الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أدب الضيافة- جعفر البياتي

أدب الضيافة

جعفر البياتي


[1]

أدب الضيافة تأليف جعفر البياتي مؤسسة النشر الأسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[2]

(بسمه تعالى) وجيزة تقدم إليكم نماذج من اهتمام الدين الحنيف إلى خلة من الخلال الرائقة وظاهرة من ظواهر الحياة المعنوية، وهي " الضيافة " وبيان آدابها وسننها، جمعها مؤلفها الفاضل باسلوب مرغوب وتبويب مطلوب قامت مؤسستنا بطبعها ونشرها رجاء أن ينتفع بها المجتمع الإسلامي في التخلق بأخلاقه تعالى والاستنان بسنن أوليائه عليهم السلام. مؤسسة النشر الإسلامي الكتاب: أدب الضيافة المؤلف: جعفر البياتي الناشر: موسسة النشر الأسلامي الطبعة: الاولى 1418 ه‍. ق المطبوع: 500 نسخة التاريخ: 1418 ه‍. ق مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة

[3]

الإهداء الى مولاتي فاطمة الزهراء " صلوات الله عليها ".. التي أطعمت هي وبعلها المرتضى " صلوات الله عليهما " على حب الله " سبحانه ": مسكينا ويتيما وأسيرا، فطويا ثلاثا صائمين بعد أن قدما كل ما عندهما لوجه الله " تبارك وتعالى "، لا يريدان بذلك من أحد جزاءا ولا شكورا. إليها.. تلك الطاهرة، علنا نحظى بشفاعتها وشفاعة أبنائها الميامين، فذا هو الأمل، وذي لهفتنا إليهم: يا بني الزهراء أنتم عدتي وبكم في الحشر ميزاني رجح

[5]

المقدمة الحمد لله، وأشرف الصلاة والسلام على حبيب الله، المصطفى وآله أولياء الله. الضيافة في النفس.. حالة معبرة عن حب الناس، والرغبة في إكرامهم. وفي المجتمع.. ظاهرة تدل على الانفتاح والعطاء. والضيافة بينهما.. خلق فاضل كريم، يشير إلى صفاء النفس، وصدقها ومحبتها للغير، وإلى خروجها من الانطواء والحرص والأنانية.

[6]

وهي ترتبط بجملة من الخصال الكريمة، والصفات الحميدة السليمة.. إذ كل خلق له ما يجانسه، والضيافة تتجانس مع السخاء والكرم والجود، وتتناغم مع الرحمة والعطف والحنان، وتتجاذب مع الألفة والمحبة والوئام.. هكذا في الغالب، وعلى هذا دلت نصوص أهل بيت العصمة " صلوات الله عليهم ": * يقول أمير المؤمنين علي " عليه السلام ": إذا كان في رجل خلة رائقة فانتظروا أخواتها. أي إذا كان فيه خلق فاضل معجب، فإن طبعه مظنة أن يكون فيه أمثاله، فيتوقع منه. * وروي عن الامام جعفر الصادق " عليه السلام " أنه قال: إن خصال المكارم بعضها مقيد ببعض، يقسمها الله حيث شاء، يكون في الرجل ولا يكون في ابنه، ويكون في العبد ولا يكون في سيده: صدق الحديث، وصدق البأس، وإعطاء السائل، والمكافاة بالصنائع، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والتودد إلى الجار والصاحب، وقرى الضيف.. ورأسهن الحياء. وإذا تأملنا في ذلك وجدنا للضيافة نصيبا وافرا من هذه المكارم.

[7]

والملاحظ - أخي القارئ الكريم ! - أن كرم الضيافة يرتبط بالبيئات التي تمتلك فهما معنويا للحياة، وتستلهم المواقف الأخلاقية والمثل الأنسانية والدينية. تؤمن بالقيم والفضائل، وبالثواب والعقاب، والحياة ما بعد الموت. ومن هنا.. يندر وجود ظاهرة الضيافة والكرم في البيئات المادية القائمة على الأنانية الفردية والفهم المادي القاصر فيما يتصل بالأنسان والوجود. ولا يفوتنا أن نقول: إن وجود الضيافة في أخلاق صفوة الخلق وأكثرهم بصيرة وأوفرهم رهافة.. وهم الأنبياء والأوصياء، هو مؤشر على ما في هذه الضيافة من قيم معنوية وإنسانية رفيعة. نسأله " تعالى " أن يرزقنا ما يحب ويرضى، ويجنبنا ما يبغض ويكره لعباده الصالحين. والحمد لله رب العالمين، وأزكى الصلاة والسلام على الحبيب المصطفى أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الهداة الميامين.

[9]

الضيافة في اللغة ضفت الرجل ضيفا وضيافة: نزلت به ضيفا وملت إليه، وقيل: نزلت به وصرت له ضيفا ودنوت منه، أو قيل ضفته: طلبت منه الضيافة، وتعرضت له ليضيفني، ومنه قول الفرزدق: وجدت الثرى فينا إذا التمس الثرى ومن هو يرجو فضله المتضيف وقوله أيضا: ومنا خطيب لا يعاب، وقائل ومن هو يرجو فضله المتضيف وأضفته: أنزلته على وقريته، أو أجرته، وأضفته إلى كذا:

[10]

ألجأته، وأضافه الى الشئ: ضمه إليه وأماله. وتضيفته: نزلت به ضيفا وملت إليه، وفلان يتضيف الناس: إذا كان يتبعهم ليضيفوه، بينما ضيفته تعني أنزلته منزلة الأضياف، أو أطعمته، والتضييف: الأطعام. أنشد ثعلب لأسماء بن خارجة الفزاري يصف الذئب: ورأيت حقا أن أضيفه إذ رام سلمي واتقى حربي استعار له التضييف، وإنما يريد أنه أمنه وسالمه. وأضفت الشئ: أملته.. قال امرؤ القيس: فلما دخلنا أضفنا ظهورنا إلى كل حاري جديد مشطب أي أسندنا ظهورنا. واستضافه: طلب إليه الضيافة. والضيافة تدل على ميل الشئ الى الشئ، وإضافة أحد الى النفس والأهل والدار. أما الضيف فهو من مال إليك نازلا بك، وهو مصدر، ولذلك استوى فيه الواحد والجمع، يقال: هذا ضيفي، وهؤلاء ضيفي. ويجمع على: أضياف وضيوف وضيفان. والمضيف أو المضيف هو الذي يدعو الضيوف ويقريهم. وخلاصة التحقيق في كلمة الضيافة يفهم أنها تنطوي على

[11]

معان عديدة: الميل والاستمالة، الأمن والاستجارة، الأنس والأيناس، الدنو والإيواء، الطعام والإطعام، والإضافة الى الدار والمشاركة مع أهلها في مكانهم وطعامهم وحديثهم (1). وفي التنزيل الحكيم (فأبوا أن يضيفوهما) (2) أي: أبوا أن ينزلوهما منزلة الأضياف (3).


(1) يراجع في ذلك: لسان العرب، لابن منظور 9: 208 وما بعدها، ومقابيس اللغة، لابن فارس 3: 380 وما بعدها، ومفردات غريب القرآن، للراغب الأصبهاني: 300، وتفسير غريب القرآن، للطريحي: 397 باب (ضيف). (2) الكهف: 77. (3) مجمع البحرين، للطريحي 5: 87.

[13]

أدب الضيافة ضيافة الله (عز وجل)

[14]

ضيافة الله (عز وجل) الضيافة في الدين خلق من أخلاق الله " سبحانه وتعالى " الذي استضاف مخلوقاته في عالم الوجود بالمعنى الواسع للكلمة، وهو يستضيف عباده كل يوم في مملكته، ويدعوهم الى طيب أرزاقه، ويطعمهم على موائده الكريمة الممتدة. كما يستضيفهم في الطاعات والعبادات آناء الليل والنهار، في كل ساعة وكل يوم، على مدى الأسابيع والأشهر، ومواسم السنوات. فمن أحب الله " جل وعلا " لبى دعوته وتضيفه، وتعلم منه كيف يحب الضيافة أولا، وكيف يراعي آدابها ثانيا..

[15]

سواء كان هو ضيفا أم مضيفا. (ضيافة الله في الصوم) وقد استضافنا " سبحانه " ويستضيفنا.. ضيافة خاصة في شهره المبارك العظيم، شهر رمضان الذي خطب في شأنه رسول الله " صلى الله عليه وآله " في آخر جمعة من شهر شعبان، فقال: أيها الناس ! إنه قد أقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة، شهر هو عند الله أفضل الشهور، وايامه أفضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته أفضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من أهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب. ثم بين النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله " ما ينبغي أن يراعى في هذه الضيافة الشريفة، فقال: فاسألوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإن الشقي من حرم من غفران الله في

[16]

هذا الشهر العظيم. واذكروا بجوعكم وعطشكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم، وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيتامكم، وتوبوا الى الله من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلواتكم، فإنها أفضل الساعات ينظر الله " عز وجل " فيها بالرحمة إلى عباده... ثم قال المصطفى " صلى الله عليه وآله ": أيها الناس ! إنه من ر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق مة، ومغفرة لما مضى من ذنوبه. فقيل له: يا رسول الله ! يس كلنا يقدر على ذلك، فقال " صلى الله عليه وآله ": اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء. أيها الناس ! من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جوازا على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عنه حسابه، ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه

[17]

رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه.. (1). إذن، فكم يجدر أن تستجاب دعوة هذه الضيافة المقدسة، ويستفاد من مناسبتها وفرصتها، وتراعى حرماتها وآدابها وشروطها، وما أجل وأسمى شروطها !.. قال رسول الله صلى الله عليه وآله يوما لجابر بن عبد الله الأنصاري " رضوان الله عليه ": يا جابر ! هذا شهر رمضان، من صام نهاره، وقام وردا من ليله، وعف بطنه وفرجه، وكف لسانه، خرج من ذنوبه كخروجه من الشهر. فقال جابر: يا رسول الله ! ما أحسن هذا الحديث ! فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": يا جابر ! وما أشد هذه الشروط ! (2) وجاء عن مولانا أمير المؤمنين " عليه السلام ": الصيام اجتناب المحارم، كما يمتنع الرجل من الطعام والشراب (3). وروي عن فاطمة الزهراء " سلام الله عليها " قولها: ما يصنع


(1) فضائل الأشهر الثلاثة، للشيخ الصدوق: 72 ح 61. (2) الكافي، للكليني 4: 87 - باب أدب الصائم، ح 2. (3) بحار الأنوار، للمجلسي 96: 294 - عن كتاب الغارات، لإبراهيم بن محمد الثقفي.

[18]

الصائم بصيامه إذا لم يصن لسانه وسمعه وبصره وجوارحه ؟ ! (1). فهذه هي ضيافة الله " جل شأنه "، فكيف يا ترى تكون مواقعنا فيها ؟ وما هي مسؤولياتنا عندها ؟.. يقول الإمام الخمينى " قدس سره الشريف " في إحدى محاضراته حول (ضيافة الله): طبقا لما ورد في خطبة الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " فإن جميع عباد الله هم في شهر رمضان ضيوف الله " تبارك وتعالى ".. فما عليكم إلا أن تفكروا في إصلاح أنفسكم، وتتوجهوا إلى خالقكم. استغفروا الله من زلاتكم، إذا كنتم - لا سمح الله - قد ارتكبتم ذنبا فتوبوا إليه. إياكم - في هذا الشهر - أن تصدر منكم غيبة أو تهمة أو نميمة، أو أي ذنب، لأنكم بذلك تسيئون آداب الضيافة، وتدنسون أنفسكم بالمعاصي وأنتم ضيوف الله " سبحانه وتعالى ". لقد دعيتم الى الضيافة، فهيئوا أنفسكم لهذه الضيافة العظيمة، وتحلوا بالاداب الصورية الظاهرية على الأقل.. التزموا بهذه الاداب الاولية على الأقل، فكما تمسكون عن


(1) بحار الأنوار 96: 95 - عن كتاب دعائم الإسلام للقاضي النعمان بن محمد التميمي 1: 268.

[19]

الطعام والشراب فامسكوا عن المعاصي، واحفظوا ألسنتكم عن الأقوال السيئة، وأخرجوا من قلوبكم كل الصفات القبيحة. أنتم في هذا الشهر الشريف مدعوون لضيافة الله " سبحانه وتعالى "، فإن لم تزدد معرفتكم بالله فاعلموا أنكم لم تلبوا الدعوة كما ينبغي، ولم تقوموا بمستلزمات الضيافة ومقتضياتها (1). إن ضيافة الله " عز وجل " لنا لا تكون إلا على بساط الطاعة.. فيها الجوع المربي للنفس: على الصبر، وعلى الرحمة بالمساكين، وعلى كل الاخلاق الطيبة.. وفيها الذكر المربي للقلب: على التعلق بالله " عز وجل " وعبادته.. وفيها الاستغفار المربي للروح: على السمو والصفاء والارتقاء الى درجات القرب منه " جل وعلا ". فضيافته دعوة تشريف.. يقول ابن طاووس " رضوان الله عليه ": إعلم أن أصل علة التكليف أنه تشريف لعبادة من يستحق العبادة، لأنه " جل جلاله " أهل لها، فهذه العلة الأصلية في التكاليف الإلهية (1).


(1) الجهاد الأكبر: 47، ترجمة الشيخ حسين الكوراني (2) إقبال الأعمال: 4.

[20]

ولعل من أطيب موائد ضيافة شهر الله، الاستغفار في أسحاره الشريفة.. حيث صفاء الليل وقداسة الوقت وسمو المطلب، فإذا دعونا بدعاء مولانا الإمام السجاد علي بن حسين " عليه السلام " خامر قلوبنا الأمل والرجاء، وتعلمنا التوبة والعبودية الرفيعة: عظم يا سيدي أملي، وساء عملي، فأعطني، من عفوك بمقدار أملي، ولا تؤاخذني بأسوأ عملي، فإن كرمك يجل عن مجازاة المذنبين، وحلمك يكبر عن مكافاة المقصرين. وأنا يا سيدي ! عائذ بفضلك، هارب منك إليك، متنجز ما وعدت من الصفح عمن أحسن بك ظنا. وما أنا يا رب ؟ ! وما خطري ؟ ! هبني بفضلك، وتصدق علي بعفوك. أي رب جللني بسترك، واعف عن توبيخي بكرم وجهك (1). اللهم إن لك حقوقا فتصدق بها علي، وللناس قبلي تبعات فتحملها عني، وقد أوجبت لكل ضيف قرى وأنا ضيفك، فاجعل


(1) من أدعية السحر في شهر رمضان، المسمى بدعاء أبي حمزة الثمالي - إقبال الأعمال: 67.

[21]

قراي الليلة الجنة، يا وهاب الجنة، يا وهاب المغفرة (1). درس واعتبار في الضيافة الربانية الشريفة أمل ورحمة، وعطف ورعاية، يتعلم فيها العبد كيف يأوي الى ظلال الرحمة، فيدعو إخوانه المؤمنين إلى مائدته، ويقدم لهم الإفطار حبا لهم، ويحسن إلى الفقراء ويعين المساكين. يرحم كما يرحم وكما يحب أن يرحم، ويكرم كما يكرم ويحب أن يكرم، ويستضيف كما يستضاف ويحب أن يستضاف (وأحسن كما أحسن الله إليك) (2).. قيل للإمام الحسن المجتبى " عليه السلام ": لأي شئ لا نراك ترد سائلا وإن كنت على فاقة ؟ فقال: إني لله سائل، وفيه راغب، وانا أستحي أن أكون سائلا وأرد سائلا، وإن الله تعالى عودني عادة أن يفيض نعمه علي، وعودته أن أفيض نعمه على الناس، فأخشى إن قطعت العادة، أن يمنعني العادة.


(1) من أدعية السحر في ليالي شهر رمضان - مفاتيح الجنان، للشيخ عباس القمي وغيره. (2) سورة القصص: 77.

[22]

ثم أنشد يقول: إذا ما أتاني سائل قلت: مرحبا بمن فضله فرض علي معجل ومن فضله فضل على كل فاضل وأفضل أيام الفتى حين يسأل (1) (ضيافة الله في الحج) ويستضيف الرحمن " جل جلاله " عباده كل عام في موسم الحج عند المشاهد المعظمة، والمشاعر المكرمة، يدعوهم الى ضيافته فيفزعون الى الوفادة عليه تائبين خاشعين.. قال الإمام علي بن موسى الرضا " صلوات الله عليه ": علة الحج الوفادة إلى الله " تعالى "، وطلب الزيادة، والخروج من كل ما اقترف، وليكون تائبا مما مضى، مستأنفا لما يستقبل (2). ولهذه الضيافة المشرفة آداب تراعى في ساحة حضرة مضيف " جل وعلا ".. جاء عن الإمام الباقر " عليه السلام " أنه قال: ما يعبأ بمن يؤم هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال: ورع يحجزه عن معاصي الله، وحلم يملك به غضبه،


(1) نور الأبصار، للشبلنجي: 177. (2) عيون أخبار الرضا (ع)، للشيخ الصدوق 2: 90.

[23]

وحسن الصحابة لمن صحبه (1). وعن الإمام الصادق " عليه السلام " قال: إذا أردت الحج فجرد قلبك لله من قبل عزمك من كل شاغل، وحجب كل حاجب.. ولب بمعنى إجابة صافية خالصة زاكية لله عز وجل في دعوتك، متمسكا بالعروة الوثقى.. وادخل في أمان الله وكنفه وستره وكلائه من متابعة مرادك بدخولك الحرم.. وزر البيت متحففا لتعظيم صاحبه، ومعرفة جلاله وسلطانه (2). وروى الشيخ الصدوق: وإنما يكره الصيام في أيام التشريق " لأن القوم زوار الله " عز وجل "، فهم في ضيافته، ولا ينبغي لضيف أن يصوم عند من زاره وأضافه " (3). إنه ليجدر بهذه الضيافة الرحمانية أن تكون الوفادة خالصة لله " جل شأنه "، وأن يكون الحاج ضيف الله " سبحانه " حقا، لا تكون في قلبه ضميمة غير طاعة الله وطلب رضوانه.. قال الإمام الصادق " عليه السلام ": الحج حجان: حج لله، وحج


(1) الخصال، للشيخ الصدوق: 148. (2) مصباح الشريعة، المنسوب للإمام الصادق (ع) - باب الحج: 47. (3) من لا يحضره الفقيه 2: 197، وفي الهامش: هذا ذيل خبر ذي النون، ومضمون خبر الكافي المتقدم.

[24]

للناس. فمن حج لله كان ثوابه على الله الجنة، ومن حج للناس كان ثوابه على الناس يوم القيامة (1). وإذا لم تراع آداب هذه الضيافة الكريمة وشروطها كان الحج مردودا، محروما صاحبه من الاستضافة الرحمانية.. قال الإمام الصادق " عليه السلام ": إذا اكتسب الرجل مالا من غير حله ثم حج فلبى نودي: لا لبيك ولا سعديك، وإن كان من حله فلبى نودي: لبيك وسعديك (2). إن الأمر في هذه الضيافة خطير، إذ لابد من أن ينظر الساعي إلى الحج في شأن وفادته، ويلاحظ حاله قبل ضيافته، ويتحرز في صحة أعماله، ويتقي الله ويخشاه، بل يتهيب من أن يكون مردودا في حجه.. قال مالك بن أنس: حججت مع الصادق " عليه السلام " سنة، فلما استوت به راحلته عند الإحرام كان كلما هم بالتلبية انقطع الصوت في حلقه، وكاد أن يخر من راحلته، فقلت: قل يا ابن رسول الله ! ولابد لك من أن تقول، فقال: يا ابن أبي عامر ! كيف أجسر أن


(1) ثواب الأعمال، للشيخ الصدوق - باب ثواب الحج والعمرة: 50. (2) وسائل الشيعة، للحر العاملي 12: 60.

[25]

أقول: لبيك اللهم لبيك، وأخشى أن يقول " عز وجل " لي: لا لبيك ولا سعديك (1). هذا ما يحسن أن تكون عليه حال من يفد الى هذه الضيافة الجليلة، مستفيدا منها الاداب الأخلاقية في ضيافته مع الناس، من الدعوة الصادقة، والاستجابة الوفية، والتحرز في المال الحلال. درس آخر من أراد أن يتخلق بأخلاق الله " جل شأنه " قام باستضافة الحجيج وإكرامهم، لأنهم ضيوف الله " تبارك وتعالى "، ونهض بقضاء حوائجهم ليتفرغوا للعبادات وأداء المناسك الشريفة، فعسى أن يشمله الله " سبحانه " بخالص دعواتهم، فهم الوافدون عليه " جل شأنه "، والساعون الى زيارة ساحة طاعته، وهم ضيوفه، والضيف لا يخلو من أن يصيب هدية. ولقد كان علي بن الحسين زين العابدين " عليه السلام " لا يسافر إلا مع رفقة لا يعرفونه، ويشترط عليهم أن يكون من


(1) علل الشرائع، للشيخ الصدوق: 235.

[26]

خدم الرفقة فيما يحتاجون إليه. فسافر مرة مع قوم فرآه رجل فعرفه، فقال لهم: أتدرون من هذا ؟ ! فقالو: لا، قال: هذا علي بن الحسين " عليه السلام ". فوثبوا فقبلوا يده ورجله، وقالوا: يا ابن رسول الله ! أردت أن تصلينا نار جهنم لو بدرت منا إليك يد أو لسان، أما كنا قد هلكنا آخر الدهر ؟ ! فما الذي يحملك على هذا ؟ فقال: إني كنت قد سافرت مرة مع قوم يعرفونني، فأعطوني برسول الله " صلى الله عليه وآله " ما لا أستحق به، فإني أخاف أن تعطوني مثل ذلك، فصار كتمان أمري أحب إلي (1). وهكذا عباد الله " يخدمون ضيوفه الكرام في الطاعات، ويستضيفون الناس يعينونهم على ذكر الله وتمجيده واستنزال بركاته، وهاطل رحماته. (ضيافة الله في المدينة المنورة) لقد دعا الله " عز وجل " عباده الى ساحة طاعته، ومأدبة ضيافته.. وهي الضيافة التي تقتضي من العبد أن يعظم فيها


(1) عيون أخبار الرضا (ع) 2: 145.

[27]

شعائر الله " تبارك وتعالى "، ويتزين بالاداب الظاهرية والباطنية، ويتحلى بالتوجهات المعنوية. ومن محال طاعة الله وساحات جلاله قبر نبيه المصطفى الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم "، وقبور الال أهل بيته وأعزته المكرمين " صلوات الله عليهم أجمعين "، حيث يكون زائر هذه القبور المطهرة زائرا لبيوت الله التي أذن أن ترفع ويذكر فيها اسمه.. قال أنس بن مالك خادم الرسول " صلى الله عليه وآله "، وكذا بريدة: قرأ رسول الله " صلى الله عليه وآله " (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والاصال) (1) فقام إليه رجل فقال: أي بيوت هذه يا رسول الله ؟ ! فقال: بيوت الأنبياء، فقام إليه أبو بكر فقال: يا رسول الله ! هذا البيت منها ؟ - وأشار الى بيت علي وفاطمة " عليهما السلام " - فقال " صلى الله عليه وآله ": نعم، من أفاضلها (2). وفي هذه البيوت المنورة، قال دعبل الخزاعي " رضوان الله عليه " يرثي أهلها: مدارس آيات خلت من تلاوة ومنزل وحي مقفر العرصات


(1) سورة النور: 36. (2) الدر المنثور، للسيوطي 5: 50. كنز الفوائد، للكراجكي: 185.

[28]

لال رسول الله بالخيف من منى وبالبيت والتعريف والجمرات ديار علي والحسين وجعفر وحمزة والسجاد ذي الثفنات منازل كانت للصلاة وللتقى وللصوم والتطهير والحسنات منازل وحي الله معدن علمه سبيل رشاد واضح الطرقات إن زائر هذه الديار هو زائر لرسول الله " صلى الله عليه وآله "، بل زائر لله " تباركت آلاؤه "، كيف لا ؟ وزيارة المؤمن لأخيه المؤمن هي زيارة لله " عز وجل "، وضيافة عنده، ألم يقل المصطفى " صلى الله عليه وآله ": من زار أخاه في بيته قال الله عز وجل له: أنت ضيفي وزائري، علي قراك، وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه (1) ؟.. ألم يقل " صلى الله عليه وآله ": من زار أخاه المؤمن إلى منزله لا حاجة منه إليه كتب من زوار الله، وكان حقيقا على الله أن يكرم زائره (2) ؟ فكيف بمن يزور أشرف الأنبياء والمرسلين، واهل بيته الكرام الطاهرين " صلوات الله عليه وعليهم أجمعين " ؟ ! أي شرف سيناله ؟ وأي كرامة من الله " تعالى " سيحبى بها ؟ وأي


(1) أصول الكافي 2: 276 - باب زيارة الإخوان ح 6. (2) بحار الأنوار 77: 192 - عن كتاب الغيبة، للشهيد الثاني، وهو مطبوع مع كشف الفوائد: 267.

[29]

ضيافة كريمة على الله سيحظى بها ؟ إن هذا لما يستدعي المؤمن أن يجد السعي في زيارة الله " جل وعلا " بزيارة البيوت الشريفة المقدسة التي أذن أن ترفع، وأن يحرص على نوال ضيافة الله " جلت عظمته " بالنزول عند هذه البيوت الكريمة، وأن يعلم أنه في عين الله ورعايته، وفي موضع إكرام الله وعنايته.. فمؤسف بعد أن يحضر فيها أن يهين نفسه بترك الاداب المعنوية، وخسارة أن يوفق للوصول إلى تلك الأماكن المشرفة ثم يسئ إلى زوار الله وضيوفه، بدل أن يسعى في إكرامهم وتوقيرهم وقضاء حوائجهم. (ضيافة الله في الصلاة) ويستضيفنا الله تعالى في الصلاة.. فإن توجهنا إلى القبلة كنا قد توجهنا إلى الله، وإن صلينا كنا قد طلبنا زيارة الله وضيافته.. قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": إنك ما دمت في الصلاة فإنك تقرع باب الملك الجبار، ومن يكثر قرع باب الملك يفتح له (1). فإذا فتح الباب ودخل المصلي في رحاب


(1) من وصايا " صلى الله عليه وآله " لأبي ذر " رحمه الله "، مكارم الأخلاق، للشيخ رضي الدين الحسن بن الفضل الطبرسي: 461.

[30]

رحمة الله كان في ضيافته " عز وجل ".. يقول أمير المؤمنين " عليه السلام ": لو يعلم المصلي ما يغشاه من جلال الله ما سره أن يرفع رأسه من السجود (1). وكان يعلم " عليه السلام " ما يهبط عليه من جلال الله المهيب، فيغشى عليه.. روى أبو الدرداء أنه رأى علي بن أبي طالب " عليه السلام " بشويحطات النجار وقد اعتزل عن مواليه، واختفى ممن يليه، فركع ركعات، ودعا دعوات، وناجى مناجاة، ثم أمعن في البكاء. قال أبو الدرداء: فلم أسمع له حسا ولا حركة، فقلت: غلب عليه النوم لطول السهر، أوقظه لصلاة الفجر، فأتيته فإذا هو كالخشبة الملقاة، فحركته فلم يتحرك، فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله علي بن أبي طالب، فأتيت منزله مبادرا أنعاه إليهم، فقالت فاطمة عليها السلام: هي والله يا أبا الدرداء الغشية التي تأخذه من خشية الله (2). تلك هي الضيافة المقدسة، حيث المعرفة بمقام المضيف " سبحانه وتعالى "، وقد كان الإمام الحسن المجتبى " عليه السلام "


الخصال 2: 167، وغرر الحكم، للآمدي: ح: 7592. (2) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 1: 389.

[31]

إذا توضأ ارتعدت مفاصله، واصفر لونه، فقيل له في ذلك فقال: حق على كل من وقف بين يدي رب العرش أن يصفر لونه، وترتعد مفاصله. وكان عليه السلام إذا بلغ باب المسجد رفع رأسه ويقول: إلهي ! ضيفك ببابك، يا محسن ! قد أتاك المسئ، فتجاوز عن قبيح ما عندي بجميل ما عندك، يا كريم (1) ! وروى أنس بن مالك قال: خرجت مع الحسين " عليه السلام " فأتى قبر خديجة فبكى، ثم قال: إذهب عني يا أنس، قال أنس: فاستخفيت عنه، فلما طال وقوفه في الصلاة سمعته يقول: يا رب يا رب أنت مولاه فارحم عبيدا إليك ملجاه يا ذا المعالي عليك معتمدي طوبى لمن كنت أنت مولاه طوبى لمن كان خائفا أرقا يشكو إلى ذي الجلال بلواه وما به علة ولا سقم أكثر من حبه لمولاه إذا اشتكى بثه وغصته أجابه الله ثم لباه إذا ابتلي بالظلام مبتهلا أكرمه الله ثم أدناه يقول أنس: فنودي: لبيك لبيك أنت في كنفي وكل ما قلت قد علمناه


(1) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 4: 14.

[32]

صوتك تشتاقه ملائكتي فحسبك الصوت قد سمعناه (1) وكان الأمام زين العابدين " عليه السلام " إذا قام في صلاته غشي لونه لون آخر، وكان قيامه في صلاته قيام العبد الذليل، بين يدي الملك الجليل (2).. وكان إذا توضأ للصلاة اصفر لونه، فيقول له اهله: ما الذي يغشاك ؟ ! فيقول: أتدرون لمن أتأهب للقيام بين يديه ؟ ! (3) وإذا كان أحد الشعراء يفتخر في لقائه بالله " تعالى " في الصلاة، وضيافته عنده في كل وقت فيقول: أنا ألقاه متى وحين أحب.. فإن معرفة آداب اللقاء وما يليق بالضيف في محضر القدس أمر مهم، لأن المضيف هو الله الملك الجبار، القادر المقتدر " سبحانه جل وعلا ". ومن هذه الاداب: التلبية لندائه " تعالى "، إذا قال المؤذن: " الله اكبر " يفزع العبد إلى الصلاة وقد استعد لها بالوضوء


(1) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 4: 69. (2) الخصال: 517. (3) بحار الأنوار 46: 74. عن إعلام الورى 1: 153 والإرشاد 271. وورد بلفظ آخر في الفصول المهمة، لابن الصباغ المالكي: 201.

[33]

والتوجه والخشوع وإسبال الأجفان أمارة عن الخضوع والتذلل، وتهيؤا لإفاضة العين بدموع التوبة والشوق. قالت عائشة: كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " يحدثنا ونحدثه، فإذا حضرت الصلاة فكأنه لم يعرفنا ولم نعرفه (1)، وجاء عن الإمام علي " عليه السلام " أنه قال: من لم يأخذ أهبة الصلاة قبل وقتها فما وقرها (2). ويستضيفنا الله " تبارك شأنه " في حياتنا كلها، في أيام وليالي طاعته، كليالي القدر الشريفة، وأيامه المباركة كمنتصف رجب، ومنتصف شعبان، والعيدين والجمعات وشهر رمضان.. وعلى مدى العمر إذ نحن مخلوقون لعبادته وهو القائل عز من قائل: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) (1). فالمؤمن مبتغاه أن يكون على الدوام في ضيافة المولى " سبحانه وتعالى ".. يدعو أمير المؤمنين " عليه السلام " فيقول: يا رب يا رب يا رب ! أسألك بحقك وقدسك، وأعظم


(1) بحار الأنوار 84: 258، ح 56 - عن عدة الدواعي، لابن فهد الحلي. (2) كلمات مختارة لأمير المؤمنين " عليه السلام ". (3) سورة الذاريات: 56.

[34]

صفاتك وأسمائك، أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة، وبخدمتك موصولة (1).. ولا يفوتنا أن نذكر أنفسنا أن من شأن الضيافة أن يقدم على سفرتها الطعام الشهي، والشراب الهني، ومأدبة الله " جل وعلا " كتابه الحكيم فيه غذاء الروح والقلب، ومعاني الإيمان والتقوى، والمعارف النيرة.. يقول رسول الله " صلى الله عليه وآله ": القرآن مأدبة الله، فتعلموا مأدبته ما استطعتم (2). وعلى أية حال، فما زلنا في طاعة الله " جل وعلا " وفي خدمته وعبادته كنا ضيوفه.. أليس هو القائل " عز من قائل " في حديث قدسي شريف: أهل طاعتي في ضيافتي، وأهل شكري في زيادتي، وأهل ذكري في نعمتي، وأهل معصيتي لا أو يسهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن دعوا فأنا مجيبهم، وإن مرضوا فأنا طبيبهم (3)..


(1) من الدعاء المعروف بدعاء كميل - يراجع كتب الأدعية. (2) بحار الأنوار 92: 19 - عن جامع الأخبار: 47. (3) عدة الداعي: 186.

[35]

التخلق بأخلاق الله (سبحانه وتعالى) يستضيفنا الله " جلت رحمته " كل يوم وكل ساعة، وكل لحظة، على موائد أرزاقه الكريمة، فيأكل منها الصغير والكبير، والمؤمن والكافر، والتقي والفاسق، والعالم والجاهل، وذلك حلم الله " عز وجل " وعطفه على مخلوقاته.. فهو الرحمن " جل وعلا "، يرحم جميع خلقه: برهم وفاجرهم، ساعيهم ومقعدهم، بشرهم وحيواناتهم، ولم لا ؟ وهو قد شملت رحمته كل شئ، ألم يقل في كتابه الحكيم (ورحمتي وسعت كل شئ) (1) ؟ ألم نقرأ في دعاء أمير المؤمنين " عليه السلام ": اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شئ (2).. ؟ والضيف - كما هو معلوم - لا يخرج إلا بنوال، ومن نوال ضيوف الله " عز وجل " المغفرة.. جاء في زيارة الإمام الجواد " عليه السلام " لأبيه الأمام الرضا " صلوات الله عليه " هذا الدعاء المبارك: سيدي سيدي سيدي ! قد تكرر وقوفي لضيافتك، فلا تحرمني ما وعدت المتعرضين لمسألتك،


(1) سورة الأعراف: 156. (2) دعاء كميل.

[36]

يا معروف العارفين، يا معبود العابدين، يا مشكور الشاكرين، يا جليس الذاكرين، يا محمود من حمده، يا موجود من طلبه، يا موصوف من وحده، يا محبوب من أحبه، يا غوث من أراده، يا مقصود من أناب إليه، يا من لا يعلم الغيب إلا هو، يا من لا يصرف السوء إلا هو، يا من لا يدبر الأمر إلا هو، يا من لا يغفر الذنب إلا هو، يا من لا يخلق الخلق إلا هو، يا من لا ينزل الغيث إلا هو، صل على محمد وآل محمد، واغفر لي يا خير الغافرين (1). فالعفو الإلهي مرجو في ضيافة الله " تبارك وتعالى "، وهو أدب يتعلمه ضيوف الله، فيتسامحون ويصفح بعضهم عن بعضهم، لا سيما في ضيافتهم لبعضهم. لأن للضيف حرمة، إذ هو كما قال الله " سبحانه وتعالى " في حديث قدسي شريف: يا ابن آدم ! المال مالي وأنت عبدي والضيف رسولي، فإن منعت مالي من رسولي فلا تطمع في جنتي ونعمتي (2). وقد ورد كثير من الأحاديث الشريفة تدعو إلى استضافة الأخوان وإكرامهم، وزيارتهم واستقبالهم، وإطعامهم وخدمتهم،


(1) بحار الأنوار 102: 56، عن كتاب المزار الكبير. (2) هذا الحديث معروف ب‍ " الحديث القدسي "، رواه عدد من محدثينا الكبار " رحمهم الله ".

[37]

أدرج بعضها في باب حقوق الإخوان ومصادقتهم، وبعضها ضم إلى آداب المعاشرة، وهنا نأخذ منها ما يتيسر ويفي: * قال مولانا الإمام الصادق " عليه السلام ": ما من رجل يدخل بيته مؤمنين فيطعمهما شبعهما، إلا كان ذلك أفضل من عتق نسمة (1). * وقال " عليه السلام " أيضا: لأن آخذ خمسة دراهم، فأدخل إلى سوقكم هذا، فأبتاع بها الطعام وأجمع نفرا من المسلمين أحب إلي من أن أعتق نسمة (2). * وعن رفاعة عن أبي عبد الله " عليه السلام ": لأن أطعم مؤمنا محتاجا أحب إلي من أن أزوره، ولأن أزوره أحب إلي من أن أعتق عشر رقاب (3). فمن أراد أن يتخلق بأخلاق الله " تعالى " استعد لضيافة إخوانه المؤمنين، وجعل مائدته محل لقاء الطيبين، ومجلس


(1) اصول الكافي 2: 161 - باب إطعام المؤمنين ح 4، والمحاسن، للبرقي: 394 ح 54. (2) اصول الكافي 2: 162 - باب إطعام المؤمنين ح 15، والمحاسن، للبرقي: 393 ح 44. (3) اصول الكافي 2: 163 - باب إطعام المؤمنين ح 18.

[38]

صلة الأرحام والموالين، وموعد الفقراء والمساكين، وعلم أن ما عنده هو من فضل الله " عز وجل " عليه، ومن بركات ضيافته " سبحانه " لعباده، فلماذا لا يغدق ذلك على ضيوفه فيصلهم به ويرفع عنهم الحاجة والفاقة والحرمان، ويعمر به صلات المحبة والإخاء، بل ويزيل به الأحقاد والضغائن.. روي أن شاميا شتم الإمام الحسن " عليه السلام " والحسن لا يرد، فلما فرغ أقبل الإمام الحسن " عليه السلام " عليه وضحك، وقال: أيها الشيخ ! أظنك غريبا ولعلك شبهت. فلو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا أحملناك، وإن كنت جائعا أشبعناك، وإن كنت عريانا كسوناك، وإن كنت محتاجا أغنيناك، وإن كنت طريدا آويناك، وإن كان لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفنا إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعا رحبا، وجاها عريضا، ومالا كبيرا. فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: اشهد أنك خليفة الله في أرضه، (الله اعلم حيث يجعل رسالته) (1)، وكنت أنت وأبوك أبغض


(1) سورة الأنعام: 124.

[39]

خلق الله إلي، والان أنت أحب خلق الله إلي. وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل، وصار معتقدا لمحبتهم " عليه السلام " (1). ففي الضيافة عطاء، وما أدرانا ما أثر العطاء ! لا سيما إذا كان معه إكرام وحفظ لماء الوجه.. روى ابن عساكر باسناده عن الذيال بن حرملة، قال: خرج سائل يتخطى أزقة المدينة حتى أتى باب الحسين بن علي، فقرع الباب وأنشأ يقول: لم يخب اليوم من رجاك ومن حرك من خلف بابك الحلقة فأنت ذو الجود أنت معدنه أبوك قد كان قاتل الفسقة قال: وكان الحسين بن علي واقفا يصلي فخفف من صلاته وخرج إلى الأعرابي فرأى عليه أثر ضر وفاقة، فرجع ونادى بقنبر فأجابه: لبيك يا ابن رسول الله ! قال: ما تبقى معك من نفقتنا ؟ قال: مائتا درهم أمرتني بتفريقها في أهل بيتك، قال: فهاتها، فقد أتى من هو أحق بها منهم. فأخذها من قنبر، وخرج فرفعها إلى الأعرابي وأنشأ يقول: خذها فإني إليك معتذر واعلم بأني عليك ذو شفقة


(1) بحار الأنوار 43: 344 - عن المناقب 4: 19.

[40]

لو كان في سيرنا الغداة عصا كانت سمانا عليك مندفقة لكن ريب الزمان ذو نكد والكف منا قليلة النفقة (1) قيل: فأخذها الأعرابي وبكى، فقال " عليه السلام " له: لعلك استقللت ما اعطيناك.. قال: لا، ولكن كيف يأكل التراب جودك (2) ؟ ! وقال الخوارزمي: كان الحسين يجالس المساكين ويقرأ: إن الله لا يحب المتكبرين، ومر على صبيان معهم كسرة فسألوه أن يأكل معهم فأكل، ثم حملهم إلى منزله فأطعمهم وكساهم، وقال: إنهم أسخى مني، لأنهم بذلوا جميع ما قدروا عليه، وانا بذلك بذلت بعض ما أقدر عليه (3). وفي رواية ابن عساكر: مر الحسين بمساكين يأكلون في الصفة، فقالوا: الغداء ! فنزل وقال: إن الله لا يحب المتكبرين. فتغدى معهم، ثم قال لهم: قد أجبتكم فأجيبوني، قالوا: نعم.


(1) ترجمة الإمام الحسن " عليه السلام " من تاريخ دمشق، لإبن عساكر: 160 رقم 205. (2) مناقب آل أبي طالب 4: 66. (3) مقتل الحسين " عليه السلام " للخوارزمي 1: 100، ويبدو أن العبارة عبارته " عليه السلام ": إن الله لا يحب المتكبرين، وليست آية، إذ الاية هي: (إنه لا يحب المستكبرين) - النحل: 23.

[41]

فمضى بهم إلى منزله فقال للرباب: أخرجي ما كنت تدخرين (1). وجاء بعض الأعراب فقال الأمام الحسن " عليه السلام ": أعطوه ما في الخزانة، قال الأعرابي: يا مولاي ! ألا تركتني أبوح بحاجتي، وأنشر مدحتي. فأنشأ الأمام الحسن " عليه السلام ": نحن أناس نوالنا خضل يرتع فيه الرجاء والأمل تجود قبل السؤال أنفسنا خوفا على ماء وجه من يسل (2) أي: وجه من يسأل. فإذا كان العطاء هكذا فنعمت الضيافة هي، حيث الإطعام، والإكرام، وطيب الكلام.. قال الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " وقد جمع بني عبد المطلب: يا بني عبد المطلب ! أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وتهجدوا والناس نيام، وأطعموا الطعام، وأطيبوا الكلام تدخلوا الجنة بسلام (3). وعن أبي المنكدر: إن رجلا قال: يا رسول الله ! أي الأعمال أفضل ؟ فقال: إطعام الطعام،


(1) ترجمة الإمام الحسين " عليه السلام " من تاريخ مدينة دمشق: 101، رقم 196. (2) عن أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين العاملي 4: ق 1: 109. (3) المحاسن: 387 ح 3.

[42]

وإطياب الكلام (1). والضيافة فيها ذلك إذا اجتمع عليها أهل الإيمان والتقوى والصلاح، وقضى الموسر حاجة أخيه المعسر، فأصاب مرضاة الله " عز وجل ".. عن ابي جعفر الباقر " عليه السلام " قال: ثلاث خصال هن من أحب الأعمال إلى الله: مسلم أطعم مسلما من جوع، وفك عنه كربه، وقضى عنه دينه (2). وعن معمر بن خلاد قال: كان أبو الحسن الرضا " عليه السلام " إذا أكل أتي بصحفة فتوضع قرب مائدته، فيعمد إلى أطيب الطعام مما يؤتى به، فيأخذ من كل شئ منه شيئا فيوضع في تلك الصحفة، ثم يأمر بها المساكين، ثم يتلو هذه الاية: (فلا اقتحم العقبة)، ثم يقول: علم الله أن ليس كل إنسان يقدر على عتق رقبة، فجعل لهم سبيلا إلى الجنة بإطعام الطعام (3).


(1) المحاسن: 378 ح 5. (2) المحاسن: 388 ح 12. (3) المحاسن: 392 ح 39، والآية في سورة البلد: 11.

[43]

أدب الضيافة

[44]

ضيافات كريمة ضيافات كريمة إن ضيافة المؤمنين هي ضيافة خاصة، يوليها المؤمن لأخيه إكراما للإيمان الذي فيه، فكما يشمل الله تعالى برحمته كل الخلق في هذه الدنيا فهو (الرحمن)، ويخص بها عباده المؤمنين في الاخرة فهو (الرحيم)، كذلك يشمل المؤمن بأخلاقه سائر الناس وعامتهم، ويخص بمحبته أخاه المؤمن التقي.. في قوله تعالى (وقولوا للناس حسنا) (1) قال الإمام الصادق " عليه السلام ": أي للناس كلهم: مؤمنهم ومخالفهم. أما


(1) سورة البقرة: 83.

[45]

المؤمنون فيبسط لهم وجهه، واما المخالفون فيكلمهم بالمداراة لاجتذابهم إلى الإيمان (1). فالمؤمن يكرم أخاه المؤمن في الله، ويحبه في الله، ويستضيفه في الله، فينال بذلك رحمة الله، وبذا أخبر النبي المصطفى " صلى الله عليه وآله " فقال: من أكرم أخاه المسلم بكلمة يلطفه بها، ومجلس يكرمه به، لم يزل في ظل الله " عز وجل " ممدودا عليه بالرحمة ما كان في ذلك (2)، وقال " صلى الله عليه وآله ": من أطعم مؤمنا من جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، ومن سقاه من ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم (3). والمؤمن منسوب إلى الله " سبحانه وتعالى ".. فتوقيره وتكريمه هو توقير وتكريم لله، وقد علمنا القرآن الكريم في ذلك درسا بليغا، إذ قال الله " تعالى " فيه: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم (4)، فعد " سبحانه وتعالى " ما ينفق المؤمن في سبيل الله قرضا لنفسه، وكذا ما


(1) بحار الأنوار 75: 401، عن تفسير الإمام العسكري (ع): 145. (2) نوادر الراوندي للسيد فضل الله بن علي الراوندي الحسني: 8. (3) مصادقة الأخوان، للشيخ الصدوق - باب 9 ح 1. (4) سورة الحديد: 11.

[46]

يقدمه لإخوانه المؤمنين، يقول الإمام الصادق " عليه السلام ": من أتاه أخوه المسلم فأكرمه فإنما أكرم الله " عز وجل " (1). وقد وردت الأحاديث الشريفة مستفيضة في دعوة الإخوان واستضافتهم، وإكرامهم وإطعامهم، منها قول الإمام جعفر الصادق " عليه السلام " لأحد أصحابه: إعمل طعاما وتنوق فيه (2)، وادع عليه أصحابك (3). ودعوة المؤمن مشفوعة بالبشر واللقاء الطيب المعبر عن الإخاء، والمثمر عن البركة والتراحم وعن مغفرة الله " تباركت آلاؤه "، وذلك من أماني المؤمنين.. قال مولانا الصادق " سلام الله عليه ": يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، والتعاون على التعاطف، والمواساة لأهل الحاجة، وتعاطف بعضهم على بعض حتى تكونوا كما أمركم الله " عز وجل ": (رحماء بينهم) (4)، متراحمين، مغتمين لما غاب عنكم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول الله


(1) اصول الكافي 2: 206 - باب إلطاف المؤمن وإكرامه. (2) أي تجود فيه. (3) المحاسن: 410. (4) سورة الفتح: 29. (*)

[47]

" صلى الله عليه وآله " (1). فمن أحب أن يتخلق بأخلاق الله " جل وعلا " أنفق ما وهبه الله من الخيرات الفائضة، فأغدقها على الفقراء من عباد الله " سبحانه "، ودعا إلى مائدة الله إخوانه في الله، ووصل بها من هو جدير بالصلة، كالأرحام والأقرباء وأصدقاء الإيمان وأهل الصلاح والتقوى والعلم.. قال أمير المؤمنين " عليه السلام ": من آتاه الله مالا فليصل به القرابة، وليحسن منه الضيافة، وليفك به الأسير والعاني، وليعط منه الفقير والغارم (2)، وليصبر نفسه على الحقوق والنوائب، ابتغاء الثواب، فإن فوزا بهذه الخصال شرف مكارم الدنيا، ودرك فضائل الاخرة، إن شاء الله (3). فكما دعانا الله تعالى إلى ضيافته الكريمة، دعانا إلى أن نستضيف الفقراء والمساكين.. وقد كان الإمام الصادق " عليه السلام " يحدث أصحابه يوما فقال لهم: كنت آمر إذا أدركت الثمرة أن يثلم في حيطانها الثلم ليدخل الناس ويأكلوا، (1) اصول الكافي 2: 175 - باب الراحم والتعاطف. (2) المدين. (3) نهج البلاغة: خ 142.

[48]

وكنت آمر في كل يوم أن يوضع عشر بنيات يقعد على كل بنية عشرة، كلما أكل عشرة جاء عشرة أخرى، يلقى لكل نفس منهم مد من رطب. وكنت آمر لجيران الضيعة كلهم، الشيخ والعجوز والصبي والمريض والمرأة، ومن لا يقدر أن يجئ فيأكل منها، لكل إنسان منهم مد. فإذا كان الجذاذ أوفيت القوام والوكلاء والرجال أجرتهم، وأحمل الباقي إلى المدينة، ففرقت في أهل البيوتات والمستحقين الراحلتين والثلاثة، والأقل والأكثر، على قدر استحقاقهم (1). وكان " عليه السلام " يوصي أحدهم فيقول له: عليك بالمساكين فأشبعهم، فإن الله تعالى يقول: (وما يبدئ الباطل وما يعيد) (2). ومن الضيافات الكريمه استضافة اليتيم وإكرامه، حتى ينسى حرمانه من كفالة أمه أو أبيه وحنانهما، وهو الذي أوصى الله " تعالى " بالإحسان إليه في قوله: (وبالوالدين إحسانا وذي القربى واليتامى والمساكين، وقولوا للناس حسنا..) (3)، وأوصى به أمير المؤمنين " عليه السلام " في جملة


(1) الفروع من الكافي 3: 569. (2) دعوات الراوندي، لقطب الدين الراوندي - والآية في سورة سبأ: 48. (3) سورة البقرة: 83.

[49]

وصاياه الأخيرة فقال: الله الله في الأيتام، فلا تغبوا أفواههم، ولا يضيعوا بحضرتكم، فقد سمعت رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: من عال يتيما حتى يستغني، أوجب الله " عز وجل " له بذلك الجنة، كما أوجب لاكل مال التيم النار (1). لا تغبوا أفواههم، أي: لاتجيعوهم، فالأيتام ضيوف يرحلون بعد أن يكبروا، وضيافتهم إعالتهم وإيناسهم إيناسا لا يحسون معه بيتم أو حرمان، ومداراتهم مداراة فيها الإكرام والحنان حتى ينشأوا على سلامة من قلوبهم ونفوسهم. فكم في استضافتهم من أجر كريم، أعده الرحيم الكريم، قال الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": من قبض يتيما من بين المسلمين إلى طعامه وشرابه أدخله الله الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنبا لا يغفر (2). وقال " صلوات الله عليه وآله ": أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة، إذا اتقى الله " عز وجل " - وأشار بالسبابة والوسطى - (3). والفضل لله: " تباركت آلاؤه " أولا وآخرا، فهو الرزاق وهو


(1) الفروع من الكافي 7: 51. (2) الترغيب والترهيب، للتميمي 3: 347. (3) تفسير نور الثقلين، للحويزي 5: 597 - عن مجمع البيان.

[50]

الموفق، وهو المستضيف لنا على موائد نعمه وأرزاقه الطيبة الوافرة، ثم هو المثيب المنعم على عباده. وقد جعل " سبحانه " لاستضافة اليتيم ثوابات دنيوية وأخروية.. عن أبي الدرداء قال: أتى النبي " صلى الله عليه وآله " رجل يشكو قسوة قلبه، فقال " صلى الله عليه وآله ": أتحب أن يلين قلبك، وتدرك حاجتك ؟ إرحم اليتيم وامسح رأسه، وأطعمه من طعامك، يلن قلبك، وتدرك حاجتك (1). والمؤمن إن أراد أن يتعلم الضيافات الكريمة تأسى بالقدوات والأسوات الحسنة، من الأنبياء والأوصياء " صلوات الله تعالى وسلامه عليهم أجمعين "، فلو تصفح تاريخهم النير المبارك لوجد فيه ضيافات مقدسة شريفة أخبرت عن آداب جمة من آداب الضيافة،.. ومنها: ضيافة النبي إبراهيم " سلام الله عليه " للرسل المكرمين، قال " تعالى ": (ونبئهم عن ضيف إبراهيم) (2)، وقال " جل وعلا ": (هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين. إذ دخلوا عليه فقالوا: سلاما، قال: سلام قوم منكرون. فراغ إلى أهله


(1) الترغيب والترهيب 3: 349. (2) سورة الحجر: 51.

[51]

فجاء بعجل سمين. فقربه إليهم قال: ألا تأكلون) (1) وقد سماهم " سبحانه " ضيفا مع أنهم كانوا ملائكة مكرمين، لأنهم دخلوا عليه في صورة الضيف، وسماهم ضيفا مع امتناعهم عن الأكل - إذ هم ملائكة - وذلك لأنهم دخلوا على إبراهيم " عليه السلام " لطلب الضيافة، وقد قيل: إن من يدخل دارا ويلتجئ إلى صاحبه يسمى ضيفا، وإن لم يأكل. وكم في ضيافات شيخ الأنبياء إبراهيم " صلوات الله عليه " من أخلاق شريفة وفاضلة ! قال الإمام علي " عليه السلام ": كان إبراهيم أول من أضاف الضيف (2). وعن أبي عبد الله الصادق " عليه السلام " قال: إن إبراهيم " عليه السلام " كان أبا أضياف، فكان إذا لم يكونوا عنده خرج يطلبهم، وأغلق بابه وأخذ المفاتيح يطلب الأضياف، وإنه رجع إلى داره فإذا هو برجل أو شبه رجل في الدار، فقال: يا عبد الله ! بإذن من دخلت هذه الدار ؟ قال: دخلتها بإذن ربها - يردد ذلك ثلاث مرات - فعرف إبراهيم " عليه السلام " أنه جبرئيل، فحمد ربه، ثم قال: أرسلني ربي إلى


(1) سورة الذاريات: 24 - 27. (3) أمالي الطوسي: 216.

[52]

عبد من عبيده يتخذه خليلا، قال إبراهيم: فأعلمني من هو ؟ اخدمه حتى أموت، فقال: أنت هو، قال: ولم ذلك ؟ ! قال: لأنك لم تسأل أحدا شيئا قط، ولم تسأل شيئا قط فقلت: لا (1). وعن جابر الأنصاري قال: سمعت رسول الله " صلى الله عليه وآله " يقول: ما اتخذ الله إبراهيم خليلا إلا لإطعامه الطعام، وصلاته بالليل والناس نيام (2). وقد كان في ضيافة إبراهيم " عليه السلام " البركات، لطيب قلبه وحسن نيته، وحبه للخير.. روي أن إبراهيم " عليه السلام " كان مضيافا، فنزل عليه يوما قوم ولم يكن عنده شئ، فقال: إن أخذت خشب الدار وبعته من النجار فإنه ينحته صنما ووثنا. فلم يفعل، وخرج بعد أن أنزلهم في دار الضيافة ومعه إزار إلى موضع، وصلى ركعتين، فلما فرغ ولم يجد الإزار علم أن الله هيأ أسبابه، فلما دخل داره رأى سارة تطبخ شيئا، فقال لها: أنى لك هذا ؟ !، قالت: هذا الذي بعثته على يد الرجل. وكان الله " سبحانه " أمر جبرئيل أن


(1) بحار الأنوار 12: 13 ح 40، عن الكافي. (2) علل الشرائع: 23.

[53]

يأخذ الرمل الذي كان في الموضع الذي صلى فيه إبراهيم ويجعله في إزاره، والحجارة الملقاة هناك أيضا، ففعل جبرئيل " عليه السلام " ذلك، وقد جعل الله الرمل جاورس مقشرا، والحجارة المدورة شلجما، والمستطيلة جزرا (1). ومن الضيافات الكريمة أيضا استضافة النبي شعيب " عليه السلام " لموسى " عليه السلام "، وقد حكى القرآن ذلك في قوله " تعالى ": (قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج، فإن أتممت عشرا فمن عندك، وما أريد أن أشق عليك، ستجدني إن شاء الله من الصالحين) (2) أي في حسن الصحبة والوفاء بالعهد. فعرض شعيب على موسى " سلام الله عليهما " أن يأجره نفسه ثماني سنين أو عشرا قبل تزويجه إحدى ابنتيه، فكان موسى " عليه السلام " في ضيافة شريفة مقدسة.


(1) بحار الأنوار 12: 11، عن الخرائج والجرائح لقطب الدين الراوندي، والجاورس: حب معروف يؤكل مثل الدهن، معرب كادرس، وهو ثلاثة أصناف (تاج العروس، للزبيدي 1: 118). (2) سورة القصص: 27.

[54]

ومنها كذلك: استضافة المصطفى " صلى الله عليه وآله " لابن عمه علي بن أبي طالب " سلام الله عليه ".. فبعد مضي ست سنوات من مولد أمير المؤمنين " عليه السلام " حلت بقريش ضائقة كانت وطأتها شديدة على أبي طالب " رضوان الله عليه "، إذ كان ذا عيال كثيرة، وكان كهفا يلوذ به المحتاج والفقير، والمسافر والغريب، فأقبل النبي " صلى الله عليه وآله " - ولم يكن قد بعث بعد - على عمه العباس " رضوان الله عليه " قائلا له: يا عم ! إن أخاك أبا طالب كثير العيال.. وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا إلى بيته لنخفف من عياله، فتأخذ أنت رجلا وآخذ أنا رجلا فنكفلهما عنه (1). وانطلقا.. حتى أتيا أبا طالب فقالا: إنا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا فاصنعا ما شئتما. فأخذ رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " عليا فضمه إليه، وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه، فلم يزل علي " عليه السلام " مع رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " حتى بعثه الله نبيا فاتبعه


(1) شرح النهج، لابن أبي الحديد 1: 151.

[55]

علي " سلام الله عليه " وصدقه (1). فلما أنكر حق مولانا أمير المؤمنين " عليه السلام " في خلافته للرسول الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " خطب خطبته [القاصعة] فقال فيها: وقد علمتم موضعي من رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بالقرابة القريبة، والمنزلة الخصيصة. وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه. وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة في قول، ولا خطلة في فعل. ولقد قرن الله به " صلى الله عليه وآله " من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره. ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء فأراه، ولا يراه غيري. ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله " صلى الله عليه وآله " وخديجة وأنا ثالثهما. أرى نور الوحي، وأشم ريح النبوة.. (2).


(1) تفصيل ذلك في بحار الأنوار 35: 44. (2) نهج البلاغة: خ 192.

[57]

أدب الضيافة الاداب المعنوية للضيافة

[58]

الاداب المعنوية للضيافة الأخلاق الوضعية تقاليد يتوارثها الناس أبا عن جد، وتنتقل فيما بينهم عن طريق التوارث والعدوى الاجتماعية، وتتحكم فيها الأهواء والأمزجة، والظروف العامة والخاصة. أما الأخلاق الإسلامية.. فهي أحكام إلهية تحمل الاعتقاد السليم والموقف الشرعي، وتمتاز بخصائص عديدة، منها: اولا / لا تنفصل عن الإيمان بالله " سبحانه وتعالى "، فهي صور من أخلاق الله " عز وجل ". فالكرم مثلا حسن عقلا وشرعا، إذ هو الكريم " جل وعلا " والامر بالكرم، والكريم في

[59]

الدين قريب من الله، حسن الظن بالله، معتقد أن الله " عز وجل " يرزقه كلما أنفق حتى لو كان مقترا معسرا.. جاء عن النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " قوله: ثلاث من حقائق الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وانصافك الناس من نفسك، وبذل العلم للمتعلم (1)، وعن الإمام علي " عليه السلام " قال: من أيقن بالخلف، جاد بالعطية (2) وقد رغب الإمام الصادق " عليه السلام " في الإنفاق فقال: أنفق وأيقن بالخلف (3). والبخل مذموم عقلا وشرعا، وقد نهى الله " تعالى " عنه وهو الذي أكرم خلقه جميعا: من عبده وأطاعه ومن عصاه، من صد عنه ومن دعاه. والبخيل بعيد عن الله، سيئ الظن بالله " عز وجل "، قال النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": السخي قريب من الله، قريب من الناس، قريب من الجنة. والبخيل بعيد من الله، بعيد من الناس، قريب من النار (4). ولبيان علاقة السخاء والبخل بالايمان نتأمل في هذه


(1) مكارم الأخلاق: 437. (2) نهج البلاغة: الحكمة 138. (3) بحار الأنوار 96: 130 عن جامع الأخبار. (4) بحار الأنوار 73: 308 - عن كتاب الإمامة والتبصرة لوالد الشيخ الصدوق. (*)

[60]

الجملة من الأحاديث الشريفة: * قال أمير المؤمنين " عليه السلام ": تحل بالسخاء والورع، فهما حلية الإيمان وأشرف خلالك (1). السخاء قربة (2). * وقال الإمام جعفر الصادق " عليه السلام: السخاء من أخلاق الأنبياء، وهو عماد الإيمان، ولا يكون مؤمنا إلا سخيا ولا يكون سخيا إلا ذو يقين وهمة عالية، لأن السخاء شعاع نور اليقين، ومن عرف ما قصد، هان عليه ما بذل.. (3)، وقال " سلام الله عليه ": والطمع منزوع عنه الإيمان وهو لا يشعر، لأن الإيمان يحجب بين العبد وبين الطمع في الخلق، ويقول: يا صاحبي ! خزائن الله مملوة من الكرامات، وهو لا يضيع أجر من أحسن عملا، وما في أيدي الناس فإنه مشوب بالعلل، ويرده إلى التوكل والقناعة وقصر الأمل، ولزوم الطاعة، واليأس من الخلق (4)... وروي عن مولانا علي بن أبي طالب " عليه السلام "


(1) غرر الحكم: 154. (2) الخصال: 94. (3) مصباح الشريعة - باب السخاء: 82. (4) مصباح الشريعة - باب الطمع: 106.

[61]

قوله: البخل بالموجود، سوء ظن بالمعبود (1). * وعن الإمام الصادق " عليه السلام " أنه قال: حسب البخيل من بخله، سوء الظن بربه (2)... * وجاء في (فقه الإمام الرضا " عليه السلام ") (3): إياكم والبخل، فإنه عاهة لا يكون في حر ولا مؤمن، إنه خلاف الإيمان. والضيافة تنجي من البخل وحالتي الحرص والطمع، وتفضي إلى خصلة الكرم وفضيلة السخاء.. فهي إلى جهة الإيمان لا إلى جهة سوء الظن بالله " تعالى ". ثانيا / تمتاز الاخلاق الإسلامية بأنها داخلة تحت عناوين الفقه، فتنتظم في الواجب والمحرم، والمستحب والمكروه، والمباح. والخصال ليست كماليات اجتماعية يلذ للبعض أن يتحلى بها أو يتخلى عنها البعض، إنما هي تكاليف وأرزاق معنوية، من وجد نفسه أنه موهوب شيئا منها جهد نفسه في المحافظة عليها وتنميتها وإخلاص النية فيها، ومن رأى أنه


(1) غرر الحكم: 27. (2) الاختصاص، للشيخ المفيد 234. (3) باب حق النفس: 338.

[62]

مبتلى بمساوئ الأخلاق ومذمومات الخصال تعين عليه أن يجاهد نفسه ويتخلص منها ما أمكنه بالعلاجات الروحية والنفسية. فالأخلاق من الطاعات والعبادات، ومن الأرزاق القلبية، وقد قال الشاعر: إني لتطربني الخلال كريمة طرب الغريب لأوبة وتلاق فإذا رزقت خليقة محمودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق الناس هذا رزقه مال، وذا علم، وذاك مكارم الأخلاق ثالثا / لابد في أخلاق الاسلام من النية الصالحة، فالتوبة توبة إذا كانت بنية الإقلاع عن المعاصي خشية من الله " تعالى " وإقرارا بوجوب طاعته " عز وجل "، وبنية نصوح تحقق عدم العودة إلى الذنب. والكرم لا يكون كرما حقا حتى يكون بنية الاستجابة لأمر الله " عز شأنه "، وطلب مرضاته والتخلق بأخلاقه، والاستنان بسنة حبيبه المصطفى " صلى الله عليه وآله " وأهل بيت العصمة والطهارة " سلام الله عليهم ". وكذا مساوئ الأخلاق.. لا ينتهي عنها المؤمن ولا يبتعد إلا لأنها واقعة في سخط الله " سبحانه "، ومخالفة لسيرة الأنبياء والأوصياء " صلوات الله عليهم ".

[63]

رابعا / إذا أردنا أن نستجمع خصائص الأخلاق الإسلامية قلنا: إنها منطوية على المعاني الإلهية والخصائص الإنسانية الشريفة التي يرضاها الله " جل جلاله "، والتي تأخذ بيد العبد إلى الواقع في معاملات يومية، وتخرجه من أطر النظريات الخيالية والفكر الجامدة، والتوهمات الفاقدة للحياة العملية. فأخلاق الدين ليست كلمات يحسن المرء التكلم بها والتعبير عنها بمنطق جذاب رصين، إنما هي حالات تنبع في القلب وتظهر على الجوارح، وهي مثل سامية مغموسة بالايمان والتقوى، ومشفوعة بالنية الصادقة السليمة، ومنعكسة على الأقوال والأفعال. وتطبيقا لما سلف على الضيافة - باعتبارها خلقا طيبا كريما - نرى أنها منطوية على الإيمان بالله تعالى واليوم الاخر، جاء في حديث نبوي شريف: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه (1).


(1) طب النبي " صلى الله عليه وآله " المنسوب إلى أبي العباس المستغفري: 20، - عنه بحار الأنوار 63: 292.

[64]

فالضيف حبيب الله ورسوله - كما ورد في الحديث القدسي الشريف -، والزائر لأخيه هو زائر لله " جل وعلا "، وإكرامه إكرام لله " تبارك وتعالى ".. فقد روي عن النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم جليسه (1). من أكرم أخاه فإنما يكرم الله (2). وكرم الضيافة معبر عن حسن الظن بالله " سبحانه " بأنه الرزاق والمخلف، وهذا من الإيمان.. أتى رجل النبي " صلى الله عليه وآله " فقال: يا رسول الله ! أي الناس أفضلهم إيمانا ؟ قال: أبسطهم كفا (3). وتنطوي الضيافة أيضا على الكرامة كرامة الله " تعالى " للمضيف، كيف لا والله " سبحانه " يقول في الحديث القدسي: الضيف رسولي. والضيف ضيف الله، فقد جاء: الضيف رسولي. والضيف ضيف الله، فقد جاء: * عن جابر، عن أبي جعفر " عليه السلام " قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم ": من زار أخاه في بيته


(1) كنز العمال، للهندي: ح 25490. (2) كنز العمال: ح 25488. (3) فروع الكافي، للشيخ الكليني 4: 40 - ح 7.

[65]

قال الله " عز وجل " له: أنت ضيفي وزائري، علي قراك، وقد أوجبت لك الجنة بحبك إياه (1). * وعن الحصين، عن أبي عبد الله " عليه السلام " قال: من زار أخاه في الله قال الله " عز وجل ": إياي زرت وثوابك علي، ولست أرضى لك ثوابا دون الجنة (2). * وعن عباد بن صهيب قال: سمعت جعفر بن محمد " عليهما السلام " يحدث، قال: إن ضيف الله " عز وجل ": رجل حج واعتمر، فهو ضيف الله حتى يرجع إلى منزله. ورجل كان في صلاته، فهو في كنف الله حتى ينصرف. ورجل زار أخاه المؤمن في الله " عز وجل "، فهو زائر الله في عاجل ثوابه، وخزائن رحمته (3). وقد رئي أمير المؤمنين " عليه السلام " حزينا فقيل له: مم حزنك ؟ قال: لسبع أتت لم يضف إلينا ضيف (4). ويكفي أن البيت الذي لا يدخله الضيف محروم من نفحات البركة، لقول المصطفى الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ":


(1) اصول الكافي 2: 141 - باب زيارة الإخوان ح 6. (2) اصول الكافي 2: 187 ح 5. (3) الخصال: 127 ح 127. (4) مناقب آل أبي طالب، لابن شهر آشوب 1: 297.

[66]

كل بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة (1)، وفي الحديث القدسي الشريف يقول الباري " جل وعلا ": يا ابن آدم ! المال مالي وأنت عبدي والضيف رسولي، فإن منعت مالي من رسولي فلا تطمع في جنتي ونعمتي.. يا ابن آدم ! ثلاثة واجبات عليك: زكاة مالك، وصلة رحمك، وقرى ضيفك، فإذا لم تفعل ما أوجبته عليك فإني أجزعك إجزاعا وأجعلك نكالا للعالمين (2). وتنطوي الضيافة كذلك على الحب في الله، وإكرام المؤمنين، وهما من أفضل الأعمال عند الله " عز شأنه ".. جاء في إحدى الروايات الشريفة أن الله " تعالى " قال لموسى " عليه السلام ": هل عملت لي عملا ؟ قال: صليت لك، وصمت وتصدقت وذكرت لك، قال الله " تبارك وتعالى ": وأما الصلاة فلك برهان، والصوم جنة، والصدقة ظل، والذكر نور، فأي عمل عملت لي ؟ قال موسى " عليه السلام ": دلني على العمل الذي هو لك، قال: يا موسى ! هل واليت لي وليا، وهل عاديت لي


(1) جامع الأخبار: 158. (2) أشرنا إليه سابقا، انه الحديث المسمى ب‍ " الحديث القدسي ".

[67]

عدوا قط ؟. فعلم موسى أن أفضل الأعمال الحب في الله، والبغض في الله (1). ولا شك أن ضيافة المؤمن ترجمة لحبه لأخيه في الله، واستجابة لوصية رسول الله " صلى الله عليه وآله ": أضف بطعامك وشرابك من تحبه في الله " تعالى " (2)، ووصيته الأخرى: أطعم طعامك من تحبه في الله، وكل طعام من يحبك في الله " عز وجل " (3). أين النية ؟ ! مما يؤسف له حقا أن يكون المرء مضيافا كريما، منفقا ماله ووقته في خدمة ضيفه، ثم يكون فاقدا للنية الصحيحة السليمة، فلا يستحضر في قلبه وفكره معاني الضيافة السامية، ولا ينوي التأسي بأخلاق الباري " تبارك وتعالى " ولا بسيرة النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " ولا أوليائه الأئمة الطاهرين " سلام الله عليهم أجمعين " في حين يقتضي أن


(1) بحار الأنوار 69: 252 - عن دعوات الراوندي. (2) نوادر الراوندي: 11. (3) مكارم الأخلاق: 466.

[68]

تسبق النية العمل، فهي أساسه.. جاء عن الإمام علي " عليه السلام ": النية أساس العمل. الأعمال ثمار النيات (1). وقد اشتهر عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " أنه قال: إنما الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى.. (2)، فلابد لأعمالنا - إن أردناها مقبولة - من نيات حسنة يرتضيها الله " جل وعلا "، فيغدق عليها توفيقاته المباركة، ويسكب عليها مثوباته الطيبة ف‍ (على قدر النية، تكون من الله العطية) (3) - كما قال الإمام علي " عليه السلام " -، ومن صحت نيته تم عون الله له، ومن قصرت نيته قصر عنه العون بقدر الذي قصر (4) - كما قال الامام الصادق " عليه السلام ". وقد تستهدف الضيافة أمر خير، تجمع فيه وجوه ليقال أمامها كلمة حق، أو لإصلاح ذات البين، أو ليدعى فيها إلى قضاء حاجة أو خير وهداية.. كما فعل المصطفى " صلى الله عليه وآله " لما نزلت الاية المباركة: " وأنذر عشيرتك


(1) غرر الحكم: 23، 15. (2) بحار الأنوار 70: 211 ح 35، عن غوالي اللآلي. (3) غرر الحكم: 215. (4) مجالس الشيخ المفيد: 49.

[69]

الأقربين "، إذ جمع بني عبد المطلب - وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل المسنة ويشرب العس -، فأمر عليا " عليه السلام " برجل شاة فأدمها ثم قال: ادنوا بسم الله، فدنا القوم عشرة عشرة فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع منه جرعة ثم قال لهم: اشربوا بسم الله. فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب فقال: هذا ما سحركم به الرجل. فسكت " صلى الله عليه وآله " يومئذ ولم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل ذلك من الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله " صلى الله عليه وآله " فقال: يا بني عبد المطلب ! إني أنا النذير إليكم من الله " عز وجل "، فأسلموا وأطيعوني تهتدوا. ثم قال: من يواخيني ويوازرني، ويكون وليي ووصيي بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني ؟ فسكت القوم، فأعادها ثلاثا، كل ذلك يسكت القوم ويقول علي: أنا.. (1) ومن لطف الله " سبحانه " وسعة رحمته أن العبد يثاب على


(1) جملة التفاسير في ظل الآية " وأنذر عشيرتك الأقربين " الشعراء: 214. والمسنة: من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر وفصل عن امه، وأخذ في الرعي. والعس: القدح الكبير. أدمها: خلطها بالأدام، وهو الطعام. والقعب: القدم الضخم الغليظ.

[70]

صالح نيته وإن قصر عمله، - وإن كان تصحيح النية من أشق الأعمال وأحمزها - كما يقول الشيخ المجلسي " رحمه الله " (1)، لكنه إن وفق لذلك نال ما لم ينله أحيانا بعمله، لما يشوب العمل من القصور والتقصير، والنوايا الشائبة والضمائم المكدرة لصفو الإخلاص، لذا يقول النبي المصطفى " صلى الله عليه وآله ": نية المرء خير من عمله (2). نية المرء أبلغ من عمله (3).. وبيان ذلك نستوضحه من هذين الحديثين الشريفين: قال الإمام الباقر " عليه السلام ": نية المرء افضل من عمله، وذلك لأنه ينوي من الخير ما لا يدركه (4)، وقال الإمام الصادق " عليه السلام " في تعليل ذلك: لأن العمل ربما كان رياء المخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي " عز وجل " على النية ما لا يعطي على العمل (5). وفي الضيافة.. لابد من النية المخلصة ليضمن المرء ثوابها،


(1) بحار الأنوار 70: 193. (2) اصول الكافي 2: 69 - باب النية ح 2. (3) أمالي الطوسي 2: 69. (4) علل الشرائع 2: 211. (5) علل الشرائع 2: 211. (8)

[71]

فربما لم يوفق في العمل بآداب الضيافة جميعها، أو قد يكون منه التقصير في خدمة ضيفه فتقصر همته، عما كانت عليه نيته.. وصف الإمام علي " عليه السلام " المؤمن يوما فقال: لا يبلغ بنيته إرادته في الخير، ينوي كثيرا من الخير ويعمل بطائفة منه، ويتلهف على ما فاته من الخير كيف لم يعمل به (1). أما إذا خلت الضيافة من النية تماما فإنها ستقع في الغفلة، فلا هي تخلق بأخلاق الله " تعالى " ولا هي اتباع لأخلاق الأنبياء والأولياء " عليهم السلام "، ولا هي رفع لضائقة أو قضاء لحاجة، أو نوال لمثوبة.. حيث تكون الضيافة عادة مجردة، في حين أن العاقل ينبغي أن يفكر في الدوافع والعواقب.. يقول الإمام الصادق " سلام الله عليه ": لابد للعبد من خالص النية في كل حركة وسكون، لأنه إذا لم يكن هذا المعنى يكون غافلا (2).. وقد تكون النية سوء في الضيافة، فيستضيف المرء أصدقاءه والباعث على ذلك هو الرغبة في الثناء وكسب


(1) تحف العقول عن آل الرسول " ص "، لابن شعبة الحراني: 151، وتلهف بمعنى حزن عليه وتحسر. (2) مصباح الشريعة: 53 - باب النية.

[72]

المحامد والأمجاد، أو الدافع هو الشوق إلى الحصول على نفع وأموال. وقد يكون الهدف هو كسب السمعة، فتكون الضيافة رياء أو تكون مطوية على رغبة دنيوية تافهة ليس فيها طلب لمرضاة الله " عز وجل ".. فيضيع المال، ويخيب العمل، وربما خلفا إثما كثيرا ينتظره عذاب أليم.. قال النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": من أطعم طعاما رئاء وسمعة أطعمه الله من صديد جهنم، وجعل ذلك الطعام نارا في بطنه حتى يقضي بين الناس يوم القيامة (2). من هنا تتضح خطورة الأمر وأهمية النية، ليس في الضيافة فحسب.. فقد أوصى النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " أبا ذر " رحمه الله " فقال له: يا أبا ذر ! ليكن لك في كل شئ نية صالحة، حتى في النوم والأكل (2). والمؤمن في أعماله يطلب النية الحسنة حتى يختم هو بخير، ويختم له بخير،.. ففي دعاء مكارم الأخلاق قال الإمام السجاد " عليه السلام " في صحيفته المباركة: اللهم صل على


(1) بحار الأنوار 75: 456 - عن كتاب زهد النبي " ص " للشيخ جعفر بن أحمد بن علي القمي، بإسناده إلى ابن عباس. (2) مكارم الأخلاق: 464. (*)

[73]

محمد وآله، وبلغ بإيماني أكمل الإيمان، واجعل يقيني أفضل اليقين، وانته بنيتي إلى أحسن النيات، وبعملي إلى أحسن الأعمال. اللهم وفر بلطفك نيتي، وصحح بما عندك يقيني، واستصلح بقدرتك ما فسد مني (1).. والمؤمن في ضيافته يحذر من أن تتسلل إلى قلبه نية تفسد عمله، فيخسر الثواب الأخروي، وتكون ضيافته ضيافة جاهلية تنصب فيها الموائد للتفاخر، ويدعى إليها كبراء القوم وأغنياؤهم وشعراؤهم ليطروا المضيف ويكللوه بالمديح الكاذب، بينما يحرم من تلك الموائد الفقير والمسكين واليتيم. وقد ورد في ذلك ذم قرآني كثير.. قال " تعالى " بعد بيان عذاب من أوتي كتابه بشماله: إنه كان لا يؤمن بالله العظيم. ولا يحض على طعام المسكين (2). وقال " عز من قائل ": (كلا بل لا تكرمون اليتيم. ولا تحاضون على طعام المسكين (3). وقال " جل وعلا ": ما سلككم في سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم نك نطعم المسكين. وكنا نخوض مع


(1) الدعاء العشرون من الصحيفة السجادية المباركة. (2) سورة الحاقة: 33 - 34. (3) سورة الفجر: 17 - 18.

[74]

الخائضين. وكنا نكذب بيوم الدين) (1). وقال " سبحانه " كذلك: (أرأيت الذي يكذب بالدين. فذلك الذي يدع اليتيم. ولا يحض على طعام المسكين) (2). وكذا جاء الذم على لسان الحديث الشريف.. فقد روي عن النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " أنه قال: شر الطعام: الوليمة يدعى إليها الشبعان، ويحبس عنها الجيعان (3). وكتب أمير المؤمنين " عليه السلام " كتابا إلى عامله على البصرة (عثمان بن حنيف) جاء في مستهله: أما بعد يا ابن حنيف ! فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب لك الألوان، وتنقل إليك الجفان ! وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو (4).. فالضيف والمضيف.. كلاهما مدعوان إلى أن تجمعهما على المأدبة نوايا خيرة، فالمضيف يدعو أخاه المتقي الذي يحبه، ويعتني به ويخصه إذا كان فقيرا، والضيف إنما يستجيب لمن


(1) سورة المدثر: 42 - 46. (2) سورة الماعون: 1 - 3. (3) كنز العمال: ح 44627. (4) نهج البلاغة: الكتاب رقم 45، والعائل هو: الفقير.

[75]

يراه محبا له، مؤمنا متقيا.. فبهذا أوصى رسول الله " صلى الله عليه وآله " وكذا أهل بيته " عليهم السلام ".. * قال " صلى الله عليه وآله ": أطعم طعامك من تحبه في الله، وكل طعام من يحبك في الله " عز وجل " (1). * وقال " صلى الله عليه وآله " أيضا: لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي (2). * وقال " صلى الله عليه وآله ": أوصي الشاهد من امتي والغائب.. أن يجيب دعوة المسلم ولو على خمسة أميال، فإن ذلك من الدين (3). * وفي النهي عن إجابة دعوة الفاسقين قال المصطفى " صلى الله عليه وآله وسلم ": أبى الله لي زاد المشركين والمنافقين، وطعامهم (4). لا تأكل طعام الفاسقين (5). * وعن الإمام الصادق " سلام الله عليه " قال: لا ينبغي


(1) مكارم الأخلاق: 466. (2) مكارم الأخلاق: 466. (3) المحاسن: 411. (4) المحاسن: 411. (5) مكارم الأخلاق: 466.

[76]

للمؤمن أن يجلس مجلسا يعصى الله " تعالى " فيه ولا يقدر على تغييره (1).. فالمؤمن يتحرز عن إجابة دعوة ظالم أو فاسق، أو ضيافة يراد بها غير وجه الله تعالى، كأن تكون للتفاخر والمباهاة، أو يقدم فيها طعام حرام أو مشبوه، أو يكون البسط فيها أو المكان مغصوبا أو حراما، أو في الموضع شئ من المنكرات كالخمرة وأواني الفضة وآلات اللهو والطرب (2).


(1) جامع السعادات 2: 155 - باب آداب الضيافة. (2) جامع السعادات 2: 155 - باب آداب الضيافة.

[77]

أدب الضيافة من عوائد الضيافة

[78]

من عوائد الضيافة انتباهة: ما من أمر أمر الله " جل جلاله " به إلا وهو منطو على مصالح العباد ومنافعهم، وعائد عليهم بالخير والسلامة والسعادة في الدنيا والاخرة. وما من أمر نهى الله " سبحانه " عباده عنه إلا وفي ارتكابه ضررهم وتعاستهم في الدنيا والاخرة. فالله " عز وجل " هو الرؤوف بعباده.. يريد الخير لهم، والرحمة بهم، وهو الحكيم.. يدلهم على الحق والصلاح والفضيلة، وعلى كل ما يعود عليهم بالسعادة في حياتهم القصيرة هذه، وفي حياتهم الخالدة تلك.

[79]

وقد نبهنا " جل شأنه " إلى أن الدنيا زائلة، ودعانا إلى أن نجعل الاخرة أكبر همنا، ومبتغانا، فنعمل في هذه لتلك، وهو القائل " عز من قائل ": (وابتغ فيما آتاك الله الدار الاخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا.. (1)، وفي ظل هذه الاية الشريفة قال الإمام علي " عليه السلام ": مفسرا: لا تنس صحتك وقوتك وفراغك وشبابك ونشاطك أن تطلب بها الاخرة (2). فالدنيا هي الحقل، وفي الاخرة الحصاد، والدنيا - كما يقول أمير المؤمنين " عليه السلام ": دار ممر إلى دار مقر، والناس فيها رجلان: رجل باع فيها نفسه فأوبقها، ورجل ابتاع نفسه فأعتقها (2). ونحن في هذه الدنيا ضيوف، ويليق بالضيف أن يستثمر الوقت فيما ينتفع به، فإنها فرصة يستفيد منها ويفيد في لقائه وحديثه واستماعه.. قال الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": أيها الناس ! إن من في الدنيا ضيف، وما في


(1) سورة القصص: 77. (2) معاني الأخبار، للشيخ الصدوق: 325. (3) نهج البلاغة: الحكمة 133، وأوبقها: أهلكها في الآخرة بما باعها من متاع الدنيا، واعتقها بما شراها به من ذلك بالزهد فيه، وإنفاقه في سبيل الله. اختيار مصباح السالكين، للشيخ ابن ميثم البحراني: 612.

[80]

أيديهم عارية، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة (1). فإذا كان من في الدنيا ضيفا فإن الدنيا دار ضيافة، والعاقل من تزود منها لما بعدها، وما يدرينا ما بعدها ! ذاك الذي ترك في قلب علي " صلوات الله عليه " آهات، حيث كان يقول: آه من قلة الزاد، وطول الطريق، وبعد السفر، وعظيم المورد (2) ! فالمغتنم من عمل فيها الصالحات، وأدى الطاعات، وجاء بالمنجيات.. سمع أمير المؤمنين " عليه السلام " رجلا يذم الدنيا، فقال له: إن الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها، ودار موعظة لمن اتعظ بها.. مسجد أحباء الله، ومصلى ملائكة الله، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وربحوا فيها الجنة (3).. ومن الرحمة المكتسبة في هذه الدنيا إقراء الضيف وإكرامه.. قالت سلمى مولاة أبي جعفر الباقر " عليه السلام ":


(1) بحار الأنوار 77: 178، عن إعلام الدين للديلمي - أربعون حديثا رواها ابن ودعان. (2) نهج البلاغة: الحكمة 77. (3) نهج البلاغة: الحكمة 131.

[81]

كان يدخل عليه إخوانه فلا يخرجون من عنده حتى يطعمهم الطعام الطيب، ويكسوهم الثياب الحسنة، ويهب لهم الدراهم، فأقول له في ذلك ليقل منه، فيقول: يا سلمى ! ما حسنة الدنيا إلا صلة الإخوان والمعارف (1). والضيافة فيها حسنة الدنيا والاخرة، لأنها من الأخلاق التي يحبها الله " تعالى "، ولأنها سبب الرزق والمغفرة، والخير والبركة، فقد بشر المصطفى " صلى الله عليه وآله وسلم " بذلك فقال: الضيف يأتي القوم برزقه، فإذا ارتحل ارتحل بجميع ذنوبهم (2). وفسر الإمام الصادق " عليه السلام " هذه الاية المباركة (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الاخرة حسنة) (3) بقوله: رضوان الله والجنة في الاخرة، والسعة في الرزق والمعاش وحسن الخلق في الدنيا (4). وذلك متحقق - بإذن الله - جميعا في الضيافة التي تكتمل آدابها وشروطها، كما سيتبين ذلك.


(1) كشف الغمة 2: 118. (2) بحار الأنوار 75: 461 ح 17 - عن كتاب الإمامة والتبصرة. (3) سورة البقرة: 200. (4) معاني الأخبار: 175.

[82]

العوائد إن الله " جل وعلا " دعانا إلى خير الدارين وسعادتهما، والضيافة مما دعا إليه " سبحانه "، وكذا رسوله الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " وأهل بيته الأطهار " عليهم السلام ". وهي عائدة على المضيف بالعوائد الطيبة والخيرات والبركات: من الرزق الواسع - رغم أنها إنفاق -، والمغفرة الراحمة - رغم أن البعض لا يعتبرها ولا يظنها عبادة استغفار -. وعلى أية حال.. فالنصوص الشريفة هي التي تفصح عن ذلك وتبين: * قال النبي الصادق المصدق " صلى الله عليه وآله ": ما من ضيف حل بقوم إلا ورزقه في حجره (1). إذا أراد الله بقوم خيرا أهدى إليهم هدية، قالوا: وما تلك الهدية ؟ قال: الضيف ينزل برزقه، ويرتحل بذنوب أهل البيت (2). فإذا كانت الضيافة تبلغ هذا الشرف والفضل، فإن تركها مذموم عائد على المرء بالحرمان ونقصان الخير، وهذا ما أفصحت عنه أخبار أهل بيت النبوة " صلى الله عليهم ":


(1) جامع السعادات 2: 151 - باب الضيافة. (2) بحار الأنوار 75: 461، عن جامع الأخبار.

[83]

* روي عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " أنه قال: لا خير فيمن لا يضيف (1). ومر " صلى الله عليه وآله " يوما برجل له إبل وبقر كثير فلم يضيفه، ومر بعد ذلك بامرأة لها شويهات فذبحت له.. فقال " صلى الله عليه وآله " لأصحابه: انظروا إليهما، فإنما هي الأخلاق بيد الله " عز وجل "، فمن شاء أن يمنحه خلقا حسنا فعل (2). * وعن الإمام علي " عليه السلام " أن النبي " صلى الله عليه وآله " قال: لا تزال امتي بخير ما تحابوا، وأدوا الأمانة، واجتنبوا الحرام، وأقروا الضيف، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة.. فإذا لم يفعلوا ذلك ابتلوا بالقحط والسنين (3). * وقال " صلى الله عليه وآله " أيضا: كل بيت لا يدخل فيه الضيف لا تدخله الملائكة (4). ومن هنا يفهم ما للضيافة من كرامة وعزة وشرف، أما إذا رغبنا في الاستزادة من هذا المعنى الرفيع فلنتأمل في كلمة


(1) جامع السعادات 2: 151. (2) جامع السعادات 2: 151. (3) جامع الأخبار: 158. (4) جامع الأخبار: 158.

[84]

الإمام الصادق " عليه السلام ": المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن، فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في ولده ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحر: صدق البأس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافاة على الصنائع، والتذمم (1) للجار، والتذمم للصاحب.. ورأسهن الحياء (2). ولأهمية شأن الضيافة أثبتها أمير المؤمنين " عليه السلام ": في وصيته الشريفة، فقال: أوصيك يا بني بالصلاة عند وقتها.. وإكرام الضيف (3). إنها الكرامة والنماء، وإنها مهبط رضى الله " تعالى " ومصب رحمته.. حيث لقاء الأخوان المؤمنين، وصلة الأحبة والأرحام، وفي ذلك خير وافر.. قال الإمام أبو عبد الله الصادق " عليه السلام ": أيما ثلاثة مؤمنين اجتمعوا عند أخ لهم يأمنون بوائقه، ولا يخافون غوائله، ويرجون ما عنده، إن دعوا الله أجابهم، وإن سألوا أعطاهم، وإن استزادوا زادهم، وإن سكتوا


(1) التعهد وحفظ الحرمة. (2) الخصال: 431 ح 11. (3) أمالي الطوسي 1: 6.

[85]

ابتدأهم (1). * وما يدرينا ما في الضيافة من أسباب الخير والهداية والكرامة ! فقد روي عن الإمام علي بن الحسين " عليه السلام " أنه قال: إن رسول الله قدم أسيرا من اليهود فأمر عليا " عليه السلام " بضرب عنقه، فنزل عليه جبريل فقال: يا محمد ! ربك يقرئك السلام، ويقول: لا تقتله، فانه حسن الخلق، سخي في قومه. فأسلم اليهودي (2). * وعن الإمام الباقر " عليه السلام " أتي النبي " صلى الله عليه وآله " بأسارى فأمر بقتلهم وخلى رجلا من بينهم. فقال الرجل: كيف أطلقت عني من بينهم ؟ فقال: أخبرني جبرئيل عن الله جل جلاله أن فيك خمس خصال يحبها الله ورسوله: الغيرة الشديدة على حرمك، والسخاء، وحسن الخلق، وصدق اللسان، والشجاعة. فلما سمعها الرجل أسلم وحسن إسلامه، وقاتل مع رسول الله " صلى الله عليه وآله " قتالا شديدا حتى استشهد (3). * وكذا روي عن الإمام جعفر الصادق " عليه السلام " أنه


أصول الكافي 2: 140 - باب زيارة الإخوان ح 14. (2) أمالي الصدوق. (3) الخصال: 282 ح 28.

[86]

قال: أتي رسول الله " صلى الله عليه وآله " بأسارى، فقدم رجلا ليضرب عنقه، فقال جبريل: يا محمد ! ربك يقرئك السلام ويقول: إن أسيرك هذا يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويصبر على النائبة، ويحتمل الحمالات. فقال له النبي " صلى الله عليه وآله ": إن جبريل أخبرني عنك - عن الله - بكذا وكذا، وقد أعتقتك. فقال له: وإن ربك ليحب هذا ؟ ! فقال: نعم. فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، والذي بعثك بالحق، لا رددت عن مالي أحدا أبدا (1). التفاتة ومما يجدر معرفته هو أن ليست كل ضيافة محمودة في الدين، واقعة تحت رحمة الباري " سبحانه "، إنما الممدوحة ما كانت معقودة على طاعة لله ومحبته، يدعى إليها المؤمنون، ويستزاد فيها من الأجر والثواب.. جاء عن الإمام الصادق " سلام الله عليه " قوله: من أطعم ثلاثة نفر من المؤمنين أطعمه الله من ثلاث جنان: ملكوت السماء الفردوس، وجنه عدن،


(1) المحاسن: 388.

[87]

وطوبى - وهي شجرة من جنة عدن غرسها ربي بيده (1) والضيافة التي يثاب فيها الضيف والمضيف ما كانت لوجه الله " سبحانه "، معطرة بذكر الله " جل وتعالى "، فإذا انفض حضارها عادوا منشرحي الصدور، منوري العقول، قد تعلموا فيها خيرا كثيرا. ولعل من أفضل الضيافات ضيافة المؤمن والعابد والصائم، فقد ورد عن الإمام الصادق " عليه السلام " في ذلك أنه قال: إن من روح الله " تعالى " ثلاثة: التهجد بالليل، وإفطار الصائم، ولقاء الاخوان (2). حيث الوقت مستثمر بصالح الأقوال: بين تذكر وتذكير، وتعلم وتعليم، وحث على الباقيات الصالحات.. تدور بين الأخوة أحاديث يحبها الله " عز وجل " لأنها تحيي قلوبهم، فإذا اجتمعوا على مأدبة كان طعامها حلالا، وكانت آداب الأكل حاضرة، وكان للفقير حضور غالبا، فيثاب المطعم وتهبط البركة، وتزداد أواصر الأخوة والمحبة عمقا.. ولهذا حث الأسلام على مجالسة الصالحين، فإن فيها اقتباس


(1) ثواب الأعمال: 136 - باب ثواب من أطعم ثلاثة نفر من المؤمنين. المآكل المحاسن، باب الإطعام ح 43. (2) أمالي الطوسي 1: 175.

[88]

الصلاح، وتهذيب النفوس، والاقتداء بأهل المعرفة والطاعة. جاء عن النبي الهادي " صلى الله عليه وآله " قوله: من خير حظ المرء قرين صالح. جالس أهل الخير تكن منهم (1). وأهل الخير والصلاح تعرف مجالسهم بخلوها من الرياء وتنزهها عن آفات اللسان، وأنها زاهية بعاطر ذكر الله " تعالى ". فالضيافة لهم أو عندهم تعني الانتفاع من علمهم وتقواهم وأخلاقهم، كما تعني إحياء القلوب بالمواعظ الحسنة والسنن الشريفة. فملتقاهم لا يخلو من ذكر الله أو ذكر من يحبه الله، من الأولياء المخلصين " صلوات الله عليهم أجمعين "، فبين أن يسمع جليسهم حكما شرعيا أو مسألة فقهية، أو يسمع رواية في سيرة أخلاقية، أو عقيدة حقة أو بحثا علميا شائقا، وقد يسمع ذكرا لفضائل أهل البيت " عليهم السلام " ومناقبهم، أو مجلس عزاء على سيد الشهداء الحسين " عليه السلام "، أو دعاء شريفا أو تلاوة في كتاب الله العزيز، أو زيارة لأحد الأئمة الطاهرين " صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ".. فلا يخرج إلا بزيادة في نورانيته، وقد حصل على عبادة، وجنى


(1) المواعظ للشيخ الصدوق: 65. (انتشارات هجرت، قم المقدسة). (*)

[89]

ثوابا، وأصاب مرضاة ربه " عز وجل ". وللاثار المباركة لهذه الضيافات والمجالس في تربية الناس وإرشادهم.. دعت الروايات الوافرة إلى إقامتها وإعمارها، والانتفاع بها. من ذلك: * قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": ما اجتمع قوم يذكرون فضل علي بن أبي طالب " عليه السلام " إلا هبطت عليهم ملائكة السماء حتى تحف بهم، فإذا تفرقوا عرجت الملائكة إلى السماء فيقول لهم الملائكة: إنا نشم من رائحتكم ما لا نشمه من الملائكة، فلم نر رائحة أطيب منها، فيقولون: كنا عند قوم يذكرون محمدا وأهل بيته " عليهم السلام "، فعلق من ريحهم فتعطرنا، فيقولون: اهبطوا بنا، فيقولون: تفرقوا ومضى كل واحد منهم إلى منزله، فيقولون: اهبطوا بنا حتى نتعطر بذلك المكان (1). * وقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": إذا رأيتم روضة من رياض الجنة فارتعوا فيها. قيل: يا رسول الله ! وما روضة الجنة ؟ قال: مجالس المؤمنين (2).


(1) الكافي 8: 151. (2) مستطرفات السرائر، لابن إدريس: 143 ح 7.

[90]

* وقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " أيضا: بادروا إلى رياض. فقالوا:. ما رياض الجنة ؟ قال: حلق الذكر (1). * وقال الإمام الباقر " عليه السلام " لأحد أصحابه: أتخلون وتتحدثون، وتقولون ما شئتم ؟ قال: قلت: إي والله.. فقال " عليه السلام ": أما والله ! لوددت أني معكم في بعض تلك المواطن، أما والله ! إني لأحب ريحكم وأرواحكم وإنكم على دين الله ودين ملائكته، فأعينونا بورع واجتهاد (2). وقال " عليه السلام " لاخر: أتتجالسون ؟ قال: نعم، فقال: واها لتلك المجالس (3) ! ووجه المؤمنين يوما فقال لهم: تزاوروا في بيوتكم، فإن ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا (4). (1) معاني الأخبار: 321، وحلق الذكر: هي المجالس التي يذكر الله فيها على قانون الشرع، ويذكر فيها علوم أهل البيت " عليهم السلام " وفضائلهم، ومجالس الوعظ التي يذكر فيها وعده ووعيده، لا المجالس المبتدعة المخترعة التي يعصى الله فيها، فإنها مجالس الغفلة لا حلق الذكر (سفينة البحار - باب الذكر). (2) مصادقة الإخوان: 17 - باب اجتماع الإخوان في محادثتهم. (3) مصادقة الإخوان: 18. (4) الخصال: 22.

[91]

وأوصى أحد خواصه فقال له: بلغ شيعتنا السلام، وأوصهم بتقوى الله العظيم.. إلى أن قال " عليه السلام ": ويتلاقوا في بيوتهم، فإن لقاء بعضهم بعضا حياة لأمرنا، رحم الله امرأ أحيا أمرنا وعمل بأحسنه (1). * ومن بعده أوصى الإمام الصادق " عليه السلام " أحد خواصه أيضا فقال له: أبلغ موالي عني السلام، وأني أقول: رحم الله عبدا اجتمع مع آخر فتذاكرا أمرنا، فإن ثالثهما ملك يستغفر لهما، وما اجتمع اثنان على ذكرنا إلا باهى الله تعالى بهما الملائكة. فإن اجتمعتم فاشتغلوا بالذكر، فإن في اجتماعكم ومذاكرتكم إحياءنا، وخير الناس بعدنا من ذاكر بأمرنا، ودعا إلى ذكرنا (2). وفي رواية أخرى: تزاوروا، فإن في زيارتكم إحياء لقلوبكم، وذكرا لأحاديثنا، وأحاديثنا تعطف بعضكم على بعض (3).. وقال لفضيل: تجلسون وتحدثون ؟ قال: نعم جعلت فداك، فقال " عليه السلام ": إن تلك المجالس أحبها، فأحيوا أمرنا يا فضيل، فرحم الله من أحيا أمرنا. يا فضيل ! من ذكرنا


(1) دعائم الإسلام 1: 61. (2) المحاسن: 62 ح 107. (3) اصول الكافي 2: 149 - باب تذاكر الإخوان ح 2.

[92]

أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر (1). * وروي عن مولانا الإمام الجواد " عليه السلام " أنه قال: رحم الله عبدا أحيا ذكرنا. فقيل له: ما إحياء ذكركم ؟ قال: التلاقي والتذاكر عند أهل الثبات (2). وضيافة المؤمنين تأتي بهذا العطاء كله، وتعطي ثمار هذا الخير كله، فرب مجلس لهم ذكرت فيه آيات وروايات، ودعوات وزيارات، وانعقد فيه ذكر للنبي وآله " صلوات الله عليه وعليهم "، فأحيوا أمرهم، ونشروا أحاديثهم، وعددوا شيئا من فضائلهم وكراماتهم، وبينوا بعضا من علومهم، حتى يخرج الضيف ولسان حاله يقول: طوبى لمن استضاف إخوانه على هذه ! ولسانه يردد مصدقا قول مولانا الباقر " عليه السلام ": ألا وإن لكل شئ سيدا، وسيد المجالس مجالس الشيعة (3).


(1) قرب الإسناد، للحميري: 18. (2) مصادقة الإخوان: 17 - باب اجتماع الإخوان في محادثتهم ح 3. (3) تفسير فرات: 208.

[93]

قد تقتضينا معرفة عوائد الضيافة أن نتعرف على فضل المضيف من خلال بعض الأخبار الشريفة.. فأحدها يذكر: أن الأرض لانت لرجل مات حتى حفرت تلك الأرض بالكف، فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " لقد كان يحب إقراء الضيف، ولا يقري الضيف إلا مؤمن تقي (1). والاخر: أن رجلا ذكر لرسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " بعض أعماله، وكان منها إقراء الضيف، فقال " صلى الله عليه وآله وسلم " له: بخ بخ بخ، ما لجهنم عليك سبيل، إن الله قد براك من الشح إن كنت كذلك (2). وثالث: أنه " صلى الله عليه وآله وسلم " قال: الضيف دليل الجنة (3). ورابع: أن أمير المؤمنين " عليه السلام " قال: ما من مؤمن يحب الضيف إلا ويقوم من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر،


(1) قرب الإسناد: 36. (2) قرب الإسناد: 36. (3) جامع الاخبار: 158.

[94]

فينظر أهل الجمع فيقولون: ما هذا إلا نبي مرسل ! فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف، ويكرم الضيف، ولا سبيل له إلا أن يدخل الجنة (1).


(1) جامع الاخبار: 158.

[95]

أدب الضيافة آداب الضيف

[96]

آداب الضيف كل معنون ينبغي أن يحمل مقتضيات عنوانه، وكل مسمى يحسن به أن يعرب عن خصائص اسمه. والضيف هو من أضيف بإكرام إلى مضيفه، رحما كان أو صديقا أو أخا في الله، أقبل إلى أخيه ليدخل عليه بالرزق والبركة، ويخرج من عنده بالرحمة والمغفرة، وهو في لسان الروايات: هدية الله، ورسول الله،.. ولكن كيف يرتحل بذنوب أهل البيت الذين نزل عليهم ضيفا إذا لم يكرموه ولم يرعوا فيه حرمة الضيافة وآدابها ؟ ! وكيف يخرج هو بالمغفرة إذا لم يكن في دخوله مراعاة

[97]

لحرمة الدار وأصحابها ؟ ! فيسأل نفسه: هل دخل بالكلمة الطيبة والخبر المسر فنال البشارة من النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ": ما من عبد يدخل على أهل بيت مؤمن سرورا إلا خلق الله له من ذلك السرور خلقا يجيئه يوم القيامة كلما مرت عليه شديدة يقول: يا ولي الله لا تخف، فيقول له: من أنت يرحمك الله ؟ ! فلو أن الدنيا كانت لي ما رأيتها لك شيئا، فيقول: أنا السرور الذي أدخلت على آل فلان (1). وقد لا يتصور الضيف ما لإدخال السرور من عظيم الثواب وكبير الفضل، حتى يسمع أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قال في ذلك: من سر مؤمنا فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله (2). وحتى يستمع الى الإمام الصادق " عليه السلام " وهو يقول: لا يرى أحدكم إذا أدخل على مؤمن سرورا أنه عليه أدخله فقط، بل والله علينا، بل والله على رسول الله " صلى الله عليه وآله " (3). ومما يسر المؤمن ذكر الله " عز وجل "، وذكر من يحب الله " سبحانه " أن يذكر، فإذا وفق الضيف لذلك فقد أصاب خيرا


(1) ثواب الأعمال: 149 - باب ثواب من أدخل على أهل بيت مؤمن سرورا. (2) اصول الكافي 2: 188 باب إدخال السرور على المؤمنين ح 1. (3) اصول الكافي 2: 188 ح 6.

[98]

وثوابا كثيرين، وأدخل على مضيفه الأنس والبركة، وخرج من عنده مغفورا له ولأخيه المؤمن، لأنه دخل بالمسرة وخرج على التحابب في الله " عز وجل ". ولكي يبقى عازما على ذلك يحسن به أن يتذكر هذه الأحاديث الشريفة: * قال أبو عبد الله الصادق " عليه السلام ": من سر امرءا مؤمنا سره الله يوم القيامة، وقيل له: تمن على ربك ما أحببت، فقد كنت تحب أن تسر أولياءه في دار الدنيا. فيعطى ما تمنى، ويزيده الله من عنده ما لم يخطر على قلبه من نعيم الجنة (1). * وقال الإمام الرضا " عليه السلام ": المتحابين (2) في الله يوم القيامة على منابر من نور، قد أضاء نور وجههم وأجسادهم ونور منابرهم كل شئ، حتى يعرفوا أنهم المتحابون في الله " عز وجل " (1). * وفي حديث له طويل.. قال الإمام الصادق " عليه السلام ":


(1) ثواب الأعمال: 149 - باب من سر مؤمنا. (2) هكذا في الأصل ولعله من خطأ المصحف، وإلا فالكلمة مرفوعة على الابتداء: المتحابون. (3) ثواب الأعمال: 152 باب ثواب المتحابين في الله " عز وجل ".

[99]

إذا بعث الله المؤمن من قبره خرج معه مثال من قبره يقدمه أمامه، وكلما رأى المؤمن هولا من أهوال يوم القيامة قال له المثال: لا تحزن ولا تفزع، وأبشر بالسرور والكرامة من الله. فلا يزال يبشره بالسرور والكرامة من الله حتى يقف بين يدي الله " جل جلاله " فيحاسبه حسابا يسيرا، ويأمر به إلى الجنة والمثال أمامه، فيقول له المؤمن: رحمك الله، نعم الخارج كنت معي في قبري، وما زلت تبشرني بالسرور والكرامة حتى رأيت ذلك، فمن أنت ؟ قال: فيقول: أنا السرور الذي كنت أدخلته على أخيك المؤمن، خلقني الله منه لأبشرك (1). والضيافة من شأنها أن يعقد فيها مجلس، لا يدري الضيف ماذا سيكون الحديث فيه، وقد يكون على وجل من أمره فيراجع نيته، وينقل خطواته على بصيرة وهدى إلى مجلس نافع، فيه الكلمة الواعظة يحيي بها قلبه، والثواب الوافر يغتنم منه لاخرته. وهو قبل ذلك ينوي أن لا يستمع إلى ما لا يحل، ولا يتحدث فيما لا يجمل، ولا يخوض في ما يحرم، والا غادر


(1) ثواب الأعمال: 150 - باب ثواب إدخال السرور على الأخ المؤمن.

[100]

ذلك المكان الذي يعصى الله " تعالى " فيه.. كان فيما أوصى به لقمان " عليه السلام " ابنه أن قال له: يا بني ! إختر المجالس على عينك، فإن رأيت قوما يذكرون الله عز وجل فاجلس معهم، فإنك إن تك عالما ينفعك علمك ويزيدونك علما، وإن كنت جاهلا علموك، ولعل الله أن يظلهم برحمة فتعمك معهم. وإذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم، فإنك إن تك عالما لا ينفعك علمك، وإن تك جاهلا يزيدوك جهلا، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فتعمك معهم (1). ولكي نشتاق الى الضيافة التي فيها مجالس الذكر والطاعة نقرأ هذا الحديث المبشر، والذي قال فيه نبي الرحمة " صلى الله عليه وآله ": إن الملائكة يمرون على حلق الذكر فيقومون على رؤوسهم، ويبكون لبكائهم، ويؤمنون على دعائهم، فإذا صعدوا الى السماء يقول الله " تعالى ": يا ملائكتي ! أين كنتم ؟ - وهو أعلم -، فيقولون: يا ربنا ! إنا حضرنا مجلسا من مجالس الذكر، فرأينا أقواما يسبحونك ويمجدونك ويقدسونك، ويخافون نارك، فيقول الله " سبحانه ": يا ملائكتي ! أزووها


(1) بحار الأنوار 75: 465، عن علل الشرائع.

[101]

عنهم، وأشهدكم أني قد غفرت لهم وآمنتهم مما يخافون، فيقولون: ربنا إن فيهم فلانا وإنه لم يذكرك، فيقول الله " تعالى ": قد غفرت له بمجالسته لهم، فإن الذاكرين من لا يشقى بهم جليسهم (1). فالضيافة المباركة ما استضافت ملائكة الرحمن، وحظيت بتأمين الدعاء، واستنزلت المغفرة والأمان، فإليها يحق أن تشتاق قلوب المؤمنين، وإلى من يعقدها يحق أن تهفو نفوسهم، وإلا خيبوا.. جاء عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قوله: من لم ينتفع بدينه ولا دنياه فلا خير في مجالسته (2)..، وعن الإمام الصادق " عليه السلام " أنه قال: ما اجتمع قوم في مجلس لم يذكروا الله ولم يذكرونا إلا كان ذلك المجلس حسرة عليهم يوم القيامة، وقال " عليه السلام ": ما من مجلس يجتمع فيه أبرار وفجار، ثم تفرقوا على غير ذكر الله، إلا كان ذلك حسرة عليهم يوم القيامة (3). ومن هنا تتبين أهمية النية، فإذا ابتغى الضيف وصلا


(1) عدة الداعي، لابن فهد الحلي - عنه بحار الأنوار 75: 468 ح 20. (2) المواعظ: 6. (3) عدة الداعي - عنه بحار الأنوار 75: 468 ح 20.

[102]

للأخوة الأيمانية والرحمية، وراعى آداب الضيافة وفق لخير الدنيا والاخرة، أو راعى آداب المجالسة أصاب حظا من الثواب، وأمن من موجبات العقاب. وقد مرت علينا - عرضا - بعض آداب الضيافة، إلا أن كثيرا منها يحتاج إلى التعرف عليه بشكل واضح، مبتدئين بآداب الضيف، الذي يزور إخوانه وينزل عندهم أو يستجيب دعوتهم. ومن الاداب المهمة: (1) الاستجابة لدعوة المؤمنين، فهي تعبير عن إكرام الداعي، واعتزاز باخوته وقبول لمبادرته وتشجيع وإعانة له على سخائه. وذلك كله حكته روايات شريفة عديدة، منها: * قول النبي " صلى الله عليه وآله ": من تكرمة الرجل لأخيه المسلم أن يقبل تحفته أو يتحفه مما عنده، ولا يتكلف له شيئا (1). * وقول الإمام الحسين " عليه السلام ": من قبل عطاءك، فقد أعانك على الكرم (2).


(1) نوادر الراوندي: 11. (2) الدرة الباهرة، للشهيد الأول: 24.

[103]

وقد عرفنا من قبل كيف استجاب الإمام الحسين " عليه السلام " للفقراء الذين دعوه على كسيرات خبز، وفي رواية الإمام الباقر " عليه السلام ": كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " يجيب الدعوة (1). * وقال " عليه السلام ": قال رسول الله صلى الله عليه وآله ": أوصي الشاهد من أمتي والغائب أن يجيب دعوة المسلم ولو على خمسة أميال، فإن ذلك من الدين (2).. قال " صلى الله عليه وآله " ذلك وهو الأسوة العليا وقد أسمع الناس: لو أهدي إلي كراع لقبلت، ولو دعيت الى كراع لأجبت (3).. وروي عن الإمام الصادق " عليه السلام " أنه قال: من الحقوق الواجبات للمؤمن على المؤمن أن يجيب دعوته (4). * وجاء عن الإمام علي الرضا " صلوات الله عليه " قوله: السخي يأكل من طعام الناس ليأكلوا من طعامه، والبخيل لا يأكل من طعام الناس لئلا يأكلوا من طعامه (5).


(1) المحاسن: 410. (2) المحاسن: 411. (3) المواعظ: 28. (4) المحاسن: 411. (5) عيون أخبار الرضا " عليه السلام " 1: 12. (*)

[104]

وفي هذا الموضوع محذوران: الأول: عدم الاستجابة، وفيه علامة من علامات الجفاء، وربما يفهم منه معنى الإهانة. وقد حذرت منه بعض الروايات، كقول المصطفى " صلى الله عليه وآله ": ثلاثة من الجفاء.. - وعدد منها - أن يدعى الرجل إلى طعام فلا يجيب، أو يجيب فلا يأكل (1)، وقوله: " صلوات الله وسلامه عليه وآله ": من لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله (2). والمحذور الثاني: هو الذهاب إلى مائدة لم يدع إليها، فربما كانت الضيافة خاصة دعي إليها جماعة معينة لحديث خاص، أو لحل مشكلة معينة، أو كانت محدودة بحدود إمكانية المضيف حيث لم يستعد في وليمته إلا لعدد من الإخوان، أو كانت مقتصرة على الرجال دون غيرهم من النساء والأطفال مثلا. ولا يجوز لأحد أن يدعو معه - إذا كان مدعوا - أحدا لم يكن مدعوا. * دعا النبي " صلى الله عليه وآله وسلم " قوم من أهل


(1) قرب الإسناد: 74. (2) دعوات الراوندي.

[105]

المدينة إلى طعام صنعوه له، ولأصحاب له خمسة، فأجاب دعوتهم، فلما كان في بعض الطريق أدركهم سادس فماشاهم، فلما دنوا من بيت القوم قال " صلى الله عليه وآله وسلم " للرجل السادس: إن القوم لم يدعوك، فاجلس حتى نذكر لهم مكانك ونستأذنهم لك (1).. فيكون من الدناءة أن يضيف المرء نفسه على مائدة يهين شخصه فيها، ويحرج صاحب الدار، وربما أكل ما لا يحل له، إذ المأخوذ حياء كالمأخوذ غصبا.. جاء عن النبي المعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": إذا دعي أحدكم إلى طعام فلا يستتبعن ولده، فإنه إن فعل ذلك كان حراما، ودخل غاصبا (2).. وفي جملة وصاياه الشريفة قال " صلى الله عليه وآله " لعلي " صلوات الله عليه ": يا علي ! ثمانية إن أهينوا فلا يلوموا إلا أنفسهم: الذاهب إلى مائدة لم يدع إليها، والمتأمر على رب البيت، وطالب الخير من أعدائه، وطالب الفضل من اللئام، والداخل بين اثنين في سر لم يدخلاه فيه، والمستخف بالسلطان، والجالس في مجلس ليس له بأهل، والمقبل


(1) مكارم الأخلاق: 22. (2) المحاسن: 411.

[106]

بالحديث على من لا يسمع منه (1). وربما ارتكب المرء أكثر موجبات الإهانة إذا ذهب إلى مجلس ضيافة لم يدع له، إلا أن يحرز الأذن صراحة أو فحواه، أو يضمن أن دخوله يحظى بالترخيص. أما إذا رفع الجناح فلا حرج، لقوله تعالى: (ليس على الأعمى حرج، ولا على الأعرج حرج، ولا على المريض حرج، ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت خالاتكم، أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم، ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا أو أشتاتا، فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة..) (2)، قال الإمام الصادق " عليه السلام " في بيان ليس عليكم جناج): بإذن وبغير إذن (3)، وعنه " سلام الله عليه " في قوله " تعالى ": أو صديقكم قال: هو والله الرجل يدخل بيت


(1) الخصال 2: 40. (2) سورة النور: 61. (3) المحاسن: 416.

[107]

صديقه ويأكل بغير إذنه (1)، وعن زرارة قال: سألته " الإمام الباقر " عليه السلام ") عما يحل للرجل من بيت أخيه من الطعام، قال: المأدوم والتمر، وكذلك يحل للمرأة من بيت زوجها (2)، وفي قوله " جل وعلا ": أو ما ملكتم مفاتحه قال الإمام الصادق " عليه السلام ": الرجل يكون له وكيل يقوم في ماله، فيأكل بغير إذنه (3).. هذا مع ملاحظة الشروط والحرمات. ولا يفوتنا هنا أن نذكر ونذكر بكتاب أمير المؤمنين علي " عليه السلام " إلى واليه على البصرة عثمان بن حنيف الأنصاري، وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها.. وكان في الكتاب: وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو، وغنيهم مدعو، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه (4).. وفي ذلك تحذير بليغ من دعوات الشبهة والحرام، وما


(1) المحاسن: 416. (2) المحاسن: 416. (3) المحاسن: 416. (4) نهج البلاغة: الكتاب 45.

[108]

لا يراد به من الولائم غير وجه الله " تبارك وتعالى ". (2) مراعاة آداب المجلس: فأسوأ من نازل من غير إذن ولا دعوة، نازل يريد بصاحب الدار شرا، فيكرم اتقاء شره: شر يده أو لسانه، وفي الحديث النبوي الشريف: شر الناس، من أكرمه الناس اتقاء شره (1). ومما يأتي به الضيف من الشر: الغيبة والنميمة، والأخبار الفاضحة والمشكوكة، والأقاويل والتساؤلات عن هذا وذاك ترصدا وإحصاءا لمثالب الناس. فيدخل على مضيفه بالشر لا بالبركة، ويخرج بالذنوب لا بالمغفرة، فإن كان صاحب البيت تقيا ورعا متفقها في دين الله رده ونصحه ونال بذلك الثواب، وحصن بيته من الشرور.. وتلك بشارة: * قال النبي " صلى الله عليه وآله ":.. ألا ومن تطول على أخيه في غيبة سمعها فيه في مجلس فردها عنه رد الله منه ألف باب من السوء في الدنيا والاخرة، فإن هو لم يردها وهو قادر على ردها كان عليه كوزر من اغتابه سبعين مرة (2)، وفي رواية


(1) المواعظ: 4. (2) بحار الأنوار 75: 247، عن أمالي الصدوق.

[109]

أن رجلا نال من عرض رجل عند النبي " صلى الله عليه وآله " فرد رجل من القوم عليه، فقال النبي " صلى الله عليه وآله ": من رد عن عرض أخيه كان له حجابا من نار (1). وعنه " صلى الله عليه وآله " كذلك: من رد عن عرض أخيه المسلم وجبت له الجنة البتة (2). أما ان سكت صاحب الدار فقد صار شريكا معه، لقول أمير المؤمنين " عليه السلام ": السامع للغيبة كالمغتاب (2)، أو لم ينصر أخاه نال الخفض هنا وهناك، لقول الإمام الباقر " عليه السلام ": من اغتيب عنده أخوه المؤمن فلم ينصره، ولم يدفع عنه وهو يقدر على نصرته وعونه، خفضه الله في الدنيا والاخرة (4). فليلاحظ الضيف أي اساءة يأتي بها على مضيفه وأي بلاء، وهو يأكل طعامه ويأخذ عليه وقته، حيث يخلق له في بيته جوا من الذنوب، ثم يدخله في امتحان ربما يفشل فيه،


(1) أمالي الطوسي: 115 ح 177 (ط. مؤسسة البعثة). (2) ثواب الأعمال: 131. (3) غرر الحكم: 26. (4) عقاب الأعمال: 133. (*)

[110]

فيسكت حياء أو مراعاة لأدب الضيافة العرفية، أو قد يكون المضيف منشغلا بتهيئة مأدبته فإذا الحديث بين الضيوف منجر إلى ما لا يرضي الله " سبحانه ". فإذا تكررت الضيافة، وكثر فيها حديث الناس كان ذلك البيت من البيوت التي يبغضها الله، والضيف سبب في هذا البغض.. عن أديم بياع الهروي قال: قلت لأبي عبد الله الصادق " عليه السلام ": بلغنا أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " كان يقول: ان الله يبغض البيت اللحم، فقال " عليه السلام ": انما ذلك البيت الذي يؤكل فيه لحوم الناس (1). فمن آداب الضيف أن يراعي الاداب الشرعية، متجنبا كل سيئ، وتاركا كل عمل وقول لا يرضاه الله " تعالى " من عباده.. ان أراد حقا أن يكون ضيفا على أخيه المؤمن، زائرا مدخلا عليه السرور، فيأتيه ليستمع إلى موعظة أو يهديها إليه، أو ليتذاكر معه في مسائل العلم والمعرفة، لا أن يأتيه ليسترق منه أخبار الناس يطلب بذلك عثراتهم، ويتجسس على مثالبهم، أو يتجسس على مضيفه نفسه وهو الذي يقوم


(1) المحاسن: 460.

[111]

بإكرامه وخدمته.. فمثل هذا الضيف يكون داخلا وخارجا بالإثم والشؤم والبلاء، لا سيما إذا استزلق مضيفه بالكلام يجر الكلام، فأثار دفائنه واستل أسراره، ليبثها فيما بعد أو يشهرها في وجهه متى شاء. وهنا نتساءل: هل يطلق على مثل هذا ذلك الاسم المكرم (ضيف)، الذي عرفه الله " تعالى " بقوله في الحديث القدسي: الضيف رسولي ؟ أم الأنسب أن يطلق عليه رسول الشيطان، لأنه حمل الى مضيفه المعاصي، ولوث بيته بالاثام، وتركه مشغول القلب عن الله " سبحانه " وعن طاعته. ولخطورة الأمر.. أفرد علماء الأخلاق في كتاب العشرة والمعاشرة أبوابا بعنوان: من تجب مصادقته ومصاحبته، من تكره مجالسته ومرافقته. إتخذ هؤلاء صديقا، لا تتخذ هؤلاء صديقا أو مصاحبا، إياك ومصاحبة هؤلاء. أضف من تحبه في الله تعالى، من ينبغي ضيافته. إجابة دعوة المؤمن، لا تجب دعوة الفاسق، وقد اشتهر عن النبي " صلى الله عليه وآله " قوله: لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تأكل

[112]

طعام الفاسقين (1). أجل.. فالتقي، فعله طاهر، وخيره حاضر، في نظرته فكرة، وفي حديثه عبرة.. كذلك كان أهل البيت " عليهم السلام "، وكذلك ينبغي أن يكون أتباعهم وموالوهم ومحبوهم: * عن سليمان بن خالد، قال: حضرت عشاء أبي عبد الله (الصادق) " عليه السلام " في الصيف، فأتي بخوان عليه خبز، وأتي بجفنة ثريد ولحم. فقال: هلم إلى هذا الطعام ! فدنوت، فوضع يده فيه، فرفعها وهو يقول: أستجير بالله من النار، أعوذ بالله من النار، هذا لا نقوى عليه، فكيف النار ؟ ! هذا لا نطيقه، فكيف النار ؟ ! هذا لا نصبر عليه، فكيف النار ؟ ! قال سليمان بن خالد: فكان " عليه السلام " يكرر ذلك حتى أمكن الطعام، فأكل وأكلنا (2). وكم كانت في تلك الضيافة من عبرة وموعظة ! وفي كتب الأخلاق آداب المجلس، من ضمنها عنوان (المجالس بالأمانة)، وهي عبارة أثرت عن النبي " صلى الله


(1) في وصيته " صلى الله عليه وآله " لأبي ذر الغفاري " رحمه الله "، مكارم الأخلاق: 466. (2) المحاسن: 407 ح 122.

[113]

عليه وآله " (1) وقال فيما قاله " صلى الله عليه وآله " في ذلك: ليس لأحد أن يحدث بحديث يكتمه صاحبه إلا بإذنه، إلا أن يكون ثقة أو ذكرا له بخير (2). ولا يحل لمؤمن أن يؤثر عن مؤمن [أو: عن أخيه المؤمن] قبيحا (3). وغير الكتمان والأمانة.. هناك آداب أخرى توضحها الروايات الشريفة: * جاء في رسالة الحقوق قول الإمام علي بن الحسين " عليه السلام ": وأما حق الجليس فأن تلين له كنفك، وتطيب له جانبك، وتنصفه في مجاراة اللفظ، ولا تغرق في نزع اللحظ إذا لحظت، وتقصد في اللفظ إلى إفهامه إذا لفظت. وإن كنت الجليس إليه كنت في القيام عنه بالخيار، وإن كان الجالس إليك كان بالخيار. ولا تقوم إلا بإذنه، ولا قوة إلا بالله (4). * وقال مولانا الصادق " عليه السلام ": لا ينبغي للمؤمن أن


(1) يراجع اصول الكافي 2: 660، كتاب العشرة - باب المجالس بالأمانة. (2) اصول الكافي 2: 660. (3) أمالي الطوسي 2: 184. (4) تحف العقول: 191.

[114]

يجلس إلا حيث ينتهي به الجلوس، فإن تخطي أعناق الرجال سخافة (1).. وعن آبائه " عليهم الصلاة والسلام ": إن من التواضع أن يرضى الرجل بالمجلس دون المجالس، وأن يسلم على من يلقى، وأن يترك المراء وإن كان محقا، ولا يحب أن يحمد على التقوى (2). * وعن الإمام الحسن العسكري " سلام الله عليه " قال: من رضي بدون الشرف من المجلس لم يزل الله وملائكته يصلون عليه حتى يقوم. وقال " عليه السلام ": من التواضع: السلام على كل من تمر به، والجلوس دون شرف المجلس (3). * وروي عن الإمام محمد الباقر " عليه السلام " قوله: من أراد أن يكتال بالمكيال الأوفى فليقل إذا أراد القيام من مجلسه: سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين (4). كما ورد استحباب ستغفار خمسا وعشرين مرة قبل الانصراف من المجلس.


(1) أمالي الطوسي 1: 310. (2) معاني الأخبار: 381. (3) تحف العقول: 361، 362. (4) بحار الأنوار 75: 468 - عن عدة الداعي.

[115]

وفي آداب الضيافة، باعتبارها أخص من المجالس العامة.. وردت هذه التعاليم: * قال النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم ": صاحب المجلس أحق بصدر مجلسه (1). الرجل أحق بصدر داره، وبصدر فرسه، وأن يؤم في بيته، وأن يبدأ في صحفته (2). فمن آداب الضيف ألا يتصدر الدار، ولا يقصد أحسن الأماكن، ولا يجلس في مقابل باب حجرة النساء، وكذا عليه أن يترك الخيار في جلوسه لصاحب الدار، فهو أدرى بالأبعد عن عيون الناظرين.. يوصي الإمام الباقر " عليه السلام " فيقول: إذا دخل أحدكم على أخيه في رحله فليقعد حيث يأمر صاحب الرحل، فإن صاحب الرحل أعرف بعورة بيته من الداخل عليه (3). فإذا راعى الضيف آداب الجلوس والمجلس، فإن المضيف سيكون مسرورا بدخوله عليه، وسيقوم بضيافته على أحسن وجه، وفي هذا سيكون رضى الله تعالى والأجر المحبوب


(1) المواعظ: 54. (2) بحار الأنوار 75: 468 - عن كتاب الإمامة والتبصرة. (3) قرب الإسناد: 33. (*)

[116]

والبشارة الصادقة من رسول الله الصادق الأمين " صلوات الله عليه وآله أجمعين ": من لقي أخاه بما يسره سره الله يوم القيامة، ومن لقي أخاه بما يسوؤه ليسوءه ساءه الله يوم يلقاه (1). (3) الحضور في الوقت المناسب، فلا يتأخر الضيف لكي لا يطول الانتظار على صاحب الدار أو على ضيوفه الاخرين. كما لا ينبغي له أن يأتي عاجلا إذا كان هنالك موعد مقرر، فيفاجئ صاحب الدار قبل تمام الاستعداد لاستقبال ضيوفه. ولا يتأخر كثيرا عنده عن الوقت العرفي الذي يفترض في الضيافة ألا يزداد عليه، فإن في كل ذلك إحراجا للمضيف، لا سيما إذا كانت الزيارة في وقت غير مناسب أو ظرف موجب للضيق، فيضطر المضيف أن يؤجل كثيرا من اهتماماته وأشغاله إذا طالت المجالسة، خاصة إذا كان الضيف بائتا، فيضيع الوقت، والوقت غنيمة يستدعي استثمارها في النهوض بجميع الحقوق والواجبات، والطاعات والعبادات.. يوصي الرسول الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " فيقول: كن على عمرك أشح منك على درهمك ودينارك (2)، وينبه


(1) ثواب الأعمال: 151 - باب ثواب من لقي أخاه ليسره بما يسر. (2) مكارم الأخلاق: 460.

[117]

" صلى الله عليه وآله " فيقول: إذا كان يوم القيامة لم تزل قدما عبد حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعما اكتسبه: من أين اكتسبه، وفيم أنفقه ؟ وعن حبنا أهل البيت (1). وفي غرر حكمه قال أمير المؤمنين " عليه السلام " محذرا: إحذروا ضياع الأعمار فيما لا يبقى لكم، ففائتها لا يعود (2). فلابد من الاعتدال في الانتفاع من الوقت، وتقسيمه بشكل لا تضيع معه الموازين ولا يكون إفراط أو تفريط أو ملل أو ارتباك في أعمال المرء ومهماته.. قال مولانا الإمام موسى بن جعفر الكاظم " عليه السلام: اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفونكم عيوبكم، ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذاتكم في غير محرم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات (3). فربما أراد المضيف أن يقتطع ساعة من ليله أو نهاره


(1) تحف العقول: 45. (2) غرر الحكم: 73. (3) تحف العقول: 302.

[118]

لمناجاة الله " تعالى " وعبادته، أو لقضاء حاجة أو إنجاز عمل معيشي، أو للمطالعة، أو للتفرغ لعائلته.. فإن من أدب الضيف أن يفسح له في ذلك، لا سيما إذا انصرمت أيام الضيافة، فقد قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": الضيافة أول يوم حق، والثاني والثالث، وما بعد ذلك فإنها صدقة تصدق بها عليه، ثم قال: لا ينزلن أحدكم على أخيه حتى يؤثمه (1)، قيل: يا رسول الله ! وكيف يؤثمه ؟ قال: حتى لا يكون عنده ما ينفق عليه (2). (4) التخفيف على المضيف، فلا يثقله بكثرة الطلبات. فربما أحرجه في تهيئتها، وربما عجز عن ذلك لفقر أو سبب آخر.. حتى ورد في آداب الضيف أن يستأذن صاحب الدار إن أراد الصيام تطوعا، لقول النبي " صلى الله عليه وآله ": لا يصوم الضيف تطوعا إلا بإذن صاحبه (3).. وفي بيان أوجه الصوم قال الإمام زين العابدين " عليه السلام ": وأما صوم الإذن: فإن المرأة لا تصوم تطوعا إلا بأذن زوجها، والعبد لا يصوم إلا بإذن سيده، والضيف لا يصوم تطوعا إلا بإذن


(1) أي يوقعه في التعب والمشقة والتكلف والإنفاق. (2) الخصال 1: 149. (3) بحار الأنوار 77: 58، عن مكارم الأخلاق: 441.

[119]

صاحبه، قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": فمن نزل على قوم فلا يصومن تطوعا إلا بإذنهم (1). وفي بيان إحدى علل ذلك روى الإمام الباقر " عليه السلام " عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " أنه قال: إذا دخل رجل بلدة فهو ضيف على من بها من أهل دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم، لئلا يعملوا له الشئ فيفسد عليهم (2)، وفي حديث آخر قال " صلوات الله عليه وآله ": من فقه الضيف أن لا يصوم تطوعا إلا بإذن صاحبه.. وإلا كان الضيف جاهلا (3). * وعند الفقهاء: (يكره - الصوم ندبا لمن دعي الى طعام.. وقد يستدل على ذلك - مضافا الى فتوى (المحقق الحلي) وغيره بها - بما دل على النهي عن معارضة المؤمن وترك إجابته، بل قال الصادق " عليه السلام ": في خبر سماعة بن مهران: إذا دخلت إلى منزل أخيك فليس لك أمر معه (4)) وقال " عليه السلام " أيضا في خبر الحسين بن حماد: إذا قال أخوك:


(1) الخصال: 537. (2) علل الشرائع: 384. (3) علل الشرائع: 385. (4) الوسائل - باب 8 - من أبواب آداب الصائم ح 14.

[120]

كل، وأنت صائم، فكل ولا تلجئه الى أن يقسم عليك (1) وكفى بذلك دليلا لمثلها.. وقد نص الفاضلان وغيرهما (جملة من الفقهاء) على اشتراط كونه (أي المضيف) مؤمنا، ولعله لكونه المتبادر من " الأخ "، ولأنه الذي رعايته أفضل من الصوم. ثم إن الحكمة من الإفطار ليست من حيث الأكل، بل هي من حيث إجابة دعاء المؤمن (أي دعوته) وعدم رد قوله، وإنما يتحقق الثواب على الإفطار مع قصد الطاعة به لذلك ونحوه من إدخال السرور وغيره، لا بمجرده، ولأنه عبادة يتوقف ثوابها على النية. وظاهر [المحقق الحلي] وغيره عدم الفرق في ذلك بين الصوم المندوب وغيره من الواجب الموسع، كالقضاء، لإطلاق النص والتعليل بإدخال السرور، وخبر صالح بن عبد الله الخثعمي: سألت أبا عبد الله " عليه السلام " عن الرجل ينوي الصوم فيلقاه أخوه الذي على أمره، أيفطر ؟ قال: إن كان تطوعا أجزأه وحسب له، وإن كان قضاء فريضة قضاه (2).


(1) الوسائل - باب 8 - من أبواب آداب الصوم ح 11. (2) الوسائل - باب 8 - من أبواب آداب الصوم ح 9. جواهر الكلام، للشيخ محمد حسن النجفي 17: 119 - 221.

[121]

ولما كان الضيف منضما الى مضيفه مضافا إلى بيته واسرته، كان عليه مجاراة صاحبه وعدم إحراجه، لا سيما إذا تعدى مدة الضيافة، فهو يواكل أهل الدار باعتباره واحدا منهم.. يقول النبي " صلى الله عليه وآله ": الضيف يلطف ليلتين، فإذا كان الليلة الثالثة فهو من أهل البيت يأكل ما أدرك (1). وروى صفوان بن يحيى قائلا: جاءني عبد الله بن سنان، قال: هل عندك شئ ؟ فقلت: نعم، بعثت ابني وأعطيته درهما يشتري به لحما وبيضا، فقال: أين أرسلت ابنك ؟ فخبرته فقال: رده رده، عندك خل ؟ عندك زيت ؟ قلت: نعم، قال: فهاته، فإني سمعت أبا عبد الله [الصادق] " عليه السلام " يقول: هلك امرؤ احتقر لأخيه ما حضره، هلك امرؤ احتقر من أخيه ما قدم له (2). * وعن الإمام الرضا عن آبائه " عليهم السلام " أنه دعا رجل أمير المؤمنين " عليه السلام "، فقال له: على أن تضمن لي ثلاث خصال، قال: وما هي يا أمير المؤمنين ؟ قال: لا تدخل علينا شيئا من خارج، ولا تدخر عنا شيئا في البيت، ولا تجحف


(1) وسائل الشيعة 16: 456. (2) المحاسن: 414.

[122]

بالعيال، قال: ذلك لك. فأجابه أمير المؤمنين " عليه السلام " (1). * وروي إن الحارث الأعور أتى أمير المؤمنين " عليه السلام " فقال: يا أمير المؤمنين ! جعلني الله فداك، أحب أن تكرمني بأن تأكل عندي، فقال له علي أمير المؤمنين " عليه السلام ": على أن لا تتكلف شيئا. ودخل فأتاه الحارث بكسر، فجعل أمير المؤمنين عليه السلام يأكل، فقال له الحارث: أن معي دراهم. وأظهرها فإذا هي في كمه، فقال: إن أذنت لي اشتريت لك ؟ فقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": هذه مما في بيتك (2). * وفي رواية اخرى قال الحارث: يا أمير المؤمنين ! أدخل منزلي، فقال: على شرط أن لا تدخرني شيئا مما في بيتك، ولا تتكلف شيئا مما وراء بابك (3). وقد جاء عن مولانا أمير المؤمنين " عليه السلام " قوله: شر الإخوان من تكلف له (4)، أي: من احوج إلى الكلفة له. وذلك


(1) عيون أخبار الرضا " ع " 1: 259. (2) المحاسن: 415. (3) المحاسن: 415. (4) نهج البلاغة: الحكمة 479. (*)

[123]

أن الأخوة الصادقة تستلزم الانبساط بين الإخوان وترك التكلف من بعضهم لبعض. فكان وجود التكلف مستلزما لعدم صدق الإخاء، ومن لا يكون أخ صدق فهو شر الاخوان. والكلمة في قوة صغرى نبه به على اجتناب أخ كذلك، وتقديرها: من أحوج الى التكلف له فهو شر الإخوان. وتقدير الكبرى: ومن كان شرا لزم مجانبته (1). (5) من آداب الضيف أن لا يكثر النطر الى الموضع الذي يخرج منه الطعام، فإنه دليل الشره وخسة النفس. وأن لا يشق الضيف على صاحب الدار وينظر الى نوع وكمية الطعام، فإن ذلك دليل سوء نية الزيارة، إذ يفهم أنها قصدت لقضاء شهوة البطن لا لصلة الإخوان والأرحام، أو لاستجابة دعوة المؤمنين. ويرى البعض.. أنه إذا حضر الطعام ولم يكن يصلح للضيف، لكونه مضرا به، أو لأن الضيف ضعيف القوة عن هضم ذلك الطعام، فلا ينبغي أن يقول: هذا طعام غليظ لا يصلح لي، بل يأتي بعبارة حسنه، كأن يقول: في مانع من أكل الطعام. (6) الدعاء نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني 5: 467.


(1) شرح نهج البلاغة، لابن ميثم البحراني 5: 467.

[124]

لصاحب البيت، فقد كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا طعم عند أهل بيت قال: طعم عندكم الأخيار (1). وحمل إلى الامام الصادق " عليه السلام " طعام فأكل منه، فلما فرغ قال: الحمد لله، وقال لصاحب الطعام: أكل طعامك الأبرار، وصلت عليك الملائكة الأخيار (2). فإذا كانت الضيافة لوجه الله " تعالى "، وقد اجتمع فيها المؤمنون على حب الله " جل وعلا "، وتضمنت ذكرا مباركا لله " عز وجل ".. فيظن استجابة الدعاء، ويهبط الخير وتنزل الرحمة على الضيوف والمضيف جميعا. (7) دعوة المضيف: إذا كانت الاستضافة تكريما، فمن المستحسن أن يدعو الضيف صاحبه ليكرمه أو يجازيه ويكافئه.. روي أنه مر الحسن بن علي " عليهما السلام " على راء وقد وضعوا كسيرات على الأرض وهم قعود يلتقطونها ويأكلونها، فقالوا له: هلم يا ابن بنت رسول الله إلى الغداء ! فنزل وقال: إن الله لا يحب المستكبرين (3)، وجعل يأكل معهم.


(1) المحاسن: 439 ح 294. (2) نفسه: ح 295. (3) هي عبارته " عليه السلام " وإلا فالآية (إنه لا يحب المستكبرين) النحل: 23.

[125]

حتى اكتفوا والزاد على حاله ببركته، ثم دعاهم إلى ضيافته، وأطعمهم وكساهم (1). كما روي: أن الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر خرجوا حجاجا ففاتتهم أثقالهم، فجاعوا وعطشوا، فرأوا عجوزا في خباء فاستسقوها، فقالت: ليس لي إلا هذه الشاة، فليذبحها أحدكم. فذبحها أحدهم وكشطها، ثم شوت لهم من لحمها فأكلوا، وقالوا عندها (2). فلما نهضوا قالوا: نحن نفر من قريش نريد هذا الوجه، فإذا عدنا فألمي بنا، فإنا صانعون بك خيرا. ثم رحلوا، فلما جاء زوجها أخبرته، فقال: ويحك تذبحين شاتي لقوم لا تعرفينهم، ثم تقولين: نفر من قريش ! ثم مضت الأيام فأضرت بها الحال، فرحلت حتى اجتازت بالمدينة،. فراها الحسن " عليه السلام " فعرفها، فقال لها: أتعرفيني ؟ قالت: لا، قال: أنا ضيفك يوم كذا وكذا، فأمر لها بألف شاة وألف دينار، وبعث معها رسولا الى الحسين " عليه السلام " فأعطاها مثل ذلك، ثم بعثها إلى عبد الله بن


(1) مناقب آل أبي طالب 4: 23. (2) أي: استراحوا القيلولة.

[126]

جعفر فأعطاها مثل ذلك (1). فالضيف.. إذا أحب أن يأكل كان من مروءته ونبله أن يحب أن يأكل عنده مضيفه، معبرا بذلك عن كرمه، وطيب نفسه وعزتها، ومجازاته الحسنة للاخرين. (8) حفظ أسرار المضيف: فالضيف.. وقد أكرمه صاحبه، وائتمنه في بيته، لا يجوز له أن ينقل ما اطلع عليه من خاصة شؤونه وما كتمه على الناس، فإن إذاعته من الخيانة، وربما كان في بعض الافشاء هتك للحرمات. وإنما جوز الله " سبحانه " للضيف أن يذكر ما أوذي فيه من إهانة لا يحتملها، وإيذاء لا يناسب الضيافة.. في قوله تعالى: (لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم (2) قال الإمام الصادق " عليه السلام ": من أضاف قوما فأساء ضيافتهم فهو ممن ظلم، فلا جناح عليهم فيما قالوا فيه (3). لكن مجال العفو مفتوح، خاصة إذا كانت الاساءة مما


(1) إسعاف الراغبين، للصبان - بهامش نور الأبصار للشبلنجي: 177، والفصول المهمة: 140، ومطالب السؤول لابن طلحة الشافعي 2: 11. (2) سورة النساء: 148. (3) وسائل الشيعة 8: 605 ح 6.

[127]

يغتفر بين الأخوان، أو كان التقصير طفيفا لا يستحق الذكر. أما إذا كان صاحب الدار متعمدا متماهلا لا يكرم ضيوفه ولا يجد لهم حرمة الضيافة فإن حرمته تتعرض للغيبة، لقول الإمام الصادق " سلام الله عليه ": إن الضيف ينزل بالرجل فلا يحسن ضيافته، فلا جناح عليه أن يذكر سوء فعله (1). وهنا.. لا بأس أن نذكر أنفسنا بأدب معنوي من آداب الضيف، ذلك هو: النية، فيستجيب المؤمن لدعوة أخيه حبا وقبولا للكرامة، وقد دعا إلى ذلك رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذ قال: إقبلوا الكرامة.. (2)، وعن الامام الرضا " عليه السلام " قال: كان أمير المؤمنين " عليه السلام " يقول: لا يأبى الكرامة إلا حمار، فسئل الإمام الرضا " عليه السلام ": ما معنى ذلك ؟ فقال: التوسعة في المجلس، والطيب يعرض عليه (3). والاستضافة غالبا تعرب عن الكرامة، فقبولها قبول


(1) وسائل الشيعة 8: 605 ح 7. (2) تحف العقول: 48. (3) معاني الاخبار: 268.

[128]

للكرامة، ولكن النية أمر مهم يتوقف عليه الثواب وكرامة المرء، فمن استجاب صلة للاخوة وللرحم، وصله الله " تعالى " بالرحمة، ومن خف إلى مجلس سوء أو خف إلى طعام لا يطلب غيره فذاك شأنه. فلابد من استحضار النية حتى تكون عادة، وقد نصح أمير المؤمنين " عليه السلام " فقال: عود نفسك حسن النية وجميل المقصد، تدرك في مباغيك النجاح (1).


(1) غرر الحكم: 217.

[129]

أدب الضيافة آداب المضيف

[130]

آداب المضيف إذا كان الضيف يدخل بالبركة والرزق، ويخرج بالمغفرة لأهل بيت المضيف.. وكان المضيف نائلا للمكرمة بإقراء الضيف وخدمته ورفع العناء عنه، فإن ذلك لا يكون، أو لا يتكامل إلا مع مراعاة آداب الضيافة. فليس من السهولة الحظوة بشرف الضيف أو شرف المضيف، حتى ليقول النبي " صلى الله عليه وآله ": من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فليكرم ضيفه (1)، ويقول الإمام الصادق " عليه السلام ": المكارم عشر،


(1) طب النبي " صلى الله عليه وآله ": 2.

[131]

فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن.. (أحدها) إقراء الضيف (1). وكما أن هناك آدابا لا ينبغي إهمالها من قبل الضيف، فإن هنالك من الاداب ما ينبغي مراعاتها من قبل المضيف، إكراما لنفسه وللقادم، ولكل قادم كرامة. وهي: (1) دعوة المؤمنين على وجه الخصوص، ففي لقائهم وضيافتهم تنعقد مجالس الذكر، ويدور الحديث غالبا في طاعة الله " سبحانه وتعالى " وفي مرضاته. كما تنعقد الصلات على محبة الله " عز وجل ". وربما قضيت في مجلسهم أكثر من حاجة لأكثر من مؤمن، وكان هناك أكثر من مغنم، فلا يتفرقون إلا على خير وبركة، وثواب عظيم. ولذلك كانت وصية النبي " صلى الله عليه وآله " لأبي ذر " رضوان الله عليه ": يا أبا ذر ! لا تصاحب إلا مؤمنا، ولا يأكل طعامك إلا تقي، ولا تأكل طعام الفاسقين. يا أبا ذر ! أطعم طعامك من تحبه في الله، وكل طعام من يحبك في الله (2). فالمؤمن ومن نحب في الله إذن هم المدعوون.. وفيهم


(1) الخصال 2: 91. (2) أمالي الطوسي 2: 148. (*)

[132]

الفقراء. وقد نهى رسول الله " صلى الله عليه وآله " عن طعام وليمة يخص بها الأغنياء، ويترك الفقراء - كما روى الإمام الصادق " عليه السلام " (1). فإذا كان الضيوف من الفقراء وقد أشبعهم ذلك المجلس وآنسهم، بل أنساهم أنهم فقراء فإن المضيف يكون قد حظي بخير وافر.. عن الحسين بن نعيم، قال: قال لي أبو عبد الله (الصادق) " عليه السلام ": أتحب إخوانك يا حسين ؟ قلت: نعم، قال: تنفع فقراءهم ؟ قلت: نعم، قال: أما إنه يحق عليك أن تحب من يحب الله، أما والله لا تنفع منهم أحدا حتى تحبه، أتدعوهم إلى منزلك ؟ قلت: ما آكل إلا ومعي منهم الرجلان والثلاثة، وأقل وأكثر. فقال أبو عبد الله " عليه السلام ": فضلهم عليك أعظم من فضلك عليهم، فقلت: أدعوهم إلى منزلي، وأطعمهم طعامي، وأسقيهم، وأوطئهم رحلي، ويكونون علي أفضل منا ؟ ! قال: نعم، إنهم إذا دخلوا منزلك دخلوا بمغفرتك ومغفرة عيالك، وإذا خرجوا من منزلك خرجوا بذنوبك وذنوب عيالك (2).


(1) الكافي 6: 282 - باب الولائم ح 4. (2) المحاسن: 390.

[133]

(2) حسن الاستقبال، وعلاماته كثيرة، منها: البشر وطلاقة الوجه، وطيب الكلام، وجمال السلام.. وكلها معبرة عن السرور بقدوم الضيف وفرح المضيف به، وربما عن شوقه للقاء، وقلة صبره على الفراق وطول الانتظار، وذاك نوع من الكرم يفوق كرم المضيف بالطعام. وقد أوصانا النبي " صلى الله عليه وآله " فقال: الق أخاك بوجه منبسط (1). وإذا كانت الأخلاق كرما فإن الاستبشار بوجه الضيف أول الكرم.. يقول أمير المؤمنين " عليه السلام ": البشر ابتداء صنيعة بغير مؤونة (2). فلا يتكلف طليق الوجه أن يهيئ مائدة أحيانا، لكنه يكرم ضيفه بحسن استقباله له، وليس في ذلك عناء مؤونة، وكم يأنس الضيف بالأخلاق الغنية، أكثر من السفرة الغنية، حينما يحس أن صاحب البيت قد فتح له صدره لضيافته.. وقد كان فيما أوصى به النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم " قوله: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، فالقوهم بطلاقة الوجه وحسن البشر (3).


(1) اصول الكافي 2: 103 - باب حسن البشر ح 3. (2) غرر الحكم: 35. (4) أصول الكافي 2: 103 - باب حسن البشر ح 1.

[134]

وكم يجبر عوز البيت من الطعام ما يبديه المضيف من جميل اللقاء والاستقبال، لأنه كريم النفس، والكريم يفرح بقدوم الضيف وإن قلت ذات يده، فتظهر على محياه وسيمائه علائم البشاشة إذا أقبل عليه أحد.. وقد عبر عن ذلك أحد الشعراء، فقال: أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ويخصب عندي والمحل جديب (1) وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى (2) ولكنما وجه الكريم خصيب وفي مضاحكة الضيف والبشر عند لقائه شرف يحظى به المضيف، فنقرأ للإمام علي " سلام الله عليه " يقول: البشر شيمة الحر. البشر منظر مؤنق، وخلق مشرق. البشر أحد العطاءين (3). وكم هو جميل ما قاله الشاعر: إذا المرء وافى منزلا منك قاصدا قراك وأرمته لديك المسالك


(1) الماحل، الغير خصيب. (2) ما يقدم للضيف. (3) غرر الحكم: 18، 58، 38.

[135]

فكن باسما في وجهه متهللا وقل: مرحبا أهلا ويوم مبارك وقدم له ما تستطيع من القرى عجولا، ولا تبخل بما هو هالك بشاشة وجه المرء خير من القرى فيكف بمن يأتي به وهو ضاحك وقد سئل الإمام الصادق " سلام الله عليه ": ما حد حسن الخلق ؟ فقال: تلين جناحك، وتطيب كلامك، وتلقى أخاك ببشر حسن (1). فإذا كان الضيف صائما كان فرح المضيف به أشد، لأنه سيكرم مؤمنا قضى يومه في طاعة الله، فهو وفد الله " تعالى " إليه.. جاء عن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قوله: ثلاث فرحات للمؤمن في الدنيا: لقاء الإخوان، وتفطير الصائم، والتهجد في آخر الليل (2). ومع أنها فرحة، لكنها مغمورة بالثواب الإلهي، لأنها نابعة عن خلق يحبه الباري " جل وعلا ".. عن عاصم بن ضمرة، عن أمير المؤمنين " عليه السلام " قال: ما من مؤمن يحب الضيف إلا ويقوم من قبره ووجهه كالقمر ليلة البدر، فينظر أهل


(1) اصول الكافي 2: 103 - باب حسن البشر ح 4. (2) المواعظ: 20.

[136]

الجمع فيقولون: ما هذا إلا نبي مرسل ! فيقول ملك: هذا مؤمن يحب الضيف، ويكرم الضيف، ولا سبيل له إلا أن يدخل الجنة (1). وقبل ذلك فإن الأرض ستحسن استقباله كما أحسن هو استقبال ضيفه.. مر رسول الله " صلى الله عليه وآله " يوما بقبر يحفر، وقد انبهر (2) الذي يحفره، فقال له: لمن تحفر هذا القبر ؟ فقال: لفلان بن فلان، فقال: وما للأرض تشدد عليك إن كان ما علمت لسهلا حسن الخلق. فلانت الأرض عليه، حتى كان ليحفرها بكفيه. ثم قال " صلى الله عليه وآله ": لقد كان يحب إقراء الضيف، ولا يقري الضيف إلا مؤمن تقي (3). بل قبل ذلك يكون الضيف قد هبطت عليه الرحمة الإلهية، فزال عنه عبء ثقيل رهيب.. عن أمير المؤمنين " عليه السلام " قال: ما من مؤمن يسمع بهمس الضيف ويفرح بذلك، إلا غفرت له خطاياه وإن كانت مطبقة ما بين السماء والأرض (4).


(1) جامع الأخبار: 158. (2) أي انقطع نفسه وتتابع من الإعياء. (3) قرب الإسناد: 50. (4) جامع الأخبار: 158.

[137]

يقول شاعر مضيف: الله يعلم أنه ما سرني شئ كطارقة الضيوف النزل ما زلت بالترحيب حتى خلتني ضيفا له، والضيف رب المنزل والفرح أو السرور بالضيف تعبير صادق عن استقبال القلب قبل الجوارح الأخرى، وهو منعكس على المضيف في صورة طيب في الكلام، وبشاشة في الوجه، وبشر وانبساط، فيقابل الضيف ذلك بحسن المودة. وقد أرشد الى نوال ذلك أمير المؤمنين " عليه السلام " فقال: البشاشة فخ المودة (1). ويبلغ بالبعض أنه يعاتب أخاه العتب الجميل، إذا سمع أنه مر في حيه أو بالقرب من داره ولم يضف عنده ولم يطرق بابه، وفي هذا قال أحد الشعراء: تمرون الديار ولم تعوجوا كلامكم علي إذن حرام فإذا طفح طيب النفس بانت روحية الاستقبال، فرأى المضيف كأن بعض أهله قد عاد إليه، وأنه شريك معه فيما يودعه في بيته من الطعام، بل رأى أن طعامه يكفي ويتبارك.. ألم يقل رسول الله " صلى الله عليه وآله ": طعام الواحد يكفي


(1) تحف العقول، في إحدى وصاياه لمالك الأشتر " رضوان الله عليه ".

[138]

الاثنين، وطعام الاثنين يكفي الثلاثة، وطعام الثلاثة يكفي الأربعة (1) ؟ (3) ويبلغ الدين الحنيف من إكرامه للضيف أن يجعل من آداب المضيف رفع الحرج والعناء عنه، وإزالة الضيق ورفع الضائقة، وإفساح مجالات الراحة له، وتركه قليلا ليستريح ويأتي بما يمنعه الحياء منه. حتى يشعر الضيف كأنه في بيته لما يرى من الإكرام والسعة عليه، بعد أن كان معسرا، لأن أخلاق صاحب الدار أوسع من الدار، ولقد أجاد الشاعر حيث قال: لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها ولكن أخلاق الرجال تضيق فإذا أنزله في المكان اللائق، وأسرع إليه في قضاء حوائجه، وقدم له ما يرتفع به الحرج والفاقة، وأسرع له في تهيئة السراج، ودله على ما يحتاج إليه، كان ذلك من المضيف كرما ومروءة.. سأل معاوية الإمام الحسن بن علي " عليهما السلام " عن الكرم والمروءة، فقال " عليه السلام ": أما الكرم: فالتبرع بالمعروف، والإعطاء قبل السؤال، والإطعام في المحل. وأما المروءة: فحفظ الرجل دينه، وإحراز نفسه من


(1) المحاسن: 398.

[139]

الدنس، وقيامه بضيفه، وأداء الحقوق، وإفشاء السلام (1). ولكن.. ربما بالغ المضيف في الإكرام حتى تعداه الى المشقة يثقل بها على ضيفه، فيحرجه ويلح عليه فيما لا يرغبه من الطعام أو الشراب أو الجلوس أو المبيت وغير ذلك مما قد يدخل عليه الأذى والضيق، ولذا نبه الى هذا الإمام الحسن العسكري " سلام الله عليه " فقال: لا تكرم الرجل بما يشق عليه (2). وقد جاء في الرواية التي تتحدث عن هجرة المصطفى " صلى الله عليه وآله وسلم " إلى المدينة المنورة، أنه لما وصل وأرخى زمام ناقته اجتمعت إليه بنو عمرو بن عوف، فقالوا: يا رسول الله ! أقم عندنا.. فقال " صلى الله عليه وآله ": خلوا عنها فإنها مأمورة - أي الناقة - وعدا الأوس والخزرج حول ناقته، ووثبوا في وجهه وأخذوا بزمان ناقته وتطلبوا إليه أن ينزل عليهم، فقال " صلى الله عليه وآله ": خلوا سبيلها، فإنها مأمورة.. حتى بركت الناقة على باب أبي أيوب الأنصاري " رضوان الله عليه "، فنزل عنها رسول الله " صلى الله عليه


(1) كنز العمال: ح 8764. (2) تحف العقول: 364.

[140]

وآله " فتشرف أبو أيوب بهذه الاستضافة الكريمة، ووثبت أم أبي أيوب إلى الرحل فحلته فأدخلته منزلها. وكان أبو أيوب الأنصاري له منزل أسفل وفوق المنزل غرفة، فكره أن يعلو رسول الله " صلى الله عليه وآله "، فقال: يا رسول الله ! بأبي أنت وأمي، العلو أحب إليك أم السفل ؟ فإني أكره أن أعلو فوقك، فقال " صلى الله عليه وآله ": السفل أرفق بنا لمن يأتينا. قال أبو أيوب: فكنا في العلو أنا وأمي، فكنت إذا استقيت الدلو أخاف أن يقع منه قطرة على رسول الله " صلى الله عليه وآله "، وكنت أصعد وأمي إلى العلو خفيا من حيث لا يعلم ولا يحس بنا، ولا نتكلم إلا خفيا، وكان إذا نام " صلى الله عليه وآله " لا نتحرك. وربما طبخنا في غرفتنا فنجيف الباب (1) على غرفتنا مخافة أن يصيب رسول الله " صلى الله عليه وآله " دخان. ولقد سقطت جرة لنا وأهريق الماء فقامت أم أبي أيوب إلى قطيفة لم يكن لنا والله غيرها، فألقتها على الماء تستنشف به مخافة أن يسيل على رسول الله " صلى الله عليه وآله " من ذلك شئ (2).


(1) أي نرده. (2) إعلام الورى بأعلام الهدى، للطبرسي: 74.

[141]

بل يبلغ الإسلام في رعايته للضيف أن يكلف المضيف بدفع زكاة الفطرة عنه إذا كان عنده ليلة عيد الفطر، لأنه ضمه إليه.. عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله " الصادق " " عليه السلام "، قال سألته عن صدقة الفطرة، فقال: عن كل رأس من أهلك، الصغير منهم والكبير، الحر والمملوك، والغني والفقير، كل من ضممت اليك (1).. وعنه أيضا قال أبو عبد الله (الصادق) " عليه السلام ": كل من ضممت إلى عيالك من حر أو مملوك، فعليك أن تؤدي الفطرة عنه (2). وقد جاء في فتاوى العلماء (رحم الله الماضين، وحفظ الباقين) أنه: يجب على من استكمل الشرائط إخراج زكاة الفطرة عن نفسه وعمن يعوله من مسلم وكافر، وحر وعبد، وصغير وكبير، حتى المولود قبل هلال شوال ولو بلحظة، وكذا كل من يدخل في عيلولته قبله، حتى الضيف وإن لم يتحقق منه الأكل (3).


(1) التهذيب، للطوسي 4: 86 ح 250. (2) التهذيب، للطوسي 4: 71 ح 193. (3) تحرير الوسيلة، للإمام الخميني " قدس سره " كتاب الزكاة - زكاة الأبدان 1: 346 مسألة 3.

[142]

(4) ترك التكلف: فإذا كان من آداب الضيف ألا يكلف صاحبه، وألا يشق عليه ويحرجه، فإن من آداب المضيف ألا يتكلف في ضيافته له. وإذا كان على الضيف - لا سيما إذا كان مستطرقا بلا موعد - أن يمنع صاحب الدار عن التكلف له ليشعره أنه أخوه في الله " تعالى "، وأنه أراد بزيارته الصلة، وليطمئنه أن الذي يلقى على المائدة إنما يلقى عن مودة ومحبة لا عن اتقاء شر وخشية انتقاد وانتقاص، فإن على المضيف أن يبادله هذا الانشراح، ويجعل ذلك تكرمة له.. جاء عن النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله " قوله: من تكرمة الرجل لأخيه أن يقبل تحفته، وأن يتحفه بما عنده، ولا يتكلف له شيئا (1). وقال " صلى الله عليه وآله ": لا أحب المتكلفين (2). وعن الإمام جعفر الصادق " سلام الله عليه " روي أنه قال: المؤمن لا يحتشم من أخيه، وما أدري أيهما أعجب: الذي يكلف أخاه إذا دخل عليه أن يتكلف له، أو المتكلف لأخيه (3) ؟ ! فإذا لم يتكلف صاحب الدار إلا ما في ذات يده فإنه يعرب


(1) المحاسن: 415 ح 168. (2) المحاسن: 415 ح 168. (3) المحاسن: 414 ح 164.

[143]

عن الاخوة، ويفهم ضيفه أنه أعده من أهل بيته. وإذا لم يكلف الضيف صاحبه فإنه في المقابل يعرب عن تلك الاخوة، ويتخلص مما قد يؤثمهما.. يقول المصطفى الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": كفى بالمرء إثما أن يستقل ما يقرب إلى إخوانه، وكفى بالقوم إثما أن يستقلوا ما يقربه إليهم أخوهم (1). * وفي رواية، قال أبو وائل: ذهبت أنا وصاحب لي إلى سلمان الفارسي فجلسنا عنده، فقال: لولا أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " نهى عن التكلف لتكلفت لكم. ثم جاء بخبز وملح ساذج لا أبزار عليه، فقال صاحبي: لو كان في ملحنا هذا سعتر. فبعث سلمان بمطهرته فرهنها على سعتر، فلما أكلنا قال صاحبي: الحمد لله الذي قنعنا بما رزقنا. فقال سلمان: لو قنعت بما رزقك لم تكن مطهرتي مرهونة (2). (5) وإذا كان من آداب الضيافة ألا يتكلف المضيف لضيفه، فمنها - بل هو أولى - ألا يكلف ضيفه في شأن من شؤونه، فقد ينافي التكريم أن يستخدم المضيف ضيفه، ويجانب


(1) المحاسن: 414 ح 165. (2) بحار الأنوار 22: 384 ح 23 - عن شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد المعتزلي.

[144]

المروءة أن يرهقه بأمر وقد جاء ليستريح عنده ويلقي بأتعابه في ضيافته. * عن ميسرة قال: قال أبو جعفر الباقر " عليه السلام ": إن من التضعيف ترك المكافاة، ومن الجفاء استخدام الضيف، فإذا نزل بكم الضيف فأعينوه (1).. وعن ابن أبي يعفور قال: رأيت عند أبي عبد الله " الصادق " " عليه السلام " ضيفا، فقام يوما في بعض الحوائح فنهاه عن ذلك وقام بنفسه الى تلك الحاجة وقال " عليه السلام ": نهى رسول الله " صلى الله عليه وآله " عن أن يستخدم الضيف (2). * وعن عبيد بن أبي عبد الله البغدادي، عمن أخبره قال: نزل بأبي الحسن الرضا " عليه السلام " ضيف، وكان جالسا عنده يحدثه في بعض الليل فتغير السراج، فمد الرجل يده ليصلحه، فزبره أبو الحسن " عليه السلام " ثم بادره بنفسه فأصلحه، ثم قال له: إنا قوم لا نستخدم أضيافنا (3). (6) كثيرا ما يكون في الضيافة إطعام، وفي الإطعام آداب


(1) اصول الكافي 6: 283 - باب كراهية استخدام الضيف ح 3. (2) اصول الكافي 6: 283 ح 1. (3) اصول الكافي 6: 283 ح 2، وزبره بمعنى منعه.

[145]

كثيرة حبذا لو عرفها المضيف ولم يغفل عنها. وهي: (أ) إن القادم غالبا ما يكون ذا حاجة، مادية ونفسية معنوية، وفي الإطعام قضاء لبعض حاجة الضيف، ورفع للحرج والجهد والعناء، وإكرام لقدومه، فإذا حل فلابد من العرض.. قال أبو عبد الله " عليه السلام ": إذا دخل عليك أخوك فاعرض عليه الطعام، فإن لم يأكل فاعرض عليه الماء، فإن لم رب فاعرض عليه الوضوء (1). ذا أراد أن يأكل عرض الوضوء قبل الطعام، وفي ذلك ابة لسنة مؤكدة.. عن الإمام الحسن بن علي " عليهما السلام " قال: في المائدة اثنتا عشرة خصلة يجب على كل مسلم أن يعرفها: أربع منها فرض، وأربع منها سنة، وأربع منها تأديب. فأما الفرض: فالمعرفة، والرضى، والتسمية، والشكر. وأما السنة: فالوضوء قبل الطعام، والجلوس على الجانب الأيسر، والأكل بثلاثة أصابع، ولعق الأصابع. وأما التأديب: فالأكل مما يليك، وتصغير اللقمة، والمضغ الشديد، وقلة النظر في وجوه الناس (2).


(1) المحاسن: 417. (2) مكارم الأخلاق: 141، ومن لا يحضره الفقيه للقدوق 2: 115.

[146]

وفي آداب الضيافة يكون المضيف هو المبادر الى الوضوء ليرفع التردد والحرج عن ضيوفه.. يقول الإمام الصادق " عليه السلام ": الوضوء قبل الطعام، يبدأ به صاحب البيت لئلا يحتشم أحد، فإذا فرغ من الطعام يبدأ من عن يمين الباب، حرا كان أو عبدا. وفي حديث آخر: فليغسل أولا رب البيت يده، ثم يبدأ بمن عن يمينه (1). " ومن هنا يفهم الوضوء في روايات آداب المائدة بأنه غسل اليدين، كما يفهم من عرض الطعام والشراب والوضوء هو التقديم لا السؤال.. فقد جاء عن مولانا الصادق " سلام الله عليه " قوله: لا تقل لأخيك إذا دخل عليك: أكلت اليوم شيئا ؟ ولكن قرب إليه ما عندك، فإن الجواد كل الجواد من بذل ما عنده (2). (ب) أن يعجل المضيف في إحضار الطعام، فإذا كانت العجلة من الشيطان فإنها مستثناة في خمسة أمور هن من سنة رسول الله " صلى الله عليه وآله ": إطعام الضيف، وتجهيز البيت، وتزويج البكر، وقضاء الدين، والتوبة من الذنوب (3).


(1) علل الشرائع: 290 - باب 216 ح 1، 2. (2) بحار الأنوار 75: 455 ح 28، عن السرائر لابن إدريس الحلي: 477. (3) جامع السعادات 2: 154.

[147]

فإذا تزاحم التقديم مع الصلاة فهنالك حالات لها إجابات.. عن سماعة بن مهران قال: سألت أبا عبد الله " الصادق " " عليه السلام " عن الصلاة تحضر وقد وضع الطعام، فقال: إن كان في أول الوقت يبدأ بالطعام، وإن كان قد مضى من الوقت شئ يخاف تأخيره فليبدأ بالصلاة، أو في رواية: وتخاف أن تفوتك فتعيد الصلاة فابدأ بالصلاة (1). وقد أفرد الشيخ الحر العاملي " رحمه الله " في كتابه " وسائل الشيعة " بابا عنوانه: باب استحباب تقديم الصلاة على الأفطار إلا أن يكون هناك من يتنظر إفطاره، أو تنازعه نفسه إليه (2)، جاء فيه: * عن زرارة وفضيل، عن أبي جعفر الباقر " عليه السلام ": في رمضان تصلي ثم تفطر، إلا أن تكون مع قوم يتنظرون الإفطار، فإن كنت تفطر معهم فلا تخالف عليهم وافطر ثم صل، وإلا فابدأ بالصلاة. قلت: ولم ذلك ؟ قال: لأنه قد حضرك فرضان: الأفطار والصلاة، فابدأ بأفضلهما، وأفضلهما الصلاة. ثم قال:


(1) الكافي 6: 298 ح 9. (2) الجزء العاشر: 149 - باب 7 من أبواب آداب الصائم، تحقيق مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث.

[148]

تصلي وأنت صائم فتكتب صلاتك تلك، فتختم بالصوم أحب إلي (1). * وعنه " عليه السلام " أيضا: تقدم الصلاة على الإفطار، إلا أن تكون مع قوم يبتدئون بالإفطار فلا تخالف عليهم وافطر معهم (2).. * وعن الحلبي، عن أبي عبد الله الصادق " عليه السلام " أنه سئل عن الإفطار، أقبل الصلاة أو بعدها ؟ فقال: إن كان معه قوم يخشى أن يحبسهم عن عشائهم فليفطر معهم (3). (ج) تقديم الطعام أمام الضيف، لا أن ينقل الضيف الى الطعام في مكان آخر، إذا لم يكن هنالك ما يستوجب. (د) خدمة الضيف بنفس المضيف لا بغيره، فإن ذلك تعبير عن المودة والاعتزاز والتواضع والبساطة، وفي ذلك ثواب كريم، لقول رسول الله " صلى الله عليه وآله ": أيما مسلم خدم قوما من المسلمين إلا أعطاه الله مثل عددهم خداما في الجنة (4).


(1) وسائل الشيعة 10: 150 ح 2. (2) وسائل الشيعة 10: 151 ح 4. (3) وسائل الشيعة 10: 150 ح 1. (4) الكافي 2: 207 - باب خدمة المؤمن.

[149]

وقد يأنف البعض أن يقوم بنفسه في خدمة ضيفه، فيرى من الشرف أن يكلف خادمه بذلك، بينما يقول الإمام الصادق " سلام الله عليه ": أربع لا ينبغي لشريف أن يأنف منها: قيامه من مجلسه لأبيه، وخدمته لضيفه، وقيامه لدابته ولو أن له مائة عبد، وخدمته لمن يتعلم منه (1). (ه‍) تقديم الطعام على قدر الكفاية، إذ تقديم القليل مع توفره في البيت نقص في المروءة (2). فينبغي أن يكون ما على المائدة مشبعا كي يصيب العبد أحد الأعمال المحبوبة عند الله " سبحانه وتعالى ".. روي عن الإمام الصادق " سلام الله عليه " أنه قال: من أحب الأعمال إلى الله: إشباع جوعة المؤمن، أو تنفيس كربته، أو قضاء دينه (3). (و) اختيار الأجود من الطعام وحتى الفراش وغيره للضيف، إكراما له.. وفي الرواية: كان أبو عبد الله الصادق " عليه السلام " يطعم أصحابه الفراني والأخبطة ثم يطعم الخبز


(1) لواقح الأنوار، للشعراني 1: 28. (2) جامع السعادات 2: 154. (3) المحاسن: 388.

[150]

والزيت، فقيل له: لو دبرت أمرك حتى يعتدل، فقال " عليه السلام ": إنما تدبيرنا من الله، إذا وسع علينا وسعنا، وإذا قتر قترنا (1). وقال " عليه السلام " يوما: كان سليمان " عليه السلام " يطعم أضيافه اللحم بالحواري (2) وعياله الخ، شكار (3)، ويأكل هو الشعير غير منخول (4). وقد أضاف أبو ذر الغفاري " رضوان الله عليه " ضيفا، فقال للضيف: إني مشغول، وإن لي إبلا فاخرج وأتني بخيرها. فذهب فجاء بناقة مهزولة، فقال أبو ذر: خنتني بهذه، فقال: وجدت خير الأبل فحلها، فذكرت يوم حاجتكم إليه، فقال أبو ذر: إن يوم حاجتي إليه ليوم أوضع في حفرتي، مع أن الله يقول لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون. ثم قال: في المال ثلاثة شركاء: القدر لا يستأمن أن يذهب بخيرها أو شرها من هلك أو موت، والوارث ينتظرك أن تضع رأسك ثم


(1) المحاسن: 400. (2) الخبز المصنوع من الدقيق الأبيض، وهو لباب الدقيق منخولا مرة بعد مرة. (3) الخبز المعمول من الدقيق الأسمر، وهو الذي لم ينخل، ويقال له خبز السماء. بحار الأنوار 14: 70 ح 8، عن دعوات الراوندي (المخطوط). وقصص الأنبياء والمرسلين للسيد نعمة الله الجزائري: 361.

[151]

يستاقها وأنت ذميم، وأنت الثالث، فإن استطعت أن لا تكون أعجز الثلاثة فلا تكن، إن الله يقول (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون)، وإن هذا الجمل كان مما أحب من مالي، فأحببت أن أقدمه لنفسي (1). إن هذا لا ينطوي تحت عنوان التكلف، بل يشمله السخاء.. كذا من دعا أخاه المؤمن الى ضيافته فبالغ في تقديم الأجود لا يريد بذلك مفاخرة ولا سمعة، ولا بطرا ولا رياء ولا مباهاة.. قال مولانا الإمام الصادق " عليه السلام ": إذا أتاك أخوك فاته بما عندك، وإذا دعوته فتكلف له (2). (ز) مواكلة الضيف، كي لا يشعر بالغربة، أو برقابة العيون له فينقطع عن الأكل حياءا وخجلا.، ولا يواصل تناوله للطعام كما يحب ويشتهي حيث يرى نفسه لوحده، منفردا بالمائدة وقد رفعت الأيدي. والمواكلة سنة شريفة ينقلها الإمام الصادق " عليه السلام " في قوله: كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا أكل مع القوم


(1) مجمع البيان، للطبرسي 2: 474، والآية في سورة آل عمران: 92. (2) المحاسن: 410.

[152]

أول من يضع يده مع القوم وآخر من يرفعها، إلى أن يأكل القوم (1).. كذا نقلها الإمام موسى الكاظم " عليه السلام " في قوله: إن رسول الله " صلى الله عليه وآله " كان إذا أتاه الضيف أكل معه، ولم يرفع يده من الخوان حتى يرفع الضيف يده (2). أما تعليل ذلك فيذكره الإمام الصادق " سلام الله عليه " في قوله: إن الزائر إذا زار المزور فأكل معه ألقى عنه الحشمة، وإذا لم يأكل معه ينقبض قليلا (3). وفي المواكلة هذه ثواب وشرف عظيمان قد لا يتصورهما المؤمن حتى يعلم أن النبي " صلى الله عليه وآله " قال: من أحب أن يحبه الله ورسوله فليأكل مع ضيفه (4)، وقال " صلى الله عليه وآله ": من أكل طعامه مع ضيفه فليس له حجاب دون الرب (5). وربما اقتضت المواكلة إيثارا على النفس والأهل.. كما كان ذلك في ضيافة الإمام علي وزوجته الزهراء " صلوات الله


(1) الكافي 6: 285 - باب الأكل مع الضيف ح 1. (2) الكافي 6: 185 ح 4. (3) الكافي 6: 285 ح 3. (4) تنبيه الخواطر، لوارم: 357. (5) تنبيه الخواطر، لوارم: 357.

[153]

عليهما " لجائع.. * عن أبي هريرة وابن عباس قالا: جاء رجل إلى رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " فشكا إليه الجوع، فبعث رسول الله " صلى الله عليه وآله " إلى أزواجه، فقلن: ما عندنا إلا الماء. فقال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": من لهذا الرجل الليلة ؟ فقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": أنا له يا رسول الله ! فأتى فاطمة " عليها السلام " وسألها: ما عندك يا بنت ول الله ؟ فقالت: ما عندنا إلا قوت الصبية، لكنا نؤثر ضيفنا. ال علي " عليه السلام ": يا بنت محمد " صلى الله عليه وآله " ! مي الصبية وأطفئي المصباح. وجعلا يمضغان بألسنتهما، فلما فرغ [الضيف] من الأكل أتت فاطمة بسراج فوجدت الجفنة مملوءة من فضل الله. فلما أصبح [الضيف] صلى مع النبي " صلى الله عليه وآله "، فلما سلم النبي " صلى الله عليه وآله " من صلاته نظر إلى أمير المؤمنين " عليه السلام " وبكى بكاء شديدا وقال: لقد عجب الرب من فعلكم البارحة، وقرأ: (ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، ومن يوق شح نفسه فأولئك هم

[154]

المفلحون) (1). فجمع أمير المؤمنين، وسيدة نساء العالمين " صلوات الله عليهما " إلى حسن ضيافتهما وطيب كرمها وسخائهما.. إيثارا عجب الرب " تعالى " منه. (ح) المضيف - وهو يواكل ضيفه - لا ينظر إلى ما أكل إذا لم يزل ضيفه منشغلا بتناول الطعام، فقد يشك بأنه ينتظر أن ترفع الأيدي عن مائدته، لذا جاء في جملة آداب الأكل: قلة النظر في وجوه الناس (2). (ط) وقد يأخذ الضيف شئ من الحياء.. فيكون من آداب المضيف أن يزيد في عرض الطعام ويشجعه على الأكل ويلح عليه معربا عن سروره به، ومعاتبا له إذا أكل قليلا وكف يده عن الطعام، مشعرا ضيفه أنه لم يأكل إلا القليل. فإذا اعتذر عن الاستمرار لاطفه وآنسه لتنشرح نفس الضيف، وألح عليه ليرفع عنه الخجل، فإذا لم ينفع ذلك أقسم عليه بأن يأكل مقدارا اخر، لكي لا يبقى شك أن الضيف كان قد كف عن


(1) مناقب آل أبي طالب 2: 87 (ط. دار الأضواء) عن تفسير أبي يوسف، وكذا أمالي المفيد، والآية في سورة الحشر: 9. (2) مكارم الأخلاق: 141.

[155]

الأكل إحساسا بالغربة، فيأكل بعنوان الاستجابة لالتماس المضيف وإلحاحه ورغبته، فيتناول شيئا اخر وهو منشرح النفس، غير شاعر بالغربة أو الوحشة. هذا.. مع ملاحظة أدب ثان من قبل المضيف وهو: عدم المشقة على الضيف، فإذا لم يكن ذلك كان التشجيع على تناول المزيد أدبا من آداب الضيافة، وسنة كريمة من سنن أهل بيت الرحمة والكرم " صلوات الله عليهم ". * وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: أكلنا مع أبي عبد الله " عليه السلام " فأتينا بقصعة من أرز، فجعلنا نعذر، فقال: ما صنعتم شيئا، ان أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا. قال عبد الرحمن: فرفعت كسحة المائدة فأكلت، فقال " عليه السلام ": الان. ثم أنشأ يحدثنا: أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " أهدي له قصعة أرز من ناحية الأنصار، فدعا سلمان والمقداد وأبا ذر - رحمهم الله - فجعلوا يعذرون في الأكل، فقال: ما صنعتم شيئا، أشدكم حبا لنا أحسنكم أكلا عندنا. فجعلوا يأكلون أكلا جيدا. ثم قال أبو عبد الله: رحمهم الله، ورضي عنهم، وصلى الله عليهم (1).


(1) الكافي 6: 278 ح 3.

[156]

* وعن هشام بن سالم، قال: دخلنا مع ابن أبي يعفور على أبي عبد الله " عليه السلام " ونحن جماعة، فدعا بالغداء فتغدينا وتغدى معنا، وكنت أحدث القوم سنا، فجعلت أقصر فقال لي: كل، أما علمت أنه تعرف مودة الرجل لأخيه بأكله من طعامه (1) ؟ * وعن عنبسة بن مصعب قال: أتينا أبا عبد الله " عليه السلام " وهو يريد الخروج إلى مكة، فأمر بسفرة فوضعت بين أيدينا، فقال: كلوا، فأكلنا، فقال: أبيتم أبيتم (2)، انه كان يقال: اعتبر حب القوم بأكلهم. قال عنبسة: فأكلنا وقد ذهبت الحشمة (3). * وفي رواية اخرى قال " سلام الله عليه " أما علمت أنه يعرف حب الرجل أخاه بكثرة أكله عنده (4) ؟ ! * وعن عبد الله بن سليمان الصيرفي، قال: كنت عند أبي عبد الله " عليه السلام " فقدم إلينا طعاما فيه شواء وأشياء بعده، ثم جاء بقصعة من أرز فأكلت معه، فقال: كل، قلت: قد


(1) الكافي 6: 278 ح 1. (2) في الكافي: أثبتم أثبتم. (3) المحاسن: 413. (4) المحاسن: 413.

[157]

أكلت، فقال: كل، فانه يعتبر حب الرجل لأخيه بانبساطه في طعامه. ثم حاز لي حوزا بأصبعه من القصعة، وقال لي: لتأكلن ذا بعدما قد أكلت. فأكلته (1). * وعن الحارث بن المغيرة، قال دخلت على أبي عبد الله " عليه السلام " فدعا بالخوان، فأتي بقصعة فيها أرز، فأكلت منها حتى امتلأت، فخط بيده في القصعة ثم قال: أقسمت عليك لما أكلت دون الخط (2). (ي) روي أن مولانا الإمام الصادق جعفر بن محمد " عليهما السلام " كان يلقم أصحابه ويقول: من لقم مؤمنا لقمة حلاوة صرف الله عنه مرارة يوم القيامة (3). فإذا كان ذلك من المضيف كان أدبا عبر به عن حبه لضيفه، وسروره بأكله في بيته. (ك) وإذا أراد المضيف أن يؤدي حقا آخر لصاحبه، جاء له بالخلال ينظف به ما بين أسنانه من الطعام ليصيب به سنة شريفة.. ففي رواية الإمام الصادق " عليه السلام ": ناول رسول


(1) الكافي 6: 279 ح 4. (2) المحاسن: 413. (3) مصادقة الإخوان: 28 - باب تلقيم الإخوان.

[158]

الله " صلى الله عليه وآله " جعفر بن أبي طالب خلالا وقال له: تخلل، فانه مصلحة للثة، ومجلبة للرزق (1)، وفي رواية سليمان بن جعفر البصري قال: قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": ان من حق الضيف أن يعد له الخلال (2). (ل) فإذا انتهى الضيف وقام من المائدة، كان من أدب المضيف أن ينهض قبله ليصب الماء على يد ضيفه، يعينه ويكرمه. وإذا كنا في زماننا هذا قد استغنينا عن الصب فلا أقل من أن يهيئ المضيف لصاحبه ما يغسل به يديه مع المنديل. وهذه كلها معبرة عن الاعتزاز والاهتمام بالضيف، فضلا عن الإكرام والتواضع وأداء بعض حقوق الاخوان.. عن الإمام أبي محمد الحسن العسكري " عليه السلام " قال: أعرف الناس بحقوق إخوانه، وأشدهم قضاء لها، أعظمهم عند الله شأنا. ومن تواضع في الدنيا لإخوانه فهو عند الله من الصديقين ومن شيعة علي بن أبي طالب " عليه السلام " حقا.. ولقد ورد على أمير المؤمنين عليه السلام أخوان له مؤمنان: أب وابن، فقام

[159]

إليهما وأكرمهما وأجلسهما في صدر مجلسه، وجلس بين أيديهما، ثم أمر بطعام فأحضر فأكلا منه، ثم جاء قنبر بطست وإبريق خشب ومنديل ليبس، وجاء ليصب على يد الرجل ماءا، فوثب أمير المؤمنين " عليه السلام " وأخذ الأبريق ليصب على يد الرجل، فتمرغ الرجل في التراب وقال: يا أمير المؤمنين ! الله يراني وأنت تصب على يدي ؟ ! قال: اقعد واغسل يدك، فإن الله " عز وجل " يراك وأخوك الذي لا يتميز منك ولا ينفصل عنك يخدمك، يريد بذلك في خدمته في الجنة مثل عشرة أضعاف عدد أهل الدنيا، وعلى حسب ذلك في مماليكه فيها. فقعد الرجل، فقال له علي " عليه السلام ": أقسمت عليك بعظيم حقي الذي عرفته ونحلته، وتواضعك لله حتى جازاك عنه، بأن تدنيني لما شرفك به من خدمتي لك لما غسلت مطمئنا كما كنت تغسل لو كان الصاب عليك قنبرا. ففعل الرجل ذلك، فلما فرغ ناول الإبريق محمد بن الحنيفة (1) وقال: يا بني ! لو كان هذا الابن حضرني دون أبيه لصببت على يده، ولكن الله " عز وجل " يأبى أن يسوي بين ابن وأبيه إذا جمعهما مكان، لكن قد صب


(1) هو أبن أمير المؤمنين " عليه السلام ".

[160]

الأب على الأب، فليصب الابن على الابن. فصب محمد بن الحنفية على الابن. ثم قال الحسن بن علي العسكري " عليه السلام ": فمن اتبع عليا على ذلك فهو الشيعي حقا (1). أما إذا كان الضيف جماعة.. فيقول الإمام الصادق " عليه السلام ": إذا رفع الطعام بدأ بمن على يسار صاحب المنزل، ويكون اخر من يغسل يده صاحب المنزل، لأنه أولى بالغمر، ويتمندل عند ذلك (2). (7) قد أسلفنا أن من آداب الضيف إن يستأذن المضيف إن اراد الصيام تطوعا، فان صومه يعد من صوم الإذن. وفي المقابل يكون من آداب المضيف ألا يصوم تطوعا بلا إذن ضيفه، للحديث الوارد عن رسول الله " صلى الله عليه وآله ": إذا دخل الرجل بلدة فهو ضيف على من بها أهل من دينه حتى يرحل عنهم، ولا ينبغي للضيف أن يصوم إلا بإذنهم لئلا يعملوا له الشئ فيفسد عليهم. ولا ينبغي لهم أن يصوموا إلا بإذن ضيفهم لئلا يحتشمهم، فيشتهي الطعام فيتركه لمكانهم (3).


(1) بحار الأنوار 41: 55 ح 5، عن المناقب 1: 310. (2) علل الشرائع: 290 - الباب 216. (3) علل الشرائع: 384 - الباب 115. ولعل العبارة: على من بها من أهل دينه.

[161]

(8) وكما أن الضيف يتأدب بالستر على صاحب الدار إذا رأى أو سمع منه أمرا غير محبوب، ملتمسا له العذر عن تقصير كان منه، أو ترك لبعض آداب الضيافة، أو قلة في خدمته له.. كذا على المضيف أن يتعامل مع ضيفه بالعفو والمسامحة والصبر والتحمل. فمن المروءة أن يكرم ضيفه وقد أضافه الى أسرته، وائتمنه في بيته، فلا يحق له أن يتشدد معه حتى في ما يقبح من الأفعال. * عن بعض الأصحاب.. قال أبو عبد الله " عليه السلام ": لا يقطع الأجير والضيف إذا سرق، لأنهما مؤتمنان (1). * وعن سماعة قال: سألته عن رجل استأجر أجيرا فأخذ الأجير متاعه، فقال " عليه السلام ": هو مؤتمن، ثم قال: الأجير والضيف أمينان، ليس يقع عليهما حد السرقة (2). * ومن طريف ما يحكى أن (معن بن زائدة) قبض على عده من الأسرى فعرضهم على السيف، فالتفت إليه بعضهم وقال: أصلح الله الأمير، لا تجمع علينا الجوع والقتل، فوالله إن


(1) علل الشرائع: 535 - الباب 324. (2) علل الشرائع: 535 - الباب 324.

[162]

كرم الأمير يبعد عن ذلك. فأمر لهم حينئذ بطعام وشراب فأكلوا وشربوا ومعن بن زائدة ينظر إليهم. فلما فرغوا من أكلهم قالوا له: أيها الأمير ! أطال الله بقاءك، إننا قد كنا أسراك، والان صرنا ضيوفك، فانظر كيف تصنع بضيوفك ؟ فعند ذلك قال لهم: قد عفوت عنكم. فقال له أحدهم: والله - أيها الأمير ! - إن عفوك عنا أشرف من يوم ظفرك بنا. فسر معن بهذا الكلام، وأمر لكل منهم بكسوة ومال (1). ومن آداب المضيف أن يحدث أضيافه بما تميل إليه نفوسهم، ولا ينام قبلهم، ولا يشكو الزمان بحضورهم، ويبش عند قدومهم، ويتألم عند وداعهم وأن لا يحدث بما يروعهم به. ويجب على المضيف أن يراعي خواطر أضيافه كيفما أمكن، ولا يغضب على أحد بحضورهم، ولا ينغص عيشهم بما يكرهون، ولا يعبس بوجهه ولا يظهر نكدا، ولا ينهر أحدا ولا يشتمه بحضرتهم، بل يدخل على قلوبهم السرور بكل ما أمكن. ويتحمل العسير من أجل ذلك، ويصبر على المكروه لخاطرهم.


(1) النخب، من آداب العرب، تأليف الدكتور محمد الخزائلي: 69.

[163]

* كان عند الإمام علي بن الحسين " عليه السلام " أضياف، فاستعجل خادم له بشواء كان في التنور، فأقبل الخادم مسرعا فسقط السفود من يده على رأس بني لعلي بن الحسين تحت الدرجة، فأصاب رأسه فقتله. فقال علي " عليه السلام " للغلام - وقد تحير واضطرب -: أنت حر، فإنك لم تعتمده. وأخذ في جهاز ابنه ودفنه (1). (9) وتهيأ الضيف للرحيل، فيتصور البعض أن من آداب الضيافة أن ينهض صاحب الدار لحمل متاعه، أو أن يثب ليفتح له الباب.. بينما السنة الشريفة خلاف ذلك تماما. فحمل متاع الضيف يشعر بعدم رغبة المضيف في بقاء ضيفه، أو بعدم الحزن على فراق ضيفه، بل قد تفهم إعانة الضيف على الرحيل رغبة المضيف في ذلك وسروره به، أما ترك الإعانة فإنها تعبر عن الرغبة في بقاء الضيف، فلعله يتكاسل ويتشجع على البقاء ساعات أخر، أو أياما أخر. نعم.. لا بأس بتهيئة الزاد إذا صمم الضيف على الرحيل، فإن ذلك من تمام آداب الضيافة، فيستعين به على السفر، وبذلك


(1) مطالب السؤول 2: 48، كشف الغمة: 200، ولم تعتمده: أي لم تتعمده.

[164]

يكفل له مؤونة الطريق.. أما غير ذلك من الإعانة ففيه بأس شديد. * قال مولانا الإمام الباقر " عليه السلام ": إذا نزل بكم الضيف فأعينوه، وإذا ارتحل فلا تعينوه، فانه من النذالة، وزودوه وطيبوا زاده، فإنه من السخاء (1). * ونزل على أبي عبد الله الصادق " عليه السلام " قوم من جهينة فأضافهم، فلما أرادوا الرحلة زودهم ووصلهم وأعطاهم، ثم قال لغلمانه: تنحوا لا تعينوهم. فلما فرغوا جاؤوهم ليودعوه، فقالوا له: يا ابن رسول الله ! فقد أضفت فأحسنت الضيافة، وأعطيت فأجزلت العطية، ثم أمرت غلمانك أن لا يعينونا على الرحلة ؟ ! فقال " عليه السلام ": إنا أهل بيت لا نعين أضيافنا على الرحلة من عندنا (2). * وفي (الكامل) للمبرد: يروى أن شاعرا أتى أبا البختري وهب بن وهب، من أجود الناس.. وكان إذا سمع مدح المادح ضحك وسرى السرور في جوانحه، وأعطى وزاد.


(1) الكافي 6: 238 ح 3. (2) بحار الأنوار 75: 452، عن أكالي الصدوق: 437 ح 9.

[165]

فأتاه شاعر فأنشده: لكل أخي فضل نصيب من العلا ورأس العلا طرا عقيد الندى وهب وما ضر وهبا قول من غمط العلا كما لا يضر البدر ينبحه الكلب فثنى له الوسادة وهش إليه، ورفده وحمله وأضافه. فلما أن أراد الرجل الرحلة لم يخدمه أحد من غلمان أبي البختري، ولا عقد ولا حل معه، فأنكر ذلك - مع جميل ما فعل به - فعاتب بعضهم، فقال له الغلام: إنا.. إنما نعين النازل على الإقامة، ولا نعين الراحل على الفراق. فبلغ هذا الكلام جليلا من القرشيين فقال: والله لفعل هؤلاء العبيد على هذا المقصد.. أحسن من رفد سيدهم. وعن السياري قال: نزل بأبي الحسن موسى الكاظم " عليه السلام " أضياف، فلما أرادوا الرحيل قعد عنهم غلمانه، فقالوا له: يا ابن رسول الله ! لو أمرت الغلمان فأعانونا على رحلتنا، فقال لهم: أما وأنتم ترحلون عنا.. فلا (1). (10) فإذا عزم الضيف - وهو عزيز مكرم - على الرحيل.. فلا مندوحة من التوديع، يعرب المضيف فيه عن عدم الرغبة


(1) السرائر: 475.

[166]

في الفراق، وعن الأمل في قريب اللقاء، داعيا له بالسلامة والبلوغ إلى أهله مع تمام العافية. ويكون من تمام أدب الضيافة تشييع الضيف والخروج معه إلى باب الدار إذا خرج.. عن أمير المؤمنين (علي) " عليه السلام " أن رسول الله " صلى الله عليه وآله " قال: من حق الضيف أن تمشي معه فتخرجه من حريمك إلى الباب (1). فإذا كان تشييع الضيف مشفوعا بالدعاء فإنه سيدخل الأمن والسرور على نفسه، والأمان والاطمئنان على قلبه. وقد كان من سنن المصطفى الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " أن يشيع أصحابه إذا أرادوا السفر، ويدعو لهم بدعواته الشريفة المباركة: * عن الإمام الباقر " عليه السلام " قال: كان رسول الله " صلى الله عليه وآله " إذا ودع مسافرا أخذ بيده ثم قال: أحسن الله لك الصحابة، وأكمل لك المعونة، وسهل لك الحزونة، وقرب لك البعيد، وكفاك المهم، وحفظ لك دينك وأمانتك وخواتيم عملك، ووجهك لكل خير. عليك بتقوى الله، أستودع الله نفسك،


(1) عيون أخبار الرضا " عليه السلام " 2: 70 ح 323.

[167]

سر على بركة الله " عز وجل " (1). * وكان " صلى الله عليه وآله " إذا ودع المؤمنين قال: زودكم الله التقوى، ووجهكم إلى كل خير، وقضى لكم كل حاجة، وسلم لكم دينكم ودنياكم، وردكم إلي سالمين (2). * وودع " صلى الله عليه وآله وسلم " يوما رجلا فقال: زودك الله التقوى، وغفر ذنبك، ولقاك الخير حيث كنت (3). * ولما وجه جعفر الطيار " رضوان الله تعالى عليه " إلى الحبشة شيعه " صلى الله عليه وآله وسلم " وزوده هذه الكلمات: اللهم الطف به في تيسير كل عسير، فإن تيسير العسير عليك يسير، إنك على كل شئ قدير. أسألك له اليسر والمعافاة الدائمة في الدنيا والاخرة (4). * ولما شيع أمير المؤمنين " عليه السلام " أبا ذر " رضي الله عنه " (5)، شيعه الحسن والحسين " عليهما السلام " وعقيل بن


(1) مكارم الأخلاق: 249، في التشيع. (2) مكارم الأخلاق: 249. (3) مكارم الأخلاق: 249. (4) مكارم الأخلاق: 249. (5) حينما أبعده عثمان إلى الربذه بعد أن أخرجه معاوية إلى الشام وأوصى به أن يسكت أو ينفى ليلا يفضح الانحراف أمام جميع الملأ.

[168]

أبي طالب وعبد الله بن جعفر وعمار بن ياسر " رضي الله عنهم ".. فقال أمير المؤمنين " عليه السلام ": ودعوا أخاكم، فإنه لابد للشاخص أن يمضي، وللمشيع أن يرجع. فتكلم كل رجل منهم على حياله، فقال الحسين بن علي " عليهما السلام ": رحمك الله يا أبا ذر ! إن القوم إنما امتهنوك بالبلاء لأنك منعتهم دينك، فمنعوك دنياهم، فما أحوجهم غدا الى ما منعتهم، وأغناك عما منعوك ! فقال أبو ذر " رضي الله عنه ": رحمكم الله من أهل بيت، فما لي شجن في الدنيا غيركم، إني إذا ذكرتكم ذكرت بكم جدكم رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " (1). وأخيرا.. وقفة: لكي لا يبخس فضل المضيف.. فإن من المستحسن أن نعلم أن الضيف كثيرا ما يزور أخاه أو يضيف عنده وله حاجة أو أكثر من حاجة. فقد يأتيه مجهدا أو مهموما بأمر، والمضيف - بحسن ضيافته - لا يبقي في قلب زائره هما ولا غما إلا نفسهما، ولا حاجة إلا قضاها ما استطاع إلى ذلك، فيدخل


(1) مكارم الأخلاق: 249.

[169]

عليه السرور والارتياح، ويطمئنه.. فلا يخرج ضيفه من عنده إلا وقد أتحف - لا أقل - بالدعاء، والأمل والرجاء. وفي ذلك ثواب عظيم، يكفي لمعرفته أن نقرأ قول الإمام الباقر " سلام الله عليه ": إن فيما ناجى الله " عز وجل " به عبده موسى " عليه السلام " قال: إن لي عبادا أبيحهم جنتي وأحكمهم فيها. قال: يا رب ! ومن هؤلاء الذين تبيحهم جنتك، وتحكمهم فيها ؟ قال: من أدخل على مؤمن سرورا (1).. * وعنه " عليه السلام " قال: تبسم الرجل في وجه أخيه حسنة، وصرف القذى عنه حسنة. وما عبد الله بشئ أحب إلى الله من إدخال السرور على المؤمن (2). * وعن أبي عبد الله الصادق " عليه السلام " قال: أوحى الله " عز وجل " إلى داود " عليه السلام " أن العبد من عبادي ليأتيني بالحسنة فأبيحه جنتي، فقال داود: يا رب ! وما تلك الحسنة ؟ قال: يدخل على عبدي المؤمن سرورا ولو بتمرة، قال داود: يا رب ! حق لمن عرفك، أن لا يقطع رجاءه منك (3).


(1) اصول الكافي 2: 188 - باب إدخال السرور على المؤمنين ح 3. (2) اصول الكافي 2: 188 ح 2. (3) اصول الكافي 2: 188 ح 5.

[170]

فهذا فضل المضيف.. فإذا كان مضيافا قائما بخدمة ضيوفه، عاملا ملتزما بآداب الضيافة كان من أحسن الناس، ويكفيه في ذلك مدح النبي الأعظم " صلى الله عليه وآله وسلم ": أفاضلكم أحسنكم أخلاقا، الموطأون أكنافا، الذين يألفون ويؤلفون، وتوطأ رحالهم (1). فإذا حاز العبد هذا الفضل فليحافظ عليه كي يختم له بمثل ذاك الشرف الذي ذكرته الروايات. وليعرف المضيف قدر ضيفه، وليعلم أن آداب الضيافة كثيرة، منها ما يشمله ومنها ما يشمل الضيف. فإذا كان ضيفا فينبغي مسامحة أخيه إذا لم ينهض بها جميعا، فقد يغفل المرء تارة أو ينسى أو يعجر عن أداء بعض الاداب لفقر أو مرض أو عذر آخر، فهنالك مجال واسع للعفو لا سيما أن معظم الاداب داخلة في حيز المستحب والمندوب، وإن كان بعضها من لوازم المروءة والكرامة وموجباتهما. وربما كان المرء يوما هو المضيف، فليعرف حينذاك قدره


(1) أصول الكافي 2: 102 - باب حسن الخلق، والأكناف هي الجوانب، يقال للرجل موطأ الأكناف كناية عن كرمه وأنه مضياف ح 16.

[171]

وعظم الثواب الذي يجتنيه إن هو عمل بما ندبته إليه الشريعة الغراء. وليحاسب نفسه على أية حال، ضيفا كان أم مضيفا، وليتعامل مع أخيه بروح يطغى عليها الصفح والتغافل وجميل الصبر، فإذا أراد أن يتشدد في آداب ضيفه تذكر أنه سيكون يوما ضيفه، فهل حاسب نفسه يوم يكون أو كان ضيفا ؟ وإذا تشدد في آداب مضيفه فهل حاسب نفسه يوم يكون أو كان مضيفا ؟. انها فسحة الأجر، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون (1).


(1) سورة المطففن: 26.

[172]

ورحم الله ابن الأعسم.. حيث استجمع آداب الضيافة في منظومته فقال: والضيف يأتي معه برزقه فلا يقصر أحد بحقه يلقاه بالبشر وبالطلاقه ويحسن القرى بما أطاقه يدني إليه كل شئ يجده ولا يرم ما لا تناله يده وليكن الضيف بذاك راض ولا يكلفه بالاعتراض وأكرم الضيف ولا تستخدم وما اشتهاه من طعام قدم وبالذي عندك للأخ اكتف لكن إذا دعوته تكلف فإن تنوعت له فلا تضر فخيره ما طاب منه وكثر ويندب الأكل مع الضيف ولا يرفع قبله يدا لو أكلا وأن يعين ضيفه إذ ينزل ولا يعينه إذا ما يرحل وينبغي تشييعه للباب وفي الركوب الأخذ بالركاب

[173]

أدب الضيافة خاتمة المطاف

[174]

خاتمة المطاف أين يضيف المرء نفسه فيحظى بغاية الإكرام ؟.. لعله سؤال يب، فربما لم يطرق ذهن الكثير منا أن يحمل نفسه ليضيفها رمة معززة مصونة تعيش جوا من الإيمان والتقوى والاطمئنان، وحالة من التشرف والرفعة، فضلا عن الثواب العظيم. ان كان هناك ضيافة كهذة فلماذا لا نتعرف عليها، ونتشرف بها ؟ ! لندخل في جمال الأسبوع (1) للسيد ابن طاووس، حيث


(1) ص / 25.

[175]

يروي عن ابن بابويه مسندا عن الصقر بن أبي دلف أنه سأل الإمام علي بن محمد الهادي " عليه السلام " حينما كان في (سر من رأى): يا سيدي ! حديث يروى عن النبي " صلى الله عليه وآله " لا أعرف معناه، قال: وما هو ؟ قلت: قوله: لا تعادوا الأيام فتعاديكم، ما معناه ؟ فقال: نعم، الأيام نحن ما قامت السماوات والأرض.. فالسبت اسم رسول الله " صلى الله عليه وآله "، والأحد أمير المؤمنين " عليه السلام "، والأثنين الحسن والحسين " عليهما السلام "، والثلاثاء علي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد " عليهم السلام "، والأربعاء موسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وأنا، والخميس ابني الحسن " عليه السلام "، والجمعة ابن ابني واليه تجتمع عصابة الحق، فهذا معنى الأيام فلا تعادوهم في الدنيا فيعادوكم في الاخرة. ثم يذكر السيد ابن طاووس " رضوان الله عليه " زيارات الأيام وفيها جميعا يضيف الزائر نفسه عند صاحب يومه.. - ففي زيارة النبي " صلى الله عليه وآله " يوم السبت يقول الزائر في آخرها: يا رسول الله ! صلوات الله عليك وعلى آل

[176]

بيتك [الطيبين] الطاهرين، هذا يوم السبت، وهو يومك، وأنا فيه ضيفك وجارك، فأضفني وأجرني، فإنك كريم تحب الضيافة ومأمور بالأجارة، فأضفني وأحسن ضيافتي، وأجرنا وأحسن إجارتنا، بمنزلة الله عندك وعند آل بيتك، وبمنزلتهم عنده، وبما استودعكم من علمه، فإنه أكرم الأكرمين. - وفي زيارة أمير المؤمنين " عليه السلام " يوم الأحد يقول الزائر: يا مولاي يا أمير المؤمنين ! هذا يوم الأحد، وهو يومك وباسمك، وأنا ضيفك فيه وجارك، فأضفني يا مولاي وأجرني، فإنك كريم تحب الضيافة، ومأمور بالأجارة، فافعل ما رغبت إليك فيه، ورجوته منك، بمنزلتك وآل بيتك عند الله، ومنزلته عندكم، وبحق ابن عمك رسول الله " صلى الله عليه وآله وسلم " وعليهم [وعليكم] أجمعين. - وفي زيارة الإمام الحسن والإمام الحسين " عليهما السلام " يوم الأثنين يقول: يا مولاي يا أبا محمد ! يا مولاي يا أبا عبد الله ! هذا يوم الأثنين وهو يومكما، وباسمكما، وأنا فيه ضيفكما، فأضيفاني وأحسنا ضيافتي، فنعم من استضيف به أنتما، وأنا فيه من جواركما، فأجيراني فإنكما

[177]

مأموران بالضيافة والأجارة، فصلى الله عليكما وآلكما الطيبين. - وفي زيارة الإمام علي بن الحسين زين العابدين والإمام محمد بن علي الباقر والإمام جعفر بن محمد الصادق " سلام الله عليهم جميعا " يوم الثلاثاء يقول: يا موالي ! هذا يومكم، وهو يوم الثلاثاء، وأنا فيه ضيف لكم، ومستجير بكم، فأضيفوني وأجيروني، بمنزلة الله عندكم وآل بيتكم الطيبين الطاهرين. - وفي زيارة الإمام موسى بن جعفر الكاظم والإمام علي بن موسى الرضا والإمام محمد بن علي الجواد والإمام علي بن محمد الهادي " عليهم سلام الله " يوم الأربعاء يقول: أنا مولى لكم، مؤمن بسركم وجهركم، متضيف بكم في يومكم هذا، وهو يوم الأربعاء، ومستجير بكم، فأضيفوني وأجيروني بآل بيتكم الطيبين الطاهرين. - وفي زيارة الإمام الحسن العسكري " عليه السلام " يوم الخميس يقول: أنا مولى لك ولال بيتك، وهذا يومك، وهو يوم الخميس، وأنا ضيفك فيه، ومستجير بك فيه، فأحسن ضيافتي وإجارتي، بحق آل بيتك الطيبين الطاهرين. - وأخيرا يوم الجمعة.. حيث زيارة الإمام الحجة المهدي

[178]

المنتظر " عجل الله تعالى فرجه الشريف " يقول الزائر: يا مولاي يا صاحب الزمان ! صلوات الله عليك وعلى آل بيتك، هذا يوم الجمعة، وهو يومك، المتوقع فيه ظهورك، والفرج فيه للمؤمنين على يديك، وقتل الكافرين بسيفك، وأنا يا مولاي فيه ضيفك، وجارك، وأنت يا مولاي كريم من أولاد الكرام، ومأمور بالضيافة الإجارة، فأضفني وأجرني صلوات الله عليك، وعلى أهل بيتك الطاهرين. ثم قال السيد ابن طاووس " رحمه الله ": وأنا أتمثل بعد هذه الزيارة [أي زيارة يوم الجمعة] بهذا الشعر، وأشير إليه [أي إلى الإمام المهدي أرواحنا فداه] وأقول: نزيلك حيث ما اتجهت ركابي وضيفك حيث كنت من البلاد فلنطمع في ضيافة أصول الكرم، ولننقل رحلنا إليهم، وننزل في مضيفهم، وهم من فعلهم الخير، وعادتهم الإحسان، وسجيتهم الكرم، فعندهم يتشرف الضيف بنفحات الإيمان، ويحبى بانشراح الصدر واطمئنان القلب، ويسعد بما يرضي الله " سبحانه " من الذكر العلي، ويتزود ما فيه شرف الدنيا

[179]

والاخرة وكرامتهما. وختاما فمما لابد منه.. أننا عن هذ الدنيا راحلون، وهذا يعني أننا فيها ضيوف، فلابد أن نتيقظ لهذه الحقيقة، ونقر بها داخل أنفسنا ولا نجحد بها، كما لابد أن نخرج من شكنا فيها، فإن الناس لكراهتهم للموت يرونه خيالا يمنون أنفسهم أنهم يعمرون ويعمرون في هذه الحياة الفانية، وكأن لا حمام ينتظرهم أو ينتظرون أجلهم فيه.. يقول الإمام علي " عليه السلام ": ما رأيت إيمانا مع يقين أشبه منه بشك على هذا الانسان، إنه كل يوم يودع إلى القبور ويشيع، وإلى غرور الدنيا يرجع، وعن الشهوة والذنوب لا يقلع.. ولقد غفلنا عن الموت غفلة أقوام غير نازل بهم، وركنا إلى الدنيا وشهواتها ركون أقوام قد أيقنوا بالمقام (1).. وتبع أمير المؤمنين " عليه السلام " يوما جنازة فسمع رجلا يضحك، فقال: كأن الموت فيها على غيرنا كتب، وكأن الحق


(1) بحار الأنوار 6: 137 - عن فلاح السائل، لابن طاووس: 215.

[180]

فيها على غيرنا وجب، وكأن الذي نرى من الأموات سفر (1) عما قليل إلينا راجعون، نبوئهم أجداثهم (2)، ونأكل تراثهم، قد نسينا كل واعظ وواعظة، ورمينا بكل جائحة (3)، وعجبت لمن نسي الموت وهو يرى الموت (4) ! فالموت لابد ناقلنا إلى دار أخرى، اذن.. فنحن هنا في دنيانا هذه ضيوف، ليست لنا بدار مقامة إذ هي دار ممر، لا دار مقر، قال " تعالى " (إنما هذه الحياة الدنيا متاع، وإن الاخرة هي دار القرار) (5)، وجاء عن الإمام علي صلوات الله عليه " أنه قال: إنما الدنيا دار مجاز، والاخرة دار قرار (6). فلما لم يكن لنا هنا قرار فنحن على سفر قريب، ورحيل وشيك، وهذه هي حال الضيف.. قال رسول الله " صلى الله عليه وآله ": أيها الناس ! إن من في الدنيا ضيف، وما في أيديكم


(1) أي مسافرون. 2) أي ننزلهم في قبورهم. 3) آفة مهلكة، أو داهية. (4) بحار الأنوار 6: 136 - باب حب لقاء الله وذم الفرار من الدنيا، وقريب منه نهج البلاغة: الحكمة 122. (5) سورة المؤمن: 39. (6) نهج البلاغة: الخطبة 203.

[181]

عارية، وإن الضيف مرتحل، والعارية مردودة.. (1)، وقد أمرنا " صلى الله عليه وآله " أن لا نغفل فنتخيل الإقامة، فقال لنا: كونوا في الدنيا أضيافا (2). وفي جملة وصاياه إلى جابر بن يزيد الجعفي.. قال الإمام أبو جعفر الباقر " سلام الله عليه ": يا جابر ! ما الدنيا، وما عسى أن تكون الدنيا، هل هي إلا طعام أكلته، أو ثوب لبسته، أو امرأة أصبتها ؟ ! يا جابر ! إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا ببقائهم فيها، ولم يأمنوا قدومهم الاخرة. يا جابر ! الاخرة دار قرار، والدنيا دار فناء وزوال، ولكن أهل الدنيا أهل غفلة، وكأن المؤمنين هم الفقهاء، أهل فكرة وعبرة.. فأنزل الدنيا كمنزل نزلته ثم ارتحلت عنه، أو كمال وجدته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شئ (3).. ومن أيقن أنه ضيف شعر أن المحل ليس له، بل ليس له فيه مقام طويل، فلا معنى للتشبث به وهو عما قليل راحل عنه. ومن أيقن أنه راحل، وعازم على سفر شاق رهيب


(1) بحار الأنوار 77: 187 - عن إعلام الدين، للديلمي. (2) بحار الأنوار 73: 81 - عن كنز الفوائد، للكراجكي. (3) اصول الكافي 2: 133 ح 16 - باب ذم الدنيا والزهد فيها.

[182]

طويل، في صحارى وغابات لم يمر بها من قبل، ولا يدري ما سيداهمه فيها، تسلح بما يدافع به عن نفسه، وتزود بما يستعين به، فان العاقل من استعد للأهوال.. وقد كان الإمام علي " عليه السلام " كثيرا ما ينادي أصحابه بهذا الكلام: تجهزوا (1)، رحمكم الله، فقد نودي فيكم بالرحيل، وأقلوا العرجة على الدنيا (2)، وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد (3)، فإن أمامكم عقبة كؤودا، ومنازل مخوفة مهولة، لابد من الورود عليها، والوقوف عندها (4).. وخطب الناس يوما فقال " عليه أفضل الصلاة والسلام ": خذوا من ممركم لمقركم.. وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل أن تخرج منها أبدانكم، ففيها اختبرتم، ولغيرها خلقتم. إن المرء إذا هلك قال الناس: ما ترك ؟ وقالت الملائكة: ما قدم ؟ (5).. وعن أبي بصير، عن مولانا الصادق " عليه السلام " قال: كان


(1) أي استعدوا للآخرة بالأعمال الصالحة. (2) أي إقلوا الإقامة بالمكان عليها. (3) أي التقوى. (4) نهج البلاغة: الخطبة 204. (5) نهج البلاغة: 203.

[183]

أبو ذر " رضي الله عنه " يقول في خطبته: يا مبتغي العلم ! كأن شيئا من الدنيا لم يكن شيئا إلا ما ينفع خيره، ويضر شره، إلا من رحم الله. يا مبتغي العلم ! لا يشغلك أهل ولا مال عن نفسك، أنت يوم تفارقهم كضيف بت فيهم، ثم غدوت عنهم إلى غيرهم، والدنيا والاخرة كمنزل تحولت منه إلى غيره، وما بين الموت والبعث إلا كنومة نمتها ثم استيقظت منها. يا مبتغي العلم ! قدم لمقامك بين يدي الله " عز وجل "، فإنك مثاب بعملك، كما تدين تدان، يا مبتغي العلم (1). ومن ظريف ما روي.. أن النبي الأكرم " صلى الله عليه وآله وسلم " وعظ قيس بن عاصم، فقال له: يا قيس ! إن مع العز ذلا، وإن مع الحياة موتا، وإن مع الدنيا آخرة، وإن لكل شئ حسيبا، وعلى كل شئ رقيبا، وإن لكل حسنة ثوابا، ولكل سيئة عقابا، ولكل أجل كتابا.. وإنه لابد لك يا قيس من قرين يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت، فان كان كريما أكرمك، وان كان لئيما أسلمك، ثم لا يحشر إلا معك، ولا تبعث إلا معه، ولا تسأل إلا عنه، ولا تجعله إلا صالحا فإنه إن صلح أنست به،


(1) اصول الكافي 2: 134 - باب ذم الدنيا والزهد فيها ح 18.

[184]

وان فسد لا تستوحش إلا منه، وهو فعلك. قال قيس بن عاصم: فقلت: يا نبي الله ! أحب أن يكون هذا الكلام في أبيات شعر نفخر به على من يلقانا من العرب، وندخره.. قال قيس: فأقبلت أفكر فيما أشبه هذه العظة من الشعر، فاستتب لي القول فقلت: يا رسول الله ! قد حضرتني أبيات أحسبها توافق ما نريد، فقال النبي " صلى الله عليه وآله ": قل يا قيس. قال قيس: فقلت: تخير قرينا من فعالك إنما قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولابد بعد الموت من أن تعده ليوم ينادى المرء فيه فيقبل فإن كنت مشغولا بشئ فلا تكن بغير الذي يرضى به الله تشغل فلن يصحب الإنسان من بعد موته ومن قبله إلا الذي كان يعمل ألا إنما الإنسان ضيف لأهله يقيم قليلا بينهم ثم يرحل (1) وأخيرا.. مع الإمام السجاد " صلوات الله عليه " وهو يذكر الموت، ويبين أن الناس كما قال لهم جده علي بن أبي طالب " سلام الله عليه ": إنكم وما تأملون من هذه الدنيا أثوياء مؤجلون (2). فإن هي إلا أيام وسويعات ثم ننقل الى المقابر،


(1) معاني الأخبار: 232، وأمالي الصدوق: 3 المجلس الأول. (2) نهج البلاغة: الخطبة 129، وأثوياء بمعنى ضيوف.

[185]

حيث ضيافة الأجداث، وحيث الأهوال والمساكن الرهيبة. وكل ذلك يراد له دعاء صادق، يعقبه عمل صالح.. وكل ذلك يفتقر إلى توبة نصوح وندامة، ونفس لوامة. فلنتأمل بقلوبنا وعقولنا وأسماعنا في ما يقوله زين العابدين علي بن الحسين " عليه السلام ": اللهم صل على محمد وآله، واكفنا طول الأمل، وقصره عنا بصدق العمل، حتى لا نؤمل استتمام ساعة بعد ساعة، ولا استيفاء يوم بعد يوم، ولا اتصال نفس بنفس، ولا لحوق قدم بقدم. وسلمنا من غروره، وآمنا من شروره، وانصب الموت بين أيدينا نصبا، ولا تجعل ذكرنا له غبا (1). واجعل لنا من صالح الأعمال عملا نستبطئ معه المصير اليك، ونحرص له على وشك اللحاق بك، حتى يكون الموت مأنسنا الذي نأنس به، ومألفنا الذي نشتاق إليه، وحامتنا التي نحب الدنو منها. فإذا أوردته علينا، وأنزلته بنا، فأسعدنا به زائرا، وآنسنا به قادما، ولا تشقنا بضيافته، ولا تخزنا بزيارته، واجعله بابا من أبواب مغفرتك، ومفتاحا من مفاتيح رحمتك.


(1) في وقت دون وقت.

[186]

أمتنا مهتدين غير ضالين، طائعين غير مستكرهين، تائبين غير عاصين ولا مصرين، يا ضامن جزاء المحسنين، ومستصلح عمل المفسدين (1). ويقول " سلام الله عليه " في إحدى مناجاته الشريفة: الهي ! كأني بنفسي قد اضطجعت في حفرتها، وانصرف عنها المشيعون من جيرتها، وبكى كل غريب عليها لغربتها، وجاد بالدموع عليها المشفقون من عشيرتها، وناداها من شفير القبر ذوو مودتها، ورحمها المعادي لها في الحياة عند صرعتها، ولم يخف على الناظرين فاقتها، ولا على من رآها قد توسدت في الثرى عجز حيلتها، فقلت: ملائكتي ! فريد، قد نأى عنه الأقربون.. ووحيد، قد جفاه الأهلون، نزل بي قريبا، وأصبح في اللحد غريبا، وقد كان لي في دار الدنيا داعيا، ولنظري له في هذا البيت الجديد راجيا. فتحسن هنالك ضيافتي، وتكون أرحم بي من أهلي وقرابتي، يا عالم السر والنجوى، ويا كاشف الضر والبلوى ! كيف نظرك لي بين سكان الثرى، وكيف صنيعك بي في دار الوحشة والبلى ؟ ! رب قد كنت لطيفا بي في أيام


(1) الصحيفة السجادية المباركة، الدعاء الأربعون.

[187]

حياة الدنيا (1).. * ويقول " عليه السلام " كذلك: اللهم صل على محمد وآل محمد، واجعلني وجميع إخواني بك مؤمنين، وعلى الإسلام ثابتين، ولفرائضك مؤدين، وعلى الصلوات محافظين، وللزكاة فاعلين، ولمرضاتك مبتغين، وللإخلاص مخلصين، ولك ذاكرين، ولسنة نبيك " صلواتك عليه وعلى آله " متبعين، ومن عذابك مشفقين، ومن عدلك خائفين، ولفضلك راجين، ومن الفزع الأكبر آمنين، وفي خلق السماوات والأرض متفكرين، ومن الذنوب والخطايا تائبين، وعن الرياء والسمعة منزهين، ومن الشرك والزيغ والكفر والشقاق والنفاق معصومين، وبرزقك قانعين، وللجنة طالبين، ومن النار هاربين، ومن الحلال الطيب مرزوقين، وعند الشبهات واقفين، وعلى محمد وآله مصلين، ولأهل الإيمان ناصحين، وللإخوان فيك مستغفرين، وعند معاينة الموت مستبشرين، وفي وحشة القبر فرحين، وبلقاء منكر ونكير مسرورين، وعند مساءلتهم بالصواب مجيبين، وفي الدنيا


(1) الصحيفة السجادية الخامسة، جمع السيد محسن الأمين العاملي: 160 - 161، الدعاء الثالث والستون في المناجاة لله " عز وجل ".

[188]

زاهدين، وفي الاخرة راغبين، وللجنة طالبين، وللفردوس وارثين، ومن ثياب السندس والاستبرق لابسين، وعلى الأرائك متكئين، وبالتيجان المكللة بالدر واليواقيت والزبرجد متوجين، وللولدان المخلدين مستخدمين، وبأباريق وكأس من معين شاربين، ومن الحور العين مزوجين، وفي نعيم الجنة مقيمين، وفي دار المقامة خالدين، لا يمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين. اللهم اغفر لنا ولإخواننا المؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، والتباع بينهم بالخيرات، إنك ولي الباقيات الصالحات (1). وأينما نكون.. فنحن ضيوف في هذه الدنيا الفانية، أو في ملحودة القبر والبرزخ، وحين نبعث من جديد حيث العرض على الله " جلت عظمته " وحيث المواقف والمنازل وعرصات يوم القيامة.. فهنالك لا تنجي الأعمال، ولا ينفع إلا رحمة الله وفضله، وحسن الظن به " سبحانه " والرجاء بلطفه، عله يشملنا، فيحسن ضيافتنا باعتباره ربنا وخالقنا " جل وعلا " وباعتبارنا عبيده وخلقه الذين لا حول لهم ولا قوة إلا به، وقد

[189]

عصيناه ثم جئناه بذنوبنا نرجو معها منه عفوه ومغفرته، ولا نملك إلا محبته والرجاء بستره علينا. * أوصى أحدهم أن يكتب على قبره: يا كثير الصفح عمن كثر الذنب لديه جاءك المذنب يرجو العفو عن جرم يديه أنا ضيف، وجزاء الضيف إحسان إليه (1) وقد بكى الإمام السجاد " سلام الله عليه " يوما ثم قال: وعزتك وجلالك، ما أردت بمعصيتي مخالفتك، وما عصيتك إذ عصيتك وأنا بك شاك، ولا بنكالك جاهل، ولا لعقوبتك متعرض، ولكن سولت لي نفسي وأعانني على ذلك سترك المرخى به علي. فأنا الان من عذابك من يستنقذني، وبحبل من أعتصم إن قطعت حبلك عني ؟ ! فواسوأتاه غدا من الوقوف بين يديك إذا قيل للمخفين: جوزوا، وللمثقلين: حطوا ! أمع المخفين أجوز، أم مع المثقلين أحط ؟ ويلي ! كلما طال عمري كثرت خطاياي ولم أتب، أما آن لي أن أستحيي من ربي ؟ !.


(1) سفينة البحار ج 1 - باب حوز.

[190]

ثم بكى " عليه السلام " وأنشأ يقول شعرا: أتحرقني بالنار يا غاية المنى فأين رجائي، ثم أين محبتي ؟ ! أتيت بأعمال قباح ردية وما في الورى خلق جنى كجنايتي ثم بكى وقال: سبحانك تعطي كأنك لا ترى، وتحلم كأنك لم تعص، تتودد إلى خلقك بحسن الصنيع كأن بك الحاجة إليهم، وأنت يا سيدي الغني عنهم، ثم خر " عليه السلام " إلى الأرض ساجدا (1).. فما أجدر بالعبد أن يرى نفسه أنه في كل شئ فقير لله " عز وجل "، آيب إليه في كل وقت، وافد عليه على كل حال، لا يرى في راحلته إلا الخطايا، فينزل ضيفا ساغبا ظامئا عند بارئه " جل شأنه "، يائسا مما يملك، آملا واثقا بما عند المضيف الكريم. ولقد أنشأ مولانا الإمام السجاد " عليه السلام " يقول: وفدت على الكريم بغير زاد من الحسنات والقلب السليم وحمل الزاد أقبح كل شئ إذا كان الوفود على الكريم


(1) الصحيفة السجادية الخامسة: 121 - 122.

[191]

وقال أحد الشعراء يرجو رحمة ربه: يا رب قد عجز الطبيب فداوني بخي لطفك واشفني يا شافي أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من شيم الكريم البر للأضياف لا تحرمني نيل عفوك واسقني من حضرة القدس الرحيق الصافي واجبر لكسري إنني بك واثق وبك اكتفيت وأنت أنت الكافي حاشاك ربي أن تخيبني وقد أعطيت ما أرجوه منك خلافي وتوسلي - فيما أروم - محمد صلى الله عليه وآله خير الأنام، وسيد الأشراف (1) فإذا بعثنا وكنا ضيوف عرصات القيامة، فهنالك نعلم حقا أننا لم نملك زادا يغني، ولا عملا ينجي، ولا صالحا باقيا يرضي.. اللهم إلا ما نأتي به من رجاء برحمة الباري " جل ذكره "، ومن حب لنبيه الأكرم " صلى الله عليه وآله " وحب لأهل بيته الأطهار " صلوات الله عليهم "، آملين ما قاله المصطفى " صلوات الله عليه وآله ": حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط (2). أنا من ضيوفك قد حسبت وإن من شيم الكريم البر للأضياف لا تحرمني نيل عفوك واسقني من حضرة القدس الرحيق الصافي واجبر لكسري إنني بك واثق وبك اكتفيت وأنت أنت الكافي حاشاك ربي أن تخيبني وقد أعطيت ما أرجوه منك خلافي وتوسلي - فيما أروم - محمد صلى الله عليه وآله خير الأنام، وسيد الأشراف (1) فإذا بعثنا وكنا ضيوف عرصات القيامة، فهنالك نعلم حقا أننا لم نملك زادا يغني، ولا عملا ينجي، ولا صالحا باقيا يرضي.. اللهم إلا ما نأتي به من رجاء برحمة الباري " جل ذكره "، ومن حب لنبيه الأكرم " صلى الله عليه وآله " وحب لأهل بيته الأطهار " صلوات الله عليهم "، آملين ما قاله المصطفى " صلوات الله عليه وآله ": حبي وحب أهل بيتي نافع في سبعة مواطن، أهوالهن عظيمة: عند الوفاة، وفي القبر، وعند النشور، وعند الكتاب، وعند الحساب، وعند الميزان، وعند الصراط (2).


(1) ديوان عمر اليافي البكري: 73، قال هذه الأبيات وهو على فراش الموت. (2) الخصال: 360.

[192]

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين وصلى الله على حبيبه المصطفى وآله الطيبين الطاهرين مشهد المقدسة 3 جمادى الاخرة 1415 ه‍. ق

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية