الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ
 
أ ب ت  ...




فتح الباري - ابن حجر ج 2

فتح الباري

ابن حجر ج 2


[ 1 ]

فتح الباري شرح صحيح البخاري للامام الحافظ شهاب الدين ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى الجزء الاول دار المعرفة للطباعة والنشر بيروت - لبنان

[ 2 ]

الطبعة الثانية أعيد طبعه بالاوفست (الجزء الاول)

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم كذا للمستملي وبعده البسملة ولرفيقيه البسملة مقدمة وبعدها باب مواقيت الصلاة وفضلها وكذا في نسخة الصغاني وكذا لكريمة لكن بلا بسملة وكذ للاصيلي لكن بلا باب والمواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدد للفعل من الزمان أو المكان قوله كتابا موقوتا موقتا وقته عليهم كذا وقع في أكثر الروايات وسقط في بعضها لفظ موقتا فاستشكل بن التين تشديد القاف من وقته وقال المعروف في اللغه التخفيف الله اه والظاهر أن المصنف أراد بقوله موقتا بيان أن قوله موقوتا من التوقيت فقد جاء عن مجاهد في معنى قوله موقوتا قال مفروضا وعن غيره محدودا وقال صاحب المنتهى كل شئ جعل له حين وغاية فهو موقت يقال وقته ليوم كذا أي أجله قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة هو القعنبي وهذا الحديث أول شئ في الموطأ ورجاله كلهم مدنيون قوله أخر الصلاة يوما والمصنف في بدء الخلق من طريق الليث عن بن شهاب بيان الصلاة المذكورة ولفظه أخر العصر شيئا قال بن عبد البر ظاهر سياقه أنه فعل ذلك يوما ما لا أن ذلك كان عادة له وإن كان أهل بيته معروف اه هو وسيأتي بيان ذلك قريبا في باب تضييع الصلاة عن وقتها وكذا في نسخة الصغاني وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن بن شهاب أخر الصلاة مرة يعني العصر والطبراني من طريق أبي بكر بن حزم أن عروة حدث عمر بن عبد العزيز وهو يومئذ أمير المدينة في زمان الوليد بن عبد الملك وكان ذلك زمان يؤخرون فيه الصلاة يعني بني أمية قال بن عبد البر المراد أنه أخرها حتى خرج الوقت المستحب لا أنه أخرها حتى غربت الشمس اه ويؤيده سياق رواية الليث المتقدمة وأما ما رواه الطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب عن أسامة بن زيد المؤذن عن بن شهاب في هذا الحديث قال دعا المؤذن لصلاة العصر فأمسى عمر بن عبد العزيز قبل أن يصليها فمحمول على أنه قارب المساء لا أنه دخل فيه وقد رجع عمر بن عبد العزيز عن ذلك فروى الأوزاعي عن عاصم بن رجاء بن حيوة عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز يعني في خلافته كان يصلي الظهر في الساعة الثامنة والعصر في الساعة العاشرة حين الخطبة قوله أن المغيرة بن شعبة أخر الصلاة يوما بين عبد الرزاق في روايته عن بن جريج عن بن شهاب أن الصلاة المذكورة العصر أيضا ولفظه أمسى المغيرة بن شعبة بصلاة العصر قوله وهو بالعراق في الموطأ رواية القعنبي وغيره عن مالك وهو بكار وكذأخرجه الاسماعيلي عن أبي خليفة عن القعنبي والكوفة من جملة العراق فالتعبير بها أخص من التعبير بالعراق وكان المغيرة إذ ذاك أميرا عليها من قبل معاوية بن أبسفيان قوله أبو مسعود أي عقبة بن عمرو البدري قوله ما هذا أي التأخير قوله أليس كذا الرواية وهو استعمال صحيح لكن الأكثر في الاستعمال في مخاطبة الحاضر ألست وفي مخاطبة الغائب أليس قوله قد علمت قال عياض يدل ظاهرة على علم المغير بذلك ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل الظن من أبي مسعود لعلمه بصحبة المغيرة قلت ويؤيد الأول رواية شعيب عن بن شهاب عند المصنف في غزوة بدر بلفظ فقال لقد علمت بغير أداة استفهام ونحوه لعبد الرزاق عن معمر وابن جريج جميعا قوله أن جبريل نزل بين بن إسحاق في المغازي أن ذلك صبيحة الليلة التي فرضت فيها الصلاة وهي ليلة الإسراء قال بن إسحاق حدثني عتبة بن مسلم عن نافع بن جبير وقال عبد الرزاق عن بن جريج قال نافع بن جبير وغيره لما مطرف النبي صلى الله عليه وسلم من الليلة التي أسرى به لم يرعه إلا جبريل نزل حين زاغت الشمس ولذلك سميت الأولى أي صلاة الظهر فأمر فصيح بأصحابه الصلاة جامعة فاجتمعوا فصلى به جبريل وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس فذكر الحديث وفيه رد على من زعم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة والحق أن ذلك وقع قبلها ببيان جبريل وبعدها ببيان النبي صلى الله عليه وسلم قوله نزل فصلى فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عياض ظاهرة أن صلاته كانت بعد فراغ صلاة جبريل لكن المنصوص في غيره أن جبريل أم النبي صلى الله عليه وسلم فيحمل قوله صلى فصلى على أن جبريل كان كلما فعل جزءا من الصلاة تابعه النبي صلى الله عليه وسلم بفعله اه وبهذا جزم النووي وقال غير الفاء بمعنى الواو واعتراض بأنه يلزم أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم كان يتقدم في بعض الأركان على جبريل على ما يقتضيه مطلق الجمع وأجيب بمراعاة الحيثية وهي التبيين فكان لأجل ذلك يتراخى عنه وقيل الفاء للسببية كقوله تعالى فوكزه موسى فقضى عليه وفي رواية الليث عند المصنف وغيره نزل جبريل فأمنى فصليت معه وفي رواية عبد الرزاق عن معمر نزل فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى الناس معه وهذا يؤيد رواية نافع بن جبير المتقدمة وإنما دعاهم إلى الصلا بقولة الصلاة الجامعة لأن الأذان لم يكن شرع حينئذ واستبدل بهذا الحديث على جواز الائتمام بمن يأتم بغيره ويجاب عنه بما يجاب به عن قصه أبي بكر في صلاته خلف النبي صلى الله عليه وسلم وصلاة الناس خلفه فإنه

[ 4 ]

أمرهم على أنه كان مبلغا فقط كما سيأتي تقريره في أبواب الإمامة واستدل به أيضا على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل من جهة أن الملائكة ليسوا مكلفين بمثل ما كلف به الإنس قاله بن العرب وغيره وأجاب عياض باحتمال أن لا تكون تلك الصلاة كانت واجبة على النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ وتعقبه بما تقدم من أنها كانت صبيحة ليلة فرض الصلاة وأجاب باحتمال أن الوجوب عليه كان معلقا بالبيان فلم يتحقق الوجوب الا بعد تلك الصلاة قال وأيضا لا نسلم أن جبريل كان متنقلا بل كانت تلك الصلاة واجبة عليه لأنه مكلف بتبليغها فهي صلاة مفترض خلف مفترض اه هو وقال بن المنيقد يتعلق به من يجوز صلاة مفترض بفرض خلف مفترض بفرض آخر كذا قال وهو مسلم له في صورة المؤداة مثلا خلف المقضية لا في صورة الظهر خلف العصر مثلا قوله بهذا أمرت بفتح المثناة على المشهور والمعنى هذا الذي أمرت به أن يصليه كل يوم وليلة وروى بالضم أي هذا الذي أمرت بتبليغه لك قوله أعلم بصيغة الأمر قوله أو إن جبريل بفتح الهمزة وهي للاستفهام والواو هي العاطفة والعطف على شئ مقدر وبكسر همزة وإن ويجوز الفتح قوله وقوت الصلاة كذا للمستملي بصيغة الجمع وللباقين وقت الصلاة بالافراد وهو للجنس قوله كذلك كان بشير هو بفتح الموحدة بعدها غدا بوزن فعيل وهو تابعي جليل ذكر في الصحابة لكونه ولد في عهد النبي صلى الله علية وسلم ورآه قال بن عبد البر هذا السياق منقطع عند جماعة من العلماء لأن بن شهاب لم يقل حضرت مراجعة عروة لعمر وعروة لم يقل حدثني بشير لكن الاعتبار عند الجمهور بثبوت اللقاء والمجالسة لا بالصيغ أه وقال الكرماني أعلم أن الحديث بهذا الطريق ليس متصل الإسناد إذ لم يقل أبو مسعود شاهدت رسول الله صلى الله علية وسلم ولا قال قال رسول الله صلى الله علية وسلم قلت هذا لا يسمى منقطعا اصطلاحا وإنما هو مرسل أصحابي لأنه لم يدرك القصة فاحتمل أن يكون سمع ذلك من النبي صلى الله علية وسلم أو بلغه عنه بتبليغ من شاهده أو سمعه كصحابى آخر على أن رواية الليث عند المصنف تزيل الاشكال كله ولفظه فقال عروة سمعت بشير بن أبي مسعود يقول سمعت أبي يقول سمعت رسول الله صلى الله علية وسلم يقول فذكر الحديث وكذا سياق بن شهاب وليس فيه التصريح بسماعه له من عروة وابن شهاب قد جرب عليه التدليس لكن وقع في رواية عبد الرزاق عن معمر عن بن شهاب قال كنا مع عمر بن عبد العزيز فذكره وفي رواية شعيب عن الزهري سمعت عروة يحدث عمر بن عبد العزيز الحديث قال القرطي قول عروة ان جبريل نزل ليس فيه حجة واضحة على عمر بن عبد العزيز إذ لم يعين له الأوقات قال وغاية ما يتوهم عليه أنه نبهه وذكره بما كان يعرفه من تفاصيل الأوقات قال وفيه بعد لانكار عمر على عروة حيث قال له اعلم ما تحدث يا عروة قال وظاهر هذا الإنكار أنه لم يكن عنده علم من إمامه جبريل قلت لا يلزم من كونه لم يكن عنده علم منها أن لا يكون عنده علم بتفاصيل الأوقات المذكورة من جهة العمل المستمر لكن لم يكن يعرف أن أصله بتبيين جبريل بالفعل فلهذا استثبت فيوكأنه كان يرى أن لا مفاضلة بين أجزاء الوقت الواحد وكذا يحمل عمل المغيرة وغير من الصحابة ولم أقف في شئ من الروايات على جواب المغيرة لأبي مسعود والظاهر أنه رجع إليه والله أعلم وأما ما زاده عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري في هذه القصة قال فلم يزل عمر يعلم الصلاة بعلامة حتى فارق الدنيا ورواه أبو الشيخ

[ 5 ]

في كتاب المواقيت له من طريق الوليد عن الأوزاعي عن الزهري قال ما زال عمر بن عبد العزيز يتعلم مواقيت الصلاة حتى مات ومن طريق إسماعيل بن حكيم أن عمر بن عبد العزيز جعل ساعات ينقضين مع غروب الشمس زاد من طريق بن إسحاق عن الزهري فما أخرها حتى مات فكله يدل على أن عمر لم يكن يحتاط في الأوقات كثير احتياط إلابعد أن حدثه عروة بالحديث المذكور تنبيه ورد في هذه القصة من وجه آخر عن الزهر بيان أبي مسعود للأوقات وفي ذلك ما يرفع الاشكال ويوضح توجيه احتجاج عروة به فروى أبو داود وغيره وصححه بن خزيمة وغيره من طريق بن وهب والطبراني من طريق يزيد بن أبي حبيب كلاهما عن أسامة بن زيد عن الزهري هذا الحديث شوال وزاد في آخره قال أبو مسعود فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر حين تزول الشمس فذكر الحديث وذكر أبو داود أن أسامة بن زيد تفرد بتفسير الأوقات فيه وأن أصحاب الزهري لم يذكروا ذلك قال وكذا رواه هشام بن عروة وحبيب بن أبي الاستثناء عن عروة لم يذكرا تفسيرا أه وراوية هشام أخرجها سعيد بن منصور في سننورواية حبيب أخرجها الحارث بن أبي أسامة في مسنده وقد وجدت ما يعضد رواية أسامة ويزيد عليها أن البيان من فعل جبريل وذلك فيما رواه الباغندي في مسند عمربن عبد العزيز والبيهقي في السنن الكبرى من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن أبي بكر بن حزم أنه بلغه عن أبي مسعود فذكره منقطعا لكن رواه الطبراني من وجه آخر عن أبي بكر عن عروة فرجع الحديث إلى عروة ووضح أن له أصلا وأن في رواية مالك ومن تابعه اختصارا وبذلك جزم بن عبد البر وليس في رواية مالك ومن تابعه ما ينفى الزيادة المذكورة فلا توصف والحالة هذه بالشذوذ وفي الحديث من الفوائد دخول العلماء على الأمراء وإنكارهم عليهم ما يخالف السنة واستثبات العالم فيما يستغربه السامع والرجوع عند التنازع إلى السنة وفيه فضيلة عمر بن عبد العزيز وفيه فضيلة المبادرة بالصلاة في الوقت الفاضل وقبول خبر الواحد الثبت واستدل به بن بطال وغيره على أن الحجة بالمتصل دون المنقطع لأن عروة أجاب عن استفهام عمر له لما أن أرسل الحديث بذكر من حدثه به فرجع إليه فكأن عمر قال له تأمل ما تقول فلعله بلغك عن غير ثبت فكأن عروة قال له بل قد سمعته ممن قد سمع صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم والصاحب قد سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم واستد به عياض على جواز الاحتجاج بمرسل الثقة كصنيع عروة حين احتج على عمر قال وإنما راجعه عمر لتثبته فيه لا لكونه لم يرض به مرسلا كذا قال وظاهر السياق يشهد لما قال بن بطال وقال بن بطال أيضا في هذا الحديث دليل على ضعف الحديث الوارد في أن جبريل أم بالنبي صلى الله عليه وسلم في يومين لوقتين مختلفين لكل صلاة قال لأنه لو كان صحيحا لم ينكر عروة على عمر صلاته في آخر الوقت محتجا بصلاة جبريل مع أن جبريل قد صلى في اليوم الثاني في آخر الوقت وقال الوقت ما بين هذين وأجيب باحتمال أن تكون صلاة عمر كانت خرجت عن وقت الاختيار وهو مصير ظل الشئ مثليه لا عن وقت الجواز وهو مغيب الشمس فيتجه إنكار عروة ولا يلزم منه ضعف الحديث أو يكون عروة أنكر مخالفة ما واظب عليه النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصلاة في أول الوقت ورأى أن الصلاة بعد ذلك إنما هي لبيان الجواز فلا يلزم منه ضعف الحديث أيضا وقد روى سعيد بن منصور من طريق طلق بن حبيب مرسلا قال إن

[ 6 ]

الرجل ليصلى الصلاة وما فاتته ولما فاته من وقتها خير له من أهله وماله ورواه أيضا عن بن عمر من قوله ويؤيد ذلك احتجاج عروة بحديث عائشة في كونه صلى الله عليه وسلم كان يصلي العصر والشمس في حجرتها وهى الصلاة التي وقع الإنكار بسببها وبذلك تظهر مناسبة ذكره لحديث عائشة بعد حديث أبى مسعود لأن حديث عائشة يشعر بمواظبته على صلاة العصر في أول الوقت وحديث أبي مسعود يشعر بان أصل بيان الأوقات كان بتعليم جبريل قوله قال عروة ولقد حدثتني عائشة قال الكرماني هو إما مقول بن شهاب أو تعليق من البخاري قلت الاحتمال الثاني على بعده مغاير للواقع كما سيظهر في باب وقت العصر قريبا فقد ذكره مسندا عن بن شهاب عن عروة عن عائشة فهو مقوله وليس بتعليق وسنذكر الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى قوله باب منيبين إليه كذا عند أبي ذر بتنوين باب ولغيره باب قوله تعالى بالإضافة والمنيب التائب من الإنابة وهي الرجوع وهذه الآية مما استدل به من يرى تكفير تارك الصلاة لما يقتضيه مفهومها وأجيب بأن المراد أن ترك الصلاة من أفعال المشركين فورد النهى عن التشبه بهم لا أن من وأفقهم في الترك صار مشركا وهي من أعظم ما ورد في القرآن في فضل الصلاة ومناسبتها لحديث وفد عبد القيس أن في الآية اقتران نفى الشرك بإقامة الصلاة وفي الحديث اقتران اثبات التوحيد باقامتها وقد تقدم الكلام عليه مستوفى في كتاب الإيمان وقوله في هذه الرواية حدثنا عباد وهو بن عباد كذا لأبي ذر وسقطت الواو لغيره وهو ممن وافق اسمه اسم أبيه واسم جده حبيب بن المهلب بن أبي صفرة وقوله إنا هذا الحي هو بالنصب على الاختصاص والله أعلم قوله باب البيعة على أقام الصلاة وفي رواية كريمة إقامة والمراد بالبيعة المبايعة على الإسلام وكان النبي صلى الله عليه وسلم أول ما يشترط بعد التوحيد إقامة الصلاة لأنها رأس العبادات البدنية ثم أداء الزكاة لأنها رأس العبادات المالية ثم يعلم كل قوم ما حاجتهم إليه أمس فبايع جريرا على النصيحة لأنه كان سيد قومه فأرشده إلى تعليمهم بأمره بالنصيحة لهم وبايع وفد عبد القيس على أداء الخمس لكونهم كانوا أهل محاربة مع من يليهم من كفار مضر وقد تقدم الكلام على حديث جرير أيضا مستوفى في آخر كتاب الإيمان ويحيى في الإسناد أيضا هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم قوله باب الصلاة كفارة كذا للأكثر وللمستملى باب تكفير الصلاة قوله حدثنا يحيى هو القطان وشقيق هو بن سلمة أبو وائل قوله سمعت حذيفة للمستملي حدثني حذيفة قوله في الفتنة فيه دليل على جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص إذ تبين أنه لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة ومعنى الفتنة في الأصل الاختبار والامتحان ثم استعملت في كل أمر يكشفه الامتحان عن سوء وتطلق على الكفر والغلو في التأويل البعيد وعلى الفضيحة والبلية والعذاب والقتال والتحول من الحسن إلى القبيح والميل إلى الشئ والاعجاب به وتكون في الخير والشر كقوله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة قوله أنا كما قاله أي أنا أحفظ ما قاله والكاف زائدة للتأكيد أو هي بمعنى على ويحتمل أن يراد بها المثلية أي أقول مثل ما قاله قوله عليه أي على النبي صلى الله عليه وسلم أو عليها أي على المقالة والشك من أحد رواته قوله الأمر

[ 7 ]

والنهي أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما صرح به في الزكاة قوله قلنا هو مقول شقيق وقوله أني حدثته هو مقول حذيفة والاغاليط جمع أغلوطه وقوله فهبنا أي خفنا وهو مقول شقيق أيضا وقوله الباب عمر لا يغاير قوله قبل ذلك أبينة وبين الفتنة بابا لأن المراد بقولة بينك وبينها أي بين زمانك وبين زمان الفتنة وجود حياتك وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في علامات النبو إن شاء الله تعالى قوله أن رجلا هو أبو اليسر بفتح التحتانية والمهملة الأنصاري رواه الترمذي وقيل غيره ولم أقف على اسم المرأة المذكورة ولكن جاء في بعض الأحاديث أنها من الأنصار قوله لجميع أمتي كلهم فيه ومظلمة في التأكيد وسقط كلهم من رواية المستملى وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في آخر تفسير سورة هود إن شاء الله تعالى واحتج المرجئة بظاهره وظاهر الذي قبله على أن أفعال الخير مكفرة للكبائر والصغائر وحملة جمهور أهل السنة على الصغائر وأشار بحمل المطلق على المقيد كما سيأتي بسطة هناك أن شاء الله تعالى قوله باب فضل الصلاة لوقتها كذا ترجم وأورده بلفظ على وقتها وهي رواية شعبة وأكثر الرواة نعم أخرجه في التوحيد من وجه آخر بلفظ الترجمة وكذا أخرجه مسلم باللفظين قوله قال الوليد بن العيزار أخبرني هو على التقديم والتأخير قوله حدثنا صاحب هذه الدار كذا رواه شعبة مبهما ورواه مالك بن مغول عند المصنف في الجهاد وأبو إسحاق الشيباني في التوحيد عن الوليد فصرحا باسم عبد الله وكذا رواه النسائي من طريق أبي معاوية النخعي عن أبي عمرو الشيباني وأحمد من طريق أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود عن أبية قوله وأشار بيده فيه الاكتفاء بالإشارة المفهمة عن التصريح وعبد الله هو بن مسعود قوله أي العمل أحب إلى الله في راوية مالك بن مغول أي العمل أفضل وكذا لأكثر الرواة فإن كان هذا اللفظ هو المسئول به فلفظ حديث الباب ملزوم عنه ومحصل ما أجاب به العلماء عن هذا الحديث وغيره مما اختلفت فيه الأجوبة بأنه أفضل الأعمال أن الجواب اختلف لاختلاف أحوال السائلين بان أعلم كل قوم بما يحتاجون إليه أو بما لهم فيه رغبه أو بما هو لائق بهم أو كان الاختلاف باختلاف الأوقات بان يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره فقد كان الجهاد في ابتداء الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها والتمكن أدائها وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة ومع ذلك ففي وقت مواساة المضطر تكون الصدقة أفضل أو أن أفضل ليست على بابها بل المراد بها الفضل المطلق أو المراد من أفضل الأعمال فحذفت من وهي مرادة وقال بن دقيق العيد الأعمال في هذا الحديث محمولة على البدنية وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من أعمال القلوب فلا تعارض حيئذ بينة وبين حديث أبي هريرة أفضل الأعمال إيمان بالله الحديث وقال غيره المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين لأنه يتوقف على إذن الوالدين فيكون برهما مقدما عليه قوله الصلاة على وقتها قال بن بطال فيه أن البدار إلى الصلاة في أول أوقاتها أفضل من التراخي فيها لأنه إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب قلت وفي أخذ ذلك من اللفظ المذكور نظر قال بن دقيق العيد ليس في هذا اللفظ ما يقتضى أولا ولا أخرا وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء وتعقب بأن إخرجها عن وقتها محرم ولفظ أحب يقتضى المشاركة في الاستحباب

[ 8 ]

فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت وأجيب بأن المشاركة إنما هي بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال فإن وقعت الصلاة في وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من معذور كالنائم والناسى فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم ولا يوصف بكونه أفضل الأعمال مع كونه محبوبا لكن إيقاعها في الوقت أحب تنبية اتفق أصحاب شعبة على اللفظ المذكور في الباب وهو قوله عن وقتها وخالفهم على بن حفص وهو شيخ صدوق من رجال مسلم فقال الصلاة في أول وقتها أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي من طريقة قال الدارقطني ما أحسبة حفظه لأنه كبر وتغير حفظه قلت ورواه الحسن بن على المعمري في اليوم والليلة عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك قال الدارقطني تفرد به المعمري فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ على وقتها ثم أخرجه الدارقطني عن المحاملي عن أبي موسى كرواية الجماعة وهكذا رواه أصحاب غندر عنه والظاهر أن المعمري وهم فيه لأنه كان يحدث من حفظة وقد أطلق النووي في شرح المهذب أن رواية في أول وقتها ضعيفة الله أه لكن لها طريق أخرى أخرجها بن خزيمة في صحيحه والحاكم وغيرهما من طريق عثمابن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد وتفرد عثمان بذلك والمعروف عن مالك بن مغول كرواية الجماعة كذا أخرجه المصنف وغيره وكأن من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد ويمكن أن يكون أخذه من لفظة على لأنها تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فيتعين أوله قال القرطبي وغيره قوله لوقتها اللام للاستقبال مثل قوله تعالى فطلقوهن لعدتهن أي مستقبلات عدتهن وقيل للابتداء كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وقيل بمعنى في أي في وقتها وقوله على وقتها قيل على بمعنى اللام ففيه ما تقدم وقيل لإرادة الاستعلاء على الوقت وفائدته تحقق دخول الوقت ليقع الأداء فيه قوله ثم أي قيل الصواب أنه غير منون لأنه غير موقوف عليه في الكلام والسائل ينتظر الجواب والتنوين لا يوقف عليه فتنوينه ووصله بما بعده خطأ فيوقف عليه وقفه لطيفه ثم يؤتى بما بعده قاله الفاكهانى وحكى بن الجوزي عن بن الخشاب الجزم بتنوينة لأنه معرب غير مضاف وتعقب بأنه مضاف تقديرا والمضاف إليه محذوف لفظا والتقدير ثم أي العمل أحب فيوقف عليه بلا تنوين وقد نص سيبوية على أنها تعرب ولكنها تبنى إذا اضيفت واستشكله الزجاج قوله قال بر الوالدين كذا للأكثر وللمستملى قال ثم بر الوالدين بزيادة ثم قال بعضهم هذا الحديث موافق لقوله تعالى أن اشكر لي ولوالديك وكأنه أخذه من تفسير بن عيينة حيث قال من صلى الصلوات الخمس فقد شكر لله ومن دعا لوالديه عقبها فقد شكر لهما قوله حدثني بهن هو مقول عبد الله بن مسعود وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال وسمع الجواب قوله ولو استردته يحتمل أن يريد من هذا النوع وهو مراتب أفضل الأعمال ويحتمل أن يريد من مطلق المسائل المحتاج إليها وزاد الترمذي من طريق المسعودي عن الوليد فسكت عني رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو استزدته لزادنى فكأنه استشعر منه مشقة ويؤيده ما في رواية لمسلم فما تركت أن استزيده الا ارعاء عليه أي شفقة عليه لئلا يسأم وفي الحديث فضل تعظيم الوالدين وأن أعمال البر يفضل بعضها على بعض وفيه السؤال عن مسائل شتى في وقت واحد والرفق بالعالم والتوقف عن الإكثار عليه خشية ملاله وما كان عليه

[ 9 ]

الصحابة من تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم والشفقة عليه وما كان هو عليه من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه وفيه أن الإشارة تتنزل منزلة التصريح إذا " " كانت معينة للمشار إليه مميزة له عن غيره قال بن بزيزة الذي يقتضية النظر تقديم الجهاد على جميع أعمال البدن لأن فيه بذل النفس إلا أن الصبر على المحافظة على الصلوات وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين أمر السري متكرر دائم لا يصبر على مراقبة أمر الله فيه الا الصديقون والله أعلم قوله باب بالتنوين الصلوات الخمس كفارة كذا ثبت في أكثر الروايات وهي أخص من الترجمة للسابقة على التي قبلها وسقطت الترجمة من بعض الروايات وعليه مشى بن بطال ومن تبعه وزارد الكشميهني بعد قوله كفارة للخطايا إذا صلاهن لوقتهن في الجماعة وغيرها قوله بن أبي حازم والدراوردي كل منهما يسمى عبد العزيز وهما مدنيان وكذا بقية رجال الإسناد قوله عن يزيد بن عبد الله أي بن أبي أسامة بن الهاد المؤذن وهو تابعي صغير ولم أر هذا الحديث بهذا الإسناد إلا من طريقة وأخرجه مسلم أيضا من طريق الليث بن سعد وبكر بن مضر كلاهما عنه نعم روى من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة أخرجه البيهقي في الشعب من طريق محمد بن عبيد عنه لكنه شاذ لأن أصحاب الأعمش إنما رووه عنه عن أبي سفيان عن جابر وهو عند مسلم أيضا من هذا الوجه قوله عن محمد بن إبراهيم هو التيمي راوي حديث الأعمال وهو من التابعين أيضا ففي الإسناد ثلاثة تابعيون على نسق قوله أرايتم هو استفهام تقرير متعلق بالاستخبار أي أخبروني هل يبقى قوله لو أن نهرا قال الطيبي لفظ لو يقتضى أن يدخل على الفعل وأن يجاب لكنه وضع الاستفهام موضعه تأكيدا وتقريرا والتقدير لو ثبت نهر صفته كذا لما بقي كذا والنهر بفتح الهاء وسكونها ما بين جنبي الوادي سمي بذلك لسعته وكذلك سمي النهار لسعة ضوئه قوله ما تقول كذا في النسخ المعتمدة بأفراد المخاطب والمعنى ما تقول يا أيها السامع ولأبي نعيم في المستخرج على مسلم كذا للاسماعيلي والجوزقى ما تقولون بصيغة الجمع والإشارة في ذلك إلى الاغتسال قال بن مالك فيه شاهد على إجراء فعل القول مجرى فعل الظن وشرطه أن يكون مضارعا مسندا إلى المخاطب متصلا باستفهام قوله يبقى بضم أوله على الفاعلية قوله من درنه زاد مسلم شيئا والدرن الوسخ وقد يطلق الدرن على الحب الصغار التي تحصل في بعض الأجساد ويأتي البحث في ذلك قوله قالوا لا يبقى بضم أولة أيضا وشيئا منصوب على المفعولية ولمسلم لا يبقى بفتح أولة وشئ بالرفع والفاء في قوله فذلك جواب شئ محذوف أي إذا تقرر ذلك عندكم فهو مثل الصلوات الخ وفائدة التمثيل التأكيد وجعل المعقول كالمحسوس قال الطيبي في هذا الحديث مبالغة فيه نفى الذنوب لأنهم لم يقتصروا في الجواب على لا بل أعادوا اللفظ تأكيدا وقال بن العربي وجه التمثيل أن المرء كما يتدنس بالأقذار المحسوسة في بدنه وثيابه ويطهره الماء الكثير فكذلك الصلوات تطهر العبد عن أقذار الذنوب حتى لا تبقى له ذنبا إلا أسقطته انتهى وظاهرة أن المراد بالخطايا في الحديث ما هو أعم من الصغيرة والكبيرة لكن قال بن بطال يؤخذ من الحديث أن المراد الصغائر خاصة لأنه العطار الخطايا بالدرن والدرن صغير بالنسبة إلى ما هو أكبر منه من القروح والخراجات انتهى وهو مبنى على أن المراد بالدرن في الحديث الحب والظاهر أن المراد به الوسخ لأنه هو الذي يناسبة الاغتسال والتنظف وقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري

[ 10 ]

التصريح بذلك وهو فيما أخرجه البزار والطبراني بإسنادلا بأس به من طريق عطاء بن يسار أنه سمع أبا سعيد الخدري يحدث أنه سمع رسو الله صلى الله عليه وسلم يقول أرأيت لو أن رجلا كان له معتمل وبين منزلة ومعتملة خمسة أنهار فإذا انطلق إلى معتمله عمل ما شاء الله فأصابه وسخ أو عرق فكلما مر بنهر اغتسل منه الحديث ولهذا قال القرطي ظاهر الحديث أن الصلوات الخمس تستقل بتكفير جميع الذنوب وهو مشكل لكن روى مسلم قبله حديث العلاء عن أبية عن أبي هريرة مرفوعا الصلوات الخمس كفارة لما بينها ما اجتنبت الكبائر فعلى هذا المقيد يحمل ما أطلق في غيره فائدة قال بن بزيزة في شرح الأحكام يتوجه على حديث العلاء إشكال يصعب التخلص منه وذلك أن الصغائر بنص القرآن مكفرة باجتناب الكبائر وإذا كان كذلك فما الذي تكفره الصلوات الخمس انتهى وقد أجاب عنه شيخنا الإمام البلقيني بان السؤال غير وارد لأن مراد الله أن تجتنبوا أي في جميع العمر ومعناه الموافاة على هذه الحالة من وقت الإيمان أو التكليف إلى الموت والذي في الحديث أن الصلوات الخمس تكفر ما بينها أي في يومها إذا اجتنبت الكبائر في ذلك اليوم فعلى هذا لا تعارض بين الآية والحديث انتهى وعلى تقدير ورود السؤال فالتخلص منه بحمد الله سهل وذلك أنه لا يتم أجتناب الكبائر إلا بفعل الصلوات الخمس فمن لم يفعلها لم يعد مجتنبا للكبائر لأن تركها من الكبائر فوقف التكفير على فعلها والله أعلم وقد فصل شيخنا الإمام البلقيني أحول الإنسان بالنسبة إلى ما يصدر منه من صغيرة وكبيرة فقال تنحصر في خمسة أحدها أن لا يصدر منه شئ البتة فهذا يعاوض برفع الدرجات ثانيها يأتي بصغائر بلا إصرار فهذا تكفر عنه جزما ثالثها مثله لكن مع الاصرار فلا تكفر إذا قلنا أن الاصرار على الصغائر كبيرة رابعها أن يأتي بكبيرة واحدة وصغائر خامسها أن يأتي بكبائر وصغائر وهذا فيه نظر يحتمل إذا لم يجتنب الكبائر أن لا تكفر الكبائر بل تكفر الصغائر ويحتمل أن لا تكفر شيئا أصلا والثاني أرجح لأن مفهوم المخالفة إذا لم تتعين جهته لا يعمل به فهنا لا تكفر شيئا إما لاختلاط الكبائر والصغائر أو لتمحض الكبائر أو تكفر الصغائر فلم تتعين جهة مفهوم المخالفة لدورانه بين الفصلين فلا يعمل به ويؤيدة أن مقتضى تجنب الكبائر أن هناك كبائر ومقتضى ما اجتنبت الكبائر أن لا كبائر فيصا الحديث عنه تنبية لم أر في شئ من طرقه عند أحد من الأئمة الستة وأحمد بلفظ متقول إلا عند البخاري وليس هو عن أبي داود أصلا وهو عند بن ماجة من حديث عثمان لامن حديث أبي هريرة ولفظ مسلم أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل فيه كل يوم خمس مرات هل كان يبقى من درنه شئ وعلى يسير اقتصر عبد الحق في الجمع بين الصحيحين وكذا القدرة ووقع في كلام بعض المتأخرين بعد أن ساقه بلفظ ما تقولون أنه في الصحيحين والسنن الأربعة وكأنه أراد أصل الحديث لكن يرد عليه أنه ليس عند أبي داود أصلا ولا بن ماجة من حديث أبي هريرة ووقع في بعض النسخ المتأخرة من البخاري بالياء التحتانية آخر الحروف من يقول فزعم بعض أهل العصر أنه غلط وأنه لا يصح من حيث المعنى واعتمد على ما ذكره بن مالك مما قدمته وأخطأ في ذلك بل له وجه وجيه والتقدير ما يقول أحدكم في ذلك والشرط الذي ذكره بن مالك وغيره من النحاة إنما هو لإجراء فعل القول مجرى فعل الظن كما تقدم وأما إذا ترك القول على حقيقته فلا وهذا ظاهر وإنما نبهت عليه لئلا يغتر به قوله

[ 11 ]

باب في تضييع الصلاة عن وقتها ثبتت هذه الترجمة في رواية الحموي والكشميهني وسقطت للباقين قوله مهدي هو بن ميمون وغيلان هو بن جرير والإسناد كله بصريون قوله قيل الصلاة أي قيل له الصلاة هي شئ مما كان على عهده صلى الله عليه وسلم وهي باقية فكيف يصح هذا السلب العام فأجاب بأنهم ومداواته أيضا بأن أخرجوها عن الوقت وهذا الذي قال لأنس ذلك يقال له أبو رافع بينه أحمد بن حنبل في روايته لهذا الحديث عن روح عن عثمان بن سعد عن أنس فذكر نحوه فقال أبو رافع يا أبا حمزة ولا الصلاة فقال له أنس قد علمتم ما صنع الحجاج في الصلاة قولة صنعتم بالمهملتين والنون للأكثرية وللكشميهني بالمعجمة وتشديد الياء وهو أوضح في مطابقة الترجمة ويؤيد الأول ما ذكرته آنفا من رواية عثمان بن سعد وما رواه الترمذي من طريق أبي عمران الجوني عن أنس فذكر نحو هذا الحديث وقال في آخره أولم يصنعوا في الصلاة ما قد علمتم وروى بن سعد في الطبقات سبب قول أنس هذا القول فأخرج في ترجمة أنس من طريق عبد الرحمن بن العريان الحارثي سمعت ثابتا البناني قال كنا مع أنس بن مالك فأخر الحجاج الصلاة فقام أنس يريد أن يكلمه فنهاه إخوانه شفقة عليه منه فخرج فركب دابته فقال في مسيره ذلك والله ما أعرف شيئا مما كنا عليه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم إلا شهادة أن لا إلا الله فقال رجل فالصلاة يا أبا حمزة قال قد جعلتم الظهر عند المغرب أفتلك كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجه بن أبي عمر في مسنده من طريق حماد عن ثابت مختصرا قوله عن عثمان بن أبي رواد هو خراساني سكن البصرة وأسم أبيه ميمون قوله أخو عبد العزيز أي هو أخو عبد العزيز وللكشميهني أخي عبد العزيز وهو بدل من قوله عثمان قوله بدمشق كان قدوم أنس دمشق في إمارة الحجاج على العراق قدمها شاكيا من الحجاج للخليفة وهو إذ ذاك الوليد بن عبد الملك قوله مما أدركت أي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله إلا هذه الصلاة بالنصب والمراد أنه لا يعرف شيئا موجودا من الطاعات معمولا به على وجهه غير الصلاة قوله وهذه الصلاة قد ضيعت قال المهلب والمراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب لا إنهم أخرجوها عن الوقت كذا قال وتبعه جماعة وهو مع عدم مطابقته للترجمة مخالف للواقع فقد صح أن الحجاج وأميره الوليد وغيرهما كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها والآثار في ذلك مشهورة منهاما رواه عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء قال أخر الوليد الجمعة حتى أمسى فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس ثم صليت العصر وأنا جالس إيماء وهو يخطب وإنما فعذلك عطاء خوفا على نفسه من القتل ومنها ما رواه أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر بن عتبة قال صليت إلى جنب أبي جحيفة فمسى الحجاج بالصلاة فقام أبو جحيفة فصلى ومن طريق بن عمر أنه كان يصلي مع الحجاج فلما أخر الصلاترك أن يشهدها معه ومن طريق محمد بن أبي إسماعيل قال كنت بمنى وصحف تقرأ للوليد فأخروا الصلاة فنظرت إلى سعيد بن جبير وعطاء يومئان إيماء وهما قاعدان قوله وقال بكر بن خلف هو البصري نزيل مكة وليس له في الجامع إلا هذا الموضع وقد وصله الاسماعيلي قال أخبرنا محمود بن محمد الواسطي قال أخبرنا أبو بشر بكر بن خلف قوله نحوه سياقه عند الاسماعيلي موافق للذي قبله إلا أنه زاد فيه وهو وحده وقال فيه لا أعرف شيئا مما كنا عليه في عهد رسوم الله صلى الله عليه

[ 12 ]

وسلم والباقي سواء تنبيه إطلاق أنس أمرهم على ما شاهده من أمراء الشام والبصرة خاصو إلا فسيأتي في هذا الكتاب أنه قدم المدينة فقال ما أنكرت شيئا إلا أنكم لا تقيمون الصفوف والسبب فيه أنه قدم المدنية وعمر بن عبد العزيز أميرها حيئذ وكان على طريقة أهل بيته حتى أخبره عروة عن بشير بن أبي مسعود عن أبية بالنص على الأوقات فكان يحافظ بعد ذلك على عدم إخراج الصلاة عن وقتها كما تقدم بيانه في أوائل الصلاة ومع ذلك فكان يراعى الأمر معهم فيؤخر الظهر إلى آخر وقتها وقد أنكر ذلك أنس أيضا كما في حديث أبي أمامة بن سهل عنه قوله باب المصلي يناجي ربه تقدم الكلام على حديث هذا الباب في أبواب المساجد ومناسبة هذه الترجمة لما قبلها من جهة أن الأحاديث السابقة دلت على مدح من أوقع الصلاة في وقتها وذم ما أخرجها عن وقتها ومناجاة الرب جل جلالة أرفع درجات العبد فأشار المصنف بإيراد ذلك إلى الترغيب في المحافظة على الفرائض في أوقاتها لتحصيل هذه المنزلة السنية التي يخشى فواتها على من قصر في ذلك قوله حدثنا هشام هو بن أبي عبد الله الدستوائي قوله وقال سعيد أي بن أبي عروبة عن قتادة أي بالإسناد المذكور وطريقه موصولة عند الإمام أحمد وابن حبان وقوله فيها قدامة أو بين يديه شك من الراوي قوله وقال شعبة أي عن قتادة بالإسناد أيضا وطريقه موصولة عند المصنف فيما تقدم عن آدم عنه وتقدم أيضا في باب حك المخاط من المسجد عن حفص بن عمر عن شعبة وأراد بهذين التعليقين بيان اختلاف ألفاظ أصحاب قتادة عنه في رواية هذا الحديث ورواية شعبة أتم الروايات لكن ليس فيها المناجاة وقال الكرماني ليس هذا التعليق موقوفا على قتادة ولا على شعبة يعني بل هي مرفوعه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ويحتمل الدخول تحت الإسناد السابق بان يكون معناه مثلا حدثنا سلم حدثنا هشام حدثنا مسلم قال قال سعيد وحدثنا مسلم قال قال شعبة انتهى وهو احتمال ضعيف بالنسبة لشعبة فإن مسلم بن إبراهيم سمع منه وباطل بالنسبة لسعيد فإنه لا رواية له عنه والذي ذكرته هو المعتمد وكذا طريق حميد وصلها المؤلف في أول أبواب المساجد من طريق إسماعيل بن جعفر عنه لكن ليس فيها قوله ولا عن يمينه قوله اعتدلوا في السجود يأتي الكلام عليه في أبواب صفه الصلاة قوله فإنما يناجي في رواية الكشميهني فإنه يناجي ربه قال الكرماني ما حاصله تقدم أن علة النهى عن البزاق عن اليمين بأن عن يمينه ملكا وهنا علل بالمناجاة ولا تنافى بينهما لأن الحكم الواحد يجوز أن يكون له علتان سواء كانتا مجتمعتين أو منفردتين والمناجي تارة يكون قدام من يناجيه وهو الأكثر وتارة يكون عن يمينه قوله باب الابراد بالظهر في شدة الحر قدم المصنف باب الابراد على باب وقت الظهر لأن لفظ الابراد يستلزم أن يكون بعد الزوال لا قبله إذ وقت الإبراد هو ما إذا انحط ت قوة الوهج من حر الظهيرة فكأنه أشار إلى أول وقت الظهر أو أشار إلى حديث جابر بن سمرة قال كان بلال يؤذن الظهر إذا دحضت الشمس أي مالت قوله حدثنا أيواب هوبن سليمان بن بلال كما في رواية أبي ذر وأبو بكر هو بن أبي أويس وهو من أقران أيوب وسليمان هو بن بلال والد أيوب روى أيوب عنه تارة بواسطة وتارة بلا واسطة قوله حدثنا الأعرج عبد الرحمن وغيره هو أبو سلمة بن عبد الرحمن فيما أظن وقد رواه أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن أيوب بن سليمان فلم يقل فيه وغيره والإسناد كله مدنيون

[ 13 ]

قوله ونافع هو بالرفع عطفا على الأعرج وهو من رواية صالح بن جلس عن نافع وقد روى بن ماجة من طريق عبد الرحمن الثقفي عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر بعضه أبردوا بالظهر وروى السراج من هذا الوجه بعضه شدة الحر من فيح جهنم قوله أنهما أي أبا هريرة وابن عمر حدثاه أي حدثا من حدث صالبن جلس ويحتمل أن يكون ضمير أنهما يعود على الأعرج ونافع أي أن الأعرج ونافعا حدثاه أي صالح بن جلس عن شيخهما بذلك ووقع في رواية الاسماعيلي أنهما حدثاه بغير ضمير فلا يحتاج إلى التقدير المذكور قوله إذا أشتد أصله أشتدد بوزن افتعل من الشدة ثم أدغمت إحدى الدالين في الأخرى ومفهومه أن الحر إذا لم يشتد لم يشرع الإبراد وكذا لا يشرع في البرد من باب الأولى قوله ح فأبردوا بقطع الهمزة وكسر الراء أي أخروا إلى أن يبرد الوقت يقال أبرد إذا دخل في البرد كأظهر إذا دخل في الظهيرة ومثله في المكان أنجد إذا دخل نجدا وأتهم إذا دخل تهامة والأمر بالإبرا أمر استحباب وقيل أمر إرشاد وقيل بل هو للوجوب حكاه عياض وغيره وغفل الكرماني فنقل الإجماع على عدم الوجوب نعم قال جمهور أهل العلم يستحب تأخير الظهر في شدة الحر إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج وخصه بعضهم بالجماعة فأما المنفرد فالتعجيل في حقه أفضل وهذا قول أكثر المالكية والشافعي أيضا لكن خصه بالبلد الحار وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد فلو كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن فالأفضل في حقهم التعجيل والمشهور عن أحمد التسوية من غير تخصيص ولا قيد وهو قول إسحاق والكوفيين وابن المنذر واستدل له الترمذي بحديث أبي ذر الآتي بعد هذا لأن في روايته أنهم كانوا في سفر وهي رواية للمصنف أيضا ستأتي قريبا قال فلو كان على ما ذهب إليه الشافعي لم يأمر بالإبراد لاجتماعهم في السفر وكانوا لا يحتاجون إلى أن ينتابوا من البعد قال الترمذي والأول أولى للإتباع وتعقبه الكرماني بأن العادة في العسكر الكثير تفرقهم في أطراف المنزل للتخفيف وطلب الرعى فلا نسلم اجتماعهم في تلك الحالة انتهى وأيضا فلم تجر عادتهم باتخاذ خباء كبير يجمعهم بل كانوا يتفرقون في ظلال الشجر وليس هناك كن يمشون فيه فليس في سياق الحديث ما يخالف ما قاله الشافعي وغايته أنه استنبط من النص العام وهو الأمر بالإبراد معنى يخصصه وذلك جائز على الأصح في الأصول لكنه مبنى على أن العلة في ذلك تأذيهم بالحر في طريقهم وللمتمسك بعمومه أن يقول العلة فيه تأذيهم بحر الرمضاء في جباههم حالة السجود ويؤيده حديث أنس كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم بالظهائر سجدنا على ثيابنا اتقاء الحر رواه أبو عوانة في صحيحه بهذا اللفظ وأصله في مسلم وفي حديث أنس أيضا في الصحيحين نحوه وسيأتي قريبا والجواب عن ذلك أن العلة الأولى أظهر فإن الإبراد لا يزيل الحر عن الأرض وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل مطلقا وقالوا معنى أبردوا صلوا في أول الوقت أخذا من برد النهار وهو أوله وهو تأويل بعيد ويرده قوله فإن شدة الحر من فيح جهنم إذ التعليل بذلك يدل على أن المطلوب التأخير وحديث أبي ذر الآتي صريح في ذلك حيث قال أنتظر أنتظر والحامل لهم على ذلك حديث خباب شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا أي فلم يزل شكوانا وهو حديث صحيح رواه مسلم وتمسكوا أيضا بالأحاديث الدالة على فضيلة أول الوقت وبأن الصلاة حينئذ أكثر مشقة فتكون أفضل

[ 14 ]

والجواب عن حديث خباب أنه أمرهم على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا عن وقت الإبراد وهو زوال حر الرمضاء وذلك قد يستلزم خروج الوقت فلذلك لم يجبهم أو هو منسوخ بأحاديث الإبراد فإنها متأخره عنه واستدل له الطحاوي بحديث المغيرة بن شعبة قال كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم الظهر بالهاجرة ثم قال لنا أبردوا بالصلاة الحديث وهو حديث رجاله ثقات رواه أحمد وابن ماجة وصححه بن حبان ونقل أسمع عن أحمد أنه قال هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع بعضهم بين الحديثين بأن الابراد رخصة والتعجيل أفضل وهو قول من قال إنه أمر إرشاد وعكه بعضهم فقال الإبراد أفضل وحديث خباب يدل على الجواز وهو الصارف للأمر عن الوجوب كذا قيل وفيه نظر لأن ظاهره المنع من التأخير وقيل معنى قول خباب فلم يشكنا أي فلم يحوجنا إلى شكوى بل أذن لنا في الإبراد حكى عن ثعلب ويرده أن في الخبر زيادة رواها بن المنذر بعد قوله فلم يشكنا وقال إذا زالت الشمس فصلوا وأحسن الأجوبة كما قال المازري الأول والجواب عن أحاديث أول الوقت أنها عامة أو مطلقه والأمر بالإبراد خاص فهو مقدم ولا التفات إلى من قال التعجيل أكثر مشقة فيكون أفضل لأن الأفضلية لم تنحصر في الأشق بل قد يكون الأخف أفضل كما في قصر الصلاة في السفر قوله بالصلاة كذا للأكثر والباء للتعدية وقيل زائدة ومعنى أبردوا أخروا على سبيل التضمين أي أخروا الصلاة وفي رواية الكشميهني عن الصلاة فقيل زائدة أيضا أو عن بمعنى الباء أو هي للمجاوزة أي تجاوزوا وقتها المعتاد إلى أن تنكسر شدة الحر والمراد بالصلاة الظهر لأنها الصلاة التي يشتد الحر غالبا في أول وقتها وقد جاء صريحا في حديث أبي سعيد كما سيأتي آخر الباب فلهذا حمل المصنف في الترجمة المطلق على المقيد والله أعلم وقد حمل بعضهم الصلاة على عمومها بناء على أن المفرد المعرف يعم فقال به أشهب في العصر وقال به أحمد في رواية عنه في الشتاء حيث قال تؤخر في الصيف دون الشتاء ولم يقل أحد به في المغرب ولا في الصبح لضيق وقتهما قوله فإن شدة الحر تعليل لمشروعية التأخير المذكور وهل الحكمة فيه دفع المشقة لكونها قد تسلب الخشوع وهذا أظهر أو كونها الحالة التي ينتشر فيها العذاب ويؤيدة حديث عمرو بن عبسه عند مسلم حيث قال له أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس فإنها ساعة تسجر فيها جهنم وقد استشكل هذا بان الصلاة سبب الرحمة ففعلها مظنه لطرد العذاب فكيف أمر بتركها وأجاب عنه أبو الفتح اليعمري بان التعليل إذا جاء من جهة الفاء وجب قبوله وأن لم يفهم معناه واستنبط له الزين بن المنير معنى يناسبة فقال وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب إلا ممن أذن له فيه والصلاة لا تنفك عن كونها طلبودعاء فناسب الاقتصار عنها حينئذ واستدل بحديث الشفاعة حيث اعتذر الأنبياء كلهم للأمم بأن الله تعالى غضب غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله سوى نبينا صلى الله عليه وسلم فلم يعتذر بل طلب لكونه أذن له في ذلك ويمكن أن يقال سجر جهنم سبب فيحها وفيحها سبب وجود شدة الحر وهو مظنة المشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب أن لا يصلي فيها لكن يرد عليه أن سجرها مستمر في جميع السنة والإبراد مختص بشدة الحر فهما متغايران فحكمة الإبراد دفع المشقة وحكمة الترك وقت سجرها لكونه وقت ظهور أثر الغضب والله أعلم قوله من فيح جهنم أي من سعة انتشارها وتنفسها ومنه مكان أفيح أي متسع وهذا كناية عن شدة استعارها وظاهره أن مثار وهج الحر في

[ 15 ]

الأرض من فيح جهنم حقيقة وقيل هو من مجاز التشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر والأول أولى ويؤيده الحديث الآتي اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين وسيأتي البحث فيه قوله عن المهاجر أبي الحسن المهاجر اسم وليس بوصف والألف واللام فيه للمح الصفة كما في العباس وسيأتي في الباب الذي بعده بغير ألف ولام قوله عن أبي ذر في رواية المصنف في صفة النار من طريق أخرى عن شعبة بهذا الإسناد سمعت أبا ذر قوله أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم هو بلال كما سيأتي قريبا قوله الظهر بالنصب أي أذن وقت الظهر ورواه الاسماعيلي بلفظ أراد أن يؤذن بالظهر وسيأتي بلفظ للظهر وهما واضحان قوله فقال أبرد ظاهره أن الأمر بالإبراد وقع بعد تقدم الأذان منه وسيأتي في الباب الذي بعده بلفظ فأراد أن يؤذن للظهر وظاهره أن ذلك وقع قبل الأذان فيجمع بينهما على أنه شرع في الأذان فقيل له أبرد فترك فمعنى أذن شرع في الأذان ومعنى أراد أن يؤذن أي يتم الأذان والله أعلم قوله حتى رأينا فئ التلول كذا وقع هنا مؤخرا عن قوله شدة الحر الخ وفي غير هذه الرواية وقع ذلك عقب قوله أبردوا وهو أوضح في السياق لأن الغاية متعلقة بالإبراد وسيأتي في الباب الذي بعده بقية مباحثه إن شاء الله تعالى قوله حفظناه من الزهري في رواية الاسماعيلي عن جعفر الفريابي عن على بن المديني شيخ المصنف فيه بلفظ حدثنا الزهري قوله عن سعيد بن المسيب كذا رواه أكثر أصحاب سفيان عنه ورواه أبو العباس السراج عن أبي قدامة عن سفيان عن الزهري عن سعيد أو بي سلمة أحدهما أو كلاهما ورواه أيضا من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري عن أبي سلمة وحده والطريقان محفوظان فقد رواه الليث وعمرو بن الحارث عند مسلم ومعمر وابن جريج عند أحمد وابن أخي الزهري وأسامة بن زيد عند السراج ستتهم عن الزهري عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة قوله واشتكت النار في رواية الاسماعيلي قال واشتكت النار وفاعل قال هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالإسناد المذكور قبل ووهم من جعله موقوفا أو معلقا وقد أفرده أحمد في مسنده عن سفيان وكذلك السراج من طريق سفيان وغيره وقد اختلف في هذه الشكوى هل هي بلسان المقال أو بلسان الحال واختار كلا طائفة وقال بن عبد البر لكلا القولين وجه ونظائر والأول أرجح وقال عياض إنه الأظهر وقال القرطبي لا إحالة في حمل اللفظ على حقيقته قال وإذا أخبر الصادق بأمر جائز لم يحتج إلى تأويله فحمله على حقيقته أولى وقال النووي نحو ذلك ثم قال حمله على حقيقته هو الصواب وقال نحو ذلك التوربشتى ورجح البيضاوي حمله على المجاز فقال شكواها مجاز عن غليانها وأكلها بعضها بعضا مجاز عن ازدحام أجزائها وتنفسها مجاز عن خروج ما يبرز منها وقال الزين بن المنير المختار حمله على الحقيقة لصلاحية القدرة لذلك ولا استعارة الكلام للحال وإن عهدت وسمعت لكن الشكوى وتفسيرها والتعليل له والإذن والقبول والتنفس وقصره على اثنين فقط بعيد من المجاز خارج عما ألف من استعماله قوله بنفسين بفتح الفاء والنفس معروف وهو ما يخرج من الجوف ويدخل فيه من الهواء قوله نفس في الشتاء ونفس في الصيف بالجر فيهما على البدل أو البيان ويجوز الرفع والنصب قوله أشد يجوز الكسر فيه على البدل لكنه في روايتنا بالرفع قال البيضاوي هو خبر مبتدأ محذوف تقديره فذلك أشد وقال الطيبي

[ 16 ]

جعل أشد مبتدأ محذوف الخبر أولى والتقدير أشد ما تجدون من الحر من ذلك النفس قلت يؤيد الأول رواية الاسماعيلي من من هذا الوجه بلفظ فهو أشد ويؤيد الثاني رواية النسائي من وجه آخر بلفظ فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وفي سياق المصنف لف ونشر غير مرتب وهو مرتب في رواية النسائي والمراد بالزمهرير شدة البرد واستشكل الجوزي في النار ولا إشكال لأن المراد بالنار محلها وفيها طبقة زمهريرية وفي الحديث رد على من زعم من المعتزلة وغيرهم أن النار لا تخلق إلا يوم القيامة تنبيهان الأول قضية التعليل المذكور قد يتوهم منها مشروعية تأخير الصلاة في وقت شدة البرد ولم يقل به أحد لأنها تكون غالبا في وقت الصبح فلا تزول إلا بطلوع الشمس فلو أخرت لخرج الوقت الثاني النفس المذكور ينشأ عنه أشد الحر في الصيف وإنما لم يقتصر في الأمر بالإبراد على أشده لوجود المشقة عند شديد أيضا فالأشدية تحصل عند التنفس والشدة مستمرة بعد ذلك فيستمر الإبراد إلى أن تذهب الشدة والله أعلم قوله بالظهر قد يحتج به على مشروعية الإبراد للجمعة وقال به بعض الشافعية وهو مقتضى صنيع المصنف كما سيأتي في بابه لكن الجمهور على خلافه كما سيأتي توجيهه إن شاء الله تعالى قوله تابعه سفيان هو الثوري قد وصله المؤلف في صفه النار من بدء الخلق ولفظه بالصلاة ولم أره من طريق سفيان بلفظ بالظهر وفي إسناده اختلاف على الثوري رواه عبد الرزاق عنه بهذا الإسناد فقال عن أبي هريرة بدل أبي سعيد أخرجه أحمد عنه والجوزقى من طريق عبد الرزاق أيضا ثم روى عن الذهلي قال هذا الحديث رواه أصحاب الأعمش عنه عن أبي صالح عن أبي سعيد وهذه الطريق أشهر ورواه زائدة وهو متقن عنه فقال عن أبي هريرة قال والطريقان عندي محفوظان لأن الثوري رواه عن الأعمش بالوجهين قوله ويحيى هو بن سعيد القطان وقد وصله أحمد عنه بلفظ بالصلاة ورواه الاسماعيلي عن أبي يعلى عن المقدمي عن يحيى بلفظ بالظهر قوله وأبو عوانة لم أقف على من وصله عنه وقد أخرجه السراج من طريق محمد بن عبيد والبيهقي من طريق وكيع كلاهما عن الأعمش أيضا بلفظ بالظهر فائدة رتب المصنف أحاديث هذا الباب ترتيبا حسنا فبدأ بالحديث المطلق وثنى بالحديث الذي فيه الإرشاد إلى غاية الوقت التي ينتهى إليها الإبراد وهو ظهور فئ التلول وثلث بالحديث الذي فيه بيان العلة في كون ذلك المطلق محمولا على المقيد وربع بالحديث المفصح بالتقييد والله الموفق قوله باب الإبراد بالظهر في السفر أراد بهذه الترجمة أن الإبراد لا يختص بالحضر لكن محل ذلك ما إذا كان المسافر نازلا أما إذا كان سائرا أو على سير ففيه جمع التقديم أو التاخير كما سيأتي في بابه وأورد فيه حديث أبي ذر الماضي مقيدا بالسفر مشيرا به إلى أن تلك الرواية المطلقة محمولة على هذه المقيدة قوله فأراد المؤذن في رواية أبي بكر بن أبي شيبة عن شبابة ومسدد عن أمية بن خالد والترمذي من طريق أبي داود الطيالسي وأبي عوانة من طريق حفص بن عمر ووهب بن جرير والطحاوي والجوزقى من طريق وهب أيضا كلهم عن شعبة التصريح بأنه بلال قوله ثم أراد أن يؤذن فقال له أبرد زاد أبو داود في روايته عن أبي الوليد عن شعبة مرتين أو ثلاثا وجزم مسلم بن إبراهيم عن شعبة بذكر الثالثة وهو عند المصنف في باب الأذان للمسافرين فإن قيل الإبراد الولاء فكيف أمر المؤذن به للأذان فالجواب أن ذلك مبنى على أن

[ 17 ]

الأذان هل هو للوقت أو الولاء وفيه خلاف مشهور والأمر المذكور يقوي القول بأنه الولاء وأجا ب الكرماني بأن عادتهم جرت بأنهم لا يتخلفون عند سماع الأذان عن الحضور إلى الجماعة فالإبراد بالأذان لغرض الإبراد بالعبادة قال ويحتمل أن المراد بالتأذين هنا اشتراط قلت ويشهد له رواية الترمذي من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة بلفظ فأراد بلال أن يقيم لكن رواه أبو عوانة من طريق حفص بن عمر عن شعبة بلفظ فأرا بلال أن يؤذن وفيه ثم أمره فأذن وأقام ويجمع بينهما بأن إقامته كانت لا تتخلف عن الأذان لمحافظته صلى الله عليه وسلم على الصلاة في أول الوقت فرواية فأراد بلال أن يقيم أي أن يؤذن ثم يقيم ورواية فأراد أن يؤذن أي ثم يقيم قوله حتى رأينا في التلول هذه الغاية متعلقة بقوله فقال له أبرد أي كان يقول له في الزمان الذي قبل الرؤية أبرد أو متعلقة بأبراد أي قال له أبرد إلى أن ترى أو متعلقة بمقدر أي قال له أبرد فأبرد إلى أن رأينا والفئ بفتح الفاء وسكون الياء بعدها همزة هو ما بعد الزوال من الظل والتلول جمع تل بفتح المثناة وتشديد اللام كل ما اجتمع على الأرض من تراب أو رمل أو نحو ذلك وهي في الغالب منبطحة غير شاخصة فلا يظهر لها ظل إلا إذا ذهب أكثر وقت الظهر وقد اختلف العلماء في غاية الإبراد فقيل حتى يصير الظل ذراعا بعد ظل الزوال وقيل ربع قامة وقيل ثلثها وقيل نصفها وقيل غير ذلك ونزلها المازري على اختلاف الأوقات الجاري على القواعد أنه باختلاف الأحوال لكن يشترط أن لا يمتد إلى آخر الوقت وأما ما وقع عند المصنف في الأذان عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ حتى ساوى الظل التلول فظاهره يقتضى أنه أخرها إلى أن صار ظل كل شئ مثله ويحتمل أن يراد بهذه المساواة ظهور الظل بجنب التل بعد أن لم يكن ظاهرا فساواه في الظهور لا في المقدار أو يقال قد كان ذلك في السفر فلعله أخر الظهر حتى يجمعها مع العصر قوله وقال بن عباس يتفيأ يتميل أي قال في تفسير قوله تعالى يتفيأ ظلاله معناه يتميل كأنه أراد أن الفئ سمي بذلك لأنه ظل مائل من جهة إلى أخرى وتتفيأ في روايتنا بالمثناة الفوقانية أي الظلال وقرئ أيضا بالتحتانية أي الشئ والقراءتان شهيرتان وهذا التعليق في رواية المستملى وكريمة وقد وصله بن أبي حاتم في تفسيره قوله باب بالتنوين وقت الظهر أي ابتداؤه عند الزوال أي زوال الشمس وهو ميلها إلى جهة المغرب وأشار بهذه الترجمة إلى الرد على من زعم من الكوفيين أن الصلاة لا تجب بأول الوقت كما سيأتي ونقل بن بطال أن الفقهاء بأسرهم على خلاف ما نقل عن الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت أنكر نفلا انتهى والمعروف عند الحنفية تضعيف هذا القول ونقل بعضهم أن أول الظهر إذا صار الفئ قدر الشراك قوله وقال جابر هو طرف من حديث وصله المصنف في باب وقت المغرب بلفظ كان يصلي الظهر بالهاجرة والهاجرة اشتداد الحر في نصف النهار قيل سميت بذلك من الهجر وهو الترك لأن الناس يتركون التصرف حينئذ لشدة الحر ويقيلون وحديث أنس تقدم في العلم في باب من برك على ركبتيه بهذا الإسناد لكن باختصار وسيأتي الكلام على فوائده مستوعبا إن شاء الله تعالى في كتاب الاعتصام قوله زاغت أي مالت وقد رواه الترمذي بلفظ زالت والغرض منه هنا صدر الحديث وهو قوله خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر فإنه يقتضى أن زوال الشمس أول وقت الظهر إذا لم ينقل أنه صلى قبله وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع وكان فيه خلاف قديم عن

[ 18 ]

بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبل الزوال وعن أحمد وإسحاق مثله في الجمعة كما سيأتي في بابه قوله في عرض هذا الحائط بضم العين أي جانبه أو وسطه وقوله فلم أر كالخير والشر أي المرئي في ذلك المقام قوله عن أبي المنهال في رواية الكشميهني حدثنا أبو المنهال وهو سيار بن سلامة الآتي ذكره في باب وقت العصر من رواية عوف عنه قوله يعرف جليسه أي الذي بجنبه ففي رواية الجوزقي من طريق وهب بن جرير عن شعبة فينظر الرجل إلى جليسه إلى جنبه فيعرف وجهه ولأحمد فينصرف الرجل فيعرف وجه جليسه وفي رواية لمسلم فينظر إلى وجه جليسه الذي يعرف فيعرفه وله في أخرى وننصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض قوله والعصر بالنصب أي ويصلي العصر قوله وأحدنا يذهب إلى أقصى المدينة رجع والشمس حية كذا وقع هنا في رواية أبي ذر والأصيلي وفي رواية غيرهما ويرجع بزيادة واو وبصيغة المضارعة عليها شرح الخطابي وظاهرة حصول الذهاب إلى أقصى المدينة والرجوع من ثم إلى المسجد لكن في رواية عوف الآتية قريبا ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية فليس فيه إلا الذهاب فقط دون الرجوع وطريق الجمع بينها وبين رواية الباب أن يقال يحتمل أن الواو في قوله وأحدنا بمعنى ثم على قول من قال أنها ترد للترتيب مثل ثم وفيه تقديم وتأخير والتقدير ثم يذهب أحدنا أي ممن صلى معه وأما قوله رجع فيحتمل أن يكون بمعنى يرجع ويكون بيانا لقوله يذهب ويحتمل أن يكون رجع في موضع الحال أي يذهب راجعا ويحتمل أن أداة الشرط سقطت إما لو أو إذا والتقدير ولو يذهب أحدنا الخ وجوز الكرماني أن يكون رجع خبرا للمبتدأ الذي هو أحدنا ويذهب جملة حالية وهو وإن كان محتملا من جهة اللفظ لكنه يغاير رواية عوف وقد رواه أحمد عن حجاج بن محمد عن شعبة بلفظ والعصر يرجع الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية ولمسلم والنسائي من طريق خالد بن الحارث عن شعبة مثله لكن بلفظ يذهب بدل يرجع وقح ال الكرماني أيضا بعد أن حكى احتمالا آخر وهو أي قوله رجع عطف على يذهب والواو مقدرة ورجع بمعنى يرجع انتهى وهذا الاحتمال الأخير جزم به بن بطال وهو موافق للرواية التي حكيناها ويؤيد ذلك رواية أبي داود عن حفص بن عمر شيخ المصنف فيه بلفظ وأن أحدنا ليذهب إلى أقصى المدينة ويرجع والشمس حية وقد قدمنا ما يرد عليها وأن رواية عوف أوضحت أن المراد بالرجوع الذهاب أي من المسجد وإنما سمي رجوعا لأن ابتداء المجئ كان من المنزل إلى المسجد فكان الذهاب منه إلى المنزل رجوعا وسيأتى الكلام على بقية مباحث هذا الحديث في باب وقت العصر قريبا قوله وقال معاذ هو بن معاذ البصري عن شعبة أي شوال المذكور وهذا التعليق وصله مسلم عن عبيد الله بن معاذ عن أبيه به والإسناد كله بصريون وكذا الذي قبله وجزم حماد بن سلمة عن أبي المنهال عند مسلم بقوله إلى ثلث الليل وكذا لأحمد عن حجاج عن شعبة قوله حدثنا محمد كذا للأصيلي وغيره ولأبي ذر بن مقاتل قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك قوله أخبرنا خالد بن عبد الرحمن كذا وقع هنا مهملا وهو السلمي واسم جده بكير وثبت الأمران في مستخرج الاسماعيلي وليس له عند البخاري غير هذا الحديث الواحد وفي طبقته خالد بن عبد الرحمن الخراساني نزيل دمشق وخالد بن عبد الرحمن الكوفي العبدي ولم يخرج لهما البخاري شيئا قوله بالظهائر جمع ظهيرة وهي الهاجرة والمراد صلاة

[ 19 ]

الظهر قوله سجدنا على ثيابنا كذا في رواية أبي ذر والاكثرين وفي رواية كريمة فسجدنا بزيادة فاء وهي عاطفة على شئ مقدر قوله اتقاء الحر أبي للوقاية من الحر وقد روى هذا الحديث بشر بن المفضل عن غالب كما مضى ولفظه مغاير للفظه لكن المعنى متقارب وقد تقدم الكلام عليه في باب السجود على الثوب في شدة الحر وفيه الجواب عن استدلال من استدل به على جواز السجود على الثوب ولو كان يتحرك بحركته وفيه المبادرة لصلاة الظهر ولو كان في شدة الحر ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد بل هو لبيان الجواز وأن كان الإبراد أفضل والله أعلم قوله باب تأخير الظهر إلى العصر أي إلى أول وقت العصر والمراد أنه عند فراغه منها دخل وقت صلاة العصر كما سيأتي عن أبي الشعثاء راوي الحديث وقال الزين بن المنير أشار البخاري إلى اثبات القول باشتراك الوقتين لكن لم يصرح بذلك على عادته في الأمور المحتملة لأن لفظ الحديث يحتمل ذلك ويحتمل غيره قال والترجمة مشعرة بانتفاء الفاصلة بين الوقتين وقد نقل بن بطال عن الشافعي وتبعه غيره فقالوا قال الشافعي بين وقت الظهر وبين وقت العصر فاصله لا تكون وقتا للظهر ولا العصر أه لايعرف ذلك في كتب المذهب عن الشافعي وإنما المنقول عنه أنه كان يذهب إلى أن آخر وقت الظهر ينفصل من أول وقت العصر ومراده نفى القول بالاشتراك ويدل عليه أنه احتج بقول بن عباس وقت الظهر إلى والعصر إلى المغرب فكما أنه لا اشتراك بين العصر والمغرب فكذلك لا اشتراك بين الظهر والعصر قوله عن جابر بن زيد هو أبو الشعثاء والإسناد كله بصريون قوله سبعا وثمانيا أي سبعا جميعا وثمانيا جميعا كما صرح به في باب وقت المغرب من طريق شعبة عن عمرو بن دينار قوله فقال أيوب هو السختياني والمقول له هو أبو الشعثاء قوله عسى أي أن يكون كما قلت واحتما المطر قال به أيضا مالك عقب إخراجه لهذا الحديث عن أبي الزبير عن سعيد بن جبير عن بن عباس نحوه وقال بدل قوله بالمدينة من غير خوف ولا سفر قال مالك لعله كان في مطر لكن رواه مسلم وأصحاب السنن من طريق حبيب بن أبي ثابتا عن سعيد بن جبير بلفظ من غير خوف ولا مطر فانتفى أن يكون الجمع المذكور للخوف أو السفر أو المطر وجوز بعض العلماء أن يكون الجمع المذكور للمرض وقواه النووي وفيه نظر لأنه لو كان جمعه صلى الله عليه وسلم بين الصلاتين لعارض المرض لما صلى معه إلا من به نحو ذلك العذر والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم جمع بأصحابه وقد صرح بذلك بن عباس في روايته قال النووي ومنهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت العصر دخل فصلاها قال وهو باطل لأنه وإن كان فيه أدنى احتمال في الظهر والعصر فلا احتمال فيه في المغرب والعشاء أو كأن نفيه الاحتمال مبنى على أنه ليس للمغرب إلا وقت واحد والمختار عنده خلافه وهو أن وقتها يمتد إلى العشاء فعلى هذا فالاحتمال قائم قال ومنهم من تأوله على أن الجمع المذكور صوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها وعجل العصر في أول وقتها قال وهو احتمال ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل أه وهذا الذي ضعفه استحسنه القرطبي ورجحه قبله إمام الحرمين وجزم به من القدماء بن الماجشون والطحاوي وقواه بن سيد الناس بأن أبا الشعثاء وهو راوي الحديث عن بن عباس قد قال به وذلك فيما رواه الشيخان من طريق بن عيينة عن

[ 20 ]

عمرو بن دينار فذكر هذا الحديث وزاد قلت يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء قال وأنا أظنه قال بن سيد الناس وراوي الحديث أدرى بالمراد من غيره قلت لكن لم يجزم بذلك بل لم يستمر عليه فقد تقدم كلامه لأيوب وتجويزه لأن يكون الجمع بعذر المطر لكن يقوي ما ذكره من الجمع الصوري أن طرق الحديث كلها ليس فيها تعرض لوقت الجمع فأما أن تحمل على مطلقها فيستلزم إخراج الصلاة عن وقتها المحدود بغير عذر وإما أن تحمل على صفة مخصوصة لا تستلزم الإخراج ويجمع بها بين مفترق الأحاديث والجمع الصوري أولى والله أعلم وقد ذهب جماعة من الأئمة إلى الأخذ بظاهر هذا الحديث فجوزوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا لكن بشرط أن لا يتخذ ذلك عادة وممن قال به بن سيرين وربيعة وأشهب وابن المنذر والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث واستدل لهم بما وقع عند مسلم في هذا الحديث من طريق سعيد بن جبير قال فقلت لابن عباس لم فعل ذلك قال أراد أن لا يحرج أحدا من أمته وللنسائي من طريق عمرو بن هرم عن أبي الشعثاء أن بن عباس صلى بالبصر الأولى والعصر ليس بينهما شئ والمغرب والعشاء ليس بينهما شئ فعل ذلك من شغل وفيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل بن عباس المذكور كان بالخطبة وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم ثم جمع بين المغرب والعشاء وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه وما ذكره بن عباس من التعليل بنفى الحرج ظاهر في مطلق الجمع وقد جاء مثله عن بن مسعود مرفوعا أخرجه الطبراني ولفظه جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء فقيل له في ذلك فقال صنعت هذا لئلا تحرج أمتي وإرادة نفى الحرج يقدح في حمله على الجمع الصوري لأن القصد إليه لا غلام عن حرج قوله باب وقت العصر وقال أبو أسامة عن هشام من قعر حجرتها كذا وقع هذا التعليق في رواية أبي ذر والأصيلي وكريمة والصواب تأخيره عن الإسناد الموصول كما جرت به عادة المصنف والحاصل أن أنس بن عياض وهو أبو ضمرة المؤذن وأبا أسامة رويا الحديث عن هشام وهو بن عروة بن الزبير عن أبيه عن عائشة وزاد أبو أسامة التقييد بقعر الحجرة وهو أوضح في تعجيل العصر من الرواية المطلقة وقد وصل الاسماعيلي طريق أبي أسامة في مستخرجه لكن بلفظ والشمس واقعه في حجرتي وعرف بذلك أن الضمير في قوله حجرتها لعائشة وفيه نوع التفاف وإسناد أبي ضمرة كلهم مدنيون والمراد بالحجرة وهي بضم المهملة وسكون الجيم البيت والمراد بالشمس ضوؤها وقوله في رواية الزهري والشمس في حجرتها أي باقية وقوله لم يظهر الفئ أي في الموضع الذي كانت الشمس فيه وقد تقدم في أول المواقيت من طريق مالك عن الزهري بلفظ والشمس في حجرتها قبل أن تظهر أي ترتفع فهذا الظهور غير ذلك الظهور ومحصله أن المراد بظهور الشمس خروجها من الحجرة وبظهور الفئ انبساطه في الحجرة وليس بين الكلب اختلاف لأن انبساط الفئ لا يكون إلا بعد خروج الشمس قولبن عيينة عن الزهري في رواية القدرة في مسنده عن بن عيينة حدثنا الزهري وفي رواية محمد بن منصور عند الاسماعيلي عن سفيان سمعته أذناي ووعاه قلبي من الزهري قوله والشمس طالعة أي ظاهرة قوله بعد بالضم بلا تنوين قوله وقال مالك الخ يعني

[ 21 ]

أن الأربعة المذكورين رووه عن الزهري بهذا الإسناد فجعلوا الظهور للشمس وابن عيينة جعله للفئ وقد قدمنا توجيه ذلك وطريق الجمع بينهما وأن طريق مالك وصلها المؤلف في أول المواقيت وأما طريق يحيى بن سعيد وهو الأنصاري فوصلها الذهلي في الزهريات وأما طريق شعيب وهو بن أبي حمزة فوصلها الطبراني في مسند الشاميين وأما طريق بن أبي حفصة وهو محمد بن ميسرة فرويناها من طريق بن عدي في نسخة إبراهيم بن طهمان عن بن أبي حفصة والمستفاد من هذا الحديث تعجيل صلاة العصر في أول وقتها وهذا هو الذي فهمته عائشة وكذا الراوي عنها عروة واحتج به على عمر بن عبد العزيز في تأخيره صلاة العصر كما تقدم وشذ الطحاوي فقال لا دلالة فيه على التعجيل لاحتمال أن الحجرة كانت قصيرة الجدار فلم تكن الشمس تحتجب عنها إلا بقرب غروبها فيدل على التأخير لا على التعجيل وتعقب بان الذي ذكره من الاحتمال إنما يتصور مع اتساع الحجرة وقد عرف بالاستفاضة والمشاهدة أن حجر أزواج النبي صلى الله عليه وسلم لم تكن متسعة ولا يكون ضوء الشمس باقيا في قعر الحجرة الصغيرة إلا والشمس قائمة مرتفعة وإلا متى مالت جدا ارتفع ضوؤها عن قاع الحجرة ولو كانت الجدر قصيرة قال النووي كانت الحجرة ضيقة العرصة قصيرة الجدار بحيث كان المريض جدارها أقل من مسافة العرصة بشئ يسير فإذا صار ظل الجدار مثله كانت الشمس بعد في أواخر العرصة أه وكأن المؤلف لما لم يقع له حديث على شرطه في تعيين أول وقت العصر وهو مصير ظل كل شئ مثله استغنى بهذا الحديث الدال على ذلك بطريق الاستنباط وقد أخرج مسلم عدة أحاديث مصرحة بالمقصود ولم ينقل عن أحد من أهل العلم مخالفة في ذلك إلا عن أبي حنيفة فالمشهور عنه أنه قال أول وقت العصر مصير ظل كل شئ مثليه بالتثنية قال القرطبي خالفه الناس كلهم في ذلك حتى أصحابه يعني الآخذين عنه وإلا فقد انتصر له جماعة ممن جاء بعدهم فقالوا ثبت الأمر بالإبراد ولا يحصل إلا بعد ذهاب اشتداد الحر ولا يذهب في تلك البلاد إلا بعد أن يصير ظل الشئ مثليه فيكون أول وقت العصر مصير الظل مثليه وحكاية مثل هذا تغنى عن رده قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك وعوف هو الغلام قوله دخلت أنا وأبي زاد الاسماعيلي زمن أخرج بن زياد من البصرة قلت وكان ذلك في سنة أربع وستين كما سيأتي في كتاب الفتن وسلامة والد سيار حكى عنه ولده هنا ولم أجد من ترجمه وقد وقعت لابنه عنه رواية في الطبراني الكبير في ذكر الحوض قوله المكتوبة أي المفروضة واستدل به على أن الوتر ليس من المكتوبة لكون أبي برزة لم يذكره وفيه بحث قوله كان يصلي الهجير أي صلاة الهجير الاكتيال والهاجرة بمعنى وهو وقت شدة الحر وسميت الظهر بذلك لأن وقتها يدخل حينئذ قوله تدعونها الأولى قيل سميت الأولى لأنها أول صلاة النهار وقيل لأنها أول صلاة صلاها جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم حين بين له الصلوات الخمس قوله حين تدحض الشمس أي تزول عن وسط السماء مأخوذ من الدحض وهو الزلق وفي رواية لمسلم حين تزول الشمس ومقتضى ذلك أنه كان يصلي الظهر في أول وقتها ولا يخالف ذلك الأمر بالإبراد لاحتمال أن يكون ذلك في زمن البرد أو قبل الأمر بالإبرار أو عند فقد شروط الإبراد لأنه يختص بشدة الحر أو لبيان الجواز وقد يتمسك بظاهره من قال إن فضيلة أول الوقت لا تحصل إلا بتقديم ما يمكن

[ 22 ]

تقدميه من طهارة وستر وغيرهما قبل دخول الوقت ولكن الذي يظهر أن المراد بالحديث التقريب فتحصل الفضيلة لمن لم يتشاغل عند دخول الوقت بغير أسباب الصلاة قوله إلى رحله بفتح الراء وسكون المهملة أي مسكنه قوله في أقصى المدينة صفة للرحل قوله والشمس حية أي بيضاء نقية قال الزين بن المنير المراد بحياتها قوة أثرها حرارة ولونا وشعاعا وإنارة وذلك لا يكون بعد مصير الظل مثلي الشئ اه وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن خيثمة أحد التابعين قال حياتها أن تجد حرها قوله ونسيت ما قال في المغرب قائل ذلك هو سيار بينه أحمد في روايته عن حجاج عن شعبة عنه قوله أن يؤخر من العشاء أي من وقت العشاء قال بن دقيق العيد فيه دليل على استحباب التأخير قليلا لأن التبعيض يدل عليه وتعقب بأنه بعض مطلق لا دلالة فيه على قلة ولا كثرة وسيأتي في باب وقت العشاء من حديث جابر أن التأخير إنما كان لانتظار من يجئ لشهود الجماعة قوله التي تدعونها العتمة فيه إشارة إلى ترك تسميتها بذلك وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد وقال الطيبي لعل تقييده الظهر والعشاء دون غيرهما للاهتمام بأمرهما فتسمية الظهر بالأولى يشعر بتقديمها وتسمية العشاء بالعتمة يشعر بتأخيرها وسيأتي الكلام على كراهة النوم قبلها في باب مفرد قوله وكان ينفتل أي ينصرف من الصلاة أو يلتفت إلى المأمومين قوله من صلاة الغداة أي الصبح وفيه أنه لا كراهة في تسمية الصبح بذلك قوله حين يعرف الرجل جليسه تقدم الكلام على اختلاف ألفاظ الرواة فيه واستدل بذلك على التعجيل بصلاة الصبح لأن ابتداء معرفة الإنسان وجه جليسه يكون في أواخر الغلس وقد صرح بان ذلك كان عند فراغ الصلاة ومن المعلوم من عادته صلى الله عليه وسلم ترتيل القراءة وتعديل الأركان فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا وادعى الزين بن المنير أنه مخالف لحديث عائشة الآتي حيث قالت فيه لا يعرفن من الغلس وتعقب بأن الفرق بينهما ظاهر وهو أن حديث أبي برزة متعلق بمعرفة من هو مسفر جالس إلى جنب المصلي فهو ممكن وحديث عائشة متعلق بمن هو متلفف مع أنه على بعد فهو بعيد قوله ويقرأ أي في الصبح بالستين إلى المائة يعني من الآى وقدرها في رواية الطبراني بسورة الحاقة ونحوها وتقدم في باب وقت الظهر بلفظ ما بين الستين إلى المائة وأشار الكرماني أن القياس أن يقول ما بين الستين والمائة لأن لفظ بين يقتضى الدخول على متعدد قال ويحتمل أن يكون التقدير ويقرأ ما بين الستين وفوقها إلى المائة فحذف لفظ فوقها لدلالة الكلام عليه وفي السياق تأدب الصغير مع الكبير ومسارعة المسئول بالجواب إذا كان عارفا به قوله إلى بني عمرو بن عوف أي بقباء لأنها كانت منازلهم وإخراج المصنف لهذا الحديث مشعر بأنه كان يرى أن قول الصحابي كنا نفعل كذا مسند ولو لم يصرح بإضافته إلى زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو اختيار الحاكم وقال الدارقطني والخطيب وغيرهما هو موقوف والحق أنه موقوف لفظا مرفوع حكما لآن الصحابي أورده في مقام الاحتجاج فيحمل على أنه أراد كونه في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وقد روى بن المبارك هذا الحديث عن مالك فقال فيه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر الحديث أخرجة النسائي قال النووي قال العلماء كانت منازل بني عمرو بن عوف على ميلين من المدينة وكانوا يصلون العصر في وسط الوقت لآنهم كانوا يشتغلون بأعمالهم وحروثهم فدل هذا الحديث

[ 23 ]

على تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر في أول وقتها وسيأتي في طريق الزهري عن أنس أن الرجل كان يأتيهم والشمس مرتفعة قوله سمعت أبا أمامة هو أسعد بن سهل بن حنيف وهو عم الراوي عنه وفي القصة دليل على أن عمر بن عبد العزيز كان يصلي الصلاة في آخر وقتها تبعا لسلفه إلى أن أنكر عليه عروة فرجع إليه كما تقدم وإنما أنكر عليه عروة في العصر دون الظهر لآن وقت الظهر لا كراهة فيه بخلاف وقت العصر وفيه دليل على صلاة العصر في أول وقتها أيضا وهو عند انتهاء وقت الظهر ولهذا تشكك أبو أمامة في صلاة أنس أهي الظهر أو العصر فيدل أيضا على عدم الفاصلة بين الوقتين وقوله له يا عم هو على سبيل التوقير ولكونه أكبر سنا منه مع أن نسبهما مجتمع في الأنصار لكنه ليس عمه على الحقيقة والله أعلم قوله باب وقت العصر كذا وقع في رواية المستملى دون غيره وهو خطأ لآنه تكرار بلا فائدة قوله والشمس مرتفعة حية فيه إشارة إلى بقاء حزها وضوئها كما تقدم وقوله بعد ذلك فيأتيهم والشمس مرتفعة أي دون ذلك الارتفاع لكنها لم تصل إلى الحد الذي توصف به بأنها منخفضة وفي ذلك دليل على تعجيله صلى الله عليه وسلم لصلاة العصر لوصف الشمس بالارتفاع بعد أن تمضى مسافة أربعة أميال وروى النسائي والطحاوي واللفظ له من طريق أبي الأبيض عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا العصر والشمس بيضاء محلقة ثم أرجع إلى قومي في ناحية المدينة فأقول لهم قوموا فصلوا فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صلى قال الطحاوي نحن نعلم أن أولئك يعني قوم أنس لم الريح يصلونها إلا قبل اصفرار الشمس فدل ذلك على أنه صلى الله عليه وسلم كان يعجلها قوله وبعض العوالي كذا وقع هنا أي بين بعض العوالي والمدينة المسافة المذكورة وروى البيهقى حديث الباب من طريق أبي بكر الصغائى عن أبي اليماني شيخ البخاري فيه وقال في آخره وبعد العوالي بضم الموحدة وبالدال المهملة وكذلك أخرجه المصنف في الاعتصام تعليقا ووصله البيهقي من طريق الليث عن يونس عن الزهري لكن قال أربعة أميال أو ثلاثة وروى هذا الحديث أبو عوانة في صحيحه وأبو العباس السراج جميعا عن أحمد بن الفرج بي عتبة عن محمد بن حمير عن إبراهيم بن أبي عبله عن الزهري ولفظه والعوالى من المدينة على ثلاثة أميال وأخرجه الدارقطني عن المحاملي عن أبي عتبة المذكور بسنده فوقع عنده على ستة أميال ورواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال فيه على ميلين أو ثلاثة فتحصل من ذلك أن أقرب العوالي من المدينة مسافة ميلين وأبعدها مسافة ستة أميال إن كانت رواية المحاملي محفوظة ووقع في المدونه عن مالك أبعد العوالي مسافة ثلاثة أميال قال عياض كأنه أراد معظم عمارتها وإلا فأبعدها ثمانية أميال انتهى وبذلك جزم بن عبد البر وغير واحد آخرهم صاحب النهاية ويحتمل أن يكون أراد أنه أبعد الامكنة التي كان يذهب إليها الذاهب في هذه الواقعة والعوالى عبارة عن القرى المجتمعة حول المدينة من جهة نجدها وأما ما كان من جهة تهامتها فيقال لها السافلة تنبيه قوله وبعض العوالي الخ مدرج من كلام الزهري في حديث أنس بينه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في هذا الحديث فقال فيه بعد قوله والشمس حية قال الزهري والعوالى من المدينة على ميلين أو ثلاثة ولم يقف الكرماني على هذا فقال هو إما كلام البخاري أو أنس أو الزهري كما هو عادته قوله في الطريق الأخرى كنا نصلي

[ 24 ]

العصر أي مع النبي صلى الله عليه وسلم كما يظهر ذلك من الطرق الأخرح ى وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك كذلك مصرحا به أخرجه الدارقطني في غرائبه قوله ثم يذهب الذاهب منا إلى قباء كأن أنسا أراد اجرأ نفسه كما تشعر بذلك رواية أبي الأبيض المتقدمة قال بن عبد البر لم يختلف على مالك أنه قال في هذا الحديث إلى قباء ولم يتابعه أحد من أصحاب الزهري بل كلهم يقولون إلى العوالي وهو الصواب عند أهل الحديث قال وقول مالك إلى قباء وهم لا شك فيه وتعقب بأنه روى عن بن أبي ذئب عن الزهري إلى قباء كما قال مالك نقله الباجي عن الدارقطني فنسبة الوهم فيه إلى مالك منتقد فإنه إن كان وهما احتمل أن يكون منه وأن يكون من الزهري حين حدث به مالكا وقد رواه خالد بن مخلد عن مالك فقال فيه إلى العوالي كما قال الجماعة فقد اختلف فيه على مالك وتوبع عن الزهري بخلاف ما جزم به بن عبد البر وأما قوله الصواب عند أهل الحديث العوالي فصحيح من حيث اللفظ ومع ذلك فالمعنى متقارب لكن رواية مالك أخص لأن قباء من العوالي وليست العوالي كل قباء ولعل مالكا لما رأى أن في رواية الزهري إجمالا حملها على الرواية المفسرة وهي روايته المتقدمة عن إسحاق حيث قال فيها ثم يخرج الإنسان إلى بني عمرو بن عوف وقد تقدم أنهم أهل قباء فبنى مالك على أن القصة واحدة لأنهما جميعا حدثاه عن أنس والمعنى متقارب فهذا الجمع أولى من الجزم بأن مالكا وهم فيه وأما استدلال بن بطال على أن الوهم فيه ممن دون مالك برواية خالد بن مخلد المتقدمة الموافقة لرواية الجماعة عن الزهر ففيه نظر لأن مالكا أثبته في الموطأ باللفظ الذي رواه عنه كافة أصحابه فرواية خالد بن مخلد عنه شاذة فكيف تكون دالة على أن رواية الجماعة وهم بل إن سلمنا أنها وهم فهو من مالك كما جزم به البزار والدارقطني ومن تبعهما أو من الزهري حين حدثه به والأولى سلوك طريق الجمع التي أوضحناها والله الموفق قال بن رشيد قضى البخاري بالصواب لمالك بأحسن إشارة وأوجز عبارة لأنه قدم أولا المجمل ثم أتبعه بحديث مالك المفسر المعين تنبيه قباء تقدم ضبطها في بابا ما جاء في القبلة قوله إلى قباء فيأتيهم أي أهل قباء وهو على حد قوله تعالى واسأل القرية والله أعلم قال النووي في الحديث المبادرة بصلاة العصر في أول وقتها لأنه لا يمكن أن يذهب بعد صلاة العصر ميلين أو أكثر والشمس لم تتغير ففيه دليل للجمهور في أن أول وقت العصر مصير ظل كل شئ مثله خلافا لأبي حنيفة وقد مضى ذلك في الباب الذي قبله قوله بابا إثم من فاتته صلاة العصر أشار المصنف بذكر الإثم إلى أن المراد بالفوات تأخيرها عن وقت الجواز بغير عذر لأن الإثم إنما يترتب علذلك وسيأتي البحث في ذلك قوله الذي تفوته قال بن بزيزة فيه رد على من كره أن يقول فاتتنا الصلاة قلت وسيأتي الكلام على ذلك في باب مفرد في صلاة الجماعة قوله صلاة العصر فكأنما كذا للكشميهنى وسقط للأكثر لفظ صلاة والفاء من قوله فكأنما قوله وتر أهله هو بالنصب عند الجمهور على أنه مفعول ثان لوتر وأضمر في وتر مفعول لم يسم فاعله وهو عائد على الذي فاتته فالمعنى أصيب بأهله وماله وهو متعد إلى مفعولين ومثله قوله تعالى ولن يتركم أعمالكم وإلى هذا أشار المصنف فيما وقع في رواية المستملى قال قال أبو عبد الله يتركم انتهى وقيل وتر هنا بمعنى نقص فعلى هذا يجوز نصبه ورفعه لأن من رد النقص إلى الرجل نصب وأضمر ما يقوم مقام الفاعل ومن رده إلى الأهل رفع وقال القرطبي يروي بالنصب على أن وتر بمعنى سلب وهي تعدى إلى

[ 25 ]

مفعوليين وبالرفع على أن وتر بمعنى أخذ فيكون أهله هو المفعول الذي ليسم فاعله ووقع في رواية المستملى أيضا وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا أو أخذ ت ماله وحقيقة الوتر كما قال الخليل هو الظلم في الدم فعلى هذا فاستعماله في الما مجاز لكن قال الجوهري الموتور هو الذي قتل له قتيل فلم يدرك بدمه تقول منه وتر وتقول أيضا وتره حقه أي نقصه وقيل الموتور من أخذ أهله أو ماله وهو ينظر إليه وذلك أشد لغمه فوقع التشبيه بذلك لمن فاتته الصلاة لأنه يجتمع عليه غمان غم الإثم وغم فقد النصارى كما يجتمع على الموتور غمان غم السلب وغم الطلب بالثأر وقيل معنى وتر أخذ أهله وماله فصار وتر أي فردا ويؤيد الذي قبله رواية أبي مسلم الكجي من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع فذكر نحو هذا الحديث وزاد في آخره وهو قاعد وظاهر الحديث التغليط على من تفوته العصر وأن ذلك مختص بها وقال بن عبد البر يحتمل أن يكون هذا الحديث خرج جوابا لسائل سأل عن صلاة العصر فأجيب فلا يمنع ذلك إلحاق غيرها من الصلوات بها وتعقبه النووي بأنه إنما يلحق غير المنصوص بالمنصوص إذا عرفت العلة واشتركا فيها قال والعلة في هذا الحكم لم تتحق فلا يلتحق غير العصر بها انتهى وهذا لا يدفع الاحتمال وقد احتج بن عبد البر بما رواه بن أبي شيبة وغيره من طريق أبي قلابة عن أبي الدرداء مرفوعا من ترك صلاة مكتوبة حتى تفوته الحديث قلت وفي إسناده انقطاع لأن أبا قلابه لم يسمع من أبي الدرداء وقد رواه أحمد من حديث أبي الدرداء بلفظ من ترك العصر فرجع حديث أبو الدرداء إلى تعيين العصر وروى بن حبان وغيره من حديث نوفل بن معاوية مرفوعا من فاتته الصلاة فكأنما وتر أهله وماله وهذا ظاهره العموم في الصلوات المكتوبات وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن نوفل بلفظ لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن يفوته وقت صلاة وهذا أيضا ظاهرة العموم ويستفاد منه أيضا ترجيح توجيه رواية النصب المصدر بها لكن المحفوظ من حديث نوفل بلفظ من الصلوات صلاة من فاتته فكأنما وتر أهله وما له أخرجه المصنف في علامات النبوة ومسلم أيضا والطبراني وغيرهم ورواه الطبراني من وجه آخر وزاد فيه عن الزهري قلت لأبي بكر يعني بن عبد الرحمن وهو الذي حدثه به ما هذه الصلاة قال العصر ورواه بن أبي خيثمة من وجه آخر فصرح بكونها العصر في نفس الخبر والمحفوظ أن كونها العصر من تفسير أبي بكر بن عبد الرحمن ورواه الطحاوي والبيهقي من وجه آخر وفيه أن التفسير من قول بن عمر فالظاهر اختصاص العصر بذلك وسيأتي تقريره في الكلام على الحديث الذي بعده ومما يدل على أن المراد بتفويتها إخراجها عن وقتها ما وقع في رواية عبد الرزاق فأنه أخرج هذا الحديث عن بن جريح عن نافع فذكر نحوه وزاد قلت لنافع حين تغيب الشمس قال نعم وتفسير الراوي إذا كان فقيها أولى من غيره لكن روى أبو داود عن الأوزاعي أنه قال في هذا الحديث وفواتها أن الخطبة الشمس صفرة ولعله مبنى على مذهبه في خروج وقت العصر ونقل عن بن وهب أن المراد إخرجها عن الوقت المختار وقال المهلب ومن تبعه من الشراح إنما أراد فواتها في الجماعة لا فواتها باصفرار الشمس أو بمغيبها قال ولو كان لفوات وقتها كله لبطل اختصاص العصر لأن ذهاب الوقت موجود في كل صلاة ونوقض بعين ما ادعاه لأن فوات الجماعة موجود فكل صلاة لكن في صدر كلامه أن العصر اختصت بذلك لاجتماع المتعاقبين من الملائكة فيها وتعقبة بن المنير بان الفجر أيضا فيها اجتماع المتعاقبين

[ 26 ]

فلا يختص العصر بذلك قال والحق أن الله تعالى يختص ما شاء من الصلوات بما شاء من الفضيلة انتهى وبوب الترمذي على حديث الباب ما جاء في السهو عن وقت العصر فحمله على الساهي وعلى هذا فالمراد بالحديث أنه يلحقه من الأسف عند معاينة النصارى لمن صلى ما يلحق من ذهب منه أهله وماله وقد روى بمعنى ذلك عن سالم بن عبد الله بن عمر ويؤخذ منه التنبية على أن أسف العامد أشد لاجتماع فقد النصارى وحصول الإثم قال بن عبد البر في هذا الحديث إشارة إلى تحقير الدنيا وأن قليل العمل خير من كثير منها وقال بن بطال لا يوجد حديث يقوم مقام هذا الحديث لأن الله تعالى قال حافظوا على الصلوات وقال ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غير هذا الحديث قوله باب من ترك العصر أي ما يكون حكمة قال بن رشيد أجاد البخاري حيث اقتصر على صدر الحديث فأبقى فيه محلا للتأويل وقال غيره كان ينبغي أن يذكر حديث الباب في الباب الذي قبله ولا يحتاج إلى هذه الترجمة وتعقب بان الترك أصرح بإرادة التعمد من الفوات قوله حدثنا مسلم بن إبراهيم سقط عند الأصيلي بن إبراهيم قوله حدثنا هشام وقع عند غير أبي ذر أنبأنا هشام وهو بن أبي عبد الله الدستوائي قوله أخبرنا يحيى عند غير أبي ذر حدثنا قوله عن أبي قلابة عندبن خزيمة من طريق أبي داود الطيالس عن هشام عن يحيى أن أبا قلابة حدثه قوله عن أبي المليح عند المصنف في باب التبكير بالصلاة في يوم الغيم عن معاذ بن فضالة عن هشام في هذا الإسناد أن أبا المليح حدثه وأبو المليح هو بن أسامة بن عمير الهذلي وقد تقدم أن اسمه عامر وأبوه صحابي وفي الإسناد ثلاثة من التابعين على نسق وتابع هشاما على هذا الإسناد عن يحيى بن أبي كثير شيبان ومعمر وحديثهما عند أحمد وخالفهم الأوزاعي فرواه عن يحيى عن أبي قلابة عن أبي المهاجر عن بريدة والأول هو المحفوظ وخالفهم أيضا في سياق المتن كما سيأتي التنبية عليه في باب التبكير المذكور إن شاء الله تعالى قوله كنا مع بريدة هو بن الحصيب الأسلمي قوله ذي غيم قيل خص يوم الغيم بذلك لأنه مظنه التأخير إما لمتنطع يحتاط لدخول الوقت فيبالغ في التأخير حتى يخرج الوقت أو لمتشاغل بأمر آخر فيظن بقاء الوقت فيسترسل في شغله إلى أن يخرج الوقت قوله بكروا أي عجلوا والتبكير يطلق لكل من بادر بأي شئ كان في أي وقت كان وأصله المبادرة بالشئ أول النهار قوله فإن النبي صلى الله عليه وسلم الفاء للتعليل وقد استشكل معرفة تيقن دخول أول الوقت مع وجود الغيم لأنهم لم الريح يعتمدون فيه إلا على الشمس وأجيب باحتمال أن بريدة قال ذلك عند معرفة دخول الوقت لأنه لا مانع في يوم الغيم من أن تظهر الشمس أحيانا ثم أنه لا يشترط إذا احتجبت الشمس اليقين بل يكفي الاجتهاد قوله من ترك صلاة العصر زاد معمر في روايته متعمدا وكذا أخرجه أحمد من حديث أبي الدرداء قوله فقد حبط سقط فقد من رواية المستملى وفي رواية معمر أحبط الله عمله وقد استدل بهذا الحديث من يقول بتكفير أهل المعاصي من الخوارج وغيرهم وقالوا هو وكما قوله تعالى ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وقال بن عبد البر مفهوم الآية أن من لم يكفر بالإيمان لم يحبط عمله فيتعارض مفهومها ومنطوق الحديث فيتعين تأويل الحديث لأن الجمع إذا أمكن كان أولى من الترجيح وتمسك بظاهر الحديث أيضا الحنابلة ومن قال بقولهم من أن تارك الصلاة يكفر وجوابهم ما تقدم وأيضا فلو كان على ما ذهبوا إليه لما

[ 27 ]

اختصت العصر بذلك وأما الجمهور فتأولوا الحديث فافترقوا في تأويله فرقا فمنهم من أول سبب الترك ومنهم من أول الحبط ومنهم من أول العمل فقيل المراد من تركها جاحدا لوجوبها أو معترفا لكن مستخفا مستهزئا بمن أقامها وتعقب بأن الذي فهمه الصحابي إنما هو التفريط ولهذا أمر بالمبادرة إليها وفهمه أولى من فهم غيره كما تقدم وقيل المراد من تركها متكاسلا لكن خرج الوعيمخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد كقوله لا يزني الزاني وهو مؤمن وقيل هو من مجاز التشبيه كأن المعنى فقد أشبه من حبط عمله وقيل معناه كاد أن يحبط وقيل المراد بالحبط نقصان العمل في ذلك الوقت الذي ترفع فيه الأعمال إلى الله فكأن المراد بالعمل الصلاة خاصة أي لا يحصل على أجر من صلى العصر ولا يرتفع له عملها حينئذ وقيل المراد بالحبط الإبطال أي يبطل انتفاعه بعمله في وقت ما ثم ينتفع به كمن رجحت سيئاته على حسناته فإنه موقوف في المشيئة فإن ورجاله له فمجرد الوقوف إبطال لنفع الحسنة إذ ذاك وإن عذب ثم ورجاله له فكذلك قال معنى ذلك القاضي أبو بكر بن العربي وقد تقدم مبسوطا في كتاب الإيمان في باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ومحصل ما قال أن المراد بالحبط في الآية غير المراد بالحبط في الحديث وقال في شرح الترمذي الحبط على قسمين حبط إسقاط وهو إحباط الكفر للإيمان وجميع الحسنات وحبط موازنة وهو إحباط المعاصي للانتفاع بالحسنات عند رجحانها عليها إلى أن تحصل النجاة فيرجع إليه جزاء حسناته وقيل المراد بالعمل في الحديث عمل الدنيا الذي يسبب الاشتغال به ترك الصلاة بمعنى أنه لا ينتفع به ولا يتمتع وأقرب هذه التأويلات قول من قال إن ذلك خرج مخرج الزجر الشديد وظاهره غير مراد والله أعلم قوله باب فضل صلاة العصر أي على جميع الصلوات إلا الصبح وإنما حملته على ذلك لأن حديثي الباب لا يظهر منهما رجحان العصر عليها ويحتمل أن يكون المراد أن العصر ذات فضيلة لا ذات أفضلية قوله حدثنا إسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم ووقع عند بن مردويه من طريق شعبة عن إسماعيل التصريح بسماع إسماعيل من قيس وسماع قيس من جرير قوله فنظر إلى القمر ليلة زاد مسلم ليلة البدر وكذا للمصنف من وجه آخر وهو خال من العنعنه أيضا كما سيأتي في باب فضل صلاة الفجر قوله لا تضامون بضم أوله مخففا أي لا يحصل لكم ضيم حينئذ وروى بفتح أوله والتشديد من الضم والمراد نفى الازدحام وسيأتي بسط ذلك في كتاب التوحيد قوله فإن استطعتم أن لا تغلبوا فيه إشارة إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم والشغل ومقاومة ذلك بالاستعداد له وقوله فافعلوا أي عدم الغلبة وهو كناية عما ذكر من الاستعداد ووقع في رواية شعبة المذكورة فلا تغفلوا عن صلاة الحديث قوله قبل طلوع الشمس وقبل غروبها زاد مسلم يعني العصر والفجر ولابن مردويه من وجه آخر عن إسماعيل قبل طلوع الشمس صلاة الصبح وقبل غروبها صلاة العصر وقال بن بطال قال المهلب قوله فإن استطعتم أن لا تغلبوا عن صلاة أي في الجماعة قال وخص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم قلت وعرف بهذا مناسبة إيراد حديث يتعاقبون عقب هذا الحديث لكن لم يظهر لي وجه تقييد ذلك بكونه في جماعة وأن كان فضل الجماعة معلوما من أحاديث أخر بل ظاهر الحديث يتناول

[ 28 ]

من صلاهما ولو منفردا إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعم من كونه جماعة أو لا قوله فافعلوا قال الخطابي هذا يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين اه وقد يستشهد لذلك بما أخرجه الترمذي من حديث بن عمر رفعه قال إن أدنى أهل الجنة منزلة فذكر الحديث وفيه وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية وفي سنده ضعف قوله ثم قرأ كذا في جميع روايات الجامع وأكثر الروايات في غيره بايهام فاعل قرأ وظاهره أنه النبي صلى الله عليه وسلم لكن لم أر ذلك صريح وحمله عليه جماعة من الشراح ووقع عند مسلم عن زهير بن حرب عن مروان بن معاوية بإسناد حديث الباب ثم قرأ جرير أي الصحابي وكذا أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق يعلى بن عبيد عن إسماعيل بن أبي خالد فظهر أنه وقع في سياق حديث الباب وما وافقة إدراج قال العلماء ووجه مناسبة ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية أن الصلاة أفضل الطاعات وقد ثبت لهاتين الصلاتين من الفضل على غيرهما ما ذكر من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك فهما أفضل الصلوات فناسب أن يجازى المحافظ عليهم بأفضل العطايا وهو النظر إلى الله تعالى وقيل لما حقق رؤية الله تعالى برؤية القمر والشمس وهما آيتان عظيمتان شرعت لخسوفهما الصلاة والذكر ناسب من يحب رؤية الله تعالى أن يحافظ على الصلاة عند غروبها أه ولا يخفى بعده وتكلفه والله أعلم قوله يتعاقبون أي تأتي طائفة عقب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية قال بن عبد البر وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين بأن يأتي هذا مرة ويعقبه هذا ومنه تعقيب الجيوش أن يجهز الأمير بعثا إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة ثم يأذن لهم في الرجوع بعد أن يجهز الأولين قال القرطبي الواو في قوله يتعاقبون علامة الفاعل المذكر المجموع على لغه بلحارث وهم القائلون أكلوني البراغيث ومنه قول الشاعر بحوران يعصرن السليط أقاربه وهي لغة فاشية وعليها حمل الأخفش قوله تعالى واسروا النجوى الذين ظلموا قال وقد تعسف بعض النحاة في تأويلها وردها للبدل وهو تكلف مستغنى عنه فإن تلك اللغة مشهورة غنم وجه من القياس واضح وقال غيره في تأويل الآية قوله وأسروا عائد على الناس المذكورين أولا والذين ظلموا بدل من الضمير وقيل التقدير أنه لما قيل وأسروا النجوى قيل من هم قال الذين ظلموا حكاه الشيخ محي الدين والأول أقرب إذ الأصل عدم التقدير وتوارد جماعة من الشراح على أن حديث الباب من هذا القبيل ووافقهم بن مالك وناقشه أبو حيان زاعما أن هذه الطريق اختصرها الراوي واحتج لذلك بما رواه البزار من وجه آخر عن أبي هريرة بلفظ أن الله ملائكة يتعاقبون فيكم ملائكة صارت وملائكة بالنهار الحديث وقد سومح في العزو إلى مسند البزار مع أن هذا الحديث بهذا اللفظ في الصحيحين فالعزو إليهما أولى وذلك أن هذا الحديث رواه عن أبي الزناد مالك في الموطأ ولم يختلف عليه باللفظ المذكور وهو قوله يتعاقبون فيكم وتابعه على ذلك عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبية أخرجه سعيد بن منصور عنه وقد أخرجه البخاري في بدء الخلق من طريق شعيب بن أبي حمزة عن أبي الزناد بلفظ الملائكة يتعاقبون ملائكة صارت وملائكة بالنهار وأخرجه النسائي أيضا من طريق موسى بن عقبة عن أبي الزناد بلفظ أن الملائكة يتعاقبون فيكم فاختلف فيه على أبي الزناد

[ 29 ]

فالظاهر أنه كان تارة يذكره هكذا وتارة هكذا فيقوى بحث أبي حيان ويؤيد ذلك أن غير الأعرج من أصحاب أبي هريرة قد رووه تامفأخرجه أحمد ومسلم من طريق همام بن منبه عن أبي هريرة مثل رواية موسى بن عقبة لكن بحذف أن من أوله وأخرجه بن خزيمة والسراج من طريق أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ أن لله ملائكة يتعاقبون وهذه هي الطريقة التي أخرجها البزار وأخرجه أبو نيعم في الحلية بإسناد صحيح من طريق أبي موسى عن أبي هريرة بلفظ إن الملائكة فيكم يعتقبون وإذا عرف ذلك فالعزو إلى الطريق التي تتحد مع الطريق التي وقع القول فيها أولى من طريق مغايرة لها فليعز ذلك إلى تخريج البخاري والنسائي من طريق أبي الزناد لما أوضحته والله الموفق قوله فيكم أي المصلين أو مطلق المؤمنين قوله ملائكة قيل هم الحفظة نقله عياض وغيره عن الجمهور وتردد بن بزيزة وقال القرطب الأظهر عندي إنهم غيرهم ويقويه أنه لم ينقل أن الحفظة يفارقون العبد ولا أن حفظه الليل غير حفظة النهار وبأنهم لو كانوا هم الحفظة لم يقع الاكتفاء في السؤال منهم عن حالة الترك دون غيرها في قوله كيف تركتم عبادي قوله ويجتمعون قال الزين بن المنير التعاقب مغاير للاجتماع لكن ذلك منزل على حالين قلت وهو ظاهر وقال بن عبد البر الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة في الجماعة واللفظ محتمل للجماعة وغيرها كما يحتمل أن التعاقب يقع بين طائفتين دون غيرهم وأن يقع التعاقب بينهم في النوع لا في الشخص قال عياض والحكمة في اجتماعهم في هاتين الصلاتين من لطف الله تعالى بعباده وإكرامه لهم بأن جعل اجتماع ملائكته في حال طاعة عباده لتكون شهادتهم لهم بأحسن الشهادة قلت وفيه شئ لأنه رجح أنهم الحفظة ولا شك أن الذين يصعدون كانوا مقيمين عندهم مشاهدين لأعمالهم في جميع الأوقات فلأولى أن يقال الحكمة في كونه تعالى لا يسألهم إلا عن الحالة التي تركوهم عليها ما ذكر ويحتمل أن يقال إن الله تعالى يستر عنهم ما يعملونه فيما بين الوقتين لكنه بناء على أنهم غير الحفظة وفيه إشارة إلى الحديث الآخر أن الصلاة كفارة لما بينهما فمن ثم وقع السؤال من كل طائفة عن آخر شئ فارقوهم عليه قوله ثم يعرج الذين باتوا فيكم استدل به بعض الحنفية على استحباب تأخير صلاة العصر ليقع عروج الملائكة إذا فرغ منها آخر النهار وتعقب بأن ذلك غير السري إذ ليس في الحديث ما يقتضى أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد ذلك إلى آخر النهار ولا مانع أيضا من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق وتقيم ملائكة الليل ولا يرد على ذلك وصفهم بالمبيت بقوله باتوا فيكم لأن اسم المبيت صادق عليهم ولو تقدمت إقامتهم صارت إقامتهم قطعة من النهار قوله الذين باتوا فيكم اختلف في سبب الاقتصار على سؤال الذين باتوا دون الذين ظلوا فقيل هو من باب الاكتفاء بذكر أحد المثلين عن الآخر كقوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى أي وإن لم تنفع وقوله تعالى سرابيل تقيكم الحر أي والبرد وإلى هذا أشار بن التين وغيره ثم قيل الحكمة في الاقتصار على ذلك أن حكم طرفي النهار يعلم من حكم طرفي الليل فلو ذكره لكان تكرارا ثم قيل الحكمة في الاقتصار على هذا الشق دون الآخر أن الليل مظنة المعصية فلما لم يقع منهم عصيان مع إمكان دواعى الفعل من إمكان الإخفاء ونحوه واشتغلوا بالطاعة كان النهار أولى بذلك فكان

[ 30 ]

لسؤال عن الليل أبلغ من السؤال عن النهار لكون النهار محل الاشتهار وقيل الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار وهذا ضعيف لأنه يقتضى أن ملائكة النهار لا يسئلون عن وقت العصر وهو خلاف ظاهر الحديث كما سيأتي ثم هو مبنى على أنهم الحفظة وفيه نطر لما سنبينه وقيل بناه أيضا على أنهم الحفظة أنهم ملائكة النهار فقط وهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون ويؤيده ما رواه أبو نعيم في كتاب الصلاة له من طريق الأسود بن يزيد النخعي قال يلتقى الحارسان أي ملائكة الليل وملائكة النهار عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل ببأسه ملائكة النهار وقيل يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة وأما النزول فيقع في الصلاتين معا وفيه التعاقب وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر فيجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ثم يعرج الذين باتوا فقط ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضا ولا يصعد منهم أحد بل تبيت الطائفتان أيضا ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصبح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر والعروج بالفجر فلهذا خص السؤال بالذين باتوا والله أعلم وقيل إن قوله في هذا الحديث ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر وهم لأنه ثبت في طرق كثيرة أن الاجتماع في صلاة الفجر من غير ذكر صلاة العصر كما في الصحيحين من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في أثناء حديث قال فيه وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر قال أبو هريرة وأقرؤا إن شئتم وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا وفي الترمذي والنسائي من وجه آخر بإسناد صحيح عن أبي هريرة في قوله تعالى إن قرأن الفجر كان مشهودا قال تشهده ملائكة الليل والنهار وروى بن مردويه من حديث أبي الدرداء مرفوعا نحوه قال بن عبد البر ليس في هذا دفع للرواية التي فيها ذكر العصر إذ لا يلزم من عدم ذكر العصر في الآية والحديث الآخر عدم اجتماعهم في العصر لأن المسكوت عنه قد يكون في حكم المذكور بدليل آخر قال ويحتمل أن يكون الاقتصار وقع في الفجر لكونها جهرية وبحثه الأول متجه لأنه سبيل إلى ادعاء توهيم الراوي الثقة مع إمكان التوفيق بين الروايات ولا سيما أن الزيادة من العدل الضابط مقبولة ولم لا يقال إن رواية من لم يذكر سؤال الذين أقاموا في النهار واقع من تقصير بعض الرواة أو يحمل قوله ثم يعرج الذين باتوا على ما هو أعم من المبيت صارت والإقامة بالنهار فلا يختص ذلك بليل دون نهار ولا عكسه بل كل طائفة منهم إذا صعدت سألت وغاية ما فيه أنه استعمل لفظ بات في أقام مجازا ويكون قوله فيسألهم أي كلا من الطائفتين في الوقت الذي يصعد فيه ويدعلى هذا الحمل رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند النسائي ولفظة ثم يعرج الذين كانوا فيكم فعلى هذا لم يقع في المتن اختصار ولا اقتصار وهذا أقرب الأجوبة وقد وقع لنا هذا الحديث من طريق أخرى واضحا وفيه التصريح بسؤال كل من الطائفتين وذلك فيما رواه بن خزيمة في صحيحه وأبو العباس السراج جميعا عن يوسف بن موسى عن جرير عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله علية وسلم تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر وصلاة العصر فيجتمعون في صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل وتبيت

[ 31 ]

ملائكة النهار ويجتمعون في صلاة العصر فتصعد ملائكة النهار وتبيت ملائكة الليل فيسألهم ربهم كيف تركتم عبادي الحديث وهذه الرواية تزيل الإشكال وتغنى عن كثير من الاحتمالات المتقدمة فهي المعتمدة ويحمل ما نقص منها على تقصير بعض الرواة قوله فيسألهم قيل الحكمة فيه استدعاء شهادتهم لبني آدم بالخير واستنطاقهم بما يقتضى التعطف عليهم وذلك لإظهار الحكمة في خلق نوع الإنسان في مقابلة من قال من الملائكة أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون أي وقد وجد فيهم من يسبح ويقدس مثلكم بنص شهادتكم وقال عياض هذا السؤال على سبيل التعبد للملائكة كما أمروا أن يكتبوا أعمال بني آدم وهو سبحانه وتعالى أعلم من الجميع بالجميع قوله كيف تركتم عبادي قال بن أبي جمرة وقع السؤال عن آخر الأعمال لأن الأعمال بخواتيمها قال والعباد المسئول عنهم هم المذكورون في قوله تعالى إن عبادي ليس لك عليهم سلطان قوله تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون لم يراعوا الترتيب الوجودى لأنهم بدؤا بالترك قبل الأعجمي والحكمة فيه أنهم طابقوا السؤال لأنه قال كيف تركتم ولأن المخبر به صلاة العباد والأعمال بخواتيمها فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أولة وقوله تركناهم وهم ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم في العصر سواء تمت أم منع مانع من إتمامها وسواء شرع الجميع فيها أم لا لأن المنتظر في حكم المصلي ويحتمل أن يكون المراد بقولهم وهم يصلون أي ينتظرون صلاة المغرب وقال بن التين الواو في قوله وهم يصلون واو الحال أبي تركناهم على هذه الحال ولا يقال يلزم منه أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم والخبر ناطق بأنهم يشهدونها لأنا نقول هو أمرهم على أنهم شهدوا الصلاة مع من صلاها في أول وقتها وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك وممن شرع فأسباب ذلك تنبيه استنبط منه بعض الصوفية أنه يستحب أن لا يفارق الشخص شيئا من أموره إلا وهو على طهارة كشعره إذا حلقه وظفره إذا قلمه وثوبه إذا أبدله ونحو ذلك وقال بن أبي جمرة أجابت الملائكة بأكثر مما سئلوا عنه لأنهم علموا أنه سؤال يستدعى التعطف على بني آدم فزادوا في موجب ذلك قلت ووقع في صحيح بن خزيمة من طريق الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة في آخر هذا الحديث فاغفر لهم يوم الدين قال ويستفاد منه أن الصلاة أعلى العبادات لأنه عنها وقع السؤال والجواب وفى الاشارة إلى عظم هاتين الصلاتين لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان وفي غيرهما طائفواحدة والإشارة إلى شرف الوقتين المذكورتين وقد ورد أن الرزق يقسم بعد صلاة الصبح وأن الأعمال ترفع آخر النهار فمن كان حيئنذ في طاعة بورك في رزقه وفي عمله والله أعلم ويترتب عليه حكمة الأمر بالمحافظة عليهما والاهتمام بهما وفيه تشريف هذه الأمة على غيرها ويستلزم تشريف نبيها على غيره وفيه الإخبار بالغيوب ويترتب عليه زيادة الإيمان وفيه الإخبار بما نحن فيه من ضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ في الأوامر والنواهي ونفرح في هذه الأوقات بقدوم رسل ربنا وسؤال ربنا عنا وفيه اعلامنا بحب ملائكة الله لنا لنزداد فيهم حبا ونتقرب إلى الله بذلك وفيه كلام الله تعالى مع ملائكته وغير ذلك من الفوائد والله أعلم وسيأتي الكلام على ذلك في باب قوله ثم يعرج في كتاب التوحيد أن شاء الله تعالى قوله باب من أدرك

[ 32 ]

ركعة من العصر قبل الغروب أورد فيه حديث أبي سلمة عن أبي هريرة إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته فكأنه أراد تفسير الحديث وأن المراد بقوله فيه سجدة أي ركعة وقد رواه الاسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان بلفظ من أدرك منكم ركعة فدل على أن الاختلاف في الألفاظ وقع من الرواة وستأتى رواية مالك في أبواب وقت الصبح بلفظ من أدرك ركعة ولم يختلف على راويها في ذلك فكان عليها الاعتماد وقال الخطاب المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها والركعة إنما يكون تمامها بسجودها فسميت على هذا المعنى سجدة انتهى وقد روى البهيقى هذا الحديث من طريق محمد بن الحسين بن أبي الحسين عن الفضل بن دكين وهو أبو نعيم شيخ البخاري فيه بلفظ إذا أدرك أحدكم أول سجدة من صلاة العصر وإنما لم يأت المصنف في الترجمة بجواب الشرط لما في لفظ المتن الذي أورده من الاحتمال وهو قوله فليتم صلاته لأن الأمر بالإتمام أعم من أن يكون ما ينمه أداء أو قضاء فحذف جواب الشرط لذلك ويحتمل أن تكون من فالترجمة موصولة وفي الكلام حذف تقديره باب حكم من أدرك الخ لكن سيأتي من حديث مالك بلفظ فقد أدرك الصلاة وهو يقتضى أن تكون أداء وستأتى مباحثه هناك أن شاء الله تعالى قوله إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ظاهره أن بقاء هذه الأمة وقع في زمان الأمم السالفة وليس ذلك المراد قطعا وإنما معناه أن نسبة مدة هذه الأمة إلى مدة من تقدم من الآمم مثل ما بين صلاة العصر وغروب الشمس إلى بقية النهار فكأنه قال إنما بقاؤكم بالنسبة إلى ما سلف الخ وحاصله أن في بمعنى إلى وحذف المضاف وهو لفظ نسبة وقد أخرج المصنف هذا الحديث وكذا حديث أبي موسى الآتي بعده في أبواب الإجارة ويقع استيفاء الكلام عليهما هناك إن شاء الله تعالى والغرض هنا بيان مطابقتهما للترجمة والتوفيق بين ما ظاهره الاختلاف منهما قوله أوتى أهل التوراة التوراة ظاهره أن هذا كالشرح والبيان لما تقدم من تقدير مدة الزمانين وقد زاد المصنف من رواية عبد الله بن دينار عن بن عمر في فضائل القرآن هنا وأن مثلكم ومثل اليهود والنصارى الخ وهو يشعر بأنهما قضيتان قوله قيراطا قيراطا كرر قيراطا ليدل على تقسيم القراريط على العمال لأن العرب إذا أرادت تقسيم الشئ على متعدد كررته كما يقال أقسم هذا المال على بني فلان درهما درهما لكل واحد درهم قوله في حديث بن عمر عجزوا قال الداودي هذا مشكل لأنه أن كان المراد من مات منهم مسلما فلا يوصف بالعجز لأنه عمل ما أمر به وإن كان من مات بعد التغيير والتبديل فكيف يعطي القيراط من حبط عمله بكفره وأورده بن التين قائلا قال بعضهم ولم ينفصل عنه وأجيب بان المراد من مات منهم مسلما قبل التغيير والتبديل وعبر بالعجز لكونهم لم يستوفوا عمل النهار كله وإن كانوا قد استوفوا عمل ما قدر لهم فقوله عجزوا أي عن احراز الأجر الثاني دون الأول لكن من أدرك منهم النبي صلى الله عليه وسلم وآمن به أعطى الأجر مرتين كما سبق مصرحا به كتاب الإيمان قال المهلب ما معناه أورد البخاري حديث بن عمر وحديث أبي موسى في هذه الترجمة ليدل على أنه قد يستحق بعمل البعض أجر الكل مثل الذي أعطى من العصر إلى الليل أجر النهار كله فهو وكما من يعطي أجر الصلاة كلها ولو لم يدرك إلا ركعة وبهذا تظهر مطابقة الحديثين للترجمة قلت وتكملة ذلك أن

[ 33 ]

يقال إن فضل الله الذي أقام به عمل ربع النهار مقام عمل النهار كله هو الذي اقتضى أن يقوم إدراك الركعة الواحدة من الصلاة الرباعية التي هي العصر مقام إدراك الأربع في الوقت فاشتركا في كون كل منهما ربع العمل وحصل بهذا التقرير الجواب عمن استشكل وقوع الجميع أداء مع أن الأكثر إنما وقع خارج الوقت فيقال في هذا ما أجيب به أهل الكتابين ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء وقد استبعد بعض الشراح كلام المهلب ثم قال هو منفك عن محل الاستدلال لأن الأمة عملت آخر النهار فكان أفضل من عمل المتقدمين قبلها ولا خلاف أن تقديم الصلاة أفضل من تأخيرها ثم هو من الخصوصيات التي لا يقاس عليها لأن صيام آخر النهار لا يجزئ عن جملته فكذلك سائر العبادات قلت فاستبعد غير مستبعد وليس في كلام المهلب ما يقتضى أن إيقاع العبادة في آخر وقتها أفضل من إيقاعها في أوله وأما إجزاء عمل البعض عن الكل فمن معي الفضل فهو كالخصوصية سواء وقال بن المنير يستنبط من هذا الحديث أن وقت العمل ممتد إلى غروب الشمس وأقرب الأعمال المشهورة بهذا الوقت صلاة العصر قال فهو من معي الإشارة لا من صريح العبارة فإن الحديث مثال وليس المراد العمل الخاص بهذا الوقت بل هو شامل لسائر الأعمال من الطاعات في بقية الأمهال إلى قيام الساعة وقد قال إمام الحرمين إن الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي تأتي لضرب الأمثال قلت وما أبداه مناسب لإدخال هذا الحديث في أبواب أوقات العصر لا لخصوص الترجمة وهي من أدرك ركعة من العصر قبل الغروب بخلاف ما أبداه المهلب وأكملناه وأما ما وقع من المخالفة بين سياق حديث بن عمر وحديث أبي موسى فظاهرهما أنهما قضيتان وقد حاول بعضهم الجمع بينهما فتعسف وقال بن رشيد ما حاصله إن حديث بن عمر ذكر مثالا لأهل الأعذار لقوله فعجزوا فأشار إلى أن من عجز عن استيفاء العمل من غير أن يكون له صنيع في ذلك أن الأجر يحصل له تاما فضلا من الله قال وذكر حديث أبي موسى مثالا لمن أخر بغير عذر وإلى ذلك الإشارة بقوله عنهم لا حاجة لنا إلى أجرك فأشار بذلك إلى أن من أخر عامدا لا يحصل له ما حصل لأهل الأعذار قوله في حديث أبي موسى فقال أكملوا كذا للأكثر بهمزة قطع وبالكاف وكذا وقع في الإجارة ووقع هنا للكشميهنى اعملوا بهمزة وصل وبالعين قوله في حديث بن عمر ونحن كنا أكثر وأشار تمسك به بعض الحنفية كأبي زيد في كتاب الاسرار إلى أن وقت العصر من مصير ظل كل شئ مثليه لأنه لو كان من مصير ظل كل شئ مثله لكان مساويا لوقت الظهر وقد قالوا كنا أكثر وأشار فدل على أنه دون وقت الظهر وأجيب بمنع المساواة وذلك معروف عند أهل العلم بهذا الفن وهو أن المدة التي بين الظهر والعصر أطول من المدة التي بين العصر والمغرب وأما ما نقله بعض الحنابلة من الإجماع على أن وقت العصر ربع النهار فمحمول على التقريب إذا فرعنا على أن أول وقت العصر مصير الظل مثله كما قال الجمهور وأما على قول الحنفية فالذي من الظهر إلى العصر أطول قطعا وعلى التنزيل لا يلزم من التمثيل والتشبيه التسوية من كل جهة وبأن الخبر إذا أورد في معنى مقصود لا تؤخذ منه المعارضة لما ورد في ذلك المعنى بعينه مقصودا في أمر آخر وبأنه ليس في الخبر نص على أن كلا من الطائفتين أكثر وأشار لصدق أن كلهم مجتمعين أكثر وأشار من المسلمين وباحتمال أن يكون أطلق ذلك تغليبا وباحتمال أن يكون ذلك قول اليهود خاصة فيندفع الاعتراض من أصله كما جزم به بعضهم

[ 34 ]

وتكون نسبة ذلك للجميع في الظاهر غير مرادة بل هو عموم أريد به الخصو ص أطلق ذلك تغليبا وبأنه لا يلزم من كونهم أكثر وأشار أن الريح أكثر زمانا لاحتمال كون العمل في زمنهم كان أشق ويؤيده قوله تعالى ربنا ولا تحمل علينا أصرا كمحملته على الذين من قبلنا ومما يؤيد كون المراد كثرة العمل وقلته لا بالنسبة إلى المريض الزمان وقصره كون أهل الأخبار متفقين على أن المدة التي بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم دون المدة التي بين نبينا صلى الله عليه وسلم وقيام الساعة لأن جمهور أهل المعرفة بالأخبار قالوا أن مدة الفترة بين عيسى ونبينا صلى الله عليه وسلم ستمائة سنة وثبت ذلك في صحيح البخاري عن سلمان وقيل إنها دون ذلك حتى جاء عن بعضهم أنها مائة وخمس قرة سنة وهذه مدة المسلمين بالمشاهدة أكثر من ذلك فلو تمسكنا بأن المراد التمثيل بطول الزمانين وقصرهما للزم أن يكون وقت العصر أطول من وقت الظهر ولا قائل به فدل على أن المراد كثرة العمل وقلته والله سبحانه وتعالى أعلم قوله باب وقت المغرب وقال عطاء يجمع المريض بين المغرب والعشاء أشار بهذا الأثر في هذه الترجمة إلى أن وقت المغرب يمتد إلى العشاء وذلك أنه لو كان مضيقا لا نفصل عن وقت العشاء ولو كان منفصلا لم يجمع بينهما كما في الصبح والظهر ولهذه النكتة ختم الباب بحديث بن عباس الدال على أنه صلى الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر في وقت أحدهما وبين المغرب والعشاء في وقت إحداهما وأما الأحاديث التي أوردها في الباب فليس فيها ما يدل على أن الوقت مضيق لأنه ليس فيها إلا مجرد المبادرة إلى الصلاة في أول وقتها وكانت تلك عادته صلى الله عليه وسلم في جميع الصلوات إلا فيما ثبت فيه خلاف ذلك كالابراد وكتأخير العشاء إذا أبطئوا كما في حديث جابر والله أعلم وأما أثر عطاء فوصله عبد الرزاق في مصنفه عن بن جريج عنه واختلف العلماء في المريض هل يجوز له أن يجمع بين الصلاتين كالمسافر لما فيه من الرفق به أو لا فجوزه أحمد وإسحاق مطلقا واختاره بعض الشافعية وجوزه مالك بشرطه والمشهور عن الشافعي وأصحابه المنع ولم أر في المسألة نقلا عن أحد من الصحابة قوله الوليد هو بن مسلم قوله هو عطاء بن صهيب هو مولى رافع بن خديج شيخه قال بن حبان صحبه ست سنين قوله وأنه ليبصر مواقع نبله بفتح النون وسكون الموحدة أي المواضع التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها وروى أحمد في مسنده من طريق على بن بلال عن ناس من الأنصا قالوا كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم المغرب ثم نرجع فنترامى حتى نأتي ديارنا فما يخفى علينا مواقع سهامنا إسناده حسن والنبل هي السهام العربية وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها قاله بن سيده وقيل وأحدها نبلة مثل تمر وتمرة ومقتضاه المبادرة بالمغرب في أول وقتها بحيث أن الفراغ منها يقع والضوء باق قوله محمد بن جعفر هو غندر قوله عن محمد بن عمرو في مسلم من طريق معاذ عن شعبة عن سعد سمع محمد بن عمرو بن الحسن قوله قدم الحجاج بفتح الحاء المهملة وتشديد الجيم وآخره جيم هو بن يوسف الثقفي وزعم الكرماني أن الرواية بضم أوله قال وهو جمع حاج انتهى وهو تحريف بلا خلاف فقد وقع في رواية أبى عوانه في صحيحه من طرق أبي النضر عن شعبة سألنا جابر بن عبد الله في زمن الحجاج وكان يؤخر الصلاة عن وقت الصلاة وفي رواية مسلم من طريق معاذ عن شعبة كان الحجاج يؤخر الصلاة فائدة كان قدوم الحجاج المدينة

[ 35 ]

أميرا عليها من قبل عبد الملك بن مروان سنة أربع وسبعين وذلك عقب قتل بن الزبير فأمره عبد الملك على الحرمين وما معهما ثم نقله بعد هذا إلى العراق قوله بالهاجرة ظاهره يعارض حديث الإبراد لأن قوله كايفعل يشعر بالكثرة والدوام عرفا قاله بن دقيق العيد ويجمع بين الحديثين بأن يكوأطلق الهاجرة على الوقت بعد الزوال مطلقا لأن الإبراد كما تقدم مقيد بحال شدة الحر وغير ذلك كما تقدم فإن وجدت شروط الإبراد أبرد وإلا عجل فالمعنى كان يصلى الظهر بالهاجرة إلا أن أحتاج إلى الإبراد وتعقب بأنه لو كان مراده لفصل كما فصفي العشاء والله أعلم قوله نقية بالنون أوله أي خالصة صافية لم تدخلها صفرة ولا تغير قوله إذا وجبت أي غابت وأصل الوجوب السقوط والمراد سقوط قرص الشمس وفاعل وجبت مستتر وهو الشمس وفي رواية أبي داود عن مسلم بن إبراهيم والمغرب إذا غربت الشمس ولأبي عوانة من طريق أبي النضر عن شعبة والمغرب حين تجب الشمس وفيه دليل على أن سقوط قرص الشمس يدخل به وقت المغرب ولا يخفى أن محله ما إذا كان لا يحول بين رؤيتها غاربة وبين الرائى حائل والله أعلم قوله والعشاء أحيانا وأحيانا ولمسلم أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل كان إذا رآهم قد اجتمعوا الخ وللمصنف في باب وقت العشاء عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة إذا كثر الناس عجل وإذا قلوا أخر ونحوه لأبي عوانة في رواية والأحيان جمع حين وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على المشهور وقيل الحين ستة أشهر وقيل أربعون سنة وحديث الباب يقوي المشهور وسيأتي الكلام على حكم وقت العشاء في بابه وقال بن دقيق العيد إذا تعارض في شخص أمران أحدهما أن يقدم الصلاة في أول الوقت منفردا أو يؤخرها في الجماعة أيهما أفضل الأقرب عندي أن التأخير لصلاة الجماعة أفضل وحديث الباب يدل عليه لقوله وإذا رآهم أبطئوا أخر فيؤخر لأجل الجماعة مع إمكان التقديم قلت ورواية مسلم بن إبراهيم التي تقدمت أخذت على أخص من ذلك وهو أن انتظار من تكثر بهم الجماعة أولى من التقديم ولا يخفى أن محل ذلك ما إذا لم يفحش التأخير ولم يشق على الحاضرين والله أعلم قوله كانوا أو كان قال الكرماني الشك من الراوي عن جابر ومعناهما متلازمان لأن أيهما كان يدخل فيه الآخر إن أراد النبي صلى الله عليه وسلم فالصحابة في ذلك كانوا معه وإن أراد الصحابة فالنبى صلى الله عليه وسلم كان إمامهم أي كان شأنه التعجيل لها دائما لا كما كان يصنع في العشاء من تعجيلها أو تأخيرها وخبر كانوا محذوف يدل عليه قول يصليها أي كانوا يصلون والغلس بفتح اللام ظلمة آخر الليل وقال بن بطاما حاصله فيه حذفان حذف خبر كانوا وهو جائز كحذف خبر المبتدأ في قوله واللائى لم يحضن أي فعدتهن مثل ذلك والحذف الثاني حذف الجملة التي بعد أو تقديره أو لم الريح مجتمعين قال بن التين ويصح أن يكون كانوا هنا تامة غير ناقصة بمعنى الحضور والوقوع فيكون المحذوف ما بعد أو خاصة وقال بن المنير يحتمل أن يكون شكامن الراوي هل قال كان النبي صلى الله عليه وسلم أو كانوا ويحتمل أن يكون تقدير والصبح كانوا مجتمعين مع النبي أو كان النبي صلى الله عليه وسلم وحده يصليها بالغلس قلت والتقدير المتقدم أولى والحق وأنه شك من الراوي فقد وقع في راوية مسلم والصبح كانوا أو قال كان النبي صلى الله عليه وسلم وفيه حذف واحد تقديره والصبح كانوا يصلونها أو كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس فقوله بغلس

[ 36 ]

يتعلق بأي اللفظين كان هو الواقع ولا يلزم من قوله كانوا يصلونها أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم ولا من قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان وحده بل المراد بقوله كانوا يصلونها أي النبي صلى الله عليه وسلم وهكذا قوله كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها أي بأصحابه والله أعلم قوله عن سلم هو بن الأكوع وهذا من ثلاثيات البخاري قوله إذا توارت بالحجاب أي استترت والمراد الشمس قال الخطابي لم يذكرها اعتمادا على أفهام السامعين وهو كقوله في القرآن حتى توارت بالحجاب انتهى وقد رواه مسلم من طريق حاتم بن إسماعيل عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب فدل على أن الاختصار في المتن من شيخ البخاري وقد صرح بذلك الاسماعيلي ورواه عبد بن حميد عن صفوان بن عيسى وأبو عوانة والاسماعيلي من طريق صفوان أيضا عن يزيد بن أبي عبيد بلفظ كان يصلي المغرب ساعة تغرب الشمس حيث يغيب حاجبها والمراد حاجبها الذي يبقى بعدأن تغيب أكثرها والرواية التي فيها توارت أصرح في المراد وقد تقدم الكلام على حديث بن عباس في الجمع بين الظهر والعصر في وقت الظهر والله أعلم واستدل بهذه الأحاديث على ضعف حديث أبي بصرة بالموحدة ثم المهملة رفعه في أثناء حديث ولا صلاة بعدها حتى يرى الشاهد والشاهد النجم قوله باب من كره أن يقال للمغرب العشاء قال الزين بن المنير عدل المصنف عن الجزم كأن يقول باب كراهية كذا لأن لفظ الخبر لا يقتضى نهيا مطلقا لكن فيه النهى عن غلبة الأعراب على ذلك فكأن المصنف رأى أن هذا القدر لا يقتضى المنع من إطلاق العشاء عليه أحيانا بل يجوز أن يطلق على وجه لا يترك له التسمية الأخرى كما ترك ذلك الأعراب وقوفا مع عادتهم قال وإنما شرع لها التسمية بالمغرب لأنه اسم يشعر بمسماها أو بابتداء وقتها وكره إطلاق اسم العشاء عليها لئلا يقع الالتباس بالصلاة الأخرى وعى هذا لا يكره أيضا أن تمسى العشاء بقيد كأن يقول العشاء الأولى ويؤيده قولهم العشاء الآخرة كما ثبت في الصحيح وسيأتي من حديث أنس في الباب الذي يليه ونقل بن بطال عن غير أنه لا يقال للمغرب العشاء الأولى ويحتاج إلى دليل خاص أما من حديث الباب فحجة له قوله عبد الوارث هو بن سعيد التنوري وقوله عن الحسين هو المعلم قوله حدثني عبد الله المزني كذا للأكثر لم يذكر اسم أبيه زاد في رواية كريمة هو بن مغفل بالغين المعجمة والفاء المشددة وكذلك وقع منسوبا بذكر أبيه في رواية عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبيه عند الاسماعيلي وغيره والإسناد كله بصريون قوله لا تغلبكم قال الطيبي يقال غلبه على كذا غصبه منه أو أخذه منه قهرا والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عادتهم من تسمية المغرب بالعشاء والعشاء بالعتمة فيغضب منكم الأعراب اسم العشاء التي سماها الله بها قال فالنهى على الظاهر للأعراب وعلم الحقيقة لهم وقال غيره معنى الغلبة أنكم تسمونها اسما وهم يسمونها اسما فإن سميتموها بالآسم الذي يسمونها به وافقتموهم وإذا وافق الخصم خصمه صار كأنه أنقطع له حتى غلبة ولا يحتاج إلى تقدير غصب ولا أخذ وقال التوربشتي المعنى لا تطلقوا هذا الاسم على ما هو متداول بينهم فيغلب مصطلحهم على الاسم الذي شرعته لكم وقال القرطبي الأعراب من كان من أهل البادية وأن لم يكن عربيا والعربي من ينتسب إلى العرب ولو لم يسكن البادية قولة على أسم صلاتكم التعبير بالاسم يبعد قول الأزهري أن المراد

[ 37 ]

بالنهي عن ذلك أن لا تؤخر صلاتها عن وقت الغروب وكذا قول بن المنير السر في النهى سد الذريعة لئلا تسمى عشاء فيظن امتداد وقتها عن غروب الشمس أخذا من لفظ العشاء أه وكأنه أراد تقوية مذهبة في أن وقت المغرب مضيق وفية نظر إذ لا يلزم من تسميتها المغرب أن يكون وقتها مضيقا فإن الظهر سميت بذلك لأن ابتداء وقتها عند الظهيرة وليس وقتها مضيقا بلا خلاف قوله قال وتقول الأعراب هي العشاء سر النهى عن موافقتهم على ذلك أن لفظ العشاء لغة هو أول ظلام الليل وذلك من غيبوبه الشفق فلو قيل للمغرب عشاء لأدى إلى أن أول وقتها غيبوبة الشفق وقد جزم الكرماني بأن فاعل قال هو عبد الله المزني راوي الحديث ويحتاج إلى نقل خاص لذلك وإلا فظاهر إيراد الاسماعيلي أنه من تتمة الحديث فإنه أورده بلفظ فإن الأعراب تسميها والأصل في مثل هذا أن يكون كلاما واحدا حتى يقوم دليل على ادراجه فائده لا يتناول النهى تسمية المغرب عشاء على سبيل التغليب كمن قال مثلا صليت العشاءين إذا قلنا أن حكمة النهى عن تسميتها عشاء خوف اللبس لزوال اللبس في الصيغة المذكورة والله أعلم تنبيه أورد الاسماعيلي حدبث الباب من طريق عبد الصمد بن عبد الوارث عن أبية وأختلف عليه في لفظ المنن فقال هارون الحمال عنه كرواية البخاري قلت وكذلك رواه أحمد بن حنبل في مسنده وأبو خيثمة زهير بن حرب عند أبي نعيم في مستخرجه وغير واحد عن عبد الصمد وكذلك رواه بن خزيمة في صحيحه عن عبد الوارث بن عبد الصمد عن أبيه أه وقال أبو مسعود الرازي عن عبد الصمد لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإن الأعراب تسميها عتمة قلت وكذلك رواه على بن عبد العزيز البغوي عن أبي معمر شيخ البخاري فيه أخرجه الطبراني عنه وأخرجه أبو نعيم في مستخرجه عن الطبراني كذلك وجنح الاسماعيلي إلى ترجيح رواية أبي مسعود لموافقته حديث بن عمر يعني الذي رواه مسلم كما سنذكره في صدر الباب الذي يليه والذي يتبين لي أنهما حديثان أحدهما في المغرب والآخر في العشاء كانا جميعا عند عبد الوارث بسند واحد والله تعالى أعلم قوله باب ذكر العشاء والعتمة ومن رآه واسعا غاير المصنف بين هذه الترجمة والتي قبلها مع أن سياق الحديثين الواردين فيهما واحد وهو النهى عن غلبة الأعراب على التسميتين وذلك لأنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم إطلاق اسم العشاء على المغرب وثبت عنه إطلاق اسم العتمة على العشاء فتصرف المصنف في الترجمتين بحسب ذلك والحديث الذي ورد في العشاء أخراجه مسلم من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن بن عمر بلفظ لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم فإنها في كتاب الله العشاء وإنهم يعتمون بحلاب الإبل ولابن ماجة نحوه من حديث أبي هريرة وأسناده حسن ولأبي يعلى والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن عوف كذلك زاد الشافعي في روايته في حديث بن عمر وكان بن عمر إذا سمعهم يقولون العتمة صاح وغضب وأخرج عبد الرزاق هذا الموقوف من وجه آخر عن بن عمر واختلف السلف في ذلك فمنهم من كرهه كابن عمر راوي الحديث ومنهم من أطلق جوازه نقله بن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق وغيره ومنهم من جعله خلاف الأولى وهو الراجح وسيأتي للمصنف وكذلك نقله بن المنذر عن مالك والشافعي واختاره ونقل القرطبي عن غيره إنما نهى عن ذلك تنزيها لهذه العبادة الشرعية

[ 38 ]

الدينية عن أن يطلق عليها ما هو اسم لفعلة دنيوية وهي الحلبة التي كانوا يحلبونها في ذلك الوقت ويسمونها العتمة قلت وذكر بعضهم أتلك الحلبة إنما كانوا يعتمدونها في زمان الجدب خوفا من السؤال والصعاليك فعلى هذا فهي فعلة دنيوية مكروهة لا تطلق على فعلة دينية محبوبة ومعنى العتم في الأصل تأخير مخصوص وقال الطبري العتمة بقية اللبن تغبق بها الناقة بعد هوى من الليل فسميت الصلاة بذلك لأنهم كانوا يصلونها في تلك الساعة وروى بن أبي شيبة من طريق ميمون بن مهران قال قلت لابن عمر من أول من سمي صلاة العشاء العتمة قال الشيطان قوله وقال أبو هريرة شرع المصنف في أيراد أطراف أحاديث محذوفة الأسانيد كلها صحيحة مخرجة في أمكنة أخرى حاصلها ثبوت تسمية هذه الصلاة تارة عتمة وتارة عشاء وأما الأحاديث التي لا تسمية فيها بل فيها أطلاق الفعل كقوله أعتم النبي صلى الله عليه وسلم ففائدة أيراده لها الأشارة إلى أن النهى عن ذلك إنما هو لإطلاق الاسم لا لمنع تأخير هذه الصلاة عن أول الوقت وحديث أبي هريرة المذكور وصله المصنف باللفظ الأول في باب فضل العشاء جماعة وباللفظ الثاني وهو العتمة في باب الاستهام في الأذان قوله قال أبو عبد الله هو المصنف قوله والاختيار قال الزين بن المنير هذا لا يتناوله لفظ الترجمة فإن لفظ الترجمة يفهم التسوية وهذا ظاهر في الترجيح قلت لا تنافى بين الجواز مضمحلا فالشيئان إذا كانا جائزا الفعل قد يكون إحداهما أولى من الآخر وإنما صار عنده أولى لموافقته لفظ القرآن ويترجح أيضا بأنه أكثر ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وبأن تسميتها عشاء يشعر بأول وقتها بخلاف تسميتها عتمة لأنه يشعر بخلاف ذلك وبأن يسير في الترجمة لا ينافي ما ذكر أنه الاختيار وهو واضح لمن نظره لأنه قال من كره فأشار إلى الخلاف ومن نقل الخلاف لا يمتنع عليه أن يختار قوله ويذكر عن أبي موسى سيأتي موصولا عند المصنف مطولا بعد باب واحد وكأنه لم يجزم به لأنه اختصر يسير نبه على ذلك شيخنا الحافظ أبو الفضل وأجاب به من اعترض على بن الصلاح حيث فرق بين الصيغتين وحاصل الجواب أن صيغة الجزم أخذت على القوة وصيغة التمريض لا أخذت ثم بين مناسبة العدول في حديث أبي موسى عن الجزم مع صحته إلى التمريض بأن البخاري قد يفعل ذلك لمعنى غير التضعيف وهو ما ذكره من إيراد الحديث بالمعنى وكذا الاقتصار على بعضه لوجود الاختلاف في جوازه وأن كان المصنف يرى الجواز قوله وقال بن عباس وعائشة أما حديث بن عباس فوصله المصنف في باب النوم قبل العشاء كما سيأتي قريبا وأما حديث عائشة بلفظ أعتم بالعشاء فوصله في باب فضل العشاء من طريق عقيل وفي الباب الذي بعده من طريق صالح بن جلس كلاهما عن الزهري عن عروة عنها وأما حديثها بلفظ أعتم بالعتمة فوصله المصنف أيضا في باب خروج النساء إلى المساجد صارت بعد باب وضوء الصبيان من كتاب الصلاة أيضا من طريق شعيب عن الزهري بالسند المذكور وأخرجه الاسماعيلي من طريق عقيل أيضا ويونس وابن أبي ذئب وغيرهم عن الزهري بلفظ أعتم النبي صلى الله علية وسلم ليلة بالعشاء وهي التي يدعو الناس العتمة وهذا يشعر بان السياق المذكور من يطلق الراوي تنبيه معنى أعتم دخل في وقت العتمة ويطلق أعتم بمعنى أخر لكن الأول هنا أظهر قوله وقال جابر كان النبي صلى الله علية وسلم يصلي العشاء هو طرف من حديث وصله المؤلف في باب وقت المغرب وفي باب وقت العشاء قوله وقال أبو برزة كا النبي

[ 39 ]

صلى الله علية وسلم يؤخر العشاء هو طرف من حديث وصله المؤلف في باب وقت العصر قوله وقال أنس أخر النبي صلى الله عليه وسلم العشاء هو طرف من حديث وصله المؤلف في باب وقت العشاء إلى نصف الليل قوله وقال بن عمر وأبو أيوب وابن عباس صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء أما حديث بن عمر فأسنده المؤلف في الحج بلفظ صلى النبي صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء وأما حديث بن عباس فوصله في باب تأخير الظهر إلى العصر كما تقدم قوله قال سالم أخبرني عبد الله سالم بن عبد الله بن عمر وشيخه عبد الله هو أبوه قوله صلى لنا أي لاجلنا أو اللام بمعنى الباء قوله وهي التي يدعونها الناس العتمة تقدم وكما ذلك في حديث أبي برزة في قوله وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة وتقدم أيضا من حديث عائشة عند الاسماعيلي وفي كل ذلك إشعار بغلبة استعمالهم لها بهذا الاسم فصار من عرف النهى عن ذلك يحتاج إلى ذكره لقصد التعريف قال النووي وغيره يجمع بين النهى عن تسميتها عتمة وبين ما جاء من تسميتها عتمة بأمرين أحدهما أنه استعمل ذلك لبيان الجواز وأن النهى للتنزيه لا للتحريم والثاني بأنه خاطب بالعتمة من لا يعرف العشاء لكونه أشهر عندهم من العشاء فهو لقصد التعريف لا لقصد التسمية ويحتمل أنه استعمل لفظ العتمة في العشاء لأنه كان مشتهرا عندهم استعمال لفظ العشاء للمغرب فلو قال لو يعلمون ما في الصبح والعشاء لتوهموا أنها المغرب قلت وهذا ضعيف لأنه قد ثبت في نفس هذا الحديث لو يعلمون ما في الصبح والعشاء فالظاهر أن التعبير بالعشاء تارة وبالعتمة تارة من يطلق الرواة وقيل إن النهى عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز وتعقب بأن نزول الآية كان قبل الحديث المذكور وفي كل من القولين نظر للاحتياج في مثل ذلك إلى التاريخ ولا بعد في أن ذلك كان جائزا فلما كثر إطلاقهم له نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية ومع ذلك فلا يحرم ذلك بدليل أن الصحابة الذين رووا النهى استعملوا التسمية المذكورة وأما استعمالها في مثل حديث أبي هريرة فلرفع الالتباس بالمغرب والله أعلم قوله وهي التي يدعو الناس العتمة فيه إشعار بغلبة هذه التسمية عند الناس ممن لم يبلغهم النهى وقد تقدم الكلام على متن الحديث في باب السمر في العلم قوله باب وقت العشاء إذا اجتمع الناس أو تأخروا أشار بهذه الترجمة إلى الرد على من قال أنها تسمى العشاء إذا عجلت والعتمة إذا أخرت أخذا من اللفظين وأراد هذا القائل الجمع بوجه غير الأوجه المتقدمة فاحتج عليه المصنف بأنها قد سميت في حديث الباب في حال التقديم والتأخير باسم واحد وقد تقدم الكلام على حديث جابر في باب وقت المغرب قوله باب فضل العشاء لم أر من تكلم على هذه الترجمة فإنه ليس في الحدثين اللذين ذكرهما المؤلف في هذا الباب ما يقتضى اختصاص العشاء بفضيلة ظاهرة وكأنه مأخوذ من قوله ما ينتظرها أحد من أهل الأرض غيركم فعلى هذا في الترجمة حذف تقديره باب فضل انتظار العشاء والله أعلم قوله عن عروة عند مسلم في رواية يونس عن بن شهاب أخبرني عروة قوله وذلك قبل أن يفشوا الإسلام أي في غير المدينة وإنما فشا الإسلام في غيرها بعد فتح مكة قوله حتى قال عمر زاد المصنف من رواية صالح عن بن شهاب في باب النوم

[ 40 ]

قبل العشاء حتى ناداه عمر الصلاة وهي بالنصب بفعل مضمر تقديره مثلا صلى الصلاة وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه قوله نام النساء والصبيان أي الحاضرون في المسجد وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم ومحل الشفقة والرحمة بخلاف الرجال وسيأتي قريبا في حديث بن عمر في هذه القصة حتى رقدنا في المسجد ثم استيقظنا ونحوه في حديث بن عباس وهو أمرهم على أن الذي رقد بعضهم لاكلهم ونسب الرقاد إلى الجميع مجازا وسيأتي الكلام على بقية هذا الحديث في باب النوم قبل العشاء لمن غلب قوله عن بريد هو بالموحدة والراء بلفظ التصغير وشيخه أبو بردة هو جده قوله في بقيع بطحان بفتح الموحدة من بقيع وضمها من بطحان قوله وله بعض الشغل في بعض أمره مستسرا بالصلاة فيه دلالة على أن تأخير النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه الغاية لم يكن قصدا ومثله قوله في حديث بن عمر الآتي قريبا شغل عنها ليلة وكذا قوله في حديث عائشة أعتم بالصلاة ليلة يدل على أن ذلك لم يكن من شأنه والفيصل في هذا حديث جابر كانوا إذا اجتمعوا عجل وإذا أبطئوا أخر فائدة الشغل المذكور كان في تجهيز جيش رواه الطبري من وجه صحيح عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر قوله حتى أبهار الليل بالموحدة وتشديد الراء أي طلعت نجومه واشتبكت والباهر الممتلئ نورا قاله أبو سعيد الضرير وعن سيبويه أبهار الليل كثرت ظلمته وأبهار القمر كثر ضوؤه وقال الأصمعي أبهار انتصف مأخوذ من بهرة الشئ وهو وسطه ويؤيده أن في بعض الروايات حتى إذا كان قريبا من نصف الليل وهو في حديث أبي سعيد كما سيأتي وسيأتي في حديث أنس عند المصنف إلى نصف الليل وفي الصحاح أبهار الليل ذهب معظمة وأكثره وعند مسلم من رواية أم كلثوم عن عائشة حتى ذهب عامة الليل قوله على رسلكم بكسر الراء ويجوز فتحها المعنى تأنوا قوله إن من نعمة الله بكسر همز إن ووهم من ضبطه بالفتح وأما قوله أنه ليس أحد فهو بفتح أنه للتعليل واستدل بذلك على فضل تأخير صلاة العشاء ولا يعارض ذلك فضيلة أول الوقت لما في الانتظار من الفضل لكن قال بن بطال ولا يصلح ذلك الآن للأئمة لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالتخفيف وقال إن فيهم الضعيف وذا الحاجة فترك التطويل عليهم في الانتظار أولى قلت وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وغيرهم من حديث أبي سعيد الخدرى صلينا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة العتمة فلم يخرج حتى مضى نحو من شطر الليل فقال إن الناس قد صلوا وأخذوا مضاجعهم وإنكم لن تزالوا في صلاة ما انتظرتم الصلاة ولولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل وسيأتى في حديث بن عباس قريبا لولا أن أشق على أمتى لأمرتهم أن يصلوها هكذا وللترمذي وصححه من حديث أبي هريرة لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه فعلى هذا من وجد به قوه على تأخيرها ولم يغلبه النوم ولم يشق على أحد من المأمومين فالتأخير في حقه أفضل وقد قرر النووي ذلك في شرح مسلم وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم والله أعلم ونقل بن المنذر عن الليث وإسحاق أن المستحب تأخير العشاء إلى قبل الثلث وقال الطحاوي يستحب إلى الثلث وبه قال مالك وأحمد وأكثر الصحابة والتابعين وهو قول الشافعي في الجديد وقال في القديم التعجيل أفضل وكذا قال في الإملاء وصححه النووي وجماعة وقالوا إنه مما يفتي

[ 41 ]

به على القديم وتعقب بأنه ذكره في الإملاء وهو من كتبه الجديدة والمختار من حيث الدليل أفضلية التأخير ومن حيث النظر التفصيل والله أعلم قوله فرحى جمع فرحان على غير قياس مثله وترى الناس سكري في قراءة أو تأنيث فراح وهو نحو الرجال فعلت وفي رواية الكشميهني فرجعنا وفرحنا ولبعضهم فرجعنا فرحا بفتح الراء على المصدر ووقع عند مسلم كالرواية الأولى وسبب فرحهم علمهم باختصاصهم بهذه العبادة التي هي نعمة عظمي مستلزمة للمثوبة الحسنى مع ما أنضاف إلى ذلك من تجميعهم فيها خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله باب ما يكره من النوم قبل العشاء قال الترمذي كره أكثر أهل العلم النوم قبل صلاة العشاء ورخص بعضهم فيه في رمضان خاصة انتهى ومن نقلت عنه الرخصة قيدت عنه في أكثر الروايات بما إذا كان له من يوقظه أو عرفمن عادته أنه لا يستغرق وقت الاختيار بالنوم وهذا جيد حيث قلنا إن علة النهى خشية خروج الوقت وحمل الطحاوي الرخصة على ما قبل دخول وقت العشاء والكراهة على ما بعد دخوله قوله حدثنا محمد بن سلام كذا في رواية أبي ذر ووافقه بن السكن وفي أكثر الروايات حدثنا محمد غير منسوب وقد تعين من رواية أبي ذر وابن السكن وحديث أبي برزة المذكور طرف من حديثه الآتي في السمر بعد العشاء قوله والحديث بعدها أي المحادثة وسيأتي بعد أبواب أن هذه الكراهة مخصوصة بما إذا لم يكن في أمر مطلوب وقيل الحكمة فيه لئلا يكون سببا في ترك قيام الليل أو للاستغراق في الحديث ثم يستغرق في النوم فيخرج وقت الصبح وسيأتي الجمع بين هذا الحديث وبين حديثه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة العشاء في الباب المذكور قوله باب النوم قبل العشاء لمن غلب في الترجمة إشارة إلى أن الكراهة مختصه بمن تعاطى ذلك مختارا وقيل ذلك مستفاد من ترك إنكاره صلى الله عليه وسلم على من رقد من الذين كانوا ينتظرون خروجه لصلاة العشاء ولو قيل بالفرق بين من غلبه النوم في مثل هذه الحالة وبين من غلبه وهو في منزله مثلا لكان متجها قوله حدثني أبو بكر هو عبد الحميد بن أبي أويس واسمه عبد الله أخو إسماعيل شيخ البخاري ويعرف بالأعشى قوله ولا تصلى بالمثناة الفوقانية وفتح اللام المشددة أي صلاة العشاء والمراد أنهالا تصلى بالهيئة المخصوصة وهي الجماعة إلا بالمدينة وبه صرح الداودي لأن من كان بمكة من المستضعفين لم الريح يصلون إلا سرا وأما غير مكة والمدينة من البلاد فلم يكن الإسلام دخلها قوله وكانوا أي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وفي هذا بيان الوقت المختار لصلاة العشاء لما يشعر به السياق من المواظبة على ذلك وقد ورد بصيغة الأمر في هذا الحديث عند النسائي من رواية إبراهيم بن أبي عبله عن الزهري ولفظه ثم قال صلوها فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل وليس بين هذا وبين قوله في حديث أنس أنه أخر الصلاة إلى نصف الليل معارضة لأن حديث عائشة أمرهم على الأغلب من عادته صلى الله عليه وسلم فائدة زاد مسلم من رواية يونس عن بن شهاب في هذا الحديث قال بن شهاب وذكر لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وما كان لكم أن تنزروا رسول الله صلى الله عليه وسلم الولاء وذلك حين صاح عموقوله تنزروا بفتح المثناة الفوقانية وسكون النون وضم الزاي بعدها راء أي تلحوا عليه وروى بضم أوله بعدها موحدة ثم راء مكسورة ثم زاى أي تخرجوا قوله حدثنا

[ 42 ]

محمود هو بن غيلان قوله شغل عنها ليلة فأخرها هذا التأخير مغاير للتأخير المذكور في حديث جابر وغيره المقيد بتأخير اجتماع المصلين وسياقه يشعر بأن ذلك لم يكن من عادته قوله حتى رقدنا في المسجد استدل به من ذهب إلى أن النوم لا ينقض الوضوء ولا دلالة فيه لاحتمال أن يكون الراقد منهم كان قاعدا متمكنا أو لاحتمال أن يكون مضطجعا لكنه توضأ وإن لم ينقل اكتفاء بما عرف من أنهم لا يصلون على غير وضوء قوله وكان أي بن عمر يرقد قبلها أي قبل صلاة العشاء وهو أمرهم على ما إذا لم يخش أن يغلبه النوم عن وقتها كما صرح به قبل ذلك حيث قال وكان لا يبالي أقدمها أم أخرها وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع أن بن عمر كان ربما رقد عن العشاء الآخرة ويأمر أن يوقظوه والمصنف حمل ذلك في الترجمة على ما إذا غلبه النوم وهو اللائق بحال بن عمر قوله قال بن جريج هو بالإسناد الذي قبله وهو محمود عن عبد الرزاق عن بن جريج ووهم من زعم أنه معلق وقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه بالاسنادين وأخرجه من طريقة الطبراني وعنه أبو نعيم في مستخرجه قوله فقام عمر فقال الصلاة زاد في التمنى رقد النساء والصبيان وهو مطابق لحديث عائشة الماضي قوله واضعا يده على رأسه كذا للأكثر وللكشميهني على رأسي وهو وهم لما ذكر بعده من هيئة عصره صلى الله عليه وسلم شعره من الماء وكأنه كان اغتسل قبل أن يخرج قوله فاستثبت هو مقول بن جريج وعطاء هو بن أبي رباح ووهم من زعم أنه بن يسار قوله فبدد أي فرق وقرن الرأس جانبه قوله ثم ضمها كذا له بالضاد المعجمة والميم ولمسلم وصبها بالمهملة والموحدة وصوبه عياض قال لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد قلت ورواية البخاري موجهة لأن ضم اليد صفة العاصر قوله حتى مست إبهامه كذا بالإفراد للكشميهنى ولغيره إبهاميه وهو منصوب بالمفعولية وفاعله طرف الأذن وعلى هذا فهو مرفوع وعلى الرواية الأولى طرف منصوب وفاعله إبهامه وهو مرفوع ويؤيد رواية الأكثر رواية حجاج عن بن جريج عند النسائي وأبي نعيم حتى مست إبهاماه طرف الأذن قوله لا يقصر ولا يبطش أي لا يبطئ ولا يستعجل ويقصر بالقاف للأكثر ووقع عند الكشميهني لا يعصر بالعين والأولى أصوب قوله لأمرتهم أن يصلوها كذا بين ذلك في كتاب التمنى عند المصنف من رواية سفيان بن عيينة عن بجريج وغيره في هذه الحديث وقال أنه للوقت لولا أن أشق على أمتي فائدة وقع في الطبراني من طريق طاوس عن بن عباس في هذا الحديث بمعناه قال وذهب النا س إلا عثمان بن مظعون في ستة عشر رجلا فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما صلى هذه الصلاة أمة قبلكم قوله باب وقت العشاء إلى نصف الليل في هذه الترجمة حديث صريح أخرجه مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص في بيان أول الأوقات وآخرها وفيه فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل قال النووي معناه وقت لأدائها اختيارا وأما وقت الجواز فيمتد إلى طلوع الفجر لحديث أبي قتادة عند مسلم إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجئ وقت الصلاة الأخرى وقال الإصطخري إذا ذهب نصف الليل صارت قضاء قال ودليل الجمهور حديث أبي قتادة المذكور قلت وعموم حديث أبي قتادة مخصوص بالإجماع في الصبح وعلى قول الشافعي الجديد في المغرب فللاصطخري أن يقول إنه مخصوص بالحديث المذكور وغيره من الأحاديث في العشاء والله أعلم

[ 43 ]

قوله وقال أبو برزة هو طرف من حديثه المتقدم في باب وقت العصر وليس فيه تصريح بقيد نصف الليل لكن أحاديث التأخير والتوقيت لما جاءت مرة مقيدة بالثلث وأخرى بالنصف كان النصف غاية التأخير ولم أر في امتداد وقت العشاء إلى طلوع الفجر حديثا صريحا يثبت قوله حدثنا عبد الرحيم المحاربي كذا لأبي ذر ووقع لأبي الوقت وغيره عبد الرحيم بغير صيغة أداء وهو عبد الرحيم بن عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي يكنى أبا زياد وهو من قدماء شيو البخاري وليس له في الصحيح عنه غير هذا الحديث الواحد قوله صلاة العشاء زاد مسلم ليلة وفيه إشعار بأنه لم يكن يواظب على ذلك قوله قد صلى الناس أي المعهودون ممن صلى من المسلمين إذ إذا ذاك قوله وزاد بن أبي مريم يعني سعيد بن الحكم المصري ومراده بهذا التعليق بيان سماع حميد للحديث من أنس قوله كأني انظر الخ الجملة في موضع المفعول لقوله زاد وقد وقع لنا هذا التعليق موصولا عاليا من طريق أبي طاهر المخلص في الجزء الأول من فوائده قال حدثنا البغوي حدثنا أحمد بن منصور حدثنا بن أبي مريم بسنده وأوله سئل أنس هل أتخذ النبي صلى الله عليوسلم خاتما قال نعم أخر العشاء فذكره وفي آخره وكأني انظر إلى وبيص خاتمه ليلتئذ والببغاء بالموحدة والصاد المهملة البريق وسيأتي الكلام على فضل انتظار الصلاة في أبواب الجماعة وعلى الخاتم ولبسه في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى قوله باب فضل صلاة الفجر وقع في رواية أبي ذر بعد هذا والحديث ولم يظهر لقوله والحديث توجيه في هذا الموضع ووجهه الكرماني بأن الغرض منه باب كذا وباب الحديث الوارد في فضل صلاة الفجر قلت ولا يخفى بعده ولم أر هذه الزيادة في شئ من المستخرجات ولا عرج عليها أحد من الشراح فالظاهر أنها وهم ويدل لذلك أنه ترجم لحديث جرير أيضا باب فضل صلاة العصر بغير زيادة ويحتمل أنه كان فيه باب فضل صلاة الفجر والعصر واعجباه الكلمة الأخيرة والله أعلم قوله يحيى هو القطان وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وقد تقدم الكلام على حديث جرير في باب فضل صلاة العصر قوله أبو جمرة بالجيم والراء وهو الضبعي وشيخه أبو بكر هو بن أبي موسى الأشعري بدليل الرواية التي بعده حيث وقع فيها أن أبا بكر بن عبد الله بن قيس وعبد الله بن قيس هو أبو موسى وقد قيل إنه أبو بكر بن عمارة بن رويبة والأول أرجح كما سيأتي آخر الباب قوله من صلى البردين بفتح الموحدة وسكون الراء تثنية برد والمراد صلاة الفجر والعصر ويدل على ذلك قوله في حديث جرير صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها زاد في رواية لمسلم يعني العصر والفجر قال الخطابي بردين لأنهما تصليان في بردى النهار وهما طرفاه حين يطيب الهواء وتذهب سورة الحر ونقل عن أبي عبيد أن صلاة المغرب الخطبة في ذلك أيضا وقال البزار في توجيه اختصاص هاتين الصلاتين بدخول الجنة دون غيرهما من الصلوا ت ما محصله إن من موصولة لا شرطية والمراد الذين صلوهما أول ما فرضت الصلاة ثم ماتوا قبل فرض الصلوات الخمس لأنها فرضت أولا ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي ثم فرضت الصلوات الخمس فهو خبر عن ناس مخصوصين لا عموم فيه قلت ولا يخفى ما فيه من التكلف والأوجه أن من في الحديث شرطية وقوله دخل جواب الشرط وعدل عن الأصل وهو فعل المضارع كأن يقول يدخل الجنة إرادة

[ 44 ]

للتأكيد في وقوعه بجعل ما سيقع كالواقع قوله وقال بن رجاء هو عبد الله البصري الغداني وهو أحد شيوخ البخاري وقد وصله محمد بن يحيى الذهلي قال حدثنا عبد الله بن رجاء ورويناه عاليا من طريقه في الجزء المشهور المروي عنه من طريق السلفي ولفظ المتن واحد قوله حدثنا إسحاق هوبن منصور ولم يقع منسوبا في شئ من الكتب والروايات واستدل أبو على الغساني على أنه بن منصور بأن مسلما روى عن إسحاق بن منصور عن حبان بن هلال حديثا غير هذا قلت رأيت في رواية أبي على الشبوي عن الفربري في باب البيعان بالخيار حدثنا إسحاق بن منصور حدثنا حبان بن هلال فذكر حديثا فهذه القرينة أقوى من القرينة التي في رواية مسلم قوله حدثنا حبان هو بن هلال وهو بفتح الحاء المهملة فاجتمعت الروايات عن همام بأن شيخ أبي جمرة هو أبو بكر بن عبد الله فهذا بخلاف من زعم أنه بن عمارة بن رويبة وحديث عمارة أخرجه مسلم وغيره من طرق عن أبي بكر بن عمارة عن أبيه لكن يسير لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها وهذا اللفظ مغاير للفظ حديث أبي موسى وإن كان معناهما واحدا فالصواب أنهما حديثان قوله باب وقت الفجر ذكر فيه حديث تسحر زيد بن ثابت مع النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين عن أنس فأما رواية همام عن قتادة فهي عن أنس أن زيد بن ثابت حدثه فجعله من مسند زيد بن ثابت ووافقه هشام عن قتادة كما سيأتي في الصيام وأما رواية سعيد وهو بن أبي عروبة عن قتادة فهي عن أنس أن نبي الله وزيدبن ثابت تسحرا وفي رواية السرخسي والمستملي تسحروا فجعله من مسند أنس وأما قوله تسحروا بصيغة الجمع فشاذة وترجح عند مسلم رواية همام فإنه أخرجها وأعرض عن رواية سعيد ويدل على رجحانها أيضا أن الاسماعيلي أخرج رواية سعيد من طريق خالد بن الحارث عن سعيد فقال عن أنس عن زيد بن ثابت والذي يظهر لي في الجمع بين أن أنسا حضر ذلك لكنه لم يتسحر معهما ولأجل هذا سأل زيدا عن مقدار وقت السحور كما سيأتي بعد ثم وجدت ذلك صريحا في رواية النسائي وابن حبان ولفظهما عن أنس قال قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم يا أنس إني أريد الصيام أطعمني شيئا فجئته بتمر وإناء فيه ماء وذلك بعد ما أذن بلال قال يا أنس انظر رجلا يأكل معي فدعوت زيد بن ثابت فجاء فتسحر معه ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة فعلى هذا فالمراد بقوله كم كان بين الأذان والسحور أي أذان بن أم مكتوم لأن بلالا كان يؤذن قبل الفجر والآخر يؤذن إذا طلع قوله قلت كم كان بينهما سقلفظ كان من رواية السرخسي والمستملي ووقع عند الاسماعيلي من رواية عفان عن همام قلنا لزيد ومن رواية خالد بن الحارث عن سعيد قال خالد أنس القائل كم كان بينهما ووقع عند المصنف من رواية روح عن سعيد قلت لأنس فهو مقول قتادة قال الاسماعيلي والروايتان صحيحتان بان يكون أنس سأل زيدا وقتادة سأل أنسا والله أعلم قوله قام نبي الله صلى الله عليه وسلم إلى الصلاة فصليا كذا للكشميهنى بصيغة التثنية ولغيره فصلينا بصيغة الجمع وسيأتي الكلام على بقية فوائد هذا الحديث في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى واستدل المصنف به على أن أو وقت الصبح طلوع الفجر لأنه الوقت الذي يحرم فيه الطعام والشراب والمدة التي بين الفراغ من السحور والدخول في الصلاة وهي قراءة الخمسين آية

[ 45 ]

أو نحوها قدر ثلث خمس ساعة ولعلها مقدار ما يتوضأ فأشعر ذلك بأن أول وقت الصبح أول ما يطلع الفجر وفيه أنه صلى الله عليه وسلم كان يدخل فيها بغلس والله أعلم قوله عن أخيه هو أبو بكر عبد الحميد وسليمان هو بن بلال وسيأتي الكلام على حديث سهل بن سعد في الصيام والغرض منه هنا الإشارة إلى مبادرة النبي صلى الله عليه وسلم بصلاة الصبح في أول الوقت وحديث عائشة تقدم في أبواب ستر العورة ولفظه أصرح في مراده في هذا الباب من جهة التغليس بالصبح وأن سياقه يقتضى المواظبة على ذلك وأصرح منه ما أخرجه أبو داود من حديث بن مسعود أنه صلى الله عليه وسلم أسفر بالصبح مرة ثم كانت صلاته بعد بالغلس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر وأما ما رواه أصحاب السنن وصححه غير واحد من حديث رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر فقد حمله الشافعي وغيره على أن المراد بذلك تحقق طلوع الفجر وحمله الطحاوي على أن المراد الأمر بتطويل القراءة فيها حتى يخرج من الصلاة مسفرا وأبعد من زعم أنه ناسخ الولاء في الغلس وأما حديث بن مسعود الذي أخرجه المصنف وغيره أنه قال ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة في غير وقتها غير ذلك اليوم يعني في الفجر يوم المزدلفة فمحمول على أنه دخل فيها مع طلوع الفجر من غير تأخير فإن في حديث زيد بن ثابت وسهل بن سعد ما يشعر بتأخير يسير لا أنه صلاها قبل أن يطلع الفجر والله سبحانه وتعالى أعلم قوله في حديث عائشة كن قال الكرماني هو مثل أكلوني البراغيث لأن قياسه الإفراد وقد جمع قوله نساء المؤمنات تقديره نساء الأنفس المؤمنات أو نحوها ذلك حتى لا يكون من إضافة الشئ إلى نفسه وقيل إن نساء هنا بمعنى الفاضلات أي فاضلات المؤمنات كما يقال رجال القوم أي فضلاؤهم قوله يشهدن أي يحضرن وقوله لا يعرفهن أحد قال الداودي معناه لا يعرفن أنساء أم رجال أي لا يظهر للرائى الا الأشباح خاصة وقيل لا يعرف أعيانهن فلا يفرق بين خديجة وزينب وضعفه النووي بان المتلفعة في النهار لا تعرف عينها فلا يبقى في الكلام فائدة وتعقب بان المعرفة إنما تتعلق بالأعيان فلو كان المراد الأول لعبر بنفى العلم وما ذكره من أن المتلفعة بالنهار لا تعرف عينها فيه نظر لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى في الغالب ولو كان بدنها مغطى وقال الباجي هذا يدل على أنهن كن سافرات إذ لو كن ومعاشرته لمنع تغطية الوجه من معرفتهن لا الغلس قلت وفيه ما فيه لأنه مبنى على الاشتباه الذي أشار إليه النووي وأما إذا قلنا إن لكل واحدة منهن هيئة غالبا فلا يلزم ما ذكر والله أعلم قوله متلفعات تقدم شرحه والمروط جمع مرط بكسر الميم وهو كساء معلم من خز أو صوف أغير ذلك وقيل لا يسمى مرطا إلا إذا كان أخضر ولا يلبسه إلا النساء وهو مردود بقوله مرط من شعر أسود قوله ينقلبن أي يرجعن قوله من الغلس من ابتدائية أو تعليلة ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي برزة السابق أنه كان ينصرف من الصلاة حين يعر ف الرجل جليسه لأن هذا إخبار عن رؤية المتلفعة على بعد وذاك إخبار عن رؤية الجليس وفي الحديث استحباب المبادرة بصلاة الصبح في أول الوقت وجواز خروج النساء إلى المساجد لشهود الصلاة في الليل ويؤخذ منه جوازه في النهار من باب أولى لأن الليل مظنة الريبة أكثر من النهار ومحل ذلك إذا لم يخش عليهن أبهن فتنة واستدل به بعضهم على جواز صلاة المرأة مختمرة الأنف والفم فكأنه جعل

[ 46 ]

التلفع صفة لشهود الصلاة وتعقبه عياض بأنها إنما أخبرت عن هيئة الانصراف والله أعلم قوله باب من أدرك من الفجر ركعة تقدم الكلام على الحكمة في حذف جوا ب الشرط من الترجمة في باب من أدرك من العصر ركعه قوله يحدثونه أي يحدثون زيد بن اسلم ورجال الإسناد كلهم مدنيون قوله فقد أدرك الصبح الإدراك الوصول إلى الشئ فظاهره أنه يكتفى بذلك وليس ذلك مرادا بالإجماع فقيل يحمل على أنه أدرك الوقت فإذا صلى ركعة أخرى فقد كملت صلاته وهذا قول الجمهور وقد صرح بذلك في رواية الدراوردى عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي من وجهين ولفظه من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس وركعة بعد ما تطلع الشمس فقد أدرك الصلاة وأصرح منه رواية أبي غسان محمد بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء وهو بن يسار عن أبي هريرة بلفظ من صلى ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ثم صلى ما بقي بعد غروب الشمس فلم يفته العصر وقال مثل ذلك في الصبح وقد تقدمت رواية المصنف في با ب من أدرك من العصر ركعة من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وقال فيها فليتم صلاته وللنسائي من وجه آخر من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي ما فاته وللبهيقى من وجه آخر من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى ويؤخذ من هذا الرد على الطحاوي حيث خص الإدراك باحتلام الصبي وطهر الحائض وإسلام الكافر ونحوها وأراد بذلك نصرة مذهبه في أن من أدرك من الصبح ركعة تفسد صلاته لأنه لا يكملها إلا في وقت الكراهة وهو مبنى على أن الكراهية تتناول الفرض والنفل وهي خلافية مشهورة قال الترمذي وبهذا يقول الشافعي وأحمد وإسحاق وخالف أبو حنيفة فقال من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح بطلت صلاته واحتج لذلك بالأحاديث الواردة في النهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وادعى بعضهم أن أحاديث النهى ناسخة لهذا الحديث وهي دعوى تحتاج إلى دليل فإنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال والجمع بين الحديثين ممكن بأن تحمل أحاديث النهى على ما لا سبب له من النوافل ولا شك أن التخصيص أولى من ادعاء النسخ ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت وللفقهاء في ذلك تفاصيل بين أصحاب الأعذار وغيرهم وبين مدرك الجماعة ومدرك الوقت وكذا مدرك الجمعة ومقدار هذه الركعة قدر ما يكبر للاحرام ويقرأ أم القرآن ويركع ويرفع ويسجد سجدتين بشروط كل ذلك وقال الرافعي المعتبر فيها أخف ما يقدر عليه أحد وهذا في حق غير أصحاب الأعذار أما أصحاب الأعذار كمن أفاق من إغماء أو طهرت من حيض أو غير ذلك فإن بقي من الوقت هذا القدر كانت الصلاة في حقهم أداء وقد قال قوم يكون ما ادرك في الوقت أداء وبعده قضاء وقيل يكون كذلك لكنه يلتحق بالأداء حكما والمختار أن الكل أداء وذلك من فضل الله تعالى ونقل بعضهم الاتفاق على أن لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا القدر والله أعلم لطيفة أورد المصنف في باب من أدرك من العصر طريق أبي سلمة عن أبي هريرة وفي هذا الباب طريق عطاء بن يسار ومن معه عن أبي هريرة لأنه قدم في طريق أبي سلمة ذكر العصر ربع في هذا ذكر الصبح فناسب أن يذكر في كل منهما ما قدم لما يشعر به التقديم من اهتمام والله الهادي للصواب قوله باب من أدرك من الصلاة ركعة هكذا ترجم وساق الحديث بلفظ من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله العمري عن الزهري وأحال به على حديث مالك وأخرجه البيهقي وغيره

[ 47 ]

من الوجه الذي أخرجه منه مسلم ولفظه كلفظ ترجمة هذا الباب قدم قوله من الصلاة على قوله ركعة وقد وضح لنا بالاستقراء أن جميع ما يقع في تراجم البخاري مميترجم بلفظ الحديث لا يقع فيه شئ مغاير للفظ الحديث الذي يورده إلا وقد ورد من وجه آخر بذلك اللفظ المغاير فلله دره ما أكثر اطلاعه والظاهر أن هذا أعم من حديث الباب الماضي قبل عشرة أبواب ويحتمل أن تكون اللام عهدية فيتحدا ويؤيده أن كلا منهما من رواية أبي سلمة عن أبي هريرة وهذا مطلق وذاك مقيد فيحمل المطلق على المقيد وقال الكرماني الفرق بينهما أن الأول فيمن أدرك من الوقت قدر ركعة وهذا فيمن أدرك من الصلاة ركعة كذا قال وقال بعد ذلك وفي الحديث أن من دخل في الصلاة فصلى ركعة وخرج الوقت كان مدركا لجميعها وتكون كلها أداء وهو الصحيح انتهى وهذا يدل على اتحاد الحديثين عنده لجعلهما متعلقين بالوقت بخلاف ما قال أولا وقال التيمي معناه من أدرك مع الإمام ركعة فقد أدرك فضل الجماعة وقيل المراد بالصلاة الجمعة وقيل غير ذلك وقوله فقد أدرك الصلاة ليس على ظاهره بالإجماع لما قدمناه من أنه لا يكون بالركعة الواحدة مدركا لجميع الصلاة بحيث تحصل براءة ذمته من الصلاة فإذا فيه إضمار تقديره فقد أدرك وقت الصلاة أو حكم الصلاة أو نحو ذلك ويلزمه إتمام بقيتها وقد تقدم بقية مباحثه في الباب الذي قبله ومفهوم التقييد بالركعة أن من أدرك دون الركعة لا يكون مدركا لها وهو الذي استقر عليه الاتفاق وكان فيه شذوذ قديم منها إدراك الإمام راكعا يجزئ ولو لم يدرك معه الركوع وقيل يدرك الركعة ولو رفع الإمام رأسه ما لم يرفع بقية من ائتم به في الأصل رؤوسهم ولو بقي واحد وعن الثوري وزفر إذا كبر قيل أن يرفع الإمام رأسه أدرك إن وضع يديه على ركبتيه قبل رفع الإمام وقيل من أدرك تكبيرة الإحرام وتكبيرة الركوع أدرك الركعة وعن أبي العالية إذا أدرك السجود أكمل بقية الركعة معهم ثم يقوم فيركع فقط وتجزيه قوله باب الصلاة بعد الفجر حتى ترتفع الشمس يعني ما حكمها قال الزين بن المنير لم يثبت حكم النهى لأن تعين المنهي عنه في هذا الباب مما كثر فيه الاختلاف وخص الترجمة بالفجر مع اشتمال الأحاديث على الفجر والعصر لأن الصبح هي المذكورة أولا في سائر أحاديث الباب قلت أو لأن العصر ورد فيها كونه صلى الله عليه وسلم صلى بعدها بخلاف الفجر قوله هشام هو بن أبي عبد الله الدستوائي قوله عن أبي العالية هو الرياحي بالياء التحتانية واسمه رفيع بالتصغير ووقع مصرحا به عند الاسماعيلي من رواية غندر عن شعبة وأورد المصنف طريق يحيى وهو القطان عن شعبة عن قتادة سمعت أبا العالية والسر فيها التصريح بسماع قتادة له من أبي العالية وإن كانت طريق هشام أعلى منها قوله شهد عندي أي أعلمني أو أخبرني ولم يرد شهادة الحكم قوله مرضيون أي لا شك في صدقهم ودينهم وفي رواية الاسماعيلي من طريق يزيد بن زريع عن همام شهد عندي رجال مرضيون فيهم عمر وله من رواية شعبة حدثني رجال أحبهم إلى عمر قوله ناس بهذا أي بهذا الحديث بمعناه فإن مسددا رواه في مسنده ومن طريقه البيهقي ولفظه حدثني ناس أعجبهم إلي عمر وقال فيه حتى تطلع الشمس ووقع في الترمذي عنه سمعت غير واحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم عمر وكان من أحبهم إلي قوله بعد الصبح أي بعد صلاة الصبح لأنه لا جائز أن يكون الحكم فيه معلقا بالوقت إذ لا بد من أداء الصبح فتعين التقدير المذكور

[ 48 ]

قال بن دقيق العيد هذا الحديث معمول به عند فقهاء الأمصار وخالف بعض المتقدمين وبعض الظاهرية من بعض الوجوه قوله حتى تشرق بضم أوله من أشرق يقال أشرقت الشمس ارتفعت وأضاءت ويؤيده حديث أبي سعيد الآتي في الباب بعده بلفظ حتى ترتفع الشمس ويروى بفتح أوله وضم ثالثه بوزن تغرب يقال شرقت الشمس أي طلعت ويؤيده رواية البهيقى من طريق أخرى عن بن عمر شيخ البخاري فيه بلفظ حتى تشرق الشمس أو تطلع على الشك وقد ذكرنا أن في رواية مسدد حتى تطلع الشمس بغير شك وكذا هو في حديث أبي هريرة الآتي آخر الباب بلفظ حتى تطلع الشمس بالجزم ويجمع بين الحديثين بأن المراد بالطلوع طلوع مخصوص أي حتى تطلع مرتفعة قال النووي أجمعت الأمة على كراهة صلاة لا سبب لها في الأوقات المنهي عنها واتفقوا على جواز الفرائض المؤداة فيها واختلفوا في النوافل التي لها سبب كصلاة تحية المسجد وسجود التلاوة والشكر وصلاة العيد والكسوف وصلاة الجنازة وقضاء الفائتة فذهب الشافعي وطائفة إلى جواز ذلك كله بلا كراهة وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى أن ذلك في عموم النهى واحتج الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم قضى سنة الظهر بعد العصر وهو صريح في قضاء السنة الفائتة فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى ويلتحق ما له سبب قلت وما نقله من الإجماع والاتفاق متعقب فقد حكى غيره عن طائفة من السلف الإباحة مطلقا وأن أحاديث النهى منسوخة وبه قال داود وغيره من أهل الظاهر وبذلك جزم بن حزم وعن طائفة أخرى المنع مطلقا في جميع الصلوات وصح عن أبي بكرة وكعب بن عجر المنع من صلاة الفرض في هذه الأوقات وحكى آخرون الإجماع على جواز صلاة الجنازة في الأوقات المكروهة وهو متعقب بما سيأتي في بابه وما ادعاه بن حزم وغيره من النسخ مستندا إلى حديث من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فليصل إليها أخرى فدل على إباحة الصلاة في الأوقات المنهية انتهى وقال غيرهم ادعاء التخصيص أولى من ادعاء النسخ فيحمل النهى على ما لا سبب له ويخص منه ما له سبب جمعا بين الأدلة والله أعلم وقال البيضاوي اختلفوا في جواز الصلاة بعد الصبح والعصر وعند الطلوع والغروب وعند الاستواء فذهب داود إلى الجواز مطلقا وكأنه حمل النهى على التنزيه قلت بل المحكى عنه أنه ادعى النسخ كما تقدم قال وقال الشافعي تجوز الفرائض وماله سبب من النوافل وقال أبو حنيفة يحرم الجميع سوى عصر يومه وتحرم المنذورة أيضا وقال مالك تحرم النوافل دون الفرائض ووافقه أحمد لكنه استثنى ركعتي الطواف تنبيه لم يقع لنا تسمية الرجال المرضيين الذين حدثوا بن عباس بهذا الحديث وبلغني أن بعض من تكلم على العمدة تجاسر وزعم أنهم المذكورون فيها عند قوله مصنفها وفي الباب عن فلان وفلان ولقد أخطأ هذا المتجاسر خطأ بينا فلا حول ولا قوة الا بالله قوله عن هشام هو بن عروة بن الزبير قوله لا تحروا أصله لاتتحروا فحذفت إحدى التاءين والمعنى لا تقصدوا واختلف أهل العلم في المراد بذلك فمنهم من جعله تفسيرا للحديث السابق ومبينا للمراد به فقال لا ذكره الصلاة بعد الصبح ولا بعد العصر إلا لمن قصد بصلاته طلوع الشمس وغروبها وإلى ذلك جنح بعض أهل الظاهر وقواه بن المنذر واحتج له وقد روى مسلم من طريق طاوس عن عائشة قالت وهم عمر إنما نهى رسول الله صلى الله عليه

[ 49 ]

وسلم أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها انتهى وسيأتي من قول بن عمر أيضا ما يدل على ذلك قريبا بعد ببابين وربما قوي ذلك بعضهم بحديث من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليضف إليها الأخرى فأمر بالصلاة حينئذ فدل على أن الكراهة مختصة بمن قصد الصلاة في ذلك الوقت لا من وقع له ذلك اتفاقا وسيأتي لهذا مزيد بيان في آخر الباب الذي بعده ومنهم من جعله نهيا مستقلا وكره الصلاة في تلك الأوقات سواء قصد لها أم لم يقصد وهو قول الأكثر قال البيهقي إنما قالت ذلك عائشة لأنها رأت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بعد العصر فحملت نهيه على من قصد ذلك لا على الإطلاق وقد أجيب عن هذا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى حينئذ قضاء كما سيأتي وأما النهى فهو ثابت من طريق جماعة من الصحابة غير عمر رضي الله عنه فلا اختصاص له بالوهم والله أعلم قوله وقال حدثني بن عمر هو مقول عروة أيضا وهو حديث آخر وقد أفرده الاسماعيلي وذكر أنه وقع له الحديثان معا من رواية على بن مسهر وعيسى بن يونس ومحمد بن بشر ووكيع ومالك بن سعير ومحاضر كلهم عن هشام وأنه وقع له الحديث الثاني فقط من رواية عبد الله بن نمير عن هشام قوله حتى ترتفع جعل ارتفاعها غاية النهى وهو يقوي رواية من روى الحديث الماضي بلفظ حتى تشرق من الإشراق وهو الارتفاع كما تقدم قوله تابعه عبدة يعني بن سليمان والضمير يعود على يحيى بن سعيد وهو القطان يعني تابع يحيى القطان على روايته لهذا الحديث عن هشام ورواية عبدة هذه موصولة عند المصنف في بدء الخلق وفيه الحديثان معا وقال فيه حتى تبرز بدل ترتفع وقال فيه لا تحينوا بالياء التحتانية والنون وزاد فيه فإنها تطلع بين قرني شيطان وفيه إشارة إلى علة النهى عن الصلاة في الوقتين المذكور وزاد مسلم من حديث عمرو بن عبسة وحينئذ يسجد لها الكفار فالنهى حينئذ لترك مشابهة الكفار وقد اعتبر ذلك الشرع في أشياء كثيرة وفي هذا تعقب على أبي محمد البغوي حيث قال إن النهى عن ذلك لا يدرك معناه وجعله من معي التعبد الذي يجب الإيمان به وسيأتي الكلام على المراد بقوله بين قرني الشيطان في أوائل بدء الخلق إن شاء الله تعالى قوله حاجب الشمس أي طرف قرصها قال الجوهري حواجب الشمس نواحيها قوله عن عبيد الله هو بن عمر العمري قوله حفص بن عاصم أي بن عمر بن الخطاب وهو جد عبيد الله بن عمر المذكور في هذا الإسناد قوله وعن صلاتين محصل ما في الباب أربعة أحاديث الأول والاخير يتعلقان بالفعل والثاني والثالث يتعلقان بالوقت وقد تقدم نقل اختلاف العلماء في ذلك وسيأتي الكلام على البيعتين في كتاب البيع وعلى اللبستين في كتاب اللباس قوله بعد الفجر أي بعد صلاة الفجر كما تقدم قوله باب لا تتحرى بضم المثناة الفوقانية والصلاة بالرفع لأنها في مقام الفاعل أو بفتح المثناة التحتانية والصلاة بالنصب والفاعل محذوف أي المصلي وقد تقدم الكلام على حديث بن عمر في الباب الذي قبله ولا تنافى بين قوله في الترجمة قبل الغروب وبين قوله في الحديث عند الغروب لما نذكره قريبا قوله لا يتحرى كذا وقع بلفظ الخبر قال السهيلي يجوز الخبر عن مستقر أمر الشرع أي لا يكون الا هذا قوله فيصلى بالنصب والمراد نفى التحري والصلاة معا ويجوز الرفع أي لا يتحرى أحدكم الصلاة في وقت كذا فهو يصلي فيه وقال بن خروف يجوز في فيصلى ثلاثة أوجه الجزم على

[ 50 ]

العطف أي لا يتحرى ولا يصلي والرفع على القطع أي لا يتحرى فهو يصلي والنصب على جواب النهى والمعنى لا يتحرى مصليا وقال الطيبي قوله لا يتحرى نفى بمعنى النهى ويصلي بالنصب لأنه جوابه كأنه قيل لا يتحرى فقيل لم فأجيب خيفة أن يصلي ويحتمل أن يقدر غير ذلك وقد وقع في رواية القعنبي في الموطأ لا يتحرى أحدكم أن يصلي ومعناه لا يتحرى الصلاة قوله عن صالح هو بن جلس ولم يخرج البخاري لصالح بن أبي الأخضر شيئا قوله لا صلاة قال بن دقيق العيد وصيغة النفي في ألفاظ الفاء إذا دخلت على فعل كان الأولى حملها على نفى الفعل الشرعي لا الحسى لأنا لو حملناه على نفى الفعل الحسى لاحتجنا في تصحيحه إلى أضمار والأصل عدمه وإذا حملنا على الشرعي لم نحتج إلى إضمار فهذا وجه الأولوية وعلى هذا فهو نفى بمعنى النهى والتقدير لا تصلوا وحكى أبو الفتح اليعمري عن جماعة من السلف أنهم قالوا إن النهى عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت الطلوع ووقت الغروب ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تصلوا بعد الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية وفي رواية مرتفعة فدل على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب وما قاربهما والله أعلم ومطابقة الحديث للترجمة من جهة أن الصلاة المنهية غير صحيحة فلازمه أن لا يقصد لها المكلف إذ العاقل لا يشتغل بما لا فائدة فيه قوله لا صلاة بعد الصبح أي بعد صلاة الصبح وصرح به مسلم من هذا الوجه في الموضعين قوله حدثنا محمد بن أبان هو البلخي وقيل الواسطي ولكل من القولين مرجح وكلاهما ثقة قوله عن معاوية في رواية الاسماعيلي من طريق معاذ وغيره عن شعبة خطبنا معاوية واتفق أصحاب شعبة على أنه من رواية أبي التياح عن حمران وخالفهم عثمان بن عمر وأبو داود الطيالسي فقالا عن أبي التياح عن معبد الجهني عن معاوية والطريق التي أختارها البخاري أرجح ويجوز أن يكون لأبي التياح فيه شيخان قوله يصليهما أي الركعتين وللحموي يصليها أي الصلاة وكذا وقع الخلاف بين الرواة في قوله عنها أو عنهما وكلام معاوية مشعبأن من خاطبهم كانوا يصلون بعد العصر ركعتين على سبيل التطوع الراتب لها كما يصلي بعد الظهر وما نفاه من رؤية صلاة النبي صلى الله عليه وسلم لهما قد أثبته غيره والمثبت مقدم على النافي وسيأتي في الباب الذي بعده قول عائشة كان لا يصليهما في المسجد لكن ليس في رواية الإثبات معارضة للأحاديث الواردة في النهى لأن رواية الإثبات لها سبب كما سيأتي في الباب الذي بعده فألحق بها ما له سبب وبقي ما عدا ذلك على عمومه والنهي فيه أمرهم على ما لا سبب له وأما من يرى عموم النهى ولا يخصه بما له سبب فيحمل إنكار معاوية على من يتطوع ويحمل الفعل على الخصوصية ولا يخفى رجحان الأول والله أعلم قوله حدثنا عبدة هو بن سليمان وبقية الإسناد والمتن تقدم بأتم سياق في الباب الذي قبله قوله باب من لم يكره الصلاة إلا بعد العصر والفجر قيل آثر البخاري الترجمة بذكر المذاهب على ذكر الحكم للبراءة من عهدة بت القول في موضع كثر فيه الاختلاف ومحصل ما ورد من الأخبار في تعيين الأوقات التي تكره فيها الصلاة أنها خمسة عند طلوع الشمس وعند غروبها وبعد صلاة الصبح وبعد صلاة العصر وعند الاستواء وترجع بالتحقيق إلى ثلاثة من بعد

[ 51 ]

صلاة الصبح إلى أن ترتفع الشمس فيدخل فيه الصلاة عند طلوع الشمس وكذا من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس ولا يعكر على ذلك أن من لم يصل الصبح مثلا حتى بزغت الشمس يكره له التنقل حينئذ لأن الكلام إنما هو جار على الغالب المعتاد وأما هذه الصورة النادرة فليست مقصودة وفي الجملة عدها أربعة أجود وبقي خامس وهو الصلاة وقت استواء الشمس وكأنه لم يصح عند المؤلف على شرطه فترجم على نفيه وفيه أربعة أحاديث حديث عقبة بن عامر وهو عند مسلم ولفظه وحين يقوم قائم الظهيرة حتى ترتفع وحديث عمرو بن عبسة وهو عند مسلم أيضا ولفظه حتى يستقل الظل بالرمح فإذا أقبل الفئ فصل وفي لفظ لأبي داود حتى يعدل الرمح ظله وحديث أبي هريرة وهو عند بن ماجة والبيهقي ولفظه حتى تستوي الشمس على رأسك كالرمح فإذا زالت فصل وحديث الصنابحي وهو في الموطأ ولفظه ثم إذا استوت قارنها فإذا زالت فارقها وفي آخره ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في تلك الساعات وهو حديث مرسل مع قوة رجاله وفي الباب أحاديث أخر ضعيفة وبقضية هذه الزيادة قال عمر بن الخطاب فنهى عن الصلاة نصف النهار وعن بن مسعود قال كنا ننهى عن ذلك وعن أبي سعيد المقبري قال أدركت الناس وهم يتقون ذلك وهو مذهب الأئمة الثلاثة والجمهور وخالف مالك فقال ما أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ويصلون نصف النهار وقال بن عبد البر وقد روى مالك حديث الصنابحي فإماأنه لم يصح عنده وإما أنه رده بالعمل الذي ذكره انتهى وقد استثنى الشافعي ومن وافقه من ذلك يوم الجمعة وحجتهم أنه صلى الله عليه وسلم ندب الناس إلى التبكير يوم الجمعة ورغب في الصلاة إلى خروج الإمام كما سيأتي في بابه وجعل الغاية خروج الإمام وهو لا يخرج إلا بعد الزوال فدل على عدم الكراهة وجاء فيه حديث عن أبي قتادة مرفوعا أنه صلى الله عليه وسلم كره الصلاة نصف النهار إلا يوم الجمعة في إسناده انقطاع وقد ذكر له البيهقي شواهد ضعيفة إذا ضمت قوي الخبر والله أعلم فائدة فرق بعضهم بين حكمة النهى عن الصلاة بعد صلاة الصبح والعصر وعن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها فقال يكره في الحالتين الأوليين ويحرم في الحالتين الأخريين وممن قال بذلك محمد بن سيرين ومحمد بن جرير الطبري واحتج بما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد العصر فدل على أنه لا يحرم وكأنه يحمل فعله على بيان الجواز وسيأتي ما فيه في الباب الذي بعده وروى عن بن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس وإباحتها بعد العصر حتى تصفر وبه قال بن حزم واحتج بحديث على أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس مرتفعة رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي والمشهور إطلاق الكراهة في الجميع فقيل هي كراهة تحريم وقيل كراهة تنزيه والله أعلم قوله رواه عمر الخ يريد أن أحاديث هؤلاء الأربعة وهي التي تقدم إيرادها في البابين السابقين ليس فيها تعرض للاستواء لكن لمن قال به أن يقول إنه زيادة من حافظ ثقة فيجب قبولها قوله حدثنا حماد هو بن زيد قوله أصلى زاد الاسماعيلي في أوله من وجهين عن حماد بن زيد كان لا يصلي من أول النهار حتى تزول الشمس ويقول أصلى الخ قوله أن لا تحروا أصله تتحروا أي تقصدوا وزاد عبد الرزاق في آخر هذا الحديث عن بن جريج عن نافع فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك وقال إنه يطلع قرن الشيطان مع طلوع الشمس تنبيه

[ 52 ]

قال بعض العلماء المراد بحصر الكراهة في الأوقات الخمسة إنما هو بالنسبة إلى الأوقات الأصلية وإلا فقد ذكروا أنه يكره التنفل وقت إقامة الصلاة ووقت صعود الامام لخطبة الجمعة وفي حالة الصلاة المكتوبة جماعة لمن لم يصلها وعند المالكية كراهة التنفل بعد الجمعة حتى ينصرف الناس وعند الحنفية كراهة التنفل قبل صلاة المغرب وسيأتي ثبوت الأمر به في هذا الجامع الصحيح قوله با ب ما يصلي بعد العصر من الفوائت ونحوها قال الزين بن المنير ظاهر الترجمة إخراج النافلة المحضة التي لا سبب لها وقال أيضا إن السر في قوله ونحوها ليدخل فيه رواتب النوافل وغيرها قوله وقال كريب يعني مولى بن عباس عن أم سلمة الخ وهو طرف من حديث أورده المؤلف مطولا في باب إذا كلم وهو يصلي فأشار بيده معي كتاب الجنائز وقال في آخره أتاني ناس من عبد القيس فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر فهما هاتان قوله في حديث عائشة والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله وقولها في الرواية الأخرى ما ترك السجدتين بعد العصر عندي قط وفي الرواية الأخرى لم يكن يدعهما سرا ولا علانية وفي الرواية الأخيرة ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين تمسك بهذه الروايات من أجاز التنفل بعد العصر مطلقا ما لم يقصد الصلاة عند غروب الشمس وقد تقدم نقل المذاهب في ذلك وأجاب عنه من أطلق الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير كراهة وأما مواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك فهو من خصائصه والدليل عليه رواية ذكوان مولى عائشة أنها حدثته أنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد العصر وينهى عنها ويواصل وينهى عن الوصال رواه أبو داود ورواية أبي سلمة عن عائشة في نحو هذه القصة وفي آخره وكان إذا صلى صلاة أثبتها رواه مسلم قال البيهقي الذي اختص به صلى الله عليه وسلم المداومة على ذلك لا أصل القضاء وأما ما روى عن ذكوان عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت فقلت يا رسول الله أنقضيهما إذا فاتتا فقال لا فهي رواية ضعيفة لا تقوم بها حجة قلت أخرجها الطحاوي واحتج بها على أن ذلك كان من خصائصه صلى الله عليه وسلم وفيه ما فيه فائدة روى الترمذي من طريق جرير عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جبير عن بن عباس قال إنما صلى النبي صلى الله عليه وسلم الركعتين بعد العصر لأنه أتاه مال فشغله عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ثم لم يعد قال الترمذي حديث حسن قلت وهو من رواية جرير عن عطاء وقد سمع منه بعد اختلاطه وإن صح فهو شاهد لحديث أم سلمة لكن ظاهر قوله ثم لم يعد معارض لحديث عائشة المذكور في هذا الباب فيحمل النفي على علم الراوي فإنه لم يطلع على ذلك والمثبت مقدم على النافي وكذا ما روا النسائي من طريق أبي سلمة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في بيتها بعد العصر ركعتين مرة واحدة الحديث وفي رواية له عنها لم أره يصليهما قبل ولا بعد فيجمع بين الحديثين بأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن يصليهما إلا في بيت فلذلك لم يره بن عباس ولا أم سلمة ويشير إلى ذلك قول عائشة في الرواية الأولى وكان لا يصليهما في المسجد مخافة أن تثقل على أمته قوله أنه سمع عائشة قالت والذي ذهب به في رواية البيهقي من طريق إسحاق بن الحسن والاسماعيلي من طريق أبى زرعة كلاهما عن أبي نعيم شيخ البخاري فيه أنه دخل عليها فسألها عن ركعتين بعد العصر فقالت والذي ذهب بنفسه تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاد فيه أيضا فقال لها أيمن

[ 53 ]

إن عمر كان ينهى عنهما ويضرب عليهما فقالت صدقت ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليهما فذكره والخبر بذلك عن عمر أيضا ثابت في رواية كريب عن أم سلمة التي ذكرناها في باب إذا كلم وهو يصلي ففي أول الخبر عن كريب أن بن عباس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن أزهر أرسلوه إلى عائشة فقالوا اقر عليها السلام منا جميعا وسلها عن الركعتين بعد صلاة العصر وقل لها إنا أخبرنا إنك تصلينهما وقد بلغنا أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنهما وقال بن عباس وقد كنت أضرب الناس مع عمر عليهما الحديث تنبيه روى عبد الرزاق من حديث زيد بخالد سبب ضرب عمر الناس على ذلك فقال عن زيد بن خالد إن عمر رآه وهو خليفة ركع بعد العصر فضربه فذكر الحديث وفيه فقال عمر يا زيد لولا أني أخشى أن يتخذهما الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب فيهما فلعل عمر كان يرى أن النهى عن الصلاة بعد العصر إنما هو خشية إيقاع الصلاة عند غروب الشمس وهذا يوافق قول بن عمر الماضي وما نقلناه عن بن المنذر وغيره وقد روى يحيى بن بكير عن الليث عن أبي الأسود عن عروة عن تميم الداري نحو رواية زيد بن خالد وجواب عمر له وفيه ولكني أخاف أن يأتي بعدكم قوم يصلون ما بين العصر إلى المغرب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلى فيها وهذا أيضا يدل لما قلناه والله أعلم قوله ما خفف عنهم في رواية المستملى ما يخفف عنهم وسيأتي الكلام على ذلك في أعلام النبوة إن شاء الله تعالى قوله هشام هو بن عروة قوله بن أختي بالنصب على النداء وحرف النداء محذوف وأثبته الاسماعيلي في روايته قوله عبد الواحد هو بن زياد والشيباني هو أبو إسحاق وأبو إسحاق المذكور في الإسناد الذي بعده هو السبيعي قوله يدعهما زاد النسائي في بيتي فائدة فهمت عائشة رضي الله عنها من مواظبته صلى الله عليه وسلم على الركعتين بعد العصر أن نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس مختص بمن قصد الصلاة عند غروب الشمس لا إطلاقه فلهذا قالت ما تقدم نقله عنها وكانت تتنفل بعد العصر وقد أخرجه المصنف في الحج من طريق عبد العزيز بن رفيع قال رأيت بن الزبير يصلي ركعتين بعد العصر ويخبر أن عائشة حدثته أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدخل بيتها إلا صلاهما وكأن بن الزبير فهم من ذلك ما فهمته خالته عائشة والله أعلم وقد روى النسائي أن معاوية سأل بن الزبير عن ذلك فرد الحديث إلى أم سلمة فذكرت أم سلمة قصة الركعتين حيث شغل عنهما فرجع الأمر إلى ما تقدم تنبيه قول عائشة ما تركهما حتى لقي الله عز وجل وقولها لم يكن يدعهما وقولها ما كان يأتيني في يوم بعد العصر إلا صلى ركعتين مرادها من الوقت الذي شغل عن الركعتين بعد الظهر فصلاهما بعد العصر ولم ترد أنه كان يصلي بعد العصر ركعتين من أول ما فرضت الصلوات مثلا إلى آخر عمره بل في حديث أم سلمة ما يدل على أنه لم يكن يفعلهما قبل الوقت الذي ذكرت أنه قضاهما فيه قوله باب التبكير بالصلاة في يوم غيم أورد فيه حديث بريدة الذي تقدم في أوقات العصر في باب من من ترك العصر قال الاسماعيلي جعل البخاري الترجمة لقول بريدة لا للحديث وكان حق هذه الترجمة أن يورد فيها الحديث المطابق لها ثم أورده من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير بلفظ بكروا بالصلاة في يوم الغيم فإن من ترك صلاة العصر حبط عمله قلت من عادة البخاري أن يترجم

[ 54 ]

ببعض ما تشتمل عليه ألفاظ الحديث ولو لم يوردها بل ولو لم يكن على شرطه فلا إيراد عليه وروينا في سنن سعيد بن منصور عن عبد العزيز بن رفيع قال بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عجلوا صلاة العصر في يوم الغيم إسناده قوي مع إرساله وقد تقدم الكلام على المتن في باب من ترك العصر فائدة المراد بالتبكير المبادرة إلى الصلاة في أول الوقت وأصل التبكير فعل الشئ بكرة والبكرة أول النهار ثم استعمل في فعل الشئ في أول وقته وقيل المراد تعجيل العصر وجمعها مع الظهر وروى ذلك عن عمر قال إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر قوله باب الأذان بعد ذهاب الوقت سقط لفظ ذهاب من رواية المستملى قال بن المنير إنما صرح المؤلف بالحكم على خلاف عادته في المختلف فيه لقوة الاستدلال من الخبر على الحكم المذكور قوله حدثنا حصين هو بن عبد الرحمن الواسطي قوله سرنا مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة كان ذلك في رجوعه من خبير كذا جزم به بعض الشراح معتمدا على ما وقع عند مسلم من حديث أبي هريرة وفيه نظر لما بينته في باب الصعيد الطيب من كتاب التيمم ولأبي نعيم في المستخرج من هذا الوجه في أوله كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير بنا وزاد مسلم من طريق عبد الله بن رباح عن أبي قتادة في أول الحديث قصة له في مسيره مع النبي صلى الله عليه وسلم وأنه صلى الله عليه وسلم نعس حتى مال عن راحلته وأن أبا قتادة دعمه ثلاث مرات وأنه في الأخيرة مال عن الطريق فنزل في سبعة أنفس فوضع رأسه ثم قال احفظوا علينا صلاتنا ولم يذكر ما وقع عند البخاري من قول بعض القوم لو عرست بنا ولا قول بلال أنا أوقظكم ولم أقف على تسمية هذا السائل والتعريس نزول المسافر لغير إقامة وأصله نزول آخر الليل وجواب لو محذوف تقديره لكان أسهل علينا قوله أنا أوقظكم زاد مسلم في رواية فمن يوقظنا قال بلال أنا قوله فغلبته عيناه في رواية السرخسي فغلبت بغير ضمير قوله فاستيقظ النبي صلى الله عليه وسلم وقد طلع حاجب الشمس في رواية مسلم فكان أول من استيقظ النبي صلى الله عليه وسلم والشمس في ظهره قوله يا بلال أين ما قلت أي أين الوفاء بقولك أنا أوقظكم قوله مثلها أي مثل النومة التي وقعت له قوله أن الله قبض أرواحكم هو كقوله تعالى الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها ولا يلزم من قبض الروح الموت فالموت انقطاع تعلق الروح بالبدن ظاهرا وباطنا والنوم انقطاعه عن ظاهره فقط زاد مسلم أما أنه ليس في النوم تفريط الحديث قوله حين شاء حين في الموضعين ليس لوقت واحد فإن نوم القوم لا يتفق غالبا في وقت واحد بل يتتابعون فيكون حين الأولى خبرا عن أحيان متعددة قوله قم فأذن بالناس بالصلاة كذا هو بتشديد ذال أذن وبالموحدة فيهما وللكشميهني فآذن بالمدينة وحذف الموحدة من بالناس وآذن معناه أعلم وسيأتي ما فيه بعد قوله فتوضأ زاد أبو نعيم في المستخرج فتوضأ الناس فلما ارتفعت في رواية المصنف في التوحيد من طريق هشيم عن حصين فقضوا حوائجهم فتوضؤوا إلى أن طلعت الشمس وهو أبين سياقا ونحوه لأبي داود من طريق خالد عن حصين ويستفاد منه أن تأخيره الصلاة إلى أن طلعت الشمس وارتفعت كان بسبب الشغل بقضاء حوائجهم لا لخروج وقت الكراهة قوله وابيضت وزنه افعال بتشديد اللام مثل احمار وابهار أي صفت وقيل إنما يقال في كل

[ 55 ]

لون بين لونين فأما الخالص من البياض مثلا فإنما يقال له أبيض قوله فصلى زاد أبو داود بالناس وفي الحديث من الفوائد جواز التماس الأتباع ميتعلق بمصالحهم الدنيوية وغيرها ولكن بصيغة العرض لا بصيغة الاعتراض وأن على الإمام أن يراعى المصالح الدينية والاحتراز عما يحتمل فوات العبادة عن وقتها بسببه وجواز التزام الخادم القيام بمراقبة ذلك والاكتفاء في الأمور المهمة بالواحد وقبول العذر ممن اعتذر بأمر سائغ وتسويغ المطالبة بالوفاء بالالتزام وتوجهت المطالبة على بلال بذلك تنبيها له على اجتناب الدعوى والثقة بالنفس وحسن الظن بها لا سيما في مظان الغلبة وسلب الاختيار وإنما بادر إلى قوله أنا أوقظكم اتباعا لعادته في الاستيقاظ في مثل ذلك الوقت لأجل الأذان وفيه خروج الإمام نفسه في الغزوات والسرايا وفيه الرد على منكري القدر وأنه لا واقفي الكون إلا بقدر وفي الحديث أيضا ما ترجم له وهو الأذان الفائتة وبه قال الشافعي في القديم وأحمد وأبو ثور وابن المنذر وقال الأوزاعي ومالك والشافعي في الجديد لا يؤذن لها والمختار عند كثير من أصحابه أن يؤذن لصحة الحديث وحمل الأذان هنا على اشتراط متعقب لأنه عقب الأذان بالوضوء ثم بارتفاع الشمس فلو كان المراد به اشتراط لما أخر الصلاة عنها نعم يمكن حمله على المعنى اللغوي وهو محض الإعلام ولا سيما على رواية الكشميهني وقد روى أبو داود وابن المنذر من حديث عمران بن حصين في نحو هذه القصة فأمر بلالا فأذن فصلينا ركعتين ثم أمره فأقام فصلى الغداة وسيأتي الكلام على الحديث الذي احتج به من لم ير التأذين في الباب الذي بعد هذا وفيه مشروعية الجماعة في الفوائت وسيأتي في الباب الذي بعده أيضا واستدل به بعض المالكية على عدم قضاء السنة الراتبة لأنه لم يذكر فيه أنهم صلوا ركعتي الفجر ولا دلالة فيه لأنه لا يلزم من عدم الذكر عدم الوقوع لا سيما وقد ثبت أنه ركعهما في حديث أبي قتادة هذا عند مسلم وسيأتي في باب مفرد لذلك في أبواب التطوع واستدل به المهلب على أن الصلاة الوسطى هي الصبح قال لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا بمراقبة وقت صلاة غيرها وفيما قاله نظر لا يخفى قال ويدل على أنها هي المأمور بالمحافظة عليها أنه صلى الله عليه وسلم لم تفته صلاة غيرها لغير عذر شغله عنها أه وهو كلام متدافع فأي عذر أبين من النوم واستدل به على قبول خبر الواحد قال بن بزيزه وليس هو بقاطع فيه لاحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لم يرجع إلى قول بلال بمجرده بل بعد النظر إلى الفجر لو استيقظ مثلا وفيه جواز تأخير قضاء الفائتة عن وقت الانتباه مثلا وقد تقدم ذلك مع بقية فوائده في باب الصعيد الطيب من كتاب التيمم قوله باب من صلى بالناس جماعة بعد ذهاب الوقت قال الزين بن المنير إنما قال البخاري بعد ذهاب الوقت ولم يقل مثلا لمن صلى صلاة فائتة للإشعار بأن ايقاعها كان قرب خروج وقتها لا كالفوائت التي جهل يومها أو شهرها قوله هشام هو بن أبي عبد الله الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن قوله أن عمر بن الخطاب قد اتفق الرواة على أن هذا الحديث من رواية جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حجاج بن نصير فإنه رواه عن على بن المبارك عن يحيى بن أبي كثير فقال فيه عن جابر عن عمر فجعله من مسند عمر تفرد بذلك حجاج وهو ضعيف قوله يوم الخندق سيأتي شرح أمره في كتاب المغازي قوله بعد ما غربت الشمس في رواية شيبان عن يحيى عند المصنف وذلك بعد ما أفطر الصائم

[ 56 ]

والمعنى واحد قوله يسب كفار قريش لأنهم كانوا السبب في تأخيرهم الصلاة عن وقتها إما المختار كما وقع لعمر وإما مطلقا كما وقع لغيره قولما كدت قال اليعمري لفظة كاد من أفعال المقاربة فإذا قلت كاد زيد يقوم فهم منها أنه قارب القيام ولم يقم قال والراجح فيها أن لا تقرن بأن بخلاف عسى فإن الراجح فيها أن تقرن قال وقد وقع في مسلم في هذا الحديث حتى كادت الشمس أن تغرب قلت وفي البخاري في باب غزوة الخندق أيضا وهو من يطلق الرواة وهل تسوغ الرواية بالمعنى في مثل هذا أولا الظاهر الجواز لأن المقصود الإخبار عن صلاته العصر كيف وقعت لا الإخبار عن عمر هل تكلم بالراجحة أو المرجوحة قال وإذا تقرر أن معنى كاد المقاربة فقول عمر ما كدت أصلى العصر حتى كادت الشمس تغرب معناه أنه صلى العصر قرب غروب الشمس لأن نفى الصلاة يقتضى إثباتها وإثبات الغروب يقتضى نفيه فتحصل من ذلك لعمر ثبوت الصلاة ولم يثبت الغروب الله أه وقال الكرماني لا يلزم من هذا السياق وقوع الصلاة في وقت العصر بل يلزم منه أن لا أنكر الصلاة لأنه يقتضى أن كيدودته كانت عند كيدودتها قال وحاصله عرفا ما صليت حتى غربت الشمس الله أه ولا يخفى ما بين التقريرين من الفرق وما ادعاه من العرف ممنوع وكذا العندية للفرق الذي أح وضحه اليعمري من الإثبات والنفى لأن كاد إذا اثبتت نفت وإذا نفت أثبتت كما قال فيها المعري ملغزا إذا نفيت والله أعلم أثبتت وأن أثبتت قامت مقام جحود هذا إلى ما في تعبيره بلفظ كيدودة من الثقل والله الهادي إلى الصواب فإن قيل الظاهر أن عمر كان مع النبي صلى الله عليه وسلم فكيف اختص بان أدرك صلاة العصر قبل غروب الشمس بخلاف بقية الصحابة والنبي صلى الله عليه وسلم معهم فالجواب أنه يحتمل أن يكون الشغل وقع بالمشركين إلى قرب غروب الشمس وكان عمر حينئذ متوضئا فبادر فأوقع الصلاة ثم جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأعمله بذلك في الحال التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها قد شرع يتهيأ الولاء ولهذا قام عند الإخبار هو وأصحابه إلى الوضوء وقد اختلف في سبب تأخير النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة ذلك اليوم فقيل كان ذلك نسيانا واستبعد أن يقع ذلك من الجميع ويمكن أن يستدل له بما رواه أحمد من حديث أبي جمعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى المغرب يوم الأحزاب فلما سلم قال هل علم رجل منكم أني صليت العصر قالوا لا يا رسول الله فصلى العصر ثم صلى المغرب أه وفي صحة هذا الحديث نظر لأنه مخالف لما في الصحيحين من قوله صلى الله عليه وسلم لعمر والله ما صليتها ويمكن الجمع بينهما بتكلف وقيل كان عمدا لكونهم شغلوه فلم يمكنوه من ذلك وهو أقرب لا سيما وقد وقع عند أحمد والنسائي من حديث أبي سعيد أن ذلك كان قبل أن ينزل الله في صلاة الخوف فرجالا أو ركبانا وقد اختلف في هذا الحكم هل نسخ أم لا كما سيأتي في كتاب صلاة الخوف إن شاء الله تعالى قوله بطحان بضم أوله وسكون ثانيه واد بالمدينة وقيل هو بفتح أوله وكسر ثانيه حكاه أبو عبيد البكري قوله فصلى العصر وقع في الموطأ من طريق أخرى أن الذي فاتهم الظهر والعصر وفي حديث أبي سعيد الذي أشرنا إليه الظهر والعصر والمغرب وأنهم صلوا بعد هوى من الليل وفي حديث بن مسعود عند الترمذي والنسائي أن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من

[ 57 ]

الليل ما شاء الله وفي قوله أربع تجوز لأن العشاء لم تكن فاتت قال اليعمري من الناس من رجح ما في الصحيحين وصرح بذلك بن العربي فقال إن الصحيح أن الصلاة التي شغل عنها واحدة وهي العصر قلت ويؤيده حديث على في مسلم شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر قال ومنهم من جمع بأن الخندق كانت وقعته أياما فكان ذلك في أوقات مختلفة في تلك الأيام قال وهذا أولى قلت وبقربه أن روايتي أبي سعيد وابن مسعود ليس فيهما تعرض لقصة عمر بل فيهما أن قضاءه الولاء وقع بعد خروج وقت المغرب وأما رواية حديث الباب ففيها أن ذلك كان عقب غروب الشمس قال الكرماني فإن قلت كيف دل الحديث على الجماعة قلت إما أنه يحتمل أن في السياق اختصارا وإما من إجراء الراوي الفائتة التي هي العصر والحاضرة التي هي المغرب مجرى واحدا ولا شك أن المغرب كانت بالجماعة لما هو معلوم من عادته أه وبالاحتمال الأول جزم بن المنير زين الدين فقال فإن قيل ليس فيه تصريح بأنه صلى في جماعة أجيب بأن مقصود الترجمة مستفاد من قوله فقام وقمنا وتوضأ وتوضأنا قلت الاحتمال الأول هو الواقع في نفس الأمر فقد وقع في رواية الاسماعيلي ما يقتضى أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن هشام بلفظ فصلى بنا العصر وفي الحديث من الفوائد ترتيب الفوائت والأكثر على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان وقال الشافعي لا يجب الترتيب فيها واختلفوا فيما إذا تذكر فائتة في وقت حاضرة ضيق هل يبدأ بالفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو يبدأ بالحاضرة أو يتخير فقال بالأول مالك وقال بالثاني الشافعي وأصحاب الرأي وأكثر أصحاب الحديث وقال بالثالث أشهب وقال عياض محل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة واختلفوا في حد القليل فقيل صلاة يوم وقيل أربع صلوات وفيه جواز اليمين من غير استحلاف إذا اقتضت مصلحة من زيادة طمأنينة أو نفى توهم وفيه ما كان النبي صلى الله عليه وسلم عليه من مكارم الأخلاق وحسن التأني مع أصحابه وتألفهم وما ينبغي الاقتداء به في ذلك وفيه استحباب قضاء الفوائت في الجماعة وبه قال أكثر أهل العلم إلا الليث مع أنه أجاز صلاة الجمعة جماعة إذا فاتت والإقامة الولاء الفائتة واستدل به على عدم مشروعية الأذان للفائتة وأجاب من اعتبره بأن المغرب كانت حاضرة ولم يذكر الراوي الأذان لها وقد عرف من عادته صلى الله عليه وسلم الأذان للحاضرة فدل على أن الراوي ترك ذكر ذلك لا أنه لم يقع في نفس الأمر وتعقب باحتمال أن تكون المغرب لم يتهيأ إيقاعها إلا بعد خروج وقتها على رأى من يذهب إلى القول بتضييقه وعكس ذلك بعضهم فاستدل بالحديث على أن وقت المغرب متسع لأنه قدم العصر عليها فلو كان ضيقا لبدأ بالمغرب ولا سيما على قول الشافعي في قوله بتقديم الحاضرة وهو الذي قال بأن وقت المغرب ضيق فيحتاج إلى الجواب عن هذا الحديث وهذا في حديث جابر وأما حديث أبي سعيد فلا يتأتى فيه هذا لما تقدم أن فيه أنه صلى الله عليه وسلم صلى بعد مضى هوى من الليل قوله باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكر ولا يعيد إلا تلك الصلاة قال على بن المنير صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله ولكونه على وفق القياس إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب لقول الفاء فليصلها ولم

[ 58 ]

يذكر زيادة وقال أيضا لا كفارة لها إلا ذلك فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب انتهى ويحتمل أن يكون البخاري أشار بقوله ولا يعيد إلا تلك الصلاة إلى تضعيف ما وقع في بعض طرق حديث أبي قتادة عند مسلم في قصة النوم عن الصلاة حيث قال فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها فإن بعضهم زعم أن ظاهره إعادة المقضية مرتين عند ذكرها وعند حضور مثلها من الوقت الآتي ولكن اللفظ المذكور ليس نصا في ذلك لأنه يحتمل أن يريد بقوله فليصلها عند وقتها أي الصلاة التي تحضر لا أنه يريد أن يعيد التي صلاها بعد خروج وقتها لكن في رواية أبي داود من حديث عمران بن حصين في هذه القصة من أدرك منكم صلاة الغداة من غد صالحا فليقض معها مثلها قال الخطابي لا أعلم أحدا قال بظاهره وجوبا قال ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء انتهى ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضا بل عدوا الحديث غلطا من راويه وحكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري ويؤيد ذلك ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أيضا إنهم قالوا يا رسول الله ألا نقضها لوقتها من الغد فقال صلى الله عليه وسلم لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم قوله وقال إبراهيم أي النخعي وأثره هذا موصول عند الثوري في جامعه عن منصور وغيره عنه قوله عن همام هو بن يحيى والإسناد كله بصريون قوله من نسي صلاة فليصل كذا وقع في جميع الروايات بحذف المفعول ورواه مسلم عن هداب بن خالد عن همام بلفظ فليصلها وهو أبين للمراد وزاد مسلم أيضا من رواية سعيد عن قتادة أو نام عنها وله من رواية المثنى بن سعيد الضبعي عن قتادة نحوه وسيأتي يسير وقد تمسك بدليل الخطاب منه القائل إن العامد لا يقضي الصلاة لأن انتفاء الشرط يستلزم انتفاء المشروط فيلزم منه أن من لم ينس لا يصلي وقال من قال يقضي العامد بأن ذلك مستفاد من مفهوم الخطاب فيكون من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى لأنه إذا وجب القضاء على الناسي مع سقوط الإثم ورفع الحرج عنه فالعامد أولى وادعى بعضهم أن وجوب القضاء على العامد يؤخذ من قوله نسي لأن النسيان يطلق على الترك سواء كان عن ذهول أم لا ومنه قوله تعالى نسوا الله فأنساهم أنفسهم نسوا الله فنسيهم قال ويقوى ذلك قوله لا كفارة لها والنائم والناسى لا إثم عليه قلت وهو بحث ضعيف لأن الخبر بذكر النائم ثابت وقد قال فيه لا كفارة لها والكفارة قد تكون عن الخطأ كما تكون عن العمد والقائل بان العامد لا يقضي لم يرد أنه أخف حالا من الناسي بل يقول إنه لو شرع له القضاء لكان هو والناسى سواء والناسى غير مأثوم بخلاف العامد فالعامد أسوأ حالا من الناسي فكيف يستويان ويمكن أن يقال إن إثم العامد بإخراجه الصلاة عن وقتها باق عليه ولو قضاها بخلاف الناسي فإنه لا إثم عليه مطلقا ووجوب القضاء على العامد بالخطاب الأول لأنه قد خوطب بالصلاة وترتبت في ذمته فصارت دينا عليه والدين لا يسقط إلا بأدائه فيأثم بإخراجه لها عن الوقت المحدود لها ويسقط عنه الطلب بادائها فمن أفطر في رمضان عامدا فإنه يجب عليه أن يقضيه مع بقاء إثم الإفطار عليه والله أعلم قوله قال موسى أي دون أبي نعيم قال همام سمعته يعني قتادة يقول بعد أي في وقت آخر الذكرى يعني أن همام سمعه من قتادة

[ 59 ]

مرة بلفظ للذكرى بلامين وفتح الراء بعدها ألف مقصورة ووقع عند مسلم من طريق يونس أن الزهري كان يقرأها كذلك ومرة كان يقولها قتادة بلفظ لذكرى بلام واحدة وكسر الراء وهي القراءة المشهورة وقد اختلف في ذكر هذه الآية هل هي من كلام قتادة أو هي من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفي رواية مسلم عن هداب قال قتادة وأقم الصلاة لذكرى وفي روايته من طريق المثنى عن قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول أقم الصلاة لذكرى وهذا ظاهر أن الجميع من كلام النبي صلى الله عليه وسلم واستدل به على أن شرع من قبلنا شرع لنا لأن المخاطب بالآية المذكورة موسى عليه الصلاة والسلام وهو الصحيح في الأصول ما لم يرد ناسخ واختلف في المراد بقوله لذكرى فقيل المعنى لتذكرني فيها وقيل لأذكرك بالمدح وقيل إذا ذكرتها أي لتذكيري لك إياها وهذا يعضد قراءة من قرأ للذكرى وقال النخعي اللام للظرف أي إذا ذكرتني أي إذا ذكرت أمري بعد ما نسيت وقيل لا تذكر فيها غيري وقيل شكرا لذكرى وقيل المراد بقوله ذكري ذكر أمري وقيل المعنى إذا ذكرت الصلاة فقد ذكرتني فإن الصلاة عبادة الله فمتى ذكرها ذكر المعبود فكأنه أراد لذكر الصلاة وقال التوربشتى الأولى أن يقصد إلى وجه يوافق الآية والحديث وكأن المعنى أقم الصلاة لذكرها لأنه إذا ذكرها ذكر الله تعالى أو يقدر مضاف أي لذلك صلاتي أو ذكر الضمير فيه موضع الصلاة لشرفها قوله وقال حبان هو بفتح أوله والموحدة وهو بن هلال وأراد بهذا التعليق بيان سماع قتادة له من أنس لتصريحه فيها بالتحديث وقد وصله أبو عوانة في صحيحه عن عمار بن رجاء عن حبان بن هلال وفيه أن هماما سمعه من قتادة مرتين كما في رواية موسى قوله باب قضاء الصلاة وللكشميهني الصلوات الأولى فالأولى وهذه الترجمة عبر عنها بعضهم بقوله باب ترتيب الفوائت وقد تقدم نقل الخلاف في حكم هذه المسألة ويحيى المذكور فيه هو القطان وبقية الإسناد تقدم قبل وأورد المتن هنا مختصرا ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بوجوب ترتيب الفوائت إلا إذا قلنا إن أفعال النبي صلى الله عليه وسلم المجردة للوجوب اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله صلوا كما رأيتموني أصلى فيقوى وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذه قوله باب ما يكره من السمر بعد العشاء أي بعد صلاتها قال عياض السمر رويناه بفتح الميم وقال أبو مروان بن سراج الصواب سكونها لأنه اسم الفعل وأما بالفتح فهو اعتماد السمر للمحادثة وأصله من لون ضوء القمر لأنهم كانوا يتحدثون فيه والمراد بالسمر في الترجمة ما يكون في أمر مباح لأن المحرم لا اختصاص لكراهته بما بعد صلاة العشاء بل هو حرام في الأوقات كلها وأما ما يكون مستحيا فسيأتي في الباب الذي بعده قوله السامر من السمر الخ هكذا وقع في رواية أبي ذر وحده واستشكل ذلك لأنه لم يتقدم للسامر ذكر في الترجمة والذي يظهر لي أن المصنف أراد تفسير قوله تعالى سامرا تهجرون وهو المشار إليه بقوله ههنا أي في الآية والحاصل أنه لما كان الحديث بعد العشاء يسمى السمر والسمر والسامر مشتقان من السمر وهو يطلق على الجمع والواحد ظهر وجه مناسبة ذكر هذه اللفظة هنا وقد أكثر البخاري من هذه الطريقة إذا وقع في الحديث لفظة توافق في القرآن يستغنى بتفسير تلك اللفظة من القرآن وقد استقرئ للبخاري أنه إذا مر له لفظ من القرآن يتكلم على غريبه وقد تقدم الكلام على حديث أبي برزة المذكور في هذا الباب في باب وقت العصر

[ 60 ]

وموضع الحاجة منه هنا قوله وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها لأن النوم قبلها قد يؤدي إلى اخراجها عن وقتها مطلقا أو عن الوقت المختار والسمر بعدها قد يؤدي إلى النوم عن الصبح أو عن وقتها المختار أو عن قيام الليل وكان عمر بن الخطاب يضرب الناس على ذلك ويقول أسمرا أول الليل ونوما آخره وإذا تقرر أن علة النهى ذلك فقد يفرق فارق بين الليالي الطوال والقصار ويمكن أن تحمل الكراهة على الاطلاق حسما للمادة لأن الشئ إذا شرع لكونه مظنة قد يستمر فيصير مئنة والله أعلم قوله باب السمر في الفقه والخير بعد العشاء قال على بن المنير الفقه يدخل في عموم الخير لكنه خصه بالذكر تنويها بذكره وتنبيها على قدره وقد روى الترمذي من حديث عمر محسنا أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يسمر هو وأبو بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معهما قوله حدثنا عبد الله بن صباح هو العطار وهو بصري وكذا بقية رجال هذا الإسناد قوله انتظرنا الحسن أي بن أبي الحسن البصري قوله وراث علينا الواو للحال وراث بمثلثة غير مهموز أي أبطأ قوله من وقت قيامه أي الذي جرت عادته بالقعود معهم فيه كل ليلة في المسجد لأخذ العلم عنه قوله دعانا جيراننا بكسر الجيم كأن الحسن أورد هذا مورد الاعتذار عن تخلفه عن القعود على عادته قوله ثم قال أي الحسن قال أنس نظرنا وفي رواية الكشميهني انتظرنا وهما بمعنى قوله حتى كان شطر الليل برفع شطر وكان تامة وقوله يبلغه أي يقرب منه قوله ثم خطبنا هو موضع الترجمة لما قررناه من أن المراد بقوله بعدها أي بعد صلاتها وأورد الحسن ذلك لأصحابه مؤنسا لهم ومعرفا أنهم وإن كان فاتهم الأجر على ما يتعلمونه منه في تلك الليلة على ظنهم فلم يفتهم الأجر مطلقا لأن منتظر الخير في خير فيحصل له الأجر بذلك والمراد أن يحصل لهم الخير في الجملة لا من جميع الجهات وبهذا يجاب عمن استشكل قوله إنهم في صلاة مع أنهم جائز لهم الأكل والحديث وغير ذلك واستدل الحسن على ذلك بفعل النبي صلى الله عليه وسلم فإنه آنس أصحابه بمثل ذلك ولهذا قال الحسن بعد وإن القوم لا يزالون بخير ما انتظروا الخير قوله قال قرة هو من حديث أنس يعني الكلام الأخير وهذا والذي يظهر لي لأن الكلام الأول ظاهر في كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم والاخير هو الذي لم يصرح الحسن برفعه ولا بوصله فأراد قرة الذي اطلع على كونه في نفس الأمر موصولا مرفوعا أن يعلم من رواه عنه بذلك تنبيه أخرج مسلم وابن خزيمة في صحيحيهما عن عبد الله بن الصباح شيخ البخاري بإسناد هذا حديثا خالفا البخاري فيه في بعض الإسناد والمتن فقالا عن أبي على الحنفي عن قرة بن خالد عن قتادة عن أنس قال نظرنا النبي صلى الله عليه وسلم ليلة حتى كان قريبا من نصف الليل قال فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فصلى قافكأنما أنظر إلى وبيص خاتمه حلقة فضة انتهى وأخرجه الاسماعيلي في مستخرجه عن عمر بن سهل عن عبد الله بن الصباح كذلك من رواية قرة عن قتادة ولم يصب في ذلك فإن الذي يظهر لي أنه حديث آخر كان عند أبي على الحنفي عن قرة أيضا وسمعه منه عبد الله بن الصباح كما سمع منه الحديث الآخر عن قرة عن الحسن ويدل على ذلك أن في كل من الحديثين ما ليس في الآخر وقد أورد أبو نعيم في مستخرجه الحديثين من الطريقين فأورد حديث قرة عن قتادة من طرق منها عن يزيد بن عمر عن أبي على الحنفي وحديث قرة عن الحسن من رواية حجاج بن نصير عن قرة وهو في التحقيق حديث واحد عن أنس

[ 61 ]

اشترك الحسن وقتادة في سماعه منه فاقتصر الحسن على موضع حاجته منه فلم يذكر قصة الخاتم وزاد مع ذلك على قتادة ما لم يذكره والله أعلم قوله وأبو بكر بن أبي حثمة نسبة إلى جده وهو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثمة وقد تقدم كذلك في باب السمر بالعلم من كتاب العلم وتقدم الكلام على حديث بن عمر هناك قوله فوهل الناس أي غلطوا أو توهموا أو فزعوا أو نسوا والأول أقرب هنا وقيل وهل بالفتح بمعنى وهم بالكسر ووهل بالكسر مثله وقيل بالفتح غلط وبالكسر فزع قوله في مقالة وفي رواية المستملى والكشميهني من مقالة قوله إلى ما يتحدثون في هذه وفي رواية الكشميهني من هذه قوله عن مائة سنة لأن بعضهم كان يقول إن الساعة تقوم عند تقضى مائة سنة كما روى ذلك الطبراني وغيره من حديث أبي مسعود البدري ورد ذلك عليه على بن أبي طالب وقد بين بن عمر في هذا الحديث مراد النبي صلى الله عليه وسلم وأن مراده أن عند انقضاء مائة سنة من مقالته تلك ينخرم ذلك القرن فلا يبقى أحد ممن كان موجودا حال تلك المقالة وكذلك وقع بالاستقراء فكان آخر من ضبط أمره ممن كان موجودا حينئذ أبو الطفيل عامر بن واثلة وقد أجمع أهل الحديث على أنه كان آخر الصحابة موتا وغاية ما قيل فيه إنه بقي إلى سنة عشر ومائة وهي رأس مائة سنة من مقالة النبي صلى الله عليه وسلم والله أعلم قال النووي وغيره احتج البخاري ومن قال بقوله بهذا الحديث على موت الخضر والجمهور على خلافه وأجابوا عنه بان الخضر كان حينئذ من ساكني البحر فلم يدخل في الحديث قالوا ومعنى الحديث لا يبقى ممن ترونه أو تعرفونه فهو عام أريد به الخصوص وقيل احترز بالأرض عن الملائكة وقالوا خرج عيسى من ذلك وهو حي لأنه في السماء لا في الأرض وخرج إبليس لأنه على الماء أو في الهواء وأبعد من قال إن اللام في الأرض عهدية والمراد أرض المدينة والحق أنها للعموم وتتناول جميع بني آدم وأما من قال المراد أمه محمد سواء أمة الإجابة وأمة الدعوة وخرج عيسى والخضر لأنهما ليسا من أمته فهو قول ضعيف لأن عيسى يحكم بشريعته فيكون من أمته والقول في الخضر إن كان حيا كالقول في عيسى والله أعلم قوله باب السمر مع الأهل والضيف قال على بن المنير ما محصله اقتطع البخاري هذا الباب من باب السمر في الفقه والخير لانحطاط رتبته عن مسمى الخير لأن الخير متمحض للطاعة لا يقع على غيرها وهذا النوع من السمر خارج عن أصل الضيافة والصلة المأمور بهما فقد يكون مستغنى عنه في حقهما فيلتحق بالسمر الجائز أو المتردد بين الإباحة والندب ووجه الاستدلال من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر المذكور في الباب اشتغاله أبي بكر بعد صلاة العشاء بمجيئه إلى بيته ومراجعته لخبر الأضياف واشتغاله بما دار بينهوذلك كله في معنى السمر لأنه سمر مشتمل على مخاطبة وملاطفة ومعاتبة انتهى قولكانوا أناسا للكشميهنى كانوا ناسا قوله فهو أنا وأبي زاد الكشميهني وأمي وللمستملى فهو وأنا وأمي قوله ثم لبث حيث صليت العشاء في رواية الكشميهني حتى بدل

[ 62 ]

حيث قوله ففرقنا أي جعلنا فرقا وسنذكر فوائد هذا الحديث وما اشتمل عليه من الأحكام وغيرها في علامات النبوة مفصلا إن شاء الله تعالى خاتمة اشتمل كتاب المواقيت على مائة حديث وسبعة عشر حديثا المعلق من ذلك ستة وثلاثون حديثا والباقي موصول الخالص منها ثمانية وأربعون حديثا والمكرر منها فيه وفيما تقدم تسعة وستون حديثا وافقه مسلم على جميعها سوى ثلاثة عشر حديثا وهي حديث أنس في السجود على الظهائر وقد أخرج معناه وحديثه ما أعرف شيئا وحديثه في المعنى هذه الصلاة قد ضيعت وحديث بن عمر أبردوا وكذا حديث أبي سعيد وحديث بن عمر إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم وحديث أبي موسى مثل المسلمين واليهود وحديث أنس كنا نصلي العصر وقد اتفقا على أصله وحديث عبد الله بن مغفل لا يغلبكم الأعراب وحديث بن عباس لولا أن أشق وحديث سهل بن سعد كنت أتسحر وحديث معاوية في الركعتين بعد العصر وحديث أبي قتادة في النوم عن الصبح على أن مسلما أخرج أصل الحديث من وجه آخر لكن بينا في الشرح أنهما حديثان لقصتين والله أعلم وفيه من الآثار الموقوفة ثلاثة آثار والله سبحانه وتعالى أعلم بسم الله الرحمن الرحيم كتاب أبواب الأذان الأذن لغة الإعلام قال الله تعالى وأذان من الله ورسوله واشتقاقه من الأذان بفتحتين وهو الاستماع وشرعا الإعلام يوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة قال القرطبي وغيره الأذان على قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة لأنه بدأ بالاكبرية وهي تتضمن وجود الله وكماله ثم ثنى بالتوحيد ونفى الشريك ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى الله عليه وسلم ثم دعا إلى الطاعة المخصوصة عقب الشهادة بالرسالة لأنها لا تعرف إلا من جهة الرسول ثم دعا إلى الفلاح وهو البقاء الدائم وفيه الإشارة إلى المعاد ثم أعاد ما أعاد توكيدا ويحصل من الأذان الإعلام بدخول الوقت والدعاء إلى الجماعة وإظهار شعائر الإسلام والحكمة في اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان واختلف أيما أفضل الأذان أو الإمامة ثالثها أن علم من نفسه القيام بحقوق الإمامة فهي أفضل وإلا فالأذان وفي كلام الشافعي ما يومئ إليه واختلف أيضا في الجمع بينهما فقيل يكره وفي البيهقي من حديث جابر مرفوعا النهى عن ذلك لكن سنده ضعيف وصح عن عمر لو أطيق الأذان مع الخلافة لأذنت رواه سعيد بن منصور وغيره وقيل هو خلاف الأولى وقيل يستحب وصححه النووي عز قوله باب بدء الأذان أي ابتدائه وسقط لفظ باب من رواية أبي ذر وكذلك سقطت البسملة من رواية القابسي وغيره قوله وقول الله عز وجل وإذا ناديتم إلى الصلاة الآية يشير بذلك إلى أن ابتداء الأذان كان بالمدينة وقد ذكر بعض أهل التفسير أن اليهود لما سمعوا الأذان قالوا لقد ابتدعت يا محمد شيئا لم يكن فيما مضى فنزلت وإذا ناديتم الى الصلاة الآية قوله وقوله تعالى إذا نودي الولاء من يوم الجمعة يشير بذلك أيضا إلى الابتداء لأن ابتداء الجمعة إنما كان بالمدينة كما سيأتي في بابه واختلف في السنة التي فرض فيها فالراجح أن ذلك كان في السنة الأولى وقيل بل كان في السنة الثانية وروى عن بن عباس أن فرض الأذان نزل مع هذه الآية أخرجه أبو الشيخ تنبيه الفرق بين ما في الآيتين من التعدية بإلى واللام أن صلات الأفعال تختلف بحسب مقاصد الكلام فقصد في الأولى

[ 63 ]

معنى الانتهاء وفي الثانية معنى الاختصاص قاله الكرماني ويحتمل أن تكون اللام بمعنى الى أو العكس والله أعلم وحديث بن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقا وقوله في آخره يا بلال قم فناد بالصلاة كان ذلك قبل رؤيا عبد الله بن زيد وسياق حديثه يدل على ذلك كما أخرجه بن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه قال حدثني عبد الله بن زيد فذكر نحو حديث بن عمر وفي آخره فبينما هم على ذلك أرى عبد الله النداء فذكر الرؤيا وفيها صفة الأذان لكن بغير ترجيع وفيه تربيع التكبير وإفراد اشتراط وتثنية قد قامت الصلاة وفي آخره قوله صلى الله عليه وسلم أنها لرؤيا حق إن شاء الله تعالى فقم مع بلال فألقها عليه فإنه أندى صوتا منك وفيه مجئ عمر وقوله إنه رأى مثل ذلك وقد أخرج الترمذي في ترجمة بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد مع حديث عبد الله بن عمر وإنما لم يخرجه البخاري لأنه على غير شرطه وقد روعن عبد الله بن زيد من طرق وحكى بن خزيمة عن الذهلي أنه ليس في طرقه أصح من هذا لطريق وشاهده حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلا ومنهم من وصله عن سعيد عن عبد الله بن زيد والمرسل أقوى إسنادا ووقع في الأوسط للطبراني أن أبا بكر أيضا رأى الأذان ووقع في الوسيط للغزالي أنه رآه بضعة عشر رجلا بحال الجيلي في شرح التنبيه أربعة عشر رجلا وأنكره بن الصلاح ثم النووي ونقل مغلطاي أن في بعض كتب الفقهاء أنه رآه سبعة ولا يثبت شئ من ذلك الا لعبد الله بن زيد وقصة عمر جاءت في بعض طرقه وفي مسند الحارث بن أبي أسامة بسند واه قال أول من أذن بالصلاة جبريل في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال فسبق عمر بلالا فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاء بلال فقال له سبقك بها عمر فائدتان الأولى وردت أحاديث أخذت على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة منها للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال لما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه الأذان فنزل به فعله بلالا وفي إسناده طلحة بن زيد وهو متروك وللدارقطني في الأطراف من حديث أنس أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة وإسناده ضعيف أيضا ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعا لما أسرى بي أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم فقدمني فصليت وفيه من لا يعرف وللبزار وغيره من حديث على قال لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل بدابة يقال لها البراق فركبها فذكر الحديث وفيه إذ خرج ملك من وراء الحجاب فقال الله أكبر الله أكبر وفي آخره ثم أخذ الملك بيده فأم بأهل السماء وفي إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود وهو متروك أيضا ويمكن على تقدير الصحة أن يحمل على تعدد الإسراء فيكون ذلك وقع بالمدينة وأما قول القرطبي لا يلزم من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه ففيه نظر لقوله في أوله لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان وكذا قول المحب الطبري يحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام ففيه نظر أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه والحق أنه لا يصح شئ من هذه الأحاديث وقد جزم بن المنذر بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم حديث عبد الله بن زيد انتهى وقد حاول السهيلي الجمع بينهما فتكلف وتعسف والأخذ بما صح أولى فقال بانيا على صحة الحكمة في مجئ الأذان على اختلفوا الصحابي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمعه فوق سبع سماوات

[ 64 ]

وهو أقوى من الوحي فلما تأخر الأمر بالأذان عن فرض الصلاة وأراد إعلامهم بالوقت فرأى الصحابي المنام فقصها فوافقت ما كان النبي صلى الله عليه وسلم سمعه فقال أنها لرؤيا حق بعدم حينئذ أن مراد الله بما أراه في السماء أن يكون سنة في الأرض وتقوى ذلك بموافقة عمر لأن السكينة تنطق على لسانه والحكمة أيضا في إعلام الناس به على غير لسانه صلى الله عليه وسلم التنويه بقدره والرفع لذكره بلسان غيره ليكون أقوى لأمره وأفخم لشأنه انتهى ملخصا والثاني حسن بديع ويؤخذ منه عدم الاكتفاء برؤيا عبد الله بن زيد حتى أضيف عمر للتقوية التي ذكرها لكن قد يقال فلم لا أقتصر على عمر فيمكن أن يجاب ليصير في معنى الشهادة وقد جاء في رواية ضعيفة سبقت ما ظاهره أن بلالا أيضا رأى لكنها مؤولة فإن لفظها سبقك بها بلال فيحمل المراد بالسبق على مباشرة التأذين برؤيا عبد الله بن زيد ومما كثر السؤال عنه هل باشر النبي صلى الله عليه وسلم الأذان بنفسه وقد وقع عند السهيلي أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن في سفر وصلى بأصحابه وهم على رواحلهم السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم أخرجه الترمذي من طريق تدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة أه وليس هو من حديث أبي هريرة وإنما هومن حديث يعلى بن مرة وكذا جزم النووي بان النبي صلى الله عليه وسلم أذن مرة في السفر وعزاه للترمذي وقواه ولكن وجدناه في مسند أحمد من الوجه الذي أخرجه الترمذي ولفظه فأمر بلالا فأذن فعرف أن في رواية الترمذي اختصار وأن معنى قوله أذن أمر بلالا به كما يقال أعطى ناحية العالم الفلاني ألفا وإنما باشر العطاء غيره ونسب للخليفة لكونه آمرا به ومن أغرب ما وقع في بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ بسند فيه مجهول عن عبد الله بن الزبير قال أخذ الأذان من أذان إبراهيم وأذن في الناس الحنفية الآية قال فأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة الفائدة الثانية قال الزين بن المنير أعرض البخاري عن التصريح بحكم الأذان لعدم إفصاح الآثار الواردة فيه عن حكم معين فاثبت مشروعيته وسلم من الاعتراض وقد اختلف في ذلك ومنشأ الاختلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه ثم لما واظب على تقريره ولم ينقل أنه تركه ولا أمر بتركه ولا رخص في تركه كان ذلك بالواجبات أشبه انتهى وسيأتي بقية الكلام على ذلك قريبا إن شاء الله تعالى قوله حدثنا عبد الوارث هو بن سعيد وخالد هو الحذاء كما ثبت في رواية كريمة والإسناد كله بصريون قوله ذكروا النار والناقوس فذكروا اليهود والنصارى كذا ساقه عبد الوارث مختصرا ورواية عبد الوهاب الآتية في الباب الذي بعده أوضح قليلا حيث قال لما كثر الناس ذكروا أن يعلموا وقت الصلاة بشئ يعرفونه فذكروا أن يوروا نارا أو يضربوا ناقوسا وأوضح من ذلك رواية روح بن عطاء عن خالد عند أبي الشيخ ولفظه فقالوا لو اتخذنا ناقوسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك للنصارى فقالوا لو اتخذنا بوقا فقال ذاك لليهود فقالوا لو رفعنا نارا فقال ذاك للمجوس فعلى هذا ففي رواية عبد الوارث اختصار كأنه كان فيه ذكروا النار والناقوس والبوق فذكروا اليهود والنصارى والمجوس واللف والنشر فيه معكوس فالنار للمجوس والناقوس للنصارى والبوق لليهود وسيأتي في حديث بن عمر التنصيص على أن البوق لليهود وقال الكرماني يحتمل أن تكون النار والبوق جميعا لليهود جمعا بين حديثي أنس وابن عمر انتهى ورواية

[ 65 ]

روح تغنى عن هذا الاحتمال قوله فأمر بلال هكذا في معظم الروايات على البناء للمفعول وقد اختلف أهل الحديث وأهل الأصول في اقتضاء هذه الصيغة للرفع والمختار عند محققي الطائفتين أنها تقتضيه لأن الظاهر أن المراد بالأمر من له الأمر الشرعي الذي يلزم أتباعه وهو الرسول صلى الله عليه وسلم ويؤيد ذلك هنا من حيث المعنى أن التقرير في العبادة إنما يؤخذ عن توقيف فيقوى جانب الرفع جدا وقد وقع في رواية روح بن عطاء المذكورة فأمر بلالا بالنصب وفاعل أمر هو النبي صلى الله عليه وسلم وهو بين في سياقه وأصرح من ذلك رواية النسائي وغيره عن قتيبة عن عبد الوهاب بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا قال الحاكم صرح برفعه إمام الحديث بلا مدافعة قتيبة قلت ولم ينفرد به فقد أخرجه أبو عوانة من طريق مروان المروزي عن قتيبة ويحي بن معين كلاهما عن عبد الوهاب وطريق يحيى عند الدارقطني أيضا ولم ينفرد به عبد الوهاب وقد رواه البلاذري من طريق بن شهاب الحناط عن أبي قلابة وقضية وقوع ذلك عقب المشاورة في أمر النداء إلى الصلاة ظاهر في أن الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره كما استدل به بن المنذر وابن حبان واستدل بورود الأمر به من قال بوجوب الأذان وتعقب بأن الأمر إنما ورد بصفة الأذان لا بنفسه وأجيب بأنه إذا ثبت الأمر بالصفة لزم أن يكون الأصل مأمورا به قال بن دقيق العيد وممن قال بوجوبه مطلقا الأوزاعي وداود وابن المنذر وهو ظاهر قول مالك في الموطأ وحكى عن محمد بن الحسن وقيل واجب في الجمعة فقط وقيل فرض كفاية والجمهور على أنه من السنن المؤكدة وقد تقدم ذكر منشأ الخلاف في ذلك وأخطأ من استدل على عدم وجوبه بالإجماع لما ذكرناه والله أعلم قوله أن بن عمر كان يقول في رواية مسلم عن عبد الله بن عمر أنه قال قوله حين قدموا المدنية أي من مكة في الهجرة قوله فيتحينون بحاء الركعة بعدها مثناة تحتانية ثم نون أي يقدرون أحيانها ليأتوا إليها والحين الوقت والزمان قوله ليس ينادي لها بفتح الدال على البناء للمفعول قال بن مالك فيه جواز استعمال ليس حرفا لا اسم لها ولا خبر وقد أشار إليه سيبويه ويحتمل أن يكون اسمها ضمير الشان والجملة بعدها خبر قلت ورواية مسلم تؤيد ذلك فإن يسير ليس ينادي بها أحد قوله فتكلموا يوما في ذلك فقال بعضهم اتخذوا لم يقع لي تعين المتكلمين في ذلك واختصر الجواب في هذه الرواية ووقع لابن ماجة من وجه آخر عبن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم استشار الناس لما يجمعهم إلى الصلاة فذكروا البوق فكرهه من أجل اليهود ثم ذكروا الناقوس فكرهه من أجل النصارى وقد تقدمت رواية روح بن عطاء نحوه وفي الباب عن عبد الله بن زيد عند أبي الشيخ وعند أبي عمير بن أنس عن عمومته عن سعيد بن منصور قوله بل بوقا أي بل اتخذوا بوقا ووقع في بعض النسخ بل قرنا وهي رواية مسلم والنسائي والبوق والقرن معروفان والمراد أنه ينفخ فيه فيجمعون عند سماع صوته وهو من شعار اليهود ويسمى أيضا الشبور بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمومة الثقيلة قوله فقال عمر أو لا الهمزة للاستفهام والواو للعطف على مقدر كما في نظائره قال الطيبي الهمزة إنكار للجملة الأولى أي المقدرة وتقرير للجملة الثانية قوله رجلا زاد الكشميهني منكقوله ينادي قال القرطبي يحتمل أن يكون عبد الله بن زيد لما أخبر برؤياه وصدقه النبي صلى الله عليه وسلم بادر عمر فقال أو لا تبعثون رجلا ينادي أي يؤذن للرؤيا المذكورة فقال النبي صلى الله عليه وسلم قم يا بلال فعلى هذا فالفاء في سياق حديث بن عمر هي الفصيحة والتقدير فافترقوا فرأى عبد الله بن زيد فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقص عليه فصدقه

[ 66 ]

فقال عمر قلت وسياق حديث عبد الله بن زيد يخالف ذلك فإن فيه أنه لما قص رؤياه على النبي صلى الله عليه وسلم فقال له ألقها على بلال فليؤذن بها قال فسمع عمر الصوت فخرج فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال لقد رأيت مثل الذي رأى فدل على أن عمر لم يكن حاضرا لما قص عبد الله بن زيد رؤياه والظاهر أن إشارة عمر بإرسال رجل ينادي الولاء كانت عقب المشاورة فيما يفعلونه وأن رؤيا عبد الله بن زيد كانت بعد ذلك والله أعلم وقد أخرج أبو داود بسند صحيح إلى أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار قالوا اهتم النبي صلى الله عليه وسلم الولاء كيف يجمع الناس لها فقال انصب راية عند حضور وقت الصلاة فإذا رأوها آذن بعضهم بعضا فلم يعجبه الحديث وفيه ذكروا القنع بضم القاف وسكون النون يعني البوق وذكروا الناقوس فانصرف عبد الله بن زيد وهو مهتم فأرى الأذان فغدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وكان عمر رآه قبل ذلك فكتمه عشرين يوما ثم أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فقال ما منعك أن تخبرنا قال سبقني عبد الله بن زيد فاستحييت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا بلال قم فأنظر ما يأمرك به عبد الله بن زيد فافعله ترجم له أبو داود بدء الأذان وقال أبو عمر بن عبد البر روى قصة عبد الله بن زيد جماعة من الصحابة بألفاظ مختلفة ومعان متقاربة وهي من وجوه حسان وهذا أحسنها قلت وهذا لا يخالفه ما تقدم أن عبد الله بن زيد لما قص منامه فسمع عمر الأذان فجاء فقال قد رأيت لأنه يحمل على أنه لم يخبر بذلك عقب إخبار عبد الله بل متراخيا عنه لقوله ما منعك أن تخبرنا أي عقب إخبار عبد الله فاعتذر بالاستحياء فدل على أنه لم يخبر بذلك على الفور وليس في حديث أبي عمير التصريح بأن عمر كان حاضرا عند قص عبد الله رؤياه بخلاف ما وقع في روايته التي ذكر به فسمع عمر الصوت فخرج فقال فإنه صريح في أنه لم يكن حاضرا عند قص عبد الله والله أعلم قوله فناد بالصلاة في رواية الاسماعيلي فأذن بالصلاة قال عياض المراد الإعلام المحض بحضور وقتها لا خصوص الأذان المشروع وأغرب القاضي أبو بكر بن العربي فحمل قوله أذن على الأذان المشروع وطعن في صحة حديث بن عمر وقال عجبا لأبي عيسى كيف صححه والمعروف أن شرع الأذان إنما كان برؤيا عبد الله بن زيد انتهى ولا تدفع الأحاديث الصحيحة بمثل هذا مع إمكان الجمع كما قدمناه وقد قال بن منده في حديث بن عمر إنه مجمع على صحته قوله يا بلال قم قال عياض وغيره فيه حجة لشرع الأذان قائما قلت وكذا احتج بن خزيمة وابن المنذر وتعقبه النووي بأن المراد بقوله قم أي أذهب إلى موضع بارز فناد فيه بالصلاة ليسمعك الناس قال وليس فيه تعرض القيام في حال الأذان انتهى وما نفاه ليس ببعيد من ظاهر اللفظ فإن الصيغة محتملة للأمرين وإن كان ما قاله أرجح ونقل عياض أن مذهب العلماء كافة أن الأذان قاعدا لا يجوز إلا أبا ثور ووافقه أبو الفرج المالكي وتعقب بأن الخلاف معروف عند الشافعية وبأن المشهور عند الحنفية كلهم أن القيام سنة وأنه لو أذن قاعدا صح والصواب ما قال بن المنذر أنهم اتفقوا على أن القيام من السنة فائدة كان اللفظ الذي ينادي به بلال الولاء قوله الصلاة جامعة أخرجه بن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب وظن بعضهم أن بلالا حينئذ إنما أمر بالأذان المعهود فذكر مناسبة اختصاص بلال بذاك دون غيره لكونه كان لما عذب ليرجع عن الإسلام فيقول أحد أحد فجوزي بولاية الأذان المشتملة على التوحيد في ابتدائه وانتهائه وهي مناسبة حسنة في اختصاص بلال بالأذان إلا أن هذا الموضع ليس هو محلها وفي حديث بن عمر دليل على مشروح عية طلب الأحكام من المعاني المستنبطة دون

[ 67 ]

الاقتصار على الظواهر قاله بن العربي وعلى مراعاة المصالح والعمل بها وذلك أنه لما شق عليهم التبكير إلى الصلاة فتفوتهم أشغالهم أو التأخير فيفوتهم وقت الصلاة نظروا في ذلك وفيه مشروعية التشاور في الأمور المهمة وأنه لا حرج على أحد من المتشاورين إذا أخبر بما أدى إليه اجتهاده وفيه منقبة ظاهرة لعمر وقد استشكل إثبات حكم الأذان برؤيا عبد الله بن زيد لأن رؤيا غير الأنبياء لا ينبني عليها حكم شرعى وأجيب باحتمال مقارنة الوحي لذلك أو لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بمقتضاها لينظر أيقر على ذلك أم لا ولا سيما لما رأى نظمها يبعد دخول الوسواس فيه وهذا ينبنى على القول بجواز اجتهاده صلى الله عليه وسلم في الأحكام وهو المنصور في الأصول ويؤيد الأول ما رواه عبد الرزاق وأبو داود في المراسيل من طريق عبيد بن عمير المؤذن أحد كبار التابعين أن عمر لما رأى الأذان جاء ليخبر به النبي صلى الله عليه وسلم فوجد الوحي قد ورد بذلك فما راعه إلا أذان بلال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم سبقك بذلك الوحي وهذا أصح ممحكى الداودي عن بن إسحاق أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان قبل أن يخبره عبد الله بن زيد وعمر بثمانية أيام وأشار السهيلي إلى أن الحكمة في ابتداء شرع الأذان على اختلفوا غير النبي صلى الله عليه وسلم التنويه بعلو قدره على اختلفوا غيره ليكون أفخم لشأنه والله أعلم قوله باب الأذان مثنى في رواية الكشميهني مثنى مثنى أي مرتين مرتين ومثنى معدول عن اثنين اثنين وهو بغير تنوين فتحمل رواية الكشميهني على التوكيد لأن الأول يفيد تثنية كل لفظ من ألفاظ الأذان والثاني يؤكد ذلك فائدة ثبت لفظ هذه الترجمة في حديث لابن عمر مرفوع أخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده فقال فيه مثنى مثنى وهو عند أبي داود والنسائي وصححه بن خزيمة وغيره من هذا الوجه لكن بلفظ مرتين مرتين قوله عن سماك بن عطية هو بصري ثقة روى عن أيوب وهو من أقرانه وقد روى حماد بن زيد عنهما جميعا وقال مات سماك قبل أيوب ورجال إسناده كلهم بصريون قوله أن يشفع بفتح أوله وفتح الفاء أي يأتي بألفاظه شفعا قال الزين بن المنير وصف الأذان بأنه شفع يفسره قوله مثنى مثنى أي مرتين مرتين وذلك يقتضى أن تستوي جميع ألفاظه في ذلك لكن لم يختلف في أن كلمة التوحيد التي في آخره مفردة فيحمل قوله مثنى على ما سواها وكأنه أراد بذلك تأكيد مذهبه في ترك تربيع التكبير في أوله لكن لمن قال بالتربيع أن يدعي وكما ما ادعاه لثبوت الخبر بذلك وسيأتي في اشتراط توجيه يقتضى أن القائل به لا يحتاج إلى دعوى التخصيص قوله وأن يوتر اشتراط إلا اشتراط المراد بالمنفى غير المراد بالمثبت فالمراد بالمثبت جميع الألفاظ المشروعة عند القيام إلى الصلاة والمراد بالمنفى خصوص قوله قد قامت الصلاة كما سيأتي ذلك صريحا وحصل من ذلك جناس تام تنبية ادعى بن منده أن قوله إلا اشتراط من قول أيوب غير مسند كما في رواية إسماعيل بن إبراهيم وأشار إلى أن في رواية سماك بن عطية هذه إدراجا وكذا قال أبو محمد الأصيلي قوله إلا اشتراط هو من قول أيوب وليس من الحديث وفيما قالاه نظر لأن عبد الرزاق رواه عن معمر عن أيوب بسنده متصلا بالخبر مفسرا ولفظه كان بلال يثني الأذان ويوتر اشتراط إلا قوله قد قامت الصلاة وأخرجه أبو عوانة في صحيحه والسراج في مسنده وكذا هو في مصنف عبد الرزاق وللاسماعيلي من هذا الوجه ويقول قد قامت الصلاة مرتين والأصل أن ما كان

[ 68 ]

في الخبر فهو منه حتى يقوم دليل على خلافه ولا دليل في رواية إسماعيلى لأنه إنما يتحصل منها أن خالدا كان لا يذكر الزيادة وكان أيوب يذكرها وكل منهما روى الحديث عن أبي قلابة عن أنس فكان في رواية أيوب زيادة من حافظ فتقبل والله أعلم وقد استشكل عدم استثناء التكبير في اشتراط وأجاب بعض الشافعية بأن التثنية في تكبيرة اشتراط بالنسبة إلى الأذان إفراد قال النووي ولهذا يستحب أن يقول المؤذن كل تكبيرتين بنفس واحد قلت وهذا إنما يتأتى في أول الأذان لا في التكبير الذي في آخره وعلى ما قال النووي ينبغي للمؤذن أن يفرد كل تكبيرة من اللتين في آخره بنفس ويظهر بهذا التقرير ترجيح قول من قال بتربيع التكبير في أوله على من قال بتثنيته مع أن لفظ الشفع يتناول التثنية والتربيع فليس في لفظ حديث الباب ما يخالف ذلك بخلاف ما يوهمه كلام بن بطال وأما الترجيع في التشهدين فالاصح في صورته أن يشهد بالوحدانية ثنتين ثم بالرسالة ثنتين ثم يرجع فيشهد كذلك فهو وإن كان في العدد مربعا فهو في الصورة مثنى والله أعلم قوله حدثني محمد وهو بن سلام كذا في رواية أبي ذر وأهمله الباقون قوله حدثني عبد الوهاب الثقفي في رواية كريمة أخبرنا وفي رواية الاصليى حدثنا وليس في رواية كريمة الثقفي قوله حدثنا خالد كذا لأبي ذر والأصيلي ولغيرهما أخبرنا قوله قال لما كثر الناس قال ذكروا قال الثانية زائدة ذكرت تأكيدا قوله أن يعلموا بضم أوله من الإعلام وفي رواية كريمة بفتح أوله من العلم قوله أن يوروا نارا أي يوقدوها يقال وري الزند إذا خرجت ناره وأوريته إذا أخرجته ووقع في رواية مسلم أن ينوروا نارا أي يظهروا نورها والناقوس خشبة تضرب بخشبة أصغر منها فيخرج منها صوت وهو من شعار النصارى قوله وأن يوتر اشتراط احتج به من قال بإفراد قوله قد قامت الصلاة والحديث الذي قبله حجة عليه لما قدمناه فإن احتج بعمل أهل المدينة عورض بعمل أهل مكة ومعهم الحديث الصحيح قوله قد قامت الصلاة قوله باب اشتراط واحدة قال الزين بن المنير خالف البخاري لفظ الحديث في الترجمة فعدل عنه إلى قوله واحدة لأن لفظ الوتر غير منحصر في المرة فعدل عن لفظ فيه الاشتراك إلى ما لااشتراك فيه قلت وإنما لم يقل واحدة واحدة مراعاة للفظ الخبر الوارد في ذلك وهو عند بن حبان في حديث بن عمر الذي أشرت إليه في الباب الماضي ولفظه الأذان مثنى والإقامة واحدة وروى الدارقطني وحسنه في حديث لأبي محذورة وأمره أن يقيم واحدة واحدة قوله إلا قوله قد قامت الصلاة هو لفظ معمر عن أيوب كما تقدم قيل واعترضه الاسماعيلي بأن إيراد حديث سماك بن عطية في هذا الباب أولى من إيراد حديث بن علية والجواب أن المصنف قصد رفع توهم من يتوهم أنه موقوف على أيوب لأنه أورده في مقام الاحتجاج به ولو كان عنده مقطوعا لم يحتج به قوله حدثنا خالد هو الحذاء كما تقدم والإسناد كله بصريون قوله قال إسماعيل هو بن إبراهيم المذكور في أول الإسناد وهو المعروف بابن علية وليس هو معلقا قوله فذكرت كذا للأكثر بحذف المفعول وللكشميهني والأصيلي فذكرته أي حديث خالد وهذا الحديث حجة على من زعم أن اشتراط مثنى مثل الأذان وأجاب بعض الحنفية بدعوى النسخ وأن إفراد اشتراط كان أولا ثم نسخ بحديث أبي محذورة يعني الذي رواه أصحاب السنن وفيه تثنية اشتراط وهو متأخر عن حديث أنس فيكون ناسخا وعورض بأن في بعض طرق حديث أبي محذورة المحسنة التربيع

[ 69 ]

والترجيع فكان يلزمهم القول به وقد أنكر أحمد على من ادعى النسخ بحديث أبي محذورة واحتج بأن النبي صلى الله عليه وسلم رجع بعد الفتح إلى المدينة وأقر بلالا على إفراد اشتراط وعلمه سعد القرظ فأذن به بعده كما رواه الدارقطني والحاكم وقال بن عبد البر ذهب أحمد وإسحاق وداود وابن جرير إلى أن ذلك من الاختلاف المباح فإن ربع التكبير الأول في الأذان أو ثناه أو رجع في المنكدر أو لم يرجع أو ثنى اشتراط أو أفردها كلها أو إلا قد قامت الصلاة فالجميع جائز وعن بن خزيمة إن ربع الأذان ورجع فيه ثنى اشتراط وإلا أفردها وقيل لم يقل بهذا التفصيل أحد قبله والله أعلم فائدة قيل الحكمة في تثنية الأذان وإفراد اشتراط أن الأذان لإعلام الغائبين المنجنون ليكون أوصل إليهم بخلاف اشتراط فإنها للحاضرين ومن ثم استحب أن يكون الأذان في مكان عال بخلاف اشتراط وأن يكون الصوت في الأذان أرفع منه في اشتراط وأن يكون الأذان مرتلا والإقامة مسرعة وكرر قد قامت الصلاة لأنها المقصودة من اشتراط بالذات قلت توجيهه ظاهر وأما قول الخطابي لو سوى بينهما ورؤساءهم الأمر عند ذلك وصار لأن يفوت كثيرا من الناس صلاة الجماعة ففيه نظر لأن الأذان يستحب أن يكون على مكان عال لتشترك الاسماع كما تقدم وقد تقدم الكلام على تثنية التكبير وتؤخذ حكمة الترجيع مما تقدم وإنما اختص بالتشهد لأنه أعظم ألفاظ الأذان والله أعلم قوله باب فضل التأذين راعي المصنف لفظ التأذين لوروده في حديث الباب وقال الزين بن المنير التأذين يتناول جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة وحقيقة الأذان تعقل بدون ذلك كذا قال والظاهر أن التأذين هنا أطلق بمعنى الأذان لقوله في الحديث حتى لا يسمع التأذين وفي رواية لمسلم حتى لا يسمع صوته فالتقييد بالسماع لا يدل على فعل ولا على هيئة مع أن ذلك هو الأصل في المصدر قوله إذا نودي الولاء وللنسائي عن قتيبة عن مالك بالصلاة وهي رواية لمسلم أيضا ويمكن حملها على معنى واحد قوله له ضراط جملة اسمية وقعت حالا بدون واو لحصول الارتباط بالضمير وفي رواية الاصليى وله ضراط وهي للمصنف من وجه آخر في بدء الخلق قال عياض يمكن حمله على ظاهره لأنه جسم متغذ يصح منه خروج الريح ويحتمل أنها عبارة عن شدة نفاره ويقويه رواية لمسلم له حصاص بمهملات مضموم الأول فقد فسره الأصمعي وغيره بشدة العدو قال الطيبي العطار شغل الشيطان نفسه عن سماع الأذان بالصوت الذي يملأ السمع ويمنعه عن سماع غيره ثم سماه ضراطا تقبيحا له تنبيه الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس وعليه يدل كلام كثير من الشراح كما سيأتي ويحتمل أن المراد جنس الشيطان وهو كل متمرد من الجن والإنس لكن المراد هنا شيطان الجن خاصة قوله حتى لا يسمع التأذين ظاهره أنه يتعمد إخراج ذلك إما ليشتغل بسماع الصوت الذي يخرجه عن سماع المؤذن أو يصنع ذلك استخفافا كما بالصلاة السفهاء ويحتمل أن لا يتعمد ذلك بل يحصل له عند سماع الأذان شدة خوف يحدث له ذلك الصوت بسببها ويحتمل أن يتعمد ذلك ليقابل ما يناسب الصلاة من الطهارة بالحدث واستدل به على استحباب رفع الصوت بالأذان لأن قوله حتى لا يسمع ظاهر في أنه يبعد إلى غاية ينتفى فيها سماعه للصو ت وقد وقع بيان الغاية في رواية لمسلم من حديث جابر فقال حتى يكون مكان الروحاء وحكى الأعمش عن أبي سفيان راويه عن جابر أن بين المدنية والروحاء ستة وثلاثين

[ 70 ]

ميلا هذه رواية قتيبة عن جرير عند مسلم وأخرجه عن إسحاق عن جرير ولم يسق يسيرو لفظ إسحاق في مسنده حتى يكون بالروحاء وهي ثلاثون ميلا من المدينة فأدرجه في الخبر والمعتمد رواية قتيبة وسيأتي حديث أبي سعيد في فضل رفع الصوت بالأذان بعده قوله قضى بضم أوله والمراد بالقضاء الفراغ أو الانتهاء ويروى بفتح أوله على حذف الفاعل والمراد المنادى واستدل به على أنه كان بين الأذان والإقامة فصل خلافا لمن شرط في إدراك فضيلة أول الوقت أن ينطبق أول التكبير على أول الوقت قوله إذا ثوب بضم المثلثة وتشديد الواو المكسورة قيل هو من ثاب إذا رجع وقيل من ثوب إذا أشار بثوبه عند الفراغ لإعلام غيره قال الجمهور المراد بالتثويب هنا اشتراط وبذلك جزم أبو عوانة في صحيحه والخطابى والبيهقي وغيرهم قال القرطي ثوب بالصلاة إذا أقيمت وأصله أنه رجع إلى ما يشبه الأذان وكل من ردد صوتا فهو مثوب ويدل عليه رواية مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة فإذا سمع اشتراط ذهب وزعم بعض الكوفيين أن المراد بالتثويب قول المؤذن بين الأذان والإقامة حي على الصلاة حي على الفلاح قد قامت الصلاة وحكى ذلك بن المنذر عن أبي يوسف عن أبي حنيفة وزعم أنه تفرد به لكن في سنن أبي داود عن بن عمر أنه كره التثويب بين الأذان والإقامة فهذا يدل على أن له سلفا في الجملة ويحتمل أن يكون الذي تفرد به القول الخاص وقال الخطابي لا يعرف فضالة التثويب الا قول المؤذ في الأذان الصلاة خير من النوم لكن المراد به في هذا الحديث اشتراط والله أعلم قوله أقبل زاد مسلم في رواية أبي صالح عن أبي هريرة فوسوس قوله أقبل حتى يخطر بضم الطاء قال عياض كذا سمعناه من أكثر الرواة وضبطناه عن المتقنين بالكسر وهو الوجه ومعناه يوسوس وأصله من خطر البعير بذنبه إذا حركه فضرب به فخذيه وأما بالضم فمن المرور أي يدنو منه فيمر بينه وبين قلبه فيشغله وضعف الحجري في نوادره الضم مطلقا وقال هو يخطر بالكسر في كل شئ قوله بين المرء ونفسه أي قلبه وكذا هو للمصنف من وجه آخر في بدء الخلق قال الباجي المعنى أنه يحول بين المرء وبين ما يريده من اقباله على صلاته وإخلاصه فيها قوله يقول أذكر كذا أذكر كذا وقع في رواية كريمة بواو العطف واذكر كذا وهي لمسلم وللمصنف في صلاة السهو أذكر كذاوكذا زاد مسلم من رواية عبد ربه عن الأعرج فهناه ومناه وذكره من حاجاته ما لم يكن يذكر قوله لما لم يكن يذكر أي لشئ لم يكن على ذكره قبل دخوله في الصلاة وفي رواية لمسلم لما لم يكن يذكر من قبل ومن ثم استنبط أبو حنيفة للذي شكا إليه أندفن مالا ثم لم يهتد لمكانه أن يصلي ويحرص أن لا يحدث نفسه بشئ من أمر الدنيا ففعل فذكر مكان المال في الحال قيل خصه بما يعلم دون ما لا يعلم لأنه يميل لما يعلم أكثر لتحقق الجوزي والذي يظهر أنه لاعم من ذلك فيذكره بما سبق له به علم ليشتغل باله به وبما لم يكن سبق له ليوقعه في الفكرة فيه وهذا أعم من أن يكون في أمور الدنيا أو في أمور الدين كالعلم لكن هل يشمل ذلك التفكر في معاني الآيات التي يتلوها لا يبعد ذلك لأن غرضه نقص خشوعه وإخلاصه بأي وجه كان قوله حتى يظل الرجل كذا للجمهور بالظاء المشالة المفتوحة ومعنى يظل في الأصل اتصاف المخبر عنه بالخبر نهارا لكنها هنا بمعنى يصير أو يبقى ووقع عند الأصيلي يضل بكسر الساقطة أي ينسى ومنه قوله تعالى أن تضل أحدهما أو بفتحها أي يخطئ ومنه قوله تعالى لا يضل ربي ولا ينسى والمشهور الأول قوله لا يدري

[ 71 ]

وفي رواية في صلاة السهو أن يدري بكسر همزة أن وهي نافية بمعنى لا وحكى بن عبد البر عن الأكثر في الموطأ فتح الهمزة ووجهه بما تعقبه عليه جماعة وقال القرطبي ليست رواية الفتح لشئ الا مع رواية الضاد الساقطة فتكون أن مع الفعل بتأويل المصدر ومفعول ضل أن بإسقاط حرف الجر أي يضل عن درايته قوله كم صلى وللمصنف في بدء الخلق من وجه آخر عن أبي هريرة حتى لا يدري أثلاثا صلى أم أربعا وسيأتي الكلام عليه في أبواب السهو إن شاء الله تعالى وقد اختلف العلماء في الحكمة في هروب الشيطان عند سماع الأذان والإقامة دون سماع القرآن والذكر في الصلاة فقيل يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له كما يأتي بعد ولعل البخاري أشار إلى ذلك بإيراده الحديث المذكور عقب هذا الحديث ونقل عياض عن بعض أهل العلم أن اللفظ عام والمراد به خاص وأن الذي يشهد من تصح منه الشهادة كما سيأتي القول فيه في الباب الذي بعده وقيل إن ذلك خاص بالمؤمنين فأما الكفار فلا تقبل لهم شهادة ورده لما جاء من الآثار بخلافه وبالغ الزين بن المنير في تقرير الأول وهو مقام احتمال وقيل يهرب نفورا عن سماع الأذان ثم يرجع موسوسا ليفسد على المصلي صلاته فصار رجوعه من جنس فراره والجامع بينهما الاستخفاف وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذي أباه وعصى بسببه واعترض بأنه يعود قبل السجود فلو كان هربه لأجله لم يعد إلا عند فراغه وأجيب بأنه يهرب عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمراثم يرجع ليفسد على المصلي سجوده الذي أباه وقيل إنما يهرب لاتفاق الجميع على الاعلان بشهادة الحق وإقامة خالف واعترض بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلي وأجيب بأن الإعلان أخص من الاتفاق فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلا ولهذا قال لعبد الله بن زيد ألقه على بلال فإنه أندى صوتا منك أي أقعد في المد وألينه والإسماع ليعم الصوت ويطول أمد التأذين فيكثر الجمع ويفوت على الشيطان مقصوده من إلهاء الآدمي عن إقامة الصلاة في جماعة أو إخراجها عن وقتها أو وقت فضيلتها فيفر حينئذ وقد ييأس عن أن يردهم عما أعلنوا به ثم يرجع لما طبع عليه من الأذى والوسوسة وقال بن الجوزي على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها لأنه لا يكاد يقع في الأذان رياء ولا غفلة عند النطق به بخلاف الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب الوسوسة وقد ترجم عليه أبو عوانة الدليل على أن المؤذن في أذانه وإقامته منفى عنه الوسوسة والرياء لتباعد الشيطان منه وقيل لأن الأذان إعلام بالصلاة التي هي أفضل الأعمال بألفاظ هي من أفضل الذكر لا يزاد فيها ولا ينقص منها بل أنكر على وفق الأمر فيفر من سماعها وأما الصلاة فلما يقع من كثير من الناس فيها من التفريط فيتمكن الخبيث من المفرط فلو قدر أن المصلي وفى بجميع ما أمر به فيها لم يقر به إذا كان وحده وهو نادر وكذا إذا انضم إليه من هو مثله فإنه يكون أندر أشار إليه بن أبي جمرة نفع الله ببركته فائدة قال بن بطال يشبه أن يكون الزجر عن خروج المرء من المسجد بعد أن يؤذن المؤذن من هذا المعنى لئلا يكون متشبها بالشيطان الذي يفر عند سماع الأذان والله أعلم تنبيهان الأول فهم بعض السلف من الأذان في هذا الحديث الإتيان بصورة

[ 72 ]

الأذان وإن لم توجد فيه شرائط الأذان من وقوعه في الوقت وغير ذلك ففي صحيح مسلم من رواية سهيل بن أبصالح عن أبيه أنه قال إذا سمعت صوتا فناد بالصلاة واستدل بهذا الحديث وروى مالك عن زيد بن أسلم نحوه الثاني وردت في فضل الأذان أحاديث كثيرة ذكر المصنف بعضها في مواضع أخرى واقتصر على هذا هنا لأن هذا الخبر تضمن فضلا لا ينال بغير الأذان بخلاف غيره من الأخبار فإن النصارى المذكور فيها يدرك بأنواع أخرى من العبادات والله أعلم قوله باب رفع الصوت بالنداء قال الزين بن المنير لم ينص على حكم رفع الصوت لأنه من صفة الأذان وهو لم ينص في أصل الأذان على حكم كما تقدم وقد ترجم عليه النسائي باب النصارى على رفع الصوت بالأذان قوله وقال عمر بن عبد العزيز وصله بن أبي شبيبة من طريق عمر عن سعيد بن أبي حسين أن مؤذنا أذن فطرب في أذانه فقال له عمر بن عبد العزيز فذكره ولم أقف على اسم هذا المؤذن وأظنه من بني سعد القرظ لأن ذلك وقع حيث كان عمر بن عبد العزيز أميرا على المدينة والظاهر أنه خاف عليه من التطريب الخروج عن الخشوع لاأنه نهاه عن رفع الصوت وقد روى نحو هذا من حديث بن عباس مرفوعا أخرجه الدارقطني وفيه إسحاق بن أبي يحيى الكعبي وهو ضعيف عند الدارقطني وابن عدي وقال بن حبان لا تحل الرواية عنه ثم غفل فذكره في الثقات قوله عن أبيه زاد بن عيينوكان يتيما في حجر أبي سعيد وكانت أمه عند أبي سعيد أخرجه بن خزيمة من طريقه لكن قلبه بن عيينة فقال عن عبد الرحمن بن عبد الله والصحيح قول مالك ووافقه عبد العزيز الماجشون وزعم أبو مسعود في الأطراف أن البخاري أخرج روايته لكن لم تجذلك ولا ذكرها خلف قاله بن عساكر واسم أبي صعصعة عمرو بن زيد بن عوف بن مبذبن عمرو بن غنم بن مازن بن ماتت مات أبو صعصعة في الجاهلية وابنه عبد الرحمن صحابي روى بن شاهين في الصحابة من طريق قيس بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة عن أبيه عن جده حديثا سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم وفي سياقه أن جده كان بدريا وفيه نظر لأن أصحاب المغازي لم يذكروه فيهم وإنما ذكروا أخاه قيس بن أبي صعصعة قوله أن أبا سعيد الخدري قال له أي لعبد الله بن عبد الرحمن قوله تحب الغنم والبادية أي لأجل الغنم لأن محبها يحتاج إلى إصلاحها بالمرعى وهو في الغالب يكون في البادية وهي الصحراء التي لا عمارة فيها قوله في غنمك أو باديتك يحتمل أن تكون أو شكا من الراوي ويحتمل أن تكون للتنويع لأن الغنم قد لا تكون في البادية ولأنه قد يكون في البادية حيث لا غنم قوله فأذنت الولاء أي لأجل الصلاة وللمصنف في بدء الخلق بالصلاة أي أعلمت بوقتها قوله فارفع فيه إشعار بان أذان من أراد الصلاة كان مقررا عندهم لاقتصاره على الأمر بالرفع دون أصل التأذين واستدل به الرافعي للقول الصائر إلى استحباب أذان المنفرد وهو الراجح عند الشافعية بناء على أن الأذان حق الوقت وقيل لا يستحب بناء على أن الأذان لاستدعاء الجماعة الولاء ومنهم من فصل بين من يرجو جماعة أو لا قوله بالنداء أي بالأذان قوله لا يسمع مدى صوت المؤذن أي غاية صوته قال البيضاوي غاية الصوت تكون أخفى من ابتدائه فإذا شهد له من بعد عنه ووصل إليه منتهى صوته فلأن يشهد له من دنا منه وسمع مبادى صوته أولى قوله جن ولا إنس ولا شئ ظاهره يشمل الحيوانات والجمادات فهو من العام بعد الخاص ويؤيده ما في رواية بن خزيمة لا يسمع صوته شجر ولا مدر

[ 73 ]

ولا حجر ولا جن ولا أنس ولأبي داود والنسائي من طريق أبي يحيى عن أبي هريرة بلفظ المؤذن يغفر له مدى صوته ويشهد له كل رطب ويابس ونحوه للنسائي وغيره من حديث البراء وصححه بن السكن فهذه الأحاديث تبين المراد من قوله في حديث الباب ولا شئ وقد تكلم بعض من لم يطلع عليها في تأويله على غير ما يقتضيه ظاهره قال القرطبي قوله ولا شئ المراد به الملائكة وتعقب بأنهم دخلوا في قوله جن لأنهم يستخفون عن الأبصار وقال غيره المراد كل ما يسمع المؤذن من الحيوان حتى ما لا يعقل دون الجمادات ومنهم من حمله على ظاهره وذلك غير ممتنع عقلا ولا شرعا قال بن بزيزة تقرر في العادة أن السماع والشهادة والتسبيح لا يكون إلا من حي فهل ذلك حكاية عن اختلفوا الحال لأن الموجودات ناطقة بلسان حالها بحلال باريها أو هو على ظاهره وغير ممتنع عقلا أن الله يخلق فيها الحياة والكلام وقد تقدم البحث في ذلك في قول النار أكل بعضي بعضا وسيأتي في الحديث الذي فيه أن البقرة قالت إنما خلقت للحرث وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة مرفوعا إني لأعرف حجرا كان يسلم علي أه ونقل بن النين عن أبي عبد الملك إن قوله هنا ولا شئ وكما قوله تعالى وإن من شئ إلا يسبح بحمده وتعقبه بأن الآية مختلف فيها وما عرفت وجه هذا التعقب فإنهما سواء في الاحتمال ونقل الاختلاف إلا أن يقول إن الآية لم يختلف في كونها على عمومها وإنما اختلف في تسبيح بعض الأشياء هل هو على الحقيقة أو المجاز بخلاف الحديث والله أعلم فائدة السر في هذه الشهادة مع أنها أنكر عند عالم الغيب والشهادة أن أحكام الآخرة جرت على نعت أحكام الخلق في الدنيا من توجيه الدعوى والجواب والشهادة قاله الزين بن المنير وقال النوربشتى المراد من هذه الشهادة اشتهار المشهود له يوم القيامة بالفضل وعلو الدرجة وكما أن الله يفضح بالشهادة قوما فكذلك يكرم بالشهادة آخرين قوله الا شهد له للكشميهنى إلا يشهد له وتوجيههما واضح قوله قال أبو سعيد سمعت قال الكرماني أي هذا الكلام الأخير وهو قوله إنه لا يسمع الخ قلت وقد أورد الرافعي هذا الحديث في الشرح بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأبي سعيد انك رجل تجب الغم وساقه إلى آخره وسبقه إلى ذلك الغزالي وامامه والقاضي حسين وابن داود شارح المختصر وغيرهم وتعقبه النووي وأجاب بن الرفعة عنهم بأنهم فهموا أن قول أبي سعيد سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم عائد على كل ما ذكر الله أه ولا يخفى بعده وقد رواه بن خزيمة من رواية بن عيينة ولفظه قال أبو سعيد إذا كنت في البوادي فارفع صوتك بالنداء فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لا يسمع فذكره ورواه يحيى القطان أيضا عن مالك بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا أذنت فارفع صوتك فإنه لا يسمع فذكره فالظاهر أن ذكر الغنم والبادية موقوف والله أعلم وفي الحديث استحباب رفع الصوت بالأذان ليكثر من يشهد له ما لم يجهده أو يتأذى به وفيه أن حب الغنم والبادية ولا سيما عند نزول الفتنة من عمل السلف الصالح وفيه جواز التبدى ومساكنة الأعراب ومشاركتهم في الأسباب بشرط حظ من العلم وأمن غلبة الجفاء وفيه أن أذان الفذ مندوب إليه ولو كان في قفر ولو لم يرتج حضور من يصلي معه لأنه إن فاته دعاء المصلين فلم يفته استشهاد من سمعه من غيرهم قوله باب ما يحقن بالأذان من الدماء قال الزين بن المنير قصد البخاري بهذه الترجمة واللتين قبلها استيفاء ثمرات الأذان فالأولى فيها فضل التأذين لقصد

[ 74 ]

الاجتماع الولاء والثانية فيها فضل أذان المنفرد لايداع الشهادة له بذلك والثالثة فيها حقن الدماء عند وجود الأذان قال وإذانتفت عن الأذان فائدة من هذه الفوائد لم يشرع إلا في حكايته عند سماعه ولهذا عقبه بترجمة ما يقول إذا سمع المنادي أه كلامه ملخصا ووجه الاستدلال للترجمة من حديث الباب ظاهر وباقي المتن من متعلقات الجهاد وقد أورده المصنف هناك بهذ الاسناد وسياقه أتم مما هنا وسيأتي الكلام على فوائده هناك إن شاء الله تعالى وقد روى مسلم طرفه المتعلق بالأذان وسياقه أوضح أخرجه من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر وكان يستمع الأذان فإن سمع أذانا أمسك وإلا أغار قال الخطابي فيه أن الأذان شعار الإسلام وأنه لا يجوز تركه ولو أن أهل بلد اجتمعوا على تركه كان للسلطان قتالهم عليه أه وهذا أحد أقوال العلماء كما تقدم وهو أحد الأوجه في المذهب وأغرب بن عبد البر فقال لا أعلم فيه خلافا وأن قول أصحابنا من نطق بالتشهد في الأذان حكم بإسلامه إلا إذا كان عيسويا فلا يرد عليه مطلق حديث الباب لأن العيسوية طائفة من اليهود حدثت في آخر دولة بني أمية فاعترفوا بان محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن إلى العرب فقط وهم منسوبون إلى رجل يقال له أبو عيسى حالا لهم ذلك تنبيه وقع في سياق حديث الباب لم يكن يغر بنا واختلف في ضبطه ففي رواية المستملى يغر من الاغارة مجزوم على أنه بدل من قوله يكن وفي رواية الكشميهني يغد بإسكان الغين وبالدال المهملة من الغدو وفي رواية كريمة يغزو بزاى بعدها واو من الغزو وفي رواية الأصيلي يغير كالأول لكن بإثبات الياء وفي رواية غيرهم بضم أوله وإسكان الغين من الإغراء ورواية مسلم تشهد لرواية من رواه من الإغارة والله أعلم قوله باب ما يقول إذا سمع المنادى هذا لفظ رواية أبي داود الطيالسي عن بن المبارك عن يونس عن الزهري وفي حديث الباب وآثر المصنف عدم الجزم بحكم ذلك لقوة الخلاف فيه كما سيأتي ثم ظاهر صنيعه يقتضى ترجيح ما عليه الجمهور وهو أن يقول مثل ما يقول من الأذان إلا الحيعلتين لأن حديث أبي سعيد الذي بدأ به عام وحديث معاوية الذي تلاه به يخصصه والخاص مقدم على العام قوله عن عطاء بن يزيد في رواية بن وهب عن مالك ويونس عن الزهري أن عطاء بن يزيد أخبره أخرجه أبو عوانة فائدة اختلف على الزهري في إسناد هذا الحديث وعلى مالك أيضا لكنه اختلاف لا يقدح في صحته فرواه عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة أخرجه النسائي وابن ماجة وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود والترمذي حديث مالك ومن تابعه أصح ورواه يحيى القطان عن مالك عن الزهري عن السائب بن يزيد أخرجه مسدد في مسنده عنه وقال الدارقطني أنه خطأ والصواب الرواية الأولى وفيه اختلاف آخر دون ما ذكر لا نطيل به قوله إذا سمعتم ظاهره اختصاص الإجابة بمن يسمع حتى لو رأى المؤذن على المنارة مثلا في الوقت بعدم أنه يؤذن لكن لم يسمع أذانه لبعد أو صمم لا تشرع له المتابعة قاله النووي في شرح المهذب قوله فقولوا مثل ما يقول المؤذن ادعى بن وضاح أن قول المؤذن مدرج وأن الحديث انتهى عند قوله مثل ما يقول وتعقب بأن الإدراج لا يثبت بمجرد الدعوى وقد اتفقت الروايات في الصحيحين والموطأ على إثباتها ولم يصب صاحب العمدة في حذفها قوله ما يقول قال الكرماني قال ما

[ 75 ]

يقول ولم يقل مثل ما قال ليشعر بأنه يجيبه بعد كل كلمة مثل كلمتها قلت والصريح في ذلك ما رواه النسائي من حديث أم حبيبة أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول كما يقول المؤذن حتى يسكت وأما أبو الفتح اليعمري فقال ظاهر الحديث أنه يقول مثل ما يقول عقب فراغ المؤذن لكن الأحاديث التي تضمنت إجابة كل كلمة عقبها دلت على أن المراد المساوقة يشير إلى حديث عمر بن الخطاب الذي عند مسلم وغيره فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك إن لم يطل الفصل قاله النووي في شرح المهذب بحثا وقد قالوه فيما إذا كان له عذر كالصلاة وظاهر قوله أنه يقول مثل قوله في جميع الكلمات لكن حديث عمر أيضا وحديث معاوية الآتي يدلان على أنه يستثنى من ذلك حى على الصلاة وحي على الفلاح فيقول بدلهما لا حول ولا قوة الا بالله كذلك استدل به بن خزيمة وهو المشهور عند الجمهور وقال بن المنذر يحتمل أن يكون ذلك من الاختلاف المباح فيقول تارة كذا وتارة كذا وحكى بعض المتأخرين عن بعض أهل الأصول أن الخاص والعام إذا أمكن الجمع بينهما وجب إعمالهما قال فلم لا يقال يستحب للسامع أن يجمع بين الحيعلة والحوقلة وهو وجه عند الحنابلة وأجيب عن المشهور من حيث المعنى بأن الأذكار الزائدة على الحيعلة يشترك السامع والمؤذن في ثوابها وأما الحيعلة فمقصودها الدعاء إلى الصلاة وذلك يحصل من المؤذن فعوض السامع عما يفوته من ثواب الحيعلة بثواب الحوقلة ولقائل أن يقول يحصل للمجيب النصارى لامتثاله الأمر ويمكن أن يزداد استيقاظا وإسراعا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء إليها من المؤذن ومن نفسه ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم سمع الله لمن حمده كما سيأتي في موضعه وقال الطيبي معنى الحيعلتين هلم بوجهك وسريرتك إلى الهدى عاجلا والفوز بالنعيم آجلا فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطيع مع ضعفى القيام به إلا إذا وفقني الله بحوله وقوته ومما لوحظت فيه المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن بن جريج قال حدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقراءة فلا يقول شيئا إلا قالوا مثله حتى إذا قال حي على الصلاة قالوا لا حول ولا قوة الا بالله وإذا قال حي على الفلاح قالوا ما شاء الله انتهى وإلى هذا صار بعض الحنفية وروى بن أبي شيبة مثله عن عثمان وروى عن سعيد بن جبير قال يقول في جواب الحيعلة سمعنا وأطعنا ووراء ذلك وجوه من الاختلاف أخرى قيل لا يجيبه إلا في التشهدين فقط وقيل هما والتكبير وقيل يضيف إلى ذلك الحوقلة دون ما في آخره وقيل مهما أتى به مما يدل على التوحيد والإخلاص كفاه وهو اختيار الطحاوي وحكوا أيضا خلافا هل يجيب في الترجيع أولا وفيما إذا أذن مؤذن آخر هل يجيبه بعد إجابته للأول أو لا قال النووي لم أر فيه شيئا لأصحابنا وقال بن عبد السلام يجيب كل واحد بإجابة لتعدد السبب وإجابة الأول أفضل إلا في الصبح والجمعة فإنهما سواء لأنهما مشروعان وفي الحديث دليل على أن لفظ المثل لا يقتضى المساواة من كل جهة لأن قوله مثل ما يقول لا يقصد به رفع الصوت المطلوب من المؤذن كذا قيل وفيه بحث لأن المماثلة وقعت في القول لا في صفته والفرق بين المؤذن والمجيب في ذلك أن المؤذن مقصوده الإعلام فاحتاج إلى رفع الصوت والسامع مقصوده ذكر الله فيكتفى بالسر أو الجهر لا مع الرفع نعم لا يكفيه أن يجريه على خاطره من غير تلفظ لظاهر الأمر بالقول وأغرب بن المنير فقال حقيقة الأذان جميع ما يصدر عن المؤذن من قول وفعل وهيئة وتعقب بأن

[ 76 ]

الأذان معناه الإعلام لغة وخصه الشرع بألفاظ مخصوصة في أوقات مخصوصة فإذا وجدت وجد الأذان وما زاد على ذلك من قول أو فعل أو هيئة يكون من مكملاته ويوجد الأذان من دونها ولو كان على ما أطلق لكان ما حالا من التسبيح قبل الصبح وقبل الجمعة ومن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من جملة الأذان وليس كذلك لا لغة ولا شرعا واستدل به على جواز إجابة المؤذن في الصلاة وأشار بظاهر الأمر ولان المجيب لا يقصد المخاطبة وقيل يؤخر الإجابة حتى يفرغ لأن في الصلاة شغلا وقيل مجيب إلا في الحيعلتين لأنهما كالخطاب للآدميين والباقي من ذكر الله فلا يمنع لكن قد يقال من يبدل الحيعلة بالحوقلة لا يمنع لأنها من ذكر الله قاله بن دقيق العيد وفرق بن عبد السلام في فتاوية بين ما إذا كان يقرأ الفاتحة فلا يجيب بناء على وجوب موالاتها وإلا فيجيب وعلى هذا إن أجاب في الفاتحة استأنف وهذا قاله بحثا والمشهور في المذهب كراهة الإجابة في الصلاة بل يؤخرها حتى يفرغ وكذا في حال الجماع والخلاء لكن إن أجاب بالحيعلة بطلت كذا أطلقه كثير منهم ونص الشافعي في الأم على عدم فساد الصلاة بذلك واستدل به على مشروعية إجابة المؤذن في اشتراط قالوا الا في كلمتي اشتراط فيقول أقامها الله وأدامها وقياس إبدال الحيعلة بالحوقلة في الأذان أن يجئ هنا لكن قد يفرق بأن الأذان أعلام عام فيعسر على الجميع أن الريح دعاة إلى الصلاة والإقامة أعلام خاص وعدد من يسمعها محصور فلا يعسر أن يدعو بعضهم بعض واستدل به على وجوب إجابة المؤذن حكاه الطحاوي عن قوم من السلف وبه قال الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب واستدل للجمهور بحديث أخرجه مسلم وغيره أنه صلى الله عليه وسلم سمع مؤذنا فلما كبر قال على الفطرة فلما تشهد قال خرج من النار فلما قال عليه الصلاة والسلام غير ما قال المؤذن علمنا أن الأمر بذلك للاستحباب وتعقب بأنه ليس في الحديث أنه لم يقل مثل ما قال فيجوز أن يكون قاله ولم ينقله الراوي اكتفاء بالعادة ونقل القول الزائد وبأنه يحتمل أن يكون ذلك وقع قبل صدور الأمر ويحتمل أن يكون الرجل لما أمر لم يرد أن يدخل نفسه في عموم من خوطب بذلك قيل ويحتمل أن يكون الرجل لم يقصد الأذان لكن يرد هذا الأخير أن في بعض طرقه أنه حضرته الصلاة قوله حدثنا هشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير قوله أنه سمع معاوية يوما فقال مثله إلى قوله وأشهد أن محمدا رسول الله هكذا أورد المتن هنا مختصرا وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن هشام ولفظه كنا عند معاوية فنادى المنادي بالصلاة فقال مثل ما قال ثم قال هكذا سمعت نبيكم ثم قال البخاري حدثنا إسحاق أنبأنا وهب بن جرير حدثنا هشام عن يحيى نحوه قال يحيى وحدثني بعض إخواننا أنه لما قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة الا بالله وقال هكذا سمعت نبيكم يقول انتهى فأحال بقوله نحوه على الذي قبله وقد عرفت أنه لم يسق يسير كله وقد وقع لنا هذا الحديث من طرق عن هشام المذكور تاما منها للاسماعيلي من طريق معاذ بن هشام عن أبيه عن يحيى حدثنا محمد بن إبراهيم حدثنا عيسى بن طلحة قال دخلنا على معاوية فنادى مناد بالصلاة فقال الله أكبر الله أكبر فقال معاوية الله أكبر الله أكبر فقال أشهد أن لا إله إلا الله فقال معاوية وأنا أشهد أن لا إله إلا الله فقال أشهد أن محمدا رسول الله فقال معاوية وأنا أشهد أن محمد رسول الله قال يحيى فحدثني صاحب لنا أنه لما قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة الا بالله ثم قال هكذا سمعنا نبيكم انتهى

[ 77 ]

فاشتم هذا السياق على فوائد أحدها تصريح يحيى بن أبي كثير بالسماع له من محمد بن إبراهيم فأمن ما يخشى من تدليسه ثانيها بيان ما اختصر من روايتي البخاري ثالثها أن قوله في الرواية الأولى أنه سمع معاوية يوما فقال مثله فيه حذف تقديره أنه سمع معاوية يسمع المؤذن يوما فقال مثله رابعها أن الزيادة في رواية وهب بن جرير لم ينفرد بها لمتابعة معاذ بن هشام له خامسها أن قوله قال يحيى ليس تعليقا من البخاري كما زعمه بعضهم بل هو عنده بإسناد إسحاق وأبدى الحافظ قطب الدين احتمالا أنه عنده بإسنادين ثم إن إسحاق هذا لم ينسب وهو بن راهويه كذلك صرح به أبنعيم في مستخرجه وأخرجه من طريق عبد الله بن شيرويه عنه وأما المبهم الذي حدث يحيى به عن معاوية فلم أقف في شئ من الطرق على تعيينه وحكى الكرماني عن غيره المراد به الأوزاعي وفيه نظر لأن الظاهر أن قائل ذلك ليحيى حدثه به عن معاوية وأين عصر الأوزاعي من عصر معاوية وقد غلب على ظني أنه علقمة بن وقاص إن كان يحيى بن أبي كثير أدركه وإلا فأحد ابنيه عبد الله بن علقمة أو عمرو بن علقمة وإنما قلت ذلك لأننى جمعت طرقه عن معاوية فلم أجد هذه الزيادة في ذكر الحوقلة إلا من طريقين أحدهما عن نهشل التميمي عن معاوية وهو في الطبراني بإسناد واوالآخر عن علقمة بن وقاص عنه وقد أخرجه النسائي واللفظ له وابن خزيمة وغيره ممن طريق بن جريج أخبرني عمرو بن يحيى أن عيسى بن عمرو أخبره عن عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه قال إني لعند معاوية إذ أذن مؤذن فقال معاوية كما قال حتى إذا قال حي على الصلاة قال لا حول ولا قوة الا بالله فلما قال حي على الفلاح قال لا حول ولا قوة الا بالله وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ثم قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك ورواه بن خزيمة أيضا من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو بن علقمة عن أبيه عن جده قال كنت عند معاوية فذكر مثله وأوضح سياقا منه وتبين بهذه الرواية أن ذكر الحوقلة في جواب حى على الفلاح اختصر في حديث الباب بخلاف ما تمسك به بعض من وقف مع ظاهره وأن إلى في قوله في الطريق الأولى فقال مثل قوله إلى أشهد أن محمدا رسول الله بمعنى مع كقوله تعالى ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم تنبيه أخرج مسلم من حديث عمر بن الخطاب نحو حديث معاوية وإنما لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في وصله وإرساله كما أشار إليه الدارقطني ولم يخرج مسلم حديث معاوية لأن الزيادة المقصودة منه ليست على شرط الصحيح للمبهم الذي فيها لكن إذا انضم أحد الحديثين إلى الآخر قوي جدا وفي الباب أيضا عن الحارث بن نوفل الهاشمي وأبي رافع وهما في الطبراني وغيره وعن أنس في البزار وغيره والله تعالى أعلم قوله باب الدعاء عند النداء أي عند تمام النداء وكأن المصنف لم يقيده بذلك اتباعا لإطلاق الحديث كما سيأتي البحث فيه قوله حدثني على بن عياش بالياء الأخيرة والشين المعجمة وهو الحمصي من كبار شيوخ البخاري ولم يلقه من الأئمة الستة غيره وقد حدث عنه القدماء بهذا الحديث أخرجه أحمد في مسنده عنه ورواه على بن المديني شيخ البخاري مع تقدمه على أحمد عنه أخرجه الاسماعيلي من طريقه قوله عن محمد بن المنكدر ذكر الترمذي أن شعيبا تفرد به عن بن المنكدر فهو غريب مع صحته وقد توبع بن المنكدر عليه عن جابر أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق أبي الزبير عن جابر نحوه ووقع في زوائد الاسماعيلي أخبرني بن المنكدر قوله

[ 78 ]

من قال حين يسمع النداء أي الأذان واللام للعهد ويحتمل أن يكون التقدير من قال حين يسمع نداء المؤذن وظاهره أنه يقول الذكر المذكور حال سماع الأذان ولا يتقيد بفراغه لكن يحتمل أن يكون المراد من النداء تمامه إذ المطلق يحمل على الكامل ويؤيده حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند مسلم بلفظ قولوا مثل ما يقول ثم صلوا على ثم سلوا الله لي الوسيلة ففي هذا أن ذلك يقال عند فراغ الأذان واستدل الطحاوي بظاهر حديث جابر على أنه لا يتعين إجابة المؤذن بمثل ما يقول بل لو اقتصر على الذكر المذكور كفاه وقد بين حديث عبد الله بن عمرو المراد وأن الحين أمرهم على ما بعد الفراغ واستدل به بن بزيزة على عدم وجوب ذلك لظاهر إيراده لكن لفظ الأمر في رواية مسلم قد يتمسك به من يدعي الوجوب وبه قال الحنفية وابن وهب من المالكية وخالف الطحاوي أصحابه فوافق الجمهور قوله رب هذه الدعوة بفتح الدال زاد البيهقي من طريق محمد بن عون عن على بن عياش اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة والمراد بها دعوة التوحيد كقوله تعالى له دعوة الحق وقيل لدعوة التوحيد تامة لأن الدوري نقص أو التامة التي لا يدخلها تغيير ولا تبديل بل هي باقية إلى يوم النشور أو لأنها هي التي تستحق صفة التمام وما سواها فمعرض للفساد وقال بن التين وصفت بالتامة لأن فيها أتم القول وهو لا إله الا الله وقال الطيبي من أوله إلى قوله محمد رسول الله الدعوة التامة والحيعلة هي الصلاة القائمة في قوله يقيمون الصلاة ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة الدعاء وبالقائمة الدائمة من قام على الشئ إذا داوم عليه وعلى هذا فقوله والصلاة القائمة بيان للدعوة التامة ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة المعهودة المدعو إليها حينئذ وهو أظهر قوله الوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير يقال توسلت أي تقربت وتطلق على المنزلة العلية ووقع ذلك في حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم بلفظ فإنها منزلة في الجنة لا ينبغي إلا لعبد من عباد الله الحديث ونحوه للبزار عن أبي هريرة ويمكن ردها إلى الأول بأن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله فتكون كالقربة التي يتوسل بها قوله والفضيلة أي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق ويحتمل أن تكون منزلة أخرى أو تفسيرا للوسيلة قوله مقاما محمودا أي يحمد القائم فيه وهو مطلق في كل ما يجلب الحمد من يجري الكرامات ونصب على الظرفيه أي أبعثه يوم القيامة فأقمه مقاما محمودا أو ضمن أبعثه معنى أقمه أو على أنه مفعول به ومعنى أبعثه أعطه ويجوز أن يكون حالا أي أبعثه ذا مقام محمود قال النووي ثبتت الرواية بالتنكير وكأنه حكاية للفظ القرآن وقال الطيبي إنما نكره لأنه أفخم وأجزل كأنه قيل مقاما محمودا بكل اختلفوا قلت وقد جاء في هذه الرواية بعينها من رواية على بن عياش شيخ البخاري فيه بالتعريف عند النسائي وهي في صحيح بن خزيمة وابن حبان أيضا وفي الطحاوي والطبراني في الدعاء والبيهقي وفيه تعقب على من أنكر ذلك كالنووى قوله الذي وعدته زاد في رواية البيهقي انك لا تخلف الميعاد وقال الطيبي المراد بذلك قوله تعالى عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا وأطلق عليه الوعد لأن عسى من الله أوقع كما صح عن بن عيينة وغيره والموصول إما بدل أو عطف بيان أو واقع خبر مبتدأ محذوف وليس صفة للنكرة ووقع في رواية النسائي وابن خزيمة وغيرهما المقام المحمود بالألف واللام فيصبح وصفه بالموصول والله أعلم قال بن الجوزي والأكثر على أن المراد بالمقام المحمود الشفاعة وقيل إجلاسه على العرش وقيل على الكرسي وحكى كلا

[ 79 ]

من القولين عن جماعة وعلى تقدير الصحة لا ينافي الأول لاحتمال أن يكون الإجلاس علامة الإذان في الشفاعة ويحتمل أن يكون المراد بالمقام المحمود الشفاعة كما هو المشهور وأن يكون الاجلاس هي المنزلة المعبر عنها بالوسيلة أو الفضيلة ووقع في صحيح بن حبان من حديث كعب بن مالك مرفوعا يبعث الله الناس فيكسوني ربي حلة خضراء فأقول ما شاء الله أن أقول فذلك المقام المحمود ويظهر أن المراد بالقول المذكور هو الثناء الذي يقدمه بين يدي الشفاعة ويظهر أن المقام المحمود هو مجموع ما يحصل له في تلك الحال ويشعر قوله في آخر الحديث حلت له شفاعتي بان الأمر المطلوب له الشفاعة والله أعلم قوله حلت له أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه يقال حل يحل بالضم إذا نزل واللام بمعنى على ويؤيده رواية مسلم حلت عليه ووقع في الطحاوي من حديث بن مسعود وجبت له ولا يجوز أن يكون حلت من الحل لأنها لم تكن قبل ذلك محرمة قوله شفاعتي استشكل بعضهم جعل ذلك ثوابا لقائل ذلك مع ما ثبت من أن الشفاعة للمذنبين وأجيب بان له صلى الله عليه وسلم شفاعات أخرى كإدخال الجنة بغير حساب وكرفع الدرجات فيعطى كل أحد ما يناسبه ونقل عياض عن بعض شيوخه أنه كان يرى اختصاص ذلك بمن قاله مخلصا مستحضرا إجلال النبي صلى الله عليه وسلم لامن قصد بذلك مجرد النصارى ونحو ذلك وهو تحكم غير مرضى ولو كان أخرج الغافل اللاهى لكان أشبه وقال المهلب في الحديث الحض على الدعاء في أوقات الصلوات لأنه حال رجاء الإجابة والله أعلم قوله باب الاستهام في الأذان أي الاقتراع ومنه قوله تعالى فساهم فكان من المدحضين قال الخطابي وغيره قيل له الاستهام لأنهم كانوا يكتبون أسماءهم على سهام إذا اختلفوا في الشئ فمن خرج سهمه غلب قوله ويذكر أن قوما اختلفوا أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من طريق أبي عبيد كلاهما عن هشيم عن عبد الله بن شبرمة قال تشاح الناس في الأذان بالقادسية فاختصموا إلى سعد بن أبي وقاص فأقرع بينهم وهذا منقطع وقد وصله سيف بن عمر في الفتوح والطبري من طريقه عنه عن عبد الله بن شبرمة عن شقيق وهو أبو وائل قال افتتحنا القادسية صدر النهار فتراجعنا وقد أصيب المؤذن فذكره وزاد فخرجت القرعة لرجل منهم فأذن فائدة القادسية مكان بالعراق معروف نسب إلى قادس رجل نزل به وحكى الجوهري أن إبراهيم عليه السلام قدس على ذلك المكان فلذلك صار منزلا للحاج وكانت به وقعه للمسلمين مشهورة مع الفرس وذلك في خلافة عمر سنة خمس عشرة وكان سعد يومئذ الأمير على الناس قوله عن سمي بضم أوله بلفظ التصغير قوله مولى أببكر أي بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام قوله لو يعلم الناس قال الطيبي وضع المضارع موضع الماضي ليفيد استمرار العلم قوله ما في النداء أي الأذان وهي رواية بشر بن عمر عن مالك عند السراج قوله والصف الأول زاد أبو الشيخ في رواية له من طريق الأعرج عن أبي هريرة من الخير والبركة وقال الطيبي أطلق مفعول يعلم وهو ما ولم يبين الفضيلة ما هي ليفيد ضربا من المبالغة وأنه مما لا يدخل تحت الوصف والإطلاق إنما هو في قدر الفضيلة وإلا فقد بينت في الرواية الأخرى بالخير والبركة قوله ثم لم يجدوا في رواية المستملى والحموي ثم لا يجدون وحكى الكرماني أن في بعض الروايات ثم لا يجدوا ووجهه بجواز حذف النون تخفيفا ولم أقف على هذه الرواية قوله الا أن يستهموا أي لم يجدوا

[ 80 ]

شيئا من وجوه الاولوية أما في الأذان فبأن يستووا في معرفة الوقت وحسن الصوت ونحو ذلك من شرائط المؤذن وتكملاته وأما في الصف الأول فبأن يصلوا دفعة واحدة ويستووا في الفضل فيقرع بينهم إذا لم يتراضوا فيما بينهم في الحالين واستدل به بعضهم لمن قال بالاقتصار على مؤذن واحد وليس بظاهر لصحة استهام أكثر من واحد في مقابلة أكثر من واحد ولان الاستهام على الأذان يتوجه من جهة التولية من الإمام لما فيه من المزية وزعم بعضهم أن المراد بالاستهام هنا الترامي بالسهام وأنه أخرج مخرج المبالغة واستأنس بحديث يسير لتجالدوا عليه بالسيوف لكن الذي فهمه البخاري منه أولى ولذلك استشهد له بقصة سعد ويدل عليه رواية لمسلم لكانت قرعة قوله عليه أي على ما ذكر ليشمل الامرين الأذان والصف الأول وبذلك يصح تبويب المصنف وقال بن عبد البر الهاء عائدة على الصف الأول لا على النداء وهو حق الكلام لأن الضمير يعود لأقرب مذكور ونازعه القرطبي وقال أنه يلزم منه أن يبقى النداء ضائعا لا فائدة له قال والضمير يعود على معنى الكلام المتقدم ومثله قوله تعالى ومن يفعل ذلك يلق أثاما أي جميع ذلك قلت وقد رواه عبد الرزاق عن مالك بلفظ لاستهموا عليهما فهذا مفصح بالمراد من غير تكلف قوله التهجير أي التبكير إلى الصلاة قال الهروي وحمله الخليل وغيره على ظاهره فقالوا المراد الإتيان إلى صلاة الظهر في أول الوقت لأن التهجير مشتق من الهاجرى وهي شدة الحر نصف النهار وهو أول وقت الظهر وإلى ذلك مال المصنف كما سيأتي ولا يرد على ذلك مشروعية الأبرار لأنه أريد به الرفق وأما من ترك قائلته وقصد إلى المسجد لينتظر الصلاة فلا يخفى ماله من الفضل قوله لاستبقوا إليه قال بن أبي جمرة المراد بالاستباق معنى لا حسا لأن المسابقة على الأقدام حسا تقتضي السرعة في المشي وهو ممنوع منه انتهى وسيأتي الكلام على بقية الحديث في باب فضل صلاة العشاء في الجماعة قريبا ويأتي الكلام على المراد بالصف الأول في أواخر أبواب الإمامة أن شاء الله تعالى قوله باب الكلام في الأذان أي في أثنائه بغير ألفاظه وجرى المصنف على عادته في عدم الجزم بالحكم الذي دلالته غير صريحة لكن الذي أورده فيه يشعر بأنه يختار الجواز وحكى بن المنذر الجواز مطلقا عن عروة وعطاء والحسن وقتادة وبه قال أحمد وعن النخعي وابن سيرين والأوزاعي الكراهة وعن الثوري المنع وعن أبي حنيفة وصاحبيه أنه خلاف الأولى وعليه يدل كلام مالك والشافعي وعن إسحاق بن راهويه يكره إلا إن كان فيما يتعلق بالصلاة واختاره بن المنذر لظاهر حديث بن عباس المذكور في الباب وقد نازع في ذلك الداودي فقال لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان بل القول المذكور مشروع من جملة الأذان في ذلك المحل قوله وتكلم سليمان بن صرد في أذانه وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب الصلاة له وأخرجه البخاري في التاريخ عنه وإسناده صحيح ولفظه أنه كان يؤذن في العسكر فيأمر غلامه بالحاجة في أذانه قوله وقال الحسن لم أره موصولا والذي أخرجه بن أبي شيبة وغيره من طرق عنه جواز الكلام بغير قيد الضحك قيل مطابقته للترجمة من جهة أن الضحك إذا كان بصوت قد يظهر منه حر ف مفهم أو أكثر فتفسد الصلاة ومن منع الكلام في الأذان أراد أن يساويه بالصلاة وقد ذهب الأكثر إلى أن تعمد الضحك يبطل الصلاة ولو لم يظهر منه حرف فاستوى مع الكلام في بطلان الصلاة بعمده قوله

[ 81 ]

حماد هو بن زيد وعبد الحميد هو بن دينار وعبد الله بن الحارث هو البصري بن عم بن سيرين وزوج ابنته وهو تابعي صغير ورواية الثلاثة عنه من باب رواية الأقران لأن الثلاثة من صغار التابعين ورجال الإسناد كلهم بصريون وقد جمعهم حماد كمسدد كما هنا وكذلك رواه سليمان بن حرب عنه عند أبي عوانة وأبي نعيم في المستخرج وكان حماد ربما اقتصر على بعضهم كما سيأتي قريبا في باب هل يصلي الإمام بمن حضر عن عبد الله بن عبد الوهاب الحجي عن حماد عن عبد الحميد وعن عاصم فرقهما ورواه مسلم عن الربيع عن حماد عن أيوب وعاصم من طرق أخرى منها وهيب عن أيوب وحكى عن وهيب أن أيوب لم يسمعه من عبد الله بن الحارث وفيه نظر لأن في رواية سليمان بن حرب عن حماد عن أيوب وعبد الحميد قالا سمعنا عبد الله بن الحارث كذلك أخرجه الاسماعيلي وغيره ولمسدد فيه شيخ آخر وهوبن علية كما سيأتي في كتاب الجمعة إن شاء الله قوله خطبنا استدل به بن الجوزي على أن الصلاة المذكورة كانت الجمعة وفيه نظر نعم وقع التصريح بذلك في رواية بن علية ولفظه أن الجمعة عزمة قوله في يوم رزغ بفتح الراء وسكون الزاي بعدها غين غدا كذا للأكثر هنا ولابن السكن والكشميهني وأبي الوقت بالدال المهملة بدل الزاي وقال القرطبي أنها أشهر وقال والصواب الفتح فإنه الاسم وبالسكون المصدر انتهى وبالفتح رواية القابسي قال صاحب المحكم الرزغ الماء القليل في ولقيني وقيل إنه طين وحل وفي العين الردغة الوحل والرزغة أشد منها وفي الجمهرة والردغة والرزغة الطين القليل من مطر أو غيره تنبيه وقع هنا يوم رزغ بالإضافة وفي رواية الحجي الآتية في يوم ذي رزغ وهي أوضح وفي رواية بن علية في يوم مطير قوله فلما بلغ المؤذن حي على الصلاة فأمره كذا فيه وكأن هنا حذفا تقديره أراد أن يقولها فأمره ويؤيده رواية بن علية إذا قلت أشهد أن محمدا رسول الله فلا تقل حى على الصلاة وبوب عليه بن خزيمة وتبعه بن حبان ثم المحب الطبري حذف حي على الصلاة في يوم المطر وكأنه نظر إلى المعنى لأن حي على ا لصلاة والصلاة في الرحال وصلوا في بيوتكم يناقض ذلك وعند الشافعية وجه أنه يقول ذلك بعد الأذان وآخر أنه يقوله بعد الحيعلتين والذي يقتضيه الحديث ما تقدم وقوله الصلاة في الرحال بنصب الصلاة والتقدير صلوا الصلاة والرحال جمع رحل وهو مسكن الرجل وما فيه من أثاثه قال النووي فيه أن هذه الكلمة تقال في نفس الأذان وفي حديث بن عمر يعني الآتي في باب الأذان للمسافر أنها تقال بعده قال والامران جائزان كما نص عليه الشافعي لكن بعده أحسن ليتم نظم الأذان قال ومن أصحابنا من يقول لا يقوله إلا بعد الفراغ وهو ضعيف مخالف لصريح حديث بن عباس انتهى وكلامه يدل على أنها تزاد مطلقا إما في أثنائه وإما بعده لا أنها بدل من حي على الصلاة وقد تقدم عن بن خزيمة ما يخالفه وقد ورد الجمع بينهما في حديث آخر أخرجه عبد الرزاق وغيره بإسناد صحيح عن نعيم بن النحام قال أذن مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم للصبح في ليله باردة فتمنيت لو قال ومن قعد فلا حرج فلما قال الصلاة خير من النوم قالها قوله فقال فعل هذا كأنه فهم من نظرهم الإنكار وفي رواية الحجي كأنهم أنكروا ذلك وفي رواية بن علية فكأن الناس استنكروا ذلك قوله من هو خير منه وللكشميهني منهم وللحجى مني يعني النبي صلى الله عليه وسلم كذا في أصل الرواية ومعنى رواية

[ 82 ]

الباب من هو خير من المؤذن يعني فعله مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو خير من هذا المؤذن وأما رواية الكشميهني ففيها نظر ولعل من أذن كانوا جماعة إن كانت محفوظة أو أراد جنس المؤذنين أو أراد خير من المنكرين قوله وإنها أي الجمعة كما تقدم عزمة بسكون الزاي ضد الرخصة زاد بن علية وإني كرهت أن اخرجكم فتمشون في الطين وفي رواية الحجي من طريق عاصم أني أؤثمكم وهي ترجح رواية من روى أحرجكم بالحاء المهملة وفي رواية جرير عن عاصم عند بن خزيمة أن أخرج الناس وأكلفهم أن يحملوا الخبث من طرقهم إلى مسجدكم وسيأتي الكلام على ما يتعلق بسقوط الجمعة بعذر المطر في كتاب الجمعة إن شاء الله تعالى ومطابقة الحديث للترجمة أنكرها الداودي فقال لا حجة فيه على جواز الكلام في الأذان بل القول المذكور من جملة الأذان في ذلك المحل وتعقب بأنه وإن ساغ ذكره في هذا المحل لكنه ليس من ألفاظ الأذان المعهود وطريق بيان المطابقة أن هذا الكلام لما جازت زيادته في الأذان للحاجة إليه دل على جواز الكلام في الأذان لمن يحتاج إليه قوله باب أذان الأعمى أي جوازه قوله إذا كان له من يخبره أي بالوقت لأن الوقت في الأصل مبنى على المشاهدة وعلى هذا القيد يحمل ما روى بن أبي شيبة وابن المنذر عن بن مسعود وابن الزبير وغيرهما أنهم كرهوا أن يكون المؤذن أعمى وأما ما نقله النووي عن أبي حنيفة وداود أن أذان الأعمى لا يصح فقد تعقبه السروجي بأن غلط على أبي حنيفة نعفي المحيط للحنفية أنه يكره قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة هو القعنبي قال الدارقطني تفرد القعنبي بروايته إياه في الموطأ موصولا عن مالك ولم يذكر غيره من رواة الموطأ فيه بن عمر ووافقه على وصله عن مالك خارج الموطأ عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق وروح بن عبادة وأبو قرة وكامل بن طلحة وآخرون ووصله عن الزهري جماعة من حفاظ أصحابه قوله أن بلالا يؤذن بليل فيه إشعار بأن ذلك كان من عادته المستمرة وزعم بعضهم أن ابتداء ذلك باجتهاد منه وعلى تقدير صحته فقد أقره النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فصار في حكم المأمور به وسيأتي الكلام على تعيين الوقت الذي كان يؤذن فيه من الليل بعد باب قوله فكلوا فيه إشعار بأن الأذاكان علامة عندهم على دخول الوقت فبين لهم أن أذان بلال بخلاف ذلك قوله بن أم مكتوم اسمه عمرو كما سيأتي موصولا في الصيام وفضائل القرآن وقيل كان اسمه الحصين فسماه النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله ولا يمتنع أنه كان له اسمان وهو قرشي عامري أسلم قديما والأشهر في اسم أبيه قيس بن زائدة وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكرمه ويستخلفه على المدينة وشهد القادسية في خلافة عمر فاستشهد بها وقيل رجع إلى المدينة فمات وهو الأعمى المذكور في سورة عبس واسم أمه عاتكة بنت عبد الله المخزومية وزعم بعضهم أنه ولد أعمى فكنيت أمه أم مكتوم لانكتام نور بصره والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين قوله وكان رجلا أعمى ظاهره أن فاعل قال هو بن عمر وبذلك جزم الشيخ الموفق في المغني لكن رواه الاسماعيلي عن أبي خليفة والطحاوي عن يزيد بن سنان كلاهما عن القعنبي فعينا أنه بن شهاب وكذلك رواه إسماعيل بن إسحاق ومعاذ بن المثنى وأبو مسلم الكجي الثلاثة عند الدار قطني والخزاعي عند أبي الشيخ وتمام عند أبي نعيم وعثمان الدارمي عند البيهقي كلهم عن القعنبي وعلى هذا ففي رواية البخاري إدراج ويجاب عن ذلك بأنه لا يمنع كون بن شهاب

[ 83 ]

قاله أن يكون شيخه قال وكذا شيخ شيخه وقد رواه البيهقي من رواية الربيع بن سليمان عن بن وهب عن يونس والليث جميعا عن بن شهاب وفيه قال سالم وكان رجلا ضرير البصر ففي هذا أن شيخ بن شهاب قاله أيضا وسيأتي في كتاب الصيام عن المصنف من وجه آخر عن بن عمر ما يؤدي معناه وسنذكر يسير قريبا فثبتت صحة وصله ولابن شهاب فيه شيخ آخر أخرجه عبد الرزاق عن معمر عنه عن سعيد بن المسيب وفيه الزيادة قال بن عبد البر هو حديث آخر لابن شهاب وقد وافق بن إسحاق معمرا فيه عن بن شهاب قوله أصبحت أصبحت أي دخلت في الصباح هذا ظاهره واستشكل لأنه جعل أذانه غاية للأكل فلو لم يؤذن حتى يدخل في الصباح للزم منه جواز الأكل بعد طلوع الفجر والإجماع على خلافه إلا من شذ كالأعمش وأجاب بن حبيب وابن عبد البر والأصيلي وجماعة من الشراح بأن المراد قاربت الصباح ويعكر على هذا الجواب أن في رواية الربيع التي قدمناها ولم يكن يؤذن حتى يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذن وأبلغ من ذلك أن لفظ رواية المصنف التي في الصيام حتى يؤذن بن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر وإنما قلت إنه أبلغ لكون جميعه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم وأيضا فقوله أن بلالا يؤذن بليل يشعر أن بن أم مكتوم بخلافه ولأنه لو كان قبل الصبح لم يكن بينه وبين بلال فرق لصدق أن كلا منهما أذن قبل الوقت وهذا الموضع عندي في غاية الإشكال وأقرب ما يقال فيه إن أذانه جعل علامة لتحريم الأكل والشرب وكأنه كان له من يراعى الوقت بحيث يكون أذانه مقارنا لابتداء طلوع الفجر وهو المراد بالبزوغ وعند أخذه في الأذان يعترض الفجر في الأفق ثم ظهر لي أنه لا يلزم من كون المراد بقولهم أصبحت أي قاربت الصباح وقوع أذانه قبل الفجر لاحتمال أن يكون قولهم ذلك يقع في آخر جزء من الليل وأذانه يقع في أول جزء من طلوع الفجر وهذا وإن كان مستبعدا في العادة فليس بمستبعد من مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم المؤيد بالملائكة فلا يشاركه فيه من لم يكن بتلك الصفة وقد روى أبو قرة من وجه آخر عن بن عمر حديثا فيه وكان بن أم مكتوم يتوخى الفجر فلا يخطئه وفي هذا الحديث جواز الأذان قبل طلوع الفجر وسيأتي بعد باب واستحباب أذان واحد بعد واحد وأما أذان اثنين معا فمنع منه قوم ويقال إن أول من أحدثه بنو أمية وقال الشافعية لا يكره إلا إن حصل من ذلك تهويش واستدل به على جواز اتخاذ مؤذنين في المسجد الواحد قال بن دقيق العيد وأما الزيادة على الإثنين فليس في الحديث تعرض له انتهى ونص الشافعي على جوازه ولفظه ولا يتضيق إن إذن أكثر من اثنين وعلى جواز تقليد الأعمى للبصير في دخول الوقت وفيه أوجه واختلف فيه الترجيح وصحح النووي في كتبه أن للأعمى والبصير اعتماد المؤذن الثقة وعلى جواز شهادة الأعمى وسيأتي ما فيه في كتاب الشهادات وعلى جواز العمل بخبر الواحد وعلى أن ما بعد الفجر من حكم النهار وعلى جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر لأن الأصل بقاء الليل وخالف في ذلك مالك فقال يجب القضاء وعلى جواز الاعتماد على الصوت في الرواية إذا كان عارفا به وإن لم يشاهد الراوي وخالف في ذلك شعبة لاحتمال الاشتباه وعلى جواز ذكر الرجل بما فيه من العاهة إذا كان يقصد التعريف ونحوه وجواز نسبة الرجل إلى أمه إذا اشتهر بذلك واحتيج إليه قوله باب الأذان بعد الفجر قال الزين بن المنير قد المصنف ترجمة الأذان بعد الفجر على ترجمة الأذان قبل الفجر فخالف الترتيب الوجودى لأن الأصل في الشرع أن لا يؤذن إلا بعد

[ 84 ]

دخول الوقت فقدم ترجمة الأصل على ما ندر عنه وأشار بن بطال إلى الاعتراض على الترجمة بأنه لا خلاف فيه بين الأئمة وإنما الخلاف في جوازه قبل الفجر والذي يظهر لي أن مراد المصنف بالترجمتين أن يبين أن المعنى الذي كان يؤذن لأجله قبل الفجر غير المعنى الذي كان يؤذن لأجله بعد الفجر وأن الأذان قبل الفجر لا يكتفى به عن الأذان بعده وأن أذان بن أم مكتوم لم يكن يقع قبل الفجر والله أعلم قوله كان إذا أعتكف المؤذن للصبح هكذا وقع عند جمهور رواة البخاري وفيه نظر وقد استشكله كثير من العلماء ووجهه بعضهم كما سيأتي والحديث في الموطأ عند جميع رواته بلفظ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح وكذا رواه مسلم وغيره وهو الصواب وقد أصلح في رواية بن شبويه عن الفربري كذلك وفي رواية الهمداني كان إذا أذن بدل أعتكف وهي أشبه بالرواية المصوبة ووقع في رواية النسفي عن البخاري بلفظ كان إذا أعتكف وأذن المؤذن وهو يقتضى أن صنيعه ذلك كان مختصا بحال اعتكافه وليس كذلك والظاهر أنه من إصلاحه وقد أطلق جماعة من الحفاظ القول بأن الوهم فيه من عبد الله بن يوسف شيخ البخاري ووجه بن بطال وغيره بأن معنى أعتكف المؤذن أي السري ارتقابه ونظره إلى أن يطلع الفجر ليؤذن عند أول ادراكه قالوا وأصل العكوف لزوم اشتراط بمكان واحد وتعقب بأنه يلزم منه أنه كان لا يصليهما إلا إذا وقع ذلك من المؤذن لما يقتضيه مفهوم الشرط وليس كذلك لمواظبته عليهما مطلقا والحق أن لفظ أعتكف محرف من لفظ سكت وقد أخرجه المؤلف في باب الركعتين بعد الظهر من طريق أيوب عن نافع بلفظ كاإذا أذن المؤذن وطلع الفجر قوله وبدا الصبح بغير همز أي ظهر وأغرب الكرماني فصحح أنه بالنون المكسورة والهمزة بعد المد وكأنه ظن أنه معطوف على قوله للصبح فيكون التقدير واعتكف لنداء الصبح وليس كذلك فإن الحديث في جميع النسخ من الموطأ والبخاري ومسلم وغيرها بالباء الموحدة المفتوحة وبعد الدال ألف مقصورة والواو فيه واو الحال لا واو العطف وبذلك تتم مطابقة الحديث للترجمة وسيأتي بقية الكلام عليه في أبواب التطوع إن شاء الله تعالى قوله عن يحيى هو بن أبي كثير قوله بين النداء والإقامة قال الزين بن المنير حديث عائشة أبعد في الاستدلال به للترجمة من حديث حفصة لأن قولها بين النداء والإقامة لا يستلزم كون الأذان بعد الفجر ثم أجاب عن ذلك بما محصله أنها عنت بالركعتين ركعتي الفجر وهما لا يصليان إلا بعد الفجر فإذا صلاهما بعد الأذان استلزم أن يكون الأذان وقع بعد الفجر انتهى وهو مع ما فيه من التكليف غير سالم من الانتقاد والذي عندي أن المصنف جرى على عادته في الإيماء إلى بعض ما ورد في طرق الحديث الذي يستدل به وبيان ذلكفيما أورده بعد بابين من وجه آخر عن عائشة ولفظه كان إذا سكت المؤذن قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الصبح بعد أن يستبين الفجر قوله عن عبد الله بن دينار هذا إسناد آخر لمالك في هذا الحديث قال بن عبد البر لم يختلف عليه فيه واعترض بن التيمي فقال هذا الحديث لا يدل على الترجمة لجعله غاية الأكل ابتداء أذان بن أم مكتوم فدل على أن أذانه كان يقع قبل الفجر بقليل وجوابه ما تقدم تقريره في الباب الذي قبله وقال الزين بن المنير الاستدلال بحديث بن عمر أوجه من غيره فإن قوله حتى ينادي بن أم مكتوم يقتضى أنه ينادي حين يطلع الفجر لأنه لو كان ينادي

[ 85 ]

قبله لكان كبلال ينادي بليل تنبيه قال بن منده حديث عبد الله بن دينار مجمع على صحته رواه جماعة من أصحابه عنه ورواه عنه شعبة فاختلف عليه فيه رواه يزيد بن هارون عنه على الشك أن بلالا كما هو المشهور أو أن بن أم مكتوم ينادي بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال قال ولشعبة فيه إسناد آخر فإنه رواه أيضا عن خبيب بن عبد الرحمن عن عمته أنيسة فذكره على الشك أيضا أخرجه أحمد عن غندر عنه ورواه أبو داود الطيالسي عنه جازما بالأول ورواه أبو الوليد عنه جازما بالثاني وكذا أخرجه بن خزيمة وابن المنذر وابن حبان من طرق عن شعبة وكذلك أخرجه الطحاوي والطبراني من طريق منصور بن زاذان عن خبيب بن عبد الرحمن وادعى بن عبد البر وجماعة من الأئمة بأنه مقلوب وأن الصواب حديث الباب وقد كنت أميل إلى ذلك إلى أن رأيت الحديث في صحيح بن خزيمة من طريقين آخرين عن عائشة وفي بعض ألفاظه ما يبعد وقوع الوهم فيه وهو قوله إذ أذن عمرو فأنه ضرير البصر فلا يغرنكم وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد وأخرجه أحمد وجاء عن عائشة أيضا أنها كانت تنكر حديث بن عمر وتقول إنه غلط أخرج ذلك البيهقي من طريق الدراوردى عن هشام عن أبيه عنها فذكر الحديث وزاد قالت عائشة وكان بلال يبصر الفجر قال وكانت عائشة تقول غلط بن عمر انتهى وقد جمع بن خزيمة والضبعي بين الحديثين بما حاصله أنه يحتمل أن يكون الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم فكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الناس أن أذان الأول منهما لا يحرم على الصائم شيئا ولا يدل على دخول وقت الصلاة بخلاف الثاني وجزم بن حبان بذلك ولم يبده احتملا وأنكر ذلك عليه الضياء وغيره وقيل لم يكن نوبا وإنما كانت لهما حالتان مختلفتان فإن بلالا كان في أول ما شرع الأذان يؤذن وحده ولا يؤذن للصبح حتى يطلع الفجر وعلى ذلك تحمل رواية عروة عن امرأة من بني ماتت قالت كان بلال يجلس على بيتي وهو أعلى بيت في المدينة فإذا رأى الفجر تمطأ ثم أذن أخرجه أبو داود وإسناده حسن ورواية حميد عن أنس أن سائلا سأل عن وقت الصلاة فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلالا فأذن حين طلع الفجر الحديث أخرجه النسائي وإسناده صحيح ثم أردف بابن أم مكتوم وكان يؤذن بليل واستمر بلال على حالته الأولى وعلى ذلك تنزل رواية أنيسة وغيرها ثم في آخر الأمر أخر بن أم مكتوم لضعفه ووكل به من يراعى له الفجر واستقر أذان بلال بليل وكان سبب ذلك ما روى أنه ربما كان أخطأ الفجر فأذن قبل طلوعه وأنه أخطأ مرة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يرجع فيقول ألا إن العبد نام يعني أن غلبة النوم على عينيه منعته من تبين الفجر وهو حديث أخرجه أبو داود وغيره من طريق حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع عن بن عمر موصولا مرفوعا ورجاله ثقات حفاظ لكن اتفق كثرة الحديث على بن المديني وأحمد بن حنبل والبخاري والذهلي وأبو حاتم وأبو داود والترمذي والأثرم والدارقطني على أن حمادا أخطأ في رفعه وأن الصواب وقفه على عمر بن الخطاب وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادا انفر برفعه ومع ذلك فقد وجد له متابع أخرجه البيهقي من طريق سعيد بن زربى وهو بفتحه الزاي وسكون الراء بعدها موحدة ثم ياء كياء النسب فرواه عن أيوب موصولا لكن سعيد ضعيف ورواه عبد الرزاق عن معمر عن أيوب أيضا لكنه أعضله فلم يذكر نافعا ولا بن عمر وله طريق أخرى عن نافع عند الدارقطني وغيره

[ 86 ]

اختلف في رفعها ووقفها أيضا وأخرى مرسلة من طريق يونس بن عبيد وغيره عن حميد بن هلال وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة ووصلها يونس عن سعيد بذكر أنس وهذه طرق يقوي بعضها بعضا قوة ظاهرة فلهذا والله أعلم استقر أن بلالا يؤذن الأذان الأول وسنذكر اختلافهم في تعيين الوقت المراد من قوله يؤذن بليل في الباب الذي بعد هذا قوله باب الأذان قبل الفجر أي ما حكمة هل يشرع أولا وإذا شرع هل يكتفى به عن إعادة الأذان بعد الفجر أولا وإلى مشروعيته مطلقا ذهب الجمهور وخالف الثوري وأبو حنيفة ومحمد وإلى الاكتفاء مطلقا ذهب مالك والشافعي وأحمد وأصحابهم وخالف بخزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث وقال به الغزالي في الإحياء وادعى بعضهم أنه لم يرد في شئ من الحديث ما يدل على الاكتفاء وتعقب بحديث الباب وأجيب بأنه مسكوت عنه فلا يدل وعلى التنزل فمحله فيما إذا لم يرد نطق بخلافه وهنا قد ورد حديث بن عمر وعائشة بما يشعر بعد الاكتفاء وكأن هذا هو السر في أيراد البخاري لحديثهما في هذا الباب عقب حديث بن مسعود نعم حديث زياد بن الحارث عند أبي داود يدل على الاكتفاء فإن فيه أنه أذن قبل الفجر بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وأنه استأذنه في اشتراط فمنعه إلى أن طلع الفجر فأمره فأقام لكن في إسناده ضعف وأيضا فهي واقعة عين وكانت في سفر ومن ثم قال القرطبي إنه مذهب واضح غير أن العمل المنقول بالمدينة على خلافه انتهى فلم يرده إلا بالعمل على قاعدة المالكية وادعى بعض الحنفية كما حكاه السروجي منهم أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما كان تذكيرا أو تسحيرا كما يقع للناس اليوم وهذا مردود لكن الذي يصنعه الناس اليوم محدث قطعا وقد تضافرت الطرق على التعبير بلفظ الأذان فحمله على معناه الشرعي مقدم ولأن الأذان الأول لو كان بألفاظ مخصوصة لما التبس على السامعين وسياق الخبر يقتضى أنه خشي عليهم الالتباس وادعى بن القطان أن ذلك كان في رمضان خاصة وفيه نظر قوله زهير هو بن معاوية الجعفر قوله عن أبي عثمان في رواية بن خزيمة من طريق معتمر بن سليمان عن أبيه حدثنا أبو عثمان ولم أر هذا الحديث من حديث بن مسعود في شئ من الطرق إلا من رواية أبي عثمان عنه ولا من رواية أبي عثمان إلا من رواية سليمان التيمي عنه واشتهر عن سليمان وله شاهد في صحيح مسلم من حديث سمرة بن جندب قوله أحدكم أو أحد منكم شك من الراوي وكلاهما يفيد العموم وأن اختلفت الحيثية قوله من سحوره بفتح أوله اسم لما يؤكل في السحر ويجوز الضم وهو اسم الفعل قوله ليرجع بفتح الياء وكسر الجيم المخففة يستعمل هذا لازما ومتعديا يقال رجع زيد ورجعت زيدا ولا يقال في المتعدى بالتثقيل فعلى هذا من رواه بالضم والتثقيل أخطأ فإنه يصير من الترجيع وهو الترديد وليس مرادنا هنا وإنما معناه يرد القائم أي المتهجد إلى راحته ليقوم إلى صلاة الصبح نشيطا أو يكون له حاجة إلى الصيام فيتسحر ويوقظ النائم ليتأهب لها بالغسل ونحوه وتمسك الطحاوي بحديث بن مسعود هذا لمذهبه فقال فقد أخبر أن ذلك النداء كان لما ذكر لا الولاء وتعقب بأن قوله لا الولاء زيادة في الخبر وليس فيه حصر فيما ذكر فإن قيل تقدم في تعريف الأذان الشرعي أنه إعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة والأذان قبل الوقت ليس إعلاما بالوقت فالجواب أن الإعلام بالوقت أعم من أن يكون إعلاما بأنه دخل

[ 87 ]

أو قارب أن يدخل وإنما اختصت الصبح بذلك من بين الصلوات لأن الصلاة في أول وقتها مرغب فيه والصبح يأتي غالبا عقب نوم فناسب أن ينصب من يوقظ الناس قبل دخول وقتها ليتأهبوا ويدركوا فضيلة أول الوقت والله أعلم قوله وليس أن يقول الفجر فيه إطلاق القول على الفعل أي يظهر وكذا قوله وقال بأصابعة ورفعها أي أشار وفي رواية الكشميهني بأصبعه ورفعهما قوله إلى فوق بالضم على البناء وكذا أسفل لنية المضا ف إليه دون لفظة نحو لله الأمر من قبل ومن بعد قوله وقال زهير أي الراوي وهي أيضا بمعنى أشار وكأنه جمع بين أصبعيه ثم فرقهما ليحكى صفة الفجر الصادق لأنه يطلع معترضا ثم يعم الأفق ذاهبا يمينا وشمالا بخلاف الفجر الكاذب وهو الذي تسمية العرب ذئب السرحان فإنه يظهر في أعلى السماء ثم ينخفض وإلى ذلك أشار بقوله رفع وطأطأ رأسه وفي رواية الاسماعيلي من طريق عيسى بن يونس عن سليمان فإن الفجر ليس هكذا ولا هكذا ولكن الفجر هكذا فكأن أصل الحديث كان بهذا اللفظ مقرونا بالإشارة الدالة على المراد وبهذا اختلفت عبارة الرواة وأخصر ما وقع فيها رواية جرير عن سليمان عند مسلم وليس الفجر المعترض ولكن المستطيل قوله حدثني إسحاق لم أره منسوبا وتردد فيه الجياني وهو عندي بن إبراهيم الحنظلي المعروف بابن راهويه كما جزم به المزي ويدل عليه تعبيره بقوله أخبرنا فإنه لا يقول قط حدثنا بخلاف إسحاق بن منصور وإسحاق بن نصر وأما ما وقع بخط الدمياطي أنه الواسطي ثم فسره بأنه بن شاهين فليس بصواب لأنه لا يعرف له عن أبي أسامة شئ لأن أبا أسامة كوفي وليس في شيوخ بن شاهين أحد من أهل الكوفة قوله قال عبيد الله حدثنا فاعل قال أبو أسامة وعبيد الله قائل حدثنا فالتقدير حدثنا عبيد الله قوله عن نافع هو معطوف على عن القاسم بن محمد والحاصل أنه أخرج الحديث عن عبيد الله بن عمر من وجهين الأول ذكر له فيه اسنادين نافع عن بن عمر والقاسم عن عائشة وأما الثاني فاقتصر فيه على الإسناد الثاني قوله حتى يؤذن في رواية الكشميهني حتى ينادي وقد أورده في الصيام بلفظ يؤذن وزاد في آخره فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر قال القاسم لم يكن بين أذنيهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا وفي هذا تقييد لما أطلق في الروايا ت الأخرى من قوله أن بلالا يؤذن بليل ولا يقال إنه مرسل لأن القاسم تابعي فلم يدر ك القصة المذكورة لأنه ثبت عند النسائي من رواية حفص بن الصالح وعند الطحاوي من رواية يحيى القطان كلاهما عن عبيد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث قالت ولم يكن بينهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا وعلى هذا فمعنى قوله في رواية البخاري قال القاسم أي في روايته عن عائشة وقد وقع عند مسلم في رواية بن نمير عبيد الله بن عمر عن نافع عن بن عمر مثل هذه الزيادة وفيها نظر أوضحته في كتاب المدرج وثبتت الزيادة أيضا في حديث أنيسة الذي تقدمت الإشارة إليه وفيه حجة لمن ذهب إلى أن الوقت الذي يقع فيه الأذان قبل الفجر هو وقت السحور وهو أحد الأوجه في المذهب واختاره السبكي في شرح المنهاج وحكى تصحيحه عن القاضي حسين والمتولي وقطع به البغوي وكلام بن دقيق العيد يشعر به فإنه قال بعد أن حكاء يرجح هذا بان قوله أن بلالا ينادي بليل خبر يتعلق به فائدة للسامعين قطعا وذلك إذا كان وقت الأذان مشتبها محتملا لأن يكون عند طلوع الفجر فبين صلى الله عليه وسلم أن ذلك لا يمنع الأكل والشرب بل الذي يمنعه طلوع الفجر الصادق

[ 88 ]

قال وهذا يدل على تقارب وقت أذان بلال من الفجر انتهى ويقويه أيضا ما تقدم من أن الحكمة في مشروعيته التأهب لادراك الصبح في أول وقتها وصحح النووي في أكثر كتبه أن مبدأه من نصف الليل الثاني وأجاب عن الحديث في شرح مسلم فقال قال العلماء معناه أن بلالا كان يؤذن ويتربص بعد أذانه للدعاء ونحوه فإذا قارب طلوع الفجر نزل فأخبر بن أم مكتوم فيتأهب بالطهارة وغيرها ثم يرقى ويشرع في الأذان مع أول طلوع الفجر وهذا مع وضوح مخالفته لسياق الحديث يحتاج إلى دليل خاص لما صححه حتى يسوغ له التأويل ووراء ذلك أقوال أخرى معروفة في الفقهيات واحتج الطحاوي لعدم مشروعية الأذان قبل الفجر بقوله لما كان بين أذانيهما من القرب ما ذكر في حديث عائشة ثبت أنهما كانا يقصدان وقتا واحد وهو طلوع الفجر فيخطئه بلال ويصيبه بن أم مكتوم وتعقب بأنه لو كان كذلك لما أقره النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا واعتمد عليه ولو كان كما ادعى لكان وقوع ذلك منه نادرا وظاهر حديث بن عمر يدل على أن ذلك كان شأنه وعادته والله أعلم قوله باب كم بين الأذان والإقامة أما باب فهو في روايتنا بلا تنوين وكم استفهامية ومميزها محذوف وتقديره ساعة أو صلاة أو نحو ذلك ولعله أشار بذلك إلى ما روى عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال اجعل بين أذانك وإقامتك قدر ما يفرغ الآكل من أكله والشارب من شربه والمعتصر إذا دخل لقضاء حاجته أخرجه الترمذي والحاكم لكن إسناده ضعيف وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان أخرجهما أبو الشيخ ومن حديث أبي بن كعب أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادات المسند وكلها واهية فكأنه أشار إلى أن التقدير بذلك لم يثبت وقال بن بطال لا حد لذلك غير تمكن دخول الوقت واجتماع المصلين ولم يختلف العلماء في التطوع بين الأذان والإقامة إلا في المغرب كما سيأتي ووقع هنا في رواية نسبت للكشميهنى ومن أنتظر اشتراط وهو خطأ فإن هذا اللفظ ترجمة تلي هذه قوله حدثنا إسحاق الواسطي هو بن شاهين ويحتمل أن يكون هو الذي عناه الدمياطي ونقلناه عنه في الذي مضى لكني رأيته كما نقلته أولا بخط القطب الحلبي وقد روى البخاري عن إسحاق بن وهب العلاف وهو واسطي أيضا لكليست له رواية عن خالد وهو بن عبد الله الطحان والجريري سعيد بن إياس وهو بضم الجيم كما تقدم في المقدمة ووقع مسمى في رواية وهب بن بقية عن خالد عند الاسماعيلي وهي إحدى فوائد المستخرجات وهو معدود فيمن اختلط واتفقوا على أن سماع المتأخرين منه كان بعد اختلاطه وخالد منهم لكن أخرجه الاسماعيلي من رواية يزيد بن زريع وعبد الأعلى وابن علية وهم ممن سمع منه قبل اختلاطه وهي إحدى فوائد المستخرجات أيضا وهو عند مسلم من طريق عبد الأعلى أيضا وقد قال العجلي إنه من أصحهم سماعا من الجريري فإنه سمع منه قبل اختلاطه بثمان سنين ولم ينفرد به مع ذلك الجريري بل تابعه عليه كهمس بن الحسن عن بن بريدة وسيأتي عند المصنف بعد باب وفي رواية يزيد بن زريع من الفوائد أيضا تسمية بن بريدة عبد الله والتصريح بتحديثه للجريري قوله بين كل أذانين أي أذان وإقامة ولا يصح حمله على ظاهرة لأن الصلاة بين الأذانين مفروضة والخبر ناطق بالتخيير لقوله لمن شاء وأجرى المصنف الترجمة مجرى البيان للخبر لجزمه بأن ذلك المراد وتوارد الشراح على أن هذا من باب التغليب كقولهم

[ 89 ]

القمرين الشمس والقمر ويحتمل أن يكون أطلق على اشتراط أذان لأنها إعلام بحضور فعل الصلاة كما أن الأذان إعلام بدخول الوقت ولا مانع من حمل قوله أذانين على ظاهره لأنه يكون التقدير بين كل أذانين صلاة نافلة غير المفروضة قوله صلاة أي وقت صلاة أو المراد صلاة نافلة أو نكرت لكونها تتناول كل عدد نواه المصلي من النافلة كركعتين أو أربع أو أكثر ويحتمل أن يكون المراد به الحث على المبادرة إلى المسجد عند سماع الأذان لانتظار اشتراط لأن منتظر الصلاة في صلاة قاله الزين بن المنير قوله ثلاثا أي قالها ثلاثا وسيأتي بعد باب بلفظ بين كل أذانين صلاة بين كل أذانين صلاة ثم قال في الثالثة لمن شاء وهذا يبين أنه لم يقل لمن شاء إلا في المرة الثالثة بخلاف ما يشعر به ظاهر الرواية الأولى من أنه قيد كل مرة بقوله لمن شاء ولمسلم والاسماعيلي قال في الرابعة لمن شاء وكأن المراد بالرابعة في هذه الرواية المرة الرابعة أي أنه اقتصر فيها على قوله لمن شاء فأطلق عليه بعضهم رابعة باعتبار مطلق القول وبهذا توافق رواية البخاري وقد تقدم في العلم حديث أنس أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثا وكأنه قال بعد الثلاث لمن شاء ليدل على أن التكرار لتأكيد الاستحباب وقال بن الجوزي فائدة هذا الحديث أنه يجوز أن يتوهم أن الأذان الولاء يمنع أن يفعل سوى الصلاة التي أذن لها فبين أن التطوع بين الأذان والإقامة جائز في حديث أنس وقد صح ذلك في اشتراط كما سيأتي ووقع عند أحمد إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا التي أقيمت وهو أخص من الرواية المشهورة إلا المكتوبة قوله في حديث أنس كان المؤذن إذا أذن في رواية الاسماعيلي إذا أخذ المؤذن في أذان المغرب قوله قام ناس في رواية النسائي قام كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذا تقدم للمؤلف في أبواب ستر العورة قوله يبتدرون أي يستبقون والسوارى جمع سارية وكأن غرضهم بالاستباق إليها الاستتار بها ممن يمر بين أيديهم لكونهم يصلون فرادى قوله وهم كذلك أي في تلك الحال وزاد مسلم من طريق عبد العزيز بن صهيب عن أنس فيجئ الغريب فيحسب أن الصلاة قد صليت من كثرة من يصليهما قوله ولم يكن بينهما أي الأذان والإقامة قوله شئ التنوين فيه للتعظيم أي لم يكن بينهما شئ كثير وبهذا يندفع قول من زعم أن الرواية المعلقة معارضة للرواية الموصولة بل هي مبينة لها ونفى الكثير يقتضى إثبات القليل وقد أخرجها الاسماعيلي موصولة من طريق عثمان بن عمر عن شعبة بلفظ وكان بين الأذان والإقامة قريب ولمحمد بن نصر من طريق أبي عامر عن شعبة نحوه وقال بن المنير يجمع بين الكلب بحمل النفي المطلق على المبالغة مجازا والاثبات للقليل على الحقيقة وحمل بعض العلماء حديث الباب على ظاهره فقال دل قوله ولم يكن بينهما شئ على أن عموم قوله بين كل أذانين صلاة مخصوص بغير المغرب فإنهم لم الريح يصلون بينهما بل كانوا يشرعون في الصلاة في أثناء الأذان ويفرغون مع فراغه قال ويؤيد ذلك ما رواه البزار من طريق حيان بن عبيد الله عن عبد الله بن بريده عن أبيه مثل الحديث الأول وزاد في آخره إلا المغرب أه وفي قوله ويفرغون مع فراغه نظر لأنه ليس في الحديث ما يقتضيه ولا يلزم من شروعهم في أثناء الأذان ذلك وأما رواية حيان وهو بفتح المهملة والتحتانية فشاذة لأنه وأن كان صدوقا عند البزار وغيره لكنه خالف الحفاظ من أصحاب عبد الله بن بريدة في إسناد الحديث ومتنه وقد وقع في بعض طرقه عند الاسماعيلي وكان

[ 90 ]

بريدة يصلي ركعتين قبل صلاة المغرب فلو كان الاستثناء محفوظا لم يخالف بريدة روايته وقد نقل بن الجوزي في الموضوعات عن الفلاس أنه كذب حيانا المذكور وقال القرطبي وغيره ظاهر حديث أنس أن الركعتين بعد المغرب وقبل صلاة المغرب كان أمرا أقر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه عليه وعملوا به حتى كانوا يستبقون إليه وهذا يدل على الاستحباب وكأن أصله قوله صلى الله عليه وسلم بين كل أذانين صلاة وأما كونه صلى الله عليه وسلم لم يصلهما فلا ينفى الاستحباب بل يدل على أنهما ليستا من الرواتب وإلى استحبابهما ذهب أحمد وإسحاق وأصحاب الحديث وروى عن بن عمر قال ما رأيت أحدا يصليهما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وعن الخلفاء الأربعة وجماعة من الصحابة أنهم كانوا لا يصلونهما وهو قول مالك والشافعي وادعى بعض المالكية نسخهما فقال إنما كان ذلك في أول الأمر حيث نهى عن الصلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس فبين لهم بذلك وقت الجواز ثم ندب إلى المبادرة إلى المغرب في أول وقتها فلو استمرت المواظبة على الاشتغال بغيرها لكان ذلك ذريعة إلى مخالفة إدراك أول وقتها وتعقب بأن دعوى النسخ لا دليل عليها والمنقول عن بن عمر رواه أبو داود من طريق طاوس عنه ورواية أنس المثبتة مقدمة على نفيه والمنقول عن الخلفاء الأربعة رواه محمد بن نصر وغيره من طريق إبراهيم النخعي عنهم وهو منقطع ولو ثبت لم يكن فيه دليل على النسخ ولا الكراهة وسيأتي في أبواب التطوع أن عقبة بن عامر سئل عن الركعتين قبل المغرب فقال كنا نفعلهما على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قيل له فما يمنعك الآن قال الشغل فلعل غيره أيضا منعه الشغل وقد روى محمد بن نصر وغيره من طرق قوية عن عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص وأبي بن كعب وأبي الدرداء وأبي موسى وغيرهم أنهكانوا يواظبون عليهما وأما قول أبي بكر بن العربي اختلف فيها الصحابة ولم يفعلها أحد بعدهم فمردود بقول محمد بن نصر وقد روينا عن جماعة من الصحابة والتابعين أنهم كانوا يصلون الركعتين قبل المغرب ثم أخرج ذلك بأسانيد متعددة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى وعبد الله بن بريدة ويحي بن عقيل والأعرج وعامر بن عبد الله بن الزبير وعراك بن مالك ومن طريق الحسن البصري أنه سئل عنهما فقال حسنتين والله لمن أراد الله بهما وعن سعيد بن المسيب أنه كان يقول حق على كل مؤمن إذا أذن المؤذن أن يركع ركعتين وعن مالك قول آخر باستحبابهما وعند الشافعية وجه رجحه النووي ومن تبعه وقال في شرح مسلم قول من قال إن فعلهما يؤدي إلى تأخير المغرب عن أول وقتها خيال فاسد منابذ للسنة ومع ذلك فزمنهما زمن يسير لا تتأخر به الصلاة عن أول وقتها قلت ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر قيل والحكمة في الندب إليهما رجاء إجابة الدعاء لأن الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد وكلما كان الوقت أشرف كان ثواب العبادة فيه أكثر واستدل بحديث أنس على امتداد وقت المغرب وليس ذلك بواضح تنبيهان أحدهما مطابقة حديث أنس للترجمة من جهة الإشارة إلى أن الصحابة إذا كانوا يبتدرون إلى الركعتين قبل صلاة المغرب مع قصر وقتها فالمبادرة إلى التنفل قبل غيرها من الصلوات أنكر من باب الأولى ولا يتقيد بركعتين إلا ما ضاهى المغرب في قصر الوقت كالصبح الثاني لم تتصل لنا رواية عثمان بن جبلة وهو بفتح الجيم والموحدة إلى الآن وزعم مغلطاي ومن تبعه أن الاسماعيلي وصلها في مستخرجه

[ 91 ]

وليس كذلك فإن الاسماعيلي إنما أخرجه من طريق عثمان بن عمر وكذلك لم تتصل لنا رواية أبي داود وهو الطيالسي فيما يظهر لي وقيل هو الحفري بفتح المهملة والفاء وقد وقع لنا مقصود روايتهما من طريق عثمان بن عمر وأبي عامر ولله الحمد قوله باب من أنتظر اشتراط موضع الترجمة من الحديث قوله ثم اضطجع على شقة الأيمن حتى يأتيه المؤذن وأوردها مورد الاحتمال تنبيها على اختصاص ذلك بالإمام لأن المأموم مندوب إلى إحراز الصف الأول ويحتمل أن يشارك الإمام في ذلك من كان منزله قريبا من المسجد وقيل يستفاد من حديث الباب أن الذي ورد من الحض على الاستباق إلى المسجد هو لمن كان على مسافة من المسجد وأما من كان يسمع اشتراط من داره فانتظاره الولاء إذا كان متهيئا لها كانتظاره إياها في المسجد وفي مقصود الترجمة أيضا ما أخرجه مسلم من حديث جابر بن سمرة قال كان بلال يؤذن ثم لا يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم قوله إذا سكت المؤذن أي فرغ من الأذان بالسكوت عنه هذا في الروايات المعتمدة بالمثناة الفوقانية وحكى بن التين أنه روى بالموحدة ومعناه صب الأذان وأفرغه في الآذان ومنه أفرغ في أذني كلاما حسنا أه والرواية المذكورة لم تثبت في شئ من الطرق وإنما ذكرها الخطابي من طريق الأوزاعي عن الزهري وقال إن سويد بن نصر راويها عن بن المبارك عنه ضبطها بالموحدة وأفرط الصغاني في العباب فجزم أنها بالموحدة وكذا ضبطها في نسخته التي ذكر أنه قابلها على نسخة الفربري وأن المحدثين يقولونها بالمثناه ثم ادعى أنها تصحيف وليس كما قال قوله بالأولى أي عن الأولى وهي متعلقة بسكت يقال سكت عن كذا إذا تركه والمراد بالأولى الأذان الذي يؤذن به عند دخول الوقت وهو أول باعتبار اشتراط وثان باعتبار الأذان الذي قبل الفجر وجاءه التأنيث إما من قبل مؤاخاته للاقامة أو لأنه أراد المناداة أو الدعوة التامة ويحتمل أن يكون صفه لمحذوف والتقدير إذا سكت عن المرة الأولى أو في المرة الأولى تنبيه أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن سالم أبي النضر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخرج بعد النداء إلى المسجد فإن رأى أهل المسجد قليلا جلس حتى يجتمعوا ثم يصلي وإسناده قوي مع إرساله وليس بينه وبين حديث الباب تعارض لأنه يحمل على غير الصبح أو كان يفعل ذلك بعد أن يأتيه المؤذن ويخرج معه إلى المسجد قوله يستبين بموحدة وآخره نون وفي رواية يستنير بنون وآخره راء وسيأتي الكلام على ركعتي الفجر في أبواب التطوع إن شاء الله تعالى قوله باب بين كل أذانين صلاة تقدم الكلام على فوائده قبل باب وترجم هنا بلفظ الحديث وهناك ببعض ما دل عليه قوله باب من قال ليؤذن في السفر مؤذن واحد كأنه يشير إلى ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح أن بن عمر كان يؤذن للصبح في السفر أذانين وهذا مصير منه إلى التسوية بين الحضر والسفر وظاهر حديث الباب أن الأذان في السفر لا يتكرر لأنه لم يفرق بين الصبح وغيرها والتعليل الماضي في حديث بن مسعود يؤيده وعلى هذا فلا مفهوم لقوله مؤذن واحد في السفر لأن الحضر أيضا لا يؤذن فيه إلا واحد ولو احتيج إلى تعددهم لتباعد أقطار البلد أذن كل واحد في جهة ولا يؤذنون جميعا وقد قيل أن أول من احدث التأذين جميعا بنو أمية وقال الشافعي في الأم وأحب أن يؤذن مؤذن يعد مؤذن ولا

[ 92 ]

يؤذن جماعة معا وأن كان مسجد كبير فلا بأس أن يؤذن في كل جهة منه مؤذن يسمع من يليه في وقت واحد قوله في نفر هم من ثلاثة إلى عشرة قوله من قومي هم بنو ليث بن بكر بن عبد مناف بن كنانة وكان قدوم وفد بني ليث فيما ذكره بن سعد بأسانيد متعدده أن واثلة المؤذن قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتجهز لتبوك قوله رفيقا بفاء ثم قاف من الرفق وفي رواية الأصيلي قيل والكشميهني بقافين أي رقيق القلب قوله وصلوا زاد في رواية إسماعيل بن عليه عن أيوب كما رأيتموني أصلى وهوفي باب رحمة الناس والبهائم من كتاب الأدب ومثله في باب خبر الواحد من رواية عبد الوهاب الثقفي عن أيوب قوله فإذا حصرت الصلاة وجه مطابقته للترجمة مع أن ظاهره يخالفها لقوله فكونوا فيهم وعلموهم فإذا حضرت فظاهره أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم وتعليمهم لكن المصنف أشار إلى الرواية الآتية في الباب الذي بعد هذا فإن فيها إذ أنتما خرجتما فأذنا ولا تعارض بينهما أيضا وبين قوله في هذه الترجمة مؤذن واحد لأن المراد بقوله أذنا أي من أحب منكما أن يؤذن فليؤذن وذلك لاستوائهما في الفضل ولا يعتبر في الأذان السن بخلاف الإمامة وهو واضح من سياق حديث الباب حيث قال فيؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم واستدل بهذا على أفضلية الإمامة على الأذان وعلى وجوب الأذان وقد تقدم القول فيه في أوائل وبيان خطأ من نقل الإجماع على عدم الوجوب وسيأتي بقية الكلام على هذا الحديث في باب إذا استووا في القراءة من أبواب الإمامة إن شاء الله تعالى قوله باب الأذان للمسافرين كذا للكشميهنى وللباقين للمسافر بالافراد وهو للجنس قوله إذا كانوا جماعة هو مقتضى الأحاديث التي أوردها لكن ليس فيها ما يمنع أذان المنفرد وقد روى عبد الرزاق بإسناد صحيح عن بن عمر أنه كان يقول إنما التأذين لجيش أو ركب عليهم أمير فينادى بالصلاة ليجتمعوا لها فأما غيرهم فإنما هي اشتراط وحكى نحو ذلك عن مالك وذهب الأئمة الثلاثة والثوري وغيرهم إلى مشروعية الأذان لكل أحد وقد تقدم حديث أبي سعيد في باب رفع الصوت بالنداء وهو يقتضى استحباب الأذان للمنفرد وبالغ عطاء فقال إذا كنت في سفر فلم تؤذن ولم تقم فأعد الصلاة ولعله كان يرى ذلك شرطا في صحة الصلاة أو يرى استحباب الإعادة لا وجوبها قوله والإقامة بالخفض عطفا على الأذان ولم يختلف في مشروعية اشتراط في كل حال قوله وكذلك بعرفة لعله يشير إلى حديث جابر الطويل في صفة الحج وهو عند مسلم وفيه أن بلالا أذن وأقام لما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين الظهر والعصر يوم عرفة قوله وجمع بفتح الجيم وسكون الميم هي مزدلفة وكأنه أشار بذلك إلى حديث بن مسعود الذي ذكره في كتاب الحج وفيه أنه صلى المغرب باذان وإقامة والعشاء بأذان وإقامة ثم قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة قوله وقول المؤذن هو بالخفض أيضا وقد تقدم الكلام على حديث أبي ذر مستوفى في باب الابراد بالظهر في المواقيت وفيه البيان أن المؤذن هو بلال وأنه أذن وأقام فيطابق هذه الترجمة قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفرياني وبذلك صرح أبو نعيم في المستخرج وسفيان هو الثوري وقد روى البخاري عن محمد بن يوسف أيضا عن سفيان بن عيينة لكنه محمد بن يوسف البيكندي وليست له رواية عن الثوري والفريانى وأن كان يروي أيضا عن بن عيينة لكنه إذا أطلق سفيان فإنما يريد به الثوري وإذا روى عن بن عيينة

[ 93 ]

بينه وقد قدمنا ذلك قوله أتى رجلان هما مالك بن الحويرث راوي الحديث ورفيقه وسيأتي في باب سفر الإثنين من كتاب الجهاد بلفظ انصرفت من عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا المنكر لي ولم أر في شئ من طرقه تسمية صاحبه قول فأذنا قال أبو الحسن بن القصار أراد به الفضل وإلا فاذان الواحد يجزئ وكأنه فهم منه أنه أمرهما أن يؤذنا جميعا كما هو ظاهر اللفظ فإن أراد أنهما يؤذنان معا فليس ذلك بمراد وقد قدمنا النقل عن السلف بخلافه وإن أراد أن كلا منهما يؤذن على حدة ففيه نظر فإن أذان الواحد يكفي الجماعة نعم يستحب لكل أحد إجابة المؤذن فالأولى حمل الأمر على أن أحدهما يؤذن والآخر يجيب وقد تقدم له توجيه آخر في الباب الذي قبله وأن الحامل على صرفه عن ظاهرة قوله فيه فليؤذن لكم أحدكم وللطبراني من طريق حماد بن سلمة عن خالد الحذاء في هذا الحديث إذا كنت مع صاحبك فأذن وأقم وليؤمكما أكبركما واستروح القرطبي فحمل اختلاف ألفاظ الحديث على تعدد القصة وهو بعيد وقال الكرماني قد يطلق الأمر بالتثنية وبالجمع والمراد واحد كقوله يا حرسي اضربا عنقه وقوله قتله بنو تميم مع أن القاتل والضارب واحد قوله ثم أقيما فيه حجة لمن قال باستحباب إجابة المؤذن بالإقامة إن حمل الأمر على ما مضى وإلا فالذي يؤذن هو الذي يقيم تنبيه وقع هنا في رواية أبي الوقت حدثنا محمد بن المئنى حدثنا عبد الوهاب عن أيوب فذكر حديث مالك بن الحويرث مطولا نحو ما مضى في الباب قبله وسيأتي بتمامه في باب خبر الواحد وعلى ذكره هناك اقتصر باقي الرواة قوله حدثنا يحيى هو القطان قوله بضجنان هو بفتح الضاد المعجمة وبالجيم بعدها نون على وزن فعلان غير مصروف قال صاحب الصحاح وغيره هو جبل بناحية مكة وقال أبو موسى في ذيل الغريبين هو موضع أو جبل بين مكة والمدينة وقال صاحب المشارق ومن تبعه هو جبل على بريد من مكة وقال صاحب الفائق بينه وبين مكة خمسة قرة ميلا وبينه وبين وادي مريسعة أميال انتهى وهذا القدر أكثر من بريدين وضبطه بالأميال يدل على مزيد اعتناء المنكر الفائق ممن شاهد تلك الأماكن واعتنى بها خلاف من تقدم ذكره ممن لم يرها أصلا ويؤيده ما حكاه أبو عبيد البكري قال وبين قديد وضجنان يوم قال معبد الهدي قد جعلت ماء قديد موعدى وماء ضجنان لها ضحى الغد قوله وأخبرنا أي بن عمر قوله كان يأمر مؤذنا في رواية مسلم كان يأمر المؤذن قوله ثم يقول على أثره صريح في أن القول المذكور كان بعد فراغ الأذان وقال القرطبي لما ذكر رواية مسلم بلفظ يقول في آخره ندائه يحتمل أن يكون المراد في آخره معي الفراغ منه جمعا بينه وبين حديث بن عباس انتهى وقد قدمنا في باب الكلام في الأذان عن بن خزيمة أنه حمل حديث بن عباس على ظاهره وأن ذلك يقال بدلا من الحيعلة نظرا إلى المعنى لأن معنى حي على الصلاة هلموا إليها ومعنى الصلاة في الرحال تأخروا عن المجئ ولا يناسب إيراد اللفظين معا لأن أحدهما نقيض الآخر أه ويمكن الجمع بينهما ولا يلزم منه ما ذكر بان يكون معنى الصلاة في الرحال رخصة لمن أراد أن يترخص ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لما أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم

[ 94 ]

في سفر فمطرنا فقال ليصل من شاء منكم في رحله قوله في الليلة الباردة أو المطيرة قال الكرماني فعلية بمعنى فاعله وإسناد المطر إليها مجاز ولا يقال أنها بمعنى مفعولة أي ممطور فيها لوجود الهاء في قوله مطيرة إذ لا يصح ممطورة فيها أه ملخصا وقوله أو للتنويع لا للشك وفي صحيح أبي عوانة ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات ريح ودل ذلك على أن كلا من الثلاثة عذر في التأخير عن الجماعة ونقل بن بطال فيه الإجماع لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة صارت لكن في السنن من طريق بن إسحاق عن نافع في هذا الحديث في الليلة المطيرة والغداة القرة وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه أنهم مطروا يوما فرخص لهم ولم أر في شئ من الأحاديث الترخص بعذر الريح في النهار صريحا لكن القياس يقتضى إلحاقه وقد نقله بن الرفعة وجها قوله في السفر ظاهره اختصاص ذلك بالسفر ورواية مالك عن نافع الآتية في أبواب صلاة الجماعة مطلقة وبها أخذ الجمهور لكن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقا ويلحق به من تلحقه بذلك مشقة في الحضر دون من لا تلحقه والله أعلم قوله حدثنا إسحاق وقع في رواية أبي الوقت أنه بن منصور وبذلك جزم خلف في الأطراف وقد تردد الكلاباذى هل هو بن إبراهيم أو بن منصور ورجح الجياني أنه بن منصور واستدل على ذلك بان مسلما أخرج هذا الحديث بهذا الإسناد عن إسحاق بن منصور قوله فآذنه بالصلاة ثم خرج بلال اختصره المصنف وقد أخرجه الاسماعيلي من طرق عن جعفر بن عون فقال بعد قوله بالصلاة فدعا بوضوء فتوضأ فذكر القصة قوله وأقام الصلاة اختصر بقيته وهي عند الاسماعيلي أيضا وهي وركزها بين يديه والظعن يمرون الحديث وقد قدمنا الكلام عليه في باب سترة الإمام سترة لمن خلفه قوله بالأبطح هو موضع معروف خارج مكة وقد بيناه في ذلك الباب وفهم بعضهم أن المراد بالأبطح موضع جمع لذكره لها في الترجمة وليس ذلك مراده بل بين جمع والابطح مسافة طويلة وإنما أورد حديث أبي جحيفة لأنه يدخل في أصل الترجمة وهي مشروعية الأذان والإقامة للمسافرين قوله باب هل يتتبع المؤذن فاه ههنا وههنا هو بياء تحتانية ثم بتاءين مفتوحات ثم بموحدة مشددة من التتبع وفي رواية الأصيلي يتبع بضم أوله وإسكان المثناة وكسر الموحدة من الأتباع والمؤذن بالرفع لأنه فاعل التتبع وفاه منصوب على المفعولية وههنا وههنا ظرفا مكان والمراد بهما جهتا اليمن والشمال كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الكلام على الحديث وقال الكرماني لفظ المؤذن بالنصب وفاعله محذوف تقديره الشخص ونحوه وفاه بالنصب بدل من المؤذن قال ليوافق قوله في الحديث فجعلت أتتبع فاه أه وليس ذلك بلازم لما عرف من طريقة المصنف أنه لا يقف مع اللفظ الذي يورده غالبا بل يترجم له ببعض ألفاظه الواردة فيه وكذا وقع ههنا فإن في رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان عند أبي عوانة في صحيحه فجعل يتتبع بفيه يمينا وشمالا وفي رواية وكيع عن سفيان عند الاسماعيلي رأيت بلالا يؤذن يتتبع بفيه ووصف سفيان يميل برأسه يمينا وشمالا والحاصل أن بلالا كان يتبع بفيه الناحيتين وكان أبو جحيفة ينظر إليه فكل منهما متتبع باعتبار قوله وهل يلتفت في الأذان يشير إلى ما قدمناه في رواية وكيع وفي رواية إسحاق الأزرق عن سفيان عند النسائي فجعل

[ 95 ]

ينحرف يمينا وشمالا وسيأتي في رواية يحيى بن آدم بلفظ والتفت قوله ويذكر عن بلال أنه جعل إصبعية في أذنيه يشير بذلك إلى ما وقع في رواية عبد الرزاق وغيره عن سفيان كما سنوضحه بعد قوله وكان بن عمر الخ أخرجه عبد الرزاق وابن أبي شيبة من طرق نسير وهو بالنون والمهملة مصغر بن ذعلوق بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة وضم اللام عن بن عمر قوله وقال إبراهيم يعني النخعي الخ وصله سعيد بن منصور وابن أبي شيبة عن جرير عن منصور عنه بذلك وزاد ثم يخرج فيتوضأ ثم يرجع فيقيم قوله وقال عطاء الخ وصله عبد الرزاق عن بن جرير قال قال لي عطاء حق وسنة مسنونة أن لا يؤذن المؤذن إلا متوضئا هو من الصلاة هو فاتحة الصلاة ولابن أبي شيبة من وجه آخر عن عطاء أنه كره أن يؤذن الرجل على غير وضوء وقد ورد فيه حديث مرفوع أخرجه الترمذي والبيهقي من حديث أبي هريرة وفي إسناده ضعف قوله وقالت عائشة تقدم الكلام عليه في باب تقضى الحائض المناسك من كتاب الحيض وأن مسلما وصله وفي إيراد البخاري له هنا إشارة إلى اختيار قول النخعي وهو قول مالك والكوفيين لأن الأذان من جملة الأذكار فلا يشترط فيه ما يشترط في الصلاة من الطهارة ولا من استقبال القبلة كما لا يستحب فيه الخشوع الذي ينافيه الالتفات وجعل الإصبع في الأذن وبهذا تعرف مناسبة ذكره لهذه الآثار في هذه الترجمة والأختلاف نظر العلماء فيها أوردها بلفظ الاستفهام ولم يجزم بالحكم قوله حدثنا محمد بن يوسف هو الفريابي وسفيان هو الثوري قوله ههنا ههنا بالأذان كذا أورده مختصرا ورواية وكيع عن سفيان عند مسلم أتم حيث قال فجعلت أتتبع فاه ههنا وههنا يمينا وشمالا يقول حي على الصلاة حي على الفلاح وهذا فيه تقييد للالتفات في الأذان وأن محله عند الحيعلتين وبوب عليه بن خزيمة انحراف المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح بفمه لا ببدنه كله قال وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه ثم ساقه من طريق وكيع أيضا بلفظ فجعل يقول في أذانه هكذا ويحرف رأسه يمينا وشمالا وفي رواية عبد الرزاق عن الثوري في هذا الحديث زيادتان إحداهما الاستدارة والأخرى وضع الإصبع في الأذن ولفظه عند الترمذي رأيت بلالا يؤذن ويدور ويتبع فاه ههنا وههنا وإصبعاه في أذنيه فأما قوله ويدور فهو مدرج في رواية سفيان عن عون بين ذلك يحيى بن آدم عن سفيان عن عون عن أبيه قال رأيت بلالا أذن فأتبع فاه ههنا وههنا والتفت يمينا وشمالا قال سفيان كان حجاج يعني بن أرطاة يذكر لنا عن عون أنه قال فاستدار في أذانه فلما لقينا عونا لم يذكر فيه الاستدارة أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من طريق يحيى بن آدم وكذا أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الوليد العدئى عن سفيان لكن لم يسم حجاجا وهو مشهور عن حجاج أخرجه بن ماجة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم من طريقه ولم ينفرد به بل وافقه إدريس الأودي ومحمد العرزمي عن عون لكن الثلاثة ضعفاء وقد خالفهم من هو مثلهم أو أمثل وهو قيس بن الربيع فرواه عن عون فقال في حديثه ولم يستدر أخرجه أبو داود ويمكن الجمع بأن من أثبت الاستدارة عنى استدارة الرأس ومن نفاها عنى استدارة الجسد كله ومشى بن بطال ومن تبعه على ظاهره فاستدل به على جواز الاستدارة بالبدن كله قال بن دقيق العيد فيه دليل على استدارة المؤذنين للاسماع عند التلفظ كشفاعة واختلف هل يستدير ببدنه كله أو بوجهه

[ 96 ]

فقط وقدماه قارتان مستقبل القبلة واختلف أيضا هل يستدير في الحيعلتين الأوليين مرة وفي الثانيتين مرة أو يقول حي على الصلاة عن يمينه ثم حي على الصلاة عن شماله وكذا في الأخرى قال ورجح الثاني لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما قال والأول أقرب إلى لفظ الحديث وفي المغني عن أحمد لا يدور إلا إن كان على منارة يقصد إسماع أهل الجهتين وأما وضع الإصبعين في الأذنين فقد رواه مؤمل أيضا عن سفيان أخرجه أبو عوانة وله شواهد ذكرتها في تعليق التعليق من أصحها ما رواه أبو داود وابن حبان من طريق أبي سلام الدمشقي أن عبد الله الهوزني حدثه قال قلت لبلال كيف كانت نفقة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وفيه قال بلال فجعلت إصبعى في أذني فأذنت ولابن ماجة والحاكم من حديث سعد القرظ أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل أصبعيه في أذنيه وفي إسناده ضعف قال العلماء في ذلك فائدتان أحدهما أنه قد يكون أرفع لصوته وفيه حديث ضعيف أخرجه أبو الشيخ من طريق سعد القرظ عن بلال ثانيهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من رآه على بعد أو كان به صمم أنه يؤذن ومن ثم قال بعضهم يجعل يده فوق أذنه حسب قال الترمذي استحب أهل العلم أن يدخل المؤذن إصبعه في أذنيه في الأذان قال واستحبه الأوزاعي في اشتراط أيضا تنبيه لم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي أنها المسبحة وإطلاق الإصبع مجاز عن الأنملة تنبيه آخر وقع في المغني للموفق نسبة حديث أبي جحيفة بلفظ أن بلالا أذن ووضع أصبعيه في أذنيه إلى تخريج البخاري ومسلم وهو وهم وساق أبو نعيم في المستخرج حديث الباب من طريق عبد الرحمن بن مهدي وعبد الرزاق عن سفيان بلفظ عبد الرزاق من غير بيان فما أجاد لإبهامه أنهما متوافقتان وقد عرفت ما في رواية عبد الرزاق من الإدراج وسلامة رواية عبد الرحمن من ذلك والله المستعان قوله باب قول الرجل فاتتنا الصلاة أي هل يكره أم لا قوله وكره بن سيرين الخ وصله بن أبي شيبة عن أزهر عن بن عون قال كان محمد يعني بن سيرين يكره فذكره قوله وقول النبي صلى الله عليه وسلم هو بالرفع على الابتداء وأصح خبره وهذا الكلام المصنف رادا على بن سيرين ووجه الرد أن الفاء أطلق لفظ الفوات فدل على الجواز وابن سيرين مع كونه كرهه فإنما كرهه من جهة اللفظ لأنه قال وليقل لم ندرك وهذا محصل معنى الفوات لكن قوله لم ندرك فيه نسبة عدم الإدراك إليه بخلاف فاتتنا فلعل ذلك هو الذي لحظه بن سيرين وقوله أصح معناه صحيح أي بالنسبة إلى قول بن سيرين فإنه غير صحيح لثبوت النص بخلافه وعند أحمد من حديث أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة فقلت يا رسول الله فاتتنا الصلاة ولم ينكر عليه النبي صلى الله عليه وسلم وموقع هذه الترجمة وما بعدها من أبواب الأذان والإقامة أن المرء عند إجابة المؤذن يحتمل أن يدرك الصلاة كلها أو بعضها أو لا يدرك شيئا فاحتيج إلى جواز إطلاق الفوات وكيفية الإتيان بالصلاة وكيفية العمل عند فوات البعض ونحو ذلك قوله شيبان هو بن عبد الرحمن ويحيى هو بن أبي كثير قوله عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه في رواية مسلم من طريق معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير التصريح بأخبار عبد الله له به وباخبار أبي قتادة لعبد الله قوله جلبة الرجال وفي رواية كريمة والأصيلي جلبة رجال بغير ألف ولام وهما للعهد الذهنى وقد

[ 97 ]

سمي منهم أبوه بكرة فيما رواه الطبراني من رواية يونس عن الحسن عنه نحوه في نحو هذه القصة وجلبة بجيم ولام وموحدة مفتوحات أي أصواتهم حال حركتهم واستدل به على أن التفات خاطر المصلي إلى الأمر الحادث لا يفسد صلاته وسنذكر الكلام على المتن في الباب الذي بعده قوله باب لا يسعى إلى الصلاة الخ سقطت هذه الترجمة من رواية الأصيلي ومن رواية أبي ذر عن غير السرخسي وثبوتها أصوب لقوله فيها وقاله أبو قتادة لأن الضمير يعود على ما ذكر في الترجمة ولولا ذلك لعاد الضمير إلى المتن السابق فيكون ذكر أبي قتادة تكرارا بلا فائدة لأنه ساقه عنه قوله وعن الزهري أي بالإسناد الذي قبله وهو آدم عن بن أبي ذئب عنه أي أن بن أبي ذئب حدث به عن الزهري عن شيخين حدثاه به عن أبي هريرة وقد جمعهما المصنف في باب المشي إلى الجمعة عن آدم فقال فيه عن سعيد وأبي سلمة كلاهما عن أبي هريرة وكذلك أخرجه مسلم من طريق إبراهيم بن سعيد عن الزهري عنهما وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الزهري وجزم بأنه عنده عنهما جميعا قال وكان ربما اقتصر على أحدهما وأما الترمذي فإنه أخرجه من طريق يزيد بن زريع عن معمر عن الزهري عن أبي سلمة وحده ومن طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد وحده قال وقول عبد الرزاق أصح ثم أخرجه من طريق بن عيينة عن الزهري كما قال عبد الرزاق وهذا عمل صحيح لو لم يثبت أن الزهري حدث به عنهما وقد أخرجه المصنف في باب المشي إلى الجمعة من طريق شعيب ومسلم من طريق يونس كلاهما عن الزهري عن أبي سلمة وحده فترجح ما قال الدارقطني قوله إذا سمعتم اشتراط هو أخص من قوله في حديث أبي قتادة إذا أتيتم الصلاة لكن الظاهر أنه من مفهوم الموافقة لأن المسرع إذا أقيمت الصلاة يترجى إدراك فضيلة التكبيرة الأولى ونحو ذلك ومع ذلك فقد نهى عن الإسراع فغيره ممن جاء قبل اشتراط لا يحتاج إلى الإسراع لأنه يتحقق إدراك الصلاة كلها فينهى عن الإسراع من باب الأولى وقد لحظ فيه بعضهم معنى غير هذا فقال الحكمة في التقيد بالإقامة أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد انبهر فيقرأ وهو في تلك الحالة فلا يحصل له تمام الخشوع في الترتيل وغيره بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة قد لا تقام فيه حتى يستريح انتهى وقضية هذا أنه لا يكره الإسراع لمن جاء قبل اشتراط وهو مخالف لصريح قوله إذا أتيتم الصلاة لأنه يتناول ما قبل اشتراط وإنما قيد في الحديث الثاني بالإقامه لأن ذلك هو الحامل في الغالب على الإسراع قوله وعليكم بالسكينة كذا في رواية أبي ذر ولغيره وعليكم السكينة بغير باء وكذا في رواية مسلم من طريق يونس وضبطها القرطبي شارحه بالنصب على الإغراء وضبطها النووي بالرفع على أنها جملة في موضع الحال واستشكل بعضهم دخول الباء قال لأنه متعد بنفسه كقوله تعالى عليكم أنفسكم وفيه نظر لثبوت زيادة الباء في الأحاديث الصحيحة كحديث عليكم برخصة الله وحديث فعليه بالصوم فأنه له رجاء وحديث فعليك بالمرأة قاله لأبي طلحة في قصة صفية وحديث عليك بعيبتك قالته عائشة لعمر وحديث عليكم بقيام الليل وحديث عليك بخويصة نفسك وغير ذلك ثم أن الذي علل به هذا المعترض غير موف بمقصوده إذ لا يلزم من كونه يجوز أن يتعدى بنفسه امتناع تعديه بالباء وإذا ثبت ذلك فيدل على أن فيه لغتين والله أعلم فائدة الحكمة في هذا الأمر تستفاد من زيادة وقعت في مسلم من طريق العلاء

[ 98 ]

عن أبيه عن أبي هريرة فذكر نحو حديث الباب وقال في آخره فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة أي أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلى اعتماده واجتناب ما ينبغي للمصلى اجتنابه قوله والوقار قال عياض والقرطبى هو بمعنى السكينة وذكر على سبيل التأكيد وقال النووي الظاهر أن بينهما فرقا وأن السكينة التأني في الحركات واجتناب العبث والوقار في الهيئة كغض البصر وخفض الصوت وعدم الالتفات قوله ولا تسرعوا فيه زيادة تأكيد ويستفاد منه الرد على من أول قوله في حديث أبي قتادة لا تفعلوا أي الاستعجال المفضى إلى عدم الوقار وأما الإسراع الذي لا ينافي الوقار كمن خاف فوت التكبيرة فلا وهذا محكى عن إسحاق بن راهويه وقد تقدمت رواية العلاء التي فيها فهو في صلاة قال النووي نبه بذلك على أنه لو لم يدرك من الصلاة شيئا لكان محصلا لمقصوده لكونه في صلاة وعدم الإسراع أيضا يستلزم كثرة الخطا وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث كحديث جابر عند مسلم أن بكل خطوة درجة ولأبي داود من طريق سعيد بن المسيب عن رجل من الأنصار مرفوعا إذا توضأ أحدكم فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمني إلا كتب الله له حسنة ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط الله عنه سيئة فإن أتى المسجد فصلى في جماعة ورجاله له فإن أتى وقد صلوا بعضا وبقي بعض فصلى ما أدرك وأتم ما بقي كان كذلك وأن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك قوله فما أدركتم فصلوا قال الكرماني الفاء جواب شرط محذوف أي إذا بينت لكم ما هو أولى بكم فما أدركتم فصلوا قلت أو التقدير إذا فعلتم فما أدركتم أي فعلتم الذي أمرتكم به من السكينة وترك الإسرا واستدل بهذا الحديث على حصول فضيلة الجماعة بادراك جزء من الصلاة لقوله فما أدركتم فصلوا ولم يفصل بين القليل والكثير وهذا قول الجمهور وقيل لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة للحديث السابق من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك وقياسا على الجمعة وقد قدمنا الجواب عنه في موضعه وأنه ورد في الأوقات وأن في الجمعة حديثا خاصا بها وأستدل به أيضا على استحباب الدخول مع الإمام في أي حالة وجد عليها وفيه حديث أصرح منه أخرجه بن أبي شيبة من طريق عبد العزيز بن رفيع عن رجل من الأنصار مرفوعا من وجدني راكعا أو قائما أو ساجدا فليكن معي على حالتى التي أنا عليها قوله وما فاتكم فأتموا أي أكملوا هذا هو الصحيح في رواية الزهري ورواه عنه بن عيينة بلفظ فاقضوا وحكم مسلم في التمييز عليه بالوهم في هذه اللفظة من أنه أخرج إسناده في صحيحه لكن لم يسبق يسير وكذا روى أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن همام عن أبي هريرة فقال فاقضوا وأخرجه مسلم عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق بلفظ فأتموا واختلف أيضا في حديث أبي قتادة فرواية الجمهور فأتموا ووقع لمعاوية بن هشام عن سفيان فاقضوا كذا ذكره بن أبي شيبة عنه وأخرج مسلم إسناده في صحيحه عن بن أبي شيبة فلم يسق يسير أيضا وروى أبو داود مثله عن سعيد بن إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال ووقعت في رواية أبي رافع عن أبي هريرة واختلف في حديث أبي ذر قال وكذا قال بن سيرين عن أبي هريرة وليقض قلت ورواية بن سيرين عند مسلم بلفظ صل ما أدركت واقض ما سبقك والحاصل أن أكثر الروايات ورد بلفظ فأتموا وأقلها بلفظ فاقضوا وإنما تظهر فائدة ذلك إذا جعلنا

[ 99 ]

بين الاتمام والقضاء مغايرة لكن إذا كان مخرج الحديث واحدا واختلف في لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى واحد كان أولى وهنا كذلك لأن القضاء وأن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق على الأداء أيضا ويرد بمعنى الفراغ كقوله تعالى فإذا قضيت الصلاة فانتشروا ويرد بمعان أخر فيحمل قوله فاقضوا على معنى الأداء أو الفراغ فلا يغاير قوله فأتموا فلا حجة فيه لمن تمسك برواية فاقضوا على أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته حتى استحب له الجهر في الركعتين الأخيرتين وقراءة السورة وترك القنوت بل هو أولها وإن كان آخر صلاة إمامه لأن الآخر لا يكون إلا عن شئ تقدمه وأوضح دليل على ذلك أنه يجب عليه أن يتشهد في آخر صلاته على كل حال فلو كان ما يدركه مع الإمام أخرا له لما أحتاج إلى إعادة المنكدر وقول بن بطال إنه ما تشهد الا لأجل السلام لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد ليس بالجواب الناهض على دفع الإيراد المذكور واستدل بن المنذر لذلك أيضا على أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الافتتاح لا تكون إلا في الركعة الأولى وقد عمل بمقتضى اللفظين الجمهور فإنهم قالوا إن ما أدرك المأموم هو أول صلاته إلا أنه يقضي مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية لكن لم يستحبوا له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين وكأن الحجة فيه قوله ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن أخرجه البيهقي وعن أسحق والمزنى لا يقرأ إلا أم القرآن فقط وهو القياس واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعا لم تحسب له تلك الركعة للأمر بإتمام ما فاته لأنه فاته الوقوف والقراءة فيه وهو قول أبي هريرة وجماعة بل حكاه البخاري في القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام واختاره بن خزيمة والضبعي وغيرهما من محدثي الشافعية وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين والله أعلم وحجة الجمهور حديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف فقال له النبي صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد ولم يأمر بإعادة تلك الركعة وسيأتي في أثناء صفة الصلاة إن شاء الله تعالى قوله باب متى بقوم الناس إذا رأوا الإمام عند اشتراط قيل أورد الترجمة بلفظ الاستفهام لأن قوله في الحديث لا تقوموا نهى عن القيام وقوله حتى تروني تسويغ للقيام عند الرؤية وهو مطلق غير مقيد بشئ من ألفاظ اشتراط ومن ثم اختلف السلف في ذلك كما سيأتي قوله هشام هو الدستوائي وقد رواه أبو داود عن مسلم بن إبراهيم شيخ البخاري فيه هنا عن أبان العطار عن يحيى فلعله له فيه شيخان قوله كتب إلى يحيى ظاهر في أنه لم يسمعه منه وقد رواه الاسماعيلي من طريق هشيم عن هشام وحجاج الصواف كلاهما عن يحيى وهو من تدليس الصيغ وصرح أبو نعيم في المستخرج من وجه آخر عن هشام أن يحيى كتب إليه أن عبد الله بن أبي قتادة حدثه فأمن بذلك تدليس يحيى قوله إذا أقيمت أي إذا ذكرت ألفاظ اشتراط قوله حتى تروني أي خرجت وصرح به عبد الرزاق وغيره عن معمر عن يحيى أخرجه مسلم ولابن حبان من طريق عبد الرزاق وحده حتى تروني خرجت إليكم وفيه مع ذلك حذف تقديره فقاموا وقال مالك في الموطأ لم أسمع في قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن منهم الثقيل والخفيف وذهب الأكثرون إلى أنهم إذا كان الإمام معهم في المسجد لم يقوموا حتى تفرغ اشتراط وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن قد قامت

[ 100 ]

الصلاة رواه بن المنذر وغيره وكذا رواه سعيد بن منصور من طرق أبي إسحاق عن أصحاب عبد الله وعن سعيد بن المسيب قال إذا قال المؤذن الله أكير وجب القيام وإذا قال حي على الصلاة عدلت الصفوف وإذا قال لا إله إلا الله كبر الإمام وعن أبي حنيفة يقومون إذا قال حي على الفلاح فإذا قال قد قامت الصلاة كبر الإمام وأما إذا لم يكن الإمام في المسجد فذهب الجمهور إلى أنهم لا يقومون حتى يروه وخالف من ذكرنا على التفصيل الذي شرحنا وحديث الباب حجة عليهم وفيه جواز اشتراط والإما في منزله إذا كان يسمعها وتقدم إذنه في ذلك قال القرطبي ظاهر الحديث إن الصلاة كانت تقام قبل أن يخرج النبي صلى الله عليه وسلم من بيته وهو معارض لحديث جابر بن سمرة أن بلالا كان لا يقيم حتى يخرج النى صلى الله عليه وسلم أخرجه مسلم ويجمع بينهما بأن بلالا كان يراقب خروج النبي صلى الله عليه وسلم فأول ما يراه يشرع في اشتراط قبل أن يراه غالب الناس ثم إذا رأوه قاموا فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم قلت ويشهد له ما رواه عبد الرزاق عن بن جريج عن بن شهاب أن الناس كانوا ساعة يقول المؤذن الله أكبر يقومون إلى الصلاة فلا يأتي النبي صلى الله عليه وسلم مقامه حتى تعتدل الصفوف وأما حديث أبي هريرة الآتي قريبا بلفظ أقيمت الصلاة فسوى الناس صفوفهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه في مستخرج أبي نعيم فصف الناس صفوفهم ثم خرج علينا ولفظه عند مسلم أقيمت الصلاة فقمنا فعدلنا الصفوف قبل أن يخرج إلينا النبي صلى الله عليه وسلم فأتى فقام مقامه الحديث وعنه في رواية أبي داود أن الصلاة كانت تقام لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيأخذ الناس مقامهم قبل أن يجئ النبي صلى الله عليه وسلم فيجمع بينه وبين حديث أبي قتادة بأن ذلك ربما وقع لبيان الجواز وبأن صنيعهم في حديث أبي هريرة كأن سبب النهى عن ذلك في حديث أبي قتادة وأنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ‌فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره ولا يرد هذا حديث أنس الآتي أنه قام في مقامه طويلا في حاجة بعض القوم لاحتمال أن يكون ذلك وقع نادرا أو فعله لبيان الجواز قوله باب لا يقوم إلى الصلاة مستعجلا وليقم إليها بالسكينة والوقار كذا في رواية الحموي وفي رواية المستملى باب لا يسعى إلى الصلاة وسقط من رواية الكشميهني وجمعا في رواية الباقين بلفظ باب لا يسعى إلى الصلاة ولا يقوم إليها مستعجلا الخ قوله لا يسعى كأنه يشير بذلك إلى رواية بن سيرين في حديث أبي هريرة عند مسلم ولفظه إذا ثوب بالصلاة فلا يسعى إليها أحدكم وفي رواية أبي سلمة عن أبي هريرة عند المصنف في باب المشي إلى الجمعة من كتاب الجمعة إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون وسيأتي وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى فاسعوا إلى ذكر الله هناك أن شاء الله تعال قوله وعليكم بالسكينة كذا في رواية أبي ذر وكريمة وفي رواية الآصيلى وأبي الوقت وعليكم السكينة بحذف الباء وكذا أخرجه أبو عوانة من طرق عن شيبان قوله تابعه على بن المبارك أي عن يحيى ومتابعته وصلها المؤلف في كتاب الجمعة ولفظه وعليكم السكينة بغير باء أيضا وقال أبو العباس الطرقي تفرد شيبان وعلى بن المبارك عن يحيى بهذه الزيادة وتعقب بأن معاوية بن سلام تابعهما عن يحيى ذكره أبو داود عقب رواية أبان عن يحيى فقال رواه معاوية بن سلام وعلى بن

[ 101 ]

المبارك عن يحيى وقالا فيه حتى تروني وعليكم السكينة قلت وهذه الرواية المعلقة وصلها الاسماعيلي من طريق الوليد بن مسلم عن معاوية بن سلاوشيبان جميعا عن يحيى كما قال أبو داود قوله باب هل يخرج من المسجد لعلة أي لضرورة وكأنه يشير إلى تخصيص ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من طريق أبي الشعثاء عن أبي هريرة أنه رأى رجلا خرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن فقال أما هذا فقد عصى أبا القاسم فإن حديث الباب يدل على أن ذلك مخصوص بمن ليس له ضرورفيلحق بالجنب المحدث والراعف والحاقن ونحوهم وكذا من يكون إماما لمسجد آخر ومن في معناه وقد أخرجه الطبراني في الأوسط من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه فصرح برفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وبالتخصيص ولفظه لا يسمع النداء في المسجد ثم يخرج منه إلا لحاجة ثم لا يرجع إليه إلا منافق قوله خرج وقد أقيمت الصلاة يحتمل أن يكون المعنى خرج في حال اشتراط ويحتمل أن تكون اشتراط تقدمت خروجه وهو ظاهر الرواية التي في الباب الذي بعده لتعقيب اشتراط بالتسوية وتعقيب التسوية بخروجه جميعا بالفاء ويحتمل أن يجمع بين الكلب بان الجملتين وقعتا حالا أي خرج والحال أن الصلاة أقيمت والصفوف عدلت وقال الكرماني لفظ قد تقرب الماضي من الحال وكأنه خرج في حال اشتراط وفي حال التعديل ويحتمل أن الريح إنما شرعوا في ذلك بإذن منه أو قرينة أخذت عليه قلت وتقدم احتمال أن يكون ذلك سببا للنهى فلا يلزم منه مخالفتهم له وقد تقدم الجمع بينه وبين حديث أبي قتادة لا تقوموا حتى تروني قريبا قوله وعدلت الصفوف أي سويت قوله حتى إذا قام في مصلاه زاد مسلم من طريق يونس عن الزهري قبل أن يكبر فانصرف وقد تقدم في باب إذا ذكر في المسجد أنه جنب من أبواب الغسل من وجه آخر عن يونس بلفظ فلما قام في مصلاه ذكر ففيه دليل على أنه انصرف قبل أن يدخل في الصلاة وهو معارض لما رواه أبو داود وابن حبان عن أبي بكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل في صلاة الفجر فكبر ثم أومأ إليهم ولمالك من طريق عطاء بن يسار مرسلا أنه صلى الله عليه وسلم كبر في صلاة من الصلوات ثم أشار بيده أن امكثوا ويمكن الجمع بينهما بحمل قوله كبر على أراد أن يكبر أو بأنهما واقعتان أبداه عياض والقرطبى احتمالا وقال النووي إنه الأظهر وجزم بن حبان كعادته فإن ثبت وإلا فما في الصحيح أصح ودعوى بن بطال أن الشافعي احتج بحديث عطاء على جواز تكبير المأموم قبل تكبير الإمام قال فناقض أصله فاحتج بالمرسل متعقبة بأن الشافعي لا يرد المراسيل مطلقا بل يحتج منها بما يعتضد والأمر هنا كذلك لحديث أبي بكرة الذي ذكرناه قوله انتظرنا جملة حالية وقوله انصرف أي إلى حجرته وهو جواب إذا وقوله قال استئناف أو حال قوله على مكانكم أي كونوا على مكانكم قوله على هيئتنا بفتح الهاء بعدها ياء تحتانية ساكنة ثم همزة مفتوحة ثم مثناة والمراد بذلك أنهم امتثلوا أمره في قوله على مكانكم فاستمروا على الهيئة أي الكيفية التي تركهم عليها وهي قيامهم في صفوفهم المعتدلة وفي رواية الكشميهني على هيئتنا بكسر الهاء وبعد الياء نون مفتوحة والهينة الرفق ورواية الجماعة أوجه قوله ينطف بكسر الطاء وضمها أي يقطر صرح به في الرواية التي بعد هذه قوله وقد اغتسل زاد الدارقطني من وجه آخر عن أبي هريرة فقال

[ 102 ]

أني كنت جنبا فنسيت أن أغتسل وفي هذا الحديث من الفوائد غير ما مضى في كتاب الغسل جواز النسيان على الأنبياء في أمر العبادة لأجل التشريع وفيه طهارة الماء المستعمل وجواز الفصل بين اشتراط والصلاة لأن قوله فصلى ظاهر في أن اشتراط لم تعد والظاهر أنه مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت وعن مالك إذا بعدت اشتراط من الإحرام تعاد وينبغى أن يحمل على ما إذا لم يكن عذروفيه أنه لا حياء في أمر الدين وسبيل من غلب أن يأتي بعذر موهم كأن يمسك بأنفليوهم أنه رعف وفيه جواز انتظار المأمومين مجئ الإمام قياما عند الضرورة وهو غير القيام المنهي عنه في حديث أبي قتادة وأنه لا يجب على من احتلم في المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم كما تقدم في الغسل وجواز الكلام بين اشتراط والصلا وسيأتي في باب مفرد وجواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث فائدة وقع في بعض النسخ هنا قيل لأبي عبد الله أي البخاري إذا وقع هذا لأحدنا يفعل مثل هذا قال نعم قيل فينتظرون الإمام قياما أو قعودا قال إن كان قبل التكبير فلا بأس أن يقعدوا وإن كان بعد التكبير انتظروه قياما ووقع في بعضها في آخر الباب الذي بعده قوله باب إذا قال الإمام مكانكم هذا اللفظ في رواية يونس عن الزهري كما مضى في الغسل بلفظ فقال لنا مكانكم بحذف حرف الجر قوله حتى نرجع بالنون للكشميهنى وبالهمزة للاصيلي وبالتحتانية للباقين قوله حدثنا إسحاق كذا في جميع الروايات غير منسوب وجوز بن طاهر والجيانى أنه إسحاق بن منصور وبه جزم المزي وكنت أجوز أنه بن راهويه لثبوته في مسنده عن الفريابي إلى أن رأيت في سياقه له مغايرة ومحمد بن يوسف هو الفريابي وقد أكثر البخاري عنه بغير واسطة قوله عن الزهري عن أبي سلمة صرح بالتحدث في الموضعين إسحاق بن راهويه في روايته له عن الفريابي ومن طريقه أخرجه أبو نعيم في المستخرج قوله فتقدم وهو جنب أي في نفس الأمر لا أنهم اطلعوا على ذلك منه قبل أن يعلمهم وقد تقدم في الغسل في رواية يونس فلما قام في مصلاه ذكر أنه جنب وفي رواية أبي نعيم ذكر أنه لم يغتسل ومضت فوائده في الباب الذي قبله قوله باب قول الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم ما صلينا قال بن بطال فيه رد لقول إبراهيم النخعي يكره أن يقول الرجل لم نصل ويقول نصلي قلت وكراهة النخعي إنما هي في حق منتظر الصلاة وقد صرح بن بطال بذلك ومنتظر الصلاة في صلاة كما ثبت بالنص فاطلاق المنتظر ما صلينا يقتضى نفى ما أثبت الفاء فلذلك كرهه والإطلاق الذي في حديث الباب إنما كان من ناس لها أو مشتغل عنها بالحرب كما تقدم تقريره في باب من صلى بالناس جماعة بعد خروج الوقت في أبواب المواقيت فافترق حكمهما وتغايرا والذي يظهر لي أن البخاري أراد أن ينبه على أن الكراهة المحكية عن النخعي ليست على إطلاقها لما دل عليه حديث الباب ولو أراد الرد على النخعي مطلقا لأفصح به كما أفصح بالرد على بن سيرين في ترجمة فاتتنا الصلاة ثم إن اللفظ الذي أورده المؤلف وقع النفي فيه من قول النبي صلى الله عليه وسلم لا من قول الرجل لكن في بعض طرقه وقوع ذلك من الرجل أيضا وهو عمر كما أورده في المغازي وهذه عادة معروفة للمؤلف يترجم ببعض ما وقع في طرق الحديث الذي يسوقه ولو لم يقع في الطريق التي يوردها في تلك الترجمة ويدخل في هذا ما في الطبراني من حديث جندب في قصة النوم عن الصلاة فقالوا يا رسول الله سهونا فلم نصل حتى طلعت الشمس وبقية فوائد الحديث تقدمت في المواقيت

[ 103 ]

قوله ما كدت أن أصلى حتى كادت الشمس تغرب وذلك بعد ما أفطر الصائم قال الكرماني مستشكلا كيف يكون المجئ بعد الغروب لأن الصائم إنما يفطر حينئذ مع تصريحه بأنه جاء في اليوم ثم أجاب بأن المراد بقوله يوم الخندق زمان الخندق والمراد به بيان التاريخ لا خصوص الوقت أه والذي يظهر لي أن الإشارة بقوله وذلك بعد ما أفطر الصائم إشارة إلى الوقت الذي خاطب به عمر النبي صلى الله عليه وسلم لا إلى الوقت الذي صلى فيه عمر العصر فإنه كان قرب الغروب كما أخذت عليه كاد وأما إطلاق اليوم وإرادة زمان الوقعة لا خصوص النهار فهو كثير قوله باب الإمام تعرض له الحاجة بعد اشتراط أي هل يباح له التشاغل بها قبل الدخول في الصلاة أو لا وتعرض بكسر الراء أي تظهر قوله عن أنس في رواية لمسلم سمع أنسا والإسناد كله بصريون قوله أقيمت الصلاة أي صلاة العشاء بينه حماد عن ثابت عن أنس عند مسلم قوله يناجي رجلا أي يحادثه ولم أقف على اسم هذا الرجل وذكر بعض الشراح أنه كان كبيرا في قومه فأراد أن يتألفه على الإسلام ولم أقف على مستند ذلك قيل ويحتمل أن يكون ملكا من الملائكة جاء بوحى من الله عز وجل ولا يخفى بعد هذا الاحتمال قوله حتى نام بعض القوم زاد شعبة عن عبد العزيز ثم قام فصلى أخرجه مسلم وهو عند المصنف في الاستئذان ووقع عند إسحاق بن راهويه في مسنده عن بن علية عن عبد العزيز في هذا الحديث حتى نعس بعض القوم وكذا هو عند بن حبان من وجه آخر عن أنس وهو يدل على أن النوم المذكور لم يكن مستغرقا وقد تقدم الكلام على هذه المسألة في باب الوضوء من النوم من كتاب الطهارة وفي الحديث جواز مناجاة الواحد غيره بحضور الجماعة وترجم عليه المؤلف في الاستئذان المريض النجوى وفيه جواز الفصل بين اشتراط والإحرام إذا كان لحاجة أما إذا كان لغير حاجة فهو مكروه واستدل به للرد على من أطلق من الحنفية أن المؤذن إذ قال قد قامت الصلاة وجب على الإمام التكبير قال الزين بن المنير خص المصنف الإمام بالذكر مع أن الحكم عام لأن لفظ الخبر يشعر بأن المناجاة كانت لحاجة النبي صلى الله عليه وسلم لقوله والنبي صلى الله عليه وسلم يناجي رجلا ولو كان لحاجة الرجل لقال أنس ورجل يناجي النبي صلى الله عليه وسلم انتهى وهذا ليس بلازم وفيه غفلة منه عما في صحيح مسلم بلفظ أقيمت الصلاة فقال رجل لي حاجة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يناجيه والذي يظهر لي أن هذا الحكم إنما يتعلق بالإمام لأن المأموم إذا عرضت له الحاجة لا يتقيد به غيره من المأمومين بخلاف الإمام ولما أن كانت مسألة الكلام بين الإحرام والإقامة تشمل المأموم والإمام أطلق المؤلف الترجمة ولم يقيدها بالامام فقال قوله باب الكلام إذا أقيمت الصلاة وأشار بذلك إلى الرد على من كرهه مطلقا قوله حدثنا عياش بن الوليد هو الرقام وعبد الأعلى هو بن عبد الأعلى السامي بالمهملة والإسناد كله بصريون أيضا وقول حميد سألت ثابتا يشعر بأن الاختلاف في حكم المسألة كان قديما ثم إنه ظاهر في كونه أخذه عن أنس بواسطة وقد قال البزار إن عبد الأعلى بن عبد الأعلى تفرد عن حميد بذلك ورواه عامة أصحاب حميد عنه عن أنس بغير واسطة قلت كذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وجماعة عن حميد وكذلك أخرجه بن حبان من طريق هشيم عن حميد لكن لم أقف في شئ من طرقه على تصريح بسماعه له من أنس وهو

[ 104 ]

مدلس فالظاهر أن رواية عبد الأعلى هي المتصلة قوله فحبسه أي منعه من الدخول في الصلاة وزاد هشيم في روايته حتى نعس بعض القوم ويدخل في هذا الباب ما سيأتي في الإمامة من طريق زائدة عن حميد قال حدثنا أنس قال أقيمت الصلاة فأقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه زاد بن حبان قبل أن يكبر فقال أقيموا صفوفكم وتراصوا لكن لما كان هذا يتعلق بمصلحة الصلاة كان الاستدلال بالأول أظهر في جواز الكلام مطلقا والله أعلم خاتمة اشتمل كتاب الأذان وما معه من الأحاديث المرفوعة على سبعة وأربعين حديثا المعلق منها ستة أحاديث المكرر فيه وفيما مضى ثلاثة قرة والخالص أربعة قرة ووافقه مسلم على تخريجها سوى أربعة أحاديث حديث أبي سعيد لا يسمع مدى صوت المؤذن وحديث معاوية وجابر في القول عند سماع الأذان وحديث بلال في جعل أصبعيه في أذنيه وفيه من الآثار عن الصحابة ومن بعدهم ثمانية آثار والله أعلم أبواب صلاة الجماعة والإمامة ولم يفرده البخاري بكتاب فيما رأينا من نسخ كتابه بل أتبع به كتاب الأذان لتعلقه به لكن ترجم عليه أبو نعيم في المستخرج كتاب صلاة الجماعة فلعلها رواية شيخه أبي أحمد الجرجاني قوله باب وجوب صلاة الجماعة هكذا بت الحكم في هذه المسألة وكأذلك لقوة دليلها عنده لكن أطلق الوجوب وهو أعم من كونه وجوب عين أو كفاية إأن الأثر الذي ذكره عن الحسن يشعر بكونه يريد أنه وجوب عين لما عرف من عادته أنه يستعمل الآثار في التراجم لتوضيحها وتكميلها وتعين أحد الاحتمالات في حديث الباب وبهذا يجاب من اعتراض عليه بأن قول الحسن يستدل له لا به ولم ينبه أحد من الشراح على من وصل أثر الحسن وقد وجدته بمعناه وأتم منه وأصرح في كتاب الصيام للحسين بن الحسن المروزي بإسناد صحيح عن الحسن في رجل يصوم يعني تطوعا فتأمره أمه أن يفطر قال فليفطر ولا قضاء عليه وله أجر الصوم وأجر البر قيل فتنهاه أن يصلي العشاء في جماعة قال ليس ذلك لها هذه فريضة وأما حديث الباب فظاهر في كونها فرض عين لأنها لو كانت سنة لم يهدد تاركها بالتحريق ولو كانت فرض كفاية لكانت قائمة بالرسول ومن معه ويحتمل أن يقال التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركى فرض الكفاية كمشروعية قتال تاركى فرض الكفاية وفيه نظرا لأن التحريق الذي قد يفضى إلى القتل أخص من المقاتلة ولان المقاتلة إنما تشرع فيما إذا تمالأ الجميع على الترك وإلى القول بأنها فر ض عين ذهب عطاء والأوزاعي وأحمد وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وبالغ داود ومن تبعه فجعلها شرطا في صحة الصلاة وأشار بن دقيق العيد إلى أنه مبنى على أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها فلما كان الهم المذكور دالا على لازمه وهو الحضور ووجوب الحضور دليلا على لازمه وهو الاشتراط ثبت الاشتراط بهذه الوسيلة إلا أنه لا يتم إلا بتسليم أن ما وجب في العبادة كان شرطا فيها وقد قيل إنه الغالب ولما كان الوجوب قد ينفك عن الشرطية قال أحمد أنها واجبة غير شرط انتهى وظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية وعليه جمهور المتقدمين من أصحابه وقال به كثير من الحنفية والمالكية والمشهور عند الباقين أنها سنة مؤكدة وقد أجابوا عن ظاهر

[ 105 ]

حديث الباب بأجوبة منها ما تقدم ومنها وهو ثانيها ونقله إمام الحرمين عن بن خزيمة والذي نقله عنه النووي الوجوب حسبما قال ببزيزة إن بعضهم استنبط من نفس الحديث عدم الوجوب لكونه صلى الله عليه وسلم هم بالتوجه إلى المتخلفين فلو كانت الجماعة فرض عين ما هم بتركها إذا توجه وتعقببان الواجب يجوز تركه لما هو أوجب منه قلت وليس فيه أيضا دليل على أنه لفعل ذلك لم يتداركها في جماعة آخرين ومنها وهو ثالثها ما قال بن بطال وغيره لو كانت فرضا لقال حين توعد بالإحراق من تخلف عن الجماعة لم تجزئه صلاته لأنه وقت البيان وتعقبه بن دقيق العيد بأن البيان قد يكون بالتنصيص وقد يكون بالدلالة فلما قال صلى الله عليه وسلم لقد هممت الخ دل على وجوب الحضور وهو كاف في البيان ومنها وهو رابعها ما قال الباجي وغيره إن الخبر ورد مورد الزجر وحقيقته غير مراده وإنما المراد المبالغة ويرشد إلى ذلك وعيدهم بالعقوبة التي يعاقب بها الكفار وقد أنعقد الإجماع على منع عقوبة المسلمين بذلك وأجيب بأن المنع وقع بعد نسخ التعذيب بالنار وكان قبل ذلك جائزا بدليل حديث أبي هريرة الآتي في الجهاد الدال على جواز التحريق بالنار ثم على نسخه فحمل التهديد على حقيقته غير ممتنع ومنها وهو خامسها كونه صلى الله عليه وسلم ترك تحريقهم بعد التهديد فلو كان واجبا ما عفا عنهم قال القاضي عياض ومن تبعه ليس في الحديث حجة لأنه عليه السلام هم ولم يفعل زاد النووي ولو كانت فرض عين لما تركهم وتعقبه بن دقيق العيد فقال هذا ضعيف لأنه صلى الله عليه وسلم لايهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله وأما الترك فلا يدل على عدم الوجوب لاحتمال أن الريح انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه على أنه قد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو فيما رواه أحمد من طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة بلفظ لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون الحديث ومنها وهو سادسها أن المراد بالتهديد قوم تركوا الصلاة رأسا لا مجرد الجماعة وهو متعقب بأن في رواية مسلم لا يشهدون الصلاة أي لا يحضرون وفي رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد لا يشهدون العشاء في الجميع أي في الجماعة وفي حديث أسامة بن زيد عند بن ماجة مرفوعا لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم ومنها وهو سابعها أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من التشبه بهم لا لخصوص ترك الجماعة فلا يتم الدليل أشار إليه الزين بن المنير وهو قريب من الوجه الرابع ومنها وهو ثامنها أن الحديث ورد في حق المنافقين فليس التهديد لترك الجماعة بخصوصه فلا يتم الدليل وتعقب باستبعاد الاعتناء بتأديب المنافقين على تركهم الجماعة مع العلم بأنه لا صلاة لهم وبأنه كان معرضا عنهم وعن عقوبتهم مع علمه بطويتهم وقد قال لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه وتعقب بن دقيق العيد هذا التعقب بأنه لا يتم إلا إذا ادعى أن ترك معاقبة المنافقين كان واجبا عليه ولا دليل على ذلك فإذا ثبت أنه كان مخيرا فليس في إعراضه عنهم ما يدل على وجوب ترك عقوبتهم انتهى والذي يظهر لي أن الحديث ورد في المنافقين لقوله في صدر الحديث الآتي بعد أربعة أبواب ليس صلاة أثقل على المنافقين من العشاء والفجر الحديث ولقوله لو يعلم أحدهم الخ لأن هذا الوصف لائق بالمنافقين لا بالمؤمن الكامل لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق

[ 106 ]

الكفر بدليل قوله في رواية عجلان لا يشهدون العشاء في الجميع وقوله في حديث أسامة لا يشهدو الجماعة وأصرح من ذلك قوله في رواية يزيد بن الأصم عن أبي هريرة عند أبي دارد ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لاكفر لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء نبه عليه القرطبي وأيضا فقوله في رواية المقبري لولا ما في البيوت من النساء والذرية يدل على أنهم لم الريح كفارا لأن تحريق بيت الكافر إذا تعين طريقا إلى الغلبة عليه لم يمنع ذلك وجود النساء والذرية في بيته وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق في الحديث نفاق الكفر فلا يدل على عدم الوجوب لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين وقد نهينا عن التشبه بهم وسياق الحديث يدل على الوجوب من جهة المبالغة في ذم من تخلف عنها قال الطيبي خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء جاز لهم التخلف عن الجماعة بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم بل هو من صفات المنافقين ويدل عليه قول بن مسعود لقد رأيتنا وما يتخلف عن الجماعة الا منافق رواه مسلم انتهى كلامه وروى بن أبي شيبة وسعيد بن منصور بإسناد صحيح عن أبي عمير بن أنس حدثني عمومتي من الأنصار قالوا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يشهدهما منافق يعني العشاء والفجر ولا يقال فهذا يدل على ما ذهب إليه صاحب هذا الوجه لانتفاء أن يكون المؤمن قد يتخلف وإنما ورد الوعيد في حق من تخلف لأني أقول بل هذا يقوي ما ظهر لي أولا أن المراد نفاق المعصية لا نفاق الكفر فعلى هذا لذي خرج هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق عليه مجازا لما دل عليه مجموع الأحاديث ومنها وهو تاسعها ما ادعاه بعضهم أن فرضية الجماعة كانت في أول الإسلام لأجل سد باب التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ حكاه عياض ويمكن أن يتقوى بثبوت نسخ الوعيد المذكور في حقهم وهو التحريق بالنار كما سيأتي واضحا في كتاب الجهاد وكذا ثبوت نسخ ما يتضمنه التحريق من جواز العقوبة بالمال ويدل على النسخ الأحاديث الواردة في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة الفذ كما سيأتي بيانه في الباب الذي بعد هذا لأن الأفضلية تقتضي الاشتراك في أصل الفضل ومن السري ذلك الجواز ومنها وهو عاشرها أن المراد بالصلاة الجمعة لا باقي الصلوات ونصره القرطبي وتعقب بالأحاديث المصرحة بالعشاء وفيه يحث لأن الأحاديث اختلفت في تعين الصلاة التي وقع التهديد بسببها هل هي الجمعة أو العشاء والفجر معا فإن لم تكن أحاديث مختلفة ولم يكن بعضها أرجح من بعض وإلا وقف الاستدلال لأنه لا يتم إلا إن تعين كونها غير الجمعة أشار إليه بن دقيق العيد ثم قال فليتأمل الأحاديث الواردة في ذلك انتهى وقد تأملتها فرأيت التعيين ورد في حديث أبي هريرة وابن أم مكتوم وابن مسعود أما حديث أبي هريرة فحديث الباب من رواية الأعرج عنه يومى إلى أنها العشاء لقوله في آخره لشهد العشاء وفي رواية مسلم يعني العشاء ولهما من رواية أبي صالح عنه أيضا الإيماء إلى أنها العشاء والفجر وعينها السراج في رواية له من هذا الوجه العشاء حيث قال في صدر الحديث أخر العشاء ليلة فخرج فوجد الناس قليلا فغضب فذكر الحديث وفي رواية بن حبان من هذا الوجه يعني الصلاتين العشاء والغداة وفي رواية عجلان والمقبري

[ 107 ]

عند أحمد التصريح يتعين العشاء ثم سائر الروايات عن أبي هريرة على الإبهام وقد أورده مسلم من طريق وكيع عن جعفر بن برقان عن يزيد بن الأصم عنه فلم يسق يسير وساقه الترمذي وغيره من هذا الوجه بإبهام الصلاة وكذلك رواه السراج وغيره من طرق عن جعفر وخالفهم معمر عن جعفر فقال الجمعة أخرجه عبد الرزاق عنه والبيهقي من طريقه وأشار إلى ضعفها لشذوذها ويدل على وهمه فيها رواية أبي داود والطبراني في الأوسط من طريق يزيد بن يزيد بن جابر عن يزيد بن الأصم فذكر الحديث قال يزيد قلت ليزيد بن الأصم يا أبا عوف الجمعة عنى أو غيرها قال صمت أذناي أن لم أكن سمعت أبا هريرة يأثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ذكر جمعه ولا غيرها فظهر أن الراجح في حديث أبي هريرة أنها لا تختص بالجمعه وأما حديث بن أم مكتوم فسأذكر قريبا وأنه موافق لأبي هريرة وأما حديث بن مسعود فأخرجه مسلم وفيه الجزم بالجمعة وهو حديث مستقل لأن مخرجه مغاير لحديث أبي هريرة ولا يقدح أحدهما في الآخر فيحمل على أنهما واقعتان كما أشار إليه النووي والمحب الطبري وقد وافق بن أم مكتوم أبا هريرة على ذكر العشاء وذلك فيما أخرجه بن خزيمة وأحمد والحاكم من طريق حصين بن عبد الرحمن عن عبد الله بن شداد عن بن أم مكتوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استقبل الناس في صلاة العشاء فقال لقد هممت أني آتي هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم فقام بن أم مكتوم فقال يا رسول الله قد علمت ما بي وليس لي قائد زاد أحمد وأن بيني وبين المسجد شجرا ونخلا ولا أقدر على قائد كل ساعة قال أتسمع اشتراط قال نعم قال فاحضرها ولم يرخص له ولابن حبان من حديث جابر قال أتسمع الأذان قال نعم قال فأتها ولو حبوا وقد حمله العلماء على أنه كان لا يشق عليه التصرف بالمشى وحده ككثير من العميان واعتمد بن خزيمة وغيره حديث بن مكتوم هذا على فرضية الجماعة في الصلوات كلها ورجحوه بحديث الباب وبالاحاديث الدالة على الرخصة في التخلف عن الجماعة قالوا لأن الرخصة لا تكون إلا عن واجب وفيه نظر ووراء ذلك أمر آخر ألزم له بن دقيق العيد من يتمسك بالظاهر ولا يتقيد بالمعنى وهو أن الحديث ورد في صلاة معينة فيدل على وجوب الجماعة فيها دون غيرها وأشار للإنفصال عنه بالتمسك بدلالة العموم لكن نوزع في كون القول بما ذكر أولا ظاهرية (محضة قال العلامة بن باز حفظه الله ليس هذا بجيد والصواب ما قاله بن (خزيمة وغيره من الموجبين للجماعة في جميع الصلوات وإنما) (يستقيم حمل المطلق على المقيد إذا لم يوجد دليل على التعميم وفي هذه المسألة قد) (قام الدليل على التعميم كحديث من سمع النداء فلم يأت فلا صلاة له إلا من عذر) (وغيره من الأحاديث التي أشار إليها الشارح في هذا الباب وذكر العشاء) (والفجر (هذه الجمل كلها غلط) في بعض الروايات لا يقتضي التخصيص لاحتمال كون المتوعدين لم يتخلفوا إلا عنهما (كما قد بين ذلك في كثير من الروايات ولأن الحكمة في شرعية الجماعة تقتضي) فإن قاعدة حمل المطلق على المقيد تقتضيه ولا يستلزم ذلك ترك أتباع المعنى لأن غير العشاء والفجر مظنة الشغل بالتكسب وغيره أما العصران فظاهر وأما المغرب فلأنها في الغالب وقت الرجوع إلى البيت والأكل ولا سيما للصائم مع ضيق وقتها بخلاف العشاء والفجر فليس للمتخلف عنهما عذر غير الكسل المذموم وفي المحافظة عليهما في الجماعة أيضا انتظام الألفة بين المتجاورين في طرفي النهار وليختموا النهار بالاجتماع على الطاعة ويفتتحوه كذلك وقد وقع في رواية عجلان عن أبي هريرة عند أحمد تخصيص التهديد بمن حول المسجد وسيأتي توجيه كون العشاء والفجر أثقل على المنافقين من غيرهما وقد أطلت في هذا الموضع لارتباط بعض الكلام ببعض واجتمع من الأجوبة لمن لم يقل بالوجوب عشرة أجوبة لا توجد مجموعة في غير هذا الشرح قوله عن الأعرج في رواية السراج من طريق شعيب عن أبي الزناد سمع الأعرج قوله والذي نفسي بيده هو قسم كان النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقسم

[ 108 ]

به والمعنى أن أمر نفوس العباد بيد الله أي بتقديره (هذه كلمات غلط) وتدبيره قال العلامة بن باز حفظه الله وذلك لأنه سبحانه مالكها والمتصرف فيها وفي ذلك من الفوائد مع ما ذكر إثبات اليد لله سبحانه على الوجه الذي يليق به كالقول في سائر الصفات وهو سبحانه منزه عن مشابهة المخلوقات في كل شئ موصوف بصفات دابة اللائق به فتنبه وفيه جواز القسم على الأمر الذي لا شك فيه تنبيها على عظم شأنه وفيه الرد من كره أن يحلف بالله مطلقا قوله لقد هممت اللام جواب القسم والهم العزم وقيل دونه وزاد مسلم في أوله أنه صلى الله عليه وسلم فقد ناسا في بعض الصلوات فقال لقد هممت فأفاد ذكر سبب الحديث قوله بحطب ليحطب كذا للحموى والمستملي بلام التعليل وللكشميهني والباقين فيحطب بالفاء وكذا هو في الموطأ ومعنى يحطب يكسر ليسهل اشتعال النار به ويحتمل أن يكون أطلق عليه ذلك قبل أن يتصف به تجوزا بمعنى أنه سيتصف به قوله ثم أخالف إلى رجال أي آتيهم من خلفهم وقال الجوهري خالف إلى فلان أي أتاه إذا غاب عنه أو المعنى أخالف الفعل الذي أظهرت من إقامة الصلاة وأسير إليهم أو أخالف ظنهم في أني مشغول بالصلاة عن قصدي إليهم أو معنى أخالف أتخلف أي عن الصلاة إلى قصدي المذكورين والتقييد بالرجال يخرج النساء والصبيان قوله فأحرق بالتشديد والمراد به التكثير يقال حرقه إذا بالغ في تحريقه قوله عليهم يشعر بان العقوبة ليست قاصرة على المال بل المراد تحريق المقصودين والبيوت تبعا للقاطنين بها وفي رواية مسلم من طريق أبي صالح فأحرق بيوتا على من فيها قوله والذي نفسي بيده فيه إعادة اليمين للمبالغة في التأكيد قوله عرقا بفتح العين المهملة وسكون الراء بعدها قاف قال الخليل العراق العظم بلا لحم وأن كان عليه لحم فهو عرق وفي المحكم عن الأصمعي العرق بسكون الراء قطعة لحم وقال الأزهري العرق واحد العراق وهي العظام التي يؤخذ منهاهبر اللحم ويبقى عليها لحم رقيق فيكسر ويطبخ ويؤكل ما على العظام من لحم دقيق ويتشمس العظام يقال عرقت اللحم واعترقته وتعرقته إذا أخذت اللحم منه نهشا وفي المحكم جمع العرق على عراق بالضم عزيز وقول الأصمعي هو اللائق هنا قوله أو مرماتين تثنية مرماة بكسر الميم وحكى الفتح قال الخليل هي ما بين ظلفى الشاة وحكاه أبو عبيد وقال لا أدرى ما وجهه ونقله المستملى في روايته في كتاب الأحكام عن الفربري قال قال يونس عن محمد بن سليمان عن البخاري المرماة بكسر الميم مثل مسناة وميضاة ما بين ظلفى الشاة من اللحم قال عياض فالميم على هذا أصلية وقال الأخفش المرماة لعبة كانوا يلعبونها بنصال محدودة يرمونها في كوم من تراب فأيهم أثبتها في الكوم غلب وهي المرماة والمدحاة قلت ويبعد أن تكون هذه مراد الحديث لأجل التثنية وحكى الحربي عن الأصمعي أن المرماة سهم الهدف قال ويؤيده ما حدثني ثم ساق من طريق أبي رافع عن أبي هريرة نحو الحديث بلفظ لو أن أحدهم إذا شهد الصلاة معي كان له عظم من شاة سمينة أو سهمان لفعل وقيل المرماة سهم يتعلم عليه الرمي وهو سهم دقيق مستو غير محدد قال الزين بن المنير ويدل على ذلك التثنية فإنها مشعرة بتكرار الرمي بخلاف السهام المحددة الحربية فإنها لا يتكرر رميها وقال الزمخشري تفسير المرماة بالسهم ليس بوجيه ويدفعه ذكر العرق معه ووجهه بن الأثير بأنه لما ذكر العظم السمين وكان مما يؤكل أتبعه بالسهمين لأنهما مما يلهى به انتهى وإنما وصف العرق بالسمن والمرماة بالحسن ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما وفيه الإشارة إلى ذم المتخلفين عن الصلاة بوصفهم بالحرص على الشئ الحقير من مطعوم أو ملعوب به مع التفريط فيما يحصل رفيع الدرجات ومنازل الكرامة وفي الحديث من الفوائد أيضا تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة وسره أن المفسدة إذا ارتفعت

[ 109 ]

بالأهون من الزجر أكتفى به عن الأعلى من العقوبة نبه عليه بن دقيق العيد وفيه جواز العقوبة بالمال كذا استدل به كثير من القائلين بذلك من المالكية وغيرهم وفيه نظر لما أسلفناه ولاحتمال أن التحريق من باب ما لا يتم الواجب إلا به إذ الظاهر أن الباعث على ذلك أنهم كانوا يختفون في بيوتهم فلا يتوصل إلى عقوبتهم إلا بتحريقها عليهم وفيه جواز أخذ أهل الجرائم على غرة لأنه صلى ا لله عليه وسلم هم بذلك في الوقت الذي عهد منه فيه الاشتغال بالصلاة بالجماعة فأراد أن يبغتهم في الوقت الذي يتحققون أنه لا يطرقهم فيه أحد وفي السياق إشعار بأنه تقدم منه زجرهم عن التخلف بالقول حتى استحقوا التهديد بالفعل وترجم عليه البخاري في كتاب الأشخاص وفي كتاب الأحكام باب إخراج أهل المعاصي والريب من البيوت بعد المعرفة يريد أن من طلب منهم بحق فاختفى أو أمتنع في بيته لددا ومطلا أخرج منه بكل طريق يتوصل إليه بها كما أراد صلى الله عليه وسلم إخراج المتخلفين عن الصلاة بالقاء النار عليهم في بيوتهم واستدل به بن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها ونوزع في ذلك ورواية أبي داود التي فيها أنهم كانوا يصلون في بيوتهم كما قدمناه تعكر عليه نعم يمكن الاستدلال منه بوجه آخر وهو أنهم إذا استحقوا التحريق بترك صفة من صفات الصلاة خارجة عنها سواء قلنا واجبة أو مندوبة كان من تركها أصلا رأسا أحق بذلك لكن لا يلزم من التهديد بالتحريق حصول القتل لا دائما ولا غالبا لأنه يمكن الفرار منه أو الاخماد له بعد حصول المقصود منه من الزجر والارهاب وفي قوله في رواية أبي داود ليست بهم علة دلالة على أن الأعذار تبيح التخلف عن الجماعة ولو قلنا إنها فرض وكذا الجمعة وفيه الرخصة للإمام أو نائبه في ترك الجماعة لأجل إخراج من يستخفى في بيته ويتركها ولا بعد في أن تلحق بذلك الجمعة فقد ذكروا من الاعذار في التخلف عنها خوف فوات الغريم وأصحاب الجرائم في حق الإمام كالغرماء واستدل به على جواز إمامة المفضول مع وجود الفاضل إذا كان في ذلك مصلحة قال بن بزيزة وفيه نظر لأن الفاضل في هذه الصورة يكون غائبا وهذا لا يختلف في جوازه واستدل به بن العربي على جواز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك وتعقب بأنه منسوخ قال العلامة بن باز حفظه الله جزم الشارح بالنسخ ليس بجيد والصواب عدم النسخ لأدلة كثيرة معروفة في محلها منها حديث الباب وإنما المنسوخ التعذيب بالنار فقط والله أعلم كما قيل في العقوبة بالمال والله أعلم قوله باب فضل صلاة الجماعة أشار الزين بن المنير إلى أن ظاهر هذه الترجمة ينافي الترجمة التي قبلها ثم أطال في الجواب عن ذلك ويكفى منه أن كون الشئ واجبا لا ينافي كونه ذا فضيلة ولكن الفضائل تتفاوت فالمراد منها بيان زيادة ثواب الجماعة على صلاة الفذقوله وكان الأسود أي بن يزيد النخعي أحد كبار التابعين وأثره هذا وصله بن أبي شيبة بإسناد صحيح ولفظه إذا فاتته الجماعة في مسجد قومه ومناسبته للترجمة أنه لولا ثبوت فضيلة الجماعة عنده لما ترك فضيلة أول الوقت والمبادرة إلى خلاص الح ذمة وتوجه إلى مسجد آخر كذا أشار إليه بن المنير والذي يظهر لي أن البخاري قصد الإشارة بأثر الأسود وأنس إلى أن الفضل الوارد في أحاديث الباب مقصور على من جمع في المسجد دون من جمع في بيته مثلا كما سيأتي البحث فيه في الكلام على حديث أبي هريرة لأن التجميع لو لم يكن مختصا بالمسجد لجمع الأسود في مكانه ولم ينتقل إلى مسجد آخر لطلب الجماعة ولما جاء أنس إلى مسجد بني رفاعة كما سنبينه قوله وجاء أنس وصله أبو يعلى في مسنده من طريق الجعد أبي عثمان قال مر بنا أنس بن مالك في مسجد بني ثعلبة فذكر نحوه قال وذلك في صلاة الصبح وفيه فأمر رجلا فأذن وأقام ثم

[ 110 ]

صلى بأصحابه وأخرجه بن أبي شيبة من طرق عن الجعد وعند البيهقي من طريق أبي عبد الصمد العمي عن الجعد نحوه وقال مسجد بني رفاعة وقال فجاء أنس في نحو عشرين من فتيانه وهو يؤيد ما قلناه من إرادة التجميع في المسجد قوله صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بالمعجمة أي المنفرد يقال فذ الرجل من أصحابه إذا بقي منفردا وحده وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله بن عمر عن نافع وسياقة أوضح ولفظه صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده قوله بسبع وعشرين درجة قال الترمذي عامة من رواه قالوا خمسا وعشرين إلا بن عمر فإنه قال سبعا وعشرين قلت لم يختلف عليه في ذلك إلا ما وقع عند عبد الرزاق عن عبد الله العمري عن نافع فقال فيه خمس قرة لكن العمري ضعيف ووقع عند أبي عوانة في مستخرجه من طريق أبي أسامة عن عبيد الله بن عمر عن نافع فإنه قال فيه بخمس وعشرين وهي شاذة مخالفة لرواية الحفاظ من أصحاب عبيد الله وأصحاب نافع وإن كان راويها ثقة وأما ما وقع عند مسلم من رواية الضحاك بن عثمان عن نافع بلفظ بضع وعشرين فليست مغايرة لرواية الحفاظ لصدق البضع على السبع وأما غير بن عمر فصح عن أبي سعيد وأبي هريرة كما في هذا الباب وعن بن مسعود عند أحمد وابن خزيمة وعن أبي بن كعب عند بن ماجة والحاكم وعن عائشة وأنس عند السراج وورد أيضا من طرق ضعيفة عن معاذ وصهيب وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت وكلها عند الطبراني واتفق الجميع على خمس وعشرين سوى رواية أبي فقال أربع أو خمس على الشك وسوى رواية لأبي هريرة عند أحمد قال فيها سبع قرة وفي إسنادها شريك القاضي وفي حفظه ضعف وفي رواية لأبي عوانة بضعا وعشرين وليست مغايرة أيضا لصدق البضع على الخمس فرجعت الروايات كلها إلى الخمس والسبع إذ لا أثر للشك واختلف في أيهما أرجح فقيل رواية الخمس لكثرة رواتها وقيل رواية السبع لأن فيها زيادة من عدل حافظ ووقع الاختلاف في موضع آخر من الحديث وهو مميز العدد المذكور ففي الروايات كلها التعبير بقوله درجة أو حذف المميز إلا طرق حديث أبي هريرة ففي بعضها ضعفا وفي بعضها جزءا وفي بعضها درجة وفي بعضها صلاة ووقع هذا الأخير في بعض طرق حديث أنس والظاهر أن ذلك من يطلق الرواة ويحتمل أن يكون ذلك من التفنن في العبارة وأما قول بن الأثير إنما قال درجة ولم يقل جزءا ولا نصيبا ولا حظا ولا نحو ذلك لأنه أراد النصارى من جهة العلو والارتفاع فإن تلك فوق هذه بكذا وكذا درجة لأن الدرجات إلى جهة فوق فكأنه بناه على أن الأصل لفظ درجة وما عدا ذلك من يطلق الرواة لكن نفيه ورود الجز مردود فإنه ثابت وكذلك الضعف وقد جمع بين روايتي الخمس والسبع بوجوه منها أن ذكر القليل لا ينفى الكثير وهذا قول من لا يعتبر مفهوم العدد لكن قد قال به جماعة من أصحاب الشافعي وحكى عن نصه وعلى هذا فقيل وهو الوجه الثاني لعله صلى الله عليه وسلم أخبر بالخمس ثم أعلمه الله بزيادة الفضل فأخبر بالسبع وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه لكن إذا فرعنا على المنع تعين تقدم الخمس على السبع من جهة أن الفضل من الله يقبل الزيادة لا النقص ثالثها أن اختلاف العددين باختلاف مميزهما وعلى هذا فقيل الدرجة أصغر من الجزء وتعقب بان الذي روى عنه الجزء روى عنه الدرجة وقال بعضهم الجزء في الدنيا والدرجة في الآخرة وهو مبنى على التغاير

[ 111 ]

رابعها الفرق بقرب المسجد وبعده خامسها الفرق بحال المصلي كأن يكون أعلم أو أخشع سادسها الفرق بايقاعها في المسجد أو في غيره سابعها الفرق بالمنتظر الولاء وغيره ثامنها الفرق بادراك كلها أو بعضها تاسعها الفرق بكثرة الجماعة وقلتهم عاشرها مختصة بالفجر والعشاء وقيل بالفجر والعصر والخمس بما عدا ذلك حادى عشرها السبع مختصة بالجهرية والخمس بالسرية وهذا الوجه عندي أوجهها لما سأبينه ثم إن الحكمة في هذا العدد الخاص غير محققة المعنى ونقل الطيبي عن التوربشتى ما حاصله إن ذلك لا يدرك بالرأي بل مرجعه إلى علم النبوة التي قصرت علوم الألباء عن إدراك حقيقتها كلها ثم قال ولعل الفائدة هي اجتماع المسلمين مصطفين كصفوف الملائكة والاقتداء بالإمام وإظهار شعائر الإسلام وغير ذلك وكأنه يشير إلى ما قدمته عن غيره وغفل عن مراد من زعم أن هذا الذي ذكره لا يفيد المطلوب لكن أشار الكرماني إلى احتمال أن أصله كون المكتوبات خمسا فأريد المبالغة في تكثيرها فضربت في مثلها فصارت خمسا وعشرين ثم ذكر للسبع مناسبة أيضا من جهة عدد ركعات الفرائض ورواتبها وقال غيره الحسنة بعشر للمصلى منفردا فإذا انضم إليه آخر بلغت عشرين ثم زيد بقدر عدد الصلوات الخمس أو يزاد عدد أيام الأسبوع ولا يخفى فساد هذا وقيل الاعداد عشرات ومئين وألوف وخير الأمور الوسط فاعتبرت المائة والعدد المذكور ربعها وهذا أشد فسادا من الذي قبله وقرأت بخط شيخنا البلقيني فيما كتب على العمدة ظهر لي في هذين العددين شئ لم أسبق إليه لأن لفظ بن عمر صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ ومعناه الصلاة في الجماعة كما وقع في حديث أبي هريرة صلاة الرجل في الجماعة وعلى هذا فكل واحد من المحكوم له بذلك صلى في جماعة وأدنى الاعداد التي يتحقق فيها ذلك ثلاث حتى يكون كل واحد صلى في جماعة وكل واحد منهم أتى بحسنة وهي بعشرة فيحصل من مجموعه ثلاثون فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة قرة دون الثلاثة التي هي أصل ذلك انتهى وظهر لي في الجمع بين العددين أن أقل الجماعة إمام ومأموم فلولا الإمام ما سمي المأموم مأموم وكذا عكسه فإذا تفضل الله على من صلى جماعة بزيادة خمس وعشرين درجة حمل الخبر الوارد بلفظها على الفضل الزائد والخبر الوارد بلفظ سبع وعشرين على الأصلى والفضل وقد خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة قال بن الجوزي وما جاءوا بطائل وقال المحب الطبري ذكر بعضهم أن في حديث أبي هريرة يعني ثالث أحاديث الباب إشارة إلى بعض ذلك ويضاف إليه أمور أخرى وردت في ذلك وقد فصلها بن بطال وتبعه جماعة من الشارحيه وتعقب الزين بن المنير بعض ما ذكره واختار تفصيلا آخر أورده وقد نقحت ما وقفت عليه من ذلك وحذفت ما لا يختص بصلاة الجماعة فأولها إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة والتكبير إليها في أول الوقت والمشى إلى المسجد بالسكينة ودخول المسجد داعيا وصلاة التحية عند دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة سادسها انتظار الجماعة سابعها صلاة الملائكة عليه واستغفارهم له ثامنها شهادتهم له تاسعها إجابة اشتراط عاشرها السلامة من الشيطان حين يفر عند اشتراط حادى عاشرها الوقوف منتظرا إحرام الإمام أو الدخول معه في أي هيئة وجده عليها ثاني عشرها إدراك تكبير الإحرام كذلك ثالث عشرها تسوية الصفوف وسد فرجها رابع عشرها

[ 112 ]

جواب الإمام عند قوله سمع الله لمن حمده خامس عشرها الأمن من السهو غالبا وتنبيه الإمام إذا سها بالتسبيح أو الفتح عليه سادس عشرها حصول الخشوع والسلامة عما يلهى غالبا سابع عشرها تحسين الهيئة غالبا ثامن عشرها احتفاف الملائكة به تاسع عشرها التدرب على تجويد القراءة وتعلم الأركان والأبعاض العشرون إظهار شعائر الإسلام الحادي والعشرون إرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة والتعاون على الطاعة ونشاط المتكاسل الثاني والعشرون السلامة من صفة النفاق ومن إساءة غيره الظن بأنه ترك الصلاة رأسا الثالث والعشرون رد السلام على الإمام الرابع والعشرون الانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر وعود بركة الكامل على الناقص الخامس والعشرون قيام نظام الألفة بين الجيران وحصول تعاهدهم في أوقات الصلوات فهذه خمس قرة خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب يخصه وبقي منها أمران يختصان بالجهرية وهما الانصات عند قراءة الإمام والاستماع لها والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة وبهذا يترجح أن السبع تختص بالجهرية والله أعلم تنبيهات الأول مقتضى الخصال التي ذكرتها اختصاص التضعيف بالتجمع في المسجد وهو الراجح في نظرى كما سيأتي البحث فيه وعلى تقدير أن لا يختص بالمسجد فإنما يسقط مما ذكرته ثلاثة أشياء وهي المشي والدخول والتحية فيمكن أن تعوض من بعض ما ذكر مما يشتمل على خصلتين متقاربتين أقيمتا مقام خصلة واحدة كالاخيرتين لأن منفعة الاجتماع على الدعاء والذكر غير منفعة عود بركة الكامل على الناقص وكذا فائدة قيام نظام الألفة غير فائدة حصول التعاهد وكذا فائدة أمن المأمومين من السهو غالبا غير تنبيه الإمام إذا سها فهذه ثلاثة يمكن أن يعوض بها الثلاثة المذكورة فيحصل المطلوب الثاني لا يرد على الخصال التي ذكرتها كون بعض الخصال يختص ببعض من صلى جماعة دون بعض كالتبكير في أول الوقت وانتظار الجماعة وانتظار إحرام الإمام ونحو ذلك لأن أجر ذلك يحصل لقاصده بمجرد النية ولو لم يقع كما سبق والله أعلم الثالث معنى الدرجة أو الجزء حصول مقدار صلاة المنفرد بالعدد المذكور للمجمع وقد أشار بن دقيق العيد إلى أن بعضهم زعم خلاف ذلك قال والأول أظهر لأنه قد ورد مبينا في بعض الروايات انتهى وكأنه يشير إلى ما عند مسلم في بعض طرقه بلفظ صلاة الجماعة تعدل خمسا وعشرين من صلاة الفذ وفي أخرى صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده ولأحمد من حديث بن مسعود بإسناد رجاله ثقات نحوه وقال في آخره كلها مثل صلاته وهو مقتضى لفظ رواية أبي هريرة الآتية حيث قال تضعف لأن الضعف كما قال الأزهري المثل إلى ما زاد ليس بمقصور على المثلين تقول هذا ضعف الشئ أي مثله أو مثلاه فصاعدا لكن لا يزاد على العشرة وظاهر قوله تضعف وكذا قوله في روايتي بن عمر وأبي سعيد تفضل أي تزيد وقوله في رواية أبي هريرة السابقة في باب مساجد السوق يريد أن صلاة الجماعة تساوى صلاة المنفرد وتزيد عليها العدد المذكور فيكون لمصلى الجماعة ثواب ست أو ثمان وعشرين من صلاة المنفرد قوله عن عبد الله بن خباب بمعجمة وموحدتين الأولى مثقلة وهو أنصاري مدني ويوافقه في اسمه واسم أبيه عبد الله بن خباب بن الأرت لكن ليست له في الصحيحين رواية قوله بخمس وعشرين في رواية الأصيلي خمسا وعشرين زاد بن حبان وأبو داود من وجه آخر عن أبي سعيد

[ 113 ]

فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت خمسين صلاة وكأن السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق المسافر لوجود المشقة بل حكى النووي أنه لا يجري فيه الخلاف في وجوبها لكن فيه نظر فإنه خلاف نص الشافعي وحكى أبو داود عن عبد الواحد قال في هذا الحديث أن صلاة الرجل في الفلاة تضاعف على صلاته في الجماعة انتهى وكأنه أخذه من إطلاق قوله فإن صلاها لتناوله الجماعة والانفراد لكن حمله على الجماعة أولى وهو الذي يظهر من السياق ويلزم على ما قال النووي أن ثواب المندوب يزيد على ثواب الواجب عند من يقول بوجوب الجماعة وقد استشكله القرافي على أصل الحديث بناء على القول بأنها سنة ثم أورد عليه أن النصارى المذكور مرتب على صلاة الفرد وصفته من صلاة الجماعة فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب وأجاب بأنه تفرض المسألة فيمن صلى وحده ثم أعاد في جماعة فإن ثواب الفرض يحصل له بصلاته وحده والتضعيف يحصل بصلاته في الجماعة فبقي الاشكال على حاله وفيه نظر لأن التضعيف لم يحصل بسبب الإعادة وإنما حصل بسبب الجماعة إذ لو أعاد منفردا لم يحصل له إلا صلاة واحدة فلا يلزم منه زيادة ثواب المندوب على الواجب ومما ورد من الزيادة على العدد المذكور ما أخرجه بن أبي شيبة من طريق عكرمة عن بن عباس موقوفا عليه قال فضل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد خمس قرة درجة قال فإن كانوا أكثر من ذلك فعلى عدد من في المسجد فقال رجل وإن كانوا عشرة آلاف قال نعم وهذا له حكم الرفع لأنه لا يقال بالرأي لكنه غير ثابت تنبيه سقط حديث أبي سعيد من هذا الباب في رواية كريمة وثبت للباقين وأورده الاسماعيلي قبل حديث عمر قوله في حديث أبي هريرة صلاة الرجل في الجماعة في رواية الحموي والكشميهني في جماعة بالتنكير قوله خمسة وعشرين ضعفا كذا في الروايات التي وقفنا عليها وحكى الكرماني وغيره أن فيه خمسا وعشرين درجة بتأويل الضعف بالدرجة أو الصلاة قوله في بيته وفي سوقه مقتضاه أن الصلاة في المسجد جماعة تزيد على الصلاة في البيت وفي السوق جماعة وفرادى قاله بدقيق العيد قال والذي يظهر أن المراد بمقابل الجماعة في المسجد الصلاة في غيره منفردا لكنه خرج مخرج الغالب في أن من لم يحضر الجماعة في المسجد صلى منفردا قال وبهذا يرتفع الاشكال عمن استشكل تسوية الصلاة في البيت والسوق انتهى ولا يلزم من حمل الحديث على ظاهره التسوية المذكورة إذ لا يلزم من استوائهما في المفضولية عن المسجد أن لا يكون أحدهما أفضل من الآخر وكذا لا يلزم منه أن كون الصلاة جماعة في البيت أو السوق لا فضل فيها على الصلاة منفردا بل الظاهر أن التضعيف المذكور مختص بالجماعة في المسجد والصلاة في البيت مطلقا أولى منها في السوق لما ورد من كون الأسواق موضع الشياطين والصلاة جماعة في البيت وفي السوق أولى من الانفراد وقد جاء عن بعض الصحابة قصر التضعيف إلى خمس وعشرين على التجميع وفي المسجد العام مع تقرير الفضل في غيره وروى سعيد بن منصور بإسناد حسن عن أوس المعافري أنه قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أرأيت من توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى في بيته قال حسن جميل قال فإن صلى في مسجد عشيرته قال خمس عشرة صلاة قال فإن مشى إلى مسجد جماعة فصلى فيه قال خمس قرة انتهى وأخرج حميد بن زنجويه في كتاب الترغيب نحوه من حديث واثلة وخص الخمس والعشرون بمسجد القبائل قال وصلاته في المسجد الذي يجمع فيه أي الجمعة بخمسمائه

[ 114 ]

وسنده ضعيف قوله وذلك أنه إذا توضأ ظاهر في أن الأمور المذكورة علة للتضعيف المذكور إذ التقدير وذلك لأنه فكأنت يقول التضعيف المذكور سببه كيت وكيت وإذا كان كذلك فما رتب على موضوعات متعددة لا يوجد بوجود بعضها إلا إذا دل الدليل على الغاء ما ليس معتبرا أو ليس مقصودا لذاته وهذه الزيادة التي في حديث أبي هريرة معقولة المعنى فالأخذ بها متوجه والروايات المطلقة لا تنافيها بل يحمل مطلقها على هذه المقيدة والذين قالوا بوجوب الجماعة على الكفاية ذهب كثير منهم إلى أن الحرج لا يسقط بأقامة الجماعة في البيوت وكذا روى عن أحمد في فرض العين ووجهوه بان أصل المشروعية إنما كان في جماعة المساجد وهو وصف معتبر لا ينبغي إلغاؤه فيختص به المسجد ويلحق به ما في معناه مما يحصل به إظهار الشعار قوله لا يخرجه إلا الصلاة أي قصد الصلاة في جماعة واللام فيها للعهد لما بيناه قوله لم يخط بفتح أوله وضم الطاو قوله خطوة ضبطناه بضم أوله ويجوز الفتح قال الجوهري الخطوة بالضم ما بين القدمين وبالفتح المرة الواحدة وجزم اليعمري أنها هنا بالفتح وقال القرطبي إنها في روايات مسلم بالضم والله أعلم قوله فإذا صلى قال بن أبي جمرة أي صلى صلاة تامة لأنه صلى الله عليه وسلم قال للمسئ صلاته ارجع فصل فإنك لم تصل قوله في مصلاه أي في المكان الذي أوقع فيه الصلاة من المسجد وكأنه خرج مخرج الغالب وإلا فلو قام إلى بقعة أخرى من المسجد مستمرا على نية انتظار الصلاة كان كذلك قوله اللهم ارحمه أي قائلين ذلك زاد بن ماجة اللهم تب عليه وفي الطريق الماضية في باب مسجد السوق اللهم اغفر له واستدل به على أفضلية الصلاة على غيرها من الأعمال لما ذكر من صلاة الملائكة عليه ودعائهم له بالرحمة والمغفرة والتوبة وعلى تفضيل صالحي الناس على الملائكة لأنهم يكونون في تحصيل الدرجات بعبادتهم والملائكة مشغولون بالاستغفار والدعاء لهم واستدل بأحاديث الباب على أن الجماعة ليست شرطا لصحة الصلاة لأن قوله على صلاته وحده يقتضى صحة صلاته منفردا لاقتضاء صيغة أفعل الاشتراك في أصل التفاضل فإن ذلك يقتضى وجود فضيلة في صلاة المنفرد وما لا يصح لا فضيلة فيه قال القرطبي وغيره ولا يقال إن لفظة أفعل قد ترد لاثبات صفة الفضل في إحدى الجهتين كقوله تعالى وأحسن مقيلا لأنا نقول إنما يقع ذلك على قلة حيث ترد صيغة أفعل مطلقة غر مقيدة بعدد معين فإذا قلنا هذا العدد أزيد من هذا بكذا فلا بدمن وجود أصل العدد ولا يقال يحمل المنفرد على المعذور لأن قوله صلاة الفذ صيغة عموم فيشمل من صلى منفردا بعذر وبغير عذر فحمله على المعذور يحتاج إلى دليل وأيضا ففضل الجماعة حاصل للمعذور لما سيأتي في هذا الكتاب من حديث أبي موسى مرفوعا إذا مرض العبد أو سافر كتب له ما كان يعمل صحيحا مقيما وأشار بن عبد البر إلى أن بعضهم حمله على صلاة النافلة ثم رده بحديث أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة واستدل بها على تساوى الجماعات في الفضل سواء كثرت الجماعة أم قلت لأن الحديث دل على فضيلة الجماعة على المنفرد بغير واسطة فيدخل فيه كل جماعة كذا قال بعض المالكية وقواه بما روى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن إبراهيم النخعي قال إذا صلى الرجل مع الرجل فهما جماعة لهم التضعيف خمسا وعشرين انتهى وهو مسلم في أصل الحصول لكنه لا ينفى مزيد الفضل لما كان أكثر لا سيما مع وجود النص المصرح به وهو ما رواه أحمد وأصحاب السنن وصححه بن خزيمة وغيره من حديث أبي بن كعب مرفوعا صلاة

[ 115 ]

الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله وله شاهد قوي في الطبراني من حديث قباث بن أشيم وهو بفتح القاف والموحدة وبعد الألف مثلثة وأبوه بالمعجمة بعدها تحتانية بوزن أحمر ويترتب على الخلاف المذكور أن من قال بالتفاوت استحب إعادة الجماعة مطلقا لتحصيل الأكثرية ولم يستحب ذلك الآخرون ومنهم من فصل فقا تعاد مع الأعلم أو الأورع أو في البقعة الفاضلة ووافق مالك على الأخير لكن قصره على المساجد الثلاثة والمشهور عنه بالمسجدين المكي والمدنى وكما أن الجماعة تتفاوت في الفضل بالقلة والكثرة وغير ذلك مما ذكر كذلك يفوق بعضها بعضا ولذلك عقب المصنف الترجمة المطلقة في فضل الجماعة بالترجمة المقيدة بصلاة الفجر واستح دل بها على أن أقل الجمح اعة إمام ومأموم وسيأتي الكلام عليه في باب مفرد قريبا إن شاء الله تعالى قوله باب فضل صلاة الفجر في جماعة هذه الترجمة أخص من التي قبلها ومناسبة حديث أبي هريرة لها من قوله وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر فإنه يدل على مزية لصلاة الفجر على غيرها وزعم بن بطال أن في قوله وتجتمع إشارة إلى أن الدرجتين الزائدتين على خمس وعشرين تؤخذ من ذلك ولهذا عقبه برواية بن عمر التي فيها بسبع وعشرين وقد تقدم الكلام على الاجتماع المذكور في باب فضل صلاة العصر من المواقيت قوله بخمس وعشرين جزءا كذا في النسخ التي وقفت عليها ونقل الزركشي في نكتة أنه وقع في الصحيحين خمس بحذف الموحدة من أوله والهاء من آخره قال وخفض خمس على تقدير الباء كقول الشاعر أشارت كليب بالاكف الأصابع أي إلى كليب وأما حذف الهاء فعلى تأويل الجزء بالدرجة انتهى وقد أورده المؤلف في التفسير من طريق معمر عن الزهري بلفظ فضل صلاة الجميع على صلاة الواحد خمس قرة درجه قوله قال شعيب وحدثني نافع أي بالحديث مرفوعا نحوه إلا أنه قال بسبع وعشرين درجة وهو موافق لرواية مالك وغيره عن نافع كما تقدم وطريق شعيب هذه موصولة وجوز الكرماني أن تكون معلقة وهو بعيد بل هي معطوفة على الإسناد الأول والتقدير حدثنا أبو وابنه قال شعيب ونظائر هذا في الكتاب كثيرة ولكن لم أر طريق شعيب هذه إلا عند المصنف ولم يستخرجها الاسماعيلي ولا أبو نعيم ولا أوردها الطبراني في مسند الشاميين في ترجمة شعيب قوله سمعت سالما هو بن أبي الجعد وأم الدرداء هي الصغرى التابعية لا الكبرى الصحابية لأن الكبرى ماتت في حياة أبي الدرداء وعاشت الصغرى بعده زمانا طويلا وقد جزم أبو حاتم بأن سالم بن أبي الجعد لم يدرك أبا الدرداء فعلى هذا لم يدرك أم الدرداء الكبرى وفسرها الكرماني هنا بصفات الكبرى وهو خطأ لقول سالم سمعت أم الدرداء وقد تقدم في المقدمة أن اسم الصغرى هجيمة والكبرى خيرة قوله من أمة محمد كذا في رواية أبي ذر وكريمة وللباقين من محمد بحذف المضاف وعليه شرح بن بطال ومن تبعه فقال يريد من شريعة محمد شيئا لم يتغير عما كان عليه إلا الصلاة في جماعة فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه انتهى ووقع في رواية أبي الوقت من أمر محمد بفتح الهمزة وسكون الميم بعدها راء وكذا ساقه القدرة في جمعه وكذا هو في مسند أحمد ومستخرجي الاسماعيلي وأبي نعيم من طرق عن الأعمش وعندهم ما أعرف فيهم أي في أهل البلد الذي كان فيه وكأن لفظ فيهم لما حذف من رواية البخاري صحف

[ 116 ]

بعض النقلة أمر بامة ليعود الضمير في أنهم على الأمة قوله يصلون جميعا أي مجتمعين وحذف المفعول وتقديره الصلاة أو الصلوات ومراد أبي الدرداء أن أعمال المذكورين حصل في جميعها النقص والتغيير إلا التجميع في الصلاة وهو أمر نسبي لأن حال الناس في زمن النبوة كان أتم مما صار إليه بعدها ثم كان في زمن الشيخين أتم مما صار إليه بعدهما وكأن ذلك صدر من أبي الدرداء في أواخر عمره وكان ذلك في أواخر خلافة عثمان فيا ليت شعري إذا كان ذلك العصر الفاضل بالصفة المذكورة عند أبي الدرداء فكيف بمن جاء بعدهم من الطبقات إلى هذا الزمان وفي هذا الحديث جواز الغضب عند تغير شئ من أمور الدين وإنكار المنكر بإظهار الغضب إذا لم يستطع أكثر منه والقسم على الخبر لتأكيده في نفس السامع قوله أبعدهم فأبعدهم ممشى أي إلى المسجد وسيأتي الكلام على ذلك بعد باب واحد قوله مع الإمام زاد مسلم في جماعة وبين أنها رواية أبي كريب وهو محمد بن العلاء الذي أخرجه البخاري عنه قوله من الذي يصلي ثم ينام أي سواء صلى وحده أو في جماعة ويستفاد منه أن الجماعة تتفاوت كما تقدم تكميل استشكل إيراد حديث أبي موسى في هذا الباب لأنه ليس فيه لصلاة الفجر ذكر بل آخره يشعر بأنه في العشاء ووجهه بن المنير وغيره بأنه دل على أن السبب في زيادة الأجر وجود المشقة بالمشى إلى الصلاة وإذا كان كذلك فالمشي إلى صلاة الفجر في جماعة أشق من غيرها لأنها وإن شاركتها العشاء في المشي في الظلمة فإنها تزيد عليها بمفارقة النوم المشتهى طبعا ولم أر أحدا من الشراح نبه على مناسبة حديث أبي الدرداء للترجمة إلا الزين بن المنير فإنه قال الخطبة صلاة الفجر في قوله يصلون جميعا وهي أخص بذلك من باقي الصلوات وذكر بن رشيد نحوه وزاد أن استشهاد أبي هريرة في الحديث الأول بقوله تعالى إن قرآن الفجر كان مشهودا يشير إلى أن الاهتمام بها آكد وأقول تفنن المصنف بإيراد الأحاديث الثلاثة في الباب إذ تؤخذ المناسبة من حديث أبي هريرة بطريق الخصوص ومن حديث أبي الدرداء بطريق العموم ومن حديث أبي موسى بطريق الاستنباط ويمكن أن يقال لفظ الترجمة يحتمل أن يراد به فضل الفجر على غيرها من الصلوات وأن يراد به ثبوت الفضل لها في الجملة فحديث أبي هريرة شاهد للأول وحديث أبي الدرداء شاهد للثاني وحديث أبي موسى شاهد لهما والله أعلم قوله باب فضل التهجير إلى الظهر كذا للأكثر وعليه شرح بن التين وغيره وفي بعضها إلى الصلاة وعليه شرح بن بطال وقد تقدم الكلام عليه في باب الاستهام في الأذان قوله بينما رجل في هذا المتن ثلاثة أحاديث قصة الذي نحى غصن الشوك والشهداء والترغيب في النداء وغيره مما ذكر والمقصود منه ذكر التهجير وقد تقدم الحديث الثالث مفردا في باب الاستهام عن عبد الله بن يوسف عن مالك ويأتي الثاني في الجهاد عنه أيضا والأول في المظالم كذلك وتكلمنا على شرحه هناك وكأن قتيبة حدث به عن مالك هكذا مجموعا فلم يتصرف فيه المصنف كعادته في الاختصار وتكلف الزين بن المنير إبداء مناسبة للأول من جهة أنه دال على أن الطاعة وإن قلت فلا ينبغي أن تترك واعترف بعدم مناسبة الثاني قوله فأخذه في رواية الكشميهني فأخره قوله فشكر الله له أي رضي بفعله وقبل منه وفيه فضل إماطة الأذى عن الطريق وقد تقدم في كتاب الإيمان أنها أدنى شعب الإيمان قوله الشهداء خمس كذا لابي ذر عن الحموي وللباقين خمسة وهو الأصل

[ 117 ]

في المذكر وجاز الأول لأن المميز غير مذكور وسيأتي الكلام على مباحثه في كتاب الجهاد إن شاء الله تعالى قوله باب احتساب الآثار أي إلى الصلاة وكأنه لم يقيدها لتشمل كل مشى إلى كل طاعة قوله حدثنا عبد الوهاب هو الثقفي قوله يا بني سلمة بكسر اللام وهم بطن كبير من الأنصار ثم من الخزرج وقد غفل القزاز وتبعه الجوهري حيث قال ليس في العرب سلمة بكسر اللام غير هذا القبيل فإن الأئمة الذين صنفوا في المؤتلف والمختلف ذكروا عددا من الأسماء كذلك لكن يحتمل أن يكون أراد بقيد القبيلة أو البطن فله بعض اتجاه قوله ألا تحتسبون كذا في النسخ التي وقفنا عليها بإثبات النون وشرحه الكرماني بحذفها ووجهه بان النحاة أجازوا ذلك يعني تخفيفا قال والمعنى ألا تعدون خطاكم عند مشيكم إلى المسجد فإن لكل خطوة ثوابا أه والاحتساب وأن كان أصله العد لكنه يستعمل غالبا في معنى طلب تحصيل النصارى بنية خالصة قوله وحدثنا بن أبي مريم كذا لأبي ذر وحده وفي رواية الباقين وقال بن أبي مريم وذكره صاحب الأطراف بلفظ وزاد بن أبي مريم وقال أبو نعيم في المستخرج ذكره البخاري بلا رواية يعنى معلقا وهذا هو الصواب وله نظائر في الكتاب في رواية يحيى بن أيوب لأنه ليس على شرطه في الأصول قوله عن أنس كذا لأبي ذر وحده أيضا وللباقين حدثنا أنس وكذا ذكره أبو نعيم أيضا وكذا سمعناه في الأول من فوائد المخلص من طريق أحمد بن منصور عن بن أبي مريم ولفظه سمعت أنسا وهذا هو السر في إيراد طريق يحيى بن أيوب عقب طريق عبد الوهاب ليبين الأمن من تدليس حميد وقد تقدم نظيره في باب وقت العشاء وقد أخرجه في الحج من طريق مروان ها عن حميد وساق المتن كاملا قوله فينزلوا قريبا يعني لأن ديارهم كانت بعيدة من المسجد وقد صرح بذلك في رواية مسلم من طريق أبي الزبير قال سمعت جابر بن عبد الله يقول كانت ديارنا بعيدة من المسجد فأردنا أن نبتاع بيوتا فنقرب من المسجد فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال إن لكم بكل خطوة درجة وللسراج من طريق أبي نضرة عن جابر أرادوا أن يقربوا من أجل الصلاة ولابن مردويه من طريق أخرى عن أبي نضرة عنه قال كانت منازلنا بسلع ولا يعارض هذا ما سيأتي في الاستسقاء من حديث أنس وما بيننا وبين سلع من دار لاحتمال أن تكون ديارهم كانت من وراء سلع وبين سلع والمسجد قدر ميل قوله أن يعروا المدينة في رواية الكشميهني أن يعروا منازلهم وهو بضم أوله وسكون العين المهملة وضم الراء أي يتركونها خالية يقال أعراه إذا أخلاه والعراء الأرض الخالية وقيل الواسعة وقيل المكان الذي لا يستتر فيه بشئ ونبه بهذه الكراهة على السبب في منعهم من القرب من المسجد لتبقى جهات المدينة عامرة بساكنها واستفادوا بذلك كثرة الأجر لكثرة الخطا في المشي إلى المسجد وزاد في رواية ها التي في الحج فأقاموا ومثله في رواية المخلص التي ذكرناها وللترمذي من حديث أبي سعيد فلم ينتقلوا ولمسلم من طريق أبي نضرة عن جابر فقالوا ما يسرنا أنا كنا تحولنا قوله وقال مجاهد خطاهم آثارهم والمشى في الأرض بارجلهم كذا لأبي ذر وللباقين وقال مجاهد ونكتب ما قدموا وآثارهم قال خطاهم وهكذا وصله عبد بن حميد من طريق بن أبي نجيح عنه قال في قوله تعالى ونكتب ما قدموا قال أعمالهم وفي قوله وآثارهم قال خطاهم وأشار البخاري بهذا التعليق إلى أن قصة بني سلمة كانت

[ 118 ]

سبب نزول هذه الآية وقد ورد مصرحا به من طريق سماك عن عكرمة عن بن عباس أخرجه بن ماجة وغيره وإسناده قوي وفي الحديث أن أعمال البر إذا كانت خالصة تكتب آثارها حسنات وفيه استحباب السكنى بقرب المسجد إلا لمن حصلت به منفعة أخرى أو أراد تكثير الأجر بكثرة المشي ما لم يحمل على نفسه ووجهه أنهم طلبوا السكنى بقرب المسجد للفضل الذي علموه منه فما أنكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بل رجح درء المفسدة باخلائهم جوانب المدينة على المصلحة المذكورة وأعلمهم بان لهم في التردد إلى المسجد من الفضل ما يقوم مقام السكنى بقرب المسجد أو يزيد عليه واختلف فيمن كانت داره قريبة من المسجد فقارب الخطا بحيث تساوى خطا من داره بعيدة هل يساويه في الفضل أو لا وإلى المساواة جنح الطبري وروى بن أبي شييبة من طريق أنس قال مشيت مع زيد بن ثابت إلى المسجد فقارب بين الخطا وقال أردت أن تكثر خطانا إلى المسجد وهذا لا يلزم منه المساواة في الفضل وأن دل على أن في كثرة الخطا فضيلة لأن ثواب الخطا الشاقة ليس كثواب الخطا السهلة وهو ظاهر حديث أبي موسى الماضي قبل باب حيث جعل أبعدهم ممشى أعظمهم أجرا واستنبط منه بعضهم استحباب قصد المسجد البعيد ولو كان بجنبه مسجد قريب وإنما يتم ذلك إذا لم يلزم من ذهابه إلى البعيد هجر القريب وإلا فاحياؤه بذكر الله أولى وكذا إذا كان في البعيد مانع من دابة كأن يكون إمامه مبتدعا قوله باب فضل صلاة العشاء في الجماعة أورد فيه الحديث الدال على فضل العشاء والفجر فيحتمل أن يكون مراد الترجمة إثبات فضل العشاء في الجملة أو إثبات أفضليتها على غيرها والظاهر الثاني ووجهه أن الفجر ثبتت أفضليتها كما تقدم وسوى في هذا بينها وبين العشاء ومساوى الأفضل يكون أفضل جزما قوله ليس أثقل كذا للأكثر بحذف الاسم وبينه الكشميهني في رواية أبي ذر وكريمة عنه فقال ليس صلاة أثقل ودل هذا على أن الصلاة كلها ثقيلة على المنافقين ومنه قوله تعالى ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى وإنما كانت العشاء والفجر أثقل عليهم من غيرهما لقوة الداعي إلى تركهما لأن العشاء وقت السكون والراحة والصبح وقت لذة النوم وقيل وجهه كون المؤمنين يفوزون بما ترتب عليهما من الفضل لقيامهم بحقهما دون المنافقين قوله ولو يعلمون ما فيهما أي من مزيد الفضل لأتوهما أي الصلاتين والمراد لأتوا إلى المحل الذي يصليان فيه جماعة وهو المسجد قوله ولو حبوا أي يزحفون إذا منعهم مانع من المشي كما يزحف الصغير ولابن أبي شيبة من حديث أبي الدرداء ولو حبوا على المرافق والركب وقد تقدم الكلام على باقي الحديث في باب وجوب صلاة الجماعة قوله في آخره على من لا يخرج إلى الصلاة بعد كذا للأكثر بلفظ بعد ضد قبل وهي مبنية على الضم ومعناه بعد أن يسمع النداء إليها أو بعد أن يبلغه التهديد المذكور وللكشميهني بدلها يقدر أي لا يخرج وهو يقدر على المجئ ويؤيده ما قدمناه من رواية لأبي داود وليست بهم علة ووقع عند الداودي الشارح هنا لا لعذر وهي أوضح من غيرها لكن لم نقف عليها في شئ من الروايات عند غيره قوله باب اثنان فما فوقهما جماعة هذه الترجمة لفظ حديث ورد من طرق ضعيفة منها في بن ماجة من حديث أبي موسى الأشعري وفي معجم البغوي من حديث الحكم بن عمير وفي أفراد الدارقطني من حديث عبد الله بن عمرو وفي البيهقي من حديث أنس وفي الأوسط للطبراني من حديث أبي أمامة وعند أحمد من حديث أبي

[ 119 ]

أمامة أيضا أنه صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه فقام رجل فصلى معه فقال هذان جماعة والقصة المذكورة دون قوله هذان جماعة أخرجها أبو داود والترمذي من وجه آخر صحيح قوله إذا حضرت الصلاة تقدم من هذا الوجه في باب الأذان للمسافر وأوله أتى رجلان النبي صلى الله عليه وسلم يريدان السفر فقال لهما فذكره وقد اعترض على الترجمة بأنه ليس في حديث مالك بن الحويرث تسمية صلاة الإثنين جماعة والجواب أن ذلك مأخوذ بالاستنباط من السري الأمر بالإمامة لأنه لو استوت صلاتهما معا مع صلاتهما منفردين لاكتفى بأمرهما بالصلاة كأن يقول أذنا وأقيما وصليا واعترض أيضا على أصل الاستدلال بهذا الحديث بأن مالك بن الحويرث كان مع جماعة من أصحابه فلعل الاقتصار على التثنية من يطلق الرواة والجواب أنهما قضيتان كما تقدم واستدل به على أن أقل الجماعة إمام ومأموم أعم من أن يكون المأموم رجلا أو صبيا أو امرأة وتكلم بن بطال هنا على مسألة أقل الجمع والاختلاف فيها ورده الزين بن المنير بأنه يلزم من قوله الاثنان جماعة أن يكون أقل الجمع اثنين وهو واضح قوله باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة أي ليصليها جماعة قوله تصلي على أحدكم أي تستغفر له قيل عبر بتصلى ليتناسب الجزاء والعمل قوله ما دام في مصلاه أي ينتظر الصلاة كما صرح به في الطهارة من وجه آخر قوله لا يزال أحدكم الخ هذا القدر أفرده مالك في الموطأ عما قبله وأكثر الرواة ضموه إلى الأول فجعلوه حديثا واحدا ابن حجر في ذلك قوله في صلاة أي في ثواب صلاة لا في حكمها لأنه يحل له الكلام وغيره مما منع في الصلاة قوله ما دامت في رواية الكشميهني ما كانت وهو عكس ما مضى في الطهارة قوله لا يمنعه يقتضى أنه إذا صرف نيته عن ذلك صارف آخر انقطع عنه النصارى المذكور وكذلك إذا شارك نية الانتظار أمر آخر وهل يحصل ذلك لمن نيته إيقاع الصلاة في المسجد ولو لم يكن فيه الظاهر خلافه لأنه رتب النصارى المذكور على المجموع من النية وشغل البقعة بالعبادة لكن للمذكور ثواب يخصه ولعل هذا هو السر في إيراد المصنف الحديث الذي يليه وفيه ورجل قلبه معلق في المساجد وقد تقدم الكلام في الطهارة على معنى قوله ما لم يحدث وفيه زيادة على ما هنا وأن المراد بالحدث حدث الفرج لكن يؤخذ منه أن اجتناب حدث اليد واللسان من باب الأولى لأن الأذى منهما يكون أشد أشار إلى ذلك بن بطال وقد تقدم الكلام على باقي فوائده في باب فضل صلاة الجماعة ويؤخذ من قوله في مصلاه الذي صلى فيه أن ذلك مقيد بمن صلى ثم انتطر صلاة أخرى وبتقييد الصلاة الأولى بكونها مجزئة أما لو كان فيها نقص فإنها تجبر بالنافلة كما ثبت في الخبر الآخر قوله اللهم أغفر له اللهم ارحمه هو مطابق لقوله تعالى والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض قيل السر فيه أنهم يطلعون على أفعال بني آدم وما فيها من المعصية والخلل في الطاعة فيقتصرون على الاستغفار لهم من ذلك لأن دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة ولو فرض أن فيهم من تحفظ من ذلك فإنه يعوض من المغفرة بما يقابلها من النصارى قوله حدثنا يحيى هو القطان وعبيد الله هو بن عمر العمري وخبيب بضم المعجمة وهو خال عبيد الله الراوي عنه وحفص بن عاصم هو بن عمر بن الخطاب وهو جد عبيد الله المذكور لأبيه قوله عن أبى هريرة لم تختلف الرواة عن عبيد الله في ذلك ورواه مالك في الموطأ عن خبيب

[ 120 ]

فقال عن أبي سعيد أو أبي هريرة على الشك ورواه أبو قرة عن مالك بواو العطف فجعله عنهما وتابعه مصعب الزبيري وشذا في ذلك عن أصحاب مالك والظاهر أن عبيد الله حفظه لكونه لم يشك فيه ولكونه من رواية خاله وجده والله أعلم قوله سبعة ظاهره اختصاص المذكورين بالثواب المذكور ووجهه الكرماني بما محصله أن الطاعة إما أن تكون بين العبد وبين الرب أو بينه وبين الخلق فالأولى باللسان وهو الذكر أو بالقلب وهو المعلق بالمسجد أو بالبدن وهو الناشئ في العبادة والثاني عام وهو العادل أو خاص بالقلب وهو التحاب أو بالمال وهو الصدقة أو بالبدن وهو العفة وقد نظم السبعة العلامة أبو شامة عبد الرحمن بن إسماعيل فيما أنشدناه أبو إسحاق التنوخي إذنا عن أبي الهدى أحمد بن أبي شامة عن أبيه سماعا من يسير قال وقال النبي المصطفى إن سبعة * يظلهم الله الكريم بظله محب عفيف ناشئ متصدق * وباك مصل والإمام بعدله ووقع في صحيح مسلم من حديث أبي اليسر مرفوعا من أنظر معسرا أو وضع له أظله الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله وهاتان الخصلتان غير السبعة الماضية فدل على أن العدد المذكور لا مفهوم له وقد ألقيت هذه المسألة على العالم شمس الدين بن عطاء الرازي المعروف بالهروي لما قدم القاهرة وادعى أنه يحفظ صحيح مسلم فسألته بحضرة الملك المؤيد عن هذا وعن غيره فما استحضر في ذلك شيئا ثم تتبعت بعد ذلك الأحاديث الواردة في مثل ذلك فزادت على عشر خصال وقد انتقيت منها سبعة وردت بأسانيد جياد ونظمتها في بيتين تذييلا على بيتي أبي شامة وهما وزد سبعة إظلال غاز وعونه * وإنظار ذي عسر وتخفيف حمله وإرفاد ذي غرم وعون مكاتب * وتاجر صدق في المقال وفعله فأما إظلال الغازي فرواه بن حبان وغيره من حديث عمر وأما عون المجاهد فرواه أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف وأما انظار المعسر والوضيعة عنه ففي صحيح مسلم كما ذكرنا وأما إرفاد الغارم وعون المكاتب فرواهما أحمد والحاكم من حديث سهل بن حنيف المذكور وأما التاجر الصدوق فرواه البغوي في شرح السنة من حديث سلمان وأبو القاسم التيمي من حديث أنس والله أعلم ونظمته مرة أخرى فقلت في السبعة الثانية وتحسين خلق مع إعانة غارم * خفيف يد حتى مكاتب أهله وحديث تحسين الخلق أخرجه الطبراني من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ونظمتها في بيتين آخرين وهما وزد سبعة حزن ومشى لمسجد وكره وضوء ثم مطعم فضله وآخذ حق باذل ثم كافل وتاجر صدق في المقال وفعله ثم تتبعت ذلك فجمعت سبعة أخرى ولكن أحاديثها ضعيفة وقلت في آخر البيت تربع به السبعات من فيض فضله وقد أوردت الجميع في الامالى وقد أفردته في جزء سميته معرفة الخصال الموصلة إلى الظلال قوله في ظله قال عياض إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه كذا قال وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال

[ 121 ]

فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض وقيل المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه فذكر الحديث وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهو أرجح وبه جزم القرطبي ويؤيده أيضا تقييد ذلك بيوم القيامة كما صرح به بن المبارك في روايته عن عبيد الله بن عمر وهو عند المصنف في كتاب الحدود وبهذا يندفع قول من قال المراد ظل طوبى أو ظل الجنة لأن ظلهما إنما يحصل لهم بعد الاستقرار في الجنة ثم أن ذلك مشترك لجميع من يدخلها والسياق يدل على امتياز أصحاب الخصال المذكورة فيرجح أن المراد ظل العرش وروى الترمذي وحسنه من حديث أبي سعيد مرفوعا أحب الناس إلى الله يوم القيامة وأقربهم منه مجلسا إمام عادل قوله الإمام العادل اسم فاعل من العدل وذكر بن عبد البر أن بعض الرواة عن مالك رواه بلفظ العدل قال وهو أبلغ لأنه جعل المسمى نفسه عدلا والمراد به به صاحب الولاية العظمى ويلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل فيه ويؤيده رواية مسلم من حديث عبد الله بن عمرو رفعه أن المقسطين عند الله منابر من نور عن يمين الرحمن الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا وأحسن ما فسر به العادل أنه الذي يتبع أمر الله بوضع كل شئ في موضعه من غير إفراط ولا تفريط وقدمه في الذكر لعموم النفع به قوله وشاب خص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما فيه من قوة الباعث على متابعة الهوى فإن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى قوله في عبادة ربه في رواية الإمام أحمد عن يحيى القطان بعبادة الله وهي رواية مسلم وهما بمعنى زاد حماد بن زيد عن عبيد الله بن عمر حتى توفي على ذلك أخرجه الجوزقي وفي حديث سلمان أفنى شبابة ونشاطه في عبادة الله قوله معلق في المساجد هكذا في الصحيحين وظاهره أنه من التعليق كأنه شبهه بالشئ المعلق في المسجد كالقنديل مثلا إشارة إلى المريض الملازمة بقلبه وأن كان جسده خارجا عنه ويدل عليه رواية الجوزقي كأنما قلبه معلق في المسجد ويحتمل أن يكون من العلاقة وهي شدة الحب ويدل عليه رواية أحمد معلق بالمساجد وكذا رواية سلمان من حبها وزاد الحموي والمستملي متعلق بزيادة مثناة بعد الميم وكسر اللام زاد سلمان من حبها وزاد مالك إذا خرج منه حتى يعود إليه وهذه الخصلة هي المقصودة من هذا الحديث للترجمة ومناسبتها للركن الثاني من الترجمة وهو فضل المساجد ظاهرة وللأول من جهة ما دل عليه من الملازمة للمسجد واستمرار الكون فيه بالقلب وأن عرض للجسد عارض قوله تحابا بتشديد الباء وأصله تحاببا أي اشتركا في جنس المحبة وأحب كل منهما الآخر حقيقة لا إظهارا فقط ووقع في رواية حماد بن زيد ورجلان قال كل منهما للآخر إني أحبك في الله فصدرا على ذلك ونحوه في حديث سلمان قوله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه في رواية الكشميهني اجتمعا عليه وهي رواية مسلم أي على الحب المذكور والمراد أنهما داما على المحبة الدينية ولم يقطعاها بعارض دنيوى سواء اجتمعا حقيقة أم لا حتى فرق بينهما الموت ووقع في الجمع للحميدي اجتمعا على خير ولم أر ذلك في شئ من نسخ الصحيحين ولا غيرهما من المستخرجات وهي عندي تحريف تنبيه عدت هذه الخصلة واحدة مع أن متعاطيها اثنان لأن المحبة لا تتم إلا باثنين أو لما كان المتحابان بمعنى واحد كان

[ 122 ]

عد أحدهما مغنيا عن عد الآخر لأن الغرض عد الخصال لا عد جميع من اتصف بها قوله ورجل طلبته ذات منصب بين المحذوف أحمد في روايته عن يحيى القطان فقال دعته امرأة وكذا في رواية كريمة ولمسلم وهو للمصنف في الحدود عن بن المبارك والمراد بالمنصب الأصل أو الشرف وفي رواية مالك دعته ذات حسب وهو يطلق على الأصل وعلى المال أيضا وقد وصفها باكمل الأوصاف التي جرت العادة بمزيد الرغبة لمن تحصل فيه وهو المنصب الذي يستلزمه الجاه والمال مع الجمال وقل من يجتمع ذلك فيها من النساء زاد بن المبارك إلى نفسها وللبيهقي في الشعب من طريق أبي صالح عن أبى هريرة فعرضت نفسها عليه والظاهر أنها دعته إلى الفاحشة وبه جزم القرطبي ولم يحك غيره وقال بعضهم يحتمل أن تكون دعته إلى التزوج بها فخاف أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله بالعبادة عن التكسب بما يليق بها والأول أظهر ويؤيده وجود الكناية في قوله إلى نفسها ولو كان المراد التزويج لصرح به والصبر عن الموصوفة بما ذكر من أكمل المراتب لكثرة الرغبة في مثلها وعسل تحصيلها لا سيما وقد أغنت من مشاق التوصل إليها بمراودة ونحوها قوله فقال إني أخاف الله زاد في رواية كريمة رب العالمين والظاهر أنه يقول ذلك بلسانه إما ليزجرها عن الفاحشة أو ليعتذر إليها ويحتمل أن يقوله بقلبه قال عياض قال القرطبي إنما يصدر عن شدة خوف من الله تعالى ومتين تقوى وحياء قوله تصدق أخفى بلفظ الماضي قال الكرماني هو جملة حالية بتقدير قد ووقع في رواية أحمد تصدق فأخفى وكذا للمصنف في الزكاة عن مسدد عن يحيى تصدق بصدقة فأخفاها ومثله لمالك في الموطأ فالظاهر أن راوي الأولى حذف العاطف ووقع في رواية الأصيلي تصدق إخفاء بكسر الهمزة ممدودا على أنه الحدود أو نعت لمصدر محذوف ويحتمل أن يكون حالا من الفاعل أي مخفيا وقوله بصدقة نكرها ليشمل كل ما يتصدق به من قليل وكثير وظاهره أيضا يشمل المندوبة والمفروضة لكن نقل النووي عن العلماء أن إظهار المفروضة أولى من إخفائها قوله حتى لا تعلم بضم الميم وفتحها قوله شماله ما تنفق يمينه هكذا وقع في معظم الروايات في هذا الحديث في البخاري وغيره ووقع في صحيح مسلم مقلوبا حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله وهو نوع من يجري علوم الحديث أغفله بن الصلاح وإن كان أفرد نوع المقلوب لكنه قصره على ما يقع في الإسناد ونبه عليه شيخنا في محاسن الاصطلاح ومثل له بحديث أن بن أم مكتوم يؤذن بليل وقد قدمنا الكلام عليه في كتاب الأذان وقال شيخنا ينبغي أن يسمى هذا النوع المعكوس انتهى والأولى تسميته مقلوبا فيكون المقلوب تارة في الإسناد وتارة في المتن كما قالوه في المدرج سواء وقد سماه بعض من تقدم مقلوبا قال عياض هكذا في جميع النسخ التي وصلت إلينا من صحيح مسلم وهو مقلوب أو الصواب الأول وهو وجه الكلام لأن السنة المعهودة في الصدقة إعطاؤها باليمين وقد ترجم عليه البخاري في الزكاة باب الصدقة باليمين قال ويشبه أن يكون الوهم فيه ممن دون مسلم بدليل قوله في رواية مالك لما أوردها عقب رواية عبد الله بن عمر فقال بمثل حديث عبيد الله فلو كانت بينهما مخالفة لبينها كما نبه على الزيادة في قوله ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه انتهى وليس الوهم فيه ممن دون مسلم ولا منه بل هو من شيخه أو من شيخ شيخه يحيى القطان فإن مسلما أخرجه عن زهير بن حرب وابن نمير كلاهما عن

[ 123 ]

يحيى وأشعر سياقه بان اللفظ لزهير وكذا أخرجه أبو يعلى في مسنده عن زهير وأخرجه الجوزقى في مستخرجه عن أبي حامد بن الشرقي عن عبد الرحمن بن بشر بن الحكم عن يحيى القطان كذلك وعقبه بأن قال سمعت أبا حامد بن الشرقي يقول يحيى القطان عندنا واهم في هذا إنما هو حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه قلت والجزبكون يحيى هو الواهم فيه نظر لأن الإمام أحمد قد رواه عنه على الصواب وكذلك أخرجه البخاري هنا عن محمد بن بشار وفي الزكاة عن مسدد وكذا أخرجه الاسماعيلي من طريق يعقوب الدورقي وحفص بن عمر وكلهم عن يحيى وكأن أبا حامد لما رأى عبد الرحمن قد تابع زهيرا ترجح عنده أن الوهم من يحيى وهو محتمل بأن يكون منه لما حدث به هذين خاصة مع احتمال أن يكون الوهم منهما تواردا عليه وقد تكلف بعض المتأخرين توجيه هذه الرواية المقلوبة وليس بجيد لأن المخرج متحد ولم يختلف فيه على عبيد الله بن عمر شيخ يحيى فيه ولا على شيخه خبيب ولا على مالك رفيق عبيد الله بن عمر فيه وأما استدلال عياض على أن الوهم فيه ممن دون مسلم بقوله في رواية مالك مثل عبيد الله فقد عكسه غيره فواخذ مسلما بقوله مثل عبيد الله لكونهما ليستا متساويتين والذي يظهر أن مسلما لا يقصر لفظ المثل على المساوى في جميع اللفظ والترتيب بل هو في المعظم إذا تساويا في المعنى والمعنى المقصود من هذا الموضع إنما هو اخفاء الصدقة والله أعلم ولم نجد هذا الحديث من وجه من الوجوه إلا عن أبي هريرة إلا ما وقع عند مالك من التردد هل هو عنه أو عن أبي سعيد كما قدمناه قبل ولم نجده عن أبي هريرة إلا من رواية حفص ولا عن حفص إلا من رواية خبيب نعم أخرجه البيهقي في الشعب من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة والراوي له عن سهيل عبد الله بن عامر الأسلمي وهو ضعيف لكنه ليس بمتروك وحديثه حسن في المتابعات ووافق في قوله تصدق بيمينه وكذا أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان الفارسي بإسناد حسن موقوفا عليه لكن حكمه الرفع وفي مسند أحمد من حديث أنس بإسناد حسن مرفوعا أن الملائكة قالت يا رب هل من خلقك شئ أشد من الجبال قال نعم الحديد قالت فهل أشد من الحديد قال نعم النار قالت فهل أشد من النار قال نعم الماء قالت فهل أشد من الماء قال نعم الريح قالت فهل أشد من الريح قال نعم بن آدم يتصدق بيمينه فيخفيها عن شماله ثم إن المقصود منه المبالغة في إخفاء الصدقة بحيث أن شماله مع قربها من يمينه وتلازمهما لو تصور أنها تعلم لما علمت ما فعلت اليمين لشدة إخفائها فهو على هذا من مجاز التشبيه ويؤيده رواية حماد بن زيد عند الجوزقي تصدق بصدقة كأنما أخفى يمينه من شماله ويحتمل أن يكون من مجاز الحذف والتقدير حتى لا يعلم ملك شمالوأبعد من زعم أن المراد بشماله نفسه وأنه من تسمية الكل باسم الجزء فإنه ينحل إلى أن نفسه لا تعلم ما تنفق نفسه وقيل هو من مجاز الحذف والمراد بشماله من على شماله من الناس كأنه قال مجاور شماله وقيل المراد أنه لا يرائى بصدقته فلا يكتبها غالبا الشمال وحكى القرطبي عن بعض مشايخه أن معناه أن يتصدق على الضعيف المكتسب في صورة الشراء لترويج سلعته أو رفع قيمتها واستحسنه وفيه نظران كان أراد أن هذه الصورة مراد الحديث خاصة وإن أراد أن هذا من صور الصدقة المخفية فمسلم والله أعلم قوله ذكر الله أي بقلبه من التذكر أو بلسانه من الذكر وخاليا أي من الخلو لأنه يكون حينئذ أبعد من الرياء والمراد خاليا من

[ 124 ]

الالتفات إلى غير الله ولو كان في ملأ ويؤيده رواية البيهقي ذكر الله بين يديه ويؤيد الأول رواية بن المبارك وحماد بن زيد ذكر الله في خلاء أي في موضع خال وهي أصح قوله ففاضت عيناه أي فاضت الدموع من عينيه وأسند الفيض إلى العين مبالغة كأنها هي التي فاضت قال القرطبي وفيض العين بحسب حال الذاكر وبحسب ما يكشف له ففي حال أوصاف الجلال يكون البكاء من خشية الله وفي حال أوصاف الجمال يكون البكاء من الشوق إليه قلت قد خص في بعض الروايات بالأول ففي رواية حماد بن زيد عند الجوزقي ففاضت عيناه من خشية الله ونحوه في رواية البيهقي ويشهد له ما رواه الحاكم من حديث أنس مرفوعا من ذكر الله ففاضت عيناه من خشية الله حتى يصيب الأرض من دموعه لم يعذب يوم القيامة تنبيهان الأول ذكر الرجال في هذا الحديث لا مفهوم له بل يشترك النساء معهم فيما ذكر إلا إن كان المراد بالإمام العادل الإمامة العظمى وإلا فيمكن دخول المرأة حيث تكون ذات عيال فتعدل فهيم وتخرج خصلة ملازمة المسجد لأن صلاة المرأة في بيتها أفضل من المسجد وما عدا ذلك فالمشاركة حاصلة لهن حتى الرجل الذي دعته المرأة فإنه يتصور في امرأة دعاها ملك جميل مثلا فامتنعت خوفا من الله تعالى مع حاجتها أو شاب جميل دعاه ملك إلى أن يزوجه ابنته مثلا فخشي أن يرتكب منه الفاحشة فامتنع مع حاجته إليه الثاني استوعبت شرح هذا الحديث هنا وإن كان مخالفا لما شرطت لأن أليق المواضع به كتاب الرقاق وقد اختصرها المصنف حيث أورده فيه وساقه تاما في الزكاة والحدود فاستوفيته هنا لأن وجها من الأولوية قوله سئل أنس تقدم التصريح بسماع حميد له منه في باب وقت العشاء قوله صلى الناس أي غير المخاطبين ممن صلى في داره أو مسجد قبيلته ويستأنس به لمن قال بأن الجماعة غير واجبة قوله ولم تزالوا في صلاة أي في ثواب صلاة كما تقدم قوله وبيص بكسر الموحدة وبالمهملة أي بريقه وزفير وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في باب وقت العشاء ويأتي الكلام على الخاتم في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى قوله باب فضل من غدا للمسجد ومن راح هكذا للأكثر موافقا للفظ الحديث في الغدو والرواح ولأبي ذر بلفظ خرج بدل غذاوله عن المستملى والسرخسي بلفظ من يخرج بصيغة المضارع وعلى هذا فالمراد بالغد والذهاب وبالرواح الرجوع والأصل في الغدو المضى من بكرة النهار وللرواح بعد الزوال ثم قد يستعملان في كل ذهاب ورجوع توسعا قوله أعد أي هيأ قوله نزله للكشميهنى نزلا بالتنكير والنزل بضم النون والزاي المكان الذي يهيأ للنزول فيه وبسكون الزاي ما يهيأ للقادم من الضيافة ونحوها فعلى هذا من في قوله من الجنة للتبعيض على الأول وللتبيين على الثاني ورواه مسلم وابن خزيمة وأحمد بلفظ نزلا في الجنة وهو محتمل للمعنيين قوله كلما غدا أو راح أي بكل غدوة وروحة وظاهر الحديث حصول الفضل لمن أتى المسجد مطلقا لكن المقصود منه اختصاصه بمن يأتيه للعبادة والصلاة رأسها والله أعلم قوله باب إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة واختلف على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه وقيل إن ذلك هو السبب في كون البخاري لم

[ 125 ]

يخرجه ولما كان الحكم صحيحا ذكره في الترجمة وأخرج في الباب ما يغنى عنه لكن حديث الترجمة أعم من حديث الباب لأنه يشمل الصلوات كلها وحديث الباب يختص بالصبح كما سنوضحه ويحتمل أن يقال اللام في حديث الترجمة عهدية فيتفقان هذا من حيث اللفظ وأما من حيث المعنى فالحكم في جميع الصلوات واحد وقد أخرجه أحمد من وجه آخر بلفظ فلا صلاة إلا التي أقيمت قوله إذا أقيمت أي إذا شرع في اشتراط وصرح بذلك محمد بن جحادة عن عمرو بن دينار فيما أخرجه بن حبان بلفظ إذا أخذ المؤذن في اشتراط وقوله فلا صلاة أي صحيحة أو كاملة والتقدير الأول أولى لأنه أقرب إلى نفى الحقيقة لكن لما لم يقطع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة المصلي واقتصر على الإنكار دل على أن المراد نفى دابة ويحتمل أن يكون النفي بمعنى النهى أي فلا تصلوا حينئذ ويؤيده ما رواه البخاري في التاريخ والبزار وغيرهما من رواية محمد بن عمار عن شريك بن أبي نمر عن أنس مرفوعا في نحو حديث الباب وفيه ونهى أن يصليا إذا أقيمت الصلاة وورد بصيغة النهى أيضا فيما رواه أحمد من وجه آخر عن بن بحينة في قصته هذه فقال لا تجعلوا هذه الصلاة مثل الظهر واجعلوا بينهما فصلا والنهي المذكور للتنزيه لما تقدم من كونه لم يقطع صلاته قوله الا المكتوبة فيه منع التنفل بعد الشروع في إقامة الصلاة سواء كانت راتبة أم لا لأن المراد بالمكتوبة المفروضة وزاد مسلم بن خالد عن عمرو بن دينار في هذا الحديث قيل يا رسول الله ولا ركعتي الفجر قال ولا ركعتي الفجر أخرجه بن عدي في ترجمة يحيى بن نصر بن الحاجب وإسناده حسن والمفروضة تشمل الحاضرة والفائتة لكن المراد الحاضرة وصرح بذلك أحمد والطحاوي من طريق أخرى عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة الا التي أقيمت قوله مر النبي صلى الله عليه وسلم برجل لم يسق البخاري لفظ رواية إبراهيم بن سعد بل تحول إلى رواية شعبة فأوهم أنهما متوافقتان وليس كذلك فقد ساق مسلم رواية إبراهيم بن سعد بالسند المذكور ولفظه مر برجل يصلي وقد أقيمت صلاة الصبح فكلمه بشئ لا ندري ما هو فلما انصرفنا أحطنا به نقول ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال قال لي يوشك أحدكم أن يصلي الصبح أربعا ففي هذا السياق مخالفة لسياق شعبة في كونه صلى الله عليه وسلم كلم الرجل وهو يصلي ورواية شعبة تقتضي أنه كلمه بعد أن فرغ ويمكن الجمع بينهما بأنه كلمه أولا سرا فلهذا احتاجوا أن يسألوه ثم كلمه ثانيا جهرا فسمعوه وفائدة التكرار تأكيد الإنكار قوله حدثني عبد الرحمن هو بن بشر بن الحكم كما جزم به بن عساكر وأخرجه الجوزقي من طريقه قوله سمعت رجلا من الأزد في رواية الأصيلي من الأسد بالمهملة الساكنة بدل الزاي الساكنة وهي لغة صحيحة قوله يقال له مالك بن بحينة هكذا يقول شعبة في هذا الصحابي وتابعه على ذلك أبو عوانة وحماد بن سلمة وحكم الحفاظ يحيى بن معين وأحمد والبخاري ومسلم والنسائي والاسماعيلي وابن الشرقي والدارقطني وأبو مسعود وآخرون عليهم بالوهم فيه في موضعين أحدهما أن بحينة والدة عبد الله لا مالك وثانيهما أن الصحبة والرواية لعبد الله لا لمالك وهو عبد الله بن مالك بن القشب بكسر القاف وسكون المعجمة بعدها موحدة وهو لقب واسمه جندب بن نضلة بن عبد الله قال بن سعد قدم مالك بن القشب مكة يعني في الجاهلية

[ 126 ]

فحالف بني المطلب بن عبد مناف وتزوج بحينة بنت الحارث بن المطلب واسمها عبدة وبحينة لقب وأدركت بحينة الإسلام فأسلمت وصحبت وأسلم ابنها عبد الله قديما ولم يذكر أحد مالكا في الصحابة إلا بعض ممن تلقاه من هذا الإسناد ممن لا تمييز له وكذا أغرب الداودي الشارح فقال هذا الاختلاف لا يضر فأي الرجلين كان فهو صاحب وحكى بن عبد البر اختلافا في بحينة هل هي أم عبد الله أو أم مالك والصوا ب أنها أم عبد الله كما تقدم فينبغي أن يكتب بن بحينة بزيادة ألف ويعرب اعرا ب عبد الله كما في عبد الله بن أبي بن سلول ومحمد بن على بن الحنفية قوله رأى رجلا هو عبد الله الراوي كما رواه أحمد من طريق محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر به وهو يصلي وفي رواية أخرى له خرج وابن القشب يصلي ووقع لبعض الرواة هنا بن أبي القشب وهو خطأ كما بينته في كتاب الصحابة ووقع نحو هذه القصة أيضا لابن عباس قال كنت أصلى وأخذ المؤذن في اشتراط فجذبني النبي صلى الله عليه وسلم وقال أتصلي الصبح أربعا أخرجه بن خزيمة وابن حبان والبزار والحاكم وغيرهم فيحتمل تعدد القصة قوله لاث بمثلثة خفيفة أي أدار وأحاط قال بن قتيبة أصل اللوث الطى يقال لاث عمامته إذا أدارها قوله به الناس ظاهره أن الضمير للنبي صلى الله عليه وسلم لكن طريق إبراهيم بن سعد المتقدمة تقتضي أنه للرجل قوله الصبح أربعا بهمزة ممدودة في أوله ويجوز قصرها وهو استفهام إنكار وأعاده تأكيدا للانكار والصبح بالنصب بإضمار فعل تقديره أتصلي الصبح وأربعا منصوب على الحال قاله بن مالك وقال الكرماني على البدلية قال ويجوز وقع الصبح أي الصبح تصلي أربعا واختلف في حكمة هذا الإنكار فقال القاضي عياض وغيره لئلا يتطاول الزمان فيظن وجوبها ويؤيده قوله في رواية إبراهيم بن سعد يوشك أحدكم وعلى هذا إذا حصل الأمن لا يكره ذلك وهو متعقب بعموم حديث الترجمة وقيل لئلا تلتبس صلاة الفرض بالنفل وقال النووي الحكمة فيه أن يتفرغ للفريضة من أولها فيشرع فيها عقب شروع الإمام والمحافظة على مكملات الفريضة أولى من التشاغل بالنافلة أه وهذا يليق بقول من يرى بقضاء النافلة وهو قول الجمهور ومن ثم قال من لا يرى بذلك إذا علم أنه يدرك الركعة الأولى مع الإمام وقال بعضهم إن كان في الأخيرة لم يكره له التشاغل بالنافلة بشرط الأمن من الالتباس كما تقدم والأول عن المالكية والثاني عن الحنفية ولهم في ذلك سلف عن بن مسعود وغيره وكأنهم لما تعارض عندهم الأمر بتحصيل النافلة والنهي عن إيقاعها في تلك الحالة جمعوا بين الأمرين بذلك وذهب بعضهم إلى أن سبب الإنكار عدم الفصل بين الفرض والنفل لئلا يلتبسا وإلى هذا جنح الطحاوي واحتج له بالاحاديث الواردة بالأمر بذلك ومقتضاه أنه لو كان في زاوية من المسجد لم يكره وهو متعقب بما ذكر إذا لو كان المراد مجرد الفصل بين الفرض والنفل لم يحصل إنكار أصلا لأن بن بحينة سلم من صلاته قطعا ثم دخل في الفرض ويدل على ذلك أيضا حديث قيس بن عمرو الذي أخرجه أبو داود وغيره أنه صلى ركعتي الفجر بعد الفراغ من صلاة الصبح فلما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله لم فقلنا عليه قضاءهما بعد الفراغ من صلاة الصبح متصلا بها فدل على أن الإنكار على بن بحينة إنما كان للتنفل حال صلاة الفرض وهو موافق لعموم حديث الترجمة وقد فهم بن عمر اختصاص المنع بمن يكون في المسجد لا خارجا عنه

[ 127 ]

فصح عنه أنه كان يحصب من يتنفل في المسجد بعد الشروع في اشتراط وصح عنه أنه قصد المسجد فسمع اشتراط فصلى ركعتي الفجر في بيت حفصة ثم دخل المسجد فصلى مع الإمام قال بن عبد البر وغيره الحجة عند التنازع السنة فمن أدلى بها فقد أفلح وترك التنفل عند إقامة الصلاة وتداركها بعد قضاء الفرض أقرب إلى اتباع السنة ويتأيد ذلك من حيث المعنى بأن قوله في اشتراط حي على الصلاة معناه هلموا إلى الصلاة أي التي يقام لها فأسعد الناس بامتثال هذا الأمر من لم يتشاغل عنه بغيره والله أعلم واستدل بعموم قوله فلا صلاة الا المكتوبة لمن قال يقطع النافلة إذا أقيمت الفريضة وبه قال أبو حامد وغيره من الشافعية وخص آخرون النهى بمن ينشئ النافلة وأشار بعموم قوله تعالى ولا تبطلوا أعمالكم وقيل يفرق بين من يخشى فوت الفريضة في الجماعة فيقطع وإلا فلا واستدل بقوله التي أقيمت بأن المأموم يصلي فرضا ولا نفلا خلف من يصلي فرضا آخر كالظهر مثلا خلف من يصلي العصر وإن جازت إعادة الفرض خلف من يصلي ذلك الفرض قوله تابعه غندر ومعاذ عن شعبة عن مالك أي تابعا بهز بن أسد في روايته عن شعبة بهذا الإسناد فقالا عن مالك بن بحينة وفي رواية الكشميهني عن شعبة عن مالك أي والأول يقتضى اختصاص المتابعة بقوله عن مالك بن بحينة فقط والثاني يشمل جميع الإسناد والمتن وهو أولى لأنه الواقع في نفس الأمر وطريق غندر وصلها أحمد في مسنده عنه كذلك وطريق معاذ وهو بن معاذ العنبري البصري وصلها الاسماعيلي من رواية عبيد الله بن معاذ عن أبيه وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن شعبة وكذا أخرجه أحمد عن يحيى القطان وحجاج والنسائي من رواية وهب بن جرير والاسماعيلي من رواية يزيد بن هارون كلهم عن شعبة كذلك قوله وقال بن إسحاق أي صاحب المغازي عن سعد أي بن إبراهيم وهذه الرواية موافقة لرواية إبراهيم بن سعد عن أبيه وهي الراجحة قوله وقال حماد يعني بن سلمة كما جزم به المزي وآخرون وكذا أخرجه الطحاوي وابن منده موصولا من طريقه ووهم الكرماني في زعمه أنه حماد بن زيد والمراد أن حمادا وافق شعبة في قوله عن مالك بن بحينة وقد وافقهما أبو عوانة فيما أخرجه الاسماعيلي عن جعفر الفريابي عن قتيبة عنه لكن أخرجه مسلم والنسائي عن قتيبة فوقع في روايتهما عن بن بحينة مبهما وكأن ذلك وقع من قتيبة في وقت عمدا ليكون أقرب إلى الصواب قال أبو مسعود أهل المدينة يقولون عبد الله بن بحينة وأهل العراق يقولون مالك بن بحينة والأول هو الصواب انتهى فيحتمل أن يكون السهو فيه من سعد بن إبراهيم لما حدث به بالعراق وقد رواه القعنبي عن إبراهيم بن سعد على وجه آخر من الوهم قال عن عبد الله بن مالك بن بحينة عن أبيه قال مسلم في صحيحه قوله عن أبيه خطأ انتهى وكأنه لما رأى أهل العراق يقولون عن مالك بن بحينة ظن أن رواية أهل المدينة مرسلة فوهم في ذلك والله أعلم قوله باب حد المريض أن يشهد الجماعة قال بن التين تبعا لابن بطال معنى الحد ههنا الحدة وقد نقله الكسائي ومثله قول عمر في أبي بكر كنت أرى منه بعض الحد أي الحدة قال والمراد به هنا الحض على شهود الجماعة قال بن التين ويصح أن يقال هنا جد بكسر الجيم وهو الاجتهاد في الأمر لكن لم أسمع أحدا رواه بالجيم انتهى وقد أثبت بن قرقول رواية الجيم وعزاها للقابسى وقال بن

[ 128 ]

رشيد إنما المعنى ما يحد للمريض أن يشهد معه الجماعة فإذا جاوز ذلك الحد لم يستحب له شهودها ومناسبة ذلك من الحديث خروجه صلى الله عليه وسلم متوكئا على غيره من شدة الضعف فكأنه يشير إلى أنه من بلد إلى تلك الحال لا يستحب له تكلف الخروج للجماعة إلا إذا وجد من يتوكأ عليه وأن قوله في الحديث الماضي لأتوهما ولو حبوا وقع على طريق المبالغة قال ويمكن أن يقال معناه ياب الحد الذي للمريض أن يأخذ فيه بالعزيمة في شهود الجماعة انتهى ملخصا قوله مرضه الذي مات فيه سيأتي الكلام عليه مبينا في آخر المغازي في سببه ووقت ابتدائه وقدره وقد بين الزهري في روايته كما في الحديث الثاني من هذا الباب أن ذلك كان بعد أن أشتد به المرض واستقر في بيت عائشة قوله فحضرت الصلاة هي العشاء كما في رواية موسى بن أبي عائشة الآتية قريبا في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به وسنذكر هناك الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى قوله فأذن بضم الهمزة على البناء للمفعول وفي رواية الأصيلي وأذن بالواو وهو أوجه والمراد به أذان الصلاة ويحتمل أن يكون معناه أعلم ويقويه رواية أبي معاوية عن الأعمش الآتية في باب الرجل يأتم بالإمام ولفظه جاء بلال يؤذنه بالصلاة واستفيد منه تسمية المبهم وسيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة أنه صلى الله عليه وسلم بدأ بالسؤال عن حضور وقت الصلاة وأنه أراد أن يتهيأ للخروج إليها فأغمى عليه الحديث قوله مروا أبا بكر فليصل استدل به على أن الآمر بالأمر بالشئ يكون آمرا به وهي مسألة معروفة في أصول الفقه وأجاب المانعون بأن المعنى بلغوا أبا بكر أني أمرته وفصل النزاع أن النافي إن أراد أنه ليس أمرا حقيقة فمسلم لأنه ليس فيه صيغة أمر للثاني وإن أراد أنه لا يستلزمه فمردود والله أعلم قوله فقيل له قائل ذلك عائشة كما سيأتي قوله أسيف بوزن فعيل وهو بمعنى فاعل من الاسف وهو شدة الحزن والمراد أنه رقيق القلب ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث قال عاصم والاسيف الرقيق الرحيم وسيأتي بعد ستة أبواب من حديث بن عمر في هذه القصة فقالت له عائشة إنه رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء ومن حديث أبي موسى نحوه ومن رواية مالك عن هشام عن أبيه عنها بلفظ قالت عائشة قلت إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فمر عمر قوله فاعادوا له أي من كان في البيت والمخاطب بذلك عائشة كما ترى لكن جمع لأنهم كانوا في مقام الموافقين لها على ذلك ووقع في حديث أبي موسى بالإفراد ولفظه فعادت ولابن عمر فعاودته قوله فأعاد الثالثة فقال إنكن صواحب يوسف فيه حذف بينه مالك في روايته المذكورة وأن المخاطب له حينئذ حفصة بنت عمر بأمر عائشة وفيه أيضا فمر عمر فقال مه إنكن لأنتن صواحب يوسف وصواحب جمع صاحبة والمراد أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار خلاف ما في الباطن ثم إن هذا الخطاب وإن كان بلفظ الجمع فالمراد به واحد وهي عائشة فقط كما أن صواحب صيغة جمع والمراد زليخا فقط ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه ومرادها زيادة على ذلك وهو أن لا يتشاءم الناس به وقد صرحت هي فيما بعد ذلك فقالت

[ 129 ]

لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا الحديث وسيأتي بتمامه في بابوفاة النبي صلى الله عليه وسلم في أواخر المغازي إن شاء الله تعالى وأخرجه مسلم أيضا وبهذا التقرير يندفع إشكال من قال إن صواحب يوسف لم يقع منهن إظهار يخالف ما في الباطن ووقع في مرسل الحسن عند بن أبي خيثمة أن أبا بكر أمر عائشة أن تكلم النبي صلى الله عليه وسلم أن يصرف ذلك عنه فارادت التوصل إلى ذلك بكل طريق فلم يتم ووقع في أمالى بن عبد السلام أن النسوة أتين امرأة العزيز يظهرن تعنيفها ومقصودهن في الباطن أن يدعون يوسف إلى أنفسهن كذا قال وليس في سياالآية ما يساعد ما قال فائدة زاد حماد بن أبي سليمان عن إبراهيم في هذا الحديث أن أبا بكر هو الذي أمر عائشة أن تشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم بأيأمر عمر بالصلاة أخرجه الدورقي في مسنده وزاد مالك في روايته التي ذكرناها فقالت حفصة لعائشة ما كنت لأصيب منك خيرا ومثله للاسماعيلي في حديث الباب وإنما قالت حفصة ذلك لأن كلامها صادف المرة الثالثة من المعاودة وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يراجع بعد ثلاث فلما أشار إلى الإنكار عليها بما ذكر من كونهن صواحب يوسف وجدت حفصة في نفسها من ذلك لكون عائشة هي التي أمرتها بذلك ولعلها تذكرت ما وقع لها معها أيضا في قصة المغافير كما سيأتي في موضعه قوله فليصل بالناس في رواية الكشميهني للناس قوله فخرج أبو بكر فيه حذف دل عليه سياق الكلام وقد بينه في رواية موسى بن أبي عائشة المذكورة ولفظه فأتاه الرسول أي بلال لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة فأجيب بذلك وفي روايته أيضا فقال له إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر وكارجلا رقيقا يا عمر صل بالناس فقال له عمر أنت أحق بذلك انتهى وقول أبي بكر هذا لم يرد به ما أرادت عائشة قال النووي تأوله بعضهم على أنه قاله تواضعا وليس كذلك بل قاله للعذر المذكور وهو كونه رقيق القلب كثير البكاء فخشي أن لا يسمع الناس انتهى ويحتمل أن يكون رضي الله عنه فهم من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى بعدم ما في تحملها من الخطر بعدم قوة عمر على ذلك فاختاره ويؤيده أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح والظاهر أنه لم يطلع على المراجعة المتقدمة وفهم من الأمر له بذلك تفويض الأمر له في ذلك سواء باشر بنفسه أو استخلف قال القرطبي ويستفاد منه أن للمستخلف في الصلاة أن يستخلف ولا يتوقف على إذن خاص له بذلك قوله فصلى في رواية المستملون السرخسي يصلي وظاهره أنه شرع في الصلاة ويحتمل أن يكون المراد أنه تهيأ لهو سيأتي في رواية أبي معاوية عن الأعمش بلفظ فلما دخل في الصلاة وهو محتمل أيضا بان يكون المراد دخل في مكان الصلاة ويأتي البحث مع من حمله على ظاهره إن شاء الله تعالى قوله فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من نفسه خفة ظاهره أنه صلى الله عليه وسلم وجد ذلك في تلك الصلاة بعينها ويحتمل أن يكون ذلك بعد ذلك وأن يكون فيه حذف كما تقدم مثله في قوله فخرج أبو بكر وأوضح منه رواية موسى بن أبي عائشة المذكور فصلى أبو بكر تلك الأيام ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجد منفسه خفة وعلى هذا لا يتعين أن تكون الصلاة المذكورة هي العشاء قوله يهادى بضم أوله وفتح الدال أي

[ 130 ]

يعتمد على الرجلين متمايلا في مشيه من شدة الضعف والتهادى التمايل في المشي البطئ وقوله يخطان الأرض أي لم يكن يقدر على ليقطعوا من الأرض وسقط لفظ الأرض من رواية الكشميهني وفي رواية عاصم المذكورة عند بن حبان إني لأنظر إلى بطون قدميه قوله بين رجلين في الحديث الثاني من حديثي البا ب أنهما العباس بن عبد المطلب وعلى بن أبي طالب ومثله في رواية موسى بن أبي عائشة ووقع في رواية عاصم المذكورة وجد خفة من نفسه فخرج بين بريرة ونوبة ويجمع كما قال النووي بأنه خرج من البيت إلى المسجد بين هذين ومن ثم إلى مقام الصلاة بين العباس وعلى أو يحمل على التعدد ويدل عليه ما في رواية الدارقطني أنه خرج بين أسامة بين زيد والفضل بن العباس وأما ما في مسلم أنه خرج بين الفضل بن العباس وعلى فذاك في حال مجيئه إلى بيت عائشة تنبيه نوبة بضم النون وبالموحدة ذكره بعضهم في النساء الصحابيات فوهم وإنما هو عبد أسود كما وقع عند سيف في كتاب الردة ويؤيده حديث سالم بن عبيد في صحيح بن خزيمة بلفظ خرج بين بريرة ورجل آخر قوله فأراد أبو بكر زاد أبو معاوية عن الأعمش فلما سمع أبو بكر حسه وفي رواية أرقم بن شرحبيل عن بن عباس في هذا الحديث فلما أحس الناس به سبحوا أخرجه بن ماجة وغيره بإسناد حسن قوله أن مكانك في رواية عاصم المذكورة أن أثبت مكانك وفي رواية موسى بن أبي عائشة فأومأ إليه بأن لا يتأخر قوله ثم أتى به كذاهنا بضم الهمزة وفي رواية موسى بن أبي عائشة أن ذلك كان بأمره ولفظه فقال أجلساني إلى جانبه فأجلساه وعين أبو معاوية عن الأعمش في إسناد حديث الباب كما سيأتي بعد أبواب مكان الجلوس فقال في روايته حتى جلس عن يسار أبي بكر وهذا هو مقام الإمام وسيأتي القول فيه وأغرب القرطبي شارح مسلم لما حكى الخلاف هل كان أبو بكر إماما أو مأموما فقال لم يقع في الصحيح بيان جلوسه صلى الله عليه وسلم هل كان عن يمين أبي بكر أو عن يساره انتهى ورواية أبي معاوية هذه عند مسلم أيضا فالعجب منه كيف يغفل عن ذلك في حال شرحه له قوله فقيل للأعمش الخ ظاهره الانقطاع لأن الأعمش لم يسنده لكن في رواية أبي معاوية عنه ذكر ذلك متصلا بالحديث وكذا في رواية موسى بن أبي عائشة وغيرها قوله رواه أبو داود هو الطيالسي قوله بعضه بالنصب وهو بدل من الضمير وروايته هذه وصلها البزار قال حدثنا أبو موسى محمد بن المثنى حدثنا أبو داود به ولفظه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم المقدم بين يدي أبي بكر كذا رواه مختصرا وهو موافق لقضية حديث الباب لكن رواه بن خزيمة في صحيحه عن محمد بن بشار عن أبي داود بسنده هذا عن عائشة قالت من الناس من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف ومنهم من يقول كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المقدم ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر أخرجه بن المنذر وهذا عكس رواية أبي موسى وهو اختلاف شديد ووقع في رواية مسروق عنها أيضا اختلاف فأخرجه بن حبان من رواية عاصم عن شقيق عنه بلفظ كان أبو بكر يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر وأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة من رواية شعبة عن نعيم بن أبي هند عن شقيق بلفظ أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى خلف أبي بكر وظاهر رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة ولكن تضافرت الروايات

[ 131 ]

عنها بالجزم بما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان هو الإمام في تلك الصلاة منها رواية موسى بن أبي عائشة التي أشرنا إليها ففيها فجعل أبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس بصلاة أبي بكر وهذه رواية زائدة بن قدامة عن موسى وخالفه شعبة أيضا فرواه عن موسى بلفظ أن أبا بكر صلى بالناس ورسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف خلفه فمن العلماء من سلك الترجيح فقدم الرواية التي فيها أن أبا بكر كان مأموما للجزم بها ولان أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من غيره ومنهم من سلك عكس ذلك ورجح أنه كان إماما وتمسك بقول أبي بكر في باب من دخل ليؤم الناس حيث قال ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم من سلك الجمع فحمل القصة على التعدد وأجاب عن قول أبي بكر كما سيأتي في بابه ويؤيده اختلاف النقل عن الصحابة غير عائشة فحديث بن عباس فيه أن أبا بكر كان مأموما كما سيأتي في رواية موسى بن أبي عائشة وكذا في رواية أرقم بن شرحبيل التي أشرنا إليها عن بن عباس وحديث أنس فيه أن أبا بكر كان إماما أخرجه الترمذي وغيره من رواية حميد عن ثابت عنه بلفظ آخر صلاة صلاها النبي صلى الله عليه وسلم خلف أبي بكر في ثوب وأخرجه النسائي من وجه آخر عن حميد عن أنس فلم يذكر ثابتا وسيأتي بيان ما ترتب على هذا الاختلاف من الحكم في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به قريبا إن شاء الله تعالى قوله وزاد أبو معاوية عن الأعمش جلس عن يسار أبي بكر فكان أبو بكر يصلي قائما يعني روى الحديث المذكور أبو معاوية عن الأعمش كما رواه حفص بن الصالح مطولا وشعبة مختصرا كلهم عن الأعمش شوال المذكور فزاد أبو معاوية ما ذكر وقد تقدمت الإشارة إلى المكان الذي وصله المصنف فيه وغفل مغلطاي ومن تبعه فنسبوا وصله إلى رواية بن نمير عن أبي معاوية في صحيح بن حبان وليس بجيد من وجهين أحدهما أن رواية بن نمير ليس فيها عن يسار أبي بكر والثاني أن نسبته إلى تخريج صاحب الكتاب أولى من نسبته لغيره فيه قوله في الحديث الثاني لما ثقل على النبي صلى الله عليه وسلم أي أشتد به مرضه يقال ثقل في مرضه إذا ركدت أعضاؤه عن خفة الحركة قوله فأذن له بفتح الهمزة وكسر المعجمة وتشديد النون أي الأزواج وحكى الكرماني أنه روى بضم الهمزة وكسر الذال وتخفيف النون على البناء للمجهول واستدل به على أن القسم كان واجبا عليه صلى الله عليه وسلم كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى وقد تقدم حديث الزهري هذا في باب الغسل والوضوء من المخضب وفيه زيادة على الذي هنا وسيأتي في رواية بن أبي عائشة عن عبيد الله شيخ الزهري وسياقه أتم من سياق الزهري قوله قال هو علي بن أبي طالب زاد الاسماعيلي من رواية عبد الرزاق عن معمر ولكن عائشة لا تطيب نفسا له بخير ولابن إسحاق في المغازي عن الزهري ولكنها لا تقدر على أن تذكره بخير ولم يقف الكرماني على هذه الزيادة فعبر عنها بعبارة شنيعة وفي هذا رد على من تنطع فقال لا يجوز أن يظن ذلك بعائشة ورد على من زعم أنها أبهمت الثاني لكونه لم يتعين في جميع المسافة إذ كان تارة يتوكأ على الفضل وتارة على أسامة وتارة على على وفي جميع ذلك الرجل الآخر هو العباس واختص بذلك إكراما له وهذا توهم ممن قاله والواقع خلافه لأن بن عباس في جميع الروايات الصحيحة جازم بأن المبهم على فهو المعتمد والله أعلم ودعوى وجود العباس في كل مرة والذي يتبدل غيره مردودة بدليل

[ 132 ]

رواية عاصم التي قدمت الإشارة إليها وغيرها صريح في أن العباس لم يكن في مرة ولا في مرتين منها والله أعلم وفي هذه القصة من الفوائد غير ما مضى تقديم أبي بكر وترجيحه على جميع الصحابة وفضيلة عمر بعده وجواز الثناء في الوجه لمن أمن عليه الإعجاب وملاطفة النبي صلى الله عليه وسلم لازواجه وخصوصا لعائشة وجواز مراجعة الصغير الكبير والمشاورة في الأمر العام والأدب مع الكبير لهم أبي بكر بالتأخر عن الصف واكرام الفاضل لأنه أراد أن يتأخر حتى يستوي مع الصف فلم يتركه النبي صلى الله عليه وسلم يتزحزح عن مقامه وفيه أن البكاء ولو كثر لا يبطل الصلاة لأنه صلى الله عليه وسلم بعد أن علم حال أبي بكر في رقة القلب وكثرة البكاء لم يعدل عنه ولا نهاه عن البكاء وأن الإيماء يقوم مقام النطق واقتصار النبي صلى الله عليه وسلم على الإشارة يحتمل أن يكون لضعف صوته ويحتمل أن يكون للاعلام بأن مخاطبة من يكون في الصلاة بالإيماء أولى من النطق وفيه تأكيد أمر الجماعة والأخذ فيها بالأشد وإن كان المرض يرخص في تركها ويحتمل أن يكون فعل ذلك لبيان جواز الأخذ بالأشد وإن كانت الرخصة أولى وقال الطبري إنما فعل ذلك لئلا يعذر أحد من الأئمة بعده نفسه بأدنى عذر فيتخلف عن الإمامة ويحتمل أن يكون قصد إفهام الناس أن تقديمه لأبي بكر كان لاهليته لذلك حتى إنه صلى خلفه واستدل به على جواز استخلاف الإمام لغير ضرورة لصنيع أبي بكر وعلى جواز مخالفة موقف المأموم للضرورة كمن قصد أن يبلغ عنه ويلتحق به من زحم عن الصف وعلى جواز ائتمام بعض المأمومين ببعض وهو قول الشعبي واختيار الطبري وأومأ إليه البخاري كما سيأتي وتعقب بأن أبا بكر إنما كان مبلغا كما سيأتي في باب من أسمع الناس التكبير من رواية أخرى عن الأعمش وكذا ذكره مسلم على هذا فمعنى الاقتداء اقتداؤهم بصوته ويؤيده أنه صلى الله عليه وسلم كان جالسا وكان أبو بكر قائما فكان بعض أفعاله يخفى على بعض المأمومين فمن ثم كان أبو بكر كالإمام في حقهم والله أعلم وفيه أتباع صوت المكبر وصحة صلاة المستمع والسامع ومنهم من شرط في صحته تقدم إذن الإمام واستدل به الطبري على أن للأمام أن يقطع الاقتداء به ويقتدي هو بغيره من غير أن يقطع الصلاة وعلى جواز إنشاء القدوة في أثناء الصلاة وعلى جواز تقدم إحرام المأموم على الإمام بناء على أن أبا بكر كان دخل في الصلاة ثم قطع القدوة وائتم برسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قدمنا أنه ظاهر الرواية ويؤيد أيضا أن في رواية أرقم بن شرحبيل عن بن عباس فابتدأ النبي صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث انتهى أبو بكر واستدل به على صحة صلاة القادر على القيام قائما خلف القاعد خلافا للمالكية مطلقا ولأحمد حيث أوجب القعود على من يصلي خلف القاعد كما سيأتي الكلام عليه في باب إنما جعل الإمام ليؤتم به إن شاء الله تعالى قوله باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله ذكر العلة من عطف العام على الخاص لأنها أعم من أن تكون بالمطر أو غيره والصلاة في الرحل أعم من أن تكون بجماعة أو منفردا لكنها مظنة الانفراد والمقصود الأصلى في الجماعة إيقاعها في المسجد وقد تقدم الكلام على حديث بن عمر في كتاب الأذان وعلى حديث عتبان في باب المساجد في البيوت وسياقه هناك أتم وإسماعيل شيخه هنا هو بن أبي أويس قوله باب هل يصلي الإمام بمن حضر

[ 133 ]

أي مع وجود العلة المرخصة للتخلف فلو تكلف قوم الحضور فصلى بهم الإمام لم يكره فالأمر بالصلاة في الرحال على هذا للإباحة لا للندب ومطابقة ذلك لحديث بن عباس من قوله فيه فنظر بعضهم إلى بعض لما أمر المؤذن أن يقول الصلاة في الرحال فإنه دال على أن بعضهم حضر وبعضهم لم يحضر ومع ذلك خطب وصلى بمن حضر وأما قوله وهل يخطب يوم الجمعة في المطر فظاهر من حديث بن عباس وقد تقدم الكلام عليه في الأذان أيضا وفيه أن ذلك كان يوم الجمعة وأن قوله أنها عزمة أي الجمعة وأما مطابقة حديث أبي سعيد فمن جهة أن العادة في يوم المطر أن يتخلف بعض الناس وأما قول بعض الشراح يحتمل أن يكون ذلك في الجمعة فمردود لأنه سيأتي في الاعتكاف أنها كانت في صلاة الصبح وحديث أنس لا ذكر للخطبة فيه ولا يلزم أن يدل كل حديث في الباب على كل ما في الترجمة قوله وعن حماد هو معطوف على قوله حدثنا حماد بن زيد وليس بمعلق وقد تقدم في الأذان عن مسدد عن حماد عنهما جميعا قوله نحوه أي بمعظم يسير وجميع معناه ولهذا استثنى منه لفظ أحرجكم وأن في هذا بدلها أؤئمكم الخ ويحتمل أن يكون المراد بالاستثناء أنهما متفقان في المعنى وفي الرواية الثانية هذه الزيادة قوله فتجيئون كذا للأكثر بإثبات النون وهو على حذف مقدر وللكشميهني فتجيئوا وقد تقدمت مباحث الحديث في كتاب الأذان وحديث أبي سعيد يأتي في الاعتكاف ومسلم شيخه فيه هنا هو بن إبراهيم وهشام هو الدستوائي ويحيى هو بن أبي كثير وأبو سلمة هو بن عبد الرحمن وقوله سألت أبا سعيد أي عن ليلة القدر قوله في حديث أنس قال رجل من الأنصار قيل إنه عتبان بن مالك وهو محتمل لتقارب القصتين لكن لم أر ذلك صريحا وقد وقع في رواية بن ماجة الآتية أنه بعض عمومة أنس وليس عتبان عما لأنس إلا على سبيل المجاز لأنهما من قبيلة واحدة وهي الخزرج لكن كل منهما من بطن قوله معك أي في الجماعة في المسجد قوله وكان رجلا ضخما أي سمينا وفي هذا الوصف إشارة إلى علة تخلفه وقد عده بن حبان من الأعذار المرخصة في التأخر عن الجماعة وزاد عبد الحميد عن أنس وإني أحب أن تأكل في بيتي وتصلى فيه قوله فبسط له حصيرا سبق الكلام فيه في حديث أنس في أوائل الصلاة في باب الصلاة على الحصير قوله فصلى عليه ركعتين زاد عبد الحميد فصلى وصلينا معه قوله فقال رجل من آل الجارود في رواية على بن الجعد عن شعبة الآتية للمصنف في صلاة الضحى فقال فلان بن فلان بن الجارود وكأنه عبد الحميد بن المنذر بن الجارود البصري وذلك أن البخاري أخرج هذا الحديث من رواية شعبة وأخرجه في موضع آخر من رواية خالد الحذاء كلاهما عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس وأخرجه أبن ماجة وابن حبان من رواية عبد الله بن عون عن أنس بن سيرين عن عبد الحميد بن المنذر بن الجارود عن أنس فاقتضى ذلك أن في رواية البخاري انقطاعا وهو مندفع بتصريح أنس بن سيرين عنده بسماعه من أنس فحينئذ رواية بن ماجة إما من المزيد في متصل الأسانيد وإما أن يكون فيها وهم لكون بن الجارود كان حاضرا عند أنس لما حدث بهذا الحديث وسأله عما سأله من ذلك فظن بعض الرواة أن له فيه رواية وسيأتي الكلام على فوائده في باب صلاة الضحى ومطابقته لهذه الترجمة إما من جهة ما يلزم من الرخصة لمن له عذر أن يتخلف عن الحضور فإن ضرورة مواظبته صلى الله عليه وسلم على الصلاة بالجماعة

[ 134 ]

أن يصلي بمن بقي وإما من جهة ما ورد في طريق عبد الحميد المذكورة حيث قال أنس فصلى وصلينا معه فإنه مطابق لقوله وهل يصلي بمن حضر والله أعلم قوله باب إذا حضر الطعام وأقيمت الصلاة قال الزين بن المنير حذف جواب الشرط في هذه الترجمة إشعارا بعدم الجزم بالحكم لقوة الخلاف انتهى وكأنه أشار بالاثرين المذكورين في الترجمة إلى منزع العلماء في ذلك فإن بن عمر حمله على إطلاقه وأشار أبو الدرداء إلى تقييده بما إذا كان القلب مشغولا بالأكل وأثر بن عمر مذكور في الباب بمعناه وأثر أبي الدرداء وصله بن المبارك في كتاب الزهد وأخرجه محمد بن نصر المروزي في كتاب تعظيم قدر الصلاة من طريقه قوله حدثنا يحيى هو بن سعيد القطان وقد أخرجه السراج من طريق يحيى بن سعيد الأموي عن هشام بن عروة أيضا لكن يسير إذا حضر وذكره المصنف في كتاب الأطعمة من طريق سفيان عن هشام بلفظ إذا حضر وقال بعده قال يحيى بن سعيد ووهيب عن هشيم إذا وضع انتهى ورواية وهيب وصلها الاسماعيلي وأخرجه مسلم من رواية بن نمير وحفص ووكيع بلفظ إذا حضر ووافق كلا جماعة من الرواة عن هشام لكن الذين رووه بلفظ إذا وضع كما قال الاسماعيلي أكثر والفرق بين اللفظين أن الحضور أعم من الوضع فيحمل قوله حضر أي بين يديه لتأتلف الروايات لاتحاد المخرج ويؤيده حديث أنس الآتي بعده بلفظ إذا قدم العشاء ولمسلم إذا قرب العشاء وعلى هذا فلا يناط الحكم بما إذا حضر العشاء لكنه لم يقرب للاكل كما لو لم يقرب قوله وأقيمت الصلاة قال بن دقيق العيد الألف واللام في الصلاة لا ينبغي أن تحمل على الاستغراق ولا على تعريف الماهية بل ينبغي أن تحمل على المغرب لقوله فابداؤا بالعشاء ويترجح حمله على المغرب لقوله في الرواية الأخرى فابدؤوا به قبل أن تصلوا المغرب والحديث يفسر بعضه بعضا وفي رواية صحيحة إذا وضع العشاء وأحدكم صائم انتهى وسنذكر من أخرج هذه الرواية في الكلام على الحديث الثاني وقال الفاكهانى ينبغي حمله على العموم نظر إلى العلة وهي التشويش المفضى إلى ترك الخشوع وذكر المغرب لا يقتضى حصرا فيها لأن الجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم انتهى وحمله على العموم إنما هو بالنظر إلى المعنى إلحاقا للجائع بالصائم وللغداء بالعشاء لا بالنظر إلى اللفظ الوارد قوله فابدؤوا بالعشاء حمل الجمهور هذا الأمر على الندب ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجا إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية وزاد الغزالي ما إذا خشي فساد المأكول ومنهم من لم يقيده وهو قول الثوري وأحمد وإسحاق وعليه يدل فعل بن عمر الآتي وأفرط بن حزم فقال تبطل الصلاة ومنهم من اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفا نقله بن المنذر عن مالك وعند أصحابه تفصيل قالوا يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل أو كان متعلقا به لكن لا يعجله عن صلاته فإن كان يعجله عن صلاته بدأ بالطعام واستحبت له الإعادة قوله عن عقيل في رواية الاسماعيلي حدثني عقيل وعنده أيضا عن بن شهاب أخبرني أنس قوله إذا قدم العشاء زاد بن حبان والطبراني في الأوسط من رواية موسى بن أعين عن عمرو بن الحارث عن بن شهاب وأحدكم صائم وقد أخرجه مسلم من طريق بن وهب عن عمرو بدون الزيادة وذكر الطبراني أن موسى بن أعين تفرد بها انتهى وموسى ثقة متفق عليه قوله ولا تعجلوا بضم المثناة وبفتحها والجيم مفتوحة فيهما ويروى بضم أوله

[ 135 ]

وكسر الجيم قوله في حديث بن عمر إذا وضع عشاء أحدكم هذا أخص من الرواية الماضية حيث قال إذا وضع العشاء فيحمل العشاء في تلك الرواية على عشاء من يريد الصلاة فلو وضع عشاء غيره لم يدخل في ذلك ويحتمل أن يقال بالنظر إلى المعنى لو كان جائعا واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك وسبيله أن ينتقل عن ذلك المكان أو يتناول مأكولا يزيل شغل باله ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد هذا الاحتمال عموم قوله في رواية مسلم من طريق أخرى عن عائشة لا صلاة بحضرة طعام الحديث وقول أبي الدرداء الماضي إقباله على حاجته قوله ولا يعجل أي أحدكم المذكور أولا وقال الطيبي أفرد قوله يعجل نظرا إلى لفظ أحد وجمع قوله فابدؤوا نظر إلى لفظ كم قال والمعنى إذا وضع عشاء أحدكم فابدؤوا أنتم بالعشاء ولا يعجل هو حتى يفرغ معكم منه انتهى قوله وكان بن عمر هو موصول عطفا على المرفوع وقد رواه السراج من طريق يحيى بن سعيد عن عبيد الله عن نافع فذكر المرفوع ثم قال قال نافع وكان بن عمر إذا حضر عشاؤه وسمع اشتراط وقراءة الإمام لم يقم حتى يفرغ ورواه بن حبان من طريق بن جريج عن نافع أن بن عمر كان يصلي المغرب إذا غابت الشمس وكان أحيانا يلقاه وهو صائم فيقدم له عشاؤه وقد نودي الولاء ثم تقام وهو يسمع فلا يترك عشاءه ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج فيصلى انتهى وهذا أصرح ما ورد عنه في ذلك قوله وأنه يسمع في رواية الكشميهني وأنه ليسمع بزيادة لام التأكيد في أوله قوله وقال زهير هو بن معاوية الجعفي وطريقه هذه موصولة عند أبي عوانة في مستخرجه وأما رواية وهب بن عثمان فقد ذكر المصنف أن إبراهيم بن المنذر رواها عنه وإبراهيم من شيوخ البخاري وقد وافق زهيرا ووهبا أبو ضمرة عند مسلم وأبو بدر عند أبي عوانة والدراوردي عند السراج كلهم عن موسى بن عقبة قال النووي في هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذي يريد أكله لما فيه من ذهاب كمال الخشوع ويلتحق به ما في معناه مما يشغل القلب وهذا إذا كان في الوقت سعة فإن ضاق صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت ولا يجوز التأخير وحكى المتولي وجها أنه يبدأ بالأكل وإن خرج الوقت لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا يفوته انتهى وهذا إنما يجئ على قول من يوجب الخشوع ثم فيه نظر لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما وخروج الوقت أشد من ترك الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع الكراهة وتستحب الإعادة عند الجمهور وادعى بن حزم أن في الحديث دلالة على امتداد الوقت في حق من وضع له الطعام ولو خرج الوقت المحدود وقال مثذلك في حق النائم والناسى واستدل النووي وغيره بحديث أنس على امتداد وقت المغرب واعترضه بن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر وإن أريد به مطلق التوسعة فمسلم ولكن ليس محل الخلاف المشهور فإن بعض مذهب إلى ضيق وقتها جعله مقدرا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع واستدل به القرطبي على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب لأن ظاهره أنه يشتغل بالأكل وإن فاتته الصلاة في الجماعة وفيه نظر لأن بعض من ذهب إلى الوجوب كابن حبان جعل حضور الطعام عذرا في ترك الجماعة فلا دليل فيه حينئذ على إسقاط الوجوب مطلقا وفيه دليل على تقديم فضيلة الخشوع في الصلاة على فضيلة أول الوقت واستدل بعض الشافعية والحنابلة

[ 136 ]

بقوله فابدؤوا على تخصيص ذلك بمن لم يشرع في الأكل وأما من شرع ثم أقيمت الصلاة فلا يتمادى بل يقوم إلى الصلاة قا النووي وصنيع بن عمر يبطل ذلك وهو الصواب وتعقب بأن صنيع أبن عمر اختيار له وإلا فالنظر إلى المعنى يقتضى ما ذكروه لأنه يكون قد أخذ من الطعام ما دفع شغل البال به ويؤيد ذلك حديث عمرو بن أمية المذكور في الباب بعده ولعل ذلك هو السر في إيراد المصنف له عقبه وروى سعيد بن منصور وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة وابن عباس انهما كانا يأكلان طعاما وفي التنور شواء فأراد المؤذن أن يقيم فقال له بن عباس لا تعجل لئلا نقوم وفي أنفسنا منه شئ وفي رواية بن أبي شيبة لئلا يعرض لنا في صلاتنا وله عن الحسن بن على قال العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة وفي هذا كله إشارة إلى أن العلة في ذلك تشوف النفس إلى الطعام فينبغي أن يدار الحكم مع علته وجودا وعدما ولا يتقيد بكل ولا بعض ويستثنى من ذلك الصائم فلا تكره صلاته بحضرة الطعام إذ الممتنع بالشرع لا يشغل العاقل نفسه به لكن إذا غلب استحب له التحول من ذلك المكان فائدتان الأولى قال بن الجوزي ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله وليس كذلك وإنما هو صيانة لحق الحق ليدخل الخلق في عبادته بقلوب مقبلة ثم إن طعام القوم كان شيئا يسيرا لا يقطع عن لحاق الجماعة غالبا الثانية ما يقع في بعض كتب الفقه إذا حضر العشاء والعشاء فابدؤوا بالعشاء لا أصل له في كتب الحديث بهذا اللفف كذا في شرح الترمذي لشيخنا أبي الفضل لكن رأيت بخط الحافظ قطب الدين أن بن أبي شيبة أخرج عن إسماعيل وهو بن علية عن بن إسحاق قال حدثني عبد الله بن رافع عن أم سلمة مرفوعا إذا حضر العشاء وحضرت العشاء فابدءوا بالعشاء فإن كان ضبطه فذا ك وإلا فقد رواه أحمد في مسنده عن إسماعيل بلفظ وحضرت الصلاة ثم راجعت مصنف بن أبي شيبة فرأيت الحديث فيه كما أخرجه أحمد والله أعلم قوله باب إذا دعي الإمام إلى الصلاة وبيده ما يأكل قيل أشار بهذا إلى أن الأمر الذي في الباب قبله للندب لا للوجوب وقد قدمنا قول من فصل بين ما إذا أقيمت الصلاة قبل الشروع في الأكل أو بعده فيحتمل أن المصنف كان يرى التفصيل ويحتمل تقييده في الترجمة بالإمام أنه كان يرى تخصيصه به وأما غيره من المأمومين فالأمر متوجه إليهم مطلقا ويؤيده قوله فيما سبق إذا وضع عشاء أحدكم وقد قدمنا تقرير ذلك مع بقية فوائد الحديث في باب من لم يتوضأ من لحم الشاة من كتاب الطهارة وقال الزين بن المنير لعله صلى الله عليه وسلم أخذ في خاصة نفسه بالعزيمة فقدم الصلاة على الطعام وأمر غيره بالرخصة لأنه لا يقوى على مدافعة الشهوة قوته وأيكم يملك أربه انتهى ويعكر على من استدل به على أن الأمر للندب احتمال أن يكون اتفق في تلك الحالة أنه قضى حاجته من الأكل فلا تتم الدلالة به وإبراهيم المذكور في الإسناد هبن سعد وصالح هو بن جلس والإسناد كله مدنيون قوله باب من كان في حاجة أهله كأنه أشار بهذه الترجمة إلى أنه لا يلحق بحكم الطعام كل أمر يكون للنفس تشوف إليه إذ لو كان كذلك لم يبق الولاء وقت في الغالب وأيضا فوضع الطعام بين يدي الآكل فيه زيادة تشوف وكلما تأخر تناوله ازداد بخلاف باقي الأمور ومحل النص إذا اشتمل على وصف يمكن اعتباره يتعين عدم إلغائه قوله في مهنة أهله بفتح الميم وكسرها وسكون الهاء فيهما

[ 137 ]

وقد فسرها في الحديث بالخدمة وهي من تفسير آدم بن أبي إياس شيخ المصنف لأنه أخرجه في الأدب عن حفص بن عمر وفي النفقا ت عن محمد بن عرعرة وأخرجه أحمد عن يحيى القطان وغندر والاسماعيلي من طريق بن مهد ورواه أبو داود الطيالسي كلهم عن شعبة بدونها وفي الصحاح المهنة بالفتح الخدمة وهذا موافق لما قاله لكن فسرها صاحب المحكم باخص من ذلك فقال المهنة الحذق بالخدمة والعمل ووقع في رواية المستملى وحده في مهنة بيت أهله وهي موجهة مع شذوذها والمراد بالأهل نفسه أو ما هو أعم من ذلك وقد وقع مفسرا في الشمائل للترمذي من طريق عمرة عن عائشة بلفظ ما كان إلا بشرا من البشر إفسادنا ثوبه ويحلب شاته ويخدم نفسه ولأحمد وابن حبان من رواية عروة عنها يخيط ثوبه ويخصف نعله وزاد بن حبان ويرقع دلوه زاد الحاكم في الإكليل ولا رأيته ضرب بيده امرأة ولا خادما قوله فإذا حضرت الصلاة في رواية بن عرعرة فإذا سمع الأذان وهو أخصووقع في الترجمة فأقيمت الصلاة وهي أخص وكأنه أخذه من حديثها المتقدم في با ب من انتطر اشتراط فإن فيه حتى يأتيه المؤذن للاقامة واستدل بحديث الباب على أنه لا يكره التشمير في الصلاة وأن النهى عن كف الشعر والثياب للتنزيه لكونها لم تذكر أنه أزاح عن نفسه هيئة المهنة كذا ذكره بن بطال ومن تبعه وفيه نظر لأنه يحتاج إلى ثبوت أنه كان له هيئتان ثم لا يلزم من ترك ذكر التهيئة الولاء عدم وقوعه وفيه الترغيب في التواضع وترك التكبر وخدمة الرجل أهله وترجم عليه المؤلف في الأدب كيف يكون الرجل في أهله قوله باب من صلى بالناس الخ والحديث مطابق للترجمة وكأنه لم يجزم فيها بالحكم لما سنبينه قوله حدثنا وهيب هو بن خالد والإسناد كله بصريون قوله اني لأصلى بكم وما أريد الصلاة استشكل نفى هذا الإرادة لما يلزم عليها من وجود صلاة غير قربة ومثلها لا يصح وأجيب بأنه لم يرد نفى القربة وإنما أراد بيان السبب الباعث له على الصلاة في غير وقت صلاة معينة جماعة وكأنه قال ليس الباعث لي على هذا الفعل حضور صلاة معينة من أداء أو إعادة أو غير ذلك وإنما الباعث لي عليه قصد التعليم وكأنه كان تعين عليه حينئذ لأنه أحد من خوطب بقوله صلوا كما رأيتموني أصلى كما سيأتي ورأى أن التعليم بالفعل أوضح من القول ففيه دليل على جواز مثل ذلك وأنه ليس من باب التشريك في العبادة قوله أصلى زاد في باب كيف يعتمد على الأرض عن معلى عن وهيب ولكني أريد أن أريكم قوله مثل شيخنا هو عمرو بن سلمة كما سيأتي في باب اللبث بين السجدتين وسياقه هناك أتم ونذكر فوائده هناك إن شاء الله تعالى تنبيه أخرج صاحب العمدة هذا الحديث وليس هو عند مسلم من حديث مالك بن الحويرث قوله باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة أي ممن ليس كذلك ومقتضاه أن الأعلم والأفضل أحق من العالم والفاضل وذكر الفضل بعد العلم من العام بعد الخاص وسيأتي الكلام على ترتيب الأئمة بعد بابين قوله حدثنا حسين هو بن على الجعفي والإسناد سوى الراوي عنه كلهم كوفيون وأبو بردة هو بن أبي موسى ووهم من زعم أنه هنا أخوه قوله رقيق أي رقيق القلب قوله لم يستطع أي من البكاء قوله فأتاه الرسول هو بلال قوله فصلى بالناس في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم أي إلى أن مات وكذا صرح به موسى بن عقبة في المغازي قوله عن أبيه عن عائشة كذا رواه جماعة عن

[ 138 ]

مالك موصولا وهو في أكثر نسخ الموطأ مرسلا ليس فيه عائشة قوله مه هي كلمة زجر بنيت على السكون قوله فليصل بالناس في رواية الكشميهني للناس وقد تقدم الكلام على فوائد هذين الحديثين في باب حد المريض أن يشهد الجماعة والظاهر أن حديث أبى موسى من مراسيل الصحابة ويحتمل أن يكون تلقاعن عائشة أو بلال وحديث أنس من طريق الزهري سيأتي في الوفاة من آخر المغازي قوله حدثنا أبو معمر هو عبد الله بن عمرو لا إسماعيل بن إبراهيم وعبد العزيز هو بن صهيب والإسناد كله بصريون قوله ثلاثا كان ابتداؤها من حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بهم قاعدا كما تقدم قوله فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم بالحجاب هو من إجراء قال مجرى فعل وهو كثير قوله ما رأينا في رواية الكشميهني ما نظرنا وقوله فأومأ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم ليس مخالفا لقوله في أوله فتقدم أبو بكر بل في السياق حذف يظهر من رواية الزهري حيث قال فيها فنكص أبو بكر والحاصل أنه تقدم ثم ظن أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج فتأخر فأشار إليه حينئذ أن يرجع إلى مكانه فائدة وقع في حديث بن عباس في نحو هذه القصة أنه صلى الله عليه وسلم قال لهم في تلك الحالة ألا وإني نهيت أن أقرأ راكعا أو ساجدا الحديث أخرجه مسلم من رواية عبد الله بن معبد عنه قوله عن حمزة بن عبد الله أي بن عمر بن الخطاب وفي كلام بن بطال ما يوهم أنه حمزة بن عمرو الأسلمي وهو خطأ قوله فعاودته بفتح الدال وسكون المثناة أي عائشة وبسكون الدال وفتح النون أي هي ومن معها من النساء قوله تابعه الزبيدي أي تابع يونس بن يزيد ومتابعته هذه وصلها الطبراني في مسند الشاميين من طريق عبد الله بن سالم الحمصي عنه موصولا مرفوعا وزاد فيه قولها فمر عمر وقال فيه فراجعته عائشة ومتابعة بن أخي الزهري وصلها بن عدي من رواية الدراوردي عنه ومتابعة إسحاق بن يحيى وصلها أبو بكر بن شاذان البغدادي في نسخة إسحاق بن يحيى في رواية يحيى بن صالح عنه تنبيه ظن بعضهم أن قوله عن الزهري أي موقوفا عليه وهو فاسد لما بيناه قوله وقال عقيل ومعمر الخ قال الكرماني الفرق بين رواية الزبيدي وابن أخي الزهري وإسحاق بن يحيى وبين رواية عقيل ومعمر أن الأولى متابعة والثانية مقاولة أه ومراده بالمقاولة الإتيان فيها بصيغة قال وليس في اصطلاح المحدثين صيغة مقاولة وإنما السر في تركه عطف رواية عقيل

[ 139 ]

ومعمر على رواية يونس ومن تابعه أنهما أرسلا الحديث وأولئك وصلوه أي أنهما خالفا يونس ومن تابعه فارسلا الحديث فأما رواية عقيل فوصلها الذهلي في الزهريات وأما معمر فاختلف عليه فرواه عبد الله بن المبارك عنه مرسلا كذلك أخرجه بن سعد وأبو يعلى من طريقه ورواه عبد الرزاق عن معمر موصولا لكن قال عن عائشة بدل قوله عن أبيه كذلك أخرجه مسلم وكأنه رجح عنده لكون عائشة صاحبة القصة ولقاء حمزة لها ممكن ورجح الأول عند البخاري لأن المحفوظ في هذا عن الزهري من حديث عائشة روايته لذلك عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنها ومما يؤيده أن في رواية عبد الرزاق عن معمر متصلا بالحديث المذكور أن عائشة قالت وقد عاودته وما حملني على معاودته إلا أني خشيت أن يتشاءم الناس معبد بكر الحديث وهذه الزيادة إنما تحفظ من رواية الزهري عن عبيد الله عنها لا من رواية الزهري عن حمزة وقد روى الاسماعيلي هذا الحديث عن الحسن بن سفيان عن يحيى بن سليمان شيخ البخاري فيه مفصلا فجعل أوله من رواية الزهري عن حمزة عن أبيه بالقدر الذي أخرج البخاري وآخره من رواية الزهري عن عبيد الله عنها والله أعلم قوله باب من قا أي صلى إلى جنب الإمام لعلة أي سبب اقتضى ذلك وقد تقدم ما فيه في باب حد المريض قوله قال عروة فوجد هو بالإسناد المذكور ووهم من جعله معلقا ثم إن ظاهره الإرسال من قوله فوجد الخ لكن رواه أبن أبي شيبة عن بن نمير بهذا الإسناد متصلا بما قبله وأخرجه بن ماجة عنه وكذا وصله الشافعي عن يحيى بن حبان عن حماد بن سلمة عن هشام وكذا وصله عن عروة عنها كما تقدم ويحتمل أن يكون عروة أخذه عن عائشة وعن غيرها فلذلك قطعه عن القدر الأول الذي أخذه عنها وحدها والأصل في الإمام أن يكون متقدما على المأمومين إلا إن ضاق المكان أو لم يكن إلا مأموم واحد وكذا لو كانوا عراة وما عدا ذلك يجوز ويجزى ولكن تفوت الفضيلة قوله باب من دخل أي إلى المحراب مثلا ليؤم الناس فجاء الإمام الأول أي الراتب فتأخر الأول أي الداخل فكل منهما أول باعتبار والمعرفة إذا أعيدت كانت عين الأولى إلا بقرينة وقرينة كونها غيرها هنا ظاهرة قوله فيه عائشة يشير بالشق الأول وهو ما إذا تأخر إلى رواية عروة عنها في الباب الذي قبله حيث قال فلما رآه استأخر وبالثانى وهو ما إذا لم يستأخر إلى رواية عبد الله عنها حيث قال فأراد أن يتأخر وقد تقدمت في باب حد المريض والجواز مستفاد من التقرير وكلا الامرين قد وقعا في حديث الباب قوله عن سهل بن سعد في رواية النسائي من طريق سفيان عن أبي حازم سمعت سهلا قوله ذهب إلى بني عمرو بن عوف أي بن مالك بن الأوس والأوس أحد قبيلتي الأنصار وهما الأوس والخزرج وبنو عمرو بن عوف بطن كبير من الأوس فيه عدة أحياء كانت منازلهم بقباء منهم بنو أمية بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف وبنو ضبيعة بن زيد وبنو ثعلبة بن عمرو بن عوف والسبب في ذهابه صلى الله عليه وسلم إليهم ما في رواية سفيان المذكورة قال وقع بين حيين من الأنصار كلام وللمؤلف في الصلح من طريق محمد بن جعفر عن أبي حازم أن أهل قباء اقتتلوا حتى تراموا بالحجارة فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال اذهبوا بنا نصلح بينهم وله فيه من رواية أبي غسان عن أبي حازم فخرج في أناس من أصحابه وسمى الطبراني منهم من طريق موسى بن محمد عن أبي حازم أبي بن كعب

[ 140 ]

وسهيل بن بيضاء وللمؤلف في الأحكام من طريق حماد بن زيد عن أبي حازم أن توجهه كان بعد أن صلى الظهر وللطبراني من طريق عمر بن على عن أبي حازم أن الخبر جاء بذلك وقد أذن بلال لصلاة الظهر قوله فحانت الصلاة أي صلاة العصر وصرح به في الأحكام ولفظه فلما حضرت صلاة العصر أذن وأقام وأمر أبا بكر فتقدم ولم يسم فاعل ذلك وقد أخرجه أحمد وأبو داود وابن حبان من رواية حماد المذكورة فبين الفاعل وأن ذلك كان بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولفظه فقال لبلال إن حضرت العصر ولم آتك فمرأبا بكر فليصل بالناس فلما حضرت العصر أذن بلال ثم أقام ثم أمر أبا بكر فتقدم ونحوه للطبراني من رواية موسى بن محمد عن أبي حازم وعرف بهذا أن المؤذن بلال وأما قوله لأبي بكر أتصلي للناس فلا يخالف ما ذكر لأنه يحمل على أنه استفهمه هل يبادر أول الوقت أو ينتظر قليلا ليأتي النبي صلى الله عليه وسلم ورجح عند أبي بكر المبادرة لأنها فضيلة متحققة فلا تترك لفضيلة متوهمة قوله فأقيم بالنصب ويجوز الرفع قوله قال نعم زاد في رواية عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه أن شئت وهو في باب رفع الأيدي عند المؤلف وإنما فوض ذلك له لاحتمال أن يكون عنده زيادة علم من النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك قوله فصلى أبو بكر أي دخل في الصلاة ولفظ عبد العزيز المذكور وتقدم أبو بكر فكبر وفي رواية المسعودي عن أبي حازم فاستفتح أبو بكر الصلاة وهي عند الطبراني وبهذا مجاب عن الفرق بين المقامين حيث امتنع أبو بكر هنا أن يستمر إماما وحيث استمر في مرض موته صلى الله عليه وسلم حين صلى خلفه الركعة الثانية من الصبح كما صرح به موسى بن عقبة في المغازي فكأنه لما أن مضى معظم الصلاة حسن الاستمرار ولما أن لم يمض منها إلا اليسير لم يستمر وكذا وقع لعبد الرحمن بن عوف حيث صلى النبي صلى الله عليه وسلم خلفه الركعة الثانية من الصبح فإنه استمر في صلاته إماما لهذا المعنى وقصة عبد الرحمن عند مسلم من حديث المغيرة بن شعبة قوله فتخلص في رواية عبد العزيز فجاء النبي صلى الله عليه وسلم يمشي في الصفوف يشقها شقا حتى قام في الصف الأول ولمسلم فخرق الصفوف حتى قام عند الصف المتقدم قوله فصفق الناس في رواية عبد العزيز فأخذ الناس في التصفيح قال سهل أتدرون ما التصفيح هو التصفيق انتهى وهذا يدل على ترادفهما عنده فلا يلتفت إلى ما يخالف ذلك وسيأتي البحث فيه في باب مفرد قوله وكان أبو بكر لا يلتفت قيل كان ذلك لعلمه بالنهي عن ذلك وقد صح أنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد كما سيأتي في باب مفرد في صفة الصلاة فلما أكثر الناس التصفيق في رواية حماد بن زيد فلما رأى التصفيح لا يمسك عنه التفت قوله فأشار إليه أن امكث مكانك في رواية عبد العزيز فأشار إليه يأمره أن يصلي وفي رواية عمر بن على فدفع في صدره ليتقدم فأبى قوله فرفع أبو بكر يديه فحمد الله ظاهره أنه تلفظ بالحمد لكن في رواية القدرة عن سفيان فرفع أبو بكر رأسه إلى السماء شكرا لله ورجع القهقرى وادعى بن الجوزي أنه أشار بالشكر والحمد بيده وليتكلم وليس في رواية القدرة ما يمنع أن يكون تلفظ ويقوي ذلك ما عند أحمد من رواية عبد العزيز الماجشون عن أبي حازم يا أبا بكر لم رفعت يديك وما منعك أن تثبت حين أشرت إليك قال رفعت يدي لأني حمدت الله على ما رأيت منك زاد المسعودي فلما تنحى تقدم النبي صلى الله عليه وسلم ونحوه في رواية حماد بن زيد قوله أن يصلي بين يدي رسول الله صلى

[ 141 ]

الله عليه وسلم في رواية الحمادين والماجشون أن يؤم النبي صلى الله عليه وسلم قوله أكثرتم التصفيق ظاهره أن الإنكار إنما حصل عليهم لكثرته لا لمطلقه وسيأتي البحث فيه قوله من نابه أي أصابه قوله فليسبح فرواية يعقوب بن عبد الرحمن عن أبي حازم فليقل سبحان الله وسيأتي في باب الإشارة في الصلاة قوله ألتفت إليه بضم المثناة على البناء للمجهول وفي رواية يعقوب المذكورة فإنه لا يسمعه أحد حين يقول سبحان الله إلا التفت قوله وإنما التصفيق للنساء في رواية عبد العزيز وإنما التصفيح للنساء زاد القدرة والتسبيح للرجال وقد روى المصنف هذه الجملة الأخيرة مقتصرا عليها من رواية الثوري عن أبي حازم كما سيأتي في باب التصفيق للنساء ووقع في رواية حماد بن زيد بصيغة الأمر ولفظه إذا نابكم أمر فليسبح الرجال وليصفح النساء وفي هذا الحديث فضل الإصلاح بين الناس وجمع كلمة القبيلة وحسم مادة القطيعة وتوجه الإمام بنفسه إلى بعض رعيته لذلك وتقديم مثل ذلك على مصلحة الإمامة بنفسه واستنبط منه توجه الحاكم لسماع دعوى بعض الخصوم إذا رجح ذلك على استحضارهم وفيه جواز الصلاة الواحدة بإمامين أحدهما بعد الآخر وأن الإمام الراتب إذا غاب يستخلف غيره وأنه إذا حضر بعد أن دخل نائبه في الصلاة يتخير بين أن يأتم به أو يؤم هو ويصير النائب مأموما من غير أن يقطع الصلاة ولا يبطل شئ من ذلك صلاة أحد من المأمومين وادعى بن عبد البر أن ذلك من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم وادعى الإجماع على عدم جواز ذلك لغيره صلى الله عليه وسلم ونوقض بان الخلاف ثابت فالصحيح المشهور عند الشافعية الجواز وعن بن القاسم في الإمام يحدث فيستخلف ثم يرجع فيخرج المستخلف ويتم الأول أن الصلاة صحيحة وفيه جواز إحرام المأموم قبل الإمام وأن المرء قد يكون في بعض صلاته إماما وفي بعضها مأموما وأن من أحرم منفردا ثم أقيمت الصلاة جاز له الدخول مع الجماعة من غير قطع لصلاته كذا استنبطه الطبري من هذه القصة وهو مأخوذ من السري جواز إحرام الإمام بعد المأموم كما ذكرنا وفيه فضل أبي بكر على جميع الصحابة واستدل به جمع من الشراح ومن الفقهاء كالروياني على أن أبا بكر كان عند الصحابة أفضلهم لكونهم اختاروه دون غيره وعلى جواز تقديم الناس لانفسهم إذا غاب إمامهم قالوا ومحل ذلك إذا أمنت الفتنة والانكار من الإما وأن الذي يتقدم نيابة عن الإمام يكون أصلحهم لذلك الأمر وأقومهم به وأن المؤذن وغيره يعرض التقدم على الفاضل وأن الفاضل يوافقه بعد أن يعلم أن ذلك برضا الجماعة أه وكل ذلك مبنى على أن الصحابة فعلوا ذلك بالاجتهاد وقد قدمنا أنهم إنما فعلوا بأمر النبي صلى الله عليه وسلم وفيه أن اشتراط واستدعاء الإمام من وظيفة المؤذن وأنه لا يقيم إلا بإذن الإمام وأن فعل الصلاة لا سيما العصر في أول الوقت مقدم على انتظار الإمام الأفضل وفيه جواز التسبيح والحمد في الصلاة لأنه من ذكر الله ولو كان مراد المسبح أعلام غيره بما صدر منه وسيأتي في باب مفرد وفيه رفع اليدين في الصلاة عند الدعاء والثناء وسيأتي كذلك وفيه استحباب حمد الله لمن تجددت له نعمة ولو كان في الصلاة وفيه جواز الالتفات للحاجة وأن مخاطبة المصلي بالإشارة أولى من مخاطبته بالعبارة وأنها تقوم مقام النطق لمعاتبة النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على مخالفة إشارته وفيه جواز شق الصفوف والمشى بين المصلين لقصد الوصول إلى الصف الأول لكنه مقصور على من يليق

[ 142 ]

ذلك به كالإمام أو من كان بصدد أن يحتاج الإمام إلى استخلافه أو من أراد سد فرجة في الصف الأول أوما يليه مع ترك من يليه سدها ولا يكون ذلك معدودا من الأذى قال المهلب لا تعارض بين هذا وبين النهى عن التخطي لأن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كغيره في أمر الصلاة ولا غيرها لأن له أن يتقدم بسبب ما ينزل عليه من الأحكام وأطال في تقرير ذلك وتعقب بأن هذا ليس من الخصائص وقد أشار هو إلى المعتمد في ذلك فقال ليس في ذلك شئ من الأذى والجفاء الذي يحصل من التخطي وليس كمن شق الصفوف والناس جلوس لما فيه من تخطى رقابهم وفيه كراهية التصفيق في الصلاة وسيأتي في باب مفرد وفيه الحمد والشكر على الوجاهة في الدين وأن من أكرم بكرامة يتخير بين القبول والترك إذا فهم أن ذلك الأمر على غير جهة اللزوم وكأن القرينة التي بينت لأبي بكر ذلك هي كونه صلى الله عليه وسلم شق الصفوف إلى أن انتهى إليه فكأنه فهم من ذلك أن مراده أن يؤم الناس وأن أمره إياه بالاستمرار في الإمامة من باب الإكرام له والتنويه بقدره فسلك هو طريق الأدب والتواضع ورجح ذلك عنده احتمال نزول الوحي في حال الصلاة لتغيير حكم من أحكامها وكأنه لأجل هذا لم يتعقب صلى الله عليه وسلم اعتذاره برد عليه وفيه جواز إمامة المفضول للفاضل وفيه سؤال الرئيس عن سبب مخالفة أمره قبل الزجر عن ذلك وفيه إكرام الكبير بمخاطبته بالكنية واعتماد ذكر الرجل لنفسه بما يشعر بالتواضع من جهة استعمال أبي بكر خطاب الغيبة مكان الحضور إذ كان حد الكلام أن يقول أبو بكر ما كان لي فعدل عنه إلى قوله ما كان لابن أبي قحافة لأنه أدل على التواضع من الأول وفيه جواز العمل القليل في الصلاة لتأخر أبي بكر عن مقامه إلى الصف الذي يليه وأن من أحتاج إلى مثل ذلك يرجع القهقرى ولا يستدبر القبلة ولا ينحرف عنها واستنبط بن عبد البر منه جواز الفتح على الإمام لأن التسبيح إذا جاز جازت التلاوة من باب الأولى والله أعلم قوله باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم هذه الترجمة مع ما سأبينه من زيادة في بعض طرق حديث الباب منتزعة من حديث أخرجه مسلم من رواية أبي مسعود الأنصاري مرفوعا يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سنا الحديث ومداره على إسماعيل بن رجاء عن أوس بن ضمعج عنه وليسا جميعا من شرط البخاري وقد نقل بن أبي حاتم في العلل عن أبيه أن شعبة كان يتوقف في صحة هذا الحديث ولكن هو في الجملة يصح لح للاحتجاج به عند البخاري وقد علق منه طرفا بصيغة الجزم كما سيأتي واستعمله هنا في الترجمة وأورد في الباب ما يؤدي معناه وهو حديث مالك بن الحويرث لكن ليس فيه التصريح باستواء المخاطبين في القراءة وأجاب الزين بن المنير وغيره بما حاصله أن تساوى هجرتهم وإقامتهم وغرضهم بها مع ما في الشباب غالبا من الفهم ثم توجه الخطاب إليهم بان يعلموا من وراءهم من غير تخصيص بعضهم دون بعض دال على استوائهم في القراءة والتفقه في الدين قلت وقد وقع التصريح بذلك فيما رواه أبو داود من طريق مسلمة بن محمد عن خالد الحذاء عن أبي قلابة في هذا الحديث قال وكنا يومئذ متقاربين في العلم انتهوأظن في هذه الرواية إدراجا فإن بن خزيمة رواه من طريق إسماعيل بن علية عن خالد قال قلت لأبي قلابة فأين القراءة قال إنهما كانا متقاربين وأخرجه مسلم من طريق حفص بن الصالح عن خالد الحذاء

[ 143 ]

وقال فيه قال الحذاء وكانا متقاربين في القراءة ويحتمل أن يكون مستند أبي قلابة في ذلك هو إخبار مالك بن الحويرث كما أن مستند الحذاء هو إخبار أبي قلابة له به فينبغي الادراج عن الإسناد والله أعلم تنبيه ضمعج والد أوس بفتح الضاد المعجمة وسكون الميم وفتح العين المهملة بعدها جيم معناه الغليظ وقوله في حديث أبي مسعود أقرؤهم قيل المراد به الأفقه وقيل هو على ظاهره وبحسب ذلك اختلف الفقهاء قال النووي قال أصحابنا الأفقه مقدم على الاقرأ فإن الذي يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من الفقه غير مضبوط فقد يعرض في الصلاة أمر لا يقدر على مراعاة الصلاة فيه إلا كامل الفقه ولهذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر في الصلاة على الباقين مع أنه صلى الله عليه وسلم نص على أن غيره أقرأ منه كأنه عنى حديث أقرؤكم أبي قال وأجابوا عن الحديث بان الأقرأ من الصحابة كان هو الأفقه قلت وهذا الجواب يلزم منه أن من نص النبي صلى الله عليه وسلم على أنه أقرأ من أبي بكر كان أفقه من أبي بكر فيفسد الاحتجاج بأن تقديم أبي بكر كان لأنه الافقه ثم قال النووي بعد ذلك إن قوله في حديث أبي مسعود فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم السنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم في الهجرة يدل على تقديم الاقرأ مطلقا انتهى وهو واضح للمغايرة وهذه الرواية أخرجها مسلم أيضا من وجه آخر عن إسماعيل بن رجاء ولا يخفى أن محل تقديم الأقرأ إنما هو حيث يكون عارفا بما يتعين معرفته من أحوال الصلا فأما إذا كان جاهلا بذلك فلا يقدم اتفاقا والسبب فيه أن أهل ذلك العصر كانوا يعرفون معاني القرآن لكونهم أهل اللسان فالاقرأ منهم بل القارئ كان أفقه في الدين من كثير من الفقهاء الذين جاءوا بعدهم قوله ونحن شببة بفتح المعجمة والموحدتين جمع شاب زاد في الأدب من طريق بن علية عن أيوب شببة متقاربون والمراد تقاربهم في السن لأن ذلك كان في حال قدومهم قوله نحوا من عشرين في رواية بن علية المذكورة الجزم به ولفظه فأقمنا عنده عشرين ليلة والمراد بأيامها ووقع التصريح بذلك في روايته في خبر الواحد من طريق عبد الوهاب عن أيوب قوله رحيما فقال لو رجعتم في رواية بن علية وعبد الوهاب رحيما رقيقا فظن أنا اشتقنا إلى أهلنا وسألنا عمن تركنا بعدنا فأخبرناه فقال ارجعوا إلى أهليكم فأقيموا فيهم وعلموهم ويمكن الجمع بينهما بأن يكون عرض ذلك عليهم على طريق الإيناس بقوله لو رجعتم إذ لو بدأهم بالأمر بالرجوع لأمكن أن يكون فيه تنفير فيحتمل أن الريح أجابوه بنعم فأمرهم حينئذ بقوله ارجعوا واقتصار الصحابي على ذكر سبب الأمر برجوعهم بأنه الشوق إلى أهليهم دون قصد التعليم هو لما قام عنده من القرينة الدالة على ذلك ويمكن أن يكون عرف ذلك بتصريح القول منه صلى الله عليه وسلم وإن كان سبب تعليمهم قومهم أشرف في حقهم لكنه أخبر بالواقع ولم يتزين بما ليس فيهم ولما كانت نيتهم صادقة صادف شوقهم إلى أهلهم الحظ الكامل في الدين وهو أهلية التعليم كما قال الإمام أحمد في الحرص على طلب الحديث حظ وافق حقا قوله وليؤمكم أكبركم ظاهره تقديم الأكبر بكثير السن وقليله وأما من جوز أن يكون مراده بالكبر ما هو أعم من السن أو القدر كالتقدم في الفقه والقراءة والدين فبعيد لما تقدم من فهم راوي الخبر حيث قال للتابعي فأين القراءة فإنه دال على أنه أراد كبر السن وكذا دعوى من زعم أن قوله وليؤمكم أكبركم معارض بقوله يؤم القوم أقرؤهم

[ 144 ]

لأن الأول يقتضى تقديم الأكبر على الأقرأ والثاني عكسه ثم انفصل عنه بان قصة مالك بن الحويرث واقعة عين قابلة للاحتمال بخلاف الحديث الآخر فإنه تقرير قاعدة تفيد التعميم قال فيحتمل أن يكون الأكبر منهم كان يومئذ هو الأفقه انتهى والتنصيص على تقاربهم في العلم يرد عليه فالجمع الذي قدمناه أولى والله أعلم وفي الحديث أيضا فضل الهجرة والرحلة في طلب العلم وفضل التعليم وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة والاهتمام بأحوال الصلاة وغيرها من أمور الدين وأجازة خبر الواحد وقيام الحجة به وتقدم الكلام على بقية فوائده في باب من قال يؤذن في السفر مؤذن واحد ويأتي الكلام على قوله صلوا كما رأيتموني أصلى في باب إجازة خبر الواحد إن شاء الله تعالى قوله باب إذا زار الإمام قوما فأمهم قيل أشار بهذه الترجمة إلى أن حديث مالك بن الحويرث الذي أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه مرفوعا من زار قوما فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم أمرهم على من عدا الإمام الأعظم وقال الزين بن المنير مراده أن الإمام الأعظم ومن يجري مجراه إذا حضر بمكان مملوك لا يتقدم عليه مالك الدار أو المنفعة ولكن ينبغي للمالك أن يأذن له ليجمع بين الحقين حق الإمام في التقدم وحق المالك في منع التصرف بغير إذنه انتهى ملخصا ويحتمل أنه أشار إلى ما في حديث أبي مسعود المتقدم ولا يؤم الرجل في سلطانه ولا يجلس على تكرمته إلا بإذنه فإن مالك الشئ سلطان عليه والإمام الأعظم سلطان على المالك وقوله إلا بإذنه يحتمل عوده على الامرين الإمامة والجلوس وبذلك جزم أحمد كما حكاه الترمذي عنه فتحصل بالإذن مراعاة الجانبين قوله حدثنا معاذ بن أسد هو مروزي سكن البصرة وليس هو أخا لمعلى بن أسد أحد شيوخ البخاري أيضا كان معاذ المذكور كاتبا لعبد الله بن المبارك وهو شيخه في هذا الإسناد وقد تقدم الكلام على حديث عتبان مستوفى في باب المساجد التي في البيوت قوله باب إنما جعل الإمام ليؤتم به هذه الترجمة قطعة من الحد يث الآتي في الباب والمراد بها أن الائتمام يقتضى متابعة المأموم لإمامه في أحوال الصلاة فتنتفى المقارنة والمسابقة والمخالفة إلا ما دل الدليل الشرعي عليه ولهذا صدر المصنف الباب بقوله وصلى النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي توفي فيه وهو جالس أي والناس خلفه قياما ولم يأمرهم بالجلوس كما سيأتي فدل على دخول التخصيص في عموم قوله إنما جعل الإمام ليؤتم به قوله وقال بن مسعود الخ وصله بن أبي شيبة بإسناد صحيح وسياقه أتم ولفظه لا تبادروا أئمتكم بالركوع ولا بالسجود وإذا رفع أحدكم رأسه والإمام ساجد فليسجد ثم ليمكث قدر ما سبقه به الإمام انتهى وكأنه أخذه من قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به ومن قوله وما فاتكم فأتموا وروى عبد الرزاق عن عمر نحو قول بن مسعود ولفظه أيما رجل رفع رأسه قبل الإمام في ركوع أو سجود فليضع رأسه بقدر رفعه إياه وإسناده صحيح قال الزين بن المنير إذا كان الرافع المذكور يؤمر عنده بقضاء القدر الذي خرج فيه عن الإمام فأولى أن يتبعه في جملة السجود فلا يسجد حتى يسجد وظهرت بهذا مناسبة هذا الأثر للترجمة قوله وقال الحسن الخ فيه فرعان أما الفرع الأول فوصله بن المنذر في كتابه الكبير ورواه سعيد بن منصور عن هشيم عن يونس عن الحسن ولفظه في الرجل يركع يوم الجمعة فيزحمه الناس فلا يقدر على السجود قال فإذا فرغوا من صلاتهم سجد سجدتين

[ 145 ]

لركعته الأولى ثم يقوم فيصلى ركعة وسجدتين ومقتضاه أن الإمام لا يتحمل الأركان فمن لم يقدر على السجود معه لم تصح له الركعة ومناسبته للترجمة من جهة أن المأموم لو كان له أن ينفرد عن الإمام لم يستمر متابعا في صلاته التي اختل بعض أركانها حتى يحتاج إلى تداركه بعد الإمام وأما الفرع الثاني فوصله بن أبي شيبة وسياقه أتم ولفظه في رجل نسي سجدة من أول صلاته فلم يذكرها حتى كان آخر ركعة من صلاته قال يسجد ثلاث سجدات فإن ذكرها قبل السلام يسجد سجدة واحدة وإن ذكرها بعد انقضاء الصلاة يستأنف الصلاة وقد تقدم الكلام على حديث عائشة الأول في باب حد المريض أن يشهد الجماعة وقد ذكرنا مناسبته للترجمة قبل وقوله فيه ضعوني ماء كذا للمستملي والسرخسي بالنون وللباقين ضعوا لي وهو أوجه وكذلك أخرجه مسلم عن أحمد بن يونس شيخ البخاري فيه والأول كما قال الكرماني أمرهم على تضمين الوضع معنى الإعطاء أو على نزع الخافض أي ضعوني في ماء والمخضب تقدم الكلام عليه في أبواب الوضوء وأن الماء الذي اغتسل به كان من سبع قرب وذكرت حكمة ذلك هناك قوله فذهب في رواية الكشميهني ثم ذهب لينوء بضم النون بعدها مدة أي لينهض بجهد قوله فأغمى عليه فيه أن الإغماء جائز على الأنبياء لأنه شبيه بالنوم قال النووي جاز عليهم لأنه مرض من الأمراض بخلاف الجنون فلم يجز عليهم لأنه نقص قوله ينتظرون النبي عليه السلام لصلاة العشاء كذا للأكثر بلام التعليل وفي رواية المستملى والسرخسي لصلاة العشاء الآخرة وتوجيهه أن الراوي كأنه فسر الصلاة المسئول عنها في قوله صلى الله عليه وسلم أصلى الناس فذكره أي الصلاة المسئول عنها هي العشاء الآخرة قوله فخرج بين رجلين كذا للكشميهنى وللباقين وخرج بالواو قوله لصلاة الظهر هو صريح في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر وزعم بعضهم أنها الصبح واستدل بقوله في رواية أرقم بن شرحبيل عن بن عباس وأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم القراءة من حيث بلغ أبو بكر هذا لفظ بن ماجة وإسناده حسن لكن في الاستدلال به نظر لاحتمال أن يكون صلى الله عليه وسلم سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة وقد كان هو صلى الله عليه وسلم يسمع الآية أحيانا في الصلاة السرية كما سيأتي من حديث أبي قتادة ثم لو سلم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح بل يحتمل أن تكون المغرب فقد ثبت في الصحيحين عن أم الفضل بنت الحارث قالت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله وهذا لفظ البخاري وسيأتي في باب الوفاة من آخر المغازي لكن وجدت بعد في النسائي أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته وقد صرح الشافعي بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل بالنا س في مرض موته في المسجد إلا مرة واحدة وهي هذه التي صلى فيها قاعدا وكان أبو بكر فيها أولا إماما ثم صار مأموما يسمع الناس التكبير قوله فجعل أبو بكر يصلي وهو قائم كذا للأكثر وللمستملى والسرخسي وهو يأتم من الائتمام واستدل بهذا الحديث على أن استخلاف الإمام الراتب إذا اشتكى أولى من صلاته بهم قاعدا لأنه صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر ولم يصل بهم قاعدا غير مرة واحدة واستدل به على صحة إمامة القاعد المعذور بمثله وبالقائم أيضا وخالف في ذلك مالك في المشهور عنه ومحمد بن الحسن فيما حكاه الطحاوي ونقل عنه أن ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم واحتج بحديث

[ 146 ]

جابر عن الشعبي مرفوعا لا يؤمن أحد بعدي جالسا واعترضه الشافعي فقال قد علم من احتج بهذا أن لا حجة فيه لأنه مرسل ومن رواية رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه يعني جابرا الجعفي وقال بن بزيزة لو صح لم يكن فيه حجة لأنه يحتمل أن يكون المراد منع الصلاة بالجالس أي يعرب قوله جالسا مفعولا لا حالا وحكى عياض عن بعض مشايخهم أن الحديث المذكور يدل على نسخ أمره المتقدم له بالجلو س لما صلوا خلفه قياما وتعقب بأن ذلك يحتاج لو صح إلى تاريخ وهو لا يصح لكنه زعم أنه تقوى بان الخلفاء الراشدين لم بالصلاة أحد منهم قال والنسخ لا يثبت بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن مواظبتهم على ترك ذلك تشهد لصحة الحديث المذكور وتعقب بأن عدم النقل لا يدل على عدم الوقوع ثم لو سلم لا يلزم منه عدم الجواز لاحتمال أن الريح اكتفوا باستخلاف القادر على القيام للاتفاق على أن صلاة القاعد بالقائم مرجوحة بالنسبة إلى صلاة القائم بمثله وهذا كاف في بيان سبب تركهم الإمامة من قعود واحتج أيضا بأنه صلى الله عليه وسلم إنما صلى بهم قاعدا لأنه لا يصح التقدم بين يديه لنهى الله عن ذلك ولأن الأئمة شفعاء ولا يكون أحد شافعا له وتعقب بصلاته صلى الله عليه وسلم خلف عبد الرحمن بن عوف وهو ثابت بلا خلاف وصل أيضا أنه صلى خلف أبي بكر كما قدمناه والعجب أن عمدة مالك في منع إمامة القاعد قول ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان في تلك الصلاة مأموما خلف أبي بكر وإنكاره أن يكون صلى الله عليه وسلم أم في مرض موته قاعدا كما حكاه عنه الشافعي في الأم فكيف يدعي أصحابه عدم تصوير أنه صلى مأموما وكأن حديث إمامته المذكور لما كان في غاية الصحة ولم يمكنهم رده سلكوا في الانتصار وجوها مختلف وقد تبين بصلاته خلف عبد الرحمن بن عوف أن المراد بمنع التقدم بين يديه في غير الإمامة وأن المراد بكون الأئمة شفعاء أي في حق من يحتاج إلى الشفاعة ثم لو سلم أنه لا يجوز أن يؤمه أحد لم يدل ذلك على منع إمامة القاعد وقد أم قاعدا جماعة من الصحابة بعده صلى الله عليه وسلم منهم أسيد بن حضير وجابر وقيس بن قهد وأنس بن مالك والأسانيد عنهم بذلك صحيحة أخرجها عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وغيرهم بل ادعى بن حبان وغيره إجماع الصحابة على صحة إمامة القاعد كما سيأتي وقال أبو بكر بن العربي لا جواب لأصحابنا عن حديث مرض النبي صلى الله عليه وسلم يخلص عند السبك واتباع السنة أولى والتخصيص لا يثبت بالاحتمال قا إلا أني سمعت بعض الأشياخ يقول الحال أحد وجوه التخصيص وحال النبي صلى الله عليه وسلم والتبرك به وعدم العوض عنه يقتضى الصلاة معه على أي حال كان عليها وليس ذلك لغيره وأيضا فنقص صلاة القاعد عن القائم لا يتصور في حقه ويتصور في حق غيره والجواب عن الأول رده بعموم قوله صلى الله عليه وسلم صلوا كما رأيتموني أصلى وعن الثاني بأن النقص إنما هو في حق القادر في النافلة وأما المعذور في الفريضة فلا نقص في صلاته عن القائم واستدل به على نسخ الأمر بصلاة المأموم قاعدا إذا صلى الإمام قاعدا لكونه صلى الله عليه وسلم أقر الصحابة على القيام خلفه وهو قاعد هكذا قرره الشافعي وكذا نقله المصنف في آخر الباب عن شيخه القدرة وهو تلميذ الشافعي وبذلك يقول أبو حنفية وأبو يوسف والأوزاعي وحكاه الوليد بن مسلم عن مالك وأنكر أحمد نسخ الأمر المذكور بذلك وجمع بين الحديثين بتنزيلهما على حالتين أحدهما إذا ابتدأ الإمام الراتب الصلاة قاعدا لمرض يرجى

[ 147 ]

برؤه فحينئذ يصلون خلفه قعودا ثانيتهما إذا ابتدأ الإمام الراتب قائما لزم المأمومين أن يصلوا خلفه قياما سواء طرأ ما يقتضى صلاة إمامهم قاعدا ألا كما في الأحاديث التي في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم فإن تقريره لهم على القيام دل على أنه لا يلزمهم الجلوس في تلك الحالة لأن أبا بكر ابتدأ الصلاة بهم قائما وصلوا معه قياما بخلاف الحالة الأولى فإنه صلى الله عليه وسلم ابتدأ الصلاة جالسا فلما صلوا خلفه قياما أنكر عليهم ويقوى هذا الجمع أن الأصل عدم النسخ لا سيما وهو في هذه الحالة يستلزم دعوى النسخ مرتين لأن الأصل في حكم القادر على القيام أن لا يصلي قاعدا وقد نسخ إلى القعود في حق من صلى إمامه قاعدا فدعوى نسخ القعود بعد ذلك تقتضي وقوع النسخ مرتين وهو بعيد وأبعد منه ما تقدم عن نقل عياض فإنه يقتضى وقوع النسخ ثلاث مرات وقد قال بقول أحمد جماعة من محدثي الشافعية كابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وأجابوا عن حديث الباب بأجوبة أخرى منها قول بن خزيمة إن الأحاديث التي وردت بأمر المأموم أن يصلي قاعدا تبعا لإمامه لم يختلف في صحتها ولا في سياقها وأما صلاته صلى الله عليه وسلم قاعدا فاختلف فيها هل كان إماما أو مأموما قال وما لم يختلف فيه لا ينبغي تركه لمختلف فيه وأجيب بدفع الاختلاف والحمل على أنه كان إماما مرة ومأموما أخرى ومنها أن بعضهم جمع بين القصتين بأن الأمر بالجلوس كان للندب وتقريره قيامهم خلفه كان لبيان الجواز فعلى هذا الأمر من أم قاعدا لعذر تخير من صلى خلفه بين القعود والقيام والقعود أولى لثبوت الأمر بالائتمام والاتباع وكثرة الأحاديث الواردة في ذلك وأجاب بن خزيمة عن استبعاد من استبعد ذلك بان الأمر قد صدر من النبي صلى الله عليه وسلم بذلك واستمر عليه عمل الصحابة في حياته وبعده فروعبد الرزاق بإسناد صحيح عن قيس بن قهد بفتح القاف وسكون الهاء الأنصاري أن إماما لهم اشتكى لهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فكان يؤمنا وهو جالس ونحن جلوس وروى بن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه فاشتكى فخرج إليهم بعد شكواه فأمروه أن يصلي بهم فقال إني لا أستطيع أن أصلى قائما فاقعدوا فصلى بهم قاعدا وهم قعود وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضير أنه قال يا رسول الله إن إمامنا مريض قال إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا وفي إسناده انقطاع وروى بن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة فصلى بهم جالسا وصلوا معه جلوسا وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك وإسناده صحيح أيضا وقد ألزم بن المنذر من قال بأن الصحابي أعلم بتأويل ما روى بان يقول بذلك لأن أبا هريرة وجابرا رويا الأمر المذكور واستمر على العمل به والفتيا بعد النبي صلى الله عليه وسلم ويلزم ذلك من قال إن الصحابي إذا روى وعمل بخلافة أن العبرة بم عمل من باب الأولى لأنه هنا عمل بوفق ما روى وقد ادعى بن حبان الإجماع على العمل به وكأنه أراد السكوتي لأنه حكاه عن أربعة من الصحابة الذين تقدم ذكرهم وقال إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة غيرهم القول بخلافه لا عن طريق صحيح ولا ضعيف وكذا قال بن حزم إنه لا يحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك ثم نازع فثبوت كون الصحابة صلوا خلفه صلى الله عليه وسلم وهو قاعد قياما غير أبي بكر قال لأن ذلك لم يرد صريحا وأطال في ذلك بما لا طائل فيه والذي ادعى نفيه قد أثبته الشافعي وقال إنه في رواية إبراهيم عن الأسود عن عائشة ثم وجدته مصرحا به أيضا في

[ 148 ]

مصنف عبد الرزاق عن بن جريج أخبرني عطاء فذكر الحديث ولفظه فصلى النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا وجعل أبو بكر وراءه بينه وبين الناس وصلى الناس وراءه قياما وهذا مرسل يعتضد بالرواية التي علقها الشافعي عن النخعي وهذا هو الذي يقتضيه النظر فإنهم ابتدؤا الصلاة مع أبي بكر قياما بلا نزاع فمن ادعى أنهم قعدوا بعد ذلك فعليه البيان ثم رأيت بن حبان استدل على أنهم قعدوا بعد أن كانوا قياما بما رواه من طريق أبي الزبير عن جابر قال اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يسمع الناس تكبيره قال فالتفت إلينا فرآنا قياما فأشار إلينا فقعدنا فلما سلم قال إن كدتم لتفعلون فعل فارس والروم فلا تفعلوا الحديث وهو حديث صحيح أخرجه مسلم لكن ذلك لم يكن في مرض موته وإنما كان ذلك حيث سقط عن الفرس كما في رواية أبي سفيان عن جابر أيضا قال ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فرسا بالمدينة فصرعه على جذع نخلة فانفكت قدمه الحديث أخرجه أبو داود وابن خزيمة بإسناد صحيح فلا حجة على هذا لما ادعاه إلا أنه تمسك بقوله في رواية أبي الزبير وأبو بكر يسمع الناس التكبير وقال إن ذلك لم يكن إلا في مرض موته لأن صلاته في مرضه الأول كانت في مشربة عائشة ومعه نفر من أصحابه لا يحتاجون إلى من يسمعهم تكبيره بخلاف صلاته في مرض موته فإنها كانت في المسجد بجمع كثير من الصحابة فاحتاج أبو بكر أن يسمعهم التكبير انتهى ولا راحة له فيما تمسك به لأن إسماع التكبير في هذا لم يتابع أبا الزبير عليه أحد وعلى تقدير أنه حفظه فلا مانع أن يسمعهم أبو بكر التكبير في تلك الحالة لأنه يحمل على أن صوته صلى الله عليه وسلم كان خفيا من الوجع وكان من عادته أن يجهب التكبير فكان أبو بكر يجهر عنه بالتكبير لذلك ووراء ذلك كله أنه أمر محتمل يترك لأجله الخبر الصريح بأنهم صلوا قياما كما تقدم في مرسل عطاء وغيره بل في مرسل عطاء أنهم استمروا قياما إلى أن انقضت الصلاة نعم وقع في مرسل عطاء المذكور متصلا به بعد قوله وصلى الناس وراءه قياما فقال النبي صلى الله عليه وسلم لو استقبلت من آمري ما استدبرت ما صليتم إلا قعودا فصلوا صلاة إمامكم ما كان إن صلى قائما فصلوا قياما وان صلى قاعدا فصلوا قعودا وهذه الزيادة تقوى ما قال بن حبا أن هذه القصة كانت في مرض موت النبي صلى الله عليه وسلم ويستفاد منها نسخ الأمر بوجوب صلاة المأمومين قعودا إذا صلى إمامهم قاعدا لأنه صلى الله عليه وسلم لم يأمرهم في هذه المرة الأخيرة بالإعادة لكن إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز والجواز لا ينافي الاستحباب فيحمل أمره الأخير بأن يصلوا قعودا على الاستحباب لأن الوجوب قد رفع بتقريره لهم وترك أمرهم بالإعادة هذا مقتضى الجمع بين الأدلة وبالله التوفيق والله أعلم وقد تقدم الكلام على باقي فوائد هذا الحديث في باب حد المريض أن يشهد الجماعة قوله في بيته أي في المشربة التي في حجرة عائشة كما بينه أبو سفيان عن جابر وهو دال على أن تلك الصلاة لم تكن في المسجد وكأنه صلى الله عليه وسلم عجز عن الصلاة بالناس في المسجد فكان يصلي في بيته بمن حضر لكنه لم ينقل أنه استخلف ومن ثم قال عياض أن الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن كان في المسجد وهذا الذي قاله محتمل أيضا أن يكون استخلف وان لم ينقل ويلزم على الأول صلاة الإمام أعلى من المأمومين ومذهب عياض خلافه لكن له أن يقول

[ 149 ]

محل المنع ما إذا لم يكن مع الإمام في مكانه العالي أحد وهنا كان معه بعض أصحابه قوله وهو شاك بتخفيف الكاف بوزن قاض من الشكاية وهي المرض وكان سبب ذلك ما في حديث أنس المذكور بعده أنه سقط عن فرس قوله فصلى جالسا قال عياض يحتمل أن يكون أصابه من السقطة رض في الأعضاء منعه من القيام قلت وليس كذلك وإنما كانت قدمه صلى الله عليه وسلم انفكت كما في رواية بشر بن المفضل عن حميد عن أنس عند الاسماعيلي وكذا لأبي داود وابن خزيمة من رواية أبي سفيان عن جابر كما قدمناه وأما قوله في رواية الزهري عن أنس بن مالك جحش شقه الأيمن وفي رواية يزيد عن حميد عن أنس جحش ساقه أو كتفه كما تقدم في باب الصلاة على السطوح فلا ينافي ذلك كون قدمه انفكت لاحتمال وقوع الامرين وقد تقدم تفسير الجحش بأنه الخدش والخدش قشر الجلد ووقع عند المصنف في باب يهوى بالتكبير من رواية سفيان عن الزهري عن أنس قال سفيان حفظت من الزهري شقه الأيمن فلما خرجنا قال بن جريج ساقه الأيمن قلت ورواية بن جريج أخرجها عبد الرزاق عنه وليست مصحفة كما زعم بعضهم لموافقة رواية حميد المذكورة لها وإنما هي مفسرة لمحل الخدش من الشق الأيمن لأن الخدش لم يستوعبه وحاصل ما في القصة أن عائشة أبهمت الشكوى وبين جابر وأنس السبب وهو السقوط عن الفرس وعين جابر العلة في الصلاة قاعدا وهي انفكاك القدم وأفاد بن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة قوله وصلى وراءه قوم قياما ولمسلم من رواية عبدة عن هشام فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه الحديث وقد سمي منهم في الأحاديث أنس كما في الحديث الذي بعده عند الاسماعيلي وجابر كما تقدم وأبو بكر كما في حديث جابر وعمر كما في رواية الحسن مرسلا عند عبد الرزاق قوله فأشار إليهم كذا للأكثر هنا من الإشارة وكذا لجميعهم في الطب من رواية يحيى القطان عن هشام ووقع هنا للحموى فأشار عليهم من المشورة والأول أصح فقد رواه أيوب عن هشابلفظ فأومأ إليهم ورواه عبد الرزاق عن معمر عن هشام بلفظ فاخلف بيده يومئ بها إليهم وفي مرسل الحسن ولم يبلغ بها الغاية قوله إنما جعل الإمام ليؤتم به قال البيضاوي وغيره الائتمام الاقتداء والاتباع أي جعل الإمام إماما ليقتدي به ويتبع ومن شأن التابع أن لا يسبق متبوعه ولا يساويه ولا يتقدم عليه في موقفه بل يراقب أحواله ويأتي على أثره بنحو فعله ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شئ من الأحوال وقال النووي وغيره متابعة الإمام واجبة في الأفعال الظاهرة وقد نبه عليها في الحديث فذكر الركوع وغيره بخلاف النية فإنها لم تذكر وقد خرجت بدليل آخر وكأنه يعني قصة معاذ الآتية ويمكن أن يستدل من هذا الحديث على عدم دخولها لأنه يقتضى الحصرفي الاقتداء به في أفعاله لافى جميع أحواله كما لو كان محدثا أو حامل نجاسة فالصلاة خلفه تصح لمن لم يعلم حاله على الصحيح عند العلماء ثم مع وجوب المتابعة ليس شئ منها شرطا في صحة القدوة الا تكبيرة الإحرام واختلف في الائتمام والمشهور عند المالكية اشتراطه مع الإحرام والقيام من المنكدر الأول وخالف الحنفية فقالوا تكفى المقارنة قالوا لأن معنى الائتمام الامتثال ومن فعل مثل فعل أمامه عد ممتثلا وسيأتي بعد باب الدليل على تحريم التقدم على الإمام في الأركان قوله فإذا ركع فاركعوا قال بن المنير مقتضاه أن ركوع المأموم يكون بعد ركوع الإمام

[ 150 ]

إما بعد تمام انحنائه وأما أن يسبقه الإمام باوله فيشرع فيه بعد أن يشرع قال وحديث أنس أتم من حديث عائشة لأنه زاد فيه المتابعة في القول أيضا قلتقد وقعت الزيادة المذكورة وهي قوله وإذا قال سمع الله لمن حمده في حديث عائشة أيضا ووقع في رواية الليث عن الزهري عن أنس زيادة أخرى في الأقوال وهي قوله في أوله فإذا كبر فكبروا وسيأتي في باب إيجاب التكبير وكذا فيه من رواية الأعرج عن أبي هريرة وزاد في رواية عبدة عن هشام في الطب وإذا رفع فارفعوا وإذا سجد فاسجدوا وهو يتناول الرفع من الركوع والرفع من السجود وجميع السجدات وكذا وردت زيادة ذلك في حديث أنس الذي في الباب وقد وافق عائشة وأنسا وجابرا على رواى هذا الحديث دون القصة التي في أوله أبو هريرة وله طرق عنه عند مسلم منها ما اتفق عليه الشيخان من رواية همام عنه كما سيأتي في باب إقامة الصف وفيه جميع ما ذكر في حديث عائشة وحديث أنس بالزيادة وزاد أيضا بعد قوله ليؤتم به فلا تختلفوا عليه ولم يذكرها المصنف في رواية أبي الزناد عن الأعرج عنه من طريق شعيب عن أبي الزناد في باب إيجاب التكبير لكن ذكرها السراج والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في المستخرج عنه من طريق أبي وابنه شيخ البخاري فيه وأبو عوانة من رواية بشر بن شعيب عن أبيه شيخ أبي وابنه ومسلم من رواية اني بن عبد الرحمن والاسماعيلي من رواية مالك وورقاء كلهم عن أبي الزناد شيخ شعيب وأفادت هذه الزيادة أن الأمر بالاتباع يعم جميع المأمومين ولا يكفي في تحصيل الائتمام أتباع بعض دون بعض ولمسلم من رواية الأعمش عن أبي صالح عنه لا تبادروا الإمام إذا كبر فكبروا الحديث زاد أبو داود من رواية مصعب بن محمد عن أبي صالح ولا تركعوا حتى يركع ولا تسجدوا حتى يسجد وهي زيادة حسنة تنفى احتمال إرادة المقارنة مقوله إذا كبر فكبروا فائدة جزم بن بطال ومن تبعه حتى بن دقيق العيد أن الفاء في قوله فكبروا للتعقيب قالوا ومقتضاه الأمر بأن أفعال المأموم أنكر عقب فعل الإمام لكن تعقب بان الفاء التي للتعقيب هي العاطفة وأما التي هنا فهي للربط فقط لأنها وقعت جوابا للشرط فعلى هذا لا تقتضي تأخر أفعال المأموم عن الإمام إلا على القول بتقدم الشرط على الجزاء وقد قال قوم إن الجزاء يكون مع الشرط فعلى هذالا تنتفى المقارنة لكن رواية أبي داود هذه صريحة في انتفاء التقدم والمقارنة والله أعلم قوله فقولوا ربنا ولك الحمد كذا لجميع الرواة في حديث عائشة بإثبات الواو وكذا لهم في حديث أبي هريرة وأنس إلا في رواية الليث عن الزهري في باب إيجاب التكبير فللكشميهنى بحذف الواو ورجح اثبات الواو بأن فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف تقديره ربنا استجب أو ربنا أطعناك ولك الحمد فيشتمل على الدعاء والثناء معا ورجح قوم حذفها لأن الأصل عدم التقدير فتكون عاطفة على كلام غير تام والأول أوجه كما قال بن دقيق العيد وقال النووي ثبتت الرواية بإثبات الواو وحذفها والوجهان جائزان بغير ترجيح وسيأتي في أبواب صفة الصلاة الكلام على زيادة اللهم قبلها ونقل عياض عن القاضي عبد الوهاب أنه استدل به على أن الإمام يقتصر على قوله سمع الله لمن حمده وأن المأموم يقتصر على قوله ربنا ولك الحمد وليس في السياق ما يقتضى المنع من ذلك لأن السكوت عن الشئ لا يقتضى ترك فعله نعم مقتضاه أن المأموم يقول ربنا لك الحمد عقب قول الإمام سمع الله لمن حمده فأما منع الإمام من قول ربنا ولك الحمد فليس بشئ لأنه ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم

[ 151 ]

كان يجمع بينهما كما سيأتي في باب ما يقول عند رفع رأسه من الركوع ويأتي باقي الكلام عليه هناك قوله عن أنس في رواية شعيب عن الزهري أخبرني أنس قوله فصلى صلاة من الصلوات في رواية سفيا عن الزهري فحضرت الصلاة وكذا في رواية حميد عن أنس عند الاسماعيلي قال القرطبي اللام للعهد ظاهرا والمراد الفرض لأنها التي عرف من عادتهم أنهم يجتمعون لها بخلاف النافلة وحكى عياض عن بن القاسم أنها كانت نفلا وتعقب بأن في رواية جابر عند بن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض كما سيأتي لكن لم أقف على تعيينها إلا أن في حديث أنس فصلى بنا يومئذ فكأنها نهارية الظهر أو العصر قوله فصلينا وراءه قعودا ظاهره يخالف حديث عائشة والجمع بينهما أن في رواية أنس هذه اختصارا وكأنه اقتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس وقد تقدم في باب الصلاة في السطوح من رواية حميد عن أنس بلفظ فصلى بهم جالسا وهم قيام فلما سلم قال إنما جعل الإمام وفيها أيضا اختصار لأنه لم يذكر فيه قوله لهم اجلسوا والجمع بينهما أنهم ابتدؤا الصلاة قياما فأومأ إليهم بان يقعدوا فقعدوا فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين وجمعتهما عائشة وكذا جمعهما جابر عند مسلم وجمع القرطبي بين الحديثين باحتمال أن يكون بعضهم قعد من أول الحال وهو الذي حكاه أنس وبعضهم قام حتى أشار إليه بالجلوس وهذا الذي حكته عائشة وتعقب باستبعاد قعود بعضهم بغير إذنه صلى الله عليه وسلم لأنه يستلزم النسخ بالاجتهاد لأن فرض القادر في الأصل القيام وجمع آخرون بينهما باحتمال تعدد الواقعة وفيه بعد لأن حديث أنس إن كانت القصة فيه سابقة لزم منه ما ذكرنا من النسخ بالاجتهاد وإن كانت متاخرة لم يحتج إلى إعادة قول إنما جعل الإمام ليأتم به الخ لأنهم قد امتثلوا أمره السابق وصلوا قعودا لكونه قاعدا فائدة وقع في رواية جابر عند أبي داود أنهم دخلوا يعودونه مرتين فصلى بهم فيهما لكن بين أن الأولى كانت نافلة وأقرهم على القيام وهو جالس والثانية كانت فريضة وابتدؤا قياما فأشار إليهم بالجلوس وفي رواية بشر عن حميد عن أنس عند الاسماعيلي نحوه قوله وإذا صلى جالسا استدل به على صحة إمامة الجالس كما تقدم وادعى بعضهم أن المراد بالأمر أن يقتدى به في جلوسه في المنكدر وبين السجدتين لأنه ذكر ذلك عقب ذكر الركوع والرفع منه والسجود قال فيحمل على أنه لما جلس للتشهد قاموا تعظيما له فأمرهم بالجلوس تواضعا وقد نبه على ذلك بقوله في حديث جابر ان كدتم أن تفعلوا فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا وتعقبه بن دقيق العيد وغيره بالاستبعاد وبأن سياق طرق الحديث تأباه وبأنه لو كان المراد الأمر بالجلوس في الركن لقال وإذا جلس فاجلسوا ليناسب قوله وإذا سجد فاسجدوا فلما عدل عن ذلك إلى قوله وإذا صلى جالسا كان كقوله وإذا صلى قائما فالمراد بذلك جميع الصلاة ويؤيد ذلك قول أنس فصلينا وراءه قعودا قوله أجمعون كذا في جميع الطرق في الصحيحين بالواو إلا أن الرواة اختلفوا في رواية همام عن أبي هريرة كما سيأتي في باب إقامة الصف فقال بعضهم أجمعين بالياء والأول تأكيد لضمير الفاعل في قوله صلوا وأخطأ من ضعفه فإن المعنى عليه والثاني نصب على الحال أي جلوسا مجتمعين أو على التأكيد لضمير مقدر منصوب كأنه قال أعنيكم أجمعين وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم مشروعية ركوب الخيل والتدرب على أخلاقها والتأسى لمن يحصل له سقوط ونحوه بما اتفق

[ 152 ]

النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة وبه الاسوة الحسنة وفيه أنه يجوز عليه صلى الله عليه وسلم ما يجوز على البشر من الأسقام ونحوها من غير نقص في مقداره بذلك ليزداد قدره رفعة ومنصبه جلالة قوله باب متى يسجد من خلف الإمام أي إذا اعتدل أو جلس بين السجدتين قوله وقال أنس هو طرفمن حديثه الماضي في الباب قبله لكن في بعض طرقه دون بعض وسيأتي في با ب إيجاب التكبير من رواية الليث عن الزهري بلفظه ومناسبته لحديث الباب مما قدمناه أنه يقتضى تقديم ما يسمى ركوعا من الإمام بناء على تقدم الشرط على الجزاء وحديث الباب يفسره قوله عن سفيان هو الثوري وأبو إسحاق هو السبيعي وعبد الله بن يزيد هو الخطمي كذا وقع منسوبا عند الاسماعيلي في رواية لشعبة عن أبي إسحاق وهو منسوب إلى خطمة بفتح المعجمة واسكان الطاء بطن من الأوس وكان عبد الله المذكور أميرا على الكوفة في زمن بن الزبير ووقع للمصنف في باب رفع البصر في الصلاة أن أبا إسحاق قال سمعت عبد الله بن يزيد يخطب وأبو إسحاق معروف بالرواية عن البراء بن عازب لكنه سمع هذا عنه بواسطة وفيه لطيفة وهي رواية صحابي بن صحابي عن صحابي بن صحابي كلاهما من الأنصار ثم من الأوس وكلاهما سكن الكوفة قوله وهو غير كذوب الظاهر أنه من كلام عبد الله بن يزيد وعلى ذلك جرى القدرة في جمعه المنكر العمدة لكن روى عباس الدوري في تاريخه عن يحيى بن معين أنه قال قوله هو غير كذوب إنما يريد عبد الله بن يزيد الراوي عن البراء لا البراء ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غير كذوب يعني أن هذه العبارة إنما تحسن في مشكوك في عدالته والصحابة كلهم عدول لا يحتاجون إلى تزكية وقد تعقبه الخطابي فقال هذا القول لا يوجب تهمة في الراوي إنما يوجب حقيقة الصدق له قال وهذه عادتهم إذا أرادوا تأكيد العلم بالراوي والعمل بما روى كان أبو هريرة يقول سمعت خليلي الصادق المصدوق وقال بن مسعود حدثني الصادق المصدوق وقال عياض وتبعه النووي لا وصم في هذا على الصحابة لأنه لم يرد به التعديل وإنما أراد به تقوية الحديث إذ حدث به البراء وهو غير متهم ومثل هذا قول أبي مسلم الخولاني حدثني الحبيب الأمين وقد قال بن مسعود وأبو هريرة فذكرهما قال وهذا قالوه تنبيها على صحة الحديث لا أن قائله قصد به تعديل روايه وأيضا فتنزيه بن معين للبراء عن التعديل لأجل صحبته ولم ينزه عن ذلك عبد الله بن يزيد لا وجه له فإن عبد الله بن يزيد معدود في الصحابة انتهى كلامه وقد علمت أنه أخذ كلام الخطابي فبسطه واستدرك عليه الإلزام الأخير وليس بوارد لأن يحيى بن معين لا يثبت صحبة عبد الله بن يزيد وقد نفاها أيضا مصعب الزبيري وتوقف فيها أحمد بن حنبل وأبو حاتم وأبو داود وأثبتها بن البرقي والدارقطني وآخرون وقال النووي معنى الكلام حدثني البراء وهو غير متهم كما علمتم فثقوا بما أخبركم به عنه وقد اعترض بعض المتأخرين على التنظير المذكور فقال كأنه لم يلم بشئ من علم البيان للفرق الواضح بين قولنا فلان صدوق وفلان غير كذوب لأن في الأول إثبا ت الصفة للموصوف وفي الثاني نفى ضدها عنه فهما مفترقان قال والسر فيه أن نفى الضكأنه يقع جوابا لمن أثبته يخالف إثبات الصفة انتهى والذي يظهر لي أن الفرق بينهما أنه يقع في الاثبات بالمطابقة وفي النفي بالالتزام لكن التنظير صحيح بالنسبة إلى المعنى المراد باللفظين لأن كلا منهما يرد عليه أنه

[ 153 ]

بتزكية في حق مقطوع بتزكيته فيكون من تحصيل الحاصل ويحصل الانفصال عن ذلك بما تقدم من أن المراد بكل منهما تفخيم الأمر وتقويته في نفس السامع وذكر بن دقيق العيد أن بعضهم استدل على أنه كلام عبد الله بن يزيد بقول أبي إسحاق في بعض طرقه سمعت عبد الله بن يزيد وهو يخطب يقول حدثنا البراء وكان غير كذوب قال وهو محتمل أيضا قلت لكنه أبعد من الأول وقد وجدت الحديث من غير طريق أبي إسحاق عن عبد الله بن يزيد وفيه قوله أيضا حدثنا البراء وهو غير كذوب أخرجه أبو عوانة في صحيحه من طريق محارب بن دثار قال سمعت عبد الله بن يزيد على المنبر يقول فذكره وأصله في مسلم لكن ليس فيه قوله وكان غير كذوب وهذا يقوي أن الكلام لعبد الله بن يزيد والله أعلم فائدة روى الطبراني في مسند عبد الله بن يزيد هذا شيئا يدل على سبب روايته لهذا الحديث فإنه أخرج من طريقه أنه كان يصلي بالناس بكار فكان الناس يضعون رؤوسهم قبل أن يضع رأسه ويرفعون قبل أن يرفع رأسه فذكر الحديث في إنكاره عليهم قوله إذا قال سمع الله لمن حمده في رواية شعبة إذا رفع رأسه من الركوع ولمسلم من رواية محارب بن دثار فإذا رفع رأسه من الركوع فقال سمع الله لمن حمده لم نزل قياما قوله لم يحن بفتح التحتانية وسكون المهملة أي لم يثن يقال حنيت العود إذا ثنيته وفي رواية لمسلم لا يحنو وهي لغة صحيحة يقال حنيت وحنوت بمعنى قوله حتى يقع ساجدا في رواية إسرائيل عن أبي إسحاق حتى يضع جبهته على الأرض وسيأتي في باب سجود السهو ونحوه لمسلم من رواية زهير عن أبي إسحاق ولأحمد عن غندر عن شعبة حتى يسجد ثم يسجدون واستدل به بن الجوزي على أن المأموم لا يشرع في الركن حتى يتمه الإمام وتعقب بأنه ليس فيه إلا التأخر حتى يتلبس الإمام بالركن الذي ينتقل إليه بحيث يشرع المأموم بعد شروعه وقبل الفراغ منه ووقع في حديث عمرو بن حريث عند مسلم فكان لا يحنى أحد منا ظهره حتى يستتم ساجدا ولأبي يعلى من حديث أنس حتى يتمكن النبي صلى الله عليه وسلم من السجود وهو أوضح في انتفاء المقارنة واستدل به على المريض الطمأنينة وفيه نظر وعلى جواز النظر إلى الإمام لاتباعه في انتقالاته قوله حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان نحوه هكذا في رواية المستملى وكريمة وسقط للباقين وقد أخرجه أبو عوانة عن الصغاني وغيره عن أبي نعيم ولفظه كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم لم يحن أحد منا ظهره حتى يضع رسول الله صلى الله عليه وسلم جبهته قوله باب إثم من رفع رأسه قبل الإمام أي من السجود كما سيأتي بيانه قوله عن محمد بن زياد هو الجمحي مدني سكن البصرة وله في البخاري أحاديث عن أبي هريرة وفي التابعين أيضا محمد بن زياد الألهاني الحمصي وله عنده حديث واحد عن أبي أمامة في المزارعة قوله أما يخشى أحدكم في رواية الكشميهني أو لا يخشى ولأبي داود عن حفص بن عمر عن شبعة أما يخشى أو ألا يخشى بالشك وأما بتخفيف الميم حرف استفتاح مثل ألا وأصلها النافية دخلت عليها همزة الاستفهام وهو هنا استفهام توبيخ قوله إذا رفع رأسه قبل الإمام زاد بن خزيمة من روية حماد بن زيد عن محمد بن زياد في صلاته وفي رواية حفص بن عمر المذكورة الذي يرفع رأسه والإمام ساجد فتبين أن المراد الرفع من السجود ففيه تعقب على من قال أن الحديث نص في المنع من تقدم المأموم على الإمام في الرفع من الركوع والسجود معا وإنما هو نص في السجود ويلتحق به الركوع

[ 154 ]

لكونه في معناه ويمكن أن يفرق بينهما بأن السجود له مزيد مزية لأن العبد أقرب ما يكون فيه من ربه لأنه غاية الخضوع المطلوب منه فلذلك خص بالتنصيص عليه ويحتمل أن يكون من باب الاكتفاء وهو ذكر أحد الشيئين المشتركين في الحكم إذا كان للمذكور مزية وأما التقدم على الإمام في الخفض في الركوع والسجود فقيل يلتحق به من باب الأولى لأن الاعتدال والجلوس بين السجدتين من الوسائل والركوع والسجود من المقاصد وإذا دل الدليل على وجوب الموافقة فيما هو وسيلة فأولى أن يجب فيما هو مقصد ويمكن أن يقال ليس هذا بواضح لأن الرفع من الركوع والسجود يستلزم قطعه عن غاية كماله ودخول النقص في المقاصد أشد من دخوله في الوسائل وقد ورد الزجر عن الخفض والرفع قبل الإمام في حديث آخر أخرجه البزار من رواية مليح بن عبد الله السعدي عن أبي هريرة مرفوعا الذي يخفض ويرفع قبل الإمام إنما ناصيته بيد شيطان وأخرجه عبد الرزاق من هذا الوجه موقوفا وهو المحفوظ قوله أو يجعل الله صورته صورة حمار الشك من شعبة فقد رواه الطيالسي عن حماد بن سلمة وابن خزيمة من رواية حماد بن زيد ومسلم من رواية يونس بن عبيد والربيع بن مسلم كلهم عن محمد بن زياد بغير تردد فأما الحمادان فقالا رأس وأما يونس فقال صورة وأما الربيع فقال وجه والظاهر أنه من يطلق الرواة قال عياض هذه الروايات متفقة لأن الوجه في الرأس ومعظم الصورة فيه قلت لفظ الصورة يطلق على الوجه أيضا وأما الرأس فرواتها أكثر وهي أشمل فهي المعتمدة وخص وقوع الوعيد عليها لأن بها وقعت الجناية وهي أشمل وظاهر الحديث يقتضى تحريم الرفع قبل الإمام لكونه توعد عليه بالمسخ وهو أشد العقوبات وبذلك جزم النووي في شرح المهذب ومع القول بالتحريم فالجمهور على أن فاعله يأثم وتجزئ صلاته وعن بن عمر تبطل وبه قال أحمد في رواية وأهل الظاهر بناء على أن النهى يقتضى الفساد وفي المغني عن أحمد أنه قال في رسالته ليس لمن سبق الإمام صلاة لهذا الحديث قال ولو كانت له صلاة لرجى له النصارى ولم يخش عليه العقاب واختلف في معنى الوعيد المذكور فقيل يحتمل أن يرجع ذلك إلى أمر معنوى فإن الحمار موصوف بالبلادة فاستعير هذا المعنى للجاهل بما يجب عليه من فرض الصلاة ومتابعة الإمام ويرجح هذا المجازى أن التحويل لم يقع مع كثرة الفاعلين لكن ليس في الحديث ما يدل على أن ذلك يقع ولا بد وإنما يدل على كون فاعله متعرضا لذلك وكون فعله ممكنا لأن يقع عنه ذلك الوعيد ولا يلزم من التعرض للشئ وقوع ذلك الشئ قاله بن دقيق العيد وقال بن بزيزة يحتمل أن يراد بالتحويل المسخ أو تحويل الهيئة الحسية أو المعنوية أو هما معا وحمله آخرون على ظاهره إذ لا مانع من جواز وقوع ذلك وسيأتي في كتاب الأشربة الدليل على جواز وقوع المسخ في هذه الأمة وهو حديث أبي مالك الأشعري في المغازي فإن فيه ذكر الخسف وفي آخره ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة وسيأتي مزيد لذلك في تفسير سورة الأنعام إن شاء الله تعالى ويقوى حمله على ظاهره أن في رواية بن حبان من وجه آخر عن محمد بن زياد أن يحول الله رأسه رأس كلب فهذا يبعد المجاز لانتفاء المناسبة التي ذكروها من بلادة الحمار ومما يبعده أيضا إيراد الوعيد بالأمر المستقبل وباللفظ الدال على تغيير الهيئة الحاصلة ولو أريد تشبيهه بالحمار لأجل البلادة لقال مثلا فرأسه رأس حمار وإنما قلت ذلك لأن الصفة المذكورة وهي البلادة حاصلة في فاعل ذلك عند فعله المذكور فلا

[ 155 ]

يحسن أن يقال له يخشى إذا فعلت ذلك أن تصير بليدا مع أن فعله المذكور إنما نشأ عن البلادة وقال بن الجوزي في الرواية التي عبر فيها بالصورة هذه اللفظة تمنع تأويل من قال المراد رأس حمار في البلادة ولم يبين وجه المنع وفي حديث كمال شفقته صلى الله عليه وسلم بأمته وبيانه لهم الأحكام وما يترتب عليها من النصارى والعقاب واستدل به على جواز المقارنة ولا دلالة فيه لأنه دل بمنطوقه على منع المسابقة وبمفهومه على طلب المتابعة وأما المقارنة فمسكوت عنها وقال بن بزيزة استدل بظاهره قوم لا يعقلون على جواز التناسخ قلت وهو مذهب ردئ مبنى على دعاوى بغير برهان والذي استدل بذلك منهم إنما استدل بأصل النسخ لا بخصوص هذا الحديث لطيفة قال صاحب القبس ليس للتقدم قبل الإمام سبب إلا طلب الاستعجال ودواؤه أن يستحضر أنه لا يسلم قبل الإمام فلا يستعجل في هذه الأفعال والله أعلم قوله باب إمامة العبد والمولى أي العتيق قال الزين بن المنير لم يفصح بالجواز لكن لوح به لإيراده أدلته قوله وكانت عائشة الخ وصله أبو داود في كتاب المصاحف من طريق أيوب عن بن أبي مليكة أن عائشة كان يؤمها غلامها ذكوان في المصحف ووصله بن أبي شيبة قال حدثنا وكيع عن هشام بن عروة عن أبي بكر بن أبي مليكة عن عائشة أنها أعتقت غلاما لها عن دبر فكان يؤمها في رمضان في المصحف ووصله الشافعي وعبد الرزاق من طريق أخرى عن بن أبي مليكة أنه كان يأتي عائشة بأعلى الوادي هو وأبوه وعبيد بن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة وهو يومئذ غلام لم يعتق وأبو عمرو المذكور هو ذكوان وإلى صحة إمامة العبد ذهب الجمهور وخالف مالك فقال لا يؤم الأحرار إلا إن كان قارئا وهم لا يقرأون فيؤمهم إلا في الجمعة لأنها لا تجب عليه وخالفه أشهب واحتج بأنها تجزئه إذا حضرها قوله في المصحف استدل به على جواز قراءة المصلي من المصحف ومنع منه آخرون لكونه وأشار كثيرا في الصلاة قوله وولد البغي بفتح الموحدة وكسر المعجمة والتشديد أي الزانية ونقل بن التين أنه رواه بفتح الموحدة وسكون المعجمة والتخفيف والأول أولى وهو معطوف على قوله والمولى لكن فصل بين المتعاطفين بأثر عائشة وغفل القرطبي في مختصر البخاري فجعله من بقية الأثر المذكور وإلى صحة إمامة ولد الزنا ذهب الجمهور أيضا وكان مالك يكره أن يتخذ إماما راتبا وعلته عنده أنه يعير معرضا لكلام الناس فيأثمون بسببه وقيل لأنه ليس في الغالب من يفقهه فيغلب عليه الجهل قوله والأعرابي بفتح الهمزة أي ساكن البادية وإلى صحة إمامته ذهب الجمهور أيضا وخالف مالك وعلته عنده غلبة الجهل على سكان البوادي وقيل لأنهم يديمون نقص السنن وترك حضور الجماعة غالبا قوله والغلام الذي لم يحتلم ظاهره أنه أراد المراهق ويحتمل الأعم لكن يخرج منه من كان دون سن التمييز بدليل آخر ولعل المصنف راعى اللفظ الوارد في النهى عن ذلك وهو فيما رواه عبد الرزاق من حديث بن عباس مرفوعا لا يؤم الغلام حتى يحتلم وإسناده ضعيف وقد أخرج المصنف في غزوة الفتح حديث عمرو بن سلمة بكسر اللام أنه كان يؤم قومه وهو بن سبع سنين وقيل إنما لم يستدل به هنا لأن أحمد بن حنبل توقف فيه فقيل لأنه ليس فيه اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على ذ لك وقيل لاحتمال أن يكون أراد أنه كان يؤمهم في النافلة دون الفريضة وأجيب عن الأول بان زمان نزول الوحي لا يقع فيه لأحد من الصحابة التقرير على ما لا يجوز فعله ولهذا استدل

[ 156 ]

أبو سعيد وجابر على جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل كما سيأتي في موضعه وأيضا فالوفد الذين قدموا عمرو بن سلمة كانوا جماعة من الصحابة وقد نقل بن حزم أنه لا يعلم لهم في ذلك مخالف منهم وعن الثاني بان سياق رواية المصنف أخذت على أنه كان يؤمهم في الفرائض لقوله فيه صلوا صلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة الحديث وفي رواية لأبي داود قال عمرو فما شهدت مشهدا في جرم إلا كنت إمامهم وهذا يعم الفرائض والنوافل واحتج بن حزم على عدم الصحة بأنه صلى الله عليه وسلم أمر أن يؤمهم أقرؤهم قال فعلى هذا إنما يؤم من يتوجه إليه الأمر والصبي ليس بمأمور لأن القلم رفع عنه فلا يؤم كذا قال ولا يخفى فساده لأنا نقول المأمور من يتوجه إليه الأمر من البالغين بأنهم يقدمون من اتصف بكونه أكثر قرآنا فبطل ما احتج به وإلى صحة إمامة الصبي ذهب أيضا الحسن البصري والشافعي وإسحاق وكرهها مالك والثوري وعن أبي حنيفة وأحمد روايتان والمشهور عنهما الاجزاء في النوافل دون الفرائض قوله لقول النبي صلى الله عليه وسلم يؤمهم أقرؤهم لكتاب الله أي فكل من اتصف بذلك جازت إمامته من عبد وصبي وغيرهما وهذا طرف من حديث أبي مسعود الذي ذكرناه في باب أهل العلم أحق بالإمامة وقد أخرجه مسلم وأصحاب السنن بلفظ يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله الحديث وفي الحديث عمرو بن سلمة المذكور عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال وليؤمكم أكثركم قرآنا وفي حديث أبي سعيد عند مسلم أيضا إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالامامه أقرؤهم واستدل بقوله أقرؤهم على أن إمامة الكافر لا تصح لأنه لا قراءة له قوله ولا يمنع العبد من الجماعة هذا من كلام المصنف وليس من الحديث المعلق قوله بغير علة أي بغير ضرورة لسيده فلو قصد تفويت الفضيلة عليه بغير ضرورة لم يكن له ذلك وسنذكر مستنده في الكلام على قصة سالم في أول حديثي الباب قوله عن عبيد الله هو العمري قوله لما قدم المهاجرون الأولون أي من مكة إلى المدينة وبه صرح في رواية الطبراني قوله العصبة بالنصب على الظرفية لقوله قدم كذا في جميع الروايات وفي رواية أبي داود نزلوا العصبة أي المكان المسمى بذلك وهو بإسكان الصاد المهملة بعدها موحدة واختلف في أوله فقيل بالفتح وقيل بالضم ثم رأيت في النهاية ضبطه بعضهم بفتح العين والصاد المهملتين قال أبو عبيد البكري لم يضبطه الأصيلي في روايته والمعروف المعصب بوزن محمد بالتشديد وهو موضع بقباء قوله وكان يؤمهم سالم مولى أبي حذيفة زاد في الأحكام من رواية بن جريج عن نافع وفيهم أبو بكر وعمر وأبو سلمة أي بن عبد الأسد وزيد أي بن حارثة وعامر بن ربيعة واستشكل ذكر أبي بكر فيهم إذ في الحديث أن ذلك كان قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر كان رفيقه ووجهه البيهقي باحتمال أن يكون سالم المذكور استمر على الصلاة بهم فيصح ذكر أبي بكر ولا يخفى ما فيه ووجه الدلالة منه إجماع كبار الصحابة القرشيين على تقديم سالم عليهم وكان سالم المذكور مولى امرأة من الأنصار فأعتقته وكأن إمامته بهم كانت قبل أن يعتق وبذلك تظهر مناسبة قول المصنف ولا يمنع العبد وإنما قيل له مولى أبي حذيفة لأنه السري أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة بعد أن عتق فتبناه فلما نهوا عن ذلك قيل له مولاه كما سيأتي في موضعه واستشهد سالم باليمامة في خلافة أبي بكر رضي الله عنهما قوله وكان أكثرهم قرآنا إشارة إلى سبب تقديمهم له مع كونهم أشرف منه وفي رواية للطبراني لأنه كان أكثرهم قرآنا

[ 157 ]

قوله حدثنا يحيى هو القطان قوله اسمعوا وأطيعوا أي فيما فيه طاعة لله قوله وان استعمل أي جعل عاملا وللمصنف في الأحكام عن مسدد عن يحيى وإاستعمل عليكم عبد حبشي وهو أصرح في مقصود الترجمة وذكره بعد باب من طريق غندر عن شعبة بلفظ قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر أسمع وأطع الحديث وقد أخرجه مسلم من طريق غندر أيضا لكن بإسناد له آخر عن شعبة عن أبي عمران الجوني عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال أن خليلي صلى الله عليه وسلم أوصاني أن أسمع وأطع وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف وأخرجه الحاكم والبيهقي من هذا الوجه وفيه قصة أن أبا ذر انتهى إلى الربذة وقد أقيمت الصلاة فإذا عبد يؤمهم قال فقيل هذا أبو ذر فذهب يتأخر فقال أبو ذر أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث وأخرج مسلم أيضا من طريق غندر أيضا عن شعبة عن يحيى بن الحصين سمعت جدتي تحدث أنها سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب في حجة الوداع يقول ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله وفي هذه الرواية فائدتان تعيين جهة الطاعة وتاريخ الحديث وأنه كان في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم قوله كأن رأسه زبيبة قيل شبهه بذلك لصغر رأسه وذلك معروف في الحبشة وقيل لسواده وقيل لقصر شعر رأسه وتفلفله ووجه الدلالة منه على صحة إمامة العبد أنه إذا أمر بطاعته فقد أمر بالصلاة خلفه قاله بن بطال ويحتمل أن يكون ماخوذا من جهة ما جرت به عادتهم أن الأمير هو الذي يتولى الإمامة بنفسه أو نائبه واستدل به على المنع من القيام على السلاطين وإن جاروا لأن القيام عليهم يفضى غالبا إلى أشد مما ينكر عليهم ووجه الدلالة منه أنه أمر بطاعة العبد الحبشي والإمامة العظمى إنما تكون بالاستحقاق في قريش فيكون غيرهم متغلبا فإذا أمر بطاعته استلزم النهى عن مخالفته والقيام عليه ورده بن الجوزي بأن المراد بالعامل هنا من يستعمله الأمام لا من يلي الإمامة العظمى وبأن المراد بالطاعة الطاعة فيما وافق الحق انتهى ولا مانع من حمله على أعم من ذلك فقد وجد من ولي الإمامة العظمى من غير قريش من ذوي الشوكة متغلبا وسيأتي بسط ذلك في كتاب الأحكام وقد عكسه بعضهم فاستدل به على جواز الإمامة في غير قريش وهو متعقب إذ لا تلازم بين الأجزاء والجواز والله أعلم قوله باب إذا لم يتم الإمام وأتم من خلفه يشير بذلك إلى حديث عقبة بن عامر وغيره كما سيأتي قوله حدثنا الفضل بن سهل هو البغدادي المعروف بالأعرج من صغار شيوخ البخاري ومات قبله بسنة قوله يصلون أي الأئمة واللام في قوله لكم للتعليل قوله فإن أصابوا فلكم أي ثواب صلاتكم زاد أحمد عن الحسن بن موسى بهذا السند ولهم أي ثواب صلاتهم وهو يغنى عن تكلف توجيه حذفها وتمسك بن بطال بظاهر الرواية المحذوفة فزعم أن المراد بالاصابة هنا إصابة الوقت واستدل بحديث بن مسعود مرفوعا لعلكم تدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها فإذا أدركتموهم فصلوا في بيوتكم في الوقت ثم صلوا معهم واجعلوها سبحة وهو حديث حسن أخرجه النسائي وغيره فالتقدير على هذا فإن أصابوا الوقت وإن في أهل اللغة نكتب أخطأوا الوقت فلكم يعني الصلاة التي في الوقت انتهى وغفل عن الزيادة التي في رواية أحمد فإنها أخذت على أن المراد صلاتهم معهم لا عند الانفراد وكذا أخرجه الاسماعيلي وأبو نعيم في مستخرجيهما من طرق عن الحسن بن موسى وقد أخرج بن حبان حديث أبي هريرة من وجه آخر أصرح في مقصود الترجمة ولفظه

[ 158 ]

يكون أقوام يصلون الصلاة فإن أتموا فلكم ولهم وروى أبو داود من حديث عقبة بن عامر مرفوعا من أم الناس فأصاب الوقت فله ولهم وفي رواية أحمد في هذا الحديث فإن صلوا الصلاة لوقتها وأتموا الركوع والسجود فهي لكم ولهم فهذا يبين أن المراد ما هو أعم من ترك إصابة الوقت قال بن المنذر هذا الحديث يرد على من زعم أن صلاة الإمام إذا فسدت فسدت صلاة من خلفه قوله وأن أخطؤا أي ارتكبوا الخطيئة ولم يرد به الخطأ المقابل للعمد لأنه لا إثم فيه قال المهلب فيه جواز الصلاة خلف البر والفاجر إذا خيف منه ووجه غيره قوله إذا خيف منه بأن الفاجر إنما يؤم إذا كان صاحب شوكة وقال البغوي في شرح السنة فيه دليل على أنه إذا صلى بقوم محدثا أنه تصح صلاة المأمومين وعليه الإعادة واستدل به غيره على أعم من ذلك وهو صحة الائتمام بمن يخل بشئ من الصلاة ركنا كان أو غيره إذا أتم المأموم وهو وجه عند الشافعية بشرط أن يكون الإمام هو ناحية أو نائبه والأصح عندهم صحة الاقتداء إلا بمن علم أنه ترك واجبا ومنهم من استدل به على الجواز مطلقا بناء على أن المراد بالخطأ ما يقابل العمد قال ومحل الخلاف في الأمور الاجتهادية كمن يصلي خلف من لا يرى قراءة البسملة ولا أنها من أركان القراءة ولا أنها آية من الفاتحة بل يرى أن الفاتحة تجزئ بدونها قال فإن صلاة المأموم تصح إذا قرأ هو البسملة لأن غاية حال الإمام في هذه الحالة أن يكون أخطأ وقد دل الحديث على أن خطأ الإمام لا يؤثر في صحة صلاة المأموم إذا أصاب تنبيه حديث الباب من رواية عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار وفيه مقال وقد ذكرنا له شاهدا عند بن حبان وروى الشافعي معناه من طريق صفوان بن سليم عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ يأتي قوم فيصلون لكم فإن أتموا كان لهم ولكم وإن نقصوا كان عليهم ولكم قوله باب إمامة المفتون أي الذي دخل في الفتنة فخرج على الإمام ومنهم من فسره بما هو أعم من ذلك قوله والمبتدع أي من اعتقد شيئا مما يخالف أهل السنة والجماعة قوله وقال الحسن صل وعليه بدعته وصله سعيد بن منصور عن بن المبارك عن هشام بن حسان أن الحسن سئل عن الصلاة خلف صاحب البدعة فقال الحسن صل خلفه وعليه بدعته قوله وقال لنا محمد بن يوسف هو الفريابي قيل عبر بهذه الصيغة لأنه مما أخذه من شيخه في المذاكرة فلم يقل فيه حدثنا وقيل إن ذلك مما تحمله بالح إجازة أو المناولة أو العرض وقيل هو متصل من حيث اللفظ منقطع من حيث المعنى والذي ظهر لي بالاستقراء خلاف ذلك وهو أنه متصل لكنه لا يعبر بهذه الصيغة إلا إذا كان المتن موقوفا أو كان فيه راو ليس على شرطه والذي هنا من معي الأول وقد وصله الاسماعيلي من رواية محمد بن يحيى قال حدثنا محمد بن يوسف الفريابي قوله عن حميد بن عبد الرحمن أي بن عوف وفي رواية الاسماعيلي أخبرني حميد وأخرجه الاسماعيلي من طريق أخرى عن الأوزاعي وخالفه يونس بن يزيد فقال عن الزهري عن عروة أخرجه الاسماعيلي أيضا وكذلك رواه معمر عن الزهري أخرجه عمر بن شبة في كتاب مقتل عثمان عن غندر عنه ويحتمل أن يكون للزهري فيه شيخان قوله عن عبيد الله بن عدي في رواية بن المبارك عن الأوزاعي عند الاسماعيلي وأبي نعيم حدثني عبيد الله بن عدي بن الخيار من بني نوفل بن عبد مناف وعبيد الله المذكور تابعي كبير معدود في الصحابة لكونه ولد في

[ 159 ]

عهد النبي صلى الله عليه وسلم وكان عثمان من أقارب أمه كما سيأتي في موضعه قوله انك إمام عامة أي جماعة وفي رواية يونس وأنت الإمام أي الأعظم قوله ونزل بك ما نرى أي من الحصار قوله ويصلي لنا أي يؤمنا قوله إمام فتنة أي رئيس فتنة واختلف في المشار إليه بذلك فقيل هو عبد الرحمن بن عديس البلوي أحد رءوس المصريين الذين حصروا عثمان قاله بن وضاح فيما نقله عنه بن عبد البر وغيره وقاله بن الجوزي وزاد إن كنانة بن بشر أحد رؤوسهم صلى بالناس أيضا قلت وهو المراد هنا فإن سيف بن عمر روى حديث الباب في كتاب الفتوح من طريق أخرى عن الزهري بسنده فقال فيه دخلت على عثمان وهو محصور وكنانة يصلي بالناس فقلت كيف ترى الحديث وقد صلى بالناس يوم حصر عثمان أبو أمامة بن سهل بن حنيف الأنصاري لكن بإذن عثمان ورواه عمر بن شبة بسند صحيح ورواه بن المديني من طريق أبي هريرة وكذلك صلى بهم على بن أبي طالب فيما رواه إسماعيل الخطى في تاريخ بغداد من رواية ثعلبة بن يزيد الحماني قال فلما كان يوم عيد الأضحى جاء على فصلى بالناس وقال بن المبارك فيما رواه الحسن الحلواني لم يصل بهم غيرها وقال غيره صلى بهم عدة صلوات وصلى بهم أيضا سهل بن حنيف رواه عمر بن شبة بإسناد قوي وقيل صلى بهم أيضا أبو أيوب الأنصاري وطلحة بن عبيد الله وليس واحد من هؤلاء مرادا بقوله إمام فتنة وقال الداودي معنى قوله إمام فتنة أي إمام وقت فتنة وعلى هذا لا اختصاص له بالخارجى قال ويدل على صحة ذلك أن عثمان لم يذكر الذي أمهم بمكروه بل ذكر أن فعله أحسن الأعمال انتهى وهذا مغاير لمراد المصنف من ترجمته ولو كان كما قال لم يكن قوله ونتحرج مناسبا قوله ونتحرج في رواية بن المبارك وأنا لنتحرج من الصلاة معه والتحرج التأثم أي نخاف الوقوع في الإثم وأصل الحرج الضيق ثم استعمل للإثم لأنه يضيق على صاحبه قوله فقال الصلاة أحسن في رواية بن المبارك أن الصلاة أحسن وفي رواية معقل بن زياد عن الأوزاعي عند الاسماعيلي من أحسن قوله فإذا أحسن الناس فأحسن ظاهره أنه رخص له في الصلاة معهم كأنه يقول لا يضرك كونه مفتونا بل إذا أحسن فوافقه على إحسانه واترك ما افتنن به وهو المطابق لسياق الباب وهو الذي فهمه الداودي حتى أحتاج إلى تقدير حذف في قوله إمام فتنة وخالف بن المنير فقال يحتمل أن يكون رأى أن الصلاة خلفه لا تصح فحاد عن الجواب بقوله إن الصلاة أحسن لأن الصلاة التي هي أحسن هي الصلاة الصحيحة وصلاة الخارجي غير صحيحة لأنه إما كافر أو فاسق انتهى وهذا قاله نصرة لمذهبه في عدم صحة الصلاة خلف الفاسق وفيه نظر لأن سيفا روى في الفتوح عن سهل بن يوسف الأنصاري عن أبيه قال كره الناس الصلاة خلف الذين حصروا عثمان إلا عثمان فإنه قال من دعا إلى الصلاة فأجيبوه انتهى فهذا صريح في أن مقصوده بقوله الصلاة أحسن الإشارة إلى يأمر بالصلاة خلفه وفيه تأييد لما فهمه المصنف من قوله إمام فتنة وروى سعيد بن منصور من طريق تثبت قال قالوا لعثمان إنا نتحرج أن نصلي خلف هؤلاء الذين حصروك فذكر نحو حديث الزهري وهذا منقطع إلا أنه اعتضد قوله وإذا أساؤا فاجتنب فيه تحذير من الفتنة والدخول فيها ومن جميع ما فقلنا من قول أو فعل أو اعتقاد وفي هذا الأثر الحض على شهود الجماعة ولا سيما في زمن الفتنة لئلا يزداد تفرق الكلمة وفيه أن الصلاة خلف من تكره الصلاة خلفه أولى من تعطيل

[ 160 ]

الجماعة وفيه رد على من زعم أن الجمعة لا يجزئ أن تقام بغير إذن الإمام قوله وقال الزبيدي بضم الزاي هو محمد بن الوليد قوله المخنث رويناه بكسر النون وفتحها فالأول المراد به من فيه تكسر وتثن وتشبه بالنساء والثاني المراد به من يؤتى وبه جزم أبو عبد الملك فيما حكاه بن التين محتجا بأن الأول لا مانع من الصلاة خلفه إذا كان ذلك أصل خلقته ورد بان المراد من يتعمد ذلك فيتشبه بالنساء فإن ذلك بدعة قبيحة ولهذا جوز الداودي أن يكون كل منهما مرادا قال بن بطال ذكر البخاري هذه المسألة هنا لأن المخنث مفتتن في طريفته قوله الا من ضرورة أي بأن يكون ذا شوكة أو من جهته فلا تعطل الجماعة بسببه وقد رواه معمر عن الزهري بغير قيد أخرجه عبد الرزاق عنه ولفظه قلت فالمخنث قال لا ولا كرامة لا يؤتم به وهو أمرهم على حالة الاختيار قوله حدثنا محمد بن أبان هو البلخي مستملي وكيع وقيل الواسطي وهو محتمل لكن لم نجد للواسطي رواية عن غندر بخلاف البلخي وقد تقدم عنه بموضع آخر في المواقيت وهذا جميع ما أخر عنه البخاري قوله أسمع وأطع تقدم الكلام عليه قبل بباب قال بن المنير وجه دخولفي هذا الباب أن الصفة المذكورة إنما توجد غالبا في عجمى حديث عهد بالإسلام غلام من جهل بدينه وما غلام من هذه صفته عن ارتكاب البدعة ولو لم يكن الا افتتانه بنفسه حتى تقدم للإمامة وليس من أهلها قوله باب يقوم أي المأموم عن يمين الإمام بحذائه بكسر المهملة وذال غدا بعدها مدة أي بجنبه فأخرج بذلك من كان خلفه أو مائلا عنه وقوله سواء أخرج به من كان إلى جنبه لكن على بعد عنه كذا قال الزين بن المنير والذي يظهر أن قوله بحذائه يخرج هذا أيضا وقوله سواء أي لا يتقدم ولا يتأخر وفي انتزاع هذا من الحديث الذي أورده بعد وقد قال أصحابنا يستحب أن يقف المأموم دونه قليلا وكأن المصنف أشار بذلك إلى ما وقع في بعض طرقه فقد تقدم في الطهارة من رواية مخرمة عن كريب عن بن عباس بلفظ فقمت إلى جنبه وظاهره المساواة وروى عبد الرزاق عن بن جريج عن عطاء عن بن عباس نحوا من هذه القصة وعن بن جريج قال قلت لعطاء الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه قال إلى شقه الأيمن قلت أيحاذى به حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر قال نعم قلت أتحب أن يساويه حتى لا تكون بينهما فرجه قال نعم وفي الموطأ عن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال دخلت على عمر بن الخطاب بالهاجرة فوجدته يسبح فقمت وراءه فقربنى حتى جعلني حذاءه عن يمينه قوله إذا كانا أي إماما ومأموما بخلاف من إذا كانا مأمومين مع إمام فلهما حكم آخر تنبيه هكذا في جميع الروايات باب بالتنوين يقوم الخ وأورده الزين بن المنير بلفظ باب من يقوم بالإضافة وزيادة من وشرحه على ذلك وتردد بين كونها موصولة أو استفهامية ثم أطال في حكمة ذلك وأن سببه كون المسألة مختلفا فيها والواقع أن من محذوفة والسياق ظاهر في أن المصنف جازم بحكم المسألة لا متردد والله أعلم وقد نقل بعضهم الاتفاق على أن المأموم الواحد يقف عن يمين الإمام إلا النخعي فقال إذا كان الإمام ورجل قام الرجل خلف الإمام فإن ركع الإمام قبل أن يحئ أحد قام عن يمينه أخرجه سعيد بن منصور ووجهه بعضهم بان الإمام مظنة الاجتماع فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك وهو حسن لكنه مخالف للنص وهو قياس فاسد ثم ظهر لي أن إبراهيم إنما كان يقول بذلك حيث يظن ظنا قويا مجئ ثان وقد

[ 161 ]

روى سعيد بن منصور أيضا عنه قال ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى يجئ المؤذن وذكر البيهقي أنه يستفاد من حديث الباب امتناع تقديم المأموم على الإمام خلافا لمالك لما في رواية مسلم فقمت عن يساره فأدارني من خلفه حتى جعلني عن يمينه وفيه نظر قوله باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام الخ وجه الدلالة من حديث بن عباس المذكور أنه صلى الله عليه وسلم لم يبطل صلاة بن عباس مع كونه قام عن يساره أولا وعن أحمد تبطل لأنه صلى الله عليه وسلم لم يقره على ذلك والأول هو قول الجمهور بل قال سعيد بن المسيب إن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار الإمام ولم يتابع على ذلك قوله حدثنا أحمد لم أره منسوبا في شئ من الروايات لكن جزم أبو نعيم في المستخرج بأنه بن صالح وأخرجه من طريق قوله عمرو هو بن الحارث المصري وكذا وقع عند أبي نعيم قوله عن عبد ربه بفتح الراء وتشديد الموحدة وهو أخو يحيى بن سعيد الأنصاري وفي الإسناد ثلاثة من التابعين مدنيون على نسق قوله نمت في رواية الكشميهني بت قوله فأخذني فجعلني قد تقدم أنه أداره من خلفه واستدل به على أن مثل ذلك من العمل لا يفسد الصلاة كما سيأتي قوله قال عمرو أي بن الحارث المذكور بالإسناد المذكور إليه ووهم من زعم أنه من تعليق البخاري فقد ساقه أبو نعيم مثل سياقه وبكير المذكور في هذا هو بن عبد الله بن الأشج واستفاد عمرو بن الحارث بهذه الرواية عنه العلو برجل قوله باب إذا لم ينو الإمام أن يؤم الخ لم يجزم بحكم المسألة لما فيه من الاحتمال لأنه ليس في حديث بن عباس التصريح بان النبي صلى الله عليه وسلم لم ينو الإمامة كما أنه ليس فيه أنه نوى لا في ابتداء صلاته ولا بعد أن قام بن عبا س فصلى معه لكن في إيقافه إياه منه موقف المأموم ما يشعر بالثاني وأما الأول فالأصل عدمه وهذه المسألة مختلف فيها والأصح عند الشافعية لا يشترط لصحة الاقتداء أن ينوي الإمام الإمامة واستدل بن المنذر أيضا بحديث أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في شهر رمضان قال فجئت فقمت إلى جنبه وجاء آخر فقام إلى جنبي حتى كنا رهطا فلما أحس النبي صلى الله عليه وسلم بنا تجوز في صلاته الحديث وهو ظاهر في أنه لم ينو الإمامة ابتداء وائتموا هم به وأقرهم وهو حديث صحيح أخرجه مسلم وعلقه البخاري كما سيأتي في كتاب الصيام إن شاء الله تعالى وذهب أحمد إلى التفرقة بين النافلة والفريضة فشرط أن ينوي في الفريضة دون النافلة وفيه نظر لحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي وحده فقال ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه أخرجه أبو داود وحسنه الترمذي وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم قوله عن عبد الله بن سعيد بن جبير هو من أقران أيوب الراوي عنه ورجال الإسناد كلهم بصريون وسيأتي الكلام على بقية فوائد حديث بن عباس المذكور في هذه الأبواب الثلاثة تاما في كتاب الوتر إن شاء الله تعالى قوله باب إذا المريض الإمام وكان للرجل أي المأموم حاجة فخرج وصلى وللكشميهني فصلى بالفاء وهذه الترجمة عكس التي قبلها لأن في الأولى جواز الائتمام بمن لم ينو الإمامة وفي الثانية جواز قطع الائتمام بعد الدخول فيه وأما قوله في الترجمة فخرج فيحتمل أنه خرج من القدوة أو من الصلاة رأسا أو من المسجد قال بن رشيد الظاهر أن المراد خرج إلى منزله فصلى فيه وهو ظاهر قوله في الحديث فانصرف الرجل قال وكان سبب ذلك قوله صلى الله عليه وسلم الذي رآه يصلي أصلاتان

[ 162 ]

معا كما تقدم قلت وليس الواقع كذلك فإن في رواية النسائي فانصرف الرجل فصلى في ناحية المسجد وهذا يحتمل أن يكون قطع الصلاة أو القدوة لكن في مسلم فانحرف الرجل فسلم ثم صلى وحده واعلم أن هذا الحديث رواه عن جابر عمرو بن دينار ومحارب بن دثار وأبو الزبير وعبيد الله بن مقسم فرواية عمرو للمصنف هنا عن شعبة وفي الأدب عن سليم بن حيان ولمسلم عن أبي عيينة ثلاثتهم عنه ورواية محارب تأتي بعد بابين وهي عند النسائي مقرونه معبد صالح ورواية أبي الزبير عند مسلم ورواية عبيد الله عند بن خزيمة وله طرق أخرى غير هذه سأذكر ما يحتاج إليه منها معزوا وإنما قدمت ذكر هذه لتسهل الحوالة عليه قوله حدثنا مسلم هو بن إبراهيم والظاهر أن روايته عن شعبة مختصرة كما هنا وكذلك أخرجها البيهقي من طريق محمد بن أيوب الرازي عنه وقال الكرماني الظاهر من قوله فصلى العشاء الخ انظر تحت الطريق الأولى وكان الحامل له على ذلك أنها لو خلت عن ذلك لم تطابق الترجمة ظاهرا لكن لقائل أن يقول إن مراد البخاري بذلك الإشارة إلى أصل الحديث على عادته واستفاد بالطريق الأولى علو الإسناد كما أن في الطريق الثانية فائدة التصريح بسماع عمرو من جابر قوله يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم زاد مسلم من رواية منصور عن عمرو عشاء الآخرة فكأن العشاء هي التي كان يواظب فيها على الصلاة مرتين قوله ثم يرجع فيؤم قومه في رواية منصور المذكورة فيصلى بهم تلك الصلاة وللمصنف في الأدب فيصلى بهم الصلاة أي المذكورة وفي هذا رد على من زعم أن المراد أن الصلاة التي كان يصليها مع النبي صلى الله عليه وسلم غير الصلاة التي كان يصليها بقومه وفي رواية بن عيينة فصلى ليلة مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء تم أتى قومه فأمهم وفي رواية القدرة عن بن عيينة ثم يرجع إلى بني سلمة فيصليها بهم ولا مخالفة فيه لأن قومه هم بنو سلمة وفي رواية الشافعي عنه ثم يرجع فيصليها بقومه في بني سلمة ولأحمد ثم يرجع فيؤمنا قوله فصلى العشاء كذا في معظم الروايات ووقع في رواية لأبي عوانة والطحاوي من طريق محارب صلى بأصحابه المغرب وكذا لعبد الرزاق من رواية أبي الزبير فإن حمل على تعدد القصة كما سيأتي أو على أن المراد بالمغرب العشاء مجازا تم وإلا فما في الصحيح أصح قوله فقرأ بالبقرة استدل به على من يكره أن يقول البقرة بل يقول سورة البقرة لكن في رواية الاسماعيلي عن الحسن بن سفيان عن محمد بن بشار شيخ البخاري فيه فقرأ سورة البقرة ولمسلم عن بن عيينة نحوه وللمصنف في الأدب فقرأ بهم البقرة فالظاهر أن ذلك من تصرفات الرواة والمراد أنه ابتدأ في قراءتها وبه صرح مسلم ولفظه فافتتح سورة البقرة وفي رواية محارب فقرأ بسورة البقرة أو النساء على الشك وللسراج من رواية مسعر عن محارب فقرأ بالبقرة والنساء كذا رأيته بخط الزكي البرزالى بالواو فإن كان ضبطه احتمل أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة وفي الثانية بالنساء ووقع عند أحمد من حديث بريدة بإسناد قوي فقرأ اقتربت الساعة وهي شاذة إلا إن حمل على التعدد ولم يقع في شئ من الطرق المتقدمة تسمية هذا الرجل لكن روى أبو داود الطيالسي في مسنده والبزار من طريقه عن طالب بن حبيب عن عبد الرحمن بن جابر عن أبية قال مر حزم بن أبي بن كعب بمعاذ بن جبل وهو يصلي بقومه صلاة العتمة فافتتح بسورة طويلة ومع حزم ناضح له الحديث قال البزار لا نعلم أحدا أسماء عن جابر إلا بن جابرأه وقد رواه أبو داود في السنن من وجه آخر عن طالب فجعله عن بن جابر عن حزم صاحب القصة وابن جابر لم يدرك

[ 163 ]

حزما ووقع عنده صلاة المغرب وهو نحو ما تقدم من الاختلاف في رواية محارب ورواه بن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر فسماه حازما وكأنه صحفه أخرجه بن شاهين من طريقة ورواه أحمد والنسائي وأبو يعلى وابن السكن بإسناد صحيح عن عبد العزيز بن صهيب عن أنس قال كان معاذ يؤم قومه فدخل حرام وهو يريد أن يسقى نخله الحديث كذا فيه براء بعدها ألف وظن بعضهم أنه حرام بن ملحان خال أنس وبذلك جزم الخطيب في المبهمات لكن لم أره منسوبا في الرواية ويحتمل أن يكون تصحيفا من حزم فتجتمع هذه الروايات وإلى ذلك يومئ صنيع بن عبد البر فإنه ذكر في الصحابة حرام بن أبي بن كعب وذكر له هذه القصة وعزا تسميته لرواية عبد العزيز بن صهيب عن أنس ولم أقف في رواية عبد العزيز على تسمية أبيه وكأنه بني على أن اسمه تصحف والأب واحد سماه جابر ولم يسمه أنس وجاء في تسميته قول آخر أخرجه أحمد أيضا من رواية معاذ بن رفاعة عن رجل من بني سلمة يقال له سليم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله أنا نظل في أعمالنا فنأتي حين نمسي فنصلى فيأتي معاذ بن جبل فينادى بالصلاة فناتيه فيطول علينا الحديث وفيه أنه استشهد بأحد وهذا مرسل لأن معاذ بن رفاعة لم يدركه وقد رواه الطحاوي والطبراني من هذا الوجه عن معاذ بن رفاعة أن رجلا من بني سلمة فذكره مرسلا ورواه البزار من وجه آخر عن جابر وسماه سليما أيضا لكن وقع عند بن حزم من هذا الوجه أن اسمه سلم بفتح أوله وسكون اللام وكأنه تصحيف والله أعلم وجمع بعضهم بين هذا الاختلاف بأنهما واقعتان وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة هل هي العشاء أو المغرب وبالاختلاف في السورة هل هي البقرة أو اقتربت وبالاختلاف في عذر الرجل هل هو لأجل التطويل فقط لكونه جاء من العمل وهو تعبان أو لكونه أراد أن يسقى نخله إذ ذاك أو لكونه خاف على الماء في النخل كما في حديث بريده واستشكل هذا الجمع لأنه لا يظن بمعاذ أنه صلى الله عليه وسلم يأمره بالتخفيف ثم يعود إلى التطويل ويجاب عن ذلك باحتمال أن يكون قرأ أولا بالبقرة فلما نهاه قرأ اقتربت وهي طويلة بالنسبة إلى السور التي أمره أن يقرأ بها كما سيأتي ويحتمل أن يكون النهى أولا وقع لما يخشى من تنفير بعض من يدخل في الإسلام ثم لما اطمأنت نفوسهم بالإسلام ظن أن المانع زال فقرأ باقتربت لأنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور فصادف صاحب الشغل وجمع النووي باحتمال أن يكون قرأ في الأولى بالبقرة فانصرف رجل ثم قرأ اقتربت في الثانية فانصرف آخر ووقع في رواية أبي الزبير عند مسلم فانطلق رجل منا وهذا يدل على أنه كان من بني سلمة ويقوى رواية من سماه سليما والله أعلم قوله فانصرف الرجل اللام فيه للعهد الذهنى ويحتمل أن يراد به الجنس فكأنه قال واحد من الرجال لأن المعرف تعريف الجنس كالنكرة في مؤاده ووقع في رواية الاسماعيلي فقام رجل فانصرف وفي رواية سليم بن حيان فتجوز رجل فصلى صلاة خفيفة ولابن عيينة عند مسلم فانحرف رجل فسلم ثم صلى وحده وهو ظاهر في أنه قطع الصلاة لكن ذكر البيهقي أن محمد بن عباد شيخ مسلم تفرد عن بن عيينة بقوله ثم سلم وأن الحفاظ من أصحاب بن عيينة وكذا من أصحاب شيخه عمرو بن دينار وكذا من أصحاب جابر لم يذكروا السلام وكأنه فهم أن هذه اللفظة أخذت على أن الرجل قطع الصلاة لأن السلام يتحلل به من الصلاة وسائر الروايات أخذت على أنه قطع القدوة فقط ولم يخرج من الصلاة بل استمر فيها منفردا قال

[ 164 ]

الرافعي في شرح المسند في الكلام على رواية الشافعي عن بن عيينة في هذا الحديث فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده هذا يحتمل من جهة اللفظ أنه قطع الصلاة وتنحى عن موضع صلاته واستأنفها لنفسه لكنه غير أمرهم عليه لأن الفرض لا يقطع بعد الشروع فيه انتهى ولهذا استدل به الشافعية على أن للمأموم أن يقطع القدوة ويتم صلاته منفردا ونازع النووي فيه فقال لا دلالة فيه لأنه ليس فيه أنه فارقه وبنى على صلاته بل في الرواية التي فيها أنه سلم دليل على أنه قطع الصلاة من أصلها ثم استأنفها فيدل على جواز قطع الصلاة وإبطالها لعذر قوله فكان معاذ ينال منه وللمستملى تناول منه وللكشميهني فكأن بهمزة ونون مشددة معاذا تناول منه والأولى أخذت على كثرة ذلك منه بخلاف الثانية ومعنى ينال منه أو تناوله ذكره بسوء وقد فسره في رواية سليم بن حيان ولفظه فبلغ ذلك معاذا فقال إنه منافق وكذا لأبي الزبير ولابن عيينة فقالوا له أنافقت يا فلان قال لا والله لآتين رسول الله صلى الله عليه وسلم فلاخبرنه وكأن معاذا قال ذلك أولا ثم قاله أصحاب معاذ للرجل قوله فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم بين بن عيينة في روايته وكذا محارب وأبو الزبير أنه الذي جاء فاشتكى من معاذ وفي رواية النسائي فقال معاذ أداء أصبحت لا ذكرن ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فأرسل إليه فقال ما حملك على الذي صنعت فقال يا رسول الله عملت على ناضح لي فذكر الحديث وكأن معاذ سبقه بالشكوى فلما أرسل إليه جاء فاشتكى من معاذ قوله فقال فتان في رواية بن عيينة أفتان أنت زاد محارب ثلاثا قوله أو قال فاتنا شك من الراوي وهو منصوب على أنه خبر كان المقدرة وفي رواية أبي الزبير أتريد أن تكون فاتنا ولأحمد في حديث معاذ بن رفاعة المتقدم يا معاذ لا تكن فاتنا وزاد في حديث أنس لا تطول بهم ومعنى الفتنة ههنا أن التطويل يكون سببا لخروجهم من الصلاة وللتكره الولاء في الجماعة وروى البيهقي في الشعب بإسناد صحيح عن عمر قال لا تبغضوا إلى الله عباده يكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى يبغض إليهم ما هم فيه وقال الداودي يحتمل أن يريد بقوله فتان أي معذب لأنه عذبهم بالتطويل ومنه قوله تعالى إن الذين فتنوا المؤمنين قيل معناه عذبوهم قوله وأمره بسورتين من أوسط المفصل قال عمرو أي بن دينار لا أحفظما وكأنه قال ذلك في حال تحديثه لشعبة وإلا ففي رواية سليم بن حيان عن عمرو اقرأ والشمس وضحاها وسبح اسم ربك الأعلى ونحوها وقال في رواية بن عيينة عند مسلم اقرأ بكذا وأقرأ بكذا قال بن عيينة فقلت لعمرو إن أبا الزبير حدثنا عن جابر أنه قال اقرأ بالشمس وضحاها والليل إذا يغشى وبسبح اسم ربك الأعلى فقال عمرو نحو هذا وجزم بذلك محارب في حديثه عن جابر وفي رواية الليث عن أبي الزبير عند مسلم مع الثلاثة اقرأ باسم ربك زاد بن جريج عن أبي الزبير والضحى أخرجه عبد الرزاق وفي رواية القدرة عن بن عيينة مع الثلاثة الأول والسماء ذات البروج والسماء والطارق وفي المراد بالمفصل أقوال ستأتي في فضائل القرآن أصحها أنه من أول ق إلى آخر القرآن قوله أوسط يحتمل أن يريد به المتوسط والسور التي مثل بها من قصار المتوسط ويحتمل أن يريد به المعتدل أي المناسب للحال من المفصل والله أعلم واستدل بهذا الحديث على صحة اقتداء المفترض بالمتنفل بناء على أن معاذ كان ينوي بالأولى الفرض وبالثانية النفل ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم من طريق بن جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث

[ 165 ]

الباب زاد هي له تطوع ولهم فريضة وهو حديث صحيح رجاله رجال الصحيح وقد صرح بن جريج في رواية عبد الرزاق بسماعه فيه فانتفت تهمة تدليسه فقول بن الجوزي إنه لا يصح مردود وتعليل الطحاوي له بان بن عيينة ساقه عن عمرو أتم من سياق بن جريج ولم يذكر هذه الزيادة ليس بقادح في صحته لأن بن جريج أسن وأجل من بن عيينة وأقدم أخذا عن عمرو منه ولو لم يكن كذلك فهي زيادة من ثقة حافظ ليست منافية لرواية من هو أحفظ منه ولا أكثر عددا فلا معنى للتوقف في الحكم بصحتها وأما رد الطحاوي لها باحتمال أن تكون مدرجة فجوابه أن الأصل عدم الإدراج حتى يثبت التفصيل فمهما كان مضمونا إلى الحديث فهو منه ولا سيما إذا روى من وجهين والأمر هنا كذلك فإن الشافعي أخرجها من وجه آخر عن جابر متابعا لعمرو بن دينار عنه وقول الطحاوي هو ظن من جابر مردود لأن جابر كان ممن يصلي مع معاذ فهو أمرهم على أنه سمع ذلك منه ولا يظن بجابر أنه يخبر عن شخص بأمر غير مشاهد إلا بان يكون ذلك الشخص أطلعه عليه وأما احتجاج أصحابنا لذلك بقوله صلى الله عليه وسلم إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة فليس بجيد لأن حاصله النهى عن التلبس بصلاة غير التي أقيمت من غير تعرض لنية فرض أو نفل ولو تعينت نية الفريضة لامتنع على معاذ أن يصلي الثانية بقومه لأنها ليست حينئذ فرضا له وكذلك قوله بعض أصحابنا لا يظن بمعاذ أن يترك فضيلة الفرض خلف أفضل الأئمة في المسجد الذي هو من أفضل المساجد فإنه وإن كان فيه نوع ترجيح لكن للمخالف أن يقول إذا كان ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لم يمتنع أن يحصل له الفضل بالاتباع وكذلك قول الخطابي إن العشاء في قوله كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء حقيقة في المفروضة فلا يقال كان ينوي بها التطوع لأن لمخالفه أن يقول هذا لا ينافي أن ينوي بها التنفل وأما قول بن حزم إن المخالفين لا يجيزون لمن عليه فرض إذا أقيم أن يصليه متطوعا فكيف ينسبون إلى معاذ ما لا يجوز عندهم فهذا إن كان كما قال نقض قوي وأسلم الأجوبة التمسك بالزيادة المتقدمة وأما قول الطحاوي لا حجة فيها لأنها لم تكن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم ولا تقريره فجوابه أنهم لا يختلفون في أن رأى الصحابي إذا لم يخالفه غيره حجة والواقع هنا كذلك فإن الذين كان يصلي بهم معاذ كلهم صحابة وفيهم ثلاثون عقبيا وأربعون بدريا قاله بن حزم قال ولا يحفظ عن غيرهم من الصحابة امتناع ذلك بل قال معهم بالجواز عمر وابن عمر وأبو الدراء وأنس وغيرهم وأما قول الطحاوي لو سلمنا جميع ذلك لم يكن فيه حجة لاحتمال أن ذلك كان في الوقت الذي كانت الفريضة فيه يصلي مرتين أي فيكون منسوخا فقد تعقبه بن دقيق العيد بأنه يتضمن إثبات النسخ بالاحتمال وهو لا يسوغ وبأنه يلزمه إقامة الدليل على ما ادعاه الفريضة أه وكأنه لم يقف على كتابه فإنه قد ساق فيه دليل ذلك وهو حديث بن عمر رفعه لا تصلوا الصلاة في اليوم مرتين ومن وجه آخر مرسل إن أهل العالية كانوا يصلون في بيوتهم ثم يصلون مع النبي صلى الله عليه وسلم فبلغه ذلك فنهاهم ففي الاستدلال بذلك على تقدير صحته نظر لاحتمال أن يكون النهى عن أن يصلوها مرتين على أنها فريضة وبذلك جزالبيهقي جمعا بين الحديثين بل لو قال قائل هذا النهى منسوخ بحديث معاذ لم يكن بعيدا ولا يقال القصة قديمة لأن المؤلف استشهد بأحد لأنا نقول كانت أحد في أواخر الثالثة فلا مانع أن يكون النهى في الأولى والإذن في الثالثة مثلا وقد

[ 166 ]

قال صلى الله عليه وسلم للرجلين اللذين لم يصليا معه إذا صليتما في حالكما ثم أتيتما مسجد جماعة فصليا معهم فإنها لكما نافلة أخرجه أصحاب السنن من حديث يزيد بن الأسود العامري وصححه بن خزيمة وغيره وكان ذلك في حجة الوداع في أواخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم ويدل على الجواز أيضا أمره صلى الله عليه وسلم لمن أدرك الأئمة الذين يأتون بعده ويؤخرون الصلاة عن ميقاتها أن صلوها في بيوتكم في الوقت ثم اجعلوها معهم نافلة وأما الاستدلال الطحاوي أنه صلى الله عليه وسلم نهى معاذا عن ذلك بقوله في حديث سليم بن الحارث إما أن تصلي معي وإما أن تخفف بقومك ودعواه أن معناه إما أن تصلي معي ولا تصل بقومك وإما أن تخفف بقومك ولا تصلي معي ففيه نظر لأن لمخالفه أن يقول بل التقدير إما أن تصلي معي فقط إذا لم تخفف وإما أن تخفف بقومك فتصلى معي وهو أولى من تقديره لما فيه من مقابلة التخفيف بترك التخفيف لأنه هو المسئول عنه المتنازع فيه وأما تقوية بعضهم بكونه منسوخا بان صلاة الخوف وقعت مرارا على صفة فيها مخالفة ظاهرة بالأفعال المنافية في حال الأمن فلو جازت صلاة المفترض خلف المتنفل لصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم مرتين على وجه لا أنكر فيه منافاة فلما لم يفعل دل ذلك على المنع فجوابه أنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم صلى بهم صلاة الخوف مرتين كما أخرجه أبو داود عن أبي بكرة صريحا ولمسلم عن جابر نحوه وأما صلاته بهم على نوع من المخالفة فلبيان الجواز وأما قول بعضهم كان فعل معاذ للضرورة لقلة القراء في ذلك الوقت فهو ضعيف كما قال بن دقيق العيد لأن القدر المجزئ من القراءة في الصلاة كان حافظوه كثيرا وما زاد لا يكون سببا لارتكاب أمر ممنوع منه شرعا في الصلاة وفي حديث الباب من الفوائد أيضا استحباب تخفيف الصلاة مراعاة لحال المأمومين وأما من قال لا يكره التطويل إذا علم رضاء المأمومين فيشكل عليه أن الإمام قد لا يعلم حال من يأتي فيأتم به بعد دخوله في الصلاة كما في حديث الباب فعلى هذا يكره التطويل مطلقا إلا إذا فرض في مصل بقوم محصورين راضين بالتطويل في مكان لا يدخله غيرهم وفيه أن الحاجة من أمور الدنيا عذر في تخفيف الصلاة وجواز إعادة الصلاة الواحدة في اليوم الواحد مرتين وجواز خروج المأموم من الصلاة لعذر وأما بغير عذر فاستدل به بعضهم وتعقب وقال بن المنير لو كان كذلك لم يكن لأمر الأئمة بالتخفيف فائدة وفيه نظر لأن فائدة الأمر بالتخفيف المحافظة على صلاة الجماعة ولا ينافي ذلك جواز الصلاة منفردا وهذا كما استدل بعضهم بالقصة على وجوب صلاة الجماعة وفيه نحو هذا النظر وفيه جواز صلاة المنفرد في المسجد الذي يصلي فيه بالجماعة إذا كان بعذر وفيه الإنكار بلطف لوقوعه بصورة الاستفهام ويؤخذ منه تعزيز كل أحد بحسبه والاكتفاء في التعزيز بالقول والانكار في المكروهات وأما تكراره ثلاثا فللتأكيد وقد تقدم في العلم أنه صلى الله عليه وسلم كان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه وفيه اعتذار من وقع منه خطأ في الظاهر وجواز الوقوع في حق من وقع في محذور ظاهر وإن كان له عذر باطن للتنفير عن فعل ذلك وأنه لا لوم على من فعل ذلك متأولا وأن التخلف عن الجماعة من صفة المنافق قوله باب تخفيف الإمام في القيام وإتمام الركوع والسجود قال الكرماني الواو بمعنى مع كأنه قال باب التخفيف بحيث لا يفوته شئ من الواجبات فهو تفسير لقوله في الحديث فليتجوز لأنه لا يأمر بالتجوز المؤدى إلى فساد الصلاة قال بن المنير وتبعه بن رشيد وغيره خص التخفيف في الترجمة بالقيام

[ 167 ]

مع أن لفظ الحديث أعم حيث قال فليتجوز لأن الذي يطول في الغالب إنما هو القيام وما عداه لا يشق إتمامه على أحد وكأنه حمل حديث الباب على قصة معاذ فإن الأمر بالتخفيف فيها مختص بالقراءة انتهى ملخصا والذي يظهر لي أن البخاري أشار بالترجمة إلى بعض ما ورد في بعض طرق الحديث كعادته وأما قصة معاذ فمغايرة لحديث الباب لأن قصة معاذ كانت في العشاء وكان الإمام فيها معاذا وكانت في مسجد بني سلمة وهذه كانت في الصبح وكانت في مسجد قباء ووهم من فسر الإمام المبهم هنا بمعاذ بل المراد به أبي بن كعب كما أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن من رواية عيسى بن جارية وهو بالجيم عن جابر قال كان أبي بن كعب يصلي بأهل قباء فاستفتح سورة طويلة فدخل معه غلام من الأنصار في الصلاة فلما سمعه استفتحها انفتل من صلاته فغضب أبي فأتى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو الغلام وأتى الغلام يشكو أبيا فغضب النبي صلى الله عليه وسلم حتى عرف الغضب في وجهه ثم قال إن منكم منفرين فإذا صليتم فاوجزوا فإن خلفكم الضعيف والكبير والمريض وذا الحاجة فأبان هذا الحديث أن المراد بقوله في حديث الباب مما يطيل بنا فلان أي في القراءة واستفيد منه أيضا تسمية الإمام وبأى موضع كان وفي الطبراني من حديث عدي بن حاتم من أمنا فليتم الركوع والسجود وفي قول بن المنير إن الركوع والسجود لا يشق إتمامهما نظر فإنه إن أراد أقل ما يطلق عليه اسم تمام فذاك لا بد منه وإن أراد غاية التمام فقد يشق فسيأتي حديث البراء قريبا أنه صلى الله عليه وسلم كان قيامه وركوعه وسجوده قريبا من السواء قوله حدثنا زهير هو بن معاوية الجعفي وإسماعيل هو بن أبي خالد وقيس هو بن أبي حازم وأبمسعود هو الأنصاري البدري والإسناد كله كوفيون قوله أن رجلا لم أقف على اسمه ووهم من زعم أنه حزم بن أبي بن كعب لأن قصته كانت مع معاذ لا مع أبي بن كعب قوله أني لأتأخر عن صلاة الغداة أي فلا أحضرها مع الجماعة لأجل التطويل وفي رواية بن المبارك في الأحكام والله إني لأتأخر بزيادة القسم وفيه جواز مثل ذلك لأنه لم ينكر عليه وتقدم في كتاب العلم في باب الغضب في العلم بلفظ إني لا أكاد أدرك الصلاة وتقدم توجيهه ويحتمل أيضا أن يكون المراد أن الذي ألفه من تطويله اقتضى له أن يتشاغل عن المجئ في أول الوقت وثوقا بتطويله بخلاف ما إذا لم يكن يطول فإنه كان يحتاج إلى المبادرة إليه أول الوقت وكأنه يعتمد على تطويله فيتشاغل ببعض شغله ثم يتوجه فيصادف أنه تارة يدركه وتارة لا يدركه فلذلك قال لا أكاد أدرك مما يطول بنا أي بسبب تطويله واستدل به على تسمية الصبح بذلك ووقع في رواية سفيان الآتية قريبا عن الصلاة في الفجر وإنما خصها بالذكر لأنها تطول فيها القراءة غالبا ولان الانصراف منها وقت التوجه لمن له حرفة إليها قوله أشد بالنصب وهو نعت لمصدر محذوف أي غضبا أشد وسببه إما لمخالفة الموعظة أو للتقصير في تعلم ما ينبغي تعلمه كذا قاله بن دقيق العيد وتعقبه تلميذه أبو الفتح اليعمري بأنه يتوقف على تقدم الإعلام بذلك قال ويحتمل أن يكون ما ظهر من الغضب لإدارة الاهتمام بما يلقيه لأصحابه ليكونوا من سماعه على بال لئلا يعومن فعل ذلك إلى مثله وأقول هذا أحسن في الباعث على أصل إظهار الغضب أما كونه أشد فالاحتمال الثاني أوجه ولا يرد عليه التعقب المذكور قوله أن منكم منفرين فيه تفسير للمراد بالفتنة في قوله في حديث معاذ أفتان أنت ويحتمل أن

[ 168 ]

تكون قصة هذه بعد قصة معاذ فلهذا أتى بصيغة الجمع وفي قصة معاذ واجهه وحده بالخطاب وكذا ذكر في هذا الغضب ولم يذكره في قصه معاذ وبهذا يتوجه الاحتمال الأول لابن دقيق العيد قوله فأيكم ما صلى ما زائدة ووقع في رواية سفيان فمن أم الناس قوله فليخفف قال بن دقيق العيد التطويل والتخفيف من الأمور الإضافية فقد يكون الشئ خفيفا بالنسبة إلى عادة قوم طويلا بالنبسة لعادة آخرين قال وقول الفقهاء لا يزيد الإمام في الركوع والسجود على ثلاث تسبيحات لا يخالف ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يزيد على ذلك لأن رغبة الصحابة في الخير تقتضي أن لا يكون ذلك تطويلا قلت وأولى ما أخذ حد التخفيف من الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي عن عثمان بن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنت إمام قومك واقدر القوم بأضعفهم إسناده حسن وأصله في مسلم قوله فإن فيهم في رواية سفيان فإن خلفه وهو تعليل الأمر المذكور ومقتضاه أنه متى لم يكن فيهم متصف بصفة من المذكورات لم يضر التطويل وقد قدمت ما يرد عليه في الباب الذي قبله من إمكان مجئ من يتصف باحداها وقال اليعمري الأحكام إنما تناط بالغالب لا بالصورة النادرة فينبغي للأئمة التخفيف مطلقا قال وهذا كما شرع القصر في صلاة المسافر وعلل بالمشقة وهو مع ذلك يشرع ولو لم يشق وأشار بالغالب لأنه لا يدري ما يطرأ عليه وهنا كذلك قوله الضعيف والكبير كذا للأكثر ووقع في رواية سفيان في العلم فإن فيهم المريض والضعيف وكأن المراد بالضعيف هنا المريض وهناك من يكون ضعيفا في خلقته كالنحيف والمسن وسيأتي في الباب الذي بعده مزيد قول فيه قوله باب إذا صلى لنفسه فليطول ما شاء يريد أن عموم الأمر بالتخفيف مختص بالأئمة فأما المنفرد فلا حجر عليه في ذلك لكن اختلف فيما إذا أطال القراءة حتى خرج الوقت كما سنذكره قوله فإن فيهم كذا للأكثر وللكشميهني فإن منهم قوله الضعيف والسقيم المراد بالضعيف هنا ضعيف الخلقة وبالسقيم من به مرض زاد مسلم من وجه آخر عن أبي الزناد والصغير والكبير وزاد الطبراني من حديث عثمان بن أبي العاص والحامل والمرضع وله من حديث عدي بن حاتم والعابر السبيل وقوله في حديث أبي مسعود الماضي وذا الحاجة هي أشمل الأوصاف المذكورة قوله فليطول ما شاء ولمسلم فليصل كيف شاء أي مخففا أو مطولا واستدل به على جواز إطالة القراءة ولو خرج الوقت وهو المصحح عند بعض أصحابنا وفيه نظر لأنه يعارضه عموم قوله في حديث أبي قتادة إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت الأخرى أخرجه مسلم وإذا تعارضت مصلحة المبالغة في دابة بالتطويل ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة المفسدة أولى واستدل بعمومه أيضا على جواز تطويل الاعتدال والجلوس بين السجدتين قوله باب من شكا إمامه إذا المريض فيه حديث أبي مسعود وهو ظاهر في الترجمة وكذا حديث جابر والتعليق عن أبي أسيد وهو الأنصاري وصله بن أبي شيبة من رواية المنذر بن أبي أسيد قال كان أبي يصلي خلفي فربما قال يا بني طولت بنا اليوم واستفيد منه تسمية الابن المذكور وفيه حجة على من كره للرجل أن يؤم أباه كعطاء ورأيت بخط البدر الزركشي أنه رأى في بعض نسخ البخاري وكره عطاء أن يؤم الرجل أباه فإن ثبت ذلك فقد وصل بن أبي شيبة هذا التعليق وكأن المنذر كان إماما راتبا في المسجد تنبيه وقع في

[ 169 ]

رواية المستملى أبو أسيد بفتح الهمزة والصواب الضم كما للباقين قوله في حديث محارب عن جابر أقبل رجل بناضحين الناضح بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة ما استعمل من الإبل في سقى النخل والزرع قوله وقد جنح الليل أي أقبل بظلمته وهو يؤيد أن الصلاة المذكورة كانت العشاء كما تقدم قوله بسورة البقرة أو للنساء زاد أبو داود الطيالسي عن شعبة شك محارب وفي هذا رد على من زعم أن الشك فيه من جابر قوله فلولا صليت أي فهلا صليت قوله فإنه يصلي وراءك تقدم شرحه في الباب الذي قبله فكان هذا هو الحامل لمن وحد بين القصتين لكن في ثبوت هذه الزيادة في هذه القصة نظر لقوله بعدها أحسب هذا في الحديث يعني هذه الجملة الأخيرة فإنه يصلي الخ وقائل ذلك هو شعبة الراوي عن محارب وقد رواه غير شعبة من أصحاب محارب عنه بدونها وكذا أصحاب جابر قوله تابعه سعيد بن مسروق هو والد سفيان الثوري وروايته هذه وصلها أبو عوانة من طريق أبي الأحوص عنه ومتابعة مسعر وصلها السراج من رواية أبي نعيم عنه ومتابعة الشيباني وهو أبو إسحاق وصلها البزار من طريقه كلهم عن محارب والمراد أنهم تابعوا شعبة عن محارب في أصل الحديث لا في جميع ألفاظه قوله قال عمرو هو بن دينار وقد تقدمت روايته قبل ببابين ورواية عبيد الله بن مقسم وصلها بن خزيمة من رواية محمد بن عجلان عنه وهي عند أبي داود باختصار ورواية أبي الزبير وصلها عبد الرزاق عن بن جريج عنه وهي عند مسلم من طريق الليث عنه لكن لم يعين أن السورة البقرة قوله وتابعه الأعمش عن محارب أي تابع شعبة وروايته عند النسائي من طريق محمد بن فضيل عن الأعمش عن محارب وأبي صالح كلاهما عن جابر بطوله وقال فيه فيطول بهم معاذ ولم يعين السورة قوله باب الإيجاز في الصلاة واكمالها ثبتت هذه الترجمة عند المستملى وكريمة وكذا ذكرها الاسماعيلي وسقطت للباقين وعلى تقدير سقوطها فمناسبة حديث أنس للترجمة من جهة أن من سلك طريق النبي صلى الله عليه وسلم في الإيجاز والاتمام لا يشكى منه تطويل وروى بن أبي شيبة من طريق أبي مجلز قال كانوا أي الصحابة يتمون ويوجزون ويبادرون الوسوسة فبين العلة في تخفيفهم ولهذا عقب المصنف هذه الترجمة بالإشارة إلى أن تخفيف النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن لهذا السبب لعصمته من الوسوسة بل كان يخفف عند حدوث أمر يقتضيه كبكاء صبي قوله عبد العزيز هو بن صهيب والإسناد كله بصريون والمراد بالايجاز مع الإكمال الأعجمي بأقل ما يمكن من الأركان والأبعاض قوله باب من أخف الصلاة عند بكاء الصبي قال الزين بن المنير التراجم السابقة بالتخفيف تتعلق بحق المأمومين وهذه الترجمة تتعلق بقدر زائد على ذلك وهو مصلحة غير المأمور لكن حيث تتعلق بشئ يرجع إليه قوله عن يحيى بن أبي كثير في روايبشر بن بكر الآتية عن الأوزاعي حدثني يحيى قوله عن عبد الله بن أبي قتادة في رواية بن سماعه عن الأوزاعي عند الاسماعيلي حدثني عبد الله بن أبي قتادة قوله أني لا قوم في الصلاة أريد في رواية بشر بن بكر لأقوم إلى الصلاة وأنا أريد قوله تابعه بشر بن بكر هي موصولة عند المؤلف في باب خروج النساء إلى المساجد معي كتاب الجمعة ومتابعة بن المبارك وصلها النسائي ومتابعة بقية وهو بن الوليد لم أقف عليها واستدل بهذا الحديث على جواز

[ 170 ]

إدخال الصبيان المساجد وفيه نظر لاحتمال أن يكون الصبي كان مخلفا في بيت يقرب من المسجد بحيث يسمع بكاؤه وعلى جواز صلاة النساء في الجماعة مع الرجال وفيه شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على أصحابه ومراعاة أحوال الكبير منهم والصغير قوله حدثني شريك بن عبد الله أي بن أبي نمر والإسناد كله مدنيون غير خالد فهو كوفي سكن المدينة قوله أخف صلاة ولا أتم إلى هنا أخرج مسلم من هذا الحديث من رواية إسماعيل بن جعفر عن شريك ووافق سليمان بن بلال على تكملته أبو ضمرة عند الاسماعيلي قوله فيخفف بين مسلم في رواية ثابت عن أنس محل التخفيف ولفظه فيقرأ بالسورة القصيرة وبين بن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن سابط مقدارها ولفظه أنه صلى الله عليه وسلم قرأ في الركعة الأولى بسورة طويلة فسمع بكاء صبي فقرأ بالثانية بثلاث آيات وهذا مرسل قوله أن تفتن أمه أي تلتهى عن صلاتها لاشتغال قلبها ببكائه زاد عبد الرزاق من مرسل عطاء أو تتركه فيضيع قوله حدثنا سعيد هو بن أبي عروبة والإسناد كله بصريون وكذا ما بعده موصولا ومعلقا قوله وأنا أريد إطالتها فيه أن من قصد في الصلاة الإتيان بشئ مستحب لا يجب عليه الوفاء به خلافا لأشهب حيث ذهب إلى أن من نوى التطوع قائما ليس له أن يتمه جالسا قوله في رواية بن أبي عدي مما أعلم وفي رواية الكشميهني لما أعلم قوله وجد أمه أي حزنها قال صاحب المحكم وجد يجد وجدا بالسكون والتحريك حزن وكأن ذكر الأم هنا خرج مخرج الغالب وإلا فمن كان في معناها ملتحق بها قوله وقال موسى أي بن إسماعيل وهو أبو سلمة النبوذكى وأبان هذا بن يزيد العطار والمراد ببهذا بيان سماع قتادة له من أنس وروايته هذه وصلها السراج عن عبيد الله بن جرير وابن المنذر عن محمد بن إسماعيل كلاهما عن أبي سلمة ووقع التصريح أيضا عند الاسماعيلي من رواية خالد بن الحارث عن سعيد عن قتادة أن أنس بن مالك حدثه قال بن بطال احتج به من قال يجوز للأمام إطالة الركوع إذا سمع بحس انظر ليدركه وتعقبه بن المنير بان التخفيف نقيض التطويل فكيف يقاس عليه قال ثم إن فيه مغايرة للمطلوب لأن فيه إدخال مشقة على جماعة لأجل واحد انتهى ويمكن أن يقال محل ذلك ما لم يشق على الجماعة وبذلك قيده أحمد وإسحاق وأبو ثوروما ذكره بن بطال سبقه إليه الخطابي ووجهه بأنه إذا جاز التخفيف لحاجة من حاجات الدنيا كان التطويل لحاجة من حاجات الدين أجوز وتعقبه القرطبي بأن في التطويل هنا زيادة عمل في الصلاة غير مطلوب بخلاف التخفيف فإنه مطلوب انتهى وفي هذه المسألة خلاف عند الشافعية وتفصيل وأطلق النووي عن المذهب استحباب ذلك وفي التجريد للمحاملى نقل كراهيته عن الجديد وبه قال الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة وأبو يوسف وقال محمد بن الحسن أخشى أن يكون شركا قوله باب إذا صلى ثم أم قوما قال الزين بن المنير لم يذكر جواب إذا جريا على عادته في ترك الجزم بالحكم المختلف فيه وقد تقدم البحث في ذلك قريبا وتقدم الحديث من وجه آخر عن عمرو قوله باب من أسمع الناس تكبير الإمام تقدم الكلام على حديث عائشة

[ 171 ]

في باب حد المريض أن يشهد الجماعة والشاهد فيه قوله وأبو بكر يسمع الناس التكبير وهذه اللفظة مفسرة عند الجمهور للمراد بقوله في الرواية الماضية وكان أبو بكر يصلي بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم والناس يصلون بصلاة أبي بكر وقد ذكر البخاري أن محاضرا تابع عبد الله بن داود على ذلك وسيأتي البحث في ذلك في الباب الذي بعده قال بن مالك ووقع في بعض الروايات هنا إن يقم مقامك يبكي ومروا أبا بكر يصلي بإثبات الياء فيهما وهو من معي أجراء المعتل لمجرى الصحيح والاكتفاء بحذف الحركة ومنه قراءة من قرا إنه من يتقي ويصبر تنبيه سقط في رواية أبي زيد المروزي من هذا الإسناد إبراهيم ولا بد منه قوله باب الرجل يأتم بالإما ويأتم الناس بالمأموم قال بن بطال هذا موافق لقول مسروق والشعبي إن الصفوف يؤم بعضها بعضا خلافا للجمهور قلت وليس المراد أنهم يأتمون بهم في التبليغ فقط كمفهمه بعضهم ولو الخلاف معنوى لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل أن يرفع الصف الذي يليه رؤوسهم من الركعة أنه أدركها ولو كان الإمام رفع قبل ذلك لأن بعضهم لبعض كثرة انتهى فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعض ما يتحمله الإمام وأثر الشعبي الأول وصله عبد الرزاق والثاني وصله بن أبي شيبة ولم يفصح البخاري باختياره في هذه المسألة لأنه بدأ بالترجمة الدالة على أن المراد بقوله ويأتم الناس معبد بكر أي أنه مقام المبلغ ثم ثنى بهذه الرواية التي أطلق فيها اقتداء الناس معبد بكر ورشح ظاهرها بظاهر الحديث المعلق فيحتمل أن يكون يذهب إلى قول الشعبي ويرى أن قوله في الرواية الأولى يسمع الناس التكبير لا ينفى كونهم يأتمون به لأن اسماعه لهم التكبير جزء من أجزاء ما يأتمون به فيه وليس فيه نفى لغيره ويؤيد ذلك رواية الاسماعيلي من طريق عبد الله بن داود المذكور ووكيع جميعا عن الأعمش بهذا الإسناد قال فيه والناس يأتمون معبد بكر وأبو بكر يسمعهم قوله ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا طرف من حديث أبي سعيد الخدري قال رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا فقال تقدموا وائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم الحديث أخرجه مسلم وأصحاب السنن من رواية أبي نضرة عنه قيل وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض لأن أبا نضرة ليس على شرطه لضعف فيه وهذا عندي ليس بصواب لأنه لا يلزم من كونه على غير شرطه أنه لا يصلح عنده للاحتجاج به بل قد يكون صالحا للاحتجاج به عنده وليس هو على شرط صحيحه الذي هو أعلى شروط الصحة والحق أن هذه الصيغة لا تختص بالضعيف بل قد تستعمل في الصحيح أيضا بخلاف صيغة الجزم فإنها لا تستعمل إلا في الصحيح وظاهره يدل لمذهب الشعبي وأجاب النووي بأن معنى وليأتم بكم من بعدكم أي يقتدى بكم من خلفكم مستدلين على أفعالى بأفعالكم قال وفيه جواز اعتماد المأموم في متابعة الإمام الذي لا يراه ولا يسمعه على مبلغ عنه أو صف قدامة يراه متابعا للأمام وقيل معناه تعلموا مني أحكام خالف وليتعلم منكم التابعون بعدكم وكذلك أتباعهم إلى انقراض الدنيا قوله مروا أبا بكر يصلي كذا فيه بإثبات الياء وقد تقدم توجيه بن مالك له ووقع في رواية الكشميهني أن يصلي قوله متى يقوم كذا وقع للأكثر في الموضعين بإثبات الواو ووجهه بن مالك بأنه العطار متى بإذا فلم تجزم كما العطار إذا بمتى في قوله إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعا وثلاثين فحذف النون ووقع في رواية الكشميهني معي متى ما يقم ولا اشكال

[ 172 ]

فيها قوله تخطان الأرض في رواية الكشميهني يخطان في الأرض وقد تقدمت بقية مباحث الحديث في باب حد المريض وقوله في السند الأعمش عن إبراهيم عن الأسود كذا للجميع وهو الصواب وسقط إبراهيم بين الأعمش والأسود من رواية أبي زيد المروزي وهو وهم قاله الجياني قوله باب هل يأخذ الإمام إذا شك بقول الناس أورد فيه قصة ذي اليدين في السهو وسيأتي الكلام عليها في موضعه قال الزين بن المنير أراد أن محل الخلاف في هذه المسألة هو ما إذا كان الإمام شاكا أما إذا كان على يقين من فعل نفسه فلا خلاف أنه لا يراجع إلى أحد انتهى وقال بن التين يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم شك بأخبار ذي اليدين فسألهم إرادة تيقن أحد الأمرين فلما صدقوا ذا اليدين علم صحة قوله قال وهذا الذي أراد البخاري بتبويبه وقال بن بطال بعد أن حكى الخلاف في هذه المسألة حمل الشافعي رجوعه عليه الصلاة والسلام على أنه تذكر فذكر وفيه نظر لأنه لو كان كذلك لبينه لهم ليرتفع اللبس ولو بينه لنقل ومن ادعى ذلك فليذكره قلت قد ذكره أبو داود من طريق الأوزاعي عن الزهري عن سعيد وعبيد الله عن أبي هريرة بهذه القصة قال ولم يسجد سجدتي السهو حتى يقنه الله ذلك قوله باب إذا بكى الإمام في الصلاة أي هل تفسد أو لا والاثر والخبر اللذان في الباب يدلان على الجواز وعن الشعبي والنخعي والثوري أن البكاء والأنين يفسد الصلاة وعن المالكية والحنفية إن كان لذكر النار والخوف لم يفسد وفي مذهب الشافعي ثلاثة أوجه أصحها إن ظهر منه حرفان أفسد وإلا فلا ثانيها وحكى عن نصه في الإملاء أنه لا يفسد مطلقا لأنه ليس من جنس الكلام ولا يكاد يبين منه حرف محقق فأشبه الصوت الغفل ثالثها عن القفاإن كان فمه مطبقا لم يفسد وإلا أفسد إن ظهر منه حرفان وبه قطع المتولي والوجه الثاني أقوى دليلا فائدة أطلق جماعة التسوية بين الضحك والبكاء وقال المتولي لعل الأظهر في الضحك البطلان مطلقا لما فيه من هتك حرمة الصلاة وهذا أقوى من حيث المعنى والله أعلم قوله وقال عبد الله بن شداد أي بن الهاد وهو تابعي كبير له رؤية ولأبيه صحبة قوله سمعت نشيج عمر النشيج بفتح النون وكسر المعجمة وآخره جيم قال بن فارس نشج الباكى ينشج متنفسا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب وقال الهروي النشيج صوت معه ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره وفي المحكم هو أشد البكاء وهذا الأثر وصله سعيد بن منصور عن بن عيينة عن إسماعيل بن محمد بن سعيد سمع عبد الله بن شداد بهذا وزاد في صلاة الصبح وأخرجه بن المنذر من طريق عبيد بن عمير عن عمر نحوه وقد تقدم الكلام على حديث أبي بكر وقوله فيه من البكاء أي لأجل البكاء وفي الباب حديث عبد الله

[ 173 ]

بن الشخير رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بنا وفي صدره أزيز كأزيز المرجع من البكاء رواه أبو داود والنسائي والترمذي في الشمائل وإسناده قوي وصححه بن خزيمة وابن حبان والحاكم ووهم من زعم أن مسلما أخرجه والمرجل بكسر الميم وفتح الجيم القدر إذا غلت والازيز بفتح الهمزة بعدها زاى ثم تحتانية ساكنة ثم زاى أيضا وهو صوت القدر إذا غلت وفي لفظ كأزيز الرحى قوله باب تسوية الصفوف عند اشتراط وبعدها ليس في حديثي الباب دلالة على تقييد التسوية بما ذكر لكن أشار بذلك إلى ما في بعض الطرق كعادته ففي حديث النعمان عند مسلم أنه صلى الله عليه وسلم قال ذلك عند ما كاد أن يكبر وفي حديث أنس في الباب الذي بعد هذا أقيمت الصلاة فأقبل علينا فقال قوله لتسون بضم التاء المثناة وفتح السين وضم الواو المشددة وتشديد النون وللمستملى لتسوون بواوين قال البيضاوي هذه اللام هي التي يتلقى بها القسم والقسم هنا مقدر ولهذا أكده بالنون المشددة انتهى وسيأتي من رواية أبي داود قريبا إبراز القسم في هذا الحديث قوله أو ليخالفن الله بين وجوهكم أي إن لم تسووا والمراد بتسوية الصفوف اعتدال القائمين بها على سمت واحد أو يراد بها سد الخلل الذي في الصف كما سيأتي واختلف في الوعيد المذكور فقيل هو على حقيقته والمراد تسوية الوجه بتحويل خلقه عن وضعه بجعله موضع القفا أو نحو ذلك فهو وكماما تقدم من الوعيد فيمن رفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله رأسه رأس حمار وفيمن اللطائف وقوع الوعيد من جنس الجناية وهي المخالفة وعلى هذه فهو واجب والتفريط فيه حرام وسيأتي البحث في ذلك في باب إثم من لم يتم الصفوف قريبا ويؤيد حمله على ظاهره حديث أبي أمامة لتسون الصفوف أو لتطمسن الوجوه أخرجه أحمد وفي إسناده ضعف ولهذا قال بن الجوزي الظاهر أنه مثل الوعيد المذكور في قوله تعالى من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها وحديث أبي أمامه أخرجه أحمد وفي إسناده ضعف ومنهم من حمله على المجاز قال النووي معناه يوقع بينكم العداوة والبغضاء واختلاف القلوب كما تقول تغير وجه فلان علي أي ظهر لي من وجهه كراهية لأن مخالفتهم في الصفوف مخالفة في ظواهرهم واختلاف الظواهر سبب لاختلاف البواطن ويؤيده رواية أبي داود وغيره بلفظ أو ليخالفن الله بين قلوبكم كما سيأتي قريبا وقال القرطبي معناه تفترقون فيأخذ كل واحد وجها غير الذي أخذ صاحبه لأتقدم الشخص على غيره مظنة الكبر المفسد للقلب الداعي إلى القطيعة والحاصل أن المراد بالوجه إن حمل عل العضو الخصوص فالمخالفة إما بحسب الصورة الإنسانية أالصفة أو جعل القدام وراء وأن حمل على ذات الشخص فالمخالفة بحسب المقاصد أشار إلى ذلك الكرماني ويحتمل أن يراد بالمخالفة في الجزاء فيجازى المسوى بخير ومن لا يسوى بشر قوله في حديث أنس أقيموا أي عدلوا يقال أقام العود إذا عدله وسواه قوله فإني أراكم فيه إشارة إلى سبب الأمر بذلك أي إنما أمرت بذلك لأني تحققت منكم خلافه وقد تقدم القول في المراد بهذه الرؤية في باب عظة الإمام الناس في إتمام الصلاة وأن المختار حملها على الحقيقة خلافا لمن زعم أن المراد بها خلق علم ضروري له بذلك ونحو ذلك قال الزين بن المنير لا حاجة إلى تأويلها لأنه في معنى تعطيل لفظ الفاء من غير ضرورة وقال القرطبي بل حملها على ظاهرها أولى لأن فيه زيادة في كرامة النبي صلى الله عليه وسلم

[ 174 ]

قوله باب إقبال الإمام على الناس عند تسوية الصفوف أورد فيه حديث أنس الذي في الباب قبله وقد تقدم الكلام عليه فيه قوله حدثنا معاوية بن عمرو هو من قدماء شيوخ البخاري وروى له هنا بواسطة فكأنه لم يسمعه منه وإنما نزل فيه لما وقع في الإسناد من تصريح حميد بتحديث أنس له فأمن بذلك تدليسه قوله وتراصوا بتشديد الصاد المهملة أي تلاصقوا بغير خلل ويحتمل أن يكون تأكيدا لقوله أقيموا والمراد بأقيموا سووا كما وقع في رواية معمر عن حميد عند الاسماعيلي بدل أقيموا واعتدلوا وفيه جواز الكلام بين اشتراط والدخول في الصلاة وقد تقدم في باب مفرد وفيه مراعاة الإمام لرعيته والشفقة عليهم وتحذيرهم من المخالفة قوله باب الصف الأول والمراد به ما يلي الإمام مطلقا وقيل أول صف تام يلي الإمام لا ما تخلله شئ كمقصورة وقيل المراد به من سبق إلى الصلاة ولو صلى آخر الصفوف قاله بن عبد البر واحتج بالاتفاق على أن من جاء أول الوقت ولم يدخل في الصف الأول فهو أفضل ممن جاء في آخره وزاحم إليه ولا حجة له في ذلك كما لا يخفى قال النووي القول الأول هو الصحيح المختار وبه صرح المحققون والقولان الآخران غلط صريح انتهى وكأن صاحب القول الثاني لحظ أن المطلق ينصرف إلى الكامل وما فيه خلل فهو ناقص المنكر القول الثالث لحظ المعنى في تفضيل الصف الأول دون مراعاة يسير وإلى الأول أشار البخاري لأنه ترجم بالصف الأول وحديث الباب فيه الصف المقدم وهو الذي لا يتقدمه إلا الإمام قال العلماء في الحض على الصف الأول المسارعة إلى خلاص الذمة والسبق لدخول المسجد والقرب من الإمام واستماع قراءته والتعلم منه والفتح عليه والتبليغ عنه والسلامة من اختراق المارة بين يديه وسلامة البال من رؤية من يكون قدامة وسلامة موضع سجوده من أذيال المصلين قوله باب إقامة الصف من تمام الصلاة أورد فيه حديث أبي هريرة إنما جعل الإمام ليأتم به وسيأتي الكلام عليه في باب إيجاب التكبير قريبا وفي آخره هنا وأقيموا الصفوف الخ وهو المقصود بهذه الترجمة وقد أفرده مسلم وأحمد وغيرهما من طريق عبد الرزاق المذكورة عما قبله فجعلوه حديثين قوله من حسن الصلاة قال بن رشيد إنما قال البخاري في الترجمة من تمام الصلاة ولفظ الحديث من حسن الصلاة لأنه أراد أن يبين أنه المراد بالحسن هنا وأنه لا يعني به الظاهر المرئي من الترتيب بل المقصود منه الحسن الحكمي بدليل حديث أنس وهو الثاني من حديثي الباب حيث عبر بقوله من إقامة الصلاة قوله في حديث أنس فإن تسوية الصفوف وفي رواية الأصيلي الصف بالافراد والمراد به الجنس قوله من إقامة الصلاة هكذا ذكره البخاري عن أبي الوليد وذكره غيره عنه بلفظ من تمام الصلاة كذلك أخرجه الاسماعيلي عن بن حذيفة والبيهقي من طريق عثمان الدارمي كلاهما عنه وكذلك أخرجه أبو داود عن أبي الوليد وغيره وكذا مسلم وغيره من طريق جماعة عن شعبة وزاد الاسماعيلي من طريق أبي داود الطيالسي قال سمعت شعبة يقول داهنت في هذا الحديث لم أسأل قتادة أسمعته من أنس أم لا انتهى ولم أره عن قتادة إلا معنعنا ولعل هذا هو السر في إيراد البخاري لحديث أبي هريرة معه في الباب تقوية له واستدل بن حزم بقوله إقامة الصلاة على وجوب تسوية الصفوف قال لأن إقامة الصلاة واجبة وكل شئ من الواجب واجب ولا يخفى ما فيه ولا سيما وقد بينا أن الرواة لم يتفقوا على هذه العبارة وتمسك بن بطال بظاهر

[ 175 ]

لفظ حديث أبي هريرة فاستدل به على أن التسوية سنة قال لأن حسن الشئ زيادة علتمامه وأورد عليه رواية من تمام الصلاة وأجاب بن دقيق العيد فقال قد يؤخذ من قوله تمام الصلاة الاستحباب لأن تمام الشئ في العرف أمر زائد على حقيقته التي لا يتحقق إلا بها وإن كان يطلق بحسب الوضع على بعض ما لا تتم الحقيقة إلا به كذا قال وهذا الأخذ بعيد لأن لفظ الفاء لا يحمل إلا على ما دل عليه الوضع في اللسان العربي وإنما يحمل على العرف إذا ثبت أنه عرف الفاء لا العرف الحادث تنبيه لفظ الترجمة أورده عبد الرزاق من حديث جابر قوله باب إثم من لم يتم الصفوف قال بن رشيد أورد فيه حديث أنس ما أنكرت شيئا الا أنكم لا تقيمون الصفوف وتعقب بان الإنكار قد يقع على ترك السنة فلا يدل ذلك على حصول الإثم وأجيب بأنه لعله حمل الأمر في قوله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن أمره على أن المراد بالأمر الشأن والحال لا مجرد الصيغة فيلزم منه أن من خالف شيئا من الحال التي كان عليها صلى الله عليه وسلم أن يأثم لما يدل عليه الوعيد المذكور في الآية وإنكار أنس ظاهر في أنهم خالفوا ما كانوا عليه في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم من إقامة الصفوف فعلى هذا تسلتزم المخالفة التأثيم انتهى كلام بن رشيد ملخصا وهو ضعيف لأنه يفضى إلى أن لا يبقى شئ مسنون لأن التأثيم إنما يحصل عن ترك واجب وأما قول بن بطال إن تسوية الصفوف لما كانت من السنن المندوب إليها والتي يستحق فاعلها المدح عليها دل على أن تاركها يستحق الذم فهو متعقب من جهة أنه لا يلزم من ذم تارك السنة أن يكون آثما سلمنا لكن يرد عليه التعقب الذي قبله ويحتمل أن يكون البخاري أخذ الوجوب من صيغة الأمر في قوله سووا صفوفكم ومن عموم قوله صلوا كما رأيتموني أصلى ومن ورود الوعيد على تركه فرجح عنده بهذه القرائن أن إنكار أنس إنما وقع على ترك الواجب وأن كان الإنكار قد يقع على ترك السنن ومع القول بأن التسوية واجبة فصلاة من خالف ولم يسو صحيحة لاختلاف الجهتين ويؤيد ذلك أن أنسا مع إنكاره علهيم لم يأمرهم بإعادة الصلاة وأفرط بن حزم فجزم بالبطلان ونازع من ادعى الإجماع على عدم الوجوب بما صح عن عمر أنه ضرب قدم أبي عثمان النهدي لإقامة الصف وبما صح عن سويد بن غفلة قال كان بلال يسوى مناكبنا ويضرب أقدامنا في الصلاة فقال ما كان عمر وبلال يضربان أحدا على ترك غير الواجب وفيه نظر لجواز أنهما كانا يريان التعزير على ترك السنة قولبشير هو بالمعجمة مصغر قوله ما أنكرت منذ يوم عهدت في رواية المستملى والكشميهني ما أنكرت منا منذ عهدت قوله وقال عقبة بن عبيد هو أبو الرحال بفتح الراء وتشديد الحاء المهملة وهو أخو سعيد بن عبيد راوي الإسناد الذي قبله وليس لعقبة في البخاري إلا هذا الموضع المعلق وأراد به بيان سماع بشير بن يسار له من أنس وقد وصله أحمد في مسنده عن يحيى القطان عن عقبة بن عبيد الطائي حدثني بشير بن يسار قال جاء أنس إلى المدينة فقلنا ما أنكرت منا من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ما أنكرت منكم شيئا غير أنكم لا تقيمون الصفوف تنبية هذه القدمة لأنس غير القدمة التي تقدم ذكرها في باب وقت العصر فإن ظاهر الحديث فيها أنه أنكر تأخير الظهر إلى أول وقت العصر كما مضى وهذا الإنكار أيضا غير الإنكار الذي تقدم ذكره في باب تضييع الصلاة عن وقتها حيث قال لا أعرف شيئا مما كان على عهد النبي صلى الله

[ 176 ]

عليه وسلم إلا الصلاة وقد ضيعت فإن ذاك كان بالشام وهذا بالمدينة وهذا يدل على أن أهل المدينة كانوا في ذلك الزمان أمثل من غيرهم في التمسك بالسنن قوله باب إلزاق المنكب والمحسوسات والقدم بالقدم في الصف المراد بذلك المبالغة في تعديل الصف وسد خلله وقد ورد الأمر بسد خلل الصف والترغيب فيه في أحاديث كثيرة أجمعها حديث بن عمر عند أبي داود وصححه بن خزيمة والحاكم ولفظه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقيموا الصفوف وحاذوا بين المناكب وسدوا الخلل ولا تذروا فرجات الشيطان ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا قطعه الله قوله وقال النعمان بن بشير هذا طرف من حديث أخرجه أبو داود وصححه بن خزيمة من رواية أبي القاسم الجدلي واسمه حسين بن الحارث قال سمعت النعمان بن بشير يقول أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس بوجهه فقال أقيموا صفوفكم ثلاثا والله لتقيمن صفوفكم أو ليخالفن الله بين قلوبكم قال فلقد رأيت الرجل منا يلزق منكبه بمنكب صاحبه وكعبه بكعبه واستدل بحديث النعمان هذا على أن المراد بالكعب في آية الوضوء العظم الناتئ في جانبي الرجل وهو عند ملتقى الساق والقدم وهو الذي يمكن أن يلزق بالذي بجنبه خلافا لمن ذهب أن المراد بالكعب مؤخر القدم وهو قول شاذ ينسب إلى بعض الحنفية ولم يثبته محققوهم وأثبته بعضهم في مسألة الحج لا الوضوء وأنكر الأصمعي قول من زعم أن الكعب في ظهر القدم قوله عن أنس رواه سعيد بن منصور عن هشيم فصرح فيه بتحديث ث أنس لحميد وفيه الزيادة التي في آخره وهي قوله وكان أحدنا الخ وصرح بأنها من قول أنس وأخرجه الاسماعيلي من رواية معمر عن حميد بلفظ قال أنس فلقد رأيت أحدنا الخ وأفاد هذا التصريح أن الفعل المذكور كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وبهذا يتم الاحتجاج به على بيان المراد بإقامة الصف وتسويته وزاد معمر في روايته ولو فعلت ذلك بأحدهم اليوم لنفر كأنه بغل شموس قوله باب إذا قام الرجل عن يسار الإمام وحوله الإمام خلفه إلى يمينه تمت صلاته تقدم أكثر لفظ هذه الترجمة قبل بنحو من عشرين بابا لكن ليس هناك لفظ خلفه وقال هناك لم تفسد صلاتهما بدل قوله تمت صلاته وأخرج هناك حديث بن عباس هذا لكن من وجه آخر ولم ينبه أحد من الشراح على حكمة هذه الإعادة بل أسقط بعضهم الكلام على هذا الباب والذي يظهر لي أن حكمهما مختلف لاختلاف الجوابين فقوله لم تفسد صلاتهما أي بالعمل الواقع منهما لكونه خفيفا وهو من مصلحة الصلاة أيضا وقوله تمت صلاته أي المأموم ولا يضر وقوفه عن يسار الإمام أولا مع كونه في غير موقفه ولأنه معذور بعدم العلم بذلك الحكم ويحتمل أن يكون الضمير للأمام وتوجيهه أن الإمام وحده في مقام الصف ومحاولته لتحويل المأموم فيه التفات ببعض بدنه ولكن ليس تركا لإقامة الصف للمصلحة المذكورة فصلاته على هذا لا نقص فيها من هذه الجهة والله أعلم وقال الكرماني يحتمل أن يكون الضمير للرجل لأن الفاعل وإن تأخر لفظا لكنه متقدم رتبة فلكل منهما قرب من وجه قلت لكن إذا عاد الضمير للأمام أفاد أنه احترز أن يحوله من بين يديه لئلا يصير كالمار بين يديه قوله باب المرأة وحدها تكون صفا أي في حكم الصف وبهذا يندفع اعتراض الاسماعيلي حيث قال الشخص الواحد لا يسمى صفا وأقل ما يقوم الصف باثنين ثم أن هذه الترجمة لفظ حديث أخرجه بن عبد البر من حديث عائشة مرفوعا المرأة

[ 177 ]

وحدها صف قوله حدثنا عبد الله بن محمد هو الجعفي وإن كان عبد الله بن محمد بن أبي شيبة قد روى هذا الحديث أيضا عن سفيان وهو بن عيينة قوله عن إسحاق عن أنس في رواية القدرة عند أبي نعيم وعلى بن المديني عند الاسماعيلي كلاهما عن سفيان حدثنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك قوله صليت أنا ويتيم كذا للجميع وكذا وقع في خبر يحيى بن يحيى المشهور من روايته عن بن عيينة ووقع عند بن فتحون فيما رواه عن بن السكن بسنده في الخبر المذكور صليت أنا وسليم بسين الركعة ولام مصغرا فتصحفت على الراوي من لفظ يتيم ومشى على ذلك بن فتحون فقال في ذيله على الاستيعاب سليم غير منسوب وساق هذا الحديث ثم إن هذا طرف من حديث أختصره سفيان وطوله مالك كمتقدم في باب الصلاة على الحصير واستدل بقوله فصففت أنا واليتيم وراءه على أن السنة في موقف الإثنين أن يصفا خلف الإمام خلافا لمن قال من الكوفيين أن أحدهما يقف عن يمينه والآخر عن يساره وحجتهم في ذلك حديث بن مسعود الذي أخرجه أبو داود وغيره عنه أنه أقام علقمة عن يمينة والأسود عن شماله وأجاب عنه بن سيرين بأن ذلك كان لضيق المكان رواه الطحاوي قوله وأمي أم سليم خلفنا فيه أن المرأة لاتصف مع الرجال وأصله ما يخشى من الافتتان بها فلو خالفت أجزأت صلاتها عند الجمهور وعن الحنفية تفسد صلاة الرجل دون المرأة وهو عجيب وفي توجيهه تعسف حيث قال قائلهم دليله قول بن مسعود أخروهن من حيث أخرهن الله والأمر للوجوب وحيث ظرف مكان ولا مكان يجب تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة فإذا حاذت الرجل فسدت صلاة الرجل لأنه ترك ما أمر به من تأخيرها وحكاية هذا تغني عن تكلف جوابه والله المستعان فقد ثبت النهى عن الصلاة في الثوب المغصوب وأمر لابسه أن ينزعه فلو خالف فصلى فيه ولم ينزعه أثم وأجزأته صلاته فلم لا يقال في الرجل الذي حاذته المرأة ذلك وأوضح منه لو كان لباب المسجد صفة مملوكة فصلى فيها شخص بغير إذنه مع إقتداره على أن ينتقل عنها إلى أرض المسجد بخطوة واحدة صحت صلاته وأثم وكذلك الرجل مع المرأة التي حاذته ولا سيما إن جاءت بعد أن دخل في الصلاة فصلت بجنبه وقال بن رشيد الأقرب أن البخاري قصد أن يبين أن هذا مستثنى من عموم الحديث الذي فيه لا صلاة لمنفرد خلف الصف يعني أنه مختص بالرجال والحديث المذكور أخرجه بن حبان من حديث على بن شيبان وفي صحته نظر كما سنذكره في باب إذ ركع دون الصف واستدل به بن بطال على صحة صلاة المنفرد خلف الصف خلافا لأحمد قال لأنه لما ثبت ذلك للمرأة كان للرجل أولى لكن لمخالفة أن يقول إنما ساغ ذلك لامتناع أن تصف مع الرجال بخلاف الرجل فإن له أن يصف معهم وأن يزاحمهم وأن يجذب رجلا من حاشية الصف فيقوم معه فافترقا وباقى مباحثه تقدمت في باب الصلاة على الحصير قوله باب ميمنة المسجد والإمام أورد فيه حديث بن عباس مختصرا وهو موافق للترجمة أما للأمام فبالمطابقة وأما للمسجد فباللزوم وقد تعقب من وجه آخر وهو أن الحديث إنما ورد فيما إذا كان المأموم واحدا أما إذا كثروا فلا دليل فيه على فضيلة ميمنة المسجد وكأنه أشار إلى ما أخرجه النسائي بإسناد صحيح عن البراء قال كنا إذا صلينا خلف النبي صلى الله عليه وسلم أحببنا أن نكون عن يمينه ولأبي داود بإسناد حسن عن عائشة مرفوعا أن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف وأما ما رواه بن ماجة عن بن عمر قال

[ 178 ]

قيل للنبي صلى الله علية وسلم إن ميسرة المسجد تعطلت فقال من عمر ميسرة المسجد كتب له كفلان من الأجر ففي إسناده مقال وإن ثبت فلا يعارض الأول لأن ما ورد لمعنى عارض يزول بزواله قولحدثنا موسى هو بن إسماعيل النبوذكى وعاصم هو بن سليمان قوله وقال بيده أي تناوويدل عليه رواية الاسماعيلي فأخذ بيدي قوله من ورائي في رواية الكشميهني من ورائه وهو أوجه قوله باب إذا كان بين الإمام وبين القوم حائط أو سترة أي هل يضر ذلك بالاقتداء أولا والظاهر من تصرفه أنه لا يضر كما ذهب إليه المالكية والمسألة ذات خلاف شهير ومنهم من فرق بين المسجد وغيره قوله وقال الحسن لم أره موصولا بلفظه وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنه في الرجل يصلي خلف الإمام أو فوق سطح يأتم به لا بأس بذلك قوله وقال أبو مجلز وصله بن أبي شيبة عن معتمر عن ليث بن أبي سليم عنه بمعناه وليث ضعيف لكن أخرجه عبد الرزاق عن بن التيمي وهو معتمر عن أبيه عنه فإن كان مضبوطا فهو إسناد صحيح قوله حدثني محمد هو بن سلام قاله أبو نعيم وبه جزم بن عساكر في روايته وعبدة هو بن سليمان قوله في حجرته ظاهره أن المراد حجرة بيته ويدل عليه ذكر جدار الحجرة وأوضح منه رواية حماد بن زيد عن يحيى عند أبي نعيم بلفظ كان يصلي في حجرة من حجر أزواجه ويحتمل أن المراد الحجرة التي كان احتجرها في المسجد بالحصير كما في الرواية التي بعد هذه وكذا حديث زيد بن ثابت الذي بعده ولأبي داود ومحمد بن نصر من وجهين آخرين عن أبي سلمة عن عائشة أنها هي التي نصبت له الحصير على باب بيتها فأما أن يحمل على التعدد أو على المجاز في الجدار وفي نسبة الحجرة إليها قوله فقام ناس في رواية الكشميهني فقام أناس وهذا موضع الترجمة لأن مقتضاه أنهم كانوا يصلون بصلاته وهو انظر الحجرة وهم خارجها قوله فقام ليلة الثانية كذا للأكثر وفيه حذف تقديره ليلة الغداة الثانية وفي رواية الأصيلي فقام الليلة الثانية قوله فلما مطرف ذكر ذلك الناس أي له وأفاد عبد الرزاق أن الذي خاطبه بذلك عمر رضي الله عنه أخرجه عن معمر عن الزهري عن عروة عنها قوله أن تكتب عليكم أي تفرض وهو رواية حماد بن زيد عند أبي نعيم وكذا رواه عبد الرزاق عن بن جريج عن الزهري عن عروة عنها وستأتى بقية مباحثه في كتاب التهجد إن شاء الله تعالى قوله باب صلاة الليل كذا وقع في رواية المستملى وحده ولم يعرج عليه أكثر الشراح ولا ذكره الاسماعيلي وهو وجه السياق لأن التراجم متعلقة بأبواب الصفوف وإقامتها ولما كانت الصلاة بالحائل قد يتخيل أنها مانعة من إقامة الصف ترجم لها وأورد ما عنده فيها فأما صلاة الليل بخصوصها فلها كتاب مفرد سيأتي في أواخر الصلاة وكأن النسخة وقع فيها تكرير لفظ صلاة الليل وهي الجملة التي في آخر الحديث الذي قبله فظن الراوي أنها ترجمة مستقلة فصدرها بلفظ باب وقد تكلف بن رشيد توجيهها بما حاصله إن من صلى صارت مأموما في الظلمة كانت فيه مشابهة بمن صلى وراء حائل وأبعد منه من قال يريد أن من صلى صارت مأموما في الظلمة كان كمن صلى وراء حائط ثم ظهر لاحتمال أن يكون المراد صلاة الليل جماعة فحذف لفظ جماعة والذي يأتي في أبواب التهجد إنما هو حكم صلاة الليل وكيفيتها في عدد الركعات أو في المسجد أو البيت ونحو ذلك قوله عن المقبري هو سعيد والإسناد كله مدنيون قوله ويحتجره كذا للأكثر بالراء أي يتخذه مثل الحجرة وفي رواية الكشميهني بالزاى بدل

[ 179 ]

الراء أي يجعلة حاجزا بينه وبين غيره قوله فثاب كذا للأكثر بمثلثة ثم موحدة أي اجتمعوا ووقع عند الخطابي آبوا أي رجعوا وفي رواية الكشميهني والسرخسي فثار بالمثلثة والراء أي قاموا قوله فصلوا وراءه كذا أورده مختصرا وغرضه بيان أن الحجرة المذكورة في الرواية التي قبل هذه كانت حصيرا وقد ساقه الاسماعيلي من وجه آخر عن بن أبي ذئب تاما وسنذكر الكلام على فوائده في كتاب التهجد إن شاء الله تعالى قوله عن سالم أبي النضر كذا لأكثر الرواة عن موسى بن عقبة وخالفهم بن جريج عن موسى فلم يذكر أبا النضر في الإسناد أخرجه النسائي ورواية الجماعة أولى وقد وافقهم مالك في الإسناد لكن لم يرفعه في الموطأ وروى عنه خارج الموطأ مرفوعا وفيه ثلاثة من التابعين مدنيون على نسق أولهم موسى المذكور قوله حجرة كذا للأكثر بالراء وللكشميهني أيضا بالزاى قوله من صنيعكم كذا للأكثر وللكشميهني بضم الصاد وسكون النون وليس المراد به صلاتهم فقط بل كونهم رفعوا أصواتهم وسبحوا به ليخرج إليهم وحصب بعضهم الباب لظنهم أنه نائم كما ذكر المؤلف ذلك في الأدب وفي الاعتصام وزاد فيه حتى خشيت أن يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به وقد استشكل الخطابي هذه الخشية كما سنوضحه في كتاب التهجد إن شاء الله تعالى قوله أفضل الصلاة صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة ظاهره أنه يشمل جميع النوافل لأن المراد بالمكتوبة المفروضة لكنه أمرهم على ما لا يشرع فيه التجميع وكذا ما لا يخص المسجد كركعتي التحية كذا قال بعض أئمتنا ويحتمل أن يكون المراد بالصلاة ما يشرع في البيت وفي المسجد معا فلا الخطبة تحية المسجد لأنها لا تشرع في البيت وأن يكون المراد بالمكتوبة ما تشرع فيه الجماعة وهل يدخل ما وجب بعارض كالمنذورة فيه نظر والمراد بالمكتوبة الصلوات الخمس لا ما وجب بعارض كالمنذورة والمراد بالمرء جنس الرجال فلا يرد استثناء النساء لثبوت قوله صلى الله عليه وسلم لا تمنعوهن المساجد وبيوتهن خير لهن أخرجه مسلم قال النووي إنما حث على النافلة في البيت لكونه أخفى وأبعد من الرياء وأفرادها البيت بذلك فتنزل فيه الرحمة وينفر منه الشيطان وعلى هذا يمكن أن يخرج بقوله في بيته بيت غيره ولو أم فيه من الرياء قوله قال عفان كذا في رواية كريمة وحدها ولم يذكره الاسماعيلي ولا أبو نعيم وذكر خلف في الأطراف في رواية حماد بن شاكر حدثنا عفان وفيه نظر لأنه أخرجه في كتاب الاعتصام بواسطة بينه وبين عفان ثم فائدة هذه الطريق بيان سماع موسى بن عقبة له من أبي النضر والله أعلم خاتمة اشتملت أبواب الجماعة والإمامة من الأحاديث المرفوعة على مائة واثنين وعشرين حديثا الموصول منها ستة وتسعون والمعلق ستة قرة المكرر منها فيه وفيما مضى تسعون حديثا الخالص اثنان وثلاثون وافقة مسلم على تخريجها سوى تسعة أحاديث وهي حديث أبي سعيد في فضل الجماعة وحديث أبي الدرداء ما أعرف شيئا وحديث أنس كان رجل من الأنصار ضخما وحديث مالك بن الحويرث في صفة الصلاة وحديث بن عمر لما قدم المهاجرون وحديث أبي هريرة يصلون فإن أصابوا وحديث النعمان المعلق في الصفوف وحديث أنس كان أحدنا يلزق منكبه وحديثه في أنكاره إقامة الصفوف وفيه من الآثار عن الصحابة والتابعين سبعة عشر أثرا كلها معلقة إلا أثر بن عمر أنه كان يأكل قبل أن يصلي وأثر عثمان الصلاة أحسن ما يعمل الناس فإنهما موصولان والله سبحانه وتعالى أعلم

[ 180 ]

قوله باب إيجاب التكبير وافتتاح الصلاة قيل أطلق الإيجاب والمراد الوجوب تجوزا لأن الإيجاب خطاب الفاء والوجوب ما يتعلق بالمكلف وهو المراد هنا ثم الظاهر أن الواو عاطفة إما على المضاف وهو أيجاب وإما على المضاف إليه وهو التكبير الأولى أولى إن كان المراد بالافتتاح الدعاء لكنه لا يجب والذي يظهر من سياقه أن الواو بمعنى مع وأن المراد بالافتتاح الشروع في الصلاة وأبعد من قال إنها بمعنى الموحدة أو اللام وكأنه أشار إلى حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير وسيأتي بعد بابين حديث بن عمر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم افتتح التكبير في الصلاة واستدل به وبحديث عائشة على تعين لفظ التكبير دون غيره من ألفاظ التعظيم وهو قول الجمهور ووافقهم أبو يوسف وعن الحنفية تنعقد بكل لفظ يقصد به التعظيم ومن حجة الجمهور حديث رفاعة في قصة المسئ صلاته أخرجه أبو داود بلفظ لا تتم صلاة أحد من الناس حتى يتوضأ فيضع الوضوء مواضعه ثم يكبر ورواه الطبراني بلفظ ثم يقول الله أكبر وحديث أبي حميد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه ثم قال الله أكبر أخرجه بن ماجة وصححه بن خزيمة وابن حبان وهذا فيه بيان المراد بالتكبير وهو قول الله أكبر وروى البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة قال الله أكبر ولأحمد والنسائي من طريق واسع بن حبان أنه سأل بن عمر عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الله أكبر كلما وضع ورفع ثم أورد المصنف حديث أنس إنما جعل الإمام ليأتم به من وجهين ثم حديث أبي هريرة في ذلك واعترضه الاسماعيلي فقال ليس في الطريق الأول ذكر التكبير ولا في الثاني والثالث بيان إيجاب التكبير وإنما فيه الأمر بتأخير تكبير المأموم عن الإمام قال ولو كان ذلك إيجابا للتكبير لكان قوله فقولوا ربنا ولك الحمد إيجابا لذلك على المأموم وأجيب عن الأول بأن مراد المصنف أن يبين أن حديث أنس من الطريقين واحد اختصره شعيب وأتمه الليث وإنما أحتاج إلى ذكر الطريق المختصرة لتصريح الزهري فيها بأخبار أنس له وعن الثاني بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك وفعلة بيان لمجمل الصلاة وبيان الواجب واجب كذا وجهه بن رشيد وتعقب بالاعتراض الثالث وليس بوارد على البخاري لاحتمال أن يكون قائلا بوجوبه كما قال به شيخه إسحاق بن راهويه وقيل في الجواب أيضا إذا ثبت إيجاب التكبير في حالة من الأحوال طابق الترجمة ووجوبه على المأموم ظاهر من الحديث وأما الإمام فمسكوت عنه ويمكن أن يقال في السياق إشارة إلى الإيجاب لتعبيره بإذا التي تختص بما يجزم وقوعه وقال الكرماني الحديث دال على الجزء الثاني من الترجمة لأن لفظ إذا صلى قائما متناول لكون الافتتاح في حال القيام فكأنه قال إذا افتتح الإمام الصلاة قائما فافتتحوا أنتم أيضا قياما قال ويحتمل أن تكون الواو بمعنى مع والمعنى باب إيجاب التكبير عند افتتاح الصلاة فحينئذ دلالته على الترجمة مشكل انتهى ومحصل كلامه أنه لم يظهر له توجيه إيجاب التكبير من هذا الحديث والله أعلم وقال قوله فقولوا ربنا ولك الحمد لولا الدليل الخارجي وهو الإجماع على عدم وجوبه لكان هو أيضا واجبا

[ 181 ]

انتهى وقد قال بوجوبه جماعة من السلف منهم القدرة شيخ البخاري وكأنه لم يطلع على ذلك وقد تقدم الكلام على فوائد المتن المذكور مستوفى في باب إنما جعل الإمام ليأتم به ووقع في رواية المستملى وحده في طريق شعيب عن الزهري وإذا سجد فاسجدوا ووقع في رواية الكشميهني في طريق الليث ثم انصرف بدل قوله فلما انصرف وزيادة الواو في قوله ربنا لك الحمد وسقط لفظ جعل عند السرخسي في حديث أبي هريرة من قوله إنما جعل الإمام ليأتم به فائدة تكبيرة الإحرام ركن عند الجمهور وقيل شرط وهو عند الحنفية ووجه عند الشافعية وقيل سنة قال بن المنذر ليقل به أحد غير الزهري ونقله غيره عن سعيد بن المسيب والأوزاعي ومالك ولم يثبت عن أحد منهم تصريحا وإنما قالوا فيمن أدرك الإمام راكعا تجزئه تكبيرة الركوع نعم نقله الكرخي من الحنفية عن إبراهيم بن علية وأبي بكر الأصم ومخالفاتهما للجمهور كثيرة تنبيه لم يختلف في إيجاب النية في الصلاة وقد أشار إليه المصنف في أواخر الإيمان حيث قال باب ما جاء في قول النبي صلى الله عليه وسلم الأعمال بالنية فدخل فيه الإيمان والوضوء والصلاة والزكاه إلى آخر كلامه قوله باب رفع اليدين في التكبيرة الأولى مع الافتتاح سواء هو ظاهر قوله في حديث الباب يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وفي رواية شعيب الآتية بعد باب يرفع يديه حين يكبر فهذا دليل المقارنة وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه أخرجهما مسلم ففي حديث الباب عنده من رواية بن جريج وغيره عن بن شهاب بلفظ رفع يديه ثم كبر وفي حديث مالك بن الحويرث عنده كبر ثم رفع يديه وفي المقارنة وتقديم الرفع على التكبير خلاف بين العلماء والمرجح عند أصحابنا المقارنة ولم أرمن قال بتقديم التكبير على الرفع ويرجح الأول حديث وائل بن حجر عند أبي داود بلفظ رفع يديه مع التكبير وقضية المعية أنه ينتهى بانتهائه وهو الذي صححه النووي في شرح المهذب ونقله عن نص الشافعي وهو المرجح عند المالكية وصحح في الروضة تبعا لأصلها أنه لا حد لانتهائه وقال صاحب الهداية من الحنفية الأصح يرفع ثم يكبر لأن الرفع نفى صفة الكبرياء عن غير الله والتكبير إثبات ذلك له والنفى سابق على الاثبات كما في كلمة الشهادة وهذا مبنى على أن الحكمة في الرفع ما ذكر وقد قال فريق من العلماء الحكمة في اقترانهما أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى وقد ذكر ت في ذلك مناسبات أخر فقيل معناه الإشارة إلى طرح الدنيا والاقبال بكليته على العبادة وقيل إلى الاستسلام والانقياد ليناسب فعله قوله الله أكبر وقيل إلى استعظام ما دخل فيه وقيل إشارة إلى تمام القيام وقيل إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود وقيل ليستقبل بجميع بدنه قال القرطبي هذا أنسبها وتعقب وقال الربيع قلت للشافعي ما معنى رفع اليدين قال تعظيم الله واتباع سنة نبيه ونقل بن عبد البر عن بن عمر أنه قال رفع اليدين من زينة الصلاة وعن عقبة بن عامر قال بكل رفع عشر حسنات بكل إصبع حسنة قوله حدثنا عبد الله بن مسلمة هو القعنبي وفي روايته هذه عن مالك خلاف ما في روايته عنه في الموطأ وقد أخرجه الاسماعيلي من روايته بلفظ الموطأ قال الدارقطني رواه الشافعي والقعنبي وسرد جماعة من رواة الموطأ فلم يذكروا فيه الرفع عند الركوع قال وحدث به عن مالك في غير الموطأ بن المبارك وابن مهدي والقطان وغيرهم بإثباته وقال بن عبد البر كل من رواه عن بن شهاب أثبته غير مالك في الموطأ خاصة قال النووي في شرح مسلم أجمعت

[ 182 ]

الأمة على استحباب رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام ثم قال بعد أسطر أجمعوا على أنه لا يجب شئ من الرفع إلا أنه حكى وجوبه عند تكبيرة الإحرام عن داود وبه قال أحمد بن سيار من أصحابنا أه واعترض عليه بأنه تناقض وليس كما قال المعترض فلعله أراد إجماع من قبل المذكورين أو لم يثبت عنده عنهما أو لأن الاستحباب لا ينافي الوجوب وبالاعتذار الأول يندفع اعتراض من أورد عليه أن مالكا قال في روايته عنه إنه لا يستحب نقله صاحب التبصرة منهم وحكاه الباجي عن كثير من متقدميهم وأسلم العبارات قول بن المنذر لم يختلفوا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرفع يديه إذا افتتح الصلاة وقول بن عبد البر أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة وممن قال بالوجوب أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري وابن خزيمة من أصحابنا نقله عنه الحاكم في ترجمة محمد بن على العلوي وحكاه القاضي حسن عن الإمام أحمد وقال بن عبد البر كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه إلا في رواية عن الأوزاعي والحميدي قلت ونقل بعض الحنفية عن أبي حنيفة يأثم تاركه وأما قول النووي في شرح المهذب أجمعوا على استحبابه ونقله باالمنذر ونقل العبدري عن الزيدية أنه لا يرقع ولا يعتد بخلافهم ونقل القفال عن أحمد بن سيار أنه أوجبه وإذا لم يرفع لم تصح صلاته وهو مردود بإجماع من قبله وفي نقل الإجماع نظر فقد نقل القول بالوجوب عن بعض من تقدمه ونقله القفال في فتاويه عن أحمد بن سيار الذي مضى ونقله القرطبي في أوائل تفسيره عن بعض المالكية وهو مقتضى قول بن خزيمة إنه ركن واحتج بن حزم بمواظبة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك وقد قال صلوا كما رأيتموني أصلى وسيأتي ما يرد عليه في ذلك في الباب الذي يليه ويأتي الكلام على نهاية الرفع بعد بباب قوله باب رفع اليدين إذا كبر وإذا ركع وإذا رفع قد صنف البخاري في هذه المسألة جزءا منفردا وحكى فيه عن الحسن وحميد بن هلال أن الصحابة كانوا يفعلون ذلك قال البخاري ولم يستثن الحسن أحدا وقال بن عبد البر كل من روى عنه ترك الرفع في الركوع والرفع منه روى عنه فعله إلا بن مسعود وقال محمد بن نصر المروزي أجمع علماء الأمصار على مشروعية ذلك إلا أهل الكوفة وقال بن عبد البر لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيهما إلا بن القاسم والذي نأخذ به الرفع على حديث بن عمر وهو الذي رواه بن وهب ب وغيره عن مالك ولم يحك الترمذي عن مالك غيره ونقل الخطابي وتبعه القرطبي في المفهم أنه آخر قولي مالك وأصحهما ولم أر للمالكية دليلا على تركه ولا متمسكا إبقول بن القاسم وأما الحنفية المغسل على رواية مجاهد أنه صلى خلف بن عمر فلم يره يفعل ذلك وأجيبوا بالطعن في إسناده لأن أبا بكر بن عياش رواية ساء حفظة بأخرة وعلى تقدير صحته فقد أثبت ذلك سالم ونافع وغيرهما عنه وستأتى رواية نافع بعد بابين والعدد الكثير أولى من واحد لا سيما وهم مثبتون وهو ناف مع أن الجمبين الكلب ممكن وهو أنه لم يكن يراه واجبا ففعله تارة وتركه أخرى ومما يدل على ضعفه ما رواه البخاري في جزء رفع اليدين عن مالك أن بن عمر كان إذا رأى رجلا لا يرفع يديه إذا ركع وإذا رفع رماه بالحصا واحتجوا أيضا بحديث بن مسعود أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يرفع يديه عند الافتتاح ثم لا يعود أخرجه أبو داود ورده الشافعي بأنه لم يثبت قال ولو ثبت لكان المثبت مقدما على النافي وقد صححه بعض أهل الحديث لكنه استدل به على عدم الوجوب والطحاوي إنما نصب الخلاف مع من

[ 183 ]

يقول بوجوبه كالأوزاعي وبعض أهل الظاهر ونقل البخاري عقب حديث بن عمر في هذا الباب عن شيخه على بن المديني قال حق على المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لحديث بن عمر هذا وهذا في رواية بن عساكر وقد ذكره البخاري في جزء رفع اليدين وزاد وكان على أعلم أهل زمانه ومقابل هذا قول بعض الحنفية إنه يبطل الصلاة ونسب بعض متأخرى المغاربة فاعله إلى البدعة ولهذا مال بعض محققيهم كما حكاه بن دقيق العيد إلى تركه درءا لهذه المفسدة وقد قال البخاري في جزء رفع اليدين من زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه قال ولا أسانيد أصح من أسانيد الرفع انتهى والله أعلم وذكر البخاري أيضا أنه رواه سبعة عشر رجلا من الصحابة وذكر الحاكم وأبو القاسم بن منده ممن رواه العشرة المبشرة وذكر شيخنا أبو الفضل الحافظ أنه تتبع من رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا قوله أخبرنا عبد الله هو بن المبارك ويونس هو بن يزيد وأفادت هذه الطريق تصريح الزهري بأخبار سالم له به قوله عن أبيه سماه غير أبي ذر فقالوا عن عبد الله بن عمر قوله حين يكبر للركوع أي عند ابتداء الركوع وهو مقتضى رواية مالك بن الحويرث المذكورة في الباب حيث قال وإذا أراد أن يركع رفع يديه وسيأتي في باب التكبير إذا قام من السجود من حديث أبي هريرة ثم يكبر حين يركع قوله ويفعل ذلك إذا رفع رأسه من الركوع أي إذا أراد أن يرفع ويؤيده رواية أبي داود من طريق الزبيدي عن الزهري بلفظ ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما حتى يكونا حذو منكبيه ومقتضاه أنه يبتدئ رفع يديه عند ابتداء القيام من الركوع وأما رواية بن عيينة عن الزهري التي أخرجها عنه أحمد وأخرجها عن أحمد أبو داود بلفظ وبعد ما يرفع رأسه من الركوع فمعناه بعد ما يشرع في الرفع لتتفق الروايات قوله ولا يفعل ذلك في السجود أي لا في الهوى إليه ولا في الرفع منه كما في رواية شعيب في الباب الذي بعده حيث قال حين يسجد ولا حين يرفع رأسه وهذا يشمل ما إذا نهض من السجود إلى الثانية والرابعة والتشهدين ويشمل ما إذا قام إلى الثالثة أيضا لكن بدون تشهد لكونه غير واجب وإذا قلنا باستحباب جلسة الاستراحة لم يدل هذا اللفظ على نفى ذلك عند القيام منها إلى الثانية والرابعة لكن قد روى يحيى القطان عن مالك عن نافع عن بن عمر مرفوعا هذا الحديث وفيه ولا يرفع بعد ذلك أخرجه الدارقطني في الغرائب بإسناد حسن وظاهره يشمل النفي عماعدا المواطن الثلاثة وسيأتي اثبات ذلك في موطن رابع بعد بباب قوله عن خالد هو الحذاء وفي رواية المستملى والسرخسي حدثنا خالد قوله إذا صل كبر ورفع يديه في رواية مسلم ثم رفع وزاد مسلم من رواية رواية نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث حتى يحاذي بهما أذنيه ووهم المحب الطبري فعزاه للمتفق قوله وحدث أي مالك بن الحويرث وليس معطوفا على قوله رأى فيبقى فاعله أبو قلابة فيصير مرسلا قوله باب إلى أين يرفع يديه لم يجزم المصنف بالحكم كما جزم به قبل وبعد جريا على عادته فيما إذا قوي الخلاف لكن الارجح عنده محاذاة المنكبين لاقتصاره على إيراد دليله قوله وقال أبو حميد الخ هذا التعليق طرف من حديث سيأتي في باب سنة الجلوس في المنكدر وسنذكر هناك من عرفنا اسمه من أصحابه المذكورين إن شاء الله تعالى قول حذو منكبيه بفتح المهملة واسكان الذال المعجمة أي واستفادوا والمنكب مجمع عظم العضد والكتف وبهذا أخذ الشافعي والجمهور

[ 184 ]

وذهب الحنفية إلى حديث مالك بن الحويرث المقدم ذكره عند مسلم وفي لفظ له عنه حتى يحاذي بهما فروع أذنيه وعند أبي داود من رواية عاصم بن كليب عن أبيه عن وائل بن حجر بلفظ حتى حاذتا أذنيه ورجح الأول لكون إسناده أصح وروى أبو ثور عن الشافعي أنه جمع بينهما فقال يحاذي بظهر كفيه المنكبين وباطراف أنامله الأذنين ويؤيده رواية أخرى عن وائل عند أبي داود بلفظ حتى كانتا حيال منكبيه وحاذى بإبهاميه أذنيه وبهذا قال المتأخرون من المالكية فيما حكاه بن شاس في الجواهر لكن روى مالك عن نافع عن بن عمر أنه كان يرفع يديه حذو منكبيه في الافتتاح وفي غيره دون ذلك أخرجه أبو داود ويعارضه قوبن جريج قلت لنافع أكان بن عمر يجعل الأولى أرفعهن قال لا ذكره أبو داود أيضا وقال لم يذكر رفعهما دون ذلك غير مالك فيما أعلم قوله وإذا قال سمع الله لمن حمده فعل مثله ظاهره أنه يقول التسميع في ابتداء ارتفاعه من الركوع وسيأتي الكلام عليه بعد أبواب قليلة فائدة لم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة وعن الحنفية يرفع الرجل إلى الأذنين والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها والله أعلم قوله باب رفع اليدين إذا قام من الركعتين أي بعد المنكدر فيخرج ما إذا تركه ونهض قائما من السجود لعموم قوله في الرواية التي قبله ولا حين يرفع رأسه من السجود ويحتمل حمل النفي هناك على حالة رفع الرأس من السجود لا على ما بعد ذلك حين يستوي قائما وأبعد من استدل بقول سالم في روايته ولا يفعل ذلك في السجود على موافقة رواية نافع في حديث هذا الباب حيث قال وإذا قام من الركعتين لأنه لا يلزم من كونه لم ينفه أنه أثبته بل هو ساكت عنه وأبعد أيضا من استدل برواية سالم على ضعف رواية نافع والحق أنه ليس بين روايتي نافع وسالم تعارض بل في رواية نافع زيادة لم ينفها سالم وستأتى الإشارة إلى أن سالما أثبتها من وجه آخر قوله حدثنا عياش هو بالمثناة التحتانية وبالمعجمة وهو بن الوليد الرقام وعبد الأعلى هو بن عبد الأعلى وعبيد الله هو بن عمر بن حفص قوله ورفع ذلك بن عمر إلى النبي صلى الله عليه وسلم في رواية أبي ذر إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو داود رواه الثقفي يعني عبد الوهاب عن عبيد الله فلم يرفعه وهو الصحيح وكذا رواه الليث بن سعد وابن جريج ومالك يعني عن نافع موقوفا وحكى الدارقطني في العلل الاختلاف في وقفه ورفعه وقال الاشبه بالصواب قول عبد الإعلى وحكى الاسماعيلي عن بعض مشايخه أنه أومأ إلى أن عبد الأعلى أخطأ في رفع قال الاسماعيلي وخالفه عبد الله بن إدريس وعبد الوهاب الثقفي والمعتمر يعني عن عبيد الله فرووه موقوفا عن بن عمر قلت وقفه معتمر وعبد الوهاب عن عبيد الله عنافع كما قال لكن رفعاه عن عبيد الله عن الزهري عن سالم عن بن عمر أخرجهما البخاري في جزء رفع اليدين وفيها الزيادة وقد توبع نافع على ذلك عن بن عمر وهو فيما رواه أبو داود وصححه البخاري في الجزء المذكور من طرق محارب بن دثار عن بن عمر قال كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قام في الركعتين كبر ورفع يديه وله شواهد منها حديث أبي حميد الساعدي وحديث على بن أبي طالب أخرجهما أبو داود وصححهما بن خزيمة وابن حبان وقال البخاري في الجزء المذكور ما زاده بن عمر وعلى وأبو حميد في عشرة من الصحابة من الرفع عند القيام من الركعتين صحيح لأنهم لم يحكوا صلاة واحدة فاختلفوا فيه وإنما زاد بعضهم على بعض والزيادة مقبولة من أهل العلم وقال بن

[ 185 ]

بطال هذه زيادة يجب قبولها لمن يقول بالرفع وقال الخطابي لم يقل به الشافعي وهو السري على أصله في قبول الزيادة وقال بن خزيمة هو سنة وإن ليذكره الشافعي فالإسناد صحيح وقد قال قولوا بالسنة ودعوا قولي وقال بن دقيق العيد قياس نظر الشافعي أنه يستحب الرفع فيه لأنه أثبت الرفع عند الركوع والرفع منه لكونه زائدا على من اقتصر عليه عند الافتتاح والحجة في الموضعين واحدة وأول راض سيرة من يسيرها قال والصواب إثباته وأما كونه مذهبا للشافعي لكونقال إذا صح الحديث فهو مذهبي ففيه نظر انتهى ووجه النظر أن محل العمل بهذه الوصية ما إذا عرف أن الحديث لم يطلع عليه الشافعي أما إذا عرف أنه اطلع عليه ورده أو تأوله بوجه من الوجوه فلا والأمر هنا محتمل واستنبط البيهقي من كلام الشافعي أنه يقول به لقوله في حديث أبي حميد المشتمل على هذه السنة وغيرها وبهذا نقول وأطلق النووي في الروضة أن الشافعي نص عليه لكن الذي رأيت في الأم خلاف ذلك فقال في باب رفع اليدين في التكبير في الصلاة بعد أن أورد حديث بن عمر من طريق سالم وتكلم عليه ولا نأمره أن يرفع يديه في شئ من الذكر في الصلاة التي لها ركوع وسجود إلا في هذه المواضع الثلاثة وأما ما وقع في أواخر البويطي يرفع يديه في كل خفض ورفع فيحمل الخفض على الركوع والرفع على الاعتدال وإلا فحمله على ظاهره يقتضى استحبابه في السجود أيضا وهو خلاف ما عليه الجمهور وقد نفاه بن عمر وأغرب الشيخ أبو حامد في تعليقه فنقل الإجماع على أنه لا يشرع الرفع في غير المواطن الثلاثة وتعقب بصحة ذلك عن بن عمر وابن عباس وطاوس ونافع وعطاء كما أخرجه عبد الرزاق وغيره عنهم بأسانيد قوية وقد قال به من الشافعية بن خزيمة وابن المنذر وأبو على الطبري والبيهقي والبغوى وحكاه بن خويز منداد عن مالك وهو شاذ وأصح ما وقفت عليه من الأحاديث في الرفع في السجود ما رواه النسائي من رواية سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن نصر بن عاصم عن مالك بن الحويرث أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يرفع يديه في صلاته إذا ركع وإذا رفع رأسه من ركوعه وإذا سجد وإذا رفع رأسه من سجوده حتى يحاذي بهما فروع أذنيه وقد أخرج مسلم بهذا الإسناد طرفه الأخير كما ذكرناه في أول الباب الذي قبل هذا ولم ينفرد به سعيد فقد تابعه همام عن قتادة عند أبي عوانة في صحيحه وفي الباب عن جماعة من الصحابة لا غلام شئ منها عن مقال وقد روى البخاري في جزء رفع اليدين في حديث على المرفوع ولا يرفع يديه في شئ من صلاته وهو قاعد وأشار إلى تضعيف ما ورد في ذلك تنبيه روى الطحاوي حديث الباب في مشكله من طريق نصر بن على عن ع