهل الفضة اثنى عشر ألف دينار وتقدم في قصة الاترجة قريبا ما يؤيده ويخرج من تفصيل جماعة من المالكية أن التقويم يكون بغالب نقد البلد إن ذهبا فبالذهب وإن فضة فبالفضة تمام العشرين مذهبا وقد ثبت في حديث بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم قطع في مجن قيمته ثلاثة دراهم وثبت لا قطع في أقل من ثمن المجن وأقل ما ورد في ثمن المجن ثلاثة دراهم وهي موافقة للنص الصريح في القطع في ربع دينار وانما ترك القول بأن الثلاثة دراهم نصاب يقطع فيه مطلقا لان قيمة الفضة بالذهب تختلف فبقي الاعتبار بالذهب كما تقدم والله أعلم واستدل به على وجوب قطع السارق ولو لم يسرق من حرز وهو قول الظاهرية وأبي عبيد الله البصري من المعتزلة وخالفهم الجمهور فقالوا العام إذا خص منه شئ بدليل بقي ما عداه على عمومه وحجته سواء كان لفظه ينبئ عما ثبت في ذلك الحكم بعد التخصيص أم لا لان آية السرقة عامة في كل من سرق فخص الجمهور منها من سرق من غير حرز فقالوا لا يقطع وليس في الآية ما ينبئ عن اشتراط الحرز وطرد البصري أصله في الاشتراط المذكور فلم يشترط الحرز ليستمر الاحتجاج بالآية نعم وزعم بن بطال أن شرط الحرز مأخوذ من معنى السرقة فان صح ما قال سقطت حجة البصري أصلا واستدل به على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب لان آية السرقة نزلت في سارق رداء صفوان أو سارق المجن وعمل بها الصحابة في غيرهما من السارقين واستدل بإطلاق ربع دينار على أن القطع يجب بما صدق عليه ذلك من الذهب سواء كان مضروبا أو غير مضروب جيدا كان أو رديئا وقد اختلف فيه الترجيح عند الشافعية ونص الشافعي في الزكاة فلى ذلك وأطلق في السرقة فجزم الشيخ أبو حامد واتباعه بالتعميم هنا وقال الاصطخري لا يقع إلا في المضروب ورجحه الرافعي وقيد الشيخ أبو حامد النقل عن الاصطخري بالقدر الذي ينقص بالطبع واستدل بالقطع في المجن على

[ 97 ]

مشروعية القطع في كل ما يتمول قياسا واستثنى الحنفية ما يسرع إليه الفساد وما أصله الاباحة كالحجارة واللبن والخشب والملح والتراب والكلا والطير وفي رواية عن الحنابلة والراجح عندهم في مثل السرجين القطع تفريعا على جواز بيعه وفي هذا تفاريع أخرى محل بسطها كتب الفقه وبالله التوفيق الحديث الثالث حديث أبي هريرة في لعن السارق يسرق البيضة فيقطع ختم به الباب إشارة إلى أن طريق الجمع بين الاخبار أن يجعل حديث عمرة عن عائشة أصلا فيقطع في ربع دينار فصاعدا وكذا فيما بلغت قيمته ذلك فكأنه قال المراد بالبيضة ما يبلغ قيمتها ربع دينار فصاعدا وكذا الحبل ففيه إيماء إلى ترجيح ما سبق من التأويل الذي نقله الاعمش وقد تقدم البحث فيه قوله باب توبة السارق أي هل تفيده في رفع اسم الفسق عنه حتى تقبل شهادته أو لا وقد وقع في آخر هذا الباب قال أبو عبد الله إذا تاب السارق وقطعت يده قبلت شهادته وكذلك كل الحدود إذا تاب أصحابها قبلت شهادتهم وهو في رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده وأبو عبد الله هو البخاري المصنف وقد تقدمت هذه المسألة في الشهادات فيما يتعلق في القاذف والسارق في ونقل البيهقي عن الشافعي أنه قال يحتمل أن يسقط كل حق لله بالتوبة قال وجزم به في كتاب الحدود وروى الربيع عنه أن حد الزنا لا يسقط وعن الليث والحسن لا يسقط شئ من الحدود أبدا قال وهو قول مالك عن الحنفية يسقط إلا الشرب وقال الطحاوي ولا يسقط إلا قطع الطريق لورود النص فيه والله أعلم وذكر في الباب حديث عائشة في قصة التي سرقت مختصرا ووقع في آخره وتابت وحسنت توبتها وقد تقدم شرحه مستوفى قبيل هذا ووجه مناسبته للترجمة وصف التوبة بالحسن فان ذلك يقتضي أن هذا الوصف يثبت للتائب المذكور فيعود لحالته التي كان عليها وحديث عبادة بن الصامت في البيعة وفيه ذكر السرقة وفي آخره فمن أصاب من ذلك شيئا فأخذ به في الدنيا فهو كفارة له وطهور ووجه الدلالة منه أن الذي أقيم عليه الحد وصف بالتطهر فإذا انضم إلى ذلك أنه تاب فإنه يعود إلى ما كان عليه قبل ذلك فتضمن ذلك قبول شهادته أيضا والله أعلم قوله كتاب المحاربين من أهل الكفر والردة كذا هذه الترجمة ثبتت للجميع هنا وفي كونها في هذا الموضع إشكال وأظنها مما انقلب على الذين نسخوا كتاب البخاري من المسودة والذي يظهر لي أن محلها بين كتاب الديات وبين استتابة المرتدين وذلك أنها تخللت بين أبواب الحدود فان المصنف ترجم كتاب الحدود وصدره بحديث لا يزني الزاني وهو مؤمن وفيه ذكر السرقة وشرب الخمر ثم بدأ بما يتعلق بحد الخمر في أبواب ثم بالسرقة كذلك فالذي يليق أن يثلث بأبواب الزنا على وفق ما جاء في الحديث الذي صدر به ثم بعد ذلك إما أن يقدم كتاب المحاربين وإما أن يؤخره والاولى أن يؤخره ليعقبه باب استتابة المرتدين فإنه يليق أن يكون من جملة أبوابه ولم أر من نبه على ذلك إلا الكرماني فإنه تعرض لشئ من ذلك في باب إثم الزناة ولم يستوفه كما سأنبه عليه ووقع في رواية النسفي زيادة قد يرتفع بها الاشكال وذلك أنه قال بعد قوله من أهل الكفر والردة فزاد ومن يجب عليه الحد في الزنا فان كان محفوظا فكأنه ضم حد الزنا إلى المحاربين لافظائه إلى القتل في بعض صوره بخلاف الشرب والسرقة

[ 98 ]

وعلى هذا فالاولى أن يبدل لفظ كتاب بباب وتكون الابواب كلها داخلة في كتاب الحدود قوله وقول الله إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة وغيرها إلى أو ينفوا من الارض قال بن بطال ذهب البخاري إلى أن آية المحاربة نزلت في أهل الكفر والردة وساق حديث العرنيين وليس فيه تصريح بذلك ولكن أخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة حديث العرنيين وفي آخره قال بلغنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله الآية ووقع مثله في حديث أبي هريرة وممن قال ذلك الحسن وعطاء والضحاك والزهري قال وذهب جمهور الفقهاء إلى أنها نزلت فيمن خرج من المسلمين يسعى في الارض بالفساد ويقطع الطريق وهو قول مالك والشافعي والكوفيين ثم قال ليس هذا منافيا للقول الاول لانها وان نزلت في العرنيين بأعيانهم لكن لفظها عام يدخل في معناه كل من فعل مثل فعلهم من المحاربة والفساد قلت بل هما متعايران والمرجع إلى تفسير المراد بالمحاربة فمن حملها على الكفر خص الآية بأهل الكفر ومن حملها على المعصية عمم ثم نقل بن بطال عن إسماعيل القاضي أن ظاهر القرآن وما مضى عليه عمل المسلمين يدل على أن الحدود المذكورة في هذه الآية نزلت في المسلمين واما الكفار فقد نزل فيهم فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب إلى آخر الآية فكان حكمهم خارجا عن ذلك وقال تعالى في آية المحاربة إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم وهي دالة على أن من تاب من المحاربين يسقط عنه الطلب بما ذكر بما جناه فيها ولو كانت الآية في الكافر لنفعته المحاربة ولكن إذا أحدث الحرابة مع كفره اكتفينا بما ذكر في الآية وسلم من القتل فتكون الحرابة خففت عنه القتل وأجيب عن هذا الاشكال بأنه لا يلزم من إقامة هذه الحدود على المحارب المرتد مثلا أن تسقط عنه المطالبة بالعود إلى الاسلام أو القتل وقد تقدم في تفسير المائدة ما نقله المصنف عن سعيد بن جبير أن معنى المحاربة لله الكفر به وأخرج الطبري من طريق روح بن عبادة عن سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس في آخر قصة العرنيين قال فذكر لنا أن هذه الآية نزلت فيهم إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله وأخرج نحوه من وجه آخر عن أنس وأخرج الاسماعيلي هناك من طريق مروان بن معاوية عن معاوية بن أبي العباس عن أيوب عن أبي قلابة عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله قال هم من عكل قلت قد ثبت في الصحيحين أنهم كانوا من عكل وعرينة فقد وجد التصريح الذي نفاه بن بطال والمعتمد أن الآية نزلت أولا فيهم وهي تتناول بعمومها من حارب من المسلمين بقطع الطريق لكن عقوبة الفريقين مختلفة فان كانوا كفارا يخير الامام فيهم إذا ظفر بهم وإن كانوا مسلمين فعلى قولين أحدهما وهو قول الشافعي والكوفيين ينظر في الجناية فمن قتل قتل ومن أخذ المال قطع ومن لم يقتل ولم يأخذ مالا نفي وجعلوا أو للتنويع وقال مالك بل هي للتخيير فيتخير الامام في المحارب المسلم بين الامور الثلاثة ورجح الطبري الاول واختلفوا في المراد بالنفي في الآية فقال مالك والشافعي يخرج من بلد الجناية إلى بلدة أخرى زاد مالك فيحبس فيها وعن أبي حنيفة بل يحبس في بلده وتعقب بأن الاستمرار في البلد ولو كان مع الحبس إقامة فهو ضد النفي فان حقيقة النفي الاخراج من البلد وقد قرنت مفارقة الوطن بالقتل قال تعالى ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم وحجة أبي حنيفة أنه لا يؤمن منه استمرار

[ 99 ]

المحاربة في البلدة الاخرى فافصل عنه مالك بأنه يحبس بها وقال الشافعي يكفيه مفارقة الوطن والعشيرة خذلانا وذلا ثم ذكر المصنف حديث أنس في قصة العرنيين أورده من طريق الوليد بن مسلم عن الآوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة مصرحا فيه بالتحديث في جميعه فأمن فيه من التدليس والتسوية وقد تقدم شرحه في باب أبوال الابل من كتاب الطهارة ووقع في هذا الموضع ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا الابل قوله باب لم يحسم النبي صلى الله عليه وسلم المحاربين الخ الحسم بفتح الحاء وسكون السين المهملتين الكي بالنار لقطع الدم حسمته فانحسم كقطعته فانقطع وحسمت العرق معناه حبست دم العرق فمنعته أن يسيل وقال الداودي الحسم هنا أن توضع اليد بعد القطع في زيت حار قلت وهذا من صور الحسم وليس محصورا فيه وأورد فيه طرفا من قصة العرنيين مقتصرا على قوله قطع العرنيين ولم يحسمهم قال بن بطال انما ترك حسمهم لانه أراد إهلاكهم فأما من قطع في سرقة مثلا فإنه يجب حسمه لانه لا يؤمن معه التلف غالبا بنزف الدم قوله باب لم يسق المرتدين المحاربين حتى ماتوا كذا لهم بضم أوله على البناء للمجهول ولو كان بفتحه لنصب المحاربين وكان راجعا إلى فاعل يحسم في الباب الذي قبله وأورد فيه قصة العرنيين من وجه آخر عن أبي قلابة عن أنس تاما قوله حتى صحوا وسمنوا وقتلوا الراعي في رواية الكشميهني فقتلوا الراعي بالفاء وهي أوجه وحكى بن بطال عن المهلب أن الحكمة في ترك سقيهم كفرهم نعمة السقي التي أنعشتهم من المرض الذي كان بهم وقال فيه وجه آخر يؤخذ مما أخرجه بن وهب من مرسل سعيد بن المسيب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما بلغه ما صنعوا عطش الله من عطش آل محمد الليلة قال فكان ترك سقيهم إجابة لدعوته صلى الله عليه وسلم قلت وهذا لا ينافي أنه عاقبهم بذلك كما ثبت أنه سملهم لكونهم سملوا أعين الرعاة وانما تركهم حتى ماتوا لانه أراد إهلاكهم كما مضى في الحسم وأبعد من قال إن تركهم بلا سقي لم يكن بعلم النبي صلى الله عليه وسلم وقوله في هذه الطريق قالوا أبغنا بهمزة قطع ثم موحدة ثم معجمة أي أطلب لنا يقال أبغاه كذا طلبه له وقوله رسلا بكسر الراء وسكون المهملة أي لبنا وقوله ما أجد لكم إلا أن تلحقوا بإبل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه تجريد وسياق الكلام يقتضي أن يقول بابلي ولكنه كقول كبير القوم يقول لكم الامير مثلا ومنه قول الخليفة يقول لكم أمير المؤمنين وتقدم في غير هذه الطريق وهوفي الباب الاول أيضا بلفظ فأمرهم أن يأتوا إبل الصدقة فجمع بعضهم بين الروايتين بأنه صلى الله عليه وسلم كانت له إبل ترعى وإبل الصدقة في جهة واحدة فدل كل من الصنفين على الصنف الاخر وقيل بل الكل إبل الصدقة وإضافتها إليه إضافة التبعية لكونه تحت حكمه ويؤيد الاول ما ذكر قريبا من تعطيش آل محمد لانهم كانوا لا يتناولون الصدقة قوله باب بالتنوين سمر النبي صلى الله عليه وسلم بفتح السين المهملة والميم بالفعل الماضي ويجوز مضافا بغير تنوين مع سكون الميم وأورد فيه حديث العرنيين من وجه آخر عن أيوب وقوله فيه حتى جئ بهم في رواية الكشميهني أتى بهم وقوله وسمر أعينهم ووقع في رواية الاوزاعي في أول المحاربين وسمل باللام وهما بمعنى قال بن التين وغيره وفيه نظر قال عياض سمر العين بالتخفيف كحلها بالمسمار المحمي فيطلق السمل فإنه فسر بأن يدنى من العين حديدة محماة حتى يذهب نظرها فيطلق الاول بأن تكون الحديدة مسمارا قال وضبطناه

[ 100 ]

بالتشديد في بعض النسخ والاول أوجه وفسروا السمل بأنه فق ء العين بالشوك وليس هو المراد تنبيه أشكل قوله في آية المحاربين ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم مع حديث عبادة الدال على أن من أقيم عليه الحد في الدنيا كان له كفارة فان ظاهر الآية أن المحارب يجمع له الامران والجواب أن حديث عبادة مخصوص بالمسلمين بدليل أن فيه ذكر الشرك مع ما انضم إليه من المعاصي فلما حصل الاجماع على أن الكافر إذا قتل على شركه فمات مشركا أن ذلك القتل لا يكون كفارة له قام إجماع أهل السنة على أن من أقيم عليه الحد من أهل المعاصي كان ذلك كفارة لاثم معصيته والذي يضبط ذلك قوله تعالى ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء والله أعلم قوله باب فضل من ترك الفواحش جمع فاحشة وهي كل ما اشتد قبحه من الذنوب فعلا أو قولا وكذا الفحشاء والفحش ومنه الكلام الفاحش ويطلق غالبا على الزنا فاحشة ومنه قوله تعالى ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وأطلقت على اللواط باللام العهدية في قول لوط عليه السلام لقومه أتأتون الفاحشة ومن ثم كان حده حد الزاني عند الاكثر وزعم الحليمي أن الفاحشة أشد من الكبيرة وفيه نظر ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث أبي هريرة في السبعة الذين يظلهم الله تعالى في ظله والمقصود منه قوله فيه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال إلى نفسها فقال إني أخاف الله تعالى وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة ويلتحق بهذا الخصلة من وقع له نحوها كالذي دعا شابا جميلا لان يزوجه ابنة له جميلة كثيرة الجهاز جدا لينال منه الفاحشة فعفى الشاب عن ذلك وترك المال والجمال وقد شاهدت ذلك وقوله في أول السند حدثنا محمد غير منسوب فقال أبو علي الغساني وقع في رواية الاصيلي محمد بن مقاتل وفي رواية القابسي محمد بن سلام والاول هو الصواب لان عبد الله هو بن المبارك وابن مقاتل معروف بالرواية عنه قلت ولا يلزم من ذلك أن لا يكون هذا الحديث الخاص عند بن سلام والذي أشار إليه الغساني قاعدة في التفسير من أبهم واستمر إبهامه فيكون كثرة أخذه وملازمته قرينة في تعيينه أما إذا أورد التنصيص عليه فلا وقد صرح أيضا بأنه محمد بن سلام أبو ذر في روايته عن شيوخه الثلاثة وكذا هو في بعض النسخ من رواية كريمة وأبي الوقت الحديث الثاني قوله عمر بن علي هو المقدمي نسبة إلى جده مقدم بوزن محمد وهو عم محمد بن أبي بكر الراوي عنه وهو موصوف بالتدليس لكنه صرح بالتحديث في هذه الرواية وقد أورده في الرقاق عن محمد بن أبي بكر وحده وقرنه هنا بخليفة وساقه على لفظ خليفة قوله من توكل لي أي تكفل وقد ذكرت في الرقاق من رواه بلفظ تكفل وبلفظ حفظ وهو هناك بلفظ تضمن وأصل التوكل الاعتماد على الشئ والوثوق به وقوله توكلت له من باب المقابلة وقوله ما بين رجليه أي فرجه ولحييه بفتح اللام وهو منبت اللحية والاسنان ويجوز كسر اللام وثني لان له أعلى وأسفل والمراد به اللسان وقيل النطق وقد ترجم له في الرقاق حفظ اللسان وتقدم شرحه مستوفى هناك وقوله في آخره له بالجنة كذا للاكثر وفي رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي بحذف الباء ويقرأ بالنصب على نزع الخافض أو كأنه ضمن توكلت معنى ضمنت قوله باب إثم الزناة بضم أوله جمع زان كرماة ورام قوله وقول الله تعالى ولا يزنون يشير إلى الآية التي في الفرقان وأولها والذين لا يدعون مع الله إلها آخر والمراد قوله في الآية التي بعدها

[ 101 ]

ومن يفعل ذلك يلق أثاما وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه وهو في أخر طريق مسدد عن يحيى القطان فقال متصلا بقوله حليلة جارك قال فنزلت هذه الآية تصديقا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم والذين لا يدعون مع الله إلها آخر إلى قوله ولا يزنون ووقعت في الادب من طريق جرير عن الاعمش وساق إلى قوله يلق أثاما ولم يقع ذلك في رواية جرير عن منصور كما بينه مسلم وأخرجه الترمذي من طريق شعبة والنسائي من طريق مالك بن مغول كلاهما عن واصل الاحدب وساقه إلى قوله تعالى ويخلد فيه مهانا ووقع لغير أبي ذر بحذف الواو في قوله وقول الله قوله ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة زاد في رواية النسفي إلى آخر الآية والمشهور في الزنا القصر وجاء المد في بعض اللغات وذكر في الباب أربعة أحاديث الحديث الاول قوله حدثنا في رواية غير أبي ذر والنسفي أخبرنا قوله داود بن شبيب بمعجمة وموحدة وزن عظيم هو الباهلي يكنى أبا سليمان بصري صدوق قاله أبو حاتم وقال البخاري مات سنة اثنتين وعشرين قلت ولم يخرج عنه إلا في هذا الحديث هنا فقط وقد تقدم في العلم من طريق شعبة عن قتادة بزيادة في أوله وتقدم شرحه في كتاب العلم والغرض منه قوله في ويظهر الزنا أي يشيع ويشتهر بحيث لا يتكاتم به لكثرة من يتعاطاه وقد تقدم سبب قول أنس لا يحدثكموه أحد بعدي الحديث الثاني حديث بن عباس لا يزني الزاني وقد تقدم شرحه مستوفى في شرح حديث أبي هريرة في أول الحدود وقول بن جرير ان بعضهم رواه بصيغة النهي لا يزنين مؤمن وأن بعضهم حمله على المستحل وساقه بسنده عن بن عباس وإسحاق من يوسف المذكور في السند هو الواسطي المعروف بالازرق والفضيل بفاء ومعجمة مصغر وأبوه غزوان بغين معجمة ثم زاي ساكنة بوزن شعبان وقوله في قال عكرمة الخ هو موصول بالسند المذكور وقوله وشبك بين اصابعه في رواية الاسماعيلي من طريق إسماعيل بن هود الواسطي عن خالد الذي أخرجه البخاري من طريقه وقال هكذا فوصف صفة لا أحفظها وقد قدمت الكلام على الصفة المذكورة هناك قال الترمذي بعد تخريج حديث أبي هريرة وحكاية تأويل لا يزني الزاني وهو مؤمن لا نعلم أحدا كفر أحدا بالزنا والسرقة والشرب يعني ممن يعتد بخلافه قال وقد روى عن أبي جعفر يعني الباقر أنه قال في هذا خرج من الايمان إلى الاسلام يعني أنه جعل الايمان أخص من الاسلام فإذا خرج من الايمان بقي في الاسلام وهذا يوافق قول الجمهور إن المراد بالايمان هنا كماله لا أصله والله أعلم الحديث الثالث حديث أبي هريرة في ذلك وقد مضى الكلام عليه وعلى قوله في آخره والتوبة معروضة بعد الحديث الرابع حديث عبد الله هو بن مسعود قوله عمرو بن علي هو الفلاس ويحيى هو بن سعيد القطان وسفيان هو الثوري ومنصور هو بن المعتمر وسليمان هو الاعمش وأبو وائل هو شقيق وأبو ميسرة هو عمرو بن شرحبيل وواصل المذكور في السند الثاني هو بن حيان بمهملة وتحتانية ثقيلة هو المعروف بالاحدب ورجال السند من سفيان فصاعدا كوفيون وقوله قال عمرو هو بن علي المذكور فذكرته لعبد الرحمن يعني بن مهدي وكان حدثنا هكذا ذكره البخاري عن عمرو بن علي قدم رواية يحيى على رواية عبد الرحمن وعقبها بالفاء وقال الهيثم بن خلف فيما أخرجه الاسماعيلي عنه عن عمرو بن علي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي فساق روايته وحذف ذكر واصل من السند ثم قال وقال

[ 102 ]

عبد الرحمن مرة عن سفيان عن منصور والاعمش وواصل فقلت لعبد الرحمن حدثنا يحيى بن سعيد فذكره فقال عبد الرحمن دعه والحاصل أن الثوري حدث بهذا الحديث عن ثلاثة أنفس حدثوه به عن أبي وائل فأما الاعمش ومنصور فأدخلا بين أبي وائل وبين بن مسعود أبا ميسرة وأما واصل فحذفه فضبطه يحيى القطان عن سفيان هكذا مفصلا وأما عبد الرحمن فحدث به أولا بغير تفصيل فحمل رواية واصل على رواية منصور والاعمش فجمع الثلاثة وأدخل أبا ميسرة في السند فلما ذكر له عمرو بن علي أن يحيى فصله كأنه تردد فيه فاقتصر على التحديث به عن سفيان عن منصور والاعمش حسب وترك طريق واصل وهذا معنى قوله فقال دعه دعه أي اتركه والضمير للطريق التي اختلف فيها وهي رواية واصل وقد زاد الهيثم بن خلف في روايته بعد قوله دعه فلم يذكر فيه واصلا بعد ذلك فعرف أن معنى قوله دعه أي اترك السند الذي ليس فيه ذكر أبي ميسرة وقال الكرماني حاصله أن أبا وائل وان كان قد روى كثيرا عن عبد الله فان هذا الحديث لم يروه عنه قال وليس المراد بذلك الطعن عليه لكن ظهر له ترجيح الرواية بإسقاط الواسطة وافقه الاكثرين كذا قال والذي يظهر ما قدمته أنه تركه من أجل التردد فيه لان ذكر أبي ميسرة إن كان في أصل رواية واصل فتحديثه به بدونه يستلزم أنه طعن فيه بالتدليس أو بقلة الضبط وان لم يكن قي روايته في الاصل فيكون زاد في السند ما لم يسمعه فاكتفى برواية الحديث عمن لا تردد عنده فيه وسكت عن غيره وقد كان عبد الرحمن حدث به مرة عن سفيان عن واصل وحده بزيادة أبي ميسرة كذلك أخرجه الترمذي والنسائي لكن الترمذي بعد أن ساقه بلفظ واصل عطف عليه بالسند المذكور طريق سفيان عن الاعمش ومنصور قال بمثله وكأن ذلك كان في أول الامر وذكر الخطيب هذا السند مثالا لنوع من أنواع مدرج الاسناد وذكر فيه أن محمد بن كثير وافق عبد الرحمن على روايته الاولى عن سفيان فيصير الحديث عن الثلاثة بغير تفصيل قلت وقد أخرجه البخاري في الادب عن محمد بن كثير لكن اقتصر من السند على منصور وأخرجه أبو داود عن محمد بن كثير فضم الاعمش إلى المنصور وأخرجه الخطيب من طريق الطبراني عن أبي مسلم الليثي عن معاذ بن المثني ويوسف القاضي ومن طريق أبي العباس البرقي ثلاثتهم عن محمد بن كثير عن سفيان عن الثلاثة وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج عن الطبراني وفيه ما تقدم وذكر الخطيب الاختلاف فيه على منصور وعلى الاعمش في ذكر أبي ميسرة وحذفه ولم يختلف فيه على واصل في إسقاطه في غير رواية سفيان قلت وقد أخرجه الترمذي والنسائي من رواية شعبة عن واصل بحذف أبي ميسرة لكن قال الترمذي رواية منصور أصح يعني بإثبات أبي ميسرة وذكر الدارقطني الاختلاف فيه وقال رواه الحسن بن عبيد الله عن أبي وائل عن عبد الله كقول واصل ونقل عن الحافظ أبي بكر النيسابوري أنه قال يشبه أن يكون الثوري جمع بين الثلاثة لما حدث به بن مهدي ومحمد بن كثير وفصله لما حدث به غيرهما يعني فيكون الادراج من سفيان لا من عبد الرحمن والعلم عند الله تعالى وقد تقدم الكلام على شئ من هذا في تفسير سورة الفرقان قوله أي الذنب أعظم هذه رواية الاكثر ووقع في رواية عاصم عن أبي وائل عن عبد الله أعظم الذنوب عند الله أخرجها الحارث وفي رواية مسدد الماضية في كتاب الادب أي الذنب عند الله أكبر وفي رواية أبي عبيدة بن معن عن الاعمش أي الذنوب أكبر

[ 103 ]

عند الله وفي رواية الاعمش ش عند أحمد وغيره أي الذنب أكبر وفي رواية الحسن بن عبيد الله عن أبي وائل أكبر الكبائر قال بن بطال عن المهلب يجوز أن يكون بعض الذنوب أعظم من بعض من الذنبين المذكورين في هذا الحديث بعد الشرك لانه لا خلاف بين الآية أن اللواط أعظم إثما من الزنا فكأنه صلى الله عليه وسلم إنما قصد بالاعظم هنا ما تكثر مواقعته ويظهر الاحتياج إلى بيانه في الوقت كما وقع في حق وفد عبد القيس حيث اقتصر في منهياتهم على ما يتعلق بالاشربة لفشوها في بلادهم قلت وفيما قال نظر من أوجه أحدها ما نقله من الاجماع ولعله لا يقدر ان يأتي بنقل صحيح صريح بما ادعاه عن إمام واحد بل المنقول عن جماعة عكسه فان الحد عند الجمهور والراجح من الاقوال انما ثبت فيه بالقياس على الزنا والمقيس عليه أعظم من المقيس أو مساويه والخبر الوارد في قتل الفاعل والمفعول به أو رجمهما ضعيف واما ثانيا فما من مفسدة فيه إلا ويوجد مثلها في الزنا وأشد ولو لم يكن الا ما قيد به في الحديث المذكور فان المفسدة فيه شديدة جدا ولا يتأتى مثلها في الذنب الآخر وعلى التنزل فلا يزيد واما ثالثا ففيه مصادمة للنص الصريح على الاعظمية من غير ضرورة إلى ذلك وأما رابعا فالذي مثل به من قصة الاشربة ليس فيه إلا أنه اقتصر لهم على بعض المناهي وليس فيه تصريح ولا إشارة بالحصر في الذي اقتصر عليه والذي يظهر أن كلا من الثلاثة على ترتيبها في العظم ولو جاز أن يكون فيما لم يذكره شئ يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شئ يساوي ما ذكر فيكون التقدير في المرتبة الثانية مثلا بعد القتل الموصوف وما يكون في الفحش مثله أو نحوه لكن يستلزم أن يكون فيما لم يذكر في المرتبة الثانية شئ هو أعظم مما ذكر في المرتبة الثالثة ولا محذور في ذلك وأما ما مضى في كتاب الادب من عد عقوق الوالدين في أكبر الكبائر لكنها ذكرت بالواو فيجوز أن تكون رتبة رابعة وهي أكبر مما دونها قوله حليلة جارك بفتح الحاء المهملة وزن عظيمة أي التي يحل له وطؤها وقيل التي تحل معه في فراش واحد وقوله أجل أن يطعم معك بفتح اللام أي من أجل فحذف الجار فانتصب وذكر الاكل لانه كان الاغلب من حال العرب وسيأتي الكلام بقية شرح هذا الحديث في كتاب التوحيد إن شاء الله تعالى قوله باب رجم المحصن هو بفتح الصاد المهملة من الاحصان ويأتي بمعنى العفة والتزويج والاسلام والحرية لان كلا منها يمنع المكلف من عمل الفاحشة قال بن القطاع رجل محصن بكسر الصاد على القياس وبفتحها على غير قياس قلت يمكن تخريجه على القياس وهو أن المراد هنا من له زوجة عقد عليها ودخل بها وأصابها فكأن الذي زوجها له أو حمله على التزويج بها ولو كانت نفسه أحصنة أي جعله في حصن من العفة أو منعه من عمل الفاحشة وقال الراغب يقال للمتزوجة محصنة أي أن زوجها أحصنها ويقال امرأة محصن بالكسر إذا تصور حصنها من نفسها وبالفتح إذا تصور حصنها من غيرها ووقع هنا قبل الباب عند بن بطال كتاب الرجم ولم يقع في الروايات المعتمدة قال بن المنذر اجمعوا على أنه لا يكون الاحصان بالنكاح الفاسد ولا الشبه وخالفهم أبي ثور فقال يكون محصنا واحتج بأن النكاح الفاسد يعطي أحكام الصحيح في تقدير المهر ووجوب العدة ولحق الولد وتحريم الربيبة وأجيب بعموم أدرءوا الحدود قال واجمعوا على أنه لا يكون بمجرد العقد محصنا واختلفوا إذا دخل بها وادعى أنه لم

[ 104 ]

يصبها قال حتى تقوم البينة أو يوجد منه إقرار أو يعلم له منها ولد وعن بعض المالكية إذا زنى أحد الزوجين واختلفا في الوطئ لم يصدق الزاني ولو لم يمض لهما إلا ليلة وأما قبل الزنا فلا يكون محصنا ولو أقام معها ما أقام واختلفوا إذا تزوج الحر أمة هل تحصنه فقال الاكثر نعم وعن عطاء والحسن وقتادة والثوري والكوفيين وأحمد وإسحاق لا واختلفوا إذا تزوج كتابية فقال إبراهيم وطاوس والشعبي لا تحصنه وعن الحسن لا تحصنه حتى يطأها في الاسلام أخرجهما بن أبي شيبة وعن جابر بن زيد وابن المسيب محصنه وبه قال عطاء وسعيد بن جبير وقال بن بطال أجمع الصحابة وأئمة الامصار على أن المحصن إذا زنى عامدا عالما مختارا فعليه الرجم ودفع ذلك الخوارج وبعض المعتزلة واعتلوا بأن الرجم لم يذكر في القرآن وحكاه بن العربي عن طائفة من أهل المغرب لقيهم وهم من بقايا الخوارج واحتج الجمهور بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجم وكذلك الائمة بعده ولذلك أشار علي رضي الله عنه بقوله في أول أحاديث الباب ورجمتها بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وثبت في صحيح مسلم عن عبادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا الثيب بالثيب الرجم وسيأتي في باب رجم الحبلى من الزنا من حديث عمر أنه خطب فقال ان الله بعث محمدا بالحق وأنزل عليه القرآن فكان مما أنزل آية الرجم ويأتي الكلام عليه هنا مستوفى إن شاء الله تعالى قوله وقال الحسن هو البصري كذا للاكثر والكشميهني وحده وقال منصور بدل الحسن وزيفوه قوله من زنا بأخته فحده حد الزاني في رواية الكشميهني الزنا وصله بن أبي شيبة عن حفص بن غياث قال سألت عمر ما كان الحسن يقول فيمن تزوج ذات محرم وهو يعلم قال عليه الحد وأخرج بن أبي شييبة من طريق جابر بن زيد وهو أبي الشعثاء التابعي المشهور فيمن أتى ذات محرم منه قال تضرب عنقه ووجه الدلالة من حديث علي أنه قال رجمتها بسنة رسول الله فأنه لم يفرق بين ما إذا كان الزنا بمحرم أو بغير محرم وأشار البخاري إلى ضعف الخبر الذي ورد في قتل من زنى بذات محرم وهو ما رواه صالح بن راشد قال أتى الحجاج برجل قد اغتصب أخته على نفسها فقال سلوا من هنا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عبد الله بن المطرف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من تخطى الحرمتين فخطوا وسطه بالسيف فكتبوا إلى بن عباس فكتب إليهم بمثله ذكره بن أبي حاتم في العلل ونقل عن أبيه أنه روى عن مطرف بن عبد الله بن الشخير من قوله قال ولا أدري أهو هذا أو لا يشير إلى تجويز أن يكون الراوي غلط في قوله عبد الله بن مطرف وفي قوله سمعت وانما هو مطرف بن عبد الله ولا صحبة له وقال بن عبد البر يقولون إن الراوي غلط فيه وأثر مطرف الذي أشار إليه أبو حاتم أخرجه بن أبي شيبة من طريق بكر بن عبد الله المزي قال أتى الحجاج برجل قد وقع على ابنته وعنده مطرف بن عبد الله بن الشخير وأبو بردة فقال أحدهما اضرب عنقه فضربت عنقه قلت والراوي عن صالح بن راشد ضعيف وهو رفدة بكسر الراء وسكون الفاء ويوضح ضعفه قوله فكتبوا إلى بن عباس وابن عباس مات قبل أن يلي الحجاج الامارة بأكثر من خمس سنين ولكن له طريق أخرى إلى بن عباس أخرجها الطحاوي وضعف راويها وأشهر حديث في الباب حديث البراء لقيت خالي ومعه الراية فقال بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن أضرب عنقه أخرجه أحمد وأصحاب السنن وفي سنده

[ 105 ]

اختلاف كثير وله شاهد من طريق معاوية بن مرة عن أبيه أخرجه بن ماجة والدارقطني وقد قال بظاهره أحمد وحمله الجمهور على من استحل ذلك بعدم العلم بتحريمه بقرينة الامر بأخذ ماله وقسمته ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث الحديث الاول قوله حدثنا سلمة بن كهيل في رواية علي بن الجعد عن شعبة عن سلمة ومجالد أخرجه الاسماعيلي وذكر الدارقطني أن قعنب بن محرز رواه عن وهب بن جرير عن شعبة عن سلمة عن مجالد وهو غلط والصواب سلمة ومجالد قوله سمعت الشعبي عن علي أي يحدث عن علي وقد بعضهم كالحازمي في هذا الاسناد بأن الشعبي لم يسمعه من علي قال الاسماعيلي رواه عصام بن يوسف عن شعبة فقال عن سلمة عن الشعبي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي وكذا ذكر الدارقطني عن حسين بن محمد عن شعبة ووقع في رواية قعنب المذكورة عن الشعبي عن أبيه عن علي وجزم الدارقطني بأن الزيادة في الاسنادين وهم وبأن الشعبي سمع هذا الحديث من علي قال ولم يسمع عنه غيره قوله حين رجم المرأة يوم الجمعة في رواية علي بن الجعد أن عليا أتى بامرأة زنت فضربها يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة وكذا عند النسائي من طريق بهز بن أسد عن شعبة والدار قطني من طريق أبي حصين بفتح أوله عن الشعبي قال أتى علي بشراحة وهي بضم الشين المعجمة وتخفيف الراء ثم حاء مهملة الهمدانية بسكون الميم وقد فجرت فردها حتى ولدت وقال ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها الولد ثم رجمها ومن طريق حصين بالتصغير عن الشعبي قال أتى علي بمولاة لسعيد بن قيس فجرت وفي لفظ وهي حبلى فضربها مائة ثم رجمها وذكر بن عبد البر أن في تفسير سنيد بن داود من طريق أخرى إلى الشعبي قال أتى علي بشراحة فقال لها لعل رجلا استكرهك قالت لا قال فلعله أتاك وأنت نائمة قالت لا قال لعل زوجك من عدونا قالت لا فأمر بها فحبست فلما وضعت أخرجها يوم الخميس فجلدها مائة ثم ردها إلى الحبس فلما كان يوم الجمعة حفر لها ورجمها ولعبد الرزاق من وجه آخر عن الشعبي أن عليا لما وضعت أمر لها بحفرة في السوق ثم قال ان أولى الناس أن يرجم الامام إذا كان بالاعتراف فان كان الشهود فالشهود ثم رماها قوله رجمتها بسنة رسول الله زاد علي بن الجعد وجلدتها بكتاب الله زاد إسماعيل بن سالم في أوله عن الشعبي قيل لعلي جمعت حدين فذكره وفي رواية عبد الرزاق أجلدها بالقرآن وأرجمها بالسنة قال الشعبي وقال أبي بن كعب مثل ذلك قال الحازمي ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر إلى أن الزاني المحصن يجلد ثم يرجم وقال الجمهور وهي رواية عن أحمد أيضا لا يجمع بينهما وذكروا أن حديث عبادة منسوخ يعني الذي أخرجه مسلم بلفظ الثيب بالثيب جلد مائة والرجم والبكر بالبكر جلد مائة والنفي والناسخ له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي صلى الله عليه وسلم ولم يذكر الجلد قال الشافعي فدلت السنة على أن الجلد ثابت على البكر وساقط عن الثيب والدليل على أن قصة ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولا من حبس الزاني في البيوت فنسخ الحبس بالجلد وزيد الثيب الرجم وذلك صريح في حديث عبادة ثم نسخ الجلد في حق الثيب وذلك مأخود من الاقتصار في قصة ماعز على الرجم وذلك في قصة الغامدية والجهنية واليهوديين لم يذكر الجلد مع الرجم وقال بن المنذر عارض بعضهم الشافعي فقال الجلد ثابت في كتاب الله والرجم ثابت بسنة رسول الله كما قال علي وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة وعمل به علي ووافقه أبي وليس في قصة

[ 106 ]

ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد عن المرجوم لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه ولكونه الاصل فلا يرد ما وقع التصريح به بالاحتمال وقد احتج الشافعي بنظير هذا حين عورض ايجابه العمرة بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سأله أن يحج عن أبيه ولم يذكر العمرة فأجاب الشافعي بأن السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه قال فكذا ينبغي أن يجاب هنا قلت وبهذا ألزم الطحاوي أيضا الشافعية ولهم أن ينفصلوا لكن في بعض طرقه حج عن أبيك وأعتمر كما تقدم بيانه في كتاب الحج فالتقصير في ترك ذكر العمرة من بعض الرواة وأما قصة ماعز فجاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة لم يذكر في شئ منها أنه جلد وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما وقال في ماعز اذهبوا فارجموه وكذا في حق غيره ولم يذكر الجلد فدل ترك ذكره على عدم وقوعه ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه ومن المذاهب المستغربة ما حكاه بن المنذر وابن حزم عن أبي بن كعب زاد بن حزم وأبي ذر وابن عبد البر عن مسروق أن الجمع بين الجلد والرجم خاص بالشيخ والشيخة وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن ويرجم إن أحصن فقط وحجتهم في ذلك حديث الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة كما سيأتي بيانه في الكلام على حديث عمر في باب رجم الحبلى من الزنا وقال عياض شذت فرقة من أهل الحديث فقالت الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب ولا أصل له وقال النووي هو مذهب باطل كذا قال هو نفى أصله ووصفه بالبطلان إن كان المراد به طريقه فليس بجيد لانه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان وان كان المراد دليله ففيه نظر أيضا لان الآية وردت بلفظ الشيخ ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة فهو معنا مناسب وفيه جمع بين الادلة فكيف يوصف بالبطلان واستدل به على جواز نسخ التلاوة دون الحكم وخالف في ذلك بعض المعتزلة واعتل بأن التلاوة مع حكمها كالعلم مع العالمية فلا ينفكان وأجيب بالمنع فان العالمية لا تنافي قيام العلم بالذات سلمنا لكن التلاوة أمارة الحكم فيدل وجودها على ثبوته ولا دلالة من مجردها على وجوب الدوام فلا يلزم من انتفاء الامارة في طرف الدوام انتفاء ما دلت عليه فإذا نسخت التلاوة لم ينتف المدلول وكذلك بالعكس الحديث الثاني قوله حدثني في رواية أبي ذر حدثنا إسحاق وهو بن شاهين الواسطي وخالد هو بن عبد الله الطحان والشيباني هو أبو إسحاق سليمان مشهور بكنيته قوله قبل سورة النور أم بعد في رواية الكشميهني أم بعدها وفائدة هذا السؤال أن الرجم ان كان وقع قبلها فيمكن أن يدعي نسخه بالتنصيص فيها على أن حد الزاني الجلد وان كان وقع بعدها فيمكن أن يستدل به على نسخ الجلد في حق المحصن لكن يرد عليه أنه من نسخ الكتاب بالسنة وفيه خلاف أجيب بأن الممنوع نسخ الكتاب بالسنة إذا جاءت من طريق الآحاد وأما السنة المشهورة فلا وأيضا فلا نسخ وانما هو مخصص بغير المحصن قوله لا أدري يأتي بيانه بعد أبواب وقد قام الدليل على أن الرجم وقع بعد سورة النور لان نزولها كان في قصة الافك وأختلف هل كان سنة أربع أو خمس أو ست على ما تقدم بيانه والرجم كان بعد ذلك فقد حضره أبو هريرة وانما أسلم سنة سبع وابن عباس إنما جاء مع أمه إلى المدينة سنة تسع الحديث الثالث قوله حدثنا في رواية أبي ذر أخبرنا وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله حدثني أبو سلمة في رواية أبي ذر أخبرني قوله أن رجلا من أسلم أي من بني أسلم القبيلة المشهورة واسم هذه الرجل ماعز بن مالك كما سيأتي مسمى

[ 107 ]

عن بن عباس بعد سبعة أبواب قوله باب لا يرجم المجنون والمجنونة أي إذا وقع في الزنا في حال الجنون وهو إجماع واختلف فيما إذا وقع في حال الصحة ثم طرأ الجنون هل يؤخر إلى الافاقة قال الجمهور لا لانه يراد به التلف فلا معنى للتأخير بخلاف من يجلد فإنه يراد به الايلام فيؤخر حتى يفيق قوله وقال علي رضي الله عنه لعمر رضي الله عنه أما علمت الخ تقدم بيان من وصله في باب الطلاق في الاغلاق وأن أبا داود وابن حبان والنسائي أخرجوه مرفوعا ورجح النسائي الموقوف ومع ذلك فهو مرفوع حكما وفي أول الاثر المذكور قصة تناسب هذه الترجمة وهو عن بن عباس أتى عمر أي بمجنونة قد زنت وهي حبلى فأراد أن يرجمها فقال له علي أما بلغك أن القلم قد رفع عن ثلاثة فذكره هذه لفظ علي بن الجعد الموقوف في الفوائد الجعديات ولفظ الحديث المرفوع عن بن عباس مر علي بن أبي طالب بمجنونة بني فلان قد زنت فأمر عمر برجمها فردها علي وقال لعمر أما تذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون المغلوب على عقله وعن الصبي حتى يحتلم وعن النائم حتى يستيقظ قال صدقت فخلى عنها هذه رواية جرير بن حازم عن الاعمش عن أبي ظبيان عن بن أبي داود وسندها متصل لكن أعله النسائي بأن جرير بن حازم حدث بمصر بأحاديث غلط فيها وفي رواية جرير بن عبد الحميد هن الاعمش بسنده أتى عمر بمجنونة قد زنت فاستشار فيها الناس فأمر بها عمر أن ترجم فمر بها علي بن أبي طالب فقال ارجعوا بها ثم أتاه فقال أما علمت أن القلم قد رفع وذكر الحديث وفي آخره قال بلى قال فما بال هذه ترجم فأرسلها فجعل يكبر ومن طريق وكيع عن الاعمش نحوه وأخرجه أبو داود موقوفا من الطريقين ورجحه النسائي ورواه عطاء بن السائب عن أبي ظبيان عن علي بدون ذكر بن عباس وفي آخره فجعل عمر يكبر أخرجه أبو داود والنسائي بلفظ قال أتي عمر بامرأة فذكر نحوه وفيه فخلي على سبيلها فقال عمر ادع لي عليا فأتاه فقال يا أمير المؤمنين إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم فذكره لكن بلفظ المعتوه حتى يبرأ وهذه معتوهة بني فلان لعل الذي أتاها وهي في بلائها ولابي داواد من طريق أبي الضحى عن علي مرفوعا نحوه لكن قال وعن الخرف بفتح الخاء المعجمة وكسر الراء بعدها فاء ومن طريق حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي عن الاسود عن عائشة مرفوعا رفع القلم عن ثلاثة فذكره بلفظ وعن المبتلى حتى يبرأ وهذه طرق تقوي بعضها ببعض وقد أطنب النسائي في تخريجها ثم قال لا يصح منها شئ والمرفوع أولى بالصواب قلت وللمرفوع شاهد من حديث أبي إدريس الخولاني أخبرني غير واحد من الصحابة منهم شداد بن أوس وثوبان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رفع القلم في الحد عن الصغير حتى يكبر وعن النائم حتى يستيقظ وعن المجنون حتى يفيق وعن المعتوه الهالك أخرجه الطبراني وقد أخذ الفقهاء بمقتضى هذه الاحاديث لكن ذكر بن حبان أن المراد برفع القلم ترك كتابة الشر عنهم دون الخير وقال شيخنا في شرح الترمذي هو ظاهر في الصبي دون المجنون والنائم لانهما في حيز من ليس قابلا لصحة العبادة منه بزوال الشعور وحكى بن العربي أن بعض الفقهاء سئل عن إسلام الصبي فقال لا يصح واستدل بهذا الحديث فعرض بأن الذي ارتفع عنه قلم المؤاخذة وأما قلم التواب فلا لقوله للمرأة لما سألته ألهذا حج قال نعم ولقوله مروهم بالصلاة فإذا جرى له قلم الثواب فكلمة الاسلام أجل أنواع

[ 108 ]

الثواب فكيف يقال إنها تقع لغوا ويعتد بحجه وصلاته واستدل بقوله حتى يحتلم على أنه لا يؤاخذ قبل ذلك واحتج من قال يؤاخذ قبل ذلك بالردة وكذا من قال من المالكية يقام الحد على المراهق ويعتبر طلاقه لقوله في الطريق الاخرى حتى يكبر والاخرى حتى يشب وتعقبه بن العربي بأن الرواية بلفظ حتى يحتلم هي العلامة المحققة فيتعين اعتبارها وحمل باقي الروايات عليها قوله عن عقيل هو بن خالد قوله عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب هذه رواية يحيى بن بكير عن الليث ووافقه شعيب بن الليث عن أبيه عند مسلم وسيأتي بعد ستة أبواب من رواية سعيد بن عفير عن الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب وجمعها مسلم فوصل رواية عقيل وعلق رواية عبد الرحمن فقال بعد رواية الليث عن عقيل ورواه الليث أيضا عن عبد الرحمن بن خالد قلت ورواه معمر ويونس وابن جريج عن بن شهاب عن أبي سلمة وحده عن جابر وجمع مسلم هذه الطرق وأحال بلفظها على رواية عقيل وسيأتي للبخاري بعد بابين من رواية معمر وعلق طرفا منه ليونس وابن جريج ووصل رواية يونس قبل هذا وأما رواية بن جريج فوصلها مسلم عن إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن معمر وابن جريج معا ووقعت لنا بعلو في مستخرج أبي نعيم من رواية الطبراني عن الفربري عن عبد الرزاق عن بن جريج وحده قوله أتى رجل زاد بن مسافر في روايته من الناس وفي رواية شعيب من الليث من المسلمين وفي رواية يونس ومعمر إن رجلا من أسلم وفي حديث جابر بن سمرة عند مسلم رأيت ماعز بن مالك الاسلمي حين جئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم الحديث وفيه رجل قصير أعضل ليس عليه رداء وفي لفظ ذو عضلات بفتح المهملة ثم المعجمة قال أبو عبيدة العضلة ما اجتمع من اللحم في أعلى باطن الساق وقال الاصمعي كل عصبة مع لحم فهي عضلة وقال بن القطاع العضلة لحم الساق والذراع وكل لحمة مستديرة في البدن والاعضل الشديد الخلق ومنه أعضل الامر إذا اشتد لكن دلت الرواية الاخرى على أن المراد به هنا كثير العضلات قوله فأعرض عنه زاد بن مسافر فتنحى لشق وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أعرض قبله بكسر القاف وفتح الموحدة وفي رواية شعيب فتنحى تلقاء وجهه أي انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية التي يستقبل بها وجه النبي صلى الله عليه وسلم وتلقاء منصوب على الظرفية وأصله مصدر أقيم مقام الظرف أي مكان تلقاء فحذف مكان قبل وليس من المصادر تفعال بكسر أوله إلا هذا وتبيان وسائرها بفتح أوله وأما الاسماء بهذا الوزن فكثيرة قوله حتى ردد في رواية الكشميهني حتى رد بدال واحدة وفي رواية شعيب بن الليث حتى ثنى ذلك عليه وهو بمثلثة بعدها نون خفيفة أي كرر وفي حديث بريدة عند مسلم قال ويحك ارجع فأستغفر الله وتب إليه فرجع غير بعيد ثم جاء فقال يا رسول الله طهرني وفي لفظ فلما كان من الغد أتاه ووقع في مرسل سعيد بن المسيب عند مالك والنسائي من رواية يحيى بن سعيد الانصاري عن سعيد إن رجلا من أسلم قال لابي بكر الصديق ان الآخر زنى قال فتب إلى الله واستتر بستر الله ثم أتى عمر كذلك فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعرض عنه ثلاث مرار حتى إذا أكثر عليه بعث إلى أهله قوله فلما شهد على نفسه أربع شهادات في رواية أبي ذر أربع مرات وفي رواية بريدة المذكورة حتى إذا كانت الرابعة قال فبم أطهرك وفي حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك

[ 109 ]

فشهد على نفسه أربع شهادات أخرجه مسلم وأخرجه من طريق شعبة عن سماك قال فرده مرتين وفي أخرى مرتين أو ثلاثا قال شعبة قال سماك فذكرته لسعيد بن جبير فقال أنه رده أربع مرات ووقع في حديت أبي سعيد عند مسلم أيضا فاعترف بالزنا ثلاث مرات والجمع بينهما أما رواية مرتين فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم ومرتين في يوم آخر لما يشمر به قول بريدة فلما كان من الغد فاقتصر الراوي على أحدهما أو مراده اعترف مرتين في يومين فيكون من ضرب أثنين في أثنين وقد وقع عند أبي داود من طريق إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن بن عباس جاء ماعز بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فاعترف بالزنا مرتين فطرده ثم جاء فاعترف بالزنا مرتين وأما رواية الثلاث فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها وأما الرابعة فإنه لم يرده بل استثبت فيه وسأل عن عقله لكن وقع في حديث أبي هريرة عند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن الصامت ما يدل على أن الاستثبات فيه انما وقع بعد الرابعة ولفظه جاء الاسلمي فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حراما أربع مرات كل ذلك يعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل في الخامسة فقال تدري ما الزاني إلى آخره والمراد بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات لان صفة الاعراض وقعت أربع مرات وصفة الاقبال عليه للسؤال وقع بعدها قوله فقال أبك جنون قال لا في رواية شعيب في الطلاق وهل بك جنون وفي حديث بريدة فسأل أبه جنون فأخبر بأنه ليس بمجنون وفي لفظ فأرسل إلى قومه فقالوا ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا وفي حديث أبي سعيد ثم سأل قومه فقالوا ما نعلم به بأسا إلا أنه أصاب شيئا يرى أنه لا يخرج منه إلا أن يقام فيه الحد لله وفي مرسل أبي سعيد بعث إلى أهله فقال أشتكى به جنة فقالوا يا رسول الله انه لصحيح ويجمع بينهما بأنه سأله ثم سأل عنه احتياطا فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفع لاقامة الحد عليه حتى يظهر خلاف دعواه فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه لاحتمال أن يكون كذلك ولا يعتد بقوله وعند أبي داود من طريق نعيم بن هزال قال كان ماعز بن مالك يتيما في حجر أبي فأصاب جارية من الحي فقال له أبي ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك ورجاء أن يكون له مخرج فذكر الحديث فقال عياض فائدة سؤاله أبك جنون سترا لحاله واستبعاد أن يلح عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه ولعله يرجع عن قوله أو لانه سمعه وحده أو ليتم إقراره أربعا عند من يشترطه وأما سؤاله قومه عنه بعد ذلك فمبالغة في الاستثبات وتعقب بعض الشراح قوله أو لانه سمعه وحده بأنه كلام ساقط لانه وقع في نفس الخبر أن ذلك كان بمحضر الصحابة في المسجد قلت ويرد بوجه آخر هو أن انفراده صلى الله عليه وسلم بسماع إقرار المقر كاف في الحكم عليه لعلمه اتفاقا إذ لا ينطق عن الهوى بخلاف غيره ففيه احتمال قوله قال فهل أحصنت أي تزوجت هذا معناه جزما هنا لافتراق الحكم في حد من تزوج ومن لم يتزوج قوله قال نعم زاد في حديث بريدة قبل هذا أشربت خمرا قال لا وفيه فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريحا وزاد في حديث بن عباس الآتي قريبا لعلك قبلت أو غمزت بمعجمة وزاي أو نظرت أي فأطلقت على كل ذلك زنا ولكنه لا حد في ذلك قال لا وفي حديث نعيم فقال هل ضاجعتها قال نعم قال فهل باشرتها قال نعم قال هل جامعتها قال نعم وفي حديث بن عباس المذكور فقال أنكتها لا يكنى بفتح التحتانية وسكون الكاف من الكناية أي أنه ذكر هذا

[ 110 ]

اللفظ صريحا ولم يكن عنه بلفظ أخر كالجماع ويحتمل أن يجمع بأنه ذكر بعد ذكر الجماع بأن الجماع قد يحمل على مجرد الاجتماع وفي حديث أبي هريرة المذكور أنكتها قال نعم قال حتى دخل ذلك منك في ذلك منها قال نعم قال كما يغيب المرود في المكحلة والرشاء في البئر قال نعم قال تدري ما الزنا قال نعم أتيت منها حراما ما يأتي الرجل من امرأته حلالا قال فما تريد بهذا القول قال تطهرني فأمر به فرجم وقبله عند النسائي هنا هل أدخلته وأخرجته قال نعم قوله قال بن شهاب هو موصول بالسند المذكور قوله فأخبرني من سمع جابر بن عبد الله صرح يونس ومعمر في روايتهما بأنه أبو سلمة بن عبد الرحمن فكأن الحديث كان عند أبي سلمة عن أبي هريرة كما عند سعيد بن المسيب وعنده زيادة عليه عن جابر قوله فكنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى في رواية معمر فأمر به فرجم بالمصلى وفي حدث أبي سعيد فما أوثقناه ولا حفرنا له قال فرميناه بالعظام والمدر والخزف بفتح معجمة والزاي وبالفاء وهي الآنية التي تتخذ من الطين المشوي وكأن المراد ما تكسر منها قوله فلما أذلقته بذال معجمة وفتح اللام بعدها قاف أي أقلقته وزنه ومعناه قال أهل اللغة الذلق بالتحريك القلق وممن ذكره الجوهري وقال في النهاية أذلقته بلغت منه الجهد حتى قلق يقال أذلقه الشئ أجهده وقال النووي معنى أذلقته الحجارة أصابته بحدها ومنه أنذلق صار له حد يقطع قوله هرب في رواية بن مسافر جمز بجيم وميم مفتوحتين ثم زاي أي وثب مسرعا وليس بالشديد العدو بل كالقفز ووقع في حديث أبي سعيد فاشتد وأسند لنا خلفه قوله فأدركناه بالحرة فرجمناه زاد معمر في روايته حتى مات وفي حديث أبي سعيد حتى أتى عرض بضم أوله أي جانب الحرة فرميناه بجلاميد الحرة حتى سكت وعند الترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة في قصة ماعز فلما وجد مس الحجارة فر يشتد حتى مر برجل معه لحى جمل فضربه وضربه الناس حتى مات وعند أبي داود والنسائي من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه في هذه القصة فوجد مس الحجارة فخرج يشتد فلقيه عبد الله بن أنيس وقد عجز أصحابه فنزع له بوظيف بعير فرماه فقتله وهذا ظاهره يخالف ظاهر رواية أبي هريرة أنهم ضربوه معه لكن يجمع بأن قوله في هذا فقتله أي كان سببا في قتله وقد وقع في رواية للطبراني في هذه القصة فضرب ساقه فصرعه ورجموه حتى قتلوه والوظيف بمعجمة وزن عظيم خف البعير وقيل مستدق الذراع والساق من الابل وغيرهما وفي حديث أبي هريرة عند النسائي فانتهى إلى أصل شجرة فتوسد يمينه حتى قتل وللنسائي من طريق أبي مالك عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فذهبوا به إلى حائط يبلغ صدره فذهب يثب فرماه رجل فأصاب أصل أذنه فصرع فقتله وفي هذا الحديث من الفوائد منقبة عظيمة لماعز بن مالك لانه استمر على طلب إقامة الحد عليه مع توبته ليتم تطهيره ولم يرجع عن إقراره مع أن الطبع البشري يقتضي أنه لا يستمر على الاقرار بما يقتضي إزهاق نفسه فجاهد نفسه على ذلك وقوى عليها من غير اضطرار إلى إقامة ذلك عليه بالشهادة مع وضوح الطريق إلى سلامته من القتل بالتوبة ولا يقال لعله لم يعلم أن الحد بعد أن يرفع للامام يرتفع بالرجوع لانا نقول كان له طريق أن يبرز أمره في صورة الاستفتاء فيعلم ما يخفى عليه من أحكام المسألة ويبنى على ما يجاب به ويعدل عن الاقرار إلى ذلك ويؤخد من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى

[ 111 ]

ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لاحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز وأن من اطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الامام كما قال صلى الله عليه وسلم في هذه القصة لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وبهذا جزم الشافعي رضي الله عنه فقال أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر وقال بن العربي هذا كله في غير المجاهر فاما إذا كان متظاهرا بالفاحشة مجاهرا فاني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره وقد استشكل استحباب الستر مع ما وقع من الثناء على ماعز والغامدية وأجاب شيخنا في شرح الترمذي بأن الغامدية كان ظهر بها الحبل مع كونها غير ذات زوج فتعذر الاستتار للاطلاع على ما يشعر بالفاحشة ومن ثم قيد بعضهم ترجيح الاستتار حيث لا يكون هنا كما يشعر بضده وان وجد فالرفع إلى الامام ليقيم عليه الحد أفضل انتهى والذي يظهر أن الستر مستحب والرفع لقصد المبالغة في التطهير أحب والعلم عند الله تعالى وفيه التثبت في إزهاق نفس المسلم والمبالغة في صيانته لما وقع في هذه القصة من ترديده والايماء إليه بالرجوع والاشارة إلى قبول دعواه إن ادعى إكراها وأخطأ في معنى الزنا أو مباشرة دون الفرج مثلا أو غير ذلك وفيه مشروعية الاقرار بفعل الفاحشة عند الامام وفي المسجد والتصريح فيه بما يستحي من التلفظ به من أنواع الرفث في القول من أجل الحاجة الملجئة لذلك وفيه نداء الكبير بالصوت العالي وإعراض الامام عن من أقر بأمر محتمل لاقامة الحد لاحتمال أن يفسره بما لا يوجب حدا أو يرجع واستفساره عن شروط ذلك ليرتب عليه مقتضاه وأن إقرار المجنون لاغ والتعريض للمقر بأن يرجع وأنه إذا رجع قبل قال بن العربي وجاء عن مالك رواية أنه لا أثر لرجوعه وحديث النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن يتبع وفيه أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله وان اتفق أنه يخبر أحدا فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر وقد أخرج قصته معهما في الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب مرسلة ووصله أبو داود وغيره من رواية يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه وفي القصة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لهزال لو سترته بثوبك لكان خيرا لك وفي الموطأ عن يحيى بن سعيد ذكرت هذا الحديث في مجلس فيه يزيد بن نعيم فقال هزال جدي جدي وهذا الحديث حق قال الباجي المعنى خيرا لك مما أمرته به من إظهار أمره وكان ستره بأن يأمره بالتوبة والكتمان كما أمره أبو بكر وعمر وذكر الثوب مبالغة أي لو لم تجد السبيل إلى ستره الا بردائك ممن علم أمره كان أفضل مما أشرت به عليه من الاظهار واستدل به على اشتراط تكرير الاقرار بالزنا أربعا لظاهر قوله فلما شهد على نفسه أربع شهادات فان فيه إشعارا بأن العدد هو العلة في تأخير إقامة الحد عليه وإلا لامر برجمه في أول مرة ولان في حديث بن عباس قال لماعز قد شهدت على نفسك أربع شهادات اذهبوا به فارجموه وقد تقدم ما يؤيده ويؤيد القياس على عدد شهود الزنا دون غيره من الحدود وهو قول الكوفين والراجح عند الحنابلة وزاد بن أبي ليلى فاشترط أن تتعدد مجالس الاقرار وهي رواية عن الحنفية وتمسكوا بصورة الواقعة لكن الروايات فيها اختلفت والذي يظهر أن المجالس تعددت لكن لا بعدد الاقرار فأكثر ما نقل في ذلك أنه أقر مرتين ثم عاد من الغد فأقر مرتين كما تقدم بيانه من عند مسلم وتأول الجمهور بأن ذلك وقع في قصة ماعز

[ 112 ]

وهي واقعة حال فجاز أن يكون لزيادة الاستثبات ويؤيد هذا الجواب ما تقدم في سياق حديث أبي هريرة وما وقع عند مسلم في قصة الغامدية حيث قالت لما جاءت طهرني فقال ويحك ارجعي فاستغفري قالت أراك تريد أن ترددني كما رددت ماعزا إنها حبلى من الزنا فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها حبلى فلما وضعت أمر برجمها ولم يستفسرها مرة أخرى ولا اعتبر تكرير اقرارها ولا تعدد المجالس وكذا وقع في قصة العسيف حيث قال واغديا يأنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها وفيه فغدا عليها فاعترفت فرجمها ولم يذكر تعدد الاعتراف ولا المجالس وسيأتي قريبا مع شرحه مستوفى وأجابوا عن القياس المذكور بأن القتل لا يقبل فيه إلا شاهدان بخلاف سائر الاموال فيقبل فيها شاهد وامرأتان فكان قياس ذلك أن يشترط الاقرار بالقتل مرتين وقد اتفقوا أنه يكفي فيه مرة فان قلت والاستدلال بمجرد عدم الذكر في قصة العسيف وغيره فيه نظر فان عدم الذكر لا يدل على عدم الوقوع فإذا ثبت كون العدد شرطا فالسكوت عن ذكره يحتمل أن يكون لعلم المأمور به وأما قول الغامدية تريد أن ترددني كما رددت ماعزا فيمكن التمسك به لكن أجاب الطيبي بأن قولها إنها حبلى من الزنا فيه إشارة إلى أن حالها مغايرة لحال ماعز لانهما وان اشتركا في الزنا لكن العلة غير جامعة لان ماعزا كان متمكنا من الرجوع عن اقراره بخلافها فكأنها قالت أنا غير متمكنة من الانكار بعد الاقرار لظهور الحمل بها بخلافه وتعقب بأنه كان يمكنها أن تدعى إكراها أو خطأ أو شبهة وفيه أن الامام لا يشترط أن يبدأ بالرجم فيمن أقر وإن كان ذلك مستحبا لان الامام إذا بدأ مع كونه مأمورا بالتثبت والاحتياط فيه كان ذلك أدعى إلى الزجر عن التساهل في الحكم والى الحض على التثبت في الحكم ولهذا يبدأ الشهود إذا ثبت الرجم بالبينة وفيه جواز تفويض الامام إقامة الحد لغيره واستدل به على أنه لا يشترط الحفر للمرجوم لانه لم يذكر في حديث الباب بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم فقال فما حفرنا له ولا أوثقناه ولكن وقع في جديث بريدة عنده فحفر له حفيرة ويمكن الجمع بأن المنفي حفيرة لا يمكنه الوثوب منها والمثبت عكسه أو أنهم في أول الامر لم يحفروا له ثم لما فر فأدركوه حفروا له حفيرة فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه وعند الشافعية لا يحفر للرجل وفي وجه يتخير الامام وهو أرجح لثبوته في قصة ماعز فالمثبت مقدم على النافي وقد جمع بينهما بما دل على وجود حفر في الجملة وفي المرأة أوجه ثالثها الاصح ان ثبت زناها بالبينة استحب لا بالاقرار وعن الائمة الثلاثة في المشهور عنهم لا يحفر وقال أبو يوسف وأبو ثور يحفر للرجل وللمرأة وفيه جواز تلقين المقر بما يوجب الحد ما يدفع به عنه الحد وأن الحد لا يجب إلا بالاقرار الصريح ومن ثم شرط على من شهد بالزنا أن يقول رأيته ولج ذكره في فرجها أو ما أشبه ذلك ولا يكفي أن يقول أشهد أنه زنا وثبت عن جماعة من الصحابة تلقين المقر بالحد كما أخرجه مالك عن عمرو بن أبي شيبة عن أبي الدرداء وعن علي في قصة شراحة ومنهم من خص التلقين بمن يظن به أنه يجهل حكم الزنا وهو قول أبي ثور وعند المالكية يستثنى تلقين المشتهر بانتهاك الحرمات ويجوز تلقين من عداه وليس ذلك بشرط وفه ترك سجن من اعتراف بالزنا في مدة الاستثبات وفي الحامل حتى تضع وقل ان المدينة لم يكن بها حينئذ سجن وانما كان يسلم كل جان لوليه وقال بن العربي انما لم يأمر بسجنه ولا التوكيل به لان رجوعه مقبول فلا فائدة في ذلك مع جواز الاعراض عنه إذا رجع ويؤخذ من قوله هل أحصنت

[ 113 ]

وجوب الاستفسار عن الحال التي تختلف الاحكام باختلافها وفيه أن إقرار السكران لا أثر له ويؤخذ من قوله استنكهوه والذين اعتبروه وقالوا إن عقله زال بمعصيته ولا دلالة في قصة ماعز لاحتمال تقدمها على تحريم الخمر أو أن سكره وقع عن غير معصية وفيه أن المقر بالزنا إذا أقر يترك فان صرح بالرجوع فذاك وإلا أتبع ورجم وهو قول الشافعي وأحمد ودلالته من قصة ماعز ظاهرة وقد وقع في حديث نعيم بن هزال هل تركتموه لعلة يتوب فيتوب الله عليه أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وحسنه وللترمذي نحوه من حديث أبي هريرة وصححه الحاكم وعند أبي داود من حديث بريدة قال كنا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم نتحدث أن ماعز والغامدية لو رجعا لم يطلبهما وعند المالكية في المشهور لا يترك إذا هرب وقيل يشترط أن يؤخذ على الفور فأن لم يؤخذ ترك وعن بن عيينة إن أخذ في الحال كمل عليه الحد وإن أخذ بعد أيام ترك وعن أشهب إن ذكر عذرا يقبل ترك وإلا فلا ونقله القعنبي عن مالك وحكى الكجي عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة ومنهم من قيده بما بعد إقراره عنه الحاكم واحتجوا بأن الذين رجموه حتى مات بعد أن هرب لم يلزموا بديته فلو شرع تركه لوجبت عليهم الدية والجواب أنه لم يصرح بالرجوع ولم يقل أحد إن حد الرجم يسقط بمجرد الهرب وقد عبر في حديث بريدة بقوله لعله يتوب واستدل به على الاكتفاء بالرجم في حد من أحصر من غير جلد وقد تقدم البحث فيه وأن المصلى إذا لم يكن وقفا لا يثبت له حكم المسجد وسيأتي البحث فيه بعد بابين وأن المرجوم في الحد لا تشرع الصلاة عليه إذا مات بالحد ويأتي البحث فيه أيضا قريبا وأن من وجد منه ريح الخمر وجب عليه الحد من جهة استنكاه ماعز بعد أن قال له أشربت خمرا قال القرطبي وهو قول مالك والشافعي كذا قال وقال المازري استدل به بعضهم على أن طلاق السكران لا يقع وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به أنه لا يقع طلاقه لوجود تهمته على ما يظهره من عدم العقل قال ولم يختلف في غير الطافح أن طلاقه لازم قال ومذهبنا التزامه بجميع أحكام الصحيح لانه أدخل ذلك على نفسه وهو حقيقة مذهب الشافعي واستثنى من أكره ومن شرب ما ظن أنه غير مسكر ووافقه بعض متأخري المالكية وقال النووي الصحيح عندنا صحة إقرار السكران ونفوذ أقواله فيما له وعليه قال والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانا لم يقم عليه الحد كذا أطلق فألزم التناقض وليس كذلك فان مراده لم يقم عليه الحد لوجود الشبهة كما تقدم من كلام عياض قلت وقد مضى ما يتعلق بذلك في كتاب الطلاق ومن المذاهب الظريفة فيه قول الليث يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله لانه يلتذ بفعله ويشفى غيضه ولا يفقه أكثر ما يقول وقد قال تعالى لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون قوله باب للعاهر الحجر ذكر فيه حديث عائشة في قصة بن وليدة زمعة وقد تقدم شرحه مستوفي في أواخر الفرائض أورده عن أبي الوليد عن الليث وفيه الولد للفراش وقال بعده زاد قتيبة عن الليث وللعاهر الحجر وفي رواية أبي ذر زادنا وقال في البيوع حدثنا قتيبة فذكره بتمامه وذكر هنا حديث أبي هربرة بالجملتين المذكورتين وقد أورده في كتاب القدر في وجه آخر مقتصرا على الجملة الاولى وفي ترجمته هنا إشارة إلى أنه يرجح قول من أول الحجر هنا بأنه الحجر الذي يرجم به الزاني وقد تقدم ما فيه والمراد منه أن

[ 114 ]

للزاني بشرطه لا أن على كل من زني الرجم صلى الله عليه وسلم قوله باب الرجم في البلاط في رواية المستملي بالبلاط بالموحدة بدل في ففهم منه بعضهم أنه يريد أن الآلة التي يرجم بها تجوز بكل شئ حتى بالبلاط وهو بفتح الموحدة وفتح اللام ما تفرش به الدور من حجارة وآجر وغير ذلك وفيه بعد والاولى أن الباء ظرفية ودل على ذلك رواية غير المستملي والمراد بالبلاط هنا موضع معروف عند باب المسجد النبوي كان مفروشا بالبلاط ويؤيد ذلك قوله في هذا المتن فرجما عند البلاط وقيل المراد بالبلاط الارض الصلبة سواء كانت مفروشة أم لا ورجحه بعضهم والراجح خلافه قال أبو عبيد البكري البلاط بالمدينة ما بين المسجد والسوق وفي الموطأ عن عمه أبي سهيل بن مالك بن أبي عامر عن أبي كنا نسمع قراءة عمر بن الخطاب ونحن عند دار أبي جهم بالبلاط وقد استشكل بن بطال هذه الترجمة فقال البلاط وغيره في ذلك سواء وأجاب بن المنير بأنه أراد أن ينبه على أن الرجم لا يختص بمكان معين للامر بالرجم بالمصلى تارة وبالبلاط أخرى قال ويحتمل أنه أراد أن ينبه على أنه لا يشترط الحفر للمرجوم لان البلاط لا يتأتى الحفر فيه وبهذا جزم بن القيم وقال أراد رد رواية بشير بن المهاجر عن أبي بريدة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فحفرت لماعز بن مالك حفرة فرجم فيها أخرجه مسلم قال هو وهم سرى من قصة الغامدية إلى قصة ماعز قلت ويحتمل أن يكون أراد أن ينبه على أن المكان الذي يجاور المسجد لا يعطي حكم المسجد في الاحترام لان البلاط المشار إليه موضع كان مجاورا للمسجد النبوي كما تقدم ومع ذلك أمر بالرجم عنده وقد وقع في حديث بن عباس عند أحمد والحاكم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم برجم اليهوديين عند باب المسجد قوله حدثنا محمد بن عثمان زاد أبو ذر بن كرامة قوله عن سليمان هو بن بلال وهو غريب ضاق على الاسماعيلي مخرجه فأخرجه عن عبد الله بن جعفر المديني أحد الضعفاء ولو وقع عن سليمان بن بلال لم يعدل عنه وكذا ضاق على أبي نعيم فلم يستخرجه بل أورده بسنده عن البخاري وخالد بن مخلد أكثر البخاري عنه بواسطة وبغير واسطة وقد تقدم له في الرقاق عن محمد بن عثمان بن كرامة عن خالد بن مخلد حديث وتقدم في العلم والهبة والمناقب وغيرها عدة أحاديث وكذا يأتي في التعبير والاعتصام عن خالد بن مخلد بغير واسطة وقوله في المتن قد أحدثا أي فعلا أمرا فاحشا وقوله أحدثوا أي ابتكروا وقوله تحميم الوجه أي يصب عليه ماء حار مخلوط بالرماد والمراد تسخيم الوجه بالحميم وهو الفحم وقوله والتجبية بفتح المثناه وسكون الجيم وكسر الموحدة بعدها ياء آخر ساكنة ثم هاء أصلية من جبهة الرجل إذا قابلته بما يكره من الاغلاظ في القول أو الفعل قاله ثابت في الدلائل وسبقه الحربي وقال غيره هو بوزن تذكره ومعناه الا ركاب منكوسا وقال عياض فسر التجبيه في الحديث بأنهما يجلدان ويحمم وجوههما ويحملان على دابة مخالفا بين وجوههما قال الحربي كذا فسره الزهري قلت غلط من ضبطه هنا بالنون بدل الموحدة ثم فسره بأن يحمل الزانيان على بعير أو حمار ويخالف بين وجوههما والمعتمد ما قال أبو عبيدة والتجبيه أن يضع اليدين على الركبتين وهو قائم فيصير كالراكع وكذا أن ينكب على وجهه باركا كالساجد وقال الفرابي جب بفتح الجيم وتشديد الموحدة قام قيام الراكع وهو عريان والذي بالنون بعد الجيم إنما جاء في قوله فرأيت اليهودي أجنأ عليها

[ 115 ]

وقد ضبطت بالحاء المهملة ثم نون بلفظ الفعل الماضي أي أكب عليها يقال أحنت المرأة على ولدها حنوا وحنت بمعنى وضبطت بالجيم والنون فعند الاصيلي بالهمز وعند أبي ذر بلا همز وهو بمعنى الذي بالمهملة قال بن القطاع جنأ على الشئ حنا ظهره عليه وقال الاصمعي أجنأ الترس جعله مجنأ أي محدودبا وقال عياض الصحيح في هذا ما قاله أبو عبيدة يعني بالجيم والهمز والله أعلم وسيأتي مزيدا لهذا في شرح حديث اليهوديين في باب أحكام الذمة قوله باب الرجم بالمصلى أي عنده والمراد المكان الذي كان يصلى عنده العيد والجنائز وهو من ناحية بقيع الغرقد وقد وقع في حديث أبي سعيد عند مسلم فأمرنا أن نرجمه فانطلقنا به إلى بقيع الغرقد وفهم بعضهم كعياض من قوله بالمصلى أن الرجم وقع داخله وقال يستفاد منه أن المصلى لا يثبت له حكم المسجد إذ لو ثبت له ذلك لاجتنب الرجم فيه لانه لا يؤمن التلويث من خلافا لما حكاه الدارمي أن المصلى يثبت له حكم المسجد ولو لم يوقف وتعقب بأن المراد أن الرجم وقع عنده لا فيه كما تقدم في البلاط وأن في حديث بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم رجم اليهوديين عند باب المسجد وفي رواية موسى بن عقبة أنهما رجما قريبا من موضع الجنائز قرب المسجد وبأنه ثبت في حديث أم عطية الامر بخروج النساء حتى الحيض في العيد إلى المصلى وهو ظاهر في المراد والله أعلم وقال النووي ذكر الدارمي من أصحابنا أن مصلى العيد وغيره إذا لم يكن مسجدا يكون في ثبوت حكم المسجد له وجهان أصحهما لا وقال البخاري وغيره في رجم هذا بالمصلى دليل على أن مصلى الجنائز والاعياد إذا لم يوقف مسجدا لا يثبت له حكم المسجد إذ لو كان له حكم المسجد لاجتنب فيه ما يجتنب في المسجد قلت وهو كلام عياض بعينه وليس للبخاري منه سوى الترجمة قوله حدثنا محمود في رواية غير أبي ذر حدثني وللنسسفي محمود بن غيلان وهو المروزي وقد أكثر البخاري عنه قوله أخبرنا معمر في رواية إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق أنبأنا معمر وابن جريج وكذا أخرجه مسلم عن إسحاق قوله فاعترف بالزنا زاد في رواية إسحاق فاعرض عنه أعادها مرتين قوله فأمر به فرجم بالمصلى ليس في رواية يونس بالمصلى وقد تقدمت في باب رجم المحصن وسيأتي في رواية عبد الرحمن بن خالد بلفظ كنت فيمن رجمه فرجمناه بالمصلى قوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم خيرا أي ذكره بجميل ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم فما استغفر له ولا سبه وفي حديث بريدة عنده فكان الناس فيه فرقتين قائل يقول لقد هلك لقد أحاطت به خطيئته وقائل يقول ما توبة أفضل من توبة ماعز فلبثوا ثلاثا ثم جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال استغفروا لماعز بن مالك وفي حديث بريدة أيضا لقد تاب توبة لو قسمت على أمة لوسعتهم وفي حديث أبي هريرة عند النسائي لقد رأيته بين أنهار الجنة ينغمس قال يعني يتنعم كذا في الاصل وفي حديث جابر عند أبي عوانة فقد رأيته يتخضخض في أنهار الجنة وفي حديث اللجلاج عند أبي داود والنسائي ولا تقل له خبيث لهو عند الله أطيب من ريح المسك وفي حديث أبي الفيل عند الترمذي لا تشتمه وفي حديث أبي ذر عند أحمد قد غفر له وأدخل الجنة قوله وصلى عليه هكذا وقع هنا عن محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وخالفه محمد بن يحيى الذهلي وجماعة عن عبد الرزاق

[ 116 ]

فقالوا في آخره ولم يصل عليه قال المنذري في حاشية السنن رواه ثمانية أنفس عن عبد الرزاق فلم يذكروا قوله وصلى عليه قلت قد أخرجه أحمد في مسنده عن عبد الرزاق ومسلم عن إسحاق بن راهويه وأبو داود عن محمد بن المتوكل العسقلاني وابن حبان من طريقه زاد أبو داود والحسن بن علي الخلال والترمذي عن الحسن بن علي المذكور والنسائي وابن الجارود عن محمد بن يحيى الذهلي زاد النسائي ومحمد بن رافع ونوح بن حبيب والاسماعيلي والدار قطني من طريق أحمد بن منصور الرمادي زاد الاسماعيلي ومحمد بن عبد الملك بن زنجويه وأخرجه أبو عوانة عن الدبري ومحمد بن سهل الصغاني فهؤلاء أكثر من عشرة أنفس خالفوا محمودا منهم من سكت عن الزيادة ومنهم من صرح بنفيها قوله ولم يقل يونس وابن جريج عن الزهري وصلى عليه وأما رواية يونس فوصلها المؤلف رحمه الله كما تقدم في باب رجم المحصن ولفظه فأمر به فرجم وكان قد أحصن وأما رواية بن جريج فوصلها مسلم مقرونة برواية معمر ولم يسق المتن وساقه إسحاق شيخ مسلم في مسنده وأبو نعيم من طريقه فلم يذكر فيه وصلى عليه قوله سئل أبو عبد الله هل قوله فصلى عليه يصح أو لا قال رواه معمر قيل له هل رواه غير معمر قال لا وقع هذا الكلام في رواية المستملي وحده عن الفربري وأبو عبد الله هو البخاري وقد اعترض عليه في جزمه بأن معمرا روى هذه الزيادة مع أن المنفرد بها إنما هو محمود بن غيلان عن عبد الرزاق وقد خالفه العدد الكثير من الحفاظ فصرحوا بأنه لم يصل عليه لكن ظهر لي أن البخاري قويت عنده رواية محمود بالشواهد فقد أخرج عبد الرزاق أيضا وهو في السنن لابي قرة من وجه آخر عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف في قصة ماعز قال فقيل يا رسول الله أتصلي عليه قال لا قال فلما كان من الغد قال لوا على صاحبكم فصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس فهذا الخبر يجمع الاختلاف فتحمل رواية النفي على أنه لم يصل عليه حين رجم ورواية الاثبات على أنه صلى الله عليه وسلم صلى عليه في اليوم الثاني وكذا طريق الجمع لما أخرجه أبو داود عن بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر بالصلاة على ماعز ولم ينه عن الصلاة عليه ويتأيد بما أخرجه مسلم من حديث عمران بن حصين في قصة الجهنية التي زنت ورجمت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليها فقال له عمر أتصلي عليها وقد زنت فقال لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين لوسعتهم وحكى المنذري قول من حمل الصلاة في الخبر على الدعاء ثم قال في قصة الجهنية دلالة على توهين هذا الاحتمال قال وكذا أجاب النووي فقال انه فاسد لان التأويل لا يصار إليه إلا عند الاضطرار إليه ولا اضطرار هنا وقال بن العربي لم يثبت أن النيي صلى الله عليه وسلم صلى على ماعز قال وأجاب من منع عن صلاته على الغامدية لكونها عرفت حكم الحد وماعز انما جاء مستفهما قال وهو جواب واه وقيل لانه قتله غضبا لله وصلاته رحمة فتنافيا قال وهذا فاسد لان الغضب انتهى قال ومحل الرحمة باق والجواب المرضي أن الامام حيث ترك الصلاة على المحدود كان ردعا لغيره قلت وتمامه أن يقال وحيث صلي عليه يكون هناك قرينة لا يحتاج معها إلى الردع فيختلف حينئذ باختلاف الاشخاص وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فقال مالك يأمر الامام بالرجم ولا يتولاه بنفسه ولا يرفع عنه حتى يموت ويخلي بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون عليه ولا يصلي عليه الامام ردعا لاهل المعاصي إذا علموا أنه ممن لا يصلى عليه ولئلا يجترئ الناس على مثل فعله وعن بعض المالكية يجوز للامام أن يصلي

[ 117 ]

عليه وبه قال الجمهور والمعروف عن مالك أنه يكره للامام وأهل الفضل الصلاة على المرجوم وهو قول أحمد وعن الشافعي لا يكره وهو قول الجمهور وعن الزهري لا يصلى على المرجوم ولا على قاتل نفسه وعن قتادة لا يصلى على المولود من الزنا وأطلق عياض فقال لم يختلف العلماء في الصلاة على أهل الفسق والمعاصي والمقتولين في الحدود وان كره بعضهم ذلك لاهل الفضل إلا ما ذهب إليه أبو حنيفة في المحاربين وما ذهب إليه الحسن في الميتة من نفاس الزنا وما ذهب إليه الزهري وقتادة قال وحديث الباب في قصة الغامدية حجة للجمهور والله أعلم قوله باب من أصاب ذنبا دون الحد فأخبر الامام فلا عقوبة عليه بعد التوبة إذا جاء مستفتيا كذا للاكثر بفاء ساكنة بعد مثناة مكسورة ثم ياء آخر الحروف من الاستفتاء ويؤيده قوله في حديث الباب فاستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية الكشميهني مستعينا وضبطت بمهملة وبالنون قبل الالف وبالمعجمة ثم المثلثة والتقييد بدون الحد يقتضي أن من كان ذنبه يوجب الحد أن عليه العقوبة ولو تاب وقد مضى الاختلاف في ذلك في أوائل الحدود وأما التقييد الاخير فلا مفهوم له بل الذي يظهر أنه ذكر لدلالته على توبته قوله قال عطاء لم يعاقبه النبي صلى الله عليه وسلم أي الذي أخبر أنه وقع في معصية بلا مهلة حتى صلى معه فأخبره بأن صلاته كفرت ذنبه قوله وقال بن جريج ولم يعاقب النبي صلى الله عليه وسلم الذي جامع في رمضان تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصيام وليس في شئ من طرقه أنه عاقبه قوله ولم يعاقب عمر صاحب الظبي كأنه أشار بذلك إلى ما ذكره مالك منقطعا ووصله سعيد بن منصور بسند صحيح عن قبيصة بن جابر قال خرجنا حجاجا فسنح لي ظبي فرميته بحجر فمات فلما قدمنا مكة سألنا عمر فسأل عبد الرحمن بن عوف فحكما فيه بعنز فقلت إن أمير المؤمنين لم يدر ما يقول حتى سأل غيره قال فعلاني بالدرة فقال أتقتل الصيد في الحرم وتسفه الحكم قال الله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم وهذا عبد الرحمن بن عوف وأنا عمر ولا يعارض هذا المنفي الذي في الترجمة لان عمر إنما علاه بالدرة لما طعن في الحكم وإلا لو وجبت عليه عقوبة بمجرد الفعل المذكور لما أخرها قوله وفيه عن أبي عثمان عن بن مسعود أي في معنى الحكم المذكور في الترجمة حديث مروي عن أبي عثمان عن بن مسعود وزاد الكشميهني مثله وهي زيادة لا حاجة إليها لانه يصير ظاهره أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعاقب صاحب الظبي ووقع في بعض النسخ عن أبي مسعود وهو غلط والصواب بن مسعود وقد وصله المؤلف رحمه الله في أوائل كتاب الصلاة في باب الصلاة كفارة من رواية سليمان التيمي عن أبي عثمان به وأوله أن رجلا أصاب من امرأة قبلة فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره فنزلت أقم الصلاة طرفي النهار الآية وقد ذكرت شرحه في تفسير سورة هود وأن الاصح في تسمية هذا الرجل أنه أبو اليسر كعب بن عمرو الانصاري وأن نحو ذلك وقع لجماعة غيره قوله عن حميد بن عبد الرحمن هو بن عوف الزهري وقد تقدم شرح حديثه مستوفى في كتاب الصيام قوله وقال الليث الخ وصله المصنف في التاريخ الصغير قال حدثني عبد الله بن صالح حدثني الليث به ورويناه موصولا أيضا في الاوسط للطبراني والمستخرج للاسماعيلي قوله عن عمرو بن الحارث لليث فيه سند آخر أخرجه مسلم عن قتيبة ومحمد بن رمح كلاهما عن الليث عن يحيى بن سعيد الانصاري عن محمد بن جعفر بن الزبير وقد مضى في الصيام من وجه آخر عن يحيى بن سعيد

[ 118 ]

موصولا وأخرجه مسلم من طريق عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث قوله عن عبد الرحمن بن القاسم أي بن محمد بن أبي بكر الصديق عن محمد بن جعفر بن الزبير أي بن العوام عن عباد وهو بن عمه ووقع في رواية بن وهب عن عمرو بن الحارث أن عبد الرحمن بن القاسم حدثه أن محمد بن جعفر بن الزبير حدثه أن عباد بن عبد الله حدثه قوله عن عائشة في رواية بن وهب أنه سمع عائشة قوله أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد زاد في رواية بن وهب في رمضان قوله فقال احترقت كررها بن وهب قوله قال مما ذاك في رواية بن وهب فسأله عن شأنه قوله قال ما عندي شئ في رواية بن وهب فقال يا نبي الله ما لي شئ وما أقدر عليه قوله فجلس فأتاه إنسان في رواية بن وهب قال اجلس فجلس فبينما هو على ذلك أقبل رجل قوله ومعه طعام فقال عبد الرحمن هو بن القاسم راوي الحديث ما أدري ما هو مقول عبد الرحمن وفي رواية الكشميهني قال بغير فاء ولم يقع هذا في رواية الليث ووقع فيها عند الاسماعيلي عرقان فيهما طعام وقال قال أبو صالح عن الليث عرق وكذا قال عبد الوهاب يعني الثقفي ويزيد بن هارون عن يحيى بن سعيد قال الاسماعيلي وعرقان ليس بمحفوظ قوله أين المحترق زاد بن وهب آنفا قوله علي أحوج مني هو استفهام حذفت أداته ووقع في رواية بن وهب أغيرنا أي أعلى غيرنا قوله ما لاهلي طعام في رواية بن وهب إنا الجياع ما لنا شئ قوله قال فكلوا في رواية بن وهب قال فكلوه وقد مضى شرحه في الصيام قوله باب إذا أقر بالحد ولم يبين أي لم يفسره هل للامام أن يستر عليه تقدم في الباب الذي قبله التنبيه على حديث أبي أمامة في ذلك وهو يدخل في هذا المعنى قوله حدثنا عبد القدوس بن محمد أي بن عبد الكبير بن شعيب بن الحبحاب بمهملتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة وآخره موحدة هو بصري صدوق وما له في البخاري إلا هذا الحديث الواحد وعمرو بن عاصم هو الكلابي وهو من شيوخ البخاري أخرج عنه بغير واسطة في الادب وغيره وقد طعن الحافظ أبو بكر البرزنجي في صحة هذا الخبر مع كون الشيخين اتفقا عليه فقال هو منكر وهم وفيه عمرو بن عاصم مع أن هماما كان يحيى بن سعيد لا يرضاه ويقول أبان العطار أمثل منه قلت لم يبين وجه الوهم وأما إطلاقه كونه منكرا فعلى طريقته في تسمية ما ينفرد به الراوي منكرا إذا لم يكن له متابع لكن يجاب بأنه وان لم يوجد لهمام ولا لعمرو بن عاصم فيه متابع فشاهده حديث أبي أمامة الذي أشرت إليه ومن ثم أخرجه مسلم عقبة والله أعلم قوله فجاء رجل فقال إني أصبت حدا فأقمه علي لم أقف على اسمه ولكن من وحد هذه القصة والتي في حديث بن مسعود فسره به وليس بجيد لاختلاف القصتين وعلى التعدد جرى البخاري في هاتين الترجمتين فحمل الاولى على من أقر بذنب دون الحد للتصريح بقوله غير أني لم أجامعها وحمل الثانية على ما يوجب الحد لانه ظاهر قول الرجل وأما من وحد بين القصتين فقال لعله ظن ما ليس بحد حدا أو استعظم الذي فعله فظن أنه يجب فيه الحد ولحديث أنس شاهد أيضا من رواية الاوزاعي عن شداد أبي عمار عن وائلة قوله ولم يسأله عنه أي لم يستفسره وفي حديث أبي أمامة عند مسلم فسكت عنه ثم عاد قوله وحضرت الصلاة في حديث أبي أمامة وأقيمت قوله أليس قد صليت معنا في حديث أبي أمامة أليس حيث خرجت من بيتك توضأت فأحسنت الوضوء قال بلى قال ثم شهدت معنا الصلاة

[ 119 ]

قال نعم قوله ذنبك أو قال حدك في رواية مسلم عن الحسن بن علي الحلواني عن عمرو بن عاصم بسنده فيه قد غفر لك وفي حديث أبي أمامة بالشك ولفظه فان الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك وقد اختلف نظر العلماء في هذا الحكم فظاهر ترجمة البخاري حمله على من أقر بحد ولم يفسره فإنه لا يجب على الامام ان يقيمه إذا تاب وحمله الخطابي على أنه يجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أطلع بالوحي على أن الله قد غفر له لكونها واقعة عين وإلا لكان يستفسره عن الحد ويقيمه عليه وقال أيضا في هذا الحديث إنه لا يكشف عن الحدود بل يدفع مهما أمكن وهذا الرجل لم يفصح بأمر يلزمه به إقامة الحد عليه فلعله أصاب صغيرة ظنها كبيرة توجب الحد فلم يكشفه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك لان موجب الحد لا يثبت بالاحتمال وإنما لم يستفسره إما لان ذلك قد يدخل في التجسيس المنهي عنه وإما إيثارا للستر ورأى أن في تعرضه لاقامة الحد عليه ندما ورجوعا وقد استحب العلماء تلقين من أقر بموجب الحد بالرجوع عنه إما بالتعريض وإما بأوضح منه ليدرأ عنه الحد وجزم النووي وجماعة أن الذنب الذي فعله كان من الصغائر بدليل أن في بقية الخبر أنه كفرته الصلاة بناء على أن الذي تكفره الصلاة من الذنوب الصغائر لا الكبائر وهذا هو الاكثر الاغلب وقد تكفر الصلاة بعض الكبائر كمن كثر تطوعه مثلا بحيث صلح لان يكفر عددا كثيرا من الصغائر ولم يكن عليه من الصغائر شئ أصلا أو شئ يسير وعليه كبيرة واحدة مثلا فانها تكفر عنه ذلك لان الله لا يضيع أجر من أحسن عملا قلت وقد وقع في رواية أبي بكر البرزنجي عن محمد بن عبد الملك الواسطي عن عمرو بن عاصم بسند حديث الباب بلفظ ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله اني زنيت فأقم علي الحد الحديث فحمله بعض العلماء على أنه ظن ما ليس زنا زنا فلذلك كفرت ذنبه الصلاة وقد يتمسك به من قال إنه إذا جاء تائبا سقط عنه الحد ويحتمل أن يكون الراوي عبر بالزنا من قوله أصبت حدا فرواه بالمعنى الذي ظنه والاصل ما في الصحيح فهو الذي اتفق عليه الحفاظ عن عمرو بن عاصم بسنده المذكور ويحتمل أن يختص ذلك المذكور لاخبار النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد كفر عنه حده بصلاته فان ذلك لا يعرف إلا بطريق الوحي فلا يستمر الحكم في غيره الا في من علم أنه مثله في ذلك وقد انقطع علم ذلك بانقطاع الوحي بعد النبي صلى الله عليه وسلم وقد تمسك بظاهره صاحب الهدى فقال للناس في حديث أبي أمامة يعني المذكور قبل ثلاث مسالك أحدها أن الحد لا يجب إلا بعد تعيينه والاصرار عليه من المقر به والثاني أن ذلك يختص بالرجل المذكور في القصة والثالث أن الحد يسقط بالتوبة قال وهذا أصح المسالك وقواه بأن الحسنة التي جاء بها من اعترافه طوعا بخشية الله وحده تقاوم السيئة التي عملها لان حكمة الحدود الردع عن العود وصنيعه ذلك دال على ارتداعه فناسب رفع الحد عنه لذلك والله أعلم قوله باب هل يقول الامام للمقر أي بالزنا لعلك لمست أو غمزت هذه الترجمة معقودة لجواز تلقين الامام المقر بالحد ما يدفعه عنه وقد خصه بعضهم بمن يظن به أنه أخطأ أو جهل قوله سمعت يعلى بن حكيم في رواية موسى بن إسماعيل عند أبي داود عن جرير بن حازم حدثني يعلى ولم يسمي أباه في روايته فظن بعضهم أنه بن مسلم وليس كذلك للتصريح في إسناد هذا الباب بن حكيم قوله عن بن عباس لم يذكره موسى في روايته بل أرسله وأشار إلى ذلك أبو داود وكأن البخاري

[ 120 ]

لم يعتبر هذه العلة لان وهب بن جرير وصله وهو أخبر بحديث أبيه من غيره ولانه ليس دون موسى في الحفظ ولان أصل الحديث معروف عن بن عباس فقد أخرجه أحمد وأبو داود من رواية خالد الحذاء عن عكرمة عن بن عباس وأخرجه مسلم من وجه آخر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قوله لما أتى ماعز بن مالك في رواية خالد الحذاء ان ماعز بن مالك أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال انه زنا فأعرض عنه فأعاد عليه مرارا فسأل قومه أمجنون هو قالوا ليس به بأس وسنده على شرط البخاري وذكر الطبراني في الاوسط أن يزيد بن زريع تفرد به عن خالد الحذاء قوله قال له لعلك قبلت حذف المفعول للعلم به أي المرأة المذكورة ولم يعين محل التقبيل وقوله أو غمزت بالغين المعجمة والزاي أي بعينك أو يدك أي أشرت أو المراد بغمزت بيدك الجس أو وضعها على عضو الغير والى ذلك الاشارة بقوله لمست بدل غمزت وقد وقع في رواية يزيد بن هارون عن جرير بن حازم عند الاسماعيلي بلفظ لعلك قبلت أو لمست قوله أو نظرت أي فأطلقت على أي واحدة فعلت من الثلاث زنا ففيه إشارة إلى الحديث الآخر المخرج في الصحيحين من حديث أبي هريرة العين تزني وزناها النظر وفي بعض طرقه عندهما أو عند أحدهما ذكر اللسان واليد والرجل والاذن زاد أبو داود والفم وعندهم والفرج يصدق ذلك أو يكذبه وفي الترمذي وغيره عن أبي موسى الاشعري رفعه كل عين زانية قوله أنكتها بالنون والكاف لا يكني أي تلفظ بالكلمة المذكورة ولم يكن عنها بلفظ آخر وقد وقع في رواية خالد بلفظ أفعلت بها وكأن هذه الكناية صدرت منه أو من شيخه للتصريح في رواية الباب بأنه لم يكن وقد تقدم في حديث أبي هريرة الذي تقدمت الاشارة إلى أن أبا داود أخرجه في باب لا يرجم المجنون مع زيادات في هذه الالفاظ قوله فعند ذلك أمر برجمه زاد خالد الحذاء في روايته فانطلق به فرجم ولم يصل عليه رضي الله تعالى عنه قوله باب سؤال الامام المقر هل أحصنت أي تزوجت ودخلت بها وأصبتها قوله رجل من الناس أي ليس من أكابر الناس ولا بالمشهور فيهم قوله زنيت يريد نفسه أي أنه لم يجئ مستفتيا لنفسه ولا لغيره وانما جاء مقرا بالزنا ليفعل معه ما يجب عليه شرعا وقد تقدمت فوائد الحديث المذكور فيه في باب لا يرجم المجنون قال بن التين محل مشروعية سؤال المقر بالزنا عن ذلك إذا كان لم يعلم أنه تزوج تزويجا صحيحا ودخل بها فأما إذا علم إحصانه فلا يسأل عن ذلك ثم حكى عن المالكية تفصيلا فيما إذا علم أنه تزوج ولم يسمع منه إقرارا بالدخول فقيل من أقام مع الزوجة ليلة واحدة لم يقبل إنكاره وقيل أكثر من ذلك وهل يحد حد الثيب أو البكر الثاني أرجح وكذا إذا اعترف الزوج بالاصابة ثم قال انما اعترفت بذلك لاملك الرجعة أو اعترفت المرأة ثم قالت انما فعلت ذلك لاستكمل الصداق فان كل منهما يحد حد البكر انتهى وعند غيرهم يرفع الحد أصلا ونقل الطحاوي عن أصحابهم أن من قال لآخر يا زاني فصدقه أنه يجلد القائل ولا يحد المصدق وقال زفر بل يحد قلت وهو قول الجمهور ورجح الطحاوي قول زفر واستدل بحديث الباب وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لماعز أحق ما بلغني عنك انك زنيت قال نعم فحد قال وباتفاقهم على أن من قال لآخر لي عليك ألف فقال صدقت أنه يلزمه المال قوله باب الاعتراف بالزنا هكذا عبر بالاعتراف لوقوعه في حديثي الباب وقد تقدم في شرح قصة ماعز البحث في أنه هل يشترط في الاقرار

[ 121 ]

بالزنا التكرير أولا واحتج من اكتفى بالمرة بإطلاق الاعتراف في الحديث ولا يعارض ما وقع في قصة ماعز من تكرار الاعتراف لانها واقعة حال كما تقدم قوله حدثنا سفيان هو بن عيينة قوله حفظناه من في الزهري في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري وفي رواية عبد الجبار بن العلاء عن سفيان عند الاسماعيلي سمعت الزهري قوله أخبرني عبيد الله زاد الحميدي بن عبد الله بن عتبة قوله أنه سمع أبا هريرة وزيد بن خالد في رواية الحميدي عن زيد بن خالد الجهني وأبي هريرة وشبل وكذا قال أحمد وقتيبة عند النسائي وهشام بن عمار وأبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح عند بن ماجة وعمرو بن علي وعبد الجبار بن العلاء والوليد بن شجاع وأبو خيثمة ويعقوب الدورقي وإبراهيم بن سعيد الجوهري عند الاسماعيلي وآخرون عن سفيان وأخرجه الترمذي عن نصر بن علي وغير واحد عن سفيان ولفظه سمعت من أبي هريرة وزيد بن خالد وشبل لانهم كانوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قال الترمذي هذا وهم من سفيان وانما روي عن الزهري بهذا السند حديث إذا زنت الامة فذكر فيه شبلا وروى حديث الباب بهذا السند ليس في شبل فوهم سفيان في تسويته بين الحديثين قلت وسقط ذكر شبل من رواية الصحيحين من طريقه لهذا الحديث وكذا أخرجاه من طرق عن الزهري منها عن مالك والليث وصالح بن كيسان وللبخاري من رواية بن أبي ذئب وشعيب بن أبي حمزة ولمسلم من رواية يونس بن يزيد ومعمر كلهم عن الزهري ليس فيه شبل قال الترمذي وشبل لا صحبه له والصحيح ما روى الزبيدي ويونس وابن أخي الزهري فقالوا عن الزهري عن عبيد الله عن شبل بن خالد عن عبد الله بن مالك الاوسي عن النبي صلى الله عليه وسلم في الامة إذا زنت قلت ورواية الزبيدي عند النسائي وكذا أخرجه من رواية يونس عن الزهري وليس هو في الكتب الستة من هذا الوجه إلا عند النسائي وليس فيه كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم قوله كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم في رواية شعيب بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية بن أبي ذئب وهو جالس في المسجد قوله فقام رجل في رواية بن أبي ذئب الآتية قريبا وصالح بن كيسان الآتية في الاحكام والليث الماضية في الشروط ان رجلا من الاعراب جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس وفي رواية شعيب في الاحكام إذ قام رجل من الاعراب وفي رواية مالك الآتية قريبا أن رجلين اختصما قوله أنشدك الله في رواية الليث فقال يا رسول الله أنشدك الله بفتح أوله ونون ساكنة وضم الشين المعجمة أي أسألك بالله وضمن أنشدك معنى أذكرك فحذف الباء أي أذكرك رافعا نشيدتي أي صوتي هذا أصله ثم استعمل في كل مطلوب مؤكد ولو لم يكن هناك رفع صوت وبهذا التقرير يندفع إيراد من استشكل رفع الرجل صوته عند النبي صلى الله عليه وسلم مع النهي عنه ثم أجاب عنه بأنه لم يبلغه النهي لكونه أعرابيا أو النهي لمن يرفع حيث يتكلم النبي صلى الله عليه وسلم على ظاهر الآية وذكر أبو علي الفارسي أن بعضهم رواه بضم الهمزة وكسر المعجمة وغلطه قوله إلا قضيت بيننا بكتاب الله في رواية الليث إلا قضيت لي بكتاب الله قيل فيه استعمال الفعل بعد الاستثناء بتأويل المصدر وإن لم يكن فيه حرف مصدري لضرورة افتقار المعنى إليه وهو من المواضع التي يقع فيها الفعل موقع الاسم ويراد به

[ 122 ]

النفي المحصور فيه المفعول والمعنى هنا لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله ويحتمل أن تكون إلا جواب القسم لما فيها من معنى الحصر وتقديره أسألك بالله لا تفعل شيئا إلا القضاء فالتأكيد انما وقع لعدم التشاغل بغيره لا لان لقوله بكتاب الله مفهوما وبهذا يندفع إيراد من استشكل فقال لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم يحكم إلا بكتاب الله فما فائدة السؤال والتأكيد في ذلك ثم أجاب بأن ذلك من جفاة الاعراب والمراد بكتاب الله ما حكم به وكتب على عباده وقيل المراد القرآن وهو المتبادر وقال بن دقيق العيد الاول أولى لان الرجم والتغريب ليسا مذكورين في القرآن إلا بواسطة أمر الله باتباع رسوله قيل وفيما قال نظر لاحتمال أن يكون المراد ما تضمنه قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن السبيل جلد البكر ونفيه ورجم الثيب قلت وهذا أيضا بواسطة التبيين ويحتمل أن يراد بكتاب الله الآية التي نسخت تلاوتها وهي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما وسيأتي بيانه في الحديث الذي يليه وبهذا أجاب البيضاوي ويبقي عليه التغريب وقيل المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل لان خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق فلذلك قال الغنم والوليدة رد عليك والذي يترجح أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب الآتي ذكره والعلم عند الله تعالى قوله فقام خصمه وكان افقه منه في رواية مالك فقال الآخر وهو أفقههما قال شيخنا في شرح الترمذي يحتمل أن يكون الراوي كان عارفا بهما قبل أن يتحاكما فوصف الثاني بأنه أفقه من الاول إما مطلقا وإما في هذه القصة الخاصة أو استدل بحسن أدبه في استئذانه وترك رفع صوته إن كان الاول رفعه وتأكيده السؤال على فقهه وقد ورد أن حسن السؤال نصف العلم وأورده بن السني في كتاب رياضة المتعلمين حديثا مرفوعا بسند ضعيف قوله فقال اقض بيننا بكتاب الله وائذن لي في رواية مالك فقال أجل وفي رواية الليث فقال نعم فاقض وفي رواية بن أبي ذئب وشعيب فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله قوله وائذن لي زاد بن أبي شيبة عن سفيان حتى أقول وفي رواية مالك أن أتكلم قوله قل في رواية محمد بن يوسف فقال النبي صلى الله عليه وسلم قل وفي رواية مالك قال تكلم قوله قال ظاهر السياق أن القائل هو الثاني وجزم الكرماني بأن القائل هو الاول واستند في ذلك لما وقع قي كتاب الصلح عن آدم عم بن أبي ذئب هنا فقال الاعرابي ان ابني بعد قوله في أول الحديث جاء أعرابي وفيه فقال خصمه وهذه الزيادة شاذة والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في رواية سفيان في هذا الباب وكذا وقع في الشروط عن عاصم بن علي عن بن أبي ذئب موافقا للجماعة ولفظه فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله ان ابني الخ فالاختلاف فيه على بن ذئب وقد وافق آدم أبو بكر الحنفي عند أبي نعيم في المستخرج ووافق عاصما يزيد بن هارون عند الاسماعيلي قوله إن ابني هذا فيه أن الابن كان حاضرا فأشار إليه وخلا معظم الروايات عن هذه الاشارة قوله كان عسيفا على هذا هذه الاشارة الثانية لخصم المتكلم وهو زوج المرأة زاد شعيب في روايته والعسيف الاجير وهذا التفسير مدرج في الخبر وكأنه من قول الزهري لما عرف من عادته أنه كان يدخل كثيرا من التفسير في أثناء الحديث كما بينته في مقدمة كتابي في المدرج وقد فصله مالك فوقع في سياقه كان عسيفا على هذا قال مالك والعسيف الاجير وحذفها سائر الرواة

[ 123 ]

والعسيف بمهملتين الاجير وزنه ومعناه والجمع عسفاء كأجراء ويطلق أيضا على الخادم وعلى العبد وعلى السائل وقيل يطلق على من يستهان به وفسره عبد الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحلم وان ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه القصة باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار ووقع في رواية للنسائي تعيين كونه أجيرا ولفظه من طريق عمرو بن شعيب عن بن شهاب كان ابني أجيرا لامرأته وسمي الاجير عسيفا لان المستأجر يعسفه في العمل والعسف الجور أو هو بمعنى الفاعل لكونه يعسف الارض بالتردد فيها يقال عسف الليل عسفا إذا أكثر السير فيه ويطلق العسف أيضا على الكفاية والاجير يكفي المستأجر الامر الذي أقامه فيه قوله على هذا ضمن على معنى عند بدليل رواية عمرو بن شعيب وفي رواية محمد بن يوسف عسيفا في أهل هذا وكأن الرجل استخدمه فيما عن سفيان فزنا بامرأته فأخبروني أن علي ابني الرجم فافتديت وقد ذكر علي بن المديني رواية في آخره هنا أن سفيان كان يشك في هذه الزيادة فربما تركها وغالب الرواة عنه كأحمد ومحمد بن يوسف وابن أبي شيبة لم يذكروها وثبتت عند مالك والليث وابن أبي ذئب وشعيب وعمرو بن شعيب ووقع في رواية آدم فقالوا لي على ابنك الرجم وفي رواية الحميدي فأخبرت بضم الهمزة على البناء للمجهول وفي رواية أبي بكر الحنفي فقال لي بالافراد وكذا عند أبي عوانة من رواية بن وهب عن يونس عن بن شهاب فان ثبتت فالضمير في قوله فافتديت منه لخصمه وكأنهم ظنوا أن ذلك حق له يستحق أن يعفو عنه على مال يأخذه وهذا ظن باطل ووقع في رواية عمرو بن شعيب فسألت من لا يعلم فأخبروني أن على ابني الرجم فافتديت منه قوله بمائة شاه وخادم والمراد بالخادم الجارية المعدة للخدمة بدليل رواية مالك بلفظ وجارية لي وفى رواية بن أبي ذئب وشعيب بمائة من الغنم ووليدة وقد تقدم تفسير الوليدة في أواخر الفرائض قوله ثم سألت رجالا من أهل العلم فأخبروني لم أقف على أسمائهم ولا على عددهم ولا على اسم الخصمين ولا الابن ولا المرأة وفي رواية مالك وصالح بن كيسان وشعيب ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني ومثله لابن أبي ذئب لكن قال فزعموا وفي رواية معمر ثم أخبرني أهل العلم وفي رواية عمرو بن شعيب ثم سألت من يعلم قوله ان على ابني في رواية مالك انما على ابني قوله جلد مائة بالاضافة للاكثر وقرأه بعضهم بتنوين جلد مرفوع وتنوين مائة منصوب على التمييز ولم يثبت رواية قوله وعلى امرأة هذا الرجم في رواية مالك والاكثر وانما الرجم على امرأته وفي رواية عمرو بن شعيب فأخبروني أن ليس على ابني الرجم قوله والذي نفسي بيده في رواية مالك أما والذي قوله لاقضين بتشديد النون للتأكيد قوله بكتاب الله في رواية عمرو بن شعيب بالحق وهي ترجح أول الاحتمالات الماضي ذكرها قوله المائة شاة والخادم رد في رواية الكشميهني عليك وكذا في رواية مالك ولفظه أما غنمك وجاريتك فرد عليك أي مردود من إطلاق لفظ المصدر على اسم المفعول كقولهم ثوب نسج أي منسوج ووقع في رواية صالح بن كيسان أما الوليدة والغنم فردها وفي رواية عمرو بن شعيب أما ما أعطيته فرد عليك فان كان الضمير في أعطيته لخصمه تأيدت الرواية الماضية وان كان للعطاء فلا قوله وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام قال النووي هو محمول على أنه صلى الله

[ 124 ]

عليه وسلم علم أن الابن كان بكرا وأنه اعترف بالزنا ويحتمل أن يكون أضمر اعترافه والتقدير وعلى ابنك إن اعترف والاول أليق فإنه كان في مقام الحكم فلو كان في مقام الافتاء لم يكن فيه اشكال لان التقدير إن كان زنى وهو بكر وقرينة اعترافه حضوره مع أبيه وسكوته عما نسبه إليه وأما العلم بكونه بكرا فوقع صريحا من كلام أبيه في رواية عمرو بن شعيب ولفظه كان ابني أجيرا لامرأة هذا وابني لم يحصن قوله وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام وافقه الاكثر ووقع في رواية عمرو بن شعيب وأما ابنك فنجلده مائة ونغربه سنة وفي رواية مالك وصالح بن كيسان وجلد ابنه مائة وغربه عاما وهذا ظاهر في أن الذي صدر حينئذ كان حكما لا فتوى بخلاف رواية سفيان ومن وافقه قوله واغد يا أنيس بنون ومهملة مصغر على امرأة هذا زاد محمد بن يوسف فاسألها قال بن السكن في كتاب الصحابة لا أدري من هو ولا وجدت له رواية ولا ذكرا إلا في هذا الحديث وقال بن عبد البر هو بن الضحاك الاسلمي وقيل بن مرثد وقيل بن أبي مرثد وزيفوا الاخير بأن أنيس بن أبي مرثد صحابي مشهور وهو غنوي بالغين المعجمة والنون لا أسلمي وهو بفتحتين لا التصغير وغلط من زعم أيضا أنه أنس بن مالك وصغر كما صغر في رواية أخرى عند مسلم لانه أنصاري لا أسلمي ووقع في رواية شعيب وابن أبي ذئب وأما أنت يا أنيس لرجل من أسلم فاغد وفي رواية مالك ويونس وصالح بن كيسان وأمر أنيسا الاسلمي أن يأتي امرأة الآخر وفي رواية معمر ثم قال لرجل من أسلم يقال له أنيس قم يا أنيس فسل امرأة هذا وهذا يدل على أن المراد بالغدو الذهاب والتوجه كما يطلق الرواح على ذلك وليس المراد حقيقة الغدو وهو التأخير إلى أول النهار كما لا يراد بالرواح التوجه نصف النهار وقد حكى عياض أن بعضهم استدل به على جواز تأخير إقامة الحد عند ضيق الوقت واستضعفه بأنه ليس في الخبر أن ذلك كان في آخر النهار قوله فان اعترفت فارجمها في رواية يونس وأمر أنيسا الاسلمي أن يرجم امرأة الآخر إن اعترفت قوله فغدا عليها فاعترفت فرجمها كذا للاكثر ووقع في رواية الليث فاعترفت فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت واختصره بن أبي ذئب فقال فغدا عليها فرجمها ونحوه في رواية صالح بن كيسان وفي رواية عمرو بن شعيب وأما امرأة هذا فترجم ورواية الليث أتمها لانها تشعر بأن أنيسا أعاد جوابها على النبي صلى الله عليه وسلم فأمر حينئذ برجمها ويحتمل أن يكون المراد أمره الاول المعلق على اعترافها فيتحد مع رواية الاكثر وهو أولى وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم الرجوع إلى كتاب الله نصا أو استنباطا وجواز القسم على الامر لتأكيده والحلف بغير استحلاف وحسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه على من يخاطبه بما الاولى خلافه وأن من تأسى به من الحكام في ذلك يحمد كمن لا ينزعج لقول الخصم مثلا احكم بيننا بالحق وقال البيضاوي أنما تواردا على سؤال الحكم بكتاب الله مع أنهما يعلمان أنه لا يحكم الا بحكم الله ليحكم بينهما بالحق الصرف لا بالمصالحة ولا الاخذ بالارفق لان للحاكم أن يفعل ذلك برضا الخصمين وفيه أن حسن الادب في مخاطبة الكبير يقتضي التقديم في الخصومة ولو كان المذكور مسبوقا وأن للامام أن يأذن لمن شاء من الخصمين في الدعوى إذا جاءا معا وأمكن أن كلا منهما يدعي واستحباب استئذان المدعي والمستفتي الحاكم والعالم في الكلام ويتأكد ذلك إذا ظن أن له عذرا وفيه أن من أقر بالحد وجب على الامام إقامته

[ 125 ]

عليه ولو لم يعترف مشاركه في ذلك وأن من قذف غيره لا يقام عليه الحد إلا إن طلبه المقذوف خلافا لابن أبي ليلى فإنه قال يجب ولو لم يطلب المقذوف قلت وفي الاستدلال به نظر لان محل الخلاف إذا كان المقذوف حاضرا واما إذا كان غائبا كهذا فالظاهر أن التأخير لاستكشاف الحال فان ثبت في حق المقذوف فلا حد على القاذف كما في هذه القصة وقد قال النووي تبعا لغيره ان سبب بعث النبي صلى الله عليه وسلم أنيسا للمرأة ليعلمها بالقذف المذكور لتطالب بحد قاذفها ان أنكرت قال هكذا أوله العلماء من أصحابنا وغيرهم ولا بد منه لان ظاهره أنه بعث يطلب إقامة حد الزنا وهو غير مراد لان حد الزنا لا يحتاط له بالتجسس والتنقيب عنه بل يستحب تلقين المقر به ليرجع كما تقدم في قصة ماعز وكأن لقوله فان اعترفت مقابلا أي وان أنكرت فاعلمها أن لها طلب حد القذف فحذف لوجود الاحتمال فلو أنكرت وطلبت لاجيبت وقد أخرج أبو داود والنسائي من طريق سعيد بن المسيب عن بن عباس ان رجلا أقر بأنه زنى بامرأة فجلده النبي صلى الله عليه وسلم مائة ثم سأل المرأة فقالت كذب فجلده حد الفرية ثمانين وقد سكت عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي وفيه أن المخدرة التي لا تعتاد البروز لا تكلف الحضور لمجلس الحكم بل يجوز أن يرسل إليها من يحكم لها وعليها وقد ترجم النسائي لذلك وفيه أن السائل يذكر كل ما وقع في القصة لاحتمال أن يفهم المفتي أو الحاكم من ذلك ما يستدل به على خصوص الحكم في المسألة لقول السائل إن ابني كان عسيفا على هذا وهو انما جاء يسأل عن حكم الزنا والسر في ذلك أنه أراد أن يقيم لابنه معذرة ما وأنه لم يكن مشهورا بالعهر ولم يهجم على المرأة مثلا ولا استكرهها وانما وقع له ذلك لطول الملازمة المقتضية لمزيد التأنيس والادلال فيستفاد منه الحث على إبعاد الاجنبي من الاجنبية مهما أمكن لان العشرة قد تفضي إلى الفساد ويتسور بها الشيطان إلى الافساد وفيه جواز استفتاء المفضول مع وجود الفاضل والرد على من منع التابعي أن يفتي مع وجود الصحابي مثلا وفيه جواز الاكتفاء في الحكم بالامر الناشئ عن الظن مع القدرة على اليقين لكن إذا اختلفوا على المستفتى يرجع إلى ما يفيد القطع وان كان في ذلك العصر الشريف من يفتي بالظن الذي لم ينشأ عن أصل ويحتمل أن يكون وقع ذلك من المنافقين أو من قرب عهده بالجاهلية فأقدم على ذلك وفيه أن الصحابة كانوا يفتون في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي بلده وقد عقد محمد بن سعد في الطبقات بابا لذلك وأخرج بأسانيد فيها الواقدي أن منهم أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعبد الرحمن بن عوف وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وفيه أن الحكم المبني على الظن ينقض بما يفيد القطع وفيه أن الحد لا يقبل الفداء وهو مجمع عليه في الزنا والسرقة والحرابة وشرب المسكر واختلف في القذف والصحيح أنه كغيره وانما يجري الفداء في البدن كالقصاص في النفس والاطراف وأن الصلح المبني على غير الشرع يرد ويعاد المال المأخوذ فيه قال بن دقيق العيد وبذلك يتبين ضعف عذر من اعتذر من الفقهاء عن بعض العقود الفاسدة بأن المتعاوضين تراضيا وأذن كل منهما للآخر في التصرف والحق أن الاذن في التصرف مقيد بالعقود الصحيحة وفيه جواز الاستنابة في إقامة الحد واستدل به على وجوب الاعذار والاكتفاء فيه بواحد وأجاب عياض باحتمال أن يكون ذلك ثبت عند النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة هذين الرجلين كذا قال والذي تقبل شهادته

[ 126 ]

من الثلاثة والد العسيف فقط وأما العسيف والزوج فلا وغفل بعض من تبع القاضي فقال لا بد من هذا الحمل وإلا لزم الاكتفاء بشهادة واحد في الاقرار بالزنا ولا قائل به ويمكن الانفصال عن هذا بأن أنيسا بعث حاكما فاستوفى شروط الحكم ثم استأذن في رجمها فأذن له في رجمها وكيف يتصور من الصورة المذكورة إقامة الشهادة عليها من غير تقدم دعوى عليها ولا على وكيلها مع حضورها في البلد غير متوارية إلا أن يقال إنها شهادة حسبة ويجاب بأنه لم يقع هناك صيغة الشهادة المشروطة في ذلك واستدل به على جواز الحكم بإقرار الجاني من غير ضبط بشهادة عليه ولكنها واقعة عين فيحتمل أن يكون أنيس أشهد قبل رجمها قال عياض احتج قوم بجواز حكم الحاكم في الحدود وغيرها بما أقر به الخصم عنده وهو أحد قولي الشافعي وبه قال أبو ثور وأبى ذلك الجمهور والخلاف في غير الحدود أقوى قال وقصة أنيس يطرقها احتمال معنى الاعذار كما مضى وأن قوله فرجمها أبعد إعلامي أو أنه فوض الامر إليه فإذا اعترف بحضرة من يثبت ذلك بقولهم تحكم وقد دل قوله فأمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجمت أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها كذا قال والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي صلى الله عليه وسلم وبالغ في الاستثبات مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها واستدل به على أن حضور الامام الرجم ليس شرطا وفيه نظر لاحتمال أن أنيسا كان حاكما وقد حضر بل باشر الرجم لظاهر قوله فرجمها وفيه ترك الجمع بين الجلد والتغريب وسيأتي في باب البكران يجلدان وينفيان وفيه الاكتفاء بالاعتراف بالمرة الواحدة لانه لم ينقل أن المرأة تكرر اعترافها والاكتفاء بالرجم من غير جلد لانه لم ينقل في قصتها أيضا وفيه نظر لان الفعل لا عموم له فالترك أولى وفيه جواز استئجار الحر وجواز إجازة الاب ولده الصغير لمن يستخدمه إذا احتاج لذلك واستدل به على صحة دعوة الاب لمحجوره ولو كان بالغا لكون الولد كان حاضرا ولم يتكلم إلا أبوه وتعقب باحتمال أن يكون وكيله أو لان التداعي لم يقع إلا بسبب المال الذي وقع به الفداء فكأن والد العسيف ادعى على زوج المرأة بما أخذه منه إما لنفسه وإما لامرأته بسبب ذلك حين أعلمه أهل العلم بأن ذلك الصلح فاسد ليستعيده منه سواء كان من ماله أو من مال ولده فأمره النبي صلى الله عليه وسلم برد ذلك إليه وأما ما وقع في القصة من الحد فباعتراف العسيف ثم المرأة وفيه أن حال الزانيين إذا اختلفا أقيم على كل واحد حده لان العسيف جلد والمرأة رجمت فكذا لو كان أحدهما حرا والآخر رقيقا وكذا لو زنى بالغ بصبية أو عاقل بمجنونة حد البالغ والعاقل دونهما وكذا عكسه وفيه أن من قذف ولده لا يحد له لان الرجل قال ان ابني زنى ولم يثبت عليه حد القذف الحديث الثاني قوله عن الزهري صرح الحميدي فيه بالتحديث عن سفيان قال أتينا يعني الزهري فقال ان شئتم حدثتكم بعشرين حديثا أو حدثتكم بحديث السقيفة فقالوا حدثنا بحديث السقيفة فحدثهم به بطوله فحفظت منه شيئا ثم حدثني ببقيته بعد ذلك معمر قوله عن عبيد الله بالتصغير هو المذكور في الحديث قبله ووقع عند أبي عوانه في رواية يونس عن الزهري أخبرني عبيد الله قوله عن بن عباس قال قال عمر في رواية محمد بن منصور عن سفيان عند النسائي سمعت عمر قوله لقد خشيت الخ هو طرف من الحديث ويأتي بتمامه في الباب الذي يليه والغرض منه هنا قوله ألا وإن الرجم

[ 127 ]

حق الخ قوله قال سفيان هو موصول بالسند المذكور قوله كذا حفظت هذه جملة معترضة بين قوله أو الاعتراف وبين قوله وقد رجم وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه فقال بعد قوله أو الاعتراف وقد قرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده فسقط من رواية البخاري من قوله وقرأ إلى قوله البتة ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور عن سفان كراوية جعفر ثم قال لا أعلم أحدا ذكر في هذا الحديث الشيخ والشيخة غير سفيان وينبغي أن يكون وهم في ذلك قلت وقد أخرج الائمة هذا الحديث من رواية مالك ويونس ومعمر وصالح بن كيسان وعقيل وغيرهم من الحفاظ عن الزهري فلم يذكروها وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة خطب الناس فقال أيها الناس قد سنت لكم السنن وفرضت لكم الفرائض وتركتم على الواضحة ثم قال إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا نجد حدين في كتاب الله فقد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة قال مالك الشيخ والشيخة الثيب والثيبة ووقع في الحلية في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر لكتبتها في آخر القرآن ووقعت أيضا في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها في الباب الذي يليه فقال متصلا بقوله قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجمنا بعده ولولا أن يقولوا كتب عمر ما ليس في كتاب الله لكتبته قد قرأناها الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم وأخرج هذه الجملة النسائي وصححه الحاكم من أبي بن كعب قال ولقد كان فيها أي سورة الاحزاب آية الرجم الشيخ فذكر مثله ومن حديث زيد بن ثابت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ والشيخة مثله إلى قوله البتة ومن رواية أبي أسامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت لقد أقرأنا رسول الله صلى الله عليه وسلم آية الرجم فذكره إلى قوله البتة وزاد بما قضيا من اللذة وأخرج النسائي أن مروان بن الحكم قال لزيد بن ثابت ألا تكتبها في المصحف قال لا ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان وقد ذكرنا ذلك فقال عمر أنا أكفيكم فقال يا رسول الله أكتبني آية الرجم قال لا أستطيع وروينا في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق يعلى وهو بن حكيم عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال لا تشكوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعت في صدري وقلت أستقرئه آية الرجم وهم يتسافدون تسافد الحمر ورجاله ثقات وفيه إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها وهو الاختلاف وأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال كان زيد بن ثابت وسعيد بن العاص يكتبان في المصحف فمرا على هذه الآية فقال زيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الشيخ والشيخة فارجموهما البتة فقال عمر لما نزلت أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أكتبها فكأنه كره ذلك فقال عمر ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد وان الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم فيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ

[ 128 ]

تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها قوله باب رجم الحبلى من الزنا في رواية غير أبي ذر من الزنا قوله إذا أحصنت أي تزوجت قال الاسماعيلي يريد إذا حبلت من زنا على الاحصان ثم وضعت فاما وهي حبلى فلا ترجم حتى تضع وقال بن بطال معنى الترجمة هل يجب على الحبلى رجم أولا وقد استقر الاجماع على أنها لا ترجم حتى تضع قال النووي وكذا لو كان حدها الجلد لا تجلد حتى تضع وكذا من وجب عليها قصاص وهي حامل لا يقتص منها حتى تضع بالاجماع في كل ذلك وقد كان عمر أراد أن يرجم الحبلى فقال له معاذ لا سبيل لك عليها حتى تضع ما في بطنها أخرجه بن أبي شيبة ورجاله ثقات واختلف بعد الوضع فقال مالك إذا وضعت رجمت ولا ينتظر أن يكفل ولدها وقال الكوفيون لا ترجم حين تضع حتى تجد من يكفل ولدها وهو قول الشافعي ورواية عن مالك وزاد الشافعي لا ترجم حتى ترضع اللبأ وقد أخرج مسلم من حديث عمران بن حصين أن امرأة جهينة أتت النبي صلى الله عليه وسلم وهي حبلى من الزنا فذكرت أنها زنت فأمرها أن تقعد حتى تضع فلما وضعت أتته فأمر بها فرجمت وعنده من حديث بريدة أن امرأة من غامد قالت يا رسول الله طهرني فقالت انها حبلى من الزنا فقال لها حتى تضعي فلما وضعت قال لا ترجمها وتضع ولدها صغيرا ليس له من يرضعه فقام رجل فقال إلى رضاعه يا رسول الله فرجمها وفي رواية له فارضعته حتى فطمته ودفعته إلى رجل من المسلمين ورجمها وجمع بين روايتي بريدة بأن في الثانية زيادة فتحمل الاولى على أن المراد بقوله الي ارضاعه أي تربيته وجمع بين حديثي عمران وبريدة أن الجهنية كان لولدها من يرضعه بخلاف الغامدية قوله عن صالح وهو بن كيسان ووقع كذلك عند يعقوب بن سفيان في تاريخه عن عبد العزيز شيخ البخاري فيه بسنده وأخرجه الاسماعيلي من طريقه قوله عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله في رواية مالك عن الزهري أن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أخبره وأخرجه أحمد والدار قطني في الغرائب وصححه بن حبان قوله عن بن عباس في رواية مالك أن عبد الله بن عباس أخبره كنت أقرئ رجالا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف ولم أقف على اسم أحد منهم غيره زاد مالك في روايته في خلافة عمر فلم أر رجلا يجد من الاقشعريرة ما يجد عبد الرحمن عند القراءة قال الداودي فيما نقله بن التين معنى قوله كنت أقرئ رجالا أي أتعلم منهم القرآن لان بن عباس كان عند وفاة النبي صلى الله عليه وسلم انما حفظ المفصل من المهاجرين والانصار قال وهذا الذي قاله خروج عن الظاهر بل عن النص لان قوله أقرئ بمعنى أعلم قلت ويؤيد التعقب ما وقع في رواية بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر عن الزهري كنت اختلف إلى عبد الرحمن بن عوف ونحن بمنى مع عمر بن الخطاب أعلم عبد الرحمن بن عوف القرآن أخرجه بن أبي شيبة وكان بن عباس ذكيا سريع الحفظ وكان كثير من الصحابة لاشتغالهم بالجهاد لم يستوعبوا القرآن حفظا وكان من اتفق له ذلك يستدركه بعد الوفاة النبوية وإقامته بالمدينة فكانوا يعتمدون على نجباء الابناء فيقرؤونهم تلقينا للحفظ قوله فبينما أنا بمنزلي بمنى وهو عند عمر في رواية بن إسحاق فأتيته في المنزل فلم أجده فانتظرته حتى جاء قوله في آخر حجة حجها يعني عمر كان ذلك سنة ثلاث وعشرين قوله لو رأيت رجلا أتى أمير المؤمنين اليوم لم أقف على اسمه قوله هل لك في فلان لم أقف على اسمه أيضا ووقع

[ 129 ]

في رواية بن إسحاق أن من قال ذلك كان أكثر من واحد ولفظه أن رجلين من الانصار ذكرا بيعة أبي بكر قوله لقد بايعت فلانا هو طلحة بن عبيد الله أخرجه البزار من طريق أبي معشر عن زيد بن أسلم عن أبيه وعن عمير مولى غفرة بضم المعجمة وسكون الفاء قالا قدم على أبي بكر مال فذكر قصة طويلة في قسم الفئ ثم قال حتى إذا كان من آخر السنة التي حج فيها عمر قال بعض الناس لو قد مات أمير المؤمنين أقمنا فلانا يعنون طلحة بن عبيد الله ونقل بن بطال عن المهلب أن الذين عنوا أنهم يبايعونه رجلا من الانصار ولم يذكر مستنده في ذلك قوله فو الله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة بفتح الفاء وسكون اللام بعدها مثناة ثم تاء تأنيت أي فجأة وزنه ومعناه وجاء عن سحنون عن أشهب أنه كان يقولها بضم الفاء ويفسرها بانفلات الشئ من الشئ ويقول إن الفتح غلط وإنه إنما يقال فيما يندم عليه وبيعة أبي بكر مما لا يندم عليه أحد وتعقب بثبوت الروايات بفتح الفاء ولا يلزم من وقوع الشئ بغتة أن يندم عليه كل أحد بل يمكن الندم عليه من بعض دون بعض وانما أطلقوا على بيعة أبي بكر ذلك بالنسبة لمن لم يحضرها في الحال الاول ووقع في رواية بن إسحاق بعد قوله فلتة فما يمنع امرأ إن هلك هذا أن يقوم إلى من يريد فيضرب على يده فتكون أي البيعة كما كانت أي في قصة أبي بكر وسيأتي مزيد في معنى الفلتة بعد قوله فغضب عمر زاد بن إسحاق غضبا ما رأيته غضب مثله منذ كان قوله أن يغصبوهم أمورهم كذا في رواية الجميع بغين معجمة وصاد مهملة وفي رواية مالك يغتصبوهم بزيادة مثناة بعد الغين المعجمة وحكى بن التين أنه روي بالعين المهملة وضم أوله من أعضب أي صار لا ناصر له والمعضوب الضعيف وهو من عضبت الشاة إذا انكسر أحد قرنيها أو قرنها الداخل وهو المشاش والمعنى أنهم يغلبون على الامر فيضعف لضعفهم والاول أولى والمراد أنه يثبون على الامر بغير عهد ولا مشاورة وقد وقع ذلك بعد علي وفق ما حذره عمر رضي الله عنه قوله يجمع رعاع الناس وغوغاءهم الرعاع بفتح الراء وبمهملتين الجهلة الرذلاء وقيل الشباب منهم والغوغاء بمعجمتين بينهما واو ساكنة أصله صغار الجراد حين يبدأ بالطيران ويطلق على السفلة المسرعين إلى الشرب قوله يغلبون على قربك بضم القاف وسكون الراء ثم موحدة أي المكان الذي يقرب منك ووقع في رواية الكشميهني وأبي زيد المروزي بكسر القاف وبالنون وهو خطأ وفي رواية بن وهب عن مالك على مجلسك إذا قمت في الناس قوله يطيرها بضم أوله من أطار الشئ إذا أطلقه وللسرخسي يطيرها بفتح أوله أي يحملونها على غير وجهها ومثله لابن وهب وقال يطيرنها أولئك ولا يعونها أي لا يعرفون المراد بها قوله فتخلص بضم اللام بعدها مهملة أي تصل قوله لاقومن في رواية مالك فقال لئن قدمت المدينة صالحا لاكلمن الناس بها قوله أقومه في رواية الكشميهني والسرخسي أقوم بحذف الضمير قوله في عقب ذي الحجة بضم المهملة وسكون القاف وبفتحها وكسر القاف وهو أولى فان الاول يقال لما بعد التكملة والثاني لما قرب منها يقال جاء عقب الشهر بالوجهين والواقع الثاني لان قدوم عمر كان قبل أن ينسلخ ذو الحجة في يوم الاربعاء قوله عجلت الرواح في رواية الكشميهني بالرواح زاد سفيان عند البزار وجاءت الجمعة وذكرت ما حدثني عبد الرحمن بن عوف فهجرت إلى المسجد وفي رواية جويرية عن مالك عند بن حبان والدار قطني لما أخبرني قوله حين زاغت الشمس في رواية

[ 130 ]

مالك حين كانت صكه عمى بفتح الصادو تشديد الكاف وعمى بضم أوله وفتح الميم وتشديد التحتانية وقيل بتشديد الميم وزن حبلى زاد أحمد عن إسحاق بن عيسى قلت لمالك ما صكه عمى قال الاعمى قال لا يبالي أي ساعة خرج لا يعرف الحر من البرد أو نحو هذا قلت وهو تفسير معنى وقال أبو هلال العسكري المراد به اشتداد الهاجرة والاصل فيه أنه اسم رجل من العمالقة يقال له عمي غزا قوما في قائم الظهيرة فأوقع بهم فصار مثلا لكل من جاء في ذلك الوقت وقيل هو رجل من عدوان كان يفيض بالحاج عند الهاجرة فضرب به المثل وقيل المعنى أن الشخص في هذا الوقت يكون كالاعمى لا يقدر على مباشرة الشمس بعينه وقيل أصله أن الظبي يدور أي يدوخ من شدة الحر فيصك برأسه ما واجهه وللدار قطني من طريق سعيد بن داود عن مالك صكه عمي ساعة من النهار تسميها العرب وهو نصف النهار أو قريبا منه قوله فجلست حوله في رواية الاسماعيلي حذوه وكذا لمالك وفي رواية إسحاق الغروي عن مالك حذاءه وفي رواية معمر فجلست إلى جنبه تمس ركبتي ركبته قوله فلم أنشب بنون ومعجمة وموحدة أي لم أتعلق بشئ غير ما كنت فيه والمراد سرعة خروج عمر قوله أن خرج أي من مكانه إلى جهة المنبر وفي رواية مالك أن طلع عمر أي ظهر يؤم المنبر أي يقصده قوله ليقولن العشية مقالة أي عمر قوله لم يقلها منذ استخلف في رواية مالك لم يقلها أحد قط قبله قوله ما عسيت في رواية الاسماعيلي ما عسى قوله أن يقول ما لم يقل قبله زاد سفيان فغضب سعيد وقال ما عسيت وقيل أراد بن عباس أن ينبه سعيدا معتمدا على ما أخبره به عبد الرحمن ليكون على يقظة فيلقي باله لما يقوله عمر فلم يقع ذلك من سعيد موقعا بل أنكره لانه لم يعلم بما سبق لعمر وعلى بناء أن الامور استقرت قوله لا أدري لعلها بين يدي أجلي أي بقرب موتي وهو من الامور التي جرت على لسان عمر فوقعت كما قال ووقع في رواية أبي معشر المشار إليها قبل ما يؤخذ منه سبب ذلك وأن عمر قال في خطبته هذه رأيت رؤياي وما ذاك إلا عند قرب أجلي رأيت كأن ديكا نقرني وفي مرسل سعيد بن المسيب في الموطأ أن عمر لما صدر من الحج دعا الله أن بقبضه إليه غير مضيع ولا مفرط وقال في آخر القصة فما انسلخ ذو الحجة حتى قتل عمر قوله أن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق قال الطيبي قدم عمر هذا الكلام قبل ما أراد أن يقوله توطئة له ليتيقظ السامع لما يقول قوله فكان مما في رواية الكشميهني فيما قوله آية الرجم تقدم القول فيها في الباب الذي قبله قال الطيبي آية الرجم بالرفع اسم كان وخبرها من التبعيضية في قوله مما أنزل الله ففيه تقديم الخبر على الاسم وهو كثير قوله ووعيناها رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الاسماعيلي ورجم بزيادة واو وكذا لمالك قوله فأخشى في رواية معمر واني خائف قوله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله أي في الآية المذكورة التي نسخت تلاوتها وبقى حكمها وقد وقع ما خشيه عمر أيضا فأنكر الرجم طائفة من الخوارج أو معضمهم وبعض المعتزلة ويحتمل أن يكون استند في ذلك إلى توقيف وقد أخرج عبد الرزاق والطبري من وجه آخر عن بن عباس أن عمر قال سيجئ قوم يكذبون بالرجم الحديث ووقع في رواية سعيد بن إبراهيم عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة في حديث عمر عند النسائي وأن ناسا يقولون ما بال الرجم وانما في كتاب الله الجلد ألا قد رجم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه إشارة إلى أن عمر استحضر أن ناسا قالوا ذلك فرد عليهم وفي الموطأ عن يحيى بن

[ 131 ]

سعيد عن سعيد بن المسيب عن عمر إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم أن يقول قائل لا أجد حدين في كتاب الله فقد رجم قوله والرجم في كتاب الله حق أي في قوله تعالى أو يجعل الله لهن سبيلا فبين النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد به رجم الثيب وجلد البكر كما تقدم التنبيه عليه في قصة العسيف قريبا قوله إذا قامت البينة أي بشرطها قوله إذا أحصن أي كان بالغا عاقلا قد تزوج حرة تزويجا صحيحا وجامعها قوله أو كان الحبل بفتح المهملة والموحدة في رواية معمر الحمل أي وجدت المرأة الخلية من زوج أو سيد حبلى ولم تذكر شبهة ولا إكراه قوله أو الاعتراف أيي الاقرار بالزنا والاستمرار عليه وفي رواية سفيان أو كان حملا أو اعترافا ونصب على نزع الخافض أي كان الزنا عن حمل أو عن اعتراف قوله ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أي مما نسخت تلاوته قوله لا ترغبوا عن آبائكم أي لا تنتسبوا إلى غيرهم قوله فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم أو إن كفر بكم كذا هو بالشك وكذا في رواية معمر بالشك لكن قال لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أو إن كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم ووقع في رواية جويرية عن مالك فان كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم قوله ألا ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية مالك ألا وإن بالواو بدل ثم وألا بالتخفيف حرف افتتاح كلام غير الذي قبله قوله لا تطروني هذا القدر مما سمعه سفيان من الزهري أفرده الحميدي في مسنده عن بن عيينة سمعت الزهري به وقد تقدم مفردا في ترجمة عيسى عليه السلام من أحاديث الانبياء عن الحميدي بسنده هذا وتقدم شرح الاطراء قوله كما أطري عيسى في رواية سفيان كما أطرت النصارى عيسى قوله وقولوا عبد الله في رواية مالك فانما أنا عبد الله فقولوا قال بن الجوزي لا يلزم من النهي عن الشئ وقوعه لانا لا نعلم أحدا ادعى في نبينا ما ادعته النصارى في عيسى وانما سبب النهي فيما يظهر ما وقع في حديث معاذ بن جبل لما استأذن في السجود له فامتنع ونهاه فكأنه خشي أن يبالغ غيره بما هو فوق ذلك فبادر إلى النهي تأكيدا للامر وقال بن التين معنى قوله لا تطروني لا تمدحوني كمدح النصارى حتى غلا بعضهم في عيسى فجعله إلها مع الله وبعضهم ادعى أنه هو الله وبعضهم بن الله ثم أردف النهي بقوله أنا عبد الله قال والنكتة في إيراد عمر هذه القصة هنا أنه خشي عليهم الغلو يعني خشي على من لا قوة له في الفهم أن يظن بشخص استحقاقه الخلافة فيقوم في ذلك مع أن المذكور لا يستحق فيطريه بما ليس فيه فيدخل في النهي ويحتمل أن تكون المناسبة أن الذي وقع منه في مدح أبي بكر ليس من الاطراء المنهي عنه ومن ثم قال وليس فيكم مثل أبي بكر ومناسبة إيراد عمر قصة الرجم والزجر عن الرغبة عن الآباء في القصة التي خطب بسببها وهي قول القائل لو مات عمر لبايعت فلانا أنه أشار بقصة الرجم إلى زجر من يقول لا أعمل في الاحكام الشرعية إلا بما وجدته في القرآن وليس في القرآن تصريح باشتراط التشاور إذا مات الخليفة بل انما يؤخذ ذلك من جهة السنة كما أن الرجم ليس فيما يتلى من القرآن وهو مأخوذ من طريق السنة وأما الزجر عن الرغبة عن الآباء فكأنه أشار إلى أن الخليفة يتنزل للرعية منزلة الاب فلا يجوز لهم أن يرغبوا إلى غيره بل يجب عليهم طاعته بشرطها كما تجب طاعة الاب هذا الذي ظهر لي من المناسبة والعلم عند الله تعالى قوله ألا وإنها أي بيعة أبي بكر قوله قد كانت

[ 132 ]

كذلك أي فلتة وصرح بذلك في رواية إسحاق بن عيسى عن مالك حكى ثعلب عن بن الاعرابي وأخرجه سيف في الفتوح بسنده عن سالم بن عبد الله بن عمر نحوه قال الفلتة الليلة التي يشك فيها هل هي من رجب أو شعبان وهل من المحرم أو صفر كان العرب لا يشهرون السلاح في الاشهر الحرم فكان من له ثأر تربص فإذا جاءت تلك الليلة انتهز الفرصة من قبل أن يتحقق انسلاح الشهر فيتمكن ممن يريد إيقاع الشر به وهو آمن فيترتب على ذلك الشر الكثير فشبه عمر الحياة النبوية بالشهر الحرام والفلتة بما وقع من أهل الردة ووقى الله شر ذلك ببيعة أبي بكر لما وقع منه من النهوض في قتالهم وإخماد شوكتهم كذا قال والاولى أن يقال الجامع بينهما انتهاز الفرصة لكن كان ينشأ عن أخذ الثأر الشر الكثير فوقى الله المسلمين شر ذلك فلم ينشأ عن بيعة أبي بكر شر بل أطاعه الناس كلهم من حضر البيعة ومن غاب عنها وفي قوله وقى الله شرها إيماء إلى التحذير من الوقوع في مثل ذلك حيث لا يؤمن من وقوع الشر والاختلاف قوله ولكن الله وقى شرها أي وقاهم ما في العجلة غالبا من الشر لان من العادة أن من لم يطلع على الحكمة في الشئ الذي يفعل بغتة لا يرضاه وقد بين عمر سبب إسراعهم ببيعة أبي بكر لما خشوا أن يبايع الانصار سعد بن عبادة قال أبو عبيدة عاجلوا ببيعة أبي بكر خيفة انتشار الامر وأن يتعلق به من لا يستحقه فيقع الشر وقال الداودي معنى قوله كانت فلتة أنها وقعت من غير مشورة مع جميع من كان ينبغي أن يشاور وأنكر هذه الكرابيسي صاحب الشافعي وقال بل المراد أن أبا بكر ومن معه تفلتوا في ذهابهم إلى الانصار فبايعوا أبا بكر بحضرتهم وفيهم من لا يعرف ما يجب عليه من بيعته فقال منا أمير ومنكم أمير فالمراد بالفلتة ما وقع من مخالفة الانصار وما أرادوه من مبايعة سعد بن عبادة وقال بن حبان معنى قوله كانت فلتة أن ابتدائها كان عن غير ملا كثير والشئ إذا كان كذلك يقال له الفلتة فيتوقع فيه ما لعله يحدث من الشر بمخالفة من يخالف في ذلك عادة فكفى الله المسلمين الشر المتوقع في ذلك عادة لا أن بيعة أبي بكر كان فيها شر قوله وليس فيكم من تقطع الاعناق إليه مثل أبي بكر قال الخطابي يريد أن السابق منكم الذي لا يلحق في الفضل لا يصل إلى منزلة أبي بكر فلا يطمع أحد أن يقع له مثل ما وقع لابي بكر من المبايعة له أولا في الملا اليسير ثم اجتماع الناس عليه وعدم اختلافهم عليه لما تحققوا من استحقاقه فلم يحتاجوا في أمره إلى نظر ولا إلى مشاورة أخرى وليس غيره في ذلك مثله انتهى ملخصا وفيه إشارة إلى التحذير من المسارعة إلى مثل ذلك حيث لا يكون هناك مثل أبي بكر لما اجتمع فيه من الصفات المحمودة من قيامه في أمر الله ولين جانب المسلمين وحسن خلقه ومعرفته بالسياسة وورعه التام ممن لا يوجد فيه مثل صفاته لا يؤمن من مبايعته عن غير مشورة الاختلاف الذي ينشأ عنه الشر وعبر بقوله تقطع الاعناق لكون الناظر إلى السابق تمتد عنقه لينظر فإذا لم يحصل مقصوده من سبق من يريد سبقه قيل انقطعت عنقه أو لان المتسابقين تمتد إلى رؤيتها الاعناق حتى يغيب السابق عن النظر فعبر عن امتناع نظره بانقطاع عنقه وقال بن التين هو مثل يقال للفرس الجواد تقطعت أعناق الخيل دون لحاقه ووقع في رواية أبي معشر المذكورة ومن أين لنا مثل أبي بكر تمد أعناقنا إليه قوله من غير في رواية الكشميهني عن غير مشورة بضم المعجمة وسكون الواو وبسكون المعجمة وفتح الواو فلا يبايع بالموحدة وجاء بالمثناة وهي أولى لقوله هو والذي تابعه

[ 133 ]

قوله تغرة أن يقتلا بمثناة مفتوحة وغين معجمة مكسورة وراء ثقيلة بعدها هاء تأنيت أي حذرا من القتل وهو مصدر من أغررته تغريرا أو تغرة والمعنى أن من فعل ذلك فقد غرر بنفسه وصاحبه وعرضهما للقتل قوله وإنه قد كان من خبرنا كذا للاكثر من الخبر بفتح الموحدة ووقع للمستملي بسكون التحتانية والضمير لابي بكر وعلى هذا فيقرأ ان الانصار بالكسر على أنه ابتداء كلام آخر وعلى رواية الاكثر بفتح همزة أن على أنه خبر كان قوله خالفونا أي لم يجتمعوا معنا في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وخالف عنا علي والزبير ومن معهما في رواية مالك ومعمر وأن عليا والزبير ومن كان معهما تخلفوا في بيت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا في رواية سفيان لكن قال العباس بدل الزبير قوله يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا زاد في رواية جويرية عن مالك فبينما نحن في منزل رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا برجل ينادي من وراء الجدار أخرج الي يا بن الخطاب فقلت إليك عني فاني مشغول قال أخرج الي فإنه قد حدث أمر إن الانصار اجتمعوا فأدركوهم قبل أن يحدثوا أمرا يكون بينكم فيه حرب فقلت لابي بكر انطلق قوله فانطلقنا نريدهم زاد جويرية فلقينا أبو عبيدة بن الجراح فأخذ أبو بكر بيده يمشي بيني وبينه قوله لقينا رجلان صالحان في رواية معمر عن بن شهاب شهدا بدرا كما تقدم في غزوة بدر وفي رواية بن إسحاق رجلا صدق عويم بن ساعدة ومعن بن عدي كذا أدرج تسميتهما وبين مالك أنه قول عروة ولفظه قال بن شهاب أخبرني عروة أنهما معن بن عدي وعويم بن ساعدة وفي رواية سفيان قال الزهري هما ولم يذكر عروة ثم وجدته من رواية صالح بن كيسان رواية في هذا الباب بزيادة فأخرجه الاسماعيلي من طريقه وقال فيه قال بن شهاب وأخبرني عروة الرجلين فسماهما وزاد فأما عويم فهو الذي بلغنا أنه قيل يا رسول الله من الذين قال الله فيهم رجال يحبون أن يتطهروا قال نعم المرء منهم عويم بن ساعدة وأما معن فبلغنا أن الناس بكوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حين توفاه الله وقالوا وددنا أنا متنا قبله لئلا نفتتن بعده فقال معن بن عدي والله ما أحب أن لو مت قبله حتى أصدقه ميتا كما صدقته حيا واستشهد باليمامة قوله ما تمالا بفتح اللام والهمز أي أتفق وفي رواية مالك الذي صنع القوم أي من اتفاقهم على أن يباعوا لسعد بن عبادة قوله لا عليكم أن لا تقربوهم لا بعد أن زائده قوله اقضوا أمركم في رواية سفيان أمهلوا حتى تقضوا أمركم ويؤخذ من هذا أن الانصار كلها لم تجتمع على سعد بن عبادة قوله مزمل بزاي وتشديد الميم المفتوحة أي ملفف قوله بين ظهرانيهم بفتح المعجمة والنون أي في وسطهم قوله يوعك بضم أوله وفتح المهملة أي يحصل له الوعك وهو الحمى بنافض ولذلك زمل وفي رواية سفيان وعك بصيغة الفعل الماضي وزعم بعض الشراح أن ذلك وقع لسعد من هول ذلك المقام وفيه نظر لان سعدا كان من الشجعان والذين كانوا عنده أعوانه وأنصاره وقد اتفقوا على تأميره وسياق عمر يقتضي أنه جاء فوجده موعوكا فلو كان ذلك حصل له بعد كلام أبي بكر وعمر لكان له بعض اتجاه لان مثله قد يكون من الغيض وأما قبل ذلك فلا وقد وقع في رواية الاسماعيلي قالوا سعد وجع يوعك وكأن سعدا كان موعوكا فلما اجتمعوا إليه في سقيفة بني ساعدة وهي منسوبة إليه لانه كان كبير بني ساعدة خرج إليهم من منزله وهو بتلك الحالة فطرقهم أبو بكر وعمر في تلك الحالة قوله تشهد خطيبهم لم

[ 134 ]

أقف على اسمه وكان ثابت بن قيس بن شماس يدعى خطيب الانصار فالذي يظهر أنه هو قوله وكتيبة الاسلام الكتيبة بمثناة ثم موحدة وزن عظيمة وجمعها كتائب هي الجيش المجتمع الذي لا يتقشر وأطلق عليهم ذلك مبالغة كأنه قال لهم أنتم مجتمع الاسلام قوله وأنتم معشر في رواية الكشميهني معاشر قوله رهط أي قليل وقد تقدم أنه يقال للعشرة فما دونها زاد بن وهب في روايته منا وكذا لمعمر وهو يرفع الاشكال فإنه لم يرد حقيقة الرهط وانما أطلقه عليهم بالنسبة إليهم أي أنتم بالنسبة إلينا قليل لان عدد الانصار في المواطن النبوية التي ضبطت كانوا دائما أكثر من عدد المهاجرين وهو بناء على أن المراد بالمهاجرين من كان مسلما قبل فتح مكة وهو المعتمد وإلا فلو أريد عموم من كان غير الانصار لكانوا أضعاف أضعاف الانصار قوله وقد دفت دافة من قومكم بالدال المهملة والفاء أي عدد قليل وأصله من الدف وهو السير البطئ في جماعة قوله يختزلونا بخاء معجمة وزاي أي يقتطعونا عن الامر وينفردوا به دوننا وقال أبو زيد خزلته عن حاجته عوقته عنها والمراد هنا بالاصل ما يستحقونه من الامر وقوله وأن يحضنونا بحاء مهملة وضاد معجمة ووقع في رواية المستملي أي يخرجونا قاله أبو عبيد وهو كما يقال حضنه واحتضنه عن الامر أخرجه في ناحية عنه واستبد به أو حبسه عنه ووقع في رواية أبي علي بن السكن يختصونا بمثناة قبل الصاد المهملة وتشديدها ومثله للكشميهني لكن بضم الخاء بغير تاء وهي بمنع الاقتطاع والاستئصال وفي رواية سفيان عند البزار ويختصون بالامر أو يستأثرون بالامر دوننا وفي رواية أبي بكر الحنفي عن مالك عند الدارقطني ويخطفون بخاء معجمة ثم طاء مهملة ثم فاء والروايات كلها متفقة على أن قوله فإذا هم الخ بقية كلام خطيب الانصار لكن وقع عند بن ماجة بعد قوله وقد دفت دافة من قومكم قال عمر فإذا هم يريدون الخ وزيادة قوله هنا قال عمر خطأ والصواب أنه كله كلام الانصار ويدل له قول عمر فلما سكت وعلى ذلك شرحه الخطابي فقال قوله رهط أي أن عددكم قليل بالاضافة للانصار وقوله دفت دافة من قومكم يريد أنكم قوم طرأة غرباء أقبلتم من مكة إلينا ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا قوله فلما سكت أي خطيب الانصار وحاصل ما تقدم من كلامه أنه أخبر أن طائفة من المهاجرين أرادوا أن يمنعوا الانصار من أمر تعتقد الانصار أنهم يستحقونه وانما عرض بذلك بأبي بكر وعمر ومن حضر معهما قوله أردت أن اتكلم وكنت قد زورت بزاي ثم راء أي هيأت وحسنت وفي رواية مالك رويت براء واو ثقيلة ثم تحتانية ساكنة من الرؤية ضد البديهة ويؤيده قول عمر بعد فما ترك كلمة وفي رواية مالك ما ترك من كلمة أعجبتني في رويتي إلا قالها في بديهته وفي حديث عائشة وكان عمر يقول والله ما أردت لذلك إلا أني قد هيأت كلاما قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر قوله على على رسلك بكسر الراء وسكون المهملة ويجوز الفتح أي على مهلك بفتحين وقد تقدم بيانه في الاعتكاف وفي حديث عائشة الماضي في مناقب أبي بكر فأسكته أبو بكر قوله أن أغضبه بغين ثم ضاد معجمتين ثم موحدة وفي رواية الكشميهني بمهملتين ثم ياء آخر الحروف قوله فكان هو أحلم مني وأوقر في حديث عائشة فتكلم أبلغ الناس قوله ما ذكرتم فيكم من خير فانتم له أهل زاد بن إسحاق في روايته عن الزهري إنا والله يا معشر الانصار ما ننكر فضلكم ولا بلاءكم في الاسلام ولا حقكم الواجب علينا قوله ولن يعرف بضم أوله على البناء للمجهول

[ 135 ]

وفي رواية مالك ولن تعرف العرب هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش وكذا في رواية سفيان وفي رواية بن إسحاق قد عرفتم أن هذا الحي من قريش بمنزلة من العرب ليس بها غيرهم وأن العرب لا تجتمع إلا على رجل منهم فاتقوا الله لا تصدعوا الاسلام ولا تكونوا أول من أحدث في الاسلام قوله هم أوسط العرب في رواية الكشميهني هو بدل هم والاول أوجه وقد بينت في مناقب أبي بكر أن أحمد أخرج من طريق حميد بن عبد الرحمن عن أبي بكر الصديق أنه قال يومئذ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الائمة من قريش وسقت الكلام على ذلك هناك وسيأتي القول في حكمه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى قوله وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين زاد عمر بن مرزوق عن مالك عند الدارقطني هنا فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وقد ذكرت في هذا الحديث مفاخرة وتقدم ما يتعلق بذلك في مناقب أبي بكر قوله فقال قائل الانصار في رواية الكشميهني من الانصار وكذا في رواية مالك وقد سماه سفيان في روايته عند البزار فقال حباب بن المنذر لكنه من هذه الطريق مدرج فقد بين مالك في روايته عن الزهري أن الذي سماه سعيد بن المسيب فقال قال بن شهاب فأخبرني سعيد بن المسيب أن الحباب بن المنذر هو الذي قال أنا جذيلها المحكك وتقدم موصولا في حديث عائشة فقال أبو بكر نحن الامراء وأنتم الوزراء فقال الحباب بن المنذر لا والله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير وتقدم تفسير المرجب والمحكك هناك وهكذا سائر ما يتعلق ببيعة أبي بكر المذكورة مشروحا وزاد إسحاق بن الطباع هناك فقلت لمالك ما معناه قال كأنه يقول أنا داهيتها وهو تفسير معنى زاد سفيان في روايته هنا والا اعدنا الحرب بيننا وبينكم خدعة فقلت إنه لا يصلح سيفان في غمد واحد ووقع عند معمر أن راوي ذلك قتادة فقال قال قتادة قال عمر لا يصلح سيفان في غمد واحد ولكن منا الامراء ومنكم الوزراء ووقع عند بن سعد بسند صحيح من مرسل القاسم بن محمد قال اجتمعت الانصار إلى سعد بن عبادة فأتاهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة فقام الحباب بن المنذر وكان بدريا فقال منا أمير ومنكم أمير فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الامر ولكنا نخاف أن يليها أقوام قتلنا آباءهم وإخوتهم فقال عمر إذا كان ذلك فمت ان استطعت قال الخطابي الحامل للقائل منا أمير ومنكم أمير أن العرب لم تكن تعرف السيادة على قوم إلا لمن يكون منهم وكأنه لم يكن يبلغه حكم الامارة في الاسلام واختصاص ذلك بقريش فلما بلغه أمسك عن قوله وبايع هو وقومه أبا بكر قوله حتى فرقت بفتح الفاء وكسر الراء ثم قاف من الفرق بفتحتين وهو الخوف وفي رواية مالك حتى خفت وفي رواية جويرية حتى أشفقنا الاختلاف ووقع في رواية بن إسحاق المذكورة فيما أخرجه الذهلي في الزهريات بسند صحيح عنه حدثني عبد الله بن أبي بكر عن الزهري عن عبيد الله عن بن عباس عن عمر قال قلت يا معشر الانصار إن أولى الناس بنبي الله ثاني اثنين إذ هما في الغار ثم أخذت بيده ووقع بحديث بن مسعود عند أحمد والنسائي من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه أن عمر قال يا معشر الانصار ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يؤم بالناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر فقالوا نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر وسنده حسن وله شاهد من حديث سالم بن عبيد الله عن عمر أخرجه النسائي أيضا وآخر من طريق رافع بن عمرو الطائي أخرجه الاسماعيلي في مسند عمر بلفظ فأيكم يجترئ أن يتقدم أبا بكر فقالوا لا أينا وأصله

[ 136 ]

عند أحمد وسنده جيد وأخرج الترمذي وحسنه وابن حبان في صحيحه من حديث أبي سعيد قال قال أبو بكر ألست أحق الناس بهذا الامر ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا قوله فبايعته وبايعه المهاجرون فيه رد على قول الداودي فيما نقله بن التين عنه حيث أطلق أنه لم يكن مع أبي بكر حينئذ من المهاجرين إلا عمر وأبو عبيدة وكأنه استصحب الحال المنقولة في توجههم لكن ظهر من قول عمر وبايعه المهاجرون بعد قوله بايعته أنه حضر معهم جمع من المهاجرين فكأنهم تلاحقوا بهم لما بلغهم أنهم توجهوا إلى الانصار فلما بايع عمر أبا بكر وبايعه من حضر من المهاجرين على ذلك بايعه حين قامت الحجة عليهم بما ذكره أبو بكر وغيره قوله ثم بايعته الانصار في رواية بن إسحاق المذكورة قريبا ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الانصار فضرب على يده قبل أن أضرب على يده ثم ضربت على يده فتتابع الناس والرجل المذكور بشير بن سعد والد النعمان قوله ونزونا بنون وزاي مفتوحة أي وتبنا قوله فقلت قتل الله سعد بن عبادة تقدم بيانه في شرح حديث عائشة في مناقب أبي بكر وسيأتي في الاحكام من وجه آخر عن الزهري قال أخبرني أنس أنه سمع خطبة عمر الآخرة من الغد من يوم توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر صامت لا يتكلم فقص البيعة العامة ويأتي شرحها هناك قوله وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا بصيغة الفعل الماضي قوله من أمر في موضع المفعول أي حضرنا في تلك الحالة أمورا فما وجدنا فيها أقوى من سابقة أبي بكر والامور التي حضرت حينئذ الاشتغال بالمشاورة واستيعاب من يكون أهلا لذلك وجعل بعض الشراح منها الاشتغال بتجهيز النبي صلى الله عليه وسلم ودفنه وهو محتمل لكن ليس في سياق القصة اشعار به بل تعليل عمر يرشد إلى الحصر فيما يتعلق بالاستخلاف قوله فاما بايعناهم في رواية الكشميهني بمثناة وبعد الالف موحدة قوله على ما نرضى في رواية مالك على ما لا نرضى وهو الوجه وبقية الكلام ترشد إلى ذلك قوله فمن بايع رجلا في رواية مالك فمن تابع رجلا قوله فلا يتابع هو ولا الذي بايعه في رواية معمر من وجه آخر عن عمر من دعي إلى إمارة من غير مشورة فلا يحل له أن يقبل وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أخذ العلم عن أهله وإن صغرت سن المأخوذ عنه عن الآخذ وكذا لو نقص قدره عن قدره وفيه التنبيه على أن العلم لا يودع عند غير أهله ولا يحدث به إلا من يعقله ولا يحدث القليل الفهم بما لا يحتمله وفيه جواز إخبار السلطان بكلام من يخشى منه وقوع أمر فيه إفساد للجماعة ولا يعد ذلك من النميمة المذمومة لكن محل ذلك أن يبهمه صونا له وجمعا له بين المصلحتين ولعل الواقع في هذه القصة كان كذلك واكتفى عمر بالتحذير من ذلك ولم يعاقب الذي قال ذلك ولا من قيل عنه وبنى المهلب على ما زعم أن المراد مبايعة شخص من الانصار فقال إن في ذلك مخالفة لقول أبي بكر ان العرب لا تعرف هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش فان المعروف هو الشئ الذي لا يجوز خلافه قلت والذي يظهر من سياق القصة أن إنكار عمر انما هو على من أراد مبايعة شخص على غير مشورة من المسلمين ولم يتعرض لكونه قرشيا أو لا وفيه أن العظيم يحتمل في حقه من الامور المباحة ما لا يحتمل في حق غيره لقول عمر وليس فيكم من تمد إليه الاعناق مثل أبي بكر أي فلا يلزم من احتمال المبادرة إلى بيعته عن غير تشاور عام أن يباح ذلك لكل أحد من الناس لا يتصف بمثل صفة أبي بكر قال المهلب

[ 137 ]

وفيه أن الخلافة لا تكون إلا في قريش وأدلة ذلك كثيرة ومنها أنه صلى الله عليه وسلم أوصى من ولي أمر المسلمين بالانصار وفيه دليل واضح على أن لا حق لهم في الخلافة كذا قال وفيه نظر سيأتي بيانه عند شرح باب الامراء من قريش من كتاب الاحكام وفيه أن المرأة إذا وجدت حاملة ولا زوج لها ولا سيد وجب عليها الحد إلا أن تقيم بينة على الحمل أو الاستكراه وقال بن العربي إقامة الحمل عليه إذا ظهر ولد لم يسبقه سبب جائز يعلم قطعا أنه من حرام ويسمى القياس الدلالة كالدخان على النار ويعكر عليه احتمال أن يكون الوطئ من شبهة وقال بن القاسم إن ادعت الاستكراه وكانت غريبة فلا حد عليها وقال الشافعي والكوفيون لا حد عليها إلا ببينة أو إقرار وحجة مالك قول عمر في خطبته ولم ينكرها أحد وكذا لو قامت القرينة على الاكراه أو الخطأ قال المازري في تصديق المرأة الخلية إذا ظهر بها حمل فادعت الاكراه خلاف هل يكون ذلك شبهة أم يجب عليها الحد لحديث عمر قال بن عبد البر قد جاء عن عمر في عدة قضايا أنه درأ الحد بدعوى الاكراه ونحوه ثم ساق من طريق شعبة عن عبد الملك بن ميسرة عن النزال بن سبرة قال إنا لمع عمر بمنى فإذا بامرأة حبلى ضخمة تبكي فسألها فقالت اني ثقيلة الرأس فقمت بالليل أصلي ثم نمت فما استيقظت إلا ورجل قد ركبني ومضى فما أدري من هو قال فدرأ عنها الحد وجمع بعضهم بأن من عرف منها مخايل الصدق في دعوى الاكراه قبل منها وأما المعروفة في البلد التي لا تعرف بالدين ولا الصدق ولا قرينة معها على الاكراه فلا ولا سيما إن كانت متهمة وعلى الثاني يدل قوله أو كان الحبل واستنبط منه الباجي أن من وطئ في غير الفرج فدخل ماؤه فيه فادعت المرأة أن الولد منه لا يقبل ولا يلحق به إذا لم يعترف به لانه لو لحق به لما وجب الرجم على حبلى لجواز مثل ذلك وعكسه غيره فقال هذا يقتضى أن لا يجب على الحبلى بمجرد الحبل حد لاحتمال مثل هذه الشبهة وهو قول الجمهور وأجاب الطحاوي أن المستفاد من قول عمر الرجم حق على من زنى أن الحبل إذا كان من زنا وجب فيه الرجم وهو كذلك ولكن لابد من ثبوت كونه من زنى ولا ترجم بمجرد الحبل مع قيام الاحتمال فيه لان عمر لما أتى بالمرأة الحبلى وقالوا انها زنت وهي تبكي فسألها ما يبكيك فأخبرت أن رجلا ركبها وهي نائمه فدرأ عنها الحد بذلك قلت ولا يخفى تكلفه فان عمر قابل الحبل بالاعتراف وقسيم الشئ لا يكون قسمه وانما اعتمد من لا يرى الحد بمجرد الحبل قيام الاحتمال بأنه ليس عن زنى محقق وأن الحد يدفع بالشبهة والله أعلم وفيه أن من اطلع على أمر يريد الامام أن يحدثه فله أن ينبه غيره عليه إجمالا ليكون إذا سمعه على بصيرة كما وقع لابن عباس مع سعيد بن زيد وإنما أنكر سعيد على بن عباس لان الاصل عنده أن أمور الشرع قد استقرت فهما أحدث بعد ذلك انما يكون تفريعا عليها وانما سكت بن عباس عن بيان ذلك له علمه بأنه سيسمع ذلك من عمر على الفور وفيه جواز الاعتراض على الامام في الرأي إذا خشي أمرا وكان فيما أشار به رجحان على ما أراده الامام واستدل به على أن أهل المدينة مخصوصون بالعلم والفهم لاتفاق عبد الرحمن بن عوف وعمر على ذلك كذا قال المهلب فيما حكاه بن بطال وأقره وهو صحيح في حق أهل ذلك العصر ويلتحق بهم من ضاهاهم في ذلك ولا يلزم من ذلك أن يستمر ذلك في كل عصر بل ولا في كل فرد فرد وفيه الحث على تبليغ العلم ممن حفظه وفهمه وحث من لا يفهم على عدم التبليغ الا ان كان يورده بلفظه ولا يتصرف فيه وأشار المهلب إلى أن مناسبة إيراد

[ 138 ]

عمر حديث لا ترغبوا عن آباكم وحديث الرجم من جهة أنه أشار إلى أنه لا ينبغي لاحد أن يقطع فيما لا نص فيه من القرآن أو السنة ولا يتسور برايه فيه فيقول أو يعمل بما تزين له نفسه كما يقطع الذي قال لو مات عمر بايعت فلانا لما لم يجد شرط من يصلح للامامة منصوصا عليه في الكتاب فقاس ما أراد أن يقع له بما وقع في قصة أبي بكر فأخطأ القياس لوجود الفارق وكان الواجب عليه أن يسأل أهل العلم بالكتاب والسنة عنه ويعمل بما يدلونه عليه فقدم عمر قصه الرجم وقصة النهي عن الرغبة عن الآباء وليسا منصوصين في الكتاب المتلو وان كانا مما أنرل الله واستمر حكمهما ونسخت تلاوتهما ولكن ذلك مخصوص بأهل العلم ممن اطلع على ذلك والا فالاصل ان كل شئ نسخت تلاوته نسخ حكمه وفي قوله أخشى إن طال بالناس زمان إشارة إلى دروس العلم مع مرور الزمن فيجد الجهال السبيل إلى التأويل بغير علم وأما الحديث الآخر وهو لا تطروني ففيه إشارة إلى تعليمهم ما يخشى عليهم جهله قال وفيه اهتمام الصحابة وأهل القرن الاول بالقرآن والمنع في الزيادة قي المصحف وكذا منع النقص بطريق الاولى لان الزيادة انما تمنع لئلا يضاف إلى القرآن ما ليس منه فاطراح بعضه أشد قال وهذا يشعر بأن كل ما نقل عن السلف كأبي بن كعب وابن مسعود من الزيادة ليست في الامام انما هي على سبيل التفسير ونحوه قال ويحتمل أن يكون ذلك كان في أول الامر ثم استقر الاجماع على ما في الامام وبقيت تلك الروايات تنقل لا على أنها ثبتت في المصحف وفيه دليل على أن من خشي من قوم فتنة وأن لا يجيبوا إلى امتثال الامر الحق أن يتوجه إليهم ويناظرهم ويقيم عليهم الحجة وقد أخرج النسائي من حديث سالم بن عبيد الله قال اجتمع المهاجرون يتشاورون فقالوا انطلقوا بنا إلى إخواننا الانصار فقالوا منا أمير ومنكم أمير فقال عمر فسيفان في غمد إذا لا يصلحان ثم أخد بيد أبي بكر فقال من له هذه الثلاثة إذ يقول لصاحبه لا تحزن ان الله معنا من صاحبه إذ هما في الغار من هما فبايعه وبايعه الناس أحسن بيعه وأجملها وفيه أن للكبير القدر أن يتواضع ويفضل من هو دونه على نفسه أدبا وفرارا من تزكية نفسه ويدل عليه أن عمر لما قال له أبسط يدك لم يمتنع وفيه أنه لا يكون للمسلمين أكثر من إمام وفيه جواز الدعاء على من يخشى في بقائه فتنة واستدل به على أن من قدف غيره عند الامام لم يجب على الامام أن يقيم عليه الحد حتى يطلبه المقدوف لان له أن يعفو عن قاذفه أو يريد الستر وفيه أن على الامام إن خشي من قوم الوقوع في محذور أن يأتيهم فيعظم ويحذرهم قبل الايقاع بهم وتمسك بعض الشيعه بقول أبي بكر قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين بأنه لم يكن يعتقد وجوب إمامته ولا استحقاقه للخلافه والجواب من أوجه أحدهما أن ذلك كان تواضعا منه والثاني لتجويزه امامة المفضول مع وجود الفاضل وان كان من الحق له فله أن يتبرع لغيره الثالث أنه علم أن كلا منهما لا يرضى أن يتقدمه فأراد بذلك الاشارة إلى أنه لو قدر أنه لا يدخل في ذلك لكان الامر منحصرا فيهما ومن ثم لما حضره الموت استحلف عمر لكون أبو عبيدة كان أذ ذاك غائبا في جهاد أهل الشام متشاغلا بفتحها وقد دل قول عمر لان أقدم فتضرب عنقي الخ على صحة الاحتمال المذكور وفيه إشارة ذي الرأي على الامام بالمصلحة العامة بما ينفع عموما أو خصوصا وان لم يستشره ورجوعه إليه عند وضوح الصواب واستدل بقول أبي بكر أحد هذين الرجلين أن شرط الامام أن يكون واحدا وقد ثبت النص الصريح في حديث مسلم إذا بايعوا لخليفتين

[ 139 ]

فاقتلوا الآخر منهما وان كان بعضهم أوله بالخلع والاعراض عنه فيصير كمن قتل وكذا قال الخطابي في قول عمر في حق سعد اقتلوه أي اجعلوه كمن قتل قوله باب البكران يجلدان وينفيان هذه الترجمة لفظ خبر أخرجه بن أبي شيبة من طريق الشعبي عن مسروق عن أبي بن كعب مثله وزاد والثيبان يجلدان ويرجمان وأخرج بن المنذر الزيادة بلفظ والثيبان يرجمان واللذان بلغا سنا يجلدان ثم يرجمان وأخرج عبد الرزاق عن الثوري عن الاعمش عن مسروق البكران يجلدان وينفيان والثيبان يرجمان ولا يجلدان والشيخان يجلدان ثم يرجمان ورجاله رجال الصحيح وقد تقدمت الاشارة إلى هذه الزيادة في باب رجم المحصن ونقل محمد بن نصر في كتاب الاجماع الاتفاق على نفي الزاني الا عن الكوفيين ووافق الجمهور منهم بن أبي ليلى وأبو يوسف وادعى الطحاوي أنه منسوخ وسأذكره في باب لا تغريب على الامة ولا تنفى واختلف القائلون فقال الشافعي والثوري وداود والطبري بالتعميم وفي قول للشافعي لا ينفى الرقيق وخص الاوزاعي النفي بالذكورية وبه قال مالك وقيده بالحرية وبه قال إسحاق وعن أحمد روايتان واحتج من شرط الحرية بأن في نفي العبد عقوبة لمالكه لمنعه منفعته مدة نفيه وتصرف الشرع يقتضى أن لا يعاقب إلا الجاني ومن ثم سقط فرض الحج والجهاد عن العبد وقال بن المنذر أقسم النبي صلى الله عليه وسلم في قصة العسيف أنه يقضى فيه بكتاب الله ثم قال ان عليه جلد مائة وتغريب عام وهو المبين لكتاب الله وخطب عمر بذلك على رؤوس الناس وعمل به الخلفاء الراشدون فلم ينكره أحد فكان إجماعا واختلف في المسافة التي ينفى إليها فقيل هو إلى رأي الامام وقيل يشترط مسافة القصر وقيل إلى ثلاثة أيام وقيل إلى يومين وقيل يوم وليلة وقيل من عمل إلى عمل وقيل إلى ميل وقيل إلى ما ينطلق عليه اسم نفي وشرط المالكية الحبس في المكان الذي ينفي إليه وسيأتي البحث فيه في باب لا تغريب على الامة ولا نفى ومن عجيب الاستدلال احتجاج الطحاوي لسقوط النفي أصلا بأن نفي الامة ساقط بقوله بيعوها كما سيأتي تقريره قال وإذا سقط عن الامة سقط عن الحر لانها في معناها ويتأكد بحديث لا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم قال وإذا انتفى أن يكون على النساء نفي انتفى أن يكون على الرجال كذا قال وهو مبني على أن العموم إذا سقط خص الاستدلال به وهو مذهب ضعيف جدا قوله الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله الآية كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة إلى قوله المؤمنين والمراد بذكر هذه الآية أن الجلد ثابت بكتاب الله وقام الاجماع ممن يعتد به على اختصاصه بالبكر وهو غير المحصن وقد تقدم بيان المحصن في باب رجم المحصن واختلفوا في كيفية الجلد فعن مالك يختص بالظهر لقوله في حديث اللعان البينة وإلا جلد في ظهرك وقال غيره يفرق على الاعضاء ويتقى الوجه والرأس ويجلد في الزنا والشرب والتعزير قائما مجردا والمرأة قاعدة وفي القذف وعليه ثيابه وقال أحمد وإسحاق وأبو ثور لا يجرد أحد في الحد وليس في الآية للنفي ذكر فتمسك به الحنفية فقالوا لا يزاد على القرآن بخبر الواحد والجواب أنه مشهور لكثرة طرقه ومن عمل به من الصحابة وقد عملوا بمثله بدونه كنقض الوضوء بالقهقهة وجواز الوضوء بالنبيذ وغير ذلك مما ليس في القرآن وقد أخرج مسلم من حديث عبادة بن الصامت مرفوعا خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام والثيب بالثيب جلد مائة

[ 140 ]

والرجم وأخرج الطبراني من حديث بن عباس قال كن يحبسن في البيوت ان ماتت ماتت وان عاشت عاشت لما نزل واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فان شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا حتى نزلت الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة قوله قال بن عيينة رأفة في إقامة الحد كذا للاكثر وسقط في لبعضهم ولبعضهم بن علية بلام وتحتانية ثقيلة وعليه جرى بن بطال والاول المعتمد وقد ذكر مغلطاي في شرحه أنه رآه في تفسير سفيان بن عيينة قلت ووقع نظيره عند بن أبي شيبة عن مجاهد بسند صحيح إليه وزاد بعد قوله في إقامة الحد يقام ولا يعطل والمراد بتعطيل الحد تركه أصلا أو نقصه عددا ومعنى وقوله تعالى وليشهد عذابها طائفة نقل بن المنذر عن أحمد الاجتزاء بواحد وعن إسحاق اثنين وعن الزهري ثلاثة وعن مالك والشافعي أربعة وعن ربيعة ما زاد عليها وعن الحسن عشرة ونقل بن أبي شيبة بأسانيده عن مجاهد أدناها رجل وعن محمد بن كعب في قوله ان نعف عن طائفة منكم قال هو رجل واحد وعن عطاء اثنان وعن الزهري ثلاثة وسيأتي في أول خبر الواحد ما جاء في قوله وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا قوله عبد العزيز هو بن أبي سلمة الماجشون قوله عن زيد بن خالد هكذا اختصر عبد العزيز من السند ذكر أبي هريرة ومن المتن سياق قصة العسيف كلها واقتصر منها على قوله يأمر فيمن زنى ولم يحصن جلد مائة وتغريب عام ويحتمل أن يكون بن شهاب اختصره لما حدث به عبد العزيز وقوله جلد مائة بالنصب على نزع الخافض ووقع في رواية النسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن عبد العزيز بلفظ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر فيمن زنى ولم يحصن بجلد مائة وتغريب عام وقوله قال بن شهاب وهو موصول بالسند المذكور قوله أن عمر بن الخطاب هو منقطع لان عروة لم يسمع من عمر لكنه ثبت عن عمر من وجه آخر أخرجه الترمذي والنسائي وصححه بن خزيمة والحاكم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم ضرب وغرب وأن أبا بكر ضرب وغرب وان عمر ضرب وغرب أخرجوه من رواية عبد الله بن إدريس عنه وذكر الترمذي أن أكثر أصحاب عبيد الله بن عمر رووه عنه موقوفا على أبي بكر وعمر قوله غرب ثم لم تزل تلك السنة زاد عبد الرزاق في روايته عن مالك حتى غرب مروان ثم ترك الناس ذلك يعني أهل المدينة قوله في رواية الليث عن عقيل ووقع عند الاسماعيلي في رواية حجاج بن محمد عن الليث حدثني عقيل قوله عن سعيد بن المسيب هكذا خالف عقيل عبد العزيز بن أبي سلمة في شيخ الزهري فان كان هذا المتن مختصرا من قصة العسيف فقد وافق عبد العزيز جميع أصحاب الزهري فان شيخه عندهم عبيد الله بن بن عتبة لا سعيد بن المسيب وان كان حديث آخر فالراجح قول عقيل لانه أحفظ لحديث الزهري من عبد العزيز لكن قد روى عقيل عن الزهري الحديث الآخر موافقا لعبد العزيز أخرجهما النسائي من طريق حجين بمهملة ثم جيم مصغر بن المثنى عن الليث عن عقيل عن بن شهاب فذكر الحديثين على الولاء حديث زيد بن خالد من رواية عبيد الله عنه وحديث أبي هريرة من رواية سعيد بن المسيب عنه وابن شهاب صاحب حديث لا يستنكر منه حمله الحديث عن جماعة بألفاظ مختلفة قوله بنفي عام وباقامة الحد عليه وقع في رواية النسائي أن

[ 141 ]

ينفى عاما مع إقامة الحد عليه وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق حجاج بن محمد عن الليث وعرف أن الباء في رواية يحيى بن بكير بمعنى مع والمراد بإقامة الحد ما ذكر في رواية عبد العزيز جلد المائة وأطلق عليها الجلد لكونها بنص القرآن وقد تمسك بهذه الرواية من زعم أن النفي تعزير وأنه ليس جزءا من الحد وأجيب بأن الحديث يفسر بعضه بعضا وقد وقع التصريح في قصة العسيف من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أن عليه جلد مائة وتغريب عام وهو ظاهر في كون الكل حده ولم يختلف على راويه في لفظه فهو أرجح من حكاية الصحابي مع الاختلاف ومما يؤيد كون حديثي الباب واحد مع أنه اختلف على بن شهاب في تابعيه وصحابيه أن الزيادة التي عن عمر عند عبد العزيز في حديث زيد بن خالد وقعت عند عقيل في حديث أبي هريرة ففي آخر رواية حجاج بن محمد التي أشرت إليها عند الاسماعيلي قال بن شهاب وكان عمر ينفي من المدينة إلى البصرة والى خيبر وفيه أشارة إلى بعد المسافة وقربها في النفي بحسب ما يراه الامام وأن ذلك لا يتقيد والذي تحرر لي من هذا الاختلاف أن في حديثي الباب اختصارا من قصة العسيف وأن أصل الحديث كان عند عبيد الله بن عتبة عن أبي هريرة وزيد بن خالد جميعا فكان يحدث به عنهما بتمامه وربما حدث عنه عن زيد بن خالد باختصار وكان عند سعيد بن المسيب عن أبي هريرة وحده باختصار والله أعلم وفي الحديث جواز الجمع بين الحد والتعزير خلافا للحنفية ان أخذ بظاهر قوله مع إقامة الحد وجواز الجمع بين الجلد والنفي في حق الزاني الذي لم يحصن خلافا لهم أيضا ان قلنا إن الجميع حد واحتج بعضهم بأن حديث عبادة الذي فيه النفي منسوخ بآية النور لان فيها الجلد بغير نفي وتعقب بأنه يحتاج إلى ثبوت التاريخ وبأن العكس أقرب فان آية الجلد مطلقة في حق كل زان فخص منها في حديث عبادة الثيب ولا يلزم من خلو آية النور عن النفي عدم مشروعيته كما لم يلزم من خلوها من الرجم ذلك ومن الحجج القوية أن قصة العسيف كانت بعد آية النور لانها كانت في قصة الافك وهي متقدمة على قصة العسيف لان أبا هريرة حضرها وانما هاجر بعد قصة الافك بزمن قوله باب نفي أهل المعاصي والمخنثين كأنه أراد الرد على من أنكر النفي على غير المحارب فبين أنه ثابت من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعده في حق غير المحارب وإذا ثبت في حق من لم يقع منه كبيرة فوقوعه فيمن أتى كبيرة بطريق الاولى وقد تقدم ضبط المخنث في باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة في أواخر النكاح قوله هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير وقد تقدم بيان الاختلاف على هشام في سنده في كتاب اللباس في باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت مع بقية شرحه قوله وأخرج عمر فلانا سقط لفظ عمر من رواية غير أبي ذر وقد أخرج أبو داود الحديث عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه بعد قوله وقال أخرجوهم من بيوتكم وأخرجوا فلانا وفلانا يعني المخنثين وتقدم في اللباس عن معاذ بن فضالة عن هشام كرواية أبي ذر هنا وكذا عند أحمد عن يزيد بن هارون وغيره عن هشام وذكرت هناك اسم من نفاه النبي صلى الله عليه وسلم من المدينة ولم أذكر اسم الذي نفاه عمر ثم وقفت في كتاب المغربين لابي حسن المدايني من طريق الوليد بن سعيد قال سمع عمر قوما يقولون أبو ذؤيب أحسن أهل المدينة فدعا به فقال أنت لعمري فأخرج عن المدينة فقال إن كنت تخرجني فالى البصرة حيث أخرجت يا عمر

[ 142 ]

نصر بن حجاج وذكر قصة نصر بن حجاج وهي مشهورة وساق قصة جعدة السلمي وأنه كان يخرج مع النساء إلى البقيع ويتحدث اليهن حتى كتب بعض الغزاة إلى عمر يشكو ذلك فأخرجه وعن مسلمة بن محارب عن إسماعيل بن مسلم أن أمية بن يزيد الاسدي ومولى مزينة كانا يحتكران الطعام بالمدينة فأخرجهما عمر ثم ذكر عدة قصص لمبهم ومعين فيمكن التفسير في هذه القصة ببعض هؤلاء قال بن بطال أشار البخاري بإيراد هذه الترجمة عقبة ترجمة الزاني إلى أن النفي إذا شرع في حق من أتى معصية لا حد فيها فلان يشرع في حق من أتى ما فيه حد أولي فتتأكد السنة الثابتة بالقياس ليرد به على من عارض السنة بالقياس فإذا تعارض القياسان بقيت السنة بلا معارض واستدل به على أن المراد بالمخنثين المتشبهون بالنساء لا من يؤتى فان ذلك حده الرجم ومن وجب رجمه لا ينفى وتعقب بأن حده مختلف فيه والاكثر أن حكمه حكم الزاني فان ثبت عليه جلد ونفي لانه لا يتصور فيه الاحصان وان كان يتشبه فقط نفي فقط وقيل أن في الترجمة إشارة إلى ضعف القول الصائر إلى رجم الفاعل والمفعول به وأن هذا الحديث الصحيح لم يأت فيه إلا النفي وفي هذا نظر لانه لم يثبت عن أحد ممن أخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يؤتى وقد أخرج أبو داود من طريق أبي هاشم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى بمخنث قد خضب يديه ورجليه فقالوا ما بال هذا قيل يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع يعني بالنون والله أعلم قوله باب من أمر غير الامام بإقامة الحد غائبا عنه قال الكرماني في هذا التركيب قلق وكان الاولى أن يبدل لفظ غير بالضمير فيقول من أمره الامام الخ وقال بن بطال قد ترجم بعد يعني في آخر أبواب الحدود هل يأمر الامام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه ومعنى الترجمتين واحد كذا قال ويظهر لي أن بينهما تغايرا من جهة أن قوله في الاول غائبا عنه حال من المأمور وهو الذي يقيم الحد وفي الآخر حال من الذي يقام عليه الحد ثم ذكر حديث أبي هريرة وزيد بن خالد في قصة العسيف وقد مضى شرحه مستوفى قريبا وقوله في هذه الرواية فقام خصمه فقال صدق اقض له يا رسول الله بكتاب الله إن ابني قال الكرماني القائل هو الاعرابي لا خصمه لانه وقع في كتاب الصلح جاء أعرابي فقال يا رسول الله اقض بيننا بكتاب الله فقام خصمه وقال صدق اقض بيننا بكتاب الله فقال الاعرابي إن ابني كان عسيفا قلت بل الذي قال اقض بيننا هو والد العسيف ففي الرواية الماضية قريبا في باب الاعتراف بالزنا فقام خصمه وكان أفقه منه فقال اقض بيننا بكتاب الله وأذن لي الخ هذه رواية سفيان بن عيينة ووافقه الجمهور فتقدمت رواية مالك في الايمان والنذور ورواية الليث في الشروط وتأتي رواية صالح بن كيسان وشعيب بن أبي حمزة في خبر الواحد وكذا أخرجه مسلم من رواية الليث وصالح بن كيسان ومعمر وساقه على لفظ الليث ومع ذلك فالاختلاف في هذا على بن أبي ذئب فإنه رواه عن الزهري هنا وفي الصلح فالراوي له في الصلح عن بن أبي ذئب آدم بن أبي إياس وهنا عاصم بن علي وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق يزيد بن هارون عن بن أبي ذئب فوافق عاصم بن علي وهذا هو المعتمد وان قوله في رواية آدم فقال الاعرابي زيادة إلا إن كان كل من الخصمين متصفا بهذا الوصف وليس ذلك ببعيد والله أعلم قوله باب قول الله تعالى ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات الآية

[ 143 ]

كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة إلى قوله والله غفور رحيم قال الواحدي قرئ المحصنات في القرآن بكسر الصاد وفتحها إلا في قوله تعالى والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم فبالفتح جزما وقرئ فإذا أحصن بالضم وبالفتح فبالضم معناه التزويج وبالفتح معناه الاسلام وقال غيره اختلف في احصان الامة فقال الاكثر إحصانها التزويج وقيل العتق وعن بن عباس وطائفة إحصانها التزويج ونصره أبو عبيد وإسماعيل القاضي واحتج له بأنه تقدم في الآية قوله تعالى من فتياتكم المؤمنات فيبعد أن يقول بعده فإذا أسلمن قال فان كان المراد التزويج كان مفهومه أنها قبل أن تتزوج لا يجب عليها الحد إذا زنت وقد أخذ به بن عباس فقال لا حد على الامة إذا زنت قبل أن تتزوج وبه قال جماعة من التابعين وهو قول أبي عبيد القاسم بن سلام وهو وجه للشافعية واحتج بما أخرجه الطبراني من حديث بن عباس ليس على الامة حد حتى تحصن وسنده حسن لكن اختلف في رفعه ووقفه والارجح وقفه وبذلك جزم بن خزيمة وغيره وادعى بن شاهين في الناسخ والمنسوخ أنه منسوخ بحديث الباب وتعقب بأن النسخ يحتاج إلى تاريخ وهو لم يعلم وقد عارضه حديث علي اقيموا الحدود على أرقائكم من أحصن منهم ومن لم يحصن واختلف أيضا في رفعه ووقفه والراجح أنه موقوف لكن سياقه في مسلم يدل على رفعه فالتمسك به أقوى وإذا حمل الاحصان في الحديث على التزويج وفي الآية على الاسلام حصل الجمع وقد بينت السنة أنها إذا زنت قبل الاحصان تجلد وقال غيره التقييد بالاحصان يفيد أن الحكم في حقها الجلد لا الرجم فأخذ حكم زناها بعد الاحصان من الكتاب وحكم زناها قبل الاحصان من السنة والحكمة فيه أن الرجم لا يتنصف فاستمر حكم الجلد في حقها قال البيهقي ويحتمل أن يكون نص على الجلد في أكمل حاليها ليستدل به على سقوط الرجم عنها لا على إرادة إسقاط الجلد عنها إذا لم تتزوج وقد بينت السنة أن عليها الجلد وان لم تحصن قوله غير مسافحات زواني ولا متخذات أخدان أخلاء بفتح الهمزة وكسر المعجمة والتشديد جمع خليل وهذا التفسير ثبت في رواية المستملي وحده وقد أخرجه بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس مثله والمسافحات جمع مسافحة مأخوذ من السفاح وهو من أسماء الزنا والاخدان جمع خدن بكسر أوله وسكون ثانيه وهو الخدين والمراد به الصاحب قال الراغب وأكثر ما يستعمل فيمن يصاحب غيره بشهوة وأما قول الشاعر في المدح خدين المعالي فهو استعارة قلت والنكتة فيه أنه جعله يشتهي معالي الامور كما يشتهي غيره الصورة الجميلة فجعله خدينا لها وقال غيره الخدين الخليل في السر قوله باب إذا زنت الامة أي ما يكون حكمها وسقطت هذه الترجمة للاصيلي وجرى على ذلك بن بطال وصار الحديث المذكور فيها حديث الباب المذكور قبلها ولكن صرح الاسماعيلي بأن الباب الذي قبلها لا حديث فيه وقد تقدم الجواب على نظيره وأنه إما أن يكون أخلى بياضا في المسودة فسده النساخ بعده وإما أن يكون اكتفى بالآية وتأويلها عن الحديث المرفوع وهذا هو الاقرب لكثرة وجود مثله في الكتاب قوله عن أبي هريرة وزيد بن خالد سبق التنبيه في شرح قصة العسيف على أن الزبيدي ويونس زادا في روايتهما لهذا الحديث عن الزهري شبل بن خليل أو بن حامد وتقدم بيانه مفصلا قوله سئل عن الامة في رواية حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أتى رجل النبي صلى الله

[ 144 ]

عليه وسلم فقال إن جاريتي زنت فتبين زناها قال اجلدها ولم أقف على اسم هذا الرجل قوله إذا زنت ولم تحصن تقد القول في المراد بهذا الاحصان قال بن بطال زعم من قال لا جلد عليها قبل التزويج بأنه لم يقل في هذا الحديث ولم تحصن غير مالك وليس كما زعموا فقد رواه يحيى بن سعيد الانصاري عن بن شهاب كما قال مالك وكذا رواه طائفة عن بن عيينة عنه قلت رواية يحيى بن سعيد أخرجها النسائي ورواية بن عيينة تقدمت في البيوع ليس فيها ولم تحصن وزادها النسائي في روايته عن الحارث بن مسكين عن بن عيينة بلفظ سئل عن الامة تزني قبل أن تحصن وكذا عند بن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح كلاهما عن بن عيينة وقد رواه عن بن شهاب أيضا صالح بن كيسان كما قال مالك وتقدمت روايته في كتاب البيوع في باب بيع المدبر وكذا أخرجهما مسلم والنسائي ووقع في رواية سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة هناك بدونها وسيأتي قريبا أيضا وعلى تقدير أن مالكا تفرد بها فهو من الحفاظ وزيادته مقبولة وقد سبق الجواب عن مفهومها قوله قال ان زنت فاجلدوها قيل أعاد الزنا في الجواب غير مقيد بالاحصان للتنبيه على أنه لا أثر له وأن موجب الحد في الامة مطلق الزنا ومعنى اجلدوها الحد اللائق بها المبين في الآية وهو نصف ما على الحرة وقد وقع في رواية أخرى عن أبي هريرة فليجلدها الحد والخطاب في اجلدوها لمن يملك الامة فاستدل على أن السيد يقيم الحد على من يملكه من جارية وعبد أما الجارية فبالنص وأما العبد فبالالحاق وقد اختلف السلف فيمن يقيم الحدود على الارقاء فقالت طائفة لا يقيمها إلا الامام أو من يأذن له وهو قول الحنفية وعن الاوزاعي والثوري لا يقيم السيد إلا حد الزنا واحتج الطحاوي بما أورده من طريق مسلم بن يسار قال كان أبو عبد الله رجل من الصحابة يقول الزكاة والحدود والفئ والجمعة إلى السلطان قال الطحاوي لا نعلم له مخالفا من الصحابة وتعقبه بن حزم فقال بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة وقال أخرون يقيمها السيد ولو لم يأذن له الامام وهو قول الشافعي وأخرج عبد الرزاق بسند صحيح عن بن عمر في الامة إذا زنت ولا زوج لها يحدها سيدها فان كانت ذات زوج فأمرها إلى الامام وبه قال مالك إلا إن كان زوجها عبدا لسيدها فأمرها إلى السيد واستثنى مالك القطع في السرقة وهو وجه للشافعية وفي آخر يستثنى حد الشرب واحتج للمالكية بأن في القطع مثله فلا يؤمن السيد أن يريد أن يمثل بعبده فيخشى أن يتصل الامر بمن يعتقد أنه يعتق بذلك فيدعي عليه السرقة لئلا يعتق فيمنع من مباشرته القطع سدا للذريعة وأخذ بعض المالكية من هذا التعليل اختصاص ذلك بما إذا كان مستند السرقة علم السيد أو الاقرار بخلاف ما لو ثبتت بالبينة فإنه يجوز للسيد لفقد العلة المذكورة وحجة الجمهور حديث علي المشار إليه قبل وهو عند مسلم والثلاثة وعند الشافعية خلاف في اشتراط أهلية السيد لذلك وتمسك من لم يشترط بأن سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر للاهلية وقال بن حزم يقيمه السيد إلا إن كان كافرا واحتج بأنهم لا يقرون إلا بالصغار وفي تسليطه على إقامة الحد منافاة لذلك وقال بن العربي في قول مالك ان كانت الامة ذات زوج لم يحدها الامام من أجل أن للزوج تعلقا بالفرج في حفظه عن النسب الباطل والماء الفاسد لكن حديث النبي صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع يعني حديث علي المذكور الدال على التعميم في ذات الزوج وغيرها وقد وقع في بعض طرقه من أحصن منهم ومن لم يحصن قوله

[ 145 ]

ثم بيعوها ولو بضفير بفتح الضاد المعجمة غير المشالة ثم فاء أي المضفور فعيل بمعنى مفعول زاد يونس وابن أخي الزهري والزبيدي ويحيى بن سعيد كلهم عن بن شهاب عند النسائي والضفير الحبل وهكذا أخرجه عن قتيبة عن مالك وزادها عمار بن أبي قرة عن محمد بن مسلم وهو بن شهاب الزهري عند النسائي وابن ماجة لكن خالف في الاسناد فقال ان محمد بن مسلم حدثه أن عروة عروة وعمرة حدثاه أن عائشة حدثته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إذا زنت الامة فاجلدوها وقال في آخره ولو بضفير والضفير الحبل وقوله الضفير الحبل مدرج في هذا الحديث من قول الزهري على ما بين في رواية القعنبي عن مالك عند مسلم وأبي داود فقال في آخره قال بن شهاب والضفير الحبل وكذلك ذكره الدارقطني في الموطآت منسوبا لجميع من روى الموطأ إلا بن مهدي فان ظاهر سياقه أنه أدرجه أيضا ومنهم من لم يذكر قوله والضفير الحبل كما في رواية الباب قوله قال بن شهاب هو موصول بالسند المذكور قوله لا أدري بعد الثالثة أو الرابعة لم يختلف في رواية مالك في هذا وكذا في رواية صالح بن كيسان وابن عيينة وكذا في رواية يونس والزبيدي عن الزهري عند النسائي وكذا في رواية معمر عند مسلم وأدرجه في رواية يحيى بن سعيد عند النسائي ولفظه ثم إن زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير بعد الثالثة أو الرابعة ولم يقل بن شهاب وعن قتيبة وعن مالك كذلك وأدرج أيضا في رواية محمد بن أبي فروة عن الزهري في حديث عائشة عند النسائي والصواب التفصيل وأما الشك في الثالثة أو في الرابعة فوقع في حديث أبي صالح عن أبي هريرة عند الترمذي فليجلدها ثلاثا فان عادت فليبعها ونحوه في مرسل عكرمة عند أبي قرة بلفظ وإذا زنت الرابعة فبيعوها ووقع في رواية سعيد المقبري المذكورة في الباب الذي يليه ثم ان زنت الثالثة فليبعها ومحصل الاختلاف هل يجلدها الرابعة قبل البيع أو يبيعها بلا جلد والراجح الاول ويكون سكوت من سكت عنه للعلم بأن الجلد لا يترك ولا يقوم البيع مقامه ويمكن الجمع بأن البيع يقع بعد المرة الثالة في الجلد لانه المحقق فيلغي الشك والاعتماد على الثلاث في كثير من الامور المشروعة وقوله ولو بضفير أي حبل مضفور ووقع في رواية المقبري ولو بحبل من شعر وأصل الضفر نسج الشعر وإدخال بعضه في بعض ومنه ضفائر شعر الرأس للمرأة وللرجل قيل لا يكون مضفورا إلا إن كان من ثلاث وقيل شرطه أن يكون عريضا وفيه نظر وفي الحديث أن الزنا عيب يرد به الرقيق للامر بالحط من قيمة المرقوق إذا وجد منه الزنا كذا جزم به النووي تبعا لغيره وتوقف فيه بن دقيق العيد لجواز أن يكون المقصود الامر بالبيع ولو انحطت القيمة فيكون ذلك متعلقا بأمر وجودي لا إخبارا عن حكم شرعي إذ ليس في الخبر تصريح بالامر من حط القيمة وفيه أن من زنى فأقيم عليه الحد ثم عاد أعيد عليه بخلاف من زنى مرارا فإنه يكتفى فيه بإقامة الحد عليه مرة واحدة على الراجح وفيه أن الزجر عن مخالطة الفساق ومعاشرتهم ولو كانوا من الالزام إذا تكرر زجرهم ولم يرتدعوا ويقع الزجر بإقامة الحد فيما شرع فيه الحد وبالتعزير فيما لا حد فيه وفيه جواز عطف الامر المقتضي للندب على الامر المقتضي للوجوب لان الامر بالجلد واجب والامر بالبيع مندوب عند الجمهور خلافا لابي ثور وأهل الظاهر وادعى بعض الشافعية أن سبب صرف الامر عن الوجوب أنه منسوخ وممن حكاه بن الرفعة في المطلب ويحتاج إلى ثبوت وقال بن بطال حمل الفقهاء الامر بالبيع على الحض

[ 146 ]

على مساعدة من تكرر منه الزنا لئلا يظن بالسيد الرضا بذلك ولما في ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنا قال وحمله بعضهم على الوجوب ولا سلف له من الامة فلا يستقل به وقد ثبت النهي عن إضاعة المال فكيف يجب بيع الامة ذات القيمة بحبل من شعر لا قيمة له فدل على أن المراد الزجر عن معاشرة من تكرر منه ذلك وتعقب بأنه لا دلالة فيه على بيع الثمين بالحقير وان كان بعضهم قد استدل به على جواز بيع المطلق التصرف ماله بدون قيمته ولو كان بما يتغابن بمثله إلا أن قوله ولو بحبل من شعر لا يراد به ظاهره وانما ذكر المبالغة كما وقع في حديث من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة على أحد الاجوبة لان قدر المفحص لا يسع أن يكون مسجدا حقيقة فلو وقع ذلك في عين مملوكة للمحجور فلا يبيعها وليه إلا بالقيمة ويحتمل أن يطرد لان عيب الزنا تنقص به القيمة عند كل أحد فيكون بيعها بالنقصان بيعا بثمن المثل نبه عليه القاضي عياض ومن تبعه وقال بن العربي المراد من الحديث الاسراع بالبيع وامضاؤه ولا يتربص به طلب الراغب في الزيادة وليس المراد بيعه بقيمة الحبل حقيقة وفيه أنه يجب على البائع أن يعلم المشتري بعيب السلعة لان قيمتها انما تنقص مع العلم بالعيب حكاه بن دقيق العيد وتعقبه بأن العيب لو لم يعلم تنقص القيمة فلا يتوقف على الاعلام واستشكل الامر ببيع الرقيق إذا زنى مع أن كل مؤمن مأمور أن يرى لاخيه ما يرى لنفسه ومن لازم البيع أن يوافق أخاه المؤمن على أن يقتني ما لا يرضى اقتناءه لنفسه وأجيب بأن السبب الذي باعه لاجله ليس محقق الوقوع عند المشتري لجواز أن يرتدع الرقيق إذا علم أنه متى عاد أخرج فان الاخراج من الوطن المألوف شاق ولجواز أن يقع الاعفاف عند المشتري بنفسه أو بغيره قال بن العربي يرجى عند تبديل المحل تبديل الحال ومن المعلوم أن للمجاورة تأثير في الطاعة وفي المعصية قال النووي وفيه أن الزاني إذا حد ثم زنى لزمه حد آخر ثم كذلك أبدا فإذا زنى مرات ولم يحد فلا يلزمه إلا حد واحد قلت من قوله فإذا زنى ابتداء كلام قاله لتكميل الفائدة وإلا فليس في الحديث ما يدل عليه اثباتا ولا نفيا بخلاف الشق الاول فإنه ظاهر وفيه إشارة إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يفد مقصودها من الزجر لا يفعل لان إقامة الحد واجبة فلما تكرر ذلك ولم يفد عدل إلى ترك شرط إقامته على السيد وهو المالك ولذلك قال بيعوها ولم يقل اجلدوها كلما زنت ذكره بن دقيق العيد وقال قد تعرض إمام الحرمين لشئ من ذلك فقال إذا علم المعزر أن التأديب لا يحصل إلا في الضرب المبرح فليتركه لان المبرح يهلك وليس له الاهلاك وغير المبرح لا يفيد قال الرافعي وهو مبني على أن الامام لا يجب عليه تعزير من يستحق التعزير فان قلنا يجب التحق بالحد فليعزره بغير المبرح وإن لم ينزجر وفيه أن السيد يقيم الحد على عبده وإن لم يستأذن السلطان وسيأتي البحث فيه بعد ثلاثة أبواب قوله باب لا يثرب على الامة إذا زنت ولا تنفى أما التثريب بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة فهو التعنيف وزنه ومعناه وقد جاء بلفظ ولا يعنفها في رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عند النسائي وأما النفي فاستنبطوه من قوله فليبعها لان المقصود من النفي الابعاد عن الوطن الذي وقعت فيه المعصية وهو حاصل بالبيع وقال بن بطال وجه الدلالة أنه قال فليجلدها وقال فليبعها فدل على سقوط النفي لان الذي ينفى لا يقدر على تسليمه الا بعد مدة فأشبه الآبق قلت وفيه نظر لجواز أن يتسلمه المشتري مسلوب المنفعة مدة النفي أو يتفق بيعه لمن يتوجه إلى المكان

[ 147 ]

الذي يصدق عليه وجود النفي وقال بن العربي تستثنى الامة لثبوت حق السيد فيقدم على حق الله وانما لم يسقط الحد لانه الاصل والنفي فرع قلت وتمامه أن يقال روعي حق السيد فيه أيضا بترك الرجم لانه فوت المنفعة من أصلها بخلاف الجلد واستمر نفي العبد إذ لا حق للسيد في الاستمتاع به واستدل من استثنى نفي الرقيق بأنه لا وطن له وفي نفيه قطع حق السيد لان عموم الامر بنفي الزاني عارضه عموم نهي المرأة عن السفر بغير المحرم وهذا خاص بالاماء من الرقيق دون الذكور وبه احتج من قال لا يشرع نفي النساء مطلقا كما تقدم في باب البكران يجلدان وينفيان واختلف من قال بنفي الرقيق فالصحيح نصف سنة وفي وجه ضعيف عند الشافعية سنة كاملة وفي ثالث لا نفي على رقيق وهو قول الائمة الثلاثة والاكثر قوله إذا زنت الامة فتبين زناها أي ظهر وشرط بعضهم أن يظهر بالبينة مراعاة للفظ تبين وقيل يكتفي في ذلك بعلم السيد قوله فليجلدها أي الحد الواجب عليها المعروف من صريح الآية فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ووقع في رواية للنسائي من طريق الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فليجلدوها بكتاب الله قوله ولا يثرب أي لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير وقيل المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرزاق ولا يعيرها ولا يفندها قال بن بطال يؤخذ منه أن كل من أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم وانما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الامام للتحذير والتخويف فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه قلت وقد تقدم قريبا نهيه صلى الله عليه وسلم عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر وقال لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم قوله تابعه إسماعيل بن أمية عن سعيد عن أبي هريرة يريد في المتن لا في السند لانه نقص منه قوله عن أبيه ورواية إسماعيل وصلها النسائي من طريق بشر بن المفضل عن إسماعيل بن أمية ولفظه مثل الليث إلا أنه قال فان عادت فزنت فليبعها والباقي سواء ووافق الليث على زيادة قوله عن أبيه محمد بن إسحاق أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي ووافق إسماعيل على حذفه عبيد الله بن عمرو العمري عندهم وأيوب بن موسى عند مسلم والنسائي ومحمد بن عجلان وعبد الرحمن بن إسحاق عند النسائي ووقع في رواية عبد الرحمن المذكور عن سعيد سمعت أبا هريرة ولاسماعيل فيه شيخ آخر رواه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عنه عند الزهري عن حميد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وقال أنه خطأ والصواب الاول ووقع في رواية حميد هذه بلفظ آخر قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال جاريتي زنت فتبين زناها قال اجلدها خمسين الحديث قوله باب أحكام أهل الذمة أي اليهود والنصارى وسائر من تؤخذ منه الجزية قوله وإحصانهم إذا زنوا يعني خلافا لمن قال أن من شروط الاحصان الاسلام ورفعوا إلى الامام أي سواء جاءوا إلى حاكم المسلمين ليحكموه أو رفعهم إليه غيرهم متعديا عليهم خلافا لمن قيد ذلك بالشق الاول كالحنفية وسأذكر ذلك مبسوطا وذكر فيه الحديثين الحديث الاول قوله عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو أبو إسحاق سليمان قوله عن الرجم أي رجم من ثبت أنه زنا وهو محصن قوله فقال رجم النبي صلى الله عليه وسلم كذا أطلق فقال الكرماني مطابقته للترجمة من حيث الاطلاق قلت والذي ظهر لي أنه جرى على عادته في الاشارة إلى ما ورد في بعض طرق حديث وهو ما أخرجه أحمد والاسماعيلي والطبراني من طريق هشيم عن

[ 148 ]

الشيباني قال قلت هل رجم النبي صلى الله عليه وسلم فقال نعم رجم يهوديا ويهودية وسياق أحمد مختصر قوله أقبل النور أي سورة النور والمراد بالقبلية النزول قوله أم بعد في رواية الكشميهني أم بعده قوله لا أدري فيه أن الصحابي الجليل قد تخفى عليه بعض الامور الواضحة وأن الجواب من الفاضل بلا أدري لا عيب عليه فيه بل يدل على تحريه وتثبته فيمدح به قوله تابعه علي بن مسهر قلت وصلها بن أبي شيبة عنه عن الشيباني قال قلت لعبد الله بن أبي أوفى فذكر مثله بلفظ قلت بعد سورة النور قوله وخالد بن عبد الله أي الطحان وهي عند المؤلف في باب رجم المحصن وقد تقدم لفظه والمحاربي يعني عبد الرحمن بن محمد الكوفي قوله وعبيدة بفتح أوله وأبوه حميد بالتصغير ومتابعته وصلها الاسماعيلي من رواية أبي ثور وأحمد بن منيع قالا حدثنا عبيدة بن حميد وجرير هو بن عبد الله الشيباني ولفظه قلت قبل النور أو بعدها قوله وقال بعضهم أي بعض المسلمين وهو عبيدة فان لفظه في مسند أحمد بن منيع ومن طريقه الاسماعيلي فقلت بعد سورة المائدة أو قبلها كذا وقع في رواية هشيم التي أشرت إليها قبل قوله والاول أصح أي في ذكر النور قلت ولعل من ذكره توهم من ذكر اليهودي واليهودية ان المراد سورة المائدة لان فيها الآية التي نزلت بسبب سؤال اليهود عن حكم اللذين زنيا منهم الحديث الثاني قوله عن نافع في موطأ محمد بن الحسن وحده حدثنا نافع قاله الدارقطني في الموطآت قوله ان اليهود جاءوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكروا له أن رجلا منهم وامرأة زنيا ذكر السهيلي عن بن العربي أن اسم المرأة بسرة بضم الموحدة وسكون المهملة ولم يسم الرجل وذكر أبو داود السبب في ذلك من طريق الزهري سمعت رجلا من مزينة ممن تبع العلم وكان عند سعيد بن المسيب يحدث عن أبي هريرة قال زنى رجل من اليهود بامرأة فقال بعضهم لبعض اذهبوا بنا إلى هذا النبي فإنه بعث بالتخفيف فان افتانا بفتيا دون الرجم قبلناها واحتججنا بها عند الله وقلنا فتيا نبي من انبيائك قال فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في المسجد في أصحابه فقالوا يا أبا القاسم ما ترى في رجل وامرأة زنيا منهم ونقل بن العربي عن الطبري والثعلبي عن المفسرين قالوا انطلق قوم من قريظة والنضير منهم كعب بن الاشرف وكعب بن أسد وسعيد بن عمرو ومالك بن الصيف وكنانة بن أبي الحقيق وشاس بن قيس ويوسف بن عازوراء فسألوا النبي صلى الله عليه وسلم وكان رجل وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا واسم المرأة بسرة وكانت خيبر حينئذ حربا فقال لهم اسألوه فنزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم فقال اجعل بينك وبينهم بن صوريا فذكر القصة مطولة ورفض الطبري من طريق الزهري المذكورة أن أحبار اليهود اجتمعوا في بيت المدراس وقد زنى رجل منهم بعد احصانه بامرأة منهم قد أحصنت فذكر القصة وفيها فقال أخرجوا إلى عبد الله بن صوريا الاعور قال بن إسحاق ويقال أنهم أخرجوا معه أبا ياسر بن أحطب ووهب بن يهودا فخلا النبي صلى الله عليه وسلم بابن صوريا فذكر الحديث ووقع عند مسلم من حديث البراء مر على النبي صلى الله عليه وسلم يهودي محمما مجلودا فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزنا في كتابكم قالوا نعم وهذا يخالف الاول من حيث أن فيه أنهم ابتدؤوا السؤال قبل إقامة الحد وفي هذا أنهم أقاموا الحد قبل السؤال ويمكن الجمع بالتعدد بأن يكون الذين

[ 149 ]

سألوا عنهما غير الذي جلدوه ويحتمل أن يكون بادروا فجلدوه ثم بدا لهم فسألوا فاتفق المرور بالمجلود في حال سؤالهم عن ذلك فأمرهم باحضارهما فوقع ما وقع والعلم عند الله ويؤيد الجمع ما وقع عند الطبراني من حديث بن عباس أن رهطا من اليهود أتوا النبي صلى الله عليه وسلم ومعهم امرأة فقالوا يا محمد ما أنزل عليك في الزنا فيتجه أنهم جلدوا الرجل ثم بدا لهم أن يسألوا عن الحكم فأحضروا المرأة وذكروا القصة والسؤال ووقع في رواية عبيد الله العمري عن نافع عن بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بيهودي ويهودية زنيا ونحوه في رواية عبد الله بن دينار عن بن عمر الماضية قريبا ولفظه أحدثا وفي حديث عبد الله بن الحارث عند البزار أن اليهود أتوا بيهوديين زنيا وقد أحصنا قوله ما تجدون في التوراة في شأن الرجم قال الباجي يحتمل أن يكون علم بالوحي أن حكم الرجم فيها ثابت على ما شرع لم يلحقه تبديل ويحتمل أن يكون علم ذلك بأخبار عبد الله بن سلام وغيره ممن أسلم منهم على وجه حصل له به العلم بصحة نقلهم ويحتمل أن يكون انما سألهم عن ذلك ليعلم ما عندهم فيه ثم يتعلم صحة ذلك من قبل الله تعالى قوله فقالوا نفضحهم بفتح أوله وثالثه من الفضيحة قوله ويجلدون وقع بيان الفضيحة في رواية أيوب عن نافع الآتية في التوحيد بلفظ قالوا نسخم وجوههما ونخزيهما وفي رواية عبد الله بن عمر قالوا نسود وجوههما ونحممهما ونخالف بين وجوههما ويطاف بهما وفي رواية عبد الله بن دينار ان أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبية وفي حديث أبي هريرة يحمم ويجبه ويجلد والتجبية أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما ويطاف بهما وقد تقدم في باب الرجم بالبلاط النقل عن إبراهيم الحربي أنه جزم بأن تفسير التجبية من قول الزهري فكأنه أدرج في الخبر لان أصل الحديث من روايته وقال المنذري يشبه أن يكون أصله الهمزة وأنه التجبئة وهي الردع والزجر يقال جبأته تجبيئا أي ردعته والتجبية أن ينكس رأسه فيحتمل أن يكون من فعل ذلك ينكس رأسه استحياء فسمى ذلك الفعل تجبية ويحتمل أن يكون من الجبة وهو الاستقبال بالمكروه وأصله من إصابة الجبهة تقول جبهته إذا أصبت جبهته كرأسته إذا أصبت رأسه وقال الباجي ظاهر الامر قصدوا في جوابهم تحريف حكم التوراة والكذب على النبي إما رجاء أن يحكم بينهم بغير ما أنزل الله وإما لانهم قصدوا بتحكيمه التخفيف عن الزانيين واعتقدوا أن ذلك يخرجهم عما وجب عليهم أو قصدوا اختبار أمره لانه من المقرر أن من كان نبيا لا يقر على باطل فظهر بتوفيق الله نبيه كذبهم وصدقه ولله الحمد قوله قال عبد الله بن سلام كذبتم إن فيها الرجم رواية أيوب وعبيد الله بن عمر قال فأتوا بالتوراة قال فاتلوها إذا كنتم صادقين قوله فأتوا بصيغة الفعل الماضي وفي رواية أيوب فجاءوا وزاد عبد الله بن عمر بها فقرؤها وفي رواية زيد بن أسلم فأتى بها فنزع الوسادة من تحته فوضع التوراة عليها ثم قال آمنت بك وبمن أنزلك وفي حديث البراء عند مسلم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله وبمن أنزلك وفي حديث جابر عند أبي داود فقال ائتوني بأعلم رجلين منكم فأت بابن صوريا زاد الطبري في حديث بن عباس ائتوني برجلين من علماء بني إسرائيل فأتوا برجلين أحدهما شاب والآخر شيخ قد سقط حاجباه على عينيه من الكبر ولابن أبي حاتم من طريق مجاهد أن اليهود استفتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الزانيين فأفتاهم بالرجم فأنكروه فأمرهم أن يأتوا بأحبارهم فناشدهم فكتموه إلا رجلا من

[ 150 ]

أصاغرهم أعور فقال كذبوك يارسول الله في التوراة قوله فأتوا بالتوراة فنشروها فوضع أحدهم يده على آية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها ونحوه في رواية عبد الله بن دينار وفي رواية عبيد اللبن عمر فوضع الفتى الذي يقرأ يده على آية الرجم فقرأ ما بين يديها وما وراءها وفي رواية أيوب فقال لرجل ممن يرضون يا أعور اقرأ فقرأ حتى انتهى إلى موضع منها فوضع يده عليه واسم هذا الرجل عبد الله بن صوريا كما وقد وقع عند النقاش في تفسيره أنه أسلم لكن ذكر مكي في تفسيره أنه ارتد بعد أن أسلم كذا ذكر القرطبي ثم وجدته عند الطبري بالسند المتقدم في الحديث الماضي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ناشده قال يا رسول الله انهم ليعلمون أنك نبي مرسل ولكنهم يحسدونك وقال في آخر الحديث ثم كفر بعد ذلك بن صوريا ونزلت فيه يأيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر الآية قوله فقال له عبد الله بن سلام ارفع يدك فرفع يده فإذا فيها آية الرجم في رواية عبد الله بن دينار فإذا آية الرجم تحت يده ووقع في حديث البراء فحده الرجم ولكنه كثر في أشرافنا فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه وإذا أخذنا الوضيع أقمنا عليه الحد فقلنا تعالوا فلنجتمع على شئ نقيمه على الشريف والوضيع فجعلنا التحميم والجلد مكان الرجم وقع بيان ما في التوراة من آية الرجم في رواية أبي هريرة المحصن والمحصنة إذا زنيا فقامت عليهما البينة رجما وان كانت المرأة حبلى تربص بها حتى تضع ما في بطنها وفي حديث جابر عند أبي داود قالا نجد في التوراة إذا شهد أربعة أنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة رجما زاد البزار من هذا الوجه فان وجدوا الرجل مع المرأة في بيت أو في ثوبها أو على بطنها فهي ريبة وفيها عقوبة قال فما منعكما أن ترجموهما قالا ذهب سلطاننا فكرهنا القتل وفي حديث أبي هريرة فما أول ما أرتخصتم أمر الله قال زنى ذو قرابة من الملك فأخر عنه الرجم ثم زنا رجل شريف فأرادوا رجمه فحال قومه دونه وقالوا ابدأ بصاحبك فاصطلحوا على هذه العقوبة وفي حديث بن عباس عند الطبراني انا كنا شيبة وكان في نسائنا حسن وجه فكثر فينا فلم يقم له فصرنا نجلد والله أعلم قوله فأمر بهما رسول الله صلى الله عليه وسلم فرجما زاد في حديث أبي هريرة فقال النبي صلى الله عليه وسلم فاني أحكم بما في التوراة وفي حديث البراء اللهم اني أول من أحيي أمرك إذ أماتوه ووقع في حديث جابر من الزيادة أيضا فدعى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالشهود فجاء أربعة فشهدوا انهم رأوه ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة فأمر بهما فرجما قوله فرأيت الرجل يحني كذا في رواية أبي ذر عن السرخسي بالحاء المهملة بعدها نون مكسورة ثم تحتانية ساكنة وعن المستملي والكشميهني بجيم ونون مفتوحة ثم همزة وهو الذي قال بن دقيق العيد إنه راجح في الرواية وفي رواية أيوب يجائ بضم أوله وجيم مهموز قال بن عبد البر وقع في رواية يحيى بن يحيى كالسرخسي والصواب يحني أي يميل وجملة ما حصل لنا من الاختلاف من ضبط هذه اللفظة عشرة أوجه الاولان والثالث بضم أوله والجيم وكسر النون وبالهمزة الرابع كالاول إلا أنه بالموحدة بدل النون الخامس كالثاني إلا أنه بواو بدل التحتانية السادس كالاول إلا أنه بالجيم السابع بضم أوله وفتح المهملة وتشديد النون الثامن يجاني النون التاسع مثله لكن بالحاء العاشر مثله لكنه بالفاء بدل النون وبالجيم أيضا ورأيت في الزهريات

[ 151 ]

للذهلي بخط الضياء في هذا الحديث من طريق معمر عن الزهري يجافي بجيم وفاء بغير همز وعلى الفاء صح صح قوله يقيها بفتح أوله ثم قاف تفسير لقوله يحني وفي رواية عبيد الله بن عمر فلقد رأيته يقيها من الحجارة بنفسه ولابن ماجة من هذا الوجه يسترها وفي حديث بن عباس عند الطبراني فلما وجد مس الحجارة قام على صاحبته يحني عليها يقيها الحجارة حتى قتلا جميعا فكان ذلك مما صنع الله لرسوله في تحقيق الزنا منهما وفي هذا الحديث من الفوائد وجوب الحد على الكافر إذا زنى وهو قول الجمهور وفيه خلاف عند الشافعية وقد ذهب بن عبد البر فنقل الاتفاق على أن شرط الاحصان الموجب للرجم الاسلام ورد عليه بأن الشافعية وأحمد لا يشترطان ذلك ويؤيد مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين رجما كانا قد أحصنا كما تقدم نقله وقال المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك شرط الاحصان الاسلام وأجابوا عن حديث الباب بأنه صلى الله عليه وسلم انما رجمهما بحكم التوراة وليس هو من حكم الاسلام في شئ انما هو من باب تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم فان في التوراة الرجم على المحصن وغير المحصن قالوا وكان ذلك أول دخول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نسخ ذلك بقوله تعالى واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم إلى قوله أو يجعل الله لهن سبيلا ثم نسخ بالتفرقة بين من أحصن ومن لم يحصن كما تقدم انتهى وفي دعوى الرجم على من لم يحصن نظر لما تقدم من رواية الطبري وغيره وقال مالك انما رجم اليهوديين لان اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه وتعقبه الطحاوي بأنه لو لم يكم واجبا ما فعله قال وإذا أقام الحد على من لا ذمة له فلان يقيمه على من له ذمة أولى وقال المازري يعترض على جواب مالك بكونه رجم المرأة وهو يقول لا تقتل المرأة إلا إن أجاب أن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء وأيد القرطبي أنهما كانا حربيين بما أخرجه الطبري كما تقدم ولا حجة فيه لانه منقطع قال القرطبي ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدا كما لو دخلوا لغرض كتجارة أو رسالة أو نحو ذلك فانهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم قلت ولم ينفصل عن هذا إلا أن يقول إن السائل عن ذلك ليس هو صاحب الواقعة وقال النووي دعوى أنهما كانا حربيين باطلة بل كانا من أهل العهد كذا قال وسلم بعض المالكية أنهما كانا من أهل العهد واحتج بأن الحاكم مخير إذا تحاكم إليه أهل الذمة بين أن يحكم فيهم بحكم الله وبين أن يعرض عنهم على ظاهر الآية فاختار صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة أن يحكم بينهم وتعقب بأن ذلك لا يستقيم على مذهب مالك لان شرط الاحصان عنده الاسلام وهما كانا كافرين وانفصل بن العربي عن ذلك بأنهما كانا محكمين له في الظاهر ومختبرين ما عنده في الباطن هل هو نبي حق أو مسامح في الحق وهذا لا يرفع الاشكال ولا يخلص عن الايراد ثم قال بن العربي في الحديث أن الاسلام ليس شرطا في الاحصان والجواب بأنه انما رجمهما لاقامة الحجة على اليهود فيما حكموه فيه من حكم التوراة فيه نظر لانه كيف يقيم الحجة عليهم بما لا يراه في شرعه مع قوله وأن احكم بينهم بما أنزل الله قال وأجيب بأن سياق القصة يقتضي ما قلناه ومن ثم استدعى شهودهم ليقيم الحجة عليهم منهم إلى أن قال والحق أحق أن يتبع ولو جاءوني لحكمت عليهم بالرجم ولم اعتبر الاسلام في الاحصان وقال

[ 152 ]

بن عبد البر حد الزاني حق من حقوق الله وعلى الحاكم إقامته وقد كان لليهود حاكم وهو الذي حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما وقول بعضهم إن الزانيين حكماه دعوى مردودة واعترض بأن التحكيم لا يكون إلا لغير الحاكم وأما النبي صلى الله عليه وسلم فحكمه بطريق الولاية لا بطريق التحكيم وأجاب الحنفية عن رجم اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة ورده الخطابي لان الله قال وان أحكم بينهم بما أنزل الله وانما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده كما دلت عليه الرواية المذكورة فأشار عليهم بما كتموه من حكم التوراة ولا جائز أن يكون حكم الاسلام عندهم مخالف لذلك لانه لا يجوز الحكم بالمنسوخ فدل على أنه إنما حكم بالناسخ وأما قوله في حديث أبي هريرة فاني أحكم بما في التوراة ففي سنده رجل مبهم ومع ذلك فلو ثبت لكان معناه لاقامة الحجة عليهم وهو موافق لشريعته قلت ويؤيده أن الرجم جاء ناسخا للجلد كما تقدم تقريره ولم يقل أحد إن الرجم شرع ثم نسخ بالجلد ثم نسخ الجلد بالرجم وإذا كان حكم الرجم باقيا منذ شرع فما حكم عليهما بالرجم بمجرد حكم التوراة بل بشرعه الذي استمر حكم التوراة عليه ولم يقدر أنهم بدلوه فيما بدلوا وأما ما تقدم من أن النبي صلى الله عليه وسلم رجمهما أول ما قدم المدينة لقوله في بعض طرق القصة لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة أتاه اليهود فالجواب أنه لا يلزم من ذلك الفور ففي بعض طرقه الصحيحه كما تقدم أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين أصحابه والمسجد لم يكمل بناؤه الا بعد مدة من دخوله صلى الله عليه وسلم المدينة فبطل الفور وأيضا ففي حديث عبد الله بن الحارث بن جزء أنه حضر ذلك وعبد الله إنما قدم مع أبيه مسلما بعد فتح مكة وقد تقدم حديث بن عباس وفيه ما يشعر بأنه شاهد ذلك وفيه أن المرأة إذا أقيم عليها الحد تكون قاعدة هكذا استدل به الطحاوي وقد تقدم أنهم اختلفوا في الحفر للمرجومة فمن يرى أنه يحفر لها تكون في الغالب قاعدة في الحفرة واختلافهم في إقامة الحد عليها قاعدة أو قائمة انما هو في الجلد ففي الاستدلال بصورة الجلد على صورة الرجم نظر لا يخفى وفيه قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض وزعم بن العربي أن معنى قوله في حديث جابر فدعا بالشهود أي شهود الاسلام على اعترافهما وقوله فرجمهما بشهادة الشهود أي البينة على اعترافهما ورد هذا التأويل بقوله في نفس الحديث انهم رأوا ذكره في فرجها كالميل في المكحلة وهو صريح في أن الشهادة بالمشاهدة لا بالاعتراف وقال القرطبي الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على المسلم ولا على كافر لا في حد ولا في غيره ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك وقبل شهادتهم جماعة من التابعين وبعض الفقهاء إذا لم يوجد مسلم واستثنى أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم وأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهود بأنه صلى الله عليه وسلم نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة وألزمهم العمل به إظهارا لتحريفهم كتابهم وتغييرهم حكمه أو كان ذلك خاصا بهذه الواقعة كذا قال والثاني مردود وقال النووي الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف فان ثبت حديث جابر فلعل الشهود كانوا مسلمين والا فلا عبرة بشهادتهم ويتعين أنهما أقرا بالزنا قلت لم يثبت أنهم كانوا مسلمين ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك لسؤال بقية اليهود لهم فسمع النبي صلى الله عليه وسلم كلامهم ولم يحكم فيهم الا مستندا لما أطلعه الله تعالى فحكم في ذلك بالوحي والزمهم الحجة بينهم كما قال تعالى وشهد شاهد من أهلها وان شهودهم شهدوا عليهم عند

[ 153 ]

أحبارهم بما ذكره فلما رفعوا الامر إلى النبي صلى الله عليه وسلم استعلم القصة على وجهها فذكر كل من حضر من الرواة ما حفظه في ذلك ولم يكن مستندا حكم النبي صلى الله عليه وسلم الا ما اطلعه الله عليه واستدل به بعض المالكية على أن المجلود يجلد قائما إن كان رجلا والمراة قاعدة لقول بن عمر رأيت الرجل يقيها الحجارة فدل على أنه كان قائما وهي قاعدة وتعقب بأنه واقعة عين فلا دلالة فيه على أن قيام الرجل كان بطريق الحكم عليه بذلك واستدل به على رجم المحصن وقد تقدم البحث فيه مستوفى وعلى الاقتصار على الرجم ولا يضم إليه الجلد وقد تقدم الخلاف فيه في باب مفرد وكذا احتج به بعضهم ولو احتج به لعكسه لكان أقرب لانه في حديث البراء عند مسلم أن الزاني جلد أولا ثم رجم كما تقدم لكن يمكن الانفصال بان الجلد الذي وقع له لم يكن بحكم حاكم وفيه أن أنكحة الكفار صحيحة لان ثبوت الاحصان فرع ثبوت صحة النكاح وفيه أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وفي أخذه من هذه القصة بعد وفيه أن اليهود كانوا ينسبون إلى التوراة ما ليس فيها ولو لم يكن مما أقدموا على تبديله والا لكان في الجواب حيدة عن السؤال لانه سأل عما يجدون في الثوراة فعدلوا عن ذلك لما يفعلونه وأوهموا أن فعلهم موافق لما في الثوراة فأكذبهم عبد الله بن سلام وقد استدل به بعضهم على أنهم لم يسقطوا شيئا من ألفاظها كما يأتي تقريره في كتاب التوحيد والاستدلال به لذلك غير واضح لاحتمال خصوص ذلك بهذه الواقعة فلا يدل على التعميم وكذا من استدل به على أن التوراة التي أحضرت حينئذ كانت كلها صحيحة سالمة من التبديل لانه يطرقه هذا الاحتمال بعينه ولا يرده قوله آمنت بك وبمن أنزلك لان المراد أصل التوراة وفيه اكتفاء الحاكم بترجمان واحد موثوق به وسيأتي بسطه في كتاب الاحكام واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ثبت ذلك إما بدليل قرآن أو حديث صحيح ما لم يثبت نسخه بشريعة نبينا أو نبيهم أو شريعتهم وعلى هذا فيحمل ما وقع في هذه القصة على أن النبي صلى الله عليه وسلم علم أن هذا الحكم لم ينسخ من التوراة أصلا قوله باب إذا رمى امرأته أو امرأة غيره بالزنا عند الحاكم والناس هل على الحاكم أن يبعث إليها فيسألها عما رميت به ذكر فيه قصة العسيف وقد تقدم شرحه مستوفى والحكم المذكور ظاهر فيمن قذف امرأة غيره وأما من قذف امرأته فكأنه أخذه من كون زوج المرأة كان حاضرا ولم ينكر ذلك وأشار بقوله هل على الامام إلى الخلاف في ذلك والجمهور على أن ذلك بحسب ما يراه الامام قال النووي الاصح عندنا وجوبه والحجة فيه بعث أنيس إلى المرأة وتعقب بأنه فعل وقع في واقعة حال لا دلالة فيه على الوجوب لاحتمال أن يكون السبب البعث ما وقع بين زوجها وبين والد العسيف من الخصام والمصالحة على الحد واشتهار القصة حتى صرح والد العسيف بما صرح به ولم ينكر عليه زوجها فالارسال إلى هذه يختص بمن كان على مثل حالها من التهمة القوية بالفجور وانما علق على اعترافها لان حد الزنا لا يثبت في مثلها إلا بالاقرار لتعذر إقامة البينة على ذلك وقد تقدم شرح الحديث مستوفى وذكرت ما قيل من الحكمة في إرسال أنيس إلى المرأة المذكورة وفي الموطأ أن عمر أتاه رجل فأخبره أنه وجد مع امرأته رجلا فبعث إليها أبا واقد فسألها عما قال زوجها وأعلمها أنه لا يؤخذ بقوله فاعترفت فأمر بها عمر فرجمت قال بن بطال اجمع العلماء على أن من قذف امرأته أو امرأة غيره بالزنا فلم يأت على ذلك بينة أن

[ 154 ]

عليه الحد إلا إن أقر المقذوف فلهذا يجب على الامام أن يبعث إلى المرأة يسألها عن ذلك ولو لم تعترف المرأة في قصة العسيف لوجب على والد العسيف حد القذف ومما يتفرع عن ذلك لو اعترف رجل أنه زنا بامرأة معينة فانكرت هل يجب عليه حد الزنا وحد القذف أو حد القذف فقط قال بالاول مالك وبالثاني أبو حنيفة وقال الشافعي وصاحبا أبا حنيفة من أقر منهما فانما عليه حد الزنا فقط والحجة فيه أنه إن كان صدق في نفس الامر فلا حد عليه في قذفها وإن كان كذب فليس بزان وانما يجب عليه حد الزنا لان كل من أقر على نفسه وعلى غيره لزمه ما أقر به على نفسه وهو مدعي فيما أقر به على غيره فيؤاخذ بإقراره على نفسه دون غيره قوله باب من أدب أهله أو غيره دون السلطان أي دون إذنه له في ذلك هذه الترجمة معقودة لبيان الخلاف هل يحتاج من وجب عليه الحد من الارقاء إلى أن يستأذن سيده الامام في إقامة الحد عليه أو له أن يقيم ذلك بغير مشورة وقد تقدم بيانه في باب إذا زنت الامة قوله وقال أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى فأراد أحد أن يمر بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله وفعله أبو سعيد هذا مختصر من الحديث الذي تقدم موصولا في باب يرد المصلي من مر بين يديه ولفظه فان أراد أن يجتاز بين يديه فليدفعه فان أبى فليقاتله فانما هو شيطان أخرجه من طريق أبي صالح عن أبي سعيد وأما قوله وفعله أبو سعيد فهو في الباب المذكور بلفظ رأيت أبا سعيد يصلي وأراد شاب أن يجتاز بين يديه فدفع أبو سعيد في صدره وقد تقدم شرحه مستوفى هناك والغرض منه ان الخبر ورد بالاذن للمصلي أن يؤدب المجتاز بالدفع ولا يحتاج في ذلك إلى اذن الحاكم وفعله أبو سعيد الخدري ولم ينكر عليه مروان بل استفهمه عن السبب فلما ذكره له أقره على ذلك ثم ذكر حديث عائشة في سبب نزول آية التيمم من وجهين عن عبد الرحمن بن قاسم عن أبيه عنها وقد تقدمت طريق مالك في تفسير سورة المائدة وطريق عمرو بن الحارث عقبها رحمه اللهقوله لكز ووكز واحد أي بمعنى واحد ثبت هذا في رواية المستملي وهو من كلام أبي عبيدة قال الوكز في الصدر بجمع الكف ولهزه مثله وهو اللكز قال بن بطال في هذين الحديثين دلالة على جواز تأديب الرجل أهله وغير أهله بحضرة السلطان ولو لم يأذن له إذا كان ذلك في حق وفي معنى تأديب الاهل تأديب الرقيق وقد تقدمت الاشارة إليه في باب لا تثريب على الامة قوله باب من رأى مع امرأته رجلا فقتله كذا أطلق ولم يبين الحكم وقد اختلف فيه فقال الجمهور عليه القود وقال أحمد وإسحاق إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه وقال الشافعي يسعه فيما بينه وبين الله قتل الرجل إن كان ثيبا وعلم أنه نال منها ما يوجب الغسل ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم وقد أخرج عبد الرزاق بسند صحيح إلى هانئ بن حزام أن رجلا وجد مع امرأته رجلا فقتلهما فكتب عمر كتابا في العلانية أن يقيدوه به وكتابا في السر أن يعطوه الدية وقال بن المنذر جاءت الاخبار عن عمر في ذلك مختلفة وعامة اسانيدها منقطعة وقد ثبت عن علي أنه سئل عن رجل قتل رجلا وجده مع امرأته فقال إن لم يأت بأربعة شهداء وإلا فليغط برمته قال الشافعي وبهذا نأخذ ولا نعلم لعلي مخالفا في ذلك قوله حدثنا موسى هو بن إسماعيل وعبد الملك هو بن عمير ووراد هو كاتب المغيرة بن شعبة وثبت كذلك لغير أبي ذر قوله قال سعد بن عبادة هو الانصاري سيد الخزرج قوله لو رأيت رجلا مع امرأتي لضربته بالسيف كذا في هذه الرواية

[ 155 ]

بالجزم وفي حديث أبي هريرة عند مسلم أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله أرأيت إن وجدت مع امرأتي رجلا أمهل حتى آتي بأربعة شهداء الحديث وله من وجه آخر فقال سعد كلا والذي بعثك بالحق ان كنت لاعاجله بالسيف قبل ذلك ولابي داود من هذا الوجه أن سعد بن عبادة قال يا رسول الله الرجل يجد مع أهله رجلا فيقتله قال لا قال بلى والذي أكرمك بالحق وأخرج الطبراني من حديث عبادة بن الصامت لما نزلت آية الرجم قال النبي صلى الله عليه وسلم أن الله قد جعل لهن سبيلا الحديث وفيه فقال أناس لسعد بن عبادة يا أبا ثابت قد نزلت الحدود أرأيت لو وجدت مع امرأتك رجلا كيف كنت صانعا قال كنت ضاربه بالسيف حتى يسكنا فانا أذهب واجمع أربعة فإلى ذلك قد قضى الخائب حاجته فانطلق وأقول رأيت فلانا فيجلدوني ولا يقبلون لي شهادة أبدا فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال كفى بالسيف شاهدا ثم قال لولا أني أخاف أن يتتابع فيها السكران والغيران وتقدم شرح هذا الحديث في باب الغيرة في أواخر كتاب النكاح ويأتي الكلام على قوله والله أغير مني في كتاب التوحيد وفي الحديث أن الاحكام الشرعية لا تعارض بالرأي قوله باب ما جاء في التعريض بعين مهملة وضاد معجمة قال الراغب هو كلام له وجهان ظاهر وباطن فيقصد قائله الباطن ويظهر إرادة الظاهر وقد تقدم شئ من الكلام فيه في باب التعريض بنفي الولد من كتاب اللعان في شرح حديث أبي هريرة في قصة الاعرابي الذي قال أن امرأتي ولدت غلاما أسود الحديث وذكرت هناك ما قيل في اسمه وبيان الاختلاف في حكم التعريض وان الشافعي استدل بهذا الحديث على أن التعريض بالقذف لا يعطي حكم التصريح فتبعه البخاري حيث أورد هذا الحديث في الموضعين وقد وقع في آخر رواية معمر التي أشرت إليها هناك ولم يرخص له في الانتفاء منه وقول الزهري انما تكون الملاعنة إذا قال رأيت الفاحشة قال بن بطال احتج الشافعي بأن التعريض في خطبة المعتدة جائز مع تحريم التصريح بخطبتها فدل على افتراق حكمهما قال وأجاب القاضي إسماعيل بأن التعريض بالخطبة جائز لان النكاح لا يكون إلا بين أثنين فإذا صرح بالخطبة وقع عليه الجواب بالايجاب أو الوعد فمنع وإذا عرض فأفهم أن المرأة من حاجته لم يحتج إلى جواب والتعريض بالقذف يقع من الواحد ولا يفتقر إلى جواب فهو قاذف من غير أن يخفيه عن أحد فقام مقام الصريح كذا فرق ويعكر عليه أن الحد يدفع بالشبه والتعريض يحتمل الامرين بل عدم القذف فيه هو الظاهر وإلا لما كان تعريضا ومن لم يقل بالحد في التعريض يقول بالتأديب فيه لان في التعريض أذى المسلم وقد اجمعوا على تأديب من وجد مع امرأة أجنبية في بيت والباب مغلق عليهما وقد ثبت عن إبراهيم النخعي أنه قال في التعريض عقوبة وقال عبد الرزاق أنبأنا بن جريج قلت لعطاء فالتعريض قال ليس فيه حد قال عطاء وعمرو بن دينار فيه نكال ونقل بن التين عن الداودي أنه قال تبويب البخاري غير معتدل قال ولو قال ما جاء في ذكر ما يقع في النفوس عندما يرى ما ينكره لكان صوابا قلت ولو سكت عن هذا لكان هو الصواب قال بن التين قد انفصل المالكية عن حديث الباب بأن الاعرابي انما جاء مستفتيا ولم يرد بتعريضه قذفا وحاصله أن القذف في التعريض إنما يثبت على من عرف من ارادته القذف وهذا يقوي أن لا حد في التعريض لتعذر الاطلاع على الارادة والله سبحانه وتعالى

[ 156 ]

أعلم قوله باب بالتنوين كم التعزير والادب التعزير مصدر عزره وهو مأخوذ من العزر وهو الرد والمنع واستعمل في الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه ومنعهم من إضراره ومنه وآمنتم برسلي وعزرتموهم وكدفعة عن إتيان القبيح ومنه عزره القاضي أي لئلا يعود إلى القبيح ويكون بالقول والفعل بحسب ما يليق به والمراد بالادب في الترجمة التأديب وعطفه على التعزير لان التعزير يكون بسبب المعصية والتأديب أعم منه ومنه تأديب الولد وتأديب المعلم وأورد الكمية بلفظ استفهام إشارة إلى الاختلاف فيها كما سأذكره وقد ذكر في الباب أربعة أحاديث الاول قوله عن بكير بن عبد الله يعني بن الاشج قوله عن سليمان بن يسار عن عبد الرحمن في رواية عمرو بن الحارث الآتية في الباب أن بكيرا حدثه قال بينما أنا جالس عند سليمان بن يسار إذ جاء عبد الرحمن بن جابر فحدث سليمان بن يسار ثم أقبل علينا سليمان فقال حدثني عبد الرحمن قوله عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله في رواية الاصيلي عن أبي أحمد الجرجاني عن عبد الرحمن عن جابر ثم خط على قوله عن جابر فصار عن عبد الرحمن عن أبي بردة وهو الصواب وأصوب منه رواية الجمهور بلفظ بن بدل عن قوله عن أبي بردة في رواية علي بن إسماعيل بن حماد عن عمرو بن علي شيخ البخاري فيه بسنده إلى عبد الرحمن بن جابر قال حدثني رجل من الانصار قال أبو حفص يعني عمرو بن علي المذكور هو أبو بردة بن نيار أخرجه أبو نعيم وفي رواية عمرو بن الحارث حدثني عبد الرحمن بن جابر أن أباه حدثه أنه سمع أبا بردة الانصاري ووقع في الطريق الثانية من رواية فضيل بن سليمان عن مسلم بن أبي مريم حدثني عبد الرحمن بن جابر عمن سمع النبي صلى الله عليه وسلم وقد سماه حفص بن ميسرة وهو أوثق من فضيل بن سليمان فقال فيه عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه أخرجه الاسماعيلي قلت قد رواه يحيى بن أيوب عن مسلم بن أبي مريم مثل رواية فضيل أخرجه أبو نعيم في المستخرج قال الاسماعيلي ورواه إسحاق بن راهويه عن عبد الرزاق عن بن جريج عن مسلم بن أبي مريم عن عبد الرحمن بن جابر عن رجل من الانصار قلت وهذا لا يعين أحد التفسرين فان كلا من جابر وأبي بردة أنصاري قال الاسماعيلي لم يدخل الليث عن يزيد بين عبد الرحمن وأبي بردة أحدا وقد وافقه سعيد بن أيوب عن يزيد ثم ساقه من روايته كذلك وحاصل الاختلاف هل هو عن صحابي مبهم أو مسمى الراجح الثاني أنه أبو بردة بن نيار وهل بين عبد الرحمن وأبي بردة واسطة وهو جابر أولا الراجح الثاني أيضا وقد ذكر الدارقطني في العلل الاختلاف ثم قال القول قول الليث ومن تابعه وخالف ذلك في جميع التتبع فقال القول قول عمرو بن الحارث وقد تابعه أسامة بن زيد قلت ولم يقدح هذا الاختلاف عن الشيخين في صحة الحديث فإنه كيفما دار يدور على ثقة ويحتمل أن يكون عبد الرحمن وقع له فيه ما وقع لبكير بن الاشج في تحديث عبد الرحمن بن جابر لسليمان بحضرة بكير ثم تحديث سليمان بكيرا به عن عبد الرحمن أو أن عبد الرحمن سمع أبا بردة لما حدث به أباه وثبته فيه أبوه فحدث به تارة بواسطة أبيه وتارة بغير واسطة وادعى الاصيلي أن الحديث مضطرب فلا يحتج به لاضطرابه وتعقب بأن عبد الرحمن ثقة فقد صرح بسماعه وإبهام الصحابي لا يضر وقد اتفق الشيخان على تصحيحه وهما العمدة في التصحيح وقد وجدت له شاهدا بسند قوي لكنه مرسل أخرجه الحارث بن أبي أسامة من رواية

[ 157 ]

عبد الله بن أبي بكر بن الحارث بن هشام رفعه لا يحل أن يجلد فوق عشرة أسواط إلا في حد وله شاهد آخر عن أبي هريرة عند بن ماجة ستأتي الاشارة إليه قوله لا يجلد بضم أوله بصيغة النفي ولبعضهم بالجزم ويؤيده ما وقع في الرواية التي بعدها بصيغة النهي لا تجلدوا قوله فوق عشرة اسواط في رواية يحيى بن أيوب وحفص بن ميسرة فوق عشرة جلدات وفي رواية علي بن إسماعيل بن حماد المشار إليها لا عقوبة فوق عشر ضربات قوله إلا في حد من حدود الله ظاهره أن المراد بالحد ما ورد فيه من الشارع عدد من الجلد أو الضرب مخصوص أو عقوبة مخصوصة والمتفق عليه من ذلك أصل الزنا والسرقة وشرب المسكر والحرابة والقذف بالزنا والقتل والقصاص في النفس والاطراف والقتل في الارتداد واختلف في تسمية الاخيرين حدا واختلف في أشياء كثيرة يستحق مرتكبها العقوبة هل تسمى عقوبته حدا أو لا وهي جحد العارية واللواط واتيان البهيمة وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها والسحاق وأكل الدم والميتة في حال الاختيار ولحم الخنزير وكذا السحر والقذف بشرب الخمر وترك الصلاة تكاسلا والفطر في رمضان والتعريض بالزنا وذهب بعضهم إلى أن المراد بالحد في حديث الباب حق الله وقال بن دقيق العيد بلغني أن بعض العصريين قرر هذا المعنى بأن تخصيص الحد بالمقدرات المقدم ذكرها أمر اصطلاحي من الفقهاء وأن عرف الشرع أول الامر كان يطلق الحد على كل معصية كبرت أو صغرت وتعقبه بن دقيق العيد أنه خروج عن الظاهر ويحتاج إلى نقل والاصل عدمه قال ويرد عليه أنا إذا أجزنا في كل حق من حقوق الله أن يزاد على العشر لم يبقى لنا شئ يختص المنع به لان ما عدا الحرمات التي لا يجوز فيها الزيادة هو ليس بمحرم وأصل التعزير أنه لا يشرع فيما ليس بمحرم فلا يبقى بخصوص الزيادة معنى قلت والعصري المشار إليه أظنه بن تيمية وقد تقلد صاحبه بن القيم المقالة المذكورة فقال الصواب في الجواب أن المراد بالحدود هنا الحقوق التي هي أوامر الله ونواهيه وهي المراد بقوله ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون وفي أخرى فقد ظلم نفسه وقال تلك حدود الله فلا تقربوها وقال ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا قال فلا يزاد على العشر في التأديبات التي لا تتعلق بمعصية كتأديب الاب ولده الصغير قلت ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي فما ورد فيه تقدير لا يزاد عليه وهو المستثنى في الاصل وما لم يرد فيه تقدير فان كان كبيرة جازت الزيادة فيه وأطلق عليه اسم الحد كما في الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى وان كان صغيرة فهو المقصود بمنع الزيادة فهذا يدفع إيراد الشيخ تقي الدين على العصري المذكور ان كان ذلك مراده وقد أخرج بن ماجة من حديث أبي هريرة بالتعزير بلفظ لا تعزروا فوق عشرة اسواط وقد اختلف السلف في مدلول هذا الحديث فأخذ بظاهره الليث وأحمد في المشهور عنه وإسحاق وبعض الشافعية وقال مالك والشافعي وصاحبا أبي حنيفة تجوز الزيادة على العشر ثم اختلفوا فقال الشافعي لا يبلغ أدنى الحدود وهل الاعتبار بحد الحر والعبد قولان وفي قول أو وجه يستنبط كل تعزير من جنس حده ولا يجاوزه وهو مقتضى قول الاوزاعي لا يبلغ به الحد ولم يفصل وقال الباقون هو إلى رأي الامام بالغا ما بلغ وهو اختيار أبي ثور وعن عمر أنه كتب إلى أبي موسى لا تجلد في التعزير أكثر من عشرين وعن عثمان ثلاثين وعن عمر أنه بلغ بالسوط

[ 158 ]

مائة وكذا عن بن مسعود وعن مالك وأبي ثور وعطاء لا يعزر إلا من تكرر منه ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا حد فيها فلا يعزر وعن أبي حنيفة لا يبلغ أربعين وعن بن أبي ليلى وأبي يوسف لا يزاد على خمس وتسعين جلدة وفي رواية عن مالك وأبي يوسف لا يبلغ ثمانين وأجابوا عن الحديث بأجوبة منها ما تقدم ومنها قصره على الجلد وأما الضرب بالعصا مثلا وباليد فتجوز الزيادة لكن لا يجاوز أدنى الحدود وهذا رأي الاصطخري من الشافعية وكأنه لم يقف على الرواية الواردة بلفظ الضرب ومنها أنه منسوخ دل على نسخه إجماع الصحابة ورد بأنه قال به بعض التابعين وهو قول الليث بن سعد أحد فقهاء الامصار ومنها معارضة الحديث بما هو أقوى منه وهو الاجماع على أن التعزير يخالف الحدود وحديث الباب يقتضي تحديده بالعشر فما دونها فيصير مثل الحد وبالاجماع على أن التعزير موكول إلى رأي الامام فيما يرجع إلى التشديد والتخفيف لامن حيث العدد لان التعزير شرع للردع ففي الناس من يردعه الكلام ومنهم من لا يردعه الضرب الشديد فلذلك كان تعزير كل أحد بحسبه وتعقب بأن الحد لا يزاد فيه ولا ينقص فاختلفا وبأن التخفيف والتشديد مسلم لكن مع مراعاة العدد المذكور وبأن الردع لا يراعى في الافراد بدليل أن من الناس لا يردعه الحد ومع ذلك لا يجمع عندهم بين الحد والتعزير فلو نظر إلى كل فرد لقيل بالزيادة على الحد أو الجمع بين الحد والتعزير ونقل القرطبي أن الجمهور قالوا بما دل عليه حديث الباب وعكسه النووي وهو المعتمد فإنه لا يعرف القول به عن أحد من الصحابة واعتذر الداودي فقال لم يبلغ مالكا هذا الحديث فكان يرى العقوبة بقدر الذنب وهو يقتضي أن لو بلغه ما عدل عنه فيجب على من بلغه أن يأخذ به الحديث الثاني حديث النهي عن الوصال والغرض منه قوله فواصل بهم كالمنكل بهم قال بن بطال عن المهلب فيه أن التعزير موكول إلى رأى الامام لقوله لو امتد الشهر لزدت فدل على أن للامام أن يزيد في التعزير ما يراه وهو كما قال لكن لا يعارض الحديث المذكور لانه ورد في عدد من الضرب أو الجلد فيتعلق في شئ محسوس وهذا يتعلق بشئ متروك وهو الامساك عن المفطرات والالم في يرجع إلى التجويع والتعطيش وتأثيرهما في الاشخاص متفاوت جدا والظاهر أن الذين واصل بهم كان لهم اقتدار على ذلك في الجملة فأشار إلى أن ذلك لو تمادى حتى ينتهي إلى عجزهم عنه لكان هو المؤثر في زجرهم ويستفاد منه أن المراد من التعزير ما يحصل به الردع وذلك ممكن في العشر بأن يختلف الحال في صفة الجلد أو الضرب تخفيفا وتشديدا والله أعلم نعم يستفاد منه جواز التعزير بالتجويع ونحوه من الامور المعنوية قوله تابعه شعيب ويحي بن سعيد ويونس عن الزهري وقال عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب أي تابعوا عقيلا في قوله عن أبي سلمة وخالفهم عبد الرحمن بن خالد فقال سعيد بن المسيب قلت فاما متابعة شعيب فوصلها المؤلف في كتاب الصيام وأما متابعة يحيى بن سعيد وهو الانصاري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما متابعة يونس وهو بن يزيد فوصلها مسلم من طريق بن وهب عنه وأما رواية عبد الرحمن بن خالد فسيأتي الكلام عليها في كتاب الاحكام وذكر الاسماعيلي أن أبا صالح رواه عن الليث عن عبد الرحمن المذكور فجمع فيه بين سعيد وأبي سلمة قال وكذا رواه عبد الرحمن بن نمر عن الزهري بسنده إليه كذلك انتهى وقد تقدم شرح هذا الحديث في كتاب الصيام

[ 159 ]

الحديث الثالث قوله حدثني عياش بتحتانية ثم معجمة وعبد الاعلى هو بن عبد الاعلى البصري قوله عن سالم هو بن عبد الله بن عمر قوله عن عبد الله بن عمر انهم كانوا يضربون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اشتروا طعاما جزافا أن يبيعوه في مكانهم في رواية أبي أحمد الجرجاني عن الفربري سالم بن عبد الله بن عمر انهم كانوا الخ فصارت صورة الاسناد الارسال والصواب عن سالم عن عبد الله فتصحفت عن فصارت بن وقد وقع في رواية مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة عن عبد الاعلى بهذا الاسناد عن سالم عن بن عمر به وتقدم في البيوع من طريق يونس عن الزهري أخبرني سالم بن عبد الله بن عمر قال فذكر نحوه وتقدم شرح هذا الحديث في كتاب البيوع مستوفى ويستفاد منه جواز تأديب من خالف الامر الشرعي فتعاطى العقود الفاسدة بالضرب ومشروعية إقامة المحتسب في الاسواق والضرب المذكور محمول على من خالف الامر بعد أن علم به الحديث الرابع قوله عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله ما انتقم هذا طرف من حديث أوله ما خير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أمرين إلا اختار أيسرهما أخرجه مسلم بتمامه من رواية يونس وقد تقدم شرحه مستوفى في باب صفة النبي صلى الله عليه وسلم من طريق مالك عن الزهري وقد تقدم قريبا في أوائل الحدود من طريق عقيل عن بن شهاب قوله باب من أظهر الفاحشة واللطخ والتهمة بغير بينة أي ما حكمه والمراد بإظهار الفاحشة أن يتعاطى ما يدل عليها عادة من غير أن يثبت ذلك بينة أو إقرار واللطخ هو بفتح اللام والطاء المهملة بعدها خاء معجمة الرمي بالشر يقال لطخ فلان بكذا أي رمى بشر ولطخه بكذا مخففا ومثقلا لوثة به وبالتهمة بضم المثناة وفتح الهاء من يتهم بذلك من غير أن يتحقق فيه ولو عاد وذكر فيه حديثين أحدهما حديث سهل بن سعيد في قصة المتلاعنين أورده مختصرا وفي آخره تصريح سفيان حيث قال حفظت عن الزهري وقد تقدم شرحه في كتاب اللعان مستوفى وقوله إن جاءت به كذا فهو وان جاءت به كذا فهو كذا وقع بالكناية وبالاكتفاء في الموضعين وتقدم في اللعان بيانه من طريق بن جريج عن بن شهاب ولفظه إن جاءت به أحمر قصيرا كأنه وحرة فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها وإن جاءت به أسود أعين ذا اليتين فلا أراه إلا قد صدق عليها وكذبت عليه انتهى وعلى هذا فتقدير الكلام فهو كاذب في الاولى فهو صادق في الثانية وعرف منه أن الضمير للزوج كأنه قال ان جاءت به أحمر فزوجها كاذب فيما رماها به وان جاءت به أسود فزوجها صادق ثانيهما حديث بن عباس في اللعان أيضا أورده من طريقين مختصرة ثم مطولة كلاهما من طريق القاسم بن محمد عنه ووقع لبعضهم بإسقاط القاسم بن محمد من السند وهو غلط وقد تقدم شرحه مستوفى أيضا في

[ 160 ]

كتاب اللعان وقوله من غير بينة في رواية الكشميهني عن بدل من وقوله في الطريق الاخرى ذكر المتلاعنان في رواية الكشميهني ذكر التلاعن قوله فقال رجل لابن عباس في المجلس هو عبد الله بن شداد بن الهاد كما صرح به في الرواية التي قبلها قوله تلك امرأة كانت تظهر في الاسلام السوء في رواية عروة عن بن عباس بسند صحيح عند بن ماجة لو كنت راجما أحد بغير بينة لرجمت فلانة فقد ظهر فيها الريبة في منطقها وهيئتها ومن يدخل عليها ولم أقف على اسم المرأة المذكورة فكأنهم تعمدوا إبهامها سترا عليها قال المهلب فيه أن الحد لا يجب على أحد بغير بينة أو إقرار ولو كان متهما بالفاحشة وقال النووي معنى تظهر السوء أنه اشتهر عنها وشاع ولكن لم تقم البينة عليها بذلك ولا اعترفت فدل على أن الحد لا يجب بالاستفاضة وقد أخرج الحاكم من طريق بن عباس عن عمر أنه قال لرجل أقعد جاريته وقد اتهمها بالفاحشة على النار حتى احترق فرجها هل رأيت ذلك عليها قال لا قال فاعترفت لك قال لا قال فضربه وقال لولا أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لايقاد مملوك من مالكه لاقدتها منك قال الحاكم صحيح الاسناد وتعقبه الذهبي بأن في إسناده عمرو بن عيسى شيخ الليث وفيه منكر الحديث كذا قال فأوهم أن لغيره كلاما وليس كذلك فأنه ذكره في الميزان فقال لا يعرف لم يزد على ذلك ولا يلزم من ذلك القدح فيما رواه بل يتوقف فيه قوله باب رمي المحصنات أي قذفهن والمراد الحرائر العفيفات ولا يختص بالمزوجات بل حكم البكر كذلك بالاجماع قوله والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم الآية كذا لابي ذر والنسفي وأما غيرهما فساقوا الآية إلى قوله غفور رحيم وقوله إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا كذا لابي ذر ولغيره إلى قوله عظيم واقتصر النسفي على إن الذين يرمون الآية وتضمنت الآية الاولى بيان حد القذف والثانية بيان كونه من الكبائر بنا على أن كل ما توعد عليه باللعن أو العذاب أو شرع فيه حد فهو كبيرة وهو المعتمد وبذلك يطابق حديث الباب الآيتين المذكورتين وقد انعقد الاجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء واختلف في حكم قذف الارقاء كما سأذكره في الباب الذي بعده قوله والذين يرمون أزواجهم ثم لم يأتوا الآية كذا لابي ذر وحده ونبه على أنه وقع فيه وهم لان التلاوة ولم يكن لهم شهداء وهو كذلك لكن في أيرادها هنا تكرار لانها تتعلق باللعان وقد تقدم قريبا باب من رمى امرأته قوله حدثني سليمان هو بن بلال ولغير أبي ذر حدثنا وأبو الغيث هو سالم قوله اجتنبوا السبع الموبقات بموحدة وقاف أي المهلكات قال المهلب سميت بذلك لانها سبب لاهلاك مرتكبها قلت والمراد بالموبقة هنا الكبيرة كما ثبت في حديث أبي هريرة من وجه آخر أخرجه البزار وابن المنذر من طريق عمر بن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة رفعه الكبائر الشرك بالله وقتل النفس الحديث مثل رواية أبي الغيث إلا أنه ذكر بدل السحر الانتقال إلى الاعرابية بعد الهجرة وأخرج النسائي والطبراني وصححه بن حبان والحاكم من طريق صهيب مولى العتواريين عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مامن عبد يصلي الخمس ويجتنب الكبائر السبع الا فتحت له أبواب الجنة الحديث ولكن لم يفسرها والمعتمد في تفسيرها ما وقع في رواية سالم وقد وافقه كتاب عمرو بن حزم الذي أخرجه

[ 161 ]

النسائي وابن حبان في صحيحه والطبراني من طريق سليمان بن داود عن الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده قال كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاب الفرائض والديات والسنن وبعث به مع عمرو بن حزم إلى اليمن الحديث بطوله وفيه وكان في الكتاب وان أكبر الكبائر الشرك فذكر مثل حديث سالم سواء وللطبراني من حديث سهل بن أبي خيثمة عن على رفعه اجتنب الكبائر السبع فذكرها لكن ذكر التعرب بعد الهجرة بدل السحر وله في الاوسط من حديث أبي سعيد مثله وقال الرجوع إلى الاعراب بعد الهجرة ولاسماعيل القاضي من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن عبد الله بن عمرو قال صعد النبي صلى الله عليه وسلم المنبر ثم قال أبشروا من صلى الخمس واجتنب الكبائر السبع نودي من أبواب الجنة فقيل له أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يذكرهن قال نعم فذكر مثل حديث علي سواء وقال عبد الرزاق أنبانا معمر عن الحسن قال الكبائر الاشراك بالله فذكر مثل الاصول سواء إلا أنه قال اليمين الفاجرة بدل السحر ولابن عمر فيما أخرجه البخاري في الادب المفرد والطبري في التفسير وعبد الرزاق والخرائطي في مساوئ الاخلاق وإسماعيل القاضي في أحكام القرآن مرفوعا وموقوفا قال الكبائر تسع فذكر السبعة المذكورة وزاد الالحاد في الحرم وعقوق الولدين ولابي داود والطبراني من رواية عبيد بن عمير بن قتادة الليثي عن أبيه رفعه ان أولياء الله المصلون ومن يجتنب الكبائر قالوا ما الكبائر قال هن تسعة أعظمهن الاشراك بالله فذكر مثل حديث بن عمر سواء إلا أنه عبر عن الالحاد في الحرم باستحلال البيت الحرام إسماعيل القاضي بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال هن عشرة فذكر السبعة التي في الاصل وزاد وعقوق الوالدين واليمين الغموس وشرب الخمر ولابن أبي حاتم من طريق مالك بن حريث عن علي قال الكبائر فذكر التسعة إلا مال اليتيم وزاد العقوق والتعرب بعد الهجرة وفراق الجماعة ونكث الصفقة وللطبراني عن أبي أمامة أنهم تذكروا الكبائر فقالوا الشرك ومال اليتيم والفرار من الزحف والسحر والعقوق وقول الزور والغلول والزنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فأين تجعلون الذين يشترون بعهد الله ثمنا قليلا قلت وقد تقدم في كتاب الادب عند اليمين الغموس وكذا شهادة الزور وعقوق الوالدين وعند عبد الرزاق والطبراني عن بن مسعود أكبر الكبائر الاشراك بالله والامن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله وهو موقوف وروى إسماعيل بسند صحيح من طريق بن سيرين عن عبد الله بن عمرو مثل حديث الاصل لكن قال البهتان بدل السحر والقذف فسأل عن ذلك فقال البهتان يجمع وفي الموطأ عن النعمان بن مرة مرسلا الزنا والسرقة وشرب الخمر فواحش وله شاهد من حديث عمران بن حصين عند البخاري في الادب المفرد والطبراني والبيهقي وسنده حسن وتقدم حديث بن عباس في النميمة ومن رواه بلفظ الغيبة وترك التنزه من البول كل ذلك في الطهارة ولاسماعيل القاضي من مرسل الحسن ذكر الزنا والسرقة وله عن أبي إسحاق السبيعي شتم أبي بكر وعمر وهو لابن أبي حاتم من قول مغيرة بن مقسم وأخرج الطبري عنه بسند صحيح الاضرار في الوصية من الكبائر وعنه الجمع بين الصلاتين من غير عذر رفعه وله شاهد أخرجه بن أبي حاتم عن عمر قوله وعند إسماعيل من قول بن عمر ذكر النهبة ومن حديث بريدة عند البزار منع فضل الماء ومنع طروق الفحل ومن حديث أبي هريرة عند الحاكم الصلوات كفارات

[ 162 ]

إلا من ثلاث الاشراك بالله ونكث الصفقة وترك السنة ثم فسر نكث الصفقة بالخروج على الامام وترك السنة بالخروج عن الجماعة أخرجه الحاكم ومن حديث بن عمر عند بن مردويه أكبر الكبائر سوء الظن بالله ومن الضعيف في ذلك نسيان القرآن أخرجه أبو داود والترمذي عن أنس رفعه نظرت في الذنوب فلم أر أعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل فنسيها وحديث من أتى حائضا أو كاهنا فقد كفر أخرجه الترمذي فهذا جميع ما وفقت عليه مما ورد التصريح بأنه من الكبائر أو من أكبر الكبائر صحيحا وضعيفا مرفوعا وموقوفا وقد تتبعه غاية التتبع وفي بعضه ما ورد خاصا ويدخل في عموم غيره كالتسبب في لعن الوالدين وهو داخل في العقوق وقتل الولد وهو داخل في قتل النفس والزنا بحليلة الجار وهو داخل في الزنا والنهبة والغلول واسم الخيانة يشمله ويدخل الجميع في السرقة وتعلم السحر وهو داخل في السحر وشهادة الزور وهي داخلة في قول الزور ويمين الغموس وهي داخلة في اليمين الفاجرة والقنوط من رحمة الله كاليأس من روح الله والمعتمد من كل ذلك ما ورد مرفوعا بغير تداخل من وجه صحيح وهي السبعة المذكورة في حديث الباب والانتقال عن الهجرة والزنا والسرقة والعقوق واليمين الغموس والالحاد في الحرم وشرب الخمر وشهادة الزور والنميمة وترك التنزه من البول والغلول ونكث الصفقة وفراق الجماعة فتلك عشرون خصلة وتتفاوت مراتبها والمجمع على عدة من ذلك أقوى من المختلف فيه إلا ما عضده القرآن أو الاجماع فيلتحق بما فوقه ويجتمع من المرفوع ومن الموقوف ما يقاربها ويحتاج عند هذا إلى الجواب عن الحكمة في الاقتصار على سبع ويجاب بأن مفهوم العدد ليس بحجة وهو جواب ضعيف وبأنه أعلم أولا بالمذكورات ثم أعلم بما زاد فيجب الاخذ بالزائد أو أن الاقتصار وقع بحسب المقام بالنسبة إلى السائل أو من وقعت له واقعة ونحو ذلك وقد أخرج الطبري وإسماعيل القاضي عن بن عباس أنه قيل له الكبائر سبع فقال هن أكثر من سبع وسبع وفي رواية عنه هي إلى السبعين أقرب وفي رواية إلى السبعمائة ويحمل كلامه على المبالغة بالنسبة إلى من اقتصر على سبع وكأن المقتصر عليها اعتمد على حديث الباب المذكور وإذا تقرر ذلك عرف فساد من عرف الكبيرة بأنها ما وجب فيها الحد لان أكثر المذكورات لا يجب فيها الحد قال الرافعي في الشرح الكبير الكبيرة هي الموجبة للحد وقيل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة وهذا أكثر ما يوجد للاصحاب وهم إلى ترجيح الاول أميل لكن الثاني أوفق لما ذكروه عند تفصيل الكبائر وقد أقره في الروضة وهو يشعر بأنه لا يوجد عن أحد من الشافعية الجمع بين التعريفين وليس كذلك فقد قال الماوردي في الحاوي هي ما يوجب الحد أو توجه إليها الوعيد وأو في كلامه للتنويع لا للشك وكيف يقول عالم إن الكبيرة ما ورد فيه الحد مع التصريح في الصحيحين بالعقوق واليمين الغموس وشهادة الزور وغير ذلك والاصل فيما ذكره الرافعي قال البغوي في التهذيب من أرتكب كبيرة من زنا أو لواط أو شرب الخمر أو غصب أو سرقة أو قتل بغير حق ترد شهادته وإن فعله مرة واحدة ثم قال فكل ما يوجب الحد من المعاصي فهو كبيرة وقيل ما يلحق الوعيد بصاحبه بنص كتاب أو سنة انتهى والكلام الاول لا يقتضي الحصر والثاني هو المعتمد وقال بن عبد السلام لم أقف على ضابط الكبيرة يعني يسلم من الاعتراض قال والاولى ضبطها بما يشعر بتهاون مرتكبها

[ 163 ]

إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها قال وضبطها بعضهم بكل ذنب قرن به وعيد أو لعن قلت وهذا أشمل من غيره ولا يرد عليه إخلاله بما فيه حد لان كل ما ثبت فيه الحد لا يخلو من ورود الوعيد على فعله ويدخل فيه ترك الواجبات الفورية منها مطلقا والمتراخية إذا تضيقت وقال بن الصلاح لها امارات منها إيجاب الحد ومنها الايعاد عليها بالعذاب بالنار ونحوها في الكتاب أو السنة ومنها وصف صاحبها بالفسق ومنها اللعن قلت وهذا أوسع مما قبله وقد أخرج إسماعيل القاضي بسند فيه بن لهيعة عن أبي سعيد مرفوعا الكبائر كل ذنب أدخل صاحبه النار وبسند صحيح عن الحسن البصري قال كل ذنب نسبه الله تعالى إلى النار فهو كبيرة ومن أحسن التعاريف قول القرطبي في المفهم كل ذنب أطلق عليه بنص كتاب أو سنة أو إجماع أنه كبيرة أو عظيم أو أخبر فيه بشدة العقاب أو علق عليه الحد أو شدد النكير عليه فهو كبيرة وعلى هذا فينبغي تتبع ما ورد فيه الوعيد أو اللعن أو الفسق من القرآن أو الاحاديث الصحيحة والحسنة ويضم إلى ما ورد فيه التنصيص في القرآن والاحاديث الصحاح والحسان على أنه كبيرة فمهما بلغ مجموع ذلك عرف منه تحرير عددها وقد شرعت في جمع ذلك وأسأل الله الاعانة على تحريره بمنه وكرمه وقال الحليمي في المنهاج ما من ذنب إلا وفيه صغيرة وكبيرة وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بقرينة تضم إليها وتنقلب الكبيرة فاحشة كذلك إلا الكفر بالله فإنه أفحش الكبائر وليس من نوعه صغيرة قلت ومع ذلك فهو ينقسم إلى فاحش وأفحش ثم ذكر الحليمي أمثلة لما قال فالثاني كقتل النفس بغير حق فإنه كبيرة فان قتل أصلا أو فرعا أو ذا رحم أو بالحرم أو بالشهر الحرام فهو فاحشة والزنا كبيرة فان كان بحليلة الجار أو بذات رحم أو في شهر رمضان أو في الحرم فهو والاول كالمفاخذة مع الاجنبية صغيرة فان كان مع امرأة الاب أو حليلة الابن أو ذات رحم فكبيرة وسرقة ما دون النصاب صغيرة فان كان المسروق منه لا يملك غيره وأفضى به عدمه إلى الضعف فهو كبيرة وأطال في أمثلة ذلك وفي الكثير منه ما يتعقب لكن هذا عنوانه وهو منهج حسن لا بأس باعتباره ومداره على شدة المفسدة وخفتها والله أعلم تنبيه يأتي القول في تعظيم قتل النفس في الكتاب الذي بعد هذا وتقدم الكلام على السحر في آخر كتاب الطب وعلى أكل مال اليتيم في كتاب الوصايا وعلى أكل الربا في كتاب البيوع وعلى التولي يوم الزحف في كتاب الجهاد وذكر هنا قذف المحصنات وقد شرط القاضي أبو سعيد الهروي في أدب القضاء أن شرط كون غصب المال كبيرة أن يبلغ نصابا ويطرد في السرقة وغيرها وأطلق في ذلك جماعة ويطرد في أكل مال اليتيم وجميع أنواع الجناية والله أعلم قوله باب قذف العبيد أي الارقاء عبر بالعبيد اتباعا للفظ الخبر وحكم الامة والعبد في ذلك سواء والمراد بلفظ الترجمة الاضافة للمفعول بدليل ما تضمنه حديث الباب ويحتمل إرادة الاضافة للفاعل والحكم فيه أن على العبد إذا قذف نصف ما على الحر ذكرا كان أو أنثى وهذا قول الجمهور وعن عمر بن عبد العزيز والزهري وطائفة يسيرة والاوزاعي وأهل الظاهر حده ثمانون وخالفهم بن حزم فوافق الجمهور قوله عن بن أبي نعم هو بن عبد الرحمن قوله عن أبي هريرة في رواية الاسماعيلي من طريق محمد بن خلاد وعلي بن المديني كلاهما عن يحيى بن سعيد وهو القطان بهذا

[ 164 ]

السند حدثنا أبو هريرة قوله سمعت أبا القاسم في رواية الاسماعيلي حدثنا أبو القاسم نبي التوبة قوله من قذف مملوكا في رواية الاسماعيلي من قذف عبده بشئ قوله وهو برئ مما قال جملة حالية وقوله إلا أن يكون كما قال أي فلا يجلد وفي رواية النسائي من هذا الوجه أقام عليه الحد يوم القيامة وأخرج من حديث بن عمر من قذف مملوكه كان لله في ظهره حد يوم القيامة إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه قال المهلب أجمعوا على أن الحر إذا قذف عبدا لم يجب عليه الحد ودل هذا الحديث على ذلك لانه لو وجب على السيد أن يجلد في قذف عبده في الدنيا لذكره كما ذكره في الآخرة وانما خص ذلك بالآخرة تمييزا للاحرار من المملوكين فأما في الآخرة فان ملكهم يزول عنهم ويتكافئون في الحدود ويقتص لكل منهم إلا أن يعفو ولا مفاضلة حينئذ إلا بالتقوى قلت في نقله الاجماع نظر فقد أخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع سئل بن عمر عمن قذف أم ولد لآخر فقال يضرب الحد صاغرا وهذا بسند صحيح وبه قال الحسن وأهل الظاهر وقال بن المنذر اختلفوا فيمن قذف أم ولد فقال مالك وجماعة يجب فيه الحد وهو قياس قول الشافعي بعد موت السيد وكذا كل من يقول أنها عتقت بموت السيد وعن الحسن البصري أنه كان لا يرى الحد على قاذف أم الولد وقال مالك والشافعي من قذف حرا يظنه عبدا وجب عليه الحد قوله باب هل يأمر الامام رجلا فيضرب الحد غائبا عنه تقدم الكلام على هذه الترجمة وهل هو مكروه أو لا قريبا قوله وقد فعله عمر ثبت هذا التعليق في رواية الكشميهني وقد ورد ذلك عن عمر في عدة آثار منها ما أخرجه سعيد بن منصور بسند صحيح عن عمر أنه كتب إلى عامله إن عاد فحدوه ذكره في قصة طويلة وتقدم الكلام على حديث سهل بن سعد المذكور في الباب في قصة العسيف ولله الحمد ومحمد بن يوسف شيخه فيه هو الفريابي كما جزم به أبو نعيم في المستخرج وقوله في هذه الرواية حدثنا بن عيينة عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله وقع عند الاسماعيلي من طريق العباس بن الوليد النرسي عن بن عيينة قال الزهري كنت أحسب أني قد أصبت من العلم فلما لقيت عبيد الله كأنما كنت أفجر به بحرا فذكر الحديث وفيه إيماء إلى أنه لم يحمل هذا الحديث تاما إلا عن عبيد الله المذكور وهو أحد الفقهاء السبعة من أهل المدينة خاتمة اشتمل كتاب الحدود والمحاربين من الاحاديث المرفوعة على مائة حديث وثلاثة أحاديث الموصول منها تسعة وسبعون والبقية متابعات وتعاليق والمكرر منها فيه وفيما مضى اثنان وستون حديثا والخالص سبعة عشر حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى ثمانية أحاديث وهي حديث أبي هريرة أتى النبي صلى الله عليه وسلم برجل قد شرب الخمر وفيه لا تعينوا عليه الشيطان وحديث السائب بن يزيد في ضرب الشارب وحديث عمر في قصة الشارب الملقب حمارا وحديث بن عباس لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن وحديث علي في رجم المرأة وجلدها وحديث علي في رفع القلم وحديث أنس في الرجل الذي قال يا رسول الله أصبت حدا فأقمه علي وحديث بن عباس في قصة ماعز وحديث عمر في قصة السقيفة المطول بما اشتمل عليه وقد اتفقنا منه على أوله في قصة الرجم وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين عشرون أثرا بعضها موصول في ضمن الاحاديث المرفوعة مثل قول بن عباس ينزع نور الايمان من الزاني ومثل إخراج عمر المخنثين ومثل كلام

[ 165 ]

الحباب بن المنذر بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الديات بتخفيف التحتانية جمع دية مثل عدات وعدة وأصلها ودية بفتح الواو وسكون الدال تقول ودى القتيل يديه إذا أعطى وليه ديته وهي ما جعل في مقابلة النفس وسمي دية تسمية بالمصدر وفاؤها محذوفة والهاء عوض وفي الامر د القتيل بدال مكسورة حسب فان وقفت قلت ده وأورد البخاري تحت هذه الترجمة ما يتعلق بالقصاص لان كل ما يجب فيه القصاص يجوز العفو عنه على مال فتكون الدية أشمل وترجم غيره كتاب القصاص وأدخل تحته الديات بناء على أن القصاص هو الاصل في العمد قوله وقول الله تعالى ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم كذا للجميع لكن سقطت الواو الاولى لابي ذر والنسفي وفي هذه الآية وعيد شديد لمن قتل مؤمنا متعمدا بغير حق وقد تقدم النقل في تفسير سورة الفرقان عن بن عباس وغيره في ذلك وبيان الاختلاف هل للقاتل توبة بما يغني عن إعادته وأخرج اسما عيل القاضي في أحكام القرآن بسند حسن أن هذه الآية لما نزلت قال المهاجرون والانصار وجبت حتى نزل ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء قلت وعلى ذلك عول أهل السنة في أن القاتل في مشيئة الله ويؤيده حديث عبادة المتفق عليه بعد أن ذكر القتل والزنا وغيرهما ومن أصاب من ذلك شيئا فأمره إلى الله إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه ويؤيده قصة الذي قتل تسع وتسعون نفسا ثم قتل المكمل مائة وقد مضى في ذكر بني إسرائيل من أحاديث الانبياء ثم ذكر فيه خمسة أحاديث مرفوعة الحديث الاول حديث بن مسعود أي الذنب أكبر وقد تقدم شرحه مستوفى في باب اثم الزنا وقوله أن تقتل ولدك قال الكرماني لا مفهوم له لان القتل مطلقا أعظم قلت لا يمتنع أن يكون الذنب أعظم من غيره وبعض أفراده أعظم من بعض ثم قال الكرماني وجه كونه أعظم أنه جمع مع القتل ضعف الاعتقاد في أن الله هو الرزاق الحديث الثاني حديث بن عمر قوله حدثنا علي كذا للجميع غير منسوب ولم يذكره أبو علي الجياني في تقييده ولا نبه عليه الكلاباذي وقد ذكرت في المقدمة أنه علي بن الجعد لان علي بن المديني لم يدرك إسحاق بن سعيد قوله لا في رواية الكشميهني لن قوله في فسحة بضم الفاء وسكون المهملة وبحاء مهملة أي سعة قوله من دينه كذا للاكثر بكسر المهملة من الدين وفي رواية الكشميهني من ذنبه فمفهوم الاول أن يضيق عليه دينه ففيه اشعار بالوعيد على قتل المؤمن متعمدا بما يتوعد به الكافر ومفهوم الثاني أنه يصير في ضيق بسبب ذنبه ففيه إشارة إلى استبعاد العفو عنه لاستمراره في الضيق المذكور وقال بن العربي الفسحة في الدين سعة الاعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت لانها لا تفي بوزره والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا جاء القتل ارتفع القبول وحاصله أنه فسره على رأي بن عمر في عدم قبول توبة القاتل قوله ما لم يصب دما حراما في رواية إسماعيل القاضي من هذا الوجه ما لم يتند بدم حرام وهو بمثناة ثم نون ثم دال ثقيلة ومعناه الاصابة وهو كناية عن شدة المخالطة ولو قلت وقد أخرج الطبراني في المعجم الكبير عن

[ 166 ]

بن مسعود بسند رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا مثل حديث بن عمر موقوفا أيضا وزاد في آخره فإذا أصاب دما حراما نزع منه الحياء ثم أورد عن أحمد بن يعقوب وهو المسعودي الكوفي عن إسحاق بن سعيد وهو المذكور في السند الذي قبله بالسند المذكور إلى بن عمر قوله ان من ورطات بفتح الواو والراء وحكى بن مالك أنه قيد في الرواية بسكون الراء والصواب التحريك وهي جمع ورطة بسكون الراء وهي الهلاك يقال وقع فلان في ورطة أي في شئ لا ينجو منه وقد فسرها في الخبر بقوله التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها قوله سفك الدم أي إراقته والمراد به القتل بأي صفة كان لكن لما كان الاصل إراقة الدم عبر به قوله بغير حلة في رواية أبي نعيم بغير حقه وهو موافق للفظ الآية وهل الموقوف على بن عمر منتزع من المرفوع فكأن بن عمر فهم من كون القائل لا يكون في فسحة أنه ورط نفسه فأهلكها لكن التعبير بقوله من ورطات الامور يقتضي المشاركة بخلاف اللفظ الاول فهو أشد في الوعيد وزعم الاسماعيلي أن هذه الرواية الثانية غلط ولم يبين وجه الغلط وأظنه من جهة انفراد أحمد بن يعقوب بها فقد رواه عن إسحاق بن سعيد أبو النضر هاشم بن القاسم ومحمد بن كناسة وغيرهما باللفظ الاول وقد ثبت عن بن عمر أنه قال لمن قتل عامدا بغير حق تزود من الماء البارد فإنك لا تدخل الجنة وأخرج الترمذي من حديث عبد الله بن عمر زوال الدنيا كلها أهون على الله من قتل رجل مسلم قال الترمذي حديث حسن قلت وأخرجه النسائي بلفظ لقتل المؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا قال بن العربي ثبت النهي عن قتل البهيمة بغير حق والوعيد في ذلك فكيف بقتل الآدمي فكيف بالمسلم فكيف بالتقي الصالح الحديث الثالث قوله حدثنا عبيد الله بن موسى عن الاعمش هذا السند يلتحق بالثلاثيات وهي أعلى ما عند البخاري من حيث العدد وهذا في حكمه من جهة أن الاعمش تابعي وان كان روى هذا عن تابعي آخر فان ذلك التابعي أدرك النبي صلى الله عليه وسلم وان لم تحصل له صحبة قوله عن أبي وائل عن عبد الله تقدم في باب القصاص يوم القيامة في أواخر الرقاق من رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثني شقيق وهو أبو وائل المذكور قال سمعت عبد الله وهو بن مسعود قوله أول ما يقضي بين الناس في الدماء زاد مسلم من طريق آخر عن الاعمش يوم القيامة وقد ذكرت شرحه في الباب المذكور وطريق الجمع بينه وبين حديث أبي هريرة أول ما يحاسب به المرء صلاته وننبه هنا على أن النسائي أخرجهما من حديث واحد أورده من طريق أبي وائل عن مسعود رفعه أول ما يحاسب به العبد الصلاة وأول ما يقضى بين الناس فس الدماء وما في هذا الحديث موصولة وهو موصول حرفي ويتعلق الجار بمحذوف أي أول القضاء يوم القيامة القضاء في الدماء أي في الامر المتعلق بالدماء وفيه عظم أمر القتل لان الابتداء إنما يقع بالاهم وقد استدل به على أن القضاء يختص بالناس ولا مدخل فيه للبهائم وهو غلط لان مفاده حصر الاولوية في القضاء بين الناس وليس فيه نفي القضاء بين البهائم مثلا بعد القضاء بين الناس الحديث الرابع قوله حدثنا عبدان هو عبد الله بن عثمان وعبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وعطاء بن يزيد هو الليثي وعبيد الله بالصغير هو بن عدي أي بن الخيار بكسر المعجمة وتخفيف التحتانية النوفلي له إدراك وقد تقدم بيانه في مناقب عثمان والمقداد بن عمرو هو المعروف بابن الاسود قوله ان لقيت كذا للاكثر بصيغة

[ 167 ]

الشرط وفي رواية أبي ذر إني لقيت كافرا فاقتتلنا فضرب يدي فقطعها وظاهر سياقه أن ذلك وقع والذي في نفس الامر بخلافه وانما سأل المقداد عن الحكم في ذلك لو وقع وقد تقدم في غزوة بدر بلفظ أرأيت إن لقيت رجلا من الحديث وهو يؤيد رواية الاكثر قوله ثم لاذ بشجرة أي التجأ إليها وفي رواية الكشميهني ثم لاذ مني بشجرة والشجرة مثال قوله وقال أسلمت لله أي دخلت في الاسلام قوله فان قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله قال الكرماني القتل ليس سببا لكون كل منهما بمنزلة الآخر لكن عند النحاة مؤول بالاخبار أي هو سبب لاخباري لك بذلك وعند البيانيين المراد لازمه كقوله يباح دمك ان عصيت قوله وأنت بمنزلته قبل أن يقول قال الخطابي معناه أن الكافر مباح الدم بحكم الدين قبل أن يسلم فإذا أسلم صار مصان الدم كالمسلم فان قتله المسلم بعد ذلك صار دمه مباحا بحق القصاص كالكافر بحق الدين وليس المراد إلحاقه في الكفر كما تقول الخوارج من تكفير المسلم بالكبيرة وحاصله اتحاد المنزلتين مع اختلاف المأخذ فالاول انه مثلك في صون الدم والثاني انك مثله في الهدر ونقل بن التين عن الداودي قال معناه انك صرت قاتلا كما كان هو قاتلا قال وهذا من المعاريض لانه أراد الاغلاط بظاهر اللفظ دون باطنه وانما أراد أن كلا منهما قاتل ولم يرد أنه صار كافرا بقتله إياه ونقل بن بطال عن المهلب معناه فقال أي انك بقصدك لقتله عمدا آثم كما كان هو بقصده لقتلك آثما فأنتما في حالة واحدة من العصيان وقيل المعنى أنت عنده حلال الدم قبل أن تسلم وكنت مثله في الكفر كما كان عندك حلال الدم قبل ذلك وقيل معناه أنه مغفور له بشهادة التوحيد كما انك مغفور لك بشهود بدر ونقل بن بطال عن بن القصار أن معنى قوله وأنت بمنزلته أي في إباحة الدم وانما قصد بذلك ردعه وزجره عن قتله لا أن الكافر إذا قال أسلمت حرم قتله وتعقب بأن الكافر مباح الدم والمسلم الذي قتله ان لم يتعمد قتله ولم يكن عرف أنه مسلم إنما قتله متأولا فيكون بمنزلته في إباحته وقال القاضي عياض معناه أنه مثله في مخالفة الحق وارتكاب الاثم وان اختلف النوع في كون أحدهما كفرا والآخر معصية وقيل المراد إن قتلته مستحلا لقتله فأنت مثله في الكفر وقيل المراد بالمثلية أنه مغفور له بشهادة التوحيد وأنت مغفور لك بشهود بدر ونقل بن التين أيضا عن الداودي أنه أوله على وجه آخر فقال يفسره حديث بن عباس الذي في آخر الباب ومعناه أنه يجوز أن يكون اللائذ بالشجرة القاطع لليد مؤمنا يكتم ايمانه مع قوم كفار غلبوه على نفسه فان قتلته فأنت شاك في قتلك إياه أنى ينزله الله من العمد والخطأ كما كان هو مشكوكا في ايمانه لجواز أن يكون يكتم ايمانه ثم قال فان قيل كيف قطع يد المؤمن وهو ممن يكتم ايمانه فالجواب أنه دفع عن نفسه من يريد قتله فجاز له ذلك كما جاز للمؤمن أن يدفع عن نفسه من يريد قتله ولو أفضى إلى قتل من يريد قتله فان دمه يكون هدرا فلذلك لم يقد النبي صلى الله عليه وسلم من يد المقداد لانه قطعها متأولا قلت وعليه مؤاخذات منها الجمع بين القصتين بهذا التكلف مع ظهور اختلافهما وانما الذي ينطبق على حديث بن عباس قصة أسامة الآتية في الباب الذي يليه حيث حمل على رجل أراد قتله فقال اني مسلم فقتله ظنا أنه قال ذلك متعوذا من القتل وكان الرجل في الاصل مسلما فالذي وقع للمقداد نحو ذلك كما سأبينه وأما قصة قطع اليد فانما قالها مستفتيا على تقدير أن لو وقعت كما تقدم تقريره وانما تضمن الجواب النهي عن قتله لكونه

[ 168 ]

أظهر الاسلام فحقن دمه وصار ما وقع منه قبل الاسلام عفوا ومنها أن في جوابه عن الاستشكال نظرا لانه كان يمكنه أن يدفع بالقول بأن يقول له عند إرادة المسلم قتله اني مسلم فكيف عنه وليس له أن يبادر لقطع يده مع القدرة على القول المذكور ونحوه واستدل به على صحة من قال أسلمت لله ولم يزد على ذلك وفيه نظر لان ذلك كاف في الكف على أنه ورد في بعض طرقه أنه قال لا اله إلا الله وهو رواية معمر عن الزهري عند مسلم في هذا الحديث واستدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها بناء على ما تقدم ترجيحه وأما ما نقل عن بعض السلف من كراهة ذلك هو محمول على ما يندر وقوعه وأما ما يمكن وقوعه عادة فيشرع السؤال عنه ليعلم الحديث الخامس قوله وقال حبيب بن أبي عمرة هو القصاب الكوفي لا يعرف اسم أبيه وهذا التعليق وصله البزار والدار قطني في الافراد والطبراني في الكبير من رواية أبي بكر بن علي بن عطاء مقدم والد محمد بن أبي بكر المقدمي عن حبيب وفي أوله بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد فلما أتوهم وجدوهم تفرقوا وفيهم رجل له مال كثير لم يبرح فقال أشهد أن لا اله إلا الله فهوى إليه المقداد فقتله الحديث وفيه فذكروا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا مقداد قتلت رجلا قال لا اله إلا الله فكيف لك بلا اله إلا الله فأنزل الله يا أيها الذين أمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا الآية فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمقداد كان رجلا مؤمنا يخفي ايمانه الخ قال الدارقطني تفرد به حبيب وتفرد به أبو بكر عنه قلت قد تابع أبا بكر سفيان الثوري لكنه أرسله أخرجه بن أبي شيبة عن وكيع عنه أخرجه الطبري من طريق أبي إسحاق الفزاري عن الثوري كذلك ولفظ وكيع بسنده عن سعيد بن جبير خرج المقداد بن الاسود في سرية فذكر الحديث مختصرا إلى قوله فنزلت ولم يذكر الخبر المعلق وقد تقدمت الاشارة إلى هذه القصة في تفسير سورة النساء وبينت الاختلاف في سبب نزول الآية المذكورة وطريق الجمع ولله الحمد قوله باب ومن أحياها في رواية غير أبي ذر باب قوله تعالى ومن أحياها وزاد المستملي والاصيلي فكأنما أحيا الناس جميعا قوله قال بن عباس من حرم قتلها إلا بحق فكأنما أحيا الناس جميعا وصله بن أبي حاتم ومضى بيانه في تفسير سورة المائدة وذكر مغلطاي من طريق وكيع عن سفيان عن خصيف عن مجاهد عن بن عباس واعترض بأن خصيفا ضعيف وهو اعتراض ساقط لوجوده من غير رواية خصيف والمراد من هذه الآية صدرها وهو قوله الله تعالى من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض فكأنما قتل الناس جميعا وعليه ينطبق أول أحاديث الباب وهو قوله الا كان على بن آدم الاول كفل منها وسائرها في تعظيم أمر القتل وهي اثنا عشر حديثا قال بن بطال فيها تغليظ أمر القتل والمبالغة في الزجر عنه قال واختلف السلف في المراد بقوله قتل الناس جميعا وأحيا الناس جميعا فقالت طائفة معناه تغليظ الوزر والتعظيم في قتل المؤمن أخرجه الطبري عن الحسن ومجاهد وقتادة ولفظ الحسن أن قاتل النفس الواحدة يصير إلى النار كما لو قتل الناس جميعا وقيل معناه أن الناس خصماؤه جميعا وقيل يجب عليه من القود بقتله المؤمن مثل ما يجب عليه لو قتل الناس جميعا لانه لا يكون عليه غير قتلة واحدة لجميعهم أخرجه الطبري عن زيد بن أسلم واختار الطبري أن المراد بذلك تعظيم العقوبة وشدة الوعيد من حيث أن قتل الواحد وقتل الجميع سواء

[ 169 ]

في استيجاب غضب الله وعذابه وفي مقابله أن من لم يقتل أحدا فقد حيي الناس منه جميعا لسلامتهم منه وحكى بن التين أن معناه أن من وجب له قصاص فعفا عنه أعطي من الاجر مثل ما لو أحيا الناس جميعا وقيل وجب شكره على الناس جميعا وكأنما من عليهم جميعا قال بن بطال وانما اختار هذا لانه لا توجد نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس ولا إحياؤها في عاجل النفع مقام إحياء جميع النفوس قلت وأختار بعض المتأخرين تخصيص الشق الاول بابن آدم الاول كونه سن القتل وهتك حرمة الدماء وجرأ الناس على ذلك وهو ضعيف لان الاشارة بقوله في أول الآية من أجل ذلك لقصة ابني آدم فدل على المذكور بعد ذلك متعلق بغيرهما فالحمل على ظاهر العموم أولى والله أعلم الحديث الاول قوله حدثنا سفيان هو الثوري ويحتمل أن يكون بن عيينة فسيأتي في الاعتصام من رواية الحميدي عنه حدثنا الاعمش قوله الاعمش هو سليمان بن مهران قوله عن عبد الله بن مرة في رواية حفص بن غياث عن الاعمش حدثني عبد الله بن مرة وهو الخارفي بمعجمة وراء مكسورة وفاء كوفي وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق كوفيون قوله لا تقتل نفس زاد حفص في روايته ظلما وفي الاعتصام ليس من نفس تقتل ظلما قوله على بن آدم الاول هو قابيل عند الاكثر وعكس القاضي جمال الدين بن واصل في تاريخه فقال اسم المقتول قابيل اشتق من قبول قربانه وقيل اسمه قابن بنون بدل اللام بغير ياء وقيل قبن مثله بغير الف وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في باب خلق آدم من بدء الخلق وأخرج الطبري عن بن عباس كان من شأنهما أنه لم يكن مسكين يتصدق عليه انما كان القربان يقربه الرجل فمهما قبل تنزل النار فتأكله وإلا فلا وعن الحسن لم يكونا ولدي آدم لصلبه انما كانا من بني إسرائيل أخرجه الطبري ومن طريق بن أبي تجيح عن مجاهد قال كانا ولدي آدم لصلبه وهذا هو المشهور ويؤيده حديث الباب لوصفه بن بأنه الاول أي أول ما ولد لآدم ويقال بأنه لم يولد في الجنة لآدم غيره وغير توأمته ومن ثم فخر على أخيه هابيل فقال نحن من أولاد الجنة وأنتما من أولاد الارض ذكر ذلك بن إسحاق في المبتدأ وعن الحسن ذكر لي أن هابيل قتل وله عشرون سنة ولاخيه القاتل خمس وعشرون سنة وتفسير هابيل هبة الله ولما قتل هابيل وحزن عليه آدم ولد له بعد ذلك شيث ومعناه عطية الله ومنه انتشرت ذرية آدم وقال الثعلبي ذكر أهل العلم بالقرآن أن حواء ولدت لآدم أربعين نفسا في عشرين بطنا أولهم قابيل وأخته أقليما وأخرهم عبد المغيث وأمة المغيث ثم لم يمت حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين ألفا وهلكوا كلهم فلم يبق بعد الطوفان إلا ذرية نوح وهو من نسل شيث قال الله تعالى وجعلنا ذريته هم الباقين وكان معه في السفينة ثمانون نفسا وهم المشار إليهم بقوله تعالى وما آمن معه إلا قليل ومع ذلك فما بقي إلا نسل نوح فتوالدوا حتى ملاوا الارض وقد تقدم شئ من ذلك في ترجمة نوح من أحاديث الانبياء قوله كفل منها زاد في الاعتصام وربما قال سفيان من دمها وزاد في آخره لانه أول من سن القتل وهذا مثل لفظ حفص بن غياث الماضي في خلق آدم والكفل بكسر أوله وسكون الفاء النصيب وأكثر ما يطلق على الاجر والضعف على الاثم ومنه قوله تعالى كفلين من رحمته ووقع على الاثم في قوله تعالى ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها وقوله لانه أول من سن القتل وفيه أن من سن شيئا

[ 170 ]

كتب له أو عليه وهو أصل في أن المعونة على ما لا يحل حرام وقد أخرج مسلم من حديث جرير من سن في الاسلام سنة حسنه كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة ومن سن في الاسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة وهو محمول على من لم يتب من ذلك الذنب وعن السدى شدخ قابيل رأس أخيه بحجر فمات وعن بن جريج تمثل له إبليس فأخذ بحجر فشدخ به رأس طير ففعل ذلك قابيل وكان ذلك على جبل ثور وقيل على عقبة حراء وقيل بالهند وقيل بموضع المسجد الاعظم بالبصرة وكان من شأنه في دفنه ما قصة الله في كتابه الحديث الثاني قوله واقد بن عبد الله أخبرني هو من تقديم الاسم على الصيغة وواقد هذا قال أبو ذر في روايته كذا وقع هنا واقد بن عبد الله والصواب واقد بن محمد قلت وهو كذلك لكن لقوله واقد بن عبد الله توجيه وهو ان يكون الراوي نسبة لجده الاعلى عبد الله بن عمر فإنه واقد بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر والذي نسبه كذلك أبو الوليد شيخ البخاري فيه فقد أخرجه أبو داود في السنن عن أبي الوليد كذلك وتقدم للمصنف في الادب من رواية خالد بن الحارث عن شعبة على الحقيقة فقال عن واقد بن محمد ويأتي في الفتن عن حجاج بن منهال عن شعبة كذلك وكذا لمسلم والنسائي من رواية غندر عن شعبة ثم وجدت في الاول من فوائد أبي عمر بن السماك من طريق عفان عن شعبة كما قال أبو الوليد فلعل نسبته كذلك من شعبة لكن أخرجه أحمد عن عفان وغيره عن شعبة كالجادة وفي الجملة فقوله عن أبيه لا ينصرف لعبد الله بل لمحمد بن زيد جزما فمن ترجم لعبد الله والد واقد في رجال البخاري أخطأ نعم في هذا النسب واقد بن عبد الله بن عمر تابعي معروف وهو أقدم من هذا فإنه عم والد واقد المذكور هنا وله ولد اسمه عبد الله بن واقد وقد أخرج له مسلم قوله لا ترجعوا بعدي كفارا جملة ما فيه من الاقوال ثمانية احداها قول الخوارج إنه على ظاهره ثانيها هو في المستحلين ثالثها المعنى كفارا بحرمة الدماء وحرمة المسلمين وحقوق الدين رابعها تفعلون فعل الكفار في قتل بعضهم بعضا خامسها لابسين السلاح يقال كفر درعه إذا لبس فوقها ثوبا سادسها كفارا بنعمة الله سابعها المراد الزجر عن الفعل وليس ظاهره مرادا ثامنها لا يكفر بعضكم بعضا كأن يقول أحد الفريقين للآخر يا كافر فيكفر أحدهما ثم وجدت تاسعا وعاشرا ذكرتهما في كتاب الفتن وسيأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى الحديث الثالث حديث جرير وهو بن عبد الله البجلي قوله استنصت الناس أي أطلب منهم الانصات ليسمعوا الخطبة وقد تقدم أتم سياقا من هذا في كتاب الحج ويأتي شرحه في الفتن أيضا الحديث الرابع والخامس قوله رواه أبو بكرة وابن عباس يريد قوله لا ترجعوا بعدي كفارا وحديث أبي بكرة وصله المؤلف مطولا في الحج وشرحه هناك ويأتي في الفتن أيضا وكذلك حديث بن عباس الحديث السادس حديث عبد الله بن عمرو في الكبائر تقدم شرحه في كتاب الادب قوله وعقوق الوالدين أو قال اليمين الغموس شك شعبة قلت تقدم في الايمان والنذور من طريق النضر بن شميل عن شعبة بالواو بغير شك وزاد مع الثلاثة وقتل النفس وهو المراد في هذا الباب قوله معاذ هو بن العنبري وهو من تعاليق البخاري وجوز الكرماني أن يكون مقول محمد بن بشار فيكون موصولا وقد وصله الاسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه ولفظه الكبائر الاشراك بالله وعقوق

[ 171 ]

الوالدين أو قال قتل النفس واليمين الغموس وهذا مطابق لتعليق البخاري إلا أن فيه تأخير اليمين الغموس والغرض منه انما هو اثبات قتل النفس وحاصل الاختلاف على شعبة أنه تارة ذكرها وتارة لم يذكرها وأخرى ذكرها مع الشك الحديث السابع حديث أنس في الكبائر أيضا تقدم شرحه في كتاب الادب الحديث الثامن حديث أسامة قوله حدثنا عمرو بن زرارة حدثنا هشيم تقدم في المغازي عن عمرو بن محمد عن هشيم وكلاهما من شيوخ البخاري قوله حدثنا هشيم في رواية الكشميهني أنبأنا قوله حدثنا حصين في رواية أبي ذر والاصيلي أنبأنا حصين وهو بن عبد الرحمن الواسطي من صغار التابعين وأبو ظبيان بظاء معجمة مفتوحة ثم موحدة ساكنة ثم ياء آخر الحروف واسمه أيضا حصين وهو بن جندب من كبار التابعين قوله بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحرقة بضم المهملة وبالراء ثم قاف وهم بطن من جهينة تقدم نسبتهم إليهم في غزوة الفتح قال بن الكلبي سموا بذلك لوقعة كانت بينهم وبين بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان فأحرقوهم بالسهام لكثرة من قتلوا منهم وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبيد الله اليثي وكانت في رمضان سنة سبع فيما ذكره بن سعد عن شيخه وكذا ذكره بن إسحاق في المغازي حدثنى شيخ من أسلم عن رجال من قومه قالوا بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب بن عبيد الله الكلبي ثم الليثي إلى أرض بني مرة وبها مرداس بن نهيك حليف لهم من بني الحرقة فقتله أسامة فهذا يبين السبب في قول أسامة بعثنا إلى الحرقات من جهينة والذي يظهر أن قصة الذي قتل ثم مات فدفن ولفظته الارض غير قصة أسامة لان أسامة عاش بعد ذلك دهرا طويلا وترجم البخاري في المغازي بعث النبي صلى الله عليه وسلم أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال تأمير من لم يبلغ وتعقب من وجهين أحدهما أنه ليس فيه تصريح بأن أسامة كان الامير إذ يحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الامير والثاني أنها إن كانت سنة سبع أو ثمان فما كان أسامة يومئذ إلا بالغا لانهم ذكروا انه كان له لما مات النبي صلى الله عليه وسلم ثمانية عشر عاما قوله فصبحنا القوم أي هجموا عليهم صباحا قبل أن يشعروا بهم يقال صبحته أتيته صباحا بغتة ومنه قوله ولقد صبحهم بكرة عذابا مستقر قوله ولحقت أنا ورجل من الانصار لم أقف على اسم الانصاري المذكور في هذه القصة قوله رجل منهم قال بن عبد البر اسمه مرداس بن عمرو الفدكي ويقال مرداس بن نهيك الفزاري وهو قول بن الكلبي قتله أسامة وساق القصة وذكر بن مندة أن أبا سعيد الخدري قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها أسامة إلى بني ضمرة فذكر قتل أسامة الرجل وقال بن أبي عاصم في الديات حدثنا يعقوب بن حميد حدثنا يحيى بن سليم عن هشام بن حسان عن الحسن أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا إلى فدك فأغاروا عليهم وكان مرداس الفدكي قد خرج من الليل وقال لاصحابه اني لاحق بمحمد وأصحابه فبصر به رجل فحمل عليه فقال اني مؤمن فقتله فقال النبي صلى الله عليه وسلم هلا شققت عن قلبه قال فقال أنس أن قاتل مرداس مات فدفنوه فأصبح فوق القبر فأعادوه فأصبح فوق القبر مرارا فذكروا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فأمر أن يطرح في واد بين جبلين ثم قال ان الارض لتقبل من هو شر منه ولكن الله وعظكم قلت إن ثبت هذا فهو مرداس آخر

[ 172 ]

وقتيل أسامة لا يسمى مرداسا وقد وقع مثل هذا عند الطبري في قتل محلم بن جثامة عامر بن الاضبط وأن محلما لما مات ودفن لفظته الارض فذكر نحوه قوله غشيناه بفتح أوله وكسر ثانيه معجمتين أي لحقنا به حتى تغطى بنا وفي رواية الاعمش عن أبي ظبيان عند مسلم فأدركت رجلا فطعنته برمحي حتى قتلته ووقع في حديث جندب عند مسلم فلما رفع عليه السيف قال لا اله إلا الله فقتله ويجمع بأنه رفع عليه السيف أولا فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح قوله فلما قدمنا أي المدينة بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم في رواية الاعمش فوقع في نفسي من ذلك شئ فذكرته للنبي صلى الله عليه وسلم ولا منافاة بينهما لانه يحمل على أن ذلك بلغ النبي صلى الله عليه وسلم من أسامة لا من غيره فتقديره الاول بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم مني قوله أقتلته بعد ما قال في رواية الكشميهني بعد أن قال قال بن التين في هذا اللوم تعليم وابلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحد على قتل من تلفظ بالتوحيد وقال القرطبي في تكريره ذلك والاعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الاقدام على مثل ذلك قوله انما كان متعوذا في رواية الاعمش قالها خوفا من السلاح وفي رواية بن أبي عاصم من وجه آخر عن أسامة انما فعل ذلك ليحرز دمه قوله قال قلت يا رسول الله والله انما كان متعوذا كذا أعاد الاعتذار وأعيد عليه الانكار وقي رواية الاعمش أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا قال النووي الفاعل في قوله أقالها هو القلب ومعناه انك إنما كلفت بالعمل بالظاهر وما ينطق به اللسان وأما القلب فليس لك طريق إلى ما فيه فأنكر عليه ترك العمل بما ظهر من اللسان فقال أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين قالها وأعتقدها أو لا والمعنى انك إذا كنت ليس قادرا على ذلك فأكتف منه باللسان وقال القرطبي فيه حجة لمن أثبت الكلام النفسي وفيه دليل على ترتب الاحكام على أسبابه الظاهرة دون الباطنة قوله حتى تمنيت اني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم أي أن إسلامي كان ذلك اليوم لان الاسلام يجب ما قبله فتمنى أن يكون ذلك الوقت أول دخوله في الاسلام ليأمن من جريرة تلك الفعلة ولم يرد أنه تمنى أن لا يكون مسلما قبل ذلك قال القرطبي وفيه اشعار بأنه كان استصغر ما سبق له قبل ذلك من عمل صالح في مقابلة هذه الفعلة لما سمع من الانكار الشديد وإنما أورد ذلك على سبيل المبالغة وبين ذلك أن في بعض طرقه في رواية الاعمش حتى تمنيت أني أسلمت يومئذ ووقع عند مسلم من حديث جندب بن عبد الله في هذه القصة زيادات ولفظه بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين فالتقوا فأوجع رجل من المشركين فيهم فأبلغ فقصد رجل من المسلمين غيلته كنا نتحدث أنه أسامة بن زيد فلما رفع عليه السيف قال لا اله إلا الله فقتله الحديث وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له فكيف تصنع بلا اله إلا الله إذا أتتك يوم القيامة قال يا رسول الله استغفر لي قال كيف تصنع بلا اله إلا الله فجعل لا يزيده على ذلك وقال الخطابي لعل أسامة تأول قوله تعالى فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا ولذلك عذره النبي صلى الله عليه وسلم فلم يلزمه دية ولا غيرها قلت كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وأخرى وليس ذلك المراد والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأن يجب الكف عنه حتى يختبر أمره هل قال ذلك خالصا من قلبه أو خشية من القتل وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء فأنه إذا قالها لم تنفعه

[ 173 ]

بالنسبة لحكم الآخرة وهو المراد من الآية وأما كونه لم يلزمه دية ولا كفارة فتوقف فيه الداودي وقال لعله سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة وقال القرطبي لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع لكن فيه بعد لان العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع قال فيحتمل أنه لم يجب عليه شئ لانه كان مأذونا له في أصل القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس ولا مال كالخاتن والطبيب أو لان المقتول كان من العدو ولم يكن له ولي من المسلمين يستحق ديته قال وهذا يتمشى على بعض الاراء أو لان أسامة أقر بذلك ولم تقم بذلك بينة فلم تلزم العاقلة الدية وفيه نظر قال بن بطال كانت هذه القصة بسبب حلف أسامة أن لا يقاتل مسلما بعد ذلك ومن ثم تخلف عن علي في الجمل وصفين كما سيأتي بيانه في كتاب الفتن قلت وكذا وقع في رواية الاعمش المذكورة أن سعد بن أبي وقاص كان يقول لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة واستدل به النووي على رد الفرع الذي ذكره الرافعي فيمن رأى كافرا أسلم فأكرم إكراما كثيرا فقال ليتني كنت كافرا لاكرم وقال الرافعي يكفر بذلك ورده النووي بأنه لا يكفر لانه جازم الاسلام في الحال والاستقبال وانما تمنى ذلك في الحال الماضي مقيدا له بالايمان ليتم له الاكرام واستدل بقصة أسامة ثم قال ويمكن الفرق الحديث التاسع حديث عبادة قوله حدثني يزيد هو بن أبي حبيب المصري وأبو الخير هو مرثد بن عبد الله والصنابحي هو عبد الرحمن بن عسيلة بمهملتين مصغر قوله اني من النقباء الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يعني ليلة العقبة قوله بايعناه على أن لا نشرك ظاهره أن هذه البيعة على هذه الكيفية كانت ليلة العقبة وليس كذلك كما بينته في كتاب الايمان في أوائل الصحيح وانما كانت البيعة ليلة العقبة على المنشط والمكره في العسر واليسر إلى آخره وأما البيعة المذكورة هنا وهي التي تسمى بيعة النساء فكانت بعد ذلك بمدة فان آية النساء التي فيها البيعة المذكورة نزلت بعد عمرة الحديبية في زمن الهدنة وقبل فتح مكة وكانت البيعة التي وقعت للرجال على وفقها كانت عام الفتح وقد أوضحت ذلك والسبب في الحمل عليه في كتاب الايمان ومضى شرح هذا الحديث هناك الحديث العاشر حديث بن عمر قوله جويرية بالجيم تصغير جارية وهو بن أسماء سمع من نافع مولى بن عمر وحدث عنه بواسطة مالك أيضا قوله من حمل علينا السلاح فليس منا المراد من حمل عليهم السلاح لقتالهم لما فيه من إدخال الرعب عليهم لا من حمله لحراستهم مثلا فأنه يحمله لهم لا عليهم وقوله فليس منا أي على طريقتنا وأطلق اللفظ مع احتمال إرادة أنه ليس على الملة للمبالغة في الزجر والتخويف وسيأتي بسط ذلك في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى الحديث الحادي عشر قوله رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قلت سيأتي موصولا مع شرحه في كتاب الفتن ومعه حديث أبي هريرة بمعناه وهو عند مسلم من حديث سلمة بلفظ من حمل علينا السيف الحديث الثاني عشر قوله حدثنا أيوب هو السختياني ويونس هو بن عبيد البصري والحسن البصري قوله عن الاحنف هو بن قيس قوله لانصر هذا الرجل هو علي بن أبي طالب وكان الاحنف تخلف عنه في وقعة الجمل قوله إذا التقى المسلمان بسيفيهما بالتثنية وفي رواية الكشميهني بالافراد قوله في النار أي إن أنفذ الله عليهما ذلك لانهما فعلا فعلا يستحقان أن يعذبا من أجله وقوله أنه كان حريصا على

[ 174 ]

قتل صاحبه احتج به الباقلاني ومن تبعه على أن من عزم على المعصية يأثم ولو لم يفعلها وأجاب من خالفه بان هذا شرع في الفعل والاختلاف فيمن هم مجردا ثم صمم ولم يفعل شيئا هل يأثم وقد تقدم شرحه مستوفى في شرح حديث من هم بحسنة ومن هم بسيئة في كتاب الرقاق وقال الخطابي هذا الوعيد لمن قاتل على عداوة دنيوية أو طلب ملك مثلا فأما من قاتل أهل البغي أو دفع الصائل فقتل فلا يدخل في هذا الوعيد لانه مأذون له في القتال شرعا وسيأتي شرح هذا الحديث في كتاب الفتن أيضا إن شاء الله تعالى قوله باب قول الله تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الآية كذا لابي ذر وفي رواية الاصيلي والنسفي وابن عساكر القتلى الحر بالحر إلى قوله عذاب أليم وللاسماعيلي القتلى إلى قوله أليم وساق في رواية كريمة الآية كلها قوله باب سؤال القاتل حتى يقر والاقرار في الحدود كذا للاكثر وبعده حديث أنس في قصة اليهودي والجارية ووقع عند النسفي وكريمة وأبي نعيم في المستخرج بحذف باب وقالوا بعد قوله عذاب أليم وإذا لم يزل يسأل القاتل حتى أقر والاقرار في الحدود وصنيع الاكثر أشبه وقد صرح الاسماعيلي بأن الترجمة الاولى بلا حديث قلت والآية المذكورة أصل في اشتراط التكافؤ في القصاص وهو قول الجمهور وخالفهم الكوفيون فقالوا يقتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر الذمي وتمسكوا بقوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس قال إسماعيل القاضي في أحكام القرآن الجمع بين الآيتين أولى فتحمل النفس على المكافئة ويؤيده اتفاقهم على أن الحر لو قذف عبدا لم يجب عليه حد القذف قال ويؤخذ الحكم من الآية نفسها فان في آخرها فمن تصدق به فهو كفارة له والكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه وكذلك العبد لا يتصدق بجرحه لان الحق لسيده وقال أبو ثور لما اتفقوا على أن لا قصاص بين العبيد والاحرار فيما دون النفس كانت النفس أولى بذلك قال بن عبد البر أجمعوا على أن العبد يقتل بالحر وأن الانثى تقتل بالذكر ويقتل بها إلا أنه ورد عن بعض الصحابة كعلي والتابعين كالحسن البصري أن الذكر إذا قتل الانثى فشاء أولياءها قتله وجب عليهم نصف الدية وإلا فلهم الدية كاملة قال ولا يثبت عن علي لكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة ويدل على التكافؤ بين الذكر والانثى أنهم اتفقوا على أن مقطوع اليد والاعور لو قتله الصحيح عمدا لوجب عليه القصاص ولم يجب له بسبب عينه أو يده دية قوله في الترجمة سؤال القاتل حتى يقر أي من اتهم بالقتل ولم تقم عليه البينة قوله حدثنا همام هو بن يحيى قوله عن أنس في رواية حبان بفتح المهملة وتشديد الموحدة عن همام الآتية بعد سبعة أبواب حدثنا أنس قوله أن يهوديا لم أقف على اسمه قوله رض رأس جارية الرض بالضاد المعجمة والرضخ بمعنى والجارية يحتمل أن تكون أمة ويحتمل أن تكون حرة لكن دون البلوغ وقد وقع في رواية هشام بن زيد عن أنس في الباب الذي يليه خرجت جارية عليها أوضاح بالمدينة فرماها يهودي بحجر وتقدم من هذا الوجه في الطلاق بلفظ عدا يهودي على جارية فأخذ أوضاحا كانت عليها ورضخ رأسها وفيه فأتى أهلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي في آخر رمق وهذا لا يعين كونها حرة لاحتمال أن يراد بأهلها مواليها رقيقة كانت أو عتيقة ولم أقف على اسمها لكن في بعض طرقه أنها من الانصار ولا تنافي بين قوله رض رأسها بين حجرين وبين قوله رماها بحجر وبين قوله

[ 175 ]

رضخ رأسها لانه يجمع بينها بأنه رماها بحجر فأصاب رأسها فسقطت على حجر آخر وأما قوله على أوضاح فمعناه بسبب أوضاح وهي بالضاد المعجمة والحاء المهملة جمع وضح قال أبو عبيد هي حلي الفضة ونقل عياض أنها حلى من حجارة ولعله أراد حجارة الفضة احترازا من الفضة المضروبة أو المنقوشة قوله فقيل لها من فعل بك هذا أفلان أو فلان في رواية الكشميهني فلان أو فلان بحذف الهمزة وقد تقدم في الاشخاص من وجه آخر عن همام أفلان أفلان بالتكرار بغير واو عطف وجاء بيان الذي خاطبها بذلك في الرواية التي تلي هذه بلفظ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فلان قتلك وبين في رواية أبي قلابة عن أنس عند مسلم وأبي داود فدخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لها من قتلك قوله حتى سمى اليهودي زاد في الروايتين اللتين في الاشخاص والوصايا فأومأت برأسها ووقع في رواية هشام بن زيد في الرواية التي تلي هذا بيان الايماء المذكور وأنه كان تارة دالا على النفي وتارة دالا على الاثبات بلفظ فلان قتلك فرفعت رأسها فعاد فقال فلان قتلك فرفعت رأسها فقال لها في الثالثة فلان قتلك فخفضت رأسها وهو مشعر بأن فلان الثاني غير الاول ووقع التصريح بذلك في الرواية التي في الطلاق وكذا الآتية بعد بابين فأشارت برأسها أن لا قال ففلان لرجل آخر يعني عن رجل أخر فأشارت أن لا قال ففلان قاتلها فأشارت أن نعم قوله فلم يزل به حتى أقر في الوصايا فجئ به فلم يعترف فلم يزل به حتى أعترف قال بن مسعود لا أعلم أحدا قال في هذا الحديث فاعترف ولا فأقر إلا همام بن يحيى قال المهلب فيه أنه ينبغي للحاكم أن يستدل على أهل الجنايات ثم يتلطف بهم حتى يقروا ليؤخذوا بإقرارهم وهذا بخلاف ما إذا جاءوا تائبين فإنه يعرض عمن لم يصرح بالجناية فأنه يجب إقامة الحد عليه إذا أقر وسياق القصة يقتضي أن اليهودي لم تقم عليه بينة وانما أخذ بإقراره وفيه أنه تجب المطالبة بالدم بمجرد الشكوى وبالاشارة قال وفيه دليل على جواز وصية غير البالغ ودعواه بالدين والدم قلت في هذا نظر لانه لم يتعين كون الجارية دون البلوغ وقال المازري فيه الرد على من أنكر القصاص بغير السيف وقتل الرجل بالمرأة قلت وسيأتي البحث فيهما في بابين مفردين قال واستدل به بعضهم على التدمية لانها لو لم تعتبر لم يكن لسؤال الجارية فائدة قال ولا يصح اعتبار مجردا لانه خلاف الاجماع فلم يبق إلا أنه يفيد القسامة وقال النووي ذهب مالك إلى ثبوت قتل المتهم بمجرد قول المجروح واستدل بهذا الحديث ولا دلالة فيه بل هو قول باطل لان اليهودي اعترف كما وقع التصريح به في بعض طرقه ونازعه بعض المالكية فقال لم يقل مالك ولا أحد من أهل مذهبه بثبوت القتل على متهم بمجرد قول المجروح وانما قالوا انما قول المحتضر عند موته فلان قتلني لوث يوجب القسامة فيقسم اثنان فصاعدا من عصبته بشرط الذكورية وقد وافق بعض المالكية الجمهور واحتج من قال بالتدمية إن دعوى من وصل إلى تلك الحالة وهي وقت اخلاصه وتوبته عند معاينة مفارقة الدنيا يدل على أنه لا يقول إلا حقا قالوا وهي أقوى من قول الشافعية أن الوالي يقسم إذا وجد قرب وليه المقتول رجلا معه سكين بجواز أن يكون القاتل غير من معه السكين قوله فرض رأسه بالحجارة أي دق وفي رواية الاشخاص فرضخ رأسه بين حجرين ويأتي في رواية حبان أن هماما قال كلا من اللفظين وفي رواية هشام التي تليها فقتله بين حجرين ومضى في الطلاق بلفظ الرواية التي في الاشخاص وفي رواية أبي قلابة عند مسلم فأمر به

[ 176 ]

فرجم حتى مات لكن في رواية أبي داود من هذا الوجه فقتل بين حجرين قال عياض رضخه بين حجرين ورميه بالحجارة ورجمه بها بمعنى والجامع أنه رمي بحجر أو أكثر ورأسه على آخر وقال بن التين أجاب بعض الحنفية بأن هذا الحديث لا دلالة فيه على المماثلة في القصاص لان المرأة كانت حية والقود لا يكون في حي وتعقبه بأنه إنما أمر بقتله بعد موتها لان في الحديث أفلان قتلك فدل على أنها ماتت حينئذ لانها كانت تجود بنفسها فلما ماتت اقتص منه وادعى بن المرابط من المالكية ان هذا الحكم كان في أول الاسلام وهو قبول قول القتيل وأما ما جاء أنه أعترف فهو في رواية قتادة ولم يقله غيره وهذا مما عد عليه انتهى ولا يخفى فساد هذه الدعوى فقتادة حافظ زيادته مقبوله لان غيره لم يتعرض لنفيها فلم يتعارضا والنسخ لا يثبت بالاحتمال واستدل به على وجوب القصاص على الذمي وتعقب بأنه ليس فيه تصريح بكونه ذميا فيحتمل أن يكون معاهدا أو مستأمنا والله أعلم قوله باب إذا قتل بحجر أو بعصا كذا أطلق ولم يبت الحكم إشارة إلى الاختلاف في ذلك ولكن إيراده الحديث يشير إلى ترجيح قول الجمهور وذكر فيه حديث أنس في اليهودي والجارية وهو حجة للجمهور أن القاتل يقتل بما قتل به وتمسكوا بقوله تعالى وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وبقوله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدي عليكم وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث لا قود إلا بالسيف وهو ضعيف أخرجه البزار وابن عدي من حديث أبي بكرة وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده وقال بن عدي طرقه كلها ضعيفة وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه وبالنهي عن المثلة وهو صحيح لكنه محمول عند الجمهور على غير المماثلة في القصاص جمعا بين الدليلين قال بن المنذر قال الاكثر إذا قتل بشئ يقتل مثله غالبا فهو عمد وقال بن أبي ليلى إن قتل بالحجر أو العصا نظر إن كرر ذلك فهو عمدا وإلا فلا وقال عطاء وطاوس شرط العمد أن يكون بسلاح وقال الحسن البصري والشعبي والنخعي والحكم وأبو حنيفة ومن تبعهم شرطه أن يكون بحديدة واختلف فيمن قتل بعصا فأقيد بالضرب بالعصا فلم يمت هل يكرر عليه فقيل لم يكرر وقيل ان لم يمت قتل بالسيف وكذا فيمن قتل بالتجويع وقال بن العربي يسثتنى من المماثلة ما كان فيه معصية كالخمر واللواط والتحريق وفي الثالثة خلاف عند الشافعية والاولان بالاتفاق لكن قال بعضهم يقتل بما يقوم مقام ذلك انتهى ومن أدلة المانعين حديث المرأة التي رمت ضرتها بعمود الفسطاط فقتلتها فان النبي صلى الله عليه وسلم جعل فيها الدية وسيأتي البحث فيه في بان جنين المرأة وهو بعد باب القسامة ومحمد في أول السند جزم الكلاباذي بأنه بن عبد الله بن نمير وقال أبو علي بن السكن هو بن سلام الله تعالى قوله باب قول الله تعالى إن النفس بالنفس والعين بالعين كذا لابي ذر والاصيلي وعند النسفي بعده الآية إلى قوله فأولئك هم الظالمون وساق في رواية كريمة إلى قوله الظالمون والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث ولعله أراد أن يبين أنها وان وردت في أهل الكتاب لكن الحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الاسلام فهو أصل في القصاص في قتل العمد قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحل وقع في رواية سفيان الثوري عن الاعمش عند مسلم والنسائي زيادة في أوله وهي قام فينا رسول الله صلى الله عليه

[ 177 ]

وسلم فقال والذي لا إله غيره لا يحل وظاهر قوله لا يحل اثبات إباحة قتل من اسثتنى وهو كذلك بالنسبة لتحريم قتل غيرهم وان كان قتل من أبيح قتله منهم واجبا في الحكم قوله دم امرئ مسلم في رواية الثوري دم رجل والمراد لا يحل إراقة دمه أي كله وهو كناية عن قتله ولو لم يرق دمه قوله يشهد أن لا إله إلا الله هي صفة ثانية ذكرت لبيان أن المراد بالمسلم هو الآتي بالشهادتين أو هي حال مقيدة للموصوف إشعارا بأن الشهادة هي العمدة في حقن الدم وهذا رجحه الطيبي واستشهد بحديث أسامة كيف تصنع بلا اله الا الله قوله الا بإحدى ثلاث أي خصال ثلاث ووقع في رواية الثوري إلا ثلاثة نفر قوله النفس بالنفس أي من قتل عمدا بغير حق قتل بشرطه ووقع في حديث عثمان المذكور قتل عمدا فعليه القود وفي حديث جابر عند البزار ومن قتل نفسا ظلما قوله والثيب الزاني أي فيحل قتله بالرجم وقد وقع في حديث عثمان عند النسائي بلفظ رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم قال النووي الزاني يجوز فيه إثبات الياء وحذفها وإثباتها أشهر قوله والمفارق لدينه التارك للجماعة كذا في رواية أبي ذر عن الكشميهني وللباقين والمارق من الدين لكن عند النسفي والسرخسي والمستملي والمارق لدينه قال الطيبي المارق لدينه هو التارك له من المروق وهو الخروج وفي رواية مسلم والتارك لدينه المفارق للجماعة وله في رواية الثوري المفارق للجماعة وزاد قال الاعمش فحدثت بهما إبراهيم يعني النخعي فحدثني عن الاسود يعني بن يزيد عن عائشة بمثله قلت وهذا الطريق أغفل المزي في الاطراف ذكرها في مسند عائشة وأغفل التنبيه عليها في ترجمة عبد الله بن مرة عن مسروق عن بن مسعود وقد أخرجه مسلم أيضا بعده من طريق شيبان بن عبد الرحمن عن الاعمش ولم يسق لفظه لكن قال بالاسنادين جميعا ولم يقل والذي لا اله غيره وأفرده أبو عوانة في صحيحه من طريق شيبان باللفظ المذكور سواء والمراد بالجماعة جماعة المسلمين أي فارقهم أو تركهم بالارتداد فهي صفة للتارك أو المفارق لا صفة مستقلة وإلا لكانت الخصال أربعا وهو كقوله قبل ذلك مسلم يشهد أن لا إله إلا الله فانها صفة مفسرة لقوله مسلم وليست قيدا فيه إذ لا يكون مسلما الا بذلك ويؤيد ما قلته أنه وقع في حديث عثمان أو يكفر بعد إسلامه أخرجه النسائي بسند صحيح وفي لفظ له صحيح أيضا ارتد بعد إسلامه وله من طريق عمرو بن غالب عن عائشة أو كفر بعد ما أسلم وفي حديث بن عباس عند النسائي مرتد بعد ايمانه قال بن دقيق العيد الردة سبب لاباحة دم المسلم بالاجماع في الرجل وأما المرأة ففيها خلاف وقد استدل بهذا الحديث للجمهور في أن حكمها حكم الرجل لاستواء حكمهما في الزنا وتعقب بأنها دلالة اقتران وهي ضعيفة وقال البيضاوي التارك لدينه صفة مؤكدة للمارق أي الذي ترك جماعة المسلمين وخرج من جملتهم قال وفي الحديث دليل لمن زعم أنه لا يقتل أحد دخل في الاسلام بشئ غير الذي عدد كترك الصلاة ولم ينفصل عن ذلك وتبعه الطيبي وقال بن دقيق العيد قد يؤخذ من قوله المفارق للجماعة أن المراد المخالف لاهل الاجماع فيكون متمسكا لمن يقول مخالف الاجماع كافر وقد نسب ذلك إلى بعض الناس وليس ذلك بالهين فان المسائل الاجماعية تارة يصحبها التواتر بالنقل عن صاحب الشرع كوجوب الصلاة مثلا وتارة لا يصحبها التواتر فالاول يكفر جاحدا لمخالفة التواتر لا لمخالفة الاجماع والثاني لا يكفر به قال شيخنا في شرح

[ 178 ]

الترمذي الصحيح في تكفير منكر الاجماع تقييده بانكار ما يعلم وجوبه من الدين بالضرورة كالصلوات الخمس ومنه من عبر بانكار ما علم وجوبه بالتواتر ومنه القول بحدوث العالم وقد حكى عياض وغيره الاجماع على تكفير من يقول بقدم العالم وقال بن دقيق العيد وقع هنا من يدعي الحذق في المعقولات ويميل إلى الفلسفة فظن أن المخالف في حدوث العالم لا يكفر لانه من قبيل مخالفة الاجماع وتمسك بقولنا إن منكر الاجماع لا يكفر على الاطلاق حتى يثبت النقل بذلك متواترا عن صاحب الشرع قال وهو تمسك ساقط إما عن عمى في البصيرة أو تعام لان حدوث العالم من قبيل ما اجتمع فيه الاجماع والتواتر بالنقل وقال النووي قوله التارك لدينه عام لكل في ارتد بأي ردة كانت فيجب قتله إن لم يرجع إلى الاسلام وقوله المفارق للجماعة يتناول كل خارج عن الجماعة ببدعة أو نفي إجماع كالروافض والخوارج وغيرهم كذا قال وسيأتي البحث فيه وقال القرطبي في المفهم ظاهر قوله المفارق للجماعة أنه نعت للتارك لدينه لانه إذا ارتد فارق جماعة المسلمين غير أنه يلتحق به من خرج عن جماعة المسلمين وان لم يرتد كمن يمتنع من إقامة الحد عليه إذا وجب ويقاتل على ذلك كأهل البغي وقطاع الطريق والمحاربين من الخوارج وغيرهم قال فيتناولهم لفظ المفارق للجماعة بطريق العموم ولو لم يكن كذلك لم يصح الحصر لانه يلزم أن ينفي من ذكر ودمه حلال فلا يصح الحصر وكلام الشارع منزه عن ذلك فدل على أن وصف المفارقة للجماعة يعم جميع هؤلاء قال وتحقيقه أن كل من فارق الجماعة ترك دينه غير أن المرتد ترك كله والمفارق بغير ردة ترك بعضه انتهى وفيه مناقشة لان أصل الخصلة الثالثة الارتداد فلا بد من وجوده والمفارق بغير ردة لا يسمى مرتدا فيلزم الخلف في الحصر والتحقيق في جواب ذلك أن الحصر فيمن يجب قتله عينا أما من ذكرهم فان قتل الواحد منهم إنما يباح إذا وقع حال المحاربة والمقاتلة بدليل أنه لو أسر لم يجز قتله صبرا اتفاقا في غير المحاربين وعلى الراجح في المحاربين أيضا لكن يرد على ذلك قتل تارك الصلاة وقد تعرض له بن دقيق العيد فقال استدل بهذا الحديث أن تارك الصلاة لا يقتل بتركها لكونه ليس من الامور الثلاثة وبذلك استدل شيخ والدي الحافظ أبو الحسن بن فضل المقدسي في أبياته المشهورة ثم ساقها ومنها وهو كاف في تحصيل المقصود هنا والرأي عندي أن يعزره الامام بكل تعزير يراه صوابا فالاصل عصمته إلا أن يمتطي إحدى الثلاث إلى الهلاك ركابا قال فهذا من المالكية اختار خلاف مذهبه وكذا استشكله امام الحرمين من الشافعية قلت تارك الصلاة اختلف فيه فذهب أحمد وإسحاق وبعض المالكية ومن الشافعية بن خزيمة وأبو الطيب بن سلمة وأبو عبيد بن جويرية ومنصور الفقيه وأبو جعفر الترمذي إلى أنه يكفر بذلك ولو لم يجحد وجوابها وذهب الجمهور إلى أنه يقتل حدا وذهب الحنفية ووافقهم المزني إلى أنه لا يكفر ولا يقتل ومن أقوى ما يستدل به على عدم كفره حديث عبادة رفعه خمس صلوات كتبهن الله على العباد الحديث وفيه ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة أخرجه مالك وأصحاب السنن وصححه بن حبان وابن السكن وغيرهما وتمسك أحمد ومن وافقه بظواهر أحاديث وردت بتكفيره وحملها من خالفهم على المستحل جمعا

[ 179 ]

بين الاخبار والله أعلم وقال بن دقيق العيد وأراد بعض من أدركنا زمانه أن يزيل الاشكال فاستدل بحديث أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ووجه الدليل منه أنه وقف العصمة على المجموع والمرتب على أشياء لا تحصل إلا بحصول مجموعها وينتفى بانتفاء بعضها قال وهذا إن قصد الاستدلال بمنطوقه وهو أقاتل الناس الخ فإنه يقتضي الامر بالقتال إلى هذه الغاية فقد ذهل للفرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه فان المقاتلة مفاعلة تقتضي الحصول من الجانبين فلا يلزم من إباحة المقاتلة على الصلاة إباحة قتل الممتنع من فعلها إذا لم يقاتل وليس النزاع في أن قوما لو تركوا الصلاة ونصبوا القتال أنه يجب قتالهم وانما النظر فيما إذا تركها انسان من غير نصب قتال هل يقتل أولا والفرق بين المقاتلة على الشئ والقتل عليه ظاهر وان كان أخذه من آخر الحديث وهو ترتب العصمة على فعل ذلك فان مفهومه يدل على أنها لا تترتب على فعل بعضه هان الامر لانها دلالة مفهوم ومخالفه في هذه المسألة لا يقول بالمفهوم وأما من يقول به فله أن يدفع حجته بأنه عارضته دلالة المنطوق في حديث الباب وهي أرجح من دلالة المفهوم فيقدم عليها واستدل به بعض الشافعية لقتل تارك الصلاة لانه تارك للدين الذي هو العمل وانما لم يقولوا بقتل تارك الزكاة لامكان انتزاعها منه قهرا ولا يقتل تارك الصيام لامكان منعه المفطرات فيحتاج هو أن ينوي الصيام لانه يعتقد وجوبه واستدل به على أن الحر لا يقتل بالعبد لان العبد لا يرجم إذا زنى ولو كان ثيبا حكاه بن التين قال وليس لاحد أن يفرق ما جمعه الله إلا بدليل من كتاب أو سنة قال وهذا بخلاف الخصلة الثالثة فان الاجماع انعقد على أن العبد والحر في الردة سواء فكأنه جعل أن الاصل العمل بدلالة الاقتران ما لم يأت دليل يخالفه وقال شيخنا في شرح الترمذي استثنى بعضهم من الثلاثة قتل الصائل فإنه يجوز قتله للدفع وأشار بذلك إلى قول النووي يخص من عموم الثلاثة الصائل ونحوه فيباح قتله في الدفع وقد يجاب بأنه داخل في المفارق للجماعة أو يكون المراد لا يحل تعمد قتله بمعنى أنه لا يحل قتله إلا مدافعة بخلاف الثلاثة واستحسنه الطيبي وقال هو أولى من تقرير البيضاوي لانه فسر قوله النفس بالنفس بحل قتل النفس قصاصا للنفس التي قتلها عدوانا فاقتضى خروج الصائل ولو لم يقصد الدافع قتله قلت والجواب الثاني هو المعتمد وأما الاول فتقدم الجواب عنه وحكى بن التين عن الداودي أن هذا الحديث منسوخ بآية المحاربة من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الارض قال فأباح القتل بمجرد الفساد في الارض قال ورد في القتل بغير الثلاث أشياء منها قوله تعالى فقاتلوا التي تبغي وحديث من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوه وحديث من اتى بهيمة فاقتلوه وحديث من خرج وأمر الناس جمع يريد تفريقهم فاقتلوه وقول عمر تغره أن يقتلا وقول جماعة من الائمة إن تاب أهل القدر وإلا قتلوا وقول جماعة من الائمة يضرب المبتدع حتى يرجع أو يموت وقول جماعة من الائمة يقتل تارك الصلاة قال وهذا كله زائد على الثلاثة قلت وزاد غيره قتل من طلب أخذ مال إنسان أو حريمه بغير حق ومانع الزكاة المفروضة ومن ارتد ولم يفارق الجماعة ومن خالف الاجماع وأظهر الشقاق والخلاف والزنديق إذا تاب على رأي والساحر والجواب عن ذلك كله أن الاكثر في المحاربة أنه إن قتل قتل وبأن حكم الآية في الباغي أن يقاتل لا أن يقصد إلى قتله

[ 180 ]

وبأن الخبرين في اللواط واتيان البهيمة لم يصحا وعلى تقدير الصحة فهما داخلان في الزنا وحديث الخارج عن المسلمين تقدم تأويله بأن المراد بقتله حبسه ومنعه من الخروج وأثر عمر من هذا القبيل والقول في القدرية وسائر المبتدعة مفرع على القول بتكفيرهم وبأن قتل تارك الصلاة عند من لا يكفرهم مختلف فيه كما تقدم إيضاحه وأما من طلب المال أو الحريم فمن حكم دفع الصائل ومانع الزكاة تقدم جوابه ومخالف الاجماع داخل في مفارق الجماعة وقتل الزنديق لاصطحاب حكم كفره وكذا الساحر والعلم عند الله تعالى وقد حكى بن العربي عن بعض اشياخه أن أسباب القتل عشرة قال بن العربي ولا تخرج عن وهذه الثلاثة بحال فان من سحر أو سب نبي الله كفر فهو داخل في التارك لدينه والله أعلم واستدل بقوله النفس بالنفس على تساوي النفوس في القتل العمد فيقاد لكل مقتول من قاتله سواء من كان حرا أو عبدا وتمسك به الحنفية وادعوا أن آيه المائدة المذكورة في الترجمة ناسخة لآية البقرة كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ومنهم من فرق بين عبد الجاني وعبد غيره فأقاد من عبد غيره دون عبد نفسه وقال الجمهور آية البقرة مفسرة لآية المائدة فيقتل العبد بالحر ولا يقتل الحر بالعبد وقال الشافعي ليس بين العبد والحر قصاص إلا أن يشاء الحر واحتج للجمهور بأن العبد سلعة فلا يجب فيه إلا القيمة لو قتله خطأ وسيأتي مزيدا لذلك بعد باب واستدل بعمومه على جواز قتل المسلم بالكافر المستأمن والمعاهد وقد مضى في الباب قبله شرح حديث علي لا يقتل مؤمن بكافر وفي الحديث جواز وصف الشخص بما كان عليه ولو انتقل عنه لاستثنائه المرتد من المسلمين وهو باعتبار ما كان قوله باب من أقاد بالحجر أي حكم بالقود بفتحتين وهو المماثلة في القصاص ذكر في حديث أنس فيه قصة اليهودي والجارية وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا وقوله فأشارت برأسها أي نعم في رواية الكشميهني أن نعم بالنون بدل التحتانية وكلاهما يجئ لتفسير ما تقدمه والمراد أنها أشارت إشارة مفهمة يستفاد منها ما يستفاد منها لو نطقت فقالت نعم قوله باب من قتل له قتيل فهو بخير النظرين ترجم بلفظ الخبر وظاهره حجة لمن قال إن الاختيار في أخذ الدية أو الاقتصاص راجع إلى أولياء المقتول ولا يشترط في ذلك رضى القاتل وهذا القدر مقصود الترجمة ومن ثم عقب حديث أبي هريرة بحديث بن عباس الذي فيه تفسير قوله تعالى فمن عفا له من أخيه شئ أي ترك له دمه ورضي منه بالدية فاتباع بالمعروف أي في المطالبة بالدية وقد فسر بن عباس العفو بقبول الدية في العمد وقبول الدية راجع إلى الاولياء الذين لهم طلب القصاص وأيضا فإنما لزمت القاتل الدية بغير رضاه لانه مأمور باحياء نفسه لعموم قوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم فإذا رضي أولياء المقتول بأخذ الدية له لم يكن للقاتل أن يمتنع من ذلك قال بن بطال معنى قوله تعالى ذلك تخفيف من ربكم إشارة إلى أن أخذ الدية لم يكن في بني إسرائيل بل كان القصاص متحتما فخفف الله عن هذه الامة بمشروعية أخذ الدية إذا رضي أولياء المقتول ثم ذكر ذلك في الباب حديثين الاول قوله عن أبي هريرة كذا للاكثر ممن رواه عن يحيى بن أبي كثير في الصحيحين وغيرهما ووقع في رواية النسائي مرسلا وهو من رواية يحيى بن حميد عن الاوزاعي وهي شاذة قوله أن خزاعة قتلوا رجلا وقال عبد الله بن رجاء كذا تحول إلى طريق حرب بن شداد عن يحيى وهو بن أبي كثير في الطريقين وساق الحديث

[ 181 ]

هنا على لفظ حرب وقد تقدم لفظ شيبان وهو بن عبد الرحمن في كتاب العلم وطريق عبد الله بن رجاء هذه وصلها البيهقي من طريق هشام بن علي السيرافي عنه وتقدم في اللقطة من طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي عن يحيى عن أبي سلمة مصرحا بالتحديث في جميع السند قوله أنه عام فتح مكة الهاء في أنه ضمير الشأن قوله قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية وقع في رواية أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي شريح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ان الله حرم مكة فذكر الحديث وفيه ثم أنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل من هذيل واني عاقله وقع نحو ذلك في رواية بن إسحاق عن المقبري كما أوردته في باب لا يعضد شجر الحرم من أبواب جزاء الصيد من كتاب الحج فأما خزاعة فتقدم نسبهم في أول مناقب قريش وأما بنو ليث فقبيلة مشهورة ينسبون إلى ليث بن بكر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر وأما هذيل فقبيلة كبيرة ينسبون إلى هذيل وهم بنو مدركة بن الياس بن مضر وكانت هذيل وبكر من سكان مكة وكانوا في ظواهرها خارجين من الحرم وأما خزاعة فكانوا غلبوا على مكة وحكموا فيها ثم أخرجوا منها فصاروا في ظاهرها وكانت بينهم وبين بني بكر عداوة ظاهرة في الجاهلية وكانت خزاعة حلفاء بني هاشم بن عبد مناف إلى عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان بنو بكر حلفاء قريش كما تقدم بيانه في أول فتح مكة من كتاب المغازي وقد ذكرت في كتاب العلم أن اسم القاتل من خزاعة خراش بمعجمتين بن أمية الخزاعي وأن المقتول منهم في الجاهلية كان اسمه أحمر وأن المقتول من بني ليث لم يسم وكذا القاتل ثم رأيت في السيرة النبوية لابن إسحاق أن الخزاعي المقتول اسمه منبه قال بن إسحاق في المغازي حدثني سعيد بن أبي سندر الاسلمي عن رجل من قومه قال كان معنا رجل يقال له أحمر كان شجاعا وكان إذا نام غط فإذا طرقهم شئ صاحوا به فيثور مثل الاسد فغزاهم قوم من هذيل في الجاهلية فقال لهم بن الاثوع وهو بالثاء المثلثة والعين المهملة لا تعجلوا حتى أنظر فان كان أحمر فيهم فلا سبيل إليهم فاستمع فإذا غطيط أحمر فمشى إليه حتى وضع السيف في صدره فقتله وأغاروا على الحي فلما كان عام الفتح وكان الغد من يوم الفتح أتى بن الاثوع الهذلي حتى دخل مكة وهو على شركه فرأته خزاعة فعرفوه فأقبل خراش بن أمية فقال أفرجوا عن الرجل فطعنه بالسيف في بطنه فوقع قتيلا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا معشر خزاعة ارفعوا أيديكم عن القتل ولقد قتلتم قتيلا لادينه قال بن إسحاق وحدثني عبد الرحمن بن حرملة الاسلمي عن سعيد بن المسيب قال لما بلغ النبي صلى الله عليه وسلم ما صنع خراش بن أمية قال أن خراشا لقتال يعيبه بذلك ثم ذكر حديث أبي شريح الخزاعي كما تقدم فهذا قصة الهذلي وأما قصة المقتول من بني ليث فكأنهما أخرى وقد ذكر بن هشام أن المقتول من بني ليث اسمه جندب بن الادلع وقال بلغني أن أول قتيل وداه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح جندب بن الادلع قتله بنو كعب فوداه بمائة ناقة لكن ذكر الواقدي أن اسمه جندب بن الادلع فرآه جندب بن الاعجب الاسلمي فخرج يستجيش عليه فجاء خراش فقتله فظهر أن القصة واحدة فلعله كان هذليا حالف بني ليث أو بالعكس ورأيت في آخر الجزء الثالث من فوائد أبي علي بن خزيمة أن اسم الخزاعي القاتل هلال بن أمية فان ثبت فلعل هلالا لقب خراش والله أعلم قوله فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية سفيان المشار إليها في العلم

[ 182 ]

فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك فركب راحلته فخطب قوله إن الله حبس عن مكة الفيل بالفاء اسم الحيوان المشهور وأشار بحبسه عن مكة إلى قصة الحبشة وهي مشهورة ساقها بن إسحاق مبسوطه وحاصل ما ساقه أن أبرهة الحبشي لما غلب على اليمن وكان نصرايا بنى كنيسة والزم الناس بالحج إليها فعمد بعض العرب فاسعفل الحجبة وتغوط فهرب فغضب أبرهة وعزم على تخريب الكعبة فتجهز في جيش كثيف واستصحب معه فيلا عظيمه فلما قرب من مكة خرج إليه عبد المطلب فأعظمه وكان جميل الهيئة فطلب منه أن يرد عليه إبلا له نهبت فاستقصر همته وقال لقد ظننت انك لا تسألني إلا في الامر الذي جئت فيه فقال إن لهذا البيت ربا سيحميه فأعاد إليه إبله وتقدم أبرهه بجيوشه فقدموا الفيل فبرك وعجزوا فيه وأرسل الله عليهم طيرا مع كل واحد ثلاثة أحجار حجرين في رجليه وحجر في منقاره فألقوها عليهم فلم يبق منهم أحد إلا اصيب وأخرج بن مردويه بسند حسن عن عكرمة عن بن عياس قال جاء أصحاب الفيل حتى نزلوا الصفاح وهو بكسر المهملة ثم فاء ثم مهملة موضع خارج مكة من جهة طريق اليمن فأتاهم عبد المطلب فقال إن هذا بيت الله لم يسلط عليه أحدا قالوا لا نرجع حتى نهدمه فكانوا لا يقدمون فيلهم إلا تأخر فدعا الله الطير الابابيل فأعطاها حجارة سوداء فلما حاذتهم رمتهم فما بقي منهم أحد إلا أخذته الحكة فكان لا يحك أحد منهم جلده إلا تساقط لحمه قال بن إسحاق حدثني يعقوب بن عتبة قال حدثت أن أول ما وقعت الحصباء والجدري بأرض العرب من يومئذ وعند الطبري بسند صحيح عن عكرمة أنها كانت طيرا خضرا خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع ولابن أبي حاتم من طريق عبيد بن عمير بسند قوي بعث الله عليهم طيرا أنشأها من البحر كأمثال الخطاطيف فذكر نحو ما تقدم قوله وأنها لم تحل لاحد قبلي الخ تقدم بيانه مفصلا في باب تحريم القتال بمكة من أبواب جزاء الصيد وفيما قبله في باب لا يعضد شجر الحرم قوله ولا يلتقط بضم أوله على البناء للمجهول وفي آخره إلا لمنشد ووقع للكشميهني هنا بفتح أوله وفي آخره إلا منشد وهو واضح قوله من قتل له قتيل أي من قتل له قريب كان حيا فصار قتيلا بذلك القتل قوله فهو بخير النظرين تقدم في العلم بلفظ ومن قتل فهو بخير النظرين وهو مختصر ولا يمكن حمله على ظاهره لان المقتول لا اختيار له وانما الاختيار لوليه وقد أشار إلى نحو ذلك الخطابي ووقع في رواية الترمذي من طريق الاوزاعي فإما أن يعفو وإما أن يقتل والمراد العفو على الدية جمعا بين الروايتين ويؤيده ان عنده في حديث أبي شريح فمن قتل له قتيل بعد اليوم فأهله بين خيرتين اما أن يقتلوا أو يأخذوا الدية ولابي داود وابن ماجة وعلقمة الترمذي من وجه آخر عن أبي شريح بلفظ فأنه يختار إحدى ثلاث اما أن يقتص وإما أن يعفو وإما أن يأخذ الدية فان أراد الرابعة فخذوا على يديه أي ان أراد زيادة على القصاص أو الدية وسأذكر الاختلاف فيمن يستحق الخيار هل هو القاتل أو ولي المقتول في شرح الحديث الذي بعده وفي الحديث أن ولي الدم يخير بين القصاص والدية واختلف إذا اختار الدية هل يجب على القاتل اجابته فذهب الاكثر إلى ذلك وعن مالك لا يجب إلا برضى القاتل واستدل بقوله ومن قتل له بأن الحق يتعلق بورثة المقتول فلو كان بعضهم غائبا أو طفلا لم يكن للباقين القصاص حتى يبلغ الطفل ويقدم الغائب قوله إما أن يؤدي بسكون الواو أي يعطي القاتل أو أولياؤه لاولياء

[ 183 ]

المقتول الدية وأما أن يقاد أي يقتل به ووقع في العلم بلفظ اما ان يعقل بدل إما أن يودي وهو بمعناه والعقل الدية وفي رواية الاوزاعي في اللقطة إما أن يفدى بالفاء بدل الواو وفي نسخة واما أن يعطى أي الدية ونقل بن التين عن الداودي أن في رواية أخرى اما أن يودي أو يفادى وتعقبه بأنه غير صحيح لانه لو كان بالفاء لم يكن له فائدة لتقدم ذكر الدية ولو كان بالقاف وأحتمل أن يكون للمقتول وليان لذكر بالتثنية أي يقادا بقتيلهما والاصل عدم التعدد قال وصحيح الرواية إما أن يودى أو يقاد وانما يصح يفادى إن تقدمه أن يقتص وفي الحديث جواز إيقاع القصاص بالحرم لانه صلى الله عليه وسلم خطب بذلك بمكة ولم يقيده بغير الحرم وتمسك بعمومه من قال يقتل المسلم بالذمي وقد سبق ما فيه قوله فقام رجل من أهل اليمن يقال له أبوشاه تقدم ضبطه مع شرحه في العلم وحكى السلفي أن بعضهم نطق بها بتاء في آخره وغلطه وقال هو فارسي من فرسان الفرس الذين بعثهم كسرى إلى اليمن قوله ثم قام رجل من قريش فقال يا رسول الله إلا الاذخر تقدم بيان اسمه وأنه العباس بن عبد المطلب وشرح بقية الحديث المتعلق بتحريم مكة وبالاذخر في الابواب المذكورة من كتاب الحج قوله وتابعه عبيد الله يعني بن موسى قوله عن شيبان في الفيل أي تابع حرب بن شداد عن يحيى في الفيل بالفاء ورواية عبيد الله المذكورة موصولة في صحيح مسلم من طريقه قوله وقال بعضهم عن أبي البخاري فرواه عنه بالشك كما تقدم في كتاب العلم قوله وقال عبيد الله إما أن يقاد أهل القتيل أي يؤخذ لهم بثأرهم وعبيد الله هو بن موسى المذكور وروايته إياه عن شيبان بن عبد الرحمن بالسند المذكور وروايته عنه موصولة في صحيح مسلم كما بينته ولفظه إما أن يعطي الدية وإما أن يقاد أهل القتيل وهو بيان لقوله إما أن يقاد الحديث الثاني قوله عن عمرو هو بن دينار قوله عن مجاهد وقد تقدم في تفسير البقرة عن الحميدي عن سفيان حدثنا عمرو سمعت مجاهدا قوله عن بن عباس رضي الله عنهما في رواية الحميدي سمعت بن عباس هكذا وصله بن عيينة عن عمرو بن دينار وهو من أثبت الناس في عمرو ورواه ورقاء بن عمر عن عمرو فلم يذكر فيه بن عباس أخرجه النسائي قوله كانت في بني إسرائيل القصاص كذا هنا من رواية قتيبة عن سفيان بن عيينة وفي رواية الحميدي عن سفيان كان في بني إسرائيل القصاص كما تقدم في التفسير وهو أوجه وكأنه أنث باعتبار معنى القصاص وهو المماثلة والمساواة قوله فقال الله لهذه الامة كتب عليكم القصاص في القتلى إلى هذه الآية فمن عفي له من أخيه شئ قلت كذا وقع في رواية قتيبة وقع هنا عند أبي ذر والاكثر ووقع هنا في رواية النسفي والقابسي إلى قوله فمن عفي له من أخيه شئ ووقع في رواية بن أبي عمر في مسنده ومن طريقه أبو نعيم في المستخرج إلى قوله في هذه الآية وبهذا يظهر المراد وإلا فالاول يوهم أن قوله فمن عفي في آية تلي الآية المبدأ بها وليس كذلك وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية أبي كريب وغيره عن سفيان فقال بعد قوله في القتلى فقرأ إلى والانثى بالانثى فمن عفي له ووقع في رواية الحميدي المذكورة ما حذف هنا من الآية وزاد في آخره تفسير قوله ذلك تخفيف من ربكم وزاد فيه أيضا تفسير قوله فمن اعتدى أي قتل بعد قبول الدية وقد اختلف في تفسير

[ 184 ]

العذاب في هذه الآية فقيل يتعلق بالآخرة وأما في الدنيا فهو لمن قتل ابتداء وهذا قول الجمهور وعن عكرمة وقتادة والسدي يتحتم القتل ولا يتمكن الولي من أخذ الدية وفيه حديث جابر رفعه لا أعفو عمن قتل بعد أخذ الدية أخرجه أبو داود وفي سنده انقطاع قال أبو عبيد ذهب بن عباس إلى أن هذه الآية ليست منسوخة بآية المائدة إن النفس بالنفس بل هما محكمتان وكأنه رأى أن آية المائدة مفسرة لآية البقرة وأن المراد بالنفس نفس الاحرار ذكورهم واناثهم دون الارقاء فان أنفسهم متساوية دون الاحرار وقال إسماعيل المراد في النفس بالنفس المكافئة للاخرى في الحدود لان الحر لو قذف عبدا لم يجلد اتفاقا والقتل قصاصا من جملة الحدود قال وبينه قوله في الآية والجروح قصاص فمن تصدق به فهو كفارة له فمن هنا يخرج العبد والكافر لان العبد ليس له أن يتصدق بدمه ولا بجرحه ولان الكافر لا يسمى متصدقا ولا مكفرا عنه قلت محصل كلام بن عباس يدل على أن قوله تعالى وكتبنا عليهم فيها أي على بني إسرائيل في التوراة ان النفس بالنفس مطلقا فخفف عن هذه الامة بمشروعية الدية بدلا عن القتل لمن عفا من الاولياء عن القصاص وبتخصيصه بالحر في الحر فحينئذ لا حجة في آية المائدة لمن تمسك بها في قتل الحر بالعبد والمسلم بالكافر لان شرع من قبلنا إنما يتمسك منه بما لم يرد في شرعنا ما يخالفه وقد قيل ان شريعة عيسى لم يكن فيها قصاص وانه كان فيها الدية فقط فإن ثبت ذلك امتازت شريعة الاسلام بأنها جمعت الامرين فكانت وسطى لا إفراط ولا تفريط واستدل به على أن المخير في القود أو أخذ الدية هو الولي وهو قول الجمهور وقرره الخطابي بأن العفو في الآية يحتاج إلى بيان لان ظاهر القصاص أن لا تبعة لاحدهما على الآخر لكن معنى أن من عفي عنه من القصاص إلى الدية فعلى مستحق الدية الاتباع بالمعروف وهو المطالبة على القاتل الاداء وهو دفع الدية بإحسان وذهب مالك والثوري وأبو حنيفة إلى أن الخيار في القصاص أو الدية للقاتل قال الطحاوي والحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص فإنه حكم بالقصاص ولم يخير ولو كان الخيار للولي لاعلمهم النبي صلى الله عليه وسلم إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم بمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يعلمه بأن الحق له في أحدهما فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله فهو بخير النظرين أي ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية وتعقب بأن قوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص انما وقع عند طلب أولياء المجني عليه في العمد القود فأعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه وليس فيه ما ادعاه من تأخير البيان واحتج الطحاوي أيضا بأنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل رضيت أن تعطيني كذا على أن لا أقتلك ان القاتل لا يجبر على ذلك ولا يؤخذ منه كرها وان كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه وقال المهلب وغيره يستفاد من قوله فهو بخير النظرين أن الولي إذا سئل في العفو على مال إن شاء قبل ذلك وإن شاء اقتص وعلى الوالي اتباع الاولى في ذلك وليس فيه ما يدل على اكراه القاتل على بذل الدية واستدل بالآية على أن الواجب في قتل العمد القود والدية بدل منه وقيل الواجب الخيار وهما قولان للعلماء وكذا في مذهب الشافعي أصحهما الاول واختلف في سبب نزول الآية فقيل نزلت في حيين من العرب كان لاحدهما طول على الآخر في الشرف فكانوا يتزوجون من نسائهم بغير

[ 185 ]

مهر وإذا قتل منهم عبد قتلوا به حرا أو امرأة قتلوا بها رجلا أخرجه الطبري عن الشعبي وأخرج أبو داود من طريق علي بن صالح بن حي عن سماك بن حرب عن عكرمة عن بن عباس قال كان قريظة والنضير وكان النضير أشرف من قريظة فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة يودى بمائة وسق من التمر فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا ادفعوه لنا نقتله فقالوا بيننا وبينكم النبي صلى الله عليه وسلم فأتوه فنزلت وان حكمت فاحكم بينهم بالقسط والقسط النفس بالنفس ثم نزلت أفحكم الجاهلية يبغون واستدل به الجمهور على جواز أخذ الدية في قتل العمد ولو كان غيلة وهو أن يخدع شخصا حتى يصير به إلى موضع خفي فيقتله خلافا للمالكية وألحقه مالك بالمحارب فان الامر فيه إلى السلطان وليس للاولياء العفو عنه وهذا على أصله في ان حد المحارب القتل إذا رآه الامام وان أو في الآية للتخيير لا للتنويع وفيه أن من قتل متأولا كان حكمه حكم من قتل خطأ في وجوب الدية لقوله صلى الله عليه وسلم فاني عاقله واستدل به بعض المالكية على قتل من التجأ إلى الحرم بعد أن يقتل عمدا خلافا لمن قال لا يقتل في الحرم بل يلجأ إلى الخروج منه ووجه الدلالة أنه صلى الله عليه وسلم قاله في قصة قتيل خزاعة المقتول في الحرم وأن القود مشروع فيمن قتل عمدا ولا يعارضه ما ذكر من حرمة الحرم فان المراد به تعظيمه لتحريم ما حرم الله وإقامة الحد على الجاني به من جملة تعظيم حرمات الله وقد تقدم شئ من هذا في الموضع الذي أشرت إليه آنفا من كتاب الحج قوله باب من طلب دم امرئ بغير حق أي بيان حكمه قوله عن عبد الله بن أبي حسين هو عبد الله بن عبد الرحمن نسب إلى جده وثبت ذكر أبيه في هذا السند عند الطبراني في نسخة شعيب بن أبي حمزة وكذا في مستخرج أبي نعيم ونافع بن جبير أي بن مطعم قوله أبغض هو أفعل من البغض قال وهو شاذ ومثله أعدم من العدم إذا افتقر قال وانما يقال أفعل من كذا للمفاضلة في الفعل الثلاثي قال المهلب وغيره المراد بهؤلاء الثلاثة أنهم أبغض أهل المعاصي إلى الله فهو كقوله أكبر الكبائر وإلا فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي قوله ملحد في الحرم أصل الملحد هو المائل عن الحق والالحاد العدول عن القصد واستشكل بأن مرتكب الصغيرة مائل عن الحق والجواب ان هذه الصيغة في العرف مستعملة للخارج عن الدين فإذا وصف به من ارتكب معصية كان في ذلك إشارة إلى عظمها وقيل إيراده للجملة الاسمية مشعر بثبوت الصفة ثم التنكير للتعظيم فيكون ذلك إشارة إلى عظم الذنب وقد تقدم قريبا في عد الكبائر مستحل البيت الحرام وأخرج الثوري في تفسيره عن السدي عن مرة عن بن مسعود قال ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه إلا أن رجلا لو هم بعدن أبين أن يقتل رجلا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله من عذاب أليم وهذا سند صحيح وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم وكان شعبة يرويه عنه موقوفا أخرجه أحمد عن زيد بن هارون عن شعبة وأخرجه الطبري من طريق أسباط بن نصر السدى موقوفا وظاهر سياق الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره وهو مشكل فيتعين أن المراد بالالحاد فعل الكبيرة وقد يؤخذ ذلك من سياق الآية فان الاتيان بالجملة الاسمية في قوله ومن يرد فيه بالحاد بظلم الآية يفيد ثبوت الالحاد ودوامه والتنوين للتعظيم أي من يكون إلحاده عظيما والله أعلم

[ 186 ]

قوله ومبتغ في الاسلام سنة الجاهلية أي يكون له الحق عند شخص فيطلبه من غيره ممن لا يكون له فيه مشاركة كوالده أو ولده أو قريبه وقيل المراد من يريد بقاء سيرة الجاهلية أو أشاعتها أو تنفيذها وسنة الجاهلية اسم جنس يعم جميع ما كان أهل الجاهلية يعتمدونه من أخذ الجار بجاره والحليف بحليفه ونحو ذلك ويلتحق بذلك ما كانوا يعتقدونه والمراد منه ما جاء الاسلام بتركه كالطيرة والكهانة وغير ذلك وقد أخرج الطبراني والدار قطني من حديث أبي شريح رفعه ان أعتى الناس على الله من قتل غير قاتله أو طلب بدم الجاهلية في الاسلام فيمكن أن يفسر به سنة الجاهلية في هذا الحديث قوله ومطلب بالتشديد مفتعل من الطلب فأبدلت التاء طاء وأدغمت والمراد من يبالغ في الطلب وقال الكرماني المعنى المتكلف للطلب والمراد الطلب المترتب عليه المطلوب لا مجرد الطلب أو ذكر الطلب ليلزم الزجر في الفعل بطريق الاولى وقوله بغير حق احتراز عمن يقع له مثل ذلك لكن بحق كطلب القصاص مثلا وقوله ليهريق بفتح الهاء ويجوز اسكانها وقد تمسك به من قال ان العزم المصمم يؤاخذ به وتقدم البحث في ذلك في الكلام على حديث من هم بحسنة في كتاب الرقاق تنبيه وقفت لهذا الحديث على سبب فقرأت في كتاب مكة لعمر بن شبة من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء بن يزيد قال قتل رجل بالمزدلفة يعني في غزوة الفتح فذكر القصة وفيها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة رجل قتل في الحرم أو قتل غير قاتله أو قتل بذحل في الجاهلية ومن طريق مسعر عن عمرو بن مرة عن الزهري ولفظه ان أجرأ الناس على الله فذكر نحوه وقال فيه وطلب بذحول الجاهلية قوله باب العفو في الخطأ بعد الموت أي عفو الولي لا عفو المقتول لانه محال ويحتمل أن يدخل وانما قيده بما بعد الموت لانه لا يظهر أثره إلا فيه إذ لو عفا المقتول ثم مات لم يظهر لعفوه أثر لانه لو عاش تبين أن لا شئ له يعفو عنه وقال بن بطال اجمعوا على أن عفو الولي انما يكون بعد موت المقتول وأما قبل ذلك فالعفو للقتيل خلافا لاهل الظاهر فإنهم أبطلوا عفو القتيل وحجة الجمهور أن الولي لما قام مقام المقتول في طلب ما يستحقه فإذا جعل له العفو كان ذلك للاصيل أولى وقد أخرج أبو بكر بن أبي شيبة من مرسل قتادة أن عروة بن مسعود لما دعا قومه إلى الاسلام فرمى بسهم فقتل عفا عن قاتله قبل أن يموت فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم عفوه قوله حدثنا فروة بفاء هو بن أبي المغراء قوله عن أبيه عن عائشة هزم المشركون يوم أحد سقط هذا القدر لابي ذر وتحول إلى السند الآخر فصار ظاهره أن الروايتين سواء وليس كذلك ويحيى بن أبي زكريا في السند الثاني هو يحيى بن يحيى الغساني وساق المتن هنا على لفظه وأما لفظ علي بن مسهر فتقدم في باب من حنث ناسيا من كتاب الايمان والنذور وقد بينت ذلك في الكلام عليه في غزوة أحد قوله فقال حذيفة غفر الله لكم استدل به من قال إن ديته وجبت على من حضر لان معنى قوله غفر الله لكم عفوت عنكم وهو لا يعفو إلا عن شئ استحق له أن يطالب به وقد أخرج أبو إسحاق الفزاري في السنن عن الاوزاعي عن الزهري قال أخطأ المسلمون بأبي حذيفة يوم أحد حتى قتلوه فقال حذيفة يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين فبلغت النبي صلى الله عليه وسلم فزاده عنده خيرا ووداه من عنده وهذه الزيادة ترد قول من حمل قوله فلم يزل في حذيفة منها بقية خير على الحزن على أبيه وقد أوضحت الرد عليه في باب من حنث ناسيا

[ 187 ]

ويؤخذ منها أيضا التعقب على المحب الطبري حيث قال حمل البخاري قول حذيفة غفر الله لكم على العفو عن الضمان وليس بصريح فيجاب بأن البخاري أشار بهذا الذي هو غير صريح إلى ما ورد صريحا وإن كان ليس على شرطه فإنه يؤيد ما ذهب إليه قوله باب قول الله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ كذا لابي ذر وابن عساكر وساق الباقون الآية إلى عليما حكيما ولم يذكر معظمهم في هذا الباب حديثا قوله وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ذكر بن إسحاق في السيرة سبب نزولها عن عبد الرحمن بن حارث بن عبد الله بن عياش بتحتانية وشين معجمة أي بن ربيعة المخزومي قال قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق نزلت هذه الآية في جدك عياش بن أبي ربيعة والحارث بن يزيد من بني عامر بن لؤي وكان يؤذيهم بمكة وهو كافر فلما هاجر المسلمون أسلم الحارث وأقبل مهاجرا حتى إذا كان بظاهر الحرة لقيه عياش بن أبي ربيعة فظنه على شركه فعلاه بالسيف حتى قتله فنزلت روى هذه القصة أبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن بن إسحاق عن عبد الرحمن بن الحارث عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه فذكرها مرسلة أيضا وزاد في السند عبد الرحمن بن القاسم وأخرج بن أبي حاتم في التفسير من طريق سعيد بن جبير أن عياش بن أبي ربيعة حلف ليقتلن الحارث بن يزيد إن ظفر به فذكر نحوه ومن طريق مجاهد نحوه لكن لم يسم الحارث وفي سياقه ما يدل على أنه لقي النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن أسلم ثم خرج فقتله عياش بن أبي ربيعة وقيل في سبب نزولها غير ذلك مما لا يثبت قوله إلا خطأ وهو اسثتناء منقطع عند الجمهور إن أريد بالنفي معناه فإنه لو قدر متصلا لكان مفهومه فله قتله وانفصل من قال أنه متصل بأن المراد بالنفي التحريم ومعنى إلا خطأ بان عرفه بالكفر فقتله ثم ظهر أنه كان مؤمنا وقيل نصب على أنه مفعول له أي لا يقتله لشئ أصلا إلا للخطأ أو حال أي إلا في حال الخطأ أو هو نعت مصدر محذوف أي إلا قتلا خطأ وقيل إلا هنا بمعنى الواو وجوزه جماعة وقيده الفراء بشرط مفقود هنا فلذلك لم يجزه هنا واستدل بهذه الآية على أن القصاص من المسلم مختص بقتله المسلم فلو قتل كافرا لم يجب عليه شئ سواء كان حربيا أو غير حربي لان الآيات بينت أحكام عمدا ثم خطأ فقال في الحربي فان تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ثم قال فيمن لهم ميثاق فما جعل الله لكم عليهم سبيلا وقال فيمن عاود المحاربة فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وقال في الخطأ وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ فكان مفهومها أن له أن يقتل الكافر عمدا فخرج الذمي بما ذكر قبلها وجعل في قتل المؤمن خطأ الدية والكفارة ولم يذكر ذلك في قتل الكافر فتمسك به من قال لا يجب في قتل الكافر ولو كان ذميا شئ وأيده بقوله ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وإسحاق في أول السند قال أبو علي الجياني لم أجد منسوبا ويشبه أن يكون بن منصور قلت ولا يبعد أن يكون بن راهويه فإنه كثير الرواية عن حبان بن هلال شيخ إسحاق هنا قوله باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به كذا لهم وأما النسفي فعطف بدون باب فقال بعد قوله خطأ الآية وإذا أقر الخ وذكروا كلهم حديث أنس في قصة اليهودي والجارية ويحتاج إلى مناسبته للآية فإنه لا يظهر أصلا فالصواب صنيع الجماعة قال بن المنذر حكم الله في المؤمن يقتل المؤمن خطأ بالدية وأجمع أهل العلم على ذلك ثم أختلفوا في قوله وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فقيل المراد

[ 188 ]

كافر ولعاقلته الدية من أجل العهد وهذا قول بن عباس والشعبي والنخعي والزهري وقيل مؤمن جاء ذلك عن النخعي وأبي الشعثاء قال قال الطبري والاول أولى لان الله أطلق الميثاق ولم يقل في المقتول وهو مؤمن كما قال في الذي قبله ويترجح أيضا حيث ذكر المؤمن ذكر الدية والكفارة معا وحيث ذكر الكافر ذكر الكفارة فقط وهنا ذكر الدية والكفارة معا قوله فيه فجئ باليهودي فاعترف في رواية هدبة عن همام فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزل به حتى أقر أخرجه الاسماعيلي وفي حديث أنس في قصة اليهودي حجة للجمهور في أنه لا يشترط في الاقرار بالقتل أن يتكرر وهو مأخوذ من إطلاق قوله فأخذ اليهودي فاعترف فإنه لم يذكر فيه عددا والاصل عدمه وذهب الكوفيون إلى اشتراط تكرار الاقرار بالقتل مرتين قياسا على اشتراط تكرار الاقرار بالزنا أربعا تبعا لعدد الشهود في الموضعين قوله باب قتل الرجل بالمرأة ذكر فيه حديث أنس في قصة اليهودي والجارية باختصار وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا ووجه الدلالة منه واضح ولمح به إلى الرد على من منع كما سأبينه في الباب الذي بعده قوله باب القصاص بين الرجال والنساء في الجرحات قال بن المنذر أجمعوا على أن الرجل يقتل بالمرأة والمرأة بالرجل إلا رواية عن علي وعن الحسن وعطاء وخالف الحنفية فيما دون النفس واحتج بعضهم بان اليد الصحيحة لا تقطع باليد الشلاء بخلاف النفس فان النفس الصحيحة تقاد بالمريضة اتفاقا وأجاب بن القصار بأن اليد الشلاء في حكم الميتة والحي لا يقاد بالميت وقال بن المنذر لما اجمعوا على القصاص في النفس واختلفوا فيما دونها وجب رد المختلف إلى المتفق قوله وقال أهل العلم يقتل الرجل بالمرأة المراد الجمهور أو أطلق إشارة إلى وهي الطريق إلى علي أو إلى انه من ندرة المخالف قوله ويذكر عن عمر تقاد المرأة من الرجل في كل عمد يبلغ نفسه فما دونها من الجراح وصله سعيد بن منصور من طريق النخعي قال كان فيما جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر قال جرح الرجال والنساء سواء وسنده صحيح ان كان النخعي سمع من شريح وقد أخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر فقال عن إبراهيم عن شريح قال أتاني عروة فذكره ومعنى قوله تقاد يقتص منها إذا قتلت الرجل ويقطع عضوها الذي تقطعه منه وبالعكس قوله وبه قال عمر بن عبد العزيز وإبراهيم وأبو الزناد عن أصحابه أخرجه بن أبي شيبة من طريق الثوري عن جعفر بن برقان عن عمر بن عبد العزيز وعن مغيرة عن إبراهيم النخعي قالوا القصاص بين الرجل والمرأة في العمد سواء وأخرج الاثرم من هذا الوجه عن عمر بن عبد العزيز قال القصاص فيما بين المرأة والرجل حتى في النفس وأخرج البيهقي من طريق عبد الرحمن بن أبي زناد عن أبيه قال كل من أدركت من فقهائنا وذكر السبعة في مشيخة سواهم أهل فقه وفضل ودين قال وربما اختلفوا في الشئ فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا أنهم كانوا يقولون المرأة تقاد من الرجل عينا بعين وأذنا بأذن وكل شئ من الجراح على ذلك وان من قتلها قتل بها قوله وجرحت أخت الربيع إنسانا فقال النبي صلى الله عليه وسلم القصاص كذا لهم ووقع للنسفي كتاب الله القصاص والمعتمد ما عند الجماعة وهو بالنصب على الاغراء قال أبو ذر كذا وقع هنا والصواب الربيع بنت النضر عمة أنس وقال الكرماني قيل إن الصواب وجرحت الربيع بحذف لفظة أخت فإنه الموافق لما تقدم في البقرة

[ 189 ]

من وجه آخر عن أنس أن الربيع بنت النضر عمته كسرت ثنية جارية فقال رسول صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص قال إلا أن يقال ان هذه امرأة أخرى لكنه لم ينقل عن أحد كذا قال وقد ذكر جماعة انهما قصتان والمذكور هنا طرف من حديث أخرجه مسلم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس ان أخت الربيع أم حارثة جرحت انسانا فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال القصاص القصاص فقالت أم الربيع يا رسول الله أيقتص من فلانة والله لا يقتص منها فقال سبحان الله يا أم الربيع القصاص كتاب الله فما زالت حتى قبلوا الدية فقال أن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره والحديث المشار إليه في سورة البقرة مختصر من حديث طويل ساقه البخاري في الصلح بتمامه من طريق حميد عن أنس وفيه فقال أنس بن النضر اتكسر ثنية الربيع يا رسول الله لا والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها قال يا أنس كتاب الله القصاص فرضي القوم وعفو فقال أن من عباد الله لو من أقسم على الله لابره وسيأتي بعد أربعة أبواب أيضا باختصار قال النووي قال العلماء المعروف رواية البخاري ويحتمل أن يكونا قصتين وقلت وجزم بن حزم بأنهما قصتان صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة إحداهما أنها جرحت إنسانا فقضي عليها بالضمان والاخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضي عليها بالقصاص وحلفت أمها في الاولى وأخوها في الثانية وقال البيهقي بعد أن أورد الروايتين ظاهر الخبرين يدل على أنهما قصتان فان قبل هذا الجمع وإلا فثابت أحفظ من حميد قلت في القصتين مغايرات منها هل الجانية الربيع أو أختها وهل الجناية كسر الثنية أو الجراحة وهل الحالف أم الربيع أو أخوها أنس بن النضر وأما ما وقع في أول الجنايات عند البيهقي من وجه آخر عن حميد عن أنس قال لطمت الربيع بنت معوذ جارية فكسرت ثنيتها فهو غلط في ذكر أبيها والمحفوظ أنها بنت النضر عمة أنس كما وقع التصريح به في صحيح البخاري وفي الحديث أن كل من وجب له القصاص في النفس أو دونها فعفا على مال فرضوا به جاز قوله يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري قوله لددنا النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه فقال لا تلدوني تقدم شرحه في الوفاة النبوية والمراد منه هنا لا يبقى أحد منكم إلا لد فان فيه إشارة إلى مشروعية الاقتصاص من المرأة بما جنته على الرجل لان الذين لدوه كانوا رجالا ونساء وقد ورد التصريح في بعض طرقه بأنهم لدوا ميمونة وهي صائمة من أجل عموم الامر كما مضى في الوفاة النبوية من وجهين قوله غير العباس فإنه لم يشهدكم تقدم بيانه أيضا في الوفاة النبوية قبل وفي الحديث أن صاحب الحق يستثنى من غرمائه من شاء فيعفو عنه ويقتص من الباقين وفيه نظر لقوله لم يشهدكم وفيه أخذ الجماعة بالواحد قال الخطابي وفيه حجة لمن رأى القصاص في اللطمة ونحوها واعتل من لم ير ذلك بأن اللطم يتعذر ضبطه وتقديره بحيث لا يزيد ولا ينقص وأما اللدود فاحتمل أن يكون قصاصا واحتمل أن يكون معاقبة على مخالفة أمره فعوقبوا من جنس جنايتهم وفيه أن الشركاء في الجناية يقتص من كل واحد منهم إذا كانت أفعالهم لا تتميز بخلاف الجناية في المال لانها تتبعض إذ لو اشترك جماعة في سرقة ربع دينار لم يقطعوا اتفاقا وسيأتي بيان ذلك بعد ستة أبواب رحمه اللهقوله باب من أخذ حقه أي من جهة غريمه بغير حكم حاكم أو أقتص أي إذا وجب له على أحد قصاص في نفس أو طرف هل يشترط

[ 190 ]

أن يرفع أمره إلى الحاكم أو يجوز أن يستوفيه دون الحاكم وهو المراد بالسلطان في الترجمة قال بن بطال اتفق أئمة الفتوى على أنه لا يجوز لاحد أن يقتص من حقه دون السلطان قال وإنما اختلفوا فيمن أقام الحد على عبده كما تقدم تفصيله قال وأما أخذ الحق فإنه يجوز عندهم أن يأخذ حقه من المال خاصة إذا جحده إياه ولا بينة عليه كما سيأتي تقريره قريبا ثم أجاب عن حديث الباب بأنه خرج على التغليظ والزجر عن الاطلاع على عورات الناس انتهى قلت فأما من نقل الاتفاق فكأنه استند فيه إلى ما أخرجه إسماعيل القاضي في نسخة أبي الزناد عن الفقهاء الذين ينتهي إلى قولهم ومنه لا ينبغي لاحد أن يقيم شيئا من الحدود دون السلطان إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنا على عبده وهذا إنما هو اتفاق أهل المدينة في زمن أبي الزناد وأما الجواب فان أراد أنه لا يعمل بظاهر الخبر فهو محل النزاع قوله أنه سمع أبا هريرة يقول إنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول نحن الآخرون السابقون يوم القيامة كذا لابي ذر وسقط يوم القيامة للباقين قوله بإسناده لو اطلع الخ هو المراد في هذه الترجمة والاول ذكره لكونه أول حديث قي نسخة شعيب عن أبي الزناد ومن ثم لم يسق الحديث بتمامة هنا بل اقتصر على أوله إشارة إلى ذلك وساقه بتمامه في كتاب الجمعة ولم يطرد للبخاري صنيع في ذلك وأطرد صنيع مسلم في نسخة همام بأن يسوق السند ثم يقول فذكر أحاديثا منها ثم يذكر الحديث الذي يريده وقد أشرت الى ذلك في كتاب الرقاق وجوز الكرماني أن الراوي سمع الحديثين في نسق واحد فجمعهما فاستمر من بعده على ذلك قلت وهذا يحتاج إلى تكملة وهو أن البخاري اختصر الاول لانه لا يحتاج إليه هنا قوله لو اطلع الفاعل مؤخر وهو أحد قوله ولم تأذن له احتراز ممن اطلع بإذن قوله حذفته بحصاة كذا هنا بغير فاء وأخرجه الطبراني عن أحمد بن عبد الوهاب بن نجده عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه بلفظ فحذفته وهو الاولى والاول جائز وسيأتي بعد سبعة أبواب من رواية سفيان بن عيينة عن أبي الزناد بلفظ لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته وقوله حذفته بالحاء المهملة عند أبي ذر والقابسي وعند غيرهما بالخاء المعجمة وهو أوجه لان الرمي بحصاء أو نواة ونحوهما إما بين الابهام والسبابة وإما بين السبابتين وجزم النووي بأنه في مسلم بالمعجمة وسيأتي في رواية سفيان المشار إليها بالمهملة وقال القرطبي الرواية بالمهملة خطأ لان في نفس الخبر أنه الرمي بالحصى وهو بالمعجمة جزما قلت ولا مانع من استعمال المهملة في ذلك مجازا قوله ففقأت عينه بقاف ثم همزة ساكنه أي شققت عينه قال بن القطاع ففقأ عينه أطفأ ضوءها قوله جناح أي إثم أو مؤاخذة قوله يحيى هو القطان وحميد هو الطويل قوله ان رجلا هذا ظاهره الارسال لان حميدا لم يدرك القصة لكن بين في آخر الحديث أنه موصول وسيأتي بعد سبعة أبواب من وجه آخر عن أنس ويذكر فيه ما قيل في تسمية الرجل المذكور قوله فسدد إليه بدالين مهملتين الاولى ثقيلة قبلها سين مهملة أي صوب وزنه ومعناه والتصويب توجيه السهم إلى مرماه وكذلك التسديد ومنه البيت المشهور أعلمه الرماية كل يوم فلما اشتد ساعده رماني وقد حكي فيه الاعجام ويترجح كونه بالمهملة بإسناده إلى التعليم لانه الذي في قدرة المعلم بخلاف

[ 191 ]

الشدة بمعنى القوة فإنه لا قدرة للمعلم على اجتلابها ووقع في رواية أبي ذر عن السرخسي وفي رواية كريمة عن الكشميهني بالشين المعجمة والاول أولى فقد أخرجه أحمد عن محمد بن أبي عدي عن حميد بلفظ فأهوى إليه أي أمال إليه قوله مشقصا تقدم ضبطه وتفسيره في كتاب الاستئذان في الكلام على رواية عبيد الله بن أبي بكر بن أنس عن أنس وسياقه أتم ووقع هنا في رواية حميد مختصرا أيضا وقد أخرجه أحمد عن يحيى القطان شيخ شيخ البخاري فيه فزاد في آخره حتى أخر رأسه بتشديد الخاء المعجمة أي أخرجها من المكان الذي اطلع فيه وفاعل أخر هو الرجل ويحتمل أن يكون المشقص وأسند الفعل إليه مجازا ويحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لكونه السبب في ذلك والاول أظهر فقد أخرجه أحمد أيضا عن سهل بن يوسف عن حميد بلفظ فأخرج الرجل رأسه وعنده في رواية بن أبي عدي التي أشرت إليها فتأخر الرجل قوله فقلت من حدثك القائل هو يحيى القطان والمقول له هو حميد وجوابه بقوله أنس بن مالك يقتضي أنه سمعه منه بغير واسطة وهذا من المتون التي سمعها حميد من أنس وقد قيل انه لم يسمع منه سوى خمسة أحاديث والبقية سمعها من أصحابه عنه كثابت وقتادة فكان يدلسها فيرويها عن أنس بلا واسطة والحق أنه سمع منه أضعاف ذلك وقد أكثر البخاري من تخريج حديث حميد عن أنس بخلاف مسلم فلم يخرج منها إلا القليل لهذه العلة لكن البخاري لا يخرج من حديثه إلا ما صرح فيه بالتحديث أو ما قام مقام التصريح ولو باللزوم كما لو كان من رواية شعبة عنه فان شعبة لا يحمل عن شيوخه إلا ما عرف أنهم سمعوه من شيوخهم وقد أوضحت ذلك في ترجمة حميد في مقدمة هذا الشرح ولله الحمد قوله باب إذا مات في الزحام أو قتل كذا لابن بطال وسقط به من رواية الاكثر أورد البخاري الترجمة مورد الاستفهام ولم يجزم بالحكم كما جزم به في الذي بعد لوجود الاختلاف في هذا الحكم وذكر فيه حديث عائشة في قصة قتل اليمان والد حذيفة وقد تقدم الكلام عليه قريبا قال بن بطال اختلف علي وعمر هل تجب ديته في بيت المال أو لا وبه قال إسحاق أي بالوجوب وتوجيهه أنه مسلم مات بفعل قوم من المسلمين فوجبت ديته في بيت مال المسلمين قلت ولعل حجته ما ورد في بعض طرقه قصة حذيفة وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة أن والد حذيفة قتل يوم أحد بعض المسلمين وهو يظن أنه من المشركين فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجاله ثقات مع إرساله وقد تقدم له شاهد مرسل أيضا في باب العفو عن الخطأ وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال وفي المسألة مذاهب أخرى منها قول الحسن البصري إن ديته تجب على جميع من حضر وهو أخص من الذي قبله وتوجيهه أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم ومنها قول الشافعي ومن تبعه أنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف فان حلفت استحقيت الدية وان نكلت حلف المدعي عليه على النفي وسقطت المطالبة وتوجيهه أن الدم لا يجب إلا بالطلب ومنها قول مالك دمه هدر وتوجيهه انه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد وقد تقدمت الاشارة إلى الراجح من هذه المذاهب في باب العفو عن الخطأ قوله قال هشام أخبرنا من تقديم اسم الراوي على الصيغة وهو جائز وهشام المذكور هو بن عروة بن الزبير قوله فنظر حذيفة فإذا هو بأبيه

[ 192 ]

اليمان تقدم شرح قصته في غزوة أحد وقوله قال عروة هو موصول بالسند المذكور وقوله فما زالت في حذيفة منه أي من ذلك الفعل وهو العفو ومن سببية وتقدم القول فيه أيضا قوله باب إذا قتل نفسه خطأ فلا دية له قال الاسماعيلي قلت ولا إذا قتلها عمدا يعني أنه لا مفهوم لقوله خطا والذي يظهر أن البخاري انما قيد بالخطأ لانه محل الخلاف قال بن بطال قال الاوزاعي وأحمد وإسحاق تجب ديته على عاقلته فان عاش فهي له عليهم وان مات فهي لورثته وقال الجمهور لا يجب في ذلك شئ وقصة عامر هذه حجة لهم إذ لم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم أوجب في هذه القصة له شيئا ولو وجب لبينها إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة وقد أجمعوا على أنه لو قطع طرفا من أطرافه عمدا أو خطأ لا يجب فيه شيئا قوله عن سلمة هو بن الاكوع قوله من هنياتك بضم أوله وتشديد التحتانية بعد النون ووقع في رواية المستملي بحذف التحتانية وقد تقدم ضبطه في كتاب المغازي وعامر هو بن الاكوع فهو أخو سلمة وقيل عمه قال بن بطال لم يذكر في هذه الطريق صفة قتل عامر نفسه وقد تقدم بيانه في كتاب الادب ففيه وكان سيف عامر قصيرا فتناول به يهوديا ليضربه فزجع ذبابه فأصاب ركبته قلت ونقل بعض الشراح عن الاسماعيلي أنه قال ليس في رواية مكي شيخ البخاري أنه ارتد عليه سيفه فقتله والباب مترجم بمن قتل نفسه وظن أن الاسماعيلي تعقب ذلك على البخاري وليس كما أظن وانما ساق الحديث بلفظ فارتد عليه سيفه ثم نبه على أن هذه اللفظة لم تقع في رواية البخاري هنا فأشار إلى أنه عدل هنا عن رواية مكي بن إبراهيم لهذه النكتة فيكون أولى لوضوحه ويجاب بأن البخاري يعتمد هذه الطريق كثيرا فيترجم بالحكم ويكون قد أورد ما يدل عليه صريحا في مكان آخر فلا يحب أن يعيده فيورده من طريق أخرى ليس فيها دلالة أصلا أو فيها دلالة خفية كل ذلك للفرار من التكرار لغير فائدة وليبعث الناظر فيه على تتبع الطرق والاستكثار منها ليتمكن من الاستنباط ومن الجزم بأحد المحتملين مثلا وقد عرف بالاستقراء من صنيع البخاري فلا معنى للاعتراض به عليه وقد ذكرت ذلك مرارا وانما انبه على ذلك إذا بعد العهد به وقد تقدم في الدعوات من وجه آخر عن يزيد بن أبي عبيد شيخ مكي بلفظ فيه فلما تصاف القوم أصيب عامر بقائمة سيفه فمات وقد اعترض عليه الكرماني فقال قوله في الترجمة فلا دية له لا وجه له هنا وانما موضعه اللائق به الترجمة السابقة إذا مات في الزحام فلا دية له على المزاحمين لظهور أن قاتل نفسه لا دية له قال ولعله من تصرف النقلة بالتقديم والتأخير من نسخة الاصل ثم قال وقال الظاهرية دية من قتل نفسه على عاقلته فلعل البخاري أراد رد هذا القول قلت نعم أراد البخاري رد هذا القول لكن على قائله قبل الظاهرية وهو الاوزاعي كما قدمته وما أظن مذهب الظاهرية اشتهى عند تصنيف البخاري كتابه فإنه صنف كتابه في حدود العشرين ومائتين وكان داود بن علي الاصبهاني رأسهم في ذلك الوقت طالبا وكان سمه يومئذ دون العشرين وأما قول الكرماني بأن قول البخاري فلا دية له يليق بترجمة من مات في الزحام فهو صحيح لكنه في ترحمة من قتل نفسه أليق لان الخلاف فيمن مات في الزحام قوي فمن ثم لم يجزم في الترجمة بنفي الدية بخلاف من قتل نفسه فان الخلاف فيه ضعيف فجزم فيه بالنفي وهو من محاسن تصرف البخاري فظهر أن النقلة لم يخالفوا تصرفه وبالله التوفيق قوله وأي قتل يزيده عليه في رواية المستملي وكذا في رواية النسفي وأي قتيل

[ 193 ]

وصوبها بن بطال وكذا عياض وليست الرواية الاخرى خطأ محضا بل يمكن ردها إلى معنى الاخرى والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب إذا عض يد رجلا فوقعت ثناياه أي هل يلزمه فيه شئ أولا ذكر فيه حديثين الاول قوله عن زرارة بضم الزاي المعجمة ثم مهملتين الاولى خفيفة بينهما ألف بغير همز هو العامري ووقع عند الاسماعيلي في رواية علي بن الجعد عن شعبة أخبرني قتادة أنه سمع زرارة قوله أن رجلا عض يد رجل في رواية محمد بن جعفر عن شعبة عند مسلم بهذا السند عن عمران قال قاتل يعلى بن أمية رجلا فعض أحدهما صاحبه الحديث قال شعبة وعن قتادة عن عطاء وهو بن أبي رباح عن أبي يعلى يعني صفوان عن يعلى بن أمية قال مثله وكذا أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة بهذا السند فقال في روايته بمثل الذي قبله يعني حديث عمران بن حصين قلت ولشعبة فيه سند آخر إلى يعلى أخرجه النسائي من طريق بن أبي عدي وعبيد بن عقيل كلاهما عن شعبة عن الحكم عن مجاهد عن يعلى ووقع في رواية عبيد بن عقيل أن رجلا من بني تميم قاتل رجلا فعض يد ويستفاد من هذه الرواية تعيين أحد الرجلين المبهمين وأنه يعلى بن أمية وقد روى يعلى هذه القصة وهي الحديث الثاني في الباب فبين في بعض طرقه أن أحدهما كان أجيرا له ولفظه في الجهاد غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه فأستجرت أجيرا فقاتل رجلا فعض أحدهما الآخر فعرف أن الرجلين المبهمين يعلى وأجيره وأن يعلى أبهم نفسه لكن عينه عمران بن حصين ولم أقف على تسمية أجيره وأما تمييز العاض من المعضوض فوقع بيانه في غزوة تبوك من المغازي من طريق محمد بن بكر عن أبن جريج في حديث يعلى قال عطاء فلقد أخبرني صفوان بن يعلى أيهما عض الآخر فنسيته فظن أنه مستمر على الابهام ولكن وقع عند مسلم والنسائي من طريق بديل بن ميسرة عن عطاء بلفظ ان أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه وأخرجه النسائي أيضا عن إسحاق بن إبراهيم عن سفيان بلفظ فقاتل أجيري رجلا فعضه الآخر ويؤيده ما أخرجه النسائي من طريق سفيان بن عبد الله عن عميه سلمة بن أمية ويعلى بن أمية قالا خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك ومعنا صاحب لنا فقاتلا رجلا من المسلمين فعض الرجل ذراعه ويؤيده أيضا رواية عبيد بن عقيل التي ذكرتها من عند النسائي بلفظ أن رجلا من بني تميم عض فان يعلى تميمي وأما أجيره فإنه لم يقع التصريح بأنه تميمي وأخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن مسلم الزهري عن صفوان بن يعلى عن أبيه نحو رواية سلمة ولفظه فقاتل رجلا فعض الرجل ذراعه فأوجعه وعرف بهذا أن العاض هو يعلى بن أمية ولعل هذا هو السر في إبهامه نفسه وقد أنكر القرطبي أن يكون يعلى هو العاض فقال يظهر من هذه الرواية أن يعلى هو الذي قاتل الاجير وفي الرواية الاخرى أن أجيرا ليعلى عض يد رجل وهذا هو الاول والاليق إذ لا يليق ذلك الفعل بيعلى مع جلالته وفضله قلت لم يقع في شئ من الطريق أن الاجير هو العاض وانما التبس عليه ان في بعض طرقه عند مسلم كما بينته ان أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه فجوز أن يكون العاض غير يعلى وأما استبعاد أن يقع ذلك من يعلى مع جلالته فلا معنى له مع ثبوت التصريح به في الخبر الصحيح فيحتمل أن يكون ذلك صدر منه في أوائل إسلامه فلا استبعاد وقال النووي وأما قوله يعني في الرواية الاولى أن يعلى هو المعضوض وفي الرواية الثانية والثالثة المعضوض هو أجير يعلى لا يعلى

[ 194 ]

فقال الحفاظ الصحيح المعروف أن المعضوض أجير يعلى لا يعلى قال ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولاجيره في وقت أو وقتين وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه ليس في رواية مسلم ولا رواية غيرها في الكتب الستة ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض لا صريحا ولا إشارة وقال شيخنا فيتعين على هذا أن يعلى هو العاض والله أعلم قلت وانما تردد عياض وغيره في العاض هل هو يعلى أو آخر أجنبي كما قدمته من كلام القرطبي والله أعلم قوله فنزع يده من فيه وكذا في حديث يعلى الماضي في الجهاد في رواية الكشميهني من فمه وفي رواية هشام عن عروة عند مسلم عض ذراع رجل فجذبه وفي حديث يعلى الماضي في الاجارة فعض إصبع صاحبه فانتزع إصبعه وفي الجمع بين الذراع والاصبع عسر ويبعد الحمل على تعدد القصص لاتحاد المخرج لان مدارها على عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه فوقع في رواية إسماعيل بن علية عن بن جريج عنه إصبعه وهذه في البخاري ولم يسق مسلم لفظها وفي رواية بديل بن ميسرة عن عطاء عند مسلم وكذا في رواية الزهري عن صفوان عند النسائي ذراعه ووافقه سفيان بن عيينة عن بن جريج في رواية إسحاق بن راهويه عنه فالذي يترجح الذراع وقد وقع أيضا في حديث سلمة بن أمية عند النسائي مثل ذلك وانفرد بن علية عن بن جريج بلفظ الاصبع فلا يقاوم هذه الروايات المتعاضدة على الذراع والله أعلم قوله فوقعت ثنيتاه كذا للاكثر بالتثنية وللكشميهني ثناياه بصيغة الجمع وفي رواية هشام المذكورة فسقطت ثنيته بالافراد وكذا له في رواية بن سيرين عن عمران وكذا في رواية سلمة بن أمية بلفظ فجذب صاحبه يده فطرح ثنيته وقد تترجح رواية التثنية لانه يمكن حمل الرواية التي بصيغة الجمع عليها على رأي من يجيز في الاثنين صيغة الجمع ورد الرواية التي بالافراد إليها على إرادة الجنس لكن وقع في رواية محمد بن بكر فانتزع إحدى ثنيتيه فهذه أصرح في الوحدة وقوله من يقول في هذا بالحمل على التعدد بعيد أيضا لاتحاد المخرج ووقع في رواية الاسماعيلي فنذرت ثنيتي قوله فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم كذا في هذا الموضع والمراد يعلى وأجيرهم ومن انضم إليهما ممن يلوذ بهما أو بأحدهما وفي رواية هشام فرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية بن سيرين فاستعدى عليه وفي حديث يعلى فأنطلق هذه رواية بن علية وفي رواية سفيان فأتى وفي رواية محمد بن بكر عن بن جريج في المغازي فأتيا قوله فقال يعض بفتح أوله والعين المهملة بعدها ضاد معجمة ثقيلة وفي رواية مسلم يعمد أحدكم إلى أخيه فيعضه واصل عض عضض بكسر الاولى يعضض بفتحها فأدغمت قوله كما يعض الفحل وفي حديث سلمة كعضاض الفحل أي الذكر من الابل ويطلق على غيره من ذكور الدواب ووقع في الرواية التي في الجهاد وكذا في حديث هشام ويقضمها بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على الافصح كما يقضم الفحل من القضم وهو الاكل بأطراف الاسنان والخضم بالخاء المعجمة بدل القاف الاكل بأقصاها وبأدنى الاضراس ويطلق على الدق والكسر ولا يكون إلا في الشئ الصلب حكاه صاحب الراعي في اللغة قوله لا دية له في رواية الكشميهني لا دية لك ووقع في رواية هشام فابطله وقال أردت أن تأكل لحمه وفي حديث سلمة ثم تأتي تلتمس العقل لا عقل لها فابطلها وفي رواية بن سيرين فقال ما تأمرني أتأمرني أن آمره أن يدع يديه في فيك تقضمها قضم الفحل إدفع يدك حتى يقضمها ثم أنزعها كذا لمسلم وعند أبي نعيم

[ 195 ]

في المستخرج من الوجه الذي أخرجه مسلم وهي رواية الاسماعيلي الحديث الثاني قوله حدثنا أبو عاصم عن بن جريج كذا وقع هنا بعلو درجة وتقدم له في الاجازة والجهاد والمغازي من طريق بن جريج بنزول لكن سياقه فيها أتم مما هنا قوله عن عطاء هو بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى وفي رواية بن علية في الاجارة أخبرني عطاء وفي رواية محمد بن أبي بكر في المغازي سمعت عطاء أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية وكذا لمسلم من طريق أبي أسامة عن بن جريج قوله عن أبيه في رواية بن علية عن يعلى بن أمية وفي رواية حجاج بن محمد عند أبي نعيم في المستخرج أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أنه سمع يعلى وأخرجه مسلم من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن بن يعلى عن أبيه ومن طريق همام عن عطاء كذلك وهى عند البخاري في الحج مختصرة مضمومة إلى حديث الذي سأل عن العمرة ومن طريق هشام الدستوائي عن قتادة وفيها مخالفة لرواية شعبة من وجهين أحدهما أنه دخل بين قتادة وعطاء بديل بن ميسرة والآخر أنه أرسله ولفظه عن صفوان بن يعلى أن أجيرا ليعلى بن أمية عض رجل ذراعه وقد اعترض الدارقطني على مسلم في تخريجه هذه الطريق وتخريجه طريق محمد بن سرين عن عمران وهو لم يسمع منه وأجاب النووي بما حاصله ان المتابعات يغتفر فيها ما لا يغتفر في الاصول وهو كما قال ومنية التي نسب إليها يعلى هنا هي أمه وقيل جدته والاول المعتمد وأبوه كما تقدم في الروايات أمية بن أبي عبيد بن همام بن الحارث التميمي الحنظلي أسلم يوم الفتح وشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم ما بعدها كحنين والطائف وتبوك ومنية أمه بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية هي بنت جابر عمة عتبة بن غزوان وقيل أخته وذكر عياض أن بعض رواة مسلم صحفها وقال منبه بفتح النون وتشديد الموحدة وهو تصحيف أغرب بن وضاح فقال منيه بسكون النون أمه وبفتحها ثم موحدة أبوه ولم يوافقه أحد على ذلك قوله خرجت في غزوة في رواية الكشميهني في عزاة وثبت في رواية سفيان أنها غزوة تبوك ومثله في رواية بن علية بلفظ جيش العسرة وبه جزم غير واحد من الشراح وتعقبه بعض من لقيناه بأن في باب من أحرم جاهلا وعليه قميص من كتاب الحج في البخاري من حديث يعلى كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم فأتاه رجل عليه جبة بها أثر صفرة فذكر الحديث وفيه فقال اصنع في عمرتك ما تصنع في حجتك وعض رجل يد رجل فانتزع ثنيته فأبطله النبي صلى الله عليه وسلم فهذا يقتضي أن يكون ذلك في سفر كان فيه الاحرام بالعمرة قلت وليس ذلك صريحا في هذا الحديث بل هو محمول على أن الراوي سمع الحديثين فأوردهما معا عاطفا لاحدهما على الآخر بالواو التي لا تقتضي الترتيب وعجيب ممن يتكلم عن الحديث فيرد ما فيه صريحا بالامر المحتمل وما سبب ذلك إلا إيثار الراحة بترك تتبع طرق الحديث فانها طريق توصل إلى الوقوف على المراد غالبا قوله فعض رجل فانتزع ثنيته كذا وقع عنده هنا بهذا الاختصار المجحف وقد بينه الاسماعيلي من طريق يحيى القطان عن بن جريج ولفظه قاتل رجل آخر فعض يده فانتزع يده فانتدرت ثنيته وقد بينت اختلاف طرقه في الذي قبله وقد أخذ بظاهر هذه القصة الجمهور فقالوا لا يلزم المعضوض قصاص ولا دية لانه في حكم الصائل واحتجوا أيضا بالاجماع بأن من شهر على آخر سلاحا ليقتله

[ 196 ]

فدفع عن نفسه فقتل الشاهر أنه لا شئ عليه فكذا لا يضمن سنه بدفعه إياه عنها قالوا ولو جرحه المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شئ وشرط الاهدار أن يتألم المعضوض وأن لا يمكنه تخليص يده بغير ذلك من ضرب في شدقيه أو فك لحيته ليرسلها ومهما أمكن التخليص بدون ذلك فعدل عنه إلى الاثقل لم يهدر وعند الشافعية وجه آخر أنه يهدر على الاطلاق ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن وعن مالك روايتان أشهرهما يجب الضمان وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الانذار شدة العض لا النزع فيكون سقوط ثنية العاض بفعله المعضوض إذ لو كان من فعل صاحب اليد لامكنه أن يخلص يده من غير قلع ولا يجوز الدفع بالاثقل مع إمكان الاخف وقال بعض المالكية العاض قصد العضو نفسه والذي استحق في اتلاف ذلك العضو غير ما فعل به فوجب أن يكون كل منهما ضامنا ما جناه على الآخر كمن قلع عين رجل فقطع الآخر يده وتعقب بأنه قياس في مقابل النص فهو فاسد وقال بعضهم لعل أسنانه كانت تتحرك فسقطت عقب النزع وسياق هذا الحديث يدفع هنا الاحتمال وتمسك بعضهم بأنها واقعة عين ولا عموم لها وتعقب بأن البخاري أخرج في الاجارة عقب حديث يعلى هذا من طريق أبي بكر الصديق رضى الله عنه أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي صلى الله عليه وسلم وقضى فيه بمثله وما تقدم من التقيد ليس في حديث وإنما أخذ من القواعد الكلية وكذا إلحاق عضو آخر غير الفم به فان النص إنما ورد في صورة مخصوصة نبه على ذلك بن دقيق العيد وقد قال يحيى بن عمر لو بلغ مالكا هذا الحديث لما خالفه وكذا قال بن بطال لم يقع هذا الحديث لمالك والا لما خالفه وقال الداودي لم يروه مالك لانه من رواية أهل العراق وقال أبو عبد الملك كأنه لم يصح الحديث عنده لانه أتى من قبل المشرق قلت وهو مسلم في حديث عمران وأما طريق يعلى بن أمية فرواها أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط الضمان وقال وضمنه الشافعي وهو مشهور مذهب مالك وتعقب بأن المعروف عن الشافعي أنه لا ضمان وكأنه انعكس على القرطبي تنبيه لم يتكلم النووي على ما وقع في رواية بن سرين عن عمران فان مقتضاها إجراء القصاص في العضة وسيأتي البحث فيه مع القصاص في اللطمة بعد بابين وقد يقال إن العض هنا انما أذن فيه للتوصل إلى القصاص في قلع السن لكن الجواب السديد في هذا أنه استفهمه استفهام إنكار لا تقرير شرع هذا الذي يظهر لي والله أعلم وفي هذه القصة من الفوائد التحذير من الغضب وأن من وقع له ينبغي له أن يكظمه ما استطاع لانه أدى إلى سقوط ثنية الغضبان لان يعلى غضب من اجيره فضربه فرفع الاجير عن نفسه فعضه يعلى فنزع يده فسقطت ثنية العاض ولولا الاسترسال مع العض لسلم من ذلك وفيه استئجار الحر للخدمة وكفاية مؤنة العمل في الغزو لا ليقاتل عنه كما تقدم تقريره في الجهاد وفيه رفع الجناية إلى الحاكم من أجل الفصل وأن المرء لا يقتص لنفسه وأن المعتدي بالجناية يسقط ما ثبت له قبلها من جناية إذا ترتبت الثانية على الاولى وفيه جواز تشبيه فعل الآدمي بفعل البهيمة إذا وقع في مقام التنفير عن مثل ذلك الفعل وقد حكى الكرماني أنه رأى من صحف قوله كما يقضم الفجل بالجيم بدل الحاء المهملة وحمله على البقل المعروف وهو تصحيف قبيح وفيه دفع الصائل وأنه إذا لم يمكن الخلاص منه إلا بجناية على نفسه أو على بعض أعضائه ففعل

[ 197 ]

به ذلك كان هدرا وللعلماء في ذلك اختلاف وتفصيل معروف وفيه أن من وقع له أمر يأنفه أو يحتشم من نسبته إليه إذا حكاه كنى عن نفسه بأن يقول فعل رجل أو انسان أو نحو ذلك كذا وكذا كما وقع ليعلى في هذه القصة وكما وقع لعائشة حيث قالت قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم امرأة من نسائه فقال لها عروة هل هي إلا أنت فتبسمت قوله باب السن بالسن قال بن بطال اجمعوا على قلع السن بالسن في العمد واختلفوا في سائر عظام الجسد فقال مالك فيها القود إلا ما كان مجوفا أو كان كالمأمومة والمنقلة والهاشمة ففيها الدية واحتج بالآية ووجه الدلالة منها أن شرع من قبلنا شرع لنا إذا ورد على لسان نبينا بغير إنكار وقد دل قوله السن بالسن وعلى إجراء القصاص في العظم لان السن عظم إلا ما أجمعوا على أن لا قصاص فيه إما لخوف ذهاب النفس وإما لعدم الاقتدار على المماثلة فيه وقال الشافعي والليث والحنفية لا قصاص في العظم غير السن لان دون العظم حائلا من جلد ولحم وعصب يتعذر معه المماثلة فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص ولكنه لا يصل إلى العظم حتى ينال ما دونه مما لا يعرف قدره وقال الطحاوي اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس فليلتحق بها سائر العظام وتعقب بأنه قياس مع وجود النص فان في حديث الباب أنها كسرت الثنية فأمرت بالقصاص مع أن الكسر لا تطرد فيه المماثلة قوله حدثنا الانصاري هو محمد بن عبد الله وسماه البخاري في روايته عنه هذا الحديث في تفسير سورة البقرة قوله عن حميد عن أنس في رواية التفسير حدثنا حميد أن أنسا حدثه قوله أن ابنة النضر تقدم في التفسير بهذا السند عن أنس أن الربيع بضم أوله والتشديد عمته وفي تفسير المائدة من رواية الفزاري عن حميد عن أنس كسرت الربيع عمة أنس ولابي داود من طريق معتمر عن حميد عن أنس كسرت الربيع أخت أنس بن النضر قوله لطمت جارية فكسرت ثنيتها وفي رواية الفزاري جارية من الانصار وفي رواية معتمر امرأة بدل جارية وهو يوضح أن المراد بالجارية المرأة الشابة لا الامة الرقيقة قوله فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم زاد في الصلح ومثله لابن ماجة والنسائي من وجه آخر عن أنس فطلبوا إليهم العفو فأبوا فعرضوا عليهم الارش فأبوا أي طلب أهل الربيع إلى أهل التي كسرت ثنيتها أن يعفو عن الكسر المذكور مجانا أو على مال فامتنعوا زاد في الصلح فأبوا الا القصاص وفي رواية الفزاري فطلب القوم القصاص فاتوا النبي صلى الله عليه وسلم قوله فأمر بالقصاص زاد في الصلح فقال أنس بن النضر إلى آخر ما حكيته قريبا في باب القصاص بين الرجال والنساء وقوله فيه فرضي القوم وعفوا ووقع في رواية الفزاري فرضي القوم فقبلوا الارش وفي رواية معتمر فرضوا بأرش أخذوه وفي رواية مروان بن معاوية عن حميد عند الاسماعيلي فرضي أهل المرأة بأرش أخذوه فعفوا فعرف أن قوله فعفوا أي على الدية زاد معتمر فعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال إن من عباد الله من لو أقسم على الله لابره أي لابر قسمه ووقع في رواية خالد الطحان عن حميد عن أنس في هذا الحديث عند بن أبي عاصم كم من رجل لو أقسم على الله لابره ووجه تعجبه أن أنس بن النضر أقسم على نفي فعل غيره مع إصرار ذلك الغير على إيقاع ذلك الفعل فكان قضية ذلك في العادة أن يحنث في يمينه فألهم الله الغير العفو فبر قسم أنس وأشار بقوله ان من عباد الله إلى أن هذا الاتفاق انما وقع

[ 198 ]

إكراما من الله لانس ليبر يمينه وأنه من جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم ويعطيهم أربهم واختلف في ضبط قوله صلى الله عليه وسلم كتاب الله القصاص فالمشهور أنهما مرفوعان على أنهما مبتدأ وخبر وقيل منصوبان على أنه مما وضع فيه المصدر موضع الفعل أي كتب الله القصاص أو على الاغراء والقصاص بدل منه فينصب أو ينصب بفعل محذوف ويجوز رفعه بأن يكون خبر مبتدأ محذوف واختلف أيضا في المعنى فقيل المراد حكم كتاب الله القصاص فهو على تقدير حذف مضاف وقيل المراد بالكتاب الحكم أي حكم الله القصاص وقيل أشار إلى قوله والجروح قصاص فعاقبوا وقيل إلى قوله فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به وقيل إلى قوله والسن بالسن في قوله وكتبنا عليهم فيها بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما يرفعه وقد استشكل إنكار أنس بن النضر كسر سن الربيع مع سماعه من النبي صلى الله عليه وسلم الامر بالقصاص ثم قال أتكسر سن الربيع ثم أقسم أنها لا تكسر وأجيب بأنه أشار بذلك إلى التأكيد على النبي صلى الله عليه وسلم في طلب الشفاعة إليهم أن يعفوا عنها وقيل كان حلفه قبل أن يعلم أن القصاص حتم فظن أنه على التخيير بينه وبين الدية أو العفو وقيل لم يرد الانكار المحض والرد بل قاله توقعا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا حتى يعفوا أو يقبلوا الارش وبهذا جزم الطيبي فقال لم يقله ردا للحكم بل نفي وقوعه لما كان له عند الله من اللطف به في أموره والثقة بفضله أن لا يخيبه فيما حلف به ولا يخيب ظنه فيما أراده بأن يلهمهم العفو وقد وقع الامر على ما أراد وفيه جواز الحلف فيما يظن وقوعه والثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة بذلك عليه واستحباب العفو عن القصاص والشفاعة في العفو وأن الخيرة في القصاص أو الدية للمستحق على المستحق عليه واثبات القصاص بين النساء في الجرحات وفي الاسنان وفيه الصلح على الدية وجريان القصاص في كسر السن ومحله فيما إذا أمكن التماثل بأن يكون المكسور مضبوطا فيبرد من سن الجاني ما يقابله بالمبرد مثلا قال أبو داود في السنن قلت لاحمد كيف فقال يبرد ومنهم من حمل الكسر في هذا الحديث على القلع وهو بعيد من هذا السياق قوله دية الاصابع أي هل مستوية أو مختلفة قوله عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هذه وهذه سواء يعني الخنصر والابهام في رواية النسائي من طريق يزيد بن زريع عن شعبة الابهام والخنصر وحذف لفظة يعني وزاد في رواية عنه عشر عشر ولعلي بن الجعد عن شعبة عن الاسماعيلي وأشار إلى الخنصر والابهام وللاسماعيلي من طريق عاصم بن علي عن شعبة ديتهما سواء ولابي داود من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن شعبة الاصابع والاسنان سواء الثنية والضرس سواء ولابي داود والترمذي من طريق يزيد النحوي عن عكرمة بلفظ الاسنان والاصابع سواء وفي لفظ أصابع اليدين والرجلين سواء وأخرج بن أبي عاصم من رواية يحيى القطان عن شعبة عن قتادة عن سعيد بن المسيب قال بعثه مروان إلى بن عباس يسأله عن الاصابع فقال قضى النبي صلى الله عليه وسلم في اليد خمسين وكل إصبع عشر وكذا في كتاب عمرو بن حزم عند مالك في الاصابع عشر عشر وسأذكر سنده ولابن ماجة من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه الاصابع سواء كلهن فيه عشر عشر من الابل وفرقه أبو داود حديثين وسنده جيد قوله سمعت

[ 199 ]

النبي صلى الله عليه وسلم نحوه نزل المصنف في هذا السند درجة من أجل وقوع التصريح فيه بالسماع وأما قوله نحوه فقد أخرجه بن ماجة والاسماعيلي من رواية بن أبي عدي المذكور بلفظ الاصابع سواء وأخرجاه من رواية بن أبي عدي أيضا لكن مقرونا به غندر والقطان بلفظ الرواية الاولى ولكن بتقديم الابهام على الخنصر قال الترمذي العمل على هذا عند أهل العلم وبه يقول الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق قلت وبه قال جميع فقهاء الامصار وكان فيه خلاف قديم فأخرج بن أبي شيبة من رواية سعيد بن المسيب عن عمر في الابهام خمسة عشر وفي السبابة والوسطى عشر عشر وفي البنصر تسع وفي الخنصر ست ومثله عن مجاهد وفي جامع الثوري عن عمر نحوه وزاد قال سعيد بن المسيب حتى وجد عمر في كتاب الديات لعمرو بن حزم في كل إصبع عشر فرجع إليه قلت وكتاب عمرو بن حزم أخرجه مالك في الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه أن في الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن حزم في العقول أن في العشرة مائة من الابل وفيه وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي كل إصبع مما هناك هنالك عشر من الابل ووصله أبو داود في المراسيل والنسائي من وجه آخر عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده مطولا وصححه بن حبان وأعله أبو داود والنسائي وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن هشام بن عروة عن أبيه في الابهام والتي تليها نصف دية اليد وفي كل واحدة عشر وأخرج بن أبي شيبة عن مجاهد نحو أثر عمر إلا أنه قال في البنصر ثمان وفي الخنصر سبع ومن طريق الشعبي كنت عند شريح فجاءه رجل فسأله فقال في كل إصبع عشر فقال سبحان الله هذه وهذه سواء الابهام والخنصر قال ويحك إن السنة منعت القياس اتبع ولا تبتدع وأخرجه بن المنذر وسنده صحيح وأخرج مالك في الموطأ أن مروان بعث أبا غطفان المزني إلى بن عباس ماذا في الضرس فقال خمس من الابل قال فردني إليه أتجعل مقدم الفم مثل الاضراس فقال لو لم تعتبر ذلك إلا في الاصابع عقلها سواء وهذا يقتضي ان لا خلاف عند بن عباس ومروان في الاصابع والا لكان في القياس المذكور نظر قال الخطابي هذا أصل في كل جناية لا تضبط كميتها فإذا فاق ضبطها من جهة المعنى واعتبرت من حيث الاسم فتتساوى ديتها وان اختلف حالها ومنفعتها ومبلغ فعلها فان للابهام من القوة ما ليس للخنصر ومع ذلك فديتهما سواء ومثله في الجنين غرة سواء كان ذكرا أو أنثى وكذا القول في الواضح ديتها سواء ولو اختلفت في المساحة وكذلك الاسنان نفع بعضها أقوى من بعض وديتها سواء نظرا للاسم فقط و ما أخرجه مالك في الموطأ عن ربيعة سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة قال عشر قلت ففي إصبعين قال عشرون قلت ففي ثلاث قال ثلاثون قلت ففي أربع قال عشرون قلت حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص عقلها قال يا بن أخي هي السنة فانما قال ذلك لان دية المرأة نصف دية الرجل لكنها عنده تساويه فيما كان قدر ثلث الدية فما دونه فإذا زاد على ذلك رجعت إلى حكم النصف قوله باب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب كذا للاكثر وفي رواية يعاقبون بصيغة الجمع وفي أخرى بحذف النون وهي لغة ضعيفة وقوله أم يقتص منهم كلهم أي إذا قتل أو جرح جماعة شخصا واحدا هل يجب القصاص على الجميع أو يتعين واحد ليقتص منه ويؤخذ من الباقين الدية فالمراد بالمعاقبة هنا المكافأة وكأن

[ 200 ]

المصنف أشار إلى قول بن سيرين فيمن قتله اثنان يقتل أحدهما ويؤخذ من الآخر الدية فان كانوا أكثر وزعت عليهم بقية الدية كما لو قتله عشرة فقتل واحد أخذ من التسعة تسع الدية وعن الشعبي يقتل الولي من شاء منهما أو منهم ان كانوا أكثر من واحد ويعفو عمن بقي وعن بعض السلف يسقط القود ويتعين الدية حكي عن ربيعة وأهل الظاهر وقال بن بطال جاء عن معاوية وابن الزبير والزهري مثل قول بن سيرين وحجة الجمهور أن النفس لا تتبعض فلا يكون زهوقها بفعل بعض دون بعض وكان كل منهم قاتلا ومثله لو اشتركوا في رفع حجر على رجل فقتله كان كل واحد منهم رفع بخلاف ما لو اشتركوا في أكل رغيف فان الرغيف يتبعض حسا ومعنى قوله وقال مطرف عن الشعبي في رجلين شهدا على رجل الخ وصله الشافعي عن سفيان بن عيينة عن مطرف بن طريف عن الشعبي ان رجلين أتيا عليا فشهدا على رجل أنه سرق فقطع يده ثم أتياه بآخر فقالا هذا الذي سرق وأخطأنا على الاول فلم يجز شهادتهما على الآخر وأغرمهما دية الاول وقال لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما ولم أقف على الشاهدين ولا على اسم الشهود عليهما وعرف بقوله ولم يجز شهادتيهما على الآخر المراد بقوله في رواية البخاري فأبطل شهادتهما ففيه تعقب على من حمل الابطال على شهادتهما معا الاولى لاقرارهما فيها بالخطأ والثانية لكونهما صارا متهمين ووجه التعقب أن اللفظ وان كان محتملا لكن الرواية الاخرى عينت أحد الاحتمالين قوله وقال لي بن بشار هو محمد المعروف ببندار ويحيى هو القطان وعبيد الله هو بن عمر العمري قوله أن غلاما قتل غيلة بكسر الغين المعجمة أي سرا فقال عمر لو اشترك فيها في رواية الكشميهني فيه وهو أوجه والتأنيث على إرادة النفس وهذا الاثر موصول إلى عمر بأصح إسناد وقد أخرجه بن أبي شيبة عن عبد الله بن نمير عن يحيى القطان من وجه آخر عن نافع ولفظه أن عمر قتل سبعة من أهل صنعاء برجل الخ وأخرجه الموطأ بسند آخر قال عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة وقال لو تمالا عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعا ورواية نافع أوصل وأوضح وقوله تمالا بهمزة مفتوحة بعد اللام ومعناه توافق والاثر مع ذلك مختصر من الذي بعده قوله وقال مغيرة بن حكيم عن أبيه الخ هو مختصر من الاثر الذي وصله بن وهب ومن طريقه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي قال بن وهب حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه أن امرأة بصنعاء غاب عنها زوجها وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما يقال له أصيل فأتخذت المرأة بعد زوجها خليلا فقالت له ان هذا الغلام يفضحنا فاقتله فأبى فامتنعت منه فطاوعها فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر والمرأة وخادمها فقتلوه ثم قطعوه أعضاء وجعلوه في عيبة بفتح المهملة وسكون التحتانية ثم موحدة مفتوحة هي وعاء من ادم فطرحوه في ركية بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية هي البئر التي لم تطو في ناحية القرية ليس فيها ماء فذكر القصة وفيه فأخذ خليلها فاعترف ثم اعترف الباقون فكتب يعلى وهو يومئذ أمير بشأنهم إلى عمر فكتب إليه عمر يقتلهم جميعا وقال والله لو أن أهل صنعاء اشتركوا في قتله لقتلتهم أجمعين وأخرجه أبو الشيخ في كتاب الترهيب من وجه آخر عن جرير بن حازم وفيه فكتب يعلى بن أمية عامل عمر على اليمن إلى عمر فكتب إليه نحوه وفي أثر بن عمر هذا تعقب على بن عبد البر في قوله

[ 201 ]

لم يقل فيه انه قتل غيلة الا مالك وروينا نحو هذه القصة من وجه آخر عند الدارقطني وفي فوائد أبي الحسن بن زنجويه بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله بن عمير من بني قيس بن ثعلبة قال كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام فلما قدم وجد مع وليدته سبعة رجال يشربون فأخذوه فقتلوه فذكر القصة في اعترافهم وكتاب الامير إلى عمر وفي جوابه أن اضرب أعناقهم واقتلها معهم فلو أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم وهذه القصة غير الاولى وسنده جيد فقد تكرر ذلك عن عمر ولم أقف على اسم واحد ممن ذكر فيها الا اسم الغلام في رواية بن وهب وحكيم والد المغيرة صنعاني لا أعرف حاله ولا اسم والده وقد ذكره بن حبان في ثقات التابعين قوله وأقاد أبو بكر وابن الزبير وعلي وسويد بن مقرن من لطمة وأقاد عمر من ضربة بالدرة وأقاد على من ثلاثة أسواط واقتص شريح من سوط وخموش أما أثر أبي بكر وهو الصديق فوصله بن أبي شيبة من طريق يحيى بن الحصين سمعت طارق بن شهاب يقول لطم أبو بكر يوما رجلا لطمه فقيل ما رأينا كاليوم قط هنعة ولطمة فقال أبو بكر ان هذا أتاني ليستحملني فحملته فإذا هو يتبعهم فحلفت أن لا أحمله ثلاث مرات ثم قال له اقتص فعفا الرجل وأما أثر بن الزبير فوصله بن أبي شيبة ومسدد جميعا عن سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار أن بن الزبير أقاد من لطمة وأما أثر علي الاول فأخرجه بن أبن شيبة من طريق ناجية أبي الحسن عن أبيه أن عليا أتى في رجل لطم رجلا فقال للملطوم اقتص وأما أثر سويد بن مقرن فوصله بن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه وأما أثر عمر فأخرجه في الموطأ عن عاصم بن عبيد الله عن عمر منقطعا ووصله عبد الرزاق عن مالك عن عاصم عن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال كنت مع عمر بطريق مكة فبال تحت شجرة فناداه رجل فضربه بالدرة فقال عجلت علي فأعطاه المخفقة وقال اقتص فأبى فقال لتفعلن قال فاني أغفرها وأما أثر علي الثاني فأخرجه بن أبي شيبة وسعيد بن منصور من طريق فضيل بن عمرو عن عبد الله بن معقل بكسر القاف قال كنت عند علي فجاءه رجل فساره فقال يا قنبر اخرج فاجلد هذا فجاء المجلود فقال إنه زاد علي ثلاثة أسواط فقال صدق قال خذ السوط فاجلده ثلاثة أسواط ثم قال يا قنبر إذا جلدت فلا تتعد الحدود وأما أثر شريح فوصله بن سعد وسعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال جاء رجل إلى شريح فقال أقدني من جلوازك فسأله فقال ازدحموا عليك فضربته سوطا فأقاده منه ومن طريق بن سيرين قال اختصم إليه يعني شريحا عبد جرح حرا فقال ان شاء اقتص منه وأخرج بن أبي شيبة من طريق أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة ومن وجه آخر عن أبي إسحاق عن شريح أنه أقاد من لطمة وخموش والخموش بضم المعجمة الخدوش ووزنه ومعناه والخماشة ما ليس له أرش معلوم من الجراحة والجلواز بكسر الجيم وسكون اللام وآخره زاى هو الشرطي سمي بذلك لان من شأنه حمل الجلاز بكسر الجيم وباللام الخفيفة وهو السير الذي يشد في السوط وعادة الشرطي أن يربطه في وسطه قال بن بطال جاء عن عثمان وخالد بن الوليد نحو قول أبي بكر وهو قول الشعبي وطائفة من أهل الحديث وقال الليث وابن القاسم يقاد من الضرب بالسوط وغيره إلا اللطمة في العين ففيها العقوبة خشية على العين والمشهور عن مالك وهو قول الاكثر لا قود في اللطمة إلا أن جرحت ففيها حكومة والسبب فيه تعذر المماثلة لافتراق لطمتى القوى والضعيف فيجب التعزير بما يليق باللاطم وقال بن القيم

[ 202 ]

بالغ بعض المتأخرين فنقل الاجماع على عدم القود في اللطمة والضربة وانما يجب التعزير وذهل في ذلك فان القول بجريان القود في ذلك ثابت عن الخلفاء الراشدين فهو أولى بأن يكون إجماعا وهو مقتضى إطلاق الكتاب والسنة ثم ذكر المصنف حديث عائشة في اللدود وقد مضى القول فيه في باب القصاص بين الرجال والنساء وأنه ليس بظاهر في القصاص لكن قوله في آخره الا العباس فإنه لم يشهدكم فقد تمسك به من قال إنه فعله قصاصا لا تأديبا قال بن بطال وهو حجة لمن قال يقاد في اللطمة والسوط يعني ومناسبة ذكر ذلك في ترجمة القصاص من الجماعة للواحد ليست ظاهرة وأجاب بن المنير بأن ذلك مستفاد من إجراء القصاص في الامور الحقيرة ولا يعدل فيها عن القصاص إلى التأديب فكذا ينبغي أن يجري القصاص على المشتركين في الجناية سواء قلوا أم كثروا فان نصيب كل منهم عظيم معدود من الكبائر فكيف لا يجرى فيه القصاص والعلم عند الله تعالى قوله باب القسامة بفتح القاف وتخفيف الهملة وهي مصدر أقسم قسما وقسامة وهي الايمان تقسم على أولياء القتيل إذا ادعوا الدم أو على المدعي عليهم الدم وخص القسم على الدم بلفظ القسامة وقال إمام الحرمين القسامة عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون وعند الفقهاء اسم للايمان وقال في المحكم القسامة الجماعة يقسمون على شئ أو يشهدون به ويمين القسامة منسوب إليهم ثم أطلقت على الايمان نفسها قوله وقال الاشعث بن قيس قال النبي صلى الله عليه وسلم شاهداك أو يمينه هو طرف من حديث تقدم موصولا تاما في كتاب الشهادات ثم في كتاب الايمان والنذور مع شرحه وأشار المصنف بذكره هنا إلى ترجيح رواية سعيد بن عبيد في حديث الباب أن الذي يبدأ في يمين القسامة المدعى عليهم كما سيأتي البحث فيه قوله وقال بن أبي مليكة لم يقد بضم أوله والقاف من أفاد إذا اقتص وقد وصله حماد بن سلمة في مصنفه ومن طريقه بن المنذر قال حماد عن بن أبي مليكة سألني عمر بن عبد العزيز عن القسامة فأخبرته أن عبد الله بن الزبير أقاد بها وأن معاوية يعنى بن أبي سفيان لم يقد بها وهذا سند صحيح وقد توقف بن بطال في ثبوته فقال قد صح عن معاوية أنه أقاد بها ذكر ذلك عنه أبو الزناد في احتجاجه على أهل العراق قلت هو صحيفة عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ومن طريقه أخرجه البيهقي قال حدثني خارجة بن زيد بن ثابت قال قتل رجل من الانصار رجلا من بني العجلان ولم يكن على ذلك بينة ولا لطخ فأجمع رأى الناس على أن يحلف ولاة المقتول ثم يسلم إليهم فيقتلوه فركبت إلى معاوية في ذلك فكتب إلى سعيد بن العاص إن كان ما ذكره حقا فافعل ما ذكروه فدفعت الكتاب إلى سعيد فأحلفنا خمسين يمينا ثم أسلمه إلينا قلت ويمكن الجمع بان معاوية لم يقد بها لما وقعت له وكان الحكم في ذلك ولما وقعت لغيره وكل الامر في ذلك إليه ونسب إليه أنه أقاد بها لكونه أذن في ذلك وقد تمسك مالك بقول خارجة المذكور فأطلق أن القود بها إجماع ويحتمل أن يكون معاوية كان يرى القود بها ثم رجع عن ذلك أو بالعكس وقد أخرج الكرابيسي في أدب القضاء بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب قصة أخرى قضى فيها معاوية بالقسامة لكن لم يصرح فيها بالقتل وقصة أخرى لمروان قضى فيها بالقتل وقضى عبد الملك بن مروان بمثل قضاء أبيه قوله وكتب عمر بن عبد العزيز الخ وصله سعيد بن منصور حدثنا هشام حدثنا حميد الطويل قال كتب عدي بن أرطاة إلى عمر بن عبد العزيز في قتيل وجد

[ 203 ]

في سوق البصرة فكتب إليه عمر رحمه الله ان من القضاء ما لا يقضي فيه إلى يوم القيامة وان هذه القضية لمنهن وأخرج بن المنذر من وجه آخر عن حميد قال وجد قتيل بين قشير وعائش فكتب فيه عدي بن أرطاه إلى عمر بن عبد العزيز فذكر نحوه وهذا أثر صحيح وعدي بن أرطاة بفتح الهمزة وسكون الراء بعدها مهملة وهو فزاري من أهل دمشق قوله في الاثر المعلق وكان أمره بالتشديد على البصرة قلت كانت ولاية عمر بن عبد العزيز لعدي على إمرة البصرة سنة تسع وتسعين وذكر خليفة أنه قتل سنة ثنتين ومائة وقوله من بيوت السمانين بتشديد الميم أي الذين يبيعون السمن وقد اختلف على عمر بن عبد العزيز في القود بالقسامة كما اختلف على معاوية فذكر بن بطال أن في مصنف حماد بن سلمة عن بن أبي مليكة أن عمربن عبد العزيز أقاد في القسامة في إمرته على المدينة قلت ويجمع بأنه كان يرى بذلك لما كان أميرا على المدينة ثم رجع لما ولي الخلافة ولعل سبب ذلك ما سيأتي في آخر الباب من قصة أبي قلابة حيث احتج على عدم القود بها فكأنه وافقه على ذلك وأخرج بن المنذر من طريق الزهري قال قال لي عمر بن عبد العزيز إني أريد أن أدع القسامة يأتي رجل من أرض كذا وآخر من أرض كذا فيحلفون على ما لا يرون فقلت انك ان تتركها يوشك ان الرجل يقتل عند بابك فيبطل دمه وان للناس في القسامة لحياة وسبق عمر بن عبد العزيز إلى إنكار القسامة سالم بن عبد الله بن عمر فاخرج بن المنذر عنه أنه كان يقول يا لقوم يحلفون على أمر لم يروه ولم يحضروه ولو كان لي أمر لعاقبتهم ولجعلتهم نكالا ولم أقبل لهم شهادة وهذا يقدح في نقل إجماع أهل المدينة على القود بالقسامة فان سالما من أجل فقهاء المدينة وأخرج بن المنذر أيضا عن بن عباس أن القسامة لا يقاد بها وأخرج بن أبي شيبة من طريق إبراهيم النخعي قال القود بالقسامة جور ومن طريق الحكم بن عتيبة أنه كان لا يرى القسامة شيئا ومحصل الاختلاف في القسامة هل يعمل بها أو لا وعلى الاول فهل توجب للقود أو الدية وهل يبدأ بالمدعين أو المدعى عليهم واختلفوا أيضا في شرطها قوله سعيد بن عبيد هو الطائي الكوفي يكنى أبا هذيل روى عنه الثوري وغيره من الاكابر وأبو نعيم الراوي عنه هنا هو آخر من روى عنه وثقة أحمد وابن معين وآخرون وقال الآجري عن أبي داود كان شعبة يتمنى لقاءه وفي طبقته سعيد بن عبيد الهنائي بضم الهاء وتخفيف النون وهمز ومد بصري صدوق أخرج له الترمذي والنسائي قوله عن بشير بالموحدة والمعجمة مصغر بن يسار بتحتانية ثم مهملة خفيفة لا أعرف اسم جده وفي رواية مسلم من طريق بن نمير عن سعيد بن عبيد حدثنا بشير بن يسار الانصاري قلت وهو موالي بني حارثة من الانصار قال بن إسحاق كان شيخا كبيرا فقيها أدرك عامة الصحابة ووثقه يحيى بن معين والنسائي وكناه محمد بن إسحاق في روايته أبا كيسان قوله زعم أن رجلا من الانصار يقال له سهل بن أبي حثمة بفتح المهملة وسكون المثلثة ولم يقع في رواية بن نمير زعم بل عنده عن سهل بن أبي حثمة الانصاري أنه أخبره وكذا لابي نعيم في المستخرج من وجه آخر عن أبي نعيم شيخ البخاري واسم أبي حثمة عامر بن ساعدة بن عامر ويقال اسم أبيه عبد الله فاشتهر هو بالنسبة إلى جده وهو من بني حارثة بطن من الاوس قوله ان نفرا من قومه سمى يحيى بن سعيد الانصاري في روايته عن بشير بن يسار منهم اثنين فتقدم في الجزية من طريق بشر بن المفضل عن يحيى بهذا السند

[ 204 ]

انطلق عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود بن زيد وفي الادب من رواية حماد بن زيد عن يحيى عن بشير عن سهل بن أبي حثمة ورافع بن خديج أنهما حدثا أن عبد الله بن سهل ومحيصة بن مسعود انطلقا وعند مسلم من رواية الليث عن يحيى عن بشير عن سهل قال يحيى وحسبت انه قال ورافع بن خديج أنهما قالا خرج عبد الله بن سهل بن زيد ومحيصة بن مسعود بن زيد ونحوه عنده من رواية هشيم عن يحيى لكن لم يذكر رافعا ولفظه عن بشير بن يسار ان رجلا من الانصار من بني حارثة يقال له عبد الله بن سهل بن زيد انطلق هو وابن عم له يقال له محيصة بن مسعود بن زيد وأسنده في آخره عن سهل بن أبي حثمة به وثبت ذكر رافع بن خديج في هذا الحديث غير مسمى عند أبي داود من طريق أبي ليلى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سهل عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره هو ورجل من كبراء قومه وعند أبي عاصم من طريق إسماعيل بن عياش عن يحيى بن بشير عن سهل ورافع وسويد بن النعمان أن القسامة كانت فيهم في بني حارثة فذكر بشير عنهم أن عبد الله بن سهل خرج فذكر الحديث ومحيصة بضم الميم وفتح المهملة وتشديد التحتانية مكسورة بعدها صاد مهملة وكذا ضبط أخيه حويصة وحكي التخفيف في الاسمين معا ورجحه طائفة قوله انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها في رواية يحيى بن سعيد انطلقا إلى خيبر فتفرقا وتحمل رواية الباب على انه كان معهما تابع لهما وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق عن بشير بن يسار عن بن أبي عاصم خرج عبد الله بن سهل في أصحاب له يتمارون تمرا زاد سليمان بن بلال عند مسلم في روايته عن يحيى بن سعيد في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يومئذ صلح وأهلها يهود وقد تقدم بيان ذلك في المغازي والمراد ان ذلك وقع بعد فتحها فانها لما فتحت أقر النبي صلى الله عليه وسلم أهلها فيها على أن يعملوا في المزار بالشطر مما يخرج منها كما تقدم بيانه وفي رواية أبي ليلى بن عبد الله خرج إلى خيبر قوله فوجدوا أحدهم قتيلا في رواية بشر بن المفضل فأتى محيصة إلى عبد الله بن سهل وهو يتشحط في دمه قتيلا أي يضطرب فيتمرغ في دمه فدفنه وفي رواية الليث فإذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا فدفنه وفي رواية سليمان بن بلال فوجد عبد الله بن سهل مقتولا في سربه فدفنه صاحبه وفي رواية أبي ليلى فأخبر محيصة أن عبد الله قتل وطرح في فقير بفاء مفتوحة ثم قاف مكسورة أي حفيرة قوله فقالوا للذين وجد فيهم قد قتلتم صاحبنا قالوا ما قتلنا ولا علمنا قاتلا في رواية أبي ليلى فأتى محيصة يهود فقال أنتم والله قتلتموه قالوا والله ما قتلناه قوله فانطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية حماد بن زيد فجاء عبد الرحمن بن سهل وحويصة ومحيصة أبناء مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتكلموا في أمر صاحبهم وفي رواية سليمان بن بلال فأتى أخو المقتول عبد الرحمن ومحيصة وحويصة فذكروا لرسول الله صلى الله عليه وسلم شأن عبد الله حيث قتل وفي رواية الليث ثم أقبل محيصة إلى النبي صلى الله عليه وسلم هو وحويصة وعبد الرحمن بن سهل زاد أبو ليلى في روايته وهو أي حويصة أكبر منه أي من محيصة قوله فقال الكبر الكبر بضم الكاف وسكون الموحدة وبالنصب فيهما على الاغراء زاد في رواية يحيى بن سعيد فبدأ عبد الرحمن يتكلم وكان أصغر القوم زاد حماد بن زيد

[ 205 ]

عن يحيى عند مسلم في أمر أخيه وفي رواية بشير وهو أحدث القوم وفي رواية الليث فذهب عبد الرحمن يتكلم فقال كبر الكبر الاولى أمر والاخرى كالاول ومثله في رواية حماد بن زيد وزاد أو قال يبدأ الاكبر وفي رواية بشر بن المفضل كبر كبر بتكرار الامر وكذا في رواية أبي ليلى وزاد يريد السن وفي رواية الليث فسكت وتكلم صاحباه وفي رواية بشر وتكلما قوله تأتون بالبينة على من قتله قالوا ما لنا بينة كذا في رواية سعيد بن عبيد ولم يقع في رواية يحيى بن سعيد الانصاري ولا في رواية أبي قلابة الاتية في الحديث الذي بعده للبينة ذكر وإنما قال يحيى في رواية أتحلفون وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم هذه رواية بشر بن المفضل عنه وفي رواية حماد عنه أتستحقون قاتلكم أو صاحبكم بأيمان خمسين منكم وفي رواية عند مسلم يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته وفي رواية سليمان بن بلال تحلفون خمسين يمينا وتستحقون وفي رواية بن عيينة عن يحيى عند أبي داود تبرئكم يهود بخمسين يمينا تحلفون فبدأ بالمدعى عليهم لكن قال أبو داود إنه وهم كذا جزم بذلك وقد قال الشافعي كان بن عيينة لا يثبت أقدم النبي صلى الله عليه وسلم الانصار في الايمان أو اليهود فيقال له ان في الحديث أنه قدم الانصار فيقول هو ذاك وربما حدث به كذلك ولم يشك وفي رواية أبي ليلى فقال لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم فقالوا لا وفي رواية أبي قلابة فأرسل إلى اليهود فدعاهم فقال أنتم قتلتم هذا فقالوا لا فقال أترضون نفل خمسين من اليهود ما قتلوا ونفل بفتح النون وسكون الفاء يأتي شرحه وزاد يحيى بن سعيد كيف نحلف ولم نشهد ولم نر وفي رواية حماد عنه أمر لم نره وفي رواية سليمان ما شهدنا ولا حضرنا قوله قال فيحلفون قالوا لا نرضى بأيمان اليهود وفي رواية أبي ليلى فقالوا ليسوا بمسلمين وفي رواية يحيى بن سعيد فتبرئكم يهود بخمسين يمينا أي يخلصونكم من الايمان بأن يحلفوهم فإذا حلفوا انتهت الخصومة فلم يجب عليهم شئ وخلصتم أنتم من الايمان قالوا كيف نأخذ بأيمان قوم كفار وفي رواية الليث نقبل بدل نأخذ وفي رواية أبي قلابة ما يبالون أن يقتلونا أجمعين ثم يحلفون كذا في رواية سعيد بن عبيد لم يذكر عرض الايمان على المدعين كما لم يقع في رواية يحيى بن سعيد طلب البينة أولا وطريق الجمع أن يقال حفظ أحدهم ما لم يحفظ الآخر فيحمل على أنه طلب البينة أولا فلم تكن لهم بينة فعرض عليهم الايمان فامتنعوا فعرض عليهم تحليف المدعى عليهم فأبوا وأما قول بعضهم ان ذكر البينة وهم لانه صلى الله عليه وسلم قد علم أن خيبر حينئذ لم يكن بها أحد من المسلمين فدعوى نفي العلم مردودة فإنه وان سلم انه لم يسكن مع اليهود فيها أحد من المسلمين لكن في نفس القصة أن جماعة من المسلمين خرجوا يمتارون تمرا فيجوز أن تكون طائفة أخرى خرجوا لمثل ذلك وان لم يكن في نفس الامر كذلك وقد وجدنا لطلب البينة في هذه القصة شاهدا من وجه آخر أخرجه النسائي من طريق عبد الله بن الاخنس عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان بن محيصة الاصغر أصبح قتيلا على أبواب خيبر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أقم شاهدين على من قتله ادفعه إليك برمته قال يا رسول الله اني أصيب شاهدين وانما أصبح قتيلا على أبوابهم قال فتحلف خمسين قسامة قال فكيف أحلف على ما لا أعلم قال تستحلف خمسين منهم قال كيف وهم يهود وهذا السند صحيح

[ 206 ]

حسن وهو نص في الحمل الذي ذكرته فتعيين المصير إليه وقد أخرج أبو داود أيضا من طريق عباية بن رفاعة عن جده رافع بن خديج قال أصبح رجل من الانصار بخيبر مقتولا فانطلق أولياؤه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم قال لم يكن ثم أحد من المسلمين وانما هم اليهود وقد يجترئون على أعظم من هذه قوله فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل بضم أوله وفتح الطاء وتشديد اللام أي يهدر قوله فوداه مائة في رواية الكشميهني بمائة ووقع في رواية أبي ليلى فوداه من عنده وفي رواية يحيى بن سعيد فعقله النبي صلى الله عليه وسلم من عنده أي أعطى ديته وفي رواية حماد بن زيد من قبله بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهته وفي رواية الليث عنه فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أعطى عقله قوله من إبل الصدقة زعم بعضهم أنه غلط من سعيد بن عبيد لتصريح يحيى بن سعيد بقوله من عنده وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة بمال دفعه من عنده أو المراد بقوله من عنده أي بيت المال المرصد للمصالح وأطلق عليه صدقة باعتبار الانتفاع به مجانا لما في ذلك من قطع المنازعة وإصلاح ذات البين وقد حمله بعضهم على ظاهره فحكى القاضي عياض عن بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة واستدل بهذا الحديث وغيره قلت وتقدم شئ من ذلك في كتاب الزكاة في الكلام على حديث أبي لاس قال حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل من إبل الصدقة في الحج وعلى هذا فالمراد بالعندية كونها تحت أمره وحكمه وللاحتراز من جعل ديته على اليهود أو غيرهم قال القرطبي في المفهم فعل صلى الله عليه وسلم ذلك على مقتضى كرمه وحسن سياسته وجلبا للمصالح ودرءا للمفسدة على سبيل التأليف ولا سيما عند تعذر الوصول إلى إستيفاء الحق ورواية من قال من عنده أصح من رواية من قال من إبل الصدقة وقد قيل إنها غلط والاولى أن لا يغلط الراوي ما أمكن فيحتمل أوجها منها فذكر ما تقدم وزاد أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال الفئ أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم أو أعطاهم ذلك من سهم المؤلفة استئلافا لهم واستجلابا لليهود انتهى وزاد أبو ليلى في روايته قال سهل فركضتني ناقة وفي رواية حماد بن زيد عن يحيى أدركته ناقة من تلك الابل فدخلت مربدا لهم فركضتني برجلها وفي رواية شيبان بن بلال لقد ركضتني ناقة من تلك الفرائض بالمربد وفي رواية محمد بن إسحاق فوالله ما أنسى ناقة بكرة منها حمراء ضربتني وأنا أحوزها وفي حديث الباب من الفوائد مشروعية القسامة قال القاضي عياض هذا الحديث أصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الاحكام وركن من أركان مصالح العباد وبه أخذ كافة الائمة والسلف من الصحابة والتابعين وعلماء الامة وفقهاء الامصار من الحجازيين والشاميين والكوفيين وان اختلفوا في صورة الاخذ به وروي التوقف عن الاخذ به عن طائفة فلم يروا القسامة ولا أثبتوا بها في الشرع حكما وهذا مذهب الحكم بن عتبة وأبي قلابة وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية واليه ينحو البخاري وروي عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه قلت وهذا ينافي ما صدر به كلامه أن كافة الائمة أخذوا بها وقد تقدم النقل عمن لم يقل بمشروعيتها في أول الباب وفيهم من لم يذكره القاضي قال

[ 207 ]

واختلف قول مالك في مشروعية القسامة في قتل الخطأ واختلف القائلون بها في العمد هل يجب بها القود أو الدية فمذهب معظم الحجازيين إيجاب القود إذا كملت شروطها وهو قول الزهري وربيعة وأبي الزناد ومالك والليث والاوزاعي والشافعي في أحد قوليه وأحمد وإسحاق وأبي ثور وداود وروى ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير واختلف عن عمر بن عبد العزيز وقال أبو الزناد قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون إني لارى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان قلت انما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلا عن ألف ثم قال القاضي وحجتهم حديث الباب يعني من رواية يحيى بن سعيد التي أشرت إليها قال فان مجيئه من طرق صحاح لا يدفع وفيه تبرئة المدعين ثم ردها حين أبوا على المدعى عليهم واحتجوا بحديث أبي هريرة البينة على المدعي واليمين على المدعى عليه إلا القسامة ويقول مالك أجمعت الائمة في القديم والحديث على أن المدعين يبدأون في القسامة ولان جنبة المدعي إذا قريت بشهادة أو شبهة صارت اليمين له وههنا الشبهة قوية وقالوا هذه سنة بحيالها وأصل قائم برأسه بحياة الناس وردع المعتدين وخالفت الدعاوي في الاموال فهي على ما ورد فيها وكل أصل يتبع ويستعمل ولا تطرح سنة لسنة وأجابوا عن رواية سعيد بن عبيد يعني المذكورة في حديث هذا الباب بقول أهل الحديث إنه وهم من رواية أسقط من السباق تبرئة المدعين باليمين لكونه لم يذكر فيه رد اليمين واشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها وهي تقضي على من لم يعرفها قلت وسيأتي مزيد بيان لذلك قال القرطبي الاصل في الدعاوي أن اليمين على المدعي عليه وحكم القسامة أصل بنفسه لتعذر إقامة البينة على القتل فيها غالبا فان القاصد للقتل يقصد الخلوة ويترصد الغفلة وتأيدت بذلك الرواية الصحيحة المتفق عليها وبقي ما عدا القسامة على الاصل ثم ليس ذلك خروجا عن الاصل بالكلية بل لان المدعي عليه انما كان القول قوله لقوة جانبه بشهادة الاصل له بالبراء مما أدعى عليه وهو موجود في القسامة في جانب المدعي لقوة جانبه باللوث الذي يقوي دعواه قال عياض وذهب من قال بالدية إلى تقديم المدعي عليهم في اليمين إلا الشافعي وأحمد فقالا بقول الجمهور يبدأ بأيمان المدعين وردها إن أبوا على المدعى عليهم وقال بعكسه أهل الكوفة وكثير من أهل البصرة وبعض أهل المدينة والاوزاعي فقال يستحلف من أهل القرية خمسون رجلا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا من قتله فان حلفوا برأوا وإن نقصت قسامتهم عن عدد أو نكلوا حلف المدعون على رجل واحد واستحقوا فان نقصت قسامتهم قاده دية وقال عثمان البتي من فقهاء البصرة ثم يبدأ بالمدعى عليهم بالايمان فان حلفوا فلا شئ عليهم وقال الكوفيون إذا حلفوا وجبت عليهم الدية وجاء ذلك عن عمر قال واتفقوا كلهم على أنها لا تجب بمجرد دعوى الاولياء حتى يقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها واختلفوا في تصوير الشبهة على سبعة أوجه فذكرها وملخصها الاول أن يقول المريض دمي عند فلان أو ما أشبه ذلك ولو لم يكن به أثر أو جرح فان ذلك يوجب القسامة عند مالك والليث لم يقل به غيرهما واشترط بعض المالكية الاثر أو الجرح واحتج لمالك بقصة بقرة بني إسرائيل قال ووجه الدلالة منها أن الرجل حي فأخبر بقاتله وتعقب بخفاء الدلالة منها

[ 208 ]

وقد بالغ بن حزم في رد ذلك واحتجوا بأن القتل يتطلب حالة غفلة الناس فتنعذر البينة فلو لم يعمل بقول المضروب لادى ذلك إلى إهدار دمه لانها حالة يتحرى فيها اجتناب الكذب ويتزود فيها من البر والتقوى وهذا إنما يأتي في حال المحتضر الثانية أن يشهد من لا يكمل النصاب بشهادته كالواحد أو جماعة غير عدول قال بها المذكوران ووافقهما الشافعي ومن تبعه الثالثة أن يشهد عدلان بالضرب ثم يعيش بعده أياما ثم يموت منه من غير تخلل إفاقه فقال المذكوران تجب فيه القسامة وقال الشافعي بل يجب القصاص بتلك الشهادة الرابعة أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل وعليه أثر الدم مثلا ولا يوجد غيره فتشرع فيه القسامة عند مالك والشافعي ويلتحق به أن تفترق جماعة عن قتيل الخامسة أن يقتتل طائفتان فيوجد بينهما قتيل ففيه القسامة عند الجمهور وفي رواية عن مالك تختص القسامة بالطائفة التي ليس هو منها إلا إن كان من غيرهما فعلى الطائفتين السادسة المقتول في الزحمة وقد تقدم بيان الاختلاف فيه في باب مفرد السابعة أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة فهذا يوجب القسامة عند الثوري والاوزاعي وأبي حنيفة وأتباعهم ولا يوجب القسامة عندهم سوى هذه الصورة وشرطها عندهم إلا الحنفية أن يؤخذ بالقتيل أثر وقال داود لا تجري القسامة إلا في العمد على أهل مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول وذهب الجمهور إلى أنه لا قسامة فيه بل هو هدر لانه قد يقتل ويلقى في المحلة ليتهموا وبه قال الشافعي وهو رواية عن أحمد إلا أن يكون في مثل القصة التي في حديث الباب فيتجه فيها القسامة لوجود العداوة ولم تر الحنفية ومن وافقهم لوثا يوجب القسامة إلا هذه الصورة وحجة الجمهور القياس على هذه الواقعة والجامع أن يقترن بالدعوى شئ يدل على صدق المدعي فيقسم معه ويستحق وقال بن قدامة ذهب الحنفية إلى أن القتيل إذا وجد في محل فادعى وليه على خمسين نفسا من موضع قتله فحلفوا خمسين يمينا ما قتلناه ولا علمنا له قاتلا فان لم يجد خمسين كرر الايمان على من وجد وتجب الدية على بقية أهل الخطة ومن لم يحلف من المدعى عليهم حبس حتى يحلف أو يقر واستدلوا بأثر عمر أنه أحلف خمسين نفسا خمسين يمينا وقضى الدية عليهم وتعقب باحتمال أن يكونوا أقروا بالخطأ وأنكروا العمد وبأن الحنفية لا يعملون بخبر الواحد إذا خالف الاصول ولو كان مرفوعا فكيف احتجوا بما خالف الاصول بخبر واحد موقوف وأوجبوا اليمين على غير المدعى عليه واستدل به على القود في القسامة لقوله فتستحقون قاتلكم وفي الرواية الاخرى دم صاحبكم قال بن دقيق العيد الاستدلال بالرواية التي فيها فيدفع برمته أقوى من الاستدلال بقوله دم صاحبكم لان قوله يدفع برمته لفظ مستعمل في دفع القاتل للاولياء للقتل ولو أن الواجب الدية لبعد استعمال هذا اللفظ وهو في استعماله في تسليم القاتل أظهر والاستدلال بقوله دم صاحبكم أظهر من الاستدلال بقوله قاتلكم أو صاحبكم لان هذا اللفظ لا بد فيه من إضمار فيحتمل أن يضمر دية صاحبكم احتمالا ظاهرا وأما بعد التصريح بالدية فيحتاج إلى تأويل اللفظ بإضمار بدل دم صاحبكم والاضمار على خلاف الاصل ولو احتيج إلى إضمار لكان حمله على ما يقتضي إراقة الدم أقرب وأما من قال يحتمل أن يكون قوله دم صاحبكم هو القتيل لا القاتل فيرده قوله دم صاحبكم أو قاتلكم وتعقب بأن هذه القصة واحدة أختلفت

[ 209 ]

ألفاظ الرواة فيها على ما تقدم بيانه فلا يستقيم الاستدلال بلفظ منها لعدم تحقق أنه اللفظ الصادر من النبي صلى الله عليه وسلم واستدل من قال بالقود أيضا بما أخرجه مسلم والنسائي من طريق الزهري عن سليمان بن يسار وأبي سلمة بن عبد الرحمن عن أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن القسامة كانت في الجاهلية وأقرها النبي صلى الله عليه وسلم على ما كانت عليه من الجاهلية وقضى بها بين ناس من الانصار في قتيل ادعوه على يهود خيبر وهذا يتوقف على ثبوت أنهم كانوا في الجاهلية يقتلون في القسامة وعند أبي داود من طريق عبد الرحمن بن بجيد بموحدة وجيم مصغر قال ان سهلا يعني بن أبي حثمة وهم في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى يهود إنه قد وجد بين أظهركم قتيل فدوه فكتبوا يحلفون ما قتلناه ولا علمنا قاتلا قال فوداه من عنده وهذا رده الشافعي بأنه مرسل ويعارض ذلك ما أخرجه بن مندة في الصحابة من طريق مكحول حدثني عمرو بن أبي خزاعة أنه قتل فيهم قتيل على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعل القسامة على خزاعة بالله ما قتلنا ولا علمنا قاتلا فحلف كل منهم عن نفسه وغرم الدية وعمرو مختلف في صحبته وأخرج بن أبي شيبة بسند جيد إلى إبراهيم النخعي قال كانت القسامة في الجاهلية إذا وجد القتيل بين ظهري قوم أقسم منهم خمسون خمسين يمينا ما قتلنا ولا علمنا فان عجزت الايمان ردت عليهم ثم عقلوا وتمسك من قال لا يجب فيها إلا الدية بما أخرجه الثوري في جامعه وابن أبي شيبة وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال وجد قتيل بين حيين من العرب فقال عمر قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينا وأغرموهم الدية وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن منصور عن الشعبي أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسون رجلا حتى يوافوه مكة فأدخلهم الحجر فاحلفهم ثم قضى عليهم الدية فقال حقنت أيمانكم دماءكم ولا يطل دم رجل مسلم قال الشافعي إنما أخذه الشعبي عن الحارث الاعور والحارث غير مقبول انتهى وله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد أن قتيلا وجد بين حيين فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الاقرب ولكن سنده ضعيف وقال عبد الرزاق في مصنفه قلت لعبيد الله بن عمر العمري أعلمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقاد بالقسامة قال لا قلت فأبو بكر قال لا قلت فعمر قال لا قلت فلم تجترئون عليها فسكت وأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال القسامة توجب العقل ولا تسقط الدم واستدل به الحنفية على جواز سماع الدعوى في القتل على غير معين لان الانصار ادعوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم وسمع النبي صلى الله عليه وسلم دعواهم ورد بأن الذي ذكره الانصار أولا ليس على صورة الدعوى بين الخصمين لان من شرطها إذا لم يحضر المدعى عليه أن يتعذر حضوره سلمنا ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قد بين لهم أن الدعوى إنما تكون على واحد لقوله تقسمون على رجل منهم فيدفع إليكم برمته واستدل بقوله على رجل منهم على أن القسامة إنما تكون على رجل واحد وهو قول أحمد ومشهور قول مالك وقال الجمهور ويشترط أن تكون على معين سواء كان واحدا أو أكثر واختلفوا هل يختص القتل بواحد أو يقتل الكل وقد تقدم البحث فيه وقال أشهب لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدا للقتل ويسجن الباقون عاما

[ 210 ]

ويضربون مائة مائة وهو قول لم يسبق إليه وفيه أن الحلف في القسامة لا يكون الا مع الجزم بالقاتل والطريق إلى ذلك المشاهدة وأخبار من يوثق به مع القرينة الدالة على ذلك وفيه أن من توجهت عليه اليمين فنكل عنها لا يقضى عليه حتى يرد اليمين على الآخر وهو المشهور عند الجمهور وعند أحمد والحنفية يقضى عليه دون رد اليمين وفيه ان أيمان القسامة خمسون يمينا واختلف في عدد الحالفين فقال الشافعي لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خمسين يمينا سواء قلوا أ م كثروا فلو كان بعد الايمان حلف كل واحد منهم يمينا وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الايمان على الباقين فان لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق وقال مالك إن كان ولي الدم واحدا ضم إليه آخر من العصبة ولا يستعان بغيرهم وإن كان الاولياء أكثر حلف منهم خمسون قال الليث لم أسمع أحدا يقول أنها تنزل عن ثلاثة أنفس وقال الزهري عن سعيد بن المسيب أول من نقص القسامة عن خمسين معاوية قال الزهري وقضى به عبد الملك ثم رده عمر بن عبد العزيز إلى الامر الاول واستدل به على تقديم الاسن في الامر المهم إذا كانت فيه أهلية ذلك لا ما إذا كان عريا عن ذلك وعلى ذلك يحمل الامر بتقديم الاكبر في حديث الباب إما لان ولي الدم لم يكن متأهلا فأقام الحاكم قريبه مقامه في الدعوى وإما لغير ذلك وفيه التأنيس والتسلية لاولياء المقتول لا أنه حكم على الغائبيتن لانه لم يتقدم صورة دعوى على غائب وإنما وقع الاخبار بما وقع فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين ومن ثم كتب إلى اليهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور ويؤخذ منه أن مجرد الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه لان في احضاره مشغلة عن إشغاله وتضييعا لماله من غير موجب ثابت لذلك أما ما يقوي الدعوى من شبهة ظاهرة فهل يسوغ استحضار الخصم أولا محل نظر والراجح أن ذلك يختلف بالقرب والبعد وشدة الضرر وخفته وفيه الاكتفاء بالمكاتبة وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة وفيه أن اليمين قبل توجيهها من الحاكم لا أثر لها لقول اليهود في جوابهم والله ما قتلنا وفي قولهم لا نرضى بأيمان اليهود استبعاد لصدقهم لما عرفوه من إقدامهم على الكذب وجراءتهم على الايمان الفاجرة واستدل به على أن الدعوى في القسامة لا بد فيها من عداوة أو لوث واختلف في سماع هذه الدعوى ولو لم توجب القسامة فعن أحمد روايتان وبسماعها قال الشافعي لعموم حديث اليمين على المدعى عليه بعد قوله لو يعطى الناس بدعواهم لادعى قوم دماء رجال وأموالهم ولانها دعوى في حق آدمي فتسمع ويستحلف وقد يقر فيثبت الحق في قتله ولا يقبل رجوعه عنه فلو نكل ردت على المدعي واستحق القود في العمد والدية في الخطأ وعن الحنفية لا ترد اليمين وهي رواية عن أحمد واستدل به على أن المدعين والمدعى عليهم إذا نكلوا عن اليمين وجبت الدية في بيت المال وقد تقدم ما فيه قريبا واستدل به على أن من يحلف في القسامة لا يشترط أن يكون رجلا ولا بالغا لاطلاق قوله خمسين منكم وبه قال ربيعة والثوري والليث والاوزاعي وأحمد وقال مالك لا مدخل للنساء في القسامة لان المطلوب في القسامة القتل ولا يسمع من النساء وقال الشافعي لا يحلف في القسامة إلا الوارث البالغ لانها يمين في دعوى حكمية فكانت كسائر الايمان ولا فرق في ذلك بين الرجل والمرأة واختلف في القسامة هل هي معقولة المعنى فيقاس عليها أو لا والتحقيق أنها معقولة المعنى لكنه

[ 211 ]

خفي ومع ذلك فلا يقاس عليها لانها لا نظير لها في الاحكام وإذا قلنا أن المبدأ فيها يمين المدعي فقد خرجت عن سنن القياس وشر القياس أن لا يكون معدولا به عن سنن القياس كشهادة خزيمة تنبيه نبه بن المنير في الحاشية على النكتة في كون البخاري لم يورد في هذا الباب الطريق الدالة على تحليف المدعي وهي مما خالفت فيه القسامة بقية الحقوق فقال مذهب البخاري تضعيف القسامة فلهذا صدر الباب في الاحاديث الدالة على أن اليمين في جانب المدعى عليه وأورد طريق سعيد بن عبيد وهو جار على القواعد وإلزام المدعي البينة ليس من خصوصية القسامة في شئ ثم ذكر حديث القسامة الدال على خروجها عن القواعد بطريق العرض في كتاب الموادعة والجزية فرارا من أن يذكرها هنا فيغلط المستدل بها على اعتقاد البخاري قال وهذا الاخفاء مع صحة القصد ليس من قبيل كتمان العلم قلت الذي يظهر لي أن البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي بل يوافق الشافعي في أنه لا قود فيها ويخالفه في أن الذي يحلف فيها هو المدعي بل يرى أن الروايات اختلفت في ذلك في قصة الانصار ويهود خيبر فيرد المختلف إلى المتفق عليه من أن اليمين على المدعى عليه فمن ثم أورد رواية سعيد بن عبيد في باب القسامة وطريق يحيى بن سعيد في باب آخر وليس في شئ من ذلك تضعيف أصل القسامة والله أعلم وادعى بعضهم أو قوله تحلفون وتستحقون استفهام إنكار واستعظام للجمع بين الامرين وتعقب بأنهم لم يبدأوا بطلب اليمين حتى يصح الانكار عليهم وانما هو استفهام تقرير وتشريع وقوله أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الاسدي بفتح السين المهملة المعروف بابن علية واسم جده مقسم وهو الثقة المشهور وهو منسوب إلى بني أسد بن خزيمة لان أصله من مواليهم والحجاج بن أبي عثمان هو المعروف بالصواف واسم أبي عثمان ميسرة وقيل سالم وكنيتة الحجاج أبو الصلت ويقال غير ذلك وهو بصري أيضا وهو مولى بني كندة وأبو رجاء اسمه سليمان مولى أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي وقع هنا من آل أبي قلابة وفيه تجوز فإنه منهم باعتبار الولاء لا بالاصالة وقد أخرجه أحمد فقال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم حدثنا حجاج عن أبي رجاء مولى أبي قلابة وكذا عند مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن الصباح وكذا عند الاسماعيلي من رواية أبي بكر وعثمان ابني أبي شيبة كلهم عن إسماعيل قوله أن عمر بن عبد العزيز يعني الخليفة المشهور أبرز سريره أي أظهره وكان ذلك في زمن خلافته وهو بالشام والمراد بالسرير ما جرت عادة الخلفاء الاختصاص بالجلوس عليه والمراد أنه أخرجه إلى ظاهر الدار لا إلى الشارع ولذلك قال أذن للناس ووقع عند مسلم من طريق عبد الله بن عون عن أبي رجاء عن أبي قلابة كنت خلف عمر بن عبد العزيز قوله ما تقولون في القسامة زاد أحمد بن حرب عن إسماعيل بن علية عند أبي نعيم في المستخرج فأضب الناس أي سكتوا مطرقين يقال أضبوا إذا سكتوا وأضبوا إذا تكلموا وأصل أضب أضمر ما في قلبه ويقال أضب على الشئ لزمه والاسم الضب كالحيوان المشهور ويحتمل أن يكون المراد أنهم علموا رأي عمر بن عبد العزيز في إنكار القسامة فلما سألهم سكتوا مضمرين مخالفته ثم تكلم بعضهم بما عنده في ذلك كما وقع في هذه الرواية قالوا نقول القسامة القود بها حق وقد أقادت بها الخلفاء وأرادوا بذلك ما تقدم نقله عن معاوية وعن عبد الله بن الزبير وكذا جاء عن عبد الملك بن مروان لكن عبد الملك أقاد بها ثم ندم كما ذكره أبو قلابة بعد ذلك في رواية حماد بن زيد عن أيوب وحجاج الصواف

[ 212 ]

عن أبي رجاء أن عمر بن عبد العزيز استشار الناس في القسامة فقال قوم هي حق قضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقضى بها الخلفاء أخرجه أبو عوانة في صحيحه وأصله عند الشيخين من طريقه قوله قال لي ما تقول في رواية أحمد بن حرب فقال لي يا أبا قلابة ما تقول قوله ونصبني للناس أي أبرزني لمناظرتهم أو لكونه كان خلف السرير فأمره أن يظهر وفي رواية أبي عوانة وأبو قلابة خلف السرير قاعدا فالتفت إليه فقال ما تقول يا أبا قلابة قوله عندك رؤوس الاجناد بفتح الهمزة وسكون الجيم بعدها نون جمع جند وهي في الاصل الانصار والاعوان ثم اشتهر في المقاتلة وكان عمر قسم الشام بعد موت أبي عبيدة ومعاذ على أربعة أمراء مع كل أمير جند فكان كل من فلسطين ودمشق وحمص وقنسرين يسمى جندا باسم الجند الذين نزلوها وقيل كان الرابع الاردن وانما أفردت قنسرين بعد ذلك وقد تقدم شئ من هذا في الطب في شرح حديث الطاعون لما خرج عمر إلى الشام فلقيه أمراء الاجناد ولابن ماجة وصححه بن خزيمة من طريق أبي صالح الاشعري عن أبي عبد الله الاشعري في غسل الاعقاب قال أبو صالح فقلت لابي عبد الله من حدثك قال أمراء الاجناد خالد بن الوليد ويزيد بن أبي سفيان وشرحبيل بن حسنة وعمرو بن العاص قوله وأشراف العرب في رواية أحمد بن حرب وأشراف الناس قوله أرأيت لو أن خمسين الخ وقع في رواية حماد شهد عندك أربعة من أهل حمص على رجل من أهل دمشق وزاد بعد قوله أكنت تقطعه وقال لا قال يا أمير المؤمنين هذا أعظم من ذلك قوله فوالله ما قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا قط في رواية حماد لا والله لا أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل أحد من أهل الصلاة وهو موافق لحديث بن مسعود الماضي مرفوعا في أول الديات لا يحل دم امرئ مسلم قوله إلا في إحدى في رواية أحمد بن حرب إلا بإحدى قوله بجريرة نفسه أي بجنايتها قوله فقال القوم أو ليس قد حدث أنس عند مسلم من طريق بن عون فقال عنبسة قد حدثنا أنس بكذا وفي رواية حماد المذكورة فقال عنبسة بن سعيد فأين حديث أنس بن مالك في العكليين كذا في هذه الرواية وقد تقدم في الطهارة وغيرها بلفظ العرنيين وأوضحت أن بعضهم كان من عكل وبعضهم كان من عرينة وثبت كذلك في كثير من الطرق وعنبسة المذكور بفتح المهملة وسكون النون وفتح الموحدة بعدها سين مهملة هو الاموي أخو عمرو بن سعيد المعروف بالاشدق واسم جده العاص بن سعيد بن العاص بن أمية وكان عنبسة من خيار أهل بيته وكان عبد الملك بن مروان بعد أن قتل أخاه عمرو بن سعيد يكرمه وله رواية وأخبار مع الحجاج بن يوسف ووثقه بن معين وغيره قوله أنا أحدثكم حديث أنس حدثني أنس في رواية أحمد بن حرب فإياي حديث أنس قوله فبايعوا في رواية أحمد بن حرب فبايعوه قوله أجسامهم في رواية أحمد بن حرب أجسادهم قوله من البانها وأبوالها في رواية أحمد بن حرب من رسلها وهو بكسر الراء وسكون المهملة اللبن وبفتحتين المال من الابل والغنم وقيل بل الابل خاصة إذا أرسلت إلى الماء تسمى رسلا قوله ثم نبذهم بنون وموحدة مفتوحتين ثم دال معجمة أي طرحهم قوله قلت وأي شئ أشد مما صنع هؤلاء ارتدوا عن الاسلام وقتلوا وسرقوا في رواية حماد قال

[ 213 ]

أبو قلابة فهؤلاء سرقوا وقتلوا وكفروا بعد إيمانهم وحاربوا الله ورسوله قوله فقال عنبسة هو المذكور قبل قوله ان سمعت كاليوم قط إن بالتخفيف وكسر الهمزة بمعنى ما النافية وحذف مفعول سمعت والتقدير ما سمعت قبل اليوم مثل ما سمعت منك اليوم وفي رواية حماد فقال عنبسة يا قوم ما رأيت كاليوم قط ووقع في رواية بن عون قال أبو قلابة فلما فرغت قال عنبسة سبحان الله قوله أترد على حديثي يا عنبسة في رواية بن عون فقلت أتتهمني يا عنبسة وكذا في رواية حماد كأن أبا قلابة فهم من كلام عنبسة إنكار ما حدث به قوله لا ولكن جئت بالحديث على وجهه في رواية بن عون قال لا هكذا حدثنا أنس وهذا دال على أن عنبسة كان سمع حديث العكليين من أنس وفيه إشعار بأنه كان غير ضابط له على ما حدث به أنس فكان يظن أن فيه دلالة على جواز القتل في المعصية ولو لم يقع الكفر فلما ساق أبو قلابة الحديث تذكر أنه هو الذي حدثهم به أنس فاعترف لابي قلابة بضبطه ثم أثنى عليه قوله والله لا يزال هذا الجند بخير ما كان هذا الشيخ بين أظهرهم المراد بالجند أهل الشام ووقع في رواية بن عون يا أهل الشام لا تزالون بخير ما دام فيكم هذا أو مثل هذا وفي رواية حماد والله لا يزال هذا الجند بخير ما أبقاك الله بين أظهرهم قوله وقد كان في هذا سنة إلى قوله دخل عليه نفر من الانصار كذا أورد أبو قلابة هذه القصة مرسلة ويغلب على الظن أنها قصة عبد الله بن سهل ومحيصة فان كان كذلك فلعل عبد الله بن سهل ورفقته تحدثوا عند النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يتوجهوا إلى خيبر ثم توجهوا فقتل عبد الله بن سهل كما تقدم وهو المراد بقوله هنا فخرج رجل منهم بين أيديهم فقتل قوله فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لعله صلى الله عليه وسلم لما جاءوه كان داخل بيته أو المسجد فكلموه فخرج إليهم فأجابهم قوله بما تظنون أو ترون بضم أوله وهما بمعنى قوله قالوا نرى أن اليهود قتله كذا للاكثر بلفظ الفعل الماضي بالافراد وفي رواية المستملي قتلته بصيغة المسند إلى الجمع المستفاد من لفظ اليهود لان المراد قتلوه وقد قدمت بيان ما اختلف فيه من ألفاظ هذه القصة في شرح الحديث الذي قبله قوله قلت وقد كانت هذيل أي القبيلة المشهورة وهم ينتسبون إلى هذيل بن مدركة بن الياس بن مضر وهذا من قول أبي قلابة وهي قصة موصولة بالسند المذكور إلى أبي قلابة لكنها مرسلة لان أبا قلابة لم يدرك عمر قوله خلعوا خليعا في رواية الكشميهني حليفا بحاء مهملة وفاء بدل العين والخليع فعيل بمعنى مفعول يقال تخالع القوم إذا نقضوا الحلف فإذا فعلوا ذلك لم يطالبوا بجنايته فكأنهم خلعوا اليمين التي كانوا لبسوها معه ومنه سمي الامير إذا عزل خليعا ومخلوعا وقال أبو موسى في المعين خلعه قومه أي حكموا بأنه مفسد فتبرأوا منه ولم يكن ذلك في الجاهلية يختص بالحليف بل كانوا ربما خلعوا الواحد من القبيلة ولو كان من صميمها إذا صدرت منه جناية تقتضي ذلك وهذا مما أبطله الاسلام من حكم الجاهلية ومن ثم قيده في الخبر بقوله في الجاهلية ولم أقف على اسم الخليع المذكور ولا على اسم أحد ممن ذكر في القصة قوله فطرق أهل بيت بضم الطاء المهملة أي هجم عليهم ليلا في خفية ليسرق منهم وحاصل القصة أن القاتل ادعى أن المقتول لص وأن قومه خلعوه فأنكروا هم ذلك وحلفوا كاذبين فأهلكهم الله بحنث

[ 214 ]

القسامة وخلص المظلوم وحده قوله ما خلعوا في رواية أحمد بن حرب ما خلعوه قوله حتى إذا كانوا بنخلة بلفظ واحدة النخيل وهو موضع على ليلة من مكة قولهم فانهجم عليهم الغار أي سقط عليهم بغتة قوله وأفلت بضم أوله وسكون الفاء أي تخلص والقرينان هما أخو المقتول والذي أكمل الخمسين قوله واتبعهما حجر أي بتشديد التاء وقع عليهما بعد أن خرجا من الغار قوله وقد كان عبد الملك بن مروان هو مقول أبي قلابة بالسند أيضا وهي موصولة لان أبا قلابة أدركها قوله أقاد رجلا لم أقف على اسمه قوله ثم ندم بعد بضم الدال قوله ما صنع كأنه ضمن ندم معنى كره ووقع في رواية أحمد بن حرب على الذي صنع قوله فأمر بالخمسين أي الذين حلفوا ووقع في رواية أحمد بن حرب الذين أقسموا قوله وسيرهم إلى الشام أي نفاهم وفي رواية أحمد بن حرب من الشام وهذه أولى لان إقامة عبد الملك كانت بالشام ويحتمل أن يكون ذلك وقع لما كان عبد الملك بالعراق عند محاربته مصعب بن الزبير ويكونوا من أهل العراق فنفاهم إلى الشام قال المهلب فيما حكاه بن بطال الذي اعترض به أبو قلابة من قصة العرنيين لا يفيد مراده من ترك القسامة لجواز قيام البينة والدلائل التي لا تدفع على تحقيق الجناية في حق العرنيين فليس قصتهم من طريق القسامة في شئ لانها إنما تكون في الاختفاء بالقتل حيث لا بينة ولا دليل وأما العرنيون فانهم كشفوا وجوههم لقطع السبيل والخروج على المسلمين فكان أمرهم غير من ادعى القتل حيث لا بينة هناك قال وما ذكره هنا من انهدام الغار عليهم يعارضه ما تقدم من السنة قال وليس رأي أبي قلابة حجة ولا ترد به السنن وكذا محو عبد الملك أسماء الذين أقسموا من الديوان قلت والذي يظهر لي أن مراد أبي قلابة بقصة العرنيين خلاف ما فهمه عنه المهلب أن قصتهم كان يمكن فيها القسامة فلم يفعلها النبي صلى الله عليه وسلم وانما أراد الاستدلال بها لما ادعاه من الحصر الذي ذكره في أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتل أحدا إلا في إحدى ثلاث فعرض بقصة العرنيين وحاول المعترض اثبات قسم رابع فرد عليه أبو قلابة بما حاصله أنهم إنما استوجبوا القتل بقتلهم الراعي وبارتدادهم عن الدين وهذا بين لا خفاء فيه وانما استدل على ترك القود بالقسامة بقصة القتيل عند اليهود فليس فيها للقود بالقسامة ذكر بل ولا في أصل القصة التي هي عمدة الباب تصريح بالقود كما سأبينه ثم رأيت في آخر الحاشية لابن المنير نحو ما أجيب به وحاصله توهم المهلب أن أبا قلابة عارض حديث القسامة بحديث العرنيين فأنكر عليه فوهم وإنما اعترض أبو قلابة على القسامة بالحديث الدال على حصر القتل في ثلاثة أشياء فان الذي عارضه ظن أن في قصة العرنيين حجة في جواز قتل من لم يذكر في الحديث المذكور كأن يتمسك الحجاج في قتل من لم يثبت عليه واحدة من الثلاثة وكأن عنبسة تلقف ذلك عنه فإنه كان صديقه فبين أبو قلابة أنه ثبت عليهم قتل الراعي بغير حق والارتداد عن الاسلام وهو جواب ظاهر فلم يورد أبو قلابة قصة العرنيين مستدلا بها على ترك القسامة بل رد على من تمسك بها للقود بالقسامة وأما قصة الغار فأشار بها إلى أن العادة جرت بهلاك من حلف في القسامة عن غير علم كما وقع في حديث بن عباس في قصة القتيل الذي وقعت القسامة بسببه قبل البعثة وقد مضى في كتاب المبعث وفيه فما حال الحول ومن الثمانية والاربعين الذين حلفوا عين تطرف وجاء عن بن عباس حديث آخر

[ 215 ]

في ذلك أخرجه الطبراني من طريق أبي بكر بن أبي الجهم عن عبيد الله بن عبد الله عنه قال كان القسامة في الجاهلية حجازا بين الناس فكان من حلف على إثم أرى عقوبة من الله ينكل بها عن الجراءة على الحرام فكانوا يتورعون عن أيمان الصبر ويهابونها فلما بعث الله محمد صلى الله عليه وسلم كان المسلمون لها أهيب ثم أنه ليس في سياق قصة الهذليين تصريح بما صنع عمر هل أقاد بالقسامة أو حكم بالدية فقول المهلب ما تقدم من السنة إن كان أشار به إلى صنيع عمر فليس بواضح وأما قوله إن رأى أبي قلابة ومحو عبد الملك من الديوان لا ترد به السنن فمقبول لكن ما هي السنة التي وردت بذلك نعم لم يظهر لي وجه استدلال أبي قلابة بأن القتل لا يشرع إلا في الثلاثة لرد القود بالقسامة مع أن القود قتل نفس وهو أحد الثلاثة وانما وقع النزاع في الطريق إلى ثبوت ذلك قوله باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له كذا جزم بنفي الدية وليس في الخبر الذي ساقه تصريح بذلك لكنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرقه على عادته قوله أن رجلا اطلع أي نظر من علو وهذا الرجل لم أعرف اسمه صريحا لكن نقل بن بشكوال عن أبي الحسن بن الغيث أنه الحكم بن أبي العاص بن أمية والد مروان ولم يذكر مستندا لذلك ووجدت في كتاب مكة للفاكهي من طريق أبي سفيان عن الزهري وعطاء الخراساني أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخلوا عليه وهو يلعن الحكم بن أبي العاص وهو يقول اطلع علي وأنا مع زوجتي فلانة فكلح في وجهي وهذا ليس صريحا في المقصود هنا ووقع في سنن أبي داود من طريق هذيل بن شرحبيل قال جاء سعد فوقف على باب النبي صلى الله عليه وسلم فقام يستأذن على الباب فقال هكذا عنك فانما الاستئذان من أجل البصر وهذا أقرب إلى أن يفسر به المبهم الذي في ثاني أحاديث الباب ولم ينسب سعد هذا في رواية أبي داود ووقع في رواية الطبراني أنه سعد بن عبادة والله أعلم قوله من حجر في بعض حجر تقدم ضبط اللفظين في كتاب الاستئذان قوله بمشقص أو مشاقص هو شك من الراوي وتقدم بيانه وأنه النصل العريض وقوله في الخبر الذي بعده مدرى قد يخالفه فيحمل على تعدد القصة ويحتمل أن رأس المدرى كان محددا فأشبه النصل وتقدم ضبط المدرى في باب الامتشاط من كتاب اللباس وأن مما قيل في تفسيره حديدة كالخلال لها رأس محدد وقيل لها سنان من حديد قوله وجعل يختله بفتح أوله وسكون الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة ثم لام من الختل بفتح أوله وسكون ثانيه وهو الاصابة على غفلة قوله ليطعنه بضم العين المهملة بناء على المشهور أن الطعن بالفعل بضم العين وبالقول بفتحها وقد قيل هما سواء زاد أبو الربيع الزهراني عن حماد عند مسلم فذهب أو لحقه فأخطأ وفي رواية عاصم بن علي عن حماد عند أبي نعيم فما أدري أذهب أو كيف صنع الحديث الثاني قوله حدثنا ليث هو بن سعد قوله أن رجلا اطلع في حجر في باب رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية الكشميهني من في الموضعين قوله أنك رواية الكشميهني أن خفيفة قوله في عينيك كذا للمستملي وللسرخسي للباقين في عينك بالافراد وهذا مما يقوي تعدد القصة لانه في حديث أنس جزم بأنه اطلع وأراد أن يطعنه وفي حديث سهل علق طعنه على نظره قوله انما جعل الاذن من قبل بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة قوله البصر في رواية الكشميهني النظر

[ 216 ]

وقد تقدم في الاستئذان من وجه آخر عن الزهري بلفظ آخر الحديث الثالث قوله حدثنا علي هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة قوله قال أبو القاسم صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أخرجه عن بن أبي عمر عن سفيان قوله لو أن امرأ تقدم ضبطه قبل ستة أبواب قوله لم يكن عليك جناح عند مسلم من هذا الوجه ما كان عليك من جناح والمراد بالجناح هنا الحرج وقد أخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن بن عيينة بلفظ ما كان عليك من حرج ومن طريق بن عجلان عن أبيه عن الزهري عن أبي هريرة ما كان عليك من ذلك شئ ووقع عند مسلم من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ من اطلع في بيت قوم بغير اذنهم فقد حل لهم أن يفقؤا عينه أخرجه من رواية أبي صالح عنه وفيه رد على من حمل الجناح هنا على الاثم ورتب على ذلك وجوب الدية إذ لا يلزم من رفع الاثم رفعها لان وجوب الدية من خطاب الوضع ووجه الدلالة أن اثبات الحل يمنع ثبوت القصاص والدية وورد من وجه آخر عن أبي هريرة أصرح من هذا عند أحمد وابن أبي عاصم والنسائي وصححه بن حبان والبيهقي كلهم من رواية بشر بن نهيك عنه بلفظ من اطلع من بيت قوم بغير إذنهم ففقؤا عينه فلا دية ولا قصاص وفي رواية من هذا الوجه فهو هدر وفي هذه الاحاديث من الفوائد إبقاء شعر الرأس وتربيته واتخاذ آلة يزيل بها عنه الهوام ويحك بها لدفع الوسخ أو القمل وفيه مشروعية الاستئذان على من يكون في بيت مغلق الباب ومنع التطلع عليه من خلل الباب وفيه مشروعية الامتشاط وقد تقدم كثيرا من هذا كله في باب الاستئذان وان الاستئذان لا يختص بغير المحارم بل يشرع على من كان منكشفا ولو كان أما أو أختا واستدل به على جواز رمي من يتجسس ولو لم يندفع بالشئ الخفيف جاز بالثقيل وأنه إن أصيبت نفسه أو بعضه فهو هدر وذهب المالكية إلى القصاص وأنه لا يجوز قصد العين ولا غيرها وأعتلوا بأن المعصية لا تدفع بالمعصية وأجاب الجمهور بأن المأذون فيه إذا ثبت الاذن لا يسمى معصية وان كان الفعل لو تجرد عن هذا السبب يعد معصية وقد اتفقوا على جواز دفع الصائل ولو أتى على نفس المدفوع وهو بغير السبب المذكور معصية فهذا ملحق به مع ثبوت النص فيه وأجابوا عن الحديث بأنه ورد على سبيل التغليظ والارهاب ووافق الجمهور منهم بن نافع وقال يحيى بن عمر منهم لعل مالكا لم يبلغه الخبر وقال القرطبي في المفهم ما كان عليه الصلاة والسلام بالذي يهم أن يفعل ما لا يجوز أو يؤدي إلى ما لا يجوز والحمل على رفع الاثم لا يتم مع وجود النص برفع الحرج وليس مع النص قياس واعتل بعض المالكية أيضا بالاجماع على أن من قصد النظر إلى عورة الآخر ظاهر أن ذلك لا يبيح فق ء عينه ولا سقوط ضمانها عمن فقأها فكذا إذا كان المنظور في بيته وتجسس الناظر إلى ذلك ونازع القرطبي في ثبوت هذا الاجماع وقال ان الخبر يتناول كل مطلع قال وإذا تناول المطلع في البيت مع المظنة فتناوله المحقق أولى قلت وفيه نظر لان التطلع إلى ما في داخل البيت لم ينحصر في النظر إلى شئ معين كعورة الرجل مثلا بل يشمل استكشاف الحريم وما يقصد صاحب البيت ستره من الامور التي لا يجب اطلاع كل أحد عليها ومن ثم ثبت النهي على التجسيس والوعيد عليه حسما لمواد ذلك فلو ثبت الاجماع المدعى لم يستلزم رد هذا الحكم الخاص ومن المعلوم أن العاقل يشتد عليه أن الاجنبي يرى وجه زوجته وابنته ونحو ذلك وكذا في حالة ملاعبته أهله أشد مما

[ 217 ]

رأى الاجنبي ذكره منكشفا والذي ألزمه القرطبي صحيح في حق من يروم النظر فيدفعه المنظور إليه وفى وجه للشافعية لا يشرع في هذه الصورة وهل يشترط الانذار قبل الرمي وجهان قيل يشترط كدفع الصائل وأصحهما لا لقوله في الحديث يختله بذلك وفي حكم المتطلع من خلل باب الناظر من كوة من الدار وكذا من وقف في الشارع فنظر إلى حريم غيره أو إلى شئ في دار غيره وقيل المنع مختص بمن كان في ملك المنظور إليه وهل يلحق الاستماع بالنظر وجهان الاصح لا لان النظر إلى العورة أشد من استماع ذكرها وشرط القياس المساواة أو أولوية المقيس وهنا بالعكس واستدل به على اعتبار قدر ما يرمى به بحصى الخذف المقدم بيانها في كتاب الحج لقوله في حديث الباب فخذفته فلو رماه بحجر يقتل أو سهم تعلق به القصاص وفي وجه لا ضمان مطلقا ولو لم يندفع إلا بذلك جاز ويستثنى من ذلك من له في تلك الدار زوج أو محرم أو متاع فأراد الاطلاع عليه فيمتنع رميه للشبهة وقيل لا فرق وقيل يجوز إن لم يكن في الدار غير حريمه فان كان فيها غيرهم أنذر فان انتهى وإلا جاز ولو لم يكن في الدار إلا رجل واحد هو مالكها أو ساكنها لم يجز الرمي قبل انذار إلا إن كان مكشوف العورة وقيل يجوز مطلقا لان من الاحوال ما يكره الاطلاع عليه كما تقدم ولو قصر صاحب الدار بان ترك الباب مفتوحا وكان الناظر مجتازا فنظر غير قاصد لم يجز فان تعمد النظر وجهان أصحهما لا ويلتحق بهذا من نظر من سطح بيته ففيه الخلاف وقد توسع أصحاب الفروع في نظائر ذلك قال بن دقيق العيد وبعض تصرفاتهم مأخوذة من إطلاق الخبر الوارد في ذلك وبعضها من مقتضى فهم المقصود وبعضها بالقياس على ذلك والله أعلم قوله باب العاقلة بكسر القاف جمع عاقل وهو دافع الدية وسميت الدية عقلا تسمية بالمصدر لان الابل كانت تعقل بفناء ولي القتيل ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية ولو لم تكن إبلا وعاقلة الرجل قراباته من قبل الاب وهم عصبته وهم الذين كانوا يعقلون الابل على باب ولي المقتول وتحمل العاقلة الدية ثابت بالسنة وأجمع أهل العلم على ذلك وهو مخالف لظاهر قوله ولا تزر وازرة وزر أخرى لكنه خص من عمومها ذلك لما فيه من المصلحة لان القاتل لو أخذ بالدية لاوشك أن تأتي على جميع ماله لان تتابع الخطأ منه لا يؤمن ولو ترك بغير تغريم لاهدر دم المقتول قلت ويحتمل أن يكون السر فيه أنه لو أفرد بالتغريم حتى يفترق لآل الامر إلى الاهدار بعد الافتقار فجعل على عاقلته لان احتمال فقر الواحد أكثر من احتمال فقر الجماعة ولانه إذا تكرر ذلك منه كان تحذيره من العود إلى مثل ذلك من جماعة أدعى إلى القبول من تحذيره نفسه والعلم عند الله تعالى وعاقلة الرجل عشيرته فيبدأ بفخذه الادنى فان عجزوا ضم إليهم الاقرب إليهم وهي على الرجال والاحرار البالغين أولي اليسار منهم قوله قال مطرف كذا لابي ذر وللباقين حدثنا مطرف ويؤيده أن سيأتي بعد ستة أبواب بهذا السند بعينه ولفظه حدثنا مطرف وكذا هو في رواية الحميدي عن بن عيينة ومطرف هو بن طريف بطاء مهملة ثم فاء في اسمه واسم أبيه وهو كوفي ثقة معروف ووقع مذكورا باسم أبيه في رواية النسائي عن محمد بن منصور عن بن عيينة قوله هل عندكم شئ ما ليس في القرآن أي مما كتبتموه عن النبي صلى الله عليه وسلم سواء حفظتموه أم لا وليس المراد تعميم كل مكتوب ومحفوظ لكثرة الثابت عن علي من مرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مما ليس في الصحيفة المذكورة

[ 218 ]

والمراد ما يفهم من فحوى لفظ القرآن ويستدل به من باطن معانيه ومراد علي أن الذي عنده زائدا على القرآن مما كتب عنه الصحيفة المذكورة وما استنبط من القرآن كأنه كان يكتب ما يقع له من ذلك لئلا ينساه بخلاف ما حفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من الاحكام فإنه يتعدها بالفعل والافتاء بها فلم يخش عليها من النسيان وقوله إلا فهما يعطى رجل في كتابه في رواية الحميدي المذكورة إلا أن يعطي الله عبدا فهما في كتابه وكذا في رواية النسائي وقد تقدم في كتاب الجهاد من وجه آخر عن مطرف بلفظ إلا فهما يعطيه الله رجلا في القرآن قوله باب جنين المرأة الجنين بجيم ونونين وزن عظيم حمل المرأة ما دام في بطنها سمي بذلك لاستتاره فان خرج حيا فهو ولد أو ميتا فهو سقط وقد يطلق عليه جنين قال الباجي في شرح رجال الموطأ الجنين ما ألقته المرأة مما يعرف أنه ولد سواء كان ذكرا أو أنثى ما لم يستهل صارخا كذا قال قوله حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك وحدثنا إسماعيل يعني بن أبي أويس حدثنا مالك كذا للاكثر وسقط رواية إسماعيل هنا لابي ذر قوله عن بن شهاب عن أبي سلمة بن عبد الرحمن كذا قال عبد الله بن يوسف عن مالك وقال كما في الباب الذي يليه عن الليث عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وكلا القولين صواب إلا ان مالكا كان يرويه عن بن شهاب عن سعيد مرسلا وعن أبي سلمة موصولا وقد مضى في الطب عن قتيبة عن مالك بالوجهين وهو عند الليث من رواية أبي سلمة أيضا لكن بواسطة كما تقدم في الطب أيضا عن سعيد بن عفير عن الليث عن عبد الرحمن بن خالد عن بن شهاب ورواه يونس بن يزيد عن بن شهاب عنهما جميعا كما في الباب الذي يليه أيضا ورواه معمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده أخرجه مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة وذكر فيه حديثين الحديث الاول قوله أن امرأتين من هذيل رمت إحداهما الاخرى وفي رواية يونس أقتتلت امرأتان من هذيل فرمت وفي رواية حمل التي سأنبه عليها إحداهما لحيانية قلت ولحيان بطن من هذيل وهاتان المراتان كانتا ضرتين وكانتا تحت حمل بن النابغة الهذلي فأخرج أبو داود من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن طاوس عن بن عباس عن عمر أنه سأل عن قضية النبي صلى الله عليه وسلم فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين امرأتين فضربت إحداهما الاخرى هكذا رواه موصولا وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة عن عمر فلم يذكر بن عباس في السند ولفظه أن عمر قال أذكر الله امرأ سمع من النبي صلى الله عليه وسلم في الجنين شيئا وكذا قال عبد الرزاق عن معمر عن بن طاوس عن أبيه أن عمر استشار وأخرج الطبراني من طريق أبي المليح بن أسامة بن عمير الهذلي عن أبيه قال كان فينا رجل يقال له حمل بن مالك له امرأتان إحداهما هذلية والاخرى عامرية فضربت الهذلية بطن العامرية وأخرجه الحارث من طريق أبي المليح فأرسله لم يقل عن أبيه ولفظه ان حمل بن النابغة كانت له امرأتان مليكة وأم عفيف وأخرج الطبراني من طريق عون بن عويم قال كانت أختي مليكة وامرأة منا يقال لها أم عفيف بنت مسروح تحت حمل بن النابغة فضربت أم عفيف مليكة ووقع في رواية عكرمة عن بن عباس في آخر هذه القصة قال بن عباس إحداهما مليكة والاخرى أم عفيف أخرجه أبو داود وهذا الذي وقفت عليه منقولا وبالآخر جزم الخطيب في المبهمات وزاد بعض شراح العمدة وقيل أم مكلف وقيل

[ 219 ]

أم مليكة وأما قوله رمت فوقع في رواية يونس وعبد الرحمن بن خالد فرمت إحداهما الاخرى بحجر زاد عبد الرحمن فأصاب بطنها وهي حامل وكذا في رواية أبي المليح عند الحارث لكن قال فخذفت وقال فأصاب قبلها ووقع في رواية أبي داود المذكورة من طريق حمل بن مالك فضربت إحداهما الاخرى بمسطح وعند مسلم من طريق عبيد بن نضيلة بنون وضاد معجمة مصغر عن المغيرة بن شعبة قال ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي حبلى فقتلتها وكذا في حديث أبي المليح بن أسامة عن أبيه فضربت الهذلية بطن العامرية بعمود فسطاط أو خباء وفي حديث عويم ضربتها بمسطح بيتها وهي حامل وكذا عند أبي داود من حديث حمل بن مالك بمسطح ومن حديث بريدة أن امرأة خذفت امرأة أخرى قوله فطرحت جنينها في رواية عبد الرحمن بن خالد فقتلت ولدها في بطنها وفي رواية يونس فقتلتها وما في بطنها وفي حديث حمل بن مالك مثله بلفظ فقتلتها وجنينها ونحوه في رواية عويم وكذا في رواية أبي المليح عن أبيه قوله فقضى فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم بغرة عبد أو أمة في رواية عبد الرحمن بن خالد ويونس فأختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة ونحوه في رواية يونس لكن قال أو وليدة وفي رواية معمر من طريق أبي سلمة فقال قائل كيف يعقل وفي رواية يونس عند مسلم وأبي داود وورثها ولدها ومن معهم فقال حمل بن النابغة وفي رواية عبد الرحمن بن خالد الماضية في الطب فقال ولي المرأة التي غرمت ثم اتفقا كيف أغرم يا رسول الله من لاشرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل ذلك يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم انما هذا من اخوان الكهان وفي مرسل سعيد بن المسيب عند مالك قضى في الجنين يقتل في بطن أمه بغرة عبد أو وليدة وفي رواية الليث من طريق سعيد الموصولة نحوه عند الترمذي ولكن قال ان هذا ليقول بقول شاعر بل فيه غرة وفيه ثم إن المرأة التي قضي عليها بالغرة توفيت فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ميراثها لبنيها وزوجها وأن العقل على عصبتها وفي رواية عكرمة عن بن عباس فقال عمها انها قد أسقطت غلاما قد نبت شعره فقال أبو القاتلة إنه كاذب إنه والله ما استهل ولا شرب ولا أكل فمثله يطل فقال النبي صلى الله عليه وسلم أسجع كسجع الجاهلية وكهانتها وفي رواية عبيد بن نضيلة عن المغيرة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم دية المقتول على عصبة القاتلة وغرة لما فيه بطنها فقال رجل من عصبة القاتلة أنغرم من لا أكل وفي آخره أسجع كسجع الاعراب وجعل عليهم الدية وفي حديث عويم عند الطبراني فقال أخوها العلاء بن مسروح يا رسول الله أنغرم من لا شرب ولا أكل ولا نطق ولا استهل فمثل هذا يطل فقال أسجع كسجع الجاهلية ونحوه عند أبي يعلى من حديث جابر لكن قال فقالت عاقلة القاتلة وعند البيهقي من حديث أسامة بن عميرة فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فاختصموا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الدية على العصبة وفي الجنين غرة فقال ما وضع فحل ولا صاح فاستهل فأبطله فمثله يطل وبهذا يجمع الاختلاف فيكون كل من أبيها وأخيها وزوجها قالوا ذلك لانهم كلهم من عصبتها بخلاف المقتولة فان في حديث أسامة بن عمير أن المقتولة عامرية والقاتلة هذلية ووقع في رواية أسامة فقال دعني من اراجيز الاعراب وفي لفظ أسجاعة بك وفي آخر أسجع كسجع الجاهلية قيل يا رسول الله إنه شاعر وفي لفظ لسنا من أساجيع الجاهلية في شئ وفيه فقال إن لها

[ 220 ]

ولدا هم سادة الحي وهم أحق أن يعقلوا عن أمهم قال بل أنت أحق أن تعقل عن أختك من ولدها فقال مالي شئ قال حمل وهو يومئذ على صدقات هذيل وهو زوج المرأة وأبو الجنين أقبض من صدقات هذيل أخرجه البيهقي وفي رواية بن أبي عاصم ما له عبد أو أمة قال عشر من الابل قالوا ما له من شئ إلا أن تعينه من صدقة بني لحيا فأعانه بها فسعى حمل عليها حتى استوفاها وفي حديثه عند الحارث بن أبي أسامة فقضى أن الدية على عاقلة القاتلة وفي الجنين غرة عبد أو أمة و عشر من الابل أو مائة شاة ووقع في حديث أبي هريرة من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنه قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجنين بغرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل وكذا وقع عند عبد الرزاق في رواية بن طاوس عن أبيه عن عمر مرسلا فقال حمل بن النابغة قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدية في المرأة وفي الجنين غرة عبد أو أمة أو فرس وأشار البيهقي أن ذكر الفرس في المرفوع وهم وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة وذكر أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ فقضى أن في الجنين غرة قال طاوس الفرس غرة قلت وكذا أخرج الاسماعيلي من طريق حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال الفرس غرة وكأنهما رأيا أن الفرس أحق بإطلاق لفظ الغرة من الآدمي ونقل بن المنذر والخطابي عن طاوس ومجاهد وعروة بن الزبير الغرة عبد أو أمة أو فرس وتوسع داود ومن تبعه من أهل الظاهر فقالوا يجزئ كل ما وقع عليه اسم غرة والغرة في الاصل البياض يكون في جبهة الفرس وقد استعمل للآدمي في الحديث المتقدم في الوضوء إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا وتطلق الغرة على الشئ النفيس آدميا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى وقيل أطلق على الآدمي غرة لانه أشرف الحيوان فان محل الغرة الوجه والوجه أشرف الاعضاء وقوله في الحديث غرة عبد أو أمة قال الاسماعيلي قرأه العامة بالاضافة وغيرهم بالتنوين وحكى القاضي عياض الخلاف وقال التنوين أوجه لانه بيان للغرة ما هي وتوجيه الآخر أن الشئ قد يضاف إلى نفسه لكنه نادر وقال الباجي يحتمل أن تكون أو شكا من الراوي في تلك الواقعة المخصوصة ويحتمل أن تكون للتنويع وهو الاظهر وقيل المرفوع من الحديث قوله بغرة وأما قوله عبد أو أمة فشك من الراوي في المراد بها قال وقال مالك الحمران أولى من السودان في هذا وعن أبي عمرو بن العلاء قال الغرة عبد أبيض أو أمة بيضاء قال فلا يجزي في دية الجنين سوداء إذ لو لم يكن في الغرة معنى زائد لما ذكرها ولقال عبد أو أمة ويقال إنه انفرد بذلك وسائر الفقهاء على الاجزاء فيما لو أخرج سوداء وأجابوا بأن المعنى الزائد كونه نفيسا فلذلك فسره بعبد أو أمة لان الآدمي أشرف الحيوان وعلى هذا فالذي وقع في رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة من زيادة ذكر الفرس في هذا الحديث وهم ولفظه غرة عبد أو أمة أو فرس أو بغل ويمكن إن كان محفوظا أن الفرس هي الاصل في الغرة كما تقدم وعلى قول الجمهور فأقل ما يجزي من العبد أو الامة ما سلم من العيوب التي يثبت بها الرد في البيع لان المعيب ليس من الخيار واستنبط الشافعي من ذلك أن يكون منتفعا به فشرط أن لا ينقص عن سبع سنين لان من لم يبلغها لا يستقل غالبا بنفسه فيحتاج إلى التعهد بالتربية فلا يجبر المستحق على أخذه وأخذ بعضهم من لفظ الغلام أن لا يزيد على خمس عشرة ولا تزيد الجارية على عشرين ومنهم من جعل الحد ما بين

[ 221 ]

السبع والعشرين والراجح كما قال بن دقيق العيد أنه يجزئ ولو بلع الستين وأكثر منها ما لم يصل إلى عدم الاستقلال بالهرم والله أعلم واستدل به على عدم وجوب القصاص في القتل بالمثقل لانه صلى الله عليه وسلم لم يأمر فيه بالقود وانما أمر بالدية وأجاب من قال به بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر بحيث يقتل بعضه غالبا ولا يقتل بعضه غالبا وطرد المماثلة في القصاص انما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبا وفي هذا الجواب نظر فان الذي يظهر أنه انما لم يوجب فيه القود لانها لم يقصد مثلها وشرط القود العمد وهذا انما هو شبه العمد فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه الحديث الثاني قوله حدثنا وهيب هو بن خالد وصرح أبو داود في روايته عن موسى بن إسماعيل شيخ البخاري به قوله عن هشام هو بن عروة وصرح الاسماعيلي من طريق عفان عن وهيب به قوله عن أبيه عن المغيرة في رواية الاسماعيلي من طريق بن جريج حدثني هشام بن عروة عن أبيه أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه حدثه قال أبو داود عقب رواية وهيب رواه حماد بن زيد وحماد بن سلمة عن هشام عن أبيه أن عمر يعني لم يذكر المغيرة في السند قلت وهي رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب وساق الاسماعيلي من طريق حماد بن زيد وعبد الله بن المبارك وعبيدة كلهم عن هشام نحوه وخالف الجميع وكيع فقال عن هشام عن أبيه عن المسور بن مخرمة أن عمر استشار الناس في إملاص المرأة فقال المغيرة أخرجه مسلم قوله عن عمر رضي الله عنه أنه استشارهم في رواية الاسماعيلي من طريق سفيان بن عيينة عن هشام عن أبيه عن المغيرة أن عمر قوله في إملاص المرأة في رواية المصنف في الاعتصام من طريق أبي معاوية عن هشام عن أبيه عن المغيرة سأل عمر بن الخطاب في إملاص المرأة وهي التي تضرب بطنها فتلقي جنينها فقال أيكم سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فيه شيئا وهذا التفسير أخص من قول أهل اللغة أن الاملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة أي قبل حين الولادة هكذا نقله أبو داود في السنن عن أبي عبيد وهو كذلك في الغريب له وقال الخليل أملصت المرأة والناقة إذا رمت ولدها وقال بن قطاع أملصت الحامل ألقت ولدها ووقع في بعض الروايات ملاص بغير ألف كأنه اسم فعل الولد فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه أو اسم لتلك الولادة كالخداج ووقع عند الاسماعيلي من رواية بن جريج عن هشام المشار إليها قال هشام الملاص للجنين وهذا يتخرج أيضا على الحذف وقال صاحب البارع الاملاص الاسقاط وإذا قبضت على شئ فسقط من يدك تقول أملص من يدي إملاصا وملص ملصا ووقع في رواية عبيد الله بن موسى التي تلي حديث الباب أن عمر تشد الناس من سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى في السقط قوله فقال المغيرة كذا في رواية عبيد الله بن موسى وفي رواية بن عيينة فقام المغيرة بن شعبة فقال بلى أنا يا أمير المؤمنين وفيه تجريد وكان السياق يقتضي أن يقول فقلت وقد وقع في رواية أبي معاوية المذكورة فقلت أنا قوله قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالغرة عبد أو أمة كذا في رواية عفان عن وهيب بالام وهو يؤيد رواية التنوين وسائر الروايات بغرة ومنها رواية أبي معاوية بلفظ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول فيها غرة عبد أو أمة قوله فشهد محمد بن مسلمة أنه شهد النبي صلى الله عليه وسلم قضى به كذا في رواية وهيب مختصرا وفي رواية بن عيينة فقال عمر من يشهد معك فقام محمد فشهد بذلك وفي رواية

[ 222 ]

وكيع فقال ائتني بمن يشهد معك فجاء محمد بن مسلمة فشهد له وفي رواية أبي معاوية فقال لا تبرح حتى تجئ بالمخرج مما قلت قال فخرجت فوجدت محمد بن مسلمة فجئت به فشهد معي أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قضى به قوله حدثنا عبيد الله بن موسى عن هشاما هو بن عروة وهذا في حكم الثلاثيات لان هشاما تابعي كما سبق تقريره في رواية عبيد الله بن موسى أيضا عن الاعمش في أول الديات قوله عن أبيه أن عمر هذا صورته الارسال لكن تبين من الرواية السابقة واللاحقة ان عروة حمله عن المغير ة وان لم يصرح به في هذه الرواية وفي عدول البخاري عن رواية وكيع إشارة إلى ترجيح رواية من قال فيه عن عروة عن المغيرة وهم الاكثر قوله فقال المغيرة كذا لابي ذر وهو الاوجه ولغيره وقال المغيرة بالواو قوله ائت بمن يشهد كذا للاكثر بصيغة فعل الامر من الاتيان وحذفت عند بعضهم الباء من قوله بمن ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بألف ممدودة ثم نون ثم مثناة بصيغة استفهام المخاطب على إرادة الاستثباث أي أنت تشهد ثم استفهمه ثانيا من يشهد معك قوله في طريق الثالث حدثنا محمد بن عبد الله هو محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي نسبه إلى جده وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق بن خزيمة عن محمد بن يحيى عن محمد بن سابق وكلام الاسماعيلي يشعر بأن البخاري أخرجه عن محمد بن سابق نفسه بلا واسطة قوله انه استشارهم في إملاص المرأة مثله يعني مثل رواية وهيب قال بن دقيق العيد الحديث أصل في اثبات دية الجنين وأن الواجب فيه غرة إما عبد وإما أمة وذلك إذا ألقته ميتا بسبب الجناية وتصرف الفقهاء بالتقييد في سن الغرة وليس ذلك من مقتضى الحديث كما تقدم واستشارة عمر في ذلك أصل في سؤال الامام عن الحكم إذا كان لا يعلمه أو كان عنده شك أو أراد الاستثبات وفيه أن الوقائع الخاصة قد تخفى على الاكابر ويعلمها من دونهم وفي ذلك رد على المقلد إذا استدل عليه بخبر يخالفه فيجيب لو كان صحيحا لعلمه فلان مثلا فان ذلك إذا جاز خفاؤه عن مثل عمر فخفاؤه عن من بعده أجوز وقد تعلق بقول عمر لتأتين بمن يشهد معك من يرى اعتبار العدد في الرواية ويشترط أنه لا يقبل أقل من أثنين كما في غالب الشهادات وهو ضعيف كما قال بن دقيق العيد فإنه قد ثبت قبول الفرد في عدة مواطن وطلب العدد في صورة جزئية لا يدل على اعتباره في كل واقعة لجواز المانع الخاص بتلك الصورة أو وجود سبب يقتضي التثبت وزيادة الاستظهار ولا سيما إذا قامت قرينة وقريب من هذا قصة عمر مع أبي موسى في الاستئذان قلت وقد تقدم شرحها مستوفى في كتاب الاستئذان وبسط هذه المسألة أيضا هناك ويأتي أيضا في باب إجازة خبر الواحد من كتاب الاحكام وقد صرح عمر في قصة أبي موسى بأنه أراد الاستثبات وقوله في إملاص المرأة أصرح في وجوب الانفصال ميتا من قوله في حديث أبي هريرة قضى في الجنين وقد شرط الفقهاء في وجوب الغرة انفصال الحنين ميتا بسبب الجناية فلو انفصل حيا ثم مات وجب فيه القود أو الدية كاملة ولو ماتت الام ولم ينفصل الجنين لم يجب شئ عند الشافعية لعدم تيقن وجود الجنين وعلى هذا هل المعتبر نفس الانفصال أو تحقق حصول الجنين فيه وجهان أصحهما الثاني ويظهر أثره فيما لو قدت نصفين أو شق بطنها فشوهد الجنين وأما إذا خرج راس الجنين مثلا بعد ما ضرب وماتت الام ولم ينفصل قال بن دقيق العيد ويحتاج من قال ذلك إلى تأويل الرواية وحملها على أنه انفصل وان لم يكن في اللفظ

[ 223 ]

ما يدل عليه قلت وقع في حديث بن عباس عند أبي داود فأسقطت غلاما قد نبت شعره ميتا فهذا صريح في الانفصال ووقع مجموع ذلك في حديث الزهري ففي رواية عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الماضية في الطب فأصاب بطنها وهي حامل فقتل ولدها في بطنها وفي رواية مالك في هذا الباب فطرحت جنينها واستدل به على أن الحكم المذكور خاص بولد الحرة لان القصة وردت في ذلك وقوله في إملاص المرأة وان كان فيه عموم لكن الراوي ذكر أنه شهد واقعة مخصوصة وقد تصرف الفقهاء في ذلك فقال الشافعية الواجب في جنين الامة عشر قيمة أمه كما أن الواجب في جنين الحرة عشر ديتها وعلى أن الحكم المذكور خاص بمن يحكم بإسلامه ولمن يتعرض لجنين محكوم بتهوده أو تنصره ومن الفقهاء ما قاسه على الجنين المحكوم بإسلامه تبعا وليس هذا من الحديث وفيه أن القتل المذكور لا يجري مجرى العمد والله أعلم واستدل به على ذم السجع في الكلام ومحل الكراهة إذا كان ظاهر التكلف وكذا لو كان منسجما لكنه في ابطال حق أو تحقيق باطل فأما لو كان منسجما وهو في حق أو مباح فلا كراهة بل ربما كان في بعضه ما يستحب مثل أن يكون فيه إذعان مخالف للطاعة كما وقع لمثل القاضي الفاضل في بعض رسائله أو إقلاع عن معصية كما وقع لمثل أبي الفرج بن الجوزي في بعض مواعضه وعلى هذا يحمل ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا من غيره من السلف الصالح والذي يظهر لي أن الذي جاء من ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عن قصد إلى التسجيع وانما جاء اتفاقا لعضم بلاغته وأما من بعده فقد يكون كذلك وقد يكون عن قصد وهو الغالب ومراتبهم في ذلك متفاوتة جدا والله أعلم قوله باب جنين المرأة وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد لا على الولد ذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله من وجهين قال الاسماعيلي هكذا ترجم على أن العقل على الوالد وعصبة الوالد وليس في الخبر إيجاب العقل على الوالد فان أراد الوالدة التي كانت هي الجانية فقد يكون الحكم عليها فإذا ماتت أو عاشت فالعقل على عصبتها انتهى والمعتمد ما قال بن بطال مراده أن عقل المرأة المقتولة على والد القاتلة وعصبته قلت وأبوها وعصبة أبيها عصبتها فطابق لفظ الخبر الاول في الباب وأن العقل على عصبتها وبينه لفظ الخبر الثاني في الباب أيضا وقضى أن دية المرأة على عاقلتها وانما ذكره بلفظ الولد للاشارة على ما ورد في بعض طرق القصة وقوله لا على الولد قال بن بطال يريد أن ولد المرأة إذا لم يكن من عصبتها لا يعقل عنها لان العقل على العصبة دون ذوي الارحام ولذلك لا يعقل الاخوة من الام قال ومقتضى الخبر أن من يرثها لا يعقل عنها إذا لم يكن من عصبتها وهو متفق عليه بين العلماء كما قاله بن المنذر قلت وقد ذكرت قبل هذا أن في رواية أسامة بن عمير فقال أبوها إنما يعقلها بنوها فقال النبي صلى الله عليه وسلم الدية على العصبة قوله باب من استعان عبدا أو صبيا كذا للاكثر بالنون وللنسفي استعار بالراء قال الكرماني ومناسبة الباب للكتاب أنه لو هلك وجبت قيمة العبد أو دية الحر قوله ويذكر أن أم سلمة بعثت إلى معلم الكتاب في رواية النسفي معلم كتاب بالتنكير قوله ابعث الي غلمانا ينفشون هو بضم الفاء وبالشين المعجمة قوله صوفا ولا تبعث الي حرا كذا للجمهور بكسر الهمزة وفتح اللام الخفيفة بعدها ياء ثقيلة وذكره بن بطال بلفظ إلا بحرف الاستثناء وشرحه على ذلك وهو عكس معنى رواية الجماعة وهذا

[ 224 ]

الاثر وصله الثوري في جامعه وعبد الرزاق في مصنفه عنه عن محمد بن المنكدر عن أم سلمة وكأنه منقطع بين بن المنكدر وأم سلمة لذلك ولم يجزم به ثم ذكر حديث أنس في خدمته النبي صلى الله عليه وسلم في الحضر والسفر بالتماس أبي طلحة من النبي صلى الله عليه وسلم واجابته له وأبو طلحة كان زوج أم أنس وعن رأيها فعل ذلك وقد بينت ذلك في أول كتاب الوصايا قال بن بطال انما اشترطت أم سلمة الحر لان جمهور العلماء يقولون من استعان حرا لم يبلغ أو عبدا بغير اذن مولاه فهلكا من ذلك العمل فهو ضامن لقيمة العبد وأما دية الحر فهي على عاقلته قلت وفي الفرق من هذا التعليل نظر ونقل بن التين ما قال بن بطال ثم نقل عن الداودي أنه قال يحمل فعل أم سلمة على أنها أمهم قال فعلى هذا لا فرق بين حر وعبد ونقل عن غيره أنها انما اشترطت أن لا يكون حرا لانها أم لنا فما لنا كما لها وعبيدنا كعبيدها وأما أولادنا فأجتبتهم وقال الكرماني لعل غرضها من منع بعث الحر إكرام الحر وايصال العوض لانه على تقدير هلاكه في ذلك لا تضمنه بخلاف العبد فان الضمان عليها لو هلك به وفيه دليل على جواز استخدام الاحرار وأولاد الجيران فيما لا كبير مشقة فيه ولا يخاف منه التلف كما في حديث الباب وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في أواخر الوصايا قوله عن عبد العزيز هو بن صهيب وقد تقدم منسوبا في هذا الحديث بعينه في كتاب الوصايا ومناسبة أثر أم سلمة لقصة أنس أن في كل منهما استخدام الصغير بإذن وليه وهو جاز على العرف السائغ في ذلك وإنما خصت أم سلمة العبيد بذلك لان العرف جرى برضا السادة باستخدام عبيدهم في الامر اليسير الذي لا مشقة فيه بخلاف الاحرار فلم تجر العادة بالتصرف فيهم بالخدمة كما يتصرف في العبيد وأما قصة أنس فإنه كان في كفالة أمه فرأت له من المصلحة أن يخدم النبي صلى الله عليه وسلم لما في ذلك من تحصيل النفع العاجل والآجل فأحضرته وكان زوجها معها فنسبت الاحضار إليها تارة واليه أخرى وهذا صدر من أم سليم أول ما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة كما سبق في باب حسن الخلق من كتاب الادب واضحا وكانت لابي طلحة في إحضار أنس قصة أخرى وذلك عند إرادة النبي صلى الله عليه وسلم الخروج إلى خيبر كما أوضحت ذلك هناك أيضا وتقدم في كتاب المغازي قوله صلى الله عليه وسلم لابي طلحة لما أراد الخروج إلى خيبر التمس لي غلاما يخرج معي فأحضر له أنسا وقد بينت وجه الجمع المذكور في كتاب الادب أيضا قال الكرماني مناسبة الحديث للترجمة أن الخدمة مستلزمة للاعانة وقوله في آخر الحديث فما قال لي لشئ صنعته لم أصنع هذا هكذا ولا لشئ لم أصنعه لم لم تصنع هذا هكذا كذا وقع بصيغة واحدة في الاثبات والنفي وهو في الاثبات واضح واما النفي فقال بن التين مراده أنه لم يلمه في الشق الاول على شئ فعله ناقصا عن ارادته تجوزا عنه وحلما ولا لامه في الشق الثاني على ترك شئ لم يفعله خشية أنس أن يخطئ فيه لو فعله وإلى ذلك أشار بقوله هذا هكذا لانه كما صفح عنه فيما فعله ناقصا عن إرادته صفح عنه فيما لم يفعله خشية وقوع الخطأ منه ولو فعله ناقصا عن ارادته لصفح عنه انتهى ملخصا ولا يخفى تكلفه وقد أخرجه الاسماعيلي من طريق بن جريج قال أخبرني إسماعيل وهو بن إبراهيم المعروف بابن علية راوية هذا الباب بلفظ ولا لشئ لم أفعله لم لم تفعله وهذا من رواية الاكابر عن الاصاغر فان بن علية مشهور بالرواية عن بن جريج فروى بن جريج هنا عن تلميذه قوله باب المعدن جبار والبئر جبار كذا ترجم ببعض الخبر وأفرد بعضه

[ 225 ]

بعده وترجم في الزكاة لبقيته وقد تقدم في كتاب الشرب من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بتمامه وبدأ فيه بالمعدن وثنى بالبئر وأورده هنا من طريق الليث قال حدثني بن شهاب وهذا مما سمعه الليث عن الزهري وهو كثير الرواية عنه بواسطة وبغير واسطة قوله عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة كذا جمعهما الليث ووافقه الاكثر واقتصر بعضهم على أبي سلمة وتقدم في الزكاة من رواية مالك عن بن شهاب فقال عن سعيد بن المسيب وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن وهذا قد يظن انه عن سعيد مرسل وعن أبي سلمة موصول وقد أخرجه مسلم والنسائي من رواية يونس بن يزيد عن بن شهاب عن سعيد بن المسيب وعبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة قال الدارقطني المحفوظ عن بن شهاب عن سعيد وأبي سلمة وليس قول يونس بمدفوع قلت قد تابعه الاوزاعي عن الزهري في قوله عن عبيد الله لكن قال عن بن عباس بدل أبي هريرة وهو وهم من الراوي عنه يوسف بن خالد كما نبه عليه بن عدي وقد روى سفيان بن حسين عن الزهري عن سعيد وحده عن أبي هريرة شيئا منه وروى بعض الضعفاء عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن أنس بعضه ذكره بن عدي وهو غلط وأخرج مسلم الحديث بتمامه من رواية الاسود بن العلاء عن أبي سلمة وقد رواه عن أبي هريرة جماعة غير من ذكر منهم محمد بن زياد كما في الباب الذي بعد وهمام بن منبه أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي قوله العجماء بفتح المهملة وسكون الجيم وبالمد تأنيث أعجم وهي البهيمة ويقال أيضا لكل حيوان غير الانسان ويقال لمن لا يفصح والمراد هنا الاول قوله جبار بضم الجيم وتخفيف الموحدة هو الهدر الذي لا شئ فيه كذا أسنده بن وهب عن بن شهاب وعن مالك ما لا دية فيه أخرجه الترمذي وأصله أن العرب تسمي السيل جبارا أي لا شئ فيه وقال الترمذي فسر بعض أهل العلم قالوا العجماء الدابة المنفلتة من صاحبها فما أصابت من انفلاتها فلا غرم على صاحبها وقال أبو داود بعد تخريجه العجماء التي تكون منفلتة لا يكون معها أحد وقد تكون بالنهار ولا تكون بالليل ووقع عند بن ماجة في آخر حديث عبادة بن الصامت والعجماء البهيمة من الانعام وغيرهم والجبار هو الهدر الذي لا يغرم كذا وقع التفسير مدرجا وكأنه من رواية موسى بن عقبة وذكر بن العربي أن بناء ج ب ر للرفع والاهدار من باب السلب وهو كثير يأتي اسم الفعل والفاعل لسلب معناه كما يأتي لاثبات معناه وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بأنه للرفع على بابه لان إتلافات الآدمي مضمونة مقهور متلفها على ضمانها وهذا اتلاف قد ارتفع عن أن يؤخذ به أحد وسيأتي بقية ما يتعلق بالعجماء في الباب الذي يليه قوله والبئر جبار في رواية الاسود بن العلاء عند مسلم والبئر جرحها جبار أما البئر فهي بكسر الموحدة ثم ياء ساكنة مهموزة ويجوز تسهيلها وهي مؤنثة وقد تذكر على معنى القليب والطوى والجمع أبؤر وآبار بالمد والتخفيف وبهمزتين بينهما موحدة ساكنة قال أبو عبيد المراد بالبئر هنا العادية القديمة التي لا يعلم لها مالك تكون في البادية فيقع فيها انسان أو دابة فلا شئ في ذلك على أحد وكذلك لو حفر بئرا في ملكه أو في موات فوقع فيها انسان أو غيره فتلف فلا ضمان إذا لم يكن منه تسبب إلى ذلك ولا تغرير وكذا لو استأجر انسانا ليحفر له البئر فانهارت عليه فلا ضمان وأما من حفر بئرا في طريق المسلمين وكذا في ملك غيره بغير إذن فتلف بها انسان فإنه يجب ضمانه على عاقلة الحافر والكفارة في ماله وان تلف بها غير آدمي وجب ضمانه في مال الحافر ويلتحق بالبئر كل حفرة على التفصيل المذكور

[ 226 ]

والمراد بجرحها وهي بفتح الجيم لا غير كما نقله في عن الازهري ما يحصل بالواقع فيها من الجراحة وليست الجراحة مخصوصة بذلك بل كل الاتلافات ملحقة بها قال عياض وجماعة انما عبر بالجرح لانه الاغلب أو هو مثال نبه به على ما عداه والحكم في جميع الاتلاف بها سواء كان على نفس أو مال وراية الاكثر تتناول ذلك على بعض الآراء ولكن الراجح الذي يحتاج لتقدير لا عموم فيه قال بن بطال وخالف الحنفية في ذلك فضمنوا حافر البئر مطلقا قياسا على راكب الدابة ولا قياس مع النص قال بن العربي اتفقت الروايات المشهورة على التلفظ بالبئر وجاءت رواية شاذة بلفظ النار جبار بنون وألف ساكنة قبل الراء ومعناه عندهم أن من استوقد نارا مما يجوز له فتعدت حتى أتلفت شيئا فلا ضمان عليه قال وقال بعضهم صحفها بعضهم لان أهل اليمن يكتبون النار بالياء لا بالالف وظن بعضهم البئر الموحدة النار بالنون فرواها كذلك قلت هذا التأويل نقله بن عبد البر وغيره عن يحيى بن معين وجزم بأن معمرا صحفه حيث رواه عن همام عن أبي هريرة قال بن عبد البر ولم يأت بن معين على قوله بدليل وليس بهذا ترد أحاديث الثقات قلت ولا يعترض على الحفاظ الثقات بالاحتمالات ويؤيده ما قال بن معين اتفاق الحفاظ من أصحاب أبي هريرة على ذكر البئر دون النار وقد ذكر مسلم أن علامة المنكر في حديث المحدث أن يعمد إلى مشهور لكثرة الحديث والاصحاب فيأتي عنه بما ليس عنده وهذا من ذاك ويؤيده أيضا أنه وقع عند أحمد من حديث جابر بلفظ والجب جبار بجيم مضمومة وموحدة ثقيلة وهي البئر وقد اتفق الحفاظ على تغليظ سفيان بن حسين حيث روى عن الزهري في حديث الباب الرجل جبار بكسر الراء وسكون الجيم وما ذاك إلا أن الزهري مكثر من الحديث والاصحاب فتفرد سفيان عنه بهذا اللفظ فعد منكرا وقال الشافعي لا يصح هذا وقال الدارقطني رواه عن أبي هريرة سعيد بن المسيب وأبو سلمة وعبيد الله بن عبد الله والاعرج وأبو صالح ومحمد بن زياد ومحمد بن سيرين فلم يذكروها وكذلك رواه أصحاب الزهري وهو المعروف نعم الحكم الذي نقله بن العربي صحيح ويمكن أن يتلقى من حيث المعنى من الالحاق بالعجماء ويلتحق به كل جماد فلو أن شخصا عثر فوق رأسه في جدار فمات أو انكسر لم يجب على صاحب الجدار شئ قوله والمعدن جبار وقع في رواية الاسود بن العلاء عند مسلم والمعدن جرحها جبار والحكم فيه ما تقدم في البئر لكن البئر مؤنثة والمعدن مذكر فكأنه ذكره بالتأنيث للمؤاخاة أو لملاحظة أرض المعدن فلو حفر معدنا في ملكه أو في موات فوقع فيه شخص فمات فدمه هدر وكذا لو استأجر آجيرا يعمل له فانهارت عليه فمات ويلتحق بالبئر والمعدن في ذلك كل أجير على عمل كمن أستأجر على صعود نخلة فسقط منها فمات قوله وفي الركاز الخمس تقدم شرحه مستوفى في كتاب الزكاة قوله باب العجماء جبار أفردها بترجمة لما فيها من التفاريع الزائدة عن البئر والمعدن وتقدمت الاشارة إلى ذلك قوله وقال بن سيرين كانوا لا يضمنون بالتشديد من النفحة بفتح النون وسكون الفاء ثم حاء مهملة أي الضرب بالرجل يقال نفحت الدابة إذا ضربت برجلها ونفح بالمال رمى به ونفح عن فلان ونافح دفع ودافع قوله ويضمنون من رد العنان بكسر المهملة ثم نون خفيفة هو ما يوضع في فم الدابة ليصرفها الراكب كما يختار والمعنى أن الدابة إذا كانت مركوبة فلفت الراكب عنانها فأصابت برجلها شيئا ضمنه الراكب وإذا ضربت برجلها من

[ 227 ]

غير أن يكون له في ذلك تسبب لم يضمن وهذا الاثر وصله سعيد بن منصور عن هشيم حدثنا بن عون عن محمد بن سيرين وهذا سند صحيح واسنده بن أبي شيبة من وجه آخر عن بن سيرين نحوه قوله وقال لا تضمن النفحة إلا أن ينحس بنون ومعجمة ثم مهملة أي يطعن قوله انسان الدابة هو أعم من أن يكون صاحبها أو أجنبيا وهذا الاثر وصل بعضه بن أبي شيبة من طريق شعبة سألت الحكم عن رجل واقف على دابته فضربت برجلها فقال يضمن وقال حماد لا يضمن قوله وقال شريح هو بن الحارث القاضي المشهور قوله لا يضمن ما عاقبت أي الدابة أن يضربها فتضرب برجلها وصله بن أبي شيبة من طريق محمد بن سيرين عن شريح قال يضمن السائق والراكب ولا يضمن الدابة إذا عاقبت قلت وما عاقبت قال إذا ضربها رجل فاصابته وأخرجه سعيد بن منصور من هذا الوجه وزاد أو راسها إلا أن يضربها رجل فتعاقبه فلا ضمان قوله وقال لاحكم أي بن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر هو الكوفي أحد فقهائهم وحماد هو بن أبي سليمان أحد فقهاء الكوفة أيضا قوله إذا ساق المكاري بكسر الراء وفتحها أيضا قوله حمارا عليه امرأة فتخر بالخاء المعجمة أي تسقط قوله لا شئ عليه أي لا ضمان قوله وقال الشعبي إذا ساق دابة فاتعبها فهو ضامن لما أصابت وان كان خلفها مترسلا لم يضمن وصلها سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن سالم عن عامر وهو الشعبي قال إذا ساق الرجل الدابة وأتعبها فأصابت انسانا فهو ضامن فان كان خلفها مترسلا أي يمشي على هيئته فليس عليه ضمان فيما أصابت قال بن بطال فرق الحنفية فيما أصابت الدابة بيدها أو رجلها فقالوا لا يضمن ما أصابت برجلها وذنبها ولو كانت بسبب ويضمن ما أصابت بيدها وفمها فأشار البخاري إلى الرد بما نقله عن أئمة أهل الكوفة مما يخالف ذلك وقد احتج لهم الطحاوي بأنه لا يمكن التحفظ من الرجل والذنب بخلاف اليد والفم واحتج برواية سفيان بن حسين الرجل جبار وقد غلط الحفاظ ولو صح فاليد أيضا جبار بالقياس على الرجل وكل منهما مقيد بما إذا لم يكن لمن هي معه مباشرة ولا تسبب ويحتمل أن يقال حديث الرجل جبار مختصر من حديث العجماء جبار لانها فرد من أفراد العجماء وهو لا يقولون بتخصيص العموم بالمفهوم فلا حجة لهم فيه وقد وقع في حديث الباب زيادة والرجل جبار أخرجه الدارقطني من طريق آدم عن شعبة وقال تفرد آدم عن شعبة بهذه الزيادة وهي وهم وعند الحنفية خلاف فقال أكثرهم لا يضمن الراكب والقائد في الرجل والذنب إلا إن أوقفها في الطريق وأما السائق فقيل ضامن لما أصابت بيدها أو رجلها لان النفحة بمرأى عينه فيمكنه الاحتراز عنها والراجح عندهم لا يضمن النفحة وإن كان يراها إذ ليس على رجلها ما يمنعها به فلا يمكنه التحرز عنه بخلاف الفم فإنه يمنعها باللجام وكذا قال الحنابلة قوله حدثنا مسلم هو بن إبراهيم ومحمد بن زيادة هو الجمحي والسند بصريون قوله عن أبي هريرة في رواية الاسماعيلي من طريق علي بن الجعد عن شعبة عن محمد بن زيادة سمعت أبا هريرة قوله العجماء عقلها جبار في رواية حامد البلخي عن أبي زيد عن شعبة جرح العجماء جبار أخرجه الاسماعيلي ووقع في رواية الاسود بن العلاء عند مسلم العجماء جرحها جبار وكذا في حديث كثير بن عبد الله المزني عند بن ماجة وفي حديث عبادة بن الصامت عنده وقال شيخنا في شرح الترمذي وليس ذكر الجرح قيدا وانما المراد به إتلافها بأي وجه كان سواء كان بجرح أو غيره والمراد بالعقل الدية أي لا دية فيما

[ 228 ]

تتلفه وقد استدل بهذا الاطلاق من قال لا ضمانة فيما أتلفت البهيمة سواء كانت منفردة أو معها أحد سواء كان راكبها أو سائقها أو قائدها وهو قول الظاهرية واستثنوا ما إذا كان الفعل منسوبا إليه بأن حملها على ذلك الفعل إذا كان راكبا كان يلوى عنانها فتتلف شيئا برجلها مثلا أو يطعنها أو يزجرها حين يسوقها أو يقودها حتى تتلف ما مرت عليه وأما ما لا ينسب إليه فلا ضمان فيه وقال الشافعية إذا كان مع البهيمة انسان فإنه يضمن ما أتلفته من نفس أو عضو أو مال سواء كان سائقا أو راكبا أو قائدا سواء كان مالكا أو آجيرا أو مستأجرا أو مستعيرا أو غاصبا وسواء أتلفت بيدها أو رجلها أو ذنبها أو رأسها وسواء كان ذلك ليلا أو نهارا والحجة في ذلك أن الاتلاف لا فرق فيه بين العمد وغيره ومن هو مع البهيمة حاكم عليها فهي كالآلة بيده ففعلها منسوب إليه سواء حملها عليه أم لا سواء علم به أم لا وعن مالك كذلك إلا إن رمحت بغير أن يفعل بها أحد شيئا ترمح بسببه وحكاه بن عبد البر عن الجمهور وقد وقع في رواية جابر عند أحمد والبزار بلفظ السائمة جبار وفيه إشعار بان المراد بالعجماء البهيمة التي ترعى لا كل بهيمة لكن المراد بالسائمة هنا التي ليس معها أحد لانه الغالب على السائمة وليس المراد بها التي لا تعلف كما في الزكاة فإنه ليس مقصودا هنا واستدل به على أنه لا فرق في اتلاف البهيمة للزروع وغيرها في الليل والنهار وهو قول الحنفية والظاهرية وقال الجمهور انما يسقط الضمان إذا كان ذلك نهارا وأما بالليل فان عليه حفظها فإذا أتلفت بتقصير منه وجب عليه ضمان ما اتلفت ودليل هذا التخصيص ما أخرجه الشافعي رضي الله عنه وأبو داود والنسائي وابن ماجة كلهم من رواية الاوزاعي والنسائي أيضا وابن ماجة من رواية عبد الله بن عيسى والنسائي أيضا من رواية محمد بن ميسرة وإسماعيل بن أمية كلهم عن الزهري عن حرام بن محيصة الانصاري عن البراء بن عازب قال كانت له ناقة ضارية فدخلت حائطا فأفسدت فيه فقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها وأن حفظ الماشية بالليل على أهلها وأن على أهل المواشي ما أصابت ماشيتهم بالليل وأخرج بن ماجة أيضا من رواية الليث عن الزهري عن بن محيصة أن ناقة للبراء ولم يسم حراما وأخرج أبو داود من رواية معمر عن الزهري فزاد فيه رجلا قال عن حرام بن محيصة عن أبيه وكذا أخرجه مالك والشافعي عنه عن الزهري عن حرام بن سعيد بن محيصة أن ناقة وأخرجه الشافعي في رواية المزني في المختصر عنه عن سفيان عن الزهري فزاد مع حرام سعيد بن المسيب قالا إن ناقة للبراء وفيه اختلاف آخر أخرجه البيهقي من رواية بن جريج عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل فاختلف فيه على الزهري على ألوان والمسند منها طريق حرام عن البراء وحرام بمهملتين أختلف هل هو بن محيصة نفسه وابن سعد بن محيصة قال بن حزم وهو مع ذلك مجهول لم يرو عنه إلا الزهري ولم يوثقه قلت وقد وثقه بن سعد وابن حبان لكن قال انه لم يسمع من البراء انتهى وعلى هذا فيحتمل أن يكون قول من قال فيه عن البراء أي عن قصة ناقة البراء فتجتمع الروايات ولا يمتنع أن يكون الزهري فيه ثلاثة أشياخ وقد قال بن عبد البر هذا الحديث وان كان مرسلا فهو مشهور حدث به الثقات وتلقاه فقهاء الحجاز بالقبول وأما إشارة الطحاوي إلى أنه منسوخ بحديث الباب فقد تعقبوه بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال مع الجهل بالتاريخ وأقوى من ذلك قول الشافعي أخذنا بحديث البراء لثبوته ومعرفة رجاله ولا يخالفه حديث

[ 229 ]

العجماء جبار لانه من العام والمراد به الخاص فلما قال العجماء جبار وقضى فيما أفسد العجماء بشئ في حال دون حال دل ذلك على أن ما أصابت العجماء من جرح وغيره في حال جبار وفي حال ثم نقض على الحنفية أنهم لم يستمروا على الاخذ بعمومه فتضمين تضمين الراكب متمسكين بحديث الرجل جبار مع ضعف رواية كما تقدم وتعقب بعضهم على الشافعية قولهم أنه لو جرت عادة قوم إرسال المواشي ليلا وحبسها نهارا انعكس الحكم على الاصح وأجابوا بأنهم اتبعوا المعنى في ذلك ونظيره القسم الواجب المرأة لو كان يكتسب ليلا ويأوي إلى أهله نهارا لانعكس الحكم في حقه مع أن عماد القسم الليل نعم لو اضطربت العادة في بعض البلاد فكان بعضهم يرسلها ليلا وبعضهم يرسلها نهارا فالظاهر أنه يقضي بما دل عليه الحديث قوله باب اثم من قتل ذميا بغير جرم بضم الجيم وسكون الراء وقد بينت في الجزية حكمة هذا القيد وأنه وإن لم يذكر في الخبر فقد عرف من قاعدة الشرع ووقع نصا في رواية أبي معاوية عن الحسن بن عمرو عند الاسماعيلي بلفظ حق وللبيهقي من رواية صفوان بن سليم عن ثلاثين من أبناء أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عن آبائهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظ من قتل معاهدا له ذمة الله ورسوله ولابي داود والنسائي من حديث أبي بكرة من قتل معاهدا في غير كنهة والذمي منسوب إلى الذمة وهي العهد ومنه ذمة المسلمين واحدة قوله عبد الواحد هو بن زياد قوله حدثنا الحسن هو بن عمرو الفقينى بفاء ثم قاف مصغر وقد بينت حاله في كتاب الجزية قوله مجاهد عن عبد الله بن عمرو هكذا في جميع الطرق بالعنعنة وقد وقع في رواية مروان بن معاوية عن الحسن بن عمرو عن مجاهد عن جنادة بن أبي أمية عن عبد الله بن عمرو فزاد فيه رجلا بين مجاهد وعبد الله وأخرجه النسائي وابن أبي عاصم من طريقه وجزم أبو بكر البردنجي في كتابه في بيان المرسل أن مجاهدا لم يسمع من عبد الله بن عمرو قوله من قتل نفسا معاهدا كذا ترجم بالذمي وأورد الخبر في المعاهد وترجم في الجزية من قتل معاهدا كما هو ظاهر الخبر والمراد به من له عهد مع المسلمين سواء كان بعقد جزية أو هدنة من سلطان أو أمان من مسلم وكأنه أشار بالترجمة هنا إلى رواية مروان بن معاوية المذكورة فان لفظه من قتل قتيلا من أهل الذمة وللترمذي من حديث أبي هريرة من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله الحديث وقد ذكرت في الجزية من تابع عبد الواحد على إسقاط جنادة ونقلت ترجيح الدارقطني لرواية مروان لاجل الزيادة وبينت أن مجاهدا ليس مدلسا وسماعه من عبد الله بن عمرو ثابت فترجح رواية عبد الواحد لانه توبع وانفرد مروان بالزيادة وقوله لم يرح تقدم شرحه في الجزية والمراد بهذا النفي وإن كان عاما التخصيص بزمان ما لما تعاضدت الادلة العقلية والنقلية أن من مات مسلما ولو كان من أهل الكبائر فهو محكوم بإسلامه غير مخلد في النار ومآله إلى الجنة ولو عذب قبل ذلك قوله ليوجد كذا للاكثر هنا وفي رواية الكشميهني بحذف اللام قوله أربعين عاما كذا وقع للجميع وخالفهم عمرو بن عبد الغفار عن الحسن بن عمرو عند الاسماعيلي فقال سبعين عاما ومثله في حديث أبي هريرة عند الترمذي من طريق محمد بن عجلان عن أبيه عنه ولفظه وان ريحها ليوجد من مسيرة سبعين خريفا ومثله في رواية صفوان بن سليم المشار إليها ونحوه لاحمد من طريق هلال بن يساف عن رجل عن النبي صلى الله عليه وسلم سيكون قوم لهم عهد فمن قتل منهم رجلا لم يرح رائحة

[ 230 ]

الجنة وإن ريحها ليوجد من مسيرة سبعين عاما وعند الطبراني في الاوسط من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ من مسيرة مائة عام وفي الطبراني عن أبي بكرة خمسمائة عام ووقع في الموطأ في حديث آخر أن ريحها يوجد من مسيرة خمسمائة عام وأخرجه الطبراني في المعجم الصغير من حديث أبي هريرة وفي حديث لجابر ذكره صاحب الفردوس إن ريح الجنة يدرك من مسيرة ألف عام وهذا اختلاف شديد وقد تكلم بن بطال على ذلك فقال الاربعون هي الاشد فمن بلغها زاد عمله ويقينه وندمه فكأنه وجد ريح الجنة على تبعثه على الطاعة قال والسبعون آخر المعترك ويعرض عندها الندم وخشية هجوم الاجل فتزداد الطاعة بتوفيق الله فيجد ريحها من المدة المذكورة وذكر في الخمسمائة كلاما متكلفا حاصله أنها مدة الفترة التي بين كل نبي ونبي فمن جاء في آخرها وأمن بالنبيين يكون أفضل من غيره فيجد ريح الجنة وقال الكرماني يحتمل أن لا يكون العدد بخصوصه مقصودا بل المقصود المبالغة في التكثير ولهذا خص الاربعين والسبعين لان الاربعين يشتمل على جميع أنواع العدد لان فيه الاحاد وأحاده عشره والمائة عشرات والالف مئات والسبع عدد فوق العدد الكامل وهو ستة إذ أجزاؤه بقدره وهي النصف والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان وأما الخمسمائة فهي ما بين السماء والارض قلت والذي يظهر لي في الجمع أن يقال ان الاربعين أقل زمن يدرك به ريح الجنة من في الموقف والسبعين فوق ذلك أو ذكرت للمبالغة والخمسمائة ثم الالف أكثر من ذلك ويختلف ذلك باختلاف الاشخاص والاعمال فمن أدركه من المسافة البعدى أفضل ممن أدركه من المسافة القربى وبين ذلك وقد أشار إلى ذلك شيخنا في شرح الترمذي فقال الجمع بين هذه الروايات أن ذلك يختلف باختلاف الاشخاص بتفاوت منازلهم ودرجاتهم ثم رأيت نحوه في كلام بن العربي فقال ريح الجنة لا يدرك بطبيعة ولا عادة انما يدرك بما يخلق الله من إدراكه فتارة يدركه من شاء الله من مسيرة سبعين وتارة من مسيرة خمسمائة ونقل بن بطال أن المهلب احتج بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل الذمي أو المعاهد لا يقتل به للاقتصار في أمره على الوعيد الاخروي دون الدنيوي وسيأتي البحث في هذا الحكم في الباب الذي بعده قوله باب لا يقتل المسلم بالكافر عقب هذه الترجمة بالتي قبلها للاشارة إلى أنه لا يلزم من الوعيد الشديد على قتل الذمي أن يقتص من المسلم إذا قتله عمدا وللاشارة إلى أن المسلم إذا كان لا يقتل بالكافر فليس له قتل كل كافر بل يحرم عليه قتل الذمي والمعاهد بغير استحقاق قوله حدثنا صدقة بن الفضل ثبت في بعض النسخ هنا حدثنا أحمد بن يونس حدثنا زهير حدثنا مطرف أن عامرا حدثهم عن أبي جحيفة ح وحدثنا صدقة بن الفضل الخ والصواب ما عند الاكثر وطريق أحمد بن يونس تقدمت في الجزية قوله مطرف بمهمله وتشديد الراء هو بن طريف بوزن عظيم كوفي مشهور قوله سألت عليا تقدم في كتاب العلم بيان سبب هذا السؤال وهذا السياق أخصر من سياقه في كتاب العلم من وجه آخر عن مطرف قال أحمد عن سفيان بن عيينة بهذا السند هل عندكم شئ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير القرآن ولم يتردد فقال لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلا فهم يؤتيه الله رجلا في القرآن وما في هذه الصحيفة فذكره وقد تقدم من وجه آخر عن مطرف في العلم وغيره مع شرح الحديث

[ 231 ]

وبيان اختلاف ألفاظ نقلته عن على وبيان المراد بالعقل وفكاك الاسير وأما ترك قتل المسلم بالكافر فأخذ به الجمهور إلا انه يلزم من قول مالك في قاطع الطريق ومن في معناه إذا قتل غيلة أن يقتل ولو كان المقتول ذميا استثناء هذه الصورة من منع قتل المسلم بالكافر وهي لا تستثني في الحقيقة لان فيه معنى آخر وهو الفساد في الارض وخالف الحنفية فقالوا يقتل المسلم بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن وعن الشعبي والنخعي يقتل باليهودي والنصراني دون المجوسي واحتجوا بما وقع عند أبي داود من طريق الحسن عن قيس بن عباد عن على بلفظ لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهده وأخرجه أيضا من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وأخرجه بن ماجة من حديث بن عباس والبيهقي عن عائشة ومعقل بن يسار وطرقه كلها ضعيفة إلا طريق الاولى والثانية فان سند كل منهما حسن وعلى تقدير قبوله فقالوا وجه الاستدلال منه أن تقديره ولا يقتل ذو عهد في عهده بكافر قالوا وهو من عطف الخاص على العام فيقتضى تخصيصه لان الكافر الذي يقتل به ذو العهد هو الحربي دون المساوى له والاعلى فلا يبقى من يقتل بالمعاهد إلا الحربي فيجب أن يكون الكافر الذي لا يقتل به المسلم هو الحربي تسويه بين المعطوف والمعطوف عليه قال الطحاوي ولو كانت فيه دلاله على نفي قتل المسلم بالذمي لكان وجه الكلام أن يقول ولا ذي عهد في عهده وإلا لكان لحنا والنبي صلى الله عليه وسلم لا يلحن فلما لم يكن كذلك علمنا أن ذا العهد هو المعنى بالقصاص فصار التقدير لا يقتل مؤمن ولا ذو عهد في عهده بكافر قال ومثله في القرآن واللائى يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائى لم يحضن فان التقدير واللائى يئسن من المحيض واللائى لم يحضن وتعقب بان الاصل عدم التقدير والكلام مستقيم بغيره إذا جعلنا الجملة ويؤيده اقتصار الحديث الصحيح على الجملة الاولى ولو سلم أنها للعطف فالمشاركة في أصل النفي لا من كل وجه وهو كقول القائل مررت بزيد منطلقا وعمرو فإنه لا يوجب أن يكون بعمرو منطلقا أيضا بل المشاركة في أصل المرور وقال الطحاوي أيضا لا يصح حمله على الجملة المستأنفة لان سياق الحديث فيما يتعلق بالدماء التي يسقط بعضها ببعض لان في بعض طرقه المسلمون تتكافأ دماؤهم وتعقب بان هذا الحصر مردود فان في الحديث أحكاكا كثيرة غير هذه وقد أبدى الشافعي له مناسبة فقال يشبه أن يكون لما أعلمهم أن لا قود بينهم وبين الكفار أعلمهم أن دماء أهل الذمة والعهد محرمة عليهم بغير حق فقال لا يقتل مسلم بكافر ولا يقتل ذو عهد في عهده ومعنى الحديث لا يقتل مسلم بكافر قصاصا ولا يقتل من له عهد ما دام عهده باقيا وقال بن السمعاني وأما حملهم الحديث على المستأمن فلا يصح لان العبرة بعموم اللفظ حتى يقوم دليل على التخصيص ومن حيث المعنى ان الحكم الذي يبنى في الشرع على الاسلام والكفر إنما هو لشرف الاسلام أو لنقص الكفر أو لهما جميعا فان الاسلام ينبوع الكرامة والكفر ينبوع الهوان وأيضا إباحة دم الذمي شبهة قائمة لوجود الكفر المبيح للدم والذمة إنما هي عهد عارض منع القتل مع بقاء العلة فمن الوفاء بالعهد أن لا يقتل المسلم ذميا فان اتفق القتل لم يتجه القول بالقود لان الشبهة المبيحة لقتله موجودة ومع قيام الشبهة لا يتجه القود قلت وذكر أبو عبيد بسند صحيح عن زفر أنه رجع

[ 232 ]

عن قول أصحابه فأسند عن عبد الواحد بن زياد قال قلت لزفر إنكم تقولون تدرا الحدود بالشبهات فجئتم إلى أعظم الشبهات فأقدتم عليها المسلم يقتل بالكافر قال فاشهد على أني رجعت عن هذا وذكر بن العربي أن بعض الحنفية سأل الشاشي عن دليل ترك قتل المسلم بالكافر قال وأراد أن يستدل بالعموم فيقول أخصه بالحربي فعدل الشاشي عن ذلك فقال وجه دليلي السنة والتعليل لان ذكر الصفة في الحكم يقتضي التعليل فمعنى لا يقتل المسلم بالكافر تفضيل المسلم بالاسلام فاسكته ومما احتج به الحنفية ما أخرجه الدارقطني من طريق عمار بن مطر عن إبراهيم بن أبي يحيى عن ربيعة عن بن البيلماني عن بن عمر قال قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم مسلما بكافر وقال أنا أولى من وفى بذمته قال الدارقطني إبراهيم ضعيف ولم يروه موصولا غيره والمشهور عن بن البيلماني مرسلا وقال البيهقي أخطأ رواية عمار بن مطر على إبراهيم في سنده وإنما يرويه إبراهيم عن محمد بن المنكدر عن عبد الرحمن بن البيلماني هذا هو الاصل في هذا الباب وهو منقطع وراويه غير ثقة كذلك أخرجه الشافعي وأبو عبيد جميعا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى قلت لم ينفرد به إبراهيم كما يوهمه كلامه فقد أخرجه أبو داود في المراسيل والطحاوي من طريق سليمان بن بلال عن ربيعة عن بن البيلماني وابن البيلماني ضعفه جماعة ووثق فلا يحتج بما ينفرد به إذا وصل فكيف إذا أرسل فكيف إذا خالف قاله الدارقطني وقد ذكر أبو عبيد بعد أن حدث به عن إبراهيم بلغني ان إبراهيم قال أنا حدثت به ربيعة عن المنكدر عن بن البيلماني فرجع الحديث على هذا إلى إبراهيم وإبراهيم ضعيف أيضا قال أبو عبيد وبمثل هذا السند لا تسفك دماء المسلمين قلت وتبين أن عمار بن مطر خبط في سنده وذكر الشافعي في الام كلاما حاصله أن في حديث بن البيلماني أن ذلك كان في قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية قال فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا لان حديث لا يقتل مسلم بكافر خطب به النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح كما في رواية عمرو بن شعيب وقصة عمرو بن أمية متقدمة على ذلك بزمان قلت ومن هنا يتجه صحة التأويل الذي تقدم عن الشافعي فان خطبة يوم الفتح كانت بسبب القتيل الذي قتلته خزاعة وكان له عهد فخطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال لو قتلت مؤمنا بكافر لقتلته به وقال لا يقتل مؤمن بكافر ولا ذو عهد في عهد فأشار بحكم الاول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله وبالحكم الثاني إلى النهي عن الاقدام على ما فعله القاتل المذكور والله أعلم ومن حججهم قطع المسلم بسرقته مال الذمي قالوا والنفس أعظم حرمة وأجاب بن بطال بأنه قياس حسن لولا النص وأجاب غيره بأن القطع حق لله ومن ثم لو أعيدت السرقة بعينها لم يسقط الحد ولو عفا والقتل بخلاف ذلك وأيضا القصاص يشعر بالمساواة ولا مساواة للكافر والمسلم والقطع لا نشترط فيه المساواة قوله باب إذا لطم المسلم يهوديا عند الغضب أي لم يجب قصاص كما لو كان من أهل الذمة وكأنه رمز بذلك إلى أن المخالف يرى القصاص في اللطمة فلما لم يقتص النبي صلى الله عليه وسلم للذمي من المسلم دل على أنه لا يجري القصاص لكن ليس كل الكوفيين يرى القصاص في اللطمة فيختص الايراد بمن يقول منهم بذلك قوله رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تقدم موصولا مع شرحه في قصة موسى من أحاديث الانبياء وفي بعض طرقه كما بينته هناك فقال اليهودي إن لي ذمة وعهدا

[ 233 ]

قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تخيروا بين الانبياء وحدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان عن عمرو بن يحيى المازني عن أبيه عن أبي سعيد الخدري قال جاء رجل من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قد لطم وجهه الحديث كذا اقتصر في السند الاول على بعض المتن وساقه تاما بالسند الثاني وكان سفيان وهو الثوري يحدث به تاما ومختصرا فقد أخرجه الاسماعيلي من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان بلفظ لا تخيروا بين الانبياء وزاد فان الله بعثهم كما بعثني قال الاسماعيلي لم يزد على ذلك ورواه يحيى القطان عن سفيان تاما قلت وليس فيه فان الله بعثهم كما بعثني قوله جاء رجل تقدم القول في اسمه وفي اسم الذي لطمه في قصة موسى قوله لطم وجهي في رواية السرخسي قد لطم وجهي قوله فقال ألطمت وجهه كذا للاكثر بهمزة الاستفهام وفي رواية الكشميهني لم لطمت قوله أم جوزي في رواية الكشميهني جزى بغير واو والاول أولى وفي الحديث استعداء الذمي على المسلم ورفعه إلى الحاكم وسماع الحاكم دعواه وتعلم من لا يعرف الحكم ما خفي عليه منه والاكتفاء بذلك في حق المسلم وأن الذمي إذا أقدم من القول على ما لا علم له به جاز للمسلم المعروف بالعلم تعزيره على ذلك وتقدمت سائر فوائده في قصة موسى عليه السلام خاتمة اشتمل كتاب الديات والقصاص من الاحاديث المرفوعة على أربعة وخمسين حديثا المعلق منها وما في معناها من المتابعات سبعة أحاديث والباقي موصول المكرر منها فيه وفيما مضى أربعون والخالص منها أربعة عشر حديثا وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث بن عمر ان من ورطات الامور وحديث بن عباس أبغض الناس إلى الله ثلاث ملحد في الحرم الحديث وحديث أنس لو اطلع عليك وحديث بن عباس هذه وهذه سواء وحديث أبي قلابة المرسل ما قتل أحد قط إلا في إحدى ثلاث وحديثه المرسل دخل على نفر من الانصار الحديث في القسامة وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم ثمانية وعشرون أثرا بعضها موصول وسائرها معلق والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم كذا في رواية الفربري وسقط لفظ كتاب من روايه المستملي وأما النسفي فقال كتاب المرتدين ثم بسمل ثم قال باب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم وإثم من أشرك الخ وقوله والمعاندين كذا للاكثر بالنون وفي رواية الجرجاني بالهاء بدل النون والاول الصواب قوله باب إثم من أشرك بالله وعقوبته في الدنيا والآخرة قال الله عزوجل إن الشرك لظلم عظيم ولئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين في رواية القابسي بعد قوله وقتالهم واثم من أشرك الخ وحذف لفظ باب والواو في قوله ولئن أشركت لعطف آية على آية والتقدير وقال لئن أشركت لانه في التلاوة بلا واو قال بن بطال الآية الاولى دالة على أنه لا إثم أعظم من الشرك وأصل الظلم وضع الشئ في غير موضعه فالمشرك أصل من وضع الشئ في غير موضعه لانه جعل لمن أخرجه من العدم إلى الوجود مساويا فنسب النعمة إلى غير المنعم بها والآية الثانية

[ 234 ]

خوطب بها النبي صلى الله عليه وسلم والمراد غيره والاحباط المذكور مقيد بالموت على الشرك لقوله تعالى فبعث وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم وذكر فيه أربعة أحاديث الحديث الاول حديث بن مسعود في تفسير قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقد مضى شرحه في كتاب الايمان في أوائل الكتاب وأشرت هناك إلى ما وقع في أحاديث الانبياء في قصة إبراهيم عليه السلام من طريق حفص بن غياث عن الاعمش بهذا الاسناد والمتن وفي آخره ليس كما يقولون لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك الحديث وقد أرسل التفسير المذكور بعض رواته فعند بن مردويه من طريق عيسى بن يونس عن الاعمش مختصرا ولفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم في قوله الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال بشرك ومن طريق أبي أحمد الزبيري عن سفيان الثوري عن الاعمش مثله سواء وقد أخرجه الطبري من طريق منصور عن إبراهيم في قوله ولم يلبسوا إيمانهم بظلم قال لم يخلطوه بشرك هكذا أورده موقوفا على إبراهيم ومن وجه آخر عن علقمة مثله وأخرج من طريق الاسود بن هلال عن أبي بكر الصديق موقوفا عليه وعن عمر أنه قرأ هذه الآية ففزع فسأل أبي بن كعب فقال إنما هو ولم يلبسوا إيمانهم بشرك ومن طريق زيد بن صوحان أنه قال لسلمان آية قد بلغت مني كل مبلغ فذكرها فقال سلمان هو الشرك فسر زيد بذلك وأورد من طرق جماعة من الصحابة ومن التابعين مثل ذلك ثم أورد عن عكرمة قولا آخر أنها خاصة بمن لم يهاجم ومن وجه آخر عن علي أنه قال هذه الآية لابراهيم خاصة ليست لهذه الامة وسندهما ضعيف وصوب الطبري القول الاول وانها على العموم لجميع المؤمنين قال الطبي ردا على من زعم أن لفظ اللبس يأبى تفسير الظلم هنا بالشرك معتلا بأن اللبس الخلط ولا يصح هنا لان الكفر والايمان لا يجتمعان فأجاب بأن المراد بالذين آمنوا أعم من المؤمن الخالص وغيره واحتج بان اسم الاشارة الواقع خبرا للموصول مع صلته يقتضي أن ما بعده ثابت لمن قبله لاكتسابه ما ذكر من الصفة ولا ريب أن الامن المذكور ثانيا هو المذكور أولا فيجب أن يكون الظلم عين الشرك لان تقدم قوله وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون إلى قوله أحق بالامن قال واما معنى اللبس فلبس الايمان بالظلم أن يصدق بوجود الله ويخلط به عبادة غيره ويؤيده قوله تعالى وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون وعرف بذلك مناسبة ذكرها في أبواب المرتد وكذلك الآية التي صدر بها واما الآية الاخرى فقالوا هي قضية شرطية ولا تستلزم الوقوع وقيل الخطاب له والمراد الامة والله أعلم الحديث الثاني حديث أبي بكرة في أكبر الكبائر وقد مضى شرحه في الشهادات وفي عقوق الوالدين من كتاب الادب الحديث الثالث حديث عبد الله بن عمرو في ذكر الكبائر أيضا وقد تقدم شرحه في باب اليمين الغموس من كتاب الايمان والنذور قوله جاء أعرابي لم أقف على اسمه قوله قلت وما اليمين الغموس السائل عن ذلك قال قد بينته عند شرح الحديث المذكور ومحمد بن الحسين بن إبراهيم في أول السند هو المعروف بابن أشكاب أخو علي وهو من أقران البخاري ولكنه سمع قبله قليلا ومات بعده وعبيد الله بن موسى شيخه هو من كبار شيوخ البخاري المشهورين وقد أكثر عنه بلا واسطة وأقرب ذلك ما تقدم في أواخر الديات في باب جنين المرأة وربما روى عنه بواسطة كهذا الحديث

[ 235 ]

الرابع حديث بن مسعود قوله سفيان هو الثوري قوله قال رجل لم أقف على اسمه قوله ومن أساء في الاسلام أخذ بالاول والآخر إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف قال وجه هذا الحديث أن الكافر إذا اسلم لم يؤاخذ بما مضى فان أساء في الاسلام غاية الاساءة وركب أشد المعاصي وهو مستمر على الاسلام فإنه إنما يوأخذ بما جناه من المعصية في الاسلام ويبكت بما كان منه في المكفر كأن يقال له ألست فعلت كذا وأنت كافر فهلا منعك اسلامك عن معاودة مثله انتهى ملخصا وحاصله أنه أول المؤاخذة في الاول بالتبكيت وفي الاخر بالعقوبة والاولى قول غيره إن المراد بالاساءة الكفر لانه غاية الاساءة وأشد المعاصي فإذا ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم فيعاقب على جميع ما قدمه والى ذلك أشار البخاري بإيراد هذا الحديث بعد حديث أكبر الكبائر الشرك وأورد كلا في أبواب المرتدين ونقل بن بطال عن المهلب قال معنى حديث الباب من أحسن في الاسلام بالتمادي على محافظته والقيام بشرائطه لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الاسلام أي في عقده بترك التوحيد أخد بكل ما أسلفه قال بن بطال فعرضته على جماعة من العلماء فقالوا لا معنى لهذا الحديث غير هذا ولا تكون الاساءة هنا إلا الكفر للاجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية قلت وبه جزم المحب الطبري ونقل بن التين عن الداودي معنى من أحسن مات على الاسلام ومن أساء مات على غير الاسلام عن أبي عبد الملك البوني معنى من أحسن في الاسلام أي اسلم اسلاما صحيحا لا نفاق فيه ولا شك ومن أساء في الاسلام أي اسلم رياء وسمعة وبهذا جزم القرطبي ولغيره معنى الاحسان الاخلاص حين دخل فيه ودوامه عليه إلى موته والاساءة بضد ذلك فإنه ان لم يخلص إسلامه كان منافقا فلا ينهدم عنه ما عمل في الجاهلية فيضاف نفاقه المتأخر إلى كفره الماضي فيعاقب على جميع ذلك قلت وحاصله أن الخطابي حمل قوله في الاسلام على صفة خارحة عن ماهية الاسلام وحمله غيره على صفة في نفس الاسلام وهو أوجه تنبية حديث بن مسعود هذا يقابل حديث أبي سعيد الماضي في كتاب الايمان معلقا عن مالك فان ظاهر هذا ان من ارتكب المعاصي بعد أن اسلم يكتب عليه ما عمله من المعاصي قبل أن يسلم وظاهر ذلك أن من عمل الحسنات بعد أن اسلم يكتب له ما عمله من الخيرات قبل أن يسلم وقد مضى القول في توجيه الثاني عند شرحه ويحتمل أن يجئ هنا بعض ما ذكر هناك كقول من قال أن معنى كتابة ما عمله من الخير في الكفر أنه كان سببا لعمله الخير في الاسلام ثم وجدت في كتاب السنة لعبد العزيز بن جعفر وهو من رءوس الحنابلة ما يدفع دعوة الخطابي وابن بطال الاجماع الذي نقلاه وهو ما نقل عن الميموني عن أحمد أنه قال بلغني أن أبا حنيفة يقول أن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية ثم رد عليه بحديث بن مسعود ففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصر عليها في الاسلام فإنه يؤاخذ بها لانه باصراره لا يكون تاب منها وإنما تاب من الكفر فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لاصراره عليها والى هذا ذهب الحليمي من الشافعية وتأول بعض الحنابلة قوله قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف على أن المراد ما سلف مما انتهوا عنه قال والاختلاف في هذه المسألة مبني على أن التوبة هي الندم على الذنب مع الاقلاع عنه والعزم على

[ 236 ]

عدم العود إليه والكافر إذا تاب من الكفر ولم يعزم على عدم العود إلى الفاحشة لا يكون تائبا منها فلا تسقط عنه المطالبة بها والجواب عن الجمهور أن هذا خاص بالمسلم وأما الكافر فإنه يكون بإسلامه كيوم ولدته أمه والاخبار دالة على ذلك كحديث أسامة لما أنكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم قتل الذي قال لا إله إلا الله حتى قال في آخره حتى تمنيت أنني كنت أسلمت يومئذ ? قوله باب حكم المرتد والمرتدة أي هل هما سواء أم لا قوله واستتابتهم كذا لابي ذر وفي رواية القابسي وإستتابتهما وحذف للباقين لكنهم ذكروها كأبي ذر بعد ذكر الآثار عن أبي عمر وغيره وتوجيه الاولى أنه جمع على إرادة الجنس قال بن المنذر قال الجمهور تقتل المرتدة وقال علي تسترق وقال عمر بن عبد العزيز تباع بأرض أخرى وقال الثوري تحبس ولا تقتل وأسنده عن بن عباس قال وهو قول عطاء وقال أبو حنيفة تحبس الحرة ويؤمر مولى الامة أن يجبرها قوله وقال بن عمر والزهري وإبراهيم يعنى النخعي تقتل المرتدة أما قول بن عمر فنسبه مغلطاي إلى تخريج أبن أبي شيبة وأما قول الزهري وإبراهيم فوصله عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في المرأة تكفر بعد إسلامها قال تستتاب فان تابت والا قتلت وعن معمر عن سعيد بن أبي عروبة عن أبي معشر عن إبراهيم مثله وأخرجه بن أبي شيبة من وجه آخر عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم وأخرج سعيد بن منصور عن هشيم عن عبيدة بن مغيث عن إبراهيم قال إذا أرتد الرجل أو المرأة عن الاسلام استيبا فان تابا تركا وأن أبيا قتلا وأخرج بن أبي شيبة عن حفص عن عبيدة عن إبراهيم لا يقتل والاول أقوى فان عبيدة ضعيف وقد اختلف نقله عن إبراهيم ومقابل قول هؤلاء حديث بن عباس لا تقتل النساء إذا هن ارتددن رواه أبو حنيفة عن عاصم عن أبي رزين عن بن عباس أخرجه بن أبي شيبة والدارقطني وخالفة جماعة من الحفاظ في لفظ المتن وأخرج الدارقطني عن بن المنكدر عن جابر أن امرأة أرتدت فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلها وهو يعكر على ما نقله بن الطلاع في الاحكام أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قتل مرتدة قوله وقال الله تعالى كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق إلى قوله غفور رحيم إن الذين كفروا إلى آخرها كذا لابي ذر وساق الآية إلى الظالمون وفي رواية القابسي بعد قوله لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون وفي رواية النسفي كيف يهدى الله قوما كفروا بعد إيمانهم الآيتين اللى قوله كافرين كذا عنده وكأنه وقع عنده خلط هذه بالتي بعدها وساق وفي رواية كريمة والاصيل ما حذف من الآية لابي ذر وقد أخرج النسائي وصححه بن حبان عن بن عباس كان رجل من الانصار أسلم ثم ندم وأرسل إلى قومه فقالوا يا رسول الله هل له توبة فنزلت كيف يهدى الله قوما إلى قوله الا الذين تابوا فاسلم قوله وقال يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا فريقا من الذين أتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين قال عكرمة نزلت في شاس بن قيس اليهودي دس على الانصار من ذكرهم بالحروب التي كانت بينهم فتمادوا يقتتلون فأتاهم النبي صلى الله عليه وسلم فذكرهم فعرفوا أنها من الشيطان فعانق بعضهم بعضا ثم انصرفوا سامعين مطيعين فنزلت أخرجه إسحاق في تفسيره مطولا وأخرجه الطبراني من حديث بن عباس موصولا وفي هذه الآية الاشارة إلى التحذير عن مصادقة أهل الكتاب إذ لا يؤمنون أن يفتنوا من صادقهم عن دينه قوله وقال ان الذين آمنوا ثم كفروا إلى سبيلا

[ 237 ]

كذا لابي ذر وللنسفي ثم كفروا ثم آمنوا ثم ازدادوا كفرا الآية وساقها كلها في رواية كريمة وقد استدل بها من قال لا تقبل توبة الزنديق كما سيأتي تقريره قوله من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه وساق في رواية كريمة إلى الكافرين ووقع في رواية أبي ذر من يرتدد بدالين وهي قراءة بن عامر ونافع وللباقين من القراء ورواة الصحيح من يرتد بتشديد الدال ويقال إن الادغام لغة تميم والاظهار لغة الحجاز ولهذا قيل إنه وجد في مصحف عثمان بدالين وقيل بل وافق كل قارئ مصحف بلده فعلى هذه ففي مصحفي المدينة والشام بدالين وفي البقية بدال واحدة قوله ولكن من شرح بالكفر صدرا إلى وأولئك هم الغافلون كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي حجة لعدم المؤاخذة بما وقع حالة الاكراه كما سيأتي تقريره بعد هذا قوله لا جرم يقول حقا أنهم في الآخرة هم الخاسرون إلى لغفور رحيم والمراد أن معنى لا جرم حقا وهو كلام أبي عبيدة وحذف من رواية النسفي ففيها بعد قوله صدرا الآيتين إلى قوله غفور رحيم وفي الآية وعيد شديد لمن ارتد مختار القوله تعالى ولكن من شرح بالكفر صدرا إلى آخره قوله ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا إلى قوله وأولئك أصحاب النار هم فيها الخالدون كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة أيضا الآيات كلها والغرض منها قوله إن استطاعوا ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر إلى آخرها فإنه يقيد مطلق ما في الآية السابقة من يرتدد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم إلى آخرها قال بن بطال اختلف في استتابة المرتد فقيل يستتاب فان تاب وإلا قتل وهو قول الجمهور وقيل يجب قتله في الحال جاء ذلك عن الحسن وطاوس وبه قال أهل الظاهر قلت ونقله بن المنذر عن معاذ وعبيد بن عمير وعليه يدل تصرف البخاري فإنه استظهر بالآيات التي لا ذكر فيها للاستتابة والتي فيها أن التوبة لا تنفع وبعموم قوله من بدل دينه فاقتلوه وبقصة معاذ التي بعدها ولم يذكر غير ذلك قال الطحاوي ذهب هؤلاء إلى أن حكم من ارتد عن الاسلام حكم الحربي الذي بلغته الدعوة فإنه يقاتل من قبل أن يدعى قالوا انما تشرع الاستتابة لمن خرج عن الاسلام لا عن بصيرة فأما من خرج عن بصيرة فلا ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم لكن قال ان جاء مبادرا بالتوبة خليت سبيله ووكلت أمره إلى الله تعالى وعن بن عباس وعطاء إن كان أصله مسلما لم يستتب وإلا استتيب واستدل بن القصار لقول الجمهور بالاجماع يعني السكوتي لان عمر كتب في أمر المرتد هلا حبستموه ثلاثة أيام وأطعمتموه في كل يوم رغيفا لعله يتوب فيتوب الله عليه قال ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة كلهم كأنهم فهموا من قوله صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه أي إن لم يرجع وقد قال تعالى فان تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم واختلف القائلون بالاستتابة هل يكتفي بالمرة أو لا بد من ثلاث وهل الثلاث في مجلس أو في يوم أو في ثلاثة أيام وعن علي يستتاب شهرا وعن النخعي يستتاب أبدا كذا نقل عنه مطلقا والتحقيق أنه في من تكررت منه الردة وسيأتي مزيد لذلك في الحديث الاول عند ذكر الزنادقة ثم ذكر في الباب حديثين الاول قوله أيوب هو السختياني وعكرمة هو مولى بن عباس قوله أتى علي هو بن أبي طالب تقدم في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب بهذا السند أن عليا حرق قوما وذكرت هناك أن الحميدي رواه عن سفيان بلفظ

[ 238 ]

حرق المرتدين ومن وجه آخر عند أبي شيبة كان أناس يعبدون الاصنام في السر وعند الطبراني في الاوسط من طريق سويد بن غفلة أن عليا بلغه أن قوما ارتدوا عن الاسلام فبعث إليهم فأطعمهم ثم دعاهم إلى الاسلام فأبوا فحفر حفيرة ثم أتى بهم فضرب أعناقهم ورماهم فيها ثم ألقى عليهم الحطب فأحرقهم ثم قال صدق الله ورسوله وزعم أبو المظفر الاسفرايني في الملل والنحل إن الذين أحرقهم علي طائفة من الروافض ادعوا فيه الالاهية وهم السبائية وكان كبيرهم عبد الله بن سبأ يهوديا ثم أظهر الاسلام وابتدع هذه المقالة وهذا يمكن أن يكون أصله ما رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص من طريق عبد الله بن شريك العامري عن أبيه قال قيل لعلي أن هنا قوما على باب المسجد يدعون أنك ربهم فدعاهم فقال لهم ويلكم ما تقولون قالوا أنت ربنا وخالقنا ورازقنا فقال ويلكم انما أنا عبد مثلكم أكل الطعام كما تأكلون وأشرب كما تشربون إن أطعت الله أثابني إن شاء وإن عصيته خشيت أن يعذبني فأتقوا الله وأرجعوا فأبوا فلما كان الغد غدوا عليه فجاء قنبر فقال قد والله رجعوا يقولون ذلك الكلام فقال ادخلهم فقالوا كذلك فلما كان الثالث قال لئن قلتم ذلك لاقتلنكم بأخبث قتلة فأبوا إلا ذلك فقال يا قنبر ائتني بفعلة معهم مرورهم فخد لهم أخدودا بين باب المسجد والقصر وقال أحفروا فابعدوا في الارض وجاء بالحطب فطرحه بالنار في الاخدود وقال اني طارحكم فيها أو ترجعوا فأبوا أن يرجعوا فقذف بهم فيها حتى إذا احترقوا قال اني إذا رأيت أمرا منكرا أوقدت ناري ودعوت قنبرا وهذا سند حسن وأما ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق قتادة أن عليا أتى بناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم فسنده منقطع فان ثبت حمل على قصة آخرى فقد أخرج بن أبي شيبة أيضا من طريق أيوب بن النعمان شهدت عليا في الرحبة فجاءه رجل فقال أن هنا أهل بيت لهم وثن في دار يعبدونه فقام يمشي إلى الدار فأخرجوا إليه بمثال رجل قال فألهب عليهم على الدار قوله بزنادقة بزاي ونون وقاف جمع زنديق بكسر أوله وسكون ثانيه قال أبو حاتم السجستاني وغيره الزنديق فارسي معرب أصله زنده كرداي يقول بدوام الدهر لان زنده الحياة وكرد العمل ويطلق على من يكون دقيق النظر في الامور وقال ثعلب ليس في كلام العرب زنديق وانما قالوا زندقي لمن يكون شديد التحيل وإذا أرادوا ما تريد العامة قالوا ملحد ودهري بفتح الدال أي يقول بدوام الدهر وإذا قالوها بالضم أرادوا كبر السن وقال الجوهري الزنديق من الثنوية كذا قال وفسره بعض الشراح بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر وتعقب بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل أن أصل الزنادقة اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك الاول بفتح الدال وسكون المثناة التحتانية بعدها صاد مهملة والثاني بتشديد النون وقد تخفف والياء خفيفة والثالث بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ثم كاف وحاصل مقالتهم أن النور والظلمة قديمان وأنهما امتزجا فحدث العالم كله منهما فمن كان من أهل الشر فهو من الظلمة ومن كان من أهل الخير فهو من النور وأنه يجب السعي في تخليص النور من الظلمة فيلزم إزهاق كل نفس وإلى ذلك أشار المتنبي حيث قال في قصيدته المشهورة وكم لظلام الليل عندك من يد تخبر أن المانوية تكذب

[ 239 ]

وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده وأظهر له أنه قبل مقالته ثم قتله وقتل أصحابه وبقيت منهم بقايا اتبعوا مزدك المذكور وقام الاسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك وأظهر جماعة منهم الاسلام خشية القتل ومن ثم أطلق الاسم على كل من أسر الكفر وأظهر الاسلام حتى قال مالك الزندقة ما كان عليه المنافقون وكذا أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم أن الزنديق هو الذي يظهر الاسلام ويخفي الكفر فان أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكرت وقد قال النووي في لغات الروضة الزنديق الذي لا ينتحل دينا وقال محمد بن معن في التنقيب عن المهذب الزنادقة من الثنوية يقولون ببقاء الدهر وبالتناسخ قال ومن الزنادقة الباطنية وهم قوم زعموا أن الله خلق شيئا ثم خلق منه شيئا آخر فدير العالم بأسره ويسمونهما العقل والنفس وتارة العقل الاول والعقل الثاني وهو من قول الثنوية في النور والظلمة إلا أنهم غيروا الاسمين قال ولهم مقالات سخيفة في النبوات وتحريف الآيات وفرائض العبادات وقد قيل إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما يفسر به المنافق قول الشافعي في المختصر وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب سقط عنه القتل وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق بل كل زنديق منافق من غير عكس وكان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق يظهر الاسلام ويبطن عبادة الوثن أو اليهودية وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدا منهم أظهر الاسلام في العهد النبوي والله أعلم وقد اختلف النقلة في الذين وقع لهم مع علي ما وقع على ما سأبينه واشتهر في صدر الاسلام الجعد بن درهم فذبحه خالد القسري في يوم عيد الاضحى ثم كثروا في دولة المنصور وأظهر له بعضهم معتقده فأبادهم بالقتل ثم ابنه المهدي فأكثر من تتبعهم وقتلهم ثم خرج في أيام المأمون بابك بموحدتين مفتوحتين ثم كاف مخففة الخرمي بضم المعجمة وتشديد الراء فغلب على بلاد الجبل وقتل في المسلمين وهزم الجيوش إلى أن ظفر به المعتصم فصلبه وله أتباع يقال لهم الخرمية وقصصهم في التواريخ معروفة قوله فبلغ ذلك بن عباس لم أقف على اسم من بلغه وابن عباس كان حينئذ أميرا على البصرة من قبل علي قوله لنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تعذبوا بعذاب الله أي لنهيه عن القتل بالنار لقوله لا تعذبوا وهذا يحتمل أن يكون مما سمعه بن عباس من النبي صلى الله عليه وسلم ويحتمل أن يكون سمعه من بعض الصحابة وقد تقدم في باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد من حديث أبي هريرة بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إن وجدتم فلانا وفلانا فأحرقوهما الحديث وفيه إن النار لا يعذب بها إلا الله وبينت هناك اسمهما وما يتعلق بشرح الحديث وعند أبي داود عن بن مسعود في قصة أخرى أنه لا بنبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار قوله ولقتلتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في رواية إسماعيل بن علية عند أبي داود في الموضعين فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قوله من بدل دينه فاقتلوه زاد إسماعيل بن علية في روايته فبلغ ذلك عليا فقال ويح أم بن عباس كذا عند أبي داود وعند الدارقطني بحذف أم وهو يحتمل أنه لم يرض بما اعترض به ورأى أن النهي للتنزيه كما تقدم بيان الاختلاف فيه وسيأتي في الحديث الذي يليه مذهب معاذ في ذلك وأن الامام إذا رأى التغليظ بذلك فعله وهذا بناء على تفسير ويح بأنها كلمة رحمة فتوجع له لكونه حمل النهي على ظاهره فأعتقد التحريم مطلقا فأنكر ويحتمل أن يكون

[ 240 ]

قالها رضا بما قال وأنه حفظ ما نسيه بناء على أحد ما قيل في تفسير ويح أنها تقال بمعنى المدح والتعجب كما حكاه في النهاية وكأنه أخذه من قول الخليل هي في موضع رأفة واستملاح كقولك للصبي ويحه ما أحسنه حكاه الازهري وقوله من هو عام تخص منه من بدله في الباطن ولم يثبت عليه ذلك في الظاهر فإنه تجري عليه أحكام الظاهر ويستثنى منه من بدل دينه في الظاهر لكن مع الاكراه كما سيأتي في كتاب الاكراه بعد هذا واستدل به على قتل المرتدة كالمرتد وخصه الحنفية بالذكر وتمسكوا بحديث النهي عن قتل النساء وحمل الجمهور النهي على الكافرة الاصلية إذا لم تباشر القتال ولا القتل لقوله في بعض طرق حديث النهي عن قتل النساء لما رأى المرأة مقتولة ما كانت هذه لتقاتل ثم نهى عن قتل النساء واحتجوا أيضا بأن من الشرطية لا تعم المؤنث وتعقب بأن بن عباس راوي الخبر قد قال تقتل المرتدة وقتل أبو بكر في خلافته امرأة ارتدت والصحابة متوافرون فلم ينكر ذلك عليه أحد وقد أخرج ذلك كله بن المنذر وأخرج الدارقطني أثر أبي بكر من وجه حسن وأخرج مثله مرفوعا في قتل المرتدة لكن سنده ضعيف واحتجوا من حيث النظر بأن الاصلية تسترق فتكون غنيمة للمجاهدين والمرتدة لا تسترق عندهم فلا غنم فيها فلا يترك قتلها وقد وقع في حديث معاذ ان النبي صلى الله عليه وسلم لما أرسله إلى اليمن قال له أيما رجل ارتد عن الاسلام فادعه فان عاد وإلا فاضرب عنقه وأيما امرأة ارتدت عن الاسلام فادعها فان عادت وإلا فاضرب عنقها وسنده حسن وهو نص في موضع النزاع فيجب المصير إليه ويؤيده اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها الزنا والسرقة وشرب الخمر والقذف ومن صور الزنا رجم المحصن حتى يموت فاستثنى ذلك من النهي عن قتل النساء فكذلك يستثنى قتل المرتدة وتمسك به بعض الشافعية في قتل من انتقل من دين كفر إلى دين كفر سواء كان ممن يقر أهله عليه بالجزية أولا وأجاب بعض الحنفية بأن العموم في الحديث في المبدل لا في التبديل فأما التبديل فهو مطلق لا عموم فيه وعلى تقدير التسليم فهو متروك الظاهر اتفاقا في الكافر ولو اسلم فإنه يدخل في عموم الخبر وليس مرادا واحتجوا أيضا بأن الكفر ملة واحدة فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر وكذا لو تهود الوثني فوضح أن المراد من بدل دين الاسلام بدين غيره لان الدين في الحقيقة هو الاسلام قال الله تعالى ان الذين عند الله الاسلام وما عداه فهو بزعم المدعي وأما قوله تعالى ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه فقد احتج به بعض الشافعية فقال يؤخذ منه أنه لا يقر على ذلك وأجيب بأنه ظاهر في أن من ارتد عن الاسلام لا يقر على ذلك سلمنا لكن لا يلزم من كونه لا يقبل منه أنه لا يقر بالجزية بل عدم القبول والخسران انما هو في الآخرة سلمنا أن عدم القبول يستفاد منه عدم التقرير في الدنيا لكن المستفاد أنه لا يقر عليه فلو رجع إلى الدين الذي كان عليه وكان مقرا عليه بالجزية فإنه يقتل إن لم يسلم مع إمكان الامساك بانا لا نقبل منه ولا نقتله ويؤيد تخصيصه بالاسلام ما جاء في بعض طرقه فقد أخرجه الطبراني من وجه آخر عن عكرمة عن بن عباس رفعه من خالف دينه دين الاسلام فاضربوا عنقه واستدل به على قتل الزنديق من غير استتابة وتعقب بأن في بعض طرقه كما تقدم أن عليا استتابهم وقد نص الشافعي كما تقدم على القبول مطلقا وقال يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد وعن أحمد وأبي حنيفة روايتان إحداهما لا يستتاب والاخرى ان تكرر منه

[ 241 ]

لم تقبل توبته وهو قول الليث وإسحاق وحكى عن أبي إسحاق المروزي من أئمة الشافعية ولا يثبت عنه بل قيل أنه تحريف من إسحاق بن راهويه والاول هو المشهور عند المالكية وحكى عن مالك إن جاء تائبا يقبل منه وإلا فلا وبه قال أبو يوسف واختاره الاستاذان أبو إسحاق الاسفرايني وأبو منصور البغدادي وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب المذكورة وخامس يفصل بين الداعية فلا يقبل منه وتقبل توبة غير الداعية وأتى بن الصلاح بأن الزنديق إذا تاب تقبل توبته ويعزر فان عاد بادرناه بضرب عنقه ولم يمهل واستدل من منع بقوله تعالى إلا الذين تابوا وأصلحوا فقال الزنديق لا يطلع على صلاحه لان الفساد انما أتى مما أسره فإذا اطلع عليه وأظهر الاقلاع عنه لم يزد على ما كان عليه وبقوله تعالى إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم الآية وأجيب بأن المراد من مات منهم على ذلك كما فسره بن عباس فيما أخرجه بن أبي حاتم وغيره واستدل لمالك بأن توبة الزنديق لا تعرف قال وانما لم يقتل النبي صلى الله عليه وسلم المنافقين للتألف ولانه لو قتلهم لقتلهم بعلمه فلا يؤمن أن يقول قائل إنما قتلهم لمعنى آخر ومن حجة من استتابهم قوله تعالى اتخذوا أيمانهم جنة فدل على أن إظهار الايمان يحصن من القتل وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر وقد قال صلى الله عليه وسلم لاسامة هلا شققت عن قلبه وقال للذي ساره في قتل رجل أليس يصلي قال نعم قال أولئك الذين نهيت عن قتلهم وسيأتي قريبا أن في بعض طرق حديث أبي سعيد أن خالد بن الوليد لما استأذن في قتل الذي أنكر القسمة وقال كم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه فقال صلى الله عليه وسلم إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس أخرجه مسلم والاحاديث في ذلك كثيرة الحديث الثاني حديث أبي موسى الاشعري وهو مشتمل على أربعة أحكام الاول السواك وقد تقدم في الطهارة أتم مما هنا الثاني ذم طلب الامارة ومنع من حرص عليها وسيأتي بسطه في كتاب الاحكام الثالث بعث أبي موسى على اليمن وارسال معاذ أيضا وقد تقدم بيانه في كتاب المغازي بعد غزوة الطائف بثلاثة أبواب الرابع قصة اليهودي الذي أسلم ثم ارتد وهو المقصود هنا قوله يحيى هو بن سعيد والسند كله بصريون قوله عن أبي موسى في رواية أحمد عن يحيى القطان بهذا السند قال أبو موسى الاشعري قوله ومعي رجلان من الاشعريين هما من قومه ولم أقف على اسمهما وقد وقع في الاوسط للطبراني من طريق عبد الملك من عمير عن أبي بردة في هذا الحديث أن أحدهما بن عم أبي موسى وعند مسلم من طريق يزيد بن عبد الله بن أبي بردة عن أبي بردة رجلان من بني عمي قوله فكلاهما سأل كذا فيه بحذف المسئول وبينه أحمد في روايته المذكورة فقال فيها سأل العمل وسيأتي بيان ذلك في الاحكام من طريق يزيد بن عبد الله ولفظه فقال أحدهما أمرنا يا رسول الله فقال الآخر مثله ولمسلم من هذا الوجه أمرنا على بعض ما ولاك الله ولاحمد والنسائي من وجه آخر عن أبي بردة فتشهد أحدهما فقال جئناك لتستعين بنا على عملك فقال الآخر مثله وعندهما من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه أتاني ناس من الاشعريين فقالوا انطلق معنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فان لنا حاجة فقمت معهم فقالوا أتستعين بنا في عملك ويجمع بأنه كان معهما من يتبعهما وأطلق صيغة الجمع على الاثنين قوله فقال يا أبا موسى أو يا عبد الله بن قيس شك من الراوي بأيهما خاطب ولم يذكر القول في

[ 242 ]

هذه الرواية وقد ذكره أبو داود عن أحمد بن حنبل ومسدد كلاهما عن يحيى القطان بسنده فيه فقال ما نقول يا أبا موسى ومثله لمسلم عن محمد بن حاتم عن يحيى قوله قلت والذي بعثك بالحق ما أطلعاني على ما في أنفسهما يفسر به رواية أبي العميس فأعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قالوا وقلت لم أدر ما حاجتهم فصدقني وعذرني وفي لفظ فقال لم أعلم لماذا جاءا قوله لن أو لا شك من الراوي وفي رواية يزيد عند مسلم إنا والله قوله لا نستعمل على عملنا من إرادة في رواية أبي العميس من سألنا بفتح اللام وفي رواية يزيد أحدا سأله ولا أحدا حرص عليه وفي أخرى فقال إن اخونكم عندنا من يطلبه فلم يستعن بهما في شئ حتى مات أخرجه أحمد من رواية إسماعيل بن أبي خالد عن أخيه عن أبي بردة وأدخل أبو داود بينه وبين أبي بردة رجلا قوله ثم أتبعه بهمزة ثم مثناة ساكنة قوله معاذ بن جبل بالنصب أي بعثه بعده وظاهره أنه ألحقه به بعد أن توجه ووقع في بعض النسخ وأتبعه بهمزة وصل وتشديد ومعاذ بالرفع لكن تقدم في المغازي بلفظ بعث النبي صلى الله عليه وسلم أبا موسى ومعاذا إلى اليمن فقال يسرا ولا تعسرا الحديث ويحمل على أنه أضاف معاذا إلى أبي موسى بعد سبق ولايته لكن قبل توجهه فوصاهما عند التوجه بذلك ويمكن أن يكون المراد أنه وصى كلا منهما واحد بعد آخر قوله فلما قدم عليه تقدم في المغازي أن كلا منهما كان على عمل مستقل وأن كلا منهما كان إذا سار في أرضه فقرب من صاحبه أحدث به عهدا وفي أخرى هناك فجعلا يتزاوران فزار معاذ أبا موسى وفي أخرى فضرب فسطاطا ومعنى ألقى له وسادة فرشها له ليجلس عليها وقد ذكر الباجي والاصيلي فيما نقله عياض عنهما أن المراد بقول بن عباس فاضطجعت في عرض الوسادة الفراش ورده النووي فقال هذا ضعيف أو باطل وانما المراد بالوسادة ما يجعل تحت رأس النائم وهو كما قال قال وكانت عادتهم أن من أرادوا إكرامه وضعوا الوسادة تحته مبالغة في إكرامه وقد وقع في حديث عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليه فألقى له وسادة كما تقدم في الصيام وفي حديث بن عمر أنه دخل على عبد الله بن مطيع فطرح له وسادة فقال له ما جئت لاجلس وأخرجه مسلم ولم أر في شئ من كتب اللغة أن الفراش يسمى وسادة قوله قال انزل أي فاجلس على الوسادة قوله فإذا رجل الخ هي جملة حالية بين الامر والجواب ولم أقف على اسم الرجل المذكور وقوله كان يهوديا فأسلم ثم تهود في رواية مسلم وأبي داود ثم راجع دينه دين السوء ولاحمد من طريق أيوب عن حميد بن هلال عن أبي بردة قال قدم معاذ بن جبل على أبي موسى فإذا رجل عنده فقال ما هذا فذكر مثله وزاد ونحن نريده على الاسلام منذ أحسبه شهرين وأخرج الطبراني من وجه آخر عن معاذ وأبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهما أن يعلما الناس فزار معاذ أبا موسى فإذا عنده رجل موثق بالحديد فقال يا أخي أو بعثت تعذب الناس انما بعثنا نعلمهم دينهم ونأمرهم بما ينفعهم فقال أنه أسلم ثم كفر فقال والذي بعث محمدا بالحق لا ابرح حتى أحرقه بالنار قوله لا أجلس حتى يقتل قضاء الله ورسوله بالرفع خبر مبتدأ محذوف ويجوز النصب قوله ثلاث مرات أي كرر هذا الكلام ثلاث مرات وبين أبو داود في روايته أنهما كررا القول أبو موسى يقول اجلس ومعاذ يقول لا أجلس فعلى هذا فقوله ثلاث مرات من كلام الراوي لا تتمة كلام معاذ ووقع في رواية أيوب بعد قوله قضاء الله ورسوله ان من رجع عن دينه

[ 243 ]

أو قال بدل دينه فأقتلوه قوله فأمر به فقتل في رواية أيوب فقال والله لا أقعد حتى تضربوا عنقه فضرب عنقه وفي رواية الطبراني التي أشرت إليها فأتى بحطب فألهب فيه النار فكتفه وطرحه فيها ويمكن الجمع بأنه ضرب عنقه ثم ألقاه في النار ويؤخذ منه أن معاذا وأبا موسى كان يريان جواز التعذيب بالنار وإحراق الميت بالنار مبالغة في إهانته وترهيبا عن الاقتداء به وأخرج أبو داود من طريق طلحة بن يحيى ويزيد بن عبد الله كلاهما عن أبي بردة عن أبي موسى قال قدم على معاذ فذكر قصة اليهودي وفيه فقال لا أنزل عن دابتي حتى يقتل فقتل قال أحدهما وكان قد استتيب قبل ذلك وله من طريق أبي إسحاق الشيباني عن أبي بردة أتى أبو موسى برجل قد ارتد عن الاسلام فدعاه فأبى عشرين ليلة أو قريبا منها وجاء معاذ فدعاه فأبى فضرب عنقه قال أبو داود رواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة فلم يذكر الاستتابة وكذا بن فضيل عن الشيباني وقال المسعودي عن القاسم يعني بن عبد الرحمن في هذه القصة فلم ينزل حتى ضرب عنقه وما استتابه وهذا يعارضه الرواية المثبتة لان معاذا استتابه وهي أقوى من هذه والروايات الساكتة عنها لا تعارضها وعلى تقدير ترجيح رواية المسعودي فلا حجة فيه لمن قال يقتل المرتد بلا والمرتدة قوله ثم تذاكرا قيام الليل في رواية سعيد بن أبي بردة فقال كيف نقرأ القرآن أي في صلاة الليل قوله فقال أحدهما هو معاذ ووقع في رواية سعيد بن أبي بردة فقال أبو موسى أقرؤه قائما وقاعدا وعلى راحلتي وأتفوقه بفاء وقاف بينهما واو ثقيلة أي ألازم قراءته في جميع الاحوال وفي أخرى فقال أبو موسى كيف تقرأ أنت يا معاذ قال أنام أول الليل فأقوم وقد قضيت حاجتي فأقرأ ما كتب الله لي قوله وأرجو في نومتي ما أرجو في قومتي في رواية سعيد وأحتسب في الموضعين كما تقدم بيانه في المغازي وحاصله أنه يرجو الاجر في ترويح نفسه بالنوم ليكون أنشط عند القيام وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم تولية أميرين على البلد الواحد وقسمة البلد بين أميرين وفيه كراهة سؤال الامارة والحرص عليها ومنع الحريص منها كما سيأتي بسطه في كتاب الاحكام وفيه تزاور الاخوان والامراء والعلماء وإكرام الضيف والمبادرة إلى إنكار المنكر وإقامة الحد على من وجب عليه وأن المباحات يؤجر عليها بالنية إذا صارت وسائل للمقاصد الواجبة أو المندوبة أو تكميلا لشئ منهما قوله باب قتل من أبى قبول الفرائض أي جواز قتل من امتنع من التزام الاحكام الواجبة والعمل بها قال المهلب من امتنع من قبول الفرائض نظر فان أقر بوجوب الزكاة مثلا أخذت منه قهرا ولا يقتل فان أضاف إلى امتناعه نصب القتال قوتل إلى أن يرجع قال مالك في الموطأ الامر عندنا فيمن منع فريضة من فرائض الله تعالى فلم يستطع المسلمون أخدها منه كان حقا عليهم جهاده قال بن بطال مراده إذا أقر بوجوبها لا خلاف في ذلك قوله وما نسبوا إلى الردة أي أطلق عليهم اسم المرتدين قال الكرماني ما في قوله وما نسبوا نافية كذا قال والذي يظهر لي أنها مصدرية أي ونسبتهم إلى الردة وأشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث الذي أورده كما سأبينه قال القاضي عياض وغيره كان أهل الردة ثلاثة أصناف صنف عادوا إلى عبادة الاوثان وصنف تبعوا مسيلمة والاسود العنسي وكان كل منهما ادعى

[ 244 ]

النبوة قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم فصدق مسيلمة أهل اليمامة وجماعة غيرهم وصدق الاسود أهل صنعاء وجماعة غيرهم فقتل الاسود قبل موت النبي صلى الله عليه وسلم بقليل وبقي بعض من آمن به فقاتلهم عمال النبي صلى الله عليه وسلم في خلافة أبي بكر وأما مسيلمة فجهز إليه أبو بكر الجيش وعليهم خالد بن الوليد فقتلوه وصنف ثالث استمروا على الاسلام لكنهم جحدوا الزكاة وتأولوا بأنها خاصة بزمن النبي صلى الله عليه وسلم وهم الذين ناظر عمر أبا بكر في قتالهم كما وقع في حديث الباب وقال أبو محمد بن حزم في الملل والنحل انقسمت العرب بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم على أربعة أقسام طائفة بقيت على ما كانت عليه في حياته وهم الجمهور وطائفة بقيت على الاسلام أيضا إلا أنهم قالوا نقيم الشرائع إلا الزكاة وهم كثير لكنهم قليل بالنسبة إلى الطائفة الاولى والثالثة أعلنت بالكفر والردة كأصحاب طليحة وسجاح وهم قليل بالنسبة لمن قبلهم إلا أنه كان في كل قبيلة من يقاوم من ارتد وطائفة توقفت فلم تطع أحدا من الطوائف الثلاثة وتربصوا لمن تكون الغلبة فأخرج أبو بكر إليهم البعوث وكان فيروز ومن معه غلبوا على بلاد الاسود وقتلوه وقتل مسيلمة باليمامة وعاد طليحة إلى الاسلام وكذا سجاح ورجع غالب من كان ارتد إلى الاسلام فلم يحل الحول وإلا والجميع قد راجعوا دين الاسلام ولله الحمد قوله أن أبا هريرة قال في رواية مسلم عن أبي هريرة وهكذا رواه الاكثر عن الزهري بهذا السند على أنه من رواية أبي هريرة عن عمر وعن أبي بكر وقال يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس الحديث فساقه على أنه من مسند أبي هريرة ولم يذكر أبا بكر ولا عمر أخرجه مسلم وهو محمول على أن أبا هريرة سمع أصل الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم فأخرجه مسلم من طريق العلاء بن عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه ومن طريق أبي صالح ذكوان كلاهما عن أبي هريرة وأخرجه بن خزيمة من طريق أبي العنبس سعيد بن كثير بن عبيد عن أبيه وأخرجه أحمد من طريق همام بن منبه ورواه مالك خارج الموطأ عن أبي الزناد عن الاعرج وذكره بن منده في كتاب الايمان من رواية عبد الرحمن بن أبي عمرة كلهم عن أبي هريرة ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أيضا بن عمر كما تقدم في أوائل الكتاب في كتاب الايمان وجابر وطارق الاشجعي عند مسلم وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أنس وأصله عند البخاري كما تقدم في أوائل الصلاة وأخرجه الطبراني من وجه آخر عن أنس وهو عند بن خزيمة من وجه آخر عنه لكن قال عن أنس عن أبي بكر وأخرجه البزارمن حديث النعمان بن بشير وأخرجه الطبراني من حديث سهل بن سعد وابن عباس وجرير البجلي وفي الاوسط من حديث سمرة وسأذكر ما في رواياتهم من فائدة زائدة إن شاء الله تعالى قوله وكفر من كفر من العرب في حديث أنس عند بن خزيمة لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عامة العرب قوله يا أبا بكر كيف تقاتل الناس في حديث أنس أتريد أن تقاتل العرب قوله أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله كذا ساقه الاكثر وفي رواية طارق عند مسلم من وحد الله وكفر بما يعبد من دونه حرم دمه وماله وأخرجه الطبراني من حديثه كرواية الجمهور وقي حديث بن عمر حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا

[ 245 ]

رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ونحوه في حديث أبي العنبس وفي حديث أنس عند أبي داود حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا ويأكلوا ذبيحتنا ويصلوا صلاتنا وفي رواية العلاء بن عبد الرحمن حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويؤمنوا بي وبما جئت به قال الخطابي زعم الروافض أن حديث الباب متناقض لان في أوله أنهم كفروا وفي آخره أنهم ثبتوا على الاسلام إلا أنهم منعوا الزكاة فان كانوا مسلمين فكيف استحل قتالهم وسبي ذراريهم وان كانوا كفارا فكيف احتج على عمر بالتفرقة بين الصلاة والزكاة فان في جوابه إشارة إلى أنهم كانوا مقرين بالصلاة قال والجواب عن ذلك أن الذين نسبوا إلى الردة كانوا صنفين صنف رجعوا إلى عبادة الاوثان وصنف منعوا الزكاة وتأولوا قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم فزعموا أن دفع الزكاة خاص به صلى الله عليه وسلم لان غيره لا يطهرهم ولا يصلى عليهم فكيف تكون صلاته سكنا لهم وانما أراد عمر بقوله تقاتل الناس الصنف الثاني لانه لا يتردد في جواز قتل الصنف الاول كما أنه لا يتردد في قتال غيرهم من عباد الاوثان والنيران واليهود والنصارى قال وكأنه لم يستحضر من الحديث إلا القدر الذي ذكره وقد حفظ غيره في الصلاة والزكاة معا وقد رواه عبد الرحمن بن يعقوب بلفظ يعم جميع الشريعة حيث قال فيها ويؤمنوا بي وبما جئت به فان مقتضى ذلك أن من جحد شيئا مما جاء به صلى الله عليه وسلم ودعى إليه فامتنع ونصب القتال انه يجب قتاله وقتله إذا أصر قال وانما عرضت الشبهة لما دخله من الاختصار وكأن راويه لم يقصد سياق الحديث على وجهه وانما أراد سياق مناظرة أبي بكر وعمر وأعتمد على معرفة السامعين بأصل الحديث انتهى ملخصا قلت وفي هذا الجواب نظر لانه لو كان عند عمر في الحديث حتى يقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ما استشكل قتالهم للتسوية في كون غاية القتال ترك كل من التلفظ بالشهادتين وإقام الصلاة وايتاء الزكاة قال عياض حديث بن عمر نص في قتال من لم يصل ويزك كمن لم يقر بالشهادتين واحتجاج عمر على أبي بكر وجواب أبي بكر دل على أنهما لم يسمعا في الحديث الصلاة والزكاة إذ لو سمعه عمر لم يحتج على أبي بكر ولو سمعه أبو بكر لرد به على عمر ولم يحتج إلى الاحتجاج بعموم قوله إلا بحقه قلت إن كان الضمير في قوله بحقه للاسلام فمهما ثبت أنه من حق الاسلام تناوله ولذلك اتفق الصحابة على قتال من جحد الزكاة قوله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة يجوز تشديد فرق وتخفيفه والمراد بالفرق من أقر بالصلاة وأنكر الزكاة جاحدا أو مانعا مع الاعتراف وانما أطلق في أول القصة الكفر ليشمل الصنفين فهو في حق من جحد حقيقة وفي حق الآخرين مجاز تغليبا وانما قاتلهم الصديق ولم يعذرهم بالجهل لانهم نصبوا القتال فجهز إليهم من دعاهم إلى الرجوع فلما أصروا قاتلهم قال المازري ظاهر السياق أن عمر كان موافقا على قتال من جحد الصلاة فألزمه الصديق بمثله في الزكاة لو رد هما في الكتاب والسنة موردا واحدا قوله فان الزكاة حق المال يشير إلى دليل منع التفرقة التي ذكرها أن حق النفس الصلاة وحق المال الزكاة فمن صلى عصم نفسه ومن زكى عصم ماله فان لم يصل قوتل على ترك الصلاة ومن لم يزك أخذت الزكاة من ماله قهرا وان نصب الحرب لذلك قوتل وهذا يوضح أنه لو كان سمع في الحديث ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة لما احتاج إلى هذا

[ 246 ]

الاستنباط لكنه يحتمل أن يكون سمعه واستظهر بهذا الدليل النظري قوله والله لو منعوني عناقا تقدم ضبطها في باب أخذ العناق وفي الصدقة من كتاب الزكاة ووقع في رواية قتيبة عن الليث عند مسلم عقالا وأخرجه البخاري في كتاب الاعتصام عن قتيبة فكنى بهذه اللفظة فقال لو منعوني كذا واختلف في هذه اللفظة فقال قوم هي وهم والى ذلك أشار البخاري بقوله في الاعتصام عقب إيراده قال لي بن بكير يعني شيخه فيه هنا وعبد الله يعني بن صالح عن الليث عناقا وهو أصح ووقع في رواية ذكرها أبو عبيدة لو منعوني جديا أذوط وهو يؤيد أن الرواية عناقا والاذوط الصغير الفك والذقن قال عياض واحتج بذلك من يجيز أخذ العناق في زكاة الغنم إذا كانت كلها سخالا وهو أحد الاقوال وقيل انما ذكر العناق مبالغة في التقليل لا العناق نفسها قلت والعناق بفتح المهملة والنون الانثى من ولد المعز قال النووي المراد انها كانت صغارا فماتت أمهاتها في بعض الحول فيزكين بحول الامهات ولو لم يبق من الامهات شئ على الصحيح ويتصور فيما إذا ماتت معظم الكبار وحدثت الصغار فحال الحول على الكبار على بقيتها وعلى الصغار وقال بعض المالكية العناق والجذعة تجزي في زكاة الابل القليلة التي تزكى بالغنم وفي الغنم أيضا إذا كانت جذعة ويؤيده أن في حديث أبي بردة في الاضحية فان عندي عناقا جذعة وقد تقدم البحث في ذلك في كتاب الزكاة وقال قوم الرواية محفوظة ولها معنى متجه وجرى النووي على طريقته فقال هو محمول على أنه قالها مرتين مرة عناقا ومرة عقالا قلت وهو بعيد مع اتحاد المخرج والقصة وقيل العقال يطلق على صدقة عام يقال أخذ منه عقال هذا العام يعني صدقته حكاه المازري عن الكسائي واستشهد بقول الشاعر سعى عقالا فلم يترك لنا سندا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين وعمرو المشار إليه هو بن عتبة بن أبي سفيان وكان عمه معاوية يبعثه ساعيا على الصدقات فقيل فيه ذلك ونقل عياض عن بن وهب أنه الفريضة من الابل ونحوه عن النضر بن شميل وعن أبي سعيد الضرير العقال ما يؤخذ في الزكاة من نعام وثمار لانه عقل عن مالكها وقال المبرد العقال ما أخذه العامل من صدقة بعينها فان تعوض عن شئ منها قيل أخذ نقدا وعلى هذا فلا اشكال فيه وذهب الاكثر إلى حمل العقال على حقيقته وأن المراد به الحبل الذي يعقل به البعر نقله عياض عن الواقدي عن مالك بن أبي ذئب قالا العقال عقال الناقة قال أبو عبيد العقال اسم لما يعقل به البعير وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان يأخذ مع كل فريضة عقالا وقال النووي ذهب إلى من المحققين وقال بن التيمي في التحرير قول من فسر العقال بفريضة العام تعسف وهو نحو تأويل من حمل البيضة والحبل في حديث لعن السارق على بيضة الحديد وحبل السفينة قلت وقد تقدم بيان ذلك في باب حد السرقة إلى أن قال وكل ما كان في هذا السياق أحقر كان أبلغ قال والصحيح أن المراد بالعقال ما يعقل به البعير قال والدليل على أن المراد به المبالغة قوله في الرواية الاخرى عناقا وفي الاخرى جديا قال فعلى هذا فالمراد بالعقال قدر قيمته قال الثوري وهذا هو الصحيح الذي لا ينبغي غيره وقال عياض احتج به بعضهم على جواز أخذ الزكاة في عروض التجارة وفيه بعد والراجح أن العقال لا يؤخذ في الزكاة لوجوبه بعينه وإنما يؤخذ تبعا

[ 247 ]

للفريضه التي تعقل به أو أنه قال ذلك مبالغة على تقدير أن لو كان يؤدونه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال النووي يصح قدر قيمة العقال في زكاة النقد وفي المعدن والركاز والمعشرات وزكاة الفطر وفيما لو وجبت سن فأخذ الساعي دونه وفيما إذا كانت الغنم سخالا فمنع واحدة وقيمتها عقال قال وقد رأيت كثيرا ممن يتعانى الفقه يظن أنه لا يتصور وإنما هو للمبالغة وهو غلط منه وقد قال الخطابي حمله بعضهم على زكاة العقال إذا كان من عروض التجارة وعلى الحبل نفسه عند من يجيز أخذ القيم وللشافعي قول إنه يتخير بين العرض والنقد قال وأظهر من ذلك كله قول من قال إنه يجب أخذ العقال مع الفريضة كما جاء عن عائشة كان من عادة المتصدق أن يعمد إلى قرن بفتح القاف والراء وهو الحبل فيقرن به بين بعيرين لئلا تشرد الابل وهكذا جاء عن الزهري وقال غيره في قول أبي بكر لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غنية عن حمله عن المبالغة وحاصله أنهم متى منعوا شيئا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو قل فقد منعوا شيئا واجبا إذ لا فرق في منع الواجب وجحده بين القليل الكثير قال وهذا يغنى عن جميع التقادير والتأويلات التي لا يسبق الفهم إليها ولا يظن بالصديق أنه يقصد إلى مثلها قلت الحامل لمن حمله على المبالغة أن الذي تمثل به في هذا المقام لابد وأن يكون من جنس ما يدخل في الحكم المذكور فلذلك حملوه على المبالغة والله أعلم قوله فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق أي ظهر له عن صحة احتجاجه لا أنه قلده في ذلك وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم في كتاب الايمان الاجتهاد في النوازل وردها إلى الاصول والمناظرة على ذلك والرجوع إلى الراجح والادب في المناظرة بترك التصريح بالتخطئة والعدول إلى التلطف والاخذ في إقامة الحجة إلى أن يظهر للمناظر فلو عاند بعد ظهورها فحينئذ يستحق الاغلاظ بحسب حاله وفيه الحلف على الشئ لتأكيده وفيه منع قتل من قال لا إله إلا الله ولو لم يزد عليها وهو كذلك لكن هل يصير بمجرد ذلك مسلما الراجح لا بل يجب الكف عن قتله حتى يختبر فان شهد بالرسالة والتزم أحكام الاسلام حكم بإسلامه وإلى ذلك الاشارة بالاستثناء بقوله إلا بحق الاسلام قال البغوي الكافر إذا كان وثنيا أو ثنويا لا يقر بالوحدانية فإذا قال لا إله إلا الله حكم بإسلامه ثم يجبر على قبول جميع أحكام الاسلام ويبرأ من كل دين خالف دين الاسلام وأما من كان مقرا بالوحدانية منكر اللنبوة فإنه لا يحكم بإسلامه حتى يقول محمد رسول الله فان كان يعتقد أن الرساله المحمدية إلى العرب خاصة فلا بد أن يقول إلى جميع الخلق فان كان كفر بجحود واجب أو استباحة محرم فيحتاج أن يرجع عما اعتقده ومقتضى قوله يجبر أنه إذا لم يلتزم تجري عليه أحكام المرتد وبه صرح القفال واستدل بحديث الباب فادعى أنه لم يرد في خبر من الاخبار أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أو أني رسول الله كذا قال وهي غفلة عظيمة فالحديث في صحيحي البخاري ومسلم في كتاب الايمان من كل منهما من رواية بن عمر بلفظ حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويحتمل أن يكون المراد بقوله لا إله إلا الله هنا التلفظ بالشهادتين لكونها صارت علما على ذلك ويؤيده ورودهما صريحان في الطرق الاخرى واستدل بها على أن الزكاة لا تسقط عن المرتد وتعقب بأن المرتد كافر والكافر لا يطالب بالزكاة وانما يطالب بالايمان وليس في فعل

[ 248 ]

الصديق حجة لما ذكر وانما فيه قتال من منع الزكاة والذين تمسكوا بأصل الاسلام ومنعوا الزكاة بالشبهة التي ذكروها لم يحكم عليهم بالكفر قبل إقامة الحجة وقد اختلف الصحابة فيهم بعد الغلبة عليهم هل تغنم أموالهم وتسبى ذراريهم كالكفار أو لا كالبغاة فرأى أبو بكر الاول وعمل به وناظره عمر في ذلك كما سيأتي بيانه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وذهب إلى الثاني ووافقه غيره في خلافته على ذلك واستقر الاجماع عليه في حق من جحد شيئا من الفرائض بشبهة فيطالب بالرجوع فان نصب القتال قوتل وأقيمت عليه الحجة فان رجع والا عومل معاملة الكافر حينئذ ويقال ان أصبغ من المالكية استقر على القول الاول فعد من ندرة المخالف وقال القاضي عياض يستفاد من هذه القصة ان الحاكم إذا أداه اجتهاده في أمر لا نص فيه إلى شئ تجب طاعته فيه ولو اعتقد بعض المجتهدين خلافه فان صار ذلك المجتهد المعتقد خلافه حاكما وجب عليه العمل بما اداه إليه اجتهاده وتسوغ له مخالفة الذي قبله في ذلك لان عمر أطاع أبا بكر فيما رأى من حق مانعي الزكاة مع اعتقاده خلافه ثم عمل في خلافته بما اداه إليه اجتهاده ووافقه أهل عصره من الصحابة وغيرهم وهذا مما ينبه عليه في الاحجاج بالاجماع السكوتي فيشترط في الاحتجاج به انتفاء موانع الانكار وهذا منها وقال الخطابي في الحديث أن من أظهر الاسلام أجريت عليه أحكامه الظاهرة ولو أسر الكفر في نفس الامر ومحل الخلاف انما هو فيمن اطلع على معتقده الفاسد فأظهر الرجوع هل يقبل منه أو لا وأما من جهل أمره فلا خلاف في اجراء الاحكام الظاهرة عليه قوله باب إذا عرض الذمي أو غير أي المعاهد ومن يظهر الاسلام قوله بسب النبي صلى الله عليه وسلم أي وتنقيصه وقوله ولم يصرح تأكيد فان التعريض خلاف التصريح وقد تقدم بيانه في تفسير قوله تعالى ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء قوله نحو قوله السام عليكم في رواية الكشميهني السام عليك بالافراد وكذا وقع في حديثي عائشة وابن عمر في الباب ولم يختلف في حديث أنس في لفظ عليك بالافراد وتقدمت الاحاديث الثلاثة مع شرحها في كتاب الاستئذان واعترض بأن هذا اللفظ ليس فيه تعريض بالسب والجواب أنه اطلق التعريض على ما يخالف التصريح ولم يرد التعريض المصطلح وهو أن يستعمل لفظا في حقيقته يلوح به إلى معنى آخر يقصد وقال بن المنير حديث الباب يطابق الترجمة بطريق الاولى لان الجرح أشد من السب فكأن البخاري يختار مذهب الكوفيين في هذه المسألة انتهى ملخصا وفيه نظر لانه لم يبيت الحكم ولا يلزم من تركه قتل من قال ذلك لمصلحة التأليف أن لا يجب قتله حيث لا مصلحة في تركه وقد نقل بن المنذر الاتفاق على من سب النبي صلى الله عليه وسلم صريحا وجب قتله ونقل أبو بكر الفارسي أحد أئمة الشافعية في كتاب الاجماع أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم مما هو قذف صريح كفر باتفاق العلماء فلو تاب لم يسقط عنه القتل لان حد قذفه القتل وحد القذف لا يسقط بالتوبة وخالفه القفال فقال كفر بالسب فيسقط القتل بالاسلام وقال الصيدلاني يزول القتل ويجب حد القذف وضعفه الامام فان عرض فقال الخطابي لا أعلم خلافا في وجوب قتله إذا كان مسلما وقال بن بطال اختلف العلماء فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم فأما أهل العهد والذمة كاليهود فقال بن القاسم عن مالك يقتل الا أن يسلم وأما المسلم فيقتل بغير استتابة ونقل بن المنذر عن الليث والشافعي وأحمد وإسحاق

[ 249 ]

مثله في حق اليهودي ونحوه ومن طريق الوليد بن مسلم عن الاوزاعي ومالك في المسلم هي ردة يستتاب منها وعن الكوفيين ان كان ذميا عزر وان كان مسلما فهي ردة وحكى عياض خلافا هل كان ترك من وقع منه ذلك لعدم التصريح أو لمصلحة التأليف ونقل عن بعض المالكية أنه انما لم يقتل اليهود في هذه القصة لانهم لم تقم عليهم البينة بذلك ولا أقروا به فلم يقض فيهم بعلمه وقيل انهم لم لم يظهروه ولووه بألسنتهم ترك قتلهم وقيل انه لم يحمل ذلك منهم على السب بل على الدعاء بالموت الذي لا بد منه ولذلك قال في الرد عليهم وعليكم أي الموت نازل علينا وعليكم فلا معنى للدعاء به أشار إلى ذلك القاضي عياض وتقدمت الاشارة إليه في الاستئذان وكذا من قال السام بالهمز بمعنى السأمة هو دعاء بأن يملوا الدين وليس بصريح في السب والله أعلم وعلى القول بوجوب قتل من وقع منه ذلك من ذمي أو معاهد فترك لمصلحة التأليف هل ينتقض بذلك عهده محل تأمل واحتج الطحاوي لاصحابهم بحديث الباب وأيده بان هذا الكلام لو صدر من مسلم لكان ردة وأما صدوره من اليهود فالذي هم عليه من الكفر أشد منه فلذلك لم يقتلهم النبي صلى الله عليه وسلم وتعقب بأن دماءهم لم تحقن إلا بالعهد وليس في العهد أنهم يسبون النبي صلى الله عليه وسلم فمن سبه منهم تعد العهد فينتقض فيصير كافرا بلا عهد فيهدر دمه الا أن يسلم ويؤيده أنه لو كان كل ما يعتقدونه لا يؤاخذون به لكانوا لو قتلوا مسلما لم يقتلوا لان من معتقدهم حل دماء المسلمين ومع ذلك لو قتل منهم أحد مسلما قتل فان قيل انما يقتل بالمسلم قصاصا بدليل أنه يقتل به ولو أسلم ولو سب ثم أسلم لم يقتل قلنا الفرق بينهما أن قتل المسلم يتعلق بحق آدمي فلا يهدر وأما السب فان وجوب القتل به يرجع إلى حق الدين فيهدمه الاسلام والذي يظهر أن ترك قتل اليهود انما كان لمصلحة التأليف أو لكونهم لم يعلنوا به أولهما جميعا وهو أولى والله أعلم قوله باب كذا للاكثر بغير ترجمة وحذفه بن بطال فصار حديث بن مسعود المذكور فيه من جملة الباب الذي قبله واعترض بأنه انما ورد في قوم من كفار أهل حرب والنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بالصبر على الاذى منهم فلذلك امتثل أمر ربه قلت فهذا يقتضي ترجيح صنيع الاكثر من جعله ترجمة مستقلة لكن تقدم التنبيه على أن مثل ذلك وقع كالفصل من الباب الذي قبله فلا بد له من تعلق به في الجملة والذي يظهر أنه أشار بإيراده إلى ترجيح القول بأن ترك قتل اليهود لمصلحة التأليف لانه إذا لم يؤاخذ الذي ضربه حتى جرحه بالدعاء عليه ليهلك بل صبر على أذاه وزاد فدعا له فلان يصبر على الاذى بالقول أولى ويؤخذ منه ترك القتل بالتعريض بطريق الاولى وقد تقدم شرح حديث بن مسعود المذكور في غزوة أحد من كتاب المغازي وحفص المذكور في السند هو بن غياث وشقيق هو بن سلمة أبو وائل والسند كله كوفيون وقوله قال عبد الله يعني بن مسعود ووقع في رواية مسلم من طريق وكيع عن الاعمش عن أبي وائل عن عبد الله قوله يحكى نبيا من الانبياء تقدم في ذكر بني إسرائيل من أحاديث الانبياء هذا الحديث بهذا السند وذكرت فيه من طريق مرسلة وفي سندها من لم يسم من سمى النبي المذكور نوحا عليه السلام ثم وقع لي من رواية الاعمش بسند له مضموما إلى روايته بسند حديث الباب أخرجه بن عساكر في ترجمة نوح عليه السلام من تاريخ دمشق من رواية يعقوب بن عبد الله الاشعري عن الاعمش عن مجاهد عن عبيد بن عمير قال

[ 250 ]

إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه ثم يفيق فيقول اهد قومي فانهم لا يعلمون وبه عن الاعمش عن شقيق عن عبد الله فذكر نحو حديث الباب وتقدم هناك أيضا قول القرطبي ان النبي صلى الله عليه وسلم هو الحاكي والمحكى عنه ووجه الرد عليه وتقدم في غزوة أحد بيان ما وقع له صلى الله عليه وسلم من الجراحة في وجهه يوم أحد وأنه صلى الله عليه وسلم قال أولا كيف يفلح قوم أدموا وجه نبيهم فإنه قال أيضا اللهم اغفر لقومي فانهم لا يعلمون وان عند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم قوله فهو يمسح الدم عن وجهه في رواية عبد الله بن نمير عن الاعمش عند مسلم في هذا الحديث عن جبينه وقد تقدم في غزوة أحد بيان أنه شج صلى الله عليه وسلم وكسرت رباعيته وشرح م ا وقع في ذلك مبسوطا ولله الحمد ! قوله باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم وقول الله تعالى وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون أما الخوارج فهم جمع خارجة أي طائفة وهم قوم مبتدعون سموا بذلك لخروجهم عن الدين وخروجهم على خيار المسلمين وأصل بدعتهم فيما حكاه الرافعي في الشرح الكبير أنهم خرجوا على علي رضي الله عنه حيث اعتقدوا أنه يعرف قتلة عثمان رضي الله عنه ويقدر عليهم ولا يقتص منهم لرضاه بقتله أو مواطأته إياهم كذا قال وهو خلاف ما أطبق عليه أهل الاخبار فإنه لا نزاع عندهم أن الخوارج لم يطلبوا بدم عثمان بل كانوا ينكرون عليه أشياء ويتبرءون منه وأصل ذلك أن بعض أهل العراق أنكروا سيرة بعض أقارب عثمان فطعنوا على عثمان بذلك وكان يقال لهم القراء لشدة اجتهادهم في التلاوة والعبادة إلا أنهم كانوا يتأولون القرآن على غير المراد منه ويستبدون برأيهم ويتنطعون في الزهد والخشوع وغير ذلك فلما قتل عثمان قاتلوا مع علي واعتقدوا كفر عثمان ومن تابعه واعتقدوا إمامة علي وكفر من قاتله من أهل الجمل الذين كان رئيسهم طلحة والزبير فإنهما خرجا إلى مكة بعد أن بايعا عليا فلقيا عائشة وكانت حجت تلك السنة فاتفقوا على طلب قتلة عثمان وخرجوا إلى البصرة يدعون الناس إلى ذلك فبلغ عليا فخرج إليهم فوقعت بينهم وقعة الجمل المشهورة وانتصر على وقتل طلحة في المعركة وقتل الزبير بعد أن انصرف من الوقعة فهذه الطائفة هي التي كانت تطلب بدم عثمان بالاتفاق ثم قام معاوية بالشام في مثل ذلك وكان أمير الشام إذ ذاك وكان علي أرسل إليه لان يبايع له أهل الشام فاعتل بأن عثمان قتل مظلوما وتجب المبادرة إلى الاقتصاص من قتلته وأنه أقوى الناس على الطلب بذلك ويلتمس من علي أن يمكنه منهم ثم يبايع له بعد ذلك وعلي يقول ادخل فيما دخل فيه الناس وحاكمهم إلى أحكم فيهم بالحق فلما طال الامر خرج علي في أهل العراق طالبا قتال أهل الشام فخرج معاوية في أهل الشام قاصدا إلى قتاله فالتقيا بصفين فدامت الحرب بينهما أشهرا وكاد أهل الشام أن ينكسروا فرفعوا المصاحف على الرماح ونادوا ندعوكم إلى كتاب الله تعالى وكان ذلك بإشارة عمرو بن العاص وهو مع معاوية فترك جمع كثير ممن كان مع علي وخصوصا القراء القتال بسبب ذلك تدينا واحتجوا بقوله تعالى ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم الآية فراسلوا أهل الشام في ذلك فقالوا ابعثوا حكما منكم وحكما منا ويحضر معهما من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق

[ 251 ]

معه أطاعوه فأجاب علي ومن معه إلى ذلك وانكرت ذلك تلك الطائفة التي صاروا خوارج وكتب علي بينه وبين معاوية كتاب الحكومة بين أهل العراق والشام هذا ما قضى عليه أمير المؤمنين على معاوية فامتنع أهل الشام من ذلك وقالوا أكتبوا اسمه واسم أبيه فأجاب علي إلى ذلك فأنكره عليه الخوارج أيضا ثم انفصل الفريقان على أن يحضر الحكمان ومن معهما بعد مدة عينوها في مكان وسط بين الشام والعراق ويرجع العسكران إلى بلادهم إلى أن يقع الحكم فرجع معاوية إلى الشام ورجع علي إلى الكوفة ففارقه الخوارج وهم ثمانية آلاف وقيل كانوا أكثر من عشر آلاف وقيل ستة آلاف ونزلوا مكانا يقال له حروراء بفتح المهملة وراءين الاولى مضمومة ومن ثم قيل لهم الحرورية وكان كبيرهم عبد الله بن الكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد اليشكري وشبث بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة التميمي فأرسل إليهم علي بن عباس فناظرهم فرجع كثير منهم معه ثم خرج إليهم علي فأطاعوه ودخلوا معه الكوفة معهم رئيساهم المذكوران ثم أشاعوا أن عليا تاب من الحكومة ولذلك رجعوا معه فبلغ ذلك عليا فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إلا لله فقال كلمة حق يراد بها باطل فقال لهم لكم علينا ثلاث أن لا نمنعكم من المساجد ولا من رزقكم من الفئ ولا نبدؤكم بقتال ما لم تحدثوا فسادا وخرجوا شيئا بعد شئ إلى أن اجتمعوا بالمدائن فراسلهم في الرجوع فأصروا على الامتناع حتى يشهد على نفسه بالكفر لرضاه بالتحكيم ويتوب ثم راسلهم أيضا فاستعرضوا الناس فقتلوا من اجتاز بهم من المسلمين ومر بهم عبد الله بن خباب بن الارت وكان واليا لعلي على بعض تلك البلاد ومعه سرية وهي حامل فقتلوه وبقروا بطن سريته عن ولد فبلغ عليا فخرج إليهم في الجيش الذي كان هيأه للخروج إلى الشام فأوقع بهم بالنهروان ولم ينج منهم إلا دون العشرة ولا قتل ممن معه إلا نحو العشرة فهذا ملخص أول أمرهم ثم انضم إلى من بقى منهم من مال إلى رأيهم فكانوا مختفين في خلافة علي حتى كان منهم عبد الرحمن بن ملجم الذي قتل عليا بعد أن دخل علي في صلاة الصبح ثم لما وقع صلح الحسن ومعاوية ثارت منهم طائفة فأوقع بهم عسكر الشام بمكان يقال له النجيلة ثم كانوا منقمعين في امارة زياد وابنه عبيد الله على العراق طول مدة معاويه وولده يزيد وظفر زياد وابنه منهم بجماعة فأبادهم بين قتل وحبس طويل فلما مات يزيد ووقع الافتراق وولى الخلافة عبد الله بن الزبير وأطاعه أهل الامصار إلا بعض أهل الشام ثار مروان فادعى الخلافة وغلب على جميع الشام إلى مصر فظهر الخوارج حينئذ بالعراق مع نافع بن الازرق وباليمامة مع نجدة بن عامر وزاد نجدة على معتقد الخوارج أن من لم يخرج ويحارب المسلمين فهو كافر ولو اعتقد معتقدهم وعظم البلاء بهم وتوسعوا في معتقدهم الفاسد فأبطلوا رجم المحصن وقطعوا يد السارق من الابط وأوجبوا الصلاة على الحائض في حال حيضها وكفروا من ترك الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ان كان قادرا وان لم يكن قادرا فقد ارتكب كبيرة وحكم مرتكب الكبيرة عندهم حكم الكافر وكفوا عن أموال أهل الذمة وعن التعرض لهم مطلقا وفتكوا فيم ينسب إلى الاسلام بالقتل والسبي والنهب فمنهم من يفعل ذلك مطلقا بغير دعوة منهم ومنهم من يدعو أولا ثم يفتك ولم يزل البلاء بهم يزيد إلى أن أمر المهلب بن أبى صفرة على

[ 252 ]

قتالهم فطاولهم حتى ظفر بهم وتقلل جمعهم ثم لم يزل منهم بقايا في طول الدولة الاموية وصدر الدولة العباسية ودخلت طائفة منهم المغرب وقد صنف في أخبارهم أبو مخنف بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح النون بعدها فاء واسمه لوط بن يحيى كتابا لخصه الطبري في تاريخه وصنف في أخبارهم أيضا الهيثم بن عدي كتابا ومحمد بن قدامة الجوهري أحد شيوخ البخاري خارج الصحيح كتابا كبيرا وجمع أخبارهم أبو العباس المبرد في كتابه الكامل لكن بغير أسانيد بخلاف المذكورين قبله قال القاضي أبو بكر بن العربي الخوارج صنفان أحدهما يزعم أن عثمان وعليا وأصحاب الجمل وصفين وكل من رضى بالتحكيم كفار والآخر يزعم أن كل من أتى كبيرة فهو كافر مخلد في النار أبدا وقال غيره بل الصنف الاول مفرع عن الصنف الثاني لان الحامل لهم على تكفير أولئك كونهم أذنبوا فيما فعلوه بزعمهم وقال بن حزم ذهب نجدة بن عامر من الخوارج إلى أن من أتى صغيرة عذب بغير النار ومن أدمن على صغيرة فهو كمرتكب الكبيرة في التخليد في النار وذكر أن منهم من غلا في معتقدهم الفاسد فأنكر الصلوات الخمس وقال الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي ومنهم من جوز نكاح بنت الابن وبنت الاخ والاخت ومنهم من أنكر أن تكون سورة يوسف من القرآن وأن من قال لا إله إلا الله فهو مؤمن عند الله ولو اعتقد الكفر بقلبه وقال أبو منصور البغدادي في المقالات عدة فرق الخوارج عشرون فرقة وقال بن حزم أسوؤهم حالا الغلاة المذكورون وأقربهم إلى قول أهل الحق الاباضية وقد بقيت منهم بقية بالمغرب وقد وردت بما ذكرته من أصل حال الخوارج أخبار جياد منها ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر وأخرجه الطبري من طريق يونس كلاهما عن الزهري قال لما نشر أهل الشام المصاحف بمشورة عمرو بن العاص حين كاد أهل العراق أن يغلبوهم هاب أهل الشام ذلك إلى أن آل الامر إلى التحكيم ورجع كل إلى بلده إلى أن اجتمع الحكمان في العام المقبل بدومة الجندل وافترقا عن غير شئ فلم رجعوا خالفت الحرورية عليا وقالوا لا حكم الا لله وأخرج بن أبي شيبة من طريق أبي رزين قال لما وقع الرضا بالتحكيم ورجع علي إلى الكوفة اعتزلت الخوارج بحروراء فبعث لهم عبد الله بن عباس فناظرهم فلما رجعوا جاء رجل إلى علي فقال انهم يتحدثون أنك أقررت لهم بالكفر لرضاك بالتحكيم فخطب وأنكر ذلك فتنادوا من جوانب المسجد لا حكم إلا لله ومن وجه آخر أن رؤوسهم حينئذ الذين اجتمعوا بالنهروان عبد الله بن وهب الراسي وزيد بن حصن الطائي وحرقوص بن زهير السعدي فاتفقوا على تأمير عبد الله بن وهب وسيأتي كثير من أسانيد ما أشرت إليه بعد في كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وقال الغزالي في الوسيط تبعا لغيره في حكم الخوارج وجهان أحدهما أنه كحكم أهل الردة والثاني أنه كحكم أهل البغي ورجح الرافعي الاول وليس الذي قاله مطردا في كل خارجي فانهم على قسمين أحدهما من تقدم ذكره والثاني من خرج في طلب الملك لا للدعاء إلى معتقده وهم على قسمين أيضا قسم خرجو غضبا للدين من أجل جور الولاة وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق ومنهم الحسن بن علي وأهل المدينة في الحرة والقراء الذين خرجوا على الحجاج وقسم خرجوا لطلب الملك فقط سواء كانت فيهم شبهة أم لا وهم البغاة وسيأتي بيان حكمهم في كتاب الفتن وبالله التوفيق قوله وكان بن عمر يراهم شرار خلق الله الخ وصله الطبري في مسند علي من تهذيب الآثار من طريق

[ 253 ]

بكير بن عبد الله بن الاشج أنه سأل نافعا كيف كان رأي بن عمر في الحرورية قال كان يراهم شرار خلق الله انطلقوا إلى آيات الكفار فجعلوها في المؤمنين قلت وسنده صحيح وقد ثبت في الحديث الصحيح المرفوع عند مسلم من حديث أبي ذر في وصف الخوارج هم شرار الخلق والخليقة وعند أحمد بسند جيد عن أنس مرفوعا مثله وعند البزار من طريق الشعبي عن مسروق عن عائشة قالت ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الخوارج فقال هم شرار أمتي يقتلهم خيار أمتي وسنده حسن وعند الطبراني من هذا الوجه مرفوعا هم شر الخلق والخليقة يقتلهم خير الخلق والخليقة وفي حديث أبي سعيد عند أحمد هم شر البلية وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم من أبغض خلق الله إليه وفي حديث عبد الله بن خباب يعنى عن أبيه عند الطبراني شر قتلى أظلتهم السماء وأقلتهم الارض وفي حديث أبي أمامة نحوه وعند أحمد وابن أبي شيبة من حديث أبي برزة مرفوعا في ذكر الخوارج شر الخلق والخليقة يقولها ثلاثا وعند بن أبي شيبة من طريق عمير بن إسحاق عن أبي هريرة هم شر الخلق وهذا مما يؤيد قول من قال بكفرهم ثم ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث علي قوله حدثنا خيثمة بفتح الخاء المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة هو بن عبد الرحمن بن أبي سبرة بفتح المهملة وسكون الموحدة الجعفي لآبيه ولجده صحبة ووقع في رواية سهل بن بحر عن عمر بن حفص بهذا السند حدثني بالافراد أخرجه أبو نعيم ولم يصرح بالتحديث فيه الا حفص بن غياث فقد أخرجه مسلم من رواية وكيع وعيسى بن يونس والثوري وجرير وأبي معاوية وتقدم في علامات النبوة وفضائل القرآن من رواية سفيان الثوري وهو عند أبي داود والنسائي من رواية الثوري أيضا وعند أبي عوانة من رواية يعلى بن عبيد وعند الطبري أيضا من رواية يحيى بن عيسى الرملي وعلي بن هشام كلهم عن الاعمش بالعنعنة وذكر الاسماعيلي أن عيسى بن يونس زاد فيه رجلا فقال عن الاعمش حدثني عمرو بن مرة عن خيثمة قلت لم أر في رواية عيسى عند مسلم ذكر عمرو بن مرة وهو من المزيد في متصل الاسانيد لان أبا معاوية هو الميزان في حديث الاعمش قوله سويد بن غفلة بفتح المعجمة والفاء مخضرم من كبار التابعين وقد قيل ان له صحبة وتقدم بيان ذلك في أواخر فضائل القرآن قوله قال علي هو على حذف قال وهو كثير في الخط والاولى أن ينطق به وقد مضى في آخر فضائل القرآن من رواية الثوري عن الأعمش بهذا السند قال قال علي وعند النسائي من هذا الوجه عن علي قال الدارقطني لم يصح لسويد بن غفلة عن علي مرفوع الا هذا قلت وماله في الكتب الستة ولا عند أحمد غيره وله في المستدرك من طريق الشعبي عنه قال خطب علي بنت أبي جهل أخرجه من طريق أحمد عن يحيى بن أبي زائدة عن زكريا عن الشعبي وسنده جيد لكنه مرسل لم يقل فيه عن علي قوله إذا حدثتكم في رواية يحيى بن عيسى سبب لهذا الكلام فأول الحديث عنده عن سويد بن غفلة قال كان علي يمر بالنهر وبالساقية فيقول صدق الله ورسوله فقلنا يا أمير المؤمنين ما تزال تقول هذا قال إذا حدثتكم الخ وكان علي في حال المحاربة يقول ذلك وإذا وقع له أمر يوهم أن عنده في ذلك أثرا فخشى هذه الكائنة أن يظنوا أن قصة ذي الثدية من ذلك القبيل فأوضح أن عنده في أمره نصا صريحا وبين لهم أنه إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم لا يكنى ولا يعرض ولا يورى وإذا لم يحدث عنه فعلى ذلك ليخدع بذلك من

[ 254 ]

يحاربهم ولذلك استدل بقوله الحرب خدعة قوله فوالله لان أخر بكسر الخاء المعجمة أي أسقط قوله من السماء زاد أبو معاوية والثوري في روايتهما إلى الارض أخرجه أحمد عنهما وسقطت للمصنف في علامات النبوة ولم يسق مسلم لفظهما ووقع في رواية يحيى بن عيسى اخر من السماء فتخطفني الطير أو تهوي بي الريح في مكان سحيق قوله فيما بيني وبينكم في رواية يحيى بن عيسى عن نفسي وفي رواية الاعمش عن زيد بن وهب عن علي قام فينا عند أصحاب النهر فقال ما سمعتموني أحدثكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم به وما سمعتموني أحدث في غير ذلك ويستفاد من هذه الرواية معرفة الوقت الذي حدث فيه علي بذلك والسبب أيضا قوله فان الحرب خدعة في رواية يحيى بن عيسى فانما الحرب خدعة وقد تقدم في كتاب الجهاد أن هذا أعني الحرب خدعة حديث مرفوع وتقدم ضبط خدعة هناك ومعناها قوله سيخرج قوم في آخر الزمان كذا وقع في هذه الرواية وفي حديث أبي برزة عند النسائي يخرج في آخر الزمان قوم وهذا قد يخالف حديث أبي سعيد المذكور في الباب بعده فان مقتضاه أنهم خرجوا في خلافة علي وكذا أكثر الاحاديث الواردة في أمرهم وأجاب بن التين بأن المراد زمان الصحابة وفيه نظر لان آخر زمان الصحابة كان على رأس المائة وهم قد خرجوا قبل ذلك بأكثر من ستين سنة ويمكن الجمع بأن المراد بآخر الزمان زمان خلافة النبوة فان في حديث سفينة المخرج في السنن وصحيح بن حبان وغيره مرفوعا الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تصير ملكا وكانت قصة الخوارج وقتلهم بالنهروان في اواخر خلافة علي سنة ثمان وعشرين بعد النبي صلى الله عليه وسلم بدون الثلاثين بنحو سنتين قوله أحداث بمهملة ثم مثلثة جمع حدث بفتحتين والحدث هو الصغير السن هكذا في أكثر الروايات ووقع هنا للمستملي والسرخسي حداث بضم أوله وتشديد الدال قال في المطالع معناه شباب جمع حديث السن أو جمع حدث قال بن التين حداث جمع حديث مثل كرام جمع كريم وكبار جمع كبير والحديث الجديد من كل شئ ويطلق على الصغير بهذا الاعتبار وتقدم في التفسير حداث مثل هذا اللفظ لكنه هناك جمع على غير قياس والمراد سمار يتحدثون قاله في النهاية وتقدم في علامات النبوة بلفظ حدثاء بوزن سفهاء وهو جمع حديث كما تقدم تقريره والاسنان جمع سن والمراد به العمر والمراد أنهم شباب قوله سفهاء الاحلام جمع حلم بكسر أوله والمراد به العقل والمعنى أن عقولهم رديئة قال النووي يستفاد منه أن التثبت وقوة البصيرة تكون عند كمال السن وكثرة التجارب وقوة العقل قلت ولم يظهر لي وجه الاخذ منه فان هذا معلوم بالعادة لا من خصوص كون هؤلاء كانوا بهذه الصفة قوله يقولون من خير قول البرية تقدم في علامات النبوة وفي آخر فضائل القرآن قول من قال أنه مقلوب وأن المراد من قول خير البرية وهو القرآن قلت ويحتمل أن يكون على ظاهره والمراد القول الحسن في الظاهر وباطنه على خلاف ذلك كقولهم لا حكم الا لله في جواب علي كما سيأتي وقد وقع في رواية طارق بن زياد عند الطبري قال خرجنا مع علي فذكر الحديث وفيه يخرج قوم يتكلمون كلمة حق لا تجاوز حلوقهم وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أبي داود والطبراني يحسنون القول ويسيئون الفعل ونحوه في حديث عبد الله بن عمر وعند أحمد وفي حديث مسلم عن علي يقولون الحق لا يجاوز هذا وأشار إلى حلقه قوله لا يجاوز ايمانهم حناجرهم في رواية الكشميهني

[ 255 ]

لا يجوز والحناجر بالحاء المهملة ثم الجيم جمع حنجرة بوزن قصوره وهي الحلقوم والبلعوم وكله يطلق على مجرى النفس وهو طرف المرئ مما يلي الفم ووقع في رواية مسلم من رواية زيد بن وهب عن علي لا تجاوز صلاتهم تراقيهم فكأنه اطلق الايمان على الصلاة وله في حديث أبي ذر لا يجاوز ايمانهم حلاقيمهم والمراد انهم يؤمنون بالنطق لا بالقلب وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم وأشار إلى حلقه وهذه المجاوزة غير المجاوزة الاتية في حديث أبي سعيد قوله يمرقون من الدين في رواية أبي إسحاق عن سويد بن غفلة عند النسائي والطبري يمرقون من الاسلام وكذا في حديث بن عمر في الباب وفي رواية زيد بن وهب المشار إليها وحديث أبي بكرة في الطبري وعند النسائي من رواية طارق بن زياد عن علي يمرقون من الحق وفي تعقيب على من فسر الدين هنا بالطاعة كما تقدمت الاشارة إليه في علامات النبوة قوله كما يمرق السهم من الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية أي الشئ الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي وسيأتي في الباب الذي بعده قوله فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فان في قتلهم أجرا لمن قتلهم يوم القيامة في رواية زيد بن وهب لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضى لهم على لسان نبيهم لنكلوا عن العمل ولمسلم في رواية عبيدة بن عمرو عن علي لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم على لسان محمد صلى الله عليه وسلم قال عبيدة قلت لعلي أنت سمعته قال أي ورب الكعبة ثلاثا وله في رواية زيد بن وهب في قصة قتل الخوارج أن عليا لما قتلهم قال صدق الله وبلغ رسوله فقام إليه عبيدة فقال يا أمير المؤمنين الله الذي لا إله إلا هو لقد سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أي والله الذي لا إله إلا هو حتى استحلفه ثلاثا قال النووي انما استحلفه ليؤكد الامر عند السامعين ولتظهر معجزة النبي صلى الله عليه وسلم وأن عليا ومن معه على الحق قلت وليطمئن قلب المستحلف لازالة توهم ما أشار إليه على أن الحرب خدعة فخشي أن يكون لم يسمع في ذلك شيئا منصوصا والى ذلك يشير قول عائشة لعبد الله بن شداد في روايته المشار إليها حيث قالت له ما قال علي حينئذ قال سمعته يقول صدق الله ورسوله قالت رحم الله عليا إنه كان لا يرى شيئا يعجبه إلا قال صدق الله ورسوله فيذهب أهل العراق فيكذبون عليه ويزيدونه فمن هذا أراد عبيدة بن عمرو التثبت في هذه القصة بخصوصها وان فيها نقلا منصوصا مرفوعا وأخرج أحمد نحو هذا الحديث عن علي وزاد في آخره قتالهم حق على كل مسلم ووقع سبب تحديث علي بهذا الحديث في رواية عبيد الله بن أبي رافع فيما أخرجه مسلم من رواية بشر بن سعيد عنه قال إن الحرورية لما خرجت وهو مع علي قالوا لا حكم إلا لله تعالى فقال علي كلمة حق أريد بها باطل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا إني لاعرف صفتهم في هؤلاء يقولون الحق بألسنتهم ولا يجاوز هذا منهم وأشار بحلقه من أبغض خلق الله إليه الحديث الثاني حديث أبي سعيد قوله عبد الوهاب هو بن عبد المجيد الثقفي ويحيى بن سعيد هو الانصاري ومحمد بن إبراهيم هو التيمي وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن بن عوف وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق وهذا السياق كأنه لفظ عطاء بن يسار وأما لفظ أبي سلمة فتقدم منفردا في أواخر فضائل القرآن ورواه الزهري عن أبي سلمة كما في الباب الذي بعده بسياق آخر فلعل اللفظ المذكور هنا على سياق عطاء بن يسار المقرون به

[ 256 ]

وقد قرن الزهري مع أبي سلمة في روايته الماضية في الادب الضحاك المشرقي لكنه أفرده هنا عن أبي سلمة فامتاز لفظه عن لفظ الضحاك قوله فسألاه عن الحرورية أسمعت النبي صلى الله عليه وسلم كذا للجميع بحذف المسموع وقد بينه في رواية مسلم عن محمد بن المثنى شيخ البخاري فيه فقال يذكرها وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة قلت لابي سعيد هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الحرورية أخرجه بن ماجة والطبري وأخرج الطبري من طريق الاسود بن العلاء عن أبي سلمة قال جئنا أبا سعيد فقلنا فذكر مثله ومن طريق أبي إسحاق مولى بني هاشم أنه سأل أبا سعيد عن الحرورية قوله قال لا أدري ما الحرورية هذا يغاير قوله في أول حديث الباب الذي يليه وأشهد أن عليا قتلهم وأنا معه فان مقتضى الاول أنه لا يدري هل ورد الحديث الذي ساقه في الحرورية أو لا ومقتضى الثاني أنه ورد فيهم ويمكن الجمع بأن مراده بالنفي هنا أنه لم يحفظ فيهم نصا بلفظ الحرورية وانما سمع قصتهم التي دل وجود علامتهم في الحرورية بأنهم هم قوله يخرج في هذه الامة ولم يقل منها لم تختلف الطرق الصحيحة على أبي سعيد في ذلك فعند مسلم من رواية أبي نضرة عن أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته وله من وجه آخر تمرق عند فرقة مارقة من المسلمين وله من رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد نحوه وأما ما أخرجه الطبري من وجه آخر عن أبي سعيد بلفظ من أمتي فسنده ضعيف لكن وقع عند مسلم من حديث أبي ذر بلفظ سيكون بعدي من أمتي قوم وله من طريق زيد بن وهب عن علي يخرج قوم من أمتي ويجمع بينه وبين حديث أبي سعيد بأن المراد بالامة في حديث أبي سعيد أمة الاجابة وفي رواية غيره أمة الدعوة قال النووي وفيه دلالة على فقه الصحابة وتحريرهم الالفاظ وفيه إشارة من أبي سعيد إلى تكفير الخوارج وأنهم من غير هذه الامة قوله تحقرون بفتح أوله أي تستفلون قوله صلاتكم مع صلاتهم زاد في رواية الزهري عن أبي سلمة كما في الباب بعده وصيامكم مع صيامهم وفي رواية عاصم بن شميخ عن أبي سعيد تحقرون أعمالكم مع أعمالهم ووصف عاصم أصحاب نجدة الحروري بأنهم يصومون النهار ويقومون الليل ويأخذون الصدقات على السنة أخرجه الطبري ومثله عنده من رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وفي رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة عنده يتعبدون يحقر أحدكم صلاته وصيامه مع صلاتهم وصيامهم ومثله من رواية أنس عن أبي سعيد وزاد في رواية الاسود بن العلاء عن أبي سلمة وأعمالكم مع أعمالهم وفي رواية سلمة بن كهيل عن زيد بن وهب عن علي ليست قراءتكم إلى قراءتهم شيئا ولا صلاتكم إلى صلاتهم شيئا أخرجه مسلم والطبري وعنده من طريق سليمان التيمي عن أنس ذكر لي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن فيكم قوما يدأبون ويعملون حتى يعجبوا الناس وتعجبهم أنفسهم ومن طريق حفص بن أخي أنس عن عمه بلفظ يتعمقون في الدين وفي حديث بن عباس عند الطبراني في قصة مناظرته للخوارج قال فأتيتهم فدخلت على قوم لم أر أشد اجتهاد منهم أيديهم كأنها تفن الابل ووجوههم معلمة من آثار السجود وأخرج بن أبي شيبة عن بن عباس أنه ذكر عنده الخوارج واجتهادهم في العبادة فقال ليسوا أشد اجتهادا من الرهبان قوله يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية بكسر الميم وتشديد التحتانية فعيلة بمعنى مفعولة فأدخلت فيها الهاء وإن كان فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر والمؤنث للاشارة

[ 257 ]

لنقلها من الوصفية إلى الاسمية وقيل إن شرط استواء المذكر والمؤنث أن يكون الموصوف مذكورا معه وقيل شرطه سقوط الهاء من المؤنث قبل وقوع الوصف نقول خذ ذبيحتك أي الشاة التي تريد ذبحها فإذا ذبحتها قيل لها حينئذ ذبيح قوله فلينظر الرامي إلى سهمه يأتي بيانه في الباب الذي بعده وقوله إلى نصله هو بدل من قوله سهمه أي ينظر إليه جملة ثم تفصيلا وقد وقع في رواية أبي ضمرة عن يحيى بن سعيد عند الطبري ينظر إلى سهمه فلا يرى شيئا ثم ينظر إلى نصله ثم إلى رصافه وسيأتي بأبسط من هذا في الباب الذي يليه وقوله فيتمارى أي يتشكك هل بقى فيها شئ من الدم والفوقة موضع الوتر من السهم قال بن الانباري الفوق يذكر ويؤنت وقد يقال فوقة بالهاء الحديث الثالث حديث بن عمر قوله حدثنا عمر في رواية غير أبي ذر حدثني بالافراد كذا للجميع عمر غير منسوب لكن ذكر أبو علي الجياني عن الاصيلي قال قرأه علينا أبو زيد في عرضه ببغداد عمر بن محمد ونسبة الاسماعيلي في روايته من طريق أحمد بن عيسى عن بن وهب أخبرني عمر بن محمد بن زيد العمري قلت وزيد هو بن عبد الله بن عمر وقد تقدم في التفسير بهذا السند حديث في تفسير لقمان عن يحيى بن سليمان عن بن وهب حدثني عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر ووقع في حديث الباب منسوبا هكذا إلى عمر بن الخطاب في رواية الطبري عن يونس بن عبد الاعلى عن بن وهب قوله عن عبد الله بن عمر وذكر الحرورية هي جملة حالية والمراد أنه حدث بالحديث عند ذكر الحرورية وفي إيراد البخاري له عقب حديث أبي سعيد إشارة إلى أن توقف أبي سعيد المذكور محمول على ما أشرت إليه من أنه لم ينص في الحديث المرفوع على تسميتهم بخصوص هذا الاسم لا أن الحديث لم يرد فيهم قوله باب من ترك قتال الخوارج للتأليف ولئلا ينفر الناس عنه أورد في حديث أبي سعيد في ذكر الذي قال للنبي صلى الله عليه وسلم أعدل فقال عمر ائذن لي فاضرب عنقه قال دعه وليس فيه بيان السبب في الامر بتركه ولكنه ورد في بعض طرقه فأخرج أحمد والطبري من طريق بلال بن بقطر عن أبي بكرة قال أتى النبي صلى الله عليه وسلم بمويل فقعد يقسمه فأتاه رجل وهو على تلك الحال فذكر الحديث وفيه فقال أصحابه ألا تضرب عنقه فقال لا أريد أن يسمع المشركون أني أقتل أصحابي ولمسلم من حديث جابر نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال عمر دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق فقال معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي أن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون منه لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي صلى الله عليه وسلم من الجعرانة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان وكان الذي قسمه النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ فضة كانت في ثوب بلال وكان يعطي كل من جاء منها والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث علي إلى اليمن وكان ذلك في سنة تسع وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربعة أنفس فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا اتحاد القصتين ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا فقال يا محمد أعدل ولم يسم الرجل أيضا وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمر وأخرجه

[ 258 ]

أحمد والطبري أيضا ولفظه أتى ذو الخويصرة التميمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم الغنائم بحنين فقال يا محمد فذكر نحو هذا الحديث المذكور فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة غنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي قال الاسماعيلي الترجمة في ترك قتال الخوارج والحديث في ترك القتل للمنفرد والجميع إذا أظهروا رأيهم ونصبوا للناس القتال وجب قتالهم وانما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المذكور لانه لم يكن أظهر ما يستدل به على ما وراءه فلو قتل من ظاهره الصلاح عند الناس قبل استحكام أمر الاسلام ورسوخه في القلوب لنفرهم عن الدخول في الاسلام وأما بعده صلى الله عليه وسلم فلا يجوز ترك قتالهم إذا هم أظهروا رأيهم وتركوا الجماعة وخالفوا الائمة مع القدرة على قتالهم قلت وليس في الترجمة ما يخالف ذلك إلا انه أشار إلى أنه لو اتفقت حاله مثل حالة المذكور فاعتقدت فرقة مذهب الخوارج مثلا ولم ينصبوا حربا أنه يجوز للامام الاعراض عنهم إذا رأى المصلحة في ذلك كأن يخشى أنه لو تعرض للفرقة المذكورة لاظهر من يخفي مثل اعتقادهم أمره وناضل عنهم فيكون ذلك سببا لخروجهم ونصبهم القتال للمسلمين مع ما عرف من شدة الخوارج في القتال وثباتهم وإقدامهم على الموت ومن تأمل ما ذكر أهل الاخبار من أمورهم تحقق ذلك وقد ذكر بن بطال عن المهلب قال التألف إنما كان في أول الاسلام إذا كانت الحاجة ماسة لذلك لدفع مضرتهم فأما إذ على الله الاسلام فلا يجب التألف إلا ان تنزل بالناس حاجة لذلك فلامام الوقت ذلك قلت وأما ترجمة البخاري القتال والخبر في القتل فلان ترك القتال يؤخذ من ترك القتل من غير عكس وذكر فيه حديثين الاول حديث أبي سعيد قوله حدثنا عبد الله هو الجعفي المسندي بفتح النون ووهم من زعم أنه أبو بكر بن أبي شيبة لانه وإن كان أيضا عبد الله بن محمد لكنه لا رواية له عن هشام المذكور هنا وهو بن يوسف الصنعاني قوله عن أبي سلمة في رواية شعيب الماضية في علامات النبوة عن الزهري أخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن وتقدم في الادب من طريق الاوزاعي عن الزهري عن أبي سلمة والضحاك وهو بن شراحبيل أو بن شرحبيل المشرقي بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الراء بعدها قاف منسوب إلى مشرق بطن من همدان وتقدم بيان حاله في فضل سورة الاخلاص وأن البزار حكى أنه الضحاك بن مزاحم وأن ذلك غلط ثم وقفت على الرواية التي نسب فيها كذلك أخرجها الطبري من طريق الوليد بن مرثد عن الاوزاعي في هذا الحديث فقال حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن والضحاك بن مزاحم عن أبي سعيد قال الطبري وهذا خطأ وإنما هو الضحاك المشرقي قلت وقد أخرجه أحمد عن محمد بن مصعب وأبو عوانة من طريق بشر بن بكير كلاهما عن الاوزاعي فقال فيه عن أبي سلمة والضحاك المشرقي وفي رواية بشر الهمداني كلاهما عن أبي سعيد واللفظ الذي ساقه البخاري هو لفظ أبي سلمة وقد أفرد مسلم لفظ الضحاك المشرقي من طريق حبيب بن أبي ثابت عنه وزاد فيه شيئا سأذكره بعد وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي سعيد أخرجه أبو يعلى قوله بينما النبي صلى الله عليه وسلم يقسم بفتح أوله من القسمة كذا هنا بحذف المفعول ووقع في رواية الاوزاعي يقسم ذات يوم قسما وفي رواية شعيب بينما نحن عند النبي صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما زاد أفلح بن عبد الله في روايته يوم

[ 259 ]

حنين وتقدم في الادب من طريق عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد أن المقسوم كان تبرا بعثه علي بن أبي طالب من اليمن فقسمه النبي صلى الله عليه وسلم بين أربعه أنفس وذكرت أسماءهم هناك قوله جاء عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي في روايه عبد الرزاق عن معمر بلفظ بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم قسما إذ جاءه بن ذي الخويصرة التميمي وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عبد الرزاق ومحمد بن ثور وأبو سفيان الحميري وعبد الله بن معاذ أربعتهم عن معمر وأخرجه الثعلبي ثم الواحدي في أسباب النزول من طريق محمد بن يحيى الذهلي عن عبد الرزاق فقال بن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج وما أدري من الذي قال وهو حرقوص الخ وقد اعتمد على ذلك بن الاثير في الصحابة فترجم لذي الخويصرة التميمي في الصحابة وساق هذا الحديث من طريق أبي إسحاق الثعلبي وقال بعد فراغه فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوصا والله أعلم وقد جاء أن حرقوصا اسم ذي الثدية كما سيأتي قلت وقد ذكر حرقوص بن زهير في الصحابة أبو جعفر الطبري وذكر أنه كان له في فتوح العراق أثر وأنه الذي افتتح سوق الاهواز ثم كان مع علي في حروبه ثم صار مع الخوارج فقتل معهم وزعم بعضهم أنه ذو الثدية الاتي ذكره وليس كذلك وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الاحاديث مبهما ووصف في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم المشار إليها بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة كث اللحية محلوق الرأس مشمر الازار وتقدم تفسير ذلك في باب بعث علي من المغازي وفي حديث أبي بكرة عند أحمد والطبري فأتاه رجل أسود طويل مشمر محلوق الرأس بين عينيه أثر السجود وفي رواية أبي الوضى عن أبي بزرة عند أحمد والطبري والحاكم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بدنانير فكان يقسمها ورجل أسود مطموم الشعر بين عينيه أثر السجود وفي حديث عبد الله بن عمرو عند البزار والطبري رجل من أهل البادية حديث عهد بأمر الله قوله فقال اعدل يا رسول الله في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم فقال اتق الله يا محمد وفي حديث عبد الله بن عمرو فقال اعدل يا محمد وفي لفظ له عند البزار والحاكم فقال يا محمد والله لئن كان الله أمرك أن تعدل ما أراك تعدل وفي رواية مقسم التي أشرت إليها فقال يا محمد قد رأيت الذي صنعت قال وكيف رأيت قال لم أرك عدلت وفي حديث أبي بكرة فقال يا محمد والله ما تعدل وفي لفظ ما أراك عدلت في القسمة ونحوه في حديث أبي برزة قوله فقال ويحك في رواة الكشميهني ويلك وهي رواية شعيب والاوزاعي كما تقدم الكلام عليها في كتاب الادب قوله ومن يعدل إذا لم أعدل في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم ومن يطع الله إذا لم أطعه ولمسلم من طريقه أو لست أحق أهل الارض أن أطيع الله وفي حديث عبد الله بن عمرو عند من يلتمس العدل بعدي وفي رواية مقسم عنه فغضب صلى الله عليه وسلم وقال العدل إذا لم يكن عندي فعند من يكون وفي حديث أبي بكرة فغضب حتى احمرت وجنتاه ومن حديث أبي بزرة قال فغضب غضبا شديدا وقال والله لا تجدون بعدي رجلا هو أعدل عليكم مني قوله قال عمر بن الخطاب يا رسول الله ائذن لي فأضرب عنقه في رواية شعيب ويونس فقال بزيادة فاء وقال ائذن لي فأضرب عنقة وفي رواية الاوزاعي فلاضرب بزيادة لام وفي حديث عبد الله بن عمر من طريق مقسم عنه فقال عمر يا رسول الله ألا أقوم عليه فأضرب عنقة وقد تقدم في المغازي من رواية

[ 260 ]

عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد في هذا الحديث فسأله رجل أظنه خالد بن الوليد قتله وفي رواية مسلم فقال خالد بن الوليد بالجزم وقد ذكرت وجه الجمع بينهما في أواخر المغازي وأن كلا منهما سأل ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه قال لا ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه قال لا فهذا نص في أن كلا منهما سأل وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لان بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث بن أبي نعم عن أبي سعيد ويجاب بأن عليا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل على الذهب فحضر خالد قسمته وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد كما مضى قريبا قوله قال دعه في رواية شعيب فقال له دعه كذا لابي ذر في رواية الاوزاعي فقال لا وزاد أفلح بن عبد الله في روايته فقال ما أنا بالذي أقتل أصحابي قوله فأن له أصحابا هذا ظاهره أن ترك الامر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي صلى الله عليه بما واجهه فيحقل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري لانه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الاسلام فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الاسلام ويؤيده رواية أفلح ولها شواهد ووقع في رواية أفلح سيخرج أناس يقولون مثل قوله يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه كذا في هذه الرواية بالافراد وفي رواية شعيب وغيره مع صلاتهم بصيغة الجمع فيه وفي قوله مع صيامهم وقد تقدم في ثاني أحاديث الباب الذي قبله وزاد في رواية شعيب ويونس يقرءون القرآن ولا يجاوز تراقيهم بمثناة وقاف جمع ترقوة بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو وهى العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده وقال النووي المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم فضلا عن أن يصل إلى قلوبهم لان المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب قلت وهو مثل قوله فيهم أيضا لا يجاوز إيمانهم حناجرهم أي ينطقون بالشهادتين ولا يعرفونها بقلوبهم ووقع في رواية لمسلم يقرءون القرآن رطبا قيل المراد الحذق في التلاوة أي يأتون به على أحسن أحواله وقيل المراد أنهم يواظبون على تلاوته فلا تزال ألسنتهم رطبة به وقيل هو كناية عن حسن الصوت به حكاها القرطبي ويرجح الاول ما وقع في رواية أبي الوداك عن أبي سعيد عند مسدد يقرءون القرآن كأحسن ما يقرؤه الناس ويؤيد الآخر قوله في رواية مسلم عن أبي بكرة عن أبيه قوم أشداء أحداء ذلقه ألسنتهم بالقرآن أخرجه الطبري وزاد في رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عن أبي سعيد يقتلون أهل الاسلام ويدعون أهل الاوثان يمرقون وأرجحها الثالث قوله يمرقون من الدين كما يمرق السهم يأتي تفسيره في الحديث الثاني وفي رواية الاوزاعي كمروق السهم قوله من الرمية في رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد الاتية في آخر كتاب التوحيد لا يعودون فيه حتى يعود السهم إلى فوقه والرمية فعيلة من الرمي والمراد الغزالة المرمية مثلا ووقع في حديث عبد الله بن عمرو من رواية مقسم عنه فإنه

[ 261 ]

سيكون لهذا شيعة يتعمقون في الدين يمرقون منه الحديث لا يعلق بالسهم ولا بشئ منه من المرمى شئ فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شئ من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه والى ذلك أشار بقوله سبق الفرث والدم أي جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شئ بل خرجا بعده وقد تقدم شرح القذذ في علامات النبوة ووقع في رواية أبي نضرة عن أبي سعيد عند مسلم فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلا الرجل يرمي الرمية الحديث وفي رواية أبي المتوكل الناجي عن أبي سعيد عند الطبري مثلهم كمثل رجل رمى رمية فتوخى السهم حيث وقع فأخذه فنظر إلى فوقه فلم ير به دسما ولا دما لم يتعلق به شئ من الدسم والدم كذلك هؤلاء لم يتعلقوا بشئ من الاسلام وعنده في رواية عاصم بن شمخ بفتح المعجمة وسكون الميم بعدها معجمة بعد قوله من الرمية يذهب السهم فينظر في النصل فلا يرى شيئا من الفرث والدم الحديث وفيه يتركون الاسلام وراء ظهورهم وجعل يديه وراء ظهره وفي رواية أبي إسحاق مولى بني هاشم عن أبي سعيد في آخر الحديث لا يتعلقون من الدين بشئ كما لا يتعلق بذلك السهم أخرجه الطبري وفي حديث أنس عن أبي سعيد عند أحمد وأبي داود والطبري لا يرجعون إلى الاسلام حتى يرتد السهم إلى فوقه وجاء عن بن عباس عند الطبري وأوله في بن ماجة بسياق أوضح من هذا ولفظه سيخرج قوم من الاسلام خروج السهم من الرمية عرضت للرجال فرموها فانمرق سهم أحدهم منها فخرج فأتاه فنظر إليه فإذا هو لم يتعلق بنصله من الدم شئ ثم نظر إلى القذذ فلم يره تعلق من الدم بشئ فقال إن كنت أصبت فان بالريش والفوق شيئا من الدم فنظر فلم ير شيئا تعلق بالريش والفوق قال كذلك يخرجون من الاسلام وفي رواية بلال بن بقطر عن أبي بكرة يأتيهم الشيطان من قبل دينهم وللحميدي وابن أبي عمر في مسنديهما من طريق أبي بكر مولى الانصار عن علي أن ناسا يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه أبدا قوله آيتهم أي علامتهم ووقع في رواية بن أبي مريم عن علي عند الطبري علامتهم قوله رجل إحدى يديه أو قال ثدييه هكذا للاكثر بالتثنية فيهما مع الشك هل هي تثنية يد أو ثدي بالمثلثة وفي رواية المستملي هنا بالمثلثة فيهما فالشك عنده هل هو الثدي بالافراد أو بالتثنية ووقع في رواية الاوزاعي إحدى يديه تثنية يد ولم يشك وهذا هو المعتمد فقد وقع في رواية شعيب ويونس إحدى عضديه قوله مثل ثدي المرأة أو قال مثل البضعة بفتح الموحدة وسكون المعجمة أي القطعة من اللحم قوله تدردر بفتح أوله ودالين مهملتين مفتوحتين بينهم راء ساكنة وآخره راء وهو على حذف إحدى التاءين وأصله تتدردر ومعناه تتحرك وتذهب وتجئ وأصله حكاية صوت الماء في بطن الوادي إذا تدافع وفي رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند مسلم فيهم رجل مخرج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد والمخرج بخاء معجمة وجيم والمودن بوزنه والمثدون بفتح الميم وسكون المثلثة وكلها بمعنى وهو الناقص وله من رواية زيد بن وهب عن علي وغاية ذلك أن فهيم رجلا له عضد ليس له ذراع على رأس عضده مثل حلمة الثدي عليه شعرات بيض وعند الطبري من وجه آخر فيهم رجل مجدع اليد كأنها ثدي حبشية وفي رواية أفلح

[ 262 ]

بن عبد الله فيها شعرات كأنها سخلة سبع وفي رواية أبي بكر مولى الانصار كثدي المرأة لها حلمة كحلمة المرأة حولها سبع هلبات وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع عن علي عند مسلم منهم أسود إحدى يديه طبى شاة أو حلمة ثدي فأما الطبي بضم الطاء المهملة وسكون الموحدة وهي الثدي وعند الطبري من طريق طارق بن زياد عن علي في يده شعرات سود والاول أقوى وقد ذكر صلى الله عليه وسلم للخوارج علامة أخرى ففي رواية معبد بن سيرين عن أبي سعيد قيل ما سيماهم قال سيماهم التحليق وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيد فقام رجل فقال يا نبي الله هل في هؤلاء القوم علامة قال يحلقون رؤوسهم فيهم ذر ثدية وفي حديث أنس عن أبي سعيد هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا قيل يا رسول الله ما سيماهم قال التحليق هكذا أخرجه الطبري وعند أبي داود بعضه قوله يخرجون على خير فرقة من الناس كذا للاكثر هنا وفي علامات النبوة وفي الادب حين بكسر المهملة وآخره نون وفرقة بضم الفاء ووقع في رواية عبد الرزاق عند أحمد وغيره حين فترة من الناس بفتح الفاء وسكون المثناة ووقع للكشميهني في هذه المواضع على خير بفتح المعجمة وآخره راء وفرقة بكسر الفاء والاول المعتمد وهو الذي عند مسلم وغيره وان كان الآخر صحيحا ويؤيد الاول أن عند مسلم من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين يقتلهم أولى الطائفتين بالحق وفي لفظ له يكون في أمتي فرقتان فيخرج من بينهما طائفة مارقة يلي قتلهم أولاهم بالحق وفي لفظ له يخرجون في فرقة من الناس يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق وفيه فقال أبو سعيد وأنتم قتلتموهم يا أهل العراق وفي رواية الضحاك المشرقي عن أبي سعيد يخرجون على فرقة مختلفة يقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق وفي رواة أنس عن أبي سعيد عند أبي داود من قاتلهم كان أولى بالله منهم قوله قال أبو سعيد هو متصل بالسند المذكور قوله أشهد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم كذا هنا باختصار وفي رواية شعيب ويونس قال أبو سعيد فأشهد أني سمعت هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى في الباب الذي قبله من وجه آخر عن أبي سعيد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج في هذه الامة وفي رواية أفلح بن عبد الله حضرت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وأشهد أن عليا قتلهم في رواية شعيب ان علي بن أبي طالب قاتلهم وكذا وقع في رواية الاوزاعي ويونس قاتلهم ووقع في رواية أفلح بن عبد الله وحضرت مع علي يوم قتلهم بالنهروان ونسبة قتلهم لعلي لكونه كان القائم في ذلك وقد مضى في الباب قبله من رواية سويد بن غفلة عن علي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتلهم ولفظه فاينما لقيتموهم فأقتلوهم وقد ذكرت شواهده ومنها حديث نصر بن عاصم عن أبي بكرة رفعه أن في أمتي أقواما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم فإذا لقيتموهم فأنيموهم أي فأقتلوهم أخرجه الطبري وتقدم في أحاديث الانبياء وغيرها لئن أدركتهم لاقتلنهم وأخرجه الطبري من رواية مسروق قال قالت لي عائشة من قتل المخرج قلت علي قالت فأين قتله قلت على نهر يقال لاسفله النهروان قالت ائتني على هذا بينة فأتيتها بخمسين نفسا شهدوا أن عليا قتله بالنهروان أخرجه أبو يعلى والطبري وأخرج الطبراني في الاوسط من طريق عامر بن سعد قال قال عمار لسعد أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يخرج أقوام من أمتي يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية يقتلهم علي بن أبي طالب قال أي والله وأما

[ 263 ]

صفة قتالهم وقتلهم فوقعت عند مسلم في رواية زيد بن وهب الجهني أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي حين ساروا إلى الخوارج فقال علي بعد أن حدث بصفتهم عن النبي صلى الله عليه وسلم والله إني لارجو أن يكونوا هؤلاء القوم فانهم قد سفكوا الدم الحرام وأغاروا في سرح الناس قال فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبد الله بن وهب الراسبي فقال لهم ألقوا الرماح وسلوا سيوفكم من جفونها فاني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء قال فشجرهم الناس برماحهم قال فقتل بعضهم على بعض وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان وأخرج يعقوب بن سفيان من طريق عمران بن جرير عن أبي مجلز قال كان أهل النهر أربعة آلاف فقتلهم المسلمون ولم يقتل من المسلمين سوى تسعة فان شئت فأذهب إلى أبي برزة فاسأله فإنه شهد ذلك وأخرج إسحاق بن راهويه في مسنده من طريق حببيب بن أبي ثابت قال أتيت أبا وائل فقلت أخبرني عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي فيم فارقوه وفيم استحل قتالهم قال لما كنا بصفين استحر القتل في أهل الشام فرفعوا المصاحف فذكر قصة التحكيم فقال الخوارج ما قالوا ونزلوا حروراء فأرسل إليهم علي فرجعوا ثم قالوا نكون في ناحيته فان قبل القضية قاتلناه وإن نقضها قاتلنا معه ثم افترقت منهم فرقة يقتلون الناس فحدث علي عن النبي صلى الله عليه وسلم بأمرهم وعند أحمد والطبراني والحاكم من طريق عبد الله بن شداد أنه دخل على عائشة مرجعه من العراق ليالي قتل علي فقالت له عائشة تحدثني بأمر هؤلاء القوم الذين قتلهم علي قال إن عليا لما كاتب معاوية وحكما الحكمين خرج عليه ثمانية آلاف من قراء الناس فنزلوا بأرض يقال لها حروراء من جانب الكوفة وعتبوا عليه فقالوا انسلخت من قميص ألبسكه الله ومن اسم سماك الله به ثم حكمت الرجال في دين الله ولا حكم الا لله فبلغ ذلك عليا فجمع الناس فدعى بمصحف عظيم فجعل يضربه بيده ويقول أيها المصحف حدث الناس فقالوا ماذا انسان انما هو مداد وورق ونحن نتكلم بما روينا منه فقال كتاب الله بيني وبين هؤلاء يقول الله في امرأة رجل فان خفتم شقاق بينهما الآية وأمة محمد أعظم من امرأة رجل ونقموا على أن كاتبت معاوية وقد كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم سهيل بن عمرو ولقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ثم بعث إليهم بن عباس فناظرهم فرجع منهم أربعة آلاف فيهم عبد الله بن الكواء فبعث علي إلى الآخرين أن يرجعوا فأبوا فأرسل إليهم كونوا حيث شئتم وبيننا وبينكم أن لا تسفكوا دما حراما ولا تقطعوا سبيلا ولا تظلموا أحدا فان فعلتم نبذت اليكم الحرب قال عبد الله بن شداد فوالله ما قتلهم حتى قطعوا السبيل وسفكوا الدم الحرام الحديث وأخرج النسائي في الخصائص صفة مناظرة بن عباس لهم بطولها وفي الاوسط للطبراني من طريق أبي السائغة عن جندب بن عبد الله البجلي قال لما فارقت الخوارج عليا خرج في طلبهم فأنتهينا إلى عسكرهم فإذا لهم ذوي كذوي النحل من قراءة القرآن وإذا فيهم أصحاب البرانس أي الذين كانوا معروفين بالزهد والعبادة قال فدخلني من ذلك شدة فنزلت عن فرسي وقمت أصلي فقلت اللهم ان كان في قتال هؤلاء القوم لك طاعة فائذن لي فيه فمر بي علي فقال لما حاذاني تعوذ بالله من الشك يا جندب فلما جئته أقبل رجل على برذون يقول إن كان لك بالقوم حاجة فانهم قد قطعوا النهر قال ما قطعوه ثم جاء آخر كذلك ثم جاء آخر كذلك قال لا ما قطعوه ولا يقطعونه وليفتلن من دونه عهد من الله

[ 264 ]

ورسوله قلت الله أكبر ثم ركبنا فسايرته فقال لي سأبعث إليهم رجلا يقرأ المصحف يدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيهم فلا يقبل علينا بوجهه حتى يرشقوه بالنبل ولا يقتل منا عشرة ولا ينجو منهم عشرة قال فانتهينا إلى القوم فأرسل إليهم رجلا فرماه انسان فأقبل علينا بوجهه فقعد وقال علي دونكم القوم فما قتل منا عشرة ولا نجا منهم عشرة وأخرج يعقوب بن سفيان بسند صحيح عن حميد بن هلال قال حدثنا رجل من عبد قيس قال لحقت بأهل النهر فاني مع طائفة منهم أسير إذ أتينا على قرية بيننا نهر فخرج رجل من القرية مروعا فقالوا له لا روع عليك وقطعوا إليه النهر فقالوا له أنت بن خباب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم قالوا فحدثنا عن أبيك فحدثهم بحديث يكون فتنة فان استطعت أن تكون عبد الله المقتول فكن قال فقدموه فضربوا عنقه ثم دعوا سريته وهي حبلى فبقروا عما في بطنها ولابن أبي شيبة من طريق أبي مجلز لاحق بن حميد قال قال علي لاصحابه لا تبدءوهم بقتال حتى يحدثوا حدثا قال فمر بهم عبد الله بن خباب فذكر قصة قتلهم له وبجاريته وأنهم بقروا بطنها وكانوا مروا على ساقته فأخذ واحد منهم تمرة فوضعها في فيه فقالوا له تمرة معاهد فيم استحللتها فقال لهم عبد الله بن خباب أنا أعظم حرمة من هذه التمرة فأخذوه فذبحوه فبلغ عليا فأرسل إليهم أفيدونا بقاتل عبد الله بن خباب فقالوا كلنا قتله فأذن حينئذ في قتالهم وعند الطبري من طريق أبي مريم قال أخبرني أخي أبو عبد الله أن عليا سار إليهم حتى إذا كان حذاءهم على شط النهروان أرسل يناشدهم فلم تزل رسله تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله فلما رأى ذلك نهض إليهم فقاتلهم حتى فرغ منهم كلهم قوله جئ بالرجل على النعت الذي نعته النبي صلى الله عليه وسلم في رواية شعيب على نعت النبي صلى الله عليه وسلم الذي نعته وفي رواية أفلح فالتمسه علي فلم يجده ثم وجده بعد ذلك تحت جدار على هذا النعت وفي رواية زيد بن وهب فقال علي التمسوا فيهم المخرج فالتمسوه فلم يجدوه فقال علي بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض قال أخروهم فوجده مما يلي الارض فكبر ثم قال صدق الله وبلغ رسوله وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع فلما فتلهم علي قال انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئا فقال ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كذبت مرتين أو ثلاثا ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه أخرجها مسلم وفي رواية الطبري من طريق زيد بن وهب فقال علي اطلبوا ذا الثدية فطلبوه فلم يجدوه فقال ما كذبت ولا كذبت اطلبوه فطلبوه فوجدوه في وهدة من الارض عليه ناس من القتلى فإذا رجل على يده مثل سبلات السنور فكبر علي والناس وأعجبه ذلك ومن طريق عاصم بن كليب حدثنا أبي قال بينا نحن قعود عند علي فقام رجل عليه أثر السفر فقال إني كنت في العمرة فدخلت على عائشة فقالت ما هؤلاء القوم الذين خرجوا فيكم قلت قوم خرجوا إلى أرض قريبة منا قال لها حروراء فقالت أما أن بن أبي طالب لو شاء لحدثكم بأمرهم قال فأهل علي وكبر فقال دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس عنده غير عائشة فقال كيف أنت وقوم يخرجون من قبل المشرق وفيهم رجل كأن يده ثدي حبشية نشدتكم الله هل أخبرتكم بأنه فيهم قالوا نعم فجئتموني فقلتم ليس فيهم فحلفت لكم أنه فيهم ثم أتيتموني به تسحبونه كما نعت لي فقالوا اللهم نعم قال فأهل علي وكبر وفي رواية أبي الوضى بفتح الواو وكسر الضاد المعجمة الخفيفة والتشديد عن على أطلبوا المخرج فذكر الحديث وفيه فاستخرجوه من تحت القتلى في طين قال أبوالوضى كأني

[ 265 ]

أنظر إليه حبشي عليه طربقط له إحدى يديه مثل ثدي المرأة عليها شعيرات مثل شعيرات تكون على ذنب اليربوع ومن طريق أبي مريم قال إن كان وذلك المخرج لمعنا في المسجد وكان فقيرا قد كسوته برنسا لي ورأيته يشهد طعام علي وكان مسمى نافعا ذا الثدية وكان في يده مثل ثدي المرأة على رأسه حلمة مثل حلمة الثدي عليه شعيرات مثل سبلات السنور أخرجهما أبو داود وأخرجه الطبري من طريق أبي مريم مطولا وفيه وكان علي يحدثنا قبل ذلك أن قوما يخرجون وعلامتهم رجل مخرج اليد فسمعت ذلك منه مرارا كثيرة وسمعت المخرج حتى رأيته يتكره طعامه من كثرة ما يسمع ذلك منه وفيه ثم أمر أصحابه أن يلتمسوا المخرج فالتمسوه فلم يجدوه حتى جاء رجل فيشره فقال وجدناه تحت فتيلين في ساقيه فقال والله ما كذبت ولا كذبت وفي رواية أفلح فقال على أيكم يعرف هذا فقال رجل من القوم نحن نعرفه هذا حرقوص وأمه ههنا قال فأرسل علي إلى أمه فقالت كنت أرعى غنما في الجاهلية فغشيني كهيئة الظلة فحملت منه فولدت هذا وفي رواية عاصم بن شمخ عن أبي سعيد قال حدثني عشرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن عليا قال التمسوا لي العلامة التي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فاني لم أكذب ولا أكذب فجئ به فحمد الله وأثنى عليه حين عرف العلامة ووقع في رواية أبي بكر مولى الانصار عن علي حولها سبع هلبات وهو بضم الهاء وموحدة جمع هلبة وفيه أن الناس وجدوا في أنفسهم بعد قتل أهل النهر فقال علي اني لا أراه إلا منهم فوجدوه على شفير النهر تحت القتلى فقال علي صدق الله ورسوله وفرح الناس حين رأوه واستبشروا وذهب عنهم ما كانوا يجدونه قوله قال فنزلت فيه في رواية السرخسي فيهم قوله ومنهم من يلمزك في الصدقات اللمز العيب وقيل الوقوع في الناس وقيل يقيد أن يكون مواجهة والهمز في الغيبة أي يعيبك في قسم الصدقات ويؤيد القيل المذكور ما وقع في قصة المذكور حيث واجه بقوله هذه قسمة ما أريد بها وجه الله ولم أقف على الزيادة إلا في رواية معمر وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن وقعت مقدمة على قوله حين فرقة من الناس قال فنزلت فيهم وذكر كلام أبي سعيد بعد ذلك وله شاهد من حديث بن مسعود قال لما قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم حنين سمعت رجلا يقول إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله قال فنزلت ومنهم من يلمزك في الصدقات أخرجه بن مردويه وقد تقدم في غزوة حنين بدون هذه الزيادة ووقع في رواية عتبة بن وساج عن عبد الله بن عمر ما يؤيد هذه الزيادة فجعل يقسم بين أصحابه ورجل جالس فلم يعطه شيئا فقال يا محمد ما أراك تعدل وفي رواية أبي الوضى عن أبي برزة نحوه فدل على أن الحامل للقائل على ما قال من الكلام الجافي وأقدم عليه من الخطاب السئ كونه لم يعط من تلك العطية وأنه لو أعطى لم يقل شيئا من ذلك وأخرج الطبراني نحو حديث أبي سعيد وزاد في آخره فغفل عن الرجل فذهب فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه فطلب فلم يدرك وسنده جيد تنبيه جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال جاء أبو بكر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله إني مررت بوادي كذا فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال اذهب إليه فأقتله قال فذهب إليه أبو بكر فلما رآه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر اذهب فأقتله

[ 266 ]

فذهب فرآه على تلك الحالة فرجع فقال يا علي اذهب إليه فأقتله فذهب علي فلم يره فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن هذا وأصحابه يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه فأقتلوهم هم شر البرية وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى ورجاله ثقات ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الاول وكانت قصة هذه الثانية متراخبة عن الاولى وأذن صلى الله عليه وسلم في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الاسلام كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الاسلام قبل ذلك وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الاول عن قتل المصلين وحملاه الامر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي ثم وجدت في مغازي الاموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة ثم دعا رجالا فأعطاهم فقام رجل فقال انك لتقسم وما نرى عدلا قال إذا لا يعدل أحد بعدي ثم دعا أبا بكر فقال اذهب فأقتله فذهب فلم يجده فقال لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وآخرهم فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه ثم من التراخي والله أعلم وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم منقبة عظيمة لعلي وأنه كان الامام الحق وأنه كان على الصواب في قتال من قاتله في حروبه في الجمل وصفين وغيرهما وأن المراد بالحصر في الصحيفة في قوله في كتاب الديات ما عندنا إلا القرآن والصحيفة مقيد بالكتابة لا أنه ليس عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم شئ مما أطلعه الله عليه من الاحوال الآتية إلا ما في الصحيفة فقد اشتملت طرق هذا الحديث على أشياء كثيرة كان عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم علم بها مما يتعلق بقتال الخوارج وغير ذلك مما ذكر وقد ثبت عنه أنه كان بخير بأنه سيقتله أشقى القوم فكان ذلك في أشياء كثيرة ويحتمل أن يكون النفي مقيدا باختصاصه بذلك فلا يرد حديث الباب لانه شاركه فيه جماعة وان كان عنده هو زيادة عليهم لانه كان صاحب القصة فكان أشد عناية بها من غيره وفيه الكف عن قتل من يعتقد الخروج على الامام ما لم ينصب لذلك حربا أو يستعد لذلك لقوله فإذا خرجوا فأقتلوهم وحكى الطبري الاجماع على ذلك في حق من لا يكفر لاعتقاده وأسند عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب في الخوارج بالكف عنهم ما لم يسفكوا دما حراما أو يأخذوا مالا فان فعلوا فقاتلوهم ولو كانوا ولدي ومن طريق بن جريج قلت لعطاء ما يحل في قتال الخوارج قال إذا قطعوا السبيل وأخافوا الامن وأسند الطبري عن الحسن أنه سئل عن رجل كان يرى رأي الخوارج ولم يخرج فقال العمل أملك بالناس من الرأي قال الطبري ويؤيده أن النبي صلى الله عليه وسلم وصف الخوارج بأنهم يقولون الحق بألسنتهم ثم أخبر أن قولهم ذلك وان كان حقا من جهة القول فإنه قول لا يجاوز حلوقهم ومنه قوله تعالى إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه أخبر أن العمل الصالح الموافق للقول الطيب هو الذي يرفع القول الطيب قال وفيه أنه لا يجوز قتال الخوارج وقتلهم إلا بعد إقامة الحجة عليهم بدعائهم إلى الرجوع إلى الحق والاعذار إليهم والى ذلك أشار البخاري في الترجمة بالآية المذكورة فيها واستدل به لمن قال بتكفير الخوارج وهو مقتضى صنيع البخاري حيث قرنهم بالملحدين وأفرد عنهم المتأولين بترجمة وبذلك صرح القاضي أبو بكر بن العربي في شرح الترمذي فقال الصحيح أنهم كفار لقوله صلى الله عليه وسلم يمرقون من الاسلام

[ 267 ]

ولقوله لاقتلنهم قتل عاد وفي لفظ ثمود وكل منهما انما هلك بالكفر وبقوله هم شر الخلق ولا يوصف بذلك إلا الكفار ولقوله انهم أبغض الخلق إلى الله تعالى ولحكمهم على كل من خالف معتقدهم بالكفر والتخليد في النار فكانوا هم أحق بالاسم منهم وممن جنح إلى ذلك من أئمة المتأخرين الشيخ تقي الدين السبكي فقال في فتاويه احتج من كفر الخوارج وغلاة والروافض بتكفيرهم أعلام الصحابة لتضمنه تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم في شهادته لهم بالجنة قال وهو عندي احتجاج صحيح قال واحتج من لم يكفرهم بان الحكم بتكفيرهم يستدعي تقدم علمهم بالشهادة المذكورة علما قطعيا وفيه نظر لانا نعلم تزكية من كفروه علما قطعيا إلى حين موته وذلك كاف في اعتقادنا تكفير من كفرهم ويؤيده حديث من قال لاخيه كافر فقد باء به أحدهما وفي لفظ مسلم من رمى مسلما بالكفر أو قال عدو الله إلا حاد عليه قال وهؤلاء قد تحقق منهم أنهم يرمون جماعة بالكفر ممن حصل عندنا القطع بإيمانهم فيجب أن يحكم بكفرهم بمقتضى خبر الشارع وهو نحو ما قالوه فيمن سجد للصنم ونحوه ممن لا تصريح بالجحود فيه بعد أن فسروا الكفر بالجحود فان احتجوا بقيام الاجماع على تكفير فاعل ذلك قلنا وهذه الاخبار الواردة في حق هؤلاء تقتضي كفرهم ولو لم يعتقدوا تزكية من كفروه علما قطعيا ولا ينجيهم اعتقاد الاسلام إجمالا والعمل بالواجبات عن الحكم بكفرهم كما لا ينجي الساجد للصنم ذلك قلت وممن جنح إلى بعض هذا البحث الطبري في تهذيبه فقال بعد ان سرد أحاديث الباب فيه الرد على قول من قال لا يخرج أحد من الاسلام من أهل القبلة بعد استحقاقه حكمه إلا بقصد الخروج منه عالما فإنه مبطل لقوله في الحديث يقولون الحق ويقرءون القرآن ويمرقون من الاسلام ولا يتعلقون منه بشئ ومن المعلوم أنهم لم يرتكبوا استحلال دماء المسلمين وأموالهم إلا بخطأ منهم فيما تأولوه من آي القرآن على غير المراد منه ثم أخرج بسند صحيح عن بن عباس وذكر عنده الخوارج وما يلقون عند قراءة القرآن فقال يؤمنون بمحكمه ويهلكون عند متشابهه ويؤيد القول المذكور الامر قتلهم مع ما تقدم من حديث بن مسعود لا يحل قتل امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث وفيه التارك لدينه المفارق للجماعة قال القرطبي في المفهم يؤيد القول بتكفيرهم التمثيل المذكور في حديث أبي سعيد يعني الاتي في الباب الذي يليه فان ظاهر مقصوده أنهم خرجوا من الاسلام ولم يتعلقوا منه بشئ كما خرج السهم من الرمية لسرعته وقوة راميه بحيث لم يتعلق من الرمية بشئ وقد أشار إلى ذلك بقوله سبق الفرث والدم وقال صاحب الشفاء فيه وكذا نقطع بكفر كل من قال قولا يتوصل به إلى تضليل الامة أو تكفير الصحابة وحكاه صاحب الروضة في كتاب الردة عنه وأقره وذهب أكثر أهل الاصول من أهل السنة إلى أن الخوارج فساق وان حكم الاسلام يجري عليهم لتلفظهم بالشهادتين ومواظبتهم على أركان الاسلام وانما فسقوا بتكفيرهم المسلمين مستندين إلى تأويل فاسد وجرهم ذلك إلى استباحة دماء مخالفيهم وأموالهم والشهادة عليهم بالكفر والشرك وقال الخطابي أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج مع ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وأنهم لا يكفرون ما داموا متمسكين بأصل الاسلام وقال عياض كادت هذه المسألة تكون أشد إشكالا عند المتكلمين من غيرها حتى سأل الفقيه عبد الحق الامام أبا المعالي عنها فاعتذر بأن إدخال كافر في الملة وإخراج مسلم عنها عظيم في الدين

[ 268 ]

قال وقد توقف قبله القاضي أبو بكر الباقلاني وقال لم يصرح القوم بالكفر وانما قالوا أقوالا تؤدي إلى الكفر وقال الغزالي في كتاب التفرقة بين الايمان والزندقة والذي ينبغي الاحتراز عن التكفير ما وجد إليه سبيلا فان استباحة دماء المصلين المقرين بالتوحيد خطأ والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك دم لمسلم واحد ومما احتج به من لم يكفرهم قوله في ثالث أحاديث الباب بعد وصفهم بالمروق من الدين كمروق السهم فينظر الرامي إلى سهمه إلى أن قال فيتمارى في الفوقة هل علق بها شئ قال بن بطال ذهب جمهور العلماء إلى أن الخوارج غير خارجين عن جملة المسلمين لقوله يتمارى في الفوق لانه التماري من الشك وإذا وقع الشك في ذلك لم يقطع عليهم بالخروج من الاسلام لان من ثبت له عقد الاسلام بيقين لم يخرج منه إلا بيقين قال وقد سئل علي عن أهل النهر هل كفروا فقال من الكفر فروا قلت وهذا إن ثبت عن علي حمل على أنه لم يكن اطلع على معتقدهم الذي أوجب تكفيرهم عند من كفرهم وفي احتجاجه بقوله يتمارى في الفوق نظر فان في بعض طرق الحديث المذكور كما تقدمت الاشارة إليه وكما سيأتي لم يعلق منه بشئ وفي بعضها سيق الفرث والدم وطريق الجمع بينهما أنه تردد هل في الفوق شئ أو لا ثم تحقق أنه لم يعلق بالسهم ولا بشئ منه من الرمي بشئ ويمكن أن يحمل الاختلاف فيه على اختلاف أشخاص منهم ويكون في قوله يتمارى إشارة إلى أن بعضهم قد يبقى معه من الاسلام شئ قال القرطبي في المفهم والقول بتكفيرهم أظهر في الحديث قال فعلى القول بتكفيرهم يقاتلون ويقتلون وتسبى أموالهم وهو قول طائفة من أهل الحديث في أموال الخوارج وعلى القول بعدم تكفيرهم يسلك بهم مسلك أهل البغي إذا شقوا العصا ونصبوا الحرب فأما من استسر منهم ببدعة فإذا ظهر عليه هل يقتل بعد الاستتابة أو لا يقتل بل يجتهد في رد بدعته اختلف فيه بحسب الاختلاف في تكفيرهم قال وباب التكفير باب خطر ولا نعدل بالسلامة شيئا قال وفي الحديث علم من أعلام النبوة حيث أخبر بما وقع قبل أن يقع وذلك أن الخوارج لما حكموا بكفر من خالفهم واستباحوا دماءهم وتركوا أهل الذمة فقالوا نفي لهم بعهدهم وتركوا قتال المشركين واشتغلوا بقتال المسلمين وهذا كله من آثار عبادة الجهال الذين لم تنشرح صدورهم بنور العلم ولم يتمسكوا بحبل وثيق من العلم وكفا أن رأسهم رد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره ونسبه إلى الجور نسأل الله السلامة قال بن هبيرة وفي الحديث أن قتال الخوارج أولى من قتال المشركين والحكمة فيه أن في قتالهم حفظ راس مال الاسلام وفي قتال أهل الشرك طلب الربح وحفظ رأس المال أولى وفيه الزجر عن الاخذ بظواهر جميع الآيات القابلة للتأويل التي يفضي القول بظواهرها إلى مخالفة إجماع السلف وفيه التحذير من الغلو في الديانة والتنطع في العبادة بالحمل على النفس فيما لم يأذن فيه الشرع وقد وصف الشارع الشريعة بأنها سهلة سمحة وانما ندب إلى الشدة على الكفار والى الرأفة على بالمؤمنين فعكس ذلك الخوارج كما تقدم بيانه وفيه جواز قتال من خرج عن طاعة الامام العادل ومن نصب الحرب فقاتل على اعتقاد فاسد ومن خرج يقطع الطرق ويخيف السبيل ويسعى في الارض بالفساد وأما من خرج عن طاعة امام جائر أراد الغلبة على ماله أو نفسه أو أهله فهو معذور ولا يحل قتاله وله أن يدفع عن نفسه وماله وأهله بقدر طاقته وسيأتي بيان ذلك

[ 269 ]

في كتاب الفتن وقد أخرج الطبري بسند صحيح عن عبد الله بن الحارث عن رجل من بني نضر عن علي وذكر الخوارج فقال إن خالفوا إماما عدلا فقاتلوهم وإن خالفوا إماما جائرا فلا تقاتلوهم فإن لهم مقالا قلت وعلى ذلك يحمل ما وقع للحسين بن علي ثم لاهل المدينة في الحرة ثم لعبد الله بن الزبير ثم للقراء الذين خرجوا على الحجاج في قصة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث والله أعلم وفيه ذم استئصال شعر الرأس وفيه نظر لاحتمال أن يكون المراد بيان صفتهم الواقعة لا لارادة ذمها وترجم أبو عوانة في صحيحه بهذه الاحاديث بيان أن سبب خروج الخوارج كان بسبب الاثرة في القسمة مع كونها كانت صوابا فخفي عنهم ذلك وفيه إباحة قتال الخوارج بالشروط المتقدمة وقتلهم في الحرب وثبوت الاجر لمن قتلهم وفيه أن من المسلمين من يخرج من الدين من غير أن يقصد الخروج منه ومن غير أن يختار دينا على دين الاسلام وان الخوارج شر الفرق المبتدعة من الامة المحمدية ومن اليهود والنصارى قلت والاخير مبني على القول بتكفيرهم مطلقا وفيه منقبة عظيمة لعمر لشدته في الدين وفيه أنه لا يكتفي في التعديل بظاهر الحال ولو بلغ مشهود بتعديله الغاية في العبادة والتقشف والورع حتى يختبر باطن حاله الحديث الثاني قوله عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو بن إسحاق ويسير بن عمرو بتحتانية أوله بعدها مهملة مصغر ويقال له أيضا أسير ووقع كذلك في رواية مسلم كحديث الباب وليس له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وهو من بني محارب بن ثعلبة نزل الكوفة ويقال إن له صحبة وذكر أبو نعيم في تاريخه حدثنا قيس بن عمرو بن يسير بن عمر وأخبرني أبي عن اسير بن عمرو قال توفي النبي صلى الله عليه وسلم وأنا بن عشر سنين ويقال له أسير بن جابر كذا وقع عند مسلم في رواية أبي نضرة عن أسير بن جابر عن عمير في فضيلة أويس القرني وقيل هو أسير بن عمرو بن جابر نسب لجده قوله سمعته يقول وأهوى بيده قبل العراق أي من جهته وفي رواية علي بن مسهر عن الشيباني عند مسلم نحو المشرق قوله يمرقون قال بن بطال المروق الخروج عند أهل اللغة يقال مرق السهم من الغرض إذا أصابه ثم نفذ منه فهو يمرق منه مرقا ومروقا وانمرق منه وأمرقه الرامي إذا فعل ذلك به ومنه قيل للمرق ممرق لانه يخرج منه ومنه قيل مرق البرق لخروجه بسرعة قوله مروق السهم من الرمية زاد أبو عوانة في صحيحه من طريق محمد بن فضيل عن الشيباني قال قال أسير قلت ما لهم علامة قال سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم لازيدك عليه وفي هذا ان سهل بن حنف صرح بأن الحرورية هم المراد بالقوم المذكورين في أحاديث هذين البابين فيقوى ما تقدم أن أبا سعيد توقف في الاسم والنسبة لا في كونهم المراد قال الطبري وروى هذا الحديث في الخوارج عن علي تاما ومختصرا عبيد الله بن أبي رافع وسويد بن غفلة وعبيدة بن عمرو وزيد بن وهب وكليب الجرمي وطارق بن زياد وأبو مريم قلت وأبو وضي وأبو كثير وأبو موسى وأبو وائل في مسند إسحاق بن راهويه والطبراني وأبو جحيفة عند البزار وأبو جعفر الفراء مولى علي أخرجه الطبراني في الاوسط وكثير بن نمير وعاصم بن ضمرة قال الطبري ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع علي بن أبي طالب أو بعضه عبد الله بن مسعود وأبو ذر وابن عباس وعبد الله بن عمرو بن العاص وابن عمر وأبو سعيد الخدري وأنس بن مالك وحذيفة وأبو بكرة وعائشة وجابر وأبو برزة وأبو أمامة وعبد الله بن أبي أوفى وسهل بن حنيف وسلمان الفارسي قلت ورافع بن عمرو وسعد

[ 270 ]

بن أبي وقاص وعمار بن ياسر وجندب بن عبد الله البجلي وعبد الرحمن بن عريس وعقبة بن عامر وطلق بن علي وأبو هريرة أخرجه الطبراني في الاوسط بسند جيد من طريق الفرزدق الشاعر أنه سمع أبا هريرة وأبا سعيد وسألهما فقال إني رجل من أهل المشرق وأن قوما يخرجون علينا يقتلون من قال لا إله إلا الله ويؤمنون من سواهم فقالا لي سمعنا النبي صلى الله عليه وسلم يقول من قتلهم فله أجر شهيد ومن قتلوه فله أجر شهيد فهؤلاء خمسة وعشرون نفسا من الصحابة والطرق إلى كثرتهم متعددة كعلي وأبي سعيد وعبد الله بن عمر وأبي بكرة وأبي برزة وأبي ذر فيفيد مجموع خبرهما القطع بصحة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان دعواهما واحدة كذا ترجم بلفظ الخبر وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الفتن ان شاء الله تعالى وفي المتن من الزيادة يكون بينهما مقتلة عظيمة والمراد بالفئتين جماعة علي وجماعة معاوية والمراد بالدعوة الاسلام على الراجح وقيل المراد اعتقاد كل منهما أنه على الحق وأورده هنا للاشارة إلى ما وقع في بعض طرقه كما عند الطبري من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد نحو حديث الباب وزاد في آخره فبينما هم كذلك إذ مرقت مارقة يقتلها أولى الطائفتين بالحق فبذلك تظهر مناسبته لما قبله والله أعلم قوله باب ما جاء في المتأولين تقدم في باب من أكفر أخاه بغير تأويل من كتاب الادب وفي الباب الذي يليه من لم ير إكفار من قال ذلك متأولا وبيان المراد بذلك والحاصل أن من أكفر المسلم نظر فان كان بغير تأويل استحق الذم وربما كان هو الكافر وإن كان بتأويل نظر ان كان غير سائغ استحق الذم أيضا ولا يصل إلى الكفر بل يبين له وجه خطئه ويزجر بما يليق به ولا يلتحق بالاول عند الجمهور وان كان بتأويل سائغ لم يستحق الذم بل تقام عليه الحجة حتى يرجع إلى الصواب قال العلماء كل متأول معذور بتأويله ليس بآثم إذا كان تأويله سائغا في لسان العرب وكان له وجه في العلم وذكر هنا أربعة أحاديث الحديث الاول حديث عمر في قصته مع هشام بن حكيم بن حزام حين سمعه يقرأ سورة الفرقان في الصلاة بحروف تخالف ما قرأه هو على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب فضائل القرآن ومناسبته للترجمة من جهة أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ عمر بتكذيب هشام ولا بكونه لببه برداءه وأراد الايقاع به بل صدق هشاما فيما نقله وعذر عمر في إنكاره ولم يزده على بيان الحجة في جواز القراءتين وقوله في أول السند وقال الليث الخ وصله الاسماعيلي من طريق عبد الله بن صالح كاتب الليث عنه ويونس شيخ الليث فيه هو بن يزيد وقد تقدم في فضائل القرآن وغيره من رواية الليث أيضا موصولا لكن عن عقيل لا عن يونس ووهم مغلطاي ومن تبعه في أن البخاري وصله عن سعيد بن عفير عن الليث عن يونس وقوله كدت أساوره بسين مهملة أي أوائبه وزنه ومعناه وقيل هو من قولهم سار يسور إذا ارتفع ذكره وقد يكون بمعنى البطش لان السورة قد تطلق على البطش لانه ينشأ عنها الحديث الثاني حديث بن مسعود في نزول قوله تعالى الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم وقد تقدم شرحه في أول حديث من كتاب استتابة المرتدين وسنده هنا كلهم كوفيون ووجه دخوله في الترجمة من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ الصحابة بحملهم الظلم في الآية على عمومه حتى ليتناول كل معصية بل عذرهم لانه ظاهر في التأويل ثم بين لهم المراد بما رفع الاشكال الحديث الثالث

[ 271 ]

حديث عتبان بن مالك في قصة مالك بن الدخشم وهو بضم المهملة وسكون المعجمة ثم شين معجمة مضمومة ثم ميم أو نون وهو الذي وقع هنا وقد يصغر وقد تقدم شرحه مستوفى في أبواب المساجد في البيوت من كتاب الصلاة ومناسبته من جهة أنه صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذ العائدين القائلين في حق مالك بن الدخشم بما قاله بل بين لهم ان إجراء أحكام الاسلام على الظاهر دون ما في الباطن وقوله هنا ألا تقولونه يقول لا إله إلا الله كذا في رواة الكشميهني وفي رواية المستملي والسرخسي لا تقولوه بصيغة النهي وقال بن التين ألا تقولوه جاءت في الرواية والصواب تقولونه أي تظنونه قلت الذي رأيته لا تقولوه بغير الف في أوله وهو موجه موجه وتفسير القول بالظن فيه نظر والذي يظهر أنه بمعنى الرؤية أو السماع وجوز بن التين أنه خطاب للمفرد وأصله ألا تقوله فأشبع ضمة اللام حتى صارت واوا وأنشد لذلك شاهدا الحديث الرابع حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة في مكاتبته قريشا ونزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء وقد تقدم في باب الجاسوس من كتاب الجهاد وما يتعلق به وفي باب النظر في شعور أهل الذمة ما يتعلق بذلك والجمع بين قوله حجزتها وعقيصتها وضبط ذلك وتقدم في باب فضل من شهد بدرا من كتاب المغازي الكلام على قوله لعل الله اطلع على أهل بدر وفي تفسير الممتحنة بأبسط منه وفيه الجواب عن اعتراض عمر على حاطب بعد أن قبل النبي صلى الله عليه وسلم عذره وفي غزوة الفتح الجمع بين قوله بعثني أنا والزبير والمقداد وقوله بعثني أنا وأبو مرثد وفيه قصة المرأة وبيان ما قيل في اسمها وما في الكتاب الذي حملته وأذكر هنا بقية شرحه قوله عن حصين بالتصغير هو بن عبد الرحمن الواسطي قوله عن فلان كذا وقع مبهما وسمى في رواية هشيم في الجهاد وعبد الله بن إدريس في الاستئذان سعد بن عبيدة وكذا وقع في رواية خالد بن عبد الله ومحمد بن فضيل عند مسلم وأخرجه أحمد عن عفان عن أبي عوانة قسما ونحوه للاسماعيلي من طريق عثمان بن أبي شيبة عن عفان قالا حدثنا أبو عوانة عن حصين بن عبد الرحمن حدثني سعد بن عبيدة هو السلمي الكوفي يكنى أبا حمزة وكان زوج بنت أبي عبد الرحمن السلمي شيخه في هذا الحديث وقد وقع في نسخة الصيغاني هنا بعد قوله عن فلان ما نصه هو أبو حمزة سعد بن عبيدة السلمي ختن أبي عبد الرحمن السلمي انتهى ولعل القائل هو الخ من دون البخار وسعد تابعي روى عن جماعة من الصحابة منهم بن عمر والبراء قوله تنازع أبو عبد الرحمن هو السلمي وصرح به في رواية عفان قوله وحبان بن عطية بكسر المهملة وتشديد الموحدة وحكى أبو علي الجياني وتبعه صاحب المشارق والمطالع أن بعض رواه أبي ذر ضبطه بفتح أوله وهو وهم قلت وحكى المزي أن ان ما كولا ذكره بالكسر وان بن الفرضي ضبطه بالفتح قال وتبعه أبو علي الجياني كذا قال والذي جزم به أبو علي الجياني توهيم من ضبطه بالفتح كما نقلته وذلك في تقييد المهمل وصوب أنه بالكسر حيث ذكره مع بن حبان بن موسى وهو بالكسر إجماعا وكان حبان بن عطية سليا أيضا ومؤاخيا لابي عبد الرحمن السلمي وان كانا مختلفين في تفضيل عثمان وعلي وقد تقدم في أواخر الجهاد من طريق هشيم عن حصين في هذا الحديث وكان أبو عبد الرحمن عثمانيا أي يفضل عثمان على علي وحبان بن عطية علويا أي يفضل عليا على عثمان قوله لقد علمت ما الذي كذا للكشميهني وكذا في أكثر الطرق وللحموي والمستملي

[ 272 ]

هنا من الذي وعلى الرواية الاولى ففاعل وتشديد الراء مع الهمز قوله صاحبك زاد عفان يعني عليا قوله على الدماء أي إراقة دماء المسلمين لان دماء المشركين مندوب إلى إراقتها اتفاقا قوله لا أبا لك بفتح الهمزة وهي كلمة تقال عند الحث على الشئ والاصل فيه أن الانسان إذا وقع في شدة عاونه أبوه فإذا قيل لا أبا لك فمعناه ليس لك اب جد في الامر جد من ليس له معاون ثم أطلق في الاستعمال في موضع استبعاد ما يصدر من المخاطب من قول أو فعل قوله سمعته يقوله في رواية المستملي والكشميهني هنا سمعته يقول بحذف الضمير والاول أوجه لقوله قال ما هو قوله قال بعثني كذا لهم وكأن قال الثانية سقطت على عادتهم في إسقاطها خطأ والاصل قال أي أبو عبد الرحمن قال أي علي قوله والزبير وأبا مرثد تقدم في غزوة الفتح من طريق عبد الله بن أبي رافع عن علي ذكر المقداد بدل أبي مرثد وجمع بأن الثلاثة كانوا مع علي ووقع عند الطبري في تهذيب الآثار من طريق أعشى ثقيف عن أبي عبد الرحمن السلمي في هذا الحديث ومعي الزبير بن العوام ورجل من الانصار وليس المقداد ولا أبو مرثد من الانصار إلا إن كان بالمعنى الاعم ووقع في الاسباب للواحدي أن عمر وعمارا وطلحة كانوا معهم ولم يذكر له مستندا وكأنه من تفسير بن الكلبي فأني لم أره في سير الوافدي ووجدت ذكر فيه عمر من وجه آخر أخرجه بن مردويه في تفسيره من طريق الحكم بن عبد الملك عن قتادة عن أنس في قصة المرأة المذكورة فأخبر جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بخبرها فبعث في أثرها عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب قوله روضة حاج بمهملة ثم جيم قوله قال أبو سلمة هو موسى بن إسماعيل شيخ البخاري فيه قوله هكذا قال أبو عوانة حاج فيه إشارة إلى أن موسى كان يعرف أن الصواب خاخ بمعجمتين ولكن شيخه قالها بالمهملة والجيم وقد أخرجه أبو عوانة في صحيحة من رواية محمد بن إسماعيل الصائغ عن عفان فذكرها بلفظ حاج بمهملة ثم جيم قال عفان والناس يقولون خاخ أي بمعجمتين قال النووي قال العلماء هو غلط من أبي عوانة وكأنه اشتبه عليه بمكان آخر يقال له ذات حاج بمهملة ثم جيم وهو موضع بين المدينة والشام يسلكه الحاج وأما روضة خاخ فأنها بين مكة والمدينة بقرب المدينة قلت وذكر الواقدي أنها بالقرب من ذي الحليفة على بريد من المدينة وأخرج سمويه في فوائده من طريق عبد الرحمن بن حاطب قال وكان حاطب من أهل اليمن حليفا للزبير فذكر القصة وفيها أن المكان على قريب من اثنى عشر ميلا من المدينة وزعم السهيلي أن هشيما كان يقولها أيضا حاج بمهملة ثم جيم وهو وهم أيضا وسيأتي ذلك في آخر الباب وقد سبق في أواخر الجهاد من طريق هشيم بلفظ حتى تأتوا روضة كذا فلعل البخاري كنى عنها أو شيخه إشارة إلى أن هشيما كان يصحفها وعلى هذا فلم ينفرد أبو عوانة بتصحيفها لكن أكثر الراوة عن حصين قالوها على الصواب بمعجمتين قوله فأن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فائتوني بها في رواية عبيد الله بن أبي رافع فان بها ظعينة معها كتاب والظعينة بظاء معجمة وزن عظيمة فعيلة بمعنى فاعلة من الظعن وهو الرحيل وقيل سميت ظعينة لانها تركب الظعين التي تظعن براكبها وقال الخطابي سميت ظعينة لانها تظعن مع زوجها ولا يقال لها ظعينة إلا إذا كانت في الهودج وقيل أنه اسمه الهودج سميت المرأة لركوبها فيه

[ 273 ]

ثم توسعوا فأطلقوه على المرأة ولو لم تكن في هودج وقد تقدم في غزوة الفتح بيان الاختلاف في اسمها وذكر الواقدي أنها من مزينة وأنها من أهل العرج بفتح الراء بعدها جيم يعنى قرية بين مكة والمدينة وذكر الثعلبي ومن تبعه أنها كانت مولاة أبي صيفي بن عمرو بن هاشم بن عبد مناف وقيل عمران بدل عمرو وقيل مولاة بنى أسد بن عبد العزي وقيل كانت من موالي العباس وفي حديث أنس الذي أشرت إليه عند بن مردويه أنها مولاة لقريش وفي تفسير مقاتل بن حبان أن حاطبا أعطاها عشرة دنانير وكساها بردا وعند الواحدي أنها قدمت المدينة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم جئت مسلمة قالت لا ولكن احتتب قال فأين أنت عن شباب قريش وكانت مغنية قالت ما طلب مني بعد وقعة بدر شئ من ذلك فكساها وحملها فأتاها حاطب فكتب معها كتابا إلى أهل مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد أن يغزو فخذوا حذركم وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب فكتب حاطب إلى كفار قريش بكتاب ينتصح لهم وعند أبي يعلى والطبري من طريق الحارث بن علي لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يغزو مكة أسر إلى ناس من أصحابه وأفشى في الناس أنه يريد غير مكة فسمعه حاطب بن أبي بلتعة فكتب حاطب إلى أهل مكة بذلك وذكر الواقدي أنه كان في كتابه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في الناس بالغزو ولا أراه الا يريدكم وقد أحببت أن يكون إنذاري لكم بكتابي اليكم وتقدم بقية ما نقل مما وقع في الكتاب في غزوة الفتح قوله تسير على بعير لها في رواية محمد بن فضيل عن حصين تشتد بشين معجمة ومثناة فوقانية قوله فابتغينا في رحلها أي طلبنا كأنهما فتشا ما معها ظاهرا وفي رواية محمد بن فضيل فأنخنا بعيرها فابتغينا وفي رواية الحارث فوضعنا متعاها وفتشنا فلم نجد قوله لقد علمنا في رواية الكشميهني لقد علمتما وهي رواية عفان أيضا قوله ثم حلف علي والذي يحلف به أي قال والله وصرح به في حديث أنس وفي حديث عبد الرحمن بن حاطب قوله لتخرجن الكتاب أو لاجردنك أي أنزع ثيابك حتى تصيري عريانة وفي رواية بن فضيل أو لاقتلنك وذكر الاسماعيلي أن في رواية خالد بن عبد الله مثله وعنده من رواية بن فضيل لاجزرنك بجيم ثم زاي أي أصيرك مثل الجزور إذا ذبحت ثم قال الاسماعيلي ترجم البخاري النظر في شعور أهل الذمة يعني الترجمة الماضية في كتاب الجهاد وهذه الرواية تخالفه أي رواية أو لاقتلنك قلت رواية لاجردنك أشهر ورواية لاجزرنك كأنها مفسرة منها ورواية لاقتلنك كأنها بالمعنى من لاجردنك ومع ذلك فلا تنافي الترجمة لانها إذا قتلت سلبت ثيابها في العادة فيستلزم التجرد الذي ترجم به ويؤيد الرواية المشهورة ما وقع في رواية عبيد الله بن أبي رافع بلفظ لتخرجن الكتاب أو لتلقين الثياب قال بن التين كذا وقع بكسر القاف وفتح الياء التحتانية وتشديد النون قال والياء زائدة وقال الكرماني وهو بكسر الياء وبفتحها كذا جاء في الرواية بإثبات الياء والقواعد التصريفية تقتضي حذفها لكن إذا صحت الرواية فتحمل على أنها وقعت على طريق المشاكلة لتخرجن وهذا توجيه الكسرة وأما الفتحة فتحمل على خطاب المؤنث الغائب على طريق الالتفات من الخطاب إلى الغيبة قال ويجوز فتح القاف على البناء للمجهول وعلى هذا فترفع الثياب قلت ويظهر لي أن صواب الرواية لتلقين بالنون بلفظ الجمع وهو ظاهر جدا لا إشكال فيه البتة ولا يفتقر إلى تكلف تخريج ووقع في حديث أنس فقالت ليس

[ 274 ]

معي كتاب فقالت كذبت فقال قد حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن معك كتابا والله لتعطيني الكتاب الذي معك أو لا أترك عليك ثوبا إلا التمسنا فيه قالت أو لستم بناس من مسلمين حتى إذا ظنت أنهما يلتمسان في كل ثوب معها حلت عفاصها وفيه فرجعا إليها فسلا سيفيهما فقالا والله لنذقنك الموت أو لتدفعن إلينا الكتاب فأنكرت ويجمع بينهما بأنهما هدداها بالقتل أولا فلما أصرت على الانكار ولم يكن معهما إذن بقتلها هدداها بتجريد ثيابها فلما تحققت ذلك خشيت أن يقتلاها حقيقة وزاد في حديث أنس أيضا فقالت ادفعه اليكما على أن ترداني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أعشى ثقيف عن عبد الرحمن عند الطبري فلم يزل علي بها حتى خافته وقد اختلف هل كانت مسلمة أو على دين قومها فالاكثر على الثاني فقد عدت فيمن أهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمهم يوم الفتح لانها كانت تغني بهجائه وهجاء أصحابه وقد وقع في أول حديث أنس أمر النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح بقتل أربعة فذكرها فيهم ثم قال وأما أمر سارة فذكر قصتها مع حاطب قوله فأتوا بها أي الصحيفة وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع فأتينا به أي الكتاب ونحوه في رواية بن عباس عن عمر وزاد نقرئ عليه فإذا فيه من حاطب إلى ناس من المشركين من أهل مكة سماهم الواقدي في روايته سهيل بن عمرو العامري وعكرمة بن أبي جهل المخزومي وصفوان بن أمية الجمحي قوله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا حاطب ما حملك على ما صنعت في رواية عبد الرحمن بن حاطب فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حاطبا فقال أنت كتبت هذا الكتاب قال نعم قال فما حملك على ذلك وكأن حاطبا لم يكن حاضرا لما جاء الكتاب فاستدعى به لذلك وقد بين ذلك في حديث بن عباس عن عمر بن الخطاب ولفظه فأرسل إلى حاطب فذكر نحو رواية عبد الرحمن أخرجه الطبري بسند صحيح قوله قال يا رسول الله ما لي أن لا أكون مؤمنا بالله ورسوله وفي رواية المستملي ما بي بالموحدة بدل اللام وهو أوضح وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب أما والله ما أرتبت منذ أسلمت في الله وفي رواية بن عباس قال والله أني لناصح لله ولرسوله قوله ولكني أردت أن يكون لي عند القوم يد أي منة أدفع بها عن أهلي ومالي زاد في رواية أعشى ثقيف والله ورسوله أحب الي من أهلي ومالي وتقدم في تفسير الممتحنة قوله كنت ملصقا وتفسيره وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب ولكني كنت أمرأ غريبا فيكم وكان لي بنون وإخوة بمكة فكتبت لعلي أدفع عنهم قوله وليس من أصحابك أحد إلا له هنالك في رواية المستملي هناك من قومه من يدفع الله به عن أهله وماله وفي حديث أنس وليس منكم رجل إلا له بمكة من يحفظه في عياله غيري قوله قال صدق ولا تقولوا له إلا خيرا ويحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم عرف صدقه مما ذكر ويحتمل أن يكون بوحي قوله فعاد عمر أي عاد إلى الكلام الاول في حاطب وفيه تصريح بأنه قال ذلك مرتين فأما المرة الاولى فكان فيها معذورا لانه لم يتضح له عذره في ذلك وأما الثانية فكان اتضح عذره وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم فيه ونهى أن يقولوا له إلا خيرا ففي إعادة عمر ذلك الكلام إشكال وأجيب عنه بأنه ظن أن صدقه في عذره لا يدفع ما وجب عليه من القتل وتقدم إيضاحه في تفسير الممتحنة قوله فلاضرب عنقه قال الكرمان هو بكسر اللام ونصب الباء وهو تأويل مصدر محذوف وهو خبر مبتدأ محذوف أي اتركني لاضرب عنقه

[ 275 ]

فتركك لي من أجل الضرب ويجوز سكون الباء والفاء زائدة على رأي الاخفش واللام للامر ويجوز فتحها على لغة وأمر المتكلم نفسه باللام فصيح قليل الاستعمال وفي رواية عبيد الله بن أبي رافع دعني أضرب عنق هذا المنافق وفي حديث بن عباس قال عمر فاخترطت سيفي وقلت يا رسول الله أمكني منه فإنه قد كفر وقد أنكر القاضي أبو بكر بن الباقلاني هذه الرواية وقال ليست بمعروفة قاله في الرد على الجاحظ لانه احتج بها على تكفير العاصي وليس لانكار القاضي معنى لانها وردت بسند صحيح وذكر البرقاني في مستخرجه أن مسلما أخرجها ورده الحميدي والجمع بينهما أن مسلم خرج سندها ولم يسق لفظها وإذا ثبت فلعله أطلق الكفر وأراد به كفر النعمة كما أطلق النفاق وأراد به نفاق المعصية وفيه نظر لانه استأذن في ضرب عنقه فأشعر بأنه ظن أنه نافق نفاق كفر ولذلك أطلق أنه كفر ولكن مع ذلك لا يلزم منه أن يكون عمر يرى تكفير من ارتكب معصية ولو كبرت كما يقوله المبتدعة ولكنه غلب على ظنه ذلك في حق حاطب فلما بين له النبي صلى الله عليه وسلم عذر حاطب رجع قوله أو ليس من أهل بدر في رواية الحارث أو ليس قد شهد بدرا وهو استفهام تقرير وجزم في رواية عبيد الله بن أبي رافع أنه قد شهد بدرا وزاد الحارث فقال عمر بلى ولكنه نكث وظاهر أعداءك عليك قوله وما يدريك لعل الله اطلع تقدم في فضل من شهد بدرا رواية من رواه بالجزم والبحث في ذلك وفي معنى قوله اعملوا ما شئتم ومما يؤيد الحنظلة في قصة الذي حرس ليلة حنين فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هل نزلت قال لا إلا لقضاء حاجة قال لا عليك أن لا تعمل بعدها وهذا يوافق ما فهمه أبو عبد الرحمن السلم ويؤيده قول علي فيمن قتل الحرورية لو أخبرتكم بما قضى الله تعالى على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم لمن قتلهم لنكلتم عن العمل وقد تقدم بيانه فهذا فيه إشعار بأن من باشر بعض الاعمال الصالحة يثاب من جزيل الثواب بما يقاوم الآثام الحاصلة من ترك الفرائض الكثيرة وقد تعقب بن بطال على أبي عبد الرحمن السلم فقال هذا الذي قاله ظنا منه بأن عليا على مكانته من العلم والفضل والدين لا يقتل إلا من وجب عليه القتل ووجه بن الجوزي والقرطبي في المفهم قول السلمي كما تقدم وقال الكرماني يحتمل أن يكون مراده أن عليا استفاد من هذا الحديث الجزم بأنه من أهل الجنة فعرف أنه لو وقع منه خطأ في اجتهاده لم يؤاخذ به قطعا كذا قال وفيه نظر لان المجتهد معفو عنه فيما أخطأ فيه إذا بذل فيه وسعه وله مع ذلك أجر فان أصاب فله أجران والحق أن عليا كان مصبا في حروبه فله في كل ما اجتهد فيه من ذلك أجران فظهر أن الذي فهمه السلمي استند فيه إلى ظنه كما قال بن بطال والله أعلم ولو كان الذي فهمه السلمي صحيحا لكان علي يتجرأ على غير الدماء كالاموال والواقع أنه كان في غاية الورع وهو القائل يا صفراء ويا بيضاء غري غيري ولم ينقل عنه قط في أمر المال إلا التحري بالمهملة لا التجري بالجيم قوله فقد أوجبت لكم الجنة في رواية عبيد الله بن أبي رافع فقد غفرت لكم وكذا في حديث عمر ومثله في مغازي أبي الاسود عن عروة وكذا عند أبي عائد قوله فاغرورقت عيناه بالغين المعجمة الساكنة والراء المكررة بينهما واو ساكنة ثم قاف أي امتلات من الدموع حتى كأنها غرقت فهو افعوعلت من الغرق ووقع في رواية الحارث عن علي ففاضت عينا عمر ويجمع على انها امتلات ثم فاضت قوله قال أبو

[ 276 ]

عبد الله هو المصنف قوله خاخ أصح يعني بمعجمتين قوله ولكن كذا قال أبو عوانة حاج أي بمهملة ثم جيم قوله وحاج تصحيف وهو موضع قلت تقدم بيانه قوله وهشيم يقول خاخ وقع للاكثر بالمعجمتين وقيل بل هو كقول بن عوانة وبه جزم السهيلي ويؤيده أن البخاري لما أخرجه من طريقه في الجهاد عبر بقوله روضة كذا كما تقدم فلو كان بالمعجمتين لما كنى عنه ووقع في السيرة للقطب الحلبي روضة خاخ بمعجمتن وكان هشيم يروي الاخيرة منها بالجيم وكذا ذكره البخاري عن أبي عوانة انتهى وهو يوهم أن المغايرة بينها وبين الرواية المشهورة انما هو في الخاء الآخرة فقط وليس كذلك بل وقع كذلك في الاولى فعند أبي عوانة أنها بالحاء المهملة جزما وأما هشيم فالرواية عنه محتملة وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما تقدم أن المؤمن ولو بلغ بالصلاح أن يقطع له بالجنة لا يعصم من الوقوع في الذنب لان حاطبا دخل فيمن أوجب الله لهم الجنة ووقع منه ما وقع وفيه تعقب على من تأول أن المراد بقوله اعملوا ما شئتم أنهم حفظوا من الوقوع في شئ من الذنوب وفيه الرد على من كفر المسلم بارتكاب الذنب وعلى من جزم بتخليده في النار وعلى من قطع بأنه لا بد وأن يعذب وفيه أن من وقع منه الخطأ لا ينبغي له أن يجحده بل يعترف ويعتذر لئلا يجمع بين ذنبين وفيه جواز التشديد في استخلاص الحق والتهديد بما لا يفعله المهدد تخويفا لمن يستخرج منه الحق وفيه هتك ستر الجاسوس وقد استدل به من يرى قتله من المالكية لاستئذان عمر في قتله ولم يرده النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الا لكونه من أهل بدر ومنهم من قيده بأن يتكرر ذلك منه والمعروف عن مالك يجتهد فيه الامام وقد نقل الطحاوي الاجماع على أن الجاسوس المسلم لا يباح دمه وقال الشافعية والاكثر يعزر وإن كان من أهل الهيئات يعفى عنه وكذا قال الاوزاعي وأبو حنيفة يوجع عقوبة ويطال حبسه وفيه العفو عن زلة ذوي الهيئة وأجاب الطبري عن قصة حاطب واحتجاج من احتج بأنه انما صفح عنه لما أطلعه الله عليه من صدقه في اعتذاره فلا يكون غيره كذلك قال القرطبي وهو ظن خطأ لان أحكام الله في عباده إنما تجري على ما ظهر منهم وقد أخبر الله تعالى نبيه عن المنافقين الذين كانوا بحضرته ولم يبح له قتلهم مع ذلك لاظهارهم الاسلام وكذلك الحكم في كل من أظهر الاسلام تجري عليه أحكام الاسلام وفيه من أعلام النبوة اطلاع الله نبيه على قصة حاطب مع المرأة كما تقدم بيانه من الروايات في ذلك وفيه إشارة الكبير على الامام بما يظهر له من الرأي العائد نفعه على المسلمون ويتخير الامام في ذلك وفيه جواز العفو عن العاصي وفيه أن العاصي لا حرمة له وقد أجمعوا على أن الاجنبية يحرم النظر إليها مؤمنة كانت أو كافرة ولولا أنها لعصيانها سقطت حرمتها ما هددها علي بتجريدها قاله بن بطال وفيه جواز غفران جميع الذنوب الجائزة الوقوع عمن شاء الله خلافا لمن أبى ذلك من أهل البدع ولقد استشكلت إقامة الحد على مسطح بقذف عائشة رضي الله عنها كما تقدم مع أنه من أهل بدر فلم يسامح بما ارتكبه من الكبيرة وسومح حاطب وعلل بكونه من أهل بدر والجواب ما تقدم في باب فضل من شهد بدرا أن محل العفو عن البدري في الامور التي لا حد فيها وفيه جواز غفران ما تأخر من الذنوب ويدل على ذلك الدعاء به في عدة أخبار وقد جمعت جزءا في الاحاديث الواردة في بيان الاعمال الموعود لعاملها بغفران ما تقدم وما تأخر سميته الخصال المكفرة للذنوب المقدمة والمؤخرة وفيها عدة أحاديث

[ 277 ]

بأسانيدها جياد وفيه تأدب عمر وأنه لا ينبغي إقامة الحد والتأديب بحضرة الامام الا بعد استئذانه وفيه منقبة لعمر ولاهل بدر كلهم وفيه البكاء عند السرور ويحتمل أن يكون عمر بكى حينئذ لما لحقه من الخشوع والندم على ما قاله في حق حاطب خاتمة اشتمل الكتاب استتابة المرتدين من الاحاديث المرفوعة على أحد وعشرين حديثا فيها واحد معلق والبقية موصولة المكرر منها فيه وفيما مضى سبعة عشر حديثا والاربعة خالصة وافقه مسلم على تخريجها جميعا وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة آثار بعضها موصول والله أعلم بسم الله الرحمن قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الاكراه هو الزام الغير بما لا يريده وشروط الاكراه أربعة الاول أن يكون فاعله قادرا على إيقاع ما يهدد به والمأمور عاجزا عن الدفع ولو بالفرار الثاني أن يغلب على ظنه أنه إذا امتنع أوقع به ذلك والثالث أن يكون ما هدده به فوريا فلو قال ان لم تفعل كذا ضربتك غدا لا يعد مكرها ويستثنى ما إذا ذكر زمنا قريبا جدا أو جرت العادة بأنه لا يخلف الرابع أن لا يظهر من المأمور ما يدل على اختياره كمن أكره على الزنا فأولج وأمكنه أن ينزع ويقول أنزلت فيتمادى حثى ينزل وكمن قيل له طلق ثلاثا فطلق واحدة وكذا عكسه ولا فرق بين الاكراه على القول والفعل عند الجمهور ويستثنى من الفعل ما هو محرم على التأبيد كقتل النفس بغير حق واختلف في المكره هل يكلف بترك فعل ما أكره عليه أو لا فقال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي انعقد الاجماع على أن المكره على القتل مأمور باجتناب القتل والدفع عن نفسه وأنه يأثم ان قتل من أكره على قتله وذلك يدل انه مكلف حالة الاكراه وكذا وقع في كلام الغزالي وغيره ومقتضى كلامهم تخصيص الخلاف بما إذا وافق داعية الاكراه داعية الشرع كالاكراه على قتل الكافر وإكراهه على الاسلام أما ما خالف فيه داعية الاكراه داعية الشرع كالاكراه على القتل في جواز التكلف به وانما جرى الخلاف في تكليف الملجأ وهو من لا يجد مندوحة عن الفعل كمن ألقى من شاهق وعقله ثابت فسقط على شخص فقتله فإنه لا مندوحة له عن السقوط ولا اختيار له في عدمه وانما هو آلة محضة ولا نزاع في أنه غير مكلف إلا ما أشار إليه الآمدي من التفريع على تكليف ما لا يطاق وقد جرى الخلاف في تكليف الغافل كالنائم والناسي وهو أبعد من الملجأ لانه لا شعور له أصلا وانما قال الفقهاء بتكليفه على معنى ثبوت الفعل في ذمته أو من جهة ربط الاحكام بالاسباب وقال القفال انما شرع سجود السهو ووجبت الكفارة على المخطئ لكون الفعل في نفسه منهيا من حيث هو لا أن الغافل نهى عنه حالة الغفلة إذ لا يمكنه التحفظ عنه واختلف فيما يهدد به فاتفقوا على القتل وإتلاف العضو والضرب الشديد والحبس الطويل واختلفوا في يسير الضرب والحبس كيوم أو يومين قوله وقول الله تعالى إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان وساق إلى عظيم وهو وعيد شديد لمن ارتد مختارا وأما من أكره على ذلك فهو معذور بالآية لان الاستثناء من الاثبات نفي فيقتضي أن لا يدخل الذي أكره على الكفر تحت الوعيد والمشهور أن الآية المذكورة نزلت في عمار بن ياسر كما جاء من طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال

[ 278 ]

اخذ المشركون عمارا فعذبوه حتى قاربهم في بعض ما أرادوا فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له كيف تجد قلبك قال مطمئنا بالايمان قال فان عادو فعد وهو مرسل ورجاله ثقات أخرجه الطبري وقبله عبد الرزاق وعنه عبد بن حميد وأخرجه البيهقي من هذا الوجه فزاد في السند فقال عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن أبيه وهو مرسل أيضا وأخرج الطبري من طريق عطية العوفي عن بن عباس نحوه مطولا وفي سنده ضعف وفيه أن المشركين عذبوا عمارا وأباه وأمه وصهيبا وبلالا وخبابا وسالما مولى أبي حذيفة فمات ياسر وامرأته في العذاب وصبر الآخرون وفي رواية مجاهد عن بن عباس عند بن المنذر أن الصحابة لما هاجروا إلى المدينة أخذ المشركين خبابا وبلالا وعمارا فأطاعهم عمار وأبى الآخران فعذبوهما وأخرجه الفاكهي من مرسل زيد بن أسلم وان ذلك وقع من عمار عند بيعة الانصار في العقبة وان الكفار أخذوا عمارا فسألوه عن النبي صلى الله عليه وسلم فجحدهم خبره فأرادوا أن يعذبوه فقال هو يكفر بمحمد وبما جاء به فأعجبهم وأطلقوه فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر نحوه وفي سنده ضعف أيضا وأخرج عبد بن حميد من طريق بن سيرين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقي عمار بن ياسر وهو يبكي فجعل يمسح الدموع عنه ويقول أخذك المشركون فغطوك في الماء حتى قلت لهم كذا إن عادوا فعد ورجاله ثقات مع إرساله أيضا وهذه المراسيل تقوي بعضها بعض وقد أخرج بن أبي حاتم من طريق مسلم الاعور وهو ضعيف عن مجاهد عن بن عباس قال عذب المشركون عمارا حتى قال لهم كلاما تقية فاشتد عليه وقد أخرج الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله إلا من أكره وقلبه مطمئن بالايمان قال أخبر الله أن من كفر بعد ايمانه فعليه غضب من الله وأما من أكره بلسانه وخالفه قلبه بالايمان لينجو بذلك من عدوه فلا حرج عليه أن الله انما يأخذ العباد بما عقدت عليه قلوبهم قلت وعلى هذا فالاستثناء مقدم من قوله فعليهم غضب كأنه قبل فعليهم غضب من الله إلا من أكره لان الكفر يكون بالقول والفعل من غير اعتقاد وقد يكون باعتقاد فاستثنى الاول وهو المكره قوله وقال إلا أن تتقوا منهم تقاة وهي تقية أخذه من كلام أبي عبيدة قال تقاة وتقية واحد قلت وقد تقدم ذلك في تفسير آل عمران ومعنى الآية لا يتخذ المؤمن الكافر وليا في الباطن ولا في الظاهر إلا للتقية في الظاهر ويجوز أن يواليه إذا خافه ويعاديه باطنا قيل الحكمة في العدول عن الخطاب أن موالاة الكفار لما كانت مستقبحة لم يواجه الله المؤمنين بالخطاب قلت ويظهر لي أن الحكمة فيه أنه لما تقدم الخطاب في قوله لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم كأنهم أخذوا بعمومه حتى أنكروا على من كان له عذر في ذلك فنزلت هذه الآية رخصة في ذلك وهو كالآيات الصريحة في الزجر عن الكفر بعد الايمان ثم رخص فيه لمن أكره على ذلك قوله وقال ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض إلى قوله عفوا غفورا وقال والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليا واجعل لنا من لدنك نصيرا هكذا في رواية أبي ذر وهو صواب وانما أوردته بلفظه للتنبيه على ما وقع من الاختلاف عند الشراح ووقع في رواية كريمة والاصيلي

[ 279 ]

والقابسي أن الذين توفاهم فساق إلى قوله في الارض وقال بعدها إلى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا وفيه تغيير ووقع في رواية النسفي إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم الآيات قال ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله إلى قوله نصيرا وهو صواب وان كانت الآيات الاولى متراخية في السورة عن الآية الاخيرة فليس فيه شئ من التغيير وانما صدر بالآيات المتراخية للاشارة على إلى ما روى عن مجاهد أنها نزلت في ناس من أهل مكة فكتب إليهم من المدينة فانا لا نراكم منا إلا إن هاجرتم فأخرجوا فأدركهم أهلهم بالطريق ففتنوهم حتى كفروا مكرهين وأقتصر بن بطال على هذا الاخير وعزاه للمفسرين وقال بن بطال ان الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم إلى أن يعفو عنهم وقال إلا المستضعفين إلى الظالم أهلها قلت وليس فيه تغيير من التلاوة إلا أن فيه تصرفا فيما ساقه المصنف وقال بن التين بعد ان تكلم على قصة عمار إلى أن قال ولكن من شرح بالكفر صدرا أي من فتح صدره بقبوله وقوله الذين توفاهم الملائكة إلى قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا ليس التلاوة كذلك لان قوله واجعل لنا من لدنك نصيرا قبل هذا قال ووقع في بعض النسخ إلى قوله غفورا رحيما وفي بعضها فاولئك عسى الله أن يعفو عنهم وقال إلا المستضعفين من الرجال إلى قوله من لدنك نصيرا وهذا على نسق التنزيل كذا قال فأخطأ فالآية التي آخرها نصيرا في أولها والمستضعفين بالواو لا بلفظ إلا ومن نقله عن بعض النسخ إلى قوله غفورا رحيما محتمل لان آخر الآية التي أولها ان الذين توفاهم الملائكة قوله وساءت مصيرا وآخر التي بعدها سبيلا وآخر التي بعدها عفوا غفورا وآخر التي بعدها غفورا رحيما فكأنه أراد سياق أربع آيات قوله فعذر الله المستضعفين الذين لا يمتنعون من ترك ما أمر الله به يعني إلا إذا غلبوا قال والمكره لا يكون إلا مستضعفا غير ممتنع من فعل ما أمره به أي ما يأمره به من له قدره على إيقاع الشر به أي لانه لا يقدر على الامتناع من الترك كما لا يقدر المكره على الامتناع من الفعل فهو في حكم المكره قوله وقال الحسن أي البصري التقية إلى يوم القيامة وصله عبد بن حميد وابن أبي شيبة من رواية عوف الاعرابي عن الحسن البصري قال التقية جائزة للمؤمن إلى يوم القيامة إلا أنه كان لا يجعل في القتل تقية ولفظ عبد بن حميد إلا في قتل النفس التي حرم الله يعني لا يعذر من أكره على قتل غيره لكونه يؤثر نفسه على نفس غيره قلت ومعنى التقية الحذر من إظهار ما في النفس من معتقد وغيره للغير وأصله وفية بوزن حمزة فعلة من الوقاية وأخرج البيهقي من طريق بن جريج عن عطاء عن بن عباس قال التقية باللسان والقلب مطمئن بالايمان ولا يبسط يده للقتل قوله وقال بن عباس فيمن يكرهه اللصوص فيطلق ليس بشئ وبه قال بن عمر وابن الزبير والشعبي والحسن أما قول بن عباس فوصله بن أبي شيبة من طريق عكرمة أنه سئل عن رجل أكرهه اللصوص حتى طلق امرأته فقال قال بن عباس ليس بشئ أي لا يقع عليه طلاق وأخرجه عبد الرزاق بسند صحيح عن عكرمة عن بن عباس أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا وأما قول بن عمر وابن الزبير فأخرجهما الحميدي في جامعه والبيهقي من طريقه قال حدثنا سفيان سمعت عمرا يعني بن دينار حدثني ثابت الاعرج قال تزوجت أم ولد عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب فدعاني ابنه ودعا غلامين له فربطوني وضربوني بالسياط

[ 280 ]

وقال لتطلقها أو لافعلن وأفعلن فطلقتها ثم سألت بن عمر وابن الزبير فلم يرياه شيئا وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن ثابت الاعرج نحوه وأما قول الشعبي فوصله عبد الرزاق بسند صحيح عنه قال إن أكرهه اللصوص فليس بطلاق وإن أكرهه السلطان وقع ونقل عن بن عيينة توجيهه وهو أن اللص يقدم على قتله والسلطان لا يقتله وأما قول الحسن فقال سعيد بن منصور حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن الحسن أنه كان لا يرى طلاق المكره شيئا وهذا سند صحيح إلى الحسن قال بن بطال تبعا لابن المنذر أجمعوا على أن من أكره على الكفر حتى خشي على نفسه القتل فكفر وقلبه مطمئن بالايمان أنه لا يحكم عليه بالكفر ولا تبين منه زوجته إلا محمد بن الحسن فقال إذا أظهر الكفر صار مرتدا وبانت منه امرأته ولو كان في الباطن مسلما قال وهذا قول تغني حكايته عن الرد عليه لمخالفته النصوص وقال قوم محل الرخصة في القول دون الفعل كأن يسجد للصنم أو يقتل مسلما أو يأكل خنزير أو يزني وهو قول الاوزاعي وسحنون وأخرج إسماعيل القاضي بسند صحيح عن الحسن أنه لا يجعل التقية في قتل النفس المحرمة وقالت طائفة الاكراه في القول والفعل سواء واختلف في حد الاكراه فأخرج عبد بن حميد بسند صحيح عن عمر قال ليس الرجل بأمين على نفسه إذا سجن أو أوثق أو عذب ومن طريق شريح نحوه وزيادة ولفظه أربع كلهن كره السجن والضرب والوعيد والقيد وعن بن مسعود قال ما كلام يدرأ عني سوطين إلا كنت متكلما به وهو قول الجمهور وعند الكوفيون فيه تفصيل واختلفوا في طلاق المكره فذهب الجمهور إلى أنه لا يقع ونقل فيه بن بطال إجماع الصحابة وعن الكوفيين يقع ونقل مثله عن الزهري وقتادة وأبي قلابة وفيه قول ثالث تقدم عن الشعبي قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم الاعمال بالنية هذا طرف من حديث وصله المصنف في كتاب الايمان بفتح الهمزة ولفظه الاعمال بالنية هكذا وقع فيه بدون انما في أوله وافراد النية وقد تقدم شرحه مستوفى في أول حديث في الصحيح ويأتي ما يتعلق بالاكراه في أول ترك الحيل قريبا وكأن البخاري أشار بإيراده هنا إلى الرد على من فرق في الاكراه بين القول والفعل لان العمل فعل وإذ كان لا يعتبر إلا بالنية كما دل عليه الحديث فالمكره لا نية له بل نيته عدم الفعل الذي أكره عليه واحتج بعض المالكية بأن التفصيل يشبه ما نزل في القرآن لان الذين أكرهوا إنما هو على الكلام فيما بينهم وبين ربهم فلما لم يكونوا معتقدين له جعل كأنه لم يكن ولم يؤثر في بدن ولا مال بخلاف الفعل فأنه يؤثر في البدن والمال هذا معنى ما حكاه بن بطال عن إسماعيل القاضي وتعقبه بن المنير بأنهم أكرهوا على النطق بالكفر وعلى مخالطة المشركين ومعاونتهم وترك ما يخالف ذلك والتروك أفعال على الصحيح ولم يؤاخذوا بشئ من ذلك واستثنى المعظم قتل النفس فلا يسقط القصاص عن القاتل ولو أكره لانه آثر نفسه على نفس المقتول ولا يجوز لاحد أن ينجي نفسه من القتل بأن يقتل غيره ثم ذكر حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة تقدم في تفسير سورة النساء من وجه آخر عن أبي سلمة بمثل هذا الحديث وزاد أنها صلاة العشاء وفي كتاب الصلاة من طريق شعيب عن الزهري عن أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي سلمة أن أبا هريرة كان يكبر في كل صلاة الحديث وفيه قال أبو هريرة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين يرفع رأسه يقول سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ويدعو لرجال فيسميهم بأسمائهم فذكر مثل حديث الباب

[ 281 ]

وزاد وأهل المشرق يومئذ من مضر مخالفون له وفي الادب من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال لما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم رأسه من الركوع قال فذكره وقد تقدم بيان المستضعفين في سورة النساء والتعريف بالثلاثة المذكورين هنا في تفسير آل عمران وما يتعلق بمشروعية القنوت في النازلة ومحله في كتاب الوتر ولله الحمد وقوله والمستضعفين هو من ذكر العام بعد الخاص وتعلق الحديث بالاكراه لانهم كانوا مكرهين على الاقامة مع المشركين لان المستضعف لا يكون إلا مكرها كما تقدم ويستفاد منه أن الاكراه على الكفر لو كان كفرا لما دعا لهم وسماهم مؤمنين قوله باب من اختار الضرب والقتل والهوان على الكفر تقدمت الاشارة إلى ذلك في الباب الذي قبله وان بلالا كان ممن اختار الضرب والهوان على التلفظ بالكفر وكذلك خباب المذكور في هذا الباب ومن ذكر معه وأن والدي عمار ماتا تحت العذاب ولما لم يكن ذلك على شرط الصحة اكتفى المصنف بما يدل عليه وذكر فيه ثلاثة أحاديث الحديث الاول حديث ثلاثة من كن فيه وجد حلاوة الايمان الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الايمان في أوائل الصحيح ووجه أخذ الترجمة منه أنه سوى بين كراهية الكفر وكراهية دخول النار والقتل والضرب والهوان أسهل عند المؤمن من دخول النار فيكون أسهل من الكفر إن اختار الاخذ بالشدة ذكره بن بطال وقال أيضا فيه حجة لاصحاب مالك وتعقبه بن التين بأن العلماء متفقون على اختيار القتل على الكفر وانما يكون حجة على من يقول إن التلفظ بالكفر أولى من الصبر على القتل ونقل عن المهلب أن قوما منعوا من ذلك واحتجوا بقوله تعالى ولا تقتلوا أنفسكم الآية ولا حجة فيه لانه قال تلو الآية المذكورة ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فقيده بذلك وليس من أهلك نفسه في طاعة الله ظالما ولا معتديا وقد أجمعوا على جواز تقحم المهالك في الجهاد انتهى وهذا يقدح في نقل بن التين الاتفاق المذكور وان ثم من قال بأولوية التلفظ على بذل النفس للقتل وإن كان قائل ذلك يعمم فليس بشئ وأن قيده بما لو عرض ما يرجع المفضول كما لو عرض على من إذا تلفظ به نفع متعد ظاهرا فيتجه الحديث الثاني قوله عباد هو بن أبي العوام فيما جزم به أبو مسعود وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وسعيد بن زيد أي بن عمرو بن نفيل وهو بن بن عم عمر بن الخطاب بن تفيل وقد تقدم حديثه في باب إسلام سعيد بن زيد من السيرة النبوية وهو ظاهر فيما ترجم له لان سعيدا وزوجته أخت عمر اختارا الهوان على الكفر وبهذا تظهر مناسبة الحديث للترجمة وقال الكرماني هي مأخوذة من كون عثمان اختار القتل على ما يرضى قاتليه فيكون اختياره القتل على الكفر بطريق الاولى واسم زوجته فاطمة بنت الخطاب وهي أول امرأة أسلمت بعد خذيجة فيما يقال وقيل سبقتها أم الفضل زوج العباس الحديث الثالث قوله يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم أيضا وخباب بفتح الخاء المعجمة وموحدتين الاولى مشددة بينهما ألف وقد تقدم شرحه مستوفى في باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من المشركين بمكة من السيرة النبوية ودخوله في الترجمة من جهة أن طلب خباب الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار دال على أنهم كانوا قد اعتدوا عليهم بالاذى ظلما وعدوانا قال بن بطال انما لم يجب النبي صلى الله عليه وسلم سؤال خباب

[ 282 ]

ومن معه بالدعاء على الكفار مع قوله تعالى ادعوني استجب لكم وقوله فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا لانه علم أنه قد سبق القدر بما جرى عليهم من البلوى ليؤجروا عليها كما جرت به عادة الله تعالى في من اتبع الانبياء فصبروا على الشدة في ذات الله ثم كانت لهم العاقبة بالنصر وجزيل الاجر قال فأما غير الانبياء فواجب عليهم الدعاء عند كل نازلة لانهم لم يطلعوا على ما اطلع عليه النبي صلى الله عليه وسلم انتهى ملخصا وليس في الحديث تصريح بأنه صلى الله عليه وسلم لم يدع لهم بل يحتمل أنه دعا وانما قال قد كان من قبلكم يؤخذ الخ تسلية لهم واشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدرة والى ذلك الاشارة بقوله في آخر الحديث ولكنكم تستعجلون وقوله في الحديث بالمنشار بنون ساكنة ثم شين معجمة معروف وفي نسخة بياء مثناة من تحت بغير همزة بدل النون وهي لغة فيه وقوله من دون لحمه وعظمه وللاكثر ما بدل من وقوله هو الامر أي الاسلام وتقدم المراد بصنعاء في شرح الحديث قال بن بطال أجمعوا على أن من أكره على الكفر واختار القتل أنه أعظم أجرا عند الله ممن اختار الرخصة وأما غير الكفر فان أكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى وقال بعض المالكية بل يأثم ان منع من أكل غيرها فإنه يصير كالمضطر على أكل الميتة إذا خاف على نفسه الموت فلم يأكل قوله باب في بيع المكره ونحوه في الحق وغيره قال الخطابي استدل أبو عبد الله يعني البخاري بحديث أبي هريرة يعني المذكور في الباب على جواز بيع المكره والحديث ببيع المضطر أشبه فان المكره على البيع هو الذي يحمل على بيع الشئ شاء أو أبى واليهود لو لم يبيعوا أرضهم لم يلزموا بذلك ولكن شحوا على أموالهم فاختاروا بيعها فصاروا كأنهم اضطروا إلى بيعها كمن رهقه دين فاضطر إلى بيع ماله فيكون جائزا ولو أكره عليه لم يجز قلت لم يقتصر البخاري في الترجمة على المكره وانما قال بيع المكره ونحوه في الحق فدخل في ترجمته المضطر وكأنه أشار إلى الرد على من لا يصحح بيع المضطر وقوله في أخر كلامه ولو أكره عليه لم يجز مردود لانه إكراه بحق كذا تعقبه الكرماني وتوجيه كلام الخطابي أنه فرض كلامه في المضطر من حيث هو ولم يرد خصوص قصة اليهود وقال بن المنير ترجم بالحق وغيره ولم يذكر الا الشق الاول ويجاب بأن مراده بالحق الدين وبغيره ما عداه مما يكون بيعه لازما لان اليهود أكرهوا على بيع أموالهم لا لدين عليهم وأجاب الكرماني بأن المراد بالحق الجلاء وبقوله وغيره الجنايات والمراد بقوله الحق الماليات وبقوله غيره الجلاء قلت ويحتمل أن يكون المراد بقوله وغيره الدين فيكون من الخاص بعد العام وإذا صح البيع في الصورة المذكورة وهو سبب غير مالي كالبيع في الدين وهو سبب مالي أولى ثم ذكر حديث أبي هريرة في إخراج اليهود من المدينة وقد تقدم في الجزية في باب إخراج اليهود من جزيرة العرب وبينت فيه أن اليهود المذكورين لم يسموا ولم ينسبوا وقد أورد مسلم حديث بن عمر في إجلاء بني النضير ثم عقبه بحديث أبي هريرة فأوهم أن اليهود المذكورين في حديث أبي هريرة هم بنو النضير وفيه نظر لان أبا هريرة انما جاء بعد فتح خيبر وكان فتحها بعد إجلاء بني النضير وبني قينقاع وقيل بني قريظة وقد تقدمت قصة بني النضير في المغازي قبل قصة بدر وتقدم قول بن إسحاق انها كانت بعد بئر معونة وعلى الحالين فهي قبل مجئ أبي هريرة وسياق اخراجهم مخالف لسياق هذه القصة فأنهم لم يكونوا داخل المدينة ولا جاءهم النبي صلى الله عليه وسلم إلا ليستعين

[ 283 ]

بهم في دية رجلين قتلهما عمرو بن أمية من حلفاءهم به فرجع إلى المدينة وأرسل إليهم يخيرهم بين الاسلام وبين الخروج فأبوا فحاصرهم فرضوا بالجلاء وفيهم نزل أول سورة الحشر فيحتمل أن يكون من ذكر في حديث أبي هريرة بقية منهم أو من بني قريظة كانوا سكانا داخل المدينة فاستمروا فيها على حكم أهل الذمة حتى أجلاهم بعد فتح خيبر ويحتمل أن يكونوا من أهل خيبر لانهما لما فتحت أقر أهلها على أن يزرعوا فيها ويعملوا فيها ببعض ما يخرج منها فاستمروا بها حتى أجلاهم عمر من خيبر كما تقدم بيانه في المغازي فيحتمل أن يكون هؤلاء طائفة منهم كانوا يسكنون بالمدينة فأخرجهم النبي صلى الله عليه وسلم وأوصى عند موته أن يخرجوا المشركين من جزيرة العرب ففعل ذلك عمر قوله بيت المدارس بكسر الميم وأخره مهملة مفعال من الدرس والمراد به كبير اليهود ونسب البيت إليه لانه هو الذي كان صاحب دراسة كتبهم أي قراءتها ووقع في بعض الطرق حتى إذا أتى المدينة المدارس ففسره في المطالع بالبيت الذي تقرأ فيه التوراة ووجهه الكرماني بأن إضافة البيت إليه من إضافة العام إلى الخاص مثل شجر أراك وقال في النهاية مفعال غريب في المكان والمعروف انه من صيغ المبالغة للرجل قلت والصواب أنه على حذف الموصوف والمراد الرجل وقد وقع في الرواية الماضية في الجزية حتى جئنا بيت المدارس بتأخير الراء عن الالف بصيغة المفاعل وهو من يدرس الكتاب ويعلمه غيره وفي حديث الرجم فوضع مدارسها الذي يدرسها يده على آية الرجم وفسر هناك بأنه بن صورية فيحتمل أن يكون هو المراد هنا قوله فقام النبي صلى الله عليه وسلم فناداهم في رواية الكشميهني فنادى قوله ذلك أريد أي بقولي أسلموا أي إن اعترفتم انني بلغتكم سقط عني الحرج قوله اعلموا أن الارض في رواية الكشميهني انما الارض في الموضعين وقوله لله ورسوله قال الداودي لله افتتاح كلام ولرسوله حقيقة لانها مما لن يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب كذا قال والظاهر ما قال غيره أن المراد أن الحكم لله في ذلك ولرسوله لكونه المبلغ عنه القائل بتنفيذ أوامره قوله أجليكم بضم أوله وسكون الجيم أي أخرجكم وزنه ومعناه قوله فمن وجد كذا هنا بلفظ الفعل الماضي بماله شيئا الباء متعلقة بشئ محذوف أو ضمن وجد معنى تحل فعداه بالباء أو وجد من الوجدان والباء سببية أي فمن وجد بماله شيئا من المحبة وقال الكرماني الباء هنا للمقابلة فجعل وجد من الوجدان قوله باب لا يجوز نكاح المكره المكره بفتح الراء قوله ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إلى قوله غفور رحيم كذا لابي ذر والاسماعيلي وزاد القابسي لفظ اكراههن وعند النسفي الآية بدل قوله الخ وكذا للجرجاني وساق في رواية كريمة الآية كلها والفتيات بفت الفاء والتاء جمع فتاة والمراد بها الامة وكذا الخادم ولو كانت حرة وحكمة التقييد بقوله إن أردن تحصنا أن الاكراه لا يتأتى الا مع إرادة التحصن لان المطيعة لا تسمى مكرهة فالتقدير فتياتكم اللاتى جرت عادتهن بالبغاء وخفي هذا على بعض المفسرين فجعل إن أردن تحصنا متعلقا بقوله فيما قبل ذلك وأنكحوا الايامى منكم وسيأتى بقية الكلام على هذه الآية بعد بابين وقد استشكل بعضهم مناسبة الآية للترجمة وجوز أنه أشار إلى أنه يستفاد مطلوب الترجمة بطريق الاولى لانه إذا نهى عن الاكراه فيما لا يحل فالنهى عن الاكراه فيما يحل أولى قال بن بطال ذهب الجمهور إلى بطلان نكاح المكره وأجازه الكوفيون قالوا فلو أكره رجل على تزويج

[ 284 ]

امرأة بعشرة الألف وكان صداق مثلها الفا صح النكاح ولزمته الالف وبطل الزائد قال فلما أبطلوا الزائد بالاكراه كان أصل النكاح بالاكراه أيضا باطلا فلو كان راضيا بالنكاح وأكره على المهر كانت المسألة اتفاقية يصح العقد ويلزم المسمى بالدخول ولو أكره على النكاح والوطئ لم يحد ولم يلزمه شئ وان وطئ مختارا غير راض بالعقد حد ثم ذكر في الباب حديثين أحدهما حديث خنساء بفتح المعجمة وسكون النون بعدها مهملة ومد بنت خدام بكسر المعجمة وتخفيف المهملة وجارية جد الروايين عنها بجيم وياء مثناة من تحت وقد تقدم شرحه في كتاب النكاح وأنها كانت غير بكر وذكر ما ورد فيه من الاختلاف ثانيهما قوله حدثنا محمد بن يوسف حدثنا سفيان الظاهر أنه الفريابي وشيخه الثوري ويحتمل أن يكون البيكندي وشيخه بن عيينة فان كلا من السفيانين معروف بالرواية عن بن جريج لكن هذا الحديث انما هو عن الفريابي كما جزم به أبو نعيم والفريابي إذا اطلق سفيان أراد الثوري وإذا أراد بن عيينة نسبه قوله ذكوان يعني مولى عائشة قوله قلت يا رسول الله يستأمر النساء في أبضاعهن قال نعم في رواية حجاج بن محمد وأبو عاصم عن بن جرير وسمعت بن أبي مليكة يقول قال ذكوان سمعت عائشة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الجارية ينكحها أهلها هل تستأمر أم لا فقال نعم تستأمر وفيه تقوى لمضمون الحديث الذي قبله وارشاد إلى السلامة من إبطال العقد وقوله سكاتها هو لغة في السكوت ووقع عند الاسماعيلي من رواية الذهلي وأحمد عن يوسف عن الفريابي بلفظ سكوتها وفي رواية حجاج وأبي عاصم ذلك إذنها إذا سكتت وتقدم في النكاح من طريق الليث عن بن أبي مليكة بلفظ صمتها وتقدم شرحه أيضا هناك وبيان الاختلاف في صحة انكاح الولي المجبر البكر الكبيرة وأن الصغيرة لا خلاف في صحة اجباره لها قوله باب إذا أكره حتى وهب عبدا أو باعه لم يجز أي ذلك البيع والهبة والعبد باق على ملكه قوله وبه قال بعض الناس قال فان نذر المشتري فيه نذرا فهو جائز أي ماض عليه ويصح البيع الصادر مع الاكراه وكذلك الهبة قوله بزعمه أي عنده والزعم يطلق على القول كثيرا قوله وكذلك إن دبره أي ينعقد التدبير نقل بن بطال عن محمد بن سحنون قال وافق الكوفيون الجمهور على أن بيع المكره باطل وهذا يقتضي أن البيع مع الاكراه غير ناقل للملك فان سلموا ذلك بطل قولهم إن نذر المشتري وتدبيره يمنع تصرف الاول فيه وإن قالوا إنه ناقل فلم خصوا ذلك بالعتق والهبة دون غيرهما من قال الكرماني ذكر المشايخ أن المراد بقول البخاري في هذه الابواب بعض الناس الحنفية وغرضه أنهم تناقضوا فان بيع الاكراه ان كان ناقلا لذلك إلى المشتري فإنه يصح منه جميع التصرفات فلا يختص بالنذر والتدبير وان قالوا ليس بناقل فلا يصح النذر والتدبير أيضا وحاصله أنهم صححوا النذر والتدبير بدون الملك وفيه تحكم وتخصيص بغير مخصص وقال المهلب أجمع العلماء على أن الاكراه على البيع والهبة لا يجوز معه البيع وذكر عن أبي حنيفة إن أعتقه المشتري أو دبره جاز وكذا الموهوب له وكأنه قاسه على البيع الفاسد لانهم قالوا إن تصرف المشتري في البيع الفاسد نافذ ثم ذكر البخاري حديث جابر في بيع المدبر وقد تقدم شرحه مستوفى في العتق قال بن بطال ووجه الرد به على القول المذكور أن الذي دبره لما لم

[ 285 ]

يكن له مال غيره كان تدبيره سفها من فعله فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وان كان ملكه للعبد كان صحيحا فكان من اشتراه شراء فاسدا ولم يصح له ملكه إذا دبره أو أعتقه أولى ان يرد فعله من أجل أنه لم يصح له ملكه قوله باب من الاكراه أي من جملة ما ورد في كراهية الاكراه ما تضمنته الآية وهو المذكور فيه عن بن عباس في نزول قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها وقد تقدم شرحه في تفسير سورة النساء فإنه أورده هناك عن محمد بن مقاتل عن أسباط بن محمد وهنا عن حسين بن منصور عن أسباط وحسين نيسابوري ماله في البخاري إلا هذا الموضع كذا جزم به الكلاباذي وقد تقدم شرحه في صفة النبي صلى الله عليه وسلم حدثنا الحسن بن منصور أبو علي حدثنا حجاج بن محمد فذكر حديث وذكر محمد بن مخلد روى عن أبي علي هذا فسماه حسبنا بالتصغير فيحتمل أن يكون هو وذكر المزي مع حسين بن منصور النيسابوري ثلاثة كل منهم حسين بن منصور وكلهم من طبقة واحدة وقوله في الترجمة كرها وكرها واحد أي بفتح أوله وبضمه بمعنى واحد وهذا قول الاكثر وقيل بالضم ما أكرهت نفسك عليه وبالفتح ما أكرهك عليه غيرك ووقع لغير أبي ذر كره وكره بالرفع فيهما وسقط للنسفي أصلا وقد تقدم في تفسير سورة النساء وقال بن بطال عن المهلب يستفاد منه أن كل من أمسك امرأته طمعا أن تموت فيرثها لا يحل له ذلك بنص القرآن كذا قال ولا يلزم من النص على أن ذلك لا يحل أن لا يصح ميراثه منها في الحكم الظاهر قوله باب إذا استكرهت المرأة على الزنا فلا حد عليها لقوله تعالى ومن يكرههن فان الله من بعد إكراههن غفور رحيم أي لهن وقد قرئ في الشاذ فان الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم وهي قراءة بن مسعود وجابر وسعيد بن جبير ونسبت أيضا لابن عباس والمحفوظ عنه تفسيره بذلك وكذا عن جماعة غير وجوز بعض المعربين أن يكون التقدير لهم أي لمن وقع من الاكراه لكن إذا تاب وضعف لكون الاصل عدم التقدير وأجيب بأنه لابد من التقدير لاجل الربط واستشكل تعليق المغفرة لهن لان التي تكره ليست آثمة وأجيب باحتمال أن يكون الاكراه المذكور كان دون ما اعتبر شرعا فربما قصرت عن الحد الذي تعذر به فيأثم فناسب تعليق المغفرة وقال البيضاوي الاكراه لا ينافي المؤاخذة قلت أو ذكر المغفرة والرحمة لا يستلزم تقدم الاثم فهو كقوله فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه ان الله غفور رحيم وقال الطيبي يستفاد منه الوعيد الشديد للمكرهين لهن وفي ذكر المغفرة والرحمة تعريض وتقديره انتهوا أيها المكرهون فانهن مع كونهن مكرهات قد يؤاخذن لولا رحمة الله ومغفرته فكيف بكم أنتم ومناسبتها للترجمة أن في الآية دلالة على ان لا إثم على المكرهة على الزنا فيلزم أن لا يجب عليها الحد وفي صحيح مسلم عن جابر لعبد الله بن أبي يقال لها مسيلمة وأخرى يقال لها أميمة وكان يكرهها على الزنا فأنزل الله سبحانه تعالى ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء الآية قوله وقال الليث هو بن سعد حدثني نافع هو مولى بن عمر قوله أن صفية بنت أبي عبيد أخبرته يعنى الثقفية امرأة عبد الله بن عمر قوله ان عبدا من رقيق الامارة بكسر الالف أي من مال الخليفة وهو عمر قوله وقع على وليدة من الخمس أي من مال خمس الغنيمة الذي يتعلق التصرف فيه بالامام والمراد زنى بها قوله فاستكرهها حتى اقتضها بقاف وضاد معجمة

[ 286 ]

مأخوذ القضة وهي عذرة البكر وهذا يدل على أنها كانت بكرا قوله فجلده عمر الحد ونفاه أي جلده خمسين جلده ونفاه نصف سنة لان حده نصف حد الحر ويستفاد منه ان عمر كان يرى أن الرقيق ينفى كالحر وقد تقدم البحث فيه في الحدود وقوله لم يجلد الوليدة لانه استكرهها لم اقف على اسم واحد منهما وهذا الاثر وصله أبو القاسم البغوي عن العلاء بن موسى عن الليث بمثله سواء ووقع لي عاليا جدا بيني وبين صاحب الليث فيه سبعة أنفس بالسماع المتصل في أزيد من ستمائة سنة قرأته على محمد بن الحسن بن عبد الرحيم الدقاق عن أحمد بن نعمة سماعا أنبأنا أبو المنجا بن عمر أنبأنا أبو الوقت أنبأنا محمد بن عبد العزيز أنبأنا عبد الرحمن بن أبي شريح أنبأنا البغوي فذكره وعند بن أبي شيبة فيه حديث مرفوع عن وائل بن حجر قال أستكرهت امرأة في الزنا فدرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها الحد وسنده ضعيف قوله وقال الزهري في الامة البكر يفترعها بفاء وبعين مهملة أي يقتضها قوله يقيموا ذلك أي الافتراع الحكم بفتحتين أي الحاكم قوله بقدر ثمنها أي على الذي اقتضها ويجلد والمعنى أن الحاكم يأخذ من المفترع دية الافتراع بنسبة قيمتها أي أرش النقص وهو التفاوت بين كونها بكرا أو ثيبا وقوله يقيم بمعنى يقوم وفائدة قوله ويجلد لدفع توهم من يظن أن العقر يغني عن الجلد قوله وليس في الامة الثيب في قضاء الائمة غرم بضم المعجمة أي غرامة ولكن عليها الحد ثم ذكر طرفا من حديث أبي هريرة في شأن إبراهيم وسارة مع الجبار وقد مضى شرحه مستوفى في أحاديث الانبياء وقوله هنا الظالم هناك بلفظ الكافر وقوله غط بضم الغين المعجمة أي غم وزنه ومعناه وقيل خنق ونقل بن التين أنه روى بالعين المهملة وأخذ من العطمطة وهي حكاية صوت وتقدم الخلاف في تسمية الجبار والمراد بالقرية حران وقيل الاردن وقيل مصر وقولها ان كنت ليس للشك فتقديره إن كنت مقبولا الايمان عندك وقوله ركض أي حرك قال بن المنير ما كان ينبغي إدخال هذا الحديث في هذه الترجمة أصلا وليس لها مناسبة للترجمة إلا سقوط الملامة عنها في الخلوة لكونها كانت مكرهة على ذلك قال الكرماني تبعا لابن بطال ووجه إدخال هذا الحديث في هذا الباب مع أن سارة عليها السلام كانت معصومة من كل سوء أنها لا ملامة عليها في الخلوة مكرهه فكذا غيرها لو زنى بها مكرهة لا حد عليها تكميل لم يذكروا حكم اكراه الرجل على الزنا وقد ذهب الجمهور أنه لا حد عليه وقال مالك وطائفة عليه الحد لانه لا ينتشر إلا بلذة وسواء أكرهه سلطان أم غيره وعن أبي حنيفة يحد ان أكرهه غير السلطان وخالفه صاحباه واحتج المالكية بأن الانتشار لا يحصل إلا بالطمأنينة وسكون النفس والمكره بخلافه لانه خائف وأجيب بالمنع وبأن الوطئ يتصور بغير انتشار والله أعلم قوله باب يمين الرجل لصاحبه أنه أخوه إذا خاف عليه القتل أو نحوه جواب الشرط يأتي بعده قوله وكذلك كل مكره يخاف فإنه أي المسلم يذب بفتح أوله وضم الذال المعجمة أي يدفع عنه الظالم ويقاتل دونه أي عنه ولا يخذله قال بن بطال ذهب مالك والجمهور إلى أن من أكره على يمين إن لم يحلفها قتل أخوه المسلم أنه لا حنث عليه وقال الكوفيون يحنث لانه كان له أن يوري فلما ترك التورية صار قاصدا لليمين فيحنث وأجاب الجمهور بأنه إذا أكره على اليمين فنيته مخالفة لقوله الاعمال بالنيات قوله فان قاتل دون المظلوم فلا قود عليه ولا قصاص قال الداودي أراد لا قود ولا دية عليه ولا قصاص قال والدية

[ 287 ]

تسمى أرشا قلت والاولى أن قوله ولا قصاص تأكيد أو أطلق القود على الدية وقال بن بطال اختلفوا فيمن قاتل عن رجل خشي عليه أن يقتل فقتل دونه هل يجب على الآخر قصاص أو دية فقالت طائفة لا يجب عليه شئ للحديث المذكور ففيه ولا يسلمه وفي الحديث الذي بعده أنصر أخاك وبذلك قال عمر وقالت طائفة عليه القود وهو قول الكوفيين وهو يشبه قول بن القاسم وطائفة من المالكية وأجابوا عن الحديث بان فيه الندب إلى النصر وليس فيه الاذن بالقتل والمتجه قول بن بطال أن القادر على تخليص المظلوم توجه عليه دفع الظلم بكل ما يمكنه فإذا دافع عنه لا يقصد قتل الظالم وانما يقصد دفعه فلو أتى الدفع على الظالم كان دمه هدرا وحينئذ لا فرق بين دفعه عن نفسه أو عن غيره قوله وان قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتبيعن عبدك أو لتقر بدين أو تهب هبة أو تحل عقدة أو لتقتلن أباك أو أخاك في الاسلام وما أشبه ذلك وسعه ذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم المسلم أخو المسلم قال الكرماني المراد بحل العقدة فسخها وقيد الاخ بالاسلام ليكون أعم من القريب وسعه ذلك أي جاز له جميع ذلك ليخلص أباه وأخاه وقال بن بطال ما ملخصه مراد البخاري أن من هدد بقتل والده أو بقتل أخيه في الاسلام أن لم يفعل شيئا من المعاصي أو يقر على نفسه بدين ليس عليه أو يهب شيئا لغيره بغير طيب نفس منه أو يحل عقدا كالطلاق والعتاق بغير اختياره أنه يفعل جمع ما هدد به لينجو أبوه من القتل وكذا أخوه المسلم من الظلم ودليله على ذلك ما ذكره في الباب الذي بعده موصولا ومعلقا ونبه بن التين على وهم وقع للداودي الشارح حاصله أن الداودي وهم في أراد كلام البخاري فجعل قوله لتقتلن بالتاء وجعل قول البخاري وسعه ذلك لم يسعه ذلك ثم تعقبه بأنه إن أراد لا يسعه في قت أبيه أو أخيه فصواب وأما الاقرار بالدين والهبة والبيع فلا يلزم واختلف في الشرب والاكل قال بن التين قرأ لتقتلن بتاء المخاطبة وانما هو بالنون قوله وقال بعض الناس لو قيل له لتشربن الخمر أو لتأكلن الميتة أو لتقتلن ابنك أو أباك أو ذا رحم محرم لم يسعه لان هذا ليس بمضطر ثم ناقض فقال إن قيل له لتقتلن أباك أو لتبيعن هذا العبد أو لتقرن بدين أو بهبة يلزمه في القياس ولكنا نستحسن ونقول البيع والهبة وكل عقدة في ذلك باطل قال بن بطال معناه أن ظالما لو أراد قتل رجل فقال لولد الرجل مثلا ان لم تشرب الخمر أو تأكل الميتة قتلت أباك وكذا لو قال له قتلت ابنك أو ذا رحم لك ففعل لم يأثم عند الجمهور وقال أبو حنيفة يأثم لانه لس بمضطر لان الاكراه انما يكون فيما يتوجه إلى الانسان في خاصة نفسه لا في غيره وليس له أن يعصي الله حتى يدفع عن غيره بل الله سائل الظالم ولا يؤاخذ الابن لانه لم يقدر على الدفع الا بارتكاب ما لا يحل له ارتكابه قال ونظيره في القياس ما لو قال ان لم تبع عبدك أو تقر بدين أو تهب هبة أن كل ذلك ينعقد كما لا يجوز له أن يرتكب المعصية في الدفع عن غيره ثم ناقض هذا المعنى فقال ولكنا نستحسن ونقول البيع وغيره من العقود كل ذلك باطل فخالف قياس قوله بالاستحسان الذي ذكره فلذلك قال البخاري بعده فرقوا بين كل ذي رحم محرم وغيره بغير كتاب ولا سنة يعني أن مذهب الحنفية في ذي الرحم بخلاف مذهبهم في الاجنبي فلو قيل لرجل لتقتلن هذا الرجل الاجنبي أو لتبيعن كذا ففعل لينجيه من القتل لزمه البيع ولو قيل له ذلك في ذي رحمه لم يلزمه ما عقده والحاصل أن أصل أبي حنيفة اللزوم في الجميع قياسا لكن يستثنى من له منه له رحم استحسانا ورأى البخاري أن لا فرق بين القريب

[ 288 ]

والاجنبي في ذلك لحديث المسلم أخو المسلم فإنه المراد به أخوة الاسلام لا النسب ولذلك استشهد بقول إبراهيم هذه أختي والمراد أخوة الاسلام والا فنكاح الاخت كان حراما في ملة إبراهيم وهذه الاخوة توجب حماية أخيه المسلم والدفع عنه فلا يلزمه ما عقده ولا إثم عليه فيما يأكل ويشرب للدفع عنه فهو كما لو قيل له لتفعلن كذا أو لنقتلنك فإنه يسعه اتيانها ولا يلزمه الحكم ولا يقع عليه الاثم وقال الكرماني يحتمل أن يقرر البحث المذكور بأن يقال إنه ليس بمضطر لانه مخير في أمور متعددة والتخيير ينافي الاكراه فكما لا اكراه في الصورة الاولى وهي الاكل والشرب والقتل كذلك لا إكراه في الصورة الثانية وهو البيع والهبة والعتق فحيث قالوا ببطلان البيع استحسانا فقد ناقضوا إذ يلزم منه القول بالاكراه وقد قالوا بعدم الاكراه قلت ولقاتل أن يقول بعدم الاكراه أصلا وانما أثبتوه بطريق القياس في الجميع لكن استحسنوا في أمر المحرم لمعنى قام به وقوله في أول التقرير في أمور متعددة ليس كذلك بل الذي يظهر أن أو فيه للتنويع لا للتخيير وأنها أمثلة لا مثال واحد ثم قال الكرماني وقوله أي البخاري ان تفريقهم بين المحرم وغيره شئ قالوا لا يدل عليه كتاب ولا سنة أي ليس فيما يدل على الفرق بينهما في باب الاكراه وهو أيضا كلام استحساني قال وأمثال هذه المباحث غير مناسبة لوضع هذا الكتاب إذ هو خارج عن فنه قلت وهو عجب منه لان كتاب البخاري كما تقدم تقريره لم يقصد به إيراد الاحاديث نقلا صرفا بل ظاهر وضعه أنه يجعل كتابا جامعا للاحكام وغيرها وفقهه في تراجمه فلذلك يورد فيه كثيرا الاختلاف العالي ويرجح أحيانا ويسكت أحيانا توقفا عن الجزم بالحكم ويورد كثيرا من التفاسير ويشير فيه إلى كثير من العلل وترجيح بعض الطرق على بعض فإذا أورد فيه شيئا من المباحث لم تستغرب وأما رمزه إلى أن طريقة البحث ليست من فنه فتلك شكاة ظاهر عنك عارها فللبخاري أسوة بالائمة الذين سلك طريقهم كالشافعي وأبي ثور والحميدي وأحمد وإسحاق فهذه طريقتهم في البحث وهي محصلة للمقصود وان لم يعرجوا على اصطلاح المتأخرين قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم قال إبراهيم لامرأته في رواية الكشميهني لسارة قوله هذه أختي وذلك في الله هذا طرف من قصة إبراهيم وسارة مع الجبار وقد وصله في أحاديث الانبياء وليس فيه وذلك في الله بل تقدم هناك ثنتان منهما في ذات الله قوله اني سقيم وقوله بل فعله كبيرهم هذا ومفهومه أن الثالثة وهي قوله هذه أختي ليست في ذات الله فعلى هذا فقوله وذلك في الله من كلام البخاري ولا مخالفة بينه وبين مفهوم الحديث المذكور لان المراد أنهما من جهة محض الامر الالهي بخلاف الثالثة فان فيها شائبة نفع وحظ له ولا ينفي أن يكون في الله أي من أجل توصله بذلك إلى السلامة مما أراده الجبار منها أو منه قوله وقال النخعي إذا كان المستحلف ظالما فنية الحالف وان كان مظلوما فنية المستحلف وصله محمد بن الحسن في كتاب الآثار عن أبي حنيفة عن حماد عنه بلفظ إذا استحلف الرجل وهو مظلوم فاليمين على ما نوى وعلى ما ورى وإذا كان ظالما فاليمين على نية من استحلفه وصله بن أبي شيبة من طريق حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم النخعي بلفظ إذا كان الحالف مظلوما فله أن يوري وان كان ظالما فليس له أن يورى قال بن بطال قول النخعي يدل على أن النية عنده نية المظلوم أبدا والى مثله ذهب مالك والجمهور وعند أبي حنيفة النية نية الحالف أبدا قلت ومذهب الشافعي أن الحلف إن كان عند الحاكم فالنية

[ 289 ]

نية الحاكم وهي راجعة إلى نية صاحب الحق وإن كان في غير الحكم فالنية نية الحالف قال بن بطال ويتصور كون المستحلف مظلوما أن يكون له حق في قبل رجل فيجحده ولا بينة فيستحلفه فتكون النية نيته لا الحالف فلا تنفعه في ذلك التورية ثم ذكر البخاري حديث بن عمر مرفوعا المسلم أخو المسلم وقد تقدم من هذا الوجه بإثم من هذا السياق في كتاب المظالم مشروحا قوله حدثني محمد بن عبد الرحيم هو البزاز بمعجمتين البغدادي الملقب صاعقة وهو من طبقة البخاري في أكثر شيوخه وسعيد بن سليمان من شيوخ البخاري فقد روى عنه بغير واسطة في مواضع أقربها في باب من اختار الضرب وقد أخرج البخاري حديث الباب في كتاب المظالم عن عثمان بن أبي شيبة عن هشيم فنزل فيه هنا درجتين لان سياقه هنا أتم ولمغايرة الاسناد قوله فقال رجل لم أقف على اسمه ووقع في رواية عثمان قالوا قوله أنصره مظلوما بالمد على الاستفهام وهو استفهام تقرير ويجوز ترك المد قوله أفرايت أي أخبرني قال الكرماني في هذه الصيغة مجازان إطلاق الرؤية وإرادة الاخبار والخبر وإرادة الامر قوله إذا كان ظالما أي كيف أنصره على ظلمه قوله تحجزه بمهملة ثم جيم ثم زاي للاكثر ولبعضهم بالراء بدل الزاي وكلاهما بمعنى المنع وفي رواية عثمان تأخذ فوق يده وهو كناية عن المنع ونقدم بيان اختلاف ألفاظه هناك ومنها أن في رواية عائشة قال إن كان مظلوما فخذ له بحقه وان كان ظالما فخذ له من نفسه أخرجه بن أبي عاصم في كتاب أدب الحكماء خاتمة اشتمل باب الاكراه من الاحاديث المرفوعة على خمسة عشر حديثا المعلق منا ثلاثة وسائرها موصول وهي مكررة كلها فيما مضى وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم تسعة آثار والله أعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحيل جمع حيلة وهي ما يتوصل به إلى مقصود بطريق خفي وهي عند العلماء على أقسام بحسب الحامل عليها فان توصل بها بطريق مباح إلى ابطال حق أو اثبات باطل فهي حرام أو إلى اثبات حق أو دفع باطل فهي واجبة أو مستحبة وان توصل بها بطريق مباح إلى سلامة من وقوع في مكروه فهي مستحبة أو مباحة أو إلى ترك مندوب فهي مكروهة ووقع الخلاف بين الائمة في القسم الاول هل يصح مطلقا وينفذ ظاهرا أو باطنا أو يبطل مطلقا أو يصح مع الاثم ولمن أجازها مطلقا أو أبطلها مطلقا أدلة كثيرة فمن الاول قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث وقد عمل به النبي صلى الله عليه وسلم في حق الضعيف الذي زنى وهو من حديث أبي أمامة بن سهل في السنن ومنه قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا وفي الحيل مخارج من المضايق ومنه مشروعية الاستثناء فان فيه تخليصا من الحنث وكذلك الشروط كلها فان فيها سلامة من الوقوع في الحرج ومنه حديث أبي هريرة وأبي سعيد في قصة بلال بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا ومن الثاني قصة أصحاب السبت وحديث حرمت عليهم الشحوم فجعلوها فباعوها وأكلوا ثمنها وحديث النهي عن النجش وحديث لعن المحلل والمحلل له والاصل في اختلاف العلماء في ذلك اختلافهم هل المعتبر في صيغ العقود الفاظها أو معانيها فمن قال بالاول أجاز الحيل ثم اختلفوا فمنهم من

[ 290 ]

جعلها تنفذ ظاهرا وباطنا في جميع الصور أو في بعضها ومنهم من قال تنفذ ظاهرا لا باطنا ومن قال بالثاني أبطلها ولم يجز منها إلا ما وافق فيه اللفظ المعنى الذي تدل عليه القرائن الحالية وقد اشتهر القول بالحيل عن الحنفية لكون أبي يوسف صنف فيها كتابا لكن المعروف عنه وعن كثير من أئمتهم تقييد أعمالها بقصد الحق قال صاحب المحيط أصل الحيل قوله تعالى وخذ بيدك ضغثا الآية وضابطها إن كانت للفرار من الحرام والتباعد من الاثم فحسن وان كانت لابطال حق مسلم فلا بل هي إثم وعدوان قوله باب ترك الحيل قال بن المنير أدخل البخاري الترك في الترجمة لئلا يتوهم أي من الترجمة الاولى إجازة الحيل قال وهو بخلاف ما ذكره في باب بيعة الصغير فإنه أورد فيه أنه لم يبايعه بل دعا له ومسح برأسه فلم يقل باب ترك بيعة الصغير وذلك أن بيعته لو وقعت لم يكن فيها إنكار بخلاف الحيل فان في القول بجوازها عموما إبطال حقوق وجبت واثبات حقوق لا تجب فتحرى فيها لذلك قلت وانما أطلق أولا للاشارة إلى أن من الحيل ما يشرع فلا يترك مطلقا قوله وإن لكل امرئ ما نوى في الايمان وغيرها في رواية الكشميهني وغيره وجعل الضمير مذكرا على إرادة اليمين المستفاد من صيغة الجمع وقوله في الايمان وغيرها من تفقه المصنف لا من الحديث قال بن المنير اتسع البخاري في الاستنباط والمشهور عند النظار حمل الحديث على العبادات فحمله البخاري عليها وعلى المعاملات وتبع مالكا في القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد فلو فسد اللفظ وصح القصد الغي اللفظ وأعمل القصد تصحيحا وإبطالا قال والاستدلال بهذا الحديث على سد الذرائع وإبطال التحيل من أقوى الادلة ووجه التعميم أن المحذوف المقدر الاعتبار فمعنى الاعتبار في العبادات إجزاؤها وبيان مراتبها وفي المعاملات وكذلك الايمان الرد إلى القصد وقد تقدم في باب ما جاء أن الاعمال بالنية من كتاب الايمان في أوائل الكتاب تصريح البخاري بدخول الاحكام كلها في هذا الحديث ونقلت هناك كلام بن المنير في ضابط ذلك قوله حدثنا محمد بن إبراهيم هو التيمي وقد صرح بتحديث علقمة شيخه في هذا الحديث له في أول بدء الوحي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول يا أيها الناس وفيه إشعار بأنه بدء الوحي بلفظ بالنيات وفي كتاب الايمان بلفظ الاعمال بالنية كما هنا مع حذف انما من أوله قوله وانما لامرئ ما نوى تقدم في بدء الوحي بلفظ وانما لكل امرئ ما نوى وهو الذي علقه في أول الباب وتقدم البحث في أن مفهومه ان من لم ينوي شيئا لم يحصل له وقد أورد عليه من نوى الحج عن غيره وكان لم يحج فأنه لم يصح عنه ويسقط عنه الفرض بذلك عند الشافعي وأحمد والاوزاعي وإسحاق وقال الباقون يصح عن غيره ولا ينقلب عن نفسه لانه لم ينوه واحتج للاول بحديث بن عباس في قصة شبرمة فعند أبي داود حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة وعند بن ماجة فأجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة وسنده صحيح وأجابوا أن الحج خرج عن بقيه العبادات ولذلك يمضي فاسده دون غيره وقد وافق أبو جعفر الطبري على ذلك ولكن حمله على الجاهل بالحكم وأنه إذا علم بأن ناء الحال وجب عليه أن ينويه عن نفسه فحينئذ ينقلب وإلا فلا يصح عنه ويستثنى عن عموم الخبر ما يحصل من جهة الفضل بالقصد من غير عمل كالاجر الحاصل للمريض بسبب مرضه على الصبر بثبوت الاخبار بذلك خلافا لمن قال إنما يقع

[ 291 ]

الاجر على الصبر وحصول الاجر بالوعد الصادق لمن قصد العبادة فعاقه عنها عائق بغير إرادته وكمن له أوراد فعجز عن فعلها لمرض مثلا فإنه يكتب له أجرها عمن عملها ومما يستثنى على خلف ما إذا نوى صلاة فرض ثم ظهر له ما يقتضي بطلانها فرضا هل تنقلب نفلا وهذا عند العذر فأما لو أحرم بالظهر مثلا قبل الزوال فلا يصح فرضا ولا ينقلب نفلا إذا تعمد ذلك ومما اختلف فيه هل يثاب المسبوق ثواب الجماعة على ما إذا أدرك ركعة أو يعم وهل يثاب من نوى صيام نفل في أثناء النهار على جميعه أو من حين نوى وهل تكمل الجمعة إذا خرج وقتها في أول الركعة الثانية مثلا جمعة أو ظهرا وهل تنقلب بنفسها أو تحتاج إلى تجديد نية والمسبوق إذا أدرك الاعتدال الثاني مثلا هل ينوي الجمعة أو الظهر ومن أحرم بالحج في غير أشهره هل ينقلب عمرة أو لا واستدل به من قال بإبطال الحيل ومن قال بإعمالها لان مرجع كل من الفريقين إلى نية العامل وسيأتي في أثناء الابواب الذي ذكرها المصنف إشارة إلى بيان ذلك والضابط ما تقدمت الاشارة إليه ان كان فيه خلاص مظلوم مثلا فهو مطلوب وان كان فيه فوات حق فهو مذموم ونص الشافعي على كراهة تعاطي الحيل في تفويت الحقوق فقال بعض أصحابه هي كراهة تنزيه وقال كثير من محققيهم كالغزالي هي كراهة تحريم ويأثم بقصده ويدل عليه قوله وانما لكل امرئ ما نوى فمن نوى بعقد البيع الربا وقع في الربا ولا يخلصه من الاثم صورة البيع ومن نوى بعقد النكاح التحليل كان محللا ودخل في الوعيد على ذلك باللعن ولا يخلصه من ذلك صورة النكاح وكل شئ قصد به تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله كان إثما ولا فرق في حصول الاثم في التحيل على الفعل المحرم بين الفعل الموضوع له والفعل الموضوع لغيره إذا جعل ذريعة له واستدل به على أنه لا تصح العبادة من الكافر ولا المجنون لانهما ليسا من أهل العبادة وعلى سقوط القود في شبه العمد لانه لم يقصد القتل وعلى عدم مؤاخذة المخطئ والناسي والمكره في الطلاق والعتاق ونحوهما وقد تقدم ذلك في أبوابه واستدل به لمن قال كالمالكية اليمين على نية المحلوف له ولا تنفعه التورية وعكسه غيرهم وقد تقدم بيانه في الايمان واستدلوا بما أخرجه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا اليمين على نية المستحلف وفي لفظ له يمينك على ما يصدقك به صاحبك وحمله الشافعي على ما إذا كان المستحلف الحاكم واستدل به لمالك على القول بسد الذرائع واعتبار المقاصد بالقرائن كما تقدمت الاشارة إليه وضبط بعضهم ذلك بأن الالفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلم ثلاثة أقسام أحدها أن تظهر المطابقة إما يقينا وإما ظنا غالبا والثاني أن يظهر أن المتكلم لم يرد معناه إما يقينا وإما ظنا والثالث أن يظهر في معناه ويقع التردد ف إرادة غيره وعدمها على حد سواء فإذا ظهر قصد المتكلم لمعنى ما تكلم به أو لم يظهر قصد يخالف كلامه وجب حمل كلامه على ظاهره وإذا ظهرت إرادته بخلاف ذلك فهل يستمر الحكم على الظاهر و عبرة بخلاف ذلك أو يعمل بما ظهر من إرادته فاستدل للاول بأن البيع لو كان يفسد بأن يقال هذه الصيغة فيها ذريعة إلى الربا ونية المتعاقدين فيها فاسدة ولكن إفساد البيع بما يتحقق تحريمه أولى أن يفسد به البيع من هذا الظن كما لو نوى رجل بشراء سيف أن يقتل به رجلا مسلما بغير حق فان العقد صحيح وان كانت نيته فاسدة جزما فلم يستلزم تحريم القتل بطلان البيع وان كان العقد لا يفسد بمثل هذا فلا يفسد بالظن والتوهم بطريق الاولى واستدل للثاني بأن النية تؤثر في الفعل فيصير بها تارة

[ 292 ]

حراما وتارة حلالا كما يصير العقد بها تارة صحيحا وتارة فاسدا كالذبح مثلا فان الحيوان يحل إذا ذبح لاجل الاكل ويحرم إذا ذبح لغير الله والصورة واحدة والرجل يشتري الجارية لوكيله فتحرم عليه ولنفسه فتحل له وصورة العقد واحدة وكذلك صورة القرض في الذمة وبيع النقد بمثله إلى أجل صورتهما والاول قربة صحيحة والثانية معصية باطلة وفي الجملة فلا يلزم من صحة العقد في الظاهر رفع الحرج عمن يتعاطى الحيلة الباطلة في الباطن والله أعلم وقد نقل النسفي الحنفي في الكافي عن محمد بن الحسن قال ليس من أخلاق المؤمنين الفرار من أحكام الله بالحيل الموصلة إلى إبطال الحق قوله باب في الصلاة أي دخول الحيلة فيها ذكر فيه حديث أبي هريرة لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة قال بن بطال فيه رد على من قال أن من أحدث في القعدة الاخيرة أن صلاته صحيحة لانه أتى بما يضادها وتعقب بأن الحدث في أثناءها مفسد لها فهو كالجماع في الحج لو طرأ في خلاله لافسده وكذا في آخره وقال بن حزم في أجوبة له عن مواضع من صحيح البخاري مطابقة الحديث للترجمة أنه لا يخلو أن يكون المرئ طاهرا متيقنا للطهارة أو محدثا متيقنا للحدث وعلى الحالين ليس لاحد أن يدخل في الحقيقة حيلة بأن الحقيقة اثبات الشئ صدقا أو نفيه صدقا فما كان ثابتا حقيقة فنافيه بحيلة مبطل وما كان منتفيا فمثبته بالحيلة مبطل وقال بن المنير أشار البخاري بهذه الترجمة إلى الرد على قول من قال بصحة صلاة من أحدث عمدا في أثناء الجلوس الاخير ويكون حدثه كسلامه بأن ذلك من الحيل لتصحيح الصلاة مع الحدث وتقرير ذلك أن البخاري بنى على أن التحلل من الصلاة ركن منها فلا تصح مع الحدث والقائل بأنها تصح يرى أن التحلل من الصلاة ضدها فتصح مع الحدث قال وإذا تقرر ذلك فلا بد من تحقق كون السلام ركنا داخلا في الصلاة لا ضدا لها وقد استدل من قال بركنيته بمقابلته بالتحريم لحديث تحريمها التكبير وتحليلها التسليم فإذا كان أحد الطرفين ركنا كان الطرف الآخر ركنا ويؤيده أن السلام من جنس العبادات لانه ذكر الله تعالى ودعاء لعباده فلا يقوم الحدث الفاحش مقام الذكر الحسن وانفصل الحنفية بأن السلام واجب لا ركن فان سبقه الحدث بعد التشهد توضأ وسلم وان تعمده فالعمد قاطع وإذا وجد القطع انتهت الصلاة لكون السلام ليس ركنا وقال بن بطال فيه رد على أبي حنيفة في قوله أن المحدث في صلاته يتوضأ ويبني ووافقه بن أبي ليلى وقال مالك والشافعي يستأنف الصلاة واحتجا بهذا الحديث وفي بعض ألفاظه لا صلاة إلا بطهور فلا يخلو حال انصرافه أن يكون مصليا أو غير مصل فان قالوا هو مصل رد بقوله لا صلاة إلا بطهور ومن وجهة النظر أن كل حدث منع من ابتداء الصلاة منع من البناء عليها بدليل أنه لو سبقه المني لاستأنف اتفاقا قلت وللشافعي قول وافق فيه أبا حنيفة وقال الكرماني وجه أخذه من الترجمة أنهم حكموا بصحة الصلاة مع الحدث حيث قالوا يتوضأ ويبني وحيث حكموا بصحتها مع عدم النية في الوضوء لعلة أن الوضوء ليس بعبادة ونقل بن التين عن الداودي ما حاصله أن مناسبة الحديث للترجمة أنه أراد أن من أحدث وصلى ولم يتوضأ وهو يعلم أنه يخادع الناس بصلاته فهو مبطل كما خدع مهاجر أم قيس بهجرته وخادع الله وهو يعلم انه مطلع على ضميره قلت وقصة مهاجر أم قيس انما ذكرت في حديث الاعمال بالنيات وهو في الباب الذي قبل هذا لا في هذا الباب

[ 293 ]

وزعم بعض المتأخرين أن البخاري أراد الرد على من زعم أن الجنازة إذا حضرت وخاف فوتها أنه يتيمم وكذا من زعم أنه إذا قام لصلاة الليل فبعد عنه الماء وخشي إذا طلبه أن يفوته قيام الليل أنه تباح له الصلاة بالتيمم ولا يخفى تكلفه قوله باب في الزكاة أي ترك الحيل في إسقاطها قوله وأن لا يفرق بين مجتمع ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة هو لفظ الحديث الاول في الباب وهو طرف من حديث طويل أورده في الزكاة بهذا السند تاما ومفرقا وتقدم شرحه هناك الحديث الثاني حديث طلحة بن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس الحديث وقد تقدم شرحه في كتاب الايمان أول الصحيح قوله وقال بعض الناس في عشرين ومائة بعير حقتان فان أهلكها متعمدا أو وهبها أو احتال فيها فرارا من الزكاة فلا شئ عليه قال بن بطال أجمع العلماء على أن للمرء قبل الحول التصرف في ماله بالبيع والهبة والذبح وإذا لم ينو الفرار من الصدقة وأجمعوا على أنه إذا حال الحول أنه لا يحل التحيل بأن يفرق بين مجتمع أو يجمع بين متفرق ثم اختلفوا فقال مالك من فوت من ماله شيئا ينوي به الفرار من الزكاة قبل الحول بشهر أو نحوه لزمته الزكاة عند الحول لقوله صلى الله عليه وسلم خشية الصدقة وقال أبو حنيفة إن نوى بتفويته الفرار من الزكاة قبل الحول بيوم لا تضره النية لان ذلك لا يلزمه إلا بتمام الحول ولا يتوجه إليه معنى قوله خشية الصدقة إلا حينئذ قال وقال المهلب قصد البخاري أن كل حيلة يتحيل بها أحد في إسقاط الزكاة فان اثم ذلك عليه لان النبي صلى الله عليه وسلم لما منع من جمع الغنم أو تفرقتها خشية الصدقة فهم منه هذا المعنى وفهم من حديث طلحة في قوله أفلح إن صدق أن من رام أن ينقص شيئا من فرائض الله بحيلة يحتالها أنه لا يفلح قال وما أجاب به الفقهاء من تصرف ذي المال في ماله قرب حلول الحول ثم يريد بذلك الفرار من الزكاة ومن نوى ذلك فالاثم عنه غير ساقط وهو كمن فر عن صيام رمضان قبل رؤية الهلال بيوم واستعمل سفرا لا يحتاج إليه ليفطر فالوعيد إليه يتوجه وقال بعض الحنفية هذا الذي ذكره البخاري ينسب لابي يوسف وقال محمد يكره لما فيه من القصد إلى إبطال حق الفقراء بعد وجود سببه وهو النصاب واحتج أبو يوسف بأنه امتناع من الوجوب لا إسقاط للواجب واستدل بأنه لو كان له مائتا درهم فلما كان قبل الحول بيوم تصدق بدرهم منها لم يكره ولو نوى بتصدقه بالدرهم أن يتم الحول وليس في ملكه نصاب فلا تلزمه الزكاة وتعقب بان من اصل ابى يوسف أن الحرمة تجامع الفرض كطواف المحدث أو العاري فكيف لا يكون القصد مكروها في هذه الحالة وقوله امتناع من الوجوب معترض فان الوجوب قد تقرر من أول الحول ولذلك جاز التعجيل قيل الحول وقد اتفقوا على أن الاحتيال لاسقاط الشفعة بعد وجوبها مكروه وانما الخلاف فيما قبل الوجوب فقياسه أن يكون في الزكاة مكروها أيضا والاشبه أن يكون أبو يوسف رجع عن ذلك فإنه قال في كتاب الخراج بعد إيراد حديث لا يفرق بين مجتمع ولا يحل لرجل يؤمن بالله واليوم الاخر منع الصدقة ولا إخراجها عن ملكه لملك غيره بفرقها بذلك فتبطل الصدقة عنها بأن يصير لكل واحد منهما ما لا تجب فيه الزكاة ولا يحتال في إبطال الصدقة بوجه انتهى ونقل أبو حفص الكبير راوي كتاب الحيل عن محمد بن الحسن أن محمدا قال ما احتال به المسلم حتى يتخلص به من الحرام أو يتوصل به إلى الحلال فلا بأس به وما احتال به حتى يبطل حقا

[ 294 ]

أو يحق باطلا أو ليدخل به شبهة في حق فهو مكروه والمكروه عنده إلى الحرام أقرب وذكر الشافعي أنه ناظر محمدا في امرأه كرهت زوجها وامتنع عن فراقها فمكنت بن زوجها من نفسها فإنها تحرم عندهم على زوجها بناء على قولهم إن حرمت المصاهرة تثبت قال فقلت لمحمد الزنا لا يحرم الحلال لانه ضده ولا يقاس شئ على ضده فقال يجمعهما الجماع فقلت الفرق بينهما أن الاول حمدت به وحصنت فرجها والآخر ذمت به ووجب عليها الرجم ويلزم أن المطلقة ثلاثا إذا زنت حلت لزوجها ومن كان عنده أربع نسوة فزنى بخامسة أن تحرم عليه إحدى الاربع إلى آخر المناظرة وقد أشكل قول البخاري في الترجمة فان أهلكها بأن الاهلاك ليس من الحيل بل هو من اضاعة المال فان الحيلة انما هي لدفع ضرر أو جلب منفعة وليس كل واحد منهما موجود في ذلك ويظهر لي انه تصور بأن يذبح الحقتين مثلا وينتفع بلحمهما فتسقط الزكاة بالحقتين وينتقل إلى ما دونهما الحديث الثالث الله تعالى قوله حدثنا إسحاق هو بن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج قوله يكون كنز أحدكم يوم القيامة شجاعا أقرع المراد بالكنز المال الذي يخبأ من غير أن يؤدى زكاته كما تقدم تقريره في كتاب الزكاة ووقع هناك في رواية أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ من أعطاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له يوم القيامة شجاعا أقرع فذكر نحوه وبه تظهر مناسبة ذكره في هذا الباب قوله أنا كنزك هذا زائد في هذه الطريق قوله والله لن يزال في رواية الكشمهني لا بدل لن قوله حتى يبسط يده أي صاحب المال قوله فيلقمها فاه يحتمل أن يكون فاعل يلقمها الكانز أو الشجاع ووقع في رواية أبي صالح فيأخذ بلهزمتيه أي يأخذ الشجاع يد الكانز بشدقيه وهما اللهمزتان كما أوضحته هناك قوله وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هو موصول بالسند المذكور وهو من نسخة همام عن أبي هريرة وقد أخرجه أحمد عن عبد الرزاق فقدم هذا على الذي قبله قوله إذا ما رب النعم ما زائدة والرب المالك والنعم بفتحتين الابل والغنم والبقر وقيل الابل والغنم فقط حكاه في المحكم وقيل الابل فقط ويؤيد الاول قول الله تعالى ومن الانعام حمولة وفرشا ثم فسره الابل والبقر والغنم ويؤيد الثالث اقتصاره هنا على الاخفاف فانها للابل خاصة والمراد بقوله حقها زكاتها وصرح به في حديث أبي ذر كما تقدم في الزكاة أتم منه قوله وقال بعض الناس في رجل له إبل فخاف أن تجب عليه الصدقة فباعها بابل مثلها أو بغنم أو ببقر أو بدراهم فرارا من الصدقة بيوم احتيالا فلا شئ عليه وهو يقول ان زكى ابله قبل أن يحول الحول بيوم أو ستة جازت عنه في رواية الكشميهني أجزأت عنه ويعرف تقرير مذهب الحنفية مما مضى وقد تأكد المنع بمسألة التعجيل قيل توجيه إلزامهم التناقض أن من أجاز التقديم لم يراع دخول الحول من كل جهة فإذا كان التقديم على الحول مجزئا فليكن التصرف فيها قبل الحول غير مسقط وأجاب عنهم بن بطال بان أبا حنيفة لم يتناقض في ذلك لانه لا يوجب الزكاة الا بتمام الحول ويجعل من قدمها كمن قدم دينا مؤجلا قبل أن يحل انتهى والتناقض لازم لابي يوسف لانه يقول إن الحرمة تجامع الفرض كطواف العاري ولو لم يتقرر الوجوب لم يجز التعجيل قبل الحول وقد اختلف العلماء فيمن باع إبلا بمثلها في أثناء الحول فذهب الجمهور إلى البناء على حول الاولى لاتحاد الجنس والنصاب والمأخوذ عن الشافعي قولان واختلفوا في بيعها بغير جنسها فقال الجمهور يستأنف

[ 295 ]

لاختلاف النصاب وإذا فعل فرارا من الزكاة أثم ولو قلنا يستأنف وعن أحمد إذا ملكها ستة أشهر ثم باعها بنقد زكى الدراهم عن ستة أشهر من يوم البيع ونقل شيخنا بن الملقن عن بن التين أنه قال إن البخاري انما أتي بقوله مانع الزكاة ليدل على الفرار من الزكاة لا يحل فهو مطالب بذلك في الآخرة قال شيخنا وهذا لم نره في البخاري قلت بل هو فيه بالمعنى في قوله إذا ما رب النعم لم يعط حقها فهذا هو مانع الزكاة الحديث الرابع حديث بن عباس قال استفتى سعد بن عبادة الخ تقدم شرحه قربيا في كتاب الايمان والنذور قال المهلب فيه حجة على ان الزكاة لا تسقط بالحيلة ولا بالموت لان النذر لما لم يسقط بالموت والزكاة أوكد منه كانت لازمة لا تسقط بالموت أولى لانه لما ألزم الولي بقضاء النذر عن أمه كان قضاء الزكاة التي فرضها الله أشد لزوما قوله وقال بعض الناس إذا بلغت الابل عشرين ففيها أربع شياه فان وهبها قبل الحول أو باعها فرارا أو أحتيالا لاسقاط الزكاة فلا شئ عليه وكذلك إن أتلفها فمات فلا شئ عليه في ماله تقدمت المنازعة في صورة الاتلاف قريبا وأجاب بعض الحنفية بأن المال انما تجب فيه الزكاة ما دام واجبا في الذمة أو ما تعلق به من الحقوق وهذا الذي مات لم يبق في ذمته شئ يجب على ورثته وفاؤه والكلام انما هو في حل الحيلة لا في لزوم الزكاة إذا فر قلت وحرف المسألة أنه إذا قصد بيعها الفرار من الزكاة أو بهبتها الحيلة على إسقاط الزكاة ومن قصده أن يسترجعها بعد كما تقدم فهو آثم بهذا القصد لكن هل يؤثر هذا القصد في ابقاء الزكاة في ذمته أو يعمل به مع الاثم وهذا محز الخلاف قال الكرماني ذكر البخاري في هذا الباب ثلاثة فروع يجمعها حكم واحد وهو أنه إذا زال ملكه عما تجب فيه الزكاة قبل الحول سقطت الزكاة سواء كان لقصد الفرار من الزكاة أم لا ثم أراد بتفريعها عقب كل حديث التشنيع بأن من أجاز ذلك خالف ثلاثة أحاديث صحيحة انتهى ومن الحيل في إسقاط الزكاة ان ينوي بعروض التجارة الفنية قبل الحول فإذا دخل الحول الآخر استأنف التجارة حتى إذا قرب الحول أبطل التجارة ونوى القنية وهذا يأثم جزما والذي يقوى أنه لا تسقط الزكاة عنه والعلم عند الله تعالى الله عز وجلقوله باب الحيلة في النكاح ذكر فيه حديث بن عمر في النهي عن الشغار وفيه تفسيره عن نافع وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب النكاح وتقرير كون التفسير مرفوعا قال بن المنير إدخال البخاري الشغار في باب الحيل مع أن القائل بالجواز يبطل الشغار ويوجب مهر المثل مشكل ويمكن أن يقال إنه أخذه مما نقل أن العرب كانت تأنف من التلفظ بالنكاح من جانب المرأة فرجعوا إلى التلفظ بالشغار لوجود المساواة التي تدفع الانفة فمحى الشرع رسم الجاهلية فحرم الشغار وشدد فيه ما لم يشدد في النكاح الخالي عن ذكر الصداق فلو صححنا النكاح يلفظ الشغار وأوجبنا مهر المثل أبقينا غرض الجاهلية بهذه الحيلة انتهى وفيه نظر لان الذي نقله عن العرب لا أصل له لان الشغار في العرب بالنسبة إلى غيره قليل وقضية ما ذكره أن تكون أنكحتهم كلها كانت شغارا لوجود الانفة في جميعهم والذي يظهر لي أن الحيلة في الشغار تتصور في موسر أراد تزويج بنت فقير فامتنع أو أشتط في المهر فخدعه بأن قال له زوجنيها وأنا أزوجك بنتي فرغب الفقير في ذلك لسهولت ذلك عليه فلما وقع العقد على ذلك وقيل له ان العقد يصح ويلزم لكل منهما مهر المثل فإنه يندم إذ لا قدرة له على مهر المثل لبنت الموسر وحصل للموسر مقصوده بالتزويج لسهولة مهر المثل عليه فإذا

[ 296 ]

أبطل الشغار من أصله بطلت هذه الحل الله عز وجلقوله وقال بعض الناس إن احتال حتى تزوج على الشغار فهو جائز والشرط باطل وقال في المتعة النكاح فاسد والشرط باطل قلت وهذا بناء على قاعدة الحنفية أن ما لم يشرع بأصله باطل وما شرع بأصله دون وصفه فاسد فالنكاح مشروع بأصله وجعل البضع صداقا وصف فيه فيفسد الصداق ويصح النكاح بخلاف المتعة فانها لما ثبت انها منسوخة صارت غير مشروعة بأصلها قوله وقال بعضهم المتعة والشغار جائزان والشرط باطل أي في كل منهما كأنه يشير إلى ما نقل عن زفر أنه أجاز النكاح المؤقت وألغى الوقت لانه شرط فاسد والنكاح لا يبطل بالشروط الفاسدة وردوا عليه بالفرق المذكور قال بن بطال لا يكون البضع صداقا عند أحد من العلماء وانما قالوا ينعقد النكاح بمهر المثل إذا اجتمعت شروطه والصداق ليس بركن فيه فهو كما لو عقد بغير صداق ثم ذكر الصداق فصار ذكر البضع كلا ذكر انتهى وهذا محصل ما قاله أبو زيد وغيره من أئمة الحنفية وتعقبه بن السمعاني فقال ليس الشغار إلا النكاح الذي اختلفنا فيه وقد ثبت النهي عنه والنهي يقتضي فساد المنهي عنه لان العقد الشرعي انما يجوز بالشرع وإذا كان منهيا لم يكن مشروعا ومن جهة المعنى أنه يمنع تما الايجاب في البضع للزوج والنكاح لا ينعقد إلا بإيجاب كامل ووجه قولنا يمنع أن الذي أوجبه للزوج نكاحا هو الذي أوجبه للمرأة صداقا وإذا لم يحصل كمال الايجاب لا يصح فإنه جعل عين ما أوجبه للزوج صداقا للمرأة فهو كمن جعل الشئ لشخص في عقد ثم جعل عينه لشخص آخر فإنه لا يكمل الجعل الاول قال ولا يعارض هذا ما لو زوج أمته آخر فان الزوج يملك التمتع بالفرج والسيد يملك رقبه الفرج بدليل أنها لو وطئت بعد بشبهة يكون المهر للسيد والفرق أن الذي جعله السيد للزوج لم يبقه لنفسه لانه جعل ملك التمتع بالامة للزوج وما عدا ذلك باق له وفي مسألة الشغار جعل ملك التمتع الذي جعله للزوج بعينه صداقا للمرأة الاخرى ورقبة البضع لا تدخل تحت ملك اليمين حتى يصح جعله صداقا قوله يحيى هو القطان وعبيد الله بن عمر هو العمري ومحمد بن علي هو المعروف بابن الحنفية وعلي هو بن أبي طالب قوله قيل له إن بن عباس لا يرى بمتعة النساء بأسا لم أقف على اسم القائل وزاد عمر بن علي الفلاس في روايته لهذا الحديث عن يحى القطان فقال له إنك تايه بمثناة فوقانية وياء آخر الحروف بوزن فاعل من التيه وهو الحيرة وانما وصفه بذلك إشارة إلى أنه تمسك بالمنسوخ وغفل عن الناسخ وقد تقدم بيان مذهب بن عباس في ذلك في كتاب النكاح مستوفى قوله وقال بعض الناس إن احتال حتى تمتع فالنكاح فاسد أي أن عقد عقد نكاح متعة والفساد لا يستلزم البطلان لامكان إصلاحه بإلغاء الشرط فيتحيل في تصححه بذلك كما قال في ربا الفضل إن حذفت منه الزيادة صح البيع قوله وقال بعضهم الخ تقدم أنه قول زفر وقيل إنه لم يجز إلا النكاح المؤقت وألغى الشرط وأجيب بأن نسخ المتعة ثابت والنكاح المؤقت في معنى المتعة والاعتبار عندهم في العقود بالمعاني قوله باب ما يكره من الاحتيال في البيوع ولا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلا ذكر فيه حديث أبي هريرة لا يمنع الخ وإسماعيل شيخه فيه هو بن أبي أويس وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الشرب قال المهلب المراد رجل كان له بئر وحولها كلا مباح وهو بفتح الكاف واللام مهموز ما يرعى فأراد الاختصاص به فيمنع فضل ماء بئره

[ 297 ]

أن ترده نعم غيره للشرب وهو لا حاجة به إلى الماء الذي يمنعه وانما حاجته إلى الكلا وهو لا يقدر على منعه لكونه غير مملوك له فيمنع الماء فيتوفر له الكلا لان النعم لا تستغني عن الماء بل إذا رعت الكلا عطشت ويكون ماء غير البئر بعيدا عنها فيرغب صاحبها عن ذلك الكلا فيتوفر لصاحب البئر بهذه الحيلة انتهى موضحا قال وفيه معنى أخر وهو أنه قد يخص أحد معاني الحديث ويسكت عن البقية لان ظاهر الحديث اختصاص النهي بما إذا أريد به منع الكلا فإذا لم يرد به ذلك فلا نهي عن منع الكلا والحديث معناه لا يمنع فضل الماء بوجه من الوجوه لانه إذا لم يمنع بسبب غيره فأحرى أن لا يمنع بسبب نفسه وفي تسميته فضلا إشارة إلى أنه إذا لم تكن زيادة عن حاجة صاحب البئر جاز لصاحب البئر منعه والله أعلم وقال بن المنير وجه مطابقة الترجمة أن الآبار التي في البوادي لمحتفرها أن يختص بما عدا فضلها من الماء بخلاف الكلا المباح فلا اختصاص له به فلو تحيل صاحب البئر فدعى أنه لا فضل في ماء البئر عن حاجته ليتوفر له الكلا الذي بقربه لان صاحب الماشية حينئذ يحتاج أن يحولها إلى ماء آخر لانها لا تستطيع الرعي على الظمأ لدخل في النهي ثم قال ولا يلزم من كون دعواه كذبا محضا أن لا يكون في كلامه تحيل على منع المباح فحجته ظاهرة فيما له فيه مقال وهو الماء تحيلا على ما لا حق له فيه ولا حجة وهو الكلا قلت وهذا جواب عن أصل التحيل لا عن خصوص التحيل في البيع ومن ثم قال الكرماني هو من قبيل ما ترجم به وبيض له فلم يذكر فيه حديثا يريد أنه ترجم بالتحيل بالبيع وعطف عليه ولا منع فضل الماء وذكر الحديث المتعلق بالثاني دون الاول لكن لا يدفع هذا القدر السؤال عن حكمه إيراد منع فضل الماء في ترك الحيل ثم قال الكرماني يمكن أن يكون المنع أعم من أن يكون بطريق عدم البيع أو بغيره انتهى ويظهر أن المناسبة بينهما ما أشار اله بن المنير لكن تمامه أن يقال إن صاحب البئر يدعي أنه لافضل في ماء البئر ليحتاج من احتاج إلى الكلا أن يبتاع منه ماء بئره ليسقي ماشيته فيظهر حينئذ أنه تحيل بالجحد على حصول البيع ليتم مراده في أخذ ثمن ماء البئر وفي توفير الكلا عليه وأما بن بطال فأدخل في هذه الترجمة حديث النهي عن النجش فلو كان كذلك لبطل الاعتراض لكن ترجمة النجش موجودة في جميع الروايات بين الحديثين عزوجل قوله باب ما يكره من التناجش أشار إلى ما ورد في بعض طرق الحديث المذكور في الباب بلفظ نهى عن النجش من حديث أبي هريرة بلفظ لا تناجشوا وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب البيوع والمراد بالكراهة في الترجمة كراهة التحريم قوله باب ما ينهى من الخداع في رواية الكشميهني عن الخداع ويقال له الخدع بالفتح والكسر ورجل خادع وفي المبالغة خدوع وخداع قوله وقال أيوب هو السختياني يخادعون الله كأنما يخادعون آدميا لو أتوا الامر عيانا كان أهون على وصله وكيع في مصنفه عن سفيان بن عيينة عن أيوب وهو السختياني قال الكرماني قوله عيانا أي لو أعلنوا بأخذ الزائد على الثمن معاينة بلى تدليس لكان أسهل لانه ما جعل الدين آلة للخداع انتهى ومن ثم كان سالك المكر والخديعة حتى يفعل المعصية أبغض عند الناس ممن يتظاهر بها وفي قلوبهم أوضع وهم عنه أشد نفرة وحديث بن عمر إذا بايعت فقل لا خلابة بكسر المعجمة وتخفيف اللام ثم موحدة تقدم شرحه مستوفى في كتاب البيوع قال المهلب معنى قوله لا خلابة لا تخلبوني أي

[ 298 ]

لا تخدعوني فان ذلك لا يحل قلت والذي يظهر أنه وارد مورد الشرط أي إن ظهر في العقد خداع فهو غير صحيح كأنه قال بشرط أن لا يكون فيه خديعة أو قال لا تلزمني خديعتك قال المهلب ولا يدخل في الخداع المحرم الثناء على السلعة والاطناب في مدحها فإنه متجاوز عنه ولا ينتقص به البيع وقال بن القيم في الاعلام أحدث بعض المتأخرين حيلا لم يصح القول بها عن أحد من الائمة ومن عرف سيرة الشافعي وفضله علم أنه لم يكن يأمر بفعل الحيل التي تبنى على الخداع وان كان يجري العقود على ظاهرها ولا ينظر إلى قصد العاقد إذا خالف لفظه فحاشاه أن يبيح للناس المكر والخديعة فان الفرق بين اجراء العقد على ظاهره فلا يعتبر القصد في العقد وبين تجويز عقد قد علم بناؤه على المكر مع العلم بأن باطنه بخلاف ظاهره ظاهر ومن نسب حل الثاني إلى الشافعي فهو خصمه عند الله فان الذي جوزه بمنزلة الحاكم يجري الحكم على ظاهره في عدالة الشهود فيحكم بظاهر عدالتهم وان كانوا في الباطن شهود زور وكذا في مسألة العينة انما جوز أن يبيع السلعة ممن يشتريها جريا منه على أن ظاهر عقود المسلمين سلامتها من المكر والخديعة ولم يجوز قط أن المتعاقدين يتواطآن على ألف بألف ومائتين ثم يحضران سلعة تحلل الربا ولا سيما ان لم يقصد البائع بيعها ولا المشتري شراءها ويتأكد ذلك إذا كانت ليست ملكا للبائع كأن يكون عنده سلعة لغيره فيوقع العقد ويدعي أنها ملكه ويصدقه المشتري فيوقعان العقد على الاكثر ثم يستعيدها البائع بالاقل ويترتب الاكثر في ذمة المشتري في الظاهر ولو علم الذي جوز ذلك بذلك لبادر إلى إنكاره لان لازم المذهب ليس بمذهب فقد يذكر العالم الشئ ولا يستحضر لازمه حتى إذا عرفه أنكره وأطال في ذلك جدا وهذا ملخصه والتحقيق أنه لا يلزم من الاثم في العقد بطلانه في ظاهر الحكم فالشافعية يجوزون العقود على ظاهرها ويقولون مع ذلك إن من عمل الحيل بالمكر والخديعة بإثم في الباطن وبهذا يحصل الانفصال عن إشكاله والله أعلم قوله باب ما ينهى عن الاحتيال للولي في اليتيمة المرغوبة وأن لا يكمل لها صداقها ذكر فيه حديث عائشة في تفسير قوله تعالى وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى ولم يسقه بتمامه وقد تقدم بهذا السند في النكاح تاما قال بن بطال فيه أنه لا يجوز للولي أن يتزوج بيتيمة بأقل من صداقها ولا أن يعطيها من العروض في صداقها ما لا يفي بقيمة صداق مثلها واختلف في سبب نزول الآية المذكورة كما تقدم عند شرح الحديث المذكور في تفسير سورة النساء وفي قوله في اليتامى حذف تقديره في نكاح اليتامى وقوله ما طاب لكم من النساء أي من سواهن قال القاضي أبو بكر بن الطيب معنى الآية وان خفتم أن لا تعدلوا في اليتامى الاطفال اللاتي لا أولياء لهن يطالبونكم بحقوقهن ولا تأمنوا من ترك القيام بحقوقهم لعجزهن عن ذلك فتزوجوا من النساء القادرات على تدبير أمورهن أو من لهن أولياء يمنعونكم من الحيف عليهن وقوله ثم استفتى الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله يستفتونك في النساء فذكر الحديث كذا في الاصل وقد تقدم سياقه قوله باب إذا غصب جارية فزعم انها ماتت فقضى بالضم على البناء للمجهول أي حكم ويجوز بناؤه للمعلوم أي حكم القاضي على الغاصب قوله بقيمة الجارية الميتة ثم وجدها صاحبها أي اطلع على أنها لم تمت فهي له أي لصاحبها المغصوبة منه وترد القيمة أي على الغاصب ولا تكون القيمة ثمنا أي لعدم جريان بيع بينهما وانما أخذ

[ 299 ]

القيمة بناء على عدم الجارية فإذا زال ذلك وجب الرجوع إلى الاصل قوله وقال بعض الناس الجارية للغاصب لاخذه القيمة أي من الغاصب قوله وفي هذا احتيال لمن اشتهى جارية رجل لا يبيعها فغصبها واعتل أي احتج أي وكذلك لو كانت الصورة في غير الجارية من مأكول أو غيره وادعى فساده وكذا لو غصب حيوانا مأكولا فذبحه قوله فتطيب للغاصب جارية غيره أي وكذا مال غيره قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم أموالكم عليكم حرام هذا طرف من حديث وصله من حديث أبي بكرة مطولا في أواخر الحج وأحلت بشرحه على كتاب الفتن قال الكرماني ظاهر قوله أموالكم عليكم مقابلة الجمع بالجمع فيفيد التوزيع فيلزم أن يكون مال كل شخص على كل شخص حراما فيلزم أن يكون ماله عليه حراما وليس كذلك وانما هو مثل قولهم قتل بنو فلان أنفسهم أي قتل بعضهم بعضا ففيه مجاز للقرينة الصارفة عن الظاهر قوله ولكل غادر لواء أي وقال النبي صلى الله عليه وسلم لكل غادر لواء الخ وقد وصله في الباب عن بن عمر وسفيان في سنده هو الثوري ومعنى شرحه مستوفى في الجهاد والاحتجاج به ظاهر لان دعوى الغاصب أنها ماتت خيانة وغدر في حق أخيه المسلم قال بن بطال خالف أبا حنيفة الجمهور في ذلك فاحتج هو بأنه لا يجتمع الشئ وبدله في ملك شخص واحد واحتج للجمهور بأنه لا يحل مال المسلم إلا عن طيب نفسه ولآن القيمة إنما وجبت بناء على صدق دعوى الغاصب أن الجارية ماتت فلما تبين أنها لم تمت فهي باقية على ملك المغصوبة منه لانه لم يجر بينهما عقد صحيح فوجب أن ترد إلى صاحبها قال وفرقوا بين الثمن والقيمة بأن الثمن في مقابلة الشئ القائم والقيمة في الشئ المستهلك وكذا في البيع الفاسد والفرق بين الغصب والبيع الفاسد أن البائع رضي بأخذ الثمن عوضا عن سلعته وأذن المشتري بالتصرف فيها فإصلاح هذا البيع أن يأخذ قيمة السلعة إن فاتت والغاصب لم يأذن له المالك فلا يحل له أن يتملكه الغاصب إلا إن رضي المغصوب منه بقيمته قلت ومحل الصورة المذكورة أولا عند الحنفية ان يدعي المستحق على الغاصب بالجارية فيجيب انها ماتت فيصدقه أو يكذبه فيقيم الغاصب البينة أو يستحلفه فينكل عن اليمين فيكون المستحق حينئذ على الغاصب القيمة لرضا المدعي بالمبادلة بهذا القدر حيث ادعاه أما لو أخذ القيمة بقول الغاصب مع حلفه أنها ماتت فل لمدعي حينئذ بالخيار إذا ظهر كذب الغاصب إن شاء أمضى الضمان وإن شاء استعاد الجارية ورد العوض واستدلوا بأن المالك ملك بدل المغصوب رقبة وبدنا فزال ملكه عن المبدل لكونه قابلا للنقل فلم يقع الحكم للتعدي محضا بل للضمان المشروط ولو نشأ منه فوات الجارية على صاحبها بالحيلة ولو ترتب الاثم على الغاصب بذلك لانه لا ينافي صحة العقد والله أعلم وقال بن المنير ما ملخصه ألزم بعض الحنفية مالكا بأنه يقول في الآبق إذا أخذ المالك قيمته ممن وجده فغصبه أن الغاصب يملكه فلو موه الغاصب بأنه مستمر الاباق أو أوهم موته ثم ظهر خلاف ذلك فللمالك أخذه والحديث يتناول التمويه وغيره ويقتضي أن يعود العبد للمالك والقيمة إن كانت ثمنا لم يعد للعبد مطلقا وإن لم تكن ثمنا عاد العبد مطلقا وأجيب بأن معنى قوله أموالكم عليكم حرام إذا لم يقع التراضي ومع وجود التمويه لم يحصل الرضا بالعوض بخلاف ما إذا لم يكن هناك تمويه فإنه يدل على الرضا بالعوض وتقدر القيمة ثمنا قوله باب كذا للاكثر بغير ترجمة وحذفه بن بطال والنسفي والاسماعيلي وأضاف بن بطال حديث

[ 300 ]

أم سلمة للباب الذي قبله وتعلقه به ظاهر جدا لدلالته على أن حكم الحاكم لا يحل ما حرمه الله ورسوله ولنهيه عن أخذه إذا كان يعلم أنه في نفس الامر لغريمه وعلى الاول هو كالفصل من الباب الذي قبله وإنما أفرده لانه يشمل الحكم المذكور وغيره وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وقوله سفيان هو الثوري وقوله عن هشام هو بن عروة ووقع في رواية أبي داود عن محمد بن كثير شيخ البخاري فيه حدثنا سفيان حدثنا هشام وقوله عن عروة وقع في رواية أبي داود عن أبيه وقوله عن زينب بنت أبي سلمة عن أم سلمة هي أمها ووقع في شرح بن بطال حديث زينب فأوهم أنه من مسندها على ما جرت به عادته من الاقتصار على صحابي الحديث قوله إنما أنا بشر أي كواحد من البشر في عدم علم الغيب وقوله ولعل هي هنا بمعنى عسى وقوله ألحن تقدم في المظالم بلفظ أبلغ وهو بمعناه لانه من لحن بمعنى فطن وزنه ومعناه والمراد أنه إذا كان أفطن كان قادرا على أن يكون أبلغ في حجته من الآخر وقوله على نحو ما اسمع في رواية الكشميهني ما اسمع وهي موصولة وقوله من أخيه أي من حق أخيه وثبت كذلك في الطريق الاتي في الاحكام وقوله فلا يأخذ كذا للاكثر بحذف المفعول وللكشميهني فلا يأخذه وقوله فانما أقطع له قطعة من النار أي إن أخذها مع علمه بأنها حرام عليه دخل النار قوله باب في النكاح تقدم قريبا باب الحيلة في النكاح وذكر فيه الشغار والمتعة وذكر هنا ما يتعلق بشهادة الزور في النكاح وأورد فيه حديث أبي هريرة واستئذان المخطوبة من وجهين وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب النكاح ثم أورد بعده حديث خنساء بذكر البكر والثيب جميعا وقد تقدما في باب لا يجوز نكاح المكره قريبا وحديث عائشة نحو حديث أبي هريرة الحديث الاول قوله هشام هو الدستوائي قوله لا تنكح البكر أي لا تزوج قوله وقال بعض الناس إذا لم تستأذن في رواية الكشميهني إن بدل إذا قوله فأقام شاهدين زورا أي شهدا زورا أو زورا متعلق بأقام قوله فأثبت القاضي نكاحها في رواية الكشميهني نكاحه أي بشهادتهما قوله فلا بأس أن يطأها أي لا يأثم بذلك مع علمه بأن شاهديه كذبا الحديث الثاني قوله علي هو بن المديني وسفيان هو بن عيينة ويحيى بن سعيد هو الانصاري قوله عن القاسم في رواية محمد بن فضيل عن يحيى بن سعيد حدثنا القاسم أخرجه الاسماعيلي والقاسم هو بن محمد بن أبي بكر الصديق قوله أن امرأة من ولد جعفر في رواية بن أبي عمر عن سفيان أن امرأة من آل جعفر أخرجه الاسماعيلي ولم أقف على اسمها ولا على المراد بجعفر ويغلب على الظن أنه جعفر بن أبي طالب وتجاسر الكرماني فقال المراد به جعفر الصادق بن محمد الباقر وكان القاسم بن محمد جد جعفر الصادق لامه انتهى وخفي عليه أن القصة المذكورة وقعت وجعفر الصادق صغير لان مولده سنة ثمانين وكانت وفاة عبد الرحمن بن يزيد بن جارية في سنة ثلاث وتسعين من الهجرة وقد وقع في تفسير الحديث أنه أخير المرأة بحديث خنساء بنت خذام فكيف تكون المرأة المذكورة في مثل تلك الحالة وأبوها بن ثلاث عشرة سنة أو دونها قوله فأرسلت إلى شيخين من الانصار زاد بن أبي عمر تخبرهما أنه ليس لاحد من أمري شئ قوله ابني جارية كذا نسبهما في هذه الرواية إلى جدهما تقدم في النكاح عن عبد الرحمن ومجمع ابني يزيد بن جارية وهو بجيم وراء ووقع هنا لبعضهم بمهملتين

[ 301 ]

ومثلثة وهو تصحيف قوله قالا فلا تخشين كذا لهم على أنه خطاب للمرأة ومن معها وظن بن التين أنه خطاب للمرأه وحدها فقال الصواب فلا تخشين بكسر الياء وتشديد النون قال ولو كان بلا تأكيد لحذفت النون قلت ووقع في رواية بن أبي عمر فارسلا إليها أن لا تخافي فدل على انهما خاطبا من كانت أرسلته إليهما أو من أرسلا وعلى الحالين فكان من أرسلا في ذلك جماعة نسوة قوله فان خنساء بنت خدام بكسر المعجمة ودال مهملة خفيفة تقدم في كتاب النكاح بيان نسبها وحالها قوله قال سفيان فأما عبد الرحمن يعني بن القاسم بن محمد بن أبي بكر قوله فسمعته يقول عن أبيه أن خنساء يعني أنه أرسله فلم يذكر فيه عبد الرحمن بن يزيد ولا أخاه قلت وأخرجه بن أبي عمر في مسند ومن طريقه الاسماعيلي فقال عن سفيان عن يحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن القاسم أن خنساء فذكره وقصر في سنده وقد تقدم في النكاح من رواية مالك عن يحيى موصولا وبيان من أرسله والاختلاف فيه وشرح الحديث مستوفى ورواية من قال فيه أنها كانت بكرا وبيان الصواب من ذلك الحديث الثالث تقدم التنبيه عليه قوله وقال بعض الناس ان احتال انسان بشاهدي زور على تزويج امرأة ثيب بأمرها الخ قال المهلب اتفق العلماء على وجوب استئذان الثيب والاصل فيه قوله تعالى فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا فدل على أن النكاح يتوقف على الرضا من الزوجين وأمر النبي صلى الله عليه وسلم باستئذان الثيب ورد نكاح من زوجت وهي كارهة فقول الحنفية خارج عن هذا كله انتهى ملخصا الحديث الرابع قوله البكر تستأذن تقدم في الاكراه من طريق سفيان عن بن جريج بهذا الاسناد قلت يا رسول الله البكر تستأمر قال نعم قوله وقال بعض الناس ان هوى بكسر الواو أي أحب انسان في رواية الكشميهني رجل قوله جارية يتيمة أو بكرا في رواية الكشميهني ثيبا ووقع عند بن بطال كذلك ويؤيد الاول قوله في بقية الكلام فأدركت اليتيمة فظاهره أنها كانت غير بالغ ويحتمل أن قوله جاء بشاهدين أي يشهدان على أنها مدركة ورضيت قوله فقبل القاضي بشهادة الزور كذا لهم بموحدة وللكشميهني شهادة بحذف الموحدة من أوله قوله حل له الوطئ أي مع علمه بكذب الشهادة المذكورة وقال بن بطال لا يحل هذا النكاح عند أحد من العلماء وحكم القاضي بما ظهر له من عدالة الشاهدين في الظاهر لا يحل للزوج ما حرم الله عليه وقد اتفقوا على انه لا يحل له أكل مال غيره بمثل هذه الشهادة ولا فرق بين أكل مال الحرام ووطئ الفرج الحرام وقال المهلب قاس أبو حنيفة هذه المسألة والتي قبلها على مسألة اتفاقية وهي ما لو حكم القاضي بشهادة من ظن عدالتهما أن الزوج طلق امرأته وكانا شهدا في ذلك بالزور أنه يحل تزويجها لمن لا يعلم باطن تلك الشهادة قال وكذلك لو علم وتعقب بأن الذي يقدم على الشئ جاهلا ببطلانه لا يقاس بمن يقدم عليه مع علمه ببطلانه ولا خلاف بين الائمة أن رجلا لو أقام شاهدي زور على ابنته أنها أمته وحكم الحاكم بذلك ظانا عدالهما أنه لا يحل له وطؤها وكذا لو شهد في ابنة غيره من حرة أنها أمة المشهود له وهو يعلم بطلان شهادتهما أنه لا يحل له وطؤها انتهى ملخصا وليس الذي نسبه إلى أبي حنيفة من هذا القياس مستقيما وانما حجتهم أن الاستئذان ليس بشرط في صحة النكاح ولو كان واجبا وإذا كان كذلك فالقاضي أنشأ

[ 302 ]

لهذا الزوج عقدا مستأنفا فيصح وهذا قول أبي حنيفة وحده واحتج بأثر عن علي في نحو هذا قال فيه شاهداك زوجاك وخالفه صاحباه وقال بن العربي اعتمد الحنفية أمرين أحدهما قوله صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين أحدكما كاذب ففرق بينهما على قول تحقق أنه باطل فكذلك البناء على شهادة الزور والثاني أن الفرج يقبل إنشاء الحل فيه كتزويج الرجل ابنته بمال لظان من لا ولي لها والمال انما ينشى الحل فيها بالقبول من المالك قال وحاصل الجواب عن ذلك أن المجتهد انما يحصل الحكم الذي لا اثر فيه على النظير لا على الضد فلا يصح حمل شهادة الزور على اللعان والفرج وانما ينشأ الحل فيه بوجه يستوي ظاهره وباطنه وأما بأمر يظهر باطنه فلا انتهى ملخصا وقال بن التين قال أبو حنيفة إذا شهدا بزور على الطلاق فحكم القاضي بها تصير المرأة مطلقة بحكم الحاكم ويجوز لها أن تتزوج حتى بأحد الشاهدين وقال فيما لو أقام شاهدي زور على محرم أنها زوجته ان الحكم لا ينفذ في الباطن ولا يحل له وطؤها وهو يعلم وكذا لو شهدا له بمال قال وفرق بين الموضعين فان كل شئ جاز ان يكون للحاكم فيه ولاية ابتداه أنه ينفذ حكمه فيه ظاهرا وباطنا وما لا فأنه ينفذ في الظاهر دون الباطن فلما أن كان للحاكم فيه ولاية في عقد النكاح وولاية في انه يطلق على غيره نفذ حكمه ظاهرا وباطنا ولما لم يكن له ولاية في تزويج ذوات المحارم ولا في نقل الاموال نفذ ظاهرا لا باطنا قال والحجة للجمهور قوله صلى الله عليه وسلم فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه وهذا عام في الاموال والابضاع فلو كان حكم الحاكم يحيل الامور عما هي عليه لكان حكم النبي صلى الله عليه وسلم أولى قلت وبهذا احتج الشافعي كما سيأتي بيانه عند شرحه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى وقد احتج لابي حنيفة أيضا بأن الفرقة في اللعان تقع بقضاء القاضي ولو كان الملاعن في الباطن كاذبا وبأن البيعين إذا اختلفا تحالفا وترادا السلعة ولا تحرم انتفاع بائع السلعة بها بعد ذلك ولو كان في نفس الامر كاذبا وأجيب بأن الاثر المتقدم عن علي لا يثبت وبأنه موقوف وإذا اختلف الصحابة لم يكن قول بعضهم حجة بغير مرجح وبأن الفرقة في اللعان ثبتت بالنص والذي حكم بالملاعنة لا يعلم أن الملاعن حلف كاذبا وأما مسألة البيعين فانما كان الحكم فيها كذلك للتعارض تنبيه ذكر البخاري في هذا الباب ثلاثة فروع مبنية على اشتراط الاستئذان وينظمها صحة النكاح بشهادة الزور وحجة الحنفية فيها ما تقدم وعبر في الاولى بقوله فلا بأس أن يطأها وهو تزويج صحيح وفي الثانية بقوله فإنه يسعه هذا النكاح ولا بأس بالمقام معها وفي الثالثة بقوله حل له الوطئ وهو تفنن في العبارة والمفاد واحد ثم يحتمل أن يكون ذلك وقع في كلام من نقل عنه ويحتمل أن يكون من تصرفه والله اعلم وقال الكرماني صور الاول في البكر والثاني في الثيب والثالث في الصغيرة إذا لا يتم بعد احتلام وفي الاولين ثبت الرضا في الشهادة إذا كان ذلك قبل العقد وفي الثالث ثبت بالاعتراف أو أنه بعد العقد وقع ذلك فحاصل الفروع الثلاثة واحد وهو أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا وباطنا ويحلل ويحرم وفائدة إيرادها المبالغة في التشنيع لما فيه من حمل الزوج في الثلاثة على الاقدام على الاثم العظيم مع العلم بالتحريم والله أعلم قوله باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر وما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قال بن التين معنى الترجمة ظاهر إلا أنه لم يبين ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك وهو قوله

[ 303 ]

تعالى لم تحرم ما أحل الله لك قلت وقد ذكرت في التفسير الخلاف في المراد بذلك وأن الذي في الصحيح هو العسل وهو الذي وقع في قصة زينب بنت جحش وقيل في تحريم مارية وأن الصحيح أنه نزل في كلا الامرين ثم وجدت في الطبراني وتفسير بن مردويه من طريق أبي عامر الخزاز عن بن أبي مليكة عن بن عباس قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يشرب عسلا عند سودة فذكر نحو حديث الباب وفي آخره فأنزلت يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك ورواته موثقون إلا أن أبا عامر وهم في قوله سودة وذكر فيه حديث عائشة كان يحب الحلواء والعسل وكان إذا صلى العصر دخل على نسائه فيدنو منهن الحديث بطوله وقد تقدم في كتاب الطلاق مشروحا وذكر معه حديث عائشة من طريق عبيد بن عمير عنها وفيه أن التي سقته العسل زينب بنت جحش واستشكلت قصة حفصة بأن في الآية ما يدل على أن نزول ذلك كان في حق عائشة وحفصة فقط لتكرار التثنيه في قوله أن تتوبا وإن تظاهرا وهنا جاء فيه ذكر ثلاثة وجمع الكرماني بينهما بأن قصة حفصة سابقة وليس فيها سبب نزول ولا تثنيه بخلاف قصة زينب ففيها تواطأت أنا وحفصة وفيها التصريح بأن الآية نزلت في ذلك وحكى بن التين عن الداودي أن قوله في هذا الحديث أن التي سقته العسل حفصة غلط لان صفية هي التي تظاهرت مع عائشة في هذه القصة وانما شربه عند صفية وقيل عند زينب كذا قال وجزمه بأن الرواية التي فيها حفصة غلط مردود فانها ليست غلطا بل هي قصة أخرى والحديث الصحيح لا يرد بمثل هذا ويكفي في الرد عليه أنه جعل قصة زينب لصفية وأشار إلى أن نسبة ذلك لزينب ضعيف والواقع أنه صحيح وكلاهما متفق على صحته وللداودي عجائب في شرحه ذكرت منها شيئا كثيرا ومنها في هذا الحديث أنه قال في قوله جرست نخلة العرفط جرست معناه تغيير طعم العسل لشئ يأكله النحل والعرفط موضع وتفسير الجرس بالتغير والعرفط بالموضع مخالف للجميع وقد تقدم بيانه مع شرح الحديث وقوله في هذه الرواية أجاز ثبت هكذا لهم وهو صحيح يقال أجزت الوادي إذا قطعته والمراد انه يقطع المسافة التي بين كل واحدة والتي تليها ووقع في رواية مسلم والاسماعيلي هنا جاز وحكى بن التين جاز على نسائه أي مر أو سلك ووقع في رواية علي من مسهر الماضية في الطلاق إذا صلى العصر دخل وقوله فيها أبادئه بهمزة وموحدة وفيه اختلاف ذكرته فيما مضى وقوله فرقا بفتح الراء أي خوفا وقال بن المنير انما ساغ لهن أن يقلن أكلت مغافير لانهن أوردنه على طريق الاستفهام بدليل جوابه بقوله لا وأردن بذلك التعريض لا صريح الكذب فهذا وجه الاحتيال الذي قالت عائشة لتحتالن له ولو كان كذبا محضا لم يسم حيلة إذ لا شبهة لصاحبه قوله باب ما يكره من الاحتيال في الفرار من الطاعون ذكر فيه حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر خرج إلى الشام فذكر حديث عبد الرحمن بن عوف في النهي عن الخروج من البلد الذي يقع به الطاعون وعن القدوم على البلد التي وقع بها وحديث سالم بن عبد الله يعني بن عمر أن عمر إنما انصرف من حديث عبد الرحمن بن عوف وحديث عامر بن سعد بن أبي وقاص أنه سمع أسامة بن زيد يحدث سعدا بمعنى حديث عبد الرحمن بن عوف وفيه زيادة في أوله وقد تقدم كل ذلك مشروحا في كتاب الطب ووقع في حديث أسامة هنا الوجع بدل الطاعون وقوله فيذهب المرة ويأتي الاخرى قال المهلب يتصور التحيل في الفرار من الطاعون بأن يخرج في تجارة أو لزيارة

[ 304 ]

مثلا وهو ينوي بذلك الفرار من الطاعون واستدل بن الباقلاني بقصة عمر على أن الصحابة كانوا يقدمون خبر الواحد على القياس لانهم اتفقوا على الرجوع اعتمادا على خبر عبد الرحمن بن عوف وحده بعد ان ركبوا المشقة في المسير من المدينة إلى الشام ثم رجعوا ولم يدخلوا الشام قوله باب في الهبة والشفعة أي كيف تدخل الحيلة فيهما معا ومنفردين قوله وقال بعض الناس أن وهب هبة ألف درهم أو أكثر حتى مكث عنده سنين واحتال في ذلك أي بان تواطأ مع الموهوب له على ذلك وإلا فالهبة لا تتم إلا بالقبض وإذا قبض كان بالخيار في التصرف فيها ولا يتهيأ للواهب الرجوع فيها بعد التصرف فلا بد من المواطأة بأن لا يتصرف فيها ليتم الحيلة قوله ثم رجع الواهب فيها فلا زكاة على واحد منهما فخالف الرسول صلى الله عليه وسلم في الهبة وأسقط الزكاة قال بن بطال إذا قبض الموهوب له هبة فهو مالك لها فإذا حال عليها الحول عنده وجبت عليه الزكاة فيها عند الجميع وأما الرجوع فلا يكون عند الجمهور إلا فيما يوهب للولد فان رجع فيها الاب بعد الحول وجبت فيها الزكاة على الابن قلت فان رجع فيها قبل الحول صح الرجوع ويستأنف الحول فان كان فعل ذلك ليريد إسقاط الزكاة سقطت وهو آثم مع ذلك وعلى طريقة من يبطل الحيل مطلقا لا يصح رجوعه لثبوت النهي عن الرجوع في الهبة ولا سيما إذا قارن ذلك التحيل في إسقاط الزكاة وقوله فخالف الرسول صلى الله عليه وسلم يعني خالف ظاهر حديث الرسول وهو النهي عن العود في الهبة وقال بن التين مراده أن مذهب أبي حنيفة أن من سوى الوالدين يرجع في هبته ولا يرجع الوالد فيما وهب لولده وهو خلاف قوله صلى الله عليه وسلم لا يحل لرجل أن يعطي عطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده ومثل الذي يرجع في عطيته كالكلب يعود في قيئه قلت فعلى هذا انما أخرج البخاري حديث بن عباس للاشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وهو مخرج عند أبي داود عن بن عباس من وجه آخر كما تقدم بيانه في كتاب الهبة وذهب الجمهور ومنهم الشافعي إلى ان الزكاة تجب على المنهب مدة مكث المال عنده ثم ذكر في الباب ثلاثة أحاديث الحديث الاول قوله سفيان هو الثوري وقد تقدم شرح حديث بن عباس في كتاب الهبة الحديث الثاني حديث جابر في الشفعة وقد تقدم شرحه في كتاب الشفعة وظاهره أنه لا شفعة للجار لانه نفي الشفعة في كل مقسوم كما تقدم تقريره قوله وقال بعض الناس الشفعة للجوار بكسر الجيم من المجاورة أي تشرع الشفعة للجار كما تشرع للشريك قوله ثم عمد إلى ما شدده بالشين المعجمة ولبعضهم بالمهملة قوله فأبطله أي حيث قال لا شفعة للجار في هذه الصورة وقال ان اشترى دارا أي أراد شراءها كاملة فخاف أن يأخذ الجار بالشفعة فاشترى سهما من مائة سهم ثم اشترى الباقي كان للجار الشفعة في السهم الاول ولا شفعة له في باقي الدار قال بن بطال أصل هذه المسألة أن رجلا أراد شراء دار فخاف أن يأخذها جاره بالشفعة فسأل أبا حنيفة كيف الحيلة في إسقاط الشفعة فقال له اشتر منها سهما واحدا شائعا من مائة سهم فتصير شريكا لمالكها ثم اشتر منه الباقي فتصير أنت أحق بالشفعة من الجار لان الشريك في المشاع أحق من الجار وانما أمره بأن يشتري سهما من مائة سهم لعدم رغبة الجار في شراء السهم الواحد لحقارته وقلة انتفاعه به قال وهذا ليس فيه شئ من خلاف السنة وانما أراد

[ 305 ]

البخاري الزامهم التناقض لانهم احتجوا في شفعة الجار بحديث الجار أحق بسقبه ثم تحيلوا في اسقاطها بما يقتضي أن يكون غير الجار أحق بالشفعة من الجار انتهى والمعروف عند الحنفية أن الحيلة المذكورة لابي يوسف وأما محمد بن الحسن فقال يكره ذلك أشد الكراهية لان الشفعة شرعت لدفع الضرر عن الشفيع فالذي يحتال لاسقاطها بمنزلة القاصد إلى الاضرار بالغير وذلك مكروه ولا سيما إن كان بين المشتري وبين الشفيع عداوة ويتضرر من مشاركته ثم إن محل هذا انما هو فيمن احتال قبل وجوب الشفعة أما بعده كمن قال للشفيع خذ هذا المال ولا تطالبني بالشفعة فرضي وأخذ فان شفعته تبطل اتفاقا انتهى الحديث الثالث قوله سفيان هو بن عيينة عن إبراهيم بن ميسرة في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا إبراهيم قوله جاء المسور بن مخرمة فوضع يده على منكبي في رواية الحميدي أخذ المسور بن مخرمة بيدي فقال انطلق بنا إلى سعد بن أبي وقاص فخرجت معه وأن يده لعلي منكبي فانطلقت معه إلى سعد بن أبي وقاص وهو خال المسور وتقدم في كتاب الشفعة من طريق بن جريج عن إبراهيم بن ميسرة بسياق مخالف لهذا فإنه قال عن عمرو بن الشريد قال وقعت على سعد بن أبي وقاص فجاء المسور بن مخرمة فوضع يده على إحدى منكبي ويجمع بأن المسور انما وضع يده على منكب عمرو بعد ان وصل معه إلى منزل سعد كما هو ظاهر في رواية الحميدي ويحتمل أن يكون وضعها أولا ثم اتفق دخول عمرو قبله ثم دخل المسور فأعاد وضع يده على منكبه قوله فقال أبو رافع زاد في رواية بن جريج مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله ألا تأمر هذا يعني سعد بن أبي وقاص والمراد أن يسأله أو يشير عليه قوله بيتي الذي كذا لهم بالافراد وللكشميهني بيتي اللذين بالثتنية ورواية بن جريج جازمة بالثاني فان عنده فقال سعد والله ما ابتاعهما قوله إما مقطعة وإما منجمة شك من الراوي والمراد انها منجمة على نقدات مفرقة والنجم الوقت المعين قوله قال أعطيت بضم أوله على البناء للمجهول والقائل هو أبو رافع قوله ما بعتكه أي الشئ وفي رواية المستملي ما بعت بحذف المفعول وقوله أو قال ما أعطيتكه هو شك من سفيان وجزم بهذا الثاني في رواية سفيان الثوري المذكورة في آخر الباب ووقع في رواية غير الكشميهني فيها أعطيتك بحذف الضمير قوله قلت لسفيان القائل هو علي بن المديني قوله أن معمرا لم يقل هكذا يشير إلى ما رواه عبد الله بن المبارك عن معمر عن إبراهيم بن ميسرة عن عمرو بن الشريد عن أبيه بالحديث دون القصة أخرجه النسائي والمراد على هذا بالمخالفة إبدال الصحابي بصحابي آخر وهذا هو المعتمد وقال الكرماني يريد أن معمرا لم يقل هكذا أي بأن الجار أحق بل قال الشفعة بزيادة لفظ الشفعة انتهى ولفظ معمر الذي أشرت إليه الجار أحق بسقبه كرواية أبي رافع سواء والذي قاله الكرماني لا أصل له وما أدري ما مستنده فيه قوله قال لكنه يعني إبراهيم بن ميسرة قاله لي هكذا وفي رواية الكشميهني قال بحذف الهاء وقد تقدم في كتاب الشفعة ما حكاه الترمذي عن البخاري أن الطريقين صحيحان وانما صححهما لان الثوري وغيره تابعوا سفيان بن عيينة على هذا الاسناد ولان عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي وعمرو بن شعيب روياه عن عمرو بن الشريد عن أبيه وتقدم بن بن جريج رواه عن إبراهيم بن ميسرة كما في هذا الباب ورواه بن جريج أيضا عن عمرو بن شعيب عن عمرو بن الشريد عن أبيه أخرجه النسائي

[ 306 ]

ولعل بن جريج انما أخذه عن عمرو بن شعيب بواسطة إبراهيم بن ميسرة قاله ذكره عن عمرو بن شعيب بالعنعنة ولم يقف الكرماني على شئ من هذا فقال ما تقدم قال المهلب مناسبة ذكر حديث أبي رافع أن كل ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم حقا لشخص لا يحل لاحد إبطاله بحيلة ولا غيرها قوله وقال بعض الناس إذا أراد أن يبيع الشفعة كذا للاصيلي ولابي ذر عن غير الكشميهني وللآخرين يمنع ورجح عياض الاول وقال هو تغيير من الناسخ وقال الكرماني يجوز أن يكون المراد لازم المنع وهو الازالة عن الملك قوله فيهب البائع للمشتري الدار ويحدها بمهملتين وتشديد أي يصف حدودها التي تميزها وقال الكرماني في بعض النسخ ونحوها وهو أظهر قوله ويدفعها إليه ويعوضه المشتري ألف درهم يعني مثلا فلا يكون للشفيع فيها شفعة أي ويشترط أن لا يكون العوض المذكور مشروطا فلو كان أخذها الشفيع بقيمته وانما سقطت الشفعة في هذه الصورة لان الهبة ليست معاوضة محضة فاشبهت الارث قال بن التين أراد البخاري أن يبين أن ما جعله النبي صلى الله عليه وسلم حقا للجار لا يحل له إبطاله ثم ذكر البخاري حديث أبي رافع مختصرا من طريق سفيان وهو الثوري عن إبراهيم بن ميسرة وساقه في آخر كتاب الحيل أتم منه وفيه تصريح سفيان بتحديث إبراهيم له به قوله وقال بعض الناس ان اشترى نصيب دار فأراد أن يبطل الشفعة وهب أي ما اشتراه لابنه الصغير ولا يكون عليه يمين أي لان الهبة لو كانت للكبير وجب عليه اليمين فتحيل في إسقاطها يجعلها للصغير قال بن بطال انما قال ذلك لان من وهب لابنه شيئا فعل ما يباح له فعله والهبة للابن الصغير يقبلها الاب لولده من نفسه وأشار باليمين إلى ما لو وهب لاجنبي فان للشفيع أن يحلف الاجنبي أن الهبة حقيقية وانها جرت بشروطها والصغير لا يحلف لكن عند المالكية أن أباه الذي يقبل له يحلف بخلاف ما إذا وهب للغريب وعن مالك لا تدخل الشفعة في الموهوب مطلقا وهو الذي في المدونة قوله باب احتيال العامل ليهدى له ذكر فيه حديث أبي حميد الساعدي في قصة بن اللتبية وقد تقدم بعض شرحه في الهبة وتقدمت تسميته وضبط اللتبية في كتاب الزكاة ويأتي استيفاء شرحه في كتاب الاحكام إن شاء الله تعالى ومطابقته للترجمة من جهة أن تملكه ما أهدى له انما كان لعلة كونه عاملا فاعتقد أن الذي أهدى له يستبد به دون أصحاب الحقوق التي عمل فيها فبين له النبي صلى الله عليه وسلم أن الحقوق التي عمل لاجلها هي السبب في الاهداء له وأنه لو أقام في منزله لم يهد له شئ فلا ينبغي له أن يستحلها بمجرد كونها وصلت إليه على طريق الهدية فإن ذاك انما يكون حيث يتمحض الحق له وقوله في آخره بصر عيني وسمع أذني بفتح الموحدة وضم الصاد المهملة وفتح السين المهملة وكسر الميم قال المهلب حيلة العامل ليهدى له تقع بان يسامح بعض من عليه الحق فلذلك قال هلا جلس في بيت أمه لينظر هل يهدى له فأشار إلى أنه لولا الطمع في وضعه من الحق ما أهدى له قال فأوجب النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الهدية وضمها إلى أموال المسلمين كذا قال ولم أقف على أخذ ذلك منه صريحا قال بن بطال دل الحديث على أن الهدية للعامل تكون لشكر معروفه أو للتحبب إليه أو للطمع في وضعه من الحق فأشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى انه فيما يهدى له من ذلك كأحد المسلمين لا فضل له عليهم فيه وأنه لا يجوز الاستئثار به انتهى والذي يظهر أن الصورة الثالثة إن وقعت لم تحل للعامل جزما وما قبلها في

[ 307 ]

طرف الاحتمال وسيأتي مزيد لهذا في كتاب الاحكام ان شاء الله تعالى قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان الخ كذا وقع للاكثر هذا الحديث وما بعده متصلا بباب احتيال العامل وأظنه وقع هنا تقديم وتأخير فان الحديث وما بعده يتعلق بباب الهبة والشفعة جعل الترجمة مشتركة جمع مسائلها ومن ثم قال الكرماني أنه من تصرف النقلة وقد وقع عند بن بطال هنا باب بلا ترجمة ثم ذكر الحديث وما بعده ثم ذكر باب احتيال العامل وعلى هذا فلا إشكال لانه حينئذ كالفصل من الباب ويحتمل أن يكون في الاصل بعد قصة بن اللتبية باب بلا ترجمة فسقطت الترجمة فقط أو بيض لها في الاصل قوله وقال بعض الناس أن اشترى دارا أي أراد شراء دار بعشرين ألف درهم فلا بأس أن يحتال أي على إسقاط الشفعة حتى يشتري الدار بعشرين ألف درهم وينقده أي ينقد البائع تسعة آلاف درهم وتسعمائة وتسعة وتسعين وينقده دينارا بما بقي من العشرين الف أي مصارفة عنها فان طالبه الشفيع أخذها بعشرين الف درهم أي إن رضي بالثمن الذي وقع عليه العقد وإلا فلا سبيل له على الدار أي لسقوط الشفعة لكونه امتنع من بدل الثمن الذي وقع به العقد قوله فان استحقت الدار بلفظ المجهول أي ظهرت مستحقة لغير البائع رجع المشتري على البائع بما دفع إليه وهو تسعة آلاف الخ أي لكونه القدر الذي تسلمه منه ولا يرجع عليه بما وقع عليه العقد لان المبيع حين استحق أي للغير انتقص الصرف أي الذي وقع بين البائع والمشتري في الدار المذكورة بالدينار ووقع في رواية الكشميهني في الدينار وهو أوجه قوله فان وجد بهذه الدار عيبا ولم تستحق أي لم تخرج مستحقة فإنه يردها عليه بعشرين ألفا أي وهذا تناقض بين ومن ثم عقبه بقوله فأجاز هذا الخداع بين المسلمين والفرق عندهم أن البيع في الاول كان مبنيا على شراء الدار وهو منفسخ ويلزم عدم التقابض في المجلس فليس له ان يأخذ إلا ما أعطاه وهو الدراهم والدينار بخلاف الرد بالعيب فان البيع صحيح وانما ينفسخ باختيار المشتري وأما بيع الصرف فكان وقع صحيحا فلا يلزم من فسخ هذا بطلان هذا وقال بن بطال انما خص القدر من الذهب والفضة بالمثال لان بيع الفضة بالذهب متفاضلا إذا كان يدا بيد جائز بالاجماع فبنى القائل أصله على ذلك فأجاز صرف عشرة دراهم ودينار بأحد عشر درهما جعل العشرة دراهم بعشرة دراهم وجعل الدينار بدرهم ومن جعل في الصورة المذكورة الدينار بعشرة آلاف ليستعظم الشفيع الثمن الذي انعقدت عليه الصيغة فيترك الاخذ بالشفعة فتسقط شفعته ولا التفات إلى ما أنقده لان المشتري تجاوز للبائع عند النقد وخالف مالك في ذلك فقال المراعى في ذلك النقد الذي حصل في يد البائع فيه يأخذ الشفيع بدليل الاجماع على أنه في الاستحقاق والرد بالعيب لا يرجع إلا بما نقده والى ذلك أشار البخاري إلى تناقض الذي احتال في إسقاط الشفعة حيث قال فان استحقت الدار أي ان ظهر انها مستحقة لغير البائع الخ فدل على أنه موافق للجماعة في أن المشتري عند الاستحقاق لا يرد إلا ما قبضه وكذلك الحكم في الرد بالعيب انتهى ملخصا موضحا وقال الكرماني النكتة في جعله الدينار في مقابلة عشرة آلاف ودرهم ولم يجعله في مقابلة العشرة آلاف فقط لان الثمن في الحقيقة عشرة آلاف بقرينة نقده هذا المقدار فلو جعل العشرة والدينار في مقابلة الثمن الحقيقي ألزم الربا بخلاف ما إذا نقص درهما فان الدينار في مقابله ذلك الواحد والالف إلا واحدا في مقابلة الالف إلا واحدا بغير تفاضل وقال المهلب

[ 308 ]

مناسبة هذا الحديث لهذه المسألة أن الخبر لما دل على أن الجار أحق بالمبيع من غيره مراعاة لحقه لزم أن يكون أحق أن يرفق به في الثمن ولا يقام عليه عروض بأكثر من قيمتها وقد فهم الصحابي راوي الخبر هذا القدر فقدم الجار في العقد بالثمن الذي دفعه إليه على من دفع إليه أكثر منه بقدر ربعه مراعاة لحق الجار الذي أمر الشارع بمراعاته قوله فأجاز هذا الخداع أي الحيلة في إيقاع الشريك في الغبن الشديد إن أخذ بالشفعة أو إبطال حقه ان ترك خشية من الغبن في الثمن بالزيادة الفاحشة وانما أورد البخاري مسألة الاستحقاق التي مضت ليستدل بها على أنه كان قاصدا للحيلة في إبطال الشفعة وعقب بذكر مسألة الرد بالعيب ليبين أنه تحكم وكان مقتضاه أنه لا يرد لا ما قبضه لا زائدا عليه قوله قال النبي صلى الله عليه وسلم بيع المسلم لا داء ولا خبثة قال بن التين ضبطناه بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة بعدها مثلثة وقيل هو بضم أوله لغتان قال أبو عبيد هو أن يكون البيع غير طيب كأن يكون من قوم لم يحل سبيهم لعهد تقدم لهم قال بن التين وهذا في عهدة الرقيق قلت انما خصه بذلك لان الخبر انما ورد فيه قال والغائلة أن يأتي أمرا سرا كالتدليس ونحوه قلت والحديث المذكور طرف تقدم بكماله في أوائل كتاب البيوع من حديث العداء بفتح العين وتشديد الدال المهملتين مهموزا بن خالد أنه اشترى من النبي صلى الله عليه وسلم عبدا أو أمة وكتب له العهدة هذا ما اشترى العداء من محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدا أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم للمسلم وسنده حسن وله طرق إلى العداء وذكر هناك تفسير الغائلة بالسرقة والاباق ونحوهما من قول قتادة قال بن بطال فيستفاد من هذا الخبر انه لا يجوز الاحتيال في شئ من بيوع المسلمين بالصرف المذكور ولا غيره قلت ووجهه أن الحديث وان كان لفظه لفظ الخبر لكن معناه النهي ويأخذ من عمومه أن الاحتيال في كل بيع من بيوع المسلمين لا يحل فيدخل فيه صرف دينار بأكثر من قيمته ونحو ذلك قوله في آخر الباب حدثنا مسدد حدثنا يحيى هو القطان وسفيان هو الثوري وقوله ان أبا رافع ساوم سعد بن مالك هو بن أبي وقاص وعند أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان الثوري بالشك أن سعدا ساوم أبا رافع أو أبو رافع ساوم سعدا ولا أثر لهذا الشك وقوله بيتا بأربعمائة مثقال فيه بيان الثمن المذكور قوله قال وقال لولا أني سمعت الخ القائل الاول عمرو بن الشريد والثاني أبو رافع وقد بينه عبد الرحمن بن مهدي في روايته ولفظه فقال أبو رافع لولا أني سمعت الخ وقد تقدمت مباحثه ولله الحمد خاتمة اشتمل كتاب الحيل من الاحاديث المرفوعة على أحد وثلاثين حديثا المعلق منها واحد وسائرها موصول وكلها مكررة فيه وفيما تقدم وفيه أثر واحد عن أيوب والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن الرحيم الله تبارك وتعالى قوله باب بالتنوين أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة كذا للنسفي والقابسي ولابي ذر مثله إلا أنه سقط له عن غير المستملي لفظ باب ولغيرهم باب التعبير أول ما بدئ به إلى آخره وللاسماعيلي كتاب التعبير ولم يزد وثبتت البسملة أولا

[ 309 ]

للجميع والتعبير خاص بتفسير الرؤيا وهو العبور من ظاهرها إلى باطنها وقيل النظر في الشئ فيعتبر بعضه ببعض حتى يحصل على فهمه حكاه الازهري وبالاول جزم الراغب وقال أصله من العبر بفتح ثم سكون وهو التجاوز من حال إلى حال وخصوا تجاوز الماء بسباحة أو في سفينة أو غيرها بلفظ العبور بضمتين وعبر القوم إذا ماتوا كأنهم جازوا القنطرة من الدنيا إلى الآخرة قال الاعتبار والعبرة الحالة التي يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ليس بمشاهد ويقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك وأما الرؤيا فهي ما يراه الشخص في منامة وهي بوزن فعلى وقد تسهل الهمزة وقال الواحدي هي في الاصل مصدر كاليسري فلما جعلت اسما لما يتخيله النائم اجريت مجرى الاسماء قال الراغب والرؤية بالهاء إدراك المرء بحاسة البصر وتطلق على ما يدرك بالتخيل نحو أرى أن زيدا مسافر وعلى التفكر النظري نحو اني أرى ما لا ترون وعلى الرأي وهو اعتقاد أحد النقيضين على غلبة الظن انتهى وقال القرطبي في المفهم قال بعض العلماء قد تجئ الرؤية بمعنى الرؤيا كقوله تعالى وما جعلنا الرؤيا التي أريناك الا فتنة للناس فزعم أن المراد بها ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الاسراء من العجائب وكان الاسراء جميعه في اليقظة قلت وعكسه بعضهم فزعم أنه حجة لمن قال أن الاسراء كان مناما والاول المعتمد وقد تقدم في تفسير الاسراء قول بن عباس إنها رؤيا عين ويحتمل أن تكون الحكمة في تسمية ذلك رؤيا لكون أمور الغيب مخالفة لرؤيا الشهادة فأشبهت ما في المنام وقال القاضي أبو بكر بن العربي الرؤيا إدراكات علقها الله تعالى في قلب العبد على يدي ملك أو شيطان إما بأسمائها أي حقيقتها وإما بكناها أي بعبارتها وإما تخليط ونظيرها في اليقظة الخواطر فانها قد تأتي على نسق في قصة وقد تأتي مسترسلة غير محصلة هذا حاصل قول الاستاذ أبي إسحاق قال وذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أنها اعتقادات واحتج بان الرائي قد يرى نفسه بهيمة أو طائرا مثلا وليس هذا إدراكا فوجب أن يكون اعتقادا لان الاعتقاد قد يكون على خلاف المعتقد قال بن العربي والاول أولى والذي يكون من قبيل ما ذكره بن الطيب من قبيل المثل فالادراك انما يتعلق به لا بأصل الذات انتهى ملخصا وقال المازري كثر كلام الناس في حقيقة الرؤيا وقال فيها غير الاسلاميين اقاويل كثير منكرة لانهم حاولوا الوقوف على حقائق لا تدرك بالعقل ولا يقوم عليها برهان وهم لا يصدقون بالسمع فاضطربت اقوالهم فمن ينتمي إلى الطب ينسب جميع الرؤيا إلى الاخلاط فيقول من غلب عليه البلغم رأى انه يسبح في الماء ونحو ذلك لمناسبة الماء طبيعة البلغم ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود في الجو وهكذا إلى آخره وهذا وان جوزه العقل وجاز أن يجري الله العادة به لكنه لم يقم عليه دليل ولا اطردت به عادة والقطع في موضع التجويز غلط ومن ينتمي إلى الفلسفة يقول ان صور ما يجري في الارض هي في العالم العلوي كالنقوش فما حاذى بعض النقوش منها انتقش فيها قال وهذا أشد فسادا من الاول لكونه تحكما لا برهان عليه والانتقاش من صفات الاجسام وأكثر ما يجري في العالم العلوي الاعراض والاعراض لا ينتقش فيها قال والصحيح ما عليه أهل السنة أن الله يخلق في قلب النائم اعتقادات كما يخلقها في قلب اليقظان فإذا خلقها فكأنه جعلها علما على أمور أخرى يخلقها في ثاني الحال ومهما وقع منها على خلاف المعتقد فهو كما يقع لليقظان ونظيره أن

[ 310 ]

الله خلق الغيم علامة على المطر وقد يتخلف وتلك الاعتقادات تقع تارة بحضرة الملك فيقع بعدها ما يسر أو بحضرة الشيطان فيقع بعدها ما يضر والعلم عند الله تعالى وقال القرطبي سبب تخليط غير الشرعيين إغراضهم عما جاءت به الانبياء من الطريق المستقيم وبيان ذلك أن الرؤيا إنما هي من ادراكات النفس وقد غيب عنا علم حقيقتها أي النفس وإذا كان كذلك فالاولى أن لا نعلم علم ادراكاتها بل كثير مما انكشف لنا من ادراكات السمع والبصر انما نعلم منه أمور جميلة لا تفصيله ونقل القرطبي في المفهم عن بعض أهل العلم ان لله تعالى ملكا يعرض المرئيات على المحل المدرك من النائم فيمثل له صورة محسوسة فتارة تكون أمثلة موافقة لما يقع في الوجود وتارة تكون أمثلة لمعان معقولة وتكون في الحالين مبشرة ومنذرة قال ويحتاج فيما نقله عن الملك إلى توقيف من الشرع وإلا فجائز أن يخلق الله تلك المثالات من غير ملك قال وقيل ان الرؤيا إدراك أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله أعلاما على ما كان أو يكون وقال القاضي عياض اختلف في النائم المستغرق فقيل لا تصح رؤياه ولا ضرب المثل له لان هذا لا يدرك شيئا مع استغراق أجزاء قلبه لان النوم يخرج الحي عن صفات التمييز والظن والتخيل كما يخرحه عن صفة العلم وقال آخرون بل يصح للنائم مع استغراق أجزاء قلبه بالنوم أن يكون ظانا ومتخيلا وأما العلم فلا لان النوم آفة تمنع حصول الاعتفادات الصحيحة نعم إن كان بعض أجزاء قلبه لم يحل فيه النوم فيصح وبه يضرب المثل وبه يرى ما يتخيله ولا تكليف عليه حينئذ لان رؤياه ليست على حقيقة وجود العلم ولا صحة المين وإنما بقيت فيه بقية يدرك بها ضرب المثل وأيده القرطبي بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان ينام عينه ولا ينام قلبه ومن ثم احترز القائل بقوله المدرك من النائم ولذا قال منضبطة في التخيل لان الرائي لا يرى في منامه الا من نوع ما يدركه في اليقظة بحسه إلا أن التخيلات قد تركب له في النوم تركيبا يحصل به صورة لا عهد له بها يكون علما على أمر نادر كمن رأى رأس انسان على جسد فرس له جناحان مثلا وأشار بقوله إعلاما إلى الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها وأما الحديث الذي أخرجه الحاكم والعقيلي من رواية محمد بن عجلان عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال لقى عمر عليا فقال يا أبا الحسن الرجل يرى الرؤيا فمنها ما يصدق ومنها ما يكذب قال نعم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ما من عبد ولا أمة ينام فيمتلئ نوما إلا تخرج بروحه إلى العرش فالذي لا يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تصدق والذي يستيقظ دون العرش فتلك الرؤيا التي تكذب قال الذهبي في تلخيصه هذا حديث منكر لم يصححه المؤلف ولعل الآفة من الراوي عن بن عجلان قلت هو أزهر بن عبد الله الاسدي الخراساني ذكره العقيلي في ترجمته وقال أنه غير محفوظ ثم ذكره من طريق أخرى عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن الحارث عن علي ببعضه وذكر فيه اختلافا في وقفه ورفعه وذكر بن القيم حديثا مرفوعا غير معزو ان رؤيا المؤمن كلام يكلم به العبد ربه في المنام ووجد الحديث المذكور في نوادر الاصول للترمذي من حديث عبادة بن الصامت أخرجه في الاصل الثامن والسبعين وهو من روايته عن شيخه عمر بن أبي عمر وهو رواه في سنده جنيد قال بن ميمون عن حمزة بن الزبير عن عبادة قال الحكيم قال بعض أهل التفسير في قوله تعالى وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أي في المنام ورؤيا الانبياء وحي بخلاف غيرهم

[ 311 ]

فالوحي لا يدخله خلل لانه محروس بخلاف رؤيا غير الانبياء فأنها قد يحضرها الشيطان وقال الحكيم أيضا وكل الله بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بني آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها ويضرب لكل على قصته مثلا فإذا نام مثل له تلك الاشياء على طريق الحكمة لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة الآدمي قد تسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما فهو يكيده بكل وجه ويريد افساد أموره بكل طريق فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها وإما بغفلته عنها ثم جميع المرائي تنحصر على قسمين الصادقة وهي رؤيا الانبياء ومن تبعهم من الصالحين وقد تقع لغيرهم بندور وهي التي تقع في اليقظة على وفق ما وقعت في النوم والاضغاث وهي لا تنذر بشئ وهي أنواع الاول تلاعب الشيطان ليحزن الرائي كأن يرى أنه قطع رأسه وهو يتبعه أو رأى أنه واقع في هول ولا يجد من ينجده ونحو ذلك والثاني أن يرى أن بعض الملائكة تأمره أن يفعل المحرمات مثلا ونحوه من المحال عقلا الثالث أن يرى ما تتحدث به نفسه في اليقظة أو يتمناه فيراه كما هو في المنام وكذا رؤية ما جرت به عادته في اليقظة أو ما يغلب على مجازه ويقع عن المستقبل غالبا وعن الحال كثيرا وعن الماضي قليلا ثم ساق المصنف حديث عائشة في بدء الوحي وقد ذكره في أول الصحيح وقد شرحته هناك ثم استدركت ما فات من شرحه في تفسير اقرأ باسم ربك وسأذكر هنا ما لم يتقدم ذكره في الموضعين غالبا مما يستفاد من شرحه ومداره على الزهري عن عروة عن عائشة وقد ساقه في المواضع الثلاثة عن يحيى بن بكير عن الليث عن عقيل عن الزهري ولكنه ساقه على لفظه في أول الكتاب وقرنه في التفسير بيونس بن يزيد وساقه على لفظه ثم قرنه هنا بمعمر وساقه على لفظه وقوله هنا أنبأنا معمر قال قال الزهري فأخبرني عروة ووقع عند مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق مثله لكن فيه وأخبرني بالواو لا بالفاء وهذه الفاء معقبة لشئ محذوف وكذلك الواو عاطفة عليه وقد بينه البيهقي في الدلائل حيث أخرج الحديث من وجه آخر عن الزهري عن محمد بن النعمان بن بشير مرسلا فذكر قصة بدء الوحي مختصرة ونزول اقرا باسم ربك إلى قوله خلق الانسان من علق وقال محمد بن النعمان فرجع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك قال الزهري فسمعت عروة بن الزبير يقول قالت عائشة فذكر الحديث مطولا قوله الصالحة في رواية عقيل الصادقة وهما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة في حق الانبياء وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا فالصالحة في الاصل أخص فرؤيا النبي كلها صادقة وقد تكون صالحة وهي الاكثر وغير صالحة بالنسبة للدنيا كما وقع في الرؤيا يوم أحد وأما رؤيا غير الانبياء فبينهما عموم وخصوص ان فسرنا الصادقة بأنها التي لا تحتاج إلى تعبير وأما إن فسرناها بأنها غير الاضغاث فالصالحة أخص مطلقا وقال الامام نصر بن يعقوب الدينوري في التعبير القادري الرؤيا الصادقة ما يقع بعينه أو ما يعبر في المنام أو يخبر به ما لا يكذب والصالحة ما يسر قوله إلا جاءته مثل فلق الصبح في رواية الكشميهني جاءت كرواية عقيل قال بن أبي جمرة انما شبهها بفلق الصبح دون غيره لان الشمس النبوة كانت الرؤيا مبادى أنوارها فما زال ذلك النور يتسع حتى أشرقت الشمس فمن كان باطنه نوريا كان في التصديق بكريا كأبي بكر ومن كان باطنه مظلما كان في التكذيب خفاشا كأبي جهل وبقية الناس بين هاتين المنزلتين كل منهم بقدر ما أعطى من النور قوله يأتي حراء قال بن أبي جمرة

[ 312 ]

الحكمة في تخصيصه بالتخلي فيه أن المقيم فيه كان يمكنه رؤية الكعبة فيجتمع لمن يخلو فيه ثلاثة عبادات الخلوة والتعبد والنظر إلى البيت قلت وكأنه مما بقي عندهم من أمور الشرع على سنن الاعتكاف وقد تقدم أن الزمن الذي كان يخلو فيه كان شهر رمضان وأن قريشا كانت تفعله كما كانت تصوم عاشوراء ويزاد هنا أنهم انما لم ينازعوا النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء مع مزيد الفضل فيه على غيره لان جده عبد المطلب أول من كان يخلو فيه من قريش وكان يعظمونه لجلالته وكبر سنه فتبعه على ذلك من كان يتأله فكان صلى الله عليه وسلم يخلو بمكان جده وسلم له ذلك أعمامه لكرامته عليهم وقد تقدم ضبط حراء وان كان الافصح فيه كسر أوله وبالمد وحكى تثليث أوله مع المد والقصر وكسر الراء والصرف وعدمه فيجتمع فيه عدة لغات مع قلة أحرفه ونظير قباء لكن الخطابي جزم بان فتح أوله لحن وكذا ضمه وكذا قصره وكسر الراء وزاد التميمي ترك الصرف وقال الكرماني إن كان الذي كسر الراء أراد الامالة فهو سائغ قوله الليالي ذوات العدد قال الكرماني يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج إلى العدد وهو المناسب للمقام قلت أما كونه المناسب فمسلم وأما الاول فلا لان عادتهم جرت في الكثير أن بوزن وفي القليل أن يعد وقد جزم الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المراد به الكثرة لان العدد على قسمين فإذا أطلق أريد به مجموع القلة والكثرة فكأنها قالت ليالي كثيرة أي مجموع قسمي العدد وقال الكرماني أختلف في تعبده صلى الله عليه وسلم بماذا كان يتعبد بناء على أنه هل كان متعبدا بشرع سابق أولا والثاني قول الجمهور ومستندهم أنه لو وجد لنقل ولانه لو وقع لكان فيه تنفير عنه وبماذا كان يتعبد قيل بما يلقى إليه من أنوار المعرفة وقيل بما يحصل له من الرؤيا وقيل بالتفكر وقيل باجتناب رؤية ما كان يقع من قومه ورجح الآمدي وجماعة الاول ثم اختلفوا في تعيينه على ثمانية أقوال آدم أو نوح أو إبراهيم أو موسى أو عيسى أو أي شريعة أو كل شريعة أو الوقف قوله فتزوده في رواية الكشميهني بحذف الضمير وقوله لمثلها تقدم في بدء الوحي أن الضمير لليالي ويحتمل أن يكون للمرة أو الفعلة أو الخلوة أو العبادة ورجح شيخنا البلقيني ان الضمير للسنة فذكر من رواية بن إسحاق كان يخرج إلى حراء في كل عام شهرا من السنة يتنسك فيه ويطعم من جاءه من المساكين قال وظاهره أن التزود لمثلها كان في السنة التي تليها لا لمدة أخرى من تلك السنة وقد كنت قويت هذا في التفسير ثم ظهر لي بعد ذلك أن مدة الخلوة كانت شهرا كان يتزود لبعض ليالي الشهر فإذا نفذ ذاك الزاد رجع إلى أهله فتزود قدر ذلك من جهة أنهم لم يكونوا في سعة بالغة من العيش وكان غالب زادهم اللبن واللحم وذلك لا يذخر منه كفاية الشهور لئلا يسرع إليه الفساد ولا سيما وقد وصف بأنه كان يطعم من يرد عليه قوله حتى فجئه الحق حتى هنا على بابها من انتهاء الغاية أي انتهى توجهه لغار حراء بمجئ الملك فترك ذلك وقوله فجئة بفتح الفاء وكسر الجيم ثم همز أي جاءه الوحي بغتة قاله النووي قال فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن متوقعا للوحي وفي إطلاق هذا النفي نظر فان الوحي كان جاءه في النوم مرارا قاله شيخنا البلقيني وأسنده إلى ما ذكره بن إسحاق عن عبيد بن عمير أنه وقع له في المنام نظير ما وقع له في اليقظة من الغط والامر بالقراءة وغير ذلك انتهى وفي كون ذلك يستلزم وقوعه في اليقظة حتى يتوقعه نظر فالاولى ترك الجزم بأحد الامرين وقوله الحق قال الطيبي أي أمر الحق وهو الوحي أو رسول الحق وهو جبريل وقال

[ 313 ]

شيخنا أي الامر البين الظاهر أو المراد الملك بالحق أي الامر الذي بعث له قوله فجاءه الملك تقدم في بدء الوحي الكلام على الفاء التي في قوله فجاءه الملك وأنها التفسيرية وقال شيخنا البلقيني يحتمل أن تكون للتعقيب والمعنى بمجئ الحق انكشاف الحال عن أمر وقع في القلب فجاءه لذلك عقبة ويحتمل أن تكون سببية أي حتى قضى بمجئ الوحي فبسبب ذلك جاءه الملك قلت وهذا أقرب من الذي قبله وقوله فيه يؤخذ منه رفع توهم من يظن أن الملك لم يدخل إليه الغار بل كلمه والنبي صلى الله عليه وسلم داخل الغار والملك على الباب وقد عزوت هذه الزيادة في التفسير لدلائل البيهقي تبعا لشيخنا البلقيني ثم وجدتها هنا فكان العزو إليه أولى فألحقت ذلك هناك قال شيخنا البلقيني الملك المذكور هو جبريل كما وقع شاهده في كلام ورقة وكما مضى في حديث جابر أنه الذي جاءه بحراء ووقع في شرح القطب الحلبي الملك هنا هو جبريل قاله السهيلي فتعجب منه شيخنا وقال هذا لا خلاف فيه فلا يحسن عزوه للسهيلي وحده قال واللام في الملك لتعريف الماهية لا للعهد إلا أن يكون المراد به ما عهده النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك لما كلمه في صباه أو اللفظ لعائشة وقصدت به ما تعهده من تخاطبه به انتهى وقد قال الاسماعيلي هي عبارة عما عرف بعد أنه ملك وانما الذي في الاصل فجاءه جاء وكان ذلك الجائي ملكا فأخبر صلى الله عليه وسلم عنه يوم أخبر بحقيقة جنسه وكأن الحامل على ذلك انه لم يتقدم له معرفة به انتهى وقد جاء التصريح بأنه جبريل فأخرج أبو داود الطيالسي في مسنده من طريق أبي عمران الجوني عن رجل عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف هو وخديجة فوافق ذلك رمضان فخرج يوما فسمع السلام عليكم قال فظننت أنه من الجن فقال أبشروا فان السلام خير ثم رأى يوما آخر جبريل على الشمس له جناح بالمشرق وجناح بالمغرب قال فهبت منه الحديث وفيه أنه جاءه فكلمه حتى أنس به وظاهره أن جميع ما وقع له كان وهو في الغار لكن وقع في مرسل عبيد بن عمير فأجلسني على درنوك فيه الياقوت واللؤلؤ وهو بضم الدال والنون بينهما راء ساكنة نوع من البسط له خمل وفي مرسل الزهري فأجلسني على مجلس كريم معجب وأفاد شيخنا أن سن النبي صلى الله عليه وسلم حين جاءه جبريل في حراء كان أربعين سنة على المشهور ثم حكى أقولا أخرى قيل أربعين يوما وقيل عشرة أيام وقيل شهرين وقيل وسنتين وقيل ثلاثا وقيل خمسا قال وكان ذلك يوم الاثنين نهارا قال واختلف في الشهر فقيل شهر رمضان في سابع عشره وقيل سابعة وقيل رابع عشريه قلت ورمضان هو الراجح لما تقدم من أنه الشهر الذي جاء فيه في حراء فجاءه الملك وعلى هذا فيكون سنه حينئذ أربعين سنة وستة أشهر وليس ذلك في الاقوال التي حكاها شيخنا ثم قال وسيأتي ما يؤيد ذلك من قول من قال أن وحي المنام كان ستة أشهر قال شيخنا وقيل في سابع عشري من شهر رجب وقيل في أول شهر ربيع أول وقيل في ثامنه انتهى ووقع في رواية الطيالسي التي أشرت إليها أن مجئ جبريل كان لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع إلى أهله فإذا هو بجبريل وميكائيل فهبط جبريل إلى الارض وبقي ميكائيل بين السماء والارض الحديث فيستفاد من ذلك أن يكون في آخر شهر رمضان وهو قول آخر يضاف لما تقدم ولعله أرجحها قوله فقال اقرأ قال شيخنا ظاهره أنه لم يتقدم من جبريل شئ قبل هذه الكلمة ولا السلام فيحتمل أن يكون سلم وحذف ذكره لانه معتاد وقد سلم الملائكة على إبراهيم حين

[ 314 ]

دخلوا عليه ويحتمل أن يكون لم يسلم لان المقصود حينئذ تفخيم الامر وتهويله وقد تكون مشروعية ابتداء السلام تتعلق بالبشر لا من الملائكة وان وقع ذلك منهم في بعض الاحيان قلت والحالة التي سلموا فيها على إبراهيم كانوا في صورة البشر فلا ترد هنا ولا يرد سلامهم على أهل الجنة لان أمور الآخرة مغايرة لامور الدنيا غالبا وقد ذكرت عن رواية الطيالسي أن جبريل سلم أولا ولم ينقل أنه سلم عند الامر بالقراءة والله أعلم قوله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم هذا مناسب لسياق الحديث من أوله إلى هنا بلفظ الاخبار بطريق الارسال ووقع مثله في التفسير في رواية بدء الوحي اختلاف هل فيه قال ما أنا بقارئ أو قلت ما أنا بقارئ وجمع بين اللفظين يونس عند مسلم قال قلت ما أنا بقارئ قال شيخنا البلقيني وظاهره أن عائشة سمعت ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم فلا يكون من مرسلات الصحابة قوله فقلت ما أنا بقارئ فأخذني فغطني استدل به على أن أفعل ترد للتنبيه ولم يذكروه قاله شيخنا البلقيني ثم قال ويحتمل أن تكون على بابها لطلب القراءة على معنى أن الامكان حاصل قوله فقال اقرأ قال شيخنا البلقيني رحمه الله دلت القصة على أن مراد جبريل بهذا أن يقول النبي صلى الله عليه وسلم نص ما قاله وهو قوله اقرأ وانما لم يقل له قل اقرأ إلى آخره لئلا يظن أن لفظة قل أيضا من القرآن قلت ويحتمل أن يكون السر فيه الابتلاء في أول الامر حتى يترتب عليه ما وقع من الغط وغيره ولو قال له في الاول قل اقرأ باسم ربك الخ لبادر إلى ذلك ولم يقع ما وقع ثم قال شيخنا ويحتمل أن يكون جبريل أشار بقوله اقرأ إلى ما هو مكتوب في النمط الذي وقع في رواية بن إسحاق فلذلك قال له ما أنا بقارئ أي أمي لا أحسن قراءة الكتب قال والاول أظهر وهو أنه أراد بقوله اقرأ التلفظ بها قلت ويؤيده أن رواية عبيد بن عمير انما ذكرها عن منام تقدم بخلاف حديث عائشة فإنه كان في اليقظة ثم تكلم شيخنا على ما كان مكتوبا في ذلك النمط فقال اقرأ أي القدر الذي أقرأه إياه وهي الآيات الاولى من اقرأ باسم ربك ويحتمل أن يكون جمله القرآن وعلى هذا يكون القرآن نزل جملة واحدة باعتبار ونزل منجما باعتبار آخر قال وفي احضاره له جملة واحدة إشارة إلى أن آخره يكمل باعتبار الجملة ثم تكمل باعتبار التفصيل قوله حتى بلغ الجهد تقدم في بدء الوحي أنه روى بنصب الدال ورفعها وتوجيههما وقال النوربشتي لا أرى الذي قاله بالنصب إلا وهم فإنه يصير المعنى أنه غطه حتى استفرغ الملك قوته في ضغطه بحيث لم يبق فيه مزيد وهو قول غير سديد فان البنية البشرية لا تطيق استيفاء القوة الملكية لا سيما في مبتدا الامر وقد صرح الحديث بأنه داخله الرعب من ذلك قلت وما المانع أن يكون قواه الله على ذلك ويكون من جملة معجزاته وقد أجاب الطيبي بأن جبريل لم يكن حينئذ على صورته الملكية فيكون استفراغ جهده بحسب صورته التي جاءه بها حين غطه قال وإذا صحت الرواية اضمحل الاستبعاد قلت الترجيح هنا متعين لاتحاد القصة ورواية الرفع لا اشكال فيها وهي التي ثبتت عن الاكثر فترجحت وان كان للاخرى توجيه وقد رجح شيخنا البلقيني بان فاعل بلغ هو الغط والتقدير بلغ مني الغط جهده أي غايته فيرجع الرفع والنصب إلى معنى واحد وهو أولى قال شيخنا وكان الذي حصل له عند تلقي الوحي من الجهد مقدمة لما صار يحصل له من الكرب عند نزول القرآن كما في حديث بن عباس كان يعالج من التنزيل شدة وكذا

[ 315 ]

في حديث عائشة وعمر ويعلى بن أمية وغيرهم وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير الموت فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الاحوال خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقى إليه فيه وحيه المشتمل على كثير من الاسرار وقد يقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من الاسرار وذلك مستمد من المقام النبوي ويشهد له حديث رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة كما سيأتي الالمام به قريبا قال السهيلي تأويل الغلطات الثلاثة على ما في رواية بن إسحاق أنها كانت في النوم أنه سيقع له ثلاث شدائد يبتلى بها ثم يأتي الفرج وكذلك كان فإنه لقي ومن تبعه شدة أولى بالشعب لما حصرتهم قريش والثانية لما خرجوا وتوعدوهم بالقتل حتى فروا إلى الحبشة وثالثة لما هموا بما هموا به من المكر به كما قال تعالى وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك الآية فكانت له العاقبة في الشدائد الثلاثة وقال شيخنا البلقيني ما ملخصه وهذه المناسبة حسنة ولا يتعين للنوم بل تكون بطريق الاشارة في اليقظة قال ويمكن أن تكون المناسبة أن الامر الذي جاءه به ثقيل من حيث القول والعمل والنية أو من جهة التوحيد والاحكام والاخبار بالغيب الماضي والآني وأشار بالارسالات الثلاث إلى حصول التيسير والتسهيل والتخفيف في الدنيا والبرزخ والآخرة عليه وعلى أمته قوله فرجع بها أي رجع مصاحبا للآيات الخمس المذكورة قوله ترجف بوادره تقدم في بدء الوحي بلفظ فؤاده قال شيخنا الحكمة في العدول عن القلب إلى الفؤاد أن الفؤاد وعاء القلب على ما قاله بعض أهل اللغة فإذا حصل للوعاء الرجفان حصل لما فيه فيكون في ذكره من تعظيم الامر ما ليس في ذكر القلب وأما بوادره فالمراد بها اللحمة التي بين المنكب والعنق جرت العادة بأنها تضطرب عند الفزع وعلى ذلك جرى الجوهري أن اللحمة المذكورة سميت بلفظ الجمع وتعقبه بن بري فقال البوادر جمع بادرة وهي ما بين المنكب والعنق يعني أنه لا يختص بعضو واحد وهو جيد فيكون إسناد الرجفان إلى القلب لكونه محله والى البوادر لانها مظهره وأما قول الداودي البوادر والفؤاد واحد فان أراد أن مفادهما واحد على ما قررناه وإلا فهو مردود قوله قال قد خشيت على بالتشديد وفي رواية الكشميهني على نفسي قوله فقالت له كلا أبشر قال النووي تبعا لغيره كلا كلمة نفي وإبعاد وقد تأتي بمعنى حقا وبمعنى الاستفتاح وقال القزاز هي هنا بمعنى الرد لما خشي على نفسه أي لا خشية عليك ويؤيده ان في رواية أبي ميسرة فقالت معاذ الله ومن اللطائف أن هذه الكلمة التي ابتدأت خديجة النطق بها عقب ما ذكر لها النبي صلى الله عليه وسلم من القصة التي وقعت له هي التي وقعت عقب الآيات الخمس من سورة اقرا في نسق التلاوة فجرت على لسانها اتفاقا لانها لم تكن نزلت بعد وانما نزلت في قصة أبي جهل وهذا هو المشهور عند المفسرين وقد ذهب بعضهم إلى أنها تتعلق بالانسان المذكور قيل لان المعرفة إذا أعيدت معرفة فهي عين الاولى وقد أعيد الانسان هنا كذلك فكان التقدير كلا لا يعلم الانسان ان الله هو خلقه وعلمه أن الانسان ليطغى وأما قولها هنا أبشر فلم يقع في حديث عائشة تعيين المبشر به ووقع في دلائل البيهقي من طريق أبي ميسرة مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم قص على خديجة ما رأى في المنام فقالت له أبشر فان الله لن يصنع بك الا خيرا ثم اخبرها بما وقع له من شق البطن وإعادته فقالت له أبشر ان هذا والله

[ 316 ]

خير ثم استعلن له جبريل فذكر القصة فقال لها ارأيتك الذي كنت رأيت في المنام فإنه جبريل استعلن لي بان ربي أرسله الي واخبرها بما جاء به فقالت أبشر فوالله لا يفعل الله بك الا خيرا فاقبل الذي جاءك من الله فإنه حق وابشر فإنك رسول الله حقا قلت هذا أصرح ما ورد في أنها أول الآدمين آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لا يخزيك الله أبدا في رواية الكشميهني لا يحزنك بمهملة ونون قوله وهو بن عم خديجة أخو أبيها كذا وقع هنا وأخو صفة للعم فكان حقة أن يذكر مجرورا وكذا وقع في رواية بن عساكر أخي أبيها وتوجيه رواية الرفع أنه خبر مبتدأ محذوف قوله تنصر أي دخل في دين النصرانية قوله في الجاهلية أي قبل البعثة المحمدية وقد تطلق الجاهلية ويراد بها ما قبل دخول المحكى عنه في الاسلام وله أمثلة كثيرة قوله أو مخرجى هم تقدم ضبطه في أول الكتاب وتمامه في التفسير قال السهيلي يؤخذ منه شدة مفارقة الوطن على النفس فإنه صلى الله عليه وسلم سمع قول ورقة أنهم يؤذونه ويكذبونه فلم يظهر منه انزعاج لذلك فلما ذكر له الاخراج تحركت نفسه لذلك لحب الوطن وإلفه فقال أو مخرجي هم قال ويؤيد ذلك إدخال الواو بعد ألف الاستفهام مع اختصاص الاخراج بالسؤال عنه فأشعر بأن الاستفهام على سبيل الانكار أو التفجع ويؤكد ذلك أن الوطن المشار إليه حرم الله وجوار بيته وبلدة الآباء من عهد إسماعيل عليه السلام انتهى ملخصا ويحتمل أن يكون انزعاجه كان من جهة خشية فوات ما أمله من ايمان قومه بالله وانقاذهم به من وضر الشرك وأدناس الجاهلية ومن عذاب الآخرة وليتم له المراد من أرساله إليهم ويحتمل ان يكون انزعاج من الامرين معا قوله لم يأت رجل قط بما جئت به في رواية الكشميهني بمثل ما جئت به وكذا للباقين قوله نصرا مؤزرا بالهمز للاكثر وتشديد الزاي بعدها راء من التأزير أي التقوية وأصله من الازر وهو القوة وقال القزاز الصواب موزرا ويرد عليه قول الجوهري آزرت فلانا عاونته والعامة تقول وازرته قوله وفتر الوحي تقدم القول في مدة هذه الفترة في أول الكتاب وقوله هنا فترة حتى حزن النبي صلى الله عليه وسلم فيما بلغنا هذا وما بعده من زيادة معمر على رواية عقيل ويونس وصنيع المؤلف يوهم انه داخل في رواية عقيل وقد جرى على ذلك الحميدي في جمعه فساق الحديث إلى قوله وفتر الوحي ثم قال انتهى حديث عقيل المفرد عن بن شهاب إلى حديث ذكرنا وزاد عنه البخاري في حديثه المقترن بمعمر عن الزهري فقال وفتر الوحي فترة حتى حزن فساقه إلى آخره والذي عندي أن هذه الزيادة خاصة برواية معمر فقد اخرج طريق عقيل أبو نعيم في مستخرجه من طريق أبي زرعة الرازي عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه في أول الكتاب بدونها وأخرجه مقرونا هنا برواية معمر وبين أن اللفظ لمعمر وكذلك صرح الاسماعيلي أن الزيادة في رواية معمر وأخرجه أحمد ومسلم والاسماعيلي وغيرهم وأبو نعيم أيضا من طريق جمع من أصحاب الليث عن الليث بدونها ثم ان القائل فيما بلغنا هو الزهري ومعنى الكلام أن في جملة ما وصل إلينا من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القصة وهو من بلاغات الزهري وليس موصولا وقال الكرماني هذا هو الظاهر ويحتمل أن يكون بلغة بالاسناد المذكور ووقع عند بن مردويه في التفسير من طريق محمد بن كثير عن معمر بإسقاط

[ 317 ]

قوله فيما بلغنا ولفظه فترة حزن النبي صلى الله عليه وسلم منها حزنا غدا منه إلى آخره فصار كله مدرجا على روايه الزهري وعن عروة عن عائشة والاول هو المعتمد قوله فيها فإذا طالت عليه فترة الوحي قد يتمسك به من يصحح مرسل الشعبي في أن مدة الفترة كانت سنتين ونصفا كما نقلته في أول بدء الوحي ولكن يعارضه ما أخرجه بن سعد من حديث بن عباس بنحو هذا البلاغ الذي ذكره الزهري وقوله مكث أياما بعد مجئ الوحي لا يرى جبريل فحزن حزنا شديدا حتى كاد يغدو إلى ثبير مرة وإلى حراء أخرى يريد ان يلقي نفسه فبينا هو كذلك عامدا ليعض تلك الجبال إذ سمع حقا وأنا جبريل فانصرف وقد أقر الله عينه وانبسط جأشه ثم تتابع الوحي فيستفاد من هذه الرواية تسمية بعض الجبال التي أبهمت في رواية الزهري وتقليل مدة الفترة والله أعلم وقد تقدم في تفسير سورة والضحى شئ يتعلق بفترة الوحي قوله فيسكن لذلك جأشه بجيم وهمزة ساكنة وقد تسهل وبعدها شين معجمة قال الخليل الجأش النفس فعلى هذا فقوله وتقر نفسه تأكيد لفظي قوله عدا بعين مهملة من العدو وهو الذهاب بسرعة ومنهم من أعجمها من الذهاب غدوة قوله بذروة جبل قال بن التين رويناه بكسر أوله وضمه وهو في كتب اللغة بالكسر لا غير قلت بل حكى تثليثه وهو أعلى الجبل وكذا الجمل قوله تبدى له جبريل في رواية الكشميهني بدالة وهي بمعنى الظهور قوله فقال له مثل ذلك زاد في رواية محمد بن كثير حتى كثر الوحي وتتابع قال الاسماعيلي موه بعض الطاعنين على المحدثين فقال كيف يجوز للنبي ان يرتاب في نبوته حتى يرجع إلى ورقة ويشكو لخديجة ما يخشاه وحتى يوفى بذروة جبل ليلقي منها نفسه على ما جاء في رواية معمر قال وأن جاز ان يرتاب مع معاينة النازل عليه من ربه فكيف ينكر على من ارتاب فيما جاءه به مع عدم المعاينة قال والجواب أن عادة الله جرت بان الامر الجليل إذا قضى بإيصاله إلى الخلق أن يقدم ترشيح وتأسيس فكان ما يراه النبي صلى الله عليه وسلم من الرؤيا الصادقة ومحبة الخلوة والتعبد من ذلك فلما فجئه الملك فجئه بغتة أمر خالف العادة والمألوف فنفر طبعه البشري منه وهاله ذلك ولم يتمكن من التأمل في تلك الحال لان النبوة لا تزيل طباع البشرية كلها فلا يتعجب أن يجزع مما لم يالفه وينفر طبعه منه حتى إذا اندرج عليه وألفه استمر عليه فلذلك رجع إلى أهله التي ألف تأنيسها له فأعلمها بما وقع له فهونت عليه خشيته بما عرفته من أخلاقه الكريمة وطريقته الحسنة فأرادت الاستظهار بمسيرها به إلى ورقة لمعرفتها بصدقه ومعرفته وقراءته الكتب القديمة فلما سمع كلامه أيقن بالحق وأعترف به ثم كان من مقدمات تأسيس النبوة فترة الوحي ليتدرج فيه ويمرن عليه فشق عليه فتوره إذ لم يكن خوطب عن الله بعد انك رسول من الله ومبعوث إلى عباده فأشفق أن يكون ذلك أمر بدئ به ثم لم يرد استفهامه فحزن لذلك حتى تدرج على احتمال أعباء النبوة والصبر على ثقل ما يرد عليه فتح الله له من أمره بما فتح قال ومثال ما وقع له في أول ما خوطب ولم يتحقق الحال على جريتها مثل رجل سمع آخر يقول الحمد لله فلم يتحقق أنه يقرأ حتى إذا وصلها بما بعدها من الآيات تحقق أنه يقرأ وكذا لو سمع قائلا يقول خلت الديار لم يتحقق انه ينشد شعرا حتى يقول محلها ومقامها انتهى ملخصا ثم أشار إلى أن الحكمة في ذكره صلى الله عليه وسلم ما أتفق له في هذه القصة

[ 318 ]

أن يكون سببا في انتشار خبره في بطانته ومن يستمع لقوله ويصغي إليه وطريقا في معرفتهم مباينة عن سواه في أحواله لينبهوا على محله قال واما ارادته إلقاء نفسه من رءوس الجبال بعدما نبئ فلضعف قوته عن تحمل ما حمله من أعباء النبوة وخوفا مما يحصل له من القيام بها من مباينة الخلق جميعا كما يطلب الرجل الراحة من غم يناله في العاجل بما يكون فيه زواله عنه ولو أفضى إلى إهلاك نفسه عاجلا حتى إذا تفكر فيما فيه صبره على ذلك من العقبي المحمودة صبر واستقرت نفسه قلت أما الارادة المذكورة في الزيادة الاولى ففي صريح الخبر أنها كانت حزنا على ما فاته من الامر الذي بشره به ورقة وأما الارادة الثانية بعد أن تبدى له جبريل وقال له انك رسول الله حقا فيحتمل ما قاله والذي يظهر لي أنه بمعنى الذي قبله وأما المعنى الذي ذكره الاسماعيلي فوقع قبل ذلك في ابتداء مجئ جبريل ويمكن أن يؤخذ مما أخرجه الطبري من طريق النعمان بن راشد عن بن شهاب فذكر نحو حديث الباب وفيه فقال لي يا محمد أنت رسول الله حقا قال فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل أي من علوه قوله وقال بن عباس فالق الاصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل ثبت هذا لابي ذر عن المستملي والكشميهني وكذا للنسفي ولابي زيد المروزي عن الفربري ووصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس في قوله فالق الاصباح يعني بالاصباح ضوء الشمس بالنهار وضوء القمر بالليل وتعقب بعضهم هذا على البخاري فقال انما فسر بن عباس الاصباح ولفظ فالق هو المراد هنا لان البخاري انما ذكره عقب هذا الحديث من أجل ما وقع في حديث عائشة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح فلايراد البخاري وجه وقد تقدم في آخر التفسير قول مجاهد في تفسير قوله قل أعوذ برب الفلق إن الفلق الصبح وأخرج الطبري هنا عنه في قوله فالق الاصباح قال إضاءة الصبح وعلى هذا فالمراد بفلق الصبح إضاءته والفالق اسم فاعل ذلك وقد أخرج الطبري من طريق الضحاك الاصباح خالق النور نور النهار وقال بعض أهل اللغة الفلق شق الشئ وقيده الراغب بإبانة بعضه من بعض ومنه فلق موسى البحر فانفلق ونقل الفراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد وقد قيل في قوله تعالى فالق الحب والنوى أن المراد به الشق الذي في الحبة من الحنطة وفي النواة وهذا يرد على تقييد الراغب والاصباح في الاصل مصدر أصبح إذا دخل في الصبح سمي به الصبح قال امرؤ القيس ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي بصبح وما الاصباح فيك بأمثل قوله باب رؤيا الصالحين الاضافة فيه للفاعل لقوله في حديث الباب يراها الرجل الصالح وكأنه جمع إشارة إلى أن المراد بالرجل الجنس قوله وقوله تعالى لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين إلى قوله فتحا قريبا ساقه في رواية كريمة الآية كلها وأخرج الفريابي وعبد بن الحميد والطبري من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد في تفسير هذه الآية قال أرى النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه محلقين قال فلما نحر الهدى بالحديبية قال أصحابه أين رؤياك فنزلت وقوله فجعل من دون ذلك فتحا قريبا قال النحر بالحديبية فرجعوا ففتحوا خيبر أي المراد بقوله ذلك النحر والمراد بالفتح فتح خيبر قال ثم اعتمر بعد ذلك فكان تصديق رؤياه في السنة المقبلة وقد أخرج

[ 319 ]

بن مردويه في التفسير بسند ضعيف عن بن عباس في هذه الآية قال تأويل رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم في عمرة القضاء واختلف في معنى قوله ان شاء الله في الآية فقيل هي إشارة إلى أنه لا يقع شئ الا بمشيئة الله تعالى وقيل هي حكاية لما قيل للنبي صلى الله عليه وسلم في منامه وقيل هي على سبيل التعليم لمن أراد أن يفعل شيئا مستقبلا كقوله تعالى ولا تقولن لشئ إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله وقيل هي على سبيل الاستثناء من عموم المخاطبين لان منهم من مات قبل ذلك أو قتل قوله عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سيأتي بعد باب من وجه آخر عن أنس عن عبادة بن الصامت ويأتي بيانه هناك قوله الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح هذا يقيد ما أطلق في غير هذه الرواية كقوله رؤيا المؤمن جزء ولم يقيدها بكونها حسنة ولا بأن رأيها صالح ووقع في حديث أبي سعيد الرؤيا الصالحة وهو تفسير المراد بالحسنة هنا قال المهلب المراد غالب رؤيا الصالحين وإلا فالصالح قد يرى الاضغاث ولكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم بخلاف عكسهم فان الصدق فيها نادر لغلبة تسلط الشيطان عليهم قال فالناس على هذا ثلاث درجات الانبياء ورؤياهم كلها صدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير والصالحون والاغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما لا يحتاج إلى تعبير ومن عداهم يقع في رؤياهم الصدق والاضغاث وهي على ثلاثة أقسام مستورون فالغالب استواء الحال في حقهم وفسقة والغالب على رؤياهم الاضغاث ويقل فيها الصدق وكفار ويندر في رؤياهم الصدق جدا ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وستأتي الاشارة إليه في باب القيد في المنام إن شاء الله تعالى وقد وقعت الرؤيا الصادقة من بعض الكفار كما في رؤيا صاحبي السجن مع يوسف عليه السلام ورؤيا ملكهما وغير ذلك وقال القاضي أبو بكر بن العربي رؤيا المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة ومعنى صلاحها استقامتها وانتظامها قال وعندي أن رؤيا الفاسق لا تعد في أجزاء النبوة وقيل تعد من أقصى الاجزاء وأما رؤيا الكافر فلا تعد أصلا وقال القرطبي المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله حال الانبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الانبياء وهو الاطلاع على الغيب وأما الكافر والفاسق والمخلط فلا ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك كما قد يصدق الكذوب وليس كل من حدث عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن والمنجم وقوله من الرجل ذكر للغالب فلا مفهوم له فان المرأة الصالحة كذلك قاله بن عبد البر قوله جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة كذا وقع في أكثر الاحاديث ولمسلم من حديث أبي هريرة جزء من خمسة وأربعين أخرجه من طريق أيوب عن محمد بن سيرين عنه وسيأتي للمصنف من طريق عوف عن محمد بلفظ ستة كالجادة ووقع عند مسلم أيضا من حديث بن عمر جزء من سبعين جزءا وكذا أخرجه بن أبي شيبة عن بن مسعود موقوفا وأخرجه الطبراني من وجه آخر عنه مرفوعا وله من وجه آخر عنه جزء من ستة وسبعين وسندها ضعيف وأخرجه بن أبي شيبة أيضا من رواية حصين عن أبي صالح عن أبي هريرة موقوفا كذلك وأخرجه أحمد مرفوعا لكن أخرجه مسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح كالجادة ولابن ماجة مثل حديث بن عمر مرفوعا وسنده لين وعند أحمد والبزار عن بن عباس بمثله وسنده جيد وأخرج بن

[ 320 ]

عبد البر من طريق عبد العزيز بن المختار عن ثابت عن أنس مرفوعا جزء من ستة وعشرين والمحفوظ من هذا الوجه كالجادة وسيأتي للبخاري قريبا ومثله لمسلم من رواية شعبة عن ثابت وأخرج أحمد وأبو يعلى والطبري في تهذيب الآثار من طريق الاعرج عن سليمان بن عريب بمهملة وزن عظيم عن أبي هريرة كالجادة قال سليمان فذكرته لابن عباس فقال جزء من خمسين فقلت له أني سمعت أبا هريرة فقال بن عباس فاني سمعت العباس بن عبد المطلب يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول الرؤيا من المؤمن جزء من خمسين جزءا من النبوة وللترمذي والطبري من حديث أبي رزين العقيلي جزء من أربعين وأخرجه الترمذي من وجه آخر كالجادة وأخرج الطبري من وجه آخر عن بن عباس أربعين وللطبري من حديث عبادة جزء من أربعة وأربعين والمحفوظ عن عبادة كالجادة كما سيأتي بعد باب وأخرجه الطبري وأحمد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص جزء من تسعة وأربعين وذكره القرطبي في المفهم بلفظ سبعة بتقديم السين فحصلنا من هذه الروايات على عشرة أوجه أقلها جزء من ستة وعشرين وأكثرها من ستة وسبعين وبين ذلك أربعين وأربعة وأربعين وخمسة وأربعين وستة وأربعين وسبعة وأربعين وتسعة وأربعين وخمسين وسبعين أصحها مطلق الاول ويليه السبعين ووقع في شرح النووي وفي رواية عبادة أربعة وعشرين وفي رواية بن عمر ستة وعشرين وهاتان الروايتان لا أعرف من أخرجهما إلا أن بعضهم نسب رواية بن عمر هذه لتخريج الطبري ووقع فكلام بن أبي جمرة أنه ورد بألفاظ مختلفة فذكر بعض ما تقدم وزاد في رواية اثنين وسبعين وفي أخرى اثنين وأربعين وفي أخرى سبعة وعشرين وفي أخرى خمسة وعشرين فبلغت على هذا خمسة عشر لفظا وقد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي صلى الله عليه وسلم فقيل في الجواب إن وقعت الرؤيا من النبي صلى الله عليه وسلم فهي جزء من أجزاء النبوة حقيقة وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز وقال الخطابي قيل معناه إن الرؤيا تجئ على موافقة النبوة لا أنها جزء باق من النبوة وقيل المعنى إنها جزء من علم النبوة لان النبوة وإن انقطعت فعلمها باق وتعقب بقول مالك فيما حكاه بن عبد البر أنه سئل أيعبر الرؤيا كل أحد فقال أبالنبوة يلعب ثم قال الرؤيا جزء من النبوة فلا يلعب بالنبوة والجواب أنه لم يرد أنها نبوة باقية وانما أراد انها لما أشبهت النبوة من جهة الاطلاع على بعض الغيب لا ينبغي أن يتكلم فيها بغير علم وقال بن بطال كون الرؤيا جزءا من أجزاء النبوة مما يستعظم ولو كانت جزء من ألف جزء فيمكن أن يقال أن لفظ النبوة مأخوذ من الانباء وهو الاعلام لغة فعلى هذا فالمعنى أن الرؤيا خبر صادق من الله لا كذب فيه كما ان معنى النبوة نبأ صادق من الله لا يجوز عليه الكذب فشابهت الرؤيا النبوة في صدق الخبر وقال المازري يحتمل أن يراد بالنبوة في هذا الحديث الخبر بالغيب لا غير وان كان يتبع ذاك إنذار أو تبشير فالخبر بالغيب أحد ثمرات النبوة وهو غير مقصود لذاته لانه يصح أن يبعث نبي يقرر الشرع ويبين الاحكام وإن لم يخبر في طول عمره بغيب ولا يكون ذلك قادحا في نبوته ولا مبطلا للمقصود منها والخبر بالغيب من النبوي لا يكون إلا صدقا ولا يقع إلا حقا وأما خصوص العدد فهو مما أطلع الله عليه نبيه لانه يعلم من حقائق النبوة ما لا يعلمه غيره قال وقد سبق بهذا الجواب جماعة لكنهم لم يكشفوه ولم يحققوه وقال القاضي أبو بكر بن

[ 321 ]

عربي أجزاء النبوة لا يعلم حقيقتها الا ملك أو نبي وإنما القدر الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة في الجملة لان فيها اطلاعا على الغيب من وجه ما وأما تفصيل النسبة فيختص بمعرفته درجة النبوة وقال المازري لا يلزم العالم أن يعرف كل شئ جملة وتفصيلا فقد جعل الله للعالم حدا يقف عنده فمنه ما يعلم المراد به جملة وتفصيلا ومنه ما يعلمه جملة لا تفصيلا وهذا من هذا القبيل وقد تكلم بعضهم على الرواية المشهورة وأبدى لها مناسبة فنقل بن بطال عن أبي سعيد السفاقسي أن بعض أهل العلم ذكر أن الله أوحى إلى نبيه في المنام ستة أشهر ثم أوحى إليه بعد ذلك في اليقظة بقية مدة حياته ونسبتها من الوحي في المنام جزء من ستة وأربعين جزءا لانه عاش بعد النبوة ثلاثا وعشرين سنة على الصحيح قال بن بطال هذا التأويل يفسد من وجهين أحدهم أنه قد اختلف في قدر المدة التي بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى موته والثاني أنه يبقى حديث السبعين جزءا بغير معنى قلت ويضاف إليه بقية الاعداد الواقعة وقد سبقه الخطابي إلى إنكار هذه المناسبة فقال كان بعض أهل العلم يقول في تأويل هذا العدد قولا لا يكاد يتحقق وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أقام بعد الوحي ثلاثا وعشرين سنة وكان يوحى إليه في منامة ستة أشهر وهي نصف سنة فهي جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قال الخطابي وهذا وان كان وجها تحتمله قسمة الحساب والعدد فأول ما يجب على من قاله أن يثبت بما ادعاه خبرا ولم يسمع فيه أثر ولا ذكر مدعيه في ذلك خبرا فكأنه قاله على سبيل الظن والظن لا يغني من الحق شيئا ولئن كانت هذه المدة محسوبة من أجزاء النبوة على ما ذهب إليه فليلحق بها سائر الاوقات التي كان يوحى إليه فيها في منامة في طول المدة كما ثبت ذلك عنه في أحاديث كثيرة جليلة القدر والرؤيا في أحد وفي دخول مكة فإنه يتلفق من ذلك مدة أخرى وتزاد في الحساب فتبطل القسمة التي ذكرها قال فدل ذلك على ضعف ما تأوله المذكور وليس كل ما خفي علينا علمه لا يلزمنا حجته كأعداد الركعات وأيام الصيام ورمي الجمار فانا لانصل من علمها إلى أمر يوجب حصرها تحت أعدادها ولم يقدح ذلك في موجب اعتقادنا للزومها وهو كقوله في حديث آخر الهدى الصالح والسمت الصالح جزء من خمسة وعشرين جزءا من النبوة فان تفصيل هذا العدد وحصر النبوة متعذر وإنما فيه أن هاتين الخصلتين من جملة هدى الانبياء وسمتهم فكذلك معنى حديث الباب المراد به تحقيق أمر الرؤيا وأنها مما كان الانبياء عليه وأنها جزء من أجزاء العلم الذي كان يأتيهم والانباء التي كان ينزل بها الوحي عليهم وقد قبل جماعة من الائمة المناسبة المذكورة وأجابوا عما أورده الخطابي أما الدليل على كون الرؤيا كانت ستة أشهر فهو ان ابتداء الوحي كان على رأس الاربعين من عمره صلى الله عليه وسلم كما جزم به بن إسحاق وغيره وذلك في ربيع الاول ونزول جبريل إليه وهو بغار حراء كان في رمضان وبينهما ستة أشهر وفي هذا الجواب نظر لانه على تقدير تسليمه ليس فيه تصريح بالرؤيا وقد قال النووي لم يثبت أن زمن الرؤيا للنبي صلى الله عليه وسلم كان ستة أشهر وأما ما ألزمه به من تلفيق أوقات المرائي وضمها إلى المدة فان المراد وحي المنام المتتابع وأما ما وقع منه في غضون وحي اليقظة فهو يسير بالنسبة إلى وحي اليقظة فهو مغمور في جانب وحي اليقظة فلم يعتبر بمدته وهو نظير ما اعتمدوه في نزول الوحي وقد أطبقوا على تقسيم النزول إلى مكي ومدني قطعه فالمكي ما نزل قبل الهجرة ولو وقع بغيرها مثلا كالطائف ونخلة

[ 322 ]

والمدني ما نزل بعد الهجرة ولو وقع وهو بغيرها كما في الغزوات وسفر الحج والعمرة حتى مكة قلت وهو اعتذار مقبول ويمكن الجواب عن اختلاف الاعداد أنه وقع بحسب الوقت الذي حدث فيه النبي صلى الله عليه وسلم بذلك كأن يكون لما أكمل ثلاث عشر سنة بعد مجئ الوحي إليه حدث بأن الرؤيا جزء من ستة وعشرين ان ثبت الخبر بذلك وذلك وقت الهجرة ولما أكمل عشرين حدث بأربعين ولما أكمل أثنين وعشرين حدث بأربعة وأربعين بعدها بخمسة وأربعين ثم حدث بستة وأربعين في آخر حياته وأما ما عدا ذلك من الرؤيات بعد الاربعين فضعيف ورواية الخمسين يحتمل أن تكون لجبر الكسر ورواية السبعين للمبالغة وما عدا ذلك لم يثبت وهذه مناسبة لم ار من تعرض لها ووقع في بعض الشروح مناسبة للسبعين ظاهرة التكلف وهي أنه صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي أخرجه أحمد وغيره أنا بشارة عيسى ودعوة إبراهيم ورأت أمي نورا فهذه ثلاثة أشياء تضرب في مدة نبوته وهي ثلاثة وعشرون سنة تضاف إلى أصل الرؤية فتبلغ سبعين قلت ويبقى في أصل المناسبة إشكال آخر وهو أن المتبادر من الحديث إرادة تعظيم رؤيا المؤمن الصالح والمناسبة المذكورة تقتضي قصر الخبر على صورة ما اتفق لنبينا صلى الله عليه وسلم كأنه قيل كانت المدة التي أوحى الله إلى نبينا فيها في المنام جزءا من ستة وأربعين جزءا من المدة التي أوحى الله إليه فيها في اليقظة ولا يلزم من ذلك أن كل رؤيا لكل صالح تكون كذلك ويؤيد إرادة التعميم الحديث الذي ذكره الخطابي في الهدى والسمت فإنه ليس خاصا بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أصلا وقد أنكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة التأويل المذكور فقال ليس فيه كبير فائدة ولا ينبغي أن يحمل كلام المؤيد بالفصاحة والبلاغة على هذا المعنى ولعل قائله أراد أن يجعل بين النبوة والرؤيا نوع مناسبة فقط ويعكر عليه الاختلاف في عدد الاجزاء تنبيه حديث الهدى الصالح الذي ذكره الخطابي أخرجه الترمذي والطبراني من حديث عبد الله بن سرخس لكن بلفظ أربعة وعشرين جزءا وقد ذكره القرطبي في المفهم بلفظ من ستة وعشرين انتهى وقد أبدى غير الخطابي المناسبة باختلاف الروايات في العدد المذكور وقد جمع بينها جماعة أولهم الطبري فقال رواية السبعين عامة في كل رؤيا صادقة من كل مسلم ورواية الاربعين خاصة بالمؤمن الصادق الصالح وأما ما بين ذلك فبالنسبة لاحوال المؤمنين وقال بن بطال أما الاختلاف في العدد قلة وكثرة فأصح ما ورد فيها من ستة وأربعين ومن سبعين وما بين ذلك من أحاديث الشيوخ وقد وجدنا الرؤيا تنقسم قسمين جلية ظاهرة كمن رأى في المنام أنه يعطي تمرا فأعطي تمرا مثله في اليقظة فهذا القسم لا إغراب في تأويلها ولا رمزه في تفسيرها ومرموزة بعيدة المرام فهذا القسم لا يقوم به حتى يعبره إلا حاذق لبعد ضرب المثل فيه فيمكن أن هذا من السبعين والاول من الستة والاربعين لانه إذا قلت الاجزاء كانت الرؤيا أقرب إلى الصدق وأسلم من وقوع الغلط في تأويلها بخلاف ما إذا كثرت قال وقد عرضت هذا الجواب على جماعة فحسنوه وزادني بعضهم فيه أن النبوة على مثل هذين الوصفين تلقاها الشارع عن جبريل فقد أخبر أنه كان يأتيه الوحي مرة فيكلمه بكلام فيعيه بغير كلفة ومرة يلقي إليه جملا وجوامع يشتد عليه حملها حتى تأخذه الرحضاء ويتحدر منه العرق ثم يطلعه الله على بيان ما ألقى عليه منها ولخصه المازري فقال قيل إن المنامات دلالات والدلالات منها ما هو جلي

[ 323 ]

ومنها ما هو خفي فالاقل في العدد هو الجلي والاكثر في العدد هو الخفي وما بين ذلك وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما حاصله أن النبوة جاءت بالامور الواضحة وفي بعضها ما يكون فيه إجمال مع كونه مبينا في موضع آخر وكذلك المرائي منها ما هو صريح لا يحتاج إلى تأويل ومنها ما يحتاج فالذي يفهمه العارف من الحق الذي يعرج عليه منها جزء من أجزاء النبوة وذلك الجزء يكثر مرة ويقل أخرى بحسب فهمه فأعلاهم من يكون بينه وبين درجة النبوة أقل ما ورد من العدد وأدناهم الاكثر من العدد ومن عداهما ما بين ذلك وقال القاضي عياض ويحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي إذ منه ما سمع من الله بلا واسطة ومنه ما جاء بواسطة الملك ومنه ما ألقي في القلب من الالهام ومنه ما جاء به الملك وهو على صورته أو على صورة آدمي معروف أو غير معروف ومنه ما أتاه به في النوم ومنه ما أتاه به في صلصلة الجرس ومنه ما يلقيه روح القدس في روعه إلى غير ذلك مما وقفنا عليه ومما لم نقف عليه فتكون تلك الحالات إذا عددت انتهت إلى العدد المذكور قال القرطبي في المفهم ولا يخفى ما فيه من التكلف والتساهل فان تلك الاعداد انما هي أجزاء النبوة وأكثر الذي ذكره انما هي أحوال لغير النبوة لكونه يعرف الملك أو لا يعرفه أو يأتيه على صورته أو على صورة آدمي ثم مع هذا التكلف لم يبلغ عدد ما ذكر عشرين فضلا عن سبعين قلت والذي نحاه القاضي سبقه إليه الحليمي فقرأت في مختصره للشيخ علاء الدين القونوي بخطه ما نصه ثم إن الانبياء يختصون بآيات يؤيدون بها ليتميزوا بها عمن ليس مثلهم كما تميزوا بالعلم الذي أتوه فيكون لهم الخصوص من وجهين فما هو في حين التعليم هو النبوة وما هو في حين التأييد هو حجة النبوة قال وقد قصد الحليمي في هذا الموضع بيان كون الرؤيا الصالحة جزءا من ستة وأربعين جزءا من النبوة فذكر وجها من الخصائص العلمية للانبياء تكلف في بعضها حتى أنهاها إلى العدد المذكور فتكون الرؤيا واحدا من تلك الوجوه فأعلاها تكليم الله بغير واسطة ثانيها الالهام بلا كلام بل يجد علم شئ في نفسه من غير التقدم ما يوصل إليه بحس أو استدلال ثالثها الوحي على لسان ملك يراه فيكلمه رابعها نفث الملك في روعه وهو الوحي الذي يخص به القلب دون السمع قال وقد ينفث الملك في روع بعض أهل الصلاح لكن بنحو الاطماع في الظفر بالعدو والترغيب في الشئ والترهيب من الشئ فيزول عنه بذلك وسوسة الشيطان بحضور الملك لا بنحو نفي علم الاحكام والوعد والوعيد فإنه من خصائص النبوة خامسها إكمال عقله فلا يعرض له فيه عارض أصلا سادسها قوة حفظه حتى يسمع الصورة الطويلة فيحفظها من مرة ولا ينسى منها حرفا سابعها عصمته من الخطأ في اجتهاده ثامنها ذكاء فهمه حتى يتسع لضروب من الاستنباط تاسعها ذكاء بصره حتى يكاد يبصر الشئ من أقصى الارض عاشرها ذكاء سمعه حتى يسمع من أقصى الارض ما لا يسمعه غيره حادي عشرها ذكاء شمه كما وقع ليعقوب في قميص يوسف ثاني عشرها تقوية جسده حتى سار في ليلة مسيرة ثلاثين ليلة ثالث عشرها عروجه إلى السماوات رابع عشرها مجئ الوحي له في مثل صلصلة الجرس خامس عشرها تكليم الشاة سادس عشرها إنطاق النبات سابع عشرها إنطاق الجذع ثامن عشرها إنطاق الحجر تاسع عشرها إفهامه عواء الذئب أن يفرض له رزقا العشرون إفهامه رغاء البعير الحادي والعشرون أن يسمع الصوت ولا يرى المتكلم الثانية والعشرون

[ 324 ]

مكينه من مشاهدة الجن الثالثة والعشرون تمثيل الاشياء المغيبة له كما مثل له بيت المقدس صبيحة الاسراء الرابعة والعشرون حدوث أمر يعلم به العاقبة كما قال في الناقة لما بركت في الحديبية حبسها حابس الفيل الخامسة والعشرون استدلاله باسم على أمر كما قال لما جاءهم سهيل بن عمرو قد سهل لكم الامر السادسة والعشرون أن ينظر شيئا علويا فيستدل به على أمر يقع في الارض كما قال ان هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب السابعة والعشرون رؤيته من ورائه الثامنة والعشرون اطلاعه على أمر وقع لمن مات قبل أن يموت كما قال في حنظلة رأيت الملائكة تغسله وكان قتل وهو جنب التاسعة والعشرون أن يظهر له ما يستدل به على فتوح مستقبل كما جاء ذلك يوم الخندق الثلاثون إطلاعه على الجنة والنار في الدنيا الحادية والثلاثون الفراسة الثانية والثلاثون طواعية الشجرة حتى انتقلت بعروقها وغصونها من مكان إلى مكان ثم رجعت الثالثة والثلاثون قصة الظبية وشكواها له ضرورة خشفها الصغير الرابعة والثلاثون تأويل الرؤيا بحيث لا تخطئ الخامسة والثلاثون الحزر في الرطب وهو على النخل أنه يجئ كذا وكذا وسقا من التمر فجاء كما قال السادسة والثلاثون الهداية إلى الاحكام السابعة والثلاثون الهداية إلى سياسة الدين والدنيا الثامنة والثلاثون الهداية إلى هيئة العالم وتركيبه التاسعة والثلاثون الهداية إلى مصالح البدن بأنواع الطب الاربعون الهداية إلى وجوه القربات الحادية والاربعون الهداية إلى الصناعات النافعة الثانية والاربعون الاطلاع على ما سيكون الثالثة والاربعون الاطلاع على ما كان مما لم ينقله أحد قبله الرابعة والاربعون التوقيف على أسرار الناس ومخبآتهم الخامسة والاربعون تعليم طرق الاستدلال السادسة والاربعون الاطلاع على طريق التلطف في المعاشرة قال فقد بلغت خصائص النبوة فيما مرجعه العلم ستة وأربعين وجها ليس منها وجه إلا وهو يصلح أن يكون مقاربا للرؤيا الصالحة التي أخبر أنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة والكثير منها وإن كان قد يقع لغير النبي لكنه للنبي لا يخطئ أصلا ولغيره قد يقع فيه الخطأ والله أعلم وقال الغزالي في كتاب الفقر والزهد من الاحياء لما ذكر حديث يدخل الفقراء الجنة قبل الاغنياء بخمسمائة عام وفي رواية بأربعين سنة قال وهذا يدل على تفاوت درجات الفقراء فكان الفقير الحريص على جزء من خمس وعشرين جزءا من الفقير الزاهد لان هذه نسبة الاربعين إلى الخمسمائة ولا يظن أن تقدير النبي صلى الله عليه وسلم يتجزأ على لسانه كيف ما اتفق بل لا ينطق إلا بحقيقة الحق وهذا كقوله الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة فإنه تقدير تحقيق لكن ليس في قوة غيره أن يعرف علة تلك النسبة إلا بتخمين لان النبوة عبارة عما يختص به النبي ويفارق به غيره وهو يختص بأنواع من الخواص منها أنه يعرف حقائق الامور المتعلقة بالله وبصفاته وملائكته والدار الآخرة لا كما يعلمه غيره بل عنده من كثرة المعلومات وزياد اليقين والتحقيق ما ليس عند غيره وله صفة تتم له بها الافعال الخارق للعادات كالصفة التي بها تتم لغيره الحركات الاختيارية وله صفة يبصر بها الملائكة ويشاهد بها الملكوت كالصفة التي يفارق بها البصير الاعمى وله صفة بها يدرك ما سيكون في الغيب ويطالع بها ما في اللوح المحفوظ كالصفة التي يفارق بها الذكي البليد فهذه صفات كاملات ثابتة للنبي يمكن إنقسام

[ 325 ]

كل واحدة منها إلى أقسام بحيث يمكننا ان نقسمها إلى أربعين والى خمسين والى أكثر وكذا يمكننا أن نقسمها إلى ستة وأربعين جزءا بحيث تقع الرؤيا الصحيحة جزءا من جملتها لكن لا يرجع إلا إلى ظن وتخمين لا انه الذي أراده النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة انتهى ملخصا وأظنه أشار إلى كلام الحليمي فإنه مع تكلفه ليس على يقين أن الذي ذكره هو المراد والله أعلم وقال بن الجوزي لما كانت النبوة تتضمن اطلاعا على أمور يظهر تحقيقها فيما بعد وقع تشبيه رؤيا المؤمن بها وقيل ان جماعة من الانبياء كانت نبوتهم وحيا في المنام فقط وأكثرهم ابتدئ بالوحي في المنام ثم رقوا إلى الوحي في اليقظة فهذا بيان مناسبة تشبيه المنام الصادق بالنبوة وأما خصوص العدد المذكور فتكلم فيه جماعة فذكر المناسبة الاولى وهي ان مدة وحي المنام إلى نبينا كانت ستة أشهر وقد تقدم ما فيه ثم ذكر أن الاحاديث اختلفت في العدد المذكور قال فعلى هذا تكون رؤيا المؤمن مختلفة أعلاها ستة وأربعون وأدناها سبعون ثم ذكر المناسبة التي ذكرها الطبري وقال القرطبي في المفهم يحتمل أن يكون المراد من هذا الحديث أن المنام الصادق خصله من خصال النبوة كما جاء في الحديث الآخر التؤدة والاقتصاد وحسن السمت جزء من ستة وعشرين جزءا من النبوة أي النبوة مجموع خصال مبلغ أجزائها ذلك وهذه الثلاثة جزء منها وعلى مقتضى ذلك يكون كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين انتهت إلى ثمانية وسبعين فيصح لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون قال ويصح أن يسمى كل اثنين منها جزءا فيكون العدد بهذا الاعتبار تسعة وثلاثين ويصح أن يسمى كل أربعة منها جزءا فتكون تسعة عشر جزءا ونصف جزء فيكون اختلاف الروايات في العدد بحسب اختلاف اعتبار الاجزاء ولا يلزم منه اضطراب وقال وهذا أشبه ما وقع لي في ذلك مع انه لم ينشرح به الصدر ولا اطمأنت إليه النفس قلت وتمامه أن يقول في الثمانية والسبعين بالنسبة لرواية السبعين الغي فيها الكسر وفي التسعة والثلاثون بالنسبة إلى رواية الاربعين جبر الكسر ولا تحتاج إلى العدد الاخير لما فيه من ذكر النصف وما عدا ذلك من الاعداد قد أشار إلى أنه يعتبر بحسب ما يقدر من الخصال ثم قال وقد ظهر لي من وجه آخر وهو أن النبوة معناها أن الله يطلع من يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه إما بالمكالمة وإما بواسطة الملك وإما بالقاء في القلب بغير واسطة لكن هذا المعنى المسمى بالنبوة لا يخص الله به إلا ما خصه بصفات كمال نوعه من المعارف والعلوم والفضائل والاداب مع تنزهه عن النقائص أطلق على تلك الخصال نبوة كما في حديث التؤدة والاقتصاد أي تلك الخصال من خصال الانبياء والانبياء مع ذلك متفاضلون فيها كما قال تعالى ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض ومع ذلك فالصدق أعظم أوصافهم يقظة ومناما فمن تأسى بهم في الصدق حصل من رؤيا على الصدق ثم لما كانوا في مقاماتهم متفاوتين كان أتباعهم من الصالحين كذلك وكان أقل خصال الانبياء ما إذا اعتبر كان ستة وعشرين جزءا وأكثرها ما يبلغ سبعين وبين العدد مراتب مختلفة بحسب ما اختلفت ألفاظ الروايات وعلى هذا فمن كان من غير الانبياء في صلاحه وصدقه على رتبة تناسب حال نبي من الانبياء كانت رؤياه جزءا من نبوة ذلك النبي ولما كانت كمالاتهم متفاوتة كانت نسبة أجزاء منامات الصادقين متفاوتة على ما فصلناه قال وبهذا يندفع

[ 326 ]

الاضطراب إن شاء الله وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة وجها آخر ملخصه أن النبوة لها وجوه من الفوائد الدنيوية والآخروية خصوصا وعموما منها ما يعلم ومنها ما لا يعلم وليس بين النبوة والرؤيا نسبة إلا في كونها حقا فيكون مقام النبوة بالنسبة لمقام الرؤيا بحسب تلك الاعداد راجعة إلى درجات الانبياء فنسبتها من أعلاهم وهو من ضم له إلى النبوة الرسالة أكثر ما ورد من العدد ونسبتها إلى الانبياء غير المرسلين أقل ما ورد من العدد وما بين ذلك ومن ثم أطلق في الخبر النبوة ولم يقيدها بنبوة نبي بعينه ورأيت في بعض الشروح أن معنى الحديث أن للمنام شبها بما حصل للنبي وتميز به عن غيره بجزء من ستة وأربعين جزءا فهذه عدة مناسبات لم أر من جمعها في موضع واحد فلله الحمد على ما ألهم وعلم ولم اقف في شئ من الاخبار على كون الالهام جزءا من أجزاء النبوة مع أنه من أنواع الوحي إلا أن بن أبي جمرة تعرض لشئ منه كما سأذكره في باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم إن شاء الله تعالى قوله باب بالتنوين الرؤيا من الله أي مطلقا وإن قيدت في الحديث بالصالحة فهو بالنسبة إلى ما لا دخول للشيطان فيه وأما ما له فيه دخل فنسبت إليه نسبة مجازية مع أن الكل بالنسبة إلى الخلق والتقدير من قبل الله وإضافة الرؤيا إلى الله للتشريف ويحتمل أن يكون أشار إلى ما ورد في بعض طرقه كما سأبينه وظاهر قوله الرؤيا من الله والحلم من الشيطان أن التي تضاف إلى الله لا يقال لها حلم والتي تضاف للشيطان لا يقال لها رؤيا وهو تصرف شرعي وإلا فالكل يسمى رؤيا وقد جاء في حديث آخر الرؤيا ثلاث فاطلق على كل رؤيا وسيأتي بيانه في باب القيد في المنام وذكر فيه حديثين الحديث الاول حديث أبي قتادة وزهير في السند هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي ويحيى بن سعيد هو الانصاري وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن قوله الرؤيا الصادقة في رواية الكشميهني الصالحة وهو الذي وقع في معظم الروايات وسقط الوصف من رواية أحمد بن يحيى الحلواني عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ الرؤيا من الله كالترجمة وكذا في الطب من رواية سليمان بن بلال والاسماعيلي من رواية الثوري وبشر بن المفضل ويحيى القطان كلهم عن يحيى بن سعيد ولمسلم من رواية الزهري عن أبي سلمة كما سيأتي قريبا مثله ووقع في رواية عبد ربه بن سعيد عن أبي سلمة كما سيأتي في باب إذا رأى ما يكره الرؤيا الحسنة من الله ووقع عند مسلم من هذا الوجه الصالحة زاد في هذه الرواية فإذا رأى أحدكم ما يحب فلا يخبر به إلا من يحب ولمسلم في رواية من هذا الوجه فان رأى رؤيا حسنة فليبشر ولا يخبر إلا من يحب وقوله فليبشر بفتح التحتانية وسكون الموحدة وضم المعجمة من البشرى وقيل بنون بدل الموحدة أي ليحدث بها وزعم عياض أنها تصحيف ووقع في بعض النسخ من مسلم فليستر بمهملة ومثناة من الستر وفي حديث أبي رزين عند الترمذي ولا يقصها إلا على واد بتشديد الدال اسم فاعل من الود أو ذي رأي وفي أخرى ولا يحدث بها إلا لبيبا أو حبيبا وفي أخرى ولا يقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح قال القاضي أبو بكر بن العربي أما العالم فإنه يؤولها له على الخير مهما أمكنه وأما الناصح فإنه يرشد إلى ما ينفعه ويعينه عليه وأما اللبيب وهو العارف بتأويلها فإنه يعلمه بما يعول عليه في ذلك أو يسكت وأما الحبيب فان عرف خيرا قاله وإن جهل أو شك سكت قلت والاولى الجمع بين الروايتين فان اللبيب عبر به عن العالم والحبيب عبر به من الناصح ووقع عند مسلم في حديث أبي سعيد في حديثي الباب فليحمد الله

[ 327 ]

عليها وليحدث بها قوله والحلم من الشيطان كذا اختصره وسيأتي ضبط الحلم ومعناه في باب الحلم من الشيطان إن شاء الله تعالى وقد أخرجه أبو نعيم في المستخرج من الطريق المشار إليها فزاد فإذا رأى أحدكم شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاث مرات ويتعوذ بالله من شرها وأذاها فانها لا تضره وكذا مضى في الطب من رواية سليمان بن بلال عن يحيى بن سعيد وسيأتي المصنف في باب الحلم من الشيطان من طريق بن شهاب عن أبي سلمة بلفظ فإذا حلم أحدكم الحلم يكرهه فليبصق عن يساره وليستعذ بالله منه فلن يضره ولمسلم من هذا الوجه عن يساره حين يهب من نومه ثلاث مرات وسيأتي في باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عبيد الله بن أبي جعفر عن أبي سلمة بلفظ فمن رأى شيئا يكرهه فلينفث عن شماله ثلاثا وليتعوذ من الشيطان فانها لا تضره ومن رواية عبد ريه بن سعيد عن أبي سلمة الاتية في إذا رأى ما يكره بلفظ وإذا رأى ما يكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وليتفل ثلاثا ولا يحدث بها أحدا فإنها لن تضره وهذه أتم الروايات عن أبي سلمة لفظا قال المهلب سمى الشارع الرؤيا الخالصة من الاضغاث صالحة وصادقة وأضافها إلى الله وسمى الاضغاث حلما وأضافها إلى الشيطان إذ كانت مخلوقة على شاكلته فأعلم الناس بكيده وأرشدهم إلى دفعه لئلا يبلغوه أربه في تحزينهم والتهويل عليهم وقال أبو عبد الملك أضيفت إلى الشيطان لكونها على هواه ومراده وقال بن الباقلاني يخلق الله الرؤيا الصالحة بحضرة الملك ويخلق الرؤيا التي تقابلها بحضرة الشيطان فمن ثم أضيقت إليه وقيل أضيقت إليه لانه الذي يخيل بها ولا حقيقة لها في نفس الامر الحديث الثاني عن أبي سعيد الخدري قوله حدثني بن الهاد هو يزيد بن عبد الله بن أسامة بن عبد الله بن شداد بن الهاد الليثي وسيأتي منسوبا في باب إذا رأى ما يكره قوله فانما هي من الله في الرواية المذكورة فانها من الله فليحمد الله عليها وليتحدث بها وفي رواية الكشميهني فليتحدث ومثله في الرواية المذكورة قوله وإذا رأى غير ذلك مما يكره فانما هي من الشيطان فليستعذ زاد في نسخة بالله قوله ولا يذكرها لاحد فانها لا تضره في رواية الكشميهني في باب إذا رأى ما يكره فانها لن تضره فحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا الصالحة ثلاثة أشياء أن يحمد الله عليها وأن يستبشر بها وأن يتحدث بها لكن لمن يحب دون من يكره وحاصل ما ذكر من أدب الرؤيا المكروهة أربعة أشياء أن يتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان وأن يتفل حين يهب من نومه عن يساره ثلاثا ولا يذكرها لاحد أصلا ووقع عند المصنف في باب القيد في المنام عن أبي هريرة خامسة وهي الصلاة ولفظه فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل لكن لم يصرح البخاري بوصله وصرح به مسلم كما سيأتي بيانه في بابه وغفل القاضي أبو بكر بن العربي فقال زاد الترمذي على الصحيحين بالامر بالصلاة انتهى وزاد مسلم سادسة وهي التحول من جنبه الذي كان عليه فقال حدثنا قتيبة حدثنا ليث وحدثنا بن رمح أنبأنا الليث عن أبي الزبير عن جابر رفعه إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق على يساره ثلاثا وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثا وليتحول عن جنبه الذي كان عليه وقال قبل ذلك حدثنا قتيبة ومحمد بن رمح عن الليث بن سعد وحدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عبد الله بن نمير كلهم عن يحيى بن سعيد بهذا الاسناد يعني عن أبي سلمة عن أبي قتادة مثل حديث سليمان بن بلال

[ 328 ]

عن يحيى بن سعيد وزاد بن رمح في هذا الحديث وليتحول عن جنبه الذي كان عليه وذكر بعض الحفاظ أن هذه الزيادة انما هي في حديث الليث عن أبي الزبير كما اتفق عليه قتيبة وابن رمح وأما طريق يحيى بن سعيد في حديث أبي قتادة فليست فيه ولذلك لم يذكرها قتيبة وفي الجملة فتكمل الاداب ستة الاربعة الماضية والصلاة والتحول ورأيت في بعض الشروح ذكر سابعه وهي قراءة آية الكرسي ولم يذكر لذلك مستندا فان كان أخذه من عموم قوله في حديث أبي هريرة ولا يقربنك الشيطان فيتجه وينبغي أن يقرأها في صلاته المذكورة وسيأتي ما يتعلق بآداب العابر وقد ذكر العلماء حكمه هذه الامور فأما الاستعاذة بالله من شرها فواضح وهي مشروعة عند كل أمر يكره وأما الاستعاذة من الشيطان فلما وقع في بعض طرق الحديث أنها منه وانما يخيل بها لقصد تحزين الآدمي والتهويل عليه كما تقدم وأما التفل فقال عياض أمر به طردا للشيطان الذي حضر الرؤيا المكروهة تحقيرا له واستقذارا وخصت به اليسار لانها محل الاقذار ونحوها قلت والتثليث للتأكيد وقال القاضي أبو بكر بن العربي فيه إشارة إلى أنه في مقام الرقية ليتقرر عند النفس دفعه عنها وعبر في بعض الروايات البصاق إشارة إلى استقذاره وقد ورد بثلاثة ألفاظ التفث والتفل والبصق قال النووي في الكلام على التفث في الرقية تبعا لعياض اختلف في التفث والتفل فقيل هما بمعنى ولا يكونان إلا بريق وقال أبو عبيد يشترط في التفل ريق يسير ولا يكون في التفث وقيل عكسه وسألت عائشة عن التفث في الرقية فقالت كما ينفث آكل الزبيب لا ريق معه قال ولا اعتبار بما يخرج معه من بلة بغير قصد قال وقد جاء في حديث أبي سعد في الرقية بفاتحة الكتاب فجعل يجمع بزاقه قال عياض وفائدة التفل التبرك بتلك الرطوبة والهواء والتفث للمباشر للرقية المقارن للذكر الحسن كما يتبرك بغسالة ما يكتب من الذكر والاسماء وقال النووي أيضا أكثر الروايات في الرؤيا فلينفث وهو نفخ لطيف بلا ريق فيكون التفل والبصق محمولين عليه مجازا قلت لكن المطلوب في الموضعين مختلف لان المطلوب في الرقية التبرك برطوبة الذكر كما تقدم والمطلوب هنا طرد الشيطان وإظهار احتقاره واستقذاره كما نقله هو عن عياض كما تقدم فالذي يجمع الثلاثة الحمل على التفل فإنه نفخ معه ريق لطيف فبالنظر إلى النفخ قيل له تفث وبالنظر إلى الريق قيل له بصاق قال النووي وأما قوله فانها لا تضره فمعناه ان الله جعل ما ذكر سببا للسلامة من المكروه والمترتب على الرؤيا كما جعل الصدقة وقاية للمال انتهى وأما الصلاة فلما فيها من التوجه إلى الله واللجأ إليه ولان في التحرم بها عصمة من الاسواء وبها تكمل الرغبة وتصح الطلبة لقرب المصلي من ربه عند سجوده وأما التحول للتفاؤل بتحول تلك الحال التي كان عليها قال النووي وينبغي أن يجمع بين هذه الروايات كلها ويعمل بجميع ما تضمنه فان اقتصر على بعضها أجزأه في دفع ضررها بإذن الله تعالى كما صرحت به الاحاديث قلت لم أر في شئ من الاحاديث الاقتصار على واحدة نعم أشار المهلب إلى أن الاستعاذة كافية في دفع شرها وكأنه أخذه من قوله تعالى فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون فيحتاج مع الاستعاذة إلى صحة التوجه ولا يكفي إمرار الاستعاذة باللسان وقال القرطبي في المفهم الصلاة تجمع ذلك كله لانه إذا قام فصلى تحول عن جنبه وبصق ونفث عند المضمضة في الوضوء واستعاذ قبل القراءة

[ 329 ]

ثم دعا الله في أقرب الاحوال إليه فيكفيه الله شرها بمنه وكرمه وورد في صفة التعوذ من شر الرؤيا أثر صحيح أخرجه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة وعبد الرزاق بأسانيد صحيحة عن إبراهيم النخعي قال إذا رأى أحدكم في منامه ما يكره فليقل إذا استيقظ أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسله من شر رؤياي هذه أن يصيبني فيها ما أكره في ديني ودنياي وورد في الاستعاذة من التهويل في المنام ما أخرجه مالك قال بلغني أن خالد بن الوليد قال يا رسول الله إني أروع في المنام فقال قل أعوذ بكلمات الله التامات ومن شر غضبه وعذابه وشر عباده ومن همزات الشياطين وأن يحضرون وأخرجه النسائي من رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال كان خالد بن الوليد يفزع في منامه فذكر نحوه وزاد في أوله إذا اضطجعت فقل باسم الله فذكره وأصله عند أبي داود والترمذي وحسنه والحاكم وصححه واستثنى الداودي من عموم قوله إذا رأى ما يكره ما يكون في الرؤيا الصادقة لكونها قد تقع إنذارا كما تقع تبشيرا وفي الانذار نوع ما يكرهه الرائي فلا يشرع إذا عرف انها صادقة ما ذكره من الاستعاذة ونحوها واستند إلى ما ورد من مرائي النبي صلى الله عليه وسلم كالبقر التي تنحر ونحو ذلك ويمكن أن يقال لا يلزم من ترك الاستعاذة في الصادقة أن لا يتحول عن جنبه ولا أن لا يصلي فقد يكون ذلك سببا لدفع مكروه الانذار مع حصول مقصود الانذار وأيضا فالمنذورة قد ترجع إلى معنى المبشرة لان من أنذر بما سيقع له ولو كان لا يسره أحسن حالا ممن هجم عليه ذلك فإنه ينزعج ما لا ينزعج من كان يعلم بوقوعه فيكون ذلك تخفيفا عنه ورفقا به قال الحكيم الترمذي الرؤيا الصادقة أصلها حق تخبر عن الحق وهي بشرة وانذار ومعاتبة لتكون عونا لما ندب إليه قال وقد كان غالب أمور الاولين الرؤيا إلا أنها قلت في هذه الامة لعظم ما جاء به نبيها من الوحي ولكثرة من في أمته من الصديقين من المحدثين بفتح الدال وأهل اليقين فاكتفوا بكثرة الالهام والملهمين عن كثرة الرؤيا التي كانت في المتقدمين وقال القاضي عياض يحتمل قوله الرؤيا الحسنة والصالحة أن يرجع إلى حسن ظاهرها أو صدقها كما أن قوله الرؤيا المكروهة أو السوء يحتمل سوء الظاهر أو سوء التأويل وأما كتمها مع أنها قد تكون صادقة فخفيت حكمته ويحتمل أن يكون لمخافة تعجيل اشتغال سر الرائي بمكروه تفسيرها لانها قد تبطئ فإذا لم يخبر بها زال تعجيل روعها وتخويفها ويبقى إذا لم يعبرها له أحد بين الطمع في أن لها تفسيرا حسنا أو الرجاء في أنها من الاضغاث فيكون ذلك أسكن لنفسه واستدل بقوله ولا يذكرها على أن الرؤيا تقع على ما يعبر به وسيأتي البحث في ذلك في باب إذا رأى ما يكره إن شاء الله تعالى واستدل به على أن للوهم تأثيرا في النفوس لان التفل وما ذكر معه يدفع الوهم الذي يقع في النفس من الرؤيا فلو لم يكن للوهم تأثير لما أرشد إلى ما يدفعه وكذا في النهي عن التحديث بما يكره لمن يكره والامر بالتحديث بما يجب لمن يجب قوله في حديث أبي سعيد وإذا رأى غير ذلك مما يكره فانما هي من الشيطان ظاهر الحصر أن الرؤيا الصالحة لا تشتمل على شئ مما يكرهه الرائي ويؤيد مقابلة رؤيا البشرى بالحلم وإضافة الحلم إلى الشيطان وعلى هذا ففي قول أهل التعبير ومن تبعهم ان الرؤيا الصادقة قد تكون بشرى وقد تكون انذارا نظر لان الانذار غالبا يكون فيما يكره الرائي ويمكن الجمع بأن الانذار لا يستلزم وقوع المكروه كما تقدم تقريره وبأن المراد بما يكره ما هو أعم من ظاهر الرؤيا ومما تعبر به وقال القرطبي في المفهم ظاهر الخبر أن هذا النوع من الرؤيا يعني

[ 330 ]

ما كان فيه تهويل أو تخويف أو تحزين هو المأمور بالاستعاذة منه لانه من تخيلات الشيطان فإذا استعاذ الرائي منه صادقا في التجائه إلى الله وفعل ما أمر به من التفل والتحول والصلاة أذهب الله عنه ما به وما يخافه من مكروه ذلك ولم يصبه منه شئ وقيل بل الخبر على عمومه فيما يكرهه الرائي بتناول ما يتسبب به الشيطان وما لا تسبب له فيه وفعل الامور المذكورة مانع من وقوع المكروه كما جاء أن الدعاء يدفع البلاء والصدقة تدفع منة السوء وكل ذلك بقضاء الله وقدره ولكن الاسباب عادات لا موجودات وأما ما يرى أحيانا مما يعجب الرائي ولكنه لا يجده في اليقظة ولا ما يدل عليه فإنه يدخل في قسم آخر وهو ما كان الخاطر به مشغولا قبل النوم ثم يحصل النوم فيراه فهذا قسم لا يضر ولا ينفع قوله باب الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة هذه الترجمة لفظ آخر أحاديث الباب فكأنه حمل الرواية الاخرى بلفظ رؤيا المؤمن على هذه المقيدة وسقطت هذه الترجمة للنسفي وذكر أحاديثها في الباب الذي قبله وذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول قوله حدثنا مسدد قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وأثنى عليه خيرا لقيته باليمامة هكذا للاكثر وفي رواية القابسي بعد قوله خيرا قال لقيته باليمامة وفاعل أثنى هو مسدد وهي جملة حالية كأنه قال أثنى عليه خيرا حال تحديثه عنه وقد أثنى عليه أيضا إسحاق بن أبي إسرائيل فيما أخرجه الاسماعيلي من طريقه قال حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير وكان من خيار الناس وأهل الورع والدين قوله عن أبيه هو عطف على السند الذي قبله ففي رواية إسحاق بن أبي إسرائيل المذكورة بعد أن ساق طريق أبي سلمة قال وحدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه مثل حديث أبي سلمة وتقدم في صفة إبليس من طريق الاوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة وحده عن أبي قتادة أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق أبي خليفة عن مسدد كرواية البخاري عن مسدد ومن طريق إبراهيم الحربي عن مسدد بهذا السند فقال عن أبي هريرة بدل أبي قتادة ولعله كان عند أبي سلمة عنهما وكان عند مسدد على الوجهين فقد أخرجه بن عدي من رواية إسحاق بن أبي إسرائيل بهذا السند إلى أبي سلمة فقال عن أبي قتادة تارة وعن أبي هريرة أخرى وعن عبيد الله بن يحيى بن أبي كثير عن أبيه عن أبي سلمة عن أبي هريرة حديث رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة أخرجه مسلم قوله الرؤيا الصالحة من الله والحلم من الشيطان فإذا حلم أحدكم تقدم شرحه في الباب الذي قبله مستوفى وقد اعترضه الاسماعيلي فقال ليس هذا الحديث من هذا الباب في شئ وأخذه الزركشي فقال إدخاله في هذا الباب لا وجه له بل هو ملحق بالذي قبله قلت وقد وقع ذلك في رواية النسفي كما أشرت إليه ويجاب عن صنيع الاكثر بأن وجه دخوله في هذه الترجمة الاشارة إلى أن الرؤيا الصالحة انما كانت جزءا من أجزاء النبوة لكونها من الله تعالى بخلاف التي من الشيطان فانها ليست من أجزاء النبوة وأشار البخاري مع ذلك إلى ما وقع في بعض الطرق عن أبي سلمة عن أبي قتادة فقد ذكرت في الباب الذي قبله أنه وقع في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن أبي قتادة في هذا الحديث من الزيادة ورؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة الحديث الثاني قوله حدثنا غندر هو محمد بن جعفر قوله عن أنس في رواية أحمد عن محمد بن جعفر المذكور بسنده المذكور سمعت أنس بن مالك يحدث عن

[ 331 ]

عبادة وقد خالف قتادة غيره فلم يذكروا عبادة في السند وهو الحديث الثالث حديث أنس قوله ورواه ثابت وحميد وإسحاق بن عبد الله وشعيب عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أي بغير واسطة فأما رواية ثابت فتأتي موصولة بعد خمسة أبواب من طريق عبد العزيز بن المختار عنه تلو حديث أوله من رآني في المنام فقد رآني وقال فيه ورؤيا المؤمن وصلها مسلم من طريق شعبة عن ثابت كذلك وأخرجها البزار وقال لا نعلم رواه عن ثابت إلا شعبة ورواية عبد العزيز ترد عليه ووقع في أطراف المزي أن البخاري أخرجه في التعبير معلقا فقال رواه شعبة عن ثابت ولم أر ذلك في البخاري وأما رواية حميد فوصلها أحمد عن محمد بن أبي عدي عنه ولفظ المتن مثل رواية قتادة وأما رواية إسحاق وهو بن عبد الله بن أبي طلحة فتقدمت قريبا وأما رواية شعيب وهو بن الحبحاب بمهملتين مفتوحتين وموحدتين الاولى ساكنة فرويناها موصولة في كتاب الروح لابي عبد الله بن منده من طريق عبد الوارث بن سعيد وفي الجزء الرابع من فوائد أبي جعفر محمد بن عمرو الرزاز من طريق سعيد بن زيد كلاهما عن شعيب ولفظه مثل حميد وأشار الدارقطني إلى أن الطريقين صحيحان الحديث الرابع حديث أبي هريرة من رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عنه ولفظه مثل قتادة وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه فزاد في أوله أن التي للتأكيد وأخرجه من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أبي سعيد آخر حديث الباب ومن طريق أبي سلمة ومن طريق همام كلاهما عن أبي هريرة بلفظ رؤيا الرجل الصالح بدل لفظ المؤمن الحديث الخامس ح ديث أبي سعيد من رواية بن أبي حازم والدراوردي واسم كل منهما عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار واسم والد الدراوردي محمد بن عبيد ويزيد شيخهما هو المعروف بابن الهاد والسند كله مدنيون ولفظ المتن مثل الترجمة كما تقدم قوله من النبوة قال بعض الشراح كذا هو في جميع الطرق وليس في شئ منها بلفظ من الرسالة بدل من النبوة قال وكأن السر فيه أن الرسالة تزيد على النبوة بتبليغ الاحكام للمكلفين بخلاف النبوة المجردة فانها اطلاع على بعض المغيبات وقد يقرر بعض الانبياء شريعة من قبله ولكن لا يأتي بحكم جديد مخالف لمن قبله فيؤخذ من ذلك ترجيح القول بأن من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فأمره بحكم يخالف حكم الشرع المستقر في الظاهر أنه لا يكون مشروعا في حقه ولا في حق غيره حتى يجب عليه تبليغه وسيأتي بسط هذه المسألة في الكلام على حديث من رآني في المنام فقد رآني إن شاء الله تعالى قوله باب المبشرات بكسر الشين المعجمة جمع مبشرة وهي البشرى وقد ورد في قوله تعالى لهم البشرى في الحياة الدنيا هي الرؤيا الصالحة أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم من رواية أبي سلمة بن عبد الرحمن عن عبادة بن الصامت ورواته ثقات إلا أن أبا سلمة لم يسمعه من عبادة وأخرجه الترمذي أيضا من وجه آخر عن أبي سلمة قال نبئت عن عبادة وأخرجه أيضا هو وأحمد وإسحاق وأبو يعلى من طريق عطاء بن يسار عن رجل من أهل مصر عن عبادة وذكر بن أبي حاتم عن أبيه أن هذا الرجل ليس بمعروف وأخرجه بن مردويه من حديث بن مسعود قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر مثله وفي الباب عن جابر عند البزار وعن أبي هريرة عند الطبري وعن عبد الله بن عمرو عند أبي يعلى قوله لم يبق من النبوة إلا المبشرات كذا ذكره باللفظ الدال على المضي تحقيقا لوقوعه والمراد الاستقبال أي لا يبقى وقيل هو على ظاهره لانه قال ذلك في

[ 332 ]

زمانه واللام في النبوة للعهد والمراد نبوته والمعنى لم يبق بعد النبوة المختصة بي إلا المبشرات ثم فسرها بالرؤيا وصرح به في حديث عائشة عند أحمد بلفظ لم يبق بعدي وقد جاء في حديث بن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك في مرض موته أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق إبراهيم بن عبد الله بن معبد عن أبيه عن بن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم كشف الستارة ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه والناس صفوف خلف أبي بكر فقال يا أيها الناس أنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له الحديث وللنسائي من رواية زفر بن صعصعة عن أبي هريرة رفعه أنه ليس يبق بعدي من النبوة إلا الرؤيا الصالحة وهذا يؤيد التأويل الاول وظاهر الاستثناء مع تقدم من أن الرؤيا جزء من أجزاء النبوة أن الرؤيا نبوة وليس كذلك لما تقدم أن المراد تشبيه أمر الرؤيا بالنبوة أو لان جزء الشئ لا يستلزم ثبوتا وصفه له كمن قال أشهد أن لا إله إلا الله رافعا صوته لا يسمى مؤذنا ولا يقال أنه أذن وإن كانت جزءا من الاذان وكذا لو أقر شيئا من القرآن وهو قائم لا يسمى مصليا وإن كانت القراءة جزءا من الصلاة ويؤيده حديث أم كرز بضم الكاف وسكون الراء بعدها زاي الكعبية قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول ذهبت النبوة وبقيت المبشرات أخرجه أحمد وابن ماجة وصححه بن خزيمة وابن حبان ولاحمد عن عائشة مرفوعا لم يبق بعدي من المبشرات إلا الرؤيا وله وللطبراني من حديث حذيفة بن أسيد مرفوعا ذهبت النبوة وبقيت المبشرات ولابي يعلى من حديث أنس رفعه أن الرسالة والنبوة قد انقطعت ولا نبي ولا رسول بعدي ولكن بقيت المبشرات قالوا وما المبشرات قال رؤيا المسلمين جزء من أجزاء النبوة قال المهلب ما حاصله بالتعبير بالمبشرات خرج للاغلب فان من الرؤيا ما تكون منذرة وهي صادقة يريها الله للمؤمن رفقا به ليستعد لما يقع قبل وقوعه قال بن التين معنى الحديث أن الوحي ينقط بموتي ولا يبقى ما يعلم منه ما سيكون إلا الرؤيا ويرد عليه الالهام فان فيه أخبارا بما سيكون وهو للانبياء بالنسبة للوحي كالرؤيا ويقع لغير الانبياء كما في الحديث الماضي في مناقب عمر قد كان فيمن مضى من الامم محدثون وفسر المحدث بفتح الدال بالملهم بالفتح أيضا وقد أخبر كثير من الاولياء عن أمور مغيبة فكانت كما أخبروا والجواب أن الحصر في المنام لكونه يشمل آحاد المؤمنين بخلاف الالهام فإنه مختص بالبعض ومع كونه مختصا فإنه نادر فانما ذكر المنام لشموله وكثرة وقوعه ويشير إلى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم فان يكن وكان السر في ندور الالهام في زمنه وكثرته من بعده غلب الوحي إليه صلى الله عليه وسلم في اليقظة وأراد إظهار المعجزات منه فكان المناسب أن لا يقع لغيره منه في زمانه شئ فلما انقطع الوحي بموته وقع الالهام لمن اختصه الله به للامن من اللبس في ذلك وفي إنكار وقوع ذلك مع كثرته واشتهاره مكابرة ممن أنكره يجتبيك قوله باب رؤيا يوسف كذا لهم ووقع للنسفي يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن وقوله عزوجل إذ قال يوسف لابيه فساق إلى ساجدين ثم قال إلى قوله عليم حكيم كذا لابي ذر والنسفي وساق في رواية كريمة الآيات كلها قوله وقوله تعالى يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا إلى قوله وألحقني بالصالحين كذا لابي ذر والنسفي أيضا وساق في رواية كريمة الآيتين والمراد أن معنى قوله تأويل رؤياي أي التي تقدم ذكرها وهي رؤيا الكواكب والشمس

[ 333 ]

والقمر ساجدين له فلما وصل أبواه وأخوته إلى مصر ودخلوا عليه وهو في مرتبة الملك وسجدوا له وكان ذلك مباحا في شريعتهم فكان التأويل في الساجدين وكونها حقا في السجود وقيل التأويل وقع أيضا في السجود ولم يقع منهم السجود حقيقة وانما هو كناية عن الخضوع والاول هو المعتمد وقد أخرجه بن جرير بسند صحيح عن قتادة في قوله وخروا له سجدا قال كان تحية من قبلكم فأعطى الله هذه الامة السلام تحية أهل الجنة وفي لفظ وكانت تحية الناس يومئذ أن يسجد بعضهم لبعض ومن طريق بن إسحاق والثوري وابن جريج وغيرهم نحو ذلك قال الطبري أرادوا أن ذلك كان بينهم لا على وجه العبادة بل الاكرام واختلف في المدة التي كانت بين الرؤيا وتفسيرها فأخرج الطبري والحاكم والبيهقي في الشعب بسند صحيح عن سلمان الفارسي قال كان بين رؤيا يوسف وعبارتها أربعون عاما وذكر البيهقي له شاهدا عن عبد الله بن شداد وزاد واليه ينتهي امد الرؤيا وأخرج الطبري من طريق الحسن البصري قال كانت مدة المفارقة بين يعقوب ويوسف ثمانين سنة وفي لفظ ثلاثا وثمانين سنة ومن طريق قتادة خمسا وثلاثين سنة بن إسحاق قولا أنها كانت ثمانية عشر عاما والاول أقوى والعلم عند الله قوله قال أبو عبد الله هو المصنف وسقط هذا وما بعده إلى آخر الباب للنسفي قوله فاطر والبديع والمبدع والبارئ والخالق واحد كذا لبعضهم البارئ بالراء ولابي ذر والاكثر البادئ بالدال بدل الراء والهمز ثابت فيهما وزعم بعض الشراح ان الصواب بالراء وأن رواية الدال وهم وليس كما قال فقد وردت في بعض طرق الاسماء الحسنى كما تقدم في الدعوات وفي الاسماء الحسنى أيضا المبدئ وقد وقع في العنكبوت ما يشهد لكل منهما في قوله أو لم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده ثم قال فانظروا كيف بدأ الخلق فالاول من الرباعي واسم الفاعل منه مبدئ والثاني من الثلاثي واسم الفاعل منه بادئ وهما لغتان مشهورتان وإنما ذكر البخاري هذا استطرادا من قوله في الآيتين المذكورتين فاطر السماوات والارض فأراد تفسير الفاطر وزعم بعض الشراح أن دعوى البخاري في ذلك الوحدة ممنوعة عند المحققين كذا قال ولم يرد البخاري بذلك أن حقائق معانيها متوحدة انما أراد انها ترجع إلى معنى واحد وهو إيجاد الشئ بعد أن لم يكن وقد ذكرت قول القراء أن فطر وخلق وفلق بمعنى واحد قبل باب رؤيا الصالحين قوله قال أبو عبد الله من البدء وبادئة كذا وجدته مضبوطا في الاصل بالهمز في الموضعين وبواو العطف لابي ذر فان كان محفوظا ترجحت رواية الدال من قوله والبادئ ولغير أبي ذر من البدو وبادية بالواو بدل الهمز وبغير الهمز في بادية وبهاء تأنيث وهو أولى لانه يريد تفسير قوله في الآية المذكورة وجاء بكم من البدو ففسرها بقوله بادية أي جاء بكم من البادية وذكر الكرماني فقال قوله من البدو أي قوله وجاء بكم من البدو أي من البادية ويحتمل أن يكون مقصوده أن فاطر معناه البادئ من البدء أي الابتداء أي بادئ الخلق فمعنى فاطر بادئ والله أعلم قوله باب رؤيا إبراهيم عليه السلام كذا لابي ذر وسقط لفظ باب لغيره قوله وقوله عزوجل فلما بلغ معه السعي إلى قوله نجزى المحسنين كذا لابي ذر وسقط للنسفي وساق في رواية كريمة الآيات كلها قيل كان إبراهيم نذر إن رزقه الله من سارة ولدا أن يذبحه قربانا فرأى

[ 334 ]

في المنام أن أوف بنذرك أخرجه بن أبي حاتم عن السدي قال فقال إبراهيم لاسحق انطلق بنا نقرب قربانا وأخذ حبلا وسكينا ثم انطلق به حتى إذا كان بين الجبال قال يا أبت أين قربانك قال أنت يا بني إني أرى في المنام أني اذبحك الآيات فقال اشدد رباطي حتى لا اضطرب واكفف ثيابك حتى لا ينتضح عليها من دمي فتراه سارة فتحزن وأسرع مر السكين على حلقي ليكون أهون على ففعل ذلك إبراهيم وهو يبكي وأمر السكين على حلقه فلم تحز وضرب الله على حلقه صفيحة من نحاس فكبه على جبينه وحز في قفاه فذاك قوله فلما أسلما وتله للجبين ونودى أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش فأخذه وحل عن ابنه وهكذا ذكره السدي ولعله أخذه عن بعض أهل الكتاب فقد أخرج بن أبي حاتم بسند صحيح أيضا عن الزهري عن القاسم قال اجتمع أبو هريرة وكعب فحدث أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أن لكل نبي دعوة مستجابة فقال كعب أفلا أخبرك عن إبراهيم لما رأى أنه يدبح ابنه إسحاق قال الشيطان ان لم أفتن هؤلاء عند هذه لم افتنهم ابدا فذهب إلى سارة فقال أين ذهب إبراهيم بابنك قالت في حاجته قال كلا أنه ذهب به ليذبحه يزعم أنه ربه أمره بذلك فقالت أخشى أن لا يطيع ربه فجاء إلى إسحاق فأجابه بنحوه فواجه إبراهيم فلم يلتفت إليه فأيس أن يطيعوه وساق نحوه من طريق سعيد عن قتادة وزاد أنه سد على إبراهيم الطريق إلى المنحر فأمره جبريل أن يرميه بسبع حصيات عند كل جمرة وكأن قتادة أخذ أوله عن بعض أهل الكتاب وآخره مما جاء عن بن عباس وهو عند أحمد من طريق أبي الطفيل عنه قال إن إبراهيم لما رأى المناسك عرض له إبليس عند المسعى فسبقه إبراهيم فذهب به جبريل إلى العقبة فعرض له إبليس فرماه بسبع حصيات حتى ذهب وكان على إسماعيل قميص أبيض وثم تله للجبين فقال يا أبت أنه ليس لي قميص تكفنني فيه غيره فاخلعه فنودي من خلفه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا فالتفت فإذا هو بكبش أبيض أقرن أعين فذبحه وأخرج بن إسحاق في المبتدأ عن بن عباس نحوه وزاد فوالذي نفسي بيده لقد كان أول الاسلام وان رأس الكبش لمعلق بقرنيه في ميزاب الكعبة وأخرجه أحمد أيضا عن عثمان بن أبي طلحة قال أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فواريت قرني الكبش حين دخل البيت وهذه الآثار من أقوى الحجج لمن قال إن الذبيح إسماعيل وقد نقل بن أبي حاتم وغيره عن العباس وابن مسعود وعن علي وابن عباس في إحدى الرواتين عنهما وعن الاحنف عن بن ميسرة وزيد بن أسلم ومسروق وسعيد بن جبير في إحدى الرواتين عنه وعطاء والشعبي وكعب الاحبار أن الذبيح إسحاق وعن بن عباس في أشهر الروايتين عنه وعن علي في احدي الروايتين وعن أبي هريرة ومعاوية وابن عمر وأبي الطفيل وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي في إحدى الروايتين عنهما ومجاهد والحسن ومحمد بن كعب وأبي جعفر الباقر وأبي صالح والربيع بن أنس وأبي عمرو بن العلاء وعمر بن عبد العزيز وابن إسحاق ان الذبيح إسماعيل ويؤيده ما تقدم وحديث أنا بن الذبيحين رويناه في الخلعيات من حديث معاوية ونقله عبد الله بن أحمد عن أبيه وابن أبي حاتم عن أبيه وأطنب بن القيم في الهدى في الاستدلال لتقويته وقرأت بخط الشيخ تقي الدين السبكي أنه استنبط من القرآن دليلا وهو قوله في الصافات وقال اني ذاهب إلى ربي سيهدين إلى قوله إني أرى في المنام أني أذبحك وقوله في هود وامرأته قائمة فضحكت فبشرناها بإسحاق إلى قوله وهذا بعلي شيخا قال ووجه الاخذ منهما أن

[ 335 ]

سياقهما يدل على أنهما قصتان مختلفتان في وقتين الاولى عن طلب من إبراهيم وهو لما هاجر من بلاد قومه في ابتداء أمره فسأل من ربه الولد فبشره بغلام حليم فلما بلغ معه السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك والقصة الثانية بعد ذلك بدهر طويل لما شاخ واستبعد من مثله أن يجئ له الولد وجاءته الملائكة عندما أمروا باهلاك قوم لوط فبشروه بإسحاق فتعين ان يكون الاول إسماعيل ويؤيده أن في التوراة أن إسماعيل بكره وأنه ولد قبل إسحاق قلت وهو استدلال جيد وقد كنت أستحسنه واحتج به إلى أن مر بي قوله في سورة إبراهيم الحمد الله لذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق فإنه يعكر على قوله إنه رزق إسماعيل في ابتداء أمره وقوته لان هاجر والدة إسماعيل صارت لسارة من قبل الجبار الذي وهبها لها وإنها وهبتها لابراهيم لما يئست من الولد فولدت هاجر إسماعيل فغارت سارة منها كما تقدمت الاشارة إليه في ترجمة إبراهيم من أحاديث الانبياء وولدت بعد ذلك إسحاق واستمرت غيرة سارة إلى ان كان اخراجها وولدها إلى مكة ما كان وقد ذكره بن إسحاق في المبتدأ مفصلا وأخرجه الطبري في تاريخه من طريقه وأخرج الطبري من طريق السدي قال انطلق إبراهيم من بلاد قومه قبل الشام فلقى سارة وهي بنت ملك حران فآمنت به فتزوجها فلما قدم مصر وهبها الجبار هاجر ووهبتها له سارة وكانت سارة منعت الولد وكان إبراهيم قد دعا الله أن يهب له ولدا من الصالحين فأخرت الدعوة حتى كبر فلما علمت سارة أن إبراهيم وقع على هاجر حزنت على ما فاتها من الولد ثم ذكر قصة مجئ الملائكة بسبب إهلاك قوم لوط وتفسيرهم إبراهيم بإسحاق فلذلك قال إبراهيم الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل وإسحاق ويقال لم يكن بينهما إلا ثلاث سنين وقيل كان بينهما أربع عشر سنة وما تقدم من كون قصة الذبيح كانت بمكة حجة قوية في أن الذبيح إسماعيل لان سارة وإسحاق لم يكونا بمكة والله أعلم قوله وقال مجاهد أسلما سلما ما أمرا به وتله وضع وجهه بالارض قال الفريابي في تفسيره حدثنا ورقاء عن بن أبي نجيح عن مجاهد في قوله تعالى فلما أسلما قال سلما ما أمرا به وفي قوله وتله للجبين قال وضع وجهه بالارض قال لا تذبحني وأنت تنظر في وجهي لئلا ترحمني فوضع جبهته في الارض وأخرج بن أبي حاتم من طريق السدي قال فلما أسلما أي سلما لله الامر ومن طريق أبي صالح قال اتفقا على أمر واحد ومن طريق قتادة سلم إبراهيم لامر الله وسلم إسحاق لامر إبراهيم وفي لفظ أما هذا فأسلم نفسه لله وأما هذا فأسلم ابنه لله ومن طريق أبي عمران الجوني تله للجبين كبه لوجهه تنبيه هذه الترجمة والتي قبلها ليس في واحد منهما حديث مسند بل اكتفى فيهما بالقرآن ولهما نظائر وقول الكرماني انه كان في كل منهما بياض ليلحق به حديث يناسبه محتمل مع بعده رحمه اللهقوله باب التواطؤ على الرؤيا أي توافق جماعة على شئ واحد ولو اختلفت عباراتهم قوله أن أناسا أروا ليلة القدر في السبع الاواخر وأن أناسا في رواية الكشميهني ناسا قوله أروها في العشر الاواخر فقال النبي صلى الله عليه وسلم التمسوها في السبع الاواخر كذا وقع في هذه الرواية من طريق سالم بن عبد الله بن عمر وتقدم في أواخر الصيام من طريق مالك عن نافع مثله لكن لفظه أرى رؤياكم تواطأت في السبع الاواخر فمن كان متحريها الحديث ولم يذكر الجملة الوسطى وأعترضه الاسماعيلي فقال اللفظ الذي ساقه خلاف التواطؤ وحديث التواطؤ أرى رؤياكم قد تواطأت على العشر الاواخر قلت لم يلتزم البخاري إيراد الحديث

[ 336 ]

بلفظ تواطؤ وانما أراد بالتواطؤ التوافق وهو أعم من أن يكون الحديث بلفظه أو بمعناه وذلك أن أفراد السبع داخلة في أفراد العشر فلما رأى قوم أنها في العشر وقوم أنها في السبع كانوا كأنهم توافقوا على السبع فأمرهم بالتماسها في السبع لتوافق الطائفتين عليها ولانه أيسر عليهم فجرى البخاري على عادته في إيثار الاخفى على الاجلى والحديث الذي أشار إليه تقدم في كتاب قيام الليل من طريق أيوب عن نافع عن بن عمر قال رأيت كأن بيدي قطعة استبرق الحديث وفيه وكانوا لا يزالون يقصون على النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا وفيه أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الاواخر الحديث ويستفاد من الحديث أن توافق جماعة على رؤيا واحدة دال على صدقها وصحتها كما تستفاد قوة الخبر من التوارد على الاخبار من جماعة قوله باب رؤيا أهل السجون والفساد والشرك تقدمت الاشارة إلى أن الرؤيا الصحيحة وإن اختصت غالبا بأهل الصلاح لكن قد تقع لغيرهم ووقع في رواية أبي ذر بدل الشرك الشراب بضم المعجمة والتشديد جمع شارب أو بفتحتين مخففا أي وأهل الشراب والمراد شربه المحرم وعطفه على أهل الفساد من عطف الخاص على العام كما أن المسجون أعم من أن يكون مفسدا أو مصلحا قال أهل العلم بالتعبير إذا رأى الكافر أو الفاسق الرؤيا الصالحة فانها تكون بشرى له بهدايته إلى الايمان مثلا أو التوبة أو انذار من بقائه على الكفر أو الفسق وقد تكون لغيره ممن ينسب إليه من أهل الفضل وقد يرى ما يدل على الرضى بما هو فيه ويكون من جملة الابتلاء والغرور والمكر نعوذ بالله من ذلك قوله وقوله تعالى ودخل معه السجن فتيان إلى قوله ارجع إلى ربك كذا لابي ذر وساق في رواية كريمة الآيات كلها وهي ثلاث عشرة آية قال السهيلي اسم أحدهما شرهم والآخر شرهم كل منهما بمعجمة إحداهما مفتوحة والاخرى مضمومة قال وقال الطبري الذي رأى أنه يعصر خمرا اسمه نبوء وذكر اسم الآخر فلم أحفظه قلت سماه مخلث بمعجمة ومثلثة وعزاه بابن إسحاق في المبتدأ وبه جزم الثعلبي وذكر أبو عبيد البكري في كتاب المسالك أن اسم الخباز راشان والساقي مرطس وحكوا أن الملك أتهمهما انهما أرادا سمه في الطعام والشراب فحبسهما إلى أن ظهرت براءة ساحة الساقي دون الخباز ويقال أنهما لم يريا شيئا وانما أرادا امتحان يوسف فأخرج الطبري عن بن مسعود قال لم يريا شيئا وانما تحاكما ليجربا وفي سنده ضعف وأخرج الحاكم بسند صحيح عن بن مسعود نحوه وزاد فلما ذكر لهما التأويل قالا انما كنا نلعب قال قضي الامر الآية قوله وقال الفضيل الخ وقع لابي ذر بعد قوله ارجع إلى ربك وعند كريمة عند قوله أأرباب متفرقون وهو الاليق وعند غيرهما بعد قوله الاعناب والدهن قوله وادكر افتعل من ذكرت في رواية الكشميهني من ذكر وهو من كلام أبي عبيدة قال أذكر بعد أمة افتعل من ذكرت فأدغمت التاء في الذال فحولت دالا يعني مهملة ثقيلة قوله بعد أمة قرن هو قول أبي عبيدة قاله في تفسير آل عمران وقال في تفسير يوسف بعد حين وأخرجه الطبري بسند جيد عن بن عباس مثله ومن طريق سماك عن عكرمة قال بعد حقبة من الدهر وأخرج بن أبي حاتم عن سعيد بن جبير بعد سنين قوله ويقرأ أمه بفتح أوله وميم بعدها هاء منونة نسيان أي تذكر بعد أن كان نسي وهذه القراءة نسبت في الشواذ لابن عباس وعكرمة والضحاك يقال رجل مأموه أي

[ 337 ]

ذاهب العقل قال أبي عبيدة قرئ بعد أمه أي نسيان تقول أمهت آمه أمها بسكون الميم قال الشاعر أمهت وكنت لا أنسى حديثا وقال الطبري روى عن جماعة أنهم قرأوا بعد أمه ثم ساق بسند صحيح عن بن عباس أنه كان يقرؤها بعد أمه وتفسيرها بعد نسيان وساق مثله عن عكرمة والضحاك ومن طريق مجاهد نحوه لكن قالها بسكون الميم قول وقال بن عباس يعصرون الاعناب والدهن وصله بن أبي حاتم من طريق علي ين أبي طلحة عن بن عباس في قوله ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون يقول الاعناب والدهن وفيه رد على أبي عبيدة في قوله إنه من العصرة وهي النجاة فمعنى قوله يعصرون بنجون ويؤيد قول بن عباس قوله بأول القصة إني أراني أعصر خمرا وقد اختلف في المراد به فقال الاكثر أطلق عصر الخمر باعتبار ما يئول إليه وهو كقول الشاعر الحمد لله العلي المنان صار الثريد في رءوس القضبان أي السنبل فسمي القمح ثريدا باعتبار ما يئول إليه وأخرج الطبري عن الضحاك قال أهل عمان يسمون العنب خمرا وقال الاصمعي سمعت معتمر بن سليمان يقول لقيت أعرابيا معه سلة عنب فقال ما معك قال خمر وقرا بن مسعود إني أراني أعصر عنبا أخرجه بن أبي حاتم بسند حسن وكأنه أراد التفسير وأخرج بن أبي حاتم من طريق عكرمة أن الساقي قال ليوسف رأيت فيما يرى النائم أني غرست حبة فنبتت فخرج فيها ثلاث عناقيد فعصرتهن ثم سقيت الملك فقال تمكث في السجن ثلاثا ثم تخرج فتسقيه أي على عادتك قوله تحصنون تحرسون كذا لهم من الحراسة وعند أبي عبيدة في المجاز تحرزون بزاي بدل السين من الاحراز وأخرج بن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس تخزنون بخاء معجمة ثم زاي ونونين من الخزن قوله جويرية بالضم مصغر وهو بن إسماعيل الضبعي وروايته عن مالك من الاقران قوله لو لبثت في السجن ما لبث يوسف ثم أتاني الداعي لاجبته كذا أورده مختصرا وقد تقدم في ترجمة يوسف من أحاديث الانبياء من هذا الوجه وزاد فيه قصة لوط وتقدم شرحه في أحاديث الانبياء وأخرجه النسائي في التفسير من هذا الوجه وزاد في أوله نحن أحق بالشك من إبراهيم الحديث وأخرجه مسلم من هذا الوجه لكن قال مثل حديث يونس بن يزيد عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة عن أبي هريرة بطوله ومن طريق أبي أويس عن الزهري مثل مالك وأخرجه الدارقطني في غرائب مالك من طريق جويرية بطوله أخرجوه كلهم من رواية عبد الله بن محمد بن أسماء عن عمه جويرية بن أسماء وذكر ان أحمد بن سعيد بن أبي مريم رواه عنه فقال عن أبي سلمة بدل أبي عبيدة ووهم فيه فان المحفوظ عن مالك وأبي عبيد لا أبو سلمة وكذلك أخرجه من طريق سعيد بن داود عن مالك أن بن شهاب حدثه أن سعيدا وأبا عبيد أخبراه به وقد وقع في بعض طرقه بأبسط من سياقه فأخرج عبد الرزاق عن بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة رفعه لقد عجبت من يوسف وكرمه وصبره حتى سئل عن البقرات العجاف والسمان ولو كنت مكانه ما أجبته حتى أشترط أن يخرجوني ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول يعني ليخرج إلى الملك فقال ارجع إلى ربك ولو كنت مكانه ولبثت في السجن ما لبثت لاسرعت الاجابة ولبادرت الباب ولما ابتغيت العذر وهذا مرسل وقد وصله الطبري من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم المعجمة والزاي عن عمرو بن دينار بذكر بن عباس فيه فذكره

[ 338 ]

وزاد ولولا الكلمة التي قالها لما لبث في السجن ما لبث وقد مضى شرح ما يتعلق بذلك في قصة يوسف من أحاديث الانبياء قوله باب من رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ذكر فيه خمسة أحاديث الحديث الاول حديث أبي هريرة قوله عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد قوله أن أبا هريرة قال في رواية الاسماعيلي من طريق الزبيدي عن الزهري أخبرني أبو سلمة سمعت أبا هريرة قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة زاد مسلم من هذا الوجه أو فكأنما رآني في اليقظة هكذا بالشك وقع عند الاسماعيلي في الطريق المذكورة فقد رأني في اليقظة بدل قوله فسيراني ومثله في حديث بن مسعود عند بن ماجة وصححه الترمذي وأبو عوانة ووقع عند بن ماجة من حديث أبي جحيفة فكأنما رآني في اليقظة فهذه ثلاث ألفاظ فسيراني في اليقظة فكأنما رآني في اليقظة فقد رآني في اليقظة وحمل أحاديث الباب كالثالثة إلا قوله في اليقظة قوله قال أبو عبد الله قال بن سيرين إذا رآه في صورته سقط هذا التعليق للنسفي ولابي ذر وثبت عند غيرهما وقد رويناه موصولا من طريق إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن حرب وهو من شيوخ البخاري عن حماد بن زيد عن أيوب قال كان محمد يعني بن سيرين إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم قال صف لي الذي رأيته فان وصف له صفة لا يعرفها قال لم تره وسنده صحيح ووجدت له ما يؤيده فأخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب حدثني أبي قال قلت لابن عباس رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام قال صفه لي قال ذكرت الحسن بن علي فشبهته به قال قد رأيته وسنده جيد ويعارضه ما أخرجه بن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من رآني في المنام فقد رآني فاني أرى في كل صورة وفي سنده صالح مولى التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط ويمكن الجمع بينهما بما قاله القاضي أبو بكر بن العربي رؤية النبي صلى الله عليه وسلم بصفته المعلومة إدراك على الحقيقة ورؤيت على غير صفته إدراك للمثال فان الصواب أن الانبياء لا تغيرهم الارض ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة وإدراك الصفات إدراك المثل قال وشذ بعض القدرية فقال الرؤيا لا حقيقة لها أصلا وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة وقال بعض المتكلمين هي مدركة بعينين في القلب قال وقوله فسيراني معناه فسيرى تفسير ما رأى لانه حق وغيب ألقي فيه وقيل معناه فسيراني في القيامة ولا فائدة في هذا التخصيص وأما قوله فكأنما رآني فهو تشبيه ومعناه أنه لو رآه في اليقظة لطابق ما رآه في المنام فيكون الاول حقا وحقيقة والثاني حقا وتمثيلا قال وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة فان رآه على خلاف صفته فهي أمثال فان رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي وفيه وعلى العكس فبالعكس وقال النووي قال عياض يحتمل أن يكون المراد بقوله فقد رآني أو فقد رأى الحق أن من رآه على صورته في حياته كانت رؤياه حقا ومن رآه على غير صورته كانت رؤياه تأويل وتعقبه فقال هذا ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها انتهى ولم يظهر لي من كلام القاضي ما ينافي ذلك بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالتين لكن في الاولى تكون الرؤيا مما لا يحتاج إلى تعبير والثانية مما يحتاج إلى التعبير قال القرطبي اختلف في معنى الحديث فقال قوم هو على ظاهره فمن رآه في النوم رأى حقيقته

[ 339 ]

كمن رآه في اليقظة سواء قال وهذا قول يدرك فساده بأوائل العقول ويلزم عليه أن لا يراه أحد الا على صورته التي مات عليها وأن لا يراه رائيان في آن واحد في مكانين وان يحيا الآن ويخرج من قبره ويمشي في الاسواق ويخاطب الناس ويخاطبوه ويلزم من ذلك أن يخلو قبره من جسده فلا يبقى من قبره فيه شئ فيزار مجرد القبر ويسلم على غائب لانه جائز أن يرى في الليل والنهار مع اتصال الاوقات على حقيقته في غير قبره وهذه جهالات لا يلتزم بها من له أدنى مسكة من عقل وقالت طائفة معناه أن من رآه رآه على صورته التي كان عليها ويلزم منه أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من الاضغاث ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة تخالف حالته في الدنيا من الاحوال اللائقة به وتقع تلك الرؤيا حقا كما لو رؤى ملا دارا بجسمه مثلا فإنه يدل على امتلاء تلك الدار بالخير ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشئ مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله فان الشيطان لا يتمثل بي فالاولى أن تنزه رؤياه وكذا رؤيا شئ منه أو مما ينسب إليه عن ذلك فهو ابلغ في الحرمة وأليق بالعصمة كما عصم من الشيطان في يقظته قال والصحيح في تأويل هذا الحديث ان مقصوده ان رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثا بل هي حق في نفسها ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله وقال وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره ويؤيده قول فقد رأى الحق أي رأى الذي قصد إعلام الرائي به فان كانت على ظاهرها والا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها لانها إما بشرى بخير أو انذار من شر إما ليخيف الرائي وإما لنزجر عنه وإما لينبه على حكم يقع له في دينه أو دنياه وقال بن بطال قوله فسيراني في اليقظة يريد تصديق تلك الرؤياه في اليقظة وصحتها وخروجها على الحق وليس المراد أنه يراه في الآخرة لانه سيراه يوم القيامة في اليقظة فتراه جميع أمته من رآه في النوم ومن لم يره منهم وقال بن التين والمراد من آمن به في حياته ولم يره لكونه حينئذ غائبا عنه فيكون بهذا مبشرا لكل من آمن به ولم يره أنه لا بد أن يراه في اليقظة قبل موته قاله القزاز وقال المازري ان كان المحفوظ فكأنما رآني في اليقظة فمعناه ظاهر وإن كان المحفوظ فسيراني في اليقظة احتمل أن يكون أراد أهل عصره ممن يهاجر إليه فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة وأوحي الله بذلك إليه صلى الله عليه وسلم وقال القاضي وقيل معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها وقيل معنى الرؤيا في اليقظة أنه سيراه في الآخرة وتعقب بأنه في الآخرة يراه جميع أمته من رآه في المنام ومن لم يره يعني فلا يبقى لخصوص رؤيته في المنام مزية وأجاب القاضي عياض باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها موجبة لتكرمته في الآخرة وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه والشفاعة له بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات قال ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤية نبيه صلى الله عليه وسلم مدة وحمله بن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن بن عباس أو غيره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فبقي بعد أن استيقظ متفكرا في هذا الحديث فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم فنظر فيها فرأى صورة النبي صلى الله عليه وسلم ولم ير صورة نفسه ونقل عن جماعة من الصالحين أنهم رأوا النبي صلى الله عليه وسلم في المنام ثم رأوه بعد ذلك في اليقظة وسألوه عن أشياء كانوا

[ 340 ]

متخوفين فأرشدهم إلى الطريق تفريجها فجاء الامر كذلك قلت وهذا مشكل جدا ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة ولامكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة ويعكر عليه أن جمعا جما رأوه في المنام ثم لم يذكر واحد منهم أنه رآه في اليقظة وخبر الصادق لا يتخلف وقد اشتد إنكار القرطبي على من قال من رآه في المنام فقد رأى حقيقته ثم يراها كذلك في اليقظة كما تقدم قريبا وقد تفطن بن أبي جمرة لهذا فأحال بما قال على كرامات الاولياء فان يكن كذلك تعين العدول عن العموم في كل راء ثم ذكر أنه عام في أهل التوفيق وأما غيرهم فعلى الاحتمال فان خرق العادة قد يقع للزنديق بطريق الاملاء والاغواء كما يقع للصديق بطريق الكرامة والاكرام وانما تحصل التفرقة بينهما باتباع الكتاب والسنة انتهى والحاصل من الاجوبة ستة أحدها أنه على التشبيه والتمثيل ودل عليه قوله في الرواية الاخرى فكأنما رأني في اليقظة ثانيها أن معناها سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة أو التعبير ثالثها أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه رابعها أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك وهذا من أبعد المحامل خامسها أنه يراه يوم القيامة بمزيد الخصوصية لا مطلق من يراه حينئذ ممن لم يره في المنام سادسها أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه وفيه ما تقدم من الاشكال وقال القرطبي قد تقرر أن الذي يرى في المنام أمثلة للمرئيات لا أنفسها غير أن تلك الامثلة تارة تقع مطابقة وتارة يقع معناها فمن الاول رؤياه صلى الله عليه وسلم عائشة وفيه فإذا هي أنت فأخبر أنه رأى في اليقظة ما رآه في نومه بعينه ومن الثاني رؤيا البقر التي تنحر والمقصود بالثاني التنبيه على معاني تلك الامور ومن فوائد رؤيته صلى الله عليه وسلم تسكين شوق الرائي لكونه صادقا في محبته ليعمل على مشاهدته وإلى ذلك الاشارة بقوله فسيراني في اليقظة أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه قال ويجوز ان يكون مقصود ذلك الرؤيا معنى صورته وهو دينه وشريعته فيعبر بحسب ما يراه الرائي من زيادة ونقصان أو إساءه وإحسان قلت وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي فإن ظهر فهو ثامن قوله ولا يتمثل الشيطان بي في رواية أنس في الحديث الذي بعده فان الشيطان لا يتمثل بي ومضى في كتاب العلم من حديث أبي هريرة مثله لكن قال لا يتمثل في صورتي وفي حديث جابر عند مسلم وابن ماجة أنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي وفي حديث بن مسعود عند الترمذي وابن ماجة ان الشيطان لا يستطيع أن يتمثل بي وفي حديث أبي قتادة الذي يليه وان الشيطان لا يتراءي بالراء بوزن يتعاطى ومعناه لا يستطيع أن يصير مرئيا بصورتي وفي رواية غيري أبي ذر يتزايا بزاي وبعد الالف تحتانية وفي حديث أبي سعيد في آخر الباب فان الشيطان لا يتكونني أما قوله لا يتمثل بي فمعناه لا يتشبه بي وأما قوله في صورتي فمعناه لا يصير كائنا في مثل صورتي وأما قوله لا يتراءى بي فرجح بعض الشراح روابة الزاي عليها أي لا يظهر في زيي وليست الرواية الاخرى ببعيدة من هذا المعنى وأما قوله لا يتكونني أي لا يتكون كوني فحذف المضاف ووصل المضاف إليه في الفعل والمعنى لا بتكون في صورتي فالجميع راجع إلى معنى واحد وقوله لا يستطيع يشير إلى أن الله تعالى وأن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي صلى الله عليه وسلم وقد ذهب إلى هذا جماعة فقالوا في الحديث إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها ومنهم من ضيق الغرض

[ 341 ]

في ذلك حتى قال بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة والصواب التعميم في جميع حالاته بشرط أن تكون صورته الحقيقية في وقت ما سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته أو آخر عمره وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي قال المازري اختلف المحققون في تأويل هذا الحديث فذهب القاضي أبو بكر بن الطيب إلى أن المراد بقوله من رآني في المنام فقد رآني أن رؤياه صحيحة لا تكون أضغاثا ولا من تشبيهات الشيطان قال ويعضده قوله في بعض طرقه فقد رأى الحق قال وفي قوله فأن الشيطان لا يتمثل بي إشارة إلى أن رؤياه لا تكون أضغاثا ثم قال المازري وقال آخرون بل الحديث محمول على ظاهره والمراد أن من رآه فقد أدركه ولا مانع يمنع من ذلك ولا عقل يحيله حتى يحتاج إلى صرف الكلام عن ظاهره وأما كونه قد يرى على غير صفته أو يرى في مكانين مختلفين معا فإن ذلك غلط في صفته وتخيل لها على غير ما هي عليه وقد يظن بعض الخيالات مرئيات لكون ما يتخيل مرتبطا بما يرى في العادة فتكون ذاته صلى الله عليه وسلم مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية والادراك لا يشترط فيه تحذيق البصر ولا قرب المسافة ولا كون المرئي ظاهرا على الارض أو مدفونا وانما يشترط كونه موجودا ولم يقم دليل على فناء جسمه صلى الله عليه وسلم بل جاء في الخبر الصحيح ما يدل على بقائه وتكون ثمره اختلاف الصفات اختلاف الدلالات كما قال بعض علماء التعبير إن من رآه شيخا فهو عام سلم أو شابا فهو عام حرب ويؤخذ من ذلك ما يتعلق بأقواله كما لو رآه أحد يأمره بقتل من لا يحل قتله فان ذلك يحمل على الصفة المتخيلة لا المرئية وقال القاضي عياض يحتمل أن يكون معنى الحديث إذا رآه على الصفة التي كان عليها في حياته لا على صفة مضادة لحاله فإن رؤى على غيرها كانت رؤيا تأويل لا رؤيا حقيقة فان من الرؤيا ما يخرج على وجهه ومنها ما يحتاج إلى تأويل وقال النووي هذا الذي قاله القاضي ضعيف بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كانت على صفته المعروفة أو غيرها كما ذكره المازري وهذا الذي رده الشيخ تقدم عن محمد بن سيرين إمام المعبرين إعتباره والذي قاله القاضي توسط حسن ويمكن الجمع بينه وبين ما قال المازري بأن تكون رؤياه على الحالين حقيقة لكن إذا كان على صورته كأن يرى في المنام على ظاهره لا يحتاج إلى تعبير وإذا كان على غير صورته كان النقص من جهة الرائي لتخيله الصفة على غير ما هي عليه ويحتاج ما يراه في ذلك المنام إلى التعبير وعلى ذلك جرى علماء التعبير فقالوا إذا قال الجاهل رأيت النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يسأل عن صفته فان وافق الصفة المروية وإلا فلا يقبل منه وأشاروا إلى ما إذا رواه على هيئة تخالف هيئته مع أن الصورة كما هي فقال أبو سعد أحمد بن محمد بن نصر من رأى نبيا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح الرائى وكمال جاهه وظفره بمن عاداه ومن رآه متغير الحال عابسا مثلا فذاك دال على سوء حال الرائي ونحا الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة إلى ما أختاره النووي فقال بعد ان حكى الخلاف ومنهم من قال إن الشيطان لا يتصور على صورته أصلا فمن رآه في صورة حسنة فذاك حسن في دين الرائي وان كان في جارحة من جوارحه شين أو نقص فذاك خلل في الرائي من جهة الدين قال وهذا هو الحق وقد جرب ذلك فوجد على هذا الاسلوب وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أو لا لانه صلى الله عليه وسلم نوراني مثل المرآة الصقيلة

[ 342 ]

ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها ولا شين وكذلك يقال في كلامه صلى الله عليه وسلم في النوم أنه يعرض على سنته فما وافقها فهو حق وما خالفها فالخلل في سمع الرائي فرؤيا الذات الكريمة حق والخلل انما هو في سمع الرائي أو بصره قال وهذا خير ما سمعته في ذلك ثم حكى القاضي عياض عن بعضهم قال خص الله نبيه بعموم رؤياه كلها ومنع الشيطان أن يتصور في صورته لئلا يتذرع بالكذب على لسانه في النوم ولما خرق الله العادة للانبياء للدلالة على صحة حالهم في اليقظة واستحال تصور الشيطان على صورته في اليقظة ولا على صفة مضادة لحاله إذ لو كان ذلك لدخل اللبس بين الحق والباطل ولم يوثق بما جاء من جهة النبوة حمى الله حماها لذلك من الشيطان وتصوره وإلقائه وكيده وكذلك حمى رؤياهم أنفسهم ورؤيا غير النبي للنبي عن تمثيل بذلك لتصح رؤياه في الوجهين ويكون طريقا على علم صحيح لا ريب فيه ولم يختلف العلماء في جواز رؤية الله تعالى في المنام وساق الكلام على ذلك قلت ويظهر لي في التوفيق بين جميع ما ذكروه أن من رآه على صفة أو أكثر مما يختص به فقد رآه ولو كانت سائر الصفات مخالفة وعلى ذلك فتتفاوت رؤيا من رآه فمن رآه على هيئته الكاملة فرؤياه الحق الذي لا يحتاج إلى تعبير وعليها يتنزل قوله فقد رأى الحق ومهما نقص من صفاته فيدخل التأويل بحسب ذلك ويصح إطلاق أن كل من رآه في أي حالة كانت من ذلك فقد رآه حقيقة تنبيه جوز أهل التعبير رؤية الباري عزوجل في المنام مطلقا ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم فإذا رؤى على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقا محضا لا يحتاج إلى تعبير وقال الغزالي ليس معنى قوله رآني أنه رأى جسمي وبدني وانما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأذى بها المعنى الذي في نفسي إليه وكذلك قوله فسيراني في اليقظة ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني قال والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية والنفس غير المثال المتخيل فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هم مثال له على التحقيق قال ومثل ذلك من يرى الله سبحانه وتعالى في المنام فان ذاته منزهة عن الشكل والصورة ولكن تنتهي تعريفاته إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره ويكون ذلك المثال حقا في كونه واسطة في التعريف فيقول الرائي رأيت الله تعالى في المنام لا يعني أني رأيت ذات الله تعالى كما يقول في حق غيره وقال أبو القاسم القشيري ما حاصله أن رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو فإنه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنه منزه عن ذلك لا يقذح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل كما قال الواسطي من رأى ربه على صورة شيخ كان إشارة إلى وقار الرائي وغير ذلك وقال الطيبي المعنى من رآني في المنام بأي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه رأى الرؤيا الحق التي هي من الله وهي مبشرة لا الباطل الذي هو الحلم المنسوب للشيطان فإن الشيطان لا يتمثل بي وكذا قوله فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وكذا قوله فقد رآني فان الشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية

[ 343 ]

في الكمال أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شئ وذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة ما ملخصه أنه يأخذ من قوله فان الشيطان لا يتمثل بي أن من تمثلت صورته صلى الله عليه وسلم في خاطره من أرباب القلوب وتصورت له في عالم سره أنه يكلمه أن ذلك يكون حقا بل ذلك أصدق من مراي غيرهم لما من الله به عليهم من تنوير قلوبهم انتهى وهذا المقام الذي أشار إليه هو الالهام وهو من جملة أصناف الوحي إلى الانبياء ولكن لم أر في شئ من الاحاديث وصفه بما وصفت به الرؤيا أنه جزء من النبوة وقد قيل في الفرق بينهما إن المنام يرجع إلى قواعد مقررة وله تأويلات مختلفة ويقع لكل أحد بخلاف الالهام فإنه لا يقع إلا للخواص ولا يرجع إلى قاعدة يميز بها بينه وبين لمة الشيطان وتعقب بأن أهل المعرفة بذلك ذكروا أن الخاطر الذي يكون من الحق يستقر ولا يضطرب والذى يكون من الشيطان يضطرب ولا يستقر فهذا إن ثبت كان فارقا واضحا ومع ذلك فقد صرح الائمة بأن الاحكام الشرعية لا تثبت بذلك قال أبو المظفر بن السمعاني في القواطع بعد أن حكى عن أبي زيد الدبوسي من أئمة الحنفية أن الالهام ما حرك القلب لعلم يدعو إلى العمل به من غير استدلال والذي عليه الجمهور أنه لا يجوز العمل به إلا عند فقد الحجج كلها في باب المباح وعن بعض المبتدعة أنه حجة واحتج بقوله نعالى فألهمها فجورها وتقواها وبقوله وأوحى ربك إلى النحل أي ألهمها حتى عرفت مصالحها فيؤخذ منه مثل ذلك للآدمي بطريق الاولى وذكر فيه ظواهر أخرى ومنه الحديث قوله صلى الله عليه وسلم اتقوا فراسة المؤمن وقوله لوابصة ما حاك في صدرك فدعه وإن أفتوك فجعل شهادة قلبه حجة مقدمة على الفتوى وقوله قد كان في الامم محدثون فثبت بهذا أن الالهام حق وأنه وحي باطل وانما حرمه العاصي لاستيلاء وحي الشيطان عليه قال وحجة أهل السنة الآيات الدالة على اعتبار الحجة والحث على التفكير في الآيات والاعتبار والنظر في الادلة وذم الاماني والهواجس والظنون وهي كثيرة مشهورة وبأن الخاطر قد يكون من الله وقد يكون من الشيطان وقد يكون من النفس وكل شئ أحتمل أن يكون حقا لما يوصف بأنه حق قال والجواب عن قوله فألهمها فجورها وتقواها أن معناه عرفها طريق العلم وهو الحجج وأما الوحي إلى النحل فنظيره في الآدمي فيما يتعلق بالصنائع وما فيه صلاح المعاش وأما الفراسة فنسلمها لكن لا تجعل شهادة القلب حجة لانا لا نتحقق كونها من الله أو من غيره انتهى ملخصا وقال بن السمعاني وإنكار الالهام مردود ويجوز أن يفعل الله بعبده ما يكرمه به ولكن التمييز بين الحق والباطل في ذلك ان كل ما استقام على الشريعة المحمدية ولم يكن في الكتاب والسنة ما يرده فهو مقبول وإلا فمردود يقع من حديث النفس ووسوسة الشيطان ثم قال ونحن لا ننكر أن الله يكرم عبده بزيادة نور منه يزداد به نظره ويقوي به رأيه وانما ننكر ان يرجع إلى قلبه بقول لا يعرف أصله ولا نزعم أنه حجة شرعية وانما هو نور يختص الله به من يشاء من عباده فان وافق الشرع كان الشرع هو الحجة انتهى ويؤخذ من هذا ما تقدم التنبيه عليه أن النائم لو رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأمره بشئ هل يجب عليه امتثاله ولا بد أو لا بد أن يعرضه على الشرع الظاهر فالثاني هو المعتمد تنبيه وقع في المعجم الاوسط للطبراني من حديث أبي سعيد مثل أول حديث في الباب بلفظه لكن زاد فيه ولا بالكعبة وقال لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث الحديث الثاني حديث أنس قوله من رآني في المنام فقد رآني هذا اللفظ وقع مثله

[ 344 ]

في حديث أبي هريرة كما مضى في كتاب العلم وفي كتاب الادب قال الطيبي اتحد في هذا الخبر الشرط والجزاء فدل على التناهي في المبالغة أي من رآني فقد رأى حقيقتي على كمالها بغير شبهة ولا إرتياب فيما رأى بل هي رؤيا كاملة ويؤيده قوله في حديثي أبي قتادة وأبي سعيد فقد رأى الحق أي رؤية الحق لا الباطل وهو يرد ما تقدم من كلام من تكلف في تأويل قوله من رآني في المنام فسيراني في اليقظة والذي يظهر لي أن المراد من رآني في المنام على أي صفة كانت فليستبشر ويعلم أنه قد رأى الرؤيا الحق التي هي من الله لا الباطل الذي هو الحلم فان الشيطان لا يتمثل بي قوله فان الشيطان لا يتمثل بي وقد تقدم بيانه وفيه ورؤيا المؤمن جزء الحديث وقد سبق قبل خمسة أبواب الحديث الثالث حديث أبي قتادة الرؤيا الصالحة من الله وسيأتي شئ من شرحه في باب الحلم من الشيطان وفيه فان الشيطان لا يتراءى بي وقد ذكرت ما فيه الحديث الرابع حديث أبي قتادة من رآني فقد رأى الحق أي المنام الحق أي الصدق ومثله في الحديث الخامس قال الطيبي الحق هنا مصدر مؤكد أي فقد رأى رؤية الحق وقوله فان الشيطان لا يتمثل بي لتتميم المعنى والتعليل للحكم قوله تابعه يونس يعني بن يزيد وابن أخي الزهري هو محمد بن عبد الله بن مسلم يريد أنهما روياه عن الزهري كما رواه الزبيدي وقد ذكرت في الحديث الاول أن مسلما وصلهما من طريقهما وساقه على لفظ يونس وأحال برواية بن أخي الزهري عليه وأخرجه أبو يعلى في مسنده عن أبي خيثمة شيخ مسلم فيه ولفظه من رآني في المنام فقد رأى الحق وقال الاسماعيلي وتابعهما شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قلت وصله الذهلي في الزهريات الحديث الخامس حديث أبي سعيد من رآني فقد رأى الحق فان الشيطان لا يتكونني وقد تقدم ما فيه وابن الهاد في السند وهو يزيد بن عبد الله بن أسامة قال الاسماعيلي ورواه يحيى بن أيوب عن بن الهاد قال ولم أره يعني البخاري ذكر عنه أي عن يحيى بن أيوب حديثا براسه إلا استدلالا أي متابعة إلا في حديث واحد ذكره في النذور من طريق بن جريج عن يحيى بن أيوب عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن عقبة بن عامر في قصة أخته قلت والحديث المذكور أخرجه البخاري عن أبي عاصم عن بن جريج بهذا السند وسقط في بعض النسخ من الصحيح لكنه أورده في كتاب الحج عن أبي عاصم وليس كما قال الاسماعيلي انه أخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا فإنه أخرجه من رواية هشام بن يوسف عن بن جريج عن سعيد بن أبي أيوب فكأن لابن جريج فيه شيخين وكل منهما رواه له عن يزيد بن أبي حبيب فأشار البخاري إلى أن هذا الاختلاف ليس بقاذح في صحة الحديث وظهر بهذا أنه لم يخرجه ليحيى بن أيوب استقلالا بل بمتابعة سعيد بن أبي أيوب قوله باب رؤيا الليل أي رؤيا الشخص في الليل هل تساوي رؤياه بالنهار أو تتفاوتان وهل بين زمان كل منهما تفاوت وكأنه يشير إلى حديث أبي سعيد أصدق الرؤيا بالاسحار أخرجه أحمد مرفوعا وصححه بن حبان وذكر نصر بن يعقوب الدينوري أن الرؤيا أول الليل يبطئ تأويلها ومن النصف الثاني يسرع بتفاوت أجزاء الليل وأن أسرعها تأويلا رؤيا السحر ولا سيما عند طلوع الفجر وعن جعفر الصادق أسرعها تأويلا رؤيا القيلولة وذكر فيه أربعة أحاديث الاول قوله رواه سمرة يشير إلى حديثه الطويل الآتي في آخر كتاب التعبير وفيه أنه أتاني الليلة آتيان وسيأتي الكلام عليه هناك الحديث الثاني قوله عن محمد هو بن

[ 345 ]

سرين وصرح به في رواية أسلم بن سهيل عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه عند أبي نعيم والسند كله بصريون قوله أعطيت مفاتيح الكلم ونصرت بالرعب كذا في هذه الرواية وقد أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان وعبد الله بن يس كلاهما عن أحمد بن المقدام شيخ البخاري فيه بلفظ أعطيت جوامع الكلم وأخرجه عن أبي القاسم البغوي عن أحمد بن المقدام باللفظ الذي ذكره البخاري ووقع في رواية أسلم بن سهل بلفظ فواتح الكلم وسيأتي بعد أبواب من رواية سعيد بن المسيب عن أبي هريرة بلفظ بعثت بجوامع الكلم قال البغوي فيما ذكره عنه الاسماعيلي لا أعلم حدث به عن أيواب غير محمد بن عبد الرحمن قوله وبينا أنا نائم البارحة إذ أتيت بمفاتيح خزائن الارض سيأتي شرحه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام الحديث الثالث حديث بن عمر في رؤيته صلى الله عليه وسلم المسيح بن مريم والمسيح الدجال قوله أراني الليله عند الكعبة سيأتي في باب الطواف بالكعبة من وجه آخر عن بن عمر بلفظ بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة الحديث وسيأتي الكلام عليه هناك إن شاء الله تعالى الحديث الرابع قوله حدثنا يحيى هو بن عبد الله بن بكير قوله ان رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إني أريت الليلة في المنام وساق الحديث كذا اقتصر من الحديث على هذا القدر وساقه بعد خمسة وثلاثين بابا عن يحيى بن بكير بهذا السند بتمامه وسيأتي شرحه هناك إن شاء الله تعالى قوله وتابعه سليمان بن كثير وابن أخي الزهري وسفيان بن حسين الخ أما متابعة سليمان بن كثير فوصلها مسلم من رواية محمد بن كثير عن أخيه ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي وأما متابعة بن أخي الزهري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما متابعة سفيان بن حسين فوصلها أحمد بن يزيد بن هارون عنه قوله وقال الزبيدي عن الزهري فذكره بالشك في بن عباس أو أبي هريرة قلت وصلها مسلم أيضا قوله وقال شعيب وإسحاق بن يحيى عن الزهري كان أبو هريرة يحدث قلت وصلهما الذهلي في الزهريات قوله وكان معمر لا يسنده حتى كان بعد وصله إسحاق بن راهويه في مسنده عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري كرواية يونس ولكن قال عن بن عباس كان أبو هريرة يحدث قال إسحاق قال عبد الرزاق كان معمر يحدث به فيقول كان بن عباس يعنى ولا يذكر عبيد الله بن عبد الله في السند حتى جاءه زمعة بكتاب فيه عن الزهري عن عبيدالله عن بن عباس فكان لا يشك فيه بعد وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع وأفاد الاسماعيلي فيه اختلافا آخر عن الزهري فساقه من رواية صالح بن كيسان عنه فقال عن سليمان بن يسار عن بن عباس والمحفوظ قول من قال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قوله باب رؤيا النهار كذا لابي ذر ولغيره باب الرؤيا بالنهار قوله وقال بن عون هو عبد الله عن بن سيرين هو محمد قوله رؤيا النهار مثل الليل

[ 346 ]

وفي رواية السرخسي مثل رؤيا الليل وهذا الاثر وصله علي بن أبي طالب القيرواني في كتاب التعبير له من طريق مسعدة بن اليسع عن عبد الله بن عون به ذكر ذلك مغلطاي قال القيرواني ولا فرق في حكم العبارة بين رؤيا الليل والنهار وكذا رؤيا النساء والرجال وقال المهلب نحوه وقد تقدم نحو ما نقل عن بعضهم في التفاوت وقد يتفاوتان أيضا في مراتب الصدق وذكر في الباب حديث أنس في قصة نوم النبي صلى الله عليه وسلم عند أم حرام وفيه فدخل عليها يوما فاطعمته وجعلت تفلى رأسه فنام وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الاستئذان في باب من رأى قوما فقال عندهم أي من القائلة وذكر بن التين أن بعضهم زعم أن في الحديث دليلا على صحة خلافة معاوية لقوله في الحديث فركبت البحر زمن معاوية وفيه نظر لان المراد بزمنه زمن امارته على الشام في خلافة عثمان مع أنه لا تعرض في الحديث إلى اثبات الخلافة ولا نفيها بل فيه أخبار بما سيكون فكان كما أخبر ولو وقع ذلك في الوقت الذي كان معاوية خليفة لم يكن في ذلك معارضة لحديث الخلافة بعدي ثلاثون سنة لان المراد به خلافة النبوة واما معاوية ومن بعده فكان أكثرهم على طريقة الملوك ولو سموا خلفاء والله أعلم قوله باب رؤيا النساء تقدم كلام القيرواني وغيره في ذلك وذكر أيضا أن المرأة إذا رأت ما ليست له أهلا فهو لزوجها وكذا حكم العبد لسيده كما أن رؤيا الطفل لابويه وذكر بن بطال الاتفاق على أن رؤيا المؤمنة الصالحة داخلة في قوله رؤيا المؤمن الصالح جزء من أجزاء النبوة وذكر في الباب حديث أم العلاء في قصة عثمان بن مظنون ورؤياها له العين الجارية وقد مضى شرحه في أوائل الجنائز وذكر في الشهادات وفي الهجرة ويأتي الكلام على العين الجارية بعد ثلاثة عشر بابا إن شاء الله تعالى وقوله هنا فوجع أي مرض وزنه ومعناه ويجوز ضم الواو قوله باب الحلم من الشيطان فإذا حلم فليبصق عن يساره وليستعذ بالله عزوجل هكذا ترجم لبعض ألفاظ الحديث وقد تقدم شرحه قريبا والحلم بضم المهملة وسكو اللام وقد تضم ما يراه النائم ولم يحك النووي غير السكون يقال حلم بفتح اللام يحلم بضمها وأما من الحلم بكسر أوله وسكون ثانيه فيقال حلم بضم اللام وجمع الحلم بالضم والحلم بالكسر أحلام وذكر فيه حديث أبي قتادة وسيأتي الالمام بشئ منه في شرح حديث أبي هريرة في باب القيد في المنام وإضافة الحلم إلى الشيطان بمعنى أنها تناسب صفته من الكذب والتهويل وغير ذلك بخلاف الرؤيا الصادقة فأضيفت إلى الله إضافة تشريف وان كان الكل بخلق الله وتقديره كما أن جميع عباد الله ولو كانوا عصاة كما قال يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم وقوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قوله باب اللبن أي إذا رؤي في المنام بماذا يعبر قال المهلب اللبن يدل على الفطرة والسنة والقرآن والعلم قلت

[ 347 ]

وقد جاء في بعض الاحاديث المرفوعة تأويله بالفطرة كما أخرجه البزار من حديث أبي هريرة رفعه اللبن في المنام فطرة وعند الطبراني من حديث أبي بكرة رفعه من رأى أنه شرب لبنا فهو الفطرة ومضى في حديث أبي هريرة في أول الاشربة أنه صلى الله عليه وسلم لما أخذ قدح اللبن قال له جبريل الحمد لله الذي هداك للفطرة وذكر الدينوري أن اللبن المذكور في هذا يختص بالابل أنه لشاربه مال حلال وعلم وحكمة قال ولبن البقر خصب السنة ومال حلال وفطرة أيضا ولبن الشاة مال وسرور وصحة جسم وألبان الوحش شك في الدين وألبان السباع غير محمودة إلا أن لبن اللبوة مال مع عداوة لذي أمر قوله حدثنا عبدان كذا للجميع ووقع في أطراف المزي أن البخاري أخرج هذا في التعبير عن أبي جعفر محمد بن الصلت وفي فضل عمر عن عبدان الموجود في الصحيح بالعكس وعبد هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وحمزة الراوي عن بن عمر هو ولده ووقع في الباب الذي يليه من وجه آخر عن الزهري عن حمزة أنه سمع عبد الله بن عمر قال بن العربي لم يخرج البخاري هذا الحديث من غير هذه الطريق وكان ينبغي على طريقته أن يخرجه عن غيره ولو وجد قلت بل وجد وأخرجه كما تقدم في فضل عمر من طريق سالم أخي حمزة عن أبيهما وإشارته إلى أن طريقة البخاري أن يخرج الحديث من طريقين فصاعدا إلا أن لا يجد في مقام المنع قوله حتى إني لا رى الري يخرج في أظافيري في رواية الكشميهني من أظافيري وفي رواية صالح بن كيسان من أطرافي وهذه الرؤيا يحتمل أن تكون بصرية وهو الظاهر ويحتمل أن تكون علمية ويؤيد الاول ما عند الحاكم والطبراني من طريق أبي بكر بن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه عن جده في هذا الحديث فشربت حتى رأيته يجري في عروقي بين الجلد واللحم على أنه محتمل أيضا قوله ثم أعطيت فضلي يعني عمر كذا في الاصل كأن بعض رواته شك ووقع في رواية صالح بن كيسان بالجزم ولفظه فأعطيت فضلي عمر بن الخطاب وفي رواية أبي بكر بن سالم ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قوله قالوا فما أولته في رواية صالح فقال من حوله وفي رواية سفيان بن عيينة عن الزهري عند سعيد بن منصور ثم ناول فضله عمر قال ما أولته وظاهره أن السائل عمر ووقع في رواية أبي بكر بن سالم أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم أولوها قال يا نبي الله هذا علم أعطاكه الله فملاك منه ففضلت فضلة فأعطيتها عمر قال أصبتم ويجمع بأن هذا وقع أولا ثم أحتمل عندهم أن يكون عند في تأويلها زيادة على ذلك فقالوا ما أولته الخ وقد تقدم بعض شرح هذا الحديث في كتاب العلم وبعضه في مناقب عمر قال بن العربي اللبن رزق يخلقه الله طيبا بين أخباث من دم وفرث كالعلم نور يظهره الله في ظلمة الجهل فضرب به المثل في المنام قال بعض العارفين الذي خلص اللبن بين فرث ودم قادر على أن يخلق المعرفة من بين شك وجهل ويحفظ العمل عن غفلة وزلل وهو كما قال لكن اطردت العادة بأن العلم بالتعلم والذي ذكره قد يقع خارقا للعادة فيكون من باب الكرامة وقال بن أبي جمرة تأول النبي صلى الله عليه وسلم اللبن بالعلم اعتبارا بما بين له أول الامر حين أتى بقدح خمر وقدح لبن فأخذ اللبن فقال له جبريل أخذت الفطرة الحديث قال وفي الحديث مشروعية قص الكبير رؤياه على من دونه وإلقاء العالم المسائل واختبار أصحابه في تأويلها وأن من الادب أن يرد الطالب علم ذلك إلى معلمه قال والذي يظهر أنه لم يرد منهم أن يعبروها وانما أرادو أن يسألوه عن تعبيرها ففهموا مراده فسألوه فأفادهم وكذلك

[ 348 ]

ينبغي أن يسلك هذا الادب في جميع الحالات قال وفيه أن علم النبي صلى الله عليه وسلم بالله لا يبلغ أحد درجته فيه لانه شرب حتى رأى الري يخرج من أطرافه وأما إعطاؤه فضله عمر ففيه إشارة إلى ما حصل لعمر من العلم بالله بحيث كان لا يأخذه في الله لومة لائم قال وفيه أن من الرؤيا ما يدل على الماضي والحال والمستقبل قال وهذه أولت على الماضي فان رؤياه هذه تمثيل بأمر قد وقع لان الذي أعطيه من العلم كان قد حصل له وكذلك أعطيه عمر فكانت فائدة هذه الرؤيا تعريف قدر النسبة بين ما أعطيه من العلم وما أعطيه عمر قوله باب إذا جرى اللبن في أطرافه وأظافيره يعني في المنام وذكر فيه حديث بن عمر المذكور قبله وقد تقدم شرحه فيه قوله باب القميص في المنام في رواية الكشميهني القمص بضمتين بالجمع وكلاهما من الخبر قوله حدثني يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد بن إبراهيم وقد مضى في كتاب الايمان من وجه آخر عن إبراهيم بن سعد أعلى من هذا وصالح هو بن كيسان قوله رأيت الناس وهو من الرؤية البصرية وقوله يعرضون حال ويجوز أن يكون من الرؤيا العلمية ويعرضون مفعول ثان والناس بالنصب على المفعولية ويجوز فيه الرفع قوله يعرضون تقدم في الايمان بلفظ يعرضون على وفي رواية عقيل الآتية بعد عرضوا قوله منها ما يبلغ الثدي بضم المثلثة وكسر الدال وتشديد الياء جمع ثدي بفتح ثم سكون والمعنى أن القميص قصير جدا بحيث لا يصل من الحلق إلى نحو السرة بل فوقها وقوله ومنها ما يبلغ دون ذلك يحتمل أن يريد دونه من جهة السفل وهو الظاهر فيكون أطول ويحتمل أن يريد دونه من جهة العلو فيكون أقصر ويؤيد الاول ما في رواية الحكيم الترمذي من طريق أخرى عن بن المبارك عن يونس عن الزهري في هذا الحديث فمنهم من كان قميصه إلى سرته ومنهم من كان قميصه إلى ركبته ومنهم من كان قميصه إلى أنصاف ساقيه قوله ومر على عمر بن الخطاب في رواية عقيل وعرض على عمر بن الخطاب قوله قميص يجره في رواية عقيل يجتره قوله قالوا ما أولته في رواية الكشميهني أولت بغير ضمير وتقدم في الايمان أول الكتاب بلفظ فما أولت ذلك ووقع عند الترمذي الحكيم في الرواية المذكورة فقال له أبو بكر على ما تأولت هذا يا رسول الله قوله قال الدين بالنصب والتقدير أولت ويجوز الرفع ووقع في رواية الحكيم المذكورة قال على الايمان قوله باب جر القميص في المنام ذكر فيه حديث أبي سعيد المذكور قبله من وجه آخر عن بن شهاب وقد أشرت إلى الاختلاف في اسم صحابي هذا الحديث في مناقب عمر قالوا وجه تعبير القميص بالدين أن القميص يستر العورة في الدنيا والدين يسترها في الآخرة ويحجبها عن كل مكروهة والاصل فيه قوله تعالى ولباس التقوى ذلك خير الآية والعرب تكني عن الفضل والعفاف بالقميص ومنه قوله صلى الله عليه وسلم لعثمان أن الله سيلبسك قميصا فلا تخلعه وأخرجه أحمد والترمذي وابن ماجة وصححه بن حبان واتفق أهل التعبير على أن القميص يعبر بالدين وأن طوله يدل على بقاء آثار صاحبه من بعده وفي الحديث أن أهل الدين يتفاضلون في الدين بالقلة والكثرة وبالقوة والضعف وتقدم تقرير ذلك في كتاب الايمان وهذا من أمثلة ما يحمد في المنام ويذم في اليقظة شرعا أعني جر القميص لما ثبت من الوعيد في تطويله ومثله ما سيأتي في باب القيد وعكس هذا ما يذم في المنام ويحمد في اليقظة وفي الحديث مشروعية تعبير

[ 349 ]

الرؤيا وسؤال العالم بها عن تعبيرها ولو كان هو الرائي وفيه الثناء على الفاضل بما فيه لاظهار منزلته عند السامعين ولا يخفى أن محل ذلك إذا أمن عليه من الفتنة بالمدح كالاعجاب وفيه فضيلة لعمر وقد تقدم الجواب عما يستشكل من ظاهره وإيضاح أنه لا يستلزم أن يكون أفضل من أبي بكر وملخصه أن المراد بالافضل من يكون أكثر ثوابا والاعمال علامات الثواب فمن كان عمله أكثر فدينه أقوى ومن كان دينه أقوى فثوابه أكثر ومن كان ثوابه أكثر فهو أفضل فيكون عمر أفضل من أبي بكر وملخص الجواب أنه ليس في الحديث تصريح بالمطلوب فيحتمل أن يكون أبي بكر لم يعرض في أولئك الناس إما لانه كان قد عرض قبل ذلك وإما لانه لا يعرض أصلا وأنه لما عرض كان عليه قميص أطول من قميص عمر ويحتمل أن يكون سر السكوت عن ذكره الاكتفاء بما علم من أفضليته ويحتمل أن يكون وقع ذكره فذهل عنه الراوي وعلى التنزل بأن الاصل عدم جميع هذه الاحتمالات فهو معارض بالاحاديث الدالة على أفضلية الصديق وقد تواترت تواترا معنويا فهي المعتمدة وأقوى هذه الاحتمالات ان لا يكون أبو بكر عرض مع المذكورين والمراد من الخبر التنبيه على أن عمر ممن حصل له الفضل البالغ في الدين وليس فيه ما يصرح بانحصار ذلك فيه وقال بن العربي انما أوله النبي صلى الله عليه وسلم بالدين لان الدين يستر عوره الجهل كما يستر الثوب عورة البدن قال وأما غير عمر فالذي كان يبلغ الثدي هو الذي يستر قلبه عن الكفر وان كان يتعاطى المعاصي والذي كان يبلغ أسفل من ذلك وفرجه باد هو الذي لم يستر رجليه عن المشي إلى المعصية والذي يستر رجليه هو الذي احتجب بالتقوى من جميع الوجوه والذي يجر قميصه زائدا على ذلك بالعمل الخالص قال بن أبي جمرة ما ملخصه المراد بالناس في هذا الحديث المؤمنون لتأويله القميص بالدين قال والذي يظهر أن المراد خصوص هذه الامة المحمدية بل بعضها والمراد بالدين العمل بمقتضاه كالحرص على امتثال الاوامر واجتناب المناهي وكان لعمر في ذلك المقام العالي قال ويؤخذ من الحديث ان كل ما يرى في القميص من حسن أو غيره فإنه يعبر بدين لابسه قال والنكتة في القميص أن لابسه إذا اختار نزعه وإذا اختار بقاءه فلما ألبس الله المومنين لباس الايمان واتصفوا به كان الكامل في ذلك سابغ الثوب ومن لا فلا وقد يكون نقص الثوب فما زاد على ذلك كان مذموما وفي الآخرة زينة محضة فناسب أن يكون تعبيره بحسب هيئته من زيادة أو نقص ومن حسن وضده فمهما زاد من ذلك كان من فضل لابسه وينسب لكل ما يليق به من دين أو علم أو جمال أو حلم أو تقدم في فئة وضده لضده قوله باب الخضر في المنام والروضة الخضراء الخضر بضم الخاء وسكون الضاد المعجمتين جمع أخضر وهو اللون المعروف في الثياب وغيرها ووقع في رواية النسفي الخضرة بسكون الضاد وفي آخره هاء تأنيث وكذا في رواية أبي أحمد الجرجاني وبعض الشروح قال القيرواني الروضة التي لا يعرف نبتها تعبر بالاسلام لنضارتها وحسن بهجتها وتعبر أيضا لكل مكان فاضل وقد تعبر بالمصحف وكتب العلم والعالم ونحو ذلك قوله حدثنا الحرمي بمهملتين مفتوحتين وهو اسم بلفظ النسب تقدم بيانه قوله عن محمد بن سيرين قال قيس بن عباد حذف قال الثانية على العادة في حذفها خطأ والتقدير عن محمد بن سيرين انه قال قال

[ 350 ]

قيس ووقع في رواية بن عون كما سيأتي بعد بابين عن محمد وهو بن سيرين حدثني قيس بن عباد وهو بضم أوله وتخفيف الموحدة وآخره دال تقدم ذكره في مناقب عبد الله بن سلام بهذا الحديث وتقدم له حديث آخر في تفسير سورة الحج وفي غزوة بدر أيضا وليس له في البخاري سوى هذين الحديثين وهو بصري تابعي ثقة كبير له إدراك قدم المدينة في خلافة عمر ووهم من عده في الصحابة قوله كنت في حلقة بفتح أوله وسكون اللام قوله فيها سعد بن مالك يعني بن أبي وقاص وابن عمر هو عبد الله بن عمر بن الخطاب قوله فمر عبد الله بن سلام هو الصحابي المشهور الاسرائيلي وأبوه بتخفيف اللام اتفاقا وقد تقدم بيان نسبه في مناقبه من كتاب مناقب الصحابة ووقع في رواية بن عون الماضية في المناقب بلفظ كنت جالسا في مسجد المدينة فدخل رجل على وجهه أثر الخشوع فقالوا هذا رجل من أهل الجنة زاد مسلم من هذا الوجه كنت بالمدينة في ناس فيهم بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاء رجل في وجهه أثر من خشوع قوله فقالوا هذا رجل من أهل الجنة في رواية بن عون المشار إليها عند مسلم فقال بعض القوم هذا رجل من أصل الجنة وكررها ثلاثا وفي رواية خرشة بفتح الخاء المعجمة والراء والشين المعجمة بن الحر بن الحر بضم الحاء وتشديد الراء المهملتين الفزاري عند مسلم أيضا كنت جالسا في حلقة في مسجد المدينة وفيها شيخ حسن الهيئة وهو عبد الله بن سلام فجعل يحدثهم حديثا حسنا فلما قام قال القوم من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا وفي رواية النسائي من هذا الوجه فجاء شيخ يتوكأ على عصا له فذكر نحوه ويجمع بينهما بأنهما قصتان اتفقتا لرجلين فكأنه كان يجلس في مجلس يتحدث كما في رواية خرشة فلما قام ذاهبا مر على الحلقة التي فيها سعد بن أبي وقاص وابن عمر فحضر ذلك قيس بن عباد كما في روايته وكل من خرشة وقيس اتبع عبد الله بن سلام ودخل عليه منزله وسأله فأجابه ومن ثم اختلف الجواب بالزيادة والنقص كما سأبينه سواء كان زمن اجتماعهما بعبد الله بن سلام اتحد أم تعدد قوله فقلت له إنهم قالوا كذا وكذا بين في رواية بن عون عند مسلم أن قائل ذلك رجل واحد وفيه عنده زيادة ولفظه ثم خرج فاتبعته فدخل منزله ودخلت فتحدثنا فلما استأنس قلت له إنك لما دخلت قبل قال رجل كذا وكذا وكأنه نسب القول للجماعة والناطق به واحد لرضاهم به وسكوتهم عليه وفي رواية خرشة فقلت والله لاتبعنه فلاعلمن مكان بيته فانطلق حتى كان يخرج من المدينة ثم دخل منزله فاستأذنت عليه فأذن لي فقال ما حاجتك يا بن أخي فقلت سمعت القوم يقولون فذكر اللفظ الماضي وفيه فأعجبني أن أكون معك وسقطت هذه القصة في رواية النسائي وعنده فلما قضي صلاته قلت زعم هؤلاء قوله قال سبحان الله ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم تقدم بيان المراد من هذا في المناقب مفصلا ووقع في رواية خرشة فقال الله أعلم بأهل الجنة وسأحدثك مما قالوا ذلك فذكر المنام وهذا يقوي احتمال أنه أنكر عليهم الجزم ولم ينكر أصل الاخبار بأنه من أهل الجنة وهذا شأن المراقب الخائف المتواضع ووقع في رواية النسائي الجنة لله يدخلها من يشاء زاد بن ماجة من هذا الوجه الحمد لله قوله انما رأيت كأنما عمود وضع في روضة خضراء بين في رواية بن عون أن العمود كان في وسط الروضة ولم يصف الروضة في هذه الرواية وتقدم في المناقب من رواية بن عون رأيت كأني في روضة ذكر من سعتها وخضرتها

[ 351 ]

قال الكرماني يحتمل أن يراد بالروضة جميع ما يتعلق بالدين وبالعمود الاركان الخمسة وبالعروة الوثقى الايمان قوله فنصب فيها بضم النون وكسر المهملة بعدها موحدة وفي رواية المستملي والكشميهني قبضت بفتح القاف والموحدة بعدها ضاد معجمة ساكنة ثم تاء المتكلم قوله وفي رأسها عروة في رواية بن عون وفي أعلى العمود عروة وفي روايته في المناقب ووسطها عمود من حديد أسفله في الارض وأعلاه في السماء في أعلاه عروة وعرف من هذا أن الضمير في قوله وفي رأسها للعمود والعمود مذكر وكأنه أنث باعتبار الدعامة قوله وفي أسفلها منصف تقدم ضبطه في المناقب قوله والمنصف الوصيف هذا مدرج في الخبر وهو تفسير من بن سيرين بدليل قوله في رواية مسلم فجاءني منصف قال بن عون والمنصف الخادم فقال بثيابي من خلف ووصف أنه رفعه من خلفه بيده قوله فرقيت بكسر القاف على الافصح فاستمسكت بالعروة زاد في رواية المناقب فرقيت حتى كنت في أعلاها فأخذت بالعروة فاستمسكت فاستيقظت وإنها لفي يدي ووقع في رواية خرشة حتى أتى بي عمود رأسه في السماء وأسفله في الارض في أعلاه حلقة فقال لي اصعد فوق هذا قال قلت كيف أصعد فأخذ بيدي فزجل بي وهو بزاي وجيم أي رفعني فإذا أنا متعلق بالحلقة ثم ضرب العمود فخر وبقيت متعلقا بالحلقة حتى أصبحت وفي رواية خرشة أيضا زيادة في أول المنام ولفظه انى بينما أنا نائم إذ أتاني رجل فقال لي قم فأخذ بيدي فانطلقت معه فإذا أنا بجواد بجيم ودال مشددة جمع جادة وهي الطريق المسلوكة عن شمالي قال فأخذت لآخذ فيها أي أسير فقال لا تأخذ فيها فانها طرق أصحاب الشمال وفي رواية النسائي من طريقه فبينا أنا أمشي إذ عرض لي طريق عن شمالي فأردت أن اسلكها فقال إنك لست من أهلها رجع إلى رواية مسلم قال وإذا منهج على يميني فقال لي خذ ههنا فأتى بي جبلا فقال لي اصعد قال فجعلت إذا أردت أن أصعد خررت حتى فعلت ذلك مرارا وفي رواية النسائي وابن ماجة جبلا زلقا فأخذ بيدي فزجل بي فإذا أنا في ذروته فلم أتقار ولم أتماسك وإذا عمود حديد في ذروته حلقة من ذهب فأخذ بيدي فزجل بي حتى أخذت بالعروة فقال استمسك فاستمسكت قال فضرب العمود برجله فاستمسكت بالعروة قوله فقصصتها على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يموت عبد الله وهو آخذ بالعروة الوثقى زاد في رواية بن عون فقال تلك الروضة روضة الاسلام وذلك العمود عمود الاسلام فهي طرق أصحاب الشمال والطرق التي عن يمينك طرق أصحاب اليمين وفي رواية النسائي طرق أهل النار وطرق أهل الجنة ثم اتفقا وأما الجبل فهو منزل الشهداء زاد مسلم ولن تناله وأما العمود إلى آخره وزاد النسائي وابن ماجة في آخره فأنا أرجو أن أكون من أهلها وفي الحديث منقبة لعبد الله بن سلام وفيه من تعبير الرؤيا معرفة اختلاف الطرق وتأويل العمود والجبل والروضة الخضراء والعروة وفيه من أعلام النبوة أن عبد الله بن سلام لا يموت شهيدا فوقع كذلك مات على فراشه في أول خلافة معاوية بالمدينة ونقل بن التين عن الداودي أن القوم انما قالوا في عبد الله بن سلام أنه من أهل الجنة لانه كان من أهل بدر كذا قال والذي أوردته من طرق القصة يدل على أنهم انما أخذوا

[ 352 ]

ذلك من قوله لما ذكر طريق الشمال إنك لست من أهلها وانما قال ما كان ينبغي لهم أن يقولوا ما ليس لهم به علم على سبيل التواضع كما تقدم وكراهة أن يشار إليه بالاصابع خشية أن يدخله العجب ثم انه ليس من أهل بدر أصلا والله أعلم قوله باب كشف المرأة في المنام وقوله بعده باب ثياب الحرير في المنام ذكر فيها حديث عائشة في رؤية النبي صلى الله عليه وسلم لها في المنام قبل أن يتزوجها وساقه في الاول من طريق أبي أسامة وفي الثاني من طريق أبي معاوية كلاهما عن هشام وهو بن عروة بن الزبير عن أبيه عنها وزاد في رواية أبي أسامة فيقول هذه امرأتك وبهذه الزيادة ينتظم الكلام وزاد في رواية أبي معاوية قبل أن أتزوجك وأعاد فيها صورة المنام بيانا لقوله أريتك مرتين فقال في روايته رأيت الملك يحملك ثم قال أريتك يحملك وقال في المرتين فقلت له اكشف ووقع في رواية أبي أسامة فاكشفها والضمير لقوله امرأتك وقد تقدم في السيرة النبوية قبل الهجرة إلى المدينة من طريق وهيب بن خالد عن هشام بنحو سياق أبي أسامة وتقدم في النكاح من طريق حماد بن زيد عن هشام ولفظه فقال لي هذه امرأتك فكشفت عن وجهك ويجمع هذا الاختلاف أن نسبة الكشف إليه لكونه الآمر به وأن الذي باشر الكشف هو الملك ووقع في هذه الطريق عند مسلم والاسماعيلي بعد قوله المنام ثلاث ليال فلعل البخاري حذفها لان الاكثر رووه بلفظ مرتين وكذلك أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن إدريس وأبو عوانة من رواية مالك ومن رواية يونس بن بكير ومن رواية عبد العزيز بن المختار كلهم عن هشام بن عروة جازمين بمرتين ومن رواية حماد بن سلمة عن هشام فقال في روايته مرتين أو ثلاثا بالشك فيحتمل أن يكون الشك من هشام فأقتصر البخاري على المحقق وهو قوله مرتين وتأكد ذلك عنده برواية أبي معاوية المفسرة وحذف لفظ ثلاث من رواية حماد بن زيد لان أصل الحديث ثابت وقوله فإذا هي أنت قال القرطبي يريد انه رآها في النوم كما رآها في اليقظة فكانت المراد بالرؤيا لا غيرها وقد بين حماد بن سلمة في روايته المراد ولفظه أتيت بجارية في سرقة من حرير بعد وفاة خذيجة فكشفتها فإذا هي أنت الحديث وهذا يدفع الاحتمال الذي ذكره بن بطال ومن تبعه حيث جوزوا أن هذه الرؤيه قبل أن يوحى إليه وقد تقدم تفسير السرقة وضبطها وأن الملك المذكور هو جبريل وكثير من مباحثه في كتاب النكاح وذكرت احتمالا عن عياض في قوله إن يكن هذا من عند الله يمضه ثم وجدته أخذ أكثره من كلام بن بطال ومحمد في السند الثاني جزم السرخسي في رواية أبي ذر عنه أنه أبو كريب محمد بن العلاء وكلام الكلاباذي يقتضي انه بن سلام قال بن بطال رؤيا المرأة في المنام يختلف على وجوه منها أن يتزوج الرائي حقيقة بمن يراها أو شبهها ومنها أن يدل على حصول دنيا أو منزلة فيها أو سعة في الرزق وهذا أصل عند المعبرين في ذلك وقد تدل المرأة بما يقترن بها في الرؤيا على فتنة تحصل للرائي وأما ثياب الحرير فيدل اتخاذها للنساء في المنام عليه ولا سيما واللباس في العرف دال على أقدار الناس وأحوالهم قوله باب المفاتيح في اليد أي إذا رؤيت في المنام قال أهل التعبير المفتاح مال وعز وسلطان فمن رأى أنه فتح باب بمفتاح فإنه يظفر بحاجته بمعونة من له بأس وإن رأى أن بيده مفاتيح فإنه يصيب سلطانا عظيما وذكر فيه

[ 353 ]

حديث أبي هريرة الماضي في باب رؤيا الليل من وجه آخر عنه بلفظ بعث بجوامع الكلم وفيه وبينا أنا نائم أتيت بمفاتيح خزائن الارض فوضعت في يدي وقد تقدم في الباب المذكور بلفظ وبينما أنا نائم البارحة قوله في آخره قال أبو عبد الله كذا لابي ذر ووقع في رواية كريمة قال محمد فقال بعض الشراح لا منافاة لانه اسمه والقائل هو البخاري والذي يظهر لي أن الصواب ما عند كريمة فان هذا الكلام ثبت عن الزهري واسمه محمد بن مسلم وقد ساقه البخاري هنا من طريقه فيبعد أن يأخذ كلامه فينسبه لنفسه وكأن بعضهم لما رأى وقال محمد ظن أنه البخاري فأراد تعظيمه فكناه فأخطا لان محمدا هو الزهري وليست كنيته أبا عبد الله بل هو أبو بكر وسيأتي الكلام على جوامع الكلم وسيأتي الحديث في الاعتصام ان شاء الله تعالى رضي الله تعالى عنهما قوله باب التعليق بالعروة والحلقة وذكر فيه حديث عبد الله بن سلام رأيت كأني في روضة وقد تقدم قبل هذا بأربعة أبواب أتم من هذا وتقدم شرحه هناك قال أهل التعبير الحلقة والعروة المجهولة تدل لمن تمسك بها على قوته في دينه وإخلاصه فيه قوله باب عمود الفسطاط العمود بفتح أوله معروف والجمع أعمدة وعمد بضمتين وبفتحتين ما ترفع به الاخبية من الخشب ويطلق أيضا على ما يرفع به البيوت من حجارة كالرخام والصوان ويطلق على ما يعتمد عليه من حديد وغيره وعمود الصبح ابتداء ضوئه والفسطاط بضم الفاء وقد تكسر وبالطاء المهملة مكررة وقد تبدل الاخيرة سينا مهملة وقد تبدل التاء طاء مثناة فيها وفي أحدهما وقد تدغم التاء الاولى في السين وبالسين المهملة وفي آخره لغات تبلغ على هذا اثنتي عشرة اقتصر النووي منها على ست الاولى والاخيرة وبتاء بدل الطاء الاولى وبضم الفاء وبكسرها وقال الجواليقي انه فارسي معرب قوله تحت وسادته عند النسفي عند بدل تحت كذا للجميع ليس فيه حديث وبعده عندهم باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام إلا أنه سقط لفظ باب عند النسفي والاسماعيلي وفيه حديث بن عمر رأيت في المنام كأن في يدي سرقة من حرير وأما بن بطال فجمع الترجمتين في باب واحد فقال باب عمود الفسطاط تحت وسادته ودخول الجنة في المنام فيه حديث بن عمر الخ ولعل مستنده ما وقع في رواية الجرجاني باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام وعمود الفسطاط تحت وسادته فجعل الترجمتين في باب واحد وقدم وأخر ثم قال بن بطال قال المهلب السرقة الكلة وهي كالهودج عند العرب وكون عمودها في يد بن عمر دليل على الاسلام وطنبها الدين والعلم والشرع الذي به يرزق التمكن من الجنة حيث شاء وقد يعبر هنا بالحرير عن شرف الدين والعلم لان الحرير أشرف ملابس الدنيا وكذلك العلم بالدين أشرف العلوم وأما دخول الجنة في المنام فإنه يدل على دخولها في اليقظة لان في بعض وجوه الرؤيا وجها يكون في اليقظة كما يراه نصا ويعبر دخول الجنة بالدخول في الاسلام الذي هو سبب لدخول الجنة وطيران السرقة قوه تدل على التمكن من الجنة حيث شاء قال بن بطال وسألت المهلب عن ترجمة عمود الفسطاط تحت وسادته ولم يذكر في الحديث عمود فسطاط ولا وسادة فقال الذي يقع في نفسي أنه رأى في بعض طرق الحديث السرقة شيئا أكمل مما ذكره في كتابه وفيه أن السرقة مضروبة في الارض على عمود كالخباء وأن بن عمر اقتلعها من عمودها فوضعها تحت وسادته وقام هو بالسرقة فأمسكها وهي كالهودج من استبرق فلا يريد موضعا من الجنة

[ 354 ]

إلا طارت إليه به ولم يرض بسند هذه الزيادة فلم يدخله في كتابه وقد فعل مثل هذا في كتابه كثيرا كما يترجم بالشئ ولا يذكره ويشير إلى أنه روى في بعض طرقه وانما لم يذكره للين في سنده وأعجلته المنية عن تهذيب كتابه انتهى وقد نقل كلام المهلب جماعة من الشراح ساكتين عليه وعليه مآخذ أصلها إدخال حديث بن عمر في هذا الباب وليس منه بل له باب مستقل وأشدها تفسيره السرقة بالكلة فاني لم أره لغيره قال أبو عبيدة السرقة قطعة من حرير وكأنها فارسية وقال الفارابي شقة من حرير وفي النهاية قطعة من جيد الحرير زاد بعضهم بيضاء ويكفي في رد تفسيرها بالكلة والهودج قوله في نفس الخبر رأيت كأن بيدي قطعة استبرق وتخيله أن في حديث بن عمر الزيادة المذكورة لا أصل لها فجميع ما رتبه عليه كذلك وقلده بن المنير فذكر الترجمة كما ترجم وزاد عليه أن قال روى غير البخاري هذا الحديث أي حديث بن عمر بزيادة عمود الفسطاط ووضع بن عمر له تحت وسادته ولكن لم توافق الزيادة شرطها فأدرجها في الترجمة نفسها وفساد ما قال يظهر مما تقدم والمعتمد أن البخاري أشار بهذه الترجمة إلى حديث جاء من طريق أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه عمود الكتاب أنتزع من تحت رأسه الحديث وأشهر طرقه ما أخرجه يعقوب بن سفيان والطبراني وصححه الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فأتبعته بصري فإذا هو قد عهد به إلى الشام إلا وإن الايمان حين تقع الفتن بالشام وفي رواية فإذا وقعت الفتن فالامن بالشام وله طريق عند عبد الرزاق رجاله رجال الصحيح إلا ان فيه انقطاعا بين أبي قلابة وعبد الله بن عمرو ولفظه عنده أخذوا عمود الكتاب فعمدوا به إلى الشام وأخرج أحمد ويعقوب بن سفيان والطبراني أيضا عن أبي الدرداء رفعه بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي فظننت أنه مذهوب به فأتبعته بصر فعمد به إلى الشام الحديث وسنده صحيح وأخرج يعقوب والطبراني أيضا عن أبي أمامة نحوه وقال انتزع من تحت وسادتي وزاد بعد قوله بصري فإذا هو نور ساطع حتى ظننت أنه قد هوى به فعمد به إلى الشام وإني أولت أن الفتن إذا وقعت أن الامان بالشام وسنده ضعيف وأخرج الطبراني أيضا بسند حسن عن عبد الله بن حوالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رأيت ليلة أسرى بي عمودا أبيض كأنه لواء تحمله الملائكة فقلت ما تحملون قالوا عمود الكتاب أمرنا أن نضعه بالشام قال وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله تخلى عن أهل الارض فتبعته بصري فإذا هو نور ساطع حتى وضع بالشام وفي الباب عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أحمد والطبراني بسند ضعيف وعن عمر عند يعقوب والطبراني كذلك وعن بن عمر في فوائد المخلص كذلك وهذه طرق يقوي بعضها بعضا وقد جمعها بن عساكر في مقدمة تاريخ دمشق وأقربها إلى شرط البخاري حديث أبي الدرداء فإنه أخرج رواته إلا أن فيه اختلافا على يحيى بن حمزة في شيخه هل هو ثور بن يزيد أو زيد بن واقد وهو غير قادح لان كلا منهما ثقة من شرطه فلعله كتب الترجمة وبيض للحديث لينظر فيه فلم يتهيأ له أن يكتبه وانما ترجم بعمود الفسطاط ولفظ الخبر في عمود الكتاب إشارة إلى أن من رأى عمود الفسطاط في منامه فإنه يعبر بنحو ما وقع في الخبر المذكور وهو قول العلماء بالتعبير قالوا من رأى في منامه عمودا فإنه يعبر بالدين أو برجل يعتمد عليه فيه وفسروا العمود

[ 355 ]

بالدين والسلطان وأما الفسطاط فقالوا من رأى أنه ضرب عليه فسطاطا فإنه ينال سلطانا بقدره أو يخاصم ملكا فيظفر به قوله باب الاستبرق ودخول الجنة في المنام تقدم في الذي قبله ما يتعلق في شئ منه وحديث بن عمر في الباب ذكره هنا من طريق وهيب بن خالد عن أيوب عن نافع بلفظ سرقة وذكره بلفظ قطعة من استبرق كما في ترجمة الترمذي من طريق إسماعيل بن إبراهيم المعروف بابن علية عن أيوب فذكره مختصرا كرواية وهيب إلا أنه قال كأنما في يدي قطعة استبرق كأن البخاري أشار إلى روايته في الترجمة وقد أخرجه أيضا في باب من تعار من الليل من كتاب التهجد وفي أواخر كتاب الصلاة من طريق حماد بن زيد عن أيوب أتم سياقا من رواية وهيب وإسماعيل وأخرجه النسائي من طريق الحارث بن عمير عن أيوب فجمع بين اللفظتين فقال سرقة من إستبرق وقوله هنا لا أهوى بها وهو بضم أوله أهوى إلى الشئ بالفتح يهوى بالضم أي مال ووقع في رواية حماد فكأني لا أريد مكانا من الجنة إلا طارت بي إليه قوله في رواية وهيب فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وقع مثله في رواية حماد عند مسلم ووقع عند المؤلف في روايته بعد قوله طارت بي إليه من الزيادة ورأيت كأن اثنين أتياني أرادا أن يذهبا بي إلى النار الحديث بهذه القصة مختصرا وقال فيه فقصت حفصة على النبي صلى الله عليه وسلم إحدى رؤياي وظاهر رواية وهيب ومن تابعه أن الرؤيا التي أبهمت في رواية حماد هي رؤية السرقة من الحرير وقد وقع ذلك صريحا في رواية حماد عند مسلم لكن يعارضه ما مضى في باب فضل قيام الليل ويأتي في باب الاخذ عن اليمين من كتاب التعبير من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه فذكر الحديث في رؤيته النار وفيه فقصصتها على حفصة فقصتها حفصة فهو صريح في أن حفصة قصت رؤياه النار كما أن رواية حماد صريحة في أن حفصة قصت رؤياه السرقة ولم يتعرض في رواية سالم إلى رؤيا السرقة فيحتمل أن يكون قوله إحدى رؤياي محمولا على أنها قصة رؤيا السرقة أولا ثم قصة رؤيا النار بعد ذلك وأن التقدير قصت إحدى رؤياي أولا فلا يكون لقوله إحدى مفهوم وهذا الموضع لم ار من تعرض له من الشراح ولا أزال أشكاله فلله الحمد على ذلك قوله فقال إن أخاك رجل صالح أو ان عبد الله رجل صالح هو شك من الراوي ووقع في رواية حماد المذكورة ان عبد الله رجل صالح بالجزم وكذا في رواية صخر بن جويرية عن نافع زاد الكشميهني في روايته عن الفربري في الموضعين لو كان يصلي من الليل وسقطت هذه الزيادة لغيره وهي ثابتة في رواية سالم كما تقدم في قيام الليل وتأتي ويؤيد ثبوتها قوله في رواية حماد عند الجميع فقال نافع فلم يزل بعد ذلك يكثر الصلاة وقد تقدم في قيام الليل وفي رواية عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر عند مسلم وقال نعم الفتى أو قال نعم الرجل بن عمر لو كان يصلي من الليل قال بن عمر وكنت إذا نمت لم أقم حتى أصبح قال نافع فكان بن عمر بعد يصلي من الليل وأخرج مسلم إسناده وأصله وأحال بالمتن على رواية سالم وهو غير جيد لتغايرهما وأخرجه بلفظه أبو عوانة والجزوقى بهذا ويأتي في باب الامن وذهاب الروع أيضا من طريق صخر بن جويرية عن نافع وكذا بعده في باب الاخذ عن اليمين في رواية سالم قال الزهري وكان عبد الله بعد ذلك يكثر الصلاة من الليل ولعل الزهري سمع ذلك من نافع أو من سالم ومضى شرحه هناك ووقع في مسند أبي بكر بن هارون الروياني من طريق عبد الله بن نافع عن أبيه في

[ 356 ]

نحو هذه القصة من الزيادة وكان عبد الله كثير الرقاد وفيه أيضا أن الملك الذي قال له لم ترع قال له لا تدع الصلاة نعم الرجل أنت لولا قلة الصلاة قوله باب القيد في المنام أي من رأى في المنام أنه مقيد ما يكون تعبيره وظاهر إطلاق الخبر أنه يعبر بالثبات في الدين في جميع وجوهه لكن أهل التعبير خصوا ذلك بما إذا لم يكن هناك قرينة أخرى كما لو كان مسافرا أو مريضا فإنه يدل على أن سفره أو مرضه يطول وكذا لو رأى في القيد صفة زائدة كمن رأى في رجله قيدا من فضة فإنه يدل على أنه يتزوج وإن كان من ذهب فإنه لامر يكون بسبب مال يتطلبه وإن كان في صفر فإنه لامر مكروه أو مال فات وإن كان من رصاص فإنه لامر فيه وهن وان كان من حبل فلامر في الدين وإن كان من خشب فلامر فيه نفاق وان كان من حطب فلتهمة وان كان من خرقة أو خيط فلامر لا يدوم قوله حدثنا عبد الله بن صباح بفتح المهملة وتشديد الموحدة هو العطار البصري وتقدم في الصلاة في باب السمر بعد العشاء حدثنا عبد الله بن الصباح ولبعضهم عبد الله بن صباح كما هنا ولابي نعيم هنا من رواية محمد بن يحيى بن منده حدثنا عبد الله بن الصباح وفي شيوخ البخاري بن الصباح ثلاثة عبد الله هذا ومحمد والحسن وليس واحد منهم أخا الآخر قوله حدثنا معتمر هو بن سليمان التيمي وعرف هو الاعرابي قوله إذا اقترب الزمان لم يكد رؤيا المؤمن تكذب كذا للاكثر ووقع في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني بتقديم تكذب على رؤيا المؤمن وكذا في رواية محمد بن يحيى وكذا في رواية عيسى بن يونس عن عوف عند الاسماعيلي قال الخطابي في المعالم في قوله إذا اقترب الزمان قولان أحدهما أن يكون معناه تقارب زمان الليل وزمان النهار وهو وقت استوائهما أيام الربيع وذلك وقت اعتدال الطبائع الاربع غالبا وكذلك هو في الحديث والمعبرون يقولون أصدق الرؤيا ما كان وقت اعتدال الليل والنهار وادراك الثمار ونقله في غريب الحديث عن أبي داود السجستاني ثم قال والمعبرون يزعمون أن اصدق الازمان لوقوع التعبير وقت انفتاق الازهار وادراك الثمار وهما الوقتان اللذان يعتدل فيهما الليل والنهار والقول الآخر أن اقتراب الزمان انتهاء مدته إذا دنا قيام الساعة قلت يبعد الاول التقييد بالمؤمن فان الوقت الذي تعتدل فيه الطبائع لا يختص به وقد جزم بن بطال بأن الاول هو الصواب واستند إلى ما أخرجه الترمذي من طريق معمر عن أيوب في هذا الحديث بلفظ في آخر الزمان لا تكذب رؤيا المؤمن وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا قال فعلى هذا فالمعنى إذا اقتربت الساعة وقبض أكثر العلم ودرست معالم الديانة بالهرج والفتنة فكان الناس على مثل فترة محتاجين إلى مذكر ومجدد لما درس من الدين كما كانت الامم تذكر بالانبياء لكن لما كان نبيا خاتم الانبياء وصار الزمان المذكور يشبه زمان الفترة عوضوا بما منعوا من النبوة بعد الرؤيا الصادقة التي هي جزء من النبوة الاتية بالتبشير والانذار انتهى ويؤيد ما أخرجه بن ماجة من طريق الاوزاعي عن محمد بن سيرين بلفظ إذا قرب الزمان وأخرج البزار من طريق يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين بلفظ إذا تقارب الزمان وسيأتي في كتاب الفتن من وجه آخر عن أبي هريرة يتقارب الزمان ويرفع العلم الحديث والمراد به اقتراب الساعة قطعا وقال الداودي المراد بتقارب الزمان نقص الساعات والايام والليالي انتهى ومراده بالنقص سرعة مرورها وذلك قرب قيام الساعة كما ثبت في

[ 357 ]

الحديث الآخر عند مسلم وغيره يتقارب الزمان حتى تكون السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كالساعة والساعة كاحتراق السعفة وقيل أن المراد بالزمان المذكور زمان المهدي عند بسط العدل وكثرة الامن وبسط الخير والرزق فان ذلك الزمان يستقصر لاستلذاذه فتتقارب أطرافه وأما قوله لم تكد الخ فيه إشار ة إلى غلبة الصدق على الرؤيا وإن أمكن أن شيئا منها لا يصدق والراجح أن المراد نفي الكذب عنها أصلا لان حرف النفي الداخل على كاد ينفي قرب حصوله والنافي لقرب حصول الشئ أدل على نفيه نفسه ذكره الطيبي وقال القرطبي في المفهم والمراد والله أعلم بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث زمان الطائفة الباقية مع عيسى بن مريم بعد قتله الدجال فقد ذكر مسلم في حديث عبد الله بن عمر ما نصه فيبعث الله عيسى بن مريم فيمكث في الناس سبع سنين ليس بين أثنين عداوة ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام فلا يبقى على وجه الارض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو ايمان إلا قبضه الحديث قال فكان أهل هذا الزمان أحسن هذه الامة حالا بعد الصدر الاول وأصدقهم أقوالا فكانت رؤياهم لا تكذب ومن ثم قال عقب هذا وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا وانما كان كذلك لان من كثر صدقه تنور قلبه وقوي إدراكه فأنتقشت فيه المعاني على وجه الصحة وكذلك من كان غالب حاله الصدق في يقظته استصحب ذلك في نومه فلا يرى إلا صدقا وهذا بخلاف الكاذب والمخلط فإنه يفسد قلبه ويظلم فلا يرى إلا تخليطا وأضغاثا وقد يندر المنام أحيانا فيرى الصادق ما لا يصح ويرى الكاذب ما يصح ولكن الاغلب الاكثر ما تقدم والله أعلم وهذا يؤيد ما تقدم أن الرؤيا لا تكون إلا من أجزاء النبوة إن صدرت من مسلم صادق صالح ثم ومن ثم قيد بذلك في حديث رؤيا المسلم جزء فإنه جاء مطلقا مقتصرا على المسلم فأخرج الكافر وجاء مقيدا بالصالح تارة وبالصالحة وبالحسنة وبالصادقة كما تقدم بيانه فيحمل المطلق على المقيد وهو الذي يناسب حاله حال النبي فيكرم بما أكرم به النبي وهو الاطلاع على شئ من الغيب فأما الكافر والمنافق والكاذب والمخلط وإن صدقت رؤياهم في بعض الاوقات فانها لا تكون من الوحي ولا من النبوة إذ ليس كل من صدق في شئ ما يكون خبره ذلك نبوة فقد يقول الكاهن كلمة حق وقد يحدث المنجم فيصيب لكن كل ذلك على الندور والقلة والله أعلم وقال بن أبي جمرة معنى كون رؤيا المؤمن في آخر الزمان لا تكاد تكذب أنها تقع غالبا على الوجه الذي لا يحتاج إلى تعبير فلا يدخلها الكذب بخلاف ما قيل ذلك فانها قد يخفى تأويلها فيعبرها العابر فلا تقع كما قال فيصدق دخول الكذب فيها بهذا الاعتبار قال والحكمة في اختصاص ذلك بآخر الزمان أن المؤمن في ذلك الوقت يكون غريبا كما في الحديث بدأ الاسلام غريبا وسيعود غريبا أخرجه مسلم فيقل أنيس المؤمن ومعينه في ذلك الوقت فيكرم بالرؤيا الصادقة قال ويمكن أن يؤخذ من هذا سبب اختلاف الاحاديث في عدد أجزاء النبوة بالنسبة لرؤيا المؤمن فيقال كلما قرب الامر وكانت الرؤيا أصدق حمل على أقل عدد ورد وعكسه وما بين ذلك قلت وتنبغي الاشارة إلى هذه المناسبة فيما تقدم من المناسبات وحاصل ما اجتمع من كلامهم في معنى قوله إذا اقترب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب إذا كان المراد آخر الزمان ثلاثة أقوال أحدهما أن العلم بأمور الديانة لما يذهب غالبه بذهاب غالب أهله وتعذرت النبوة في هذه الامة عرضوا بالمرأي الصادقة ليجدد لهم ما قد درس من العلم والثاني أن

[ 358 ]

المؤمنين لما يقل عددهم ويغلب الكفر والجهل والفسق على الموجودين يؤنس المؤمن ويعان بالرؤيا الصادقة إكراما له وتسلية وعلى هذين القولين لا يختص ذلك بزمان معين بل كلما قرب فراغ الدنيا وأخذ أمر الدين من الاضمحلال تكون رؤيا المؤمن الصادق أصدق والثالث أن ذلك خاص بزمان عيسى بن مريم وأولها أولاها والله أعلم قوله ورؤيا المؤمن جزء الحديث هو معطوف على جملة الحديث الذي قبله وهو إذا اقترب الزمان الحديث فهو مرفوع أيضا وقد تقدم شرحه مستوفى قريبا وقوله وما كان من النبوه فإنه لا يكذب هذا القدر لم يتقدم في شئ من طرق الحديث المذكور وظاهر إيراده هنا أنه مرفوع ولئن كان كذلك فإنه أولى ما فسر به المراد من النبوة في الحديث وهي صفة الصدق ثم ظهر لي أن قوله بعد هذا قال محمد وأنا أقول هذه الاشارة في قوله هذه للجملة المذكورة وهذا هو السر في إعادة قوله قال بعد قوله هذا ثم رأيت في بغيه النقاد لابن المواق أن عبد الحق أغفل تنبيه على أن هذه الزيادة مدرجة وأنه لا شك في إدراجها فعلى هذا فهي من قول بن سيرين وليست مرفوعة قوله وأنا أقول هذا كذا لابي ذر وفي جميع الطرق وكذا ذكره الاسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما ووقع في شرح بن بطال وأنا أقول هذه الامة وكان يقال الخ قلت وليست هذه اللفظة في شئ من نسخ صحيح البخاري ولا ذكرها عبد الحق في جمعة ولا الحميدي ولا من أخرج حديث عوف من أصحاب الكتب والمسانيد وقد تقلده عياض فذكره كما ذكره بن بطال وتبعة في شرحه فقال خشي بن سيرين أن يتأول أحد معنى قوله وأصدقهم رؤيا أصدقهم حديثا أنه إذا تقارب الزمان لم يصدق إلا رؤيا الرجل الصالح فقال وأنا أقول هذه الامة يعني رؤيا هذه الامة صادقة كلها صالحها وفاجرها ليكون صدق رؤياهم زاجرا لهم وحجة عليهم لدروس أعلام الدين وطموس آثاره بموت العلماء وظهور المنكر انتهى وهذا مرتب على ثبوت هذه الزيادة وهي لفظة الامة ولم أجدها في شئ من الاصول وقد قال أبو عوانة الاسفريني بعد أن أخرجه موصولا مرفوعا من طريق هشام عن بن سيرين هذا لا يصح مرفوعا عن بن سيرين قلت وإلى ذلك أشار البخاري في آخره بقوله وحديث عوف أبين أي حيث فصل المرفوع من الموقوف قوله قال وكان يقال الرؤيا ثلاث الخ قائل قال هو محمد بن سيرين وأبهم القائل في هذه الرواية وهو أبو هريرة وقد رفعه بعض الرواة ووقفه بعضهم وقد أخرجه أحمد عن هوذة بن خليفة عن عوف بسنده مرفوعا الرؤيا ثلاث الحديث مثله وأخرجه الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن بن سيرين عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الرؤيا ثلاث فرؤيا حق ورؤيا يحدث بها الرجل نفسه ورؤيا تحزين من الشيطان وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من طريق عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد بن سيرين مرفوعا أيضا بلفظ الرؤيا ثلاث فالرؤيا الصالحة بشرى من الله والباقي نحوه قوله حديث النفس وتخويف الشيطان وبشرى من الله وقع في حديث عوف بن مالك عند بن ماجة بسند حسن رفعه الرؤيا ثلاث منها أهاويل من الشيطان ليحزن بن آدم ومنها ما يهم به الرجل في يقظته فيراه في منامه ومنها جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة قلت وليس الحصر مرادا من قوله ثلاث لثبوت نوع رابع في حديث أبي هريرة في الباب وهو حديث النفس وليس في حديث أبي قتادة وأبي سعيد الماضيين

[ 359 ]

سوى ذكر وصف الرؤيا بأنها مكروهة ومحبوبة أو حسنة وسيئة وبقي نوع خامس وهو تلاعب الشيطان وقد ثبت عند مسلم من حديث جابر قال جاء أعرابي فقال يا رسول الله رأيت في المنام كأن رأسي قطع فانا أتبعه وفي لفظ فقد خرج فاشتددت في أثره فقال لا تخبر بتلاعب الشيطان بك في المنام وفي رواية له إذا تلاعب الشيطان بأحدكم في منامه فلا يخبر به الناس ونوع سادس وهو رؤيا ما يعتاده الرائي في اليقظة كمن كانت عادته أن يأكل في وقت فنام فيه فرأى أنه يأكل أو بات طافحا من أكل أو شرب فرأى أنه يتقيأ وبينه وبين حديث النفس عموم وخصوص وسابع وهو الاضغاث قوله فمن رأى شيئا يكرهه فلا يقصه على أحد وليقم فليصل زاد في رواية هوذة فإذا رأى أحدكم رؤيا تعجبه فليقصها لمن يشاء وإذا رأى شيئا يكرهه فذكر مثله ووقع في رواية أيوب عن محمد بن سيرين فيصل ولا يحدث بها الناس وزاد في رواية سعيد بن أبي عروبة عن بن سيرين عند الترمذي وكان يقول لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح وهذا ورد معناه مرفوعا في حديث أبي رزين عند أبي داود والترمذي وابن ماجة ولا يقصها إلا على واد أو ذي رأي وقد تقدم شرح هذه الزيادة في باب الرؤيا من الله تعالى قوله قال وكان يكره الغل في النوم ويعجبهم القيد ويقال القيد ثبات في الدين كذا ثبت هنا بلفظ الجمع في يعجبهم والافراد في يكره ويقول قال الطيبي ضمير الجمع لاهل التعبير وكذا قوله وكان يقال قال المهلب الغل يعبر بالمكروه لان الله أخبر في كتابه أنه من صفات أهل النار بقوله تعالى إذ الاغلال في أعناقهم الآية وقد يدل على الكفر وقد يعبر بامرأة تؤذي وقال بن العربي انما أحبوا القيد لذكر النبي صلى الله عليه وسلم له في قسم المحمود فقال قيد الايمان الفتك وأما الغل فقد كره شرعا في المفهوم كقوله خذوه فغلوه وإذ الاغلال في أعناقهم ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك وغلت أيديهم وانما جعل القيد ثباتا في الدين لان المقيد لا يستطيع المشي فضرب مثلا للايمان الذي يمنع عن المشي إلى الباطل وقال النووي قال العلماء انما أحب القيد لان محله الرجل وهو كف عن المعاصي والشر والباطل وأبغض الغل لان محله العنق وهو صفة أهل النار وأما أهل التعبير فقالوا إن القيد ثبات في الامر الذي يراه الرائي بحسب من يرى ذلك له وقال إن انضم الغل إلى القيد دل ذلك على زيادة المكروه وإذا جعل الغل في اليدين حمد لانه كف لهما عن الشر وقد يدل على البخل بحسب الحال وقالوا أيضا إن رأى أن يديه مغلولتان فهو بخيل وأن رأى أنه قيد وغل فإنه يقع في سجن أو شدة قلت وقد يكون الغل في بعض المرائي محمودا كما وقع لابي بكر الصديق فأخرج أبو بكر بن أبي شيبة بسند صحيح عن مسروق قال مر صهيب بأبي بكر فأعرض عنه فسأله فقال رأيت يدك مغلولة على باب أبي الحشر رجل من الانصار فقال أبو بكر جمع لي ديني إلى يوم الحشر وقال الكرماني أختلف في قوله وكان يقال هل هو مرفوع أو لا فقال بعضهم من قوله وكان يقال إلى قوله في الدين مرفوع كله وقال بعضهم هو كله كلام بن سيرين وفاعل كان يكره أبو هريرة قلت أخذه من كلام الطيبي فإنه قال يحتمل أن يكون مقولا للراوي عن بن سيرين فيكون اسم كان ضمير لابن سيرين وأن يكون مقولا لابن سيرين واسم كان ضمير أبي هريرة أو النبي صلى الله عليه وسلم وقد أخرجه مسلم من وجه آخر عن بن سيرين وقال في آخره لا أدري هو في الحديث أو قاله بن سيرين قوله ورواه قتادة ويونس وهشام وأبو هلال عن بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى

[ 360 ]

الله عليه وسلم يعني أصل الحديث وأما من قوله وكان يقال فمنهم من رواه بتمامه مرفوعا ومنهم من اقتصر على بعضه كما سأبينه قوله وأدرجه بعضهم كله في الحديث يعني جعله مرفوعا والمراد به رواية هشام عن قتادة كما سأبينه قوله وحديث عوف أبين أي حيث فصل المرفوع من الموقوف ولا سيما تصريحه بقول بن سيرين وأنا أقول هذه فإنه دال على الاختصاص بخلاف ما قال فيه وكان يقال فان فيها الاحتمال بخلاف أول الحديث فإنه صرح برفعه وقد اقتصر بعض الرواة عن عوف على بعض ما ذكره معتمر بن سليمان عنه كما بينته من رواية هوذة وعيسى بن يونس قال القرطبي ظاهر السياق أن الجميع من قول النبي صلى الله عليه وسلم غير أن أيوب هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة وقد أخبر عن نفسه أنه شك أهو من قول النبي صلى الله عليه وسلم أو من قول أبي هريرة فلا يعول على ذلك الظاهر قلت وهو حصر مردود وكأنه تكلم عليه بالنسبة لرواية مسلم خاصة فإن مسلما ما أخرج طريق عوف هذه ولكنه أخرج طريق قتادة عن محمد بن سيرين فلا يلزم من كون أيوب شك أن لا يعول على رواية من لم يشك وهو قتادة مثلا لكن لما كان في الرواية المفصلة زيادة فرجحت قوله وقال يونس لا أحسبه إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم في القيد يعني أنه شك في رفعه قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله لا تكون الاغلال إلا في الاعناق وكأنه يشير إلى الرد على من قال قد يكون الغل في غير العنق كاليد والرجل والغل بضم المعجمة وتشديد اللام واحد الاغلال قال وقد أطلق بعضهم الغل على ما تربط به اليد وممن ذكره أبو علي القالي وصاحب المحكم وغيرهما قالوا الغل جامعة تجعل في العنق أو اليد والجمع أغلال ويد مغلولة جعلت في الغل ويؤيده قوله تعالى غلت أيديهم كذا أستشهد به الكرماني وفيه نظر لان اليد تغل في العنق وهو عند أهل التعبير عبارة عن كفهما عن الشر ويؤيده منام صهيب في حق أبي بكر الصديق كما تقدم قريبا فأما ورواية قتادة المعلقة فوصلها مسلم والنسائي من رواية معاذ بن هشام بن أبي عبد الله الدستوائي عن أبيه عن قتادة ولفظ النسائي بالسند المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول الرؤيا الصالحة بشارة من الله والتحزين من الشيطان ومن الرؤيا ما يحدث به الرجل نفسه فإذا رأى أحدكم رؤيا يكرهها فليقم فليصل وأكره الغل في النوم ويعجبني القيد فان القيد ثبات في الدين وأما مسلم فإنه ساقه بسنده عقب رواية معمر عن أيوب التي فيها قال أبو هريرة فيعجبني القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين قال مسلم فأدرج يعني هشاما عن قتادة في الحديث قوله وأكره الغل الخ ولم يذكر الرؤيا جزء الحديث وكذلك رواه أيوب عن محمد بن سيرين قال قال أبو هريرة أحب القيد في النوم وأكره الغل القيد في النوم ثبات في الدين وأخرجه بن حبان في صحيحه من رواية سفيان بن عيينة عنه وأخرجه مسلم وأبو داود والترمذي من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب فذكر حديث إذا اقترب الزمان الحديث ثم قال ورؤيا المسلم جزء من الحديث ثم قال والرؤيا ثلاث الحديث ثم قال بعده قال وأحب القيد وأكره الغل القيد ثبات في الدين فلا أدري هو في الحديث أو قاله بن سيرين هذا لفظ مسلم ولم يذكر أبو داود ولا الترمذي قوله فلا أدري الخ وأخرجه الترمذي وأحمد والحاكم من رواية معمر عن أيوب فذكر الحديث الاول ونحو الثاني ثم قال بعدهما قال

[ 361 ]

أبو هريرة يعجبني القيد الخ قال وقال النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا المؤمن جزء الخ وقد أخرج الترمذي والنسائي من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة حديث الرؤيا ثلاثة مرفوعا كما أشرت إليه قبل هذا ثم قال بعده وكان يقول يعجبني القيد الحديث وبعده وكان يقول من رأني فاني أنا هو الحديث وبعده وكان يقول لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح وهذا ظاهر في أن الاحاديث كلها مرفوعة وأما رواية يونس وهو بن عبيد فأخرجها البزار في مسنده من طريق أبي خلف وهو عبد الله بن عيسى الخزاز بمعجمات البصري عن يونس بن عبيد عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب وأحب القيد وأكره الغل قال ولا أعلمه إلا وقد رفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال البزار روى عن محمد من عدة أوجه وانما ذكرناه من رواية يونس لعزة ما أسند يونس عن محمد بن سيرين قلت وقد أخرج بن ماجة من طريق أبي بكر الهذلي عن بن سيرين حديث القيد موصولا مرفوعا ولكن الهذلي ضعيف وأما رواية هشام فقال أحمد حدثنا يزيد بن هارون أنبأنا هشام هو بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اقترب الزمان ورؤيا المؤمن الحديث وأحب القيد في النوم الحديث والرؤيا ثلاث الحديث فساق الجميع مرفوعا وهكذا أخرجه الدارمي من رواية مخلد بن الحسين عن هشام وأخرجه الخطيب في المدرج من طريق علي بن عاصم عن خالد وهشام عن بن سيرين مرفوعا قال الخطيب والمتن كله مرفوع إلا ذكر القيد والغل فإنه قول أبي هريرة وأدرج في الخبر وبينه معمر عن أيوب وأخرج أبو عوانة في صحيحه من طريق عبد الله بن بكر عن هشام قصة القيد وقال الاصح أن هذا من قول بن سيرين وقد أخرجه مسلم من طريق حماد بن زيد عن هشام بن حسان وأيوب جميعا عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال إذا اقترب الزمان قال وساق الحديث ولم يذكر فيه النبي صلى الله عليه وسلم وكذا أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن أبي أسامة عن هشام موقوفا وزاد في آخره قال أبو هريرة اللبن في المنام الفطرة وأما رواية بن أبي هلال واسمه محمد بن سليم الراسبي عن محمد بن سيرين فلم أقف عليها موصولة إلى الان وأخرج أحمد في الزهد عن عثمان عن حماد بن زيد عن أيوب قال رأيت بن سيرين مقيدا في المنام وهذا يشعر بأن بن سيرين كان يعتمد في تعبير القيد على ما في الخبر فأعطى هو ذلك وكان كذلك قال القرطبي هذا الحديث وان اختلف في رفعه ووقفه فان معناه صحيح لان القيد في الرجلين تثبيت للمقيد في مكانه فإذا رآه من هو على حاله كان ذلك دليلا على ثبوته على تلك الحالة وأما كراهة الغل فلان محله الاعناق نكالا وعقوبة وقهرا وإذلالا وقد يسحب على وجهه ويخر على قفاه فهو مذموم شرعا وعادة فرؤيته في العنق دليل على وقوع حال سيئة للرائي تلازمه ولا ينفك عنها وقد يكون ذلك في دينه كواجبات فرط فيها أو معاص ارتكابها أو حقوق لا زمة له لم يوفها أهلها مع قدرته وقد تكون في دنياه كشدة تعتريه أو تلازمه قوله باب العين الجارية في المنام قال المهلب العين الجارية تحتمل وجوها فان كان ماؤها صافيا عبرت بالعمل الصالح وإلا فلا وقال غيره العين الجارية عمل جار من صدقة أو معروف لحي أو ميت قد أحدثه أو أجراه وقال آخرون عين الماء نعمة وبركة وخير وبلوغ أمنية إن كان صاحبها مستورا فإن كان غير عفيف أصابته مصيبة يبكي لها أهل داره قوله عبد الله هو بن المبارك

[ 362 ]

قوله عن أم العلاء وهي امرأة من نسائهم وتقدم في كتاب الهجرة أنها والدة خارجة بن زيد الراوي عنها هنا وأن هذا الحديث ورد من طريق أبي النضر عن خارجة بن زيد عن أمه وذكرت نسبها هناك وأن اسمها كنيتها ومنه يؤخذ أن القائل هنا وهي امرأة من نسائهم هو الزهري رواية عن خارجة بن زيد ووقع في باب رؤيا النساء فيما مضى قريبا من طريق عقيل عن بن شهاب عن خارجة أن أم العلاء امرأة من الانصار بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته وأخرج أحمد وابن سعد بسند فيه علي بن زيد بن جدعان وفيه ضعف من حديث بن عباس قال لما مات عثمان بن مظعون قالت امرأته هنيئا لك الجنة فذكر نحو هذه القصة وقوله امرأته فيه نضر فلعله كان فيه قالت امرأة بغير ضمير وهي أم العلاء ويحتمل أنه كان تزوجها قبل زيد بن ثابت ويحتمل أن يكون القول تعدد منهما وعند بن سعد أيضا من مرسل زيد بن أسلم بسند حسن قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم عجوزا تقول في جنازة عثمان بن مظعون وراء جنازته هنيئا لك الجنة يا أبا السائب فذكر نحوه وفيه بحسبك أن تقولي كان يحب الله ورسوله قوله طار لنا تقدم بيانه في باب القرعة في المشكلات ووقع عند بن سعد من وجه آخر عن معمر فتشاحت الانصار فيهم أن ينزلوهم منازلهم حتى اقترعوا عليهم فطار لنا عثمان بن مظعون يعني وقع في سهمنا كذا وقع التفسير في الاصل وأظنه من كلام الزهري أو من دونه قوله حين اقترعت في رواية أبي ذر عن غير الكشميهني أقرعت بحذف التاء ووقع في رواية عقيل المذكورة أنهم اقتسموا المهاجرين قرعة قوله فأشتكي فمرضناه حتى توفى في الكلام حذف تقديره فأقام عندنا هذه فأشتكي أي مرض فمرضناه أي قمنا بأمره في مرضه وقد وقع في رواية عقيل فطار لنا عثمان بن مظعون فأنزلناه في أبياتنا فوجع وجعه الذي توفى فيه قلت وكانت وفاته في شعبان سنة ثلاثة من الهجرة أرخه بن سعد وغيره وقد تقدمت سائر فوائده في أول الجنائز والكلام على قوله ما يفعل به والاختلاف فيها وقوله في آخره ذاك عمله يجري له قيل يحتمل أنه كان لعثمان شئ عمله بقى له ثوابه جاريا كالصدقة وأنكره مغلطاي وقال لم يكن لعثمان بن مظعون شئ من الامور الثلاث التي ذكرها مسلم من حديث أبي هريرة رفعه إذا مات بن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث قلت وهو نفي مردود فإنه كان له ولد صالح شهد بدرا وما بعدها وهو السائب مات في خلافة أبي بكر فهو أحد الثلاث وقد كان عثمان من الاغنياء فلا يبعد ان تكون له صدقه استمرت بعد موته فقد أخرج بن سعد من مرسل أبي بردة بن أبي موسى قال دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فرأين هيئتها فقلنا مالك فما في قريش أغنى من بعلك فقالت أما ليلة فقائم الحديث ويحتمل أن يراد بعمل عثمان بن مظعون مرابطته قي جهاد أعداء الله فإنه ممن يجري له عمله كما ثبت في السنن وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد رفعه كل ميت يختم على عمله إلا المرابط في سبيل الله فإنه ينمى له عمله إلى يوم القيامة ويأمن من فتنة القبر وله شاهد عند مسلم والنسائي والبزار من حديث سلمان رفعه رباط يوم وليلة في سبيل الله خير من صيام شهر وقيامه وإن مات جرى عليه عمله الذي كان يعمل وأمن الفتان وله شواهد أخرى فليحمل حال عثمان بن مظعون على ذلك ويزول الاشكال من أصله قوله باب نزع الماء من البئر حتى يروي الناس هو بفتح الواو من الري والنزع بفتح النون

[ 363 ]

وسكون الزاي وإخراج الماء للاستسقاء قوله رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصله المصنف من حديثه في الباب الذي بعده قوله حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن كثير عن الدورقي وشعيب بن حرب هو المدائني يكنى أبا صالح كان أصله من بغداد فسكن المدائن حتى نسب إليها ثم انتقل إلى مكة فنزلها إلى أن مات بها وكان صدوقا شديد الورع وقد وثقه يحيى بن معين والنسائي والدارقطني وآخرون وما له في البخاري سوى هذا الحديث الواحد وقد ذكره في الضعفاء شعيب بن حرب فقال منكر الحديث مجهول وأظنه آخر وافق اسمه واسم أبيه والعلم عند الله تعالى قوله بين أنا على بئر أنزع منها أي أستخرج منها الماء بآلة كالدلو وفي حديث أبي هريرة في الباب الذي يليه رأيتني على قليب وعليها دلو فنزعت منها ما شاء الله وفي رواية همام رأيت أني على حوض أسقي الناس والجمع بينهما أن القليب هو البئر المقلوب ترابها قبل الطي والحوض هو الذي يجعل بجانب البئر لشرب الابل فلا منافاة قوله إذ جاءني أبو بكر وعمر في رواية أبي يونس عن أبي هريرة فجاءني أبو بكر فأخذ أبو بكر الدلو أي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يملئ بها الماء ووقع في رواية همام الاتية بعد هذا فأخذ أبو بكر مني الدلو ليريحني وفي رواية أبي يونس ليروحني وأول حديث سالم عن أبيه في الباب الذي يليه رأيت الناس اجتمعوا ولم يذكر قصة النزع ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عن أبيه أريت في النوم أني أنزع على قليب بدلو بكرة فذكر الحديث نحوه أخرجه أبو عوانة قوله فنزع ذنوبا أو ذنوبين كذا هنا ومثله لاكثر الرواة ووقع في رواية همام المذكورة ذنوبين ولم يشك ومثله في رواية أبي يونس والذنوب بفتح المعجمة الدلو الممتلئ قوله وفي نزعة ضعف تقدم شرحه وبيان الاختلاف في تأويله في آخر علامات النبوة في مناقب عمر قوله فغفر الله له وقل في الروايات المذكورة والله يغفر له قوله ثم أخذها بن الخطاب من يد أبي بكر كذا هنا ولم يذكر مثله في أخذ أبي بكر الدلو من النبي صلى الله عليه وسلم ففيه إشارة إلى أن عمر ولى الخلافة بعهد من أبي بكر إليه بخلاف أبي بكر فلم تكن خلافته بعهد صريح من النبي صلى الله عليه وسلم ولكن وقعت عدة إشارات إلى ذلك فيها ما يقرب من الصريح قوله فاستحالت في يده غربا أي تحولت الدلو غربا وهي بفتح الغين المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة بلفظ مقابل الشرق قال أهل اللغة الغرب الدلو العظيمة المتخذة من جلود البقر فإذا فتحت الراء فهو الماء الذي يسيل بين البئر والحوض ونقل بن التين عن أبي عبد الملك البوني أن الغرب كل شئ رفيع وعن الداودي قال المراد أن الدلو أحالت باطن كفيه حتى صار أحمر من كثرة الاستسقاء قال بن التين وقد أنكر ذلك أهل العلم وردوه على قائله قوله فلم ار عبقريا تقدم ضبطه وبيانه في مناقب عمر وكذلك قوله يفرى فريه ووقع عند النسائي في رواية بن جريج عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه قال حجاج قلت لابن جريج ما استحال قال رجع قلت ما العبقري قال الاجير وتفسير العبقري بالاجير غريب قال أبو عمر الشيباني عبقري القوم سيدهم وقويهم وكبيرهم وقال الفارابي العبقري من الرجال الذي ليس فوقه شئ وذكر الزهري أن عبقر موضع بالبادية وقيل بلد كان ينسج فيه البسط والموشية فاستعمل في كل شئ جيد وفي كل شئ فائق ونقل أبو عبيد أنها من ارض الجن وصار مثلا لكل ما ينسب إلى شئ نفيس وقال الفراء العبقري السيد وكل فاخر من حيوان وجوهر وبساط وضعت عليه

[ 364 ]

وأطلقوه في كل شئ عظيم في نفسه وقد وقع في رواية عقل المشار إليه ينزع نزع بن الخطاب وفي رواية أبي يونس فلم أر نزع رجل قط أقوى منه قوله حتى ضرب الناس بعطن بفتح المهملتين وآخره نون هو ما يعد للشرب حول البئر من مبارك الابل والمراد بقوله ضرب أي ضربت الابل بعطن بركت والعطن للابل كالوطن للناس لكن غلب على مبركها حول الحوض ووقع في رواية أبي بكر بن سالم عند أبي بكر بن أبي شيبة حتى روى الناس وضربوا بعطن ووقع في رواية همام فلم يزل ينزع حتى تولى الناس والحوض يتفجر وفي رواية أبي يونس ملآن ينفجر قال القاضي عياض ظاهر هذا الحديث أن المراد خلافة عمر وقيل هو لخلافتهما معا لان أبا بكر جمع شمل المسلمون أولا بدفع أهل الردة وابتدات الفتوح في زمانه ثم عهد إلى عمر فكثرت في خلافته الفتوح واتسع أمر الاسلام واستقرت قواعده وقال غيره معنى عظم الدلو في يد عمر كون الفتوح كثرت في زمانه ومعنى استحالت انقلبت عن الصغر إلى الكبر وقال النووي قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين من ظهور آثارهما الصالحة وانتفاع الناس بهما وكل ذلك مأخوذ من النبي صلى الله عليه وسلم لانه صاحب الامر فقام به أكمل قيام وقرر قواعد الدين ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة وقطع دابرهم ثم خلفه عمر فاتسع الاسلام في زمنه فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم وصلاحهم وشبه بالمستقى لهم منها وسقيه هو قيامه بمصالحهم وفي قوله ليريحني إشارة إلى خلافة أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم لان في الموت راحة من كدر الدنيا وتعبها فقام أبو بكر بتدبير أمر الامة ومعاناة أحوالهم وأما قوله وفي نزعة ضعف فليس فيه حط من فضيلته وانما هو إخبار عن حاله في قصر مدة ولايته وأما ولاية عمر فانها لما طالت كثر انتفاع الناس بها واتسعت دائرة الاسلام بكثرة الفتوح وتمصير الامصار وتدوين الدواوين وأما قوله والله يغفر له فليس فيه نقص له ولا إشارة إلى انه وقع منه ذنب وانما هي كلمة كانوا يقولونها يدعمون بها الكلام وفي الحديث إعلام بخلافتهما وصحة ولا يتهما وكثرة الانتفاع بهما فكان كما قال وقال بن العربي ليس المراد بالدلو التقدير الدال على قصر الحظ بل المراد التمكن من البئر وقوله في الرواية المذكورة بدلو بكرة فيه إشارة إلى صغر الدلو قبل أن يصير غربا وأخرج أبو ذر الهروي في كتاب الرؤيا من حديث بن مسعود نحو حديث الباب لكن قال في آخره فعبرها يا أبا بكر قال إلى الامر بعدك ويليه بعدي عمر قال كذلك عبرها الملك وفي سنده أيوب بن جابر وهو ضعيف وهذه الزيادة منكرة وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر بزيادة فيه فأخرج أحمد وأبو داود واختاره الضياء من طريق أشعث بن عبد الرحمن الجرمي عن أبيه عن سمرة بن جندب ان رجلا قال يا رسول الله رأيت كأن دلوا دل من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا ثم جاء عمر فأخذ بعرافيها فشرب حتى تضلع ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع ثم جاء على فأخذ بعراقيها فانتشطت وانتضح عليه منها شئ وهذا يبين أن المراد بالنزع الضعيف والنزع القوى الفتوح والغنائم وقوله دلى بضم المهملة وتشديد اللام أي أرسل إلى أسفل وقوله بعراقيها أي بكسر المهملة وفتح القاف خشبتان تجعلان على فم الدلو متخالفتان لربط الدلو وقوله تضلع بالضاد المعجة أي ملا اضلاعه كناية عن الشبع وقوله انتشطت بضم المثناة وكسر المعجمة بعدها طاء مهملة أي نزعت منه فاضطربت وسقط بعض

[ 365 ]

ما فيها أو كله قال بن العربي حديث سمرة يعارض حديث بن عمر وهما خبران قلت الثاني هو المعتمد فحديث بن عمر مصرح بأن النبي صلى الله عليه وسلم هو الرائي وحديث سمرة فيه أن رجلا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى وقد أخرج أحمد من حديث أبي الطفيل شاهدا لحديث بن عمر وزاد فيه فوردت على غنم سود وغنم عفر وقال فيه فأولت السود العرب والعفر العجم وفي قصة عمر فملا الحوض وأروى الواردة ومن المغايرة بينهما أيضا أن في حديث بن عمر نزع الماء من البئر وحديث سمرة فيه نزول الماء من السماء فهما قصتان تشد إحداهما الاخرى وكأن قصة حديث سمرة سابقة فنزل الماء من السماء وهي خزانته فأسكن في الارض كما يقتضيه حديث سمرة ثم أخرج منها الدلو كما دل عليه حديث بن عمر وفي حديث سمرة إشارة إلى نزول النصر من السماء على الخلفاء وفي حديث بن عمر إشارة إلى استيلائهم على كنوز الارض بأيديهم وكلاهما ظاهر من الفتوح التي فتحوها وفي حديث سمرة زيادة إشارة إلى ما وقع لعلي من الفتن والاختلاف عليه فان الناس أجمعوا على خلافته ثم لم يلبث أهل الجمل أن خرجوا عليه وامتنع معاوية في أهل الشام ثم حاربه بصفين ثم غلب بعد قليل على مصر وخرجت الحرورية على علي فلم يحصل له في أيام خلافته راحة فضرب المنام المذكور مثلا لاحوالهم رضوان الله عليه أجمعين قوله باب نزع الذنوب والذنوبين من البئر بضعف أي مع ضعف نزع ذكر فيه حديث بن عمر الذي قبله وحديث أبي هريرة بمعناه وزهير في الحديث الاول هو بن معاوية وقوله عن رؤيا النبي صلى الله عليه وسلم كأنه تقدم للتابعي سؤال عن ذلك فأخبره به الصحابي وقوله في أبي بكر وعمر أي فيما يتعلق بمدة خلافتهما وقوله قال رأيت القائل هو النبي صلى الله عليه وسلم وحاكي ذلك عنه هو بن عمر وقوله رأيت الناس اجتمعوا فقام أبو بكر فيه اختصار يوضحه ما قبله وأن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ أولا فنزع من البئر ثم جاء أبو بكر وقد تقدمت بقية فوائد حديثي الباب في الباب قبله وسعيد في الحديث الثاني هو بن المسيب وفي الحديثين أنه من رأى أنه يستخرج من بئر ماء انه يلي ولاية جليلة وتكون مدته بحسب ما استخرج قلة وكثرة وقد تعبر البئر بالمرأة وما يخرج منها بالاولاد وهذا الذي اعتمده أهل التعبير ولم يعرجوا على الذي قبله فهو الذي ينبغي أن يعول عليه لكنه بحسب حال الذي ينزع الماء والله أعلم قوله باب الاستراحة في المنام قال أهل التعبير ان كان المستريح مستلقيا على قفاه فإنه يقوى أمره وتكون الدنيا تحت يده لان الارض أقوى ما يستند إليه بخلاف ما إذا كان منبطحا فإنه لا يدري ما وراءه وذكر فيه حديث همام عن أبي هريرة في رؤياه صلى الله عليه وسلم الدلو وفيه فأخذ أبو بكر الدلو ليريحني وقد تقدمت فوائده في الذي قبله وقوله فيه رأيت أني على حوض أسقي الناس كذا للاكثر وفي رواية المستملي والكشميهني على حوضي والاول أولى وكأنه كان يملا من البئر فيسكب في الحوض والناس يتناولون الماء لبهائمهم وأنفسهم وان كانت رواية المستملي محفوظة احتمل أن يريد حوضا له في الدنيا لا حوضه الذي في القيامة قوله باب القصر في المنام قال أهل التعبير القصر في المنام عمل صالح لاهل الدين ولغيرهم حبس وضيق وقد يفسر دخول القصر بالتزويج وذكر فيه حديث أبي هريرة بينا نحن جلوس عند رسول الله صلى الله عليه وسلم قال بينا أنا نائم رأيتني في الجنة أخرجه من رواية عقيل عن بن شهاب ووقع عند مسلم من رواية يونس بن

[ 366 ]

يزيد عن بن شهاب بلفظ بينما أنا نائم إذ رأيتني وهو بضم التاء لضمير المتكلم قوله فإذا امرأة تتوضأ تقدم في مناقب عمر ما نقل عن بن قتيبة والخطابي أن قوله تتوضأ تصحيف وأن الاصل شوهاء بشين معجمة مفتوحة واو ساكنة ثم هاء عوض الضاد المعجمة واعتل بن قتيبة بأن الجنة ليست دار تكليف ثم وجدت بعضهم اعترض عليه بقوله وليس في الجنة شوهاء وهذا الاعتراض لا يرد على بن قتيبة لانه ادعى أن المراد بالشوهاء الحسناء كما تقدم بيانه واضحا قال والوضوء لغوي ولا مانع منه وقال القرطبي انما توضأت لتزداد حسنا ونورا لا أنها تزيل وسخا ولا قذرا إذ الجنة منزهه عن ذلك وقال الكرماني تتوضأ من الوضاءة وهي النظافة والحسن ويحتمل أن يكون من الوضوء ولا يمنع من ذلك كون الجنة ليست دار تكليف لجواز أن يكون على غير وجه التكليف قلت ويحتمل أن لا يراد وقوع الوضوء منها حقيقة لكونه مناما فيكون مثالا لحالة المرأة المذكورة وقد تقدم في المناقب أنها أم سليم وكانت في قيد الحياة حينئذ فرآها النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة إلى جانب قصر عمر فيكون تعبيره بأنها من أهل الجنة لقول الجمهور من أهل التعبير إن من رأى أنه دخل الجنة أنه يدخلها فكيف إذا كان الرائي لذلك أصدق الخلق وأما وضوؤها فيعبر بنظافتها حسا ومعنى وطهارتها جسما وحكما وأما كونها إلى جانب قصر عمر ففيه إشارة إلى أنها تدرك خلافته وكان كذلك ولا يعارض هذا ما تقدم في صفة الجنة من بدء الخلق من أن رؤيا الانبياء حق والاستدلال على ذلك بغيرة عمر لانه لا يلزم من كون المنام على ظاهره أن لا يكون بعضه يفتقر إلى تعبير فإن رؤيا الانبياء حق يعني ليست من الاضغاث سواء كانت على حقيقتها أو مثالا والله أعلم وقد تقدمت فوائد هذا الحديث في المناقب وقوله أعليك بأبي أنت وأمي يا رسول الله أغار تقدم أنه من المقلوب لان القياس أن يقول أعليها أغار منك وقال الكرماني لفظ عليك ليس متعلقا بأغار بل التقدير مستعليا عليك أغار عليها قال ودعوى القياس المذكور ممنوعة إذ لا محوج إلى ارتكاب القلب مع وضوح المعنى بدونه ويحتمل أن يكون أطلق على وأراد من كما قيل إن حروف الجر تتناوب وفي الحديث جواز ذكر الرجل بما علم من خلقه كغيره عمر وقوله رجل من قريش عرف من الرواية الاخرى أنه عمر قال الكرماني علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه عمر إما بالقرائن وإما بالوحي قوله معتمر هو بن سليمان التيمي البصري وعبيد الله بن عمر هو العمري المدني وتقدم حديث جابر أتم من هذا وشرحه مستوفى في المناقب قوله باب الوضوء في المنام قال أهل التعبير رؤية الوضوء في المنام وسيلة إلى سلطان أو عمل فإن أتمه في النوم حصل مراده في اليقظة وإن تعذر بعجز الماء مثلا أو توضأ بما لا تجوز الصلاة به فلا والوضوء للخائف أمان ويدل على حصول الثواب وتكفير الخطايا وذكر فيه حديث أبي هريرة المذكور في الباب الذي قبله وقد مضى الكلام فيه قوله باب الطواف بالكعبة في المنام قال أهل التعبير الطواف يدل على الحج وعلى التزويج وعلى حصول أمر مطلوب من الامام وعلى بر الوالدين وعلى خدمة عالم والدخول في أمر الامام فان كان الرائي رقيقا دل على نصحه لسيده قوله بينا أنا نائم رأيتني أطوف بالكعبة الحديث تقدم شرحه مستوفى

[ 367 ]

في ذكر عيسى عليه السلام من أحاديث الانبياء ويأتي شئ مما يتعلق بالرجال في كتاب الفتن إن شاء الله تعالى قوله باب إذا أعطى فضله غيره في النوم ذكر فيه حديث بن عمر الماضي في باب اللبن مشروحا وقوله الري أي ما يتروى به وهو اللبن أو هو إطلاق على سبيل الاستعارة قال الكرماني قال وإسناد الخروج إليه قرينة وقيل الري اسم من أسماء اللبن قوله باب الامن وذهاب الروع في المنام الروع بفتح الراء وسكون الواو بعدها عين مهملة الخوف وأما الروع بضم الراء فهو النفس قال أهل التعبير من رأى أنه خائف من شئ أمن منه ومن رأى أنه قد أمن من شئ فإنه يخاف منه وذكر فيه حديث بن عمر في رؤياه من طريق نافع عنه وقد مضى شرحه قريبا قوله أن رجالا لم أقف على أسمائهم قوله فيقول فيها أي يعبرها قوله حديث السن أي صغيره وفي رواية الكشميهني حدث السن بفتح الدال قوله وبيتي المسجد يعني أنه كان يأوي إليه قبل أن يتزوج قوله فأضطجعت ليلة في رواية الكشميهني ذات ليلة قوله إذ جاءني ملكان لم أقف على تسميتهما قال بن بطال يؤخذ منه الجزم بالشئ وإن كان أصله الاستدلال لان بن عمر استدل على أنهما ملكان بأنهما وقفاه على جهنم ووعظاه بها والشيطان لا يعظ ولا يذكر الخير قلت ويحتمل أن يكونا أخبرا بأنهما ملكان أو اعتمد النبي صلى الله عليه وسلم لما قصته عليه حفصة فاعتمد على ذلك قوله مقمعة بكسر الميم والجمع مقامع وهي كالسياط من حديث رؤوسها معوجة قال الجوهري المقمعة كالمحجن وأغرب الداودي فقال المقمعة والمقرعة واحد قوله لم ترع أي لم تفزع في رواية الكشميهني لن تراع فعلى الاول ليس المراد أنه لم يقع له فزع بل لما كان الذي فزع منه لم يستمر فكأنه لم يفزع وعلى الثانية فالمراد أنك لا روع عليك بعد ذلك قال بن بطال إنما قال له ذلك لما رأى منه من الفزع ووثق بذلك منه لان الملك لا يقول إلا حقا انتهى ووقع عند بن أبي شيبة من رواية جرير بن حازم عن نافع فلقيه ملك وهو يرعد فقال لم ترع ووقع عند كثير من الرواة لن ترع بحرف لن مع الجزم ووجهه بن مالك لانه سكن العين للوقف ثم شبهه بسكون الجزم فحذف الالف قبله ثم أجرى الوصل مجرى الوقف ويجوز أن يكون جزمه بلن وهي لغة قليلة حكاها الكسائي وقد تقدم شئ من ذلك في الكلام على هذا الحديث في كتاب التهجد قوله كطي البئر له قرون في رواية الكشميهني لها وقرون البئر جوانبها التي تبنى من حجارة توضع عليها الخشبة التي تعلق فيها البكرة والعادة أن لكل بئر قرنين وقوله وأرى فيها رجالا معلقين في رواية سالم التي بعد هنا فإذا فيها ناس عرفت بعضهم قلت ولم أقف في شئ من الطرق على تسمية أحد منهم قال بن بطال في هذا

[ 368 ]

الحديث أن بعض الرؤيا لا يحتاج إلى تعبير وعلى أن ما فسر في النوم فهو تفسيره في اليقظة لان النبي صلى الله عليه وسلم لم يزد في تفسيرها على ما فسرها الملك قلت يشير إلى قوله صلى الله عليه وسلم في آخر الحديث أن عبد الله رجل صالح وقول الملك قبل ذلك نعم الرجل أنت لو كنت تكثر الصلاة ووقع في الباب الذي بعده أن الملك قال له لم ترع إنك رجل صالح وفي آخره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال أن عبد الله رجل صالح لو كان يكثر الصلاة من الليل قال وفيه وقوع الوعيد على ترك السنن وجواز وقوع العذاب على ذلك قلت هو مشروط بالمواظبة على الترك رغبة عنها فالوعيد والتعذيب إنما يقع على المحرم وهو الترك بقيد الاعراض قال وفيه أن أصل التعبير من قبل الانبياء ولذلك تمنى بن عمر انه يرى رؤيا فيعبرها له الشارع ليكون ذلك عنده أصلا قال وقد صرح الاشعري بأن أصل التعبير بالتوقيف من قبل الانبياء وعلى ألسنتهم قال بن بطال وهو كما قال ولكن الوارد عن الانبياء في ذلك وإن كان أصلا فلا يعم جميع المرائي فلا بد للحاذق في هذا الفن أن يستدل بحسن نظره فيرد ما لم ينص عليه إلى حكم التمثيل ويحكم له بحكم النسبة الصحيحة فيجعل أصلا يلحق به غيره كما يفعل الفقيه في فروع الفقه وفيه جواز المبيت في المسجد ومشروعية النيابة في قص الرؤيا وتأدب بن عمر مع النبي صلى الله عليه وسلم ومهابته له حيث لم يقص رؤياه بنفسه وكأنه لما هالته لم يؤثر أن يقصها بنفسه فقصها على أخته لادلاله عليها وفضل قيام الليل وغير ذلك مما تقدم ذكره وبسطه في كتاب التهجد والله أعلم قوله باب الاخذ على اليمين في النوم وفي رواية باليمين ذكر فيه حديث بن عمر المذكور قبل من طريق سالم وهو بن عبد الله بن عمر عنه وقد تقدم مستوفى في الذي قبله ولله الحمد ويؤخذ منه أن من أخذ في منامه إذا سار على يمينه يعبر له بأنه من أهل اليمين والعزم بفتح المهملة والزاي ثم الموحدة من لا زوجة له ويقال له الاعزب بقلة في الاستعمال وقوله أخذاني بالنون وفي رواية بالموحدة قوله باب القدح في النوم قال أهل التعبير القدح في النوم امرأة أو مال من جهة امرأة وقدح الزجاج يدل على ظهور الاشياء الخفية وقدح الذهب والفضة ثناء حسن ذكر فيه حديث بن عمر المتقدم في باب اللبن وقد مضى شرحه هناك قوله باب إذا طار الشئ في المنام أي الذي من شأنه أن يطير قال أهل التعبير من رأى أنه يطير فإن كان إلى جهة السماء بغير تعريج ناله ضرر فإن غاب في السماء ولم يرجع مات وإن رجع أفاق من مرضه وإن كان يطير عرضا سافر ونال رفعة بقدر طيرانه فإن كان بجناح فهو مال أو سلطان يسافر في كنفه وإن كان بغير جناح دل على التغرير فيما يدخل فيه وقالوا أن الطيران بالشرار دليل ردئ قوله يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد الزهري وصالح هو بن كيسان قوله عن بن عبيدة بالتصغير أبن نشيط بنون ومعجمة ثم مهملة وزن عظيم ووقع في رواية الكشميهني عن أبي عبيدة جعلها كنية والصواب بن فقد تقدم هذا الحديث بهذا السند في أواخر المغازي في قصة العنسي وقال في

[ 369 ]

عن بن عبيدة بغير اختلاف وزاد في موضع آخر اسمه عبد الله قلت وهو الربذي بفتح الراء والموحدة بعدها معجمة أخو موسى بن عبيدة الربذي المحدث المشهور بالضعف وليس لعبد الله هذا في البخاري سوى هذا الحديث وقد اختلف على يعقوب بن إبراهيم بن سعد في سنده فأخرجه النسائي عن أبي داود الحراني عنه عن أبيه عن صالح قال قال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أسقط عبد الله بن عبيدة من السند هكذا أخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن أبي داود الحراني ومن رواية عبيد الله بن سعد بن إبراهيم عن عمه يعقوب قال الاسماعيلي هذان ثقتان روياه هكذا قلت لكن سعيد ثقة وقد تابعه عباس بن محمد الدوري عن يعقوب بن إبراهيم أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريقه وقد تقدم شرح الحديث في المغازي ويأتي شئ منه بعد أبواب وأن قول بن عباس في هذه الرواية ذكر لي على البناء للمجهول يبين من رواية نافع بن جبير عن بن عباس المذكورة هناك أن المبهم المذكور أبو هريرة قال المهلب هذه الرؤيا ليست على وجهها وانما هي من ضرب المثل وانما أول النبي صلى الله عليه وسلم السوارين بالكذابين لان الكذب وضع الشئ في غير موضعه فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه لانهما من حلية النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له وأيضا ففي كونهما من ذهب والذهب منهي عن لبسه دليل على الكذب وأيضا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم انه شئ يذهب عنه وتأكد ذلك بالاذن له في نفخها فطار فعلم انه لا يثبت لهما أمر وأن كلامه بالوحي الذي جاء به يزيلهما عن موضعهما والنفخ يدل على الكلام انتهى ملخصا وقوله في آخر الحديث فقال عبيد الله هو بن عبد الله بن عتبة راوي الحديث وهو موصول بالسند المذكور إليه وهذا التفسير يوهم أنه من قبله وسيأتي قريبا من وجه آخر عن أبي هريرة أنه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فيحتمل أن يكون عبيد الله لم يسمع ذلك من بن عباس وقد ذكرت خبر الاسود العنسي هناك وذكرت خبر مسيلمة وقتله في غزوة أحد وشيئا من خبره في أواخر المغازي أيضا قال الكرماني كان يقال للاسود العنسي ذو الحمار لانه علم حمارا إذ قال له اسجد يخفض رأسه قلت فعلى هذا هو بالحاء المهملة والمعروف أنه بالخاء المعجمة بلفظ الثوب الذي يختمر به قال بن العربي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوقع بطلان أمر مسيلمة والعنسي فأول الرؤيا عليهما ليكون ذلك إخراجا للمنام عليهما ودفعا لحالهما فإن الرؤيا إذا عبرت خرجت ويحتمل أن يكون بوحي والاول أقوى كذا قال قوله إذا رأى بقرا تنحر كذا ترجم بقيد النحر ولم يقع ذلك في الحديث الذي ذكره عن أبي موسى وكأنه أشار بذلك إلى ما ورد في بعض طرق الحديث كما سأبينه وحديث أبي موسى المذكور في الباب أورده بهذا السند بتمامه في علامات النبوة وفرق منه في المغازي بهذا السند أيضا وعلق فيها قطمة في الهجرة فقال وقال أبو موسى وذكر بعضه هنا وبعضه بعد أربعة أبواب ولم يذكر بعضه وقد تقدم في غزوة أحد شرح ما أورده منه فيها قوله أراه بضم أوله أي أظنه وقد بينت هناك أن القائل أراه هو البخاري وأن مسلما وغيره رووه عن أبي كريب محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بالسند المذكور بدون هذه اللفظة بل جزموا برفعه قوله فذهب وهلى قال بن التين رويناه وهلى بفتح الهاء والذي ذكره أهل اللغة بسكونها تقول وهلت بالفتح أهل وهلا إذا ذهب وهمك إليه وأنت تريد غيره مثل

[ 370 ]

وهمت ووهل يوهل وهلا بالتحريك إذا فزع قال ولعله وقع في الرواية على مثل ما قالوه في البحر بحر بالتحريك وكذا النهر والنهر والشعر والشعر انتهى وبهذا جزم أهل اللغة بن فارس والفارابي والجوهري والفالي وابن القطاع إلا أنهم لم يقولوا وأنت تريد غيره وقد وقع في حديث المائة سنة فوهل الناس في مقالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهلا بالتحريك وقال النووي معناه غلطوا يقال وهل بفتح الهاء يهل بكسرها وهلا بسكونها مثل ضرب يضرب ضربا أي غلط وذهب وهمه إلى خلاف الصواب وأما وهلت بكسرها أو هل بالفتح وهلا بالتحريك أيضا كحذرت احذر حذرا فمعناه فزعت والوهل بالفتح الفزع وضبطه النووي بالتحريك وقال الوهل بالتحريك معناه الوهم والاعتقاد وأما صاحب النهاية فجزم أنه بالسكون قوله أو الهجر كذا لابي ذر هنا بالالف واللام ووافقه الاصيلي ووقع في رواية كريمة أو هجر بغير ألف ولام وهي بلد قدمت بيانها في باب الهجرة إلى المدينة قوله ورأيت فيها بقرا والله خير تقدم ما فيه ووقع في حديث جابر عند أحمد والنسائي والدارمي من رواية حماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر وفي رواية لاحمد حدثنا جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال رأيت كأني في درع حصينة ورأيت بقرا تنحر فأولت الدرع الحصينة المدينة وأن البقر بقر والله خير وهذه اللفظة الاخيرة وهي بقر بفتح الموحدة وسكون القاف مصدر بقره يبقره بقرا ومنهم من ضبطها بفتح النون والفاء ولهذا الحديث سبب جاء بيانه في حديث بن عباس عند أحمد أيضا والنسائي والطبراني وصححه الحاكم من طريق أبي الزناد عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن بن عباس في قصة أحد واشارة النبي صلى الله عليه وسلم عليهم أن لا يبرحوا من المدينة وإيثارهم الخروج لطلب الشهادة ولبسه اللامة وندامتهم على ذلك وقوله صلى الله عليه وسلم لا ينبغي لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى يقاتل وفيه أني رأيت أني في درع حصينة الحديث بنحو حديث جابر وأتم منه وقد تقدمت الاشارة القتال والبحث معه فيه وهو انما تكلم على رواية بن إسحاق اني رأيت والله خير رأيت بقرا ولكن تقييده في الحديث الذي ذكرته البقر بكونها تنحر هو على ما فسره في الحديث بأنهم من أصيب من المسلمين وان كانت الرواية بسكون القاف أو بالنون والفاء وليس من رؤية البقر المتناطحة في شئ وقد ذكر أهل التعبير للبقر في النوم وجوها أخرى منها أن البقرة الواحدة تفسر بالزوجة والمرأة والخادم والارض والثور يفسر بالثائر لكونه يثير الارض فيتحرك عاليها وسافلها فكذلك من يثور في ناحية لطلب ملك أو غيره ومنها أن البقر إذا وصلت إلى بلد فإن كانت بحرية فسرت بالسفن وإلا فبعسكر أو بأهل بادية أو يبس يقع في تلك البلد قوله وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق الذي آتانا الله بعد يوم بدر والمراد بما بعد بدر فتح خيبر ثم مكة ووقع في رواية بعد بالضم أي بعد أحد ونصب يوم أي ما جاء الله به بعد بدر الثانية من تثبيت قلوب المؤمنين قال الكرماني ويحتمل أن يراد بالخير الغنيمة وبعد أي بعد الخير والثواب والخير حصلا في يوم بدر قلت وفي هذا السياق إشعار بأن قوله في الخير والله خير من جملة الرؤيا والذي يظهر لي أن لفظة لم يتحرر إيراده وأن رواية بن إسحاق هي المحررة وأنه رأى بقرا ورأى خيرا فأول البقر على من قتل من الصحابة يوم أحد وأول الخير على ما حصل لهم من ثواب الصدق في القتال والصبر على

[ 371 ]

الجهاد يوم بدر وما بعده إلى فتح مكة والمراد بالبعدية على هذا لا يختص بما بين بدر وأحد نبه عليه بن بطال ويحتمل أن يريد ببدر بدر الموعد لا الوقعة المشهورة السابقة على أحد فان بدر الموعد كانت بعد أحد ولم يقع فيها قتال وكان المشركون لما رجعوا من أحد قالوا موعدكم العام المقبل بدر فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن انتدب معه إلى بدر فلم يحضر المشركون فسميت بدر الموعد فأشار بالصدق إلى أنهم صدقوا الوعد ولم يخلفوه فأثابهم الله تعالى على ذلك بما فتح عليهم بعد ذلك من قريظة وخيبر وما بعدها والله أعلم قوله باب النفخ في المنام قال أهل التعبير النفخ يعبر بالكلام وقال بن بطال يعبر بإزالة الشئ المنفوخ بغير تكلف شديد لسهولة النفخ على النافخ ويدل على الكلام وقد أهلك الله الكاذبين المذكورين بكلامه صلى الله عليه وسلم وأمره بقتلهما قوله حدثني في رواية أبي ذر حدثنا قوله إسحاق بن إبراهيم الحنظلي هو المعروف بابن راهويه قوله هذا ما حدثنا به أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال نحن الآخرون السابقون وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بينا أنا نائم قد تقدم التنبيه على هذا الصنيع في أوائل كتاب الايمان والنذور وأن نسخة همام عن أبي هريرة كانت عند إسحاق بهذا السند وأول حديث فيها حديث نحن الآخرون السابقون الحديث في الجمعة وبقية أحاديث النسخة معطوفة عليه بلفظ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إسحاق إذا أراد التحديث بشئ منها بدا بطرف من الحديث الاول وعطف عليه ما يريد ولم يطرد هذا الصنيع للبخاري في هذه النسخة وأما مسلم فأطرد صنيعه في ذلك كما نبهت عليه هناك وبالله التوفيق وقد تقدم هذا الحديث في باب وقد بني حنيفة في أواخر المغازي عن إسحاق بن نصر عن عبد الرزاق بهذا الاسناد لكن قال في روايته عن همام أنه سمع أبا هريرة ولم يبدا فيه إسحاق بن نصر بقوله نحن الآخرون السابقون وذلك مما يؤيد ما قررته ويعكر على من زعم أن هذه الجملة أول حديث الباب وتكلف لذلك وبالله التوفيق قوله إذ أتيت خزائن الارض كذا وجدته في نسخة معتمدة من طريق أبي ذر من الاتيان بمعنى المجئ وبحذف الباء من خزائن وهي مقدرة وعند غيره أوتيت بزيادة رواه من الايتاء بمعنى الاعطاء ولا إشكال في حذف الباء على هذه الرواية ولبعضهم كالاول لكن بإثبات الباء وهي رواية أحمد وإسحاق بن نصر عن عبد الرزاق قال الخطابي المراد بخزائن الارض ما فتح على الامة من الغنائم من ذخائر كسرى وقيصر وغيرهما ويحتمل معادن الارض التي فيها الذهب والفضة قال غيره بل يحمل على أعم من ذلك قوله فوضع بفتح أوله وثانيه وفي رواية إسحاق بن نصر بضم أوله وكسر ثانيه قوله في يدي في رواية إسحاق بن نصر في كفي قال سوارين في روايه إسحاق بن نصر سوران ولا إشكال فيها وشرح بن التين هنا على لفظ وضع بالضم وسوارين بالنصب وتكلف لتخريج ذلك وقد أخرجه بن أبي شيبة وابن ماجة من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ رأيت في يدي سوارين من ذهب وأخرجه سعيد بن منصور من رواية سعيد المقبري عن أبي هريرة مثله وزاد في المنام والسوار بكسر المهملة ويجوز ضمها وفيه لغة ثالثة أسوار بضم الهمزة أوله قوله فكبر علي في رواية إسحاق بن نصر فكبرا بالثتنية والباء الموحدة مضمومة بمعنى العظم قال القرطبي وإنما عظم عليه ذلك لكون الذهب من حلية النساء ومما حرم على الرجال قوله فأوحى الي كذا للاكثر على البناء للمجهول وفي رواية

[ 372 ]

الكشميهني في حديث إسحاق بن نصر فأوحى الله الي وهذا الوحي يحتمل أن يكون من وحي الالهام أو على لسان الملك قاله القرطبي قوله فنفختهما زاد إسحاق بن نصر فذهبا وفي رواية بن عباس الماضية قريبا فطارا وكذا في رواية المقبري وزاد فوقع واحد باليمامة والآخر باليمن وفي ذلك إشارة إلى حقارة أمرهما لان شأن الذي ينفخ فيذهب بالنفخ أن يكون في غاية الحقارة ورده بن العربي بان أمرهما كان في غاية الشدة ولم ينزل بالمسلمين قبله مثله قلت وهو كذلك لكن الاشارة انما هي للحقارة المعنوية لا الحسية وفي طيرانهما إشارة إلى إضمحلال أمرهما كما تقدم قوله فأولتهما الكذابين قال القاضي عياض لما كان رؤيا السوارين في اليدين جميعا من الجهتين وكان النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ بينهما فتأول السوارين عليهما لوضعهما في غير موضعهما لانه ليس من حلية الرجال وكذلك الكذاب يضع الخبر في غير موضعه وفي كونهما من ذهب إشعار بذهاب أمرهما وقال بن العربي السوار من حلى الملوك الكفار كما قال الله تعالى فلولا ألقى عليه أساورة من ذهب واليد لها معان منها القوة والسلطان والقهر قال ويحتمل أن يكون ضرب المثل بالسوار كناية عن الاسوار وهو من أسامي ملوك الفرس قال وكثيرا ما يضرب المثل بحذف بعض الحروف قلت وقد ثبت بزيادة الالف في بعض طرقه كما بينته وقال القرطبي في المفهم ما ملخصه مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء وأهل اليمامة كانوا أسلموا فكانوا كالساعدين للاسلام فلما ظهر فيهما الكذابان وبهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة إنخدع أكثرهم بذلك فكان اليدان بمنزلة البلدان والسواران بمنزلة الكذابين وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه والزخرف من أسماء الذهب قوله اللذين أنا بينهما ظاهر في أنهما كانا حين قص والرؤيا موجودين وهو كذلك لكن وقع في رواية بن عباس يخرجان بعدي والجمع بينهما أن المراد بخروجهما بعده ظهور شوكتهما ومحاربتهما ودعواهما النبوة نقله النووي عن العلماء وفيه نظر لان ذلك كله ظهر للاسود بصنعاء في حياته صلى الله عليه وسلم فأدعي النبوة وعظ