الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




فتح الباري - ابن حجر ج 11

فتح الباري

ابن حجر ج 11


[ 1 ]

فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء الاول دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان الطبعة الثانية أعيد طبعه بالاوفست (الجزء الاول)

[ 2 ]

قوله كتاب الاستئذان باب بدء السلام الاستئذان طلب الاذن في الدخول لمحل لا يملكه المستأذن وبدء بفتح أوله والهمز بمعنى الابتداء أي أول ما وقع السلام وانما ترجم للسلام مع الاستئذان للاشارة إلى أنه لا يؤمن لمن لم يسلم وقد أخرج أبو داود وابن أبي شيبة بسند جيد عن ربعي بن حراش حدثني رجل أنه استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم وهو في بيته فقال أألج فقال لخادمه اخرج لهذا فعلمه فقال قل السلام عليكم أأدخل الحديث وصححه الدارقطني وأخرج بن أبي شيبة من طريق زيد بن أسلم بعثني أبي إلى بن عمر فقلت أألج فقال لا تقل كذا ولكن قل السلام عليكم فإذا رد عليك فادخل ومن طريق بن أبي بريدة استأذن رجل على رجل من أصحابه ثلاث مرات يقول أأدخل وهو ينظر إليه لا يأذن له فقال السلام عليكم أأدخل قال نعم ثم قال لو أقمت إلى الليل وسيأتي مزيد لذلك في الباب الذي يليه قوله حدثنا يحيى بن جعفر هو البيكندي قوله خلق الله آدم على صورته تقدم بيانه في بدء الخلق واختلف إلى ماذا يعود الضمير فقيل إلى آدم أي خلقه على صورته التي استمر عليها إلى أن اهبط وإلى ان مات دفعا لتوهم من يظن أنه لما كان في الجنة كان على صفة أخرى أو ابتدأ خلقه كما وجد لم ينتقل في النشأة كما ينتقل ولده من حالة إلى حالة وقيل للرد على الدهرية انه لم يكن انسان الا من نطفة ولا تكون نطفة انسان إلا من انسان ولا أول لذلك فبين أنه خلق من أول الامر على هذه الصورة وقيل

[ 3 ]

للرد على الطبائعيين الزاعمين أن الانسان قد يكون من فعل الطبع وتأثيره وقيل للرد على القدرية الزاعمين أن الانسان يخلق فعل نفسه وقيل إن لهذا الحديث سببا حذف من هذه الرواية وان أوله قصة الذي ضرب عبده فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك وقال له ان الله خلق آدم على صورته وقد تقدم بيان ذلك في كتاب العتق وقيل الضمير لله وتمسك قائل ذلك بما ورد في بعض طرقه على صورة الرحمن والمراد بالصورة الصفة والمعنى ان الله خلقه على صفته من العلم والحياة والسمع والبصر وغير ذلك وان كانت صفات الله تعالى لا يشبهها شئ قوله اذهب فسلم على أولئك فيه إشعار بأنهم كانوا على بعد واستدل به على إيجاب ابتداء السلام لورود الامر به وهو بعيد بل ضعيف لانها واقعة حال لا عموم لها وقد نقل بن عبد البر الاجماع على أن الابتداء بالسلام سنة ولكن في كلام المازري ما يقتضي اثبات خلاف في ذلك كذا زعم بعض من أدركناه وقد راجعت كلام المازري وليس فيه ذلك فإنه قال ابتداء السلام سنة ورده واجب هذا هو المشهور عند أصحابنا وهو من عبادات الكفاية فأشار بقوله المشهور إلى الخلاف في وجوب الرد هل هو فرض عين أو كفاية وقد صرح بعد ذلك بخلاف أبي يوسف كما سأذكره بعد نعم وقع في كلام القاضي عبد الوهاب فيما نقله عنه عياض قال لا خلاف أن ابتداء السلام سنة أو فرض على الكفاية فان سلم واحد من الجماعة أجزأ عنهم قال عياض معنى قوله فرض على الكفاية مع نقل الاجماع على أنه سنة أن إقامة السنن وإحياءها فرض على الكفاية قوله نفر من الملائكة بالخفض في الرواية ويجوز الرفع والنصب ولم أقف على تعيينهم قوله فاستمع في رواية الكشميهني فاسمع قوله ما يحيونك كذا للاكثر بالمهملة من التحية وكذا تقدم في خلق آدم عن عبد الله بن محمد عن عبد الرزاق وكذا عند أحمد ومسلم عن محمد بن رافع كلاهما عن عبد الرزاق وفي رواية أبي ذر هنا بكسر الجيم وسكون التحتانية بعدها موحدة من الجواب وكذا هو في الادب المفرد للمصنف عن عبد الله بن محمد بالسند المذكور قوله فانها أي الكلمات التي يحيون بها أو يجيبون قوله تحيتك وتحية ذريتك أي من جهة الشرع أو المراد بالذرية بعضهم وهم المسلمون وقد أخرج البخاري في الادب المفرد وابن ماجة وصححه بن خزيمة من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة مرفوعا ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدوكم على السلام والتأمين وهو يدل على أنه شرع لهذه الامة دونهم وفي حديث أبي ذر الطويل في قصة إسلامه قال وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه فكنت أول من حياه بتحية الاسلام فقال وعليك ورحمة الله أخرجه مسلم وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب من حديث أبي أمامة رفعه جعل الله السلام تحية لامتنا وأمانا لاهل ذمتنا وعند أبي داود من حديث عمران بن حصين كنا نقول في الجاهلية أنعم بك عينا وأنعم صباحا فلما جاء الاسلام نهينا عن ذلك ورجاله ثقات لكنه منقطع وأخرج بن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال كانوا في الجاهلية يقولون حييت مساء حييت صباحا فغير الله ذلك بالسلام قوله فقال السلام عليكم قال بن بطال يحتمل أن يكون الله علمه كيفية ذلك تنصيصا ويحتمل أن يكون فهم ذلك من قوله له فسلم قلت ويحتمل أن يكون ألهمه ذلك ويؤيده ما تقدم في باب حمد العاطس في الحديث الذي أخرجه بن حبان من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه ان آدم لما خلقه الله عطس فألهمه الله أن

[ 4 ]

قال الحمد لله الحديث فلعله ألهمه أيضا صفة السلام واستدل به على أن هذه الصيغة هي المشروعة لابتداء السلام لقوله فهي تحيتك وتحية ذريتك وهذا فيما لو سلم على جماعة فلو سلم على واحد فسيأتي حكمه بعد أبواب ولو حذف اللام فقال سلام عليكم أجزأ قال الله تعالى والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم وقال تعالى فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة وقال تعالى سلام على نوح في العالمين إلى غير ذلك لكن باللام أولى لانها للتفخيم والتكثير وثبت في حديث التشهد السلام عليك أيها النبي قال عياض ويكره أن يقول في الابتداء عليك السلام وقال النووي في الاذكار إذا قال المبتدئ وعليكم السلام لا يكون سلاما ولا يستحق جوابا لان هذه الصيغة لا تصلح للابتداء قاله المتولي فلو قاله بغير واو فهو سلام قطع بذلك الواحدي وهو ظاهر قال النووي ويحتمل أن لا يجزئ كما قيل به في التحلل من الصلاة ويحتمل أن لا يعد سلاما ولا يستحق جوابا لما رويناه في سنن أبي داود والترمذي وصححه وغيرهما بالاسانيد الصحيحة عن أبي جرى بالجيم والراء مصغر الهجيمي بالجيم مصغرا قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت عليم السلام يا رسول الله قال لا تقل عليك السلام فان عليك السلام تحية الموتى قال ويحتمل أن يكون ورد لبيان الاكمل وقد قال الغزالي في الاحياء يكره للمبتدئ أن يقول عليكم السلام قال النووي والمختار لا يكره ويجب الجواب لانه سلام قلت وقوله بالاسانيد الصحيحة يوهم أن له طرقا إلى الصحابي المذكور وليس كذلك فإنه لم يروه عن النبي صلى الله عليه وسلم غير أبي جرى ومع ذلك فمداره عند جميع من أخرجه على أبي تميمة الهجيمي راويه عن أبي جرى وقد أخرجه أحمد أيضا والنسائي وصححه الحاكم وقد اعترض هو ما دل عليه الحديث بما أخرجه مسلم من حديث عائشة في خروج النبي صلى الله عليه وسلم إلى البقيع الحديث وفيه قلت كيف أقول قال قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين قلت وكذا أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما أتى البقيع السلام على أهل الديار من المؤمنين الحديث قال الخطابي فيه أن السلام على الاموات والاحياء سواء بخلاف ما كانت عليه الجاهلية من قولهم عليك سلام الله قيس بن عاصم قلت ليس هذا من شعر أهل الجاهلية فان قيس بن عاصم صحابي مشهور عاش بعد النبي صلى الله عليه وسلم والمرثية المذكورة لمسلم معروف قالها لما مات قيس ومثله ما أخرج بن سعد وغيره أن الجن رثوا عمر بن الخطاب بأبيات منها عليك سلام من أمير وباركت * يد الله في ذاك الاديم الممزق وقال بن العربي في السلام على أهل البقيع لا يعارض النهي في حديث أبي جرى لاحتمال أن يكون الله أحياهم لنبيه صلى الله عليه وسلم فسلم عليهم سلام الاحياء كذا قال ويرده حديث عائشة المذكور قال ويحتمل أن يكون النهي مخصوصا بمن يرى أنها تحية الموتى وبمن يتطير بها من الاحياء فانها كانت عادة أهل الجاهلية وجاء الاسلام بخلاف ذلك قال عياض وتبعه بن القيم في الهدى فنقح كلامه فقال كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول في الابتداء السلام عليكم ويكره أن يقول عليكم السلام فذكر حديث أبي جرى وصححه ثم قال أشكل هذا على طائفة وظنوه معارضا لحديث عائشة وأبي هريرة وليس كذلك وإنما معنى قوله عليك

[ 5 ]

السلام تحية الموتى إخبار عن الواقع لا عن الشرع أي أن الشعراء ونحوهم يحيون الموتى به واستشهد بالبيت المتقدم وفيه ما فيه قال فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحيي بتحية الاموات وقال عياض أيضا كانت عادة العرب في تحية الموتى تأخير الاسم كقولهم عليه لعنة الله وغضبه عند الذم وكقوله تعالى وان عليك اللعنة إلى يوم الدين وتعقب بأن النص في الملاعنة ورد بتقديم اللعنة والغضب على الاسم وقال القرطبي يحتمل أن يكون حديث عائشة لمن زار المقبرة فسلم على جميع من بها وحديث أبي جرى اثباتا ونفيا في السلام على الشخص الواحد ونقل بن دقيق العيد عن بعض الشافعية أن المبتدئ لو قال عليكم السلام لم يجز لانها صيغة جواب قال والاولى الاجزاء لحصول مسعى السلام ولانهم قالوا ان المصلي ينوي بأحدى التسليمتين الرد على من حضر وهي بصيغة الابتداء ثم حكى عن أبي الوليد بن رشد أنه يجوز الابتداء بلفظ الرد وعكسه وسيأتي مزيد لذلك في باب من رد فقال عليك السلام ان شاء الله تعالى قوله فقالوا السلام عليك ورحمة الله كذا للاكثر في البخاري هنا وكذا للجميع في بدء الخلق ولاحمد ومسلم من هذا الوجه من رواية عبد الرزاق ووقع هنا الكشميهني فقالوا وعليك السلام ورحمة الله وعليها شرح الخطابي واستدل برواية الاكثر لمن يقول يجزئ في الرد أن يقع باللفظ الذي يبتدأ به كما تقدم قيل ويكفي أيضا الرد بلفظ الافراد وسيأتي البحث في ذلك في باب من رد فقال عليك السلام قوله فزادوه ورحمة الله فيه مشروعة الزيادة في الرد على الابتداء وهو مستحب بالاتفاق لوقوع التحية في ذلك في قوله تعالى فحيوا بأحسن منها أو ردوها فلو زاد المبتدئ ورحمة الله استحب أن يزاد وبركاته فلو زاد وبركاته فهل تشرع الزيادة في الرد وكذا لو زاد المبتدئ على وبركاته هل يشرع له ذلك أخرج مالك في الموطأ عن بن عباس قال انتهى السلام إلى البركة وأخرج البيهقي في الشعب من طريق عبد الله بن بأبيه قال جاء رجل إلى بن عمر فقال السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ومغفرته فقال حسبك إلى وبركاته انتهى إلى وبركاته ومن طريق زهرة بن معبد قال قال عمر انتهى السلام إلى وبركاته ورجاله ثقات وجاء عن بن عمر الجواز فأخرج مالك أيضا في الموطأ عنه أنه زاد في الجواب والغاديات والرائحات وأخرج البخاري في الادب المفرد من طريق عمرو بن شعيب عن سالم مولى بن عمر قال كان بن عمر يزيد إذا رد السلام فأتيته مرة فقلت السلام عليكم فقال السلام عليكم ورحمة الله ثم أتيته فزدت وبركاته فرد وزاد وطيب صلواته ومن طريق زيد بن ثابت انه كتب إلى معاوية السلام عليكم يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ومغفرته وطيب صلواته ونقل بن دقيق العيد عن أبي الوليد بن رشد أنه يؤخذ من قوله تعالى فحيوا بأحسن منها الجواز في الزيادة على البركة إذا انتهى إليها المبتدئ وأخرج أبو داود والترمذي والنسائي بسند قوي عن عمران بن حصين قال جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال السلام عليكم فرد عليه وقال عشر ثم جاء آخر فقال السلام عليكم ورحمة الله فرد عليه وقال عشرون ثم جاء آخر فزاد وبركاته فرد وقال ثلاثون وأخرجه البخاري في الادب المفرد من حديث أبي هريرة وصححه بن حبان وقال ثلاثون حسنة وكذا فيما قبلها صرح بالمعدود وعند أبي نعيم في عمل يوم وليلة من حديث على أنه هو الذي وقع له مع النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وأخرج الطبراني من حديث سهل بن حنيف بسند ضعيف رفعه من قال

[ 6 ]

السلام عليكم كتب له عشر حسنات ومن زاد ورحمة الله كتبت له عشرون حسنة ومن زاد وبركاته كتبت له ثلاثون حسنة وأخرج أبو داود من حديث سهل بن معاذ بن أنس الجهني عن أبيه بسند ضعيف نحو حديث عمران وزاد في اخره ثم جاء آخر فزاد ومغفرته فقال أربعون وقال هكذا تكون الفضائل وأخرج بن السني في كتابه بسند واه من حديث أنس قال كان رجل يمر فيقول السلام عليك يا رسول الله فيقول له وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته ورضوانه وأخرج البيهقي في الشعب بسند ضعيف أيضا من حديث زيد بن أرقم كنا إذا سلم علينا النبي صلى الله عليه وسلم قلنا وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ومغفرته وهذه الاحاديث الضعيفة إذا انضمت قوى ما اجتمعت عليه من مشروعية الزيادة على وبركاته واتفق العلماء على أن الرد واجب على الكفاية وجاء عن أبي يوسف أنه قال يجب الرد على كل فرد فرد واحتج له بحديث الباب لان فيه فقالوا السلام عليك وتعقب بجواز أن يكون نسب إليهم والمتكلم به بعضهم واحتج له أيضا بالاتفاق على أن من سلم على جماعة فرد عليه واحد من غيرهم لا يجزئ عنهم وتعقب بظهور الفرق واحتج الجمهور بحديث علي رفعه يجزى عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم ويجزى عن الجلوس أن يرد أحدهم أخرجه أبو داود والبزار وفي سنده ضعف لكن له شاهد من حديث الحسن بن علي عند الطبراني وفي سنده مقال وآخر مرسل في الموطأ عن زيد بن أسلم واحتج بن بطال بالاتفاق على أن المبتدئ لا يشترط في حقه تكرير السلام بعدد من يسلم عليهم كما في حديث الباب من سلام آدم وفي غيره من الاحاديث قال فكذلك لا يجب الرد على كل فرد إذا سلم الواحد عليهم واحتج الماوردي بصحة الصلاة الواحدة على العدد من الجنائز وقال الحليمي انما كان الرد واجبا لان السلام معناه الامان فإذا ابتدأ به المسلم أخاه فلم يجبه فإنه يتوهم منه الشر فيجب عليه دفع ذلك التوهم عنه انتهى كلامه وسيأتي بيان معاني لفظ السلام في باب السلام اسم من أسماء الله تعالى ويؤخذ من كلامه موافقة القاضي حسين حيث قال لا يجب رد السلام على من سلم عند قيامه من المجلس إذا كان سلم حين دخل ووافقه المتولي وخالفه المستظهري فقال السلام سنة عند الانصراف فيكون الجواب واجبا قال النووي هذا هو الصواب كذا قال قوله فكل من يدخل الجنة كذا للاكثر هنا وللجميع في بدء الخلق ووقع هنا لابي ذر فكل من يدخل يعني الجنة وكأن لفظ الجنة سقط من روايته فزاد فيه يعني قوله على صورة آدم تقدم شرح ذلك في بدء الخلق قال المهلب في هذا الحديث أن الملائكة يتكلمون بالعربية ويتحيون بتحية الاسلام قلت وفي الاول نظر لاحتمال أن يكون في الازل بغير اللسان العربي ثم لما حكى للعرب ترجم بلسانهم ومن المعلوم أن من ذكرت قصصهم في القرآن من غير العرب نقل كلامهم بالعربي فلم يتعين أنهم تكلموا بما نقل عنهم بالعربي بل الظاهر أن كلامهم ترجم بالعربي وفيه الامر بتعلم العلم من أهله والاخذ بنزول مع إمكان العلو والاكتفاء في الخير مع إمكان القطع بما دونه وفيه أن المدة التي بين آدم والبعثة المحمدية فوق ما نقل عن الاخباريين من أهل الكتاب وغيرهم بكثير وقد تقدم بيان ذلك ووجه الاحتجاج به في بدء الخلق قوله باب قول الله تعالى في رواية أبي ذر قوله تعالى لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم إلى قوله تعالى وما تكتمون وساق في رواية

[ 7 ]

كريمة والاصيلي الآيات الثلاث والمراد بالاستئناس في قوله تعالى حتى تستأنسوا الاستئذان بتنحنح ونحوه عند الجمهور وأخرج الطبري من طريق مجاهد حتى تستأنسوا تنحنحوا أو تتنخموا ومن طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس يتكلم ويرفع صوته وأخرج بن أبي حاتم بسند ضعيف من حديث أبي أيوب قال قلت يا رسول الله هذا السلام فما الاستئناس قال يتكلم الرجل بتسبيحة أو تكبيرة ويتنحنح فيؤذن أهل البيت وأخرج الطبري من طريق قتادة قال الاستئناس هو الاستئذان ثلاثا فالاولى ليسمع والثانية ليتأهبوا له والثالثة ان شاءوا أذنوا له وان شاءوا ردوا والاستئناس في اللغة طلب الايناس وهو من الانس بالضم ضد الوحشة وقد تقدم في أواخر النكاح في حديث عمر الطويل في قصة اعتزال النبي صلى الله عليه وسلم نساءه وفيه فقلت أستأنس يا رسول الله قال نعم قال فجلس وقال البيهقي معنى تستأنسوا تستبصروا ليكون الدخول على بصيرة فلا يصادف حالة يكره صاحب المنزل أن يطلعوا عليها وأخرج من طريق الفراء قال الاستئناس في كلام العرب معناه انظروا من في الدار وعن الحليمي معناه حتى تستأنسوا بأن تسلموا وحكى الطحاوي أن الاستئناس في لغة اليمن الاستئذان وجاء عن بن عباس إنكار ذلك فاخرج سعيد بن منصور والطبري والبيهقي في الشعب بسند صحيح أن بن عباس كان يقرأ حتى تستأذنوا ويقول أخطأ الكاتب وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب ومن طريق مغيرة بن مقسم عن إبراهيم النخعي قال في مصحف بن مسعود حتى تستأذنوا وأخرج سعيد بن منصور من طريق مغيرة عن إبراهيم في مصحف عبد الله حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا وأخرجه إسماعيل بن إسحاق في احكام القرآن عن بن عباس واستشكله وكذا طعن في صحته جماعة ممن بعده وأجيب بان بن عباس بناها على قراءته التي تلقاها عن أبي بن كعب وأما اتفاق الناس على قراءتها بالسين فلموافقة خط المصحف الذي وقع الاتفاق على عدم الخروج عما يوافقه وكان قراءة أبي من الاحرف التي تركت القراءة بها كما تقدم تقريره في فضائل القرآن وقال البيهقي يحتمل أن يكون ذلك كان في القراءة الاولى ثم نسخت تلاوته يعني ولم يطلع بن عباس على ذلك قوله وقال سعيد بن أبي الحسن هو البصري أخو الحسن قوله للحسن أي لاخيه قوله ان نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن قال اصرف بصرك عنهن يقول الله عزوجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم قال قتادة عما لا يحل لهم كذا وقع في رواية الكشميهني ووقع في رواية غيره بعد قوله اصرف بصرك وقول الله عزوجل قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم الخ فعلى رواية الكشميهني يكون الحسن استدل بالآية وأورد المصنف أثر قتادة تفسيرا لها وعلى رواية الاكثر تكون ترجمة مستأنفة والنكتة في ذكرها في هذا الباب على الحالين للاشارة إلى ان أصل مشروعية الاستئذان للاحتراز من وقوع النظر إلى ما لا يريد صاحب المنزل النظر إليه لو دخل بغير إذن وأعظم ذلك النظر إلى النساء الاجنبيات وأثر قتادة عند بن أبي حاتم وصله من طريق يزيد بن زريع عن سعيد بن أبي عروبة عنه في قوله تعالى ويحفظوا فروجهم قال عما لا يحل لهم قوله وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن كذا للاكثر تخلل أثر قتادة بين الآيتين وسقط جميع ذلك من رواية النسفي فقال بعد قوله حتى تستأنسوا الآيتين وقول الله عزوجل قل للمؤمنين يغضوا من

[ 8 ]

أبصارهم الآية وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن قوله خائنة الاعين من النظر إلى ما نهى عنه كذا للاكثر بضم نون نهى على البناء للمجهول وفي رواية كريمة الى ما نهى الله عنه وسقط لفظ من رواية أبي ذر وعند بن أبي حاتم من طريق بن عباس في قوله تعالى يعلم خائنة الاعين قال هو الرجل ينظر إلى المرأة الحسناء تمر به أو يدخل بيتا هي فيه فإذا فطن له غض بصره وقد علم الله تعالى أنه يود لو اطلع على فرجها وان قدر عليها لو زنى بها ومن طريق مجاهد وقتادة نحوه وكأنهم أرادوا أن هذا من جملة خائنة الاعين وقال الكرماني معنى يعلم خائنة الاعين ان الله يعلم النظرة المسترقة إلى ما لا يحل وأما خائنة الاعين التي ذكرت في الخصائص النبوية فهي الاشارة بالعين إلى أمر مباح لكن على خلاف ما يظهر منه بالقول قلت وكذا السكوت المشعر بالتقرير فإنه يقوم مقام القول وبيان ذلك في حديث مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال لما كان يوم فتح مكة أمن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس الا أربعة نفر وامرأتين فذكر منهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى أن قال فأما عبد الله فاختبأ عند عثمان فجاء به حتى أوقفه فقال يا رسول الله بايعه فأعرض عنه ثم بايعه بعد الثلاث مرات ثم أقبل على أصحابه فقال أما كان فيكم رجل يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عنه فيقتله فقالوا هلا أومأت قال انه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الاعين أخرجه الحاكم من هذا الوجه وأخرجه بن سعد في الطبقات من مرسل سعيد بن المسيب أخصر منه وزاد فيه وكان رجل من الانصار نذر ان رأى بن أبي سرح أن يقتله فذكر بقية الحديث نحو حديث بن عباس وأخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن يربوع وله طرق أخرى يشد بعضها بعضا قوله وقال الزهري في النظر إلى التي لم تحض من النساء لا يصلح النظر إلى شئ منهن ممن يشتهى النظر إليه وان كانت صغيرة كذا الاكشر وفي رواية الكشميهني في النظر إلى ما لا يحل من النساء لا يصلح الخ وقال النظر اليهن وسقط هذا الاثر والذي بعده من رواية النسفي قوله وكره عطاء النظر إلى الجواري التي يبعن بمكة الا أن يريد أن يشتري وصله بن أبي شيبة من طريق الاوزاعي قال سئل عطاء بن أبي رباح عن الجواري التي يبعن بمكة فكره النظر اليهن الا لمن يريد أن يشتري ووصله الفاكهي في كتاب مكة من وجهين عن الاوزاعي وزاد اللاتي يطاف بهن حول البيت قال الفاكهي زعموا أنهم كانوا يلبسون الجارية ويطوفون بها مسفرة حول البيت ليشهروا أمرها ويرغبوا الناس في شرائها ثم ذكر فيه حديثين مرفوعين الاول حديث بن عباس قوله أردف النبي صلى الله عليه وسلم الفضل هو بن عباس وقد تقدم شرحه في كتاب الحج قال بن بطال في الحديث الامر بغض البصر خشية الفتنة ومقتضاه أنه إذا أمنت الفتنة لم يمتنع قال ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم لم يحول وجه الفضل حتى أدمن النظر إليها لاعجابه بهن بها فخشي الفتنة عليه قال وفيه مغالبة طباع البشر لابن آدم وضعفه عما ركب فيه من الميل إلى النساء والاعجاب وفيه دليل على أن نساء المؤمنين ليس عليهن من الحجاب ما يلزم أزواج النبي صلى الله عليه وسلم إذ لو لزم ذلك جميع النساء لام النبي صلى الله عليه وسلم الخثعمية بالاستتار ولما صرف وجه الفضل قال وفيه دلى على أن ستر المرأة وجهها ليس فرضا لاجماعهم على أن للمرأة أن تبدي وجهها في الصلاة ولو رآه الغرباء وأن قوله قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم على الوجوب في غير الوجه قلت وفي

[ 9 ]

استدلاله بقصة الخثعمية لما ادعاه نظر لانها كانت محرمة وقوله عجز راحلته بفتح العين المهملة وضم الجيم بعدها زاي أي مؤخرها وقوله وضيئا الحسن وجهه ونظافة صورته وقوله فأخلف يده أي أدارها من خلفه وقوله بذقن الفضل بفتح الذال المعجمة والقاف بعدها نون قال بن التين أخذ منه بعضهم أن الفضل كان حينئذ أمرد وليس بصحيح لان في الرواية الاخرى وكان الفضل رجلا وضيئا فإن قيل سماه رجلا باعتبار ما آل إليه أمره قلنا بل الظاهر أنه وصف حالته حينئذ ويقويه أن ذلك كان في حجة الوداع والفضل كان أكبر من أخيه عبد الله وقد كان عبد الله حينئذ راهق الاحتلام قلت وثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عمه أن يزوج الفضل لما سأله أن يستعمله على الصدقة ليصيب ما يتزوج به فهذا يدل على بلوغه قبل ذلك الوقت ولكن لا يلزم منه أن تكون نبتت لحيته كما لا يلزم من كونه لا لحية له أن يكون صبيا الحديث الثاني حديث أبي سعيد قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي وأبو عامر هو العقدي وزهير هو بن محمد التميمي وزيد بن أسلم هو مولى بن عمر وهكذا أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي عامر وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق أخرى عن أبي عامر كذلك وأخرجه أحمد وعبد بن حميد جميعا عن أبي عامر العقدي عن هشام بن سعد عن زيد بن أسلم فكأن لابي عامر فيه شيخين وهو عند أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن زهير به وأخرجه الاسماعيلي من وجه آخر عن زهير وقد مضى في المظالم من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم قوله إياكم هو للتحذير قوله والجلوس بالنصب وقوله بالطرقات في رواية الكشميهني في الطرقات وفي رواية حفص بن ميسرة على الطرقات وهي جمع الطرق بضمتين وطرق جمع طريق وفي حديث أبي طلحة عند مسلم كنا قعودا بالافنية جمع فناء بكسر الفاء ونون ومد وهو المكان المتسع أمام الدار فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما لكم ولمجالس الصعدات بضم الصاد والعين المهملتين جمع صعيد وهو المكان الواسع وتقدم بيانه في كتاب المظالم ومثله لابن حبان من حديث أبي هريرة زاد سعيد بن منصور من مرسل يحيى بن يعمر فانها سبيل من سبيل الشيطان أو النار قوله فقالوا يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها قال عياض فيه دليل على أن أمره لهم لم يكن للوجوب وانما كان على طريق الترغيب والاولى إذ لو فهموا الوجوب لم يراجعوه هذه المراجعة وقد يحتج به من لا يرى الاوامر على الوجوب قلت ويحتمل أن يكونوا رجوا وقوع النسخ تخفيفا لما شكوا من الحاجة إلى ذلك ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر نظن القوم أنها عزمة ووقع في حديث أبي طلحة فقالوا انما قعدنا لغير ما بأس قعدنا نتحدث ونتذاكر قوله فإذا أبيتم في رواية الكشميهني إذا أبيتم بحذف الفاء قوله الا المجلس كذا للجميع هنا بلفظ الا بالتشديد وتقدم في أواخر المظالم بلفظ فإذا أتيتم إلى المجالس بالمثناة بدل الموحدة في أتيتم وبتخفيف اللام من إلى وذكر عياض أنه للجميع هناك هكذا وقد بينت هناك أنه للكشميهني هناك كالذي هنا ووقع في حديث أبي طلحة إما لا بكسر الهمزة ولا نافية وهي ممالة في الرواية ويجوز ترك الامالة ومعناه إلا تتركوا ذلك فافعلوا كذا وقال بن الانباري افعل كذا إن كنت لا تفعل كذا ودخلت ما صلة وفي حديث عائشة عند الطبراني في الاوسط فان أبيتم إلا أن تفعلوا وفي مرسل يحيى بن يعمر فان كنتم لابد فاعلين قوله فأعطوا الطريق حقه في رواية

[ 10 ]

حفص بن ميسرة حقها والطريق يذكر ويؤنث وفي حديث أبي شريح عند أحمد فمن جلس منكم على الصعيد فليعطه حقه قوله قالوا وما حق الطريق في حديث أبي شريح قلنا يا رسول الله وما حقه قوله غض البصر وكف الاذى ورد السلام والامر بالمعروف والنهي عن المنكر في حديث أبي طلحة الاولى والثانية وزاد وحسن الكلام وفي حديث أبي هريرة الاولى والثالثة وزاد وإرشاد بن السبيل وتشميت العاطس إذا حمد وفي حديث عمر عند أبي داود وكذا في مرسل يحيى بن يعمر من الزيادة وتغيثوا الملهوف وتهدوا الضال وهو عند البزار بلفظ وارشاد الضال وفي حديث البراء عند أحمد والترمذي اهدوا السبيل وأعينوا المظلوم وأفشوا السلام وفي حديث بن عباس عند البزار من الزيادة وأعينوا على الحمولة وفي حديث سهل بن حنيف عند الطبراني من الزيادة ذكر الله كثيرا وفي حديث وحشي بن حرب عند الطبراني من الزيادة واهدوا الاغبياء وأعينوا المظلوم ومجموع ما في هذه الاحاديث أربعة عشر أدبا وقد نظمتها في ثلاثة أبيات وهي جمعت آداب من رام الجلوس على الطر يق من قول خير الخلق إنسانا افش السلام وأحسن في الكلام وشمت عاطسا وسلاما رد إحسانا في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث * لهفان أهد سبيلا وأهد حيرانا بالعرف مروانه عن نكر وكف أذى * وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا وقد اشتملت على معنى علة النهي عن الجلوس في الطرق من التعرض للفتن بخظور النساء الشواب وخوف ما يلحق من النظر إليهن من ذلك إذ لم يمنع النساء من المرور في الشوارع لحوائجهن ومن التعرض لحقوق الله وللمسلمين مما لا يلزم الانسان إذا كان في بيته وحيث لا ينفرد أو يشتغل بما يلزمه ومن رؤية المناكير وتعطيل المعارف فيجب على المسلم الامر والنهي عند ذلك فان ترك ذلك فقد تعرض للمعصية وكذا يتعرض لمن يمر عليه ويسلم عليه فإنه ربما كثر ذلك فيعجز عن الرد على كل مار ورده فرض فيأثم والمرء مأمور بأن لا يتعرض للفتن والزام نفسه ما لعله لا يقوى عليه فندبهم الشارع إلى ترك الجلوس حسما للمادة فلما ذكروا له ضرورتهم إلى ذلك لما فيه من المصالح من تعاهد بعضهم بعضا ومذاكرتهم في أمور الدين ومصالح الدنيا وترويح النفوس بالمحادثة في المباح دلهم على ما يزيل المفسدة من الامور المذكورة ولكل من الآداب المذكورة شواهد في أحاديث أخرى فأما إفشاء السلام فسيأتي في باب مفرد وأما إحسان الكلام فقال عياض فيه ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم لبعض فإن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس فربما سألوه عن بعض شأنهم ووجه طرقهم فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام ولا يتلقاهم بالضجر وخشونة اللفظ وهو من جملة كف الاذى قلت وله شواهد من حديث أبي شريح هانئ رفعه من موجبات الجنة إطعام الطعام وإفشاء السلام وحسن الكلام ومن حديث أبي مالك الاشعري رفعه في الجنة غرف لمن أطاب الكلام الحديث وفي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم رفعه اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة وأما تشميت العاطس فمضى مبسوطا في أواخر كتاب الادب وأما رد السلام فسيأتي أيضا قريبا وأما المعاونة على الحمل فله شاهد في الصحيحين من حديث أبي هريرة رفعه كل سلامي من

[ 11 ]

الناس عليه صدقة الحديث وفيه ويعين الرجل على دابته فيحمله عليها ويرفع له عليها متاعه صدقة وأما إعانة المظلوم فتقدم في حديث البراء قريبا وله شاهد آخر تقدم في كتاب المظالم وأما إغاثة الملهوف فله شاهد في الصحيحين من حديث أبي موسى فيه ويعين ذا الحاجة الملهوف وفي حديث أبي ذر عند بن حبان وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث وأخرج المرهبي في العلم من حديث أنس رفعه في حديث والله يحب إغاثة اللهفان وسنده ضعيف جدا لكن له شاهد من حديث بن عباس أصلح منه والله يحب إغاثة اللهفان وأما إرشاد السبيل فروى الترمذي وصححه بن حبان من حديث أبي ذر مرفوعا وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة والبخاري في الادب المفرد والترمذي وصححه من حديث البراء رفعه من منح منيحة أو هدى زقاقا كان له عدل عتق نسمة وهدى بفتح الهاء وتشديد المهملة والزقاق بضم الزاي وتخفيف القاف وآخره قاف معروف والمراد من دل الذي لا يعرفه عليه إذا احتاج إلى دخوله وفي حديث أبي ذر عند بن حبان ويسمع الاصم ويهدي الاعمى ويدل المستدل على حاجته وأما هداية الحيران فله شاهد في الذي قبله وأما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ففيهما أحاديث كثيرة منها في حديث أبي ذر المذكور قريبا وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر صدقة وأما كف الاذى فالمراد به كف الاذى عن المارة بأن لا يجلس حيث يضيق عليهم الطريق أو على باب منزل من يتأدى بجلوسه عليه أو حيث يكشف عياله أو ما يريد التستر به من حاله قاله عياض قال ويحتمل أن يكون المراد كف أذى الناس بعضهم عن بعض انتهى وقد وقع في الصحيح من حديث أبي ذر رفعه فكف عن الشر فإنها لك الصدقة وهو يؤيد الاول وأما غض البصر فهو المقصود من حديث الباب وأما كثرة ذكر الله ففيه عدة أحاديث يأتي بعضها في الدعوات قوله باب السلام اسم من أسماء الله تعالى هذه الترجمة لفظ بعض حديث مرفوع له طرق ليس منها شئ على شرط المصنف في الصحيح فاستعمله في الترجمة وأورد ما يؤدي معناه على شرطه وهو حديث التشهد لقوله فيه فإن الله هو السلام وكذا ثبت في القرآن في أسماء الله السلام المؤمن المهيمن ومعنى السلام السالم من النقائص وقيل المسلم لعباده وقيل المسلم على أوليائه وأما لفظ الترجمة فأخرجه في الادب المفرد من حديث أنس بسند حسن وزاد وضعه الله في الارض فأفشوه بينكم وأخرجه البزار والطبراني من حديث بن مسعود موقوفا ومرفوعا وطريق الموقوف أقوى وأخرجه البيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة مرفوعا بسند ضعيف وألفاظهم سواء وأخرج البيهقي في الشعب عن بن عباس موقوفا السلام اسم الله وهو تحية أهل الجنة وشاهده حديث المهاجر بن قنفذ أنه سلم على النبي صلى الله عليه وسلم فلم يرد عليه حتى توضأ وقال إني كرهت أن أذكر الله إلا على طهر أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن خزيمة وغيره ويحتمل أن يكون أراد ما في رد السلام من ذكر اسم الله صريحا في قوله ورحمة الله وقد اختلف في معنى السلام فنقل عياض أن معناه اسم الله أي كلاءة الله عليك وحفظه كما يقال الله معك ومصاحبك وقيل معناه أن الله مطلع عليك فيما تفعل وقيل معناه أن اسم الله يذكر على الاعمال توقعا لاجتماع معاني الخيرات فيها وانتفاء عوارض الفساد عنها وقيل معناه السلامة كما قال تعالى فسلام لك من أصحاب اليمين وكما قال الشاعر

[ 12 ]

تحيي بالسلامة أم عمرو * وهل لي بعد قومي من سلام فكأن المسلم أعلم من سلم عليه أنه سالم منه وأن لا خوف عليه منه وقال بن دقيق العيد في شرح الالمام السلام يطلق بإزاء معان منها السلامة ومنها التحية ومنها أنه اسم من أسماء الله قال وقد يأتي بمعنى التحية محضا وقد يأتي بمعنى السلامة محضا وقد يأتي مترددا بين المعنيين كقوله تعالى ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا فإنه يحتمل التحية والسلامة وقوله تعالى ولهم ما يدعون سلام قولا من رب رحيم قوله وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها لم يقع في رواية أبي ذر أو ردوها ومناسبة ذكر هذه الآية في هذه الترجمة للاشارة إلى أن عموم الامر بالتحية مخصوص بلفظ السلام كما دلت عليه الاحاديث المشار إليها في الباب الاول واتفق العلماء على ذلك إلا ما حكاه بن التين عن بن خويز منداد عن مالك أن المراد بالتحية في لآية الهدية لكن حكى القرطبي عن بن خويز منداد أنه ذكره احتمالا وادعى أنه قول الحنفية فانهم احتجوا بذلك بأن السلام لا يمكن رده بعينه بخلاف الهدية فإن الذي يهدى له إن أمكنه أن يهدي أحسن منها فعل وإلا ردها بعينها وتعقب بأن المراد بالرد رد المثل لا رد العين وذلك سائغ كثير ونقل القرطبي أيضا عن بن القاسم وابن وهب عن مالك أن المراد بالتحية في الآية تشميت العاطس والرد على المشمت قال وليس في السياق دلالة على ذلك ولكن حكم التشميت والرد مأخوذ من حكم السلام والرد عند الجمهور ولعل هذا هو الذي نحا إليه مالك ثم ذكر حديث بن مسعود في التشهد وقد تقدم شرحه مستوفى في كتاب الصلاة والغرض منه قوله فيه إن الله هو السلام وهو مطابق لما ترجم له واتفقوا على أن من سلم لم يجزئ في جوابه إلا السلام ولا يجزئ في جوابه صبحت بالخير أو بالسعادة ونحو ذلك واختلف فيمن أتى في التحية بغير لفظ السلام هل يجب جوابه أم لا وأقل ما يحصل به وجوب الرد أن يسمع المبتدئ وحينئذ يستحق الجواب ولا يكفي الرد بالاشارة بل ورد الزجر عنه وذلك فيما أخرجه الترمذي من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه لا تشبهوا باليهود والنصارى فإن تسليم اليهود الاشارة بالاصبع وتسليم النصارى بالاكف قال الترمذي غريب قلت وفي سنده ضعف لكن أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والاكف والاشارة قال النووي لا يرد على هذا حديث أسماء بنت يزيد مر النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد وعصبة من النساء قعود فألوى بيده بالتسليم فإنه محمول على أنه جمع بين اللفظ والاشارة وقد أخرجه أبو داود من حديثها بلفظ فسلم علينا انتهى والنهي عن السلام بالاشارة مخصوص بمن قدر على اللفظ حسا وشرعا وإلا فهي مشروعة لمن يكون في شغل يمنعه من التلفظ بجواب السلام كالمصلي والبعيد والاخرس وكذا السلام على الاصم ولو أتى بالسلام بغير اللفظ العربي هل يستحق الجواب فيه ثلاثة أقوال للعلماء ثالثها يجب لمن يحسن بالعربية وقال بن دقيق العيد الذي يظهر أن التحية بغير لفظ السلام من باب ترك المستحب وليس بمكروه إلا إن قصد به العدول عن السلام إلى ما هو أظهر في التعظيم من أجل أكابر أهل الدنيا ويجب الرد على الفور فلو أخر ثم استدرك فرد لم يعد جوابا قاله القاضي حسين وجماعة وكأن محله إذا لم يكن عذر ويجب رد جواب السلام في الكتاب ومع الرسول ولو سلم الصبي على بالغ وجب عليه الرد ولو سلم على جماعة فيهم صبي فأجاب أجزأ عنهم في وجه قوله

[ 13 ]

باب تسليم القليل على الكثير هو أمر نسبي يشمل الواحد بالنسبة للاثنين فصاعدا والاثنين بالنسبة للثلاثة فصاعدا وما فوق ذلك قوله عبد الله هو بن المبارك قوله يسلم كذا للجميع بصيغة الخبر وهو بمعنى الامر وقد ورد صريحا في رواية عبد الرزاق عند معمر عن أحمد بلفظ ليسلم ويأتي شرحه فيما بعده قال الماوردي لو دخل شخص مجلسا فإن كان الجمع قليلا يعمهم سلام واحد فسلم كفاه فإن زاد فخصص بعضهم فلا بأس ويكفي أن يرد منهم واحد فإن زاد فلا بأس وان كانوا كثيرا بحيث لا ينتشر فيهم فيبتدئ أول دخوله إذا شاهدهم وتتأدى سنة إسلام في حق جميع من يسمعه ويجب على من سمعه الرد على الكفاية وإذا جلس سقط عنه سنة السلام فيمن لم يسمعه من الباقين وهل يستحب أن يسلم على من جلس عندهم ممن لم يسمعه وجهان أحدهما إن عاد فلا بأس والا فقد سقطت عنه سنة السلام لانهم جمع واحد وعلى هذا يسقط فرض الرد بفعل بعضهم والثاني ان سنة السلام باقية في حق من لم يبلغهم سلامه المتقدم فلا يسقط فرض الرد من الاوائل عن الاواخر عز وجلقوله باب يسلم الراكب على الماشي في رواية الكشميهني تسليم على وفق الترجمة التي قبلها قوله مخلد هو بن يزيد قوله زياد هو بن سعد الخراساني نزيل مكة وقد وقع في رواية الاسماعيلي هنا زياد بن سعد قوله أنه سمع ثابتا مولى بن يزيد في رواية غير أبي ذر عبد الرحمن بن زيد ووقع في رواية روح التي بعدها ان ثابتا أخبره وهو مولى عبد الرحمن بن زيد وزيد المذكور هو بن الخطاب أخو عمر بن الخطاب ولذلك نسبوا ثابتا عدويا وحكى أبو علي الجياني أن في رواية الاصيلي عن الجرجاني عبد الرحمن بن يزيد بزيادة ياء في أوله وهو وهم وثابت هو بن الاحنف وقيل بن عياض بن الاحنف وقيل إن الاحنف لقب عياض وليس لثابت في البخاري سوى هذا الحديث وآخر تقدم في المصراة من كتاب البيوع قوله يسلم الراكب على الماشي كذا ثبت في هذه الرواية ولم يذكر ذلك في رواية همام كما ذكر في رواية همام الصغير على الكبير ولم يذكر في هذه فكأن كلا منهما حفظ ما لم يحفظ الآخر وقد وافق هماما عطاء بن يسار كما سيأتي بعده واجتمع من ذلك أربعة أشياء وقد اجتمعت في رواية الحسن عن أبي هريرة عند الترمذي وقال روى من غير وجه عن أبي هريرة ثم حكى قول أيوب وغيره أن الحسن لم يسمع من أبي هريرة قوله باب يسلم الماشي على القاعد ذكر فيه الحديث الذي قبله من وجه آخر عن بن جريج وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن شبل بكسر المعجمة وسكون الموحدة بعدها لام بزيادة أخرجه عبد الرزاق وأحمد بسند صحيح بلفظ يسلم الراكب على الراجل والراجل على الجالس والاقل على الاكثر فمن أجاب كان له ومن لم يجب فلا شئ له قوله باب يسلم الصغير على الكبير وقال إبراهيم هو بن طهمان وثبت كذلك في رواية أبي ذر وقد وصله البخاري في الادب المفرد قال حدثنا أحمد بن أبي عمرو حدثني أبي حدثني إبراهيم بن طهمان به سواء وأبو عمرو هو حفص بن عبد الله بن راشد السلمي قاضي نيسابور ووصله أيضا أبو نعيم من طريق عبد الله بن العباس والبيهقي من طريق أبي حامد بن الشرفي كلاهما عن أحمد بن حفص به وأما قول الكرماني عبر البخاري بقوله وقال إبراهيم لانه سمع منه في مقام المذاكرة فغلط عجيب فان البخاري لم يدرك إبراهيم بن طهمان فضلا عن أن يسمع منه فإنه مات قبل مولد

[ 14 ]

البخاري بست وعشرين سنة وقد ظهر بروايته في الادب أن بينهما في هذا الحديث رجلين قوله والمار على القاعد هو كذا في رواية همام وهو أشمل من رواية ثابت التي قبلها بلفظ الماشي لانه أعم من أن يكون المار ماشيا أو راكبا وقد اجتمعا في حديث فضالة بن عبيد عند البخاري في الادب المفرد والترمذي وصححه والنسائي وصحيح بن حبان بلفظ يسلم الفارس على الماشي والماشي على القائم وإذا حمل القائم على المستقر كان أعم من أن يكون جالسا أو واقفا أو متكئا أو مضطجعا وإذا أضيفت هذه الصورة إلى الراكب تعددت الصور وتبقى صورة لم تقع منصوصة وهي ما إذا تلاقى ماران راكبان أو ماشيان وقد تكلم عليها المازري فقال يبدأ الادنى منهما الاعلى قدرا في الدين إجلالا لفضله لان فضيلة الدين مرغب فيها في الشرع وعلى هذا لو التقى راكبان ومركوب أحدهما أعلى في الحس من مركوب الآخر كالجمل والفرس فيبدأ راكب الفرس أو يكتفي بالنظر إلى أعلاهما قدرا في الدين فيبتدؤه الذي دونه هذا الثاني أظهر كما لا نظر إلى من يكون أعلاهما قدرا من جهة الدنيا إلا أن يكون سلطانا يخشى منه وإذا تساوى المتلاقيان من كل جهة فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما الذي يبدأ بالسلام كما تقدم في حديث المتهاجرين في أبواب الادب وأخرج البخاري في الادب المفرد بسند صحيح من حديث جابر قال الماشيان إذا اجتمعا فأيهما بدأ بالسلام فهو أفضل ذكره عقب رواية بن جريج عن زياد بن سعد عن ثابت عن أبي هريرة بسنده المذكور عن بن جريج عن أبي الزبير عن جابر وصرح فيه بالسماع وأخرج أبو عوانة وابن حبان في صحيحهما والبزار من وجه آخر عن بن جريج الحديث بتمامه مرفوعا بالزيادة وأخرج الطبراني بسند صحيح عن الاغر المزني قال لي أبو بكر لا يسبقك أحد إلى السلام والترمذي من حديث أبي أمامة رفعه أن أولى الناس بالله من بدأ بالسلام وقال حسن وأخرج الطبراني من حديث أبي الدرداء قلنا يا رسول الله إنا نلتقي فأينا يبدأ بالسلام قال أطوعكم لله قوله والقليل على الكثير تقدم تقريره لكن لو عكس الامر فمر جمع كثير على جمع قليل وكذا لو مر الصغير على الكبير لم أر فيهما نصا واعتبر النووي المرور فقال الوارد يبدأ سواء كان صغيرا أم كبيرا قليلا أم كثيرا ويوافقه قول المهلب إن المار في حكم الداخل وذكر الماوردي أن من مشى في الشوارع المطروقة كالسوق أنه لا يسلم إلا على البعض لانه لو سلم على كل من لقي لتشاغل به عن المهم الذي خرج لاجله ولخرج به عن العرف قلت ولا يعكر على هذا ما أخرجه البخاري في الادب المفرد عن الطفيل بن أبي بن كعب قال كنت أغدو مع بن عمر إلى السوق فلا يمر على بياع ولا أحد إلا سلم عليه فقلت ما تصنع بالسوق وأنت لا تقف على البيع ولا تسأل عن السلع قال إنما نغدو من أجل السلام على من لقينا لان مراد الماوردي من خرج في حاجة له فتشاغل عنها بما ذكر والاثر المذكور ظاهر في أنه خرج لقصد تحصيل ثواب السلام وقد تكلم العلماء على الحكمة فيمن شرع لهم الابتداء فقال بن بطال عن المهلب تسليم الصغير لاجل حق الكبير لانه أمر بتوقيره والتواضع له وتسليم القليل لاجل حق الكثير لان حقهم أعظم وتسليم المار لشهة بالداخل على أهل المنزل وتسليم الراكب لئلا يتكبر بركوبه فيرجع إلى التواضع وقال بن العربي حاصل ما في هذا الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل وقال المازري أما أمر الراكب فلان له مزية على الماشي فعوض الماشي

[ 15 ]

بأن يبدأه الراكب بالسلام احتياطا عل الراكب من الزهو أن لو حاز الفضيلتين وأما الماشي فلما يتوقع القاعد منه من الشر ولا سيما إذا كان راكبا فإذا ابتدأه بالسلام أمن منه ذلك وأنس إليه أو لان في التصرف في الحاجات إمتهانا فصار للقاعد مزية فأمر بالابتداء أو لان القاعد يشق عليه مراعاة المارين مع كثرتهم فسقطت البداءة عنه للمشقة بخلاف المار فلا مشقة عليه وأما القليل فلفضيلة الجماعة أو لان الجماعة لو ابتدأوا لخيف على الواحد الزهو فاحتيط له ولم يقع تسليم الصغير على الكبير في صحيح مسلم وكأنه لمراعاة السن لانه معتبر في أمور كثيرة في الشرع فلو تعارض الصغر المعنوي والحسي كأن يكون الاصغر أعلم مثلا فبه نظر ولم أر فيه نقلا والذي يظهر إعتبار السن بأنه الظاهر كما تقدم الحقيقة على المجاز ونقل بن دقيق العيد عن بن رشد أن محل الامر في تسليم الصغير على الكبير إذا التقيا فإن كان أحدهما راكبا والاخر ماشيا بدأ الراكب وان كانا راكبين أو ماشيين بدأ الصغير وقال المازري وغيره هذه المناسبات لا يعترض عليها بجزيئات تخالفها لانها لم تنصب نصب العلل الواجبة الاعتبار حتى لا يجوز أن يعدل عنها حتى لو ابتدأ الماشي فسلم على الراكب لم يمتنع لانه ممتثل للامر بإظهار السلام وإفشائه غير أن مراعاة ما ثبت في الحديث أولى وهو خبر بمعنى الامر على سبيل الاستحباب ولا يلزم من ترك المستحب الكراهة بل يكون خلاف الاولى فلو ترك المأمور بالابتداء فبدأه الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا للسنة إلا إن بادر فيكون تاركا للمستحب أيضا وقال المتولي لو خالف الراكب أو الماشي ما دل عليه الخبر كره قال والوارد يبدأ بكل حال وقال الكرماني لو جاء أن الكبير يبدأ الصغير والكثير يبدأ القليل لكان مناسبا لان الغالب أن الصغير يخاف من الكبير والقليل من الكثير فإذا بدأ الكبير والكثير أمن منه الصغير والقليل لكن لما كان من شأن المسلمين أن يؤمن بعضهم بعضا اعتبر جانب التواضع كما تقدم وحيث لا يظهر رجحان أحد الطرفين باستحقاقه التواضع له اعتبر الاعلام بالسلامة والدعاء له رجوعا إلى ما هو الاصل فلو كان المشاة كثيرا والقعود قليلا تعارضا ويكون الحكم حكم اثنين تلاقيا معا فأيهما بدأ فهو أفضل ويحتمل ترجيح جانب الماشي كما تقدم والله أعلم قوله باب إفشاء السلام كذا للنسفي وأبي الوقت وسقط لفظ باب الباقين والافشاء الاظهار والمراد نشر السلام بين الناس ليحيوا سنته وأخرج البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عن بن عمر إذا سلمت فاسمع فإنها تحية من عند الله قال النووي أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه فإن لم يسمعه لم يكن آتيا بالسنة ويستحب أن يرفع صوته بقدر ما يتحقق أنه سمعه فإن شك استظهر ويستثنى من رفع الصوت بالسلام ما إذا دخل على مكان فيه إيقاظ ونيام فالسنة فيه ما ثبت في صحيح مسلم عن المقداد قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يجئ من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان ونقل النووي عن المتولي أنه قال يكره إذا لقى جماعة أن يخص بعضهم بالسلام لان القصد بمشروعية السلام تحصيل الالفة وفي التخصيص إيحاش لغير من خص بالسلام قوله جرير هو بن عبد الحميد والشيباني هو أبو إسحاق وأشعث هو بن أبي الشعثاء بمعجمه ثم مهملة ثم مثلثة فيه وفي أبيه واسم أبيه سليم بن أسود قوله عن معاوية بن قرة كذا للاكثر وخالفهم جعفر بن عوف فقال عن الشيباني عن أشعث عن سويد بن غفلة عن البراء وهي رواية شاذة أخرجها الاسماعيلي

[ 16 ]

قوله أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم بسبع بعيادة المريض الحديث تقدم في اللباس أنه ذكر في عدة مواضع لم يسقه بتمامه في أكثرها وهذا الموضع مما ذكر فيه سبعا مأمورات وسبعا منهيات والمراد منه هنا إفشاء السلام وتقدم شرح عيادة المريض في الطب واتباع الجنائز فيه وعون المظلوم في كتاب المظالم وتشميت العاطس في أواخر الادب وسيأتي إبرار القسم في كتاب الايمان والنذور وسبق شرح المناهي في الاشربة وفي اللباس وأما نصر الضعيف المذكور هنا فسبق حكمه في كتاب المظالم ولم يقع في أكثر الروايات في حديث البراء هذا وانما وقع بدله إجابة الداعي وقد تقدم شرحه في كتاب الوليمة من كتاب النكاح قال الكرماني نصر الضعيف من جملة إجابة الداعي لانه قد يكون ضعيفا واجابته نصره أو أن لا مفهوم للعدد المذكور وهو السبع فتكون المأمورات ثمانية كذا قال والذي يظهر لي أن إجابة الداعي سقطت من هذه الرواية وأن نصر الضعيف المراد به عون المظلوم الذي ذكر في غير هذه الطريق ويؤيد هذا الاحتمال أن البخاري حذف بعض المأمورات من غالب المواضع التي أورد الحديث فيها اختصارا قوله وافشاء السلام تقدم في الجنائز بلفظ ورد السلام ولا مغايرة في المعنى لان ابتداء السلام ورده متلازمان وافشاء السلام ابتداء يستلزم افشاءه جوابا وقد جاء افشاء السلام من حديث البراء بلفظ آخر وهو عند المصنف في الادب المفرد وصححه بن حبان من طريق عبد الرحمن بن عوسجة عنه رفعه أفشوا السلام تسلموا وله شاهد من حديث أبي الدرداء مثله عند الطبراني ولمسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ألا أدلكم على ما تحابون به أفشوا السلام بينكم قال بن العربي فيه أن من فوائد افشاء السلام حصول المحبة بين المتسالمين وكان ذلك لما فيه من ائتلاف الكلمة لتعم المصلحة بوقوع المعاونة على إقامة شرائع الدين وإخزاء الكافرين وهي كلمة إذا سمعت أخلصت القلب الواعي لها عن النفور إلى الاقبال على قائلها وعن عبد الله بن سلام رفعه أطعموا الطعام وأفشوا السلام الحديث وفيه تدخلوا الجنة بسلام أخرجه البخاري في الادب المفرد وصححه الترمذي والحاكم وللاولين وصححه بن حبان من حديث عبد الله بن عمرو رفعه اعبدوا الرحمن وأفشوا السلام الحديث وفيه تدخلوا الجنان والاحاديث في إفشاء السلام كثيرة منها عند البزار من حديث الزبير وعند أحمد من حديث عبد الله بن الزبير وعند الطبراني من حديث بن مسعود وأبي موسى وغيرهم ومن الاحاديث في إفشاء السلام ما أخرجه النسائي عن أبي هريرة رفعه إذا قعد أحدكم فليسلم وإذا قام فليسلم فليست الاولى أحق من الآخرة وأخرج بن أبي شيبة من طريق مجاهد عن بن عمر قال إن كنت لاخرج إلى السوق ومالي حاجة إلا أن أسلم ويسلم علي وأخرج البخاري في الادب المفرد من طريق الطفيل بن أبي بن كعب عن بن عمر نحوه لكن ليس فيها شئ على شرط البخاري فاكتفى بما ذكره من حديث البراء واستدل بالامر بافشاء السلام على أنه لا يكفي السلام سرا فل يشترط الجهر وأقله أن يسمع في الابتداء وفي الجواب ولا تكفي الاشارة باليد ونحوه وقد أخرج النسائي بسند جيد عن جابر رفعه لا تسلموا تسلى اليهود فإن تسليمهم بالرؤوس والاكف ويستثنى من ذلك حالة الصلاة فقد وردت أحاديث جيدة أنه صلى الله عليه وسلم رد السلام وهو يصلي إشارة منها حديث أبي سعيد أن رجلا سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي فرد عليه إشارة ومن حديث بن مسعود نحوه وكذا من كان بعيدا بحيث

[ 17 ]

لا يسمع التسليم يجوز السلام عليه إشارة ويتلفظ مع ذلك بالسلام وأخرج بن أبي شيبة عن عطاء قال يكره السلام باليد ولا يكره بالرأس وقال بن دقيق العيد استدل بالامر بافشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام وفيه نظر إذ لا سبيل إلى القول بأنه فرض عين على التعميم من الجانبين وهو أن يجب على كل أحد أن يسلم على كل من لقيه لما في ذلك من الحرج والمشقة فإذا سقط من جانبي العمومين سقط من جانبي الخصوصين إذ لا قائل يجب على واحد دون الباقين ولا يجب السلام على واحد دون الباقين قال وإذا سقط على هذه السورة لم يسقط الاستحباب لان العموم بالنسبة إلى كلا الفريقين ممكن انتهى وهذا البحث ظاهر في حق من قال أن ابتداء السلام فرض عين وأما من قال فرض كفاية فلا يرد عليه إذا قلنا أن فرض الكفاية ليس واجبا على واحد بعينه قال ويستثنى من الاستحباب من ورد الامر بترك ابتدائه بالسلام كالكافر قلت ويدل عليه قوله في الحديث المذكور قبل إذا فعلتموه تحاببتم والمسلم مأمور بمعاداة الكافر فلا يشرع له فعل ما يستدعي محبته ومواددته وسيأتي البحث في ذلك في باب التسليم على مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين وقد اختلف أيضا في مشروعية السلام على الفاسق وعلى الصبي وفي سلام الرجل على المرأة وعكسه وإذا جمع المجلس كافرا ومسلما هل يشرع السلام مراعاة لحق المسلم أو يسقط من أجل الكافر وقد ترجم المصنف لذلك كله وقال النووي يستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلا بأكل أو شرب أو جماع أو كان في الخلاء أو الحمام أو نائما أو ناعسا أو مصليا أو مؤذنا ما دام متلبسا بشئ مما ذكر فلو لم تكن اللقمة في فم الآكل مثلا شرع السلام عليه ويشرع في حق المتبايعين وسائر المعاملات واحتج له بن دقيق العيد بأن الناس غالبا يكونون في أشغالهم فلو روعى ذلك لم يحصل امتثال الافشاء وقال بن دقيق العيد احتج من منع السلام على من في الحمام بأنه بيت الشيطان وليس موضع التحية لاشتغال من فيه بالتنظيف قال وليس هذا المعنى بالقوي في الكراهة بل يدل على عدم الاستحباب قلت وقد تقدم في كتاب الطهارة من البخاري أن كان عليهم إزار فيسلم وإلا فلا وتقدم البحث فيه هناك وقد ثبت في صحيح مسلم عن أم هاني أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل وفاطمة تستره فسلمت عليه الحديث قال النووي وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره للامر بالانصات فلو سلم لم يجب الرد عند من قال الانصات واجب ويجب عند من قال أنه سنة وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد وأما المشتغل بقراءة القرآن فقال الواحدي الاولى ترك السلام عليه فإن سلم عليه كفاه الرد بالاشارة وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ قال النووي وفيه نظر والظاهر أنه يشرع السلام عليه ويجب عليه الرد ثم قال وأما من كان مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال هو كالقارئ والاظهر عندي أنه يكره السلام عليه لانه يتنكد به ويشق عليه أكثر من مشقة الاكل وأما الملبي في الاحرام فيكره أن يسلم عليه لان قطعه التلبيه مكروه ويجب عليه الرد مع ذلك لفظا أن لو سلم عليه قال ولو تبرع واحد من هؤلاء برد السلام ان كان مشتغلا بالبول ونحوه فيكره وان كان آكلا ونحوه فيستحب في الموضع الذي لا يجب وان كان مصليا لم يجز أن يقول بلفظ المخاطبة كعليك السلام أو عليك فقط فلو فعل بطلت أن علم التحريم لا إن جهل في الاصح فلو أتى بضمير الغيبة لم تبطل ويستحب أن يرد بالاشارة وإن رد بعد فراغ الصلاة لفظا

[ 18 ]

فهو أحب وإن كان مؤذنا أو ملبيا لم يكره له الرد لفظا لانه قدر يسير لا يبطل الموالاة وقد تعقب والدي رحمه الله في نكته على الاذكار ما قاله الشيخ في القارئ لكونه يأتي في حقه نظير ما أبداه هو في الداعي لان القارئ قد يستغرق فكره في تدبر معاني ما يقرؤه ثم اعتذر عنه بأن الداعي يكون مهتما بطلب حاجته فيغلب عليه التوجه طبعا والقارئ إنما يطلب منه التوجه شرعا فالوساوس مسلطة عليه ولو فرض أنه يوفق للحالة العلية فهو على ندور أنتهي ولا يخفى أن التعليل الذي ذكره الشيخ من تنكد الداعي يأتي نظيره في القارئ وما ذكره الشيخ في بطلان الصلاة إذا رد السلام بالخطاب ليس متفقا عليه فعن الشافعي نص في أنه لا تبطل لانه لا يريد حقيقة الخطاب بل الدعاء وإذا عذرنا الداعي والقارئ بعدم الرد فرد بعد الفراغ كان مستحبا وذكر بعض الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة أو التسبيح أو لانتظاره الصلاة لا يشرع السلام عليهم وإن سلم عليهم لم يجب الجواب قال وكذا الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرد وكذلك الاستاذ إذا سلم عليه تلميذه لا يجب الرد عليه كذا قال وهذا الاخير لا يوافق عليه ويدخل في عموم إفشاء السلام السلام على النفس لمن دخل مكانا ليس فيه أحد لقوله تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم الآية وأخرج البخاري في الادب المفرد وابن أبي شيبة بسند حسن عن بن عمر فيستحب إذا لم يكن أحد في البيت أن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين وأخرج الطبري عن بن عباس ومن طريق كل من علقمة وعطاء ومجاهد نحوه ويدخل فيه من مر على من ظن أنه إذا سلم عليه لا يرد عليه فإنه يشرع له السلام ولا يتركه لهذا الظن لانه قد يخطئ قال النووي وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سببا لتأثيم الآخر فهو غباوة لان المأمورات الشرعية لا تترك بمثل هذا ولو أعلمنا هذا لبطل إنكار كثير من المنكرات قال وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارة لطيفة رد السلام واجب فينبغي أن ترد ليسقط عنك الفرض وينبغي إذا تمادى على الترك أن يحلله من ذلك لانه حق آدمي ورجح بن دقيق العيد في شرح الالمام المقالة التي زيفها النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من ترك مصلحة السلام عليه ولا سيما وامتثال الافشاء قد حصل مع غيره قوله باب السلام للمعرفة وغير المعرفة أي من يعرفه المسلم ومن لا يعرفه أي لا يخص بالسلام من يعرفه دون من لا يعرفه وصدر الترجمة لفظ حديث أخرجه البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عن بن مسعود أنه مر برجل فقال السلام عليك يا أبا عبد الرحمن فرد عليه ثم قال إنه سيأتي على الناس زمان يكون السلام فيه للمعرفة وأخرجه الطحاوي والطبراني والبيهقي في الشعب من وجه آخر عن بن مسعود مرفوعا ولفظه أن من أشراط الساعة أن يمر الرجل بالمسجد لا يصلي فيه وأن لا يسلم إلا على من يعرفه ولفظ الطحاوي ان من أشراط الساعة السلام للمعرفة ثم ذكر فيه حديثين أحدهما حديث عبد الله بن عمرو قوله حدثني يزيد هو بن أبي حبيب كما ذكر في رواية قتيبة عن الليث في كتاب الايمان قوله عن أبي الخير هو مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة وآخره دال مهملة والاسناد كله مصريون وقد تقدم شرح الحديث في أوائل كتاب الايمان قال النووي معنى قوله على من عرفت ومن لم تعرف تسلم على من لقيته ولا تخص ذلك بمن تعرف وفي ذلك إخلاص العمل لله واستعمال التواضع وافشاء السلام الذي هو شعار هذه الامة قلت وفيه من الفوائد أنه لو ترك السلام على

[ 19 ]

من لم يعرف احتمل أن يظهر أنه من معارفه فقد يوقعه في الاستيحاش منه قال وهذا العموم مخصوص بالمسلم فلا يبتدئ السلام على كافر قلت قد تمسك به من أجاز ابتداء الكافر بالسلام ولا حجة فيه لان الاصل مشروعية السلام للمسلم فيحمل قوله من عرفت عليه وأما من لم تعرف فلا دلالة فيه بل ان عرف أنه مسلم فذاك وإلا فلو سلم احتياطا لم يمتنع حتى يعرف أنه كافر وقال بن بطال في مشروعية السلام على غير المعرفة استفتاح المخاطبة للتأنيس ليكون المؤمنون كلهم أخوة فلا يستوحش أحد من أحد وفي التخصيص ما قد يوقع في الاستيحاش ويشبه صدود المتهاجرين المنهي عنه وأورد الطحاوي في المشكل حديث أبي ذر في قصة إسلامه وفيه فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد صلى هو وصاحبه فكنت أول من حياه بتحية الاسلام قال الطحاوي وهذا لا ينافي حديث بن مسعود في ذم السلام للمعرفة لاحتمال أن يكون أبو ذر سلم على أبي بكر قبل ذلك أو لان حاجته كانت عند النبي صلى الله عليه وسلم دون أبي بكر قلت والاحتمال الثاني لا يكفي في تخصيص السلام وأقرب منه أن يكون ذلك قبل تقرير الشرع بتعميم السلام وقد ساق مسلم قصة إسلام أبي ذر بطولها ولفظه وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت هو وصاحبه ثم صلى فلما قضى صلاته قال أبو ذر فكنت أول من حياه بتحية السلام فقال وعليك ورحمة الله الحديث وفي لفظ قال وصلى ركعتين خلف المقام فأتيته فإني لاول الناس حياه بتحية الاسلام فقال وعليك السلام من أنت وعلى هذا فيحتمل أن يكون أبو بكر توجه بعد الطواف إلى منزله ودخل النبي صلى الله عليه وسلم منزله فدخل عليه أبو ذر وهو وحده ويؤيده ما أخرجه مسلم وقد تقدم للبخاري أيضا في المبعث من وجه آخر عن أبي ذر في قصة إسلامه أنه قام يلتمس النبي صلى الله عليه وسلم ولا يعرفه ويكره أن يسأل عنه فرآه علي فعرفه أنه غريب فاستتبعه حتى دخل به على النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم الحديث الثاني حديث أبي أيوب لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه الحديث تقدم شرحه في كتاب الادب مستوفى وهو متعلق بالركن الاول من الترجمة قوله باب آية الحجاب أي الآية التي نزلت في أمر نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالاحتجاب من الرجال وقد ذكر فيه حديث أنس من وجهين عنه وتقد شرحه مستوفى في سورة الاحزاب وقوله في آخره فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية كذا اتفق عليه الرواة عن معتمر بن سليمان وخالفهم عمرو بن علي الفلاس عن معتمر فقال فأنزلت لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا أخرجه الاسماعيلي وأشار إلى شذوذه فقال جاء بآية غير الآية التي ذكرها الجماعة قوله في أول الطريق الاول عن بن شهاب أخبرني أنس بن مالك أنه قال كان قال الكرماني فيه التفات أو تجريد وقوله خدمت رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرا حياته أي بقية حياته إلى أن مات وقوله وكنت أعلم الناس بشأن الحجاب أي بسبب نزوله وإطلاق مثل ذلك جائز للاعلام لا للاعجاب وقوله وقد كا أبي بن كعب يسألني عنه فيه إشارة إلى إختصاصه بمعرفته لان أبي بن كعب أكبر منه علما وسنا وقدرا وقوله رضي الله تعالى عنها في الطريق الاخرى معتمر هو بن سليمان التيمي وقوله قال أبي بفتح الهمزة وكسر الموحدة مخففا والقائل هو معتمر ووقع في الرواية المتقدمة في سورة الاحزاب سمعت أبي قوله حدثنا أبو مجلز عن أنس قد تقدم في باب الحمد للعاطس لسليمان التيمي حديث عن أنس بلا واسطة وقد سمع

[ 20 ]

من أنس عدة أحاديث وروى عن أصحابه عنه عدة أحاديث وفيه دلالة على أنه لم يدلس قوله قال أبو عبد الله هو البخاري قوله فيه أي في حديث أنس هذا قوله من الفقه أنه لم يستأذنهم حين قام وخرج وفيه أنه تهيأ للقيام وهو يريد أن يقوموا ثبت هذا كله للمستملي وحده هنا وسقط للباقين وهو أولى فإنه أفرد لذلك ترجمة كما سيأتي بعد اثنين وعشرين بابا قوله حدثني إسحاق هو بن راهويه كما جزم به أبو نعيم في المستخرج قوله أخبرنا يعقوب بن إبراهيم أي بن سعد الزهري قوله عن صالح هو بن كيسان وقد سمع إبراهيم بن سعد الكثير من بن شهاب ربما أدخل بينه وبينه واسطة كهذا قوله كان عمر بن الخطاب يقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحجب نساءك تقدم شرحه مستوفى في كتاب الطهارة وقوله في آخره قد عرفناك يا سودة حرصا على أن ينزل الحجاب فأنزل الله عزوجل الحجاب ويجمع بينه وبين حديث أنس في نزول الحجاب بسبب قصة زينب أن عمر حرص على ذلك حتى قال لسودة ما قال فاتفقت القصة للذين قعدوا في البيت في زواج زينب فنزلت الآية فكان كل من الامرين سبب لنزولها وقد تقدم تقرير ذلك بزيادة فيه في تفسير سورة الاحزاب وقد سبق إلى الجمع بذلك القرطبي فقال يحمل على أن عمر تكرر منه هذا القول قبل الحجاب وبعده ويحتمل أن بعض الرواة ضم قصة إلى أخرى قال والاول أولى فإن عمر قامت عنده أنفة من أن يطلع أحد على حرم النبي صلى الله عليه وسلم فسأله أن يحجبهن فلما نزل الحجاب كان قصده أن لا يخرجن أصلا فكان في ذلك مشقة فأذن لهن أن يخرجن لحاجتهن التي لا بد منها قال عياض خص أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بستر الوجه والكفين واختلف في ندبه في حق غيرهن قالوا فلا يجوز لهن كشف ذلك لشهادة ولا غيرها قال ولا يجوز إبراز أشخاصهن وإن كن مستترات إلا فيما دعت الضرورة إليه من الخروج إلى البراز وقد كن إذا حدثني جلسن الناس من وراء الحجاب وإذا خرجن لحاجة حجبن وسترن انتهى وفي دعوة وجوب حجب أشخاصهن مطلقا إلا في حاجة البراز نظر فقد كن يسافرن للحج وغيره ومن ضرورة ذلك الطواف والسعي وفيه بروز أشخاصهن بل وفي حالة الركوب والنزول لا بد من ذلك وكذا في خروجهن إلى المسجد النبوي وغيره تنبيه حكى بن التين عن الداودي أن قصة سودة هذه لا تدخل في باب الحجاب وإنما هي في لباس الجلابيب وتعقب بأن إرخاء الجلابيب هو الستر عن نظر الغير إليهن وهو من جملة الحجاب قوله باب الاستئذان من أجل البصر أي شرع من أجله بأن المستأذن لو دخل بغير اذن لرأى بعض ما يكره من يدخل إليه أن يطلع عليه وقد ورد التصريح بذلك فيما أخرجه البخاري في الادب المفرد وأبو داود والترمذي وحسنه من حديث ثوبان رفعه لا يحل لامرئ مسلم أن ينظر إلى جوف بيت حتى يستأذن فان فعل فقد دخل أي صار في حكم الداخل وللاولين من حديث أبي هريرة بسند حسن رفعه إذا دخل البصر فلا اذن وأخرج البخاري أيضا عن عمر من قوله من ملا عينه من قاع بيت قبل أن يؤذن له فقد فسق قوله سفيان قال الزهري كانت عادة سفيان وليس في ذلك تصريح بأنه سمعه من الزهري لكن قد أخرج كثيرا حذف الصيغة فيقول فلان عن فلان لا يقول حدثنا ولا أخبرنا ولا عن وقوله حفظته كما أنك ههنا هو قول سفيان مسلم والترمذي الحديث المذكور من طرق عن سفيان فقالوا عن الزهري ورواه الحميدي وابن أبي عمر في مسنديهما عن سفيان فقالا حدثنا

[ 21 ]

الزهري أخرجه أبو نعيم من طريق الحميدي والاسماعيلي من طريق بن أبي عمر وقوله كما أنك ههنا أي حفظته حفظا كالمحسوس لا شك فيه قوله عن سهل في رواية الحميدي سمعت سهل بن سعد ويأتي في الديات من رواية الليث عن الزهري أن سهلا أخبره وقد تقدم بعض هذا في كتاب اللباس ووعدت بشرحه في الديات وقوله في هذه الرواية من حجر في حجر الاول بضم الجيم وسكون المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط وأصلها مكامن الوحش والثاني بضم المهملة وفتح الجيم جمع حجرة وهي ناحية البيت ووقع في رواية الكشميهني حجرة بالافراد وقوله مدري يحك به في رواية الكشميهني بها والمدرى تذكر وتؤنث وقوله لو أعلم أنك تنتظر كذا للاكثر بوزن تفتعل والكشميهني تنظر وقوله من أجل البصر وقع فيه عند أبي داود بسبب آخر من حديث سعد كذا عنده مبهم وهو عند الطبراني عن سعد بن عبادة جاء رجل فقام على باب النبي صلى الله عليه وسلم يستأذن مستقبل الباب فقال له هكذا عنك فانما الاستئذان من أجل النظر وأخرج أبو داود بسند قوي من حديث بن عباس كان الناس ليس لبيوتهم ستور فأمرهم الله بالاستئذان ثم جاء الله بالخير فلم أر أحدا يعمل بذلك قال بن عبد البر أظنهم اكتفوا بقرع الباب وله من حديث عبد الله بن بسر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه ولكن من ركنه الايمن أو الايسر وذلك ان الدور لم يكن عليها ستور وقوله في حديث أنس بمشقص أو مشاقص بشين معجمة وقاف وصاد مهملة وهو شك من الراوي هل قاله شيخه بالافراد أو بالجمع والمشقص بكسر أوله وسكون ثانية وفتح ثالثة نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض وقوله يختل بفتح أوله وسكون المعجمة وكسر المثناة أي يطعنه وهو غافل وسيأتي حكم من أصيبت عينه أو غيرها بسبب ذلك في كتاب الديات وهو مخصوص بمن تعمد النظر وأما من وقع ذلك منه عن غير قصد فلا حرج عليه ففي صحيح مسلم ان النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن نظرة الفجأة فقال اصرف بصرك وقال لعلي لا تتبع النظرة النظرة فان لك الاولى وليست لك الثانية واستدل بقوله من أجل البصر على مشروعية القياس والعلل فإنه دل على أن التحريم والتحليل يتعلق بأشياء متى وجدت في شئ وجب الحكم عليه فمن أوجب الاستئذان بهذا الحديث وأعرض عن المعنى الذي لاجله شرع لم يعمل بمقتضى الحديث واستدل به على أن المرء لا يحتاج في دخول منزله إلى الاستئذان لفقد العلة التي شرع لاجلها الاستئذان نعم لو احتمل أن يتجدد فيه ما يحتاج معه إليه شرع له ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم لئلا تكون منكشفة العورة وقد أخرج البخاري في الادب المفرد عن نافع كان بن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه الا بإذن ومن طريق علقمة جاء رجل إلى بن مسعود فقال أستأذن على أمي فقال ما على كل أحيانها تريد أن تراها ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغر سأل رجل حذيفة أستأذن على أمي قال ان لم تستأذن عليها رأيت ما تكره ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي على أمي فدخل واتبعته فدفع في صدري وقال تدخل بغير إذن ومن طريق عطاء سألت بن عباس أستأذن على أختي قال نعم قلت انها في حجري قال أتحب ان تراها عريانة وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة وذكر الاصوليون هذا الحديث مثالا للتنصيص على العلة التي هي أحد أركان القياس قوله باب زنا الجوارح دون الفرج أي ان الزنا لا يختص إطلاقه بالفرج بل يطلق على

[ 22 ]

ما دون الفرج من نظر وغيره وفيه إشارة إلى حكمة النهى عن رؤية ما في البيت بغير استئذان لتظهر مناسبته الذي قبله قوله عن بن طاوس هو عبد الله وفي مسند الحميدي عن سفيان حدثنا عبد الله بن طاوس وأخرجه أبو نعيم من طريقه قوله لم أر شيئا أشبه باللمم من قول أبي هريرة هكذا اقتصر البخاري على هذا القدر من طريق سفيان ثم عطف عليه رواية معمر عن بن طاوس فساقه مرفوعا بتمامه وكذا صنع الاسماعيلي فأخرجه من طريق بن أبي عمر عن سفيان ثم عطف عليه رواية معمر وهذا يوهم أن سياقهما سواء وليس كذلك فقد أخرجه أبو نعيم من رواية بشر بن موسى عن الحميدي ولفظه سئل بن عباس عن اللمم فقال لم أر شيئا أشبه به من قول أبي هريرة كتب على بن آدم حظه من الزنا وساق الحديث موقوفا فعرف من هذا أن رواية سفيان موقوفة ورواية معمر مرفوعة ومحمود شيخه فيه هو بن غيلان وقد أفرده عنه في كتاب القدر وعلقه فيه لورقاء عن بن طاوس فلم يذكر فيه بن عباس بين طاوس وأبي هريرة فكأن طاوسا سمعه من أبي هريرة بعد ذكر بن عباس له ذلك وسيأتي شرحه مستوفى في كتاب القدر ان شاء الله تعالى قال بن بطال سمى النظر والنطق زنا لانه يدعو إلى الزنا الحقيقي ولذلك قال والفرج يصدق ذلك ويكذبه قال بن بطال استدل أشهب بقوله والفرج يصدق ذلك أو يكذبه على أن القاذف إذا قال زنت يدك لا يحد وخالفه بن القاسم فقال يحد وهو قول للشافعي وخالفه بعض أصحابه واحتج للشافعي فيما ذكر الخطابي بأن الافعال تضاف للايدي لقوله تعالى فبما كسبت أيديكم وقوله بما قدمت يداك وليس المراد في الآيتين جناية الايدي فقط بل جميع الجنايات انفاقا فكأنه إذا قال زنت يدك وصف ذاته بالزنا لان الزنا لا يتبعض اه وفي التعليل الاخير نظر والمشهور عند الشافعية أنه ليس صريحا قوله باب التسليم والاستئذان ثلاثا أي سواء اجتمعا أو انفردا وحديث أنس شاهد للاول وحديث أبي موسى شاهد للثاني وقد ورد في بعض طرقه الجمع بينهما واختلف هل السلام شرط في الاستئذان أو لا فقال المازري صورة الاستئذان أن يقول السلام عليكم أأدخل ثم هو بالخيار أن يسمي نفسه أو يقتصر على التسليم كذا قال وسيأتي ما يعكر عليه في باب إذا قال من ذا فقال أنا قوله حدثنا إسحاق هو بن منصور وعبد الصمد هو بن عبد الوارث وعبد الله بن المثنى أي بن عبد الله بن أنس تقدم القول فيه في باب من أعاد الحديث ثلاثا في كتاب العلم وقدم هنا السلام على الكلام وهناك بالعكس وتقدم شرحه وقول الاسماعيلي أن السلام انما يشرع التكرار إذا اقترن بالاستئذان والتعقب عليه وأن السلام وحده قد يشرع تكراره إذا كان الجمع كثيرا ولم يسمع بعضهم وقصد الاستيعاب وبهذا جزم النووي في معنى حديث أنس وكذا لو سلم وظن أنه لم يسمع فتسن الاعاده فيعيد مرة ثانية وثالثة ولا يزيد على الثالثة وقال بن بطال هذه الصيغة تقتضي العموم ولكن المراد الخصوص وهو غالب أحواله كذا قال وقد تقدم من كلام الكرماني مثله وفيه نظر وكان بمجردها لا تقتضي مداومة ولا تكثيرا لكن ذكر الفعل المضارع بعدها يشعر بالتكرار واختلف فيمن سلم ثلاثا فظن أنه لم يسمع فعن مالك له أن يزيد حتى يتحقق وذهب الجمهور وبعض المالكية إلى أنه لا يزيد اتباعا لظاهر الخبر وقال المازري اختلفوا فيما إذا ظن أنه لم يسمع هل يزيد على الثلاث فقيل لا وقيل نعم وقيل إذا كان الاستئذان بلفظ السلام لم يزد وان كان بغير لفظ السلام زاد الحديث

[ 23 ]

الثاني قوله حدثنا يزيد بن خصيفة بخاء معجمة وصاد مهملة وفاء مصغر ووقع لمسلم عن عمرو الناقد حدثنا سفيان حدثني والله يزيد بن خصيفة وشيخه بسر بضم الموحدة وسكون المهملة وقد صرح بسماعه من أبي سعيد في الرواية الثانية المعلقة قوله كنت في مجلس من مجالس الانصار في رواية مسلم عن عمرو الناقد عن سفيان بسنده هذا إلى أبي سعيد قال كنت جالسا بالمدينة وفي رواية الحميدي عن سفيان اني لفي حلقة فيها أبي بن كعب أخرجه الاسماعيلي قوله إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور في رواية عمرو الناقد فأتانا أبو موسى فزعا أو مذعورا وزاد قلنا ما شأنك فقال ان عمر أرسل إلي أن آتيه فأتيت بابه قوله فقال استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لي فرجعت في رواية مسلم فسلمت على بابه ثلاثا فلم يردوا علي فرجعت وتقدم في البيوع من طريق عبيد بن عمير ان أبا موسى الاشعري استأذن على عمر بن الخطاب فلم يؤذن له وكأنه كان مشغولا فرجع أبو موسى ففزع عمر فقال ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس ائذنوا له قيل انه رجع وفي رواية بكير بن الاشج عن بسر عند مسلم استأذنت على عمر أمس ثلاث مرات فلم يؤذن لي فرجعت ثم جئت اليوم فدخلت عليه فأخبرته أني جئت أمس فسلمت ثلاثا ثم انصرفت قال قد سمعناك ونحن حينئذ على شغل فلو ما استأذنت حتى يؤذن لك قال استأذنت كما سمعت وله من طريق أبي نضرة عن أبي سعيد ان أبا موسى أتى باب عمر فاستأذن فقال عمر واحدة ثم استأذن فقال عمر ثنتان ثم استأذن فقال عمر ثلاث ثم انصرف فاتبعه فرده وله من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة جاء أبو موسى إلى عمر فقال السلام عليكم هذا عبد الله بن قيس فلم يأذن له فقال السلام عليكم هذا أبو موسى السلام عليكم هذا الاشعري ثم انصرف فقال ردوه علي وظاهر هذين السياقين التغاير فان الاول يقتضي انه لم يرجع إلى عمر الا في اليوم الثاني وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال وقد وقع في رواية لمالك في الموطأ فأرسل في اثره ويجمع بينهما بان عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني قوله فقال ما منعك قلت استأذنت ثلاثا فلم يؤذن لي في رواية عبيد بن حنين عن أبي موسى عند البخاري في الادب المفرد فقال يا عبد الله اشتد عليك أن تحتبس على بابي اعلم ان الناس كذلك يشتد عليهم أن يحتبسوا على بابك فقلت بل استأذنت الخ وفي هذه الزيادة دلالة على ان عمر أراد تأديبه لما بلغه أنه قد يحتبس على الناس في حال امرته وقد كان عمر استخلفه على الكوفة مع ما كان عمر فيه من الشغل قوله إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع وقع في رواية عبيد بن عمير كنا نؤمر بذلك وفي رواية عبيد بن حنين عن أبي موسى فقال عمر ممن سمعت هذا قلت سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية أبي نضرة ان هذا شئ حفظته من رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله فقال والله لتقيمن عليه بينة زاد مسلم والا أوجعتك وفي رواية بكير بن الاشج فوالله لاوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتيني بمن يشهد لك على هذا وفي رواية عبيد بن عمير لتأتيني على ذلك بالبينة وفي رواية أبي نضرة والا جعلتك عظة قوله أمنكم أحد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم في رواية عبيد بن عمير فانطلق إلى مجلس الانصار فسألهم وفي رواية أبي نضرة فقال ألم تعلموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الاستئذان ثلاث قال فجعلوا يضحكون فقلت أتاكم أخوكم وقد أفزع فتضحكون قوله فقال

[ 24 ]

أبي هو بن كعب وهو في رواية مسلم كذلك قوله لا يقوم معي إلا أصغر القوم في رواية بكير بن الاشج فوالله لا يقوم معك الا أحدثنا سنا قم يا أبا سعيد قوله فأخبرت عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك في رواية مسلم فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت وفي رواية أبي نضرة فقال أبو سعيد انطلق وأنا شريكك في هذه العقوبة وفي رواية بكير بن الاشج فقمت حتى أتيت عمر فقلت قد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول هذا واتفق الرواة على أن الذي شهد لابي موسى عند عمر أبو سعيد الا ما عند البخاري في الادب المفرد من طريق عبيد بن حنين فإن فيه فقام معي أبو سعيد الخدري أو أبو مسعود إلى عمر هكذا بالشك وفي رواية لمسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة في هذه القصة فقال عمر ان وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية وان لم يجد بينة فلن تجدوه فلما ان جاء بالعشي وجده قال يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت قال نعم أبي بن كعب قال عدل قال يا أبا الطفيل وفي لفظ له يا أبا المنذر ما يقول هذا قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك يا بن الخطاب فلا تكون عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سبحان الله أنا سمعت شيئا فأحببت أن أثبت هكذا وقع في هذه الطريق وطلحة بن يحيى فيه ضعف ورواية الاكثر أولى أن تكون محفوظة ويمكن الجمع بأن أبي بن كعب جاء بعد أن شهد أبو سعيد وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها في الادب المفرد زيادة مفيدة وهي أن أبا سعيد أو أبا مسعود قال لعمر خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوما وهو يريد سعد بن عبادة حتى أتاه فسلم فلم يؤذن له ثم سلم الثانية فلم يؤذن له ثم سلم الثالثة فلم يؤذن له فقال قضينا ما علينا ثم رجع فأذن له سعد الحديث فثبت ذلك من قوله صلى الله عليه وسلم ومن فعله وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه وأحمد من طريق ثابت عن أنس أو غيره كذا فيه وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد واتفق الرواة على أن أبا سعيد حدث بهذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم وحكى قصة أبي موسى عنه إلا ما أخرجه مالك في الموطأ عن الثقة عن بكير بن الاشج عن بسر عن أبي سعيد عن أبي موسى بالحديث مختصرا دون القصة وقد أخرجه مسلم من طريق عمرو بن الحارث عن بكير بطوله وصرح في روايته بسماع أبي سعيد له من النبي صلى الله عليه وسلم وكذا وقع في رواية أخرى عنده فقال أبو موسى إن كان سمع ذلك منكم أحد فليقم معي فقالوا لابي سعيد قم معه وأغرب الداودي فقال روى أبو سعيد حديث الاستئذان عن أبي موسى وهو يشهد له عند عمر فأدى إلى عمر ما قال أهل المجلس وكأنه نسي أسماءهم بعد ذلك فحدث به عن أبي موسى وحده لكونه صاحب القصة وتعقبه بن التين بأنه مخالف لما في رواية الصحيح لانه قال فأخبرت عمر بأن النبي صلى الله عليه وسلم قاله قلت وليس ذلك صريحا في رد ما قال الداودي وإنما المعتمد في التصريح بذلك رواية عمرو بن الحارث وهي من الوجه الذي أخرجه منه مالك والتحقيق أن أبا سعيد حكى قصة أبي موسى عنه بعد وقوعها بدهر طويل لان الذين رووها عنه لم يدركوها ومن جملة قصة أبي موسى الحديث المذكور فكأن الراوي لما اختصرها واقتصر على المرفوع خرج منها أن أبا سعيد ذكر الحديث المذكور عن أبي موسى وغفل عما في آخرها من رواية أبي سعيد المرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم بغير واسطة وهذا من آفات الاختصار فينبغي لمن اقتصر على

[ 25 ]

بعض الحديث أن يتفقد مثل هذا والا وقع في الخطأ وهو كحذف ما الممتن به تعلق وتختلف الدلالة بحذفه وقد اشتد إنكار بن عبد البر على من زعم ان هذا الحديث انما رواه أبو سعيد عن أبي موسى وقال ان الذي وقع في الموطأ لهما هو من النقلة لاختلاط الحديث عليهم وقال في موضع آخر ليس المراد أن أبا سعيد روى هذا الحديث عن أبي موسى وإنما المراد عن أبي سعيد عن قصة أبي موسى والله أعلم وممن وافق أبا موسى على رواية الحديث المرفوع جندب بن عبد الله أخرجه الطبراني عنه بلفظ إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع قوله وقال بن المبارك هو عبد الله وابن عيينة هو سفيان المذكور في الاسناد الاول وأراد بهذا التعليق بيان سماع بسر له من أبي سعيد وقد وصله أبو نعيم في المستخرج من طريق الحسن بن سفيان حدثنا حبان بن موسى حدثنا عبد الله بن المبارك وكذا وقع التصريح به عند مسلم عن عمرو الناقد وأخرجه الحميدي عن سفيان حدثنا يزيد بن خصيفة سمعت بسر بن سعيد يقول حدثني أبو سعيد وقد استشكل بن العربي إنكار عمر على أبي موسى حديثه المذكور مع كونه وقع له مثل ذلك مع النبي صلى الله عليه وسلم وذلك في حديث بن عباس الطويل في هجر النبي صلى الله عليه وسلم نساءه في المشربة فان فيه أن عمر استأذن مرة بعد مرة فلما لم يؤذن له في الثالثة رجع حتى جاءه الاذن وذلك بين في سياق البخاري قال والجواب عن ذلك أنه لم يقض فيه بعلمه أو لعله نسي ما كان وقع له ويؤيده قوله شغلني الصفق بالاسواق قلت والصورة التي وقعت لعمر ليست مطابقة لما رواه أبو موسى بل استأذن في كل مرة فلم يؤذن له فرجع فلما رجع في الثالثة استدعى فأذن له ولفظ البخاري الذي أحال عليه ظاهر فيما قلته وقد استوفيت طرقه عند شرح الحديث في أواخر النكاح وليس فيهما ادعاه وتعلق بقصة عمر من زعم أنه كان لا يقبل خبر الواحد ولا حجة فيه لانه قبل خبر أبي سعيد المطابق لحديث أبي موسى ولا يخرج بذلك عن كونه خبر واحد واستدل به من ادعى أن خبر العدل بمفرده لا يقبل حتى ينضم إليه غيره كما في الشهادة قال بن بطال وهو خطأ من قائله وجهل بمذهب عمر فقد جاء في بعض طرقه أن عمر قال لابي موسى أما إني لم أتهمك ولكني أردت أن لا يتجزأ الناس على الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت وهذه الزيادة في الموطأ عن ربيعة عن غير واحد من علماءهم أن أبا موسى فذكر القصة وفي آخره فقال عمر لابي موسى أما إني لم أتهمك ولكني خشيت أن يتقول الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها آنفا فقال عمر لابي موسى والله ان كنت لامينا على حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أحببت أن أستثبت ونحوه في رواية أبي بردة حين قال أبي بن كعب لعمر لا تكن عذابا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال سبحان الله إنما سمعت شيئا فأحببت أن أتثبت قال بن بطال فيؤخذ منه التثبت في خبر الواحد لما يجوز عليه من السهو وغيره وقد قبل عمر خبر العدل الواحد بمفرده في توريث المرأة من دية زوجها وأخذ الجزية من المجوس إلى غير ذلك لكنه كان يستثبت إذا وقع له ما يقتضي ذلك وقال بن عبد البر يحتمل أن يكون حضر عنده من قرب عهده بالاسلام فخشي أن أحدهم يختلق الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الرغبة والرهبة طلبا للمخرج مما يدخل فيه فأراد أن يعلمهم أن من فعل شيئا من ذلك ينكر عليه حتى يأتي بالمخرج وادعى بعضهم أن عمر لم يعرف أبا موسى قال بن عبد البر

[ 26 ]

وهو قول خرج بغير روية من قائله ولا تدبر فإن منزلة أبي موسى عند عمر مشهورة وقال بن العربي اختلف في طلب عمر من أبي موسى البينة على عشرة أقوال فذكرها وغالبها متداخل ولا تزيد على ما قدمته واستدل بالخبر المرفوع على أنه لا تجوز الزيادة في الاستئذان على الثلاث قال بن عبد البر فذهب أكثر أهل العلم إلى ذلك وقال بعضهم إذا لم يسمع فلا بأس أن يزيد وروى سحنون عن بن وهب عن مالك لا أحب أن يزيد على الثلاث إلا من علم أنه لم يسمع قلت وهذا هو الاصح عند الشافعية قال بن عبد البر وقيل تجوز الزيادة مطلقا بناء على أن الامر بالرجوع بعد الثلاث للاباحة والتخفيف عن المستأذن فمن استأذن أكثر فلا حرج عليه قال الاستئذان أن يقول السلام عليكم أأدخل كذا قال ولا يتعين هذا اللفظ وحكى بن العربي إن كان بلفظ الاستئذان لا يعيد وإن كان بلفظ آخر أعاد قال والاصح لا يعيد وقد تقدم ما حكاه المازري في ذلك وأخرج البخاري في الادب المفرد عن أبي العالية قال أتيت أبا سعيد فسلمت فلم يؤذن لي ثم سلمت فلم يؤذن لي فتنحيت ناحية فخرج علي غلام فقال أدخل فدخلت فقال لي أبو سعيد أما إنك لو زدت يعني على الثلاث لم يؤذن لك واختلف في حكمة الثلاث فروى بن أبي شيبة من قول علي بن أبي طالب الاولى إعلام والثانية مؤامرة والثالثة عزمة إما أن يؤذن له وإما أن يرد قلت ويؤخذ من صنيع أبي موسى حيث ذكر اسمه أولا وكنيته ثانيا ونسبته ثالثا إن الاولى هي الاصل والثانية إذا جوز ان يكون التبس على من استأذن عليه والثالثة إذا غلب على ظنه أنه عرفه قال بن عبد البر وذهب بعضهم إلى أن أصل الثلاث في الاستئذان قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات قال وهذا غير معروف في تفسيرها وإنما أطبق الجمهور على أن المراد بالمرات الثلاث الاوقات قلت وأخرج بن أبي حاتم من طريق مقاتل بن حبان قال بلغنا أن رجلا من الانصار وامرأته أسماء بنت مرثد صنعا طعاما فجعل الناس يدخلو بغير اذن فقالت أسماء يا رسول الله ما أقبح هذا إنه ليدخل على المرأة وزوجه غلامهما وهما في ثوب واحد بغير اذن فنزلت وأخرج أبو داود وابن أبي حاتم بسند قوي من حديث بن عباس أنه سئل عن الاستئذان في العورات الثلاث فقال ان الله ستير يحب الستر وكان الناس ليس لهم ستور على أبوابهم فربما فاجأ الرجل خادمه أو ولده وهو على أهله فأمروا أن يستأذنوا في العورات الثلاث ثم بسط الله الرزق فاتخذوا الستور والحجال فرأى الناس أن ذلك قد كفاهم الله به مما أمروا به ومن وجه آخر صحيح عن بن عباس لم يعمل بها أكثر الناس وأني لآمر جاريتي أن تستأذن علي وفي الحديث أيضا أن لصاحب المنزل إذا سمع الاستئذان أن لا يأذن سواء سلم مرة أم مرتين أم ثلاثا إذا كان في شغل له ديني أو دنيوي يتعذر بترك الاذن معه للمستأذن وفيه أن العالم المتبحر قد يخفى عليه من العلم ما يعلمه من هو دونه ولا يقدح ذلك في وصفه بالعلم والتبحر فيه قال بن بطال وإذا جاز ذلك على عمر فما ظنك بمن هو دونه وفيه أن لمن تحقق براءة الشخص مما يخشى منه وأنه لا يناله بسبب ذلك مكروه أن يمازحه ولو كان قبل إعلامه بما يطمئن به خاطره مما هو فيه لكن بشرط أن لا يطول الفصل لئلا يكون سببا في إدامة تأذي المسلمين بالهم الذي وقع له كما وقع للانصار مع أبي موسى وأما إنكار أبي سعيد عليهم فإنه اختار الاولى وهو المبادرة إلى إزالة ما وقع فيه قبل التشاغل بالممازحة قوله باب

[ 27 ]

إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن يعني أو يكتفي بقرينة الطلب قوله وقال سعيد عن قتادة عن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال هو إذنه كذا للاكثر ووقع للكشميهني وقال شعبة والاول هو المحفوظ وقد أخرجه المصنف في الادب المفرد وأبو داود من طريق عبد الاعلى بن عبد الاعلى عن سعيد بن أبي عروبة وأخرجه البيهقي من طريق عبد الوهاب بن عطاء عن بن أبي عروبة ولفظ البخاري إذا دعي أحدكم فجاء مع الرسول فهو إذنه ولفظ أبي داود مثله وزاد إلى طعام قال أبو داود لم يسمع قتادة من أبي رافع كذا في اللؤلؤي عن أبي داود ولفظه في رواية أبي الحسن بن العبد يقال لم يسمع قتادة من أبي رافع شيئا كذا قال وقد ثبت سماعه منه في الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي عن قتادة أن أبا رافع حدثه وللحديث مع ذلك متابع أخرجه البخاري في الادب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ رسول الرجل إلى الرجل إذنه وأخرج له شاهدا موقوفا على بن مسعود قال إذا دعي الرجل فهو إذنه وأخرجه بن أبي شيبة مرفوعا واعتمد المنذري على كلام أبي داود فقال أخرجه البخاري تعليقا لاجل الانقطاع كذا قال ولو كان عنده منقطعا لعلقه بصيغة التمريض كما هو الاغلب من صنيعه وهو غالبا يجزم إذا صح السند إلى من علق عنه كما قال في الزكاة وقال طاوس قال معاذ فذكر أثرا وطاوس لم يدرك معاذا وكذا إذا كان فوق من علق عنه من ليس على شرطه كما قال في الطهارة وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جده وحيث وقع فيما طواه من ليس على شرطه مرضه كما قال في النكاح ويذكر عن معاوية بن حيدة فذكر حديثا ومعاوية هو جد بهز بن حكيم وقد أوضحت ذلك في المقدمة ثم أورد المصنف طرفا من حديث مجاهد عن أبي هريرة قال دخلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد لبنا في قدح فقال أبا هر الحق أهل الصفة فادعهم إلي قال فأتيتهم فدعوتهم فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا اقتصر منه على هذا القدر لانه الذي احتاج إليه هنا وساقه في الرقاق بتمامه كما سيأتي وظاهره يعارض الحديث الاول ومن ثم لم يجزم بالحكم وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجئ احتاج إلى استئناف الاستئذان وكذا ان لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الاذن في العادة والا لم يحتج إلى استئناف اذن وقال بن التين لعل الاول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لاجله والثاني بخلافه قال والاستئذان على كل حال أحوط وقال غيره إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول ويكفيه سلام الملاقاة وان تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان وبهذا جمع الطحاوي واحتج بقوله في الحديث الثاني فأقبلوا فاستئذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم والا لقال فأقبلنا كذا قال قوله باب التسليم على الصبيان سقط لفظ باب لابي ذر وكأنه ترجم بذلك للرد على من قال لا يشرع لان الرد فرض وليس الصبي من أهل الفرض وأخرج بن أبي شيبة من طريق أشعث قال كان الحسن لا يرى التسليم على الصبيان وعن بن سيرين أنه كان يسلم على الصبيان ولا يسمعهم قوله عن سيار بفتح المهملة وتشديد التحتانية هو أبو الحكم مشهور باسمه وكنيته معا فيجئ غالبا هكذا عن سيار أبي الحكم وهو عنزي بفتح المهملة والنون بعدها زاي وسطى من طبقة الاعمش وتقدمت وفاته على وفاة شيخه ثابت البناني بسنة وقيل أكثر وليس له في الصحيحين عن ثابت الا هذا الحديث وقال البزار لم يسند سيار عن ثابت غيره قلت ورواية شعبة عنه من رواية

[ 28 ]

الاقران وقد حدث شعبة عن ثابت نفسه بعدة أحاديث وكأنه لم يسمع هذا منه فأدخل بينهما واسطة وقد روى شعبة أيضا عن آخر اسمه سيار وهو بن سلامة أبو المنهال وليس هو المراد هنا ولم نقف له على رواية عن ثابت وأخرج النسائي حديث الباب من طريق جعفر بن سليمان عن ثابت بأتم من سيقه ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزور الانصار فيسلم على صبيانهم ويمسح على رؤوسهم ويدعو لهم وهو مشعر بوقوع ذلك منه غير مرة بخلاف سياق الباب حيث قال مر على صبيان فسلم عليهم فإنها تدل على انها واقعة حال ولم أقف على أسماء الصبيان المذكورين وأخرجه مسلم والنسائي وأبو داود من طريق سليمان بن المغيرة عن ثابت بلفظ غلمان بدل صبيان ووقع لابن السني وأبي نعيم في عمل يوم وليلة من طريق عثمان بن مطر عن ثابت بلفظ فقال السلام عليكم يا صبيان وعثمان واه ولابي داود من طريق حميد عن أنس انتهى إلينا النبي صلى الله عليه وسلم وأنا غلام في الغلمان فسلم علينا فأرسلني برسالة الحديث وسيأتي في باب حفظ السر والبخاري في الادب المفرد نحوه من هذا الوجه ولفظه ونحن صبيان فسلم علينا وأرسلني في حاجة وجلس في الطريق ينتظرني حتى رجعت قال بن بطال في السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة وفيه طرح الاكابر رداء الكبر وسلوك التواضع ولين الجانب قال أبو سعيد المتولي في التتمة من سلم على صبي لم يجب عليه الرد لان الصبي ليس من أهل الفرض وينبغي لوليه أن يأمره بالرد ليتمرن على ذلك ولو سلم على جمع فيهم صبي فرد الصبي دونهم لم يسقط عنهم الفرض وكذا قال شيخه القاضي حسين ورده المستظهري وقال النووي الاصح لا يجزئ ولو ابتدأ الصبي بالسلام وجب على البالغ الرد على الصحيح قلت ويستثنى من السلام على الصبي ما لو كان وضيئا وخشي من السلام عليه الافتتان فلا يشرع ولا سيما ان كان مراهقا منفردا قوله باب تسليم الرجال على النساء والنساء على الرجال أشار بهذه الترجمة إلى رد ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير بلغني أنه يكره أن يسلم الرجال على النساء والنساء على الرجال وهو مقطوع أو معضل والمراد بجوازه أن يكون عند أمن الفتنة وذكر في الباب حديثين يؤخذ الجواز منهما وورد فيه حديث ليس على شرطه وهو حديث أسماء بنت يزيد مر علينا النبي صلى الله عليه وسلم في نسوة فسلم علينا حسنه الترمذي وليس على شرط البخاري فاكتفى بما هو على شرطه وله شاهد من حديث جابر عند أحمد وقال الحليمي كان النبي صلى الله عليه وسلم العصمة مأمونا من الفتنة فمن وثق من نفسه بالسلامة فليسلم والا فالصمت اسلم وأخرج أبو نعيم في عمل يوم وليلة من حديث واثلة مرفوعا يسلم الرجال على النساء ولا يسلم النساء على الرجال وسنده واه ومن حديث عمرو بن حريث مثله موقوفا عليه وسنده جيد وثبت في مسلم حديث أم هانئ أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فسلمت عليه الحديث الاول قوله بن أبي حازم هو عبد العزيز واسم أبي حازم سلمة بن دينار قوله كنا نفرح يوم الجمعة في رواية الكشميهني بيوم بزيادة موحدة في أوله وتقدم في الجمعة من وجه آخر عن أبي حازم بلفظ كنا نتمنى يوم الجمعة وذكر سبب الحديث ثم قال في آخره كنا نفرح بذلك قوله قلت لسهل ولم بكسر اللام للاستفهام والقائل هو أبو حازم راوي الحديث والمجيب هو سهل قوله كانت لنا عجوز في الجمعة امرأة ولم أقف على اسمها قوله ترسل إلى بضاعة بضم الموحدة على المشهور وحكى كسرها وبتخفيف المعجمة

[ 29 ]

وبالعين المهملة وذكره بعضهم بالصاد المهملة قوله قال بن مسلمة نخل بالمدينة القائل هو عبد الله بن مسلمة شيخ البخاري فيه وهو القعنبي وفسر بضاعة بأنها نخل بالمدينة والمراد بالنخل البستان ولذلك كان يؤتى منها بالسلق وقد تقدم في كتاب الجمعة انها كانت مزرعة للمرأة المذكورة وفسرها غيره بأنها دور بني ساعدة وبها بئر مشهورة وبها مال من أموال المدينة كذا قال عياض ومراده بالمال البستان وقال الاسماعيلي في هذا الحديث بيان أن بئر بضاعة بئر بستان فيدل على أن قول أبي سعيد في حديثه يعني الذي أخرجه أصحاب السنن انها كانت تطرح فيها خرق الحيض وغيرها أنها كانت تطرح في البستان فيجريها المطر ونحوه إلى البئر قلت وذكر أبو داود في السنن أنه رأى بئر بضاعة وزرعها ورأى ماءها وبسط ذلك في كتاب الطهارة من سننه وادعى الطحاوي أنها كانت سيحا وروى ذلك عن الواقدي وليس هذا موضع استيعاب ذلك قوله في قدر في رواية الكشميهني في القدر وتكركر أي تطحن كما تقدم في الجمعة قال الخطابي الكركرة الطحن والجش وأصله الكر وضوعف لتكرار عود الرحى في الطحن مرة أخرى وقد تكون الكركرة بمعنى الصوت كالجرجرة والكركرة أيضا شدة الصوت للضحك حتى يفحش وهو فوق القرقرة قوله حبات من شعير بين في الرواية التي في الجمعة أنها قبضة وقد تقدمت بقية شرحه هناك الحديث الثاني قوله بن مقاتل هو محمد وعبد الله هو بن المبارك قوله يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام تقدم شرحه في المناقب وحكى بن التين أن الداودي اعترض فقال لا يقال للملائكة رجال ولكن الله ذكرهم بالتذكير والجواب أن جبريل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم على صورة الرجل كما تقدم في بدء الوحي وقال بن بطال عن المهلب سلام الرجال على النساء والنساء على الرجال جائز إذا أمنت الفتنة وفرق المالكية بين الشابة والعجور سدا للذريعة ومنع منه ربيعة مطلقا وقال الكوفيون لا يشرع للنساء ابتداء السلام على الرجال لانهن منعن من الاذان والاقامة والجهر بالقراءة قالوا ويستثنى المحرم فيجوز لها السلام على محرمها قال المهلب وحجة مالك حديث سهل في الباب فان الرجال الذين كانوا يزورونها وتطعمهم لم يكونوا من محارمها انتهى وقال المتولي ان كان للرجل زوجة أو محرم أو أمة فالرجل مع الرجل وان كانت أجنبية نظر أن كانت جميلة يخاف الافتتان بها لم يشرع السلام لا ابتداء ولا جوابا فلو ابتدأ أحدهما كره للآخر الرد وإن كانت عجوزا لا يفتتن بها جاز وحاصل الفرق بين هذا وبين المالكية التفصيل في الشابة بين الجمال وعدمه فان الجمال مظنة الافتتان بخلاف مطلق الشابة فلو اجتمع في المجلس رجال ونساء جاز السلام من الجانبين عند أمن الفتنه قوله تابعه شعيب وقال يونس والنعمان عن الزهري وبركاته أما متابعة شعيب فوصلها المؤلف في الرقاق وأما زيادة يونس وهو بن يزيد فتقدم في الحديث بتمامه موصولا في كتاب المناقب وأما متابعة النعمان وهو بن راشد فوصلها الطبراني في الكبير ووقعت لنا بعلو في جزء هلال الحفار قال الاسماعيلي قد أخرجنا فيه من حديث بن المبارك وبركاته وكان ساقه من طريق أبي إبراهيم البناني ومن طريق حبان بن موسى كلاهما عن بن المبارك وكذا قال عقيل وعبيد الله بن أبي زياد عن الزهري قوله باب إذا قال من ذا فقال أنا سقط لفظ باب من رواية أبي ذر وكأنه لم يجزم بالحكم لان الخبر ليس صريحا في

[ 30 ]

الكراهة قوله عن محمد بن المنكدر في رواية الاسماعيلي عن أحمد بن محمد بن منصور وغيره عن علي بن الجعد شيخ البخاري فيه عن شعبة أخبرني محمد بن المنكدر عن جابر قوله أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في دين كان على أبي تقدم بيانه في كتاب البيوع من وجه آخر مطولا قوله فدققت بقافين للاكثر وللمستملي والسرخسي فدفعت بفاء وعين مهملة وفي رواية الاسماعيلي فضربت الباب وهي تؤيد رواية فدققت بالقافين وله من وجه آخر وهي عند مسلم استأذنت على النبي صلى الله عليه وسلم ولمسلم في أخرى دعوت النبي صلى الله عليه وسلم قوله فقلت أنا فقال أنا أنا كأنه كرهها وفي رواية لمسلم فخرج وهو يقول أنا أنا وفي أخرى كأنه كره ذلك ولابي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة كره ذلك بالجزم قال المهلب إنما كره قول أنا لانه ليس فيه بيان إلا أن كان المستأذن ممن يعرف المستأذن عليه صوته ولا يلتبس بغيره والغالب الالتباس وقيل إنما كره ذلك لان جابرا لم يستأذن بلفظ السلام وفيه نظر لانه ليس في سياق حديث جابر أنه طلب الدخول وإنما جاء في حاجته فدق الباب ليعلم النبي صلى الله عليه وسلم بمجيئه فلذلك خرج له وقال الداودي إنما كرهه لانه أجابه بغير ما سأله عنه لانه لما ضرب الباب عرف أن ثم ضاربا فلما قال أنا كأنه أعلمه أن ثم ضاربا فلم يزده على ما عرف من ضرب الباب قال وكان هذا قبل نزول آية الاستئذان قلت وفيه نظر لانه لا تنافي بين القصة وبين ما دلت عليه الآية ولعله رأى أن الاستئذان ينوب عن ضرب الباب وفيه نظر لان الداخل قد يكون لا يسمع الصوت بمجرده فيحتاج إلى ضرب الباب ليبلغه صوت الدق فيقرب أو يخرج فيستأذن عليه حينئذ وكلامه الاول سبقه إليه الخطابي فقال قوله أنا لا يتضمن الجواب ولا يفيد العلم بما استعلمه وكان حق الجواب أن يقول أنا جابر ليقع تعريف الاسم الذي وقعت المسألة عنه وقد أخرج المصنف في الادب المفرد وصححه الحاكم من حديث بريدة أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى المسجد وأبو موسى يقرأ قال فجئت فقال من هذا قلت أنا بريدة وتقدم حديث أم هاني جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقلت أنا أم هاني الحديث في صلاة الضحى قال النووي إذا لم يقع التعريف إلا بأن يكني المرء نفسه لم يكره ذلك وكذا لا بأس أن يقول انا الشيخ فلان أو القارئ فلان أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا بذلك وذكر بن الجوزي أن السبب في كراهة قول أنا أن فيها نوعا من الكبر كأن قائلها يقول أنا الذي لا أحتاج أذكر اسمي ولا نسبي وتعقبه مغلطاي بأن هذا لا يتأتى في حق جابر في مثل هذا المقام وأجيب بأنه ولو كان كذلك فلا يمنع من تعليمه ذلك لئلا يستمر عليه ويعتاده والله أعلم قال بن العربي في حديث جابر مشروعية دق الباب ولم يقع في الحديث بيان هل كان بآلة أو بغير آلة قلت وقد أخرج البخاري في الادب المفرد من حديث أنس أن أبواب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تقرع بالاظافير وأخرجه الحاكم في علوم الحديث من حديث المغيرة بن شعبة وهذا محمول منهم على المبالغة في الادب وهو حسن لمن قرب محله من بابه أما من بعد عن الباب بحيث لا يبلغه صوت القرع بالظفر فيستحب أن يقرع بما فوق ذلك بحسبه وذكر السهيلي أن السبب في قرعهم بابه بالاظافير أن بابه لم يكن فيه حلق فلاجل ذلك فعلوه والذي يظهر أنهم إنما كانوا يفعلون ذلك توقيرا وإجلالا وأدبا قوله باب من رد فقال عليك السلام يحتمل أن يكون أشار إلى من قال لا يقدم على لفظ السلام شئ بل يقول في الابتداء والرد السلام عليك أو من

[ 31 ]

قال لا يقتصر على الافراد بل يأتي بصيغة الجمع أو من قال لا يحذف الواو بل يجيب بواو العطف فيقول وعليك السلام أو من قال يكفي في الجواب أن يقتصر على عليك بغير لفظ السلام أو من قال لا يقتصر على عليك السلام بل يزيد ورحمة الله وهذه خمسة مواضع جاءت فيها آثار تدل عليها فأما الاول فيؤخذ من الحديث الماضي أن السلام اسم الله فينبغي أن لا يقدم على اسم الله شئ نبه عليه بن دقيق العيد ونقل عن بعض الشافعية أن المبتدئ لو قال عليك السلام لم يجزئ وذكر النووي عن المتولي أن من قال في الابتداء وعليكم السلام لا يكون سلاما ولا يستحق جوابا وتعقبه بالرد فإنه يشرع بتقديم لفظ عليكم قال النووي فلو أسقط الواو فقال عليكم السلام قال الواحدي فهو سلام ويستحق الجواب وإن كان قلب اللفظ المعتاد هكذا جعل النووي الخلاف في إسقاط الواو واثباتها والمتبادر أن الخلاف في تقديم عليكم على السلام كما يشعر به كلام الواحدي قال النووي ويحتمل وجهين كالوجهين في التحلل بلفظ عليكم السلام والاصح الحصول ثم ذكر حديث أبي جرى وقد تقدم الكلام عليه في الباب الاول وأما الثاني فأخرج البخاري في الادب المفرد من طريق معاوية بن قرة قال قال لي أبي قرة بن إياس المزني الصحابي إذا مر بك الرجل فقال السلام عليكم فلا تقل وعليك السلام فتخصه وحده فإنه ليس وحده وسنده صحيح ومن فروع هذه المسألة لو وقع الابتداء بصيغة الجمع فإنه لا يكفي الرد بصيغة الافراد لان صيغة الجمع تقتضي التعظيم فلا يكون امتثل الرد بالمثل فضلا عن الاحسن نبه عليه بن دقيق العيد وأما الثالث فقال النووي اتفق أصحابنا أن المجيب لو قال عليك بغير واو لم يجزئ وإن قال بالواو فوجهان وأما الرابع فأخرج البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عن بن عباس أنه كان إذا سلم عليه يقول وعليك ورحمة الله وقد ورد مثل ذلك في أحاديث مرفوعة سأذكرها في باب كيف الرد على أهل الذمة وأما الخامس فتقدم الكلام عليه في الباب الاول قوله وقالت عائشة وعليه السلام ورحمة الله وبركاته هذا طرف من حديث تقدم ذكره قريبا في باب تسليم الرجال والنساء وفيه بيان من زاد فيه وبركاته قوله وقال النبي صلى الله عليه وسلم رد الملائكة على آدم السلام عليك ورحمة الله هذا طرف من الحديث الآخر الذي تقدم في أول كتاب الاستئذان وجزم المصنف بهذا اللفظ مما يقوي رواية الاكثر بخلاف رواية الكشميهني قوله عبيد الله هو بن عمر بن حفص العمري قوله عن أبي هريرة قد قال فيه بعض الرواة عن أبيه عن أبي هريرة وهي رواية يحيى القطان المذكورة في آخر الباب وبينت في كتاب الصلاة أي الروايتين أرجح قوله إن رجلا دخل المسجد الحديث في قصة المسئ صلاته والغرض منه قوله فيه ثم جاء فسلم على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له وعليك السلام ارجع وتقدم في الصلاة بلفظ فرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية أخرى فقال وعليك وسقط ذلك أصلا من الرواية الآتية في الايمان والنذور وقد تقدم ما فيه مع بقية شرحه مستوفى في باب أمر الذي لا يتم ركوعه بالاعادة من كتاب الصلاة قوله وقال أبو أسامة في الاخير حتى تستوي قائما وصل المصنف رواية أبي أسام هذه في كتاب الايمان والنذور كما سيأتي وقد بينت في صفة الصلاة النكتة في اقتصار البخاري على هذه اللفظة من هذا الحديث وحاصله أنه وقع هنا في الاخير ثم أرفع حتى تطمئن جالسا فأراد البخاري أن يبين أن راويها خولف فذكر رواية أبي أسامة مشيرا إلى ترجيحها وأجاب

[ 32 ]

الداودي عن أصل الاشكال بأن الجالس قد يسمى قائما لقوله تعالى ما دمت عليه قائما وتعقبه بن التين بأن التعليم إنما وقع لبيان ركعة واحدة والذي يليها هو القيام يعني فيكون قوله حتى تستوي قائما هو المعتمد وفينظر لان الداودي عرف ذلك وجعل القيام محمولا على الجلوس واستدل الآية والاشكال إنما وقع في قوله في الرواية الاخرى حتى تطمئن جالسا وجلسة الاستراحة على تقدير أن تكون مرادة لا تشرع الطمأنينة فيها فلذلك احتاج الداودي إلى تأويله لكن الشاهد الذي أتى به عكس المراد والمحتاج إليه هنا أن يأتي بشاهد يدل على أن القيام قد يسمى جلوسا وفي الجملة المعتمد للترجيح كما أشار إليه البخاري وصرح به البيهقي وجوز بعضهم أن يكون المراد به التشهد والله أعلم قوله في الطريق الاخيرة قال النبي صلى الله عليه وسلم ثم ارفع حتى تطمئن جالسا هكذا اقتصر على هذا القدر من الحديث وساقه في كتاب الصلاة بتمامه قوله باب إذا قال فلان يقرئك السلام في رواية الكشميهني يقرأ عليك السلام وهو لفظ حديث الباب وقد تقدم شرحه في مناقب عائشة وتقدم شرح هذه اللفظة وهي اقرأ السلام في كتاب الايمان قال النووي في هذا الحديث مشروعية إرسال السلام ويجب على الرسول تبليغه لانه أمانة وتعقب بأنه بالوديعة أشبه والتحقيق أن الرسول إن التزمه أشبه الامانة وإلا فوديعة والودائع إذا لم تقبل لم يلزمه شئ قال وفيه إذا أتاه شخص بسلام من شخص أو في ورقة وجب الرد على الفور ويستحب أن يرد على المبلغ كما أخرج النسائي عن رجل من بني تميم أنه بلغ النبي صلى الله عليه وسلم سلام أبيه فقال له وعليك السلام وعلى أبيك السلام وقد تقدم في المناقب أن خديجة لما بلغها النبي صلى الله عليه وسلم عن جبريل سلام الله عليها قالت إن الله هو السلام ومنه السلام وعليك وعلى جبريل السلام ولم أر في شئ من طرق حديث عائشة أنها ردت على النبي صلى الله عليه وسلم فدل على أنه غير واجب وقد ورد بلفظ الترجمة حديث من قول النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم من حديث أنس أن فتى من أسلم قال يا رسول الله إني أريد الجهاد فقال ائت فلانا فقل ان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئك السلام ويقول ادفع إلي ما تجهزت به قوله باب التسليم في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين أورد فيه حديث أسامة بن زيد في قصة عبد الله بن أبي قال بن التين قوله بن سلول هي قبيلة من هوازن وهو اسم أمه يعني عبد الله فعلى هذا لا ينصرف قلت ومراده أن اسم أم عبد الله بن أبي وافق اسم القبيلة المذكورة لا أنهما لمسمى واحد وفيه حتى مر في مجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين وفيه فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدمت الاشارة إليه قريبا في باب كنية المشرك من كتاب الادب قال النووي السنة إذا مر بمجلس فيه مسلم وكافر أن يسلم بلفظ التعميم

[ 33 ]

ويقصد به المسلم قال بن العربي ومثله إذا مر بمجلس يجمع أهل السنة والبدعة وبمجلس فيه عدول وظلمة وبمجلس فيه محب ومبغض واستدل النووي على ذلك بحديث الباب وهو مفرع على منع ابتداء الكافر بالسلام وقد ورد النهي عنه صريحا فيما أخرجه مسلم والبخاري في الادب المفرد من طريق سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام واضطروهم إلى أضيق الطريق والبخاري في الادب المفرد والنسائي من حديث أبي بصرة وهو بفتح الموحدة وسكون المهملة الغفاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إني راكب غدا إلى اليهود فلا تبدءوهم بالسلام وقالت طائفة يجوز ابتداؤهم بالسلام فأخرج الطبري من طريق بن عيينة قال يجوز ابتداء الكافر بالسلام لقوله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين وقول إبراهيم لابيه سلام عليك وأخرج بن أبي شيبة من طريق عون بن عبد الله عن محمد بن كعب أنه سأل عمر بن عبد العزيز عن ابتداء أهل الذمة بالسلام فقال نرد عليهم ولا نبدؤهم قال عون فقلت له فكيف تقول أنت قال ما أرى بأسا أن نبدأهم قلت لم قال لقوله تعالى فاصفح عنهم وقل سلام وقال البيهقي بعد أن ساق حديث أبي أمامة أنه كان يسلم على كل من لقيه فسئل عن ذلك فقال إن الله جعل السلام تحية لامتنا وأمانا لاهل ذمتنا هذا رأي أبي أمامة وحديث أبي هريرة في النهي عن ابتدائهم أولى وأجاب عياض عن الآية وكذا عن قول إبراهيم عليه السلام لابيه بأن القصد بذلك المتاركة والمباعدة وليس القصد فيهما التحية وقد صرح بعض السلف بأن قوله تعالى وقل سلام فسوف يعلمون نسخت بآية القتال وقال الطبري لا مخالفة بين حديث أسامة في سلام النبي صلى الله عليه وسلم على الكفار حيث كانوا مع المسلمين وبين حديث أبي هريرة في النهي عن السلام على الكفار لان حديث أبي هريرة عام وحديث أسامة خاص فيختص من حديث أبي هريرة ما إذا كان الابتداء لغير سبب ولا حاجة من حق صحبة أو مجاورة أو مكافئة أو نحو ذلك والمراد منع ابتدائهم بالسلام المشروع فأما لو سلم عليهم بلفظ يقتضي خروجهم عنه كأن يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو جائز كما كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل وغيره سلام على من اتبع الهدى وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن قتادة قال السلام على أهل الكتاب إذا دخلت عليهم بيوتهم السلام على من اتبع الهدى وأخرج بن أبي شيبة عن محمد بن سيرين مثله ومن طريق أبي مالك إذا سلمت على المشركين فقل السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فيحسبون أنك سلمت عليهم وقد صرفت السلام عنهم قال القرطبي في قوله وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه معناه لا تتنحوا لهم عن الطريق الضيق إكراما لهم واحتراما وعلى هذا فتكون هذه الجملة مناسبة للجملة الاولى في المعنى وليس المعنى إذا لقيتموهم في طريق واسع فألجئوهم إلى حرفه حتى يضيق عليهم لان ذلك أذى لهم وقد نهينا عن أذاهم بغير سبب قوله باب من لم يسلم على من اقترف ذنبا ومن لم يرد سلامه حتى تتبين توبته وإلى متى تتبين توبة العاصي أما الحكم الاول فأشار إلى الخلاف فيه وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع قال النووي فان اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم وكذا قال بن العربي وزاد وينوى أن السلام اسم من أسماء الله تعالى فكأنه قال الله رقيب عليكم وقال المهلب ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية

[ 34 ]

وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع وخالف في ذلك جماعة كما تقدم في الباب قبله وقال بن وهب يجوز ابتداء السلام على كل أحد ولو كان كافرا واحتج بقوله تعالى وقولوا للناس حسنا وتعقب بأن الدليل أعم من الدعوة وألحق بعض الحنفية بأهل المعاصي من يتعاطى خوارم المروءة ككثرة المزاح واللهو وفحش القول والجلوس في الاسواق لرؤية من يمر من النساء ونحو ذلك وحكى بن رشد قال قال مالك لا يسلم على أهل الاهواء قال بن دقيق العيد ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم وأما الحكم الثاني فاختلف فيه أيضا فقيل يستبرأ حاله سنة وقيل ستة أشهر وقيل خمسين يوما كما في قصة كعب وقيل ليس لذلك حدا محدود بل المدار على وجود القرائن الدالة على صدق مدعاه في توبته ولكن لا يكفي ذلك في ساعة ولا يوم ويختلف ذلك باختلاف الجناية والجاني وقد اعترض الداودي على من حده بخمسين ليلة أخذا من قصة كعب فقال لم يحده النبي صلى الله عليه وسلم بخمسين وإنما أخر كلامهم إلى أن أذن الله فيه يعني فتكون واقعة حال لا عموم فيه وقال النووي وأما المبتدع ومن اقترف ذنبا عظيما ولم يتب منه فلا يسلم عليهم ويرد عليهم السلام كما قال جماعة من أهل العلم واحتج البخاري لذلك بقصة كعب بن مالك انتهى والتقييد بمن لم يتب جيد لكن في الاستدلال لذلك بقصة كعب نظر فإنه ندم على ما صدر منه وتاب ولكن أخر الكلام معه حتى قبل الله توبته وقضيته أن لا يكلم حتى تقبل توبته ويمكن الجواب بأن الاطلاع على القبول في قصة كعب كان ممكنا وأما بعده فيكفي ظهور علامة الندم والاقلاع وأمارة صدق ذلك قوله اقترف أي اكتسب وهو تفسير الاكثر وقال أبو عبيدة الاقتراف التهمة قوله وقال عبد الله بن عمر ولا تسلموا على شربة الخمر بفتح الشين المعجمة والراء بعدها موحدة جمع شارب قال بن التين لم يجمعه اللغويون كذلك وانما قالوا شارب وشرب مثل صاحب وصحب انتهى وقد قالوا فسقة وكذبة في جمع فاسق وكاذب وهذا الاثر وصله البخاري في الادب المفرد من طريق حبان بن أبي جبلة بفتح الجيم والموحدة عن عبد الله بن عمرو بن العاص بلفظ لا تسلموا على شراب الخمر وبه إليه قال لا تعودوا شراب الخمر إذا مرضوا وأخرج الطبري عن علي موقوفا نحوه وفي بعض النسخ من الصحيح وقال عبد الله بن عمر بضم العين وكذا ذكره الاسماعيلي وأخرج سعيد بن منصور بسند ضعيف عن بن عمر لا تسلموا على من شرب الخمر ولا تعودوهم إذا مرضوا ولا تصلوا عليهم إذا ماتوا وأخرجه بن عدي بسند أضعف منه عن بن عمر موفوعا قوله حدثنا بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير وذكر قطعا يسيرة من حديث كعب بن مالك في قصة توبته في غزوة تبوك وقد ساقه في المغازي بطوله عن يحيى بن بكير بهذا الاسناد وقوله وآتى هو بمد الهمزة فعل مضارع من الاتيان وبين قوله عن كلامنا وبين هذه الجملة كلام كثير آخره فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف في الاسواق ولا يكلمني أحد وفي الحديث أيضا قصته مع أبي قتادة وتسوره عليه الحائط وامتناع أبي قتادة من رد السلام عليه ومن جوابه له عما سأله عنه واقتصر البخاري على القدر الذي ذكره لحاجته إليه هنا وفيه ما ترجم به من ترك السلام تأديبا وترك الرد أيضا وهو مما يخص به عموم الامر بإفشاء السلام عند الجمهور وعكس ذلك أبو أمامة فأخرج الطبري بسند جيد عنه أنه كان لا يمر بمسلم ولا نصراني ولا صغير ولا كبير إلا سلم عليه فقيل له فقال إنا أمرنا بإفشاء السلام وكأنه لم يطلع على دليل

[ 35 ]

الخصوص واستثنى بن مسعود ما إذا احتاج لذلك المسلم لضرورة دينية أو دنيوية كقضاء حق المرافقة فأخرج الطبري بسند صحيح عن علقمة قال كنت ردفا لابن مسعود فصحبنا دهقان فلما انشعبت له الطريق أخذ فيها فأتبعه عبد الله بصره فقال السلام عليكم فقلت ألست تكره أن يبدؤا بالسلام قال نعم ولكن حق الصحبة وبه قال الطبري وحمل عليه سلام النبي صلى الله عليه وسلم على أهل مجلس فيه أخلاط من المسلمين والكفار وقد تقدم الجواب عنه في الباب الذي قبله قوله باب كيف الرد على أهل الذمة بالسلام في هذه الترجمة إشارة إلى أنه لا منع من رد السلام على أهل الذمة فلذلك ترجم بالكيفية ويؤيده قوله تعالى فحيوا بأحسن منها أو ردوها فإنه يدل على أن الرد يكون وفق الابتداء ان لم يكن أحسن منه كما تقدم تقريره ودل الحديث على التفرقة في الرد على المسلم والكافر قال بن بطال قال قوم رد السلام على أهل الذمة فرض لعموم الآية وثبت عن بن عباس أنه قال من سلم عليك فرد عليه ولو كان مجوسيا وبه قال الشعبي وقتادة ومنع من ذلك مالك والجمهور وقال عطاء الآية مخصوصة بالمسلمين فلا يرد السلام على الكافر مطلقا فان أراد منع الرد بالسلام والا فأحاديث الباب ترد عليه الحديث الاول قوله ان عائشة قالت كذا قال صالح بن كيسان مثله كما تقدم في الادب وقال سفيان عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت وسيأتي في استتابة المرتدين قوله دخل رهط من اليهود لم أعرف أسماءهم لكن أخرج الطبراني بسند ضعيف عن زيد بن أرقم قال بينما أنا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل رجل من اليهود يقال له ثعلبة بن الحارث فقال السام عليك يا محمد فقال وعليكم فإن كان محفوظا احتمل أن يكون أحد الرهط المذكورين وكان هو الذي باشر الكلام عنهم كما جرت العادة من نسبة القول إلى جماعة والمباشر له واحد منهم لان اجتماعهم ورضاهم به في قوة من شاركه في النطق قوله فقالوا السام عليك كذا في الاصول بألف ساكنة وسيأتي في الكلام على الحديث الثاني أنه جاء بالهمز وقد تقدم تفسير السوم بالموت في كتاب الطب وقيل هو الموت العاجل قوله ففهمتها فقلت عليكم السام واللعنة في رواية بن أبي مليكة عن عائشة كما تقدم في أوائل الادب فقالت عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم ولمسلم من طريق أخرى عنها بل عليكم السام والذام بالذال المعجمة وهو لغة في الذم ضد المدح يقال ذم بالتشديد وذام بالتخفيف وذيم بتحتانية ساكنة وقال عياض لم يختلف الرواة أن الذام في هذا الحديث بالمعجمة ولو روي بالمهملة من الدوام لكان له وجه ولكن كان يحتاج لحذف الواو ليصير صفة للسام وقد حكى بن الاعرابي الدام لغة في الدائم قال بن بطال فسر أبو عبيد السام بالموت وذكر الخطابي أن قتادة تأوله على خلاف ذلك ففي رواية عبد الوارث بن سعيد عن سعيد بن أبي عروبة قال كان قتادة يقول تفسير السام عليكم تسامون دينكم وهو يعني السام مصدر سئمة سآمة وسآما مثل رضعه رضاعة ورضاعا قال بن بطال ووجدت هذا الذي فسره قتادة مرويا عن النبي صلى الله عليه وسلم أخرجه بقي بن مخلد في تفسيره من طريق سعيد عن قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم بينا هو جالس مع أصحابه إذ أتى يهودي فسلم عليه فردوا عليه فقال هل تدرون ما قال قالوا سلم يا رسول الله قال قال سام عليكم أي تسامون دينكم قلت يحتمل أن يكون قوله أي تسامون دينكم تفسير قتادة كما بينته رواية عبد الوارث التي ذكرها الخطابي وقد أخرج البزار وابن

[ 36 ]

حبان في صحيحه من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن أنس مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فسلم عليهم فرد عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال هل تدرون ما قال قالوا نعم سلم علينا قال فإنه قال السام عليكم أي تسامون دينكم ردوه علي فردوه فقال كيف قلت قال قلت السام عليكم فقال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا عليكم ما قلتم لفظ البزار وفي رواية بن حبان أن يهوديا سلم فقال النبي صلى الله عليه وسلم أتدرون والباقي نحوه ولم يذكر قوله ردوه الخ وقال في آخره فإذا سلم عليكم رجل من أهل الكتاب فقولوا وعليك قوله واللعنة يحتمل أن تكون عائشة فهمت كلامهم بفطنتها فأنكرت عليهم وظنت أن النبي صلى الله عليه وسلم ظن أنهم تلفظوا بلفظ السلام فبالغت في الانكار عليهم ويحتمل أن يكون سبق لها سماع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديثي بن عمر وأنس في الباب وانما أطلقت عليهم اللعنة وإما لانها كانت ترى جواز لعن الكافر المعين باعتبار الحالة الراهنة لا سيما إذا صدر منه ما يقتضي التأديب وإما لانها تقدم لها علم بأن المذكورين يموتون على الكفر فأطلقت اللعن ولم تقيده بالموت والذي يظهر أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن لا يتعود لسانها بالفحش أو أنكر عليها الافراط في السب وقد تقدم في أوائل الادب في باب الرفق ما يتعلق بذلك وسيأتي الكلام على جواز لعن المشرك المعين الحي في باب الدعاء على المشركين من كتاب الدعوات إن شاء الله تعالى قوله مهلا يا عائشة تقدم بشرحه في باب الرفق من كتاب الادب قوله فقد قلت عليكم وكذا في رواية معمر وشعيب عن الزهري عند مسلم بحذف الواو وعنده في رواية سفيان وعند النسائي من رواية أخرى عن الزهري بإثبات الواو قال المهلب في هذا الحديث جواز انخداع الكبير للمكايد ومعارضته من حيث لا يشعر إذا رجا رجوعه قلت في تقييده بذلك نظر لان اليهود حينئذ كانوا أهل عهد فالذي يظهر أن ذلك كان لمصلحة التآلف الحديث الثاني قوله عن عبد الله بن دينار عن بن عمر يأتي في استتابة المرتدين من وجه آخر بلفظ حدثني عبد الله بن دينار سمعت بن عمر قوله إذا سلم عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم السام عليك فقل وعليك هكذا هو في جميع نسخ البخاري وكذا أخرجه في الادب المفرد عن إسماعيل بن أبي أويس عن مالك والذي عند جميع رواة الموطأ بلفظ فقل عليك ليس فيه الواو وأخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى بن بكير ومن طريق عبد الله بن نافع كلاهما عن مالك بإثبات الواو وفيه نظر فإنه في الموطأ عن يحيى بن بكير بغير واو ومقتضى كلام بن عبد البر أن رواية بن عبد الله بن نافع بغير واو لانه قال لم يدخل أحد من رواة الموطأ عن مالك الواو قلت لكن وقع عند الدارقطني في الموطآت من طريق روح بن عبادة عن مالك بلفظ فقل وعليكم بالواو وبصيغة الجمع قال الدارقطني القول الاول أصح يعني عن مالك قلت أخرجه الاسماعيلي من طريق روح ومعن وقتيبة ثلاثتهم عن مالك بغير واو وبالافراد كرواية الجماعة وأخرجه البخاري في استتابة المرتدين من طريق يحيى القطان عن مالك والثوري جميعا عن عبد الله بن دينار بلفظ قل عليك بغير واو لكن وقع في رواية السرخسي وحده فقل عليكم بصيغة الجمع بغير واو أيضا وأخرجه مسلم والنسائي من طريق عبد الرحمن بن مهدي عن الثوري وحده بلفظ فقولوا وعليكم بإثبات الواو بصيغة الجمع وأخرجه مسلم والنسائي من طريق إسماعيل بن جعفر عن عبد الله بن دينار بغير واو وفي نسخة

[ 37 ]

صحيحة من مسلم بإثبات الواو وأخرجه النسائي من طريق بن عيينة عن بن دينار بلفظ إذا سلم عليكم اليهودي والنصراني فإنما يقول السام عليكم فقل عليكم بغير واو وبصيغة الجمع وأخرجه أبو داود من رواية عبد العزيز بن مسلم عن عبد الله بن دينار مثل بن مهدي عن الثوري وقال بعده وكذا رواه مالك والثوري عن عبد الله بن دينار قال فيه وعليكم قال المنذري في الحاشية حديث مالك أخرجه البخاري وحديث الثوري أخرجه البخاري ومسلم وهذا يدل على أن رواية مالك عندهما بالواو فأما أبو داود فلعله حمل رواية مالك على رواية الثوري أو اعتمد رواية روح بن عبادة عن مالك وأما المنذري فتجوز في عزوه للبخاري لانه عنده بصيغة الافراد ولحديث بن عمر هذا سبب أذكره في الذي بعده الحديث الثالث أورده من طريق عبيد الله بن أبي بكر بن أنس حدثنا أنس بن مالك يعني جده بلفظ إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم كذا رواه مختصرا ورواه قتادة عن أنس أتم منه أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي من طريق شعبة عنه بلفظ أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا إن أهل الكتاب يسلمون علينا فكيف نرد عليهم قال قولوا وعليكم وأخرجه البخاري في الادب المفرد من طريق همام عن قتادة بلفظ مر يهودي فقال السام عليكم فرد أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم عليه السلام فقال قال السام عليكم فأخذ اليهودي فاعترف فقال ردوا عليه وأخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق شيبان نحو رواية همام وقال في آخره ردوه فردوه فقال أقلت السام عليكم قال نعم فقال عند ذلك إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم وتقدم في الكلام على حديث عائشة من وجه آخر عن قتادة بزيادة فيه وسيأتي في استتابة المرتدين من طريق هشام بن زيد بن أنس سمعت أنس بن مالك يقول مر يهودي بالنبي صلى الله عليه وسلم فقال السام عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليك ثم قال أتدرون ماذا يقول قال السام عليكم قالوا يا رسول الله ألا نقتله قال إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا وعليكم وفي رواية الطيالسي أن القائل ألا نقتله عمر والجمع بين هذه الروايات أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر وأتمها سياقا رواية هشام بن زيد هذه وكأن بعض الصحابة لما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن اليهود تقول ذلك سألوا حينئذ عن كيفية الرد عليهم كما رواه شعبة عن قتادة ولم يقع هذا السؤال في رواية هشام بن زيد ولم تختلف الرواة عن أنس في لفظ الجواب وهو وعليكم بالواو وبصيغة الجمع قال أبو داود في السنن وكذا رواية عائشة وأبي عبد الرحمن الجهني وأبي بصرة قال المنذري أما حديث عائشة فمتفق عليه قلت هو أول أحاديث الباب قال وأما حديث أبي عبد الرحمن فأخرجه بن ماجة وأما حديث أبي بصرة فأخرجه النسائي قلت هما حديث واحد اختلف فيه على يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير فقال عبد الحميد بن جعفر عن أبي بصرة أخرجه النسائي والطحاوي وقال بن إسحاق عن أبي عبد الرحمن أخرجه أحمد وابن ماجة والطحاوي أيضا وقد قال بعض أصحاب بن إسحاق عنه مثل ما قال عبد الحميد أخرجه الطحاوي والمحفوظ قول الجماعة ولفظ النسائي فإن سلموا عليكم فقولوا وعليكم وقد اختلف العلماء في اثبات الواو واسقاطها في الرد على أهل الكتاب لاختلافهم في أي الروايتين أرجح فذكر بن عبد البر عن بن حبيب لا يقولها بالواو لان فيها تشريكا وبسط ذلك أن الواو في مثل هذا التركيب يقتضي تقرير الجملة الاولى وزيادة الثانية عليها كمن قال زيد كاتب

[ 38 ]

فقلت وشاعر فإنه يقتضي ثبوت الوصفين لزيد قال وخالفه جمهور المالكية وقال بعض شيوخهم يقول عليكم السلام بكسر السين يعني الحجارة ووهاه بن عبد البر بأنه لم يشرع لنا سب أهل الذمة ويؤيد إنكار النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة لما سبتهم وذكر بن عبد البر عن بن طاوس قال يقول علاكم السلام بالالف أي ارتفع وتعقبه وذهب جماعة من السلف إلى أنه يجوز أن يقال في الرد عليهم عليكم السلام كما يرد على المسلم واحتج بعضهم بقوله تعالى فاصفح عنهم وقل سلام وحكاه الماوردي وجها عن بعض الشافعية لكن لا يقول ورحمة الله وقيل يجوز مطلقا وعن بن عباس وعلقمة يجوز ذلك عند الضرورة وعن الاوزاعي إن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت فقد تركوا وعن طائفة من العلماء لا يرد عليهم السلام أصلا وعن بعضهم التفرقة بين أهل الذمة وأهل الحرب والراجح من هذه الاقوال كلها ما دل عليه الحديث ولكنه مختص بأهل الكتاب وقد أخرج أحمد بسند جيد عن حميد بن زادويه وهو غير حميد الطويل في الاصح عن أنس أمرنا أن لا نزيد على أهل الكتاب على وعليكم ونقل بن بطال عن الخطابي نحو ما قال بن حبيب فقال رواية من روى عليكم بغير واو أحسن من الرواية بالواو لان معناه رددت ما قلتموه عليكم وبالواو يصير المعنى على وعليكم لان الواو حرف التشريك انتهى وكأنه نقله من معالم السنن الخطابي فإنه قال فيه هكذا يرويه عامة المحدثين وعليكم بالواو وكان بن عيينة يرويه بحذف الواو وهو الصواب وذلك أنه يحذفها يصير قولهم بعينه مردودا عليهم وبالواو يقع الاشتراك والدخول فيما قالوه انتهى وقد رجع الخطابي عن ذلك فقال في الاعلام من شرح البخاري لما تكلم على حديث عائشة المذكور في كتاب الادب من طريق بن أبي مليكة عنها نحو حديث الباب وزاد في آخره أولم تسمعي ما قلت رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في قال الخطابي ما ملخصه إن الداعي إذا دعا بشئ ظلما فإن الله لا يستجيب له ولا يجد دعاؤه محلا في المدعو عليه انتهى وله شاهد من حديث جابر قال سلم ناس من اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا السام عليكم قال وعليكم قالت عائشة وغضبت ألم تسمع ما قالوا قال بلى قد رددت عليهم فنجاب عليهم ولا يجابون فينا أخرجه مسلم والبخاري في الادب المفرد من طريق بن جريج أخبرني أنه سمع جابرا وقد غفل عن هذه المراجعة من عائشة وجواب النبي صلى الله عليه وسلم لها من أنكر الرواية بالواو وقد تجاسر بعض من أدركناه فقال في الكلام على حديث أنس في هذا الباب الرواية الصحيحة عن مالك بغير واو وكذا رواه بن عيينة وهي أصوب من التي بالواو لانه بحذفها يرجع الكلام عليهم وبإثباتها يقع الاشتراك انتهى وما أفهمه من تضعيف الرواية بالواو وتخطئتها من حيث المعنى مردود عليه بما تقدم وقال النووي الصواب أن حذف الواو واثباتها ثابتان جائزان وباثباتها أجود ولا مفسدة فيه وعليه أكثر الروايات وفي معناها وجهان أحدهما أنهم قالوا عليكم الموت فقال وعليكم أيضا أي نحن وأنتم فيه سواء كلنا نموت والثاني أن الواو للاستئناف لا للعطف والتشريك والتقدير وعليكم ما تستحقونه من الذم وقال البيضاوي في العطف شئ مقدر والتقدير وأقول عليكم ما تريدون بنا أو ما تستحقون وليس هو عطفا على عليكم في كلامهم وقال القرطبي قيل الواو للاستئناف وقيل زائدة وأولى الاجوبة أنا نجاب عليهم ولا يجابون علينا وحكى بن دقيق العيد عن بن رشد تفصيلا يجمع الروايتين اثبات

[ 39 ]

الواو وحذفها فقال من تحقق أنه قال السام أو السلام بكسر السين فليرد عليه بحذف الواو ومن لم يتحقق منه فليرد بإثبات الواو فيجتمع من مجموع كلام العلماء في ذلك ستة أقوال وقال النووي تبعا لعياض من فسر السام بالموت فلا يبعد ثبوت الواو ومن فسرها بالسآمة فإسقاطها هو الوجه قلت بل الرواية بإثبات الواو ثابتة وهي ترجح التفسير بالموت وهو أولى من تغليط الثقة واستدل بقوله إذا سلم عليكم أهل الكتاب بأنه لا يشرع للمسلم ابتداء الكافر بالسلام حكاه الباجي عن عبد الوهاب قال الباجي لانه بين حكم الرد ولم يذكر حك الابتداء كذا قال ونقل بن العربي عن مالك لو ابتدأ شخصا بالسلام وهو يظنه مسلما فبان كافرا كان بن عمر يسترد منه سلامه وقال مالك لا قال بن العربي لان الاسترداد حينئذ لا فائدة له لانه لم يحصل له منه شئ لكونه قصد السلام على المسلم وقال غيره له فائده وهو إعلام الكافر بأنه ليس أهلا للابتداء بالسلام قلت ويتأكد إذا كان هناك من يخشى إنكاره لذلك أو اقتداؤه به إذا كان الذي سلم ممن يقتدى به واستدل به على أن هذا الرد خاص بالكفار فلا يجزئ في الرد على المسلم وقيل إن أجاب بالواو أجزأ وإلا فلا وقال بن دقيق العيد التحقيق أنه كاف في حصول معنى السلام لا في امتثال الامر في قوله فحيوا بأحسن منها أو ردوها وكأنه أراد الذي بغير واو وأما الذي بالواو فقد ورد في عدة أحاديث منها في الطبراني عن بن عباس جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال سلام عليكم فقال وعليك ورحمة الله وله في الاوسط عن سلمان أتى رجل فقال السلام عليك يا رسول الله فقال وعليك قلت لكن لما اشتهرت هذه الصيغة للرد على غير المسلم ينبغي ترك جواب المسلم بها وإن كانت مجزئة في أصل الرد والله أعلم قوله باب من نظر في كتاب من يحذر على المسلمين ليستبين أمره كأنه يشير إلى أن الاثر الوارد في النهي عن النظر في كتاب الغير يخص منه ما يتعين طريقا إلى دفع مفسدة هي أكثر من مفسدة النظر والاثر المذكور أخرجه أبو داود من حديث بن عباس بلفظ من نظر في كتاب أخيه بغير إذنه فكأنما ينطر في النار وسنده ضعيف ثم ذكر في الباب حديث علي في قصة حاطب بن أبي بلتعة وقد تقدم شرحه في تفسير سورة الممتحنة ويوسف بن بهلول شيخه فيه بضم الموحدة وسكون الهاء شيخ كوفي أصله من الانبار ولم يرو عنه من الستة إلا البخاري وما له في الصحيح إلا هذا الحديث وقد أورده من طرق أخرى في المغازي والتفسير منها في المغازي عن إسحاق بن إبراهيم عن عبد الله بن إدريس بالسند المذكور هنا وبقية رجال الاسناد كلهم كوفيون أيضا قال بن التين معنى بهلول الضحاك وسمي به ولا يفتح أوله لانه ليس في الكلام فعلول بالفتح وقال المهلب في حديث على هتك ستر الذنب وكشف المرأة العاصية وما روي أنه لا يجوز النظر في كتاب أحد إلا بإذنه إنما هو في حق من لم يكن متهما على المسلمين وأما من كان متهما فلا حرمة له وفيه أنه يجوز النظر إلى عورة المرأة للضرورة التي لا يجد بدا من النظر إليها وقال بن التين قول عمر دعني أضرب عنقه مع قول النبي صلى الله عليه وسلم لا تقولوا له إلا خيرا يحمل على أنه لم يسمع ذلك أو كان قوله قبل قول النبي صلى الله عليه وسلم انتهى

[ 40 ]

ويحتمل أن يكون عمر لشدته في أمر الله حمل النهي على ظاهره من منع القول السئ له ولم ير ذلك مانعا من إقامة ما وجب عليه من العقوبة الذنب الذي ارتكبه فبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه صادق في اعتذاره وأن الله عفا عنه قوله باب كيف يكتب إلى أهل الكتاب ذكر فيه طرفا من حديث أبي سفيان في قصة هرقل وهو واضح فيما ترجم له قال بن بطال فيه جواز كتابة بسم الله الرحمن الرحيم إلى أهل الكتاب وتقديم اسم الكاتب على المكتوب إليه قال وفيه حجة لمن أجاز مكاتبة أهل الكتاب بالسلام عند الحاجة قلت في جواز السلام على الاطلاق نظر والذي يدل عليه الحديث السلام المقيد مثل ما في الخبر السلام على من اتبع الهدى أو السلام على من تمسك بالحق أو نحو ذلك وقد تقدم نقل الخلاف في ذلك في أوائل كتاب الاستئذان قوله باب بمن يبدأ في الكتاب أي بنفسه أو بالمكتوب إليه ذكر فيه طرفا من حديث الرجل من بني إسرائيل الذي اقترض ألف دينار وكأنه لما لم يجد فيه حديثا على شرطه مرفوعا اقتصر على هذا وهو على قاعدته في الاحتجاج بشرع من قبلنا إذا وردت حكايته في شرعنا ولم ينكر ولا سيما إذا سيق مساق المدح لفاعله والحجة فيه كون الذي عليه الدين كتب في الصحيفة من فلان إلى فلان وكان يمكنه أن يحتج بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل المشار إليه قريبا لكن قد يكون تركه لان بداءة الكبير بنفسه إلى الصغير والعظيم إلى الحقير هو الاصل وإنما يقع التردد فيما هو بالعكس أو المساوى وقد أورد في الادب المفرد من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن كبراء آل زيد بن ثابت هذه الرسالة لعبد الله معاوية أمير المؤمنين لزيد بن ثابت سلام عليك وأورد عن بن عمر نحو ذلك وعند أبي داود من طريق بن سيرين عن أبي العلاء بن الحضرمي عن العلاء أنه كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبدأ بنفسه وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن أيوب قرأت كتابا من العلاء بن الحضرمي إلى محمد رسول الله وعن نافع كان بن عمر يأمر غلمانه إذا كتبوا إليه أن يبدأوا بأنفسهم وعن نافع كان عمال عمر إذا كتبوا إليه بدءوا بأنفسهم قال المهلب السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه وعن معمر عن أيوب أنه كان ربما بدأ باسم الرجل قبله إذا كتب إليه وسئل مالك عنه فقال لا بأس به وقال هو كما لو أوسع له في المجلس فقيل له إن أهل العراق يقولون لا تبدأ بأحد قبلك ولو كان أباك أو أمك أو أكبر منك فعاب ذلك عليهم قلت والمنقول عن بن عمر كان في أغلب أحواله وإلا فقد أخرج البخاري في الادب المفرد بسند صحيح عن نافع كانت لابن عمر حاجة إلى معاوية فأراد أن يبدأ بنفسه فلم يزالوا به حتى كتب بسم الله الرحمن الرحيم إلى معاوية وفي رواية زيادة أما بعد بعد البسملة وأخرج فيه أيضا من رواية عبد الله بن دينار أن عبد الله بن عمر كتب إلى عبد الملك يبايعه بسم الله الرحمن الرحيم لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن عمر سلام عليك الخ وقد ذكر في كتاب الاعتصام طرفا منه ويأتي التنبيه عليه هناك إن شاء الله تعالى وله وقال الليث تقدم في الكفالة بيان من وصله قوله أنه ذكر رجلا من بني إسرائيل أخذ خشبة كذا أورده مختصرا وأورده في الكفالة وغيرها مطولا قوله وقال عمر بن أبي سلمة أي بن عبد الرحمن بن عوف وعمر هذا مدني قدم واسط وهو صدوق فيه ضعف وليس له عند البخاري سوى هذا الموضع المعلق وقد وصله البخاري في الادب المفرد قال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا أبو عوانة

[ 41 ]

حدثنا عمر فذكر مثل اللفظ المعلق هنا وقد رويناه في الجزء الثالث من حديث أبي طاهر المخلص مطولا فقال حدثنا البغوي حدثنا أحمد بن منصور حدثنا موسى وقد ذكرت فوائده عند شرحه من كتاب الكفالة قوله عن أبي هريرة في رواية الكشميهني سمع أبا هريرة وكذا النسفي والاصيلي وكريمة قوله نجر كذا للاكثر بالجيم والكشميهني بالقاف قال بن التين قيل في قصة صاحب الخشبة اثبات كرامات الاولياء وجمهور الاشعرية على إثباتها وأنكرها الامام أبو إسحاق الشيرازي من الشافعية والشيخان أبو محمد بن أبي زيد وأبو الحسن القابسي من المالكية قلت أما الشيرازي فلا يحفظ عنه ذلك وانما نقل ذلك عن أبي إسحاق الاسفرايني وأما الآخران فإنما أنكرا ما وقع معجزة مستقلة لنبي من الانبياء كإيجاد ولد عن غير والد والاسراء إلى السماوات السبع بالجسد في اليقظة وقد صرح إمام الصوفية أبو القاسم القشيري في رسالته بذلك وبسط هذا يليق بموضع آخر وعسى أن يتيسر ذلك في كتاب الرقاق إن شاء الله تعالى قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم هذه الترجمة معقودة لحكم قيام القاعد للداخل ولم يجزم فيها بحكم للاختلاف بل اقتصر على لفظ الخبر كعادته قوله عن سعد بن ابرهيم عن أبي أمامة بن سهل تقدم بيان الاختلاف في ذلك في غزوة بني قريظة من كتاب المغازي مع شرح الحديث ومما لم يذكر هناك أن الدارقطني حكى في العلل أن أبا معاوية رواه عن عياض بن عبد الرحمن عن سعد بن إبراهيم عن أبيه عن جده والمحفوظ عن سعد عن أبي أمامة عن أبي سعيد قوله على حكم سعد هو بن معاذ كما وقع التصريح به فيما تقدم قوله في آخره قال أبو عبد الله هو البخاري أفهمني بعض أصحابي عن أبي الوليد يعني شيخه في هذا الحديث بسنده هذا من قول أبي سعيد إلى حكمك يعني من أول الحديث إلى قوله فيه على حكمك وصاحب البخاري في هذا الحديث يحتمل أن يكون محمد بن سعد كاتب الواقدي فإنه أخرجه في الطبقات عن أبي الوليد بهذا السند أو بن الضريس فقد أخرجه البيهقي في الشعب من طريق محمد بن أيوب الرازي عن أبي الوليد وشرحه الكرماني على وجه آخر فقال قوله إلى حكمك أي قال البخاري سمعت أنا من أبي الوليد بلفظ على حكمك وبعض أصحابي نقلوا لي عنه بلفظ إلى بصيغة الانتهاء بدل حرف الاستعلاء كذا قال قال بن بطال في هذا الحديث أمر الامام الاعظم بإكرام الكبير من المسلمين ومشروعية إكرام أهل الفضل في مجلس الامام الاعظم والقيام فيه لغيره من أصحابه وإلزام الناس كافة بالقيام إلى الكبير منهم وقد منع من ذلك قوم واحتجوا بحديث أبي أمامة قال خرج علينا النبي صلى الله عليه وسلم متوكئا على عصا فقمنا له فقال لا تقوموا كما تقوم الاعاجم بعضهم لبعض وأجاب عنه الطبري بأنه حديث ضعيف مضطرب السند فيه من لا يعرف واحتجوا أيضا بحديث عبد الله بن بريدة أن أباه دخل على معاوية فأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أحب أن يتمثل له الرجال قياما وجبت له النار وأجاب عنه الطبري بأن هذا الخبر إنما فيه نهي من يقام له عن السرور بذلك لا نهى من يقوم له إكراما له وأجاب عنه بن قتيبة بأن معناه من أراد أن يقوم الرجال على رأسه كما يقام بين يدي ملوك الاعاجم وليس المراد به نهي الرجل عن القيام لاخيه إذا سلم عليه واحتج بن بطال للجواز بما أخرجه النسائي من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رأى فاطمة

[ 42 ]

بنته قد أقبلت رحب بها ثم قام فقبلها ثم أخذ بيدها حتى يجلسها في مكانه قلت وحديث عائشة هذا أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه بن حبان والحاكم وأصله في الصحيح كما مضى في المناقب وفي الوفاة النبوية لكن ليس فيه ذكر القيام وترجم له أبو داود باب القيام وأورد معه في حديث أبي سعيد وكذا صنع البخاري في الادب المفرد وزاد معهما حديث كعب بن مالك في قصة توبته وفيه فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول وقد أشار إليه في الباب الذي يليه وحديث أبي أمامة المبدأ به أخرجه أبو داود وابن ماجة وحديث بن بريدة أخرجه الحاكم من رواية حسين المعلم عن عبد الله بن بريدة عن معاوية فذكره وفيه ما من رجل يكون على الناس فيقوم على رأسه الرجال يحب أن يكثر عنده الخصوم فيدخل الجنة وله طريق أخرى عن معاوية أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه والمصنف في الادب المفرد من طريق أبي مجلز قال خرج معاوية على بن الزبير وابن عامر فقام بن عامر وجلس بن الزبير فقال معاوية لابن عامر اجلس فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار هذا لفظ أبي داود وأخرجه أحمد من رواية حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد عن أبي مجلز وأحمد عن إسماعيل بن علية عن حبيب مثله وقال العباد بدل الرجال ومن رواية شعبة عن حبيب مثله وزاد فيه ولم يقم بن الزبير وكان أرزنهما قال فقال مه فذكر الحديث وقال فيه من أحب أن يتمثل له عباد الله قياما وأخرجه أيضا عن مروان بن معاوية عن حبيب بلفظ خرج معاوية فقاموا له وباقيه كلفظ حماد وأما الترمذي فإنه أخرجه من رواية سفيان الثوري عن حبيب ولفظه خرج معاوية فقام عبد الله بن الزبير وابن صفوان حين رأوه فقال اجلسا فذكر مثل لفظ حماد وسفيان وإن كان من جبال الحفظ إلا أن العدد الكثير وفيهم مثل شعبة أولى بأن تكون روايتهم محفوظة من الواحد وقد اتفقوا على أن بن الزبير لم يقم وأما ابدال بن عامر بابن صفوان فسهل لاحتمال الجمع بأن يكونا معا وقع لهما ذلك ويؤيده الاتيان فيه بصيغة الجمع وفي رواية مروان بن معاوية المذكورة وقد أشار البخاري في الادب المفرد إلى الجمع المنقول عن بن قتيبة فترجم أولا باب قيام الرجل لاخيه وأورد الاحاديث الثلاثة التي أشرت إليها ثم ترجم باب قيام الرجل للرجل القاعد وباب من كره أن يقعد ويقوم له الناس وأورد فيهما حديث جابر اشتكى النبي صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فلما سلم قال إن كدتم لتفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وترجم البخاري أيضا قيام الرجل للرجل تعظيما وأورد فيه حديث معاوية من طريق أبي مجلز ومحصل المنقول عن مالك إنكار القيام ما دام الذي يقام لاجله لم يجلس ولو كان في شغل نفسه فإنه سئل عن المرأة تبالغ في إكرام زوجها فتتلقاه وتنزع ثيابه وتقف حتى يجلس فقال أما التلقي فلا بأس به وأما القيام حتى يجلس فلا فان هذا فعل الجبابرة وقد أنكره عمر بن عبد العزيز وقال الخطابي في حديث الباب جواز إطلاق السيد على الخير الفاضل وفيه أن قيام المرءوس للرئيس الفاضل والامام العادل والمتعلم للعالم مستحب وانما يكره لمن كان بغير هذه الصفات ومعنى حديث من أحب أن يقام له أي بأن يلزمهم بالقيام له صفوفا على طريق الكبر والنخوة ورجح المنذري ما تقدم من الجمع عن بن قتيبة والبخاري وان

[ 43 ]

القيام المنهي عنه أن يقام عليه وهو جالس وقد رد بن القيم في حاشية السنن على هذا القول بأن سياق حديث معاوية يدل على خلاف ذلك وانما يدل على أنه كره القيام له لما خرج تعظيما ولان هذا لا يقال له القيام للرجل وإنما هو القيام على رأس الرجل أو عند الرجل قال والقيام ينقسم إلى ثلاث مراتب قيام على رأس الرجل وهو فعل الجبابرة وقيام إليه عند قدومه ولا بأس به وقيام له عند رؤيته وهو المتنازع فيه قلت وورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في الاوسط عن أنس قال إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود ثم حكى المنذري قول الطبري وإنه قصر النهي على من سره القيام له لما في ذلك من محبة التعاظم ورؤية منزلة نفسه وسيأتي ترجيح النووي لهذا القول ثم نقل المنذري عن بعض من منع ذلك مطلقا أنه رد الحجة بقصة سعد بأنه صلى الله عليه وسلم إنما أمرهم بالقيام لسعد لينزلوه عن الحمار لكونه كان مريضا قال وفي ذلك نظر قلت كأنه لم يقف على مستند هذا القائل وقد وقع في مسند عائشة عند أحمد من طريق علقمة بن وقاص عنها في قصة غزوة بني قريظة وقصة سعد بن معاذ ومجيئه مطولا وفيه قال أبو سعيد فلما طلع قال النبي صلى الله عليه وسلم قوموا إلى سيدكم فأنزلوه وسنده حسن وهذه الزيادة تخدش في الاستدلال بقصة سعد على مشروعية القيام المتنازع فيه وقد احتج به النووي في كتاب القيام ونقل عن البخاري ومسلم وأبي داود أنهم احتجوا به ولفظ مسلم لا أعلم في قيام الرجل للرجل حديثا أصح من هذا وقد اعترض عليه الشيخ أبو عبد الله بن الحاج فقال ما ملخصه لو كان القيام المأمور به لسعد هو المتنازع فيه لما خص به الانصار فإن الاصل في أفعال القرب التعميم ولو كان القيام لسعد على سبيل البر والاكرام لكان هو صلى الله عليه وسلم أول من فعله وأمر به من حضر من أكابر الصحابة فلما لم يأمر به ولا فعله ولا فعلوه دل ذلك على أن الامر بالقيام لغير ما وقع فيه النزاع وإنما هو لينزلوه عن دابته لما كان فيه من المرض كما جاء في بعض الروايات ولان عادة العرب أن القبيلة تخدم كبيرها فلذلك خص الانصار بذلك دون المهاجرين مع أن المراد بعض الانصار لا كلهم وهم الاوس منهم لان سعد بن معاذ كان سيدهم دون الخزرج وعلى تقدير تسليم أن القيام المأمور به حينئذ لم يكن للاعانة فليس هو المتنازع فيه بل لانه غائب قدم والقيام للغائب إذا قدم مشروع قال ويحتمل أن يكون القيام المذكور إنما هو لتهنئته بما حصل له من تلك المنزلة الرفيعة من تحكيمه والرضا بما يحكم به والقيام لاجل التهنئة مشروع أيضا ثم نقل عن أبي الوليد بن رشد أن القيام يقع على أربعة أوجه الاول محظور وهو أن يقع لمن يريد أن يقام إليه تكبرا وتعاظما على القائمين إليه والثاني مكروه وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ولكن يخشى أن يدخل نفسه بسبب ذلك ما يحذر ولما فيه من التشبه بالجبابرة والثالث جائز وهو أن يقع على سبيل البر والاكرام لمن لا يريد ذلك ويؤمن معه التشبه بالجبابرة والرابع مندوب وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحا بقدومه ليسلم عليه أو إلى من تجددت له نعمة فيهنئه بحصولها أو مصيبة فيعزيه بسببها وقال التوربشتي في شرح المصابيح معنى قوله قوموا إلى سيدكم أي إلى اعانته وانزاله من دابته ولو كان المراد التعظيم لقال قوموا لسيدكم وتعقبه الطيبي بأنه لا يلزم من كونه ليس للتعظيم أن لا يكون للاكرام وما اعتل به من الفرق بين إلى واللام ضعيف لان إلى في هذا

[ 44 ]

المقام أفخم من اللام كأنه قيل قوموا وامشوا إليه تلقيا وإكراما وهذا مأخوذ من ترتب الحكم على الوصف المناسب المشعر بالعلية فإن قوله سيدكم علة للقيام له وذلك لكونه شريفا علي القدر وقال البيهقي القيام على وجه البر والاكرام جائز كقيام الانصار لسعد وطلحة لكعب ولا ينبغي لمن يقام له أن يعتقد استحقاقه لذلك حتى ان ترك القيام له حنق عليه أو عاتبه أو شكاه قال أبو عبد الله وضابط ذلك أن كل أمر ندب الشرع المكلف بالمشي إليه فتأخر حتى قدم المأمور لاجله فالقيام إليه يكون عوضا عن المشي الذي فات واحتج النووي أيضا بقيام طلحة لكعب بن مالك وأجاب بن الحاج بأن طلحة إنما قام لتهنئته ومصافحته ولذلك لم يحتج به البخاري للقيام وإنما أورده في المصافحة ولو كان قيامه محل النزاع لما انفرد به فلم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم قام له ولا أمر به ولا فعله أحد ممن حضر وإنما انفرد طلحة لقوة المودة بينهما على ما جرت به العادة أن التهنئة والبشارة ونحو ذلك تكون على قدر المودة والخلطة بخلاف السلام فإنه مشروع على من عرفت ومن لم تعرف والتفاوت في المودة يقع بسبب التفاوت في الحقوق وهو أمر معهود قلت ويحتمل أن يكون من كان لكعب عنده من المودة مثل ما عند طلحة لم يطلع على وقوع الرضا عن كعب واطلع عليه طلحة لان ذلك عقب منع الناس من كلامه مطلقا وفي قول كعب لم يقم إلي من المهاجرين غيره إشارة إلى أنه قام إليه غيره من الانصار ثم قال بن الحاج وإذا حمل فعل طلحة على محل النزاع لزم أن يكون من حضر من المهاجرين قد ترك المندوب ولا يظن بهم ذلك واحتج النووي بحديث عائشة المتقدم في حق فاطمة وأجاب عنه بن الحاج باحتمال أن يكون القيام لها لاجل إجلاسها في مكانه إكراما لها لا على وجه القيام المنازع فيه ولا سيما ما عرف من ضيق بيوتهم وقلة الفرش فيها فكانت إرادة إجلاسه لها في موضعه مستلزمة لقيامه وأمعن في بسط ذلك واحتج النووي أيضا بما أخرجه أبو داود أن النبي صلى الله عليه وسلم كان جالسا يوما فأقبل أبوه من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فجلس عليه ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من الجانب الآخر ثم أقبل أخوه من الرضاعة فقام فأجلسه بين يديه واعترضه بن الحاج بأن هذا القيام لو كان محل النزاع لكان الوالدان أولى به من الاخ وإنما قام للاخ إما لان يوسع له في الرداء أو في المجلس واحتج النووي أيضا بما أخرجه مالك في قصة عكرمة بن أبي جهل أنه لما فر إلى اليمن يوم الفتح ورحلت امرأته إليه حتى أعادته إلى مكة مسلما فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم وثب إليه فرحا وما عليه رداء وبقيام النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم جعفر من الحبشة فقال ما أدري بأيهما أنا أسر بقدوم جعفر أو بفتح خيبر وبحديث عائشة قدم زيد بن حارثة المدينة والنبي صلى الله عليه وسلم في بيتي فقرع الباب فقام إليه فاعتنقه وقبله وأجاب بن الحاج بأنها ليست من محل النزاع كما تقدم واحتج أيضا بما أخرجه أبو داود عن أبي هريرة قال كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدثنا فإذا قام قمنا قياما حتى نراه قد دخل وأجاب بن الحاج بأن قيامهم كان لضرورة الفراغ ليتوجهوا إلى أشغالهم ولان بيته كان بابه في المسجد والمسجد لم يكن واسعا إذ ذاك فلا يتأتى أن يستووا قياما الا وهو قد دخل كذا قال والذي يظهر لي في الجواب أن يقال لعل سبب تأخيرهم حتى يدخل لما يحتمل عندهم من أمر يحدث له حتى لا يحتاج إذا تفرقوا أن يتكلف استدعائهم ثم راجعت سنن أبي داود فوجدت في آخر الحديث ما يؤيد

[ 45 ]

ما قلته وهو قصة الاعرابي الذي جبذ رداءه صلى الله عليه وسلم فدعا رجلا فأمره أن يحمل له على بعيره تمرا وشعيرا وفي آخره ثم التفت إلينا فقال انصرفوا رحمكم الله تعالى ثم احتج النووي بعمومات تنزيل الناس منازلهم واكرام ذي الشيبة وتوقير الكبير واعترضه بن الحاج بما حاصله أن القيام على سبيل الاكرام داخل في العمومات المذكورة لكن محل النزاع قد ثبت النهي عنه فيخص من العمومات واستدل النووي أيضا بقيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي صلى الله عليه وسلم بالسيف واعترضه بن الحاج بأنه كان بسبب الذب عنه في تلك الحالة من أذى من يقرب منه من المشركين فليس هو من محل النزاع ثم ذكر النووي حديث معاوية وحديث أبي أمامة المتقدمين وقدم قبل ذلك ما أخرجه الترمذي عن أنس قال لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك قال الترمذي حسن صحيح غريب وترجم له باب كراهية قيام الرجل للرجل وترجم لحديث معاوية باب كراهية القيام للناس قال النووي وحديث أنس أقرب ما يحتج به والجواب عنه من وجهين أحدهما أنه خاف عليهم الفتنة إذا أفرطوا في تعظيمه فكره قيامهم له لهذا المعنى كما قال لا تطروني ولم يكره قيام بعضهم لبعض فإنه قد قام لبعضهم وقاموا لغيره بحضرته فلم ينكر عليهم بل أقره وأمر به ثانيهما أنه كان بينه وبين أصحابه من الانس وكمال الود والصفاء ما لا يحتمل زيادة بالاكرام بالقيام فلم يكن في القيام مقصود وان فرض للانسان صاحب بهذه الحالة لم يحتج إلى القيام واعترض بن الحاج بأنه لا يتم الجواب الاول إلا لو سلم أن الصحابة لم يكونوا يقومون لاحد أصلا فإذا خصوه بالقيام له دخل في الاطراء لكنه قرر أنهم يفعلون ذلك لغيره فكيف يسوغ لهم أن يفعلوا مع غيره ما لا يؤمن معه الاطراء ويتركوه في حقه فان كان فعلهم ذلك للاكرام فهو أولى بالاكرام لان المنصوص على الامر بتوقيره فوق غيره فالظاهر أن قيامهم لغيره انما كان لضرورة قدوم أو تهنئة أو نحو ذلك من الاسباب المتقدمة لا على صورة محل النزاع وأن كرامته لذلك انما هي في صورة محل النزاع أو للمعنى المذموم في حديث معاوية قال والجواب عن الثاني أنه لو عكس فقال ان كان الصاحب لم تتأكد صحبته له ولا عرف قدره فهو معذور بترك القيام بخلاف من تأكدت صحبته له وعظمت منزلته منه وعرف مقداره لكان متجها فإنه يتأكد في حقه مزيد البر والاكرام والتوقير أكثر من غيره قال ويلزم على قوله ان من كان أحق به وأقرب منه منزلة كان أقل توقيرا له ممن بعد لاجل الانس وكمال الود والواقع في صحيح الاخبار خلاف ذلك كما وقع في قصة السهو وفي القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يكلماه وقد كلمه ذو اليدين مع بعد منزلته منه بالنسبة إلى أبي بكر وعمر قال ويلزم على هذا أن خواص العالم والكبير والرئيس لا يعظمونه ولا يوقرونه لا بالقيام ولا بغيره بخلاف من بعد منه وهذا خلاف ما عليه عمل السلف والخلف انتهى كلامه وقال النووي في الجواب عن حديث معاوية ان الاصح والاولى بل الذي لا حاجة إلى ما سواه أن معناه زجر المكلف أن يحب قيام الناس له قال وليس فيه تعرض للقيام بمنهى ولا غيره وهذا متفق عليه قال والمنهي عنه محبة القيام فلو لم يخطر بباله فقاموا له أو لم يقوموا فلا لوم عليه فإن أحب ارتكب التحريم سواء قاموا أو لم يقوموا قال فلا يصح الاحتجاج به لترك القيام فإن قيل فالقيام سبب للوقوع في المنهي عنه قلنا هذا فاسد لانا قدمنا أن الوقوع

[ 46 ]

في المنهي عنه يتعلق بالمحبة خاصة انتهى ملخصا ولا يخفى ما فيه واعترضه بن الحاج بان الصحابي الذي تلقى ذلك من صاحب الشرع قد فهم منه النهي عن القيام الموقع الذي يقام له في المحذور فصوب فعل من امتنع من القيام دون من قام وأقروه على ذلك وكذا قال بن القيم في حواشي السنن في سياق حديث معاوية رد على من زعم أن النهي انما هو في حق من يقوم الرجال بحضرته لان معاوية إنما روى الحديث حين خرج فقاموا له ثم ذكر بن الحاج من المفاسد التي تترتب على استعمال القيام أن الشخص صار لا يتمكن فيه من التفصيل بين من يستحب اكرامه وبره كأهل الدين والخير والعلم أو يجوز كالمستورين وبين من لا يجوز كالظالم المعلن بالظلم أو يكره كمن لا يتصف بالعدالة وله جاء فلولا اعتياد القيام ما احتاج أحد أن يقوم لمن يحرم اكرامه أو يكره بل جر ذلك إلى ارتكاب النهي لما صار يترتب على الترك من الشر وفي الجملة متى صار ترك القيام يشعر بالاستهانة أو يترتب عليه مفسدة امتنع وإلى ذلك أشار بن عبد السلام ونقل بن كثير في تفسيره عن بعض المحققين التفصيل فيه فقال المحذور أن يتخذ ديدنا كعادة الاعاجم كما دل عليه حديث أنس وأما إن كان لقادم من سفر أو لحاكم في محل ولايته فلا بأس به قلت ويلتحق بذلك ما تقدم في أجوبة بن الحاج كالتهنئة لمن حدثت له نعمة أو لاعانة العاجز أو لتوسيع المجلس أو غير ذلك والله أعلم وقد قال الغزالي القيام على سبيل الاعظام مكروه وعلى سبيل الاكرام لا يكره وهذا تفصيل حسن قال بن التين قوله في هذه الرواية حكمت فيهم بحكم الملك ضبطناه في رواية القابسي بفتح اللام أي جبريل فيما أخبر به عن الله وفي رواية الاصيلي بكسر اللام أي بحكم الله أي صادفت حكم الله قوله باب المصافحة هي مفاعلة من الصفحة والمراد بها الافضاء بصفحة اليد إلى صفحة اليد وقد أخرج الترمذي بسند ضعيف من حديث أبي أمامة رفعه تمام تحيتكم بينكم المصافحة وأخرج المصنف في الادب المفرد وأبو داود بسند صحيح من طريق حميد عن أنس رفعه قد أقبل أهل اليمن وهم أول من حيانا بالمصافحة وفي جامع بن وهب من هذا الوجه وكانوا أول من أظهر المصافحة قوله وقال بن مسعود علمني النبي صلى الله عليه وسلم التشهد وكفي بين كفيه سقط هذا التعليق من رواية أبي ذر وحده وثبت للباقين وسيأتي موصولا في الباب الذي بعده قوله وقال كعب بن مالك دخلت المسجد فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم فقام الي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني هو طرف من قصة كعب بن مالك الطويل في غزوة تبوك في قصة توبته وقد تقدمت الاشارة إليه في الباب الذي قبله وجاء ذلك من فعل النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أحمد وأبو داود من حديث أبي ذر كما سيأتي في أثناء باب المعانقة) قوله عن قتادة قلت لانس بن مالك أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال نعم زاد الاسماعيلي في روايته عن همام قال قتادة وكان الحسن يعني البصري يصافح وجاء من وجه آخر عن أنس قيل يا رسول الله الرجل يلقى أخاه أينحني له قال لا قال فيأخذ بيده ويصافحه قال نعم أخرجه الترمذي وقال حسن قال بن بطال المصافحة حسنة عند عامة العلماء وقد استحبها مالك بعد كراهته وقال النووي المصافحة سنة مجمع عليها عند التلاقي وقد أخرج أحمد وأبو داود والترمذي عن البراء رفعه ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا وزاد فيه بن السني وتكاشرا بود ونصيحة وفي رواية لابي داود وحمدا

[ 47 ]

الله واستغفراه وأخرجه أبو بكر الروياني في مسنده من وجه آخر عن البراء لقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فصافحني فقلت يا رسول الله كنت أحسب أن هذا من زي العجم فقال نحن أحق بالمصافحة فذكر نحو سياق الخبر الاول وفي مرسل عطاء الخراساني في الموطأ تصافحوا يذهب الغل ولم نقف عليه موصولا واقتصر بن عبد البر على شواهده من حديث البراء وغيره قال النووي وأما تخصيص المصافحة بما بعد صلاتي الصبح والعصر فقد مثل بن عبد السلام في القواعد البدعة المباحة بها قال النووي وأصل المصافحة سنة وكونهم حافظوا عليها في بعض الاحوال لا يخرج ذلك عن أصل السنة قلت وللنظر فيه مجال فإن أصل صلاة النافلة سنة مرغب فيها ومع ذلك فقد كره المحققون تخصيص وقت بها دون وقت ومنهم من أطلق تحريم مثل ذلك كصلاة الرغائب التي لا أصل لها ويستثنى من عموم الامر بالمصافحة المرأة الاجنبية والامرد الحسن قوله أخبرني حيوه بفتح المهملة والواو بينهما تحتانية ساكنة وآخرها هاء تأنيث هو بن شريح المصري قوله سمع جده عبد الله بن هشام أي بن زهرة بن عثمان من بني تميم بن مرة قوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو آخذ بيد عمر بن الخطاب كذا اختصره وكذا أورده في مناقب عمر بن الخطاب وساقه بتمامه في الايمان والنذور وسيأتي البحث فيه هناك وأغفل المزي ذكره هنا ولم يقع في رواية النسفي أيضا وذكره الاسماعيلي هنا من رواية رشدين بن سعد وابن لهيعة جميعا عن زهرة بن معبد بتمامه وأسقطه من كتاب الايمان والنذور وابن لهيعة ورشدين ليسا من شرط الصحيح ولم يقع لابي نعيم أيضا من طريق بن وهب عن حيوة فأخرجه في الايمان والنذور بتمامه من طريق البخاري وأخرج القدر المختصر هنا من رواية أبي زرعة وهب الله بن راشد عن زهرة بن معبد ووهب الله هذا مختلف فيه وليس من رجال الصحيح ووجه إدخال هذا الحديث في المصافحة أن الاخذ باليد يستلزم التقاء صفحة اليد بصفحة اليد غالبا ومن ثم أفردها بترجمة تلي هذه لجواز وقوع الاخذ باليد من غير حصول المصافحة قال بن عبد البر روى بن وهب عن مالك أنه كره المصافحة والمعانقة وذهب إلى هذا سحنون وجماعة وقد جاء عن مالك جواز المصافحة وهو الذي يدل عليه صنيعه في الموطأ وعلى جوازه جماعة العلماء سلفا وخلفا والله أعلم قوله باب الاخذ باليد كذا في رواية أبي ذر عن الحموي والمستملي وللباقين باليدين وفي نسخة باليمين وهو غلط وسقطت هذه الترجمة وأثرها وحديثها من رواية النسفي قوله وصافح حماد بن زيد بن المبارك بيديه وصله غنجار في تاريخ بخارى من طريق إسحاق بن أحمد بن خلف قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول سمع أبي من مالك ورأى حماد بن زيد يصافح بن المبارك بكلتا يديه وذكر البخاري في التاريخ في ترجمة أبيه نحوه وقال في ترجمة عبد الله بن سلمة المرادي حدثني أصحابنا يحيى وغيره عن أبي إسماعيل بن إبراهيم قال رأيت حماد بن زيد وجاءه بن المبارك بمكة فصافحه بكلتا يديه ويحيى المذكور هو بن جعفر البيكندي وقد أخرج الترمذي من حديث بن مسعود رفعه من تمام التحية الاخذ باليد وفي سنده ضعف وحكى الترمذي عن البخاري أنه رجح أنه موقوف على عبد الرحمن بن يزيد النخعي أحد التابعين وأخرج بن المبارك في كتاب البر والصلة من حديث أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقي الرجل لا ينزع يده حتى يكون هو الذي ينزع يده ولا يصرف وجهه عن وجهه حتى

[ 48 ]

يكون هو الذي يصرفه قوله علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم وكفي بين كفيه التشهد كذا عنده بتأخير المفعول عن الجملة الحالية وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة الآتي التنبيه عليها بتقديم المفعول وهو لفظ التشهد قوله في آخره وهو بين ظهرانينا بفتح النون وسكون التحتانية ثم نون أصله ظهرنا والتثنية باعتبار المتقدم عنه والمتأخر أي كائن بيننا والالف والنون زيادة للتأكيد ولا يجوز كسر النون الاولى قاله الجوهري وغيره قوله فلما قبض قلنا السلام يعني على النبي صلى الله عليه وسلم هكذا جاء في هذه الرواية وقد تقدم الكلام على حديث التشهد هذا في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة من رواية شقيق بن سلمة عن بن مسعود وليست فيه هذه الزيادة وتقدم شرحه مستوفى وأما هذه الزيادة فظاهرها أنهم كانوا يقولون السلام عليك أيها النبي بكاف الخطاب في حياة النبي صلى الله عليه وسلم فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم تركوا الخطاب وذكروه بلفظ الغيبة فصاروا يقولون السلام على النبي وأما قوله في آخره يعني على النبي فالقائل يعني هو البخاري وإلا فقد أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في مسنده ومصنفه عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه فقال في آخره فلما قبض صلى الله عليه وسلم قلنا السلام على النبي وهكذا أخرجه الاسماعيلي وأبو نعيم من طريق أبي بكر وقد أشبعت القول في هذا عند شرح الحديث المذكور قال بن بطال الاخذ باليد هو مبالغة المصافحة وذلك مستحب عند العلماء وانما اختلفوا في تقبيل اليد فأنكره مالك وأنكر ما روى فيه وأجازه آخرون واحتجوا بما روي عن عمر أنهم لما رجعوا من الغزو حيث فروا قالوا نحن الفرارون فقال بل أنتم العكارون أنا فئة المؤمنين قال فقبلنا يده قال وقبل أبو لبابة وكعب بن مالك وصاحباه يد النبي صلى الله عليه وسلم حين تاب الله عليهم ذكره الابهري وقبل أبو عبيدة يد عمر حين قدم وقبل زيد بن ثابت يد بن عباس حين أخذ بن عباس بركابه قال الابهري وانما كرهها مالك إذا كانت على وجه التكبر والتعظم وأما إذا كانت على وجه القربة إلى الله لدينه أو لعلمه أو لشرفه فإن ذلك جائز قال بن بطال وذكر الترمذي من حديث صفوان بن عسال أن يهوديين أتيا النبي صلى الله عليه وسلم فسألاه عن تسع آيات الحديث وفي آخره فقبلا يده ورجله قال الترمذي حسن صحيح قلت حديث بن عمر أخرجه البخاري في الادب المفرد وأبو داود وحديث أبي لبابة أخرجه البيهقي في الدلائل وابن المقري وحديث كعب وصاحبيه أخرجه بن المقري وحديث أبي عبيدة أخرجه سفيان في جامعه وحديث بن عباس أخرجه الطبري وابن المقري وحديث صفوان أخرجه أيضا النسائي وابن ماجة وصححه الحاكم وقد جمع الحافظ أبو بكر بن المقري جزءا في تقبيل اليد سمعناه أورد فيه أحاديث كثيرة وآثارا فمن جيدها حديث الزارع العبدي وكان في وفد عبد القيس قال فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد النبي صلى الله عليه وسلم ورجله أخرجه أبو داود ومن حديث مزيدة العصري مثله ومن حديث أسامة بن شريك قال قمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبلنا يده وسنده قوي ومن حديث جابر أن عمر قام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقبل يده ومن حديث بريدة في قصة الاعرابي والشجرة فقال يا رسول الله ائذن لي أن أقبل رأسك ورجليك فأذن له وأخرج البخاري في الادب المفرد من رواية عبد الرحمن بن رزين قال أخرج لنا سلمة بن الاكوع كفا له ضخمة كأنها كف بعير فقمنا إليها فقبلناها وعن ثابت أنه قبل يد أنس وأخرج

[ 49 ]

أيضا أن عليا قبل يد العباس ورجله وأخرجه بن المقري وأخرج من طريق أبي مالك الاشجعي قال قلت لابن أبي أوفى ناولني يدك التي بايعت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فناولنيها فقبلتها قال النووي تقبيل يد الرجل لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه أو صيانته أو نحو ذلك من الامور الدينية لا يكره بل يستحب فإن كان لغناه أو شوكته أو جاهه عند أهل الدنيا فمكروه شديد الكراهة وقال أبو سعيد المتولي لا يجوز قوله باب المعانقة وقول الرجل كيف أصبحت كذا للاكثر وسقط لفظ المعانقة واو العطف من رواية النسفي ومن رواية أبي ذر عن المستملي والسرخسي وضرب عليها الدمياطي في أصله قوله حدثنا إسحاق هو بن راهويه كما بينته في الوفاة النبوية وقال الكرماني لعله بن منصور لانه روى عن بشر بن شعيب في باب مرض النبي صلى الله عليه وسلم قلت وهو استدلال على الشئ بنفسه لان الحديث المذكور هناك وهنا واحد والصيغة في الموضعين واحدة فكان حقه إن قام الدليل عنده على ان المراد بإسحاق هناك بن منصور أن يقول هنا كما تقدم بيانه في الوفاة النبوية قوله وحدثنا أحمد بن صالح هو إسناد آخر إلى الزهري يرد على من ظن انفراد شعيب به وقد بينت هناك أن الاسماعيلي أخرجه أيضا من رواية صالح بن كيسان ولم أستحضر حينئذ رواية يونس هذه فهم على هذا ثلاثة من حفاظ أصحاب الزهري رووه عنه وسياق المصنف على لفظ أحمد بن صالح هذا وسياقه هناك على لفظ شعيب والمعنى متقارب وقد ذكرت شرحه هناك قال بن بطال عن المهلب ترجم للمعانقة ولم يذكرها في الباب وانما أراد أن يدخل فيه معانقة النبي صلى الله عليه وسلم للحسن الحديث الذي تقدم ذكره في باب ما ذكر من الاسواق في كتاب البيوع فلم يجد له سندا غير السند الاول فمات قبل أن يكتب فيه شيئا فبقي الباب فارغا من ذكر المعانقة وكان بعده باب قول الرجل كيف أصبحت وفيه حديث علي فلما وجد ناسخ الكتاب الترجمتين متواليتين ظنهما واحدة إذ لم يجد بينهما حديثا وفي الكتاب مواضع من الابواب فارغة لم يدرك أن يتمها بالاحاديث منها في كتاب الجهاد انتهى وفي جزمه بذلك نظر والذي يظهر أنه أراد ما أخرجه في الادب المفرد فإنه ترجم فيه باب المعانقة وأورد فيه حديث جابر أنه بلغه حديث عن رجل من الصحابة قال فابتعت بعيرا فشددت إليه رحلي شهرا حتى قدمت الشام فإذا عبد الله بن أنيس فبعثت إلى فخرج فاعتنقني واعتنقته الحديث فهذا أولى بمراده وقد ذكر طرفا منه في كتاب العلم معلقا فقال ورحل جابر بن عبد الله مسيرة شهر في حديث واحد وتقدم الكلام على سنده هناك وأما جزمه بأنه لم يجد لحديث أبي هريرة سند ا آخر ففيه نظر لانه أورده في كتاب اللباس بسند آخر وعلقه في مناقب الحسن فقال وقال نافع بن جبير عن أبي هريرة فذكر طرفا منه فلو كان أراد ذكره لعلق منه موضع حاجته أيضا بحذف أكثر السند أو بعضه كأن يقول وقال أبو هريرة أو قال عبيد الله بن أبي يزيد عن نافع بن جبير عن أبي هريرة وأما قوله أنهما ترجمتان خلت الاولى عن الحديث فضمهما الناسخ فإنه محتمل ولكن في الجزم به نظر وقد ذكرت في المقدمة عن أبي ذر راوي الكتاب ما يؤيد ما ذكره من أن بعض من سمع الكتاب كان يضم بعض التراجم إلى بعض ويسد البياض وهي قاعدة يفزع إليها عند العجز عن تطبيق الحديث على الترجمة ويؤيده إسقاط لفظ المعانقة من رواية من ذكرنا وقد ترجم في الادب باب كيف أصبحت وأورد فيه حديث بن عباس

[ 50 ]

المذكور وأفرد باب المعانقة عن هذا الباب وأورد فيه حديث جابر كما ذكرت وقوى بن التين ما قال بن بطال بأنه وقع عنده في رواية باب المعانقة قول الرجل كيف أصبحت بغير واو فدل على أنهما ترجمتان وقد أخذ بن جماعة كلام بن بطال جازما به واختصره وزاد عليه فقال ترجم بالمعانقة ولم يذكرها وإنما ذكرها في كتاب البيوع وكأنه ترجم ولم يتفق له حديث يوافقه في المعنى ولا طريق آخر لسند معانقة الحسن ولم ير أن يرويه بذلك السند لانه ليس من عادته إعادة السند الواحد أو لعله أخذ المعانقة من عادتهم عند قولهم كيف أصبحت فاكتفى بكيف أصبحت لاقتران المعانقة به عادة قلت وقد قدمت الجواب عن الاحتمالين الاولين وأما الاحتمال الاخير فدعوى العادة تحتاج إلى دليل وقد أورد البخاري في الادب المفرد في باب كيف أصبحت حديث محمود بن لبيد أن سعد بن معاذ لما أصيب أكحله كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مر به يقول كيف أصبحت الحديث وليس فيه للمعانقة ذكر وكذلك أخرج النسائي من طريق عمر بن أبي سلمة عن أبيه عن أبي هريرة قال دخل أبو بكر على النبي صلى الله عليه وسلم فقال كيف أصبحت فقال صالح من رجل لم يصبح صائما وأخرج بن أبي شيبة من طريق سالم بن أبي الجعد عن بن أبي عمر نحوه وأخرج البخاري أيضا في الادب المفرد من حديث جابر قال قيل للنبي صلى الله عليه وسلم كيف أصبحت قال بخير الحديث ومن حديث مهاجر الصائغ كنت أجلس إلى رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا قيل له كيف أصبحت قال لا نشرك بالله ومن طريق أبي الطفيل قال قال رجل لحذيفة كيف أصبحت أو كيف أمسيت يا أبا عبد الله قال احمد الله ومن طريق أنس أنه سمع عمر سلم عليه رجل فرد ثم قال له كيف أنت قال احمد الله قال هذا الذي أردت منك وأخرج الطبراني في الاوسط نحو هذا من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا فهذه عدة أخبار لم تقترن فيها المعانقة بقول كيف أصبحت ونحوها بل ولم يقع في حديث الباب أن اثنين تلاقيا فقال أحدهما للآخر كيف أصبحت حتى يستقيم الحمل على العادة في المعانقة حينئذ وإنما وقع فيه أن من حضر باب النبي صلى الله عليه وسلم لما رأوا خروج علي من عند النبي صلى الله عليه وسلم سألوه عن حاله في مرضه فأخبرهم فالراجح أن ترجمة المعانقة كانت خالية من الحديث كما تقدم وقد ورد في المعانقة أيضا حديث أبي ذر أخرجه أحمد وأبو داود من طريق رجل من عنزة لم يسم قال قلت لابي ذر هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه قال ما لقيته قط إلا صافحني وبعث إلي ذات يوم فلم أكن في أهلي فلما جئت أخبرت أنه أرسل إلي فأتيته وهو على سريره فالتزمني فكانت أجود وأجود ورجاله ثقات إلا هذا الرجل المبهم وأخرج الطبراني في الاوسط من حديث أنس كانوا إذا تلاقوا تصافحوا وإذا قدموا من سفر تعانقوا وله في الكبير كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا لقي أصحابه لم يصافحهم حتى يسلم عليهم قال بن بطال اختلف الناس في المعانقة فكرهها مالك وأجازها بن عيينة ثم ساق قصتهما في ذلك من طريق سعيد بن إسحاق وهو مجهول عن علي بن يونس الليثي المدني وهو كذلك وأخرجها بن عساكر في ترجمة جعفر من تاريخه من وجه آخر عن علي بن يونس قال استأذن سفيان بن عيينة على مالك فأذن له فقال السلام عليكم فردوا عليه ثم قال السلام خاص وعام السلام عليك يا أبا عبد الله ورحمة الله وبركاته فقال وعليك السلام يا أبا محمد ورحمة الله وبركاته ثم قال لولا أنها بدعة لعانقتك قال قد

[ 51 ]

عانق من هو خير منك قال جعفر قال نعم قال ذاك خاص قال ما عمه يعمنا ثم ساق سفيان الحديث عن بن طاوس عن أبيه عن بن عباس قال لما قدم جعفر من الحبشة اعتنقه النبي صلى الله عليه وسلم الحديث قال الذهبي في الميزان هذه الحكاية باطلة واسنادها مظلم قلت والمحفوظ عن بن عيينة بغير هذا الاسناد فأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن الاجلح عن الشعبي أن جعفرا لما قدم تلقاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل جعفرا بين عينيه وأخرج البغوي في معجم الصحابة من حديث عائشة لما قدم جعفر استقبله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقبل ما بين عينيه وسنده موصول لكن في سنده محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير وهو ضعيف وأخرج الترمذي عن عائشة قالت قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي فقرع الباب فقام إليه النبي صلى الله عليه وسلم عريانا يجر ثوبه فاعتنقه وقبله قال الترمذي حديث حسن وأخرج قاسم بن اصبغ عن أبي الهيثم بن التيهان أن النبي صلى الله عليه وسلم لقيه فاعتنقه وقبله وسنده ضعيف قال المهلب في أخذ العباس بيد على جواز المصافحة والسؤال عن حال العليل كيف أصبح وفيه جواز اليمين على غلبة الظن وفيه أن الخلافة لم تذكر بعد النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أصلا لان العباس حلف أنه يصير مأمورا لا آمرا لما كان يعرف من توجيه النبي صلى الله عليه وسلم بها إلى غيره وفي سكوت على دليل على علم علي بما قال العباس قال وأما قول علي لو صرح النبي صلى الله عليه وسلم بصرفها عن بني عبد المطلب لم يمكنهم أحد بعده منها فليس كما ظن لانه صلى الله عليه وسلم قال مروا أبا بكر فليصل بالناس وقيل له لو أمرت عمر فامتنع ثم لم يمنع ذلك عمر من ولايتها بعد ذلك قلت وهو كلام من لم يفهم مراد علي وقد قدمت في شرح الحديث في الوفاة النبوية بيان مراده وحاصله أنه إنما خشي أن يكون منع النبي صلى الله عليه وسلم لهم من الخلافة حجة قاطعة يمنعهم منها على الاستمرار تمسكا بالمنع الاول لو رده بمنع الخلافة نصا وأما منع الصلاة فليس فيه نص على منع الخلافة وإن كان في التنصيص على إمامة أبي بكر في مرضه إشارة إلى أنه أحق بالخلافة فهو بطريق الاستنباط لا النص ولولا قرينة كونه في مرض الموت ما قوي وإلا فقد استناب في الصلاة قبل ذلك غيره في أسفاره والله أعلم وأما ما استنبطه أولا ففيه نظر لان مستند العباس في ذلك الفراسة وقرائن الاحوال ولم ينحصر ذلك في أن معه من النبي صلى الله عليه وسلم النص على منع علي من الخلافة وهذا بين من سياق القصة وقد قدمت هناك أن في بعض طرق هذا الحديث أن العباس قال لعلي بعد أن مات النبي صلى الله عليه وسلم أبسط يدك أبايعك فيبايعك الناس فلم يفعل فهذا دال على أن العباس لم يكن عنده في ذلك نص والله أعلم وقول العباس في هذه الرواية لعلي ألا تراه أنت والله بعد ثلاث الخ قال بن التين الضمير في تراه للنبي صلى الله عليه وسلم وتعقب بأن الاظهر أنه ضمير الشأن وليست الرؤيا هنا الرؤيا البصرية وقد وقع في سائر الروايات ألا ترى بغير ضمير وقوله لو لم تكن الخلافة فينا أمرناه قال بن التين فهو بمد الهمزة أي شاورناه قال وقرأناه بالقصر من الامر قلت وهو المشهور والمراد سألناه لان صيغة الطلب كصيغة الامر ولعله أراد أنه يؤكد عليه في السؤال حتى يصير كأنه آمر له بذلك وقال الكرماني فيه دلالة على أن الامر لا يشترط فيه العلو ولا الاستعلاء وحكى بن التين عن الداودي أن أول ما استعمل الناس كيف أصبحت في زمن طاعون

[ 52 ]

عمواس وتعقبه بأن العرب كانت تقوله قبل الاسلام وبأن المسلمين قالوه في هذا الحديث قلت والجواب حمل الاولية على ما وقع في الاسلام لان الاسلام جاء بمشروعية السلام للمتلاقيين ثم حدث السؤال عن الحال وقل من صار يجمع بينهما والسنة البداءة بالسلام وكأن السبب فيه ما وقع من الطاعون فكانت الداعية متوفرة على سؤال الشخص من صديقه عن حاله فيه ثم كثر ذلك حتى اكتفوا به عن السلام ويمكن الفرق بين سؤال الشخص عمن عنده ممن عرف أنه متوجع وبين سؤال من حاله يحتمل الحدوث قوله باب من أجاب بلبيك وسعديك ذكر فيه حديث أنس عن معاذ قال أنا رديف النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا معاذ قلت لبيك وسعديك وقد تقدم شرح هاتين الكلمتين في كتاب الحج وتقدم شرح بعض حديث معاذ في كتاب العلم وفي الجهاد ويأتي مستوفى في كتاب الرقاق وكذلك حديث أبي ذر المذكور في الباب بعده وقوله فيه قلت لزيد أي بن وهب والقائل هو الاعمش وهو موصول بالاسناد المذكور وقد بين في الرواية التي تليها أن الاعمش رواه عن أبي صالح عن أبي الدرداء وقوله وقال أبو شهاب عن الاعمش يعني عن زيد بن وهب عن أبي ذر كما تقدم موصولا في كتاب الاستقراض والمراد أنه أتى بقوله يمكث عندي فوق ثلاث بدل قوله في رواية هذا الباب تأتي على ليلة أو ثلاث عندي منه دينار وبقية سياق الحديث سواء إلا الكلام الاخير في سؤال الاعمش زيد بن وهب إلى آخره وقوله أرصده بضم أوله وقوله فقمت أي أقمت في موضعي وهو كقوله تعالى وإذا أظلم عليهم قاموا وقد ورد ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم فأخرج النسائي وصححه بن حبان من حديث محمد بن حاطب قال انطلقت بي أمي إلى رجل جالس فقالت له يا رسول الله قال لبيك وسعديك قلت وأمه هي أم جميل بالجيم بنت المحلل بمهملة ولامين الاولى ثقيلة قوله باب لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه هكذا ترجم بلفظ الخبر وهو خبر معناه النهي وقد رواه بن وهب بلفظ النهي لا يقم وكذا رواه بن الحسن ورواه القاسم بن يزيد وطاهر بن مدرار بلفظ لا يقيمن وكذا رقع في رواية الليث عند مسلم بلفظ النهي المؤكد وكذا عنده من رواية سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قوله حدثنا إسماعيل بن عبد الله هو بن أبي أويس وهذا الحديث ليس في الموطأ إلا عند بن وهب ومحمد بن الحسن وقد أخرجه الدارقطني من رواية إسماعيل وابن وهب وابن الحسن والوليد بن مسلم والقاسم بن يزيد وطاهر بن مدرار كلهم عن مالك وأخرجه الاسماعيلي من رواية القاسم بن يزيد الجرمي وعبد الله بن وهب جميعا عن مالك وضاق على أبي نعيم فأخرجه من طريق البخاري نفسه وقد تقدم في كتاب الجمعة من رواية بن جريج عن نافع ويأتي في الباب الذي يليه من رواية عبد الله بن عمر العمري عن نافع وسياقه أتم ويأتي شرحه

[ 53 ]

فيه قوله باب إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا كذا لابني ذر وزاد غيره وإذا قيل انشزوا فانشزوا الآية اختلف في معنى الآية فقيل إن ذلك خاص بمجلس النبي صلى الله عليه وسلم قال بن بطال قال بعضهم هو مجلس النبي صلى الله عليه وسلم خاصة عن مجاهد وقتادة قلت لفظ الطبري عن قتادة كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأوه مقبلا ضيقوا مجلسهم فأمرهم الله تعالى أن يوسع بعضهم لبعض قلت ولا يلزم من كون الآية نزلت في ذلك الاختصاص وأخرج بن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان بفتح المهملة والتحتانية الثقيلة قال نزلت يوم الجمعة أقبل جماعة من المهاجرين والانصار من أهل بدر فلم يجدوا مكانا فأقام النبي صلى الله عليه وسلم ناسا ممن تأخر إسلامه فأجلسهم في أماكنهم فشق ذلك عليهم وتكلم المنافقون في ذلك فأنزل الله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قيل لكم تفسحوا في المجلس فافسحوا وعن الحسن البصري المراد بذلك مجلس القتال قال ومعنى قوله انشزوا انهضوا للقتال وذهب الجمهور إلى أنها عامة في كل مجلس من مجالس الخير وقوله افسحوا يفسح الله أي وسعوا يوسع الله عليكم في الدنيا والآخرة قوله سفيان هو الثوري قوله أنه نهى أن يقام الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر كذا في رواية سفيان وأخرجه مسلم من وجه آخر عن عبيد الله بن عمر بلفظ لا يقم الرجل الرجل من مقعده ثم يجلس فيه قوله ولكن تفسحوا وتوسعوا هو عطف تفسيري ووقع في رواية قبيصة عن سفيان عند بن مردويه ولكن ليقل افسحوا وتوسعوا وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية قبيصة وليس عنده ليقل وهذه الزيادة أشار مسلم إلى أن عبيد الله بن عمر تفرد بها عن نافع وأن مالكا والليث وأيوب وابن جريج رووه عن نافع بدونها وأن بن جريج زاد قلت لنافع في الجمعة قال وفي غيرها وقد تقدمت زيادة بن جريج هذه في كتاب الجمعة ووقع في حديث جابر عند مسلم لا يقيمن أحدكم أخاه يوم الجمعة ثم يخالف إلى مقعده فيقعد فيه ولكن يقول افسحوا فجمع بين الزيادتين ورفعهما وكان ذلك سبب سؤال بن جريج لنافع قال بن أبي جمرة هذا اللفظ عام في المجالس ولكنه مخصوص بالمجالس المباحة أما على العموم كالمساجد ومجالس الحكام والعلم وأما على الخصوص كمن يدعو قوما بأعيانهم إلى منزله لوليمة ونحوها وأما المجالس التي ليس للشخص فيها ملك ولا اذن له فيها فإنه يقام ويخرج منها ثم هو في المجالس العامة وليس عاما في الناس بل هو خاص بغير المجانين ومن يحصل منه الاذى كآكل الثوم النئ إذا دخل المسجد والسفيه إذا دخل مجلس العلم أو الحكم قال والحكمة في هذا النهي منع استنقاص حق المسلم المقتضى للضغائن والحث على التواضع المقتضى للمواددة وأيضا فالناس في المباح كلهم سواء فمن سبق إلى شئ استحقه ومن استحق شيئا فأخذ منه بغير حق فهو غصب والغصب حرام فعلى هذا قد يكون بعض ذلك على سبيل الكراهة وبعضه على سبيل التحريم قال فأما قوله تفسحوا وتوسعوا فمعنى الاول أن يتوسعوا فيما بينهم ومعنى الثاني أن ينضم بعضهم إلى بعض حتى يفضل من الجمع مجلس للداخل انتهى ملخصا قوله وكان بن عمر هو موصول بالسند المذكور قوله يكره أن يقوم الرجل من مجلسه ثم يجلس مكانه أخرجه البخاري في الادب المفرد عن قبيصة عن سفيان وهو الثوري بلفظ وكان بن عمر إذا قام له رجل من مجلسه لم يجلس فيه وكذا أخرجه مسلم من رواية

[ 54 ]

سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه وقوله يجلس في روايتنا بفتح أوله وضبطه أبو جعفر الغرناطي في نسخته بضم أوله على وزن يقام وقد ورد ذلك عن بن عمر مرفوعا أخرجه أبو داود من طريق أبي الخصيب بفتح المعجمة وكسر المهملة آخره موحدة بوزن عظيم واسمه زياد بن عبد الرحمن عن بن عمر جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام له رجل من مجلسه فذهب ليجلس فنهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وله أيضا من طريق سعيد بن أبي الحسن جاءنا أبو بكرة فقام له رجل من مجلسه فأبى أن يجلس فيه وقال أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذا وأخرجه الحاكم وصححه من هذا الوجه لكن لفظه مثل لفظ بن عمر الذي في الصحيح فكأن أبا بكرة حمل النهي على المعنى الاعم وقد قال البزار أنه لا يعرف له طريق إلا هذه وفي سنده أبو عبد الله مولى أبي بردة بن أبي موسى وقيل مولى قريش وهو بصري لا يعرف قال بن بطال اختلف في النهي فقيل للادب وإلا فالذي يجب للعالم أن يليه أهل الفهم والنهي وقيل هو على ظاهره ولا يجوز لمن سبق إلى مجلس مباح أن يقام منه واحتجوا بالحديث يعني الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة رفعه إذا قام أحدكم من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به قالوا فلما كان أحق به بعد رجوعه ثبت أنه حقه قبل أن يقوم ويتأيد ذلك بفعل بن عمر المذكور فإنه راوي الحديث وهو أعلم بالمراد منه وأجاب من حمله على الادب أن الموضع في الاصل ليس ملكه قبل الجلوس ولا بعد المفارقة فدل على أن المراد بالحقيقة في حالة الجلوس الاولوية فيكون من قام تاركا له قد سقط حقه جملة ومن قام ليرجع يكون أولى وقد سئل مالك عن حديث أبي هريرة فقال ما سمعت به وإنه لحسن إذا كانت أوبته قريبة وان بعد فلا أرى ذلك له ولكنه من محاسن الاخلاق وقال القرطبي في المفهم هذا الحديث يدل على صحة القول بوجوب اختصاص الجالس بموضعه إلى أن يقوم منه وما احتج به من حمله على الادب لكونه ليس ملكا له لا قبل ولا بعد ليس بحجة لانا نسلم أنه غير ملك له لكن يختص به إلى أن يفرغ غرضه فصار كأنه ملك منفعته فلا يزاحمه غيره عليه قال النووي قال أصحابنا هذا في حق من جلس في موضع من المسجد أو غيره لصلاة مثلا ثم فارقه ليعود إليه كإرادة الوضوء مثلا أو لشغل يسير ثم يعود لا يبطل اختصاصه به وله أن يقيم من خالفه وقعد فيه وعلى القاعد أن يطيعه واختلف هل يجب عليه على وجهين أصحهما الوجوب وقيل يستحب وهو مذهب مالك قال أصحابنا وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة دون غيرها قال ولا فرق بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا والله أعلم وقال عياض اختلف العلماء فيمن اعتاد بموضع من المسجد للتدريس والفتوى فحكى عن مالك أنه أحق به إذا عرف به قال والذي عليه الجمهور أن هذا استحسان وليس بحق واجب ولعله مراد مالك وكذا قالوا في مقاعد الباعة من الافنية والطرق التي هي غير متملكة قالوا من اعتاد بالجلوس في شئ منها فهو أحق به حتى يتم غرضه قال وحكاه الماوردي عن مالك قطعا للتنازع وقال القرطبي الذي عليه الجمهور أنه ليس بواجب وقال النووي استثنى أصحابنا من عموم قول لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه من ألف من المسجد موضعا يفتي فيه أو يقرئ فيه قرآنا أو علما فله أن يقيم من سبقه إلى القعود فيه وفي معناه من سبق إلى موضع من الشوارع ومقاعد الاسواق لمعاملة قال النووي وأما ما نسب إلى بن عمر فهو ورع منه وليس قعوده فيه حراما إذا كان ذلك

[ 55 ]

برضا الذي قام ولكنه تورع منه لاحتمال أن يكون الذي قام لاجله استحيى منه فقام عن غير طيب قلبه فسد الباب ليسلم من هذا أو رأى ان الايثار بالقرب مكروه أو خلاف الاولى فكان يمتنع لاجل ذلك لئلا يرتكب ذلك أحد بسببه قال علماء أصحابنا وانما يحمد الايثار بحظوظ النفس وأمور الدنيا قوله باب من قام من مجلسه أو بيته ولم يستأذن أصحابه أو تهيأ للقيام ليقوم الناس ذكر فيه حديث أنس في قصة زواج زينب بنت جحش ونزول آية الحجاب وفيه فأخذ كأنه يتهيأ للقيام فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام فلما قام قام من قام معه من الناس وبقي ثلاثة الحديث وقد تقدم شرحه مستوفى في تفسير سورة الاحزاب قال بن بطال فيه أنه لا ينبغي لاحد أن يدخل ببيت غيره إلا بإذنه وأن المأذون له لا يطيل الجلوس بعد تمام ما أذن له فيه لئلا يؤذي أصحاب المنزل ويمنعهم من التصرف في حوائجهم وفيه أن من فعل ذلك حتى تضرر به صاحب المنزل أن لصاحب المنزل أن يظهر التثاقل به وأن يقوم بغير إذن حتى يتفطن له وأن صاحب المنزل إذا خرج من منزله لم يكن للمأذون له في الدخول أن يقيم إلا بإذن جديد والله أعلم قوله باب الاحتباء باليد وهو وقع في رواية الكشميهني وهي القرفصاء بضم القاف والفاء بينهما راء ساكنة ثم صاد مهملة ومد وقال الفراء ان ضممت القاف والفاء مددت وإن كسرت قصرت والذي فسر به البخاري الاحتباء أخذه من كلام أبي عبيدة فإنه قال القرفصاء جلسة المحتبى ويدير ذراعيه ويديه على ساقيه وقال عياض قيل هي الاحتباء وقيل جلسة الرجل المستوفز وقيل جلسة الرجل على إليتيه قال وحديث قيلة يدل عليه لان فيه وبيده عسيب نخلة فدل على أنه لم يحتب بيديه قلت ولا دلالة فيه على نفي الاحتباء فإنه تارة يكون باليدين وتارة بثوب فلعله في الوقت الذي رأته قيلة كان محتبيا بثوبه وقد قال بن فارس وغيره الاحتباء أن يجمع ثوبه ظهره وركبتيه قلت وحديث قيلة وهي بفتح القاف وسكون التحتانية بعدها لام أخرجه أبو داود والترمذي في الشمائل والطبراني وطوله بسند لا بأس به أنها قالت فذكر الحديث وفيه قالت فجاء رجل فقال السلام عليك يا رسول الله فقال وعليك السلام ورحمة الله وعليه أسمال مليتين قد كانتا بزعفران فنفضتا وبيده عسيب نخلة مقشرة قاعدا القرفصاء قالت فلما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم المتخشع في الجلسة أرعدت من الفرق فقال له جليسه يا رسول الله أرعدت المسكينة فقال ولم ينظر إلي يا مسكينة عليك السكينة فذهب عني ما أجد من الرعب الحديث وقوله فيه وعليه أسمال بمهملة جمع سمل بفتحتين وهو الثوب البالي ومليتين بالتصغير تثنية ملاءة وهي الرداء وقيل القرفصاء الاعتماد على عقبيه ومس أليتيه بالارض والذي يتحرر من هذا كله أن الاحتباء قد يكون بصورة القرفصاء لا أن كل احتباء قرفصاء والله أعلم قوله حدثني محمد بن أبي غالب هو القومسي بضم القاف وسكون الواو وبالسين المهملة نزل بغداد وهو من صغار شيوخ البخاري ومات قبله بست سنين وليس له عنده سوى هذا الحديث وحديث آخر في كتاب التوحيد ولهم شيخ آخر يقال له محمد بن أبي غالب الواسطي نزيل بغداد قال أبو نصر الكلاباذي سمع من هشيم ومات قبل القومسي بست وعشرين سنة قوله محمد بن فليح عن أبيه هو فليح بن سليمان المدني وقد نزل البخاري في حديثه هذا درجتين لانه سمع الكثير من أصحاب فليح مثل يحيى بن صالح ونزل في حديث

[ 56 ]

إبراهيم بن المنذر درجة لانه سمع منه الكثير وأخرج عنه بغير واسطة قوله بفناء الكعبة بكسر الفاء ثم نون ثم مد أي جانبها من قبل الباب قوله محتبيا بيده هكذا كذا وقع عنده مختصرا ورويناه في الجزء السادس من فوائد أبي محمد بن صاعد عن محمود بن خالد عن أبي غزية وهو بفتح المعجمة وكسر الزاي وتشديد التحتانية وهو محمد بن موسى الانصاري القاضي عن فليح نحوه وزاد فأرانا فليح موضع يمينه على يساره موضع الرسغ وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية أبي موسى محمد بن المثنى عن أبي غزية بسند آخر قال حدثنا إبراهيم بن سعد عن عمر بن محمد بن زيد عن نافع فذكر نحو حديث الباب دون كلام فليح وأخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن أبي غزية عن فليح ولم يذكر كلام فليح أيضا والذي يظهر أن لابي غزية فيه شيخين وأبو غزية ضعفه بن معين وغيره ووقع عند أبي داود من حديث أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جلس احتبى بيديه زاد البزار ونصب ركبتيه وأخرج البزار أيضا من حديث أبي هريرة بلفظ جلس عند الكعبة فضم رجليه فأقامهما واحتبى بيديه ويستثنى من الاحتباء باليدين ما إذا كان في المسجد ينتظر الصلاة فاحتبى بيديه فينبغي أن يمسك إحدهما بالاخرى كما وقعت الاشارة إليه في هذا الحديث من وضع احداها على رسغ الاخرى ولا يشبك بين أصابعه في هذه الحالة فقد ورد النهي عن ذلك عند أحمد من حديث أبي سعيد بسند لا بأس به والله أعلم وتقدمت مباحث التشبيك في المسجد في أبواب المساجد من كتاب الصلاة وقال بن بطال لا يجوز للمحتبي أن يصنع بيديه شيئا ويتحرك لصلاة أو غيرها لان عورته تبدو إلا إذا كان عليه ثوب يستر عورته فيجوز وهذا بناء على أن الاحتباء قد يكون باليدين فقط وهو المعتمد وفرق الداودي فيما حكاه عنه بن التين بين الاحتباء والقرفصاء فقال الاحتباء أن يقيم رجليه ويفرج بين ركبتيه ويدير عليه ثوبا ويعقده فإن كان عليه قميص أو غيره فلا ينهى عنه وإن لم يكن عليه شئ فهو القرفصاء كذا قال والمعتمد ما تقدم قوله باب من اتكأ بين يدي أصحابه قيل الاتكاء الاضطجاع وقد مضى في حديث عمر في كتاب الطلاق وهو متكئ على سرير أي مضطجع بدليل قوله قد أثر السرير في جنبه كذا قال عياض وفيه نظر لانه يصح مع عدم تمام الاضطجاع وقد قال الخطابي كل معتمد على شئ متمكن منه فهو متكئ وايراد البخاري حديث خباب المعلق يشير به إلى أن الاضطجاع اتكاء وزيادة وأخرج الدارمي والترمذي وصححه وأبو عوانة وابن حبان عن جابر بن سمرة رأيت النبي صلى الله عليه وسلم متكئا على وسادة ونقل بن العربي عن بعض الاطباء أنه كره الاتكاء وتعقبه بأن فيه راحة كالاستناد والاحتباء قوله وقال خباب بفتح المعجمة وتشديد الموحدة وآخره موحدة أيضا هو بن الارت الصحابي وهذا القدر المعلق طرف من حديث له تقدم موصولا في علامات النبوة ثم ذكر حديث أبي بكرة في أكبر الكبائر وأورده من طريقين لقوله فيه وكان متكئا فجلس وقد تقدمت الاشارة إليه في أوائل كتاب الادب وورد في مثل ذلك حديث أنس في قصة ضمام بن ثعلبة لما قال أيكم بن عبد المطلب فقالوا ذلك الابيض المتكئ قال المهلب يجوز للعالم والمفتي والامام الاتكاء في مجلسه بحضرة الناس لالم يجده في بعض أعضائه أو لراحة يرتفق بذلك ولا يكون ذلك في عامة جلوسه قوله باب من أسرع في مشيه لحاجة أي لسبب من الاسباب وقوله أو قصد أي لاجل قصد شئ معروف

[ 57 ]

والقصد هنا بمعنى المقصود أي أسرع لامر المقصود ذكر فيه طرفا من حديث عقبة بن الحارث قال بن بطال فيه جواز اسراع الامام في حاجته وقد جاء أن إسراعه عليه الصلاة والسلام في دخوله إنما كان لاجل صدقة أحب أن يفرقها في وقته قلت وهذا الذي أشار إليه متصل في حديث عقبة بن الحارث المذكور كما تقدم واضحا في كتاب الزكاة فإنه أخرجه هناك بالاسناد الذي ذكره هنا تاما وتقدم أيضا في صلاة الجماعة وقال في الترجمة لحاجة أو قصد لان الظاهر من السياق أنه كان لتلك الحاجة الخاصة فيشعر بأن مشيه لغير الحاجة كان على هينته ومن ثم تعجبوا من إسراعه فدل على أنه وقع على غير عادته فحاصل الترجمة أن الاسراع في المشي إن كان لحاجة لم يكن به بأس وان كان عمدا لغير حاجة فلا وقد أخرج بن المبارك في كتاب الاستئذان بسند مرسل أن مشية النبي صلى الله عليه وسلم كانت مشية السوقى لا العاجز ولا الكسلان وأخرج أيضا كان بن عمر يسرع في المشي ويقول هو أبعد من الزهو وأسرع في الحاجة قال غيره وفيه اشتغال عن النظر إلى ما لا ينبغي التشاغل به وقال بن العربي المشي على قدر الحاجة هو السنة اسراعا وبطئا لا التصنع فيه ولا التهور قوله باب السرير بمهملات وزن عظيم معروف ذكر الراغب أنه مأخوذ من السرور لانه في الغالب لاولى النعمة قال وسرير الميت لشبهة به في الصورة وللتفاؤل بالسرور وقد يعبر بالسرير عن الملك وجمعه أسرة وسرر بضمتين ومنهم من يفتح الراء استثقالا للضمتين ذكر فيه حديث عائشة وهو ظاهر فيما ترجم له قال بن بطال فيه جواز اتخاذ السرير والنوم عليه ونوم المرأة بحضرة زوجها وقال بن التين وقوله فيه وسط السرير قرأناه بسكون السين والذي في اللغة المشهورة بفتحها وقال الراغب وسط الشئ يقال بالفتح للكمية المتصلة كالجسم الواحد نحو وسطه صلب ويقال بالسكون الكمية المنفصلة بين جسمين نحو وسط القوم قلت وهذا مما يرجح الرواى بالتحريك ولا يمنع السكون ووجه إيراد هذه الترجمة وما قبلها وما بعدها في كتاب الاستئذان أن الاستئذان يستدعي دخول المنزل فذكر متعلقات المنزل استطرادا قوله باب من ألقى له وسادة ألقى بضم أوله على البناء للمجهول وذكره لان التأنيث ليس حقيقيا ويقال وسادة ووساد وهي بكسر الواو وتقولها هذيل بالهمز بدل الواو ما يوضع عليه الرأس وقد يتكأ عليه وهو المراد هنا قوله حدثنا إسحاق هو بن شاهين الواسطي وخالد شيخه هو بن عبد الله الطحان وقوله وحدثني عبد الله بن محمد هو الجعفي وعمرو بن عون من شيوخ البخاري وقد أخرج عنه في الصلاة وغيرها بغير واسطة وشيخه هو الطحان المذكور وشيخه خالد هو بن مهران الحذاء وقد نزل البخاري في هذا الاسناد الثاني درجة وقد تقدم هذا الحديث عن إسحاق بن شاهين بهذا الاسناد في كتاب الصلاة وتقدمت مباحث المتن في الصيام وساقه المصنف هنا على لفظ عمرو بن عون وهذا هو السر في إيراده له من هذا الوجه النازل حتى لا تتمحض إعادته بسند واحد على صفة واحدة وقد اطرد له هذا الصنيع إلا في مواضع يسيرة إما ذهولا وإما لضيق المخرج قوله أخبرني أبو المليح بوزن عظيم اسمه عامر وقيل زيد بن أسامة الهذلي قوله دخلت مع أبيك زيد هذا الخطاب لابي قلابة واسمه عبد الله بن زيد ولم أر لزيد ذكرا إلا في هذا الخبر وهو بن عمرو وقيل بن عامر بن ناتل بنون ومثناة بن مالك بن عبيد الجرمي قوله فألقيت له وسادة قال المهلب فيه اكرام الكبير وجواز

[ 58 ]

زيارة الكبير تلميذه وتعليمه في منزله ما يحتاج إليه في دينه وايثار التواضع وحمل النفس عليه وجواز رد الكرامة حيث لا يتأذى بذلك من تردد عليه قوله حدثنا يحيى بن جعفر هو البيكندي ويزيد هو بن هارون ومغيرة هو بن مقسم وإبراهيم هو النخعي وقد تقدم الحديث في مناقب عمار مشروحا وقوله فيه ارزقني جليسا في رواية سليمان بن حرب عن شعبة في مناقب عمار جليسا صالحا وكذا في معظم الروايات وقوله أو ليس فيكم صاحب السواك والوساد في رواية الكشميهني الوسادة يعني أن بن مسعود كان يتولى أمر سواك رسول الله صلى الله عليه وسلم ووساده ويتعاهد خدمته في ذلك بالاصلاح وغيره وقد تقدم في المناقب بزيادة والمطهرة وتقدم الرد على الداودي في زعمه أن المراد أن بن مسعود لم يكن في ملكه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم سوى هذه الاشياء والثلاثة وقد قال بن التين هنا المراد أنه لم يكن له سواهما جهازا وأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه إياهما وليس ذلك مراد أبي الدرداء بل السياق يرشد إلى أنه أراد وصف كل واحد من الصحابة بما كان اختص به من الفضل دون غيره من الصحابة وقضية ما قاله الداودي هناك وابن التين هنا أن يكون وصفه بالتقلل وتلك صفة كانت لغالب من كان في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضلاء الصحابة والله أعلم وقوله فيه أليس فيكم أو كان فيكم هو شك من شعبة وقد رواه إسرائيل عن مغيرة بلفظ وفيكم وهي في مناقب عمار ورواه أبو عوانة عن مغيرة بلفظ أولم يكن فيكم وهي في مناقب بن مسعود قوله الذي أجاره الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من الشيطان يعني عمارا في رواية إسرائيل الذي أجاره الله من الشيطان يعني على لسان رسوله وفي رواية أبي عوانة ألم يكن فيكم الذي أجير من الشيطان وقد تقدم بيان المراد بذلك في المناقب ويحتمل أن يكون أشير بذلك إلى ما جاء عن عمار ان كان ثابتا فإن الطبراني أخرج من طريق الحسن البصري قال كان عمار يقول قاتلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الجن والانس أرسلني إلى بئر بدر فلقيت الشيطان في صورة انسي فصارعني فصرعته الحديث وفي سنده الحكم بن عطية مختلف فيه والحسن لم يسمع من عمار قوله باب القائلة بعد الجمعة أي بعد صلاة الجمعة وهي النوم في وسط النهار عند الزوال وما قاربه من قبل أو بعد قيل لها قائلة لانها يحصل فيها ذلك وهي فاعلة بمعنى مفعولة مثل عيشة راضية ويقال لها أيضا القيلولة وأخرج بن ماجة وابن خزيمة من حديث بن عباس رفعه استعينوا على صيام النهار بالسحور وعلى قيام الليل بالقيلولة وفي سنده زمعة بن صالح وفيه ضعف وقد تقدم شرح حديث سهل المذكور في الباب في أواخر كتاب الجمعة وفيه إشارة إلى أنهم كانت عادتهم ذلك في كل يوم وورود الامر بها في الحديث الذي أخرجه الطبراني في الاوسط من حديث أنس رفعه قال قيلوا فإن الشياطين لا تقيل وفي سنده كثير بن مروان وهو متروك وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه من حديث خوات بن جبير رضي الله عنه موقوفا قال نوم أول النهار حرق وأوسطه خلق وآخره حمق وسنده صحيح قوله باب القائلة في المسجد ذكر فيه حديث علي في سبب تكنيته أبا تراب وقد تقدم في أواخر كتاب الادب والغرض منه قول فاطمة عليها السلام فغاضبني فخرج فلم يقل عندي وهو بفتح أوله وكسر القاف قوله هو في المسجد راقد قال المهلب فيه

[ 59 ]

جواز النوم في المسجد من غير ضرورة إلى ذلك وعكسه غيره وهو الذي يظهر من سياق القصة قوله باب من زار قوما فقال عندهم أي رقد وقت القيلولة والفعل الماضي منه ومن القول مشترك بخلاف المضارع فقال يقيل من القائلة وقال يقول من القول وقد تلطف النضير المناوي حيث قال في لغز قال قال النبي قولا صحيحا * قلت قال النبي قولا صحيحا فسره السراج الوراق في جوابه حيث قال فابن منه مضارعا يظهر الخا * في ويبدو الذي كنيت صريحا ثم ذكر فيه حديثين أحدهما قصة أم سليم في العرق قوله حدثنا قتيبة بن سعيد حدثنا الانصاري هو محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك قاضي البصرة وقد أكثر البخاري الرواية عنه بلا واسطة كالذي هنا وثمامة هو عم عبد الله بن المثنى الراوي عنه قوله أن أم سليم هذا ظاهره أن الاسناد مرسل لان ثمامة لم يلحق جدة أبيه أم سليم والدة أنس لكن دل قوله في أواخره فلما حضر أنس بن مالك الوفاة أوصى إلي على أن ثمامة حمله عن أنس فليس هو مرسلا ولا من مسند أم سليم بل من مسند أنس وقد اخرج الاسماعيلي من رواية محمد بن المثنى عن محمد بن عبد الله الانصاري فقال في روايته عن ثمامة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدخل على أم سليم وذكر الحديث وقد أخرج مسلم معنى الحديث من رواية ثابت ومن رواية إسحاق بن أبي طلحة ومن رواية أبي قلابة كلهم عن أنس ووقع عنده في رواية أبي قلابة عن أنس عن أم سليم وهذا يشعر بأن أنسا إنما حمله عن أمه قوله فيقيل بفتح أوله وكسر القاف عندها في رواية إسحاق بن أبي طلحة عن أنس عند مسلم كان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه فجاء ذات يوم فقيل لها فجاءت وقد عرق فاستنقع عرقه وفي رواية أبي قلابة المذكورة كان يأتيها فيقيل عندها فتبسط له نطعا فيقيل عليه وكان كثير العرق قوله أخذت من عرقه وشعره فجعلته في قارورة في رواية مسلم في قوارير ولم يذكر الشعر وفي ذكر الشعر غرابة في هذه القصة وقد حمله بعضهم على ما ينتثر من شعره عند الترجل ثم رأيت في رواية محمد بن سعد ما يزيل اللبس فإنه أخرج بسند صحيح عن ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حلق شعره بمنى أخذ أبو طلحة شعره فأتى به أم سليم فجعلته في سكها قالت أم سليم وكان يجئ فيقيل عندي على نطع فجعلت أسلت العرق الحديث فيستفاد من هذه الرواية أنها لما أخذت العرق وقت قيلولته أضافته إلى الشعر الذي عندها لا أنها أخذت من شعره لما نام ويستفاد منها أيضا أن القصة المذكورة كانت بعد حجة الوداع لانه صلى الله عليه وسلم انما حلق رأسه بمنى فيها قوله في سك بضم المهملة وتشديد الكاف هو طيب مركب وفي النهاية طيب معروف يضاف إلى غيره من الطيب ويستعمل وفي رواية الحسن بن سفيان المذكورة ثم تجعلها في سكها وفي رواية ثابت المذكورة عند مسلم دخل علينا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا فعرق وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها فاستيقظ فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين قالت هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب وفي رواية إسحاق بن أبي طلحة المذكورة عرق فاستنقع عرقه على قطعة أديم ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق فتعصره في قواريرها

[ 60 ]

فأفاق فقال ما تصنعين قالت نرجو بركته لصبياننا فقال أصبت والعتيدة بمهملة ثم مثناة وزن عظيمة السلة أو الحق وهي مأخوذة من العتاد وهو الشئ المعد للامر المهم وفي رواية أبي قلابة المذكورة فكانت تجمع عرقه فتجعله في الطيب والقوارير فقال ما هذا قالت عرقك أذوف به طيبي وأذوف بمعجمة مضمومة ثم فاء أي أخلط ويستفاد من هذه الروايات اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على فعل أم سليم وتصويبه ولا معارضة بين قولها أنها كانت تجمعه لاجل طيبه وبين قولها للبركة بل يحمل على أنها كانت تفعل ذلك للامرين معا قال المهلب في هذا الحديث مشروعية القائلة للكبير في بيوت معارفه لما في ذلك من ثبوت المودة وتأكد المحبة قال وفيه طهارة شعر الآدمي وعرقه وقال غيره لا دلالة فيه لانه من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ودليل ذلك متمكن في القوة ولا سيما ان ثبت الدليل على عدم طهارة كل منهما الحديث الثاني قصة أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي أويس قوله إذا ذهب إلى قباء لم يذكر أحد من رواة الموطأ هذه الزيادة إلا بن وهب قال الدارقطني قال وتابع إسماعيل عليها عتيق بن يعقوب عن مالك قوله أم حرام بفتح المهملتين وهي خالة أنس وكان يقال لها الرميصاء ولام سليم الغميصاء بالغين المعجمة والباقي مثله قال عياض وقيل بالعكس وقال بن عبد البر الغميصاء والرميصاء هي أم سليم ويرده ما أخرج أبو داود بسند صحيح عن عطاء بن يسار عن الرميصاء أخت أم سليم فذكر نحو حديث الباب ولابي عوانة من طريق الدراوردى عن أبي طوالة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع رأسه في بيت بنت ملحان إحدى خالات أنس ومعنى الرمص والغمص متقارب وهو اجتماع القذى في مؤخر العين وفي هدبها وقيل استرخاؤها وانكسار الجفن وقد سبق حديث الباب في أول الجهاد في عدة مواضع منه واختلف فيه عن أنس فمنهم من جعله من مسنده ومنهم جعله من مسند من أم حرام والتحقيق أن أوله من مسند أنس وقصة المنام من مسند أم حرام فان أنسا إنما حمل قصة المنام عنها وقد وقع في أثناء هذه الرواية قالت فقلت يا رسول الله ما يضحكك وتقدم بيان من قال فيه عن أنس عن أم حرام في باب الدعاء بالجهاد لكنه حذف ما في أول الحديث وابتدأه بقوله استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم من نومه إلى آخره وتقدم في باب ركوب البحر من طريق محمد بن يحيى بن بان بفتح المهملة وتشديد الموحدة عن أنس حدثتني أم حرام بنت ملحان أخت أم سليم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما في بيتها فاستيقظ الحديث قوله وكانت تحت عبادة بن الصامت هذا ظاهره أنها كانت حينئذ زوج عبادة وتقدم في باب غزو المرأة في البحر من رواية أبي طوالة عن أنس قال دخل النبي صلى الله عليه وسلم على ابنة ملحان فذكر الحديث إلى ان قال فتزوجت عبادة بن الصامت وتقدم أيضا في باب ركوب البحر من طريق محمد بن يحيى بن حبان عن أنس فتزوج بها عبادة فخرج بها إلى الغزو وفي رواية مسلم من هذا الوجه فتزوج بها عبادة بعد وقد تقدم بيان الجمع في باب غزو المرأة في البحر وأن المراد بقوله هنا وكانت تحت عبادة الاخبار عما آل إليه الحال بعد ذلك وهو الذي اعتمده النووي وغيره تبعا لعياض لكن وقع في ترجمة أم حرام من طبقات بن سعد أنها كانت تحت عبادة فولدت له محمدا ثم خلف عليها عمرو بن قيس بن زيد الانصاري النجاري فولدت له قيسا وعبد الله وعمرو بن قيس هذا اتفق أهل المغازي أنه استشهد بأحد وكذا ذكر بن إسحاق أن ابنه

[ 61 ]

قيس بن عمرو بن قيس استشهد بأحد فلو كان الامر كما وقع عند بن سعد لكان محمد صحابيا لكونه ولد لعبادة قبل أن يفارق أم حرام ثم اتصلت بمن ولدت له قيسا فاستشهد بأحد فيكون محمد أكبر من قيس بن عمرو إلا أن يقال أن عبادة سمى ابنه محمدا في الجاهلية كما سمي بهذا الاسم غير واحد ومات محمد قبل إسلام الانصار فلهذا لم يذكروه في الصحابة ويعكر عليه أنهم لم يعدوا محمد بن عبادة فيمن سمي بهذا الاسم قبل الاسلام ويمكن الجواب وعلى هذا فيكون عبادة تزوجها أولا ثم فارقها فتزوجت عمرو بن قيس ثم استشهد فرجعت إلى عبادة والذي يظهر لي أن الامر بعكس ما وقع في الطبقات وان عمرو بن قيس تزوجها أولا فولدت له ثم استشهد هو وولده قيس منها وتزوجت بعده بعبادة وقد تقدم في باب ما قيل في قتال الروم بيان المكان الذي نزلت به أم حرام مع عبادة في الغزو ولفظه من طريق عمير بن الاسود أنه أتى عبادة بن الصامت وهو نازل بساحل حمص ومعه أم حرام قال عمير فحدثتنا أم حرام فذكر المنام قوله فدخل يوما زاد القعنبي عن مالك عليها أخرجه أبو داود قوله فأطعمته لم أقف على تعيين ما أطعمته يومئذ زاد في باب الدعاء إلى الجهاد وجعلت تفلي رأسه وتفلى بفتح المثناة وسكون الفاء وكسر اللام أي تفتش ما فيه وتقدم بيانه في الادب قوله فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم زاد في رواية الليث عن يحيى بن سعيد في الجهاد فنام قريبا مني وفي رواية أبي طوالة في الجهاد فاتكأ ولم يقع في روايته ولا في رواية مالك بيان وقت النوم المذكور وقد زاد غيره أنه كان وقت القائلة ففي رواية حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد في الجهاد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال يوما في بيتها ولمسلم من هذا الوجه أتانا النبي صلى الله عليه وسلم فقال عندنا ولاحمد وابن سعد من طريق حماد بن سلمة عن يحيى بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلا في بيتي ولاحمد من رواية عبد الوارث بن سعيد عن يحيى فنام عندها أو قال بالشك وقد أشار البخاري في الترجمة إلى رواية يحيى بن سعيد قوله ثم استيقظ يضحك تقدم في الجهاد من هذا الوجه بلفظ وهو يضحك وكذا هو في معظم الروايات التي ذكرتها قوله فقلت ما يضحكك في رواية حماد بن زيد عند مسلم بأبي أنت وأمي وفي رواية أبي طوالة لم تضحك ولاحمد من طريقه مم تضحك وفي رواية عطاء بن يسار عن الرميصاء ثم استيقظ وهو يضحك وكانت تغسل رأسها فقالت يا رسول الله أتضحك من رأسي قال لا أخرجه أبو داود ولم يسق المتن بل أحال به على رواية حماد بن زيد وقال يزيد وينقص وقد أخرجه عبد الرزاق من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود فقال عن عطاء بن يسار ان امرأة حدثته وساق المتن ولفظه يدل على أنه في قصة أخرى غير قصة أم حرام فالله أعلم قوله فقال ناس من أمتي عرضوا على غزاة في رواية حماد بن زيد فقال عجبت من قوم من أمتي ولمسلم من هذا الوجه أريت قوما من أمتي وهذا يشعر بأن ضحكه كان إعجابا بهم وفرحا لما رأى لهم من المنزلة الرفيعة قوله يركبون ثبج هذا البحر في رواية الليث يركبون هذا البحر الاخضر وفي رواية حماد بن زيد يركبون البحر ولمسلم من طريقه يركبون ظهر البحر وفي رواية أبي طوالة يركبون البحر الاخضر في سبيل الله والثبج بفتح المثلثة والموحدة ثم جيم ظهر الشئ هكذا فسره جماعة وقال الخطابي متن البحر وظهره وقال الاصمعي ثبج كل شئ وسطه وقال أبو علي في أماليه قيل ظهره وقيل معظمه وقيل هو له وقال أبو زيد في نوادره ضرب ثبج الرجل بالسيف أي وسطه وقيل ما بين كتفيه والراجح أن

[ 62 ]

المراد هنا ظهره كما وقع التصريح به في الطريق التي أشرت إليها والمراد أنهم يركبون السفن التي تجري على ظهره ولما كان جري السفن غالبا انما يكون في وسطه قيل المراد وسطه والا فلا اختصاص لوسطه بالركوب وأما قوله الاخضر فقال الكرماني هي صفة لازمة للبحر لا مخصصة انتهى ويحتمل أن تكون مخصصة لان البحر يطلق على الملح والعذب فجاء لفظ الاخضر لتخصيص الملح بالمراد قال والماء في الاصل لا لون له وانما تنعكس الخضرة من انعكاس الهواء وسائر مقابلاته إليه وقال غيره ان الذي يقابله السماء وقد اطلقوا عليها الخضراء لحديث ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء والعرب تطلق الاخضر على كل لون ليس بأبيض ولا أحمر قال الشاعر وأنا الاخضر من يعرفني * أخضر الجلدة من نسل العرب يعني أنه ليس بأحمر كالعجم والاحمر يطلقونه على كل من ليس بعربي ومنه بعثت إلى الاسود والاحمر قوله ملوكا على الاسرة كذا للاكثر ولابي ذر ملوك بالرفع قوله أو قال مثل الملوك على الاسرة يشك إسحاق يعني راويه عن أنس ووقع في رواية الليث وحماد المشار إليهما قبل كالملوك على الاسرة من غير شك وفي رواية أبي طوالة مثل الملوك على الاسرة بغير شك أيضا ولاحمد من طريقه مثلهم كمثل الملوك على الاسرة وهذا الشك من إسحاق وهو بن عبد الله بن أبي طلحة يشعر بأنه كان يحافظ على تأدية الحديث بلفظه ولا يتوسع في تأديته بالمعنى كما توسع غيره كما وقع لهم في هذا الحديث في عدة مواضع تظهر مما سقته وأسوقه قال بن عبد البر أراد والله أعلم أنه رأى الغزاة في البحر من أمته ملوكا على الاسرة في الجنة ورؤياه وحي وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة على سرر متقابلين وقال على الارائك متكئون والارائك السرر في الحجال وقال عياض هذا محتمل ويحتمل أيضا أن يكون خبرا عن حالهم في الغزو من سعة أحوالهم وقوام أمرهم وكثرة عددهم وجودة عددهم فكأنهم الملوك على الاسرة قلت وفي هذا الاحتمال بعد والاول أظهر لكن الاتيان بالتمثيل في معظم طرقه يدل على أنه رأى ما يؤول إليه أمرهم لا أنهم نالوا ذلك في تلك الحالة أو موقع التشبيه أنهم فيما هم من النعيم الذي أثيبوا به على جهادهم مثل ملوك الدنيا على أسرتهم والتشبيه بالمحسوسات أبلغ في نفس السامع قوله فقلت ادع الله أن يجعلني منهم فدعا تقدم في أوائل الجهاد بلفظ فدعا لها ومثله في رواية الليث وفي رواية أبي طوالة فقال اللهم اجعلها منهم ووقع في رواية حماد بن زيد فقال أنت منهم ولمسلم من هذا الوجه فإنك منهم وفي رواية عمير بن الاسود فقلت يا رسول الله أنا منهم فقال أنت منهم ويجمع بأنه دعا لها فأجيب فأخبرها جازما بذلك قوله ثم وضع رأسه فنام في رواية الليث ثم قام ثانية ففعل مثلها فقالت مثل قولها فأجابها مثلها وفي رواية حماد بن زيد فقال ذلك مرتين أو ثلاثة وكذا في رواية أبي طوالة عند أبي عوانة من طريق الدراوردي عنه وله من طريق إسماعيل بن جعفر عنه ففعل مثل ذلك مرتين أخريين وكل ذلك شاذ والمحفوظ من طريق أنس ما اتفقت عليه روايات الجمهور أن ذلك كان مرتين مرة بعد مرة وأنه قال لها في الاولى أنت منهم وفي الثانية لست منهم ويؤيده ما في رواية عمير بن الاسود حيث قال في الاولى يغزون هذا البحر وفي الثانية يغزون مدينة قيصر قوله أنت من الاولين زاد في رواية الدراوردي عن أبي طوالة ولست من الآخرين وفي رواية عمير بن الاسود في الثانية فقلت يا رسول الله أنا منهم فقال لا

[ 63 ]

قلت وظاهر قوله فقال مثلها أن الفرقة الثانية يركبون البحر أيضا ولكن رواية عمير بن الاسود تدل على أن الثانية انما غزت في البر لقوله يغزون مدينة قيصر وقد حكى بن التين أن الثانية وردت في غزاة البر وأقره وعلى هذا يحتاج إلى حمل المثلية في الخبر على معظم ما اشتركت فيه الطائفتان لا خصوص ركوب البحر ويحتمل أن يكون بعض العسكر الذين غزوا مدينة قيصر ركبوا البحر إليها وعلى تقدير أن يكون المراد ما حكى بن التين فتكون الاولية مع كونها في البر مقيدة بقصد مدينة قيصر والا فقد غزوا قبل ذلك في البر مرارا وقال القرطبي الاولى في أول من غزا البحر من الصحابة والثانية في أول من غزا البحر من التابعين قلت بل كان في كل منهما من الفريقين لكن معظم الاولى من الصحابة والثانية بالعكس وقال عياض والقرطبي في السياق دليل على أن رؤياه الثانية غير رؤياه الاولى وأن في كل نومة عرضت طائفة من الغزاة وأما قول أم حرام ادع الله أن يجعلني منهم في الثانية فلظنها أن الثانية تساوي الاولى في المرتبة فسألت ثانيا ليتضاعف لها الاجر لا أنها شكت في إجابة دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لها في المرة الاولى وفي جزمه بذلك قلت لا تنافي بين إجابة دعائه وجزمه بأنها من الاولين وبين سؤالها أن تكون من الآخرين لانه لم يقع التصريح لها أنها تموت قبل زمان الغزوة الثانية فجوزت أنها تدركها فتغزو معهم ويحصل لها أجر الفريقين فأعلمها أنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية فكان كما قال صلى الله عليه وسلم قوله فركبت البحر في زمان معاوية في رواية الليث فخرجت مع زوجها عبادة بن الصامت غازيا أول ما ركب المسلمون البحر مع معاوية وفي رواية حماد فتزوج بها عبادة فخرج بها إلى الغزو وفي رواية أبي طوالة فتزوجت عبادة فركبت البحر مع بنت قرظة وقد تقدم اسمها في باب غزوة المرأة في البحر وتقدم في باب فضل من يسرع في سبيل الله بيان الوقت الذي ركب فيه المسلمون البحر للغزو اولا وأنه كان في سنة ثمان وعشرين وكان ذلك في خلافة عثمان ومعاوية يومئذ أمير الشام وظاهر سياق الخبر يوهم أن ذلك كان في خلافته وليس كذلك وقد اغتر بظاهره بعض الناس فوهم فإن القصة انما وردت في حق أول من يغزو في البحر وكان عمر ينهى عن ركوب البحر فلما ولي عثمان استأذنه معاوية في الغزو في البحر فأذن له ونقله أبو جعفر الطبري عن عبد الرحمن بن يزيد بن أسلم ويكفي في الرد عليه التصريح في الصحيح بأن ذلك كان أول ما غزا المسلمون في البحر ونقل أيضا من طريق خالد بن معدان قال أول من غزا البحر معاوية في زمن عثمان وكان استأذن عمر فلم يأذن له فلم يزل بعثمان حتى أذن له وقال لا تنتخب أحدا بل من اختار الغزو فيه طائعا فأعنه ففعل وقال خليفة بن خياط في تاريخه في حوادث سنة ثمان وعشرين وفيها غزا معاوية البحر ومعه امرأته فأخته بنت قرظة ومع عبادة بن الصامت امرأته أم حرام وأرخها في سنة ثمان وعشرين غير واحد وبه جزم بن أبي حاتم وأرخها يعقوب بن سفيان في المحرم سنة سبع وعشرين قال كانت فيه غزاة فارس الاولى وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية غزا الروم في خلافة عثمان فصالح أهل قبرس وسمى امرأته كبرة بفتح الكاف وسكون الموحدة وقيل فأخته بنت قرظة وهما أختان كان معاوية تزوجهما واحدة بعد أخرى ومن طريق بن وهب عن بن لهيعة أن معاوية غزا بامرأته إلى قبرس في خلافة عثمان فصالحهم ومن طريق أبي معشر المدني أن ذلك كان في سنة ثلاث وثلاثين فتحصلنا على ثلاثة

[ 64 ]

أقوال والاول أصح وكلها في خلافة عثمان أيضا لانه قتل في آخر سنة خمس وثلاثين قوله فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت في رواية الليث فلما انصرفوا من غزوهم قافلين إلى الشام قربت إليها دابة لتركبها فصرعت فماتت وفي رواية حماد بن زيد عند أحمد فوقصتها بغلة لها شهباء فوقعت فماتت وفي رواية عنه مضت في باب ركوب البحر فوقعت فاندقت عنقها وقد جمع بينهما في باب فضل من يصرع في سبيل الله والحاصل أن البغلة الشهباء قربت إليها لتركبها فشرعت لتركب فسقطت فاندقت عنقها فماتت وظاهر رواية الليث أن وقعتها كانت بساحل الشام لما خرجت من البحر بعد رجوعهم من غزاة قبرس لكن أخرج بن أبي عاصم في كتاب الجهاد عن هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة بالسند الماضي لقصة أم حرام في باب ما قيل في قتال الروم وفيه وعبادة نازل بساحل حمص قال هشام بن عمار رأيت قبرها بساحل حمص وجزم جماعة بأن قبرها بجزيرة قبرس فقال بن حبان بعد أن أخرج الحديث من طريق الليث بن سعد بسنده قبر أم حرام بجزيرة في بحر الروم يقال لها قبرس بين بلاد المسلمين وبينها ثلاثة أيام وجزم بن عبد البر بأنها حين خرجت من البحر إلى جزيرة قبرس قربت إليها دابتها فصرعتها وأخرج الطبري من طريق الواقدي أن معاوية صالحهم بعد فتحها على سبعة آلاف دينار في كل سنة فلما أرادوا الخروج منها قربت لام حرام دابة لتركبها فسقطت فماتت فقبرها هناك يستسقون به ويقولون قبر المرأة الصالحة فعلى هذا فلعل مراد هشام بن عمار بقوله رأيت قبرها بالساحل أي ساحل جزيرة قبرس فكأنه توجه إلى قبرس لما غزاها الرشيد في خلافته ويجمع بأنهم لما وصلوا إلى الجزيرة بادرت المقاتلة وتأخرت الضعفاء كالنساء فلما غلب المسلمون وصالحوهم طلعت أم حرام من السفينة قاصدة البلد لتراها وتعود راجعة للشام فوقعت حينئذ ويحمل قول حماد بن زيد في روايته فلما رجعت وقول أبي طوالة فلما قفلت أي أرادت الرجوع وكذا قول الليث في روايته فلما انصرفوا من غزوهم قافلين أي أرادوا الانصراف ثم وقفت على شئ يزول به الاشكال من أصله وهو ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن امرأة حدثته قالت نام رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم استيقظ وهو يضحك فقلت تضحك مني يا رسول الله قال لا ولكن من قوم من أمتي يخرجون غزاة في البحر مثلهم كمثل الملوك على الاسرة ثم نام ثم استيقظ فقال مثل ذلك سواء لكن قال فيرجعون قليلة غنائمهم مغفورا لهم قالت فادع الله أن يجعلني منهم فدعا لها قال عطاء فرأيتها في غزاة غزاها المنذر بن الزبير إلى أرض الروم فماتت بأرض الروم وهذا إسناد على شرط الصحيح وقد أخرج أبو داود من طريق هشام بن يوسف عن معمر فقال في روايته عن عطاء بن يسار عن الرميصاء أخت أم سليم وأخرجه بن وهب عن حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم فقال في روايته عن أم حرام وكذا قال زهير بن عباد عن زيد بن أسلم والذي يظهر لي أن قول من قال في حديث عطاء بن يسار هذا عن أم حرام وهم وانما هي الرميصاء وليست أم سليم وان كانت يقال لها أيضا الرميصاء كما تقدم في المناقب من حديث جابر لان أم سليم لم تمت بأرض الروم ولعلها أختها أم عبد الله بن ملحان فقد ذكرها بن سعد في الصحابيات وقال انها أسلمت وبايعت ولم أقف على شئ من خبرها الا ما ذكر بن سعد فيحتمل أن تكون هي صاحبة القصة التي ذكرها بن عطاء بن يسار

[ 65 ]

وتكون تأخرت حتى أدركها عطاء وقصتها مغايرة لقصة أم حرام من أوجه الاول أن في حديث أم حرام أنه صلى الله عليه وسلم لما نام كانت تفلي رأسه وفي حديث الاخرى أنها كانت تغسل رأسها كما قدمت ذكره من رواية أبي داود الثاني ظاهر رواية أم حرام أن الفرقة الثانية تغزو في البر وظاهر رواية الاخرى أنها تغزو في البحر الثالث أن في رواية أم حرام أنها من أهل الفرقة الاولى وفي رواية الاخرى أنها من أهل الفرقة الثانية الرابع أن في حديث أم حرام أن أمير الغزوة كان معاوية وفي رواية الاخرى أن أميرها كان المنذر بن الزبير الخامس أن عطاء بن يسار ذكر أنها حدثته وهو يصغر عن إدراك أم حرام وعن أن يغزو في سنة ثمان وعشرين بل وفي سنة ثلاث وثلاثين لان مولده على ما جزم به عمرو بن علي وغيره كان في سنة تسع عشرة وعلى هذا فقد تعددت القصة لام حرام ولاختها أم عبد الله فلعل إحداهما دفنت بساحل قبرس والاخرى بساحل حمص ولم أر من حرر ذلك ولله الحمد على جزيل نعمه وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم الترغيب في الجهاد والحض عليه وبيان فضيلة المجاهد وفيه جواز ركوب البحر الملح للغزو وقد تقدم بيان الاختلاف فيه وأن عمر كان يمنع منه ثم أذن فيه عثمان قال أبو بكر بن العربي ثم منع منه عمر بن عبد العزيز ثم أذن فيه من بعده واستقر الامر عليه ونقل عن عمر أنه انما منع ركوبه لغير الحج والعمرة ونحو ذلك ونقل بن عبد البر أنه يحرم ركوبه عند ارتجاجه اتفاقا وكره مالك ركوب النساء مطلقا البحر لما يخشى من اطلاعهن على عورات الرجال فيه إذ يتعسر الاحتراز من ذلك وخص أصحابه ذلك بالسفن الصغار واما الكبار التي يمكنهن فيهن الاستتار بأماكن تخصهن فلا حرج فيه وفي الحديث جواز تمني الشهادة وأن من يموت غازيا يلحق بمن يقتل في الغزو كذا قال بن عبد البر وهو ظاهر القصة لكن لا يلزم من الاستواء في أصل الفضل الاستواء في الدرجات وقد ذكرت في باب الشهداء من كتاب الجهاد كثيرا ممن يطلق عليه شهيد وان لم يقتل وفيه مشروعية القائلة لما فيه من الاعانة على قيام الليل وجواز إخراج ما يؤذي البدن من قمل ونحوه عنه ومشروعية الجهاد مع كل امام لتضمنه الثناء على من غزا مدينة قيصر وكان أمير تلك الغزوة يزيد بن معاوية ويزيد يزيد وثبوت فضل الغازي إذا صلحت نيته وقال بعض الشراح فيه فضل المجاهدين إلى يوم القيامة لقوله فيه ولست من الآخرين ولا نهاية للآخرين إلى يوم القيامة والذي يظهر أن المراد بالآخرين في الحديث الفرقة الثانية نعم يؤخذ منه فضل المجاهدين في الجملة لا خصوص الفضل الوارد في حق المذكورين وفيه ضروب من أخبار النبي صلى الله عليه وسلم بما سيقع فوقع كما قال وذلك معدود من علامات نبوته منها اعلامه ببقاء أمته بعده وأن فيهم أصحاب قوة وشوكة ونكاية في العدو وأنهم يتمكنون من البلاد حتى يغزوا البحر وأن أم حرام تعيش إلى ذلك الزمان وأنها تكون مع من يغزو البحر وأنها لا تدرك زمان الغزوة الثانية وفيه جواز الفرح بما يحدث من النعم والضحك عند حصول السرور لضحكه صلى الله عليه وسلم اعجابا بما رأى من امتثال أمته أمره لهم بجهاد العدو وما أثابهم الله تعالى على ذلك وما ورد في بعض طرقه بلفظ التعجب محمول على ذلك وفيه جواز قائلة الضيف في غير بيته بشرطه كالاذن وأمن الفتنة وجواز خدمة المرأة الاجنبية الضيف بإطعامه والتمهيد له ونحو ذلك وإباحة ما قدمته المرأة للضيف من مال زوجها لان الاغلب أن الذي في بيت المرأة هو من مال

[ 66 ]

الرجل كذا قال بن بطال قال وفيه أن الوكيل والمؤتمن إذا علم أنه يسر صاحبه ما يفعله من ذلك جاز له فعله ولا شك أن عبادة كان يسره أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم مما قدمته له امرأته ولو كان بغير اذن خاص منه وتعقبه القرطبي بأن عبادة حينئذ لم يكن زوجها كما تقدم قلت لكن ليس في الحديث ما ينفي أنها كانت حينئذ ذات زوج الا أن في كلام بن سعد ما يقتضي أنها كانت حينئذ عزبا وفيه خدمة المرأة الضيف بتفلية رأسه وقد أشكل هذا على جماعة فقال بن عبد البر أظن ان أم حرام أرضعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أو أختها أم سليم فصارت كل منهما أمه أو خالته من الرضاعة فلذلك كان ينام عندها وتنال منه ما يجوز للمحرم أن يناله من محارمه ثم ساق بسنده إلى يحيى بن إبراهيم بن مزين قال انما استجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تفلي أم حرام رأسه لانها كانت منه ذات محرم من قبل خالاته لان أم عبد المطلب جده كانت من بني النجار ومن طريق يونس بن عبد الاعلى قال قال لنا بن وهب أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة فلذلك كان يقيل عندها وينام في حجرها وتفلي رأسه قال بن عبد البر وأيهما كان فهي محرم له وجزم أبو القاسم بن الجوهري والداودي والمهلب فيما حكاه بن بطال عنه بما قال بن وهب قال وقال غيره انما كانت خالة لابيه أو جده عبد المطلب وقال بن الجوزي سمعت بعض الحفاظ يقول كانت أم سليم أخت آمنة بنت وهب أم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة وحكى بن العربي ما قال بن وهب ثم قال وقال غيره بل كان النبي صلى الله عليه وسلم معصوما يملك اربه عن زوجته فكيف عن غيرها مما هو المنزه عنه وهو المبرء عن كل فعل قبيح وقول رفث فيكون ذلك من خصائصه ثم قال ويحتمل أن يكون ذلك قبل الحجاب ورد بأن ذلك كان بعد الحجاب جزما وقد قدمت في أول الكلام على شرحه أن ذلك كان بعد حجة الوداع ورد عياض الاول بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال وثبوت العصمة مسلم لكن الاصل عدم الخصوصية وجواز الاقتداء به في أفعاله حتى يقوم على الخصوصية دليل وبالغ الدمياطي في الرد على من ادعى المحرمية فقال ذهل كل من زعم أن أم حرام إحدى خالات النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أو من النسب وكل من أثبت لها خؤلة تقتضي محرمية لان امهاته من النسب واللاتي أرضعنه معلومات ليس فيهن أحد من الانصار البتة سوى أم عبد المطلب وهي سلمى بنت عمرو بن زيد بن لبيد بن خراش بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار وأم حرام هي بنت ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر المذكور فلا تجتمع أم حرام وسلمى إلا في عامر بن غنم جدهما الاعلى وهذه خؤلة لا تثبت بها محرمية لانها خؤلة مجازية وهي كقوله صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص هذا خالي لكونه من بني زهرة وهم أقارب أمه آمنة وليس سعد أخا لآمنة لا من النسب ولا من الرضاعة ثم قال وإذا تقرر هذا فقد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان لا يدخل على أحد من النساء الا على أزواجه الا على أم سليم فقيل لها فقال أرحمها قتل أخوها معي يعني حرام بن ملحان وكان قد قتل يوم بئر معونة قلت وقد تقدمت قصته في الجهاد في باب فضل من جهز غازيا وأوضحت هناك وجه الجمع بين ما أفهمه هذا الحصر وبين ما دل عليه حديث الباب في أم حرام بما حاصله أنهما أختان كانتا في دار واحدة كل واحدة منهما في بيت من تلك الدار وحرام بن ملحان أخوهما معا فالعلة مشتركة فيهما وان ثبت قصة أم عبد الله بنت ملحان التي

[ 67 ]

أشرت إليها قريبا فالقول فيها كالقول في أم حرام وقد انضاف إلى العلة المذكورة كون أنس خادم النبي صلى الله عليه وسلم وقد جرت العادة بمخالطة المخدوم خادمه وأهل خادمه ورفع الحشمة التي تقع بين الاجانب عنه ثم قال الدمياطي على أنه ليس في الحديث ما يدل على الخلوة بأم حرام ولعل ذلك كان مع ولد أو خادم أو زوج أو تابع قلت وهو احتمال قوي لكنه لا يدفع الاشكال من أصله لبقاء الملامسة في تفلية الرأس وكذا النوم في الحجر وأحسن الاجوبة دعوى الخصوصية ولا يردها كونها لا تثبت إلا بدليل لان الدليل على ذلك واضح والله أعلم قوله باب الجلوس كيف ما تيسر سقط لفظ باب من رواية أبي ذر فيه حديث أبي سعيد في النهي عن لبستين وبيعتين وقد تقدم شرحه في ستر العورة من كتاب الصلاة وفي كتاب البيوع قال المهلب هذه الترجمة قائمة من دليل الحديث وذلك أنه نهى عن حالتين ففهم منه إباحة غيرهما مما تيسر من الهيئات والملابس إذا ستر العورة قلت والذي يظهر لي ان المناسبة تؤخذ من جهة العدول عن النهي عن هيئة الجلوس إلى النهي عن لبستين يستلزم كل منهما انكشاف العورة فلو كانت الجلسة مكروهة لذاتها لم يتعرض لذكر اللبس فدل على أن النهي عن جلسة تفضي إلى كشف العورة وما لا يفضي إلى كشف العورة يباح في كل صورة ثم ادعى المهلب أن النهي عن هاتين اللبستين خاص بحالة الصلاة لكونهما لا يستران العورة في الخفض والرفع وأما الجالس في غير الصلاة فإنه لا يصنع شيئا ولا يتصرف بيديه فلا تنكشف عورته فلا حرج عليه قال وقد سبق في باب الاحتباء أنه صلى الله عليه وسلم احتبى قلت وغفل رحمه الله عما وقع من التقييد في نفس الخبر فإن فيه والاحتباء في ثوب واحد ليس على فرجه منه شئ وتقدم في باب اشتمال الصماء من كتاب اللباس وفيه والصماء أن يجمل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه وستر العورة مطلوب في كل حالة وان تأكد في حالة الصلاة لكونها قد تبطل بتركه ونقل بن بطال عن بن طاوس أنه كان يكره التربع ويقول هي جلسة مملكة وتعقب بما أخرجه مسلم والثلاثة من حديث جابر بن سمرة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الفجر تربع في مجلسه حتى تطلع الشمس ويمكن الجمع قوله تابعه معمر ومحمد بن أبي حفص وعبد الله بن بديل عن الزهري أما متابعة معمر فوصلها المؤلف في البيوع وأما متابعة محمد بن أبي حفص فهي عند أبي أحمد بن عدي في نسخة أحمد بن حفص النيسابوري عن أبيه عن إبراهيم بن طهمان عن محمد بن أبي حفص وأما متابعة عبد الله بن بديل فأظنها في الزهريات جمع الذهلي والله اعلم قوله باب من ناجى بين يدي الناس ولم يخبر بسر صاحبه فإذا مات أخبر به ذكر فيه حديث عائشة في قصة فاطمة رضي الله عنهما إذ بكت لما سارها النبي صلى الله عليه وسلم ثم ضحكت لما سارها ثانيا فسألتها عن ذلك فقالت ما كنت لافشي وفيه أنها أخبرت بذلك بعد موته وقد تقدم شرحه في المناقب وفي الوفاة النبوية قال بن بطال مساررة الواحد مع الواحد بحضرة الجماعة جائز لان المعنى الذي يخاف من ترك الواحد لا يخاف من ترك الجماعة قلت وسيأتي إيضاح هذا بعد باب قال وفيه أنه لا ينبغي إفشاء السر إذا كانت فيه مضرة على المسر لان فاطمة لو أخبرتهن لحزن لذلك حزنا شديدا وكذا لو أخبرتهن أنها سيدة نساء المؤمنين لعظم ذلك عليهن واشتد حزنهن فلما أمنت من ذلك بعد موتهن أخبرت به قلت أما الشق الاول فحق العبارة أن

[ 68 ]

يقول فيه جواز إفشاء السر إذا زال ما يترتب على افشائه من المضرة لان الاصل في السر الكتمان والا فما فائدته وأما الشق الثاني فالعلة التي ذكرها مردودة لان فاطمة رضي الله تعالى عنها ماتت قبلهن كلهن وما أدري كيف خفي عليه هذا ثم جوزت أن يكون في النسخة سقم وأن الصواب فلما أمنت من ذلك بعد موته وهو أيضا مردود لان الحزن الذي علل به لم ينزل بموت النبي صلى الله عليه وسلم بل لو كان كما زعم لاستمر حزنهن على ما فاتهن من ذلك وقال بن التين يستفاد من قول عائشة عزمت عليك بمالي عليك من الحق جواز العزم بغير الله قال وفي المدونة عن مالك إذا قال أعزم عليك بالله فلم يفعل لم يحنث وهو كقوله أسألك بالله وان قال أعزم بالله أن تفعل فلم يفعل حنث لان هذا يمين انتهى والذي عند الشافعية أن ذلك في الصورتين يرجع إلى قصد الحالف فان قصد يمين نفسه فيمين وان قصد يمين المخاطب أو الشفاعة أو أطلق فلا قوله باب الاستلقاء هو الاضطجاع على القفا سواء كان معه نوم أم لا وقد تقدمت هذه الترجمة وحديثها في آخر كتاب اللباس قبيل كتاب الادب وتقدم بيان الحكم في أبواب المساجد من كتاب الصلاة وذكرت هناك قول من زعم أن النهي عن ذلك منسوخ وأن الجمع أولى وأن محل النهي حيث تبدو العورة والجواز حيث لا تبدو وهو جواب الخطابي ومن تبعه ونقلت قول من ضعف الحديث الوارد في ذلك وزعم أنه لم يخرج في الصحيح وأوردت عليه بأنه غفل عما في كتاب اللباس من الصحيح والمراد بذلك صحيح مسلم وسبق القلم هناك فكتبت صحيح البخاري وقد أصلحته في أصلي ولحديث عبد الله بن زيد في الباب شاهد من حديث أبي هريرة صححه بن حبان قوله باب لا يتناجى اثنان دون الثالث أي لا يتحدثان سرا وسقط لفظ باب من رواية أبي ذر قوله وقال الله عزوجل يا أيها الذين آمنوا إذا تناجيتم فلا تتناجوا إلى قوله المؤمنون كذا لابي ذر وساق في رواية الاصيلى وكريمة الآيتين بتمامهما وأشار بإيراد هاتين الآيتين إلى أن التناجي الجائز المأخوذ من مفهوم الحديث مقيد بأن لا يكون في الاثم والعدوان قوله وقوله يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة إلى قوله بما تعملون كذا لابي ذر وساق في رواية الاصيلى وكريمة الآيتين أيضا وزعم بن التين أنه وقع عنده وإذا تناجيتم قال والتلاوة يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم قلت ولم أقف في شئ من نسخ الصحيح على ما ذكره بن التين وقوله تعالى فقدموا بين يدي نجواكم صدقة أخرج الترمذي عن علي أنها منسوخة وأخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن عاصم الاحول قال لما نزلت كان لا يناجي النبي صلى الله عليه وسلم أحد إلا تصدق فكان أول من ناجاه علي بن أبي طالب فتصدق بدينار ونزلت الرخصة فإذا لم تفعلوا وتاب الله عليكم الآية وهذا مرسل رجاله ثقات وجاء مرفوعا على غير هذا السياق عن علي أخرجه الترمذي وابن حبان وصححه وابن مردويه من طريق علي بن علقمة عنه قال لما نزلت هذه الآية قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقول دينار قلت لا يطيقونه قال في نصف دينار قلت لا يطيقونه قال فكم قلت شعيرة قال إنك لزهيد قال فنزلت أأشفقتم الآية قال علي فبي خفف عن هذه الامة وأخرج بن مردويه من حديث سعد بن أبي وقاص له شاهدا قوله عن نافع كذا أورده هنا عن مالك عن دافع ولمالك فيه شيخ آخر عن بن عمر وفيه قصة سأذكرها بعد باب ان شاء الله تعالى قوله إذا كانوا ثلاثة كذا للاكثر بنصب

[ 69 ]

ثلاثة على أنه الخبر ووقع في رواية لمسلم إذا كان ثلاثة بالرفع على ان كان تامة قوله فلا يتناجى اثنان دون الثالث كذا للاكثر بألف مقصورة ثابتة في الخط صورة ياء وتسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين وهو بلفظ الخبر ومعناه النهي وفي بعض النسخ بجيم فقط بلفظ النهي وبمعناه زاد أيوب عن نافع كما سيأتي بعد باب فإن ذلك يحزنه وبهذه الزيادة تظهر مناسبة الحديث للآية الاولى من قوله ليحزن الذين آمنوا وسيأتي بسطه بعد أبواب قوله باب حفظ السر أي ترك افشائه قوله معتمر بن سليمان هو التيمي قوله أسر إلى النبي صلى الله عليه وسلم سرا في رواية ثابت عن أنس عند مسلم في أثناء حديث فبعثني في حاجة فأبطأت على أمي فلما جئت قالت ما حبسك ولاحمد وابن سعد من طريق حميد عن أنس فأرسلني في رسالة فقالت أم سليم ما حبسك قوله فما أخبرت به أحدا بعده ولقد سألتني أم سليم في رواية ثابت فقالت ما حاجته قلت انها سر قالت لا تخبر بسر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحدا وفي رواية حميد عن أنس فقالت احفظ سر رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي رواية ثابت والله لو حدثت به أحدا لحدثتك يا ثابت قال بعض العلماء كأن هذا السر كان يختص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم وإلا فلو كان من العلم ما وسع أنسا كتمانه وقال بن بطال الذي عليه أهل العلم أن السر لا يباح به إذا كان على صاحبه منه مضرة وأكثرهم يقول انه إذا مات لا يلزم من كتمانه ما كان يلزم في حياته إلا أن يكون عليه فيه غضاضة قلت الذي يظهر انقسام ذلك بعد الموت إلى ما يباح وقد يستحب ذكره ولو كرهه صاحب السر كأن يكون فيه تزكية له من كرامة أو منقبة أو نحو ذلك وإلى ما يكره مطلقا وقد يحرم وهو الذي أشار إليه بن بطال وقد يجب كأن يكون فيه ما يجب ذكره كحق عليه كان يعذر بترك القيام به فيرجى بعده إذا ذكر لمن يقوم به عنه ان يفعل ذلك ومن الاحاديث الواردة في حفظ السر حديث أنس احفظ سري تكن مؤمنا أخرجه أبو يعلى والخرائطي وفيه علي بن زيد وهو صدوق كثير الاوهام وقد أخرج أصله الترمذي وحسنه ولكن لم يسق هذا المتن بل ذكر بعض الحديث ثم قال وفي الحديث طول وحديث انما يتجالس المتجالسان بالامانة فلا يحل لاحد أن يفشي على صاحبه ما يكره أخرجه عبد الرزاق من مرسل أبي بكر بن حزم وأخرج القضاعي في مسند الشهاب من حديث علي مرفوعا المجالس بالامانة وسنده ضعيف ولابي داود من حديث جابر مثله وزاد إلا ثلاثة مجالس ما سفك فيه دم حرام أو فرج حرام أو اقتطع فيه مال بغير حق وحديث جابر رفعه إذا حدث الرجل بالحديث ثم التفت فهي أمانة أخرجه بن أبي شيبة وأبو داود والترمذي وله شاهد من حديث أنس عند أبي يعلي قوله باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة أي مع بعض دون بعض وسقط باب لابي ذر وعطف المناجاة على المسارة من عطف الشئ على نفسه إذا كان بغير لفظه لانهما بمعنى واحد وقيل بينهما مغايرة وهي أن المسارة وان اقتضت المفاعلة لكنها باعتبار من يلقى السر ومن يلقى إليه والمناجاة تقتضي وقوع الكلام سرا من الجانبين فالمناجاة أخص من المسارة فتكون من عطف الخاص على العام قوله عن عبد الله هو بن مسعود قوله فلا يتناجى في رواية الكشميهني بجيم ليس بعدها ياء وقد تقدم بيانه قبل باب قوله حتى تختلطوا بالناس أي يختلط الثلاثة بغيرهم والغير أعم من أن يكون واحدا أو أكثر فطابقت الترجمة

[ 70 ]

ويؤخذ منه أنهم إذا كانوا أربعة لم يمتنع تناجي اثنين لا مكان أن يتناجى الاثنان الآخران وقد ورد ذلك صريحا فيما أخرجه المصنف في الادب المفرد وأبو داود وصححه بن حبان من طريق أبي صالح عن بن عمر رفعه قلت فان كانوا أربعة قال لا يضره وفي رواية مالك عن عبد الله بن دينار كان بن عمر إذا أراد أن يسارر رجلا وكانوا ثلاثة دعا رابعا ثم قال للاثنين استريحا شيئا فإني سمعت فذكر الحديث وفي رواية سفيان في جامعه عن عبد الله بن دينار نحوه ولفظه فكان بن عمر إذا أراد أن يناجي رجلا دعا آخر ثم ناجى الذي أراد وله من طريق نافع إذا أراد أن يناجي وهم ثلاثة دعا رابعا ويؤخذ من قوله حتى تختلطوا بالناس أن الزائد على الثلاثة يعني سواء جاء اتفاقا أم عن طلب كما فعل بن عمر قوله أجل ان ذلك يحزنه أي من أجل وكذا هو في الادب المفرد بالاسناد الذي في الصحيح بزيادة من قال الخطابي قد نطقوا بهذا اللفظ بإسقاط من وذكر لذلك شاهدا ويجوز كسر الهمزة إن ذلك والمشهور فتحها قال وانما قال يحزنه لانه قد يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه أو لدسيسة غائلة له قلت ويؤخذ من التعليل استثناء صورة مما تقدم عن بن عمر من إطلاق الجواز إذا كانوا أربعة وهي مما لو كان بين الوحد الباقي وبين الاثنين مقاطعة بسبب يعذران به أو أحدهما فإنه يصير في معنى المنفرد وأرشد هذا التعليل إلى أن المناجى إذا كان ممن إذا خص أحد بمناجاته أحزن الباقين امتناع ذلك إلا أن يكون في أمر مهم لا يقدح في الدين وقد نقل بن بطال عن أشهب عن مالك قال لا يتناجى ثلاثة دون واحد ولا عشرة لانه قد نهي أن يترك واحدا قال وهذا مستنبط من حديث الباب لان المعنى في ترك الجماعة للواحد كترك الاثنين للواحد قال وهذا من حسن الادب لئلا يتباغضوا ويتقاطعوا وقال المازري ومن تبعه لا فرق في المعنى بين الاثنين والجماعة لوجود المعنى في حق الواحد زاد القرطبي بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأشد فليكن المنع أولى وانما خص الثلاثة بالذكر لانه أول عدد يتصور فيه ذلك المعنى فمهما وجد المعنى فيه ألحق فيه في الحكم قال بن بطال وكلما كثر الجماعة مع الذي لا يناجي كان أبعد لحصول الحزن ووجود التهمة فيكون أولى واختلف فيما إذا انفرد جماعة بالتناجي دون جماعة قال بن التين وحديث عائشة في قصة فاطمة دال على الجواز ثم ذكر المصنف حديث بن مسعود في قصة الذي قال هذه قسمة ما أريد بها وجه الله والمراد منه قول بن مسعود فأتيته وهو في ملا فساررته فان في ذلك دلالة على أن المنع يرتفع إذا بقي جماعة لا يتأذون بالسرار ويستثنى من أ ل الحكم ما إذا أذن من يبقى سواء كان واحدا أم أكثر للاثنين في التناجي دونه أو دونهم فان المنع يرتفع لكونه حق من يبقى وأما إذا انتجى اثنان ابتداء وثم ثالث كان بحيث لا يسمع كلامهما لو تكلما جهرا فأتى ليستمع عليهما فلا يجوز كما لو لم يكن حاضرا معهما أصلا وقد اخرج المصنف في الادب المفرد من رواية سعيد المقبري قال مررت على بن عمر ومعه رجل يتحدث فقلت إليهما فلطم صدري وقال إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما زاد أحمد في روايته من وجه آخر عن سعيد وقال أما سمعت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما حتى يستأذنهما قال بن عبد البر لا يجوز لاحد أن يدخل على المتناجين في حال تناجيهما قلت ولا ينبغي لداخل القعود عندهما ولو تباعد عنهما الا باذنهما لما افتتحا حديثهما سرا وليس عندهما

[ 71 ]

أحد دل على أن مرادهما الا يطلع أحد على كلامهما ويتأكد ذلك إذا كان صوت أحدهما جهوريا لا يتأتى له اخفاء كلامه ممن حضره وقد يكون لبعض الناس قوة فهم بحيث إذا سمع بعض الكلام استدل به على باقيه فالمحافظة على ترك ما يؤذي المؤمن مطلوبة وان تفاوتت المراتب وقد أخرج سفيان بن عيينة في جامعه عن يحيى بن سعيد عن القاسم بن محمد قال قال بن عمر في زمن الفتنة الا ترون القتل شيئا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فذكر حديث الباب وزاد في آخره تعظيما لحرمة المسلم وأظن هذه الزيادة من كلام بن عمر استنبطها من الحديث فأدرجت في الخبر والله أعلم قال النووي النهي في الحديث للتحريم إذا كان بغير رضاه وقال في موضع آخر الا بإذنه أي صريحا كان أو غير صريح والاذن أخص من الرضى لان الرضا قد يعلم بالقرينة فيكتفى بها عن التصريح والرضا أخص من الاذن من وجه آخر لان الاذن قد يقع مع الاكراه ونحوه والرضى لا يطلع على حقيقته لكن الحكم لا يناط الا بالاذن الدال على الرضا وظاهر الاطلاق أنه لا فرق في ذلك بين الحضر والسفر وهو قول الجمهور وحكى الخطابي عن أبي عبيد بن حربويه أنه قال هو مختص بالسفر في الموضع الذي لا يأمن فيه الرجل على نفسه فأما في الحضر وفي العمارة فلا بأس وحكى عياض نحوه ولفظه قيل أن المراد بهذا الحديث السفر والمواضع التي لا يأمن فيها الرجل رفيقه أو لا يعرفه أو لا يثق به ويخشى منه قال وقد روى في ذلك أثر وأشار بذلك إلى ما أخرجه أحمد من طريق أبي سالم الجيشاني عن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ولا يحل لثلاثة نفر يكونون بأرض فلاة أن يتناجى اثنان دون صاحبهما الحديث وفي سنده بن لهيعة وعلى تقدير ثبوته فتقييده بأرض الفلاة يتعلق بإحدى علتى النهي قال الخطابي انما قال يحزنه لانه اما أن يتوهم أن نجواهما إنما هي لسوء رأيهما فيه أو أنهما يتفقان على غائلة تحصل له منهما قلت فحديث الباب يتعلق بالمعنى الاول وحديث عبد الله بن عمرو يتعلق بالثاني وعلى هذا المعنى عول بن حربويه وكأنه ما استحضر الحديث الاول قال عياض قيل كان هذا في أول الاسلام فلما فشا الاسلام وأمن الناس سقط هذا الحكم وتعقبه القرطبي بأن هذا تحكم وتخصيص لا دليل عليه وقال بن العربي الخبر عام اللفظ المعنى والعلة الحزن وهي موجودة في السفر والحضر فوجب أن يعمهما النهي جميعا قوله باب طول النجوى وإذا هم نجوى مصدر من ناجيت فوصفهم بها والمعنى يتناجون هذا التفسير في رواية المستملي وحده وقد تقدم بيانه في تفسير الآية في سورة سبحان وتقدم منه أيضا في تفسير سورة يوسف في قوله تعالى خلصوا نجيا ثم ذكر حديث أنس أقيمت الصلاة ورجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم الحديث وعبد العزيز راويه عن أنس هو بن صهيب وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في باب الامام تعرض له الحاجة وهو قبيل صلاة الجماعة قوله حتى نام أصحابه تقدم هناك بلفظ حتى نام بعض القوم فيحمل الاطلاق في حديث الباب على ذلك قوله باب لا تترك النار في البيت عند النوم بضم أول تترك ومثناة فوقانية على البناء للمجهول وبفتحه ومثناه تحتانية بصيغة النهي المفرد ذكر فيه ثلاثة أحاديث الاول حديث بن عمر في النهي عن ذلك الثاني حديث أبي موسى وفيه بيان حكمة النهي وهي خشية الاحتراق الثالث حديث جابر وفيه بيان علة الخشية المذكورة فاما

[ 72 ]

حديث بن عمر فقوله في السند بن عيينة عن الزهري وقع في رواية الحميدي عن سفيان حدثنا الزهري وقوله حين ينامون قيده بالنوم لحصول الغفلة به غالبا ويستنبط منه انه متى وجدت الغفلة حصل النهي واما حديث أبي موسى فقوله احترق بيت بالمدينة على أهله لم اقف على تسميتهم قال بن دقيق العيد يؤخذ من حديث أبي موسى سبب الامر في حديث جابر باطفاء المصابيح وهو فن حسن غريب ولو تتبع لحصل منه فوائد قلت قد أفرده أبو حفص العكبري من شيوخ أبي يعلى بن الفراء بالتصنيف وهو في المائة الخامسة ووقفت على مختصر منه وكأن الشيخ ما وقف عليه فلذلك تمنى ان لو تتبع وقوله ان هذه النار انما هي عدو لكم هكذا أورده بصيغة الحصر مبالغة في تأكيد ذلك قال بن العربي معنى كون النار عدوا لنا انها تنافي ابداننا واموالنا منافاة العدو وان كانت لنا بها منفعة لكن لا يحصل لنا منها الا بواسطة فأطلق انها عدو لنا لوجود معنى العداوة فيها والله اعلم واما حديث جابر فقوله في السند كثير كذا للاكثر غير منسوب زاد أبو ذر في روايته هو بن شنظير وهو كذلك وشنظير بكسر الشين والظاء المعجمتين بينهما نون ساكنة تقدم ضبطه والكلام عليه في باب ذكر الجن من كتاب بدء الخلق وشرح حديثه هذا وانه ليس له في الصحيح غير هذا الحديث ووقع في رجال الصحيح للكلاباذي ان البخاري اخرج له أيضا في باب استعانة اليد في الصلاة فراجعت الباب المذكور من الصحيح وهو قبيل كتاب الجنائز فما وجدت له هناك ذكرا ثم وجدت له بعد الباب المذكور بأحد عشر بابا حديثا اخر بسنده هذا وقد نبهت عليه في باب ذكر الجن والشنظير في اللغة السئ الخلق وكثير المذكور يكنى أبا قرة وهو بصرى وقال القرطبي الامر والنهي في هذا الحديث للارشاد قال وقد يكون للندب وجزم النووي بأنه للارشاد لكونه لمصلحة دنيوية وتعقب بأنه قد يفضي إلى مصلحة دينية وهي حفظ النفس المحرم قتلها والمال المحرم تبذيره وقال القرطبي في هذه الاحاديث ان الواحد إذا بات ببيت ليس فيه غيره وفيه نار فعليه ان يطفئها قبل نومه أو يفعل بها ما يؤمن معه الاحتراق وكذا ان كان في البيت جماعة فإنه يتعين على بعضهم واحقهم بذلك اخرهم نوما فمن فرط في ذلك كان للسنة مخالفا ولادائها تاركا ثم اخرج الحديث الذي أخرجه أبو داود وصححه بن حبان والحاكم من طريق عكرمة عن بن عباس قال جاءت فأرة فجرت الفتيلة فألفتها بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم على الخمرة التي كان قاعدا عليها فأحرقت منها مثل موضع الدرهم فقال النبي صلى الله عليه وسلم إذا نمتم فاطفئوا سراجكم فان الشيطان يدل مثل هذه على هذا فيحرقكم وفي هذا الحديث بيان سبب الامر أيضا وبيان الحامل الفويسقة وهي الفأرة على جر الفتيلة وهو الشيطان فيستعين وهو عدو الانسان عليه بعدو اخر وهي النار اعاذنا الله بكرمه من كيد الاعداء انه رؤوف رحيم وقال بن دقيق العيد إذا كانت العلة في اطفاء السراج الحذر من جر الفويسقة الفتيلة فمقتضاه ان السراج إذا كان على هيئة لا تصل إليها الفأرة لا يمنع ايقاده كما لو كان على منارة من نحاس املس لا يمكن الفأرة الصعود إليه أو يكون مكانه بعيدا عن موضع يمكنها ان تثب منه إلى السراج قال وأما ورود الامر باطفاء النار مطلقا كما في حديثي بن عمر وأبي موسى وهو أعم من نار السراج فقد يتطرق منه مفسدة أخرى غير جر الفتيلة كسقوط شئ من السراج على بعض متاع البيت وكسقوط المنارة فينثر السراج إلى شئ من المتاع

[ 73 ]

فيحرقه فيحتاج إلى الاستيثاق من ذلك فإذا استوثق بحيث يؤمن معه الاحراق فيزول الحكم بزوال علته قلت وقد صرح النووي بذلك في القنديل مثلا لانه يؤمن معه الضرر الذي لا يؤمن مثله في السراج وقال بن دقيق العيد أيضا هذه الاوامر لم يحملها الاكثر على الوجوب ويلزم أهل الظاهر حملها عليه قال وهذا لا يختص بالظاهري بل الحمل على الظاهر الا لمعارض ظاهر يقول به أهل القياس وان كان أهل الظاهر أولى بالالتزام به لكونهم لا يلتفتون إلى المفهومات والمناسبات وهذه الاوامر تتنوع بحسب مقاصدها فمنها ما يحمل على الندب وهو التسمية على كل حال ومنها ما يحمل على الندب والاراد والارشاد معا كإغلاق الابواب من اجل التعليل بأن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا لان الاحتراز من مخالطة الشيطان مندوب إليه وان كان تحته مصالح دنيوية كالحراسة وكذا ايكاء السقاء وتخمير الاناء والله اعلم قوله باب غلق الابواب بالليل في رواية الاصيلي والجرجاني وكذا لكريمة عن الكشميهني اغلاق وهو الفصيح وقال عياض هو الصواب قلت لكن الاول ثبت في لغة نادرة قوله همام هو بن يحيى وعطاء هو بن أبي رباح قوله اطفئوا المصابيح بالليل تقدم شرحه في الذي قبله قوله واغلقوا الابواب في رواية المستملي والسرخسي وغلقوا بتشديد اللام وتقدم في الباب الذي قبله بلفظ اجيفوا بالجيم والفاء وهي بمعنى اغلقوا وتقدم شرحها في باب ذكر الجن وكذا بقية الحديث قال بن دقيق العيد في الامر بإغلاق الابواب من المصالح الدينية والدنيوية حراسة الانفس والاموال من أهل العبث والفساد ولا سيما الشياطين واما قوله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا فإشارة إلى ان الامر بالاغلاق لمصلحة إبعاد الشيطان عن الاختلاط بالانسان وخصه بالتعليل تنبيها على ما يخفى مما لا يطلع عليه الا من جانب النبوة قال واللام في الشيطان للجنس إذ ليس المراد فردا بعينه وقوله في هذه الرواية وخمروا الطعام والشراب قال همام وأحسبه قال ولو بعود يعرضه وهو بضم الراء بعدها ضاد معجمة وقد تقدم الجزم بذلك عن عطاء في رواية بن جريج في الباب المذكور ولفظه وخمر اناءك ولو بعود تعرضه عليه وزاد في كل من الاوامر المذكورة واذكر اسم الله تعالى وتقدم في باب شرب اللبن من كتاب الاشربة بيان الحكمة في ذلك وقد حمله بن بطال على عمومه وأشار إلى استشكاله فقال أخبر صلى الله عليه وسلم ان الشيطان لم يعط قوة على شئ من ذلك وان كان أعطى ما هو أعظم منه وهو ولوجه في الاماكن التي لا يقدر الآدمي ان يلج فيها قلت والزيادة التي أشرت إليها قبل ترفع الاشكال وهو ان ذكر اسم الله يحول بينه وبين فعل هذه الاشياء ومقتضاه انه يتمكن من كذلك إذا لم يذكر اسم الله ويؤيده ما أخرجه مسلم والاربعة عن جابر رفعه إذا دخل الرجل بيته فذكر الله عند دخوله وعند طعامه قال الشيطان لا مبيت لكم ولا عشاء وإذا دخل فلم يذكر الله عند دخوله قال الشيطان أدركتم وقد تردد بن دقيق العيد في ذلك فقال في شرح الالمام يحتمل ان يؤخذ قوله فإن الشيطان لا يفتح بابا مغلقا على عمومه ويحتمل ان يخص بما ذكر اسم الله عليه ويحتمل ان يكون المنع لامر يتعلق بجسمه ويحتمل ان يكون لمانع من الله بأمر خارج عن جسمه قال والحديث يدل على منع دخول الشيطان الخارج فأما الشيطان الذي كان داخلا فلا يدل الخبر على خروجه قال فيكون ذلك لتخفيف المفسدة لا رفعها ويحتمل ان تكون التسمية عند الاغلاق تقتضي طرد من في البيت من

[ 74 ]

الشياطين وعلى هذا فينبغي ان تكون التسمية من ابتداء الاغلاق إلى تمامه واستنبط منه بعضهم مشروعية غلق الفم عند التثاؤب لدخوله في عموم الابواب مجازا قوله باب الختان بعد الكبر بكسر الكاف وفتح الموحدة قال الكرماني وجه مناسبة هذه الترجمة بكتاب الاستئذان ان الختان يستدعي الاجتماع في المنازل غالبا قوله الفطرة خمس تقدم شرحه في اواخر كتاب اللباس وكذلك حكم الختان واستدل بن بطال على عدم وجوبه بأن سلمان لما اسلم لم يؤمر بالاختتان وتعقب باحتمال ان يكون ترك لعذر أو لان قصته كانت قبل إيجاب الختان أو لانه كان مختتنا ثم لا يلزم من عدم النقل عدم الوقوع وقد ثبت الامر لغيره بذلك قوله في الحديث الثاني اختتن إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين سنة تقدم بيان ذلك والاختلاف في سنه حين اختتن وبيان قدر عمره في شرح الحديث المذكور في ترجمة إبراهيم عليه السلام وذكرت هناك انه وقع في الموطأ من رواية أبي الزناد عن الاعرج عن أبي هريرة موقوفا على أبي هريرة ان إبراهيم أول من اختتن وهو بن عشرين ومائة واختتن بالقدوم وعاش بعد ذلك ثمانين سنة ورويناه في فوائد بن السماك من طريق أبي أويس عن أبي الزناد بهذا السند مرفوعا وأبو أويس فيه لين وأكثر الروايات على ما وقع في حديث الباب انه عليه السلام اختتن وهو بن ثمانين سنة وقد حاول الكمال بن طلحة في جزء له في الختان الجمع بين الروايتين فقال نقل في الحديث الصحيح انه اختتن لثمانين وفي رواية أخرى صحيحة انه اختتن لمائة وعشرين والجمع بينهما ان إبراهيم عاش مائتي سنة منها ثمانين سنة غير مختون ومنها مائة وعشرين وهو مختون فمعنى الحديث الاول اختتن ثمانين مضت من عمره والثاني لمائة وعشرين بقيت من عمره وتعقبه الكمال بن العديم في جزء سماه الملحة في الرد على بن طلحة بأن في كلامه وهما من أوجه أحدها تصحيحه لرواية مائة وعشرين وليست بصحيحة ثم أوردها من رواية الوليد عن الاوزاعي عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعة وتعقبه بتدليس الوليد ثم أورده من فوائد بن المقري من رواية جعفر بن عون عن يحيى بن سعيد به موقوفا ومن رواية علي بن مسهر وعكرمة بن إبراهيم كلاهما عن يحيى بن سعيد كذلك ثانيها قوله في كل منهما لثمانين لمائة وعشرين ولم يرد في طريق من الطرق بالام وانما ورد بلفظ اختتن وهو بن ثمانين وفي الاخرى وهو بن مائة وعشرين وورد الاول أيضا بلفظ على رأس ثمانين ونحو ذلك ثالثها انه صرح في أكثر الروايات انه عاش بعد ذلك ثمانين سنة فلا يوافق الجمع المذكور ان المائة وعشرين هي التي بقيت من عمره ورابعها ان العرب لا تزال تقول خلون إلى النصف فإذا تجاوزت النصف قالوا بقين والذي جمع به بن طلحة يقع بالعكس ويلز ان يقول فيما إذا مضى من الشهر عشرة أيام لعشرين بقين وهذا لا يعرف في استعمالهم ثم ذكر الاختلاف في سن إبراهيم وجزم بأنه لا يثبت منها شئ منها قول هشام بن الكلبي عن أبيه قال دعا إبراهيم الناس إلى الحج ثم رجع إلى الشام فمات به وهو بن مائتي سنة وذكر أبو حذيفة البخاري أحد الضعفاء في المبتدأ بسند له ضعيف ان إبراهيم عاش مائة وخمسا وسبعين سنة واخرج بن أبي الدنيا من مرسل عبيد بن عمير في وفاة إبراهيم وقصته مع ملك الموت ودخوله عليه في صورة شيخ فأضافه فجعل يضع اللقمة في فيه فتتناثر ولا تثبت في فيه فقال له كم اتى عليك قال مائة وإحدى وستون سنة فقال إبراهيم في نفسه

[ 75 ]

وهو يومئذ بن ستين ومائة ما بقي ان اصير هكذا الاسنة واحدة فكره الحياة فقبض ملك الموت حينئذ روحه برضاه فهذه ثلاثة أقوال مختلفة يتعسر الجمع بينها لكن ارجحها الرواية الثالثة وخطر لي بعد انه يجوز الجمع بأن يكون المراد بقوله وهو بن ثمانين انه من وقت فارق قومه وهاجر من العراق إلى الشام وان الرواية الاخرى وهو بن مائة وعشرين أي من مولده أو ان بعض الرواة رأى مائة وعشرين فظنها إلا عشرين أو بالعكس والله اعلم قال المهلب ليس اختتان إبراهيم عليه السلام بعد ثمانين مما يوجب علينا مثل فعله إذ عامة من يموت من الناس لا يبلغ الثمانين وانما اختتن وقت اوحى الله إليه بذلك وأمره به قال والنظر يقتضي انه لا ينبغي الاختتان الا قرب وقت الحاجة إليه لاستعمال العضو في الجماع كما وقع لابن عباس حيث قال كانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك ثم قال والاختتان في الصغر لتسهيل الامر على الصغير لضعف عضوه وقلة فهمه قلت يستدل بقصة إبراهيم عليه السلام لمشروعية الختان حتى لو أخر لمانع حتى بلغ السن المذكور لم يسقط طلبه والى ذلك أشار البخاري بالترجمة وليس المراد ان الختان يشرت أخيره إلى الكبر حتى يحتاج إلى الاعتذار عنه واما التعليل الذي ذكره من طريق النظر ففيه نظر فإن حكمة الختان لم تنحصر في تكمل ما يتعلق بالجماع بل ولما يخشى من انحباس بقية البول في الغرلة ولا سيما للمستجمر فلا يؤمن ان يسيل فينجس الثوب أو البدن فكانت المبادرة لقطعها عند بلوغ السن الذي يؤمر به الصبي بالصلاة أليق الاوقات وقد بينت الاختلاف في الوقت الذي يشرع فيه فيما مضى قوله واختتن بالقدوم مخففة ثم أشار إليه من طريق أخرى مشددة وزاد وهو موضع وقد قدمت بيانه في شرح الحديث المذكور في ترجمة إبراهيم عليه السلام من أحاديث الانبياء واشرت إليه أيضا في اثناء اللباس وقال المهلب القدوم بالتخفيف الآلة كقول الشاعر على خطوب مثل نحت القدوم وبالتشديد الموضع قال وقد يتفق لابراهيم عليه السلام الامران يعنى انه اختتن بالالة وفي الموضع قلت وقد قدمت الراجح من ذلك هناك وفي المتفق للجوزقي بسند صحيح عن عبد الرزاق قال القدوم القرية واخرج أبو العباس السراج في تاريخه عن عبيد الله بن سعيد عن يحيى بن سعيد عن بن عجلان عن أبيه عن أبي هريرة رفعه اختتن إبراهيم بالقدوم فقلت ليحيى ما القدوم قال الفأس قال الكمال بن العديم في الكتاب المذكور الاكثر على ان القدوم الذي اختتن به إبراهيم هو الالة يقال بالشديد والتخفيف والافصح التخفيف ووقع في روايتي البخاري بالوجهين وجزم النضر بن شميل انه اختتن بالالة المذكورة فقيل له يقولون قدوم قرية بالشام قلم يعرفه وثبت على الاول وفي صحاح الجوهري القدوم الالة والموضع بالتخفيف معا وأنكر بن السكيت التشديد مطلقا ووقع في متفق البلدان للحازمي قدوم قرية كانت عند حلب وكانت مجلس إبراهيم قوله حدثنا محمد بن عبد الرحيم هو البغدادي المعروف بصاعقة وشيخه عباد بن موسى هو الختلي بضم المعجمة وتشديد المثناة الفوقانية وفتحها بعدها لام من الطبقة الوسطى من شيوخ البخاري وقد نزل البخاري في هذا الاسناد درجة بالنسبة لاسماعيل بن جعفر فإنه اخرج الكثير عن إسماعيل بن جعفر بواسطة واحدة كقتيبة وعلي بن حجر ونزل فيه درجتين بالنسبة لاسرائيل فإنه اخرج عنه بواسطة واحدة كعبد الله بن موسى ومحمد بن سابق قوله انا يومئذ مختون أي وقع له الختان

[ 76 ]

يقال صبي مختون ومختتن وختين بمعنى قوله وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك أي حتى يبلغ الحلم قال الاسماعيلي لا أدري من القائل وكانوا لا يختنون أهو أبو إسحاق أو إسرائيل أو من دونه وقد قال أبو بشر عن سعيد بن جبير عن بن عباس قبض النبي صلى الله عليه وسلم وانا بن عشر وقال الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن بن عباس أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وانا قد ناهزت الاحتلام قال والاحاديث عن بن عباس في هذا مضطربة قلت وفي كلامه نظر اما اولا فلان الاصل ان الذي يثبت في الحديث معطوفا على ما قبله فهو مضاف إلى من نقل عنه الكلام السابق حتى يثبت انه من كلام غيره ولا يثبت الادراج بالاحتمال واما ثانيا فدعوى الاضطراب مردودة مع إمكان الجمع أو الترجيح فإن المحفوظ الصحيح انه ولد بالشعب وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين فيكون له عند الوفاة النبوية ثلاث عشرة سنة وبذلك قطع أهل السير وصححه بن عبد البر وأورد بسند صحيح عن بن عباس انه قال ولدت وبنو هاشم في الشعب وهذا لا ينافي قوله ناهزت الاحتلام أي قاربته ولا قوله وكانوا لا يختنون الرجل حتى يدرك لاحتمال ان يكون أدرك فختن قبل الوفاة النبوية وبعد حجة الوداع وأما قوله وانا بن عشر فمحمول على إلغاء الكسر وروى أحمد من طريق أخرى عن بن عباس انه كان حينئذ بن خمس عشرة ويمكن رده إلى رواية ثلاث عشرة بن يكون بن ثلاث عشرة وشئ وولد في اثناء السنة فجبر الكسرين بان يكون ولد مثلا في شوال فله من السنة الاولى ثلاثة اشهر فأطلق عليها سنة وقبض النبي صلى الله عليه وسلم في ربيع فله من السنة الاخيرة ثلاثة أخرى واكمل بينهما ثلاث عشرة فمن قال ثلاث عشرة الغي الكسرين ومن قال خمس عشرة جرهما والله اعلم قوله وقال بن إدريس هو عبد الله وأبوه هو بن يزيد الاودي وشيخه أبو إسحاق هو السبيعي قوله قبض النبي صلى الله عليه وسلم وانا ختين أي مختون كقتيل ومقتول وهذا الطريق وصله الاسماعيلي من طريق عبد الله بن إدريس قوله باب كل لهو باطل إذا شغله أي شغل اللاهي به عن طاعة الله أي كمن النهي بشئ من الاشياء مطلقا سواء كان مأذونا في فعله أو منهيا عنه كمن اشتغل بصلاة نافلة أو بتلاوة أو ذكر أو تفكر في معاني القرآن مثلا حتى خرج وقت الصلاة المفروضة عمدا فإنه يدخل تحت هذا الضابط وإذا كان هذا في الاشياء المرغب فيها المطلوب فعلها فكيف حال ما دونها وأول هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه أحمد والاربعة وصححه بن خزيمة والحاكم من حديث عقبة بن عامر رفعه كل ما يلهو به المرء المسلم باطل الا رمية بقوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله الحديث وكأنه لما لم يكن على شرط المصنف استعمله لفظ ترجمة واستنبط من المعنى ما قيد به الحكم المذكور وانما اطلق على الرمي انه لهو لامالة الرغبات إلى تعليمه لما فيه من صورة اللهو لكن المقصود من تعمله الاعانة على الجهاد وتأديب الفرس إشارة إلى المسابقة عليها وملاعبة الاهل للتأنيس ونحوه وانما اطلق على ما عداها البطلان من طريق المقابلة لا ان جميعها من الباطل المحرم قوله ومن قال لصاحبه تعال اقامرك أي ما يكون حكمه قوله وقوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية كذا في رواية أبي ذر والاكثر وفي رواية أصيلي وكريمة ليضل عن سبيل الله الآية وذكر بن بطال ان البخاري استنبط تقييد اللهو في الترجمة من مفهوم قوله تعالى ليضل عن سبيل الله فان مفهومه انه إذا اشتراه لا ليضل

[ 77 ]

لا يكون مذموما وكذا مفهوم الترجمة انه إذا لم يشغله اللهو عن طاعة الله لا يكون باطلا لكن عموم هذا المفهوم يخص بالمنطوق فكل شئ نص على تحريمه مما يلهي يكون باطلا سواء شغل أو لم يشغل وكأنه رمز إلى ضعف ما ورد في تفسير اللهو في هذه الآية بالغناء وقد اخرج الترمذي من حديث أبي امامة رفعه لا يحل بيع المغنيات ولا شراؤهن الحديث وفيه وفيهن انزل الله ومن الناس من يشتري لهو الحديث الآية وسنده ضعيف واخرج الطبراني عن بن مسعود موقوفا انه فسر اللهو في هذه الآية بالغناء وفي سنده ضعف أيضا ثم اورد حديث أبي هريرة وفيه ومن قال لصاحبه تعال اقامرك الحديث وأشار بذلك إلى ان القمار من جملة اللهو ومن دعا إليه دعا إلى المعصية فلذلك أمر بالتصدق ليكفر عنه تلك المعصية لان من دعا إلى معصية وقع بدعائه إليها في معصية وقال الكرماني وجه تعلق هذا الحديث بالترجمة والترجمة بالاستئذان ان الداعي إلى القمار لا ينبغي ان يؤذن له في دخول المنزل ثم لكونه يتضمن اجتماع الناس ومناسبة بقية حديث الباب للترجمة ان الحلف باللات لهو يشغل عن الحق بالخلق فهو باطل انتهى ويحتمل ان يكون لما قدم ترجمة ترك السلام على من اقترف ذنبا أشار إلى ترك الاذن لمن يشتغل باللهو عن الطاعة وقد تقدم شرح حديث الباب في تفسير سورة والنجم قال مسلم في صحيحه بعد ان اخرج هذا الحديث هذا الحرف تعال اقامرك لا يرويه أحد الا الزهري وللزهري نحو تسعين حرفا لا يشاركه فيها غيره عن النبي صلى الله عليه وسلم بأسانيد جياد قلت وانما قيد التفرد بقوله تعالى اقامرك لان لبقية الحديث شاهدا من حديث سعد بن أبي وقاص يستفاد منه سبب حديث أبي هريرة أخرجه النسائي بسند قوي قال كنا حديثي عهد بجاهلية فحلفت باللات والعزى فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال قل لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير وانفث عن شمالك وتعوذ بالله ثم لا تعد فيكمن ان يكون المراد بقوله في حديث أبي هريرة فليقل لا إله إلا الله إلى اخر الذكر المذكور إلى قوله قدير ويحتمل الاكتفاء بلا اله الا الله لانها كلمة التوحيد والزيادة المذكورة في حديث سعد تأكيد قوله باب ما جاء في البناء أي من منع وإباحة والبناء أعم من ان يكون بطين أو مدر أو بخشب أو من قصب أو من شعر قوله قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم من أشراط الساعة إذا تطاول رعاة البهم في البنيان كذا للاكثر بضم الراء وبهاء تأنيث في اخره وفي رواية الكشميهني رعاء بكسر الراء وبالهمز مع المد وقد تقدم هذا الحديث موصولا مطولا مع شرحه في كتاب الايمان وأشار بإيراد هذه القطعة إلى ذم التطاول في البنيان وفي الاستدلال بذلك نظر وقد ورد في ذم تطويل البناء صريحا ما اخرج بن أبي الدنيا من رواية عمارة بن عامر إذا رفع الرجل بناء فوق سبعة أذرع نودي يا فاسق إلى أين وفي سنده ضعف مع كونه موقوفا وفي ذم البناء مطلقا حديث خباب رفعه قال يؤجر الرجل في نفقته كلها الا التراب أو قال البناء أخرجه الترمذي وصححه واخرج له شاهدا عن أنس بلفظ الا البناء فلا خير فيه وللطبراني من حديث جابر رفعه إذا أراد الله بعبد شرا خضر له في اللبن والطين حتى يبنى ومعنى خضر بمعجمتين حسن وزنا ومعنى وله شاهد في الاوسط من حديث أبي بشر الانصاري بلفظ إذا ارد الله بعبد سوءا انفق ماله في البنيان واخرج أبو داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال مر بي النبي صلى الله

[ 78 ]

عليه وسلم وانا اطين حائطا فقال الامر اعجل من ذلك وصححه الترمذي وابن حبان وهذا كله محمول على ما تمس الحاجة إليه مما لا بد منه للتوطن وما يقي البرد والحر وقد اخرج أبو داود أيضا من حديث أنس رفعه اما ان كل بناء وبال على صاحبه الا ما لا الا ما لا أي الا ما لا بد منه ورواته موثقون الا الراوي عن أنس وهو أبو طلحة الاسدي فليس بمعروف وله شاهد عن واثلة عند الطبراني قوله حدثنا إسحاق هو بن سعيد كذا في الاصل وسعيد المذكور هو بن عمرو بن سعيد بن العاص الاموي ونسب كذلك عند الاسماعيلي من وجه اخر عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه وعمرو بن سعيد هو المعروف بالاشدق وإسحاق بن سعيد يقال له السعيدي سكن مكة وقد روى هذا الحديث عن والده وهو المراد بقوله عن سعيد قوله رأيتني بضم المثناة كأنه استحضر الحالة المذكورة فصار لشدة علمه بها كأنه يرى نفسه يفعل ما ذكر قوله مع النبي صلى الله عليه وسلم أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قوله يكننى بضم أوله وكسر الكاف وتشديد النون من أكن إذا وفى وجاء بفتح أوله من كن وقال أبو زيد الانصاري كننته أو اكننته بمعنى أي سترته وأسررته وقال الكسائي كننته صنته واكننته اسررته قوله ما اعانني عليه أحد من خلق الله هو تأكيد لقوله بنيت بيدي واشارة إلى خفة مؤنته ووقع في رواية يحيى بن عبد الحميد الحماني بكسر المهملة وتشديد الميم عن إسحاق بن سعيد السعيدي بهذا السند عند الاسماعيلي وأبي نعيم في المستخرجين بيتا من شعر واعترض الاسماعيلي على البخاري بهذه الزيادة فقال ادخل هذا الحديث في البناء بالطين والمدر والخبر انما هو في بيت الشعر وأجيب بأن راوي الزيادة ضعيف عندهم وعلى تقدير ثبوتها فليس في الترجمة تقييد بالطين والمدر قوله قال عمرو هو بن دينار قوله لبنة بفتح اللام وكسر الموحدة مثل كلمة ويجوز كسر أوله وسكون الموحدة قوله ولاغرست نخلة قال الداودي ليس الغرس كالبناء لان من غرس ونيته طلب الكفاف أو لفضل ما ينال منه ففي ذلك الفضل لا الاثم قلت لم يتقدم للاثم في الخبر ذكر حتى يعترض به وكلامه يوهم ان في البناء كله الاثم وليس كذلك بل فيه التفصيل وليس كل ما زاد منه على الحاجة يستلزم الاثم ولا شك ان في الغرس من الاجر من اجل ما يؤكل منه ما ليس في البناء وأن كان في بعض البناء ما يحصل به الاجر مثل الذي يحصل به النفع لغير الباني فإنه يحصل للباني به الثواب والله سبحانه وتعالى اعلم قوله فذكرته لبعض أهله لم اقف على تسميته والقائل هو سفيان قوله قال والله لقد بنى زاد الكشميهني في روايته بيتا قوله قال سفيان قلت فلعله قال قبل أي قال ما وضعت لبنة الخ قبل ان يبنى الذي ذكرت وهذا اعتذار حسن من سفيان راوي الحديث ويحتمل ان يكون بن عمر نفى ان يكون بنى بيده بعد النبي صلى الله عليه وسلم وكان في زمنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك والذي أثبته بعض أهله كان بنى بأمره فنسبه إلى فعله مجازا ويحتمل ان يكون بناؤه بيتا من قصب أو شعر ويحتمل ان يكون الذي نفاه بن عمر ما زاد على حاجته والذي أثبته بعض أهله بناء بيت لا بد له منه أو إصلاح ما وهي من بيته قال بن بطال يؤخذ من جواب سفيان ان العالم إذا جاء عنه قولان مختلفان انه ينبغي لسامعهما ان يتأولهما على وجه ينفي عنهما التناقض تنزيها له عن الكذب انتهى ولعل سفيان فهم من قول بعض أهل بن عمر الانكار على ما رواه له عن عمرو بن دينار عن بن عمر فبادر سفيان إلى الانتصار لشيخه ولنفسه وسلك الادب مع الذي

[ 79 ]

خاطبه بالجمع الذي ذكره والله سبحانه وتعالى اعلم خاتمة اشتمل كتاب الاستئذان من الاحاديث المرفوعة على خمسة وثمانين حديثا المعلق منها وما في معناه اثنا عشر حديثا والبقية موصولة المكرر منه فيه وفيما مضى خمسة وستون حديثا والخالص عشرون وافقه مسلم على تخرجيها سوى حديث لابي هريرة رسول الرجل اذنه وحديث أنس في المصافحة وحديث بن عمر في الاحتباء وحديثه في البناء وحديث بن عباس في ختانه وفيه من الآثار عن الصحابة فمن بعدهم سبعة اثار والله اعلم بسم الله الرحمن الرحيم قوله بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الدعوات بفتح المهملتين جمع دعوة بفتح أوله وهي المسألة الواحدة والدعاء الطلب والدعاء إلى الشئ الحث على فقله ودعوت فلانا سألته ودعوته استغثته ويطلق أيضا على رفعة القدر كقوله تعالى ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة كذا قال الراغب ويمكن رده إلى الذي قبله ويطلق الدعاء أيضا على العبادة والدعوى بالقصر الدعاء كقوله تعالى وآخر دعواهم والادعاء كقوله تعالى فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا وقال الرغب الدعاء على التسمية كقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا وقال الراغب الدعاء والنداء واحد لكن قد يتجرد النداء عن الاسم والدعاء لا يكاد يتجرد وقال الشيخ أبو القاسم القشيري في شرح الاسماء الحسنى ما ملخصه جاء الدعاء في القرآن على وجوه منها العبادة ولا تدع من دون الله مالا ينفعك ولا يضرك ومنها الاستغاثة وادعوا شهداءكم ومنها السؤال ادعوني استجب لكم ومنها القول دعواهم فيها سبحانك اللهم والنداء يوم يدعوكم والثناء قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن قوله وقول الله تعالى ادعوني استجب لكم الآية كذا لابي ذر وساق غيره الآية إلى قوله داخرين وهذه الآية ظاهرة في ترجيح الدعاء على التفويض وقالت طائفة الافضل ترك الدعاء والاستسلام للقضاء وأجابوا عن الآية بأن آخرها دل على ان المراد بالدعاء العبادة لقوله ان الذين يستكبرون عن عبادتي واستدلوا بحديث النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم قال الدعاء هو العبادة ثم قرأ وقال ربكم ادعوني استجب لكم ان الذين يستكبرون عن عبادتي الآية أخرجه الاربعة وصححه الترمذي والحاكم وشذت طائفة فقالوا المراد بالدعاء في الآية ترك الذنوب وأجاب الجمهور ان الدعاء من أعظم العبادة فهو كالحديث الآخر الحج عرفة أي معظم الحج وركنه الاكبر ويؤيده ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه الدعاء مخ العبادة وقد تواردت الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم بالترغيب في الدعاء والحث عليه كحديث أبي هريرة رفعه ليس شئ اكرم على الله من الدعاء أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه بن حبان والحاكم وحديثه رفعه من لم يسأل الله يغضب عليه أخرجه أحمد والبخاري في الادب المفرد والترمذي وابن ماجة والبزار والحاكم كلهم من رواية أبي صالح الخوزي بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي عنه وهذا الخوزي مختلف فيه ضعفه بن معين وقواه أبو زرعة وظن الحافظ بن كثير انه أبو صالح السمان فجزم بأن أحمد تفرد بتخريجه وليس كما قال فقد جزم شيخه المزي في الاطراف بما قلته ووقع في رواية البزار والحاكم

[ 80 ]

عن أبي صالح الخوزي سمعت أبا هريرة قال الطيبي معنى الحديث ان من لم يسأل الله يبغضه والمبغوض مغضوب عليه والله يحب ان يسأل انتهى ويؤيده حديث بن مسعود رفعه سلوا الله من فضله فإن الله يحب ان يسأل أخرجه الترمذي وله من حديث بن عمر رفعه ان الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل فعليكم عباد الله بالدعاء وفي سنده لين وقد صححه مع ذلك الحاكم واخرج الطبراني في الدعاء بسند رجاله ثقات الا ان فيه عنعنة بقية عن عائشة مرفوعا ان الله يحب الملحين في الدعاء وقال الشيخ تقي الدين السبكي الاولى حمل الدعاء في الآية على ظاهره وأما قوله بعد ذلك عن عبادتي فوجه الربط ان الدعاء أخص من العبادة فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء وعلى هذا فالوعيد انما هو في حق من ترك الدعاء استكبارا ومن فعل ذلك كفر واما من تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور وان كنا نرى ان ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الادلة الواردة في الحث عليه قلت وقد دلت الآية الآتية قريبا في السورة المذكورة ان الاجابة مشترطة بالاخلاص وهو قوله تعالى فادعوه مخلصين له الدين وقال الطيبي معنى حديث النعمان ان تحمل العبادة على المعنى اللغوي إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار إلى الله والاستكانة له وما شرعت العبادات الا للخضوع للباري وإظهار الافتقار إليه ولهذا ختم الآية بقوله تعالى ان الذين يستكبرون عن عبادتي حيث عبر عن عدم التذلل والخضوع بالاستكبار ووضع عبادت موضع دعائي وجعل جزاء ذلك الاستكبار الصغار والهوان وحكى القشيري في الرسالة الخلاف في المسألة فقال اختلف أي الامرين أولى الدعاء أو السكوت والرضا فقيل الدعاء وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة الادلة لما فيه من إظهار الخضوع والافتقار وقيل السكوت والرضا أولى لما في التسليم من الفضل قلت وشبهتهم ان الداعي لا يعرف ما قدر له فدعاؤه ان كان على وفق المقدور فهو تحصيل الحاصل وان كان على خلافه فهو معاندة والجواب عن الاول ان الدعاء من جملة العبادة لما فيه من الخضوع والافتقار وعن الثاني انه إذا اعتقد انه لا يقع الا ما قدر الله تعالى كان اذعانا لا معاندة وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الامر ولاحتمال ان يكون المدعو به موقوفا على الدعاء لان الله خالق الاسباب ومسبباتها قال وقالت طائفة ينبغي ان يكون داعيا بلسانه راضيا بقلبه قال والاولى ان يقال إذا وجد في قلبه إشارة الدعاء فالدعاء أفضل وبالعكس قلت القول الاول أعلى المقامات ان يدعو بلسانه ويرض بقلبه والثاني لا يتأتى من كل أحد بل ينبغي ان يختص به الكمل قال القشيري ويص ان يقال ما كان لله أو للمسلمين فيه نصيب فالدعاء أفضل وما كان للنفس فيه حظ فالسكوت أفضل وعبر بن بطال عن هذا القول لما حكاه بقوله يستحب ان يدعو لغيره ويترك لنفسه وعمدة من أول الدعاء في الآية بالعبادة أو غيرها قوله تعالى فيكشف ما تدعون إليه ان شاء وان كثيرا من الناس يدعو فلا يستجاب له فلو كانت على ظاهرها لم يتخلف والجواب عن ذلك ان كل داع يستجاب له لكن تتنوع الاجابة فتارة تقع بعين ما دعا به وتارة بعوضه وقد ورد في ذلك حديث صحيح أخرجه الترمذي والحاكم من حديث عبادة بن الصامت رفعه ما على الارض مسلم يدعو بدعوة الا أتاه الله إياها أو صرف عنه من السوء مثلها ولاحمد من حديث أبي هريرة اما ان يعجلها له واما ان يدخرها له وله في حديث أبي سعيد رفعه ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها

[ 81 ]

اثم ولا قطعية رحم الا أعطاه الله بها إحدى ثلاث اما ان يعجل له دعوته واما ان يدخرها له في الآخرة واما ان يصرف عنه من السوء مثلها وصححه الحاكم وهذا شرط ثان للاجابة ولها شروط أخرى منها ن يكون طيب المطعم والملبس لحديث فانى يستجاب لذلك وسيأتي بعد عشرين بابا من حديث أبي هريرة ومنها الا يكون يستعجل لحديث يستجاب لاحكم ما لم يقل دعوت فلم يستجب لي أخرجه مالك قوله باب لكل نبي دعوة مستجابة كذا لابي ذر وسقط لفظ باب لغيره فصار من جملة الترجمة الاولى ومناسبتها للاية الاشارة إلى ان بعض الدعاء لا يستجاب عينا قوله إسماعيل هو بن أبي أويس قوله مستجابة كذا لابي ذر ولم ارها عند الباقين ولا في شئ من نسخ الموطأ قوله يدعو بها زاد في رواية الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة فيعجل كل نبي دعوته وفي حديث أنس ثاني حديثي الباب فاستجيب له قوله وأريد ان اختبئ دعوتي شفاعة لامتي في الآخرة وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة الآتية في التوحيد فأريد ان شاء الله ان اختبئ وزيادة ان شاء الله في هذا للتبرك ولمسلم من رواية أبي صالح عن أبي هريرة واني اختبأت وفي حديث أنس فجعلت دعوتي وزاد يوم القيامة وزاد أبو صالح فهي نائلة ان شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا وقوله من مات في محل نصب على المفعولية ولا يشرك بالله في محل نصب على الحال والتقدير شفاعتي نائلة من مات غير مشرك وكأنه صلى الله عليه وسلم أراد ان يؤخرها ثم عزم ففعل ورجا وقوع ذلك فأعلمه الله به فجزم به وسيأتي تتمة الكلام على الشفاعة وأنواعها في أول كتاب الرقاق ان شاء الله تعالى وقد استشكل ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الانبياء من الدعوات المجابة ولا سيما نبينا صلى الله عليه وسلم وظاهره ان لكل نبي دعوة مستجابة فقط والجواب ان المراد بالاجابة في الدعوة المذكورة القطع بها وما عدا ذلك من دعواتهم فهو على رجاء الاجابة وقيل معنى قوله لكل نبي دعوة أي أفضل دعواته ولهم دعوات أخرى وقيل لكل منهم دعوة عامة مستجابة في أمته اما باهلاكهم واما بنجاتهم واما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها مالا يستجاب وقيل لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح لا تذر على الارض وقول زكريا فهب لي من لدنك وليا يرثني وقول سليمان وهب لي ملكا لا ينبغي لاحد من بعدي حكاه بن التين وقال بعض شراح المصابيح ما لفظه اعلم ان جميع دعوات الانبياء مستجابة والمراد بهذا الحديث ان كل نبي دعا على أمته بالاهلاك الا انا فلم ادع فاعطيت الشفاعة عوضا عن ذلك للصبر على اذاهم والمراد بالامة امة الدعوة لا امة الاجابة وتعقبه الطيبي بأنه صلى الله عليه وسلم دعا على احياء من العرب ودعا على اناس من قريش بأسمائهم ودعا على رعل وذكوان ودعا على مضر قال والاولى ان يقال ان الله جعل لكل نبي دعوة تستجاب في حق أمته فنالها كمنهم في الدنيا واما نبينا فإنه لما دعا على بعض أمته نزل عليه ليس لك من الامر شئ أو يتوب عليهم فبقي تلك الدعوة المستجابة مدخرة للآخرة وغالب من دعا عليهم لم يرد اهلاكهم وانما أراد ردعهم ليتوبوا واما جزمه أولا بأن جميع ادعيتهم مستجابة ففيه غفلة عن الحديث الصحيح سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة الحديث قال بن بطال في هذا الحديث بيان فضل نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الانبياء حيث آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة ولم يجعلها أيضا دعاء عليهم بالهلاك كما وقع لغيره ممن تقدم وقال بن الجوزي

[ 82 ]

هذا من حسن تصرفه صلى الله عليه وسلم لانه جعل الدعوة فيما ينبغي ومن كثرة كرمه لانه اثر أمته على نفسه ومن صحة نظره لانه جعلها للمذنبين من أمته لكونهم أحوج إليها من الطائعين وقال النووي فيه كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته ورأفته بهم واعتناؤه بالنظر في مصالحهم فجعل دعوته في أهم أوقات حاجتهم واما قوله فهي نائلة ففيه دليل لاهل السنة ان من مات غير مشرك لا يخلد في النار ولو مات مصرا على الكبائر قوله وقال معتمر هو بن سليمان التيمي كذا للاكثر وبه جزم الاسماعيلي والحميدي لكن عند الاصيلي وكريمة في أوله قال لي خليفة حدثنا معتمر فعلى هذا هو متصل وقد وصله أيضا مسلم عن محمد بن عبد الاعلى عن معتمر قوله لكل نبي سأل سؤلا أو قال لكل نبي دعوة هكذا وقع بالشك ولم يسق مسلم لفظه بل أحال به على طريق قتادة عن أنس وقد أخرجه بن منده في كتاب الايمان من طريق محمد بن عبد الاعلى به ومن طريق الحسن بن الربيع ومسدد وغيرهما عن معتمر بالشك ولفظه كل نبي قد سأل سؤلا أو قال لكل نبي دعوة قد دعا بها الحديث ولفظ قتادة عند مسلم لكل نبي دعوة دعاها لامته فذكره ولم يشك قوله باب أفضل الاستغفار سقط لفظ باب لابي ذر ووقع في شرح بن بطال بلفظ فضل الاستغفار وكأنه لما رأى الآيتين في أول الترجمة وهما دالتان على الحث على الاستغفار ظن ان الترجمة لبيان فضيلة الاستغفار ولكن حديث الباب يؤيد ما وقع عند الاكثر وكأن المصنف أراد اثبات مشروعية الحث على الاستغفار بذكر الآيتين ثم بين بالحديث أولى ما يستعمل من ألفاظه وترجم بالافضلية ووقع الحديث بلفظ السيادة وكأنه أشار إلى ان المراد بالسيادة الافضلية ومعناها الاكثر نفعا لمستعمله ومن أوضح ما وقع في فضل الاستغفار ما أخرجه الترمذي وغيره من حديث يسار وغيره مرفوعا من قال استغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت ذنوبه وان كان فر من الزحف قال أبو نعيم الاصبهاني هذا يدل على ان بعض الكبائر تغفر ببعض العمل الصالح وضابطه الذنوب التي لا توجب على مرتكبها حكما في نفس ولا مال ووجه الدلالة منه انه مثل بالفرار من الزحف وهو من الكبائر فدل على ان ما كان مثله أو دونه يغفر إذا كان مثل الفرار من الزحف فإنه لا يوجب على مرتكبه حكما في نفس ولا مال قوله وقوله تعالى واستغفروا ربكم انه كان غفارا الآية كذا رأيت في نسخة معتمدة من رواية أبي ذر وسقطت الواو من رواية غيره وهو الصواب فان التلاوة فقلت استغفروا ربكم وساق غير أبي ذر الآية إلى قوله تعالى انهارا وكأن المصنف لمح بذكر هذه الآية إلى اثر الحسن البصري ان رجلا شكى إليه الجدب فقال استغفر الله وشكى إليه آخر الفقر فقال استغفر الله وشكى إليه آخر جفاف بستانه فقال استغفر الله وشكى إليه آخر عدم الولد فقال استغفر الله ثم تلا عليهم هذه الآية وفي الآية حث على الاستغفار واشارة إلى وقوع المغفرة لمن استغفر والى ذلك أشار الشاعر بقوله لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبه * من جود كفيك ما علمتني الطلبا قوله والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهما الآية كذا لابي ذر وساق غيره إلى قوله وهم يعملون واختلف في معنى قوله ذكروا الله فقيل ان قوله فاستغفروا تفسير للمراد بالذكر وقيل هو على حذف تقديره ذكروا عقاب الله والمعنى تفكروا في أنفسهم ان الله سائلهم فاستغفروا

[ 83 ]

لذنوبهم أي لاجل ذنوبهم وقد ورد في حديث حسن صفة الاستغفار المشار إليه في الآية أخرجه أحمد والاربعة وصححه بن حبان من حديث علي بن أبي طالب قال حدثني أبو بكر الصديق رض الله عنهما وصدق أبو بكر سمعت النبي صلى الله عليه يقول ما من رجل يذنب ذنبا ثيقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله عزوجل الا غفر له ثم تلا والذين إذا فعلوا فاحشة الآية وقوله تعالى ولم يصروا على ما فعلوا فيه إشارة إلى ان من شرط قبول الاستغفار ان يقلع المستغفر عن الذنب والا فالاستغفار باللسان مع التلبس بالذنب كالتلاعب وورد في فضل الاستغفار والحث عليه آيات كثيرة وأحاديث كثيرة منها حديث أبي سعيد رفعه قال إبليس يا رب لا ازال اغويهم ما دامت ارواحهم في اجسادهم فقال الله تعالى وعزتي لا أزال اغفر لهم ما استغفروني أخرجه أحمد وحديث أبي كبر الصديق رفعه ما أصر من استغفر ولو عاد في اليوم سبعين مرة أخرجه أبو داود والترمذي وذكر السبعين للمبالغة والا ففي حديث أبي هريرة الآتي في التوحيد مرفوعا ان عبدا اذنب ذنبا فقال رب اني اذنبت ذنبا فاغفر لي فغفر له الحديث وفي اخره علم عبدي ان له ربا يغفر الذنب ويأخذ به اعمل ما شئت فقد غفرت لك قوله حدثنا الحسين هو بن ذكوان المعلم ووقع عند النسائي من رواية غندر حدثنا الحسين المعلم وكذا عند الاسماعيلي من طريق يحيى القطان عن حسين المعلم قوله حدثنا عبد الله بن بريدة أي بن الحصيب الاسلمي قوله حدثنا بشير بالموحدة ثم المعجمة مصغر وقد تابع حسينا على ذلك ثابت البناني وأبو العوام عن بريدة ولكنهما لم يذكرا بشير بن كعب بل قالا عن بن بريدة عن شداد خرجه النسائي وخالفهم الوليد بن ثعلبة فقال عن بن بريدة عن أبيه أخرجه الاربعة الا الترمذي وصححه بن حبان والحاكم لكن لم يقع في رواية الوليد أول الحديث قال النسائي حسين المعلم اثبت من الوليد بن ثعلبة واعلم بعبد الله بن بريدة وحديثه أولى بالصواب قلت كأن الوليد سلك الجادة لان جل رواية عبد الله بن بريدة عن أبيه وكأن من صححه جوز ان يكون عن عبد الله بن بريدة على الوجهين والله اعلم قوله حدثني شداد بن أوس أي بن ثابت بن المنذر بن حرام بمهملتين الانصاري بن أخي حسان بن ثابت الشاعر وشداد صحابي جليل نزل الشام وكنيته أبو يعلى واختلف في صحبه أبيه وليس لشداد في البخاري الا هذا الحديث الواحد قوله سيد الاستغفار قال الطيبي لما كان هذا الدعاء جامعا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد وهو في الاصل الرئيس الذي يقصد في الحوائج ويرجع إليه في الامور قوله ان يقول أي العبد وثبت في رواية أحمد والنسائي ان سيد الاستغفار ان يقول العبد وللترمذي من رواية عثمان بن ربيعة عن شداد الا أدلك على سيد الاستغفار وفي حديث جابر عند النسائي تعلموا سيد الاستغفار قوله لا اله الا أنت أنت خلقتني كذا في نسخة معتمدة بتكرير أنت وسقطت الثانية من معظم الروايات ووقع عند الطبراني من حديث أبي امامة من قال حين يصبح اللهم لك الحمد لا اله الا أنت والباقي نحو حديث شداد وزاد فيه آمنت لك مخلصا لك ديني قوله وانا عبدك قال الطيبي يجوز ان تكون مؤكدة ويجوز ان تكون مقدرة أي انا عابد لك ويؤيده عطف قوله وانا على عهدك قوله وانا على عهدك سقطت الواو في رواية النسائي قال الخطابي يريد انا على ما عهتك عليه وواعدتك من الايمان بك وإخلاص الطاعة لك ما استطعت من ذلك ويحتمل

[ 84 ]

ان يريد انا مقيم على ما عهدت إلى من امرك ومتمسك به منتجز وعدك في المثوبة والاجر واشتراط الاستطاعة في ذلك معناه الاعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى وقال بن بطال قوله وانا على عهدك ووعدك يريد العهد الذي اخذه الله على عباده حيث أخرجه أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم فأقروا له بالربوبية واذعنوا له بالوحدانية وبالوعد ما قال على لسان نبيه ان من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه ان يدخله الجنة قلت وقوله وأدى ما افترض عليه زيادة ليست بشرط في هذا المقام لانه جعل المراد بالعهد الميثاق المأخوذ في عالم الذر وهو التوحيد خاص فالوعد هو إدخال من مات على ذلك الجنة قال وفي قوله ما استطعت اعلام لامته ان أحدا لا يقدر على الاتيان بجميع ما يحب عليه لله ولا الوفاء بكمال الطاعات والشكر على النعم فرفق الله بعباده فلم يكلفهم من ذلك الا وسعهم وقال الطيبي يحتمل ان يراد بالعهد والوعد ما في الآية المذكورة كذا قال والتفريق بين العهد والوعد أوضح قوله أبوء لك بنعمتك علي سقط لفظ لك من رواية النسائي وأبوء بالموحدة والهمز ممدود معناه اعترف ووقع في رواية عثمان بن ربيعة عن شداد واعترف بذنوبي وأصله البواء ومعناه اللزوم ومنه بوأه الله منزلا إذا اسكنه فكأنه الزمه به قوله وأبوء لك بذنبي أي اعترف أيضا وقيل معناه احمله برغمي لا أستطيع صرفه عني وقال الطيبي اعترف اولا بأنه انعم عليه ولم يقيده لانه يشمل أنواع الانعام ثم اعترف بالتقصير وانه لم يقم بأداء شكرها ثم بالغ فعده ذنبا مبالغة في التقصير وهضم النفس قلت ويحتمل ان يكون قوله ابوء لك بذنبي اعترف بوقوع الذنب مطلقا ليصح الاستغفار منه لا انه عد ما قصر فيه من أداء شكر النعم ذنبا قوله فاغفر لي انه لا يغفر الذنوب الا أنت يؤخذ منه ان من اعترف بذنبه غفر له وقد وقع صريحا في حديث الافك الطويل وفيه العبد إذا اعترف بذنبه وتاب تاب الله عليه قوله من قالها موقنا بها أي مخلصا من قلبه مصدقا بثوابها وقال الداودي يحتمل ان يكون هذا من قوله ان الحسنات يذهبن السيئات ومثل قول النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء وغيره لانه بشر بالثواب ثم بشر بأفضل منه فثبت الاول وما زيد عليه وليس يبشر بالشئ ثم يبشر بأقل منه مع ارتفاع الاول ويحتمل ان يكون ذلك ناسخا وان يكون هذا فيمن قالها ومات قبل ان يفعل ما يفغر له به ذنوبه أو يكون ما فعله من الوضوء وغيره لم ينتقل منه بوجه ما والله سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء كذا حكاه بن التين عنه وبعضه يحتاج إلى تأمل قوله ومن قالها من النهار في رواية النسائي فإن قالها حين يصبح وفي رواية عثمان بن ربيعة لا يقولها أحدكم حين يمسي فيأتي عليه قدر قبل ان يصبح أو حين يصبح فيأتي عليه قدر قبل ان يمسي قوله فهو من أهل الجنة في رواية النسائي دخل الجنة وفي رواية عثمان بن ربيعة الا وجبت له الجنة قال بن أبي جمرة جمع صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث من بديع المعاني وحسن الالفاظ ما يحق له انه يسمى سيد الاستغفار ففيه الاقرار لله وحده بالالهية والعبودية والاعتراف بأنه الخالق والاقرار بالعهد الذي اخذه عليه والرجاء بما وعده به والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه واضافة النعماء إلى موجدها واضافة الذنب إلى نفسه ورغبته في المغفرة واعترافه بأنه لا يقدر أحد على ذلك الا هو وفي كل ذلك الاشارة إلى الجمع بين الشريعة والحقيقة فإن تكاليف الشريعة لا تحصل الا إذا كان في ذلك عون من الله

[ 85 ]

تعالى وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة فلو اتفق ان العبد خالف حتى يجرى عليه ما قدر عليه وقامت الحجة عليه ببيان المخالفة لم يبق إلا أحد أمرين إما العقوبة بمقتضى العدل أو العفو بمقتضى الفضل انتهى ملخصا وقال أيضا من شروط الاستغفار صحة النية والتوجه والادب فلو ان أحدا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد واستغفر آخر بهذا اللفظ الوارد لكن اخل بالشروط هل يستويان فالجواب ان الذي يظهر ان اللفظ المذكور انما يكون سيد الاستغفار إذا جمع الشروط المذكورة والله اعلم قوله باب استغفار النبي صلى الله عليه وسلم أي وقوع الاستغفار منه أو التقدير مقدار استغفاره في كل يوم ولا يحمل على الكيفية لتقدم بيان الافضل وهو لا يترك الافضل قوله قال قال أبو هريرة في رواية يونس بن يزيد عن الزهري أخبرني أبو سلمة انه سمع أبا هريرة أخرجه النسائي قوله والله اني لاستغفر الله فيه القسم على الشئ تأكيدا له وان لم يكن عند السامع فيه شك قوله لاستغفر الله وأتوب إليه ظاهره انه يطلب المغفرة ويعزم على التوبة ويحتمل ان يكون المراد يقول هذا اللفظ بعينه ويرجح الثاني ما أخرجه النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن بن عمر انه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه في المجلس قبل ان يقوم مائة مرة وله من رواية محمد بن سوقة عن نافع عن بن عمر بلفظ انا كنا لنعد لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس رب اغفر لي وتب علي انك أنت التواب الغفور مائة مرة قوله أكثر من سبعين مرة وقع في حديث أنس اني لاستغفر الله في اليوم سبعين مرة فيحتمل ان يريد المبالغة ويحتمل ان يريد العدد بعينه وقوله أكثر مبهم فيحتمل ان يفسر بحديث بن عمر المذكور وانه يبلغ المائة وقد وقع في طريق أخرى عن أبي هريرة من رواية معمر عن الزهري بلفظ اني لاستغفر الله في اليوم مائة مرة لكن خالف أصحاب الزهري في ذلك نعم اخرج النسائي أيضا من رواية محمد بن عمرو عن أبي سلمة بلفظ اني لاستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة واخرج النسائي أيضا من طريق عطاء عن أبي هريرة ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع الناس فقال يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني اتوب إليه في اليوم مائة مرة وله في حديث الاغر المزني رفعه مثله وهو عنده وعند مسلم بلفظ انه ليغان على قلبي واني لاستغفر الله كل يوم مائة مرة قال عياض المراد بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه ان يداوم عليه فإذا فتر عنه لامر ما عد ذلك ننبا فاستغفر عنه وقيل هو شئ يعترى القلب مما يقع من حديث النفس وقيل هو السكينة التي تغشى قلبه والاستغفار لاظهار العبودية لله والشكر لما اولاه وقيل هي حالة خشية واعظام والاستغفار شكرها ومن ثم قال المحاسبي خوف المتقربين خوف اجلال واعظام وقال الشيخ شهاب الدين السهروردي لا يعتقد ان الغين في حالة نقص بل هو كمال أو تتمة كمال ثم مثل ذلك بجفن العين حين يسبل ليدفع القذى عن العين مثلا فإنه يمنع العين من الرؤية فهو من هذه الحيثية نقص وفي الحقيقة هو كمال هذا محصل كلامه بعبارة طويلة قال فهكذا بصيرة النبي صلى الله عليه وسلم متعرضة للاغيرة الثائرة من انفاس الاغيار فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك انتهى وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي صلى الله عليه وسلم وهو معصوم والاستغفار يستدعى وقوع معصية وأجيب بعدة أجوبة

[ 86 ]

منها ما تقدم في تفسير الغين ومنها قول بن الجوزي هفوات الطباع البشرية لا يسلم منها أحد والانبياء وان عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار والراجح عصمتهم من الصغائر أيضا ومنها قول بن بطال الانبياء أشد الناس اجتهادا في العبادة لما اعطاهم الله تعالى من المعرفة فهم دائبون في شكره معترفون له بالتقصير انتهى ومحصل جوابه ان الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب لله تعالى ويحتمل ان يكون لاشتغاله بالامور المباحة من أكل أو شرب أو جماع أو نوم أو راحة أو لمخاطبة الناس والنظر في مصالحهم ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى وتأليف المؤلفة وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه ومشاهدته ومراقبته فيرى ذلك ذنبا بالنسبة إلى المقام العلي وهو الحضور في حظيرة القدس ومنها ان استغفاره تشريع لامته أو من ذنوب الامة فهو كالشفاعة لهم وقال الغزالي في الاحياء كان صلى الله عليه وسلم دائم الترقي فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها فاستغفر من الحالة السابقة وهذا مفرع على ان العدد المذكور في استغفاره كان مفرقا بحسب تعدد الاحوال وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك وقال الشيخ السهروردي لما كان روح النبي صلى الله عليه وسلم لم يزل في الترقي إلى مقامات القرب يستتبع القلب والقلب يستتبع النفس ولا ريب ان حركة الروح والقلب أسرع من نهضة النفس فكانت خطا النفس تقصر عن مداهما في العروج فاقتضت الحكمة ابطاء حركة القلب لئلا تنقطع علاقة النفس عنه فيبقى العباد محرومين فكان صلى الله عليه وسلم يفزع إلى الاستغفار لقصور النفس عن شأو ترقى القلب والله اعلم قوله باب التوبة أشار المصنف بإيراد هذين البابين وهما الاستغفار ثم التوبة في أوائل كتاب الدعاء إلى ان الاجابة تسرع إلى من لم يكن متلبسا بالمعصية فإذا قدم التوبة والاستغفار قبل الدعاء كان أمكن لاجابته وما الطف قول بن الجوزي إذ سئل أأسبح أو استغفر فقال الثوب الوسخ أحوج إلى الصابون من البخور والاستغفار استفعال من الغفران وأصله الغفر وهو الباس الشئ ما يصونه عما يدنسه وتدنيس كل شئ بحسبه والغفران من الله للعبد ان يصونه عن العذاب والتوبة ترك الذنب على أحد الاوجه وفي الشرع ترك الذنب لقبحه والندم على فعله والعزم على عدم العود ورد المظلمة ان كانت أو طلب البراءة من صاحبها وهي ابلغ ضروب الاعتذار لان المعتذر اما ان يقول لا افعل فلا يقع الموقع عند من اعتذر له لقيام احتمال انه فعل لا سيما ان ثبت ذلك عنده عنه أو بقول فعلت لاجل كذا ويذكر شيئا يقيم عذره وهو فوق الاول أو يقول فعلت ولكن اسأت وقد اقلعت وهذا أعلاه انتهى من كلام الراغب ملخصا وقال القرطبي في المفهم اختلفت عبارات المشايخ فيها فقائل يقول انها الندم واخر يقول انها العزم على ان لا يعود وآخر يقول الاقلاع عن الذنب ومنهم من يجمع بين الامور الثلاثة وهو اكملها غير انه مع ما فيه غير مانع ولا جامع اما اولا فلانه قد يجمع الثلاثة ولا يكون تائبا شرعا إذ قد يفعل ذلك شحا على ماله أو لئلا يعيره الناس به ولا تصح التوبة الشرعية الا بالاخلاص ومن ترك الذنب لغير الله لا يكون تائبا اتفاقا واما ثانيا فلانه يخرج منه من زنى مثلا ثم جب ذكره فإنه لا يتأتى منه غير الندم على ما مضى وأما العزم على عدم العود فلا يتصور منه قال وبهذا اغتر من قال ان الندم يكفي في حد التوبة وليس كما قال لانه لو ندم ولم يقلع وعزم على العود لم يكن

[ 87 ]

تائبا اتفاقا قال وقال بعض المحققين هي اختيار ترك ذنب سبق حقيقة أو تقديرا لاجل الله قال وهذا أسد العبارات وأجمعها لان التائب لا يكون تاركا للذنب الذي فرغ لانه غير متمكن من عينه لا تركا ولا فعلا وانما هو متمكن من مثله حقيقة وكذا من لم يقع منه ذنب انما يصح منه اتقاء ما يمكن ان يقع لاترك مثل ما وقع فيكون متقيا لا تائبا قال والباعث على هذا تنبيه الهي لمن أراد سعادته لقبح الذنب وضرره لانه سم مهلك يفوت على الانسان سعادة الدنيا والآخرة ويحجبه عن معرفة الله تعالى في الدنيا وعن تقريبه في الآخرى قال ومن تفقد نفسه وجدها مشحونة بهذا السم فإذا وفق انبعث منه خوف هجوم الهلاك عليه فيبادر بطلب ما يدفع به عن نفسه ضرر ذلك فحينئذ ينبعث منه الندم على ما سبق والعزم على ترك العود عليه قال ثم اعلم ان التوبة اما من الكفر واما من الذنب فتوبة الكافر مقبولة قطعا وتوبة العاصي مقبولة بالوعد الصادق ومعنى القبول الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجع كمن لم يعمل ثم توبة العاصي اما من حق الله واما من حق غيره فحق الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك على ما تقدم غير ان منه ما لم يكتف الشرع فيه بالترك فقط بل أضاف إليه القضاء أو الكفارة وح غير الله يحتاج إلى ايصالها لمستحقها والا لم يحصل الخلاص من ضرر ذلك الذنب لك من لم يقدر على الايصال بعد بذله الوسع في ذلك فعفو الله مأمول فإنه يضم التبعات ويبدل السيئات حسنات والله اعلم قلت حكى غيره عن عبد الله بن المبارك في شروط التوبة زيادة فقال الندم والعزم على عدم العود ورد المظلمة وأداء ما ضيع من الفرائض وان يعمد إلى البدن الذي رباه بالسحت فيذيبه بالهم والحزن حتى ينشأ له لحم طيب وان يذيق نفسه الم الطاعة كما اذاقها لذة المعصية قلت وبعض هذه الاشياء مكملات وقد تمسك من فسر التوبة بالندم بما أخرجه أحمد وابن ماجة وغيرهما من حديث بن مسعود رفعه الندم توبة ولا حجة فيه لان المعنى الحض عليه وانه الركن الاعظم في التوبة لا انه التوبة نفسها وما يؤيد اشتراط كونها لله تعالى وجود الندم على الفعل ولا يستلزم الاقلاع عن أصل تلك المعصية من قتل ولده مثلا وندم لكونه ولده وكمن بذل مالا في معصية ثم ندم على نقص ذلك المال مما عنده واحتج من شرط في صحة التوبة من حقوق العباد ان يرد تلك المظلمة بأن من غصب امة فزنى بها لا تصح توبته الا بردها لمالكها وان من قتل نفسا عمدا لا تصح توبته الا بتمكين نفسه من ولى الدم ليقتص أو يعفو قلت وهذا من جهة التوبة من الغصب ومن حق المقتول واضح ولكن يمكن ان تصح التوبة من العود إلى الزنا وان استمرت الامة في يده ومن العود إلى القتل وان لم يمكن من نفسه وزاد بعض من أدركناه في شروط التوبة أمورا أخرى منها ان يفارق موضع المعصية وان لا يصل في آخر عمره إلى الغرغرة وان لا تطلع الشمس من مغربها وان لا يعود إلى ذلك الذنب فان عاد إليه بان ان توبته باطلة قلت والاول مستحب والثاني والثالث داخلان في حد التكليف والرابع الاخير عزى للقاضي أبي بكر الباقلاني ويرده الحديث الآتي بعد عشرين بابا وقد أشرت إليه في باب فضل الاستغفار وقد قال الخليمي في تفسير التواب في الاسماء الحسنى انه العائد على عبده بفضل رحمته كلما رجع لطاعته وندم على معصيته فلا يحبط عنه ما قدمه من خير ولا يحرمه ما وعد به الطائع من الاحسان وقال الخطابي التواب الذي يعود إلى القبول كلما عاد العبد إلى الذنب وتاب قوله وقال قتادة توبة

[ 88 ]

نصوحا الصادقة الناصحة وصله عبد بن حميد من طريق شيبان عن قتادة مثله وقيل سميت ناصحة لان العبد ينصح نفسه فيها فذكرت بلفظ المبالغة وقرأ عاصم نصوحا بضم النون أي ذات نصح وقال الراغب النصح تجري قول أو فعل فيه صلاح تقول نصحت لك الود أي اخلصته ونصحت الجلد أي خطته والناصح الخياط والنصاح الخيط فيحتمل ان يكون قوله توبة نصوحا مأخوذا من الاخلاص أو من الاحكام وحكى القرطبي المفسر انه اجتمع له من أقوال العلماء في تفسير التوبة النصوح ثلاثة وعشرون قولا الاول قول عمر ان يذنب الذنب ثم لا يرجع وفي لفظ ثم لا يعود فيه أخرجه الطبري بسند صحيح عن بن مسعود مثله وأخرجه أحمد مرفوعا واخرج بن أبي حاتم من طريق زر بن حبيش عن أبي بن كعب انه سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان يندم إذا اذنب فيستغفر ثم لا يعود إليه وسنده ضعيف جدا الثاني ان يبغض الذنب ويتسغفر منه كلما ذكره أخرجه بن أبي حاتم عن الحسن البصري الثالث قول قتادة المذكور قبل الرابع ان يخلص فيها الخامس ان يصير من عدم قبولها على وجل السادس ان لا يحتاج معها إلى توبة أخرى السابع ان يشتمل على خوف ورجاء ويدمن الطاعة الثامن مثله وزاد وان يهاجر من اعانه عليه التاسع ان يكون ذنبه بين عينيه العاشر ان يكون وجها بلاقفا كما كان في المعصية قفا بلا وجه ثم سرد بقية الاقوال من كلام الصوفية بعبارات مختلفة ومعان مجتمعة ترجع إلى ما تقدم وجميع ذلك من المكملات لا من شرائط الصحة والله اعلم قوله حدثنا أحمد بن يونس هو بن عبد الله بن يونس نسب إلى جده واشتهر بذلك وأبو شهاب شيخه اسمه عبد ربه بن نافع الحناط بالمهملة والنون وهو أبو شهاب الحناط الصغير وما أبو شهاب الحناط الكبير فهو في طبقة شيوخ هذا واسمه موسى بن نافع وليسا اخوين وهما كوفيان وكذا بقية رجال هذا السند قوله عن عمارة بن عمير فذكر المصنف تصريح الاعمش بالتحديث وتصريح شيخه عمارة وفي رواية أبي أسامة المعلقة بعد هذا وعمارة تيمى من بني تيم اللات بن ثعلبة كوفي من طبقة الاعمش وشيخه الحارث بن سويد تيمي أيضا وفي السند ثلاثة من التابعين في نسق اولهم الاعمش وهو من صغار التابعين وعمارة من اوساطهم والحارث من كبارهم قوله حديثين أحدهما عن النبي صلى الله عليه وسلم والاخر عن نفسه قال إن المؤمن فذكره إلى قوله فوق انفه ثم قال لله افرح بتوبة عبده هكذا وقع في هذه الرواية غير مصرح برفع أحد الحديثين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال النووي قالوا المرفوع لله افرح الخ والاول قول بن مسعود وكذا جزم بن بطال بأن الاول هو الموقوف والثاني هو المرفوع وهو كذلك ولم يقف بن التين على تحقيق ذلك فقال أحد الحديثين عن بن مسعود والاخر عن النبي صلى الله عليه وسلم فلم يزد في الشرح على الاصل شيئا وأغرب الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة في مختصره فأفرد أحد الحديثين من الاخر وعبر في كل منهما بقوله عن بن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم وليس ذلك في شئ من نسخ البخاري ولا التصريح برفع الحديث الاول إلى النبي صلى الله عليه وسلم في شئ من نسخ كتب الحديث الا ما قرأت في شرح مغلطاي انه روى مرفوعا من طريق وهاها أبو أحمد الجرجاني يعني بن عدي وقد وقع بيان ذلك في الرواية المعلقة وكذا وقع البيان في رواية مسلم مع كونه لم يسق حديث بن مسعود الموقوف ولفظه من طريق جرير عن الاعمش عن عمارة عن

[ 89 ]

الحارث قال دخلت على بن مسعود اعوده وهو مريض فحدثنا بحديثين حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لله أشد فرحا الحديث قوله ان المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف ان يقع عليه قال بن أبي جمرة السبب في ذلك ان قلب المؤمن منور فإذا رأى من نفسه ما يخالف ما ينور به قلبه عظم الامر عليه والحكمة في التمثيل بالجبل ان غيره من المهلكات قد يحصل التسبب إلى النجاة منه بخلاف الجبل إذا سقط على الشخص لا ينجو منه عادة وحاصله ان المؤمن يغلب عليه الخوف لقوة ما عنده من الايمان فلا يأمن العقوبة بسببها وهذا شأن المسلم انه دائم الخوف والمراقبة يستصغر عمله الصالح ويخشى من صغير عمله السئ قوله وان الفاجر يرى ذنوبه كذباب في رواية أبي الربيع الزهراني عن أبي شهاب عند الاسماعيلي يرى ذنوبه كأنها ذباب مر على انفه أي ذنبه سهل عنده لا يعتقد انه يحصل له بسببه كبير ضرر كما ان ضرر الذباب عنده سهل وكذا دفعه عنه والذباب بضم المعجمة وموحدتين الاولى خفيفة بينهما الف جمع ذبابة وهي الطير المعروف قوله فقال به هكذا أي تجاه بيده أو دفعه هو من إطلاق القول على الفعل قالوا وهو ابلغ قوله قال أبو شهاب هو موصول بالسند المذكور قوله بيده على انفه هو تفسير منه لقوله فقال به قال المحب الطبري انما كانت هذه صفة المؤمن لشدة خوفه من الله ومن عقوبته لانه على يقين من الذنب وليس على يقين من المغفرة والفاجر قليل المعرفة بالله فلذلك قل خوفه واستهان بالمعصية وقال بن أبي جمرة السبب في ذلك ان قلب الفاجر مظلم فوقوع الذنب خفيف عنده ولهذا تجد من يقع في المعصية إذا وعظ يقول هذا سهل قال ويستفاد من الحديث ان قلة خوف المؤمن ذنوبه وخفته عليه يدل على فجوره قال والحكمة في تشبيه ذنوب الفاجر بالذباب كون الذباب اخف الطير واحقره وهو مما يعاين ويدفع بأقل الاشياء قال وفي ذكر الانف مبالغة في اعتقاده خفة الذنب عنده لان الذباب قلما ينزل على الانف وانما يقصد غالبا العين قال وفي اشارته بيده تأكيد للخفة أيضا لانه بهذا القدر اليسير يدفع ضرره قال وفي الحديث ضرب المثل بما يمكن وارشاد إلى الحض على محاسبة النفس واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الايمان وفيه ان الفجور أمر قلبي كالايمان وفيه دليل لاهل السنة لانهم لا يكفرون بالذنوب ورد على الخوارج وغيرهم ممن يكفر بالذنوب وقال بن بطال يؤخذ منه انه ينبغي ان يكون المؤمن عظيم الخوف من الله تعالى من كل ذنب صغيرا كان أو كبيرا لان الله تعالى قد يعذب على القليل فإنه لا يسأل عما يفعل سبحانه وتعالى قوله ثم قال لله افرح بتوبة العبد من رجل نزل منزلا في رواية أبي الربيع المذكورة بتوبة عبده المؤمن وعند مسلم من رواية جرير ومن رواية أبي أسامة لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن وكذا عنده من حديث أبي هريرة وإطلاق الفرح في حق الله مجاز عن رضاه قال الخطابي معنى الحديث ان الله ارضى بالتوبة واقبل لها والفرح الذي يتعارفه الناس بينهم غير جائز على الله وهو كقوله تعالى كل حزب بما لديهم فرحون أي رضون وقال بن فورك الفرح في اللغة السرور ويطلق على البطر ومنه ان الله لا يحب الفرحين وعلى الرضا فان كل من يسر بشئ ويرضى به يقال في حقه فرح به قال بن العربي كل صفة تقتضي التغير لا يجوز ان يوصف الله بحقيقتها فان ورد شئ من ذلك حمل على

[ 90 ]

معنى يليق به وقد يعبر عن الشئ بسببه أو ثمرته الحاصلة عنه فان من فرح بشئ جاد لفاعله بما سأل وبذل له ما طلب فعبر عن عطاء الباري وواسع كرمه بالفرح وقال بن أبي جمرة كنى عن إحسان الله التائب وتجاوزه عنه بالفرح لان عادة الملك إذا فرح بفعل أحد ان يبالغ في الاحسان إليه وقال القرطبي في المفهم هذا مثل قصد به بيان سرعة قبول الله توبة عبده التائب وانه يقبل عليه بمغفرته ويعامله معاملة من يفرح بعمله ووجه هذا المثل ان العاصي حصل بسبب معصية في قبضة الشيطان وأسره وقد اشرف على الهلاك فإذا لطف الله به ووفقه للتوبة خرج من شؤم تلك المعصية وتخلص من اسر الشيطان ومن المهلكة التي اشرف عليها فأقبل الله عليه بمغفرته وبرحمته وإلا فالفرح الذي هو من صفات المخلوقين محال على الله تعالى لانه اهتزاز وطرب يجده الشخص من نفسه عند ظفره بغرض يستكمل به نقصانه ويسد به خلته أو يدفع به عن نفسه ضررا أو نقصا وكل ذلك محال على الله تعالى فإنه الكامل بذاته الغني بوجوده الذي لا يلحقه نقص ولا قصور لكن هذا الفرح له عندنا ثمرة وفائدة وهو الاقبال على الشئ المفروح به واحلاله المحل الاعلى وهذا هو الذي يصح في حقه تعالى فعبر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسمية الشئ باسم ما جاوره أو كان منه بسبب وهذا القانون جار في جميع ما اطلقه الله تعالى على صفة من الصفات التي لا تليق به وكذا ما ثبت بذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله هو مهلكة كذا في الروايات التي وقفت عليها من صحيح البخاري بواو مفتوحة ثم موحدة خفيفة مكسورة ثم هاء ضمير ووقع عند الاسماعيلي في رواية أبي الربيع عن أبي شهاب بسند البخاري فيه بدوية بموحدة مكسورة ودال مفتوحة ثم واو ثقيلة مكسروة ثم تحتانية مفتوحة ثم هاء تأنيث وكذا في جميع الروايات خارج البخاري عند مسلم وأصحاب السنن والمسانيد وغيرهم وفي رواية لمسلم في ارض دوية مهلكة وحكى الكرماني انه وقع في نسخة من البخاري وبيئة وزن فعيلة من الوباء ولم اقف انا على ذلك في كلام غيره ويلزم عليه ان يكون وصف المذكر وهو المنزل بصفة المؤنث في قوله وبيئة مهلكة وهو جائز على إرادة البقعة والدوية هي القفر والمفازة وهي الداوية باشباع الدال ووقع كذلك في رواية لمسلم وجمعها داوي قال الشاعر اروع خراج من الداوي قوله مهلكة فتح الميم واللام بينهما هاء ساكنة يهلك من حصل بها وفي بعض النسخ بضم المى وكسر اللام من الرباعي أي تهلكي من يحصل بها قوله عليها طعامه وشرابه زاد أبو معاوية عن الاعمش وما يصلحه أخرجه الترمذي وغيره قوله وقد ذهبت راحلته في رواية أبي معاوية فأضلها فخرج في طلبها وفي رواية جرير عن الاعمش عند مسلم فطلبها قوله حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله شك من أبي شهاب واقتصر جرير على ذكر العطش ووقع في رواية أبي معاوية حتى إذا أدركه الموت قوله قال ارجع بهمزة قطع بلفظ المتكلم قوله إلى مكاني فرجع فنام في رواية جرير ارج إلى مكاني الذي كنت فيه فأنام حتى اموت فوضع رأسه على ساعده ليموت وفي رواى أبي معاوية ارجع إلى مكاني الذي اضللنها فيه فأموت فيه فرجع إلى مكانه فغلبت عينه قوله فنام نومة ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده في رواية جرير فاستيقظ وعنده راحلته عليها زاده طعامه وشرابه وزاد أبو معاوية في روايته وما يصلحه قوله تابعه أبو عوانه هو الوضاح وجرير هو بن عبد الحميد عن الاعمش فأما متابعة أبي عوانة فوصلها

[ 91 ]

الاسماعيلي من طريق يحيى بن حماد عنه واما متابعة جرير فوصلها مسلم وقد ذكرت اختلاف لفظها قوله وقال أبو أسامة هو حماد بن أسامة حدثنا الاعمش حدثنا عمارة حدثنا الحارث يعني عن بن مسعود بالحديثين ومراده ان هؤلاء الثلاثة وافقوا أبا شهاب في إسناد هذا الحديث الا ان الاولين عن عناه وصرخ فيه أبو أسامة ورواية أبي أسامة وصلها مسلم أيضا وقال مثل حديث جرير قوله وقال شعبة وأبو مسلم زاد المستملي في روايته عن الفريري اسمه عبيد الله أي بالتصغير كوفي قائد الاعمش قلت واسم أبيه سعيد بن مسلم كوفي ضعفه جماعة لكن لما وافقه شعبة ترخص البخاري في ذكره وقد ذكره في تاريخه وقال في حديثه نظر وقال العقيلي يكتب حديثه وبنظر فيه ومراده ان شعبة وأبا مسلم خالفا أبا شهاب ومن تبعه في تسمية شيخ الاعمش فقال الاولون عمارة وقال هذان إبراهيم التيمي وقد ذكر الاسماعيلي ان محمد بن فضيل وشجاع بن الوليد وقطبه بن عبد العزيز وافقوا أبا شهاب على قوله عمارة عن الحارث ثم ساق رواياتهم وطريق قطبة عند مسلم أيضا قوله وقال أبو معاوية حدثنا الاعمش عن عمارة عن الاسود عن عبد الله وعن إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد عن عبد الله يعني ان أبا معاوية خالف الجميع فجعل الحديث عند الاعمش عن عمارة بن عمير وإبراهيم التيمي جميعا لكنه عند عمارة عن الاسود وهو بن يزيد النخعي وعند إبراهيم التيمي عن الحارث بن سويد وأبو شهاب ومن تبعه جعلوه عند عمارة عن الحارث بن سويد ورواية أبي معاوية لم اقف عليها في شئ من السنن والمسانيد على هذين الوجهين فقد أخرجه الترمذي عن هناد بن السري والنسائي عن محمد بن عبيد والاسماعيلي من طريق أبي همام ومن طريق أبي كريب ومن طريق محمد بن طريف كلهم عن أبي معاوية كما قال أبو شهاب ومن تبعه وأخرجه النسائي عن أحمد بن حرب الموصلي عن أبي معاوية فجمع بين الاسود والحارث بن سويد وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق أبي كريب ولم أره من رواية أبي معاوية عن الاعمش عن إبراهيم التيمي وانما وجدته عند النسائي من رواية على بن مسهر عن الاعمش كذلك وفي الجملة فقد اختلف فيه على عمارة في شيخه هل هو الحارث بن سويد أو الاسود وتبين مما ذكرته انه عنده عنهما جميعا واختلف على الاعمش في شيخه هل هو عمارة أو إبراهيم التيمي وتبين أيضا انه عنده عنهما جميعا والراجح من الاختلاف كله ما قال أبو شهاب ومن تبعه ولذلك اقتصر عليه مسلم وصدر به البخاري كلامه فأخرجه موصولا وذكر الاختلاف معلقا كعادته في الاشارة إلى ان مثل هذا الخلاف ليس بقادح والله اعلم تنبيه ذكر مسلم حديث البراء لهذا الحديث المرفوع سببا وأوله كيف تقولون في رجل انفلتت من راحلته بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب وعليها له طعام وشراب فطلبها حتى شق عليه فذكر معناه وأخرجه بن حبان في صحيحه من حديث أبي هريرة مختصرا ذكروا الفرح عند رسول الله صلى الله عليه وسلم والرجل يجد ضالته فقال لله أشد فرحا الحديث قوله حدثني إسحاق قال أبو على الجياني يحتمل ان يكون بن منصور فان مسلما اخرج عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال حديثا غير هذا قلت وتقدم في البيوع في باب البيعان بالخيار في رواية أبي على بن ثبويه حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال فذكر حديثا غير هذا وهذا مما يقوى ظن أبي علي والله اعلم وحبان بفتح المهملة ثم الموحدة الثقيلة وهمام هو بن يحيى وقد نزل

[ 92 ]

البخاري في حديثه في السند الاول ثم علاه بدرجة في السند الثاني والسبب في ذلك انه وقع في السند النازل تصريح قتادة بتحديث أنس له ووقع في السند العالي بالعنعنة قوله سقط على بعيره أي صادفه وعثر عليه من غير قصد فظفر به ومنه قولهم على الخبير سقطت وحكى الكرماني ان في رواية سقط إلى بعيره أي انتهى إليه والاول أولى قوله وقد اضله أي ذهب منه بغير قصده قال بن السكيت اضللت بعيري أي ذهب مني وضللت بعيري أي لم اعرف موضعه قوله بفلاة أي مفازة إلى هنا انتهت رواية قتادة وزاد إسحاق بن أبي طلحة عن أنس فيه عند مسلم فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فاتى شجره فاضطجع في ظلها فبينا هو كذلك إذا بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح اللهم أنت عبدي وانا ربك أخطأ من شدة الفرح قال عياض فيه ان ما ناله الانسان من مثل هذا في حال دهشته وذهوله لا يؤاخذ به وكذا حكايته عنه على طريق علمي وفائدة شرعية لا على الهزل والمحاكاة والعبث ويدل على ذلك حكاية النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ولو كان منكرا ما حكاه والله اعلم قال بن أبي جمرة وفي حديث بن مسعود من الفوائد جواز سفر المرء وحده لانه لا يضرب الشارع المثل الا بما يجوز ويحمل حديث النهي على الكراهة جمعا ويظهر من هذا الحديث حكمة النهي قلت والحصر الاول مردود وهذه القصة تؤكد النهي قال وفيه تسمية المفازة التي ليس فيها ما يؤكل ولا يشرب مهلكة وفيه ان من ركن إلى ما سوى الله يقطع به أحوج ما يكون إليه لان الرجل ما نام في الفلاة وحده الا ركونا إلى ما معه من الزاد فلما اعتمد على ذلك خانه لولا ان الله لطف به وأعاد عليه ضالته قال بعضهم من سره ان لا يرى ما يسوؤه * فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا قال وفيه ان فرح البشر وغمهم انما هو على ما جرى به اثر الحكمة من العوائد يؤخذ من ذلك ان حزن المذكور انما كان على ذهاب راحلته لخوف الموت من اجل فقد زاده وفرحه بها انما كان من اجل وجدانه ما فقد مما تنسب الحياة إليه في العادة وفيه بركة الاستسلام لامر الله لان المذكور لما ايس من وجدان راحلته استسلم للموت فمن الله عليه برد ضالته وفيه ضرب المثل بما يصل إلى الافهام من الامور المحسوسة والارشاد إلى الحض على محاسبة النفس واعتبار العلامات الدالة على بقاء نعمة الايمان قوله باب الضجع على الشق الايمن الضجع بفتح أوله وسكون الجيم مصدر يقال ضجع الرجل يضجع ضجعا وضجوعا فهو ضاجع والمعنى وضع جنبه بالارض وفي رواية باب الضجعة وهو بكسر أوله لان المراد الهيئة ويجوز الفتح أي المرة وذكر فيه حديث عائشة في اضطجاعه صلى الله عليه وسلم بعد ركعتي الفجر وقد مضى شرحه في كتاب الصلاة وترجم له باب الضجع على الشق الايمن بعد ركعتي الفجر قال بن التين أصل اضطجع اضتجع بمثناة فأبدلوها طاءن ومنهم ما ابقاها ولم يدغموا الضاد فيها وحكى المازني الضجع بلام ساكنة قبل الضاد كراهة للجمع بين الضاد والطاء في النطق لثقله فجعل بدله اللام وذكر المصنف هذا الباب والذي بعده توطئة لما يذكر بعدهما من القول عند النوم قوله باب إذا بات طاهرا زاد أبو ذر في روايته وفضله وقد ورد في هذا المعنى عدة أحاديث ليست على شرطه منها حديث معاذ رفعه ما من مسلم يبيت على ذكر وطهارة فيتعار من الليل فيسأل الله خيرا من الدنيا والآخرة ألا أعطاه إياه أخرجه أبو داود والنسائي

[ 93 ]

وابن ماجة وأخرجه الترمذي من حديث أبي امامة نحوه واخرج بن حبان في صحيحه عن بن عمر رفعه من بات طاهرا بات في شعاره ملك فلا يستيقظ الا قال الملك اللهم اغفر لعبدك فلان واخرج الطبراني في الاوسط حديث بن عباس نحوه بسند جيدا قوله معتمر هو بن سليمان التيمي ومنصور هو بن المعتمر قوله عن سعد بن عبيدة كذا قال الاكثر وخالفهم إبراهيم بن طهمان فقال عن منصور عن الحكم عن سعد بن عبيدة زاد في الاسناد الحكم أخرجه النسائي وقد سأل بن أبي حاتم عنه أباه فقال هذا خطأ ليس فيه الحكم قلت فهو من المزيد في متصل الاسانيد قوله قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا لابي ذر وأبي زيد المروزي وسقط لفظ لي من رواية الباقين وفي رواية أبي إسحاق كما في الباب الذي يليه أمر رجلا وفي أخرى له اوصى رجلا وفي رواية أبي الاحوص عن أبي إسحاق الآتية في كتاب التوحيد عن البراء قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا فلان إذا أويت إلى فراشك الحديث وأخرجه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق عن البراء ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له الا أعلمك كلمات تقول إذ اويت إلى فراشك قوله إذا أتيت مضجعك أي إذا أردت ان تضطجع ووقع صريحا كذلك في رواية أبي إسحاق المذكورة ووقع في رواية فطر بن خليفة عن سعد بن عبيدة عند أبي داود والنسائي إذا اويت إلى فراشك وأنت طاهر فتوسد يمينك الحديث نحو حديث الباب وسنده جيد ولكن ثبت ذلك في اثناء حديث آخر سأشير إليه في شرح حديث حذيفة الاتي في الباب بعده وللنسائي من طريق الربيع بن البراء بن عازب قال قال البراء فذكر الحديث بلفظ من تكلم بهؤلاء الكلمات حين يأخذ جنبه من مضجعه بعد صلاة العشاء فذكر حديث الباب قوله فتوضأ وضوءك للصلاة الامر فيه للندب وله فوائد منها ان يبيت على طهارة لئلا يبغته الموت فيكون على هيئة كاملة ويؤخذ منه الندب إلى الاستعداد للموت بطهارة القلب لانه أولى من طهارة البدن وقد اخرج عبد الرزاق من طريق مجاهد قال قال لي بن عباس لا تبيتن الا على وضوء فان الارواح تبعث على ما قبضت عليه ورجاله ثقات الا أبا يحيى القتات هو صدوق فيه كلام ومن طريق أبي مراية العجلي قال من اوى إلى فراشه طاهرا ونام ذاكرا كان فراشه مسجدا وكان في صلاة وذكر حتى يستيقظ ومن طريق طاوس نحوه ويتأكد ذلك في حق المحدث ولا سيما الجنب وهو انشط للعود وقد يكون منشطا للغسل فيبيت على طهارة كاملة ومنها ان يكون اصدق لرؤياه وأبعد من تلعب الشيطان به قال الترمذي ليس في الاحاديث ذكر الوضوء عند النوم الا في هذا الحديث قوله ثم اضطجع على شقك بكسر المعجمة وتشديد القاف أي الجانب وخص الايمن لفوائد منها انه أسرع إلى الانتباه ومنها ان القلب متعلق إلى جهة اليمين فلا يثقل بالنوم ومنها قال بن الجوزي هذه الهيئة نص الاطباء على انها اصلح للبدن قالوا يبدأ بالاضطجاع على الجانب الايمن ساعة ثم ينقلب إلى الايسر لان الاول سبب لانحدار الطعام والنوم على اليسار يهضم لاشتمال الكبد على المعدة تنبيه هكذا وقع في رواية سعد بن عبيدة وأبي إسحاق عن البراء ووقع في رواية العلاء بن المسيب عن أبيه عن البراء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه كما سيأتي قريبا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اوى إلى فراشه نام على شقه الايمن ثم قال الحديث فيستفاد مشروعية هذا الذكر من قوله صلى الله عليه

[ 94 ]

وسلم ومن فعله ووقع عند النسائي من رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة عن البراء وزاد في أوله ثم قال بسم الله اللهم أسلمت نفسي إليك ووقع عند الخرائط في مكارم الاخلاق من وجه اخر عن البراء بلفظ كان إذا اوى إلى فراشه قال اللهم أنت ربي ومليكي والهي لا اله الا أنت إليك وجهت وجهي الحديث قوله وقل اللهم أسلمت وجهي إليك كذا لابي ذر وأبي زيد ولغيرهما أسلمت نفسي قيل الوجه والنفس هنا بمعنى الذات والشخص أي أسلمت ذاتي وشخصي لك وفيه نظر للجمع بينهما في رواية أبي إسحاق عن البراء الآتية بعد باب ولفظه أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك ووجهت وجهي إليك وجمع بينهما أيضا في رواية العلاء بن المسيب وزاد خصلة رابعة ولفظه أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري وألجأت ظهري إليك فعلى هذا فالمراد بالنفس هنا الذات وبالوجه القصد وأيد القرطبي هذا احتمالا بعد جزمه بالاول قوله أسلمت أي استسلمت وانقدت والمعنى جعلت نفسي منقادة لك تابعة لحكمك إذ لا قدرة لي على تدبيرها ولا على جلب ما ينفعها إليها ولا دفع ما يضرها عنها وقوله وفوضت أمري إليك أي توكلت عليكم في أمري كله وقوله وألجأت أي اعتمدت في أموري عليك لتكينني على ما ينفعني لان من استند إلى شئ تقوى به واستعان به وخصه بالظهر لان العادة جرت ان الانسان يعتمد بظهره إلى ما يستند إليه وقوله رغبة ورهبة إليك أي رغبة في رفدك وثوابك ورهبة أي خوفا من غضبك ومن عقابك قال بن الجوزي اسقط من مع ذكر الرهبة واعمل إلى مع ذكر الرغبة وهو على طريق الاكتفاء كقول الشاعر وزججن الحواجب والعيونا والعيون لا تزجج لكن لما جمعهما في نظم حمل أحدهما على الآخر في اللفظ وكذا قال الطيبي ومثل بقوله متقلدا سيفا ورمحا قلت ولكن ورد في بعض طرقه بإثبات من ولفظه رهبة منك ورغبة إليك أخرجه النسائي وأحمد من طريق حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة قوله لا ملجأ ولا منجأ منك الا إليك أصل ملجأ بالهمز ومنجا بغير همز ولكن لما جمعا جاز ان يهمزا للازدواج وان يترك الهمز فيهما وان يهمز المهموز ويترك الاخر فهذه ثلاثة أوجه ويجوز التنوين مع القصر فتصير خمسة قال الكرماني هذان اللفظان ان كانا مصدرين يتنازعان في منك وان كانا ظرفين فلا إذ اسم المكان لا يعمل وتقديره لا ملجأ منك إلى أحد الا إليك ولا منجا منك الا إليك وقال الطيبي في نظم هذا الذكر عجائب لا يعرفها الا المتقن من أهل البيان فأشار بقوله أسلمت نفسي إلى ان جوارحه منقادة لله تعالى في اوامره ونواهيه وبقوله وجهت وجهي إلى ان ذاته مخلصة له بريئة من النفاق وبقوله فوضت أمري إلى ان أموره الخارجة والداخلة مفوضة إليه لا مدبر لها غيره وبقوله الجأت ظهري إلى انه بعد التفويض يلتجئ إليه مما يضره ويؤذيه من الاسباب كلها قال وقوله رغبة ورهبة منصوبان على المفعول له على طريف اللف والنشر أي فوضت اموري إليك رغبة وألجأت ظهري إليك رهبة قوله آمنت بكتابك الذي أنزلت يحتمل ان يريد به القرآن ويحتمل ان يريد اسم الجنس فيشمل كل كتاب انزل قوله ونبيك الذي أرسلت وقع في رواية أبي زيد المروزي ارسلته وأنزلته في الاول بزيادة الضمير فيهما قوله فإن مت مت على الفطرة في رواية أبي الاحوص عن أبي إسحاق الآتية في التوحيد من ليلتك وفي رواية المسيب بن رافع من قالهن ثم مات تحت ليلته قال الطيبي فيه إشارة إلى وقوع ذلك قبل ان

[ 95 ]

ينسلخ النهار من الليل وهو تحته أو المعنى بالتحت أي مت تحت نازل ينزل عليك في ليلتك وكذا معنى من في الرواية الاخرى أي من اجل ما يحدث في ليلتك وقوله على الفطرة أي على الدين القويم ملة إبراهيم فإنه عليه السلام اسلم واستسلم قال الله تعالى عنه جاربه بقلب سليم وقال عنه أسلمت لرب العالمين وقال فلما اسلما وقال بن بطا وجماعة المراد بالفطرة هنا دين الاسلام وهو بمعنى الحديث الاخر من كان اخر كلامه إله إلا الله دخل الجنة قال القرطبي في المفهم كذا قال الشيوخ وفيه نظر لانه إذا كان قائل هذه الكلمات المقتضية للمعاني التي ذكرت من التوحيد والتسليم والرضا الى ان يموت كمن يقول لا إله إلا الله ممن لم يخطر له شئ من هذه الامور فأين فائدة هذه الكلمات العظيمة وتلك المقامات الشريفة ويمكن ان يكون الجواب ان كلا منهما وان مات على الفطرة فبين الفطرتين ما بين الحالتين ففطرة الاول فطرة المقربين وفطرة الثاني فطرة أصحاب اليمين قلت وقع في رواية حصين بن عبد الرحمن عن سعد بن عبيدة في آخره عند أحمد بدل قوله مات على الفطرة بنى له بيت في الجنة وهو يؤيد ما ذكره القرطبي ووقع في اخر الحديث في التوحيد من طريق أبي إسحاق عن البراء وان أصبحت أصبت خيرا وكذا لمسلم والترمذي من طريق بن عيينة عن أبي إسحاق فإن أصبحت أصبحت وقد أصبت خيرا وهو عند مسلم من طريق حصين عن سعد بن عبيدة ولفظه وان أصبح أصاب خيرا أي صلاحا في المال وزيادة في الاعمال قوله فقلت كذا لابي ذر وأبي زيد المروزي ولغيرهما فجعلت استذكرهن أي أتحفظهن ووقع في رواية الثوري عن مقصود الماضية في اخر كتاب الوضوء فرددتها أي رددت تلك الكلمات لاحفظهن ولمسلم من رواية جرير رواية جرير عن منصور فرددتهن لاستذكرهن وله وبرسولك الذي أرسلت قالا وبنبيك الذي أرسلت في رواية جرير عن منصور تبعا لغيره هذا حجة لمن لم يجز نقل الحديث بالمعنى وهو الصحيح من مذهب مالك فإن لفظ النبوة والرسالة مختلفان في أصل الوضع فإن النبوة من النبأ وهو الخبر فالنبي في العرف هو المنبأ من جهة الله بأمر يقتضي تكليفا وان أمر بتبليغه إلى غيره فهو رسول والا فهو نبي غير رسول وعلى هذا فكل رسول نبي بلا عكس فإن النبي والرسول اشتركا في أمر عام وهو النبأ وافترقا في الرسالة فإذا قلت فلان رسول تضمن انه نبي رسول وإذا قلت فلان نبي لم يستلزم انه رسول فأراد صلى الله عليه وسلم ان يجمع بينهما في اللفظ لاجتماعهما فيه حتى يفهم من كل واحد منهما من حيث النطق ما وضع له وليخرج عما يكون شبه التكرار في اللفظ من غير فائدة فإنه إذا قال ورسولك فقد فهم منه انه أرسله فإذا قال الذي أرسلت صار كالحشو الذي لا فائدة فيه بخلاف قوله ونبيك الذي أرسلت فلا تكرار فيه لا متحققا ولا متوهما انتهى كلامه وقوله صار كالحشو متعقب لثبوته في أفصح الكلام كقوله تعالى وما ارسلنا من رسول الا بلسان قومه إذا ارسلنا اليكم رسولا شاهدا عليكم هو الذي أرسل رسوله بالهدى ومن غير هذا اللفظ يوم ينادي المنادي إلى غير ذلك فالاولى حذف هذا الكلام الاخير والاقتصار على قوله ونبيك الذي أرسلت في هذا المقام افيد من قوله ورسولك الذي أرسلت لما ذكر والذي ذكره في الفرق بين الرسول والنبي مقيد بالرسول البشرى والا فإطلاق الرسول كما في اللفظ هنا يتناول الملك كجبريل مثلا فيظهر لذلك فائدة أخرى وهي تعين البشرى دون الملك فيخلص الكلام من اللبس واما الاستدلال به

[ 96 ]

على منع الرواية بالمعنى ففيه نظر لان شرط الرواية بالمعنى ان يتفق اللفظان في المعنى المذكور وقد تقرر ان النبي والرسول متغايران لفظا ومعنى فلا يتم الاحتجاج بذلك قيل وفي الاستدلال بهذا الحديث لمنع الرواية بالمعنى مطلقا نظر وخصوصا ابدال الرسول بالنبي وعكسه إذا وقع في الرواية لان الذات المحدث عنها واحدة فالمراد يفهم بأي صفة وصف بها الموصوف إذا ثبتت الصفة له وهذا بناء على ان السبب في منع الرواية بالمعنى ان الذي يستجيز ذلك قد يظن يوفى بمعنى اللفظ الاخر ولا يكون كذلك في نفس الامر كما عهد في كثير من الاحاديث فالاحتياط الاتيان باللفظ فعلى هذا إذا تحقق بالقطع ان المعنى فيهما متحد لم يضر بخلاف ما إذا اقتصر على الظن ولو كان غالبا وأولى ما قيل في الحكمة في رده صلى الله عليه وسلم على من قال الرسول بدل النبي ان ألفاظ الاذكار توقيفية ولها خصائص وأسرار لا يدخلها القياس فتجب المحافظة على اللفظ الذي وردت به وهذا الاختيار المازري قال فيقتصر فيه على اللفظ الوارد بحروفه وقد يتعلق الجزاء بتلك الحروف ولعله اوحى إليه بهذه الكلمات فيتعين اداؤها بحروفها وقال النووي في الحديث ثلاث سنن احداها الوضوء عند النوم وان كان متوضئا كفاه لان المقصود النوم على طهارة ثانيها النوم على اليمين ثالثها الختم بذكر الله وقال الكرماني هذا الحديث يشتمل على الايمان بكل ما يجب الايمان به إجمالا من الكتب والرسل من الالهيات والنبويات وعلى إسناد الكل إلى الله من الذوات والصفات والافعال لذكر الوجه والنفس والامر وإسناد الظهر مع ما فيه من التوكل على الله والرضا بقضائه وهذا كله بحسب المعاش وعلى الاعتراف بالثواب والعقاب خيرا وشرا وهذا بحسب المعاد تنبيه وقع عند النسائي في رواية عمرو بن مرة عن سعد بن عبيدة في أصل الحديث امنت بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت وكأنه لم يسمع من سعد بن عبيدة الزيادة التي في اخره فروى بالمعنى وقد وقع في رواية أبي إسحاق عن البراء نظير ما في رواية منصور عن سعد بن عبيدة أخرجه الترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن أبي إسحاق وفي آخره قال البراء فقلت وبرسولك الذي أرسلت فطعن بيده في صدري ثم قال ونبيك الذي أرسلت وكذا اخرج النسائي من طريق فطر بن خليفة عن أبي إسحاق ولفظه فوضع يده في صدري نعم اخرج الترمذي من حديث رافع بن خديج ان النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا اضطجع أحدكم على يمينه ثم قال فذكر نحو الحديث وفي آخره اؤمن بكتابك الذي أنزلت وبرسولك الذي أرسلت هكذا فيه بصيغة الجمع وقال حسن غريب فإن كان محفوظا فالسر فيه حصول التعميم الذي دلت عليه صيغة الجمع صريحا فدخل فيه جميع الرسل من الملائكة والبشر فأمن اللبس ومنه قوله تعالى كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والله اعلم صلى الله عليه وسلم قوله باب ما يقول إذا نام سقطت هذه الترجمة لبعضهم وثبتت للاكثر قوله سفيان هو الثوري وعبد الملك هو بن عمير وثبت في رواية أبي ذر وأبي زيد المروزي عن عبد الملك بن عمير قوله إذا أو إلى فراشه أي دخل فيه وفي الطريق الآتية قريبا إذا اخذ مضجعه وأوى بالقصر واما قوله الحمد لله الذي آوانا فهو بالمد ويجوز فيه القصر والضابط في هذه اللفظة انها مع اللزوم تمد في الافصح ويجوز القصر وفي التعدي بالعكس قوله باسمك اموت وأحيا أي يذكر اسمك احيا ما حييت وعليه اموت وقال القرطبي قوله باسمك اموت يدل على ان الاسم هو المسمى وهو كقوله تعالى سبح اسم

[ 97 ]

ربك الاعلى أي سبح ربك هكذا قال جل الشارحين قال واستفدت من بعض المشايخ معنى اخر وهو ان الله تعالى سمى نفسه بالاسماء الحسنى ومعانيها ثابتة له فكل ما صدر في الوجود فهو صادر عن تلك المقتضيات فكأنه قال باسمك المحيي احيا وباسمك المميت اموت انتهى ملخصا والمعنى الذي صدرت به أليق وعليه فلا يدل ذلك على ان الاسم غير المسمى ولا عينه ويحتمل ان يكون لفظ الاسم هنا زائدا كما في قول الشاعر إلى الحول ثم اسم السلام عليكما قوله وإذا قام قال الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا قال أبو إسحاق الزجاج النفس التي تفارق الانسان عند النوم هي التي للتمييز والتي تفارقه عند الموت هي التي للحياة وهي التي يزول معها التنفس وسمى النوم موتا لانه يزول معه العقل والحركة تمثيلا وتشبيها قاله في النهاية ويحتمل ان يكون المراد بالموت هنا السكون كما قالوا ماتت الريح أي سكنت فيحتمل ان يكون اطلق الموت على النائم بمعنى إرادة سكون حركته لقوله تعالى وهو الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه قاله الطيبي قال وقد يستعار الموت للاحوال الشاقة كالفقر والذل والسؤال والهرم والمعصية والجهل وقال القرطبي في المفهم النوم والموت يجمعهما انقطاع تعلق الروح بالبدن وذلك قد يكون ظاهرا وهو النوم ولذا قيل النوم أخو الموت وباطنا وهو الموت فإطلاق الموت على النوم يكون مجازا لاشتراكهما في انقطاع تعلق الروح بالبدن وقال الطيبي الحكمة في إطلاق الموت على النوم ان انتفاع الاسنان بالحياة انما هو لتحري رضا الله عنه وقصد طاعته واجتناب سخطه وعقابه فمن نام زال عنه هذا الانتفاع فكان كالميت فحمد الله تعالى على هذه النعمة وزوال ذلك المانع قال وهذا التأويل موافق للحديث الاخر الذي فيه وان ارسلتها فاحفظها بما تحفظ به عبادك الصالحين وينتظم معه قوله واليه النشور أي واليه المرجع في نيل الثواب بما يكتسب في الحياة قلت والحديث الذي أشار إليه سيأتي مع شرحه قريبا قوله واليه النشور أي البعث يوم القيامة والاحياء بعد إلا ماتة يقال نشر الله الموتى فنشروا أي احياهم فحيوا قوله تنشرها تخرجها كذا ثبت هذا في رواية السرخسي وحده وقد أخرجه الطبري من طريق علي بن أبي طلحة عن بن عباس بذلك وذكرها بالزاي من انشزه إذا رفعه بتدريج وهي قراءة الكوفيين وابن عامر واخرج من طريق بن أبي نجيح عن مجاهد قال ننشرها أي نحييها وذكرها بالراء من انشرها أي احياها ومنه ثم إذا شاء انشره وهي قراءة أهل الحجاز وأبي عمرو قال والقراءتان متقاربتان في المعنى وقرئ في الشاذ بفتح أوله بالراء وبالزاي أيضا وبضم التحتانية معهما أيضا قوله عن أبي إسحاق هو السبيعي سمعت البراء ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا ح وحدثنا ادم حدثنا شعبة حدثنا أبو إسحاق الهمداني عن البراء بن عازب كذا للاكثر وفي رواية السرخسي عن أبي إسحاق سمعت البراء والاول اصوب والا لكان موافقا للرواية الاولى من كل جهة ولاحمد عن عفان عن شعبة أمر رجلا من الانصار وقد تقدم شرح هذا الحديث مستوفى في الباب قبله تنبيهان الاول لشعبة في هذا الحديث شيخ اخر أخرجه النسائي من طريق غندر عنه عن مهاجر أبي الحسن عن البراء وغندر من اثبت الناس في شعبة ولكن لا يقدح ذلك في رواية الجماعة عن شعبة فكأن لشعبة فيه شيخين الثاني وقع في رواية شعبة عن أبي إسحاق في هذا الحديث عن البراء لا ملجأ ولا منجا منك الا إليك وهذا القدر من الحديث مدرج لم يسمعه أبو إسحاق من

[ 98 ]

البراء وان كان ثابتا في غير رواية أبي إسحاق عن البراء وقد بين ذلك إسرائيل عن جده أبي إسحاق وهو من اثبت الناس فيه أخرجه النسائي من طريقه فساق الحديث بتمامه ثم قال كان أبو إسحاق يقول لا ملجأ ولا منجا منك الا إليك لم اسمع هذا من البراء سمعتهم يذكرونه عنه وقد أخرجه النسائي أيضا من وجه اخر عن أبي إسحاق عن هلال بن يساف عن البراء قوله باب وضع اليد تحت الخد اليمنى كذا فيه بتأنيث الخد وهو لغ ذكر فيه حديث حذيفة المذكور في الباب الذي قبله وفيه وضع يده تحت خده قال الاسماعيلي ليس فيه ذكر اليمنى وانما ذلك وقع في رواية شريك ومحمد بن جابر عن عبد الملك بن عمير قلت جرى البخاري على عادته في الاشارة إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وطريق شريك هذه أخرجها أحمد من طريقه وفي الباب عن البراء أخرجه النسائي من طريق أبي خيثمة والثوري عن أبي إسحاق عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اوى إلى فراشه وضع يده اليمنى تحت خده الايمن وقال اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك وسنده صحيح وأخرجه أيضا بسند صحيح عن حفصة وزاد يقول ذلك ثلاثا قوله باب النوم على الشق الايمن تقدمت فوائد هذه الترجمة قريبا وبين النوم والضجع عموم وخصوص وجهي قوله العلاء بن المسيب عن أبيه هو بن رافع الكاهلي ويقال الثعلبي بمثلثة ثم مهملة يكنى أبا العلاء وكان من ثقات الكوفيين وما لولده العلاء في البخاري الا هذا الحديث واخر تقدم في غزوة الحديبية وهو ثقة قال الحاكم له أوهام تنبيه وقع في مستخرج أبي نعيم في هذا الموضع ما نصه لسترهبوهم من الرهبة ملكوت ملك مثل رهبوت ورحموت تقول ترهب خير من ان ترحم انتهى ولم أره لغيره هنا وقد تقدم قوله استرهبوهم من الرهبة في تفسير سورة الاعراف وباقيه تقدم في تفسير الانعام وتكلمت عليه هناك وبينت ما وقع في سياق أبي ذر فيه من تغيير وان الصواب كالذي وقع هنا والله اعلم قوله باب الدعاء إذا انتبه من الليل في رواية الكشميهني بالليل ووقع عندهم في أول التهجد في أواخر كتاب الصلاة بالعكس ذكر فيه حديثين عن بن عباس الاول قوله عن سفيان هو الثوري وسلمة هو بن كهيل قوله بت عند ميمونة تقدم شرحه مضموما إلى ما في ثاني حديثي الباب في أول أبواب الوتر دون ما في اخره من الدعاء فأحلت به على ما هنا وقوله فيه فغسل وجهه كذا لابي ذر ولغيره غسل بغير فاء وقوله شناقها بكسر المعجمة وتخفيف النون ثم قاف هو رباط القزي يشد عنقها فشبه بما يشنق به وقيل هو ما تعلق به ورجح أبو عبيد الاول قوله وضوءا بين وضوءين قد فسره بقوله لم يكثر وقد ابلغ وهو يحتمل ان يكون قلل من الماء مع التثليث أو اقتصر على دون الثلاث ووقع في رواية شعبة عن سلمة عند مسلم وضوءا حسنا ووقع عند الطبراني من طريق منصور بن معتمر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في هذه القصة والى جانبه مخضب من برام مطبق عليه سواك فاستن به ثم توضأ قوله اتقيه بمثناه ثقيلة وقاف مكسورة كذا للنسفي وطائفة قال الخطابي أي ارتقبه وفي رواية بتخفيف النون وتشديد القاف ثم موحدة من التنقيب وهو التفتيش وفي رواية القابسي ابغيه بسكون الموحدة بعدها معجمة مكسروة ثم تحتانية أي اطلبه وللاكثر ارقبه

[ 99 ]

وهي أوجه قوله فتتامت بمثناتين أي تكاملت وهي رواية شعبة عن سلمة عند مسلم وله فنام حتى نفخ وكان إذا قام نفخ في رواية مسلم ثم نام حتى نفخ وكنا نعرفه إذا نام بنفخه قوله وكان يقول في دعائه فيه إشارة إلى ان دعاءه حينئذ كان كثيرا وكان هذا من جملته وقد ذكر في ثاني حديثي الباب قوله اللهم أنت نور السماوات والارض الخ ووقع في رواية شعبة عن سلمة فكان يقول في صلاته وسجوده وسأذكر ان في رواية الترمذي زيادة في هذا الدعاء طويلة ووقع عند مسلم أيضا في رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه انه قال الذكر الاتي في الحديث الثاني أول ما قام قبل ان يدخل في الصلاة وقال هذا الدعاء المذكور في الحديث الاول وهو ذاهب إلى صلاة الصبح فأفاد ان الحديثين في قصة واحدة وأن تفريقهما صنيع الرواة وفي رواية الترمذي التي سيأتي التنبيه عليها انه صلى الله عليه وسلم قال ذلك حين فرغ من صلاته ووقع عند البخاري في الادب المفرد من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام من الليل يصلي فقضى صلاته يثنى على الله بما هو أهله ثم يكون اخر كلامه اللهم اجعل في قلبي نورا الحديث ويجمع بأنه كان يقول ذلك عند القرب من فراغه قوله اللهم اجعل في قلبي نور الخ قال الكرماني التنوين فيها للتعظيم أي نورا عظيما كذا قال وقد اقتصر في هذه الرواية على ذكر القلب والسمع والبصر والجهات الست وقال في آخره واجعل لي نورا ولمسلم عن عبد الله بن هاشم عن عبد الرحمن بن مهدي بسند حديث الباب وعظم لي نورا بتشديد الظاء المعجمة ولابي يعلى عن أبي خيثمة عن عبد الرحمن واعظم لي نورا أخرجه الاسماعيلي وأخرجه أيضا من رواية بندار عن عبد الرحمن وكذا لابي عوانة من رواية أبي حذيفة عن سفيان ولمسلم في رواية شعبة عن سلمة اجعل لي نورا أو قال واجعلني نورا هذه رواية غندر عن شعبة وفي رواية النضر عن شعبة واجعلني ولم يشك وللطبراني في الدعاء من طريق المنهال بن عمرو عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في اخره واجعل لي يوم القيامة نورا قوله قال كريب وسبع في التابوت قلت حاصل ما في هذه الرواية عشرة وقد أخرجه مسلم من طريق عقيل عن سلمة بن كهيل فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بتسع عشرة كلمة حدثنيها كريب فحفظت منها ثنتي عشرة ونسيت ما بقي فذكر ما في رواية الثوري هذه وزاد وفي لساني نورا بعد قوله في قلبي وقال في اخره واجعل لي في نفسي نورا واعظم لي نورا وهاتان ثنتان من السبع التي ذكر كريب انها في التابوت مما حدثه بعض ولد العباس وقد اختلف في مراده بقوله التابوت فجزم الدمياطي في حاشيته بأن المراد به الصدر الذي هو وعاء القلب وسبق بن بطال والداودي إلى ان المراد بالتابوت الصدر وزاد بن بطال كما يقال لمن يحفظ العلم علمه في التابوت مستودع وقال النووي تبعا لغيره المراد بالتابوت الاضلاع وما تحويه من القلب وغيره تشبيها بالتابوت الذي يحرز فيه المتاع يعني سبع كلمات في قلبي ولكن نسيتها قال وقيل المراد سبعة أنوار كانت مكتوبة في التابوت الذي كان لبني إسرائيل فيه السكينة وقال بن الجوزي يريد بالتابوت الصندوق أي سبع مكتوبة في صندوق عنده لم يحفظها في ذلك الوقت قلت ويؤيده ما وقع عند أبي عوانة من طريق أبي حذيفة عن الثوري بسند حديث الباب قال كريب وستة عندي مكتوبات في التابوت وجزم القرطبي في المفهم وغير واحد بان المراد بالتابوت الجسد أي ان السبع المذكورة تتعلق بجسد الانسان بخلاف أكثر

[ 100 ]

ما تقدم فإنه يتعلق بالمعاني كالجهات الست وان كان السمع والبصر من الجسد وحكى بن التين عن الداودي ان معنى قوله في التابوت أي في صحيفة في تابوت عند بعض ولد العباس قال والخصلتان العظم والمخ وقال الكرماني لعلهما الشحم والعظم كذا قالا وفيه نظر سأوضحه قوله فلقيت رجلا من ولد العباس قال بن بطال ليس كريب هو القائل فلقيت رجلا من ولد العباس وانما قاله سلمة بن كهيل الراوي عن كريب قلت هو محتمل وظاهر رواية أبي حذيفة ان القائل هو كريب قال بن بطال وقد وجدت الحديث من رواية علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه قال فذكر الحديث مطولا وظهرت منه معرفة الخصلتين اللتين نسيهما فان فيه اللهم اجعل في عظامي نورا وفي قبري نورا قلت بل الاظهر ان المراد بهما اللسان والنفس وهما اللذان زادهما عقيل في روايته عند مسلم وهما من جملة الجسد وينطبق عليه التأويل الاخير للتابوت وبذلك جزم القرطبي في المفهم ولا ينافيه ما عداه والحديث الذي أشار إليه أخرجه الترمذي من طريق داود بن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه عن جده سمعت نبي الله صلى الله عليه وسلم ليلة حين فرغ من صلاته يقول اللهم اني أسألك رحمة من عندك فساق الدعاء بطوله وفيه اللهم اجعل لي نورا في قبري ثم ذكر القلب ثم الجهات الست والسمع والبصر ثم الشعر والبشر ثم اللحم والدم والعظام ثم قال في اخره اللهم عظم لي نورا واعطني نورا واجعلني نورا قال الترمذي غريب وقد روى شعبة وسفيان عن سلمة عن كريب بعض هذا الحديث ولم يذكروه بطوله انتهى واخرج الطبري من وجه اخر عن علي بن عبد الله بن عباس عن أبيه في اخره وزدني نورا قالها ثلاثا وعند بن أبي عاصم في كتاب الدعاء من طريق عبد الحميد بن عبد الرحمن عن كريب في اخر الحديث وهب لي نورا على نور ويجتمع من اختلاف الروايات كما قال بن العربي خمس وعشرون خصلة قوله فذكر عصبي بفتح المهملتين وبعدهما موحدة قال بن التين هي اطناب المفاصل وقوله وبشرى بفتح الموحدة والمعجمة ظاهر الجسد قوله وذكر خصلتين أي تكملة السبعة قال القرطبي هذه الانوار التي دعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يمكن حملها على ظاهرها فيكون سأل الله تعالى ان يجعل له في كل عضو من اعضائه نورا يستضئ به يوم القيامة في تلك الظلم هو ومن تبعه أو من شاء الله منهم قال والاولى ان يقال هي مستعارة للعلم والهداية كما قال تعالى فهو على نور من ربه وقوله تعالى وجعلنا له نورا يمشي به في الناس ثم قال والتحقيق في معناه ان النور مظهر ما نسب إليه وهو يختلف بحسبه فنور السمع مظهر للمسموعات ونور البصر كاشف للمبصرات ونور القلب كاشف عن المعلومات ونور الجوارح ما يبدو عليها من أعمال الطاعات قال الطيبي معنى طلب النور للاعضاء عضوا عضوا ان يتحلى بأنوار المعرفة والطاعات ويتعرى عما عداهما فإن الشياطين تحيط بالجهات الست بالوساوس فكان التخلص منها بالانوار السادة لتلك الجهات قال وكل هذه الامور راجعه إلى الهداية والبيان وضياء الحق والى ذلك يرشد قوله تعالى الله نور السماوات والارض إلى قوله تعالى نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء انتهى ملخصا وكان في بعض ألفاظه مالا يليق بالمقام فحذفته وقال الطيبي أيضا خص السمع والبصر والقلب بلفظ لي لان القلب مقر الفكرة في آلاء الله والسمع والبصر مسارح آيات الله المصونة قال وخص اليمين والشمال بعن ايذانا بتجاوز الانوار عن قلبه وسمعه وبصره إلى من عن يمينه وشماله

[ 101 ]

من اتباعه وعبر عن بقية الجهات بمن ليشمل استنارته وانارته من الله والخلق وقوله في اخره واجعل لي نورا هي فذلك لذلك وتأكيد له قوله سفيان هو بن عيينة قوله كان إذا قام من الليل يتهجد تقدم شرحه مستوفى في أوائل التهجد وقوله في اخره لا اله الا أنت أو لا اله غيرك شك من الراوي ووقع في رواية للطبراني في اخره ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم قوله باب التكبير والتسبيح عند المنام أي والتحميد قوله عن الحكم هو بن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر فقيه الكوفة وقوله عن بن أبي ليلى هو عبد الرحمن وقوله عن علي قد وقع في النفقات عن بدل بن المحبر عن شعبة أخبرني الحكم سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى أنبأنا علي قوله ان فاطمة شكت ما تلقى في يدها من الرحى زاد بدل في روايته مما تطحن وفي رواية القاسم مولى معاوية عن علي عند الطبراني وأرته اثرا في يدها من الرحى وفي زوائد عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وصححه بن حبان من طريق محمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي اشتكت فاطمة مجمل يدها وهو بفتح الميم وسكون الجيم بعدها لام معناه التقطيع وقال الطبري المراد به غلظ اليد وكل من عمل عملا بكفه فغلظ جلدها قيل مجلت كفه وعند أحمد من رواية هبيرة بن يريم عن علي قلت لفاطمة لو أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فسألتيه خادما فقد اجهدك الطحن والعمل وعنده وعند بن سعد من رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن علي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم لما زوجه فاطمة فذكر الحديث وفيه فقال علي لفاطمة ذات يوم والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري فقالت وانا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي وقوله سنوت بفتح المهملة والنون أي استقيت من البئر فكنت مكان الساقية وهي الناقة وعند أبي داود من طريق أبي الورد بن ثمامة عن علي بن اعبد عن علي قال كانت عندي فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم فجرت بالرحى حتى اثرت بيدها واستقت بالقربة حتى اثرت في عنقها وقمت البيت حتى اغبرت ثيابها وفي رواية له وخبزت حتى تغير وجهها قوله فأتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما أي جارية تخدمها ويطلق أيضا على الذكر وفي رواية السائب وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي إليه فاستخدميه أي اسأليه خادما وزاد في رواية يحيى القطان عن شعبة كما تقدم في النفقات وبلغها انه جاءه رقيق وفي رواية بدل وبلغها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم اتى بسبي قوله فلم تجده في رواية القطان فلم تصادفه وفي رواية بدل فلم توافقه وهي بمعنى تصادفه وفي رواية أبي الورد فأتته فوجدت عنده حداثا بضم المهملة وتشديد الدال وبعد الالف مثلثة أي جماعة يتحدثون فاستحيت فرجعت فيحمل على ان المراد انها لم تجده في المنزل بل في مكان آخر كالمسجد وعنده من يتحدث معه قوله فذكرت ذلك لعائشة فلما جاء أخبرته في رواية القطان أخبرته عائشة زاد غندر عن شعبة في المناقب بمجئ فاطمة وفي رواية بدل فذكرت ذلك عائشة له وفي رواية محاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند جعفر الفريابي في الذكر والدارقطني في العلل وأصله في مسلم حتى أتت منزل النبي صلى الله عليه وسلم فلم توافقه فذكرت ذلك له أم سلمة بعد ان رجعت فاطمة ويجمع بان فاطمة التمسته في بيتي أمي المؤمنين وقد وردت القصة من حديث أم سلمة نفسها أخرجها الطبري في تهذيبه من طريق شهر بن حوشب عنها قالت جاءت فاطمة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تشكو إليه الخدمة فذكرت الحديث مختصرا وفي رواية السائب فأتت النبي صلى

[ 102 ]

الله عليه وسلم فقال ما جاء بك يا بنية قلت جئت لاسلم عليك واستحيت ان تسأله ورجعت فقلت ما فعلت قالت استحييت قالت وهذا مخالف لما في الصحيح ويمكن الجمع بأن تكون لم تذكر حاجتها اولا على ما في هذه الراوية ثم ذكرتها ثانيا لعائشة لما لم تجده ثم جاءت هي وعلي على ما في رواية السائب فذكر بعض الرواة ما لم يذكر بعض وقد اختصره بعضهم ففي رواية مجاهد الماضية في النفقات ان فاطمة اتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال الا أخبرك ما هو خير لك منه وفي رواية هببيرة فقالت انطلق معي فانطلقت معها فسألناه فقال الا ادلكما الحديث ووقع عند مسلم من حديث أبي هريرة ان فاطمة اتت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما وشكت العمل فقال ما الفيته عندنا وهو بالفاء أي ما وجدته ويحمل على ان المراد ما وجدته عندنا فاضلا عن حاجتنا إليه لما ذكر من انفاق اثمان السبي على أهل الصفة قوله فجاءنا وقد اخذنا مضاجعا زاد في رواية السائب فأتيناه جميعا فقلت بأبي يا رسول الله والله لقد سنوت حتى اشتكيت صدري وقالت فاطمة لقد طحنت حتى مجلت يداي وقد جاءك الله بسبي وسعة فأخدمنا فقال والله لا اعطيكما وادع أهل الصفة تطوي بطونهم لا أجد ما انفق عليهم ولكني ابيعهم وأنفق عليهم اثمانهم وقد أشار المصنف إلى هذه الزيادة في فرض الخمس وتكلمت على شرحها هناك ووقع في رواية عبيدة بن عمرو عن علي عند بن حبان من الزيادة فأتانا وعلينا قطيفة إذا لبسناها طولا خرجت منها جنوبنا وإذا لبسناها عرضا خرجت منها رؤوسنا وأقدامنا وفي رواية السائب فرجعا فأتاهما النبي صلى الله عليه وسلم وقد دخلا في قطيفة لهما إذا غطيا رؤوسهما تكشفت اقدامهما وإذا غطيا اقدامهما تكشفت رؤوسهما قوله فذهب اقوم وافقه غندر وفي رواية القطان فذهبنا نقوم وفي رواية يدل لنقوم وفي رواية السائب فقاما قوله فقال مكانك وفي رواية غندر مكانكما وهو بالنصب أي الزما مكانكما وفي رواية القطان وبدل فقال على مكانكما أي استمرا على ما أنتما عليه قوله فجلس بيننا في رواية غندر فقعد بدل جلس وفي رواية القطان فقعد بيني وبينها وفي رواية عمرو بن مرة عن بن أبي ليلى عند النسائي اتى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى وضع قدمه بيني وبين فاطمة قوله حتى وجدت برد قدميه هكذا هنا بالتثنية وكذا في رواية غندر وعند مسلم أيضا وفي رواية القطان بالافراد وفي رواية بدل كذلك بالافراد للكشميهني وفي رواية للطبري فسخنتهما وفي رواية عطاء عن مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عند جعفر في الذكر وأصله في مسلم من الزيادة فخرج حتى اتى منزل فاطمة وقد دخلت هي وعلي في اللحاف فلما استأذن هما ان يلبسا فقال كما أنتما اني أخبرت انك جئت تطلبين فما حاجتك قالت بلغني انه قدم عليك خدم فأحببت ان تعطيني خادما يكفيني الخبز والعجن فإنه قد شق علي قال فما جئت تطلبين احب إليك أو ما هو خير منه قال علي فغمزتها فقلت قولي ما هو خير منه احب الي قال فإذا كنتما على مثل حالكما الذي أنتما عليه فذكر التسبيح وفي رواية علي بن اعبد فجلس عند رأسها فأدخلت رأسها في اللفاع حياء من أبيها ويحمل على انه فعل ذلك اولا فلما تآنست به دخل معهما في الفراش مبالغة منه في التأنيس وزاد في رواية علي بن اعبد فقال ما كان حاجتك امس فسكنت مرتين فقلت انا والله أحدثك يا رسول الله فذكرته له ويجمع بين الروايتين بأنها اولا استحيت فتكلم على عنها فأنشطت للكلام فأكملت

[ 103 ]

القصة واتفق غالب الرواة على انه صلى الله عليه وسلم جاء إليهما ووقع في رواية شبث وهو بفتح المعجمة والموحدة بعدها مثلثة بن ربعي عن علي عند أبي داود وجعفر في الذكر والسياق له قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبي فانطلق علي وفاطمة حتى أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما اتى بكما قال علي شق علينا العمل فقال الا ادلكما وفي لفظ جعفر فقال علي لفاطمة ائت أباك فاسأليه ان يخدمك فأتت اباها حين امست فقال ما جاء بك يا بنية قالت جئت اسلم عليك واستحيت حتى إذا كانت القابلة قال ائت أباك فذكر مثله حتى إذا كانت الليلة الثالثة قال لها علي امشي فخرجا معا الحديث وفيه الا ادلكما على خير لكما من حمر النعم وفي مرسل علي بن الحسين عند جعفر أيضا ان فاطمة أنت النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما وبيدها اثر الطحن من قطب الرحى فقال إذا ويت إلى فراشك الحديث فيحتمل ان تكون قصة أخرى فقد اخرج أبو داود من طريق أم الحكم أو ضباعة بنت الزبير أي بن عبد المطلب قالت أصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سبيا فذهبت انا واختي فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم نشكو إليه ما نحن فيه وسألناه ان يأمر لنا بشئ من السبي فقال سبقكن يتامى بدر فذكر قصة التسبيح اثر كل صلاة ولم يذكر قصة التسبيح عند النوم فلعله علم فاطمة في كل مرة أحد الذكرين وقد وقع في تهذيب الطبري من طريق أبي امامة عن علي في قصة فاطمة من الزيادة فقال اصبري يا فاطمة ان خير النساء التي نفعت أهلها قوله فقال الا ادلكما على ما هو خير لكما من خادم في رواية بدل خير ما سألتماه وفي رواية غندر مما سألتماني وللقطان نحوه وفي رواية السائب الا اخبركما بخير مما سألتماني فقالا بلى فقال كلمات علمنيهن جبريل قوله إذا اويتما إلى فراشكما أو اخذتما مضاجعكما هذا شك من سليمان بن حرب وكذا في رواية القطان وجزم بدل وغندر بقوله إذا اخذتما مضاجعكما ولمسلم من رواية معاذ عن شعبة إذا اخذتما مضاجعكما من الليل وجزم في رواية السائب بقوله إذا اويتما إلى فراشكما وزاد في رواية تسبحان دبر كل صلاة عشرا وتحمدان عشرا وتكبران عشرا وهذه الزيادة ثابتة في رواية عطاء بن السائب عن أبيه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عند أصحاب السنن الاربعة في حديث أوله خصلتنان لا يحصيهما عبد الا دخل الجنة وصححه الترمذي وابن حبان وفيه ذكر ما يقال عند النوم أيضا ويحتمل ان كان حديث السائب عن علي محفوظا ان يكون على ذكر القصتين اللتين أشرت إليهما قريبا معا ثم وجدت الحديث في تهذيب الآثار للطبري فساقه من رواية حماد بن سلمة عن عطاء كما ذكرت ثم ساقه من طريق شعبة عن عطاء عن أبيه عن عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر عليا وفاطمة إذا اخذا مضاجعهما بالتسبيح والتحميد والتكبير فساق الحديث فظهر ان الحديث في قصة علي وفاطمة وان من لم يذكرهما من الرواة اختصر الحديث وان رواية السائب انما هي عن عبد الله بن عمرو وان قول من قال فيه عن علي لم يرد الوراية عن علي وانما معناه عن قصة علي وفاطمة كما في نظائره قوله فكبرا أربعا وثلاثين وسبحا ثلاثا وثلاثين واحمدا ثلاثا وثلاثين كذا هنا بصيغة الامر والجزم بأربع في التكبير وفي رواية بدل مثله ولفطه فكبرا الله ومثله للقطان لكن قدم التسبيح واخر التكبير ولم يذكر الجلالة وفي رواية عمرو بن مرة عن بن أبي ليلى وفي رواية السائب كلاهما مثله وكذا في رواية هبيرة عن علي وزاد في آخره فتلك مائة باللسان وألف

[ 104 ]

في الميزان وهذه الزيادة ثبتت أيضا في رواية هبيرة وعمارة بن عبد معا عن علي عند الطبراني وفي رواية السائب كما مضى وفي حديث أبي هريرة عند مسلم كالاول لكن قال تسبحين بصيغة المضارع وفي رواية عبيدة بن عمرو فأمرنا عند منامنا بثلاث وثلاثين وثلاث وثلاثين وأربع وثلاثين من تسبيح وتحميد وتكبير وفي رواية غندر للكشميهني مثل الاول وعن غير الكشميهني تكبران بصيغة المضارع وثبوت النون وحذفت في نسخة وهي اما على ان إذا تعمل عمل الشرط واما حذفت تخفيفا وفي رواياة مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى في النفقات بلفظ تسبحين الله عند منامك وقال في الجميع ثلاثا وثلاثين ثم قال في اخره قال سفيان رواية إحداهن أربع وفي رواية النسائي عن قتيبة عن سفيان لا أدري أيها أربع وثلاثون وفي رواية الطبري من طريق أبي امامة الباهلي عن علي في الجميع ثلاثا وثلاثين واختماها بلا اله الا الله وله من طريق محمد بن الحنفية عن علي وكبراه وهلللاه أربعا وثلاثين وله من طريق أبي مريم عن علي احمدا أربعا وثلاثين وكذا له في حديث أم سلمة وله من طريق هبيرة ان التهليل أربع وثلاثون ولم يذكر التحميد وقد أخرجه أحمد من طريق هبيرة كالجماعة وما عدا ذلك شاذ وفي رواية عطاء عن مجاهد عند جعفر وأصله عند مسلم اشك أيها أربع وثلاثون غير اني أظنه التكبير وزاد في اخره قال علي فما تركتها بعد فقالوا له ولا ليلة صفين فقال ولا ليلة صفين وفي رواية القاسم مولى معاوية عن علي فقيل لي وفي رواية عمرو بن مرة فقال له رجل وكذا في رواية هبيرة ولمسلم في رواية من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قلت ولا ليلة صفين وفي رواية جعفر الفريابي في الذكر من هذا الوجه قال عبد الرحمن قلت ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين وكذا أخرجه مطين في مسند على من هذا الوجه وأخرجه أيضا من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق حدثني هبيرة وهانئ بن هانئ وعمارة بن عبد انهم سمعوا عليا يقول فذكر الحديث وفي اخره فقال له رجل قال زهير أراه الاشعث بن قيس ولا ليلة صفين قال ولا ليلة صفين وفي رواية السائب فقال له بن الكواء ولا ليلة صفين فقال قاتلكم الله يا أهل العراق نعم ولا ليلة صفين وللبزار من طريق محمد بن فضيل عن عطاء بن السائب فقال له عبد الله بن الكواء والكواء بفتح الكاف وتشديد الواو مع المد وكان من أصحاب علي لكنه كان كثير التعنت في السؤال وقد وقع في رواية زيد بن أبي انيسة عن الحكم بسند حديث الباب فقال بن الكواء ولا ليلة صفين فقال ويحك ما أكثر ما تعنتني لقد ادركتها من السحر وفي رواية علي بن اعبد ما تركتهن منذ سمعتهن الا ليله صفين فإني ذكرتها من اخر الليل فقلتها وفي رواية له وهي عند جعفر أيضا في الذكر الا ليلة صفين فاني انسيتها حتى ذكرتها من اخر الليل وفي رواية شبث بن ربعي مثله وزاد فقلتها والاختلاف فإنه نفى ان يكون قالها أول الليل واثبت انه قالها في اخره واما الاختلاف في تسمية السائل فلا يؤثر لانه محمول على التعدد بدليل قوله في الرواية الاخرى فقالوا وفي هذا تعقب علي الكرماني حيث فهم من قول علي ولا ليلة صفين انه قالها من الليل فقال مراده انه لم يشتغل مع ما كان فيه من الشغل بالحرب عن قول الذكر المشار إليه فان في قول علي فأنسيتها التصريح بأنه نسيها أول الليل وقالها في اخره والمراد بليلة صفين الحرب التي كانت بين علي ومعاوية بصفين وهي بلد معروف بين العراق والشام واقام الفريقان بها عدة اشهر وكانت بينهم وقعات كثيرة لكن لم يقاتلوا في الليل إلا مرة واحدة وهي

[ 105 ]

ليلة الهرير بوزن عظيم سميت بذلك لكثرة ما كان الفرسان يهرون فيها وقتل بين الفريقين تلك الليلة عدة آلاف وأصبحوا وقد اشرف علي وأصحابه على النصر فرفع معاوية وأصحابه المصاحف فكان ما كان من الاتفاق على التحكيم وانصراف كل منهم إلى بلاده واستفدنا من هذه الزيادة ان تحديث علي بذلك كان بعد وقعة صفين بمدة وكانت صفين سنة سبع وثلاثين وخرج الخوارج على علي عقب التحكيم في أول سنة ثمان وثلاثين وقتلهم بالنهروان وكل ذلك مشهور مبسوط في تاريخ الطبري وغيره فائدة زاد أبو هريرة في هذه القصة مع الذكر المأثور دعاء اخر ولفظه عند الطبري في تهذيبه من طريق الاعمش عن أبي صالح عنه جاءت فاطمة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسأله خادما فقال الا أدلك على ما هو خير من خادم تسبحين فذكره وزاد وتقولين اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شئ منزل التوراة والانجيل والزبور والفرقان أعوذ بك من شر كل ذي شر ومن شر كل دابة أنت اخذ بناصيتها أنت الاول فليس قبلك شئ وأنت الاخر فليس بعدك شئ وأنت الظاهر فليس فوقك شئ وأنت الباطن فليس دونك شئ اقض عني الدين واغنني من الفقر وقد أخرجه مسلم من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه لكن فرقه حديثين وأخرجه الترمذي من طريق الاعمش لكن اقتصر على الذكر الثاني ولم يذكر التسبيح وما معه قوله وعن شعبة عن خالد هو الحذاء عن بن سيرين هو محمد قال التسبيح أربع وثلاثون هذا موقوف على بن سيرين وهو موصول بسند حديث الباب وظن بعضهم انه من رواية بن سيرين بسنده إلى علي وانه ليس من كلامه وذلك ان الترمذي والنسائي وابن حبان اخرجوا الحديث المذكور من طريق بن عون عن بن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي لكن الذي ظهر لي انه من قول بن سيرين موقوف عليه إذ لم يتعرض المصنف لطريق بن سيرين عن عبيدة وأيضا فإنه ليس في روايته عن عبيدة تعيين عدد التسبيح وقد أخرجه القاضي يوسف في كتاب الذكر عن سليمان بن حرب شيخ البخاري فيه بسنده هذا إلى بن سيرين من قوله فثبت ما قلته ولله الحمد ووقع في مرسل عروة عند جعفر ان التحميد اربع واتفاق الرواة على ان الاربع للتكبير أرجح قال بن بطال هذا نوع من الذكر عند النوم ويمكن ان يكون صلى الله عليه وسلم كان يقول جميع ذلك عند النوم وأشار لامته بالاكتفاء ببعضها اعلاما منه ان معناه الحض والندب لا الوجوب وقال عياض جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم اذكار عند النوم مختلفة بحسب الاحوال والاشخاص والاوقات وفي كل فضل قال بن بطال وفي هذا الحديث حجة لمن فضل الفقر على الغنى لقوله الا ادلكما على ما هو خير لكما من خادم فعلمهما الذكر فلو كان الغنى أفضل من الفقر لاعطاهما الخادم وعلمهما الذكر فلما منعهما الخادم وقصرهما على الذكر علم انه انما اختار لهما الافضل عند الله قلت وهذا انما يتم ان لو كان عنده صلى الله عليه وسلم من الخدام فضلة وقد صرح في الخبر انه كان محتاجا إلى بيع ذلك الرقيق لنفقته على أهل الصفة ومن ثم قال عياض لا وجه لمن استدل به على ان الفقير أفضل من الغني وقد اختلف في معنى الخيرية في الخبر فقال عياض ظاهره انه أراد ان يعلمهما ان عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا على كل حال وانما اقتصر على ذلك لما لم يمكنه إعطاء الخادم ثم علمهما إذ فإنهما ما طلباه ذكرا يحصل لهما اجرا أفضل مما سألاه وقال القرطبي انما احالهما على الذكر

[ 106 ]

ليكون عوضا عن الدعاء عند الحاجة أو لكونه احب لابنته ما احب لنفسه من إيثار الفقر وتحمل شدته بالصبر عليه تعظيما لاجرها وقال المهلب علم صلى الله عليه وسلم ابنته من الذكر ما هو أكثر نفعا لها في الآخرة وآثر أهل الصفة لانهم كانوا وقفوا أنفسهم لسماع العلم وضبط السنة على شبع بطونهم لا يرغبون في كسب مال ولا في عيال ولكنهم اشتروا أنفسهم من الله بالقوت ويؤخذ منه تقديم طلبه العلم على غيرهم في الخمس وفيه ما كان عليه السلف الصالح من شظف العيش وقلة الشئ وشدة الحال وان الله حماهم الدنيا مع إمكان ذلك صيانة لهم من تبعاتها وتلك سنة أكثر الانبياء والاولياء وقال إسماعيل القاضي في هذا الحديث ان للامام ان يقسم الخمس حيث رأى لان السبي لا يكون الا من الخمس واما الاربعة اخماس فهو حق الغانمين انتهى وهو قول مالك وجماعة وذهب الشافعي وجماعة إلى ان لآل البيت سهما من الخمس وقد تقدم بسط ذلك في فرض الخمس في اواخر الجهاد ثم وجدت في تهذيب الطبري من وجه اخر ما لعله يعكر على ذلك فساق من طريق أبي امامه الباهلي عن علي قال أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم رقيق اهداهم له بعض ملوك الاعاجم فقلت لفاطمة ائت أباك فاستخدميه فلو صح هذا لا زال الاشكال من أصله لانه حينئذ لا يكون للغانمين فيه شئ وانما هو من مال المصالح يصرفه الامام حيث يراه وقال المهلب فيه حمل الانسان أهله على ما يحمل عليه نفسه من إيثار الآخرة على الدنيا إذا كانت لهم قدرة على ذلك قال وفيه جواز دخول الرجل على ابنته وزوجها بغير استئذان وجلوسه بينهما في فراشهما ومباشرة قدميه بعض جسدهما قلت وفي قوله بغير استئذان نظر لانه ثبت في بعض طرقه انه استأذن كما قدمته من رواية عطاء عن مجاهد في الذكر لجعفر وأصله عند مسلم وهو في العلل للدارقطني أيضا بطوله واخرج الطبري في تهذيبه من طريق أبي مريم سمعت عليا يقول ان فاطمة كانت تدق الدرمك بين حجرين حتى مجلت يداها فذكر الحديث وفيه فأتانا وقد دخلنا فراشنا فلما استأذن علينا تخششنا لنلبس علينا ثيابنا فلما سمع ذلك قال كما أنتما في لحافكما ودفع بعضهم الاستدلال المذكور لعصمته صلى الله عليه وسلم فلا يلحق به غيره ممن ليس بمعصوم وفي الحديث منقبة ظاهرة لعلي وفاطمة عليهما السلام وفيه بيان إظهار غاية التعطف والشفقة عل البنت والصهر ونهاية الاتحاد برفع الحشمة والحجاب حيث لم يزعجهما عن مكانهما فتركهما على حالة اضطجاعهما وبالغ حتى ادخل رجله بينهما ومكث بينهما حتى علمها ما هو الاولى بحالها من الذكر عوضا عما طلباه من الخادم فهو من باب تلقي المخاطب بغير ما يطلب ايذانا بأن الاهم من المطلوب هو التزود للمعاد والصبر على مشاق الدنيا والتجافي عن دار الغرور وقال الطيبي فيه دلالة على مكانة أم المؤمنين من النبي صلى الله عليه وسلم حيث خصتها فاطمة بالسفارة بينها وبين أبيها دون سائر الازواج قلت ويحتمل انها لم ترد التخصيص بل الظاهر انها قصدت اباها في يوم عائشة في بيتها فلما لم تجده ذكرت حاجتها لعائشة ولو اتفق انه كان يوم غيرها من الازواج لذكرت لها ذلك وقد تقدم ان في بعض طرقه ان أم سلمة ذكرت للنبي صلى الله عليه وسلم ذلك أيضا فيحتمل ان فاطمة لما لم تجده في بيت عائشة مرت على بيت أم سلمة فذكرت لها ذلك ويحتمل ان يكون تخصيص هاتين من الازواج لكون باقيهن كن حزبين كل حزب يتبع واحدة من هاتين كما تقدم صريحا في كتاب الهبة وفيه ان من واظب على هذا

[ 107 ]

الذكر عند النوم لم يصبه اعياء لان فاطمة شكت التعب من العمل فأحالها صلى الله عليه وسلم على ذلك كذا افاده بن تيمية وفيه نظر ولا يتعين رفع التعب بل يحتمل ان يكون من واظب عليه لا يتضرر بكثرة العمل ولا يشق عليه ولو حصل له التعب والله اعلم قوله باب التعوذ والقراءة عند النوم ذكر فيه حديث عائشة في قراءة المعوذات وقد تقدم شرحه في كتاب الطب وبينت اختلاف الرواة في انه كان يقول ذلك دائما أو بقيد الشكوى وانه ثبت عن عائشة انه يفيد الامران معا لما في رواية عقيل عن الزهري بلفظ كان إذا اوى إلى فراشه كل ليلة وبينت فيه ان المراد بالمعوذات الاخلاص والفلق والناس وان ذلك وقع صريحا في رواية عقيل المذكورة وانها تعين أحد الاحتمالات الماضي ذكرها ثمة وفيها كيفية مسح جسده بيديه وقد ورد في القراءة عند النوم عدة أحاديث صحيحه منها حديث أبي هريرة في قراءة اية الكرسي وقد تقدم في الوكالة وغيرها وحديث بن مسعود الايتان من اخر سورة البقرة وقد تقدم في فضائل القرآن وحديث فروة بن نوفل عن أبيه ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لنوفل اقرأ قل يا أيها الكافرون في كل ليلة ونم على خاتمتها فإنها براءة من الشرك أخرجه أصحاب السنن الثلاثة وابن حبان والحاكم وحديث العرباض بن سارية كان النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ المسبحات قبل ان يرقد ويقول فيهن آية خير من الف آية أخرجه الثلاثة وحديث جابر رفعه كان لا ينام حتى يقرأ الم تنزيل وتبارك أخرجه البخاري في الادب المفرد وحديث شداد بن أوس رفعه ما من امرئ مسلم يأخذ مضجعه فيقرأ سورة من كتاب الله الا بعث الله ملكا يحفظه من كل شئ يؤذيه حتى يهب أخرجه أحمد والترمذي وورد في التعوذ أيضا عدة أحاديث منها حديث أبي صالح عن رجل من اسلم رفعه لو قلت حين امسيت أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق لم يضرك شئ وفيه قصة ومنهم من قال عن أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه أبو داود وصححه الحاكم وحديث أبي هريرة كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا اخذ أحدنا مضجعه ان يقول اللهم رب السماوات ورب الارض الحديث وفي لفظ اللهم فاطر السماوات والارض عالم الغيب والشهادة رب كل شئ ومليكه اشهد ان لا اله الا أنت أعوذ بك من شر نفسي ومن شر الشيطان الرجيم وشركه أخرجه أبو داود والترمذي وحديث علي رفعه كان يقول عند مضجعه اللهم اني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامات من شر كل شئ أنت اخذ بناصيته أخرجه أبو داود والنسائي قال بن بطال في حديث عائشة رد على من منع استعمال العوذ والرقي الا بعد وقوع المرض انتهى وقد تقدم تقرير ذلك والبحث فيه في كتاب الطب قوله باب كذا للاكثر بغير ترجمة وسقط لبعضهم وعليه شرح بن بطال ومن تبعه والراجح إثباته ومناسبته لما قبله عموم الذكر عند النوم وعلى اسقاطه فهو كالفصل من الباب الذي قبله لان في الحديث معنى التعويذ وان لم يكن بلفظه قوله زهير هو بن معاوية أبو خيثمة الجعفي وعبيد الله بن عمر هو العمري وهو تابعي صغير وشيخه تابعي وسط وأبوه تابعي كبير ففيه ثلاثة من التابعين في نسق مدنيون قوله إذا اوى بالقصر وقد تقدم بيانه قريبا قوله فلينفض فراشه بداخلة إزاره كذا للاكثر وفي رواية أبي زيد المروزي بداخل بلا هاء ووقع في رواية مالك الآتية في التوحيد بصنفه ثوبه وكذا للطبراني من وجه اخر وهي بفتح الصاد المهملة وكسر النون بعدها فاء هي الحاشية التي تلي الجلد والمراد

[ 108 ]

بالداخلة طرف الازار الذي يلي الجسد قال مالك داخلة الازار ما يلي داخل الجسد منه ووقع في رواية عبدة بن سليمان عن عبيد الله بن عمر عند مسلم فليحل داخلة إزاره فلينفض بها فراشه وفي رواية يحيى القطان كما سيأتي فلينزع وقال عياض داخلة الازار في هذا الحديث طرفه وداخلة الازار في حديث الذي اصيب بالعين ما يليها من الجسد وقيل كنى بها عن الذكر وقيل عن الورك وحكى بعضهم انه على ظاهره وانه أمر بغسل طرف ثوبه والاول هو الصواب وقال القرطبي في المفهم حكمة هذا النفض قد ذكرت في الحديث وأما اختصاص النفض بداخلة الازار فلم يظهر لنا ويقع لي ان في ذلك خاصية طبية تمنع من قرب بعض الحيوانات كما أمر بذلك العائن ويؤيده ما وقع في بعض طرقه فلينفض بها ثلاثا فحذا بها حذو الرقى في التكرير انتهى وقد ابدى غيره حكمة ذلك وأشار الداودي فيما نقله بن التين إلى ان الحكمة في ذلك ان الازار يستر بالثياب فيتوارى بما يناله من الوسخ فلو نال ذلك بكمه صار غير لدن الثوب والله يحب إذا عمل العبد عملا ان يحسنه وقال صاحب النهاية انما أمر بداخلته دون خارجته لان المؤتزر يأخذ طرفي إزاره بيمينه وشماله ويلصق ما بشماله وهو الطرف الداخلي على جسده ويضع ما بيمينه فوق الاخرى فمتى عاجله أمر أو خشي سقوط إزاره امسكه بشماله ودفع عن نفسه بيمينه فإذا صار إلى فراشه فحل إزاره فإنه يحل بيمينه خارج الازار وتبقى الداخلة معلقة وبها يقع النفض وقال البيضاوي انما أمر بالنفض بها لان الذي يريد النوم يحل بيمينه خارج الازار وتبقى الداخلة معلقة فينفض بها وأشار الكرماني إلى ان الحكمة فيه ان تكون يده حين النفض مستورة لئلا يكون هناك شئ فيحصل في يده ما يكره انتهى وهي حكمة النفض بطرف الثوب دون اليد لا خصوص الداخلة وقوله فإنه لا يدري ما خلفه عليه بتخفيف اللام أي حدث بعده فيه وهي رواية بن عجلان عند الترمذي وفي رواية عبده فإنه لا يدري من خلفه في فراشه وزاد في روايته ثم ليضطجع على شقه الايمن وفي رواية يحيى القطان ثم ليتوسد بيمينه ووقع في رواية أبي ضمرة في الادب المفرد وليسم الله فإنه لا يعلم ما خلفه بعده على فراشه أي ما صار بعده خلفا وبدلا عنه إذا غاب قال الطيبي معناه لا يدري ما وقع في فراشه بعد ما خرج منه من تراب أو قذاة أو هوام قوله ثم يقول باسمك ربي وضعت جنبي وبك ارفعه في رواية عبدة ثم ليقل بصيغة الامر وفي رواية يحيى القطان اللهم باسمك وفي رواية أبي ضمرة ثم يقول سبحانك ربي وضعت جنبي قوله ان امسكت في رواية يحيى القطان اللهم ان امسكت وفي رواية بن عجلان اللهم فان امسكت وفي رواية عبده فان احتبست قوله فارحمها في رواية مالك فاغفر لها وكذا في رواية بن عجلان عند الترمذي قال الكرماني الامساك كناية عن الموت فالرحمة أو المغفرة تناسبه والارسال كناية عن استمرار البقاء والحفظ يناسبه قال الطيبي هذا الحديث موافق لقوله تعالى الله يتوفى الانفس حين موتها الآية قلت ووقع التصريح بالموت والحياة في رواية عبد الله بن الحارث عن بن عمر رضي الله عنهما ان النبي صلى الله عليه وسلم أمر رجلا إذا اخذ مضجعه ان يقول اللهم أنت خلقت نفسي وأنت تتوفاها لك مماتها ومحياها ان احييتها فاحفظها وان امتها فاغفر لها أخرجه النسائي وصححه بن حبان قوله بما تحفظ به عبادك الصالحين قال الطيبي هذه الباء هي مثل الباء في قولك كتبت بالقلم وما مبهمة وبيانها ما دلت عليه صلتها وزاد بن عجلان

[ 109 ]

عند الترمذي في اخره شيئا لم أره عند غيره وهو قوله وإذا استيقظ فليقل الحمد لله الذي عافاني في جسدي ورد الي روحي وهو يشير إلى ما ذكره الكرماني وقد نقلت قول الزجاج في ذلك في اواخر الكلام على حديث البراء فيما مضى قريبا وكذلك كلام الطيبي قال بن بطال في هذا الحديث أدب عظيم وقد ذكر حكمته في الخبر وهو خشية ان يأوي إلى فراشه بعض الهوام الضارة فتؤذيه وقال القرطبي يؤخذ من هذا الحديث انه ينبغي لمن أراد المنام ان يمسح فراشه لاحتمال ان يكون فيه شئ يخفى من رطوبة أو غيرها وقال بن العربي هذا من الحذر ومن النظر في أسباب دفع سوء القدر أو هو من الحديث الاخر اعقلها وتوكل قلت ومما ورد ما يقال عند النوم حديث أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا اوى إلى فراشه قال الحمد لله الذي اطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا فكم ممن لا كافي له ولا مؤوي أخرجه مسلم والثلاثة ولابي داود من حديث بن عمر نحوه وزاد والذي من علي فأفضل والذي أعطاني فأجزل ولابي داود والنسائي من حديث علي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول عند مضجعه اللهم اني أعوذ بوجهك الكريم وكلماتك التامة من شر ما أنت آخذ بناصيته اللهم أنت تكشف المأثم والمغرم اللهم لا يهزم جندك ولا يخلف وعدك ولا ينفع ذا الجد منك الجد سبحانك ويحمدك ولابي داود من حديث أبي الازهر الانماري ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول إذا اخذ مضجعه من الليل بسم الله وضعت جنبي اللهم اغفر لي ذنبي واخسئ شيطاني وفك رهاني واجعلني في النداء الاعلى وصححه الحاكم والترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد رفعه من قال حين يأوي إلى فراشه استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب ثلاث مرات غفرت له ذنوبه وان كانت مثل زيد البحر وان كانت عدد رمل عالج وان كانت عدد أيام الدنيا ولابي داود والنسائي من حديث حفصه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد ان يرقد وضع يده اليمنى تحت خده ثم يقول اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ثلاثا وأخرجه الترمذي من حديث البراء وحسنه ومن حديث حذيفة وصححه قوله تابعه أبو ضمرة وإسماعيل بن زكريا عن عبيد الله هو بن عمر المذكور في الاسناد وأبو ضمرة هو أنس بن عياض ومراده انهما تابعا زهير بن معاوية في إدخال الواسطة بين سعيد المقبري وأبي هريرة فأما متابعة أبي ضمرة فوصلها مسلم والبخاري في الادب المفرد وأما متابعة إسماعيل بن زكريا فوصلها الحارث بن أبي سلمة عن يونس بن محمد عنه كذا رأيته في شرح مغلطاي وكنت وقفت عليها في الاوسط للطبراني وأوردتها منه في تعليق التعليق ثم خفي على مكانها الآن ووقع عند أبي نعيم في المستخرج هنا وعبدة وهو بن سليمان ولم ارها لغيره فان كانت ثابتة فانها عند مسلم موصولة وقد ذكر الاسماعيلي ان الاكثر لم يقولوا في السند عن أبيه وان عبد الله بن رجاء رواه عن إسماعيل بن أمية وعبيد الله بن عمر عن سعيد عن أبيه أو عن أخيه عن أبي هريرة ثم ساقه بسنده إليه وهذا الشك لا تأثير له لاتفاق الجماعة على انه ليس لاخي سعيد فيه ذكر واسم أخي سعيد المذكور عباد وذكر الدارقطني ان أبا بدر شجاع بن الوليد والحسن بن صالح وهريم وهو بالراء المهملة مصغر بن سفيان وجعفر بن زياد وخالد بن حميد تابعوا زهير بن معاوية في قوله فيه عن أبيه قوله وقال يحيى بن سعيد هو القطان وبشر بن المفضل عن عبيد الله عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 110 ]

اما رواية يحيى القطان فوصلها النسائي واما رواية بشر بن المفضل فأخرجها مسدد في مسنده الكبير عنه وذكر الدارقطني ان هشام بن حسان ومعتمر بن سليمان و عبد الله بن كثير رووه عن عبيدالله بن عمر كذلك وكذا ذكر الاسماعيلي ان عبد الله بن نمير والطبراني ان معتمر بن سليمان ويحيى بن سعيد الاموي وأبا أسامة رووه كلهم عن عبيد الله بن عمر كذلك وأشار البخاري بقوله عن النبي صلى الله عليه وسلم إلى ان بعضهم رواه عن عبيدالله عن سعيد عن أبي هريرة موقوفا منهم هشام بن حسان والحمادان وابن المبارك وبشر بن المفضل ذكره الدارقطني قلت فلعله اختلف على بشر في وقفه ورفعه وكذا على هشام بن حسان ورواية بن المبارك وصلها النسائي موقوفة قوله ورواه مالك وابن عجلان عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم اما رواية مالك فوصلها المصنف في كتاب التوحيد عن عبد العزيز بن عبد الله الاويسي عنه وقصر مغلطاي فعزاها لتخريج الدارقطني في غرائب مالك مع وجود ها في الصحيح الذي شرحه وتبعه شيخنا بن الملقن وقد ذكر المصنف في التوحيد أكثر هذه التعاليق المذكورة هنا أيضا عقب رواية مالك ولما ذكر الدارقطني حديث مالك المذكور قال هذا حديث غريب لا اعلم اسنده عن مالك الا الاويسي ورواه إبراهيم بن طهمان عن مالك عن سعيد مرسلا واما رواية محمد بن عجلان فوصلها أحمد عنه ووصلها أيضا الترمذي والنسائي والطبراني في الدعاء من طرق عنه وقد ذكرت الزيادة التي عند الترمذي فيه قبل تنبيه قال الكرماني عبر اولا بقوله تابعه ثم بقوله وقال لانهما للتحمل وعبر بقوله رواه لانها تستعمل عند المذاكرة قلت وهذا ليس بمطرد لما بينت انه وصل رواية مالك في كتاب التوحيد بصيغة التحمل وهي حدثنا لا بصيغة المذاكرة كقال وروى ان سلمنا ان ذلك للمذاكرة والله اعلم قوله باب الدعاء نصف الليل أي بيان فضل الدعاء في ذلك الوقت على غيره إلى طلوع الفجر قال بن بطال هو وقت شريف خصه الله بالتنزيل فيه فيتفضل على عباده بإجابة دعائهم واعطاء سؤالهم وغفران ذنوبهم وهو وقت غفلة وخلوة واستغراق في النوم واستلذاذ له ومفارقة اللذة والدعة صعب لا سيما أهل الرفاهية وفي زمن البرد وكذا أهل التعب ولا سيما في قصر الليل فمن آثر القيام لمناجاة ربه والتضرع إليه مع ذلك دل على خلوص نيته وصحة رغبته فيما عند ربه فلذلك نبه الله عباده على الدعاء في هذا الوقت الذي تخلو فيه النفس من خواطر الدنيا وعلقها ليستشعر العبد الجد والاخلاص لربه قوله يتنزل ربنا كذا للاكثر هنا بوزن يتفعل مشددا وللنسفي والكشميهني ينزل بفتح أوله وسكون ثانية وكسر الزاي قوله حين يبقى ثلث الليل قال بن بطال ترجم بنصف الليل وساق في الحديث ان التنزل يقع ثلث الليل لكن المصنف عول على ما في الآية وهي قوله تعالى قم الليل الا قليلا نصفه أو انقص منه فأخذ الترجمة من دليل القرآن وذكر النصف فيه يدل على تأكيد المحافظة على وقت التنزل قبل دخوله ليأتي وقت الاجابة والعبد مرتقب له مستعد للقائه وقال الكرماني لفظ الخبر حين يبقى ثلث الليل وذلك يقع في النصف الثاني انتهى والذي يظهر لي ان البخاري جرى على عادته فأشار إلى الرواية التي وردت بلفظ النصف فقد أخرجه أحمد عن يزيد بن هارون عن محمد بن عمر وعن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ ينزل الله إلى السماء الدنيا نصف الليل الاخير أو ثلث الليل الاخر

[ 111 ]

وأخرجه الدارقطني في كتاب الرؤيا من رواية عبيد الله العمري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة نحوه ومن طريق حبيب بن أبي ثابت عن الاغر عن أبي هريرة بلفظ شطر الليل من غير تردد وسأستوعب ألفاظه في التوحيد ان شاء الله تعالى وقال أيضا النزول محال على الله لان حقيقته الحركة من جهة العلو إلى السفل وقد دلت البراهين القاطعة على تنزيهه على ذلك فليتأول ذلك بأن المراد نزول ملك الرحمة ونحوه أو يفوض مع اعتقاد التنزيه وقد تقدم شرح الحديث في الصلاة في باب الدعاء في الصلاة من اخر الليل من أبواب التهجد ويأتي ما بقي منه في كتاب التوحيد ان شاء الله تعالى قوله باب الدعاء عند الخلاء أي عند إرادة الدخول ذكر فيه حديث أنس وقد تقدم شرحه في كتاب الطهارة وفيه ذكر من رواه بلفظ إذا أراد ان يدخل قوله باب ما يقول إذا أصبح ذكر فيه ثلاثة أحاديث أحدها حديث شداد بن أوس وقد تقدم شرحه قريبا في باب أفضل الاستغفار ثانيها حديث حذيفة وقد تقدم شرحه بعد ذلك في باب ما يقول إذا نام ثالثها حديث أبي ذر وهو بلفظ حذيفة سواء من مخرجه فإنه من طريق أبي حمزة وهو السكري عن منصور وهو بن المعتمر عن ربعي بن حراش عن خرشة بفتح المعجمة والراء ثم شين معجمة ثم هاء تأنيث بن الحر بضم المهملة ضد العبد عن أبي ذر وحديث حذيفة هو من طريق عبد الملك بن عمير عن ربعي عنه فكأنه وضح للبخاري ان لربعي فيه طريقين وكأن مسلما اعرض عن حديث أبي ذر من اجل هذا الاختلاف وقد وافق أبا حمزة على هذا الاسناد شيبان النحوي أخرجه الاسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين من طريقه وهذا الموضع مما كان الدارقطني ذكره في التتبع وقد ورد فيما يقال عند الصباح عدة أحاديث منها حديث أنس رفعه من قال حين يصبح اللهم اني أصبحت اشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك انك أنت الله لا اله الا أنت وان محمدا عبدك ورسولك اعتق الله ربعه من النار ومن قالها مرتين اعتق الله نصفه من النار الحديث رواه الثلاثة وحسنه الترمذي وحديث أبي سلام عمن خدم رسول الله صلى الله عليه وسلم رفعه من قال إذا أصبح وإذا أمسى رضيت بالله ربا وبالاسلام دينا وبمحمد رسولا الا كان حقا على الله ان يرضيه أخرجه أبو داود وسنده قوي وهو عند الترمذي بنحوه من حديث ثوبان بسند ضعيف وحديث عبد الله بن غنام البياضي رفعه من قال حين يصبح اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك فلك الحمد ولك الشكر فقد أدى شكر يومه الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان وحديث أنس قال النبي صلى الله عليه وسلم لفاطمة ما منعك ان تسمعي ما اوصيك به ان تقولي إذا أصبحت وإذا امسيت يا حي يا قيوم برحمتك استغيث اصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أخرجه النسائي والبزار قوله باب الدعاء في الصلاة ذكر فيه ثلاثة أحاديث وهي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن أبي بكر الصديق انه قال للنبي صلى الله

[ 112 ]

عليه وسلم علمني دعاء ادعو به في صلاتي وقد تقدم الكلام عليه في باب الدعاء قبيل السلام في أواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة بما فيه كفاية قوله وقال عمرو هو بن الحارث عن يزيد هو بن أبي حبيب وهو المذكور في السند الاول وأبو الخير هو مرثد بفتح الميم والمثلثة بينهما راء مهملة قوله قال أبو بكر رضي الله عنه النبي صلى الله عليه وسلم وصله في التوحيد من رواية عبد الله بن وهب عن عمرو بن الحارث ولفظه ان أبا بكر قال يا رسول الله وقد بينت ذلك في شرحه قال الطبري في حديث أبي بكر دلالة على رد قول من زعم انه لا يستحق اسم الايمان الا من لا خطيئة له ولا ذنب لان الصديق من أكبر أهل الايمان وقد علمه النبي صلى الله عليه وسلم يقول اني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا أنت وقال الكرماني هذا الدعاء من الجوامع لان فيه الاعتراف بغاية التقصير وطلب غاية الانعام فالمغفرة ستر الذنوب ومحوها والرحمة إيصال الخيرات ففي الاول طلب الزحزحة عن النار وفي الثاني طلب إدخال الجنة وهذا هو الفوز العظيم وقال بن أبي جمرة ما ملخصه في الحديث مشروعية الدعاء في الصلاة وفضل الدعاء المذكور على غيره وطلب التعليم من الاعلى وان كان الطالب يعرف ذلك النوع وخص الدعاء بالصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد وفيه ان المرء ينظر في عبادته إلى الا رفع فيتسبب في تحصيله وفي تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لابي بكر هذا الدعاء إشارة إلى إيثار أمر الآخرة على أمر الدنيا ولعله فهم ذلك من حال أبي بكر وايثاره أمر الآخرة قال وفي قوله ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب الا أنت أي ليس لي حيلة في دفعه فهي حالة افتقار فأشبه حال المضطر الموعود بالاجابة وفيه هضم النفس والاعتراف بالتقصير وتقدمت بقية فوائده هناك وحديث عائشة في قوله تعالى ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها قال أنزلت في الدعاء وقد تقدم شرحه في تفسير سبحان وعلي شيخه هو بن سلمة كما أشرت إليه في تفسير المائدة وحديث عبد الله وهو بن مسعود في التشهد وقد تقدم شرحه في اواخر صفة الصلاة وأخذ الترجمة من هذه الاحاديث الا ان الاول نص في المطلوب والثاني يستفاد منه صفة من صفات الداعي وهي عدم الجهر والخافته فيسمع نفسه ولا يسمع غيره وقيل للدعاء صلاة لانها لا تكون الا بدعاء فهو من تسمية بعض الشئ باسم كله والثالث فيه الامر بالدعاء في التشهد وهو من جملة الصلاة والمراد بالثناء الدعاء فقد تقدم في باب التشهد بلفظ فليتخير من الدعاء ما شاء وقد ورد الامر بالدعاء في السجود في حديث أبي هريرة رفعه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فاكثروا من الدعاء وورد الامر أيضا بالدعاء في التشهد في حديث أبي هريرة وفي حديث فضالة بن عبيد عند أبي داود والترمذي وصححه وفيه انه أمر رجلا بعد التشهد ان يثني على الله بما هو أهله ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليدع بما شاء ومحصل ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم من المواضع التي كان يدعو فيها داخل الصلاة ستة مواطن الاول عقب تكبيرة الاحرام ففيه حديث أبي هريرة في الصحيحين اللهم باعد بيني وبين خطاياي الحديث الثاني في الاعتدال ففيه حديث بن أبي أوفى عند مسلم انه كان يقول بعد قوله من شئ بعد اللهم طهرني بالثلج والبرد والماء البارد الثالث في الركوع وفيه حديث عائشة كان يكثر ان يقول في ركوعه وسجوده سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي أخرجاه الرابع في السجود وهو أكثر ما كان يدعو فيه وقد أمر به فيه الخامس بين السجدتين اللهم

[ 113 ]

اغفر لي السادس في التشهد وسيأتي وكان أيضا يدعو في القنوت وفي حال القراءة إذا مر بآية رحمة سأل وإذا مر بآية عذاب استعاذ قوله باب الدعاء بعد الصلاة أي المكتوبة وفي هذه الترجمة رد على من زعم ان الدعاء بعد الصلاة لا يشرع متمسكا بالحديث الذي أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سلم لا يثبت الا قدر ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والاكرام والجواب ان المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسا على هيئته قبل السلام الا بقدر ان يقول ما ذكر فقد ثبت انه كان إذا صلى اقبل على اصحابه فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على انه كان يقوله بعد ان يقبل بوجهه على اصحابه قال بن القيم في الهدي النبوي وأما الدعاء بعد السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الامام والمنفرد والمأموم فلم يكن ذلك من هدى النبي صلى الله عليه وسلم أصلا ولا روى عنه بإسناد صحيح ولا حسن وخص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر والعصر ولم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولا الخلفاء بعد ولا ارشد إليه أمته وانما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما قال وعامة الادعية المتعلقة بالصلاة انما فعلها فيها وامر بها فيها قال وهذا اللائق بحال المصلى فإنه مقبل على ربه مناجيه فإذا سلم منها انقطعت لمناجاة وانتهى موقفه وقربه فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه وهو مقبل عليه ثم يسأل إذا انصرف عنه ثم قال لكن الاذكار الواردة بعد المكتوبة يستحب لمن اتى بها ان يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم بعد ان يفرغ منها ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية وهي الذكر لا لكونه دبر المكتوبة قلت وما ادعاه من النفي مطلقا مردود فقد ثبت عن معاذ بن جبل ان النبي صلى الله عليه وسلم قال له يا معاذ اني والله لاحبك فلا تدع دبر كل صلاة ان تقول اللهم اعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك أخرجه أبو داود والنسائي وصححه بن حبان والحاكم وحديث أبي بكرة في قول اللهم اني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو بهن دبر كل صلاة أخرجه أحمد والترمذي النسائي وصححه الحاكم وحديث سعد الاتي في باب التعوذ من البخل قريبا فإن في بعض طرقه المطلوب وحديث زيد بن أرقم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو في دبر كل صلاة اللهم ربنا ورب كل شئ الحديث أخرجه أبو داود والنسائي وحديث صهيب رفعه كان يقول إذا انصرف من الصلاة اللهم اصلح لي ديني الحديث أخرجه النسائي وصححه بن حبان وغير ذلك فان قيل المراد بدبر كل صلاة قرب اخرها وهو التشهد قلنا قد ورد الامر بالذكر دبر كل صلاة والمراد به بعد السلام إجماعا فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه وقد اخرج الترمذي من حديث أبي امامة قيل يا رسول الله أي الدعاء اسمع قال جوف الليل الاخير ودبر الصلوات المكتوبات وقال حسن واخرج الطبري من رواية جعفر بن محمد الصادق قال الدعاء بعد المكتوبة أفضل من الدعاء بعد النافلة كفضل المكتوبة على النافلة وفهم كثير ممن لقيناه من الحنابلة ان مراد بن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا وليس كذلك فان حاصل كلامه انه نفاه بقيد استمرار استقبال المصلي القبلة وايراده بعد السلام وأما إذا انتقل بوجهه أو قدم الاذكار المشروعة فلا يمتنع عنده الاتيان بالدعاء حنيئذ ثم ذكر المصنف حديث أبي هريرة في التسبيح بعد الصلاة وحديث المغيرة في قول لا إله إلا الله وحده

[ 114 ]

لا شريك له وقد ترجم في أواخر الصلاة باب الذكر بعد التشهد وأود فيه هذين الحديثين وتقدم شرحهما هناك مستوفى ومناسبة هذه الترجمة لهما ان الذاكر يحصل له ما يحصل الداعي إذا شغله الذكر عن الطلب كما في حديث بن عمر رفعه يقول الله تعالى من شغله ذكري عن مسألتي اعطيته أفضل ما أعطي السائلين أخرجه الطبراني بسند لين وحديث أبي سعيد بلفظ من شغله القرآن وذكري عن مسألتي الحديث أخرجه الترمذي وحسنه وقوله في الحديث الاول حدثنا إسحاق هو بن راهويه أو بن منصور ويزيد هو بن هارون وورقاء هو بن عمر اليشكري وسمى هو مولى أبي صالح قوله تابعه عبيد الله بن عمر هو العمري عن سمي يعني في إسناده وفي أصل الحديث لا في العدد المذكور وقد بينت هناك عند شرحه ان ورقاء خالف غيره في قوله عشرا وان الكل قالوا ثلاثا وثلاثين وان منهم من قال المجموع هذا القدر قلت قد ورد بذكر العشر في حديث عبد الله بن عمرو وجماعة وحديث عبيد الله بن عمر تقدم موصولا هناك وأغرب الكرماني فقال لما جاء هناك بلفظ الدرجات فقيدها بالعلا وقيد أيضا زيادة في الاعمال من الصوم والحج والعمرة زاد في عدة الاذكار يعني ولما خلت هذه الرواية من ذلك نقص العدد ثم قال على ان مفهوم العدد لا اعتبا به انتهى وكلا الجوابين متعقب اما الاول فمخرج الحديثين واحد وهو من رواية سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة وانما اختلف الرواة عنه في العدد المذكور في الزيادة والنقص فان أمكن الجمع والا فيؤخذ بالراجح فان استووا فالذي حفظ الزيادة مقدم وأظن سبب الوهم انه وقع في رواية بن عجلان يسبحون يكبرون ويحمدون في دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين مرة فحمله بعضهم على ان العدد المذكور مقسوم على الاذكار الثلاثة فروى الحديث بلفظ إحدى عشرة والغى بعضهم الكسر فقال عشر والله اعلم واما الثاني فمرتب على الاول وهو لائق بما إذا اختلف مخارج الحديث اما إذا اتحد المخرج فهو من تصرف الرواة فإذا أمكن الجمع والا فالترجيح قوله ورواه بن عجلان عن سمى ورجاء بن حيوة وصله مسلم قال حدثنا قتيبة حدثنا الليث عن بن عجلان فذكره مقرونا برواية عبيد الله بن عمر كلاهما عن سمي عن أبي صالح به وفي آخره قال بن عجلان فحدثت به رجاء بن حيوة فحدثني بمثله عن أبي صالح عن أبي هريرة ووصله الطبراني من طريق حيوة بن شريح عن محمد بن عجلان عن رجاء بن حيوة وسمي كلاهما عن أبي صالح به وفيه تسبحون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين وتحمدونه ثلاثا وثلاثين وتكبرونه أربعا وثلاثين وقال في الاوسط لم يروه عن رجاء الا بن عجلان قوله ورواه جرير يعني بن عبد الحميد عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي صالح عن أبي الدرداء وصله أبو يعلى في مسنده والاسماعيلي عنه عن أبي خيثمة عن جرير ووصله النسائي من حديث جرير بهذا وفيه مثل ما في رواية بن عجلان من تربيع التكبير وفي سماع أبي صالح من أبي الدرداء نظر وقد بين النسائي الاختلاف فيه على عبد العزيز بن رفيع فأخرجه من رواية الثوري عنه عن أبي عمر الضبي عن أبي الدرداء وكذا رواه شريك عن عبد العزيز بن رفيع عن أبي عمر لكن زاد أم الدرداء بين أبي الدرداء وبين أبي عمر أخرجه النسائي أيضا ولم يوافق شريك على هذه الزيادة فقد أخرجه النسائي أيضا من رواية شعبة عن الحكم عن أبي عمر عن أبي الدرداء ومن رواية زيد بن أبي انيسة عن الحكم لكن قال عن عمر الضبي فان كان اسم أبي عمر عمر اتفقت الروايتان لكن

[ 115 ]

جزم الدارقطني بأنه لا يعرف اسمه فكأنه تحرف على الراوي والله اعلم قوله ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة وصله مسلم من رواية روح بن القاسم عن سهيل فساق الحديث بطوله لكن قال فيه تسبحون وتكبرون وتحمدون دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين قال سهيل إحدى عشرة وإحدى عشرة وإحدى عشرة فذلك كان ثلاث وثلاثون وأخرجه النسائي من رواية الليث عن بن عجلان عن سهيل بهذا السند بغير قصة ولفظ اخر قال فيه من قال خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين تكبيرة وثلاثا وثلاثين تسبيحة وثلاثا وثلاثين تحميدة ويقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له يعني تمام المائة غفرت له خطاياه أخرجه النسائي وأخرجه أيضا من وجه اخر عن الليث عن بن عجلان عن سهيل عن عطاء بن يزيد عن بعض الصحابة ومن طريق زيد بن أبي انيسة عن سهيل عن أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة وهذا اختلاف شديد على سهيل والمعتمد في ذلك رواية سمي عن أبي صالح عن أبي هريرة والله اعلم ورواية أبي عبيد عن عطاء بن يزيد عن أبي هريرة أخرجها مالك في الموطأ لكن لم يرفع وأوردها مسلم من طريق خالد بن عبد الله وإسماعيل بن زكريا كلاهما عن سهيل عن أب عبيد مولى سليمان بن عبد الملك قوله في حديث المغيرة جرير هو بن عبد الحميد ومنصور هو بن المعتمر قوله في دبر كل صلاة في رواية الحموي والمستملي في دبر صلاته قوله وقال شعبة عن منصور قال سمعت المسيب يعني بن رافع بالسند المذكور وصله أحمد عن محمد بن جعفر حدثنا شعبة به ولفظه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سلم قال لا اله الا الا الله وحده لا شريك له الحديث قال بن بطال في هذه الاحاديث الحض على الذكر في ادبار الصلوات وان ذلك يوازي انفاق المال في طاعة الله لقوله تدركون به من سبقكم وسئل الاوزاعي هل الذكر بعد الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن فقال ليس شئ يعدل القرآن ولكن كان هدي السلف الذكر وفيها ان الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة ولا يؤخر إلى ان يصلي الراتبة لما تقدم والله اعلم قوله باب قول الله تبارك وتعالى وصل عليهم كذا للجمهور ووقع في بعض النسخ زيادة ان صلواتك سكن لهم واتفقوا على أن المراد بالصلاة هنا الدعاء وثالث أحاديث الباب يفسر ذلك وتقدم في السورة قريبا من هذه الآية قوله تعالى ومن الاعراب من يؤمن بالله واليوم الاخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول وفسرت الصلوات هنا أيضا بالدعوات لانه صلى الله عليه وسلم كان يدعو لمن يتصدق قوله ومن خص اخاه بالدعاء دون نفسه في هذه الترجمة إشارة إلى رد ما جاء عن بن عمر اخرج بن أبي شيبة والطبري من طريق سعيد بن يسار قال ذكرت رجلا عند بن عمر فترحمت عليه فلهز في صدري وقال لي ابدأ بنفسك وعن إبراهيم النخعي كان يقال إذا دعوت فابدأ بنفسك فإنك لا تدري في أي دعاء يستجاب لك وأحاديث الباب ترد على ذلك ويؤيدها ما أخرجه مسلم وأبو داود من طريق طلحة بن عبد الله بن كريز عن أم الدرداء عن أبي الدرداء رفعه ما من مسلم يدعو لاخيه بظهر الغيب الا قال الملك ولك مثل ذلك واخرج الطبري من طريق سعيد بن جبير عن بن عباس رفعه خمس دعوات مستجابات وذكر فيها ودعوة الاخ لاخيه وأخرجه أيضا هكذا استدل بهما بن بطال وفيه نظر لان الدعاء بظهر الغيب ودعاء الاخ للاخ أعم من ان يكون الداعي خصه أو ذكر نفسه معه واعم من ان يكون بدأ به أو بدأ بنفسه واما ما أخرجه الترمذي من حديث أبي بن

[ 116 ]

كعب رفعه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ بنفسه وهو عند مسلم في أول قصة موسى والخضر ولفظه وكان إذا ذكر أحدا من الانبياء بدأ بنفسه ويؤيد هذا القيد انه صلى الله عليه وسلم دعا لغير نبي فلم يبدأ بنفسه كقوله في قصة هاجر الماضية في المناقب يرحم الله أم إسماعيل لو تركت زمزم لكانت عينا معينا وقد تقدم حديث أبي هريرة اللهم ايده بروح القدس يريد حسان بن ثابت وحديث بن عباس اللهم فقهه في الدين وغير ذلك من الامثلة مع ان الذي جاء في حديث أبي لم يطرد فقد ثبت انه دعا لبعض الانبياء فلم يبدأ بنفسه كما مر في المناقب من حديث أبي هريرة يرحم الله لوطا لقد كان يأوي إلى ركن شديد وقد أشار المصنف إلى الاول بسادس أحاديث الباب والى الثاني بالذي بعده وذكر المصنف فيه سبعة أحاديث الحديث الاول قوله وقال أبو موسى قال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لعبيد أبي عامر اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه هذا طرف من حديث لابي موسى تقدم بطوله موصولا في غزوة ارطاس من المغازي وفيه قصة قتل أبي عامر وهو عم أبي موسى الاشعري وفيه قول أبي موسى للنبي صلى الله عليه وسلم ان أبا عامر قال له قل للنبي صلى الله عليه وسلم استغفر لي قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر وفيه فقلت ولي فاستغفر فقال اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلا كريما الحديث الثاني قوله يحيى هو بن سعيد القطان قوله خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى خيبر فقال رجل من القوم هو عمر بن الخطاب وعامر هو بن الاكوع عم سلمة راوي الحديث وقد تقدم بيان ذلك كله في غزوة خيبر من كتاب المغازي وسبب قول عمر لولا متعتنا به وان ذلك ورد مصرحا به في صحيح مسلم واما بن عبد البر فأورده مورد الاستقراء فقال كانوا عرفوا انه ما استرحم لانسان قط في غزاة تخصه الا استشهد فلذا قال عمر لولا امتعتنا بعامر قوله وذكر شعرا غير هذا ولكني لم احفظه تقدم بيانه في المكان المذكور من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد ويعرف منه ان القائل وذكر شعرا هو يحيى بن سعيد راوية وان الذاكر هو يزيد بن أبي عبيد وقوله من هناتك بفتح الهاء والنون جمع هنة ويروي هنيهاتك وهنياتك والمراد الاراجيز القصار وتقدم شرح الحديث مستوفى هناك قوله فلما امسوا أو قدوا نارا كثيرة الحديث قي قصة الحمر الاهلية في رواية حاتم بن إسماعيل فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم فيه يعني خيبر وذكر الحديث بطوله وقد تقدم شرحه الحديث الثالث قوله حدثنا مسلم هو بن إبراهيم وعمرو شيخ شعبة فيه هو بن مرة وابن أبي أوفى هو عبد الله قوله صل على آل أبي أوفى أي عليه نفسه وقيل عليه وعلى اتباعه وسيأتي الكلام في الصلاة على غير الانبياء بعد ثلاثة عشر بابا الحديث الرابع قوله في حديث جرير وهو بن عبد الله البجلي وهو نصب بضم النون وبصاد مهملة ثم موحدة هو الصنم وقد تقدم بيان ذلك في تفسير سورة سأل وقوله يسمى الكعبة اليمانية في رواية الكشميهني كعبة اليمانية وهي لغة وقوله فخرجت في خمسين من قومي في رواية الكشميهني فارسا والقائل وربما قال سفيان

[ 117 ]

هو علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه وسفيان هو بن عيينة وقد تقدم شرح هذا الحديث في اواخر المغازي الحديث الخامس في دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لانس ان يكثر ماله وولده وسيأتي شرحه قريبا بعد ثمانية وعشرين بابا وقد بين مسلم في رواية سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس ان ذلك كان في اخر دعائه لانس ولفظه فقالت أمي يا رسول الله خويدمك ادع الله له فدعا لي بكل خير وكان في دعائه ان قال فذكره قال الداودي هذا يدل على بطلان الحديث الذي ورد اللهم من آمن بي وصدق ما جئت به فاقلل له من المال والولد الحديث قال وكيف يصح ذلك وهو صلى الله عليه وسلم يحض على النكاح والتماس الولد قلت لا منافاة بينهما لاحتمال ان يكون ورد في حصول الامرين معا لكن يعكر عليه حديث الباب فيقال كيف دعا لانس وهو خادمه بما كرهه لغيره ويحتمل ان يكون مع دعائه له بذلك قرنه بأن لا يناله من قبل ذلك ضرر لان المعنى في كراهية اجتماع كثرة المال والولد انما هو لما يخشى من ذلك من الفتنة بهما والفتنة لا يؤمن معها الهلكة الحديث السادس الله تبارك وتعالى قوله عبدة هو بن سليمان قوله رجلا يقرأ في المسجد هو عباد بن بشر كما تقدم في الشهادات وتقدم شرح المتن في فضائل القرآن وقوله فيه لقد اذكرني كذا وكذا آية قال الجمهور يجوز على النبي صلى الله عليه وسلم ان ينسى شيئا من القرآن بعد التبليغ لكنه لا يقر عليه وكذا يجوز ان ينسى مالا يتعلق بالابلاغ ويدل عليه قوله تعالى سنقرئك فلا تنسى الا ما شاء الله الحديث السابع الله عز وجلقوله سليمان هو بن مهران الاعمش قوله عن أبي وائل هو شقيق بن سلمة وقد تقدم في الادب من طريق حفص بن غياث عن الاعمش سمعت شقيقا قوله فقال رجل هو معتب بمهملة ثم مثناة ثقيلة ثم موحدة أو حرقوص كما تقدم بيانه في غزوة حنين هناك والمراد منه هنا قوله يرحم الله موسى فخصه بالدعاء فهو مطابق لاحد ركني الترجمة وقوله وجه الله أي الاخلاص له قوله باب ما يكره من السجع في الدعاء السجع بفتح المهملة وسكون الجيم بعدها عين مهملة هو موالاة الكلام على روى واحد ومنه سجعت الحمامة إذا رددت صوتها قاله بن دريد وقال الازهري هو الكلام المقفى من غير مراعاة وزن قوله هارون المقرئ هو بن موسى النحوي قوله حدثنا الزبير بن الخريت بكسر المعجمة وتشديد الراء المكسورة بعدها تحتانية ساكنة ثم مثناة قوله حدث الناس كل جمعة مرة فان أبيت فمرتين هذا إرشاد وقد بين حكمته قوله ولا تمل الناس هذا القرآن هو بضم أول تمل من الرباعي والملل والسآمة بمعنى وهذا القرآن منصوب على المفعولية وقد تقدم في كتاب العلم حديث بن مسعود كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة كراهة السآمة علينا قوله فلا الفينك بضم الهمزة وبالفاء أي لا اجدنك والنون مثقلة للتأكيد وهذا النهي بحسب الظاهر للمتكلم وهو في الحقيقة للمخاطب وهو كقولهم لا أرينك ههنا وفيه كراهة التحديث عند من لا يقبل عليه والنهي عن قطع حديث غيره وانه لا ينبغي نشر العلم عند من لا يحرص عليه ويحدث من يشتهى بسماعه لانه اجدر ان ينتفع به قوله فتملهم يجوز في محله الرفع والنصب قوله وانظر السجع من الدعاء فاجتنبه أي لا تقصد إليه ولا نشغل فكرك به لما فيه من التكلف المانع للخشوع المطلوب في الدعاء وقال بن التين المراد بالنهي

[ 118 ]

المستكره منه وقال الداودي الاستكثار منه قوله لا يفعلون الا ذلك أي ترك السجع ووقع عند الاسماعيلي عن القاسم بن زكريا عن يحيى بن محمد شيخ البخاري بسنده فيه لا يفعلون ذلك بإسقاط الا وهو واضح وكذا أخرجه البزار في مسنده عن يحيى والطبراني عن البنار ولا يرد على ذلك ما وقع في الاحاديث الصحيحة لان ذلك كان يصدر من غير قصد إليه ولاجل هذا يجئ في غاية الانسجام كقوله صلى الله عليه وسلم في الجهاد اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الاحزاب وكقوله صلى الله عليه وسلم صدق وعده واعز جنده الحديث وكقوله أعوذ بك من عين لا تدمع ونفس لا تشبع وقلب لا يخشع وكلها صحيحة قال الغزالي المكروه من السجع هو المتكلف لانه لا يلائم الضراعة والذلة والا ففي الادعية المأثورة كلمات متوازية لكنها غير متكلفة قال الازهري وانما كرهه صلى الله عليه وسلم لمشاكلته كلام الكهنة كما في قصة المرأة من هذيل وقال أبو زيد وغيره أصل السجع القصد المستوي سواء كان في الكلام أم غيره قوله باب ليعزم المسألة فإنه لا مكره له المراد بالمسألة الدعاء والضميران لله تعالى أو الاول ضمير الشأن والثاني لله تعالى جزما ومكره بضم أوله وكسر ثالثه قوله حدثنا إسماعيل هو المعروف بابن علية وعبد العزيز هو بن صهيب ونسب في رواية أبي زيد المروزي وغيره قوله فليعزم المسألة في رواية أحمد عن إسماعيل المذكور الدعاء ومعنى الامر بالعزم الجد فيه وان يجزم بوقوع مطلوبه ولا يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى وان كان مأمورا في جميع ما يريد فعله ان يعلقه بمشيئة الله تعالى وقيل معنى العزم ان يحسن الظن بالله في الاجابة قوله ولا يقولن اللهم ان شئت فاعطني في حديث أبي هريرة المذكور بعده اللهم اغفر لي ان شئت اللهم ارحمني ان شئت وزاد في رواية همام عن أبي هريرة الآتية في التوحيد اللهم ارزقني ان شئت وهذه كلها أمثلة ورواية العلاء عن أبيه عن أبي هريرة عند مسلم تتناول جميع ما يدعى به ولمسلم من طريق عطاء بن ميناء عن أبي هريرة ليعزم في الدعاء وله من رواية العلاء ليعزم وليعظم الرغبة ومعنى قوله ليعظم الرغبة أي يبالغ في ذلك بتكرار الدعاء والالحاح فيه ويحتمل ان يراد به الامر بطلب الشئ العظيم الكثير ويؤيده ما في اخر هذه الرواية فإن الله لا يتعاظمه شئ قوله فإنه لا مستكره له في حديث أبي هريرة فإنه لا مكره له وهما بمعنى والمراد ان الذي يحتاج إلى التعليق بالمشيئة ما إذا كان المطلوب منه يتأتى اكراهه على الشئ فيخفف الامر عليه ويعلم بأنه لا يطلب منه ذلك الشئ الا برضا وأما الله سبحانه فهو منزه عن ذلك فليس للتعليق فائدة وقيل المعنى ان فيه صورة الاستغناء عن المطلوب والمطلوب منه والاول أولى وقد وقع في رواية عطاء بن ميناء فان الله صانع ما شاء وفي رواية العلاء فان الله لا يتعاظمه شئ أعطاه قال بن عبد البر لا يجوز لاحد ان يقول اللهم اعطني ان شئت وغير ذلك من أمور الدين والدنيا لانه كلام مستحيل لا وجه له لانه لا يفعل الا ما شاءه وظاهره انه حمل النهي على التحريم وهو الظاهر وحمل النووي النهي في ذلك على كارهة التنزيه وهو أولى ويؤيده ما سيأتي في حديث الاستخارة وقال بن بطال في الحديث انه ينبغي للداعي ان يجتهد في الدعاء ويكون على رجاء الاجابة ولا يقنط من الرحمة فإنه يدعو كريما وقد قال بن عيينة لا يمنعن أحدا الدعاء ما يعلم في نفسه يعني من التقصير فان الله قد أجاب دعاء شر خلقه وهو إبليس حين قال رب انظرني إلى يوم يبعثون وقال الداودي معنى قوله ليعزم المسألة

[ 119 ]

أن يجتهد ويلح ولا يقل ان شئت كالمستثنى ولكن دعاء البائس الفقير قلت وكأنه أشار بقوله كالمستثنى إلى انه إذا قالها على سبيل التبرك لا يكره وهو جيد قوله باب يستجاب للعبد أي إذا دعا ما لم يعجل والتعبير بالعبد وقع في رواية أبي إدريس كما سأنيه عليه قوله عن أبي عبيد هو سعد بن عبيد قوله مولى بن ازهر اسمه عبد الرحمن قوله يستجاب لاحدكم ما لم يعجل أي يجاب دعاؤه وقد تقدم بيان ذلك في التفسير في قوله تعالى الذين استجابوا لله قوله يقول دعوت فلم يستجب لي في رواية غير أبي ذر فيقول بزيادة فاء واللام منصوبة قال بن بطال المعنى انه يسأم فيترك الدعاء فيكون كالمان بدعائه أو انه اتى من الدعاء ما يستحق به الاجابة فيصير كالمبخل للرب الكريم الذي لا تعجزه الاجابة ولا ينقصه العطاء وقد وقع في رواية أبي إدريس الخولاني عن أبي هريرة عند مسلم والترمذي لا يزال يستجاب للعبد ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم وما لم يستعجل قيل وما الاستعجال قال يقول قد دعوت وقد دعوت فلم ار يستجاب لي فيستحسر عند ذلك ويدع الدعاء ومعنى قوله يستحسر وهو بمهملات ينقطع وفي هذا الحديث أدب من آداب الدعاء وهو انه يلازم الطلب ولا ييأس من الاجابة لما في ذلك من الانقياد والاستسلام وإظهار الافتقار حتى قال بعض السلف لانا أشد خشية ان احرم الدعاء من ان احرم الاجابة وكأنه أشار إلى حديث بن عمر رفعه من فتح له منكم باب الدعاء فتحت له أبواب الرحمة الحديث أخرجه الترمذي بسند لين وصححه الحاكم فوهم قال الداودي يخشى على من خالف وقال قد دعوت فلم يستجب لي ان يحرم الاجابة وما قام مقامها من الادخار والتكفير انتهى وقد قدمت في أول كتاب الدعاء الاحاديث الدالة على ان دعوة المؤمن لا ترد وانها اما ان تعجل له الاجابة وإما ان تدفع عنه من السوء مثلها واما ان يدخر له في الآخرة خير مما سأل فأشار الداودي إلى ذلك والى ذلك أشار بن الجوزي بقوله اعلم ان دعاء المؤمن لا يرد غير انه قد يكون الاولى له تأخير الاجابة أو يعوض بما هو أولى له عاجلا أو آجلا فينبغي للمؤمن ان لا يترك الطلب من ربه فإنه متعبد بالدعاء كما هو متعبد بالتسليم والتفويض ومن جملة اداب الدعاء تحري الاوقات الفاضلة كالسجود وعند الاذان ومنها تقديم الوضوء والصلاة واستقبال القبلة ورفع اليدين وتقديم التوبة والاعتراف بالذنب والاخلاص وافتتاحه بالحمد والثناء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم والسؤال بالاسماء الحسنى وأدلة ذلك ذكرت في هذا الكتاب وقال الكرماني ما ملخصه الذي يتصور في الاجابة وعدمها أربع صور الاولى عدم العجلة وعدم القول المذكور الثانية وجودهما الثالثة والرابعة عدم أحدهما ووجود الآخر فدل الخبر على ان الاجابة تختص بالصورة الاولى دون الثلاث قال ودل الحديث على ان مطلق قوله تعالى أجيب دعوة الداع إذا دعان مقيد بما دل عليه الحديث قلت وقد أول الحديث المشار إليه قبل على ان المراد بالاجابة ما هو أعم من تحصيل المطلوب بعينه أو ما يقوم مقامه ويزيد عليه والله اعلم قوله باب رفع الايدي في الدعاء أي على صفة خاصة وسقط لفظ باب لابي ذر قوله وقال أبو موسى هو الاشعري دعا النبي صلى الله عليه وسلم ثم رفع يديه ورأيت بياض إبطيه هذا طرف من حديثه الطويل في قصة قتل عمه أبي عامر الاشعري وقد تقدم موصولا في المغازي في غزوة حنين وأشرت إليه قبل بثلاثة أبواب في باب قول الله تعالى وصل عليهم قوله وقال بن عمر رفع النبي صلى اله

[ 120 ]

عليه وسلم يديه وقال اللهم اني ابرأ إليك مما صنع خالد وهذا طرف من قصة غزوة بني جذيمة بجيم ومعجمة وزن عظيمة وقد تقدم موصلا مع شرحه في المغازي بعد غزوة الفتح وخالد المذكور هو بن الوليد قوله وقال الاويسي هو عبد العزيز بن عبد الله ومحمد بن جعفر أي بن كثير ويحيى بن سعيد هو الانصاري وهذا طرف أيضا من حديث أنس في الاستسقاء وقد تقدم هناك بهذا السند معلقا ووصله أبو نعيم من رواية أبي زرعة الرازي قال حدثنا الاويسي به وأورد البخاري قصة الاستسقاء مطولة من رواية شريك بن أبي نمر وحده عن أنس من طرق في بعضها ورفع يديه وليس في شئ منها حتى رأيت بياض إبطيه الا هذا وفي الحديث الاول رد من قال لا يرفع كذا الا في الاستسقاء بل فيه وفي الذي بعده رد على من قال لا يرفع اليدين في الدعاء غير الاستسقاء أصلا وتمسك بحديث أنس لم يكن النبي صلى الله يرفع يديه في شئ من دعائه الا في الاستسقاء وهو صحيح لكن جمع بينه وبين أحاديث الباب وما في معناها بأن المنفى صفة خاصة لا أصل الرفع وقد أشرت إلى ذلك في أبواب الاستسقاء وحاصله ان الرفع في الاستسقاء يخالف غيره اما بالمبالغة إلى ان تصير اليدان في حذو الوجه مثلا وفي الدعاء إلى حذو المنكبين ولا يعكر على ذلك انه ثبت في كل منهما حتى يرى بياض إبطيه بل يجمع بأن تكون رؤية البياض في الاستسقاء ابلغ منها في غيره واما ان الكفين في الاستسقاء يليان الارض وفي الدعاء يليان السماء قال المنذري وبتقدير تعذر الجمع فجانب الاثبات أرجح قلت ولا سيما مع كثرة الاحاديث الواردة في ذلك فان فيه أحاديث كثيرة افردها المنذري في جزء سرد منها النووي في الاذكار وفي شرح المهذب جملة وعقد لها البخاري أيضا في الادب المفرد بابا ذكر فيه حديث أبي هريرة قدم الطفيل بن عمرو على النبي صلى الله عليه وسلم فقال ان دوسا عصت فادع الله عليها فاستقبل القبلة ورفع يديه فقال اللهم اهد دوسا وهو في الصحيحين دون قوله ورفع يديه وحديث جابر ان للطفيل بن عمرو هاجر فذكر قصة الرجل الذي هاجر معه وفيه فقال النبي صلى الله عليه وسلم اللهم وليديه فاغفر ورفع يديه وسنده صحيح وأخرجه مسلم وحديث عائشة انها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يدعو رافعا يديه يقول اللهم انما انا بشر الحديث وهو صحيح الاسناد ومن الاحاديث الصحيحة في ذلك ما أخرجه المصنف في جزء رفع اليدين رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يدعو لعثمان ولمسلم من حديث عبد الرحمن بن سمرة في قصة الكسوف فانتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو رافع يديه يدعو وعنده في حديث عائشة في الكسوف أيضا ثم رفع يديه يدعو وفي حديثها عنده في دعائه لاهل البقيع فرفع يديه ثلاث مرات الحديث ومن حديث أبي هريرة الطويل في فتح مكة فرفع يديه وجعل يدعو وفي الصحيحين من حديث أبي حميد في قصة بن اللتيية ثم رفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه يقول اللهم هل بلغت ومن حديث عبد الله بن عمرو ان النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قول إبراهيم وعيسى فرفع يديه وقال اللهم أمتي وفي حديث عمر كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحي يسمع عند وجهه كدوي النحل فأنزل الله عليه يوما ثم سرى عنه فاستقبل القبلة ورفع يديه ودعا الحديث أخرجه الترمذي واللفظ له والنسائي والحاكم وفي حديث أسامة كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم بعرفات فرفع يديه يدعو فمالت به ناقته فسقط خطامها فتناوله بيده وهو رافع اليد الاخرى أخرجه النسائي بسند جيد وفي

[ 121 ]

حديث قيس بن سعد عند أبي داود ثم رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه وهو يقول اللهم صلواتك ورحمتك علي آل سعد بن عبادة الحديث وسنده جيد والاحاديث في ذلك كثيرة وأما ما أخرجه مسلم من حديث عمارة بن رويبة براء وموحدة مصغر انه رأى بشر بن مروان يرفع يديه فأنكر ذلك وقال لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يزيد على هذا يشير بالسبابة فقد حكى الطبري عن بعض السلف انه اخذ بظاهره وقال السنة ان الداعي يشير بأصبع واحدة ورده بأنه انما ورد في الخطيب حال الخطبة وهو ظاهر في سياق الحديث فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الاخبار بمشروعيتها وقد اخرج أبو داود والترمذي وحسنة وغيرهما من حديث سلمان رفعه ان ربكم حي كريم يستحى من عبده إذا رفع يديه إليه ان يردهما صفرا بكسر المهملة وسكون الفاء أي خالية وسنده جيد قال الطبري وكره رفع اليدين في الدعاء بن عمر وجبير بن مطعم ورأى شريح رجلا يرفع يديه داعيا فقال من تتناول بهما لا أم لك وساق الطبري ذلك بأسانيده عنهم وذكر بن التين عن عبد الله بن عمر بن غانم انه نقل عن مالك ان رفع اليدين في الدعاء ليس من أمر الفقهاء قال وقال في المدونة ويختص الرفع بالاستسقاء ويجعل بطونهما إلى الارض واما ما نقله الطبري عن بن عمر فانما انكر رفعهما إلى حذو المنكبين وقال ليجعلهما حذو صدره كذلك اسنده الطبري عنه أيضا وعن بن عباس ان هذه صفة الدعاء وأخرج أبو داود والحاكم عنه من وجه اخر قال المسألة ان تدفع يديك حذو منكبيك والاستغفار ان تشير بأصبع واحدة والابتهال ان تمد يديك جميعا واخرج الطبري من وجه اخر عنه قال يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه وقد صح عن بن عمر خلاف ما تقدم أخرجه البخاري في الادب المفرد من طريق القاسم بن محمد رأيت بن عمر يدعو عند القاص يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه باطنهما مما يليه وظاهرهما مما يلي وجهه قوله باب الدعاء غير مستقبل القبلة ذكر فيه حديث قتادة عن أنس بينا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب يوم الجمعة فقام رجل فقال يا رسول الله ادع الله ان يسقينا الحديث وفيه فقام ذلك الرجل أو غيره فقال ادع الله ان يصرف عنا فقد غرقنا فقال اللهم حوالينا ولا علينا الحديث وقد تقدم شرحه في الاستسقاء وفي بعض طرقه في الاول فقال اللهم اسقنا ووجه اخذه من الترجمة من جهة ان الخطيب من شأنه ان يستدبر القبلة وأنه لم ينقل انه صلى الله عليه وسلم لما دعا في المرتين استدار وقد تقدم في الاستسقاء من طريق إسحاق بن أبي طلحة عن أنس في هذه القصة في اخره ولم يذكر انه حول رداءه ولا استقبل القبلة قوله باب الدعاء مستقبل القبلة ذكر فيه حديث عبد الله بن زيد قال خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى المصلى يستسقى فدعا واستسقى ثم استقبل القبلة وقلب رداءه قال الاسماعيلي هذا الحديث مطابق للترجمة التي قبل هذا يريد انه قدم الدعاء قبل الاستسقاء ثم قال لكن لعل البخاري أراد انه لما تحول وقلب رداءه دعا حينئذ أيضا قلت وهو كذلك فأشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرق الحديث وقد مضى في الاستسقاء من هذا الوجه بلفظ وانه لما أراد ان يدعو استقبل القبلة وحول رداءه وترجم له استقبال القبلة في الدعاء والجمع بينه وبين حديث أنس ان القصة التي في حديث أنس كانت في خطبة الجمعة بالمسجد والقصة التي في حديث عبد الله بن زيد كانت بالمصلى وقد سقطت هذه الترجمة من رواية أبي زيد المروزي فصار

[ 122 ]

حديثها من جملة الباب الذي قبله ويسقط بذلك اعتراض الاسماعيلي من أصله وقد ورد في استقبال القبلة في الدعاء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث منها حديث عمر عند الترمذي وقد قدمته في باب رفع اليدين في الدعاء ولمسلم والترمذي من حديث بن عباس عن عمر لما كان يوم بدر نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين فاستقبل القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه الحديث وفي حديث بن مسعود استقبل النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة فدعا على نفر من قريش الحديث متفق عليه وفي حديث عبد الرحمن بن طارق عن أبيه ان رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا جاز مكانا من دار يعلى استقبل القبلة فدعا أخرجه أبو داود والنسائي واللفظ له وفي حديث بن مسعود رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبر عبد الله ذي النجادين الحديث وفيه فلما فرغ من دفنه استقبل القبلة رافعا يديه أخرجه أبو عوانة في صحيحه قوله باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر وبكثرة ماله ذكر فيه حديث أنس قالت أمي يا رسول الله خادمك ادع الله له قال اللهم أكثر ماله وولده الحديث وقد مضى قريبا وذكره في عدة أبواب وليس في شئ منها ذكر العمر فقال بعض الشراح مطابقة الحديث للترجمة ان الدعاء بكثرة الولد يستلزم حصول طول العمر وتعقب بأنه لا ملازمة بينهما الا بنوع من المجاز بأن يراد ان كثرة الولد في العادة تستدعي بقاء ذكر الولد ما بقي أولاده فكأنه حي والاولى في الجواب انه أشار كعادته إلى ما ورد في بعض طرقه فاخرج في الادب المفرد من وجه اخر عن أنس قال قالت أم سليم وهي أم أنس خويدمك الا تدعو له فقال اللهم أكثر ماله وولده واطل حياته واغفر له فأما كثرة ولد أنس وماله فوقع عند مسلم في اخر هذا الحديث من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس قال أنس فوالله ان مالي لكثير وان ولدي وولد ولدي ليتعادون على نحو المائة اليوم وتقدم في حديث الطاعون شهادة لكل مسلم في كتاب الطب قول أنس أخبرتني ابنتي امينة انه دفن من صلبي إلى يوم مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون وقال النووي في ترجمته كان أكثر الصحابة اولادا وقد قال بن قتيبة في المعارف كان بالبصرة ثلاثة ما ماتوا حتى رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه أبو بكرة وأنس وخليفة بن بدر وزاد غيره رابعا وهو المهلب بن أبي صفرة واخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس وكان له بستان يأتي في كل سنة الفاكهة مرتين وكان فيه ريحان يجئ منه ريح المسك ورجاله ثقات واما طول عمر أنس فقد ثبت في الصحيح انه كان في الهجرة بن تسع سنين وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل وقيل سنة ثلاث وله مائة وثلاث سنين قاله خليفة وهو المعتمد وأكثر ما قيل في سنه انه بلغ مائة وسبع سنين واقل ما قيل فيه تسعا وتسعين سنة قوله باب الدعاء عند الكرب بفتح الكاف وسكون الراء بعدها موحدة هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمه ويحزنه قوله هشام وفي الطريق الثانية هشام بن أبي عبد الله وهو الدستوائي وأبو العالية هو الرياحي بتحتانية ثم مهملة واسمه رفيع وقد رواه قتادة عنه بالعنعنة وهو مدلس وقد ذكر أبو داود في السنن في كتاب الطهارة عقب حديث أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية قال شعبة انما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث حديث يونس بن متى وحديث بن عمر في الصلاة وحديث القضاة ثلاثة وحديث بن عباس شهد عندي رجال مرضيون وروى بن أبي حاتم

[ 123 ]

في المراسيل بسنده عن يحيى القطان عن شعبة قال لم يسمع قتادة من أبي العالية الا ثلاثة أحاديث فذكرها بنحوه ولم يذكر حديث بن عمر وكأن البخاري لم يعتبر بهذا الحصر لان شعبة ما كان يحدث عن أحد من المدلسين الا بما يكون ذلك المدلس قد سمعه من شيخه وقد حدث شعبة بهذا الحديث عن قتادة وهذا هو السر في إيراده له معلقا في اخر الترجمة من رواية شعبة واخرج مسلم الحديث من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ان أبا العالية حدثه وهذا صريح في سماعه له منه واخرج البخاري أيضا من رواية قتادة عن أبي العالية غير هذا وهو حديث رؤية موسى وغيره ليلة أسرى به واخرج مسلم أيضا وقوله في هذا المعلق وقال وهب كذا للاكثر وللمستملي وحده وهيب بالتصغير وقال أبو ذر الصواب الاول قلت ووقع في رواية أبي زيد المروزي وهب بن جرير أي بن حازم فأزال الاشكال ويؤيده ان البخاري اخرج الحديث المذكور في التوحيد من طريق وهيب بالتصغير وهو بن خالد فقال سعيد بن أبي عروبة عن قتادة فظهر انه عند وهيب بالتصغير عن سعيد بالمهملة والدال وعند وهب بسكون الهاء عن شعبة بالمعجمة والموحدة قوله كان يدعو عند الكرب أي عند حلول الكرب وعند مسلم من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة كان يدعو بهن ويقولهن عند الكرب وله من رواية يوسف بن عبد الله بن الحارث عن أبي الحارث عن أبي العالية كان إذا حزبه أمر وهو بفتح المهملة والزاي وبالموحدة أي هجم عليه أو غلبه وفي حديث على عند النسائي وصححه الحاكم لقنني رسول الله صلى الله عليه وسلم هؤلاء الكلمات وأمرني ان نزل بي كرب أو شدة ان اقولها قوله لا إله إلا الله العظيم الحليم لا إله إلا الله رب السماوات والارض ورب العرش العظيم ووقع في الرواية التي بعدها بلفظ ورب الارض ورب العرش الكريم وقال في أوله رب العرش الكريم بدل العظيم الحليم ووقع جميع ما تضمنته هاتان الروايتان في رواية وهيب بن خالد التي أشرت إليها لكن قال العليم الحليم باللام بدل الظاء المعجمة وكذا هو لمسلم من طريق معاذ بن هشام وقال العظيم بدل العليم قوله رب العرش العظيم نقل بن التين عن الداودي انه رواه برفع العظيم وكذا برفع الكريم في قوله رب العرش الكريم على انهما نعتان للرب والذي ثبت في رواية الجمهور بالجر على انه نعت للعرش وكذا قرأ الجمهور في قوله تعالى رب العرش العظيم ورب العرش الكريم بالرفع وقرأ بن محيصن بالجر فيهما وجاء ذلك أيضا عن بن كثير وعن أبي جعفر المدني واعرب بوجهين أحدهما ما تقدم والثاني ان يكون مع الرفع نعتا للعرش على انه خبر لمبتدأ محذوف قطع عما قبله للمدح ورجح لحصول توافق القراءتين ورجح انو بكر الاصم الاول لان وصف الرب بالعظيم أولى من وصف العرش وفيه نظر لان وصف ما يضاف للعظيم بالعظيم أقوى في تعظيم العظيم فقد نعت الهدهد عرش بلقيس بأنه عرش عظيم ولم ينكر عليه سليمان قال العلماء الحليم الذي يؤخر العقوبة مع القدرة والعظيم الذي لا شئ يعظم عليه والكريم المعطي فضلا وسيأتي لذلك مزيد في شرح الاسماء الحسنى قريبا وقال الطيبي صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب لانه مقتضى التربية وفيه التهليل المشتمل على التوحيد وهو أصل التنزيهات الجلالية والعظمة التي تدل على تمام القدرة والحلم الذي يدل على العلم إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم وهما أصل الاوصاف الاكرامية ووقع في حديث على الذي أشرت إليه لا إله إلا الله الكريم العظيم سبحان

[ 124 ]

الله تبارك الله رب العرش العظيم والحمد لله رب العالمين وفي لفظ الحليم الكريم في الاول وفي لفظ لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي العظيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحليم الكريم وفي لفظ لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحانه تبارك وتعالى رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين أخرجها كلها النسائي قال الطبري معنى قول بن عباس يدعو وانما هو تهليل وتعظيم يحتمل امرين أحدهما ان المراد تقديم ذلك قبيل الدعاء كما ورد من طريق يوسف بن عبد الله بن الحارث المذكورة وفي اخره ثم يدعو قلت وكذا هو عند أبي عوانة في مستخرجه من هذا الوجه وعند عبد بن حميد من هذا الوجه كان إذا حزبه أمر قال فذكر الذكر المأثور وزاد ثم دعا وفي الادب المفرد من طريق عبد الله بن الحارث سمعت بن عباس فذكره وزاد في اخره اللهم اصرف عني شره قال الطبري ويؤيد هذا ما روى الاعمش عن إبراهيم قال كان يقال إذا بدأ الرجل بالثناء قبل الدعاء استجيب وإذا بدأ بالدعاء قبل الثناء كان على الرجاء ثانيهما ما أجاب به بن عيينة فيما حدثنا حسين بن حسن المروزي قال سألت بن عيينة عن الحديث الذي فيه أكثر ما كان يدعو به النبي صلى الله عليه وسلم بعرفة لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث فقال سفيان هو ذكر وليس فيه دعاء ولكن قال النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عزوجل من شغله ذكري عن مسألتي اعطيته أفضل ما أعطى السائلين قال وقال أمية بن أبي الصلت في مدح عبد الله بن جدعان أأذكر حاجتي أم قد كفاني * حياؤك ان شيمتك الحياء إذا اثنى عليكم المرء يوما * كفاه من تعرضك الثناء قال سفيان فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرام اكتفى بالثناء عن السؤال فكيف بالخلاف قلت ويؤيد الاحتمال الثاني حديث سعد بن أبي وقاص رفعه دعوة ذي النون إذ دعا وهو في بطن الحوت لا اله الا أنت سبحانك اني كنت من الظالمين فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شئ قط الا استجاب الله تعالى له أخرجه الترمذي والنسائي والحاكم وفي لفظ للحاكم فقال رجل أكانت ليونس خاصة أم للمؤمنين عامة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا تسمع إلى قول الله تعالى وكذلك ننجي المؤمنين وقال بن بطال حدثني أبو بكر الرازي قال كنت بأصبهان عند أبي نعيم اكتب الحديث وهناك شيخ يقال له أبو بكر بن علي عليه مدار الفتيا فسعى به عند السلطان فسجن فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وجبريل عن يمينه يحرك شفتيه بالتسبيح لا يفتر فقال لي النبي صلى الله عليه وسلم قل لابي بكر بن علي يدعو بدعاء الكرب الذي في صحيح البخاري حتى يفرج الله عنه قال فأصبحت فأخبرته فدعا به فلم يكن الا قليلا حتى اخرج انتهى واخرج بن أبي الدنيا في كتاب الفرج بعد الشدة له من طريق عبد الملك بن عمير قال كتب الوليد بن عبد الملك إلى عثمان بن حيان انظر الحسن بن الحسن فاجلده مائة جلده واوقفه للناس قال فبعث إليه فجئ به فقام إليه على بن الحسين فقال يا بن عم تكلم بكلمات الفرج يفرج الله عنك فذكر حديث علي باللفظ الثاني فقالها فرفع إليه عثمان رأسه فقال أرى وجه رجل كذب عليه خلوا سبيله فسأكتب إلى أمير المؤمنين بعذره فأطلق واخرج النسائي والطبري من طريق الحسن بن الحسن بن علي قال لما زوج عبد الله بن جعفر ابنته قال لها ان نزل بك أمر فاستقبليه بأن تقولي لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم الحمد لله رب العالمين قال الحسن فأرسل إلى الحجاج فقلتهن

[ 125 ]

فقال والله لقد أرسلت إليك وأنا أريد ان اقتلك فلانت اليوم احب الي من كذا وكذا وزاد في لفظ فسل حاجتك ومما ورد من دعوات الكرب ما أخرجه أصحاب السنن الا الترمذي عن أسماء بنت عميس قالت قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم الا أعلمك كلمات تقوليهن عند الكرب الله الله ربي لا اشرك به شيئا وأخرجه الطبري من طريق أبي الجوزاء عن بن عباس مثله ولابي داود وصححه بن حبان عن أبي بكرة رفعه دعوات المكروب اللهم رحمتك ارجو فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين واصلح لي شأني كله لا اله الا أنت قوله باب التعوذ من جهد البلاء الجهد بفتح الجيم وبضمها المشقة وتقدم ما فيه في حديث بدء الوحي أول الكتاب والبلاء بالفتح مع المد ويجوز الكسر مع القصر قوله سمى بالمهملة مصغر هو مولى أبي بكر بن عبد الرحمن المخزومي قوله كان يتعوذ كذا للاكثر ورواه مسدد عن سفيان بسنده هذا بلفظ الامر تعوذوا وسيأتي في كتاب القدر وكذا وقع في رواية الحسن بن علي الواسطي عن سفيان عند الاسماعيلي وأبي نعيم قوله ودرك الشقاء بفتح الدال والراء المهملتين ويجوز سكون الراء وهو الادراك واللحاق والشقاء بمعجمة ثم قاف هو الهلاك ويطلق على السبب المؤدي إلى الهلاك قوله قال سفيان هو بن عيينة راوي الحديث المذكور وهو موصول بالسند المذكور قوله الحديث ثلاث زدت انا واحدة لا أدري ايتهن أي الحديث المرفوع المروي يشتمل على ثلاث جمل من الجمل الاربع والرابعة زادها سفيان من قبل نفسه ثم خفي عليه تعيينها ووقع عند الحميدي في مسنده عن سفيان الحديث ثلاث من هذه الاربع وأخرجه أبو عوانة والاسماعيلي وأبو نعيم من طريق الحميدي ولم يفصل ذلك بعض الرواة عن سفيان وفي ذلك تعقب على الكرماني حيث اعتذر عن سفيان في جواب من استشكل جواز زيادته الجملة المذكورة في الحديث مع انه لا يجوز الادراج في الحديث فقال يجاب عنه بأنه كان يميزها إذا حدث كذا قال وفيه نظر فسيأتي في القدر عن مسدد وأخرجه مسلم عن أبي خيثمة وعمر والناقد والنسائي عن قتيبة الاسماعيلي من رواية العباس بن الوليد وأبو عوانة من رواية عبد الجبار بن العلاء وأبو نعيم من طريق سفيان بن وكيع كلهم عن سفيان بالخصال الاربعة بغير تمييز الا ان مسلما قال عن عمرو الناقد قال سفيان اشك اني زدت واحدة منها وأخرجه الجوزقي من طريق عبد الله بن هاشم عن سفيان فاقتصر على ثلاثة ثم قال قال سفيان وشماتة الاعداء وأخرجه الاسماعيلي من طريق بن أبي عمر عن سفيان وبين ان الخصلة المزيدة هي شماتة الاعداء وكذا أخرجه الاسماعيل من طريق شجاع بن مخلد عن سفيان مقتصرا على الثلاثة دونها وعرف من ذلك تعيين الخصلة المزيدة ويجاب عن النظر بان سفيان كان إذا حدث ميزها ثم طال الامر فطرقه السهو عن تعيينها فحفظ بعض من سمع تعيينها منه قبل ان يطرقه السهو ثم كان بعد ان خفي عليه تعيينها يذكر كونها مزيدة مع ابهامها ثم بعد ذلك اما ان يحمل الحال حيث لم يقع تمييزها لا تعيينا ولا ابهاما ان يكون ذهل عن ذلك أو عين أو ميز فذهل عنه بعض من سمع ويترجح كون الخصلة المذكور هي المزيدة بأنها تدخل في عموم كل واحدة من الثلاثة ثم كل واحدة من الثلاثة مستقلة فان كل أمر يكره يلاحظ فيه جهة المبدأ وهو سوء القضاء وجهة المعاد وهو درك الشقاء لان شقاء الآخرة هو الشقاء الحقيقي وجهة المعاش وهو جهد البلاء واما شماتة الاعداء

[ 126 ]

فتقع لكل من وقع له كل من الخصال الثلاثة وقال بن بطال وغيره جهد البلاء كل ما أصاب المرء من شدة مشقة ومالا طاقة له بحمله ولا يقدر على دفعه وقيل المراد بجهد البلاء قلة المال وكثرة العيال كذا جاء عن بن عمر والحق ان ذلك فرد من افراد جهد البلاء وقيل هو ما يختار الموت عليه قال ودرك الشقاء يكون في أمور الدنيا وفي أمور الآخرة وكذلك سوء القضاء عام في النفس والمال والاهل والولد والخاتمة والمعاد قال والمراد بالقضاء هنا المقضى لان حكم الله كله حسن لا سوء فيه وقال غيره القضاء الحكم بالكليات على سبيل الاجمال في الازل والقدر الحكم بوقوع الجزئيات التي لتلك الكليات على سبيل التفصيل قال بن بطال وشماته الاعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ وانما تعوذ النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك تعليما لامته فان الله تعالى كان امنه من جميع ذلك وبذلك جزم عياض قلت ولا يتعين ذلك بل يحتمل ان يكون استعاذ بربه من وقوع ذلك بأمته ويؤيده رواية مسدد المذكورة بصيغة الامر كما قدمته وقال النووي شماتة الاعداء فرحهم ببلية تنزل بالمعادي قال وفي الحديث دلالة لاستحباب الاستعاذة من الاشياء المذكورة واجمع على ذلك العلماء في جميع الاعصار والامصار وشذت طائفة من الزهاد قلت وقد تقدمت الاشارة إلى ذلك في أوائل كتاب الدعوات وفي الحديث ان الكلام المسجوع لا يكره إذا صدر عن غير قصد إليه ولا تكلف قاله بن الجوزي قال وفيه مشروعية الاستعاذة ولا يعارض ذلك كون ما سبق في القدر لا يرد لاحتمال ان يكون مما قضى فقد يقضى على المرء مثلا بالبلاء ويقضي انه ان دعا كشف فالقضاء محتمل الدافع والمدفوع وفائدة الاستعاذة والدعاء إظهار العبد فاقته لربه وتضرعه إليه وقد تقدم ذلك مبسوطا في أوائل كتاب الدعوات قوله باب كذا للاكثر بغير ترجمة ذكر فيه حديث عائشة في الوفاة النبوية وفيه قوله عليه الصلاة والسلام الرفيق الاعلى وقد تقدم شرحه في اواخر المغازي وتعلقه بما قبله من جهة ان فيه إشارة إلى حديث عائشة انه كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات وقضية سياقها هنا انه لم يتعوذ في مرض موته بذلك بل تقدم في الوفاة النبوية من طريق بن أبي مليكة عن عائشة فذهبت اعوذه فرفع رأسه إلى السماء وقال في الرفيق الاعلى قوله أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير في رجال من أهل العلم ان عائشة رضي الله عنها قالت لم اقف على تعيين أحد منهم صريحا وقد روى أصل الحديث المذكور عن عائشة بن أبي مليكة وذكوان مولى عائشة وأبو سلمة بن عبد الرحمن والقاسم بن محمد فيمكن ان يكون الزهري عناهم أو بعضهم قوله باب الدعاء بالموت والحياة في رواية أبي زيد المروزي وبالحياة وهو أوضح وفيه حديثان الاول حديث خباب ويحيى في سنده هو بن سعيد القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وانما اعاده عن محمد بن المثنى بعد ان أورده عن مسدد وكلاهما يرويه عن يحيى القطان لما في رواية محمد بن المثنى من الزيادة وهي قوله في بطنه فسمعته يقول وباقي سياقهما سواء ووقعت الزيادة المذكورة عند الكشميهني وحده في رواية مسدد وهي غلط وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب عيادة المرضى الثاني حديث أنس لا يتمنين أحدكم الموت في رواية الكشميهني أحد منكم وقد تقدم شرحه أيضا هناك قوله باب

[ 127 ]

الدعاء للصبيان بالبركة ومسح رؤوسهم في رواية أبي زيد المروزي ومسح رأسه بالافراد وورد في فضل مسح رأس اليتيم حديث أخرجه أحمد والطبراني عن أبي امامة بلفظ من مسح رأس يتيم لا يمسحه الا لله كان له بكل شعرة تمر يده عليها حسنة وسنده ضعيف ولاحمد من حديث أبي هريرة ان رجلا شكى إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوة قلبه فقال اطعم المسكين وامسح رأس اليتيم وسنده حسن وذكر في الباب أحاديث الحديث الاول قوله وقال أبو موسى ولد لي مولود هذا طرف من حديث تقدم موصلا في كتاب العقيقة واسم الولد المذكور إبراهيم الثاني قوله حاتم هو بن إسماعيل والجعد يقال فيه الجعيد بالتصغير والسائب بن يزيد يعرف بابن أخت النمر وقد تقدم في باب خاتم النبوة في أوائل الترجمة النبوية قبل المبعث وتقدم شرح الحديث هناك وفي باب استعمال فضل وضوء الناس من كتاب الطهارة الثالث قوله عن أبي عقيل بفتح أوله واسمه زهرة بن سعيد وعبد الله بن هشام هو التيمي من بني تيم بن مرة تقدم شرح حديثه في الشركة الرابع قوله محمود بن ربيع وهو الذي مج رسول الله صلى الله عليه وسلم في وجهه وهو غلام من بئرهم كذا أورده مختصرا وأورده من هذا الوجه في الطهارة كذلك ولم يذكر الخبر الذي أخبر به محمود وهو حديثه عن عتبان بن مالك في صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وقد أورده في باب إذا دخل بيتا صلى حيث شاء من كتاب الصلاة من هذا الوجه مختصرا فقال حدثنا عبد الله بن مسلمة أنبأنا إبراهيم بن سعد فذكر بإسناده الذي أورده هنا إلى محمود بن الربيع فزاد عن عتبان بن مالك ان رسول الله صلى الله عليه وسلم أتاه إلى منزله فقال أين تحب ان أصلي في بيتك الحديث وأورده عنه من طريق عقيل عن بن شهاب أخبرني محمود بن الربيع عن عتبان بن مالك فذكره مطولا ولم يذكر قول محمود في المجة وذكر في العلم من طريق الزبيدي عن الزهري عن محمود مختصرا على قصة المجة أتم مما هنا قال عقلت من النبي صلى الله عليه وسلم مجة وقد شرحته هناك وأورده قبل باب الذكر في الصلاة من طريق معمر عن الزهري مطولا بقصة المجة وبحديث عتبان وأورده في الرقاق من هذا الوجه كذلك لكن باختصار وقد اورد مسلم حديث عتبان من طرق عن الزهري منها للاوزاعي عنه قصة محمود في المجة ولم يتنبه لذلك الحميدي في جمعه فترجم لمحمود بن الربيع في الصحابة الذين انفرد البخاري بتخريج حديثهم وساق له حديث المجة المذكورة وكأنه لما رأى البخاري أفرده ولم يفرده مسلم ظن انه حديث مستقل الخامس حديث عائشة في قصة الغلام الذي بال في حجر النبي صلى الله عليه وسلم وقد مضى شرحه مستوفى في كتاب الصلاة السادس حديث عبد الله بن ثعلبة بن صغير بمهملتين مصغر وهو صحابي صغير وأبوه ثعلبة صحابي أيضا ويقال فيه بن أبي صغير أيضا قوله وكان رسول الله صلى الله عليه سلم مسح عينه كذا هنا باختصار وتقدم معلقا في غزوة الفتح من طريق يونس عن الزهري بلفظ مسح وجهه عام الفتح وتقدم شرحه هناك ووقع في الزهريات للذهلي عن أبي اليمان شيخ البخاري فيه بلفظ مسح وجهه زمن الفتح كذا أخرجه الطبراني في مسند الشاميين عن أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان قوله انه رأى سعد بن أبي وقاص يوتر بركعة سبقت الاشارة إلى

[ 128 ]

هذا في كتاب الوتر ووقع في رواية الطبراني بعد قوله ركعة واحدة بعد صلاة العشاء لا يزيد عليها حتى يقوم من جوف الليل وسبق بيان الاختلاف في الوتر بركعة فردة مستوفى قوله باب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم هذا الاطلاق يحتمل حكمها وفضلها وصفتها ومحلها والاقتصار على ما أورده في الباب يدل على إرادة الثالث وقد يؤخذ منه الثاني اما حكمها فحاصل ما وقفت عليه من كلام العلماء فيه عشرة مذاهب أولها قول بن جرير الطبري انها من المستحبات وادعى الاجماع على ذلك ثانيها مقابلة وهو نقل بن القصار وغيره الاجماع على انها تجب في الجملة بغير حصر لكن أقل ما يحصل به الاجزاء مرة ثالثها تجب في العمر في صلاة أو في غيرها وهي مثل كلمة التوحيد قاله أبو بكر الرازي من الحنفية وابن حزم وغيرهما وقال القرطبي المفسر لا خلاف في وجوبها في العمر مرة وانها واجبة في كل حين وجوب السنن المؤكدة وسبقه بن عطية رابعها تجب في القعود اخر الصلاة بين قول التشهد وسلام التحلل قاله الشافعي ومن تبعه خامسها تجب في التشهد وهو قول الشعبي وإسحاق بن راهويه سادسها تجب في الصلاة من غير تعيين المحل نقل ذلك عن أبي جعفر الباقر سابعها يجب الاكثار منها من غير تقييد بعدد قاله أبو بكر بن بكير من المالكية ثامنها كلما ذكر قاله الطحاوي وجماعة من الحنفية والحليمي وجماعة من الشافعية وقال بن العربي من الماليكة انه الاحوط وكذا قال الزمخشري تاسعها في كل مجلس مرة ولو تكرر ذكره مرارا حكاه الزمخشري عاشرها في كل دعاء حكاه أيضا واما محلها فيؤخذ مما أوردته من بيان الاراء في حكمها وسأذكر ما ورد فيه عند الكلام على فضلها واما صفتها فهي أصل ما يعول عليه في حديثي الباب قوله حدثنا الحكم لم اقف عليه في جميع الطرق عن شعبة الا هكذا غير منسوب وهو فقيه الكوفة في عصره وهو بن عتيبة بمثناة وموحدة مصغر ووقع عند الترمذي والطبراني وغيرهما من رواية مالك بن مغول وغيره منسوبا قالوا عن الحكم بن عتيبة وعبد الرحمن بن أبي ليلى تابعي كبير وهو والد بن أبي ليلى فقيه الكوفة محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ينسب إلى جده قوله لقيني كعب بن عجرة في رواية فطر بن خليفة عن بن أبي ليلى لقيني كعب بن عجرة الانصاري أخرجه الطبراني ونقل بن سعد عن الواقدي انه أنصاري من أنفسهم وتعقبه فقال لم أجده في نسب الانصار والمشهور انه بلوى والجمع بين القولين انه بلوى حالف الانصار وعين المحاربي عن مالك بن مغول عن الحكم المكان الذي التقيا به فأخرجه الطبري من طريقه بلفظ ان كعبا قال له وهو يطوف بالبيت قوله الا أهدى لك هدية زاد عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن جده كما تقدم في أحاديث الانبياء سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قوله ان النبي صلى الله عليه وسلم خرج علينا يجوز في ان الفتح والكسر وقال الفاكهاني في شرح العمدة في هذا السياق إضمار تقديره فقال عبد الرحمن نعم فقال كعب ان النبي صلى الله عليه وسلم قلت وقع ذلك صريحا في رواية شبابة وعفان عن شعبة بلفظ قلت بلى قال أخرجه الخلعي في فوائده وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة ولفظه فقلت بلى فاهدها لي فقال قوله فقلنا يا رسول الله كذا في معظم الروايات عن كعب بن عجرة قلنا بصيغة الجمع وكذا وقع في حديث أبي سعيد في الباب ومثله في حديث أبي بريدة عند أحمد وفي حديث طلحة عند النسائي

[ 129 ]

وفي حديث أبي هريرة عند الطبري ووقع عند أبي داود عن حفص بن عمر عن شعبة بسند حديث الباب قلنا أو قالوا يا رسول الله بالشك والمراد الصحابة أو من حضر منهم ووقع عند السراج والطبراني من رواية قيس بن سعد عن الحكم به ان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا وقال الفاكهاني الظاهر ان السؤال صدر من بعضهم لا من جميعهم ففيه التعبير عن البعض بالكل ثم قال ويبعد جدا ان يكون كعب هو الذي باشر السؤال منفردا فاتى بالنون التي للتعظيم بل لا يجوز ذلك لان النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله قولوا فلو كان السائل واحدا لقال له قل ولم يقل قولوا انتهى ولم يظهر لي وجه نفى الجواز وما المانع ان يسأل الصحابي الواحد عن الحكم فيجيب صلى الله عليه وسلم بصيغة الجمع إشارة إلى اشتراك الكل في الحكم ويؤكده ان في نفس السؤال قد عرفنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي كلها بصيغة الجمع فدل على انه سأل لنفسه ولغيره فحسن الجواب بصيغة الجمع لكن الاتيان بنون العظمة في خطاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يظن بالصحابي فان ثبت ان السائل كان متعددا فواضح وان ثبت انه كان واحدا فالحكمة في الاتيان بصيغة الجمع الاشارة إلى ان السؤال لا يختص به بل يريد نفسه ومن يوافقه على ذلك فحمله على ظاهره من الجمع هو المعتمد على ان الذي نفاه الفاكهاني قد ورد في بعض الطرق فعند الطبري من طريق الاجلح عن الحكم بلفظ قمت إليه فقلت السلام عليك قد عرفناه فكيف الصلاة عليك يا رسول الله قال قل اللهم صل على محمد الحديث وقد وقفت من تعيين من باشر السؤال على جماعة وهم كعب بن عجرة وبشير بن سعد والد النعمان وزيد بن خارجة الانصاري وطلحة بن عبيد الله وأبو هريرة وعبد الرحمن بن بشير اما كعب فوقع عند الطبراني من رواية محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن الحكم بهذا السند بلفظ قلت يا رسول الله قد علمنا واما بشير ففي حديث أبي مسعود عند مالك ومسلم وغيرهما انه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في مجلس سعد بن عبادة فقال له بشير بن سعد أمرنا الله ان نصلي عليك الحديث وأما زيد بن خارجة فأخرج النسائي من حديثه قال انا سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال صلوا على واجتهدوا في الدعاء وقولوا اللهم صل على محمد الحديث واخرج الطبري من حديث طلحة قال قلت يا رسول الله كيف الصلاة عليك ومخرج حديثهما واحد واما حديث أبي هريرة فاخرج الشافعي من حديثه انه قال يا رسول الله كيف نصلي عليك واما حديث عبد الرحمن بن بشير فأخرجه إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم قال قلت أو قيل للنبي صلى الله عليه وسلم هكذا عنده على الشك وأبهم أبو عوانة في صحيحه من رواية الاجلح وحمزة الزيات عن الحكم السائل ولفظه جاء رجل فقال يا رسول الله قد علمنا ووقع لهذا السؤال سبب أخرجه البيهقي والخلعي من طريق الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني حدثنا إسماعيل بن زكريا عن الاعمش ومسعر ومالك بن مغول عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة قال لما نزلت ان الله وملائكته يصلون على النبي الآية قلنا يا رسول الله قد علمنا الحديث وقد اخرج مسلم هذا الحديث عن محمد بن بكار عن إسماعيل بن زكريا ولم يسق لفظه بل أحال به على ما قبله فهو على شرطه وأخرجه السراج من طريق مالك بن مغول وحده كذلك واخرج أحمد والبيهقي وإسماعيل القاضي من طريق يزيد بن أبي زياد والطبراني من طريق محمد

[ 130 ]

بن عبد الرحمن بن أبي ليلى والطبري من طريق الاجلح والسراج من طريق سفيان وزائدة فرقهما وأبو عوانة في صحيحه من طريق الاجلح وحمزة الزيات كلهم عن الحكم مثله واخرج أبو عوانة أيضا من طريق مجاهد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى مثله وفي حديث طلحة عند الطبري اتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم فقال سمعت الله يقول ان الله وملائكته الآية فكيف الصلاة عليك قوله قد علمنا المشهور في الرواية بفتح أوله وكسر اللام مخففا وجوز بعضهم ضم أوله والتشديد على البناء للمجهول ووقع في رواية بن عيينة عن يزيد بن أبي زياد وبالشك ولفظه قلنا قد علمنا أو علمنا رويناه في الخلعيات وكذا اخرج السراج من طريق مالك بن مغول عن الحكم بلفظ علمناه أو علمناه ووقع في رواية حفص بن عمر المذكورة امرتنا ان نصلي عليك وان نسلم عليك فأما السلام فقد عرفناه وفي ضبط عرفناه ما تقدم في علمناه وأراد بقوله امرتنا أي بلغتنا عن الله تعالى انه أمر بذلك ووقع في حديث أبي مسعود أمرنا الله وفي رواية عبد الله بن عيسى المذكورة كيف الصلاة عليكم أهل البيت فان الله قد علمنا كيف نسلم أي علمنا الله كيفية السلام عليك على لسانك وبواسطة بيانك واما اتيانه بصيغة الجمع في قوله عليكم فقد بين مراده بقوله أهل البيت لانه لو اقتصر عليها لاحتمل ان يريد بها التعظيم وبها تحصل مطابقة الجواب للسؤال حيث قال على محمد وعلى آل محمد وبهذا يستغنى عن قول من قال في الجواب زيادة على السؤال لان السؤال وقع عن كيفية الصلاة عليه فوقع الجواب عن ذلك بزيادة كيفية الصلاة على آله قوله كيف نسلم عليك قال البيهقي فيه إشارة إلى السلام الذي في التشهد وهو قول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فيكون المراد بقولهم فكيف نصلي عليك أي بعد التشهد انتهى وتفسير السلام بذلك هو الظاهر وحكى بن عبد البر فيه احتمالا وهو ان المراد به السلام الذي يتحلل به من الصلاة وقال ان الاول أظهر وكذا ذكر عياض وغيره ورد بعضهم الاحتمال المذكور بأن سلام التحلل لا يتقيد به اتفاقا كذا قيل وفي نقل الاتفاق نظر فقد جزم جماعة من المالكية بأنه يستحب للمصلي ان يقول عند سلام التحلل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام عليكم ذكره عياض وقبله بن أبي زيد وغيره قوله فكيف نصلي عليك زاد أبو مسعود في حديثه فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تمنينا انه لم يسأله وانما تمنوا ذلك خشية ان يكون لم يعجبه السؤال المذكور لما تقرر عندهم من النهي عن ذلك فقد تقدم في تفسير قوله تعالى لا تسألوا عن أشياء من سورة المائدة بيان ذلك ووقع عند الطبري من وجه اخر في هذا الحديث فسكت حتى جاءه الوحي فقال تقولون واختلف في المراد بقولهم كيف فقيل المراد السؤال عن معنى الصلاة المأمور بها بأي لفظ يؤدى وقيل عن صفتها قال عياض لما كان لفظ الصلاة المأمور بها في قوله تعالى صلوا عليه يحتمل الرحمة والدعاء والتعظيم سألوا بأي لفظ تؤدى هكذا قال بعض المشايخ ورجح الباجي ان السؤال انما وقع عن صفتها لا عن جنسها وهو أظهر لان لفظ كيف ظاهر في الصفة واما الجنس فيسئل عنه بلفظ ما وبه جزم القرطبي فقال هذا سؤال من اشكلت عليه كيفية ما فهم أصله وذلك انهم عرفوا المراد بالصلاة فسألوا عن الصفة التي تليق بها ليستعملوها انتهى والحامل لهم على ذلك ان السلام لما تقدم بلفظ مخصوص وهو السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته فهموا منه ان الصلاة أيضا تقع بلفظ

[ 131 ]

مخصوص وعدلوا عن القياس لا مكان الوقوف على النص ولا سيما في ألفاظ الاذكار فانها تجئ خارجة عن القياس غالبا فوقع الامر كما فهموا فإنه لم يقل لهم قولوا الصلاة عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ولا قولوا الصلاة والسلام عليك الخ بل علمهم صيغة أخرى قوله قال قولوا اللهم هذه كلمة كثر استعمالها في الدعاء وهو بمعنى يا الله والميم عوض عن حرف النداء فلا يقال اللهم غفور رحيم مثلا وانما قال اللهم اغفر لي وارحمني ولا يدخلها حرف النداء الا في نادر كقول الراجز اني إذا ما حادث الما أقول يا اللهم يا اللهما واختص هذا الاسم بقطع الهمزة عند النداء ووجوب تفخيم لامه وبدخول حرف النداء عليه مع التعريف وذهب الفراء ومن تبعه من الكوفيين إلى ان أصله يا الله وحذف حرف النداء تخفيفا والميم مأخوذة من جملة محذوفة مثل امنا بخير وقيل بل زائدة كما في زرقم للشديد الزرقة وزيدت في الاسم العظيم تفخيما وقيل بل هو كالواو الدالة على الجمع كأن الداعي قال يا من اجتمعت له الاسماء الحسنى ولذلك شددت الميم لتكون عوضا عن علامة الجمع وقد جاء عن الحسن البصري اللهم مجتمع الدعاء وعن النضر بن شميل من قال اللهم فقد سأل الله بجميع أسمائه قوله صل تقدم في اواخر تفسير الاحزاب عن أبي العالية ان معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه عند ملائكته ومعنى صلاة الملائكة عليه الدعاء له وعند بن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان قال صلاة الله مغفرته وصلاة الملائكة الاستغفار وعن بن عباس ان معنى صلاة الرب الرحمة وصلاة الملائكة الاستغفار وقال الضحاك بن مزاحم صلاة الله رحمته وفي رواية عنه مغفرته وصلاة الملائكة الدعاء اخرجهما إسماعيل القاضي عنه وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ونحوها وقال المبرد الصلاة من الله الرحمة من الملائكة رقة تبعث على استدعاء الرحمة وتعقب بأن الله غاير بين الصلاة والرحمة في قوله أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وكذلك فهم الصحابة المغايرة من قوله تعالى صلوا عليه وسلموا حتى سألوا عن كيفية الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم قد علمتم ذلك في السلام وجوز الحليمي ان تكون الصلاة بمعنى السلام عليه وفيه نظر وحديث الباب يرد على ذلك واولى الاقوال ما تقدم عن أبي العالية ان معنى صلاة الله على نبيه ثناؤه عليه وتعظيمه وصلاة الملائكة وغيرهم عليه طلب ذلك له من الله تعالى والمراد طلب الزيادة لا طلب أصل الصلاة وقيل صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة فصلاته على انبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم وصلاته على غيرهم الرحمة فهي التي وسعت كل شئ ونقل عياض عن بكر القشيري قال الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من الله تشريف وزيادة تكرمة وعلى من دون النبي رحمة وبهذا التقرير يظهر الفرق بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين سائر المؤمنين حيث قال الله تعالى ان الله وملائتكه يصلون على النبي وقال قبل ذلك في السورة المذكورة هو الذي يصلي عليكم وملائكته ومن المعلوم ان القدر الذي يليق بالنبي صلى الله عليه وسلم من ذلك ارفع مما يليق بغيره والاجماع منعقد على ان في هذه الآية من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والتنويه به ما ليس في غيرها وقال الحليمي في الشعب معنى الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تعظيمه فمعنى قولنا اللهم صل على محمد عظم محمدا والمراد تعظيمه في الدنيا بإعلاء ذكره وإظهار دينه وابقاء شريعته

[ 132 ]

وفي الآخرة باجزال مثوبته وتشفيعه في أمته وابداء فضيلته بالمقام المحمود وعلى هذا فالمراد بقوله تعالى صلوا عليه ادعوا ربكم بالصلاة عليه انتهى ولا يعكر عليه عطف آله وأزواجه وذريته عليه فإنه لا يمتنع ان يدعى لهم بالتعظيم إذ تعظيم كل أحد بحسب ما يليق به وما تقدم عن أبي العالية أظهر فإنه يحصل به استعمال لفظ الصلاة بالنسبة إلى الله والى ملائكته والى المؤمنين المأمورين بذلك بمعنى واحد ويؤيده انه لا خلاف في جواز الترحم على غير الانبياء واختلف في جواز الصلاة على غير الانبياء ولو كان معنى قولنا اللهم صل على محمد اللهم ارحم محمدا أو ترحم على محمد لجاز لغير أنبياء وكذا لو كانت بمعنى البركة وكذا الرحمة اسقط الوجوب في التشهد عند من يوجبه بقول المصلى في الشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ويمكن الانفصال بان ذلك وقع بطريق التعبد فلا بد من الاتيان به ولو سبق الاتيان بما يدل عليه وقوله على محمد وعلى ال محمد كذا وقع في الموضعين في قوله صل وفي قوله وبارك ولكن وقع في الثاني وبارك على آل إبراهيم ووقع عند البيهقي من وجه اخر عن ادم شيخ البخاري فيه على إبراهيم ولم يقل على ال إبراهيم وأخذ البيضاوي من هذا ان ذكر الآل في رواية الاصل مقحم كقوله على آل أبي أوفى قلت والحق ان ذكر محمد وإبراهيم وذكر ال إبراهيم ثابت في أصل الحيز وإنما حفظ بعض الرواة ما لم يحفظ الاخر وسأبين من ساقه تاما بعد قليل وشرح الطيبي على ما وقع في رواية البخاري هنا فقال هذا اللفظ يساعد قول من قال ان معنى قول الصحابي علمنا كيف السلام عليك أي في قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فكيف نصلي عليك أي على أهل بيتك لان الصلاة عليه قد عرفت مع السلام من الآية قال فكان السؤال عن الصلاة على الآل تشريفا لهم وقد ذكر محمد في الجواب لقوله تعالى لا تقدموا بين يدي الله ورسوله وفائدته الدلالة على الاختصاص قال وانما ترك ذكر إبراهيم لينبه على هذه النكتة ولو ذكر لم يفهم ان ذكر محمد على سبيل التمهيد انتهى ولا يخفى ضعف ما قال ووقع في حديث أبي مسعود عند أبي داود والنسائي على محمد النبي الامي وفي حديث أبي سعيد في الباب على محمد عبدك ورسولك كما صليت على إبراهيم ولم يذكر آل محمد ولا آل إبراهيم وهذا ان لم يحمل على ما قلته ان بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الاخر والاظهر فساد ما بحثه الطيبي وفي حديث أبي حميد في الباب بعده على محمد وأزواجه وذريته ولم يذكر الآل في الصحيح ووقعت في رواية بن ماجة وعند أبي داود من حديث أبي هريرة اللهم صل على محمد النبي وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته وأخرجه النسائي من الوجه الذي أخرجه منه أبو داود ولكن وقع في السند اختلاف بين موسى بن إسماعيل شيخ أبي داود فيه وبين عمرو بن عاصم شيخ شيخ النسائي فيه فروياه معا عن حبان بن يسار وهو بكسر المهملة وتشديد الموحدة وأبوه بمثناة ومهملة خفيفة فوقع في رواية موسى عنه عن عبيد الله بن طلحة عن محمد بن علي عن نعيم المجمر عن أبي هريرة وفي رواية عمرو بن عاصم عنه عن عبد الرحمن بن طلحة عن محمد بن علي عن محمد بن الحنفية عن أبيه علي بن أبي طالب ورواية موسى أرجح ويحتمل ان يكون لحبان فيه سندان ووقع في حديث أبي مسعود وحده في اخره في العالمين انك حميد مجيد ومثله في رواية داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة عند السراج قال النووي في شرح المهذب ينبغي ان يجمع ما في الاحاديث الصحيحة فيقول اللهم

[ 133 ]

صل على محمد النبي الامي وعلى آل محمد وأزواجه وذريته كما صليت على إبراهيم آل إبراهيم وبارك مثله وزاد في آخره في العالمين وقال في الاذكار مثله وزاد عبدك ورسولك بعد قوله محمد في صل ولم يزدها في بارك وقال في التحقيق والفتاوى مثله الا انه اسقط النبي الامي في وبارك وفاته أشياء لعلها توازي قدر ما زاده أو تزيد عليه منها قوله أمهات المؤمنين بعد قوله أزواجه ومنها وأهل بيته بعد قوله وذريته وقد وردت في حديث بن مسعود عند الدارقطني ومنها ورسولك في وبارك ومنها في العالمين في الاولى ومنها انك حميد مجيد قبل وبارك ومنها اللهم قبل وبارك فإنهما ثبتا معا في رواية للنسائي ومنها وترحم على محمد الخ وسيأتي البحث فيها بعد ومنها في اخر التشهد وعلينا معهم وهي عند الترمذي من طريق أبي أسامة عن زائدة عن الاعمش عن الحكم نحو حديث الباب قال في اخره قال عبد الرحمن ونحن نقول وعلينا معهم وكذا أخرجها السراج من طريق زائدة وتعقب بن العربي هذه الزيادة قال هذا شئ انفرد به زائدة فلا يعول عليه فان الناس اختلفوا في معنى الآل اختلافا كثيرا ومن جملته انهم أمته فلا يبقى للتكرار فائدة واختلفوا أيضا في جواز الصلاة على غير الانبياء فلا نرى ان نشرك في هذه الخصوصية مع محمد وآله أحدا وتعقبه شيخنا في شرح الترمذي بان زائدة من الاثبات فانفراده لو انفرد لا يضر مع كونه لم ينفرد فقد أخرجه إسماعيل القاضي في كتاب فضل الصلاة من طريقين عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الرحمن بن أبي ليلى ويزيد استشهد به مسلم وعند البيهقي في الشعب من حديث جابر نحو حديث الباب وفي اخره وعلينا معهم وأما الايراد الاول فإنه يختص بمن يرى ان معنى الآل كل الامة ومع ذلك فلا يمتنع ان يعطف الخاص على العام ولا سيما في الدعاء واما الايراد الثاني فلا نعلم من منع ذلك تبعا وانما الخلاف في الصلاة على غير الانبياء استقلالا وقد شرع الدعاء للآحاد بما دعاه به النبي صلى الله عليه وسلم لنفسه في حديث اللهم اني أسألك من خير ما سألك منه محمد وهو حديث صحيح أخرجه مسلم انتهى ملخصا وحديث جابر ضعيف ورواية يزيد أخرجها أحمد أيضا عن محمد بن فضيل عنه وزاد في اخره قال يزيد فلا ادرى اشئ زاده عبد الرحمن من قبل نفسه أو رواه عن كعب وكذا أخرجه الطبري من رواية محمد بن فضيل ووردت هذه الزيادة من وجهين اخرين مرفوعين أحدهما عند الطبراني من طريق فطر بن خليفة عن الحكم بلفظ يقولون اللهم صل على محمد إلى قوله وآل إبراهيم وصل علينا معهم وبارك على محمد مثله وفي آخره وبارك علينا معهم ورواته موثقون لكنه فيما احسب مدرج لما بينه زائدة عن الاعمش ثانيهما عند الدارقطني من وجه اخر عن بن مسعود مثله لكن قال اللهم بدل الواو في وصل وفي وبارك وفيه عبد الوهاب بن مجاهد وهو ضعيف وقد تعقب الاسنوي ما قال النووي فقال لم يستوعب ما ثبت في الاحاديث مع اختلاف كلامه وقال الاذرعي لم يسبق إلى ما قال والذي يظهر ان الافضل لمن تشهد ان يأتي بأكمل الروايات ويقول كل ما ثبت هذا مرة وهذا مرة واما التلفيق فإنه يستلزم احداث صفة في التشهد لم ترد مجموعة في حديث واحد انتهى وكأنه اخذه من كلام بن القيم فإنه قال ان هذه الكيفية لم ترد مجموعة في طريق من الطرق والاولى ان يستعمل كل لفظ ثبت على حدة فبذلك يحصل الاتيان بجميع ما ورد بخلاف ما إذا قال الجميع دفعة واحدة فان الغالب على الظن انه صلى الله عليه وسلم لم يقله كذلك وقال الاسنوي

[ 134 ]

أيضا كان يلزم الشيخ ان يجمع الالفاظ الواردة في التشهد وأجيب بأنه لا يلزم من كونه لم يصرح بذلك ان لا يلتزمه وقال بن القيم أيضا قد نص الشافعي على ان الاختلاف في ألفاظ التشهد ونحوه كالاختلاف في القراءات ولم يقل أحد من الائمة باستحباب التلاوة بجميع الالفاظ المختلفه في الحرف الواحد من القرآن وان كان بعضهم أجاز ذلك عند التعليم النمرين انتهى والذي يظهر ان اللفظ ان كان بمعنى اللفظ الاخر سواء كما في أزواجه وأمهات المؤمنين فالاولى الاقتصار في كل مرة على أحدهما وان كان اللفظ يستقل بزيادة معنى ليس في اللفظ الاخر البتة فالاولى الاتيان به ويحمل على ان بعض الرواة حفظ ما لم بحفظ الاخر كما تقدم وان كان يزيد على الاخر في المعنى شيئا ما فلا بأس بالاتيان به احتياطا وقالت طائفة منهم الطبري ان ذلك الاختلاف المباح فأي لفظ ذكره المرء اجزأ والافضل ان يستعمل اكمله وأبلغه واستدل على ذلك باختلاف النقل عن الصحابة فذكر ما نقل عن علي وهو حديث موقوف طويل أخرجه سعيد بن منصور والطبري والطبراني وابن فارس وأوله اللهم داحي المدحوات إلى ان قال اجعل شرائف صلواتك ونوامي بركاتك ورأفة تحيتك على محمد عبدك ورسولك الحديث وعن بن مسعود بلفظ اللهم اجعل صلواتك وبركاتك ورحمتك على سيد المرسلين امام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك الحديث أخرجه بن ماجة والطبري وادعى بن القيم ان أكثر الاحاديث بل كلها مصرحة بذكر محمد وآل محمد وبذكر آل إبراهيم فقط أو بذكر إبراهيم فقط قال ولم يجئ في حديث صحيح بلفظ إبراهيم وآل إبراهيم معا وانما أخرجه البيهقي من طريق يحيى بن السباق عن رجل من بني الحارث عن بن مسعود ويحيى مجهول وشيخه مبهم فهو سند ضعيف وأخرجه بن ماجة من وجه اخر قوى لكنه موقوف على بن مسعود وأخرجه النسائي والدارقطني من حديث طلحة قلت وغفل عما وقع في صحيح البخاري كما تقدم في أحاديث الانبياء في ترجمة إبراهيم عليه السلام من طريق عبد الله بن عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الرحمن بن أبي ليلى بلفظ كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم انك حميد مجيد وكذا في قوله كما باركت وكذا وقع في حديث أبي مسعود البدري من رواية محمد عن بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم عن محمد بن عبد الله بن زيد عنه أخرجه الطبري بل أخرجه الطبري أيضا في رواية الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أخرجه من طريق عمرو بن قيس عن الحكم بن عتيبة فذكره بلفظ على محمد وآل محمد انك حميد مجيد وبلفظ على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد وأخرجه أيضا من طريق الاجلح عن الحكم مثله سواء واخرج أيضا من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة ما سأذكره وأخرجه أبو العباس السراج من طريق داود بن قيس عن نعيم المجمر عن أبي هريرة انهم قالوا يارسول الله كيف نصلي عليك قال قولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وبارك عل محمد وعلى آل محمد كما صليت وباركت على إبراهيم وآل إبراهيم انك حميد مجيد ومن حديث بريدة رفعه اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد كما جعلتها على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وأصله عند أحمد ووقع في حديث بن مسعود المشار إليه زيادة أخرى وهي وارحم محمدا وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم الحديث وأخرجه الحاكم في صحيحه من حديث بن مسعود فاغتر بتصحيحه قوم فوهموا فإنه من رواية يحيى بن السباق

[ 135 ]

وهو مجهول عن رجل مبهم نعم اخرج بن ماجة ذلك عن بن مسعود من قوله قال قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على محمد عبدك ورسولك الحديث وبالغ بن العربي في إنكار ذلك فقال حذار مما ذكره بن أبي زيد من زيادة وترحم فإنه قريب من البدعة لانه صلى الله عليه وسلم علمهم كيفية الصلاة عليه بالوحي ففي الزيادة على ذلك استدراك عليه انتهى وابن أبي زيد ذكر ذلك في صفة التشهد في الرسالة لما ذكر ما يستحب في التشهد ومنه اللهم صل على محمد وآل محمد فزاد وترحم على محمد وآل محمد وبارك على محمد وآل محمد الخ فان كان إنكاره لكونه لم يصح فمسلم والا فدعوى من ادعى انه لا يقال ارحم محمدا مردودة لثبوت ذلك في عدة أحاديث اصحها في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ثم وجدت لابن أبي زيد مستندا فأخرج الطبري في تهذيبه من طريق حنظلة بن علي عن أبي هريرة رفعه من قال اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم شهدت له يوم القيامة وشفعت له ورجال سنده رجال الصحيح الا سعيد بن سليمان مولى سعيد بن العاص الراوي له عن حنظلة بن علي فإنه مجهول تنبيه هذا كله فيما يقال مضموما إلى السلام أو الصلاة وقد وافق بن العربي الصيدلاني من الشافعية على المنع وقال أبو القاسم الانصاري شارحا الارشاد يجوز ذلك مضافا إلى الصلاة ولا يجوز مفردا ونقل عياض عن الجمهور الجواز مطلقا وقال القرطبي في المفهم انه الصحيح لورود الاحاديث به وخالفه غيره ففي الذخيرة من كتب الحنفية عن محمد يكره ذلك لايهامه النقص لان الرحمة غالبا انما تكون عن فعل ما يلام عليه وجزم بن عبد البر بمنعه فقال لا يجوز لاحد إذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ان يقول رحمه الله لانه قال من صلى على ولم يقل من ترحم على ولا من دعا لي وان كان معنى الصلاة الرحمة ولكنه خص هذا اللفظ تعظيما له فلا يعدل عنه إلى غيره ويؤيده قوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا انتهى وهو بحث حسن لكن في التعليل الاول نظر والمعتمد الثاني والله اعلم قوله وعلى آل محمد قيل أصل آل أهل قلبت الهاء همزة ثم سهلت ولهذا إذا صغر رد إلى الاصل فقالوا اهيل وقيل بل أصله أول من آل إذا رجع سمى بذلك من يئول إلى الشخص ويضاف إليه ويقويه انه لا يضاف الا إلى معظم فيقال آل القاضي ولا يقال آل الحجام بخلاف أهل ولا يضاف آل أيضا غالبا إلى غير العاقل ولا إلى المضمر عند الاكثر وجوزه بعضهم بقلة وقد ثبت في شعر عبد المطلب في قوله في قصة أصحاب الفيل من أبيات وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك وقد يطلق آل فلان على نفسه وعليه وعلى من يضاف إليه جميعا وضابطه انه إذا قيل فعل آل فلان كذا دخل هو فيهم الا بقرينه ومن شواهده قوله صلى الله عليه وسم للحسن بن علي انا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وان ذكرا معا فلا وهو كالفقير والمسكين وكذا الايمان والاسلام والفسوق والعصيان ولما اختلفت ألفاظ الحديث في الاتيان بهما معا وفي افراد أحدهما كان أولى المحامل ان يحمل على انه صلى الله عليه وسلم قال ذلك كله ويكون بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الاخر واما التعدد فبعيد لان غالب الطرق تصرح بأنه وقع جوابا عن قولهم كيف نصلي عليك ويحتمل ان يكون بعض من اقتصر على آل

[ 136 ]

إبراهيم بدون ذكر إبراهيم رواه بالمعنى بناء على دخول إبراهيم في قوله آل إبراهيم كما تقدم واختلف في المراد بآل محمد في هذا الحديث فالراجح انهم من حرمت عليهم الصدقة وقد تقدم بيان الاختلاف في ذلك واضحا في كتاب الزكاة وهذا نص عليه الشافعي واختاره الجمهور ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي انا آل محمد لا تحل لنا الصدقة وقد تقدم في البيوع من حديث أبي هريرة ولمسلم من حديث عبد المطلب بن ربيعة في اثناء حديث مرفوع ان هذه الصدقة انما هي اوساخ الناس وانها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد وقال أحمد المراد بآل محمد في حديث التشهد أهل بيته وعلى هذا فهل يجوز أن قال أهل عوض آل روايتان عندهم وقيل المراد بآل محمد أزواجه وذريته لان أكثر طرق هذا الحديث جاء بلفظ وآل محمد وجاء في حديث أبي حميد موضعه وأزواجه وذريته فدل على ان المراد بالآل الازواج والذرية وتعقب بأنه ثبت الجمع بين الثلاثة كما في حديث أبي هريرة فيحمل على ان بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ غيره فالمراد بالآل في التشهد الازواج ومن حرمت عليهم الصدقة ويدخل فيهم الذرية فبذلك يجمع بين الاحاديث وقد اطلق على أزواجه صلى الله عليه وسلم آل محمد في حديث عائشة ما شبع آل محمد من خبز مأدوم ثلاثا وقد تقدم ويأتي في الرقاق وفيه أيضا من حديث أبي هريرة اللهم اجعل رزق آل محمد قوتا وكأن الازواج افردوا بالذكر تنويها بهم وكذا الذرية وقيل المراد بالآل ذرية فاطمة خاصة حكاه النووي في شرح المهذب وقيل هم جميع قريش حكاه بن الرفعة في الكفاية وقيل المراد بالآل جميع الامة امة الاجابة وقال بن العربي مال إلى ذلك مالك واختاره الازهري وحكاه أبو الطيب الطبري عن بعض الشافعية ورجحه النووي في شرح مسلم وقيده القاضي حسين والراغب بالاتقياء منهم وعليه يحمل كلام من اطلق ويؤيده قوله تعالى ان اولياؤه الا المتقون وقوله صلى الله عليه وسلم ان اوليائي منكم المتقون وفي نوادر أبي العيناء انه غض من بعض الهاشميين فقال له اتغض مني وأنت تصلي على في كل صلاة في قولك اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فقال اني أريد الطيبين الطاهرين ولست منهم ويمكن ان يحمل كلام من اطلق على ان المراد بالصلاة الرحمة المطلقة فلا تحتاج إلى تقييد وقد استدل لهم بحديث أنس رفعه آل محمد كل تقي أخرجه الطبراني ولكن سنده واه جدا واخرج البيهقي عن جابر نحوه من قوله بسند ضعيف قوله كما صليت على آل إبراهيم اشتهر السؤال عن موقع التشبيه مع ان المقرر ان المشبه دون المشبه به والواقع هنا عكسه لان محمدا صلى الله عليه وسلم وحده أفضل من آل إبراهيم ومن إبراهيم ولا سيما قد اضيف إليه آل محمد وقضية كونه أفضل ان تكون الصلاة المطلوبة أفضل من كل صلاة حصلت أو تحصل لغيره وأجيب عن ذلك بأجوبة الاول انه قال ذلك قبل ان يعلم انه أفضل من إبراهيم وقد اخرج مسلم من حديث أنس ان رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم يا خير البرية قال ذاك إبراهيم أشار إليه بن العربي وايده بأنه سأل لنفسه التسوية مع إبراهيم وأمر أمته ان يسألوا له ذلك فزاده الله تعالى بغير سؤال ان فضله على إبراهيم وتعقب بأنه لو كان كذلك لغير صفة الصلاة عليه بعد ان علم انه أفضل الثاني انه قال ذلك تواضعا وشرع ذلك لامته ليكتسبوا بذلك الفضيلة الثالث ان التشبيه انما هو لاصل الصلاة بأصل الصلاة لا للقدر بالقدر فهو كقوله تعالى انا اوحينا إليك كما أو حينا إلى نوح وقوله كتب عليكم الصيام

[ 137 ]

كما كتب على الذين من قبلكم وهو كقول القائل أحسن إلى ولدك كما أحسنت إلى فلان ويريد بذلك أصل الاحسان لا قدره ومنه قوله تعالى واحسن كما أحسن الله إليك ورجح هذا الجواب القرطبي في المفهم الرابع ان الكاف للتعليل كما في قوله كما ارسلنا فيكم رسولا منكم وفي قوله تعالى فاذكروه كما هداكم وقال بعضهم الكاف على بابها من التشبيه ثم عدل عنه للاعلام بخصوصية المطلوب الخامس ان المراد ان يجعله خليلا كما جعل إبراهيم وان يجعل له لسان صدق كما جعل لابراهيم مضافا إلى ما حصل له من المحبة ويرد عليه ما ورد على الاول وقربه بعضهم بأنه مثل رجلين يملك أحدهما الفا ويملك الاخر الفين فسأل صاحب الالفين ان يعطى الفا أخرى نظير الذي اعطيها الاول فيصير المجموع للثاني اضعاف ما للاول السادس ان قوله اللهم صل على محمد مقطوع عن التشبيه فيكون التشبيه متعلقا بقوله وعلى آل محمد وتعقب بأن غير الانبياء لا يمكن ان يساووا الانبياء فكيف تطلب لهم صلاة مثل الصلاة التي وقعت لابراهيم والانبياء من آله ويمكن الجواب عن ذلك بأن المطلوب الثواب الحاصل لهم لا جميع الصفات التي كانت سببا للثواب وقد نقل العمراني في البيان عن الشيخ أبي حامد انه نقل هذا الجواب عن نص الشافعي واستبعد بن القيم صحة ذلك عن الشافعي لانه مع فصاحته ومعرفته بلسان العرب لا يقول هذا الكلام الذي يستلزم هذا التركيب الركيك المعيب من كلام العرب كذا قال وليس التركيب المذكور بركيك بل التقدير اللهم صل على محمد وصل على آل محمد كما صليت إلى آخره فلا يمتنع تعلق التشبيه بالجملة الثانية السابع ان التشبيه انما هو للمجموع بالمجموع فإن في الانبياء من آل إبراهيم كثرة فإذا قوبلت تلك الذوات الكثيرة من إبراهيم وآل إبراهيم بالصفات الكثيرة التي لمحمد أمكن انتفاء التفاضل قلت ويعكر على هذا الجواب انه وقع في حديث أبي سعيد ثاني حديثي الباب مقابلة الاسم فقط بالاسم فقط ولفظه اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم الثامن ان التشبيه بالنظر إلى ما يحصل لمحمد وآل محمد من صلاة كل فرد فرد فيحصل من مجموع صلاة المصلين من أول التعليم إلى اخر الزمان اضعاف ما كان لآل إبراهيم وعبر بن العربي عن هذا بقوله المراد دوام ذلك واستمراره التاسع ان التشبيه راجع إلى المصلي فيما يحصل له من الثواب لا بالنسبة إلى ما يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم وهذا ضعيف لانه يصير كأنه قال اللهم اعطني ثوابا على صلاتي على النبي صلى الله عليه وسلم كما صليت على آل إبراهيم ويمكن ان يجاب بأن المراد مثل ثواب المصلى على آل إبراهيم العاشر دفع المقدمة المذكورة اولا وهي ان المشبه به يكون ارفع من المشبه وان ذلك ليس مطردا بل قد يكون التشبيه بالمثل بل وبالدون كا في قوله تعالى مثل نوره كمشكاة وأين يقع نور المشكاة من نوره تعالى ولكن لما كان المراد من المشبه به ان يكون شيئا ظاهرا واضحا للسامع حسن تشبيه النور بالمشكاة وكذا هنا لما كان تعظيم إبراهيم وآل إبراهيم بالصلاة عليهم مشهورا واضحا عند جميع الطوائف حسن ان يطلب لمحمد وآل محمد بالصلاة عليهم مثل ما حصل لابراهيم وآل إبراهيم ويؤيد ذلك ختم الطلب المذكور بقوله في العالمين أي كما اظهرت الصلاة على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين ولهذا لم يقع قوله في العالمين الا في ذكر آل إبراهيم دون ذكر آل محمد على ما وقع في الحديث الذي ورد فيه وهو حديث أبي مسعود فيما أخرجه مالك ومسلم وغيرهما وعبر الطيبي عن ذلك بقوله ليس التشبيه المذكور من

[ 138 ]

باب الحاق الناقص بالكامل بل من باب الحاق ما لم يشتهر بما اشتهر وقال الحليمي سبب هذا التشبيه ان الملائكة قالت في بيت إبراهيم رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت انه حميد مجيد وقد علم ان محمدا وآل محمد من أهل بيت إبراهيم فكأنه قال اجب دعاء الملائكة الذين قالوا ذلك في محمد وآل محمد كما اجبتها عندما قالوها في آل إبراهيم الموجودين حينئذ ولذلك ختم بما ختمت به الآية وهو قوله انك حميد مجيد وقال النووي بعد ان ذكر بعض هذه الاجوبة أحسنها ما نسب إلى الشافعي والتشبيه لاصل الصلاة بأصل الصلاة أو للمجموع بالمجموع وقال بن القيم بعد ان زيف أكثر الاجوبة الا تشبيه المجموع بالمجموع واحسن منه ان يقال هو صلى الله عليه وسلم من آل إبراهيم وقد ثبت ذلك عن بن عباس في تفسير قوله تعالى ان الله اصطفى ادم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين قال محمد من آل إبراهيم فكأنه أمرنا ان نصلي على محمد وعلى آل محمد خصوصا بقدر ما صلينا عليه مع إبراهيم وآل إبراهيم عموما فيحصل لآله ما يليق بهم ويبقى الباقي كله له وذلك القدر ازيد مما لغيره من آل إبراهيم قطعا ويظهر حينئذ فائدة التشبيه وان المطلوب له بهذا اللفظ أفضل من المطلوب بغيره من الالفاظ ووجدت في مصنف لشيخنا محمد الدين الشيرازي اللغوي جوابا اخر نقله عن بعض أهل الكشف حاصله ان التشبيه لغير اللفظ المشبه به لا لعينه وذلك ان المراد بقولنا اللهم صل على محمد اجعل من اتباعه من يبلغ النهاية في أمر الدين كالعلماء بشرعه بتقريرهم أمر الشريعة كما صليت على إبراهيم بأن جعلت في ابتاعه أنبياء يقررون الشريعة والمراد بقوله وعلى آل محمد اجعل من اتباعه ناسا محدثين بالفتح يخبرون بالمغيبات كما صليت على إبراهيم بأن جعلت فيهم أنبياء يخبرون بالمغيبات والمطلوب حصول صفات الانبياء لآل محمد وهم اتباعه في الدين كما كانت حاصلة بسؤال إبراهيم وهذا محصل ما ذكره وهو جيد ان سلم ان المراد بالصلاة هنا ما ادعاه والله اعلم وفي نحو هذه الدعوى جواب آخر المراد اللهم استجب دعاء محمد في أمته كما استجبت دعاء إبراهيم في بنيه ويعكر على هذا عطف الآل في المضوعين قوله على آل إبراهيم هم ذريته من إسماعيل وإسحاق كما جزم به جماعة من الشراح وان ثبت ان إبراهيم كان له أولاد من غير سارة وهاجر فهم داخلون لا محالة ثم ان المراد المسلمون منهم بل المتقون فيدخل فيهم الانبياء والصديقون والشهداء والصالحون دون من عداهم وفيه ما تقدم في آل محمد قوله وبارك المراد بالبركة هنا الزيادة من الخير والكرامة وقيل المراد التطهير من العيوب والتزكية وقيل المراد اثبات ذلك واستمراره من قولهم بركت الابل أي ثبتت على الارض وبه سميت بركة الماء بكسر أوله وسكون ثانيه لاقامة الماء فيها والحاصل ان المطلوب ان يعطوا من الخير اوفاه وان يثبت ذلك ويستمر دائما والمراد بالعالمين فيما رواه أبو مسعود في حديثه أصناف الخلف وفيه أقوال أخرى قيل ما حواه بطن الفلك وقيل كل محدث وقيل ما فيه روح وقيل بقيد العقلاء وقيل الانس والجن فقط قوله انك حميد مجيد اما الحميد فهو فعيل من الحمد بمعنى محمود وأبلغ منه وهو من حصل له من صفات الحمد أكملها وقيل هو بمعنى الحامد أي يحمد افعال عباده واما المجيد فهو من المجد وهو صفة من كمل في الشرف وهو مستلزم للعظمة والجلال كما ان الحمد يدل على صفة الاكرام ومناسبة ختم هذا الدعاء بهذين الاسمين العظيمين ان المطلوب تكريم الله لنبيه وثناؤه عليه والتنويه به وزيادة

[ 139 ]

تقريبه وذلك مما يستلزم طلب الحمد والمجد ففي ذلك إشارة إلى انهما كالتعليل المطلوب أو هو كالتذييل له والمعنى انك فاعل ما تستوجب به الحمد من النعم المترادفة كريم بكثرة الاحسان إلى جميع عبادك واستدل بهذا الحديث على إيجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل صلاة لما وقع في هذا الحديث من الزيادة في بعض الطرق عن أبي مسعود وهو ما أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم كلهم من طريق محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد عنه بلفظ فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا وقد أشرت إلى شئ من ذلك في تفسير سورة الاحزاب وقال الدارقطني إسناده حسن متصل وقال البيهقي إسناده حسن صحيح وتعقبه بن التركماني بأنه قال في باب تحريم قتل ماله روح بعد ذكر حديث فيه بن إسحاق الحفاظ يتوقون ما ينفرد به قلت وهو اعتراض متجه لان هذه الزيادة تفرد بها بن إسحاق لكن ما ينفرد به وان لم يبلغ درجة الصحيح فهو في درجة الحسن إذا صرح بالتحديث وهو هنا كذلك وإنما يصحح له من لا يفرق بين الصحيح والحسن ويجعل كل ما يصلح للحجة صحيحا وهذه طريقة بن حبان ومن ذكر معه وقد احتج بهذه الزيادة جماعة من الشافعية كابن خزيمة والبيهقي لا يجاب الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد بعد التشهد وقبل السلام وتعقب بأنه لا دلالة فيه على ذلك بل انما يفيد إيجاب الاتيان بهذه الالفاظ على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد وعلى تقدير ان يدل على إيجاب أصل الصلاة فلا يدل على هذا المحل المخصوص ولكن قرب البيهقي ذلك بما تقدم ان الآية لما نزلت وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد علمهم كيفية السلام عليه في التشهد والتشهد داخل الصلاة فسألوا عن كيفية الصلاة فعلمهم فدل على ان المراد بذلك إيقاع الصلاة عليه في التشهد بعد الفراغ من التشهد الذي تقدم تعليمه لهم وأما احتمال أن يكون ذلك خارج الصلاة فهو بعيد كما قال عياض وغيره وقال بن دقيق العيد ليس فيه تنصيص على ان الامر به مخصوص بالصلاة وقد كثر الاستدلال به على وجوب الصلاة وقرر بعضهم الاستدلال بأن الصلاة عليه واجبة بالاجماع وليست الصلاة عليه خارج الصلاة واجبة بالاجماع فتعين أن تجب في الصلاة قال وهذا ضعيف لان قوله لا تجب في غير الصلاة بالاجماع ان أراد به عينا فهو صحيح لكن لا يفيد المطلوب لانه يفيد ان تجب في أحد الموضعين لا بعينه وزعم القرافي في الذخيرة ان الشافعي هو المستدل بذلك ورده بنحو ما رد به بن دقيق العيد ولم يصب في نسبه ذلك للشافعي والذي قاله الشافعي في الام فرض الله الصلاة على رسوله بقوله ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما فلم يكن فرض الصلاة عليه في موضع أولى منه في الصلاة ووجدنا الدلالة عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني صفوان بن سليم عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة انه قال يا رسول الله كيف نصلي عليك يعني في الصلاة قال تقولون اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم الحديث أخبرنا إبراهيم بن محمد حدثني سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم انه كان يقول في الصلاة اللهم صل على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم الحديث قال الشافعي فلما روى ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلمهم التشهد في الصلاة وروى عنه انه علمهم كيف يصلون عليه في

[ 140 ]

الصلاة لم يجزان نقول التشهد في الصلاة واجب والصلاة عليه فيه غير واجبة وقد تعقب بعض المخالفين هذا الاستلال من أوجه أحدها ضعف إبراهيم بن أبي يحيى والكلام فيه مشهور الثاني على تقدير صحته فقوله في الاول يعني في ا لصلاة لم يصرح بالقائل يعني الثالث قوله في الثاني انه كان يقول في الصلاة وان كان ظاهره ان الصلاة المكتوبة لكنه يحتمل ان يكون المراد بقوله في الصلاة أي في صفة الصلاة عليه وهو احتمال قوي لان أكثر الطرق عن كعب بن عجرة كما تقدم تدل على ان السؤال وقع عن صفة الصلاة لا عن محلها الرابع ليس في الحديث ما يدل على تعين ذلك في التشهد خصوصا بينه وبين السلام من الصلاة وقد أطنب قوم في نسبة الشافعي في ذلك إلى الشذوذ منهم أبو جعفر الطبري وأبو جعفر الطحاوي وأبو بكر بن المنذر والخطابي وأورد عياض في الشفاء مقالاتهم وعاب عليه ذلك غير واحد لان موضوع كتابه يقتضي تصويب ما ذهب إليه الشافعي لانه من جملة تعظيم المصطفى وقد استحسن هو القول بطهارة فضلائه مع ان الاكثر على خلافه لكنه استجاده لما فيه من الزيادة في تعظيمه وانتصر جماعة للشافعي فذكروا أدلة نقلية ونظرية ودفعوا دعوى الشذوذ فنقلوا القول بالوجوب عن جماعة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وأصح ما ورد في ذلك عن الصحابة والتابعين ما أخرجه الحاكم بسند قوي عن بن مسعود قال يتشهد الرجل ثم يصلي على النبي ثم يدعو لنفسه وهذا أقوى شئ يحتج به للشافعي فإن بن مسعود ذكر ان النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد في الصلاة وانه قال ثم ليتخير من الدعاء ما شاء فلما ثبت عن بن مسعود الامر بالصلاة عليه قبل الدعاء دل على انه اطلع على زيادة ذلك بين التشهد والدعاء واندفعت حجة من تمسك بحديث بن مسعود في دفع ما ذهب إليه الشافعي مثل ما ذكر عياض قال وهذا تشهد بن مسعود الذي علمه له النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيه ذكر الصلاة عليه وكذا قول الخطابي ان في آخر حديث بن مسعود إذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك لكن رد عليه بأن هذه الزيادة مدرجة وعلى تقدير ثبوتها فتحمل على ان مشروعية الصلاة عليه وردت بعد تعليم التشهد ويتقوى ذلك بما أخرجه الترمذي عن عمر موقوفا الدعاء موقوف بين السماء والارض لا يصعد منه شئ حتى يصلى على النبي صلى الله عليه وسلم قال بن العربي ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي فيكون له حكم الرفع انتهى وورد له شاهد مرفوع في جزء الحسن بن عرفة واخرج العمري في عمل يوم وليلة عن بن عمر بسند جيد قال لا تكون صلاة الا بقراءة وتشهد وصلاة على واخرج البيهقي في الخلافيات بسند قوي عن الشعبي وهو من كبار التابعين قال من لم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم في التشهد فليعد صلاته واخرج الطبري بسند صحيح عن مطرف بن عبد الله بن الشخير وهو من كبار التابعين قال كنا نعلم التشهد فإذا قال واشهد ان محمدا عبده ورسوله يحمد ربه ويثني عليه ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يسأل حاجته واما فقهاء الامصار فلم يتفقوا على مخالفة الشافعي في ذلك بل جاء عن أحمد روايتان وعن إسحاق الجزم به في العمد فقال إذا تركها يعيد والخلاف أيضا عند المالكية ذكرها بن الحاجب في سنن الصلاة ثم قال على الصحيح فقال شارحه بن عبد السلام يريد ان في وجوبها قولين وهو ظاهر كلام بن المواز منهم وأما الحنفية فألزم بعض شيوخنا من قال منهم بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر كالطحاوي ونقله السروجي في شرح الهداية عن أصحاب المحيط والعقد والتحفة

[ 141 ]

والمغيث من كتبهم ان يقولوا بوجوبها في التشهد لتقدم ذكره في آخر التشهد لكن لهم ان يلتزموا ذلك لكن لا يجعلونه شرطا في صحة الصلاة وروى الطحاوي ان حرملة انفرد عن الشافعي بايجاب ذلك بعد التشهد وقبل سلام التحلل قال لكن اصحابه قبلوا ذلك وانتصروا له وناظروا عليه انتهى واستدل له بن خزيمة ومن تبعه بما أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي وصححه وكذا بن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث فضالة بن عبيد قال سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يدعو في صلاته لم يحمد الله ولم يصل على النبي فقال عجل هذا ثم دعاه فقال إذا صلى أحدكم فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه ثم يصل على النبي صلى الله عليه وسلم ثم يدعو بما شاء وهذا مما يدل على ان قول بن مسعود المذكور قريبا مرفوع فإنه بلفظه وقد طعن بن عبد البر في الاستدلال بحديث فضالة للوجوب فقال لو كان كذلك لامر المصلى بالاعادة كما أمر المسئ صلاته وكذا أشار إليه بن حزم وأجيب باحتمال ان يكون الوجوب وقع عند فراغه ويكفي التمسك بالامر في دعوى الوجوب وقال جماعة منهم الجرجاني من الحنفية لكانت فرضا للزم تأخير البيان عن وقت الحاجة لانه علمهم التشهد وقال فيتخير من الدعاء ما شاء ولم يذكر الصلاة عليه وأجيب باحتمال ان لا تكون فرضت حينئذ وقال شيخنا في شرح الترمذي قد ورد هذا في الصحيح بلفظ ثم ليتخير وثم للتراخي فدل على انه كان هناك شئ بين التشهد والدعاء واستدل بعضهم بما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رفعه إذا فرغ أحدكم من التشهد الاخير فليستعذ بالله من أربع الحديث وعلى هذا عول بن حزم في إيجاب هذه الاستعاذة في الشهد وفي كون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم مستحبة عقب التشهد لا واجبة وفيه ما فيه والله اعلم وقد انتصر بن القيم للشافعي فقال اجمعوا على مشروعية الصلاة عليه في التشهد وانما اختلفوا في الوجوب والاستحباب وفي تمسك من لم يوجبه بعمل السلف الصالح نظر لان عملهم كان بوفاقه الا ان كان يريد بالعمل الاعتقاد فيحتاج إلى نقل صريح عنهم بأن ذلك ليس بواجب وأنى يوجد ذلك قال وأما قول عياض ان الناس شنعوا على الشافعي فلا معنى له فأي شناعة في ذلك لانه لم يخالف نصا ولا إجماعا ولا قياسا ولا مصلحة راجحة بل القول بذلك من محاسن مذهبه واما نقله للاجماع فقد تقدم رده وأما دعواه أن الشافعي اختار تشهد بن مسعود فيدل على معرفة باختيارات الشافعي فإنه إنما اختار تشهد بن عباس واما ما احتج به جماعة من الشافعية من الاحاديث المرفوعة الصريحة في ذلك فانها ضعيفة كحديث سهل بن سعد وعائشة وأبي مسعود وبريدة وغيرهم وقد استوعبها البيهقي في الخلافيات ولا بأس بذكرها للتقوية لا انها تنهض بالحجة قلت ولم ار عن أحد من الصحابة والتابعين التصريح بعدم الوجوب الا ما نقل عن إبراهيم النخعي ومع ذلك فلفظ المنقول عنه كما تقدم يشعر بأن غيره كان قائلا بالوجوب فإنه عبر بالاجزاء قوله في ثاني حديثي الباب بن أبي حازم والدراوردي اسم كل منهما عبد العزيز وابن أبي حازم ممن يحتج به البخاري والدراوردي انما يخرج له في المتابعات أو مقرونا بآخر ويزيد شيخهما هو بن عبد الله بن الهاد وعبد الله بن خباب بمعجمة وموحدتين الاولى ثقيلة قوله هذا السلام عليك أي عرفناه كما وقع تقريره في الحديث الاول وتقدمت بقية فوائده في الذي قبله واستدل بهذا الحديث على تعين هذا اللفظ الذي علمه النبي صلى الله عليه وسلم لاصحابه في امتثال الامر سواء قلنا بالوجوب

[ 142 ]

مطلقا أو مقيدا بالصلاة وأما تعينه في الصلاة فعن أحمد في رواية والاصح عند اتباعه لا تجب واختلف في الافضل فعن أحمد أكمل ما ورد وعنه يتخير واما الشافعية فقالوا يكفي ان يقول اللهم صل على محمد واختلفوا هل يكفي الاتيان بما يدل على ذلك كأن يقوله بلفظ الخبر فيقول صلى الله على محمد مثلا والاصح اجزاؤه وذلك ان الدعاء بلفظ الخبر آكد فيكون جائزا بطريق الاولى ومن منع وقف عند التعبد وهو الذي رجحه بن العربي بل كلامه يدل على ان الثواب الوارد لمن صلى على النبي صلى الله عليه وسلم انما يحصل لمن صلى عليه بالكيفية المذكورة واتفق أصحابنا على انه لا يجزئ ان يقتصر على الخبر كأن يقول الصلاة على محمد إذ ليس فيه إسناد الصلاة إلى الله تعالى واختلفوا في تعين لفظ محمد لكن جوزوا الاكتفاء بالوصف دون الاسم كالنبي ورسول الله لان لفظ محمد وقع التعبد به فلا يجزئ عنه الا ما كان أعلى منه ولهذا قالوا لا يجزئ الاتيان بالضمير ولا بأحمد مثلا في الاصح فيهما مع تقدم ذكره في التشهد بقوله النبي وبقوله محمد وذهب الجمهور إلى الاجتزاء بكل لفظ أدى المراد بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم حتى قال بعضهم لو قال في اثناء التشهد الصلاة والسلام عليك أيها النبي اجزأ وكذا لو قال اشهد ان محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله بخلاف ما إذا قدم عبده ورسوله وهذا ينبغي ان ينبني على ان ترتيب ألفاظ التشهد لا يشترط وهو الاصح ولكن دليل مقابله قوي لقولهم كما يعلمنا السورة وقول بن مسعود عدهن في يدي ورأيت لبعض المتأخرين فيه تصنيفا وعمدة الجمهور في الاكتفاء بما ذكر ان الوجوب ثبت بنص القرآن بقوله تعالى صلوا عليه وسلموا تسليما فلما سأل الصحابة عن الكيفية وعلمها لهم النبي صلى الله عليه وسلم واختلف النقل لتلك الالفاظ اقتصر على ما اتفقت عليه الروايات وترك ما زاد على ذلك كما في التشهد إذ لو كان المتروك واجبا لما سكت عنه انتهى وقد استشكل ذلك بن الفركاح في الاقليد فقال جعلهم هذا هو الاقل يحتاج إلى دليل على الاكتفاء بمسمى الصلاة فان الاحاديث الصحيحة ليس فيها الاقتصار والاحاديث التي فيها الامر بمطلق الصلاة ليس فيها ما يشير إلى ما يجب من ذلك في الصلاة واقل ما وقع في الروايات اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم ومن ثم حكى الفوراني عن صاحب الفروع في إيجاب ذكر إبراهيم وجهين واحتج لمن لم يوجبه بأنه ورد بدون ذكره في حديث زيد بن خارجة عند النسائي بسند قو ولفظه صلوا علي وقولوا اللهم صل على محمد وعلى آل محمد وفيه نظر لانه من اختصار بعض الرواة فإن النسائي أخرجه من هذا الوجه بتمامه وكذا الطحاوي واختلف في إيجاب الصلاة على الآل ففي تعينها أيضا عند الشافعية والحنابلة روايتان والمشهور عندهم لا وهو قول الجمهور وادعى كثير منهم فيه الاجماع وأكثر من اثبت الوجوب من الشافعية نسبوه إلى الترنجي ونقل البيهقي في الشعب عن أبي إسحاق المروزي وهو من كبار الشافعية قال أنا اعتقد وجوبها قال البيهقي وفي الاحاديث الثابتة دلالة على صحة ما قال قلت وفي كلام الطحاوي في مشكلة ما يدل على ان حرملة نقله عن الشافعي واستدل به على مشروعية الصلاة على النبي وآله في التشهد الاول والمصحح عند الشافعية استحباب الصلاة عليه فقط لانه مبني على التخفيف وأما الاول فبناه الاصحاب على حكم ذلك في التشهد الاخير ان قلنا بالوجوب قلت واستدل بتعليمه صلى الله عليه وسلم لاصحابه الكيفية بعد سؤالهم عنها بأنها أفضل كيفيات الصلاة عليه لانه لا يختار لنفسه الا الاشرف الافضل ويترتب

[ 143 ]

على ذلك لو حلف ان يصلي عليه أفضل الصلاة فطريق البر ان يأتي بذلك هكذا صوبه النووي في الروضة بعد ذكر حكاية الرافعي عن إبراهيم المروزي انه قال يبر إذا قال كلما ذكره الذاكرون وكلما سها عن ذكره الغافلون قال النووي وكأنه اخذ ذلك من كون الشافعي ذكر هذه الكيفية قلت وهي في خطبة الرسالة لكن بلفظ غفل بدل سها وقال الاذرعي إبراهيم المذكور كثير النقل من تعليقة القاضي حسين ومع ذلك فالقاضي قال في طريق البر يقول اللهم صلى على محمد كما هو أهله ومستحقه وكذا نقله البغوي في تعليقه قلت ولو جمع بينها فقال ما في الحديث وأضاف إليه اثر الشافعي وما قاله القاضي لكان اشمل ويحتمل ان يقال يعمد إلى جميع ما اشتملت عليه الروايات الثابتة فيستعمل منها ذكرا يحصل به البر وذكر شيخنا مجد الدين الشيرازي في جزء له في فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم عن بعض العلماء انه قال أفضل الكيفيات ان يقول اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الامي وعلى آله وازواجه وذريته وسلم عدد خلقك ورضا نفسك وزنة عرشك ومداد كلماتك وعن اخر نحوه لكن قال عدد الشفع والوتر وعدد كلماتك التامة ولم يسم قائلها والذي يرشد إليه الدليل ان البر يحصل بما في حديث أبي هريرة لقوله صلى الله عليه وسلم من سره ان يكتال بالمكيال الاوفى إذا صلى علينا فليقل اللهم صلي على محمد النبي وازواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على إبراهيم الحديث والله اعلم تنبيه ان كان مستند المروزي ما قاله الشافعي فظاهر كلام الشافعي ان الضمير لله تعالى فإن لفظه وصلى الله على نبيه كلما ذكره الذاكرون فكان حق من غير عبارته ان يقول اللهم صل على محمد كلما ذكرك الذاكرون الخ واستدل به على جواز الصلاة على غير الانبياء وسيأتي البحث فيه في الباب الذي بعده واستدل به على ان الواو لا تقتضي الترتيب لان صيغة الامر وردت بالصلاة والتسليم بالواو في قوله تعالى صلوا عليه وسلموا وقدم تعليم السلام قبل الصلاة كما قالوا علمنا كيف نسلم عليك فكيف نصلي عليك واستدل به على رد قول النخعي يجزئ في امتثال الامر بالصلاة قوله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته في التشهد لانه لو كان كما قال لارشد النبي صلى الله عليه وسلم اصحابه إلى ذلك ولما عدل إلى تعليمهم كيفية أخرى واستدل به على ان افراد الصلاة عن التسليم لا يكره وكذا العكس لان تعليم التسليم تقدم قبل تعليم الصلاة كما تقدم فأفرد التسليم مدة في التشهد قبل الصلاة عليه وقد صرح النووي بالكراهة واستدل بورود الامر بهما معا في الآية وفيه نظر نعم يكره ان يفرد الصلاة ولا يسلم أصلا اما لو صلى في وقت وسلم في وقت اخر فإنه يكون ممتثلا واستدل به على فضيلة الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جهة ورود الامر بها واعتناء الصحابة بالسؤال عن كيفيتها وقد ورد في التصريح بفضلها أحاديث قوية لم يخرج البخاري منها شيئا منها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رفعه من صلى على واحدة صلى الله عليه عشرا وله شاهد عن أنس عند أحمد والنسائي وصححه بن حبان وعن أبي بردة بن نيار وأبي طلحة كلاهما عند النسائي ورواتهما ثقات ولفظ أبي بردة من صل علي من أمتي صلاة مخلصا من قلبه صلى الله عليه بها عشر صلوات ورفعه بها عشر درجات وكتب له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات ولفظ أبي طلحة عنده نحوه وصححه بن حبان ومنها حديث بن مسعود رفعه ان أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة وحسنه

[ 144 ]

الترمذي وصححه بن حبان وله شاهد عند البيهقي عن أبي امامة بلفظ صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان اقربهم مني منزلة ولا بأس بسنده وورد الامر بإكثار الصلاة عليه يوم الجمعة من حديث أوس بن أوس وهو عند أحمد وأبي داود وصححه بن حبان والحاكم ومنها حديث البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي أخرجه الترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي واطنب في تخريج طرقه وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين ولا يقصر عن درجة الحسن ومنها حديث من نسي الصلاة علي خطئ طريق الجنة أخرجه بن ماجة عن بن عباس والبيهقي في الشعب من حديث أبي هريرة وابن أبي حاتم من حديث جابر والطبراني من حديث حسين بن علي وهذه الطرق يشد بعضها بعضا وحديث رغم انف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي أخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة بلفظ من ذكرت عنده ولم يصل على فمات فدخل النار فأبعده الله وله شاهد عنده وصححه الحاكم وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني واخر عن أنس عند بن أبي شيبة واخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور وأخرجه بن حبان من حديث أبي هريرة ومن حديث مالك بن الحويرث ومن حديث عبد الله بن عباس عند الطبراني ومن حديث عبد الله بن جعفر عند الفريابي وعند الحاكم من حديث كعب بن عجرة بلفظ بعد من ذكرت عنده فلم يصل علي وعند الطبراني من حديث جابر رفعه شقى عبد ذكرت عنده فلم يصل علي وعند عبد الرزاق من مرسل قتادة من الجفاء ان أذكر عند رجل فلا يصلي علي ومنها حديث أبي بن كعب ان رجلا قال يا رسول الله اني أكثر الصلاة فما اجعل لك من صلاتي قال ما شئت قال الثلث قال ما شئت وان زدت فهو خير إلى ان قال اجعل لك كل صلاتي قال إذا تكفي همك الحديث أخرجه أحمد وغيره بسند حسن فهذا الجيد من الاحاديث الواردة في ذلك وفي الباب أحاديث كثيرة ضعيفة وواهية واما ما وضعه القصاص في ذلك فلا يحصى كثرة وفي الاحاديث القوية غنية عن ذلك قال الحليمي المقصود بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التقرب إلى الله بامتثال امره وقضاء حق النبي صلى الله عليه وسلم علينا وتبعه بن عبد السلام فقال ليست صلاتنا على النبي صلى الله عليه وسلم شفاعة له فإن مثلنا لا يشفع لمثله ولكن الله أمرنا بمكافأة من أحسن إلينا فإن عجزنا عنها كافأناه بالدعاء فرأشدنا الله لما علم عجزنا عن مكافأة نبينا إلى الصلاة عليه وقال بن العربي فائدة الصلاة عليه ترجع إلى الذي يصلي عليه لدلالة ذلك على نصوص العقيدة وخلوص النية وإظهار المحبة والمداومة على الطاعة والاحترام للواسطة الكريمة صلى الله عليه وسلم وقد تمسك بالاحاديث المذكورة من أوجب الصلاة عليه كلما 1 ذكر لان الدعاء بالرغم والابعاد والشقاء والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد والوعيد على الترك من علامات الوجوب ومن حيث المعنى ان فائدة الامر بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه واحسانه مستمر فيتأكد إذا ذكر وتمسكوا أيضا بقوله لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا فلو كان إذا ذكر لا يصلي عليه لكان كآحاد الناس ويتأكد ذلك إذا كان المعنى بقوله دعاء الرسول الدعاء المتعلق بالرسول وأجاب من لم يوجب ذلك بأجوبه منها انه قول لا يعرف عن أحد من الصحابة والتابعين فهو قول مخترع ولو كان ذلك على عمومه للزم المؤذن إذا اذن وكذا سامعه وللزم القارئ إذا مر ذكره في القرآن وللزم الداخل في الاسلام إذا تلفظ

[ 145 ]

بالشهادتين ولكان في ذلك من المشقة والحرج ما جاءت الشريعة السمحة بخلافه ولكان الثناء على الله كلما ذكر أحق بالوجوب ولم يقولوا به وقد اطلق القدوري وغيره من الحنفية ان القول بوجوب الصلاة عليه كلما ذكر مخالف للاجماع المنعقد قبل قائله لانه لا يحفظ عن أحد من الصحابة انه خاطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله صلى الله عليك ولانه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة أخرى وأجابوا عن الاحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة في تأكيد ذلك وطلبه وفي حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا وفي الجملة لا دلالة على وجوب تكرر ذلك بتكرر ذكره صلى الله عليه وسلم في المجلس الواحد واحتج الطبري لعدم الوجوب أصلا مع ورود صيغة الامر بذلك بالاتفاق من جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الامة على ان ذلك غير لازم فرضا حتى يكون تاركه عاصيا قال فدل ذلك على ان الامر فيه للندب ويحصل الامتثال لمن قاله ولو كان خارج الصلاة وما ادعاه من الاجماع معارض بدعوى غيره الاجماع على مشروعية ذلك في الصلاة اما بطريق الوجوب واما بطريق الندب ولا يعرف عن السلف لذلك مخالف الا ما أخرجه بن أبي شيبة والطبري عن إبراهيم انه كان يرى ان قول المصلي في التشهد السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته يجزئ عن الصلاة ومع ذلك لم يخالف في أصل المشروعية وانما ادعى أجزاء السلام عن الصلاة والله اعلم ومن المواطن التي اختلف في وجوب الصلاة عليه فيها التشهد الاول وخطبة الجمعة وغيرها من الخطب وصلاة الجنازة ومما يتأكد ووردت فيه أخبار خاصة أكثرها بأسانيد جيدة عقب إجابة المؤذن وأول الدعاء وأوسطه وآخره وفي أوله آكد وفي اخر القنوت وفي اثناء تكبيرات العيد وعند دخول المسجد والخروج منه وعند الاجتماع والتفرق وعند السفر والقدوم وعند القيام لصلاة الليل وعند ختم القرآن وعند الهم والكرب وعند التوبة من الذنب وعند قراءة الحديث وتبليغ العلم والذكر وعند نسيان الشئ وورد ذلك أيضا في أحاديث ضعيفة وعند استلام الحجر وعند طنين الاذن وعند التلبية وعقب الوضوء وعند الذبح والعطاس وورد المنع منها عندهما أيضا وورد الامر بالاكثار منها يوم الجمعة في حديث صحيح كما تقدم قوله باب هل يصلي على غير النبي صلى الله عليه وسلم أي استقلالا أو تبعا ويدخل في الغير الانبياء والملائكة والمؤمنون فأما مسألة الانبياء فورد فيها أحاديث أحدها حديث علي في الدعاء بحفظ القرآن ففيه وصل علي وعلى سائر النبيين أخرجه الترمذي والحاكم وحديث بريدة رفعه لا تتركن في التشهد الصلاة علي وعلى أنبياء الله الحديث أخرجه البيهقي بسند واه وحديث أبي هريرة رفعه صلوا على أنبياء الله الحديث أخرجه إسماعيل القاضي بسند ضعيف وحديث بن عباس رفعه إذا صليتم علي فصلوا على أنبياء الله فإن الله بعثهم كما بعثني أخرجه الطبراني ورويناه في فوائد العيسوى وسنده ضعيف أيضا وقد ثبت عن بن عباس اختصاص ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم أخرجه بن أبي شيبة من طريق عثمان بن حكيم عن عكرمة عنه قال ما اعلم الصلاة تنبغي على أحد من أحد الا على النبي صلى الله عليه وسلم وهذا سند صحيح وحكى القول به عن مالك وقال ما تعبدنا به وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز وعن مالك يكره وقال عياض عامة أهل العلم على الجواز وقال سفيان يكره ان يصلي الا على نبي ووجدت بخط بعض شيوخي مذهب مالك لا يجوز ان يصلي الا على محمد وهذا غير معروف عن مالك وانما

[ 146 ]

قال أكره الصلاة على غير الانبياء وما ينبغي لنا ان نتعدى ما أمرنا به وخالفه يحيى بن يحيى فقال لا بأس به واحتج بأن الصلاة دعاء بالرحمة فلا يمنع الا بنص أو إجماع قال عياض والذي اميل إليه قول مالك وسفيان وهو قول المحققين من المتكلمين والفقهاء قالوا يذكر غير الانبياء بالرضا والغفران والصلاة على غير الانبياء يعني استقلالا لم تكن من الامر المعروف وانما احدثت في دولة بني هاشم واما الملائكة فلا اعرف فيه حديثا نصا وانما يؤخذ ذلك من الذي قبله ان ثبت لان الله تعالى سماهم رسلا واما المؤمنون فاختلف فيه فقيل لا تجوز إلا على النبي صلى الله عليه وسلم خاصة وحكى عن مالك كما تقدم وقالت طائفة لا تجوز مطلقا استقلالا وتجوز تبعا فيما ورد به النص أو ألحق به لقوله تعالى لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ولانه لما علمهم السلام قال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ولما علمهم الصلاة قصر ذلك عليه وعلى أهل بيته وهذا القول اختاره القرطبي في المفهم وأبو المعالي من الحنابلة وقد تقدم تقريره في تفسير سورة الاحزاب وهو اختيار بن تيمية من المتأخرين وقالت طائفة تجوز تبعا مطلقا ولا تجوز استقلالا وهذا قول أبي حنيفة وجماعة وقالت طائفة تكره استقلالا لا تبعا وهي رواية عن أحمد وقال النووي هو خلاف الاولى وقالت طائفة تجوز مطلقا وهو مقتضى صنيع البخاري فإنه صدر بالآية وهي قوله تعالى وصل عليهم ثم علق الحديث الدال على الجواز مطلقا وعقبه بالحديث الدال على الجواز تبعا فأما الاول وهو حديث عبد الله بن أبي أوفى فتقدم شرحه في كتاب الزكاة ووقع مثله عن قيس بن سعد بن عبادة ان النبي صلى الله عليه وسلم رفع يديه وهو يقول اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة أخرجه أبو داود والنسائي وسنده جيد وفي حديث جابر ان امرأته قال للنبي صلى الله عليه وسلم صل علي وعلى زوجي ففعل أخرجه أحمد مطولا ومختصرا وصححه بن حبان وهذا القول جاء عن الحسن ومجاهد ونص عليه أحمد في رواية أبا داود وبه قال إسحاق وأبو ثور وداود والطبري واحتجوا بقوله تعالى هو الذي يصلي عليكم وملائكته وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعا ان الملائكة تقول لروح المؤمن صلى الله عليك وعلى جسدك وأجاب المانعون عن ذلك كله بأن ذلك صدر من الله ورسوله ولهما ان يخصا من شاء بما شاء وليس ذلك لاحد غيرهما وقال البيهقي يحمل قول بن عباس بالمنع إذا كان على وجه التعظيم لا ما إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة والبركة وقال بن القيم المختار ان يصلي على الانبياء والملائكة وازواج النبي صلى الله عليه وسلم وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الاجمال وتكره في غير الانبياء لشخص مفرد بحيث يصير شعارا ولا سيما إذا ترك في حق مثله أو أفضل منه كما يفعله الرافضة فلو اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض الاحايين من غير ان يتخذ شعارا لم يكن به بأس ولهذا لم يرد في حق غير من أمر النبي صلى الله عليه وسلم بقول ذلك لهم وهم من أدى زكاته الا نادرا كما في قصة زوجة جابر وآل سعد بن عبادة تنبيه اختلف في السلام على غير الانبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية الحي فقيل يشرع مطلقا وقيل بل تبعا ولا يفرد لواحد لكونه صار شعارا للرافضة ونقله النووي عن الشيخ أبي محمد الجويني قوله في ثاني حديثي الباب عبد الله بن أبي بكر عن أبيه هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الانصاري مختلف في اسمه وقيل كنيته اسمه وروايته عن عمرو بن سليم من الاقران وولده من صغار التابعين ففي

[ 147 ]

السند ثلاثة من التابعين في نسق والسند كله مدنيون قوله وذريته بضم المعجمة وحكى كسرها هي النسل وقد يختص بالنساء والاطفال وقد يطلق على الاصل وهي من ذرأ بالهمز أي خلق الا ان الهمزة سهلت لكثرة الاستعمال وقيل بل هي من الذر أي خلقوا أمثال الذر وعليه فليس مهموز الاصل والله اعلم واستدل به على ان المراد بآل محمد أزواجه وذريته كما تقدم البحث فيه في الكلام على آل محمد في الباب الذي قبله واستدل به على ان الصلاة على الآل لا تجب لسقوطها في هذا الحديث وهو ضعيف لانه لا يخلو ان يكون المراد بالآل غير أزواجه وذريته أو أزواجه وذريته وعلى تقدير كل منهما لا ينهض الاستدلال على عدم الوجوب اما على الاول فلثبوت الامر بذلك في غير هذا الحديث وليس في هذا الحديث المنع منه بل اخرج عبد الرزاق من طريق بن طاوس عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن رجل من الصحابة الحديث المذكور بلفظ صل على محمد وأهل بيته وأزواجه وذريته واما على الثاني فواضح واستدل به البيهقي على ان الازواج من أهل البيت وأيده بقوله تعالى انما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم من آذيته فاجعله له زكاة ورحمة كذا ترجم بهذا اللفظ وأورده بلفظ اللهم فأيما مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة أورده من طريق يونس وهو بن يزيد عن بن شهاب وقد أخرجه مسلم من هذا الوجه مثله وظاهر سياقه انه حذف منه شئ من أوله وقد بينه مسلم من طريق بن أخي بن شهاب عن عمه بهذا الاسناد بلفظ اللهم اني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة ومن طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ اللهم انما انا بشر فأيما رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعله له زكاة ورحمة ومن طريق الاعرج عن أبي هريرة مثل رواية بن أخي بن شهاب لكن قال فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة ومن طريق سالم عن أبي هريرة بلفظ اللهم انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وانى قد اتخذت عندك عهدا الحديث وفيه فأيما مؤمن آذيته والباقي بمعناه بلفظ أو واخرج من حديث عائشة بيان سبب هذا الحديث قالت دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشئ لا اردي ما هو فأغضباه فسبهما ولعنهما فلما خرجا قلت له فقال اوما علمت ما شارطت عليه ربي قلت اللهم انما انا بشر فآي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا وأخرجه من حديث جابر نحوه وأخرجه من حديث أنس وفيه تقييد المدعو عليه بأن يكون ليس لذلك بأهل ولفظه انما أنا بشر ارضى كما يرضى البشر واغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل ان يجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة وفيه قصة لام سليم وقوله اللهم فأيما مؤمن الفاء جواب الشرط المحذوف لدلالة السياق عليه قال المازري ان قيل كيف يدعو صلى الله عليه وسلم بدعوة على من ليس لها بأهل قيل ا لمراد بقوله ليس لها بأهل عندك في باطن امره لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعائي عليه فكأنه يقول من كان باط امره عندك انه ممن ترضى عنه فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما طهر لي من مقتض حاله حينئذ طهورا وزكاة قال وهذا معنى صحيح لا احالة فيه لانه صلى الله عليه وسلم كان متعبدا بالظواهر وحساب الناس في البواطن على الله

[ 148 ]

انتهى وهذا مبني على قول من قال انه كان يجتهد في الاحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده واما من قال كان لا يحكم الا بالوحي فلا يتأتى منه هذا الجواب ثم قال المازري فان قيل فما معنى قوله واغضب كما يغضب البشر فإن هذا يشير إلى ان تلك الدعوة وقعت بحكم سورة الغضب لا انها على مقتضى الشرع فيعود السؤال فالجواب انه يحتلم انه أراد ان دعوته عليه أو سبه أو جلده كان مما خير بين فعله له عقوبة للجاني أو تركه والزجر له بما سوى ذلك فيكون الغضب لله تعالى بعثه على لعنه أو جلده ولا يكون ذلك خارجا عن شرعه قال ويحتمل ان يكون ذلك خرج مخرج الاشفاق وتعليم أمته الخوف من تعدي حدود الله فكأنه أظهر الاشتفاق من ان يكون الغضب يحمله على زيادة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما وقعت أو اشفاقا من ان يكون الغضب يحمله على زيادة يسيرة في عقوبة الجاني لولا الغضب ما زادت ويكون من الصغائر على قول من يجوزها أو يكون الزجر يحصل بدونها ويحتمل ان يكون اللعن والسب يقع منه من غير قصد إليه فلا يكون في ذلك كاللعنة الواقعة رغبة إلى الله وطلبا للاستجابة وأشار عياض إلى ترجيح هذا الاحتمال الاخير فقال يحتمل ان يكون ما ذكره من سب ودعاء غير مقصود ولا منوي لكن جرى على عادة العرب في دعم كلامها وصلة خطابها عند الحرج والتأكيد للعتب لا على نية وقوع ذلك كقولهم عقرى حلقي وتربت يمينك فأشفق من موافقة امثالها القدر فعاهد ربه ورغب إليه ان يجعل ذلك القول رحمة وقربة انتهى وهذا الاحتمال حسن الا انه يرد عليه قوله جلدته فإن هذا الجواب لا يتمشى فيه إذ لا يقع الجلد عن غير قصد وقد ساق الجميع مساقا واحدا الا ان حمل على الجلدة الواحدة فيتجه ثم ابدى القاضي احتمالا آخر فقال كان لا يقول ولا يفعل صلى الله عليه وسلم في حال غضبه الا الحق لكن غضبه لله قد يحمله على تعجيل معاقبة مخالفة وترك الاغضاء والصفح ويؤيده حديث عائشة ما انتقم لنفسه قط الا ان تنتهك حرمات الله وهو في الصحيح قلت فعلى هذا فمعنى قوله ليس لها بأهل أي من جهة تعين التعجيل وفي الحديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم على أمته وجميل خلقه وكرم ذاته حيث قصد مقابلة ما وقع منه بالجبر والتكريم وهذا كله في حق معين في زمنه واضح واما ما وقع منه بطريق التعميم لغير معين حتى يتناول من لم يدرك زمنه صلى الله عليه وسلم فما أظنه يشمله والله اعلم قوله باب التعوذ من الفتن ستأتي هذه الترجمة وحديثها في كتاب الفتن وتقدم شئ من شرحه يتعلق بسبب نزول الآية المذكورة في اخر الحديث في تفسير سورة المائدة وقوله احفوه بحاء مهملة ساكنة وفاء مفتوحة أي الحوا عليه يقال احفيته إذا حملته على ان يبحث عن الخبر وقوله لا بالرفع ويجوز النصب على الحال وقوله إذا لاحى بمهملة خفيفة أي خاصم وفي الحديث ان غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يمنع من حكمه فإنه لا يقول الا الحق في الغضب والرضا وفيه فهم عمر وفضل علمه قوله باب التعوذ من غلبة الرجال ذكر فيه حديث أنس في قصة خيبر وذكر صفية بنت حي وتقدم شرح ذلك في المغازي وغيرها وسيأتي منه التعوذ مفردا بعد أبواب قوله فكنت اسمعه يكثر ان يقول استدل به على ان هذه الصيغة لا تدل على الدوام ولا ا لاكثار والا لما كان لقوله يكثر فائدة وتعقب بأن المراد بالدوام أعم من الفعل والقوة ويظهر لي ان الحاصل انه لم يعرف لذلك مزيلا ويفيد قوله يكثر وقوع ذلك من فعله كثيرا قوله من الهم

[ 149 ]

والحزن إل قوله والجبن يأتي شرحه قريبا قوله وضلع الدين أصل الضلع وهو بفتح المعجمة واللام الاعوجاج يقال ضلع بفتح اللام يضلع أي مال والمراد به هنا ثقل الدين وشدته وذلك حيث لا يجد من عليه الدين وفاء ولا سيما مع المطالبة وقال بعض السلف ما دخل هم الدين قلبا الا اذهب من العقل مالا يعود إليه قوله وغلبة الرجال أي شدة تسلطهم كاستيلاء الرعاع هرجا ومرجا قال الكرماني هذا الدعاء من جوامع الكلم لان أنواع الرذائل ثلاثة نفسانية وبدنية وخارجية فالاولى بحسب القوى التي للانسان وهي ثلاثة العقلية والغضبية والشهوانية فالهم والحزن يتعلق بالعقلية والجبن بالغضبية والبخل بالشهوانية والعجز والكسل بالبدنية والثاني يكون عند سلامة الاعضاء وتمام الآلات والقوى والاول عند نقصان عضو ونحوه والضلع والغلبة بالخارجية فالاول مالي والثاني جاهي والدعاء مشتمل على جميع ذلك قوله باب التعوذ من عذاب القبر تقدم الكلام عليه في اواخر كتاب الجنائز قوله سفيان هو بن عيينة وأم خالد بنت خالد اسمها امة بتخفيف الميم بنت خالد بن سعيد بن العاص تقدم ذكرها في اللباس وانها ولدت بأرض الحبشة لما هاجر ابواها إليها ثم قدموا المدينة وكانت صغيرة في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وقد حفظت عنه قوله باب التعوذ من البخل كذا وقعت هذه الترجمة هنا للمستملي وحده وهي غلط من وجهين أحدهما ان الحديث الاول في الباب وان كان فيه ذكر البخل لكن قد ترجم لهذه الترجمة بعينها بعد أربعة أبواب وذكر فيه الحديث المذكور بعينه ثانيهما ان الحديث الثاني مختص بعذاب القبر لا ذكر للبخل فيه أصلا فهو بقية من الباب الذي قبله وهو اللائق به وقوله عن عبد الملك هو بن عمير كما سيأتي منسوبا في الباب المشار إليه قوله عن مصعب هو بن سعد بن أبي وقاص وسيأتي قريبا من رواية غندر عن شعبة عن عبد الملك عن مصعب بن سعد ولعبد الملك بن عمير فيه شيخ اخر فقد تقدم في كتاب الجهاد من طريق أبي عوانة عن عبد الملك بن عمير عن عمرو بن ميمون عن سعد وقال في اخره قال عبد الملك فحدثت به مصعبا فصدقه وأورده الاسماعيلي من طريق زائدة عن عبد الملك عن مصعب وقال في اخره فحدثت به عمرو بن ميمون فقال وأنا حدثني بهن سعد وقد أورده الترمذي من طريق عبيد الله بن عمرو الرقي عن عبد الملك عن مصعب بن سعد وعمرو بن ميمون جميعا عن سعد وساقه على لفظ مصعب وكذا أخرجه النسائي من طريق زائدة عن عبد الملك عنهما وأخرجه البخاري من طريق زائدة عن عبد الملك عن مصعب وحده وفي سياق عمرو انه كان يقول ذلك دبر الصلاة وليس ذلك في رواية مصعب وفي رواية مصعب ذكر البخل وليس في رواية عمرو وقد رواه أبو إسحاق السبيعي عن عمرو بن ميمون عن بن مسعود هذه رواية زكريا عنه وقال إسرائيل عنه عن عمرو عن عمر بن الخطاب ونقل الترمذي عن الدارمي انه قال كان أبو إسحاق يضطرب فيه قلت لعل عمرو بن ميمون سمعه من جماعة فقد أخرجه النسائي من رواية زهير عن أبي إسحاق عن عمرو عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سمى منهم ثلاثة كما ترى وقوله انه كان سعد يأمر في رواية الكشميهني يأمرنا بصيغة الجمع وجرير المذكور في الحديث الثاني هو بن عبد الحميد ومنصور هو بن المعتمر من صغار التابعين وأبو وائل هو شقيق بن سلمة وهو ومسروق شيخه من كبار التابعين

[ 150 ]

ورجال الاسناد كلهم كوفيون إلى عائشة ورواية أبي وائل عن مسروق من الاقران وقد ذكر أبو علي الجياني انه وقع في رواية أبي إسحاق المستملي عن الفربري في هذا الحديث منصور عن أبي وائل ومسروق عن عائشة بواو بدل عن قال والصواب الاول ولا يحفظ لابي وائل عن عائشة رواية قلت اما كونه الصواب فصواب لاتفاق الرواة في البخاري على انه من رواية أبي وائل عن مسروق وكذا أخرجه مسلم وغيره من رواية منصور وأما النفي فمردود فقد اخرج الترمذي من رواية أبي وائل عن عائشة حديثين أحدهما ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا أخرجه الشيخان والنسائي وابن ماجة من رواية أبي وائل عن مسروق عن عائشة والثاني إذا تصدقت المرأة من بيت زوجها الحديث أخرجه أيضا من رواية عمرو بن مرة سمعت أبا وائل عن عائشة وهذا أخرجه الشيخان أيضا من رواية منصور والاعمش عن أبي وائل عن مسروق عن عائشة وهذا جميع ما في الكتب الستة لابي وائل عن عائشة واخرج بن حبان في صحيحه من رواية شعبة عن عمرو بن مرة عن أبي وائل عن عائشة حديث ما من مسلم يشاك شوكة فما دونها الا رفعه الله بها درجة الحديث وفي بعض هذا ما يرد إطلاق أبي علي قوله دخلت علي عجوزان من عجز يهود المدينة عجز بضم العين المهملة والجيم بعدها زاي جمع عجوز مثل عمود وعمد ويجمع أيضا على عجائز وهذه رواية الاسماعيلي عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة شيخ البخاري فيه قال بن السكيت ولا يقال عجوزة وقال غيره هي لغة رديئة وقوله ولم انعم هو رباعي من انعم والمراد انها لم تصدقهما اولا قوله فقلت يا رسول الله ان عجوزين وذكرت له فقال صدقتا قال الكرماني حذف خبر ان للعلم به والتقدير دخلتا قلت ظهر لي ان البخاري هو الذي اختصره فقد أخرجه الاسماعيل عن عمران بن موسى عن عثمان بن أبي شيبة شيخ البخاري فيه فساقه ولفظه فقلت له يا رسول الله ان عجوزين مع جائز يهود المدينة دخلتا علي فزعمتا ان أهل القبور يعذبون في قبورهم فقال صدقتا وكذا أخرجه مسلم من وجه اخر عن جرير شيخ عثمان فيه فعلى هذا فيضبط وذكرت له بضم التاء وسكون الراء أي ذكرت له ما قالتا وقوله تسمعه البهائم تقدم شرحه مستوفى وبينت طريق الجمع بين جزمه صلى الله عليه وسلم هنا بتصديق اليهوديتين في اثبات عذاب القبر وقوله في الرواية عائذا بالله من ذلك وكلا الحديثين عن عائشة وحاصله انه لم يكن اوحى إليه ان المؤمنين يفتنون في القبور فقال انما يفتن يهود فجرى على ما كان عنده من علم ذلك ثم لما علم بأن ذلك يقع لغير اليهود استعاذ منه وعلمه وأمر بإيقاعه في الصلاة ليكون انجح في الاجابة والله اعلم قوله باب التعوذ من فتنة المحيا أي زمن الحياة والممات أي زمن الموت من أول النزع وهلم جرا ذكر فيه حديث أنس وفيه ذكر العجز والكسل والجبن وقد تقدم الكلام عليه في الجهاد والبخل وسيأتي بعد بابين والهرم والمراد به الزيادة في كبر السن وعذاب القبر وقد مضى في الجنائز واما فتنة المحيا والممات فقال بن بطال هذه كلمة جامعة لمعان كثيرة وينبغي للمرء ان يرغب إلى ربه في رفع ما نزل ودفع ما لم ينزل ويستشعر الافتقار إلى ربه في جميع ذلك وكان صلى الله عليه وسلم يتعوذ من جميع ما ذكر دفعا عن أمته وتشريعا لهم ليبين لهم صفة المهم من الادعية قلت وقد تقدم شرح المراد بفتنة المحيا وفتنة الممات في باب الدعاء قبل السلام في اواخر صفة الصلاة قبيل كتاب الجمعة

[ 151 ]

وأصل الفتنة الامتحان والاختبار واستعملت في الشرع في اختبار كشف ما يكره ويقال فتنت الذهب إذا اختبرته بالنار لتنظر جودته وفي الغفلة عن المطلوب كقوله انما أموالكم وأولادكم فتنة وتستعمل في الاكراه على الرجوع عن الدين كقوله تعالى ان الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات قلت واستعملت أيضا في الضلال والاثم والكفر والعذاب والفضيحة ويعرف المراد حيثما ورد بالسياق والقرائن قوله باب التعوذ من المأثم والمغرم بفتح الميم فيهما وكذا الراء والمثلثة وسكون الهمزة والغين المعجمة والمأثم ما يقتضي الاثم والمغرم ما يقتضي الغرم وقد تقدم بيانه في باب الدعاء قبل السلام من كتاب الصلاة قوله من الكسل والهرم تقدما في الباب الذي قبله قوله والمأثم والمغرم والمراد الاثم والغرامة وهي ما يلزم الشخص اداؤه كالدين زاد في رواية الزهري عن عروة كما مضى في باب الدعاء قبل السلام فقال له قائل ما أكثر ما تستعيذ من المأثم والمغرم هكذا أخرجه من طريق شعيب عن الزهري وكذا أخرجه النسائي من طريق سليمان بن سليم الحمصي عن الزهري فذكر الحديث مختصرا وفيه فقال له يا رسول الله انك تكثر التعوذ الحديث وقد تقدم بيانه هناك وقلت اني لم اقف حينئذ على تسمية القائل ثم وجدت تفسير المبهم في الاستعاذة للنسائي أخرجه من طريق سلمة بن سعيد بن عطية عن معمر عن الزهري فذكر الحديث مختصرا ولفظه كان يتعوذ من المغرم والمأثم قلت يا رسول الله ما أكثر ما تتعوذ من المغرم قال انه من غرم حدث فكذب ووعد فأخلف فعرف ان السائل له عن ذلك عائشة راوية الحديث قوله ومن فتنة القبر هي سؤال الملكين وعذاب القبر تقدم شرحه قوله ومن فتنة النار هي سؤال الخزنة على سبيل التوبيخ واليه الاشارة بقوله تعالى كلما ألقى فيها فوج سألهم خزنتها الم يأتكم نذير وسيأتي الكلام عليه في باب الاستعاذة من ارذل العمر بعد ثلاثة أبواب قوله ومن شر فتنة الغنى وأعوذ بك من فتنة الفقر تقدم الكلام على ذلك أيضا في باب الدعاء قبل السلام قال الكرماني صرح في فتنة الغني بذكر الشر إشارة إلى ان مضرته أكثر من مضرة غيره أو تغليظا على اصحابه حتى لا يغتروا فيغفلوا عن مفاسده أو إيماء إلى ان صورته لا يكون فيها خير بخلاف صورة الفقر فانها قد تكون خيرا انتهى وكل هذا غفلة عن الواقع فان الذي ظهر لي ان لفظ شر في الاصل ثابتة في الموضعين وانما اختصرها بعض الرواة فسيأتي بعد قليل في باب الاستعاذة من أرذل العمر من طريق وكيع وأبي معاوية مفرقا عن هشام بسنده هذا بلفظ شر فتنة الغني وشر فتنة الفقر ويأتي بعد أبواب أيضا من رواية سلام بن أبي مطيع عن هشام بإسقاط شر في الموضعين والتقييد في الغنى والفقر بالشر لا بد منه لان كلا منهما فيه خير باعتبار فالتقييد في الاستعاذة منه بالشر يخرج ما فيه من الخير سواء قل أم كثر قال الغزالي فتنة الغني الحرص على جمع المال وحبه حتى يكسبه من غير حله وبمنعه من واجبات انفاقه وحقوقه وفتنة الفقر يراد به الفقر المدقع الذي لا يصحبه خير ولا ورع حتى يتورط صاحبه بسببه فيما لا يليق بأهل الدين والمروءة ولا يبالي بسبب فاقته على أي حرام وثب ولا في أي حالة تورط وقيل المراد به فقر النفس الذي لا يرده ملك الدنيا بحذافيرها وليس فيه ما يدل على تفضيل الفقر على الغنى ولا عكسه قوله وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال في رواية وكيع ومن شر فتنة المسيح الدجال وقد تقدم شرحه أيضا في باب الدعاء قبل السلام قوله اللهم اغسل عني خطاياي بماء الثلج والبرد الخ

[ 152 ]

تقدم شرحه في الكلام على حديث أبي هريرة في أوائل صفة الصلاة وحكمة العدول عن الماء الحار إلى الثلج والبرد مع ان الحار في العادة ابلغ في إزالة الوسخ الاشارة إلى ان الثلج والبرد ما أن طاهران لم تمسهما الايدي ولم يمتهنهما الاستعمال فكان ذكرهما آكد في هذا المقام أشار إلى هذا الخطابي وقال الكرماني وله توجيه اخر وهو انه جعل الخطايا بمنزلة النار لكونها تؤدي إليها فعبر عن اطفاء حرارتها بالغسل تأكيدا في اطفائها وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى ابرد منه وهو الثلج ثم إلى ابرد منه وهو البرد بدليل انه قد يجمد ويصير جليدا بخلاف الثلج فإنه يذوب وهذا الحديث قد رواه الزهري عن عروة كما أشرت إليه وقيده بالصلاة ولفظه كان يدعو في الصلاة وذكرت هناك توجيه ادخاله في الدعاء قبل السلام ولم يقع في رواية شعيب عن الزهري عند المصنف ذكر المأثم والمغرم ووقع ذلك عند مسلم من وجه اخر عن الزهري ولم يقع عندهما معا فيه قوله اللهم اغسل عني خطاياي الخ وهو حديث واحد ذكر فيه كل من هشام بن عروة والزهري عن عروة ما لم يذكره الاخر والله اعلم قوله باب الاستعاذة من الجبن والكسل تقدم شرحهما في كتاب الجهاد قوله كسالى وكسالى واحد بفتح الكاف وضمها قلت وهما قراءتان قرأ الجمهور بالضم وقرأ الاعرج بالفتح وهي لغة بني تميم وقرأ بن السميفع بالفتح أيضا لكن اسقط الالف وسكن السين وصفهم بما يوصف به المؤنث المفرد لملاحظة معنى الجماعة وهو كما قرئ وترى الناس سكرى والكسل الفتور والتواني وهو ضد النشاط قوله حدثنا سليمان هو بن بلال ووقع التصريح به في رواية أبي زيد المروزي قوله عمرو بن أبي عمرو هو مولى المطلب الماضي ذكره في باب التعوذ من غلبة الرجال قوله فكنت اسمعه يكثر ان يقول اللهم اني أعوذ بك من الهم إلى قوله والجبن تقدم شرح هذه الامور الستة ومحصله ان الهم لما يتصوره العقل من المكروه في الحال والحزن لما وقع في الماضي والعجز ضد الاقتدار والكسل ضد النشاط والبخل ضد الكرم والجبن ضد الشجاعة وقوله وضلع الدين تقدم ضبطه وتفسيره قبل ثلاثة أبواب وقوله وغلبة الرجال هي إضافة للفاعل استعاذ من ان يغلبه الرجال لما في ذلك من الوهن في النفس والمعاش قوله باب التعوذ من البخل تقدم الكلام عليه قبل قوله البخل والبخل واحد يعني بضم أوله وسكون ثانيه وبفتحهما قوله مثل الحزن والحزن يعني في وزنهما قوله وأعوذ بك ان ارد إلى ارذل العمر في رواية السرخسي وأعوذ بك من ان ارد بزيادة من وسيأتي شرحه في الباب الذي بعده قوله وأعوذ بك من فتنة الدنيا كذا للاكثر وأخرجه أحمد عن روح عن شعبة وزاد في رواية ادم الماضية قريبا عن شعبة يعني فتنة الدجال وحكى الكرماني ان هذا التفسير من كلام شعبة وليس كما قال فقد بين يحيى بن أبي كثير عن شعبة انه من كلام عبد الملك بن عمير راوي الخبر أخرجه الاسماعيلي من طريقه ولفظه قال شعبة فسألت عبد الملك بن عمير عن فتنة الدنيا فقال الدجال ووقع في رواية زائدة بن قدامة عن عبد الملك بن عمير بلفظ وأعوذ بك من فتنة الدجال أخرجه الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن عثمان بن أبي شيبة عن حسن بن علي الجعفي وقد أخرجه البخاري في الباب الذي بعده عن إسحاق عن حسين بن علي بلفظ من فتنة الدنيا فلعل بعض رواته ذكره بالمعنى الذي فسره به عبد الملك بن عمير وفي إطلاق الدنيا على الدجال إشارة إلى ان

[ 153 ]

فتنته أعظم الفتن الكائنة في الدنيا وقد ورد ذلك صريحا في حديث أبي امامة قال خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه انه لم تكن فتنة في الارض منذ ذرأ الله ذرية آدم أعظم من فتنة الدجال أخرجه أبو داود وابن ماجة قوله باب التعوذ من ارذل العمر ارذلنا سقاطنا بضم المهملة وتشديد القاف جمع ساقط وهو اللئيم في حسبه ونسبه وهذا قد تقدم القول فيه في أوائل تفسير سورة هود وأورد فيه حديث أنس وليس فيه لفظ الترجمة لكنه أشار بذلك إلى ان المراد بأرذل العمر في حديث سعد بن أبي وقاص الذي قبله الهرم الذي في حديث أنس لمجيئها موضع الاخرى من الحديث المذكور قوله باب الدعاء برفع الوباء والوجع أي برفع المرض عمن نزل به سواء كان عاما أو خاصا وقد تقدم بيان الوباء وتفسيره في باب ما يذكر في الطاعون من كتاب الطب وانه أعم من الطاعون وان حقيقته مرض عام ينشأ عن فساد الهواء وقد يسمى طاعونا بطريق المجاز واوضحت هناك الرد على من زعم ان الطاعون والوباء مترادفان بما ثبت هناك ان الطاعون لا يدخل المدينة وان الوباء وقع بالمدينة كما في قصة العرنيين وكما في حديث أبي الاسود انه كان عند عمر فوقع بالمدينة بالناس موت ذريع وغير ذلك وذكر المصنف في الباب حديثين أحدهما حديث عائشة اللهم حبب إلينا المدينة الحديث وفيه انقل حماها إلى الجحفة وهو يتعلق بالركن الاول من الترجمة وهو الوباء لانه المرض العام وأشار به إلى ما ورد في بعض طرقه حيث قالت في أوله قدمنا المدينة وهي اوبأ ارض الله وقد تقدم بهذا اللفظ في اخر كتاب الحج ثانيهما حديث سعد بن أبي وقاص عادني النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع من شكوى الحديث وهو متعلق بالركن الثاني من الترجمة وهو الوجع وقد تقدم شرح الحديث مستوفى في كتاب الوصايا وقوله في اخره قال سعد رثى له رسول الله صلى الله عليه وسلم الخ يرد قول من زعم ان في الحديث ادراجا وان قوله يرثى له الخ من قول الزهري متمسكا بما ورد في بعض طرقه وفيه قال الزهري الخ فان ذلك يرجع إلى اختلاف الرواة عن الزهري هل وصل هذا القدر عن سعد أو قال من قبل نفسه والحكم للوصل لان مع رواته زيادة علم وهو حافظ وشاهد الترجمة من قوله صلى الله عليه وسلم اللهم امض لاصحابي هجرتهم ولا تردهم على اعقابهم فان فيه إشارة إلى الدعاء لسعد بالعافية ليرجع إلى دار هجرته وهي المدينة ولا يستمر مقيما بسبب الوجع بالبلد التي هاجر منها وهي مكة إلى ذلك الاشارة بقوله لكن البائس سعد بن خولة الخ وقد أوضحت في أوائل الوصايا ما يتعلق بسعد بن خولة ونقل بن المزين المالكي ان الرثاء لسعد بن خولة بسبب اقامته بمكة ولم يهاجر وتعقب بأنه شهد بدرا ولكن اختلفوا متى رجع إلى مكة حتى مرض بها فمات فقيل انه سكن مكة بعد ان شهد بدرا وقيل مات في حجة الوداع وأغرب الداودي فيما حكاه بن التين فقال لم يكن للمهاجرين ان يقيموا بمكة الا ثلاثا بعد الصدر فدل ذلك ان سعد بن خولة توفي قبل تلك الحجة وقيل مات في الفتح بعد ان أطال المقام بمكة بغير عذر إذ لو كان له عذر لم يأثم وقد قال صلى الله عليه وسلم حين قيل له ان

[ 154 ]

صفية حاضت احابستنا هي فدل على ان للمهاجر إذا كان له عذر ان يقيم ازيد من الثلاث المشروعة للمهاجرين وقال يحتمل ان تكون هذه اللفظة قالها صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع ثم حج فقرنها الراوي بالحديث لكونها من تكملته انتهى وكلامه متعقب في مواضع منها اشتهاده بقصة صفية ولا حجة فيها لاحتمال ان لا تجاوز الثلاث المشروعة والاحتباس الامتناع وهو يصدق باليوم بل بدونه ومنها جزمه بأن سعد بن خولة أطال المقام بمكة ورمزه إلى انه قام بغير عذر وانه اثم بذلك إلى غير ذلك مما يظهر فساده بالتأمل قوله باب الاستعاذة من ارذل العمر ومن فتنة الدنيا ومن فتنة النار في رواية الكشميهني ومن عذاب النار بدل فتنة النار قوله أنبأنا الحسين هو بن علي الجعفي الزاهد المشهور وإسحاق الراوي عنه هو بن راهويه وشيخه زائدة هو بن قدامه وعبد الملك هو بن عمير وقد تقدم شرح الحديث مستوفي قبل قليل وكذا حديث عائشة ثاني حديثي الباب قوله باب الاستعاذة من فتنة الغنى ذكر فيه حديث عائشة المذكور مختصرا من رواية وكيع عن هشام بن عروة وقد تقدم شرحه قوله باب التعوذ من فتنة الفقر ذكر فيه حديث عائشة من طريق أبي معاوية عن هشام بتمامه وقد تقدم شرحه أيضا مستوفى قوله باب الدعاء بكثرة المال والولد مع البركة سقط هذا الباب والترجمة من رواية السرخسي والصواب إثباته قوله شعبة قال سمعت قتادة عن أنس عن أم سليم انها قالت يا رسول الله أنس خادمك ادع الله له الحديث وفي اخره وعن هشام بن زيد سمعت أنس بن مالك مثله قلت هكذا قال غندر عن شعبة جعل الحديث من مسند أم سليم وكذا أخرجه الترمذي عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه عن محمد بن جعفر وهو غندر هذا فذكر مثله ولكنه لم يذكر رواية هشام بن زيد التي في آخره وقال حسن صحيح وأخرجه الاسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن شعبة فقال فيه عن أم سليم كما قال غندر وكذا أخرجه أحمد عن حجاج بن محمد وعن محمد بن جعفر كلاهما عن شعبة وأخرجه في باب من خص اخاه بالدعاء من رواية سعيد بن الربيع عن شعبة عن قتادة قال سمعت أنسا قال قالت أم سليم وظاهره انه من مسند أنس وهو في الباب الذي يلي هذا كذلك وكذا تقدم في باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر من طريق حرمي بن عمارة عن شعبة عن قتادة عن أنس قال قالت أمي وكذا أخرجه مسلم من رواية أبي داود الطيالسي والاسماعيلي من رواية عمرو بن مرزوق عن شعبة وهذا الاختلاف لا يضر فإن أنسا حضر ذلك بدليل ما أخرجه مسلم من رواية إسحاق بن أبي

[ 155 ]

طلحة عن أنس قال جاءت بي أمي أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت هذا ابني أنس يخدمك فادع الله له فقال اللهم أكثر ماله وولده واما رواية هشام بن زيد المعطوفة هنا فإنها معطوفة على رواية قتادة وقد أخرجه الاسماعيلي من رواية حجاج بن محمد عن شعبة عن قتادة وهشام بن زيد جميعا عن أنس وكذا صنيع مسلم حيث أخرجه من رواية أبي داود عن شعبة تنبيه ذكر الكرماني انه وقع هنا وعن هشام بن عروة قال والاول هو الصحيح قوله انها قالت يا رسول الله أنس خادمك ادع الله له تقدم لهذا الحديث مبدأ من رواية حميد عن أنس في كتاب الصيام في باب من زار قوما فلم يفطر عندهم وقد بسطت شرحه هناك بما يغنى عن اعادته وذكرت طرفا منه قريبا في باب دعوة النبي صلى الله عليه وسلم لخادمه بطول العمر قوله باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة تقدم شرحه في الذي قبله وتقدم الحديث سندا ومتنا في باب قول الله تعالى وصل عليهم ومن خص اخاه بالدعاء قوله باب الدعاء عند الاستخارة هي استفعال من الخير أو من الخيرة بكسر أوله وفتح ثانيه بوزن العنبة اسم من قولك خار الله له واستخار الله طلب منه الخيرة وخار الله له أعطاه ما هو خير له والمراد طلب خير الامرين لمن احتاج إلى أحدهما قوله حدثنا عبد الرحمن بن أبي الموال بفتح الميم وتخفيف الواو جمع مولى واسمه زيد ويقال زيد جد عبد الرحمن وأبوه لا يعرف اسمه وعبد الرحمن من ثقات المدنيين وكان ينسب إلى ولاء آل علي بن أبي طالب وخرج مع محمد بن عبد الله بن الحسن في زمن المنصور فلما قتل محمد حبس عبد الرحمن المذكور بعد ان ضرب وقد وثقه بن المعين وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وذكره بن عدي في الكامل في الضعفاء وأسند عن أحمد بن حنبل انه قال كان محبوسا في المطبق حين هزم هؤلاء يعني بني حسن قال وروى عن محمد بن المنكدر حديث الاستخارة وليس أحد يرويه غيره وهو منكر وأهل المدينة إذا كان حديث غلطا يقولون بن المنكدر عن جابر كما ان أهل البصرة يقولون ثابت عن أنس يحملون عليهما وقد استشكل شيخنا في شرح الترمذي هذا الكلام وقال ما عرفت المراد به فإن بن المنكدر وثابتا ثقتان متفق عليهما قلت يظهر لي ان مرادهم التهكم والنكتة في اختصاص الترجمة الشهرة والكثرة ثم ساق بن عدي لعبد الرحمن أحاديث وقال هو مستقيم الحديث والذي انكر عليه حديث الاستخارة وقد رواه غير واحد من الصحابة كما رواه بن أبي الموال قلت يريد ان للحديث شواهد وهو كما قال مع مشاححة في إطلاقه قال الترمذي بعد ان أخرجه حسن صحيح غريب لا نعرفه الا من حديث بن أبي الموال وهو مدني ثقة روى عنه غير واحد وفي الباب عن بن مسعود وأبي أيوب قلت وجاء أيضا عن أبي سعيد وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر فحديث بن مسعود أخرجه الطبراني وصححه الحاكم وحديث أبي أيوب أخرجه الطبراني وصححه بن حبان والحاكم وحديث أبي سعيد وأبي هريرة اخرجهما بن حبان في صحيحه وحديث بن عمر وابن عباس حديث واحد أخرجه الطبراني من طريق إبراهيم بن أبي عبلة عن عطاء عنهما وليس في شئ منها ذكر الصلاة سوى حديث جابر الا ان لفظ أبي أيوب اكتم الخطبة وتوضأ فأحسن الوضوء ثم صل ما كتب الله لك الحديث فالتقييد بركعتين خاص بحديث جابر وجاء ذكر الاستخارة في حديث سعد رفعه من سعادة بن آدم استخارته الله أخرجه أحمد وسنده حسن

[ 156 ]

وأصله عند الترمذي لكن بذكر الرضا والسخط لا بلفظ الاستخارة ومن حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أمرا قال اللهم خر لي واختر لي وأخرجه الترمذي وسنده ضعيف وفي حديث أنس رفعه ما خاب من استخار والحديث أخرجه الطبراني في الصغير بسند واه جدا قوله عن محمد بن المنكدر عن جابر وقع في التوحيد من طريق معن بن عيسى عن عبد الرحمن سمعت محمد بن المنكدر يحدث عبد الله بن الحسن أي بن الحسن بن علي بن أبي طالب يقول أخبرني جابر السلمي وهو بفتح السين المهملة واللام نسبة إلى بني سلمة بكسر اللام بطن من الانصار وعند الاسماعيلي من طريق بشر بن عمير حدثني عبد الرحمن سمعت بن المنكدر حدثني جابر قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمنا الاستخارة في رواية معن يعلم اصحابه وكذا في طريق بشر بن عمير قوله في الامور كلها قال بن أبي جمرة هو عام أريد به الخصوص فإن الواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما والحرام والمكروه لا يستخار في تركهما فانحصر الامر في المباح وفي المستحب إذا تعارض منه امران أيهما يبدأ به ويقتصر عليه قلت وتدخل الاستخارة فيما عدا ذلك في الواجب والمستحب المخير وفيما كان زمنه موسعا ويتناول العموم العظيم من الامور والحقير فرب حقير يترتب عليه الامر العظيم قوله كالسورة من القرآن في رواية قتيبة عن عبد الرحمن الماضية في صلاة الليل كما يعلمنا السورة من القرآن قيل وجه التشبيه عموم الحاجة في الامور كلها إلى الاستخارة كعموم الحاجة إلى القراءة في الصلاة ويحتمل ان يكون المراد ما وقع في حديث بن مسعود في التشهد علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم التشهد كفى بين كفي أخرجه المصنف في الاستئذان وفي رواية الاسود بن يزيد عن بن مسعود أخذت التشهد من في رسول الله كلمة كلمة أخرجها الطحاوي وفي حديث سلمان نحوه وقال حرفا حرفا أخرجه الطبراني وقال بن أبي جمرة التشبيه في تحفظ حروفه وترتب كلماته ومنع الزيادة والنقص منه والدرس له والمحافظة عليه ويحتمل ان يكون من جهة الاهتمام به والتحقق لبركته والاحترام له ويحتمل ان يكون من جهة كون كل منهما علم بالوحي قال الطيبي فيه إشارة إلى الاعتناء التام البالغ بهذا الدعاء وهذه الصلاة لجعلهما تلوين الفريضة والقرآن قوله إذا هم فيه حذف تقديره يعلمنا قائلا إذا هم وقد ثبت ذلك في رواية قتيبة يقول إذا هم وزاد في رواية أبي داود عن قتيبة لنا قال بن أبي جمرة ترتيب الوارد على القلب على مراتب الهمة ثم اللمة ثم الخطرة ثم النية ثم الارادة ثم العزيمة فالثلاثة الاولى لا يؤاخذ بها بخلاف الثلاثة الاخرى فقوله إذا هم يشير إلى أول ما يرد على القلب يستخير فيظهر له ببركة الصلاة والدعاء ما هو الخير بخلاف ما إذا تمكن الامر عنده وقويت فيه عزيمته وارادته فإنه يصير إليه له ميل وحب فيخشى ان يخفى عنه وجه الارشدية لغلبة ميله إليه قال ويحتمل ان يكون المراد بالهم العزيمة لان الخاطر لا يثبت فلا يستمر الا على ما يقصد التصميم على فعله والا لو استخار في كل خاطر لاستخار فيما لا يعبأ به فتضيع عليه اوقاته ووقع في حديث بن مسعود إذا أراد أحدكم أمرا فليقل قوله فليركع ركعتين يقيد مطلق حديث أبي أيوب حيث قال صل ما كتب الله لك ويمكن الجمع بأن المراد انه لا يقتصر على ركعة واحدة للتنصيص على الركعتين ويكون ذكرهما على سبيل التنبيه بالادنى على الاعلى فلو صلى أكثر من ركعتين اجزأ والظاهر انه يشترط إذا أراد

[ 157 ]

ان يسلم من كل ركعتين ليحصل مسمى ركعتين ولا يجزئ لو صلى أربعا مثلا بتسليمة وكلام النووي يشعر بالاجزاء قوله من غير الفريضة فيه احتراز عن صلاة الصبح مثلا ويحتمل ان يريد بالفريضة عينها وما يتعلق بها فيحترز عن الراتبة كركعتي الفجر مثلا وقال النووي في الاذكار لو دعا بدعاء الاستخارة عقب راتبه صلاة الظهر مثلا أو غيرها من النوافل الراتبة والمطلقة سواء اقتصر على ركعتين أو أكثر اجزأ كذا اطلق وفيه نظر ويظهر ان يقال ان نوى تلك الصلاة بعينها وصلاة الاستخارة معا اجزأ بخلاف ما إذا لم ينو ويفارق صلاة تحية المسجد لان المراد بها شغل البقعة بالدعاء والمراد بصلاة الاستخارة ان يقع الدعاء عقبها أو فيها ويبعد الاجزاء لمن عرض له الطلب بعد فراغ الصلاة لان ظاهر الخبر ان تقع الصلاة والدعاء بعد وجود إرادة الامر وأفاد النووي انه يقرأ في الركعتين الكافرون والاخلاص قال شيخنا في شرح الترمذي لم اقف على دليل ذلك ولعله الحقهما بركعتي الفجر والركعتين بعد المغرب قال ولهما مناسبة بالحال لما فيهما من الاخلاص والتوحيد والمستخير محتاج لذلك قال شيخنا ومن المناسب ان يقرأ فيهما مثل قوله وربك يخلق ما يشاء ويختار وقوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا ان تكون لهم الخيرة قلت والاكمل ان يقرأ في كل منهما السورة والاية الاوليين في الاولى والاخريين في الثانية ويؤخذ من قوله من غير الفريضة ان الامر بصلاة ركعتي الاستخارة ليس على الوجوب قال شيخنا في شرح الترمذي ولم ار من قال بوجوب الاستخارة لورود الامر بها ولتشبيهها بتعليم السورة من القرآن كما استدل بمثل ذلك في وجوب التشهد في الصلاة لورود الامر به في قوله فليقل ولتشبيهه بتعليم السورة من القرآن فان قيل الامر تعلق بالشرط وهو قوله إذا هم أحدكم بالامر قلنا وكذلك في التشهد انما يؤمر به من صلى ويمكن الفرق وان اشتركا فيما ذكر ان التشهد جزء من الصلاة فيؤخذ الوجوب من قوله صلوا كما رأيتموني أصلي ودل على عدم وجوب الاستخارة ما دل على عدم وجوب صلاة زائدة على الخمس في حديث هل على غيرها قال لا الا ان تطوع انتهى وهذا وان صلح للاستدلال به على عدم وجوب ركعتي الاستخارة لكن لا يمنع من الاستدلال به على وجوب دعاء الاستخارة فكأنهم فهموا ان الامر فيه للارشاد فعدلوا به عن سنن الوجوب ولما كان مشتملا على ذكر الله والتفويض إليه كان مندوبا والله اعلم ثم نقول هو ظاهر في تأخير الدعاء عن الصلاة فلو دعا به في اثناء الصلاة احتمل الاجراء ويحتمل الترتيب على تقديم الشروع في الصلاة قبل الدعاء فان موطن الدعاء في الصلاة السجود أو التشهد وقال بن أبي جمرة الحكمة في تقديم الصلاة على الدعاء ان المراد بالاستخارة حصول الجمع بين خيري الدنيا والآخرة فيحتاج إلى قرع باب الملك ولا شئ لذلك انجع ولا انجح من الصلاة لما فيها من تعظيم الله والثناء عليه والافتقار إليه مآلا وحالا قوله اللهم اني استخيرك بعملك الباء للتعليل أي لانك اعلم وكذا هي في قوله بقدرتك ويحتمل ان تكون للاستعانة كقوله بسم الله مجراها ويحتمل ان تكون للاستعطاف كقوله قال رب بما انعمت علي الآية وقوله واستقدرك أي اطلب منك ان تجعل لي على ذلك قدرة ويحتمل ان يكون المعنى اطلب منك ان تقدره لي والمراد بالتقدير التيسير قوله وأسألك من فضلك إشارة إلى ان إعطاء الرب فضل منه وليس لاحد عليه حق في نعمه كما هو مذهب أهل السنة قوله فإنك تقدر ولا اقدر وتعلم ولا اعلم

[ 158 ]

إشارة إلى ان العلم والقدرة لله وحده وليس للعبد من ذلك الا ما قدر الله له وكأنه قال أنت يا رب تقدر قبل ان تخلق في القدرة وعندما تخلقها في وبعد ما تخلقها قوله اللهم ان كنت تعلم ان هذا الامر في رواية معن وغيره فإن كنت تعلم هذا الامر زاد أبو داود في رواية عبد الرحمن بن مقاتل عن عبد الرحمن بن أبي الموال الذي يريد وزاد في رواية معن ثم يسميه بعينه وقد ذكر ذلك في آخر الحديث في الباب وظاهر سياقه ان ينطق به ويحتمل ان يكتفي باستحضاره بقلبه عند الدعاء وعلى الاول تكون التسمية بعد الدعاء وعلى الثاني تكون الجملة حالية والتقدير فليدع مسميا حاجته وقوله ان كنت استشكل الكرماني الاتيان بصيغة الشك هنا ولا يجوز الشك في كون الله عالما وأجاب بأن الشك في ان العلم متعلق بالخير أو الشر لافي أصل العلم قوله ومعاشي زاد أبو داود ومعادي وهو يؤيد ان المراد بالمعاش الحياة ويحتمل ان يريد بالمعاش ما يعاش فيه ولذلك وقع في حديث بن مسعود في بعض طرقه عند الطبراني في الاوسط في ديني ودنياي وفي حديث أبي أيوب عند الطبراني في دنياي وآخرتي زاد بن حبان في روايته وديني وفي حديث أبي سعيد في ديني ومعيشتي قوله وعاقبة أمري أو قال في عاجل أمري وآجله هو شك من الراوي ولم تختلف الطرق في ذلك واقتصر في حديث أبي سعيد على عاقبة أمري وكذا في حديث بن مسعود وهو يؤيد احد الاحتمالين في ان العاجل والآجل مذكوران بدل الالفاظ الثلاثة أو بدل الاخيرين فقط وعلى هذا فقول الكرماني لا يكون الداعي جازما بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الا ان دعا ثلاث مرات يقول مرة في ديني ومعاشي وعاقبة أمري ومرة في عاجل أمري وآجله ومرة في ديني وعاجل أمري وآجله قلت ولم يقع ذلك الشك في حديث أبي أيوب ولا أبي هريرة أصلا قوله فاقدره لي قال أبو الحسن القابسي أهل بلدنا يكسرون الدال وأهل الشرق يضمونها وقال الكرماني معنى قوله اجعله مقدورا لي أو قدره وقيل معناه يسره لي زاد معن ويسره لي وبارك لي فيه قوله فاصرفه عني واصرفني عنه أي حتى لا يبقى قلبه بعد صرف الامر عنه متعلقا به وفيه دليل لاهل السنة ان الشر من تقدير الله على العبد لانه لو كان يقدر على اختراعه لقدر على صرفه ولم يحتج إلى طلب صرفه عنه قوله واقدر لي الخير حيث كان في حديث أبي سعيد بعد قوله واقدر لي الخير اينما كان لا حول ولا قوة الا بالله قوله ثم رضني بالتشديد وفي رواية قتيبة ثم ارضني به أي اجعلني به راضيا وفي بعض طرق حديث بن مسعود عند الطبراني في الاوسط ورضني بقضائك وفي حديث أبي أيوب وضني بقدرك والسر فيه ان لا يبقى قلبه متعلقا به فلا يطمئن خاطره والرضا سكون النفس إلى القضاء وفي الحديث شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أمت وتعليمهم جميع ما ينفعهم في دينهم ودنياهم ووقع في بعض طرقه عند الطبراني في حديث بن مسعود انه صلى الله عليه وسلم كان يدعو بهذا الدعاء إذا أراد ان يصنع أمرا وفيه ان العبد لا يكون قادرا الا مع الفعل لا قبله والله هو خالق العلم بالشئ للعبد وهمه به واقتداره عليه فإنه يجب على العبد رد الامور كلها إلى الله والتبري من الحول والقوة إليه وان يسأل ربه في أموره كلها واستدل به على ان الامر بالشئ ليس نهيا عن ضده لانه لو كان كذلك لاكتفى بقوله ان كنت تعلم انه خير لي عن قوله وان كنت تعلم انه شر لي الخ لانه إذا لم يكن خيرا فهو شر وفيه نظر لاحتمال وجود الواسطة واختلف فيما ذا يفعل المستخير بعد الاستخارة فقال بن عبد السلام

[ 159 ]

يفعل ما اتفق ويستدل له بقوله في بعض طرق حديث بن مسعود في اخره ثم يعزم وأول الحديث إذا أراد أحدكم أمرا فليقل وقال النووي في الاذكار يفعل بعد الاستخارة ما ينشرح به صدره ويستدل له بحديث أنس عند بن السني إذا هممت بأمر فاستخر ربك سبعا ثم انظر إلى الذي يسبق في قلبك فإن الخير فيه وهذا لو ثبت لكان هو المعتمد لكن سنده واه جدا والمعتمد انه لا يفعل ما ينشرح به صدره مما كان له فيه هوى قوي قبل الاستخارة والى ذلك الاشارة بقوله في آخر حديث أبي سعيد ولا حول ولا قوة الا بالله قوله باب الدعاء عند الوضوء ذكر فيه حديث أبي موسى قال دعا النبي صلى الله عليه وسلم بماء فتوضأ به ثم رفع يديه فقال اللهم اغفر لعبيد أبي عامر الحديث ذكره مختصرا وقد تقدم بطوله في المغازي في باب غزوة اوطاس قوله باب الدعاء إذا علا عقبه كذا ترجم بالدعاء وأورد في الحديث التكبير وكأنه اخذه من قوله في الحديث انكم لا تدعون اصم ولا غائبا فسمى التكبير دعاء قوله أيوب هو السختياني وأبو عثمان هو النهدي قوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر لم اقف على تعيينه قوله اربعوا بهمزة وصل مكسورة ثم موحدة مفتوحة أي ارفقوا ولا تجهدوا أنفسكم قوله فانكم لا تدعون اصم يأتي بيانه في التوحيد قوله كنز سمى هذه الكلمة كنزا لانها كالكنز في نفاسته وصيانته عن اعين الناس قوله أو قال الا أدلك على كلمة هي كنز الخ شك من الراوي هل قال قل لا حول ولا قوة الا بالله فانها كنز من كنوز الجنة أو قال الا أدلك الخ وسيأتي في كتباب القدر من رواية خالد الحذاء عن أبي عثمان بلفظ ثم قال يا عبد الله بن قيس الا أعلمك كلمة الخ وسيأتي في اواخر كتاب الدعوات أيضا من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان بلفظ ثم قال يا أبا موسى أو يا عبد لله بن قيس الا أدلك الخ ولم يتردد ووقع في هذين الطريقين بيان سبب قوله انكم لا تدعون اصم فإن في رواية سليمان فلما علا عليها رجل نادى فرفع صوته وفي رواية خالد فجعلنا لا نصعد شرفا الا رفعنا اصواتنا بالتكبير ووقع في بعض النسخ اصما وكأنه لمناسبة غائبا وقوله بصيرا ووقع في تلك الرواية قريبا ويأتي شرح الحديث مستوفى في كتاب القدر ان شاء الله تعالى وقوله لا حول يجوز ان يكون في موضع جر على البدل من قوله على كنز وفي موضع نصب بتقدير اعني وفي موضع رفع بتقدير هو قوله باب الدعاء إذا هبط واديا فيه حديث جابر كذا ثبت عند المستملي والكشميهني وسقط لغيرهما والمراد بحديث جابر ما تقدم في الجهاد وفي باب التسبيح إذا هبط واديا من حديثه بلفظ كنا إذا صعدنا كبرنا وإذا نزلنا سبحنا وقال بعده باب التكبير إذا علا شرفا وأورد فيه حديث جابر أيضا لكن بلفظ وإذا تصوبنا بدل نزلنا والتصويب الانحدار وقد ورد بلفظ هبطنا في هذا الحديث عند النسائي وابن خزيمة وأشرت إلى شرحه هناك ومناسبة التكبير عند الصعود إلى المكان المرتفع ان الاستعلاء والارتفاع محبوب للنفوس لما فيه من استشعار الكبرياء فشرع لمن تلبس به ان يذكر كبرياء الله تعالى وانه أكبر من كل شئ فيكبره ليشكر له ذلك فيزيده من فضله ومناسبة التسبيح عند الهبوط لكون المكان المنخفض محل ضيق فيشرع فيه التسبيح لانه من أسباب الفرج كما وقع في قصة يونس عليه السلام حين سبح في الظلمات فنجى من الغم قوله باب الدعاء إذا أراد سفرا أو رجع فيه يحيى بن أبي إسحاق عن أنس كذا وقع في رواية الحموي عن الفربري ومثله في

[ 160 ]

رواية أبي زيد المروزي عنه لكن بالواو العاطفة بدل لفظ باب والمراد بحديث يحيى بن أبي إسحاق فيما اظن الحديث الذي أوله ان النبي صلى الله عليه وسلم اقبل من خيبر وقد اردف صفية فلما كان ببعض الطريق عثرت الناقة فان في آخره فلما اشرفنا على المدينة قال آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون فلم يزل يقولها حتى دخل المدينة وقد تقدم موصولا في أواخر الجهاد وفي الادب وفي اواخر اللباس وشرحته هناك الا الكلام الاخير هنا فوعدت بشرحه هنا وإسماعيل في الحديث الموصول هو بن أبي أويس قوله كان إذا قفل بقاف ثم فاء أي رجع وزنه ومعناه ووقع عند مسلم في رواية علي بن عبد الله الازدي عن بن عمر في أوله من الزيادة كان إذا استوى على بعيره خارجا إلى سفر كبر ثلاثا ثم قال سبحان الذي سخر لنا هذا فذكر الحديث إلى ان قال وإذا رجع قالهن وزاد آيبون تائبون الحديث والى هذه الزيادة أشار المصنف في الترجمة بقوله إذا أراد سفرا قوله من غزو أو حج أو عمرة ظاهره اختصاص ذلك بهذه الامور الثلاث وليس الحكم كذلك عند الجمهور بل يشرع قول ذلك في كل سفر إذا كان سفر طاعة كصلة الرحم وطلب العلم لما يشمل الجميع من اسم الطاعة وقيل يتعدى أيضا إلى المباح لان المسافر فيه لا ثواب له فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب وقيل يشرع في سفر المعصية أيضا لان مرتكبها أحوج إلى تحصيل الثواب من غيره وهذا التعليل متعقب لان الذي يخصه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح ولا في معصية من الاكثار من ذكر الله وانما النزاع في خصوص هذا الذكر في هذا الوقت المخصوص فذهب قوم إلى الاختصاص لكونها عبادات مخصوصة شرع لها ذكر مخصوص فتختص به كالذكر المأثور عقب الاذان وعقب الصلاة وانما اقتصر الصحابي على الثلاث لانحصار سفر النبي صلى الله عليه وسلم فيها ولهذا ترجم بالسفر على انه تعرض لما دل عليه الظاهر فترجم في اواخر أبواب العمرة ما يقول إذا رجع من الغزو أو الحج أو العمرة قوله يكبر على كل شرف بفتح المعجمة والراء بعدها فاء هو المكان العالي ووقع عند مسلم من رواية عبيد الله بن عمر العمري عن نافع بلفظ إذا أوفى أي ارتفع على ثنيه بمثلثة ثم نون ثم تحتانية ثقيلة هي العقبة أو فدفد بفتح الفاء بعده دال مهملة ثم فاء ثم دال والاشهر تفسيره بالمكان المرتفع وقيل هو الارض المستوية وقيل الفلاة الخالية من شجر وغيره وقيل غليظ الاودية ذات الحصى قوله ثم يقول لا إله إلا الله الخ يحتمل انه كان يأتي بهذا الذكر عقب التكبير وهو على المكان المرتفع ويحتمل ان التكبير يختص بالمكان المرتفع وما بعده ان كان متسعا أكمل الذكر المذكور فيه والا فإذا هبط سبح كما دل عليه حديث جابر ويحتمل ان يكمل الذكر مطلقا عقب التكبير ثم يأتي بالتسبيح إذا هبط قال القرطبي وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى انه المتفرد بايجاد جميع الموجودات وانه المعبود في جميع الاماكن قوله آيبون جمع آيب أي راجع وزنه ومعناه وهو خبر مبتدأ محذوف والتقدير نحن آيبون وليس المراد الاخبار بمحض الرجوع فإنه تحصيل الحاصل بل الرجوع في حالة مخصوصة وهي تلبسهم بالعبادة المخصوصة والانصاف بالاوصاف المذكورة وقوله تائبون فيه إشارة إلى التقصير في العبادة وقاله صلى الله عليه وسلم على سبيل التواضع أو تعليما لامته أو المراد أمته كما تقدم تقريره وقد تستعمل التوبة لارادة الاستمرار على الطاعة فيكون المراد ان لا يقع منهم ذنب قوله صدق الله وعده أي فيما وعد به من إظهار دينه في قوله وعدكم الله

[ 161 ]

مغانم كثيرة وقوله وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الارض الآية وهذا في سفر الغزو ومناسبته لسفر الحج والعمرة قوله تعالى لتدخلن المسجد الحرام ان شاء الله آمنين قوله ونصر عبده يريد نفسه قوله وهزم الاحزاب وحده أي من غير فعل أحد من الآدميين واختلف في المراد بالاحزاب هنا فقيل هم كفار قريش ومن وافقهم من العرب واليهود الذين تحزبوا أي تجمعوا في غزوة الخندق ونزلت في شأنهم سورة الاحزاب وقد مضى خبرهم مفصلا في كتاب المغازي وقيل المراد أعم من ذلك وقال النووي المشهور الاول وقيل فيه نظر لانه يتوقف على ان هذا الدعاء انما شرع من بعد الخندق والجواب ان غزوات النبي صلى الله عليه وسلم التي خرج فيها بنفسه محصورة والمطابق منها لذلك غزوة الخندق لظاهر قوله تعالى في سورة الاحزاب ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وفيها قبل ذلك إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها الآية والاصل في الاحزاب انه جمع حزب وهو القطعة المجتمعة من الناس فاللام اما جنسية والمراد كل من تحزب من الكفار وأما عهدية والمراد من تقدم وهو الاقرب قال القرطبي ويحتملان يكون هذا الخبر بمعنى الدعاء أي اللهم اهزم الاحزاب والاول أظهر قوله باب الدعاء للمتزوج فيه حديث أنس في تزويج عبد الرحمن بن عوف وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب النكاح والمراد هنا قوله بارك الله لك وقوله فقال مهيم اومه شك من الراوي والمعتمد ما في الرواية المتقدمة وهو الجزم بالاول ومعناه ما حالك ومه في هذه الرواية استفهامية انقلبت الالف هاء وحديث جابر في تزويجه الثيب وفيه هلا جارية تلاعبها وقد تقدم شرحه أيضا في النكاح والمراد منه قوله فيه بارك الله عليك وقوله فيه تزوجت يا جابر قلت نعم قال بكرا أم ثيبا انتصب على حذف فعل تقديره أتزوجت وقوله في الجواب قلت ثيت بالرفع على ان التقدير مثلا التي تزوجتها ثيب قيل وكان الاحسن النصب على نسق الاول أي تزوجت ثيبا قلت ولا يمتنع ان يكون منصوبا فكتب بغير الف على تلك اللغة وقوله فيه أو تضاحكها شك من الرواي وهو يعين أحد الاحتمالين في تلاعبها هل من اللعب أو من اللعاب وقد تقدم بيانه عند شرحه قوله لم يقل بن عيينة ومحمد بن مسلم عن عمرو بارك الله عليك اما رواية سفيان بن عيينة فتقدمت موصولة في المغازي وفي النفقات من طريقه واما رواية محمد بن مسلم وهو الطائفي فتقدم الكلام عليها في المغازي ومناسبة قوله صلى الله عليه وسلم لعبد الرحمن بارك الله لك ولجابر بارك الله عليك ان المراد بالاول اختصاصه بالبركة في زوجته وبالثاني شمول البركة له في جودة عقله حيث قدم مصلحة اخواته على حظ نفسه فعدل لاجلهن عن تزوج البكر مع كونها ارفع رتبة للمتزوج الشاب من الثيب غالبا قوله باب ما يقول إذا اتى أهله ذكر فيه حديث بن عباس وفي لفظه ما يقتضي ان القول المذكور يشرع عند إرادة الجماع فيرفع احتمال ظاهر الحديث انه يشرع عند الشروع في الجماع وقد تقدم شرحه مستوفي في كتاب النكاح وقوله لم يضره شيطان ابدا أي لم يضر الولد المذكور بحيث يتمكن من اضراره في بدنه أو بدته وليس المراد رفع الوسوسة من أصلها قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ربنا آتنا في الدنيا حسنة كذا ذكره بلفظ الآية وأورد الحديث من طريق

[ 162 ]

عبد العزيز بن صهيب عن أنس بلفظ كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم اللهم آتنا إلى اخر الآية وقد أورده في تفسير البقرة عن أبي معمر عن عبد الوارث بسنده هذا ولكن لفظه كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وللباقي مثله وأخرجه مسلم من طريق إسماعيل بن علية عن عبد العزيز قال سأل قتادة أنسا أي دعوة كان يدعو بها النبي صلى الله عليه وسلم أكثر قال اللهم آتنا في الدنيا حسنة إلى اخره قال وكان أنس إذا أراد ان يدعو بدعوة دعا بها وهذا الحديث سمعه شعبة من إسماعيل بن علية عن عبد العزيز عن أنس مختصرا رواه عنه يحيى بن أبي بكير قال يحيى فلقيت إسماعيل فحدثني به فذكره كما عند مسلم وأورده مسلم من طريق شعبة عن ثابت عن أنس ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة الآية وهذا مطابق للترجمة واخرج بن أبي حاتم من طريق أبي نعيم حدثنا عبد السلام أبو طالوت كنت عند أنس فقال له ثابت ان اخوانك يسألونك ان تدعو لهم فقال اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار فذكر القصة وفيها إذا أتاكم الله ذلك فقد اتاكم الخير كله قال عياض انما كان يكثر الدعاء بهذه الآية لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا والآخرة قال والحسنة عندهم ههنا النعمة فسأل نعيم الدنيا والآخرة والوقاية من العذاب نسأل الله تعالى ان يمن علينا بذلك ودوامه قلت قد اختلفت عبارات السلف في تفسير الحسنة فعن السحن قال هي العلم والعبادة في الدنيا أخرجه بن أبي حاتم بسند صحيح وعنه بسند ضعيف الرزق الطيب والعلم النافع وفي الآخرة الجنة وتفسير الحسنة في الآخرة بالجنة نقله بن أبي حاتم أيضا عن السدي ومجاهد وإسماعيل بن أبي خالد ومقاتل بن حيان وعن بن الزبير يعملون في دنياهم لدنياهم وآخرتهم وعن قتادة هي العافية في الدنيا والآخرة وعن محمد بن كعب القرظي الزوجة الصالحة من الحسنات ونحوه عن يزيد بن أبي مالك وأخرج بن المنذر من طريق سفيان الثوري قال الحسنة في الدنيا الرزق الطيب والعلم وفي الآخرة الجنة ومن طريق سالم بن عبد الله بن عمر قال الحسنة في الدنيا المنى ومن طريق السدي قال المال ونقل الثعلبي عن السدى ومقاتل حسنة الدنيا الرزق الحلال الواسع والعمل الصالح وحسنة الآخرة المغفرة والثواب وعن عطية حسنة الدنيا العلم والعمل به وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة وبسنده عن عوف قال من آتاه الله الاسلام والقرآن والاهل والمال والولد فقد آتاه في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ونقل الثعلبي عن سلف الصوفية اقوالا أخرى متغايرة اللفظ متوافقة المعنى حاصلها السلامة في الدنيا وفي الآخرة واقتصر الكشاف على ما نقله الثعلبي عن علي انها في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء وعذاب النار المرأة السوء وقال الشيخ عماد الدين بن كثير الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب دنيوي من عافية ودار رحبة وزوجة حسنة وولد بار ورزق واسع وعلم نافع وعمل صالح ومركب هنئ وثناء جميل إلى غير ذلك مما شملته عباراتهم فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا واما الحسنة في الآخرة فاعلاها دخول الجنة وتوابعه من الامن من الفزع الاكبر في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة وأما الوقاية من عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا من اجتناب المحارم وترك الشبهات قلت أو العفو محضا ومراده بقوله وتوابعه ما يلتحق به في الذكر لا ما يتبعه حقيقة قوله باب التعود من فتنة الدنيا تقدمت

[ 163 ]

هذه الترجمة ضمن ترجمة وذلك قبل اثني عشر بابا وتقدم شرح الحديث أيضا قوله باب تكرير الدعاء ذكر فيه حديث عائشة ان النبي صلى الله عليه وسلم طب بضم الطاء أي سحر وقد تقدم شرحه في اواخر كتاب الطب واخرج أبو داود والنسائي وصححه بن حبان من حديث بن مسعود ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعجبه ان يدعو ثلاثا ويستغفر ثلاثا وتقدم في الاستئذان حديث أنس كان إذا تكلم بكلمة اعادها ثلاثا قوله زاد عيسى بن يونس والليث بن سعد عن هشام عن أبيه عن عائشة قالت سحر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا ودعا وساق الحديث كذا للاكثر وسقط كل ذلك لابي زيد المروزي ورواية عيسى بن يونس تقدمت موصولة في الطب مع شرح الحديث وهو المطابق للترجمة بخلاف رواية أنس بن عياض التي أوردها في الباب فليس فيها تكرير الدعاء ووقع عند مسلم من رواية عبيد الله بن نمير عن هشام في هذا الحديث فدعا ثم دعا ثم دعا وتقدم توجيه ذلك وتقدم الكلام على طريق الليث في صفة إبليس من بدء الخلق قوله باب الدعاء على المشركين كذا اطلق هنا وقيده في الجهاد بالهزيمة والزلزلة وذكر فيه أحاديث الاول قوله وقال بن مسعود اللهم اعني عليهم بسبع كسبع يوسف وهذا طرف من حديث تقدم موصولا في كتاب الاستسقاء وتقدم شرحه هناك الثاني قوله وقال اللهم عليك بأبي جهل أي باهلاكه وسقط هذا التعليق من رواية أبي زيد وهو طرف من حديث لابن مسعود أيضا في قصة سلي الجزور التي القاها اشقى القوم على ظهر النبي صلى الله عليه وسلم وقد تقدم موصولا في الطهارة وهو رابع الاحاديث المذكورة في الترجمة التي أشرت إليها انفا في كتاب الجهاد الثالث قوله وقال بن عمر دعا النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وقال اللهم العن فلانا وفلانا حتى انزل الله عزوجل ليس لك من الامر شئ هذا أيضا طرف من حديث تقدم موصولا في غزوة أحد وفي تفسير آل عمران وتقدم شرحه وتسمية من ابهم من المدعو عليهم الحديث الرابع قوله حدثنا بن سلام هو محمد بن أبي خالد اسمه إسماعيل وابن أبي أوفى هو عبد الله قوله على الاحزاب تقدم المراد به قريبا وسريع الحساب أي سريع فيه أو المعنى ان مجئ الحساب

[ 164 ]

سريع وتقدم شرح الحديث مستوفى في باب لا تتمنوا لقاء العدوا من كتاب الجهاد الحديث الخامس حديث أبي هريرة في الدعاء في القنوت للمستضعفين من المسلمين وفيه اللهم اشدد وطأتك على مضر أي خذهم بشدة وأصلها من الوطئ بالقدم والمراد الاهلاك لان من يطأ على الشئ برجله فقد استقصى في هلاكه والمراد بمضر القبيلة المشهورة التي منها جميع بطون قيس وقريش وغيرهم وهو على حذف مضاف أي كفار مضر وقد تقدم في الجهاد انه يشرح في المغازي فلم يتهيأ ذلك فشرح في تفسير سورة النساء وقوله فيه اللهم انج سلمة بن هشام نقل بن التين عن الداودي انه قال هو عم أبي جهل قال فعلى هذا فاسم أبي جهل هشام واسم جده هشام قلت وهو خطأ من عدة أوجه فان اسم أبي جهل عمرو واسم أبيه هشام وسلمة اخوه بلا خلاف بين أهل الاخبار في ذلك فلعله كان فيه فاسم أبي أبي جهل فيستقيم لكن قوله وسلمة عم أبي جهل خطأ فيرجع الخطأ الحديث السادس حديث أنس بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية يقال لهم القراء الحديث وقد تقدم شرحه في غزوة بئر معونة من كتاب المغازي وقوله وجد من الوجد بفتح ثم سكون أي حزن الحديث السابع حديث عائشة كانت اليهود يسلمون وقد تقدم شرحه في كتاب الاستئذان الحديث الثامن حديث علي كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم الخندق الحديث وفيه ملا الله قبورهم وبيوتهم نارا وقد تقدم شرحه في تفسير سورة البقرة وأشرت إلى اختلاف العلماء في الصلاة الوسطى وبلغته إلى عشرين قولا وقد تعسف أبو الحسن بن القصار في تأويله فقال وإنما تسميه العصر وسطى يختص بذلك اليوم لانهم شغلوا عن الظهر والعصر والمغرب فكانت العصر بالنسبة إلى الثلاثة التي شغلوا عنها وسطى لا ان المراد بالوسطى تفسير ما وقع في سورة البقرة قلت وقوله في هذه الرواية وهي صلاة العصر جزم الكرماني بأنه مدرج في الخبر من قول بعض رواته وفيه نظر فقد تقدم في الجهاد من رواية عيسى بن يونس وفي المغازي من رواية روح بن عبادة وفي التفسير من راية يزيد بن هارون ومن رواية يحيى بن سعيد كلهم عن هشام ولم يقع عنده ذكر صلاة العصر عن أحد منهم الا انه وقع في المغازي إلى ان غابت الشمس وهو مشعر بأنها العصر وأخرجه مسلم من رواية أبي أسامة ومن رواية المعتمر بن سليمان ومن رواية يحيى بن سعيد ثلاثتهم عن هشام كذلك ولكن بلفظ شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر وكذا أخرجه من طريق شتير بن شكل عن علي ومن طريق مرة عن عبد الله بن مسعود مثله سواء وأصرح من ذلك ما أخرجه من حديث حذيفة مرفوعا شغلونا عن صلاة العصر وهو ظاهر في انه من نفس الحديث وقوله في السند حدثنا الانصاري يريد محمد بن عبد الله بن المثنى القاضي وهو من شيوخ البخاري ولكن ربما اخرج عنه بواسطة كالذي هنا وقوله حدثنا هشام بن حسان يرجح قول من قال في الرواية التي مضت في الجهاد من طريق عيسى بن يونس حدثنا هشام انه بن حسان وقد كنت ظننت انه الدستوائي ورددت على الاصيلي حيث جزم بأنه بن حسان ثم نقل تضعيف هشام بن حسان يروم رد الحديث فتعقبته هناك ثم وقفت على هذه الرواية فرجعت عما ظننته لكن أجيب الآن عن تضعيفه لهشام بأن هشام بن حساوان تكلم فيه بعضهم من قبل حفظه لكن لم يضعفه بذلك احد مطلقا بل بقيد بعض شيوخه واتفقوا على انه ثبت في الشيخ الذي حدث عنه بحديث الباب وهو محمد بن سيرين قال سعيد بن أبي عروبة

[ 165 ]

ما كان أحد احفظ عن بن سيرين من هشام وقال يحيى القطان هشام بن حسان ثقة في محمد بن سيرين وقال أيضا هو احب إلى في بن سيرين من عاصم الاحول وخالد الحذاء وقال علي بن المديني كان يحيى القطان يضعف حديث هشام بن حسان عن عطاء وكان أصحابنا يثبونه قال وأما حديثه عن محمد بن سيرين فصحيح وقال يحيى بن معين كان ينفي حديثه عن عطاء وعن عكرمة وعن الحسن قلت قد قال أحمد ما يكاد ينكر عليه شئ الا ووجدت غيره قد حدث به اما أيوب واما عوف وقال بن عدي أحاديثه مستقيمة ولم ار فيها شيئا منكرا انتهى وليس له في الصحيحين عن عطاء شئ وله في البخاري شئ يسير عن عكرمة وتوبع عليه والله اعلم قوله باب الدعاء للمشركين تقدمت هذه الترجمة وحديث أبي هريرة فيها في كتاب الجهاد لكن زاد بالهدى ليتألفهم وقد تقدم شرحه هناك وذكرت وجه الجمع بين الترجمتين والدعاء على المشركين والدعاء للمشركين وانه باعتبارين وحكى بن بطال ان الدعاء للمشركين ناسخ للدعاء على المشركين ودليله قوله تعالى ليس لك من الامر شئ قال والاكثر على ان لا نسخ وان الدعاء على المشركين جائز وانما النهي عن ذلك في حق من يرجى تألفهم ودخولهم في الاسلام ويحتمل في التوفيق بينهما ان الجواز حيث يكون في الدعاء ما يقتضي زجرهم عن تماديهم على الكفر والمنع حيث يقع الدعاء عليهم بالهلاك على كفرهم والتقييد بالهداية يرشد إلى ان المراد بالمغفرة في قوله في الحديث الاخر اغفر لقومي فانهم لا يعملون العفو عما جنوه عليه في نفسه لا محو ذنوبهم كلها لان ذنب الكفر لا يمحى أو المراد بقوله اغفر لهم اهدهم إلى الاسلام الذي تصح معه المغفرة أو المعنى اغفر لهم إن أسلموا والله أعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت كذا ترجم ببعض الخبر وهذا القدر منه يدخل فيه جميع ما اشتمل عليه لان جميع ما ذكر فيه لا يخلو عن أحد الامرين قوله عبد الملك بن الصباح ماله في البخاري سوى هذا الموضع وقد اورد طريق معاذ عن معاذ عن شعبة عقبه إشارة إلى انه لم ينفرد به وعكس مسلم فصدر بطريق معاذ ثم اتبعه بطريق عبد الملك هذا قال أبو حاتم الرازي عبد الملك بن الصباح صالح قلت وهي من ألفاظ التوثيق لكنها من الرتبة الاخيرة عند بن أبي حاتم وقال ان من قيل فيه ذلك يكتب حديثه للاعتبار وعلى هذا فليس عبد الملك بن الصباح من شرط اصحيح لكن اتفاق الشيخين على التخريج له يدل على انه ارفع رتبة من ذلك ولا سيما وقد تابعه معاذ بن معاذ وهو من الاثبات ووقع في الارشاد الخليلي عبد الملك بن الصباح الصنعاني عن مالك متهم بسرقة الحديث حكاه الذهبي في الميزان وقال هو المسمعي مصري صدوق خرج له صاحب الصحيح انتهى والذي يظهر لي انه غير المسمعي فإن الصنعاني اما من صنعاء اليمن أو صنعاء دمشق وهذا بصري قطعا فافترقا قوله عن أبي إسحاق هو السبيعي قوله عن بن أبي موسى هكذا جاء مبهما في رواية عبد الملك وهكذا أورده الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان والقاسم بن زكريا كلاهما عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه وأخرجه بن حبان في النوع الثاني عشر من القسم الخامس من صحيحه عن عمر بن محمد بن بشار حدثنا عبد الملك بن الصباح المسمعي فذكره وسماه معاذ عن شعبة فقال في روايته عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قوله وقال عبيد الله بن معاذ الخ أخرجه مسلم بصريح التحديث فقال حدثنا عبيد الله بن معاذ

[ 166 ]

وكذا قال الاسماعيلي حدثنا الحسن بن سفيان حدثنا عبيد الله بن معاذ به وأشار الاسماعيلي إلى ان في السند علة أخرى فقال سمعت بعض الحفاظ يقول ان أبا إسحاق لم يسمع هذا الحديث من أبي بردة وانما سمعه من سعيد بن أبي بردة عن أبيه قلت وهذا تعليل غير قادح فإن شعبة كان لا يروى عن أحد من المدلسين الا ما يتحقق انه سمعه من شيخه قوله في الطريق الثالثة إسرائيل حدثنا أبو إسحاق عن أبي بكر بن أبي موسى وأبي بردة أحسبه عن أبي موسى الاشعري لم أجد طريق إسرائيل هذه في مستخرج الاسماعيلي وضاقت على أبي نعيم فأوردها من طريق البخاري ولم يستخرجها من وجه اخر وأفاد الاسماعيلي ان شريكا وأشعث وقيس بن الربيع رووه عن أبي إسحاق عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه وقد وقعت لي طريق إسرائيل من وجه اخر أخرجها أبو محمد بن صاعد في فوائده عن محمد بن عمرو الهروي عن عبيد الله بن عبد المجيد الذي أخرجه البخاري من طريقه بسنده وقال في روايته عن أبي بكر وأبي بردة ابني أبي موسى عن أبيهما ولم يشك وقال غريب من حديث أبي بكر بن أبي موسى قلت وإسرائيل هو بن يونس بن أبي إسحاق وهو من اثبت الناس في حديث جده تنبيه حكى الكرماني ان في بعض نسخ البخاري وقال عبد الله بن معاذ بالتكبير قلت وهو خطأ محض وكذا حكى أن في بعض النسخ من طريق إسرائيل عبد الله بن عبد الحميد بتأخير الميم وهو خطأ أيضا وهذا هو أبو علي الحنفي مشهور من رجال الصحيحين قوله انه كان يدعو بهذا الدعاء لم ار في شئ من طرقه محل الدعاء بذلك وقد وقع معظم اخره في حديث بن عباس انه صلى الله عليه وسلم كان يقوله في صلاة الليل وقد تقدم بيانه قبل ووقع أيضا في حديث علي عند مسلم انه كان يقوله في اخر الصلاة واختلفت الرواية هل كان يقوله قبل السلام أو بعده ففي رواية لمسلم ثم يكون من اخر ما يقول بين التشهد والسلام اللهم اغفر لي ما قدمت وما اخرت وما اسررت وما اسرفت وما اعلنت وما أنت اعلم به مني أنت المقدم وأنت المؤخر لا اله الا أنت وفي رواية له وإذا سلم قال اللهم اغفر لي ما قدمت الخ ويجمع بينهما بحمل الرواية الثانية الى إرادة السلام لان مخرج الطريقين واحد وأورده بن حبان في صحيحه بلفظ كان إذا فرغ من الصلاة وسلم وهذا ظاهر في انه بعد السلام ويحتمل انه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده وقد وقع في حديث بن عباس نحو ذلك كما بينته عند شرحه قوله رب اغفر لي خطيئتي الخطيئة الذنب يقال خطئ يخطئ ويجوز تسهيل الهمزة فيقال خطية بالتشديد قوله وجهلي الجهل ضد العلم قوله واسرافي في أمري كله الاسراف مجاوزة الحد في كل شئ قال الكرماني يحتمل ان يتعلق بالاسراف فقط ويحتمل ان يتعلق بجميع ما ذكره قوله اغفر لي خطاياي وعمدي وقع في رواية الكشميهني في طريق إسرائيل خطئي وكذا أخرجه البخاري في الادب المفرد بالسند الذي في الصحيح وهو المناسب لذكر العمد ولكن جمهور الرواة على الاول والخطايا جمع خطيئة وعطف العمد عليها من عطف الخاص على العام فان الخطيئة أعم من ان تكون عن خطأ وعن عمد أو هو من عطف أحد العامين على الاخر قوله وجهلي وجدي وقع في مسلم اغفر لي هزلي وجدي وهو انسب والجد بكسر الجيم ضد الهزل قوله وكل ذلك عندي أي موجود أو ممكن قوله اللهم اغفر لي ما قدمت الخ تقدم سر المراد به وبيان تأويله قوله أنت المقدم وأنت المؤخر في رواية مسلم اللهم أنت المقدم الخ

[ 167 ]

قوله وأنت على كل شئ قدير في حديث على الذي أشرت إليه قبل لا اله الا أنت بدل قوله وأنت على كل شئ قدير قال الطبري بعد ان استشكل صدور هذا الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم مع قوله تعالى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ما حاصله انه صلى الله عليه وسلم امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة إذا جاء نصر الله والفتح قال وزعم قوم ان استغفاره عما يقع بطريق السهو والغفلة أو بطريق الاجتهاد مما لا يصادف ما في نفس الامر وتعقب بأنه لو كان كذلك للزم منه ان الانبياء يؤاخذون بمثل ذلك فيكونون أشد حالا من اممهم وأجيب بالتزامه قال المحاسبي الملائكة والانبياء أشد لله خوفا ممن دونهم وخوفهم خوف اجلال واعظام واستغفارهم من التقصير لا من الذنب المحقق وقال عياض يحتمل ان يكون قوله اغفر لي خطيئتي وقوله اغفر لي ما قدمت وما أخرت على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع والشكر لربه لما علم انه قد غفر له وقيل هو محمول على ما صدر من غفلة أو سهو وقيل على ما مضى قبل النبوة وقال قوم وقوع الصغيرة جائز منهم فيكون الاستغفار من ذلك وقيل هو مثل ما قال بعضهم في آية الفتح ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك أي من ذنب أبيك آدم وما تأخر أي من ذنوب أمتك وقال القرطبي في المفهم وقوع الخطيئة من الانبياء جائز لانهم مكلفون فيخافون وقوع ذلك ويتعوذون منه وقيل قاله على سبيل التواضع والخضوع لحق الربوبية ليقتدى به في ذلك تكميل نقل الكرماني تبعا لمغلطاي عن القرافي ان قول القائل في دعائه اللهم اغفر لجميع المسلمين دعاء بالمحال لان صاحب الكبيرة قد يدخل النار ودخول النار ينافي الغفران وتعقب بالمنع وان المنافي للغفران الخلود في النار واما الاخراج بالشفاعة أو العفو فهو غفران في الجملة وتعقب أيضا بالمعارضة بقول نوح عليه السلام رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمنا وللمؤمنين والمؤمنات وقول إبراهيم عليه السلام رب اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين يوم يقوم الحساب وبأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بذلك في قوله تعالى واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات والتحقيق ان السؤال بلفظ التعميم لا يستلزم طلب ذلك لكل فرد فرد بطريق التعيين فلعل مراد الفراني منع ما يشعر بذلك لا منع أصل الدعاء بذلك ثم اني لا يظهر لي مناسبة ذكر هذه المسألة في هذا الباب والله اعلم قوله باب الدعاء في الساعة التي في يوم الجمعة أي التي ترجى فيها إجابة الدعاء وقد ترجم في كتاب الجمعة باب الساعة التي في يوم الجمعة ولم يذكر في البابين شيئا يشعر بتعيينها وقد اختلف في ذلك كثيرا واقتصر الخطابي منها على وجهين أحدهما انها ساعة الصلاة والآخر انها ساعة من النهار عند دنو الشمس للغروب وتقدم سياق الحديث في كتاب الجمعة من طريق الاعرج عن أبي هريرة بلفظ فيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو قائم يصلي يسأل الله شيئا الا أعطاه إياه وأشار بيده يقللها وقد ذكرت شرحه هناك واستوعبت الخلاف الوارد في الساعة المذكور فزاد على الاربعين قولا واتفق لي نظير ذلك في ليلة القدر وقد ظفرت بحديث يظهر منه وجه المناسبة بينهما في العدد المذكور وهو ما أخرجه أحمد وصححه بن خزيمة من طريق سعيد بن الحارث عن أبي سلمة قال قلت يا أبا سعيد ان أبا هريرة حدثنا عن الساعة التي في الجمعة فقال سألت عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقال اني كنت اعلمتها ثم انسيتها كما انسيت ليلة القدر وفي هذا الحديث إشارة إلى ان كل رواية جاء فيها تعيين وقت

[ 168 ]

الساعة المذكورة مرفوعا وهم والله اعلم قوله يسأل الله خيرا يقيد قوله في رواية الاعرج شيئا وان الفضل المذكور لمن يسأل الخير فيخرج الشر مثل الدعاء بالاثم وقطيعة الرحم ونحو ذلك وقوله وقال بيده فيه إطلاق القول على الفعل وقد وقع في رواية الاعرج وأشار بيده قوله قلنا يقللها يزهدها يحتمل ان يكون قوله يزهدها وقع تأكيدا لقوله يقللها والى ذلك أشار الخطابي ويحتمل ان يكون قال أحد اللفظين فجمعهما الراوي ثم وجدته عند الاسماعيلي من رواية أبي خيثمة زهير بن حرب يقللها ويزهدها فجمع بينهما وهو عطف تأكيد وقد أخرجه مسلم عن زهير بن حرب عن إسماعيل شيخ مسدد فيه فلم يقع عنده قلنا ولفظه وقال بيده يقللها يزهدها وأخرجه أبو عوانة عن الزعفراني عن إسماعيل بلفظ وقال بيده هكذا فقلنا يزهدها أو يقللها وهذه أوضح الروايات والله اعلم قوله باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يستجاب لنا في اليهود ولا يستجاب لهم فينا أي لانا ندعو عليهم بالحق وهم يدعون علينا بالظلم ذكر فيه حديث عائشة في قول اليهود السام عليكم وفي قولها لهم السام عليكم واللعنة وفي اخره رددت عليهم فيستجاب لي فيهم ولا يستجاب لهم في ولمسلم من حديث جابر وانا تجاب عليهم ولا يجابون علينا ولاحمد من طريق محمد بن الاشعث عن عائشة في نحو حديث الباب فقال مه ان الله لا يحب الفحش ولا التفحش قالوا قولا فرددناه عليهم فلم يضرنا شئ ولزمهم إلى يوم القيامة وقد تقدم شرحه في كتاب الاستئذان وفيه بيان الاختلاف في المراد بذلك ويستفاد منه ان الداعي إذا كان ظالما على من دعا عليه لا يستجاب دعاؤه ويؤيده قوله تعالى وما دعاء الكافرين الا في ضلال وقوله هنا وإياك والعنف بضم العين ويجوز كسرها وفتحها وهو ضد الرفق بسم الله الرحمن الرحيم قوله باب التأمين يعني قول آمين عقب الدعاء ذكر فيه حديث أبي هريرة إذا امن القارئ فأمنوا وقد تقدم شرحه في كتاب الصلاة والمراد بالقارئ هنا الامام إذا قرأ في الصلاة ويحتمل ان يكون المراد بالقارئ أعم من ذلك وورد في التأمين مطلقا أحاديث منها حديث عائشة مرفوعا ما حسدتكم اليهود على شئ ما حسدتكم على السلام والتأمين رواه بن ماجة وصححه بن خزيمة وأخرجه بن ماجة أيضا من حديث بن عباس بلفظ ما حسدتكم على آمين فاكثروا من قول آمين واخرج الحاكم عن حبيب بن مسلمة الفهري سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يجتمع ملا فيدعو بعضهم ويؤمن بعضهم الا اجابهم الله تعالى ولابي داود من حديث أبي زهير النميري قال وقف النبي صلى الله عليه وسلم على رجل قد الح في الدعاء فقال أوجب ان ختم فقال بأي شئ قال بآمين فاتاه الرجل فقال يا فلان اختم بآمين وأبشر وكان أبو زهير يقول امين مثل الطاب على الصحيفة وقد ذكرت في باب جهر الامام بالتأمين في كتاب الصلاة ما في آمين من اللغات واختلاف في معناها فاغنى عن الاعادة الله تعالى قوله باب فضل التهليل أي قول لا إله إلا الله وسيأتي بعد باب شئ مما يتعلق بذلك قوله عن مالك عن سمي بمهملة مصغر وفي رواية أبي بكر بن أبي شيبة في مسنده عن زيد بن الحباب عن مالك حدثني سمى مولى أبي بكر أخرجه بن ماجة وفي رواية عبد الله بن سعيد عن أبي هند عن سمي مولى أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث قوله عن أبي صالح هو السمان قوله عن أبي هريرة في رواية عبد الله بن سعيد انه سمع أبا هريرة قوله من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير

[ 169 ]

هكذا في أكثر الروايات وورد في بعضها زيادة يحيى ويميت وفي أخرى زيادة بيده الخير وسأذكر من زاد ذلك قوله مائة مرة في رواية عبد الله بن يوسف عن مالك الماضية في بدء الخلق في يوم مائة مرة وفي رواية عبد الله بن سعيد إذا أصبح ومثله في حديث أبي امامة عند جعفر الفريابي في الذكر ووقع في حديث أبي ذر تقييده بأن ذلك في دبر صلاة الفجر قبل ان يتكلم لكن قال عشر مرات وفي سندهما شهر بن حوشب وقد اختلف عليه وفيه مقال قوله كانت له في رواية الكشميهني من طريق عبد الله بن يوسف الماضية كان بالتذكر أي القول المذكور قوله عدل فتح العين قال الفراء العدل بالفتح ما عدل الشئ من غير جنسه وبالكسر المثل قوله عشر رقاب في رواية عبد الله بن سعيد عدل رقبة ويوافقه رواية مالك حديث البراء بلفظ من قال لا إله إلا الله وفي اخره عشر مرات كن له عدل رقبة أخرجه النسائي وصححه بن حبان والحاكم ونظيره في حديث أبي أيوب الذي في الباب كما سيأتي التنبيه عليه واخرج جعفر الفريابي في الذكر من طريق الزهري أخبرني عكرمة بن محمد الدؤلي ان أبا هريرة قال من قالها فله عدل رقبة ولا تعجزوا ان تستكثروا من الرقاب ومثله رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه لكنه خالف في صحابيه فقال عن أبي عياش الزرقي أخرجه النسائي قوله وكتبت في رواية الكشميهني وكتب بالتذكير قوله وكانت له حرزا من الشيطان في رواية عبد الله بن سعيد وحفظ يومه حتى يمسي وزاد ومن قال مثل ذلك حين يمسي كان له مثل ذلك ومثل ذلك في طرق أخرى يأتي التنبيه عليها بعد قوله ولم يأت أحد بأفضل مما جاء كذا هنا وفي رواية عبد الله بن يوسف مما جاء به قوله الا رجل عمل أكثر منه في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده لم يجئ أحد بأفضل من عمله الا من قال أفضل من ذلك أخرجه النسائي بسند صحيح إلى عمرو والاستثناء في قوله الا رجل منقطع والتقدير لكن رجل قال أكثر مما قاله فإنه يزيد عليه ويجوز ان يكون الاستثناء متصلا قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو المسندي وعبد الملك بن عمرو هو أبو عامر العقدي بفتح المهملة والقاف مشهور بكنيته أكثر من اسمه وعمر بن أبي زائدة اسم أبيه خالد وقيل ميسرة وهو أخو زكريا بن أبي زائدة وزكريا أكثر حديثا منه وأشهر قوله عن أبي إسحاق هو السبيعي تابعي صغير وعمرو بن ميمون هو الاودي تابعي كبير مخضرم أدرك الجاهلية قوله من قال عشرا كان كمن اعتق رقبة من ولد إسماعيل هكذا ذكره البخاري مختصرا وساقه مسلم عن سليمان بن عبيد الله الغيلاني والاسماعيلي من طريق علي بن مسلم قالا حدثنا أبو عامر بالسند المذكور ولفظه من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير عشر مرات كان كمن اعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وهكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق روح بن عبادة ومن طريق عمرو بن عاصم فرقهما قالا حدثنا عمر بن أبي زائدة فذكر مثله سواء قوله قال عمر كذا لابي ذر غير منسوب ولغيره عمر بن أبي زائدة وهو الراوي المذكور في أول السند قوله وحدثنا عبد الله بن أبي السفر بفتح المهملة والفاء وسكن بعض المغاربة الفاء وهو خطأ وهو معطوف على قوله عن أبي إسحاق وقد أوضح ذلك مسلم والاسماعيلي في روايتهما المذكورة فأعاد مسلم السند من أوله إلى عمر بن أبي زائدة قال حدثنا عبد الله بن أبي السفر فذكره وكذا وقع عند أحمد عن روح بن عبادة وعند أبي عوانة من روايته واقتصر على الموصول

[ 170 ]

في رواية عمرو بن عاصم المذكور عن الشعبي عن الربيع بن خثيم بمعجمة ومثلثة مصغر قوله مثله أي مثل رواية أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون الموقوفة وحاصل ذلك ان عمر بن أبي زائدة اسنده عن شيخين أحدهما عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون موقوفا والثاني عن عبد الله بن أبي السفر عن الشعبي عن الربيع عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب مرفوعا تنبيه وقع قوله قال عمرو حدثنا عبد الله بن أبي السفر الخ مؤخرا في رواية أبي ذر عن التعاليق عن موسى وعن إسماعيل وعن ادم وعن الاعمش وحصين وقدم هذه التعاليق كلها على الطريق الثانية لعمر بن أبي زائدة فصار ذلك مشكلا لا يظهر منه وجه الصواب ووقع قوله وقال عمر بن أبي زائدة مقدما معقبا بروايته عن أبي إسحاق عند غير أبي ذر في جميع الروايات عن الفريري وكذا في رواية إبراهيم بن معقل النسفي عن البخاري وهو الصواب ويؤيد ذلك رواية الاسماعيلي ورواية أبي عوانة المذكورتان قوله وقال إبراهيم بن يوسف عن أبيه هو بن أبي إسحاق السبيعي عن أبي إسحاق هو جد إبراهيم بن يوسف قوله حدثني عمرو بن ميمون الخ أفادت هذه الرواية التصريح بتحديث عمرو لابي إسحاق وافادت زيادة ذكر عبد الرحمن بن أبي ليلى وأبي أيوب في السند قوله وقال موسى حدثنا وهيب الخ مرفوعا وصله أبو بكر بن أبي خيثمة في ترجمة الربيع بن خثيم من تاريخه فقال حدثنا موسى بن إسماعيل حدثنا وهيب بن خالد عن داود بن أبي هند عن عامر الشعبي فذكره ولفظه كان له من الاجر مثل من اعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل وقد أخرجه جعفر في الذكر من رواية خالد الطحان عن داود بن أبي هند بسنده لكن لفظه كان له عدل رقبة أو عشر رقاب ثم أخرجه من طريق عبد الوهاب بن عبد المجيد عن داود قال مثله ومن طريق محمد بن أبي عدي ويزيد بن هارون كلاهما عن داود نحوه وأخرجه النسائي من رواية يزيد وهو عند أحمد عن يزيد بلفظ كن له كعدل عشر رقاب وأخرجه الاسماعيلي من طريق خلف بن راشد قال وكان ثقة صاحب سنة عن داود بن أبي هند مثله وزاد في اخره قال قلت من حدثك قال عبد الرحمن قلت لعبد الرحمن من حدثك قال أبو أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر فيه الربيع بن خثيم ورواية وهيب تؤيد رواية عمر بن أبي زائدة وان كان اختصر القصة فإنه وافقه في رفعه وفي كون الشعبي رواه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن أبي أيوب قوله وقال إسماعيل عن الشعبي عن الربيع بن خثيم قوله إسماعيل أهو بن أبي خالد واقتصار البخاري على هذا القدر يوهم انه خالف داود في وصله وليس كذلك وانما أراد انه جاء في هذه الطريق عن الربيع من قوله ثم لما سئل عنه وصله وليس كذلك وقد وقع لنا ذلك واضحا في زيادات الزهد لابن المبارك ورواية الحسين بن الحسين المروزي قال الحسين حدثنا المعتمر بن سليمان سمعت إسماعيل بن أبي خالد يحدث عن عامر هو الشعبي سمعت الربيع بن خثيم يقول من قال لا إله إلا الله فذكره بلفظ فهو عدل أربع رقاب فقلت عمن ترويه فقال عن عمرو بن ميمون فلقيت عمرا فقلت عمن ترويه فقال عن عبد الرحمن بن أبي ليلى فلقيت عبد الرحمن فقلت عمن ترويه فقال عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم وكذا أخرجه جعفر في الذكر من رواية خالد الطحان عن إسماعيل بن أبي خالد عن عامر قال قال الربيع بن خثيم أخبرت انه من قال فذكره وزاد بعد قوله أربع رقاب يعتقها قلت عمن تروي هذا فذكر مثله لكن ليس

[ 171 ]

فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ومن طريق عبدة بن سليمان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي سمعت الربيع بن خثيم يقول من قال فذكره دون قوله يعتقها فقلت له عمن تروي هذا فذكره وكذا أخرجه النسائي عن رواية يعلى بن عبيد عن إسماعيل مثله سواء وذكر الدارقطني ان بن عيينة ويزيد بن عطاء ومحمد بن إسحاق ويحيى بن سعيد الاموي رووه عن الربيع بن خثيم كما قال يعلى بن عبيد وان علي بن عاصم رفعه عن إسماعيل وأخرجه الاسماعيلي من طريق محمد بن إسحاق عن إسماعيل عن جابر سمعت الربيع بن خثيم يقول فذكره قال قلت فمن أخبرك قال عمرو بن ميمون قال فلقيت عمرا فقلت ان الربيع روى لي عنك كذا وكذا أفأنت أخبرته قال نعم قلت من أخبرك قال عبد الرحمن فذكر ذلك الخ قوله وقال ادم حدثنا شعبة الخ هكذا للاكثر ووقع عند الدارقطني ان البخاري قال فيه حدثنا آدم وكذا رويناه في نسخة ادم بن أبي إياس عن شعبة رواية القلانسي عنه وكذا أخرجه النسائي من رواية محمد بن جعفر والاسماعيلي من رواية معاذ بن معاذ كلاهما عن شعبة بسنده المذكور وساقا المتن ولفظهما عن عبد الله هو بن مسعود قال لان أقول لا إله إلا الله وحده لا شريك له الحديث وفيه احب الي من ان اعتق أربع رقاب وأخرجه النسائي من طريق منصور بن المعتمر عن هلال بن يساف عن الربيع وحده عن عبد الله بن مسعود قال من قال فذكر مثله لكن زاد بيده الخير وقال في اخره كان له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل قوله وقال الاعمش وحصين عن هلال عن الربيع عن عبد الله قوله اما رواية الاعمش فوصلها النسائي من طريق وكيع عنه ولفظه عن عبد الله بن مسعود قال من قال اشهد ان لا إله إلا الله وقال فيه كان له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل واما رواية حصين وهو بن عبد الرحمن فوصلها محمد بن فضيل في كتاب الدعاء له حدثنا حصين بن عبد الرحمن فذكره ولفظه قال عبد الله من قال أول النهار لا إله إلا الله فذكره بلفظ كن له كعدل أربع محررين من ولد إسماعيل قال فذكرته لابراهيم يعني النخعي فزاد فيه بيده الخير وهكذا أخرجه النسائي من طريق محمد بن فضيل ورويناها بعلو في فوائد أبي جعفر بن البختري من طريق علي بن عاصم عن حصين ولفظه عن هلال قال ما قعد الربيع بن خثيم الا كان اخر قوله قال بن مسعود فذكره وهكذا رواه منصور بن المعتمر عن هلال وقال في اخره كان له عدل أربع رقاب من ولد إسماعيل وزاد فيه بيده الخير ولم يفصل كما فصل حصين أخرجه النسائي من رواية يحيى بن يعلى عن منصور وأخرجه النسائي أيضا من رواية زائدة عن منصور عن هلال عن الربيع عن عمرو بن ميمون عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن امرأة عن أبي أيوب قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من قال لا إله إلا الله مثل الاول وزاد عشر مرات كن عدل نسمة وهذه الطريق لا تقدح في الاسناد الاول لان عبد الرحمن صرح بأنه سمعه من أبي أيوب كما في رواية الاصيلي وغيره فلعله كان سمعه من المرأة عنه ثم لقيه فحدثه به أو سمعه منه ثم ثبتته فيه المرأة قوله ورواه أبو محمد الحضرمي عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم كذا لابي ذر ووافقه النسفي ولغيرهما وقال أبو محمد الخ وأبو محمد لا يعرف اسمه كما قال الحاكم أبو أحمد وكان يخدم أبا أيوب وذكر المزي انه افلح مولى أبي أيوب وتعقب بأنه مشهور باسمه مختلف في كنيته وقال الدارقطني لا يعرف أبو محمد الا في هذا الحديث وليس لابي محمد الحضرمي في الصحيح الا هذا الموضع وقد وصله

[ 172 ]

الامام أحمد والطبراني من طريق سعيد بن إياس الحريري عن أبي الورد وهو بفتح الواو وسكون الراء واسمه ثمامة بن حزن بفتح المهملة وسكون الزاي بعدها نون القشيري عن أبي محمد الحضرمي عن أبي أيوب الانصاري قال لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة نزل علي فقال لي يا أبا أيوب الا أعلمك قلت بلى يا رسول الله قال ما من عبد يقول إذا أصبح لا إله إلا الله فذكره الا كتب الله له بها عشر حسنات ومحا عنه عشر سيئات والا كن له عند الله عدل عشر رقاب محررين والا كان في جنة من الشيطان حتى يمسي ولا قالها حين يمسي الا كان كذلك قال فقلت لابي محمد أنت سمعتها من أبي أيوب قال والله لقد سمعتها من أبي أيوب وروى أحمد أيضا من طريق عبد الله بن يعيش عن أبي أيوب رفعه من قال إذا صلى الصبح لا إله إلا الله فذكره بلفظ عشر مرات كن كعدل أربع رقاب وكتب له بهن عشر حسنات ومحى عنه بهن عشر سيئات ورفع له بهن عشر درجات وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي وإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك وسنده حسن وأخرجه جعفر في الذكر من طريق أبي رهم السمعي بفتح المهملة والميم عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال من قال حين يصبح فذكر مثله لكن زاد يحيي ويميت وقال فيه كعدل عشر رقاب وكان له مسلحة من أول نهاره إلى اخره ولم يعمل عملا يومئذ يقهرهن وان قالهن حين يمسي فمثل ذلك وأخرجه أيضا من طريق القاسم بن عبد الرحمن عن أبي أيوب بلفظ من قال غدوة فذكر نحوه وقال في اخره واجاره الله يومه من النار ومن قالها عشية كان له مثل ذلك قوله قال أبو عبد الله هو البخاري والصحيح قول عمرو كذا وقع في رواية أبي ذر عن المستملي وحده ووقع عنده عمرو بفتح العين ونبه على ان الصواب عمر بضم العين وهو كما قال ووقع عند أبي زيد المروزي في روايته الصحيح قول عبد الملك بن عمرو وقال الدارقطني الحديث حديث بن أبي السفر عن الشعبي وهو الذي ضبط الاسناد ومراد البخاري ترجيح رواية عمر بن أبي زائدة عن أبي إسحاق على رواية غيره عنه وقد ذكر هو ممن رواه عن أبي إسحاق حفيده إبراهيم بن يوسف كما بينته ورواه عن أبي إسحاق أيضا حفيده الاخر إسرائيل بن يونس أخرجه جعفر في الذكر من طريقه عن أبي إسحاق فزاد في روايته بين عمرو وعبد الرحمن الربيع بن خثيم ووقفه أيضا ولفظه عنده كان له من الاجر مثل من اعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ورواه عن أبي إسحاق أيضا زهير بن معاوية كذلك أخرجه النسائي من طريقه لكن قال كان أعظم اجرا وأفضل والباقي مثل إسرائيل وأخرجه أيضا من رواية زيد بن أبي انيسة عن أبي إسحاق لكن لم يذكر عبد الرحمن بين الربيع وأبي أيوب وأخرجه جعفر في الذكر من طريق أبي الاحوص عن أبي إسحاق فقال عن عمرو بن ميمون حدثنا من سمع أبا أيوب فذكر مثل لفظ زهير بن معاوية واختلاف هذه الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها فالاكثر على ذكر أربعة ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة يذكر عشرة لقولها مائة فيكون مقابل كل عشر مرات رقبة من قبل المضاعفة فيكون لكل مرة بالمضاعفة رقبة وهي مع ذلك لمطلق الرقاب ومع وصف كون الرقبة من بني إسماعيل يكون مقابل العشرة من غيرهم أربعة منهم لانهم اشرف من غيرهم من العرب فضلا عن العجم واما ذكر رقبة بالافراد في حديث أبي أيوب فشاذ والمحفوظ أربعة كما بينته وجمع للقرطبي في المفهم بين الاختلاف على اختلاف أحوال الذاكرين فقال انما يحصل الثواب

[ 173 ]

الجسيم لمن قام بحق هذه الكلمات فاستحضر معانيها بقلبه وتأملها بفهمه ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين كان ثوابهم بحسب ذلك وعلى هذا ينزل اختلاف مقادير الثواب في الاحاديث فان في بعضها ثوابا معينا وتجد ذلك الذكر بعينه في رواية أخرى أكثر أو أقل كما اتفق في حديث أبي هريرة وأبي أيوب قلت إذا تعددت مخارج الحديث فلا بأس بهذا الجمع وإذا اتحدث فلا وقد يتعين الجمع الذي قدمته ويحتمل فيما إذا تعددت أيضا أن يختلف المقدار بالزمان كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلا وعدم التقيد إن لم يجعل المطلق في ذلك على المقيد ويستفاد منه جواز استرقاق العرب خلافا لمن منع ذلك قال عياض ذكر هذا العدد من المائة دليل على انها غاية للثواب المذكور واما قوله الا أحد عمل أكثر من ذلك فيحتمل ان تراد الزيادة على هذا العدد فيكون لقائله من الفضل يحسابه لئلا يظن انها من الحدود التي نهى عن اعتدائها وانه لافضل في الزيادة عليها كما في ركعات السنن المحدودة واعداد الطهارة ويحتمل ان تراد الزيادة من غير هذا الجنس من الذكر أو غيره الا ان يزيد أحد عملا اخر من الاعمال الصالحة وقال النووي يحتمل ان يكون المراد مطلق الزيادة سواء كانت من التهليل أو غيره وهو الاظهر يشير إلى ان ذلك يختص بالذكر ويؤيده ما تقدم ان عند النسائي من رواية عمرو بن شعيب الا من قال أفضل من ذلك قال وظاهر إطلاق الحديث ان الاجر يحصل لمن قال هذا التهليل في اليوم متواليا أو متفرقا في مجلس أو مجالس في أول النهار أو اخره لكن الافضل ان يأتي به أول النهار متواليا ليكون له حرزا في جميع نهاره وكذا في أول الليل ليكون له حرزا في جميع ليله تنبيه أكمل ما ورد من ألفاظ هذا الذكر في حديث بن عمر عن عمر رفعه من قال حسين يدخل السوق لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيى ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شئ قدير الحديث أخرجه الترمذي وغيره وهذا لفظ جعفر في الذكر وفي سنده لين وقد ورد جميعه في حديث الباب على ما اوضحته مفرقا الا قوله وهو حي لا يموت قوله باب فضل التسبيح يعني قول سبحان الله ومعناه تنزيه الله عما لا يليق به من كل نقص فيلزم نفي الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل ويطلق التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر ويطلق ويراد به صلاة النافلة واما صلاة التسبيح فسميت بذلك لكثرة التسبيح فيها وسبحان اسم منصوب على انه واقع موقع المصدر لفعل محذوف تقديره سبحت الله سبحانا كسبحت الله تسبيحا ولا يستعمل غالبا الا مضافا وهو مضاف إلى المفعول أي سبحت الله ويجوز ان يكون مضافا إلى الفاعل أي نزه الله نفسه والمشهور الاول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله سبحانه ثم سبحانا انزهه قوله من قال سبحان الله وبحمده في يوم مائة مرة حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر زاد في رواية سهيل بن أبي صالح عن سمي عن أبي صالح من قال حين يمسي وحين يصبح ويأتي في ذلك ما ذكره النووي من ان الافضل ان يقول ذلك متواليا في أول النهار وفي أول الليل والمراد بقوله وان كانت مثل زبد البحر الكناية عن المبالغة في الكثرة قال عياض قوله حطت خطاياه وان كانت مثل زبد البحر مع قوله في التهليل محيت عنه مائة سيئة قد يشعر بأفضلية التسبيح على التهليل يعني لان عدد زبد البحر اضعاف اضعاف المائة لكن تقدم في التهليل ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به فيحتمل ان يجمع بينهما بأن يكون التهليل أفضل وانه بما زيد من رفع الدرجات

[ 174 ]

وكتب الحسنات تم ما جعل مع ذلك من فضل عتق الرقاب قد يزيد على فضل التسبيح وتكفيره جميع الخطايا لانه قد جاء من اعتق رقبة اعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار فحصل بهذا العتق تكفير جميع الخطايا عموما بعد حصر ما عدد منها خصوصا مع زيادة مائة درجة وما زاده عتق الرقاب الزيادة على الواحدة ويؤيده الحديث الاخر أفضل الذكر التهليل وانه أفضل ما قاله والنبيون من قبله وهو كلمة التوحيد والاخلاص وقيل انه اسم الله الاعظم وقد مضى شرح التسبيح وانه التنزيه عما لا يليق بالله تعالى وجميع ذلك داخل في ضمن لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شئ قدير انتهى ملخصا قلت وحديث أفضل الذكر لا إله إلا الله أخرجه الترمذي والنسائي وصححه بن حبان والحاكم من حديث جابر ويعارضه في الظاهر حديث أبي ذر قلت يا رسول الله أخبرني بأحب الكلام إلى الله قال ان احب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده أخرجه مسلم وفي رواية سئل أي الكلام أفضل قال ما اصطفاه الله لملائكته سبحان الله وبحمده وقال الطيبي في الكلام على حديث أبي ذر فيه تلميح بقوله تعالى حكاية عن الملائكة ونحن نسبح بحمد ك ونقدس لك ويمكن ان يكون قوله سبحان الله وبحمده مختصرا من الكلمات الاربع وهي سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر لان سبحان الله تنزيه له عما لا يليق بجلاله وتقديس لصفاته من النقائص فيندرج فيه معنى لا إله إلا الله وقوله وبحمده صريح في معنى والحمد لله لان الاضافة فيه بمعنى اللام في الحمد ويستلزم ذلك معنى الله أكبر لانه إذا كان كل الفضل والافضال لله ومن الله وليس من غيره شئ من ذلك فلا يكون أحد أكبر منه ومع ذلك كله فلا يلزم ان يكون التسبح أفضل من التهليل لان التهليل صريح في التوحيد والتسبيح متضمن له ولان نفي الالهة في قول لا اله نفي لمضمنها من فعل الخلق والرزق والاثابة والعقوبة وقول الا الله اثبات لذلك ويلزم منه نفي ما يضاده ويخالفه من النقائص فمنطوق سبحان الله تنزيه ومفهومه توحيد ومنطوق لا إله إلا الله توحيد ومفهومه تنزيه يعني فيكون لا إله إلا الله أفضل لان التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه والله اعلم وقد جمع القرطبي بما حاصله ان هذه الاذكار إذا اطلق على بعضها انه أفضل الكلام أو احبه إلى الله فالمراد إذا انضمت إلى اخواتها بدليل حديث سمرة عند مسلم احب الكلام إلى الله أربع لا يضرك بأيهن بدأت سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر ويحتمل ان يكتفي في ذلك بالمعنى فيكون من اقتصر على بعضها كفى لان حاصلها التعظيم والتنزيه ومن نزهه فقد عظمه ومن عظمه فقد نزهه انتهى وقال النووي هذا الاطلاق في الافضلية محمول على كلام الادمي والا فالقرآن أفضل الذكر وقال البيضاوي الظاهر ان المراد من الكلام كلام البشر فان للثلاث الاول وان وجدت في القرآن لكن الرابعة لم توجد فيه ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه قلت ويحتمل ان يجمع بأن تكون من مضمرة في قوله أفضل الذكر لا إله إلا الله وفي قوله احب الكلام بناء على ان لفظ أفضل وأحب متساويان في المعنى لكن يظهر مع ذلك تفضيل لا إله إلا الله لانها ذكرت بالتنصيص عليها بالافضلية الصريحة وذكرت مع اخواتها بالاحبية فحصل لها التفضيل تنصيصا وانضماما والله اعلم واخرج الطبري من رواية عبد الله بن باباه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال ان الرجل إذا قال لا إله إلا الله فهي كلمة الاخلاص التي لا يقبل الله عملا حتى يقولها وإذا

[ 175 ]

قال الحمد لله فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله عبد حتى يقولها ومن طريق الاعمش عن مجاهد عن بن عباس قال من قال لا إله إلا الله فليقل على اثرها الحمد لله رب العالمين تكميل اخرج النسائي بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال موسى يا رب علمني شيئا اذكرك به قال قل لا إله إلا الله الحديث وفيه لو ان السماوات السبع وعامرهن والارضين السبع جعلن في كفة ولا اله الا الله في كفة لمالت بهن لا إله إلا الله فيؤخذ منه ان الذكر بلا اله الا الله أرجح من الذكر بالحمد لله ولا يعارضه حديث أبي مالك الاشعري رفعه والحمد لله تملا الميزان فان الملء يدل على المساواة والرجحان صريح في الزيادة فيكون أولى ومعنى ملء الميزان ان ذاكرها يمتلئ ميزانه ثوابا وذكر بن بطال عن بعض العلماء ان الفضل الوارد في حديث الباب وما شابهه انما هو لاهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام وليس من اصر على شهواته وانتهك دين الله وحرماته بلا حق بالافاضل المطهرين في ذلك ويشهد له قوله تعالى أم حسب الذين اجترحوا السيآت ان نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون قوله حدثنا بن فضيل هو محمد وأبوه بالفاء والمعجمة مصغر وعمارة هو بن القعقاع بن شبرمة وأبو زرعة هو بن عمرو بن جرير ورجال الاسناد ما بين زهير بن حرب وأبي هريرة كوفيون قوله خفيفتان على اللسان الخ قال الطيبي الخفة مستعارة للسهولة شبه سهولة جريان هذا الكلام على اللسان بما يخف على الحامل من بعض المحمولات فلا يشق عليه فذكر المشبه وأراد المشبه به واما الثقل فعلى حقيقته لان الاعمال تتجسم عند الميزان والخفة والسهولة من الامور النسبية وفي الحديث حث على المواظبة على هذا الذكر وتحريض على ملازمته لان جميع التكاليف شاقة على النفس وهذا سهل ومع ذلك يثقل في الميزان كما تثقل الافعال الشاقة فلا ينبغي التفريط فيه وقوله حبيبتان إلى الرحمن تثنية حبيبة وهي المحبوة والمراد ان قائلها محبوب لله ومحبة الله للعبد إرادة إيصال الخير له والتكريم وخص الرحمن من الاسماء الحسنى للتنبيه على سعة رحمة الله حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل ولما فيها من التنزيه والتحميد والتعظيم وفي الحديث جواز السجع في الدعاء إذا وقع بغير كلفة وسيأتي بقية شرح هذا الحديث في اخر الصحيح حيث ختم به المصنف ان شاء الله تعالى قوله باب فضل ذكر الله عزوجل ذكر فيه حديثي أبي موسى وأبي هريرة وهما ظاهران فيما ترجم له والمراد بالذكر هنا الاتيان بالالفاظ التي ورد الترغيب في قولها والاكثار منها مثل الباقيات الصالحات وهي سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر وما يلتحق بها من الحوقلة والبسملة والحسبلة والاستغفار ونحو ذلك والدعاء بخيري الدنيا والآخرة ويطلق ذكر الله أيضا ويراد به المواظبة على العمل بما اوجبه أو ندب إليه كتلاوة القرآن وقراءة الحديث ومدارسة العلم والتنفل بالصلاة ثم الذكر يقع تارة باللسان ويؤجر عليه الناطق ولا يشترط استحضاره لمعناه ولكن يشترط ان لا يقصد به غير معناه وان انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل فان انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه ازداد كمالا فان وقع ذلك في عمل صالح مهما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا فإن صحح التوجه وأخلص لله تعالى في ذلك فهو ابلغ الكمال وقال الفخر الرازي المراد بذكر اللسان الالفاظ الدالة على التسبيح

[ 176 ]

والتحميد والتمجيد والذكر بالقلب التفكر في أدلة الذات والصفات وفي أدلة التكاليف من الامر والنهي حتى يطلع على احكامها وفي أسرار مخلوقات الله والذكر بالجوارح هو ان تصير مستغرقة في الطاعات ومن ثم سمى الله الصلاة ذكرا فقال فاسعوا إلى ذكر الله ونقل عن بعض العارفين قال الذكر على سبعة انحاء فذكر العينين بالبكاء وذكر الاذنين بالاصغاء وذكر اللسان بالثناء وذكر اليدين بالعطاء وذكر البدن بالوفاء وذكر القلب بالخوف والرجاء وذكر الروح بالتسليم والرضاء وورد في فضل الذكر أحاديث أخرى منها ما أخرجه المصنف في اواخر كتاب التوحيد عن أبي هريرة قال النبي صلى الله عليه وسلم يقول الله تعالى انا عند ظن عبدي بي وانا معه إذا ذكرني فان ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي الحديث ومنها ما أخرجه في صلاة الليل من حديث أبي هريرة أيضا رفعه يعقد الشيطان الحديث وفيه فان قام فذكر الله انحلت عقدة ومنها ما أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا لا يقعد قوم يذكرون الله تعالى الا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة الحديث ومن حديث أبي ذر رفعه احب الكلام إلى الله ما اصطفى لملائكته سبحان ربي وبحمده الحديث ومن حديث معاوية رفعه انه قال لجماعة جلسوا يذكرون الله تعالى أتاني جبريل فأخبرني ان الله يباهي بكم الملائكة ومن حديث سمرة رفعه احب الكلام إلى الله أربع لا إله إلا الله والله أكبر وسبحان الله والحمد لله لا يضرك بأيهن بدأت ومن حديث أبي هريرة رفعه لان أقول سبحان الله والحمد لله ولا اله الا الله والله أكبر احب الي مما طلعت عليه الشمس واخرج الترمذي والنسائي وصححه الحاكم عن الحارث بن الحارث الاشعري في حديث طويل وفيه فآمركم ان تذكروا الله وان مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في اثره شراعا حتى إذا اتى على حصن حصين احرز نفسه منهم فكذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله تعالى وعن عبد الله بن بسر ان رجلا قال يا رسول الله ان شرائع الاسلام قد كثرت علي فأخبرني بشئ تشبث به قال لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله أخرجه الترمذي وابن ماجة وصححه بن حبان والحاكم واخرج بن حبان نحوه أيضا من حديث معاذ بن جبل وفيه انه السائل عن ذلك واخرج الترمذي من حديث أنس رفعه إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا وما رياض الجنة قال حلق الذكر واخرج الترمذي وابن ماجة وصححه الحاكم من حديث أبي الدرداء مرفوعا الا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم من ان تلقوا عدوكم فتضربوا اعناقهم ويضربوا اعناقكم قالوا بلا قال ذكر الله عزوجل وقد أشرت إليه مستشكلا في أوائل الجهاد مع ما ورد في فضل المجاهد انه كالصائم لا يفطر وكالقائم لا يفتر وغير ذلك مما يدل على افضليته على غيره من الاعمال الصالحة وطريق الجمع والله اعلم ان المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى واستحضار عظمة الله تعالى وان الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلا من غير استحضار لذلك وان أفضلية الجهاد انما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد فمن اتفق له انه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله الكفار مثلا فهو الذي بلغ الغاية القصوى والعلم عند الله تعالى وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي بأنه ما من

[ 177 ]

عمل صالح الا والذكر مشترط في تصحيحه فمن لم يذكر الله بقلبه عند صدقته أو صيامه مثلا فليس عمله كاملا فصار الذكر أفضل الاعمال من هذه الحيثية ويشير إلى ذلك حديث نية المؤمن ابلغ من عمله الحديث الاول قوله مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت سقط لفظ ربه الثانية من رواية غير أبي ذر هكذا وقع في جميع نسخ البخاري وقد أخرجه مسلم عن أبي كريب وهو محمد بن العلاء شيخ البخاري فيه بسنده المذكور بلفظ مثل البيت الذي يذكر الله فيه والبيت الذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت وكذا أخرجه الاسماعيلي وابن حبان في صحيحه جميعا عن أبي يصلى عن أبي كريب وكذا أخرجه أبو عوانة عن أحمد بن عبد الحميد والاسماعيلي أيضا عن الحسن بن سفيان عن عبد الله بن براد وعن القاسم بن زكريا عن يوسف بن موسى وإبراهيم بن سعيد الجوهري وموسى بن عبد الرحمن المسروقي والقاسم بن دينار كلهم عن أبي أسامة فتوارد هؤلاء على هذا اللفظ يدل على انه هو الذي حدث به يزيد بن عبد الله شيخ أبي أسامة وانفراد البخاري باللفظ المذكور دون بقية أصحاب أبي كريب وأصحاب أبي أسامة يشعر بأنه رواه من حفظه أو تجوز في روايته بالمعنى الذي وقع له وهو ان الذي يوصف بالحياة والموت حقيقة هو الساكن لا السكن وان إطلاق الحي والميت في وصف البيت انما يراد به ساكن البيت فشبه الذاكر بالحي الذي ظاهره متزين بنور الحياة وباطنة بنور المعرفة وغير الذاكر بالبيت الذي ظاهره عاطل وباطنه باطل وقيل موقع التشبيه بالحي والميت لما في الحي من النفع لمن يواليه والضر لمن يعاديه وليس ذلك في الميت الحديث الثاني قوله حدثنا قتيبة هو بن سعيد وصرح بذلك في غير رواية أبي ذر قوله جرير هو بن عبد الحميد قوله عن أبي صالح لم أره من حديث الاعمش الا بالعنعنة لكن اعتمد البخاري على وصله لكون شعبة رواه عن الاعمش كما سأذكره فان شعبة كان لا يحدث عن شيوخه المنسوبين للتدليس الا بما تحقق انهم سمعوه قوله عن أبي هريرة كذا قال جرير وتابعه الفضيل بن عياض عند بن حبان وأبو بكر بن عياش عند الاسماعيلي كلاهما عن الاعمش وأخرجه الترمذي عن أبي كريب عن أبي معاوية عن الاعمش فقال عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد هكذا بالشك للاكثر وفي نسخة وعن أبي سعيد بواو العطف والاول هو المعتمد فقد أخرجه أحمد عن أبي معاوية بالشك وقال شك الاعمش وكذا قال بن أبي الدنيا عن إسحاق بن إسماعيل عن أبي معاوية وكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية عبد الواحد بن زياد عن الاعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أو عن أبي سعيد وقال شك سليمان يعني الاعمش قال الترمذي حسن صحيح وقد روى عن أبي هريرة من غير هذا الوجه يعني كما تقدم بغير تردد قوله بعد سياق المتن رواه شعبة عن الاعمش يعني بسنده المذكور قوله ولم يرفعه هكذا وصله أحمد قال حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة قال بنحوه ولم يرفعه وهكذا أخرجه الاسماعيلي من رواية بشر بن خالد عن محمد بن جعفر موقوفا قوله ورواه سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وصله مسلم وأحمد من طريقه وسأذكر ما في روايته من فائدة قوله إن لله ملائكة زاد الاسماعيلي عثمان بن أبي شيبة وابن حبان من طريق إسحاق بن راهويه كلاهما عن جرير فضلا وكذا لابن حبان من طريق فضيل بن عياض وكذا لمسلم من رواية سهيل قال عياض في المشارق ما نصه في روايتنا

[ 178 ]

عن أكثرهم بسكون الضاد المعجمة وهو الصواب ورواه العذري والهوزني فضل بالضم وبعضهم بضم الضاد ومعناه زيادة على كتاب الناس هكذا جاء مفسرا في البخاري قال وكان هذا الحرف في كتاب بن عيسى فضلاء بضم أوله وفتح الضاد المد وهو وهم هنا وان كانت هذه صفتهم عليهم السلام وقال في الاكمال الرواية فيه عند جمهور شيوخنا في مسلم والبخاري بفتح الفاء وسكون الضاد فذكر نحو ما تقدم وزاد هكذا جاء مفسرا في البخاري في رواية أبي معاوية الضرير وقال بن الاثير في النهاية فضلا أي زيادة عن الملائكة المرتبين مع الخلائق ويروى بسكون الضاد وبضمها قال بعضهم والسكون أكثر واصوب وقال النووي ضبطوا فضلا على أوجه ارجحها بضم الفاء والضاد والثاني بضم الفاء وسكون الضاد ورجحه بعضهم وادعى انها أكثر واصوب والثالث بفتح الفاء وسكون الضاد قال القاضي عياض هكذا الرواية عند جمهور شيوخنا في البخاري ومسلم والرابع بضم الفاء والضاد كالاول لكن برفع اللام يعني على انه خبر ان والخامس فضلاء بالمد جمع فاضل قال العلماء ومعناه على جميع الروايات انهم زائدون على الحفظة وغيرهم من المرتبين مع الخلائق لا وظيفة لهم الا حلق الذكر وقال الطيبي فضلا بضم الفاء وسكون الضاد جمع فاضل كمنزل ونازل انتهى ونسبة عياض هذه اللفظة للبخاري وهم فإنها ليست في صحيح البخاري هنا في جميع الروايات الا ان تكون خارج الصحيح ولم يخرج البخاري الحديث المذكور عن أبي معاوية أصلا وانما أخرجه من طريقه الترمذي وزاد بن أبي الدنيا والطبراني في رواية جرير فضلا عن كتاب الناس ومثله لابن حبان من رواية فضيل بن عياض وزاد سياحين في الارض وكذا هو في رواية أبي معاوية عند الترمذي والاسماعيلي عن كتاب الابدي ولمسلم من رواية سهيل عن أبيه سيارة فضلا قوله يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر في رواية سهيل يتبعون مجاس الذكر وفي حديث جابر بن أبي يعلى ان لله سرايا من الملائكة تقف وتحل بمجالس الذكر في الارض قوله فإذا وجدوا قوما في رواية فضيل بن عياض فإذا رأوا قوما وفي رواية سهيل فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قوله تنادوا في رواية الاسماعيلي يتنادون قوله هلموا إلى حاجتكم في رواية أبي معاوية بغيتكم وقوله هلموا على لغة أهل نجد واما أهل الحجاز فيقولون الواحد والاثنين والجمع هلم بلفظ الافراد وقد تقدم تقرير ذلك في التفسير واختلف في أصل هذه الكلمة فقيل هل لك في الاكل أم أي اقصد وقيل أصله لم بضم اللام وتشديد الميم وها للتنبيه حذفت ألفها تخفيفا قوله فيحفونهم بأجنحتهم أي يدنون بأجنحتهم حول الذاكرين والباء للتعدية وقيل للاستعانة قوله إلى السماء الدنيا في رواية الكشميهني إلى سماء الدنيا وفي رواية سهيل قعدوا معهم وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين سماء الدنيا قوله قال فيسألهم ربهم عزوجل وهو أعلم منهم في رواية الكشميهني بهم كذا للاسماعيلي وهي جملة معترضة وردت لرفع التوهم زاد في رواية سهيل من أين جئتم فيقولون جئنا من عند عباد لك في الارض وفي رواية الترمذي فيقول الله أي شئ تركتم عبادي يصنعون قوله ما يقول عبادي قال تقول يسبحونك كذا لابي ذر بالافراد فيهما ولغيره قالوا يقولون ولابن أبي الدنيا قال يقولون وزاد سهيل في روايته فإذا تفرقوا أي أهل المجلس عرجوا أي الملائكة وصعدوا إلى السماء قوله يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك زاد

[ 179 ]

إسحاق وعثمان عن جرير ويمجدونك وكذا لابن أبي الدنيا وفي رواية أبي معاوية فيقولون تركناهم يحمدونك ويمجدونك ويذكرونك وفي رواية الاسماعيلي قالوا ربنا مررنا بهم وهم يذكرونك الخ وفي رواية سهيل جئنا من عند عباد لك في الارض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك وفي حديث أنس عند البزار ويعظمون آلاءك ويتلون كتابك ويصلون على نبيك ويسألونك لاخرتهم ودنياهم ويؤخذ من مجموع هذه الطرق المراد بمجالس الذكر وانها التي تشتمل على ذكر الله بأنواع الذكر الواردة من تسبيح وتكبير وغيرهما وعلى تلاوة كتاب الله سبحانه وتعالى وعلى الدعاء بخيري الدنيا والآخرة وفي دخول قراءة الحديث النبوي ومدارسة العلم الشرعي ومذاكرته والاجتماع على صلاة النافلة في هذه المجالس نظر والاشبه اختصاص ذلك بمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما والتلاوة حسب وان كانت قراءة الحديث ومدارسه العلم والمناظرة فيه من جملة ما يدخل تحت مسمى ذكر الله تعالى قوله قال فيقول هل رأوني قال فيقولون لا والله ما رأوك كذا ثبت لفظ الجلالة في جميع نسخ البخاري وكذا في بقية المواضع وسقط لغيره قوله كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا زاد أبو ذر في روايته وتحميدا وكذا لابن أبي الدنيا وزاد في رواية الاسماعيلي وأشد لك ذكرا وفي رواية بن أبي الدنيا وأكثر لك تسبيحا قوله قال يقول في رواية أبي ذر فيقول قوله فما يسألوني في رواية أبي معاوية فأي شئ يطلبون قوله يسألونك الجنة في رواية سهيل يسألونك جنتك قوله كانوا أشد عليها حرصا زاد أبو معاوية في روايته عليها وفي رواية بن أبي الدنيا كانوا أشد حرصا وأشد طلبة واعظم لها رغبة قوله قال فمم يتعوذون قال يقولون من النار في رواية أبي معاوية فمن أي شئ يتعوذون فيقولون من النار وفي رواية سهيل قالوا ويستجيرونك وقال ومم يستجيرونني قالوا من نارك قوله كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة في رواية أبي معاوية كانوا أشد منها هربا وأشد منها تعوذا وخوفا وزاد سهيل في روايته قالوا ويستغفرونك قال فيقول قد غفرت لهم واعطيتهم ما سألوا وفي حديث أنس فيقول غشوهم رحمتي قوله يقول ملك من الملائكة فيهم فلان ليس منهم انما جاء لحاجة في رواية أبي معاوية فيقولون ان فيهم فلانا الخطاء لم يردهم انما جاء لحاجة وفي رواية سهيل قال يقولون رب فيهم فلان عبد خطاء انما مر فجلس معهم وزاد في روايته قال وله قد غفرت قوله هم الجلساء في رواية أبي معاوية وكذا في رواية سهيل هم القوم وفي اللام اشعار بالكمال أي هم القوم كل القوم قوله لا يشقى جليسهم كذا لابي ذر ولغيره لا يشقى بهم جليسهم وللترمذي لا يشقى لهم جليس وهذه الجملة مستأنفة لبيان المقتضى لكونهم أهل الكمال وقد اخرج جعفر في الذكر من طريق أبي الاشهب عن الحسن البصري قال بينا قوم يذكرون الله إذ اتاهم رجل فقعد إليهم قال فنزلت الرحمة ثم ارتفعت فقالوا ربنا فيهم عبدك فلان قال غشوهم رحمتي هم القوم لا يشقى بهم جليسهم وفي هذه العبارة مبالغة في نفي الشقاء عن جليس الذاكرين فلو قيل لسعد بهم جليسهم لكان ذلك في غاية الفضل لكن التصريح بنفي الشقاء ابلغ في حصول المقصود تنبيه اختصر أبو زيد المروزي في روايته عن الفربري متن هذا الحديث فساق منه إلى قوله هلموا إلى حاجتكم ثم قال فذكر الحديث وفي الحديث فضل مجالس الذكر والذاكرين وفضل الاجتماع علي ذلك وان جليسهم يندرج معهم

[ 180 ]

في جميع ما يتفضل الله تعالى به عليهم اكراما لهم ولو لم يشاركهم في أصل الذكر وفيه محبة الملائكة بني ادم واعتناؤهم بهم وفيه ان السؤال قد يصدر من السائل وهو اعلم بالمسئول عنه من المسئول لاظهار العناية بالمسؤول عنه والتنوية بقدره والاعلان بشرف منزلته وقيل ان في خصوص سؤال الله الملائكة عن أهل الذكر الاشارة إلى قولهم اتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك فكأنه قيل لهم انظروا إلى ما حصل منهم من التسبيح والتقديس مع ما سلط عليهم من الشهوات ووساوس الشيطان وكيف عالجوا ذلك وضاهوكم في التسبيح والتقديس وقيل انه يؤخذ من هذا الحديث ان الذكر الحاصل من بني ادم أعلى وأشرف من الذكر الحاصل من الملائكة لحصول ذكر الادميين مع كثرة الشواغل ووجود الصوارف وصدوره في عالم الغيب بخلاف الملائكة في ذلك كله وفيه بيان كذب من ادعى من الزنادقه انه يرى الله تعالى جهرا في دار الدنيا وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي امامة رفعه واعلموا انكم لم تروا ربكم حتى تموتوا وفيه جواز القسم في الامر المحقق تأكيدا له وتنويها به وفيه ان الذي اشتملت عليه الجنة من أنواع الخيرات والنار من أنواع المكروهات فوق ما وصفتا به وان الرغبة والطلب من الله والمبالغة في ذلك من أسباب الحصول قوله باب قول لا حول ولا قوة إلا بالله ذكر فيه حديث أبي موسى وقد تقدم قريبا في باب الدعاء إذا علا عقبة ووعدت بشرحه في كتاب القدر وسيأتي إن شاء الله تعالى قوله باب لله مائة اسم غير واحدة كذا لابي ذر ولغيره مائة غير واحد بالتذكير وكذا اختلف الرواة في هذا في لفظ المتن قوله حفظناه من أبي الزناد في رواية الحميدي في مسنده عن سفيان حدثنا أبو الزناد وكذا أخرجه أبو نعيم في المستخرج من طريقه قوله رواية في رواية الحميدي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولمسلم عن عمرو بن محمد الناقد عن سفيان بهذا السند عن النبي صلى الله عليه وسلم وللمصنف في التوحيد من رواية شعيب عن أبي الزناد بسنده ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ووقع عند الدارقطني في غرائب مالك من رواية عبد الملك بن يحيى بن بكير عن أبيه عن بن وهب عن مالك بالسند المذكور عن النبي صلى الله عليه وسلم قال قال الله عزوجل لي تسعة وتسعون اسما قلت وهذا الحديث رواه عن الاعرج أيضا موسى بن عقبة عند بن ماجة من رواية زهير بن محمد عنه وسرد الاسماء ورواه عن أبي الزناد أيضا شعيب بن أبي حمزة كما مضى في الشروط ويأتي في التوحيد وأخرجه الترمذي من رواية الوليد بن مسلم عن شعيب وسرد الاسماء ومحمد بن عجلان عند أبي عوانة ومالك عند بن خزيمة والنسائي والدارقطني في غرائب مالك وقال صحيح عن مالك وليس في الموطأ قدر ما عند أبي نعيم في طرق الاسماء الحسنى وعبد الرحمن بن أبي الزناد عند الدارقطني وأبو عوانة ومحمد بن إسحاق عند أحمد وابن ماجة وموسى بن عقبة عند أبي نعيم من رواية حفص بن ميسرة عنه ورواه عن أبي هريرة أيضا همام بن منبه عند مسلم وأحمد ومحمد بن سيرين عند مسلم والترمذي والطبراني في الدعاء وجعفر الفريابي في الذكر وأبو رافع عند الترمذي وأبو سلمة بن عبد الرحمن عند أحمد وابن ماجة وعطاء بن يسار وسعيد المقبري وسعيد بن المسيب وعبد الله بن شقيق ومحمد بن جبير بن مطعم والحسن البصري أخرجها أبو نعيم بأسانيد عنهم كلها ضعيفة وعراك بن مالك عند البزار لكن شك فيه ورويناها في جزء المعالي وفي امالي

[ 181 ]

الجرفي من طريقه بغير شك ورواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي هريرة سلمان الفارسي وابن عباس وابن عمر وعلي وكلها عند أبي نعيم أيضا بأسانيد ضعيفة وحديث علي في طبقات الصوفية لابي عبد الرحمن السلمي وحديث بن عباس وابن عمر معا في الجزء الثالث عشر من امالي أبي القاسم بن بشران وفي فوائد أبي عمر بن حيويه انتقاء الدارقطني هذا جميع ما وقفت عليه من طرقه وقد اطلق بن عطية في تفسيره انه تواتر عن أبي هريرة فقال في سرد الاسماء نظر فان بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح ولم يتواتر الحديث من أصله وان خرج في الصحيح ولكنه تواتر عن أبي هريرة كذا قال ولم يتواتر عن أبي هريرة أيضا بل غاية امره ان يكون مشهورا ولم يقع في شئ من طرقه سرد الاسماء الا في رواية الوليد بن مسلم عند الترمذي وفي رواية زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عند بن ماجة وهذان الطريقان يرجعان إلى رواية الاعرج وفيهما اختلاف شديد في سرد الاسماء والزيادة والنقص على ما سأشير إليه ووقع سرد الاسماء أيضا في طريق ثالثة أخرجها الحاكم في المستدرك وجعفر الفريابي في الذكر من طريق عبد العزيز بن الحصين عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة واختلف العلماء في سرد الاسماء هل هو مرفوع أو مدرج في الخبر من بعض الرواة فمشى كثير منهم على الاول واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم يرد في القرآن بصيغة الاسم لان كثيرا من هذه الاسماء كذلك وذهب اخرون إلى ان التعيين مدرج لخلو أكثر الروايات عنه ونقله عبد العزيز النخشبي عن كثير من العلماء قال الحاكم بعد تخريج الحديث من طريق صفوان بن صالح عن الوليد بن مسلم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه بسياق الاسماء الحسنى والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم قال ولا أعلم خلافا عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعلم من بشر بن شعيب وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب يشير إلى ان بشرا وعليا وأبا اليمان رووه عن شعيب بدون سياق الاسماء فرواية أبي اليمان عند المصنف ورواية علي عند النسائي ورواية بشر عند البيهقي وليست العلة عند الشيخين تفرد الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الادراج قال البيهقي يحتمل أن يكون التعيين وقع من بعض الرواة في الطريقين معا ولهذا وقع الاختلاف الشديد بينهما ولهذا الاحتمال ترك الشيخان تخريج التعيين وقال الترمذي بعد ان أخرجه من طريق الوليد هذا حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان ولا نعرفه الا من حديث صفوان وهو ثقة وقد روى من غير وجه عن أبي هريرة ولا نعلم في شئ من الروايات ذكر الاسماء الا في هذه الطريق وقد روى بإسناد اخر عن أبي هريرة فيه ذكر الاسماء وليس له إسناد صحيح انتهى ولم ينفرد به صفوان فقد أخرجه البيهقي من طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضا وقد اختلف في سنده على الوليد فأخرجه عثمان الدرامي في النقض على المريسي عن هشام بن عمار عن الوليد فقال عن خليد بن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة فذكره بدون التعيين قال الوليد وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال كلها في القرآن هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم وسرد الاسماء وأخرجه أبو الشيخ بن حبان من رواية أبي عامر القرشي عن الوليد بن مسلم بسند اخر فقال حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الاعرج عن أبي هريرة قال زهير فبلغنا ان غير واحد من أهل العلم قال ان أولها ان تفتتح بلا اله

[ 182 ]

الا الله وسرد الاسماء وهذه الطريق أخرجها بن ماجة وابن أبي عاصم والحاكم من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد لكن سرد الاسماء اولا فقال بعد قوله من حفظها دخل الجنة الله الواحد الصمد الخ ثم قال بعد ان انتهى العد قال زهير فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم ان أولها يفتتح بلا اله الا الله له الاسماء الحسنى قلت والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد الصنعاني ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج وقد تكرر في رواية الوليد عن زهير ثلاثة أسماء وهي الاحد الصمد الهادي ووقع بدلها في رواية عبد الملك المقسط القادر الوالي وعند الوليد أيضا الوالي الرشيد وعند عبد الملك الوالي الراشد وعند الوليد العادل المنير وعند عبد الملك الفاطر القاهر واتفقا في البقية واما رواية الوليد عن شعيب وهي أقرب الطرق إلى الصحة وعليها عول غالب من شرح الاسماء الحسنى فسياقها عند الترمذي هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف الخبير الحليم العظيم الغفو الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحيي المميت الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر الاول الآخر الظاهر الباطن الوالي المتعالى البر التواب المنتقم العفو الرؤوف مالك الملك ذو الجلال والاكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور وقد أخرجه الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عن صفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال القائم الدائم بدل القابض الباسط والشديد بدل الرشيد والاعلى المحيط مالك يوم الدين بدل الودود المجيد الحكيم ووقع عند بن حبان عن الحسن بن سفيان عن صفوان الرافع بدل المانع ووقع في صحيح بن خزيمة في رواية صفوان أيضا مخالفة في بعض الاسماء قال الحاكم يدل الحكيم والقريب بدل الرقيب والمولى بدل الوالي والاحد بدل المغني ووقع في رواية البيهقي وابن منده من طريق موسى بن أيوب عن الوليد المغيث بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت بالقاف والمثناة ووقع بين رواية زهير وصفوان المخالفة في ثلاثة وعشرين اسما فليس في رواية زهير الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب الجليل المحصي المتقدر المقدم المؤخر البر المنتقم المغني النافع الصبور البديع الغفار الحفيظ الكبير الواسع الاحد مالك الملك ذو الجلال والاكرام وذكر بدلها الرب الفرد الكافي القاهر المبين بالموحدة الصادق الجميل البادي بالدال القديم البار بتشديد الراء الوفي البرهان الشديد الواقي بالقاف القدير الحافظ العادل المعطي العالم الاحد الابد الوتر ذو القوة ووقع في رواية عبد العزيز بن الحصين اختلاف اخر فسقط فيها ما في رواية صفوان من القهار إلى تمام خمسة عشر اسما على الولاء وسقط منها أيضا القوي الحليم الماجد القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل المقسط الجامع الضار النافع الوالي الرب فوقع فيها مما في رواية موسى

[ 183 ]

بن عقبة المذكورة انفا ثمانية عشر اسما على الولاء وفيها ايضا الحنان المنان الجليل الكفيل المحيط القادر الرفيع الشاكر الاكرم الفاطر الخلاق الفاتح المثيب بالمثلثة ثم الموحدة العلام المولى النصير ذو الطول ذو المعارج ذو الفضل الاله المدبر بتشديد الموحدة قال الحاكم انما أخرجت رواية عبد العزيز بن الحصين شاهدا لرواية الوليد عن شعبة لان الاسماء التي زادها على الوليد كلها في القرآن كذا قال وليس كذلك وانما تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف لا ان جميعها ورد فيه بصورة الاسماء وقد قال الغزالي في شرح الاسماء له لا اعرف أحدا من العلماء عني بطلب أسماء وجمعها سوى رجل من حفاظ المغرب يقال له علي بن حزم فإنه قال صح عندي قريب من ثمانين اسما يشتمل عليها كتاب الله والصحاح من الاخبار فلتطلب البقية من الاخبار الصحيحة قال الغزالي وأظنه لم يبلغه الحديث يعني الذي أخرجه الترمذي أو بلغه فاستضعف إسناده قلت الثاني هو مراد فإنه ذكر نحو ذلك في المحلى ثم قال والاحاديث الواردة في سرد الاسماء ضعيفة لا يصح شئ منها أصلا وجميع ما تتبعته من القرآن ثمانية وستون اسما فإنه اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يؤخذ من الاشتقاق كالباقي من قوله تعالى ويبقى وجه ربك ولا ما ورد مضافا كالبديع من قوله تعالى بديع السماوات والارض وسأبين الاسماء التي اقتصر عليها قريبا وقد استضعف الحديث أيضا جماعة فقال الداودي لم يثبت ان النبي صلى الله عليه وسلم عين الاسماء المذكورة وقال بن العربي يحتمل ان تكون الاسماء تكملة الحديث المرفوع ويحتمل ان تكون من جمع بعض الرواة وهو الاظهر عندي وقال أبو الحسن القابسي أسماء الله وصفاته لا تعلم الا بالتوقيف من الكتاب أو السنة أو الاجماع ولا يدخل فيها القياس ولم يقع في الكتاب ذكر عدد معين وثبت في السنة انها تسعة وتسعون فأخرج بعض الناس من الكتاب تسعة وتسعين اسما والله اعلم بما أخرج من ذلك لان بعضها ليست أسماء يعني صريحه ونقل الفخر الرازي عن أبي زيد البلخي انه طعن في حديث الباب فقال اما الرواية التي لم يسرد فيها الاسماء وهي التي اتفقوا على انها أقوى من الرواية التي سردت فيها الاسماء فضعيفة من جهة ان الشارع ذكر هذا العدد الخاص ويقول ان من احصاه دخل الجنة ثم لا يسأله السامعون عن تفصيلها وقد علمت شدة رغبة الخلق في تحصيل هذا المقصود فيمتنع ان لا يطالبوه بذلك ولو طالبوه لبينها لهم ولو بينها لما اغفلوه ولنقل ذلك عنهم واما الرواية التي سردت فيها الاسماء فيدل على ضعفها عدم تناسبها في السياق ولا في التوقيف ولا في الاشتقاق لانه ان كان المراد الاسماء فقط فغالبها صفات وان كان المراد الصفات فالصفات غير متناهية وأجاب الفخر الرازي عن الاول بجواز ان يكون المراد من عدم تفسيرها ان يستمروا على المواظبة بالدعاء بجميع ما ورد من الاسماء رجاء ان يقعوا على تلك الاسماء المخصوصة كما ابهمت ساعة الجمعة وليلة القدر والصلاة الوسطى وعن الثاني بأن سردها انما وقع بحسب التتبع والاستقراء على الراجح فلم يحصل الاعتناء بالتناسب وبأن المراد من احصى هذه الاسماء دخل الجنة بحسب ما وقع الاختلاف في تفسير المراد بالاحصاء فلم يكن القصد حصر الاسماء انتهى وإذا تقرر رجحان ان سرد الاسماء ليس مرفوعا فقد اعتنى جماعة بتتبعها من القرآن من غير تقييد بعدد فروينا في كتاب المائتين لابي عثمان الصابوني بسنده إلى محمد بن

[ 184 ]

يحيى الذهلي انه استخرج الاسماء من القرآن وكذا اخرج أبو نعيم عن الطبراني عن أحمد بن عمرو الخلال عن بن أبي عمرو حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين سألت أبا جعفر بن محمد الصادق عن الاسماء الحسنى فقال هي في القرآن وروينا في فوائد تمام من طريق أبي الطاهر بن السرح عن حبان بن نافع عن سفيان بن عيينة الحديث يعني حديث ان لله تسعة وتسعين اسما قال فوعدنا سفيان ان يخرجها لنا من القرآن فأبطأ فأتينا أبا زيد فأخرجها لنا فعرضناها على سفيان فنظر فيها أربع مرات وقال نعم هي هذه وهذا سياق ما ذكره جعفر وأبو زيد قالا ففي الفاتحة خمسة الله رب الرحمن الرحيم مالك وفي البقرة محيط قدير عليم حكيم علي عظيم تواب بصير ولي واسع كاف رءوف بديع شاكر واحد سميع قابض باسط حي قيوم غني حميد غفور حليم وزاد جعفر اله قريب مجيب عزيز نصير قوي شديد سريع خبير قالا وفي آل عمران وهاب قائم زاد جعفر الصادق باعث منعم متفضل وفي النساء رقيب حسيب شهيد مقيت وكيل زاد جعفر علي كبير وزاد سفيان عفو وفي الانعام فاطر قاهر زاد جعفر مميت غفور برهان وزاد سفيان لطيف خبير قادر وفي الاعراف محيي مميت وفي الانفال نعم المولى ونعم النصير وفي هود حفيظ مجيد ودود فعال لما يريد زاد سفيان قريب مجيب وفي الرعد كبير متعال وفي إبراهيم منان زاد جعفر صادق وارث وفي الحجر خلاق وفي مريم صادق وارث زاد جعفر فرد وفي طه عند جعفر وحده غفار وفي المؤمنين كريم وفي النور حق مبين زاد سفيان نور وفي الفرقان هاد وفي سبأ فتاح وفي الزمر عالم عند جعفر وحده وفي المؤمن غافر قابل ذو الطول زاد سفيان شديد وزاد جعفر رفيع وفي الذاريات رزاق ذو القوة المتين بالتاء وفي الطور بر وفي اقتربت مقتدر زاد جعفر مليك وفي الرحمن ذو الجلال والاكرام زاد جعفر رب المشرقين ورب المغربين باقي معين وفي الحديد أول اخر ظاهر باطن وفي الحشر قدوس سلام مؤمن مهيمن عزيز جبار متكبر خالق بارئ مصور زاد جعفر ملك وفي البروج مبدئ معيد وفي الفجر وتر عند جعفر وحده وفي الاخلاص أحد صمد هذا اخر ما رويناه عن جعفر وأبي زيد وتقرير سفيان من تتبع الاسماء من القرآن وفيها اختلاف شديد وتكرار وعدة أسماء لم ترد بلفظ الاسم وهي صادق منعم متفضل منان مبدئ معيد باعث قابض باسط برهان معين مميت باقي ووقفت في كتاب المقصد الاسني لابي عبد الله محمد بن إبراهيم الزاهد انه تتبع الاسماء من القرآن فتأمله فوجدته كرر أسماء وذكر مما لم أره فيه بصيغة الاسم الصادق والكاشف والعلام وذكر من المضاف الفالق من قوله فالق الحب والنوى وكان يلزمه ان يذكر القابل من قوله قابل التوب وقد تتبعت ما بقي من الاسماء مما ورد في القرآن بصيغة الاسم مما لم يذكر في رواية الترمذي وهي ا لرب الاله المحيط القدير الكافي الشاكر الشديد القائم الحاكم الفاطر الغافر القاهر المولى النصير الغالب الخالق الرفيع المليك الكفيل الخلاق الاكرم الاعلى المبين بالموحدة الحفي بالحاء المهملة والفاء القريب الاحد الحافظ فهذه سبعة وعشرون اسما إذا انضمت الاسماء التي وقعت في رواية الترمذي مما وقعت في القرآن بصيغة الاسم تكمل بها التسعة والتسعون وكلها في القرآن لكن بعضها بإضافة كالشديد من شديد العقاب والرفيع من رفيع الدرجات والقائم من قوله قائم على كل نفس بما كسبت

[ 185 ]

والفاطر من فاطر السماوات القاهر من وهو القاهر فوق عباده والمولى والنصير من نعم المولى ونعم النصير والعالم من عالم الغيب والخالق من قوله خالق كل شئ والغافر من غافر الذنب والغالب من والله غالب على امره والرفيع من رفيع الدرجات والحافظ من قوله فالله خير حافظا ومن قوله وانا له لحافظون وقد وقع نحو ذلك من الاسماء التي في رواية الترمذي وهي المحي من قوله لمحيي الموتى والمالك من قوله مالك الملك والنور من قوله نور السماوات والارض والبديع من قوله بديع السماوات والارض والجامع من قوله جامع الناس والحكم من قوله افغير الله ابتغى حكما والوارث من قوله ونحن الوارثون والاسماء التي تقابل هذه مما وقع في رواية الترمذي مما لم تقع في القرآن بصيغة الاسم وهي سبعة وعشرون اسما القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل العدل الجليل الباعث المحصي المبدئ المعيد المميت الواجد الماجد المقدم المؤخر الوالي ذو الجلال والاكرام المقسط المغني المانع الضار النافع الباقي الرشيد الصبور فإذا اقتصر من رواية الترمذي على ما عدا هذه الاسماء وأبدلت بالسبعة والعشرين التي ذكرتها خرج من ذلك تسعة وتسعون اسما وكلها في القرآن واردة بصيغة الاسم ومواضعها كلها ظاهرة من القرآن الا قوله الحفي فإنه في سورة مريم في قول إبراهيم سأستغفر لك ربي انه كان بي حفيا وقل من نبه على ذلك ولا يبقى بعد ذلك الا النظر في الاسماء المشتقة من صفة واحدة مثل القدير والمقتدر والقادر والغفور والغفار والغافر والعلي والاعلى والمتعال والملك والمليك والمالك والكريم والاكرم والقاهر والقهار والخالق والخلاق والشاكر والشكور والعالم والعليم فاما ان يقال لا يمنع ذلك من عدها فان فيها التغاير في الجملة فإن بعضها يزيد بخصوصية على الاخر ليست فيه وقد وقع الاتفاق على ان الرحمن الرحيم اسمان مع كونهما مشتقين من صفة واحدة ولو منع من عد ذلك للزم ان لا يعد ما يشترك الاسمان فيه مثلا من حيث المعنى مثل الخالق البارئ المصور لكنها عدت لانها ولو اشتركت في معنى الايجاد والاختراع فهي مغايره من جهة أخرى وهي ان الخالق يفيد القدرة على الايجاد والبارئ يفيد الموجد لجوهر المخلوق المصور يفيد خالق الصورة في تلك الذات المخلوقة وإذا كان ذلك لا يمنع المغايرة لم يمتنع عدها أسماء مع ورودها والعلم عند الله تعالى وهذا سردها لتحفظ ولو كان في ذلك اعادة لكنه يغتفر لهذا القصد الله الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار التواب الوهاب الخلاق الرزاق الفتاح العليم الحليم العظيم الواسع الحكيم الحي القيوم السميع البصير اللطيف الخبير العلي الكبير المحيط القدير المولى النصير الكريم الرقيب القريب المجيب الوكيل الحسيب الحفيظ المقيت الودود المجيد الوارث الشهيد الولي الحميد الحق المبين القوي المتين الغني المالك الشديد القادر المتقدر القاهر الكافي الشاكر المستعان الفاطر البديع الغافر الاول الاخر الظاهر الباطن الكفيل الغالب الحكم العالم الرفيع الحافظ المنتقم القائم المحيي الجامع المليك المتعالى النور الهادي الغفور الشكور العفو الرؤوف الاكرم الاعلى البر الحفي الرب الاله الواحد

[ 186 ]

الاحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد قوله لله تسعة وتسعون في رواية الحميدي ان لله تسعة وتسعين وكذا في رواية شعيب قوله اسما كذا في معظم الروايت بالنصب على التمييز وحكى السهيلي انه روى بالجر وخرجه على لغة من يجعل الاعراب في النون ويلزم الجمع الياء فيقول كم سنين