الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




دراسات في علم الدراية- علي أكبر غفاري

دراسات في علم الدراية

علي أكبر غفاري


[1]

دراسات في علم الدرايه تلخيص مقباس الهداية للعلامة المامقانى (ره) 1290 - 1351 ه‍ تلخيص وتحقيق الاستاد على اكبر الغفاري جامعة الامام الصادق " ع "

[2]

يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات يعلوا لمؤمن إلى أقصى درجات الإيمان. الإمام الصادق عليه السلام جامعة الامام الصادق " ع " نام كتاب * تلخيص المقباس تلخيص وتحقيق * على اكبر غفاري تيراژ * 3300 جلد نوبت چاپ * اول 1369 چاپ * چاپخانه تابش حروفچينى * حروفچينى الكترونيكى مظاهري حقوق الطبق والتقليد محفوظة

[3]

كلمتنا: بسم الله الرحمن الرحيم إن الثورة الإسلامية العظيمة في ايران قد قامت لتحقيق أهداف سامية وقضايا كبيرة لتشييد صرح " الأمة النموذجية الاسلامية "، فإنها جادة أن تحقق كل هذه الأهداف. إن أحد المكتسبات الأخاذة لهذه الثورة هو التطور العلمي والثقافي الذي أحدثته: وبإحياء القيم الثقافية الراقية، فانها تريد أن تزيح الستار عن ملامح الإسلام اللامعة في جميع أرجاء المعمورة. وفي هذا المشوار تحمل جامعة الإمام الصادق عليه السلام كوليد شامخ لهذه الثورة، على عاتقها مسئوليات جسيمة يمكن الإشارة إلى بعضها كما يلي: إعداد وتدوين النصوص الدراسية الوزينة بما يتناسب ومستوى الطلاب العلمي، تحقيق وتنقيح المخطوطات والنصوص القديمة، إحياء التراث الثقافي الإسلامي. ولأجل هذا كنا نشعر منذ مدة مضت بضرورة إعداد نص دراسي جامع منقح في حقل معرفة " علم الحديث ومصطلحاته " ليلبي حاجة الطلاب في كلية المعارف الاسلامية والدعوة. إن علم دراية الحديث (مصطلح الحديث) (1) هو من أهم العلوم الإسلامية الذي لفت انتباه المؤلفين والمصنفين الكبار سواء أكانوا من الشيعة أو السنة طيلة القرون الماضية. ومما أوجب ممارسة هذا العلم وتطوره أكثر من أي شئ هي العلاقة الوثيقة بينه


1 - قد اشتهر عن الشهيد الثاني كلا الاصطلاحين في كتبه الحديثية.

[4]

وبين سائر العلوم الإسلامية من الأدب والتاريخ والتفسير والفقه والأصول، حيث تجذر فيها منذ صدر الإسلام. ولهذا فقد صنف عدد كبير من أفاضل علماء السنة كتبا في هذا المجال. منهم - القاضي - أبو محمد حسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي (ت 360 ق) صاحب " المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ". - الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري (ت 405 ق) صاحب " معرفة علوم الحديث ". - الخطيب، أبو بكر أحمد بن علي البغدادي (ت 463 ق) صاحب " الكفاية في معرفة علم الراوية " و " الجامع ". - أبو عمر وعثمان بن عبد الرحمن بن الصلاح (ت 643 ق) صاحب " علوم الحديث ". - الحافظ أحمد بن حجر العسقلاني (ت 852 ق) صاحب " نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر " و " نزهة النظر " في شرحه. هذا، ومن جانب آخر فقد ألف علماء الشيعة الكرام آثارا قيمة قد بقيت لتدل على التراث الإسلامي العريق. ومما تجدر الإشارة إليه بعد مقارنة بين آثار الشيعة والسنة هو أن الأصول السائدة في تدوين علم الدراية عند الشيعة تأثرت، بصورة رئيسة، بوجهات النظر الأصولية في الفقه والأصول والأسس العقائدية لديهم، واستلهمت من التعابير الموجودة في السنة والعترة النبوية الشريفة (ص). وبناء على هذا فإن الدقة والعمق والعراقة التي تبرز في تصانيف الشيعة في هذا المجال قد ميزت هذا العلم بكثير على الرغم من سبق الآخرين لهم في مجال تدوين مصطلح الحديث ومن أعاظم علماء الشيعة هم: - الشهيد الثاني زين الدين بن على الشامي العاملي (ت 966 ق) صاحب

[5]

نية القاصدين في معرفة اصطلاح المحدثين " و " البداية في علم الدراية " التي فد شرحها وعلق عليها (1). - عز الدين حسين بن عبد الصمد الحارثي العاملي تلميذ الشهيد الثاني، ووالد شيخنا البهائي (ت 984 ق) صاحب " وصول الأخيار إلى أصول الأخبار ". - أبو منصور حسن بن زين الدين العاملي (ت 1011 ق) الذي قد ذكر في مقدمة كتابه " منتقى الجمان في الأحاديث الصحاح والحسان " اصول علم الحديث. - الشيخ بهاء الدين العاملي (ت 1031 ق) صاحب " الوجيزة في علم دراية الحديث ". - والسيد الداماد مير محمد الباقر الحسينى الأستر آبادى (ت 1041 ق) صاحب " الرواشح السماوية ". - وأخيرا من الكتب المفصلة التي صنفت في هذا المجال هو " مقباس الهداية " لمؤلفه الفذ الشيخ عبد الله بن محمد حسن المامقاني (1290 - 1351 ق). انه ولد بأرض النجف وتوفي بها، وله حوالي مائة مؤلف في مختلف العلوم (2). من مؤلفاته الكثيرة: " تنقيح المقال في أحوال الرجال " وهو أبسط ما كتب في الرجال، حيث إنه أدرج فيه تراجم جميع الصحابة، والتابعين وسائر أصحاب الأئمة عليهم السلام وغيرهم من الرواة إلى القرن الرابع، وقليل من العلماء المحدثين في ثلاث مجلدات كبار (3). وأما كتاب " مقباس الهداية في علم الدراية " الذي فرغ منه المؤلف في الثاني والعشرين من محرم الحرام، سنة 1333 ق 4 فقد طبع عليحدة، ثم أدرجه المؤلف


1 - هذا التعليق - كما يقول مؤلفه - قد تم الفراغ من تسويده سنة 959، وهو المسمى ب‍ " الرعاية " ويؤكد هذا ابنه في كلام له بقوله:... " نبه عليه والدي في كتاب الرعاية الذي ألفه في دراية الحديث ". (أبو منصور حسن بن زين الدين العاملي، معالم الدين، إخراج عبد الحسين محمد علي بقال، قم: مكتبة الداوري، ص 334) 2 - محمد صالح الكاظمي، أحسن الأثر 58، 59، أيضا راجع عبد الله المامقاني. تنقيح المقال ج 2 / 208 - 210 3 - الذريعة، 4 / 466 4 - المامقانى، 2 / 209.

[6]

في خاتمة كتابه " تنقيح المقال ". يقول المؤلف في مقدمة هذا الكتاب: " إنه لما كان علما الدراية والرجال من العلوم المتوقف عليها الفقه والاجتهاد عند أولى الفهم والاعتبار وصارا في أزمنتنا مهجورين بالمرة حتى لا تكاد تجدبهما خبيرا وبنكاتهما بصيرا، بل صارا من العلوم الغريبة والمباحث المتروكة، رأيت من الفرض اللازم علي عينا تصنيف كتابين فيهما، جامعين لهما، باحثين عنهما، وافيين بشتاتهما، كافيين لمن طلبهما، كاشفين عن غوامضهما... الخ " بناء على هذا لما كانت المصادر الموجودة في هذا المجال، إضافة إلى قلتها، تفتقد إلى كونها لم تؤلف ككتب دراسية فقد قرر مركز الدراسات لعلوم القرآن والحديث في كلية الدعوة والمعارف الاسلامية، بعد توجيهات الاستاذ النبيل السيد علي أكبر الغفاري أن يحول " مقباس الهداية " إلى نص دراسي بعد إجراء التعديلات الفنية اللازمة ليسد الفراغ الفكري في هذا الحقل، وقد أشار الاستاذ في مقدمته إلى سبب اختيار هذا النص دون غيره. في هذه المحاولة كان العب ء الأكبر قد وقع على عاتق الاستاذ الغفاري - حفظه الله - كما قام المركز وبعض من الأصدقاء، بالتصحيح الفني ومقابلة النصوص. راجين من الله العلي القدير أن يتقبله منا ويجعله منطلقا مباركا لتشاطاتنا الآتية. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين جامعة الامام الصادق (ع) 10 / 8 / 1368 ش 1 / 4 / 1410 ق

[7]

بسم الله الرحمن الرحيم تقدمه: الحمد لله على ما ألهمنا من ذكره، وأوزعنا من شكره، ووفقنا لطاعته وجعلنا من رواد العلم ورادته، وحبب إلينا تعلم الحديث وروايته، فنسأله أن ينور أبصار قلوبنا بضياء فهمه ومعرفته، وأن يرزقنا التوفيق لرعايته ودرايته. والسلام على أمين وحيه ورسالته، وعلى آله المعصومين من عترته، أركان دين الله وأقمار سماء هدايته، وعلى من والاهم من الصحابة والتابعين ومن حذا حذوهم إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا تلخيص كتاب مقباس الهداية الذي صنفه العالم الرباني الشيخ عبد الله المامقاني - قدس سره - ولقد كنت برهة من الزمان ألتمس كتابا جامعا في علوم - الحديث واصطلاحاته ودرايته يناسب التدريس، ولم أجد بعد فحص ومراس كتابا أكمل ولا أحسن ولا أوفى بالغرض من المقباس، لاستيعابه جميع المسائل، وإيراده أقوال العلماء والفطاحل، الأواخر منهم والأوائل، ثم بسطه الكلام والتحقيق حول آراء القوم ونظرياتهم بعد نقل البينات وبراهينهم، وإتيانه بالشاهد والمثال لتفهيم الكلام وتوضيح مقالهم، وتعيينه معاقد الإجماع وموارد خلافهم، وتمييزه الحق من الباطل

[8]

بين آرائهم، بيد أنه أورد استطرادا للباب أبحاثا علمية قد تخرجه عن موضوع - الكتاب، بل من مباحث أصول الفقه والاجتهاد ومسائل علم الكلام، التي كانت لها صلة ما بالمقام، وأطال البحث والتنقيب لدى الاختلاف وما كان فيه خلاف، ومن أجل تلك الأمور صار الكتاب كبيرا ضخما يضيق عنه مجال زمان التعلم والتعليم، لاسيما في المجامع الرسمية التي يكون الوقت فيها مضبوطا معلوما دون أي تأخير ولا تقديم، والمؤلف - رضوان الله تعالى عليه - وإن كان مصيبا متقنا لما ألف وأجاد، مثابا مأجورا فيما صنف وأفاد، لأن لكل أمر غاية، ولنشاط الأستاذ ووقت التلميذ نهاية، وما فضل عن الاحتمال، دعا إلى الاستثقال والملال، بل إلى العجز والكلال. والكتاب مع كثرة فوائده، ومزيد فرائده، ووفرة عوائده، وشدة مسيس الحاجة إليه، وفقدان ما يسد مسده، يقصر عنه - مع الأسف - الأمد المفروض للتدريس، فلابد للمدرس له من التلخيص، والاقتصار في دراسته على اللب والنفيس، واختيار ما ليس عنه محيص، ورأيت أن ذلك الأمر على من له إلمام بتلك الدروس لواجب، إذ لم يكن يعوقه حاجب، فلما سألني بعض الأجلة في " الجامعة الصادقية " تقديم كتاب وجيز مختصر لهذا الغرض، على ذلك النظم، صرفت صوب العمل عنان العزم، وليس لي من هذا الأمر إلا حسن الاختيار، ومع سرعة العمل جودة الاختصار، وتوضيح مالا بد له من البيان بالاقتصار. ثم رأيت الصلاح في إعجامه، تيسيرا لمعتنقيه وتسهيلا لمقتطفي ثمار - محاسنه ولا سيما الناشئين الكرام، فإن الشكل يرفع الإشكال، والإعجام يمنع - الاستعجام ويزيل الإبهام ويضع الكتاب للباحث المجد طرف الثمام، والله تعالى ولينا ومعيننا في البدء والختام. وألحقت به رسالتين: الأولى في تاريخ تدوين الحديث وكتابته، والاخرى في فقهه ودرايته، ووازرني في امور طبعه وتصحيحه غير واحد من الفضلاء، جعلهم الله من الأعلام والنقباء، والسلام على محمد وآله الأصفياء النجباء. على اكبر الغفاري

[9]

تلخيص المقباس في علم الدراية بسم الله الرحمن الرحيم وفيه مقدمة وفصول وخاتمة: أما المقدمة ففى بيان حقيقته وموضوعه وغايته: أما الأول: فهو أن الدراية في اللغة، هو العلم، كما صرح به جمع كثير من أهل اللغة، يقال: دريته: علمته، ومنه دريت به أدري دريا ودرية - بفتح الدالين - كما هو المشهور بينهم. وعن الصاغاني (1) دريته دريا - بضم الدال وكسر الراء وتشديد الياء - على وزن حلي، وصريح أكثر أهل اللغة ترادف العلم والدراية. وعن التوشيح (2) وغيره أن الدراية أخص من العلم، ولعله لما عن أبي على (3) من أن درى يكون فيما سبقه شك، أو لما قيل من أن درى يستعمل بمعنى العلم بضرب من الحيلة، وعلى التقديرين فلا يطلق على الله تعالى، لعدم تعلق سبق الشك ولا الحيلة منه تعالى. ويعدى بالهمزة فيقال: أدراه به: أعلمه، ومنه قوله تعالى: " ولا أدراكم به ". وكيف كان، فأصل الدراية العلم مطلقا أو بعد الشك، ونقل هنا إلى علم اصول الحديث وخص به اصطلاحا ولذلك ساغ بعد صيرورته علما لهذا العلم إضافة العلم إليه، وإلا لكان من إضافة الشئ إلى نفسه. وقد عرف في الاصطلاح بأنه علم يبحث فيه عن متن الحديث وسنده وطرقه من صحيحها وسقيمها وعليلها وما يحتاج إليه ليعرف المقبول منه والمردود، عرفه به الشهيد الثاني (ره) في بداية الدراية، وعرفه شيخنا البهائي (ره) في الوجيزة بأنه علم يبحث فيه عن سند الحديث ومتنه وكيفية تحمله، وآداب نقله.


(1) الفضل بن العباس بن يحيى بن الحسين الصاغاني أبو العباس سمع منه الخطيب. (2) كأنه شرح للهداية الى علوم الدراية منظومة لمحمد بن محمد الجزرى أو حاشية لها. (3) الظاهر كونه أبا على الفارسى تلميذ السيرافى، توفى 377 وله مع المتتبى مناظرات.

[10]

وأما الثاني: فهو أن موضوع هذا العلم هو السند والمتن، لأن موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه، والمبحوث عنه هنا هو عوارض السند والمتن وأوصافهما. وما ذكرناه أولى مما في بداية الدراية وغيره، من أن موضوعه هو الراوي والمروي، ضرورة أن الراوي يطلق على آحاد رجال السند وهو موضوع علم الرجال دون الدراية. وأما ما ارتكبه بعضهم من أن موضوع هذا العلم هو المروي وموضوع علم الرجال الراوي فلا وجه له لأن البحث في هذا العلم كما يقع عن المروي وهو المتن، فكذا يقع عن الراوي أيضا باعتبار البحث عن السند الذي هو مشتمل على جمع من الرواة، فإن المروي لا يكون صحيحا وحسنا وموثقا وضعيفا ونحو ذلك وإنما يتصف بذلك سند المروي كما هو ظاهر. وأما الثالث: فهو أن غاية هذا العلم هو معرفة الاصطلاحات المتوقف عليها معرفة كلمات الأصحاب، واستنباط الأحكام، وتميز المقبول من الأخبار ليعمل به، والمردود ليجتنب عنه. وأما الفصول: فالأول منها: في بيان اصول اصطلاحاته التي يحتاج طالبه إلى معرفتها، وهي امور: أحدها: المتن وهو لغة، استعمل في معان عدة، منها: المد، يقال: متنه متنا إذا مده. ومنها: ما صلب من الأرض وارتفع واستوى. وفي الاصطلاح: اللفظ الذي يتقوم به المعنى. ثانيها: السند وهو طريق المتن، وهو جملة من رواه، مأخوذ من قولهم: فلان سند أي: معتمد، قال في تاج العروس: " والسند معتمد الإنسان كالمستند وهو مجاز - انتهى ". فسمي الطريق سندا لاعتماد العلماء في صحة الحديث وضعفه عليه. ثالثها: الخبر محركة وهو لغة مطلق ما يخبر به عظيما كان أم لا، فهو أعم من النبأ الذي هو الخبر المقيد بكونه عن أمر عظيم، كما قيده به الراغب وغيره من أئمة الاشتقاق والنظر في اصول العربية.

[11]

رابعها: الحديث وهو لغة - على ما في مجمع البحرين -: " ما يرادف الكلام، قال: وسمي به لتجدده وحدوثه شيئا فشيئا - انتهى ". وعليه فالحديث فعيل من الحدث بمعنى وجود الشئ بعدما كان معدوما، ضد القديم، ولكن ظاهر المصباح (1) أنه لغة ما يتحدث به وينقل. قال: " الحديث ما يتحدث به وينقل، ومنه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله - انتهى ". فإن ظاهره، وجود معنى لغوي له قد اخذ منه المعنى الاصطلاحي. وعن ابن حجر في شرح البخاري: " وأن المراد بالحديث في عرف الشرع ما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وآله، وكأنه اريد به مقابلة القرآن لأنه قديم بالنسبة إليه ". وذكر جمع من أصحابنا أن الحديث في الاصطلاح هو ما يحكي قول المعصوم أو فعله أو تقريره. وعلى كل حال فجمعه على أحاديث شاذ، قاله في القاموس. وربما عرفه بعضهم بأنه قول المعصوم أو حكاية قوله أو فعله أو تقريره، ليدخل فيه أصل الكلام المسموع عن المعصوم، والأنسب بقاعدة النقل هو عدم الدخول، لكون كلامه عليه السلام في الأغلب أمرا أو نهيا، بخلاف حكايته عنه عليه السلام، فإنه دائما إخبار، ونفس الكلام المسموع هو الذي يسمونه بالمتن ومتن الحديث مغاير لنفسه كما ذكره. وكيف كان فقد وقع الخلاف في المعنى الاصطلاحي له وللخبر على أقوال: الأول: أنهما مترادفان وأنهما يشملان ما إذا كان المخبر به قول الرسول صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام أو الصحابي أو التابعي أو غيرهم من العلماء والصلحاء وغيرهم من بقية بني آدم، وفي معناه فعلهم وتقريرهم. الثاني: أن الحديث أخص من الخبر، وأن الخبر عام لقول كل إنسان، والحديث خاص بقول النبي صلى الله عليه وآله وغيره ممن ذكر، فكل حديث خبر وليس كل خبر بحديث. وقال في التكملة: (2) " إنه يطلق لفظ الأخباري في لسان أهل الحديث من


(1) لاحمد بن محمد بن على المقرى الفيومى المتوفى 770 وهو مصباح المنير في غريب الشرح الكبير. (2) أي تكملة رجال ابى على الموسوم بمنتهى المقال للمولى درويش على الحائري.

[12]

القدماء من العامة والخاصة على أهل التواريخ والسير، ومن يحذو حذوهم في جمع الأخبار من أي وجه اتفق من غير تثبت وتدقيق ". الثالث: أنهما متباينان، وأن الحديث خاص بما جاء عن المعصوم من النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام. والخبر خاص بما جاء عن غيره ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها: الأخباري ولمن يشتغل بالسنة النبوية: المحدث، وما جاء عن الامام عليه السلام عندنا في معناه. ويرده شيوع إطلاق الأخباري سيما في العصر المتأخر على من يتعاطى أخبار أهل البيت عليهم السلام ويعمل بها لا غير. خامسها: السنة: وهي لغة: الطريقة، ومنه قوله سبحانه: " ولن تجد لسنة الله تبديلا ". وقيل: خصوص الطريقة المحمود المستقيمة، حكي ذلك عن الأزهري. وكثيرا ما تطلق على المستحب باعتبار أن الفريضة ما فرضه الله تعالى، والسنة: ما سنه رسول الله صلى الله عليه وآله، ومرجعها أيضا إلى الطريقة. وفي الاصطلاح، ما يصدر من النبي صلى الله عليه وآله أو مطلق المعصوم من قول أو فعل أو تقرير غير عادي. واحترزنا بغير العادي عن العادي من الثلاثة لعدم اندراجه - حيث يضاف إلى المعصوم عليه السلام - في السنة، والأجود تعريف السنة بأنه قول من لا يجوز عليه الكذب والخطأ، وفعله وتقريره غير القرآن ولا العادي، وما يحكي أحد الثلاثة، يسمى خبرا وحديثا، ولعل من بيان المعنى الاصطلاحي ما في تاج العروس مازجا بالقاموس من قوله: " والسنة من الله إذا اطلقت في الشرع فإنما يراد بها حكمه وأمره ونهيه، مما أمر به النبي صلى الله عليه وآله ونهى عنه، وندب إليه قولا وفعلا، مما لم ينطق به الكتاب العزيز، ولهذا يقال في أدلة الشرع: الكتاب والسنة: أي: القرآن والحديث - انتهى ". وتعبيره بالنبي صلى الله عليه وآله مبني على مذهبه. وأما على مذهبنا فيعم ما أمر به ونهى عنه وبينه أهل بيته المعصومون عليهم السلام، والظاهر أن المراد بالفعل ما يعم الكتابة والإشارة والترك ويمكن إدخال الأوليين في القول كما يشهد به الإطلاق العرفي، حيث يقال: " قال فلان في كتابه كذا، وقال ذلك "، مع أن المتحقق منه الإشارة، وكذا يمكن إدخال الترك أيضا في الفعل، وإن كان كان الشائع في

[13]

إطلاقه ما يقابله، وعلى هذا فيكون التقرير قسما منه، بل هو أجدر دخولا فيه من الترك كما لا يخفى، فجعله قسيما لعله من أجل اختصاصه بأحكام خاصة. تذنيب يتضمن امورا الأول: أنه صرح غير واجد بأن حكاية الحديث الذي هو عبارة عما حكاه أحد الأنبياء أو الأئمة عليهم السلام من الكلام المنزل لا على وجه الإعجاز، داخلة في السنة، وحكاية هذه الحكاية عنه صلى الله عليه وآله داخلة في الحديث، وأما نفس الحديث القدسي فهو خارج عن السنة والحديث والقرآن، والفرق بينه وبين القرآن، أن القرآن هو المنزل للتحدي والإعجاز، بخلاف الحديث القدسي، فتدبر. الثاني: أن الأحاديث الواردة عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله أقسام تضمن شرحها وكيفية الأخذ بها ما رواه الكليني (ره) في باب اختلاف الحديث من الكافي " عن علي بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه، عن حماد بن عيسى، عن إبراهيم بن - عمر اليماني، عن أبان بن أبي عياش، عن سليم بن قيس الهلالي قال: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن وأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله أنتم تخالفونهم فيها، وتزعمون أن ذلك كله باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم ؟. قال: فأقبل علي، فقال: قد سألت فافهم الجواب: إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، وقد كذب على رسول الله صلى الله عليه وآله على عهده حتى قام خطيبا فقال: " أيها الناس، قد كثرت علي الكذابة، فمن كذب علي متعمدا فليتبوء مقعدة من النار " ثم كذب عليه من بعده. وإنما أتاكم الحديث من أربعة ليس لهم خامس: رجل منافق، يظهر الإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم، ولا يتحرج أن يكذب على رسول الله، فلو علم الناس أنه منافق كذاب، لم يقبلوا منه، ولم

[14]

يصدقوه، ولكنهم قالوا: هذا قد صحب رسول الله صلى الله عليه وآله ورآه وسمع منه، وأخذوا عنه، وهم لا يعرفون حاله، وقد أخبر الله عن المنافقين بما أخبره ووصفهم بما وصفهم فقال عزوجل: " وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وان يقولوا تسمع لقولهم. " ثم بقوا بعده فتقربوا إلى أئمة الضلالة والدعاة إلى النار بالزور والكذب والبهتان، فولوهم الأعمال (1) وحملوهم على رقاب الناس وأكلوا بهم الدنيا وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة. ورجل سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا لم يحفظه على وجهه ووهم فيه، فلم يتعمد كذبا، فهو في يده يقول به ويعمل به ويرويه ويقول: أنا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله. فلو علم المسلمون أنه وهم، لم يقبلوه، ولو علم هو أنه وهم، لرفضه. ورجل ثالث، سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله شيئا أمر به ثم نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به، وهو لا يعلم، فحفظ منسوخه ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسملون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه، وآخر رابع، لم يكذب على رسول الله صلى الله عليه وآله، مبغض للكذب خوفا من الله وتعظيما لرسول الله صلى الله عليه وآله، لم يسه، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به كما سمع، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وعلم الناسخ من المنسوخ فعمل بالناسخ ورفض المنسوخ، فإن أمر النبي صلى الله عليه وآله مثل القرآن، ناسخ ومنسوخ، وخاص وعام، ومحكم ومتشابه، قد كان يكون من رسول الله صلى الله عليه وآله الكلام، له وجهان كلام عام وكلام خاص مثل القرآن، وقال عزوجل في كتابه: " ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا " (2) فيشتبه على من لم يعرف ولم يدر ما عنى الله به ورسوله صلى الله عليه وآله وليس كل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله كان يسأله عن الشئ فيفهم، وكان منهم من يسأله ولا يستفهمه حتى أن


(1) فيه ما فيه لكون ذلك وقع بعده عليه السلام في خلافة الأمويين. (2) الحشر: 7 بتضمين " ما آتاكم " معنى ما أمركم لمقابلة النهى.

[15]

كانوا ليحبون أن يجيئ الأعرابي والطاري، فيسأل رسول الله صلى الله عليه وآله حتى يسمعوا، وقد كنت أدخل على رسول الله صلى الله عليه وآله كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة فيخليني فيها، أدور معه حيثما دار، وقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله أنه لم يصنع ذلك بأحد من الناس غيري، فربما كان في بيتي يأتيني رسول الله صلى الله عليه وآله أكثر من ذلك في بيتي وكنت إذا دخلت عليه بعض منازله، أخلابي وأقام عني نساءه فلا يبقى عنده غيري، وإذا أتاني للخلوة معي في منزلي، لم تقم عني فاطمة ولا أحد بني، وكنت إذا سألته، أجابني وإذا سكت عنه وفنيت مسائلي، ابتدأني فما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وآله آية من القرآن إلا أقرأنيها وأملاها علي فكتبته بخطي، وعلمني تأويلها وتفسيرها وناسخها ومنسوخها ومحكمها ومتشابهها وخاصها وعامها ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيت آية من كتاب الله ولا علما أملاه علي - إلى تمام الحديث ". وقد ذكر شطرا من هذا الحديث بعينه، السيد الرضي في نهج البلاغة حين سأل السائل عن أحاديث البدع ومما في أيدي الناس من اختلاف الخبر وذكر الحديث من عند قوله " إن في أيدي الناس حقا وباطلا - إلى حد قوله، وكان لا يمر بي من ذلك شئ إلا سألت عنه، وحفظت " مع تفاوت غير مخل بالمعنى. وروى في أول كتاب المعيشة من الكافي (في باب دخول الصوفية على أبي - عبد الله عليه السلام حديثا يقول عليه السلام فيه: " أخبروني أيها النفر، ألكم علم بناسخ القرآن من منسوخه ومحكمه من متشابهه الذي في مثله ضل من ضل وهلك من هلك من هذه الأمة ؟ فقالوا: له: أو بعضه، فأما كله فلا، فقال لهم: فمن هيهنا أتيتم، وكذلك أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله - إلى أن قال -: فتأدبوا أيها النفر بآداب الله عزوجل للمؤمنين واقتصورا على أمر الله ونهيه ودعوا عنكم ما اشتبه عليكم مما لا علم لكم به وردوا العلم إلى أهله تؤجروا وتعذروا عند الله تعالى - الحديث ". ولا يخفى ما فيه أيضا من الإشارة إلى تفصيل الأحاديث الواردة عن النبي صلى الله عليه وآله وأنه لا يمكن الإقدام عليها والعمل بظواهرها ما لم يعلم حالها من كونها منسوخة أم لا، مقيدة أم لا، مكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وآله أم لا،

[16]

بالرجوع الى الائمة عليهم السلام واتباعهم، وهذا بخلاف أحاديثنا المروية عن أئمتنا عليهم السلام فإنها خالية من النسخ لكونها حاكية ومفسرة ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وآله ولأمر الأئمة عليهم السلام بالأخذ بها والتحديث بها وكتابتها. نعم، ربما خالطها ما لا يوثق بوروده عنهم عليهم السلام، ويمكن التوصل ألى صدقه وكذبه بالعلامات والقرائن المقررة المائزة بينها كما لا يخفى على أربابها. الثالث: أن السنة الفعلية وهي ما فعله النبي صلى الله عليه وآله والإمام عليه السلام قسمان: نبوية وامامية، فما كان من فعله صلى الله عليه وآله طبيعيا عاديا أو مجهولا لم يظهر وجهه فلا حكم له في حقنا، وإن وقع بيانا لما علم وجهه كان تابعا له في الوجوب والندب والإباحة ونحوها، وإن لم يكن بيانا وعلم منه صلى الله عليه وآله قصد القربة ولم يكن خاصا به، وجب التأسي له فيه. ولما كان صلى الله عليه وآله مؤسسا للأحكام الشرعية، لم يجز في فعله احتمال التقية لمنافاة التقية لمنصبه، وكونها من إغراء بالقبيح. وأما الإمام عليه السلام فحيث هو حافظ للسنة وحاك لها، جازت عليه التقية، وعلى ذلك دلت الأدلة القاطعة. نعم، لو فرض حدوث ما لم يعلم جهته إلا منه عليه السلام كان كالنبي صلى الله عليه وآله في عدم جواز التقية عليه. فالسنة الفعلية الإمامية قسمان: أحدهما ما يجوز فيه التقية عليه، وثانيهما: ما ليس كذلك، والحكم في الثاني ما عرفت، وأما الأول: فإما أن يكون متعلقه مأذونا فيه بخصوصه، كغسل الرجلين في الوضوء ونحوه عند التقية أم لا، فإن كان الأول فأيقاعه من المكلف للضرورة، صحيح مقطوع بإجزائه، ولا يكلف فاعله بالإعادة وقتا ولا خارجا، لأن الأمر الواقعي الاضطراري يقتضي الإجزاء، كما بيناه في الاصول. وإن لم يكن مأذونا فيه بخصوصا كالصلاة إلى غير القبلة ونحوها، فإيقاعه من المكلف للضرورة، مقطوع بصحته أيضا إلا أن الإعادة في الوقت مع التمكن لازمة لعدم اقتضاء الأمر الظاهري الشرعي الإجزاء - على الأقوى - كما أوضحناه في الأصول، وبالجملة فإطلاق الإذن في التقية لا يقتضي أزيد من إظهار الموافقة مع الحاجة، فمهما أمكن المكلف الإتيان بالفعل المأمور به شرعا على الوجه المخصوص

[17]

وجب، ومتى علم الإذن في التقية من جهة الاطلاق فهي مقدرة بما تندفع به الضرورة. أما كون المأتي به من جهة ما هو المكلف به والمعتبر شرعا من غير فرق بين ما علم الإذن فيه بخصوصه وغيره، فغير واضح. وهذا كلام جرى في البين وتوضيحه يطلب من مسألة اقتضاء الأمر الإجزاء وعدمه من علم الاصول. الفصل الثاني: في بيان أن الخبر إما أن يكون معلوم الصدق أو معلوم الكذب أو مجهول الحال. وعلى الأولين: فإما أن يكون معلومية صدقه أو معلومية كذبه ضروريا أو نظريا فهذه خمسة أقسام. أما الأول: وهو معلوم الصدق، الذي كونه صدقا ضروري فعلى قسمين، لأنه إما ضروري بنفسه وقد مثلوا له بالخبر المتواتر الآتي تفسيره إن شاء الله تعالى، أو بغيره، كقول القائل: الواحد نصف الاثنين، والكل أعظم من الجزء، فإن ضروريته ليست من مقتضى الخبر من حيث إنه هذا الخبر، بل لمطابقة الخبر لما هو كذلك في نفس الأمر ضرورة، ثم إن التمثيل للضروري بنفسه بالخبر المتواتر مبني على ما عليه الأكثر من إفادة الخبر المتواتر العلم وكون العلم به ضروريا، وإلا فهو ليس متفقا عليه، بل وقع الخلاف في كل من الفقرتين ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما الثاني: وهو معلوم الصدق، الذي كونه صدقا نظري كسبي. فقد مثلوا له بخبر الله جل شأنه، فإن كونه مقطوع الصدق إنما هو بالكسب والنظر، بضم ما دل على قبح الكذب عليه تعالى، وكذا خبر الأنبياء والائمة صلوات الله عليهم عندنا لكون العلم بصدقهم أيضا بإنضمام أدلة قبح الكذب عليهم صلوات الله عليهم. ومن هذا الباب الخبر الموافق للنظر الصحيح. وأما الثالث: وهو معلوم الكذب، الذي كونه كذبا ضروري، فقد مثل له بما خالف المتواتر وما علم عدم وجود المخبر به ضرورة حسا أو وجدانا أو بداهة، مثل الأخبار ببرودة النار وبياض القير ونحو ذلك. وأما الرابع: وهو معلوم الكذب، الذي كونه كذبا نظري فقد مثل له بالخبر المخالف لما دل عليه دليل قاطع بالكسب، مثل الإخبار بقدم العالم ومنه الخبر الذي

[18]

يتوفر الدواعي على نقله، ولم ينقل كسقوط المؤذن عن المنارة ونحو ذلك. وأما الخامس: وهو محتمل الأمرين الصدق والكذب لا بالنظر إلى ذاته إذ جميع الأخبار تحتملها كذلك، وقد مثل له بأكثر الأخبار، وهو ظاهر، وربما قسم بعضهم هذا القسم إلى أقسام ثلاثة: مظنون الصدق، كخبر العدل الواحد، ومظنون الكذب، كخبر الكذوب، ومتساوي الطرفين كخبر مجهول الحال، ولا بأس بذلك. الفصل الثالث: إن الخبر ينقسم إلى متواتر وآحاد، والآحاد على أقسام، فنضع الكلام هنا في موضعين. الموضع الأول: في المتواتر وفيه مقامات: المقام الأول: في بيان حقيقته: فنقول: إن التواتر لغة، عبارة عن مجيئ الواحد بعد الواحد بفترة بينهما وفصل، ومنه قوله عز من قائل: " ثم أرسلنا رسلنا تترى " (1) أي رسولا بعد رسول بزمان بينهما. وقد عرفوا الخبر المتواتر في الاصطلاح بتعريفات متقاربة أجودها خبر جماعة بلغوا في الكثرة إلى حد أحالت العادة اتفاقهم وتواطيهم على الكذب، ويحصل بإخبارهم العلم وإن كان للوازم الخبر مدخلية في إفادة تلك الكثرة العلم، فالخبر جنس يشمل الآحاد وبإضافته إلى الجماعة خرج خبر الشخص الواحد، وخرج بوصف الجماعة بالبلوغ إلى الحد، خبر جمع لم يبلغوا الحد المذكور ولم يحصل العلم بسبب الكثرة وإن حصل العلم من جهة اخرى، فخرج خبر جماعة قليلين معصومين كلا أو بعضا فإنه ليس متواترا اصطلاحا وإن أفاد العلم، ضرورة عدم مدخلية الكثرة في إفادته العلم، وكذا خرج من الأخبار ما وافق دليلا قطعيا يدل على مدلول الخبر، فإن حصول العلم منه ليس بسبب قولهم بل لذلك الدليل القطعي. وقولنا: " وإن كان للوازم الخبر مدخلية في إفادة تلك الكثرة العلم " لإدخال ما إذا كان حصول العلم من الخبر مستندا إلى الكثرة والقرائن الخارجية، وإخراج ما إذا كان حصول العلم منه مستندا إلى غير الكثرة كما لو أخبر ثلاثة بشئ


(1) المؤمنون: 44.

[19]

معلوم ضرورة أو نظرا، أو كان إخبارهم محفوفا بقرائن زائدة على ما لا ينفك الخبر عنه عادة من الامور الخارجية المتعلقة بحال المخبر ككونه موسوما بالصدق وعدمه، أو حال السامع ككونه خالي الذهن وعدمه، أو بالمخبر عنه ككونه قريب الوقوع وعدمه، أو نفس الخبر كالهيئات المقارنة له الدالة على الوقوع وعدمه، فإن شيئا من ذلك ليس من المتواتر، نعم، لا يعتبر كون الكثرة علة تامة في حصول العلم، ولا نمنع من مدخلية الامور المذكورة أيضا مع الكثرة كما يكشف عن ذلك ما علل به المحققون عدم اعتبار عدد خاص في التواتر، من اختلاف ذلك باختلاف المقامات، فإنه ليس لاختلافها في انضمام شئ من الامور المذكورة إلى الكثرة وعدمه. وممه ذكرنا ظهرت متانة ما نبه عليه بعض المحققين (قدس سره) من أنه قد يشتبه ما يحصل العلم فيه بسبب التسامع والتظافر وعدم وجود المخالف بالمتواتر فمثل علمنا بالهند والصين وحاتم ورستم ليس من جهة التواتر لأنا لم نسمع إلا من أهل عصرنا وهم لم يرووا لنا عن سلفهم ذلك أصلا فضلا عن عدد يحصل به التواتر وهكذا. وليس غرضه (قدس سره) عدم إمكان التواتر فيه ولا استلزام ما ذكره عدم حصوله في نفس الأمر وإنما غرضه أن علمنا لم يحصل من جهة التواتر، بل من جهة إطباق أهل العصر قاطبة على ذلك إما بالتصريح أو بظهور أن سكوتهم مبني على عدم بطلان هذا النقل، فالمفيد للقطع بصحة ما ذكر إنما هو كثرة تداول ذلك على الألسنة وعدم وجود مخالف في ذلك العصر ولا نقل إنكار عمن سلف فهو نظير الإجماع على الحكم الشرعي المفيد للقطع برأي المعصوم، فوجود البلاد النائية والامم الخالية لنا من هذا الباب لا من باب التواتر كما لا يخفى على المتدبر. المقام الثاني: أنه اتفق أكثر العقلاء على إمكان تحقق الخبر المتواتر وحصول العلم به، وحكي إنكار ذلك عن السمنية (1) والبراهمة (2) وعن بعضهم الموافقة على إفادته العلم إذا كان خبرا عن امور موجودة في زماننا، دون ما كان خبرا عن امور سالفة. والحق الأول، ضرورة أن كل عاقل يجد من نفسه العلم الضروري بالبلاد النائية والامم الخالية كقوم فرعون وعاد وثمود، والأنبياء عليهم السلام كموسى وعيسى


(1) قوم بالهند دهريون قائلون بالتناسخ. (2) قوم لا يجوزون على الله بعثة الرسل. (القاموس)

[20]

ومحمد صلى الله عليه وآله وعليهم، والمملوك الماضية مثل كسرى وقيصر، والفضلاء المشاهير كأفلاطون وأرسطو، ولا يكاد العلم بذلك يقصر عن العلم بالمحسوسات، ولا طريق لنا إلى ذلك إلا الأخبار والمنكر لذلك كالمنكر للمشاهدات، فلا يستحق المكالمة. المقام الثالث: إن القائلين بإمكان تحقق الخبر المتواتر وحصول العلم به اختلفوا فقال أكثرهم: إنه العلم الضروري، وقال جمع: إن ذلك العلم نظري. المقام الرابع: إنهم ذكروا لإفادة المتواتر العلم شرائط، منها: ما يتعلق بالسامع ومنها: ما يتعلق بالمخبرين. أما ما يتعلق بالسامع: فأمران: 1 - أن لا يكون السامع عالما بمدلول الخبر اضطرارا، كمن اخبر اخر عما شاهده، وعللوا هذا الشرط بأنه لو أفاده ذلك الخبر علما لكان إما عين العلم الحاصل له بالشهادة أو غيره والأول تحصيل للحاصل. والثاني من اجتماع المثلين الذي هو محال ولا يجوز كونه مفيدا تقوية الحكم الحاصل أولا، لإنا فرضناه ضروريا والضروري يستحيل أن يتقوى بغيره. 2 - أن لا يسبق الخبر المتواتر حصول شبهة أو تقليد للسامع يوجب اعتقاده نفي موجوب الخبر ومدلوله. وأول من اعتبر هذا الشرط علم الهدى - رضي الله عنه - وتبعه على ذلك المحققون، وهو شرط متين وبه يندفع احتجاج المشركين، أو اليهود والنصارى وغيرهم على انتفاء معجزات الرسول صلى الله عليه وآله كانشقاق القمر وحنين الجذع، وتسبيح الحصا، واحتجاج مخالفينا في المذهب على انتفاء النص على أمير المؤمنين عليه السلام بالإمامة. وبيان ذلك أن المنكرين لمعجزات النبي صلى الله عليه وآله وللنص بالإمامة احتجوا بأنها لو كانت متواترة لشاركناكم في العلم بمدلولاتها كما في الأخبار المتواترة بوجود البلدان النائية والقرون الماضية، والتالي باطل فكذا المقدم، والملازمة ظاهرة. وجوابه أن شرط إفادة التواتر العلم وهو عدم السبق بالشبهة أو التقليد المذكورين حاصل في الإخبار عن البلاد النائية والقرون الخالية للكل، فكان العلم

[21]

شاملا للجميع، بخلاف معجزات النبي صلى الله عليه وآله والنص على أمير المؤمنين عليه السلام بالخلافة فإن الشرط المذكور موجود عند المسلمين والإمامية، مفقود عند خصومهم لأن أسلافهم نصبوا لهم شبهات تقررت في أذانهم تقتضي اعتقاد خلاف ما في الأخبار المذكورة، فلهذا حصل الافتراق بحصول العلم للأولين دون الآخرين، أما لخواصهم، فللشبهة، وأما لعوامهم فللتقليد، وكذلك كل من اشرب قلبه حب خلاف ما اقتضاه المتواتر، لا يمكن حصول العلم له إلا مع تخليته عما شغله عن ذلك إلا نادرا. وأما ما يتعلق بالمخبرين فامور: 1 - أن يبلغوا في الكثرة إلى حد يمتنع تواطيهم على الكذب، وهذا الشرط قد عرفت وجهه، كما عرفت عدم صدق المتواتر على خبر الثلاثة المفيد للعلم بسبب الانضمام إلى قرائن خارجية، ولو بلغوا في الثقة والصلاح الغاية، ضرورة أن العادة لا تستحيل الكذب على الثقة الصالح الصادق، ولا ينافي الكذب عدالته ولا صلاحه أيضا إذا دعا إليه ما يبيحه من المصالح والضرورات. 2 - أن يكونوا عالمين بما أخبروا به لا ظانين، وهذا الشرط اشتراطه جمع وأنكره بعضهم، واكتفى بحصول العلم من اجتماعهم، وإن كان بعضهم ظانين مع كون الباقين عالمين، نظرا إلى أصالة عدم اشتراطه بعد عدم الدليل عليه. 3 - أن يستندوا في علمهم بذلك إلى الإحساس، فلو اتفقوا على الإخبار بمعقول كحدوث العالم ووحدة الصانع لم يفد العلم ولم يكن من الخبر المتواتر في شئ. 4 - استواء الطرفين والواسطة في ذلك بأن يكون كل واحدة من الطبقات عالمة بما أخبرت به لا ظانة، لكن الطبقة الاولى عالمة بذلك بالمشاهدة، والثانية والثالثة بالتواتر، والمراد بالطرفين الطبقة الاولى المشاهدون لمدلول الخبر، والطبقة الأخيرة الناقلون عن الواسطة إلى المخبر أخيرا، والواسطة الطبقة التي بينهما. المقام الخامس: في بيان أن المتواتر على قسمين لفظي ومعنوي. فالأول: ما إذا اتحد ألفاظ المخبرين في خبرهم، والثاني: ما إذا تعددت ألفاظهم، ولكن اشتمل كل منها على معنى مشترك بينها بالتضمن والالتزام وحصل

[22]

العلم بذلك القدر المشترك بسبب كثرة الإخبار. وإن شئت توضيح ذلك لقلنا: إن الأول ما كان محل الكثرة التي عليها مدار التواتر المفيد للعلم بصدق الخبر قضية ملفوظة مصرحا بها في الكلام ومرجعه إلى فرض تحقق التواتر بالنسبة إلى المدلول المطابق للخبر وهو النسبة الموجودة فيه على الوجه الذي اعتبره المخبرون، كقولنا: مكة موجودة وغيره من الأمثلة المتقدمة للتواتر. والثاني: ما كان محل الكثرة المذكورة قضية معقولة متولدة من القضية الملفوظة باعتبار ما يفرض لها من دلالة تضمن أو التزام حاصلة في كل واحد من الآحاد على وجه أوجب كون تلك القضية المعقولة مشتركة بينها، متفقا عليها، متسالما فيها عند المخبرين الكثيرين بحيث صارت كأنها أخبر بها الجميع متفقين على الإخبار. أما التواتر المعنوي باعتبار الدلالة التضمنية فمثل ما لو أخبر واحد بأن زيدا ضرب عمرا وآخر بأنه ضرب بكرا، وثالث بأنه ضرب خالدا وهكذا إلى أن يبلغوا حد الكثرة المعتبرة في التواتر مع اختلاف الجميع في خصوص المضروب، فإن هذه القضايا الملفوظة باعتبار دلالتها التضمنية تنحل إلى قولنا: صدر الضرب من زيد ووقع على أحد هؤلاء والجزء الأول منه قضية مشتركة بين الجميع باعتبار كون صدور الضرب من زيد محل وفاق بين جميع المخبرين فهو المتواتر بخلاف جزئه الثاني فإنه مختلف فيه بينهم فهو من كل منهم خبر واحد. وربما مثل بعضهم للمتواتر باعتبار الدلالة التضمنية بجود حاتم فيما لو أخبر كل من عدد التواتر باعطائه لفلان كذا، من حيث تضمن كل واحدة من الحكايات جود حاتم من حيث إن الجود المطلق جزء الجود الخاص، وفيه مسامحة لأن الجود صفة النفس وليس من جملة الأفعال حتى تتضمنه، بل هو مبدؤها وعلتها، فالحق أن ذلك من باب الاستلزام. ومثال التضمن ما ذكرناه. وقد مثلوا للتواتر المعنوي باعتبار الدلالة الالتزامية بشجاعة أمير المؤمنين صلوات الله عليه حيث روي عنه أنه عليه السلام فعل في غزوة بدر كذا وفي أحد كذا وفي خيبر كذا وهكذا، فإن كل واحدة من الحكايات تستلزم شجاعته عليه السلام، فالحكايات المتكثرة يتولد منها قضية هي قولنا: علي عليه السلام شجاع، فهي قضية معنوية أخبر بها المخبرون على كثرتهم أي اتفقوا على الإخبار بها

[23]

فتكون متواترة بخلاف الآحاد، فأن كل واحد منها قضية ملفوظة هي باعتبار مدلولها المطابقي خبر واحد، فاللفظ والمعنى المنسوب إليهما المتواتر في التقسيم المزبور عبارتان عن القضية المعقولة لأنه معنى يدرك بالعقل لا بالحس، والاولى خبر حقيقة والثانية بصورة الخبر لعدم كونها من جنس الكلام. وربما صور بعض المحققين (ره) التواتر المعنوي على وجوه. 1 - أن يتواتر الأخبار باللفظ الواحد، سواء كان ذلك اللفظ تمام الحديث مثل " إنما الأعمال بالنيات " على تقدير تواتره كما ادعوه، أو بعضه كلفظ " من كنت " مولاه فعلي مولاه " ولفظ " إني تارك فيكم الثقلين " لوجود التفاوت في بقية الألفاظ عن المخبرين. 2 - أن يتواتر بلفظين مترادفين أو ألفاظ مترادفة مثل " إن الهر طاهر والسنور طاهر، أو الهر نظيف، والسنور طاهر " وهكذا، فيكون اختلاف الأخبار باختلاف الألفاظ المترادفة. 3 - أن يتواتر الأخبار بدلالتها على معنى مستقل وإن كان دلالة بعضها بالمفهوم والاخرى بالمنطوق وإن اختلفت ألفاظها أيضا. الموضع الثاني في خبر الواحد، وهو ما لا ينتهي إلى حد التواتر سواء كان الراوي له واحدا أو أكثر، وله أقسام ولكل قسم اسم برأسه: فمن تلك الأسماء: المحفوف بالقرائن القطعية مثل إخبار الشخص عن مرضه عند الطبيب، مع دلالة لونه ونبضه وضعف بدنه على ذلك، وكذا إخبار شخص بموت زيد مثلا، وارتفاع النياح والصياح من بيته، ونوح أهله عليه، وشقهم أثوابهم، وقسمتهم تركته، ولبسهم السواد ونحو ذلك مع سبق العلم بمرضه، وأمثال ذلك كثير وقضاء الوجدان بحصول العلم عند احتفاف القرائن يكفينا حجة. ومنها: المستفيض من فاض الماء يفيض فيضا وفيوضا وفيضانا: كثر حتى سال كالوادي، والمراد به هنا هو الخبر الذي تكثرت رواته في كل مرتبة، والأكثر على اعتبار زيادتهم في كل طبقة عن ثلاثة، وعن بعضهم أنه ما زادت عن اثنين، فما رواه ثلاثة من المستفيض على الثاني دون الأول.

[24]

ثم إن ظاهر أكثر العبائر اعتبار اتحاد لفظ الجميع في صدق المستفيض، ولكن مقتضى إطلاق آخرين وصنيع جمع من الأواخر منهم سيد الرياض وشيخ الجواهر (1) عدم الاعتبار فيتحقق الصدق باتحاد المعنى وإن تعددت الألفاظ، فهو كالمتواتر ينقسم إلى لفظي ومعنوي حسبما مر، ويسمى المستفيض بالمشهور أيضا لوضوحه، ذكر ذلك في مقدمات الذكرى. فائدة: الأظهر أن الخبر المستفيض من الأخبار الاحاد وهو الذي صرح به ثاني الشهيدين في البداية، وهو مقتضى مقابلة الأصحاب بينه وبين المتواتر في كتب الاستدلال تارة وترقيهم عنه إلى المتواتر اخرى، ولا نمنع من حصول العلم من المستفيض بضميمة القرائن الداخلة والخارجة. ومنها: الغريب بقول مطلق وهو على ما صرح به جمع، هو الخبر الذي انفرد بروايته في الطبقات جميعا أو بعضها واحد في أي موضع من السند وقع التفرد به، أوله كان، أو وسطه، أو آخره وإن تعدد الرواة في سائر طبقات السند. ويأتي توضيح القول فيه في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى. الفصل الرابع: إنه قد اصطلح المتأخرون من أصحابنا بتنويع خبر الواحد باعتبار اختلاف أحوال رواته في الاتصاف بالإيمان والعدالة والضبط وعدمها بأنواع أربعة: هي اصول الأقسام وإليها يرجع الباقي من الأقسام، وقد يزاد في التقسيم بتقسيم كل إلى أعلى وغيره وقد يزاد على الأدنى أنه كالأعلى، فيقال مثلا الحسن كالصحيح أو كالموثق، والقوي كالحسن ونحو ذلك، وقد زعم القاصرون من الأخباريين اختصاص هذا الاصطلاح بالمتأخرين الذين أولهم العلامة (ره) على ما حكاه جمع منهم الشيخ البهائي (ره) في مشرق الشمسين، أو ابن طاووس كما حكاه بعضهم، فأطالوا التشنيع عليهم بأنه اجتهاد منهم وبدعة وأن الدين هدم به كانهدامه بالسقيفة ونحو ذلك، ولكن الخبير المتدبر يرى أن ذلك جهل منهم وعناد لوجود أصل الاصطلاح عند القدماء، ألا ترى إلى قولهم: لفلان كتاب صحيح، وقولهم: أجمعت العصابة على


(1) يعنى صاحب رياض المسائل سيد المحققين ابن أخت المحقق البهبهانى السيد على بن محمد بن أبى - المعالى، والشيخ محمد حسن بن الشيخ باقر النجفي صاحب جواهر الكلام في شرح شرايع الاسلام.

[25]

تصحيح ما يصح عن فلان، وقول الصدوق (ره) " كل ما صححه شيخي فهو عندي صحيح " وقولهم: فلان ضعيف، وضعيف الحديث، ونحو ذلك. فالصادر من المتأخرين تغيير الاصطلاح إلى ما هو أضبط وأنفع تسهيلا للضبط وتمييزا لما هو المعتبر منها عن غيره، وما كان تغيير ببدعة وضلالة، كيف ولو كان مثل ذلك من البدعة والضلال لورد ذلك على جميع اصطلاحات العلماء وتقسيماتهم في الاصول والفروع، والضرورة قاضية ببطلانه، مع أن البدعة المذمومة الموصوفة بكونها ضلالة هو الحدث في الدين وما ليس له أصل من كتاب ولا سنة، وجعل الاصطلاح وضبط الأقسام الموجودة في الخارج المندرجة تحت عنوان كلي منضبط مشروع ليس منها جزما، على أن الصحيح والضعيف كان مستعملا في ألسنة القدماء أيضا، غاية ما هناك أنهم كانوا يطلقون الصحيح على كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه مثل وجوده في كثير من الاصول الأربعمائة وتكرره في أصل وأصلين فصاعدا بطرق متعددة أو وجوده في أصل أحد من الجماعة الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم كصفوان ونظائره، أو على تصديقهم كزرارة، ومحمد بن مسلم وفضيل بن يسار، أو على العمل بروايتهم كعمار الساباطي ونظائره ممن عدهم الشيخ في كتاب العدة أو وجوده في أحد الكتب المعروضة على الأئمة عليهم السلام فأثبوا على مؤلفيها، ككتاب عبيد الله الحلبي المعروض على الصادق عليه السلام وكتابي يونس بن عبد الرحمن والفضل بن شاذان المعروضين على العسكري عليه السلام، أو كونه مأخوذا من أحد الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها والاعتماد عليها، ككتاب الصلاة لحريز بن عبد الله السجستاني، وكتب ابني سعيد وعلي بن مهزيار وكتاب حفص بن غياث القاضي (العامي) وأمثالها، ونحو ذلك مما يفيد الاقتران به صحة الحديث حتى أن الشيخ في العدة جعل من جملة القرائن المفيدة لصحة الأخبار أشياء: منها " موافقتها لأدلة العقل ومقتضها، ومنها: مطابقة الخبر لنص الكتاب إما خصوصه أو عمومه أو دليله أو فحواه، ومنها: كون الخبر موافقا للسنة المقطوع بها من جهة التواتر، ومنها: موافقة الخبر لما أجمعت الفرقة المحقة عليه - إلى أن قال - فهذه القرائن كلها تدل على صحة متضمن أخبار الآحاد ولا تدل على صحتها في نفسها

[26]

لجواز أن تكون مصنوعة - انتهى ". وبالجملة، فعلى هذا الاصطلاح جرى أئمة المحدثين الثلاثة وغيرهم، ولذا أن ابن بابويه (ره) في " كتاب " من لا يحضره الفقيه " قد حكم بصحة ما أورده فيه مع عدم كون المجموع صحيحا باصطلاح المتأخرين، وقيل: إن الذي أجلا المتأخرين إلى العدول عن طريقة القدماء ووضع هذا الاصطلاح تطاول الازمنة بينهم وبين الصدر الأول واندراس بعض الاصول المعتمدة لتسلط الجائرين والظلمة من أهل الضلال، والخوف من أظهارها وانتساخها والتباس المأخوذ من الاصول المعتمدة بغيرها واشتباه المتكررة منها بغير المتكرر، وخفاء كثير من القرائن، فإن ذلك كله ألجأهم إلى قانون يتميز به الأحاديث المعتبرة عن غيرها فقرروا هذا الاصطلاح على أن التوثيق والتعديل كأن أحد القرائن الموجبة للاعتمداد عند القدماء أيضا، وكيف كان: فالنوع الأول: الصحيح: وقد عرفه جمع منهم الشهيد الثاني (ره) في البداية بأنه ما اتصل سنده إلى المعصوم بنقل العدل الإمامي عن مثله في جميع الطبقات حيث تكون متعددة، قال: فخرج " بالاتصال " السند المقطوع في أي مرتبة اتفقت، فإنه لا يسمى صحيحا وإن كان رواته من رجال الصحيح، وشمل قوله: " إلى المعصوم عليه السلام " النبي والإمام عليهم السلام، وخرج بقوله: " بنقل العدل " الحسن. وبقوله " الإمامي " الموثق. وبقوله: " في جميع الطبقات " ما اتفق فيه واحد بغير الوصف المذكور، فإنه بسببه يلحق ما يناسبه من الأوصاف، لا بالصحيح. وربما زاد بعضهم قيودا اخر: فمنها: أن يكون العدل ضابطا، نظرا إلى أن من كثر الخطأ في حديثه استحق الترك، وأنت خبير بأن قيد العدل يغني عن ذلك لأن المغفل المستحق للترك لا يعدله أهل الرجال، وأيضا فالعدالة تستدعي صدق الراوي وعدم غفلته وعدم تساهله عند التحمل والأداء. نعم، لو زيد قيد الضابط توضيحا لكان أمتن. ومنها: أن لا يعتريه شذوذ، اعتبره جمهور العامة وأنكر ذلك أصحابنا، نظرا إلى أن الصحة بالنظر إلى حال الرواة، والشذوذ أمر آخر مسقط للخبر عن الحجية، ولذا قال بعض من عاصرناه: إن عدم الشذوذ شرط في اعتبار الخبر، لا في تسميته صحيحا.

[27]

وكيف كان فالأصحاب لم يعتبروه في اصطلاحهم عدم الشذوذ. ومنها: عدم كونه معللا. اشترطه جمع من العامة، مريدين بالمعلل ما اشتمل على علة خفية في متنه أو سنده لا يطلع عليها إلا الماهر، كالإرسال فيما ظاهره الاتصال أو مخالفته لصريح العقل أو الحس. ثم إن جمعا قد قسموا الصحيح إلى ثلاثة أقسام: أعلى وأوسط وأدنى. فالأعلى: ما كان اتصاف الجميع بالصحة بالعلم، أو بشهادة عدلين، أو في البعض بالأول وفي البعض الآخر بالثاني. والأوسط: ما كان اتصاف الجميع بما ذكر بقول عدل يفيد الظن المعتمد أو كان اتصاف البعض به بأحد الطرق المزبورة في الأعلى والبعض الآخر بقول العدل المفيد للظن المعتمد. والأدنى: ما كان اتصاف الجميع بالصحة بالظن الاجتهادي، وكذا إذا كان صحة بعضه بذلك والبعض الآخر بالظن المعتمد أو العلم أو شهادة عدلين. تذييل: قال الشهيد الثاني (ره) في البداية وغيره ما معناه " انه قد يطلق الصحيح عندنا على سليم الطريق من الطعن بما ينافي كون الراوي إماميا عدلا، وإن اعتراه مع ذلك الطريق السالم إرسال أو قطع وبهذا الاعتبار يقولون كثيرا: روى ابن أبي عمير في الصحيح كذا وفي صحيحته كذا، مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلة ومثله وقع لهم في المقطوع كثيرا. وبالجملة قد يطلقون الصحيح على ما كان رجال طريقه المذكورون فيه عدولا إماميين وإن اشتمل على أمر آخر بعد ذلك، حتى أطلقوا الصحيح على بعض الأحاديث المروية عن غير إمامي بسبب صحة السند إليه فقالوا: في صحيحة فلان، ووجدناها صحيحة بمن عداه. وفي " الخلاصة " وغيرها أن طريق الفقيه إلى معاوية بن ميسرة وإلى عائذ ألاحمسي وإلى خالد بن نجيح وإلى عبد الأعلى مولى آل سام، صحيح، مع أن الثلثة الأول لم ينصوا عليهم بتوثيق ولا غيره، والرابع لم يوثقه وإن ذكره في القسم الأول، وكذلك نقلوا الاجماع على تصحيح ما يصح عن أبان ابن عثمان مع كخونه فطحيا وهذا كله خارج عن تعريف الصحيح الذي ذكروه. ثم في هذا الصحيح ما يفيد فائدة الصحيح المشهور كصحيح أبان، ومنه ما يراد منه وصف

[28]

الصحة دون فائدتها كالسالم طريقه مع لحوق الإرسال به أو القطع أو الضعف أو الجهالة بمن اتصل به الصحيح فينبغي التدبر لذلك. فقد زل فيه أقدام أقوام - انتهى ". وأقول: حق التعبير في الصحيح إلى شخص أن يقال: الصحيح إلى فلان. دون أن يضاف إليه الصحيح، فيقال: صحيح فلان وإلا كان تجوزا وخروجا عن الاصطلاح، كما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى. وأما تسمية الصحيح إلى من كان من أصحاب الإجماع صحيحا مضافا إلى ذلك الرجل فليس المراد فيه الصحة المصطلحة على أن المراد به بيان اعتبار من كان راويا عن ذلك الرجل من دون نظر إلى نفس ذلك رجل ومن بعده. وأما ما نقله عن " الخلاصة " فليس من قبيل المقام ضرورة أن صحة الطريق إلى هؤلاء لا يدل في الاصطلاح بشئ من الدلالات على صحة نفس هؤلاء. نعم، كان يلزم المجاز لو كان يترك كلمة " إلى " ويضيف الصحة إلى الخبر هؤلاء بقوله صحيحة معاوية أو عائذ أو خالد، أو عبد الأعلى، فإتيانه بإلى قرينة على إنتهاء الصحة عندهم بمعنى كونهم بأنفسهم مسكوتا عنهم في هذه العبارة، فلا تذهل. فإن المقام كما ذكره قدس الله نفسه الزكية من مزال الأقدام، عصمنا الله تعالى وإياك عن ذلك. النوع الثاني: الحسن. وهو على ما ذكروه ما اتصل سنده إلى المعصوم (ع) بإمامي ممدوح، مدحا مقبولا معتمدا به، غير معارض بذم من غير نص على عدالته، مع تحقق ذلك في جميع مراتب رواة طريقة، أو في بعضها بأن كان فيهم واحد إمامي ممدوح غير موثق، مع كون الباقي في الطرييق من رجال الصحيح، فيوصف الطريق بالحسن لأجل ذلك الواحد. واحترزوا بكون الباقي من رجال الصحيح عما لو كان دونه، فإنه يلحق بالمرتبة الدنيا كما لو كان فيه واحد ضعيف فإنه يكون ضعيفا، أو واحد غير إمامي عدل فإنه يكون من الموثق. وبالجملة فيتبع أخس ما فيه من الصفات حيث تتعدد.

[29]

تنبيهات: 1 - إن الشهيد الثاني (ره) صرح هنا بنحو ما مر في الصحيح، وهو أنه قد يطلق الحسن على ما كان رواته متصفين بوصف الحسن إلى واحد معين ثم يصير بعد ذلك، ضعيفا، أو مقطوعا أو مرسلا. أقول: قد عرفت أنه مجاز في الاصطلاح والقرينة عليه هو الإتيان بكلمة " إلى " قبل ذلك المعين بأن يقال: الحسن إلى فلان واستعماله بالاضافة من غير مجاورة بكلمة " إلى "، خروج عن الاصطلاح. وربما جعل (ره) من الباب الذي ذكره حكم العلامة (ره) وغيره بكون طريق الفقيه إلى منذر بن جبير حسنا مع أنهم لهم يذكروا حال منذر بمدح ولا قدح، ومثله طريقه إلى إدريس بن يزيد وأن طريقه إلى سماعة بن مهران، حسن مع أن سماعة واقفي وإن كان ثقة فيكون من الموثق لكنه حسن بهذا المعنى، وقد ذكر جماعة من الفقهاء رضوان الله عليهم: أن رواية زرارة في مفسد الحج إذا قضاه أن الاولى حجة الإسلام، من الحسن، مع أنها مقطوعة ومثل هذا كثير فينبغي مراعاته كما مر. قلت: قد عرفت أن كلمة " إلى " قرينة المجاز في ذلك. 2 - إنا إنما قيدنا المدح بالمعتد به احترازا عن مطلق المدح، فمرادنا بالمدح المعتد به ما له دخل في قوة السند. وتوضيح ذلك: أن من المدح ما له دخل في قوة السند وصدق القول مثل هو صالح وخير نحوهما. ومنه ما لا دخل له في السند بل في المتن مثل هو فهيم وحافظ ونحوهما. ومنه ما لا دخل له فيهما مثل شاعر وقاري. والذي يفيد في كون السند حسنا أو قويا هو الأول. وأما الثاني فإنما ينفع في مقام الترجيح والتقوية بعد إثبات حجية الخبر بصحة أو حسن أو موثقية، وأما الثالث: فلا عبرة به في المقامين، وإنما يمدح في إظهارا لزيادة الكمال فهو من المكملات، كما صرح بذلك أستاذ الكل (1) في التعليقة، ثم قال: " وأما قولهم: أديب أو عارف باللغة أو النحو وأمثال ذلك، فهل هو من الأول أو الثاني أو الثالث ؟ الظاهر أنه لا يقصر عن الثاني مع


(1) أي الوحيد البهبهانى في تعاليقه على منهج المقال.

[30]

احتمال كونه من الأول - انتهى ". قلت: كونه من الأول ممنوع، إذ لا ربط له بالسند بوجه وإنما هو من الثاني المتعلق بالمتن. ثم إن مراتب المدح مختلفة متفاوتة كما أن تعدد المادح واتحاده يختلف أثره، ولم يقدروا حدا ومرتبة للمدح المعتبر في صيرورة الرجل حسنا، بل جعلوا المدار على المعتد به، فذلك يتبع نظرا الفقيه. 3 - حيث إن المدح يجامع القدح بغير فساد المذهب أيضا، لعدم المنافاة بين كونه ممدوحا من جهة، مقدوحا من اخرى لزم عند اجتماعهما ملاحظة أن القدح هل ينافي المدح أم لا، فإن نافاه جرى عليهما حكم التعارض الآتي في المسألة الرابعة من الفصل الرابع إن شاء الله تعالى وإن لم يكن ينافيه أخذ بهما ورتب على كل منهما أثره. 4 - إن مقتضى القاعدة أن ما كان بعض رجاله ممدوحا بمدح معتد به إن أحرز كونه إماميا عد من الحسن وإلا عد من القوي، ولكنا نراهم بمجرد ورود المدح المعتد به يعدونه حسنا، ولعله لما قيل من أن بيان المدح مع السكوت عن التعرض لفساد العقيدة في مقام البيان يكشف عنه كونه إماميا، فتأمل. النوع الثالث: الموثق: وهو على ما ذكروه ما اتصل سنده إلى المعصوم بمن نص الأصحاب على توثيقه مع فساد عقيدته بأن كان من أحد الفرق المخالفة للإمامية، وإن كان من الشيعة (1) مع تحقق ذلك في جميع رواة طريقه أو بعضهم، مع كون الباقين من رجال الصحيح، وإلا فلو كان في الطريق ضعيف تبع السند الأخس وكان ضعيفا. تنبيهات: 1 - إن كلا من الحسن والموثق يقسم إلى أعلى وأوسط وأدنى، على نحو ما مر في الصحيح. 2 - إنه لو كان رجال السند منحصرين في الإمامي الممدوح بدون التوثيق


(1) الشيعي من قال بخلافة على امير المؤمنين (ع) بلا فصل والامامي من قال بامامة الائمة الاثني عشر فالواقفي والفطحي ونظائرها من الشيعة وليسوا من الامامية اصطلاحا. منه (ره).

[31]

وغير الإمامي الموثق ففي لحوقه بأيهما وجهان: مرجعهما إلى الترجيح بين الموثق والحسن لإن السند يتبع في الوصف أخس رجاله كتبعية النتيجة لأخس مقدمتيها، ورجح بعض الأجلة (1)، " كون الموثق أقوى، فيتصف السند بالحسن. ثم قال: نعم، قد يصير الحسن أقوى بسبب خصوص المدح في خصوص الرجل وهو لا يوجب ترجيح نوع الحسن - انتهى ". ووافقه على ذلك بعض من عاصرناه نظرا إلى أن عمدة أسباب الاعتبار تدور مدار الظن بالصدور، فالموثق من هذه الجهة أقوى فيلحق السند بالحسن. وأقول: الأظهر كون الحسن أقوى لأن كونه إماميا مع كونه ممدوحا، أقوى من كونه موثقا غير إمامي في الغالب فيقتضى توصيف (2) السند بالموثقية، إلا أن مقتضى مراعاة الاصطلاح عدم توصيفه بشئ من الحسن والموثقية أو تسميته بالقوي كما فعل ذلك جمع وستطلع عليه. 3 - إنه ذكر في البداية أنه يقال للموثق: القوي أيضا لقوة الظن بجانبه بسبب توثيقه. وأقول: تسمية الموثق قويا وإن كان صحيحا لغة، إلا أنه خلاف الاصطلاح، لأن ما اندرج في أحد العناوين المزبورة من الصحة والحسن والموثقية لا يسمى قويا، وإنما القوي في الاصطلاح يطلق على ما خرج عن الأقسام الثلاثة المزبورة ولم يدخل في الضعيف وفاقا لبعض من عاصرناه. 4 - إن الفاضل الأستر ابادي في " لب اللباب " تفرد عن أهل الدراية بذكر ألفاظ اخر بعضها قد استعمل في كلمات أواخر الفقهاء (رض) وبعضها غير مستعمل في كلماتهم أيضا. فمنها: الحسن كالصحيح. قال: وهو ما كان جميع رواة سلسلته إماميين مع مدح البعض مدحا غير بالغ مرتبة الوثاقة والبعض الآخر بمدح بالغ مرتبة الوثاقة، أو كون أوائل رجال سنده إماميين ثقاة وأواخرهم إماميين ممدوحين بمدح غير بالغ درجة الوثاقة مع كونهم واقعين بعد أحد الجماعة المجمع على تصحيح ما يصح عنهم.


(1) هو القاضى القمى (ره). (2) كذا.

[32]

وأقول: إن إطلاق الحسن كالصحيح على الأخير لا بأس به وقد وقع من أواخر الفقهاء (رض) أيضا إلا أن إطلاقه على الأول مما لم أجد به قائلا بل صرحوا بإطلاق الحسن على مثله لتبعية أسماء الأحاديث أخس رجالها كما مر، إلا أن يكون اصطلاحا خاصا منه على خلاف اصطلاح أهل الحديث فلا مشاحة فيه. ومنها: الموثق كالصحيح، وقد فسره بأنه ما كان كل واحد من رواة سلسلته ثقة ولم يكن الكل إماميا، بل كان بعضهم غير امامي أو كان غير امامي ممن يقال في حقه إنه ممن أجمعت العصابة عليه كأبان بن عثمان، أو واقعا بعد من يقال في حقه ذلك، قلت: يأتي هنا ما ذكرنا في سابقه. ومنها: القوي كالصحيح. وقد فسره بما يكون كل واحد من رواته اماميين ويكون البعض مسكوتا عنه مدحا وذما، أو ممدوحا بمدح غير بالغ إلى حد الحسن وكان واقعا في الذكر بعد الثقات وبعد من يقال في حقه: إنه أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. ومنها: القوي كالحسن. وهو - على ما ذكر - أن يكون كل واحد من رواة سلسلته إماميا، وكان الكل أو البعض مع وثاقة الباقي ونحوها ممدوحا بمدح يكون تاليا لمرتبة الحسن. ومنها: القوي كالموثق. وقد فسره بأنه ما كان بعض رواته مسكوتا عن مدحه وذمه، واقعا بعد من يقال في حقه: إنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وكان الباقي ثقة وكان بعض الثقات غير إمامي أو كان بعض من هو الإمامي ممدوحا بمدح يكون تاليا لمرتبة الوثاقة وكان الباقي ثقة. النوع الرابع: الضعيف: وهو ما لم يجتمع فيه شروط أحد الأقسام السابقة بأن اشتمل طريقه على مجروح بالفسق ونحوه، أو على مجهول الحال، أو ما دون ذلك كالوضاع، وقد أوضح ذلك بعض من عاصرناه بأن الضعيف ما لم يدخل في أحد الأقسام السابقة بجرح جميع سلسلة سنده بالجوارح أو بالعقيدة مع عدم مدحه بالجوارح أو بهما معا، أو جرح البعض بأحدها أو بهما، أو جرح البعض بأحد الأمرين مع جرح الآخر بالأمر الأخر أو

[33]

بهما معا وهكذا، سواء كان الجرح من جهة التنصيص عليه أو الاجتهاد أو من جهة أصالة عدم أسباب المدح والاعتبار، سواء جعلنا الأصل هو الفسق و الجرح، أو قلنا بأنه لا أصل هناك، ولا فرق في صورة اختصاص الجرح بالبعض بين كون الباقي أو بعض الباقي من أحد أقسام القوي أو الحسن أو الموثق أو الصحيح بل أعلاه لما مر من تبعية الوصف لأخس الأوصاف. هذا هو الكلام في تفسير الأقسام، وقد بقي هنا امور متعلقة بهذا المقام ينبغي التعرض لها: الأول: أنه قال ثاني الشهيدين (ره) في البداية ولنعم ما قال: " إن درجات الضعيف متفاوتة بحسب بعده من شروط الصحة، فكلما بعد بعض رجاله عنها كان أشد ضعفا وكذا ما كثر فيه الرواة المجروحون بالنسبة إلى ما قل فيه، كما تتفاوت درجات الصحيح وأخويه الحسن والموثق بحسب تفاوتها في الأوصاف. فما رواه الإمامي الثقة الفقيه الورع الضابط، كابن أبي عمير أصح كثيرا مما نقص في بعض الأوصاف، وهكذا إلى أن ينتهي إلى أقل مراتبه، وكذا ما رواه الممدوح كثيرا، كإبراهيم بن هاشم الحسن على المشهور مما رواه من هو دونه في المدح، وهكذا إلى أن يتحقق مسماه، وكذا القول في الموثق، فإن ما كان في طريقه مثل علي بن فضال وأبان بن عثمان، أقوى من غيره، وهكذا. ويظهر أثر القوة عند التعارض حيث يعمل بالأقسام الثلاثة أو يخرج أحد الأخيرين شاهدا أو يتعارض صحيحان أو حسنان حيث يجوز العمل به. الأمر الثاني: ان ما ذكر من تفاسير الأقسام، إنما هو مع إطلاق ألفاظها كقولهم في الصحيح وفي الموثق وفي الحسن، وكذا إذا كان مع التقييد بكلمة المجاوزة المتعلقة بالمعصوم (ع) كقولهم في الصحيح عن أبي عبد الله (ع) ونحو ذلك، أو مع الإضافة إلى الراوي الناقل عنه (ع) كقولهم في صحيح زرارة عن أبي عبد الله (ع)، وأما إذا كانت كلمة المجاوزة متعلقة ببعض السند كقولهم الصحيح إلى النوفلي، أو كانت الإضافة إلى غير أخير السند كقولهم صحيح صفوان، فالمراد بذلك، حينئذ اتصاف السند إلى الرجل المذكور بالوصف المزبور، فمرة بخروج الغاية وهو الرجل المذكور كما في المثال

[34]

الأول، واخرى بدخوله أيضا في الصنف المتصف كما في المثال الثاني، فإن كان الوصف المزبور أخس مراتب أوصاف السند في الاعتبار كالقوي كان بقية السند من أقسام الضعيف، وإن كان مما هو فوق الأخس احتمل كون البقية مما هو أخس منه ومن الضعيف. ومن هنا يتكثر الاحتمال، إن كان الوصف المزبور من أعلى المراتب في الاعتبار كالصحيح أو الأعلى من أقسامه، وحيث يقوم في الجميع احتمال الضعف ولم تكن قرينة على نفيه الحق الجميع بالضعيف لما عرفت من تبعية الوصف أخس رجال السند حالا، وربما تقع الغفلة عن ذلك فيظن من كلماتهم تصحيح السند أو توثيقه بنحو ما سمعت ومنشاؤه عدم الاطلاع على ما ذكر من الاصطلاح أو قلة التأمل فاجعل ذلك نصب عينيك ولا تغفل. الأمر الثالث: أنه قد يروى الحديث من طريقين حسنين، أو موثقين أو ضعيفين أو بالتفريق أو يروى بأكثر من طريقين كذلك ولا شبهة في أنه أقوى مما روي بطريق واحد من ذلك الصنف، وهل يعادل ما فوقه من الدرجة في مقام التعارض أم لا ؟ لم نقف لأصحابنا في ذلك على تصريح. وللعامة في ذلك قولان. وتحقيق القول في ذلك اختلاف ذلك باختلاف الموارد من جهة تفاوت. الرواة في مراتب المدح، ومن جهة الطرق وقلتها، ومن جهة المتن من حيث موافقته لعمومات الكتاب أو السنة أو عمل العلماء، أو نحو ذلك. وقد يساوي الحسن إذا تكثرت طرقه الصحيح أو يزيد عليه إذا كان ذا مرجحات اخر، لأن مدار ذلك على غلبة الظن بصدق مضمونه التي هي مناط العمل وإن لم يسم في العرف صحيحا، كما لا يخفى وحينئذ فيلزم للمستنبط الالتفات إلى ذلك وبذل الجهد واتعاب النفس حتى يكون بذلك معذورا عند الله تعالى على فرض الخطأ. الأمر الرابع: إنا قد نبهنا آنفا على أن تطاول العهد واختفاء أكثر القرائن والتباس الأمر، هو الذي دعا المتأخرين إلى جعل هذا الاصطلاح لتمييز الأخبار المعتبرة عن غيرها، وحينئذ فاعلم أن متعلق نظرهم في ذلك هو ضبط طريق اعتبار الرواية

[35]

وعدمه من جهة رجال السند خاصة مع قطع النظر عن القرائن الخارجة، لا حصر اعتبار الرواية وعدمه فيما ذكروه على الإطلاق، ولذا تراهم كثيرا ما يطرحون الموثق بل الصحيح ويعملون بالقوي، بل بالضعيف، فقد يكون ذلك لقرائن خارجة، منها الانجبار بالشهرة رواية أو عملا، وقد يكون لخصوص ما قيل في حق بعض رجال السند كالإجماع على تصحيح ما يصح عنه أو على العمل بما يرويه على أحد الاحتمالين فيه أو قولهم إنه لا يروي أو لا يرسل إلا عن ثقة ونحو ذلك، وأما المعمول به عند الفريقين فالظاهر أنه لا مغايرة بينهما بحسب المفهوم وإن تغاير المصداقان بسبب تغاير أسباب جواز العمل عندهم. وأما الضعيف بالاصطلاحين ففي كون النسبة بينهما العموم المطلق لأن كثيرا من ضعاف المتأخرين معمول به عند القدماء وهم يخصون الضعيف بما يغاير الصحيح والمعمول به عندهم، أو العموم من وجه لطرحهم لبعض الصحاح عند المتأخرين بضعف الأصل المأخوذ منه الخبر عندهم ونحو ذلك وجهان، وحيث إنه لا ثمرة معتدا بها في اختلاف الاصطلاحين ومعرفة كيفيته وإنما المهم معرفة اصطلاح المتأخرين وأقسام ما عندهم كان فيما ذكر وما يأتي كفاية، والله الموفق. الأمر الخامس: من أنكر في علم الاصول حجية الخبر الواحد وقصر العمل بالمتواتر أو المحفوف بالقرائن القطعية في فسحة من مراجعة الرجال إلا في مقام الترجيح، وأما القائلون بحجية الخبر الواحد وهم الأكثرون فمن قال منهم بحجيته من باب بناء العقلاء والوثوق والاطمئنان العقلائي كما هو الحق المنصور، جوز العمل بما يوثق به من الصحيح والموثق والحسن والضعيف المنجبر بالشهرة ومنع من العمل بالخبر الشاذ المتروك المعرض عنه بين الأصحاب وبالخبر المعارض بمثله إلا مع وجود المرجح. وأما القائلون بحجيته من باب التعبد، فمنهم من اقتصر على العمل بالصحيح الأعلى ولم يعتبر غيره نظرا منه إلى كون ما لا يعتبر فيه التثبت ويجوز العمل به هو خبر العدل، وإلى أن التعديل من باب الشهادة فيعتبر فيه التعدد. ومنهم من اعتبر الحسن أيضا نظرا إلى كفاية ظاهر الإسلام وعدم ظهور -

[36]

الفسق في العدالة. ومنهم من اعتبر الموثق أيضا، نظرا إلى ورود الأمر بالعمل بأخبار بني فضال. الفصل الخامس: انهم قد اصطلحوا عبارات اخر غير ما مر في الفصلين السابقين (من تقسيم الخبر إلى المتواتر والآحاد وأقسامها) لمعان شتى لابد من التعرض لها وهي على قسمين: الف - ما يشترك فيه الأقسام الأربعة المزبورة في الفصل السابق (من الصحيح والحسن والموثق والضعيف) إما جميعها، أو بعضها بحيث لا يختص بالضعيف. ب - ما يختص بالضعيف. وههنا مقامان، الأول: في العبارات المشتركة: فمنها: المسند، وقد عرفوه بأنه ما اتصل سنده بذكر جميع رجاله في كل مرتبة إلى أن ينتهي إلى المعصوم عليه السلام من دون أن يعرضه قطع بسقوط شئ منه. وفي البداية " إن أكثر ما يستعمل المسند، فيما جاء عن النبي (ص) قال: وربما أطلقه بعضهم على المتصل مطلقا، وآخرون على ما رفع إلى النبي (ص) وإن كان السند منقطعا - انتهى ". قلت: قد استقر اصطلاح الخاصة على ما سمعت تعريفهم إياه به، وعليه فمن شرط المسند أن لا يكون في إسناده " أخبرت عن فلان " ولا " حدثت عن فلان " ولا " بلغني عن فلان " ولا " أظنه مرفوعا " ولا " رفعه فلان " كما هو واضح. ومنها: المتصل: ويسمى الموصول أيضا، وهو على ما صرح به جمع: ما اتصل سنده بنقل كل راو عمن فوقه، سواء رفع إلى المعصوم (ع) كذلك أو وقف على غيره، فهو لا يخص بالانتهاء إلى المعصوم (ع) أو غيره ممن هو صاحب الخبر. وفي البداية: " أنه قد يخص بما اتصل إسناده إلى المعصوم (ع) أو الصحابي، دون غيرهم " هذا مع الإطلاق أما مع التقييد فجائز مطلقا. ومنها: المرفوع: وله إطلاقان: أحدهما: ما سقط من وسط سنده أو آخره واحد أو أكثر، مع التصريح بلفظ الرفع، كأن يقال: " روى الكليني (ره) عن علي بن -

[37]

إبراهيم، عن أبيه، رفعه عن أبي عبد الله عليه السلام " وهذا داخل في أقسام المرسل بالمعنى الأعم. والثاني: ما اضيف إلى المعصوم (ع) من قول أو فعل أو تقرير، أي وصل آخر السند إليه، سواء اعتراه قطع أو إرسال في سنده أم لا، فهو خلاف الموقوف، ومغاير للمرسل تباينا جزئيا، وأكثر ما يستعمل في المعنى الثاني، ولذا اقتصر جمع على بيانه من غير إشارة إلى الأول. قال في " البداية ": " المرفوع هو ما اضيف إلى المعصوم (ع) من قول، بأن يقول: - في الرواية -: إنه قال كذا، أو فعل، بأن يقول: فعل كذا، أو تقرير، بأن يقول: فعل فلان بحضرته كذا ولم ينكره عليه، فإنه قد يكون أقره عليه، وأولى منه ما لو صرح بالتقرير، سواء كان إسناده متصلا بالمعصوم بالمعنى السابق أو منقطعا بترك بعض الرواة، أو أبهامه أو رواية بعض رجال سنده عمن لم يلقه، انتهى ". لكن استعماله في المعنى الأول في كتب الفقه أشيع. ومنها: المعنعن، وهو على ما صرح به جمع، ما يقال في سنده: عن فلان، عن فلان إلى آخر السند، من غير بيان متعلق الجار من رواية أو تحديث أو إخبار أو سماع أو نحو ذلك، وبذلك يظهر وجه تسميته معنعنا، فهو مأخوذ من العنعنة، مصدر جعلي مأخوذ من تكرار حرف المجاوزة، وله نظائر كثيرة، وليس هنا محل تحقيق محتملاته. وقد صرح بعضهم بأن من المعنعن أيضا ما إذا فصل بالضمير بأن قال: روى الكليني - رحمه الله - عن علي بن إبراهيم، وهو عن أبيه، وهو عن ابن أبي عمير، وهكذا. ثم إنه قد وقع الخلاف في حكم الإسناد المعنعن عن قولين، أحدهما: أنه متصل إذا أمكن ملاقاة الراوي بالعنعنة لما رواه، مع براءته من التدليس، بأن لا يكون معروفا به، وإلا لم يكف اللقاء لأن من عرف بالتدليس قد يتجوز في العنعنة مع عدم الاتصال، نظرا إلى ظهور صدقه في الإطلاق، وإن كان خلاف الاصطلاح والمتبادر من معناها، وقد اختار هذا القول جمع. بل في البداية بعد اختياره " أن عليه جمهور المحدثين، بل كاد أن يكون إجماعا " وفي " التدريب " (1) أنه خيرة الجماهر من أصحاب الحديث والفقه والاصول، وقد ادعى جمع من العامة إجماع أئمة الحديث عليه


(1) المراد تدريب الراوي للسيوطي.

[38]

ومستندهم حمل قوله على الصحة. وثانيهما: أنه من قبيل المرسل والمنقطع حتى يتبين اتصاله بغيره، أرسله جمع قولا ولم نظفر بقائله ومستنده أن العنعنة أعم من الاتصال لغة. وفيه أن الأعمية لغة لا تنفع بعد ظهوره في الاتصال المستلزم وضع قرينة على عدمه حيث استعمل في غير المتصل مثل كلمة " بلغني " في قوله: " عن فلان ". ثم إن أهل القول الأول اختلفوا، فمنهم من اكتفى بإمكان اللقاء، اختاره كثير من أهل الحديث بل عن مسلم بن الحجاج من العامة: إن القول الشايع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديما وحديثا إنه يكفي أن يثبت كونهما في عصر واحد وإن لم - يأت في خبر قط أنهما اجتمعا وتشافهما. ومنهم من شرط ثبوت اللقاء ولم يكتف بإمكانه، حكي ذلك عن البخاري وابن المديني (1) وعزاه بعضهم إلى المحققين من أهل هذا العلم، وما أبعد ما بينه وبين قول مسلم بن الحجاج إنه قول مخترع لم يسبق قائله. ومنهم من زاد على ثبوت اللقاء اشتراط طول الصحبة بينهما ولم يكتف بثبوت اللقاء وهو أبو المظفر السمعاني. ومنهم من زاد على اللقاء وطول الصحبة معرفته بالرواية عنه وهو أبو عمرو الداني على ما حكي عنه. والاظهر بين الأقوال هو القول الأول، لأصالة عدم اشتراط أزيد من إمكان اللقاء بعد ظهور قوله عن فلان في الرواية عنه بلا واسطة، بل الأظهر عدم كون إمكان اللقاء شرطا حتى ينفى عند الشك بالاصل وإنما عدم اللقاء مانع فما لم يثبت عدم اللقاء يبنى على ظاهر اللفظ ويطلق عليه المعنعن فلا تذهل. ومنها: المعلق، وهو على ما صرح به جمع " ما حذف من أول إسناده واحد أو أكثر على التوالي ونسبة الحديث إلى من فوق المحذوف من رواته مثل أغلب روايات الفقيه والتهذيبين حيث أسقطا فيها جملة من أول إسناد الأخبار وبين كل منهما في آخر كتابه من أسقطه بقوله: ما رويته عن فلان فقد رويته عن فلان، عن فلان، عنه.


(1) هو على بن عبد الله بن جعفر السعدى المعروف بابن المدينى اصله من المدينة ثم نزل البضرة وتوفى 234.

[39]

ثم إنه صرح جمع بأنه لا يخرج المعلق عن الصحيح والموثق والحسن إذا عرف المحذوف وعرف حاله خصوصا إذا كان العلم من جهة الراوي كتصريح الشيخ (ره) في كتابيه والصدوق (ره) في " الفقيه " بعدم دركهما المروي عنه وبيانهما لطريقهما إلى كل واحد ممن رويا عنه، فإن هذا المحذوف في قوة المذكور لأن الحذف إنما هو من الكتابة أو اللفظ حيث تكون الرواية به وإلا فالمقصود بقوله: روى محمد بن يعقوب عن أحمد بن محمد هو روى الشيخ المفيد (ره) عن ابن قولويه عن محمد بن يعقوب لأن ذلك طريقه إليه على ما صرح به، نعم، لو لم يعلم المحذوف خرج المعلق عن الصحيح إلى الإرسال أو ما في حكمه. ومنها: المفرد وهو على ما في " البداية " قسمان، لأنه إما أن ينفرد به راويه عن جميع الرواة وهو الانفراد المطلق، وألحقه بعضهم بالشاذ، وسيأتي أنه يخالفه، أو ينفرد به بالنسبة إلى جهة وهو النسبي كتفرد أهل بلد معين كمكة والبصرة والكوفة، أو يتفرد واحد من أهلها به - انتهى. وأقول: الوجه في مخالفة المفرد للشاذ أن شذوذ الرواية فرع وجود رواية مشهورة في قبالها وشذوذ الفتوى فرع إعراض الأصحاب عن العمل بتلك الرواية، فلو تفرد واحد رواية خبر لم يرو غيره خبرا مخالفا له وتلقى الأصحاب ذلك الخبر المفرد بالقبول كان ذلك الخبر مفردا غير شاذكما هو ظاهر ومن هنا ظهر الوجه في الجريان الإفراد في الصحيح والموثق والحسن وعدم صيرورة الحديث بالإفراد ضعيفا، وإن كان لو لحق الإفراد بالشذوذ كان مردودا لذلك. ومنها: المدرج وهو على أقسام أربعة يجمعها درج الراوي أمرا في أمر. أولها: ما أدرج فيه كلام بعض الرواة، فيظن أنه من الأصل، وهذا يسمى مدرج المتن وهو على أقسام لأنه تارة يذكر الراوي عقيب الخبر كلاما لنفسه أو لغيره فيرويه من بعده متصلا بالحديث من غير فصل فيتوهم أنه من تتمة الحديث. واخرى: يقول الراوي كلاما يريد أن يستدل عليه بالحديث فيأتي به بلا فصل، فيتوهم أن الكل حديث. وثالثة: يذكر كلمة في تفسير كلمة اخرى في وسط الخبر أو يستنبط حكما من الحديث قبل أن يتم فيدرجه في وسطه، فيتوهم أن التفسير أو ذلك من المعصوم عليه السلام.

[40]

ويدرك درج المتن بوروده منفصلا عن ذلك في رواية اخرى، أو بالتنصيص على ذلك من الراوي أو بعض الأئمة المطلعين أو باستحالة كون المعصوم عليه السلام يقول ذلك، وقيل: إنه قد وقع الإدراج في " كتاب من لا يحضره الفقيه " كثيرا. ثانيها: مدرج السند كأن يعتقد بعض الرواة أن فلانا الواقع في السند لقبه أو كنيته أو قبيلته أو بلده أو صنعته أو غير ذلك كذا، فيصفه بعد ذكر اسمه بذلك أو يعتمد معرفة من عبر عنه في السند ببعض أصحابنا ونحوه فيعبر مكانه بما عرفه من اسمه. ثالثها: أن يكون عنده متنان مختلفان بإسنادين مختلفين، فيدرج أحدهما في الآخر، بأن يروي أحد المتنين خاصة بالسندين والمتنين جميعا بسند واحد أو يروي أحدهما بإسناده الخاص به، ويزيد فيه من المتن الآخر ما ليس في الأول، أو يكون عنده المتن بإسناد إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيرويه تاما بالاسناد الأول، أو يسمع الحديث من شيخه إلا طرفا منه فيسمعه بواسطة عنه فيرويه تاما بحذف الواسطة. رابعها: أن يسمع الحديث من جماعة مختلفين في سنده أو متنه، فيرويه عنهم باتفاق. ومنها: المشهور وهو على من صرح به جمع، ما شاع عند أهل الحديث بأن نقله جماعة منهم، قال في " البداية ": " هو ما شاع عند أهل الحديث خاصة، دون غيرهم، بأن نقله منهم رواة كثيرون. ولا يعلم هذا القسم إلا أهل الصناعة. أو عندهم وعند غيرهم كحديث " إنما الأعمال بالنيات ". وأمره واضح وهو بهذا المعنى أعم من الصحيح. أو عند غيرهم خاصة ولا أصل له عندهم وهو كثير. قال بعض العلماء أربعة أحاديث تدور على الألسن وليس لها أصل: " من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة " (1) و " من آذى ذميا فأنا خصيمه يوم القيامة " و " يوم نحركم يوم صومكم " و " للسائل حق وإن جاء على فرس ". انتهى ما في البداية. وفي سكوته على ما حكاه عن بعض العلماء من حصر المشهور على الألسن وليس لها أصل، نظر ظاهر، ضرورة كثرة الأحاديث المشهورة على الألسن غير المبين لها أصل مثل " العلم علمان: علم الأديان


(1) راجع لتوضيحه رسالة فقه الحديث الملحقة بالكتاب ص.

[41]

وعلم الأبدان، وما عدى ذلك فضل " وغيره مما لا يحصى كثرة. ثم لا يخفى عليك أن الذي ينفع في مقام الترجيح بحكم قوله: خذ بما اشتهر بين أصحابك ودع الشاذ النادر، إنما الشهرة بين أهل الحديث أو بينهم وبين غيرهم دون الشهرة بين غيرهم خاصة مع عدم أصل له بينهم فإنها لا تنفع في مقام الترجيح على الأظهر حتى بناء على المختار من الترجيح بشهرة الفتوى كما لا يخفى. ومنها: الغريب بقول مطلق، وهو على أقسام ثلاثة، لأن الغرابة قد تكون في السند خاصة وقد تكون في المتن خاصة، وقد تكون فيهما. فالأول: ما تفرد بروايته واحد عن مثله وهكذا إلى آخر السند مع كون المتن معروفا عن جماعة من الصحابة أو غيرهم، ويعبر عنه بأنه غريب من هذا الوجه، ومنه غرائب المخرجين في أسانيد المتون الصحيحة، وظاهرهم اعتبار أن ينتهي إسناد الواحد المنفرد إلى أحد الجماعة المعروف عنهم الحديث، وبذلك يفارق المفرد، فتدبر. والثاني ما تفرد واحد برواية متنه ثم يرويه عنه أو عن واحد آخر يرويه عنه جماعة كثيرة فيشتهر نقله عن المتفرد وقد يعبر عنه للتميز ب‍ " الغريب المشهور " لاتصافه بالغرابة في طرفه الأول وبالشهرة في طرفه الآخر. وأما الثالث فهو ما كان راويه في جميع المراتب واحدا مع اشتهار متنه عن جماعة وهذا هو المراد من إطلاق الغريب، وقد يطلق الغريب على غير المتداول في الألسنة والكتب المعروفة كما نبه على ذلك في " البداية " حيث قال: " وقد يطلق على الغريب اسم الشاذ، والمشهور المغايرة بينهما على ما ستعرفه في تعريف الشاذ - انتهى ". وأقول: الوجه في مغايرة الغريب المذكور للشاذ هو ما مر في تفسير المفرد من وجه مغايرته للشاذ فلا حظ وتدبر. بقي هنا شئ وهو أن من الغريب بقول مطلق متنا، ما اشتمل على بيان أمر أو حكم أو طرز أو تفصيل غريب. ومنها: الغريب لفظا وهو في عرف الرواة والمحدثين عبارة عن الحديث المشتمل متنه على لفظ خاص غامض بعيد عن الفهم لقلة استعماله في الشايع من اللغة وقد جعلوه قسما مستقلا في قبال الغريب بقول مطلق، محترزين بقيد اللفظ عنه وقالوا: إن فهم الحديث الغريب لفظا فن مهم من علوم الحديث يجب أن يتثبت فيه

[42]

أشد تثبت لانتشار اللغة وقلة تميز معاني الألفاظ الغريبة، فربما ظهر معنى مناسب للمراد، والمقصود في الواقع غيره مما لم يصل إليه والخوض فيه صعب، حقيق بالتحري جدير بالتوقي، فليتحر خائضه وليتق الله تعالى في الإقدام على تفسير كلام النبي (ص) والأئمة (ع) بالحدس والتخمين. وقد صنف فيه جماعة من العلماء، وقد قال الحاكم من العامة: إن أول من صنف فيه النضر بن شميل [المتوفى 203] وقال: أبو عبيدة معمر بن المثنى [المتوفى 210]، ثم النضر، ثم الأصمعي (1) وألف بعدهما أبو عبيد القاسم بن سلام [المتوفى 234] بعد سنة المائتين، ثم تتبع أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري [المتوفي 276] ما فات أبا عبيد ثم تتبع أبو سليمان الخطابي [المتوفى 388] ما فاتهما ونبه على أغاليط لهما، فهذه أمهاته، ثم ألف بعدهم غيرهم كتبا كثيرة فيها زوائد وفوائد كمجمع الغرائب لعبد الغافر الفارسي، [المتوفى 529] و " غريب الحديث " لقاسم السرقسطي [المتوفي 302] و " الفائق " للزمخشري [المتوفي 538] و " الغريبين " للهروي [المتوفى 401] ثم " النهاية " لابن الأثير فإنه بلغ بها النهاية، وهي أحسن كتب الغريب وأجمعها واشهرها الآن وأكثرها تداولا ومع ذلك فقد فاته الكثير. وصنف البحر المواج الشيخ الطريحي في ذلك " مجمع البحرين " وحسنه غني عن البيان. ومنها: المصحف وهو ما غير بعض سنده أو متنه بما يشابهه أو يقرب منه. فمن الأول وهو تصحيف السند: تصحيف بريد، بيزيد وتصحيف حريز، بجرير، ونحو ذلك. ومن الثاني: أعني تصحيف المتن: تصحيف ستا، اسم عدد بكلمة شيئا، في حديث " من صام رمضان وأتبعه شيئا من شوال " وكذا تصحيف خزف بخرق، وتصحيف احتجر بمعنى اتخذ حجرة من حصير أو نحوه يصلي عليها، في حديث أن النبي (ص) احتجر بالمسجد، باحتجم، ونحو ذلك من التصحيفات. ثم إن متعلق التصحيف إما البصر أو السمع. والأول مثل ما ذكر من أمثلة


(1) كان بعد النضر أو معمر محمد بن مستنير " قطرب " المتوفى 206 صنف " غريب الآثار ". وبعده أبو عمر الشيباني المتوفى 210 ثم أبو زيد الانصاري المعاصر للاصمعي ثم الأصمعي المتوفي 216. وقد ذكر للحسن بن محبوب السراد المتوفى 203 كتابا في غريب الحديث.

[43]

تصحيف السند والمتن حيث إن ذلك التصحيف إنما يعرض للبصر لتقارب الحروف لا للسمع إذ لا يلتبس عليه مثل ذلك. والثاني: بأن يكون الاسم واللقب أو الاسم واسم الأب على وزن اسم آخر ولقبه، أو اسم آخر واسم أبيه والحروف مختلفة شكلا ونقطا فيشتبه ذلك على السامع مثل تصحيف بعضهم عاصم الأحول بواصل الأحدب، وخالد بن علقمة بمالك بن عرفطة، فإن ذلك لا يشتبه في الكتابة على البصر، وكذا إذا كاتب كلمة في المتن على وزن كلمة اخرى متقاربة الحروف نطقا مع الاختلاف شكلا في الكتاب. ثم إن جمعا منهم قسموا التصحيف تقسيما آخر، فقالوا: إنه قد يكون في اللفظ نحو ما مر، وقد يكون في المعنى كما حكي عن أبي موسى محمد بن المثنى العنزي الملقب بالزمن، أنه قال: نحن قوم لنا شرف، نحن من عنزة صلى إلينا رسول الله (ص)، يريد بذلك ما روي من أنه صلى الله عليه وآله صلى إلى عنزة، وهي الحربة تنصب بين يديه سترة فتوهم أنه (ص) صلى إلى قبيلتهم بني عنزة أو إلى قريتهم المسماة بعنزة الموجودة الآن، وهو تصحيف معنوي عجيب، وأعجب منه ما حكاه الحاكم من علماء العامة عن أعرابي أنه زعم أنه (ص) صلى إلى شاة صحفها عنزة، ثم رواه بالمعنى على وهمه فأخطأ من وجهين. تذييل: قد بان لك بالتأمل كون التصحيف في المقام أعم من التحريف، وفرق بعضهم بينهما، فخص اسم المصحف بما غير فيه النقط، وما غير فيه الشكل مع بقاء الحروف سماه بالمحرف وهو أوفق. ومنها: العالي والنازل فالعالي من السند في الاصطلاح هو قليل الواسطة مع اتصاله، والنازل بخلافه، وتوضيح الحال في هذا المجال يستدعي رسم مطالب: الأول: الاسناد من أصله من خواص هذه الأمة دون سائر الملل، فإن اليهود ليس لهم خبر مسند متصل إلى موسى (ع) بل يقفون على من بينه وبين موسى (ع) أكثر من ثلاثين عصرا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه، وكذا النصارى لا يمكنهم أن يصلوا في الأحكام مسندا إلى عيسى (ع) إلا في تحريم الطلاق وشرح ذلك يطلب من محله.

[44]

الثاني: أن طلب علو السند سنة مؤكدة عند أكثر السلف وقد كانوا يرحلون إلى المشايخ من أقصى البلاد لأجل ذلك وربما ادعى بعضهم اتفاق أئمة الحديث قديما وحديثا على الرحلة إلى من عنده الإسناد العالي، وقد أفتى جمع باستحباب الرحلة لذلك، ولا بأس به لاندراجه في طلب العلم والتفقه المندوبين. الثالث: أن في رجحان عالي السند على النازل مطلقا، أو العكس مطلقا، أو التفصيل برجحان العلو إلا إذا اتفق للنازل مزية خارجية وجوه: للأول منها: أن العلو يبعد الحديث عن الخلل المتطرق إلى كل راو، إذ ما من راو من رجال الإسناد إلا والخطأ جائز عليه فكلما كثرت الوسائط وطال السند كثرت مظان التجويز وكلما قلت، قلت. وللثاني: أن النزول يوجب كثرة البحث وهي تقتضي المشقة فيعظم الأجر وضعفه ظاهر، ضرورة أن عظم الأجر أمر أجنبي عن مسألة التصحيح والتضعيف، وكثرة المشقة ليست مطلوبة لذاتها ومراعاة المعنى المقصود من الرواية وهو الصحة أولى. وللثالث: أنه قد يتفق في النزول مزية ليست في العلو كأن تكون رواته أوثق أو أحفظ أو أضبط، والاتصال فيه أظهر للتصريح فيه باللقاء، واشتمال العالي على ما يحتمله وعدمه مثل عن فلان، فيكون النزول حينئذ أولى بالغرض، وهذا القول هو الفصل. ومنها: الشاذ والنادر والمحفوظ والمنكر والمردود والمعروف: فالشاذ والنادر هنا مترادفان، والشائع استعمال الأول، واستعمال الثاني نادر، لكن واقع. وكفاك في ذلك قول المفيد (ره) في رسالته في الرد على الصدوق في " أن شهر رمضان يصيبه ما يصيب الشهور من النقص " إن النوادر هي التي لا عمل عليها - انتهى " وأشار بذلك إلى رواية حذيفة. كما يكشف عن ذلك وعن ترادفهما قول الشيخ (ره) في التهذيب في هذه المسألة " إنه لا يصلح العمل بحديث حذيفة. لأن متنها لا يوجد في شئ من الاصول المصنفة بل هو موجود في الشواذ من الأخبار - انتهى " حيث أطلق الشاذ على ما أطلق عليه المفيد النادر، بل لا يبعد استفادة ترادفهما من

[45]

قوله عليه السلام في المرفوعة " ودع الشاذ النادر ". وأما المحفوظ، فهو في أهل اصطلاح الدراية ما كان في قبال الشاذ، من الراجح المشهور. وأما المعروف، فهو في الاصطلاح ما كان في قبال المنكر، من الرواية الشائعة. وأما المنكر والمردود، فهما أيضا مترادفان - على ما يظهر من كلمات أهل - الدراية والحديث -. فهنا أربع عبارات: الشاذ والمحفوظ والمنكر والمعروف. وقد عرفت المراد بالمحفوظ والمعروف. وإن تأملت، بأن لك الفرق بينهما وبين المشهور، وأنهما أخص منه. فإن المشهور، ما شاع روايته، سواء كان في مقابله رواية اخرى شاذة غير شائعة، أم لا، بخلاف المحفوظ، فأنه خصوص المشهور الذي في قباله حديث شاذ، والمعروف خصوص المشهور الذي في قباله حديث منكر، فبقيت عبارتان: الاولى: الشاذ وهو على الأظهر الأشهر بين أهل الدراية والحديث، هو ما رواه الثقة مخالفا لما رواه جماعة، ولم يكن له إلا اسناد واحد. فخرج بقيد الثقة، والمنكر والمردود وبقيد المخالفة، المفرد بأول معنييه المزبورين، وبقيد اتحاد الإسناد، المتن الواحد المروي بسندين أو أكثر فإنه ليس بشاذ. ثم إن كان راوي المحفوظ المقابل للشاذ أحفظ أو أضبط أو أعدل من راوي الشاذ، سمي ذلك الشاذ، بالشاذ المردود، لشذوذه ومرجوحيته لفقده للأوصاف الثلاثة، وإن انعكس، فكان الراوي للشاذ أحفظ للحديث أو اضبط له أو أعدل من غيره من رواة مقابله، ففيه أقوال: 1 - عدم رده. اختاره جماعة، منهم ثاني الشهيدين في " البداية "، نظرا إلى أن في كل منهما صفة راجحة وصفة مرجوحة فيتعارضان فلا ترجيح. 2 - رده مطلقا. لأن نفس اشتهار الرواية، من أسباب قوة الظن بصدقها وسقوط مقابلها، مضافا إلى تنصيص المعصوم عليه السلام بكون الشهرة مرجحة، وأمره برد الشاذ النادر من دون استفصال. ويمكن الجواب عن الأول، بمنع سببية الشهرة لقوة الظن، حتى في صورة كون راوي الشاذ أحفظ أو أضبط أو أعدل، بل قد يقوى الظن حينئذ بصدق الشاذ،

[46]

فالكلية لا وجه لها بل اللازم الادارة مدار الرجحان في الموارد الجزئية. وأما تنصيص المعصوم عليه السلام برد الشاذ، فمنصرف إلى غير صورة حصول الرجحان له، فتأمل جيدا. 3 - قبول الشاذ مطلقا، لأنه لازم وثاقة راويه. الثانية المنكر: وهو ما رواه غير الثقة، مخالفا لما رواه جماعة، ولم يكن له إلا إسناد واحد. ومنها: المسلسل، وهو ما تتابع رجال إسناده، واحدا فواحد إلى منتهى الإسناد، على صفة واحدة وحالة واحدة، للرواة تارة وللرواية اخرى. وصفات الرواة وأحوالهم، إما قولية أو فعلية أو هما معا. وصفات الرواة، إما تتعلق بصيغ الأداء أو بزمنها أو أمكنتها. ومنها: المزيد، وهو الحديث الذي زيد فيه على سائر الأحاديث المروية في معناه، والزيادة تقع تارة في المتن، بأن يروى فيه كلمة زائدة تتضمن معنى لا يستفاد من غيره، واخرى في الإسناد، بأن يرويه بعضهم بإسناد مشتمل على ثلاثة رجال معينين مثلا ويرويه الآخر بأربعة، تخلل الرابع بين الثلاثة. أما الأول - وهو المزيد في المتن - فمعتمد مقبول إن كانت الزيادة من الثقة، حيث لا يقع المزيد منافيا لما رواه غيره من الثقاة، ولو كانت المنافاة في العموم والخصوص، بأن يكون المروي بغير زيادة عاما بدونها فيصير بها خاصا أو بالعكس، فيكون المزيد حينئذ كالشاذ وقد تقدم حكمه. مثاله حديث " وجعلت لي الأرض مسجدا وترابها طهورا " فهذه الزيادة تفرد بها بعض الرواة، ورواية الأكثر " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ". فما رواه الجماعة عام لتناوله لأصناف الأرض من الحجر والرمل والتراب، وما رواه المنفرد بالزيادة مخصوص بالتراب، وذلك نوع من المخالفة يختلف به الحكم. وأما الثاني: وهو المزيد في الإسناد، كما إذا أسنده وأرسلوه، أو وصله وقطعوه، أو رفعه إلى المعصوم عليه السلام ووقفوه على من دونه، ونحو ذلك، وهو مقبول، كمزيد المتن غير المنافي، لعدم المنافاة، إذ يجوز اطلاع المسند والموصل والرافع

[47]

على ما يطلع عليه غيره. أو تحريره لما لم يحرروه، وبالجملة فهو كالزيادة غير المنافية فيقبل. ذكر ذلك في " البداية " وغيرها. ومنها: المختلف وضده الموافق، والوصف بالاختلاف والموافقة إنما هو بالنظر إلى صنف الحديث، دون الشخص، ضرورة أن الحديث الواحد نفسه ليس بمختلف ولا متفق، وانما الاختلاف والاتفاق يتصور بين اثنين، والمراد هنا اختلاف المتنين وتوافقهما، وذلك غير المؤتلف والمختلف سندا، الذي يأتي التعرض له إن شاء الله. تعالى. وقد عرف المختلف في " البداية " وغيرها، بأنه أن يوجد حديثان متضادان في المعنى ظاهرا، سواء تضادا واقعا أيضا كأن يمكن التوفيق بينهما بوجه، أو ظاهرا فقط كأن يمكن الجمع بينهما. فالمختلفان في اصطلاح الدراية هما المتعارضان في اصطلاح الاصوليين، والمتوافقان خلافه. وقد صرح أهل الدراية بأن حكم الحديث المختلف، الجمع بينهما إن أمكن، ولو بوجه بعيد يوجب تخصيص العام منهما، أو تقييد مطلقه، أو حمله على خلاف ظاهره. وإن لم يمكن الجمع، فإن علمنا أن أحدهما ناسخ، قدمناه، وإلا رجح أحدهما على الآخر بمرجحه المقرر في الاصول، من صفة الراوي، والكثرة، والمخالفة العامة، وغيرها. كذا قالوا، وهو موجه، إلا في الجمع بالحمل على خلاف الظاهر، فإنه لا يرتكب إلا مع قرينة عليه في الأخبار لما قررناه في الاصول من عدم تمامية كلية قاعدة تقدم الجمع على الطرح، وأنها إنما تسلم في الجمع بحمل العام على الخاص، أو المطلق على المقيد، أو الجمع الذي يساعد عليه فهم العرف، مثل الجمع بحمل الظاهر على النص، والظاهر على الأظهر، أو الجمع الذي عليه شاهد مفصل من الأخبار. ثم إن الجمع بين المتعارضين من أهم فنون علم الحديث وأصعبها. أما الأهمية فلأنه يضطر إليه جميع طوائف العلماء سيما الفقهاء ولا يملك القيام به إلا المحققون من أهل البصائر، الجامعون بين الحديث والفقه والاصول، الغواصون على المعاني والبيان. وأما الأصعبية فلأنه عمدة فنون الاجتهاد الذي هو أصعب من الجهاد بالسيف. وقد صنف العلماء في الجمع بين الأخبار كتبا كثيرة. وقد قيل إن أول من.

[48]

صنف فيه الشافعي، ثم ابن قتيبة. ومن أصحابنا - رضي الله عنهم - الشيخ أبو جعفر الطوسي، التهذيب والاستبصار [في ما اختلف من الأخبار] وقد جمعوا بين الأخبار على حسب ما فهموه. وقد قال في البداية: " إنه قلما يتفق فهمان على جمع واحد، ومن أراد الوقوف على جلية الحال، فليطالع المسائل الفقهية الخلافية، التي ورد فيها أخبار مختلفة، يطلع على ما ذكرنا - انتهى ". ثم إن أهل الدراية، قد جعلوا من أمثلة المختلف من أحاديث الأحكام، حديث " إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا "، وحديث " خلق الله الماء طهورا، لا ينجسه شئ إلى ما غير طعمه أو لونه أو ريحه "، فإن الأول ظاهر في طهارة القلتين، تغير أم لا، والثاني ظاهر في طهارة غير المتغير سواء كان قلتين أو أقل. ومن أحاديث غير الأحكام حديث " لا يورد ممرض على مصح " وحديث " فر من المجذوم فرارك من الأسد " مع حديث " لا عدوى " وبيان ذلك أن " يورد " - بكسر الراء - مضارع أورد، أي عرضه على الماء ومفعوله محذوف. و " ممرض " - بإسكان الميم الثانية، وكسر الراء - صاحب الإبل المراض، من أمرض الرجل إذا وقع في ماله المرض. والمصح - بكسر الصاد - صاحب الإبل الصحاح، والمعنى أنه لا يورد صاحب الإبل المراض إبله على الإبل الصحاح، أي فوقها من جانب الماء الجاري، حيث يجري سؤر المراض، فتشربه الصحاح، فتتمرض. ووجه مخالفة الخبرين الأولين للثالث، دلالتهما على إثبات سراية المرض من المريض إلى غيره. ونفي الثالث السراية. وقد جمعوا بين الخبرين بوجوه: أحدها: ما عن ابن الصلاح من العامة، من أن هذه الأمراض لا تعدي بطبعها، لكن الله تعالى جعل مخالطة المريض بها للصحيح سببا لإعدائه مرضه. وقد يتخلف ذلك عن سببه كما في غير من الأسباب. ثانيها: ما عن شيخ الإسلام، من أن نفي العدوى باق على عمومه والأمر بالفرار إنما هو من باب سد الذاريع، لئلا يتفق للذي يخالطه شئ من ذلك بتقدير الله تعالى ابتداء، لا بالعدوى المنفية، فيظن أن ذلك بسبب مخالطته فيعتقد صحة العدوى

[49]

فيقع في الحرج فأمر بتجنبه حسما للمادة. ثالثها: ما عن القاضي الباقلاني، من أن إثبات التعدي في الجذام ونحوه، مخصوص من عموم نفي العدوى، فيكون معنى قوله عليه السلام " لا عدوى " أي إلا من الجذام ونحوه. رابعها: أن الأمر بالفرار إنما هو لرعاية حال المجذوم، لأنه إذا رأى الصحيح عظمت مصيبته، وازدادت حسرته. إلى غيره ذلك من وجوه الجمع. ومنها: الناسخ والمنسوخ فإن من الأحاديث ما ينسخ بعضها بعضا، كالقرآن المجيد، لكن يختص ذلك بالأخبار النبوية، إذ لا نسخ بعده (صلى الله عليه وآله)، كما برهن عليه في محله. نعم لا يختص ذلك بما كان من طريق العامة، بل يعمه وما كان من طريقنا ولو بتوسيط أحد ائمتنا عليهم السلام. ومنها: المقبول وهو على ما في " البداية " وغيرها: " هو الحديث الذي تلقوه بالقبول، وعملوا بمضمونه، من غير التفات إلى صحته وعدمها. مثل للمقبول بحديث عمر بن حنظلة في حال المتخاصمين من أصحابنا وأمرهما بالرجوع إلى رجل منهم قد روى حديثهم وعرف أحكامهم، - الخبر. وإنما وسموه بالمقبول لأن في طريقه محمد بن عيسى وداود بن الحصين وهما ضعيفان، وعمر بن حنظلة لم ينص الأصحاب فيه بجرح ولا تعديل - ثم قال -: لكن أمره عندي سهل، لأني قد تحققت توثيقه من محل آخر وإن كانوا قد أهملوه ". قلت: قد ينقل عن بعض الحواشي المنسوبة إليه أن توثيق ابن حنظلة مستفاد من رواية الوقت وهي قوله عليه السلام: " إذا لا يكذب علينا " ويعترض عليه بأن رواية الوقت في سندها ضعف فلا يمكن إثبات التوثيق بها. وكيف كان فخبر ابن حنظلة المذكور مع ما في إسناده مما عرفت، قد قبل الأصحاب متنه، وعملوا بمضمونه، وجعلوه عمدة التفقه، واستنبطوا منه شرائطه كلها، وسموه مقبولا، ومثله في تضاعيف أخبار كتب الفقه كثير. ومنها: المعتبر وهو على ما صرح به جمع، هو ما عمل الجميع أو الأكثر به أو أقيم الدليل على اعتباره، لصحة اجتهادية أو وثاقة أو حسن. وهو بهذا التفسير أعم من المقبول والقوي.

[50]

ومنها: المكاتب وهو الحديث الحاكي لكتابة المعصوم عليه السلام الحكم، سواء كتبه عليه السلام ابتداء لبيان حكم أو غيره، أو في مقام الجواب. وظاهر جمع اعتبار كون الكتابة بخطه الشريف. وعممه بعضهم لما إذا كان بغير خطه مع كون الإملاء منه، والحق أن المكاتبة حجة، غاية ما هناك، كون احتمال التقية فيها أزيد من غيرها. ومنها: المحكم والمتشابه فالمحكم هو ما كان للفظه معنى راجح، سواء كان مانعا من النقيض أم لا. وعرفه في " لب اللباب " بأنه ما علم المراد به من ظاهره من عير قرينة تقترن إليه، ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه. وأما المتشابه فقد يكون في المتن وقد يكون في السند. فالمتشابه متنا، هو ما كان للفظه معنى غير راجح. وفي " لب اللباب " أنه ما علم المراد به لقرينة ودلالة ولو بحسب أبعد الاحتمالين. والمتشابه سندا: ما اتفقت أسماء سنده خطا ونطقا، واختلفت أسماء آبائهم نطقا مع الايتلاف خطا، أو بالعكس باتفاق الاتفاق المذكور بأسماء الآباء، والاختلاف المذكور بالأبناء، " كمحمد بن عقيل "، بفتح العين للنيسابوري، وبضمها للفريابي، في الأول، و " شريح بن النعمان "، بإعجام أوله لشخص تابعي يروي عن علي عليه السلام، و " سريح بن النعمان " بإهمال أوله لآخر، أحد رجال العامة، في الأول، وبالعكس في الثاني، واللازم في الجميع الرجوع إلى المميزات الرجالية. ومنها: المشتبه المقلوب وهو اسم للسند الذي يقع الاشتباه فيه في الذهن لافي الخط. ويتفق ذلك في الرواة المتشابهين في الاسم والنسب، المتمايزين بالتقديم والتأخير، بأن يكون اسم أحد الراويين كاسم أب الآخر خطا ولفظا، واسم الآخر كاسم أب الأول كذلك، فينقلب على بعض أهل الحديث، كما انقلب كثيرا " أحمد بن محمد بن يحيى " ب‍ " محمد بن أحمد بن يحيى "، وأمثلته كثيرة، والاهتمام بتميز ذلك مهم. ومنها: المتفق والمفترق مجموعهما اسم لسند اتفقت أسماء رواته وأسماء آبائهم

[51]

فصاعدا، واختلفت أشخاصهم. فالاتفاق بالنظر إلى الأسماء، والافتراق بالنظر إلى الأشخاص. وظاهر " البداية " عدم صدق هذا الاسم بمجرد الاتفاق في اسم الراوي من دون اتفاق اسم الأب والجد. وصريح غيره صدق هذا الاسم مع الاتفاق في اسم الراوي فقط، وإن اختلفت أسماء الآباء والأجداد، أو لم يذكر اسم الأب والجد أصلا. ولا يعتبر في صدق هذا الاسم كون تمام السند كذلك، بل يكفي في ذلك أن يتفق اثنان من رجاله أو أكثر في ذلك، كما صرحوا به، ولا بد من تمييز المتفق حتى لا يظن الشخصان شخصا واحدا فيكتفى بثبوت وثاقته. ومنها: المشترك وهو ما كان أحد رجاله أو أكثرها، مشتركا بين الثقة وغيره. وأمثلة ذلك كثيرة. ولا بد من التمييز لتوقف معرفة حال السند عليه. والتمييز تارة بقرائن الزمان، وأخرى بالراوي، وثالثة بالمروي عنه، وغير ذلك من المميزات. وقد صنفوا في تمييز المشتركات كتبا ورسائل، وأتعبوا أنفسهم في ذلك، جزاهم الله تعالى عنا خيرا، ولعلنا نوفق للكلام في ذلك. ثم إن تميز بشئ مما ذكر، أو كان جميع أطراف الشبهة ثقات فلا كلام، وإلا لزم التوقف وعدم العمل بالخبر. نعم ليس للفقيه رد الرواية بمجرد الاتفاق في الاسم مع الاشتراك بين ثقة وغيره، بل يلزمه الفحص والتمييز والتوقف عند العجز. وقد اتفق لجمع من الأكابر منهم ثاني الشهيدين (ره) في " المسالك "، رد جملة من الروايات بالاشتراك في بعض رجالها مع إمكان التمييز فيها. ومن عجيب ما وقع له رده في " المسالك " لبعض روايات " محمد بن قيس " عن الصادق عليه السلام بالاشتراك بين ثقة وغيره، مع تحقيقه في " البداية " كون الراوي عن الصادق عليه السلام هو الثقة، حيث قال: " إن محمد بن قيس، مشترك بين أربعة: اثنان ثقتان، وهو " محمد بن قيس الأسدي، أبو نصر " و " محمد بن - قيس البجلي الأسدي، أبو عبد الله "، وكلاهما رويا عن الباقر والصادق عليهما السلام، وواحد ممدوح من غير توثيق، وهو " محمد بن قيس الأسدي، مولى بني نصر " ولم يذكروا عمن روى، وواحد ضعيف، وهو " محمد بن قيس، أبو أحمد "، وروى عن الباقر عليه السلام خاصة - إلى أن قال: - والتحقيق في ذلك أن الرواية إن كانت

[52]

عن الباقر عليه السلام فهي مردودة، لاشتراكه حينئذ بين الثلاثة الذين أحدهم الضعيف، واحتمال كونه الرابع حيث لم يذكروا طبقته، وإن كانت الرواية عن الصادق عليه السلام، فالضعيف منتف عنها، لأن الضعيف لم يرو عن الصادق عليه السلام كما عرفت ولكنها محتملة لأن تكون من الصحيح، إن كان هو أحد الثقتين، وهو الظاهر، لأنهما وجهان من وجوه الرواة، ولكل منهما أصل بخلاف الممدوح خاصة. ويحتمل على بعد أن يكون هو الممدوح فتكون الرواية من الحسن فيبنى على قبول الحسن في ذلك المقام وعدمه. فتنبه لذلك، فإنه مما غفل عنه الجميع وردوا بسبب الغفلة عنه روايات، وجعلوها ضعيفة، والأمر فيها ليس كذلك " - انتهى. بل زاد عليه بعض المحققين، أن " محمد بن قيس " إن كان راويا عن أبي جعفر عليه السلام، فإن كان الراوي عنه " عاصم بن حميد " أو " يوسف بن عقيل " أو " عبيدا " ابنه، فالظاهر أنه ثقة لما ذكره النجاشي من أن هؤلاء يروون عنه كتاب القضايا. بل لا يبعد كونه الثقة متى كان راويا عن أبي جعفر عليه السلام عن علي عليه السلام لأن كلا من البجلي والأسدي صنف كتاب القضايا لأمير المؤمنين عليه السلام كما ذكره النجاشي، وهما ثقتان، فتدبر. ومنها: المؤتلف والمختلف، ومجموعهما اسم لسند اتفق فيه اسمان فما زاد خطا، واختلفا نطقا، ومعرفته من مهمات هذا الفن، حتى ان أشد التصحيف ما يقع في الأسماء لأنه شئ لا يدخله القياس، ولا قبله شئ يدل عليه ولا بعده، بخلاف التصحيف الواقع في المتن. وهذا النوع منتشر جدا لا ينضبط مفصلا إلا بالحفظ، وقد ذكروا لذلك أمثلة (تقدم بعضها في المصحف). ومنها: " بريد " و " يزيد " وبريد - بالباء الموحدة - " ابن معاوية العجلي "، فهو يروي عن الباقر والصادق عليهما السلام، وأكثر الإطلاقات محمولة عليه، و " بريد " بالباء الأسلمي صحابي، فتميز عن الأول بالطبقة.

[53]

وأما يزيد - بالمثناة من تحت - فمنه " يزيد بن إسحاق شعر "، وما وجد مطلقا فالأب واللقب مميزان، و " يزيد أبو خالد القماط " يتميز بالكنية. ومنها: " بنان " و " بيان "، الأول بالنون بعد الباء الموحدة، والثاني بالياء المثناة بعد الباء الموحدة، قال في البداية: " فالأول غير منسوب إلى أب ولكنه بضم الباء ضعيف وقد لعنه الصادق عليه السلام، والثاني بفتحها الجزري كان خيرا فاضلا، ومع الاشتباه توقف الرواية ". ومنها: " حنان " و " حيان "، الأول بالنون، والثاني بالياء المثناة من تحت، فالأول " حنان بن سدير " من أصحاب الكاظم عليه السلام واقفي، والثاني " حيان السراج كيساني غير منسوب إلى أب، و " حيان العنزي " روى عن أبي عبد الله عليه السلام ثقة، ومنها: " بشار " و " يسار "، الأول بالباء الموحدة والشين المعجمة المشددة. والثاني بالياء المثناة من تحت والسين المهملة المخففة، فالأول " بشار بن يسار الضبيعي " أخو " سعيد بن يسار "، والثاني " أبو همام ". ومنها: " خيثم " و " خثيم ". كلاهما بالخاء المعجمة، إلا أن الأول بفتحها، ثم الياء المثناة من تحت ثم المثلثة، والثاني بضمها، وتقديم الثاء المثلثة المفتوحة على الياء. فالأول أبو سعيد بن خيثم الهلالي التابعي الضعيف، والثاني أبو " الربيع بن خثيم " أحد الزهاد الثمانية، إلى غير ذلك من الأمثلة التي ذكرها في " البداية " وغيرها. وقد بان لك منها أن العجمة والتشديد خارجان عن أصل الخط، وإلا لم يكن شئ مما ذكر مثالا. قال في البداية: " وقد يحصل الائتلاف والاختلاف في النسبة والصنعة وغيرهما ". ثم مثل له بأمثلة، منها: " الهمداني " و " الهمذاني ". الأول بسكون الميم والدال المهملة، نسبة إلى همدان قبيلة. والثاني بفتح الميم والذال المعجمة، اسم بلدة فمن الأول " محمد بن الحسين بن أبي الخطاب "، و " محمد بن الأصبغ "، و " سندي بن عيسى "، و " محفوظ بن نصر " وخلق كثير بل هم أكثر المنسوبين من الرواة إلى هذا الاسم، لأنها قبيلة صالحة، مختصة بنا من عهد أمير المؤمنين (ع). ومنها " الحارث الهمداني " صاحبه عليه السلام، ومن الثاني " محمد بن علي الهمذاني "، و " محمد بن موسى "، و " محمد بن علي بن إبراهيم " وكيل الناحية وابنه " القاسم، وأبوه " علي وجده " إبراهيم "، و " ابراهيم بن محمد "، و " علي بن المسيب "، و " على بن الحسين

[54]

الهمذاني "، كلهم بالذال المعجمة. ومنها: " الخراز " و " الخزاز ". الأول بالراء المهملة والزاي. والثاني بزائين معجمتين. فالأول لجماعة، ومنهم " إبراهيم بن عيسى أبو أيوب " و " إبراهيم بن زياد "، على ما ذكره ابن داود. ومن الثاني " محمد بن يحيى "، و " محمد بن الوليد "، وعلي بن الفضيل "، و " إبراهيم بن سليمان "، و " أحمد بن - النضر " و " عمرو بن عثمان " و " عبد الكريم بن هلال الجعفي ". ومنها: " الحناط " و " الخياط "، الأول بالحاء المهملة والنون، والثاني بالمعجمة والياء المثناة من تحت، فالأول يطلق على جماعة، منهم " أبو ولاد " الثقة الجليل و " محمد بن مروان " و " حسن بن عطية " و " محمد بن عمر بن خالد ". ومن الثاني على قول بعضهم " علي بن أبي صالح بزرج - بالباء الموحدة المضمومة والزاي المضمومة والراء الساكنة والجيم المهملة - ولكن في البداية - إن الأصح كونه حناطا أيضا بالحاء والنون. ومنها: " شريح " و " سريج ". فالأول بالشين المعجمة في أوله والحاء المهملة في آخره، وهو " شريح بن النعمان " التابعي الراوي عن علي عليه السلام. والثاني بالسين المهملة في أوله، والجيم في آخره، وهو " سريج بن النعمان " أحد الرواة العامة. ومنها: " عقيل " و " عقيل " فالأول مكبر، وهو والد " محمد النيسابوري ". والثاني مصغر وهو والد " محمد الفريابي ". وأمثال ذلك. ومنها: المدبج ورواية الأقران، وذلك أن الراوي والمروي عنه، إن تقارنا في السن، أو في الإسناد، واللقاء وهو الأخذ من المشايخ فهو النوع الذي يقال له: رواية الأقران، لأنه حينئذ يكون راويا عن قرينه، وذلك كالشيخ " أبي جعفر الطوسي " و " علم الهدى ". فإنهما أقران في طلب العلم والقراءة على الشيخ المفيد (ره). وفائدة معرفة هذا النوع أن لا يظن الزيادة في الإسناد، أو إبدال " عن " بالواو. فإذا روى كل من القرينين عن الآخر، فهو النوع الذي يقال له: المدبج - بضم الميم، وفتح الدال المهملة، وتشديد الباء الموحدة، وبعده جيم معجمة -. ومنها: رواية الأكابر عن الأصاغر إذا كان الراوي دون المروي عنه، في السن، أو في اللقاء، أو في المقدار من علم، أو إكثار رواية ونحو ذلك، فذلك لكثرته

[55]

وشيوعه - لأنه الغالب في الروايات - لم يخص باسم خاص. وإذا كان فوقه في شئ من ذلك فروى عمن دونه، فهو النوع المسمى برواية الأكابر عن الأصاغر، كرواية الصحابي عن التابعي، والتابعي عن تابعي التابعي. قال في البداية: " وقد وقع من رواية الصحابي من التابعي، رواية العبادلة، وغيرهم عن كعب الأحبار. وفي حاشيته: ان العبادلة أربعة " عبد الله بن عباس " و " عبد الله بن عمر " و " عبد الله بن الزبير " و " عبد الله بن عمرو بن العاص ". ثم مثل لرواية التابعي، عن تابعي التابعي، " كعمرو بن شعيب " حيث لم - يكن من التابعين، وروى عنه خلق كثير منهم، حتى قيل: إنهم أكثر من سبعين. وأما عكس ذلك " رواية الأبناء عن الآباء " فتارة تكون باثنين، وتارة بأزيد إلى ما شاء الله. فالاثنان كثير، لا يحصى، والثلاثة كذلك، ثم مثل للأربعة، ثم للخمسة والستة وقال: أكثر ما نرويه بتسعة آباء عن الأئمة عليهم السلام رواية الحب في الله والبغض في الله فإنا نرويه باسنادنا المذكور فيما وضعته من الطريق في الإجازات بعدة طرق عن الشيخ منتجب الدين إلى مولينا أبي محمد الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه، عن أبيه علي بن - أبي طالب عليهم السلام، عن النبي صلى الله عليه وآله قال لبعض أصحابه ذات يوم: " يا عبد الله أحبب في الله، وأبغض في الله، ووال في الله وعاد في الله، فإنه لا تنال ولاية الله إلا بذلك، ولا يجد أحد طعم الإيمان وإن كثرت صلاته وصيامه حتى يكون كذلك - الحديث ". وروي عن تسعة آباء بغير طريقهم عليهم السلام، بإسنادنا إلى عبد الوهاب بن عبد العزيز بن أسد بن الليث بن سليمان بن الأسود بن سفيان بن يزيد بن أكنية بن. عبد الله التميمي في لفظه، قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت أبي يقول: سمعت علي بن أبي طالب عليه السلام، وقد سئل عن الحنان المنان فقال: " الحنان هو الذي يقبل على من أعرض عنه، والمنان

[56]

هو الذي يبدء بالنوال قبل السؤال ". فبين " عبد الوهاب " وبين " علي " عليه السلام في هذا الإسناد تسعة آباء، آخرهم " أكنية بن عبد الله " الذي ذكر أنه سمع عليا عليه السلام. ونروي بهذا الطريق أيضا حديثا متسلسلا بأثني عشر أبا، عن رزق الله بن - عبد الوهاب المذكور، عن أبيه عبد الوهاب، عن آبائه المذكورين إلى أكنية، قال " سمعت أبي الهيثم يقول: سمعت أبي عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: ما اجتمع قوم على ذكر إلا حفتهم الملائكة وغشتهم الرحمة ". وأكثر ما وصل إلينا من الحديث المتسلسل بأربعة عشر أبا، وهو ما رواه الحافظ أبو سعد بن محمد السمعاني في الذيل " قال: أخبرنا أبو شجاع عمر بن أبي الحسن البسطامي الإمام بقراءتي، قال: حدثنا السيد أبو محمد الحسن بن علي بن أبي طالب، من لفظه ببلخ، حدثني سيدي ووالدي أبو الحسن علي بن أبي طالب سنة ستة وستين وأربعمائة، حدثني أبي أبو طالب الحسن بن عبد الله سنة أربع وثلاثين وأربعمائة، حدثني والدي أبو علي عبيد الله بن محمد، حدثني أبي محمد بن عبد الله، حدثني أبي عبد الله بن علي، حدثني أبي علي بن الحسن - حدثني أبي الحسن بن الحسين، حدثني أبي الحسين بن جعفر -، وهو أول من دخل بلخ من هذه الطائفة، حدثني أبي جعفر الملقب بالحجة، حدثني أبي عبد الله، حدثني أبي الحسين الأصغر، حدثني أبي علي بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جده علي عليهم السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: " ليس الخبر كالمعاينة ". - فهذا أكثر ما اتفق لنا روايته من الأحاديث المتسلسلة بالآباء ". إلى هنا كلام الشهيد الثاني (ره) في البداية، نقلناه بطوله تيمنا. ويلتحق برواية الرجل عن أبيه عن جده رواية المرأة عن أمها عن جدتها. وذلك عزيز جدا. وعد منها ما روي من طرق العامة عن سنن أبي داود، عن عبد الحميد بن - عبد الواحد قال: حدثتني أم جنوب بنت نميلة عن امها سويدة بنت جابر، عن امها عقيلة بنت أسمر، عن أبيها أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي (ص) فبايعته، فقال:

[57]

من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له " ومنها: المسمى بالسابق واللاحق، وهو ما اشترك اثنان في الأخذ عن شيخ، وتقدم موت أحدهما على الآخر. ومنها: المطروح، وهو على ما في لب اللباب، ما كان مخالفا للدليل القطعي ولم - يقبل التأويل. ومنها: المتروك، وهو ما يرويه من يتهم بالكذب، ولا يعرف ذلك الحديث إلا من جهته، ويكون مخالفا للقواعد المعلومة، وكذا من عرف بالكذب في كلامه، وإن لم يظهر منه وقوعه في الحديث. ومنها: المشكل، وهو ما اشتمل على ألفاظ صعبة لا يعرف معانيها إلا الماهرون، أو مطالب غامضة لا يفهمها إلا العارفون. ومنها: النص وهو ما كان راجحا في الدلالة على المقصود من غير معارضة الأقوى أو المثل. ومنها: الظاهر وهو ما دل على معنى دلالة ظنية راجحة، مع احتمال غيره، كالألفاظ التي لها معان حقيقية إذا استعملت بلا قرينة تجوزا، سواء كان لغوية أو شرعية أو غيرهما ومنه المجاز المقترن بالقرينة الواضحة على ما أشرنا إليه سابقا. ومنها: المأول، وهو اللفظ المحمول على معناه المرجوح، بقرينة مقتضية له، عقلية كانت أو نقلية. ومنها: المجمل وهو ما كان غير ظاهر الدلالة على المقصود، والأجود تعريفه بأنه اللفظ الموضوع الذي لم يتضح معناه الذي من شأنه أن يقصد به بحسب قانون الاستعمال عند المتحاورين باللغة التي هو منها، وما في حكمه مما هو موضوع. ومنها: المبين، وهو ما اتضحت دلالته وظهرت، إلى غير ذلك من الأقسام. المقام الثاني: في الألفاظ المستعملة في وصف الخبر الضعيف: فمنها الموقوف: وهو قسمان، مطلق ومقيد فالأول: هو ما روي عن مصاحب المعصوم من النبي صلى الله عليه وآله أو

[58]

أحد الأئمة عليهم السلام، من قول أو فعل أو تقرير، مع الوقوف على ذلك المصاحب وعدم وصل السند إلى المعصوم عليه السلام، من غير فرق بين كون سنده متصلا أو منقطعا. والثاني: هو ما روي عن غير مصاحب المعصوم عليه السلام، مع الوقوف على ذلك الغير. مثل قوله " وقفه فلان على فلان " إذا كان الموقوف عليه غير مصاحب. وكيف كان فالأكثر على أن الموقوف ليس بحجة وإن صح سنده، لأن مرجعه إلى قول من وقف عليه وقوله ليس بحجة. وقيل بحجيته مع صحة السند، لإفادته الظن الموجب للعمل، وفيه منع إفادته الظن مطلقا، ولو سلم فلا دليل على حجية مثل هذا الظن. نعم لو وصل إلى حد الأطمينان بصدور الحكم من المعصوم (ع) كان حجة، وأين ذلك من مدعي الخصم. تنبيهان: الأول: أن قول الصحابي امرنا بكذا، ونهينا عن كذا، ومن السنة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان، وما أشبه ذلك، من المرفوع بالمعنى الثاني عند الجمهور، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من له الأمر والنهي ومن يجب اتباع سنته وهو رسول الله صلى الله عليه وآله، ولأن مقصود الصحابي بذلك بيان الشرع لا اللغة ولا العادة، والشرع يتلقى من الكتاب والسنة والإجماع، ولا يصح أن يريد أمر الكتاب لكون ما في الكتاب مشهورا يعرفه الناس، ولا الاجماع لأن المتكلم بهذا من أهل الإجماع ويستحيل أمره نفسه، فتعين كون المراد أمر الرسول صلى الله عليه وآله. وبذلك ظهر سقوط ما عن بعضهم من إلحاقه بالموقوف مطلقا، نظرا إلى احتمال أن يكون الآمر والناهي غيره (ص)، فإن فيه سقوط الاحتمال لبعده. الثاني: أنهم اختلفوا في تفسير الصحابي لآيات القرآن. فقيل: هو من الموقوف، لأصالة عدم كون تفسيره رواية عن النبي (ص) بعد جواز التفسير للعلم بطريقه من نفسه. وقيل: هو من المرفوع، لان الطاهر ابتناء تفسيره على مشاهدته الوحي والتنزيل، فيكون تفسيره رواية عن النبي صلى الله عليه وآله. وضعفه ظاهر لأعمية التفسير من كونه بعنوان الرواية عنه صلى الله عليه وآله.

[59]

وقيل: بالتفصيل بين التفسير المتعلق بسبب نزول الآية يخبر به الصحابي، وبين غيره مما لا يشتمل على إضافة شئ إلى الرسول (ص) بكون الأول من المرفوع والثاني من الموقوف لعدم إمكان الأول إلا بالأخذ عن النبي (ص) بإخباره بنزول الآية بخلاف الثاني. ومنها: المقطوع وهو الموقوف على التابعي، ومن في حكمه وهو تابع مصاحب النبي صلى الله عليه وآله أو الإمام عليه السلام، قولا له أو فعلا. ويقال له المنقطع أيضا. ومنها: المضمر وهو ما يطوى فيه ذكر المعصوم عليه السلام عند انتهاء السند إليه، بأن يعبر عنه (ع) في ذلك المقام بالضمير الغائب، إما لتقية أو سبق ذكر في اللفظ أو الكتابة ثم عرض القطع لداع، وذلك كما لو قال " سألته "، أو " سمعته يقول " أو عنه، أو نحو ذلك. وهو كسابقيه في عدم الحجية، لاحتمال أن لا يكون المراد بالضمير هو المعصوم عليه السلام. نعم لو علم كون المراد به الامام عليه السلام بأن سبق ذكره في الفقرة الأولى واقتصر في الفقرة الثانية على إرجاع الضمير إليه (ع)، خرج ذلك عن عنوان الإضمار القادح. وذلك مما كاد يقطع به المتتبع في مضمرات سماعة وعلي بن جعفر وغيرهما. بل قال بعض المحققين (ره): إن الإضمار إن كان من مثل زرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما من الأجلاء فالأظهر حجيته، بل الظاهر أن مطلق الموثقين من أصحابنا، أيضا كذلك، لأن ظاهر حال أصحاب الأئمة عليهم السلام أنهم لا يسألون إلا عنهم، ولا ينقلون حكما شرعيا يعمل به العباد إلا عنهم. وإن سبب الإضمار إما التقية، أو تقطيع الأخبار من الأصول، فإنهم كانوا يكتبون في صدر سؤالاتهم " سألت فلانا عن فلان كذا "، و " سألته عن كذا فقال كذا "، وهكذا. ثم بعد تقطيعها وجمعها في الكتب المؤلفة صار مشتبها. ومنها: المعضل - بفتح الضاد المعجمة - مأخوذ من قولهم أمر معضل أي مستغلق شديد، وقد فسروه بأنه الحديث الذي حذف من سنده اثنان فأكثر، فلو حذف أقل من الاثنين لم يكن من المعضل، بل إن كان من أوله كان من أقسام المعلق، وإن كان من آخره كان من أقسام المرسل، فالمعضل مقابل المعلق وأخص من

[60]

المرسل. ومنها: المرسل - بفتح السين - لعله مأخوذ من إرسال الدابة أي رفع القيد والربط عنها، فكأنه بإسقاط الراوي رفع الربط الذي بين رجال السند بعضها ببعض. وله إطلاقان: أحدهما المرسل بمعناه العام: وهو حينئذ كل حديث حذفت رواته أجمع أو بعضها واحد أو أكثر وإن ذكر الساقط بلفظ مبهم كبعض وبعض أصحابنا، دون ما إذا ذكر بلفظ مشترك وإن لم يميز. فالمرسل بهذا الاعتبار يشمل المرفوع بالأول من إطلاقيه المتقدمين، والموقوف والمعلق والمقطوع والمنقطع والمعضل. وقد فسر في البداية المرسل بالمعنى العام بما رواه عن المعصوم من لم يدركه، قال: والمراد بالإدراك هنا هو التلاقي في ذلك الحديث المحدث عنه، بأن رواه عنه بواسطة وإن أدركه بمعنى اجتماعه معه ونحوه. قال: وبهذا المعنى يتحقق إرسال الصحابي عن النبي (ص)، بأن يروي الحديث عنه بواسطة صحابي آخر، سواء كان الراوي تابعيا أم غيره، صغير أم كبيرا، وسواء كان الساقط واحد أو أكثر، وسواء كان بغير واسطة بأن قال التابعي: قال رسول الله صلى الله عليه وآله، مثلا، أو بواسطة نسيها بأن صرح بذلك، أو تركها مع علمه بها، أو أبهمها كقوله: " عن رجل " أو " عن بعض أصحابنا " ونحو ذلك. قال: وهذا هو المعنى العام للمرسل المتعارف عند أصحابنا. والثاني المرسل بالمعنى الخاص: وهو كل حديث أسنده التابعي إلى النبي (ص) من غير ذكر الواسطة. كقول سعيد بن المسيب: " قال رسول الله (ص) - كذا ". قال في البداية: " وهذا هو المعنى الأشهر له عند الجمهور، وقيده بعضهم بما إذا كان التابعي المرسل كبيرا كابن المسيب، وإلا فهو منقطع. واختار جماعة منهم معناه العام الذي ذكرناه - انتهى ". وقد استعمل الفقهاء - رضي الله عنهم - المرسل في المعنى العام. ثم إن هنا أمرين ينبغي التعرض لهما: الأول: أنه قد وقع الخلاف في الحجية المراسيل على قولين:

[61]

أحدهما: الحجية والقبول مطلقا، إذا كان المرسل ثقة، سواء كان صحابيا أم لا، جميلا أم لا، أسقط واحد أم أكثر. وهو المحكي عن أحمد بن محمد بن خالد البرقي، ووالده من أصحابنا، وجمع من العامة منهم الآمدي ومالك وأحمد وأبو هاشم وأتباعه من المعتزلة (1)، بل حكي عن بعضهم جعله أقوى من المسند. ثانيها: عدم الحجية، وهو خيرة جمع كثير من أصحابنا منهم الشيخ [الطوسي] والفاضلان (2) والشهيدان وسائر من تأخر عنهم، وآخرين من العامة كالحاجبي والعضدي والبيضاوي والرازي والقاضي أبي بكر (3) والشافعي وغيرهم. ولكل من الفريقين حجج كثيرة مذكورة في كتب الاصول المبسوطة، وأمتن حجج المثبتين وجوه: أحدها: أن عدالة الأصل والواسطة ظاهرة فيجب العمل به. أما التالي فلا شبهة فيها لتحقق شرط قبول الخبر وهو عدالة رواته. وأما المقدم، فلأن عدالة المرسل ثابتة بالفرض فيلزم عدالة الأصل المسقط أيضا، لأن رواية الفرع عن الأصل تعديل له، لأن العدل لا يروي إلا عن العدل وإلا لم يكن عدلا بل كان مدلسا وغاشا. ورد مضافا إلى اختصاصه بما إذا أسقط الواسطة لاما إذا أبهمه، بمنع اقتضاء رواية العدل عنه توثيقه، بعد شيوع رواية العدول عن الضعفاء. ثانيها: أن ظاهر إسناد الخبر إلى المعصوم عليه السلام هو العلم بصدوره منه عليه السلام وصدق النسبة، لمنافاة إسناد الكذب العدالة، فلازم عدالة المرسل قبول المرسل.


(1) يعنى بالآمدي أبا الحسن علي بن أبي علي محمد بن سالم الاصولي الحنبلي صاحب اصول الأحكام، المتوفى: 631، أو شارح نخبة الفكر في اصول الحديث، وهو محمد بن عبد الله الآمدي، وبمالك صاحب الموطأ، وبأحمد صاحب المسند وهو ابن محمد بن حنبل، وبابى هاشم عبد السلام بن محمد الجباني المتوفى 321. (2) يعنى العلامة وابن ادريس. (3) أي الباقلانى.

[62]

ورد مضافا إلى عدم تماميته فيما إذا أبهم الواسطة، بأن غاية ما يفيده الدليل هو كشف نسبة المرسل الحديث إلى المعصوم عليه السلام عن عدالة الواسطة، وغايته الشهادة منه بوثاقة مجهول العين، وذلك غير مجد لاحتمال أن له جارحا. ثالثها: أن علة التثبت في الخبر هو الفسق، وهو منتف هنا. وفيه أن العلة احتمال الفسق وهو موجود هنا، دون نفس الفسق حتى تنفى عند الشك فيه. وأمتن حجج المانعين أن شرط جواز قبول الرواية معرفة عدالة الراوي، ولم - يثبت، لعدم دلالة رواية العدل عليه كما عرفت، فينتفي المشروط وهو جواز القبول، فعدم حجية المرسل أقوى. نعم، يستثنى من ذلك ما إذا كان المرسل متلقى بين الأصحاب بالقبول، فإنه حجة على الأظهر لكشف عملهم به وتلقيهم له بالقبول عن قرينة قوية على صدقه وصدوره عن المعصوم فلا يقصر عن المسند الصحيح. ثم إن جمعا من المانعين منهم الشيخ في العدة، والعلامة في النهاية، والشهيد في الذكرى، والمحقق البهائي في الزبدة، وجمع من الفقهاء الأواخر ككاشف الرموز، والمحقق الأردبيلي، وصاحب الذخيرة، والشيخ البهائي، والمحقق الشيخ علي، والشيخ الحر وغيرهم، استثنوا من ذلك المرسل الذي عرف أن مرسله العدل، متحرز عن الرواية عن غير الثقة، كابن أبي عمير من أصحابنا على ما ذكر، وسعيد بن المسيب عند الشافعي، فجعلوا مرسله في قوة المسند وقبلوه. بل ظاهر الشهيد (ره) في الذكرى: اتفاق الأصحاب عليه حيث قال عند تعداد ما يعمل به من الخبر ما لفظه: " أو كان مرسله معلوم التحرز عن الرواية عن مجروح، ولهذا قبلت الأصحاب مراسيل " ابن أبي عمير " و " صفوان بن يحيى " و " أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي " لأنهم لا يرسلون إلا عن ثقة - انتهى ". وقريب من ذلك عبارة كاشف الرموز، والشيخ البهائي (ره)، بل صريح الشيخ (ره) في العدة دعوى الإجماع على ذلك، حيث قال: " أجمعت الطائفة على أن محمد بن أبي عمير ويونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى وأضرابهم لا يروون ولا -

[63]

يرسلون إلا عن ثقة - انتهى ". وأيد ذلك في التكملة، بأن هؤلاء كثيرا ما يستعملون الصحة صفة للخبر، فيقولون: خبر صحيح، ولازم ذلك أنهم لا ينقلون إلا الخبر الذي جمع شرائط العمل. ثم أيد ذلك بأنا لم نجدهم رووا خبرا شاذا وقع الاتفاق علي طرحه كما يتفق لغيرهم، حتى أنه لم يوجد ذلك في مراسيلهم، فهذا يورث الاعتماد على ما رووه من الأخبار وروايتهم للخبر تكشف عن أنه جامع لشرائط العمل، وأنه لا مانع من العمل به، وذلك لا يكون إلا إذا كان محفوفا بقرائن الصدق وصحة الصدور عن المعصوم. ولازمه أيضا كمال التثبت وشدة الاحتياط في رواية الخبر. ثم إن للقائلين بحجية مرسل من تحرز عن الرواية عن غير الثقة مسلكين: أحدهما: ما سلكه جمع من أن إرساله تعديل منه للمحذوف، سيما بعد إخباره بأنه لا يرسل إلا عن ثقة. ونوقش في ذلك بأنه على فرض تسليمه، شهادة بعدالة الراوي المجهول. وذلك مما لا يعتمد عليه لاحتمال ثبوت الجارح. ثانيهما: ما سلكه الفاضل القمي وغيره، من أن المرسل إذا كان لا يرسل إلا عن ثقة، أفاد ذلك نوع تثبت إجمالي، إذ غايته أن العدل يعتمد على صدق الواسطة، ويعتقد الوثوق بخبره، وإن لم يكن من جهة العدالة عنده أيضا، ولا ريب في أن ذلك يفيد الاطمئنان بصدق خبره، وهو لا يقصر عن الاطمئنان الحاصل بالتوثيق الرجالي، والحاصل بصدق خبر الفاسق بعد التثبت. ولذلك نعتمد على مسانيد " ابن أبي عمير " مثلا وإن كان المروي عنه المذكور في السند ممن لا يوثقه علماء الرجال، فإن رواية ابن أبي عمير عنه يفيد الاطمينان بكون المروي عنه ثقة، معتمدا عليه في الحديث، لما ذكره الشيخ (ره) في العدة من أنه لا يروى ولا يرسل إلا عن ثقة، ولما ذكره الكشي من أنه ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه. ولما ذكروه من أن أصحابنا يسكنون إلى مراسله وغير ذلك. وكذلك نظراؤه مثل البزنطي وصفوان بن يحيى والحمادين، وغيرهم والحاصل أن ذلك يوجب الوثوق ما لم يعارضه أقوى منه.

[64]

وبالجملة حجية الخبر لا تنحصر في الصحيح وخبر العدل، بل المراد من اشتراط العدالة في قبول الخبر هو أنه شرط في قبوله نفسه، وأما من جهة ملاحظة التثبت والاعتضادات الخارجية فلا ريب أنه لا ينحصر الحجة في خبر العدل، وغرضنا اثبات حجية مثل هذه المراسيل لا إثبات أن أمثالها صحيحة في الاصطلاح والواسطة عادل، ولذا لا نسميه صحيحا بل كالصحيح. وبما ذكرنا ظهر سقوط المناقشة، بأن غاية ما هناك كون إرسال " ابن أبي عمير " عمن حذفه توثيقا لمجهول فلا يكون حجة. وأما ما صدر من الشيخ الشهيد الثاني (ره) في البداية من المناقشة في حصول العلم بكون المرسل لا يروي إلا عن ثقة ب‍ " أن مستند العلم إن كان هو الاستقراء لمراسيله بحيث يجدون المحذوف ثقة هذا في معنى الاسناد ولا بحث فيه، وإن كان لحسن الظن به في أنه لا يرسل إلا عن ثقة فهو غير كاف شرعا في الاعتماد عليه، ومع ذلك غير مختص بمن يخصونه به، وإن كان استناده إلى إخباره بأنه لا يرسل إلا عن الثقة فمرجعه إلى شهادته بعدالة الراوي المجهول - وسيأتي ما فيه - وعلى تقدير قبوله فالاعتماد على التعديل، وظاهر كلام الأصحاب في قبول مراسيل " ابن أبي عمير " هو المعنى الأول ودون إثباته خرط القتاد، وقد نازعهم ابن طاووس في ذلك ومنع تلك الدعوى "، فلا وجه له لأنا لا نريد إثبات الصحة المصطلحة حتى تتم مناقشته بل الغرض إثبات حجيته لا يراث شهادة جمع بأنهم لا يرسلون إلا عن ثقة، وإجماع الأصحاب على الأخذ بمراسيلهم وجعلها كالمسانيد. تنبيهان: الأول: تشريك الشيخ - رحمه الله - " يونس بن عبد الرحمن " و صفوان بن يحيى " وأضرابهما مع " ابن أبي عمير " في دعوى اتفاق الأصحاب على كون مراسيله بحكم المسانيد. وكذلك الشهيد في الذكرى صنع مثل ذلك، و عطف عليهم " أحمد بن محمد بن أبي نصر " كما سمعت كلامه. وتراهم في الفقه لم يلتزموا بذلك، إلا في حق " ابن أبي عمير "، ولا أرى للقصر عليه وجها لأن المستند في حق مراسيل " ابن أبي عمير " هو الإجماع المزبور وهو مشترك بينهم فقبوله في " ابن أبي عمير " والإغماض عنه في يونس " و " صفوان " و " البزنطي " مما لم أفهم وجهه.

[65]

الثاني: أنه قد صدر من جمع إجراء الحكم المذكور - أعني كون مراسيله كالمسانيد المعتمدة - في حق نفر من علماء ما بعد الغيبة. فمنهم - الصدوق (ره) فإن المحكي عن الشيخ الحر (ره) في التحرير البناء على جعل مراسيله كالمسانيد، وهو الذي يظهر من الفاضل السبزواري في الذخيرة حيث أورد رواية، ثم قال: " وفي طريق الرواية عبد الواحد بن عبدوس، ولم يثبت توثيقه إلا أن إيراد ابن بابويه لهذه الرواية في كتابه مع ضمانه صحة ما يورده فيه قرينة الاعتماد - انتهى ". ومنهم: الشيخ الطوسي (ره) فإن الفاضل المقداد قال في حقه: إنه لا يرسل إلا عن ثقة حيث قال في التنقيح ما لفظه، قال الشيخ: (ره) في المبسوط: " وروي جواز بيع كلب الماشية والحائط " ومثله لا يرسل إلا عن ثقة - انتهى. وفيه ما فيه. ولقد أجاد العلامة (ره) في محكي المختلف حيث إنه بعد نقل إرسال الشيخ (ره) رواية قال: " وأما النقل الذي ادعاه الشيخ (ره) فلم يصل إلينا - انتهى ". ومنهم: " الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني " فإن الفاضل المقداد قال في حقه ذلك حيث قال في التنقيح ما لفظه: " الرابع ما رواه ابن أبي عقيل مرسلا و مثله لا يرسل إلا عن ثقة خصوصا إذا عمل بالرواية - انتهى ". وهو كما ترى مما لم نفهم مستنده ولا له موافقا. ومنهم: " محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي " المعروف، فإن الشهيد (ره) في الذكرى نطق في حقه ذلك حيث نقل إرسال ابن الجنيد رواية عن أهل البيت عليهم السلام ثم ساق الرواية، ثم قال: " وهذه زيادة لم نقف على مأخذها إلا أنه ثقة، وإرساله في قوة المسند لأنه من أعاظم العلماء - انتهى ". ومنهم: النجاشي، فإن صاحب التكملة مال إلى جعل مراسيله كالمسانيد بل قال بذلك حيث قال في ترجمة أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري (ره) بعد جملة من الكلام ما لفظه " يمكن استفادة أنه معتمد من كلام النجاشي، وذلك أنه يظهر منه أنه لا يروي عن الضعفاء من غير واسطة كما استظهر منه الشيخ البهائي (ره) أيضا ". وصرح به هو، أي النجاشي في ترجمة " أحمد بن محمد بن عبيد الله بن الحسن "

[66]

قال فيها: " رأيت هذا الشيخ وكان صديقا لي ولوالدي، سمعت منه شيئا كثيرا، ورأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئا وتجنبته - الخ ". وهذا مبالغة في التحرز. الأمر الثاني: أنه قال في البداية وغيرها: " إن طريق ما يعلم به الإرسال في الحديث أمران، جلي وخفي: فالأول: بعد التلاقي بين الراوي والمروي عنه، إما لكونه لم يدرك عصره، أو أدركه ولكن لم يجتمعا وليست له منه إجازة ولا وجادة، ومن ثم احتيج إلى التاريخ لتضمنه تحرير مواليد الرواة وفاتهم، وأوقات طلبهم وارتحالهم، وقد افتضح أقوام ادعوا الرواية عن شيوخ ظهر بالتاريخ كذب دعواهم. والثاني: أن يعبر في الرواية عن المروي عنه بصيغة تحتمل اللقاء، وعدمه، مع عدم اللقاء في الواقع، ك‍ " عن فلان " و " قال فلان كذا "، فإنهما وإن استعملا في حالة يكون قد حدثه، يحتملان كونه حدث غيره، فإذا ظهر بالتثبت كونه غير راو عنه، تبين الإرسال، وهو ضرب من التدليس، وسيأتي إن شاء الله تعالى. ومنها: المعلل وله إطلاقان: أحدهما: اصطلاح أواخر الفقهاء - رضي الله عنهم - فإنهم يطلقونه على حديث اشتمل على ذكر علة الحكم وسببه، تامة كانت العلة كما في موارد تتعدى بها إلى غير المنصوص لوجودها فيه كإسكار الخمر، أو ناقصة وهو المسمى بالوجه والمصلحة كرفع أرياح الآباط في غسل الجمعة ونحوه مما يقرب إلى حد تعذر الضبط. ثانيها: اصطلاح المحدثين وأهل الدراية، فإنهم يطلقونه على حديث اشتمل على أمر خفي غامض في متنه أو سنده في نفس الأمر قادح في اعتباره مع كون ظاهره السلامة بل الصحة. فهو بهذا الإطلاق مأخوذ من العلة بمعنى المرض، وبالإطلاق الأول من العلة بمعنى السبب، كما أنه بهذا الإطلاق من أوصاف الحديث الضعيف، وأما على الإطلاق الأول فهو من الأوصاف المشتركة بين الأنواع الأربعة، ويسمي بالإطلاق الثاني بالمعلول أيضا، كما صرح به جمع وليتهم سموه بالاطلاق الثاني معلولا من العلة بمعنى المرض، وبالإطلاق الأول معللا حتى يفترقا.

[67]

فإن قلت: إن تركهم لذلك لعله من جهة كون المعلول لحنا لأن اسم المفعول من علل الرباعي لا يأتي على مفعول، ولذا قال في القاموس: أعله الله تعالى فهو معل وعليل ولا تقل: معلول، والمتكلمون يقولونها، ولست منه على ثلج - انتهى، أي على طمأنينة. قلت: كما أن معلول من العلة بمعنى المرض غير مستقيم على القياس فكذا معلل لا يستعمل من أعل بمعنى أصابه مرض، وإنما القياس في اسم مفعول أعل معل بلام واحدة، وأما معلل بلامين فهو اسم مفعول علل بمعنى ألهاه بالشئ وشغله. فظهر أن كلا من معلل ومعلول على خلاف القياس، فحيث استعملوا الأول كان لهم أن يستعملوا الثاني أيضا. وعلى كل حال فمعرفة المعلل وتميزه من أجل أنواع علوم الحديث، وأشرفها، وأدقها، وإنما يتمكن منها أهل الخبرة بطريق الحديث، ومتونه، ومراتب الرواة الضابطة لذلك، وأهل الفهم الثاقب في ذلك، ويستعان على إدراك العلل المذكورة بتفرد الراوي بذلك الطريق، أو المتن الذي يظهر عليه قرائن العلة، وبمخالفة غيره له في ذلك، مع انضمام قرائن تنبه العارف على تلك العلة من إرسال في الموصول، أو وقف في المرفوع، أو دخول حديث في حديث، أو وهم واهم، أو غير ذلك من الأسباب المعلة للحديث، بحيث يغلب على الظن ذلك، ولا يبلغ اليقين، وإلا لحقه حكم ما تيقن من إرسال أو غيره، فإذا ظن العلة حكم بعدم حجيته، وإن تردد في ثبوت تلك العلة من غير ترجيح يوجب الظن لزم التوقف. والطريق إلى معرفة العلة جمع الأحاديث، والنظر في أسانيدها ومتونها، وملاحظة أن راوي أيها أضبط وأتقن، كما صرح بذلك كله جمع منهم: ثاني الشهيدين في البداية. تنبيهات: الأول: أنه قال في البداية وغيرها: " إن هذه العلة عند الجمهور مانعة من صحة الحديث على تقدير كون ظاهره الصحة لو لا ذلك، ومن ثمة شرطوا في تعريف الصحيح سلامته عن العلة، وأما أصحابنا فلم يشترطوا السلامة منها، وحينئذ فقد

[68]

ينقسم الصحيح إلى معلل وغيره، وإن رد المعلل كما يرد الصحيح الشاذ، وبعضهم وافقنا على هذا أيضا، والاختلاف في مجرد الاصطلاح - انتهى ". وأقول: ما ذكره مناف لعده المعلل في النوع المختص من الأوصاف بالحديث الضعيف إلا أن يعتذر بأنه لما كان حكمه مطلقا حكم الضعيف من رده وعدم قبوله عده في أقسام الضعيف كما عد الشاذ بسبب قبول بعضه في النوع المشترك بين الأقسام الأربعة وإن كان بعضه الآخر مردودا. الثاني: أن العلة تقع في الإسناد تارة وفي المتن اخرى، والأول كثير والثاني قليل، وما وقع منها في السند قد يقدح فيه، وفي المتن أيضا، كالإرسال والوقف، وقد يقدح في الإسناد خاصة، ويكون المتن مرفوعا صحيحا مثل حديث يعلى بن عبيد الطنافسي، عن سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن ابن عمر عن النبي " صلى الله عليه وآله " قال: " البيعان بالخيار ما لم يفترقا ". فإن في السند علة وهي غلط يعلى بتسمية عمرو بن دينار وإنما الراوي عن ابن عمر هو عبد الله بن دينار فإذا احرز ذلك كان السند معللا والمتن صحيحا مرفوعا. الثالث: أنه قال في البداية: " إن هذه العلة توجد في كتاب التهذيب متنا وإسنادا بكثرة، والتعرض إلى تمثيلها يخرج إلى التطويل المنافي لغرض الرسالة - انتهى ". وأقول: إن تم ما ذكره لزم عدم جواز التعويل على شئ مما في التهذيب، إلا بعد فحص موجب للظن بانتفاء العلة في متنه وسنده، وترى لا يلتزم به أحد. (1) الرابع: أنه قيل: إنه ربما تقصر عبارة مدعي كون حديث معللا عن إقامة الحجة على دعواه كالصيرفي في نقد الدينار والدرهم، وقد حكي عن بعض محدثي العامة أنه قال: في معرفة علم الحديث إلهام لو قلت للعالم بعلل الحديث من أين قلت هذا ؟ لم يكن له حجة. وكم من شخص لا يهتدي لذلك، فالعارف بالعلة كالصيرفي تحصل له المعرفة بالمجالسة والمناظرة والخبرة، ولا يكون له غير الخبرة حجة.


(1) عدم التزام هؤلاء لعله لعدم العلم بوجود ذلك فيه، وهذا لا يدل على خروج الكتاب عن حكم لزوم الفحص عن محتواه.

[69]

الخامس: أنه قد تطلق العلة على غير مقتضاها الذي قدمناها من الأسباب القادحة ككذب الراوي وفسقه وغفلته وسوء حفظه ونحوها من أسباب ضعف الحديث، وعن الترمذي أنه سمى النسخ علة، وقيل عليه أنه إن أراد أن النسخ علة في العمل بالحديث، فصحيح أما في صحته فلا، لكثرة الأحاديث الصحيحة المنسوخة. ومنها: المدلس - بفتح اللام المشددة - اسم مفعول من التدليس، تفعيل من الدلس بمعنى الظلمة، وأصله من المدالسة بمعنى المخادعة، كأن المدلس لما روى المدلس للمروي له أتاه في الظلمة وخدعه، قال في البداية: " واشتقاقه من الدلس بالتحريك، وهو اختلاط الظلام، سمي بذلك لاشتراكهما في الخفاء، حيث إن الراوي لم يصرح بمن حدثه وأوهم سماعه للحديث ممن لم يحدثه، وهو قسمان: أحدهما: تدليس الإسناد، وهو أن يخفي عيبه الذي في السند، وهو قسمان أيضا: 1 - أن يروي عمن لقيه أو عاصره ما لم يسمع منه على وجه يوهم أنه سمعه منه، فإنه قد دلس بإيراده بلفظ يوهم الاتصال، ولا يقتضيه، كأن يقول: " قال فلان " أو " عن فلان "، والتقييد باللقاء، أو المعاصرة لإخراج ما لو لم يلقه ولم يعاصره. فإن الرواية عنه ليس تدليسا على المشهور، وقال قوم: إنه تدليس، فلم يعتبروا قيد اللقاء والمعاصرة، وحدوه بأن يحدث الرجل عن الرجل بما لم يسمعه منه بلفظ لا يقتضي تصريحا بالسماع، وحكي عن [يحيى] ابن القطان اعتبار المعاصرة وإسقاط قيد عدم السماع، فحده بأنه أن يروي عمن سمع منه ما لم يسمع منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه، وعن بعضهم التقييد باللقاء خاصة، وجعل قسم المعاصرة إرسالا خفيا. 2 - أن لا يسقط شيخه الذي أخبره، ولا يوقع التدليس في أول السند، ولكن يسقط ممن بعده رجلا ضعيفا أو صغير السن ليحسن الحديث بإسقاطه. وقد صرح جمع بأن من حق المدلس بأحد هذين القسمين وشأنه بحيث يصير مدلسا لا كذابا أن لا يقول: حدثنا ولا أخبرنا وما أشبههما، لأنه كذب صريح، بل يقول " قال فلان " أو " عن فلان " أو " حدث فلان " أو " أخبر فلان " أو نحو ذلك حتى يوهم أنه أخبره، والعبارة أعم من ذلك فلا يكون كاذبا.

[70]

وهذا القسم من التدليس بقسميه مذموم جدا، لما فيه من إيهام اتصال السند، مع كونه مقطوعا، فيترتب عليه أحكام غير صحيحة. القسم الثاني: التدليس في الشيوخ لا في نفس الإسناد، بأن يروي عن شيخ حديثا سمعه منه، ولكن لا يحب معرفة ذلك الشيخ لغرض من الأغراض، فيسميه أو يكنيه باسم أو كنية غير معروف بهما، أو يلقبه بلقب غير معروف به، أو ينسبه إلى بلد أو قبيلة غير معروف بهما، أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف. قال في البداية: " وهذا القسم من التدليس أخف ضررا من الأول، لأن ذلك الشيخ مع الإعراب به إما أن يعرف فيترتب عليه ما يلزمه من ثقة أو ضعف، أو لا يعرف فيصير الحديث مجهول السند فيرد ". ثم قال: " لكن فيه تضييع للمروي عنه وتوعير لطريق معرفة حاله، فلا ينبغي للمحدث فعل ذلك، ونقل أن الحامل لبعضهم على ذلك كان منافرة بينهما اقتضته ولم يسعه ترك حديثه صونا للدين وهو عذر غير واضح - انتهى ". وأقول: " الظاهر أن الوجه في عدم وضوح عذره أن ذلك تسبيب لرد الخبر وخفاء حكم الله الذي فيه. وقد يورد على جعله هذا القسم من التدليس أقل ضررا من الأول بأنه كثيرا ما يكون لمثل الخبر المذكور مدخل في الحكم بحيث لولاه لم يحكم بالحق الذي فيه إما للانحصار فيه أو لاعتباره في الترجيح، فمع رده يقع الحكم بغير الحق فيكون التدليس المذكور منه تسبيبا للحكم بغير الحق وأي ضرر أعظم من ذلك. ثم إن التدليس بهذا النحو يختلف الحال في قبحه باختلاف غرض المدلس، فإن فعل ذلك لكون شيخه ضعيفا فيدلسه حتى لا يظهر روايته عن الضعفاء، فهو شر هذا القسم، وإن كان لكونه معتقدا بعدالة شيخه مع اعتقاد الناس بعدم عدالة ذلك الشيخ فدلس حتى يقبل خبره، كان دون ذلك ولا يخلو من ضرر أيضا لجواز أن يعرف غيره من جرحه ما لا يعرفه. وإن كان لمنافرة بينهما، كان دونهما. ومنها: المضطرب، وهو كل حديث اختلف في متنه أو سنده، فروي مرة على وجه واخرى على وجه آخر مخالف له، سواء وقع الاختلاف من رواة متعددين أو راو واجد أو من المؤلفين أو الكتاب كذلك بحيث يشتبه الواقع.

[71]

ثم إن الاختلاف المذكور قد يوجب اختلاف الحكم في المتن والاعتبار في السند، وقد لا يوجب. فعلى الثاني فلا مانع من الحجية، وعلى الأول فإن ترجح أحد الحديثين أو السندين على الآخر بمرجح معتبر، كأن يكون راوي أحدهما أحفظ أو أضبط أو أكثر صحبة للمروي عنه ونحو ذلك من وجوه الترجيح فالحكم للراجح، وإلا لزم التوقف. ثم إن الاضطراب يقع تارة في السند، واخرى في المتن خاصة. أما الأول: فبأن يرويه الراوي تارة عن أبيه عن جده، وتارة عن جده بلا واسطة، وثالثة عن ثالث غيرهما. وأما الثاني: فبأن يروى حديث بمتنين مختلفين، كخبر اعتبار الدم عند اشتباهه بالقرحة بخروجه من الجانب الأيمن فيكون حيضا، أو بالعكس. فرواه في الكافي بالأول، وكذا في كثير من نسخ التهذيب، وفي بعض نسخه بالثاني، واختلفت الفتوى بذلك، حتى من الفقيه الواحد مع أن الاضطراب يمنع من العمل بمضمون الحديث مطلقا. ومنها: المقلوب، وهو على ما يظهر من أمثلتهم له، وهو المناسب للتسمية، ما قلب بعض ما في سنده أو متنه إلى بعض آخر مما فيه، لا إلى الخارج عنهما وحاصله ما وقع فيه القلب المكاني. ففي السند بأن يقال: " محمد بن أحمد بن عيسى " والواقع " أحمد بن محمد بن عيسى " أو يقال: " محمد بن أحمد بن يحيى "، عن أبيه " محمد بن يحيى " والواقع " أحمد بن محمد بن يحيى "، عن أبيه " محمد بن يحيى "، إلى غير ذلك. وفي المتن كما في حديث السبعة الذين يظلمهم الله تعالى في ظل عرشه، وفيه ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا يعلم يمينه ما ينفق شماله، فإنه مما انقلب على بعض الرواة وإنما هو " حتى لا يعلم شماله ما ينفق يمينه " كما حكاه في البداية عن الاصول المعتبرة، ثم القلب قد يقع سهوا مثل ما ذكر، وقد يقع عمدا. ومنها: المهمل، وهو ما لم يذكر بعض رواته في كتاب الرجال ذاتا ووصفا. ومنها: المجهول، وهو ما ذكر رواته في كتاب الرجال ولكن لم يعلم حال

[72]

البعض أو الكل بالنسبة إلى العقيدة. ومنها: القاصر، وهوما لم يعلم مدح رواته كلا أو بعضا، مع معلومية الباقي بالإرسال، أو بجهل الحال، أو بالتوقف عند تعارض الأقوال في بيان الأحوال. عد هذا وسابقيه في لب اللباب من الأقسام، ثم قال: وهذه الأقسام في حكم الضعيف. ومنها: الموضوع، من الوضع بمعنى الجعل، ولذا فسروه بالمكذوب المختلق المصنوع، بمعنى أن واضعه اختلقه وصنعه، لا مطلق حديث الكذوب فإن الكذوب قد يصدق. وقد صرحوا بأن الموضوع شر أقسام الضعيف ولا يحل روايته للعالم بوضعه في أي معنى كان، سواء الأحكام والمواعظ والقصص وغيرها، إلا مبينا لحاله ومقرونا ببيان كونه موضوعا بخلاف غيره من الضعيف المحتمل للصدق، حيث جوزوا روايته في الترغيب والترهيب كما يأتي إن شاء الله تعالى. وقد جعلوا للوضع معرفات: فمنها: إقرار واضعه بوضعه، مثل رواية فضائل القرآن التي رواها " أبو عصمة نوح بن أبي مريم المروزي "، فقيل له: من أين لك عن عكرمة، عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة، وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال: " إني رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة، ومغازي محمد بن إسحاق. فوضعت هذا الحديث حسبة ". وقد كان يقال لأبي عصمة هذا: الجامع، فقال أبو حاتم بن حبان: " جمع كل شئ إلا الصدق "، وحيث يعترف الواضع بالوضع يحكم عليه بما يحكم على الموضوع الواقعي، لأن إقراره به يورث القطع بكونه موضوعا، ضرورة عدم إمكان كذبه في إقراره، بل إقراره يورث المنع من قبوله، لأنه يتبع الظن الغالب وهو هنا كذلك، ولأن إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، ولولاه لما ساغ قتل المقر بالقتل، ولا حد المعترف بالزنا لاحتمال أن يكونا كاذبين فيما اعترفا به. ومنها: معنى إقراره وما ينزل منزلة إقراره، كأن يحدث بحديث عن شيخ، ويسأل عن مولده، فيذكر تاريخا يعلم وفاة الشيخ قبله، ولا يعرف ذلك الحديث إلا

[73]

عنده، فهذا لم يعترف بوضعه ولكن اعترافه بوقت مولده ينزل منزلة إقراره بالوضع لأن ذلك الحديث لا يعرف إلا عن ذلك الشيخ، ولا يعرف إلا برواية هذا عنه، مع صراحة كلامه في السماع منه، وإلا جرى احتمال الإرسال. ومنها: قرينة في الرواية أو الراوي. مثل ركاكة ألفاظها ومعانيها، قد وضعت أحاديث يشهد لوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها، فإن للحديث ضوءا كضوء النهار يعترف، وظلمة كظلمة الليل تنكر. ولأهل العلم بالحديث ملكة قوية يميزون بها ذلك، وذلك أن للمباشرة مدخلا في فهم لحن صاحبه وتمييز ما يوافق مذاقه عما يخالفه. ألا ترى أن إنسانا لو باشر آخر سنتين وعرف ما يحب ويكره، فادعى آخر أنه كان يكره الشئ الفلاني وهو يعلم بأنه كان يحبه فبمجرد سماعه للخبر بادر إلى تكذيبه. وبالجملة من كانت له ملكة قوية واطلاع تام وذهن ثاقب وفهم قوي ومعرفة بالقرائن يميز بين الأصيل والموضوع ومنها: أن يكون مخالفا للعقل بحيث لا يقبل التأويل، ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة، أو يكون مخالفا لدلالة الكتاب القطعية أو السنة المتواترة، أو الإجماع القطعي مع عدم إمكان الجمع. ومنها: أن يكون إخبارا عن أمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله بمحضر الجمع ثم لا ينقله منهم إلا واحد. ومنها: الإفراط بالوعيد الشديد على الأمر الصغير، أو الوعد العظيم على الفعل الحقير، ذكره بعضهم وذكر أنه كثير في حديث القصاص، وأنت خبير بأن الإفراط في الوعيد على الأمر الصغير، مما يستشهد به الفقهاء على الكراهة، كما أن عظم الوعد على الفعل الحقير، يستشهدون به على الاستحباب. ومنها: كون الراوي مخالفا والحديث في فضائل الخلفاء. إلى غير ذلك من القرائن والأمارات قد تدل على الوضع، لكن ينبغي التثبت وعدم المبادرة إلى كون الحديث موضوعا بمجرد الاحتمال ما لم يقطع أو يطئمن به. ثم إنه لا شبهة في حرمة تعمد الوضع أشد حرمة، لكونه كذبا وبهتانا على المعصوم عليه السلام، نعم لو لم يتعمد في ذلك، لم يحكم بفسقه، كما نقل أن شيخا كان

[74]

يحدث في جماعة فدخل رجل حسن الوجه، فقال الشيخ في أثناء حديثه من كثرت صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار، فزعم ثابت بن موسى الزاهد أنه من الحديث فرواه مع أن ليس من الحديث، فبذلك لا يحكم بفسقه لو فرض عدالته في نفسه. ثم إن الواضعين أصناف: أحدها: قوم قصدوا بوضع الحديث للتقرب إلى الملوك وأبناء الدنيا، مثل غياث بن إبراهيم " دخل على " المهدي بن المنصور " وكان يعجبه الحمام الطيارة الواردة من الأماكن البعيدة، فروى حديثا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل أو جناح " فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما هرج قال المهدي: أشهد أن قفاه قفا كذاب على رسول الله صلى الله عليه وآله، ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: جناح، ولكن هو أراد أن يتقرب إلينا، وأمر بذبحها، وقال أنا حملته على ذلك. ثانيها: قوم كانوا يضعفون على رسول الله صلى الله عليه وآله أحاديث يكتسبون بذلك ويرتزقون به كأبي سعيد المدايني وغيره، وقد جعل في البداية من هذا الباب ما اتفق لأحمد بن حنبل ويحيى بن معين في مسجد الرصافة حيث دخلا المسجد فسمعا قاصا يقول: " أخبرنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن أنس أنه صلى الله عليه وآله قال: من قال: لا إله إلا الله خلق الله من كل كلمة طيرا منقاره من ذهب وريشه من مرجانة - وأخذ في قصة طويلة - فأنكرا عليه الحديث، فقال: أليس في الدنيا غير كما أحمد ويحيى ". ثالثها: قوم ينسبون إلى الزهد والصلاح بغير علم، فيضعون أحاديث حسبة لله وتقربا إليه، ليجذب بهاقلوب الناس إلى الله تعالى بالترهيب والترغيب، فقبل الناس موضوعاتهم، ثقة بهم، وركونا إليهم، لظهور حالهم بالصلاح والزهد، ويظهر لك ذلك من أحوال الأخبار التي وضعها هؤلاء في الوعظ والزهد، وضمنوها أخبارا عنهم، ونسبوا إليهم أقوالا وأحوالا خارقة للعادة وكرامات لم يتفق مثلها لأولى العزم من الرسل، بحيث يقطع العقل بكونها موضوعة وإن كانت كرامات الأولياء ممكنة في نفسها.

[75]

قال يحيى بن القطان: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه فيمن ينسب إلى الخير، وذلك منهم إما لعدم علمهم بتفرقة ما يجوز لهم وما يمتنع عليهم، أو لأن عندهم حسن ظن وسلامة صدر فيحملون ما سمعوه على الصدق ولا يهتدون لتميز الخطأ من الصواب، ولكن الواضعين منهم، وإن خفي حالهم على كثير من الناس فإنه لم يخف على جهابذة الحديث ونقاده. ومن الأحاديث الموضوعة للترغيب أخبار فضائل سور القرآن، وقد تقدم آنفا نقل اعتراف أبي عصمة بوضعها حسبة، وعن ابن حبان، عن ابن مهدي قال: " قلت لميسرة بن عبد ربه من اين جئت بهذه الأحاديث من قرأ كذا فله كذا، فقال: وضعتها ارغب الناس فيها. وهكذا قيل في حديث أبي الطويل في فضائل سور القرآن سورة سورة فروى عن المؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ به، فقلت للشيخ: من حدثك ؟ فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه فقلت: من حدثك ؟ فقال: حدثني شيخ بواسط وهو حي، فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بالبصرة فصرت إليه فقال: حدثني شيخ بعبادان، فصرت إليه فأخذ بيدي فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة، وفيهم شيخ فقال: هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك ؟ فقال: لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث ليصرفوا إلى القرآن ". قال في البداية: " وكل من أودع هذه الأحاديث تفسيره كالواحدي والثعلبي والزمخشري فقد أخطأ في ذلك ولعلهم لم يطلعوا على وضعه مع أن جماعة من العلماء قد نبهوا عليه، وخطب من ذكره مسندا كالواحدي أسهل. رابعها: قوم زنادقة وضعوا أحاديث ليفسدوا بها الإسلام، وينصروا بها المذاهب الفاسدة، فقد روى العقيلي، عن حماد بن زيد قال: وضعت الزنادقة على رسول الله صلى الله عليه وآله أربعة عشر ألف حديث منهم " عبد الكريم بن أبي العوجاء - الذي قتل وصلب في زمان المهدي بن المنصور - قال ابن عدي لما أخذ ليضرب عنقه، قال: وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال واحلل الحرام " ومنهم بيان بن سمعان الهدى الذي قتله خالد القسري وأحرقه بالنار،

[76]

ومحمد بن سعيد الشامي المسلوب في الزندقة حيث روى عن حميد عن أنس مرفوعا قال: " أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله ". وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد والزندقة والدعوة إلى التنبي، وروي عن عبد الله بن يزيد المقري " أن رجلا من الخوارج رجع عن بدعته فجعل يقول: انظروا هذا الحديث عمن تأخذونه فإنا كنا إذا رأينا رأيا جعلنا له حديثا ". قال في البداية وغيرها: إنه قد ذهب الكرامية بكسر الكاف وتفتح وتشديد الراء وتخفف - والأول أشهر - وهم طائفة منتسبون بمذهبهم إلى محمد بن كرام السجستاني، وبعض المبتدعة من المتصوفة، إلى جواز وضع الحديث للترغيب والترهيب ترغيبا للناس في الطاعة وزجرا لهم عن المعصية. واستدلوا بما روي في بعض طرق الحديث " من كذب علي متعمدا ليضل به الناس فليتبوء مقعده من النار ". وحمل بعضهم ذلك على من قال: إنه ساحر، أو مجنون. وقال آخر: " إنما قال: من كذب علي ونحن نكذب له ونقوي شرعه " ونسأل الله السلامة من الخذلان. وحكى القرطبي عن بعض أهل الرأي: " ما وافق القياس الجلي جاز أن يعزى وينسب إلى النبي صلى الله عليه وآله. ثم المروي تارة يخترعه الواعظ من نفسه، وتارة يأخذ كلام غيره كبعض السلف الصالح أو قدماء الحكماء أو الإسرائيليات، فيجعله حديثا ينسبه إلى المعصوم عليه السلام أو يأخذ حديثا ضعيف الإسناد فيركب له إسنادا صحيحا ليروج وقيل: إن هذا الأخير من المقلوب دون الموضوع. وقد صنفوا في الأحاديث الموضوعة كتبا، أصاب بعضهم في نسبة الوضع إلى أغلب ما نقله وبعضهم في جملة منها. تذييل: يتضمن مطالب مختصرة. الأول: أنه إذا ثبت كون حديث موضوعا حرمت روايته لكونها إعانة على الإثم وإشاعة للفاحشة وإضلالا للمسلمين. وأما ضعيف السند غير الموضوع فلا بأس بروايته مطلقا. نعم لا يجوز الإذعان به والعمل عليه حتى في السنن والكراهة على الأظهر كما

[77]

تقدم تحقيقه في ذيل الكلام على الضعيف خلافا للمشهور. الثاني: أن من أراد أن يروي حديثا ضعيفا أو مشكوكا في صحته بغير إسناد يقول: روي أو بلغنا أو ورد أو جاء أو نقل ونحوه من صيغ التمريض، ولا يذكره بصيغة الجزم كقال رسول الله صلى الله عليه وآله، وفعل ونحوها من الألفاظ الجازمة، إذ ليس ثمة ما يوجب الجزم ولو أتى بالإسناد مع المتن لم يجب عليه بيان الحال لأنه قد أتى به عند أهل الاعتبار، والجاهل بالحال غير معذور في تقليد ظاهره بل مقصر في ترك التثبت. وأما الصحيح فينبغي ذكره بصيغة الجزم بل يقبح فيه الإتيان بصيغة التمريض كما يقبح في الضعيف صيغة الجزم. الثالث: أنه قال غير واحد أنه إذا رأيت حديثا بإسناد ضعيف، فلك أن تقول هو ضعيف بهذا الإسناد ولا تقل ضعيف المتن ولا ضعيف وتطلق بمجرد ضعف ذلك الإسناد فقد يكون له إسناد آخر صحيح، إلا أن يقول ماهر في الفن إنه لم يرو من وجه صحيح، أو ليس له إسناد يثبت به، أو إنه حديث ضعيف مفسرا ضعفه، فإن أطلق ذلك الماهر ضعفه ولم يفسره ففي جواز لغيره كذلك وجهان مبنيان على أن الجرح هل يثبت مجملا أم يفتقر إلى التفسير. وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى فتأمل. الفصل السادس: فيمن تقبل روايته، ومن ترد روايته، وما يتعلق به من الجرح والتعديل. وينبغي قبل الأخذ في ذلك تقديم مقدمة ذكرها في البداية وهي: أن معرفة من تقبل روايته ومن ترد من أهم أنواع علم الحديث، وأتمها نفعا، وألزمها ضبطا وحفظا، لأن بها يحصل التمييز بين صحيح الرواية وضعيفها، والتفرقة بين الحجة واللاحجة، ولذا جعلوا مصلحته أهم من مفسدة القدح في المسلم المستور، وإشاعة الفاحشة في الذين آمنوا اللازمين لذكر الجرح في الرواة، وجوزوا لذلك هذا البحث، ووجه الأهمية ظاهر، فإن فيه صيانة الشريعة المطهرة من إدخال ما ليس منها فيها، ونفيا للخطأ والكذب عنها.

[78]

وقد روي أنه قيل لبعض العلماء: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثهم خصماءك عند الله يوم القيامة ؟ فقال: لأن يكونوا خصمائي أحب إلى من أن يكون رسول الله صلى الله عليه وآله خصمي يقول لي: لم لم تذب الكذب عن حديثي ؟ ! وروي أن بعضهم سمع من بعض العلماء شيئا من ذلك فقال: يا شيخ لا نغتاب العلماء، فقال له: ويحك، هذه نصيحة وليست غيبة. وقد ادعى غير واحد من الأواخر الإجماع على استثنائه من حرمة الغيبة، واستدلوا على ذلك مضافا إليه بأهمية مصلحة حفظ أحكام الله تعالى عن الضياع من مفسدة الغيبة، وبالأخبار الواردة عنهم عليهم السلام في ذم جملة من الرواة وبيان فسقهم وكذبهم ونحو ذلك. فالجواز مما لا شبهة فيه، بل هو من فروض الكفايات كأصل المعرفة بالحديث، نعم يجب على المتكلم في ذلك التثبت في نظره وجرحه لئلا يقدح في برئ غير مجروح بما ظنه جرحا، فيجرح سليما، ويسم بريئا بسمة سوء يبقى عليه الدهر عارها. فقد أخطأ في ذلك غير واحد، فطعنوا في أكابر من الرواة استنادا إلى طعن ورد فيهم له محمل، كما لا يخفى على من راجع كتب الرجال المبسوطة. ولقد أجاد في " البداية " حيث قال بعد التنبيه على ذلك: " إنه ينبغي للماهر في هذه الصناعة ومن وهبه الله أحسن بضاعة تدبر ما ذكروه، ومراعاة ما قرروه، فلعله يظفر بكثير مما أهملوه، ويطلع على توجيه في المدح والقدح قد أغفلوه، كما اطلعنا عليه كثيرا، ونبهنا عليه في مواضع كثيرة ووضعناها على كتب القوم، خصوصا مع تعارض الأخبار في الجرح والمدح، فإنه وقع لكثير من أكابر الرواة، وقد أودعه الكشي في كتابه من غير ترجيح، وتكلم من بعده في ذلك فاختلفوا في ترجيح أيهما على الآخر اختلافا كثيرا، فلا ينبغى لمن قدر على البحث تقليدهم في ذلك، بل ينفق مما آتاه الله تعالى، فلكل مجتهد نصيب، فإن طريق الجمع بينها ملتبس على كثير حسب اختلاف طرقه واصوله في العمل بالأخبار الصحيحة والحسنة والموثقة وطرحها أو بعضها. فربما لم يكن في أحد الجانبين حديث صحيح فلا يحتاج إلى البحث عن الجمع بينها، بل يعمل بالصحيح خاصة حيث يكون ذلك من اصول الباحث، وربما يكون بعضها صحيحا، ونقيضه حسنا أو موثقا، ويكون من أصله العمل بالجميع، ويجمع

[79]

بينهما بما لا يوافق أصل الباحث الآخر، ونحو ذلك. وكثيرا ما يتفق لهم التعديل بما لا يصلح تعديلا، أو يجرحون بما لا يكون جرحا، فلذلك يلزم المجتهد بذل الوسع في ذلك. وإذ قد عرفت المقدمة فاعلم أن هنا جهات من الكلام: الاولى: أنهم قد ذكروا شروطا - لقبول خبر الواحد - في الراوي: فالأول من الشروط التي اعتبروها في الراوي: الإسلام. فإن المشهور اعتباره، بل نقل في " البداية " اتفاق أئمة الحديث والاصول الفقهية عليه، فلا تقبل رواية الكافر مطلقا، سواء كان من غير أهل القبلة كاليهود والنصارى، أو من أهل القبلة كالمجسمة والخوارج والغلاة عند من يكفرهم، والظاهر أن القسم الأول - وهو غير أهل القبلة - محل الاتفاق. 2 - العقل فلا يقبل خبر المجنون إجماعا، حكاه جماعة، ويدل عليه عدم الاطمينان والوثوق بخبره. 3 - البلوغ اعتبره جمع كثير، فلا يقبل خبر الصبي غير البالغ، وذلك في غير المميز مما لا ريب فيه، بل ولا خلاف، لعدم الوثوق بخبره. وأما المميز ففي قبول خبره قولان، فالمشهور عدم القبول، بل قيل: إنه المعروف من مذهب الأصحاب وجمهور العامة. وحكي عن جمع من العامة القبول إذا أفاد خبره الظن، وظاهر بعض الأواخر من أصحابنا الميل إلى موافقتهم مطلقا، أو إذا أفاد الاطمينان. 4 - الإيمان والمراد به كونه إماميا اثني عشريا، وقد اعتبر هذا الشرط جمع، منهم الفاضلان (1) والشهيدان وصاحب " المعالم " و " الكركي وغيرهم. ومقتضاه عدم جواز العمل بخبر المخالفين ولا ساير فرق الشيعة، وخالف في ذلك الشيخ - رحمه الله - في محكي العدة، حيث جوز العمل بخبر المخالفين إذا رووا عن أئمتنا عليهم السلام إذا لم يكن في


(1) تقدم أن المراد بهما العلامة وابن ادريس.

[80]

روايات الأصحاب ما يخالفه ولا يعرف لهم قول فيه، لما روي عن الصادق عليه السلام أنه قال: " إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما روي عنا، فانظروا إلى ما رووه عن علي عليه السلام فاعملوا به ". قال: " ولأجل ما قلناه، عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، وغياث بن كلوب، ونوح بن دراج والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا (عليهم السلام) فيما لم ينكروه ولم يكن عندهم خلافه ". وقال في محكي " العدة " أيضا: " أن ما رواه سائر فرق الشيعة والفطحية والواقفية والناووسية وغيرهم إن كان ليس هناك ما يخالفه ولا يعرف من الطائفة العمل بخلافه، وجب أن يعمل به إذا كان متحرجا في روايته موثوقا به في أمانته وإن كان مخطئا في أصل الاعتقاد، ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بأخبار الفطحية مثل عبد الله بن بكير وغيره، وأخبار الواقفية مثل سماعة بن مهران وعلي بن أبي حمزة وعثمان بن عيسى، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضال وبنو سماعة والطاطريون وغيرهم فيما لم يكن عندهم فيه خلاف - انتهى ". 5 - العدالة وقد وقع الخلاف تارة في موضوعها، واخرى في اعتبارها في الراوي في قبول خبره، ومحل الأول علم الفقه، وقد أوضحنا الكلام فيه في شهادات " منتهى المقاصد "، وأثبتنا أنها عبارة عن ملكة نفسانية راسخة باعثة على ملازمة التقوى وترك ارتكاب الكبائر والإصرار على الصغائر وترك ارتكاب منافيات المروة، الكاشف ارتكابها عن قلة المبالاة بالدين بحيث لا يوثق منه التحرز عن الذنوب، وإنه لا يكفي فيها مجرد الإسلام، ولا مجرد عدم ارتكاب الكبيرة ما لم ينبعث الترك عن ملكة، ولا حسن الظاهر فقط، وأنها تنكشف بالعلم والاطمينان الحاصل من المعاشرة ومن مراجعة المعاشرين له، وأنه ليس الأصل في المسلم العدالة، وأنها لا تزول بارتكاب الصغيرة مرة من غير إصرار، ولا بترك المندوبات وارتكاب المكروهات إلا أن يبلغ إلى حد يؤذن بالتهاون بالسنن والمكروهات وقلة المبالاة بالدين، وذكرنا هناك معنى الكبائر وعددها وغير ذلك مما يتعلق بتحقيق موضوع العدالة. وأما حكمها المتعلق بالمقام أعني

[81]

اشتراطها في الراوي في قبول روايته، فتوضيح القول في ذلك أنهم اختلفوا فيه على قولين: أحدهما: الاشتراط، فلا تقبل رواية غير العدل وإن حاز بقية الشروط، وفي البداية: " أن عليه جمهور أئمة الحديث واصول الفقه " وفي " المعالم " ومحكي " غاية المأمول " (1) أنه المشهور بين الأصحاب. ثانيهما: عدم الاشتراط، وهو خيرة جمع مفترقين على قولين: أحدهما: حجية خبر مجهول الفسق. وهو المنقول عن ظاهر جمع من المتأخرين. ثانيهما: عدم حجية خبر مجهول الحال، بل من يوثق بتحرزه عن الكذب خاصة. وهو خيرة الشيخ - رحمه الله - في " العدة " حيث قال: " فأما من كان مخطئا في بعض الأفعال أو فاسقا بالأفعال الجوارح وكان ثقة في روايته متحرزا فيها، فإن ذلك لا يوجب رد خبره، ويجوز العمل به، لأن العدالة المطلوبة في الرواية حاصلة فيه، وإنما الفسق بأفعال الجوارح يمنع من قبول شهادته، وليس بمانع من قبول خبره، ولأجل ذلك قبلت الطائفة أخبار جماعة هذه صفتهم - انتهى ". ووافقه على ذلك جمع كثير من الأواخر، ولعله المشهور بينهم حتى تداولوا العمل بالأخبار الحسان. حجة القول بالعمل بخبر مجهول الحال: إن الله تعالى علق وجوب التثبت على فسق المخبر، وليس المراد الفسق الواقعي وإن لم نعلم به وإلا لزم التكليف بما لا يطاق، فتعين أن يكون المراد الفسق المعلوم، وانتفاء التثبت عند عدم العلم بالفسق يجامع كلا من الرد والقبول، لكن المراد ليس هو الأول وإلا لزم كون مجهول الحال أسوء حالا من معلوم الفسق، حيث يقبل خبره بعد التثبت، فتعين الثاني وهو القبول. ورد بأن المراد بالفسق في الآية هو الفسق النفس الأمري لا المعلوم كما عرفت، وبعد إمكان تحصيل العلم به أو الظن فلا يلزم التكليف بما لا يطاق حجة الشيخ ومن وافقه - رحمهم الله - وجوه: أحدها: ما أشار إليه في " العدة " من عمل الطائفة بخبر الفاسق إذا كان ثقة


(1) في شرح زبدة الاصول.

[82]

في روايته متحرزا فيها. وأجاب عنه المحقق في " المعارج " أولا بالمنع من ذلك والمطالبة بالدليل. وثانيا بأنا لو سلمناها لاقتصرنا على المواضع التي عملت فيها بأخبار خاصة ولم يجز التعدي في العمل إلى غيرها، وزاد في " المعالم " تعليل الاقتصار بأن عملهم لعله كان لانضمام القرائن إليها لا بمجرد الخبر، وثالثا بأن دعوى التحرز عن الكذب مع ظهور الفسق مستبعد، إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق بما يظهر مما يخرجه عن الكذب. وقد وجه الاستبعاد في " القوانين " بأن الداعي على ترك المعصية قد يكون هو الخوف من فضيحة الخلق، وقد يكون لأجل إنكار الطبيعة لخصوص المعصية، وقد يكون من أجل الخوف من الحاكم، وقد يكون هو الخوف من الله تعالى، وهذا هو الذي يعتمد عليه في عدم حصول المعصية في السر والعلن، بخلاف غيره، فمن كان فاسقا بالجوارح ولا يبالي عن معصية الخالق فكيف يعتمد عليه في ترك الكذب - اه‍ وإنكار عمل الطائفة بأخبار غير العدول بعيد عن الانصاف، فإن من تتبع كتب الحديث والرجال والفقه وجد عملهم به في غاية الوضوح، حتى أن المحقق (ره) نفسه عمل في " المعتبر " و " الشرايع " بجملة منها، وأما قصر ذلك على موارد عملهم لاحتمال كونه لانضمام القرائن إليها، فيرده كلمات جمع منهم حيث إنها ظاهرة في العمل بالخبر من حيث هو، ولم سلم فلا وجه للاقتصار على مورد عملهم، بل التعميم اللازم لكل مورد قامت القرائن والأمارات المفيدة للوثوق بالخبر، مضافا إلى أن الظاهر أن كل من جوز الاعتماد على خبر الفاسق المتحرز عن الكذب في الجملة وفي مورد خاص جوزه مطلقا، فالتفصيل خرق للإجماع المركب. وأما ما ذكره من استبعاد التحرز عن الكذب مع ظهور الفسق فمدفوع بملاحظة سيرة كثير من الناس من أهل الإيمان والإسلام والفكر من التحاشي والتحرز جدا عن الكذب، وارتكاب كثير من المحرمات، والاستبعاد إنما يتجه حيث يكون الأمر على خلاف العادة، ومن الظاهر أن ما ذكرناه مما جرت به العادة. ثانيها: إن طريق الإطاعه موكول إلى العقل والعقلاء، حتى أن ما ورد الأمر به من طرقه إنما هو من باب الإرشاد، ونحن نرى العقلاء مطبقين على العمل بخبر

[83]

الفاسق بالجوارح المتحرز عن الكذب في امور معاشهم ومعادهم عند الوثوق به. ثالثها: آية النبأ، بتقريب أن معرفة حال الراوي بأنه متحرز عن الكذب في الرواية تثبت إجمالي محصل للاطمينان بصدق الراوي، فيجوز العمل به، لأن الظاهر من الآية أنه إذا حصل الاطمينان من جهة خبر الفاسق بعد التثبت بمقدار يحصل من خبر العدل فهو يكفي سيما العدل الذي ثبتت عدالته بالظن والأدلة الظنية. فإن المراد بالعادل النفس الأمري هو ما اقتضى الدليل إطلاق العادل عليه في نفس الأمر، لا ما كان عادلا في نفس الأمر. والدليل قد يفيد القطع، وقد يفيد الظن، وبالجملة فقول الشيخ - رحمه الله - هو الأقوى والله العالم. 6 - الضبط فيما يرويه بمعنى كونه حافظا له مستيقضا غير مغفل إن حدث من حفظه ضابطا لكتابه حافظا له من الغلط والتصحيف والتحريف إن حدث منه، عارفا بما يختل به المعنى حيث يجوز له ذلك. وقد صرح باعتباره جمع كثير، بل نفى الخلاف في اشتراطه جمع. تنبيهات:. الأول: أن المراد بالضابط من يغلب ذكره سهوه، له من لا يسهو أصلا، وألا لانحصر الأمر فيما يرويه المعصوم من السهو، وهو باطل بالضرورة، فلا يقدح عروض السهو عليه نادرا، كما صرح به جماعة. وقد فسر الضبط " بغلبة ذكره الأشياء المعلومة له على نسيانه إياها " جماعة، منهم السيد عميد الدين في محكي " المنية "، قال: " فلو كان بحيث لا يضبط الأحاديث، ولا يفرق بين مزايا الألفاظ، ولم يتمكن من حفظها لا تقبل روايته ". الثاني: أنه قال جمع منهم الشهيد الثاني في " البداية ": " إن اعتبار العدالة في الحقيقة يغني عن اعتبار الضبط، لأن العدل لا يروي إلا من ضبطه وتحققه على الوجه المعتبر، وتخصيصه بالذكر تأكيد وجري على العادة ". وناقش في ذلك في محكي " مشرق الشمسين " (1) بأن العدالة إنما تمنع من


(1) للشيخ بهاء الدين محمد بن الحسين بن عبد الصمد الحارثى العاملي المتوفى 1030.

[84]

تعمد نقل غير المضبوط عنده، لا من نقل ما يسهو عن كونه غير مضبوط فيظنه مضبوطا. وما ذكره موجه. وتوهم أن العادل إذا عرف من نفسه كثرة السهو لم يجتر على الرواية تحرزا من إدخال ما ليس من الدين فيه، مدفوع بأنه إذا كثر سهوه فربما يسهو عن أنه كثير السهو فيروي. فالحق أن اعتبار العدالة لا يغني عن اعتبار الضبط. الثالث: أنه صرح جمع بأنه يكفي في إطلاق الضابط على الراوي كثرة اهتمامه في نقل الحديث، بأن يكون بمجرد سماعه الحديث يكتبه ويحفظه ويراجعه ويزاوله بحيث يحصل له الاعتماد وإن كان كثير السهو، إذ ربما يكون الإنسان متفطنا ذكيا لا يغفل عن درك المطلب حين الاستماع ولكن يعرضه السهو بعد ساعة أو أكثر، فمثل هذا إذا كتب وأتقن حين السماع فقد ضبط الحديث وهو ضابط. الرابع: أنه يعتبر ضبط الراوي بأن تعتبر روايته برواية الثقات المعروفين بالضبط والإتقان، فإن وجدت رواياته موافقة لها غالبا - ولو من حيث المعنى - بحيث لا يخالفها، أو تكون المخالفة نادرة، عرف حينئذ كونه ضابطا ثبتا. وإن وجدت كثيرة المخالفة لروايات المعروفين، عرف اختلال ضبطه أو اختلال حاله في الضبط، ولم يحتج بحديثه. ثم إن ضبط الراوي إن ثبته بالاعتبار المذكور، أو بالبينة العادلة، فلا إشكال، وكذا إن حصل الاطمينان من شهادة ثقة ماهر. وإن جهل الحال، قيل يلزم التوقف، وقيل يبنى حينئذ على ما هو الأغلب من حال الرواة بل مطلق الناس من الضبط وعدم غلبة السهو. وهذا القول أظهر لحجية الظن في الرجال. والغلبة تفيده وجدانا، وقد تؤيد الغلبة بأصالة بقاء التذكر والعلم بالمعنى المنافي للنسيان، لا بمعنى التذكر الفعلي حتى يكون متعذرا أو متعسرا، وأصالة عدم كثرة السهو المنافية للقبول. الخامس: أن الأظهر أن الإكثار من الرواية لا تدل على عدم ضبط الراوي، كما صرح به جماعة منهم العلامة في النهاية. وقال في البداية: " إن اشتراط الضبط إنما يفتقر إليه فيمن يروي من حفظه أو يخرجها بغير الطرق المذكورة في المصنفات، وأما رواية الاصول المشهورة فلا يعتبر فيها ذلك.

[85]

السادس: إذا احرز ضبط الراوي ووثاقته، اخذ بخبره، ولو لم يكن له موافق فيما يرويه، ولم يعضده ظاهر مقطوع من كتاب أو سنة متواترة ولا عمل بعض الصحابة به ولم يكن منتشرا أومشهورا بينهم. وخالف في ذلك أبو علي الجبائي فاعتبر تعدد الرواية، فلا تقبل عنده رواية الواحد إلا إذا اعتضد بظاهر مقطوع، أو عمل بها بعض الصحابة، أو كانت منتشرة بينهم. واحتجوا عليه بقبول أمير المؤمنين عليه السلام وسائر الصحابة لخبر الواحد المجرد عن الامور المذكورة، مضافا إلى مفهوم آية النبأ، وإلى بناء العقلاء وغير ذلك. ثم إنه لا يخفى عليك أن جمعا من الفقهاء - رضي الله عنهم - قد تداولوا رد بعض الأخبار بعدم عمل الأصحاب به. وقد قررنا في محله أن شرطية عمل الأصحاب بالخبر في حجيته مما لا دليل عليه، وإنما الثابت مانعية إعراضهم عن الخبر عن حجيته. وتظهر الثمرة فيما إذا كان عدم العمل ثابتا، والإعراض مشكوكا، فإنه على الشرطية يسقط عن الحجية، وعلى المانعية يدفع المانع بالأصل. فاحفظ ذلك واغتنم فقد اشتبه في ذلك أقوام. هذا تمام الكلام في الجهة الاولى المتكفلة لشروط الخبر. وقد بقي هنا أمران ينبغي تذييل هذه الجهة بهما: الأول: أنه لا يشترط في الخبر غير ما ذكر من الشروط، وقد وقع التنصيص في كلماتهم على عدم اشتراط امور، للأصل ووجود المقتضي وعدم المانع. 1 - الذكورة فتقبل رواية الانثى والخنثى إذا جمعت الشروط المذكورة حرة كانت أو مملوكة، كما صرح بذلك كله الفاضلان وغيرهما، بل نفى العلامة في " النهاية " الخلاف فيه، وادعى في " البداية " إطباق السلف والخلف على الرواية عن المرأة. والأصل في ذلك ما مر من الأصل وعدم المانع مضافا إلى أن شهادتها تقبل، فروايتها أولى بالقبول. 2 - الحرية فتقبل رواية المملوك مطلاق ولو كان قنا (1)، إذ جمع سائر الشرائط، كما


(1) أي من كان أبوه مملوكا ايضا.

[86]

صرح به الفاضلان وغيرهما، بل نفى في " نهاية الاصول " الخلاف فيه لنحو ما ذكر في شأنه. 3 - البصر فتقبل رواية الأعمى إذا جمع الشرائط، كما صرح بذلك جمع، بل نفى الخلاف فيه في " النهاية "، وظاهر " البداية " اتفاق السلف والخلف عليه. 4 - القدرة على الكتابة فتقبل رواية الأمي إذا جمع الشرائط بلا خلاف ولا إشكال، للأصل وغيره. 5 - العلم بالفقه والعربية فإنه لا يشترط ذلك، كما صرح بذلك جماعة، للأصل وغيره مما مر، مضافا إلى أن الغرض من الخبر الرواية لا الدراية، وهي تتحقق بدونهما، ولعموم قوله صلى الله عليه وآله: " نصر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها كما سمعها، فرب حامل فقه ليس بفقيه ". نعم، قال في البداية: " إنه ينبغي مؤكدا ومعرفته بالعربية حذرا من اللحن والتصحيف، وقد روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: أعربوا كلامنا فإنا قوم فصحاء، وهو يشمل إعراب القلم واللسان، وقال بعض العلماء: جاءت هذه الأحاديث عن الأصل معربة. وعن آخر: أخوف ما أخاف على طالب الحديث إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قول النبي صلى الله عليه وآله: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار: لأنه صلى الله عليه وآله لم يكن يلحن، فمهما روى عنه حديثا وقد لحن فيه فقد كذب عليه. ثم قال: والمعتبر حينئذ أن يعلم قدرا يسلم معه من اللحن والتحريف - انتهى ". 6 - معروفية النسب فلو لم يعرف نسبه وحصلت الشرائط قبلت روايته، للأصل ونحوه مما مر، ولو كان جامعا للشرائط لكنه ولد الزنا، فعلى القول بعدم كفره فلا شبهة في قبول خبره، وأما على القول بكفره فلا يقبل خبره، لفقد الشرط وهو الإسلام. فرع: لو كان للراوي اسمان وهو بأحدهما أشهر، جازت الرواية عنه، ولو

[87]

كان مترددا بينهما وهو بأحدهما مجروح، وبالآخر معدل، ففي القبول تردد. فائدة: لا يعتبر في حجية الخبر وجوده في أحد الكتب الأربعة، كما زعمه بعض القاصرين، بل المدار على جمع الخبر للشرائط أينما وجد، وليس من شرائط حجيته وجوده في هذه الأربعة. كيف ؟ وقصر الحجية على ما فيها من الأخبار يقتضي سقوط ما عداها من كتب الحديث عن درجة الاعتبار، مع أن كثيرا منها يقرب من هذه الأربعة في الأشتهار ولا يقصر عنها بكثير في الظهور والانتشار " كالعيون " و " الكمال " من مصنفات الصدوق - رحمه الله -، وغيرها من الكتب المعروفة المشهورة الظاهرة النسبة إلى مؤلفيها الثقات الأجلة، وعلماء الطائفة ووجوه الفرقة المحقة لم يزالوا في جميع الأعصار والأمصار يستندون إليها ويفرعون عليها فيما تضمنته من الأخبار والآثار المروية عن الأئمة الأطهار (عليهم صوات الملك الجبار)، ولم يسمع منهم الاقتصار على الكتب الأربعة ولا إنكار الحديث لكونه من غيرها. وإقبال الفقهاء على تلك الأربعة وانكبابهم عليها ليس لعدم اعتبار غيرها عندهم، بل كون هذه الأربعة مع جودة الترتيب، وحسن التهذيب، وكون مؤلفيها رؤساء الشيعة وشيوخ الطائفة، هي أجمع كتب الحديث وأشملها لما يناسب أنظار الفقهاء من أحاديث الفروع، وما عدا " الكافي " منها مقصور على روايات الأحكام، موضوع لخصوص ما يتعلق بالحلال والحرام، وسائر كتب الحديث وإن اشتملت على كثير من الأخبار المتعلقة بهذا الغرض، إلا أن وضعها لغيره اقتضى تفرق ذلك فيها وشتاته في أبوابها وفصولها على وجه يصعب الوصول إليه ويعسر الإحاطة به، فلذلك قلت رغبة من يطلب الفقه فيها، وانصرفت عمدة همتهم إلى تلك الأربعة، لا لقصر الحجية عليها، لعموم أدلة حجية الخبر إذا جمع الشرائط. نعم، يعتبر كونه موجودا في كتب معتبرة معلومة النسبة إلى مؤلفيها، مأمونة من الدس والتغيير والتبديل، مصححة على صاحبها، معتنى بها بين العلماء وشيوخ الطائفة، لا مرغوبة عنها وساقطة من أعينهم فإن ذلك من أعظم الوهن فيها. ثم كما لا يعتبر وجوده في أحد الكتب الأربعة، فكذا لا يكفي في حجيته وجوده

[88]

في أحدها ما لم يشتمل على شرائط القبول، وما زعمه بعضهم من كون أخبارها كلا مقطوعة الصدور، واستنادا إلى شهادات سطرها في مقدمات " الحدائق " لاوجه له، كما أوضحناه في محله. نعم: لا بأس بجعل وجود الخبر في الكتب الأربعة بمقتضى تلك الشهادات من المرجحات عند التعارض بينه وبين ما ليس فيها. الأمر الثاني: أنه قد صرح جماعة بأن المعتبر في شرائط الراوي هو حال الأداء لا حال التحمل، فلو كان حال الأداء جامعا للشرائط، مع فقده للشرائط كلا أو بعضا حال التحمل، قبلت روايته فتقبل رواية البالغ إذا تحمل في حال الصبا. وقد ادعى في محكي " نهاية الأحكام " إجماع السلف والخلف على إحضار الصبيان مجالس الحديث وقبولهم بعد البلوغ لما تحملوه في حال الصبا. وكذا من تاب ورجع عما كان عليه من مخالفة في دين أو فسق أو نحو ذلك تقبل روايته حال استقامته. وقد جعلوا من هذا الباب قبول الصحابة رواية ابن عباس وغيره ممن تحمل الرواية قبل البلوغ، فإن ثبت ذلك وإلا لكان لمانع منع قبولهم إلا لما تحمله بعد البلوغ. وجعل بعض الأصحاب رد الصدوق رواية محمد بن عيسى، عن يونس من باب كون تحمله في حال الصبا، ورد بان الوجه ليس ذلك لأن الصدوق - رحمه الله - أيضا لا يعتبر الشروط حال التحمل بل حال الأداء خاصة. وجعل الشيخ - رحمه الله - من أمثلة المقام رواية أبي الخطاب (1) وغيره. قال في العدة: " فأما ما يرويه الغلاة والمتهمون والمضعفون وغير هؤلاء، فما يختص الغلاة بروايته فإن كانوا ممن عرف لهم حال استقامة وحال غلو، عمل بما رووه حال الاستقامة وترك ما رووه حال خطأهم فلأجل ذلك عملت الطائفة بما رواه أبو الخطاب محمد بن أبي زينب في حال استقامته وتركوا ما رواه في حال تخليطه، وكذلك القول في أحمد بن هلال


(1) يعنى محمد بن مقلاص الاسدي مولاهم الكوفى وكان من اصحاب ابى عبد الله عليه السلام ثم انحرف ونملا في آخر عمره، واصحابنا رووا عنه ما رواه حال استقامته.

[89]

العبرتائي، وابن أبي العزاقر وغير هؤلاء وأما ما يروونه في حال تخليطهم فلا يجوز العمل به على كل حال - انتهى ". ونوقش في جعله رواية أبي الخطاب من هذا الباب بأن خطأ مثله لم يكن بعنوان السهو والغفلة بل دعته الأهواء الفاسدة إلى تعمد الكذب، وأنه لم يكن في المدة التي لم يظهر منه الكفر بريئا من الشقاوة، بل كان قلبه على ما كان ولكن جعل إخفاء المعصية وإظهار الطاعة وسيلتين إلى ما أراد من الرئاسة وإضلال الجماعة فكيف يمكن الاعتماد على روايته ورواية أمثاله كعثمان بن عيسى وعلي بن أبي حمزة البطائني في وقت من الأوقات. (1) وأقول: ليس هنا محل التعرض لأحوال آحاد الرجال حتى نسوق الكلام في ذلك، والغرض التمثيل. وكيف كان فإذا ورد خبر من أخبار من له حالة استقامة وحالة قصور. فإن علم تاريخ الرواية فلا شبهة في العمل بها إن كانت في حال الاستقامة، وتركها إن كانت في حال القصور، وإن جهل التاريخ لزم الرجوع إلى القرائن الخارجية والاجتهاد فيها. وقد جعل الفاضل القمي - رحمه الله - وغيره من القرائن عمل جمهور الأصحاب بها، وهو كذلك حيثما يفيد الاطمينان العادي فإن المعيار عليه، فلا بد من الفحص والبحث والتدبر حتى يحصل الاطمينان فيعمل به، أو لا يحصل فيترك. وقد جعل غير واحد من باب الوثوق على الرواية، لأجل صدور الرواية حال الاستقامة، أو لأجل القرائن الخارجية، ما يرويه الأصحاب عن الحسين بن بشار الواقفي، وعلي بن أسباط الفطحي، وغيرهما ممن كانوا من غير الإمامية ثم تابوا ورجعوا واعتمد الأصحاب على روايتهم. وكذا ما يرويه الثقات عن علي بن [الحسن بن] رباط، وعلي بن أبي حمزة، وإسحاق بن جرير من الواقفية الذين كانوا


(1) الا يلزم القول بعدم قبول الروايات التي رواها المنحرف في حال الاستقامة، لكون الانحراف - كاشفا عن خبث السريرة، القول بقبول الروايات التي رواها المستبصر قبل رجوعه إلى الحق إذا الاستبصار كان كاشفا عن حسن سريرته في حال انحرافه عن الحق، فتأمل.

[90]

على الحق ثم توقفوا. فإن قبول الثقات رواياتهم إما للعلم بصدورها في حال الاستقامة، أو للقرائن الخارجية، ضرورة أن المعهود من أصحاب الأئمة عليهم السلام كمال الاجتناب عن الواقفية وأمثالهم من فرق الشيعة، وكانت معاندتهم معهم وتبريهم عنهم أزيد منها من العامة، سيما مع الواقفية. حتى إنهم كانوا يسمونهم " الممطورة " - أي الكلاب التي أصابها المطر - وكانوا يتنزهون عن صحبتهم، والمكالمة معهم، وكان أئمتهم عليهم السلام يأمرونهم باللعن عليهم والتبري منهم. فرواية ثقاتهم وأجلائهم عنهم قرينة على أن الرواية كانت حال الاستقامة، أو أن الرواية عن أصلهم المعتمد المؤلف قبل فساد العقيدة، أو المأخوذ عن المشايخ المعتمدين من أصحابنا، ككتب " علي بن الحسن الطاطري " الذي هو من وجوه الواقفية، فإن الشيخ - رحمه الله - ذكر في الفهرست أنه روى كتبه عن الرجال الموثوق بهم وبروايتهم. وقد استظهر المحقق البهائي - رحمه الله - في محكي مشرق الشمسين كون قبول المحقق (ره) رواية علي بن أبي حمزة المذكور مع شدة تعصبه في مذهبه الفاسد مبنيا على كونها مأخوذة من أصله فإنه من أصحاب الاصول. وكذا قول العلامة - رحمه الله - بصحة رواية إسحاق بن جرير، عن الصادق عليه السلام فإنه ثقة من أصحاب الاصول أيضا. وتأليف هؤلاء اصولهم كان قبل الوقف لأنه وقع في زمن الصادق عليه السلام، فقد بلغنا عن مشايخنا قدس الله تعالى اسرارهم أنه كان من دأب أصحاب الأصول أنهم إذا سمعوا من أحد الأئمة عليهم السلام حديثا بادروا إلى إثباته في أصولهم لئلا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام وتوالي الشهور والأعوام. الجهة الثانية: أنه تثبت عدالة الراوي بشئ من امور: أحدها: الملازمة والصحبة المؤكدة والمعاشرة التامة المطلعة على سريرته وباطن أمره، بحيث يحصل العلم أو الاطمينان العادي بعدالته لكن لا يخفى عليك اختصاص

[91]

هذا الطريق بالراوي المعاصر واشتراك بقية الطرق بينه وبين الراوي السابق على زماننا. ثانيها: الاستفاضة والشهرة. فمن اشتهرت عدالته بين أهل العلم من أهل الحديث وغيرهم، وشاع الثناء عليه بها، كفى في عدالته، ولا يحتاج مع ذلك إلى معدل ينص عليها، كمشايخنا السالفين من عهد الشيخ محمد بن يعقوب الكليني - رحمه الله - وما بعده إلى زماننا هذا. فإنه لا يحتاج أحد من هؤلاء المشايخ المشهورين إلى تنصيص على تزكية ولا تنبيه على عدالة لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وضبطهم وورعهم زيادة على العدالة. وإنما يتوقف على التزكية غير هؤلاء من الرواة الذين لم يشتهروا بذلك ككثير ممن سبق على هؤلاء وهم طرق الأحاديث المدونة في الكتب غالبا. ثالثها: شهادة القرائن الكثيرة المتعاضدة الموجبة للاطمينان بعدالته. ككونه مرجع العلماء والفقهاء، وكونه ممن يكثر عنه الرواية من لا يروي إلا عن عدل، ونحو ذلك من القرائن، فإنه إذا حصل الاطمئنان والعلم العادي منها بوثاقة الرجل كفى في قبول خبره، لبناء العقلاء على ذلك. رابعها: تنصيص عدلين على عدالته. بأن يقولا: هو ثقة، أو عدل، أو مقبول الرواية، إن كانا ممن يرى العدالة شرطا، أو نحو ذلك. وكفاية ذلك مما لا خلاف فيه، ولا شبهة لما قررناه في محله من حجية البينة في غير المرافعات أيضا مطلقا. وفي كفاية تزكية العدل الواحد له في قبول روايته قولان: 1 - الكفاية. وهو خيرة جمع كثير، منهم العلامة - رحمه الله - في التهذيب، بل قيل: إن عليه الأكثر. وفي " البداية " إنه قول مشهور لنا ولمخالفينا. 2 - عدم الكفاية وتعين الاثنين، وهو خيرة آخرين، ومنهم السيدك. تنبيهات: الأول: أن لازم ما سلكناه في التزكية كفاية تزكية غير الإمامي الموثق أيضا،

[92]

مثل علي بن الحسن بن فضال، وابن عقدة وغيرهما. لأنه نوع تثبت ومورث للاطمئنان. ولازم ما سلكه المعتبرون للتعدد في المزكي عدم كفاية ذلك، لعدم كفاية تزكية مثله للشاهد كما هو ظاهر. الثاني: أن الكلام في الجرح كالكلام في التزكية من حيث اعتبار التعدد وعدمه حرفا بحرف. ونقل عن المحقق البهائي - رحمه الله - قول بالفرق بين التزكية والجرح إذا صدر عن غير الإمامي، فيقبل الأول، دون الثاني. وهو كما ترى خال عن مستند صحيح، وتوهم الفرق، بأن تزكيته من باب شهادة العدو بالفضل غير مشوب بالتهمة، بخلاف جرحه فإنه مشوب فلا يقبل، لا وجه له، بعد كون المدار على الظن وهو يستوي فيهما بعد إباء وثاقته عن جرحه من لا يستأهل الجرح، فتأمل. الجهة الثالثة:. أنه قد وقع الخلاف في قبول الجرح والتعديل مطلقين، بأن يقال: فلان عدل أو ضعيف، من دون ذكر سبب العدالة والضعيف على أقوال: أحدهما: عدم كفاية الشهادة بكل من العدالة والفسق مطلقة، وعدم قبول الشهادة فيهما، ألا بعد تفسير ما شهد به من العدالة والجرح، بأن يقول: هذا عدل، لأني عاشرته سفرا وحضرا ولم أجده يرتكب المعصية ووجدته صاحب ملكة، أو يقول: هذا عدل، لأني أراه حسن الظاهر، إلى غير ذلك من التفاسير المختلفة بالآراء في العدالة. فلا تقبل الشهادة بالتعديل إلا مع تفسيره بما يطابق رأي من يريد تصحيح السند. وهكذا في طرف الجرح، فيلزم أن يقول: هو فاسق لأني وجدته يرتكب الكبيرة الفلانية مثلا، فإن طابق رأي من يريد التصحيح قبل الشهادته، وإلا ردها. وهذا القول حكاه جمع قولا من دون تسمية قائله. وعزاه في قضاء " المسالك " إلى الإسكافي. ثانيها: كفاية الإطلاق فيهما. فلو قال: " أشهد أن فلانا عدل أو فاسق " قبل، وإن لم يبين سبب العدالة والفسق، أرسله جمع قولا، وفي " خلاف " الشيخ الطوسي - قدس سره - أن عليه أبا حنيفة، وعزاه بعض من عاصرناه إلى كثير من فقهائنا - رضي الله

[93]

عنهم - وعزاه السيد عميد الدين في شرح التهذيب إلى القاضي أبي بكر [الباقلاني]، والمنقول عنه في كلام غيره القول الخامس. ثالثها: كفاية الإطلاق مطلقا في التعديل دون الجرح. فإنه لا يقبل إلا مفسرا. وهو خيرة الشيخ - رحمه الله - في قضاء " الخلاف " حاكيا له عن الشافعي أيضا، وعزاه غير واحد إلى الأكثر، بل في المسالك وغيره أنه المشهور. رابعها: عكس الثالث. نقله الغزالي والرازي قولا. خامسها: القبول فيهما من غير ذكر السبب إذا كان كل من الجارح والمعدل عالما بأسباب الجرح والتعديل، وبالخلاف في ذلك بصيرا مرضيا في اعتقاده وأفعاله، ولزوم التفسير فيما إذا لم يكونا عارفين بالأسباب، اختاره العلامة - رحمه الله -. سادسها: القبول فيهما مع العلم بالموافقة فيما يتحقق الجرح والتعديل، عدم القبول إلا مفسرا في صورة عدم العلم بالموافقة. الجهة الرابعة: أنه إذا اجتمع في واحد جرح وتعديل، فالذي يظهر منهم في تقديم أيهما أقوال: أحدها: تقديم الجرح مطلقا، هذا هو المنقول عن جمهور العلماء لأن المعدل يخبر عما ظهر من حاله، وقول الجارح يشتمل على زيادة علم لم يطلع عليه المعدل، فهو مصدق للمعدل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمر باطن خفي على المعدل. وإن شئت قلت: أن التعديل وإن كان مشتملا على إثبات الملكة إلا أنه من حيث نفي المعصية الفعلية مستند إلى الأصل بخلاف الجرح فإنه مثبت لها والإثبات مقدم على النفي. ثانيها: تقديم قول المعدل مطلقا، نقله بعضهم قولا ولم نقف على قائله ولا على دليل له. وقصارى ما يتصور في توجيهه أنه إذا اجتمعا تعارضا، لأن احتمال إطلاع الجارح على ما خفي على المعدل معارض باحتمال اطلاع المعدل على ما خفي على

[94]

الجارح من تجدد التوبة والملكة، وإذا تعارضا تساقطا ورجعنا إلى أصالة العدالة في المسلم. وفيه: أولا أن أصالة العدالة في المسلم ممنوعة كما أوضحنا ذلك في محله. وثانيا أن قول الجارح نص في ثبوت المعصية الفعلية فلا محيص عن وروده وحكومته على الأصل الذي هو مناط التعديل، وثالثا أن اللازم عند تحقق التعارض هو التماس المرجح لا التساقط، ورابعها أن ذلك لا يكون من تقديم التعديل على الجرح بل هو طرح لهما ورجوع إلى الأصل. ثالثها: التفصيل بين صورة إمكان الجمع بينهما بحيث لا يلزم تكذيب أحدهما في شهادته كما إذا قال المزكي: " هو عدل " وقال الجارح: " رأيته يشرب الخمر " فإن المزكي إنما شهد بالملكة هي لا تقتضي العصمة حتى ينافي صدور المحرم منه فيجتمعان -، وبين صورة عدم إمكان الجمع كما لو عين الجارح السبب ونفاه المعدل كما لو قال الجارح رأيته في أول الظهر من اليوم الفلاني يشرب الخمر، وقال المعدل: " أني رأيته في ذلك الوقت بعينه يصلي، بتقديم الجرح على الأول لأنهما حجتان مجتمعتان فيعمل بهما مع الإمكان، والرجوع ألى المرجحات مع الأكثرية والأعدلية والأورعية والأضبتية ونحوها على الثاني فيعمل بالراجح ويترك المرجوح لما تقرر في محله من الرجوع إلى المرجحات عند تعارض البينتين فإن لم يتفق الترجيح وجب التوقف للتعارض مع استحالة الترجيح من غير مرجح. رابعها: هو الثالث مع التوقف في الصورة الثانية مطلقا. وهو المحكي عن الشيخ - رحمه الله - في الخلاف، وعلل بأن مقتضي القاعدة في صورة تعارض البينتين هو التساقط والتوقف إلا أن يكون أصل في المورد. الجهة الخامسة: أنه يعتبر في صحيح السند أمران: أحدهما: تعيين رجال السند واحدا بعد واحد وتمييز المشترك منهم بين اثنين فما زاد بعد العلم الاجمالي بكثرة المشتركات لا يجوز الحكم بأن صاحب هذا الاسم هو الذي وثقة الكشي مثلا إذ لعله غيره ممن سمي باسمه فلا بد أولا من الجدو الجهد بحسب الوسع والطاقة في تعيين رجال السند وإحراز أن صاحب هذا الاسم هو

[95]

الذي وثقه الكشي أو النجاشي مثلا، إما لاتحاد المسمى بذلك الاسم أو للقرائن المعينة للرجل من بين المسمين بهذا الاسم من راو ومروي عنه ونحوهما. ثانيهما: الفحص عن معارض التوثيق الصادر عن أحد علماء الرجال ومخصصه، لأن العلم الإجمالي بوجود المتعارضات في الرجال كثيرا يلجئنا إلى ذلك كما أن العلم الإجمالي ألجأنا إلى ترك العمل بالعام قبل الفحص عن المخصص واليأس منه وترك الخبر حتى يحصل اليأس عن وجود معارض له، فحال التزكية والجرح حال أخبار الآحاد في عدم جواز العمل بها إلا بعد الفحص واليأس عن المعارض والمخصص، والعلم الأجمالي المذكور وهو الفارق بين المقام وبين التعديل للبينة في المرافعات، حيث يؤخذ به من غير فحص عن المعارض في وجه. ومما ذكرنا ظهر أنه إذا قال الثقة: حدثني ثقة بكذا ولم يسم الثقة لم يكف ذلك الإطلاق والتوثيق في عد الخبر صحيحا اصطلاحا حتى على القول بكفاية الواحد في تزكية الراوي لأنه إذا لم يسمه لم يمكن النظر في أمره والفحص عن وجود معارض لتوثيقه وعدمه ومن هنا سموا الرواية الصحيحة إلى من كان من أصحاب الإجماع كالصحيح ولم يعدوه صحيحا إلا أن يقال: إن اعتبار الفحص إنما هو حيث يمكن ولا يمكن ذلك في المجهول ولا مانع من قبول مثل هذا التوثيق ما لم يظهر الخلاف. بقي هنا امور ينبغي التنبيه عليها: الأول: أنه لا ينبغي الإشكال في كون قول الثقة: حدثني ثقة تزكية للمروي عنه لصراحة كلامه في ذلك وثمرة ذلك أنه إذا سماه بعد ذلك وتفحصنا عن حاله ولم نجد ما يعارض ذلك التوثيق جاز الاعتماد عليه والاستناد إليه. الثاني: أنه إذا روى العدل الذي يعتمد على تزكيته عن رجل غير معلوم العدالة وسماه باسمه ولم يعلم من حال العدل الراوي أنه لا يروي إلا عن ثقة فهل مجرد روايته عنه يكون تعديلا له مثل ما لو عدله صريحا أم لا، وجهان: فالمعروف بين العلماء من الفقهاء والاصوليين وأهل الدراية والحديث، العدم وأرسل جمع قولا بكونه تعديلا من دون تسمية قائله، وعزاه في البداية إلى شذوذ من المحدثين.

[96]

الثالث: صرح غير واحد منهم بأن عمل المجتهد العدل في الأحكام وفتياه لغيره بفتوى على طبق حديث ليس حكما منه بصحته ولا مخالفته له قدحا فيه ولا في رواته خلافا لجماعة. حجة الأول: أن كل واحد من العمل والمخالفة أعم من كونه مستندا إليه أو قادحا فيه لإمكان كون الاستناد في العمل إلى دليل آخر من حديث صحيح أو غيره، أو إلى انجبار بشهرة، أو قرينة اخرى توجب ظن الصدق، وإمكان كون المخالفة لشذوذه أو معارضته بما هو أرجح منه، أو غيرهما والعام لا يدل على الخاص. وحجة الثاني: ما تمسك به جمع من أهل هذا القول من أن الراوي الذي عمل العدل بروايته لو لم يكن عدلا لزم عمل العدل بخبر غير العدل وهو فسق والتالي الباطل لأن المفروض عدالة العامل فبطل المقدم. وفيه منع كون عمله بخبر غير العدل فسقا مطلقا، لما عرفت من إمكان استناد العمل إلى قيام قرينة من شهرة جابرة ونحوها بصدقه مع فسق راويه، فالقول الأول أظهر. نعم لو علم أن العدل المذكور لا يعمل إلا بخبر الثقة بحيث حصل الاطمئنان باستناده إلى ذلك الخبر بخصوصه دون دليل آخر وبعدم قيام قرينة خارجية بصدقه كان ذلك منه تعديلا لكنه فرض نادر. الرابع: الحق أن موافقة الحديث للاجماع لا يدل على صحة سنده لجواز أن يكون مستندا المجمعين غيره أو يكونوا قد استندوا إليه لقيام قرينة خارجية بصدقه وكذا إبقاؤهم خبرا تتوفر الدواعي إلى إبطاله لا يدل على صحة سنده لما أبديناه من الاحتمال المانع للملازمة بين الإبقاء وبين صحة سنده. الخامس: أنه قد يدخل في بعض الأسانيد من لم يقع في كتب الرجال تصريح بعدالته ووثاقته ولا بضعفه ومجروحيته، فمقتضى القاعدة إدخالهم في المجهولين بل لعل القاصر يستكشف من عدم تعرضهم لذكرهم في كتب الرجال عدم الاعتماد عليهم، بل وعدم الإعتداد بهم، ولكن التأمل الصادق يقضي بخلاف ذلك فإنا إذا وجدنا بعض الأعاظم من علمائنا المحدثين يعتنى كثيرا بشأنه ويكثر الرواية عنه، أو يترحم عليه ويترضى عنه كما يتفق ذلك للصدوق - رحمه الله - في بعض من

[97]

يروي عنه ولم يكن حاله معروفا من غير هذه الجهة، أو يقدح في سند روايته من غير جهته وهو في طريقها فلا ريب ولا إشكال في إفادة ذلك مدحا معتدا به، بل ربما يبلغ هذا وأمثاله بسبب تكثر الأمارات وتراكم الظنون حد التوثيق ويحصل لذلك الظن بعدالته وضبطه، ويكون حاله حال الرجل المعدل بتعديل معتبر. وقد نبه على ذلك جمع منهم الشيخ البهائي - رحمه الله - في مشرق الشمسين حيث قال: " قد يدخل في أسانيد بعض الأحاديث من ليس له ذكر في كتب الجرح والتعديل بمدح ولا قدح غير أن أعاظم علمائنا المتقدمين - قدس الله أرواحهم - قد اعتنوا بشأنه وأكثروا الرواية عنه، وأعيان مشايخنا المتأخرين قد حكموا بصحة روايات هو في سندها، والظاهر أن هذا القدر كاف في حصول الظن بعدالته - انتهى ". ولو تنزلنا عن دعوى إفادته الظن بالعدالة فلا أقل من إفادته الظن بوثاقته من جهة الخبر وكونه موثوقا بصدقه، ضابطا في النقل، متحرزا عن الكذب، وذلك كاف في الخبر إذ الشرط في قبوله عندنا هو هذا. والحاصل أنه لا يقطع النظر عن الراوي بمجرد عدم النص عليه بجرح أو تعديل، بل لابد من الفحص عن حاله وتطلب الأمارات الدالة عليه، فلربما تبلغ حد القبول وإن لم تبلغ حد التوثيق والتعديل. ومن ذلك أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، فإن المذكور في كتب الرجال توثيق أبيه، وأما هو ففي مشرق الشمسين " إنه غير مذكور بجرح ولا تعديل "، ومثله عن " الحاوي " فإنه ذكره في خاتمة قسم الثقات التي عقدها لمن لم ينص على توثيقه بل يستفاد من قرائن اخر أنه من مشايخ الإجازة ومن مشايخ المفيد - رحمه الله - والواسطة بينه وبين أبيه، وعن الوجيزة والشهيد الثاني - رحمه الله - توثيقه. وعن المتوسط (1) " إنه من المشايخ المعتبرين وقد صحح العلامة - رحمه الله - كثيرا من الروايات وهو في الطريق بحيث لا يحتمل الغفلة ولم أدر إلى الآن ولم أسمع من أحد يتأمل في توثيقة - انتهى ". فمثل هذا الشيخ الجليل وإن لم ينص على تعديله كما ذكروا ولكن فيما سمعت مما يتعلق بأحواله كفاية. ومثله أحمد بن محمد بن يحيى العطار، فإن الصدوق - رحمه الله - يروي عنه


(1) أي الرجال الوسيط للاستر آبادى.

[98]

كثيرا، وهو من مشايخه والواسطة بينه وبين سعد بن عبد الله. ومثلهما أبو الحسين علي بن أبي جيد، فإن الشيخ - رحمه الله - يكثر الرواية عنه سيما في الاستبصار، وسنده أعلى من سند المفيد لأنه يروي عن محمد بن الحسن بن - الوليد بغير واسطة وهو من مشايخ النجاشي أيضا. قال في " مشرق الشمسين " فهؤلاء وأمثالهم من مشايخ الأصحاب، لنا ظن بحسن حالهم وعدالتهم، وقد عددت حديثهم في " الحبل المتين " وفي هذا الكتاب في الصحيح جريا على منوال مشايخنا المتأخرين ونرجو من الله سبحانه أن يكون اعتقادنا فيهم مطابقا للواقع، وهو ولي الإعانة والتوفيق - انتهى ". وهو كلام متين فإن من البعيد جدا اتخاذ أولئك الأجلاء الرجل الضعيف أو المجهول شيخا يكثرون الرواية عنه ويظهرون الاعتناء به، مع ما علم من حالهم من القدح في جملة من الرواة وإخراجهم لهم عن " قم " بامور غير موجبة للفسق، ألا ترى إلى إخراج رئيسهم أحمد بن محمد بن عيسى، أحمد بن محمد بن خالد البرقي عنها لكونه يروي عن الضعفاء ويعتمد المراسيل، وحينئذ فرواية الجليل فضلا عن الأجلاء عن شخص مما يشهد بحسن حاله بل ربما يشير إلى الوثاقة والاعتماد، وإذا انضمت إلى ذلك قرائن أخر أفادت الظن بالعدالة والثقة. السادس: أنه إذا روى ثقة عن ثقة حديثا وروجع المروي عنه في ذلك الحديث فنفاه وأنكر روايته وكان جازما بنفيه بأن قال على وجه الجزم: ما رويته، أو كذب علي ونحوه، فقد صرح جمع بأنه يتعارض الجزمان والجاحد هو الأصل، وحينئذ فيجب رد ذلك الحديث، لكن لا يكون ذلك جرحا للفرع ولا يقدح في باقي رواياته عنه ولا عن غيره، وإن كان مكذبا لشيخه في ذلك إذ ليس قبول جرح شيخه له بأولى من قبول جرحه لشيخه فتساقطا. هذا إذا أنكر الأصل رواية ذلك الحديث وكان جازما بنفسه. وأما إذا لم ينكره ولكن قال: لا أعرفه، أولا أذكره، أو نحو ذلك مما يقتضي جواز نسيانه، لم يقدح ذلك في رواية الفرع على الأصح الأشهر، لعدم دلالة كلامه على تكذيب الفرع، لاحتمال السهو، والنسيان من الأصل والحال أن الفرع ثقة جازم، فلا -

[99]

يرد بالاحتمال، بل كما لا تبطل رواية الفرع ويجوز لغيره أن يروي عنه بعد ذلك، فكذا يجوز للمروي عنه أولا - الذي لا يذكر الحديث - روايته عمن ادعى أنه سمعه منه فيقول هذا الأصل الذي قد صار فرعا أذا أراد التحديث بهذا الحديث: حدثني فلان عني أني حدثته عن فلان بكذا وكذا. وقد روى كثير من الأكابر أحاديث نسوها بعد ما حدثوا بها، وكان أحدهم يقول حدثني فلان عني، عن فلان بكذا. وصنف في ذلك الخطيب البغدادي أخبار من حدث ونسي وكذلك الدارقطني. ومن ذلك حديث ربيعة بن أبي عبد الرحمن عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وآله قضى باليمين مع الشاهد، قال عبد العزيز الدراوردي: (1) فذكرت ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة وهو عندي ثقة أني حدثته إياه ولا أحفظه، قال عبد العزيز: وقد كان سهيل أصابته علة أذهبت بعض عقله ونسي بعض حديثه، وكان سهيل بعد يحدثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه. وكيف كان فجمهور أهل الحديث والفقه والكلام على أن من روى حديثا ثم نسيه جازالعمل به لوجود المقتضي وعدم المانع إذ ليس إلا صيرورة الأصل فرعا، وذلك غير صالح للمانعية. وخالف في ذلك بعض الحنفية فأسقطوه عن الاعتبار، وهو منهم خطأ والاستدلال لذلك بأن الأصل كما أنه معرض للسهو والنسيان، فكذا الفرع، مردود بأن الأصل غير ناف وقوعه. غايته أنه غير ذاكر، والفرع جازم فيقدم عليه. الجهة السادسة: في بيان الألفاظ المستعملة في التعديل والجرح بين أهل هذا الشأن. قد استعمل المحدثون وعلماء الرجال ألفاظا في التزكية والمدح وأمارات دالة على المدح وألفاظا في الجرح والذم وأمارات دالة على الذم ولابد من البحث عن كل منها ليبين الصريح منها من الظاهر، وتذييلها بسائر الألفاظ المستعملة في كلمات أهل


(1) نسبة إلى الدرابجرد، استثقلوه فقالوا: دراورد، وقد ذكر ربيعة - وهو ربيعة الرأى - من شيوخ سهل بن ذكوان أبي صالح، وفيمن روى عنه.

[100]

الرجال غير الدالة على التحقيق على مدح ولا قدح، فنضع الكلام في مقامات: المقام الأول في ألفاظ المدح: وهي على أقسام: فإن منها ما يستفاد منه مدح الراوي وحسن حاله مطابقة، وحسن روايته بالالتزام كثقة وعدل ونحوهما. ومنها ما هو بالعكس كصحيح الحديث، وثقة في الحديث، وصدوق، وشيخ الإجازة، وأجمع على تصديقه أو على تصحيح ما يصح عنه ونحو ذلك. وكل من القسمين إما يبلغ المدح المستفاد منه إلى حد التوثيق، أم لا. ثم كل منهما إما أن يكون دالا على الاعتقاد الحق أو خلافه، أم لا. فهذه إثنا عشر قسما، ويزيد بضم بعض الأمور إليه بأن يكون مع ذكر ماله دخل في قوة المتن كفقيه، ورئيس العلماء، وفهيم، وحافظ، وله ذهن وقاد وطبع نقاد، وهكذا، أو لا يكون كذلك. وكذا بتعميم المدح إلى ما ليس له دخل لا في السند ولا في المتن، كقارئ ومنشئ، وشاعر، ونحوها. ثم اعلم أن الذي فهمته أن الأواخر إذا قالوا الوثاقة بالمعنى الأعم أرادوا بذلك كون الرجل في نفسه محل وثوق وطمأنينة من دون نظر إلى مذهبه، وإذا قالوا الوثاقة بالمعنى الأخص أرادوا به كونه عدلا إماميا ضابطا، وإذا قالوا العدالة بالمعنى - الأخص أرادوا به العدالة في مذهبنا، وإذا قالوا العدالة بالمعنى الأعم أرادوا بذلك كونه ذا ملكة وإن لم يكن إماميا بأن كان عدلا في مذهبه. وإذا قد عرفت ذلك، فاعلم أن من ألفاظ المدح قولهم: فلان عدل مامي ضابط، أو عدل من أصحابنا الإمامية ضابط. وهذا أحسن العبائر وأصرحها في جعل الرجل من الصحاح. وقد نفى بعض من عاصرناه من الأجلة الخلاف في إفادته التزكية المترتب عليها التصحيح بالاصطلاح المتأخر حتى إذا كان المزكي من أحد فرق الشيعة غير الاثني عشرية فإن كونه منهم لا يكشف عن إرادته بالإمامي الإمامي بالمعنى الأعم الشامل لتلك الفرق، ضرورة ظهور الإمامي في الاثني عشري، وكونه اصطلاحا فيه، فوثاقة

[101]

المزكي تمنع من إرادته باللفظ خلاف ظاهره كما أنها تمنع من إرادته بالعدالة إلا ما وقع الاتفاق عليه. ثم لو اقتصر على أحد الألفاظ الثلاثة أو اثنين منها، فإن كان أحد الأخيرين أو هما، فلا ريب في عدم إفادته المدح البالغ حد التوثيق، بل ولا مطلق المدح، وإن كان غيرهما، فإما أن يكون الأول خاصة أو هو مع الثاني أو هو مع الثالث: أما على الأول أعني الاقتصار على كلمة " عدل " ففي الاقتصار على المذكور أو استفادة مفاد الأخيرين منه وجهان: الأول منها أن إحراز كل من الثلاثة شرط في قبول خبره، والأصل عدم تحقق الشرط إلا بمقدار ما وقع التصريح به، والاقتصار على المتيقن ودفع المشكوك بالأصل لازم ولكن الأظهر هو الوجه الثاني، وفاقا لجمع من أهل التحقيق. لنا: أما على الشق الأول أعني إغناء قولهم: " عدل " عن التصريح بكونه إماميا فهو أن العدالة المطلقة فرع الإسلام والإيمان، فإن الكافر والمخالف، والفرق الباطلة من الشيعة ليسوا بعدول قطعا، فحمل العدل في كلام الشاهد على ظاهره، وهو الإمامي العدل لازم، إذا لا يعدل عن الظاهر إلا لدليل هو هنا مفقود بالفرض. وقد حكي عن " الحاوي " أنه قال: " إعلم أن اطلاق الأصحاب لذكر الرجل يقتضي كونه إماميا فلا يحتاج إلى التقييد بكونه من أصحابنا ولو صرح كان تصريحا بما علم من العادة. وعن " رواشح " السيد الداماد أن عدم ذكر النجاشي كون الرجل إماميا في ترجمته يدل على عدم كونه عاميا عنده. وفي " منتهى المقال " في ترجمة عبد السلام الهروي " أن الشيخ محمد - رحمه الله - قال في جملة كلام له: ذكرنا في بعض ما كتبنا على التهذيب أن عدم نقل النجاشي كونه عاميا يدل على نفيه. وأما على الشق الثاني وهو كفاية قولهم: " عدل " في التزكية المترتب عليها التصحيح وعدم اعتبار التصريح بالضبط فهو أنه يستفاد الضبط بمؤونة غلبة الضبط في الرواة المؤيدة تلك الغلبة بالأصل كما تقدمت الإشارة إلى ذلك في ذيل الكلام على

[102]

اعتبار الضبط فراجع. وربما علل بعضهم إغناء قولهم: " عدل " عن التصريح بالامامية والضبط بظهور قولهم في ذلك عند الاطلاق إما لانصرافه إلى الفرد الكامل، أو لأن القائل إذا شهد به فظاهره بيان أنه ممن يترتب على قوله ما يترتب على قول البينة إذا انضم إلى مثله وعلى الشاهد الواحد مع عدمه بل ظاهره بيان أنه ممن يثبت له جميع آثار العدالة خصوصا في علم الرجال الموضوع لتشخيص من يؤخذ بقوله ولو مع فقد قرائن اخر للاعتماد والاعتبار ولعله لذلك يكتفى بالشهادة بالعدالة في تزكية الشاهد في مقام المرافعات والتقليد مع اعتبار الإمامية والضبط في الشاهد والمجتهد المقلد أيضا، وقد يؤيد المطلوب بأنهم يصفون الخبر بالحسن إذا مدح رواته بما لا يبلغ الوثاقة مع اعتبار الضبط والإمامية في العمل به بل في مفهومه أيضا وكذا في الموثق بالنسبة إلى الضبط، وأقوى تأييدا لاستفادة الضبط بعد البناء على اعتباره أنهم قل ما يذكرونه في حق الرجال فلو لا دلالة المدح والتوثيق ونحوهما على الضبط لكان مدحهم وتوثيقهم من غير تصريح بالضبط خاليا عن فائدة فتصريحهم في بعض الرجال بالضبط تأكيد منهم. ومما ذكرنا ظهر الحال فيما لو اقتصر على اللفظ الأول مع الثاني أو هو مع الثالث. ومنها قولهم: ثقة، وأصلها من الوثوق يقال: وثق به ثقة: ائتمنه، والوثيق: المحكم، كذا قال في القاموس وغيره. فهي صفة مشبهة تدل على الدوام والثبوت وتقتضي الاطمينان من الكذب والتحرز عن السهو والنسيان إذ مع اعتياد الرجل الكذب وكثرة السهو والنسيان لا يمكن الوثوق به ويمكن أن يسري إلى باقي أنواع المعاصي، فإن العادة تقضي بعدم الوثوق بشارب الخمر ومرتكب الفجور وغير ذلك من المعاصي. وهذا هو المراد بالعدالة بمعنى الملكة التي تبعث على ملازمة التقوى واجتناب الكبائر والإصرار على الصغائر، ولذلك اتفق الكل على إثبات العدالة بهذه الكلمة من غير شك ولا اضطراب وحينئذ فحيثما تستعمل هذه الكلمة في كتب الرجال مطلقا من غير تعقيبها بما يكشف عن فساد المذهب تكفي في إفادتها التزكية المترتب عليها التصحيح باصطلاح المتأخرين، لشهادة جمع باستقرار اصطلاحهم على

[103]

إرادة العدل الامامي الضابط من قولهم ثقة وقد سمعت في تنبيهات الكلام على اشتراط الضبط عبارة " مشرق الشمسين " الناطقة بذلك وبأن السر في عدولهم عن قولهم: عدل إلى قولهم: ثقة إفادة الضبط لاجتماع العدالة مع عدم الضبط بخلاف قولهم ثقة إذ لا وثوق بمن يتساوى سهوه وذكره أو يغلب سهوه على ذكره فقولهم: " ثقة " أقوى في التزكية المصححة للحديث من قولهم: عدل لأن الضبط هناك كان يحرز بالأصل والغلبة، وهنا بدلالة اللفظ بعد استقرار اصطلاحهم المذكور مع ما تقرر في محله من جمل كلام كل ذي اصطلاح على مصطلحه عند عدم القرينة على الخلاف. وكفى بالمحقق البهائي (ره) شاهدا باستقرار الاصطلاح مضافا إلى تأيدها بشهادة المحقق الشيخ محمد - رحمه الله - بأنه " إذا قال النجاشي ثقة ولم يتعرض لفساد المذهب فظاهره أنه عدل إمامي، لأن ديدنه التعرض للفساد، فعدمه ظاهر في عدم ظفره، وهو ظاهر في عدمه لبعد وجوده مع عدم ظفره لشدة بذل جهده وزيادة معرفته، وعليه جماعة من المحققين - انتهى ". وإن كان قصره على النجاشي محل منع، فإن الأصحاب لا يفرقون بين صدور هذه الكلمة من النجاشي أو غيره، ولقد أجاد الوحيد البهبهاني - رحمه الله - حيث جعل ذلك من المسلمات في حق النجاشي وغيره. قال في التعليقة بعد نقل عبارة الشيخ محمد ما لفظه: " لا يخفى أن الرواية المتعارفة المسلمة المقبولة أنه إذا قال عدل إمامي - النجاشي كان أو غيره -: فلان ثقة أنهم يحكمون بمجرد هذا القول بأنه عدل امامي، إما لما ذكر، أو لأن الظاهر من الرواة التشيع والظاهر من الشيعة حسن العقيدة، أو لأنهم وجدوا منهم أنهم اصطلحوا ذلك في الإمامية وإن كانوا يطلقون على غيرهم مع القرينة، فإن معنى " ثقة عادل " أو عادل ثبت " فكما أن عادل ظاهر فيهم فكذا ثقة، أو لأن المطلق ينصرف إلى الكامل أو لغير ذلك على سبيل منع الخلو - انتهى ". ويؤيد ذلك أنك تراهم يصححون السند إذا كان رجاله ممن قيل في حقه ثقة أو عادل بدون التصريح بالضبط، أو كونه إماميا مع أن المعروف المدعي عليه الإجماع اعتبار كونه إماميا ضابطا في التسمية بالصحيح، فعملهم مع بنائهم على اشتراط الضبط أقوى شاهد على استفادة الضبط من هذه اللفظة فتأمل كي يظهر لك إمكان

[104]

استفادة الضبط من الخارج صرفا للأصل أو الغلبة على ما مر. بقي هنا امور: منها أنه قد يورد على ما بيناه من استقرار الاصطلاح على إرادة العدل الإمامي الضابط من قولهم ثقة إشكال، تقريره أنهم كثيرا ما يطلقون اللفظة في حق شخص ثم يصرحون متصلا به أو منفصلا وكذا يصرح غيرهم بأنه فطحي، أو واقفي أو عامي، فلو كان فيها دلالة على الإمامية كان بين التصريحين تناف وتناقض ونحن نراهم لا يرتبون آثار التنافي، بل يبنون على الجمع بينهما إلا عند مرجح خارجي للأول. وبالجملة فمقتضى التناقض التزام الترجيح مطلقا فالتزامهم بتقديم الأخير على الأول وعدم التماس المرجح يكشف عن عدم دلالة اللفظة على الإمامية. ويمكن دفع هذا الإشكال تارة بأن عملهم يكشف عن إرادتهم بقولهم ثقة فيما إذا عقبوه بقولهم واقفي أو نحوه أنه موثق مؤتمن ضابط. واخرى بأن استفادة الإمامية من نفس قولهم: ثقة أو مع القرينة لم تكن لدعوى صراحتها في ذلك حتى يلزم ما ذكر بل المدعى ظهورها فيه ولا ريب في أنه يخرج عن الظهور بالتصريح بالخلاف إذا لم يكن موهونا في نفسه أو بأمر خارج. ومنها: أنه إذا قال غير الإمامي: إن فلانا ثقة، دل على أنه متحرز عن الكذب صدوق مؤتمن، بل لا يبعد دلالته على أنه عادل في مذهبه، ودلالته على كونه إماميا عدلا في مذهبنا مبني على إحراز التزام ذلك القائل بالاصطلاح الجاري في لفظ الثقة فإن علم إرادته الثقة بالاصطلاح المزبور اعتبر، وإلا فالأظهر عدم دلالتها على كون المشهود له إماميا، ولا كونه عدلا على مذهبنا. ومنها: أنه إذا قال عدل من أهل الرجال: أن فلانا ليس بثقة، فعند من ينكر استقرار الاصطلاح في لفظ الثقة ويدعي استفادة عدالة الراوي وكونه إماميا من القرائن الخارجية لا تفيد الشهادة المزبورة إلا نفي تحرزه عن الكذب، وأما عند من التزم باستقرار الاصطلاح فمفاد الشهادة المذكورة أنه ليس فيه مجموع الصفات الثلاث ولا يدل على انتفاء جميعها أو بعض منه بالخصوص، فلو قام دليل على اتصافه ببعضها لم يكن ذلك معارضا له.

[105]

نعم لو قام دليل على اتصافه بجميعها كان ذلك معارضا له ووجب الرجوع إلى ما تقتضيه قاعدة التعارض. ومنها: أنه قد يتفق في بعض الرواة أنه يكرر في حقه لفظ الثقة، وذلك يدل على زيادة المدح، كما صرح بذلك جمع منهم ثاني الشهيدين في البداية. ولكن ربما يحكى عن جمع من أهل اللغة منهم ابن دريد في الجمهرة " أن من جملة الإتباع قولهم: " ثقة نقة " - بالثاء في الأول، والنون في الثاني - وحينئذ فاحتمل بعضهم أن يكون ما وقع فيه الجمع بين هاتين الجملتين جريا على طريق الإتباع لا التكرير، ثم صحف فاعتقد أنه مكرر. ويبعد هذا الاحتمال جزم جمع منهم ابن داود في رجاله بالتكرير ولا يضر خلو كلام السابقين عليه عن التعرض لبيان المراد منه، ويزداد الاحتمال بعدا بعدم تداول كلمة نقة بالنون على ألسن أهل الرجال والحديث ولا تكلم بها أحد قط واستعمالها عقيب ثقة فقط لا مقتضى له، ويبعدا اختصاصه من بين جميع مواضع استعمالاتها بهذا الموضع مع عدم استعمالها في غيره. ومن ألفاظ المدح قولهم: " ثقة في الحديث " أو " في الرواية ": ولا ريب في إفادته المدح التام، وكونه معتمدا ضابطا فيكون حكمه حكم الموثق. وفي دلالته على كونه إماميا وجهان. ومنها قولهم: " صحيح الحديث ". لا ينبغي التأمل في إفادته صحة روايته بالاصطلاح المتأخر، إن كانت العبارة في كلام أهل هذا الاصطلاح، ضرورة أن كلام كل ذي اصطلاح يحمل على مصطلحه عند عدم القرينة على خلافه كما أوضحناه في محله. ومن البين عدم الفرق بين تصريح أهل هذا الاصطلاح بأنه عدل إمامي ضابط وبين تصريحهم بأنه صحيح الحديث. وأما إن كانت العبارة في كلمات القدماء فلا ريب ولا شبهة في إفادتها مدح الراوي مدحا كاملا في روايته بل نفسه أيضا، وكون روايته من القوي، وفي إفادته كونه عدلا وجهان أظهرهما ذلك. ومنها قولهم: " حجة ": ولا شبهة في إفادته في حق من اطلق عليه مدحا كاملا في روايته، بل نفسه، وكون روايته من القوي، بل الأظهر دلالته على كونه عدلا إماميا ضابطا، لاستقرار اصطلاحهم على ذلك كما شهد به الشهيد الثاني - رحمه الله - في

[106]

البداية، حيث قال: " حجة أي ممن يحتج بحديثه. وفي إطلاق اسم المصدر عليه مبالغة ظاهرة في الثناء عليه بالثقة " والاحتجاج بالحديث وإن كان أعم من الصحيح - كما يتفق بالحسن والموثق بل بالضعيف على ما سبق تفصيله - لكن الاستعمال العرفي لأهل هذا الشأن لهذه اللفظة يدل على ما هو أخص من ذلك وهو التعديل وزيادة. نعم لو قيل: يحتج بحديثه ونحوه لم يدل على التعديل لما ذكره، بخلاف إطلاق هذه اللفظة على نفس الراوي بدلالة العرف الخاص، ومثل هذه الشهادة بضرس قاطع كاف في إثبات المطلوب. ومنها قولهم: " أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه: لا شبهة في وقوع هذا الإجماع في حق جمع. وأول من ادعاه فيما نعلم الشيخ الثقة الجليل أبو عمرو الكشي في رجاله، ثم الشيخ والنجاشي ثم من بعدهما من المتقدمين والمتأخرين كابن طاووس، والعلامة، وابن داود، وصاحب المعالم، والشهيدين، والشيخ سليمان، والسيد الداماد ونظيرهم والكلام هنا في مقامين: الأول: في المراد بهذه العبارة: فإن فيه احتمالات ولكل منها قائل: أحدها: أن المراد بذلك، تصحيح رواية من قيل في حقه ذلك، بحيث لو صحت من أول السند إليه عدت صحيحة من غير اعتبار ملاحظة أحواله وأحوال من يروي عنه إلى المعصوم عليه السلام، ولا فرق بين العلم بمن رووا عنه ومعرفة حاله وعدمه، فلا فرق حينئذ بين مسانيدهم ومراسيلهم ومرافيعهم. وهذا القول قد وصفه المحقق الوحيد في فوائده الرجالية بالشهرة، وجعله هو ظاهر هذه العبارة، وقد جعله في منتهى المقال أيضا هو الظاهر المنساق إلى الذهن من العبارة. فهذا القول في تفسير هذا الإجماع هو الذي عزاه في أول الوافي إلى جماعة من المتأخرين، حيث قال بعد نقل عبارة الكشي المتضمنة لنقل هذا الإجماع: " إنه قد فهم جماعة من المتأخرين من قوله: " أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء " الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم، ونسبته إلى أهل البيت عليهم السلام بمجرد صحته عنهم من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه. حتى لو رووا عن معروف بالفسق أو بالوضع، فضلا عما لو أرسلوا الحديث، كان ما نقلوه صحيحا محكوما على نسبته إلى

[107]

أهل العصمة صلوات الله عليهم ". ثانيها: أن المراد به كون من قيل في حقه ذلك، صحيح الحديث لا غير، بحيث إذا كان في سند فوثق من عداه ممن قبله وبعده، أو صحح السند بغير التوثيق بالنسبة إلى غيره، عد السند حينئذ صحيحا، ولا يتوقف من جهته. وأما من قبله وبعده فلا يحكم بصحة حديث أحد منهم لهذا الإجماع. وقد نقل هذا الوجه في منتهى المقال عن استاذه السيد صاحب الرياض ومعاصر له، قال - رحمه الله - (بعد نقل القول الأول ما لفظه: " والسيد الاستاذ دام علاه بعد حكمه بذلك يعني بالقول الأول وسلوكه في كثير من مصنفاته كذلك بالغ في الإنكار، وقال: " بل المراد دعوى الإجماع على صدق الجماعة وصحة ما ترويه، إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه، فإذا قال أحد الجماعة: حدثني فلان، فلا يكون الإجماع منعقدا على صدق دعواه، وإذا كان فلان ضعيفا أو غير معروف لا يجديه ذلك نفعا. وقد ذهب إلى ما ذهب إليه بعض أفاضل العصر، وليس لهما - دام ظلهما - ثالث. وسائر أساتيدنا ومشايخنا على ما ذهب إليه الاستاذ العلامة - أعلى الله تعالى في الدارين مقامهم ومقامه -. وادعى السيد الاستاذ - دام ظله - انه لم يعثر في الكتب الفقهية من الأول كتاب الطهارة إلى آخر كتاب الديات على عمل فقيه من فقهائنا بخبر ضعيف محتجا بأن في سنده أحد الجماعة، وهو إليه صحيح ". ثالثها: أن المراد به توثيق خصوص من قيل في حقه ذلك، حكي في الفصول إسناد هذا التفسير إلى الأكثر عن قائل لم يسمه. واختاره الفاضل الأستر ابادي في لب اللباب مدعيا عليه الإجماع، حيث قال: " إن قولهم: " أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه " ظاهر في مدح الرواية. ولكنه يفيد وثاقه الراوي أيضا - إلى أن قال: - فلا بد من كون الموصوف بذلك الوصف ثقة معتمدا، حتى يمكن أن يقال في حقه: إن ما يصح عنه فهو صحيح مع أن الإتيان بلفظ المضارع دون الماضي دليل على ما ذكر، كما لا يخفى، مضافا إلى أنه أجمعت العصابة على أن قولهم: أجمعت العصابة يفيد الوثاقة بالنسبة إلى من ورد في حقه تلك اللفظة. ولا نزاع في ذلك، وإنما النزاع في إفادته صحة الحديث مطلقا، فلا يلاحظ من كان بعد ذلك الشخص في الذكر إلى المعصوم

[108]

عليه السلام، بل لو كان ضعيفا لم يكن قادحا في الصحة كما عن المشهور، وعدمها كما عن بعض كما هو المتيقن، فإن دلالة الألفاظ بالوضع أو بالقرينة. والوضع إما لغوي أو عرفي، عام أو خاص. ولم يثبت الوضع بأنواعه بالنسبة إلى إفادة تعديل من كان واقعا بعد ذلك الشخص، وكذا القرينة، وإن كان الأول لعله الظاهر من العبارة، كما قيل. رابعها: أن المراد به توثيق من كان بعد من قيل في حقه ذلك، أسنده في الفوائد إلى توهم بعض. ولا ريب في أن مراد هذا القائل توثيق المقول في حقه أيضا. كما يشهد بذلك أن صاحب الفصول - رحمه الله - بعد نقل القول السابق قال: " وربما " قيل بأنه تدل على وثاقة الرجال الذين بعده أيضا - انتهى ". وأقول: يتجه على هذا التفسير ما نوقش به في سابقه وزيادة. وتحقيق القول في المسألة: أنك قد عرفت فيما مضى، حجية الظن في الرجال لانسداد باب العلم في هذا الباب، ولا ريب في إيراث الإجماع المزبور الظن، كما لا ريب في حجية ما يظهر من اللفظ المزبور لكونه كغيره من الألفاظ التي هي حجة. والذي يظهر لكل ذي ذهن مستقيم هو التفسير الأول الذي فهمه المشهور. بل قيل: إنه لو كان في الظهور المزبور في نفسه قصور، فهو بفهم المشهور مجبور، وإن لم نقل بجبر الشهرة، لقصور الدلالة في الاخبار، لأن المدار هنا على مطلق الظن دون الإخبار، فإن المدار فيها على الاطمينان. وأما التفسير الثاني فقد عرفت سقوطه. وأما التفسير الثالث فقد سمعت ما فيه من المناقشات مضافا إلى ما قيل عليه من أنه إن كان المراد به ما ينفي التفسير الأول فلا ريب في ضعفه، فإن الظهور بمرئى منا، وهو مع التفسير الأول، كما أن مصير المشهور هو ذاك. بل لم نقف على مصرح بالثالث غير من مر، فأين الكثرة والإجماع اللذين ادعاهما الأستر ابادي ؟: وإن كان المراد به زيادة على التفسير الأول إثبات وثاقة الرجل المقول في حقه اللفظ المزبور نظرا إلى ما نقلناه عن البعض الاستدلال للتفسير الثالث به، ففيه أن ذلك على فرض تسليم إفادته بنفسه أو بانضمام اللفظ المزبور شرطا أو شطرا للظن المعتبر، معارض

[109]

بظهور عبائر المشهور، بل صراحتها في نفي ذلك، مع أن الظاهر خلافه، بل هو استدلال بالأعم، لإمكان أن يكون منشأ إجماعهم مع اختلاف مشاربهم هو وقوفهم على نهاية دقة المقول فيه ذلك اللفظ في نقل الرواية، بحيث لا يروي إلا ما علم أو ظن بصحته مع معرفته بعيوب الرواية والرواة، وهذا لا يستلزم وثاقته في نفسه غاية الأمر كونه ثقة في النقل خاصة كما مر في اللفظ المزبور، إلا أن هناك استظهرنا وثاقته في نفسه من قرائن اخر. فلو وجد مثلها في المقام، لم نكن نأبى عنه، وإلا فالمسلم وثاقته في الحديث، لا وثاقته في نفسه، حتى يحكم بكونه ثقة بالاصطلاح المتأخر. فإن قلت: إنا لم نستفد من نفس العبارة وثاقة هؤلاء في أنفسهم، فلا أقل من استفادة ذلك بضميمة أنه يبعد كل البعد عدم وثاقة الراوي في نفسه بالمعنى الأخص، ومع ذلك اتفق جميع العصابة على تصحيح جميع ما رواه على الاعتماد على أحاديثه وأخباره، مع ملاحظة أن كثيرا من الأعاظم الثقات من الرواة لم يتحقق منهم الاتفاق على تصحيح حديثه، ولا قيل في حقه هذا القول، ولا ادعيت هذه الدعوى له، فليس إلا لكون هؤلاء بمرتبة فوق العدالة بمراتب. قلت: نعم، ولكنا لما وجدنا منهم من هو فطحي كعبد الله بن بكير، بل والحسن بن علي بن فضال على قول، علمنا بأن المراد بالوثاقة الموثقية والعدالة بالمعنى الأعم دون الوثاقة، فتأمل جيدا. وأما التفسير الرابع فقد قيل: إن منشأه الأخذ بالتفسير الأول مع حمل لفظ التصحيح والصحة في العبارة على الصحة بالاصطلاح المتأخر المتوقفة على عدالة الرواة. وأنت خبير بأنه لا وجه لذلك، لأن العبارة المزبورة أصلها من الكشي ونحوه من القدماء الذين لم يكن اصطلاحهم في لفظ الصحيح هو الاصطلاح المتأخر. بل الصحة في اصطلاحهم عبارة عن كون الرواية معتبرة وثوقا بصدورها عن المعصوم عليه السلام، ولو لقرائن خارجية. فلازم حمل كلام كل ذي اصطلاح على مصطلحه هو كون مرادهم بالإجماع على صحة ما يصح عن هؤلاء، الإجماع على كون ما يوثق برواية هؤلاء له موثوقا بصدوره عن المعصوم عليه السلام ولو لقرائن خارجية. وقد تلخص من ذلك كله أن المعتمد في تفسير العبارة هو التفسير الأول. وأن

[110]

ما يصح عن هؤلاء مع ضعف أحد من بعدهم من رجال السند، لا ينبغي أن يسمى صحيحا بالاصطلاح المتأخر، بل ينبغي تسميته قويا أو كالصحيح، ولعل هذا هو مراد المحقق الوحيد - قدس الله سره - بقوله في آخر كلامه: " وعندي أن رواية هؤلاء إذا صحت إليهم، لا تقتصر عن أكثر الصحاح ". المقام الثاني: في تعداد الجماعة وتعيين أسمائهم. وحيث أن أول من نقل الإجماع هو الكشي، لزمنا نقل كلامه برمته: قال ما هذا لفظه: " أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأولين من أصحاب أبي جعفر وأبي - عبد الله عليهما السلام وانقادوا لهم بالفقه، فقالوا: أفقه الاولى ستة: زرارة، ومعروف بن خربوذ، وبريد، وأبو بصير الأسدي، والفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الطائفي، قالوا: وأفقه الستة زرارة. وقال بعضهم مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، وهو ليث بن البختري، ثم أورد أحاديث كثيرة في مدحهم وجلالتهم وعلو منزلتهم والأمر بالرجوع إليهم، ثم قال: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد الله عليه السلام: أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون وأقروا لهم بالفقه من دون اولئك الستة الذين عددناهم وسميناهم ستة نفر: جميل بن - دراج، وعبد الله بن مسكان، وعبد الله بن بكير، وحماد بن عيسى، وحماد بن عثمان، وأبان بن عثمان. قالوا: وزعم أبو اسحاق الفقيه يعني ثعلبة بن ميمون أن أفقه هؤلاء جميل بن دراج وهم أحداث أصحاب أبي عبد الله عليه السلام. ثم قال بعد ذلك: تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم وأبي الحسن الرضا عليهما السلام: أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم، وأقروا لهم بالفقه والعلم، فهم ستة نفر آخر دون الستة النفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه السلام: فهم يونس بن عبد الرحمن، وصفوان بن يحيى بياع السابري، ومحمد بن أبي عمير، وعبد الله بن - المغيرة، والحسن بن محبوب، وأحمد بن محمد بن أبي نصر. وقال بعضهم مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضال، وفضالة بن أيوب. وقال بعضهم مكان فضالة: عثمان بن عيسى. وأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى. ثم ذكر أحاديث في حق هؤلاء والذين قبلهم. وأقول: قد جعل - قدس سره - في الستة الاولى

[111]

الخلاف في واحد وهو أبو بصير، حيث قال: إنه الأسدي، وحكى عن بعض أنه ليث المرادي، وفي الستة الأخيرة جعل مكان ابن محبوب، الحسن بن علي بن فضال وفضالة على قول، وابن محبوب وعثمان بن عيسى على قول آخر. وقد نظم العلامة الطباطبائي - قدس سره - في الستة الأخيرة من عينه هو وفي الستة الأولى من نقله عن بعض قولا وجعل ذلك الأصح عنده قال - رحمه الله -: قد أجمع الكل على تصحيح ما * يصح عن جماعة فليعلما وهم أولوا نجابة ورفعة * أربعة وخمسة وستة فالستة الأولى من الأمجاد * أربعة منهم من الأوتاد " زرارة " كذا بريد قد أتى * ثم محمد " وليث " يافتى كذا فضيل بعده معروف * وهو الذي ما بيننا معروف والستة الوسطى اولوا الفضائل * رتبتهم أدنى من الأوائل " جميل " الجميل مع أبان * والعبد لان، ثم حمادان والستة الأخرى هم صفوان * يونس عليهما الرضوان ثم ابن محبوب كذا محمد * كذاك عبد الله ثم أحمد وما ذكرناه الأصح عندنا * وشذ قول من به خالفنا قلت: وجه الأصحية في عدابن محبوب في الستة الأخيرة ظاهر، لموافقته لإجماع الكشي. وأما الأصحية في عد الليث بدل الأسدي، فلم أفهم وجهها لمخالفته لعد الكشي الذي هو الأصل في هذا الإجماع. فتدبر جيدا. بقي هنا شئ: وهو أن من عدا الكشي عد الستة الاولى ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنه، وعبارة الكشي المزبوة قاصرة عن إفادة ذلك. لأنه نقل الإجماع على تصديقهم. وظاهر التصديق غير تصحيح ما يصح عنهم، لكن دعوى غيره ممن نقل الاجماع سيما مثلا العلامة الحلي والطباطبائي وغيرهما يكشف عن وجود قرينة على إرادة الكشي من تصديق هؤلاء تصحيح ما يصح عنهم. ولو أغمضنا عن ذلك ففي دعوى مثل العلامتين الإجماع كفاية في إفادة الظن الكافي في الرجال، فلا وجه لما حكي عن السيد الأجل السيد محسن الأعرجي (قدس سره) في عدته من

[112]

التأمل في كون الستة الأولى ممن أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح عنهم، حيث قال: " إنه قد حكى الإجماع على تصحيح ما يصح عن الأواسط والأواخر غير واحد من المتأخرين كابن طاووس والعلامة وابن داود، وحينئذ فما اشتهر بين جملة من أهل هذا الفن كالشيخ أبي علي في كتابه منتهى المقال، وصاحب المعالم في كتابه منتفى الجمان وغيرهما من أن الطائفة أجمعت على تصحيح ما يصح عن ثمانية عشر: ستة من الأوائل، وستة من الأواسط، وستة من الأواخر مما لا وجه له ولا أصل. فإن الستة الأوائل لم يدع في حقهم هذه الدعوى ولا قيل فيهم هذا القول، وان المدعى فيهم إنما هو إجماع العصابة على تصديقهم والانقياد لهم بالفقه، وأين هذه الدعوى من تلك - انتهى ". فإن فيه ما عرفت من كفاية نقل من ذكره في إفادة الظن الكافي في الرجال، وما أبعد ما بينه وما بين ما صدر من بعضهم من عدهم اثنين وعشرين، جمعا بين الأقوال. تذنيب: قد شهد الثقات بوثاقة جمع غير أصحاب الإجماع، وعملت الطائفة بأخبارهم لوثاقتهم، وهم أكثر من أن يحصر. وقد قال الشيخ المفيد - رحمه الله - وابن شهر آشوب والطبرسي وغيرهم: " إن الذين رووا عن الصادق عليه السلام من الثقات كانوا أربعة آلاف رجل، وزاد الطبرسي أنه صنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب معروفة. وتسمى الاصول - انتهى " وأما الاصول المعتمدة والكتب المعول عليها وما حكموا بصحته فكثيرة جدا. وأما الذين وثقهم الأئمة عليهم السلام وأمروا بالرجوع إليهم والعمل بأخبارهم وجعلوا منهم الوكلاء والأمناء فكثيرون أيضا، يعرفون بالتتبع في كتب أهل الفن. وأما من عرف بين الأصحاب بأنه لا يروي إلا عن ثقة، فقد اشتهر بذلك جماعة، منهم محمد بن أبي عمير، وصفوان، وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي، بل ادعي على ذلك الاجماع، ولذلك اشتهر بين الأصحاب قبول مراسيلهم كما في الذكرى وغيرها، بل عن ظاهر الشهيد رحمه الله دعوى الأجماع على ذلك، لكن قد يقال: إنا وجدناهم كثيرا ما يروون عن الموثقين كأبان بن عثمان وعثمان بن عيسى. ومنه رواية ابن أبي عمير والبزنطي عن عبد الكريم بن عمرو الثقة

[113]

الواقفي. فلعلهم أرادوا بالثقة في قولهم " لا يروون إلا عن ثقة " كما عن الشيخ - رحمه الله - في العدة وغيره، المعنى الأعم، فإنهم كثيرا ما يطلقونه على ذلك. لا يقال: إنا قد وجدناهم يروون عن الضعفاء أيضا كعلي بن أبي حمزة البطائني الضعيف على المشهور، لأنا نقول: إن علي بن أبي حمزة ممن قال الشيخ - رحمه الله - إن الطائفة علمت بأخباره وله حال استقامة فلعل رواية هؤلاء عنه كانت في حال استقامته، وإن الطائفة إنما عملت بأخبار زمان استقامته، فتأمل جيدا. ومنها قولهم: " من أصحابنا ". فإن بعضهم جعل ذلك من ألفاظ المدح، واستفاد منه كون المقول فيه إماميا، إذا كان القائل إماميا، ولا بأس به، والاستدلال على العدم بظهور عباراتهم في عدم اختصاصه بالفرقة الناجية كما في عبد الله بن جبلة ومعاوية بن حكيم، حيث عدا من أصحابنا، مع أن الأول واقفي والثاني فطحي وبقول الشيخ (في أول الفهرست): " كثير من مصنفي أصحابنا وأصحاب الأصول ينتحلون المذاهب الفاسدة " مردود بأن استعمالهم العبارة في مورد أو موردين في خلاف ظاهرها للقرينة لا يسقط ظاهرها عن الاعتبار. وأما عبارة الشيخ - رحمه الله -، فلا دلالة فيها على مدعى المستدل. إذ لعل غرضه فساد عقيدتهم بعد التصنيف، فتدبر حتى يظهر لك ما فيه من التعسف، والحق أن المراد بكونهم من أصحابنا عدم كونهم من العامة. ومنها قولهم " عين " و " وجه " وقد يضم إلى الأول " من عيون أصحابنا " وإلى الثاني " من وجوه أصحابنا " وقد يضاف الجمع إلى الطائفة، وقد جعل المولى الوحيد - رحمه الله - المنضم أقوى من المفرد، ونقل في مفرد كل منهما قولا لم يسم قائله بإفادته التعديل، ثم قال: " ويظهر ذلك من المصنف - رحمه الله - في ترجمة الحسن بن علي بن زياد، وسنذكر عن جدي في تلك الترجمة معناهما واستدلاله على كونهما توثيقا، وربما يظهر ذلك من المحقق الداماد أيضا في الحسين بن أبي العلاء، وعندي أنهما يفيدان مدحا معتدا به - انتهى " وأشار بما يظهر من المصنف إلى ما حكي عن مصنفه في تلك الترجمة من قوله: " ربما استفيد توثيقه من استجازه أحمد بن محمد بن عيسى، ولا ريب أن كونه عينا من عيون

[114]

هذه الطائفة ووجها من وجوهها أولى بذلك - انتهى ". وعن التعليقة في الترجمة المزبورة عن جده أنه قال: " عين " توثيق، لأن الظاهر استعارته بمعنى الميزان باعتبار صدقه كما كان الصادق عليه السلام يسمى أبا - الصباح بالميزان لصدقه، ويحتمل أن يكون بمعنى شمسها أو خياره، بل الظاهر أن قولهم " وجه " توثيق، لأن دأب علمائنا السابقين في نقل الأخبار كان عدم النقل إلا عمن كان في غاية الثقة، ولم يكن يومئذ مال ولا جاه حتى يتوجهوا إليهم بها بخلاف اليوم، ولذا يحكمون بصحة خبره - انتهى ". قلت: إن تم ما ذكره، كان المقول فيه من الموثق، وإلا لكونه اجتهاد منه لم يعلم إصابته، وعدم كونه نقلا للاصطلاح فهو من القوي. وعلى كل منهما فاسم التفضيل منه أدل على ذلك، فقولهم: " فلان أوجه من فلان " يفيد الوثاقة على اجتهاده، إذا كان المفضل عليه وجها، والقوة على القول الآخر، وأما قولهم: " أوثق من فلان " مع وثاقة المفضل عليه، فلا شبهة في دلالته على الوثاقة. كما أن قولهم: " أصدق من فلان " أو " أورع من فلان " مع وثاقة فلان، يكون توثيقا، قضاء لحق اسم التفضيل. ومنها قولهم: " ممدوح ". ولا ريب في إفادته المدح في الجملة لا الوثاقة، ولا الإمامية، بل ولا المدح المعتد به الموجب لصيرورة الحديث حسنا، ضرورة أن من المدح ما له دخل في قوة السند وصدق القول، مثل: " صالح " و " خير ". ومنه مالا دخل له في السند بل في المتن، مثل " فهيم " و " حافظ ". ومنه مالا دخل له فيهما، مثل " شاعر " و " قارئ "، فحيث يطلق ولا توضع قرينة على إرادة الأول، لم يدل على المدح المعتد به، لأن العام لا يدل على الخاص. ومنها قولهم: " من أولياء أمير المؤمنين عليه السلام " ولا ريب في دلالته على المدح المعتد به الموجب لصيرورة السند من القوي، إن لم يثبت كونه إماميا، ومن الحسن إن ثبت كونه إماميا. وربما جعل ذلك دالا على العدالة، ويستشهد له بعد العلامة - رحمه الله - سليم بن قيس من أولياء أمير المؤمنين

[115]

عليه السلام في آخر القسم الأول من " الخلاصة "، وأنت خبير بعدم الشهادة إلا على أنه معتمد، لأن القسم الأول وضعه فيمن يعتمد هو عليه، أعم من العدالة وعدمها، فالأظهر أعمية العبارة من العدالة، وفي حكمها قولهم: " من أولياء أحد الأئمة عليهم السلام. نعم في " الفوائد " أن قولهم: " من الأولياء " من دون إضافته ظاهر في العدالة، ولم أفهم الوجه في ذلك، ولعله لذا أمر بالتأمل، وأما قولهم " خاصي "، فإن أريد به ما يراد من قولهم من خاصة الإمام الفلاني (ع)، دل على المدح المعتد به وأفاد. الحسن، وإن اريد ما قابل قولهم " عامي " كما هو الأظهر، لم يفد إلا كونه إماميا، وعند الإطلاق يكون الأمر فيه مشتبها وتعين الأخذ منه بالقدر المتيقن. وهذا بخلاف قولهم " صاحب سر أمير المومنين (ع) " كما في قول كميل للأمير (ع): " ألست صاحب سرك " حين سأله عن الحقيقة، فإن الظاهر أنه يفيد ما فوق الوثاقة، فإن تحميل السر إنما يكون لمن هو فوق العدالة ممن له نفس قدسية مطمئنة منقادة مطيعة لحبس ما تحملت أمينة على ما اطلعت، ولذلك قال (ع) في الحديث المشهور: " لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله ". ولقد كان أكثر أصحابه ثقات عدولا، ولم يكن صاحب سره إلا معدودا، ولذا كان كاتما للأسرار، لا يبين منهما إلا نادرا لنادر. وكذلك كان أصحاب سائر الأئمة عليهم السلام، فكون الرجل صاحب السر، مرتبة فوق مرتبة العدالة بمراتب شتى كما لا يخفى. ومنها قولهم: " هو من مشايخ الإجازة أو هو شيخ الإجازة ". ولا ريب إفادته المدح المعتد به. وفي الفوائد " أن المتعارف عده من أسباب الحسن. قلت: وفي دلالته على الوثاقة وجهان، وقد حكى دلالته في التعليقة عن المجلسي الأول ومصنفه الميرزا محمد الأستر آبادي في ترجمة الحسن بن علي بن - زياد، ونادرة الزمان الشيخ سليمان البحراني، بل حكى عن الأخير أنه في أعلى درجات الوثاقة والجلالة، ثم نفى هو - رحمه الله - خلوه عن قرب، إلا أنه تأمل في كونه في أعلى درجاتها. وأقول: نسبته ذلك إلى مصنفه لم يقع في محله، لأن الموجود فيه في ترجمة الحسن بن علي بن زياد هو قوله: " وربما استفيد توثيقه من استجازة أحمد بن محمد بن - عيسى، ولا ريب أن كون عينا من عيون الطائفة وووجها من وجوهها أولى بذلك ".

[116]

فإن ظاهره نقل الاستفادة عن مجهول دون أن يكون هو المستفيد، فتدبر. وعلى أي حال فقد حكي عن " المعراج " أن التعديل بهذه الجهة طريقة كثير من المتأخرين. وقال الشهيد الثاني - رحمه الله - في " البداية ": إن مشايخ الإجازة لا يحتاجون إلى التنصيص على تزكيتهم - إلى أن قال -: إن مشايخنا من عهد الكليني - رحمه الله - إلى زماننا لا يحتاجون إلا التنصيص لما اشتهر في كل عصر من ثقتهم وورعهم - انتهى ". قلت: هذا ليس منه شهادة باستقرار الاصطلاح، حتى يكون حجة، بل تمسكا بالاستقراء أو بالغلبة، ولا بأس بذلك إن تم لإفادته الظن الذي ثبتت حجيته في الرجال. وقال المولى الوحيد: " إذا كان المستجيز ممن يطعن على الرجال في روايتهم عن المجاهيل والضعفاء وغير الموثقين، فدلالة استجازته على الوثاقة في غاية الظهور، سيما إذا كان المجيز من المشاهير، وربما يفرق بينهم وبين غير المشاهير بكون الأول من الثقات ولعله ليس بشئ - انتهى ". وأقول: الوجه فيما ذكره ظاهر، لأن كون المتسجيز والمجيز على الحالة التي ذكرها، يقوى الظن بوثاقة المجيز، ولعل مراد المحقق الشيخ محمد بقوله، " عادة المصنفين عدم توثيق الشيوخ " بيان أن جريان عادتهم على ذلك، يكشف عن كون وثاقتهم مسلما بينهم، فتأمل. * * * تذييل: ليست شيخوخة الإجازة كشيخوخة الرواية في إفادة الحسن أو الوثاقة، كما نص عليه بعض أساطين الفن. والفرق بينهما، على ما أفاده صاحب " التكملة " في ترجمة أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد، أن الأول من ليس له كتاب يروى، ولا رواية تنقل، بل يخبر كتب غيره ويذكر في السند لمحض اتصال السند، فلو كان ضعيفا لم يضر ضعفه. والثاني هو من تؤخذ الرواية منه ويكون في الأغلب صاحب كتاب، بحيث يكون هو أحد من تستند إليه الرواية. وهذا تضر جهالته في الرواية، ويشترط في قبولها عدالته. وطريق العلم بأحد الأمرين هو أنه إن ذكر له كتاب، كان من مشايخ الرواية وإلا كان من مشايخ الإجازة على إشكال في الثاني.

[117]

ومنها قولهم " شيخ الطائفة " أو " من أجلائها " أو " معتمدها ". فان دلالة كل منها على المدح المعتد به ظاهرة لا يرتاب فيها، بل في التعليقة: " إن إشارتها إلى الوثاقة ظاهرة مضافا إلى الجلالة، بل أولى من الوكالة وشيخية الإجازة وغيرهما مما حكموا بشهادته على الوثاقة سيما بعد ملاحظة أن كثيرا من الطائفة ثقات فقهاء فحول أجلة ". ومنها قولهم: " لا بأس به ". قد اختلف في ذلك على أقوال: أحدها: أنه لا يفيد شيئا حتى المدح، أرسله في " الفصول " وغيره قولا، ولم يعلم قائله ولا مستنده. نعم في " البداية " عن المشهور: إن نفي البأس يوهم البأس. ولعله أراد المشهور بين العوام. ثانيها: أنه يفيد مطلق المدح أعم من المعتد به وغيره، عزاه في الفصول إلى الأكثر، وهو اشتباه، وإنما الأكثر على ثالثها. ثالثها: وهو إفادته المدح المعتد به الموجب لحسن من كان صحيح العقيدة. وهذا هو المستظهر من العلامة - رحمه الله - في الخلاصة، بل في " التعليقة " أنه المشهور. رابعها: أنه يفيد الوثاقة المصطلحة الموجبة لاطلاق اسم الصحيح عليه. حكاه في البداية عن بعض المحدثين. وأقول: من حصل له الظن مما ذكر بإفادته الوثاقة فهو، وإلا فإفادته غاية المدح مما لا ينبغي التأمل فيه. ومنها قولهم: " أسند عنه ". فإنه يعد من ألفاظ المدح. وقد نفي في منتهى المقال العثور على هذه الكلمة إلا في كلام الشيخ - رحمه الله - وما ربما يوجد في " الخلاصة "، فإنما أخذه من رجال الشيخ - رحمه الله. والشيخ إنما ذكرها في رجاله دون فهرسته وفي أصحاب الصادق عليه السلام دون غيره إلا في أصحاب الباقر عليه السلام ندرة غاية الندرة، ثم نقل أقوالا في كيفية قراءته ومرجع ضميره: أحدها: قراءته بالمجهول وإرجاع الضمير إلى صاحب الترجمة، قال: ولعل عليه الأكثر. وقالوا بدلالتها على المدح، لأنه لا يسند إلا عمن يسند إليه ويعتمد

[118]

عليه، ثم ناقش في ذلك بأن تعقيب " أسند عنه " في ترجمة محمد بن عبد الملك الأنصاري بأنه ضعيف، يكشف عن عدم دلالة " أسند عنه " على المدح، ثم أمر بالتأمل، ولعله للإشارة إلى إمكان منع المنافاة بأن الإسناد والاعتماد عليه من المحدثين لا ينافي إطلاع القائل على ما يوجب ضعفه. فكأنه قال: اعتمدوا عليه ولكنه عندي ضعيف، ثم إنه نقل في وجه اختصاص هذه العبارة ببعض دون بعض أنها لا تقال إلا في حق من لم يكن معروفا بالتناول منه والأخذ عنه. ثانيها: قراءته بالمعلوم وإرجاع الضمير إلى الإمام عليه السلام الذي صاحب الترجمة من أصحابه، نقل ذلك عن المحقق الشيخ محمد، والفاضل الشيخ عبد النبي في الحاوي، واستشهد لذلك بقول العلامة - رحمه الله - في " الخلاصة " في ترجمة يحيى بن - سعيد الأنصاري " إنه تابعي أسند عنه " فإنه بصيغة المعلوم، ثم رده بأنه ينافيه الجمع بين " أسند عنه " وبين روى عن الإمام الفلاني من الشيخ في ترجمة جابر بن يزيد، حيث قال: جابر بن يزيد أسند عنه، روى عنهما وقوله في محمد بن إسحاق بن يسار: أسند عنه يكنى أبا بكر صاحب المغازي من سبي عين التمر، وهو أول سبي دخل المدينة. وقيل كنيته أبو عبد الله روى عنهما. ثالثها: قراءته كالثاني لكن تفسير بعدم السماع عن الامام عليه السلام بل روايته عن أصحابه الموثقين، وهو الذي حكي عن المحقق الداماد في " الرواشح " جعله اصطلاحا للشيخ - رحمه الله - حيث قال ما ملخصه على ما حكى: " إن الصحابي على مصطلح الشيخ - رحمه الله - في رجاله على معان: منها أصحاب الرواية عن الإمام عليه السلام بالسماع منه. ومنها بإسناد عنه بمعنى أنه روى الخبر عن أصحابه الموثوق بهم، وأخذ عن اصولهم المعتمد عليها، فمعنى أسند عنه أنه لم يسمع منه بل سمع من أصحابه الموثقين وأخذ منهم عن اصولهم المعتمد عليها. وبالجملة قد أورد الشيخ - رحمه الله - في أصحاب الصادق - عليه السلام - جماعة جمة إنما روايتهم عنه بالسماع من أصحابه الموثوق بهم والأخذ من اصولهم المعتمد عليها، ذكر كلا منهم وقال: اسند عنه - انتهى ". ورد بأن جماعة ممن قيلت فيه رووا عنه عليه السلام مشافهة. وما أبعد ما بين

[119]

هذا التفسير وبين ما حكاه عن بعض السادة الأزكياء، من جعل الأشبه كون المراد أنه أسند عن المعصوم عليه السلام ولم يسند عن غير من الرواة نظرا إلى أنه تتبع فلم يجد رواية أحد ممن قيل في حقه ذلك عن غيره عليه السلام إلا أحمد بن عائذ، فإنه صحب أبا خديجة وأخذ عنه كما نص عليه النجاشي، والأمر فيه سهل. فكأنه مستثنى لظهوره - انتهى ". فإن فيه أن غير واحد ممن قيل في حقه " أسند عنه " غير أحمد بن عائذ، رووا عن غيره عليه السلام أيضا، منهم محمد بن مسلم، والحارث بن المغيرة، وبسام بن - عبد الله الصير في وغيرهم. رابعها: قراءته بالمعلوم وإرجاع الضمير الى الراوي، إلا أن فاعل أسند ابن عقدة، حكى ذلك عن بعض لأن الشيخ - رحمه الله - ذكر في أول رجاله أن ابن عقدة ذكر أصحاب الصادق - عليه السلام - وبلغ في ذلك الغاية. قال - رحمه الله - " واني ذاكر ما ذكره وأورد بعد ذلك ما لم يذكره " فيكون المراد أخبر عنه ابن عقدة وليس بذلك البعيد وربما يظهر فيه وجه عدم وجوده إلا في كلام الشيخ - رحمه الله - وسبب ذكر الشيخ ذلك في رجاله دون فهرسته وفي اصحاب الصادق عليه السلام دون غيره، بل وثمرة قوله: " إني ذاكر ما ذكره ابن عقدة ثم أورد ما لم يذكره. " فتأمل جذا. ونوقش فيه: أولا: بتنافر " أسند عنه " مع " أخبر عنه " بل القريب إليه " اسند به ". إذ مفاد " أخبر عنه " أنه نقل عنه أمرا آخر، وهو غير مقصود في توجيهه. وثانيا: بأن مقتضى كلام الشيخ - رحمه الله - حيث ذكره أنه يذكر ما ذكره مع اعترافه بأنه بلغ في ذلك الغاية، أن يكون أكثر رجال الصادق عليه السلام ممن أسند عنه والواقع خلافه. ويشهد بالعدم امور: منها توقف العلامة في الحسن بن محمد بن القطان، مع أنه ممن قال الشيخ - رحمه الله - في أسند عنه. ومنها أن الشيخ - رحمه الله - قال في حفص بن غياث القاضي ذلك، مع رمية له بأنه عامي.

[120]

ومنها أنه لو كانت فيها دلالة على الوثوق، لشاع بين أهل الرجال والحديث التمسك به للوثاقة، مع أنه كلهم أو جلهم يضعفون الحديث بجهالة من قيل في حقه ذلك. ولم يعتبروا تلك العبارة في الوثاقة ولا الحسن، كما لا يخفى على المتتبع، وأما من جعله دالا على الذم فلعله بالنظر إلى قراءته مجهولا مع دعوى إشعاره بعدم الاعتناء وعدم الاعتداد به، وأنه ليس ممن يعتنى برواياته، بل هو مهجور متروك ساقط من الأعين، ولكن قد نتفق الرواية عنه، فتأمل. [وعندي أن الصحيح، القول الرابع، ومعناه أن ابن عقدة ذكر هذا الراوي في أصحاب الصادق عليه السلام، ثم روى بإسناده عنه خبرا عن الصادق عليه السلام، كما هو دأب من تأخر عنه كأبي نعيم في تاريخه، والخطيب في تاريخ بغداد، حيث عنونا الرجل وذكرا مشايخه ثم رويا عنه خبرا]. (1) ومنها قولهم: " مضطلع بالرواية ". أي قوي وعال لها، ولا ريب في إفادته المدح، لكونه كناية عن قوته وقدرته عليها، فإن اضطلاع الأمر القدرة عليه. كأنه قويت ضلوعه بحمله، ولكن في إفادته المدح المعتد به تأمل، وأما التوثيق فلا ريب في عدم دلالته عليه. ومنها قولهم: " سليم الجنبة ". وفسر بسليم الأحاديث وسليم الطريقة، وعليه فلا شبهة في دلالته على المدح المعتد به، لكنه أعم من التوثيق المصطلح. ومنها قولهم: " خاصي ". وفيه احتمالان: أحدهما: كون المراد به الشيعي مقابل العامي. والثاني: كون المراد به أنه من خواص الأئمة عليهم السلام. وعلى الأول فهو دال على كونه إماميا، وعلى الثاني فهو دال على المدح المعتد به، بل يمكن استفادة التوثيق منه، لبعد تمكينهم عليهم السلام من صيرورة غير الثقة من خواصهم. لكن استعمال اللفظة في الأول في هذه الأزمنة أشيع وإن كان في الأزمنة السابقة بالمساواة إن لم يكن بالعكس، وفي البداية ما معناه أن


(1) زيادة منا وليس في الأصل.

[121]

قولهم: خاصي مدح معتد به، إلا أنه لا يدل على التوثيق، لأن مرجع وصفه إلى الدخول مع إمام معين أو في مذهب معين وشدة التزامه به، أعم من كونه ثقة في نفسه كما لا يدل عليه العرف. ومنها قولهم: " متقن "، مثله " حافظ " و " ثبت " و " ضابط ". وقد صرح في " البداية " بإفادة كل منها المدح الملحق لحديث المقول فيه. بالحسن، إن احرز كون إماميا، وبالقوي إن لم يحرز، وجزم بعدم إفادتها التوثيق، لأن كلا منها يجامع الضعيف، وإن كان من صفات الكمال، وكان هذا في مقابلة من قيل في حقه: " يروي عن الضعفاء، ويعتمد المراسيل، ولا يبالي عمن أخذ ". ومرادفه في المصداق قولهم: " متقن، وضابط " وهذا إذا قيل في حق إمامي، وأما إذا قيل في حق غيره من الزيدية أو الواقفية أو الفطحية، فهي مرادفة لثقة، إذ ليس لكلمة ثقة بالنسبة إلى غير الإمامي أكثر من التثبت والتحرز عن الكذب، فبينهما تلازم في الخارج ولا فرق بين أن يطلق أنه ثبت بالنسبة إلينا هو الحديث فكلما كان بالنسبة إلى غيره فلا يضرنا ولا ينفعنا ومنها قولهم: " يحتج بحديثه ". وقد صرح في البداية بمثل ما في سابقه من إفادته المدح دون التوثيق، لأنه قد يحتج بالضعيف إذا انجبر. ومنها قولهم: " صدوق " ومثله " محله الصدق ". وقد صرح فيهما أيضا بإفادة المدح المعتد به دون التوثيق، لأن الوثاقة الصدق وزيادة. والذي أظن أن قولهم: " محله الصدق " أقوى في الدلالة على المدح من قولهم صدوق، بل يمكن استشعار التوثيق من قولهم محله الصدق لأن غير الثقة ليس محله الصدق، فتأمل. ومنها قولهم: " يكتب حديثه " ومثله " ينظر في حديثه ". ولا ريب في إفادة كل منهما المدح المعتد به لدلالته على كونه محل اعتناء واعتماد في الحديث، نعم هو أعم من التوثيق.

[122]

ومنها قولهم: " شيخ ". صرح في " البداية " بإفادته المدح المعتد به دون التوثيق، لأنه وإن اريد به المقدم في العلم ورئاسة الحديث، لكن لا يدل على التوثيق، فقد يقدم من ليس بثقة. قلت: ليته علله بعدم معلومية متعلق الشيخوخة والتقدم، وإلا فالتقدم في الحديث سيما في الأزمنة السابقة ربما يدل على الوثاقة، كما مر وجهة عن الكلام في شيخ الإجازة وشيخ الطائفة. ومنها قولهم: " جليل ". وقد صرح في البداية بإفادته المدح المعتد به دون التوثيق، لأنه قد يكون غير الثقة جليلا ومثله جليل القدر. ومنها قولهم: " صالح الحديث ". ولا شبهة في إفادته المدح المعتد به، وفي إفادته التوثيق وجهان: من أن غير الثقة لا يكون صالح الحديث على الإطلاق، ومما في البداية من أن الصلاح أمر إضافي. فالموثق بالنسبة إلى الضعيف صالح، وإن لم يكن صالحا بالنسبة إلى الحسن والصحيح، وكذا الحسن بالإضافة إلى ما فوقه وما دونه. ولذا جزم في البداية بالثاني. ومما ذكرنا ظهر الحال في قولهم: " نقي الحديث ". ومنها قولهم: " مسكون الى روايته ". ولا ريب في دلالته على المدح المعتد به بل نهاية قوة روايته وقد جعله في البداية نظير قولهم: " صالح الحديث وهو يوافق ما قلناه ومنها قولهم: " بصير بالحديث والرواية ". وهو من ألفاظ المدح المعتد به، كما صرح به المولى الوحيد وغيره. ويظهر من ترجمة أحمد بن علي بن العباس وأحمد بن محمد بن الربيع وغيرهما أيضا. ومنها قولهم: " مشكور " ومثله " خير " و " مرضى ". ولا ريب في دلالة كل منها على المدح المعتد به، وفي إفادتها التوثيق وجهان: من شيوع استعمالها عرفا سيما الثاني في الثقة، ومن أنه قد يكون الشكران على صفات لا تبلغ حد العدالة ولا يدخل فيها، وكذا " الخيرورة " قد لا تبلغ العدالة. وكذا كونه

[123]

مرضيا، وقد احتمل في البداية دلالة الأولين على التوثيق مائلا إلى ذلك. ومنها قولهم: " دين ". ولا شبهة في دلالته على المدح المعتد به المقارب للتوثيق، بل يحتمل دلالته على ذلك، لأن الدين لا يطلق إلا على من كان ملتزما بجميع أحكام الدين، ومن كان كذلك فهو عدل. ومنها قولهم: " فاضل ". وقد صرح " البداية " بإفادته المدح الملحق لحديث المقول فيه بالحسن وعدم إفادته التوثيق لظهور أعميته من الوثاقة، لأن مرجع الفضل إلى العلم وهو يجامع الضعيف بكثرة. قلت: الفضل في اللغة الزيادة، فيحتمل أن يكون المراد بالفاضل من كان عالما بما يزيد على علم الدين من العلوم، وأظن أن منشأ انتزاع كلمة الفاضل، النبوي المعروف: " العلم علمان: علم الأبدان وعلم الأديان وما عدى ذلك فضل " فيكون الفاضل من علم بغير علمي الطب والفقه ومتعلقاته من العلوم، ولا يضر في ذلك إنكار الشيخ البهائي - رحمه الله - هذا الحديث وعده له من الأحاديث المجعلوة. ومنها قولهم: " فقيه " ومثله " عالم، ومحدث، وقارئ ". ولا شبهة في إفادة كل منها المدح المعتد به وعدم إفادة الوثاقة للأعمية منها، كما هو ظاهر. ويتأكد إفادة المدح لو قيل: فقيه من فقهائنا أو من محدثينا أو من علمائنا أو قرائنا. ومنها قولهم: " ورع ". وهو دال على المدح التام القريب من الوثاقة، بل لعله دال عليها، لأن الورع بكسر الراء هو من يتصف بالورع بفتح الراء على وجه يكون صفة لازمة له. والورع لغة: هو الكف عن محارم الله تعالى والتحرج منها، ولا يكون كذلك إلا من له ملكة العدالة. ويؤيده أنه عرفا لا يطلق إلا على من كان في أعلى درجات الثقة والعدالة. ومنها قولهم: " صالح " من دون إضافته إلى الحديث ومثله " زاهد ". والحال فيهما هي الحال في سابقهما لغة وعرفا، فأن العرف لا يطلقهما إلا

[124]

على العادل. ومنها قولهم: " قريب الأمر ". وقد اتفق هذا الوصف للربيع بن سليمان، ومصبح بن هلقام، وهيثم بن أبي مسروق النهدي. وقد صرح في البداية بإفادته المدح الملحق لحديث المتصف به بالحسن، إن أحرز كونه إماميا، وبالقوي إن لم يحرز، وبعدم إفادته العدالة، قال في وجه عدم دلالته على الوثاقة ما لفظه: " وأما قريب الأمر، فليس بواصل إلى حد المطلوب وإلا لما كان قريبا منه، بل ربما كان قريبا إلى المذهب من غير دخول فيه رأسا - انتهى ". وأنت خبير بأن ما ذكره يناسب قول قريب من الأمر وقريب إلى الأمر دون قريب الأمر بالإضافة، وأما بالإضافة، ما هو المبحوث عنه، فهو إن لم يدل على الذم، فلا دلالة فيه على المدح بوجه لأن المراد به قريب الأمر بالحديث، كما يشهد بذلك أنهم أطلقوا قريب الأمر في مصبح به هلقام، إلا أنهم قيدوه بقولهم بالحديث في الربيع. وقرب الأمر بالحديث لا يخلو من ذم، لأن من كان قريب عهد به لا يكون ماهرا فيه. فيكثر اشتباهه كما لا يخفى على المتدبر. وإنما أدرجنا هذه العبارة في عبائر المدح تبعا للبداية، فتأمل، كي يظهر لك استعمالهم قريب الأمر بالإضافة في المعنى الذي ذكره هو - رحمه الله - في ترجمة علي بن الحسن بن فضال وغيره، ففي ترجمته من الفهرست: " أن غير معاند قريب الأمر إلى أصحابنا الإمامية القائلين بالاثنى عشر - انتهى ". ومنها قولهم: " معتمد الكتاب ". فإنه يدل على المدح المعتد به، بل ربما جعل في مقام التوثيق وهو كما ترى، فإن الاعتماد على كتابه أعم من عدالته في نفسه. ومنها قولهم: " كبير المنزلة ". أي عالي الرتبة، وهو من ألفاظ المدح الأعم من العدالة، وفي الحديث: " اعرفوا منازل الرجال على قدر روايتهم عنا " أي منازلهم ومراتبهم في الفضيلة والتفضيل. ومنها قولهم: " صاحب الإمام الفلاني عليه السلام. فإن فيه دلالة على المدح، بل في التعليقة: " أنه ربما زعم بعضهم أنه يزيد على

[125]

التوثيق، وفيه نظر ظاهر " ووجه النظر أنا نرى بالوجدان في صاحب جمع من المعصومين عليهم السلام من لا يوثق به، غايته أنا نستفيد المدح من ظهور كون إظهارهم لذلك في ترجمة راو لاظهار كونه ممن يعتنى به ويعتد بشأنه. ومن هنا يظهر الحال في قولهم مولى الإمام الفلاني (ع) وقد روي في ترجمة معتب مسندا عن الصادق عليه السلام أنه قال: " هم (يعني مواليه) عشرة فخيرهم و أفضلهم معتب. وفيهم خائن فاحذروه " وفيه دلالة على ذم بعض مواليه. تذنيب: قد جعل محدثوا العامة للتعديل مراتب وجعلوا المرتبة الأولى التي هي أعلى المراتب قولهم: أوثق الناس أو أثبت الناس أو أعدل الناس أو أحفظ الناس أو أضبط الناس. ودونها المرتبة الثانية: وهي قولهم ثقة أو متقن أو حجة أو عدل أو حافظ أو ضابط مع التكرير بأن يقال: ثقة ثقة. ودونها المرتبة الثالثة: وهي الألفاظ المذكورة من غير تكرير. ودونها المرتبة الرابعة،: وهي صدوق أو محله الصدق أو لا بأس به أو مأمون أو خيار أو ليس به بأس. ودونها المرتبة الخامسة: وهي قولهم يكتب حديثه وينظر فيه، ودونها المرتبة السادسة: وهي قولهم صالح الحديث. وهذا الذي نقلناه لب مقالهم، والا فلهم في ذلك خلاف وأقوال. طوينا شرحها لعدم الفائدة فيها وابتنائها على الخرافات. المقام الثاني: في سائر أسباب المدح وأماراته غير ما ذكر، وقد تصدى لبيانها المولى الوحيد - رحمه الله - في التعليقة. منها: كونه وكيلا لأحد الأئمة عليهم السلام. فإنه من أقوى أمارات المدح بل الوثاقة والعدالة، لأن من الممتنع عادة جعلهم عليهم السلام غير العدل وكيلا على الزكوات ونحوها من حقوق الله مطلقا، وقد صرح المولى الوحيد في ترجمة إبراهيم بن سلام نقلا عن الشيخ البهائي - قدس سره - بأن قولهم وكيل من دون إضافته إلى أحد الأئمة عليهم السلام أيضا يفيد ذلك، لأن من الاصطلاح المقرر بين علماء الرجال من أصحابنا أنهم إذا قالوا: " فلان وكيل " يريدون أنه وكيل أحدهم عليهم السلام فلا يحتمل كونه وكيلا بني أمية، قال: " وهذا مما لا يرتاب فيه من مارس كلامهم وعرف لسانهم، نعم من غيروه عن الوكالة وهم معروفون لا يعتمد عليهم.

[126]

ثم إن شيخنا البهائي - قدس سره - بعد القول المذكور صرح، وقال: إن الوكالة عنهم عليهم السلام من أقوى أسباب الوثوق، لأنهم لا يجعلون الفاسق وكيلا، وقرره المولى الوحيد - رحمه الله - على ذلك، ثم اعترض على نفسه بأن في الوكلاء عنهم عليهم السلام جماعة مذمومين، فكيف تجعل الوكالة أمارة الوثاقة. ثم أجاب بأن ظاهر توكيلهم لهم هو حسن حال الوكلاء والاعتماد عليهم وجلالتهم بل وثاقتهم إلا أن يثبت خلافة وتغيير وتبديل وخيانة، والمغيرون معروفون. وبالجملة فالأصل في الوكالة عنهم الثقة بل ما فوقها، فيحتج بها عليها إلى أن يثبت الخلاف. ولد أجاد - قدس سره - فيما أفاد. ومنها: أن يكون ممن يترك رواية الثقة أو الجليل، أو يتأول محتجا بروايته ومرجحا لها عليها، فإنه يكشف عن جلالته، وكذا لو خصص الكتاب أو المجمع عليه بها، كما اتفق كثيرا، وكذا الحال فيما ماثل التخصيص، ودون ذلك أن يؤتى بروايته بإزاء روايتهما أو غيرها من الأدلة فتوجه وتجمع بينهما أو تطرح من غير جهة. ومنها: كونه كثير الرواية عن الأئمة عليهم السلام في الأمور الدينية الأصولية والفروعية، فإنه يدل على اهتمامه في امور الدين ويكشف عن فضيلته ويورث مدحه، وقد صرح جماعة، منهم الشهيد - رحمه الله -، وبإيجاب ذلك العمل بروايته، إن لم يرد فيه طعن. وعن المجلسي الاول - رحمه الله - في ترجمة علي بن الحسين السعد آبادي، إن الظاهر أنه لكثرة الرواية عد جماعة حديثه من الحسان، وبالجملة فيظهر من كثير من التراجم أن كثرة الرواية من أسباب المدح والقوة والقبول. ومنها: كونه ممن يروي عنه أو من كتابه جماعة من الأصحاب، فإنه من أمارات الاعتماد عليه، قال: " بل بملاحظة اشتراطهم العدالة في الراوي، يقوى كونه من أمارات العدالة، سيما وأن يكون الراوي عنه كلا أو بعضا ممن يطعن عن الرجال بروايتهم عن المجاهيل والضعفاء، وما في بعض التراجم مثل صالح بن الحكم من تضعيفه مع ذكره ذلك لا يضر، إذ لعله ظهر ضعفه من الخارج، وإن كان الجماعة

[127]

معتمدين عليه، والتخلف في الأمارات الظنية غير عزيز ". قلت: جعل ذلك أمارة على العدالة محل تأمل، الا أنه أمارة قوته وكونه معتمدا. ومنها: روايته عن جماعة من الأصحاب. عده [المولى الوحيد] من الأمارات. وفيه نظر ظاهر. ومنها: رواية الجليل أو الأجلاء عنه. عده على الإطلاق من أمارات الجلالة والقوة وفيما إذا كان الجليل ممن يطعن على الرجال في الرواية عن المجاهيل ونظائرها من أمارات الوثاقة، والأولى جعل ذلك من أمارات القوة دون الوثاقة دون مطلق رواية الجليل عنه. ومنها: رواية صفوان بن يحيى وابن أبي عمير عنه. قال ما حاصله: إنها أمارة الوثاقة لقول الشيخ - رحمه الله - في " العدة ": إنهما لا يرويان إلا عن ثقة. والفاضل الخراساني جرى في ذخيرته على القبول من هذه العلة، ونظيرهما البزنطي. وقريب منهم علي بن الحسن الطاطري. ومنها: كونه ممن يروي عن الثقات، قال: فإنه مدح وأمارة للاعتماد. وأنت خبير بأن الرواية عن الثقات لا دلالة فيها على ما رامه، نعم لو قيل في حقه لا يروي إلا عن الثقات دل على المدح. ومنها: كونه ممن تكثر الرواية عنه ويفتى بها فإنه أمارة الاعتماد عليه، وقد اعترف بذلك المحقق - رحمه الله - في ترجمة السكوني، لما ورد عنهم عليهم السلام التنصيص على كشف كثرة الرواية عن علو قدر الرجل، فعن أبي عبد الله عليه السلام قال: " اعرفوا منازل الرجال منا على قدر رواياتهم عنا ". ومنها: رواية الثقة عن شخص مشترك الاسم، وإكثاره منها مع عدم اتيانه بما يميزه عن الثقة، فإنه أمارة الاعتماد عليه، سيما إذا كان الراوي ممن يطعن على الرجال بروايتهم عن المجاهيل، وكذلك اعتماد شيخ على شخص وهو أمارة كونه معتمدا عليه، كما هو ظاهر، ويظهر من النجاشي والعلامة في الخلاصة في علي بن محمد بن قتيبة [النيشابوري تلميذ ابن شاذان]. فإذا كان جمع منهم اعتمدوا عليه فهو في مرتبة معتد بها من الاعتماد وربما يشير إلى الوثاقة، سيما إذا كثر منهم، وخصوصا

[128]

بملاحظة اشتراطهم العدالة وخصوصا إذا كانوا ممن يطعن في الرواية عن المجاهيل ونظائرهما. ومنها: اعتماد القميين [يعني المشايخ الأشعريين] عليه أو روايتهم عنه. فإنه أمارة الاعتماد، بل الوثاقة في الرواية، لأنهم كانوا يخدشون في الرواة بأدنى شئ. فاعتماد هم عليه يكشف عن عدم الخدشة فيه، ويقرب من ذلك اعتماد ابن الغضائري عليه، وروايته عنه. ومنها: أن يكون رواياته كلها أو جلها مقبولة أو سديدة. فإن ذلك أمارة كونه ممدوحا بل معتمدا وموثقا في الرواية. ومنها: وقوعه في سند حديث وقع اتفاق الكل أو الجل على صحته فإنه اخذ دليلا على الوثاقة، كما لا يخفى على من راجع التعليقة ترجمة محمد بن إسماعيل البندقي، وأحمد بن عبد الواحد، فتأمل.. ومنها: وقوعه في سند حديث، صدر الطعن فيه من غير جهته، فإن السكوت عنه والتعرض لغيره ربما يكشف عن عدم مقدوحيته، بل ربما يكشف عن مدحه وقوته، بل وثاقته. ومنها: إكثار الكافي والفقيه من الرواية عنه، فإنه أيضا اخذ دليلا على قوته بل وثاقته كما لا يخفى على من راجع التعليقة في محمد بن إسماعيل البندقي، فلا حظ وتأمل. ومنها: رواية الثقة الجليل عن غير واحد أو عن رهط مطلقا أو مقيدا بقوله: " من أصحابنا ". قال: " وعندي أن هذه الرواية قوية غاية القوة، بل وأقوى من كثير من الصحاح، وربما يعد من الصحاح بناء على أنه يبعد أن لا يكون فيهم ثقة. وفيه تأمل. قلت: وجه التأمل ظاهر، ضرورة كون المدار على الظن، وهو لا يحصل من مجرد الاستبعاد. ثم إنه نقل عن المحقق الشيخ محمد - رحمه الله - أنه قال: إذا قال ابن أبي عمير: عن غير واحد، عد روايته من الصحيح حتى عند من لم يعمل بمراسيله، وقال في المدارك: لا يضر ارسالها، لأن في قوله: غير واحد، إشعارا بثبوت

[129]

مدلولها عنده " وفي تعليله تأمل، فتأمل. ومنها: رواية الثقة الجليل عن أشياخه، قال - رحمه الله -: فإن علم أن فيهم ثقة، فالظاهر صحة الرواية، لأن هذه الإضافة تفيد العموم، وإلا فإن علم أنه من مشايخ الإجازة أو فيهم من جملتهم، فالظاهر أيضا صحتها، وقد عرفت الوجه، وكذا الحال فيما إذا كانوا أو كان فيهم من هو مثل شيخ الإجازة، وإلا فهي قوية غاية القوة مع احتمال الصحة لبعد الخلو عن الثقة - ثم قال -: ورواية حمدويه عن أشياخه من قبيل الأول، لأن من جملتهم " العبيدي " وهو ثقة وأيضا يروي عن الثقة. وهو من جملة الشيوخ، فتدبر. ومنها: ذكر الجليل شخصا مترضيا أو مترحما. فإنه يكشف عن حسن ذلك الشخص، بلا جلالته. (1) ومنها: أن يقول الثقة حدثني الثقة. قال - رحمه الله -: " وفي إفادته التوثيق المعتبر خلاف معروف، وحصول الظن منه ظاهر، واحتمال كونه في الواقع مقدوحا لا يمنع الظن فضلا عن احتمال كونه ممن ورد فيها قدح، كما هو الحال في سائر التوثيقات ". ومنها: أن يكون الراوي ممن ادعي اتفاق الشيعة على العمل بروايته، مثل السكوني وحفص بن غياث، وغياث بن كلوب ونوح بن دراج ومن ماثلهم من العامة مثل طلحة بن زيد وغيره وكذا مثل عبد الله بن بكير وسماعة بن مهران وبني فضال والطاطريين وعمار الساباطي وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى من غير العامة، فإن جميع هؤلا، نقل الشيخ عمل الطائفة بما رووه. وربما ادعى بعضهم ثبوت الموثقية من نقل الشيخ هذا، وهو في محله، بل ربما جعل ذلك من الشيخ - رحمه الله - شهادة بالموثقية وهو غير بعيد. (2)


(1) دلالة الترضى أو الترحم على جلالة المترضي والمترحم عليه غير ثابت. وقد ترحم النجاشي على أحمد بن محمد الجوهري، مع أنه قاتل: " رأيت شيوخنا يضعفونه فلم أرو عنه شيئا " وهذا قدح ظاهرا. (2) هذا إذا لم يصرحوا بضعفه، أو لم ينصوا على ذمه أو كذبه أو لعنه، بل لم يتصوا له بما يدل على ذمه.

[130]

ومنها: وقوع الرجل في السند الذي حكم العلامة - رحمه الله - بصحة حديثه، قال: " فإنه حكم بعض بتوثيقه من هذه الجهة، ومنهم المصنف - رحمه الله - في ترجمة الحسن بن متيل وإبراهيم بن مهزيار وأحمد بن عبد الواحد وغيرهم، " وفيه أن العلامة - رحمه الله - لم يقصر إطلاق الصحة في الثقات إلا أن يقال: إطلاقه إياها على غيرها نادر، وهو لا يضر لعدم منع ذكر ظهوره فيما ذكرنا، سيما بعد ملاحظة طريقته وجعل الصحة اصطلاحا فيها، لكن لا يخفى أن حكمه بصحة حديثه دفعة أو دفعتين مثلا غير ظاهر في توثيقه، بل ظاهر في خلافه بملاحظة عدم توثيقه وعدم قصره، نعم لو كان ممن أكثر تصحيح حديثه، مثل أحمد بن محمد بن يحيى وأحمد بن عبد الواحد ونظائرهما، فلا يبعد ظهوره في التوثيق. ومنها: أن يكون الراوي من آل أبي جهم، لما ذكره النجاشي وغيره في ترجمة منذر بن محمد بن المنذر بن سعيد بن أبي الجهم من أنه ثقة من أصحابنا من بيت جليل، وفي ترجمة سعيد بن أبي الجهم من أن آل أبي الجهم بيت كبير بالكوفة، فإن مدح البيت مدح لرجاله لا محالة (1). ومنها: أن يكون الراوي من آل أبي شعبة لما ذكره النجاشي وغيره أيضا في ترجمة عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، من أن آل أبي شعبة بيت مذكور من أصحابنا، وروى جدهم أبو شعبة عن الحسن والحسين عليهم السلام وكانوا جميعهم ثقات مرجوعا إلى ما يقولون. ومنها: كون الراوي من بيت آل نعيم الأزدي. ذلك إذا لم ينصوا على ضعف بعضهم، فإن توثيقهم جملة لا ينافي جرح بعضهم. ومنها: كونه ممن ذكره الكشي ولا يطعن عليه. تذييل: يتضمن أمرين: الأول: أنه قال الوحيد - رحمه الله - بعد إيراد ما ذكر من الأمارات: " اعلم أن الأمارات والقرائن كثيرة، ومن القرائن لحجية الخبر وقوع الاتفاق على العمل به أو على الفتوى به أو كونه مشهورا بحسب الرواية أو الفتوى، أو مقبولا مثل مقبولة


(1) راجع توضيح ذلك في أخر التلخيص ص 221.

[131]

عمر بن حنظلة، أو موافقا للكتاب أو السنة أو الإجماع، أو حكم العقل، أو التجربة، مثل ما ورد في خواص الآيات والأعمال والأدعية التي خاصيتها مجربة مثل قراءة آخر الكهف للانتباه في الساعة التي تراد وغير ذلك، أو يكون في متنه ما يشهد بكونه من الأئمة عليهم السلام مثل خطيب نهج البلاغة ونظائرهما والصحيفة السجادية ودعاء أبي حمزة والزيارة التي رواها الكليني وابن الوليد والصفار وأمثالهم، بل والصدوق وأمثاله أيضا عن القائم المنتظر عجل الله تعالى فرجه والعسكري والتقي والنقي عليهم السلام، ومنها التوقيعات التي وقعت في أيديهم منهم عليهم السلام. وبالجملة ينبغي للمجتهد التنبه لنظائر ما نبهنا عليه، والهداية من الله تعالى ". الثاني: أنه لا يخفى عليك أن المدار فيما ذكرناه في هذا المقام وسابقه من ألفاظ التوثيق والمدح وأمارتهما، إنما هو الظن الفعلي، فما لم يفد منها الظن الفعلي لا عبرة به، وما أفاده كان معتبرا وإن كان من أضعف الألفاظ دلالة. فقد تكون كلمة " مرضي " من شخص أدل على الوثاقة من قول آخر " ثقة " بملاحظة مسامحة الثاني ونهاية دقة الأول، ألا ترى إلى وقوع التأمل في توثيقات جماعة حتى عدوه من أمارات المدح دون التوثيق، فمن تلك الجماعة ابن فضال وابن عقدة ومن ماثلهما في عدم كونه إماميا، فإنه قد تأمل جمع في توثيقاتهم نظرا إلى عدم كونهم من الإمامية، وهو - بنا على كون اعتبار التزكية من باب الشهادة - لا بأس به، وأما على المشهور المنصور بمن كونها من باب الوثوق والظن الذي ثبتت حجيته في الرجال فلا وجه له. قال المولى الوحيد - رحمه الله -: " وأما توثيق ابن نمير (1) ومن ماثله فلا يبعد حصول وثاقة منه بعد ملاحظة اعتداد المشايخ به واعتمادهم، سيما إذا ظهر تشيع من وثقوه كما هو في كثير من التراجم، وخصوصا إذا اعتراف الموثق نفسه بتشيعه ". ومنهم العلامة وابن طاووس، فإن المحقق الشيخ محمد، توقف في توثيقاته وتوقف صاحب " المعالم " في توثيقاتهما وتوثيق الشهيد، وهو كما ترى. ولذا اعترض عليهما المجلسي الأول: بأن العادل أخبر بالعدالة أو شهد بها، فلابد من القبول - انتهى " ودعوى قصرهم توثيقهم في توثيقات القدماء مدفوعة بأنه غير ظاهر، بل


(1) هو عبد الله بن نمير - بضم النون - الهمداني أحد الأعلام والحفاظ من العامة، توفي سنة 234.

[132]

ظاهر جملة من التراجم خلافه، مع أن ضرر القصر غير ظاهر، بل لا شبهة في إرادتهم بالثقة، العدل، نعم لو قالوا في حق شخص: إنه صحيح، لم يفد في إثبات الاصطلاح المتأخر، لأن الصحة عندهم أعم من الصحة عند المتأخرين، نعم لو قامت أمارة على توهم منهم في موضع في أصل التوثيق لزم التوقف، وأما حيث لم يظهر التوهم فالأقوى الاعتبار. المقام الثالث: في ألفاظ الدم والقدح فمنها: قولهم: " فاسق " ومثله " شاب الخمر والنبيذ " و " كذاب " و " وضاع للحديث، من قبل نفسه " ويختلق الحديث كذبا " ولا شبهة في كون كل من هذه الألفاظ دالا على الجرح والذم. ومنها: قولهم: " ليس بعادل " و " ليس بصادق " و " ليس بمرضي " و " ليس بمشكور " ونحو ذلك مما تضمن نفي أحد ألفاظ المدح المزبورة، فإن نفي المدح ذم، بل بعضها نص في الجرح. ومنها: قولهم " غال " ومثله " ناصب " و " فاسد العقيدة " ونحوها مما يدل على فساد الاعتقاد. ومنها: قولهم: " ملعون " و مثله " خبيث " و " رجس " ونحوها، فإن كلا منها ذم أكيد. ومنها: قولهم: " متهم " و " متعصب " و " ساقط " و " متروك " و " ليس بشئ " و " لا شئ " و " لا يعتد به " ونحو ذلك، فإن كلا منها يدل على عدم الاعتبار، بل الذم. ومنها: قولهم: " ضعيف "، ولا ريب في دلالته على الذم والقدح، بل عده جمع، منهم ثاني الشهيدين - رحمهما الله - من ألفاظ الجرح، وقال بعض الأجلة: " إنه لا ريب في إفادته سقوط الرواية وضعفها وإن لم يكن في الشدة مثل أكثر ما سبق، فيتميز عند التعارض، وأما إفادته القدح في نفس الرجل كالألفاظ السابقة فلعله كذلك، حيث أطلق ولم يكن قرينة كتصريح أو غيره على الخلاف. ولعله عليه يبتنى ما حكاه المولى الوحيد البهبهاني - رحمه الله - عن الأكثر، من أنهم يفهمون

[133]

منه القدح في نفس الرجل، ويحكمون به بسببه. لكنه قد تأمل هو - رحمه الله - في ذلك، نظرا إلى أعمية الضعف عند القدماء من الفسق، لأن أسباب الضعف عندهم كثيرة، فإنهم أطلقوه على أشخاص لمجرد قلة الحفظ، أو سوء الضبط، أو الرواية من غير إجازة، والرواية عمن لم يلقه أو الرواية لما ألفاظه مضطربة، أو الرواية عن الضعفاء والمجاهيل، أو رواية راو فاسد العقيدة عنه، أو أبرز الرواية التي ظاهرها الغلو أو التفويض أو الجبر، أو التشبيه، أو نحو ذلك مما لا يوجب الفسق، فكما أن تصحيحهم غير مقصور على العدالة، فكذلك تضعيفهم غير مقصور على الفسق، كما لا يخفى على من تتبع وتأمل. وقد يعترض عليه بأن فهم الأكثر منه القدح في نفس الرجل إنما هو عند الإطلاق، والموارد التي أشار إليها مما قامت فيه قرينة على الخلاف، ولا مانع من استفادة الجرح منه عند الإطلاق وعدم القرينة. ومنها: قولهم: " ضعيف الحديث " و " مضطرب الحديث " و " مختلط الحديث " و " منكر الحديث - بفتح الكاف - " و " ولين الحديث " أي يتساهل في الرواية عن غير الثقة و " ساقط الحديث " و " متروك الحديث " و " ليس بنقي الحديث " و " يعرف حديثه وينكر " وغمز عليه في حديثه " و " واهي الحديث " - اسم فاعل من وهى - أي ضعف في الغاية، تقول: وهي الحائط إذا ضعف وهم بالسقوط، وهو كناية عن شدة ضعفه وسقوط اعتبار حديثه، وكذا " ليس بمرضي الحديث " وأمثال ذلك. ولا شبهة في إفادة كل منها الذم في حديثه. وفي دلالتها على القدح في العدالة وجهان: من أن مقتضي مصيرهم إلى استفادة وثاقة الرجل من قولهم ثقة في الحديث هو القدح في وثاقته بما ذكر. ومن عدم الملارمة ثم إن ما ذكر إنما هو فيما إذا أضيف الألفاظ المزبورة إلى " الحديث "، وأما مع عدم الاضافة كقولهم " متروك " و " ساقط " و " واه " و " ليس بمرضي " ونحو ذلك، فلا ينبغي التأمل في إفادتها ذما في الراوي نفسه، بل عدها في البداية من ألفاظ الجرح. ومنها قولهم: " ليس بذلك الثقة، أو العدل، أو الوصف المعتبر في ذلك " عده

[134]

في البداية من ألفاظ الجرح. وحكي الوحيد عن جده المجلسي الأول عد قولهم " ليس بذلك " ذما. ثم قال: " ولا يخلوا من تأمل، لأحتمال أن يراد أنه ليس بحيث يوثق به وثوقا تاما وإن كان فيه نوع من وثوق، من قبيل قولهم: " ليس بذلك الثقة " ولعل هذا هو الظاهر، فيشعر بنوع مدح، فتأمل "، والانصاف أن ما في البداية وما ذكره في طرفي الإفراط والتفريط، وأن الأظهر كون " ليس بذلك " ظاهرا في الذم غير دال على الجرح، ومجرد الاحتمال الذي ذكره لا ينافي ظهورا اللفظ في الذم، وأما قولهم: " ليس بذلك الثقة " ونحوه فلا يخلو من إشعار بمدح ما، فتدبر. ومنها: قولهم " مخلط " و " مختلط " ففي منتهى المقال " عن بعض أجلاء عصره أيضا: ظاهر في القدح، لظهوره في فساد العقيدة - ثم قال: - " وفيه نظر، بل الظاهر أن المراد بأمثال هذين اللفظين، من لا يبالي عمن يروي وعمن يأخذ، يجمع بين الغث والسمين والعاطل والثمين، وليس هذا طعنا في الرجل - ثم قال: - ولو كان المراد فاسد العقيدة كيف يقول سديد الدين محمود الحمصي: إن ابن إدريس مخلط وكيف يقول الشيخ - رحمه الله - في باب من لم يرو عنهم: " إن علي بن أحمد العقيقي مخلط " مع عدم تأمل من أحد في كونه إماميا. وفي " جش " في محمد بن جعفر بن أحمد بن بطة بعد اعترافه بكونه كبير المنزلة بقم كثير الأدب والعلم والفضل قال: كان يتساهل في الحديث ويعلق الأسانيد بالإجازات، وفي فهرست ما رواه غلط كثير، قال ابن الوليد: " كان ضعيفا مختلطا فيما يسنده. فتدبر ". وقوله في جابر بن يزيد: " إنه كان في نفسه مختلطا " يؤيد ما قلناه. لأن الكلمة إذا كانت تدل بنفسها على ذلك لما زاد قبلها كلمة بنفسه، هذا مع أن تشيع الرجل في الظهور كالنور على الطور، وفي ترجمة محمد بن وهبان الدبيلي: " ثقة من أصحابنا، واضح الرواية، قليل التخليط، فلا حظ وتدبر " فإنه ينادي بما قلناه، وصريح فيما فهمناه. وفي محمد بن أو رمة في " جش ": " كتبه صحاح إلا كتابا ينسب إليه من ترجمة تفسير الباطن، فإنه مختلط " ونحوه في الفهرست. فإن قلت: الأصل ما قلناه إلى أن يظهر الخلاف، فلا خلاف. قلت: أقلب تصب. لأن الكلمتين المذكورتين مأخوذتان من الخلط،

[135]

وهو الخبط أي المزج، والأصل بقاؤهما على معناهما الأصلي إلى أن تتحقق حقيقة ثانية، فتدبر، وما ذكره لا بأس به - اه‍ ". ومنها: قولهم: " مرتفع القول "، جعله في البداية من ألفاظ الجرح، وفسره بأنه لا يقبل قوله ولا يعتمد عليه. ولم أفهم الوجه في هذا التفسير ولا في جعله من أسباب الجرح. فإن عدم قبول قوله قد يكون لجهات اخر غير الفسق، والعام لا يدل على الخاص، فلا يكون من ألفاظ الجرح، بل الذم خاصة، إلا أن يريد بالجرح مطلق الذم، كما لعله غير بعيد بملاحظة بعض آخر من الألفاظ التي جعلها من أسباب الجرح، وإن كان إطلاق الجرح على مطلق الذم خلاف الإصطلاح وخلاف جعله في صدر العنوان للجرح مقابل التعديل. والذي أظن أن المراد بقولهم: " مرتفع القول " أنه من أهل الارتفاع والغلو، فيكون ذلك جرحا حينئذ لذلك، فتأمل. ومنها: قولهم: " متهم بالكذب " أو الغلو أو نحوهما من الأوصاف القادحة، ولا ريب في إفادته الذم، بل جعله في البداية من ألفاظ الجرح، وفيه ما عرفت إلا على التوجيه الذي عرفت مع ما فيه كما عرفت. المقام الرابع: في سائر أسباب الذم وما تخيل كونه من ذلك. فمنها: كثرة روايته عن الضعفاء والمجاهيل، جعله القميون وابن الغضائري من أسباب الذم، لكشف ذلك عن مسامحته في أمر الرواية، وأنت خبير بأنه كما يمكن أن يكون كذلك، يمكن أن يكون لكونه سريع التصديق أو لأن الرواية غير العمل، فتأمل. ومنها: كثرة رواية المذمومين عنه أو ادعاؤهم كونه منهم. وهذا كسابقه في عدم الدلالة على الذم، بل أضعف من سابقه. لأن الرواية عن الضعيف تحت طوعه دون رواية المذموم عنه، فتأمل. ومنها: أن يروي عن الأئمة عليهم السلام على وجه يظهر منه أخذهم عليهم السلام رواة لا حججا، كأن يقول: " عن جعفر عن أبيه عن ابائه عن علي عليه السلام " أو عن رسول الله صلى الله عليه وآله، قال المولى الوحيد - رحمه الله -: " إنه مظنة عدم كونه من الشيعة إلا أن يظهر من القرائن كونه منهم، مثل أن يكون ما رواه

[136]

موافقا لمذهبهم، ومخالفا لمذهب غيرهم، أو أنه يكثر من الرواية عنهم غاية الإكثار، أو أن غالب رواياته يفتون بها ويرجحونها على ما رواه الشيعة، أو غير ذلك. فيحمل كيفية روايته على التقية أو تصحيح مضمونها عند المخالفين وترويجه فيهم، سيما المستضعفين وغير الناصبين منهم، أو تأليفا لقلوبهم، أو استعطافا لهم إلى التشيع أو غير ذلك ". قلت: مجرد كيفية الرواية لا دلالة فيه على كونه من غير الشيعة بوجه، فكان الأولى جعل الأصل عدم الدلالة وذكر ضد الشواهد المذكورة شواهد على الدلالة بحيث تفيد بانضمامها عدم كونه شيعيا. ولعله لذا أمر في ذيل كلامه بالتأمل. ومنها: كونه كاتب الخليفة أو الوالي أو من عماله. فإن ظاهره الذم، كما اعترف به العلامة في ترجمة حذيفة [بن منصور]، حيث إنه قيل في حقه أنه كان واليا من قبل بني أمية. فقال العلامة - رحمه الله -: إنه يبعد انفكاكه عن القبيح. ويؤيد ذلك ما رواه في أحمد بن عبد الله الكرخي من أنه " كان كاتب اسحاق بن إبراهيم، فتاب وأقبل على تصنيف الكتب "، فإن التوبة لا تكون إلا عن ذنب. نعم يرفع اليد عن الظاهر المذكور بورود المدح والتعديل فيه كما في علي بن يقطين ونحوه. وقال المولى الوحيد: " إنا لم نر من المشهور التأمل من هذه الجهة كما في يعقوب بن يزيد وحذيفة بن منصور وغيرهما، ولعله لعدم مقاومتها التوثيق المنصوص أو المدح المنافي باحتمال كونها بإذنهم عليهم السلام أو تقية وحفظا لأنفسهم، أو غيرهم، أو اعتقادهم الإباحة أو غير ذلك من الوجوه الصحيحة - إلى أن قال: - وبالجملة تحققها منهم على الوجه الفاسد بحيث لا تأمل في فساده ولا يقبل الاجتهاد في تصحيحه بأن تكون في اعتقادهم صحيحة وإن أخطأوا في اجتهادهم، غير معلوم، مع أن الأصل في أفعال المسلمين الصحة، وورد " كذب سمعك وبصرك ما تجد إليه سبيلا " وأمثاله كثيرة. وأيضا إنهم أنقوهم على حالهم وأقروا لهم ظاهرا مع أنهم كانوا متدينين بأمرهم عليهم السلام مطيعين لهم ويصلون إلى خدمتهم ويسألونهم عن أحوال أفعالهم وغيرها وربما كانوا عليهم السلام ينهون بعضهم، فينتهي، إلى غير ذلك من أمثال ما ذكر، بل ربما ظهر مما ذكر أن القدح بأمثالها مشكل وإن لم يصادمها التوثيق

[137]

والمدح، فتأمل ". قلت: لعل وجه التأمل أن ظاهر الفعل القدح، ما لم تقم القرائن الصارفة. فما لم يصادمه التوثيق والمدح ينبغي عدة قادحا، كما بنى على ذلك بعض من تأخر عنه. ومنها: كون الرجل من بني أمية، فإنه من أسباب الذم. ولذا توقف بعضهم في رواية سعد الخير مع دلالة الأخبار على جلالته وعلو شأنه. وجعل منشأ التوقف والإشكال أنه قد تواتر عنهم عليهم السلام لعن بني أمية قاطبة كما في زيارة عاشوراء المقطوع أنها منهم عليهم السلام (؟) وما استفاض عنهم عليهم السلام من أن بني أمية يؤاخذون بأفعال آبائهم لأنهم يرضون بها، وما رواه في الصافي عن الاحتجاج، عن الحسن بن علي عليهما السلام في حديث قال لمروان بن الحكم: " أما أنت يامروان فلست أنا سببتك ولا سببت أباك، ولكن الله لعنك ولعن أباك وأهل بيتك و ذريتك وما خرج من صلب أبيك إلى يوم القيامة على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله، والله يامروان ما تنكر أنت ولا أحمد ممن حضر هذه اللعنة من رسول الله لك ولأبيك من قبلك، وما زادك الله بما خوفك إلا طغيانا كبيرا - الحديث " وألطف منه تعميم كلام الله المجيد: " والشجرة الملعونة في القرآن " فإنه روى الخاصة والعامة مستفيضا: أنها في بني أمية: فهذا التعميم مع أنه متواتر النقل محفوف بالقرائن على إرادة التعميم. فإن رمت تخصيصه بما ورد في حق سعد ونحوه، كان ذلك هادما لأساس جواز تعميم اللعن، وقد ورد التعبد به بل وجوبه. فلو كان يجوز ذلك، لحرم تعميمه وإطلاقه. فكان يجب تقييده، مع أن الذي ورد فيه زيادة على ذلك تأكيده كما في زيارة عاشوراء بقاطبة ". ثم قال البعض " فإن قلت: قد ورد الذم والمدح لطوائف وأهل قبائل وبلدان على ذلك كما ورد " أن أهل اصفهان لا يكون فيهم خمس خصال: الغيرة والسماحة والشجاعة والكرم وحبنا أهل البيت عليهم السلام " ومثله في مدح أهل مصر، والظاهر من أمثال هذه الإطلاقات هو الأغلب من أولئك. لأنا نجد في بعض الأفراد على خلاف ما ورد لا سيما أهل مصر. فإنه لا يبعد أن يقال: انقلب المدح إلى

[138]

الذم ". قلت: لا يبعد ذلك في أمثال هذه الخطابات، ولكن في خصوص الشجرة الملعونة حيث تأكدت العمومات، وتعبدنا الله بلعنهم وجوبا، ولا يتم هذا التعبد إلا بالتعميم الحقيقي، ومتى قام احتمال التخصيص ولو بفرد، امتنع التعبد قطعا. ففرق بين الأمرين، فلذلك لا يجوز اللعن والذم فيما ورد من غير الشجرة. ويؤيده احتجاج أبي ذر بإطلاق قول رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا، جعلوا مال الله دولا، وعباده خولا، ودينه دخلا - على ذم عثمان بن فعان. فلو كان التخصيص محتملا لما صح الاستدلال، ويؤكده استدلال الحسن عليه السلام على ذم مروان بن الحكم بعموم رواية الاحتجاج على أن الظاهر من سياق الحديث التعميم كما لا يخفى. وأما تأويل تلك الآية والاخبار بأن المراد ببني أمية جميع العتات والجهنميين من أهل الإسلام سوآء كانوا من نسل هؤلاء أو غيرهم، فمردود بأن ذلك إن تم يكون شاهدا للتعميم لغيرهم ممن حذا حذوهم ولا يوجب التخصيص بغير الثقة العدل منهم، والاستشهاد للتخصيص بكثرة الأخبار بمدح علي بن يقطين مع كونه أمويا مردود بعدم نطق أحد بهذا النسب لابن يقطين، ولو ثبت أمكن كون نسبته إلى بني أمية لتبني واحد منهم إياه لا لكونه من نسلهم حقيقة، وكذا الحال في كون سعد الخير من ولد عمر بن عبد العزيز، وقد كان التبني دأبا في الجاهلية والإسلام كما ذكر في ترجمة زيد بن حارثة ولقد تبنى صلى الله عليه وآله زيدا، وقال تعالى: " وإذا قال إبراهيم لأبيه آزر " مع أنه عمه أو زوج أمه، سمي بالأب لتبنية إياه. فظهر من ذلك كله أن كون الرجل من من بني أمية من أسباب الذم إلا أنه ما دام احتمال التبني الذي كان شائعا قائم لا يجرح العدل به. هذا، ثم لا يخفى عليك أن ما ذكرناه على فرض تماميته، لا يتم في كل من لقب بالأموي، ما لم يعلم انتسابه إلى بني أمية المعروفين، ضرورة إن الأموي - بفتح الهمزة والميم - نسبة إلى أمة بن نخالة بن مازن، وبضم الهمزة وبفتح الميم نسبة إلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، كما قال السمعاني. المذموم إنما هو المنتسب إلى الموسوم بأمية الأكبر والأصغر دون امة المذكور.

[139]

هذا، وقد عثرت بعد حين على ما يهدم أساس ما ذكرناه. وهو ما رواه الشيخ المفيد - رحمه الله - في كتاب الاختصاص بإسناده عن أبي حمزة الثمالي، قال: " دخل سعد - وكان أبو جعفر عليه السلام يسميه سعد الخير - وهو من ولد عبد العزيز بن مروان - على أبي جعفر عليه السلام. فبينا ينشج كما تنشج النساء. فقال له أبو جعفر عليه السلام: ما يبكيك يا سعد ؟ قال: وكيف لا أبكي، وأنا من الشجرة الملعونة في القرآن، فقال عليه السلام لست منهم، أنت اموي منا أهل البيت أما سمعت قوله تعالى يحكي عن ابراهيم " فمن تبعني فإنه مني ". فإنه يدل على أن المدار على الإيمان والتقوى. وهو الذي يساعد عليه اصول المذهب وقواعد العدل والأخبار والآيات الكثيرة، حيث ترى نفي الولاية عن ابن نوح وإثبات الجزئية لمن تبع. ومنها: فساد العقيدة سواء كان في نفس الاصول أو في فروعها. وحيث جرى الكلام إلى هنا لزمنا الإشارة اجمالا إلى أسباب فساد العقيدة ليعلم المراد بها حيثما استعملت في كتب الرجال. فنقول: من فرق الإسلام بالمعنى الأعم العامة وهم معروفون. ومنها الكيسانية، وهم على ما نقل عن الشيخ المفيد - رحمه الله - أول من شذ عن الحق. وهم أصحاب كيسان غلام أمير المؤمنين عليه السلام أو أصحاب المختار بن أبي عبيدة الثقفي المشهور. سموا بذلك لأن اسم المختار كان كيسان، وقد قيل: " إن أباه حمله ووضعه بين يدي أمير المؤمنين عليه السلام، فجعل يمسح بيده على رأسه ويقول: يا كيس " واعتقاد هذه الفرقة أن الإمام بعد الحسين عليه السلام هو ابن الحنفية وأنه هو المهدي الذي يملأ الله الأرض به قسطا وعدلا وأنه حي لا يموت، وقد غاب في جبل رضوى باليمن. وربما يجتمعون ليالي الجمعة ويشتغلون بالعبادة. وأقصى تعلقهم في إمامته قول أمير المؤمنين عليه السلام له يوم البصرة: " انت ابني حقا " وأنه كان صاحب رايته كما كان هو صاحب راية رسول الله صلى الله عليه وآله فكان أولى بمقامه، وفي أنه المهدي قول النبي صلى الله عليه وآله: " لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث الله تعالى رجلا من أهل بيتي اسمه اسمي وكنيته كنيتي، واسم أبيه اسم

[140]

ابي يملأ الأرض قسطا وعدلا بعد ما ملئت ظلما وجورا ". قالوا: وكان من أسماء أمير المؤمنين عليه السلام عبد الله لقوله: " أنا عبد الله وأخو رسوله - صلى الله عليه وآله - الحديث ". وفي حياته وأنه لم يمت: أنه إذا ثبتت إمامته وأنه القائم تعين بقاؤه لئلا تخلو الأرض من حجة، وحكي عن فرقه اخرى منهم، أن ابن الحنفية هو الإمام بعد أمير المؤمنين عليه السلام دون الحسنين وأن الحسن إنما دعى في الباطن إليه بأمره والحسين إنما ظهر بالسيف وإنهما كانا داعيين إليه وآمرين من قبله، وعن فرقة ثالثة منهم أنه مات وانتقلت الإمامة إلى ولده، وعد بعضهم منهم الواقفية. وعن فرقة رابعة أن محمدا مات وأنه يقوم بعد الموت وأنه المهدي. ومنها الاسماعيلية، وهم القائلون بالإمامة إلى مولانا الصادق عليه السلام ثم من بعده إلى ابنه إسماعيل، وهم على ما عن التعليقة فرق. ومنها الهاشمية، وهم المنتسبون إلى أبي هاشم، وهم أيضا فرق: فمنهم الحيانية: أصحاب حيان السراج: يزعمون أن الإمام بعد علي عليه السلام ابنه محمد بن الحنفية ولا يرون للحسنين عليهما السلام إمامة. ومنهم الرزامية: أتباع رزام: ساقوا الإمامة بعد أبي هاشم بن محمد بن الحنفية إلى عبد الله بن العباس بالنص. ومنها الفطحية، وهم القائلون بإمامة الائمة الاثني عشر عليهم السلام مع عبد الله الأفطح ابن الصادق عليه السلام يدخلون بين أبيه وأخيه. وعن الشهيد - رحمه الله -: " أنهم يدخلونه بين الكاظم والرضا عليهما السلام ". وعن " الاختيار " أنهم سموا بذلك لأنه قيل: إنه كان أفطح الرأس أي عريضه وقال بعضهم: نسبوا إلى رئيس لهم يقال له عبد الله بن فطيح من أهل الكوفة، والذين قالوا بإمامة عامة مشايخ العصابة وفقهائها، قالوا بهذه المقالة، فدخلت عليهم الشبهة لما روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: الإمامة في الأكبر من ولد الإمام إذا مضى إمام. ثم منهم من رجع عن القول بإمامته لما امتحنه بمسائل من الحلال والحرام لم يكن عنده جواب ولما ظهر منه الأشياء التي لا ينبغي أن تظهر من الإمام. ثم إن عبد الله مات بعد أبيه بسبعين يوما، فرجع الباقون إلا شذاذا منهم

[141]

عن القول بإمامته إلى القول بإمامة أبي الحسن موسى عليه السلام ورجعوا إلى الذي روي أن الإمامة لا تكون في الأخوين بعد الحسن والحسين عليهما السلام وبقي شذاذ منهم على القول بإمامته، وبعد أن مات قالوا بإمامة أبي الحسن موسى عليه السلام. ولازمه صحة قول من قال: انهم يدخلونه بين الصادق والكاظم عليهما السلام. والفطحية من الشيعة أقرب إلى الحق كما نبهنا على ذلك في ذيل الفائدة السابعة من مقدمة تنقيح المقال، فراجع وتدبر. ومنها السمطية، وهم القائلون بإمامة محمد بن جعفر الملقب بديباجة دون أخيه موسى عليه السلام وعبد الله الأفطح، نسبوا إلى رئيس لهم يقال له يحيى بن أبي السمط. ومنها الناووسية، أتباع رجل يقال له: ناووس، وقيل: نسبوا إلى قرية ناووسيا. وهم قائلون بالإمامة إلى مولينا الصادق عليه السلام ووقفوا عليه، وقالوا: إنه حي لن يموت حتى يظهر ويظهر أمره، وهو القائم المهدي، وعن الملل والنحل: " إنهم زعموا أن عليا عليه السلام مات وسننشق الأرض عنه قبل يوم القيامة فيملأ الأرض عدلا. قيل: نسبوا إلى رجل يقال له: ناووس وقيل إلى قرية تسمى بذلك ويسمون الصارمية أيضا. ومنها الواقفة، وهم الذين وقفوا على مولينا الكاظم عليه السلام كما هو المعروف من هذا اللفظ حيثما يطلق، وربما يقال لهم: الممطورة، أي الكلاب المبتلة من المطر، ووجه الإطلاق ظاهر. وإنما وقفوا على الكاظم عليه السلام بزعم أنه القائم المنتظر إما بدعوى حياته وغيبته أو موته وبعثه مع تضليل من بعده بدعوى الإمامة، أو باعتقاد أنهم خلفاؤه وقضاته إلى زمان ظهوره، وقد جزم المولى الوحيد وغيره بأن اطلاق الواقفي في الرجال ينصرف إلى من وقف على الكاظم عليه السلام ولا يحمل مع الإطلاق إلا عليه، نعم، مع القرينة يحمل على من قامت عليه ولعل من جملة القرائن عدم دركه للكاظم عليه السلام وموته قبله أو في زمانه عليه السلام مثل سماعة بن مهران وعلي بن حيان ويحيى بن القاسم. (1) =

[142]

وكان بدء الواقفة - كما في مختار الكشي - إنه اجتمع ثلاثون ألف دينار عند الاشاعثة زكاة أموالهم فحملوها إلى وكيلين لموسى عليه السلام بالكوفة: حيان السراج وآخر كان معه حين ما كان موسى عليه السلام ببغداد في الحبس. فمات عليه السلام والمال عندهما، فلما بلغ الخبر اليهما أنكرا موته، واذاعا في الشيعة أنه لا يموت لأنه القائم المهدي - الى آخر ما قال. ومنها الزيدية. وهم القائلون بإمامة زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام، وهم فرق، أغلبهم يقولون بإمامة كل فاطمي عالم صالح ذي رأي يخرج بالسيف. وزيد هذا قتل وصلب بالكناسة موضع قريب من الكوفة. وقد نهاه الباقر عليه السلام عن الخروج والجهاد فلم ينته فصار إلى ذلك واختلفت الروايات في أمره، فبعضها يدل على ذمه، بل كفره لدعواه الإمامة بغير حق. وبعضها يدل على علو قدره وجلالة شأنه، وربما جمع بعضهم بينهما بحمل النهي عن الخروج على التقية وأنه ليس نهي تحريم، بلى شفقة وخوف عليه وقد أوضحنا في ترجمته في تنقيح المقال حسن حاله بنفسه وصحة خروجه، فلاحظ وتدبر. ومنها البترية بضم الباء الموحدة وقيل بكسرها ثم سكون التاء المثناة من فوق [ولعل الصواب بفتح الباء كما ذكره ابن الأثير في اللباب مع ذكر حجته] فرق من الزيدية، قيل نسبوا إلى المغيرة بن سعيد ولقبه الأبتر، وقيل البترية هم أصحاب كثير النواء والحسن بن صالح بن حي وسالم بن أبي حفصة والحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل وأبي المقدام ثابت الحداد وهم الذين دعوا إلى ولاية علي عليه السلام، ثم خلطوها بولاية أبي بكر وعمر ويثبتون لهم الإمامة ويبغضون عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون الخروج مع بطون ولد علي عليه السلام ويثبتون من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكل من خرج منهم عند خروجه الإمامة. =


(1) كون موت سماعة بن مهران في حياة أبي عبد الله عليه السلام وعدم دركه أبا الحسن موسى عليه السلام مبتن على حكاية موضوعة وروايات سماعة عن أبي الحسن عليه السلام بلغت حدا لم يبق لنا مجالا بأن نقول رواها عنه في زمن أبيه عليهما السلام. واما على بن حيان فسهو والواقفي جهيم بن جعفر بن حيان وهو حي بعد موت أبى الحسن موسى عليه السلام دون عمه على بن حيان كما في الخلاصة ورجال ابن داود.

[143]

والذي أعتقده أن البترية هم زيدية العامة ثم ذكر في وجه تسمية البترية وجهان: أحدهما ما هو المعروف من أنه بتقديم الباء الموحدة نسبة إلى المغيرة بن سعيد الابتر، أولأنهم لما تبرؤا من أعداء الشيخين التفت إليهم زيد بن علي عليه السلام وقال: " أتبرؤن من فاطمة عليها السلام بترتم أمرنا بتركم الله ". فقد روى الكشى - رحمه الله - عن سعد بن جناح الكشي، عن علي بن محمد بن يزيد القمي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن الحسين بن سعيد، عن فضالة بن أيوب، عن الحسين بن عثمان الرواسي، عن سدير، قال: دخلت على أبي جعفر عليه السلام ومعي سلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد، وسالم بن أبي حفصة، وكثير النواء وجماعة معهم وعند أبي جعفر أخوه زيد بن علي عليه السلام، فقالوا لأبي جعفر: نتولى عليا وحسنا وحسينا عليهم السلام ونتبرء من أعدائهم، قال: نعم قالوا: نتولى ابا بكر وعمر ونتبرء من أعدائهم ؟ قال: فالتفت إليهم زيد بن علي عليه السلام فقال لهم: أتبرؤن من فاطمة عليها السلام بترتم أمرنا بتركم الله، فيومئذ سموا البترية. ثانيهما: أنه بتقديم التاء المثناة من فوق على الباء الموحدة، وهو الذي اختاره الفاضل الكاظمي في تكملة النقد حيث روى الرواية هكذا: أتبرؤن من فاطمة عليها السلام، تبرئتم أمرنا تبرءكم الله، فيومئذ سموا التبرية. (وهو كما ترى). ومنها الجارودية، ويقال لهم السرحوبية أيضا لنسبتهم إلى أبى الجارود زياد بن المنذر السرحوب الأعمى، المذموم بالذم المفرط. وهم القائلون بالنص على علي عليه السلام وكفر مناوئيه، وكل من أنكره، وفي مجمع البحرين هم فرقة من الشيعة ينسبون إلى الزيدية وليسوا منهم، نسبوا إلى رئيس لهم من أهل خراسان يقال له أبو الجارود زياد بن المنذر، وعن بعض الأفاضل: أنهم فرقتان زيدية وهم شيعة وفرقة تبرية وهم لا يجعلون الإمامة لعلي عليه السلام بالنص بل عندهم هي شورى ويجوزون تقديم المفضول على الفاضل، وفي بعض الكتب أن الجارودية لا يعتقدون إمامة الشيخين ولكن حيث رضي علي عليه السلام بهما ولم ينازعهما جريا مجرى الأئمة في وجوب الإطاعة.

[144]

ومنها السليمانية، وهم القائلون بإمامة الشيخين وكفر عثمان منسوبون إلى سليمان بن جرير القائل بأن الإمامة شورى فيما بين الخلق ويصح أن ينعقد بعقد رجلين من خيار المسلمين، وأثبت لذلك إمامة الشيخين، وقال: بكفر عثمان للأحداث التي أحدثها، وكفر عائشة وطلحة والزبير لإقدامهم على قتال علي أمير المؤمنين عليه السلام. ومنها الصالحية وهم فرقة من الزيدية يقولون بإمامة الشيخين. ومنها الخطابية وهم طائفة منسوبة إلى ابي الخطاب محمد بن وهب الأسدي الأجدع وقيل: محمد بن مقلاص، وكانوا يدينون بشهادة الزور على من خالفهم وخادعهم لمخالفتهم له في العقيدة إذا حلف على صدق دعواه. قاله في المجمع، ثم قال: " وفي الحديث سأله رجل أؤخر المغرب حتى يشتبك النجوم، فقال: خطابية، أي سنة سنها أبو الخطاب محمد بن مقلاص المكنى بأبي زينب - انتهى ". قلت: الذي يفهم من الحديث أن أبا الخطاب أيضا كان مبدعا، ويظهر من تمام ما ذكره أن للخطابية إطلاقين، أحدهما المنسوبون إلى محمد بن وهب والآخر المنسوبون إلى أبي الخطاب، ولعل الثاني هو الذي قيل: إنه كان يزعم أن الأئمة عليهم السلام أنبياء ثم آلهة والآلهة نور من النبوة ونور من الإمامة ولا يخلو العالم من هذه الأنوار وأن الصادق عليه السلام هو الله تعالى وليس المحسوس الذي يرونه بل إنه لما نزل إلى العالم لبس هذه الصورة الإنسانية لئلا ينفر منه، ثم تمادى الكفر به إلى أن قال: إن الله تعالى انفصل من الصادق عليه السلام وحل فيه وأنه أكمل من الله، تعالى عما يقولون علوا كبيرا. ومنها البزيعية، فعن تاريخ أبي زيد البلخي: أنهم أصحاب بزيع الحائك أقروا بنبوته وزعموا أن الأئمة عليهم السلام كلهم أنبياء وأنهم لا يموتون ولكنهم يرفعون. وزعم بزيع أنه صعد إلى السماء وأن الله تعالى مسح على رأسه ومج في فيه فإن الحكمة تثبت في صدره. وفي التعليقة " إنهم فرقة من الخطابية يقولون: الإمام بعد أبي الخطاب بزيع، وأن كل مؤمن يوحى إليه وأن الإنسان إذا بلغ الكمال لا يقال له: مات، بل رفع الى الملكوت، وادعوا معاينة أمواتهم بكرة وعشية.

[145]

ومنها البيانية فعن تاريخ أبي زيد البلخي المزبور، أنهم فرقة اقروا بنبوة بيان وهو رجل من سواد الكوفة تأول قول الله عزوجل: " هذا بيان للناس " أنه هو، وكان يقول بالتناسخ والرجعة، فقتله خالد بن عبد الله القسري. ومنها البنانية - بالباء الموحدة ونونين بينهما ألف - وهم أتباع بنان بن سمعان الهندي الذاهب إلى الحلول والقائل بإمامة أبي هاشم بن محمد بن الحنفية، وقد يطلق البنانية على اتباع بنان التبان الذي ذكرنا ما ورد فيه وفي بزيع الحائك من الذم واللعن في ترجمتهما من تنقيح المقال، فلاحظ. ومنها الحرورية، وهم الذين تبرؤوا من علي عليه السلام وشهدوا عليه بالكفر، - لعنهم الله - وقد روى الكافي " عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير عن محمد بن حكم، وحماد عن أبي مسروق، قال: سألني أبو عبد الله عن أهل البصرة، فقال لي: ماهم ؟ قلت: مرجئة وقدرية وحرورية. فقال: " لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله على شئ ". هذا، ثم لا يخفى عليك أن الحرورية نسبة إلى حروراء موضع بقرب الكوفة كان أول مجمعهم فيه، توجبون قضاء صلاة الحيض. وقال بعض الأعاظم: إن الحرورية فرقة من الخوارج. ويسمون بالشراة أيضا بالشين المعجمة جمع شاري. زعموا أنهم شروا أنفسهم بأن لهم الجنة يقاتلون ويقتلون، ويظهر من بعضهم أن كل خارجي فهو من الشراة. ومن المخمسة، وهم فرقة من الغلاة يقولون: إن الخمسة: سلمان وأبا ذر والمقداد وعمارا وعمرو بن أمية الضمري هم النبيون والموكلون بمصالح العالم من قبل الرب، والرب عندهم علي عليه السلام. ومنها العلياوية. وهم على ما في اختيار الكشي يقولون: إن عليا عليه السلام رب وظهر بالعلوية الهاشمية، وأظهر أنه عبده وأظهر وليه من عنده ورسوله بالمحمدية، ووافق أصحاب أبي الخطاب في أربعة أشخاص علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام، وأن مضي الأشخاص الثلاثة فاطمة والحسن والحسين عليهم السلام تلبيس، والحقيقة شخص علي عليه السلام لأنه أول هذه الأشخاص في

[146]

الامامة وأنكروا شخص محمد صلى الله عليه وآله وزعموا أن محمدا عبد علي وأن عليا عليه السلام هو رب، وأقاموا محمدا صلى الله عليه وآله مقام ما أقامت المخمسة سلمان، وجعلوه رسولا لعلي عليه السلام فوافقوهم في الإباحات والتعطيل والتناسخ، والعلياوية تسميها المخمسة عليائية، وزعموا أن بشارا الشعيري لما أنكر ربوبية محمد صلى الله عليه وآله وجعلها في علي، وجعل محمدا صلى الله عليه وآله عبد علي عليه السلام وأنكر رسالة سلمان وأقام مقام سلمان محمدا مسخ على صورة طير يقال له: علياء، يكون في البحر، فلذلك سموهم العليائية، وبشار الشعيري، هو الذي روى الكشي في ترجمته عن الصادق عليه السلام أنه شيطان بن شيطان خرج من البحر فأغوى أصحابي، وفي ترجمة محمد بن بشير: " وزعمت هذه الفرقة والمخمسة والعلياوية وأصحاب أبي الخطاب أن كل من انتسب إلى أنه من آل محمد فهو مبطل في نسبته، مفتر على الله تعالى كاذب وأنهم الذين قال الله تعالى فيهم: أنهم يهود أو نصارى في قوله: وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق ". " محمد " صلى الله عليه وآله في مذهب الخطابية وعلي عليه السلام في مذهب العلياوية، فهم ممن خلق هذان، كاذبون فيما ادعوا من النسب، إذ كان محمد صلى الله عليه وآله عندهم وعلي عليه السلام هو رب لا يلد ولم يولد ولم يستولد، جل الله وتعالى عما يصفون علوا كبيرا. ومنها القدرية وهم - على ما في المجمع وغيره - المنسوبون إلى القدر، ويزعمون أن كل عبد خالق فعله، ولا يرون المعاصي والكفر بتقدير الله ومشيئته، فنسبوا إلى القدر، لأنه بدعتهم وضلالتهم. وفي شرح المواقف: " قيل القدرية هم المعتزلة لإسناد أفعالهم إلى قدرتهم. وفي الحديث: " لا يدخل الجنة قدري وهو الذي يقول: لا يكون ما شاء الله ويكون ما شاء إبليس ". وروي عن النبي صلى الله عليه وآله: " أن القدري مجوس هذه الأمة ". وقد يقال: إنه لما كان المعتزلي من العدلية يقول بالقدرة والاختيار دون الجبر كما عليه العدلية من أن أفعال العباد مخلوقه لهم لقدرتهم عليها واختيار - هم لها من غير إجبار عليها ولا مشارك فيها، فلذا نسبوا إلى القدر لقولهم به، فهم

[147]

مشاركون لأولئك من هذه الجهة، وأما من جهة نفي القضاء والقدر بالنسبة إلى الله كما هي مقالة اولئك فغير معلوم موافقتهم لهم فيه بل لعلهم موافقون للامامية في ثبوت القضاء والقدر لله إذا القول بنفية مخالف لصريح القرآن، وكيف كان فتسميتهم به غير مناسب لعدم قولهم به حتى ينسبوا إليه، فهي من باب تسمية الشئ باسم ضده كالبصير للأعمى. ومنها المرجئة - بالميم ثم الراء ثم الهمزة بغير تشديد - من الإرجاء بمعنى التأخير عند أكثر اللغويين، وبالياء بدل الهمزة من غير تشديد - أيضا. ووهم الجوهري فجعله عند إثبات الياء بدل الهمزة مشددا. وقد وقع الخلاف في تفسير اللفظة، فقيل: هم فرقة من المسلمين يقولون: الإيمان قول بلاعمل، كأنهم قدموا القول وارجئوا العمل أي أخروه لأنهم يريدون أنهم لو لم - يصلوا ولم يصوموا لنجاهم إيمانهم. ذكره في تاج العروس وحكى تفسيره به عن ابن قتيبة. وقيل: هم فرقة من المسلمين يعتقدون أنه لا يضر مع الإيمان معصية كما لا ينفع مع الكفر طاعة، سموا مرجئة لإعتقادهم أن الله تعالى أرجا تعذيبهم عن المعاصي أي أخره عنهم. قلت: لا يبعد اتحاد هذا القول مع سابقه وإن عدهما بعضهم قولين، نعم هما مختلفان في وجه التسمية. وقيل: هم الفرقة الجبرية الذين يقولون: إن العبد لا فعل له وإضافة الفعل إليه بمنزلة إضافته إلى المجازات كجرى النهر ودارت الرحى، وإنما سميت المجبرة مرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله ويرتكبون الكبائر. حكي ذلك عن بعض أهل المعرفة بالملل. وعن المغرب عنه أنهم سموا بذلك لإرجائهم حكم أهل الكبائر إلى يوم القيامة. وقيل: هم الذين يقولون كل الأفعال من الله تعالى. وقيل: المرجي هو الأشعري، وربما يطلق على أهل السنة لتأخيرهم عليا عليه السلام عن الثلاثة. وفي الأحاديث: " المرجي يقول: من لم يصل ولم يصم ولم يغتسل من جنابة وهدم الكعبة ونكح أمه فهو على إيمان جبرئيل وميكائيل ".

[148]

وفي الحديث خطابا للشيعة: " أنتم أشد تقليدا ام المرجئة ؟ " قيل: أراد بهم ما عدا الشيعة من العامة اختاروا من عند أنفسهم رجلا بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وجعلوه رئيسا ولم يقولوا بعصمته عن الخطأ، واوجبوا طاعته في كل ما يقول ومع ذلك قلدوه في كل ما قال، وأنتم نصبتم رجلا يعنى عليا عليه السلام واعتقدتم عصمته عن الخطأ ومع ذلك خالفتموه في كثير من الأمور. وسماهم مرجئة لأنهم زعموا أن الله تعالى أخر نصب الإمام ليكون نصبه باختيار الأمة بعد الني صلى الله عليه وآله. وفي حديث آخر قال: " ذكرت المرجئة والقدرية والحرورية، فقال: لعن الله تلك الملل الكافرة المشركة التي لا تعبد الله علي شي ". (1) ومنها المغيرية، نسبة إلى المغيرة بن سعيد وهم أتباعه، يعتقدون أن الله تعالى جسم على صورة رجل من نور، على رأسه تاج من نور، وقلبه منبع الحكمة، وقيل: إنه يقول بإمامة محمد بن عبد الله بن الحسن بعد الباقر، وأن محمد بن عبد الله حى لا يموت. ويرد ذلك أن لازمه حدوث المغيرية بعد الباقر عليه السلام، وظاهر رواية جابر المذكورة في الخوارج وجود هذا المذهب في زمان الباقر عليه السلام، وهي ما رواه في الخرائج عن جابر قال: " كنا عند الباقر عليه السلام نحوا من خمسين رجلا إذ دخل عليه كثير النواء وكان من المغيرية فسلم وجلس ثم قال: ان المغيرة عندنا يزعم أن ملكا يعرفك الكافر من المؤمن وشيعتك من أعدائك، قال: ما حرفتك ؟ قال أبيع الحنطة. قال كذبت، قال: وربما أبيع الشعير، قال: ليس كما قلت بل تبيع النوا، قال من أخبرك بهذا ؟ قال: الملك الذي يعرفني شيعتي من عدوي، لست تموت إلا تائها. قال جابر الجعفي: فلما انصرفنا إلى الكوفة ذهبت في جماعة نسئل عنه فدللنا على عجوز فقالت: مات تائها منذ ثلاثة أيام. ومنها النصيرية وهم على ما في التعليقة من الغلاه أصحاب محمد بن


(1) الإرجاء مذهب سياسي مخترع ابتدع لكف السنة عن الاعتراض بعمل الصحابة الذين فعلوا ما فعلوا بعد الرسول صلى الله عليه وآله من الأعمال التي هي خلاف ما امروا به، والوقيعة بهم حيث قالوا: انهم كانوا مؤمنين وماتو على ايمانهم فلا ينبغي لأحد أن يتعرض لهم ويغتابهم بسوء اعمالهم انما حسابهم على الله وليس لنا أن نذكرهم بسوء. فتأمل جيدا لكى يظهر لك معنى الارجاء والمرجئة كاملا. (الغفاري).

[149]

نصير النميري - لعنه الله - كان يقول: الرب هو علي بن محمد العسكري عليهما السلام وهو نبي من قبله وأباح المحارم، وأحل نكاح الرجال، وعن الكشي أنهم فرقة قالوا بنبوة محمد بن نصير الفهري النميري. ومنها الشريعية وهم فرقة ينتسبون إلى الحسن الشريعي الذي ادعى السفارة عن الحجة عجل الله تعالى فرجه كذبا وادعى مقاما ليس له بأهل ولعنته الشيعة، وخرج التوقيع الشريف بلعنه. ومن الشريعية محمد بن موسى بن الحسن بن فرات وابنه محمد، وأحمد بن الحسين بن بشر بن زيد. ومنها المفوضة وهي على ما أفاده الوحيد والعلامة المجلسي وغيرهما - رحمهم الله - تطلق على معان كثيرة فيها الصحيح والفاسد: أحدها: ما ذكره في آخر التعليقة من أن الله تعالى خلق محمدا صلى الله عليه وآله وفوض إليه أمر العالم، فهو الخلاق للدنيا وما فيها. وقيل: فوض ذلك إلى علي عليه السلام، وربما يقولون بالتفويض إلى سائر الأئمة عليهم السلام أيضا كما يظهر من بعض التراجم. قلت: قد نسب الاعتقاد بذلك إلى طائفة، فإن أرادوا ظاهره وهو أنهم الفاعلون لذلك حقيقة، فهو الكفر الصريح، وقد دلت الأدلة العقلية والنقلية على بطلانه وفي العيون عن الرضا عليه السلام أن " من زعم أن الله تعالى فوض أمر الخلق والرزق إلى حججه، فهو مشرك - الحديث ". وإن أرادوا أن الله تعالى هو الفاعل وحده لا شريك له ولكن مقارنا لإرادتهم ودعائهم وسؤالهم من الله ذلك كشق القمر وإحياء الموتى، وقلب العصى، وغير ذلك من المعجزات، فهو حق لكرامتهم عند الله وزيادة قربهم منه، وإظهار فضلهم، ورفعة مقامهم بين خلقه وعباده، حتى يصدقوهم وينقادوا لهم ويهتدوا بهداهم ويقتدوا بهم، فإنهم الدعاة إلى الله والأدلاء على مرضاته. ولكن هذا المعنى ليس من التفويض في شئ، بل هو المعجز الصرف نشأ على يدي حجة الله تعالى لبلوغه أعلى مراتب الإخلاص والعبودية، فتفسير التفويض بذلك لا وجه له. الثاني: التفويض في أمر الدين بمعنى أن الله تعالى فوض إليهم أن يحلوا ما شاؤوا

[150]

ويحرموا ما شاؤوا ويصححوا ما شاؤوا ويبطلوا ما شاؤوا بآرائهم من غير وحي، وهذا أيضا ضروري البطلان، وقد تظافرت الآيات وتواترت الأخبار بأنهم لا ينطقون عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وأن الله تعالى كان متفضلا عليهم بملكة كانوا يفهمون من كتاب الله تعالى ما كان، وما يكون وأن الكتاب تبيان كل شئ. وإن أرادوا بذلك أنه تعالى لما أكمل نبيه صلى الله عليه وآله بحيث لا يختار إلا ما يوافق الحق ولا يخالف مشيئته، فوض إليه تعيين بعض الامور كزيادة بعض الركعات وتعيين النوافل من الصلاة والصيام وطعمة الجد ونحو ذلك إظهارا لشرفه وكرامته، ثم لم اختار أكد ذلك بالوحي من عنده، فلا فساد عقلا ولا نقلا فيه، بل في كثير من الأخبار ما يدل عليه، وقد عقدله في الكافي بابا. بل نسبه بعضهم إلى أكثر المحدثين. الثالث: تفويض أمر الخلق إليهم في السياسة والتأديب والتكميل، وأمرهم بطاعتهم بمعنى أنه يجب عليهم طاعتهم في كل ما يأمرون به وينهون عنه سواء علموا وجه الصحة أم لا، بل ولو كان بحسب ظاهر نظرهم عدم الصحة، بل الواجب عليهم القبول وتفويض الأمر إليهم والتسليم لهم بحيث لا يجدون حرجا فيما قضوا ويسلموا تسليما، كما قال سبحانه، وهذا لا شبهة في صحته. الرابع: تفريض بيان العلوم والأحكام على ما أرادوا ورأوا المصلحة فيه لاختلاف عقول الناس أو للتقية، فيفتون بعض الناس بالأحكام الواقعية وبعضهم بالتقية ويسكتون عن جواب آخرين بحسب المصلحة، ويجيبون في تفسير الآيات وتأويلها وبيان الحكم والمعارف بحسب ما يحتمله عقل كل سائل، وقد جاء في غير واحد من الأخبار: " عليكم أن تسألوا وليس علينا أن نجيب ". وهذا أيضا لا ريب في صحته. الخامس: التفويض في الإعطاء والمنع، فإن الله تعالى خلق لهم الأرض وما فيها، وجعل لهم الأنفال وصفوا لمال والخمس وغيرها. فلهم أن يعطوا ما شاؤوا ويمنعوا كذلك، أيضا لإشكال في صحته. السادس: الاختيار في أن يحكموا في كل واقعة بظاهر الشريعة أو بعلمهم

[151]

أوما يلهمهم الله تعالى من الواقع كما دل عليه بعض الأخبار، ذكره السيد - رحمه الله - في محكي رجاله، وهو على ظاهره من التخيير المطلق في الحكم في كل واقعة من دون ملاحظة خصوصيات المقام وما فيه من المصالح والمفاسد والحكم المترتبة عليه كالتخيير الابتدائي الثابت بدليله كالقصر والإتمام في مواضع التخيير، وخصال الكفارة التخييرية ونحوهما محل تأمل وإشكال. السابع: تفويض تقسيم الأرزاق، جعله في الفوائد مما يطلق عليه التفويض، وصحته وفساده يعرف من المعنى الأول. ولعله يرجع إليه أو عينه، إلا أن يعمم الأول للخلق والرزق والآجال وغيرها، ويختص هذا بخصوص الأرزاق كما هو ظاهره. الثامن: ما عليه المعتزلة من أن الله سبحانه لا صنع له ولا دخل في أفعال العباد سوى أن خلقهم وأقدرهم ثم فوض إليهم أمر الافعال يفعلون ما يشاؤون على وجه الاستقلال، عكس مقالة المجبرة، فهم بين إفراط وتفريط، وهو الذي ينبغي أن ينزل عليه قولهم عليهم السلام " لا جبر ولا تفويض " لمقابلته بالجبر، إذ كما أن في الجبر نسبة العدل الرؤوف إلى الظلم والعدوان، فكذا في التفويض عزل للمحيط القائم على كل نفس بما كسبت من السلطان، وقد جاءت الأخبار بذم الفريقين وأن الحق أمر بين الأمرين. التاسع: قول الزنادقة وأصحاب الإباحات، وهو القول برفع الحظر عن الخلق في الأفعال والاباحة لهم ما شاؤوا من الأعمال. وإذ قد عرفت ذلك كله وأن بعض الأقسام صحيح وبعضها فاسد، فلا ينبغي المسارعة إلى القدح في الرجل بمجرد عد بعضهم له من المفوضة، إذ لعله يقول بالقسم الصحيح من التفويض بل لابد من التأمل والتروي، ودعوى اشتهار التفويض في المعاني المنكرة، فينصرف الإطلاق إليها وينزل عليها كما ترى. (1) ومنها الجبرية - بالجيم المفتوحة ثم الباء الساكنة - خلاف القدرية، وفي عرف أهل الكلام يسمون المجبرة والمرجئة لأنهم يؤخرون أمر الله ويرتكبون الكبائر.


(1) والظاهر المراد بالمفوضة في كتب الرجال، الذين قالوا بالقول الأول والأخير وقليلا يطلق على من قال بالقول الثامن.

[152]

قاله في المجمع، ثم قال: " والمفهوم من كلام الأئمة عليهم السلام أن المراد من الجبرية الأشاعرة، ومن القدرية المعتزلة لأنهم شهروا أنفسهم بإنكار ركن عظيم من الدين، وهو كون الحوادث بقدرة الله تعالى وقضائه، وزعموا أن العبد قبل أن يقع منه الفعل مستطيع تام يعني لا يتوقف فعله على تجدد فعل من أفعاله تعالى، وهذا أحد معاني التفويض. وقال علي بن ابراهيم: " المجبرة الذين قالوا: ليس لنا صنع ونحن مجبرون، يحدث الله لنا الفعل عند الفعل، وإنما الأفعال منسوبة إلى الناس على المجاز لا على الحقيقة، وتأولوا في ذلك بآيات من كتاب الله لم يعرفوا معناها مثل قوله: " وما تشاؤون إلا أن يشاء الله " وقوله " ومن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام، ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا " وغير ذلك من الآيات التي تأويلها على خلاف معانيها. وفيما قالوه إبطال للثواب والعقاب، وإذا قالوا ذلك ثم أقروا بالثواب والعقاب، نسبوا إلى الله تعالى الجور وأن يعذب على غير اكتساب وفعل. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا أن يعاقب أحدا على غير فعل وبغير حجة واضحة، والقرآن كله والعقل رد عليهم كما لا يخفى على من راجع وتدبر ". لا يخفى عليك أنه قد كثر رمي رجال بالغلو وليس من الغلاة عند التحقيق، فينبغي التأمل والاجتهاد في ذلك وعدم المبادرة إلى القدح بمجرد ذلك. ولقد اجاد المولى الوحيد حيث قال: " اعلم أن كثيرا من القدماء سيما القميين منهم وابن الغضائري كانوا يعتقدون للأئمة عليهم السلام منزلة خاصة من الرفعة والجلال ومرتبة معينة من العصمة والكمال بحسب اجتهادهم ورأيهم، وما كانوا يجوزون التعدي عنها وكانوا يعدون التعدي ارتفاعا وغلوا على حسب معتقدهم حتى أنهم جعلوا مثل نفي السهو عنهم غلوا بل ربما جعلوا مطلق التفويض إليهم، أو التفويض المختلف فيه، أو المبالغة في معجزاتهم ونقل العجائب من خوارق العادات عنهم أو الإغراق في شأنهم أو إجلالهم وتنزيههم عن كثير من النقائص، وإظهار كثرة القدرة لهم، وذكر علمهم بمكنونات السماء والأرض، ارتفاعا أو مورثا للتهمة به، سيما بجهة أن الغلاة كانوا مختفين في الشيعة مخلوطين بهم مدلسين.

[153]

وبالجملة الظاهر أن القدماء كانوا مختلفين في المسائل الأصولية أيضا فربما كان شئ عند بعضهم فاسدا وكفرا. أو غلوا أو تفويضا، أو جبرا أو تشبيها، أو غير ذلك، وكان عند آخر مما يجب اعتقاده أولا هذا ولا ذاك، وربما كان منشأ جرحهم بالامور المذكورة وجدان الرواية الظاهرة فيها منهم، كما أشرنا إليه آنفا، أو ادعا أرباب المذهب كونه منهم، أو روايتهم عنه، وربما كان المنشأ روايتهم المناكير عنهم إلى غير ذلك، فربما يحصل التأمل في جرحهم بأمثال الامور المذكورة - إلى أن قال: - ثم اعلم أنه يعني أحمد بن محمد بن عيسى وابن الغضائري ربما ينسبان الراوي إلى الكذب ووضع الحديث بعد ما ينسبانه إلى الغلو، وكأنه لرواية ما يدل عليه " ولا يخفى ما فيه - اه‍. قلت: فلابد حينئذ من التأمل في جرحهم بأمثال هذه الامور، ومن لحظ مواضع قدمهم في كثير من المشاهير كيونس بن عبد الرحمن ومحمد بن سنان والمفضل بن عمر وأمثالهم عرف الوجه في ذلك. وكفاك شاهدا إخراج أحمد بن محمد بن عيسى لأحمد بن محمد بن خالد البرقي من قم. بل عن المجلسي الأول: أنه أخرج جماعة من قم. بل عن المحقق الشيخ محمد ابن صاحب المعالم أن أهل قم كانوا يخرجون الراوي بمجرد توهم الريب فيه. فإذا كانت هذه حالتهم وذا ديدنهم، فكيف يعول على جرحهم وقدحهم بمجرده بل لابد من التروي والبحث عن سببه والحمل على الصحة مهما أمكن. (1)


(1) الغالي عند القدماء من يكون على اعتقاد الباطنية أو الذي يميل إلى معتقدهم، والمراد بالباطنية أصحاب الإباحات، لا الغلو في الفضائل، والشاهد على ذلك ما ذكره النجاشي في محمد بن أورمة قال: " ذكره القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتى دس عليه من يفتك به، فوجدوه يصلي من أول الليل إلى آخره. فتوقفوا عنه ". وما في فلاح السائل عن الحسين بن أحمد المالكي قال: " قلت لأحمد بن مليك الكرخي عما يقال في محمد بن سنان من أمر الغلو. فقال: معاذ الله، هو والله علمني الطهور " - إلى غير ذلك من الشواهد -. فما نقل المولى الوحيد عن بعض الأصحاب - رحمهما الله - " من أن القدماء =

[154]

وقد ورد في ذم الغلاة وتفسيقهم وتكفيرهم أخبار، أوردها الكشي في رجاله: فمنها: ما رواه عن حمدويه وإبراهيم، قالا: حدثنا العبيدي، عن ابن أبي عمير عن هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السلام وذكر الغلاة فقال: " إن فيهم من يكذب حتى أن الشيطان ليحتاج إلى كذبه ". ومنها: ما رواه محمد بن مسعود قال: حدثني أحمد بن محمد بن عيسى عن الحسين بن سعيد عن ابن أبي عمير عن مرازم، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " قل للغالية: توبوا إلى الله فإنكم فساق كفار ". ومنها: ما رواه حمدويه قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن ابراهيم الكرخي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " ان ممن ينتحل هذا الأمر لمن هو شر من اليهود والنصارى والمجوس والذين اشركوا ". ومنها: ما رواه حمدويه قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن جعفر بن عثمان عن أبي بصير، قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " يا أبا محمد إبرء ممن يزعم أنا أرباب، قلت برء الله منه ". فقال: " ابرء ممن يزعم أنا أنبياء. قلت برء الله منه ". ومنها: ما رواه حمدويه قال: حدثنا يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير عن ابن المغيرة قال: كنت عند أبي الحسن عليه السلام أنا ويحيى بن عبد الله بن الحسن عليه السلام، فقال يحيى: جعلت فداك، إنهم يزعمون أنك تعلم الغيب، فقال: سبحان الله، ضع يدك على رأسي فوالله ما بقيت في جسدي شعرة ولا في رأسي


= لا سيما القميين منهم اعتقدوا منزلة خاصة من الرفعة - الخ " صرف الوهم وعدم فهم المراد من الغلو والغالي في اصطلاحهم - رحمهم الله تعالى - وإلا فالزيارة الجامعة الكبيرة التي فيها جميع مقامات الأئمة وصفاتهم وكمالاتهم لم يروها أحد إلا القميون والشيخ رواها عن الصدوق - رحمهما الله - والصدوق رواها معتقدا بجميع فصوله ودلالاته في الفقيه، وقال في أوله " لم أقصد فيه قصد المصنفين في ايراد جميع ما رووه، بل قصدت إلى إيراد ما افتي به وأحكم بصحته وأعتقد فيه أنه حجة فيما بيني وبين ربي - الخ " الغفاري.

[155]

إلا قامت، قال: ثم قال لا والله ما هي إلا رواية عن رسول الله صلى الله عليه وآله. ومنها: ما رواه حمدويه قال: حدثنا يعقوب عن ابن أبي عمير عن شعيب عن أبي بصير قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: إنهم يقولون... قال: وما يقولون، قلت: يقولون: تعلم قطر المطر وعدد النجوم وورق الشجر ووزن ما في البحر وعدد التراب. فرفع يده إلى السماء فقال: " سبحان الله سبحان الله، لا والله ما يعلم هذا إلا الله ". ومنها: ما رواه حمدويه قال: حدثنا محمد بن عيسى عن يونس بن عبد الرحمن. عن المفضل بن عمر قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لو قام قائمنا بدأ بكذا بي الشيعة فقتلهم ". ومنها: ما رواه حمدويه وإبراهيم قالا: حدثنا محمد بن عيسى عن ابن أبي عمير، عن محمد بن أبي حمزة قال أبو جعفر محمد بن عيسى: ولقد لقيت محمدا رفعه إلى أبي عبد الله عليه السلام قال: " جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: السلام عليك يا ربي، فقال: مالك، لعنك الله، ربي وربك الله، أما والله لكنت ما علمتك لجبانا في الحرب، لئيما في السلام ". ومنها: ما رواه خالد بن حماد قال: حدثني الحسن بن طلحة رفعه، عن محمد بن إسماعيل عن علي بن يزيد الشامي قال: قال أبو الحسن عليه السلام: قال أبو عبد الله عليه السلام: " ما أنزل الله سبحانه آية في المنافقين إلا وهي في من ينتحل التشيع ". ومنها: ما رواه محمد بن مسعود قال: حدثني عبد الله بن محمد بن خالد قال: حدثني الحسن الوشاء عن بعض أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: " من قال بأنا أنبياء فعليه لعنة الله، ومن شك في ذلك فعليه لعنة الله ". ومنها: ما رواه قال: حدثني الحسين بن الحسن بن بندار، ومحمد بن قولويه القميان قالا: حدثنا سعد بن عبد الله بن أبي خلف قال: حدثنا يعقوب بن يزيد عن محمد بن أبي عمير عن ابن بكير عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال: سمعته يقول: " لعن الله بنان التبان. وأما بنان لعنه الله فكان يكذب على أبي، أشهد أن أبي علي بن الحسين كان عبدا صالحا ".

[156]

ومنها: ما رواه سعد قال: حدثنا محمد بن الحسين والحسن بن موسى قالا: حدثنا صفوان بن يحيى عن ابن مسكان عمن حدثه من أصحابنا عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سمعته يقول: " لعن الله المغيرة بن سعيد، إنه كان يكذب على أبي، فأذاقه الله حر الحديد، لعن الله من قال فينا ما لا نقوله في أنفسنا. ولعن الله من أزالنا عن العبودية لله الذي خلقنا وإليه مآبنا ومعادنا وبيده نواصينا ". ومنها: ما رواه محمد بن مسعود قال: حدثني محمد بن اورمة عن محمد بن خالد البرقي، عن أبي طالب القمي عن حنان بن سدير عن أبيه قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام -: إن قوما يزعمون أنكم آلهة، يتلون علينا بذلك قرانا: " يا أيها الرسل كلوا من الطيبان واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم "، قال: " يا سدير سمعي وبصري وشعري وبشري ولحمي ودمي من هؤلاء براء. برئ الله منهم ورسوله، ما هؤلاء على دينى ودين آبائي، لا يجمعني وإياهم يوم القيامة إلا وهو عليهم ساخط. قال: قلت: فما أنتم جعلت فداك ؟ قال: خزان علم الله، وتراجمة وحي الله، ونحن قوم معصومون، أمر الله بطاعتنا، ونهى عن معصيتنا، نحن الحجة البالغة على من دون السماء وفوق الأرض ". ومنها: ما رواه محمد بن مسعود قال: حدثني على بن محمد القمي قال: حدثني محمد بن أحمد بن يحيى عن محمد بن الحسين عن موسى بن سلام عن حبيب الخثعمي عن ابن أبي يعفور قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام فاستأذن عليه رجل حسن الهيئة فقال: اتق السفلة. فما تقارب في الأرض حتى خرجت فسأله عنه فوجدته عاليا ". المقام الخامس: في التعريض لألفاظ مستعملة في أحوال الرجال لا تفيد مدحا ولا قدحا ولو أفادت أحدهما فمما لا يعتنى به إما لضعف الافادة أو المفاد. فمنها قولهم: " مولى "، ولإطلاقه كيفيات: فتارة يقولون في الرجل: إنه مولى فلان كابراهيم بن محمد بن أبي يحيى أبي إسحاق المدنى مولى أسلم، واخرى إنه مولى بني فلان كأحمد بن الحسن بن إسماعيل بن شعيب بن ميثم التمار أبي عبد الله مولى بني أسد، وثالثة إنه مولى آل فلان كابراهيم بن سليمان أبي داحة المزني مولى آل طلحة وإبراهيم بن محمد مولى قريش، وقد يضيفونه إلى ضمير الجمع بعد نسبته إلى قبيلة، وقد

[157]

يقطعونه عن الإضافة فيقولون: مولى كابراهيم بن عبد الحميد الاسدي مولاهم، وربما يقولون مولى فلان ثم مولى فلان كأحمد بن رباح بن أبي نصر السكوني مولى، وأيوب بن الحر الجعفي مولى، وثعلبة بن ميمون مولى بني أسد ثم مولى بني سلامة. واذ قد عرفت ذلك فاعلم أن للفظ المولى معاني في اللغة والاصطلاح. أما في اللغة فله معان كثيرة، فإنه يطلق على المالك والعبد والمعتق بالكسر والمعتق بالفتح، والصاحب، والقريب كابن العم ونحوه، والجار والحليف، والابن، والعم، والنزيل، والشريك وابن الأخت والولي والرب، والناصر، والمنعم والمنعم عليه، والمحب، والتابع، والصهر. واما في اصطلاح أهل الرجال، فقد يطلق على غير العربي الخالص ولعله الأكثر كما عن الشهيد الثاني - رحمه الله -. واستظهره المولى الوحيد في التعليقة قال - رحمه الله -: " فعلى هذا لا يحمل على معنى إلا بالقرينة ومع انتفائها فالراجح لعله الأول ". قلت: وجه رجحان الأول بناء على شيوع إطلاقه عليه واستعماله فيه، ظاهر لانصراف الإطلاف حينئذ إليه. والذي يظهر لي أن المولى حيث يطلق من غير إضافة يراد به العربي غير الخالص لعدم تمامية شئ من بقية المعاني من غير إضافة، فإطلاقه من غير إضافة وإرادة أحدها مجاز لا يصار إليه، بخلاف العربي غير الخالص، فإن المعنى معه تام من غير إضافة فيتعين حمله عليه، والله العالم. وكيف كان فلا تفيد هذا اللفظة مدحا يعتد به في أي من معانيه استعمل، نعم لو استعمل في المصاحب والملازم والمملوك ونحوهما لم يبعد إفادته المدح، فيما إذا اضيف إلى المعصوم أو محدث ثقة جليل، وذما إذا اضيف إلى ملحد أو فاسق نظرا إلى أن الطبع مكتسب من كل مصحوب. ومنها لفظ " الغلام ": فإنه كثيرا ما قع استعماله في الرجال، فيقال: إن فلانا من غلمان فلان، قيل: والمراد به المتأدب عليه والمتلمذ على يده كما صرحوا به في كثير من التراجم كما في بكر بن محمد بن حبيب أبي عثمان المازني، فإنهم ذكروا فيه أنه من غلمان إسماعيل بن ميثم لكونه تأدب عليه.

[158]

وفي المظفر بن محمد بن أحمد أبى الجيش البلخي، فإنهم ذكروا أنه كان من غلمان أبي سهل النوبختي، فإنه قرأ عليه، وفي الكشي أنه من غلمان العياشي لأنه صحبه وأخذ عنه، إلى غير ذلك من الموارد الكثيرة المستعمل فيها الغلام في كتب الرجال في التلميذ. وقد أشار في منتهى المقال إلى جملة منها، فقال: لا حظ ترجمة أحمد بن عبد الله الكرخي وفي ترجمة أحمد بن إسماعيل سمكة، وعبد العزيز بن البراج، ومحمد بن جعفر بن محمد أبي الفتح الهمداني، والمظفر بن محمد الخراساني، ومحمد بن بشر وترجمة الكشي وغيرها. وأقول: استعماله بمعنى التلميذ إنما هو إذا اضيف، وأما إذا استعمل من غير إضافة فاللازم حمله على الذكر أول ما يبلغ، لعدم تمامية معنى التلميذ من غير إضافة. ثم اللفظة بنفسها لا تدل على مدح ولا قدح كلفظ الصاحب.، وإنما يمكن استفادة مدح ما من كون من تأدب عليه أو صاحبه من أهل التقى والصلاح، سيما إذا كانت الصحبة والتلمذ طويلة. وهكذا العكس، لو كان من تلمذ على يده أو صاحبه مذموما. ومنها قولهم: " شاعر "، فإنه لا يدل على مدح ولا ذم. وورود ذم الشعر في الأخبار لا يدل على ذم الشاعر بعد تقييد ذلك بالباطل من الشعر، دون ما تضمن حكمة أو وعظا أو أحكاما أورثاء المعصومين عليهم السلام ونحو ذلك. ومنها قولهم: " القطعي ": بضم القاف وسكون الطاء كما في " ايضاح الاشتباه " للعلامة، وبفتح القاف كما عن ولده في الهامش، يراد به، كل من قطع بموت الكاظم عليه السلام، ففي إيضاح الاشتباه في ترجمة الحسين بن الفرزدق: " إن كل من قطع بموت الكاظم عليه السلام كان قطعيا ". ولا دلالة في هذه اللفظة على مدح ولا قدح، وإنما تدل على عدم الوقف وكونه اثنى عشريا إذ لا وقف لمن قال به، فإن من قال به قال بما بعده من الأئمة عليهم السلام. ومنها قولهم: " له أصل ": ومثله " له كتاب " وله " نوادر " وله " مصنف ".

[159]

فإن شيئا من ذلك لا يدل على المدح عند المحققين، وتوضيح المقال في هذا المجال يستدعي الكلام في موضعين: الأول: في بيان ما وقفنا عليه من معاني مفرداتها مع النسبة بين بعضها مع بعض. فنقول: المعروف في ألسنة العلماء بل كتبهم أن الأصول الأربعمائة جمعت في عهد مولانا الصادق عليه السلام كما عن بعض، وفي عهد الصادقين عليهما السلام كما عن آخر، أو في عهد الصادق والكاظم عليهما السلام كما ذكره الطبرسي في إعلام الورى، حيث قال: " روى عن الصادق عليه السلام من مشهوري أهل العلم أربعة آلاف إنسان، وصنف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب معروفة تسمى الاصول رواها أصحابه وأصحاب ابنه موسى عليهما السلام. لكن حكى الوحيد في فوائد التعليقة ابن شهر آشوب أنه في معالمه نقل عن المفيد - رحمه الله - أن الإمامية صنفوا من عهد أمير المؤمنين عليه السلام إلى زمان العسكري عليه السلام أربعمائة كتاب تسمى الاصول. وكيف كان فلا ينبغي الريب في مغايرة الأصل للكتاب، لأنك تراهم كثيرا ما يقولون في حق راو: كان له أصل وله كتاب: ألا ترى إلى قول الشيخ - رحمه الله - في زكريا بن يحيى الواسطي: له كتاب الفضائل وله أصل. فلو كان الكتاب والأصل شيئا واحدا لم يتم ذلك، وأيضا فتراهم يقولون: له كتب أو كتابان، ولا يقولون: له اصول أو أصلان، وأيضا فإن مصنفاتهم وكتبهم أزيد من أربعمائة. فإن أهل الرجال قد ذكروا لابن أبي عمير أربعا وتسعين كتابا، ولعلي بن مهزيار 35 كتابا، وللفضل بن شاذان 180 كتابا، وليونس بن عبد الرحمن أكثر من ثلاثمائة كتاب، ولمحمد بن أحمد بن إبراهيم ما يزيد على سبعين كتابا فهذه أزيد من 679 كتابا لخمسة أنفار، فكيف بالبقية فلابد من وجه لتسمية بعضها اصولا دون البواقي، وفي وجه الفرق أقوال: أحدها: ما حكاه المولى الوحيد عن قائل لم يسمه، وهو أن الأصل ما كان مجرد كلام المعصوم عليه السلام، والكتاب ما فيه كلام مصنفه أيضا. ونوقش في ذلك تارة بأن الكتاب يطلق على الأصل أيضا فهو أعم منه. واخرى بأن كثيرا من الأصول

[160]

فيه كلام مصنفه وكثيرامن الكتب ليس فيه ككتاب سليم بن قيس. ورد المولى الوحيد الأول بأن الغرض بيان الفرق بين الكتاب الذي ليس بأصل ومذكور في مقابله، وبين الكتاب الذي هو أصل وبيان سبب قصر تسميتهم الأصل في الأربعمائة. والثاني بأنه مجرد دعوى لا يخفى بعدها على المطلع على أحوال الاصول المعروفة. نعم لو ادعي ندرة وجود كلام المصنف فيها لم تكن بعيدة ولكنه لا يضر القائل ومن أين ثبت أن كتاب سليم بن قيس من الاصول. ثانيها: ما عن ظاهر الشيخ - رحمه الله - في ترجمة أحمد بن محمد بن نوح من أن الاصول رتبت ترتيبا خاصا على حسب نظر صاحبه. ففيه أن أغلب الكتب كذلك، وإن أراد أن لها ترتيبا خاصا دون الكتاب وهذا مجمل، فإن أراد أن للاصول ترتيبا خاصا لا يتعدونه الكل، فليبين ذلك. ثالثها: ما حكاه الوحيد عن بعضهم من أن الكتاب ما كان مبوبا ومفصلا، والأصل مجمع أخبار وآثار. ورد بان كثيرا من الاصول مبوبة. رابعها: أن الاصول هي التي أخذت من المعصوم عليه السلام مشافهة ودونت من غير واسطة راو، وغيرها أخذ منها، فهي أصل باعتبار أن غيرها أخذ منها خامسها: ما يقرب من سابقه، وبه فسر الأصل العلامة الطباطبائي في ترجمة زيد النرسي بقوله: " الأصل في اصطلاح المحدثين من أصحابنا ما بمعنى الكتاب المعتمد الذي لم ينتزع من كتاب آخر، وبمعنى مطلق الكتاب ". سادسها: ما جعله المولى الوحيد قريبا في نظره من أن الأصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنفه الأحاديث التي رواها عن المعصوم أو عن الراوي، والكتاب والمصنف لو كان فيهما حديث معتمد، لكان مأخوذا من الأصل غالبا. قال: " وإنما قيدنا بالغالب لأنه ربما كان بعض الروايات وقليلها يصل معنعنا ولا يؤخذ من أصل، وبوجود مثل هذا فيه لا يصير أصلا. وربما جعل بعض من عاصرناه من الأجلة - قده - مرجع هذه الاقوال جميعا إلى أمر واحد خصوصا في تفسير الأصل، وجعل المتحصل أن الأصل مجمع أخبار وآثار جمعت لأجل الضبط والتحفظ عن الضياع، لنسيان ونحوه ليرجع الجامع وغيره في

[161]

مقام الحاجة إليه. قال: " وحيث إن الغرض منه ذلك، لم ينقل فيه في الغالب ما كتب في أصل أو كتاب آخر لتحفظه هناك، ولم يكن فيه من كلام الجامع أو غيره إلا قليل مما يتعلق بأصل المقصود. وهذا بخلاف الكتاب - إلى أن قال في بيان معنى النوادر: - انه وإن شارك الأصل فيما ذكرناه، إلا أن المجتمع فيه قليل من الأحاديث غير المثبتة في كتاب. فمرة هي من سنخ واحد، فيقال: إنه من نوادر الصلاة والزكاة مثلا، واخرى من أصناف مختلفة. فيقتصر على أنه نوادر أو كتاب نوادر ". فقيد القلة محتاج إليه للتميز عن الأصل، كما صرح به المولى الوحيد بقوله في التعليقة: " وأما النوادر فالظاهر أنه ما اجتمع فيه أحاديث لا تنضبط في باب لقلته بأن يكون واحدا أو متعددا لكن يكون قليلا جدا، ومن هذا قولهم في الكتب المتداولة: نوادر الصلاة ونوادر الزكاة وأمثال ذلك ". وأما ما ذكره بعضهم من أن المراد بالنوادر ما قلت روايته وندر العمل به، فهو اشتباه منشأه جعل النوادر بمعنى الخبر النادر الشاذ المفسر بذلك. ويرده وضوح كون جملة من الأخبار المسطورة في باب النوادر شايع الرواية والعمل، فإن ذلك قرينة على أن المراد بالنوادر ما ذكره الوحيد لا ما ذكره هذا البعض. ويؤيد ذلك أن كتاب نوادر الحكمة للثقة الجليل محمد بن أحمد بن يحيى الأشعري، كتاب ممدوح معتمد عليه. وكذا يؤيده تفسير المجلسي - رحمه الله - في باب نادر من الفقيه بقوله هناك: " أي مشتمل على أخبار مختلفة متفرقة لا يصلح كل منها لعقد باب مفرد له ". نعم يشهد للبعض قول المفيد - رحمه الله - في رسالته في الرد القائلين بأن شهر رمضان لا ينقض: " فأما ما تعلق به أصحاب العدد من أن شهر رمضان لا يكون أقل من ثلاثين يوما، فهي أحاديث شاذة. وقد طعن نقلة الآثار من الشيعة في سندها وهي مثبتة في كتب الصيام في أبواب النوادر، والنوادر هي التي لا عمل عليها "، فإنه صريح في تفسير باب النوادر بما ذكره البعض. فتأمل جيدا. ثم إن الحاصل من ذلك كله أن الكتاب أعم من الجميع مطلقا

[162]

بحسب اللغة بل العرف إلا عرف من اصطلح الأصل في نحو ما ذكروا الكتاب في مقابله، كما عرفت فانهما عليه متباينان كظهور تباين الأصل مع النوادر، بل الجميع حتى التصنيف والتأليف في العرف المتأخر، وإن كان أحيانا يطلق بعضها على بعض، إما للمناسبة أو بناء على خلاف الاصلاح المتجدد، فلاحظ الموارد وتدبر. الموضع الثاني: في أن كون الرجل " ذا أصل " أو " ذا كتاب " أو " ذامصنف " أو " ذا نوادر " أعم من المدح لعدم دلالته عليه بشئ من الدلالات وعدم تحقق اصطلاح في ذلك. وحكى المولى الوحيد عن خاله المجلسي الثاني - رحمه الله - بل وجده المجلسي الأول - رحمه الله - على ما بباله أن كون الرجل ذا أصل من أسباب الحسن، وتأمل هو فيه نظرا إلى أن كثيرا من أصحاب الاصول كانوا ينتحلون المذاهب الفاسدة، وإن كانت كتبهم معتمدة على ما صرح به في أول الفهرست، وأيضا الحسن بن صالح بن حي متروك بما يختص بروايته على ما صرح به في التهذيب مع أنه ذا أصل، وكذلك على بن أبي حمزة البطائني مع أنه ذكر فيه ما ذكر. قال: وأضعف من ذلك كون الرجل ذا كتاب، لا يخرجه عن الجهالة الا عند بعض من لا يعتد به. * * * تذييل: حيث جرى ذكر تفسير الألفاظ المستعملة في كتب الرجال، فلنختم الفصل بعدة ألفاظ مستعملة فيها لا ربط لها بعالم المدح والذم تكميلا للفائدة. فمنها: " الفهرست ": وهو في اصطلاح أهل الدراية والحديث جملة عدد المرويات وقد فسره به في التقريب ثم حكى عن صاحب تثقيف اللسان أنه قال: الصواب أنها بالتاء المثناة الفوقية، قال: وربما وقف عليها بعضهم بالهاء أي الفهرست أو الفهرس وهو خطأ. قال: ومعناها جملة العدد للكتب لفظه فارسية. وفي التاج مازجا بالقاموس: الفهرس بالكسر أهمله الجوهري، وقال الليث: هو الكتاب الذي تجمع فيه الكتب، قال: وليس بعربي محض ولكنه معرب. وقال غيره: هو معرب فهرست. وقد اشتقوا منه الفعل فقالوا فهرس كتابه فهرسة. وجمع الفهرسة فهارس.

[163]

ومنها " الترجمة ": تطلق عندهم على شرح حال الرجل. وهي مأخوذه من ترجمة لفظ لغة بما يرادفه من لغة اخرى، يقال: ترجمه وترجم عنه إذا فسر كلامه بلسان آخر، والمفسر ترجمان - بفتح أوله وضم الثالثة على أحد الأقوال في ضبطه - وقيل بضمهما كعنفوان. وقيل: بفتحهما كزعفران، والأول هو المشهور على الألسنة، وهل اللفظة عربية أو معربة درغمان، فتصرفوا فيه ؟ وجهان، وعلى الثاني فالتاء أصلية دون الأول. وجعل الفيروز آبادي التاء أصلية ردا على الجوهري حيث جعل اللفظة مأخوذة من رجم، ثم عليه هل هو من الرجم بالحجارة لأن المتكلم رمى به أو من الرجم بالغيب لأن المترجم يتوصل لذلك به ؟ قولان لا تنافي بينهما. وكيف كان فإطلاق الترجمة على شرح حال الرجل مجاز اصطلحوا عليه، لأنه ليس من تفسير اسم الرجل بمعناه المرادف في لسان آخر، بل شرحا لحاله كما هو ظاهر. ومنها " النموذج " بفتح النون والذال - معرب نموده بالفارسية ففي القاموس أنه مثال الشئ أي صورة تتخذ على مثال صورة الشئ ليعرف منه حاله.، والعوام يقولون نمونه. ومنها " الشيخ ": وهو لغة من استبانت فيه السن وظهر عليه الشيب، أو هو من تجاوز عمره أربعين سنة، أو هو شيخ من خمسين إلى آخر عمره، أو هو من إحدى وخمسين إلى آخر عمره ذكرهما شراح " الفصيح " أو من الخمسين إلى الثمانين حكاه ابن سيده في المخصص، والقزاز في الجامع. وقد تعارف إطلاق الشيخ على كثير العلم، ورئيس الطائفة، والاستاذ، وكثير المال، وكثير الولد، وليس في كلمات أهل اللغة منه عين ولا أثر. فلعله اصطلاح عرفي. والمراد به حيثما يطلق في علم الدراية والرجال والحديث هو من أخذ منه


(1) المشهور كونه لأبى العباس احمد بن يحيى المعروف بثعلب المتوفى 291، وأخذه هو عن إصلاح المنطق لابن السكيت المتوفى 244، وشرحه جماعة منهم أبو العباس المبرد، وابن درستويه، و يوسف الزجاجي، وأبو الفتح ابن جنى، وأبو سهل الهروي وغيرهم.

[164]

الرواية كما لا يخفى على من راجع ما يأتي من كلماتهم في المقام الثاني من الفصل الخامس إن شاء الله تعالى. ومنها " المشيخة ": تطلق عندهم على عدة من شيوخ صاحب الكتاب روى الأحاديث عنهم فيراد بمشيخة الفقيه ما في آخره من بيان أسانيده إلى الرواة الذين روى عنهم في الفقيه، وبمشيخة الشيخ ما في آخر التهذيبين من بيان أسانيده التي أسقطها فيهما وروى عمن بعدهم. قال في مجمع البحرين: المشيخة اسم جمع الشيخ والجمع مشايخ، وجعل في التاج " التحقيق كون مشايخ جمع مشيخة ومشيخة جمع شيخ " فتدبر جيدا. ومنها " الاستاذ ": بالذال المعجمة ويستعمل بالمهملة. قال القيومي في المصباح: " الاستاذ كلمة أعجمية ومعناها الماهر بالشئ العظيم، وإنما قيل أعجمية لأن السين والذال المعجمة لا يجتمعان في كلمة عربية ". وقال في تاج العروس: " إنه من الألفاظ الدائرة المشهورة وإن كان أعجميا. وكون الهمزة أصلا هو الذي يقتضيه صنيع الشهاب الفيومي لأنه ذكره في الهمزة. - الى أن قال -: وفي شفاء الغليل: ولم يوجد في كلام جاهلي، والعامة تقوله بمعنى الخصي لأنه يؤدب الصغار غالبا ". و " التلميذ ": حكي عن اللسان أن جمعه التلاميذ، وهم الخدم والأتباع، وعن الشيخ عبد القادر البغدادي في شرحه على شواهد المغني: أن المراد منه المتعلم أو الخادم الخاص للمعلم. وفي آخر الخبر السادس عشر من الأخبار التي نقلناها في ترجمة هشام بن الحكم قول أبي عبد الله عليه السلام: " يا هشام علمه فإني احب أن يكون تلماذا لك " دلالة على أن الفصيح التلماذ وأن المراد به المتعلم. ومنها " المملي "، " والمستملي ": وهما إسما فاعل من الإملاء الذي هو بمعنى إلقاء الكلام للكاتب ليكتب. وفي الحديث صحيفة هي إملاء رسول الله صلى الله عليه وآله وخط علي عليه السلام. فالمملي هو الملقي للحديث، والمستملي الذي يطلب إملاء الحديث من الشيخ.

[165]

ثم إن الإملاء بالهمزة لغة بني تميم وقيس، وأما في لغة الحجاز وبني أسد فباللام، يقال: أمللت الكتاب على الكاتب إملالا: ألقيته عليه، وقد جاء الكتاب العزيز باللغتين جميعا، فعلى الأول قوله تعالى: " فهي تملى عليه بكرة وأصيلا "، وعلى الثاني قوله تعالى: " وليملل الذي عليه الحق - الآية ". والمراد بالمستملي في هذا الفن هو الذي يبلغ عن الشيخ عند كثرة السامعين وعدم وفاء صوت الشيخ لإسماع الجميع. ومنها " العدة ": تراهم يقولون: عدة من أصحابنا " ويريدون بذلك جماعة من الأصحاب، فإن العدة بكسر أوله وفتح ثانيه مشددا: الجماعة، قلت أو كثرت. تقول: رأيت عدة رجال وعدة نساء، وأنفذت عدة كتب أي جماعة. ومنها " الرهط ": بفتح أوله وسكون ثانيه وفتحه أيضا، وهو ما فوق الثلاثة دون العشرة من الرجال خاصة دون النساء، ولا واحد له من لفظه، وقيل: من السبعة إلى العشرة، وأن ما دون السبعة إلى الثلاثة: النفر، وقيل: إنه ما فوق العشرة إلى الأربعين. ومنها " الطبقة ": وهي في الاصطلاح عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ فهم طبقة، ثم بعدهم طبقة اخرى، وهكذا، مأخوذة من طبقة البناء لكونهم في زمان واحد كما أن بيوت الطبقة الواحدة في هواء واحد، أو من المطابقة لموافقة بعضهم بعضا في الأخذ من شيخ واحد. ومنها " الصحابي "، و " التابعي "، و " المخضرمي ": ويأتي تفسيرها في أول الفصل الثامن إن شاء الله تعالى. ومنها " الراوي "، و " المسند "، و " المحدث " و " الحافظ ": لا ريب في كون كل لا حق من هذه الأربعة أرفع من سابقه. ثم الراوي من يروي الحديث مطلقا سواء رواه مسندا، أو مرسلا، أو غيرهما. وأما المسند بكسر النون فهو من يروي الحديث بإسناده سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرد الرواية. وأما المحدث فالذي يظهر منهم أنه من علم طرق اثبات الحديث وأسماء

[166]

رواته وعدالتهم وأنه هل زيد في الحديث شئ أو نقص أم لا. فلا يصدق المحدث على من ليس له الا مجرد سماع الحديث أو تحمله بل خصوص من له علم بهذا الشأن. قال الشيخ فتح الدين من العامة: " ان المحدث في عصرنا من اشتغل بالحديث رواية ودراية، واطلع على كثير من الرواة والروايات في عصره، وتميز في ذلك حتى عرف فيه خطه واشتهر فيه ضبطه - إلى أن قال -: وأما ما يحكى عن بعض المتقدمين من قولهم: " كنا لا نعد صاحب حديث من لم يكتب عشرين ألف حديث في الاملاء " فذلك بحسب أزمنتهم ". وأما " الحافظ " ففيه وجوه: أحدها ما عن الشيخ فتح الدين من أن المحدث بالمعنى الذي سمعت منه: أن من عرف شيوخه وشيوخ شيوخه طبقة بعد طبقة بحيث يكون ما يعرفه من كل طبقه أكثر ممن يجهله منها فهو الحافظ. ثانيها: أنه مطلق العارف بالحديث والمتقن له، لأن الحفظ المعرفة والإتقان، نقل عن عدة من محدثي العامة. ثالثها: ما يظهر من بعض محدثي العامة من استواء المحدث والحافظ وقد حكي أن السلف كانوا يطلقون المحدث والحافظ بمعنى. والحق أن الحافظ أخص من المحدث مطلقا، وعن أبي نصر الشيرازي " أن العالم: الذي يعلم المتن والإسناد جميعا، والفقيه: الذي عرف المتن ولا يعرف الاسناد، والحافظ: الذي يعرف الإسناد ولا يعرف المتن، والراوي، الذي لا يعرف المتن ولا الإسناد ". وعن بعضهم: أن علوم الحديث الآن ثلاثة أشرفها حفظ متونه ومعرفة غريبها وفقهها، والثاني: حفظ أسانيدها ومعرفة رجالها وتميز صحيحها من سقيمها. والثالث: جمعه وكتابته وسماعه وتطريقه وطلب العلو فيه والرحلة إلى البلدان - إلى أن قال: - " فإن كان الاشتغال بالأول مهما فالاشتغال بالثاني أهم لأنه المرقاة إلى الأول، فمن أخل به خلط السقيم بالصحيح والمعدل بالمجروح، وهو لا يشعر فكل منهما في علم الحديث مهم. ولا شك أن من جمعهما حاز القدح المعلى مع قصوره فيه إن أخل بالثالث، ومن أخل بهما فلاحظ له في اسم الحافظ ومن أحرز الأول وأخل بالثاني.

[167]

كان بعيدا عن اسم المحدث عرفا. ومن أحرز الثاني وأخل بالأول لم يبعد عنه اسم المحدث ولكن فيه نقص بالنسبة إلى الأول ". هذا وظاهره أيضا أن الحافظ أخص من المحدث فتدبر جيدا. الفصل السابع: في شرف علم الحديث وكيفية تحمله وطرق نقله وآدابه: لا شبهة في شرف علم الحديث وعظم شأنه وسمو رتبته وعلو قدره ومناسبته لمكارم الأخلاق ومحاسن الشيم وكونه من علوم الآخرة، وإن من حرمه فقد حرم خيرا عظيما، ومن رزقه فقد نال فضلا جسيما، كيف لا، وهو الوصلة إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام والباحث عن تصحيح أقوالهم وأفعالهم والذب عن أن ينسب إليهم ما لم يقولون، ولولا إلا دخول صاحبه في دعائه صلى الله عليه وآله: " نضر الله امرء سمع مقالتي فوعاها " لكفاه شرفا وفخرا. وعلى صاحبه تصحيح النية وإخلاصها وتطهير القلب من أغراض الدنيا الدنية وأدناسها كحب الرئاسة ونحوها، فإن الأعمال بالنيات. وليكن أكبر همه نشر الحديث والتبليغ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وأئمة الهدى عليهم السلام. وإذ قد عرفت ذلك: فهنا مقامات: الأول: في أهلية التحمل وفيه مطالب: الأول: أنه لا ريب ولا إشكال في اعتبار العقل والتميز فيمن تحمل بالسماع، وما في معناه ليتحقق فيه معناه والمراد بالتميز هنا - على ما في البداية - أن يفرق بين الحديث الذي هو بصدد روايته وغيره: إن سمعه في أصل مصحح، وإلا اعتبر مع ذلك ضبطه. ثم قال: " وفسره بعضهم بفرقه بين البقرة والدابة والحمار وأشباه ذلك بحيث يميز أدنى تمييز، والأول أصح - ثم قال - ويحترز بتحمله بالسماع عما لو كان بنحو الإجازة، فإنه لا يعتبر فيه ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى - ثم قال: والمراد بما في معنى السماع القراءة على الشيخ ونحوها " وما ذكره موجه. الثاني: أنه لا يشترط في صحة تحمل الحديث بأقسامه الإسلام ولا الإيمان ولا البلوغ ولا العدالة، فلو تحمله كافرا أو منافقا أو صغيرا أو فاسقا وأداه في حال

[168]

استجماعه للإسلام والإيمان والبلوغ والعدالة قبل، كما صرح بذلك جمع. بل لا خلاف في ذلك بنقل. كالحسنين عليهما السلام وعبد الله بن العباس وعبد الله بن الزبير والنعمان بن - بشير والسائب بن يزيد والمسور بن مخرمة وغيرهم، حيث تحملوا جملة من الروايات في حال الصغر وقبل الفقهاء - رضي الله عنهم - عنهم روايتهم من غير فرق بين ما تحملوه قبل البلوغ وبعده. ولم يزل الناس يسمعون الصبيان ويحضرونهم مجالس التحديث ويعتدون بروايتهم لذلك بعد البلوغ، واشتراط بعضهم البلوغ في أهلية التحمل كما ذكره البداية عن بعض مردود. ثم إنه كما لا يشترط البلوغ في أهلية السماع فكذا لا تحديد لسن من يتحمل بعد كون المدار على التميز المختلف باختلاف الأشخاص. وقد ذكر الشيخ الفاضل تقي الدين الحسن بن داود أن صاحبه ورفيقه السيد غياث بن طاووس اشتغل بالكتابة واستغنى عن المعلم وعمره أربع سنين. وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: " رأيت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى المأمون وقد قرء القرآن ونظر في الرأي غير أنه إذا جاع بكى ". وقال أبو محمد بن عبد الله بن محمد الإصفهاني: " إني حفظت القرآن ولي خمس سنين وحملت إلى ابن المقري لأستمع منه ولي أربع سنين: فقال بعض الحاضرين لا تستمعوا له فيما قرء فإنه صغير. فقال لي ابن المقري اقرء سورة الكافرين، فقرأتها، فقال: اقرء سورة التكوير، فقرأتها، فقال لي غيره: اقرء سورة والمرسلات فقرأتها ولم أغلط فيها، فقال ابن المقري: اسمعوا له والعهدة علي ". ولا يخفى عليك أن الأخير دل على عدم اعتبار البلوغ في الأداء أيضا فضلا عن التحمل. ولا نقول به، وقد صدر من محدثي العامة في تحديد السن أقوال واهية: فعن ابن خلاد " أن حده إذا بلغ خمسين سنة، لأنها انتهاء الكهولة وفيها مجتمع الأشد " قال: " ولا ينكر عند الأربعين لأنها حد الاستواء ومنتهى الكمال. وعندها ينتهي عزم الإنسان وقوته ويتوفر عقله ويجود رأيه ". ورد بإجماع السلف

[169]

والخلف على نشر الأحاديث قبل البلوغ إلى هذا السن وشبهه. وكما لا حد في الابتداء فكذا لا حد في الانتهاء، فيصح تحمل الحديث ونقله لمن بلغ في السن غايته مادامت قواه مستقيمة، نعم ينبغي الإمساك عن التحديث لمن خشي التخليط لهرم أو خرف أو عمى حذرا من الوقوع فيما لا يجوز، وضبطه ابن خلاد بالثمانين، ورد أيضا بإجماع السلف والخلف على السماع والاستماع ممن تجاوزها من الشيوخ الثقات المتبحرين. الثالث: أنه لا يشترط في المروي عنه أن يكون أكبر من الراوي سنا ولا رتبة وقدرا وعلما، بل يجوز أن يروي الكبير عن الصغير بعد اتصافه بصفات الراوي، كما صرح بذلك جمع، بل لا شبهة فيه ولا ريب لأصالة عدم الاشتراط وقد اتفق ذلك كثيرا للصحابة ممن دونهم من التابعين والفقهاء، وقد مر في المقام الأول من الفصل الخامس عنوان رواية الأكابر عن الأصاغر. المقام الثاني: في طرق التحمل للحديث وهي سبعة عند جمع وثمانية عند آخرين من دون نزاع معنوي، فإن من عدها سبعة أدرج الوصية في الإعلام وذيله بها، ومن عدها ثمانية عد الوصية قسما مستقلا. وكيف كان: فأولها: السماع من لفظ الشيخ، وهو المروي عنه، فإن هذا الطريق أعلى طرق التحمل وأرفع أقسامه عند جمهور المحدثين. الثاني: أن هذا القسم على وجوه: وهي إما بقراءة الشيخ وهو أعرف بوجوه ضبط الحديث وتأديته - من كتاب مصحح على خصوص الراوي عنه بأن يكون هو المخاطب الملقى إليه الكلام، وإما بقراءته منه مع كون الراوي أحد المخاطبين، أو قراءته منه وكون الخطاب إلى غير الراوي عنه، فيكون الراوي عنه مستمعا أو سامعا صرفا، أو ما ذكر مع كون قراءته من حفظه. وقد قيل: إن أعلى هذه الوجوه الأول ثم الثاني وهكذا على ترتيب الذكر. وقد علل ذلك بقلة احتمال الخطأ في الأول بالنسبة إلى غيره. الثالث: أنهم صرحوا بأن المتحمل بالسماع أو الاستماع من الشيخ إذا أراد أن يروي ذلك الحديث المسموع لغيره يقول: " سمعت فلانا " أو " حدث فلان " أو

[170]

" حدثني " أو " حدثنا " أو " أخبرنا " أو " أنبأنا " أو " روى " أو " ذكر لنا " أو " سمعته يروي " أو " يحدث " أو " يخبر " أو نحو ذلك. وقد وقع الخلاف في تعيين أعلى العبارات في تأدية المسموع على قولين: أحدهما: ما عن الأكثر من أن أعلاها هو قول: سمعت فلانا يقول، أو يحدث، أويروي، أو يخبر لدلالته نصا على السماع الذي هو أعلى الطرق، ثم بعدها في المرتبة أن يقول: حدثني أو حدثنا لدلالته أيضا على قراءة الشيخ عليه، وإنما جعلوا هذا دون " سمعت " في المرتبة لاحتمال " حدث " الإجازة لما سيأتي من إجازة بعضهم هذه العبارة في الإجازة والمكاتبة بخلاف سمعت. فإنه لا يكاد أحد يقول: " سمعت " في أحاديث الاجازة والمكاتبة ولا في تدليس ما لم يسمعه. وروي عن الحسن البصري أنه كان يقول: " حدثنا أبو هريرة " يتأول أنه حدث أهل المدينة وكان هو حينئذ بها، إلا أنه لم يسمع منه شيئا، مدلسا بذلك، وهو كما ترى، لأنه كذب بين. ثانيهما: ما أرسله في البداية قولا من أن " حدثني " و " حدثنا " أعلى من " سمعت فلانا يقول " لأنه ليس في " سمعت " دلالة على أن الشيخ روى الحديث وخاطبه به، وفي " حدثنا " و " أخبرنا " دلالة على أنه خاطبه ورواه له، ثم رده بأن هذه وإن كانت مزية إلا أن الخطب فيها أسهل من احتمال الإجازة والتدليس ونحوهما، فيكون تحصيل ما ينفي ذلك أولى من تخصيصه باللفظ أو كونه من جملة المقصودين به، إذ لا يفرق الحال في صحة الرواية بهذه المزية بين قصده وعدمه. الرابع: أنه ذكر في البداية وغيرها أن بعد " حدثني " و " حدثنا " في المرتبة قوله في ما سمعه: " أخبرنا " وإن كان ظاهرا في القول وكثير الاستعمال، حتى أنه حكي عن جمع من المحدثين أنهم لا يكادون يستعملون فيما سمعوه من لفظ الشيخ غيره إلا أن استعماله في الإجازة والمكاتبة أيضا كثيرا جعله أدون من حدث. ثم بعد " أخبرنا ": " أنبأنا " و " نبأنا "، لأن الغالب استعماله في الإجازة مع كونه قليل الاستعمال هنا قبل ظهور الإجازة منه فضلا عما بعد الظهور. وأما قول الراوي: " قال لنا " أو " لي " و " ذكر لنا " أو " لي " فهو كحدثنا،

[171]

فيكون أولى من " أنبأنا ونبأنا " لدلالته على القول أيضا صريحا، لكنه ينقص عن " حدثنا " بأنه بما سمع في المذاكرة في المجالس والمناظرة بين الخصمين أشبه وأليق من " حدثنا " لدلالتهما على أن المقام لم يكن مقام التحديث وإنما اقتضاه المقام. الخامس: إنه قد صرح جمع بأن أدنى العبارات الواقعة في هذا الطريق قول الراوي بالسماع: " قال فلان " أو " ذكر فلان " من دون أن يضم إلى ذلك كلمة " لي " أو " لنا " لكون مفهومه أعم من أنه سمع منه بلا واسطة أو معها أو بوسائط. السادس: أنه لو عظم مجلس المحدث المملي وكثر الخلق ولم يمكن إسماعه للجميع فبلغ عنه مستمل ففي جواز رواية سامع المستملي تلك الرواية عن المملي قولان: أحدهما الجواز وهو المعزي إلى جماعة من متقدمي المحدثين، لقيام القرائن الكثيرة بصدقه فيما بلغه في مجلس الشيخ عنه ولجريان السلف عليه كما في البداية. وروى أبو سعيد السمعاني في أدب الاستملاء أن المعتصم وجه من يحرز مجلس عاصم بن علي بن عاصم في رحبة النخل الذي في جامع الرصافة، قال: وكان عاصم يجلس على سطح المسقطات وينتشر الناس في الرحبة وما يليها فيعظم الجمع جدا حتى سمع يوما يستعاد اسم رجل في الإسناد أربع عشرة مرة والناس لا يسمعون. فلما بلغ المعتصم كثرة الجمع أمر من يحرزهم، فحرزوا المجلس عشرين ألفا ومائة ألف ثم خمدت نار العلم وبار، وولت عساكره الأدبار. فكأنه برق تألق بالحمى ثم انطوى فكأنه لم يلمع ثانيهما: أنه لا يجوز لمن أخذ عن المستملي أن يرويه عن المملي بغير واسطة المستملي، لأنه خلاف الواقع، وهو الأظهر كما في البداية، بل قيل: إن عليه المحققين. والأولى أن يبين حالة الأداء أن سماعه لذلك أو لبعض الألفاظ من المستملي. السابع: أنه لا يشترط علم المحدث بالسامعين، فلو استمع من لم يعلم المحدث به بوجه من الوجوه المانعة من العلم، جاز للسامع أن يرويه عنه لتحقق معنى السماع المعتبر. ولو قال المحدث: اخبركم ولا اخبر فلانا، أو خص قوما بالسماع فسمع غيرهم.

[172]

أو قال بعد السماع لا ترو عني أو رجعت عن إخبارك أولا آذن لك روايته والحال أنه غير ذاكر خطأ للراوي موجبا للرجوع عن الراوية له، روى السامع عنه في الجميع لتحقق إخبارا لجميع، وإن لم يقصد بعضهم كما صرح بذلك جمع، منهم الشهيد الثاني - رحمه الله - في البداية. ثانيها: القراءة على الشيخ، وتسمى عند أكثر قدماء المحدثين العرض، لأن القارئ يعرض على الشيخ ما يقرؤه كما يعرض القرآن على المقري. وقيل: ان القراءة أعم مطلقا من العرض، لأن الطالب إذا قرء كان أعم من العرض وغيره، ولا يصدق العرض إلا بالقراءة لأن العرض عبارة عما يعرض به الطالب أصل شيخه معه أو مع غيره بحضرته، فهو أخص من القراءة. قلت: إن ثبت لهم اصطلاح خاص في المقام، وإلا أمكن دعوى أن بينهما عموما من وجه، إذ كما يمكن القراءة من غير عرض فكذا يمكن العرض من غير قراءة كما لا يخفى. ثم، ان هنا مطالب: الأول: أن هذا الطريق أيضا على أنحاء: أحدها: قراءة الراوي على الشيخ من كتاب بيده، وفي يد الشيخ أيضا مثله مع الصحة، ثم يقترن بالموافقة وبكونه روايته. ثانيها: قراءته على الشيخ من كتاب بيده والشيخ يستمع عن حفظه ثم يقر بصحته. ثالثها: قراءته لما يحفظه والأصل بيد الشيخ فيسمع فيقر بصحة ما حفظه. رابعها: قراءته عن حفظه واستماع الشيخ أيضا عن حفظه وإقراره بصحته. خامسها: قراءته من كتاب بيده والأصل بيد ثقة غيره فيسمع الشيخ ويقر بصحته. سادسها: قراءة غيره من كتاب بيده لما يحفظه الراوي، فيسمع الشيخ من كتاب بيده ويقر بصحته. سابعها: هو السادس مع سماع الشيخ حفظا من دون أن يكون الأصل بيده أو يد ثقة، إلى غير ذلك من الأقسام المختلفة في مراتب الغلو والنزول بالبعد عن السهو

[173]

والخطأ والقرب منه. الثاني: (1) أنه قد اصطلح عدة من المحدثين التعبير فيما سمعه وحده من لفظ الشيخ بقول " حدثني " بالإفراد، وفيما سمعه منه مع غيره بقول " حدثنا " بالجمع، وما قرأ عليه بنفسه أخبرني، وما قرئ على المحدث بحضرته أخبرنا. والالتزام به أولى، ولكن لم يثبت تعينه، وكذا في صورة الشك في أنه سمعه وحده أو مع غيره. وما سمعه الراوي من الشيخ وحده أو شك هل سمعه وحده أو مع غيره قال عند روايته لغيره: " حدثني " و " أخبرني " بصيغة المتكلم وحده فيكون مطابقا للواقع مع تحقق الوحدة ولأنه المتيقن مع الشك، ولأصالة عدم سماع غيره معه، وما سمعه مع غيره يقول: حدثنا وأخبرنا بصيغة الجمع للمطابقة أيضا. وقيل: إنه يقول مع الشك: حدثنا لا حدثني لأنه أكمل مرتبة من حدثنا حيث إنه يحتمل عدم قصده بل التدليس بتحديث أهل بلده كما مر، فليقتصر إذا شك على الناقص وضعا لأن عدم الزايد هو الأصل. نعم، منع العلماء من إبدال " حدثنا " بأخبرنا وبالعكس في النقل عن الكتب المصنفة نظرا إلى احتمال أن يكون من قال ذلك لا يرى التسوية بينهما. وقد عبر بما يطابق مذهبه. وكذا ليس له إبدال " سمعت " بأخبرنا أو حدثنا ولا عكسه. نعم، لو كان المصنف ممن يرى التسوية بين أخبرنا وحدثنا بنى على الخلاف المشهور في نقل الحديث بالمعنى. فإن جوزناه جاز الإبدال وإلا فلا. وأما المسموع منهما من غير أن يذكر في مصنف فيبنى جواز تعبيره بالآخر على جواز الرواية بالمعنى وعدمه، فإن قلنا به جاز التعبير وإلا فلا، سواء قلنا بتساويهما في المعنى أم لا، لأنه حينئذ يكون مختارا لعبارة مؤدية لمعنى الاخرى، وإن كانت أعلى رتبة أو أدنى كما نبه على ذلك كله في البداية وغيرها. الثالث: (1) أن الأشهر الأظهر أنه لا يشترط في صحة التحمل بالسماع والقراءة الترائي بأن يرى الراوي المروي عنه، بل يجوز له التحمل بالسماع أو القراءة من وراء الحجاب إذا عرف صوته إن حدث بلفظه، أو عرف حضوره بمكان يسمع منه إن


(1) أي من المطالب.

[174]

قرء عليه. وقد كان السلف يسمعون من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وغيرهن من النساء من وراء الحجاب ويروون عنهن اعتمادا على الصوت. ثالثها: (أي ثالث طرق تحمل الحديث): الإجازة. والمعروف أن الإجازة بمعنى الإذن والتسويغ، وعلى هذا فتقول له: أجزت له رواية كذا كما تقول: أذنت له وسوغت له، وقد يحذف المضاف الذي هو متعلق الإذن فتقول: أجزت له مسموعاتي مثلا من غير ذكر الرواية على وجه المجاز بالحذف، وحكي عن القسطلاني في المنهج أن الإجازة مشتقة من التجوز وهو التعدي، فكأنه عدى روايته حتى أوصلها إلى الراوي عنه. وإذ قد عرفت ذلك فهنا مطالب: الأول: أنه قد وقع الخلاف في جواز تحمل الرواية بالإجازة، وجواز أدائها والعمل بها، فالمشهور بين العلماء من المحدثين والاصوليين - كما في البداية وغيرها - الجواز، وادعى جماعة الإجماع عليه، نظرا إلى شذوذ المخالف. الثاني: أن الإجازة تتصور على أقسام كثيرة لأنها تارة بالقول الصريح كقوله أجزت لك رواية الحديث الفلاني مثلا عني، واخرى بالقول الظاهر كقوله: لا أمنع من روايتك الحديث الفلاني، وثالثة بالقول المقدر كقوله نعم، عند السؤال عنه بقول: أجزتني أو أجزت فلانا أو أجزني أو أجزه وهكذا، ورابعة بالإشارة وخامسة بالكتابة. وقد تعارف تقسيمها إلى أربعة أضرب أو سبعة أو تسعة. ففي البداية أنها تتنوع أنواع أربعة لأنها إما أن تتعلق بأمر معين لشخص معين، أو عكسه، أو بأمر معين لغيره ونحن نتعرض للتسعة فنقول: 1 - أن يجيز معينا لمعين كأجزتك، أو أجزتكم، أو أجزت فلانا الكتاب الفلاني، أو ما اشتمل عليه فهرستي هذا، أو كتابي هذا، وهذا الضرب اعلى اضرب الإجازة لانضباطها بالتعيين، حتى زعم بعضهم أنه لا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في غير هذا النوع، وادعى أبو الوليد الناجي وعياض الإجماع على جواز الرواية والعمل بها وإن كان فيه تعميم بعض المخالفين المنع لهذا الضرب أيضا كما لا يخفى على من راجع كلماتهم.

[175]

2 - أن يجيز لمعين بغير معين كقوله: أجزتك جميع مسموعاتي، أو مروياتي وما أشبهه، والخلاف في جواز هذا الضرب أقوى وأكثر من الضرب الأول من حيث عدم انضباط المجاز، فيبعد الإذن الإجمالي المسوغ له. والجمهور من الطوائف جوزوا الرواية بها وأوجبوا العمل بما روي بها بشرطه. 3 - أن يجيز لغير معين كجميع المسلمين، أو كل واحد، أو من أدرك زماني وما أشبه ذلك، سواء كان بمعين كالكتاب الفلاني، أو بغير معين ك‍ " ما يجوز لي روايته " ونحوه. 4 - أن يكون المجاز أو المجاز فيه مجهولا كأن يجيز الشخص المعين بمروي مجهول ككتاب كذا، وللمجيز مرويات كثيرة بذلك الاسم، أو يجيز لشخص مجهول بمعين من الكتب كقوله: أجزت لمحمد بن خالد بكتاب كذا وهناك جماعة مشتركون في ذلك الاسم ولا يعين المجاز له منهم، وقد صرح ببطلان هذا الضرب جمع للجهالة. 5 - تعليق الإجازة على الشرط كقوله: أجزت لمن شاء فلان، أو نحو ذلك. وفي بطلانها قولان. 6 - الإجازة للمعدوم كقوله أجزت لمن يولد لفلان. 7 - الإجازة لموجود فاقد لأحد شروط أداء الرواية كالطفل والمجنون والكافر والفاسق والمبتدع وغيرهم، أما الطفل المميز فلا خلاف في صحة الإجازة له. قال في البداية: وقد رأيت خطوط جماعة من فضلائنا بالإجازة لأبنائهم عند ولادتهم مع تاريخ ولادتهم، منهم السيد جمال الدين ابن طاووس لولده غياث الدين، وشيخنا الشهيد استجاز من أكثر مشايخه بالعراق لأولاده الذين ولدوا بالشام قريبا من ولادتهم. وعلى هذا جرى السلف والخلف، وكأنهم رأوا الطفل أهلا لتحمل هذا النوع من أنواع حمل الحديث ليؤدي به بعد حصول أهليته حرصا على توسع السبيل إلى بقاء الإسناد الذي اختصت به هذه الامة وتقريبه من رسول الله صلى الله عليه وآله بعلو الإسناد. 8 - الإجازة بما لم يتحمله المجيز من الحديث بعد بوجه، ليرويه عنه المجاز

[176]

إذا تحمله المجيز بعد ذلك، وفي جواز ذلك وجهان: فالأكثر على المنع منه، لأن الإجازة في حكم الإخبار بالمجاز أو إذن ولا يعقل أن يخبر بما لم يخبر به، ولا أن يأذن فيما لم يملك كما لو وكل في بيع ما لم يملكه ويريد أن يشتريه، وذهب بعضهم إلى جواز بناء على جواز الإذن كذلك حتى في الوكالة. وعلى الأول فيتعين على من أراد أن يروي عن شيخ أجاز له جميع مسموعاته أن يبحث حتى يعلم أن هذا مما تحمله شيخه قبل الإجازة له ليرويه، وأما لو قال: " أجزت لك ما صح وما يصح عندك من مسموعاتي " مثلا، فيصح أن يروي بذلك عنه ما صح عنده بعد الإجازة أنه سمعه قبل الإجازة. وأجاز بعضهم إجازة ما يتجدد روايته مما لم يتحمله ليرويه المجاز له إذا تحمله المجيز بعد ذلك. وقد فعله جمع من الأفاضل. (1) 9 - إجازة المجاز لغيره بما تحمله بالإجازة فيقول: أجزت لك مجازاتي، أو رواية ما أجيز لي روايته، والمشهور جواز ذلك لأن روايته إذا صحت لنفسه جاز له أن يرويها لغيره. وبقي هنا امور ينبغي التعرض لها: الأول: أنه ينبغي لمن يروي بالاجازة عن الإجازة أن يتأمل ويفهم كيفية إجازة شيخ شيخه التي أجاز له بها شيخه ليروي المجاز الثاني مادخل تحتها ولا يتجاوزها. فربما قيدها بعضهم بما صح عند المجاز له أو بما سمعه المجيز ونحو ذلك. فإن كانت أجازة شيخ شيخه " أجزت له ما صح عنده من سماعي " فرأى سماع شيخه، فليس له روايته عن شيخه عنه حتى يعرف أنه صح عند شيخه كونه من مسموعات شيخه، وكذا إن قيدها بما سمعه لم يتعد إلى مجازاته ولو أخبر شيخه بما صح سماعه عنده من مسموعات شيخه، لم يرو هذا المجاز الثاني عن شيخه وهو الأوسط إلا ما تحقق عند الراوي الأخير أنه صح عند شيخه وهو الأوسط أنه سماع شيخه الأول، ولا يكتفي بمجرد صحة ذلك عنده الآن من غير أن يكون قد صح سماعه


(1) الفائدة المتصورة في الإجازة هي صون الأحاديث عن التحريف والدس والتخليط والوضع وأمثالها. وليس شئ من تلك الفوائد في هذا النوع ولا في مثله.

[177]

عند شيخه عملا بمقتضى لفظه وتقييده. فينبغي التنبه لذلك وأشباهه. فقد زل في ذلك أقدام أقوام. الثاني: أنهم قالوا: إنما تستحسن الإجازة مع علم المجيز بما أجازه وكون المجاز له من أهل العلم أيضا، لأنها توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليها، قال عيسى بن مسكين: " الإجازة رأس مال كبير ". واشترط بعضهم في صحتها العلم. والأشهر عدمه. وعن ابن عبد البر أنه قال: " الصحيح أنها لا يجوز إلا لماهر بالصناعة في شئ معين لا يشكل إسناده ". الثالث: أنه صرح جمع بأنه ينبغي للمجيز بالكتابة أن يتلفظ بالإجازة أيضا ليتحقق الإخبار أو الإذن اللذين حقيقتهما التلفظ، فإن اقتصر على الكتابة ولم يتلفظ مع قصد الإجازة صحت بغير لفظ كما صحت الرواية بالقراءة على الشيخ مع أنه لم يتلفظ بما قرئ عليه. تذييل: صرح جماعة بعدم اشتراط القبول في الإجازة، نعم يقدح فيها كل من الرد من المجاز ورجوع المجيز عند بعضهم ولا يقدح عند آخر، وربما بنى ذلك ثالث على أن الإجازة إن كانت إخبارا لم يضر الرد ولا الرجوع، وإن كانت إذنا وإباحة أضر الرد والرجوع كما في الوكالة. رابعها (أي رابع أقسام التحمل): المناولة: وهي أن يناول الشيخ الطالب كتابا. قيل: والأصل فيها أن رسول الله صلى الله عليه وآله كتب لأمير السرية كتابا وقال لا تفرئه حتى تبلغ مكان كذا وكذا، فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وآله. وهي ضربان: مقرونة بالإجازة ومجردة عنها. أما الأول: وهي المناولة المقرونة بالإجازة فهي على أنواع الأجازة على الإطلاق، وادعى عياض (1) الاتفاق على صحتها حتى أنكر بعضهم إفرادها عنها لرجوعها إليها، وإنما يفترقان في أن المناولة تقترن إلى مشافهة المجيز للمجاز له وحضوره دون الإجازة، وقيل إنها أخص من الإجازة لأنها إجازة مخصوصة في كتاب بعينة


(1) يعنى به صاحب الإلماع القاضى عياض.

[178]

بخلاف الإجازة. ثم إن لهذا الضرب مراتب: فمنها: أن يدفع الشيخ إلى الطالب تمليكا أو عارية لنسخ أصل سماعه، أو فرعا مقابلا به، ويقول له: هذا سماعي من فلان، أو روايتي عنه، فاروه عني أو أجزت لك روايته عني، ثم يملكه إياه، أو يقول خذه وانسخه وقابل به ثم رده إلي ونحو هذا ويسمى هذا عرض المناولة في مقابل عرض القراءة، وهذه المرتبة أعلى مراتب المناولة، وهي دون السماع والقراءة في المرتبة على الأصح، لاشتمال كل من السماع والقراءة على ضبط الرواية وتفصيلها بما لا يتحقق بالمناولة. وقيل: إن المناولة مع الإجازة مثل السماع. ومنها: أن يدفع الطالب إلى الشيخ سماع الشيخ أصلا أو مقابلا به فيتأمله الشيخ وهو عارف متيقظ، ثم يعيده إلى الطالب ويقول له: هو حدثني أو روايتي عن فلان أو عمن ذكر فيه فاروه عني أو أجزت لك روايته عني. ومنها: أن يناول الشيخ الطالب سماعه ويجيزه، ثم يسترجعه الشيخ ويمسكه عنده ولا يبقيه عند الطالب، فيرويه الطالب عنه إذا وجده وظفر به، أو ما قوبل به على وجه يثق معه بموافقته لما تناولته الإجازة على ما هو معتبر في الاجازات المجردة عن المناولة، وهذه المرتبة دون ما سبق لعدم احتواء الطالب على ما تحمله، وغيبته عنه. ومنها: أن يأتي الطالب الشيخ بكتاب ويقول: هذا روايتك فناولنيه وأجزلي روايته، فيجيبه إليه اعتمادا عليه من دون نظر فيه ولا تحقق لروايته له، وقد صرح غير واحد ببطلان هذا القسم الا أن يكون الطالب ثقة معتمدا عليه متيقظا. وأما الثاني: وهي المناولة المجردة عن الإجازة بأن يناوله كتابا ويقول: هذا سماعي أو روايتي أو حديثي، مقتصرا عليه من غير أن يقول: " اروه عني " ولا " أجزت لك روايته عني " وهذه مناولة مختلة وقد وقع الخلاف في جواز الرواية بها على قولين: الجواز وعدمه والجواز حكي عن بعض المحدثين كالرازي (1) استنادا إلى حصول العلم بكونه مرويا له مع اشعارها بالإذن له في الرواية وإلى ما روي عن


(1) الظاهر كون المراد به ابن أبى حاتم.

[179]

ابن عباس أن النبي بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة وأمره أن يدفع الكتاب إلى عظيم البحرين ويدفعه عظيم البحرين إلى كسرى. والمنع هو المحكي عن الفقهاء وأصحاب الأصول. تذييل في ألفاظ الأداء لمن تحمل بالإجازة والمناولة، وقد قال جماعة أنه أذا روى بالمناولة بأي معنى فرض قال: " حدثنا فلان مناولة " أو " أخبرنا مناولة "، وقيل: يجوز أن يطلق ولم يذكر المناولة خصوصا في المناولة المقترنة بالإجازة لما عرفت من أنها في معنى السماع، ولكن الأشهر ضميمة القيد. خامسها: الكتابة - وقد عبر عنها بعضهم بالمكاتبة وهو خطأ لمنافاة ذلك لما اصطلحوا عليه. والمكاتبة هي سؤال الراوي عن الامام عليه السلام بالكتابة وجوابه عليه السلام له - وهي أن يكتب الشيخ مسموعه أو شيئا من حديثه لحاضر عنده أو لغائب عنه، أو يأذن لثقة يعرف خطه بكتبه له أو يكتب مجهول الخطا بأمره ويكتب الشيخ بعده ما يدل على أمره بكتابته. وهنا مطالب: الأول أن الكتابة ضربان: 1 - ما إذا كانت الكتابة مقرونة بالإجازة 2 - مجردة عنها، أما المقرونة بها فقد صرح جمع بأنها في الصحة والقوة كالمناولة المقرونة بالإجازة، وأما المجردة عنها فقد وقع الخلاف في جواز الرواية بها، فمنعها قوم منهم الماوردي وابن القطان والآمدي، وعزي إلى كثير من المتقدمين والمتأخرين وأصحاب الاصول تجويز ذلك. المطلب الثاني: أن الكتابة أنزل من السماع لكون السماع أبعد من الاشتباه ولذا يرجح ما روي بالسماع على ما روي بالكتابة مع تساويهما في الصحة. سادسها: الإعلام، وهو أن يعلم الشيخ شخصا أو أشخاصا بقوله الصريح أو الظاهر أوالمقدر أو الإشارة أو الكتابة أن هذا الكتاب أو هذا الحديث روايته أو سماعه من فلان، مقتصرا عليه من غير أن يأذن في روايته عنه ويقول: اروه عني أو أذنت لك في روايته، ونحوه، وفي جواز الرواية به قولان: أحدهما الجواز، عزي إلى كثير من أصحاب الحديث والفقه والاصول، منهم ابن جريج وابن الصباغ وأبو العباس وصاحب المحصول وغيرهم تنزيلا له منزلة

[180]

القراءة على الشيخ، فإنه إذا قرء عليه شيئا من حديثه وأقر بأنه روايته عن فلان، جاز له أن يرويه عنه وإن لم يسمعه من لفظه ولم يقل له: اروه عني، أو أذنت لك في روايته عني، تنزيلا لهذا الإعلام منزلة من سمع غيره يقر بشئ، فله أن يشهد عليه به، وإن لم يشهده بل وإن نهاه. وكذا لو سمع شاهدا يشهد بشئ، فإنه يصير شاهد فرع وإن لم يستشهده ولأنه يشعر بإجازته له كما مر في الكتابة وإن كان أضعف منها. سابعها: الوصية، وهي أن يوصي الشيخ عند موته أو سفره لشخص بكتاب يرويه ذلك الشيخ. وقد جوز بعض السلف كمحمد بن سيرين وأبي قلابة للموصى له روايته عنه بتلك الوصية لأن في دفعه له نوعا من الإذن وشبها من العرض والمناولة، وأنها قريبة من الإعلام، وأنها أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، وهي معمولة بها عند جمع، فهذه أولى، ومنعه الأكثر لبعد هذا الضرب جدا عن الإذن وتشبيهه بالعرض والمناولة اشتباه، كما أن ما قيل من أن القول بالجواز إما زلة عالم أو متاول بإرادة الرواية على سبيل الوجادة التي تأتي، مما لا وجه له، لأن القائل بهذا النوع دون الوجادة موجود، ولما عرفت من عدم الخلاف في كونها أرفع من الوجادة، فلا وجه للتأويل بإرادة الرواية على سبيل الوجادة. ثامنها: الوجادة، وهي - بكسر الواو - مصدر وجد يجد مولد غير مسموع من العرب الموثوق بعربيتهم. وفي البداية: " إنما ولده العلماء بلفظ الوجادة لما أخذ من العلم من صحيفة من غير سماع ولإاجازة ولا مناولة حيث وجدوا العرب قد فرقوا بين مصادر وجد للتميز بين المعاني المختلفة، فإنهم قالوا وجد ضالته وجدانا - بكسر الواو وإجدانا - بالهمزة المكسورة - ووجد مطلوبه وجودا، وفي الغضب موجدة وجدة، وفي الغني وجدا مثلث الواو، وجدة، وقرئ بالثلاثة في قوله تعالى " أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم " وفي الحب وجدا، فلما رأى المولدون مصادر هذا الفعل مختلفة بسبب اختلاف المعاني، ولدوا لهذا المعنى الوجادة للتميز ". ثم إن هذا الضرب من أخذ الحديث وتحمله هو أن يجد إنسان كتابا أو حديثا بخط راو غير معاصر له كان أو معاصرا لم يلقه أو لقيه ولكن لم يسمع منه هذا الواجد

[181]

ولا له منه إجازة ولا نحو ها، فله أن يقول: وجدت أو قرأت بخط فلان أو في كتاب فلان بخطه: حدثنا فلان، ويسوق باقي الإسناد والمتن، أو يقول: وجدت بخط فلان عن فلان إلى آخره. قالوا: وهذا الذي استمر عليه العمل قديما وحديثا وهو منقطع مرسل. ولكن فيه شوب اتصال لقوله وجدت بخط فلان. وربما دلس بعضهم فذكر الذي وجد بخطه وقال فيه " عن " أو " قال فلان " وذلك تدليس قبيح إن أوهم سماعه، وجازف بعضهم فأطلق في هذا حدثنا وأخبرنا وهو غلط منكر لم يجوزه أحد ممن يعتمد عليه كما صرح بذلك كله في البداية وغيرها. ثم ذكروا أن هذا كله إذا وثق بأنه خط المذكور أو كتابه. وأما إذا لم يتحقق الواجد الخط فيقول: بلغني عن فلان أو وجدت في كتاب أخبرني فلان إن كان أخبره به، وفي كتاب ظننت أنه بخط فلان أو في كتاب ذكر كاتبه أنه فلان أو قيل: بخط فلان ونحو ذلك. وإذا نقل من نسخة موثوق بها في الصحة بأن قابلها هو أو ثقة على وجه يوثق بها لمصنف من العلماء قال في نقله من تلك النسخة قال فلان، وسمى ذلك المصنف وإن لم يثق بالنسخة قال: بلغني عن فلان أنه ذكر كذا، أو وجدت في نسخة من الكتاب الفلاني، وما أشبه ذلك من العبارات، كما صرح بذلك في البداية وغيرها قالوا - و لنعم ما قالوا - " إنه قد تسامح أكثر الناس في هذه الأعصار بإطلاق اللفظ الجازم في ذلك من غير ثحر وتثبت،، فيطالع أحدهم كتابا منسوبا إلى مصنف معين وينقل منه عنه من غير أن يثق بصحة النسخة قائلا قال فلان أو ذكر فلان كذا " وهو كما ترى مسامحة في الدين " والصواب ما ذكر، نعم إن كان الناقل فطنا متقنا يعرف الساقط والمغير والمصحف من الكتاب وتأمل ووثق بالعبارة، ان المرجوله جواز إطلاق اللفظ الجازم فيما يحكيه من ذلك. وإذ قد عرفت ذلك كله فاعلم أنه لا خلاف بينهم كما في البداية وغيرها في منع الرواية بالوجادة المجردة لفقد الإخبار فيها الذي هو المدار في صحة الرواية عن شخص، نعم لو اقترنت بالإجازة بأن كان الموجود خطه حيا وأجازه أو أجازه غيره عنه ولو بوسائط، فلا إشكال في جواز الرواية، لأن الإجازة أخبار إجمالي فتكون الكتابة

[182]

بعد لحوقها بمنزلة القول نظير ما ذكروا في الوصية والإقرار من أن كتابة الموصي والمقر ليست وصية ولا إقرارا إلا إذا لحق بها قوله: هذه وصيتي وإقراري. فقول المجيز: أجزت لك أن تروي عني كتابي هذا أو الكتب الفلانية معناه أن هذه رواياتي اروها عني. بقي هنا أمر ان نبة عليهما بعض الأجلة: الأول: أنه لو وجدنا كتابا من كتب الأخبار سواء ذكر فيه أنه تأليف فلان، أو رواية فلان، أو لم يذكر ولم يكن لنا علم بأنه لفلان لكن شهد عندنا عدلان بذلك، فهل يثبت ذلك بشهادتهما فيجوزلنا العمل به والرواية عنه ولو بقولنا: روى فلان، أو بإضافة " في كتابه " أو " في كتاب كذا " وإن لم نقل أخبرنا أو عنه، وغير ذلك، وكذا لو شهدا بأنه من الإمام عليه السلام بخطه الشريف أو بغيره أولا ؟ وجهان أظهرهما ذلك، لما حققناه في الاصول من عموم حجية البينة، نعم لو علمنا أو ظننا بأن شهادتهما أو شهادة أحدهما من باب الاجتهاد أو العلم بالأمارات لم تنفع شهادتهما ولم يجز العمل به، والرواية عنه، لأصالة عدم الثبوت والاعتبار، بعد خروج قولهما عن عنوان الشهادة ودخوله في عنوان الفتوى، وعلى هذا فلا وجه لما صدر من جمع من القول باعتبار الفقه المنسوب إلى الرضا عليه السلام لدعواهم القطع العادي بكونه من الإمام عليه السلام (1). الثاني: إن فرض الكلام في أقسام تحمل الرواية المذكورة وإن كان في التحمل عن غير الإمام عليه السلام إلا أن التحقيق جريانها في التحمل عنه عليه السلام أيضا. بل أكثرها واقع. أما السماع فغاية كثرته لا تخفى، وأما القراءة فإمكانها فيه أيضا معلوم، بل الظاهر وقوعها في بعض الروايات مثل ما ورد أنه سئل عليه السلام عن صدق بعض الروايات، فقال عليه السلام: نعم هو كذلك في كتاب علي عليه السلام. فالمقابلة بينه وبين محفوظه عليه السلام واقعة وإن لم يكن ذلك بقصد المقابلة. وربما جعل البعض المذكور من هذا الباب قراءته عليه السلام أشياء كثيرة


(1) في الذريعة في عنوان كتاب التكليف لأبي جعفر الشلمغاني: " قد ألف سيدنا الحسن صدر الدين كتاب " فصل القضاء " في إثبات أن الفقه المنسوب إلى الإمام الرضا عليه السلام هو بعيه كتاب التكليف هذا إلا مقدارا من ديباجته، فإنه الحق بأول كتاب التكليف، وقد عين فيه مكان الإلحاق ".

[183]

على الرواة مثل ما نقله لهم عن خط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من خطه وإملاء غيره كالصحيفة السجادية فذكر راويها أنه أملى علي أبو عبد الله عليه السلام الأدعية. وكذا ما قرأه عليه السلام عليهم بطريق الرواية عن أبيه عليه السلان عن آبائه عليهم السلام كما في أكثر روايات السكوني وأضرابه. وأنت خبير بأن ذلك كله من ضروب السماع دون القراءة، فإن المراد بالقراءة القراءة على الشيخ أو الإمام عليه السلام، لا قراءة الشيخ أو الإمام عليه السلام على الطالب، فما ذكره - رحمه الله - سهو من قلمه الشريف. وأما الإجازة فقد أذنوا عليهم السلام لشيعتهم بل أمروهم بنقل ما ورد عنهم وما يصدر لأمثالهم بقوله: " الرواية لحديثنا تثبت به قلوب شيعتنا ". وفي الكافي بإسناده إلى أبي خالد، قال: قلت لأبي جعفر الثاني عليهما السلام: جعلت فداك إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام وكانت التقية شديدة، فكتموا كتبهم، فلم تروعنهم فلما ما توا صارت الكتب إلينا، فقال: حدثوابها فإنها حق. وخبر أحمد بن عمر الحلال " قال: قلت للرضا عليه السلام: الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول، اروه عني، يجوز لي أن أرويه عنه ؟ قال: فقال: إذا علمت إن الكتاب له فاروه عنه " دال على الإجازة أيضا. وأما المناولة فيدل عليها خبرا ابن عباس المتقدم في المناولة. وأما الكتابة فوقوعها منهم عليهم السلام في غاية الكثرة، ولذا جعلت من أقسام الخبر كما مر. وأما الإعلام فقد وقع بالنسبة إلى كثير من الكتب ككتاب يونس في عمل يوم وليلة وكتاب عبيدالله بن علي بن أبي شعبة الحلبي، فإنه عرض على الصادق عليه السلام فصححه واستحسنه، وهو أول كتاب صنفه الشيعة، إلى غير ذلك (1). وأما الوجادة فالظاهر وقوعها أيضا كما في الفقه المنسوب إلى مولينا الرضا عليه السلام حيث وجده القاضي أمير حسين عند جماعة من شيعة قم الواردين إلى


(1) كونه أول كتاب صنفه الشيعة غريب كما ستعرف في ملحقات الكتاب بعنوان تاريخ - تدوين الحديث.

[184]

مكة المعظمة. وهو كجمع ممن تأخر عنه بنوا على اعتباره لثبوت النسبة عندهم بقطع عادي وإن كنا كالأكثر خالفناهم في ذلك لأمور مرت الإشارة إليها إجمالا آنفا. وصرح الصدوق - رحمه الله - في مواضع من كتبه وكذا بعض من قارب عصره أو سبقه بوجود جملة من مكاتيب الأئمة عليهم السلام وتوقيعاتهم عندهم، ومن المستبعد أن لا يكون وقوفهم على بعض ذلك بطريق الوجادة ولو في كتب من قاربهم أو سبقهم. وبالجملة فلا ينبغي التأمل فيما ذكرنا من عدم اختصاص الأقسام المزبورة بالتحمل عن غير الإمام عليه السلام وإن كان بعضها أدون من بعض في معلومية الثبوت أو ظهوره. * * * المقام الثالث: في كتابه الحديث وضبطه، وفيه مطالب: الأول: في حكمها: فقد وقع الخلاف بين الصحابة والتابعين في ذلك، فكرهها جمع منهم ابن مسعود وزيد بن ثابت وأبو موسى وأبو سعيد الخدري وابو هريرة وابن عباس استنادا إلى ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وآله قال: " لا تكتبوا عني شيئا إلا القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه ". وأباحها من غير كراهة آخرون منهم أمير المؤمنين عليه السلام والحسن عليه السلام وابن عمر وأنس وجابر وعطاء وسعيد بن جبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. بل نسب ذلك إلى أكثر الصحابة والتابعين. والنبوى المزبور لابد من حمله على مالا ينافي ذلك، على أن سنده قاصر ولأخبار عديدة معارض. فمنها: ما روي عن ابن عمرو قال: قلت له صلى الله عليه وآله: " يا رسول الله إني أسمع منك الشئ فأكتبه ؟ قال: نعم، قال في الغضب والرضا قال: نعم، قال: فإني لا اقول فيهما إلا حقا ". ومنها: ما رواه الترمذي عن أبي هريرة قال: " كان رجل من الأنصار يجلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فيسمع منه الحديث فيعجبه ولا يحفظه فشكى ذلك إلى

[185]

رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال: استعن بيمينك - وأومأ بيده إلى الخط ". ومنها: ما أسنده الرامهرمزى عن رافع بن خديج قال: " قلت له صلوات الله عليه: يارسول الله إنا نسمع منك أشياء أفنكتبها ؟ قال: اكتبوا ذلك ولا حرج ". الثاني: أن من اللازم على كتاب الحديث صرف الهمة إلى ضبطه وتحقيقه شكلا ونقطا حتى يؤمن معهما اللبس بكلمة اخرى مغيرة للحديث ليؤديه كما سمعه ولا يكون قد كذب من حيث لا يشعر على المعصوم عليه السلام، والمراد بالنقط ظاهر وهو تميز المهمل عن المعجم وذي النقطة الواحدة عن ذي النقطتين كالباء والياء وذي النقطة من فوق عن ذي النقطة من تحت كالياء والتاء. وبالشكل تقييد الإعراب سيما حيث يقع الاشتباه بغيره. قيل: كتب بعض الخلفاء إلى عامل له ببلد أن أحص المحسنين أي بالعدد فصحفها بالمعجمة فخصاهم. ثم إن رجحان ضبط الشكل والنقط يعم ما يلتبس وما لا يلتبس وإن كان في الأول أرجح، وما نقل عن بعض أهل العلم من كراهية الإعجام والإعراب في الثاني غلط، والتعليل بعدم الحاجة إليها عليل، فإنه مع الإعجام والإعراب ينفع كل أحد حتى غير المتبحر في العلم بخلافه مع عدمهما، فإن غير المتبحر لا يميز ما يشكل مما لا يشكل، ولا صواب وجه إعراب الكلمة عن خطائه، وتعميم النفع للجميع أولى. وأيضا فالإعجام والإعراب إتقان، فيندرج فيما يروى من قوله صلوات الله عليه: " رحم الله امرءا عمل عملا فأتقنه ". وربما جعل بعضهم الأولى في المشكل مضافا إلى ضبطه في نفس الكتاب كتابته مضبوطا واضحا في الحاشية قبالته أيضا، لأن ذلك أبلغ، لأن المضبوط في نفس الأسطر ربما داخله نقط غيره وشكله مما فوقه أو تحته لا سيما عند ضيق الاسطر ودقة الخط، فإذا كتبه في الحاشية أيضا مضبوطا واضحا أمن من الاشتباه، وأوضح من ذلك أن يقطع حروف الكلمة المشكلة في الهامش لأنه يظهر شكل الحرف بكتابته مفردا في بعض الحروف كالنون والياء التحتانية بخلاف ما إذا كتبت الكلمة كلها.

[186]

الثالث: أنه ينبغي لكاتب الحديث من رعاية أمور: فمنها: أن يجعل بين كل حديثين دائرة للفصل بينهما، كما صرح بذلك جمع من المتقدمين كأحمد بن حنبل وأبي الزناد وإبراهيم الحوبي وابن جرير، واستحسن بعضهم كون الدائرات خالية الوسط، فإذا قابل نقط وسط كل دائرة عقيب الحديث الذي يفرغ من مقابلتها أو خط في وسطها خطا، وقد كان بعض أهل الحديث لا يعتد من سماعه إلا بما كان كذلك أو في معناه. ومنها: أن يحترز في مثل عبد الله، وعبد الرحمن بن فلان وكل اسم مضاف إلى كلمة " الله " أو سائر أسمائه المقدسة، ملحوق بابن فلان من كتابة المضاف في آخر السطر واسم الله مع ابن فلان أول السطر الآخر. لأن من بدء بالسطر قرء " الله بن فلان " و ذلك محذور. ومنها: أن يحترز في مثل رسول الله ونبي الله من كتابة الرسول أو النبي آخر السطر وكتابة الله في أول السطر الآخر، لأن من بدء بالسطر اللاحق وجده موهما مستبشعا. ومثله الحال في سائر الموهمات والمستبشعات، مثل أن يكتب " قاتل " من قوله " قاتل ابن صفية في النار " في آخر السطر و " ابن صفية في النار " في أول السطر اللاحق، ولا يتأتى مثل ذلك من المتضايفين كسبحان الله العظيم، إذا كتب " سبحان " آخر السطر و " الله العظيم " أول السطر اللاحق وإن قيل: إن جمعهما أيضا سطر واحد أولى. ومنها: المحافظة على كتابة الثناء على الله سبحانه عقيب أسماء الله تعالى بكتابة " عز وجل " أو " تعالى وتقدس " أو نحو ذلك. ومنها: المحافظة على كتابة الصلاة والسلام عقيب رسول الله صلى الله عليه وآله، وكتابة الصلاة أو السلام أو هما عقيب بقية الأئمة المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وكتابة " على نبينا وآله وعليه السلام " عقيب أسماء ساير الأنبياء ولا يسأم من تكرر الصلاة والسلام عليهم. ومنها: كتابة الترضي والترحم على الفقهاء والمحدثين والأخيار عقيب أسمائهم.

[187]

الرابع: أنه أوجب جمع على كتاب الحديث مقابلة كتابه بأصل شيخه وإن أجازه لأن المقابلة تورث شدة الاطمئنان بصحته. وترك المقابلة قد يؤدي إلى الزيادة والنقصان في الأخبار. والأفضل في المقابلة أن يمسك هو وشيخه كتابيهما حال التسميع، ومن لا نسخة له من الطلبة ينظر مع من له نسخة إن أراد النقل من نسخته، والأظهر جواز نقله عن تلك النسخة إذا كان صاحبها المستمع لها ثقة. الخامس: في كيفية تخريج الساقط في الحواشي، ويسمى عند أهل الحديث والكتابة باللحق بفتح اللام والحاء المهملة أخذا من الإلحاق أو من الزيادة، فإنه يطلق على كل منهما لغة. وهى ثبت الساقط من قرب مع التنبيه على كونه ساقطا من المتن. السادس: قد شاع منهم الاقتصار في الخط على الرمز في " حدثنا " و " أخبرنا " وجملة من أسماء الكتب لتكررها، وقد ظهر ذلك لكثرة استعمالهم له بحيث لا يختفي ولا يلتبس، فيرمزون لحدثنا " ثنا " ولحدثني " ثني " بحذف الحاء والدال وإبقاء الثاء والنون والألف، وقد يحذف أيضا ويقتصر على الضمير، ويرمزون لأخبرنا " انا " بإبقاء الهمزة والضمير وحذف الخاء والباء والراء، ويرمز لقال بقاف، ثم منهم من يجمعها مع أداة التحديث فيكتب " قثنا " يريد " قال: حدثنا " ومنهم من يفردها فيكتب " ق ثنا ". وهذا اصطلاح متروك. ويرمز للكافي " كا " بالكاف بعده الألف، ولكتاب من لا يحضره الفقيه " يه " بالياء المثناة ثم الهاء، وللتهذيب " يب " بالياء المثناة ثم الباء الموحدة وللاستبصار " صا " بالصاد المهملة بعدها ألف إلى غير ذلك من الرموز المذكورة في أول كل من كتب الأخبار والرجال المستعمل فيها الرموز كالوافي، والبحار ومنتهى المقال وغيرها. وإذا كان للحديث إسنادان أو أكثر وجمعوا بينهما في متن واحد، كتبوا عند الانتقال من إسناد إلى إسناد " ح " مفردة مهملة. وقد اختلفوا في المراد بذلك، فقيل: إنها رمز كلمة " صح " لما استعمله جمع من كتابة كلمة صح بين الإسنادين لئلا يتوهم أن حديث الإسناد الأول ساقط ولا يركب الإسناد الثاني على الأول فيجعلا إسنادا واحدا.

[188]

وقيل: إنها رمز التحويل من إسناد إلى إسناد، وقيل: هي رمز حائل لأنها تحول بين إسنادين، وقيل هي رمز الحديث. السابع: أنه ينبغي في كتابة التسميع أن يكتب الطالب بعد البسملة اسم الشيخ المسمع ونسبه وكنيته بأن يكتب حدثنا فلان بن فلان الفلاني قال: حدثنا فلان، ثم يسوق المسموع على لفظه ويكتب فوق البسملة أسماء السامعين وأنسابهم وتاريخ وقت السماع أو يكتبه في حاشية أول ورقة من الكتاب أو آخر الكتاب أو موضع آخر حيث لا يخفى منه، وإن كان السماع في مجالس عديدة كتب عند انتهاء السماع في كل مجلس: بلغ. وينبغي أن يكون ذلك بخط ثقة معروف الخط، وإذا كان الشيخ هو السامع كتب علامة البلاغ بخط نفسه، وعلى كاتب التسميع التحري في ذلك والاحتياط، وبيان السامع والمسمع والمسموع بلفظ غير محتمل، ومجانبة التساهل فيمن يثبته والحذر من إسقاط بعض السامعين لغرض فاسد، فإن ذلك مما يؤديه إلى عدم انتفاعه بما سمع، فإن لم يحضر مثبت السامع ما سمع، فله أن يعتمد في إثباته في حضورهم على خبر ثقة حضر ذلك. ومن ثبت في كتابه سماع غيره فلا يكتمه، ولا يمنع نقل سماعه منه ولا نسخ الكتاب فإن أول بركة الحديث إعارة الكتب، وقد قيل: إن من بخل بالعلم ابتلي بأحد ثلاث: أن ينساه، أو يموت ولا ينتفع به ؟ أو تذهب كتبه، وقد ذم الله تعالى في كتابه مانع عارية الماعون بقوله " ويمنعون الماعون " واعارة الكتب أهم من إعارة الماعون ولا يبطئ المستعير بكتاب المعير إلا بقدر حاجته. المقام الرابع: في كيفية رواية الحديث وما يتعلق بذلك، وفيه مطالب: الأول: أن أهل هذا الفن قد اختلفوا فيما يجوز به رواية الحديث، ففرط فيه قوم وتساهلوا وجوزوا الرواية بكل من الوجادة والإعلام والوصية كما مر. وأفرط فيه آخرون وبالغوا في التشديد، وقالوا: إنه لا حجة إلا فيما رواه الراوي من حفظه وذكره. حكي ذلك عن مالك وأبي حنيفة وبعض الشافعية، وقد سئل مالك أيؤخذ العلم ممن لا يحفظ حديثه وهو ثقة. فقال: لا، فقيل له إن أتى بكتب فقال: سمعتها وهو ثقة.

[189]

فقال: لا يؤخذ عنه. وهناك قول ثالث، وهو جواز الاعتماد على الكتاب في رواية ما سمعه ولم يحفظه بشرط بقائه في يده، فلو أخرجه عن يده ولو بإعارة ثقة لم تجز الرواية منه لغيبته عنه المجوزة للتغيير. ورابع هو جواز الاعتماد في رواية ما سمعه ولم يحفظه على الكتاب وإن اخرج من يده مع أمن التغيير والتبديل والدس، وعدم جواز الاعتماد مع عدم أمن ذلك، وهذا هو القول الفصل الذي استقر عليه عمل الأكثر وساعده الدليل، فإن الاطمئنان مرجع كافة العقلاء في جميع امور معاشهم ومعادهم، ورواية الحديث من جملتها. فيجوز بنائها على ما يطمئن بكونه ما سمعه من شيخه. والتزام أزيد من ذلك يؤدي إلى العسر والحرج وتعطيل الاحكام كما أن تجويز الرواية بدون ذلك يؤدي إلى تضييع الأحكام، ولذا أن المفرطين بتجويز الرواية من نسخة غير مقابلة باصول، كتبوا بذلك في طبقات المجروحين. الثاني: عدم اعتبار البصر في راوي الحديث، فيجوز للضرير الذي عرض له عدم البصر والذي يولد غير بصير رواية الحديث الذي تحمله وحفظه، ولو لم يحفظ الأعمى ما سمعه من فم من حدثه، لم يجزله الرواية إلا أن يستعين بثقة في ضبط سماعه وحفظه كتابته عن التغيير، ويحتاط عند القراءة عليه على حسب حاله حتى يغلب على ظنه سلامته من التغيير، فإنه تصح حينئذ روايته. ومثله الامي الذي لا يقرء الخط ولم يحفظ ما سمعه. ومن منع من رواية البصير الذي ضبط كتابه قبل العمى وإن استعان بثقة في قراءة ذلك الكتاب عليه، يلزمه المنع من رواية الضرير إذا استعان بكتاب الثقة. لكن المنع قد عرفت سابقا ما فيه، لأن مدار العالم ومجرى عادة بني آدم على الاعتماد على الاطمئنان، فإذا حصل للأعمى الاطمئنان بروايته جاز له أن يرويها على الأشهر الأقوى. الثالث: أنه إذا سمع الثقة كتابا ولم يحفظه وأراد روايته فإن روى من النسخة التي سمعها وقابلها وضبطها فلا كلام، وكذا إن روى من نسخة قوبلت

[190]

بنسخة سماعه مقابلة موثوقا بها، وإن أراد الرواية من نسخة لم يسمعها بعينها ولم تقابل بنسخة سماعه أيضا لكنها سمعت على شيخه الذي سمع هو عليه، أو فيها سماع شيخه على الشيخ الأعلى، أو كتبت عن شيخه وسكنت نفسه إليها، فإن كانت له من شيخه إجازة عامة لمروياته، فلا ينبغي التأمل أيضا في صحة روايته لها، إذ ليس فيها حينئذ أكثر من رواية الزيادة على مسموعاته إن كانت بالإجازة، وإن لم تكن له إجازة عامة فإن وثق هو بعدم مغايرتها لنسخة سماعه جازت له روايتها أيضا لعدم المانع، وإن لم يثق بذلك فالمعزي إلى عامة الحدثين المنع من روايته لها، لاحتمال أن تكون فيها رواية ليست في نسخة سماعه، ومجرد كونها مسموعة عن شيخه أو شيخ شيخه لا ينفع بعد عدم إجازة عامة له تشمل روايته لمثلها حتى تسوغ له الرواية لها، فتدبر جيدا. الرابع: أنه إذا وجد الحافظ للحديث في كتابه خلاف ما في حفظه، فإن كان مستند حفظه ذلك الكتاب رجع إليه، لأنه الأصل وتبين أن الخطأ من قبل الحفظ. وإن كان حفظه من فم شيخه اعتمد حفظه إن لم يشك. والأحسن أن يجمع حينئذ بينهما في روايته، بأن يقول: حفظي كذا وفي كتابي كذا، منبها على الاختلاف لاحتمال الخطأ على كل منهما. النقل بالمعنى الخامس: أن من لم يكن عالما بالألفاظ ومدلولاتها ومقاصدها، خبيرا بما يخل معانيها بصيرا بمقادير التفاوت بينها، لا يجوز له أن يروي الحديث بالمعنى بل يقتصر على رواية ما سمعه باللفظ الذي سمعه بغير خلاف. كما في البداية وغيرها. وإنما وقع الخلاف في أن العالم بذلك كله هل يجوز له النقل بالمعنى أم لا على قولين. أحدها: الجواز إذا قطع بأداء المعنى تماما وعدم سقوطه بذلك عن الحجية، وهو المعروف بين أصحابنا والمعزي إلى جمهور السلف والخلف من الطوائف، بل في " القوانين ": أنه لا خلاف فيه بين أصحابنا وأن المخالف بعض العامة. ونفى في " الفصول " معرفة الخلاف في ذلك بين أصحابنا، قال: وعليه أكثر مخالفينا. ثانيها: المنع منه مطلقا، عزاه بعض العامة إلى طائفة من أصحاب الحديث والفقه والاصول وآخر إلى ابن سيرين وثعلب وأبي بكر الرازي من الحنفية وابن عمر.

[191]

بقي هنا امور ينبغي التنبيه عليها. الأول: أن المجوزين لنقل الحديث بالمعنى اشترطوا في جوازه امورا تقدمت الإشارة إليها في صدر المقال. أحدها: أن يكون الناقل عالما بمواقع الألفاظ ومعانيها بوضعها وبالقرائن الدالة على خلافه، قيل وهذا الشرط كما يعتبر بالنسبة إلى الكلام المنقول منه، كذلك يعتبر بالنسبة إلى الكلام المنقول إليه، والمراد من العلم بمواقع الألفاظ، العلم بمداليلها وبما يلزمها باعتبار الهيئات والأحوال سواء علم ذلك بمساعدة الطبع أو بإعمال القواعد المقررة، والظاهر منه اعتبار العلم التفصيلي فيتوجه عليه الإشكال بإمكان التعويل في ذلك على قول الثقة العارف بوحدة المفاد. فيصح الإسناد حينئذ مع انتفاء الشرط. ويمكن التفصي عنه بأن يراد بالعلم ما يعم التفصيلي والاجمالي الذي في الفرض المذكور، فإن علم الناقل فيه بوحدة المفادين علم بمواقع تلك الألفاظ إجمالا أو يعتبر بالنسبة إلى الناقل من قبل نفسه كما هو الغالب. كذا في " الفصول ". وما في الذيل ليس تفصيا عن الإشكال بل التزاما به، ولعله أولى من الاعتذار بأعمية العلم من التفصيلي والإجمالي ضرورة بعد الالتزام بكون قوله: " قال " مع استفادة وحدة المفادين من قول الثقة العارف صرفا. ثانيها: أن لا يقصر النقل عن إفادة المراد، يعني لا يكون النقل بحيث يظهر منه خلاف مراد المروي عنه كنقل المقيد بمطلق مجرد عن القيد، والحقيقة بمجاز مجرد عن القرينة. وأما مجرد القصور عن الإفادة ولو كنقل المبين بلفظ مجمل فلا دليل على منعه في غير مقام الحاجة بعد جواز تأخير البيان عن غير وقت الحاجة كما نبه على ذلك في الفصول، وينبغي تقييده بما إذا لم يؤد ذلك إلى اختفاء الحكم المبين عند الحاجة أيضا وإلا لكان ممنوعا منه لكونه إخفاء لحكم الله تعالى، وهو محظور بلا شبهة. ثالثها: أن يكون مساويا للأصل في الخفاء والجلاء، وعلل بأن الخطاب الشرعي تارة يكون بالمحكم واخرى بالمتشابه، لحكم وأسرار لا يصل إليها عقول البشر، فلو نقل أحدهما بلفظ الآخر أدى إلى فوات تلك المصلحة. وناقش في ذلك الفاضل القمي - قدس سره - بعدم وضوحه لأن المتشابه

[192]

إذا اقترن بقرينة تدل السامع على المراد، فلا يضر نقله بالمعنى، فإنه ليس بمتشابه عند السامع، بل هو كأحد الظواهر، فلا يضر تغييره. وإن لم يقترن بقرينة فحمله على أحد المعاني المحتملة من دون علم من جانب الشارع باطل، ولا معنى لاشتراط المساواة في الخفاء والجلاء بل الشرطان السابقان يكفيان مؤونة ذلك. ثم قال: " نعم لو أريد مثل ما لو نقل غير السامع من الرواة الوسائط، وأداه بمعنى أدى إلى اجتهاده بملاحظة سائر الأخبار والأدلة: فهو كذلك، إذ ربما كانت الرواية في الأصل متشابهة بالنسبة إلى السامع أيضا والحكمة اقتضت ذلك، أو الحكمة اقتضت أن يوصل إلى المراد بالاجتهاد والفحص، فحينئذ لابد للناقل من ذكر اللفظ المتشابه وتعقيبه بالتفسير الذي فهمه. وهذا ليس من باب النقل بالمعنى، بل هو مسألة اخرى ذكروها بعنوان آخر وسنشير إليها، اللهم إلا أن يكون المراد أنه لو أدى المعصوم المطلوب بلفظ متشابه بالذات، مبين للسامع بانضمام القرائن فيجب على الناقل ذكر هذا اللفظ المتشابه وإن عقبه ببيان ما قارنه بالعرض من القرينة المبينة له بانضمام أحوال التحاور والتخاطب بناء على الفرق بين أقسام الدلالات مثل ما حصل من المشترك مع القرينة أو من اللفظ الآحادي المعنى ". ثم قال: " ويظهر من ذلك أنه ينبغي مراعاة النص والظاهر أيضا، بل وأقسام الظواهر إذ في عدم مراعاة ذلك يحصل الاختلال في مدلول الأخبار، فإذا ذكر الإمام لفظ القرء في بيان العدة وفهم الراوي بقرينة المقام الطهر مثلا، فلا يروي الحديث بلفظ الطهر، إذ ربما كان فهم الراوي خطأ لاشتباه القرينة عليه، فلو أراد بيان ذلك فليذكر لفظ القرء ثم يفسره بما فهمه، وكذا في النص والظاهر، مثلا إذا قال الإمام عليه السلام لو بقي من اليوم بمقدار صلاة العصر فهو مختص به، فنقله الراوي بقوله إذا بقي من اليوم بمقدار أربع ركعات العصر فهو مختص به مريدا به صلاة العصر أيضا، لم يجز ذلك إذ يتفاوت الأمر بين اللفظين بملاحظة الشمول صلاة العصر لركعتي المسافر وأقل منه كصلاة الخوف وأمثال ذلك وكذلك في صلاة العشاء ونصف الليل. ومن أجل ذلك الفرق انفردت في هذه المسألة عن الأصحاب في جواز الإتيان

[193]

بصلاة المغرب والعشاء كليهما إذا بقي من نصف الليل مقدار أربع ركعات. فإنهم يخصونه بالعشاء وأنا أجمع بينهما لما استفاض من النقل الصحيح من أن من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت كله، فيصدق على هذا أنه أدرك وقت الصلاتين وإن لم يدرك وقت الثلاث والأربع. وبالجملة فلابد لناقل الحديث بالمعنى من ملاحظة العنوانات المتواردة على مصداق واحد مع اختلاف الحكم باختلافها، وملاحظة تفاوت الأحكام بتفاوت العنوانات أهم شئ للمجتهد في المسائل الشرعية فبأدنى غفلة يختل الأمر ويحصل الاشتباه. هذا، وأما ضبط مراتب الوضوح والخفاء بالنسبة إلى مؤدي الألفاظ فهو ما يصعب إثبات اشتراطه، إذ الظاهر أن المعصوم إنما يقصد من الأخبار غالبا تفهيم المخاطب ورفع حاجته في الموارد الخاصة المحتاج إليها بحسب اتفاق الوقايع التي دعتهم إلى السؤال عنه عليه السلام أو علم المعصوم احتياجهم إليها. فهم يتكلمون مع أصحابهم بقدر فهمهم، لا أنهم يتكلمون على معيار خاص يكون هو المرجع والمعول حتى يعتبر نقله للآخر ذلك المقدار، بل الناقل للغير أيضا لابد أن يلاحظ مقدار فهم مخاطبه لا كل مخاطب وهكذا، فنقل المطلوب بعبارة أوجز إذا كان المخاطب المعيا فطنا ذكيا لا مانع منه، وكذلك نقله أبسط وأوضح إذا كان بليدا غبيا - انتهى " ولقد أجاد الفاضل وأفاد وأتى بما هو الحق المراد. الأمر الثاني: أن محل النزاع إنما هو نقل أحاديث الأحكام بالمعنى، وأما مثل الأحاديث الواردة في الأدعية والأذكار والأوراد فلا كلام ظاهرا في عدم جواز نقلها بالمعنى ولا تغييرها بزيادة ولا نقصان، لأن لترتيب الألفاظ فيها خصوصية، وقراءتها على ما وردت تعبدية توقيفية. وطريقة النبي والأئمة صلوات الله عليهم في ذلك غالبا أنهم كانوا يملون على أصحابهم وهم يكتبون، ولذلك ندر الاختلاف فيها بخلاف الأخبار. وأوضح من الأدعية في عدم جواز نقلها بالمعنى كلام الله تعالى بعنوان أنه قرآن لما علم من خصوصية ترتيبه واسلوبه.

[194]

الأمر الثالث: أن الخلاف المذكور لا يجرى في المصنفات، فإنها لا يجوز تغييرها أصلا وإبدالها بلفظ آخر وإن كان بمعناه على وجه لا يخرج بالتغيير عن وضعه ومقصود مصنفه، لأن النقل بالمعنى إنما رخص فيه لما في الجمود على الألفاظ من الحرج وذلك غير موجود في المصنفات المدونة في الأوراق، ولأنه إن ملك تغيير اللفظ فليس يملك تغيير تصنيف غيره كما هو ظاهر، نعم لو دعا إلى النقل بالمعنى شئ ونبه على كون نقله بالمعنى جاز. الأمر الرابع: أنه ينبغي لراوي حديث بالمعنى والشاك في أنه نقل باللفظ أو بالمعنى أن يقول بعد الفراغ من الحديث: أو كما قال، أو نحوه، أو شبهه، أو ما أشبهه عاطفا له على كلمة " قال " التي ذكرها في ابتداء النقل. وقد روي أو قوما من الصحابة كانوا يفعلون ذلك وهم أعلم الناس بمعاني الكلام خوفا من الزلل لمعرفتهم بما في الرواية بالمعنى من الخطر، فعن ابن مسعود أنه قال يوما: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله " فاغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه، ثم قال: أو مثله أو نحوه أو شبيها به، وعن أبي الدرداء أنه كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: أو نحوه أو شبهه، وعن أنس بن مالك أنه كان إذا حدث عن رسول الله صلى الله عليه وآله ففرغ، قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله ". وقال بعضهم: إنه إذا اشتبهت على القارى لفظة فحسن أن يقول بعد قراءتها على الشك: " أو كما قال " لتضمنه إجازة من الشيخ وإذنا في رواية صوابها عنه إذا بان. الأمر الخامس: أن الراوي الثقة إذا روى مجملا وفسره بأحد محامله فالأكثر كما في القوانين على لزوم حمله عليه بخلاف ما لو روى ظاهرا وحمله على خلاف الظاهر، لأن فهم الراوي الثقة قرينه وليس له معارض من جهة اللفظ لعدم دلالة المجمل على شئ بخلاف الثاني، فإن فهمه معارض بالظاهر الذي هو حجة. وناقش في ذلك في القوانين بأن " مقتضى الظاهر العمل عليه، فمقتضى المجمل السكوت عنه، ولا يتفاوت الحال مع أن الظاهر إنما يعتبر لأن الظاهر أنه هو الظاهر عند المخاطب بالحديث لا لظهوره عندنا، لأن الخطاب مختص بالمشافهين كما بيناه في محله، فإذا ذكر المخاطب به أن مراده هو ما هو خلاف الظاهر فالظاهر اعتباره، ولا أقل

[195]

من التوقف، وأما تقديم الظاهر فلا. والأولى إدارة الأمر مدار الظن الفعلي ". الأمر السادس: أنه قد وقع الخلاف بين العلماء في تقطيع الحديث واختصاره برواية بعض الحديث الواحد دون بعض على أقوال: أحدها: المنع مطلقا، اختاره المانعون من رواية الحدث بالمعنى لتحقق التغيير وعدم أدائه كما سمعه. وبه قال بعض مجوزي رواية الحديث بالمعنى أيضا. ثانيها: المنع إن لم يكن هذا المقطع قد رواه في محل آخر، أو رواه غيره تماما ليرجع إلى تمامه من ذلك المحل، أرسله غير واحد قولا. ثالثها: الجواز مطلقا، اختاره بعضهم وفسر الإطلاق في البداية بأنه سواء كان قد رواه هو أو غيره على التمام أم لا وينبغي تقييد هذا القول بما إذا لم يكن المحذوف متعلقا بالمأتي به تعلقا يخل بالمعنى حذفه، كالاستثناء والشرط والغاية ونحو ذلك، وإلا فالظاهر عدم الخلاف في المنع منه، وادعى بعضهم الاتفاق عليه، ومن هنا يتحد هذا القول مع الرابع وهو التفصيل بالجواز إن وقع ذلك ممن يعرف تمييز ما تركه منه عما نقله وعدم تعلقه به بحيث لا يختل البيان ولا تختلف الدلالة فيما نقله بترك ما تركه، فيجوز حينئذ وإن لم تجز الرواية بالمعنى، لأن المروي والمتروك حينئذ بمنزلة خبرين منفصلين، والمنع إن وقع ذلك من غير العارف، وهذا القول هو الأظهر ولا يخفى عليك أن ذلك فيما إذا إرتفعت منزلته عن التهمة، فأما من رواه مرة تاما فخاف إن رواه ثانيا ناقصا أن يتهم بزيادة فيما رواه أولا أو نسيان لغفلة وقلة ضبط فيما رواه ثانيا فلا يجوز له النقصان ثانيا ولا ابتداء إن تعين عليه أداء تمامه لئلا يخرج بذلك باقيه عن حيز الاحتجاج. الأمر السابع: أن صرح جمع بجواز تقطيع المصنف الحديث الواحد في مصنفه بأن يفرقه على الأبواب اللائقة به للاحتجاج المناسب في كل مسألة مع مراعاة ما سبق من تمامية معنى المقطوع. وقد فعله أئمة الحديث منا ومن الجمهور. ولا مانع منه، وعن ابن الصلاح أنه لا يخلو من كراهة ولم يوافقه أحد ولا ساعد عليه الدليل.

[196]

* * * المطلب السادس: أنه صرح جمع بأنه ينبغي للشيخ أن لا يروي الحديث بقراءة لحان ولا مصحف، بل لا يتولاه إلا متقن اللغة والعربية ليكون مطابقا لما وقع من النبي والأئمة صلوات الله عليهم، ويتحقق أداؤه كما سمعه امتثالا لأمر الرسول صلى الله عليه وآله. وفي صحيحة جميل بن دراج قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: " أعربوا حديثنا فإنا قوم فصحاء ". وينبغي لمن يريد قراءة الحديث أن يتعلم قبل الشروع فيه من العربية واللغة ما يسلم به من اللحن، ولا يسلم من التصحيف بذلك، بل بالأخذ من أفواه الرجال العارفين بأحوال الرواة وضبط أسمائهم، وبالروايات وضبط كلماتها. وإذا أحرز لحنا أو تصحيفا فيما تحمله من الرواية وتحقق ذلك، ففي كيفية روايته لها قولان: فالأكثر على أنه يرويه على الصواب لا سيما في اللحن الذي لا يختلف المعنى به، ويقول روايتنا كذا أو يقدم الرواية الملحونة أو المصحفة ويقول بعد ذلك، وصوابه كذا. وعن ابن سيرين وعبد الله بن شخير، وأبي معمر وأبي عبيد القاسم بن سلام أنه يرويه كما سمعه باللحن والتصحيف الذي سمعه، ورده ابن الصلاح وغيره بأنه غلو في اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى. وهناك قول ثالث يحكى عن عبد السلام وهو ترك الخطأ والصواب جميعا. أما الصواب فلأنه لم يسمع كذلك، وأما الخطأ فلأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقله كذلك. وأقول: فالأولى أن يروي كما سمعه وينبه على كونه خطأ وكون الصواب كذا وكذا، حتى يسلم من شبهتي اخفاء الحكم الشرعي، ورواية ما لم يسمعه. وأما إصلاح التحريف والتصحيف في الكتاب وتغيير ما وقع فيه فجوزه بعضهم، والأولى ما ذكره جمع من ترك التحريف والتصحيف في الأصل على حاله والتضبيب عليه وبيان صوابه في الحاشية، فإن ذلك أجمع للمصلحة وأنفى للمفسدة. وقد يأتي من يظهر له وجه صحته، ولو فتح باب التغيير لجسر عليه من ليس بأهل وقد روي " أن بعض أصحاب الحديث رأي في المنام وكأنه قد ذهب شئ

[197]

من لسانه أو شفته فسئل عن سببه، فقال لفظة من حديث رسول الله صلى الله عليه وآله غيرتها برأيي ففعل بي هذا ". وكثيرا ما ترى ما يتوهمه كثير من أهل العلم خطأ وهو صواب ذو وجه صحيح خفي. قالوا: وأحسن الإصلاح أن يكون بما جاء في رواية اخرى أو حديث آخر، فإن ذاكره أمن من النقول المذكورة، وقالوا: أيضا إن كان الإصلاح بزيادة الساقط من الأصل، فإن لم يغاير معنى الأصل فلا بأس بإلحاقه في الأصل من غير تنبيه على سقوطه بأن يعلم أنه سقط في الكتابة كلفظة " ابن " في النسب وكحرف لا يختلف المعنى به وإن غاير الساقط معنى ما وقع في الأصل تأكد الحكم بذكر الأصل مقرونا بالبيان لما سقط. فإن علم أن بعض الرواة له أسقطه وحده وأن من فوقه من الرواة أتى به، فله أيضا أن يلحقه في نفس الكتاب مع كلمة " يعني " قبله. هذا إذا علم أن شيخه رواه له على الخطأ. وأما لو رواه في كتاب نفسه وغلب على ظنه أن السقط من كتابه لا من شيخه اتجه حينئد إصلاحه في كتابه وفي روايته عند تحديثه، كما إذا درس من كتابه بعض الإسناد أو المتن بتقطع أو بلل ونحوه فإنه يجوز له استدراكه من كتاب غيره إذا عرف صحته ووثق به بأن يكون أخذه عن شيخه وهو ثقة وسكنت نفسه إلى أن ذلك هو الساقط، ومنع بعضهم من ذلك لا وجه له. نعم بيان حال الرواية وكتابة أن الإصلاح من نسخة موثوق بها أولى. وكذا الكلام في استثبات الحافظ ما شك فيه من كتاب ثقة غيره أو حفظه. وفي البداية أن الأولى على كل حال سد باب الإصلاح ما أمكن، لئلا يجسر على ذلك من لا يحسن وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا. ولو وجد المحدث في كتابه كلمة من غريب العربية غير مضبوطة أشكلت عليه جاز أن يسأل عنها العلماء بها ويرويها على ما يخبرونه به. والأولى أن يشرح الحال ويذكر ما في كتابه أو حفظه وما أخبر به المسئول عنه.

[198]

المطلب السابع: أنه إذا كان الحديث عنده عن اثنين أو أكثر من الشيوخ واتفقا في المعنى دون اللفظ فله جمعهما أو جمعهم في الإسناد بأسمائهم ثم يسوق الحديث على لفظ رواية أحدهما أو أحدهم مبينا، فيقول: " أخبرنا فلان وفلان واللفظ لفلان، أو هذا لفظ فلان، أو يقول: أخبرنا فلان وما أشبه ذلك من العبارات، ولو لم يخص أحدهما بنسبة اللفظ إليه بل أتى ببعض لفظ هذا وبعض لفظ الآخر، فقال: " أخبرنا فلان وفلان وتقاربا في اللفظ " أو " والمعنى واحد " قالا: حدثنا فلان، جاز بناء على جواز الرواية بالمعنى، ولم يجز بناء على عدم جوازها، ولو لم يقل " تقاربا " ونحوه فلا بأس به أيضا بناء على جواز الرواية بالمعنى، وإن كان الإتيان بقوله تقاربا في اللفظ أو ما يؤدي ذلك أولى. وإذا سمع من جماعة كتابا مصنفا فقابل نسخته بأصل بعضهم دون الباقي، ثم رواه عنهم كلهم، وقال: اللفظ لفلان المقابل بأصله، ففي جوازه وجهان: من أن ما أورده قد سمعه ممن ذكره أنه بلفظ ومن أنه لا علم عنده بكيفية رواية الآخرين حتى يخبر عنها بخلاف ما سبق، فإنه أطلع على رواية غير من نسب اللفظ إليه وعلى موافقتها معنى فأخبر بذلك. وعن بدر بن جماعة من علماء العامة التفصيل بين تباين الطرق بأحاديث مستقلة وبين تفاوتها في ألفاظ ولغات أو اختلاف ضبط، بالجواز في الثاني دون الأول. المطلب الثامن: أنه صرح جمع بأنه ليس للراوي أن يزيد في نسب غير شيخه من رجال السند أو صفته مدرجا ذلك حيث اقتصر شيخه على بعضه إلا أن يميزه ب‍ " هو " أو " يعني " أو نحو ذلك. مثاله أن يروي الشيخ عن أحمد بن محمد كما يتفق للشيخ أبي جعفر الطوسي والكليني - رحمهما الله تعالى - كثيرا فليس للراوي أن يروي عنهما ويقول: قالا: أخبرني أحمد بن محمد بن عيسى، بل يقول: أحمد بن محمد - هو ابن عيسى أو يعني ابن عيسى - ونحو ليتميز كلامه وزيادته عن كلام شيخه. المطلب التاسع: أنه قد جرت العادة بحذف " قال " ونحو بين رجال السند خطا اختصارا، وقد قال جمع: إنه ينبغي للقارئ التلفظ بها، وحذف القول

[199]

إذا لم يخل بالمعنى جائز اختصارا كما جاء به القرآن المجيد. المطلب العاشر: أن ما اشتمل من النسخ والأبواب ونحوها على أحاديث متعددة بإسناد واحد، فإن شاء ذكر الإسناد في كل حديث، وإن شاء ذكره عند أول حديث منها أو في كل مجلس من مجالس سماعها ويقول بعد الحديث الأول: وبالإسناد أو يقول: وبه أي بالإسناد السابق. المطلب الحادي عشر: إذا تحمل حديثا واحدا عن رجلين أحدهما ثقة والآخر مجروح، فالأولى أن يذكر ما سمعه من كل منهما لجواز أن يكون فيه شئ لأحدهما لم يذكره الآخر، وإن اقتصر على رواية الثقة لم يكن به بأس. وقد حكي عن مسلم بن الحجاج أنه كان في مثل هذا يذكر الثقة ويسقط المجروح، وأشار إليه بقوله: وآخر. وإذا سمع بعض حديث عن شيخ وبعضه عن شيخ آخر لم يجز له أن يروي جميعه عن أحدهما بل يروي كلا من البعضين عن صاحبه ولو روى الجملة عنهما مبينا أن بعضه عن أحدهما وبعضه الآخر عن الآخر غير مميز لما سمعه من كل شيخ عن الآخر جاز وصار الحديث لذلك مشاعا بينهما حيث لم يبين مقدار ما روى منه عن كل منهما. فإذا كانا ثقتين فالأمر سهل لأنه يعمل به على كل حال، وإن كان أحدهما مجروحا لم يحتج بشئ منه إذما من جزء منه إلا ويجوز أن يكون عن ذلك المجروح حيث لم يبين مقدار ما رواه عن كل واحد منهما ليحتج بالخبر الذي رواه عن الثقة إن أمكن ويطرح الآخر. وعلى هذا فيلزمه أن ينسب كل بعض إلى صاحبه حتى لا يسقط ما رواه عن الثقة عن الحجية بسبب الاشتباه بما رواه عن غير الثقة وقد يتعطل لذلك حكم الله المتعال لانحصار طريق الحكم فيما رواه عن الثقة كما لا يخفى.

[200]

الفصل الثامن: في أسماء الرجال وطبقاتهم وما يتصل به وهو فن مهم يعرف به المرسل والمتصل ومزايا الإسناد، ويحصل به معرفة الصحابة والتابعين وتابعي التابعين إلى الآخر. فهنا مطالب: الأول: أنه وقع الخلاف في حد الصحابي والتابعي والمخضرمي. أما الصحابي: ففي حده أقوال: أحدها: ما عن أصحاب الاصول من أنه من طالت مجالسته مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على طريق التتبع له، والأخذ عنه بخلاف من وفد إليه وانصرف بلا مصاحبة ولا متابعة، قالوا: وذلك معنى الصحابي لغة. ورد بإجماع أهل اللغة على أنه مشتق من الصحبة لا من قدر منها مخصوص، وذلك يطلق على كل من صحب غيره قليلا كان أو كثيرا، يقال: صحبت فلانا حولا أو شهرا، أو يوما أو ساعة. ثانيها: ما عن سعيد بن المسيب من أنه كان لا يعد صحابيا إلا من أقام مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة أو سنتين وغزى معه غزوة أو غزوتين، وعلل بأن لصحبة النبي صلى الله عليه وآله وسلم شرفا عظيما فلا تنال إلا باجتماع طويل يظهر فيه الخلق المطبوع عليه الشخص كالغزو المشتمل على السفر الذي هو قطعة من سقر والسنة المشتملة على الفصول الأربعة التي يختلف بها المزاج. والجواب أولا بالنقض بأن مقتضاه أن لا يعد جرير بن عبد الله البجلي و وائل بن حجر صحابيا، ولا خلاف في كونهما من الصحابة، وثانيا بالحل بأن ما ذكره اعتبار صرف لا يساعده اللغة ولا دليل عليه من عقل ولا نقل ثالثها: أنه من طالت صحبته وروى عنه صلى الله عليه وآله وسلم، حكي اختياره عن الجاحظ. رابعها: أنه من رآه صلى الله عليه وآله بالغا، حكاه الواقدي، ورمي بالشذوذ. خامسها: أنه من أدرك زمنه صلى الله عليه وآله وسلم وهو مسلم وإن لم يره.

[201]

حكي اختياره عن يحيى بن عثمان بن صالح المصري وابن عبد البر وابن مندة. سادسها: أنه من تخصص بالرسول وتخصص به الرسول صلوات الله عليه. وكل هذه الأقوال شاذة مردودة. سابعها: أنه كل مسلم رأى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وصفه بعضهم بالمعروفية بين المحدثين. ونوقش فيه بأنه إن كان فاعل الرؤية الرائي الأعمى كابن ام مكتوم ونحوه فهو صحابي بلا خلاف ولا رؤية له. ومن رآه كافرا ثم أسلم بعد موته كرسول قيصر فلا صحبة له. ومن رآه بعد موته صلى الله عليه وآله وسلم قبل الدفن كأبي ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي فإنه لاصحبة له، وإن كان فاعلها رسول الله صلى عليه وآله وسلم دخل فيه جميع الامة، فإنه كشف له عنهم ليلة الأسرى وغيرها ورآهم. ومن هنا حده جمع من المحققين منهم الشهيد الثاني - رحمه الله - في البداية بحد ثامن وهو أنه من لقي النبي صلى الله عليه وآله مؤمنا به ومات على الإيمان والإسلام وإن تخللت ردته بين كونه مؤمنا وبين موته مسلما على الأظهر، مريدين باللقاء ما هو أعم من المجالسة والمماشاة ووصول أحدهما إلى الآخر وإن لم يكالمه ولم يره بعينه، وغرضهم بالعدول من التعبير بالرؤية إلى التعبير باللقاء إدخال ابن ام مكتوم المانع عماه من رؤيته له صلى الله عليه وآله. ولعل من عبر بالرؤية أراد الأعم من رؤية العين كما يكشف عن ذلك عدم الخلاف في كون ابن ام مكتوم صحابيا. واحترزوا بقيد الإيمان عمن لقيه كافرا وإن أسلم بعد وفاته صلى الله عليه وآله كرسول قيصر، ومن رآه بعد وفاته صلى الله عليه وآله قبل الدفن كخويلد بن خالد الهذلي، فإنهما لا يعدان من الصحابة في الاصطلاح، وبقولهم به عمن لقيه مؤمنا بغيره من الأنبياء، وبقولهم مات على الإسلام عمن ارتدومات كعبيد الله بن جحش وابن حنظل، وغرضهم من قولهم: وإن تخللت ردته إلى آخره إدخال من رجع عن الإسلام في حياته صلى الله عليه وآله أو بعده إذا مات على الإسلام كالأشعث بن قيس، فإنه كان قد وفد على النبي صلى الله عليه وآله ثم ارتد، ثم اسر في خلافة الأول فأسلم على يده فزوجه اخته وكانت عوراء فولدت له محمدا الذي شهد قتل الحسين عليه السلام. فإن

[202]

المعروف كون الأشعث صحابيا بل قيل: إنه متفق عليه، ولذا زاد واقولهم: " وإن تخللت - إلى آخره - ". ونبهوا بقولهم: على الأظهر إلى رد ما سمعت من الأقوال، وربما زاد بعضهم بعد قوله " لقي النبي صلى الله عليه وآله " قوله " بعد بعثته " احترازا به عمن لقيه مؤمنا بأنه سيبعث ولم يدرك بعثته فإنه ليس صحابيا كما يكشف عن ذلك عدهم من الصحابة ولده صلى الله عليه وآله إبراهيم دون من مات قبل البعثة كالقاسم. لكنه ينتقض بزيد بن عمرو بن نفيل حيث عده ابن مندة في الصحابة مع أنه لم يلقه صلى الله عليه وآله بعد البعثة بل قبلها، وعدم عد القاسم من الصحابة لعله لاعتبار التميز في الرائي وعدم كون القاسم كذلك، فتأمل. وأما التابعي: فهو من لقي الصحابي مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وآله ومات على الإيمان وإن تخللت ردته بين كونه مؤمنا وبين موته مسلما، واشترط بعضهم فيه طول الملازمة، وآخر صحة السماع وثالث التميز والأول أظهر. والتابعيون أيضا كثيرون، وقد عد قوم منهم طبقة لم يلقوا الصحابة فهم تابعوا التابعين. وعد جمع في التابعين جماعة هم من الصحابة. وأول التابعين موتا أبو زيد معمر بن زيد قتل بخراسان، وقيل: بآذربيجان، سنة ثلاثين، وآخرهم موتا خلف بن خليفة سنة ثمانين ومائة. وأما المخضرمون: وهم الذين أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي صلى الله عليه وآله ولم يدركوا صحبته سواء أسلموا في زمن النبي صلى الله عليه وآله كالنجاشي، أم لا كغيره، واحدهم مخضرم - بفتح الراء - من قولهم: لحم مخضرم لا يدرى من ذكر هو أو انثى، كما في المحكم والصحاح، وطعام مخضرم ليس بحلو ولامر كما حكاه ابن الأعرابي. وقيل: من الخضرمة بمعنى القطع من خضرموا آذان الإبل: قطعوها، لأنه اقتطع عن الصحابة وإن عاصر لعدم الرؤية. أو من قولهم: رجل مخضرم: ناقص الحسب، وقيل: ليس بكريم النسب، وقيل: دعي، وقيل: لا يعرف أبواه، وقيل، ولدته السراري لكونه ناقص الرتبة عن الصحابة لعدم الرؤية مع إمكانه وسواء أدرك في الجاهلية نصف عمره أم لا، إلى غير ذلك من الاحتمالات في وجه المناسبة.

[203]

وقال بعضهم: إن المخضرم في الصطلاح أهل اللغة هو الذي عاش نصف عمره في الجاهلية ونصفه في الإسلام، سواء أدرك الصحابة أم لا، فبين اصطلاح المحدثين واللغويين عموم وخصوص من وجه، لأن الأول عام من جهة شموله لما إذا كان إدراكه الجاهلية بنصف عمره أو أقل أو أكثر، دون الثاني. والثاني عام من جهة شموله لمن رأى النبي صلى الله عليه وآله أم لا دون الأول، فحكيم بن حزام مخضرم باصطلاح اللغة دون الحديث، وبشير بن عمرو مخضرم باصطلاح الحديث دون اللغة. وقد وقع الخلاف في أن المخضرمين من الصحابة أو التابعين ؟ والأشهر الأظهر الثاني، لاعتبارهم فيه عدم ملاقات النبي صلى الله عليه وآله والصحابي من لاقاه. وقد عدهم بعضهم فبلغ بهم عشرين نفسا، وقيل: إنهم أكثر، فمنهم سويد بن غفلة صاحب أمير المؤمنين عليه السلام، وربيعة بن زرارة، وأبو مسلم الخولاني، والأحنف بن قيس، وسعد بن إياس الشيباني، وشريح بن هانئ وبشير بن عمرو بن جابر، وعمرو بن ميمون الأودي، والأسود بن يزيد النخعي، والأسود بن هلال المحاربي، والمعرور بن سويد، وعبد خير بن يزيد الخيواني، وشميل بن عوف الأحمسي ومسعود بن خراش، ومالك بن عمير، وأبو عثمان النهدي، وأبو رجاء العطاردي وغنيم بن قيس وأبو رافع الصائغ، وخالد بن عمير العدوي، وقمامة بن حزن القشيري، وجبير بن نفير الحضرمي وغيرهم. المطلب الثاني: أن الراوي والمروي عنه إن استويا في السن أو في اللقاء أعني الأخذ من المشايخ، فهو النوع الذي يقال له: رواية الأقران، فإن روي كل من الآخر فهو المدبج، وإن اختلفا في السن أو في اللقاء أو في المقدار وروى الأسن ونحوه عمن دونه فهو النوع المسمى برواية الأكابر عن الأصاغر، وفائدة معرفة هذا النوع أن لا يتوهم أن المروي عنه أفضل وأكبر من الراوي لكونه الأغلب في ذلك. ثم هو على أقسام لأن الراوي إما أن يكون أكبر من المروي عنه سنا وأقدم طبقة، أو يكون أكبر قدرا لاسنا أو يكون أكبر سنا وقدرا. وعد من رواية الأكابر، عن

[204]

الأصاغر رواية الصحابي عن التابعي، ومنه أيضا رواية الآباء عن الأبناء، والأكثر الاغلب عكسه أعني رواية الأبناء عن الآباء والأصاغر عن الأكابر، وإن اشترك اثنان في التحمل عن شيخ وتقدم موت أحدهما على الآخر فهو النوع المسمى بالسابق واللاحق. ثم الرواة إن اتفقت أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعدا واختلفت أشخاصهم فهو النوع الذي يقال له المتفق والمفترق، وإن اتفقت الأسماء خطا واختلفت نطقا، سواء كان مرجع الاختلاف إلى النطق أو الشكل فهو النوع الذي يقال له: المؤتلف والمختلف وإن اتفقت الأسماء خطا ونطقا، واختلفت الآباء نطقا، واختلفت الآباء نطقا مع ائتلافها خطا أو بالعكس، كأن تختلف الأسماء نطقا وتأتلف خطا وتأتلف الآباء خطا ونطقا فهو النوع الذي يقال له: المتشابه، وقد تقدم الكلام في هذه الأنواع في المقام الأول من الفصل الخامس. المطلب الثالث: أن من المهم في هذا الباب معرفة امور غير ما مر: فمنها: معرفة طبقات الرواة، وفائدتها الأمن من تداخل المشتبهين وإمكان الاطلاع على تدليس المدلسين والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة. والطبقة في الاصطلاح عبارة عن جماعة مشتركين في السن ولقاء المشايخ. ومنها: معرفة مواليد الرواة وقدومهم للبلدة الفلانية ووفياتهم، فإن بمعرفتها يحصل الأمن من دعوى المدعي لقاء المروي عنه، والحال أنه كاذب في دعواه، وأمره في اللقاء ليس كذلك. وكم تبين بواسطة معرفة ذلك كذب أخبار شائعة بين أهل العلم فضلا عن غيرهم حتى كادت أن تبلغ مرتبة الاستفاضة، ومن هنا تداولوا ذكر مواليد الأئمة عليهم السلام ووفياتهم في أوائل كتب الرجال ليتبين من أدرك الإمام الفلاني عليه السلام من الرواة ومن لم يدركه. ومنها: معرفة الموالي منهم من أعلى ومن أسفل بالرق أو بالحلف أو بالإسلام. وفائدة ذلك تميز الرجال، والمدار في معرفة ذلك على نص أهل المعرفة بذلك، وفي كتب الرجال تنبيه على بعضه، وقد تقدم الكلام في تفسير المولى في أول المقام الخامس من الجهة السادسة من الفصل السادس، فراجع وتدبر. ومنها: معرفة الإخوة والأخوات من العلماء والرواة، وفائدة معرفته زيادة

[205]

التوسع في الاطلاع على الرواة وأنسابهم. وقد أفردوه بالتصنيف للاهتمام بشأنه لذلك. فمثال الأخوين - كما في البداية - من الصحابة عبد الله بن مسعود وعتبة بن مسعود أخوان، وزيد بن ثابت ويزيد بن ثابت أخوان، ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام زيد وصعصعة ابنا صوحان. وربعي ومسعود ابنا خراش العبسيان، ومن التابعين عمرو بن شرحبيل أبو ميسرة وأرقم بن شرحبيل أخوان فاضلان من أصحاب ابن مسعود، وآخرون لا يحصى عددهم. ومثال الثلاثة: من الصحابة سهل وعباد وعثمان بنو حنيف. ومن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام سفيان بن يزيد وأخواه عبيد والحرب كلهم أخذ رايته وقتلوا في موقف واحد، وسالم عبيدة وزياد بنو الجعد الأشجعيون، ومن أصحاب الصادق عليه السلام الحسن ومحمد وعلي بنو عطية الدغشي المحاربي، ومحمد وعلي والحسن بنو أبي حمزة الثمالي، وعبد الله وعبد الملك وعريق بنو عطاء بن أبي رياح نجباء، ومن أصحاب الرضا عليه السلام حماد بن عثمان، والحسين وجعفر أخواه وغيرهم وهم كثيرون أيضا. ومثال الأربعة عبيد الله ومحمد وعمران وعبد الأعلى بنو علي بن أبي شعبة الحلبي ثقات فاضلون، وكذلك أبوهم وجدهم، وبسطام أبو الحسين الواسطي وزكريا وزياد وحفص بنو سابور، وكلهم ثقات أيضا، ومحمد وإسماعيل وإسحاق ويعقوب بنو الفضل بن يعقوب بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وكل هؤلاء ثقات من أصحاب الصادق عليه السلام وداود بن فرقد وإخوته يزيد وعبد الرحمن وعبد الحميد بنو فرقد. وعبد الرحيم وعبد الخالق وشهاب ووهب بنو عبد ربه، وكلهم خيار فاضلون. ومحمد وأحمد والحسين وجعفر بنو عبد الله بن جعفر الحميري. ومن غريب الإخوة الأربعة بنو راشد أبي إسماعيل السلمي، ولدوا في بطن واحد وكانوا علماء وهم محمد وعمرو إسماعيل ورابع لم يسموه. ومثال الخمسة سفيان ومحمد وآدم وعمران وإبراهيم بنو عيينة كلهم حدثوا. ومثال الستة من التابعين أولاد سيرين المشهور محمد وأنس ويحيى ومعبد وحفصة وكريمة.

[206]

ومن رواة الصادق عليه السلام محمد وعبد الله وعبيد وحسن وحسين ورومي بنو زرارة بن أعين. ومثال السبعة من الصحابة بنو مقرن المزني وهم النعمان ومعقل وعقيل وسويد وسنان وعبد الرحمن وعبد الله كلهم صحابة مهاجرون. قال جمع منهم ابن عبد البر: إنه لم يشارك أولاد مقرن أحد في هذه المكرمة من كونهم سبعة هاجروا وصحبوا. ومثال الثمانية زرارة وبكير وحمران وعبد الملك وعبد الرحمن ومالك وقعنب وعبد الله بنو أعين من رواة الصادق عليه السلام. ويوجد في بعض الطرق نجم بن أعين فيكونون من أمثله التسعة ولو اضيفت إليهم اختهم ام الأسود صاروا عشرة. ومثال التسعة في الصحابة أولاد الحارث بن قيس السهمي، وهم: بشر، وتميم والحارث، والحجاج، والسائب، وسعيد، وعبد الله ومعمر وأبو قيس، واستشهد منهم سبعة في سبيل الله تعالى وقيل: كانوا عشرة وفيهم ضرار ونعيم. وفي التابعين أولاد أبي بكرة عبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وعبد العزيز ومسلم ورواد ويزيد وعتبة وكبشة. وما زاد على هذا العدد نادر. فلذا وقف عليه الأكثر، وذكر بعضهم عشرة وهم أولاد العباس بن عبد المطلب وهم الفضل وعبد الله وعبيد الله وعبد الرحمن وقثم ومعبد وعون والحارث وكثير وتمام - وكان أصغرهم - وكان العباس يحمله ويقول: تموا بتمام فصاروا عشرة * يا رب فاجعلهم كراما بررة واجعل لهم خيرا وأنم الثمرة وكان له ثلاث بنات: ام كلثوم وام حبيب وآمنة أو اميمة، وزاد بعضهم رابعة وهي ام تميم، ومن هنا عدهم بعضهم من مثال الأربعة عشر ومنها: معرفة أوطانهم وبلدانهم. فإن ذلك ربما يميز بين الاسمين المتفقين في اللفظ وأيضا ربما يستدل بذكر وطن الشيخ أو ذكر مكان السماع على الإرسال بين الراويين إذا لم يعرف لهما اجتماع عند من لا يكتفي بالمعاصرة. وقد كانت العرب تنسب إلى القبائل وإنما حدث لهم الانتساب إلى البلاد والأوطان لما توطنوا فسكنوا القرى والمدائن فضاعت الأنساب ولم يبق لها

[207]

سوى الانتساب إلى البلدان والقرى فانتسبوا إليها كالعجم فاحتاجوا إلى ذكرها. فالساكن ببلد وإن قل ينسب إليه، وقيل: يشترط سكناه أربع سنين بعد أن كان قد سكن بلدا آخر، وحينئذ ينسب إلى أيهما شاء أو ينسب إليهما معا مقدما للأول من البلدين، ويحسن عند ذلك ترتيب البلد الثاني بثم فيقول: مثلا البغدادي ثم الدمشقي. والساكن بقرية بلد بناحية إقليم ينسب إلى أيها شاء من القرية والبلد والناحية والإقليم. فمن هو من أهل جبع مثلا، له أن يقول في نسبته: الجبعي أو الصيداوي أو الشامي، ولو أراد الجمع بينها فليبدء بالأعم فيقول: الشامي الصيداوي الجبعي ليحصل بالتالي فائدة لم تكن لازمة في المقدم، وكذا يبدء في النسبة إلى القبائل بالأعم فيقال: القرشي الهاشمي، إذلو عكس لم يبق للثاني فائدة. ومنها: معرفت من ذكر بأسماء أو صفات مختلفة من كنى أو ألقاب أو أنساب، إما من جماعة من الرواة عنه يعرفه كل واحد بغير ما عرفه الآخر، أو من راو واحد عنه يعرفه مرة بهذا ومرة بذاك، فيلتبس على ما لا معرفة عنده بل على كثير من أهل المعرفة والحفظ. وهو فن عريض تمس الحاجة إليه لمعرفة التدليس، وأمثلته كثيرة لا تخفى على من لاحظ باب الأسماء والألقاب والكنى من كتب الرجال، فتراهم يتعرضون لترجمة الرجل تارة في الأسماء واخرى في الكنى وثالثة في الألقاب، وكفاك في ذلك مثالا: سالم الذي يروي عن أبي سعيد الخدري، فإنه يعبر عنه تارة بأبي عبد الله المدني، واخرى بسالم مولى مالك بن أوس بن الحدثان النضري، وثالثة بسالم مولى شداد بن الهاد النضري، ورابعة بسالم مولى المهري، وخامسة بسالم سبلان، وسادسة بسالم أبي عبد الله الأوسي، وسابعة بسالم مولى دوس، وثامنة بأبي عبد الله مولى شداد والمراد بالكل واحد، فينبغي التفطن والفحص والعناية بذلك حتى لا يذكر الراوي مرة باسمه واخرى بكنيته، فيظنهما من لا معرفة له رجلين. وربما جعل بعضهم ذلك أقساما: أحدها: من سمي بالكنية ولا اسم له غيرها وله كنية اخرى كأبي بكر بن - عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، اسمه أبو بكر وكنيته أبو عبد الرحمن.

[208]

ثانيها: من لا كنية له غير الكنية التي هي اسمه كأبي بلال الأشعري. ثالثها: من عرف بكنيته ولم يعلم أن له إسما أم لا، كأبي اناس الصحابي، وأبي مويهبة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، وأبي الأبيض التابعي. رابعها: من لقب بكنية وله اسم وكنية غيرها كأبي الحسن لأمير المؤمنين عليه السلام لقبه به النبي صلى الله عليه وآله واسمه علي وكنيته أبو تراب. خامسها: من له كنيتان أو أكثر كابن جريج أبي الوليد وأبي خالد سادسها: من اختلف في كنيته دون اسمه كأسامة حيث اختلف في كنيته فقيل أبو زيد، وقيل أبو محمد، وقيل أبو عبد الله، وقيل أبو خارجة. سابعها: من عرفت كنيته واختلف في اسمه كأبي هريرة فإن في اسمه ثلاثين قولا على ما نقل. ثامنها: من اختلف في اسمه وكنيته جميعا كسفينة مولى النبي صلى الله عليه وآله أما كنيته فقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو البختري، وأما اسمه فقيل: عمير، وقيل: صالح، وقيل: مهران، وقيل: بحران، وقيل: رومان، وقيل: قيس، وقيل شنبة - بفتح المعجمة والموحدة بينهما نون ساكنة -، وقيل سنبة - بالمهملة - وقيل: طهمان، وقيل: مروان، وقيل: ذكوان، وقيل: كيسان، وقيل: أيمن، وقيل أحمد، وقيل: رباح، وقيل: مفلح، وقيل: رفعة، وقيل: مبعث، وقيل: عبس، وقيل: عيسى، فهذه اثنان وعشرون قولا. تاسعها: من عرف باسم وكنية ولم يقع خلاف في شئ منهما كعلي وأبي تراب لأمير المؤمنين عليه السلام، وأمثلته في الرواة كثيرة. عاشرها: من اشتهر بكنيته مع العلم باسمه كأبي خديجة حيث اشتهر بذلك واسمه سالم بن مكرم، ونظائره كثيرة. ومنها: معرفة كنى المعروفين بالأسماء حتى أنه إذا وجد التعبير عنه بكنيته لا يزعم كون غير صاحب الاسم، ولذا تصدوا في كتب الرجال لذكر الكنى أيضا في تراجم الأسماء وكذا الحال في معرفة الألقاب. ومنها: معرفة الوحدان وهو من لم يرو عنه إلا واحد، وفائدة معرفته عدم قبول

[209]

رواية غير ذلك الواحد عنه، ومثال ذلك في الصحابة وهب بن خنبش - بفتح المعجمة والموحدة بينهما نون ساكنة - الطائي الكوفي، وعروة بن مضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري، ومحمد بن صيفي الأنصاري صحابيون لم يرو عنهم غيره الشعبي. وفي التابعين أبو العشراء الدارمي لم يرو عنه غير حماد بن سلمة، وتفرد الزهري على ما قيل عن نيف وعشرين من التابعين لم يرو عنهم غيره منهم. ومنها: معرفة ضبط المفردات من الأسماء والألقاب والكنى، وهو فن حسن لازم المراعاة حتى لا يشتبه شخص بآخر، وقد أفردوا ذلك بالتصنيف، وصنف فيه آية الله العلامة - رحمه الله - إيضاح الاشتباه ويوجد في تراجم جملة من الرواة في كتب الرجال. (1). ومنها: معرفة المنسوبين إلى غير آبائهم، وفائدتها دفع توهم التعدد عند نسبتهم إلى آبائهم، وأمثلته كثيرة. فممن نسب إلى امه محمد بن الحنفية أبوه أمير المؤمنين عليه السلام واسم امه خولة من بني حنفية. وممن نسب إلى جدته العليا، بشير بن الخصاصية - بتخفيف الياء - صحابي مشهور نسب إلى أم الثالث من أجداده على ما قيل (2). وممن نسب إلى جده أبو عبيدة بن الجراح، هو عامر بن عبد الله بن الجراح. وممن نسب إلى أجنبي لسبب المقداد بن عمرو بن ثعلبة الكندي يقال له: ابن الأسود لأنه كان في حجر الأسود بن عبد يغوث، فنسب إليه. ومنها: معرفة النسبة التي على خلاف ظاهرها، فإنه قد ينسب الراوي إلى نسبة من مكان أو وقعة به أو قبيلة أو ضيعة وليس الظاهر الذي يسبق إلى الفهم من تلك النسبة مرادا، بل لعارض عرض من نزوله ذلك المكان أو تلك القبيلة، ونحو ذلك. فمن ذلك أبو مسعود عقبة بن عمرو الأنصاري الخزرجي البدري، حيث نسب إلى بدر ولم يشهدها لنزوله بها، وسليمان بن طرخان التيمي أبو المعتمر نزل في بني تيم، وليس منهم إلى غير ذلك (3).


(1) وتوضيح الاشتباه والاشكال لمحمد على الساروى والمشتبة لابن قايماز الذهبي. (2) قالوا: هو بشير بن معبد، أو ابن زيد بن معبد الدوسى المعروف بابن الخصاصية. (3) أو البلاذري حيث نسب الى البلاذر وهو دواء يعالج به فأفرط فمات والنسبة كانت بعد موته، وسنشير إلى جملة من الأنساب التي ليس ظاهرها مرادا، إن شا ء الله تعالى.

[210]

* * * خاتمة: ينبغي الإشارة إلى من صنف في أحوال الرجال وعلم الدراية والحديث، ونحيل الكلام في تراجمهم مشروحا إلى علم الرجال لئلا يخرج عن وضع الكتاب بل نجمل الكلام أجمالا لأن الغرض من ذلك اطلاق المبتدي على مشايخ الفن حتى إذا أراد العثور على كتب الفن يطلع عليها ويتطلبها، ونتطفل بالإشارة إلى من كان من علمائنا ذاخبرة في هذه العلوم، وإن لم يصنف فيها منبها على مصنف من صنف منهم [على ترتيب الحروف إجمالا]. فنقول: 1 - الحاج الميرزا إبراهيم الخوئي الشهيد - قدس الله روحه ونور ضريحه - كان عالما عاملا ورعا متمولا، يصرف منافع أمواله الخطيرة في الخيرات الجليلة. وكان من تلامذة المحقق الأنصاري (قدس سره) وكان معتمدا عنده، له كتاب في الرجال سماه تلخيص المقال في أحوال الرجال، مات شهيدا بغير ذنب ببندقة الظلمة في سنة اغتشاش بلاد ايران في النصف الثاني من العشر الثالث بعد الثلاثمائة والألف. 2 - أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري، كنيته أولا أبو الحسن أو أبو الحسين وفي كتب الرجال ابن الغضائري وهو الذي يراد به عند الإطلاق. 3 - أحمد بن علي بن أحمد بن العباس النجاشي. 4 - أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة، كان على ما في الفهرست والنجاشي زيديا جاروديا، على ذلك مات، وفي الأول أمره في الثقة والجلالة وعظم الحفظ أشهر من أن يذكر. 5 - أحمد بن محمد بن عمران بن موسى أبو الحسن المعروف بابن الجندي، عن ميزان الإعتدال: إنه شيعي. وقال النجاشي: كان استاذنا ألحقنا بالشيوخ في زمانه. وفي التعليقة: إن النجاشي ينقل عن كثيرا معتمدا عليه. 6 - أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن محمد بن طاووس العلوي الحسيني المشتهر بابن طاووس، ووثاقته وعدالته وزهادته أشهر من أن توصف. وعن ابن داود بعد بيان أحواله وجملة من كتبه: " وله غير ذلك تمام اثنين وثمانين مجلدا من أحسن التصانيف وأحقها، حقق الرجال والرواية تحقيقا لا مزيد عليه ". وفي

[211]

منتهى المقال في ترجمته وترجمة صاحب المعالم إن اسم كتابه في الرجال: حل الإشكال في معرفة الرجال، وهو الذي حرره صاحب المعالم وسماه بالتحرير الطاووسي. 7 - أحمد بن محمد بن نوح المكنى بأبي العباس الملقب بالسيرافي. ففي الفهرست: له تصانيف منها كتاب الرجال الذين رووا عن أبي عبد الله عليه السلام. وهو غير المتقدم آنفا، ولعلهما ابنا عم وأن محمدا وعليا أخوان ولكل منهما ابن عالم بالرجال اسمه أحمد. وابن علي كان نزيل البصرة وكان ثقة بصيرا بالرواة، له كتاب المصابيح في ذكر من روى عن الأئمة عليهم السلام، وابن محمد مسكوتا عن وثاقته له كتاب الرجال الذين رووا عن الصادق عليه السلام بالخصوص. 8 - أحمد بن محمد مهدي النراقي الكاشاني. له كتب منها العوائد في القواعد، وتصدى في العائدة الأخيرة من العوائد لضبط جملة من أسماء الرجال وألقابهم وكناهم وأسماء بلادهم. 9 - الحسن بن زين الدين بن علي بن أحمد العاملي ابن الشهيد الثاني - رحمه لله - له كتب منها التحرير الطاووسي في الرجال كما مرت إليه الإشارة. 10 - الحسن بن علي بن داود المشتهر الآن بابن داود، وهو كما عن إجازة الشهيد الثاني - رحمه الله - الشيخ حسين والد البهائي: صاحب التصانيف الغزيرة والتصنيفات الكثيرة التي من جملتها كتاب الرجال سلك فيه مسلكا لم يسبقه أحد من الأصحاب. 11 - الحسن بن علي بن فضال، وهو كما عن الفهرست والخلاصة وعن النجاشي أن له كتبا منها كتاب الرجال، عنه أحمد بن محمد بن عيسى. 12 - الحسن بن محمد بن الحسن الطوسي هو ابن الشيخ الطوسي المعروف، وقد حكي عن أول المجلسيين أنه قال في حقه: إنه كان ثقة فقيها عارفا بالأخبار والرجال. 13 - الحسن بن يوسف بن علي بن مطهر الحلي. له كتاب الخلاصة وإيضاح الاشتباه وكشف المقال كل الثلاثة في الرجال.

[212]

14 - السيد الجليل والفقيه النبيل السيد حسين بن السيد رضا بن بحر العلوم، له أرجوزة لطيفة في أسماء الرجال. 15 - زين الدين بن علي بن أحمد المشتهر بالشهيد الثاني - رحمه الله - حاله في العلم والثقة والجلالة أشهر من أن يبين، وله مصنفات في الفقه والأصول والدراية وآداب التعلم وغيرها، ومن جملتها في الرجال حواشيه على الخلاصة. وفي الحديث كتاب غنية القاصدين في معرفة اصطلاحات المحدثين، وبداية الدراية وشرحها. وعندي من الأخير نسخة مصححة. 16 - الشيخ سليمان بن عبد الله البحراني الماحوزي. وهو كما في الفائدة الرابعة من التعليقة " المحقق المدقق الفقيه النبيه، نادر العصر والزمان - إلى أن قال: - كان جامعا لجميع العلوم، علامة في جميع الفنون، حسن التقرير، عجيب التحرير - إلى أن قال: وكان أعظم علومه الحديث والرجال والتواريخ " وقد عد من كتبه في اللؤلؤة كتاب معراج الكمال إلى معرفة الرجال في شرح فهرست الشيخ - رحمه الله - إلا أنه لم يتم وإنما خرج منه من باب الهمزة وباب الباء، التاء المثناة، ورسالة البلغة على حذو رسالة الوجيزة. 17 - عبد العزيز بن إسحاق بن جعفر الزيدي البقال الكوفي، ففي الخلاصة وغيرها أنه كان زيديا يكنى أبا القاسم، سمع من التلعكبري سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وعن الفهرست ورجال ابن شهر آشوب أن له كتابا في طبقات الشيعة. 18 - ومنهم عبد الكريم بن أحمد بن موسى بن جعفر بن محمد بن أحمد بن - محمد بن أحمد بن محمد بن طاووس العلوي الحسيني، عن الرجال ابن داود: " إنه سيدنا الإمام المعظم غياث الدين، الفقيه النسابة النحوي العروضي الزاهد العابد أبو المظفر - قدس الله روحه - انتهت رئاسة السادات وذوي النواميس إليه وكان أو حد زمانه حائري المولد حلي المنشأ، بغدادي التحصيل، كاظمي الخاتمة، ولد في شعبان سنة ثمان وأربعين وستمائة. وتوفي في شوال سنة ثلاث وتسعين وستمائة. وكان عمره خمسا وأربعين سنة وشهرين وأياما، كنت قرينة طفلين إلى أن توفي - قدس سره - ما رأيت قبله ولا بعده كخلقه وجميل قاعدته وحلو معاشرته ثانيا، ولا لذكائه وقوة حفظه مماثلا، ما دخل ذهنه شئ وكاد ينساه. حفظ القرآن في مدة يسيرة وله إحدي عشر سنة.

[213]

استقل بالكتابة واستغنى عن المعلم في أربعين يوما وعمره إذ ذاك أربع سنين، ولا تحصى فضائله. له كتب منها الشمل المنظوم في مصنفي العلوم ما لأصحابنا مثله. ومنها كتاب فرحة الغري. 19 - الشيخ عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن أبي جامع الشامي العاملي - رحمه الله - له كتاب مختصر نفيس في الرجال. وشرح حاله يطلب من أمل الآمل. 20 - الشيخ عبد النبي الجزائري من أساتيد الفن. له كتاب حاوي الأقوال في الرجال، كتاب معتبر معتمد ينقل عنه الشيخ أبو علي في المنتهى كثيرا، ولا ينقم منه إلا نهاية اهتمامه في تضعيف البرئاء كابن الغضائري في القدماء (1). 21 - الشيخ عبد النبي الكاظمي تلميذ العلامة الوحيد الشيخ أسد الله التستري الكاظمي له تعليقه على نقد الرجال سماها بتكملة الرجال فرغ منه منتصف ربيع الثاني سنة 1240. 22 - الميرزا عبد الله [المعروف بالأفندي] لم نقف على أحواله إلا أن في منتهى المقال في ترجمة علي بن الحسين بن علي المسعودي حكى عن كتابه المسمى برياض العلماء وعن حاشية منتهى المقال أنه سماه وذكر أنه من تلامذة العلامة المجلسي - رحمه الله - وعن ولد استاذه العلامة أنه ذكر في هذا الكتاب أحوال علمائنا من زمن الغيبة الصغرى إلى زمانه وهو سنة تسعة عشرة بعد ألف ومائة. 23 - عبد الله بن جبلة بن حيان بن أبجر الكناني. قال النجاشي إنه عربي صليب ثقة وإنه كان واقفا فقيها ثقة مشهورا، له كتب منها كتاب الرجال.


(1) فائدة: كثيرا ما تجد مطلبا واحدا في الحاوي وحواشي المحقق الشيخ محمد نجل الشهيد الثاني - رحمه الله - على المنهج من دون تغيير للعبارة على نحو يقطع الناظر بأخذ أحدهما من الآخر. وزعم بعض الفضلاء أخذ الفاضل الجزائري ذلك من الشيخ محمد وهو ناش من عدم التعمق في تاريخهما فإن الشيخ محمد بن تلامذة الميرزا صاحب المنهج كما عبر في حواشيه كثيرا عنه بالأستاذ بل نفس تعليقه على المنهج يكشف عن تأخره عنه ولو رتبة. والميرزا من علماء ما بعد الألف لأن تاريخ ختم المنهج سنة ألف وست وثمانين والجزائري زمانه قبل ذلك فقد فرغ من كتاب المبسوط في الإمامة سنة ألف وثلاث عشرة ولأنه من تلامذة الشيخ علي بن عبد العالي الكركي استاذ الشهيد الثاني - رحمه الله - الذي هو جد الشيخ محمد المذكور. فظهر أن الشيخ محمد متلق من الفاضل الجزائري دون العكس منه (ره).

[214]

توفي سنة تسع عشرة ومائتين. 24 - المولى عبد الله بن الحسين التستري استاذ السيد مصطفى التفرشي. قال في نقد الرجال: إن أكثر فوائد هذا الكتاب منه. 25 - علي بن أحمد العلوي المشتهر بالعقيقي، قال في منتهى المقال: إنه من أجلة. علماء الامامية وأعاظم الفقهاء الاثنى عشرية. وقد عدلة فيه كتبا منها كتاب الرجال وقال: إنه قد أكثر العلامة - رحمه الله - في خلاصة من النقل عن كتابه الرجال. وعد قوله في جملة أقوال العلماء الأبدال، وكثيرا ما يدرج الرجال في المقبولين بمجرد مدحه وقبوله تبعا له. 26 - علي بن الحسن بن علي بن فضال، كان فقيه أصحابنا بالكوفة ووجههم وثقتهم والمقبول قوله في الرجال. 27 - علي بن الحسين الخاقاني له تعليقه على فوائد الوحيد - قدس سره - وكان من علماء العراق، وخاقان قبيلة بها. 28 - الحاج مولى علي بن الحاج ميرزا خليل، كان استاذا في الرجال قد حضر درس فقهه ورجاله والدي - قدس سرهما - توفي 1297 بالعراق. 29 - الشيخ الجليل الحاج مولى علي الكني له توضيح المقال في علم الرجال، ولد 1220 وتوفي 1306 بطهران ودفن في جواز عبد العظيم بن عبد الله الحسني قبره مشهور مزار. 30 - علي بن عبيد الله بن الحسن بن الحسين بن بابويه القمي، منتجب - الدين له كتاب الفهرست في ذكر المشايخ المعاصرين للشيخ الطوسي ومن تأخر - عنه إلى زمانه - رحمهم الله -. 31 - علي بن محمد بن قتيبة النيشابوري تلميذ الفضل بن شاذان. 32 - عمر بن محمد بن سليم المكنى بأبي بكر الجعابي العارف بالرجال. 33 - مولى عناية الله القهبائي صاحب مجمع الرجال تلميذ شيخنا البهائي - قدس سرهما -. 34 - فخر الدين محمد الطريحي صاحب مجمع البحرين له جامع المقال

[215]

فيما يتعلق بعلم الرجال فرغ منه في سابع ج 2 سنة 1053. 35 - الشيخ الجليل فضل بن شاذان النيشابوري صاحب الرضا عليه السلام 36 - السيد محسن الأعرجي البغدادي المعروف وكان من الأجلة. 37 - الحاج محمد الأردبيلي صاحب جامع الرواة. 38 - محمد بن أحمد بن داود بن علي شيخ القميين في وقته، له كتاب الممدوحين والمذمومين كما قاله الشيخ في الفهرست. 39 - الشيخ الجليل المولى محسن بن خنفر من معاصري صاحب الجواهر. 40 - محمد بن إسحاق ابن النديم المعروف صاحب الفهرست. 41 - أبو علي محمد بن إسماعيل صاحب منتهى المقال في علم الرجال. 42 - المولى محمد أمين الكاظمي صاحب تمييز المشتركات. 43 - السيد محمد باقر المعروف بمير داماد له كتاب الرواشح. 44 - المحقق محمد باقر السبزواري له مطالب في الرجال كما يظهر من كلمات الوحيد - رحمه الله -. 45 - محمد بن أحمد بن نعيم أبو عبد الله الشاذاني النيشابوري الذي اعتمد على كتابه الكشي. 46 - محمد أشرف ابن عبد الحسيب المتوفي 1145 شرح مشيخة التهذيب. 47 - العلامة المجلسي له كتاب الوجيزة. 48 - السيد محمد باقر الجيلاني الملقب بحجة الاسلام له رسائل من أحوالات جملة من الرجال. 49 - مولى محمد تقي المجلسي - رحمه الله - له شرح مشيخة الفقيه والحواشي على نقد الرجال للتفرشي. 50 - الحاج الشيخ محمد طه له رجال معروف مطبوع. 51 - المولى محمد جعفر الاستر ابادي له رجال سماه لب اللباب في علم الدراية والرجال. 52 - محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد أبو جعفر القمي استاذ الصدوق

[216]

ابن بابويه - رحمهما الله. 53 - محمد بن الحسن بن زين الدين، له حاشية على رجال الميرزا محمد. 54 - محمد بن الحسن بن الحر العاملي صاحب الوسائل، ففي خاتمة الكتاب رسالة في الرجال، وله أمل الآمل في علماء جبل عامل. 55 - محمد بن الحسن بن علي الشيخ الطوسي - رحمه الله - فله الفهرست والرجال ومختار رجال الكشي. 56 - محمد بن الحسن بن علي أبو عبد الله المحاربي، وعن النجاشي والخلاصة أنه جليل خبير بامور أصحابنا، عالم بمواطن أنسالهم وله كتاب الرجال. 57 - محمد بن الحسين بن عبد الصمد العاملي الشهير بالشيخ البهائي له كتاب الدراية جعلها كالمقدمة لكتابه " الحبل المتين ". 58 - محمد بن خالد البرقي أبو عبد الله والد احمد صاحب المحاسن. 59 - محمد بن علي الأستر ابادي المعروف بميرزا محمد له كتاب الرجال الكبير والرجال الوسيط والرجال الصغير. 60 - محمد بن علي بن الحسين ابن بابويه القمي الذي قال الشيخ في الفهرست كان بصيرا بالفقه والأخبار والرجال. 61 - محمد بن علي ابن شهر آشوب له كتب منها معالم العلماء في الرجال. 62 - الآغا محمد علي بن محمد باقر بن الوحيد البهبهاني له تعليقة على رجال الأستر ابادي. 63 - المولى محمد علي بن مولى محمد رضا الساروي المازنداراني - قدس سره - له كتاب توضيح الاشتباه. 64 - محمد بن عمر بن عبد العزيز الكشي المشهور صاحب كتاب المعروف في الرجال. 65 - محمد بن مسعود العياشي السمرقندي. 66 - الشيخ الأجل محمد بن محمد بن نعمان المشهور بالشيخ المفيد. 67 - السيد مهدي بحر العلوم صاحب المقامات والكرامات، له الفوائد

[217]

الرجالية. 68 - السيد مصطفى التفرشي الذي صنف في الرجال كتابا سماه نقد الرجال ودقق فيه، وميز التام عن الناقص وبين المغشوش عن الخالص. 69 - نصر بن الصباح يكنى أبا القاسم من أهل بلخ روى عنه العياشي. وفي مذهبه متهم بالغلو، له كتاب معرفة الناقلين، كتاب فرق الشيعة، روى عنه الكشي. 70 - السيد يوسف. ولم نقف على أحواله إلا أن في منتهى المقال في ترجمة مسلم بن ابي سارة أن السيد يوسف أحد الجامعين للرجال. 71 - الصالح الجليل الفاضل المحقق المحدث الشيخ يوسف بن أحمد بن - إبراهيم بن أحمد بن صالح بن أحمد بن عصفور الدرازي من قرية الدراز إحدى قرى البحرين. كان عالما فاضلا متبحرا ماهرا متتبعا محدثا ورعا عابدا صدوقا دينا وفضائله مشهورة في الأسنة. هذا ما تيسر لنا من تعداد أرباب التصنيف في الدراية والرجال ومن لم ينص له على مصنف إلا أنهم اكثروا النقل عنه بحيث يكشف عن أن له في ذلك مصنفا. وإن شئت العثور على أزيد من ذلك فراجع مصفى المقال في مصنفي علم الرجال للفاضل التقي النقي الشيخ آغا بزرگ الطهراني فإنه عدهم قرب الخمسمائة. والحمد لله تعالى على أن وفقنا للإتمام والصلاة والسلام على محمد خير الأنام وآله الغر الكرام.

[218]

بسم الله الرحمن الرحيم ذكر بعض بيوتات الشيعة من رواة الأئمة الصادقين عليهم السلام: آل أبي رافع (1) هم أرفع بيوت الشيعة أعلاها شأنا وأقدمها إسلاما وإيمانا عبيد الله علي عون محمد ابراهيم أيوب (2) عبد الرحمن ومنهم إسماعيل بن الحكم الرافعي المعنون في " ست " و " جش "


(1) مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وكان للعباس بن عبد المطلب فوهبه للنبي صلى الله عليه وآله فلما بشر صلى الله عليه وآله باسلام العباس أعتقه، أسلم أبو رافع قديما بمكة وهاجر الهجرتين: مع جعفر بن أبي طالب الى الحبشة ومع النبي صلى الله عليه وآله إلى المدينة. (2) اولاد عبيد الله، ذكروا في رجال الخاصة، واولاد علي ذكروا في كتب العامة ولم آجد روايتهم عن الأئمة المعصومين عليهم السلام في كتب الخاصة.

[219]

آل أبي شعبة الحلبيون (1) هم خير شعبة من شعب الإمامية وأوثق بيت اعتصم بحجزة أهل بيت الوحي علي عمر أحمد (2) عبيد الله، محمد، عمران، عبد الأعلى كلهم من أصحاب الصادق عليه السلام يحيى، هو من أصحاب الصادق والكاظم عليهما السلام (3) آل أعين بن سنسن الشيباني بالولاء هم أكبر بيت في الكوفة من شيعة أهل البيت عليهم السلام وأعظمهم شأنا، وأكثرهم رجالا وحديثا، وكان أعين غلاما روميا اشتراه رجل من بني شيبان من حلب فرباه و تبناه وأحسن تأديبه، فحفظ القرآن وعرف الأدب، وخرج بارعا أديبا ثم أعتقه. حمران، زرارة، بكير، عبد الملك، عبد الرحمن، عبد الأعلى، عبد الجبار، موسى، عيسى


(1) كان أبو شعبة من التابعين وهو كوفى صحب السبطين الحسن والحسين عليهما السلام وكان يتجر هو وابناه (على وعمر) الى حلب فغلب عليهم النسبة إلى حلب، وأصل نسبتهم التيملي بالولاء، نسبة الى تيم الله بن ثعلبة وهى قبيلة مشهورة. (2) احمد بن عمر بن أبي شعبة الحلبي كان من أصحاب الكاظم والرضا عليهما السلام قال النجاشي: هو ثقة روى عن الرضا عليه السلام وعن أبيه عليه السلام من قبل وهو ابن عم عبيد الله وعبد الأعلى وعمران ومحمد الحلبيين، روى ابوهم عن ابى عبد الله عليه السلام وكلهم ثقات، ولأحمد كتاب يرويه عنه جماعة. (3) ثقة ثقة، صحيح الحديث له كتاب روى عنه ابن ابى عمير.

[220]

ضريس، سميع، مليك. وعد منهم: مالك وقعنب وكانا يذهبان مذهب العامة. وهؤلاء ليس لبعضهم عقب ولا رواية من طريقنا فلنذكر من له رواية في كتب أصحابنا على الترتيب: بنو حمران هم: حمزة، عقبة، محمد. بنو زرارة هم: الحسن، الحسين، يحيى، رومي، عبد الله، عبيد، عبيد الله (قيل هو عبيد المعروف)، محمد. بنو بكير، هم: الجهم، عبد الله، عبد الحميد، عبد الأعلى، عمر، زيد. (ذكر هم الشيخ عند ذكر أبيهم) بنو عبد الملك هم: محمد، علي، ضريس، يونس، غسان. وذكر والعبد الرحمن ولدا يسمى حمران، ولمالك بن أعين ولدا يسمى غسان، ولقعنب ولدا يسمى جعفرا، ولم أجد لحمران بن عبد الرحمن ذكرا في كتب الرجال. وذكر ابن النديم آل أعين في الفهرست في الفن الخامس من المقالة السادسة في أخبار العلماء وأسماء ما صنفوه من الكتب (في عنوان آل زرارة بن أعين): " زرارة لقب واسمه " عبد ربه " أخوه حمران بن أعين، وكان نحويا وابنه حمزة بن حمران، ومحمد بن حمران، وبكير بن أعين وابنه عبد الله بن بكير، وعبد الرحمن بن أعين، وعبد الملك بن أعين وابنه ضريس بن عبد الملك من أصحاب أبي جعفر محمد بن علي عليهما السلام، وقال: يكنى بكير: أبا الجهم، وزرارة أبا علي، وزرارة أكبر رجال الشيعة فقها وحديثا ومعرفة بالكلام والتشيع ومن ولده الحسن بن زرارة والحسن بن زرارة من أصحاب جعفر بن محمد، روى عن زرارة عبيد بن زرارة وكان أحول ". ولجهم بن بكير ولدان: الحسن والحسين. وأولاد الحسن هم سليمان ومحمد والحسين، ولسليمان بن الحسن بن الجهم أولاد أسماؤهم أحمد ومحمد وعلي والحسن والحسين، وجعفر ولم أعثر على غير ولدي الجهم في الرجال - اه‍.

[221]

آل أبي الجهم القابوسي اللخمي (1) سعيد بن أبي الجهم وهم بيت كبير جليل في الشيعة، كوفيون المنذر الحسين محمد المنذر ومنهم نصر بن قابوس القابوسي الراوي عن الصادق والكاظم عليهما السلام بل عن الرضا عليه السلام وكان ذا منزلة عندهم خيرا فاضلا وتوكل للصادق عليه السلام. آل أبي الجعد رافع الغطفاني الأشجعي مولاهم كوفيون، وأبي الجعد مخضرم، وقيل: له صحبة. وأبناؤه: سالم، وعبيد، و زياد. ذكرهم الشيخ في أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام، والبرقي في رجاله من خواصه. آل أبي صفية واسمه دينار أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، وأبناؤه: محمد وعلي والحسين - ثقات - جميعا. وله أولاد قتلوا مع زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام، وأسماؤهم: نوح، ومنصور، وحمزة. ذكر هم الشيخ والنجاشي


(1) اللخمى بفتح اللام وسكون الخاء نسبة إلى لخم ولخم وجذام قبيلتان من اليمن، ينسب إلى لخم خلق كثير، والقابوسي نسبة إلى قابوس بن النعمان بن المنذر بالحيرة.

[222]

آل نعيم الأزدي الغامدي (1) بيت جليل بطن من الأزد بالكوفة عبد الرحمن بن نعيم (2) محمد، عبد السلام، شديد، غنيمة بكر (3) موسى (4) آل أبي سارة هم الحسن بن أبي صارة، وأخوه مسلم، وابنه محمد بن الحسن، وابنا أخيه عمرو بن مسلم، ومعاذ بن مسلم الهراء وقد يقال له الفراء، وابنه الحسين بن معاذ. وهم أهل بيت فضل وأدب في الشيعة، وقال ابن خلكان: " أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء النحوي، قرأ عليه الكسائي، وروى عنه وحكيت عنه في القراءات حكايات كثيرة وصنف في النحو كثيرا وقال كان يتشيع ". ذكرهم الشيخ والنجاشي


(1) وهو نعيم بن زهير بن شهر بن زريق بن عامر بن ذهل بن التوأم بن بكر. (2) عنونه ابن أبى حاتم في الجرح والتعديل ج 5 ص 293، وابن حزم أيضا في الجمهرة وقال: والي خراسان. (3) قال النجاشي: " هو بكر بن محمد بن عبد الرحمن بن نعيم أبو محمد الازدي الغامدي، وجه هذه الطائفة من بيت جليل بالكوفة من آل نعيم الغامديين عمومته شديد وعبد السلام وابن عمه موسى بن عبد السلام وهم كثيرون وعمته أيضا روت عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. (4) روى الكشى باسناده عن زيد الشحام قال: " إني لأطوف حول الكعبة وكفي في كف أبي عبد الله عليه السلام فقال - ودموعه تجري على خديه - فقال: يا شحام أما رأيت ما صنع ربي إلي، ثم بكى ودعا، قال: يا شحام إني طلبت إلى الهي في شديد وعبد السلام بن عبد الرحمن - وكانا في السجن - فوهبهما لي وخلى سبيلهما ".

[223]

آل أبي أراكة ميمون الكندي مولاهم من بيوت الشيعة وممن روى عن الأئمة عليهم السلام وفيهم ثقات. كان ابنا ميمون الكندي بشير النبال شجرة إسحاق علي الحسن ذكرهم النجاشي آل حيان التغلبي مولى بني تغلب بيت كبير في الشيعة، كوفيون صيارفة معروفون بهذه الصنعة، وبالنسبة إلى تغلب. عمار بن حيان الصير في التغلبي قيس إسحاق يونس يوسف إسماعيل محمد ويعقوب بشير وعلي محمد عبد الرحمن علي وأبوهم عمار بن حيان من أصحاب الحديث روى عن الصادق عليه السلام، وهو غير عمار الساباطي. ذكرهم الشيخ والنجاشي. أقول: هذا آخر ما لخصناه من كتاب مقباس الهداية في علم الدراية، فلله الحمد على ما هدانا وله الشكر على ما أولانا.

[224]

رأينا أن نلحق بالكتاب ثلاث مقالات: الاولى في تاريخ تدوين الحديث وكتابته. والثانية في فقه الحديث ودرايته ولزوم الدقة والتأمل في ألفاظ المتن وغريب اللغة والاصطلاح وإيراد أمثلة لذلك والتفقه في الكلام والتدرب اللازم له. والثالثة في ذكر بعض ما يجب على الباحث أن يطلع عليه من الألقاب والأنساب في الأسانيد لئلا يشتبه عليه، ومن الله التوفيق وعلى التكلان.

[225]

تاريخ تدوين الحديث وكتابته بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والسلام على عباده الذين اصطفى قد كان علماء الصحابة ومن بعدهم من التابعين والخالفين من الخاصة والعامة ورواة أخبار النبي والأئمة صلوات الله عليهم - ولا يزالون - يتوارثون العناية برواية الحديث وحمله، وكتابته، وجمعه، وترتيبه، وتدوينه، ونقده وفنون درايته، وتحقيق تواريخ وطبقات رجاله، وتعديل رواته. ومما يدل على عنايتهم بذلك ما رواه محمد بن جرير بن رستم الطبري في أول كتاب دلائل الإمامة قال: " جاء رجل إلى فاطمة عليها السلام فقال: يا ابنة رسول الله هل ترك رسول الله - عندك - شيئا تطرفينيه ؟ فقالت: يا جارية، هات تلك الحريرة، فطلبتها فلم تجدها، فقالت [فاطمة]: ويحك اطلبيها فإنها تعدل عندي حسنا وحسينا، فطلبتها، فإذا هي قد قممتها في قمامتها، فإذا فيها: قال محمد النبي صلى الله عليه وآله: ليس من المؤمنين من لم يأمن جاره بوائقه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره - إلى آخر الحديث ". وفي الأخبار ما يفيد اهتمام الأصحاب بحمل الحديث، والرحلة في طلبه من أصحابه، وتفضيله والحث عليه. ومنها ما في مختصر جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر الأندلسي في باب ذكر الرحلة في طلب العلم " عن جابر بن عبد الله - رحمه الله - قال: بلغني حديث عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فابتعت بعيرا فشددت عليه رحلي، ثم سرت إليه شهرا حتى قدمت الشام، فإذا عبد الله بن أنيس الأنصاري (1)، فأتيت منزله، وأرسلت إليه أن جابرا على الباب، فرجع إلي الرسول، فقال: جابر بن عبد الله ؟ فقلت: نعم، فخرج إلي فاعتنقته واعتنقني، قال: قلت: حديث بلغني عنك أنك سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في المظالم لم أسمعه


1 - هو الجهنى الصحابي الجليل. شهد العقبة. وغزوة أحد وتوفي سنة 54.

[226]

أنا منه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: يحشر الله تبارك وتعالى العباد يوم القيامة - الخبر ". و " عن عطاء أن أبا أيوب رحل إلى عقبة بن عامر، فلما قدم مصر أخبروا عقبة، فخرج إليه، قال: حديث سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لم يبق أحد سمعه غيرك ؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، يقول: من ستر مؤمنا على خزية، ستر الله عليه يوم القيام، قال: فأتى أبو أيوب راحلته فركبها و انصرف إلى المدينة، وما حل رحله ". وروى البرقي في " المحاسن " عن الباقر عليه السلام قال: " يا جابر والله لحديث تصيبه من صادق خير من الدينا وما فيها من ذهب أو فضة ". وفي مهج السيد ابن طاووس - رحمه الله - كان جماعة من خواص موسى بن جعفر عليهما السلام من أهل بيته وشيعته في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف، بحضرون عنده يكتبون فيها ما أفتى ونطق به - سلام الله عليه - ". وفي الكافي مسندا " عن عبيد بن زرارة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها " - يعني في زمان الغيبة -. وفيه " عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: اكتبوا، فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا ". و " عن الحسين الأحمسي، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: القلب يتكل على الكتابة ". وفيه " عن عبد الله بن سنان قال: قلت لأبي عبد الله: يجيئني القوم فيستمعون مني حديثكم، فأضجر ولا أقوى، قال: فاقرأ عليهم من أوله حديثا، ومن وسطه حديثا ومن آخره حديثا " يدل بمفهومه على قراءته عليهم من كتابه وكذلك ما رواه " عن أحمد بن عمر الحلال قال: قلت لأبي الحسن الرضا عليه السلام: الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول: اروه عني، يجوز لي أن أروية عنه ؟ قال: فقال: إذا علمت أن الكتاب له فاروه عنه " هذا كما ترى يدل على كتابتهم الأحاديث وجمعهم لها.

[227]

تدوين الحديث في الإسلام أول كتاب دون في الإسلام الصحيفة الجامعة التي أملاها رسول الله صلى الله عليه وآله وكتبها علي عليه السلام، على ما في الكتب المعول عليها. روى الكشي عن العياشي بإسناده إلى سورة بن كليب قال: " قال لي زيد بن - علي يا سورة كيف علمتم أن صاحبكم - يعني جعفر بن محمد عليهما السلام - على ما تذكرونه ؟ قال: قلت على الخبير سقطت، قال: فقال: هات: فقلت له: كنا نأتي أخاك محمد بن علي عليهما السلام نسأله، فيقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وقال الله جل وعز في كتابه، حتى مضى أخوك فأتيناكم آل محمد صلى الله عليه وآله وأنت في من أتينا، فتخبرونا ببعض ولا تخبرونا بكل الذي نسألكم عنه حتى أتينا ابن أخيك جعفرا، فقال لنا كما قال أبوه: " قال رسول الله صلى الله عليه وآله، وقال تعالى " فتبسم - يعني زيد بن علي - وقال: أما والله إن قلت بذا فإن كتب علي صلوات الله عليه عنده ". وروى النجاشي أحمد بن علي أبو العباس المتوفي 450 " قال: أخبرنا محمد بن - جعفر - وساق الإسناد إلى محمد بن عذافر - قال: كنت مع الحكم بن عتيبة عند أبي جعفر - يعني الباقر عليه السلام: فجعل يسأله وكان أبو جعفر عليه السلام له مكرما، فاختلفا في شئ فقال أبو جعفر عليه السلام: يا بني قم فأخرج كتاب علي عليه السلام، فأخرج كتابا مدروجا عظيما ففتحه وجعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر عليه السلام: هذا خط علي عليه السلام وإملاء رسول الله صلى الله عليه وآله، وأقبل على الحكم وقال: يا أبا محمد اذهب أنت وسلمة

[228]

- ابن كهيل - وأبو المقدام - ثابت بن هرمز - حيث شئتم يمينا وشمالا، فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل عليه السلام ". وجاء ذكر هذه الصحيفة في غير واحد من الكتب المعتبرة المعول عليها، وأن أردت أن تحيط بذلك خبرا فاستمع لما يتلى: البخاري في صحيحه كتاب العلم، وكتاب الديات، وابن ماجة أيضا كتاب الديات بالرقم 2658، والنسائي في سننه، وغيرهم مع اختلاف اللفظ. ففي الصحيح " عن صدقة بن الفضل، عن ابن عيينة، عن مطرف - يعني ابن طريف - قال: سمعت الشعبي - يعني عامر بن شراحيل - قال: سمعت أبا جحيفة - يعني وهب بن عبد الله السوائي - قال: سألت عليا - رضي الله عنه - هل عندكم شئ ما ليس في القرآن - وقال مرة: ما ليس عند الناس - فقال: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عندنا إلا ما في القرآن إلا فهما يعطى رجل في كتابه، وما في الصحيفة، قلت: وما في الصحيفة ؟ قال: العقل - يعني الدية - وفكاك الأسير، وأن لا يقتل مسلم بكافر " كتاب الديات ح 42. وروى نظير الخبر النسائي، وابن ماجة والسائل فيهما قيس بن عباد، ومالك الأشتر، ورواه أحمد بن حنبل في مسنده ج 1 ص 151. واحتج به في حكم عدم قتل المسلم بالكافر جماعة منهم. 1 - عمر بن - عبد العزيز. 2 - عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي امام أهل الشام المتوفى 157. 3 - سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري المتوفي 161. 4 - عبد الله بن شبرمة القاضي البجلي قاضي المنصور العباسي، المتوفي 144. 5 - مالك بن أنس إمام المالكية صاحب الموطأ، قيل: لا يحدث إلا متمكنا على الطهارة، المتوفى 60179. 6 - محمد بن - إدريس الشافعي أحد الأئمة الأربعة لأهل السنة المتوفي ببغداد سنة 241. 7 - أبو محمد اسحاق بن راهويه أحد الفقهاء، الذي سماه أحمد بن حنبل: أمير المؤمنين في الحديث المتوفي 238. 8 - ابراهيم بن خالد بن اليمان الكلبي أبو ثور البغدادي أحد الأئمة المجتهدين المتوفي 240 (شرح العيني على البخاري ج 2 ص 158). رأت هذه الصحيفة الجامعة - على ما في الكتب الأربعة - جماعة منهم:

[229]

1 - الليث بن البختري أبو بصير. 2 - محمد بن مسلم الثقفي، 3 - عبد الملك بن - أعين الشيباني، 4 - زرارة بن أعين، 5 - وهب بن عبد الله السوائي أبو جحيفة، وبالآخرة حارث بن سويد التيمى التابعي المتوفي آخر خلافة ابن الزبير - أي سنة ثلاث وسبعين - فقال: قيل لعلي عليه السلام: إن رسولكم كان يخصكم بشئ دون الناس عامة ؟ قال: ما خصنا صلى الله عليه وآله بشئ لم يخص به الناس إلا بشئ في قراب سيفي هذا، فأخرج صحيفة فيها شئ من اسنان الإبل وفيها " ان المدينة حرم من بين ثور إلى عائر - الخ ". وقيل: رآها ابن عباس بذي قار عند أمير المؤمنين عليه السلام. وجاء ذكرها كتاب بصائر الدرجات لمحمد بن الحسن الصفار ص 144، 145، 162، 165. وفي الكافي: ج 1: ص 57، 239، 240، 241. ج 2: ص 71، 136، 278، 666، ج 3: ص 9. ج 4: ص 268، 340، 390، 534، ج 5: ص 279. ج 6: ص 219، 220، 232، 246، 397. ج 7: ص 40، 81، 93، 113، 119، 136، 176، 200، 214، 218. وفي كتاب من لا يحضره الفقيه: ج 2: ص 338 ج 4: 254، 268، 74، 150، 283 وفي التهذيب: ج 1: ص 227. ج 2. ص 23. ج 3: ص 29. ج 5: 344، 355، 357، ج 6 ص 228. ج 7 ص 152، 432، ج 8 ص 81، 82 ج 9: ص 2، 4، 5، 40، 57، 269، 308، 324، ج 10 ص 55، 90، 146، 251، 254، 277. الثاني: الصحيفة الصادقة لعبد الله بن عمرو بن العاص السهمي المتوفى سنة 65 ففي مسند احمد بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي المتوفى 241 بإسناده عن عبد الله بن عمرو قال: كتبت كل شئ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وآله اريد حفظه، فنهتني قريش فقالوا: انك تكتب كل شئ تسمعه من رسول الله صلى الله عليه وآله ورسول الله صلى الله عليه وآله بشر يتكلم في الغضب والرضا

[230]

فأمسكت عن الكتاب، فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وآله فقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما خرج مني إلا حق. مثله في اسد الغابة ج 2 ص 332 وجامع بيان العلم لابن عبد البر ص 71. وفي اسد الغابة في عنوان عبد الله بن عمرو (1) " عن مجاهد بن جبر المخزومي قال: أتيت عبد الله بن عمرو فتناولت صحيفة تحت مفرشه، فمنعني: قلت: ما كنت تمنعني شيئا ؟ قال: هذه الصادقة فيها ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليس بيني وبينه أحد، إذا سلمت لي هذه، وكتاب الله، والوهط فلا أبالي على ما كانت الدنيا ". (الوهط كرم له من أبيه). الثالث: مصحف فاطمة عليها السلام جاء ذكره في غير موضع من كتاب بصائر الدرجات وغيرها كما في البحار.


(1) قال الجزرى في أسد الغابة: أسلم قبل أبيه وكان عالما فاضلا قرء القران والكتب المتقدمة - الى أن - روي عن رجاء بن ربيعة أبي اسماعيل الزبيدى مولاهم الكوفى قال: كنت في مسجد الرسول صلى الله عليه وآله في حلقة فيها أبو سعيد الخدرى وعبد الله بن عمرو، فمر بنا حسين بن على عليهما السلام فسلم، فردا القوم السلام فسكت عبد الله حتى فرغوا، رفع صوته وقال عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ثم أقبل على القوم فقال: الا اخبركم بأحب أهل الأرض إلى أهل السماء ؟ قالوا: بلى، قال: هو هذا الماشي، ما كلمني كلمة منذ ليالى صفين ولأن يرضى عنى أحب إلى من حمر النعم، فقال أبو سعيد: الا تعتذر إليه ؟ قال: بلى، قال: فتواعدا أن يغدوا إليه قال: فغدوت معهما، فاستاذن أبو سعيد فأذن له، فدخل له، فدخل ثم استأذن لعبد الله فلم يزل به حتى أذن له فلما دخل قال أبو سعيد: يا ابن رسول الله إنك لما مررت بنا أمس - فأخبره بالذى كان من قول عبد الله بن عمرو - فقال الحسين: أعلمت يا عبد الله أني أحب اهل الارض الى اهل السماء ؟ قال: إي ورب الكعبة، فقال: فما حملك على أن قاتلتني وأبي يوم صفين فوالله لأبي كان خيرا منى، قال: اجل ولكن عمرو شكانى الى رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله إن عبد الله يقوم الليل ويصوم النهار، فقال لى رسول الله صلى الله عليه وآله: يا عبد الله صل ونم وصم وأفطر، وأطع عمرا. قال: فلما كان يوم صفين أقسم علي فخرجت أما والله ما اخترطت سيفا، ولا طعنت برمح ولا رميت بسهم ". وقال " شهد مع أبيه صفين وكان على الميمنة قال له أبوه: اخرج فقاتل، فامتنع فقال له أبوه ألم يكن آخر ما عهد اليك رسول الله صلى الله ليه وآله أن أطع أباك، قال: اللهم بلى، قال: فإني أعزم عليك أن تخرج فخرج وندم بعد ذلك فكان يقول: مالى ولصفين ولقتال المسلمين لوددت أني مت قبله بعشرين سنة، وقيل إنه كان يقول: ما كان رجل أجهد منى، رجل لم يفعل شيئا من ذلك. وقيل: إنه كانت الراية بيده وقال: قدمت منزلة أو منزلتين ".

[231]

الرابع: الصحيفة التي انتسخها جابر بن عبد الله الأنصاري. المعروف بحديث لوح فاطمة عليها السلام. الخامس: كتاب عبد الله بن علي المعنون في مشيخة الصدوق محمد بن علي بن - بابويه. وأخرجه الصدوق في باب أذان الفقيه بتمامه وقال: روى عن عبد الله بن علي قال: " حملت متاعي من البصرة إلى مصر فقدمتها فبينما أنا في بعض الطريق إذا أنا بشيخ طويل، شديد الأدمة، أبيض الرأس واللحية عليه طمران أحدهما أسود والآخر أبيض، فقلت: من هذا ؟ فقالوا: بلال مولى رسول الله صلى الله عليه وآله، فأخذت ألواحا فأتيته فسلمت عليه - إلى - قلت: يرحمك الله حدثني بما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: ما يدريك من أنا ؟ فقلت أنت بلال مؤذن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: فبكى وبكيت حتى اجتمع الناس علينا ونحن نبكي، قال: ثم قال: يا غلام من أي البلاد أنت ؟ قلت: من أهل العراق، قال: بخ بخ ثم سكت ساعة، ثم قال: اكتب يا أخا أهل العراق: " بسم الله الرحمن الرحيم سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله يقول: المؤذنون امناء المؤمنين على صلواتهم وصومهم ودمائهم، لا يسألون الله عزوجل شيئا إلا أعطاهم، ولا يشفعون في شئ إلا شفعوا ". قلت: زدني - فساق الخبر إلى ما جاوز خمسين بيتا في فضل الأذان والمؤذن وجملة في مقامات القيامة والجنة ". السادس: كتاب أبي رافع أسلم وأو إبراهيم مولى رسول الله صلى الله عليه وآله له نسخة رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام وهو كما رواه النجاشي في الصلاة والصيام والحج والزكاة والقضايا. السابع: كتاب ربيعة بن سميع مصغرا - في زكاة النعم رواه عن أمير المؤمنين عليه السلام، وكأن الصواب كونه زمعة بن سبيع كما في الكافي كتاب الزكاة باب أدب المصدق حيث رواه مسندا عن يونس، عن محمد بن مقرن بن عبد الله بن زمعة بن سبيع، عن أبيه، عن جده، عن جد أبيه. وذكر النجاشي في أول فهرسته طريقه إليه هكذا " الحسين بن عبيد الله وغيره عن جعفر بن محمد بن قولويه، قال: حدثنا أبي وساير شيوخي، عن سعد بن عبد الله، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن أبي عمير

[232]

قال: حدثنا عبد الله بن المغيرة قال: حدثنا مقرن، عن جده ربيعة بن سميع، عن أمير المؤمنين عليه السلام " وحيث إن نسخ الكافي متواترة مصححة قلنا: الصواب " زمعة بن سبيع " كما فيه. الثامن: نسخة زيد بن وهب الجهني جمع فيها خطب أمير المؤمنين عليه السلام على المنابر في الجمع والأعياد. ذكرها الشيخ الطوسي في الفهرست وذكر طريقه إليه. التاسع: كتاب عبيد الله بن حر الجعفي الفارس الفاتك الشاعر، له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين عليه السلام ذكرها النجاشي ونقل عن شيخه أحمد بن علي بن - نوح أنه قال: ذكر ذلك البخاري. العاشر: كتاب سعد بن طريف الحنظلي الكوفي القاضي يروي عن الأصبغ بن - نباتة عهد الأشتر ووصية أمير المؤمنين عليه السلام إلى محمد بن الحنفية - ذكره الشيخ مع إسناده إليه في الفهرست. الحادي عشر: كتاب فضائل القرآن لابي بن كعب بن قيس الخزرجي الأنصاري المتوفى في العشر الثاني أو الثالث من الهجرة. ذكره ابن النديم في فهرسته. الثاني عشر: كتاب نعمان بن سعد صاحب أمير المؤمنين عليه السلام حيث ذكره الصدوق في مشيخته وذكر طريقه إليه وعنونه المير مصطفى التفرشي في رجاله الموسوم بنقد الرجال وقال: له كتاب رواه الصدوق بإسناده إليه. أقول: عنونه المزي في تذهيب الكمال بعنوان " النعمان بن سعد بن حبتة، وقال ابن حجر في التقريب: " حبة " يقال: آخره راء، مقبول يعني ثقة ثبت عين. وعلى كل في كونه صاحب كتاب تأمل. هذا ما عثرنا عليه من المدونات الحديثية التي كتبت في أوائل القرن الأول كما ذكره جمع من العلماء - رضي الله عنهم - وأما الكتب التي كتبت في زمن الأئمة الاثني عشر عليهم السلام فكثيرة جدا ولا مجال لذكرها ههنا، فندكر نبذا يسيرا منها بأسماء مؤلفيها تسهيلا للذكر واختصارا للبيان.

[233]

13 - عبيد الله بن أبي رافع المتقدم ذكره، له كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام. (ذكره الشيخ في الفهرست). 14 - علي بن أبي رافع، له كتاب في فنون الفقه: الوضوء والصلاة وسائر الأبواب. (ذكره النجاشي) 15 - ميثم بن يحيى التمار المصلوب سنة 60 بأمر عبيد الله بن زياد بن أبيه، له كتب يرويها ولداه صالح ويعقوب. (سفينة البحار) 16 - أبان بن تغلب أبو سعيد البكري المتوفى 141، له كتب منها تفسير القرآن، وكتاب الفضائل (ذكرها النجاشي) 17 - سليم بن قيس الهلالي أبو صادق، له كتاب معروف. ذكره النعماني والنجاشي والشيخ وذكر الأخير طريقه إليه. (1) 18 - أبو المقدام ثابت بن هرمز العجلي الحداد - مولاهم الكوفي - له نسخة عن علي بن الحسين عليهما السلام. (ذكره النجاشي) 19 - أبو حمزة الثمالي ثابت بن أبي سفية دينار مولى كوفي توفي سنة 150، له كتاب تفسير القرآن وكتاب النوادر ورسالة الحقوق عن علي بن الحسين عليهما السلام (ذكرها النجاشي) 20 - عبد المؤمن بن القاسم بن قيس الأنصاري المتوفى 147، له كتاب. - ذكره النجاشي)


(1) يروى كتاب سليم، إبراهيم بن عمر اليماني عن أبان بن أبي عياش، عنه، وقال الشيخ أبان بن أبى عياش ضعيف وقال العلامة الحلى: " قال ابن الغضائري: إنه وضع كتاب سليم ". وقال استاذنا الشعراني - رحمه الله -: " التكلم في سليم وأبان بن أبي عياش ينبغي أن يخصص بهذا الكتاب الموجود الذي كان في أيدينا اليوم المعروف بكتاب سليم، والحق ان هذا الكتاب موضوع لغرض صحيح - نظير كتاب الحسنية، وطرائف ابن طاووس، والرحلة المدرسية - وواضعه جمع أمورا مشهورة وغير مشهورة، ولما لم يكن معصوما أورد فيه امورا غير صحيحة، والظاهر أنه وضع في أواخر دولة الامويين حين لم يجاوز عدد خلفائهم اثنى عشر نفرا إذ ورد فيه " الغاصبين منهم اثنا عشر، وبعدهم يرجع الحق إلى أهله " مع أنهم زادوا ولم يرجع، وبالجملة إن أيد ما فيه دليل من خارج فهو، وإلا فلا اعتبار بما يتفرد به، والغالب فيه التأيد وعدم التفرد ".

[234]

21 - محمد بن قيس البجلي المتوفى 151 له كتاب قضايا أمير المؤمنين عليه السلام، وله أصل أيضا (ذكرهما الشيخ في الفهرست) 22 - جابر بن يزيد الجعفي المتوفى 127، له كتاب التفسير وكتاب الفضائل وكتاب الجمل وغيرها. (ذكرها النجاشي 23 - لوط بن يحيى أبو مخنف المعروف، له كتاب خطبة الزهراء وكتب اخرى في الوقائع والحوادث أشهرها مقتل الحسين عليه السلام (1). 24 - بسام بن عبد الله الصير في مولى بني أسد، كان من أصحاب الصادق عليه السلام، وله كتاب. (ذكره النجاشي) 25 - عبد الغفار بن القاسم أبو مريم الأنصاري، الراوي عن الصادقين عليهما السلام، له كتاب. (ذكره النجاشي) 26 - حجر بن زائدة الحضرمي، الراوي عن الصادقين عليهما السلام، له كتاب. (ذكره النجاشي) 27 - (الحسين بن ثوير بن أبي فاختة يروي عن الصادقين عليهما السلام، له نوادر. (ذكره النجاشي) 28 - برد الإسكاف الذي أدرك أبا جعفر، وأباه علي بن الحسين، وأبا عبد الله عليهم السلام، له كتاب. (ذكره النجاشي) 29 - زكريا بن عبد الله الفياض، كان من أصحاب أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام له كتاب. (ذكره النجاشي) 30 - بريد بن معاوية العجلي المتوفى في حياة الصادق عليه السلام، رأى ابن الغضائري كتابا له (كما قال النجاشي) 31 - عبيدالله بن علي الحلبي أبو علي الكوفي، له كتاب رآه أبو عبد الله عليه السلام حين عرضه عليه فصححه وقال عند قراءته: " أترى لهؤلاء مثل هذا ". (رجال النجاشي) 32 - معلى بن خنيس المقتول في حياة الصادق عليه السلام، له كتاب يرويه


(1) ذكر النجاشي كتبه في الوقائع ما بلغ عدده العشرين.

[235]

جماعة (قاله النجاشي) 33 - محمد بن علي الحلبي أبو جعفر له كتاب التفسير، وكتاب مبوب في الحلال والحرام (ذكرهما النجاشي) 34 - محمد بن علي بن النعمان أبو جعفر الأحول، له كتب ذكرها النجاشي، وكان معاصرا لأبي حنيفة المتوفى 150. 35 - زرارة بن أعين الشيباني المتوفى 150 له كتاب في الاستطاعة والجبر (ذكر النجاشي طريقه إليه). 36 - أبو بصير الأصغر ليث بن البختري المرادي، له كتاب يرويه جماعة عنه (قاله النجاشي). 37 - معاوية بن عمار الدهني (1)، له كتاب الحج وكتاب يوم وليلة، وكتاب الزكاة، وكتاب الصلاة، وكتاب الدعاء، وكتاب الطلاق، وكتاب مزار علي بن - أبي طالب عليه السلام قال النجاشي، توفي سنة 175. 38 - حريز بن عبد الله السجستاني أبو محمد الأزدي الكوفي، له كتاب الصلاة كبير، وآخر ألطف منه، وكتاب النوادر (ذكرها النجاشي). 39 - مفضل بن عمر الجعفي الكوفي، له مصنفات منها كتاب ما افترض الله على الجوارح من الإيمان وهو كتاب الإيمان والإسلام، (2) ومنها كتاب يوم وليلة، وكتاب فكر، وكتاب بدء الخلق والحث على الاعتبار، ووصية أوردها الحسن بن علي بن الحسين الحراني، في آخر كتابه تحف العقول. 40 - ابان بن عثمان الأحمر البجلي، له كتاب روى عن أبي عبد الله الصادق وأبي الحسن الكاظم عليهما السلام. (كما في رجال النجاشي).


(1) بضم الدال وسكون الهاء، وبنو دهنة بطن من شنوءة من الأزد وهو دهنة بن عدنان بن عبد الله. (2) قال النجاشي: " المفضل بن عمر فاسد المذهب، مضطرب الرواية لا يعبأ به ولا يعول على مصنفاته وقيل بكونه خطابيا وقال كتابه الإيمان والإسلام الرواة مضطربون الرواية له ". أقوال: مراده بالخطابي اتباع محمد بن مقلاص الأسدي الكوفي الباطني الذي كان من أصحاب الصادق عليه السلام فرجع إلى الإلحاد، وكنيته أبو الخطاب.

[236]

41 - موسى بن بكر الواسطي، له كتاب يروي عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام (ذكر النجاشي طريقه إليه). 42 - معاوية بن وهب البجلي أبو الحسن، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، له كتب منها كتاب فضائل الحج. (ذكره النجاشي). 43 - جميل بن دراج، له كتاب روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، وله كتاب اشترك فيه هو ومحمد بن حمران، رواه الحسن بن علي الوشاء، وله كتاب آخر اشترك فيه هو ومرازم بن حكيم (ذكر ذلك النجاشي). 44 - معلى بن عثمان، أبو عثمان الأحوال الكوفي، ذكر النجاشي له كتاب. 45 - صفوان بن مهران الأسدي الكوفي، له كتاب يرويه جماعة، (ذكر النجاشي طريقه إليه). 46 - صفوان بن يحيى البجلي بياع السابري الكوفي، له ثلاثون مصنفا كلها في أبواب الفقه من الطهارة إلى العتق والتدبير. 47 - أبو إسحاق إبراهيم بن عمر اليماني، قال الشيخ في الفهرست: له أصول رواها حماد بن عيسى. 48 - أبو إسحاق محمد بن أبي يحيى الأسلمي المتوفى 184، عنونه الشيخ في فهرسه وقال: له كتاب مبوب في الحلال والحرام. 49 - سعد بن أبي خلف الزام كان من أصحاب أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام، قال الشيخ: له أصل. 50 - سعدان بن مسلم العامري، اسمه عبد الرحمن ولقبه " سعدان " له أصل. 51 - سالم بن مكرم أبو خديجة له كتاب، ذكره الشيخ والنجاشي، روى عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. 52 - وهب بن وهب أبو البختري القاضي القرشي المدني، الذي تزوج أبو عبد الله بأمه بعد أبيه، وكان قاضيا للرشيد (1). توفي سنة 200 وله مع الرشيد قصة،


(1) قال النجاشي: كان كذابا. وراجع لقصته مع الرشيد مقاتل الطالبيين لأبي الفرج الأصبهاني. وقال الخطيب في المجلد 13 ص 452: " قال العقيلى: لما قدم الرشيد المدينة أعظم أن يرقى منبر النبي =

[237]

له رسالة في صفة النبي، وفضائل الأنصار، وكتاب الفضائل الكبير، وكتاب الرايات، ونسب ولد إسماعيل، وكتاب رواه عن الصادق عليه السلام. 53 - حماد بن عيسى الجهني، غريق الجحفة، سنة 209 قال الشيخ في الفهرست: له كتاب النوادر، وكتاب الزكاة وكتاب الصلاة. 54 - حفص بن البختري قال الشيخ: له أصل، رواه عنه ابن أبي عمير، وهو بغدادي يروي عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام. 55 - حفص بن غياث القاضي العامي له كتاب معتمد عن أبي عبد الله وأبي الحسن عليهما السلام توفي 194. 56 - حماد بن عثمان الناب المتوفي سنة 190 كما في رجال الكشي وقال الشيخ: له كتاب. 57 - عنبسة بن بجاد العابد مولى بني أسد، كان قاضيا. قال الشيخ له كتاب يرويه صفوان. 58 - العيص بن القاسم بن ثابت، روى عن أبي عبد الله عليه السلام عنونه النجاشي والشيخ وقال الأخير: له كتاب. 59 - عاصم بن حميد الحناط الكوفي، قال الشيخ: له كتاب يروي عنه ابن - أبي نجران. 60 - كليب بن معاوية الصيداوي. له كتاب ذكره الشيخ في الفهرست وقال: عنه ابن أبي عمير. 61 - أحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي أبو جعفر صحب الرضا عليه السلام، له كتاب النوادر وتوفي 221. 62 - أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الذي كان شيخ القميين لقي الرضا عليه السلام وله من الكتب: كتاب التوحيد، كتاب فضل النبي صلى الله عليه وآله، كتاب المتعة، كتاب النوادر وكان غير مبوب بوبه داود بن كورة، كتاب الناسخ


= صلى الله عليه وآله في قباء أسود ومنطقة، فقال أبو البختري: حدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال نزل جبرئيل على النبي صلى الله عليه وآله وعليه قباء ومنطقة مخنجرا فيها بخنجر " وأمثال ذلك منه كثير.

[238]

والمنسوخ وغير ذلك. 63 - أحمد بن محمد بن خالد البرقي له زهاء ثمانين كتابا (1). 64 - إبراهيم بن محمد الثقفي له خمسون كتابا (2). هذا نموذج ممن جمع الحديث وسمع من المعصوم عليه السلام طيلة البعثة إلى القرن الرابع من الشيعة وبعض العامة. وكان في أواخر دولة بني مروان ضعفت قوة الحكومة فرفعت حيلولة المنع عن الأخذ والتعليم والتعلم للسنة النبوية القائمة. وقامت جماعة من الأحرار والذين لهم إلمام بحفظ آثار الدين وسنة سيد المرسلين صلى الله عليه وآله أمثال بريد بن معاوية العجلي وأبي بصير ليث المرادي، ومحمد بن مسلم الثقفي، وزرارة بن أعين الشيباني، ونظرائهم من العامة أمثال عبد الملك بن جريج وسفيانين وغيرهم اغتنموا الفرصة وتوجهوا إلى المدينة والبلاد التي كان فيها من التابعين فأخذ الإمامي منهم عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام، والعامي منهم عنهما عليهما السلام وعن بقية التابعين وحفظوها ودونوها في صحف مكرمة وكتب قيمة، وقد صح عن الصادق عليه السلام في حقهم قوله: " بشر المخبتين بالجنة أربعة نجباء امناء على حلاله وحرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست " وهكذا جاءت بعدهم جماعة من المؤمنين وأخذوا عن أئمة أهل البيت عليهم السلام العلوم الدينية من تفسير القرآن وشرايع الإسلام واصول الدين وفروعه، وكتبوها في صحائف وعرضوا بعضها على بعضهم عليهم السلام فصوبوها، وبلغ هذه الأصول في عصر الرضا عليه وعلى آبائه السلام زهاء أربعمائة كتاب تسمى أصولا " غير ما لم يسم أصلا " وهي الوف. ثم جاء بعد ذلك جماعة من الفضلاء من أصحاب أبي الحسن الرضا عليه السلام كأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي وجعفر بن بشير، والحسن بن علي بن - فضال، والحسن بن محبوب، وحماد بن عيسى، وصفوان بن يحيى، ومحمد بن أبي عمير وأحمد بن محمد بن عيسى الأشعري فجمعوا هذه الكتب وبوبوها وجمعوا كل موضوع


(1) راجع فهرست الطوسى. (2) راجع مقدمة كتابه الغارات بقلم الاستاذ المحدث الارموي. وفهرست الطوسي.

[239]

تحت باب أو كتاب عليحدة. وبعد هؤلاء المشايخ قام تلاميذ هم أمثال حسن بن سعيد والحسين بن سعيد الأهوازيين وعلي بن مهزيار الأهوازي وجمعوا ما كان منها متفرقا في كتب مشايخهم وهذبوها ونمقوها فصارت هذه الكتب الأخيرة مرجعا لتأليف الكتب الأربعة التي عليها تدور رحى مذهب الإمامية من عصر الغيبة إلى الآن. وإن أردت أن تحيط بذلك خبرا فراجع في ذكر المصنفين في تلك العصور وأسماء كتبهم ومصنفاتهم فهرست الشيخ الطوسي وفهرست أسماء المصنفين للنجاشي، والمجلد الثاني من الكتاب الكبير: " الذريعة إلى تصانيف الشيعة " للعلامة الطهراني - رحمه الله - وراجع في بيان معنى " الأصل " و " الكتاب " و " النوادر " والفرق بينها ص 159 إلى ص 162 من هذا الكتاب وليس لتكراره هنا وجه. * * * ومن العامة خاصة جماعة نذكر المشهورين منهم: 1 - عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المتوفى 150 وقالوا: هو أول من صنف في الحديث له كتاب السنن. 2 - إبراهيم بن سليمان الاردني المعنون في تهذيب التهذيب (1) وقال: إن معاوية بن صالح بن حدير المتوفى 158 قال: كان إبراهيم صحيح الكتاب، كتبت عنه. 3 - وضاح بن عبد الله اليشكري أبو عوانة المتوفى 176 له كتاب مشهور. 4 - مالك بن أنس أحد الأئمة الأربعة إمام المالكية المتوفى 179 له الموطأ مشهور. 5 - يحيى بن سعيد القطان المتوفى 198 أحد الأعلام، أول من رسم الحديث لأهل الكوفة، وله كتاب المغازي. 6 - يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الوادعي الكوفي المتوفى 183، من تصانيفه كتاب السنن في الحديث، وكتاب الشروط والسجلات، ذكره ابن النديم في الفهرست، والخطيب في التاريخ ج 14 ص 114 و 119.


(1) لابن حجر العسقلاني (احمد بن على) المتوفى 852 ه‍.

[240]

7 - موسى بن طارق الزبيدي اليماني المتوفى 203 له كتاب السنن مبوب. 8 - أبو داود سليمان بن داود الطيالسي المتوفي 204 له مسند مشهور. 9 - الحسن بن زياد اللؤلوئي له مسند أبي حنيفة، توفى سنة 204. 10 - عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفي 211، له كتاب سماه الجامع الكبير. 11 - أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى الحميدي المتوفي 219، له كتاب مسند مشهور. 12 - مسدد بن مسربل الأسدي المتوفي 228 -، له مسند في الحديث. 13 - أبو زكريا يحيى بن عبد الحميد الحماني الكوفي المتوفى، 228 له مسند في الحديث. 14 - أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة القاضي المتوفى 235 له مسند في الحديث والظاهر كونه " المصنف " المشهور. 15 - أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن مخلد المعروف بابن راهويه المتوفي 238، له مسند معروف. 16 - أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني إمام الحنابلة المتوفي 241 له مسند معروف. 17 - الحلواني الحسن بن علي أبو محمد المتوفى بمكة المكرمة سنة 242، له مسند. 18 - أبو عبد الله محمد بن يحيى العدني المتوفى 243، له مسند. 19 - إسحاق بن إبراهيم الجوهري المتوفى سنة 247، ذكروا له مسندا. 20 - علي بن الحسين الأفطس الذهلي المتوفى 251، له مسند. 21 - عبد بن حميد بن نصر الكشي أبو محمد المتوفي 249. له مسند في الحديث. 22 - عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل الدارمي المتوفى 255 له سنن مشهور. 23 - محمد بن إسماعيل البخاري المتوفى 256، له كتاب الصحيح وكتاب الأدب المفرد والتاريخ وغيرها.

[241]

24 - مسلم بن حجاج القشيري المتوفى 261، له كتاب الصحيح المشهور، والمراد بالصحيحين في كلامهم هذا وصحيح البخاري. 25 - الحافظ يوسف بن يعقوب بن شيبة المتوفى 262، له المسند الكبير. 26 - عمار بن رجاء أبي ياسر الأستر ابادي التغلبي المتوفي 267، له مسند. 27 - أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني المتوفي 275، له كتاب السنن أحد الصحاح الستة. 28 - محمد بن يزيد بن ماجة القزويني المتوفى سنة 273، له كتاب السنن مشهور. 29 - أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد القرطبي الحافظ المتوفي 276، له مسند في الحديث. 30 - أبو عيسى محمد بن عيسى الترمذي المتوفى 279، له كتاب السنن الكبير أحد الصحاح الستة. 31 - أبو سعيد عثمان بن سعيد بن خالد الشافي المتوفي 280 له مسند كبير في الحديث. 32 - محمد بن الفرج الأزرق البغدادي المحدث المتوفي 282، صاحب أبي علي الحسين بن علي الكرابيسي. 33 - أبو بكر أحمد بن عمرو الشيباني المتوفي 287 له مسند يحتوي خمسين ألف حديث. 34 - محمد بن غالب بن حرب أبو جعفر التمار البصري المتوفي 283 روى عن أبي نعيم فضل بن دكين وعفان بن مسلم وطبقتهما وله كتاب. 35 - الحسن بن سفيان الفسوي المتوفى 353 له مسند في الحديث. 36 - أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي النسائي المتوفي 304 احد أرباب السنن الأربعة. 37 - مصعب بن المقداد الخثعمي الكوفي المحدث قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال أحمد بن حنبل: رأيت له كتابا فإذا هو كثير الخطأ ثم نظرت في حديثه

[242]

فإذا هي متقاربة عن الثوري. 38 - العباس بن حمدان الإصبهاني الحنفي أبو الفضل المحدث له مسند ذكره ابن حبان في طبقات المحدثين وتوفي سنة 294. 39 - عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي المتوفي 297 لقب بالمطير، كنيته أبو جعفر له مسند وتاريخ. 40 - يعقوب بن إسحاق الأسفرايني النيشابوري المتوفي 316 له مسند يسمى مسند أبي عوانة. هذه نماذج ممن صنف في الحديث كتابا في القرن الثاني والثالث، وأما استقصاء كلهم فيكون من المحال، وأما ذكر جلهم فيضيق عنه المجال، فلا محيص لنا في هذا الظرف الا ذكر بعضهم بالإجمال، حول الله حالنا إلى أحسن الحال. تذكرة: اعلم أن الفرق بين المسند والسنن هو أن الأول رتب على ترتيب الأسماء دون رعاية الموضوع، والثاني على ترتيب الموضوعات. دون رعاية الأسماء. فائدة: محمدون الثلاثة الاول: محمد بن يعقوب أبو جعفر الكليني (ره) المتوفي 328 صاحب الكافي. محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه أبو جعفر القمي (الصدوق) (ره) المتوفي 381 صاحب " الفقيه ". محمد بن الحسن الطوسي أبو جعفر الملقب بشيخ الطائفة (ره) المتوفي 460 صاحب التهذيب والاستبصار. محمدون الثلاثة الاخر: محمد محسن الملقب بالفيض القاساني (ره) مؤلف الوافي المتوفى 1091 محمد بن الحسن الحر العاملي (ره) المتوفى 1104 صاحب تفصيل وسائل الشيعة. محمد باقر بن محمد تقي المجلسي (ره) المتوفي 1110 صاحب بحار الأنوار.

[243]

فقه الحديث ودرايته بسمه تعالى وله الحمد، والسلام على عباده الذين اصطفى أما بعد: فإن العلماء المدققين وذوي البصائر في معرفة أسرار الشرع المبين ذكروا لدراية الحديث ووعايته، وفقهه ورعايته امورا مهمة، وذلك بعد الفراغ من تحقيق سنده وتعيين مبلغ الاعتماد عليه، فيجب على الباحث عرفان تلك الامور العظام، والالتزام بها، لفهم المراد ودرك المغزى من الكلام. والفقه في اللغة هو العلم بالشئ والفهم والفطنة له، وفقه - كعلم -: فهم، وكمنع: سبق غيره بالفهم، وككرم: صار الفقه له سجية، وفي العرف: الوقوف على المعنى الخفي يتعلق به الحكم، أو التوصل بعلم شاهد إلى علم غائب بمعنى أنه تعقل وعثور يعقب الإحساس والشعور. (أبو البقاء) روى الصدوق - رحمه الله - في معاني الأخبار مسندا " عن أبي عبد الله عليه السلام، عن أبيه عليه السلام قال له: يا بني اعرف منازل الشيعة على قدر روايتهم ومعرفتهم، فإن المعرفة هي الدراية للرواية، وبالدرايات للروايات يعلو المؤمن إلى أقصى درجات الإيمان، إني نظرت في كتاب لعلي عليه السلام فوجدت في الكتاب: أن قيمة كل امرء وقدره معرفته، إن الله تعالى يحاسب الناس على قدر ما آتاهم من العقول في دار الدنيا ". فأول هذه الامور: عرض محتواه على الكتاب العزيز " الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولامن خلفه تنزيل من حكيم حميد " فإن لم يوجد فيه، فعلى السنة المقطوعة، وذلك لئلا يخالفهما. روى الكليني - رحمه الله - في الصحيح " عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال: أيها الناس ما جاء كم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته، وما جاء كم يخالف كتاب الله فلم أقله ". وفي أمالي الشيخ - رحمه الله - مسندا " عن جابر الجعفي عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلنا عليه ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا - إلى أن قال: - قال: انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا

[244]

فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده - الخبر ". فكم من حديث صحيح أو حسن أو موثق يخالف مدلوله حكم الكتاب أو السنة أو كليهما، وذلك لعدم كون الرواة معصومين عن الخطأ والسهو والنسيان ولو كانوا في العظمة والجلالة والإيمان في أسنى المقام. فمما يخالف ظاهره حكم الكتاب بل السنة المقطوعة، ما رواه الصدوق والكليني في الديات باب من خطاؤه عمد، بإسناد صحيح " عن أبي بصير، عن أبي جعفر عليه السلام قال: سئل عن غلام لم يدرك وامرأة قتلا رجلا خطأ ؟ فقال: إن خطأ المرأة والغلام عمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما، قتلوهما ويؤدوا إلى أولياء الغلام خمسة الآف درهم، وإن أحبوا أن يقتلوا الغلام، قتلوه وترد المرأة إلى أولياء الغلام ربع الدية، وإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوا المرأة، قتلوها ويرد الغلام على أولياء المرأة ربع الدية، قال: وإن أحب أولياء المقتول أن يأخذوا الدية، كان على الغلام نصف الدية، وعلى المرأة نصف الدية ". وهذا كما ترى جعل خطأ المرأة والغلام الذي لم يدرك بعد، عمد خلافا للكتاب حيث يقول: " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة، ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا - الآية "، وخلافا للسنة حيث جعلت عمد الصبي خطأ. و " عنه، عن أبي أيوب، عن ضريس الكناسي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن امرأة وعبد قتلا رجلا خطأ، فقال إن خطأ المرأة والعبد مثل العمد، فإن أحب أولياء المقتول أن يقتلوهما قتلوهما، فإن كان قيمة العبد أكثر من خمسة آلاف درهم فليردوا إلى سيد العبد ما يفضل بعد خمسة آلاف درهم، وإن أحبوا أن يقتلوا المرأة، ويأخذوا العبد، أخذوا إلا أن يكون قيمته أكثر من خمسة آلاف درهم فليردوا على مولى العبد ما يفضل بعد خمسة آلاف ويأخذوا لعبد أو يفتديه سيده، وإن كانت قيمة العبد أقل من خمسة آلاف درهم فليس لهم إلا العبد ". رواه الكليني واللفظ له، والصدوق بأدنى اختلاف في بعض ألفاظه، ورواه الشيخ في الاستبصار، وروى خبر أبي بصير المتقدم بعده وقال: " قد أوردت هاتين الروايتين لما تضمنا من أحكام قتل العمد، فأما قوله في خبر الكناسي: " إن خطأ المرأة والعبد عمد " وفي رواية أبي بصير.

[245]

" إن خطأ المرأة والغلام عمد " فهو مخالف لقول الله تعالى، لأن الله عزوجل حكم في قتل الخطأ بالدية دون القود، ولا يجوز أن يكون الخطأ عمدا، كما لا يجوز أن يكون العمد خطأ إلا ممن ليس بمكلف، مثل المجانين ومن ليس بعاقل مثل الصبيان، وأيضا أوردنا في كتاب التهذيب ما يدل على أن العبد إذا قتل خطأ سلم إلى أولياء المقتول أو يفتديه مولاه وليس لهم قتله، وكذلك قد بينا أن الصبي إذا لم يبلغ فإن عمده وخطأه يجب فيه الدية دون القود، فكيف يجوز أن نقول في هذه الرواية: إن خطأه عمد - إلى آخر ما قال - " راجع الاستبصار ج 4 ص 286 من طبع النجف الاشرف. سند الخبرين صحيح ورجاله محمد بن يحيى العطار الأشعري وهو من الشيوخ الأجلاء، وكذا شيخه أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري وهو شيخ القميين ووجههم والحسن بن محبوب كان من أصحاب الإجماع، وهشام بن سالم الجواليقي ثقة نقة من أصحاب أبي عبد الله وأبي الحسن موسى عليهما السلام كما في " جش " و " صه " وأيضا إبراهيم بن عثمان أبو أيوب الخزاز ثقة كبير المنزلة من أصحاب الإمامين عليهما السلام على ما في " جش " و " صه " و " كش " و " ست " (1). وروى الحميري في قرب إسناده إلى الصادق عليه السلام " عن الحسن بن ظريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه عليهما السلام قال: قرأت في كتاب علي عليه السلام أنه قال: - في حديث له -: فما جاء كم عني من حديث وافق كتاب الله فهو حديثي، وأما ما خالف كتاب الله فليس من حديثي ". ثانيها: التحقيق والفحص عن مورد صدوره، وما له مدخل في فهم مدلوله. فلندكر لذلك مثالين: 1 - قول النبي صلى الله عليه وآله لأصحابه - على ما حكاه القوم -: " من بشرني بخروج آذار، فله الجنة " ظاهره الإطلاق، ومفهومه كراهته صلى الله عليه وآله لهذا الشهر وكونه فيه، فانتظر خروجه، فلذا ضمن للمبشر بخروجه الجنة. لكن أصل الخبر كما في معاني الأخبار للصدوق - رحمه الله - هكذا مسندا عن


(1) الرموز بالترتيب لفهرس النجاشي وخلاصة العلامة، واختيار رجال الكشى، وفهرست الشيخ - رضوان الله تعالى عليهم -.

[246]

ابن عباس " قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم في مسجد " قبا " وعنده نفر من أصحابه، فقال: أول من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنة، فلما سمعوا ذلك قام نفر منهم فخرجوا، وكل واحد منهم يحب أن يعود ليكون أول داخل، فيستوجب الجنة، فعلم النبي صلى الله عليه وآله ذلك منهم فقال لمن بقي عنده من أصحابه: إنه سيدخل عليكم جماعة يستبقون، فمن بشرني بخروج " آذار " (1) فله الجنة، فعاد القوم ودخلوا، ومعهم أبو ذر - رضي الله عنه - فقال لهم: في أي شهر نحن من الشهور الرومية ؟ فقال أبو ذر: قد خرج آذار يا رسول الله، فقال عليه السلام: قد علمت ذلك يا أبا ذر، ولكني أحببت أن يعلم قومي أنك رجل من أهل الجنة - الخبر - ". وهو كما ترى لا ربط له بما هو المتبادر من معناه في اللفظ الأول. 2 - ما رواه الكليني بإسناده عن محمد بن مسلم " عن أبي جعفر الباقر عليه السلام أنه قال: في كتاب علي عليه السلام: إن الولد لا يأخذ من مال والده شيئا إلا بإذنه، والوالد يأخذ من مال ابنه ما شاء - إلى - وذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال لرجل: أنت ومالك لأبيك ". والأصل فيه كما رواه هو والصدوق في المعاني " عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سئل ما يحل للرجل من مال ولده ؟ قال: قوته بغير سرف إذا اضطر إليه، قال السائل: فقول رسول الله: أنت ومالك لأبيك ؟ فقال جاء رجل بأبيه إلى النبي صلى الله عليه وآله، فقال: يا رسول الله هذا أبي وقد ظلمني ميراثي من أمي، فأخبر الأب النبي صلى الله عليه وآله أنه قد أنفقه عليه وعلى نفسه، فقال: أنت ومالك لأبيك، ولم يكن عند الرجل شئ، أفكان رسول الله صلى الله عليه وآله يحبس الأب للابن ". فهذا الخبر بظاهره توضيح معنى ما روي عن أبي جعفر عليه السلام ويكشف عن مدلوله. ثالثها: النظر في كونه لفظ المعصوم عليه السلام، أو نقل بلفظ آخر، وذلك يستلزم التتبع التام، ولنذكر أمثلة لما نقل بالمعنى واشتهر بلفظ المنقول دون الأصل وربما كان


(1) شهر بعد شباط وقبل نيسان.

[247]

الأصل آبيا عن معنى اللفظ المنقول. فمنها: 1 - ما اشتهر بين المتأخرين من أرباب التأليف وأرسلوه إرسال المسلمات عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء " ويفضلون بذلك مداد المصنفين على الذين كانوا في دمائهم في سبيل الحق متشحطين، ولكن الأصل فيه على ما رواه الصدوق في الفقيه بالرقم 5853، والأمالي في المجلس الثاني مسندا عن مدرك بن عبد الرحمن عنه عليه السلام أنه قال: " إذا كان يوم القيامة جمع الله عزوجل الناس في صعيد واحد. ووضعت الموازين، فتوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء ". فهذا كما هو الظاهر لا يفضل المداد على الدماء بل يخبر عن حقيقة ربما يذهل عنها الغافل، وهي أن المحابر التي كتبت بها العلوم والمعارف ونشرت في الدعوة إلى التوحيد وقبول دين الله عزوجل كانت بالقياس إلى الدماء التي اهريقت في سبيل الحق أرجح حجما وأثقل وزنا، ومفهوم الخبر: أن الدعوة الإلهية أكثر نشرها كانت بالمحابر والأقلام بإتيان الحجج والبرهان، لا بالشهادة وإيثار المهج والقربان، وأين هذا المعنى من اللفظ المنقول. 2 - روى الصدوق - رحمه الله - في الفقيه بالرقم 719 في باب فضل المساجد: " وسئل الصادق عليه السلام عن الوقوف على المساجد، فقال: لا يجوز، فإن المجوس أوقفوا على بيوت النار ". وقال الفيض - رحمه الله -: " المستفاد من الخبر تعليل المنع بالتشبه بالمجوس، ولعل الأصل فيه خفة مؤونة المساجد، وعدم افتقارها إلى الوقف إذا بنيت كما ينبغي، وإنما افتقرت إليه للتعدي عن حدها ". أقول: والأصل في الخبر ما رواه المؤلف في آخر كتاب الوقف، والشيخ في التهذيب بإسنادهما " عن العباس بن عامر، عن أبي الصحاري عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قلت له: رجل اشترى دارا فبقيت عرصة فبناها بيت غلة، أتوقف على المسجد ؟ فقال: إن المجوس أوقفوا على بيت النار ". وهذا كما ترى ليست فيه لفظة " لا يجوز " إنما هو ما استنبطه الصدوق

[248]

" عليه الرحمة " ولذا قال المولى المجلسي - رحمه الله -: " عبارة الخبر محتمل للجواز بأن يكون المراد أنه إذا كان المجوس أوقفوا على بيت النار الباطل، فإنهم أولى بأن يوقفوا على المسجد الحق ". وفي المحكي عن الشهيد - رحمه الله - أنه قال في الذكرى: " يستحب الوقف على المساجد لتوقف بقاء عمارتها التي هي أعظم مراد الشارع " ثم ذكر - رحمه الله - خبر أبي الصحاري وفهم منه كالصدوق عدم الجواز، وقال: " أجاب عن الخبر بعض الأصحاب بكون الرواية مرسلة، وبإمكان الحمل على ما هو محرم فيها كالزخرفة والتصوير ". والحق أن عبارة الخبر لا تدل على النهي التحريمي وعدم الجواز، بل غاية إما يستفاد منه الكراهة، ووجهها ظاهر لا يحتاج إلى البيان، وأما إرسال السند فمدفوع لأن طريق الصدوق إلى عباس بن عامر القصباني مذكور في مشيخة الفقيه وأما الحمل على ما هو محرم فلا وجه له. 3 - ما هو المشهور في الألسنة وبعض الرساء العملية في كراهة العزوبة والنهي عن النبتل مرويا عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " النكاح سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني " ولم نجد هذا اللفظ في المصادر مهما تتبعنا، والأصل فيه ما رواه حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك " أن نفرا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال بعضهم: لا أتزوج النساء، وقال بعضهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراش، وقال بعضهم: أصوم فلا افطر، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما بال أقوام يقولون كذا وكذا، لكني اصلي وأنام وأصوم وافطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني ". أخرجه النسائي في سننه. و " ثابت " هو ثابت بن أسلم البناني أحد الأعلام من أهل البصرة. وأخرجه البخاري في صحيحه ولفظه هكذا " من رغب عن سنتي فليس مني وإن من سنتي النكاح ". وإن كان المفهوم مع اختلاف الألفاظ في بادي النظر واحدا، لكن النبي صلى الله عليه وآله قال: " نضر الله امرءا سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب

[249]

حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه " ثم لا يخفى ما في اللفظ المنقول من إشمام الحصر دون الأصل. 4 - روى الشيخ في التهذيب (أبواب الزيادات باب الأحداث الموجبة للطهارة تحت رقم 27) بسند صحيح " عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن يعقوب بن يزيد، عن ابن أبي عمير، عن داود بن فرقد، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة بول قرضوا لحومهم بالمقاريض، وقد وسع الله عليكم بأوسع ما بين السماء والأرض، وجعل لكم الماء طهورا، فانظروا كيف تكونون " ورواه الصدوق في الفقيه تحت رقم 13 بإسقاط سنده. وقال المولى المجلسي - رحمه الله -: " إن مخرج البول كان مستثنى ". وقال الفيض - رحمه الله -: " لعل قرض بني إسرائيل لحومهم إنما كان من بول يصيب أبدانهم من خارج، لا أن استنجاء هم من البول كان بقرض لحومهم، فإنه يؤدي إلى انقراض أعضائهم مدة يسيرة، وكأن أبدانهم كانت كأعقابنا لم تدم بقرض يسير، أو لم يكن الدم نجسا في شرعهم، أو كان معفوا عنه، والعلم عند الله، وقوله: " كيف تكونون " أي كيف تشكرون هذه النعمة الجسيمة والفضل العظيم ". لكن الحق إن الخبر مع صحة سنده نقل بالمعنى، والأصل فيه كما في المحكي عن تفسيره علي بن إبراهيم هكذا: " إن الرجل من بني إسرائيل إذا أصاب شيئا من بدنه البول، قطعوه " والضمير المفرد راجع إلى الرجل، يعني أن بني إسرائيل تركوه واعتزلوا عنه ولم يعاشروه، أو منعوا دخوله المعبد في اليوم. وبعض الراواة - وأظنه داود بن فرقد - زعم أن الضمير المفرد راجع إلى البدن أي الجزء المصاب بالبول، فنقله بالمعنى، فصار ذلك موجبا لتحير الباحث عن معناه، غير أن اليهود كذبوا الخبر، وقالوا بعدم هذا الحكم في مذهبهم، وأما القطع بمعنى الهجران والإبعاد أو المباعدة فلم ينكروه، ومثله معروف في شريعتهم كما في قوله تعالى حكاية: " إن لك في الحياة أن تقول لا مساس " في قصة السامري. وقد يكون الخبر ورد بألفاظ مختلفة لكن كلها يفيد معنى واحدا مثل ما رواه الشيخ في زكاة التهذيب بالرقم 200 بإسناده " عن محمد بن سنان، عن ابن مسكان،

[250]

عن يزيد بن فرقد قال: قلت لأبي عبد الله عليه السلام: على المحتاج صدقة الفطرة ؟ فقال: لا ". وبالرقم 202 بإسناده " عن على بن مهزيار، عن إسماعيل بن سهل، عن حماد، عن حرير، عن يزيد بن فرقد عن أبي عبد الله عليه السلام أنه سمعه يقول: من أخذ من الزكاة فليس عليه فطرة - الخبر ". وروى بإسناده، عن سعد بن عبد الله، عن أبي جعفر، عن علي بن الحكم عن أبان بن عثمان، عن يزيد بن فرقد النهدي قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن رجل يقبل الزكاة، هل عليه صدقة الفطرة ؟ قال: لا " فكلها مع اتحاد الراوي واختلاف اللفظ يدل على مدلول واحد هو عدم وجوب الفطرة على من يستحق الزكاة، لكن مع وجود ذلك لا يجوز الأخذ بمفهوم أحد ألفاظه إذا كان مغايرا لغيره لعدم معلومية الأصل فيها. رابعها: الدقة في كونه محمولا على ظاهره، أو المراد شئ آخر، ويكون من المتشابه، مثلا " فيح جهنم " في حديث ثابت بن قيس، عن أبي موسى - مرفوعا - عن النبي صلى الله عليه وآله حيث قال: " أبردوا بالظهر فإن الذي تجدون من الحر من فيح جهنم " هل حمل على ظاهره بمعنى أن سطوع الحر في الظهيرة كان من غليان نار جهنم، أو خرج مخرج التشبيه والتمثيل، أي كأنه نار جهنم في حرها. وكم من كلام صدر من قائلها كناية، لا يريد به الظاهر، وللمخاطب أن يميز المراد بذكائه، فمن طريق المثال: 1 - ما رواه الصدوق في " معاني الأخبار " بسند " عن أبي عبد الله عليه السلام، قال: أتى النبي صلى الله عليه وآله أعرابي، فقال له: ألست خيرنا أبا واما، وأكرمنا عقبا، ورئيسنا في الجاهلية والإسلام، فغصب النبي صلى الله عليه وآله، وقال: يا أعرابي كم دون لسانك من حجاب ؟ قال: اثنان: شفتان وأسنان، فقال النبي: فما كان في أحد هذين ما يرد عنا غرب لسانك هذا ؟ أما إنه لم يعط أحد في دنياه شيئا هو أضر له في آخرته من طلاقة لسانه، يا علي قم

[251]

فاقطع لسانه، فظن الناس أنه يقطع لسانه، فأعطاه دراهم ". علم عليه السلام مراد النبي صلى الله عليه وآله والقوم يزعمون أنه يريد قطع لسانه بالآلة مع كونهم من العرب. 2 - ما رواه الطبراني والخطيب في التاريخ وابن عدي في الكامل بأسانيدهم على المحكي في الجامع الصغير للسيوطي " عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وآله قال: من سعادة المرء خفة لحيته - وفي لفظ - عارضيه ". والعارض اللحية، وظاهر الكلام خفة شعر ما ينبت على عرض اللحي فوق الذقن إلى العارضين، وتكلفوا في معنى الحديث وقال بعضهم: حيث إن اللحية كانت زينة للرجل، وإذا كانت وافرة ربما أعجب المرء بنفسه، والإعجاب مهلك، وما أدى إلى الإعجاب فهو شقاء والسعادة في خلافه، ففي خفة اللحية خفة الزينة، وفي خفة الزينة السعادة، وأمثال هذا القول. والحق في ذلك ما رواه الصدوق - رحمه الله - " عن الصادق عليه السلام قال: " من سعادة المرء خفة عارضيه ": وما في هذا من السعادة ؟ إنما السعادة خفة ما ضغيه بالتسبيح ". والماضغان: الحنكان، والظاهر أن المراد بخفتهما بالتسبيح، سهولة الذكر عليهم، فالمعنى على ما قاله عليه السلام أن من سعادة الرجل أن يسهل عليه الذكر وتحريك حنكيه بالأوراد، فيكثر منها. 3 - روى الصدوق - رحمه الله - في الفقيه تحت رقم 4951 مرسلا " عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: لا يحل أن يجنب في هذا المسجد إلا أنا وعلي والحسن والحسين ومن كان من أهلي فإنه مني ". ورواه في العيون مسندا، وروى في علل الشرايع ما يؤيده، وروى محب الدين الطبري في ذخائر العقبى ص 77 بإسناده عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " يا علي لا يحل لأحد يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك " قال علي بن المنذر: قلت لضرار بن صرد: ما معنى هذا الحديث ؟ قال: لا يحل لأحد يستطرقه جنبا غيري وغيرك. وأخرجه الترمذي وقال: " حديث حسن ". وقال سلطان العلماء الآملي والفاضل مراد علي خان التفرشي: المراد بالإجناب فيه الاجتياز أي يدخله ويمر فيه جنبا. والمراد مسجد النبي صلى الله عليه وآله لا غير. وهذا الحمل لا بد منه. ويؤيده حديث سد الأبواب.

[252]

وآية التطهير تؤيد أصل الاستثناء كما هو الظاهر. 4 - وقد رووا أن النبي صلى الله عليه وآله قال لزوجاته يوما: " أسرعكن لحاقابي أطولكن يدا " فكانت عائشة تقول: أنا تلك، أنا أطولكن يدا، ولكن التي كانت أسرعهن لحاقا بالنبي صلى الله عليه وآله هي زينب بنت جحش، وذلك لأنها كانت أكثرهن صدقة. فالمراد أطولهن يدا بالإعطاء. 5 - في مرفوعة عبد الله النهيكي " عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: " من مثل مثالا أو اقتنى كلبا فقد خرج عن الإسلام، فقيل له: هلك إذا كثير من الناس ! فقال: ليس حيث ذهبتم، إنما عنيت بقولي: " من مثل مثالا " من نصب دينا غير دين الله ودعا الناس إليه، وبقولي: " من اقتنى كلبا " عنيت مبغضا لنا أهل البيت اقتناه فأطعمه وسقاه، من فعل ذلك فقد خرج من الإسلام ". 6 - في باب الأربعة من الخصال " عن أبي عبد الله عليه السلام قال: ما ابتلى الله به شيعتنا فلن يبتليهم بأربع: بأن يكونوا لغير رشدة - إلى - أو أن يكون فيهم أخضر أزرق ". والأخضر ما فيه لون الخضرة وقد يطلق على الأسود، وقال في منتهى الأرب: أزرق: گربه چشم ونابينا، وهذا هو ظاهر اللفظ كما ترى خلافا للاعتبار والمحسوس، وفي اللغة والتاريخ يقال: " العدو الأزرق " ومعناه خالص العداوة. من زرقة الماء وهي خلوصه وكذا الأخضر، وزرقة العيون وخضرتها غالبة في الروم والديلم وبينهم وبين العرب عداوة شديدة، ثم لما كثر ذكرهم أياهم بهذه الصفة سمي كل عدو بذلك وإن لم يكن أزرق العين " أقرب الموارد " وعلى هذا يكون اللفظ كناية عن العداوة للعرب. وربما جاء اللفظ بطريق المثال كقوله صلى الله عليه وآله: " إذا كان يوم القيامة أتي بالموت كالكبش الأملح، فيوقف بين الجنة والنار، فيذبح، وهم ينظرون، فلو أن أحد امات فرحا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدا مات حزنا لمات أهل النار " رواه الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخدري. والأملح: الأبيض الذي يخالطه قليل سواد، وقيل: هو النقي البياض. قال الغزالي: " هذا مثل ضربه ليوصل إلى الأفهام حصول اليأس من الموت،

[253]

فقد جبلت القلوب على التأثر بالأمثلة وثبوت المعاني فيها بواسطتها، والرسل إنما يكلمون الناس في الدنيا، وهي بالإضافة إلى الآخرة نوم والنائم إنما يحتمل المثال، فيوصلون المعاني إلى أفهامهم بالأمثلة حكمة من الله سبحانه، ولطفا منه تعالى بعباده، وتيسيرا لإدراك ما يعجزون عن إدراكه دون ضرب المثل. وقيل: بل يخلق الله كبشا يسميه الموت ويلقي في قلوب الجمع أنه الموت، ويجعل ذبحه دليلا على الخلود في الدارين الجنة والنار، والذابح ملك الموت الذي يعرفه أهل الجمع لأنه المتولي قبض أرواحهم. وربما جاء بالمعنى العرفي دون الاصطلاحي الشايع، مثاله: " آفة الدين ثلاثة: فقيه فاجر وإمام جائر ومجتهد جاهل " رواه الديلمي في فردوس الأخبار المسمى ب‍ " مأثور الخطاب المخرج على كتاب الشهاب " والمؤلف عماد الإسلام أبو شجاع الديلمي ألفه محذوف الأسانيد مرتبا على ترتيب الحروف. والنظر في قوله عليه السلام. " مجتهد جاهل " وكيف يكون المجتهد جاهلا، والصواب أن المراد بالمجتهد غير معناه الاصطلاحي بل اللغوي وهو الذي يعبد مجدا في العبادة مع الجهل بأحكام الدين، والجهل هو التقدم في الامور المبهمة بغير علم. المحكم والمتشابه: فالمحكم في اللغة: المتقن، وفي العرف هو الخطاب الدال على معنى لا يحتمل غيره، والمتشابه خلافه، والمحكم على هذا التفسير مختص بالنص، والمتشابه يتناول الظاهر والمأول والمجمل، فإن كل واحد من هذه الثلاثة يحتمل غيره إلا أن ذلك الغير في الظاهر مرجوح وفي المأول راحج في المجمل مساو، وقيل: المحكم ما اتضح دلالته وهو بهذا المعنى يتناول النص والظاهر، والمتشابه يتناول المأول والمجمل، وقد تقدم. أما الصريح والظاهر فمثالهما: ما رواه الشيخ في التهذيب (في الزيادات باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس بالرقم 29) مسندا " عن معاوية بن عمار قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الثياب السابرية تعملها المجوس وهم أخباث وهم يشربون الخمر ونساؤهم على تلك الحال، ألبسها ولا أغسلها وأصلي فيها ؟ قال: نعم، قال معاوية: فقطعت له قميصا وخطته وفتلت له إزرارا ورداء من السابري، ثم بعثت بها إليه في يوم جمعة حين ارتفع

[254]

النهار، فكأنه عرف ما اريد، فخرج فيها إلى الجمعة " وهذا كما ترى صدره نص في الجواز، وذيله ظاهر فيه. خامسها: معرفة العام والخاص والمطلق والمقيد منه، وهي في الظاهر كانت من مباحث اصول الفقه، لكن المراد من العام والخاص في اصطلاح المحدثين غيرهما في اصطلاح الاصوليين، فالخاص عندهم هو الحكم الذي ورد عن النبي أو المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين في قوم بأعيانهم أو رجل بعينه، مثل ذم أهل الاجتهاد، والمتكلمين والصوفية، فإنه خاص بأصحاب الرأي والتعصب والبدع منهم، مثل ما ورد في النهي عن مخالطة الأكراد، وذم أهل السوق، وذم الحائكين، وذم الشعر والشعراء وأمثال ذلك، كلها خاص بطائفة خاصة كانوا على صفة أو عمل أو عقيدة لا يرضى بها الشارع، والذم لما كانوا عليه من الوصف، لا من حيث ذواتهم وقبائلهم، وقوميتهم. والعام أيضا هو الحكم الشامل للجميع، وأن ورد في مورد خاص، مثل قول النبي صلى الله عليه وآله لعروة البارقي: " بارك الله في صفقة يمينك " حيث أعطاه مبلغا ليشتري له عليه السلام شاة، واشترى بالمبلغ شاتين فأمضى صلى الله عليه وآله شراءه. فكما ترى أن خطابه خاص بعروة، وحكمه عام لكل بيع فضولي رضي به المتبايعان بعد العقد، وربما وهم أهل الظاهر أن مثل ذلك قياس، وليس به بل هو تفهم وتعقل ودراية يعرف بها من اللفظ أن الحكم الخاص بمورد، هو عام يشمل الجميع، وذكر الخاص وإرادة العام منه بقرينة ليس خروجا عن متعارف التكلم، والعمل به ليس تعديا عن النص. فما ورد من أن أبا عبد الله عليه السلام أمر أن يكتب على كفن ولده " إسماعيل يشهد أن لا اله إلا الله " فمعناه أن كل أحد يستحب له أن يكتب اسم ميته، وهذا باب واسع، ونظائره كثيرة. وما ورد من النهي عن مخالطة الأكراد ومعاملتهم - على فرض صحة صدوره، وليست بمعلومة - فالظاهر كون المراد منه جماعة خاصة منهم، لا كل من اشتهر بهذا العنوان وإن كان مسلما مؤمنا. ومما يناسب ذلك العنوان ما قاله الصدوق - رحمه الله - في عقائده في الأخبار

[255]

الواردة في الطب، قال: " إنها على وجوه: منها ما قيل على هواء مكة والمدينة، ولا يجوز استعماله في سائر الأهوية، ومنها ما أخبر به العالم على ما عرف من طبع السائل ولم يعتبر بوصفه إذا كان أعرف بطبعه منه، ومنها ومنها - إلى أن قال: - وما روي في العسل أنه شفاء من كل داء فهو صحيح ومعناه أنه شفاء من كل داء بارد، وما روي في الاستنجاء بالماء البارد لصاحب البواسير فإن ذلك إذا كان بواسيره من الحرارة - إلى آخر كلامه (ره). وقال الشيخ المفيد (ره) توضيحا لهذا الكلام: " وقد ينجع في بعض أهل البلاد من الدواء من مرض يعرض لهم ما يهلك من استعمله لذلك المرض من غير أهل تلك البلاد، ويصلح لقوم ذوي عادة ما لا يصلح لمن خالفهم في العادة - الخ ". أما المطلق والمقيد أو المجمل والمبين فمثل ما روي " أن الفقيه لا يعيد الصلاة " فمخصوص بالركعتين الأخيرتين من الرباعية، روى الصدوق - رحمه الله - في المعاني مسندا " عن عبد الله بن الفضل الهاشمي قال: كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فدخل عليه رجل فسأله عن رجل لم يدر واحدة صلى أو اثنتين، فقال له: يعيد الصلاة، فقال له: فأين ما روي أن الفقيه لا يعيد الصلاة ؟ ! قال: إنما ذلك في الثلاث والأربع ". وما رواه العامة والخاصة عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال: " من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله حرم الله عليه النار ". فظاهره يقتضي عدم الدخول جميع من شهد الشهادتين النار، لما فيه من التعميم، لكن قامت الأدلة القطعية - كتابا وخبرا - على أن عصاة الموحدين يعذبون، ثم يخرجون بالعفو والشفاعة وأمثالهما، فنعلم أن ظاهره غير مراد، فكأنه قال: إن ذلك مقيد بمن عمل صالحا، أو فيمن قالها تائبا، ومات على ذلك وقد قيد في بعض الروايات بقوله " مخلصا " والإخلاص أن تخلص إيمانك من كل شر حتى لا تفسده شهوات نفسك، وقد تمسك بعموم نحو هذا الخبر الغلاة الباطنية وجعلوه ذريعة إلى طرح التكاليف، ورفع الأحكام وإبطال الأعمال بزعمهم الباطل في أن الشهادتين أو معرفة الإمام عليه السلام كافية في الخلاص، مع أن هذه الفكرة الممقوتة الباطلة تستلزم طي بساط الشريعة وإبطال الحدود والزواجر، ويوجب كون الترغيب والترهيب والتحذير

[256]

امورا زائدة لا طائل تحتها. ومنها ما رواه الصدوق في المعاني " عن فضيل بن عثمان الأعور قال: سئل أبو عبد الله عليه السلام فقيل له: إن هؤلاء الأخابث يروون عن أبيك يقولون: إن أباك عليه السلام قال: " إذا عرفت فاعمل ما شئت " فهم يستحلون بعد ذلك كل محرم، قال: ما لهم لعنهم الله ؟ ! إنما قال أبي عليه السلام: إذا عرفت الحق فاعمل ما شئت من خير يقبل منك ". تذييل: وأما وجوب الفحص عن المعارض والمخصص عند احتمالهما، فمما لا خلاف فيه عند المحققين، لأن وجودهما في جملة من أحاديث الأحكام مما لا يدانيه شك ولا يعتريه ريب، فمن باب المثال أنه روى الشيخ في التهذيب والكليني في الكافي بإسنادهما " عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام من سؤر الحائض ؟ قال: توضأ به وتوضأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة، وتغسل يدها قبل أن تدخلها الإناء وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله يغتسل هو وعائشة في إناء واحد ويغتسلان جميعا ". ورويا كلاهما مسندا " عن عنبسة بن مصعب، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سؤر الحائض يشرب منه ولا يتوضأ ". وروى الشيخ في التهذيب بإسناده " عن معاوية بن حكيم، عن ابن المغيرة، عن الحسين بن العلاء، عنه عليه السلام في الحائض يشرب من سؤرها ولا يتوضأ منه (1). ومن باب المثال أيضا: ما روى الشيخ " عن محمد بن يعقوب الكليني، عن عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد يرفعه إلى أبي عبد الله في الخز الخالص أنه لا بأس به، فأما الذي


(1) قال - رحمه الله - بعده فالوجه في هذه الأخبار ما فصل في الأخبار الأولة وهو أنه إذا لم تكن المرأة مأمونة فانه لا يجوز التوضي بسؤرها، ويجوز أن يكون المراد بها ضربا من الاستحباب، والذي يدل على ذلك ما أخبرني به أحمد بن عبدون وساق السند إلى - " عن أبي هلال قال: قال أبو عبد الله عليه السلام: المرأة الطامث أشرب من فضل شرابها ولا احب أن أتوضأ منه ".

[257]

يخلط فيه وبر الأرانب أو غير ذلك مما يشبه هذا فلا يصلى فيه ". وروى أيضا " عن محمد بن أحمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن داود الصرمي، عن بشير بن يسار قال: سألته عن الصلاة في الخزيعش بوبر الأرانب ؟ فكتب يجوز ذلك (1) ". معرفة فإذا كان الخبران المتعارضان من الفروع فقال الشيخ في أول استبصاره: اعلم أن الأخبار على ضربين: متواتر وغير متواتر، فالمتواتر منها ما أوجب العلم، فما هذه سبيله يجب العمل به من غير توقع شئ ينضاف إليه ولا أمر يقوى به ولا يرجح به على غيره. وما يجري هذا المجرى لا يقع فيه التعارض ولا التضاد في أخبار النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام. وما ليس بمتواتر على ضربين: فضرب منه يوجب العلم أيضا فهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم، وما يجري هذا المجرى يجب أيضا العمل به ولا حق بالقسم الأول - والقرائن أشياء كثيرة: منها: أن تكون مطابقة لأدلة العقل ومقتضاه، ومنها أن تكون مطابقة لظاهر القرآن إما لظاهره أو عمومه أو دليل خطابه أو فحواه، فكل هذه القرائن يوجب العلم، ويخرج الخبر عين حيز الآحاد وتدخله في باب المعلوم، ومنها أن تكون مطابقة للسنة المقطوع بها إما صريحا أو دليلا أو فحوى أو عموما، ومنها أن مطابقة لما اجمع المسلمون عليه، ومنها أن تكون مطابقة لما أجمعت عليه الفرقة المحقة، فإن جميع هذه القرائن تخرج الخبر عن حيز الآحاد وتدخله في باب المعلوم وتوجب العمل به. وأما القسم الآخر: فهو كل خبر لا يكون متواترا، ويتعرى من واحد من هذه القرائن، فإن ذلك خبر واحد، ويجوز العمل به على شروط: فإذا كان الخبر لا يعارضه خبر آخر، فإن ذلك يجب العلم به، وإن كان هناك ما يعارضه فينبغي أن ينظر في المتعارضين فيعمل على اعدل الرواة في الطريقين. * (هامش) (1) قال: فهذا الخبر شاد لم يروه إلا داود الصرمي وإن تكرر في الكتب بأسانيد مختلفة، ويجوز أن يكون الوجه فيه ضربا من التقية كما قلنا في غيره من الأخبار ".

[258]

وإن كانا سواء في العدالة، عمل على أكثر الرواة عددا. وإن كانا متساويين في العدالة والعدد، وهما عاريان من جميع القرائن التي ذكرناها، نظر فإن كان متى عمل بأحد الخبرين أمكن العمل بالآخر على بعض الوجوه وضرب من التأويل، كان العمل به أولى من العمل بالآخر الذي يحتاج مع العمل به إلى طرح الآخر، لأنه يكون العامل بذلك عاملا بالخبرين معا. وإذا كان الخبران يمكن العمل بكل واحد منهما وحمل الآخر على بعض الوجوه وضرب من التأويل، وكان لأحد التأويلين خبر آخر يعضده أو يشهد به على بعض الوجوه صريحا أو تلويحا، لفظا أودليلا، وكان الآخر عاريا من ذلك كان العمل به أولى من العمل بمالا يشهد له شئ من الأخبار. وإذا كان لم يشهد لأحد التأويلين خبر آخر، وكان متحاذيا كان العامل مخيرا في العمل بأيهما شاء، وإذا لم يمكن العمل بواحد من الخبرين إلا بعد طرح الآخر جملة لتضادهما وبعد التأويل بينهما كان العامل أيضا مخيرا في العمل بأيهما شاء من جهة التسليم، ولا يكون العاملان بهما على هذا الوجه إذا اختلفا وعمل كل واحد منهما على خلاف ما عمل عليه الآخر مخطئا ولا متجاوزا حد الصواب إذ روي عنهم عليهم السلام أنهم قالوا: " إذا ورد عليكم حديثان ولا تجدو ما ترجحون به أحدهما على الآخر مما ذكرناه، كنتم مخيرين في العمل بها " ولأنه إذا ورد الخبران المتعارضان وليس بين الطائفة إجماع على صحة أحد الخبرين ولا على إبطال الخبر الآخر فكأنه إجماع على صحة الخبرين، وإذا كان الإجماع على صحتهما كان العمل بها جائزا سائغا. فإذا فكرت في هذه الجملة وجدت الأخبار لا تخلو من قسم من هذه الأقسام ". بعض الأخبار العلاجية روى الصدوق محمد بن علي بن بابويه - رحمهما الله - في عيون أخبار الرضا عليه السلام " عن أبيه، وعن محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد جميعا، عن سعد بن عبد الله، عن محمد بن عبد الله المسمعي، عن أحمد بن الحسن الميثمي أنه سأل الرضا عليه السلام يوما - وقد اجتمع عنده قوم من أصحابه وقد كانوا يتنازعون في الحديثين المختلفين عن رسول الله صلى الله عليه وآله في الشئ الواحد - فقال

[259]

عليه السلام: ما ورد عليكم من خبرين مختلفين فاعرضوهما على كتاب الله، فما كان في كتاب الله موجودا حلالا أو حراما، فاتبعوا ما وافق نهي النبي صلى الله عليه وآله وأمره، وما كان في السنة نهي إعافة أو كراهة ثم كان الخبر الآخر خلافه فذلك رخصة فيما عافة رسول الله صلى الله عليه وآله، وما لم تجدوه في شئ من هذه الوجوه فردوا إلينا علمه فنحن أولى بذلك ولا تقولوا فيه بآرائكم، وعليكم بالكف والتثبت والوقوف وأنتم طالبون باحثون حتى يأتيكم البيان من عندنا ". ج 2 ص 20. روى الكليني محمد بن يعقوب في الكافي بسند صحيح " عن أبي عبد الله عليه السلام قال: خطب النبي صلى الله عليه وآله بمنى فقال: أيها الناس ما جاءكم عني يوافق كتاب الله فأنا قلته وما جاءكم يخالف كتاب الله فلم أقله ". وفيه " عن محمد بن يحيى، عن عبد الله بن محمد، عن علي بن الحكم، عن أبان بن عثمان، عن عبد الله بن أبي يعفور قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به ؟ قال: إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله صلى الله عليه وآله، والا فالذي جاءكم به أولى به ". جواب الشرط محذوف أي فاقبلوه. روى الشيخ في أماليه مسندا " عن جابر - يعني ابن يزيد - عن أبي جعفر عليه السلام قال: دخلنا عليه ونحن جماعة بعد ما قضينا نسكنا - إلى أن قال: - قال: انظروا أمرنا وما جاءكم عنا، فإن وجدتموه للقرآن موافقا فخذوا به، وإن لم تجدوه موافقا فردوه، وإن اشتبه الأمر عليكم فقفوا عنده وردوه إلينا نشرح لكم من ذلك ما شرح لنا ". وفي آخر السرائر لابن إدريس من كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم إلى مولانا أبي الحسن الهادي عليه السلام " قال محمد بن علي بن عيسى: سألته عليه السلام عن العلم المنقول إلينا عن آبائك وأجدادك صلوات الله عليهم قد اختلف علينا فكيف نعمل به على اختلافه أو نرد إليك فيما اختلف فيه ؟ قال: ما علمتم أنه قولنا فالزموه وما لم تعلموه فردوه الينا. وفي النهج ضمن عهده إلى الأشتر: " واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك

[260]

من الخطوب، ويشتبه عليك من الامور، فقد قال الله تعالى لقوم أحب ارشادهم: " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الأمر منكم، فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول " فالرد إلى الله الأخذ بمحكم كتابه، والرد إلى الرسول الأخذ بسنته الجامعة غير المفرفة ". وفي الكافي " عن القمي، عن أبيه، عن عثمان بن عيسى وابن محبوب جميعا، عن سماعة، عن أبي عبد الله عليه السلام قال: سألته عن رجل اختلف عليه رجلان من أهل دينه في أمر كلاهما يرويه، أحدهما يأمر بأخذه والآخر ينهاه عنه، كيف يصنع ؟ قال: يرجئة حتى يلقى من يخبره فهو في سعة حتى يلقاه "، " وفي رواية اخرى: بأيهما أخذت من باب التسليم وسعك ". وفي ذيل مقبولة عمر بن حنظلة: " فإن كان الخبران عنكما - يعني أبا جعفر وأبا عبد الله عليهما السلام - قد رواهما الثقات عنكم ؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنة وخالف العامة فيؤخذ به، وترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنة ووافق العامة. قلت: أرأيت إن كان الفقيهان (1) عرفا حكمه من الكتاب والسنة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامة والآخر مخالفا لهم بأي الخبرين يؤخذ ؟ قال: ما خالف العامة ففيه الرشاد، فقلت: فإن وافقهما الخبران جميعا ؟ قال: ينظر إلى ما هم إليه أميل، حكامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر. قلت: فإن وافق حكامهم الخبرين جميعا ؟ قال: إذا كان ذلك، فأرجه حتى تلقى إمامك، فإن الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات ". سادسها: معرفة الناسخ من المنسوخ، وفيه مباحث: الأول وقوعه في الأخبار: روى الكليني باسناده " عن أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس قال: قلت لأمير المؤمنين عليه السلام: اني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئا من تفسير القرآن واحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله غير ما في أيدي الناس، ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن نبي الله صلى الله عليه وآله أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون


(1) يعنى اللذين اختلفا في حكم المتنازع فيه، وقد تقدم في صدر الخبر ذكرهما.

[261]

أن ذلك باطل، أفترى الناس يكذبون على رسول الله صلى الله عليه وآله متعمدين، ويفسرون القرآن بآرائهم ؟ قال: فأقبل علي فقال: قد سألت فافهم الجواب، إن في أيدي الناس حقا وباطلا، وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما - إلى آخر الحديث ". ورواه الصدوق أيضا بإسناده عن أبان عنه، عن أمير المؤمنين عليه السلام في خصاله، وذكر الشريف الرضي في النهج. ومعنى النسخ في اللغة الإزالة، وفي الاصطلاح هو الإعلام بزوال حكم ثابت بدليل شرعي، أو زوال الحكم بدليل شرعي متأخر، على وجه لولاه لكان الحكم الأول ثابتا. وليس هو بمبطل للحكم الأول، بل بيان لانتهاء مدته عند المحققين. ولا ريب في جواز النسخ ووقوعه في الشرع، لكن يجب أن يعلم أنه قليل جدا، أما في القرآن فلا نعلم منه حكما منسوخا إجماعيا إلا في موارد عدة نذكر بعضها: 1 - اعتداد المتوفى عنها زوجها حيث كان في أول الأمر حولا كاملا كما في كريمة " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا وصية لأزواجهم متاعا إلى الحول غير إخراج - الآية ". فنسخ بآية " والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا - الآية ". البقرة 240 و 233. 2 - إيذاء الزاني والزانية في الآية المباركة: " واللذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما - الآية " وهي منسوخة بآية الحد " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة - الآية ". الأولى في النساء 16 والثانية في النور 2. 3 - وجوب الصدقة على من أراد نجوى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كريمة " يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقد موابين يدي نجواكم صدقة - الآية ". ونسخ بقوله تعالى " ءأشفقتم أن تقدموا بين يدي نجواكم صدقات فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم - الآية ". المجادلة 12 و 13. 4 - وأما نسخ حكم وجوب ثبات عشرين من المجاهدين في قبال مائتين من عساكر الكفار في الجهاد ففيه كلام قال الله تعالى: " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا - الآية " قيل: نسخ حكم الآية بقوله عزوجل: " الآن خفف الله

[262]

عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فان يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين باذن الله والله مع الصابرين " الأنفال 65 و 66 وقالوا: وإن كان لفظ الآية الأولى لفظ الخبر لكن المراد به الأمر بدليل قوله تعالى في ناسخ حكمها بعد " الآن خفف الله عنكم " لأن التخفيف لا يكون إلا بعد التكليف. وأما نسخ السنة بالكتاب فلا نعرف له موردا إلا في تحويل القبلة حيث كان النبي صلى الله عليه وآله بعد ما ورد المدينة صلى إلى بيت المقدس منذ بضعة عشر شهرا، فنزلت آية " قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره " البقرة 143 فتوجه النبي والمسلمون من جهة القدس إلى الكعبة. أو نسخ حكم حرمة المباشرة مع النساء في ليالي شهر رمضان حيث كانت في أول الأمر محرمة حتى نزلت كريمة " احل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفى عنكم فالآن باشروهن " البقرة 187. وأما نسخ السنة المتواترة بالسنة المتواترة أو نسخها بالآحاد فلم نقف له على مثال يطمئن إليه القلب وإن كان فهو في غاية الندرة، ومما ادعي فيه النسخ أحاديث بريدة قال صلى الله عليه وآله: " كنت نهيتكم عن الأشربة إلا في ظروف الادم فاشربوا في كل وعاء "، أو " كنت نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث ألا فادخروها "، أو " كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ". من طريق أنس وابن مسعود. ومما يجب إنكاره جدا نسخ الكتاب أو السنة المتواترة بأخبار الآحاد لأنا امرنا بعرض أخبار الآحاد على الكتاب، وإن لم نجد فيه فعلى السنة المتواترة وطرح ما خالفهما أو خالف أحدهما، فإن نسخهما بأخبار الآحاد جائزا، فما الفائدة في عرضه على الكتاب، ثم على السنة. وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا صلى الله عليه وآله بقول أعرابي - الخبر ". نقله العلامة في نهاية الاصول.

[263]

ومما ذكر ظهر أن كل حكم ثبت في الشرع بدليل قطعي أو ظني ثبتت حجيته لا يجوز التوقف فيه لاحتمال كونه منسوخا، والضرورة قاضية بأن الأصل عدم النسخ، وما ورد من أن في الأخبار ناسخا ومنسوخا مثل الكتاب فبعد كونه من أخبار الآحاد لا يوجب لنا العلم بمدلوله كما لا يوجب الترديد والتشكيك في العمل بالكتاب والسنة. وكيف كان يعرف الناسخ بتنصيص الشارع صريحا كأن يقول: هذا ناسخ لذلك، أو بما يؤدي ذلك كما في قوله تعالى: " الآن خفف الله عنكم - الآية " أو كما في قوله صلى الله عليه وآله: " كنت نهيتكم عن زيارة المقابر ألا فزوروها ". وإما بالعلم بالمتأخر وإذا حصل التضاد ولم يعلم الناسخ فيجب التوقف. وهل حكم النسخ يثبت بالنزول والصدور أو بالوصول ؟ اختلفوا فيه، فبعضهم قال بالأول، وبعضهم قال بالثاني، والثاني لا يخلو من وجه لأن النسخ تكليف ثان وشرطه البلوغ إلى المكلف لاستحالة تكليف الجاهل. سابعها معرفة كونه محمولا على التقية أم لا: فيقع الكلام فيه على امورا: جوازها، وقوعها، وموارد حمل الخبر عليها. أما الجواز فعليه إجماع الفرقة، ونقل عن المغرب جوازها عن الحسن البصري. واستدل الأصحاب ببعض الآيات والروايات، كقوله تعالى: " إلا من أكره وقلبه مطئمن بالإيمان " في عمار بن ياسر حين أكرهه أهل مكة، وقوله تعالى في ذيل الآية: " أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ". وبقول إبراهيم عليه السلام: " بل فعله كبيرهم " وقوله: " إني سقيم ". وبما رواه مسلم في ج 8 ص 21 من صحيحه " أن رجلا استأذن على رسول الله صلى الله عليه وآله، فقال: بئس أخو العشيرة، فأذن له، فلما دخل عليه أقبل عليه صلى الله عليه وآله بوجهه وبشره يحدثه حتى فرغ وخرج من عنده، فقيل له: يا رسول الله أنت تذكر هذا الرجل بما ذكرته، وأقبلت عليه بوجهك وبشرك ؟ ! فقال عليه السلام: إن من شر عباد الله من تكره مجالسته لفحشه ". وما رواه المعاني مسندا " عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: حديث تدريه خير من ألف ترويه، ولا يكون الرجل منكم فقيها حتى يعرف معاريض كلامنا، وإن

[264]

الكلمة من كلامنا لتنصرف على سبعين وجها، لنا من جميعها المخرج ". والمراد ما يصدر عنهم تقية أو تورية. وخالفنا في ذلك الزيدية والعامة وعابوا علينا قولنا بالجواز والوجوب، وقالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله والأئمة عليهم السلام عندكم وفي اعتقادكم نصبوا لبيان الأحكام والشرايع، فلو اتقوا من الأعداء، ولم يبينوا الأحكام على الحقيقة فما الفائدة من نصبهم بعد عدم جرأتهم لبيانها، وأيضا لم يبق اعتماد على أقوالهم إذ تحتمل التقية بيان خلاف الواقع، مع أنكم تقولون: الإمام معصوم من الخطأ، ليكون قوله حجة، والتقية يوجب عدم الاعتماد على أقوالهم. وأجيب عن ذلك بأن فرض التقية في مقام تعارض الأخبار فحسب ولذا لا يوجب الخفاء وعدم البيان، وكذا لا ينتفي به الاعتماد على قولهم إذا اشاروا إلى التقية تلويحا وبينوا الحكم في موقف آخر بحيث يزيل الشبهة. والتقية لا تنافي العصمة، فإذا أفتى بالتقية وكان عالما بحكم الله لم يمنعه من بيان الحقيقة في ظرف آخر، وأما بعد عدم العصمة فربما يخطئ في الحكم ولا يدري الحق ولا يلتفت إليه فيمضي على خطائه، وإن استدركه احتمل الخطأ في الثاني دون الأول أوفي كليهما. كما قاله استاذنا الشعراني قدس سره. وأما وقوعها: فهو ثابت بإجماع الفرقة والروايات بحيث لا يحتاج إلى البرهان، فإن تقية المعصومين عليهم السلام من جبابرة الزمان وخلفاء الجور والسلطة الحاكمة في أزمانهم مما لا ريب فيه، وهم عليهم السلام قائلون بأن تسعة أعشار الدين في التقية، وأن لادين لمن لا تقية له، وروى الكليني (ره) في باب التقية بإسناده عن أبي عمرو الكناني عن أبي عبد الله عليه السلام قال: يا أبا عمرو أرأيتك لو حدثتك بحديث أو أفتيتك بفتيا، ثم جئتني بعد ذلك فسألتني عنه فأخبرتك بخلاف ما كنت أخبرتك أو أفتيتك، بأيهما تأخذ ؟ قلت: بأحدثهما وأدع الآخر، فقال: قد أصبت يا أبا عمرو، أبي الله إلا أن يعبد سرا، أما والله لئن فعلتم ذلك أنه خير لي ولكم، أبي الله عزوجل لنا ولكم في دينه إلا التقية ". وقوله " إلا أن يعبد سرا " أي في دولة الباطل. وأما عرفان موارد الحمل عليها فسهل إذ جلها أو كلها في مقام التعارض،

[265]

فما كان موافقا لفتاويهم مخالفا لما عليه أصحابنا علم أنه صدر تقية، لكن هذا يحتاج إلى العلم بالتاريخ ومعرفة أحكام العامة وزمان صدور الخبر والفتوى المعمول بها في ذلك الزمان - أي فتاويهم في زمان صدور الخبر عن المعصوم عليه السلام -. الامور التي تجب معرفتها في دراية الحديث من حيث السند فحسب هي: الف: عرفان السند ويجب فيه: 1 - تمييز المدلسين والوضاعين (1) (الذين باعوا ضمائرهم للسلطة الحاكمة والميول والنزعة القومة " العدول الصادقين (الذين تجنبوا الكذب والمين). 2 - معرفة المولى منهم والصميم والحليف والرقيق ومعرفة آرائهم ونحلاتهم ومذاهبهم. 3 - معرفة زمان الراوي في أي عصر هو، أيسمع هو عن المعصوم أويروي بالواسطة. 4 - معرفة البيوتات والأنساب ثم البلدان 5 - معرفة الإخوة أو الأخوات وأسمائهم: مثل: عبد الله وعتبة ابني مسعود الهذلي، وزيد ويزيد بن ثابت في الصحابة، وزيد وصعصعة ابني صوحان في التابعين، وربعي ومسعود ابني خراش العبسيين، والسهل وعباد وعثمان بني حنيف، وسالم وزياد وعبيدة بني الجعد الأشجعيين. ومن أصحاب الصادق عليه السلام كالحسن ومحمد وعلي بني عطية الدغشي ومحاربي، ومحمد وعلي وحسن بني أبي حمزة الثمالي، وعبيد الله ومحمد وعمران وعبد الأعلى بني علي بن أبي شعبة الحلبي، وسفيان ومحمد وآدم وعمران وإبراهيم بني عيينة، وزرارة وبكير وحمران وعبد الملك وعبد الرحمن ومالك وقعنب وعبد الله ونجم بني أعين الشيباني، ومحمد وعبد الله وعبيد وحسن وحسين ورومي أبناء زرارة


(1) سيأتي ذكر جلهم.

[266]

6 - تمييز المشتركات بالزمان والمكان أو بالكتب والتآليف والمشايخ والراوين. 7 - معرفة الذين لم يرو عنهم إلا واحد مثل: سليم بن قيس الهلالي الكوفي الذي لم يرو كتابه إلا أبان بن أبي عياش، والحسن بن موفق صاحب النوادر لم يرو كتابه إلا أحمد بن ميثم، وأحمد بن فضل بن دكين صاحب المصنفات والنوادر لم يرو كتبه إلا حميد بن زياد، وغيرهم من أصحابنا ومن العامة مثل: وهب بن خنبش الصحابي الطائي الكوفي، وعروة بن مضرس، ومحمد بن صفوان الأنصاري وهؤلاء لم يرو عنهم إلا الشعبي والذين تفرد برواياتهم الزهري وهم أكثر من خمسة وعشرين من التابعين لم يرو عنهم غير الزهري. 8 - ضبط الأسماء والأنساب، كمعمر ومعمر وجرير وجرير، وحميد وحميد، وأمثال ذلك. فائدة: المتهمون بالكذب أو الوضع أو التخليط أو التدليس، والذين يجب التبين في نبئهم عملا بكريمة " إن جاء كم فاسق بنبأ فتبينوا " والمشهورون منهم هؤلاء أبان بن أبي عياش أبو إسماعيل البصري اتهم بوضع كتاب سليم بن قيس، وتقدم الكلام فيه. (صه) إبراهيم بن أبي يحيى المدني أبو إسحاق، قيل فيه: كذاب، يضع الحديث. وقال ابن عقدة: ليس بمنكر الحديث. إبراهيم بن رجا الشيباني الكوفي، عامي ولم يوثق متروك، كذاب عندهم. أحمد بن محمد بن سيار أبو عبد الله السياري، كذاب، ضعيف، فاسد المذهب، مجفو الرواية. (جش، ست، صه) أحمد بن محمد أبو عبد الله الخليلي الآملي، كذاب، وضاع للحديث. (صه). إسحاق بن محمد بن أحمد بن أبان أبو يعقوب الأحمر، هو معدن التخليط. كان كذابا، وضاعا (صه)

[267]

إسماعيل بن علي بن علي بن رزين، مختلط الأمر، قيل: كان كذابا، وضاعا للحديث، ولي الحسبة بواسط. (صه) أشعث بن سعيد السمان أبو الربيع، عامي ولم يوثق متروك عندهم، و قال بعضهم: كان يكذب. بنان بن محمد بن عيسى، اسمه عبد الله ولقبه بنان، كان يكذب على علي بن الحسين عليهما السلام (كش) جعفر بن علي بن سهل الدقاق الحافظ، عامي، ولم يوثق، قال الخطيب: كان كذابا فاسقا. جعفر بن محمد بن مالك بن عيسى بن سابور، ضعفه النجاشي، وقال ابن الغضائري: يضع الحديث. جعفر بن واقد روى ابن قولويه (محمد) بإسناده عن علي بن مهزيار أنه سمع أبا جعفر عليه السلام يلعنه. (كش، صه) الحسن بن العباس بن الحريش أبو علي، ضعيف جدا (جش) وضع فضل إنا أنزلناه (صه) الحسن بن علي بن أبي حمزة البطائني، واقفي كذاب ملعون. (صه، كش) الحسن بن محمد بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبد الله بن الحسين بن علي بن الحسين بن علي أمير المؤمنين عليهم السلام، أبو محمد المعروف بابن أخي طاهر، روى عن جده يحيى بن الحسن وغيره، وعن المجاهيل أحاديث منكرة، ضعفه الأصحاب وقال " غض ": كان كذابا يضع الحديث: (صه، جش). حمزة بن عمارة البربري، ملعون على ما روي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما السلام. (صه). داود بن الزبرقان الرقاشي أبو عمرو البغدادي المتوفى 186 عامي ولم يوثق، اتهم بالكذب. ربيع بن زكريا الوراق الكوفي، مطعون عليه بالغلو، له كتاب فيه تخليط. (جش، صه)

[268]

سالم بن أبي حفضة العجلي المتوفى 137، كذبه أبو عبد الله عليه السلام وكفره ولعنه. (صه) سالم بن أبي سلمة الكندي السجستاني، قال العلامة في الخلاصة ضعيف وأحاديثه مختلطة. سليمان بن عبد الله الديلمي أبو محمد، كان غاليا، كذابا، وكذلك ابنه محمد بن سليمان. (صه، جش) سليمان بن عمرو بن عبد الله النخعي أبو داود الكوفي الزاهد المتنسك القائم بالليل والصائم بالنهار، الراوي عن أبي عبد الله عليه السلام، وكان يضع الحديث وضعا، لقبه المحدثون كذاب النخع. (صه عن ابن الغضائري) عبد الله بن محمد البلوي، كان واعظا، فقيها، مطعونا عليه (جش) قال ابن الغضائري: كذاب وضاع. (صه) علي بن أحمد الكوفي، يكنى أبالقاسم، صنف كتابا في الغلو والتخليط، وقال النجاشي: انه كان يقول: إنه من آل أبي طالب، وغلا في آخر عمره وفسد مذهبه، وصنف كتبا كثيرة، أكثرها على الفساد، وقال ابن الغضائري: أبو القاسم الكوفي المدعي العلوية كذاب، غال صاحب بدعة (صه) علي بن سالم البطائني قائد أبي بصير المكفوف، أحد عمد الواقفة، كذاب متهم ملعون على قول ابن فضال. (صه) محمد بن بشير من أصحاب الكاظم عليه السلام غال ملعون، روى الكشى مسندا عن أبي الحسن الرضا عليه السلام قال: إنه كان يكذب على أبي الحسن (الكاظم) عليه السلام. (صه) محمد بن علي أبو سمينة الصيرفي المشتهر بالكذب بالكوفة. (جش، محمد بن الحسن بن جمهور العمي البصري، كان ضعيفا في الحديث غاليا في المذهب فاسدا في الرواية، لا يلتفت إلى حديثه ولا يعتمد على ما يرويه. (صه) محمد بن مقلاص أبي زينب الأسدي يكنى أبا الخطاب، ملعون على لسان أبي عبد الله (ع). (صه)

[269]

محمد بن موسى الهمداني السمان، قال محمد بن الحسن بن الوليد: وضع أصل النرسي، وأصل زيد الزراد، وقال: إنه كان يضع الحديث، ضعفه القميون بالغلو (صه، جش) محمد بن [ابي] القاسم الأستر آبادي ضعيف كذاب له تفسير روى عن رجلين مجهولين. (صه) مغيرة بن سعيد رأس المغيرية، تظافرت الروايات بكونه كذابا. (صه) معلى بن محمد البصري أبو الحسن مضطرب الحديث والمذهب. (صه) مفضل بن صالح أبو جميلة النخاس الأسدي ضعيف الكذاب يضع الحديث. (صه) مفضل بن عمر الجعفي قال النجاشي: كوفي فاسد المذهب مضطرب الرواية لا يعبأ به، وقيل إنه كان خطابيا - يعني من أتباع محمد بن مقلاص الاسدي -. مقاتل بن سليمان البلخي، عامي، كذاب، دجال، وضاع، عدة النسائي من الكذابين، وهو الذي قيل فيه انه قال منصور الكاتب عن أبي عبيد الله قال: قال لي أمير المؤمنين مهدي - لما أتانا نعي مقاتل - اشتد ذلك علي فذكرته لأمير - المؤمنين أبي جعفر، فقال: لا يكبر عليك، فإنه كان يقول لي: انظر ما تحب أن احدثه فيك حتى احدثه، وعنه أيضا قال: قال لي المهدي: ألا ترى ما يقول هذا ؟ - يعنى مقاتلا - قال: إن شئت وضعت لك أحاديث في العباس، قال: قلت: لا حاجة لي فيها. وهب بن وهب أبو البختري القاضي العامي مر ذكره ص 236. منخل بن جميل الأسدي بياع الجواري، ضعيف فاسد الرواية. (صه، جش، كش) يونس بن ظبيان، ويزيد الصائغ كانا من المشهورين باكذب وقال النجاشي كان يونس مولى ضعيفا جدا، لا يلتفت إلى ما رواه، كل كتبه تخليط، وقال ابن الغضائري: إنه كوفي غال كذاب وضاع (صه).

[270]

تذكرة اعلم أن العرب كانت تنسب إلى القبائل والشعوب كما تقدمت الاشارة إليه من المؤلف - رحمه الله -، وذلك قبل توطنهم في القرى والمدن، وبعد أن استوطنوا البلاد والقرى ضاعت الأنساب فانتسبوا إلى الأمصار والبلدان، فالساكن ببلدو إن قل ينسب إليه، وإن انتقل إلى آخر نسب تارة إلى أحدهما واخرى إلى كليهما مقدما للأول، والساكن بقرية ناحية بلدة ينسب إلى أيها شاء، وربما ينسب إلى المجموع، وكثيرا ما ينسب إلى الصنعة، أو إلى الفرقة والنحلة، ونرى كثيرا أن الرجل الواحد ينسب في مقام إلى موضع وفي آخر إلى آخر أو قبيلة أعم من الأول أو أخص، كالخراساني والطوسي، أو الساباطي والمدائني، أو الحجازي والمكي، أو الخارفي والهمداني، وربما يتوهم من ذلك التعدد والفرض الاتحاد. ولكثرة اشتراك اللفظ في الأشخاص والفرق في النسبة يجب الدقة والتحقيق ولا يتمسك بحجية التبادر فيه، فالعلوي مثلا نسبة إلى أربعة علي: إلى علي بن أبي طالب عليه السلام، وإلى علي بن سود، مثل خالد بن يزيد العلوي. وبنو علي بطن من مذحج كجندب بن سرحان العلوي، وبنو علي بطن من الأزد كسلم ابن قيس البصري العلوي. والعمري - بضم العين - نسبة إلى رجلين: إلى عمر بن الخطاب كأبي عثمان عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم العمري. وإلى عمر بن علي بن أبي طالب عليه السلام كأبي محمد عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب العلوي المدني، أو أخيه عبيد الله العمري العلوي. والشيعي - بكسر الشين - إما نسبة إلى شيعة أمير المؤمنين عليه السلام، وإما نسبة إلى شيعة بني العباس كابن أبي الجهم محمد بن منصور (راوي نصر بن - علي الجهضمي) الشيعي، وأبو الحسين الحسن بن عمرو بن الجهم المتوفى 288 راوي ابن المديني. واليهودي إما نسبة إلى الكليم موسى بن عمران عليه السلام، وإما نسبة إلى درب اليهود ببغداد، نسبت إليه جماعة سكنوا بجانبه، منهم أبو محمد عبد الله بن عبيد الله بن -

[271]

يحيى اليهودي، وإما نسبة إلى باب اليهود - وهو كما في معجم الحموي: محلة أو ناحية بجرجان - منهم أبو محمد أحمد بن محمد بن عبد الكريم الوزان الجرجاني اليهودي المتوفي 307. والمسيحي إما نسبة إلى المسيح عيسى بن مريم عليه السلام، وإما نسبة إلى جد المنتسب إليه، منهم أبو علي بن محمد بن زكريا المسيحي الأعرج. والأموي أيضا إما نسبة إلى امية بن عبد شمس، وإما نسبة إلى أمية بن زيد بطن من الأنصار، منهم رافع بن عنترة الاموي، وشعيب بن عمرو الاموي. والأشعري إما نسبة إلى جد المنتسب إليه وهو نبت بن أدد الحميري، وإما نسبة إلى مذهب أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وهو من أولاد أبي موسى الأشعري، فمن الأول الأشعريون المدفونون بقم: منهم زكريا بن آدم الأشعري، وآدم بن إسحاق الأشعري، وزكريا بن إدريس أبو جرير القمي الأشعري، ومن الثاني أبو بكر ابن الباقلاني اسمه محمد بن الطيب. والغالي إما نسبة إلى الغلو في الدين، وإما نسبة إلى جدة المنتسب إليها، منهم أبو منصور محمد بن حامد الغالي النيشابوري لكون ام جده تسمى غالية. والواقفي إما نسبة إلى الواقفة، وهم الشيعة الذين وقفوا في أحد الأئمة المعصومين عليهم السلام وكثيرا ما يطلق على الواقفين في موسى بن جعفر عليهما السلام، وإما نسبة إلى بطن من الأوس من الأنصار يقال لهم: بنو كعب بن واقف، اسمه مالك بن امرء القيس وهم كثير أحدهم هلال بن امية الواقفي أحد الثلاثة البكائين الذين تخلفوا عن تبوك. والخارجي إما نسبة إلى الخوارج، وإما نسبة إلى خارجة بن عدوان وهم بطن: منهم محمد بن بشير الخارجي. والكيساني إما نسبة إلى الكيسانية فرقة من الواقفة، وقفوا في أبي عبد الله الحسين عليه السلام، وإما نسبة إلى جد المنتسب إليه، منهم أبو محمد سليمان بن شعيب بن سليمان بن سليم بن كيسان الكلبي الكيساني. وربما تعثر في الرواة على من وصفوه بالمعدل والذي يظهر لمن تتبع التواريخ أنه كان

[272]

في أواخر خلافة بني العباس أقاموا رجالا عدولا عند الناس مع كل قاض في كل بلد، فإذا أراد القاضي استعلام أمر أو اعترافا من أحد أو شهودا لوصية بعث بهم ليتعرفوا الخبر أو يشهدوا الوصية أو النكاح - على مذهبهم - أو الطلاق على مذهبنا وأمثال تلك الأمور التي تحتاج إلى العدل الواحد أو العدلين أو العدول، فسموا بالمعدل، قال ابن الأثير في اللباب: " المعدل - بضم الميم وفتح العين والدال المهملة وفي آخرها لام - يقال لمن عدل وزكا، وقبلت شهادته، وفيهم كثرة منهم أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله ابن بشران المعدل المتوفى 328، وأبو نصر أحمد بن عبد الباقي الموصلي الفقيه المتوفى 452. وابن السوسنجردي أبو الحسن المعدل اسمه أحمد بن عبد الله بن الخضر بن مسرور المتوفى 402. والحنفي - بفتح الحاء والنون - إما نسبة إلى أبي حنيفة النعمان بن ثابت أحد الفقهاء الأربعة لأهل السنة، من حيث المذهب، وإما نسبة إلى حنيفة بن - لجيم بن مصعب من حيث النسب وهم قبيلة كبيرة من أولاد ربيعة بن نزار، منهم ثمامة بن آثال الحنفي، وسراج بن عقبة بن طلق الحنفي، وخولة ام محمد بن علي بن - أبي طالب عليه السلام. والمالكي نسبة إلى مذهب، وإلى رجال وإلى مكان، وأما المذهب فأتباع مالك بن أنس المعروف فقيه دار الهجرة، يقال لهم: المالكي، وأما المكان فهو المالكية قرية على الفرات بالعراق، منهم أبو الفتح عبد الوهاب بن محمد بن الحسين الصابوني المالكي وهو شيخ حنبلي المذهب يروي عن أبي الخطاب بن نصر الصابوني وغيره وسمع منه أبو سعد السمعاني وغيره، وأما الرجال فالمنسوبون إلى مالك بن - بكر بن حبيب التغلبي، ومنهم سلمة بن خليد بن كعب المالكي، أو إلى مال المعافري. منهم أبو الفتح بن أبي إسحاق المالكي المعافري، ومنهم جماعة من أولاد سعد بن أبي وقاص، يقال لم: المالكي لأن جدهم أبي وقاص كان اسمه مالك بن وهيب بن عبد مناف، ومنهم أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن المالكي الزهري الوقاصي. أو إلى مالك بن سعد بن زيد مناة، منهم زريق المالكي، أو إلي مالك بن ثعلبة بن دودان بن أسد، منهم ضرار بن الأزور ويزيد بن أنس المالكيان.

[273]

والحنبلي إما نسبة إلى أحمد بن محمد بن حنبل صاحب المسند الكبير المشهور، وإما نسبة إلى حنبل روضة في بلاد بني تميم، ومنهل عن يسار السمينة لمن يريد مكة من البصرة. والزيدي إما نسبة إلى زيد بن علي بن الحسين عليهما السلام، ومذهبهم تقدم من المؤلف ذكره والقائلون بإمامة زيد المعروفون بالزيدية واحدها زيدي، وإما نسبة إلى قرية من سواد بغداد من أعمال با دوريا (كورة بغداد)، ينسب إليها أبو بكر محمد بن يحيى بن محمد الشوكي الزيدي الذي سمع محمد بن إسماعيل الوراق، وأبا حفص بن شاهين، والزيدية من مياه بني نمير في واد يقال له الحذيم. فائدة: إن المراد من الصدوق في كتبنا أبو جعفر (محمد) وإذا قيد بالأول فهو أبوه علي بن بابويه - رحمهما الله -. والمراد بابن بابويه هو الأب. والمراد بالشيخ هو أبو جعفر الطوسي صاحب التهذيب والاستبصار (المعبر عنهما في كتب المتأخرين بالتهذيبين). والمراد بالشيخ هو أبو جعفر الطوسي صاحب التهذيب والاستبصار (المعبر عنهما في كتب المتأخرين بالتهذيبين). والمراد من الشيخين هو (الطوسي) مع شيخه محمد بن محمد بن النعمان المفيد (ماتن التهذيب) - رحمهما الله -. والمراد بالثلاثة، هما مع السيد المرتضى علم الهدى صاحب الانتصار - رحمهم الله -. والمراد بالخمسة، هم الثلاثة المذكورة مع ابني بابويه علي بن الحسين وابنه محمد (الصدوقين). والمراد بالمتأخرين هو محمد بن إدريس ومن بعده من الفقهاء - رحمهم الله -. والمراد من " العلامة " هو جمال الدين الحسن بن يوسف بن مطهر الحلي - رحمة الله عليه -. وإذا قيل " القاضي " فالمراد به محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي. وإذا قيل " أبو القاسم " فالمراد الشيخ نجم الدين جعفر بن الحسن بن يحيى الحلي صاحب شرائع الإسلام والمعتبر والنافع.

[274]

وإذا اطلق " قوله صلى الله عليه " فهو قول النبي صلى الله عليه وآله، وإذا قيل أحدهما عليهما السلام فالمراد الباقر أو الصادق عليهما السلام. وإذا اطلق أبو جعفر فالمراد محمد بن علي الباقر عليهما السلام، وإذا قيد بالثاني فالجواد عليه السلام. وإذا أطلق أبو عبد الله فالمراد به الصادق عليه السلام. وإذا اطلق أبو الحسن - في الحديث - فالمراد به الكاظم عليه السلام. وإذا قيد بالثاني فالرضا عليه السلام، وإذا قيد بالثالث فالهادي عليه السلام، وإذا اطلق العالم أو الفقيه أو العبد الصالح أو الشيخ فالكاظم عليه السلام. والمراد بالحلبيان أبو الصلاح وابن زهرة. والمراد بالفاضلان محمد بن إدريس صاحب السرائر والعلامة الحلي والمراد بالفضلاء من أصحاب الصادقين عليهما السلام: زرارة بن أعين، وبكير بن أعين، وفضيل بن يسار، ومحمد بن مسلم الثقفي، وبريد بن معاوية العجلي. والفقهاء الأقدمون - رضوان الله عليهم - الذين لهم رسالة فقهية لمجرد الفتاوي جماعة: 1 - أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المشتهر بالصدوق المتوفى 381 له المقنع والهداية 2 - أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني المعاصر للشيخ الصدوق له رسالة تسمى " المتمسك بحبل آل الرسول ". 3 - أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي المتوفي 381 له المختصر الأحمدي للفقه المحمدي. 4 - أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد المتوفى 413 له رسالة علمية تسمى " المقنعة ". 5 - أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير المعروف بابن البراج القاضي المتوفى 481 له كتاب المهذب والجواهر. 6 - أبو الصلاح تقي بن نجم الدين الحلبي المعاصر للشيخ، والمتوفي 448 له رسالة البداية، والكافي.

[275]

7 - أبو يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي تلميذ المرتضى والمفيد رحمهم الله المتوفى 463 له رسالة تسمى " المراسم ". 8 - أبو جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسي صاحب التهذيبين المتوفي 460 الفتاوي جماعة: 1 - أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه القمي المشتهر بالصدوق المتوفى 381 له المقنع والهداية 2 - أبو محمد الحسن بن علي بن أبي عقيل العماني المعاصر للشيخ الصدوق له رسالة تسمى " المتمسك بحبل آل الرسول ". 3 - أبو علي محمد بن أحمد بن الجنيد الإسكافي المتوفي 381 له المختصر الأحمدي للفقه المحمدي. 4 - أبو عبد الله محمد بن النعمان الملقب بالمفيد المتوفى 413 له رسالة علمية تسمى " المقنعة ". 5 - أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير المعروف بابن البراج القاضي المتوفى 481 له كتاب المهذب والجواهر. 6 - أبو الصلاح تقي بن نجم الدين الحلبي المعاصر للشيخ، والمتوفي 448 له رسالة البداية، والكافي.

[275]

7 - أبو يعلى سلار بن عبد العزيز الديلمي تلميذ المرتضى والمفيد رحمهم الله المتوفى 463 له رسالة تسمى " المراسم ". 8 - أبو جعفر محمد بن الحسن بن على الطوسي صاحب التهذيبين المتوفي 460 له كتاب النهاية لمجرد فتاويه. 9 - أبو جعفر محمد بن علي الطوسي ابن حمزة (استاذ محمد بن علي بن - شهر آشوب) المتوفي 588 له كتاب الوسيلة لمجرد فتاويه. 10 - أبو المكارم حمزة بن علي بن زهرة الحسيني الحلبي المتوفى 585 له كتاب غنية النزوع إلى علمي الاصول والفروع.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية