الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




أحاديث أم المؤمنين عائشة - السيد مرتضى العسكري ج 2

أحاديث أم المؤمنين عائشة

السيد مرتضى العسكري ج 2


[1]

كلية أصول الدين دراسة أحاديث أم المؤمنين عائشة

[3]

دراسات في الحديث والسيرة أحاديث أم المؤمنين عائشة الجزء الثاني تأليف السيد مرتضى العسكري

[4]

ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة الكتاب: أحاديث أم المؤمنين عائشة " ج 2 " المؤلف: السيد مرتضى العسكري الناشر: المجمع العلمي الاسلامي الطبعة: الاولى 1418 ه‍ - 1997 م المطبعة: النهضة الكمية: 5000 نسخة ردمك: 4 - 19 - 5841 - 964 (دوره مجلدين) (ISBN 469 - 1485 - 91 - 4) voI 2. set يسمح طبعه بالافست وترجمته بعد أخذ الاذن من المؤلف عنوان المراسلة مع المؤلف لبنان - بيروت - ص. ب: 124 / 24

[5]

الاهداء إلى ابنة خاتم الأنبياء وأم المؤمنين خديجة الكبرى وزوجة سيد الأوصياء، وأم الأئمة الأ حد عشر الهداة الأصفياء وسيدة النساء. إلى جدتي فاطمة الزهراء صلوات الله عليهم أجمعين أهدي هذا المجهود الضئيل في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص) المولي عزوجل القبول ومن أعلام الامة النظر في بحوثه بتجرد علمي (فبشر عباد * الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه). 1 / صفر / 1418 ه‍ مرتضى العسكري

[6]

بسم الله الرحمن الرحيم (النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأزواجه أمهاتهم واولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليالكم معروفا كان ذلك في الكتاب مسطورا) [الاحزاب: 6]. (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولامستانسين لحديث إن ذلكم كان يؤذي النبي فيستحيي منكم والله لا يستحيي من الحق وإذا سأ لتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما * إن تبدوا شيئا أو تخفوه فإن الله كان بكل شئ عليما * لا جناح عليهن في آبائهن ولا أبنائهن ولا إخوانهن ولا أبناء إخوانهن ولا أبناء أخواتهن ولا نسائهن ولا ما ملكت أيمانهن واتقين الله إن الله كان على كل شئ شهيد * إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما) [الاحزاب: 53 - 56]

[7]

بسم الله رحمان رحيم. المقدمة الحمد لله رب العالمين والصلاة على خاتم الأنبياء وأفضل المرسلين محمد وآله الطاهرين والسلام على أزواجه امهات المؤمنين وأصحابه البررة الميامين. وبعد: لما كانت سنة الرسول (ص) بعد كتاب الله جل اسمه هي المصدر الثاني للتشريع الاسلامي ولجميع فنون المعرفة الاسلامية اهتم بدراستها أسلافنا جيلا بعد جيل، ولكننا مع ذلك لم نستغن اليوم عن دراستها بما قاموا به من دراسة لنبقى على تقليدهم في علم الدراية، كما بقيت بعض طوائف المسلمين على تقليد فقهاء مضوا قبل ألف سنة وأكثر، بل لا بد لنا من الاستمرار في دراستها - أيضا - جيلا بعد جيل. واداء لهذا الواجب قمت في محاولة متواضعة بسلسلة دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص) كان منها دراسة أحاديث أم المؤمنين عائشة التي طبع منها المجلد الاول (أدوار من حياتها) وبقي منها المجلد الثاني دراسة ما روي عنها من حديث إلى عامنا هذا سنة 1417 ه‍ حيث قمت بتقديمها إلى الطبع بعد أن أضفت إليها بحوثا جديدة وجدتها أيضا ضرورية لاكمال الدراسة، وقدمت امام البحوث في ما يأتي موجزا من بحوث المجلد ! الأول وجدت في تذكارها ضرورة لاستيعاب البحوث لآتة.

[8]

موجز بحوث المجلد الأول وجدنا في الجزء الأول من هذا الكتاب " أم المؤمنين عائشة " (رض) ذات مزاج حاد عصبي عنيف. فيها حدة طبع، وحدة ذكاء مع غيرة شديدة. تغار على زوجها الرسول (ص)، وتدفعها الغيرة إلى الحزن المفرط كل ما بنى الرسول (ص) بزوجة جديدة (1). تعير الواهبات أنفسهن للرسول (ص)، وتعلم بعض من تزوجها الرسول (ص) أن تقول له: (أعوذ بالله منك) فيطلقها الرسول (ص) (2). وتكسر أواني زوجات الرسول (ص) اللاتي كن يبعثن في يومها بطعام إليه (3)، وتتعقب الرسول (ص) إذا انسل من فراشه للصلاة في ليلتها، وإلى البقيع إذا ذهب للاستغفار لأهل البقيع، وتجزع من ولادة ابراهيم من مارية، فيحول الرسول (ص) مارية إلى مشربة له في العالمية (4). ووجدناها تقول: (ما غرت عذ امرأة لرسول الله (ص) كما غرت على


(1) راجع: أحاديث أم المؤمنين عائشة الجزء الأول فصل: أدوار من حياتها. (2) ن. م، مع الواهبات أنفسهن. (3) ن. م، كسر أواني أزواج الرسول (ص). (4) ن. م، مع مارية.

[9]

خديجة لكثرة ذكر رسول الله (ص) إياها وثنائه عليها..) (1). وتقول: ما غرت على أحد من نساء التي (ص) كما غرت على خديجة وما رأيتها ! ولكن النبي (ص) كان يكثر ذكرها وربما يذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ثم يبعثها في صدائق خديجة، ويقول: " إني لأحب حبيبها " وتغار من هذا فتقول لرسول الله (ص): " ما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين، هلكت في الدهر قد أبدلك الله خيرا منها ". فيتغير وجه رسول الله (ص) ويقول لها: " ما أبدلني الله خيرا منها، قد آمنت بي إذ كفر بي الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بما لما إذ حرمني الناس، ورزقني الله عزوجل ولدها وحرمني أولاد النساء " (2). وكان من الطبيعي أن تزداد بهذا الكلام غيرتها كما كان يؤججها حدبه (ص) على ابنة خديجة فاطمة وأولادها وتنحصر ذريته (ص) فيهم وايثاره (ص) صهر خديجة علي بن أبي طالب على غيره من كافة رجال أصحابه بما فيهم أبو بكر أبوها حتى تقول له: " والله لقد عرفت أن عليا أحب إليك من أبي ومني، مرتين أو ثلاثا... " (3). ومن هذا وذاك اشتد غيضها على علي وأولاده، - كما وصفها علي - وقال: " فأدركها رأي النساء وضغن غلا في صدرها كمرجل القين " (4) حتى لا تستطيع أن تذكر اسم علي بخير. وتدفعها الغيرة للعمل في داخل بيت الرسول (ص) وتشكل فيه حزبا


(1) ن. م، مع ذكرى خديجة. (2) ن. م، مع ذكرى خديجة باجلالها إجلالا لا يدانيه إجلال. (3) ن. م. (4) شرح ابن أبي الحديد ج 2 / 456 - 460. وج 9 / 189 ط. مصر سنة 1960.

[10]

بمعاونة حفصة. ويفعل الحزب ما تنزل الايات في لومهما، مثل آيات سورة التحريم، ويتوفى الرسول (ص) ويتولى الخلافة أبوها أبو بكر، ويعارض علي وفاطمة حكمه حتى تتوفى فاطمة وهي واجدة على أبي بكر. ويتوفى أبوها أبو بكر فيولي الصحابي القرشي عمر بن الخطاب الخلافة. في هذا العهد عهد الخليفتين بلغت أم المؤمنين عائشة أمنيتها، حيث رأت اندحار حزب علي وانتصار حزب أبيها، وحيث كرمها الحزب الحاكم ووقرها فأرجع إليها في الفتوى، وفضلها في العطاء على جميع المسلمين بما فيهم زوجات الرسول (ص) وذوو قرباه. وختم الخليفة الثاني عهده بإجلالها إجلالا لا يدانيه إجلال، حيث جعل بيتها دارا للشورى، فيه يعين خليفة المسلمين. في هذا العهد بدأ نجم أم المؤمنين يتالق في سماء المجتمع الاسلامي، وينبه ذكرها ويعظم خطرها، ويمتد الأمر كذلك إلى ست سنوات من عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان الأموي، وطوال هذه المدة زهاء ثماني عشرة سنة، كانت الخلافة ترجع إليها في ما تحتاج من فتوى فتفتي معتمدة التحديث عن الرسول (ص)، ومؤيدة بذلك سياسة الخلافة. ثم تنقلب الخلافة القرشية في السنوات الست الأخيرة من حكم عثمان إلى خلافة أموية، فتعارضها سادة قريش بقيادة حزب أبي بكر وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة (رض)، التي تقود المعارضين وتحرضهم عك قتل الخليفة، فطورا تخرج نعلا للرسول (ص) إلى المسجد وتقول: هذه نعل رسول الله (ص) لم تبل وقد أبلى عثمان سنته، وتارة تقول: اقتلوا نعثلا فقد كفر، وبمجاهدتها زهاء ست سنوات تندفع الجماهير الاسلامية الثائرة إلى المدينة ويستولي ابن عمها طلحة

[11]

على بيت المال. عند هذا تتجه أم المؤمنين عائشة (رض) إلى مكة للحج وتترك عثمان حصيرا في بيته وهي واثتة من قتله، وبيعة الناس لابن عمها طلحة. وبينا هي تتفاءل بعودة الخلافة إلى بيتها، وفي طريق رجوعها إلى المدينة تسمع ببيعة المسلمين عليا (ع)، فقالت لمن أخبرها: والله ليت أن هذه - السماء - انطبقت على هذه - الأرض - إن تم الأمر لصاحبك ! وتعود إلى مكة، وتنقلب من محرضة على قتل عثمان إلى طالبة بدمه، ويجتمع عليها ولاة عثمان المعزولون وآل أمية أعداء الامام، فتسوقهم جميعا إلى البصرة. وفي ساحة المعركة يغلب الامام جيشها ويعيدها إلى المدينة بعد أن قتل زوج اختها الزبير وابن عمها ومرشحها للخلافة طلحة في المعركة، وتعود إلى للمدينة أسيفة ثكلى، يأفل نجمها طوال عهد الامام علي حتى إذا قتل الامام في محرابه سجدت لله شكرأ. وتغلب على الخلافة معاوية، وسوابقه وسوابق بيته في حربهم لرسول الله (ص) في بدر وأحد والأحزاب وقبلها وبعدها ما تدينه وتدين بيته وتدحض حجته. وفي كل أحاديث المسلمين عن تلكم الحوادث وعن أيام الرسول (ص) عامة مدح لأهل البيت عليهم السلام وعلى رأسهم الحسن والحسين سبطي الرسول (ص) وأمل الامة للخلافة الاسلامية، وفي جل حديثهم ذم لأمية وعلى رأسهم أبوه أبو سفيان وأمه هند وبيته بيت أمية بما فيهم من قتل ببدر: جده وخاله وأخوه وذوو قرباه عتبة وشيبة والوليد وحنظلة. إذا فالبيت الذي يقابل معاوية هو بيت علي بن أبي طالب، ولا مناص لمعاوية وهو يريد أن يشيد حكما أمويا يرثه الأبناء عن الآباء، ولا بد له أن ينشر بين المسلمين أحاديث في فضائل الخلفاء الثلاثة، ليدحض بذلك حجة بيت علي

[12]

وشيعته. بالاضافة إلى نشر أحاديث في ذم علي وأبيه وبيته. فأعانه على ذلك جماعة من أمثال ابن العاص وسمرة بن جندب وفي مقدمتهم أم المؤمنين عائشة. وكم من الفرق بين أولئك وأم المؤمنين عائشة ؟ فان اولئك ينشرون الأحاديث في فضل حزب أم المؤمنين، وأم المؤمنين تروي الحديث بي فضل أبيها وحزبه و (ليست الثكلى كالمستأجرة). والمهم في ذلك الأمر كله أننا وجدنا خلال دراساتنا في الحديث والتاريخ أن أم المؤمنين عائشة كانت تعتمد حياة الرسول (ص) لكل ما تريد. فإذا أرادت أن تحرض على عثمان أخرجت نعلا وقالت: هذا نعل الرسول، وإذا أرادت تحطيم مروان ذكرت قول النبي (ص) في أبيه ولعنه إياه، وإذا أرادت أن تبين فضل عثمان وحياء حدثت عن ستر الرسول (ص) فخذه عنه، بعد أن كانت مكشوفة أمام غيره، وكذلك تحدثت عن كيفية تلقي الرسول (ص) الوحي وعن صلاته وصومه وعن جهاده وغزوه وعن كل شؤون الرسول (ص) منذ بعثته إلى وفاته. وهكذا أصبح حديثها أكثر استعراضا لحياة الرسول (ص) من أي حديث آخر. وقد بعث لنا الرسول (ص) إماما وقائدا وأسوة فلا بد لنا من تدارس تلك الأحاديث دراسة موضوعية للتعرف على صحيحها من سقيمها. ولا يجدينا تركها وإهمالها بعد أن أخذ منها قسم من المسلمين معالم سيرة الرسول (ص) ودانوا بها، وترجم المستشرقون حياة الرسول (ص) اعتمادا عليها، وتمسك بها مبلغو النصارى في نقد الاسلام وسلوك نبيه (ص). لهذا كله لم يكن لنا بد من تجشم عناء هذا البحث، والله على ما نقول وكيل وقد أدرنا البحوث في أبواب الكتاب باذنه تعالى وفق المخطط الآتي:

[13]

مخطط البحوث (1) ثلاثة بحوث تمهيدية أ - ما جرى في أمر رواية الهديث. ب - نظرية عدالة جمج الصحابة وصحة جميع ما رووا. ج - كثرة ما روي عن أم المؤمنين عائشة وأهميته. (2) ما روي عن أم المؤمنين عائشة خاصة أ - في سيرة النبي (ص) معها. ب - في خبر التحريم والتخيير. ج - في خبر المسابقة والتيمم والافك. خبر غزوة بني المصطلق وروايات قصة الافك فيها. د - في خبر وفاة الرسول (ص). ه‍ - في خبر ما بعد وفاة الرسول (ص).

[14]

(3) ما روي عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة في سيرة الرسول (ص) أ - استماع الني (ص) الغناء و... ! ب - الناس أعلم بأمور دنياهم ! ج - نسيان النبي (ص) آيات من القرآن الكريم ! د - من لعنه النبي (ص) وسبه. (4) روايات افتري بها على أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة أ - بدء نزول الوحي. ب - بدء الدعوة. ج - اسطورة الغرانيق. (5) قيام أم المؤمنين عائشة بتمحيص سنة الرسول (ص) واستدراكها على روايات الصحابة والتابعين 1 - أبي الدرداء 2 - أبي هريرة 3 - عروة بن الزبير 4 - عمر بن الخطاب 5 - عبد الله بن عمر 6 - عمرو بن العاص 7 - مروان بن الحكم 8 - كعب الاحبار وغيره

[15]

(6) أقوال المستشرقين واستفادتهم من الروايات الماضية أ - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة. ب - المستشرق ر. ف. بودلي في كتابه حياة محمد. ج - كارل بروكلمن في تاريخ الشعوب. د - ف. بوهل في دائرة المعارف الاسلامية. ه‍ - يوسف شاخت في دائرة المعارف الاسلامية.

[17]

الباب الأول بحوث تمهيدية أ - ما جرى في أمر رواية الحديث ب - نظرية عدالة جميع الصحابة وصحة جميع ما رووا ج - كثرة ما روي عن أم المؤمنين عائشة وأهميته

[19]

أ - ما جرى في أمر رواية الحديث صنف ابن الجوزي رواة الحديث الذين وقع في حديثهم الموضوع والكذب والمقلوب إلى خمسة أقسام، وقال عن القسم الثالث منهم: قوم تعمدوا الكذب الصريح لا لأنهم أخطأوا ولا لأنهم رووا عن كذاب، فتارة يكذبون في الاسانيد وتارة يسرقون الاحاديث وتارة يضعون أحاديث، وقسم هؤلاء الوضاعون إلى سبعة أقسام وقال عن القسم الثالث منهم ما موجزه: انهم قوم وضعوا الاحاديث في الترغيب والترهيب. ومضمون فعلهم أن الشريعة ناقصة نحتاج إلى تتمة فأتممناها ! وفي ما يأتي نورد أمثلة منها باذنه تعالى: كان غلام خليل يتزهد ويهجن شهوات الدنيا ويتقوت الباقلا تصوفا وغلقت اسواق بغداد يوم موته، وقيل له هذه الاحاديث تحدث بها من الرقائق فقال: " وضعناها لنرقق بها قلوب العامة ". وقالوا لميسرة بن عبد الله: من أين جئت بهذه الأحاديث: من قرأ كذا فله كذا ؟ قال: " وضعتها ارغب الناس فيها " وكان أطول الناس قياما بليل وأكثرهم صياما بنهار وكان يضع الحديث وضعا. قال ابن حبان: وكان أبو بشر أحمد بن محمد الفقيه المروزي من أصلب أهل زمانه في السنة وأذبهم عنها وأقمعهم لمن خالفها، وكان مع هذا يضع الحديث. قد وضع في فضائل قزوين نحو أربعين حديثا كان يقول: " إني أحتسب في ذلك ".

[20]

وقيل لأبي عصمة نوح بن أبي مريم المروزي: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس في فضائل القرآن سورة سورة وليس عند أصحاب عكرمة هذا ؟ فقال: " إني رأيت الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازي ابن إسحاق فوضعت هذا الحديث حسبة ". وقد حكى مؤمل بن إسماعيل أن رجلا وضع في فضائل القرآن حديثا طويلا. كان وهب بن حفص من الصالحين، مكث عشرين سنة لا يكلم أحدا. قال أبو عروبة: " وكان يكذب كذبا فاحشا ". وكان يحيى بن سعيد القطان يقول: ما رأيت الكذب في أحد أكثر منه في من ينسب إلى الخير والزهد (1). * * * كانت تلكم أمثلة من أخبار من وضع الحديث من أهل الخير تقربا إلى الله تعالى، ويسوغ لنا أن نعد من هذا الصنف ممن وضع الحديث تقربا إلى الله، وضع أخبار وكرامات لبعض الناس تقربا إلى الله كما نجد ذلك في ما جاء في كتاب الاحياء لابي حامد الغزالي. فمن كان الغزالي ؟ وما هي أخباره ؟ وماذا جاء في كتابه الاحياء ؟ أولا: أبو حامد الغزالي وأخباره: الشيخ أبو حامد محمد الطوسي الملقب بحجة الاسلام الغزالي نسبة إلى عمل أبيه في غزل الصوف، ولد بطوس سنة 450 ه‍. برع في علوم عصره وكان فقيه عصره على مذهب الشافعي، حتى قيل فيه هو الشافعي الثاني. ولاه الوزير نظام الملك تدريس مدرسة النظامية ببغداد فدرس فيها زمانا، ثم أناب أخاه أحمد في


(1) الموضوعات لابن الجوزي ج 1 / 40 - 41 ط. الأولى في المدينة المنورة 1386. (*)

[21]

التدريس بالنظامية، وسافر للحج وعاد إلى الشام سنة 488 ه‍، واعتكف في زاوية بالجامع الاموي، وصار يطوف المشاهد ويزور الترب ويأوي إلى القفار، وسافر إلى بغداد ثم إلى طوس وألف في هذا العهد كتابه " إحياء علوم الدين " وتوفي بطوس سنة 505 ه‍ (1). ثانيا: ما جاء في كتابه احياء علوم الدين: قال أبو حامد الغزالي في بيان علاج حب الجاه: ان أرباب الأحوال ربما يعالجون أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا اصلاح قلوبهم فيه ثم يتداركون ما فرط منهم فيه من صورة التقصير، كما فعل بعضهم، فانه عرف بالزهد وأقبل الناس عليه، فدخل حماما ولبس ثياب غيره وخرج، فوقف في الطريق حتى عرفوه فأخذوه وضربوه واستردوا منه الثياب وقالوا: انه طرار. وقال العلامة ابن الجوزي البكري الحنبلي (ت 597 ه‍) عن الغزالي في كتابه تلبيس ابليس في الرد على الصوفية: ولقد عجبت لأبي حامد الغزالي الفقيه كيف نزل مع القوم من رتبة الفقه إلى مذاهبهم حتى انه قال: لا ينبغي للمريد إذا تاقت نفسه إلى الجماع ان يأكل ويجامع فيعطي نفسه شهوتين (2) ؟ وقال ابو حامد: مما ينبغي أن لا يشغل المريد نفسه بالتزويج فانه يشغله عن السلوك ويانس بالزوجة، ومن أنس بغير الله شغل عن الله تعالى (3). وحكى عن أبي يزيد انه قال: دعوت نفسي إلى الله عزوجل فجمحت


(1) ترجمة الغزالي في مقدمة الجزء الأول من احياء علوم الدين ط. دار المعرفة - بيروت. ومن هذه الطبعة ننقل في ما يأتي من هذا البحث. (2) تلبيس ابليس ط. بيروت 1368 ه‍ ص 213. (3) تلبيس ابليس ص 295.

[22]

فعزمت عليها ان لا اشرب الماء سنة ولا اذوق النوم سنة فوفت لي بذلك (1). وقد حكى أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء قال: كان بعض الشيوخ في بداية إرادته يكسل عن القيام، فألزم نفسه القيام على رأسه طول الليل لتسمح نفسه بالقيام عن طوع، قال: وعالج بعضهم حب المال بأن باع جميع ماله ورماه في البحر. وعلق ابن الجوزي على هذا بقوله: أعجب من جميع هؤلاء عندي أبو حامد، كيف حكى هذه الأشياء ولا ينكرها ؟ وكيف ينكرها وقد أتى بها في معرض التعليم وقال قبل أن يورد هذه الحكايات: ينبغي للشيخ أن ينظر إلى حالة المبتدئ فان رأى معه مالا فاضلا عن قدر حاجته أخذه وصرفه في الخير وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وان رأى الكبرياء قد غلب عليه أمره أن يخرج إلى السوق للكد ويكلفه السؤال والمواظبة على ذلك، وان رأى الغالب عليه البطالة استخدمه في بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان، وان رأى شره الطعام غالبا عليه ألزمه الصوم، وان رآه عزبا ولم تنكسر شهوته بالصوم أمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء ويمنعه اللحم رأسا ؟ قلت: وأني لأتعجب من أبي حامد كيف يأمر بهذه الأشياء التي تخالف الشريعة ؟ وكيف مجل القيام على الرأس طول الليل فينعكس الدم إلى وجهه ويورثه ذلك مرضا شديدا ؟ وكيف يحل رمي المال في البحر ؟ وقد نهى رسول الله (ص) عن إضاعة المال. وهل يحل سب مسلم بلا سبب ؟ وهل يجوز للمسلم أن يستأجر على ذلك ؟ وكيف يجوز ركوب البحر زمان اضطرابه وذلك زمان قد سقط فيه الخطاب بأداء الحج ؟ وكيف يحل السؤال لمن يقدر أن يكتسب ؟


(1) تلبيس ابليس ص 210.

[23]

فما أرخص ما باع أبو حامد الغزالي الفقه بالتصوف (1) ؟ وقال: وقد قال أبو حامد الغزالي في كتاب الاحياء: مقصود الرياضة تفريغ القلب وليس ذلك إلا بخلوة في مكان مظلم وقال فان لم يكن مكان مظلم فيلف رأسه في جبته أو يتدثر بكساء أو أزار، ففي مثل هذه الحالة يسمع نداء الحق ويشاهد جلال حضرة الربوبية. وقال، قلت: انظر إلى هذه الترتيبات، والعجب كيف تصدر من فقيه عالم ؟ ومن أين له أن الذي يسمعه نداء الحق وأن الذي يشاهده جلال الربوبية ؟ وما يؤمنه أن يكون ما يجده من الوساوس والخيالات الفاسدة ؟ وهذا الظاهر ممن يستعمل التقلل في المطعم فإنه يغلب عليه الماليخوليا. وقد يسلم الانسان في مثل هذه الحالة من الوساوس إلا أنه إذا تغشى بثوبه وغمض عينيه تخايل هذه الأشياء - إلى قوله -: فإن أطرق الانسان وغمض عينيه جال الفكر والتخيل فيرى خيالات فيظنها ما ذكر من حضرة جلال الربوبية، إلى غير ذلك. نعوذ بالله من هذه الوساوس والخيالات الفاسدة (2). وقال: وقد ذكر أبو حامد الطوسي في كتاب الاحياء: ان بعضهم قال: للربوبية سر لو اظهر بطلت النبوة، وللنبوة سر لو كشف لبطل العلم، وللعلماء بالله سر لو اظهروه لبطلت الاحكام. قلت: فانظروا اخواني إلى هذا التخليط القبيح والادعاء على الشريعة ان ظاهرها يخالف باطنها (3). تال ابو حامد: ضاع لبعض الصوفية ولد صغير، فقيل له: لو سألت الله ان


(1) نفس المصدر السابق 3 / 288. (2) تلبيس ابليس ص 288 - 289. (3) ن. م.

[24]

يرده عليك، فقال: اعتراضي عليه في ما يقضي اشد علي من ذهاب ولدي (1). وحكى أبو حامد الغزالي عن ابن الكريني انه قال: نزلت في محلة فعرفت فيها بالصلاح فنشب في قلبي فدخلت الحمام وعينت على ثياب فاخرة فسرقتها ولبستها ثم لبست مرقعتي وخرجت فجعلت أمشي قليلا قليلا فلحقوني فنزعوا مرقعتي وأخذوا الثياب وصفعوني فصرت بعد ذلك أعرف بلص المحام فسكنت نفسي. قال أبو حامد: فهكذا كانوا يروضون أنفسهم حتى يخلصهم الله من النظر إلى الخلق ثم من النظر إلى النفس. وأرباب الأحوال ربما عالجوا أنفسهم بما لا يفتي به الفقيه مهما رأوا صلاح قلوبهم ثم يتداركون ما فرط منهم من صورة التقصير، كما فعل هذا في الحمام. قلت: سبحان من أخرج أبا حامد من دائرة الفقه بتصنيفه كتاب الاحياء، فليته لم يحك فيه مثل هذا الذي لا يحل. والعجب منه أنه يحكيه ويستحسنه ويسمي أصحابه أرباب أحوال، وأي حالة أقبح وأشد من حال من يخالف الشرع ويرى المصلحة في النهي عنه ؟ وكيف يجوز أن يطلب صلاح القلوب بفعل المعاصي.. ؟ وكيف يحل للمسلم أن يعرض نفسه لأن يقال عنه سارق ؟ وهل يجوز أن يقصد وهن دينه ومحو ذلك عند شهداء الله في الأرض ؟ ولو أن رجلا وقف مع امرأته في طريق يكلمها ويلصمها ليقول عنه من لا يعلم هذا فاسق لكان عاصيا بذلك. ثم كيف يجوز التصرف في مال الغير بغير إذنه ؟ ثم في نص مذهب أحمد والشافعي أن من سرق من الحمام ثيابا عليها حافظ وجب قطع يده. ثم من أرباب الأحوال حتى يعملوا بواقعاتهم ؟ كلا والله إن لنا شريعة لو رام أبو بكر الصديق أن يخرج عنها إلى العمل برأيه لم يقبل منه. فعجبي من هذا الفقيه المستلب


(1) تلبيس ابليس ص 339 - 340.

[25]

عن الفقه بالتصوف أكثر من تعجبي من هذا المستلب الثياب (1). وقال: وحكى أبو حامد: أن أبا تراب النخشي قال لمريد له: لو رأيت أبا يزيد مرة واحدة كان أنفع لك من رؤية الله سبعين مرة. قلت: وهذا فوق الجنون بدرجات (2). كان ذلكم بعض ما نقله ابن الجوزي من كتاب الاحياء، ونضيف إليها ما يأتي ونقول: ومن كمال عرفان الغزالي قوله في إحياء علوم الدين: فان قيل: هل يجوز لعن يزيد لانه قاتل الحسين أو آمر به ؟ قلنا: لم يثبت أصلا فلا يجوز أن يقال انه قتله أو أمر به ما لم يثبت فضلا عن اللعنة، لأنه لا تجوز نسبة مسلم إلى كبيرة من غير تحقيق. فان قيل: فهل يجوز أن يقال: قاتل الحسين لعنه الله ؟ أو الآمر بقتله لعنه الله ؟ قلنا: الصواب ان يقال: قاتل الحسين إن مات قبل التوبة لعنه الله، لأنه يحتمل ان يموت بعد التوبة. ومن كمال عرفانه أيضا انه روى حديثا على رسول الله (ص) لا أصل له وقال: وقد كان استغراقه بحب الله تعالى بحيث كان يجد احتراقه فيه إلى حد كان يخشى منه في بعض الاحوال ان يسري ذلك إلى قالبه فيهدمه. فلذلك كان يضرب بيده على فخذ عائشة احيانا ويقول: (كلميني يا عائشة) لتشغله بكلامها عن عظيم ما هو فيه لقصور طاقة قالبه عنه. وقال العلامة زين أبو الفضل عبد الرحيم بن الحسين العرفي (ت 806 ه‍) في تخريج ما في الاحياء من الاخبار: حديث: كان يضرب يده على فخذ عائشة


(1) تلبيس ابليس ص 355. (2) ن. م ص 354. وفيه بعض الاختلاف مع ما نقلناه من الاحياء.

[26]

أحيانا ويقول: (كلميني يا عائشة) لم أجد له أصلا (1). أقول: وأنا - أيضا - لم أجد له أصلا، والسبب في ذلك أنه لا أصل له، ولكن العلماء بعد الغزالي اعتمدوا على نقله ونسبوا هذا الحديث إلى رسول الله (ص) مثل المولى مهدي النراقي (ت 1209 ه‍) الذي اسند هذا الحديث إلى رسول الله (ص) في كتابه جامع السعادات وابنه الملا احمد النراقي (ت: 1245 ه‍) الذي نقل الحديث في كتابه معراج السعادة (2). وهكذا شحن الشيخ أبو حامد كتابه احياء علوم الدين بأمثال تلكم المفتريات والمختلقات وأخذ منه من أخذ من العلماء. ونحن لا نشك أن الغزالي كتب ما كتب في الاحياء من كل كذب وافتراء وتدليس احتسابا للخير وبقصد التقرب إلى الله في تربية السالكين إليه. ولا يمنعنا ذلك من أن ندرس ما روى ونقل خبرا بعد خبر ونبين زيفه ومخالفته للحق وأحكام الاسلام وعقائده. وكان الغزالي من أعاظم العلماء في عصره ومن أئمة أهل العرفان في دهره، وافترى بها على رسول الله (ص) وأصحابه وأئمة أهل بيته مما درسناه في سلسلة دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (صى). * * * كان ذلك شأن من تأول الخبر واجتهد ودون في كتب العرفان والسير والسلوك ما لا يوافق شرع الاسلام. وفي ما يأتي نستعين الله وندرس في البحوث الآتية ما روي عن الصحابة من حديث بعد دراسة ما قاله العلماء في شأن عدالة الصحابة.


(1) المصدر السابق ج 3 / 101 وبهامشه قول العلامة العرفي حول ما رواه الغزالي عن أم المؤمنين عائشة. (2) راجع مصادر النراقيين في " قيام الائمة بإحياء السنة "، 7 / 64 - 66.

[27]

ب - نظرية - عدالة جميع الصحابة وصحة جميع ما رووا الصحابي وعدالته في مدرسة الخلافة: ترى مدرسة الخلفاء أن الصحابي من لقي النبي (ص) مؤمنا به، ولو ساعة من نهار، ومات على الاسلام. وانه لم يبق بمكة والطائف أحد سنة عشر إلا أسلم وشهد مع النبي (ص) حجة الوداع. وأنه لم يبق في الأوس والخزرج أحد في آخر عهد النبي (ص) إلا دخل في الاسلام. وانهم (كانوا في الفتوح لا يؤمرون إلا الصحابة) وبهذه القاعدة عدوا جميعا في عداد الصحابة ممن برهنا في كتابنا: " خمسون ومائة صحابي مختلق " أنهم مختلقون ولم يكن لهم وجود في التاريخ. وترى أن جميع الصحابة عدول لا يتطرق إليهم الجرح، ومن انتقص أحدا منهم فهو من الزنادقة، ثم يلتزمون بصحة كل ما رواه من سمي في اصطلاحهم بالصحابي، ويأخذون من جميعهم معالم دينهم (1).


(1) الاصابة ج 1 / 10 - 18. (*)

[28]

الصحابي في مدرسة أهل البيت عليهم السلام: ترى مدرسة أهل البيت عليهم السلام أن لفظ الصحابي ليس مصطلحا شرعيا، وإنما شأنه شأن سائر مفردات اللغة العربية، و (الصاحب) في لغة العرب بمعنى الملازم والمعاشر ولا يقال إلا لمن كثرت ملازمته، والصحبة نسبة بين اثنين، ولذلك لا يستعمل الصاحب وجمعه الأصحاب والصحابة في الكلام إلا مضافا، كما ورد في القرآن الكريم: (يا صاحبي السجن) (يوسف / 39 و 41) و (أصحاب موسى) (الشعراء / 61). وكذلك كان يستعمل في عصر الرسول (ص) ويقال: صاحب رسول الله، واصحاب رسول الله، مضافا إلى رسول الله (ص) أو مضافا إلى غيره، مثل قولهم (أصحاب الصفة) لمن كانوا يسكنون صفة مسجد الرسول (ص) ثم استعمل الصحابي بعد رسول الله (ص) بلا مضاف إليه وقصد به أصحاب رسول الله (ص) وصار اسأ لهم، وعلى هذا فإن (الصحابي) و (الصحابة) من اصطلاح المتشرعة وتسمية المسلمين وليس اصطلاحا شرعيا. أما عدالتهم، فإن مدرسة أهل البيت ترى تبعا للقرآن الكريم، أن في الصحابة منافقين (مردوا على النفاق) (1) ورموا فراش رسول الله (ص) بالافك (2) وحاولوا اغتيال رسول الله (3) وأخبر عنهم الرسول (ص) أنهم يوم القيامة يختلجون دون رسول الله (ص) فينادي: أصيحابي أصيحابي، فيقال له:


(1) التوبة: 101. (2) النور: 11 - 17. (3) مسند أحمد 5 / 453، ومجمع الزوائد 1 / 110، ومغازي الواقدي 3 / 0 1042 وامتاع الاسماع للمقريزى ص 477، وتفسير الدر المنثور للسيوطي 3 / 258 - 259، كان ذلك في مصادر مدرسة الخلفاء وفي مدرسة أهل البيت: مجار الانوار: ج 28 / 97. (*)

[29]

إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم (1). وأن منهم مؤمنين أثنى الله عليهم والرسول (ص) في أحاديثه، وأنهم المقصودون في ما ورد من الثناء في القرآن والحديث، وقد عين النبي (ص) العلامة الفارقة بين المؤمن والمنافق: حب الامام علي وبغضه، كما رواه الامام علي (2) عليه السلام


(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة المائدة، باب: (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم فلما توفيتني) 3 / 86، وكتاب الأنبياء، باب: (واتخذ الله إبراهيم خليلا) 2 / 156، وكتاب الرقاق، باب: في الحوض، 4 / 95، وكتاب الفتن، باب: ما جاء في قول الله تعالى: (وأتقوا فتنة لا تصيبن...) الأنفال / 25، 4 / 147، والترمذي، أبواب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شأن الحشر 9 / 256، وابن ماجة، كتاب المناسك، باب: الخطبة يوم النحر، ح 3057، 2 / 1016. وراجع: مسند أحمد ج 1 / 453 وج 3 / 28 وج 5 / 48. وصحيح مسلم، ط. دار احياء التراث العربي ببيروت، تخقيق محمد فؤاد عبد الباقي سنة 1972، كتاب الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا، ج 4 / 1800 ح 40. (2) الامام علي بن أبي طالب بن عبد المطلب، ابن عم الرسول (ص): ولد في جوف الكعبة، كما رواه الحاكم في المستدرك ج 3 / 483، والمالكي في الفصول المهمة. وابن المغازلي الشافعي (ت: 483 ه‍) في المناقب، ح 3 ص 7. والشبلنجي في نور الأبصار ص 96. وكانت ولادته في 13 رجب سنه ثلاثين من عام الفيل. ربايعه المهاجرون والأنصار سنة 35 ه‍. وضربه ابن ملجم المرادي ليلة التاسعة عشرة من شهر رمضان سنة 40 للهجرة في محراب مسجد الكوفة، وتوفي في يوم 21 منه. روى عنه أصحاب الصحاح 536 حديثا. راجع: ترجمته في الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة وص 276 من جوامع السيرة. وروايته في المنافقين في صحيح مسلم ج 1 / 61، باب: الدليل على أن حب الأنصار وعلي من الايمان وبغضهم من علامات النفاق. وصحيح الترمذي ج 13 / 177، باب: مناقب علي. وسنن ابن ماجة الباب الهادي عشر من مقدمته. وسنن النساني ج 2 / 271، باب: علامة المؤمن وباب: علامة المنافق كتاب الايمان وشرائعه وخصائص النسائي ص 38. ومسند أحمد ج 1 / 84 و 95 و 128. وتاريخ بغداد ج 2 / 255 وج 8 / 417، وج 16 / 426. وحلية الأولياء لأبي نعيم ج 4 / 185 وقال: حديث صحيح متفق عليه. وتاريخ الاسلام للذهبي ج 2 / 198. وتاريخ ابن كثير ج 7 / 354، وبترجمته في كل من =

[30]

وأم المؤمنين أم سلمة (1) وعبد الله بن عباس (2) وأبو ذر الغفاري (3) وأنس بن مالك (4) وعمران بن حصين (15) ومن ثم فإنهم ينظرون في حال الراوي، فإن كان =


الاستيعاب ج 2 / 461 وأسد الغابة ج 4 / 292. وكنز العمال ج 15 / 105. والرياض النضرة ج 2 / 284. والمناقب لابن المغازلي، ص 190 ح 225. (1) أم سلمة هند ابنة أبي أمية بن المغيرة القرشي المخزومي، كانت قبل رسول الله (ص) عند أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي، أسلما قديما وهاجرا إلى الحبشة ثم إلى المدينة، ولما جرح بأحد وتوفي سنه ثلاث من الهجرة، تزوجها رسول الله (ص) وكانت مصبية، وتوفيت بعد قتل الحسين سنة إحدى وستين. روى عنها أصحاب الصحاح 378 حديثا. راجع ترجمتها وترجمة زوجها بأسد الغابة، وجوامع السيرة، ص 276، وتقريب التهذيب ج 2 / 617. وحديثها في شأن المنافقين في سنن الترمذي ج 13 / 168. ومسند أحمد ج 6 / 292. والاستيعاب ج 2 / 460، بطرق متعددة. وتاريخ ابن كثير ج 7 / 354. وكنز العمال 6 / 158 ط. الأولى. (2) عبد الله بن العباس عم النبي ابن عبد المطلب، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي سنة ثمان وستين بالطائف، وروى عنه أصحاب الصحاح 1660 حديثا. ترجمته بأسد الغابة والاصابة وجوامع السيرة ص 276. (3) أبو ذر جندب أو بريد بن جنادة أو عبد الله أو السكن أو غير ذلك، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، فشهد ما بعد بدر من غزوات رسول الله. توفي منفيا بالربذة سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة. روى عنه أصحاب الصحاح 281 حديثا. ترجمته في التقريب ج 2 / 420. وجوامع السيرة ص 277. والجزء الثاني من عبد الله بن سبأ. (4) أنس بن مالك بن النضر الانصاري الخزرجي، روى هو أنه خدم النبي عشر سنين، كان يخلق ذراعيه بخلوق للمعة بياض كانت به، وكان ذلك من دعاء الامام علي عليه لكتمانه الشهادة محديث الغدير أن يضربه الله بيضاء لا تواريها العمامة، أشار إليه في الاعلاق النفيسة ص 122، وتفصيله بشرح نهج البلاغة ج 4 / 388، وتوفي في البصرة بعد التسعين. روى عنه أصحاب الصحاح 2286 حديثا. ترجمته بأسد الغابة. والتقريب. وجوامع السيرة ص 274. وروايته في شأن المنافقين بكنز العمال ج 7 / 140 ط. الأولى. (5) أبو نجيد عمران بن حصين الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، وصحب الرسول (ص) وقضى بالكوفة، وتوفي بالبصرة سنة 52. روى عنه أصحاب الصحاح 180 حديثا. =

[31]

ممن قاتل الامام عليا أو الأئمة من أهل البيت عليهم السلام وعاداهم فإنهم لا يلتمزون بأخذ ما يروي أمثال هؤلاء، صحابيا كان أو غير صحابي. =


وروايته بشأن المنافقين بكنز العمال ج 7 / 140 ط. الأولى. ترجمته في التقريب ج 2 / 72 وجوامع السيرة ص 277.

[32]

ج - كثرة ما روي عن أم المؤمنين عائشة وأهميته أولا: كثرة ما روي عن أم المؤمنين عائشة: رووا عن أم المؤمنين عائشة - وحدها - عن النبي (ص) 2210 حديثا، وعن سائر أمهات المؤمنين الثمان 612 حديثا (1)، ولها في مسند أحمد وحده أكثر من 2270 حديثا بما فيها المكرر ولسائر امهات المؤمنين 427 حديثا (2) وقد اشتمل كتاب البخاري ومسلم على 1200 حديث في الاحكام، وفي الكتابين نيف وتسعون ومائتا حديث عن أم المؤمنين عائشة، ولم يخرج من الاحكام منها إلا يسيرا ومن ثم قالوا: حمل منها ربع الشريعة (3). ومن هذا يظهر الفرق جليا بين أحاديثها وأحاديث غيرها من المكثرين كأبي هريرة - مثلا - فانهم ما كانوا يأخذون بكل حديث أبي هريرة إلا ما كان حديث صفة جنة أو نار أو حث على عمل أو نهي عن شر جاء في القرآن (4). وفي ما يأتي خلاصة عن أحاديث أمهات المؤمنين استخرجناها من مسند


(1) جوامع السيرة لابن حزم ص 276 - 279 و 285 و 287 و 289. (2) احصيناها عن الطبعة الاولى من مسند أحمد وفي احاديث المسند بعض التكرار. (3) الاجابة ص 62 - 63. (4) راجع: ابن كثير ج 8 / 109.

[33]

أحمد وجوامع السيرة: 1 - أم سلمة: لها في مسند أحمد 277 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 378 حديثا. 2 - ميمونة: لها في مسند أحمد 62 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 76 حديثا. 3 - حفصة: طا في مسند أحمد 44 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 60 حديثا. 4 - أم حبيبة: لها في مسند أحمد 27 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 65 حديثا. 5 - صفية: لها في مسند أحمد 9 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 10 أحاديث. 6 - زينب: لها في مسند أحمد 4 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 11 حديثا. 7 - جويرية: لما في مسند أحمد 4 أحاديث، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 7 أحاديث. 8 - سودة: لم يخرج لها في المسند، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 5 أحاديث. فيكون مجموع احاديثهن في مسند أحمد 427 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 612 حديثا. أما أحاديث عائشة وحدها فهي في مسند أحمد 2270 حديثا، ومجموع أحاديثها في جوامع السيرة 2210 حديثا.

[34]

ثانيا: أهمية أحاديث أم المؤمنين عائشة: قال أبو موسى: ما أشكل علينا أمر فسالنا عنه عائشة إلا وجدنا عندها فيه علما (1). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: ما رأيت أحدا اعلم بسنن رسول الله (ص) ولا أفقه في رأي إن احتيج إلى رأيه ولا أعلم بآية فيما نزلت ولا فريضة، من عائشة (2). قال مسروق: رأيت مشيخة أصحاب رسول الله الأكابر يسألونها عن الفرائض (3) ويعني بالمشيخة الأكابر من ذكره محمود بن لبيد في حديث له (4) قال فيه: وكان الأكابر من أصحاب رسول الله (ص) عمر وعثمان بعده يرسلان إليها فيسألانها عن السنن. وقال قاسم (5): " كانت عائشة قد استقلت بالفتوى في خلافة أبي بكر وعمر وعثمان وهلم جرا إلى ان ماتت يرحمها الله ". وقد روى عنها من الصحابة خاصة أبوها أبو بكر والخليفة عمر وابنه عبد الله وابن عباس وأبو موسى الأشعري وعمرو بن العاص وربيعة بن عمرو الجريشي والسائب بن يزيد وزيد بن خالد الجهني وعبد الله بن عامر بن ربيعة وعبد الله بن الحارث بن نوفل وصفية بنت شيبة. وروى عنها من التابعين خلق


(1 و 2) طبقات ابن سعد ج 2 / 375 وج 4 / 345 بترجمتها من الاصابة، والاجابة ص 61. (3) طبقات ابن سعد ج 2 / 375 وبترجمتها في الاصابة ج 4 / 345. (4) طبقات ابن سعد ج 2 / 375. (5) نفس المصدر.

[35]

كثير (1). وكان ابن الزبير إذا حدث عن عائشة قال: والله لا تكذب عائشة على رسول الله (ص) ابدا (2). وكان مسروق إذا حدث عنها قال: " حدثتني الصديقة بنت الصديق حبيبة حبيب الله المبرأة من كل عيب " (3). سجلها ابن حزم في مقدمة أصحاب الفتيا من الصحابة الذين كتبهم على مراتبهم في كثرة الفتيا (4). فكيف أصبحت أكثر الصحابة افتاء بما في ذلك الصحابة الخلفاء الذين كان المسلمون يرجعون إليهم في شؤونهم ؟ وكيف بلغ مجموع أحاديث أزواج الرسول الثمان 612 حديثا، وبلغ أحاديثها وحدها 2210 حديثا ؟ وقد دخلت بيت الرسول (ص) في السنة الثانية من الهجرة ولم تتجاوز العام العاشر من عمرها وهي طفلة صغيرة تلعب باللعب، وتوفيت في السنة الثامنة أو التاسعة والخمسين من الهجرة. ودخلته أم سلمة أيضا في السنة الثانية وهي امرأة كبيرة ايمة، ثم عاشت بعد عائشة ثلاث سنين حيث توفيت في السنة الثانية والستين أو الثالثة والستين من الهجرة. والفرق بين أحاديثهما كبير، وكيف كانت لا تسأل عن أمر إلا وعندها علم منه ؟ ألا ينبغي لأحاديث بلغت من الكثرة والأهمية ما بلغته أحاديث أم المؤمنين عائشة ان تعنى بدراستها عناية خاصة ؟ أما أصحاب الحديث الذين


(1) پ راجع: الاجابة ص 41 وقد عد تسعين من التابعين الذين رووا عنها. (2) بترجمتها في طبقات ابن سعد ج 8 / 69. (3) طبقات ابن سعد ج 8 / 16 بترجمة عائشة والاجابة ص 42. (4) جوامع السيرة لابن حزم ص 319.

[36]

كانوا يدرسون الرواة وأحاديثهم فانهم أحجموا عن ذلك ! الصحابة يسمع الحديث بعضهم عن بعض ثم يسنده إلى رسول الله (ص) ويرويه عنه: أخرج أحمد في مسنده عن حبيب بن عبيد الرحبي أن أبا امامة (1) دخل على خالد بن يزيد فالقى له وسادة فظن أبو أمامة انها حرير فتنحى يمشي القهقرى حتى بلغ آخر السماط وخالد يكلم رجلا ثم التفت إلى أبي امامة فقال له: يا أخي ما ظننت انها حرير، قال أبو أمامة، قال رسول الله (ص): " لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله " فقال له خالد: يا أبا امامة أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) ؟ فقال: اللهم غفرا، أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) ! بل كنا في قوم ما كذبونا ولا كذبنا (2). وقد أخبروا أن جمعا من الصحابة رووا عن عائشة ولم يذكروا أنها روت من أحد شيئا. ووجدنا أم المؤمنين عائشة أميرة متبوعة لا مأمورة تابعة، سواء في ميادين الهرب أو في مجالات السلم، وسواء كانت معارضة للحكم أو مؤيدة له، وكذلك كانت أم المؤمنين في سائر نواحي حياتها تحدث عن النبي (ص) وكثير من الصحابة كانوا يأخذون عنها ويرجعون إليها، وأحيانا كانوا يروون عن


(1) أبو أمامة الباهلي اسمه صدي بن عجلان واختلفوا في نسبه إلى باهلة - سكن مصر ثم انتقل منها إلى حمص فسكنها ومات بها سنة 81 أو 86 وكان من المكثرين في الرواية عن رسول الله (ص) وأكثر حديثه عند الشاميين الاستيعاب ج 2 / 620 الرقم 3. (2) مسند أحمد ج 5 / 267.

[37]

النبي (ص) بلا ذكر واسطة ما كانوا قد سمعوه عنه بواسطة، فإذا وجدنا الحديث ترويه عائشة ويرويه غيرها فنجزم بانها لم تكن تأخذ من غيرها في الرواية ولابد أن يكون غيرها قد أخذ الرواية عنها ولم يذكر اسمها ونسبها إلى الرسول (ص).

[39]

الباب الثاني ما روي عن أم المؤمنين عائشة خاصة أ - في سيرة النبي (ص) معها ب - في خبر التحريم والتخبير ج - في خبر المسابقة والتيمم والافك د - في خبر وفاة الرسول (ص) ه‍ - في خبر ما بعد وفاة الرسول (ص)

[41]

أ - في سيره النبي (ص) معها أولا - رآها النبي (ص) في المنام قبل أن يتزوجها في صحيح البخاري وغيره واللفظ للبخاري عن عائشة (رض) قالت: قال لي رسول الله (ص): " رأيتك في المنام يجئ بك الملك في سرقة من حرير فقال لي: هذه امرأتك فكشفت عن وجهك الثوب فإذا أنت هي فقلت: إن يك هذا من عند الله يمضه ". وفي صحيح مسلم: " ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير " (1). وفي صحيح الترمذي: عن عائشة أن جبرائيل جاء بصورتها في خرقة حرير خضراء إلى النبي (ص) فقال: إن هذه زوجتك في الدنيا وألاخرة (2).


(1) صحيح البخاري ج 3 / 165 كتاب النكاح (باب النظر إلى المرأة قبل التزويج) و 3 / 160 (باب نكاح الابكار)، وكناب تعبير الرؤيا (باب كشف المرأة في المنام) وصحيح مسلم ج 4 / 1889 كتاب فضائل الصحابة، ومسند أحمد ج 6 / 41 و 128 و 161، وفي كتاب الاجابة ص 52 - 53، وكذلك بترجمتها في طبقات ابن سعد ج 8 / 64. وسيرة ابن اسحاق ص 239. (2) الترمذي كتاب المناقب ج 13 / 256، والاستيعاب ج 2 / 744، وأسد الغابة =

[42]

هذه أصل الرواية وقد رواها جمع من المحدثين من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وسائر الموسوعات الحديثية عن أم المؤمنين وحدها. وكان شأن هذه الرواية شأن غيرها من الروايات اللاتي يعجب بها المنقبيون فيوسعونها. فقد رووا عن أبي هريرة انه قال: " ان طول تلك الخرقة ذراعان وعرضها شبر " (1). وعن حبيب مولى عروة بن الزبير انه قال: " لما ماتت خديجة حزن عليها النبي (ص) فأتاه جبريل بعائشة في مهد، فقال: هذه تذهب ببعض حزنك وان فيها لخلفا عن خديجة " (2). قال الزركشي تعليقا على الحديث: " فيحتمل انها عرضت عليه مرتين لما يدل عليه اختلاف الحال ويشهد له رواية البخاري مرتين " (3). واستفادوا من هذا الحديث حكما شرعيا، قال الزركشي - ايضا -: " وقد أدخله البخاري في باب النظر إلى المرأة إذا أراد تزويجها، قال بعضهم: وهو استدلال صحيح لأن فعل النبي (ص) في النوم واليقظة سواء وقد كشف عن وجهها ". هذا بعض ما قالوه حول هذه الروايات فما الغاية من روايتها ؟ =


ج 7 / 179، والمستدرك للحاكم وتلخيصه للذهبي ج 4 / 9 وفي كنز العمال ج 13 / 119 ط. حيدر آباد سنة 1385 ه‍، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 117. (1 و 2) الاجابة للزركشي ص 53، وروى - أيضا - غير هذه الاحاديث في هذا الباب. (3) الاجابة ص 53.

[43]

الغاية من رواية الاحاديث السابقة: لعل الهدف من نشر الروايات السابقة معارضة أم المؤمنين زينب في ما كانت تفخر به على سائر أمهات المؤمنين، فقد كان في قصة زواجها للنبي (ص) مدعاة فخر لما ولقبيلتها بني اسد كما ذكروا في قصتها وقالوا: كانت زينب بنت جحش ممن هاجر مع رسول الله (ص) إلى المدينة وكانت امرأة جميلة فخطبها رسول الله (ص) على زيد بن حارثة وقالت: يا رسول الله لا أرضاه لنفسي وأنا اجم (1) قريش. قال: " فاني قد رضيته لك " فزوجها زيد بن حارثة وكان مولى رسول الله (ص) وقد تبناه، فتزوجت زيدا على كره منها حتى جاء زيد إلى رسول الله (ص) يشتكيها. وروى قصتها مولاها مذكور عنها انها قالت: " خطبني عدة من قريش فارسلت اختي حمنة إلى رسول الله (ص) استشيره، فقال لها رسول الله (ص): " أين هي ممن يعلمها كتاب ربها وسنة نبيها (ص) ؟ ". قالت: ومن هو يا رسول الله ؟ قال: " زيد بن حارثة ". قالت: فغضبت حمنة غضبا شديدا فقالت: يا رسول الله اتزوج ابنة عمتك مولاك ؟ ! قالت: وجاءتني فأعلمتني فغضبت أشد من غضبها فقلت أشد من قولها


(1) الايم المرأة أو الرجل لا زوج لها أو له.

[44]

فأنزل الله عزوجل: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا) الآية، قالت: فأرسلت إلى رسول الله (ص) فقلت: اني استغفر الله واطيع الله ورسوله، افعل يا رسول الله ما رأيت. فزوجني رسول الله (صى) زيدا فكنت أزرأ عليه فشكاني إلى رسول الله (ص) فعاتبني رسول الله (ص) ثم عدت فأخذته بلساني فشكاني إلى رسول الله (ص). فقال رسول الله (ص): " امسك عليك زوجك واتق الله " فقال: أنا أطلقها، قالت: فطلقني... " (1). وروى أنس بن مالك (2) وقال: " لما انقضت عدة زينب بنت جحش قال رسول الله (ص) لزيد بن حارثة: " اذهب فاذكرني طا " - قال زيد -: فلما قال ذلك رسول الله (ص) عظمت في نفسي فذهبت إليها فجعلت ظهري إلى الباب فقلت: يا زينب بعث رسول الله (ص) يذكرك فقالت: ما كنت لاحدث شيئا حتى اؤامر ربي عزوجل، فقامت إلى مسجدها فأنزل الله عزوجل هذه الآية: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها) فجعل رسول الله (ص) يدخل عليها بغير اذن ". وفي رواية مذكور السابقة بعد قوطها: " فطلقني ": " فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله (ص) قد دخل علي بيتي وانا مكشوفة الشعر فعلمت انه أمر من السماء فقلت: يا رسول الله بلا خطبة ولا اشهاد ؟ فقال: الله زوج وجبريل الشاهد ". ويذكر الرواة ان نزول الوحي على رسول الله (ص) بشأنها كان في بيت


(1) في ترجمتها من حلية الاولياء لابي نعيم ج 2 / 52. (2) حلية الاولياء ج 2 / 52.

[45]

عائشة كها روى ابن سعد في طبقاته وقال: " بينا رسول الله (ص) جالس يتحدث مع عائشة أوحى الله إليه في زينب: (واذ تقول للذي انعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك) الآية، قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها، وأخرى هي أعظم الامور واشرفها ما صنع لها، زوجها الله من السماء وقلت: هي تفخر علينا بهذا " (1). وقالت أم المؤمنين عائشة - أيضا -: " لم يكن أحد من نساء النبي (ص) تساميني في حسن المنزلة عنده غير زينب بنت جحش، وكانت تفخر على نساء النبي (ص) فتقول: ان اباءكن أنكحوكن وان الله أنكحني اياه من فوق سبع سماوات " (2). واخبرت أم سلمة عن ذلك كما رواه - أيضا - ابن سعد في طبقاته (3) عن أم سلمة انها ذكرت زينب بنت جحش فترحمت عليها وذكرت بعض ما كان يكون بينها وبين عائشة، فقالت زينب: اني والله ما انا كأحد من نساء رسول الله (ص) انهن زوجهن بالمهور وزوجهن الاولياء وزوجني الله رسوله، " وانزل في الكتاب يقرأ به المسلمون لا يبدل ولا يغير: (واذ تقول للذي انعم الله عليه وأنعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخمشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا تضوا منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا) [الاحزاب: 37].


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 102 ومستدرك الحاكم ج 4 / 24. (2) بترجمة زينب من الاستيعاب وقريب منه بترجمتها من حلية الاولياء ج 2 / 53. (3) بترجمة زينب من طبقات ابن سعد ج 8 / 103.

[46]

لم يقتصر الامر على مفاخرة زينب أم المؤمنين عائشة داخل بيوت أزواج النبي (ص) وانما تعداه إلى الخارج، فقد روى ابن سعد - ايضا - في طبقاته " ان رجلا من بني اصمد فاخر رجلا، فقال الأسدي: هل منكم امرأة زوجها الله من فوق سبع سماوات ؟ يعني زينب بنت جحش " (1). كان هذا التفاخر ينافي ما مر علينا في الجزء ا الأول من اقتضاء سياسة الخلفاء إلى السنة السادسة من عهد الخليفة عثمان تفضيل أم المؤمنين عائشة على جميع المسلمين بما فيهم امهات المؤمنين وقيامهم بذلك على احسن وجه، فقد فضلت في العطاء على جميع المسلمين بما فيهم امهات المؤمنين وارجعوا إليها في الفتيا من بين الصحابة وسائر امهات المؤمنين، إلى غير ذلك مما ذكرناه في بابه من الجزء الأول. كان لا بد من علاج لهذا التفاخر الذي يخالف سياسة الخلافة القائمة، وكان علاجه نشر أمثال تلكم الأحاديث، وبعد رواية تلكم الأحاديث ان كانت أم المؤمنين زينب تفخر على نساء النبي (ص) بنزول آيات في شأنها يقرأها المسلمون، وان كانت بنو أسد تفخر بزواج زينب من فوق سبع سماوات، فلام المؤمنين عائشة ان تفخر بقصة صورتها في سرقة من حرير وللبكريين - أيضا - أن يفخروا بهذه القصة بعد أن انتشر هذا الروايات في المجتمع الاسلامي. نجحت الدعاية وانتشر هذا الخبر وجعله الزركشي من خصائص أم المؤمنين عائشة (رض) وقال: الثانية والاربعين: ان الله تعالى اختارها لرسوله. ونقل عن فتوح الفتوح لابن الجوزي في جواب افتخارها على عائشة: " يا زينب لقد صدقت ولقد شاركتك عائشة في ان الله تعالى بعث صورتها


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 103.

[47]

في سرقة من حرير مع جبريل فجلاها، فقال: " هذه زوجتك " فهذا تزويج مطوي في سر القدر ظهر أثره يوم عقد العقد غير ان عائشة كانت من اختيار الله لرسوله (ص)، وكنت يا زينب من اختيار الرسول (ص) لنفسه " (1). * * * هكذا نجحت السياسة ونشرت فضيلة للمقربين إليها في قبال كل فضيلة رويت لغيرهم حتى في قبال ما جاء في القرآن الكريم ورواه السلف للخلف جيلا بعد جيل، وتمسك بها بعض أبناء الامة الاسلامية ممن كان يلتزم بكل ما يقرره الحكام والتبس الأمر على كثير من المسلمين، وتعسر عليهم معرفة الحق من سيرة الرسول (ص) وتاريخ أصحابه حتى يومنا الحاضر، ولا بد لنا من تدارسها لمعرفة الصواب منها.


(1) الاجابة للزركشي ص 76.

[48]

ثانيا - روايات الخطبة والمؤاخاة حديث الخطبة: في الاصابة عن عائشة قالت: لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم بن الأوقص امرأة عثمان بن مظعون وذلك بمكة: أي رسول الله ! ألا تزوج، قال: من ؟ قالت: ان شئت بكرا وان شئت ثيبا، قال: فن البكر ؟ قالت: بنت احب خلق الله اليك عائشة بنت أبي بكر، قال: ومن الثيب ؟ قالت: سودة بنت زمعة آمنت بك واتبعتك، قال: فاذهبي فاذكريهما علي، فجاءت فدخلت بيت أبي بكر فوجدت أم رومان فقالت: ما ادخل الله عليكم من الخير والبركة ! قالت: وما ذاك ؟ قالت أرسلني رسول الله (ص) أخطب عليه عائشة، قالت: وددت، انتظري أبا بكر فجاء أبو بكر فذكرت له فقال: وهل تصلح له وهي بنت أخيه، فرجعت فذكرت ذلك للني (ص) قال: قولي له: أنت أخي في الاسلام وابنتك تحل لي فجاء فأنكحه... الحديث (1).


(1) في الاصابة ج 4 / 348 - 349 الرقم 7 0 4 وهذا سياقه: واخرج ابن ابي عاصم من طريق يحيى القطان عن محمد بن عمرو وعن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن عائشة: (قالت لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم) الحديث. وفي مسند أحمد ج 6 / 210 عن يحيى بن عبد الرحمن وأبي سلمة مرسلا باسقاط اسم عائشة من السند، وجاء في اثناء الحديث هكذا: (قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا... قالت: فجاء رسول الله (ص)... فجاءتني... أمي...) مما يدل على ان الرواية مروية عن ام المؤمنين وان اسقط اسمها عن السند.

[49]

نرئ ان غاية الدعاية في نشر الحديث السابق معارضة الخبر الذي روته أسماء بنت عميس، قالت: كنت في زفاف فاطمة بنت رسول الله (ص) فلما أصبحنا جاء النبي (ص) إلى الباب فقال: يا أم أيمن ادعي لي أخي فقالت: هو أخوك وتنكحه، قال: نعم يا أم أيمن، فجاء علي فنضح النبي (ص) عليه من الماء ودعا له، ثم قال: ادعي لي فاطمة، قالت: فجاءت تعثر من الحياء فقال لها رسول الله (ص): اسكني فقد أنكحتك أحب أهل بيتي إلي، قالت: ونضح النبي (ص) عليها من الماء، ثم رجع رسول الله (ص) فرأى سوادا بين يديه، فقال: من هذا ؟ فقلت: أنا أسماء، قال: أسماء بنت عميس ؟ قلت: نعم، قال: جئت في زفاف ابنة رسول الله ؟ قلت: نعم، فدعا لي (1). وغاية الدعاية من نشر حديث أم المؤمنين عائشة السابق وحديثها الذي جاء في الكنز أن الرسول (ص) قال: " أبو بكر مني وأنا منه وأبو بكر أخي في الدنيا والاخر " (2) هي إثبات مؤاخاة النبي (ص) لابي بكر، ومعارضة الأحاديث الواردة في مؤاخاة النبي (ص) لعلي الآتي بيانها بإذنه تعالى. مؤاخاة الرسول اص) لابن عمه: آخى النبي (ص) ابن عمه عليا أكثر من مرة، وكانت الأولى منها في بدء الدعوة بمكة عندما نزلت عليه: (وأنذر عشيرتك الأقربين)، دعا بني عبد


(1) المستدرك للحاكم ج 3 / 159 وتلخيصه نرى ان في الحديث تصحيفا في الاسم فإن الصحيح سلمى بنت عميس زوجة حمزة سيد الشهداء أخت أسماء بنت عميس، وكن عشر أخوات لام، وكانت أسماء بنت عميس يومذاك مهاجرة مع زوجها جعفر الطيار إلى الحبشة، راجع ترجمة أسماء وسلمى ابنتي عميس في أسد الغابة. (2) كنز العمال ج 12 / 157 الحديث 790 (مر عن عائشة) ط. حيدر آباد سنة 1364 ه‍.

[50]

المطلب وقال في حديثه لهم: (قد أمرني الله تعاك أن أدعوكم إليه فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي...) الحديث. وكانت الثانية والثالثة في المدينة (1). وروى خبر الثانية أبو عمر باختصار في الاستيعاب وقال: آخى رسول الله (ص) بين المهاجرين ثم آخى بين المهاجرين والانصار وقال في كل واحدة منهما لعلي: انت أخي في الدنيا والآخرة وآخى بينه وبين نفسه (2). وروى تفصيلها ابن هشام صاحب السيرة وقال: قال ابن اسحاق: وآخى رسول الله (ص) بين أصحابه من المهاجرين والانصار فقال فيما بلغنا ونعوذ بالله ان نقول عليه ما لم يقال: " تأخوا في الله اخوين اخوين " ثم اخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: " هذا أخي " فكان رسول الله (ص) سيد المرسلين... وعلي بن أبي طالب أخوين (3). وكان حمزة... وزيد بن حارثة مولى رسول الله (ص) أخوين وإليه اوصى حمزة يوم احد حين حضره القتال إن حدث به حادث الموت.


(1) اخرجه الطبري في ج 2 / 217 ط. المطبعة المحسنية المصرية وج 1 / 1171 - 1172 ط. أوربا، وابن الاثير في ج 2 / 22 وابن كثير ج 3 / 40، وابو الفداء ج 1 / 216، واحمد ج 1 / 159، وابن سعد ج 1 / 187، وراجع: كنز العمال ج 12 / 200 و 203، ومستدرك الحاكم ج 3 / 133 والاصابة ج 1 / 209 ويأتي تفصيل خبرها في روايات بدء الدعوة ان شاء الله تعالى. ومن التفاسير في تفسير الاية من سورة الشعراء كل من الطبري 19 / 74 - 75 والسيوطي 5 / 95 - 97. (2) الاستيعاب بترجمة علي ص 460. (3) سيرة ابن هشام ج 2 / 124.

[51]

وكان أبو بكر الصديق ابن أبي قحافة وخارجة بن زيد أخوين، وعمر وعتبان اخوين. وبلال مولى أبي بكر.. وأبو رويحة... أخوين - إلى قوله -: فهؤلاء من سمي لنا ممن كان رسول الله (ص) آخى بينهم، فلما دون عمر بن الخطاب - الدواوين بالشام، وكان بلال قد خرج إلى الشام فاقام بها مجاهدا، فقال عمر لبلال: إلى من نجعل ديوانك يا بلال ؟ قال مع أبي رويحة لا افارقه ابدا للاخوة التي كان رسول الله (ص) عقد بينه وبيني، فضم إليه وضم ديوان الحبشة إلى خثعم، لمكان بلال منهم، فهو في خثعم إلى هذا اليوم بالشام (1). وخبر الثالثة منها عندما تخاصم علي وزيد وجعفر في الولاية على ابنة حمزة فقال الرسول لزيد: " أنت مولاي ومولاها " وقال لعلي: " أنت أخي وصاحبي " وقال لجعفر: " اشبهت خلقي وخلقي... " (2). وقال في غير هذا: " اللهم اشهد قد بلغت هذا أخي وابن عمي وصهري وأبو ولدي... " (3) الحديث. وجاء خبر المؤاخاة في أحاديث كثيرة غير ما ذكرناها (4): مثل ما رواه ابن عمر وقال: ان رسول الله (ص) آخى بين أصحابه فآخى بين أبي بكر وعمر وبين طلحة والزبير وبين عثمان وعبد الرحمن بن عوف فقال


(1) أخرجه ابن هشام في ج 2 / 123 - 127 وابن كثير ج 3 / 226 وأخرج مختصر المؤاخاة ابن القيم في زاد المعاد ج 2 / 63. (2) مسند أحمد في ج 1 / 230 والاستيعاب ص 460 بترجمة علي (ع)، وامتاع الاسماع ص 340. (3) منتخب الكنز بهامش مسند احمد ج 5 / 32. (4) راجع: تاريخ الخطيب ج 12 / 268 واسد الغابة ج 4 / 91 الترجمة رقم 3783 وابن كثير ج 7 / 335 والاصابة ص 501 بترجمة علي، والترمذي في مناقب علي من كتاب المناقب ج 12 / 170 وتذكرة خواص الامة ص 15.

[52]

علي: يا رسول الله انك قد آخيت بين اصحابك فمن أخي ؟ قال رسول الله (ص): أما ترضى يا علي أن أكون اخاك ؟ قال ابن عمر: وكان علي عليه السلام جلدا شجاعا فقال علي: بلى يا رسول الله ! فقال رسول الله (ص): أنت أخي في الدنيا والآخرة (1). وكان علي يباهي بهذه المؤاخاة كها ناشد أصحاب الشورى فيما روى ابن عبد البر (2) عن أبي الطفيل قال: لما احتضر عمر جعلها شورى بين علي وعثمان... فقال لهم علي: أنشدكم الله هل فيكم احد آخى رسول الله (ص) بينه وبينه إذ آخى بين المسلمين غيري ؟ قالوا: اللهم لا. وكان يقول: " أنا عبد الله وأخو رسوله لا يقولها بعدي إلا كذاب " (3). هذه الاحاديث في مؤاخاة النبي (ص) لعلي مشهورة ومنتشرة حتى أن بعضهم - كابن كثير في تاريخه - عقد بابا في هذه المؤاخاة، غير أن خصوم علي استطاعوا أن يعارضوا هذه الآحاديث بحديث أم المؤمنين عائشة في مؤاخاة النبي (ص) لأبي بكر الذي سبق ذكره، على ان الحديث المروي عن أم المؤمنين عائشة في مؤاخاة النبي (ص) أبا بكر بمكة يخالف الثابت في زمان المؤاخاة انها كانت في المدينة، ولم يسبق ذلك من النبي في مكة في غير خبر انذار بني هاشم الاتي بيانه في بحث سيرة النبي (ص) باذنه تعالى.


(1) المستدرك ج 3 / 14 وفي الترمذي ج 12 / 170 الحديث باختصار وليس فيه ذكر من آخى بينهم من الصحابة. (2) الاستيعاب ص 460 بترجمة علي. (3) ابن كثير ج 7 / 335، كنز العمال ج 12 / 207 الحديث 1179، ومنتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 32، سنن ابن ماجة المقدمة ج 1 / 44 الحديث 120.

[53]

ثالثا - روايات واعروساه قال الزركشي في تعداد خصائص عائشة: (الهادية والاربعون): انها سمعته يقول في يوم من الايام فقدها: " واعروساه " فجمعها الله عليه (1). وتفصيل القصة ما رواه مجاهد وقال: قالت عائشة: خرج رسول الله (ص) فلما كنا بالسمر انصرفنا وانا على جمل، وكان آخر العهد منهم وأنا أسمع صوت النبي (ص) وهو بين ظهري ذلك السمر وهو يقول: " واعروساه "، قالت: فو الله اني لعلى ذلك إذ نادى مناد أن القي الخطام، فالقيته فأعقله الله بيده (2). أقول: انها لعمر الحق مزية لام المؤمنين عظيمة أن يصرخ الرسول (ص) قائلا فيها: " واعروساه " وأن يأتيها النداء: " ألقي الخطام " فإذا ألقته أعقله الله بيده. غير ان الرواية رويت من آخر بكيفية أخرى، كما رواها كل من ابن سعد والطبري عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة انها سئلت: متى بنى بك رسول الله (ص) ؟ فقالت: لما هاجر رسول الله (ص) إلى المدينة خلفنا وخلف بناته، فلما قدم المدينة بعث الينا زيد بن حارثة وبعث معه أبا رافع مولاه. وبعث أبو بكر معهما عبد الله بن أريقط، وكتب إلى عبد الله بن أبي بكر يأمره ان يحمل اهله أمي أم رومان وأنا وأختي أسماء امرأة الزبير، فخرجنا جميعا حتى إذا كنا بالبيض من منى * (هماش) * (1) في الفصل الثاني من الاجابة ص 75 وقال: ذكره ابن شاهين في كتاب السنة. (2) مسند أحمد ج 6 / 248، السمر: شجر العضاه، والعضاه شجر الشوك الكبير.

[54]

نفر بعيري وانا في محفة معي فيها أمي، فجعلت أمي تقول: وا ابنتاه واعروساه ! حتى أدرك بعيرنا وقد هبط من لفت فسلم الله عزوجل... الحديث (1). وفي الاستيعاب بترجمة أم رومان عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما هاجر رسول الله... الحديث (2). وفيه: (حتى إذا كنا بالبيداء نفر بعيري وأنا في محفة معي فيها أمي فجعلت تقول: وا ابنتاه ! واعروساه ! حتى ادرك بعيرنا). في الحديثين الأخيرين حدثت أم المؤمنين تفصيل القصة لكل من عمرة بنت عبد الرحمن وابن عروة، وصرحت فيهما ان الصارخ واعروساه هي امها ام رومان، وليس فيهما ذكر للنداء إليها (القي الخطام) ولا (فأعقله الله بيده). وقد حاول ابن كثير في تاريخه (3) أن يجمع بين الحديثين المختلفين فقال: قال الواقدي وابن جرير وغيرهما: ولما رجع عبد الله بن أريقط الدئلي إلى مكة بعث معه رسول الله (ص) وأبو بكر زيد بن حارثة وأبا رافع موليا رسول الله (ص) ليأتوا بأهاليهم من مكة، فذهبوا فجاءوا ببنتي النبي (ص) فاطمة وأم كلثوم وزوجتيه سودة وعائشة وأمها أم رومان وأهل النبي، وقد شرد بعائشة وأمها أم رومان الجمل في أثناء الطريق فجعلت أم رومان تقول: " واعروساه وا ابنتاه " قالت عائشة: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلت خطامه فوقف باذن الله وسلمنا الله عزوجل....


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 62 - 63 وذيل المذيل لتاريخ الطبري ص 70، واللف: شق الشئ وجانبه. (2) الاستيعاب ج 2 / 770. (3) تاريخ ابن كثير ج 3 / 221.

[55]

رابعا - روايات رؤيتها لجبرائيل عليه السلام أورد ابن كثير الحديث الثاني وأخذ من الأول النداء " واعروساه " حسب روايات رؤيتها لجبرائيل وسلام جبرائيل عليها الآتية: في صحيح البخاري ومسند أحمد واللفظ لاحمد: عن عائشة قالت: لما رجع رسول الله (ص) من الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل عليه السلام وعلى رأسه الغبار، قال: قد وضعت السلاح ؟ فو الله ما وضعتها، أخرج إليهم، قال رسول الله (ص) فأين ؟ قال: ها هنا، فأشار إلى بني قريظة... الحديث (1). وفي مسند أحمد عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لما فرغ رسول الله (ص) من الأحزاب دخل المغتسل ليغتسل فجاء جبريل عليه السلام، فقال. أوقد وضعتم السلاح ؟ ما وضعنا اسلحتنا بعد انهد إلى بني قريظة، فقالت عائشة: كأني أنظر إلى جبريل من خلل الباب قد عصب رأسه من الغبار (2). روي عن علقمة بن وقاص، عن عائشة - حديثا طويلا - قالت فيه: فجاءه جبريل عليه السلام، وأن على ثناياه لنقع الغبار... الحديث (3). وعن القاسم عن عائشة: أن جبريل عليه السلام أتى النبي (ص) على برذون وعليه


(1) مسند أحمد ج 6 / 56 واخرج البلاذري رؤيتها لجبرئيل في ذكره غزوة بني قريظة من فتوح البلدان ص 32 وصحيح البخاري ج 2 / 140 كتاب الجهاد باب الغسل بعد الحرب والغبار الباب 18. (2) مسند أحمد ج 6 / 131 و 280. (3) مسند أحمد ج 6 / 141 - 142.

[56]

عمامة طرفها بين كتفيه فسألت النبي (ص) عنه فقال: رأيته ذاك جبريل عليه السلام (1). أخرج ابن سعد في طبقاته عن مسروق قال: قالت لي عائشة: لقد رأيت جبرائيل واقفا في حجرتي هذه على فرس، ورسول الله (ص) يناجيه، فلما دخل قلت: يا رسول الله من هذا الذي رأيتك تناجيه ؟ قال: وهل رأيته ؟ قلت: نعم، قال: فبمن شبهته ؟ قلت: بدحية الكلبي ! قال: لقد رأيت خيرا كثيرا ذلك جبريل، قالت: فما لبثت إلا يسيرا حتى قال: يا عائشة هذا جبريل يقرأ عليك السلام، قلت: وعليه السلام جزاه الله من دخيل خيرا (2). غاية الدعاية من الروايات السابقة: من الجائز أن تكون غاية الدعاية من الروايات السابقة مقابلة حديث سلام جبرئيل على خديجة كما رواه صاحب اسد الغابة والاصابة في ترجمتها: عن رسول الله (ص) قال: أتاني جبريل فقال: يا رسول الله (ص) هذه خديجة أتتك


(1) مسند أحمد ج 6 / 148. (2) طبقات ابن سعد ج 8 / 67 - 68 ط. بيروت سنة 1377 ه‍ ومسند أحمد ج 6 / 74 - 75 وفي ص 146 منه روت ذلك لابي سلمة وبعد قولها: جزاه الله خيرا من صاحب ودخيل فنعم الصاحب ونعم الدخيل، قال سفيان: الدخيل الضيف، وراجع: منتخب كنز العمال ج 5 / 119، والمستدرك ج 4 / 7، وتلخيصه، وأخرج رواية أم المؤمنين، بأن جبريل قد سلم عليها كل من: كنز العمال ج 13 / 118 واحمد في مسنده ج 6 / 55 و 88 و 112 و 117 و 150 و 224، والبخاري باب فضل عائشة ج 2 / 308 وكتاب الادب ج 4 / 81، ومسلم ج 4 / 1896، والترمذي ج 10 / 167 كتاب الاستئذان، ومنتخب كنز العمال ج 5 / 117 وسنن النسائي كتاب عشرة النساء ج 7 / 69، واسد الغابة ترجمة عائشة ج 7 / 190. والدخيل: من دخل في قوم وانتسب إليهم وليس منهم.

[57]

ومعها اناء فيه طعام وشراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها من ربها السلام ومني.... الحديث (1). وفي حديث آخر في الاصابة انها خرجت تلتمس رسول الله (ص) بأعلى مكة ومعها غذاؤها فلقيها جبرائيل في صورة رجل... الخ. نتيجة البحث: رووا عن أم المؤمنين عائشة انها قالت: " رأيت الغبار عل رأس جبرئيل " أو " عصب رأسه الغبار " كما في رواية البخاري أو " ان على ثناياه نقع الغبا ر ". وقد جاء في الكتاب والسنة ان الملك يتمثل على صورة انسان، أما أن يصبح جسما يحمل الغبار فهذا ما خص روايته بما رووا عن أم المؤمنين عائشة ! * * * كان ذلكم بعض ما روي عن أم المؤمنين عائشة في فضائلها ويتلو هذا البحث ما روي عنها في ما بينها وبين الرسول (ص).


(1) الاصابة ج 4 / 274 واسد الغابة ج 7 / 84، وكنز العمال ج 13 / 115 ومسلم ج 4 / 1887 كتاب فضائل الصحابة والبخاري ج 2 / 315.

[58]

خامسا - روايتها عن معاشرة الرسول (ص) اياها مما لا يليق بمقام الرسول (ص) مضت القرون تلو القرون وأحاديث أم المؤمنين عائشة يرويها الخلف عن السلف متسالمين على صدق جميعها، ولم يشكوا في صدق اسناد روايتها إليها، ولم يقم احد بنقدها وتمحيصها، وكان أكثر حديثها عن سيرة رسول الله (ص) مثل الاحاديث الآتية في صحيح مسلم عن عائشة، قالت: كنت أشرب وأنا حائض ثم اناوله النبي (ص) فيضع فاه على موضع في وكنت أتعرق العرق (1) وأنا حائض ثم أناوله النبي (ص) فيضع فاه على موضع في (2). وفي رواية أخرى كان رسول الله يعطيني العرق فأتعرقه ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في، ويعطيني الاناء فأشرب ثم يأخذه فيضع فاه على موضع في (3). وفي مسند أحمد، عن عائشة قالت: كان النبي (ص) يتوشحني (4) وينال من رأسي وانا حائض (5).


(1) تعرق العظم اخذ ما عليه من اللحم باسنانه نهشا والعرق العظم اخذ عنه معظم اللحم. (2) صحيح مسلم، باب الاضطجاع مع الحائض في لحاف واحد من كتاب الحيض ج 1 / 245 - 246 والنسائي: باب سئور الحائض ج 1 / 23 و 53 و 54 و 64 وسنن أبي داود ج 1 / 33 ومسند ابي عوانة ج 1 / 311، وسنن الدارمي ج 1 / 246، ومسند احمد ج 6 / 62 و 127، و 192 و 193 و 210 ومنتخب الكنز ج 3 / 473. (3) مسند احمد ج 6 / 64. (4) توشح لبس الوشاح والوشاح شبه قلادة من نسيج عريض يرصع بالجواهر تشده المرأة بين عاتقها وكشحيها والكشح ما بين السرة ووسط الظهر. (5) مسند أحمد ج 6 / 187.

[59]

صلاة النبي (ص) في مرط عائشة: وفي صحيح مسلم، عن عائشة قالت: كان النبي (ص) يصلي من الليل وأنا إلى جنبه وأنا حائض وعلي مرط (1) وعليه بعضه إلى جنبه (2). وفي رواية عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) يقوم ويصلي وعليه طرف اللحاف وعلى عائشة طرفه ثم يصلي (3). وهذا يخالف ما ورد في مسند أحمد ان النبي (ص) كره الصلاة في ملاحف النساء (4). في مسند أحمد عن عائشة قالت: كنت أبيت أنا ورسول الله (ص) في الشعار الواحد وأنا طامث حائض قالت: فان أصابه مني شئ غسله لم يعد مكانه وصلى فيه (5). وفي رواية أنها طرقتها الحيضة من الليل ورسول الله (ص) يصلي فأشارت إلى رسول الله (ص) بثوب فيه دم فاشار إليها رسول الله (ص) وهو في الصلاة اغسليه فغسلت موضع الدم ثم اخذ رسول الله ذلك الثوب فصلى فيه (6).


(1) المرط من اكسية النساء ويكون من صوف اوخز أو غيره تلتحف به. (2) صحيح مسلم ج 2 / 61 باب الاعتراض بين يدي المصلي ومسند احمد ج 6 / 67 و 70 و 99 و 129 و 137 و 146 و 199 و 204 و 220 و 249 و 250 و 251. (3) مسند أحمد ج 6 / 32. (4) مسند أحمد ج 6 / 129. (5) مسند احمد ج 6 / 44. (6) مسند أحمد ج 6 / 66.

[60]

النبي يتكئ في حجرها وهي حائض ثم يقرأ القرآن: في البخاري عن عائشة ان النبي (ص) كان يتكئ في حجري وأنا حائض ثم يقرأ القرآن (1). وفي رواية كان النبي (ص) يقرأ القرآن ورأسه في حجري وأنا حائض (2). وفي سنن ابي داود في حديث لعائشة قالت: اخبرك بما صنع رسول الله (ص) ؟ دخل فمضى إلى مسجده - تعني مسجد البيت (3) - فلم ينصرف حتى غلبتني عيني واوجعه البرد فقال: ادني مني فقلت: اني حائض فقال: وان، اكشفي عن فخذيك فكشفت فخذي فوضع خده وصدره على فخذي وحنيت عليه حتى دفئ ونام (4). فعلته أنا ورسول الله (ص) فاغتسلنا: في مسند احمد عن القاسم، عن عائشة زوج النبي (ص) قالت: إذا جاوز الختان الختان فقد وجب الغسل، فعلته أنا ورسول الله (ص)


(1) صحيح البخاري ج 1 / 44 كتاب الحيض باب قراءة الرجل في حجر امرأته وهي حائض وصحيح مسلم ج 1 / 169 كتاب الحيض ومسند احمد ج 6 / 68 و 72. (2) صحيح البخاري ج 4 / 204 كتاب التوحيد باب قول النبي الجاهر بالقرآن ومسند احمد ج 6 / 117 و 135 و 190 و 258، وسنن ابي داود ج 1 / 33 رمسند ابي عوانة ج 1 / 312 - 313 ومنتخب الكنز ج 3 / 473 وقريب منه في مسند احمد ج 6 / 148 و 158 و 204. (3) قاله ابو داود. (4) سنن ابي داود ج 1 / 34.

[61]

فاغتسلنا (1). وفيه عن عبد الله بن رباح انه سأل عما يوجب الغسل فقالت: إذا اختلف الختانان وجبت الجنابة، فعلت أنا ورسول الله (ص) فاغتسلنا (2). وعن أم كلثوم أن عائشة أخبرتها أنها والنبي فعلا ذلك ثم اغتسلا (3). وفي رواية قالت: فعلناه مرة فاغتسلنا في الذي يجامع ولا ينزل (4)، وقد روت ذلك عن النبي ايضا كما في هذا الحديث عن عائشة زوج النبي (ص) قالت: ان رجلا سأل رسول الله (ص) عن الرجل يجامع أهله ثم يغسل، هل عليهما الغسل ؟ وعائشة جالسة فقال رسول الله (ص): اني لافعل ذلك انا وهذه ثم نغتسل (5). في صحيح البخاري عن عائشة زوج النبي (ص) انها قالت: كنت انام بين يدي رسول الله (ص) ورجلاي في قبلته فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتهما قالت: والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح (6). وفي رواية قالت: كنت امد رجلي في قبلة النبي (ص) وهو يصلي فإذا سجد


(1) مسند احمد ج 6 / 161. (2) مسند أحمد ج 6 / 265. (3) مسند أحمد ج 6 / 74. (4) مسند أحمد ج 6 / 110 وقريب من لفظه في ص 68 منه. (5) صحيح مسلم ج 1 / 187 ومسند ابي عوانة ج 1 / 289. (6) صحيح البخاري ج 1 / 56 باب الصلاة على الفراش من كتاب الصلاة وص 141 وصحيح مسلم باب الاعتراض بين يدي المصلي ج 2 / 61 ومسند ابي عوانة ج 2 / 52 - 56 ومسند احمد ج 6 / 148 و 255 و 225 قريبا منه، وكذلك قريب منه ص 37، 40 و 41 و 44 و 50 و 54 و 64 و 94 و 95 و 98 و 103 و 132 و 134 و 148 و 176 و 182 و 183 و 192 و 199 - 200 و 205 و 221 و 234 و 275.

[62]

غمزني فرفعتها فإذا قام مددتها (1). عن عمرة عن عائشة قالت: صلى النبي (ص) في حجرتي والناس يأتمون به من وراء الحجرة يصلون بصلاته (2). وفي مسند أحمد عن عروة، عن عائشة ان رسول الله (ص) قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضا، قال عروة: فقلت لها من هي إلا أنت فضحكت (3). كانت تغسل رأس النبي وهي حائض وهو معتكف: في البخاري، عن عائشة قالت: كان النبي (ص) يباشرني وانا حائض وكان يخرج رأسه من المسجد وهو معتكف فاغسله وأنا حائض (4). وفي رواية انها كانت ترجل (5) رسول الله (ص) وهي حائض ورسول الله (ص) حينئذ مجاور في المسجد يدني لها رأسه وهي في حجرتها فترجله وهي حائض (6).


(1) صحيح البخاري ج 1 / 145 باب ما يجوز العمل في الصلاة. (2) مسند أحمد ج 6 / 30. (3) مسند أحمد ج 6 / 210. (4) صحيح البخاري ج 1 / 239 باب الحائض ترجل المعتكف وباب غسل المعتكف و 242 ومسند أحمد ج 6 / 204. (5) رجل الشعر: سرحه أي مشطه. (6) صحيح البخاري ج 1 / 44 كتاب الحيض باب غسل الحائض رأس زوجها وترجيله، وقريب منه في صحيح مسلم ج 1 / 167 كتاب الحيض والبخاري ج 4 / 29 والموطأ 1 / 78 والنسائي ج 1 / 35 باب غسل الحائض رأس زوجها ومنتخب الكنز ج 3 / 373 وسنن الدارمي ج 1 / 246 - 248 ومسند احمد ج 6 / 32 و 50 و 55 و 86 و 100 =

[63]

وفي البخاري عن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي (ص) من اناء واحد من جنابة (1). وفي رواية أخرى فأقول له: ابق لي ابق لي (2). وفي رواية يبادرني وأبا دره فأقول: دع لي دع لي (3). وفي رواية أخرى أبادره ويبادرني حتى يقول: دعي لي، وأقول أنا: دع لي (4). وهذا ينافي ما ورد عنها في المستدرك قالت: كان رسول الله (ص) لا يصلي في شعرنا ولمحفنا (5). وفي سنن أبي داود (6) عن عائشة انها قالت: كنت إذا حضت نزلت عن المثال (7) على الحصير فلم تقرب رسول الله (ص) =


و 104 و 170 و 181 و 189 و 204 و 230 و 234 و 247 و 261 و 262 و 264 و 272 ومسند ابي عوانة ج 1 / 309 والبخاري ج 1 / 45. (1) صحيح البخاري ج 1 / 41 كتاب الغسل باب هل يدخل الجنب يده في الاناء. (2) مسند أحمد ج 6 / 91. (3) النسائي ج 1 / 71 باب اغتسال الرجل والمرأة من اناء واحد وراجع: البخاري ج 1 / 39 و 4 0 وج 4 / 31 وصحيح مسلم ج 1 / 176 كتاب الغسل وسنن النسائي ج 1 / 23، ومسند ابي عوانة ج 1 / 233 - 234 و 284 وسنن الدارمي ج 1 / 192، ومسند احمد ج 6 / 30 و 37 و 42 و 43 و 64 و 103 و 118 و 123 و 127 و 129 و 131 و 157 و 161 و 168 و 171 و 172 و 173 و 210 و 231 و 235 و 255 و 265 و 281. (4) ن. م. (5) مستدرك الحاكم وتلخيصه ج 1 / 252 وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (6) سنن أبي داود ج 1 / 34. (7) المثال: الفراش.

[64]

ولم تدن منه حتى تطهر. ولكن المقامين يختلفان ففي المقام الأول كان القصد من التحديث بيان حب النبي (ص) لأم المؤمنين، وفي المقام الثاني بيان واقع حال النبي (ص). النبي يقبلها وهو صائم: في مسند أحمد عن عائشة قالت: أهوئ الي رسول الله ليقبلني فقلت: اني صائمة قال: وأنا صائم فأهوى الي فقبلني (1). وفي رواية اخرى عنها: كان يقبلها وهو صائم ويمص لسانها (2). وقالت: ان رسول الله (ص) ليظل صائما ثم يقبل ما شاء من وجهي حتى يفطر (3). وفي رواية وهو صائم في رمضان (4). وفي رواية ان رسول الله كان يباشرها وهو صائم ثم يجعل بينه وبينها ثوبا يعني الفرج (5).


(1) مسند أحمد ج 6 / 134 و 176. (2) ن. م، ص 123 و 234. (3) ن. م، ص 101 و 254 و 263. (4) ن. م، ص 256. وراجع: مسند احمد ج 6 / 40 و 42 و 44 و 98 و 101 و 123 و 126 و 128 و 130 و 134 و 156 و 162 و 176 و 174 و 179 و 193 و 207 و 212 و 215 و 220 و 223 و 234 و 241 و 242 و 252 و 254 و 255 و 256 و 258 و 263 و 265 و 266 و 280 و 282 وسنن الدارمي ج 1 / 117 والبخاري ج 1 / 229 باب القبلة للصائم وصحيح مسلم ج 3 / 134 - 137. (5) مسند أحمد ج 6 / 59. ررواية يباشرها وهو صائم في مسند احمد ج 6 / 230 و 128.

[65]

وقد روي عنها حديث التقبيل لكل من: بكر، وعلقمة، وشريح، وعثمان ابن عبد الله، وطلحة، والقاسم، وعمرو بن ميمون، وطلحة بن عبد الله بن عوف، ومصدع ابو يحيى، وأبو سلمة، وسعد التيمي، ومحمد بن الاشعث، ومسروق، والبهي مولى الزبير، وعكرمة، والاسود، ومعاذة، وعروة.

[66]

ب - روايات التحريم والتخيير آيات التحريم والتخيير التحريم والتخيير قصتان أخبر الله تعالى عن الاولى منهما في سورة التحريم حيث قال عز اسمه: بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم * قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم والله مولاكم وهو العليم الحكيم * وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بعضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا * يأيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون * يأيها الذين كفروا لا تعتذروا اليوم إنما تجزون ما كنتم تعملون * يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا عسى ربكم أن يكفر عنكم سيئاتكم ويدخلكم جنات تجري من

[67]

تحتها الأنهار يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يقولون ربنا أتمم لنا نورنا واغفر لنا إنك في كل شئ قدير * يأيها النبي جهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير * ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئا وقيل ادخلا النار مع الداخلين * وضرب الله مثلا للذين آمنوا امرأة فرعون إذ قالت رب ابن لي عندك بيتا في الجنة ونجني من فرعون وعمله ونجني من القوم الظالمين * ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها فنفخنا فيه من روحنا وصدقت بكلمات ربها وكتبه وكانت من القانتين) [الآيات: 1 - 12] وأخبر عن الثانية في سورة الاحزاب حيث قال عز اسمه: بسم الله الرحمن الرحيم (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) - إلى قوله تعالى -: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) [الآيات: 28 - 34] وجاء في تفسير الايات عن أم المؤمنين عائشة الروايات الآتية:

[68]

روايات التحريم روايات تحريم النبي العسل على نفسه: أ - في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للأول (1) بسنده عن أم المؤمنين عائشة انها قالت: ان النبي (ص) كان يمكث عند زينب ابنة جحش ويشرب عندها عسلا فتواصيت أنا وحفصة أن أيتنا دخل عليها النبي (ص) فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير (2) أكلت مغافير. فدخل عك احداهما فقالت له ذلك، فقال: لا، بل شربت عسلا عند زينب ابنة جحش ولن أعود له، (وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا) (3) فنزلت: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى (إن تتوبا إلى الله) عائشة وحفصة (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه) بقوله: بل شربت عسلا.


(1) أخرج كل من البخاري ج 3 / 271 كتاب الطلاق باب لم تحرم ما احل الله لك وج 3 / 205 كتاب التفسير باب تبتغي مرضاة ازواجك من سورة التحريم، وج 4 / 158 كتاب النذور والايمان باب إذا حرم طعامه، ومسلم ج 4 / 184، والنسائي في كتاب الطلاق ج 6 / 151 وكتاب الايمان ج 7 / 13 والنذور باب تحريم ما احل الله وكتاب عشرة النساء ج 7 / 71 باب الغيرة، ومسند أحمد ج 6 / 221 وابن سعد في ج 8 / 76 ط. اوربا، والقرطبي في تفسير سورة التحريم ج 18 / 177 و 184 وتيسير الوصول ج 1 / 189، وابو داود ج 2 / 145. (2) المغافير واحدة: مغفور، صمغ حلو كريه الرائحة، ينضح من شجر العرفط، والعرفط شجر الطلح. (3) هذه الجملة في بعض طرق هذه الرواية.

[69]

ب - في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما واللفظ للأول بسنده عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) يجب الحلواء ويجب العسل وكان إذا صلى العصر أجاز على نسائه فيدنو منهن، فدخل على حفصة فاحتبس عندها اكثر مما كان يحتبس، فسألت عن ذلك فقال لي: أهدت إمرأة من قومها عكة (1) عسل فسقت رسول الله (ص) منه شربة فقلت: أما والله لنحتالن له، فذكرت ذلك لسودة بنت زمعة وقلت: إذا دخل عليك فانه سيدنو منك فقولي له: يا رسول الله أكلت مغافير ؟ فانه سيقول: لا، فقولي له: ما هذه الريح التي اجد منك ؟ وكان رسول الله (ص) يشتد عليه أن توجد منه الريح، فانه سيقول: سقتني حفصة شربة عسل فقولي له: جرست نحله العرفط ؟ وسأقول ذلك وقوليه أنت يا صفية، فلما دخل على سودة قلت: تقول سودة: والذي لا إله إلا هو لقد كدت أن أبادره بالذي قلت لي: وانه لعلى الباب فرقا منك (2)، فلما دنا رسول الله (ص) قلت: يا رسول الله أكلت مغافير ؟ قال: لا، قلت: فما هذه الريح ؟ قال: سقتني حفصة شربة عسل، قلت: جرست نحله (3) العرفط ؟ فلما دخل علي قلت له: مثل ذلك، ودخل على صفية فقالت له: مثل ذلك، فلما دخل على حفصة قالت له: يا رسول الله ألا أسقيك منه، قال: لا حاجة لي به، قالت: تقول سودة: سبحان الله لقد حرمناه، قالت: قلت لها: (اسكتي) (4).


(1) العكة: وعاء السمن. (2) فرقا منك: أي خوفا منك. (3) جرست النحل: اكلت الحلواء. والحلوة، والحلوى: طعام عمل بالسكر أو العسل. (4) صحيح البخاري ج 4 / 136 - 137 كتاب الحيل باب ما يكره من احتيال المرأة مع الزوج والضرائر، وكتاب الطلاق باب لم تحرم ما احل الله لك ج 3 / 271، وصحيح مسلم ج 2 / 1101 كتاب الطلاق باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق، وأحمد في مسنده ج 6 / 59، وابن سعد في الطبقات ج 8 / 85 ط. اوربا، وتيسير =

[70]

ج - في طبقات ابن سعد بسنده عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان رسول الله (ص) قل يوم إلا وهو يطوف على نسائه فيدنو من أهله فيضع يده ويقبل كل امرأة من نسائه، حتى يأتي على آخرهن، فإن كان يومها قعد عندها وإلا قام، فكان إذا دخل بيت ام سلمة يحتبس عندها، فقلت: أنا وحفصة - وكانتا جميعا يدا واحدة - ما نرى رسول الله يمكث عندها إلا أنه يخلو معها، تعنيان الجماع، قالت: وأشتد ذلك علينا حتى بعثنا من يطلع لنا ما يحبسه عندها، فإذا هو إذا صار إليها أخرجت له عكة من عسل فتحت له فمها فيلعق منه لعقا (1)، وكان العسل يعجبه، فقالتا: ما من شئ نكرهه إليه حتى لا يلبث في بيت أم سلمة ؟ فقالتا: ليس شئ أكره إليه من أن يقال له: نجد منك ريح شئ، فإذا جاءك فدنا منك فقولي: إني اجد منك ريح شئ، فإنه يقول: من عسل أصبته عند أم سلمة، فقولي له: أرى نحله جرس عرفطا، فلما دخل على عائشة فدنا منها قالت: إني لأجد منك شيئا ! ما أصبت ؟ فقال: عسل من بيت أم سلمة، فقالت: يا رسول الله أرى نحله جرس عرفطا... الحديث (2). ولا بد لنا في تفهم هذه الأحاديث من دراسة آيات سورة التحريم. في من نزلت هذه السورة ؟ أجمع المفسرون وأصحاب المسانيد والصحاح والسير على أن هذه السورة نزلت في أمي المؤمنين عائشة وحفصة (رض). =


الوصول ج 1 / 188 - 189، وألقرطبي في تفسير سورة التحريم ج 18 / 177 - 178، وكنز العمال في تفسير سورة التحريم ج 2 / 340 الحديث (1788) ط. حيدر آباد. (1) لعق: أكل شيئا باصبعه أو لسانه. (2) طبقات ابن سعد ج 8 / 170، في ذكر قسم رسول الله ببن نسائه.

[71]

روى البخاري عن ابن عباس قال: لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي (ص) فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة... الحديث (1). وروى البخاري عن ابن عباس قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب عن آية فما أستطيع ان أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا فخرجت معه فلما رجعت وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له قال: فوقفت له حتى فرغ ثم سرت معه فقلت له: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي (ص) من أزواجه ؟ فقال: تلك حفصة وعائشة... الحديث (2). وروى مسلم عن ابن عباس قال: كنت أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على عهد رسول الله (ص) فلبثت سنة ما أجد له موضعا حتى صحبته إلى مكة، فلما كان بمر الظهران (3) ذهب يقضي حاجته. فقال: أدركني بأداوة (4) من ماء. فأتيته بها. فلما قضى حاجته ورجع ذهبت أصب عليه. وذكرت فقلت له: يا أمير المؤمنين ! من


(1) صحيح البخاري ج 3 / 137 - 138 في تفسير سورة التحريم من كتاب التفسير باب تبتغي مرضاة أزواجك وكتاب النكاح ج 3 / 172 باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها، وكتاب المظالم باب (26) الغرفة والعلية ج 3 / 172. (2) صحيح البخاري ج 4 / 22 كتاب اللباس باب (31) ما كان النبي يتجوز من اللباس والبسط. (3) مر الظهران: الظهران واد قرب مكة وعنده قرية يقال لها مر تضاف إلى هذا الوادي ويقال مر الظهران. راجع: معجم البلدان. (4) الأداوة: إناء صغير من جلد.

[72]

المرأتان ؟ فا قضيت كلامي حتى قال: عائشة وحفصة (1). وفي مسند أحمد عن ابن عباس قال: أردت أن أسأل عمر فما رأيت موضعا فمكثت سنتين، فلما كنا بمر الظهران وذهب ليقضي حاجته، فجاء وقد قضى حاجته فذهبت أصب عليه من الماء قلت: يا أمير المؤمنين من المرأتان اللتان تظاهرتا على رسول الله (ص) ؟ قال: عائشة وحفصة (2). وفي مسند الطيالسي عن ابن عباس أنه قال:... فقلت: يا أمير المؤمنين أريد أن أسألك عن حديث منذ سنة فمعتني هيبتك أن أسألك، قال: لا تفعل، إذا علمت أن عندي علما فسلني قال: قلت: أسألك عن حديث المرأتين قال: نعم حفصة وعائشة... الحديث (3). كان ذلكم خبر ما روي عن أم المؤمنين في قصة التحريم. ما روي عن أم المؤمنين عائشة في ما هجر النبي (ص) أزواجه: روي عنها في سبب هجر النبي (ص) لأزواجه وتخييرهن بين رضا الله ورضا رسوله (ص) والدار الآخرة وبين متع الدنيا كالآتي بيانه: أ - في طبقات ابن سعد عن حارثة بن أبي الرجال قال: دخلت مع القاسم


(1) صحيح مسلم ج 2 / 1110 - 1111 كتاب الطلاق باب (5). (2) مسند أحمد ج 1 / 48، وبلفظ آخر في ج 1 / 33. (3) مسند ابي داود الطيالسي ص 6 الحديث (23)، وسنن النسائي ج 4 / 137 كتاب الصوم باب كم الشهر، وصحيح الترمذي ج 12 / 209 تفسير سورة التحريم من كتاب التفسير، وابن سعد في الطبقات ج 8 / 182 وتفسير القرطبي ج 18 / 189، وكنز العمال ج 2 / 332 و 336 و 338 تفسير سورة التحريم، وفي المستدرك للحاكم ج 2 / 493 عن أنس.

[73]

ابن محمد على عمرة بنت عبد الرحمن فقال القاسم: يا أم محمد في أي شئ هجر رسول الله (ص) نساءه ؟ فقالت عمرة: أخبرتني عائشة أنه أهدي إلى رسول الله هدية في بيتها فأرسل إلى كل امرأة من نسائه بنصيبها وأرسل إلى زينب بنت جحش فلم ترض ثم زادوها مرة أخرى فلم ترض فقالت عائشة: لقد أقمأت (1) وجهك أن ترد عليك المدية. فقال رسول الله (ص): لأنتن أهون على الله من ان تقمئنني، لا أدخل عليكن شرا. قالت: فدخل في مشربة، وكان عمر بن الخطاب آخى رجلا من الأنصار لا يسمع شيئا إلا أخبره به ولا يسمع عمر شيئا إلا حدثه. قال: فلقيه عمر ذلك اليوم فقال: هل كان خبر ؟ فقال الأنصاري: نعم عظيم. فقال عمر: لعل الحارث بن أبي شمر سار إلينا. قال الانصاري: أعظم من ذلك. قال عمر: ما هو ؟ قال: ما أرى رسول الله إلا قد طلق نساءه... الحديث إلى قولها: فلما مضى تسع وعشرون ليلة نزل رسول الله من مشربته... الخ. وأخرج بعده مسندة إلى ابن مناح عن عائشة مثله وعن الزهري، عن عائشة أيضا نحوه (2).


(1) أقمأتك: صغرتك وأذللتك. (2) طبقات ابن سعد ج 8 / 1 88 - 190 ط. بيروت، وج 8 / 136 - 137 ط. اوربا، ابن ماجة ج 1 / 664 كتاب الطلاق باب (24).

[74]

دراسة الروايات: إن أحاديث أم المؤمنين عائشة في بيان سبب نزول آيات التحريم جاءت في صحاح كتب الحديث والسنن والمسانيد والتفاسير المعتمدة ومصادر السيرة الموثقة، ونجد فحاوي تلك الروايات مختلفة كل الاختلاف فيما بينها، ففي بعضها ان المتواطأ عليها حفصة، وفي أخرى انها زينب، وفي غير ما انها أم سلمة، وعن المتواطئات تارة ذكرت حفصة وعائشة واخرى عائشة وسودة وصفية، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الاحاديث ؟ ! ثم ما قيمة تحريم النبي (ص) العسل على نفسه ليجند الله ملائكته وصالح المؤمنين ويكون هو تبارك وتعالى معهم ظهيرا للنبي (ص) عليهما ؟ أكل ذلك لانهما سببا هذا التحريم ؟ ! وما ذلك السر الذي أذاعته احداهما فأنبأ الله نبيه " فعرف بعضه وأعرض عن بعض تكرما " ؟ أهو افشاء سر تحريم النبي (ص) العسل على نفسه ؟ ألهذا ضرب الله مثلا امرأة لوط وامرأة نوح ؟ وكيف فات النبي (ص) أن العسل لم يكن بذي رائحة كريهة ليحرمها على نفسه ؟ وهل كان فاقدا حاسة الشم ومغفلا إلى هذا الحد لتنطلي عليه هذه الحيلة البسيطة ؟ اللهم إن هذا ما لا يقبله عقل سليم ! * * * كانت تلكم ما روي عن أم المؤمنين عائشة في سبب هجر النبي (ص) أزواجه وروى عنها في أمر تخيير النبي (ص) أزواجه ما يأتي:

[75]

روايات التخيير في مسند أحمد عن عروة بن الزبير، عن عائشة قالت: فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل علي رسول الله (ص) قالت: بدأ بي فقلت: يا رسول الله إنك أقسمت أن لا تدخل علينا شهرا وإنك قد دخلت من تسع وعسثرين أعدهن ؟ فقال: إن الشهر تسع وعشرون، ثم قال: يا عائشة إني ذاكر لك أمرا فلا عليك أن لا تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك ثم قرأ علي الآية: (يا أيها النبي قل لأزواجك - حتى بلغ - أجرا عظيما). قالت عائشة: قد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه، قالت: فقلت: أفي هذا أستأمر أبوي ؟ فاني أريد الله ورسوله والدار الآخرة (1). وفي رواية عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه بعد هذا: " ففرح بذلك رسول الله (ص) " (2).


(1) مسند أحمد ج 6 / 163، وصحيح البخاري ج 3 / 270 كتاب الطلاق باب من خير نساءه. (2) مسند أحمد ج 6 / 78 وللحديث طرق كثيرة منها في مسند أحمد ج 6 / 78 و 103 و 152 - 153 و 185 و 248 و 263 - 264 و 211 - 212 فقال: يا عائشة إني عارض عليك أمرا فلا تفتاتن فيه بشئ حتى تعرضيه على ابويك ابي بكر وام رومان. قالت: أي رسول الله وما هو ؟، وفي صحيح مسلم ج 2 / 1103 كتاب الطلاق باب إن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية وج 2 / 1107 باب في الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن، وابن ماجة ج 1 / 662 كتاب الطلاق باب التخيير رقم (2053)، والنسائي ج 6 / 159 - 160 كتاب الطلاق، والترمذي ج 12 / 84 وابن سعد ج 8 / 68 - 69.

[76]

وعلى هذه الاحاديث استند الزركشي في الاجابة في قوله: (كان قوله لها: لا تبادريني بالجواب خوفا من أن تبتدره باختيار الدنيا) (1). إن هذه المشاكل إلى غيرها تدعونا إلى الرجوع إلى غير أحاديث أم المؤمنين عائشة لعلنا نجد فيها تفسيرا يرفع غموض آيات السورتين الكريمتين. ما روي عن الخليفة عمر في قصتي التحريم والتخيير: روي عن الخليفة عمر بن الخطاب في ذلك كالآتي بيانه: روى البخاري بسنده عن ابن عباس قال: لبثت سنة وأنا أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على النبي (ص) فجعلت أهابه فنزل يوما منزلا فدخل الأراك فلما خرج سألته فقال: عائشة وحفصة، ثم قال: كنا في الجاهلية لا نعد النساء شيئا، فلما جاء الاسلام وذكرهن الله رأينا لهن بذلك علينا حقا من غير ان ندخلهن في شئ من امورنا، وكان بيني وبين امرأتي كلام فأغلظت لي فقلت لما: وإنك لهناك ؟ قالت: تقول هذا لي وابنتك تؤذي النبي (ص). فأتيت حفصة فقلت لها: إني أحذرك أن تعصي الله ورسوله وتقدمت إليها في اذاه. فأتيت أم سلمة فقلت لها. فقالت: أعجب منك يا عمر قد دخلت في أمورنا فلم يبق إلا أن تدخل بين رسول الله (ص) وأزواجه ؟ فرددت وكان رجل من الانصار إذا غاب عن رسول


(1) الاجابة: ص 66.

[77]

الله (ص) وشهدته أتيته بما يكون، وإذا غبت عن رسول الله (ص) وشهد أتاني بما يكون من رسول الله (ص) وكان من حول رسول الله (ص) قد استقام له، فلم يبق إلا ملك غسان بالشام كنا نخاف أن يأتينا، فما شعرت إلا بالانصاري وهو يقول: إنه قد حدث أمر، قلت له: وما هو ؟ أجاء الغساني ؟ قال: أعظم من ذاك طلق رسول الله (ص) نساءه، فجئت فإذا البكاء من حجرهن كلها، وإذا النبي (ص) قد صعد في مشربة له وعلى باب المشربة وصيف، فأتيته فقلت: استأذن لي، فدخلت فإذا النبي (ص) على حصير قد أثر في جنبه وتحت رأسه مرفقة من أدم حشوها ليف، وإذا أهب (1) معلقة وقرط، فذكرت الذي قلت لحفصة وام سلمة والذي ردت علي أم سلمة فضحك رسول الله (ص) فلبث تسعا وعشرين ليلة ثم نزل (2). وفي حديثه بصحيح مسلم قال: ودخلت عليه حين دخلت وأنا أرى في وجهه الغضب، فقلت: يا رسول الله ! ما يشق عليك من شأن النساء ؟ فان كنت طلقتهن فإن الله معك... ونزلت آية التخيير: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه... * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن) الحديث (3). إن حديث عمر هذا يناقض بعضه بعضا، ويخالف حديث أم المؤمنين عائشة، ويزيد في الأمر غموضا على غموض، فإن كان سبب نزول آيات


(1) المشربة والغرفة والعلية: بيت منفصل عن الأرض. لوالوصيف: الغلام دون المراهق. ومرفقة من أدم حشوها ليف: المرفقة المتكأ والأدم بهع أديم: الجلد المدبوغ، والليف: قشر النخل. والاهب: جمع الاهاب جلد لم يدبغ. وقرط: جلد مدبوغ بورق السلم. (2) صحيح البخاري ج 4 / 22 كتاب اللباس باب ما كان النبي (ص) يتجوز من اللباس والبسط وطبقات ابن سعد 8 / 182. (3) صحيح مسلم ج 2 / 1107 كتاب الطلاق باب في الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن وايلاء: حلف.

[78]

التحرجم ما ذكره من أن نساء النبي (ص) كن يراجعنه (1) طوال النهار ويضايقنه، وانه راجع في ذلك أم سلمة فردته، فما وجه تخصيص عائشة وحفصة من بينهن باللوم والتقريع في قوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه...) الآيات ؟ كما صرح به هو مع اشتراك غيرها معهما في تلك المراجعة والطلب الملح، وهذا يخالف ما ذكرته أم المؤمنين في احاديثها من أن سبب نزول الايات تحريم النبي (ص) العسل على نفسه في قصة قد ذكرتها، والخليفة بعد هذا لم يذكر ما حرمه الرسول (ص) على نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه ولم يبين السر الذي اذاعته زوج الرسول (ص) وزاد غموضا في الامر ما ذكر عمر في حديثه عن التحريم: من ايلاء النبي (ص) أزواجه تسعا وعشرين ليلة وتخييره اياهن، وهذا ما دعا مسلما أن يجعل التحريم والايلاء والمظاهرة امرا واحدا في صحيحه حيث قال: باب في الايلاء واعتزال النساء وتخييرهن وقوله تعالى: (وإن تظاهرا عليه) (2) وشوش على ابن سعد فذكر التخيير في بابين من طبقاته فقال: باب ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله وتخييره نساءه (3) وقال في باب آخر: ذكر ما هجر فيه رسول الله (ص) نساءه وتخييره اياهن (4). هذه الاحاديث إلى عشرات من امثالها في قصة التحريم والتخيير، الواردة في كتب الصحاح والسنن والسير والمسانيد تولد للباحث دوارا شديدا في محاولته معرفة الواقع التأريخي، كما تربك المؤرخ فيما إذا أراد الرجوع إلى أصح كتب الحديث لكتابة سيرة النبي (ص) وتشوش على المفسر في محاولته تفسير آي الذكر


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 182. (2) صحيح مسلم ج 2 / 1105. (3) طبقات ابن سعد ج 8 / 182. (4) طبقات ابن سعد ج 8 / 179.

[79]

الحكيم على ضوء الحديث النبوي الشريف، وتضيع على الفقيه جهده في استنباطه الأحكام استنادا إلى السيرة النبوية، إلا فيما إذا كان كل منهم يدرس موضوعه دراسة سطحية، ويعتمد على أول حديث يصادفه في إحدى أمهات كتب الصحاح والمسانيد، ويصدر حكمه القطعي استنادا إلى ما صادفه من حديث دونما تتبع وتنقيب عن غيره من الأحاديث المتناقضة في هذا الباب. ولعل المستشرق الأجنبي أبعد من كل هؤلاء عن فهم الواقع من حياة النبي (ص) وماذا عساه أن يفهم من الرجوع إلى هذه الأحاديث ؟ ! لقد وجدنا أم المؤمنين في أحاديثها الأولى عن التحريم تذكر أن سبب نزوهلا مراجعة نساء النبي إياه، ونجد أم المؤمنين تذكر في أحاديثها الأخيرة أن النبي هجر نساءه شهرا لأن زينب ردت عليه ماكان قد بعثه إليها، فقالت عائشة: لقد اقأت وجهك أن ترد عليك فغضب الرسول من ذلك وقال: " أنتن أهون على الله من أن تقمئنني لا أدخل عليكن شهرا " وليت شعري ما ذنب سائر أمهات المؤمنين أن يهجرهن الرسول (ص) شهرا لما قامت به ام المؤمنين عائشة وام المؤمنين زينب، وقد قال تعالى: (ولا تزر وازرة وزر أخرى) ؟ أضف إلى هذا أنها قالت: إن الرسول (ص) أمرها أن تراجع أبويها في التخيير، وكان التخيير في السنة الثامنة بينا أمها كانت قد توفيت في السنة الرابعة أو الخامسة أو السادسة من الهجرة، وبعد كل هذا هل أن قصة التخيير والمظاهرة هما قصة واحدة أم إنهما قصتان ؟ أما القرآن الكريم فإذا رجعنا إليه وحده - دون الاستئناس إلى الأحاديث المذكورة - فنجد أمر التخيير مذكورا في الآيات الاتية من سورة الأحزاب كالآتي: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين

[80]

امتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الاخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما) [الآية: 28 و 29] نجد الخطاب في هذه الايات إلى قوله تعالى: (واذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله والحكمة إن الله كان لطيفا خبيرا) [الاية: 34] موجها إلى جميع زوجات الرسول وليس فيه تهديد ووعيد وإنما تخيير بين الحياة الدنيا فيسرحهن سراحا جميلا، وبين اختيار الله ورسوله والدار الاخرة فيعد الله لهن أجرا حسنا. بينا الخطاب في سورة التحريم موجه إلى اثنتين فقط حيث قال: (إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجا خيرا منكن...) إلى آخر السورة، بما فيها من وعيد وتهديد، وأجمل ما فيها من التمثيل بامرأتين وامرأتين، كل ذلك يدل على أن قصة التخيير غير قصة المظاهرة والتي جاء كل منهما في سورة على حدة. * * * كان كل ذلكم في ما روي عن ام المؤمنين عائشة والخليفة الصحابي عمر بن الخطاب في قصتي التحريم والتخيير. وإذا رجعنا إلى ما روي عن غيرهما من الصحابة وجدنا: أولا - قصة التخيير: روى ابن سعد في باب " ذكر ما هجر فيه رسول الله (ص) نساءه وتخييره اياهن ": عن جارية بن أبي عمران قال: سمعت أبا سلمة الحضرمي يقول: جلست مع أبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وهما يتحدثان وقد ذهب بصر جابر فجاء رجل فسلم ثم جلس فقال: يا ابا عبد الله أرسلني إليك عروة ابن

[81]

الزبير أسألك فيم هجر رسول الله (ص) نساءه ؟ فقال جابر: تركنا رسول الله يوما وليلة لم يخرج إلى الصلاة فأخذنا ما تقدم وما تأخر، فاجتمعنا ببابه نتكلم ليسمع كلامنا ويعلم مكاننا، فأطلنا الوقوف فلم يأذن لنا ولم يخرج إلينا. قال: فقلنا: قد علم رسول الله مكانكم ولو أراد أن يأذن لكم لأذن، فتفرقوا لا تؤذوه. فتفرق الناس غير عمر بن الخطاب يتنحنح ويتكلم ويستأذن حتى أذن له رسول الله، قال عمر: فدخلت عليه وهو واضع يده على خده أعرف به الكآبة، فقلت: أي نبي الله بأبي أنت وأمي ما الذي رابك ؟ وما لقي الناس بعدك من فقدهم لرؤيتك ؟ فقال: يا عمر يسألنني أولاء ما ليس عندي، يعني نساءه، فذاك الذي بلغ مني ما ترى. فقلت: يا نبي الله قد صككت (1) جميلة بنت ثابت صكة ألصقت خدها منها بالأرض لانها سألتني ما لا أقدر عليه، وأنت يا رسول الله على موعد من ربك وهو جاعل بعد العسر يسرا. قال: فلم أزل أكلمه حتى رأيت رسول الله قد تحلل عنه بعض ذلك. قال: فخرجت فلقيت أبا بكر الصديق فحدثته الحديث فدخل أبو بكر على عائشة فقال: قد علمت أن رسول الله لا يدخر عنكن شيئا فلا تسألنه ما لا يجد، انظري حاجتك فاطلبيها إلي. وانطلق عمر إلى حفصة فذكر لها مثل ذلك، ثم اتبعا أمهات المؤمنين فجعلا يذكران لهن مثل ذلك حتى دخلا على أم سلمة فذكرا لها مثل ذلك، فقالت لها أم سلمة: ما لكما ولما هاهنا رسول الله (ص)، أعلى بأمرنا عينا ولو أراد أن ينهانا لنهانا، فمن نسأل إذا لم نسأل رسول الله ؟ هل يدخل بينكما وبين أهليكما أحد ؟ فا نكلفكما هذا. فخرجا من عندها، فقال ازواج النبي (ص) لأم سلمة: جزاك الله خيرا حين فعلت ما فعلت، ما قدرنا أن نرد عليهما شيئأ. ثم قال جابر لابي سعيد: ألم يكن الحديث هكذا ؟ قال: بلى وقد بقيت منه بقية. قال جابر: فأنا


(1) صكه: ضربه ضربا شديدا. وصك وجهه: لطمه.

[82]

آتي على ذلك إن شاء الله، ثم قال: فأنزل الله في ذلك: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا) يعني متعة الطلاق، ويعني بتسريحهن تطليقهن طلاقا جميلا (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة) تخترن الله ورسوله فلا تنكحن بعده أحدا. فانطلق رسول الله فبدأ بعائشة فقال: إن الله قد أمرني أن اخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الآخرة وبين أن تخترن الدنيا وزينتها، وقد بدأت بك فأنا أخيرك. قالت: اي نبي الله وهل بدأت بأحد منهن قبلي ؟ قال: لا. قالت: فإني أختار الله ورسوله والدار الآخرة فاكتم علي ولا تخبر بذاك نساءك. قال رسول الله (ص): بل أخبرهن. فأخبرهن رسول الله (ص) جميعا فاخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وكان خياره بين الدنيا والآخرة أن يخترن الآخرة أو الدنيا. قال: (وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما). فاخترن أن لا يتزوجن بعده. ثم قال: (يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة - يعني الزنى - يضاعف لها العذاب ضعفين - يعني في الاخرة - وكان ذلك على الله يسيرا * ومن يقنت منكن لله ورسوله - يعني تطع الله ورسوله (ص) - وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين - مضاعفا لها في الآخرة وكذلك العذاب - وأعتدنا لها رزقا كريما * يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض - يقول: فجور - وقلن قولا معروفا * وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى)، يقول: لا تخرجن من بيوتكن ولا تبرجن، يعني إلقاء القناع فعل أهل الجاهلية الأولى. فقال أبو سعيد: هذا الحديث على وجهه (1).


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 179 - 181.

[83]

كانت تلكم قصة التخيير، حدث عنها صحابيان ممن أدركا الواقعة بتفصيل واف، وبينا موقف الشيخين المشرف من ابنتيهما، وليس فيه ذكر للهجر والتحريم والطلاق مما لا مبرر للقيام به في هذه الواقعة، والتي تنتهي في يومين وليس في شهر وأن ما ذكراه يتناسب وسياق آيات التخيير. ثانيا - قصة المظاهرة والتحريم: وأما قصة المظاهرة والتحريم، فكالاتي بيانه: أخرج ابن سعد في باب " ذكر المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله (ص) وتخييره نساءه " من طبقاته بسنده إلى عروة بن الزبير قال: انطلقت حفصة إلى أبيها تحدث عنده، وأرسل رسول الله (ص) إلى مارية فظل معها في بيت حفصة وضاجعها، فرجعت حفصة من عند أبيها وأبصرتها فغارت غيرة شديدة، ثم إن رسول الله (ص) أخرج سريته فدخلت حفصة فقالت: قد رأيت ما كان عندك وقد والله سؤتني. قال النبي (ص): فإني والله لأرضينك، إني مسر إليك سرا فأخفيه لي، فقالت: ما هو ؟ قال: أشهدك أن سريتي علي حرام يريد بذلك رضا حفصة... الحديث (1). واخرج (2) عن ابن عباس يقول: خرجت حفصة من بيتها، وكان يوم عائشة، فدخل رسول الله (ص) بجاريته وهي مخمر وجهها فقالت حفصة لرسول الله (ص): أما إني قد رأيت ما


(1) طبقات ابن سعد ج 8 / 187 وط. اوربا ج 8 / 135. (2) طبقات ابن سعد ج 8 / 185 - 186 وج 8 / 1 34 ط. اوربا وفي مستدرك الحاكم عن انس: ان النبي (ص) كانت له امة يطأها فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرمها على نفسه... الحديث.

[84]

صنعت، فقال لها رسول الله (ص): فأكتمي عني وهي حرام، فانطلقت حفصة إلى عائشة فأخبرتها وبشرتها بتحريم القبطية، فقالت له عائشة: أما يومي فتعرس فيه بالقبطية، وأما سائر نسائك فتسلم لهن أيامهن ! فأنزل الله: (وإذ اسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا - لحفصة - فلما نبأت به وأظهره الله عليه عرف بضه وأعرض عن بعض فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير * إن تتوبا إذ الله فقد صغت قلوبكما - يعني عائشة وحفصة - وإن تظاهرا عليه - يعني حفصة وعائشة - فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير * عسى ربه إن طلقكن...) الآية. فتركهن رسول الله (ص) تسعا وعشرين ليلة ثم نزل: (يا أيها النبي لم تحزم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك والله غفور رحيم) فأمر فكفر يمينه وحبس نساءه عليه. وعن جبير بن مطعم قريبا من هذا (1). وعن القاسم بن محمد ايضا باختصار (2). وعن زيد بن أسلم أن النبي حرم أم إبراهيم فقال: " هي علي حرام، قال: والله لا أقربها "، قال: فنزل (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم...) الحديث (3). وعن مسروق قال: آلى رسول الله من أمته وحرمها فأنزل الله في الايلاء (قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم) وأنزل الله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) فالحرام هنا حلال (4). وأما، من هجرهن الرسول (ص)، وهل إنه هجر جميع نسائه تسعا


(1) ن. م، ج 8 / 186 - 187. وج 8 / 125 ط. اوربا. (2) ن. م، ج 8 / 187 و 213. وج 8 / 125 و 154 ط. اوربا. (3) طبقات ابن سعد ج 8 / 186. وج 8 / 124 ط. اوربا. (4) ن. م، ج 8 / 186 وج 8 / 134 ط. اوربا.

[85]

وعشرين يوما ؟ أو هجر بعضهن ؟ ففي حديث أم سلمة بيان ذلك فيما اخرجه أحمد في مسنده ومسلم في صحيحه واللفظ للاول: عن عكرمة بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته أن رسول الله (ص) حلف أن لا يدخل على بعض أهله شهرا، فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا عليهم (أو راح). فقيل له: حلفت يا نبي الله أن لا تدخل علينا شهرا ؟ فقال: إن الشهر تسعة وعشرون يوما.. (1). وفي سنن ابن ماجة وصحيح البخاري واللفظ للاول: عن أم سلمة أن رسول الله (ص) آلى من بعض نسائه شهرا فلما كان تسعة وعشرون يوما راح أو غدا. فقيل: يا رسول الله إنما مضى تسع وعشرون. فقال: الشهر تسع وعشرون (2). وهذا يتناسب وأصل الواقعة من قيام بعض أمهات المؤمنين بما سبب التحرجم فهجر الرسول (ص) تلكم البعض فحسب. إذن فهؤلاء الرواة يحدثون أن النبي (ص) كان قد وطا سريته مارية في بيت حفصة، فاستاءت من ذلك فحرمها على نفسه ابتغاء مرضاتها، وأسر ذلك إلى


(1) مسند احمد ج 6 / 315، وصحيح مسلم ج 2 / 764 كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعا وعشرين، وصحيح البخاري ج 3 / 174 كتاب النكاح باب هجرة النبي (ص) نساءه في غير بيوتهن، وكتاب المظالم ج 2 / 48 باب الغرفة والعلية. (2) سنن ابن ماجة ج 1 / 664 - 665 كتاب الطلاق باب الايلاء، وصحيح البخاري ج 2 / 48 كتاب المظلم باب الغرفة والعلية وكتاب النكاح ج 3 / 174 باب هجرة النبي (ص) نساءه في غير بيوتهن.

[86]

حفصة فأذاعته إلى عائشة. وفي بعض الروايات أن ذلك كان في يوم عائشة، وغير بعيد هذا القول لان النبي (ص) كان قد خصص لكل واحدة من زوجاته يوما وليلة، أما السرية فلم يكن لها يوم مخصوص ليقضي معها الرسول (ص) فلابد أنه كان يطؤها في يوم بعض أزواجه، ولما صادف ذلك في بيت حفصة ويوم عائشة، وكانتا متصافيتين فيما بينهما متظاهرتين على غيرهما، راجعتا النبي (ص) بذلك بشدة فحرم النبي (ص) السرية على نفسه، كل ذلك جائز والعقل يستسيغه. ويؤيد ذلك أن النبي (ص) لما هجرهن تسعا وعشرين ليلة مكث في العلية التي كان أسكنها مارية، والتي كيت بعد ذلك بمشربة أم إبراهيم يومين، كل ذلك جائز. وأما أنه كيف كان تظاهرهما الذي ذكره القرآن حين قال: (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه...) ؟ وما هو الأمر الذي أعرض عن ذكره الرسول (ص) تكرما ؟ فلا نطمتن إلى شئ مما حدثته الرواة في ذلك، فإن كان الرسول أعرض عن ذكره تكرما ولم يجبههم به، وأنهما ومن كان معهما لم يحدثوا ذلك لأحد فمن أين عرفه الرواة ؟ فقد وجدنا الخليفة عمر وأم المؤمنين عائشة لم يريا من الحكمة بيان ذلك في ما حدثوا عنه. أما ما قاله الرواة في ذلك فقد رووا عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: (وإذ أسر النبي إلى بعض أزواجه حديثا...). قال: اطلعت حفصة على النبي (ص) مع أم إبراهيم فقال: " لا تخبري عائشة " وقال لها: " إن أباك وأباها سيملكان أو سيليان بعدي فلا تخبري عائشة ". قال: فانطلقت حفصة فأخبرت عائشة، فأظهره الله عليه فعرف بعضه

[87]

وأعرض عن بعض... (فلما نبأت به) أي أخبرت به عائشة لمصافاة كانت بينهما، وكانتا متظاهرتين على نساء النبي (ص) (وأظهره الله عليه) أي أطلعه الله عليه ومعنى (عرف بعضه وأعرض عن بعض، عرف حفصة بعض ما أوحي إليه وأعرض عن بعض تكرما (1). عن الضحاك في قوله: (يا أيها النبي لم تحرم) كانت لرسول الله (ص) فتاة فغشيها فبصرت به حفصة، وكان اليوم عائشة وكانتا متظاهرتين، فقال رسول الله (ص): " اكتمي علي ولا تذكري لعائشة ما رأيت " فذكرت حفصة لعائشة فغضبت عائشة فلم تزل بنبي الله (ص) حتى حلف أن لا يقربها أبدا فأنزل الله هذه الآية، وأمره أن يكفر يمينه ويأتي جاريته (2). عن ابن عباس قوله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك) إلى قوله: (وهو العليم الحكيم) قال: كانت عائشة وحفصة متحابتين، وكانتا زوجتي النبي (ص)، فذهبت حفصة إلى أبيها فتحدثت عنده، فأرسل النبي (ص) إلى جاريته فظلت معه في بيت حفصة، وكان اليوم الذي يأتي فيه عائشة، فرجعت حفصة فوجدتهما في بيتها فجعلت تنتظر خروجهما وغارت غيرة شديدة فأخرج رسول الله (ص) جاريته، ودخلت حفصة فقالت: قد رأيت من كان عندك، والله لقد سؤتني فقال النبي (ص): لارضينك فإني مسر اليك سرا فاحفظيه قالت: ما هو ؟ قال: إني أشهدك أن سريتي هذه علي حرام رضا لك... (3) الحديث. عن ابن عباس قال: قلت لعمر بن الخطاب من المرأتان اللتان تظاهرتا ؟ * 0 هامش) * (1) راجع: تفسير القرطبي ج 18 / 186 - 187 في تفسير (التحريم) والسيوطي في الدر المنثور ج 6 / 241. (2) تفسير الطبري ج 28 / 102، تفسير سورة التحريم. (3) تفسير الطبري ج 28 / 101 تفسير سورة التحريم والسيوطي ج 6 / 239.

[88]

قال: عائشة وحفصة ؟ وكان بدء الحديث في شأن مارية أم إبراهيم القبطية، أصابها النبي (ص) في بيت حفصة في يومها فوجدت حفصة فقالت: يا نبي الله لقد جئت إلي شيئا ما جئته إلى أحد من أزواجك في يومي وفي دوري وعلى فراشي قال: ألا ترضين أن احرمها فلا أقربها ؟ قالت: بلى، فحرمها وقال: لا تذكري ذلك لأحد، فذكرته لعائشة فاظهره الله عزوجل عليه فأنزل الله: (يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك) الآيات كلها، فبلغنا أن رسول الله (ص) كفر عن يمينه وأصاب جاريته (1). وفي تفسير سورة التحريم من القرطبي (2). روى الدارقطني عن ابن عباس، عن عمر: دخل رسول الله (ص) بأم ولده مارية في بيت حفصة، فوجدته حفصة معها - وكانت حفصة غابت إلى بيت أبيها - فقالت له: تدخلها بيتي ! ما صنعت بي هذا من بين نسائك إلا من هواني عليك، فقال لها: " لا تذكري هذا لعائشة فهي علي حرام إن قربتها " قالت حفصة: وكيف تحرم عليك وهي جاريتك ؟ فحلف لها ألا يقربها، فقال النبي (ص): " لا تذكريه لأحد " فذكرته لعائشة فآلى لا يدخل على نسائه شهرا فاعتزلهن تسعا وعشرين ليلة، فأنزل الله عزوجل: (لم تحرم ما احل الله لك) الآية. وفي رواية ابن عباس بكنز العمال: حتى إذا كان يوم حفصة قالت: يا رسول الله إن لي حاجة إلى أبي فأذن لي آيته، فأذن لها، ثم أرسل إلى مارية جاريته فأدخلها بيت حفصة، فوقع عليها، فقالكت حفصة: فوجدت الباب مغلقا


(1) كنز العمال ج 2 / 332 - 339 من تفسير سورة التحريم والحديث (1786)، والدر المنثور للسيوطي ج 6 / 239 والطبري في تفسير سورة التحريم ج 28 / 102. (2) تفسير القرطبي ج 18 / 178 تفسير سورة التحريم. (*)

[89]

فجلست عند الباب فخرج رسول الله (ص) وهو فزع ووجهه يقطر عرقا وحفصة تبكي، فقال: " ما يبكيك " ؟ قالت: إنما أذنت لي من أجل هذا ؟ أدخلت أمتك بيتي، ثم وقعت عليها على فراشي، ما كنت تصنع هذا بامرأة منهن، أما والله لا يحل لك هذا يا رسول الله ! فقال: " والله ما صدقت، اليس هي جاريتي وقد أحلها الله لي ؟ أشهدك أنها علي حرام ألتمس رضاك، لا تخبري بهذا امرأة منهن، فهي عندك أمانة " فلما خرج رسول الله (ص) قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا ابشرك أن رسول الله (ص) قد حرم عليه أمته، وقد أراحنا الله تعالى منها، فأنزل الله.... الديث (1). عن زيد بن أسلم (2) أن رسول الله (ص) أصاب أم ولده إبراهيم في بيت بعض نسائه قال: فقالت: أي رسول الله في بيتي وعلى فراشي ! فجعلها عليه حراما. فقالت: يا رسول الله كيف تحرم عليك الحلال ؟ فحلف لما بالله لا يصيبها فأنزل الله عزوجل: (يا أيها النبي...) الاية. قال زيد: فقوله: انت علي حرام لغو (3). قال ابن زيد في قوله: (يا أيها النبي لم تحرم) قال: إنه وجدت امرأة من نساء رسول الله (ص) ورسول الله مع جاريته في بيتها، فقالت: يا رسول الله أني


(1) كنز العمال ج 2 / 535 - 537 ط. مؤسسة الرسالة في تفسير سورة التحريم وج 2 / 340 - 341 ط. حيدر آباد. (2) الطبري في تفسيره ج 28 / 100 تفسير سورة التحريم. (3) وهناك 14 حديثا في الباب أنها نزلت في تحريم الجارية، راجع تفسير الطبري ج 28 / 100 - 101.

[90]

كان هذا الأمر، وكنت أهونهن عليك ؟ فقال لها رسول الله (ص): " اسكتي لا تذكري هذا لأحد، هي علي حرام إن قربتها بعد هذا أبدا "، فقالت: يا رسول الله وكيف تحرم عليك ما أحل الله لك حين تقول: هي علي حرام أبدا ؟ فقال: " والله لا أتيها أبدا... " الحديث.

[91]

خلاصة بحثي التحريم والتخيير ونتيجتهما أ - قصة التحريم: نزلت سورة التحريم في شأن امي المؤمنين عائشة وحفصة بسبب ان رسول الله (صى) أصاب جاريته مارية في يوم عائشة وبيت حفصة فتألمت حفصة من ذلك فحرم الرسول (ص) مارية على نفسه تطييبا لخاطرها، واستكتمها الخبر فأنبأت أم المؤمنين عائشة بذلك وتظاهرتا على رسول الله (ص) فانبأه الله على ما تظاهرتا عليه، فأنبأ الرسول حفصة ببعض ما تظاهرتا عليه واعرض عن ذكر بعض ما انبأه الله لها تكرما، ثم خاطبهما الله وقال: (ان تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكا وان تظاهرا عليه فان الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين والملائكة بعد ذلك ظهير) ثم تهديد بالتطليق في الدنيا وبعد ذلك تهديد بعذاب الآخرة، ودعوة ثانية لعامة المؤمنين بالتوبة النصوح اي الخالصة من التردد وبتخويف وتهديد بعذاب الآخرة، وذكر لحال النبي (ص) والذين آمنوا معه يومذاك، ثم ضرب مثلا بسوء عاقبة زوجتي رسولين خانتا زوجيهما في مقابل حسن عاقبة مؤمنتين. * * * كان ذلكم خلاصة ما جاء في سورة التحريم، واجمعت الروايات وتواترت عن غير أم المؤمنين عائشة ان المتظاهرتين على رسول الله (ص) هما أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة. واختلفت روايات أم المؤمنين عائشة في ذكر

[92]

المتظاهرة الثانية معها، وذكرت ان الذي حرمه الرسول (ص) على نفسه هو العسل، ولا يليق بعظمة الباري جل اسمه وحكمته ان يجيش لهذا الأمر ملائكته وصالح المؤمنين. ولا يتفق محتوى الآيات والتنصيص على ان المظاهرتين كانتا اثنتين مع رواية الخليفة عمر بأن الرسول (ص) طلق جميع أزواجه بسبب مطالبتهن الرسول (ص) بأكثر مما يتيسر له من النفقة، وانما يناسب ذلك آيات التخيير التي أمر الله جل اسمه رسوله (ص) أن يخير أزواجه بين أن يمتعهن ويسرحهن سراحا جميلا. إن أردن الدنيا وزينتها وبين أن يخترن الله ورسوله والدار الآخرة التي أعد للمحسنات منهن فيها أجرا عظيما. ب - قصة التخيير: نعرف حقيقة قصة التخيير مما ذكره الصحابي جابر في الأمر أن الرسول (ص) لم يحفر لصلاة الجاعة في مسجده يوما وليلة وان الخليفة عمر استأذن النبي (ص) فدخل وأخبره النبي بان ازواجه يطالبنه من النفقة ما ليس عنده، وانه وأبا بكر طلبا من ابنتيهما أن لا تطالبا الرسول (ص) ما لا يتيسر له انفاقه عليهما، وبعدها يخاطبان سائر أزواج الرسول (ص) بذلك فجابهتهما أم سلمة بقولها: ما لكما ولما هاهنا رسول الله (ص) أعلى بامرنا... الحديث. فأنزل الله تعالى في هذا الشأن قوله الكريم: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين امتعكن واسرحكن سراحا جميلا - يعني متعة الطلاق - وان كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة...) الاية. فبدأ بعائشة فقال: إن الله أمرني أن أخيركن بين أن تخترن الله ورسوله والدار الاخرة وبين أن تخترن الدنيا وزينتها وقد بدأت بك فانا اخيرك فقالت: فاني اختار الله ورسوله والدار

[93]

الاخرة اكتم علي ولا تخبر بذلك نساءك قال: " بل اخبرهن " واخبرهن واخترن جميعا الله ورسوله والدار الآخرة، ولا يمتد زمان هذه الواقعة أكثر من يوم وليلة، ولم يشتهر فيها انه طلق نساءه فيما وانما الطلاق يناسب شأن المتظاهرتين عليه، وفيها قال الله تعالى: (عسى ربه ان طلقكن ان يبدله أزواجا خيرا منكن...) فحلف الرسول (ص) أن لا يدخل عليهما شهرا تأديبا لهما، ولعله كان يذهب في نوبتهما إلى مشربة مارية. ولما تم تسع وعشرون ليلة دخل في نوبتهما في بيتيهما وكان غاية الدعاية في خلط القصتين في بعض الروايات الدفاع عن حرمة أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة.

[94]

ج - روايات المسابقة والتيمم والافك قال المقريزي في غزوة المريسيع: كان حديث الافك، وذلك ان رسول الله (ص) نزل منزلا ليس معه ماء وسقط عقد عائشة (رض) من عنقها، فأقام (ص) بالناس حتى أصبحوا وضجر الناس وقالوا: حبستنا عائشة، فضاق بذلك أبو بكر وعاتب عائشة عتابا شديدا، ونزلت آية التيمم... ثم ساروا ونزلوا موضعا دمثا طيبا ذا أراك فقال رسول الله (ص): " يا عائشة ! هل لك في السباق " ؟ قالت: نعم، فتحزمت ثيابها وفعل ذلك رسول الله (ص)، ثم استبقا، فسبق (ص) عائشة (رض)، فقال: (هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتني ". وكان جاء إلى منزل أبي بكر، ومع عائشة شئ فقال: " هلميه " فأبت وسعت وسعى في أثرها فسبقته.... وكان يرحل بعير عائشة أبو مويهبة ورجل آخر، وكانت تقعد في هودج... ثم ذكر قصة الافك (1). وقال ابن سعد بعد ايراده خبر غزوة بني المصطلق: وفي هذه الغزاة سقط عقد لعائشة فاحتبسوا على طلبه، فنزلت آية التيمم، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر.


(1) امتاع الاسماع للمقريزي ص 206 - 207.

[95]

وفي هذه الغزاة كان حديث عائشة وقول أهل الافك فيها. قال: وأنزل الله تبارك وتعالى براءتها. وغاب رسول الله (ص) في غزاته هذه ثمانية وعشرين يوما وقدم المدينة لهلال شهر رمضان (1). وتفصيل الاخبار في كتب الحديث كالآتي بيانها باذنه تعالى:


(1) طبقات ابن سعد ج 2 / 65 ط. بيروت.

[96]

أولا - حديث المسابقة أخرج أحمد حديث المسابقة بأربعة أسانيد في مسنده (1). عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: خرجت مع النبي (ص) في بعض أسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا، فتقدموا، ثم قال لي: تعالي حتى اسابقك، فسابقته فسبقته فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت، خرجت معه في بعض أسفاره فقال للناس: تقدموا، فتقدموا ثم قال: تعالي حتى اسابقك فسابقته فسبقني، فجعل يضحك وهو يقول: هذه بتلك. عن أبي سلمة مثله (2). وعن هشام، عن أبيه أيضا قريبا منه (3). وعن القاسم بن محمد، عن عائشة باختصار (4). * * * كانت تلكم أحاديث المسابقة في مسند أحمد. وفي ما يأتي حديث التيمم بإذنه تعالى.


(2 و 3 و 4 و 5) مسند احمد ج 6 / 264 و 280 و 39 و 182 و 129 و 261 وراجع منتخب الكنز ج 6 / 173 وفي عيون الاخبار ج 1 / 315 بسنده إلى ابي سلمة وفي سنن ابن ماجة ص 635 كتاب النكاح باب حسن المعاشرة عن هشام عن ابيه موجز الحديث.

[97]

ثانيا - حديث التيمم: في صحيحي البخاري ومسلم وسنن النسائي وسنن الدارمي وسنن ابن ماجة وموطأ مالك ومسند أحمد وأبي عوانة واللفظ للاول: عن عائشة انها استعارت من أسماء قلادة فهلكت، فأرسل رسول الله (ص) ناسا من أصحابه في طلبها فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء فلما أتوا النبي (ص) شكوا ذلك إليه فنزلت آية التيمم فقال أسيد بن حضير: جزاك الله خيرا فوالله ما نزل بك أمر قط إلا جعل الله لك منه مخرجا وجعل للمسلمين فيه بركة (1). وفي مسند أحمد: عن عبد الله بن الزبير، عن عائشة زوج النبي (ص): أقبلنا مع رسول الله (ص) في بعض أسفاره حتى إذا كنا بتربان بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال وهو بلد لاماء به... الحديث. وفيه أن أباها قال لها: والله ما علمت يا بنية انك لمباركة، ماذا جعل الله


(1) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب فضل عائشة 2 / 308، وصحيح مسلم، كتاب الحيض، الحديث رقم 109، ج 1 / 279، وسنن النسائي، كتاب الطهارة، باب بدء التيمم 1 / 163 - 164، وسنن الدارمي، كتاب الوضوء، باب التيمم مرة 1 / 190 - 191، وموطأ مالك، كتاب الطهارة، باب في التيمم، ح: 89، ج 1 / 53 - 54، ومسند أحمد 6 / 176، وسنن ابن ماجة، كتاب الطهارة، ح: 568، ج 1 / 188، ومسند أبي عوانة 1 / 302.

[98]

للمسلمين في حبسك اياهم من البركة واليسر (1).


(1) مسند أحمد ج 6 / 272 وفي مادة تربان من معجم البلدان.

[99]

ثالثا - حديث الافك أ - في صحيح البخاري ومسلم ومسند أحمد (1) واللفظ للأول: عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: كان رسول الله (ص) إذا أراد أن يخرج أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله (ص) معه. قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها فخرج سهمي فخرجت مع رسول الله (ص) بعد ما نزل الحجاب فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله (ص) من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلم قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي من جزع ظفار (2) قد انقطع فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه، وأقبل الرهط الذين كانوا


(1) أخرج هذه الرواية كل من البخاري ج 6 / 127 في باب (لو لا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بانفسم خيرا) من تفسير سورة النور ط. بيروت دار التراث العربي، وفي باب حديث الافك من كتاب المغازي ج 3 / 26 - 28. ومسلم في (باب في حديث الافك) من كتاب التوبة ج 8 / 112 - 118. وفي مسند أحمد ج 6 / 194 - 198 والطبري في تفسيره بسندهم إلى الزهري قال: حدثني عروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب، وعلقمة بن وقاص الليثي، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن حديث عائشة (رض) زوج النبي (ص) حين قال لما أهل الافك ما قالوا فبرأها الله مما قالوا: وكل حدثني طائفة من الحديث وبعض حديثهم يصدق بعضا وان كان بعضهم اوعى له من بعض. الحديث. (2) الجزع: الخزر اليماني وظفار: بلد باليمن.

[100]

يرحلون لي فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت ركبت وهم يحسبون اني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهن اللحم انما تأكل العلقة (1) من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وكنت جارية... حديثة السن فبعثوا الجمل وساروا، فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فاقمت في منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إلي، فبينما أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الزكواني - عرس - (2) من وراء الجيش فأدلج فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني فعرفني حين رآني وكان يراني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمرت وجهي بجلبابي والله ما كلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ عل يديها فركبتها فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة (3) فهلك من هلك وكان الذي تولى الافك عبد الله بن أبي بن سلول فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرا والناس يفيضون في قول أصحاب الافك لا أشعر بشئ من ذلك وهو يريبني في وجعي اني لا أعرف من رسول الله (ص) اللطف الذي كنت أرى منه حين اشتكي، إنما يدخل علي رسول الله (ص) فيسلم ثم يقول: كيف تيكم ؟ ثم ينصرف فذاك الذي يريبني ولا أشعر، حتى خرجت بعدما نقهت فخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (4) وهو متبرزنا، وكنا لا نخرج إلا ليلا


(1) البلغة: البلغة من الطعام. (2) في رواية مسلم. وعرس في السفر: نزل آخر الليل لنوم أو استراحة، أدلج: سار آخر الليل. (3) في نحر الظهيرة: نحر الظهيرة حين تبلغ الشمس منتهاها من ارتفاع كأنها وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر. (4) المناصع: هي المواضع التي يختلى فيها لقضاء الحاجة واحدها منصع.

[101]

إلى ليل، وذلك قبل ان نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التبرز قبل الغائط، فكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا. فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رهم بن عبد مناف وأمها بنت صخر بن عامر خالة ابي بكر الصديق وابنها مسطح بن اثاثة، فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي قد فرغنا من شأننا فعثرت أم مسطح في مرطها فقالت: تعس مسطح. فقلت لها: بئس ما قلت أتسبين رجلا شهد بدرا ؟ قالت: أي هنتاه (1) أو لم تسمعي ما قال ؟ قلت: وما قال ؟ قالت: فأخبر تني بقول أهل الافك فازددت مرضا على مرضي، قالت: فلما رجعت إلى بيتي ودخل علي رسول الله (ص) - تعني سلم - ثم قال: كيف تيكم ؟ فقلت: أتأذن لي أن آتي أبوي ؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما، قالت: فأذن لي رسول الله (ص) فجئت أبوي فقلت لأمي: يا أمتاه ما يتحدث الناس ؟ قالت: يا بنية هوني عليك فو الله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن عليها، قالت: فقلت: سبحان الله ولقد تحدث الناس بهذا ؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي، فدعا رسول الله (ص) علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي يستأمر هما فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله (ص) بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله أهلك وما نعلم إلا خيرا، وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، تسأل الجارية تصدقك، قالت: فدعا رسول الله (ص) بريرة فقال: أي


(1) أي هنتاه: يا امرأة، يا هذه، يا بلهاء.

[102]

بريرة هل رأيت شئ يريبك ؟ قالت بريرة: لا والذي بعثك بالحق ان رأيت عليها أمرا أغمصه (1) عليها أكثر من انها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن (2) فتأكله، فقام رسول الله (ص) فاستعذر يومئذ عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي، فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا. ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي، فقام سعد بن معاذ الانصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك. قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا، ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر ألله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا ان يقتتلوا ورسول الله (ص) قائم على المنبر فلم يزل رسول الله (ص) يخفضهم حتى سكتوا وسكت، قالت: فمكثت يومي ذلك لا يرقا لي دمع ولا أكتحل بنوم، قالت: فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويوما لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنان أن البكاء فالق كبدي، قالت: فبينما ما جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لما فجلست تبكي معي، قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله (ص) فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل قبلها وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني،


(1) اغمصه: اعيبه عليها. (2) الداجن: هو الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم وقد يسمى به كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها.

[103]

قالت: فتشهد رسول الله (ص) حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة فانه قد بلغني عنك كذا وكذا فان كنت بريئة فسيبرئك الله وان كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه فان العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه، قالت: فلما قضى رسول الله أص) مقالته قلص دمعي حتى ما احس منه قطرة فقلت لأبي: أجب رسول الله (ص) فيما قال: قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله (ص) فقلت لأمي: أجيبي رسول الله (ص) قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله (ص) قالت: فقلت وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن: اني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به، فلئن قلت لكم انى بريئة والله يعلم اني بريئة لا تصدقوني والله ما أجد لكم مثلا إلا قول أبي يوسف: (فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا حينئذ أعلم اني بريئة وان الله مبرئني ببرأتي ولكن والله ما كنت اظن ان الله ينزل في شأني وحيا يتلى، ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) في النوم رؤيا يبرئني الله بها، قالت: فو الله ما قام رسول الله (ص) ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء (1) حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه قالت: فلما سري عن رسول الله (ص) وسري عنه وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها: يا عائشة اما الله عزوجل فقد برأك، فقالت أمي: قومي إليه، قالت: فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمد إلا الله عزوجل وأنزل الله: (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم) العشر الآيات كلها، فلم أنزل الله هذا في براءتي قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن اثاثة لقرابته منه وفقره -: والله


(1) البرحاء: الشدة.

[104]

لا أنفق على مسطح شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة ما قال. فانزل الله: (ولا يأتل اولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا اولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا الا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم) قال أبو بكر: بلى والله اني أحب أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدا، قالت عائشة: وكان رسول الله (ص) سأل زينب بنت جحش عن أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت ؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري، والله ما علصت إلا خيرا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي (ص) فعصمها الله بالورع، قالت: وطفقت أختها حمنة تحارب لما فهلكت في من هلك من أصحاب الافك. ب - وأخرج البخاري (1) ومسلم في قصة الافك أيضا عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي عن عائشة قالت: لما ذكر من شأني الذي ذكر وما علمت به قام رسول الله (ص) في الناس خطيبا... ثم قال: فقام سعد بن معاذ فقال: ائذن لي يا رسول الله أن نضرب أعناقهم، وقام رجل من بني الخزرج وكانت ام حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل فقال: كذبت... ولما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي ومعي أم مسطح فعثرت فقالت: تعس مسطح... ثم عثرت الثالثة فقالت: تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله ما أسبه إلا فيك. قلت: في أي


(1) صحيح البخاري، كتاب التفسير، تفسير سورة النور، باب (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة...)، ج 3 / 112 و 113 وج 6 / 135 - 136 وهذا سنده: وقال أبو أسامة عن هثام بن عروة... واللفظ له، واخرجه مسلم في باب الافك من صحيحه وهذا سنده: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وممد بن العلاء قالا: ثنا أبو أسامة... الحديث ج 8 / 118 وط. تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ص 2129 - 2130، والطبري في تفسيره 18 / 74 - 76، والترمذي ج 2 / 388

[105]

شأني ؟... فبقرت (1) لي الحديث، فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت لا أجد منه لا قليلا ولا كثيرا ووعكت فقلت لرسول الله: أرسلني إلى بيت أبي فأرسل معي الغلام... فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل... قال: أقسمت عليك أي بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت... وبلغ الأمر إلى ذلك الرجل الذي قيل له، فقال: سبحان الله، والله ما كشفت كنف (2) انثى قط، قالت عائشة: فقتل شهيدا في سبيل الله، قالت: وأصبح أبواي عندي فلم يزالا حتى دخل رسول الله (ص)... فحمد ثم قال: اما بعد يا عائشة ان كنت قارفت سوءا أو ظلمت فتوبي... قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي (3) من هذه المرأة ؟... تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: اما بعد... وانزل على رسول الله (ص)... إلى قولها: وكان الذي يتكلم فيه مسطح وحسان ابن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي وهو الذي كان يستوشيه (4) ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة... الحديث. يختلف هذا الحديث عن الذي قبله من وجوه منها انه جاء في الحديث الأول قصة خروجها للتبرز وكلام أم مسطح معها بعد المرض، وفي الحديث الثاني ذكر أن مرضها كان بعد اخبار أم مسطح لها، ويظهر من هذا وغيره مما ينتبه إليه القارئ فيما إذا قارن بين الديثين من وجوه الاختلاف. ومضافا إلى هذين الحديثين، قد جاء في مسند أحمد (5) طرف من حديث الافك بسند ابنه عبد الله إلى


(1) بقرت لي الحديث: فتحته. (2) كنف الانسان: حظنه. (3) كلمة نابية ولا أرى أم المؤمنين كانت تجابه الرسول (ص) بمثلها. (4) استوشى الحديت: بحث عنه وجمعه. (5) مسند احمد ج 6 / 103.

[106]

عمر عن أبيه عن عائشة.... ج - في صحيح البخاري بسنده عن الزهري: قال لي الوليد بن عبد الملك: ابلغك أن عليا كان فيمن قذف عائشة ؟ قلت: لا. ولكن قد أخبرني رجلان من قومك أبو سلمة بن عبد الرحمن وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث أن عائشة قالت لهما: كان علي مسلما في شأنها (1). د - في صحيح البخاري عن هشام بن عروة عن ابيه، عن ام المؤمنين عائشة قالت: فقام رسول الله (ص) فاستعذر يومئذ من عبد الله بن أبي بن سلول. قالت: فقال رسول الله (ص) وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي فو الله ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي. فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه إن كان من الأوس ضربت عنقه وان كان من اخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت: فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن احتملته الحمية فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله ولا تقدر على قتله، فقام أسيد ابن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين، فتثاور الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله (ص) قائم على المنبر فلم يزل رسول الله (ص) يخفضهم حتى سكتوا وسكت (2). ه‍ - في سنن ابن ماجة وأبي داود والترمذي ومسند أحمد واللفظ للأول: عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: لما نزل عذري، قام رسول الله (ص) على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن. فلما نزل أمر برجلين وامرأة فضربوا


(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الافك 3 / 28. (2) صحيح البخاري ج 3 / 111 في تفسير سورة النور، وكتاب المغازي ج 3 / 27.

[107]

حدهم (1). وفي سنن أبي داود بسنده: فأمر برجلين وامرأة ممن تكلم بالفاحشة حسان ابن ثابت ومسطح بن اثاثة، قال النفيلي: ويقولون المرأة حمنة بنت جحش. وفي سنن الترمذي عن عروة عن عائشة مثله. وفي صحيح البخاري: وشاور عليا وأسامة في ما رمى به أهل الافك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمر الله (2). وفي مغازي الواقدي بسنده عن عباد بن عبد الله بن الزبير عن عائشة. كانت تلكم روايات أم المؤمنين عائشة في اوثق كتب الحديث والسيرة والتفسير عن قصتي التيمم والافك ونجد لرواياتها صدى في احاديث غيرها، كما نورد أمثله منها في ما يأتي بأذنه تعالى. أصداء روايات أم المؤمنين في احاديث غيرها: أ - في حديث الخليفة عمر بن الخطاب. روى السيوطي في تفسير الآيات بسنده عن الخليفة عمر انه قال: كان رسول الله (ص) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه ثلاثا فن أصابتها القرعة خرج بها معه، فلما غزا بني المصطلق أقرع بينهن فأصابت عائشة وأم سلمة فخرج بهما معه، فلما كانوا في بعض الطريق مال رحل أم سلمة فأناخوا بعيرها ليصلحوا


(1) سنن ابن ماجة، باب حد القذف، ص 857، وسنن أبي داود، باب حد القذف، الحديث 4447، و 4475، 4 / 162، وفي سنن الترمذي، كتاب التفسير، تفسير سورة النور 2 / 57، ومسند احمد 6 / 35. (2) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث الافك 3 / 27 - 28.

[108]

رحلها، وكانت عائشة تريد قضاء حاجة فلما أبركوا إبلهم قالت عائشة: فقلت في نفسي: إلى ما يصلح رحل أم سلمة أقضي حاجتي، قالت: فنزلت من الهودج ولم يعلموا بنزولي فأتيت خربة فانقطعت قلادتي فاحتبست في جمعها ونظامها، ولجت القوم إبلهم ومضوا وظنوا اني في الهودج، فخرجت ولم أر أحدا فاتبعتهم حتى اعييت، فقلت في نفسي: ان القوم سيفقدوني ويرجعون في طلبي فقمت على بعض الطريق، فمر بي صفوان بن المعطل وكان سأل النبي (ص) أن يجعله على الساقة فجعله، وكان إذا رجا الناس قام ليصلي ثم اتبعهم فما سقط منهم من شئ حمله حتى يأتي به أصحابه، قالت عائشة: فلما مر بي ظن أني رجل فقال: يا نومان قم فان الناس قد مضوا، فقلت: اني لست رجلا أنا عائشة قال: إنا لله وإنا إليه راجعون ثم أناخ بعيره فعقل يديه ثم ولى عني فقال: يا أمه قومي فاركبي فإذا ركبت فآذنيني، قالت: فركبت فجاء حتى حل العقال ثم بعث جمله فأخذ بخطام الجمل، قال عمر: فما كلمها كلاما حتى أتى بها إلى رسول الله (ص) فقال عبد الله ابن أبي بن سلول للناس: فجر بها ورب الكعبة وأعانه على ذلك حسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة، وشاع ذلك في العسكر فبلغ ذلك النبي (ص) فكان في قلب النبي (ص) مما قالوا حتى رجعوا إلى المدينة، واشاع عبد الله بن أبي هذا الحديث في المدينة واشتد ذلك على رسول الله (ص) قالت عائشة: فدخلت ذات يوم أم مسطح فرأتني وأنا أريد المذهب فحملت معي السطل وفيه ماء فوقع السطل منها فقالت: تعس مسطح قالت لها عائشة: سبحان الله تسبين رجلا من أهل بدر وهو ابنك، قالت لها أم مسطح: انه سال بك السيل وأنت لا تدرين وأخبرتها بالخبر، قالت: فلما اخبرتني اخذتني الحمى بنافض مما كان ولم أجد للمذهب قالت عائشة: وقد كنت أرى من النبي (ص) قبل ذلك جفوة ولم أدر من أي شئ هو، فلما حدثتني أم مسطح علمت أن جفوة رسول الله (ص) من ذاك،

[109]

فلما دخل علي قلت: أتأذن لي أن أذهب إلى أهلي ؟ قال: اذهبي، فخرجت عائشة حتى أتت أباها، فقال: مالك ؟: قالت: اخرجني رسول الله (ص) من بيته، قال لها أبو بكر: فاخرجك رسول الله (ص) من بيته وآويك أنا والله لا آويك حتى يأمر رسول الله (ص) فأمره رسول الله (ص) ان يؤويها، فقال لها أبو بكر: والله ما قيل لنا هذا في الجاهلية قط فكيف وقد أعزنا الله بالاسلام ؟ فبكت عائشة وأمها أم رومان وأبو بكر وعبد الرحمن وبكى معهم أهل الدار، وبلغ ذلك النبي (ص) فصعد المنبر فحمد الله واثنى عليه فقال: يا أيها الناس من يعذرني ممن يؤذيني ؟ فقام إليه سعد بن معاذ وسل سيفه وقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه، ان يكن من الأوس أتيتك برأسه وان يكن من الخزرج أمرتنا بأمرك فيه، فقام سعد بن عبادة فقال: كذبت والله ما تقدر على قتله انما طلبتنا بذحول كانت بيننا وبينكم في الجاهلية، فقال هذا: يا للأوس وقال هذا: يا للخزرج فاضطربوا بالنعال والهجارة فتلاطموا فقام اسيد بن حضير فقال: فيم الكلام هذا رسول الله (ص) يأمرنا بأمره فنفعله عن رغم انف منا، ونزل جبريل وهو على المنبر فلما اسري عنه تلا عليهم ما نزل به جبريل: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا، إلى آخر الاية، فصاح الناس: رضينا بما انزل الله وقام بعضهم إلى بعض وتلازموا أو تصايحوا فنزل النبي (ص) عن المنبر، وابطا الوحي في عائشة فبعث النبي (ص) إلى علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد وبريدة وكان إذا أراد ان يستشير في أمر أهله لم يعد عليا وأسامة بن زيد بعد موت أبيه، فقال لعلي: ما تقول في عائشة فقد اهمني ما قال الناس ؟ قال: يا رسول الله قد قال الناس وقد حل لك طلاقها، وقال لأسامة: ما تقول أنت ؟ قال: سبحان الله ما يحل لنا ان نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم، قال لبريرة: ما تقولين يا بريرة ؟ قالت: والله يا رسول الله ما علمت على أهلك إلا خيرا إلا أنها أمرأة نؤوم تنام حتى تجئ الداجن فتأكل عجينها

[110]

وان كان شئ من هذا ليخبرنك الله، فخرج النبي (ص) حتى أتى منزل أبي بكر فدخل عليها فقال: يا عائشة ان كنت فعلت هذا الأمر فقولي لي حتى استغفر الله لك، فقالت: والله لا استغفر الله منه أبدا ان كنت قد فعلته فلا غفر الله لي وما أجد مثلي ومثلكم إلا مثل أبي يوسف. اذهب اسم يعقوب من الاسف (1) (قال انما اشكو بثي وحزني إلى الله واعلم من الله ما لا تعلمون) فبينا رسول الله (ص) يكلها إذ نزل جبريل بالوحي فاخذت النبي (ص) نعسة فسري وهو يبتسم فقال: يا عائشة ان الله قد أنزل عذرك، فقالت: بحمد الله لا بحمدك، فتلا عليها سورة النور إلى الموضع الذي انتهى إليه عذرها وبراءتها، فقال رسول الله (ص): قومي إلى البيت، فقامت وخرج رسول الله (ص) إلى المسجد، فدعا أبا عبيدة بن الجراح فجمع الناس ثم تلا عليهم ما أنزل الله من البراءة لعائشة، وبعث إلى عبد الله بن أبي فجئ به ففربه النبي (ص) حدين وبعث إلى حسان ومسطح وحمنة فضربوا ضربا وجيعا ووجى في رقابهم. قال ابن عمر: انما ضرب رسول الله (ص) عبد الله بن أبي حدين لانه من قذف أزواج النبي (ص) فعليه حدان. فبعث أبو بكر إلى مسطح: لا وصلتك بدرهم أبدا ولا عطفت عليك بخير أبدا ثم طرده أبو بكر وأخرجه من منزله، ونزل القرآن: (ولا يأتل اولو الفضل منكم) إلى آخر الآية، فقال أبو بكر: اما إذ نزل القرآن يأمرني فيك لاضاعفن لك. وكانت امرأة عبد الله بن أبي منافقة معه فنزل القرآن: (الخبيثات) يعني امرأة عبد الله (للخبيثين) مع عبد الله (والخبيثون للخبيثات) عبد الله وامرأته (والطيبات) يعني عائشة وأزواج النبي (ص) (للطيبين) يعني


(1) هكذا في الأمل.

[111]

النبي (ص) (1). ب - أيضا أخرج السيوطي في تفسير الآية عن ابن عباس أنه قال: إن النبي (ص) كان إذا سافر جاء ببعض نسائه وسافر بعائشة وكان لها هودج وكان الهودج له رجال بجملونه ويضعونه، فعرس رسول الله (ص) وأصحابه وخرجت عائشة للحاجة فباعدت فلم يعلم بها فاستيقظ النبي (ص) والناس قد ارتحلوا. وجاء الذين يحملون الهودج فحملوه فلم يعلموا إلا أنها فيه فساروا. وأقبلت عائشة فوجدت النبي (ص) والناس قد ارتحلوا فجلست مكانها فاستيقظ رجل من الأنصار (2) يقال له صفوان بن معطل وكان لا يقرب النساء فتقرب منها ومعه بعير له، فلما رآها وكان قد عرفها وهي صغيرة قال: أم المؤمنين ؟ ولوى وجهه وحملها ثم أخذ بخطام الجمل وأقبل يقوده حتى لحق الناس والنبي (ص) قد نزل وفقد عائشة، فاكثروا القول وبلغ ذلك النبي (ص) فشق عليه حتى اعتزلها. واستشار فيها زيد بن ثابت وغيره فقال: يا رسول الله دعها لعل الله يحدث أمره فيها. فقال علي بن أبي طالب: النساء كثير. وخرجت عائشة ليلة تمشي في نساء فعثرت أم مسطح فقالت: تعس مسطح، قالت عائشة: بئس ما قلت، فقالت: انك لا تدرين ما يقول فاخبرتها فسقطت عائشة مغشيا عليها، ثم أنزل الله: (إن الذين جاءوا بالافك)


(1) الدر المنثور ج 5 / 28 - 29. (2) يبدو ان الراوي يخلط كثيرا فان صفوان لم يكن من الأنصار.

[112]

الآيات. وكان أبو بكر يعطي مسطحا ويصله ويبره فحلف أبو بكر لا يعطيه فتزل: (ولا يأتل أولو الفضل منكم) الاية، فأمره النبي (ص) أن يأتيها ويبشرها فجاء أبو بكر فأخبرها بعذرها وما أنزل الله فيها فقالت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد صاحبك (1). ج - في الدر المنثور عن أبي اليسر الأنصاري: أن النبي (ص) قال لعائشة: يا عائشة قد أنزل الله عذرك قالت: بحمد الله لا بحمدك، فخرج رسول الله (ص) من عند عائشة فبعث إلى عبد الله بن أبي ففربه حدين وبعث إلى مسطح وحمنة ففربهم (2). و - في صحيح البخاري بسنده عن مسروق بن الاجدع قال: حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت: بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقالت أم رومان: وما ذاك ؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك ؟ قالت: كذا وكذا، قالت عائشة: سمع رسول الله (ص) ؟ قالت: نعم، قالت: وأبو بكر ؟ قالت: نعم، فخرت مغشيا عليها، فما أفاقت إلا وعليها حمى بنافض، فطرحت عليها ثيابها فغطيتها، فجاء النبي (ص) فقال: ما شأن هذه ؟ قلت: يا رسول الله أخذتها الحمى بنافض، قال: فلعل في حديث تحدث به، قالت: نعم، فقعدت عائشة فقالت: والله لئن


(1) الدر المنثور 5 / 28 ومن هذه الرواية أخذ الشيخ الطوسي (ت: 460 ه‍) ما رواه بتفسير الاية من تفسيره البيان. (2) الدر المنثور ج 5 / 29 وابو أنس قال بترجمته في اسد الغابة ج 5 / 142: ابو أنس الانصاري مدني، وقال في آخر ترجمته: وابو انس يتصحف من ابي اسيد وكذا في الدر المنثور ذكره ابو اليسر.

[113]

حلفت لا تصدقوني، ولئن قلت لا تعذروني، مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه، والله المستعان على ما تصفون، قالت: وانصرف ولم يقل شيئا، فأنزل الله عذرها، قالت: بحمد الله لا بحمد أحد ولا بحمدك (1). وانما قلنا ان الروايات الآنفة من اصداء روايات أم المؤمنين عائشة لأن في الرواية المروية عن الخليفة عمر بعد الاسترسال في الحديث عن القصة جاء: قالت عائشة. إذا فان ما روي عن الخليفة مصدره أم المؤمنين عائشة وتفرد هذا الحديث خاصة بذكر ما يأتي: أ - ان أباها لم يؤوها حتى اذن له رسول الله (ص). ب - ان الأوس والخزرج تضاربوا بالنعال حتى أنزل الله فيهم: (وان طائفتان من المؤمنين اقتتلوا...) الاية. ج - ان امرأة عبد الله بن أبي كانت - أيضا - منافقة وأنزل الله تعالى في شأنهما: (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات) وأنزل سبحانه في شأن عائشة وسائر أزواج الرسول وا لرسول (ص): (والطيبات للطيبين) الآية. أما الرواية المروية عن ابن عباس فقد تفردت بذكر ما يأتي: أ - فاستيقظ النبي (ص) والناس قد ارتحلوا. ب - فاستيقظ رجل من الأنصار يقال له صفوان بن المعطل بينما صفوان كان من المهاجرين. ج - استشار النبي (ص) في أمرها زيد بن ثابت بينما جاء في روايات الصحاح انه استشار في أمرها أسامة بن زيد. وانما قلنا ان هذه الرواية - أيضا - من اصداء روايات أم المؤمنين لأن ابن


(1) صحيح البخاري ط. دار الكتب العربية بمصر سنة 1327، كتاب المغازي، باب حديث الافك ج 3 / 28.

[114]

عباس كان قد هاجر إلى المدينة مع أبيه في السنة الثامنة من الهجرة ولم يكن في المدينة قبل ذلك، وخبر الافك كا ترويه أم المؤمنين عائشة كان قبل ذلك، ولأن روايته للحديث الذي دار بين أم المؤمنين عائشة وأم مسطح لم يحضرها ليرويها إلا أن يكون قد سمعها من أحاديث أم المؤمنين عائشة التي مرت بنا في ما سبق والتي كانت قد انتشرت منذ عصر أم المؤمنين عائشة بين المسلمين وبقيت كذلك حتى اليوم. وكذلك الأمر في ما روي عن أبي أنيس انه أخبر أن أم المؤمنين عائشة قالت لرسرل الله بعد نزول الآيات: (بحمد الله لا بحمدك) فهل كان أبو أنيس حاضرا معهما يخبر عما دار بينهما من حديث ؟ أم ان هذا الخبر - أيضا - من أصداء روايات أم المؤمنين عائشة ؟ ورواية مسروق بن الاجدع سوف يأفتي في التراجم بآخر البحث انه لم يلق ام رومان، وانه جاء إلى المدينة بعد وفاة أم رومان، ثم ان أم رومان - أيضا - على الاصح كانت قد توفيت قبل غزوة بني المصطلق. * * * كانت تلكم روايات المسابقة والتيمم والافك في كتب الصحاح والسنن والمسانيد وفي ما يأتي نورد أخبارها باذنه تعالى من أوثق مصادر سيرة الرسول (ص).

[115]

حديث الافك في أوثق مصادر السيرة والتاريخ أخرج حديعث الافك الأول عن أم المؤمنين كل من: ابن هشام (1)، والطبري (2)، وابن كثير (3)، وابن الأثير (4)، عن محمد بن إسحاق وهذا سياقهم (5): (فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي


(1) قال ابن هشام في ج 3 / 341 - 347: خبر الافك في غزوة بني المصطلق " سنة ست " قال ابن إسحاق: ثنا الزهري، عن علقمة بن وقاص، وعن سعيد بن جبير، وعن عروة بن الزبير، وعن عبيد الله بن عتبة، قال: كل قد حدثني ببعض هذا الحديث، وبعض القوم كان اوعى له من بعض، وقد جمعت لك ما حدثني القوم. قال محمد بن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن عائشة، وعبد الله بن أبي بكر، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة نفسها حين قال فيها أهل الافك ما قالوا، وكل قد دخل في حديثها عن هؤلاء جميعا، يحدث بعضهم ما لم يحدث صاحبه، وكل كان عنها ثقة، فكلهم حدث عنها ما سمع. قالت: كان رسول الله (ص) إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه... الحديث. (2) وأخرجه الطبري في ذكره حوادث السنة السادسة ج 3 / 67 وهذا سياقه: ثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، ثم أورد سند ابن هشام الأول بلفظه ثم قال: ثنا ابن حميد قال: ثنا ابن سلمة، قال: ثتي محمد بن إسحاق، ثم أورد سند ابن هشام الثاني بلفظه ثم أورد الحديث بنفسه كابن هشام. (3) ابن كثير ج 4 / 160 - 161 وهذا لفظه: (قصة الافك) وهذا سياق محمد بن إسحاق ثم أورد رواية ابن هشام عن ابن إسحاق - والذي أخرجه الطبري أيضا - نقلها بألفاظها. (4) قد أورد ابن الأثير مختصر هذا الحديث في ج 2 / 73 - 75 من تأريخه وهو يورد ما جرى بين الصحابة عن تأريخ الطبري كما صرح بذلك في مقدمة تأريخه الكامل، اذن فكل هؤلاء المؤرخين ينتهي سندهم في حديث الافك إلى ابن إسحاق والطبري في تفسيره. (5) واللفظ لابن هشام.

[116]

عليهن معه فخرج بي رسول الله...) الحديث. وروى الواقدي في القصة في مغازيه في باب (ذكر عائشة وأصحاب الافك) (1) ما موجزة: عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: قلت لعائشة (رض): حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع. قالت: يابن أخي، إن رسول الله (ص) كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يحب ألا أفارقه في سفر ولا حضر. فلما أراد غزوة المريسيع أقرع بيننا فخرج سهمي وسهم أم سلمة، فخرجنا معه، فغنمه الله أموالهم وأنفسهم، ثم انصرفنا راجعين. ففزل رسول الله (ص) بتربان منزلا ليس معه ماء ولم ينزل على ماء. وقد سقط عقد لي من عنقي، فأخبرت رسول الله (ص) فأقام بالناس حتى أصبحوا، وضج الناس وتكلموا وقالوا: احتبستنا عائشة. وأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى إلى ما صنعت عائشة ؟ حبست رسول الله (ص)، والناس على غير ماء وليس معهم ماء. فضاق بذلك أبو بكر فجاءني مغيظا فقال: ألا ترين ما صنعت بالناس ؟ حبست رسول الله والناس على غير ماء وليس معهم ماء. قالت عائشة: فعاتبني عتابا شديدا وجعل يطعن بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله (ص)، رأسه على فخذي وهو نائم. فقال أسيد بن حضير: والله، إني لأرجو أن تترل لنا رخصة، ونزلت آية التيمم.


(1) مغازي الواقدي 2 / 426، وقد تابع المقريزي في كتابه امتاع الاسماع ما جاء في مغازي الواقدي عن القصة ص 427 - 434.

[117]

فقال رسول الله (ص): كان من قبلكم لا يصلون إلا في بيعهم وكنائسهم، وجعلت لي الأرض طهورا حيثما أدركتني الصلاة. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر. قالت: وكان أسيد رجلا صالحا في بيت من الأوس عظيم. ثم إنا سرنا مع العسكر حتى إذا نزلنا موضعا دمثا طيبا ذا أراك، قال: يا عائشة، هل لك في السباق ؟ قلت: نعم. فتحزمت بثيابي وفعل ذلك رسول الله (ص)، ثم استبقنا فسبقني، فقال: هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتيني. وكان جاء إلى منزل أبي ومعي شئ فقال: هلميه ! فأبيت فسعيت وسعى على أثري فسبقته. وكانت هذه الغزوة بعد أن ضرب الحجاب. قالت: وكان النساء إذ ذاك إلى الخفة، هن إنما يأكلن العلق (1) من الطعام، لم يهيجن (2) باللحم فيثقلن. وكان اللذان يرحلان بعيري رجلين، أحدهما مولى رسول الله (ص) يقال له أبو موهبة، وكان رجلا صالحا، وكان الذي يقود بي البعير. وإنما كنت أقعد في الهودج فيأتي فيحمل الهودج فيضعه على البعير، ثم يشده بالحبال ويبعث بالبعير. ويأخذ بزمام البعير فيقود بي البعير. وكانت أم سلمة يقاد بها هكذا، فكنا نكون حاشية من الناس، يذب عنا من يدنو منا، فربما سار رسول الله (ص) إلى جنبي وربما سار إلى جنب أم سلمة. قالت: فلما دنونا من المدينة نزلنا منزلا فبات به رسول الله (ص) بعض الليل، ثم ادلج وأذن للناس


(1) العلق: جمع علقة، وهي ما فيه بلغة من الطعام إلى وقت الغذاء. (شرح أبي ذر، ص 335). (2) التهييج: كالورم في الجسد. (شرح أبي ذر، ص 335).

[118]

بالرحيل فارتحل العسكر. وذهبت لحاجتي فمشيت حتى جاوزت العسكر وفي عنقي عقد لي من جزع ظفار (1)، وكانت أمي أدخلتني فيه على رسول الله (ص). فلما قضيت حاجتي انسل من عنقي فلا أدري به، فلما رجعت إلى الرحل ذهبت ألتمسه في عنقي فلم أجده، وإذا العسكر قد نغضوا (2) إلا عيرات (3)، وكنت أظن أني لو أقمت شهرا لم يبعث بعيري حتى أكون في هودجي، فرجعت في التماسه فوجدته في المكان الذي ظننت أنه فيه، فحبسني ابتغاؤه وأتى الرجلان خلافي، فرحلوا البعير وحملوا الهودج وهم يظنون أني فيه، فوضعوه على البعير ولا يشكون أني فيه - وكنت قبل لا أتكلم إذ أكون عليه فلم ينكروا شيئا - وبعثوا البعير فقادوا بالزمام وانطلقوا، فرجعت إلى العسكر وليس فيه داع ولا مجيب، ولا أسمع صوتا ولا زجرا. قالت: فالتفعت بثوبي واضطجعت وعلمت أني إن افتقدت رجع إلي. قالت: فو الله، إني لمضطجعة في منزلي، قد غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن معطل السلمي ثم الذكواني على ساقة الناس من ورائهم، فادلج فأصبح عند منزلي في عماية الصبح، فيرى سواد إنسان فأتاني، وكان يراني قبل أن ينزل الحجاب وأنا متلفعة، فأثبتني فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني. فخمرت وجهي بملحفتي، فو الله إن كلمني كلمة غير أني سمعت استرجاعه حين أناخ بعيره. ثم وطأ على يده موليا عني، فركبت على رحله، وانطلق يقود بي حتى جئنا العسكر شد الضحى، فارتعج العسكر وقال أصحاب الافك الذي قالوا - وتولى كبره عبد الله بن أبي - ولا أشعر من ذلك بشئ والناس يخوضون في قول أصحاب


(1) ظفار: موضع باليمن قرب صنعاء، ينسب إليه الجزع. (القاموس المحيط، ج 2، ص 81). (2) نغضوا: تحركوا. (القاموس المحيط، ج 2، ص 346). (3) في ب: " ا إلا غير ات ".

[119]

الافك. ثم قدمنا فلم أنشب أن اشتكيت شكوى شديدة، ولا يبلغني من ذلك شئ، وقد انتهى ذلك إلى أبوي، وأبواي لا يذكران لي من ذلك شيئا، إلا أني قد أنكرت من رسول الله (ص) لطفه بي ورحمته، فلا أعرف منه اللطف الذي كنت أعرف حين اشتكيت، إنما يدخل فيسلم فيقول: كيف تيكم ؟ فكنت إذا اشتكيت لطف بي ورحمني وجلس عندي. وكنا قوما عربا لا نعرف الوضوء في البيوت، نعافها ونقذرها، وكنا نخرج إلى المناصع (1) بين المغرب والعشاء لحاجتنا. فذهبت ليلة ومعي أم مسطح ملتفعة في مرطها، فتعلقت به فقالت: تعس مسطح ! فقلت: بئس لعمر الله ما قلت، تقولين هذا لرجل من أهل بدر ؟ فقالت لي مجيبة: ما تدرين وقد سال بك السيل. قلت: ماذا تقولين ؟ فأخبر تني بقول أصحاب الافك، فقلص ذلك مني، وما قدرت على أن أذهب لحاجتي، وزادني مرضا على مرضي، فما زلت أبكي ليلي ويومي. قالت: ودخل رسول الله (ص) بعد ذلك فقلت: ائذن لي أذهب إلى أبوي، وأنا أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي فأتيت أبوي فقلت لأمي: يغفر الله لك، تحدث الناس بما تحدثوا به وذكروا ما ذكروا ولا تذكرين لي من ذلك شيئا ! فقالت: يا بنية، خفضي عليك الشأن، فوالله ما كانت جارية حسناء عند رجل يحبها ولما ضرائر إلا كثرن عليها القالة وكثر الناس عليها. فقلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا كله ؟ قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم. قالت: فدعا رسول الله (ص) عليا وأسامة فاستشار هما في فراق أهله. قالت: وكان أحد الرجلين ألين قولا من الآخر. قال أسامة: يا رسول الله، هذا الباطل والكذب، ولا نعلم إلا خيرا، وإن بريرة تصدقك. وقال علي: لم يضيق


(1) هي المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة. واحدها منصع. (النهاية، ج 4، ص 149). (*)

[120]

الله عليك، النساء كثير وقد أحل الله لك وأطاب، فطلقها وانكح غيرها. قالت: فانصرفا، وخلا رسول الله (ص) ببريرة فقال: يا بريرة، أي امرأة تعلمين عائشة ؟ قالت: هي أطيب من طيب الذهب، والله ما أعلم عليها إلا خيرا، والله يا رسول الله، لئن كانت على (1) غير ذلك ليخبرنك الله عزوجل بذلك، إلا أنها جارية ترقد عن العجين حتى تأتي الشاة فتأكل عجينها، وقد لمتها في ذلك غير مرة. وسأل رسول الله (ص) زينب بنت جحش ولم تكن امرأة تضاهي (2) عائشة عند رسول الله (ص) غيرها. قالت عائشة: ولقد كنت أخاف عليها أن تهلك للغيرة علي، فقال هلا النبي (ص): يا زينب، ماذا علمت على عائشة ؟ قالت: يا رسول الله، حاشا سمعي وبصري، ما علمت عليها إلا خيرا. والله، ما أكلمها وإني لمهاجرتها، وما كنت أقول إلا الحق. قالت عائشة: أما زينب، فعصمها الله، وأما غيرها فهلك مع من هلك. ثم سأل رسول الله (ص) أم أيمن فقالت: حاشا سمعي وبصري أن أكون علمت أو ظننت بها قط إلا خيرا. ثم صعد رسول الله (ص) المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: من يعذرني ممن يؤذيني في أهلي ؟ ويقولون لرجل، والله ما علمت على ذلك الرجل إلا خيرا، وما كان يدخل بيتا من بيوتي إلا معي، ويقولون عليه غير الحق. فقام سعد بن معاذ فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله ؟ إن يك من الأوس آتك برأسه، وإن يك من إخواننا من الخزرج فمرنا بأمرك نمضي لك. فقام سعد بن عبادة - وكان قبل ذلك رجلا صالها، ولكن الغضب بلغ منه، وعلى ذلك ما غمص (3) عليه في نفاق ولا غير ذلك إلا أن الغضب يبلغ من أهله، فقال: كذبت لعمر الله، لا تقتله ولا تقدر على قتله. والله ما


(1) في ب: " ا لئن كانت على ذلك ". (2) في ب: " (تناضي ". (3) تقول هو مغموص عليه، أي مطعون في دينه. (القاموس المحيط، ج 2 ص 310).

[121]

قلت هذه المقالة إلا أنك قد عرفت أنه من الخزرج، ولو كان من الأوس ما قلت ذلك، ولكنك تأخذنا بذحول (1) كانت بيننا وبينك في الجاهلية، وقد محا الله ذلك ! فقال أسيد بن حضير: كذبت والله، لنقتلنه وأنفك راغم فإنك منافق تجادل عن المنافقين ! والله، لو نعلم ما يهوى رسول الله من ذلك في رهطي الأدنين ما رام رسول الله مكانه حتى آتيه برأسه ؟ ولكني لا أدري ما يهوى رسول الله ! قال سعد ابن عبادة: تأبون يا آل أوس إلا أن تأخذونا بذحول كانت في الجاهلية والله ما لكم بذكرها حاجة، وإنكم لتعرفون لمن الغلبة فيها. وقد محا الله بالاسلام ذلك كله. فقام أسيد بن حضير فقال: قد رأيت موطننا يوم بعاث ! ثم تغالظوا، وغضب سعد بن عبادة فنادى: يا آل خزرج ! فانحازت الخزرج كلها إلى سعد بن عبادة. ونادى سعد بن معاذ: يا آل أوس ! فانحازت الأوس كلها إلى سعد بن معاذ. وخرج الحارث بن حزمة مغيرا حتى أتى بالسيف يقول: أضرب به رأس النفاق وكهفه. فلقيه أسيد بن حضير وهو في رهطه وقال: ارم به، يحمل السلاح من غير أمر رسول الله ! لو علمنا أن لرسول الله في هذا هوى أو طاعة ما سبقتنا إليه. فرجع الحارث (2) واصطفت الأوس والخزرج، وأشار رسول الله (ص) إلى الحيين جميعا أن اسكتوا، ونزل عن المنبر فهدأهم وخفضهم حتى إنصرفوا. قالت عائشة: وجاء رسول الله (ص) فدخل علي فجلس عندي، وقد مكث شهرا قبل ذلك لا يوحى إليه في شأني. قالت: فتشهد رسول الله (ص) حين جلس، ثم قال: أما بعد يا عائشة، فانه بلغني كذا وكذا، فإن كنت بريئة يبرئك الله، وإن كنت ألممت بشئ مما يقول الناس فاستغفري الله عزوجل، فإن العبد إذا


(1) في الأصل: " بدخول "، وما أثبتناه هو قراءة ب. والذحول: العداوة. (النهاية ج 2 / 43). (2) في ب: " فرجع الحارث بسيفه ولغطت الأوس والخزرج ".

[122]

اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه. قالت: فلما قضى رسول الله (ص) كلامه ذهب دمعي حتى ما أجد منه شيئا، وقلت لأبي: أجب رسول الله (ص). فقال: والله، ما أدري ما أقول وما أجيب به عنك، قالت: فقلت لامي: أجيبي عني رسول الثه (ص) فقالت: والله ما أدري ما أجيب عنك لرسول الله (ص)، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن: قالت: فقلت: إني والله قد علمت أنكم سمعتم بهذا الحديث، فوقع في أنفسكم فصدقتم به، فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر يعلم الله أني منه بريئة لتصدقوني. وإني والله ما أجد لي مثلا إلا أبا يوسف إذ يقول: (بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون) (1) والله ما يحضرني ذكر يعقوب، وما أهتدي من الغيظ الذي أنا فيه. ثم تحولت فاضطجعت على فراشي وقلت: والله يعلم أني بريئة، وأنا بالله واثقة أن يبرئني الله ببرأتي. فقال أبو بكر: فما أعلم أهل بيت من العرب دخل عليهم ما دخل على آل أبي بكر، والله، ما قيل لنا هذا في الجاهلية حيث لانعبد الله ولا ندع له شيئا، فيقال لنا في الاسلام ! قالت: وأقبل علي أبي مغضبا، قالت: فاستعبرت فقلت في نفسي: " والله لا أتوب إلى الله مما ذكرتم أبدا "، وأيم الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن ينزل في قرآن يقرأه الناس في صلاتهم، ولكن قد كنت أرجو أن يرى رسول الله (ص) في نومه شيئا يكذبهم (2) الله عني به لما يعلم من براءتي، أو يخبر خبرا، فأما قرآن فلا والله ما ظننته ! قالت: فو الله، ما برح رسول الله (ص) من مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت حتى يغشاه من أمر الله ماكان يغشاه. قالت: فسجي بثوبه وجمعت وسادة من أدم تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت ما رأيت فو الله لقد


(1) سورة يوسف: الآية 18. (2) في ب: " يكذب الله عني به ".

[123]

فرحت به وعلمت أني بريئة، وأن الله تعالى غير ظالم لي. قالت: وأما أبواي فوالذي نفسي بيده ما سري عن النبي (ص) حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا أن يأتي أمر من الله تحقيق ما قال الناس. ثم كشف رسول الله (ص) عن وجهه وهو يضحك، وإنه ليتحدر منه مثل الجمان، وهو يمسح جبينه، فكانت أول كلمة قالها: " يا عائشة، إن الله قد أنزل براءتك ". قالت: وسري عن أبوي وقالت أمي: قومي إلى رسول الله. فقلت: والله، لا أقوم إلا بحمد الله لا بحمدك، فأنزل الله هذه الآية: (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه) (1) الآية. قالت: فخرج رسول الله (ص) إلى الناس مسرورا، فصعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم تلا عليهم بما نزل عليه في براءة عائشة. قالت: فضربهم رسول الله (ص) الحد، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي، وكان مسطح بن أثاثة، وحسان بن ثابت. قال أبو عبد الله: ويقال إن رسول الله (ص) لم يضربهم - وهو أثبت عندنا. * * كانت تلكم أخبار المسابقة والتيمم والافك في غزوة بني المصطلق ولا بد لنا في دراستها أن ندرس أخبار غزوة بني المصطلق في ما يأتي بإذنه تعالى. غزوة بني المصطلق في مغازي الواقدي ما موجزه: كانت غزوة المريسيع، ويقال غزوة بني المصطلق وهم بنو جذيمة بن كعب ابن خزاعة. فجذيمة هو المصطلق، والمريسيع ماء لخزاعة بينه وبين الفرع نحو من


(1) سورة النور: 11.

[124]

يوم، وبين الفرع والمدينة ثمانية برد (1). وكانت في سنة خمس من الهجرة، خرج رسول الله (ص) يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان، وسببها أن الحارث بن أبي ضرار الخزاعي سيد بين المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله (ص)، فابتاعوا خيلا وسلاحا وتهيأوا للمسير إلى رسول الله (ص). وجعلت الركبان تقدم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسول الله (ص) فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك، واستأذن النبي (ص) أن يقول فأذن له، فخرج حتى ورد عليهم ماءهم، فوجد قوما مغرورين قد تالبوا وجمعوا المجموع، فقالوا: من الرجل ؟ قال: رجل منكم، قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني فتكون يدنا واحدة حتى نستأصله. قال الحارث ابن أبي ضرار: فنحن على ذلك، فعجل علينا. قال بريدة: أركب الآن فأتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني. فسروا بذلك منه، ورجع إلى رسول الله (ص) فأخبره خبر القوم، فندب رسول الله (ص) الناس، وأخبرهم خبر عدوهم فأسرع الناس للخروج، وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرسا، في المهاجرين منها عشرة وفي الأنصار عشرون، ولرسول الله (ص) فرسان. وخرج مع رسول الله (ص) بشر كثير من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قط مثلها، ليس بهم رغبة في الجهاد إلا أن يصيبوا من عرض الدنيا، وقزب عليهم السفر. فخرج رسول الله (ص) حتى سلك على الحلائق (2) فنزل بها، فأصاب عينا من المشركين فضرب عنقه بعد أن عرض عليه الاسلام فأبى. وانتهى (ص) إلى


(1) البرد جمع بريد: والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف ذراع. (2) يروى أيضا بالخاء المعجمة، وهو مكان به مزارع وآبار قرب المدينة. (شرح على المواهب اللدنية، ج 2، ص 116).

[125]

المريسيع [وهو ماء لخزاعة من ناحية قديد إلى الساحل] وقد بلغ القوم مسير رسول الله (ص) وقتله عينهم، فتفرق عن الحارث من كان قد اجتمع إليه من أفناء (1) العرب. وضرب له (ص) قبة من أدم، فصف أصحابه وقد تهيأ الحارث للحرب، ونادى عمر بن الخطاب في الناس: قولوا لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم. فأبوا ورموا بالنبل، فرمى المسلمون ساعة بالنبل ثم حملوا على المشركين حملة رجل واحد، فما أفلت منهم إنسان، وقتل منهم عمثرة وأسر سائرهم، وسبيت النساء والذرية، وغنمت الابل والشاء. ولم يقتل من المسلمين إلا رجل واحد يقال له هشام بن صبابة: أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ. فأخرج رسول الله (ص) الخمس من جميع المغنم فكان يليه محمية بن جزء، وكان يجمع إليه الأخماس. وكانت الصدقات على حدتها، أهل الفئ بمعزل عن الصدقة، [وأهل الصدقة] بمعزل عن الفئ. فكان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف، وفرق السبي، فصار في أيدي الرجال، وقسم المتاع والنعم والشاء، وصارت جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار في سهم ثابت بن قيس بن شماس أو ابن له - فكاتبها على تسع آواق من ذهب. فبينا النبي (ص) على الماء إذ دخلت عليه تسأله في كتابتها وقالت: يا رسول الله ! إني امرأة مسلمة وتشهدت وانتسبت، وأخبرته بما جرى لها، واستعانته في كتابتها، فقال: أو خير من ذلك، أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك ! قالت: نعم ! فطلبها من ثابت فقال: هي لك يا رسول الله. فأدى ما عليها وأعتقها وتزوجها. وخرج الخبر إلى الناس وقد اقتسموا رجال بني المصطلق وملكوهم ووطئوا نساءهم، فقالوا: أصهار النبي !


(1) يقال: قوم من أفناء القبائل: أي نزاع من ههنا وههنا، فهم أخلاط لا يدرى من أي قبيلة هم.

[126]

فأعتقوا ما بأيديهم من ذلك السبي. وكانت جويرية (رض) عظيمة البركة على قومها (1). * * * كان ذلكم موجز أخبار غزوة بني المصطلق على ماء المريسيع، وبعد انتهاء القتال وانتصار الرسول (ص) عليهم وقعت منافرة على ماء المريسيع أدى بابن أبي أن يقول ما قال، وكان بعد ذلك ما سننقله موجزا من مغازي الواقدي بإذنه تعالى. ذكر ماكان من أمر ابن أبي: روى الواقدي وقال: فبينا المسلمون على ماء المريسيع قد انقطعت الحرب، وهو ماء ظنون (2) إنما يخرج في الدلو نصفه. أقبل سنان بن وبر الجهني ومعه فتيان من بني سالم يستقون وعلى الماء جمع من المهاجرين والانصار. فأدلى سنان دلوه، وأدلى جهجاه بن مسعود ابن سعد بن حرام الغفاري - أجير عمر بن الخطاب - دلوه، فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم فنادى: يا آل خزرج ! وثارت الرجال، فهرب جهجاه وجعل ينادي في العسكر: يالقريش ! يالكنانة ! فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة، فقام رجال في الصلح فترك سنان حقه. وكان عبد الله بن أبي جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما


(1) مغازي الواقدي 1 / 404 - 411. (2) الماء الظنون: أي القليل (النهاية).

[127]

رأيت كاليوم مذلة ! والله إن كنت لكارها لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني، قد فعلوها، قد نافرونا (1) وكاثرونا في بلدنا، وأنكروا منتنا (2) والله ما صرنا وجلابيب (3) قريش هذه إلا كما قال القائل: " ممن كلبك ياكلك ". والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غيز (4) والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم ! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم (5) في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا... الحديث. وفي الاغاني (6) فقال عبد الله بن أبي بن سلول: هذا ما جزونا به، آويناهم ثم هم يقاتلوننا ! وبلغ حسان بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار،


(1) نافره: خاصمه وفاخره، فيكون أحدهما أعز نفرا من صاحبه. (2) المنة: الاحسان والنعمة. (3) الجلباب: إزار يشتمل به فيغطي الجسد، وهو من خشن اللباس يلبسه الفقراء، وكان المهاجرون لما هاجررا - على ما هم عليه من الخلة والعيلة - كان ذلك أكثر لباسهم فيما يرى، فجعل المنافقون يسمونهم " الجلابيب " كناية عن فقرهم وقلتهم وغربتهم، وجعلوا ذلك نبزا وتهزؤا. (4) والغير: الاسم من قولك غيرت الشئ تغييرا، يريد لا يكون مني لهذا العدوان دفع أو تغيير أو قصاص. (5) آسيتموهم: يريد سويتم بينكم وبينهم في هذه الأموال. (6) الاغاني ج 4 / 12 - 13 ط. ساسي وقال ابن كثير في ج 4 / 163: وقد ذكر ابن إسحاق ان حسان بن ثابت قال شعرا يهجو فيه صفوان بن المعطل وجماعة من قريش ممن تخاصم على الماء من اصحاب جهجاه.

[128]

فقال وهو يريد المهاجرين من القبائل قدموا على رسول الله (ص) في الاسلام، وهذا الشعر من رواية مصعب دون الزهري: أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد يمشون بالقول سرا في مهادنة تهددا لي كأني لست من أحد قد ثكلت أمه من كنت صاحبه أو كان منتشبا في برثن الأسد ما للقتيل الذي اسمو فأقتله من دية فيه أعطيها ولاقود ما البحر حين تهب الريح شامية فيغطئل ويرمي العبر بالزبد يوما بأغلب مني حين تبصرني أفري من الغيظ فري العارض البرد أما قريش فإني لست تاركهم حتى ينيبوا من الغيات بالرشد ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ويسجدوا كلهم للواحد الصمد ويشهدوا أن ما قال الرسول لهم حق ويوفوا بعهد الله في سدد أبلغ بني بأني قد تركت لهم من خير ما ترك الاباء للولد الدار واسطة والنخل شارعة والبيض يرفلن في القسي كالبرد قال: فقال رسول الله (ص): " يا حسان نفست علي إسلام قومي " (1). وقال الواقدي والمقريزي: فقام زيد بن أرقم بهذا الحديث كله إلى رسول الله (ص)، فيجد عنده نفرا من أصحابه من المهاجرين والأنصار فأخبره الخبر. فكره رسول الله (ص) خبره وتغير وجهه، ثم قال رسول الله (ص): يا غلام، لعلك غضبت عليه ! قال: لا والله، لقد سمعته منه. قال: لعله أخطأ سمعك ! قال: لا يا نبي الله ! قال: لعله شبه عليك ! قال: لا والله، لقد سمعته منه يا رسول الله ! وشاع في العسكر ما قال ابن


(1) الاغاني ج 4 / 12 - 13 ط. ساسي.

[129]

أبي، وليس للناس حديث إلا ما قال ابن أبي، وجعل الرهط من الانصار (1) يؤنبون الغلام ويقولون: عمدت إلى سيد قومك تقول عليه ما لم يقل، وقد ظلمت وقطعت الرحم ! فقال زيد: والله لقد سمعت منه ! قال: ووالله، ما كان في الخزرج رجل واحد أحب إلي من عبد الله بن أبي، والله، لو سمعت هذه المقالة من أبي لنقلتها إلى رسول الله (ص)، وإني لأرجو أن ينزل الله تعالى على نبيه حتى يعلموا أنا كاذب أم غيري، أو يرئ رسول الله (ص) تصديق قولي. وجعل زيد يقول: اللهم أنزل على نبيك ما يصدق حديثي ! فقال قائل: يا رسول الله، مر عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره رسول الله (ص) هذه المقالة. ويقال قال: قل لمحمد بن مسلمة يأتك برأسه. فقال النبي (ص) وأعرض عنه: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وقام النفر من الأنصار الذين سمعوا قول النبي (ص) ورده على الغلام، فجاءوا إلى ابن أبي فأخبروه، وقال أوس بن خولى: يا أبا الحباب، إن كنت قلته فأخبر النبي يستغفر لك، ولا تجحده فينزل ما يكذبك. وإن كنت لم تقله فأت رسول الله (ص) فاعتذر إليه واحلف لرسول الله (ص) ما قلته. فحلف بالله العظيم ما قال من ذلك شيئا. ثم إن ابن أبي أتى إلى رسول الله (ص) فقال: يابن أبي، إن كانت سلفت منك مقالة فتب. فجعل يحلف بالله ما قلت ما قال زيد، ولا تكلمت به ! وكان في قومه شريفا، فكان يظن أنه قد صدق، وكان يظن به سوء الظن. ثم مشى إلى رسول الله (ص) وحلف بالله ما قال. وأسرع رسول الله (ص) عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها. ولم يشعر أهل العسكر إلا برسمول الله (ص) قد طلع على راحلته القصواء، وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد، إلا انه لما جاءه خبر ابن أبي رحل في تلك الساعة، فكان أول من لقيه، اسيد بن حضير، فقال: السلام عليك


(1) في ب: " يقولون ويؤنبون ".

[130]

أيها النبي ورحمة الله ! فقال رسول الله (ص): وعليك السلام ! فقال: يا رسول الله، قد رحلت في ساعة فنكرة ما كنت ترحل فيها ! فقال رسول الله (ص): أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم ؟ قال: أي صاحب يا رسول الله ؟ قال: ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل ! قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، فهو الأذل وأنت الأعز، والعزة لله ولك وللمؤمنين. ثم قال: يا رسول الله، ارفق به فو الله لقد جاء الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي، قد أرب (1) بهم فيها لمعرفته بحاجتهم إليها ليتوجوه، فجاء الله بك على هذا الحديث، فما يرى إلا قد سلبته ملكه. قال: فبينا رسول الله (ص) يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارض النبي (ص) براحلته، يريه وجهه في المسير، ورسول الله يستحث راحلته فهو مغذ في السير، إذ نزل عليه الوحي. قال زيد بن أرقم: فما هو إلا أن رأيت رسول الله (ص) تأخذه البرحاء ويعرق جبينه، وتثقل يدا راحلته حتى ما كاد ينقلها، عرفت أن رسول الله (ص) يوحى إليه، ورجوت أن يكون ينزل عليه تصديق خبري. قال زيد بن أرقم: فسري عن رسول الله (ص)، فأخذ بأذني وأنا على راحلتي حتى ارتفعت من مقعدي ويرفعها إلى السماء، وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك ! ونزل في ابن ابي السورة من أولها إلى آخرها وحده: (إذا جاءك المنافقون...) (2). قال عمر: فأقبلت حتى جئت رسول الله (ص) وهو في فئ شجرة، عنده غليم أسيود يغمز ظهره، فقلت: يا رسول الله كأنك تشتكي ظهرك. فقال: تقحمت بي الناقة الليلة. فقلت: يا رسول الله، إيذن لي أن أضرب عنق ابن أبي


(1) أرب بهم: اشتد (القاموس المحيط ج 1، ص 36). (2) سورة المنافقون.

[131]

في مقالته. فقال رسول الله (ص): أو كنت فاعلا ؟ قال: نعم والذي بعثك بالحق ! قال رسول الله (ص): إذا لأرعدت له آنف بيثرب كثيرة، لو أمرتهم بقتله قتلوه. قلت: يا رسول الله، فمر محمد بن مسلمة يقتله. قال: لا يتحدث الناس أن محمدا قتل أصحابه. ومر عبادة بن الصامت بعبدالله بن أبي عشية راح النبي (ص) من المريسيع، وقد نزل على النبي (ص) سورة المنافقون فلم يسلم عليه، ثم مر أوس ابن خولى فلم يسلم عليه، فقال ابن أيي: إن هذا الأمر قد تمالأتما (1) عليه. فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه، وجعل أوس بن خولى يقول: لا أكذب عنك أبا حتى أعلم أن قد تركت ما أنت (12) عليه وتبت إلى الله، إنا أقبلنا على زيد بن أرقم نلومه ونقول له: " كذبت على رجل من قومك " حتى نزل القرآن بتصديق حديث زيد وإكذاب حديثك. وجعل ابن أبي يقول: لا أعود أبدا ! وبلغ ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي مقالة عمر بن الخطاب لرسول الله (ص): " مر محمد بن مسلمة يأتك برأسه " فجاء إلى النبي (ص) فقال: يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا. والله، لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالد مني، وما أكل طعاما منذ كذا وكذا من الدهر، ولا يشرب شرابا إلا بيدي، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس، فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنك أعظم. قال رسول الله (ص): يا عبد الله، ما أردت قتله وما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال عبد الله: يا رسول الله، إن أبى


(1) أي تساعدا واجتمعا عليه. (النهاية، ج 4، ص 105). (2) في الأصل: " ما أنزل عليه "، وما أثبتناه هو قراءة ب.

[132]

كانت هذه البحرة (1) قد اتسقوا عليه ليتوجوه عليهم، فجاء الله بك، فوضعه الله ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به ويذكرون أمورا قد غلب الله عليها. قال: فلما انصرف من عند النبي (ص) وعرف أن رسول الله (ص) قد تركه ولم يأمره بقتله، قال: ألا إنما الدنيا حوادث تنتظر ومن أعجب الأحداث ما قاله عمر يشئر على من عنده الوحي هكذا ولم يستشره بالتي تحلق الشعر ولو كان للخطاب ذنب كذنبه فقلت له ما قال في والدي كشر غداة يقول ابعث إليه محمدا ليقتله بئس لعمرك ما أمر فقلت رسول الله إن كنت فاعلا كفيتك عبد الله لمحك بالبصر تساعدني كف ونفس سخية وقلب على البلوى أشد من الحجر وفي ذاك ما فيه والاخرى غضاضة وفي العين مني نحو صاحبها عور فقال ألا لا يقتل المرء طائعا أباه وقد كادت تطير بها مضر قال رافع بن خديج: لما رحنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بنا يومنا وليلتنا، ما أناخ منا رجل إلا لحاجته أو لصلاة يصليها. وإن رسول الله (ص) يستحث راحلته، ويخلف بالسوط في مراقها (2) حتى أصبحنا، ومددنا يومنا حتى انتصف النهار أو كرب، ولقد راح الناس وهم يتحدثون بمقالة ابن أبي وما كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر والتعب بالمسير، فا نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم - يعني ذكرا - وإنما أسرع رسول الله (ص) بالناس ليدعوا حديث ابن أبي، فلما


(1) البحرة: البلدة، يعني المدينة. (2) أي في مراق بطنها، وهي مارق منه في أسافله. (أساس البلاغة، ص 362).

[133]

نزلوا وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما. ثم راح رسول الله (ص) بالناس مبردا، فنزل من الغد ماء يقال له بقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا عنها رسول الله (ص) وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث ! وإنما بالمدينة الذراري والصبيان. وكانت بين النبي (ص) وبين عيينة مدة، فكان ذلك حين انقضائها فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله (ص) خوفهم، فقال رسول الله (ص): ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح. وكان موته للمنافقين غيظا شديدا، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم. قال جابر بن عبد الله، قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط. إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار. قال جابر: فسألت حين تدمت قبل أن أدخل بيتي: من مات ؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت. وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح. قال عبادة بن الصامت يومئذ لابن أبي: أبا حباب، مات خليلك ! قال: أي أخلائي ؟ قال: من موته فتح للاسلام وأهله. قال: من ؟ قال: زيد بن رفاعة ابن التابوت. قال: يا ويلاه، كان والله وكان ! فجعل يذكر، فقلت: اعتصمت بالذنب الأبتر (1). قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته ؟ قلت: رسول الله (ص) أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة. قال: فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا. قالوا: وسكنت الريح آخر النهار فجمع الناس ظهورهم. ثم تقدم عبد الله بن عبد الله بن أبي الناس حتى وقف لأبيه على الطريق


(1) أي المقطوع. (النهاية، ج 1، ص 58).

[134]

- عند مضيق المدينة - فلما رآه أناخ به وقال: لا أفارقك حتى تزعم انك الذليل ومحمد العزيز. وفي رواية فقال: قف فوالله لا تدخلها حتى يأذن رسول الله (ص) في ذلك، فلما جاء رسول الله (ص) استأذنه في ذلك فأذن له فأرسل حتى دخل المدينة (1). انقسمت الصحابة في هذه الواقعة إلى قسمين، قسم مالت بهم العصبية القبلية عن الحق وآخرون عصمهم المبدأ والعقيدة عن الانجراف وراءها وكان حسان بن ثابت شاعر الأنصار ممن لبى نداء العصبية. قال ابن شهاب الزهري: وبلغ حسان بن ثابت الذي بين جهجاه وبين الفتية الأنصار فقال وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين قدموا على رسول الله (ص) في الاسلام: (امسى...) الأبيات. وفي رواية مصعب: (فغضب من ذلك حسان فقال هذا الشعر). مالت العصبية القبلية بحسان لما بلغه قول ابن أبي: ما صرنا وجلابيب قريش إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. فأنشد يقول: أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة أمسى بيضة البلد قد ثكلت امه من كنت صاحبه أو كان منتشبا في برثن الاسد ما لقتيلي الذي اغدو فاخذه من دية فيه يعطاها ولاقود ما البحر حين تهب الريح شامية فيغطئل ويرمي المعبر بالزبد


(1) طبقات ابن سعد ج 2 / 65.

[135]

يوما بأغلب مني حين تبصرني ملغيظ افري كفري العارض البرد (1) ثم حدا به المبدأ ان يتلافى ما قال فقال بعد هذا: اما قريش فاني لن اسالمهم حتى ينيبوا من الغيات للرشد ويتركوا اللات والعزى بمعزلة ويسجدوا كلهم للواحد الصمد ويشهدوا ان ما قال الرسول لهم حق ويوفوا بعهد الله والوكد ان قول حسان: " أمسى الجلابيب قد عزوا وقد كثروا... " الابيات إلى قوله: " كفري العارض البرد " إن هي إلا صدى لقول ابن ابي: (ما اعدنا وجلابيب قريش إلاى قال الأول: سمن كلبك يأكلك ". فان حسان يقول: امسى هؤلاء الجلابيب قد عزوا وقد كثروا وابن الفريعة - يقصد بها نفسه - امسى وحيدا وهو يلمح بهذا إلى ان الأنصار أصبحوا أقلية ثم يقول: إن صاحبي ثكلته أمه قد اصبح ذليلا كمن هو عالق في برثن الأسد ويقول: بلغت من العزة إلى حد ان قتيلي لا يعطى دية فيه وقاتله لا يقاد به، ثم تحمس بعد هذا وقال مهددا: ليس البحر حين تهب الريح عليه ويموج ويرمي بالزبد جوانبه باغلب مني حين افري اقطع من ألغيظ كفري السحاب الذي به البرد، قال كل هذا في شأن اخوانه المهاجرين ثم رجع إلى رشده وكان بليغا في تخلصه مما تورط فيه حين قال: اما قريش فلن اسالمهم حتى يتركوا اللات


(1) (الجلابيب): كان المشركون بمكة يلقبون اصحاب النبي (ص) بالجلابيب و (الفريعة): اسم ام حسان. و (منتشبا): عالقا في برثن الاسد. و (القود): قتل النفس بالنفس، (يغطئل): يموج ويتحرك. و (العبر): جانب النهر والبحر. و (ملغيظ) مخفف من الغيظ. و (فرى): اقطع. و (العارض): البرد السحاب الذي فيه البرد. و (الوكد): المواثيق المؤكدة.

[136]

والعزى ويسجدوا لله ويشهدوا بان ما قال لهم الرسول (ص) حق. ويح حسان الم يكن من سماهم بالجلابيب من فقراء المهاجرين بالمؤمنين ؟ فما باله يستكثر عليهم ويتهدد بهم ؟ بلغ فقراء المهاجرين أبيات حسان هذه فحزت في نفوسهم قال المقريزي (1): (فجاء صفوان بن المعطل إلى جعيل بن سراقة فقال: انطلق بنا نضرب حسان، فو الله ما اراد غيرك وغيري، ولنحن اقرب إلى رسول الله (ص) منهم. فأبى جعيل ان يذهب إلا بأمر رسول الله (ص) وخرج صفوان مصلتا السيف حتى ضرب حسان بن ثابت في نادي قومه). وقال ابن هشام (2): فاعترضه صفوان بن المعطل فضربه بالسيف ثم قال: تلق ذباب السيف عني فانني غلام إذا هوجيت لست بشاعر ثم ان ثابت بن قيس بن شماس وثب على صفوان بن المعطل - حين ضرب حسان - فجمع يديه إلى عنقه بميل، ثم انطلق به إلى دار بني الحرث بن الخزرج فلقيه عبد الله بن رواحة، فقال: ما هذا ؟ قال: اما اعجبك ضرب حسان بالسيف ؟ والله ما أراه إلا قتله، قال له عبد الله بن رواحة: هل علم رسول الله (ص) بشئ مما صنعت ؟ قال: لا والله، قال: لقد اجترأت، اطلق الرجل، فأطلقه ثم اتوا رسول الله (ص) فذكروا ذلك له فدعا حسان وصفوان ابن المعطل، فقال حسان: يا رسول الله شهر علي السيف في نادي قومي ثم ضربني لأن اموت ولا اراني الا ميتا من جراحاتي ! فقال (ص) لصفوان: لم ضربته وحملت السلاح عليه ؟ وتغيظ. فقال: يا رسول الله آذاني وهجاني وسفه علي وحسدني على


(1) امتاع الاسماع ص 211. (2) سيرة ابن هثام ج 3 / 352 ط. مصر، تاريخ الطبري ج 2 / 618.

[137]

الاسلام، فقال لحسان: " أسفهت على قوم أسلموا " ؟ ثم قال: (احبسوا صفوان فان مات حسان فاقتلوه به) فخرجوا بصفوان، وبلغ ذلك سعد بن عبادة، فأقبل على قومه من الخزرج، فقال: عمدتم إلى رجل من قوم رسول الله تؤذونه وتهجونه بالشر وتشتمونه، فغضب لما قيل له، ثم اسرتموه أقبح الأسر ورسول الله (ص) بين أظهركم. قالوا: فإن رسول الله أمرنا بجبسه وقال: إن مات صاحبكم فاقتلوه. قال سعد: والله ان أحب الأمرين إلى رسول الله (ص) العفو، ولكن رسول الله (ص) ليحب ان يترك صفوان، والله لا أبرح حتى يطلق. فقال حسان: ماكان لي من حق فهو لك وأبى قومه فغضب قيس بن سعد بن عبادة، وقال: عجبا لكم ما رأيت كاليوم أن حسان قد ترك حقه وتأبون أنتم ؟ ما ظننت أحدا من الخزرج يرد أبا ثابت في أمر يهواه ! فاستحيا القوم واطلقوا صفوان من الوثاق فذهب به سعد إلى بيته فكساه حلة، ثم خرج به إلى المسجد ليصلي فيه، فرآه رسول الله (ص)، فقال: صفوان ؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: من كساه ؟ قالوا: سعد بن عبادة، قال: كساه الله من ثياب الجنة ثم كلم بعد حسان حتى أقبل في قومه إلى رسول الله (ص) وقال: يا رسول الله، كل حق لي قبل صفوان بن معطل فهو لك، قال: قد أحسنت وقبلت ذلك وأعطى حسان أرضا براحا (1) وهي يرحا وما حوله وسيرين أخت مارية وأعطاه سعد بن عبادة حائطا كان يجد ما لا كثيرا (2) عوضا بما عفا عن حقه، ويروى أن حسان - لما حبس صفوان - أرسل إليه رسول الله (ص) فقال: يا حسان أحسن فيما أصابك


(1) البراح: الأرض الظاهرة الواسعة لانبات بها. (2) جد من نخلة كذا وكذا وسقا أي أخذ من ثمرنها واقتطع وأخرجت له ذلك على أن سيرين لم تكن عند ذاك بالمدينة فانها جاءت مع ماريه.

[138]

فقال: هو لك يا رسول الله فأعطاه بيرحا وسيرين عوضا (1). * * * كانت تلكم روايات المسابقة والتيمم والافك وظروفها في مصادر الدراسات الاسلامية وفي ما يأتي نستعين الله عز اسمه ونقوم بدراستها باذنه تعالى بدءا بدراسة تراجم المذكورين في الاخبار وأسنادها:


(1) ان سيرين قد أهداها الرسول (ص) إلى حسان بعد هذه الواقعة بأربع سنوات أو أكثر وبعد وصولها المدينة في السنة الثامنة من الهجرة وأخطا الرواة في ذكر إهدائها هنا.

[139]

تراجم المذكورين في الاخبار السابقة أ - أبو مويهبة ويقال: أبو موهبة وأبو موهوبة: مولى رسول الله (ص) كان من مولدي مزينة اشتراه رسول الله (ص) فاعتقه، يقال انه شهد المريسيع ولا يوقف له على اسم (1). ب - أسامة بن زيد اسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي وأمه أم أيمن حاضنة النبي (ص)، وكان يسمى حب رسول الله استعمله رسول الله (ص) في مرض وفاته في السنة الثانية عشرة من الهجرة على جيش وأمره ان يسير إلى الشام وأوعب فيه المهاجرين الأولين ولعن المتخلف عن جيشه وكان عمره يومئذ ثماني عشرة سنة، فلما اشتد برسول الله (ص) المرض لم يسيروا. فرض له عمر خمسة آلاف، يبايع عليا ولا شهد معه شيئا من حروبه. وقال له: لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدي معها ولكنك قد سمعت ما قال لي رسول الله (ص) حين قتلت ذلك الرجل الذي شهد أن لا إله إلا الله. توفي بالجرف وحمل إلى المدينة سنة ثمان أو تسع وخمسين في أيام


(1) أسد الغابة ج 5 / 310 وألكنى من الاستيعاب ص 4 / 187 والاصابة ج 4 / 188 الترجمة المرقمة / 1105.

[140]

معاوية (1). ج - اسيد بن حضير الانصاري اسيد بن حضير الانصاري الأوسي كان فارس الأوس في حروبهم مع الخزرج - شهد العقبة الثانية ومشاهد رسول الله (ص) كلها وثبت في أحد وله في بيعة أبي بكر بالسقيفة أثر عظيم وكان أبو بكر لا يقدم أحدا من الأنصار عليه - توفي سنة 20 وأوصى إلى عمر فحمل عمر نعشه بنفسه (2). د - أم رومان: أم رومان بنت عامر كانت تحت عبد الله بن الحارث الأزدي حليف أبي بكر ولدت له الطفيل وتوفي عنها، فخلف عليها أبو بكر فولدت له أم المؤمنين عائشة وعبد الرحمن. اختلفوا في سنة وفاتها في سنة أربع أو خمس أو ست من الهجرة. قال ابن الأثير في ترجمتها بأسد الغابة: (قلت: من زعم أنها توفيت في سنة أربع أو خمس فقد وهم فانه قد صح أنها كانت في الافك حية حينئذ وكان الافك في سنة ست في شعبان والله اعلم) (3).


(1) ترجمته بأسد الغابة وطبقات ابن سعد وتاريخ اليعقوبي ج 2 / 113 ط. بيروت. وتاريخ ابن الاثير ذكر سرية اسامة. وعبد الله بن سبأ (ج 1) ذكر بعث اسامة هذا الغلام على المهاجرين الاولين. (2) الاستيعاب ج 1 / 31 - 33 وأسد الغابة ج 1 / 91 - 92 والاصابة 1 / 64. (3) اسد الغابة ج 5 / 583.

[141]

ه‍ - بريدة: بريدة بن الحصيب الاسلمي أسلم حين مر به النبي (ص) مهاجرا إلى المدينة، قدم المدينة وشهد أحدا فما بعدها وتحول منها بعد رسول الله إلى البصرة ثم خرج غازيا إلى خراسان وتوفي بمرو. و - بريرة: بريرة مولاة أم المؤمنين عائشة كانت مولاة اناس قبلها فكاتبوها ثم باعوها من عائشة فاعتقتها، وكان اسم زوجها مغيثا وكان عبدا، فخيرها رسول الله (ص) فاختارت فراقه. وفي ترجمة مغيث من أسد الغابة عن ابن عباس أنه قال: إن زوج بريرة كان عبدا يقال له مغيث كأني أنظر إليه يطوف خلفها يبكي ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي (ص): الا تعجبون من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا ؟ فقال النبي (ص): لو راجعتيه ! قالت: يا رسول الله: تأمرني ؟ قال: انما اشفع، قالت: لا حاجة لي فيه (1). ز - جعبل بن سراقة الضمري: وقيل الغفاري أخو عوف وقيل جعال وهو من أهل الصفة من فقراء المسلمين، أسلم قديما وشهد أحدا أصيبت عينه يوم قريظة. وفي رواية أن النبي (ص) استخلفه على المدينة في شعبان سنه ست عندما غزابني


(1) ترجمة بريرة من أسد الغابة ج 5 / 409 ومغيث من أسد الغابة ج 4 / 405.

[142]

المصطلق (1). ح - جهجاه بن مسعود الغفاري: كان أجيرا لعمر - مات بعد عثمان بقليل (2). ط - حسان بن ثابت الخزرجي: وأمه الفريعة بنت خالد الخزرجي يكنى أبا الوليد وأبا عبد الرحمن وأبا الحسام لمناضلته عن رسول الله (ص) ولتقطيعه اعراض المشركين (3). في صحيح مسلم عن البراء بن عازب قال: سمعت رسول الله (ص) يقول لحسان بن ثابت: اهجهم أو هاجهم وجبريل معك (4). وقد كان رسول الله (ص) ينصب له منبرا في المسجد يقوم عليه قائما يفاخر عن رسول الله (ص) ورسول الله (ص) يقول: إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن رسول الله (ص). وروي ان الذين كانوا يهجون رسول الله (ص) من مشركي قريش: أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وعبد الله بن الزبعرى وعمرو بن العاص وضرار بن الخطاب. وقال قائل لعلي بن أبي طالب: اهج القوم الذين يهجوننا، فقال: إن اذن رسول الله (ص) فعلت، فقال رسول الله (ص): إن عليا ليس عنده


(1) الاستيعاب ص 324 اسد الغابة ج 1 / 290 و 284. (2) الاستيعاب ص 357 اسد الغابة ج 1 / 309. (3) بترجمة حسان من اسد الغابة. (4) صحيح مسلم ص 1933، باب مناقب حسان بن ثابت.

[143]

ما يراد من ذلك، ثم قال: ما يمنع القوم الذين نصروا رسول الله (ص) بأسيافهم ان ينصروه بألسنتهم ؟ فقال حسان: انا لها وأخذ بطرف لسانه وقال: والله ما يسرني به مقول بين بصرى وصنعاء، قال رسول الله (ص): كيف تهجوهم وانا منهم ؟ وكيف تهجو أبا سفيان وهو ابن عمي ؟ فقال: يا رسول الله لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين (1). فقال له الرسول (ص): أنت له، اذهب إلى أبي بكر يخبرك بمثالب القوم ثم اهجهم وجبريل معك فقال يرد على أبي سفيان: ألا أبلغ أبا سفيان عني مغلغلة فقد برح الخفاء هجوت محمدا فأجبت عنه وعند الله في ذاك الجزاء أتهجوه ولست له بند فشر كما لخير كما الفداء فن يهجو رسول الله منكم ويطريه ويمدحه سواء لنا في كل يوم من معد سباب أو قتال أو هجاء لساني صارم لا عيب فيه وبحري لاتكدره الدلاء فإن ابي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء (2) وفي الاغاني: جاء الحارث بن عوف بن أبي حارثة إلى النبي (ص) فقال: معي من يدعو إلى دينك وأنا له جار، فأرسل معه رجلا من الأنصار، فغدر بالحارث عشيرته فقتلوا الأنصاري، فقدم الحارث على رسول الله (ص) وكان عليه الصلاة والسلام لا يؤنب أحدا في وجهه، فقال: " ادعوا لي حسان، فدعي له، فلما رأى الحارث أنشده:


(1) ترجمة حسان من اسد الغابة. (2) العقد الفريد ج 5 / 294 - 295 وفي الاستيعاب بترجمة حسان اكثر تفصيلا وأوفى.

[144]

يا حار من يغدر بذمة جاره منكم فإن محمدا لم يغدر إن تغدروا فالغدر منكم شيمة والغدر ينبت في أصول السخبر فقال الحارث: اكففه عني يا محمد، وأؤدي إليك دية الخفارة، فأدى إلى النبي (ص) سبعين عشراء وكذلك دية الخفارة، وقال: يا محمد، أنا عائذ بك من شره، فلو مزج البحر بشعره مزجه (1). وفي ترجمة مسافع بن عياض القريشي التيمي ابن خال أبي بكر: كان مسافع بن عياض شاعرا فتعرض لهجاء حسان بن ثابت ففيه يقول حسان: يا آل تيم الا تنهون جاهلكم قبل القذاف بصم كالجلاميد منهنهوه فاني غير تارككم ان عاد ما اهتز ماء في ثرى عود لو كنت من هاشم أو من بني أسد أو عبد شمس أو اصحاب اللوا الصيد أو من بني نوفل أو ولد مطلب لله درك لم تهجم بتهديد أو من بني زهرة الأبطال قد عرفوا أو من بني جمع الحفر الجلاعيد أو في الذؤابة من تيم إذا انتسبوا أو من بني الحارث البيض الاماجيد لولا الرسول واني لست عاصيه حتى يغيبني في الرمس ملحودي وصاحب النار إني سوف احفظه وطلحة بن عبيد الله ذو الجود (2) وفي ترجمة حسان بن ثابت من أسد الغابة: وانتدب لهجو المشركين ثلاثة من الأنصار حسان وكعب بن مالك وعبد الله ابن رواحة فكان حسان وكعب


(1) الاغاني ج 4 / 11 ط. ساسي وترجمة الحارث في اسد الغابة ج 1 / 342 - 343. (2) الاستيعاب ص 1257 والاصابة رقم الترجمة 7927 أسد الغابة ج 4 / 252 - 253، وترجمة طلحة من تهذيب ابن عساكر ج 7 / 83 والكامل للمبرد ج 1 / 169 - 170.

[145]

يعارضانهم مثل قولهم في الوقائع والأيام والماثر ويذكرون مثالبهم، وكان عبد الله ابن رواحة يعيرهم بالكفر وبعبادة ما لا يسمع ولا ينفع فكان قوله أهون القول عليهم، وكان قول حسان وكعب أشد القول عليهم، فلما أسلموا وفقهوا كان قول عبد الله اشد القول عليهم. ونهى عمر بن الخطاب في انشاد شئ من مناقصة الأنصار ومشركي قريش وقال: في ذلك شتم الحي والميت وتجديد الضغائن وقد هدم الله أمر الجاهلية بما جاء من الاسلام (1). وروي أنهم قالوا: فضل حسان الشعراء بثلاث: كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر النبي (ص) في النبوة، وشاعر اليمن كلها في الاسلام (2). وقال أيضا: كان حسان من فحول الشعراء في الجاهلية فلما جاء الاسلام سقط شعره. وقيل لحسان: لان شعرك وهرم يا ابا الحسام، فقال للسائل: يابن أخي إن الاسلام يحجز عنا الكذب، يعني ان الاجادة في الشعر هو الافراط في الذي يقوله وهو كذب يمنع الاسلام منه فلا يجئ الشعر جيدا (3). وقال أيضا: عن هشام، عن أبيه أن رسول الله (ص) جلد الذين قالوا لعائشة ما قالوا ثمانين ثمانين حسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش، وكان حسان ممن خاض في الافك فجلد فيه في قول بعضهم وأنكر قوم ذلك. وقال أيضا: وقالوا: إن عائشة كانت في الطواف ومعها ام حكيم بن خالد ابن العاص وأم حكيم بنت عبد الله بن أبي ربيعة فذكرتا حسان بن ثابت وسبتاه فقالت عائشة: اني لأرجو أن يدخله الله الجنة بذبه عن النبي (ص) بلسانه، أليس


(1) اسد الغابة ترجمة حسان بن ثابت. (2) أسد الغابة ج 2 / 5. (3) أسد الغابة ج 2 / 5 - 6.

[146]

هو القائل: فإن ابي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء ؟ وبرأته من ان يكون افترى عليها، فقالتا: ألم يقل فيك ؟ فقالت: لم يقل شيئا ولكنه الذي يقول: حصان رزان ما تزن بريبة وتصبح غرثى من لحوم الغوافل فإن كان ما قد قيل عني قلته فلا رفعت سوطي إلي أناملي وكان حسان من أجبن الناس حتى أن النبي (ص) جعله مع النساء في الاطام يوم الخندق. إذ كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت قالت: وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصبيان حيث خندق النبي (ص) قالت صفية: فمر بنا رجل من يهود فجعل يطيف بالحصن قالت له صفية: إن هذا اليهودي يطيف بالحصن كما ترى ولا آمنه ان يدل على عورتنا من ورائنا من يهود وقد شغل عنا رسول الله (ص) وأصحابه فأنزل إليه فاقتله قال: يغفر الله لك يا بنت عبد المطلب لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا. قالت صفية: فلما قال ذلك أخذت عمودا ونزلت من الحصن إليه فضربته بالعمود حتى قتلته ثم رجعت إلى الحصن فقلت: يا حسان أنزل فاسلبه فقال: مالي بسلبه من حاجة يا بنت عبد المطلب. ولم يشهد مع النبي (ص) شيئا من مشاهده لجبنه، ووهب له النبي (ص) جاريته سيرين أخت مارية فأولدها عبد الرحمن بن حسان فهو وإبراهيم بن رسول الله (ص) ابنا خالة (1).


(1) أسد الغابة ج 2 / 6.

[147]

ي - حمنة بنت جحش: أم حبيبة حمنة بنت جحش بن رياب الأسدية أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة النبي (ص) وأخت أم المؤمنين زينب بنت جحش، قتل زوجها مصعب بن عمير في غزوة أحد فتزوجها طلحة بن عبيد الله، فولدت له محمدا وعمران ابني طلحة، وقال بعضهم: انها جلدت مع من جلد فيه - في قصة الافك - وقيل لم يجلد أحد (1). ك - ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي: وكان ثابت خطيب الأنصار وخطيب النبي (ص) كما كان حسان شاعره، وقد شهد أحدا وما بعدها وقتل يوم اليمامة في خلافة أبي بكر (2). ل - زيد بن أرقم بن زيد الانصاري الخزرجي: كان يتيما في حجر عبد الله بن رواحه أول مشاهده غزوة المريسيع. نزل الكوفة وابتنى دارا في كندة وتوفي سنة ثمان وستين (3). م - سعد بن عبادة بن دليم: كان رئيس الخزرج أراد الأنصار أن يبايعوه في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة رسول الله (ص) فغلبهم المهاجرون وبايعوا أبا بكر، فبقي في المدينة إلى عصر عمر


(1) ترجمتها في اسد الغابة ج 5 / 428 وج 2 / 51. (2) الاستيعاب ص 251 أسد الغابة ج 1 / 229. (3) الاستيعاب ص 816 اسد الغابة ج 2 / 219.

[148]

فأشار عليه بالخروج من المدينة فذهب إلى حوارين بالشام، فأرسل إليه خالد ابن الوليد فطلب منه أن يبايغ فابى فرماه بسهم فقتله، ثم انشدوا على لسان الجن انهم انشدوا: وقتلنا سيد الخزرج سعد بن عبادة ورميناه بسهمين فلم تخط فؤاده (1) ن - سعد بن معاذ بن النعمان الخزرجي الانصاري: من بني عبد الأشهل يكنى أبا عمر، رمي يوم الخندق بسهم فعاش شهرا حتى نزلت بنو قريظة على حكمه فحكم بقتل الرجال وسبي النساء والذرية، ثم انتفض جرحه بعد ذلك فمات في سنة خمس من الهجرة (2). س - سنان بن تيم الجهني: ويقال سنان بن وبره الجهني حليف لبني عوف بن الخزرج (3). ع - سيرين أخت مارية القبطية: أهداهما المقوقس صاحب الاسكندرية ومعهما مابور فبلغوا المدينة في السنة الثامنة هجرية فأهدى الرسول (ص) سيرين إلى حسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن (4).


(1) راجع: عبد الله بن سبأ ج 51 بحث موقف سعد بن عبادة بعد البيعة. (2) الاستيعاب ص 2333. (3) الاستيعاب ص 2444، اسد الغابة ج 3 / 352 و 359. (4) راجع تراجمهم في اسد الغابة.

[149]

ف - صفوان بن المعطل بن ربيعة السلمي ثم الذكواني: يكنى أبا عمر أسلم قبل غزوة المريسيع وشهد المريسيع وما بعدها، واختلفوا في مقتله ومدفنه (1). في جمهرة أنساب العرب: صفوان بن المعطل بن رخصة بن المؤمل من بني سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان العدناني. وفي نهاية الأدب (2): بنو ذكوان بطن من سليم من العدنانية. وفي سنن أبي داود ومسند أحمد وطبقات ابن سعد وتاريخ خليفة بن خياط واللفظ للأول بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: جاءت امرأة صفوان بن المعطل إلى النبي (ص) ونحن عنده فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان بن المعطل يضربني إذا صليت ويفطرني إذا صمت ولا يصلي صلاة الفجر حتى تطلع الشمس، قال: وصفوان عنده، قال: فسأله عما قالت، فقال: يا رسول الله أما قولها يضربني إذا صامت فإنها تقرأ بسورتين فقد نهيتها، قال: فقال: " لو كانت سورة واحدة لكفت الناس " وأما قولها يفطرني فإنها تصوم، وانا رجل شاب فلا أصبر، قال: فقال رسول الله (ص): يومئذ " لا تصومن امرأة إلا بإذن زوجها "، قال: وأما قولها: إني لا أصلي حتى تطلع الشمس فانا أهل بيت قد عرف لنا ذاك، لا نكاد نستيقظ حتى تطلع الشمس، قال: " فإذا استيقظت فصل " ورجاله ثقات (3)، وبترجمته في الاصابة: (وإسناده


(1) ترجمته في الاستيعاب ص 318 الرقم 1383، وأسد الغابة ج 3 / 26، والاصابة 4089، والمستدرك ج 3 / 518. (2) نهاية الادب ص 239. (3) سنن أبي داود، باب المرأة تصوم بغير إذن زوجها ص 3308، وطبقات ابن سعد =

[150]

صحيح). ص - عباد بن بشر بن وقش الانصاري الأشهلي: أسلم بالمدينة قبل هجرة النبي (ص) إليها على يد مصعب بن عمير، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله وكان عباد ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي النبي (ص). قالت عائشة: كان في بني عبد الأشهل ثلاثة لم يكن بعد النبي (ص) من المسلمين أحد أفضل منهم: سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وعباد بن بشر قتل يوم اليمامة وهو ابن خمس وأربعين سنة (1). ق - عبادة بن الصامت: عبادة بن الصامت الخزرجي عقبي بدري جمع القرآن على عهد النبي (ص) وكان يعلم أهل الصفة القرآن، أرسله عمر ليعلم الناس القرآن بالشام ويفقههم في الدين فأقام بحمص وأنكر على معاوية أشياء، ورحل إلى المدينة واعاده عمر وتولى قضاء فلسطين، توفي سنة أربع وثلاثين بالرملة (2). =


ج 4 / 249، وتاريخ خليفة ص 79، والتاريخ الكبير ج 3 / 254، والجرح والتعديل ج 3 / 439، والطبراني الكبير ج 4 / 265، وتاريخ ابن عساكر ج 6 / 24، وتهذيب الكمال ص 396، وتاريخ الاسلام ج 2 / 222، وتهذيب التهذيب ج 2 / 206 - 207، وخلاصة تذهيب الكمال ص 112، وتهذيب ابن عساكر ج 6 / 441، ومسند احمد ج 3 / 80. (1) اسد الغابة ج 3 / 100 الاستيعاب ص 1827. (2) ترجمته في اسد الغابة.

[151]

ر - عبد الله بن رواحة بن ثعلبة الانصاري الخزرجي: وأمه كبشة بنت واقد بن عمرو وكان نقيب بني الحارث، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله (ص) واستشهد في ليلة العقبة في غزوة مؤتة، فقد أمر رسول الله (ص) يومذاك على جيشه زيد بن حارثة فان اصيب فجعفر بن أبي طالب فان أصيب جعفر فعبدالله بن رواحة فاستشهدوا جميعا، وكان ذلك في جمادى سنة ثمان من الهجرة. وكان من الشعراء المحسنين الذين كانوا يردون الأذى عن رسول الله (ص). روى ابن حجر قال: دخل النبي (ص) مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه وهو يقول: خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله ضربا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله فقال عمر: يابن رواحة أفي حرم الله وبين يدي رسول الله (ص) تقول هذا الشعر ؟ فقال (ص): " خل عنه يا عمر فوالذي نفسي بيده لكلامه أشد عليهم من وقع النبل ". روى ابن عبد البر أنه مشى ليلة إلى أمة له فقال لها، وفطنت له امرأته فلامته فجحدها وكانت قد رأت جماعة لها فقالت: إن كنت صادقا فاقرأ القرآن فالجنب لا يقرأ القرآن فقال: شهدت بأن وعد الله حق وان النار مثوى الكافرينا وان العرش فوق الماء حق وفوق العرش رب العالمينا وتحمله ملائكة غلاظ ملائكة الاله المؤمنينا

[152]

فقالت امرأته: صدق الله وكذبت عيني وكانت لا تحفظ القرآن ولا تقرؤه. ش - عبد الله بن أبي بن سلول الأنصاري: من بني عوف بن الخزرج، وسلول امرأة من خزاعة ويكنى أبا الحباب بابنه الحباب وكان رأس المنافقين ومن أشراف الخزرج، وكانت الخزرج قد اجتمعت على أن يتوجوه ويسندوا إليه أمرهم قبل مبعث النبي (ص) فلما جاء الله بالاسلام نفس على رسول الله (ص) النبوة وأخذته العزة. مات بعد غزوة المريسيع ودفن بالمدينة (1). * * * لقد فصلنا القول في بعض التراجم الآنفة لحاجتنا إليها لدراسة أخبار الافك في ما يأتي:


(1) الاستيعاب بترجمة ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي 1 / 366.

[153]

دراسة روايات المسابقة والتيمم والافك جاء في ما روي عن أم المؤمنين عائشة (رض) في مسند أحمد: أقبلنا مع رسول الله (ص) في بعض أسفاره حتى إذا كنا بتربان بلد بينه وبين المدينة بريد وأميال وهو بلد لا ماء فيه... الحديث. ما جاء في هذه الرواية عن مكان تربان يناقض ما ذكره الحموي عن تربان في معجم البلدان حيث قال: " تربان واد بين ذات الجيش وملل والشيانة على المحجة نفسها فيه مياه كثيرة مرتبة نزلها رسول الله (ص) في غزوة بدر ". لست أدري كيف لم ينتبه رواة أحاديث المسابقة والتيمم والافك والمحدثون الذين أخرجو تلك الروايات في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها إلى تناقض ما فعله الرسول (ص) في عودته من غزوة المريسيع مع ما رووه ؟ فان رسول الله عند ما بلغه خبر مقالة ابن ابي على ماء المريسيع رحل في ساعة لم يكن ير تحل فيها، ولم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله (ص) طلع على راحلته يسوقها وكانوا في حر شديد، وكان قبل ذلك لا يروح حتى يبرد وانه سار قبل الزوال إلى آخر الليل وحتى انتصف النهار لليوم الثاني، وكان يسوق راحلته بالسوط حتى سقط على الارض فاخذ يغمز ظهره غليم اسود ولم يكن يفعل ذلك قبل هذه الغزوة ولم يفعلها بعده وانما اسرع رسول الله (ص) بالناس ليدعوا حديث ابن أبي، فلما نزلوا ووجدوا مس الارض وقعوا نياما، ثم سار رسول الله (ص) في برد المساء كذلك حتى بلغوا مضيقا قريبا من المدينة وكان قد تقدم عبد الله بن عبد الله

[154]

ابن ابي ووقف حتى بلغ المكان والده عبد الله ابن ابي فأناخ براحلته وقال: لن تدخلها... الحديث. لست أدري مع كيفية سير رسول الله (ص) في رجوعه من ماء المريسيع في أي منزل منها قال لجيشه: تقدموا فتقدموا، فقال لام المؤمنين عائشة: تعالي حتى اسابقك... الحديث ؟ وفي أي منزل منها لاماء فيه وليسوا على ماء انقطع عقد أم المؤمنين فأقام جيشه هناك في سبيل التماس عقدها حتى أصبحوا فجاء أبو بكر ينخسها ولا تستطيع حراكا لأن رأس رسول الله (ص) كان على فخذها فأنزل الله آية التيمم ؟ وفي أي منزل منها ذهبت لقضاء حاجتها فإذا عقد لها من جزع ظفار قد انقطع فالتمسته وأقبل الرهط الذين يرحلون بعيرها واحتملوا هودجها ولم يشعروا بخفة الهودج ورحلوه على بعيرها ؟ * * * في ضوء الروايات السابقة نرى أن هناك أربع قصص ينبغي دراسة كل منها على حدة وهي: أ - المسابقة. ب - المنافرة بين المهاجرين والانصار حتى ضرب جهجاه حسان بن ثابت. ج - شأن نزول آية التيمم. د - شأن نزول آيات الافك. ونستعين الله ونقول:

[155]

أولا - المسابقة: جاء في رواية هشام بن عروة عن أم المؤمنين في مسند أحمد أنها قالت: خرجت مع النبي (ص) في بعض اسفاره وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: تقدموا فتقدموا ثم قال: تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقته فسكت عني حتى إذا حملت اللحم وبدنت ونسيت خرجت معه في بعض اسفاره، فقال للناس: تقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك فسابقته فسبقني فجعل يضحك ويقول هذه بتلك. وجاء في روايتها لعباد بن عبد الله بن الزبير في مغازي الواقدي أنه قال: قلت لعائشة: حدثينا يا أمه حديثك في غزوة المريسيع، قالت: يابن أختي ان رسول الله (ص) كان إذا خرج في سفر أقرع بين نسائه فأيتهن خرج سهمها خرج بها، وكان يحب ألا أفارقه في سفر ولا حضر فلما أراد غزوة مريسيع أقرع بيننا فخرج سهمي وسهم أم سلمة، فخرجنا معه فغنمه الله أموالهم وأنفسهم، ثم انصرفنا راجعين فنزل رسول الله منزلا ليس معه ماء ولم ينزل على ماء، وقد سقط عقد لي من عنقي فأخبرت رسول الله (ص) فأقام بالناس حتى اصبحوا... فجاء أبو بكر فعاتبني عتابا شديدا وجعل يطعن بيده على خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله (ص) رأسه على فخذي وهو نائم.... ثم سرنا مع العسكر حتى إذا نزلنا دمثا طيبا ذا أراك قال: يا عائشة هل لك في السباق ؟ قلت: نعم فتحزمت بثيابي وفعل ذلك رسول الله (ص) ثم استبقنا فسبقني فقال: هذه بتلك السبقة التي كنت سبقتيني، وكان جاء إلى منزل أبي ومعي شئ فقال: هلميه ! فأبيت فسعيت وسعى على أثري فسبقته. وكانت هذه الغزوة بعد أن ضرب الحجاب.

[156]

قالت: وكان النساء إذ ذاك إلى الخفة هن إنما يأكلن العلق من الطعام لم يهيجن باللحم فيثقلن، وكان اللذان يرجلان بعيري رجلين... إلى آخر حديث الافك. والسؤال هنا أن المسابقة الأولى هل كانت في بعض أسفاره كما جاء في رواية هشام بن عروة عنها أم في بيت أبيها كما جاء في رواية عباد بن عبد الله بن الزبير ! ؟ وإذا كانت في بيت أبيها وكان بيدها شئ اراده النبي (ص) كيف سبقت النبي (ص) ولم يستطع النبي (ص) تناول الشئ من يدها ؟ وهل كان بيت أبيها فلاة لتسبق النبي (ص) ولا يستطيع النبي (ص) إدراكها ؟ أم كان البيت محدودا يصل إليها النبي (ص) إلى أي جهة منه اتجهت ؟ وإذا كانت الاولى والثانية في فلاة وكانا يسيران ضمن جيش كيف يصح أن يقال: ان الرسول (ص) أمر جيشه بأن يتقدموه ليسابق زوجته ؟ لست أدري أي قائد جيش سليم العقل يقوم بما نسبوه إلى رسول الله بأن يأمر جيشه ان يتقدموا ليسابق زوجته ؟ ثم كم ينبغي ان يتقدم الجيش ويبتعد عنهم الرسول (ص) وزوجته كي لا يروا مسابقته مع زوجته ؟ وهل يتيسر ذلك ؟ اضف إليه حال الرسول (ص) وجيشه في رجوعهم من ماء المريسيع، وهل يصدق ذو مسكة، وقوع المسابقة مع تلك الحالة ! ؟ وهل كانت أم سلمة معهما كما جاء في رواية عباد عنها ؟ أم لم تكن معهما كما جاء في رواية هشام بن عروة وغيره عنها ؟ وإذا كانت معهما أين كانت في زمن المسابقة، بين الجيش أم معهما ! ؟ وهل كانت في المسابقة الثانية في غزوة بني المصطلق كما جاء في رواية عباد وكان النساء إذ ذاك إلى الخفة إنما يأكلن العلق من الطعام لم يهيجن باللحم فيثقلن ؟

[157]

أم كانت كما جاء في رواية هشام " حملت اللحم وبدنت " ؟ ثانيا - المنافرة بين المهاجرين والانصار حتى ضرب جهجاه حسان بن ثابت: ان حقيقة الخبر أن ابن ابي لما قال مقالته تبعه حسان بانشاد شعره في الهجاء فارتحل الرسول (ص) واسرع السير ونزلت سورة " المنافقون "، وذل ابن ابي وضعف موقف حسان وتشجع جهجاه فضربه بالسيف في المدينة فمنحه الرسول وسعد بن عبادة وأرضوه. ويدل على ذلك قول حسان في هجاء فقراء المهاجرين: " ان الجلابيب قد عزوا وقد كثروا... " واستنهاض صفوان لجميل، وقوله لحسان: " فانني غلام إذا ما هو جيت... " ولم يقل إذا ما قذفت، وقوله للرسول: " انه قد هجاني " مضافا إلى انه لم يرد في كل هذه المحاورات الطويلة بين صفوان وجميل والنبي، وسعد بن عبادة، وابنه قيس، وغيرهم من قصة الافك قليل ولا كثير فكأن الافك لم يكن ابدا وكأن احدا لم يسمع به يومذاك، غير ان ابن هشام لم يوردها في محلها بعد ذكره الخصام على ماء المريسيع وما بدر من ابن ابي، وانما أخر ذكرها حتى إذا انتهى من سرد قصة الافك اقحمها بعدها فأوهم انها كانت من اثر الافك، وقد اقتدى به في ذلك كل من الطبري وابن الاثير وابن كثير في تواريخهم، وقد التبس الامر على من جاء بعد ابن اسحاق كابن عبد البر في الاستيعاب حيث قال: اعترض صفوان بن المعطل حسان بن ثابت بالسيف لما قد قذفه بالافك...، ذكره ابن اسحاق في ذلك وذكر الخبر في ذلك. ومن الغريب انا نجد ابن اسحاق عندما يذكر قصة ضرب صفوان لحسان يروي انه قال: تلق ذباب السيف مني فانني غلام إذا هو جيت لست بشاعر

[158]

ولم يرو بعده بيتا آخر، وكذلك كل من روى عنه ابن اسحاق، كابن هشام، وابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير. كل هؤلاء يرووا بعد هذا البيت بيتا آخر، على ان ابن اسحاق مغرم بايراد الاشعار في ذكره أخبار الحوادث حتى إذا كان القرن الخامس نجد الحاكم في المستدرك وابن الاثير في اسد الغابة يضيفان إلى هذا البيت ما يلي: ولكنني أحمي حماي وأشتفي من الباهت الرامي البراء الطواهر ولست أدري من اين جاء بهذا البيت الذي لم يعثر عليه كل من ابن اسحاق في القرن الثاني ورواته ابن هشام وابن جرير في القرن الثالث والرابع. ثالثا - التيمم: 1 - في القرآن الكريم: قال الله سبحانه: أ - في سورة المائدة: (يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين وإن كنتم جنبا فاطهروا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه...) [الآية: 6]. ب - في سورة النساء: (يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا

[159]

فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا) [الاية: 43]. 2 - في الحديث: جاء في تفسير الآيتين من صحيحي البخاري ومسلم: أ - عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة انها استعارت من أسماء قلادة فهلكت فبعث رسول الله (ص) رجلا فوجدها فادركتهم الصلاة وليس معه ماء فصلوا. فشكوا ذلك إلى رسول الله (ص) فانزل الله آية التيمم فقال: اسيد بن حضير لعائشة: جزاك الله خيرا فو الله ما نزل بك امر تكرهينه إلا جعل الله ذلك لك وللمسلمين فيه خيرا (1). ولفظ الحديث في سنن النسائي: بعث رسول الله (ص) أسيد بن حضير وناسا يطلبون قلادة كانت لعائشة نسيتها في منزل نزلته فحضرت الصلاة وليسوا على وضوء ولم مجدوا ماء فصلوا بغير وضوء فذكروا ذلك لرسول الله (ص) فانزل الله عزوجل آية التيمم... الحديث (2). ب - في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد واللفظ للاول بسنده عن عمران بن حصين: ان رسول الله (ص) رأى رجلا معتزلا لم يصل في القوم فقال: يا فلان ما


(1) صحيح البخاري، كتاب التيمم، باب إذا لم يجد ماء ولا ترابا، 1 / 86، وصحيح مسلم، الحديث 109، ج 1 / 279، وسنن ابن ماجة، ابواب التيمم، باب ما جاء في سنن التيمم، الحديث 568، ص 188، وفى لفظهما فارسل ناسا، ومسند احمد 6 / 57 رجالا، وسنن الدارمي، باب التيمم، ج 1 / 190. (2) سنن النسائي 1 / 61، و 172 باب من لم يجد الماء والصعيد.

[160]

منعك أن تصلي في القوم ؟ فقال: يا رسول الله أصابتني جنابة ولاماء قال: عليك بالصعيد فانه يكفيك (1). ج - في طبقات ابن سعد والاستيعاب، واسد الغابة، والاصابة، والدر المنثور للسيوطي، وكنز العمال واللفظ للاول: عن الربيع بن بدر قال: حدثني أبي عن جدي ان رجلا منهم يقال له الاسلع قال: كنت أخدم النبي (ص) وأرحل له. قال: فقال لي (ص) ذات ليلة: يا اسلع قم فارحل لي. فقلت: يا نبي الله اصابتني جنابة فسكت ساعة واتاه جبريل عليه السلام بآية الصعيد. قال فدعاني النبي (ص) فأراني كيف أمسح فمسحت ورحلت له وصليت، فلما انتهى إلى الماء قال لي: قم يا اسلع فاغتسل. وأخرجه الخطيب في تاريخه قريبا من هذا وليس فيه ذكر نزول آية التيمم بسببه (2). د - في تفسير الآية بتفسير الطبري بسنده في قوله تعالى: (ولا جنبا


(1) صحيح البخاري ج 1 / 73 كتاب التيمم، وصحيح مسلم ج 1 / 475، ومسند احمد ج 4 / 434، وسنن النسائي ج 1 / 171 باب التيمم بالصعيد. (2) طبقات ابن سعد 7 / 65، وفي الاستيعاب 1 / 54، واسد الغابة 1 / 91، والاصابة 1 / 52، بترجمة الاسلع، والفاظ الحديث تختلف في بعضها عما ذكرنا عن الطبقات، ورواه المتقي في الكنز، الحديث 2961، ج 5 / 145 عن ابن سعد وعتبة بن حميد، وابن جرير والقاضي اسماعيل في الاحكام، والطحاوي في مشكل الاثار، والدار قطني في سننه، والطبراني في سننه الكبير، وأبو نعيم في المعرفة، والبيهقي في السنن، وابن مردويه في سننه، والضياء المقدسي في المختارة، والطبري في تفسير آية التيمم من سورة النساء 5 / 68، والسيوطي في تفسير آية التيمم 2 / 165.

[161]

إلا عابري سبيل) قال: ان رجالا من الأنصار كانت أبوابهم في المسجد فكانت تصيبهم جنابة ولاماء عندهم فيريدون الماء ولا يجدون ممرا في المسجد فأنزل الله هذه الآية (1). ه‍ - أيضا في تفسير الآية بتفسير السيوطي بسنده قال: أصاب أصحاب رسول الله (ص) جراحة ففشت فيهم ثم ابتلوا بالجنابة فشكوا ذلك إلى النبي (ص) فنزلت (وإن كنتم مرضى...) الاية كلها (2). و - في تفسير الآية بتفسير السيوطي بسنده عن مجاهد في قوله: (وان كنتم مرضى) قال: نزلت في رجل من الانصار كان مريضا فلم يستطع ان يقوم فيتوضأ ولم يكن له خادم فيناوله، فاتى رسول الله (ص) فذكر ذلك له فأنزل الله هذه الآية (3). ز - بتفسير آية التيمم من سورة المائدة من تفسير السيوطي بسنده عن عطاء قال: احتلم رجل على عهد رسول الله (ص) وهو مجذوم فغسلوه فات فقال رسول الله (ص): قتلوه قتلهم الله ضيعوه ضيعهم الله. في صحيحي البخاري ومسلم وسنن ابي داود والنسائي ومسند الطيالسي واحمد وابي عوانة واللفظ للطيالسي: بسنده عن عبد الرحمن بن أبزى عن ابيه قال: أتى رجل عمر فذكر انه كان


(1) تفسير الطبري 5 / 64، والسيوطي في الدر المنثور 2 / 166. (2) الدر المنثور للسيوطي 2 / 166 بتفسير الاية. (3) تفسير السيوطي 2 / 166.

[162]

في سفر فأجنب ولم يجد الماء، فقال: لا تصل. فقال عمار: أما تذكر يا أمير المؤمنين إذ كنت أنا وأنت في سرية فاجنبنا فلم نجد الماء فاما أنت فلم تصل وأما أنا فتمعكت في التراب وصليت، فلما قدمنا على رسول الله (ص) ذكرنا ذلك له فقال لك: اما انت فلم يكن ينبغي لك ان تدع الصلاة، واما انت يا عمار فلم يكن ينبغي لك ان تمعك كما تتمعك الدابة انما كان يجزئك - وضرب رسول الله (ص) بيده الارض إلى التراب - فقال: هكذا فنفخ فيها ومسح وجهه ويديه إلى المفصل وليس فيه إلى الذراعين. الحديث (1). * * * كان ذلكم ما جاء في الذكر الحكيم والاحاديث المروية عن رسول الله (ص) في أمر التيمم وينبغي أن ندرسها في ما يأتي بإذنه تعالى. دراسة أخبار التيمم: ينبغي أن ندرس في هذا المقام أربعة أمور: أ - زمان نزول، حكم التيمم. ب - روايات التيمم عدا روايات أم المؤمنين عائشة. ج - زمان نزول آيتي التيمم.


(1) اخرج الحديث: الطيالسي في مسنده، الحديث 638، واحمد في مسنده 4 / 265 و 319، ومسلم في صحيحه، باب التيمم ج 1 / 280، والنسائي في ج 1 / 165 - 166 باب التيمم في الحضر، وأبو داود السجستاني في ج 1 / 44 من سننه، وأبو عوانة في ج 1 / 306 من مسنده، وفي الكنز ج 5 / 142، الحديث 2926 قريبا منه، ورواه البخاري في ج 1 / 87 في باب التيمم مع اختلاف في اللفظ. وتمعكت الدابة: تمرغت وتقلبت في التراب.

[163]

د - روايات أم المؤمنين عائشة الأخيرة في شأن نزول آيتي التيمم. ونستعين الله ونقول: أ - زمان نزول حكم التيمم: نزل حكم الصلاة على رسول الله (ص) بعد ما بعث، وعلمه جبرئيل الوضوء والصلاة بعد ذلك. وكان (ص) يؤديها مع علي وخديجة ومن آمن من بعدهما من المسلمين، ومع ذلك لم نجد ذكر الوضوء في القرآن الكريم في غير سورتي المائدة والنساء المدنيتين. ونحن نرى ان حكم الغسل من الجنابة وحكم التيمم بدلا عن الوضوء والغسل عند عدم تيسر هما - أيضا - كان قد نزل في مكة، فإن قلة وجود الماء في أراضي الحجاز يومذاك كانت تقتضي نزول حكم التيمم بدلا عن الوضوء والغسل بعد نزول حكم الوضوء للصلاة. ب - روايات التيمم عدا روايات أم المؤمنين عائشة: اختلفت روايات التيمم في تعيين الأمر الذي بسببه نزلت آيتا التيمم، ففي رواية: ان رجالا من الانصار كانت ابوابهم في المسجد فكانت تصيبهم جنابة ولا ماء عندهم... فأنزل الله هذه الاية. وفي ثانية: انها نزلت في مجروحين ابتلوا بالجنابة. وفي ثالثة: انها نزلت في رجل من الانصار أجنب ولم يستطع أن يتوضأ.

[164]

ج - زمان نزول آيتي التيمم: ان شأن آيتي التيمم شأن آيات اخرى نزلت تخبر عن نزول حكم بوحي غير قرآني مثل قوله تعالى في سورة الاحزاب: (واذ تقول للذي أنعم الله عليه وانعمت عليه امسك عليك زوجك واتق الله وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله احق ان تخشاه). وكان الذي أخفاه الرسول (ص) في نفسه ما اوحى الله إليه قبل ذلك بوحي غير قرآني واخبر عنه هنا بوحي قرآني حيث قال تعالى: (فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج...) الآية. وكذلك الشأن في زمان نزول آيتي التيمم فقد كان حكم التيمم قد نزل بوحي غير قرآني ثم نزل القرآن يخبر عن حكم الله في بدلية التيمم عن الوضوء والغسل. نستنتج مما سبق ان حكم التيمم كان قد نزل في أوائل بعثة الرسول (ص) وعمل به في مكة ثم نزلت الآيتان في المدينة تخبران عن ذلك الحكم، وبعد نزول الآيتين كان الرسول (ص) يتلو احداهما بالمناسبة كلما اقتضى المقام ذلك. وبما ان الخلفاء كانوا قد نهوا عن كتابة سنة الرسول (ص) إلى عصر عمر بن عبد العزيز وقع هذا الالتباس في الروايات وأدى ذلك إلى هذا الاختلاف في شأن نزول الآيتين.

[165]

د - روايات أم المؤمنين عائشة الاخيرة في شأن نزول آيتي التيمم: اننا نرى ان لفظ النسائي قد يكون هو الصحيح حيث يقول: ان رسول الله (ص) بعث في طلب قلادة لأم المؤمنين عائشة (نسيتها في منزل نزلته). وان المبعوث كان رجلا واحدا كما يفهم ذلك من حديث جاء في البخاري، فان طلب القلادة لا بجتاج إلى ناس يذهبون له ونرى ان ذلك الرجل كان اسيد ابن حضير، ولم يتيسر له الماء للطهور واخبر الرسول بذلك بعد رجوعه فتلا عليه الآية كما تلاها على غيره. * * * كان ذلكم نتيجة دراساتنا في شأن نزول آيتي التيمم والروايات التي تخبر عنهما. وفي ما يأتي ندرس باذنه تعالى قصة الأفك والايات النازلة في أمر الافك. رابعا - الافك: أ - في القرآن الكريم: قال الله تعالى: (إن الذين جاءوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم لكل امرئ منهم ما اكتسب من الاثم والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم * لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين * لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فاولئك

[166]

عند الله هم الكاذبون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم في ما أفضتم فيه عذاب عظيم * إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم * ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم * يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين * ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم * إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون * ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤوف رحيم * يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم * ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم * إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم * يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) [النور: 11 - 24]. دراسة الآيات الكريمة: في هذه الآيات الكريمة: (الذين جاءوا بالافك عصبة) والعصبة: جماعة متعصبة متعاضدة (1) ويقابلها تجمع اللفيف، واللفيف: ما اجتمع من الناس من قبائل شتى فيهم الشريف والدني (2). بناء على ذلك اننا نرى ان الافك لابد وانه كان قد وقع في حدود ضيقة من


(1) مادة عصب من مفردات القرآن للراغب. (2) مادة لف من المعجم الوسيط.

[167]

بيت النبي (ص) ولم يطلع عليه إلا خاصته ممن لم يشيعوا ذكره تأدبا بقوله تعالى: (والذين يحبون ان تشيع الفاحشة). ثم ان رميهم من قذفوا بالفاحشة لم يتعد حدود الارجاف ولم يبلغ منهم إلى درجة الشهادة ليوجب عليهم حد القذف، فلم يكن اي واحد منهم جادا في ذلك البتة، لعدم وجود الموجب له. ونرى ان المرأة والرجل اللذين رميا بالافك لابد وانهما لم يكونا من البيوتات العربية لتثأر لهما العشيرة والاهل، وإنما كانا من المغمورين المنقطعين عن الرهط ولم يكن لهم ناصر إلا الله ورسوله (ص)، واما القاذفون فلا بد وانهم كانوا عصبة قوية يومذاك. ولما نزلت آيات الافك خمدت انفاس العصبية وسكتت على مضض وسكت الرسول عنهم وسكت المتصلون بالرسول، ولا بد ان هذه العصبة بقيت قوية بعد الرسول وصعدت قمة المجتمع الاسلامي واصبحت مهابة ملحوظة الجانب، فاجتهد المحدثون والمؤرخون في اخفاء معالم الواقعة مهما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. وقد انتهى الينا من زوايا كتب الحديث والسير ما ينير لنا الطريق بعض الشئ، وذلك ما سندرسه ان شاء الله تعالى بعد دراسة أخبار الافك في ما يأتي: ب - في الحديث ما روي عن أم المؤمنين عائشة في قصة الافك ودراستها: جاء في ما روي عنها في صحاح الحديث أن رسول الله استشار أسامة بن زيد وكان اسامة يومذاك في السنة الخامسة أو السادسة من الهجرة غلاما لم يبلغ الحلم لانه كان في مرض وفاة الرسول حين ولاه على الجيش في السنة الثانية عشرة من الهجرة عمره ثماني عشرة سنة، واستنكروا تعيينه وهو غلام على جيش

[168]

اوعب فيه المهاجرين الاولين كيف يصح أن يستشير الرسول في امر هام مثل قصة الافك غلاما في اوائل العقد الثاني من عمره ولم يستشر والده زيد وكان يومذاك على قيد الحياة ؟ فانه استشهد في غزوة مؤتة وفي السنة الثامنة. وجاء في الحديث الذي اوردناه في أول البحث ان رسول الله (ص) قال عن صفوان: (وذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلا معي) في حين أن صفوان كان قد اسلم قبل تلك الغزوة، فكيف كان يدخل مع رسول الله على أهله ؟ وجاء في الحديث التالي انها قالت عن صفوان: وبلغ الأمر ذلك الرجل فقال: (سبحان الله والله ما كشفت كنف انثى قط). وفي رواية ابن هشام: (وكانت عائشة تقول: لقد سئل عن ابن المعطل فوجدوه رجلا حصورا ما يأتي النساء) (1). وقد مر بنا في الحديث الصحيح أن زوجة صفوان اشتكت إلى رسول الله (ص) إن صفوان يضربها إذا صلت ويفطرها إذا صامت وانه لا يصلي صلاة الصبح... الحديث، وبناء على ذلك فان صفوان لا يقول: سبحان الله والله ما كشفت كنف انثى قط ! ؟ وانتبه إلى هذا التناقض الحافظ ابن حجر فقد قال في ترجمته في الاصابة: ومما انتبه العلماء إلى ما في تلكم الأحاديث من تناقض مع الواقع التاريخي ما جاء فيها: ان الرسول سأل من الجارية بريرة عنها، في حين أن بريرة كانت يومذاك جارية لبعض بني هلال، وانما اشترتها أم المؤمنين بعد ذاك بسنتين أو أكثر يوم كان العباس عم النبي في المدينة، وأن له كلاما في العباس وقصة شراء بريرة كما


(1) سيرة ابن هشام ج 3 / 352 - 353، والطبري ج 3 / 71، وابن كثير ج 4 / 163، والاغاني ج 4 / 14.

[169]

جاء في ترجمتهما في الاصابة. وجاء في ترجمة مغيث عن ابن عباس انه رآى مغيثا بعد عتقها يمشي خلفها ويبكي، وانما هاجر العباس قبيل فتح مكة التي كانت في السنة الثامنة من الهجرة (1) وبناء على ذلك كان شراء عائشة لبريرة وعتقها في السنة الثامنة من الهجرة، وما كانت في السنة الخامسة أو السادسة للهجرة التي رويت فيها روايات الافك في واقعة غزوة بني المصطلق. حيرة العلماء في رفع تناقض روايات الصحاح والمسانيد في قصة الافك: أ - قال الحافظ ابن حجر في ترجمة صفوان من الاصابة: أورد على هذا أن صفوان كيف كان حصورا وقد روي عن أبي داود عن أبي سعيد أنه قال: جاءت امرأة صفوان إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله إن زوجي صفوان يضربني. ثم قال ابن حجر: وإسناده صحيح ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الافك: ان صفوان قال: والله ما كشفت عن كنف انثى قط... ثم ذكر ان البخاري قد انتبه إلى هذا التنافي ولذلك ضعف حديث أبي داود ليسلم حديث الافك. ب - اخرج البخاري والطيالسي وعبد الله بن احمد في مسند (2) أبيه جميعا


(1) راجع ترجمة العباس من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة. (2) أخرجه البخاري في صحيحه ج 3 / 28 باب في حديث الافك: والطيالسي في ص 231 - 232، ومسند أحمد ج 6 / 367 وهذا سياقه واللفظ للبخاري بسنده إلى أبي وائل قال: " حدثني مسروق بن الأجدع قال: حدثتني أم رومان وهي أم عائشة قالت:... " الحديث، وأخرجه البخاري في ج 3 / 112 باب قوله: (ولو لا فضل الله عليكم) مختصرا وهذا سياقه: ثنا محمد بن كثير، انا سليمان، عن حصين، عن ابي وائل، =

[170]

عن مسروق (1) عن أم رومان: إن مسروقا لم يدرك أم رومان فان أم رومان كانت قد توفيت في السنة الرابعة أو الخامسة أو السادسة من الهجرة في المدينة ومسروق ولد في السنة الأولى من الهجرة في اليمن وقدم من اليمن بعد وفاة رسول الله (ص). قال الشيباني في الجمع بين رجال الصحيحين (2): (وأنكر على البخاري اخراج حديثه عن أم رومان، إذ كانت بلا خلاف قد توفيت في عهد النبي ولم يكن مسروق حينئذ وهو حديث واحد). وقال ابن عبد البر (3): (رواية مسروق عن أم رومان مرسلة ولعله سمع ذلك من عائشة). وقال الزركشي (4): " رون البخاري لأم رومان حديثا واحدا من حديث الافك من رواية مسروق عنها ولم يلقها وقيل: (عن مسروق حدثتني أم رومان) وهو وهم... ذكر ابن سعد وغيره ان أم رومان ماتت في حياة رسول الله (ص) في سنة ست من الهجرة ونزل رسول الله (ص) في قبرها، وهذا يقوي الاشكال في إخراج البخاري رواية مسروق عنها، لكن أنكر قوم موتها في حياة =


عن مسروق، عن أم رومان أم عائشة أنها قالت: لما رميت عائشة خرت مغشيا عليها. (1) مسروق بن الاجدع من بني همدان الذين سكنوا الكوفة، ولما وفد مسروق أو أبوه على الخليفة عمر غير اسم أبيه - الأجدع - وسماه عبد الرحمن (1 - 61 أو 63 ه‍) ترجمته في الطبقات ج 6 / 76 - 84، والتهذيب ج 10 / 109 - 111، والخلاصة ص 319، وراجع: ترجمة ام رومان من الامابة. (2) الجمع بين رجال الصحيحين لمحمد بن طاهر المقدسي ج 2 / 516 - 517. (3) بترجمة أم رومان من الاستيعاب وقد أجابوا عن هذا الايراد الذي أورد على البخاري في صحيحه بأجوبة فيها تمحلات كثيرة. (4) الاجابة ص 38 - 39.

[171]

رسول الله (ص) منهم أبو نعيم الاصفهاني، ولاعمدة لمن أنكره إلا رواية مسروق. وقال الخطيب: لم يسمع مسروق من أم رومان شيئا والعجب كيف خفي ذلك على البخاري وقد فطن مسلم ؟ ". وانما قال: فطن مسلم لانه لم يخرج حديث مسروق في الافك عن أم رومان. ج - روى الحافظ ابن حجر في ترجمة صفوان من الاصابة عن أبي داود عن أبي سعيد أنه قال: جاءت امرأة صفوان إلى النبي (ص) فقالت: يا رسول الله (ص) ان زوجي صفوان يضربني. ثم قال ابن حجر: وإسناده صحيح، ولكن يشكل عليه أن عائشة قالت في حديث الافك أن صفوان قال: والله ما كشفت عن كنف انثى قط.... ثم ذكر أن البخاري قد انتبه إلى هذا التنافي، ولذلك ضعف حديث أبي داود ليسلم حديث الافك. د - أشكل على حديث الافك في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما من كتب الحديمث أن ما جاء نجبه من محاورة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة يتنافى ووفاة سعد بن معاذ قبل ذاك بعام أو أكثر فانه كان قد توفي بعد غزوة بني قريظة، وقد أجاب بعضهم عن هذا الايراد بان المحاورة في سيرة ابن هشام ومن تبعه من المؤرخين قد وقعت بين اسيد بن حضير وسعد بن عبادة وان ما في رواية ابن هشام أسيد بن حضير بدل سعد بن معاذ هو الصحيح وما في صحيح البخاري ومسلم خطأ في الاسم ووهم. أقول: وهذا الجواب غير واف فان اسم أسيد قد جاء في رواية الصحيحين بعد اسم سعد بن معاذ ونسب إلى كل منهما دور خاص في ذلك الموقف وهذا لفظ

[172]

الصحيحين (1): فقام سعد أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك فان كان من الأوس ضربنا عنقه وان كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك... فقام سعد بن عبادة... فقال لسعد: كذبت لعمر الله لا تقتله.... فقام أسيد ابن حضير وهو ابن عم سعد فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه فانك منافق تجادل عن المنافقين... الحديث. ففي رواية الصحيحين نسب إلى سعد بن معاذ الاقتراح بقتل القاذفين وإلى ابن عمه أسيد بن حضير مهاجمة سعد بن عبادة دفاعا عن سعد بن معاذ مع التصريح باسمه أسيد ونسبته من سعد. ويؤيد ما نرى من أن رواة الصحاح لم يوهموا ولم يخطئوا في ذكر الاسم، وأنهم كانوا قد لحظوا التنافي بين موت سعد بن معاذ قبل غزوة بني المصطلق وحضوره في ذلك الموقف، انهم لم يصرحوا باسم الغزوة في صدر هذا الحديث الذي ذكر فيه اسم سعد بن معاذ وانما قالوا في غزوة غزاها بينما في سيرة ابن هشام لما لم يرد اسم سعد بن معاذ في روايتهم صرح باسم الغزوة وقالوا: (فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه...) الحديث. ولعل الزهري قبل كل هؤلاء قد لا حظ بعض التباين والتنافي في أحاديث الافك المروية عن أم المؤمنين حين لم يأت بها على وجهها، بل أدمج بعضها في بعض ثم قال (2): إن بعض القوم كان أدعى لحديثها من بعض. وفي هذا القول اشارة واضحة باختلاف الأحاديث التي أدمج بعضها ببعض، ولو لا هذا التصرف منه لاستطعنا اليوم مقارنة تلك الأحاديث وتفهم الواقع التاريخي أكثر من هذا.


(1) اللفظ للبخاري في ج 3 / 27. (2) هذا القول موجود في سند الصحيحين إلى الزهري في قصة الافك وكذلك في سند ابن هشام ومن تبعه من المؤرخين، راجع قبله حديث الافك.

[173]

ه‍ - خبر حد القذف: جاء في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أيضا في ذيول هذه القصة انها قالت: " لما نزل عذري قام النبي (ص) على المنبر فذكر ذلك وتلا القرآن فلما نزل أمر بالرجلين والمرأة فضربوا حدهم " (1). وفي رواية ابن هشام عنها: " ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم ما أنزل الله عليه من القرآن في ذلك، ثم امر بمسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش - وكانوا ممن افصح بالفاحشة - فضربوا حدهم " (2). هكذا جاء في ما روي عن ام المؤمنين غير انه لم يثبت إجراء حد القذف على واحد من هؤلاء، فقد مر بنا قول الواقدي: (قالت - أي أم المؤمنين عائشة: فضربهم رسول الله (ص) الحد... ويقال: ان رسول ألله (ص) لم يضربهم وهو أثبت عندنا). وفي تراجم: أ - حسان بن ثابت: في اسد الغابة: عن هشام، عن ابيه - عروة بن الزبير - ان رسول الله جلد


(1) أخرجه أبو داود السجستاني في باب حد القذف من سننه ج 2 / 237 وابن ماجة في باب حد القذف من كتاب الحدود ص 857 الحديث 2567 وفي مسند أحمد ج 6 / 35 والترمذي ج 2 / 389 في تفسير سورة النور " عن عمرة عن عائشة قالت ": واللفظ للأول. (2) سيرة ابن هشام ج 3 / 342 وأخرجه الطبري في ج 3 / 70 وابن كثير ج 3 / 162 وابن الأثير ج 2 / 75 وإلى هذا الحديث يستند من يروي جلد حسان ومسطح وحمنة كالبخاري في ج 4 / 181.

[174]

الذين قالوا لعائشة ما قالوا ثمانين، حسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش، وكان حسان ممن خاض في الافك فجلد فيه في قول بعضهم وأنكر قوم ذلك. ب - حمنة بنت جحش: في ترجمتها في أسد الغابة: وقال بعضهم انها جلدت مع من جلد فيه - في الافك - وقيل لم يجلد أحد. وانما قال العلماء لم يضربهم الحد وأنكروا ذلك مع التصريح بذلك في ما رووا عن أم المؤمنين عائشة في الصحاح والسن والمسانيد، لان حد القذف انما يثبت عندما يشهد الشهود امام الحاكم وفي وجه من يرمونه بالفاحشة، كما وقع ذلك لأبي بكرة ونافع ابني الحارث بن كلدة الثقفي وشبل ابن معبد البجلي أمام الخليفة عمر بأن المغيرة زنى بأم جميل بنت الافقم وفي وجه المغيرة ونكل زياد بن أبيه عن الشهادة فأمر الخليفة بضربهم ثمانين جلدة، وعلى اثر ذلك سقطت شهادتهم عن الأعتبار حتى اعلن نافع وشبل توبتهما فقبلت بعد ذلك شهادتهما، ولم يتب أبو بكرة فكان لا يستطيع ان يدلي الشهادة في أمر إلى آخر عمره (1). وما جاء في الروايات المروية عن أم المؤمنين عائشة في قصة الافك ان كلا من عبد الله بن أبي ومسطح بن اثاثة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ارجفوا بخبر الافك، ولم يأت في تلكم الروايات أكثر من ذلك. وبناء على ذلك لا يثبت عليهم حد القذف ليجريه عليهم رسول الله (ص). هذا ما وجدناه عند العلماء من مناقشات حول ما روي عن أم المؤمنين في


(1) راجع: (قصة المغيز بن شعبة) من المجلد الاول من عبد الله بن سبأ.

[175]

خبر الافك ونضيف إلى ذلك ما يأتي بيانه بإذنه تعالى.. عود على بدء في خبر المسابقة والتيمم والافك: جاء في روايات الصحاح والسنن والمسانيد في خبر نزول آية التيمم عن أم المؤمنين عائشة أنها قالت: إن الرسول (ص) أنزل جيشه في عراء لا ماء فيه وليس معهم ماء في اتماس عقد لأم المؤمنين عائشة كانت فقدته، حتى إذا اصبح الجيش على تلك الحالة جاء أبوها أبو بكر يعنفها ويضرب في خاصرتها ويقول لها في كل سفر للمسلمين منك بلاء وعناء، ورسول الله واضع رأسه على فخذ أم المؤمنين عائشة مستسلم للنوم ولم تستطع حراكا لمكان رسول الله منها. بينا جاء في روايات الافك عنها أنها بقيت منفردة في منزطا ليس معها الرسول ولا أحد من جواريها أو من ذوي قرباها، يرحل لها الاغراب وتركب وحدها. بينا القصتان في غزوة واحدة، ولأجل ضياع عقد واحد من الجزع. ثم يأخذنا العجب في هذا الحديث من حركة الجيش السريعة، فكم من الوقت كان يستغرق ذهاب أم المؤمنين في طلب العقد كي يتحرك المجيش برمته ولا يبقى منهم هناك داع أو مجيب ؟ في حين ان الجيش لا بد له من مقدمة وساقة، ولم يكن مكان ظعينة الرسول في الساقة (1) ! ولو فرضنا ان الجيش هذا كان في عصرنا الحاضر يستقل اسرابا من الطائرات النفاثة لما صدق عليه هذا الوصف، فإنه لابد لتحليق الطائرات واحدة بعد أخرئ وسربا بعد آخر من وقت يستطيع الانسان معه أن يذهب لمبرزه


(1) مصادر البحث: ابن هشام ج 3 / 351 - 352 والطبري ج 3 / 70 وابن الاثير وابن كثير في ذيل غزوة المريسيع وامتاع الاسماع ص 210 والاغاني ج 4 / 13.

[176]

ويعود ويدرك الطائرات الأخيرة، وكيف يكون الحال مع ركوب الجمال أو غيرها من الدواب ؟ ثم كم بعدت أم المؤمنين من الجيش للتبرز بحيث لم تسمع رغاء البعير ولا همهمة الرجال حين ظعنوا ؟ وشئ آخر في هذا الحديث لا أكاد أفهمه وهو ان الهودج كيف يحمله الحاملون ولا يشعرون خلوه من راكب مهما كان ذاك الراكب خفيفا ؟ ثم ما بال عقيلة تيم تركت عرضة لألسنة القاذفين أكثر من شهر ولا من رادع ؟ وأين كان عنها سيوف سروات تيم ؟ وما بال أبيها أبو بكر وأخويها عبد الله وعبد الرحمن وأبناء عمها طلحة الجود وأخيه عبد الرحمن وابن أخيه عبد الرحمن بن عثمان ؟ وكيف خبتوا لهذا الصغار ولم ينبسوا ببنت شفة طوال هذا الشهر (1) ؟ أكان هؤلاء أجبن من صفوان حين عمم حسان بالسيف لما استشعر انه كان ممن عناه في هجائه بقوله: (ان الجلابيب قد عزوا وقد كثرو...) ؟ وما بال سائر اباة قريش ترضى بهذا الذل ؟ فان قريشا وان كان قد أسلم من أسلم منها إلا أنها لم تنس خيلاءها وعصبيتها في يوم من الأيام. وقد روى أبو عمر (2): أن ابا سفيان مر على سلمان وصهيب وبلال (3) فقالوا: ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال لهم أبو بكر: أتقولون هذا لشيخ قريش ؟ !.... الحديث. ما بال أبي بكر لا يسكت عن ذكر جمع من إخوانه المسلمين رئيس المشركين بسوء وهو لا تصدر منه كلمة في من ثلب شرف بيته ؟ ! ثم من القاذفون ؟ أحسان شاعر الرسول يقذف حرم ممدوحه الرسول


(1) تراجمهم في الاستيعاب والاصابة وأسد الغابة. (2) أخرجه ابن عبد البر بترجمة صهيب ص 316 الرقم 1378. (3) ترجمته في الاستيعاب والاصابة وأسد الغابة.

[177]

بالافك ؟ أحسان الذي هجاه مسافع بن عياض (1) التيمي ؟ فقال فيه حسان: يا آل تيم ألا تنهون جاهلكم قبل القذاف بصم كالجلاميد إلى قوله: لولا الرسول واني لست عاصيه حتى يغيبني في الرمس ملحودي وصاحب الغار اني سوف أحفظه وطلعة بن عبيد الله ذي الجود أحسان هذا الذي يسكت عن هجاء رجل من تيم حفظا لكرامة أبي بكر يقذف أعظم امرأة في بيت أبي بكر ؟ ثم ما الذي كان يدعو حسان لهذا القذف ؟ وماذا كان يجني من ورائه ؟ وما بال حمنة تهلك فيمن هلك بقذف عائشة ؟ أعلى حساب أختها زينب التي قالت: " أحمي سمعي وبصري " ؟ إذن فا بال زينب هذه لم تردع أختها حمنة عن غيها ؟ وما بال زوج حمنة طلحة بن عبد الله ابن عم عائشة يسكت عن زوجه في قذفها ابنة عمه ؟ ومسطح بن اثاثة ربيب نعمة ابي بكر ماذا دهاه ليخوض مع الخائضين وعطاء أبي بكر كان يجري عليه غدقا ؟ ثم من هم القاذفون ؟ أابن ابي الذي نزل في ذمه وتقريعه " سورة المنافقون " في قصة التخاصم على ماء المريسيع فيوصم بوصمة " النفاق " الذي لا يرحضه ماء أبد الدهر ؟ ! أابن أبي هذا الذي بلغ من الذل في تلك الاونة أنه لما انتشر خبر قوله وارتحل رسول الله (ص) في غير ساعة رحيل، وفي حر شديد فجاء اسيد بن حضير وقال له: يا رسول الله (ص) قد رحلت في ساعة منكرة ما كنت ترحل فيها، قال: أو لم يبلغكم ما قال صاحبكم ؟ لئن رجعنا إلى المدينة


(1) على ما ذكرته أم المؤمنين في ذيل الرواية.

[178]

ليخرجن الأعز منها الاذل ؟ فقال: انت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز، والعزة لله ولك وللمؤمنين. ولما نزلت (سورة المنافقون) على رسول الله (ص) عشية راح النبي (ص) من المريسيع مر عليه عبادة بن الصامت فلم يسلم عليه، ثم مر عليه اوس بن خولى فلم يسلم عليه، فقال ابن أبي: ان هذا الأمر تمالأتما عليه فرجعا إليه فأنباه وبكتاه. ابن أبي الذي يقولون لرسول الله (ص) مر محمد بن مسلمة يأتيك برأسه فجاء ابنه عبد الله إلى النبي (ص) فقال: ان كنت تريد ان تقتل أبي فمرني فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، فاني لأخشى يا رسول الله ان تأمر غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فادخل النار. ابن ابي الذي بلغه في تلك الآونة خبر موت خليله زيد بن رفاعة بن التابوت المنافق فقال: يا ويلاه كان والله وكان، واسقط في يديه وسار كئيبا حزينا. ابن أبي الذي بلغ من الذل ان يتقدم الناس ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي ويقف له على الطريق عند مضيق المدينة فينيخ راحلته ويقول له: لا أفارقك حتى تزعم انك الذليل ومحمد (ص) العزيز، فوالله لن تدخلها حتى يأذن رسول الله (ص) في ذلك. اذن مع من اجتمع ابن أبي هذا وقذف زوج الرسول (ص) بالافك. ثم ما الرابط بين حمنة وحسان وابن أبي ومسطح ؟ وما الذي كان يجمع بين هؤلاء الثلاثة ؟ أكانوا جميعا من قريش ؟ أم كانوا جميعا من الأنصار ؟ أم كانوا جميعا من المنافقين ؟ وفي أي ناد كانوا يجتمعون ؟ ومن أية عصابة كانوا ؟ ليصدق عليهم قوله تعالى: (ان الذين جاءوا بالافك عصبة). ثم أين أجري الحد عليهم ؟ ومن أجراه ؟ وكيف جلدوا (1) ؟ وكيف خفي كل


(1) يراجع في الجلد تفسير سورة النور لأبي الأعلى المودودي.

[179]

ذلك على كل الصحابة ولم يتكلم أحد منهم عن ذلك ؟ ثم ما بال سعد بن عبادة يدافع عن رئيس المنافقين وصاحبه بالافك حسان أمام النبي (ص) الذي قد قذفا زوجه ؟ أليس ابن عبادة هو الذي لم يرض باعتقال صفوان في ضرب حسان الذي كان أوشك أن يموت من جرحه بل أطلقه وخلع عليه لأنه من فقراء المهاجرين الذين ينتمون إلى الرسول (ص) ؟ ثم ما بال هذه القصص الطويلة في قدف أم المؤمنين بالافك وشجار الأوس والخزرج في ذلك، واستشارة النبي (ص) اسامة بن زيد وعلي بن أبي طالب في الأمر واستفساره من جاريتها بريرة، وبقاء الناس أكثر من شهر يفيضون في هذا الحديث، ثم نزول آيات الافك في شأنها وتنفيذ حد القذف على قاذفيها (1) ؟ كل هذه القصص الطويلة كيف اقتصرت روايتها على أم المؤمنين عائشة ؟ أكان الله قد ختم أفواه آلاف الصحابة فلم يستطع أحد غيرها أن يحدثنا بشئ منها ؟ ! ! ونختم هذا البحث بما قاله المقريزي في امتاع الاسماع حيث قال: تنبيه: قد اختلف في غزوة المريسيع فذهب الواقدي - كما تقدم - إلى (2) أنها كانت في شعبان سنة خمس، وقال ابن إسحاق في شعبان من السنة السادسة وصححه جماعة. وفيه إشكال، فإنه وقع في الصحيحين وغير هما أن المقاول لسعد ابن عبادة سعد بن معاذ، كما تقدم عند خطبة رسول الله (ص) بسبب أهل الافك. ولا يختلف أحد في أن سعد بن معاذ مات إثر قريظة، وقد كانت عقب الخندق، وهي في سنة خمس على الصحيح. ثم حديث الافك لا يشك أحد من علماء الاثار


(1) كل ما ذكرنا هنا قد ورد في الحديث المروي عن أم المؤمنين في كتب الصحاح والسير والمسانيد، راجع أحاديث الافك قبله. (2) في الأصل: " إلا ".

[180]

أنه في غزوة بني المصطلق هذه، وهي غزوة المريسيع. وقد اختلف الناس في الجواب عن هذا، فقال موسى بن عقبة - فيما حكاه البخاري عنه -: إن غزوة المريسيع كانت في سنة أربع، وهذا خلاف الجمهور. ثم في الحديث ما ينفي ما قال لأنها قالت: " وذلك بعد ما نزل الحجاب "، ولا خلاف أن الحجاب نزل صبيحة دخول رسول الله (ص) بزينب بنت جحش، وقال: سأل (ص) زينب عن شأن عائشة في ذلك فقالت: " أحمي سمعي وبصري ". قالت عائشة: " وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي (ص) ". وقد ذكر علماء الأخبار أن تزويجه (ص) بزينب كان في ذي القعدة سنة خمس، فبطل ما قال موسى بن عقبة، ولم ينحل الاشكال. وقال ابن إسحاق: إن المريسيع كانت في سنة ست، وذكر فيها حديث الافك، إلا أنه قال: عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن عائشة، فذكر الحديث - قال: فقام أسيد بن الحضير فقال: " أنا أعذرك منه "، ولم يذكر سعد ابن معاذ. قال الحافظ أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم: وفي مرجع الناس من غزوة بني المصطلق قال أهل الافك ما قالوا، وأنزل الله تعالى في ذلك من براءة عائشة (رض) ما أنزل، وقد روينا من طرق صحاح أن سعد بن معاذ كانت له في شئ من ذلك مراجعة مع سعد بن عبادة. وهذا عندنا وهم، لأن سعد ابن معاذ مات إثر فتح بني قريظة بلا شك، وفتح بني قريظة في آخر ذي القعدة من السنة الرابعة من الهجرة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة - بعد سنة وثمانية أشهر من موته، وكانت المقاولة بين الرجلين المذكورين بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق بأزيد من خمسين ليلة. وذكر ابن إسحاق، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، وغيره، أن المقاول لسعد بن عبادة إنما كان أسيد بن الحضير، وهذا هو الصحيح. والوهم لم

[181]

يعر منه أحد من بني آدم. والله أعلم (1). * * * هذا ما وجدناه عند العلماء من مناقشات حول ما روي عن أم المؤمنين عائشة في خبر الافك. وبناء على ما تبين من نتيجة الدراسات المستفيظة الآنفة ان تلكم الروايات يناقض بعضها بعضا الاخر ويناقض الواقع التاريخي، فما هو الخبر الذي كان فيه شأن نزول آيات الافك ؟ ذلك ما يتضح لنا من الروايات الآتية: في تبرءة من نزلت آيات الافك فقد أخرج مسلم في صحيحه (2) عن أنس: ان رجلا كان يتهم بأم ولد (3) رسول الله (ص) فقال رسول الله لعلي: اذهب فاضرب عنقه، فاتاه علي فإذا هو في ركي (4) يتبرد فيها، فقال علي: اخرج فناوله يده فأخرجه فإذا هو مجبوب ليس له ذكر، فكف علي عنه ثم اتى النبي فقال: يا رسول الله انه لمجبوب ماله ذكر. وأخرج ابن سعد في طبقاته عن الزهري، عن أنس بن مالك قال: كانت أم ابراهجم سرية للنبي (ص) في مشربتها وكان قبطي يأوي إليها ويأتيها بالماء


(1) امتاع الاسماع ص 106 - 107. هذا ما وجدناه عند العلماء من مناقشات حول ما روي عن ام المؤمنين عائشة في خبر الافك. (2) صحيح مسلم ج 4 / 2139 باب براءة حرم النبي (ص) من الريبة كتاب التوبة، وهذا سنده: ثني زهير ابن حرب، * ثنا عفان، ثنا حماد بن سلمة، اخبرنا ثابت عن انس... الحديث. والمستدرك ج 4 / 39 وقال: وهذا حديث صحيح على شرط مسلم وفي تلخيصه، وراجع: ترجمة مابور في الامابة وغيره. (3) وفي المستدرك بام ابراهيم ولد رسول الله (ص). (4) الركية: البئر ذات الماء.

[182]

والحطب فقال الناس في ذلك: علج يدخل على علجة، فبلغ ذلك رسول الله فأرسل علي بن أبي طالب فوجده علي على نخلة فلما رأى السيف وقع في نفسه فألقي الكساء الذي كان عليه وتكشف فإذا هو مجبوب، فرجع علي إلى النبي فأخبره فقال: يا رسول الله أرأيت إذ أمرت احدنا بالأمر ثم رأى غير ذلك أيراجعك ؟ قال: نعم، فأخبره بما رأى من القبطي، قال: وولدت مارية ابرايم فجا، جبرائيل عليه السلام إلى النبي (ص) فقال: السلام عليك يا ابا ابراهيم، فأطمأن رسول الله (ص) إلى ذلك (1). وأخرج أيضا عن محمد بن عمر: حدثني عبد الله بن محمد بن عمر، عن ابيه، عن علي مثل ذلك غير انه قال: خرج علي فلقيه وعلى رأسه قدرة مستعذبا لها من الماء، فلما رآه علي شهر السيف وعمد له فلما رآه القبطي طرح القربة ورقى في نخلة وتعرى فإذا هو مجبوب، فأغمد علي سيفه، ثم رجع إلى النبي (ص) فأخبره الخبر فقال رسول الله (ص): أصبت ان الشاهد يرى ما لا يرى الغائب (2) فمن هي مارية التي مر علينا قصتها مع أم المؤمنين في حديث التحريم ؟ ومن القبطي الذي كان يأوي إليها ؟ عن عاثشة قالت: اهديت مارية إلى رسول الله (ص) ومعها ابن عم لها، قالت: فوقع عليها وقعة فاستمرت حاملا، قالت: فعزلها عند ابن عمها، قالت: فقال أهل الافك (3) والزور من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره وكانت امة قليلة اللبن فابتاعت له ضائنة لبون فكان يغذى بلبنها


(1) طبقات ابن سعد بترجمة مارية ج 8 / 214 وهذا سنده: أخبرنا محمد بن عمر، ثنا محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن انس بن مالك... الحديث. (2) طبقات ابن سعد ج 8 / 214 وهذا سنده: انا محمد بن عمر، ثني عبد الله بن محمد بن عمر، عن ابيه، عن علي... الحديث. (3) نجد هنا ذكر الافك في حديث ام المؤمنين عن مارية.

[183]

فحسن عليه لحمه، قالت عائشة: فدخل به على النبي (ص) ذات يوم فقال: كيف ترين ؟ فقلت: من غذي لبن الضأن يحسن لحمه. قال: ولا اشبه. قالت: فحملني ما يحمل النساء من الغيرة ان قلت: ما أرى شبها. قالت: وبلغ رسول الله (ص) ما يقول الناس فقال لعلي: خذ هذا السيف فانطلق فاضرب عنق ابن عم مارية حيث وجدته. قالت: فانطلق فإذا هو في حائط على نخلة يخترف (1) رطبا، قالت: فلما نظر إلى علي ومعه السيف استقبلته رعدة، قالت: فسقطت الخرقة فإذا هو لم يخلق الله عزوجل له ما للرجل شئ ممسوح (2). تزوج رسول الله (ص) مارية بنت سمعون وهي التي اهداها إلى رسول الله (ص) المقوقس صاحب الاسكندرية واهدى معها اختها سيرين وخصبا يقال له مابور، فوهب رسول الله (ص) سيرين لسان بن ثابت - والمقوقس من القبط وهم نصارى - وولدت مارية لرسول الله (ص) ابراهيم في ذي الحجة سنه ثمان من الهجرة ومات ابراهيم بالمدينة وهو ابن ثمانية عشر شهرا (3). * * * كانت تلكم أخبار مارية وما رميت به من افك في ولدها من رسول الله (ص) ابراهيم في كتب الحديث والسيرة بمدرسة الخلفاء ولست أدري ألم


(1) يخترف الثمر: مجنيه. (2) المستدرك ج 4 / 39 وفي تلخيصه مختصرا بترجمة مارية. (3) المستدرك ج 4 / 38، اعطاء مارية يقتضي ان تكون قصة المهاجاة بين حسان وجهجاه بعد وصول مارية إلى النبي (ص).

[184]

يكن ينبغي في هذه القصة أن ينزل الله فيها آيات يبرئ فيها مارية ويصحح نسب ابراهيم من النبي (ص) فانه كان أهم للنبي (ص) الذي كان ينحصر ولده يومذاك بابراهيم ؟ إلا فيما إذا قلنا ان المقذوفين كانا علجا وعلجة ولا يهم امرهما وامر ابن علجة بقدر ما يهم الامر لو كانوا من أرومة سادة قريش وبيت الخلافة. وإذا رجعنا إلى كتب الحديث والتفسير بمدرسة أهل البيت وجدنا في روايات متعددة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب والائمة من ولده الامام الباقر والامام الصادق والامام الرضا عليهم السلام ما موجزه: ان ملك القبط أهدى إلى الرسول (ص) غلاما يدعى جريج وجارية تدعى مارية القبطية، فأسلما وحسن اسلامهما. فضم الرسول (ص) الجارية إليه فولدت له ابراهيم فكان بحبهما حبا شديدا وأصبح سببا لحسد أم المؤمنين عائشة وأم المؤمنين حفصة حتى قالتا مع أبويهما للرسول (ص): ان ابراهيم ليس بابنك ؟ ! بل هو ولد الغلام جريج ونحن نشهد على ذلك. وعلى الرغم من علم الرسول (ص) بكذب الشهادة والتهمة لما كان يلهمه من أثر في النفوس أراد أن يظهر الامر ويبين الحقيقة لاصحابه فأمر عليا - وهو غاضب - أن يذهب ويقتل الغلام جريجا، وقال له: إذا بان لك أن الامر على غير ما قيل فلا تتعرض له بسوء. فذهب الامام علي (ع) إلى جريج شاهرا سيفه، ففر جريج من خوفه وتسلق شجرة فتبعه الامام علي فأهوى جريج بنفسه على الارض فانحسر ثوبه عن رجليه فبان لعلي أنه ممسوح، فاتى به الرسول (ص) وعرضه عليه ما رأى منه. فأحضر الرسول (ص) أصحابه فشاهدوا الغلام وانكشف أمرهم وبطلت تهمتهم. فجاءوا إلى الرسول (ص) يطلبون المغفرة... الحديث فنزلت الايات بتبرءة الجارية مارية وجريج عن التهمة التي اتهما بها (1)


(1) راجع تفسير الايات بتفسير آية الافك في سورة النور من تفسير البرهان ط. قم =

[185]

نتيجة بحوث التيمم والمسابقة والافك أولا - قصة المسابقة: أ - ان ما روي عن مسابقة الرسول (ص) مع ام المؤمنين عائشة لا يفعله أي قائد جيش مع جيشه، فكيف يفعله الرسول الحكيم (ص) ؟ ب - لا يتيسر تقدم الجيش بحيث لا يرون المسابقة بحال من الاحوال. ج - كيف تروي المسابقة في حال سير الرسول (ص) وجيشه ليلا ونهارا بعد الشجار على ماء المريسيع كما مر بنا. ثانيا - قصة نزول آية التيمم: رويت في سبب نزول حكم التيمم في الذكر الحكيم روايات متعددة كل واحدة تخبر عن نزول آية التيمم في واقعة خاصة، احداها رواية أم المؤمنين عائشة انها قالت: بعث رسول الله (ص) اسيد بن حضير في طلب قلادة لام المؤمنين كانت قد نسيتها في منزل نزلته، فحضرت الصلاة ولم يكن هناك ماء للوضوء فصلى بغير وضوء، فذكر ذلك لرسول الله (ص) فنزلت آية التيمم. =


سنة 1417 ه‍ وأطيب البيان والدرر والغرر للشريف المرتضى.

[186]

ويمكن الجمع بين هذه الاحاديث بأن الرسول (ص) كان يقرأ آية التيمم على كل واحد يخبره بخبره ووقع الخطأ في النقل لان كتابة الحديث كانت ممنوعة إلى سنة 143 ه‍ حين أمر أبو جعفر المنصور بكتابة الحديحث (1) عدا سنتين مدة خلافة عمر بن عبد العزيز. وأما ما روي عن أم المؤمنين عائشة بان الرسول (ص) في رجوعه من غزوة بني المصطلق أنزل جيشه ليلا - في صحراء لاماء فيها وليس معهم ماء - في التماس عقدها، ولما اصبحوا كذلك ورسول الله واضع رأسه على فخذها مستسلما للنوم، ولما استيقض انزل الله عليه آية التيمم فهي تناقض الواقع التاريخي كما ذكرناه، وتناقض روايتها في الصحاح من انها كانت قد نسيت قلادتها في منزل وأرسل الرسول (ص) اسيد بن حضير في طلبها. ثالثا - شأن نزول آيات الافك: لقد ذكرنا جملة من التناقضات في ما روي عن أم المؤمنين عائشة في شأن نزول آيات الافك ومخالفتها مع الواقع التاريخي وتناقض بعضها مع بعض، ونحن نرى كما ذكرنا انه لما وقع الشجار على ماء المريسيع وقال ابن ابي ما قال: وقال حسان: (ان الجلابيب قد عزوا وقد كثروا) الابيات، بادر الرسول (ص) بالرحيل واخمد بذلك النائرة. وفي سيره إلى المدينة نزلت سورة " المنافقون " فتقوى بذلك جهجاه وعندما رجعوا إلى المدينة ضرب جهجاه حسان بن ثابت، وارضاه الرسول (ص) وسعد بن عبادة بما اعطياه وعفا عن جهجاه.


(1) راجع: تاريخ الاسلام للذهبي ج 6 / 5 - 6 في ذكره حوادث سنة 143 ه‍ وترجمة المنصور في تاريخ الخلفاء للسيوطي.

[187]

وفي السنة السابعة من الهجرة ارسل المقوقس صاحب الاسكندرية مارية واختها سيرين ومعهما مابور شيخ كبير هدية، واتخذ مارية لنفسه يطأها بملك اليمين فولدت له ابراهيم في السنة الثامنة من الهجرة، ووهب سيرين لحسان فولدت له عبد الرحمن بن حسان. وكان رسول الله (ص) معجبا بام ابراهيم فثقلت على نساء النبي (ص) وغرن عليها ولا مثل ام المؤمنين عائشة، فقال أهل الافك: من حاجته إلى الولد ادعى ولد غيره (1). و - أيضا - نرى ان آيات الافك نزلت بمناسبة ما قاله أهل الافك في شأن مارية وابن الرسول (ص) ابراهيم منها كما اوضحناه سابقا وبعد السنة الثامنة. وبناء على ما ذكرنا فان اهداء الرسول (ص) سيرين إلى حسان - أيضا - كان في السنة الثامنة، وليس كما جاء في ما روي عن أم المؤمنين عائشة، وان تناقضات تلكم الروايات لا تنحصر بما ذكرناه وبحاجة إلى بحث مستفيض (2). وفي ما ذكرنا كفاية لمعرفة غاية الدعاية في اثبات حب النبي (ص) لام المؤمنين عائشة وان كان في ذلك حط لكرامة النبي العظيم، ويا ليت تلكم الروايات لم ترو عن أم المؤمنين عائشة، وانا لله وانا إليه راجعون ! ! !


(1) راجع: قصة مارية في المجلد الأول من هذا الكتاب وما نقلناه هنا قبل نتيجة بحوث التيمم والمسابقة والافك. (2) مدر بحث مستفيض في تلكم الاحاديث بقلم البحاثة السيد جعفر مرتضى العاملي بعنوان (حديث الافك) جدير بأهل العلم قراءته ويا ليته كبح جماح قلمه في مواطن كان الا لم يعصر فيها قلبه.

[188]

د - ما روي عن أم المؤمنين عائشة في خبر وفاة الرسول (ص) روايات أخبار ما كان قبل وفاة الرسول (ص) أخرج البخاري في صحيحه عن عائشة ان رسول الله (ص) كان يسأل في مرضه الذي مات فيه: " أين أنا غدا ؟ أين أنا غدا ؟ " حرصا على بيت عائشة (1). وفي صحيح مسلم عن عائشة: كان رسول الله ليتفقد يقول: " أين أنا اليوم ؟ أين أنا غدا ؟ " استبطاء ليوم عائشة (2). وفي حديث آخر قالت: أول ما اشتكى رسول الله (ص) في بيت ميمونة


(1) صحيح - البخاري، كتاب الجنائز باب ما جاء في قبر النبي (ص)، 1 / 168، وكتاب النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في ان يمرض في بيت بعضهن 3 / 175، وكتاب الفضائل، باب فضل عائشة 2 / 205، وكتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) 3 / 63 - 64، وكتاب الخمس، باب ما جاء في بيوت ازواج النبي (ص) 2 / 126 (2) صحيح مسلم، باب فضائل عائشة، الحديث 84، ص 1893، وكتاب الصلاة، باب استخلاف الامام 1 / 312، ومسند احمد 6 / 228 - 229 و 117، ومسند أبو عوانة 2 / 114 - 115.

[189]

فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها فاذن له. وفي صحيح البخاري عنها قالت: لما ثقل رسول الله (ص) واشتد به وجعه استأذن ازواجه فاذن له، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الارض عباس ابن عبد المطلب وبين رجل آخر. وفي حديث آخر: وهو يخط رجليه في الارض، قال عبيد الله - وهو الراوي -: فحدثت به ابن عباس فقال: أتدرون من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة ؟ هو علي ولكن عائشة لاتطيب له نفسا (1). وفي مسند أحمد (2) قالت: اشتكى فجعل ينفث فجعلنا نشبه نفثه نفث آكل الزبيب " وكان يدور على نسائه، فلما اشتكى شكواه استأذنهن ان يكون في بيت عائشة ويدرن عليه، فاذن له فدخل رسول الله بين رجلين... الحديث. وفي صحيح البخاري (3) ان عائشة كانت تقول: من نعم الله علي ان رسول الله (ص) توفي في بيتي وفي يومي وبين سحري ونحري (4) وأن الله جمع بين ريقي


(1) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب 22 (لم يسم الباب)، 4 / 9، ومسند احمد 6 / 228. (2) مسند احمد 6 / 38 و 48 و 121 و 200 و 274 روايات بين سحري ونحري، ومسند أبي عوانة 2 / 113. (3) صحيح البخاري لاكتاب المغازى، باب مرض النبي 3 / 64، وقريب منه في كتاب الخمس، باب ما جاء في بيوت ازواج النبي 2 / 126، وصحيح مسلم، باب فضائل عائشة 4 / 1893، والمستدرك 4 / 7، ومنتخبه 5 / 119، ومسند احمد 6 / 48 و 200، وطبقات ابن سعد 2 / 262. (4) سحري وسحري وسحري: رئتي والنحر: اعلى الكدر أو موضع القلادة.

[190]

وريقه عند موته، دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك وأنا مسندة رسول الله (ص) إلى صدري فرأيته ينظر إليه وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك، فأشار برأسه: أن نعم، فتناولته فاشتد عليه وقلت: ألينه لك فأشار برأسه: أن نعم، فلينته.... الحديث. وفي حديث اخر (1) قالت: فاستن به استنانا فما رأيت رسول الله (ص) استن استنانا قط احسن فما عدا أن فرغ رسول الله (ص) رفع يده واصبعه ثم قال: الرفيق الاعلى ثلاثا، ثم قضى، وكانت تقول: مات ورأسه بين حاقنتي وذاقنتي (2) وفي حديث آخر (3) قالت: مات رسول الله (ص) بين سحري ونحري، وفي دولتي لم اظلم فيه أحدا، فمن سفهي وحداثة سني ان رسول الله (ص) قبض وهو في حجري ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت التدم (4) مع النساء واضرب وجهي. وقالت في حديث آخر (5): مات رسول الله (ص) وانه لبين حاقنتي وذاقنتي، فلا اكره شدة الموت لأحد ابدا بعد ما رأيت من رسول الله (ص). وقالت (6): بينا رسول الله (ص) ذات يوم على صدري وقد وضع رأسه على عاتقي إذ مال رأسه فظننت أنه يريد شيئا من رأسي، وخرجت من فيه نطفة باردة فوقعت على ثغرة نحري فاقشعر لها جلدي، فظننت أنه قد غشي عليه


(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) 3 / 63. (2) الحاقنة: المعدة وما بين الترقوتين. الذاقنة: طرف الحلقوم الناتئ. (3) مسند احمد ج 6 / 274 وطبقات ابن سعد ج 2 / 262 و 261 قريبا منه. (4) التدمت المرأة: ضربت صدرها أو وجهها في النياحة. (5) صحيح البخاري، كتاب المغازى، باب مرض النبي (ص) 3 / 63. (6) طبقات ابن سعد ج 2 / 260. (*)

[191]

فسجيته بثوب (1). وقالت (2): سمعت رسول الله (ص) قبل أن يتوفى وأنا مسندته إلى صدري... الحديث. وقالت (3): قبض رسول الله (ص) ورأسه بين سحري ونحري، فلما خرجت نفسه لم أجد ريحا قط أطيب منه. وفي حديث آخر (4) قالت: حضره القبض ورأسه على فخذ عائشة. وأخرج البخاري ومسلم وابن سعد والنسائي واحمد عن الاسود قال: ذكر عند عائشة ان النبي (ص) أوصى إلى علي فقالت: من قاله ؟ وفي رواية: متى أوصى إليه ؟ لقد رأيت النبي (ص) وأنا مسندته إلى صدري، أو قالت: حجري " فدعا بالطسمت ليبول فيها فانخنث فات فما شعرت به، فكيف أوصى إلى علي ؟ أو فمتى أوصى إلى علي ؟ وما مات إلا بين سحري ونحري (5) توفي وليس أحد عنده غيري (6).


(1) الثغرة: نقرة النحر (بين الترقوتين) والترقوة: العظم الذي بين ثغرة النحر والعاتق. والنطفة: الماء الصافي. (2) صحيح مسلم ج 4 / 1893 بسنده عن أبي اسامة وعروة. (3) مسند أحمد ج 6 / 120 - 122. (4) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) 3 / 63، وباب آخر ما تلكلم به النبي (ص)، وكتاب الدعوات، باب دعاء النبي (ص) اللهم الرفيق الأعلى 4 / 71، وباب من أحب لقاء الله من كتاب الرقاق 4 / 87، ومسند أحمد 6 / 89. (5) صحيح البخاري، كتاب الوصايا، باب قول النبي (ص) وصية الرجل مكتوبة عنده 2 / 84، وكتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) 3 / 65، وصحيح مسلم، باب ترك الوصية لمن ليس له شئ، 3 / 1257، وطبقات ابن سعد 2 / 61 و 62، ومسند احمد 6 / 32. (6) سنن ائنسائي ج 6 / 241.

[192]

وعنها قالت: لما قبض رسول الله (ص) اختلفوا في دفنه فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله (ص) شيئا ما نسيته قال: ما قبض الله نبيا إلا في الموضع الذي يحب أن يدفن فيه ادفنوه في موضع فراشه (1). دراسة الروايات: تناقض الروايات الآنفة رواية عباد عن أم المؤمنين عائشة انها قالت: " إن من نعمة الله علي أن نبي الله مات بين سحري ونحري، وفي بيتي وفي دولتي لم اظلم فيه احدا " يدل على ان وفاة الرسول كانت قد صادفت يوم عائشة وعندما كان النبي (ص) في بيتها ونوبتها (2). وكذلك ما روى عروة عنها انها قالت: " توفي رسول الله بين سحري ونحري وفي دولتي لم أظلم فيه أحدا " (3) بان مغزى قولها في الحديثين: " لم أظلم فيه احدا " ان ذلك لم يكن في يوم غيرها من امهات المؤمنين لتكون أم المؤمنين عائشة قد ظلمت صاحبة اليوم بأخذ نصيبها من رسول الله (ص)، ويؤكد ذلك رواية أبي مليكة عنها انها قالت: " توفي النبي (ص) في بيني وفي ليلتي " (4).


(1) كنز العمال ج 7 / 163 - 164. مرآة الجنان لليافعي ج 1 / 58 ط. بيروت الثانية. (2) طبقات ابن سعد ج 2 / 262. (3) طبقات ابن سعد ج 2 / 262. (4) مسند احمد ج 6 / 160 وقريب منه في المستدرك ج 4 / 6 و 7. (*)

[193]

روايات صلاة أبي بكر في مرض النبي (ص) في صحيح مسلم (1) قالت: لما دخل رسول الله (ص) بيتي قال: " مروا أبا بكر فليصل بالناس " قالت: فقلت: يا رسول الله إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ القرآن لا يملك دمعه، فلو أمرت غير أبي بكر... فراجعته مرتين أو ثلاثا فقال: " ليصل بالناس أبو بكر فانكن صواحب يوسف ". وفي حديث آخر (2) قالت: وأنه إن قام في مصلاك بكى فمر عمر بن الخطاب فليصل للناس... الحديث. وفي حديث آخر (3) قالت: قال النبي (ص) في مرضه الذي مات: " مروا أبا بكر يصلي بالناس " قلت: ان ابا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء، قال: " مروا ابا بكر يصلي بالناس " فقلت لحفصة: قولي ان أبا بكر لا يسمع


(1) صحيح مسلم ج 1 / 313، كتاب الصلاة باب استخلاف الامام لعذر. وصحيح البخاري ج 1 / 87 كتاب الاذان ج 1 / 87، ومسند أحمد ج 6 / 229 ومسند أبي عوانة ج 2 / 114. (2) صحيح البخاري ج 1 / 87 وج 2 / 161 باب أهل العلم والفضل احق بالامامة من كتاب الصلاة باب لقد كان في يوسف واخوته آيات للسائلين بتغيير يسير في الفاظه ومسند احمد ج 6 / 270. (3) صحيح البخاري ج 1 / 87 وباب إذا بكى الامام ص 93 منه وباب ما يكره من التعمق والتنازع من كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة ج 4 / 173، وصحيح الترمذي في مناقب أبي بكر ج 2 / 455 ومسند احمد ج 6 / 202 ومسند أبي عوانة ج 2 / 117 وقريبا منه في ص 115، وطبقات ابن سعد ج 2 / ق 1 / 127 ط اوربا باب ذكر الصلاة.

[194]

الناس من البكاء فلو أمرت عمر، فقال: " صواحب يوسف مروا أبا بكر يصلي بالناس " فالتفتت الي حفصة، فقالت: لم أكن لاصيب منك خيرا. وقالت: لقد راجعت رسول الله (ص) في ذلك وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، وكنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله عن ابي بكر (1). وفي مسند أحمد: فقال النبي (ص) - وهو في بيت ميمونة - لعبد الله: بن زمعة " مر الناس فليصلوا " فلقي عمر بن الخطاب، فقال: يا عمر صل بالناس، فصلى بهم فسمع رسول الله (ص) صوته فعرفه وكان جهير الصوت، فقال رسول الله (ص): " أليس هذا صوت عمر "، قالوا: بلى، قال: " يأبي الله عزوجل ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصل " إلى قولها: انه رجل رقيق، وقول الرسول (ص): " انكن صواحب يوسف " (2). وفي حديث آخر عن عائشة قالت: لما مرض رسول الله (ص) مرضه الذي مات فيه جاء بلال يؤذنه بالصلاة فقال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، إلى قوله: فانكن صواحب يوسف، فارسلنا إلى أبي بكر فصلى بالناس فوجد النبي (ص) من نفسه خفة فخرج يهادي بين رجلين... فلما أحس به أبو بكر ذهب يتأخر فأومأ إليه النبي (ص) أن مكانك، فجاء النبي حتى جلس إلى جنب أبي بكر


(1) البخاري 5 كتاب المغازي، باب مرض النبي (ص) 3 / 63، وقريب منه في حديثها بصحيح مسلم 1 / 313، ومسند احمد 6 / 34 و 229، ومسند ابي عوانة 1 / 114، وطبقات ابن سعد ج 2 / 217. (2) مسند احمد ج 6 / 34.

[195]

وكان ابو بكر يأتم بالنبي (ص) والناس يأتمون بأبي بكر (1). وفي حديث آخر قالت: ان رسول الله (ص) لما ثقل فقال: " أصلى الناس ؟ " فقلنا: لا، هم ينتظرونك.... فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمي عليه ثم افاق فقال:، (أصلى الناس ؟ " فقلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله، قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله لصلاة العشاء، فأرسل رسول الله (ص) إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، وكان أبو بكر رجلا رقيقا، فقال: يا عمر صل بالناس، فقال عمر: أنت أحق بذلك، فصلى بهم أبو بكر تلك الايام، ثم ان رسول الله وجد خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه ان لا تتأخر وأمرهما فأجلساه إلى جنبه، فقال ابن عباس: سمت لك الرجل الذي كان مع العباس ؟ قلت: لا، قال: هو علي (2). وفي حديث آخر قالت: فلما دخل المسجد سمع ابو بكر حسه فذهب ليتأخر فأومأ إليه رسول الله (ص): ان قم كما انت، فجاء رسول الله (ص) حتى قام عن يسار ابي بكر جالسا، فكان رسول الله (ص) يصلي بالناس جالسا وأبو بكر قائما يقتدي ابو بكر برسول الله (ص) والناس يقتدون بصلاة ابي بكر (3).


(1) صحيح البخاري، كتاب الصلاة، باب حد المريض ان يشهد الجماعة 1 / 85 و 92، وصحيح مسلم، باب استخلاف الامام 1 / 92 و 85، ومند احمد ج 6 / 210 وقريب منه ما في ص 224 منه، وسنن النسائي. باب الامامة باب الامام يصلي قاعدا 3 / 99 - 100. (2) صحيح البخاري ج 1 / 88 باب إنما جعل الامام ليؤتم به، وصحيح مسلم ج 2 / 20 باب استخلاف الامام، وسنن النساني ج 1 / 134 باب الائتمام بالامام يصلي قاعدا، ومسند أحمد ج 6 / 251، والكنز ج 4 / 59، وطبقات ابن سعد ج 2 / 218. (3) سنن النساني ج 2 / 100 كتاب الامامة، باب الامام يصلي قاعدا، وقريب منه في مسند أبي عوانة ج 2 / 115.

[196]

وفي حديث آخر قالت: فكان رسول الله (ص) بين يدي أبي بكر يصلي بالناس قاعدا وابو بكر يصلي خلفه (1). وفي حديث آخر قالت: فصلى أبو بكر وصلي النبي (ص) خلفه قاعدا (2). وفي آخر قالت: صلى رسول الله (ص) خلف أبي بكر قاعدا في مرضه الذي مات فيه (3). وفي حديث آخر قالت: ان ابا بكر صلى بالناس ورسول الله (ص) في الصف خلفه (4). دراسة الروايات: نجد في أحاديث أم المؤمنين هذه بشأن صلاة أبي بكر اختلافا شديدا في من كان الواسطة في أمر الصلاة، هل هي ام المؤمنين عائشة أو حفصة أو عبد الله بن زمعة أو بلال ؟ ومن راجعت الرسول في عدم تعيين ابي بكر، ام المؤمنين عائشة أو حفصة ؟ ومن المخاطب منهما بقوله: " انكن صويحبات يوسف " ؟ وانه هل ندب عبد الله بن زمعة عمر بن الخطاب للصلاة فقال النبي (ص): " يأبى الله ذلك والمؤمنون " كما عرف صوته ؟ أو ندبه أبو بكر فلم يقبل عمر أن يتقدم على أبي بكر ؟ أو انه لم يندبه أحد للصلاة ابدا ؟ وان النبي (ص) لما وجد خفة وذهب للصلاة، هل جلس إلى جنب ابي بكر قاعدا واقتدى به ابو بكر قائما وان الناس


(1) مسند أحمد ج 6 / 249 ومسند أبي عوانة ج 2 / 112 - 113. (2 و 3 و 4) مسند احمد 6 / 159 وسنن النسائي ج 2 / 79 كتاب الامامة باب ملاة الامام خلف رجل من رعيته.

[197]

اقتدوا بأبي بكر وأن النبي (ص) جلس خلف أبي بكر أو جلس في الصف وائتم بأبي بكر ؟ ! كل هذا الاختلاف في أحاديث أم المؤمنين، أما غير أم المؤمنين فقد ذكر ابن ابي الحديد عن شيخه ان عليا كان يتهم أم المؤمنين عائشة انها هي التي أمرت بلالا مولى أبيها أن يأمر أبا بكر بالصلاة، وان الرسول (ص) لم يعين أحدا للصلاة وان تلك الصلاة كانت صلاة الصبح، ولما أفاق الرسول (ص) وانتبه إلى ذلك خرج في آخر رمق يتهادى بين علي والفضل بن العباس حتى قام في المحراب وصلى ثم رجع إلى بيته ومات في ارتفاع الضحى. وان عليا كان يذكر هذا لأصحابه في خلواته كثيرا ويقول: ان النبي (ص) لم يقل: " انكن صويحبات يوسف " إلا انكارا لهذه الحال وغضبا منها، لأنها وحفصة تبادرتا إلى تعيين أبويهما، واستدركه النبي (ص) بخروجه وصرف أبي بكر عن المحراب.

[198]

روايات أراد النبي (ص) أن يكتب لأبي بكر في صحيح مسلم عن عائشة قالت: قال لي رسول الله (ص) في مرضه: " ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى اكتب كتابا، فإني أخاف ان يتمنى متمن ويقول قائل: انا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر " (1). وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: لما ثقل رسول الله (ص) قال لعبد الرحمن ابن ابي بكر: ائتني بكتف أو لوح حتى أكتب لأبي بكر لا يختلف عليه، فلما ذهب عبد الرحمن ليقوم قال: " أبى الله والمؤمنون أن يختلف عليك أبا بكر " (2). دراسة الروايات: أرى غاية الدعاية في هذا الحديث انما هي معالجة حديث القرطاس الذي رواه عمر بن الخطاب (3) حيث قال: كنا عند النبي (ص) وبيننا وبين النساء حجاب، فقال رسول الله (ص): اغسلوني بسبع قرب وائتوني بصحيفة ودواة اكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده ابدا. فقالت النسوة (4): ائتوا رسول الله (ص)


(1) صحيح مسلم ج 4 / 1857 باب فضائل ابي بكر، ومسند احمد ج 6 / 144 و 47 و 106، وطبقات ابن سعد ج 2 / 225 - 226 و 317 الحديث 5283 واللفظ لمسلم. (2) مسند أحمد ج 6 / 47. قريب منه في صحيح البخاري. (3) طبقات ابن سعد ج 2 / 243 - 244، ونهاية الارب للنويري ج 18 / 374 - 375 ط. القاهرة 1374 ه‍. (4) في امتاع الاسماع ص 546 بدل فقالت النسوة، وقالت زينب بنت جحش وصواحبها.

[199]

بحاجته، قال عمر: فقلت: اسكتن فانكن صواحبه إذا مرض عصرتن أعينكن وإذا صح أخذتن بعنقه، فقال رسول الله (ص): هن خير منكم ! وحديث ابن عباس (1) الذي قال: لما حضر رسول الله (ص) وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال النبي (ص): هلم اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده، فقال عمر: ان رسول الله قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا منهم من يقول: قدموا يكتب لكم رسول الله كتابا لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول ما قاله عمر، فكثر اللغو والاختلاف. فقال رسول الله: قوموا عني، فكان ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله وبين ان يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم. فأرادت الدعاية أن تعين بحديث أم المؤمنين عائشة حديث القرطاس ومنعهم من كتابة حديث الرسول (ص). في مسند أحمد بسنده عن أم المؤمنين عائشة زوج النبي (ص) قالت: لما أرادوا غسل رسول الله (ص) اختلفوا فيه، فقالوا: والله ما نرى كيف نصنع، أنجرد رسول الله (ص) كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه ؟ قالت: فلما اختلفوا أرسل الله عليهم السنة حتى والله ما من القوم من رجل إلا ذقنه في صدره نائما، قالت: ثم كلمهم من ناحية البيت لا يدرون من هو فقال: اغسلوا النبي (ص) وعليه ثيابه، قالت: فثاروا إليه فغسلوا رسول الله (ص) وهو في قميصه يفاض


(1) راجع: أسناد الحديثين في عبد الله بن سبأ ج 1 / 97 - 99. ونستدرك عليه ما يأتي: صحيح البخاري، كتاب العلم، باب كتابة العلم ج 1 / 22 - 23، وكتاب الجهاد، باب يستشفع أهل الذمة ج 2 / 120، وكتاب الخمس، باب اخراج اليهود من جزيرة العرب ج 2 / 136، وباب مرض النبي من كتاب المغازي ج 3 / 62، ونهاية الارب ج 18 / 373، ومسند أحمد ج 1 / 222 و 324 - 325 و 336.

[200]

عليه الماء والسدر ويدلكه الرجال بالقميص. وكانت تقول: لو استقبلت من الأمر ما استدبرت ما غسل رسول الله (ص) إلا نساؤه (1). وفي كنز العمال بسنده عن أم المؤمنين عائشة قالت: لما توفي رسول الله (ص) اشرأب النفاق وارتدت العرب وانحازت الانصار، فلو نزل بالجبال الراسيات ما نزل بأبي لهاضها فما اختلفوا في نقطة إلا طار أبي بفنائها وفصلها قالوا: أين يدفن رسول الله (ص) ؟ فا وجدنا عند أحد علما، فقال أبو بكر: سمعت رسول الله (ص) يقول: ما من نبي يقبض إلا دفن تحت مضجعه الذي مات فيه. قالت: واختلفوا في ميراثه فما وجدوا عند احد من ذلك علما، فقال ابو بكر: سمعت رسول الله يقول: إنا معشر الانبياء لا نورث ما تركنا صدقة (2). * * * كان ذلكم ما روي عن أم المؤمنين عائشة في خبر وفاة الرسول (ص) وما يتبعه، وانكارها وصية الرسول (ص) للامام علي. وفي ما يأتي ننقل باذنه تعالى روايات غيرها في تلكم الاخبار للمقارنة بين رواياتها وروايات غيرها. مقارنة ما روي عن أم المؤمنين عائشة بروايات غيرها أولا - إخبار الرسول (ص) كيف يغسلونه ويدفنونه: في طبقات ابن سعد بسنده عن ابن مسعود أنه قال: نعى لنا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبي هو وأمي ونفسي له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا في


(1) مسند احمد ج 6 / 267 وطبقات ابن سعد ج 2 / 276. (2) كنز العمال ج 14 / 130 ط 2 بحيدرآباد.

[201]

بيت أمنا عائشة وتشدد لنا فقال: مرحبا بكم حياكم الله بالسلام رحمكم الله حفظكم الله جبركم الله رزقكم الله رفعكم الله نفعكم الله أداكم الله وقاكم الله ! أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم أستخلفه عليكم وأحذركم الله، إني لكم منه نذير مبين ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). وقال: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) قلنا: يا رسول الله متى اجلك ؟ قال: دنا الفراق والمنقلب إلى الله وإلى جنة المأوى وإلى سدرة المنتهى وإلى الرفيق الأعلى والكأس الأوفى والحظ والعيش المهنى، قلنا: يا رسول الله من يغسلك ؟ فقال: رجال من أهلي الأدنى فالأدنى. قلنا: يا رسول الله ففيم نكفنك ؟ فقال: في ثيابي هذه إن شئتم أو ثياب مصر أو في حلة يمانية. قال: قلنا: يا رسول الله من يصلي عليك ؟ وبكينا وبكى فقال: مهلا رحمكم الله وجزاكم عن نبيكم خيرا، إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفة قبري في بيتي هذأ، ثم اخرجوا عني ساعة فإن أول من يصلي علي حبيبي وخليلي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت معه جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا فوجا فوجا فصلوا علي وسلموا تسليما، ولا تؤذوني بتزكية ولا برنة، وليبتدئ بالصلاة علي رجال أهلي ثم نساؤهم ثم أنتم بعد، واقرأوا السلام على من غاب من أصحابي واقرأوا السلام على من تبعني على ديني من يومي هذا إلى يوم القيامة ! قلنا: يا رسول الله فن يدخلك قبرك ؟ قال: أهلي مع ملائكة كثيرين يرونكم من حيث لا ترونهم (1).


(1) طبقات ابن سعد ط. بيروت ج 2 / 256 - 257 باب ذكر ما اوصى به الرسول (ص) عند مرضه الذي مات فيه.

[202]

ثانيا - روايات وفاة الرسول (ص) في حجر الامام علي ووصيته اياه: أ - في تاريخ ابن كثير بسنده عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله قال في مرضه: " ادعوا لي أخي " فدعوا له أبا بكر فأعرض، عنه ثم قال: " ادعوا لي أخي " فدعوا له عمر فأعرض عنه، ثم قال: " ادعوا لي أخي " فدعوا له عثمان فأعرض عنه، ثم قال: " ادعو لي أخي " فدعي له علي بن أبي طالب فستره بثوب وأكب عليه فلما خرج من عنده قيل له: ما قال ؟ قال: علمني ألف باب يفتح كل باب إلى ألف باب (1). وفي رواية قال رسول الله (ص) لما حضرته الوفاة: " ادعوا لي حبيبي " فدعوا له أبا بكر فنظر إليه ثم وضع رأسه فقال: " ادعوا لي حبيبي " فدعوا له عمر فلما نظر إليه وضع رأسه ثم قال: " ادعوا لي حبيي " فدعوا له عليا، فلما رآه أدخله معه في الثوب الذي كان عليه فلم يزل يختضنه حتى قبض (ص) (2). ب - في مسند احمد والمستدرك عن أم سلمة قالت: والذي أحلف به، ان كان علي بن أبي طالب لأقرب الناس عهدا برسول الله (ص) عدنا رسول الله (ص) غداة وهو يقول: (جاء علي، جاء علي " مرارا فقالت فاطمة: كأنك بعثته في حاجة قالت: فجاء بعد، قالت أم سلمة: فظننت ان له إليه حاجة، فخرجنا من البيت فقعدنا عند الباب وكنت من أدناهم إلى الباب، فأكب عليه رسول الله (ص) وجعل يساره ويناجيه، ثم قبض رسول الله (ص) من يومه ذلك فكان علي أقرب الناس عهدا (3).


(1) تاريخ ابن كثير ج 7 / 359. (2) ذخائر العقبى ص 72، وكفاية الطالب للكنجي ص 133 ومسند احمد ج 6 / 30. (3) مسند أحمد ج 6 / 300 أخرجه الحاكم في المستدرك ج 3 / 138 - 139 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، واعترف بصحته الذهبي في تلخيص المستدرك، =

[203]

ج - في طبقات ابن سعد في " ذكر من قال توفي رسول الله (ص) في حجر علي بن ابي طالب " بسنده عن جابر بن عبد الله الانصاري ان كعب الاحبار قام زمن عمر فقال ونحن جلوس عند عمر أمير المؤمنين: ماكان آخر ما تكلم به رسول الله (صى) ؟ فقال عمر: سل عليا، قال: أين هو ؟ قال: هو هنا، فسأله فقال علي: اسندته إلى صدري فوضع رأسه على منكبي فقال: الصلاة الصلاة ! فقال كعب: كذلك آخر عهد الانبياء وبه امروا وعليه يبعثون، قال: فمن غسله يا أمير المؤمنين ؟ قال: سل عليا، قال: فسأله فقال: كنت أنا أغسله وكان عباس جالسا، وكان اسامة وشقران يختلفان إلي بالماء (1). د - وبسنده عن الامام علي قال: قال رسول الله (ص) في مرضه: " ادعوا لي أخي "، قال: فدعي له علي فقال: ادن مني، فدنوت منه فاستند الي، فلم يزل مستندا إلي وانه ليكلمني حتى إن بعض ريق النبي (ص) ليصيبني ثم نزل برسول الله (ص) وثقل في حجري، فصحت: يا عباس أدركني فإني هالك ! فجاء العباس فكان جهد هما جميعا ان أضجعاه (2). 5 - وفي كنز العمال عن علي قال: دخلت على نبي الله (ص) وهو مريض فإذا رأسه في حجر رجل أحسن ما رأيت من الخلق والنبي (ص) نائم، فلما دخلت عليه قلت: أدنو ؟ فقال الرجل: ادن إلى ابن عمك فأنت أحق مني، =


وأخرجه ابن عساكر في بابه أنه كان أقرب الناس عهدا برسول الله (ص) من ترجمة الامام علي ج 3 / 16 - 17 بطرق متعددة، ومجمع الزوائد لابي بكر الهيثمي 9 / 112 ط. دار الكتاب بيروت، وكنز العمال ج 15 / 128 ط. الثانية بحيدرآباد، كتاب الفضائل، باب فضائل علي بن أبي طالب، وتذكرة خواص الأمة لابن الجوزي باب حديث النجوى، والوصية عن كتاب الفضائل لاحمد بن حنبل وخصائص النسائي. (1) طبقات ابن سعد وكنز العمال ج 2 / 262 - 263. (2) طبقات ابن سعد ج 2 / 263 وكنز العمال ج 7 / 178 - 179.

[204]

فدنوت منهما، فقام الرجل وجلست مكانه ووضعت رأس النبي (ص) في حجري كما كان في حجر الرجل، فمكثت ساعة ثم ان النبي (ص) استيقظ فقال: أين الرجل الذي كان رأسي في حجره ؟ فقلت: لما دخلت عليك دعاني ثم قال: ادن إلى ابن عمك فأنت أحق به مني ثم قام فجلست مكانه، قال: فهل تدري من الرجل ؟ قلت: لا بأبي وأمي قال: ذاك جبريل كان يحدثني حتى خف عني وجعي ونمت ورأسي في حجره (1). و - وفي طبقات ابن سعد بسنده عن ابي غطفان قال: سألت ابن عباس: أرأيت رسول الله (ص) توفي ورأسه في حجر أحد ؟ قال: توفي وهو مستند إلى صدر علي، قلت: فان عروة حدثني عن عائشة انها قالت: توفي رسول الله (ص) بين سحري ونحري، فقال ابن عباس: اتعقل ؟ والله لتوفي رسول الله (ص) وانه لمستند إلى صدر علي، وهو الذي غسله وأخي الفضل ابن عباس وأبى أبي ان يحضر وقال: ان رسول الله (ص) كان يأمرنا ان نستتر فكان عند الستر (2). ز - في خطبة لعلي: وقد علمتم أني لم اخالف رسول الله (ص) ولم أعصه في أمر قط، أقيه بنفسي في المواطن التي ينكص فيها الأبطال وترعد فيها الفرائص، نجدة أكرمني الله بها فله الحمد. ولقد قبض رسول الله (ص) وإن رأسه لفي حجري، ولقد وليت غسله بيدي وحدي تقلبه الملائكة المقربون معي، وأيم الله ما اختلفت أمة قط بعد نبيها إلا ظهر أهل باطلها على حقها إلا ما شاء الله (3).


(1) كنز العمال ج 7 / 177 - 178. (2) طبقات ابن سعد ج 2 / 263 في ذكر من قال توفي رسول الله (ص) ورأسه في حجر علي والكنز ج 7 / 179. (3) وقعة صفين لنصر بن مزاحم ط. الثانية، المؤسسة العربية الحديثة بالقاهرة.

[205]

وفي خطبة اخرى للامام: ولقد علم المستحفظون من أصحاب محمد (ص) أني لم أرد على الله ولا على رسوله ساعة قط، ولقد واسيته بنفسي في المواطن التي تنكص فيها الأبطال وتتأخر فيها الأقدام، نجدة أكرمني الله بها. ولقد قبض رسول الله (ص) وإن رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفي فأمررتها على وجهي، ولقد وليت غسله (ص) والملائكة أعواني فضجت الدار والأفنية، ملأ يهبط وملأ يعرج، وما فارقت سمعي هينمة منهم يصلون عليه حتى واريناه في ضريحه، فمن ذا أحق به مني حيا وميتا ؟ فانفذوا على بصائركم ولتصدق نياتكم في جهاد عدوكم فوالذي لا إله إلا هو إني لعلى جادة الحق، وانهم لعلى مزلة الباطل، أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم (1). * * * بعد أن قارنا بين ما روي عن أم المؤمنين عائشة وما روي عن غيرها في مرض الرسول (ص) ووفاته، ندرس في ما يأتي باذنه تعالى ما روي عنها في انكارها تعيين الرسول (ص) عليا وصيا من بعده: دراسة ما روي عن أم المؤمنين عائشة حول تعيين الرسول (ص) عليا وصيا من بعده اتفقت مضامين روايات غير أم المؤمنين عائشة ان الرسول (ص) قبض ورأسه في حجر ابن عمه علي، أما ما روي عنها من انها أنكرت وصية الرسول (ص) لابن عمه فانه على فرض صحه وفاة الرسول (ص) بين حاقنة أم المؤمنين وذاقنتها أو سحرها ونحرها أو صدرها أو فخذها فان ذلك لا يلزم عدم


(1) نهج البلاغة ص 224 الخطبة رقم 197 في طبعة صبحي الصالح.

[206]

وصيته إلى علي، بعد أن ورد باثباتها نصوص متعددة عنه، منها قول النبي (ص) في حديثه يوم الانذار، قال النبي (ص) لعلي: " هذا أخي ووصيي وخليفتي فيكم فاسمعوا له وأطيعوا.... " الحديث (1). ومنها ما رواه سلمان قال: قلت: يا رسول الله إن لكل نبي وصيا فمن وصيك ؟ فسكت عني، فلما كان بعد رآني فقال: يا سلمان، فأسرعت إليه قلت: لبيك، قال: تعلم من وصي موسى ؟ قلت: نعم يوشع بن نون، قال: لم ؟ قلت: لانه كان أعلمهم يومئذ، قال: فان وصيي وموضع سري وخير من أترك بعدي وينجز عدتي ويقضي ديني علي بن أبي طالب (2). * * *


(1) راجع: كنز العمال ج 12 / 209 ومنتخبه ج 5 / 32 بمسند أحمد عن الطبراني. (2) مجمع الزوائد ج 9 / 113 والطبراني في المعجم الكبير ج 6 / 221.

[207]

الباب الثالث ما روي من الحديث عن أم المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة في سيرة الرسول (ص) أ - روايات استماع النبي (ص) للغناء و... ! ب - روايات الناس اعلم بامور، دنياهم و... ! ج - روايات نسيان النبي (ص) آي من القرآن الكريم ! د - روايات من لعنه النبي (ص) وسبه !

[209]

اولا - روايات استماع النبي (ص) للغناء " معاذ الله " أ - في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة: أن أبا بكر دخل عليها والنبي عندها يوم فطر أو أضحى، وعندها قينتان تغنيان بما تقاذفت الأنصار يوم بعاث، فقال أبو بكر: مزمار الشيطان، مرتين. فقال النبي (ص) دعهما يا أبا بكر. إن لكل قوم عيدا وإن عيدنا هذا اليوم (1). ب - في صحيحي البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة: أن أبا بكر دخل عليها وعندها جاريتان في أيام منى تدففان وتضربان والنبي متغش بثوبه فانتهرها أبو بكر، فكشف النبي عن وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها أيام عيد وتلك الآيام أيام منى (2). ج - في صحيح البخاري عن أم المؤمنين عائشة قالت: دخل علي رسول الله (ص) وعندي جاريتان تغنيان بغناء بعاث، فاضطجع على الفراش وحول وجهه ودخل أبو بكر فانتهرني وقال ؟ مزمارة الشيطان عند النبي (ص)، فأقبل


(1) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)، باب مقدم النبي واصحابه المدينة 2 / 225، وفي لفظ آخر في مسند أحمد ج 6 / 99. (2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي (ص): يا بني ارفدة 2 / 179، وكتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين 1 / 123، وصحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب 2 / 608، ومسند احمد 6 / 84.

[210]

عليه رسول الله (ص) فقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا (1). وفي مسند أحمد عن عائشة قالت: دخل علينا أبو بكر في يوم عيد وعندنا جاريتان تذكران يوم بعاث يوم قتل فيه صناديد الاوس والخزرج، فقال أبو بكر: عباد الله أمزمور الشيطان ؟ عباد الله أمزمور الشيطان ؟ عباد الله أمزمور الشيطان ؟ قاهلا ثلاثا فقال رسول الله (ص): يا أبا بكر ان لاكل قوم عيدا وان اليوم عيدنا (2). المفردات: تقاذفت الانصار: تشاتموا به. قينتان: القينة: غالبا تستعمل في المغنية، وفي لفظ بعض الروايات جاريتان. تدففان: تضربان، أي تضربان بالدف، والدف آلة طرب ينقر عليها. المزمار والمزمور: آلة من خشب أو معدن تنتهي قصبتها ببوق صغير. وغمزتهما: غمزه بالعين أو الجفن أو الحاجب: اشار إليه بما يريد. بعاث: اسم حصن للاوس، ويوم بعاث يوم جرت فيه معركة بين الاوس والخزرج في الجاهلية انتصر فيه الاوس على الخزرج. د - في صحيحي البخاري ومسلم إن عائشة قالت: والله ! لقد رأيت رسول


(1) صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ج 1 / 118 - 119، وصحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب ج 2 / 609، والسيرة الحلبية ج 1 / 62 - 62، وهامش ارشاد الساري ج 4 / 195 - 199 والسنن الكبرى للبيهقي ج 10 / 224. (2) مسند احمد ج 6 / 134 وصحيح مسلم ج 2 / 609 كتاب صلاة العيدين باب الرخصة في اللعب، وسنن ابن ماجة ج 1 / 612 كتاب النكاح باب الغناء والدف.

[211]

الله (ص) يقوم على باب حجرتي والحبشمة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله (ص)، ورسول الله (ص) يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم، ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي انصرف. فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو (1). ه‍ - في صحيحي البخاري ومسلم: " ورأيت النبي (ص) يسترني بردائه وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم عمر فقال النبي: دعهم ! أمنا بني ارفدة - يعني من الأمن - فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن تسمع اللهو (2). و - في صحيحي البخاري ومسلم، وفي رواية اخرى: فإما سألت النبي (ص) وإما قال: أتشتهين تنظرين ؟ قلت: نعم، فأقامني وراءه، خدي على خده وهو يقول: دونكم يا بني أرفدة، حتى إذا مللت قال: حسبك ؟ قلت: نعم، قال: فاذبي. وفي رواية ثانية قالت: جاء حبش يزفنون (3). وفي رواية للعابين أود أني


(1) صحيح مسلم ج 2 / 609 كتاب صلاة العيدين باب الرخصة في اللعب، وهامش إرشاد الساري ج 9 / 194، وصحيح البخاري ج 1 / 63 كتاب الصلاة باب أصحاب الحراب في المسجد، ومسند أحمد ج 6 / 270 و 247 و 166. و (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن): قال النووي: معناه أنها تحب اللهو والتفرج والنظر إلى اللعب حبا بليغا. (2) صحيح البخاري، كتاب المناقب، باب قصة الحبش وقول النبي (ص): يا بني أرفدة ج 2 / 179، وكتاب العيدين، باب إذا فاته العيد يصلي ركعتين ج 1 / 123، وصحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في اللعب ج 2 / 608، حيث قال في نهاية الحديث: "... فاقدروا قدر الجارية العربة الحديثة السن " والعربة معناها المشتهية اللعب المحبة له. (3) صحيح البخاري، كتاب العيدين، باب الحراب والدرق يوم العيد ج 1 / 118، =

[212]

اراهم... ز - وفي رواية ثالثة أنها قالت: (مر رسول الله (ص) بالذين يدوكون بالمدينة فقام عليهم وكنت انظر فيما بين اذنيه وهو يقول: خذوا يا بني أرفدة ! حتى تعلم اليهود والنصارى أن في ديننا فسحة، فجعلوا يقولون: ابو القاسم الطيب، فجاء عمر فارتدعوا (1). ح - في رواية رابعة: فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله (ص) فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه فقال لي: أما شبعت ؟ أما شبعت ؟ قالت: فجعلت أقول لا لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر قال: فارفض الناس عنها، قالت: فقال رسول الله: إني لأنظر إلى شياطين الانس والجن قد فروا من عمر (2). ط - جاء عن أم المؤمنين عائشة في ذلك روايات اخرى غير ما ذكرناه. ي - في صحيح البخاري عن أبي هريرة: إذ دخل عمر بن الخطاب فأهوى إلى الحصباء يحصبهم بها، فقال رسول الله (ص): دعهم يا عمر (3). ك - في صحيحي البخاري ومسلم وغيرهما عن ام المؤمنين عائشة قالت: كنت العب بالبنات في عهد النبي (ص) وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان =


وبني أرفدة لقب للحبشة. ودونكم من ألفاظ الاغراء ومعناه: عليكم بهذا اللعب الذي أنتم فيه. ويزفنون: أي يرقصون. (1) مسند احمد ج 6 / 116 و 233 وكنز العمال ج 19 / 162 - 163 و 153 الكتاب الثالث من حرف اللام ومنتخب الكنز بهامش مسند احمد ج 6 / 173 ويدوكون: داك القوم ونحوهم ماجوا راختلطوا. (2) صحيح الترمذي ج 13 / 148 كتاب المناقب باب مناقب عمر. (3) صحيح البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب اللهو بالحراب ج 2 / 103، وصحيح مسلم ج 610 / 2.

[213]

رسول الله (ص) إذا دخل يتقمعن فيسربهن (1) الي فيلعبن معي (2). وفي طبقات ابن سعد عن عائشة انه كن لها بنات تعني اللعب... الحديث. وفي رواية (3) سأل منها الرسول: " ما هذا ؟ " فقالت: خيل سليمان، فضحك. وفي سنن الترمذي بسنده عن بريدة انه قال: خرج رسول الله (ص) في بعض مغازيه، فلهم انصرف جاءت جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله صالحا أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى، فقال لها (ص): إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا، فجعلت تضرب فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها ثم قعدت عليه، فقال رسول الله (ص): إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلت أنت يا عمر ألقت الدف (4). وفي مسند احمد بسنده عن أم المؤمنين عائشة (5) قالت: لعبت الحبشة عند النبي (ص) في المسجد فجئت انظر فجعل يطأطئ لي منكبيه لأنظر إليهم. وفي رواية اخرى انها قالت (6): ان الحبشة كانوا يلعبون عند رسول (ص)


(1) يتقمعن: يتفيين في البيت، يسر بهن: يردهن في مجراهن. (2) صحيح البخاري، كتاب الادب، باب الانبساط ج 4 / 47، وصحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب فضل عائشة ج 4 / 91. (3) طبقات ابن سعد ج 8 / 42 و 44 ط. اوربا، ومسند احمد ج 6 / 166 و 233 - 234 وسن ابي دارد ج 4 / 283 - 284 كتاب الادب. (4) سنن الترمذي، أبواب المناقب، باب مناقب عمر 13 / 147. (5) مسند احمد ج 6 / 83. (6) مسند احمد ج 6 / 56 - 57.

[214]

في يوم عيد، قالت: فاطلعت من فوق عاتقه فطأطأ لي رسول (ص) منكبيه فجعلت أنظر إليهم من فوق عاتقه حتى شبعت ثم انصرفت. وفي ثالثة انها قالت: ان الحبشة لعبوا لرسول (ص) فدعاني فنظرت من فوق منكبيه حتى شبعت (1). وفي رابعة انها قالت: كان رسول الله (ص) في حجرتي يسترني بردائه وأنا انظر إلى الحبشة كيف يلعبون حتى أكون أنا اسأم واقدرت والجارية الحديثة السن الحريصة على اللهو (2). * * *


(1) مسند احمد ج 6 / 233. (2) مسند احمد ج 6 / 85.

[215]

روايات اشتراك الرسول (ص) في حفلة عرس تسقي العروس فيها الرجال والنساء 1 - في صحيح البخاري، قالت الربيع بنت معوذ بن عفراء: جاء النبي (ص) فدخل حين بنى علي فجلس على فراشي كمجلسك مني، فجعلت جويريات لنا يضربن بالدف ويندبن من قتل من آباني يوم بدر، إذ قالت احداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد، فقال (ص): دعي هذه وقولي بالذي كنت تقولين (1). 2 - في صحيح البخاري بسنده قال: دعا أبو أسيد الساعدي رسول الله (ص) في عرسه، وكانت امرأته يومئذ خادمهم وهي العروس، قال سهل: تدرون ما سقت رسول الله (ص) ؟ أنقعت له تمرات من الليل فلما أكل سقته


(1) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب ضرب الدف ج 3 / 167، وكتاب المغازي ج 3 / 8، وفي ترجمة الربيع بنت عفراء من طبقات ابن سعد ج 8 / 328 ط. اوربا، والاصابة ج 4 / 293، وسنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب الغناء والدف قريب منه ج 1 / 611، وسنن ابي داود ج 4 / 281 كتاب الأدب. قال ابن حجر: ثبت جواز خلوة رسول الله (ص) بالا جنبية والنظر إليها فتح الباري ج 11 / 108.

[216]

اياه (1). 3 - في صحيح البخاري بسنده عن سهل قال: لما عرس أبو أسيد الساعدي دعا النبي (ص) وأصحابه، فما صنع لها طعاما ولاقربه إليهم إلا امرأته أم أسيد، بلت تمرات في تور من حجارة من الليل فلما فرغ النبي (ص) من الطعام اماثته له فسقته، تتحفه بذلك (2). 4 - في صحيح البخاري بسنده عن أم المؤمنين عائشة انها زفت امرأة إلى رجل من الانصار فقال نبي الله: يا عائشة ما كان معكم من لهو ؟ فان الانصار يعجبهم اللهو (3). وفي رواية بسنن ابن ماجة بسنده عن ابن عباس قال: انكحت عائشة ذات قرابة لها من الانصار فجاء رسول الله (ص) فقال: أهديتم الفتاة ؟ قالوا: نعم، قال: أرسلتم معها من يغني ؟ قالت: لا. فقال رسول الله (ص): إن الانصار قوم فيهم غزل. فلو بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيانا وحياكم (4). 5 - في سنن ابن ماجة بسنده عن انس بن مالك: ان النبي (ص) مر ببعض


(1) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب حق اجابة الوليمة ج 3 / 170، وباب النقيع والشراب الذي لا يسكر 3 / 171، وكتاب الاشربة، باب الانتباذ في الاوعية والتور ج 3 / 215، وباب نقيع التمر ما لم يسكر ج 3 / 215، وصحيح مسلم، كتاب الاشربة، باب اباحة النبيذ الذي لم يشتد ج 3 / 1590. والتور: اناء يشرب فيه. (2) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب قيام المرأة على الرجال في العرس وخدمتهم بالنفس ج 3 / 171، وسنن ابن ماجة، باب الوليمة، ج 1 / 616 قريب منه. واماثته، ماث الشئ: مرسه بيده حتى انحلت اجزاؤه. (3) صحيح البخاري، كتاب النكاح، باب النسوة اللاتي يهدين المرأة إلى زوجها 3 / 169. (4) سنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب الغناء والدف ج 1 / 612. وغزل بالمرأة غزلا: حادثها وتودد إليها فهو غزل.

[217]

المدينة فإذا هو بجوار يضربن بدفهن يتغنين ويقلن: نحن جوارمن بني النجار ياحبذا محمد من جار فقال النبي (ص): الله يعلم إني لأحبكن (1). خلاصة الروايات أ - موجز الروايات: ان رسول الله (ص) كان في يوم عيد اضحى في بيت ام المؤمنين عائشة وبمحضره تغني جاريتان بما تقاولت الاوس والخزرج من اشعار في حرب بعاث، فدخل الصحابي ابو بكر وتأثم من انتشار صوت الغناء وزجر الجاريتين فغمزتهما ام المؤمنين عائشة فخرجتا. ب - موجز روايات الرقص: تعددت تعابير روايات اشتراك النبي (ص) وعائشة في مشاهدة رقص الحبشة في مسجد الرسول (ص). منها ما فيها ان الرسول (ص) كان يسترها بردائه كي تنظر إلى لعب الحبشة، وان عمر تحرج من عملهم وزجرهم، ولكن الرسول (ص) لا يتأثم وقال لهم: دونكم بني ارفدة حتى تعلم اليهود والنصارى ان في ديننا فسحة. وفي رواية: فجاء عمر فارتدعوا، وفي اخرى فطلع فتفرق الناس والصبيان فقال رسول الله: رأيت شياطين الانس والجن فروا من عمر. وفي رواية ان الرسول (ص) كان يسترها بردائه، وفي اخرى فقام عليهم وكنت انظر فيما بين اذنيه، وفي ثالثة كنت انظر بين اذنيه، وفي رابعة: فاقامني وراءه


(1) سنن ابن ماجة ج 1 / 612 كتاب النكاح باب الغناء والدف. وقريب منه في صحيح البخاري ج 3 / 171 كتاب النكاح باب (76) ذهاب النساء والصبيان إلى العرس.

[218]

خدي على خده، وفي خامسة: انظر ما بين المنكبين إلى رأسه فجعل يقول: يا عائشة ما شبعت ؟ فأقول: لا ! لأنظر منزلتي عنده فلقد رأيته يراوح بين قدميه. ج - موجز روايات اشتراك النبي في حفلة عرس تسقي العروس فيها الرجال والنساء. في رواية ان الرسول جلس على فراش العروس وكانت جويريات لهم يضربن بالدف ويندبن قتلى بدر، وفي ثانية ان العروس كانت تخدمهم وسقت رسول الله مع من سقت ماء التمر. وان النبي (ص) قال لعائشة في زفة عرس للأنصار: ما كان معكم من لهو فان الانصار يعجبهم اللهو. وفي اخرى قال لها: ارسلتم معها - العروس - من يغني ؟ فان الانصار قوم فيهم غزل. وفي رواية: ان النبي مر بجوار من الانصار يضربن بدفهن يتغنين، فقال النبي (ص): الله يعلم اني لأحبكن. دراسة روايات اشتراك النبي (ص) في اللهو: لست أدري هل أسس الرسول (ص) مسجده لاقامة الصلاة واقراء القرآن ونشر تعاليم الاسلام وادارة شؤون المسلمين أم أسسه ملهى للرقص واللهو ! ؟ ولست أدري هل كانت أم المؤمنين عائشة أطول قامة من الرسول (ص) ليتيسر لها أن تضع خدها على خده أم ان الرسول (ص) طأطأ هلا من قامته كل تلكم المدة وهو يراوح بين قدميه ! ؟ وكيف قالت: انها كانت جارية حديثة السن ؟ وفي ارشاد الساري (8 / 118): (ان ذلك كان بعد قدوم وفد الحبشة وان قدومهم كان سنة سبع ولعائشة يومئذ ست عشرة سنة فكانت بالغة). وكيف يضع الرسول (ص) خده تحت خد عائشة بمرأى من المشاهدين

[219]

وهو يسترها بردائه ؟ وكيف تفر شياطين الانس والجن من عمر ولا تفر من رسول الله (ص) ؟. وكيف خفيت كل هذه المتناقضات على أصحاب الصحاح ودونوها في كتب الصحاح والسنن ! ؟ وكيف خفي عليهم انها تناقض قوله تعالى: أ - في سورة لقمان: (ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل به عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين) ؟ [الآية: 6]. وقد سئل ابن مسعود عن قوله: (لهو الحديث)، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو أنه الغناء، ثلاث مرات. وبهذا فسر الآية ابن عباس وعبد الله بن عمر وغيرهم من كبار المفسرين القدماء (1). ب - في سورة الاسراء في خطاب الله جل جلاله لابليس: (واستفزز من استطعت منهم بصوتك) [الآية: 164]. عن ابن عباس وغيره: الغناء والمزامير (2). وايضا تناقض ما روي: أ - عن عائشة: عن رسول الله (ص) قال: ان الله حرم القينة وبيعها وثمنها وتعليمها والاستماع إليها. ب - ما روي عن مجاهد قال: كنت مع ابن عمر، فسمع صوت طبل فأدخل إصبعيه في اذنيه، ثم تنحى، حتى فعل ذلك ثلاث مرات. ثم قال: هكذا


(1) راجع: تفسير الطبري ج 21 / 39 - 40، وتفسير القرطبي ج 14 / 51 و 52 و 53، وتفسير ابن كثير ج 3 / 441 - 442، وتفسير الدر المنثور ج 5 / 159 - 160. (2) تفسير الطبري ج 15 / 81، وتفسير القرطبي ج 10 / 288، وتفسير ابن كثير ج 3 / 49، وتفسير الألوسي ج 15 / 111.

[220]

فعل رسول الله (ص) (1). ج - عن أبي موسى الاشعري مرفوعا: من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع الروحانيين، فقيل: ومن الروحانيون يا رسول الله ؟ قال: قراء أهل الجنة (2). د - عن علي مرفوعا: تمسخ طائفة من أمتي قردة، وطائفة خنازير، ويخسف بطائفة، ويرسل على طائفة الريح العقيم بأنهم شربوا الخمر ولبسوا الحرير، واتخذوا القيان، وضربوا الدفوف (3). 5 - عن أنس مرفوعا: بعثني الله رحمة وهدى للعالمين، وبعثني بمحق المعازف والمزامير وأمر الجاهلية (4). * * *


(1) سنن ابن ماجة، كتاب النكاح، باب الغناء والدف، ح 1901، ج 1 / 613، وسنن أبي داود، كتاب الادب، باب كراهية الغناء والزمر ج 4 / 281 - 282. (2) تفسير القرطبي ج 14 / 54. (3) الدر المنثور ج 2 / 324. (4) ن. م، ثتم 2 / 323.

[221]

ثانيا - روايات الناس اعلم بامور دنياهم من النبي (ص) في صحيح مسلم وسنن ابن ماجة ومسند أحمد واللفظ للاول بسندهم عن أنس بن مالك وأم المؤمنين عائشة: ان النبي (ص) مر بقوم يلقحون فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال: فخرج شيصا، فمر بهم فقال: ما لنخلكم ؟ قالوا: كذا وكذا، قال: انتم اعلم بأمر دنياكم (1). وفي صحيح مسلم ومسند أحمد وسنن ابن ماجة واللفظ للاول بسنده عن طلحة عن أبيه قال: مررت مع رسول الله (ص) بقوم على رؤوس النخل. فقال: ما يصنع هؤلاء ؟ فقالوا: يلقحونه. يجعلون الذكر في الانثى فيتلقح. فقال رسول الله (ص): ما أظن يغني ذلك شيئا. قال فاخبروا بذلك فتركوه. فاخبر رسول الله (ص) بذلك فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فاني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به. فإني لن أكذب على


(1) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا، ح 139 - 141، ج 4 / 1836، دون ما ذكره (ص) من معايش الدنيا على سبيل الرأي ومسند أحمد ج 1 / 162 وسنن ابن ماجة ج 2 / 825 ح 2470 - 2471، كتاب الرهون، باب تلقيح النخل. ولقح: ادخل من طلع ذكر النخل في طلع الانثى منه فتعلق والشيص: البسر الردئ الذي إذا يبس صار حشفا.

[222]

الله عزوجل (1) دراسة الرواية: كل من يسكن بلادا يزرع فيها النخل يعلم ان للنخل ذكرا وانثى ويلقح طلع نخل الانثى بطلع النخل الذكر لتثمر، والا يصبح تمره شيصا لا يشتد نواه، وإذا جف تمره اصبح حشفا لا يصلح للطعام، فكيف خفي هذا الأمر على رسول الله (ص) وهو من سكان الجزيرة العربية، واشهر اشجارها النخيل ؟ وإذا كان الرسول (ص) لم يعلم ذلك كيف لم يخبره الانصار في المدينة بذلك ؟ والصحيح في الأمر ان إلغاية من اسناد هذا اشبر إلى الرسول (ص) ليسند إليه انه قال: (انتم اعلم بأمر دنياكم) ويروى عنه ان غيره من البشر اعلم بأمور الدنيا من رسول الله (ص). ومغزى هذه الرواية والروايات الاخرى معها فصل أمور الدنيا عن أمور الدين، وفقا للمقولة المشهورة (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله). وان يبطل جميع سنة الرسول (ص) في ما عدا العبادات ! !


(1) صحيح مسلم 4 / 1835، ومسند احمد 1 / 162، وسنن ابن ماجة 2 / 825.

[223]

ثالثا - روايات نسيان النبي (ص) آي من القرآن الكريم في صحيحي البخاري ومسلم بسند ما عن أم المؤمنين عائشة قالت: كان النبي (ص) يستمع قراءة رجل في المسجد فقال: رحمه الله لقد أذكرني آية كنت نسيتها. وفي لفظ آخر: يرحمه الله لقد أذكرني كذا وكذا آية كنت قد اسقطتها من سورة كذ وكذا. وفي لفظ البخاري: انسيتها من سورة كذا وكذا (1). دراسة الرواية: لست أدري كيف يقول الرسول (ص) ذلك ؟ وقد جاء في صحيحي البخاري ومسلم بسندهما عن ابن مسعود انه قال: بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نسي، استذكروا القرآن فلهو أشد تفصيا من صدور الرجال من النعم بعقلها (2).


(1) صحيح البخاري ج 3 / 155 باب نسيان القرآن من كتاب فضائل القرآن وصحيح مسلم ج 1 / 543 من باب فضائل القرآن من كتاب صلاة المسافرين وقصرها ومسند أحمد ج 6 / 12. (2) صحيح البخاري، كتاب فضئل القرآن، باب استذكار القرآن ج 3 / 155، وقريب منه لفظ أبي موسى الاشعري وصحيح مسلم، كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب فضائل القرآن ج 1 / 544 واللفظ له =

[224]

وكيف نسي الرسول (ص) آيات من القرآن ؟ وقد قال سبحانه: أ - في سورة الاعلى: (سنقرئك فلا تنسى) [الآية: 7]. ب - في سورة القيامة: (لا تحرك به لسانك لتعجل به * إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه * ثم ان علينا بيانه) [الآيات: 16 - 19]. ج - في سورة طه: (ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى اليك وحيه) [الآية: 114]. وجاء في تفسير الآيات: كان النبي (ص) إذا نزل عليه جبرائيل عليه السلام بالوحي يقرأه مخافة ان ينساه، فكان لا يفرغ جبرائيل عليه السلام من آخر الوحي حتى يتكلم هو بأوله، فلما نزلت هذه الآية لم ينس بعد ذلك شيئا (1). وكيف ينسى الرسول (ص) آيات من القرآن الكريم ؟ وقد جاء في صحيح البخاري وسنن ابن ماجة ومسند ابن حنبل عن فاطمة عليه السلام انها قالت: اسر إلي النبي (ص) ان جبريل يعارضني بالقرآن كل سنة وانه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضور اجلي (2). كيف ينسى الرسول (ص) آيات من القرآن الكريم وجبرائيل يعارضه القرآن في كل سنة مرة ! ؟ وكيف ينسى الرسول (ص) آيات القرآن الكريم وكان إذا نزل عليه شئ =


وأشد تفصيا: أشد انفصالا وأشد تفلتا، والنعم: الابل والبقر والغنم، والمراد هنا الابل خاصة لانها التي تعقل. (1) مجمع البيان ج 10 / 475 والكشاف ج 4 / 243 وتفسير الميزان ج 20 / 390 وراجع: تفسير السيوطي ج 4 / 339. (2) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن. باب كان جبريل يعرض القرآن على النبي (ص) ج 3 / 151 - 152، وسنن ابن ماجة، كتاب الصيام، باب ما جاء في الاعتكاف ج 1 / 562، ومسند احمد ج 6 / 282 وج 1 / 405.

[225]

من القرآن يدعو بعض من يكتب عنده فيقول: ضعوا هذه الاية في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا ؟ وكان ذلك القرآن في بيته وأوصى ابن عمه عليا ان يجمعه بعد وفاته ففعل. وكيف يسقط الرسول (ص) آيات من القرآن وكان كل صحابي يمارس الكتابة يكتب ما نزل من القرآن ؟ فقد كان خباب بن الارت يقرئ بمكة اخت عمر بن الخطاب وختنه القرآن (1) وكان عند أمهات المؤمنين عائشة وحفصة وأم سلمة وعبد الله بن مسعود وأبي وغيرهم مصاحف مكتوبة (2).


(1) راجع: فصل من تاريخ القرآن في المجلد الأول من القرآن الكريم وروايات المدرستين. (2) راجع: فصل اختلاف المصاحف من المجلد الثاني من القرآن الكريم وروايات المدرستين.

[226]

رابعا - روايات من لعنه النبي (ص) وسبه كان له رحمة وطهورا نورد روايات هذا الباب حسب سياق مسلم في صحيحه (1) قال: باب من لعنه النبي (ص) أو سبه أو دعا عليه، وليس هو أهلا لذلك، كان له زكاة وأجرا ورحمة. وروى بسنده: 1 - عن عائشة قالت: دخل على رسول الله (ص) رجلان فكلماه بشئ لا أدري ما هو فأغضباه، فلعنهما وسبهما. فلما خرجا قلت: يا رسول الله ! من أصاب من الخير شيئا ما أصابه هذان. قال: وما ذاك ؟ قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: أو ما علمت ما شارطت عليه ربي ؟ قلت: اللهم إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببتة فاجعله له زكاة وأجرا. وفي لفظ آخر: (فخلوا به، فسبهما ولعنهما وأخرجهما...) الحديث. 2 - عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص): اللهم إبما أنا بشر، فأيما


(1) صحيح مسلم تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي ج 4 / 2007 - 2010 كتاب البر والصلة باب من لعنه النبي (ص) الحديث 88 إلى 97 من الباب. وفي مسند احمد 6 / 45 وكنز العمال 2 / 123.

[227]

رجل من المسلمين سببته أو لعنته أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة. 3 - عن جابر، عن النبي (ص) مثله. إلا أن فيه: زكاة وأجرا. قال المؤلف: مثله. أي مثل حديث أبي هريرة السابق. 4 - عن أبي هريرة أنه سمع رسول الله (ص) يقول: اللهم فأيما عبد مؤمن سببته فاجعل ذلك له قربة إليك يوم القيامة. 5 - عن أبي هريرة أنه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: اللهم ! إني اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فايما مؤمن سببته أو جلدته فاجعل ذلك كفارة له يوم القيامة. 6 - عن جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله (ص) يقول: إنما أنا بشر وإني اشترطت على ربي عزوجل، أي عبد من المسلمين سببته أو شتمته، أن يكون ذلك له زكاة وأجرا. 7 - عن أنس بن مالك قال: كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس (1). فرأى رسول الله (ص) اليتيمة. فقال: أنت هيه (2) ؟ لقد كبرت لا كبر سنك، فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكي، فقالت أم سليم: ما لك يا بنية ؟ قالت الجارية: دعا علي نبي الله (ص) أن لا يكبر سني، فالان لا يكبر سني أبدا. أو قالت قرني (3). فخرجت أم سليم مستعجلة تلوث خمارها (4) حتى لقيت رسول الله (ص)، فقال لها رسول الله (ص): ما لك يا أم سليم ؟ فقالت: يا نبي الله


(1) يعني أم سليم هي أم أنس. (2) (هيه): بإسكان الهاء، وهي هاء السكت. (3) (قرني) قال القاضي: السن والقرن واحد. يقال سنه وقرنه، مماثله في العمر. فكأنه قال لها: لا طال عمرك، لأنه إذا طال عمرها طال عمر أصل قرنها. (4) (تلوث خمارها): أي تديره على رأسها.

[228]

أدعوت على يتيمتي ؟ قال: وما ذاك يا أم سليم ؟ قالت: زعمت أنك دعوت أن لا يكبر سنها ولا يكبر قرنها. قال: فضحك رسول الله (ص) ثم قال: يا أم سليم ! أما تعلمين أن شرطي على ربي أني اشترطت على ربي فقلت: انما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فايما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن مجعلها له طهورا وزكاة وقربة يقربه بها منه يوم القيامة. 8 - عن ابن عباس قال: كنت ألعب مع الصبيان، فجاء رسول الله (ص) فتواريت خلف باب، قال: فجاء فحطأني حطأة (1) وقال: اذهب وادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل. قال: ثم قال لي: اذهب فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل لا فقال: لا أشبع الله بطنه. وفي لفظ آخر: فجاء رسول الله (ص) فاختبأت منه. بالاضافة إلى ما رواه مسلم في هذا الباب في مسند أحمد. 9 - عن عائشة قالت: ان امداد العرب كثروا على رسول الله (ص) حتى غموه، وقام إليه المهاجرون يفرجون عنه، حتى قام على عتبة عائشة فرهقوه، فأسلم رداءه في أيديهم ووثب على العتبة فدخل وقال: اللهم العنهم، فقالت عائشة: يا رسول الله هلك القوم ! فقال: كلا والله يا بنت أبي بكر، لقد اشترطت على ربي عزوجل شرطا لا خلف له، فقلت: انما انا بشر اضيق كما يضيق به البشر، فأي المؤمنين بدرت إليه مني بادرة فاجعلها له كفارة (2). وفي لفظ آخر: لقد اشترطت على ربي شرطا لا خلف له، فقلت: اللهم انما انا بشر اغضب كما يغضبون، وأجد كما يجدون، فأي المسلمين ضربت أو سببت


(1) (فحطأني حطأة): فسر الراوي حطأني: أي قفدني، هو الضرب باليد مبسوطة، بين الكتفين. (2) مسند احمد ج 6 / 107 بسنده إلى عروة. وغمه: غطاه. احزنه.

[229]

أو لعنت أو آذيت فاجعلها له مغفرة ورحمة وقربة تقربه بها يوم القيامة (1). وفي رواية اخرى: يا عائشة اما شعرت ما عاهدت عليه ربي فيما بيني وبينه ؟ قلت: يا رب اني بشر اغضب كما يغضب البشر، فأي المسلمين دعوت عليه فاجعله عليه صلاة (2). وفي رواية أخرى: اما علمت يا عائشة اني قلت لربي فيما بيني وبينه انما انا بشر اغضب فأي دعوة دعوت بها على غضب على احد من امتي أو احد من أهل بيتي أو أحد من ازواجي فاجعلها له بركة ومغفرة ورحمة وطهورا (3) ؟ 10 - عن عائشة قالت: كان رسول الله (ص) يرفع يديه يدعو حتى اسمع: اللهم انما انا بشر فلا تعاقبني بشتم رجل من المسلمين ان آذيته (4). 11 - عن عائشة (5) قالت: دخل علي رسول الله (ص) في بيتي في أزار ورداء فاستقبل القبلة وبسط يديه وقال: اللهم انما انا بشر فأي عبد من عبادك ضربت أو آذيت فلا تعاقبني فيه. وفي رواية (6) أيما رجل من المؤمنين آذيته وشتمته فلا تعاقبني فيه. وفي رواية يرفع يديه يدعو حتى لاسأم له مما يرفعهما يدعو: اللهم فانما أنا بشر فلا تعذبني بشتم رجل شتمته أو آذيته (7). 12 - عن عائشة قالت: دخل علي النبي (ص) بأسير فلهوت عنه فذهب


(1) كنز العمال، الحديث 3039، 3 / 348 حم وابن عساكر عن عائشة. (2) كنز العمالى، الباب الثاني في الأخلاق والأفعال المذمومة، ح 3041، 3 / 349. (3) كنز العمال، الباب الثاني في الأخلاق والأفعال المذمومة، ح 3027، 3 / 347. (4) مسند أحمد 6 / 160 عن عكرمة. (5) مسند أحمد ج 6 / 133 و 180. (6) مسند أحمد ج 6 / 258 وراجع 251. (7) مسند أحمد ج 6 / 225، عن عكرمة، عن عائشة.

[230]

فجاء النبي (ص) فقال: ما فعل الاسير. قالت: لهوت عنه مع النسوة فخرج. فقال: ما لك قطع الله يدك أو يديك. فخرج فآذن به الناس فطلبوه فجاؤا به فدخل علي وأنا أقلب يدي فقال: ما لك أجننت ؟ قلت: دعوت علي فأنا أقلب يدي أنظر أيهما يقطعان فحمد الله وأثنى عليه ورفع يديه مدا وقال: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر فأيما مؤمن أو مؤمنة دعوت عليه فاجعله له زكاة وطهور (1). دراسة الروايات: لست أدري كيف تصح هذه الروايات وقد قال الله سبحانه في نعت رسوله (ص): أ - في سورة القلم: (ن ؟ * والقلم وما يسطرون * ما انت بنعمة ربك بمجنون * وان لك لأجرا غير ممنون * وانك لعلى خلق عظيم) [الآية: 1 - 4]. ب - في سورة آل عمران: (فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لا نفضوا من حولك... [الاية: 159]. ج - في سورة التوبة: (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [الاية: 128]. كيف تصح تلكم الروايات وقد قال رسول الله (ص): بعثت لاتمم حسن الاخلاق (2). وقال أنس: كان النبي (ص) أحسن الناس خلقا (3). (ا) مسند أحمد 6 / 52. (2) موطأ مالك، كتاب حسن الخلق ج 2 / 904، ومسند أحمد ج 2 / 381، ومستدرك الحاكم ج 2 / 613. (3) صحيح البخاري، كتاب الادب، باب الكنية للصبي 4 / 55، وصحيح مسلم، كتاب =

[231]

وكيف تصح تلكم الروايات ؟ وجاء أن الصحابي عياض بن حماد سأل الرسول (ص) بعد أن أسلم فقال: يا نبي الله الرجل من قومي من أسفل مني يشتمني، أفأنتصر منه ؟ فقال (ص): المستبان شيطانان يتكاذبان (1). وعنه أيضا - ان رسول الله (ص) قال: إثم المستبين ما قالا على البادئ حتى يعتدي المظلوم (2). وعن ثابت بن الضحاك - وكان من أصحاب الشجرة - ان رسول الله (ص) قال:... ومن لعن مؤمنا فهو كقتله ومن قذف مؤمنا بكفر فهو كقتله (3). وفي حديث ابن عباس ان رجلا نازعته الريح رداءه فلعنها فقال النبي (ص): لا تلعنها... من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه (4). وفي حديث ابن مسعود - وكان قد خرج من دار لعنوا جارية لهم تأخرت في حاجتهم - ان النبي (ص) قال: ان اللعنة إلى من وجهت إليه فان اصابت إليه =


المساجد، باب جواز النافلة في الجماعة الحديث 267، 1 / 457، وباب استحباب تحنيك المولود الحديث 30، وسن ابي داود، كتاب الادب 4 / 246. (1) مسند أحمد ج 4 / 162 وطبقات ابن سعد ج 7 / 36 ترجمة عياض بن معاد بن محمد بن سليمان، وكنز العمال ج 3 / 341 ط. حيدر آباد الدكن. (2) مسند أحمدج 2 / 235 و 488 و 517 وج 4 / 162 و 266، وصحيح مسلم، كتاب البر، الحديث 68، ج 4 / 2000، وسنن ابن أبي داود ج 4 / 274 كتاب الادب باب 46،، وصحيح الترمذي، كتاب البر باب 51، ج 8 / 151. (3) صحيح البخاري، كتاب الادب، باب ما ينهى من السباب واللعن 4 / 39، ومسند ابي عوانة ج 1 / 44 - 45 واللفظ للبخاري. (4) اخرجه ابو داود في سننه، كتاب الادب، باب في اللعن ج 4 / 278، وكنز العمال 2 / 343.

[232]

سبيلا... وإلا... فيقال لها: ارجعي من حيث أتيت... الحديث (1). وعن ابن مسعود ايضا قال رسول الله (ص): ليس المؤمن بطعان ولا بلعان ولا بالفاحش البذئ (2). وعن ابي الدرداء، قال رسول الله (ص): لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء (3). وقال: أنهاك ان تكون لعانا (4). وقال: لعن المؤمن كقتله (5). وقال: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعانا (6). وقال: لا يجتمع أن يكونوا لعانين صديقين (7). وتال: يا أبا بكر لعانين وصديقين لا ورب الكعبة. وفي حديث أم المؤمنين عائشة أنها كانت مع النبي (ص) فلعنت بعيرا لها فأمر به النبي (ص) أن يرد وقال: لا يصحبني شئ ملعون (8).


(1) اخرجه احمد في مسنده ج 1 / 408 الحديث 3876 والكنز ج 3 / 351 وفيه عن عبد الله وابي الدرداء مثله. (2) اخرجه أحمد في مسنده ج 1 / 405 الحديث 3839 وقريب منه ثلاث روايات في المستدرك ج 1 / 12 - 13. (3) سنن ابي داود ج 4 / 278 كتاب الادب باب في اللعن والكنز ج 3 / 350 ط. حيدر آباد 1370 ه‍ عن مسند احمد ومسلم والمستدرك ج 1 / 48. (4) كنز العمال ج 2 / 125 وج 3 / 350 ط. حيدر آباد ابن سعد عن جرموز الجهني عن عبد الله بن عامر وابن مسعود، وثابت بن الضحاك الانصاري. (5) كنز العمال ج 3 / 350 الخرائطي في مبادئ الاخلاق. (6) كنز العمال ج 3 / 350 عن مستدرك الحاكم عن ابن عمر. (7) كنز العمال ج 3 / 350 عن مستدرك الحاكم عن ابي هريرة عن عائشة. (8) مسند أحمد ج 6 / 72 و 257 - 258 والكنز ج 3 / 351 عن ابي الجوزاء.

[233]

وفي رواية انها ركبت جملا فلعنته، فقال لها: " لا تركبيه " (1). وفي صحيح مسلم ان امرأة من الانصار لعنت ناقتها، فقال رسول الله (ص): خذوا ما عليها ودعوها فانها ملعونة (2). كيف كان النبي (ص) يضيق صدره فيلعن المؤمنين ؟ وقد قال: سباب المسلم فسوق، وقال: من لعن مؤمنا فهو كقتله، وقال: من لعن شيئا ليس له بأهل رجعت اللعنة إليه. كيف كان النبي (ص) يضيق صدره فيلعن هذا وذاك ؟ وقد قالت عائشة: ما لعن رسول الله (ص) مسلما من لعنة تذكر، ولا انتقم لنفسه شيئا يؤتى إليه إلا ان تنتهك حرمات الله عزوجل، ولا ضرب بيده شيئا قط إلا ان يضرب بها في سبيل الله، وما سئل شيئا قط فمنعه إلا ان يسأل مأثما، فانه كان ابعد الناس منه، ولا خير بين أمرين قط إلا اختار أيسر هما (3). وقالت: ما ضرب رسول الله (ص) خادما له قط ولا امرأة له قط، ولا ضرب بيده إلا ان يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شئ فانتقمه من صاحبه إلا ان تنتهك محارم الله عزوجل فينتقم لله عزوجل، وما عرض عليه أمران أحدهما أيسر من الآخر إلا أخذ بأيسرهما، إلا ان يكون مأثما فان كان مأثما كان أبعد الناس منه (4).


(1) مسند أحمد ج 6 / 138 عن يجيى بن وثاب. (2) صحيح مسلم ج 4 / 204 كتاب البر رالصلة والاداب باب النهي عن لعن الدواب والكنز ج 3 / 351 وسن الدارمي ج 2 / 288. (3) في مسند احمد ج 6 / 130 وطبقات ابن سعد ج 1 / 2 / 91 ط. اوربا، واللفظ لها. والمستدرك ج 2 / 613 وصحيح البخاري ج 2 / 181 في باب صفة النبي من كتاب المناقب وج 4 / 115 باب اقامة الحدود وصحيح مسلم ج 7 / 80 باب مباعدته للآثام. (4) مسند أحمد ج 6 / 32 و 114 و 115 و 116 و 162 و 182 و 206 و 223 =

[234]

وفي صحيح البخاري عن عائشة: ان يهودا أتوا النبي (ص) فقالوا: السام عليكم، فقالت عائشة: عليكم ولعنكم الله وغضب عليكم. فقال النبي (ص): مهلا يا عائشة عليك بالرفق واياك والعنف والفحش... الحديث (1). ولا بد للنبي الذي يقول: بعثت لاتمم مكارم الاخلاق أن يكون لينا عف اللسان ولو كان فظا غليظ القلب لانفضوا من حوله. عجيب أمر هذه الاحاديث التي تحط من قدر النبي العظيم (ص) وتزيل كل ثقة به وبلعنه ودعائه وحديثه ! ويزود هذا العجب إذا ما راجعنا صحيح مسلم " باب من لعنه النبي أو سبه أو دعا عليه وليس هو أهلا لذلك كان له زكاة وأجرا ورحمة " فان مسلم قد فتح هذا الباب بحديث أم المؤمنين عائشة وقولها: دخل على رسول الله رجلان - إلى قولها -: إنما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة واجرا (2). وختمه بحديث ابن عباس: ان الرسول أرسله إلى معاوية وقال له: اذهب فادع لي معاوية قال: فجئت فقلت: هو يأكل فقال: لا أشبع الله بطنه. اذن فهذا الدعاء من النبي على معاوية زكاة له واجر ورحمة وطهور لمعاوية ولأبيه أبي سفيان حينما قال رسول الله (ص) فيه وهو يقود أباه أبا سفيان: لعن الله القائد والمقود، ويل لامتي من معاوية ذي الاشباه (3). =


و 229 و 232 و 262 و 281 وقريبا من الروايات الثلاث في الترمذي ج 2 / 526. (1) صحيح البخاري ج 4 / 38 كتاب الادب باب لم يكن النبي (ص) فاحشا ولا متفحشا وراجع: ص 39 منه باب ما ينهى من السباب واللعن وج 4 / 61 و 67 كتاب الاستئذان باب كيف يرد على أهل المذمة عن ابي مليكة وعروة عن عائشة. والسام: الموت. (2) صحيح مسلم ج 8 / 24 - 27 وتيسير الومول ج 3 / 292. (3) اخرج ابن سعد في طبقاته بترجمة نصر بن عاصم الليثي عن ابيه قال دخلت مسجد رسول الله (ص) واصحاب النبي (ص) يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، قلت: =

[235]

وما جاء من لعن النبي (ص) للحكم وما ولد، فيما اورده من حديث زكاة لهم وأجر ورحمة وطهور ! ! ومنها ما رواه عبد الرحمن بن عوف قال: كان لا يولد لأحد مولود إلا اتي به النبي (ص) فدعا له، فأدخل عليه مروان بن الحكم فقال: هو الوزغ ابن الوزغ الملعون ابن الملعون (1). وما رواه عمرو بن مرة الجهني قال: استأذن الحكم بن ابي العاص على النبي (ص) فعرف صوته فقال: ائذنوا له حية أو ولد حية عليه لعنة الله وعلى كل من يخرج من صلبه إلا المؤمن منهم، وقليل ما هم، يشرفون في الدنيا ويوضعون في الآخرلة -، ذوو مكر وخديعة يعظمون في الدنيا وما لهم في الاخرة من خلاق (2). وما جاء في حديث ابن عمر: بينما النبي (ص) يساره - يعني يسار عليا - إذ رفع رأسه كالفزع قال: فدع بسيفه الباب فقال لعلي: اذهب فقده كما تقاد الشاة =


ما هذا ؟ قالوا: معاوية مر قبيل هذا اخذا بيد ابيه ورسول الله (ص) على المنبر فخرجا من المسجد فقال رسول الله (ص) فيهما قولا، ولم يصرح ابن سعد بقول رسول الله وانما صرح به ابن الاثير في اسد الغابة وابن حجر في الاصابة بترجمة عامم الليثي حيث قالا: روى عنه ابنه نصر أنه قال: دخلت مسجد النبي (ص) واصحاب رسول الله يقولون: نعوذ بالله من غضب الله وغضب رسوله، قلت: مم ذاك ؟ قالوا: ان رسول الله كان يخطب آنفا فقام رجل فأخذ بيد ابنه ثم خرجا، فقال رسول الله (ص): لعن الله القائد والمقود، ويل لهذه الامة من فلان ذي الاشباه. ان ابن سعد ذكر إسم معاوية في الرواية ولم يذكر ما قاله الرسول صونا لكرامة معاوية وابي سفيان، وابن الاثير وابن حجر ذكرا قول الرسول (ص) ولم يذكرا اسم القائد والمقود. راجع: طبقات ابن سعد ج 7 / 78 واسد الغابة ج 3 / 76 والاصابة ج 2 / 237 - 238 الترجمة 4355. (1) المستدرك ج 4 / 479 قال: وهذا حديث صحيح الاسناد. (2) المستدرك ج 4 / 481 وقال: وهذا حديث صحيح الاسناد، والكنز ج 11 / 349 كتاب الفتن الباب الرابع ط. الهند، ومنتخبه ج 5 / 453.

[236]

إلى حالبها، فإذا علي يدخل الحكم بن ابي العاص آخذا باذنه ولها زنمة حتى اوقفه بين يدي النبي (ص) فلعنه نبي الله (ص) ثلاثا... الحديث (1). وما روته عائشة قالت: كان النبي (ص) في حجرته فسمع حسا فاستنكره، فذهبوا فنظروا فإذا الحكم كان يطلع على النبي (ص) فلعنه النبي (ص) وما في صلبه ونفاه عاما (2). وما رواه محمد بن كعب القرظي قال: أشهد لقد سمعت رسول الله (ص) يلعن الحكم وما ولد (3). وما ورد عن عبد الله بن الزبير قال: أشهد لسمعت من رسول الله (ص) يلعن الحكم وما ولد (4). وقال وهو يطوف بالكعبة: ورب هذه البنية للعن رسول الله (ص) الحكم وما ولد (5). وقال وهو على المنبر: ورب هذا البيت الحرام والبلد الحرام ان الحكم بن أبي العاص وولده ملعونون على لسان محمد (ص) (6). وما قاله الحسن لمروان حين قال مروان للحسن والحسين: أهل بيت ملعونون، فغضب الحسن وقال: أقلت أهل بيت ملعونون ؟ فوالله لقد لعنك الله على لسان نبيه (ص) وأنت في صلب أبيك (7). قال ابن اسحاق: ولما فرغ رسول الله (ص) من رد سبايا حنين إلى أهلها (1) المستدرك ج 4 / 479 وقال: صحيح الاسناد، والكنز ج 11 / 352 ومنتخبه بهامش مسند احمد ج 5 / 453. والزنمة: ما يقطع من اذن الشاة فيترك معلقا. (2) كنز العمال، كتاب الفتن، الباب الرابع ج 11 / 351. (3) الكنز ج 11 / 354 ومنتخبه ج 5 / 454 بهامش مسند أحمد. (4 و 5 و 6 و 7) منتخب كنز العمال بهامش مسند أحمد ج 5 / 453 وكنز العمال ج 11 / 349 - 351 كتاب الفتن الباب الرابع.

[237]

ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله ! اقسم علينا فيأنا من الابل والغنم، حتى ألجوه إلى شجرة فاختطفت عنه رداءه، فقال: ردوا علي ردائي أيها الناس ! فوالله ان لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذوبا... الحديث (1). ولم نقل ما قلنا اعتباطا وانما عرفنا ذلك مما قاله الذهبي (ت 748 ه‍) حيث قال: قلت: لعل هذه منقبة لمعاوية لقول النبي (ص): اللهم من لعنته أو شتمته فاجعل ذلك له زكاة ورحمة (2). وجاء بعده ابن كثير (ت 774 ه‍) وقال دونه: انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه واخراه. وهذا لفظ أبن كثير: عن ابن عباس، قال: كنت ألعب مع الغلمان فإذا رسول الله (ص) قد جاء، فقلت: ما جاء إلا إلي، فاختبأت على باب فجاءني فخطاني خطاة أو خطاتين ثم قال: اذهب فادع لي معاوية - وكان يكتب الوحي - قال: فذهبت فدعوته له، فقيل: إنه يأكل. فأتيت رسول الله (ص) فقلت: إنه يأكل، فقال: اذهب فادعه، فأتيته الثانية فقيل: إنه يأكل، فأخبرته، فقال في الثالثة: لا أشبع الله بطنه. قال: فا شبع بعدها. وقد انتفع معاوية بهذه الدعوة في دنياه وأخراه. أما في دنياه، فإنه لما صار إلى الشام أميرا كان يأكل في اليوم سبع مرات يجاء بقصعة فيها لم كثير وبصل فيأكل منها، ويأكل في اليوم سبع أكلات بلحم، ومن الحلوى والفاكهة شيئا كثيرا، ويقول: والله ما أشبع وإنما أعيا، وهذه نعمة ومعدة يرغب فيها كل الملوك. وأما في الاخرة فقد أتبع مسلم هذا الحديث بالحديث الذي رواه البخاري وغيرهما من غير وجه عن جماعة من الصحابة، أن رسول الله (ص) قال: اللهم إنما أنا بشر فايما عبد سببته أو جلدته أو


(1) سيرة ابن هشام ج 4 / 138 - 139. (2) تذكرة الحفاظ ص 698 - 701.

[238]

دعوت عليه، وليس لذلك أهلا، فاجعل ذلك كفارة وقربة تقربه بها عندك يوم القيامة. فركب مسلم من الحديث الأول وهذا الحديث فضيلة لمعاوية، ولم يورد له غير ذلك (1). انتهى كلام ابن كثير. وأراد بما قال: أن دعاء الرسول (ص) على معاوية دعاء له في الدنيا والاخرة، أما في الدنيا فبما ذكره من مزية كثرة الأكل للملوك، وأما في الآخرة فاعتمد الأحاديث التي نسبت إلى رسول الله (ص) أنه كان يلعن المؤمنين - معاذ الله - ودعا أن يكون لهم زكاة وطهورا، وأن مسلما حين أورد هذا الحديث في آخر هذا الباب أثبت لمعاوية رضوانا وتقربا إلى الله يوم القيامة. ومما قاله ابن حجر الهيتمي في كتابه الصواعق المحرقة: ولعنته (ص) للحكم وابنه لا تضرهما لأنه (ص) تدارك ذلك بقوله مما بينه في الحديث الآخر: انه بشر يغضب كما يغضب البشر، وانه سأل ربه ان من سبه ولعنه، أو دعا عليه ان يكون ذلك رحمة وزكاة وكفارة وطهارة (2). * * * كان ذلكم ما جاء في روايات مصادر مدرسة الخفاء من صفات الرسول (ص) وسلوكه. وفي ما يأتي نذكر ما جاء في مصادر مدرسة أهل البيت عن أئمة أهل البيت في صفات النبي (ص)، وأهل البيت أدرى بما فيه:


(1) البداية والنهاية ج 8 / 119 - 120. (2) الصواعق المحرقة لابن حجر ص 179 ط. الاولى.

[239]

صفات النبي (ص) في روايات أهل البيت: في معاني الأخبار للصدوق بسنده عن ابن أبي هالة التميمي، عن الحسن بن علي (ع) وبطريق آخر عن الرضا، عن آبائه، عن علي بن الحسين، عن الحسن بن علي (ع). وبطريق آخر عن رجل من ولد أبي هالة، عن أبيه، عن الحسن بن علي (ع). قال: سألت خالي " هند بن أبي هالة " وكان وصافا للنبي (ص)، وأنا أشتهي أن يصف لي منه شيئا لعلي أتعلق به. فقال: كان رسول الله (ص) فخما مفخما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذب، عظيم الهامة، رجل الشعر، ان انفرقت عقيصته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة اذنيه إذا هو وفره، أزهر اللون، واسع الجبين، أزج الحواجب، سوابغ في غير قرن، بينهما عرق يدره الغضب، أقنى العرنين، له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم. كث اللحية، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنب، مفلج الأسنان، دقيق المسربة، كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادنا متماسكا، سواء البطن والصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، عريض الصدر، أنور المتجرد، موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين والبطن مما سوى ذلك. أشعر الذراعين والمنكبين وأعلى الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شثن الكفين والقدمين. سائل الأطراف، سبط القصب، خمصان الأخمصين، مسيح القدمين، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال قلعا، يخطو تكفؤا، ويمشي هونا، ذريع المشية، إذا مشى كأنما ينحط في صبب، وإذا التفت التفت جميعا. خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من

[240]

نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة، يبدر من لقيه بالسلام. قال (ع): فقلت له: صف لي منطقه فقال: كان (ص) متواصل الأحزان دائم الفكر، له راحة، طويل السكت، لا يتكلم في غير حاجة، يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يتكلم بجوامع الكلام فصلا لا فضول فيه ولا تقصير، دمثا، ليس بالجافي ولا بالمهين، تعظم عنده النعمة وإن دقت لا يذم منها شيئا، غير أنه كان لا يذم ذواقا ولا يمدحه. ولا تغضبه الدنيا وما كان لها، فإذا تعوطي الحق لم يعرفه أحد، ولم يقم لغضبه شيئ حتى ينتصر له، إذا أشار أشار بكفه كلها، وإذا تعجب قلبها، وإذا تخدث اتصل بها، فضرب براحته اليمنى باطن إبهامه اليسرى، وإذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غض طرفه. جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام (1). قال الصدوق: إلى هنا رواية القاسم بن المنيع، عن إسماعيل بن محمد بن إسحاق بن جعفر بن محمد، والباقي رواية عبد الرحمن إلى آخره. قال الحسن (ع): وكتمتها الحسين (ع) زمانا ثم حدثته به فوجدته قد سبقني إليه، فسألته عنه فوجدته قد سأل أباه عن مدخل النبي (ص) ومخرجه، ومجلسه، وشكله، فلم يدع منه شيئا. قال الحسين (ع): سألت أبي عن مدخل رسول الله (ص)، فقال: كان دخوله لنفسه مأذونا له في ذلك، فإذا آوى إلى منزله جزء دخوله ثلاثة أجزاء: جزء لله، وجزء لأهله، وجزء لنفسه. ثم جزء جزأه بينه وبين الناس فيرد ذلك بالخاصة على العامة ولا يدخر عنهم منه شيئا، وكان من سيرته في جزء الأمة ايثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، فنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج، فيتشاغل بهم ويشغلهم فيما أصلحهم


(1) الغمام: السحاب، يقال: يفتر عن مثل حب الغمام: أي يكشف عن أسنان بيض كالبرد.

[241]

والأمة من مسألته عنهم وبإخبارهم بالذي ينبغي، ويقول: ليبلغ الشاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يقدر على إبلاغ حاجته، فانه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يقدر على إبلاغها ثبت الله قدميه يوم القيامة، لا يذكر عنده إلا ذلك، ولا يقبل من أحد عثرة، يدخلون روادا ولا يفترقون إلا عن ذواق ويخرجون أدلة. قال: فسألته (ع)، عن مخرج رسول الله (ص) كيف كان يصنع فيه ؟ فقال (ص): كان رسول الله (ص) يخزن لسانه إلا عما كان يعنيه، ويؤلفهم ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم، ويحذر الناس ويخترس منهم من غير أن يطوي عن أحد بشره ولا خلقه، ويتفقد أصحابه ويسأل الناس عما في الناس، ويحسن الحسن ويقويه، ويقبح القبيح ويوهنه. معتدل الأمر غير مختلف، لا يغفل مخافة أن يغفلوا ويميلوا، ولا يقصر عن الحق ولا يجوزه، الذين يلونه من الناس خيارهم، أفضلهم عنده أعمهم نصيحة للمسلمين، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مؤاساة وموازرة. قال: فسألته (ع) عن مجلسه، فقال: كان لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، لا يوطن الأماكن، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس ويأمر بذلك. ويعطي كل جلسائه نصيبه، ولا يحسب أحد من جلسائه أن أحدا أكرم عليه منه، من جالسه صابره حتى يكون هو المنصرف عنه، من سأله حاجة لم يرجع إلا بها أو ميسور من القول. قد وسع الناس منه خلقه وصار لهم أبا وصاروا عنده في الخلق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصدق وأمانة. ولا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه المحرم. ولا تنثى فلتاته (1)، متعادلين


(1) نثى الخبر: حدث به وأشاعه. و " لا تنثى فلتاته ": أي لا يحدث بما وقع في مجلسه من الهفوات والزلات ولا تذاع بين الناس.

[242]

متواصلين فيه بالتقوى، متواضعين، يوقرون الكبير ويرحمون الصغير، ويؤثرون ذا الحاجة ويحفظون الغريب. فقلت: كيف كان سيرته في جلسائه ؟ فقال (ع): كان دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا ضحاك ولا فحاش ولا عياب ولا مداح. يتغافل عما لا يشتهي فلا يؤيس منه، ولا يخيب فيه مؤمليه. قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والاكثار، وما لا يعنيه. وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدا ولا يعيره، ولا يطلب عثراته ولا عورته، ولا يتكلم إلا فيما رجا ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأن على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلموا، ولا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم أنصتوا له، حتى يفرغ. حديثهم عنده حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في مسألته ومنطقه، حتى ان كان أصحابه يستجلبونهم، ويقول: إذا رأيتم طالب الحاجة يطلبها فارفدوه. ولا يقبل الثناء إلا من مكافئ، ولا يقطع على أحد كلامه حتى يجوز فيقطعه بنهي أو قيام. قال: فسألته (ع) عن سكوت رسول الله (ص)، فقال (ع): كان سكوته على أربع: على الحلم، والحذر، والتقدير، والتفكير. فأما التقدير ففي تسوية النظر والاستماع بين الناس. وأما تفكره ففيما يبقي ويفنى، وجمع له الحلم والصبر، فكان لا يغضبه شئ ولا يستفزه، وجمع له الحذر في أربع: أخذه بالمحسن ليقتدى به، وتركه القبيح لينتهى عنه، واجتهاده الرأي في صلاح أمته، والقيام فيما جمع له خير الدنيا والاخرة (1). * * *


(1) بحار الأنوار للمجلسي ج 16 / 148 - 153، ومعاني الأخبار ص 79 - 83 ط. ايران (وحيدي)، وعيون أخبار الرضا ج 1 / 316.

[243]

كان ذلكم ما روي عن أئمة أهل البيت في سيرة الرسول (ص) وصفاته في مقابل ما روي عن ام المؤمنين عائشة فيهما. وفي ما يأتي ندرس ما روي في سيرة الرسول (ص) عن ام المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة، ونرى ان تلكم الروايات افتري عليهم روايتها.

[245]

الباب الرابع ما افتري به على ام المؤمنين عائشة وغيرها من الصحابة أ - روايات بدء نزول الوحي ب - روايات بدء الدعوة ج - روايات اسطورة الغرانيق

[247]

أولا - روايات بدء نزول الوحي أ - عن أم المؤمنين عائشة: في صحيحي البخاري ومسلم ومسند أحمد وتفاسير الطبري والقرطبي وابن كثير والسيوطي وسيرة ابن هشام وتاريخ الطبري واللفظ للأول بسنده عن عروة بن الزبير، عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: أول ما بدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد في الليالي ذوات العدد - قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ. قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم) فرجع بها رسول الله (ص) يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، فقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي، فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقري الضيف وتعين على نوائب

[248]

الحق، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرءا تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الانجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة: يابن عم اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يابن أخي ماذا ترى ؟ فأخبره رسول الله (ص) خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزل الله على موسى ياليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله (ص): أو مخرجي هم ؟ قال: نعم لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك انصرك نصرا مؤزرا، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي (1). ب - عن ابن عباس: في طبقات ابن سعد بسنده عن ابن عباس أن النبي (ص) قال: يا خديجة إني أسمع صوتا وأرى ضوءا، وإني أخسثى أن يكون في جنن، فقالت: لم يكن الله ليفعل بك ذلك يابن عبد الله، ثم أتت ورقة بن نوفل فذكرت له ذلك، فقال: إن يك صادقا فهذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن يبعث وأنا حي فسأعزره وأنصره


(1) صحيح البخاري ج 1 / 3 وج 3 / 145 باب بدء الوحي ط. مصر سنة 1327. وصحيح مسلم ط. بيرؤت دار احياء التراث العربي، افسيت على الطبعة الاولى، سنة 1313 1376 ه‍ - 1956 م. ومسند أحمد ج 6 / 223 و 232 - 233 ط. مصر، سنة 1313 وتفسير الطبري ج 30 / 161 ط. بولاق، سنة 1392. وتاريخ الطبري ج 1 / 147 - 148 ط. اوربا وتفسير القرطبي ج 20 / 118 ط. مصر سنة 1387 ه‍ - 1967 م وتفسير ابن كثير ج 4 / 527 ط. مصر وتفسير السيوطي ج 6 / 368 ط. مصر، سنة 1316 ه‍

[249]

وأومن به (1). وفي رواية ثانية بسنده عن عكرمة، عن ابن عباس قال: فبينا رسول الله (ص) على ذلك وهو بأجياد، إذ رأى ملكا واضعا إحدى رجليه على الأخرى في أفق السماء يصيح: يا محمد، أنا جبريل، يا محمد، أنا جبريل، فذعر رسول الله (ص) من ذلك، وجعل يراه كلما رفع رأسه إلى السماء، فرجع سريعا إلى خديجة فأخبرها خبره وقال: يا خديجة والله ما أبغضت بغض هذه الأصنام شيئا قط ولا الكهان، وإني لأخشى أن أكون كاهنا، قالت: كلا يابن عم لا تقل ذلك، فإن الله لا يفعل ذلك بك أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث وتؤدي الأمانة وإن خلقك لكريم، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل، وهي أول مرة أتته، فأخبرته ما أخبرها به رسول الله (ص) فقال ورقة: والله إن ابن عمك لصادق، وإن هذا لبدء نبوة، وإنه ليأتيه الناموس الأكبر، فمريه أن لا يجعل في نفسه إلا خيرا (2). ج - عن عروة بن الزبير: في طبقات ابن سعد بسنده عن عروة أن رسول الله (ص) قال: يا خديجة إني أرى ضوءا وأسمع صوتا، لقد خشيت أن أكون كاهنا، فقالت: إن الله لا يفعل بك ذلك يابن عبد الله، إنك تصدق الحديث وتؤدي الأمانة وتصل الرحم (3).


(1) طبقات ابن سعد ط. اوربا ج 1 / 129 - 130 وط. بيروت 1 / 194 - 195. (2) طبقات ابن سعد ج 1 / 129 - 130 ط. اروبا. (3) طبقات ابن سعد، ط. اروبا 1 / 129 - 130.

[250]

د - عن عبد الله بن شداد: في تفسير الطبري وتاريخه: عن عبد الله بن شداد قال: اتى جبريل محمدا (ص) فقال: يا محمد اقرأ، فقال: ما أقرأ ؟ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد، أقرأ، قال: ما أقرأ ؟ قال: فضمه، ثم قال: يا محمد، اقرأ، قال: وما أقرأ ؟ قال: (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق) حتى بلغ: (علم الانسان ما لم يعلم)، قال: فجاء إلى خديجة فقال: يا خديجة، ما أراني إلا قد عرض لي، قالت: كلا والله ما كان ربك يفعل ذلك بك، ما أتيت فاحشة قط، قال: فأتت خديجة ورقة بن نوفل فأخبرته الخبر، فقال: لئن كنت صادقة إن زوجك لنبي، وليلقين من أمته شدة، ولئن أدركته لأومنن به. قال: ثم أبطأ عليه جبريل، فقالت له خديجة: ما أرى ربك إلا قد قلاك، قال: فأنزل الله عزوجل: (والضحى والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى) (1). 5 - عبيد بن عمير الليثي: نجد هذه الاخبار مجموعة في رواية قاص أهل مكة عبيد بن عمير الليثي كما رواه كل من ابن هشام والطبري بسند هما عن وهب بن كيسان مولى آل الزبير قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثى: حدثنا يا عبيد كيف كان بدء ما ابتدئ به رسول الله (ص) من النبوة حين جاء


(1) تفسير الطبري، ط. بولاق 30 / 161 - 162: وتاريخ الطبري ط. مصر 2 / 300 وط. اروبا ؟ 1 / 1148 - 1149، وتفسير السيوطي 6 / 368 - 369.

[251]

جبريل عليه السلام ؟ فقال عبيد - وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس -: كان رسول الله (ص) يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية - والتحنث: التبرر - وقال أبو طالب: وراق ليرقى في حراء ونازل فكان رسول الله (ص) يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى رسول الله (ص) جواره من شهره ذلك، كان أول ما يبدأ به - إذا انصرف من جواره - الكعبة قبل أن يدخل بيته، فيطوف بها سبعا، أو ما شاء الله من ذلك، ثم يرجع إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله عزوجل فيه ما أراد من كرامته من السنة التي بعثه فيها، وذلك في شهر رمضان، خرج رسول الله (ص) إلى حراء - كما كان يخرج لجواره - معه أهله ؟ حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد بها، جاءه جبريل بأمر الله فقال رسول الله (ص): فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج، فيه كتاب، فقال: اقرأ، فقلت: ما أقرأ ؟ فغتني حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ماذا أقرأ ؟ وما أقول ذلك إلا افتداء منه أن يعود إلي بمثل ما صنع بي، قال: (اقرأ باسلم ربك الذي خلق) إلى قوله: (علم الانسان ما لم يعلم)، قال: فقرأته، قال: ثم انتهى، ثم انصرف عني وهببت من نومي، وكانما كتب في قلبي كتابا. قال: ولم يكن من خلق الله أحد أبغض إلي من شاعر أو مجنون، كنت لا أطيق أن أنظر إليهما، قال: قلت: إن الأبعد - يعني نفسه - لشاعر أو مجنون، لا تحدث بها عني قريش أبدا ! لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستر يحن. قال: فخرجت أريد ذلك، حتى إذا كنت في وسط من الجبل، سمعت صوتا من السماء يقول: يا محمد، أنت رسول الله، وأنا جبريل، قال: فرفعت رأسي إلى

[252]

السماء ؟ فإذا جبرئيل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء، يقول: يا محمد، أنت رسول الله وانا جبرئيل. قال: فوقفت أنظر إليه، وشغلني ذلك عما أردت فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهي عنه في آفاق السماء فلا أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفا ما أتقدم أمامي ولا أرجع ورائي، حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي، حتى بلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف في مكاني. ثم انصرف عني وانصرفت راجعا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة فجلست إلى فخذها مضيفا (1) فقالت: يا أبا القاسم، أين كنت ؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. قال: قلت لها: إن الأبعد لشاعر أو مجنون، فقالت: أعيذك بالله من ذلك يا أبا القاسم ! ماكان الله ليصنع ذلك بك مع ما أعلم منك من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وحسن خلقك، وصلة رحمك ! وما ذاك يابن عم ! لعلك رأيت شيئا ؟ قال: فقلت لها: نعم. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت: أبشر يابن عم واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة، ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة بن نوفل بن أسد - وهو ابن عمها، وكان ورقة قد تنصر وقرأ الكتب، وسمع من أهل التوراة والانجيل - فأخبرته بما أخبرها به رسول الله (ص) أنه رأى وسمع، فقال ورقة: قدوس، قدوس ! والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاءه الناموس (2) الأكبر - يعني بالناموس جبرئيل عليه السلام، الذي كان يأتي موسى - وإنه لنبي هذه الأمة، فقولي له فليثبت. فرجعت خديجة إلى رسول الله (ص)، فأخبرته بقول ورقة، فسهل ذلك عليه بعض ما هو فيه من الهم، فلما قضى رسول الله (ص)


(1) مضيفا: أي ملتصقا بها مائلا إليها، أضفت إلى الرجل، إذا ملت نحوه ولصقت به. (2) أصل الناموس، هو صاحب سر الرجل في خيره وشره، فعبر عن الملك الذي جاء بالوحي بذلك.

[253]

جواره وانصرف صنع كما كان يصنع، وبدأ بالكعبة فطاف بها. فلقيه ورقة بن نوفل وهو يطوف بالبيت، فقال: يابن أخي، أخبرني بما رأيت أو سمعت، فاخبره رسول الله (ص) فقال له ورقة: والذي نفسي بيده إنك لنبي هذه الأمة، ولقد جاءك اق موس الأكبر الذي جاء إلى موسى، ولتكذبنه ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك لأنصرن الله نصرا يعلمه. ثم أدنى رأسه فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله (ص) إلى منزله. وقد زاده ذلك من قول ورقة ثباتا، وخفف عنه بعض ما كان فيه من الهم. فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أبي حكيم مولى آل الزبير، أنه حدث عن خديجة انها قالت لرسول الله (ص) فيما يثبته فيما أكرمه الله به من نبوته: يابن عم أتستطيع أن تخبرني بصاحبك هذا الذي يأتيك إذا جاءك ؟ قال: نعم، قالت: فإذا جاءك فأخبرني به، فجاءه جبرئيل عليه السلام كما كان يأتيه، فقال رسول الله (ص) لخديجة: يا خديجة هذا جبرئيل قد جاءني، فقالت: نعم، فقم يابن عم، فاجلس على فخذي اليسرى، فقام رسول الله (ص) فجلس عليها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، فتحول رسول الله (ص) فجلس عليها، فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاجلس في حجري، فتحول فجلس في حجرها، قالت: هل تراه ؟ قال: نعم، فتحسرت، فألقت نهارها ورسول الله (ص) جالس في حجرها، ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت: يابن عم اثبت وأبشر فوالله إنه لملك وما هو بشيطان (1). فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: وحدثت بهذا الحديث عبد الله بن الحسن، فقال: قد سمعت أمي فاطمة بنت


(1) سيرة ابن هشام ج 1 / 253 - 257. وتاريخ الطبري ج 1 / 1149 - 1153 ط. اروبا.

[254]

الحسين تحدث بهذا الحديث عن خديجة، إلا أني قد سمعتها تقول: أدخلت رسول الله (ص) بينها وبين درعها، فذهب عند ذلك جبرئيل، فقالت لرسول الله (ص): إن هذا لملك، وما هو بشيطان. تمحيص الروايات لعل تضافر هذه الروايات في كتب الصحاح والسنن والتفسير والسيرة والتاريخ بمدرسة الخلفاء وتعاضد بعضها بعضا الآخر يكون سببا لاطمئنان الباحثين إلى محتواها غير انها تنهار لدى تمحيصها كالاتي بيانه: دراسة السند: أ - أم المؤمنين عائشة: ان أم المؤمنين عائشة ولدت سنة (14 أو 15 أو 16) بعد البعثة (1). ب - ابن عباس: إن ابن عباس ولد قبل الهجرة بثلاث سنوات أو في السنة العاشرة بعد البعثة. وان عكرمة متهم بالكذب عند علماء الرجال، وكان يروي الاحاديث الموضوعة عن ابن عباس (2). ج - عروة بن الزبير: عروة بن الزبير، ولد في زمن حكومة عمر بن الخطاب وكان يحسب من التابعين ومن الطبقة الثانية (3).


(1) ترجمتها بميزان الاعتدال ج 3 / 94. (2) ترجمة عكرمة في ميزان الاعتدال 3 / 93 - 97. (3) ترجمته بتقريب التهذيب ج 3 / 19.

[255]

د - عبد الله بن شداد الليثي: وعبد الله بن شداد الليثي لا يعد من الصحابة، وولد في زمن النبي (ص) ولصغر سنه لم يدرك صحبة النبي (ص) وقتل في سنة (81 ه‍) (1). ه‍ - عبيد بن عمير الليثي قاص أهل مكة: ولد في آخر حياة النبي، وكان عبد الله بن شداد لا يعده من اصحاب النبي (2) وعلى اي حال لم يدرك عصر الرسول (ص) بمكة ليخبر عنه. و - اسماعيل بن أبي حكيم المزني خم أحد بني فضيل وقال عنه ابن مندة لا أعرف له رؤية ولا صحبة (3) ز - فاطمة بنت الحسين (ع): في ذيل رواية عبيد بن عمير اسندت الرواية مع تغيير في اللفظ إلى فاطمة بنت الحسين (ع) عن أم المؤمنين خديجة، ومتى رأت جدة ابيها لتروي عنها ما اسند إليها روايته ؟ * * * كان ذلكم شأن اسناد تلكم الروايات. وفي ما يأتي نقارن باذن الله تعالى بين محتوى تلك الروايات وآي من الذكر الحكيم وروايات موثقة تصرح بان الرسول (ص) كان عليما بأمر رسالته قبل ان ينزل الله الوحي إليه بواسطة جبرائيل (ع). وكذلك الاحبار والكهنة في عصره كانوا ينتظرون بعثته ويبشرون معاصريهم بقرب مبعثه.


(1) اسد الغابة ج 7 / 189. (2) تقريب التهذيب ج 1 / 422. (3) راجع ترجمته في اسد الغاله والاصابة.

[256]

مقارنة محتوى الروايات أولا - آيات من الذكر الحكيم: قال الله سبحانه: أ - في سورة آل عمران: (وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين) [الاية: 81]. ب - في سورة الاعراف: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والانجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروة ونصروة واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون في) [الآية 157]. ج - في سورة الفنح: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الانجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما) [الاله 29].

[257]

د - في سورة الصف: (وإذ قال عيسى ابن مريم يا بنى إسرائيل إفي رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد فلما جاءهم بالبينات قالوا هذا سحر مبين) [الآية: 6]. ه‍ - في سورة البقرة: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون) [الآية: 146]. و - في سورة الانعام: (الذين آتيناهم الكناب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم الذين خسروا أنفسم فهم لا يؤمنون) [الآية: 20]. ز - في سورة الاحزاب: (يا أيها النبي إنا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * وداعيا إلى الله باذنه وسراجا منيرا) [الآيات: 45 - 46]. ح - في سورة الجن: (وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا * وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا) [الآيات: 8 - 9]. ثانيا - روايات فيها تفسير للآيات السابقة: أ - في تفسير الطبري بسنده إلى الامام علي عليه السلام انه قال: لم يبعث الله نبيا آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد على قومه ثم تلا: (واذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من

[258]

كتاب وحكمة) الآية (1). ب - في تفسير الطبري بسنده عن ابن عباس في الآية قال: ثم ذكر ما أخذ عليهم - يعني على أهل الكتاب وعلى أنبيائهم - من الميثاق بتصديقه - يعني بتصديق محمد (ص) - إذا جاءهم واقرارهم به على أنفسهم (2). ج - في تفسير الطبري بسنده عن علي بن أبي طالب في قوله تعالى: (فا شهدوا) يقول: فاشهدوا على أممكم بذلك وأنا معكم من الشاهدين عليكم وعليهم، فمن تولى عنك يا محمد بعد هذا العهد من جميع الامم فاولئك هم الفاسقون هم العاصون في الكفر (3). د - في تفسير السيوطي بسنده عن ابن عباس قال: لما قدم رسول الله (ص) المدينة قال عمر بن الخطاب لعبدالله بن سلام: قد أنزل الله على نبيه: (الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) فكيف يا عبد الله هذه المعرفة ؟ فقال عبد الله بن سلام: يا عمر لقد عرفته حين رأيته كما أعرف ابني، إذ رأيته مع الصبيان وأنا أشد معرفة بمحمد مني بابني، فقال عمر: كيف ذلك ؟ قال: انه رسول الله حق من الله وقد نعته الله في كتابنا ولا أدري ما تصنع النساء، فقال له عمر: وفقك الله يا بن سلام. وأخرج الطبراني عن سلمان الفارسي قال: خرجت أبتغي الدين فوقعت في الرهبان بقايا أهل الكتاب، قال الله تعالى: (يعرفونه كما يعرفون أبناءهم) فكانوا يقولون: هذا زمان نبي قد أطل يخرج من أرض العرب له علامات، من ذلك شامة مدورة بين كتفيه خاتم النبوة (4).


(1 و 2) تفسير الطبري ج 3 / 236 - 237 و 239، وتفسير القرطبي ج 4 / 124 - 126، وتفسير ابن كثير ج 1 / 378. (3) المصدر السابق. (4) الدر المنثور ج 1 / 147 وتفسير القرطبي ج 2 / 162 - 163.

[259]

ه‍ - في تفسير السيوطي بسنده عن ابن عباس قال: كتب رسول الله (ص) إلى يهود خيبر: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله صاحب موسى وأخيه المصدق لما جاء به موسى، ألا ان الله قد قال لكم: يا معشر أهل التوراة وانكم تجدون ذلك في كتابكم: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم) إلى آخر السورة (1). و - في صحيح البخاري وسنن الدارمي ومسند أحمد وطبقات ابن سعد وتفسير الطبري بسندهم عن عطاء بن يسار قال: لقيمت عبد الله بن عمرو بن العاص قلت: اخبرني عن صفة رسول الله (ص) قال: أجل والله انه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: يا أيها النبي انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل ليس بفظ ولا غليظ ولاسخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا اله إلا الله، ويفتح به أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا (2). ز - في تفسير الطبري بسنده عن ابن عباس في قوله: (ويحرم عليهم الخبائث، قال: كلحم الخنزير والربا وما كانوا يستحلون من المحرمات من المآكل التي حرمها الله. وفي قوله: (ويضع عنهم إصرهم والاغلال الي كانت عليهم) قال: هو ماكان أخذ الله عليهم من الميثاق فيما حرم عليهم (3).


(1) الدر المنثور 6 / 82 - 83. (2) تفسير سورة الفتح من كتاب التفسير في صحيح البخاري ج 3 / 189 - 190 وج 2 / 14 كتاب البيوع باب 50 وسنن الدارمي ج 1 / 4 ومسند أحمد ج 2 / 174 وتفسير الطبري ج 9 / 57. (3) تفسير الطبري ج 9 / 57 - 58.

[260]

ح - من طبقات ابن سعد وسنن الدارمي: عن عبد الله بن سلام قال: صفة رسول الله (ص) في التوراة: يا أيها النبي انا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وحرزا للاميين، أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء حتى يقولوا: لا اله الا الله ويفتح أعينا عميا وآذانا صما وقلوبا غلفا (1). ط - في الدر المنثور: أخرج الزبير بن بكار في أخبار المدينة، وأبو نعيم في الدلائل عن ابن مسعود قال: قال رسول الله (ص): صفتي: أحمد المتوكل، مولده بمكة ومهاجره إلى طيبة، ليس بفظ ولا غليظ، يجزي بالحسنة الحسنة ولا يكافئ بالسيئة، أمته الحمادون، يأتزرون على أنصافهم ويوضئون أطرافهم، أناجيلهم في صدورهم، يصفون للصلاة كما يصفون للقتال، قربانهم الذي يتقربون به الي دماؤهم، رهبان بالليل ليوث النهار (2). ي - في مستدرك الحاكم وتلخيصه عن ام المؤمنين عائشة: ان رسول الله (ص) مكتوب في الانجيل: لا فظ ولا غليظ ولا سخاب بالاسواق، ولا يجزي بالسيئة مثلها بل يعفو ويصفح (3). ك - في طبقات ابن سعد بسنده عن سهل مولى عتيبة قال: قرأت في الانجيل نعت محمد (ص) انه لا قصير ولا طويل، أبيض، ذو ضفيرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير ويحتلب الشاة،


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 360، وسنن الدارمي ج 1 / 4. (2) الدر المنثور للسيوطي 3 / 132. (3) مستدرك الحاكم ج 2 / 614 وطبقات ابن سعد ج 1 / 363 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 72.

[261]

ويلبس قميصا مرقوعا، ومن فعل ذلك فقد برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك وهو من ذرية اسماعيل عليه السلام اسمه أحمد (1). ل - في سنن الدارمي بسنده عن كعب قال: في السطر الأول: محمد رسول الله عبدي المختار، لافظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويغفر، مولده بمكة وهجرته بطيبة وملكه بالشام. وفي السطر الثاني: محمد رسول الله، أمته الحمادون يحمدون الله في السراء والضراء، يحمدون الله في كل منزلة ويكبرونه على كل شرف، رعاة إلشمس يصلون الصلاة إذا جاء وقتها ولو كانوا على رأس كناسة، ويأتزرون على أوساطهم، ويوضئون أطرافهم، وأصواتهم بالليل في جو السماء كأصوات النحل (2). م - وأخرج ابن سعد والدارمي وابن عساكر عن أبي فروة عن ابن عباس أنه سأل كعب الاحبار: كيف قد نعت رسول الله (ص) في التوراة ؟ فقال كعب: نجده محمد بن عبد الله، يولد بمكة ويهاجر إلى طابة ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا صخاب في الاسواق، ولا يكافئ بالسيئة السيئة لكن يعفو ويغفر، أمته امحمادون يحمدون الله في كل سراء وضراء، ويكبرون الله على كل نجد. يوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل يسمع مناديهم في جو السماء (3). ن - وأخرج البيهقي في دلائل النبوة والسيوطي في الدر المنثور عن أم الدرداء قالت: قلت لكعب: كيف تجدون صفة رسول الله (ص) في التوراة ؟ قال:


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 363. (2) سنن الدارمي 1 / 5 - 6. (3) طبقات ابن سعد 1 / 630، وسنن الدارمي 1 / 6، ومختصر تاريخ دمشق في ترجمة كعب الأحبار 21 / 183.

[262]

نجده موصوفا فيها: محمد رسول الله، اسمه المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الاسواق، وأعطي المفاتيح ليبصر الله به أعينا عورا، ويسمع به آذانا صما، ويقيم به ألسنة معوجة، حتى يشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له، يعين المظلوم ويمنعه من أن يستضعف (1). س - في طبقات ابن سعد: عن كصب قال: ان أبي كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني انك قد علمت اني لم أدخر عنك شيئا مما كنت أعلمه، إلا اني قد حبست عنك ورقتين فيهما نبي يبعث قد أظل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى، وطينعت عليهما فلا تعرضن لهما ولا تنظرن فيهما حينك هذا، فان الله ان يرد بك خيرا ويخرج ذلك النبي تتبعه، ثم انه مات فدفناه فلم يكن شيئ أحب الي من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم النبيين لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لافظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ويجزي بالسيئة الحسنة ويعفو ويصفح، أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير وينصر نبيهم على كل من ناواه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، وتراحمهم بينهم تراحم بني الام، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الامم. فمكثت ما شاء الله ثم بلغني أن النبي (ص) قد خرج بمكة فاخرت حتى استثبت، ثم بلغني أنه توفي وان خليفته قد قام مقامه وجاءتنا جنوده فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت، حتى قدمت علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيت وفاءهم بالعهد وما


(1) دلائل النبوة للبيهقي 1 / 279 - 280، والدر المنثور للسيوطي 3 / 132.

[263]

صنع الله لهم على الاعداء علمت انهم هم الذين كنت أنتظر، فوالله اني لذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله: (يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلناه مصدقا لما معكم من قبل ان نطمس وجوها) الآية فلما سمعت هذه الآية خشيت ان لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاي فما كان شئ أحب الي من الصباح فغدوت على المسلمين (1). ما جرى قبل ميلاد الرسول (ص) نتيجة لتلك البشارات أ - في طبقات ابن سعد: ان تبعا لما قدم المدينة ونزل بقناة فبعث إلى أحبار اليهود فقال: إني مخرب هذا البلد حتى لا تقوم به يهودية ويرجع الأمر إلى دين العرب، قال: فقال له سامول اليهودي، وهو يومئذ أعلمهم: أيها الملك إن هذا بلد يكون إليه مهاجر نبي من بني إسماعيل مولده مكة اسمه أحمد، وهذه دار هجرته، إن منزلك هذا الذي أنت به يكون به من القتلى والجراح أمر كبير في أصحابه وفي عدوهم، قال تبع: ومن يقاتله يومئذ وهو نبي كما تزعمون ؟ قال: يسير إليه قومه فيقتتلون ها هنا، قال: فأين قبره ؟ قال: بهذا البلد، قال: فإذا قوتل لمن تكون الدبرة ؟ قال: تكون عليه مرة وله مرة، وبهذا المكان الذي أنت به تكون عليه، ويقتل به أصحابه مقتلة لم يقتلوا في موطن، ثم تكون العاقبة له، ويظهر فلا ينازعه هذا الأمر احد، قال: وما صفته ؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يركب البعير، ويلبس الشملة، سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى أخا أو ابن عم أو عما حتى يظهر أمره، قال تبع: ما إلى هذا البلد من سبيل، وما كان


(1) طبقالت ابن سعد ج 1 / 360 إلى: وامته الحمادون وسنن الدارمي ج 1 / 6.

[264]

ليكون خرابها على يدي، فخرج تبع منصرفا إلى اليمن (1). ب - في دلائل النبوة لابي نعيم: انه قدم رسول الله (ص) المدينة وأبو عامر عبد عمرو بن صيفي بن النعمان ابن ضبيعة بن زيد كان قد ترهب ولبس المسوح، وكان يقال له الراهب، وكان قد أدرك وسمع. وفي رواية عمرو بن محمد: ما كان في الأوس والخزرج رجل واحد أوصف لرسول الله (ص) منه، كان يألف اليهود، ويسائلهم عن الدين، ويخبرونه بصفة رسول الله (ص)، ثم خرج إلى الشام فسأل النصارى، فأخبروه بصفة النبي (ص)، فرجع أبو عامر وهو يقول: أنا على دين إبراهيم الهنيفي، فأقام مترهبا وزعم انه ينتظر خروج النبي (ص)، فلما ظهر رسول الله (ص) بمكة لم يخرج إليه، وأقام على ما كان عليه، فأتي رسول الله (ص) حين قدم المدينة فقال: ما هذا الدين الذي جئت به ؟ قال: جئت بالحنفية دين إبراهيم، قال: فأنا عليها، قال رسول الله (ص): إنك لست عليها، قال: بلى، أدخلت يا محمد في الحنفية ما ليس فيها، قال: ما فعلت، ولكني جئت بها بيضاء نقية. قال أبو عامر: الكاذب أماته الله طريدا غريبا وحيدا - يرض برسول الله (ص) - إنك جئت كذلك ؟ قال رسول الله (ص): أجل فمن كذب فعل الله ذلك به، فكان هو عدو الله، خرج إلى مكة، فلما افتتح رسول الله (ص) مكة خرج إلى الطائف، فلما أسلم أهل الطائف لحق بالشام فمات طريدا غريبا وحيدا (2). ج - في دلائل النبوة لأبي نعيم: بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: سمعت أبي مالك بن سنان يقول: جئت


(1) طبقات ابن سعد، ط. بيروت ج 1 / 159. (2) دلائل النبوة للأبي نعيم ص 80 - 81 ح 42.

[265]

بني عبد الأشهل يوما لأتحدث فيهم، ونحن يومئذ في هدنة من الحرب، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد، يخرج من الحرم، فقان له خليفة بن ثعلبة الأشهلي كالمستهزئ به: ما صفته ؟ قال: رجل ليس بقصير ولا بالطويل، في عينيه حمرة، يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه، وهذا البلد مهاجره، قال: فخرجت إلى قومي بني خدرة وأنا يومئذ أتعجب مما قال، فأسمع رجلا يقول: ويوشع يقول هذا وحده ؟ ! كل يهود يثرب تقول هذا، قال أبي مالك بن سنان: فخرجت حتى جئت بني قريظة، فأجد جمعا، فتذاكروا النبي (ص)، فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا بخروج نبي وظهوره، ولم يبق أحد إلا أحمد، وهذه مهاجره، قال أبو سعيد: فلما قدم رسول الله (ص) المدينة أخبره أبي هذا الخبر، فقال رسول الله (ص): لو أسلم الزبير وذووه - من رؤسائهم - كلهم له تبع (1). د - في طبقات ابن سعد: بسنده عن عامر بن ربيعة ان زيد بن عمرو بن نفيل كان يقول: أنا أنتظر نبيا من ولد إسماعيل ثم من بني عبد المطلب، ولا أراني أدركه، وأنا أو من به وأصدقه وأشهد أنه نبي، فإن طالت بك مدة فرأيته فأقرئه مني السلام، وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك، قلت: هلم ! قال: هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليست تفارق عينيه حمرة، وخاتم النبوة بين كتفيه، واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منه ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، فإياك أن تخدع عنه فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم، فكل من أسأل من اليهود والنصارى


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 79 - 80 ح 40.

[266]

والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك، وينعتونه مثل ما نعته لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره، قال عامر بن ربيعة: فلما أسلمت أخبرت رسول الله (ص) قول زيد بن عمرو وأقرأته منه السلام، فرد عليه السلام وترحم عليه وقال: قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا (1). ه‍ - في طبقات ابن سعد: ان زيد بن عمرو بن نفيل قال: شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما، فكنت بالشأم وما والاه حتى أتيت راهبا في صومعة، فوقفت عليه، فذكرت له اغترابي عن قومي وكراهتي عبادة الأوثان واليهودية والنصرانية، فقال لي: أراك تريد دين إبراهيم ! يا أخا أهل مكة إنك لتطلب دينا ما يؤخذ اليوم به، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفا لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك، فالحق ببلدك، فإن نبيا يبعث من قومك في بلدك يأتي بدين إبراهيم بالحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله (2). و - في مستدرك الحاكم بسنده عن نافع بن جبير انه قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: أنا محمد وأحمد والمقفي والحاشر والخاتم والعاقب (3). وكان الشائع على لسان أهل الكتاب ان اسمه احمد ومحمد، ولذلك سمى بعض العرب بنيهم بمحمد رجاء ان يكون هو الرسول المبشر به كما أخبر عن ذلك ابن سعد في طبقاته وقال:


(1) طبقات ابن سعد 1 / 161 - 162. (2) طبقات ابن سعد ج 1 / 162. (3) مستدرك الحاكم ج 2 / 604.

[267]

ذكر من تسمى في الجاهلية بمحمد رجاء أن تدركه النبوة كانت العرب تسمع من أهل الكتاب ومن الكهان أن نبيا يبعث من العرب اسمه محمد، فسمى من بلغه ذلك من العرب ولده محمدا طمعا في النبوة. وقال: سمي محمد بن خزاعي بن حزابة من بني ذكوان من بني سليم طمعا في النبوة، فأتى أبرهة باليمن فكان معه على دينه حتى مات، فلما وجه قال أخوه قيس بن خزاعي: فذلكم ذو التاج منا محمد ورايته في حومة الموت تخفق وقال: كان في بني تميم محمد بن سفيان بن مجاشع، وكان أسقفا، قيل لأبيه: إنه يكون للعرب نبي اسمه محمد، فسماه محمدا. ومحمد الجشمي في بني سواءة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفقيمي سموهم طمعا في النبوة. * * * كان ذلكم بعض ما جرى قبل ميلاد الرسول (ص) نتيجة لبشارات الانبياء بمبعثه. وفي ما يأتي نذكر باذنه تعالى ما جرى في ليلة ميلاد الرسول (ص) فما بعد: ما جرى في ليلة ميلاد الرسول (ص) فما بعد: أ - في مستدرك الحاكم: عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله (ص) انهم قالوا: يا رسول الله أخبرنا عن نفسك قال: دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له بصرى،

[268]

وبصرى من أرض الشام (1). ب - في تاريخ الطبري: ان آمنة ابنة وهب أم رسول الله (ص) كانت تحدث انها أتيت في منامها لما حملت برسول الله (ص) فقيل لها: انك حملت بسيد هذه الامة، فإذا وقع بالارض قولي: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد. ثم سميه محمدا. ورأت حين حملت به أنه خرج منها نور رأت به قصور بصرى من أرض الشام، فلما وضعته أرسلت إلى جده عبد المطلب انه قد ولد لك غلام فأته فانظر إليه، فنظر إليه وحدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها فيه وما أمرت أن تسميه. وقال عثمان بن أبي العاص: حدثتني أمي انها شهدت ولادة آمنة ابنة وهب لرسول الله (ص) فما شئ أنظر إليه من البيت إلا نور، وإني لأنظر النجوم لتدنو حتى اني لأقول لتقعن علي (2). ج - في دلائل النبوة لأبي نعيم بسنده عن حسان بن ثابت انه قال: والله إني لغلام يفعة إبن ثمان سنين أو سبع، أعقل ما سمعت، إذ سمعت يهوديا يصرخ على أطمة يثرب: يا معشر اليهود، حتى اجتمعوا إليه، فقالوا له: ويلك ما لك ؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به (3). د - وعن حسان بن ثابت - أيضا - أنه قال: والله إني لفي منزلي ابن سبع سنين وأنا أحفظ ما أرى وأعي ما أسمع، وأنا مع أبي، إذ دخل علينا فتى منا يقال


(1) مستدرك الحاكم ج 2 / 600 وقال: صحيح ولم يخرجاه، وصححه الذهبي - أيضا - وطبقات ابن سعد ج 1 / 149. (2) تاريخ الطبري ج 2 / 156 - 157 ط. القاهرة. (3) دلائل النبوة لابي نعيم 1 / 75.

[269]

له ثابت بن الضحاك، وهو يوم نجوى، فتحدث فقال: زعم يهودي من يهود قريظة الساعة، وهو يلاحيني، قد أظل خروج نبي يأتي بكتاب مثل كتابنا، يقتلكم قتل عاد، قال حسان: فوالله إني لعلى فارع - يعني أطم (1) - حسان في السحر إذ سمعت صوتا ما أسمع صوتا قط أنفذ منه، فإذا يهودي على أطم من آطام المدينة، معه شعلة من نار، فاجتمع إليه الناس فقالوا: ما لك ويلك ؟ قال حسان: فأسمعه يقول: هذا كوكب أحمد قد طلع، هذا كوكب لا يطلع إلا بالنبوة، ولا يبق من الأنبيا، إلا أحمد، قال: فجعل الناس يضحكون منه ويعجبون لما يأتي منه (2). فعمر حسان مائة وعشرين سنة، ستين سنة في الجاهلية وستين سنة في الاسلام. ه‍ - في طبقات ابن سعد بسنده عن ابن عباس قال: كانت يهود قريظة والنضير وفدك وخيبر يجدون صفة النبي عندهم قبيل أن يبعث، وأن دار هجرته بالمدينة، فلما ولد رسول الله (ص)، قالت أحبار اليهود: ولد أحمد الليلة، هذا الكوكب قد طلع، فلما تنبى قالوا: قد تنبى أحمد، قد طلع الكوكب الذي يطلع، كانوا يعرفون ذلك ويقرون به ويصفونه إلا الحسد والبغي... (3). و - في دلائل النبوة لأبي نعيم بسنده عن حويصة بن مسعود انه قال: كنا ويهود فينا كانوا يذكرون نبيا يبعث بمكة اسمه أحمد، ولم يبق من الأنبياء غيره، وهو في كتبنا، وما أخذ علينا منه، وصفته كذا وكذا، حتى يأتوا على نعته، قال: وأنا غلام وما أرى أحفظ، وما أسمع أعي، إذ سمعت صياحا من ناحية [بني]


(1) الاطم: بضم الهمزة وضم الطاء وتسكينها، الحصن، وكل حصن مبني بالحجارة، أو كل بيت مربع مسطح مرتفع. (2) دلائل النبوة لأبي نعيم الاصبهاني ص 75 - 76، ح 35. (3) طبقات ابن سعد ج 1 / 159 - 160.

[270]

عبد الأشهل، فأرى قوما فزعوا وخافوا أن يكون أمر حدث، خم خفي الصوت، ثم عاد فصاح ففهمنا صياحه: يا أهل يثرب، هذا كوكب أحمد الذي ولد به، قال: فجعلنا نعجب من ذلك، ثم أقمنا دهرا طويلا، ونسينا ذلك، فهلك قوم وحدث آخرون، وصرت رجلا كبيرا: فإذا مثل ذلك الصياح: يا أهل يثرب، قد خرج أحمد، وتنبأ وجاءه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى (ع)، فلم ألبث أن سمعت أن بمكة رجلا خرج يدعي النبوة، وخرج من خرج من قومنا، وتأخر من تأخر، وأسلم فتيان منا أحداث، ولم يقض لي أن أسلم حتى قدم رسول الله (ص) المدينة (1). ز - في تاريخ الطبري ودلائل النبوة للبيهقي ولأبي نعيم والمنتظم لابن الجوزي ما موجزه: ان في ليلة ميلاد الرسول (ص) ارتجف ايوان كسرى وسقطت منه اربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، ورأى الموبذان في المنام إبلا صعابا تقود خيلا عرابا قد قطعت دجلة وانتشرت في بلادهم، فلما أصبح كسرى أفزعه ما رأى فتصبر عليه تشجعا، ثم رأى ان لا يكتم ذلك عن وزرائه ومرازبته، فلبس تاجه وقعد على سريره وجمعهم إليه، فلما اجتمعوا عنده قال: أتدرون في ما بعثت اليكم ؟ قالوا: لا إلا ان يخبرنا الملك. قال ابن الجوزي: رأى كسرى ارتجاف الايوان وسقوط الشرف فحسب، وليس المنام، فالمنام كان للموبذان وهو قاضي قضاتهم، فبينا هم كذلك إذ ورد عليهم كتاب بخمود النار فازداد غما إلى غمه، فقال الموبذان وانا قد رأيت في هذه الليلة، وقص عليه الرؤيا قي الابل، فقال: أي شئ يكون هذا يا موبذان ؟ فقال:


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 77 الحديث 36.

[271]

حادث يكون من عند العرب، فكتب إلى النعمان بن منذر ان وجه الي عالما أسأله عما اريد، فوجه إليه عبد المسيح بن عمرو الغساني، فاخبره بما رأى، فذهب عبد المسيح إلى خاله سطيح في الشام، وكان من كهان العرب، فأنباه بما وقع في فارس، فانشده شعرا قال فيه: انه يملك من ملوك ايران على عدد الشرفات... فلم عاد عبد المسيح إلى كسرى واخبره بقول سطيح، قال كسرى: إلى ان يملك منا اربعة عشر ملكا تكون امرر وأمور، فملك منهم عشرة في أربع سنين والباقون إلى ان قتل عثمان (1). ما جرى بعد ميلاد الرسول (ص) في سني رضاعه خبر رضاع الرسول (ص): في طبقات ابن سعد: قدمت حليمة مع زوجها وابن لها صغير ترضعه يقال له عبد الله، وأتان قمراء وشارف لهم عجفاء قد مات سقبها من العجف ليس في ضرع أمه قطرة لبن، فقالوا: نصيب ولدا نرضعه، ومعها نسوة سعديات، فقدمن فأقمن أياما، فأخذن ولم تأخذ حليمة، ويعرض عليها النبي (ص)، فقالت: يتيم لا أب له، حتى إذا كان آخر ذلك أخذته وخرج صواحبها قبلها بيوم، فقالت آمنة: يا حليمة اعلمي أنك قد أخذت مولودا له شأن، والله لحملته فما كنت أجد ما تجد النساء من الحمل، ولقد أتيت فقيل لي: إنك ستلدين غلاما فسميه أحمد وهو سيد العالمين، ولوقع معتمدا على يديه رافعا رأسه إلى السماء، قال: فخرجت حليمة إلى زوجها فأخبرته، فسر بذلك، وخرجوا على أتانهم منطلقة، وعلى


(1) تاريخ الطبري ج 2 / 131 - 132، ودلائل النبوة لأبي نعيم ج 1 / 139 - 141، ح 82، ودلائل النبوة للبيهقي ج 1 / 126 - 127، والمنتظم لابن الجوزي ج 2 / 250 ط. بيروت.

[272]

شارفهم قد درت باللبن، فكانوا يحلبون منها غبوقا وصبوحا، فطلعت على صواحبها، فلما رأينها قلن: من أخذت ؟ فأخبرتهن، فقلن: والله إنا لنرجو أن يكون مباركا، قالت حليمة: قد رأينا بركته، كنت لا أروي ابني عبد الله ولا يدعنا ننام من الغرث، فهو وأخوه يرويان ما أحبا وينامان ولو كان معهما ثالث لروي، ولقد أمرتني أمه أن أسأل عنه، فرجعت به إلى بلادها، فأقامت به حتى قامت سوق عكاظ، فانطلقت برسول الله (ص) حتى تأتي به إلى عراف من هذيل يريه الناس صبيانهم، فلما نظر إليه صاح: يا معشر هذيل ! يا معشر العرب ! فاجتمع إليه الناس من أهل الموسم، فقال: اقتلوا هذا الصبي ! وانسلت به حليمة، فجعل الناس يقولون: أي صبي ؟ فيقول: هذا الصبي ! ولا يرون شيئا قد انطلقت به أمه، فيقال له: ما هو ؟ قال: رأيت غلاما، وآلهته ليقتلن أهل دينكم، وليكسرن آلهتكم، وليظهرن أمره عليكم، فطلب بعكاظ فلم يوجد، ورجعت به حليمة إلى منزلها، فكانت بعد لا تعرضه لعراف ولا لأحد من الناس (1). إخبار سيف بن ذي يزن عبد المطلب بشأن الرسول (ص) في دلائل النبوة لأبي نعيم، في حديث طويل موجزه: انه لما ظهر سيف بن ذي يزن على اليمن وظفر بالحبشة ونفاهم عنها - وذلك بعد مولد رسول الله (ص) بسنتين - أتته وفود العرب وأشرافها وشعراؤها تهنيه وتمدحه، فأتاه وفد قريش، وفيهم عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، و.... فقال سيف بن ذي يزن: وأيهم أنت أيها المتكلم ؟ قال: أنا عبد المطلب بن


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 151 - 152.

[273]

هاشم بن عبد مناف، قال: ابن أختنا ؟ قال: نعم، قال: فأدناه، ثم أقبل عليه وعلى القوم، فقال: مرحبا وأهلا.... قال: إذا ولد بتهامة غلام به علامة، بين كتفيه شامة، كانت له إلامامة، ولكم به الزعامة، إلى يوم القيامة. قال عبد المطلب: - أبيت اللعن - لقد إبت بخير ما آب به وافد قوم، ولولا هيبة الملك وإعظامه وإجلاله لسألته من بشارته إياي ما أزداد به سرورا. قال سيف بن ذي يزن: هذا زمنه الذي يولد فيه، أو قد ولد ؟ اسمه محمد، بين كتفيه شامة، يموت أبوه وأمه، ويكفله جده وعمه، وقد وجدناه مرارا، والله باعثه جهارا، وجاعل له منا أنصارا، يعز بهم أولياءه، ويذل بهم أعداءه، ويضرب بهم الناس عن عرض، ويستبيح بهم كرائم الأرض، ويعبد الرحمن، ويدحر الشيطان، ويخمد النيران، ويكسر الأوثان، قوله فصل، وحكمه عدل، يأمر بالمعروف ويفعله، وينهى عن المنكر ويبطله.... إلى أن قال: فقال سيف بن ذي يزن: إنك يا عبد المطلب، لجده غير كذب، قال: فخر عبد المطلب ساجدا، فقال: ارفع رأسك، فقد ثلج صدرك، وعلا أمرك، فهل أحسست شيئا مما ذكرت لك ؟ قال عبد المطلب: نعم أيها الملك، إنه كان لي ابن وكنت به معجبا، وعليه رقيقا، فزوجته كريمة من كرائم قومي آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة، فجاءت بغلام سميته محمدا، مات أبوه وأمه، وكفلته أنا وعمه، بين كتفيه شامة، وفيه كل ما ذكرت من علامة. قال سيف بن ذي يزن: إن الذي ذكرت لك كما ذكرت لك، فاحتفظ بابنك، واحذر عليه اليهود، فإنهم له أعداء، ولن يجعل الله لهم عليه سبيلا، واطو ما ذكرت لك، دون هؤلاء الرهط الذين معك، فإني لست آمن أن تدخلهم

[274]

النفاسة... الحديث (1). بقية خبر الرسول (ص) عندما كان عند مرضعته حليمة: في طبقات ابن سعد: خرجت حليمة - ذات يوم - تطلب النبي (ص)، وقد بدت البهم تقيل " فوجدته مع أخته، فقالت: في هذا الحر ؟ فقالت أخته: يا أمه ما وجد أخي حرا، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقف، وإذا سار سارت معه حتى انتهى إلى هذا الموضع (2). و - أيضا - في طبقات ابن سعد قال: قدم كاهن مكة، ورسول الله (ص) ابن خمس سنين، وقد قدصت بالنبي (ص) ظئره إلى عبد المطلب، وكانت تأتيه به في كل عام، فنظر إليه الكاهن مع عبد المطلب فقال: يا معشر قريش اقتلوا هذا الصبي، فإنه يقتلكم ويفرقكم، فهرب به عبد المطلب، فلم تزل قريش نخشى من امره ما كان الكاهن محذرهم (3). سفره مع عمه ابي طالب إلى الشام في طبقات ابن سعد قال: لما خرج أبو طالب إلى الشام وخرج معه رسول الله (ص) في المرة الأولى، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فلما نزل الركب، بصرى من الشأم، وبها راهب يقال له بحيرا في صومعة له، وكان علماء النصارى يكونون في تلك الصومعة يتوارثونها عن كتاب يدرسونه، فلما نزلوا بحيرا وكان كثيرا ما


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم الاصبهاني، ح 50، ص 95 - 98. (2) طبقات ابن سعد ج 1 / 152. (3) طبقات ابن سعد ج 1 / 166 - 167.

[275]

يمرون به لا يكلمهم، حتى إذا كان ذلك العام، ونزلوا منزلا قريبا من صومعته قد كانوا ينزلونه قبل ذلك كلما مروا، فصنع لهم طعاما ثم دعاهم، وإنما حمله على دعائهم أنه رآهم حين طلعوا وغمامة تظل رسول الله (ص) من بين القوم حتى نزلوا تحت الشجرة، ثم نظر إلى تلك الغمامة أظلت تلك الشجرة واخضلت أغصان الشجرة على النبي (ص) حين استظل تحتها، فلما رأى بحيرا ذلك نزل من صومعته وأمر بذلك الطعام فأتي به وأرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، وأنا أحب أن تحضروه كلكم، ولا تخلفوا منكم صغيرا ولا كبيرا، حرا ولا عبدا، فإن هذا شئ تكرموني به، فقال رجل: إن لك لشأنا يا بحيرا، ما كنت تصنع بنا هذا، فما شأنك اليوم ؟ قال: فإنني أحببت أن أكرمكم ولكم حق، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله (ص) من بين القوم لحداثة سنه، ليس في القوم أصغر منه في رحالهم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرا إلى القوم فلم ير الصفة التي يعرف ويجدها عنده، وجعل ينظر ولا يرى الغمامة على أحد من القوم، ويراها متخلفة على رأس رسول الله (ص) قال بحيرا: يا معشر قريش لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي، قالوا: ما تخلف أحد إلا غلام هو أحدث القوم سنا في رحالهم، فقال: ادعوه فليحضر طعامي فما أقبح أن تحضروا ويتخلف رجل واحد مع أني أراه من أنفسكم، فقال القوم: هو والله أوسطنا نسبا وهو ابن أخي هذا الرجل، يعنون أبا طالب، وهو من ولد عبد المطلب، فقال الحارث بن عبد المطلب بن عبد مناف: والله إن كان بنا للؤم أن يتخلف ابن عبد المطلب من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه وأقبل به حتى أجلسه على الطعام والغمامة تسير على رأسه، وجعل بحيرا يلحظه لحظا شديدا وينظر إلى أشياء في جسده قد كان يجدها عنده من صفته، فلما تفرقوا عن طعامهم قام إليه الراهب فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك، فقال رسول الله (ص): لا تسألني باللات

[276]

والعزى، فوالله ما أبغضت شيئا بغضهما ! قال: فبالله إلا أخبرتني عما أسألك عنه، قال: سلني عما بدالك، فجعل يسأله عن أشياء من حاله حتى نومه، فجعل رسول الله (ص) يخبره فيوافق ذلك ما عنده، ثم جعل ينظر بين عينيه، ثم كشف عن ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضع الصفة التي عنده، قال: فقبل موضع الخاتم، وقالت قريش: إن لمحمد عند هذا الراهب لقدرا، وجعل أبو طالب، لما يرى من الراهب، يخاف على ابن أخيه، فقال الراهب لأبي طالب: ما هذا الغلام منك ؟ قال أبو طالب: ابني، قال: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فابن أخي، قال: فما فعل أبوه ؟ قال: هلك وأمه حبلى به، قال: فما فعلت أمه ؟ قال: توفيت قريبا، قال: صدقت، ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما أعرف ليبغنه عنتا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم نجده في كتبنا وما روينا عن آبائنا، واعلم أني قد أديت إليك النصيحة. فلما فرغوا من تجاراتهم خرج به سريعا، وكان رجال من يهود قد رأوا رسول الله (ص) وعرفوا صفته، فأرادوا أن يغتالوه فذهبوا إلى بحيرا فذاكروه أمره، فنهاهم أشد النهي وقال لهم: أتجدون صفته ؟ قالوا: نعم، قال: فما لكم إليه سبيل، فصدقوه وتركوه، ورجع به أبو طالب، فما خرج به سفرا بعد ذلك خوفا عليه. وقال: قال الراهب لأبي طالب: لا تخرجن بابن أخيك إلى ما ههنا، فإن اليهود أهل عداوة، وهذا نبي هذه الأمة، وهو من العرب، واليهود تحسده تريد أن يكون من بني إسرائيل، فاحذر على ابن أخيك (1).


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 153 - 155.

[277]

في سفره (ص) للتجارة بأموال خديجة في طبقات ابن سعد: خرج مع غلام خديجة ميسرة حتى قدما بصرى من الشأم، فنزلا في سوق بصرى في ظل شجرة قريبا من صومعة راهب من الرهبان يقال له نسطور، فاطلع الراهب إلى ميسرة، وكان يعرفه قبل ذلك، فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة ؟ فقال ميسرة: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي، ثم قال: في عينيه حمرة ؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه، قال الراهب: هو هو آخر الأنبياء، يا ليت أني أدركه حين يؤمر بالخروج ! ثم حفر رسول الله (ص) سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى غيرها، فكان بينه وبين رجل اختلاف في شئ، فقال له الرجل: احلف باللات والعزى، فقال رسول الله (ص): ما حلفت بهما قط وإني لأمر فأعرض عنهما، قال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة، وخلا به: يا ميسرة هذا والله نبي ! والذي نفسي بيده إنه لهو تجده أحبارنا في كتبهم منعوتا، فوعى ذلك ميسرة، ثم انصرف أهل العير جميعا، وكان ميسرة يرى رسول الله (ص) إذا كانت الهاجرة واشتد الحر يرى ملكين يظلانه من الشمس وهو على بعيره... الحديث (1). وأنشد في ذلك أبو طالب قصيدتين قال في إحداهما: ان ابن آمنة الني محمدا عندي يفوق منازل الأولاد لما تعلق بالزمام رحمته والعيس قد قلصن بالأزواد


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 156 واوردنا تفصيل تلكم الاخبار في سيرة النبي في أول الجزء الثاني من عقائد الاسلام من القرآن الكريم.

[278]

إلى قوله: راعيت فيه قرابة موصولة وحفظت فيه وصية الأجداد إلى قوله: حتى إذا ما قوم بصرى عاينوا لاقوا على شرك من المرصاد قوم يهود قد رأوا ما قد رأى ظل الغمام وعز ذي الاكباد ثاروا لقتل محمد فنهاهم عنه وجاهد احسن التجهاد وقال في الثانية: الم ترني من بعد هم هممته بفرقة خير الوالدين كرام بأحمد لما ان شددت مطيتي برحل وقد ودعته بسلام بكى حزنا والعيس قد قلصت بنا... إلى قوله: وجاء بحيرا عند ذلك حاسرا لنا بشراب طيب وطعام فلما رآه مقبلا نحو داره يوقيه حر الشمس ظل غمام حنى رأسه شبه السجود وضمه إلى نحره والصدر أي ضمام وأقبل ركب يطلبون الذي رأى بحيرا من الاعلام وسط خيام فجاءوا وقد هموا بقتل محمد فردهم عنه بحسن خصام إلى آخر الأبيات. ما جرى للرسول (ص) عندما بلغ العشرين من عمره في تاريخ اليعقوبي ما موجزه: ولما بلغ العشرين ظهرت فيه العلامات، وجعل أصحاب الكتب يقولون فيه ويتذاكرون أمره ويتوصفون حاله ويقربون ظهوره. وأخبر الرسول (ص) عمه ما كان يرى في المنام من بشائر النبوة. فوصف

[279]

أبو طالب ما قال لبعض من كان بمكة من أهل العلم، فلما نظر إلى رسول الله (ص) قال: هذه الروح الطيبة ! هذا والله النبي المطهر. فقال له أبو طالب: فاكتم على ابن أخي لا تغر به قومه، فوالله إنما قلت: لعلي ما قلت، ولقد أنبأني أبي عبد المطلب بانه النبي المبعوث وأمرني أن أستر ذلك لئلا يغري به الأعادي (1). ما جرى للرسول (ص) مقارنا لبعثته تسليم الشجر والحجر على الرسول (ص) قبل ان يبعث: أ - في مسند أحمد وسنن الترمذي واللفظ للاول بسنده عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله (ص): اني لاعرف حجرا بمكة كان يسلم علي قبل أن ابعث (2). ب - وفي طبقات ابن سعد بسنده عن برة بنت أبي تجراة قالت: إن رسول الله (ص) حين أراد الله به كرامته وابتدأه بالنبوة كان إذا خرج لحاجة أبعد حتى لا يرى بيتا، ويفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله، فكان يلتفت عن يمينه وشماله وخلفه فلا يرى شيئا (3). ج - وفي سنن الترمذي والدارمي واللفظ للاول بسنده عن علي بن أبي


(1) تاريخ اليعقوبي ج 2 / 12 - 14، وراجع: تاريخ ابن عساكر، مجلد السيرة النبوية ص 97 ط. دمشق الأولى. (2) مسند أحمد ج 5 / 89 و 95 وسنن الترمذي ج 13 / 110. (3) طبقات ابن سعد ط. ج 8 / 246 بيروت وقال في ترجمتها: برة بنت أبي تجراة بن أبي فكيهة واسمه يسار، ويقولون إنهم من الأزد حلفاء بني عبد الدار ولهم فيهم ولادات. وقد روت برة عن رسول الله (ص).

[280]

طالب قال: كنت مع النبي (ص) بمكة، خرجنا في بعض نواحيها فما استقبله جبل ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله (1). في ما جرى للرسول (ص) بعد بعثته أ - في دلائل النبوة لأبي نعيم قال المغيرة بن شعبة في خروجه إلى المقوقس مع بني مالك: وإنهم لما دخلوا على المقوقس قال لهم: كيف خلصتم إلي من طلبتكم ومحمد وأصحابه بيني وبينكم ؟.... إلى أن قال: قال المقوقس: هو نبي مرسل إلى الناس كافة، ولو أصاب القبط والروم تبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى بن مريم، وهذا الذي تصفون منه بعث به الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر، ومنقطع البحور، ويوشك قومه يدافعونه بالرماح.... وقال المغيرة: فرجعنا إلى منازلنا، فأقمت بالاسكندرية لا أدع كنيسة إلا دخلتها، وسألت أساقفها من قبطها ورومها عما يجدون من صفة محمد (ص) وكان أسقف من القبط هو رأس كنيسة أبي غني كانوا يأتونه بمرضاهم فيدعو لهم، لم أر أحدا قط يصلي الصلوات الخمس أشد اجتهادا منه، فقلت: أخبرني هل بقي أحد من الأنبياء ؟ قال: نعم، وهو آخر الأنبياء، ليس بينه وبين عيسى بن مريم أحد، وهو نبي قد أمرنا عيسى باتباعه، وهو النبي الأمي العربي، اسمه أحمد، ليس بالطويل ولا بالقصير، في عينيه حمرة، ليس بالأبيض ولا بالادم، يعفي شعره، ويلبس ما غلظ من الثياب، ويجتزئ بما لقي من الطعام، سيفه على عاتقه، ولا يبالي من لاقى، يباشر القتال بنفسه ومع أصحابه، يفدونه بأنفسهم، هم له


(1) سنن الترمذي ج 13 / 111 ابواب المناقب وسنن الدارمي ومستدرك الحاكم ج 2 / 620.

[281]

أشد حبا من أولادهم وآبائهم، يخرج من أرض القرظ (1) ومن حرم يأتي إلى حرم، يهاجر إلى أرض سباج (2) ونخل، يدين بدين إبراهيم عليه السلام. قال المغيرة بن شعبة: زدني في صفته، قال: يأتزر على وسطه، ويغسل أطرافه، ويخص بما لم يخص به الأنبياء قبله، كان النبي يبعث إلى قومه، وبعث إلى الناس كافة، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، أينما أدركته الصلاة تيمم وصلى، ومن كان قبله مشددا عليهم لا يصلون إلا في الكنائس والبيع. قال الشيخ أبو نعيم: ونعوته وصفاته في الكتب المنزلة وعند الرهابنة والأساقفة والأحبار من أهل الكتابين مستفيض، وكانوا يرجعون في أمر بعثته وإرساله إلى علم متيقن كالضروري، لتبشير الأنبياء صلوات الله عليهم به وبإرساله، وإيصائهم أمتهم بتصديقه إن أدركته، وما كانت في أيديهم من الكتب والعهود المتقدمة المتواترة عن آبائهم وأسلافهم (3). ب - في دلائل النبوة لأبي نعيم عن محمد بن اسحاق: أن هرقل قال لدحية الكلبي حين قدم عليه بكتاب رسول الله (ص): ويحك، والله إني لأعلم أن صاحبك لنبي مرسل وأنه للذي كنا ننتظره، نجده في كتبنا، ولكني أخاف الروم على نفسي، ولولا ذلك لاتبعته، فاذهب إلى " ضغاطر " الأسقف فاذكر له أمره، فهو والله في الروم اعظم مني، وأجوز عندهم قولا حتى أنظر ماذا يقول، قال: فجاءه دحية الكلبي، فأخبره بما جاء به من رسول الله (ص) إلى هرقل، وإلى ما


(1) القرظ: شجر يسمى أيضا بشجر السلم، وهو شجر من العضاه يستعمل في الدباغة ويستخرج منه الصمغ المعروف، ومنه سمي " ذو سلم " وهو المكان الذي مر به رسول الله (ص) حين هاجر من مكة إلى المدينة. انظر: تهذيب سيرة ابن هشام، تبويب وتعليق محمد رواس قلعة جي ج 1 / 147. (2) أرض سباخ: أرض لم تحرث. (3) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 85 - 89، ح 45.

[282]

يدعو إليه، قال: فقال ضغاطر: صاحبك والله نبي مرسل، نعرفه بصفته، ونجده في كتبنا باسمه، قال: ثم دخل فألقى ثيابا كانت عليه سودا، ولبس ثيابا بيضا، ثم أخذ عصاه فخرج على الروم وهم في الكنيسة، فقال: يا معشر الروم، إنه قد جاءنا كتاب أحمد، يدعونا فيه إلى الله، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن أحمد عبده ورسوله، قال: فوثبوا إليه وثبة رجل واحد فظربوه حتى قتلوه، فلما رجع دحيه إلى هرقل وقد أخبره الخبر قال: قد قلت لك: انا نخافهم على أنفسنا، فضغاطر والله كان أعظم عندهم مني، وأجوز قولا مني (1). ج - في طبقات ابن سعد قال: كان الزبير بن باطا، وكان أعلم اليهود، يقول: إني وجدت سفرا كان أبي يختمه علي، فيه ذكر أحمد نبي يخرج بأرض القرظ صفته كذا وكذا، فتحدث به الزبير بعد أبيه والنبي (ص) لم يبعث، فما هو إلا أن سمع بالنبي (ص) قد خرج بمكة حتى عمد إلى ذلك السفر فمحاه وكتم شأن النبي (ص) وقال: ليس به (2). د - في طبقات ابن سعد قال: كانت يهود بني قريظة يدرسون ذكر رسول الله (ص) في كتبهم ويعلمونه الولدان بصفته واسمه ومهاجره إلينا، فلما ظهر رسول الله (ص) حسدوا وبغوا وقالوا: ليس به (3). 5 - في طبقات ابن سعد: أن إسلام ثعلبة بن سعيد وأسيد بن سعية وأسد بن عبيد ابن عمهم إنما كان عن حديث ابن الهيبان أبي عمير، قدم ابن الهيبان، يهودي من يهود الشأم، قبيل الاسلام بسنوات، قالوا: وما رأينا رجلا لا يصلي الصلوات الخمس خيرا منه، وكان إذا حبس عنا المطر احتجنا إليه، نقول له:


(1) دلائل النبوة لأبي نعيم ص 101 - 102 ح 53. (2) طبقات ابن سعد ج 1 / 195. (3) طبقات ابن سعد ج 1 / 160.

[283]

يابن الهيبان اخرج فاستسق لنا، فيقول: لا حتى تقدموا أمام مخرجكم صدقة، فنقول: وما نقدم ؟ فيقول: صاعا من تمر أو مدين من شعير عن كل نفس، فنفعل ذلك فيخرج بنا إلى ظهر وادينا، فوالله لن نبرح حتى تمر السحاب فتمطر علينا، ففعل ذلك بنا مرارا، كل ذلك نسقى، فبينا هو بين أظهرنا إذ حضرته الوفاة، فقال: يا معشر اليهود ما الذي ترون أنه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع ؟ قالوا: أنت أعلم يا أبا عمير ! قال: إنما قدمتها أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه، وهذا البلد مهاجره، وكنت أرجو أن أدركه فأتبعه، فإن سمعتم به فلا تسبقن إليه، فإنه يسفك الدماء ويسبي الذراري والنساء، فلا يمنعكم هذا منه، ثم مات، فلما كان في الليلة التي في صبيحتها فتحت بنو قريظة، قال لهم ثعلبة وأسيد ابنا سعية وأسد بن عبيد فتيان شباب: يا معشر يهود، والله إنه الرجل الذي وصف لنا أبو عمير بن الهيبان، فاتقوا الله واتبعوه، قالوا: ليس به، قالوا: بلى والله إنه لهو هو، فنزلوا وأسلموا وأبى قومهم أن يسلموا (1). و - في طبقات ابن سعد: أن كعب بن أسد قال لبني قريظة حين نزل النبي (ص) في حصنهم: يا معشر يهود تابعوا الرجل فوالله إنه النبي، وقد تبين لكم أنه نبي مرسل، وأنه الذي كنتم تجدونه في الكتب، وأنه الذي بشر به عيسى، وأنكم لتعرفون صفته، قالوا: هو به ولكن لا نفارق حكم التوراة (2). ز - وأخرج الحاكم عن علي بن أبي طالب: ان يهوديا كان له على رسول الله (ص) دنانير، فتقاضى النبي (ص) فقال له: ما عندي ما أعطيك، قال: فاني لا افارقك يا محمد حتى تعطيني، قال: اذن أجلس معك يا محمد، فجلس معه فصلى النبي (ص) الظهر والعصر والمغرب والعشاء والغداة وكان أصحاب


(1) طبقات ابن سعد ج 1 / 160 - 161. (2) طبقات ابن سعد ج 1 / 164.

[284]

النبي (ص) يتهددون اليهودي ويتوعدونه فقالوا: يا رسول الله يهودي يحبسك، قال: منعني ربي أن أظلم معاهدا ولا غيره، فلما ترحل النهار أسلم اليهودي وقال: شطر مالي في سبيل الله، أما والله ما فعلت الذي فعلت بك إلا لانظر إلى نعتك في التوراة: محمد ابن عبد الله، مولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الاسواق، ولا متزين بالفحشاء ولا قوال للخنى (1).


(1) مستدرك الحاكم ج 2 / 622 ودلائل النبوة لأبي نعيم ص 91 ح 48 عن عبد الله بن سلام قصة اسلام زيد بن اشعثة.

[285]

خلاصة البحث جاء في روايات مدرسة الخلفاء ان الملك جاء إلى النبي (ص) في غار حراء وقال له: اقرأ، فقال: ما انا بقارئ، فاخذه فغطه حتى بلغ به الجهد، ثم ارسله فقال: اقرأ، فقال: ما انا بقارئ، فأخذه فغطه... وفي الثانية قال له: (اقرأ باسم ربك...) الايات فرجع الرسول (ص) إلى زوجته خديجه يرجف فؤاده وقال: زملوني زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع، وقال لخديجة: خشيت على نفسي.... وفي ثانية قال لخديجة: اخشى ان تكون في جنن... ! وفي ثالثة: قال لها: لأخشى ان اكون كاهنا ! وفي رابعة: قال لها: فغطني حتى ظننت انه الموت ! أو لم يكن احد من خلق الله ابغض الي من شاعر أو مجنون، لأعمدن إلى حالق من الجبل فلأطرحن نفسي منه فلأقتلنها فلأستريحن، أو أنه جلس إلى فخذ خديجة ملتصقا بها مائلا إليها. وفي جميع الروايات ان خديجة هدأته وطمأنته، ولزيادة الاطمئنان والمعرفة الكاملة بالأمر اخذته إلى ابن عمها النصراني ورقة بن نوفل، وبعد ان استمع النصراني إلى حديثها عن الرسول (ص) اخبرها الخبر اليقين بان زوجها هو نبي هذه الامة، ثم اتجه إلى النبي (ص) يطمئنه ويبدد خوفه ويعرفه ما كان به جاهلا من انه نبي هذه الامة، وانه قد جاءه الناموس الاكبر الذي جاء إلى موسى عليه السلام. وان خديجة طلبت منه أن يخبرها عندما يأتيه جبرائيل، فلما أتاه وأخبرها قالت: يابن عم اجلس على فخذي اليسرى، ففعل (ص) ذلك، فقالت: هل

[286]

تراه ؟ قال: نعم، قالت: فتحول فاقعد على فخذي اليمنى، ففعل (ص) فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم ! قالت: فتحول فاجلس في حجري ففعل (ص) فقالت: هل تراه ؟ قال: نعم ! فتحسرت، فألقت خمارها ثم قالت: هل تراه ؟ قال: لا، فقالت يابن عم ! اثبت وابشر فوالله انه لملك وما هو بشيطان. وفي رواية ان خديجة ادخلت الرسول (ص) بينها وبين درعها فذهب عند ذلك جبرائيل، فقالت للرسول (ص): ان هذا لملك وما هو بشيطان ! ! ! ولدراسة هذه الاخبار رجعنا إلى اسنادها فلم نجد واحدا ممن رواها ادرك عصر الواقعة ليحدث عنها. ورجعنا إلى متونها وقارناها بما جاء في القرآن الكريم وروايات اخرى بمدرسة الخلفاء فوجدنا: أولا: ان القرآن يخبر ان الله اخذ ميثاق النبيين آدم فمن بعده في محمد (ص) لئن بعث خاتم الرسل وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأمره فيأخذ العهد كذلك على قومه. ثانيا: جاءت صفاته ونعته (ص) في التوراة والانجيل، وان اسمه أحمد ومحمد وبشر ببعثته الانبياء، ولذلك فان أهل الكتاب كانوا يعرفونه كما يعرفون ابناءهم، كما ذكرت صفات أمته - أيضا - في الكتب السماوية. ثالثا: كان الاحبار والكهان يخبرون: بان مولده (ص) في مكة ويهاجر إلى المدينة، وبسبب علمهم بذلك هاجر قبائل من اليهود إلى المدينة ونواحيها ينتظرون بعثته، واخبروا تبعا بذلك عندما أراد أن يهدم المدينة فانصرف عنها ولم يمس احدا بسوء، وبشروا به جده عبد المطلب. وبسبب اشتهار ذلك في المجتمع الجاهلي سمعي بعض العرب ابناءهم بمحمد رجاء أن تدركه النبوة. رابعا: في ليلة ميلاده (ص) رأت آمنة أم الرسول (ص) حين حملت به نورا

[287]

خرج منها اضاءت له بصرى من ارض الشام، وقيل لها في المنام، انك حملت بسيد هذه الامة فإذا ولد سميه محمدا. ولما ولد (ص) رآى من كان في البيت كل شئ في البيت كانه نور، وكأن النجوم تدنو حتى يروها كأنها تقع عليهم. وارسلت امه إلى جده عبد المطلب فلما جاء حدثته بما رأت حين حملت به وما قيل لها وما امرت ان تسميه. ورأى عالم اليهود في المدينة طلوع نجمه فصعد بيتا مرتفعا ومعه شعلة نار فصرخ: يا معشر اليهود، فلما اجتمعوا إليه قال: هذا كوكب احمد قد طلع وهذا الكوكب لا يطلع إلا بالنبوة ! وفي فارس تزلزل ايوان كسرى وسقطت منه اربع عشرة شرفة، وغاضت بحيرة ساوة، وخمدت نار فارس، وكانوا يعبدونها، ولم تخمد نار فارس قبله منذ الف سنة، ورأى الموبذان في منامه ابلا صعابا تقود خيلا عرابا عبرت نهر دجلة وانتشرت في بلادهم، فاعلمهم سطيح الكاهن بان ملك فارس ينتهي بعد مضي أربعة عشر ملكا منهم. خامسا: لما أخذته (ص) مرضعته حليمة رأت من دلائل نبوته انتشار البركة لما در لبنها ولبن البهم من دواجنها، ورأت تظليل الغمام اياه، فأدركت وعرفت عظيم امره، ولما سمعت من الكاهن في سوق عكاظ وغيره ما سمعت وشاهدت من امره ما شاهدت خشيت عليه وارجعته إلى امه في مكة، وعندئذ اخبرتها امه بما رأت وسمعت في شأنه عند ولادته. سادسا: ما جرى في سفره (ص) مع عمه إلى الشام: لما نزل الركب بصرى من الشام ورأى عالم النصارى بحيرا من صومعته الغمامة تظلل رسول الله (ص) دعاهم إلى طعامه وجعل يلحظ رسول الله (ص) وسأله عن أحواله، ورأى خاتم

[288]

النبوة بين كتفيه، فاخبر عمه بأنه نبي هذه الامة وان اليهود تحسده لانه ليس من بني اسرائيل، ورآه هناك رجال من اليهود وعرفوا صفته فذاكروا بحيرا باغتياله، فنهاهم غنه وقال لهم: ان كان هو ما تخبرون عنه فليس لكم عليه سبيل، فصدقوه وتركوه، فانشد ابو طالب في ذلك قصيدتين. سابعا: ما جرى في سفره (ص) في تجارة لخديجة: رأى ميسرة غلام خديجة كيف يظلل من الشمس، ورأه نسطورا الراهب وعرف انه النبي لما رأى فيه من علامات، وقال لميسرة: هو آخر الانبياء. ثامنا: ما جرى للنبي (ص) مقارنا لبعثته حين اراد الله كرامته وابتدأه بالنبوة، كان إذا خرج لحاجة ابعد حتى يفضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بحجر ولا شجرة إلا قالت: السلام عليك يا رسول الله ! مع كل ما أوردناه من مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء لست أدري كيف لم ينتبه الاعلام منهم إلى مناقضة الآيات الماضية والروايات السابقة مع ما رووا من ان الرسول (ص) عندما نزل عليه جبرائيل بسورة اقرأ، قال له: اقرأ، قال: لست بقارئ، فغطه حتى بلغ منه الجهد حتى ظن أنه الموت، يفعل ذلك به ثلاث مرات، وفي الاخيرة قال له: (اقرأ باسم ربك الذي خلق...) ولم لم يقرأ عليه الايات ليعرف الرسول (ص) ماذا يقرأ ؟ وكيف خشي أن يكون به جنن أو إنه أصبح كاهنا ؟ أي أن النبي (ص) ظن ان جبرائيل جني يكلمه، وبذلك أصبح كاهنا وأخذ فؤاده يرجف، وقال عن نفسه: إن الابعد، لشاعر أو مجنون - معاذ الله - حتى ذهبت به خديجة إلى ورقة بن نوفل النصراني فطمأنه وعرفه ان الذي كلمه هو الناموس الاكبر الذي نزل على موسى عليه السلام. وإن المعرفة بجبرائيل بعد أن أجلست خديجة الرسول (ص) في حجرها

[289]

وكشفت عن رأسها، أو بعد ان ادخلته في درعها وتغيب جبرائيل عن عين الرسول (ص). لست أدري أيصح ان يسجل مثل هذا السخف في سيرة الرسول (ص) ؟ وإذا كانت هذه الروايات في خبر بدء تلقي الرسول (ص) الوحي تناقض القرآن الكريم وتناقض البشارات المنتشرة في الكتب السماوية والروايات الصحيحة المتواترة في مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة الخلفاء، فكيف كان تلقي الرسول (ص) أول وحي نزل إليه ؟ نرجع لمعرفة ذلك إلى مصادر الدراسات الاسلامية بمدرسة أهل البيت، فنجد في خطبة للامام علي في نهج البلاغة يخبر عن ذلك ويقول: (ولقد قرن الله به (ص) من لدن ان كان فطيما أعظم ملك من ملائكته يسلك به طريق المكارم ومحاسن اخلاق العالم ليله ونهاره، ولقد كنت اتبعه اتباع الفصيل اثر امه، يرفع لي كل يوم من اخلاقه علما، ويأمرني بالاقتداء به. ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد يومئذ في الاسلام غير رسول الله (ص) وخديجة وانا ثالثهما، أرى نور الوحي، واشم ريح النبوة، ولقد سمعت رنة الشيطان حين نزل الوحي عليه (ص) فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة ؟ فقال: هذا الشيطان أيس من عبادته، انك تسمع ما اسمع وترى ما أرى إلا انك لست بنبي، ولكنك وزير وانك على خير) (1). وقال علي بن محمد الهادي عليه السلام: إن رسول الله (ص) لما ترك التجارة إلى الشام، وتصدق بكل ما رزقه الله تعالى من تلك التجارات، كان يغدو كل يوم إلى حراء يصعده وينظر من قلله إلى آثار رحمة الله، وإلى أنواع عجائب رحمته


(1) نهج البلاغة، خطبة 192، (الخطبة القاصعة) ص 300 - 301 تحقيق صبحي الصالح وشرح محمد عبده 2 / 182، ط. مصر، مطبعة الاستقامة.

[290]

وبدائع حكمته، وينظر إلى أكناف السماء (1) وأقطار الأرض والبحار والمفاوز والفيافي، فيعتبر بتلك الآثار، ويتذكر بتلك الآيات، ويعبد الله حق عبادته، فلما استكمل أربعين سنة، ونظر الله عزوجل إلى قلبه فوجده أفضل القلوب وأجلها وأطوعها وأخشعها وأخضعها، أذن لأبواب السماء ففتحت ومحمد ينظر إليها، وأذن للملائكة فنزلوا ومحمد ينظر إليهم، وأمر بالرحمة فأنزلت عليه من لدن ساق العرش إلى رأس محمد وغرته، ونظر إلى جبرئيل الروح الأمين المطوق بالنور طاووس الملائكة هبط إليه وأخذ بضبعه (2) وهزه وقال: يا محمد اقرأ، قال: وما أقرأ ؟ قال: يا محمد (اقرأ باسم ربك الذي خلق * خلق الانسان من علق * اقرأ وربك الأكرم * الذي علم بالقلم * علم الانسان ما لم يعلم) (3)، ثم أوحى إليه ما أوحى إليه ربه عزوجل، ثم صعد إلى العلو ونزل محمد (ص) من الجبل (4) وقد غشيه من تعظيم جلال الله وورد عليه من كبير (5) شأنه ما ركبه الحمى والنافض (6). يقول: وقد اشتد عليه ما يخافه من تكذيب قريش في خبره ونسبتهم إياه إلى الجنون، وإنه يعتريه شياطين (7)، وكان من أول أمره أعقل خلق الله (8)، وأكرم براياه، وأبغض الأشياء إليه الشيطان وأفعال المجانين وأقوالهم، فأراد الله عزوجل أن يشرح صدره، ويشجع قلبه، فأنطق الله الجبال والصخور والمدر،


(1) وأقطارها (خ). (2) الضبع: وسط العضد وفي المصدر: بضبعيه. (3) سورة العلق: 1 - 5. (4) عن الجبل (خ ل). (5) من كبر شأنه (خ ل) وفي المصدر: من كبرباء شأنه. (6) النافض: ص الرعدة. (7) شيطان (خ ل). وفي المصدر: الشيطان (8) خليقة الله. (خ ل).

[291]

وكلما وصل إلى شئ منها ناداه: السلام عليك يا محمد، السلام عليك يا ولي الله، السلام عليك يا رسول الله (1) أبشر، فإن الله عزوجل قد فضلك وجملك وزينك وأكرمك فوق الخلائق أجمعين من الأولين والآخرين، لا يحزنك أن تقول قريش إنك مجنون. وعن الدين مفتون، فإن الفاضل من فضله رب العالمين، والكريم من كرمه خالق الخلق أجمعين، فلا يضيقن صدرك من تكذيب قريش وعتاة العرب لك، فسوف يبلغك ربك أقصى منتهى الكرامات، ويرفعك إلى أفرفع الدرجات، وسوف ينعم ويفرح أولياءك بوصيك علي بن أبي طالب، وسوف يبث علومك في العباد والبلاد بمفتاحك وباب مدينة حكمتك (2): علي بن أبي طالب، وسوف يقر عينك ببنتك فاطمة، وسوف يخرج منها ومن علي الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، وسوف ينشر في البلاد دينك، وسوف يعظم اجور المحبين لك ولأخيك، وسوف يضع في يدك لواء الحمد فتضعه في يد أخيك علي، فيكون تحته كل نبي وصديق وشهيد، يكون قائدهم أجمعين إلى جنات النعيم، فقلت في سري: يا رب من علي بن أبي طالب الذي وعدتني به ؟ - وذلك بعدما ولد علي عليه السلام وهو طفل - أهو ولد عمي ؟ وقال بعد ذلك لما. تحرك علي وليدا (3) وهو معه: أهو هذا ؟ ففي كل مرة من ذلك أنزل عليه ميزان الجلال، فجعل محمد في كفة منه، ومثل له علي عليه السلام وسائر الخلق من امته إلى يوم القيامة في كفة، فوزن بهم فرجح، ثم اخرج محمد من الكفة وترك علي في كفة محمد التي كان فيها فوزن بسائر امته فرجح بهم،


(1) زاد في المصدر: بعد قوله: رسول الله: السلام عليك يا حبيب الله ابشر، ولم يذكر قوله: السلام عليك با محمد (2) في المصدر: مدينة علمك. (3) قليلا (خ ل): وهو الموجود في المصدر.

[292]

وعرفه (1) رسول الله بعينه وصفته ونودي في سره: يا محمد هذا علي بن أبي طالب صفيي الذي أؤيد به هذا الدين، يرجح على جميع امتك بعدك، فذلك حين شرح الله صدري بأداء الرسالة، وخفف عني مكافحة الامة، وسهل علي مبارزة العتاة الجبابرة من قريش (2). * * * هكذا كان الامام علي هو الشاهد الوحيد لبدء نزول الوحي. وأهل البيت أدرى بما في البيت. وأما الروايات التي سبق ايرادها فهي مختلقة وافتريت روايتها على أم المؤمنين وغيرها من الصحابة، وسوف نبحث عمن اختلقها بعد ايراد روايات بدء الدعوة واسطورة الغرانيق ودراستها بإذنه تعالى:


(1) فعرفه (خ ل). (2) بحار الانوار للمجلسي 18 / 205 - 207. وما أخبر به علي بن محمد الهادي (ع) من سيرة وحديث كان مما أخذه عن آبائه عن جده علي (ع) كما أثبتنا ذلك في المجلد الثاني من معالم المدرستين، الفصل الربع، بحث أحاديث أئمة أهل البيت (ع) مسندة إلى الله ورسوله (ص).

[293]

ثانيا - روايات بدء الدعوة أ - في صحيح مسلم عن عائشة قالت: لما نزلت: (وانذر عشيرتك الاقربين، قام رسول الله (ص) على الصفا فقال: يا فاطمة بنت محمد ! يا صفية بنت عبد المطلب ! يا بني عبد المطلب ! لا أملك لكم من الله شيئا، سلوني من مالي ما شئتم (1). ب - في صحيح مسلم وسنن النسائي ومسند أحمد واللفظ للاول عن أبي هريرة قال: لما انزلت هذه الآية: (وانذر عشيرتك الاقربين) دعا رسول الله (ص) قريشا فاجتمعوا فعم وخص فقال: يا بني كعب بن لؤي ! انقذوا انفسكم من النار. يا بني مرة بن كعب ! انقذوا انفسكم من النار... يا بني هاشم ! انقذوا انفسكم من النار، يا بني عبد المطلب ! انقذوا انفسكم من النار. يا فاطمة ! انقذي نفسك من النار، فاني لا أملك لكم من الله شيئا غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها (2). ج - في صحيح مسلم: ان أبا هريرة قال: قال رسول الله (ص) حين انزل


(1) صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب وانذر عشيرتك الاقربين ج 1 / 192، وسنن النسائي، كتاب الوصاياج، باب إذا اوصى لعشيرته الاقربين 6 / 250، ومسند أحمد 2 / 360 و 6 / 187، وصحيح البخاري 2 / 179، وسنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في انذار النبي (ص) قومه 9 / 191، وكتاب التفسير تفسير سورة الشعراء، 12 / 59. (2) صحيح مسلم، كتاب الايمان، باب وانذر عشيرتك الاقربين ج 1 / 192، وسنن النسائي ج 6 / 248 كتاب الوصايا، ومسند أحمد ج 2 / 333 و 519.

[294]

عليه: (وانذر عشيرتك الاقربين): يا معشر قريش ! اشتروا انفسكم من الله لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب ! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس ابن عبد المطلب لا اغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله ! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله ! سليني بما شئت لا اغني عنك من الله شيئا (1). د - في سنن الترمذي وتفسيري الطبري والسيوطي عن ابي موسى الاشعري، يقول ابو موسى: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الاقربين) وضع رسول الله (ص) اصبعه في اذنيه فرفع من صوته فقال: يا بني عبد مناف يا صباحاه فخاطبهم: اني انذركم واخوفكم من الخطر... (2). ه‍ - في تفسير السيوطي عن ابن عباس قال: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الاقربين) ورهطك منهم المخلصين خرج النبي (ص) حتى صعد على الصفا فنادى: يا صباحاه، فقالوا: من هذا الذي يهتف ؟ قالوا: محمد ! فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: أرأيتكم لو اخبرتكم ان خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا، قال: فاني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا ؟ فنزلت: (تبت يدا أبي


(1) صحيح مسلم، كتاب الايمان باب وانذر عشيرتك الاقربين ج 1 / 192 - 193، وسنن الدارمي، كتاب الرقاق، باب وانذر عثيرتك الاقربين ج 2 / 305، وسنن النسائي، كتاب الوصايا ج 6 / 249، ومسند احمد ج 2 / 350 و 399. وذكر السيوطي روايتين اخريين في تفسير هذه الآية ج 5 / 96 عن انس بن مالك وبراء بن عازب وهي شبيهة تماما برواية ابي هريرة. (2) الدر المنثور للسيوطي ج 5 / 96، نقلا عن تاريخ الطبري ج 19 / 73 وما بعدها، وسنن الترمذي ج 12 / 62 ط. مصر سنة 1353 ه‍.

[295]

لهب وتب) (1). و - في مسند أحمد وصحيح مسلم وتفسير الطبري والسيوطي عن أبي عثمان النهدي، عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو قال: لما نزلت على رسول الله (ص): (وأنذر عشيرتك الاقربين) انطلق رسول الله (ص) إلى صخرة من جبل فعلا اعلاها، ثم نادى أو قال: يا آل عبد مناف اني نذير، ان مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو فانطلق يربؤ أهله ينادي، أو قال: يهتف يا صباحاه (2). ز - في الدر المنثور بسنده عن أنس قال: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الاقربين) بكى رسول الله (ص) ثم جمع أهله فقال: يا بني عبد مناف أنقذوا انفسكم من النار، يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، ثم التفت إلى فاطمة فقال: يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فاني لا اغني عنكم من الله شيئا، غير ان لكم رحما سأبلها ببلالها (3). ح - عن البراء قال: لما نزلت على النبي (ص): (وأنذر عشيرتك الاقربين) صعد النبي (ص) ربوة من جبل فنادى: يا صباحاه، فاجتمعوا، فحذرهم وأنذرهم ثم قال: لا أملك لكم من الله شيئا، يا فاطمة بنت محمد أنقذي نفسك من النار، فاني لا أملك لك من الله شيئا (4). ط - عن أبي امامة قال: لما نزلت: (وأنذر عشيرتك الاقربين) جمع رسول الله (ص) بني هاشم فأجلسهم على الباب، وجمع نساءه وأهله فاجلسهم


(1) تفسير السيوطي ج 5 / 96، وسنن الترمذي ج 12 / 259. (2) مسند احمد ج 3 / 476 وج 5 / 60، وصحيح مسلم، كتاب الايمان، باب وانذر عشيرتك الاقربين والدر المنثور للسيوطي ج 5 / 95 وتفسير الطبري ج 19 / 73. (3) الدر المنثور ج 5 / 96. (4) الدر المنثور للسيوطي ج 5 / 96.

[296]

في البيت، ثم اطلع عليهم فقال: يا بني هاشم اشتروا انفسكم من النار واسعوا في فكاك رقابكم وافتكوها بانفسكم من الله، فاني لا املك لكم من الله شيئا، ثم اقبل على أهل بيته فقال: يا عائشة بنت أبي بكر ويا حفصة بنت عمر ويا أم سلمة ويا فاطمة بنت محمد... اشتروا انفسكم من الله واسعوا في فكاك رقابكم، فاني لا املك لكم من الله شيئا ولا اغني، فبكت عائشة وقالت: وهل يكون ذلك اليوم لا تغني عنا شيئا... (1) ؟ دراسة اسناد الروايات: أجمع العلماء والمفسرون ان آية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) من سورة الشعراء المكية نزلت في العام الثالث بعد البعثة (2). وينتهي سند الرواية الاولى إلى أم المؤمنين عائشة، وقد ولدت في السنة الرابعة بعد البعثة (3) فأنى لها أن تتحدث عن خبر آية نزلت قبل ولادتها بعام ! ؟ وتنتهي الرواية الثانية والثالثة إلى الصحابي أبي هريرة، والرابعة إلى الصحابي ابي موسى الاشعري، وكلاهما ورد المدينة في السنة السابعة بعد الهجرة وبعد فتخ خيبر. والرواية الخامسة عن ابن عباس وقد ولد في شعب أبي طالب وقبل الهجرة


(1) المصدر نفسه. (2) تاريخ الطبري: ذكر حوادث السنة الثالثة ج 1 / 1169 - 1174 ط. اوربا وج 2 / 318 - 322 طبعة مصر تحقيق محمد ابو الفضل ابراهيم وابن الاثير ج 2 / 44 وتاريخ ابن كثير ج 3 / 37 وتاريخ الخميس ج 1 / 287 وانساب الاشراف ج 1 / 116 والاكتفاء للكلاعي ج 1 / 279 - 280 طبعة مصر. (3) اسد الغابة ج 7 / 188 - 192 الترجمة 7085.

[297]

إلى المدينة بثلاث سنوات أي بعد نزول الآية الكريمة بسبع سنوات (1). والرواية السادسة يرويها ابو عثمان عن قبيصة بن مخارق وزهير بن عمرو، وقبيصة بن مخارق من قبيلة بني هلال، ولم ير الرسول (ص) بمكة، بل كان أول لقائه للنبي (ص) عندما جاء مع وفد من قبيلته إلى المدينة واسلم يومئذ ثم رجع إلى موطنه (2). وزهير بن عمرو لم يرد أي ذكر عنه في غير هذه الرواية، ويقول الباحثون في علم الرجال وأحوال الصحابة: ان أول ما عرف زهير من الناحية التاريخية كان في البصرة، ولم يعرف عنه أي خبر قبل ذلك، وكان له بيت في هذه المدينة التي اسست عام 14 ه‍، وهذه الرواية هي العلامة الوحيدة لكونه صحابيا، وقال علماء الرجال: لا نعرف له حديثا غير هذا، وان البخاري لم يعتقد بصحة هذا الحديث، ولم ينقله في كتابه، وقال: ان الدليل على بطلان الرواية وعلى أن زهيرا هذا لم يكن صحابيا ان زهيرا لم يذكر في هذا الحديث أنه سمعه من رسول الله (ص) (3). والحاصل ان الذي عد زهيرا في عداد الصحابة اعتمد هذا الحديث، في حين ان هذا الحديث لا يدل على درك زهير لصحبة النبي (ص) بل يوجد الشك في لقائه للنبي (ص). وبنا، على ما اوردناه ان راويي هذا الحديث لم يشاهدا الرسول (ص) بمكة ليخبرا عن أحواله في بدء الدعوة. والرواية السابعة عن انس بن مالك، وكان قد ولد في المدينة في السنة


(1) الاصابة ج 2 / 322 الترجمة 4781. (2) للمزيد عن حياته راجع: الاصابة ج 3 / 215. واسد الغابة ج 4 / 383 - 384 الترجمة 4259. (3) الاصابة ج 1 / 536 الترجمة 2835، تهذيب التهذيب ج 3 / 347.

[298]

الثالثة من البعثة، أي في سنة نزول الآية، فكيف يخبر عن خبر نزول آية في تلك السنة في مكة المكرمة ؟ والرواية الثامنة عن البراء بن عازب وهو من قبيلة الاوس من الانصار، وحضر بدر في السنة الثانية بعد الهجرة، ولم يكن قد بلغ الخامسة عشرة، فلم يقبل الرسول (ص) اشتراكه في الحرب لصغر سنه، فكيف يخبر عن شأن نزول آية نزلت قبل ذلك التاريخ باثنتي عشرة سنة. والرواية التاسعة عن أبي امامة، وفي باب الكنى باسد الغابة ترجم لخمسة كناهم بابي امامة. 1 - ابو امامة اسعد بن زرارة، شهد بيعة العقبة الاولى والثانية وتوفي في شوال بعد تسعة اشهر من الهجرة. 2 - ابو امامة الانصاري، ذكر حديثا جاء فيه اسمه لا يدرى من هو ! 3 - ابو امامة الباهلي، سكن مصر وتوفي احدى أو ست وثمانين هجرية في الشام، وهذا لم يدرك النبي (ص) بمكة ليتحدث عن بدء نزول الوحي. 4 - ابو امامة بن ثعلبة الانصاري، له عن النبي (ص) ثلاثة أحاديث، وهذا - أيضا - لم يكن من أهل مكة ليدرك النبي (ص). 5 - ابو امامة بن سهل بن حنيف، توفي سنه مائة وهو ابن نيف وتسعين سنة، وهذا - أيضا - لا يدرك عصر الرسول (ص) بمكة (1). هكذا كان اسناد الروايات إلى رواة لم يدركوا عصر الرسول (ص) بمكة ليخبروا عنه.


(1) راجع تراجمهم في أسد الغابة ج 6 / 16 - 18 ط. مصر.

[299]

دراسة متون الروايات: أولا: علمنا ان آية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) نزلت في العام الثالث بعد البعثة، وقد جاء في الروايات 1 و 2 و 3 و 7 و 8 و 9، ان رسول الله (ص) خاطب ابنته فاطمة في من خاطب، وقال في الاولى: اني لا املك لكم من الله شيئا... وقال في 2 و 7 و 8: يا فاطمة انقذي نفسك من النار، وقال في الثالثة: يا فاطمة بنت رسول الله (ص) سليني ما شئت لا أغني عنك من الله شيئا، بينما كانت فاطمة على القول الاصح ولدت في السنة الخامسة بعد البعثة (1). ولو قبلنا رأي الآخرين والذين اختلفوا في سنة مولدها، فقد كان عمرها عام البعثة قبل سن البلوغ ولا تصح مخاطبتها يومذاك كسائر المكلفين، بينما كان لها ثلاث أخوات متزوجات ولا يأت ذكر هن في الروايات. ثانيا: جاء في الروايات 1 و 2 و 3 و 7، ان رسول الله خاطب بني عبد المطلب وبني كعب بن لؤي وقريش وقال لهم: اني لا املك لكم من الله شيئا، انقذوا انفسكم من النار. وهذا الخطاب يصح ان يخاطب به من يؤمن بيوم القيامة وبرسالة الرسول (ص) وينتظر شفاعته يوم القيامة، وكيف يخاطب به من قال قائلهم: (ان هي إلا حياتنا الدنيا وما نحن بمبعوثين) و: (من يحيي العظام وهي رميم) وقال في الرسول (ص): انه ساحر ومجنون ؟ ومتى كان لرسول الله (ص) مال ليقول لهم: خذوا من مالي ما شئتم ؟ انه كان يعيش من أموال زوجته خديجة.


(1) امول الكافي ج 1 / 457 وتاريخ الائمة لابن ابي الثلج ص 6 مجموعة نفيسة وتاج المواليد للطبرسي ص 97 مجموعة نفيسة والمستدرك على الصحيحين ج 3 / 156.

[300]

ثالثا: جاء في الروايات 2 و 3 و 4 و 5 و 6 و 7 ان رسول الله (ص) عندما نزلت عليه آية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) خاطب قريشا وآل عبد مناف وقال:.... في حين ان الآية خصت امر الانذار بعشيرته الاقربين، وهم بنو عبد المطلب وبنو هاشم، وليس ما عداهم من قبائل قريش ! رابعا: في رواية ابي امامة الاخيرة، انه لما نزلت الآية جمع الرسول (ص) بني هاشم بباب البيت ونساءه وأهله فاطمة وعائشة وحفصة وأم سلمة وقال:... في حين ان رسول الله (ص) تزوج بعائشة وحفصة وأم سلمة في المدينة، والآية نزلت كما ذكرنا في مكة وفي السنة الثالثة من البعثة. * * * كان ذلكم شأن الروايات التي اسندت روايتها إلى الصحابة، ولا نطيل البحث بايراد روايات رويت في هذا المقام عن التابعين الذين لم يدركوا الرسول (ص) ليخبرونا عما حدث في عصره، وكذلك شأن من جاء بعد التابعين من الرواة. بعد وضوح تناقض هذه الروايات بعضها مع بعض وتناقضها مع الواقع التاريخي نرجع إلى مصادر الدراسات الاسلامية، ويظهر لنا ان هذه الروايات بمجموعها تتحدث عن خبرين كالآتي بيانه: عندما بعث رسول الله (ص) امن به من كان في بيته زوجه خديجة وابن عمه علي ومولاه زيد، وفي السنة الثالثة من البعثة نزلت آية: (وأنذر عشيرتك الأقربين) وكان من خبره ما تحدث عنه الامام علي ممن شاهد الحادثة واشترك فيها. روى الطبري، وابن عساكر، وابن الأثير، وابن كثير، والمتقي، وغيرهم - واللفظ للأول - قال: عن علي بن أبي طالب (ع) قال:

[301]

لما نزلت هذه الآية على رسول الله (ص): (وأنذر عشيرتك الأقربين). دعاني رسول الله (ص) فقال لي: يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت بذلك ذرعا، وعرفت أني متى أباديهم بهذا الامر أرى ما اكره، فصمت عليه حتى جاءني جبرئيل فقال: يا محمد إن لا تفعل ما تؤمر به يعذبك ربك. فاصنع لنا صاعا من طعام، واجعل عليه رجل شاة، وأملألنا عسا من لبن، ثم اجمع لي بني عبد المطلب حتى أكلمهم وأبلغهم ما أمرت به. ففعلت ما أمرني به، ثم دعوتهم له، وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه، فيهم أعمامه: أبو طالب، وحمزة، والعباس، وأبو لهب. فلما اجتمعوا إليه دعاني بالطعام الذي صنعت لهم، فجئت به، فلما وضعته تناول رسول الله (ص) حذية (أي: قطعة) من اللحم فشقها بأسنانه، ثم ألقاه في نواحي الصحفة، ثم قال: خذوا بسم الله. فأكل القوم حتى ما لهم بشئ من حاجة، وما أرى إلا موضع أيديهم. وأيم الله الذي نفس علي بيده إن كان الرجل الواحد منهم ليأكل ما قدمت لجميعهم. ثم قال: إسق القوم، فجئتهم بذاك العس، فشربوا منه حتى رووا منه جميعا، وأيم الله إن كان الرجل الواحد منهم ليشرب مثله. فلم أراد رسول الله (ص) أن يكلمهم، بدره أبو لهب إلى الكلام فقال: لشد ما سحركم صاحبكم، فتفرق القوم ولم يكلمهم رسول الله (ص). فقال الغد: يا علي إن هذا الرجل سبقني إلى ما قد سمعت من القول، فتفرق القوم قبل أن أكلمهم، فعد لنا من الطعام بمثل ما صنعت، ثم اجمعهم إلي. قال: ففعلت، ثم جمعتهم، ثم دعاني بالطعام، فقربته لهم، ففعل كما فعل بالأمس، فأكلوا حتى ما لهم بشئ حاجة، ثم قال: إسقهم، فجئتهم بذاك العس، فشربوا حتى رووا منه جميعا. ثم تكلم رسول الله (ص) فقال: يا بني عبد المطلب، إني والله ما أعلم شابا في الرب جاء قومه بأفضل مما قد جئتكم به، إني قد جئتكم

[302]

بخير الدنيا والآخرة، وقد أمرني الله تعالى أن أدعوكم إليه، فأيكم يؤازرني على هذا الأمر على أن يكون أخي ووصيي وخليفتي فيكم ؟ قال: فأحجم القوم عنها جميعا وقلت - وإني لأحدثهم سنا، وأرمصهم عينا، وأعظمهم بطنا، وأحمثهم ساقا -: أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه، فأخذ برقبتي، ثم قال: ان هذا اخي ووصيي وخليفتي فيكم، فاسمعوا له واطيعوا، قال: فقام القوم يضحكون ويقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع (1). اشرنا في ما مضى أن دعوة النبي (ص) قد انحصرت في بيته ابتداء، وقد أحس أمير المؤمنين (ع) العطر السماوي والوحي الالهي في أول لحظات البعثة، حيث إنه (ع) كان يرافق النبي (ص) في غار حراء، وبعد رجوعه (ص) إلى البيت التحقت بهما السيدة خديجة، فاصبح عدد المسلمين ثلاثة، وهناك شواهد موثوقة على أن الاسلام لم يتجاوز هؤلاء الثلاثة لمدة مديدة (2). ثم التحق بهم بعد زمن مديد زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب، وإنا لا نعرف الزمن المحدد لاسلامهما. ان الله تعالى أمر النبي الاكرم (ص) في السنة الثالثة للبعثة أن يدعو الاقربين من عشيرته إلى الاسلام، وذلك بعد ثلاث سنوات من سرية الدعوة،


(1) تاريخ الطبري ج 3 / 1171 - 1172 ط. أوربا. وابن عساكر تحقيق المحمودي ج 1 من ترجمة الامام. وتاريخ ابن الأثير ج 2 / 222. وشرح ابن أبي الحديد ج 3 / 263. وفي تاريخ ابن كثير ج 3 / 39، وقد حذف الألفاظ وقال،: كذا وكذا. وكنز العمال للمتقي ج 15 / 100 و 115 و 116 منه وفي ص 130: يكون أخي وصاحبي ووليكم بعدي. والسيرة الحلبية ج 1 / 285 نشر المكتبة الاسلامتة ببيروت. (2) الطبري ج 2 / 311 - 312 ثلاثه احاديث ط. مصر تحقيق محمد أبو الفضل، الاستيعاب على هامش الاصابة ج 3 / 163، الاصابة ج 2 / 480، اسد الغابة ج 4 / 49، الترجمة 3696.

[303]

وكانت الآية 214 من سورة الشعراء حاملة لهذا التكليف، كما عرفنا قصة هذه الدعوة قبل ذلك عن لسان الامام أمير المؤمنين (ع)، وكان بعد هذا الوحي السماوي أن دعا رسول الله (ص) الأقربين من عشيرته إلى وليمة، وانذرهم وبلغهم في بيته، وبعد هذه الدعوة انتشرت الدعوة، واعتنق الاسلام محتلف الناس تدريجا، فازداد عدد المسلمين. عند وجود النبي (ص) في مكة لم يكن توجيه مثل هذا الخطاب العام إلى قريش ميسورا، فان قريش لم يؤمنوا به (ص) سوى عدد قليل منهم، حتى ينذرهم من عذاب النار ويكلمهم عن الشفاعة وعدمها، فمثل هذا الكلام يصح إذا خضعت قريش للاسلام واعتقدوا برسول الله (ص) كنبي، وان كان اعتقادا ظاهريا، ففي الحالة التي كان الرسول (ص) في صراع ليل ونهار مع قريش المترفين والمقتدرين واتباعهم، كانوا يهزأون به وأحيانا يلقون أمعاء الابل على رأسه الشريف أو يصبون عليه الرماد، في مثل هذه الظروف لا يعقل ان يكلمهم النبي (ص) ويقول لهم بأنه لا يتمكن من الشفاعة لهم، وعليهم أن يخلصوا أنفسهم من النار بعملهم الصالح (1). وعندما نفرض توفر مثل هذا الانذار العام فيجب ان يكون ذلك عندما اسلم كلهم ولو ظاهريا وقبلوه (ص) نبيا. وقد وجدنا في روايات أئمة أهل البيت: أولا: ان الروايات المتضمنة آية الانذار تحكي جميعها عن انذار الاقربين من العشيرة في بيت النبي (ص) ولا تحكي عن شئ آخر (2). ثانيا: تخبر عن صعود النبي (ص) على جبل الصفا، وخطبته العامة


(1) راجع: الروايات المتعلقة بالموضوع في صحيح مسلم ج 1 / 192 - 194. (2) راجع: تفسير البرهان ج 3 / 189 - 192 حيث نقل عشرة احاديث بهذا المضمون في ذيل الآية.

[304]

تأخرت إلى بعد فتح مكة. على جبل الصفا فقد روى الامام الصادق ان الرسول (ص) عندما فتح مكة، قام على جبل الصفا وقال: يا بي هاشحم وأولاد عبد المطلب ! أنا رحيم بكم وشفوق، لا تقولوا محمد منا، والله ليس أقربائي منكم ومن غيركم سوى المتقين، لا تكونوا ممن يأتون يوم القيامة حاملين الدنيا على عواتقهم، ويأتي الآخرون حاملين الآخرة معهم، اعلموا أني لم أدع أي عذر بيني وبينكم، ولا بين الله تعالى وبينكم، ولي عملي ولكم عملكم (1). لقد كان ينوي الرسول الكريم (ص) من هذه الخطبة البليغة توجيه أقربائه أن لا يتجهوا إلى الدنيا اعتمادا على قدرة النبي (ص) بعد أن انتصر على أهل مكة وأصبح حاكما في الواقع على جزيرة العرب، وأن عليهم أن يعرفوا أساس القربى والرابطة بالنبي (ص) الذي يرتبط بالتقوى وحسب، وهذا لا ينسجم مع حب الدنيا ونهب ثروات الناس، وأن لا يفكروا كسائر الحكام الدنيويين، ولا يقولوا ان في مثل هذه الظروف التي يحكم فيها أحد أقربائهم ويقود المجتمع، فلهم الحق في الوصول إلى القدرة والثروة والراحة، ويكون لهم السيادة الدنيوية والاخروية. وفي الخاتمة، نكرر أنه من الممكن جدا نسبة تلك الرواية إلى أحد الرواة، وأن الراوي عنه بنفسه غير مطلع على هذه النسبة. وذلك كالرواية التي كان ينقلها ابو عثمان النهدي عن زهير بن عمرو وقبيصة بن مخارق، وعرفنا رأي علماء الحديث حيث قالوا: إنه بمفرده نقل هذه الرواية عنهما، وان غيره من الناس لم


(1) صفات الشيعة ص 165 الحديت الثامن عن علي والشيعة طبعة 1958 النجف.

[305]

يسمع هذه الرواية منهما، وكذلك الرواية المنقولة عن ابن عباس أو عن ابي أمامة أو براء بن عازب وأمثالهم، فمن الممكن انه لم يقل أحد من هؤلاء مثل هذا الذي نقل عنهم، بل يمكن أن نثق بعدم صدور ذلك عنهم، لكنه بعد أن صدر مرسوم معاوية، وجهز جميع القدرة الاموية لجعل مثل هذه الاحاديث، حينئذ يمكننا ان نتصور بوضوح ان عروة بن الزبير ناقل روايات أم المؤمنين عائشة، أو محمد بن شهاب الزهري ناقل روايات أبي هريرة (1)، ممن قد جعلا هذه الروايات أساسا، ثم نسبوها إلى أمثال عائشة وأبي هريرة وابن عباس. وفي طبقات ابن سعد روايات تصرح بان قول رسول الله (ص): لا أغني من الله شيئا، كان في مرض وفاة الرسول (ص) كالآتي بيانه: أ - بسنده عن الصحابي ابن مسعود انه قال: نعى لنا نبينا وحبيبنا نفسه قبل موته بشهر، بأبي هو وأمي ونفسي له الفداء، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت أمنا عائشة وتشدد لنا فقال: مرحبا بكم حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، حفظكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، رفعكم الله، نفعكم الله، أداكم الله، وقاكم الله، أوصيكم بتقوى الله وأوصي الله بكم، أستخلفه عليكم وأحذركم الله إني لكم منه نذير مبين، ألا تعلوا على الله في عباده وبلاده فإنه قال لي ولكم: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين). وقال: (أليس في جهنم مثوى للمتكبرين) ؟ ب - بسنده عن أم المؤمنين عائشة ان رسول الله (ص) قال في مرضه الذي توفي فيه: ايها الناس ! لا تعلقوا علي بواحدة، ما احللت الا ما احل الله وما حرمت إلا ما حرم الله. ج - بسنده عن عبيد بن عمير قال: قال رسول الله (ص) في مرضه الذي


(1) انظر صحيح مسلم ج 1 / 192 - 194 تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

[306]

توفي فيه: أيها الناس ! والله لا تمسكون علي بشئ، إني لا أحل إلا ما أحل الله ولا أحرم إلا ما حرم الله ! يا فاطمة بنت رسول الله، يا صفية عمة رسول الله، اعملا لما عند الله، إني لا أغني عنكما من الله شيئا. د - بسنده عن سعيد بن المسيب انه قال: قال رسول الله (ص): يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئا ! يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئا ! يا فاطمة بنت محمد لا أغني عنك من الله شيئا ! سلوني ما شئتم (1). دراسة الأحاديث: إن الاحاديث الاربعة الماضية من حيث الزمان يناسب أن يكون في مرض وفاة الرسول (ص) وفي المدينة، وليس في مكة وفي السنة الثالثة من بعثة الرسول (ص) كما جاء في الاحاديث اللاتي درسناها قبل هذا. والحديثان الأول والثاني يصح سندها ومتنهما، والحديثان الثالث والرابع في سندهما ومتنهما مناقشة. * * * كانت تلكم نتيجة دراساتنا لروايات بدء نزول الوحي وبدء الدعوة. وفي ما يأتي ندرس باذنه تعالى روايات اسطورة الغرانيق.


(1) طبقات ابن سعد ج 2 / 256.

[307]

ثالثا - روايات اسطورة الغرانيق رويت في عدة روايات ما موجزها: ان رسول الله (ص) لما رأى من قومه ما شق عليه من مباعدة ما جاءهم به من الله تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره، مع حبه قومه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدثت بذلك نفسه وتمناه وأحبه، فانزل الله عليه: (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى * وما ينطق عن الهوى) فلما انتهى إلى قوله: (افرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) القى الشيطان على لسانه لما كان تحدث به نفسه ويتمنى ان يأتي به قومه: (تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتضي - أو - ترتجى). فلما سمعت ذلك قريش فرحوا وسرهم وأعجبهم ما ذكر به آلهتهم، فأصاخواله، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلما انتهى إلى السجدة فيها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق في المسجد من مؤمن ولا كافر إلا سجد، سوى الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود، فأخذ بيده من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس

[308]

من المسجد. وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر. قد زعم في ما يتلو: (انها الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتضي). وبلغ خبر السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله (ص) وقيل لهم: أسلمت قريش. فنهض منها رجال وتخلف آخرون، وعادوا إلى مكة، حتى إذا دنوا من مكة بلغهم ان الذي كان تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا، فبقي بعضهم بجوار مكة أو مستخفيا، ورجع منهم من رجع. هذه خلاصة ما أورده في تفاسيرهم كل من الطبري والواقدي والزمخشري والبيضاوي والسيوطي وغيرهم. ولكشف زيف هذه الاسطورة وتمحيص سنة الرسول (ص) نستعين الله، ونراجع الاسطورة في تفسير الطبري (ت: 310 ه‍) ونقول: 1 - أخرج الطبري عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس انهما قالا: جلس رسول الله (ص) في ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ أن لا يأتيه من الله شئ فينفروا عنه، فأنزل الله عزوجل: (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى)، فقرأها رسول الله (ص) حتى إذا بلغ: (افرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) القى الشيطان عليه كلمتين: (تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترجى). فتكلم بهما، ثم مضى فقرأ السورة كلها، فسجد في آخر السورة وسجد القوم معه جميعا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا إلى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت، وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا هذه

[309]

تشفع لنا عنده، فإذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل عليه السلام فعرض عليه السورة، فلهم بلغ الكلمتين اللتين القى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين، فقال رسول الله (ص): افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله إليه: (وان كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا اليك لتفتري علينا غيره - إلى قوله -: ثم لا تجد لك علينا نصيرا) (الاسراء: 73 - 75). فما زال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى القى الشيطان في امنيته فينسغ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم) (الحج: 52). قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا إلى عشائرهم وقالوا: هم أحب الينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان (1). 2 - وأخرجها أكثر تفصيلا عن محمد بن كعب القرظي وحده، قال: لما رأى رسول الله (ص) تولي قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى في نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حتى حدث بذلك نفسه وتمناه وأحبه، فانزل الله: (والنجم إذا هوى * ما ضل صاحبكم وما غوى) فلهم انتهى إلى قول الله: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) ألقى الشيطان على لسانه - لما كان يحدث به نفسه ويتمنى ان يأتي به قومه -: " تلك، لغرانيق العلى وإن


(1) تاريخ الطبري، ط. دائرة المعارف بمصر 2 / 340 - 341، وتفسير الطبري بتفسير الآية 52 من سورة الحج 17 / 131.

[310]

شفاعتهن لترتجي " فلما سمعت ذلك قريش فرحوا سرهم واعجبهم ما ذكر به آلهتهم فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم في ما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل، فلما انتهى إلى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من في المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر آلهتهم، فلم يبق في المسجد مؤمن ولا كافر إلا سجد، إلا الوليد بن المغيرة، فإنه كان شيخا كبيرا فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر آلهتهم، يقولون: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر. وقد زعم فيما يتلو " (أنها الغرانيق العلى وإن شفاعتهم ترتضي " وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله (ص)، وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال وتخلف آخرون. وأتى جبرائيل رسول الله (ص) فقال: يا محمد ماذا صنعت ؟ لقد تلوت على الناس ما لم آتك به عن الله عزوجل، وقلت ما لم يقل لك، فحزن رسول الله (ص) عند ذلك حزنا شديدا وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله تبارك وتعالى عليه: (وكان به رحيما) (1) يعزيه ويخفض عليه الامر، ويخبره أنه لم يكن قبله نبي ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب، إلا والشيطان قد القى في امنيته كما القى على لسانه (ص)، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أي فانما أنت كبعض الانبياء والرسل، فأنزل الله عزوجل: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته...). فأذهب الله عزوجل عن نبيه (ص) الحزن، وآمنه من الذي كان يخاف،


(1) هكذا في الأصل، وليست في القرآن آية بهذا الشكل.

[311]

ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر آلهتهم " انها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضي ". يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة اثالثة الاخرى: (ألكم الذكر وله الانثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم - إلى قوله تعالى - لمن شاء ويرضى) (الآيات: 21 - 26). أي فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده ؟ فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه. قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتكم عند الله فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان القى الشيطان على لسان رسوله (ص) قد وقعا في فم كل مشرك، فازدادوا شرا إلى ما كانوا عليه (11). 3 - أخرج عن أبي العالية قال: قالت قريش لرسول الله (ص): إنما جلساؤك عبد بني فلان ومولى بني فلان، فلو ذكرت الهتنا بشئ جالسناك، فإنه يأتيك اشراف العرب فإذا رأوا جلساءك اشراف قومك كان ارغب لهم فيك. قال: فألقى الشيطان في أمنيته، فنزلت هذه الآية: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى). قال: فأجرى الشيطان على لسانه: " تلك الغرانيق العلى وشفاعتهن ترجى مثلهن لا ينسى ". قال: فسجد النبي (ص) حين قرأها وسجد معه المسلمون والمشركون. فلما علم الذي اجري علن لسانه كبر ذلك عليه فانزل الله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته) إلى قوله: (والله عليم


(1) تفسير الطبري 17 / 131 - 132 وتاريخ الطبري ط. دار المعارف بمصر سنة 1961، 2 / 338 - 339 وط. اروبا 1 / 1192 - 1194.

[312]

حكيم) (1). 4 - أخرج هذه الرواية أكثر تفصيلا بسند آخر عن أبي العالية، قال: قالت قريش: يا محمد إنما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت الهتنا بخير لجالسناك، فان الناس يأتونك من الآفاق. فقرأ رسول الله (ص) سورة النجم، فلم انتهى على هذه الاية: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى، فألقى الشيطان على لسانه: " وهي الغرانقة العلى وشفاعتهن ترتجى ". فلما، فرغ منها سجد رسول الله (ص) والمسلمون والمشركون، إلا أبا أحيحة سعيد ابن العاص، اخذ كفا من تراب وسجد عليه وقال: قد آن لابن أبي كبشة أن يذكر الهتنا بخير، حتى بلغ الذين بالحبشة من اصحاب رسول الله (ص) من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتد على رسول الله (ص) ما ألقى الشيطان على لسانه فانزل الله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) الاية. 5 و 6 - روى الطبري هاتين الروايتين عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت هذه الاية: (أفرأيتم اللات والعزى). قرأها رسول الله (ص) فقال: " تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجي ". فسجد رسول الله (ص)، فقال المشركون: إنه لم يذكر آلهتكم قبل اليوم بخير، فسجد المشركون معه، فانزل الله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته) إلى قوله: (عذاب يوم عقيم) (الحج 52 - 55). 7 - روى عن ابن عباس قال: قوله: (وما ارسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته، إلى قوله: (والله عليم حكيم).


(1) تفسير الطبري 17 / 131.

[313]

وذلك أن نبي الله (ص) بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة الهة العرب، فجعل يتلوها فسمعه المشركون، فقالوا: إنا نسمعه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه، فيبنما هو يتلوها وهو يقول: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) القى الشيطان: " إن تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى ". فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل (ع) فنسخها، ثم قال له: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته) إلى قوله: (والله عليم حكيم، (1). 8 - روى عن الضحاك انه قال في قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) الآية: أن نبي الله (ص) وهو بمكة أنزل الله عليه في آلهة العرب، فجعل يتلو: (اللات والعزى، ويكثر ترديدها، فسمع أهل مكة نبي الله يذكر آلهتهم، ففرحوا بذلك ودنوا يستمعون، فالقى الشيطان في تلاوة النبي (ص): " تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى ". فقرأها النبي (ص) كذلك، فانزل الله عليه: ! وما أرسلنا من قبلك من رسول) إلى: (والله عليم حكيم) (2). 9 - روى عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحرث: أن رسول الله (ص) وهو بمكة قرأ عليهم: (والنجم إذا هوى) فلما بلغ: (أفرايتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى). قال: إن شفاعتهن ترتجى. وسهى رسول الله (ص)، فلقيه المشركون الذين في قلوبهم مرض، فسلموا عليه وفرحوا بذلك. فقال لهم: إنما ذلك من الشيطان، فانزل الله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي) حتئ بلغ: (فينسغ الله ما يلقي الشيطان). قال الطبري: واختلف أهل التأويل في معنى قوله: (تمنى) في هذا


(1) نفس المصدر السابق. (2) نفس المصدر السابق. (*)

[314]

الموضع. فمنهم من قال: النبي من النبي (ص): ما حدثته نفسه من محبته مقاربة قومه... ومنهم من قال: ذلك محبة منه في بعض الاحوال أن لا تذكر بسوء. وقال آخرون: بل معنى ذلك، إذا قرأ وتلا أو حدث. ثم روى عن عبيد قال: سمعت الضحاك يقول في قوله: (إلا إذا تمنى) يعني باتمنى: التلاوة والقراءة. قال الطبري: وهذا القول اشبه بتأويل الكلام، بدلالة قوله: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله اياته) على ذلك، لان الايات التي أخبر الله جل ثناؤه انه يحكمها لا شك انها آيات تنزيله، فمعلوم بذلك ان الذي ألقى فيه الشيطان هو ما أخبر الله تعالى ذكره انه نسخ ذلك منه وابطله ثم احكمه بنسخه ذلك منه، فتأويل الكلام إذا: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تلا كتاب الله، وقرأ أو حدث وتكلم ألقى الشيطان في كتاب الله الذي تلاه وقرأه، أو في حديثه الذي حدت وتكلم، فينسخ الله ما يلقي الشيطان، يقول تعالى: فيذهب الله ما يلقي الشيطان من ذلك على لسان نبيه ويبطله. وروى في تأييد قوله: 1 - عن ابن عباس قال: (فينسخ الله ما يلقي الشيطان): فيبطل الله ما ألقى الشيطان. 2 - عن الضحاك انه قال في قوله: (فينسغ الله ما يلقي الشيطان): نسخ جبرئيل بأمر الله ما القى الشيطان على لسان النبي (ص) وأحكم الله آياته. وقوله: (ثم يحكم الله آياته) يقول: خم يخلص الله آيات كتابه من الباطل الذي القى الشيطان على لسان نبيه، والله عليم بما بجدث في خلقه من حدث لا يخفى عليه منه شئ، حكيم في تدبيره إياهم، وصرفه لهم في ما شاء واحب.

[315]

وقال في تأويل قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد) (الحج: 53): يقول تعالى ذكره: (فينسغ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته) كي يجعل ما يلقي الشيطان في امنية نبيه من الباطل، كقول النبي (ص): " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي " فتنة، يقول: اختبارا، يختبر به الذين في قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشك في صدق رسول الله (ص) وحقيقة ما يخبرهم به. ثم روى عن قتادة، قال: إن النبي (ص) كان يتمنى أن لا يعيب الله آلهة المشركين، فألقى الشيطان في أمنيته، فقال: إن الآلهة التي تدعى، ان شفاعتها لترتجي، وإنها للغرانيق العلى، فنسخ الله ذلك، واحكم الله آياته (افرأيتم اللات والعزى)، حتى بلغ (من سلطان) قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله آلهتهم بخير، ففرحوا بذلك، فذكر قوله: (ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض). وقال في تفسير قوله تعالى: (وليعلم الذين اوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهادي الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (الحج: 54): يقول تعالى ذكره: وكي يعلم أهل العلم بالله أن الذي انزله الله من آياته التي احكمها لرسوله ونسخ ما القى الشيطان فيه انه الحق من عند ربك - يا محمد - فيؤمنوا به. يقول: فيصدقوا به (فتخبت له قلوبهم)، يقول: فتخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به، والاقرار بما فيه (وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) وإن الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله إلى الحق القاصد والحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان في امنية رسوله، فلا يضرهم كيد الشيطان

[316]

والقاؤه بالباطل على لسان نبيهم (1). وأورد السيوطي ما رواه الطبري، وأضاف إليها روايات أخرى مثل ما رواه عن السدي، قال: خرج النبي (ص) إلى المسجد ليصلي، فبينما هو يقرأ إذ قال: (أفرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى) فألقى الشيطان على لسانه، فقال: " تلك الغرانقة العلى، وإن شفاعتهن ترتجى " حتئ إذا بلغ آخر السورة سجد وسجد أصحابه، وسجد المشركون لذكره آلهتهم، فلما رفع رأسه حملوه فاشتدوا به بين قطري مكة يقولون: نبي بني عبد مناف، حتى إذا جاءه جبرئيل عرض عليه، فقرأ ذينلك الحرفين، فقال جبرئيل: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا ! فاشتد عليه فانزل الله يطيب نفسه: (وما أرسلنا من قبلك...) الاية (2). وأورد النيسابوري في تفسير الآية بغرائب القرآن عن ابن عباس انه قال: ان شيطانا يقال له الابيض اتاه على صورة جبرئيل وألقاها إليه، فلما سمع المشركون ذلك اعجبهم، فجاء جبرئيل واستعرضه فقرأها، فلما بلغ إلى تلك الكلمة انكر عليه جبريل، فقال: انه أتاني آت على صورتك فالقاها على لساني (3). و - أيضا - روى الطبري الرواية بايجاز عن مجاهد في تفسيره.


(1) تفسير الطبري ج 17 / 131 - 134. (2) الدر المنثور ج 4 / 368. (3) تفسير غرائب القرآن للنيسابوري ج 17 / 110 ط. الباب الحلبي بمصر. (*)

[317]

دراسة أسناد الروايات: هذه المجموعة من الروايات التي وردت في تاريخ الطبري، وتفسيره وتفسير الواقدي والزمخشري والبيضاوي والسيوطي وغيرهم، انما رويت: 1 - عن " محمد بن كعب بن سليم القرظي " الذي كان من سلالة يهود بني قريظة وولد سنة 40 هجرية. 2 - وعن " محمد بن قيس " الذي كان الناطق الرسمي للخلافة في عصر عمر بن عبد العزيز. 3 - وعن " أبي العالية البراء " اسمه زياد وقيل كلثوم وقيل ادينة وقيل ابن ادينة - من الرابعة مات سنة 90. 4 - وعن " سعيد بن جبير " وهو من التابعين ولم يكن من الصحابة، ولم يدرك عصر الرسول (ص). 5 - وعن " عبد الله بن عباس " الذي ولد كما ذكرنا في السنة العاشرة من البعثة ولم يكن قد ولد في العصر الذي تتحدث عنه الاسطورة. ورويت بعض الروايات: 6 - عن " الضحاك بن مزاحم الهلالي " وهو من الطبقة الخامسة من الرواة، (توفي سنة 94 هجرية). 7 - وعن " مجاهد بن جبر " وهو من الطبقة الثالثة، توفي سنة 103 أو 104 ه‍. 8 - وعن " قتادة بن دعامة السدوسي " وهو من الطبقة الرابعة، توفي سنة بضع عشرة بعد المائة. 9 - وعن " السدي ابي محمد اسماعيل بن عبد الرحمن " وهو من الطبقة

[318]

الرابعة، توفي سنة 127 ه‍. 10 - " أبو بكر بن عبد الرحمان بن الحارث المدني " ولد زمن عمر وهو من الطبقة الثالثة، مات سنة أربع وتسعين. وليس في كل هؤلاء الرواة ممن صحب النبي (ص) ورآه غير ابن عباس الذي قلنا انه ولد في السنة العاشرة، ولم يكن واحد من هؤلاء الرواة ممن كان موجودا في العصر الذي تتحدث عنه الاسطورة. كانت هذه اسناد روايات الاسطورة، ولم نجد رواية نسبت إلى غيرهم في كتب التفاسير والسير والتاريخ والحديث، فقد انحصرت الروايات بهؤلاء (1). دراسة متون الروايات: أما متون روايات الاسطورة، فانها تتحدث عن سورة النجم وآيات في سورة الحج: أ - آيات سورة النجم: أما سورة النجم فانها تتحدث عن عقائد المشركين حول بعضى أصنامهم وتردها، وخاصة عقيدتهم حول الاصنام الثلاثة: اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، اللاتي كانوا يزعمون انها تمثل بعض الملائكة بنات الله. ففي هذه الآيات اشار إلى هذا الزعم، حجث قال جل اسمه: (افرأيتم اللات والعزى * ومناة الثالثة الاخرى * ألكم الذكر وله الأنثى) أي انكم تعتقدون ان الملائكة بنات الله، ولكم الذكر ولله البنات، ثم يقول بعد هذه الآية: (تلك إذا قسمة ضيزى). ويرد قولهم بعد ذلك فيقول: (ان هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما


(1) راجع ترجمتهم بتقريب التهذيب المجلد الأول والثاني. (*)

[319]

انزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى * ام للانسان ما تمنى * فلله الاخرة والاولى * وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى * إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الانثى * وما لهم به من علم إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا * فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى) (النجم: 23 - 30). هكذا ترد هذه الآيات مزاعم المشركين، حيث كانوا يزعمون ان الملائكة تشفع لهم، وان هذه الاصنام التي سميت باسم الملائكه - تمثل الملائكة الذين كانوا يعتقدون بانهم بنات الله، والله يقول ان الملائكة لا يشفعون إلا لمن يأذن منهم أن يشفع، فكيف بهذه الاصنام التي سميتموها باسم الملائكة وزعمتم أن الملائكة اناث ؟ وما لكم به من علم، إن تتبعون إلا الظن. ولو فرضنا إن قائلا قال هكذا: " أفرأيتم اللات والعزى، ومناة الثالثة الاخرى، تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، الكم الذكر وله الانثى، تلك إذا قسمة ضيزى، ان هي إلا اسماء سميتموها التم واباؤكم ما انزل الله بها من سلطان ان يتبعون إلا الظن وما تهوى الانفس ". إذا كانت الآيات تدل على هذه المزعمة: " ان تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى، ان هي إلا اسماء سميتموها انتم واباؤكم وما انزل الله بها من سلطان ! ! ". لست أدري كيف لم ينتبه واضعوا هذه الاسطورة السخيفة حين قالوا: ان الشيطان القى على لسان رسول الله (ص) بعد ذكره اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، ان يقول: تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجي ؟ ! كيف لم ينتبهوا ان بعد الآية (أفرأيتم...) مباشرة استهزاء بهذه العقيدة بقوله تعالى: (ألكم

[320]

الذكر وله الانثى) (تلك إذا قسمة ضيزى) ؟ ثم مجابهة لهم بالاستنكار وبتكذيب زعمهم بقوله تعالى بعدها: (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم * ما أنزل الله بها من سلطان). خم اعقبه انكار شفاعة الملائكة بدون اذن الله، فكيف بتماثيلهم من الاصنام ؟ ! وأكد في الانكار عليهم مرة اخرى في تسميتهم الملائكة تسمية الانثى، وان المشركين لا علم لهم بذلك، ثم امر الرسول (ص) بالاعراض عنهم وان يدمغهم بقوله تعالى: (ذلك مبلغهم من العلم...) الآيات. لست أدري كيف غاب عن ناسبي هذه الاسطورة ومصدقيها من اعلام مفسري مدرسة الخلفاء ان المشركين الجاهليين بمكة لم يكونوا عجما لا يفهمون هذه المعركة الصاخبة من الذم والتقريع والاستهزاء والسخرية ؟ بل كانوا عربا اقحاحا، جل ثقافتهم نظم القصائد في المدح والهجاء، ومرهفي الاحساس فيما يجري في معاريض الكلام. يطربهم المدح، ويثيرهم الهجاء إلى حد اقامة الحروب واراقة الدماء في سيبل المفاخرة والمناظرة ! ! كان ذلك مغزى الايات في سورة النجم المناقضة لمغزى الآيات الشيطانية المفتراة التي يدركها بجلاء من كان له ادنى إلمام باللغة العربية. ب - آيات سورة الحج: اما في ما ورد في سورة الحج، فان واضعي الاسطورة افتروا على الوحي وعلى رسول الله (ص) وقالوا: ان جبريل جاء بعد ذلك إلى رسول الله، أي بعد ان القى الشيطان على لسانه (ص) - معاذ الله -: " تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى "، وقرأها رسول الله (ص) ضمن تلاوته للسورة، وسجد لقراءته المشركون وسجد المسلمون لسجود رسول الله (ص)، بعد ذلك جاءه جبريل واخبر الرسول (ص) بان الجملتين لم ينزلهما الله عليه، وانما هما من الشيطان، فحزن لذلك رسول الله (ص) فانزال الله عليه هذه الآية من سورة الحج:

[321]

(وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في امنيته فينسخ الثه ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم * ليجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم وإن الظالمين لفي شقاق بعيد * وليعلم الذين اوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له قلوبهم وإن الله لهاد الذين آمنوا إلى صراط مستقيم) (الحج: 52 - 54). وزعموا ان معنى الاية: وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى، يعني: الا إذا تلا، أي قرأ كتاب الله، القى الشيطان في امنيته، أي في قراءته، فينسخ الله ما يلقي الشيطان. هكذا زعموا ! ولفهم مغزى الآيات ينبغي ان نرجع إلى اللغة العربية والى ما ورد في القرآن الكريم من مادة الأمنية، ولنرى فيم استعملت كلمتا الامنية والتمني. فنقول: أما الامنية فهي من مادة " منى ": تمنى الشئ المحبوب، يعني: رغب في أن يناله، وحدثته نفسه بوقوعه. والأمنية: ما يرغب فيه المرء ويتشهاه، وتجمع على الأماني. هكذا ورد معنى الكلمة في معاجم اللغة العربية، أما موارد استعمالها في القرآن الكريم: فقد ورد في سورة النجم الآية 24 بنفسى المعنى: (أم للانسان ما تمنى * فلله الآخرة والاولى). وليس معناه: أم للانسان ما قرأ، بل ما اشتهته النفس. وفي سورة القصص - أيضا - بعد أن يتحدث عن قارون وما اوتي من المال، وكيف خرج على قومه في زينته، قال: (قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون انه لذو حظ عظيم) - إلى قوله تعالى -: (وخسفنا به وبداره الأرض فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين " وأصبح الذين تمنوا مكانه بالأمس يقولون ويكأن الله يبسط

[322]

الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر...) الاية. إذا فان: (تمنوا مكانه) ليس معناه: قرأوا مكانه، بل تمنوا أن يكونوا مكانه في ما يملك من المال. وكذلك وردت هذه المادة (م ن ي) في سورة آل عمران / 143 والنساء / 32 و 123 والجمعة / 6 و 7 والبقرة / 94 و 95 و 111. ولم ترد هذه المادة بمعنى " قرأ " في لغة العرب ولا في القرآن الكريم، غير ان المفسرين استنادا إلى روايات تلك الاسطورة فسروا " الامنية " و " تمنى " بالقراءة وقرأ، وبذلك شوشوا على الباحثين ممن جاء بعدهم فهم الآية. وإذا رجعنا إلى الايات في سورة الحج وموضعها، نجد ان الآيات: (50 - 53)، التي تحدثت عنها الاسطورة، وردت ضمن آيات ذات وحدة موضوعية، ابتداء من الآية (41) حتئ الأية (55) وما بعدها، حيث يقول الله تعالى فيها: (وان يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود * وقوم ابراهيم وقوم لوط واصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير). ثم يذكر عاقبة المكذبين في الآيات (45 - 48) ثم يخاطب نبيه ويسليه لانه نذير وقال: (فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم * والذين سعوا في آياتنا معاجزين اولئك أصحاب الجحيم). ويستمر في التسلية ويقول: (وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) أي إذا أحب واجتهد في نجاح دعوته (ألقى الشيطان) العراقيل والشبهة في طريق امنيته فينسخ الله - أي يزيلها ويبطل أثرها - كما قال في سورة الانبياء: (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) [الآية: 118]. وعلى هذا، فان تمني النبي (ص) وامنيته، هي رغبته الملحة في هداية الناس. والقاء الشيطان فيها هو القاء الشبهة والوساوس في طريق امنيته، وينسخها الله

[323]

يعني: يزيل تلك الشبهات والوساوس، وفي ذلك يكون إحكام آياته. كان ذلك تفسير الآية مع ملاحظة موقعها ضمن الآيات ذات الوحدة المسوضعوعية في السورة. الالقاءات الشيطانية: وأما الالقاءات الشيطانية التي كان يقوم بها خصوم الاسلام فقد ورد في قوله تعالى: 1 - (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون) (1). 2 - (والذين سعوا في آياتنا معاجزين...) (2). 3 - (وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا إن هذا إلا اساطير الاولين) (3). 4 - (وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون... * وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) (4). وأخبر سبحانه وتعالى عن بعض ما يلقون إلى الناس وقال: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين) (5).


(1) فصلت: 26. (2) الحج: 51 - سبأ: 5. (3) الانفال: 31. (4) الفرقان: 4 و 5. (5) النحل: 103.

[324]

وكثير مثلها التي أخبر سبحانه وتعالى عن الالقاءات الشيطانية في شأن القرآن الكريم من شبهات أمحاها الله ونسخها وأحكم آياته البينات بما تحداهم في أمثال قوله تعالى: (وان كنتم في ريب ئما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله ان كنتم صادقين " فان لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التى وقودها الناس والحجارة...) (1). ويخبر الله تعالى عن الشياطين الذين يلقون الشبهات والوساوس انهم من الجن والانس وقال: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الانس والجن يوحي بعضهم إذ بعض زخرف القول غرورا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) (2). وأخيرا لسنا بحاجة إلى كل هذا التفصيل إذا عرفنا انهم زعموا ان الآيات من سورة الحج وآية: (وما أرسلنا من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى) كانت ضمن الحادثة التي وقعت في مكة في قصة الغرانيق المفتراة، بينما سورة الحج كلها مدنية، نزلت في المدينة، واين هذا من ذاك ؟ وفي هذا اعظم دليل على كذب الاسطورة، ولا نحتاج لكل ما اوردناه من الاحتجاج على بطلان هذه القصة ! ! مقارنة الروايات بنصوص القرآن لست أدري، كيف يصدقون الاسطورة ويكتبونها في كتب التفاسير وقد قال الله تعالى: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيمء * انه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * انما سلطانه على الذين يتولونه


(1) البقرة: 23 و 24. (2) الانعام: 112.

[325]

والذين هم به مشركون) (1) ؟ كيف يصدقون ذلك ؟ وهم يتلون في كتاب الله: ا - (ان عبادي ليس لك عليهم سلطان وكفى بربك وكيلا) (2). 2 - (ان عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين) (3). 3 - ويقول الله سبحانه وتعالى: (وانه لكتاب عزيز * لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميدء * ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك... ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي...) (4). 4 - ويتلون - أيضا - في سورة النجم نفسها: (وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى * علمه شديد القوى) (5). 5 - وفي سورة الحاقة: (ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين) (6). 6 - وفي سورة يونس: (قل ما يكون لي أن ابدله من تلقاء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي) (7). وليت شعري كيف لم يدرك هؤلاء وأولئك أن الذي يقضي حياته في مكافحة عبادة الاصنام وتحطيمها لا يمكن أن يتفوه بهذه الكلمات ؟


(1) النحل: 98 - 100. (2) الاسراء: 65. (3) الحجر: 42. (4) فصلت: 41 - 44. (5) النجم: 3 - 5. (6) الحاقة: 44 - 47. (7) يونس: 15.

[326]

مخالفة الاسطورة لعصمة الانبياء في التبليغ إن العلماء، بمدرسة الخلفاء، وإن لم يعترفوا بعصمة الأنبياء كما اعترف بها أتباع مدرسة أهل البيت في جميع أفعالهم وأقوالهم، غير أنهم يقولون بعصمة الانبياء في تبليغ الوحي وعصمتهم في حفظ الوحي كي يصدق القول بعصمتهم في التبليغ. وبايمانهم بهذه الاسطورة ورواياتهم لأخبارها ناقضوا هذا الايمان، فان النبي (ص) على ما زعموا في الاخبار المفتراة على رسول الله (ص) لم يعصمه الله عن القاء الشيطان في تلقيه الوحي وحفظه وتبليغه، وماذا يبقى من الاطمئنان بالقرآن الكريم بعد هذا (1) ؟ ! كشف الحقيقة: هذه الاسطورة وردت - كما ذكرنا - في تفاسير مدرسة الخلفاء وبعض كتب السير والتاريخ عندهم. وإذا رجعنا إلى مدرسة أهل البيت نجد كشف المحقيقة عند أحد تلاميذ الامام الصادق عليه السلام وهو ابن الكلي (المتوفى سنة 204 أو 206 ه‍) انه يخبر في كتابه " الأصنام " عن حقيقة الواقعة، يقول: وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول: واللات والعزى، ومناة الثالثة الاخرى، فانهن الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجي. وكانوا يقولون: بنات الله (عزوجل عن ذلك) وهن يشفعن إليه. فلما بعث الله رسوله (ص) أنزل عليه: (أفرايتم اللات والعزى * ومناة


(1) ان هذا الكلام يرد على من دؤن تلك الروايات امختلقة في كتابه، وجعل الاجيال من بعده يتداولونها حتى اليوم، ولا يرد على من انكرها من أعلام مدرسة الخلفاء.

[327]

الثالثة الاخرى * ألكم الذكر وله الانثى * تلك إذا قسمة ضيزى * إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان) (1). وروي عن محمد بن اسحاق بن خزيمة انه الف كتابا في هذا الصدد وبرهن فيه ان روايات الغرانيق وضعتها الزنادقة. فأقول: إني لم أر الكتاب، ولم أعرفه، ولم أر دليله على ذلك، ولكننا في بحوثنا عن الزنادقة وجدناهم يختلقون ما يختلقون، ويدخلونها ويدسونها في سنة الرسول (ص). ووجدنا عند علماء الحديث وصفا لكيفية عمل الزنادقة، وبيانا يزيل الغموض. مثل ما ذكره ابن الجوزي (ت 597 ه‍) في كتاب الموضوعات، في وصف من تعمدوا الكذب الصريح في رواية الحديث، حيث قال في تعدادهم: القسم الاول: الزنادقة الذين قصدوا إفساد الشريعة، وايقاع الشك فيها في قلوب العوام، والتلاعب بالدين، كعبد الكريم بن ابي العوجاء، وكان خال معن ابن زائدة وربيب حماد بن سلمة، وكان يدس الأحاديث في كتب حماد. كذلك قال ابو احمد بن عدي الحافظ، فلما أخذ ابن ابي العوجاء أتي به محمد بن سليمان بن علي فأمر بضرب عنقه، فلما ايقن بالقتل قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث أحرم فيها الحلال واحلل فيها الحرام، ولقد فطرتكم في يوم صومكم، وصومتكم في يوم فطركم (2). وروي عن المهدي الخليفة العباسي انه قال: أقر عندي رجل من الزنادقة انه وضع أربع مائة حديث فهي تجول في ايدي الناس. وقال المصنف: وكان ممن يضع الحديث (مغيرة بن سعيد) و (بيان).


(1) الاصنام لابن الكلبي ص 19 نخقيق احمد زكي ط. مصر سنة 1384. (2) الطبري ج 3 / 376 ط. اوربا وابن الاثير ج 6 / 3. وابن كثير ج 10 / 113 والذهبي في ميزان الاعتدال.

[328]

وقال ابن نمير: كان مغيرة ساحرا، وكان بيان زنديقا، فقتلهما خالد بن عبد الله القسري وأحرقهما بالنار، وقد كان في هؤلاء الزنادقة من يأخذ من شيخ مغفل كتابه فيدس في كتابه ما ليس من حديثه، فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أن ذلك من حديثه. وروي عن الحكم بن المبارك أنه قال: سمعت حماد بن زيد يقول: وضعت الزنادقة على رسول الله (ص) أربعة عشر ألف حديث (1). * * *


(1) الموضوعات لابن الجوزي ج 1 / 37 - 38 ط. المدينة المنورة سنة 1286 ه‍.

[329]

نتيجة البحث كانت تلكم حقيقة خبر الجمل المسجوعة في شأن الغرانيق. وأما حقيقة شأن رجوع المهاجرين من الحبشة فكالآتي خبره: قال البلاذري في خبر أمر الهجرة من مكة إلى المدينة: فجعلوا يتجهزون إلى المدينة في خفى وستر، ويتسللون. فيقال إنه كان بين أولهم وآخرهم أكثر من سنة. وجعلوا يترافدون بالمال والظهر، ويترافقون. وبلغ من بالحبشة من المسلمين هجرة اخوانهم، فقدم من قدم منهم مكة للهجرة مع النبي (ص). وكان ممن قدم مكة أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، واسم أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، ثم هاجر، فكان الثالث بعد مصعب بن عمير وابن أم مكتوم. وكان مصعب أول من قدمها، وجهه رسول الله (ص) ليعلم الناس القرآن. ثم تلاه ابن ام مكتوم. وسمعت من يذكر أن أبا سلمة قبل ابن أم مكتوم. والخبر الأول أثبت (1). إذا فقد كانت حقيقة رجوع بعض المهاجرين من الحبشة إلى مكة لوصول خبر هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة، ولكن الوضاعين أسندوا جملات قريش المسجوعة في شأن الغرانيق إلى الرسول (ص)، وذكروا أن سبب رجوع بعض المهاجرين من الحبشة إلى مكة وصول ذلك الخبر المفترى به على رسول الله (ص) بينا كان سبب رجوع بعضهم إلى مكة وصول خبر هجرة المسلمين إلى المدينة.


(1) انساب الاشراف ج 1 / 257 ط. مصر سنة 1369 رقم الخبر / 596 وفي ترجمته باسد الغابة ج 1 / 31: أسلم... وهاجر إلى ارض الحبشة معه امرأته ام سلمة، ثم عاد وهاجر إلى المدينة وشهد بدرا وجرح باحد واستشهد في جمادى الآخرة سنة ثلاث من الهجرة.

[330]

هكذا لفق الوضاعون من الزنادقة من الخبرين الآنفين اسطورة خرافية وأسندوا روايتها إلى بعض الصحابة والتابعين وتابعي التابعين زورا وبهتانا، ثم دسوها في كتب بعض المصنفين بمدرسة الخلفاء دون أن ينتبه إليها) ثم جاء بعدهم كتاب السيرة والتفسير بمدرسة الخلفاء ودونوها في مصنفاتهم غفلة منهم عن حقيقة الأمر. وانما قلنا أن واضعي تلك الاسطورة هم الزنادقة، لما وجدناهم وضعوا آلاف الأخبار المفتراة التي كشفنا عن حقيقة مئات منها في كتابينا (عبد الله بن سبأ) و (خمسون ومائة صحابي مختلق). وقد اخبر قبلنا محمد بن اسحاق بن خزيمة (ت 311 ه‍) ان الزنادقة هم الذين وضعوا هذه الاسطورة، ونحن نرى ان زمان وضع تلكم الاسطورة كان أوائل القرن الثاني الهجري. ومهما يكن أمر زمان تلكم الاحاديث فانها انتشرت في كتب تفاسير مدرسة الخلفاء وكتب السير والتاريخ عندهم، وتناقلوها جيلا بعد جيل، حتى برز المستشرقون في القرون الاخيرة، ووجدوا بغيتهم في هذه الاسطورة ونقلوها في كتبهم التي الفوها باسم معرفة الاسلام وتعريف نبيه، وزادوا عليها من عندهم على قدر ما ساعدهم خيالهم الختيب في التحوير والتزوير باسم التحليل والتعليل، كالمستشرق الهولندي " يوسف شاخت " في مادة " اصول " من دائرة المعارف الاسلامية، والمستشرق الدانماركي " بوهل " الاستاذ في جامعة لايبزيك في مختصر دائرة المعارف الاسلامية، بعد تقديم مقدمات يصور الاسطورة على انها حقيقة، والبرفسور " مونتغمري واط " الاستاذ في العلوم الاسلامية ورئيس قسم اللغة العربية في جامعة ادنبرغ في اسكتلندا في كتابه: " محمد الرسول والسياسي ". وكل هؤلاء زينوا الاسطورة وأوردوها بصورة تحليل وتحقيق علمي مع

[331]

مقدمات ومؤخرات (1). وكان آخرهم وليس الأخير، المرتد في عصرنا " سلمان رشدي " الذي أوردها على صورة خيالية وبصورة سخرية واستهزاء. * * * إلى هنا درسنا الروايات التي اسندت روايتها إلى أم المؤمنين عائشة وحدها أو مع غيرها بقصد تمحيص سنة الرسول (ص). وفي البحث الآتي ندرس باذنه تعالى مشاركة أم المؤمنين عائشة في تمحيص سنة الرسول (ص).


(1) تاتي اقوالهم ودراستها في الباب السادس من الكتاب باسم: المسشرقون واستفادتهم من الروايات - انشاء الله -.

[333]

باب الخامس مشاركة ام المؤمنين عائشة في تمحيص سنة الرسول (ص) واستدراكها على: - أبي درداء - أبي هريرة - عروة بن الزبير - الخليفة عمر - عبد الله بن عمر - عبد الله بن عمرو بن العاص - كعب الاحبار - مروان بن الحكم - بعض الناس

[335]

أ - استدراكها على أبي الدرداء في قوله: من أدرك الصبح فلا وتر له: في مسند أحمد، بسنده: أخبر أن أبا الدرداء كان يخطب الناس أن لا وتر لمن أدرك الصبح، فانطلق رجال من المؤمنين إلى عائشة فاخبروها. فقالت: كان رسول الله (ص) يصبح فيوتر (1). ولفظه في سنن البيهقي: عن أبي الدرداء انه خطب فقال: من أدركه الصبح فلا وتر له، فذكر ذلك لعائشة فقالت: كذب أبو الدرداء، كان رسول الله (ص) يصبح فيوتر (2). ب - استدراكها على أبي هريرة في روايته قول الرسول (ص): الدار والمرأة والفرس: في مسند أحمد، بسنده قال: ان رجلين دخلا على عائشة فقالا: ان أبا هريرة يحدث أن نبي الله (ص) كان يقول: إنما الطيرة في المرأة والدابة والدار قال: فطارت شقة منها في السماء وشقة في الارض.


(1) مسند أحمد ج 6 / 242 - 243. (2) سن البيهقي ج 2 / 4 78 كتاب الصلاة.

[336]

فقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما هكذا كان يقول، ولكن نبي الله (ص) كان يقول: كان أهل الجاهلية يقولون: الطيرة في المرأة والدار والدابة، ثم قرأت عائشة: (ما أصاب من مصيبة في الارض ولا في أنفسكم إلا في كتاب) إلى آخر الآية (1). ج - استدراكها على أبي هريرة في روايته قول الرسول (ص): امرأة عذبت في هرة: في مسند أحمد، بسنده عن علقمة قال: كنا عند عائشة فدخل عليها أبو هريرة، فقالت: يا أبا هريرة أنت الذي تحدث أن امرأة عذبت في هرة لها ربطتها لم تطعمها ولم تسقها ؟ فقال أبو هريرة: سمعته منه، يعني النبي (ص). فقالت عائشة: أتدري ما كانت المرأة ؟ قال: لا. قالت: ان المرأة مع ما فعلت كانت كافرة، ان المؤمن أكرم على الله من أن يعذبه في هرة، فإذا حدثت عن رسول الله (ص) فانظر كيف تحدث (2). وفي صحيح مسلم بسنده عن ابي بكر قال: سمعت ابا هريرة يقص في قصصه: من أدركه الفجر جنبا فلا يصم. قال: فذكرت ذلك لعبد الرحمن بن الحرث (لأبيه) فأنكر ذلك، فانطلق عبد الرحمن وانطلقت معه حتى دخلنا على عائشة وأم سلمة، فسألهما عبد الرحمن


(1) مسند أحمد ج 6 / 246 وبألفاظ أخرى في ص 150 و 240. (2) مسند احمد ج 6 / 299.

[337]

عن ذلك. قال: فكلتاهما قالت: كان النبي (ص) يصبح جنبا من غير حلم ثم يصوم (1).... د - استدراكها على أبي هريرة في روايته قول الرسول (ص): لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحب إلي من أن أعتق ولد الزني: روى البيهقي بسنده قال: بلغ عائشة أن ابا هريرة يقول: ان رسوال الله (ص) قال: لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان اعتق ولد الزنى، وان رسول الله (ص) قال: ولد الزنى شر الثلاثة، وان الميت يعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة: رحم الله ابا هريرة اساء سمعا فأساء اصابة. (اما قوله): لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان اعتق ولد الزنى، انها لما تزلت: (فلا اقتحم العقبة * وما ادراك ما العقبة) قيل: يا رسول الله ما عندنا ما نعتق، إلا ان احدنا له جارية سوداء تخدمه وتسعى عليه، فلو امرناهن فزنين فجئن بالاولاد فاعتقناهم، فقال رسول الله (ص): لان امتع بسوط في سبيل الله احب الي من ان آمر بالزنى ثم اعتق الولد. (واما قوله): ولد الزنا شر الثلاثة، فلم يكن الحديث على هذا، انما كان رجل من المنافقين يؤذي رسول الله (ص) فقال: من يعذرني من فلان ؟ قيل: يا رسول الله مع ما به ولد زنى، فقال رسول الله (ص): هو شر إلثلاثة، والله


(1) صحيح مسلم ج 3 / 137 ط. دار الجيل باب صحة صوم من طلع عليه الفجر وهو جنب.

[338]

عزوجل يقول: (ولا تزر وازرة وزر اخرى) (1). ه‍ - استدراكها على أبي هريرة وابن عمر في قوله (ص): لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا ودما: في صحيح البخاري وصحيح مسلم ومسند أحمد وسنن أبي داود بسندهم عن أبي هريرة وابن عمر: ان رسول الله (ص) قال: (لان يمتلى جوف أحدكم قيحا ودما خيرا من أن يمتلى شعرا " (2). فقالت عائشة: لم يحفظ إنما قال: من أن يمتلى شعرا هجيت به (3). وروت عن رسول الله (ص): انه كان يضع لحسان منبرا في المسجد فيقوم عليهم يهجو من قال في رسول الله (ص)، وقول الرسول (ص): " إن روح القدس مع حسان ما نافح عن رسول الله " (4). في مستدرك الحاكم وتلخيصه: عن عائشة أنها دعت أبا هريرة فقالت له: يا أبا هريرة ما هذه الأحاديث التي تبلغنا انك تحدث بها عن النبي (ص) ؟ هل سمعت إلا ما سمعنا ؟ وهل رأيت إلا ما رأينا ؟ قال: يا اماه كان يشغلك عن رسول الله (ص) المراة والمكحلة والتصنع


(1) سنن البيهقي ج 2 / 215 كتاب العتق وج 10 / 58 كتاب الايمان. (2) صحيح البخاري، كتاب الادب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الانسان الشعر، ج 4 / 50 - 51، وصحيح مسلم، كتاب الشر، الحديث 7 - 9، ج 4 / 1769، ومسند احمد ج 1 / 177 و 2 / 39 و 96، وسنن أبي داود ج 2 / 304 الحديث رقم 5009. (3) فتح الباري، كتاب الادب، باب ما يكره أن يكون الغالب على الانسان الشعر 13 / 167. (4) سنن أبي داود 4 / 304، ح 5015، والمعجم الكببر 4 / 37، ح 3580.

[339]

لرسول الله (ص) واني والله ما كان يشغلني عنه شئ (1). و - استدراكها على عروة بن الزبير في قوله: ما أبالي أن لا أطوت بين الصفا والمروة: في صحيح مسلم وسنن النسائي، واللفظ للنسائي قال ما موجزه: ان عروة ابن الزبير قال: قرأت على عائشة: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قلت: ما أبالي أن لا أطوف بينهما. فقالت: بسما قلت: إنما كان ناس من أهل الجاهلية لا يطوفون بينهما، فلما كان الاسلام ونزل القرآن: (إن الصفا والمروة من شعائر الله، الآية. فطاف رسول الله (ص) وطفنا معه فكانت سنة. أخبرني عمرو بن عثمان قال: حدثنا أبي، عن شعيب، عن الزهري، عن عروة قال: سألت عن قول الله عزوجل: (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) فوالله ما على أحد جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة. قالت عائشة: بئسما قلت يابن أختي، إن هذه الآية لو كانت كما أولتها كانت: " فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما " ولكنها نزلت في الانصار قبل أن يسلموا، كانوا يهلون لمناة الظاغية (2) التي كانوا يعبدون عند المشلل (3) وكان من أهل لها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله (ص) عن ذلك


(1) المستدرك ج 3 / 509 وقال: هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه، وقال في تلخيصه: صحيح. (2) (لمناة الطاغية): هي صفة لمناة. وصفت بها باعتبار طغيان عبدتها. والطغيان مجاوزة الحد في العصيان. فهي صفة أطلقها الاسلام عليها. (3) (المشلل): جبل يهبط منه إلى قديد. قديد واد وموضع.

[340]

أنزل الله عزوجل: (إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) ثم قد سن رسول الله (ص) الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بهما (1). ز - استدراكها على عروة بن الزبير وآخرين في قولهم: إن الصلاة يقطعها الكلب والحمار والمرأة: في صحيح مسلم ومسند أحمد، واللفظ للأول: ان عائشة ذكر عندها ما يقطع الصلاة: الكلب والحمار والمرأة. فقالت عائشة: قد شبهتمونا بالحمير والكلاب. والله ! لقد رأيت رسول الله (ص) يصلي وإني على السرير، بينه وبين القبلة مضطجعة ! فتبدو لي الحاجة فأكره أن أجلس فأوذي رسول الله (ص) فأنسل من عند رجليه (2). وفي رواية أخرى قالت: عدلتونا. ح - استدراكها على الخليفة عمر بن الخطاب في ضربه على الصلاة بعد العصر: في صحيح البخاري ومسلم ما موجزه: أن عبد الله بن عباس قال: كنت أضرب مع عمر بن الخطاب عن الصلاة


(1) سنن النسائي ج 5 / 237 - 239 كتاب الحج باب ذكر الصفا والمروة. صحيح مسلم ج 2 / 929 كتاب الحج باب 243 الحديث 261. (2) صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب قدر ما يستر المصلى، الحديث رقم 266، وباب الاعتراض بين يدي المصلى، الحديث رقم 269 و 270 و 271، ج 1 / 365 - 367، ومسند أحمد ج 6 / 42 و 134.

[341]

بعد العصر (1). وفي صحيح مسلم بعده: أنها قالت: وهم غمر. إنما نهى رسول الله (ص) أن يتحرى طلوع الشمس وغروبها (2). وفي رواية أخرى أنها قالت: لم يدع رسول الله (ص) الركعتين بعد العصر. قال: فقالت عائشة: قال رسول الله (ص): لا تتحروا طلوع الشمس ولا غروبها، فتصلوا عند ذلك (3). قال المؤلف: لعل الحكمة في ذلك: ان التحري لطلوع الشمس وغروبها للصلاة يشبه فعل من يعبدون الشمس. ط - استدراكها على الخليفة عمر وابنه عبد الله روايتهما عن رسول الله (ص) أنه قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه (4). روى مسلم بسنده عن أبي موسى أنه قال: لما أصيب عمر أقبل مهيب من منزله حتى دخل على عمر فقام بحياله (5) يبكي. فقال عمر: علام تبكي ؟ أعلي تبكي ؟


(1 و 2 و 3) صحيح البخاري ج 1 / 149 كتاب السهو، باب إذا كلم وهو يصلي وج 3 / 53 كتاب المغازي، باب وفد عبد القيس وصحيح مسلم ج 1 / 571 - 572، كتاب صلاة المسافرين، باب لا تتحروا بصلاتكم طلوع الشمس وغروبها، الحديث 295 و 296 و 297، وباب استحباب ركعتين قبل المغرب، الحديت 301 و 299، ومسند أحمد، ج 6 / 124 و 255. (4) الجملة عنوان لمجموع ما روي عنهما في الباب. (5) بحياله: أي حذاءه وعنده.

[342]

قال: إي والله ! لعليك أبكي يا أمير المؤمنين ! قال: والله ! لقد علمت أن رسول الله (ص) قال: من يبكى عليه يعذب. قال: فذكرت ذلك لموسى بن طلحة. فقال: كانت عائشة تقول: إنما كان أولئك اليهود (1). بسنده عن أنس أنه قال: أن عمر بن الخطاب لما طعن عولت عليه حفصة. فقال: يا حفصة ! أما سمعت رسول الله (ص) يقول: المعول (2) عليه يعذب ؟ وعول عليه صهيب. فقال عمر: يا صهيب ! أما علمت أن المعول عليه يعذب (3) ؟ في صحيح البخاري (4) ومسلم، واللفظ لمسلم: انه ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي (ص): إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله عليه. فقالت: وهل (5). إنما قال رسول الله (ص): إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه، وإن أهله ليبكون عليه الآن (6).


(1) صحيح مسلم ج 2 / 639 - 640 كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، الحديث رقم 20. (2) المعول عليه يعذب، قال محققو أهل اللغة: يقال: عول عليه وأعول، لغتان وهو البكاء بصوت. وقال بعضهم: لا يقال إلأ أعول، وهذا الحديث يرد عليه. (3) صحيح مسلم ج 2 / 642 - 643 كتاب الجنائز باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه الحديث رقم 21. (4) صحيح البخاري ج 3 / 5 كتاب المغازي باب قتل أبي جهل. (5) (وهل): بفتح الواو، وفتح الهاء وكسرها. أي غلط ونسي. (6) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، الحديث رقم 26.

[343]

ولفظ الحديث في رواية أخرى لمسلم قال: ذكر عند عائشة قول ابن عمر: الميت يعذب ببكاء أهله عليه. فقالت: رحم الله أبا عبد الرحمن. سمع شيئا فلم يحفظه. إنما مرت على رسول الله (ص) جنازة يهودي وهم يبكون عليه، فقال: أنتم تبكون وإنه ليعذب (1). وفي رواية عن مالك بن أنس: ان عائشة ذكر لما أن عبد الله بن عمر يقول: إن الميت ليعذب ببكاء الحي. فقالت عائشة: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ. إنما مر رسول الله (ص) على يهودية يبكى عليها. فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذب في قبرها (2). بسنده عن ابن عباس ما موجزه قال: لما أصيب الخليفة عمر جاء صهيب يقول: واأخاه ! واصاحباه ! فقال عمر: ألم تعلم، أو لم تسمع أن رسول الله (ص) قال: إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله. قال ابن عباس: فقمت فدخلت على عائشة، فحدثتها بما قال ابن عمر، فقالت: لا والله ! ما قال رسول الله (ص) قط: إن الميت يعذب ببكاء أحد، ولكنه قال: إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله لهو أضحك وأبكى (3). ولا تزر


(1) صحيح مسلم ج 2 / 642 - 643، الحديث رقم 25. (2) صحيح مسلم ج 2 / 642 - 643 الحديث رقم 27. (3) (والله أضحك وأبكى): يعني أن العبرة لا يملكها ابن آدم، ولا تسبب له فيها. فكيف يعاقب عليها ؟ فضلا عن الميت.

[344]

وازرة وزر أخرى (1). وفي رواية أخرى قال: لما أن أصيب عمر، دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه ! واصاحباه ! فقال عمر: يا صهيب ! أتبكي علي ؟ وقد قال رسول الله (ص): إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه. فقال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله ! ما حدث رسول الله (ص): إن الله يعذب المؤمن ببكاء أحد، ولكن قال: إن الله يزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه. قال: وقالت عائشة: حسبكم القرآن (ولا تزر وازرة وزر أخرى) (2) قال: وقال ابن عباس عند ذلك: والله أضحك وأبكى. وبسنده عن القاسم بن محمد بن أبي بكر أنه قال: لما بلغ عائشة قول عمر وابن عمر قالت: إنكم لتحد ثوني عن غير كاذبين ولا مكذبين، ولكن السمع يخطئ. ى - استدراكها على عبد الله بن عمر نهيه للمحرمة لبس الخفين: روى أبو داود وأحمد ما موجزه: أن عبد الله بن عمر كان يقطع الخفين للمرأة المحرمة. وإن عائشة قالت: إن رسول الله (ص) قد كان رخص للنساء في الخفين، فترك عبد الله بن عمر ذلك (3).


(1) صحيح مسلم، كتاب الجنائز، باب الميت يعذب ببكاء أهله عليه، الحديث رقم 22 و 32، ج 2 / 640 - 642. (2) فاطر: الآية 18. (3) سنن أبي داود 2 / 166 - 167 كتاب المناسك، ح رقم 1831. ومسند أحمد 6 / 35.

[345]

ك - استدراكها على عبد الله بن عمر أن الشهر تسع وعشرون يوما: في مسند أحمد بسنده قال: أخبرت عائشة ان ابن عمر يقول: قال رسول الله (ص): الشهر تسع وعشرون. فانكرت ذلك عائشة وقالت: يغفر الله لأبي عبد الرحمن، ليس كذلك قال رسول الله (ص) ولكنه قال: الشهر يكون تسعا وعشرين (1). ل - استدراكها على عبد الله بن عمرو بن العاص في نقض النساء رؤوسهن عند الغسل: روى مسلم بسنده قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمر يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. فقالت: يا عجبا لابن عمرو هذا يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رؤوسهن. أفلا يأمرهن أن يحلقن رؤوسهن ؟ لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله (ص) من إناء واحد. ولا أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث إفراغات (2). ولفظ الحديث في سنن ابن ماجة قال: بلغ عائشة أن عبد الله بن عمرو يأمر نساءه إذا اغتسلن، أن ينقضن رؤوسهن.


(1) مسند أحمد ج 6 / 243 و 51. (2) صحيح مسلم، كتاب الحيض، باب حكم ظفائر المغتسلة، حديث رقم 59، ج 1 / 260.

[346]

فقالت: يا عجبا لابن عمرو.... الحديث (1). م - استدراكها على كعب قوله: إن محمدا (ص) رأى ربه: روى الترمذي ما موجزه: إن كعب الأحبار كان يقول: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين محمد وموسى، فكلم موسى مرتين، ورآه محمد مرتين. قال مسروق: فدخلت على عائشة فقلت: هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: لقد تكلمت بشئ قف له شعري. قلت: رويدا، ثم قرأت: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى). قالت: أين يذهب بك ؟ إنما هو جبريل، من أخبرك أن محمدا رأى ربه أو كتم شيئا مما أمر به أو يعلم الخمس التي قال الله: (إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث) فقد أعظم الفرية. ولكنه رأى جبريل، لم يره في صورته إلا مرتين: مرة عند سدرة المنتهى ومرة في جياد له ستمائة جناح قد سد الأفق (2). وفي لفظ البخاري: قال مسروق: قلت لعائشة: يا أمتاه هل رأى محمد ربه ؟ فقالت: لقد قف شعري مما قلت... الحديث (3).


(1) سنن ابن ماجة، كتاب الطهارة، باب ما جاء في غسل النساء في الجنابة ج 1 / 198. (2) سنن الترمذي ج 12 / 168 - 170 وج 11 / 188 - 189 كتاب أبواب التفسير، باب تفسير سورة والنجم. (3) صحيح البخاري ج 3 / 129 كتاب تفسير، باب سورة والنجم. وج 1 / 160 كتاب الايمان، باب 77.

[347]

ن - استدراكها على مروان بن الحكم قوله في عبد الرحمن بن أبي بكر: هذا الذي أنزل الله فيه: (والذي قال لوالديه اف): روى البخاري بسنده وقال: كان مروان واليا على الحجاز استعمله معاوية، فخطب فجعل يذكر يزيد ابن معاوية لكي يبايع بعد أبيه، فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر شيئا، فقال: خذوه، فدخل بيت عائشة، فلم يقدروا عليه، فقال مروان: إن هذا الذي أنزل الله فيه: (والذي قال لوالديه اف لكما أتعدانني) فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا شيئا من القرآن، إلا أن الله أنزل عذري (1). إن البخاري لم يذكر الخبر بتمامه. وتمامه في تاريخ ابن الأثير كالآتي: قام مروان خطيبا فقال: إن أمير المؤمنين قد اختار لكم فلم يأل، وقد استخلف ابنه يزيد بعده. فقام عبد الرحمن بن أبي بكر، فقال: كذبت والله يا مروان ! وكذب معاوية، ما الخيار أردتما لأمة محمد، ولكنكم تريدون أن تجعلوها هرقلية كلما مات هرقل قام هرقل. فقال مروان: هذا الذي أنزل الله فيه: (والذي قال لوالديه اف لكما) الآية، فسمعت عائشة مقالته من وراء الحجاب، فقامت من وراء الحجاب، وقالت: يا مروان ! يا مروان ! فأنصت الناس، وأقبل مروان بوجهه، فقالت: أنت


(1) البخاري ج 3 / 126، في تفسير سورة الاحقاف. (*)

[348]

القائل لعبد الرحمن: إنه نزل فيه القرآن ؟ كذبت والله ما هو به، ولكنه فلان بن فلان، ولكنك فضض من لعنة الله. وفي رواية: فقالت: كذب والله ما هو به، ولكن رسول الله لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فمروان فضض من لعنة الله عزوجل. انتهى (1). س - استدراكها على بعض الناس استنكارهم على ادخال الجنازة في مسجد الرسول (ص): في صحيح مسلم بسنده عن عائشة: أنها لما توفي سعد بن أبي وقاص، أرسل أزواج النبي (ص) أن يمروا بجنازته في المسجد فيصلين عليه. ففعلوا. فوقف به على حجرهن يصلين عليه. اخرج به من باب الجنائز الذي كان إلى المقاعد (2). فبلغهن أن الناس عابوا ذلك وقالوا: ما كانت الجنائز يدخل بها المسجد. فبلغ ذلك عائشة. فقالت: ما أسرع الناس إلى أن يعيبوا ما لا علم لهم به ! عابوا علينا أن يمر بجنازة في المسجد ! وما صلى رسول الله (ص) على سهيل بن بيضاء إلا في جوف المسجد (3).


(1) ابن الاثير ج 3 / 199 في حوادث سنة 56، وينبغي أن تكون هذه القصة بعد القصة الأولى من أمر مروان بهدم دار سعيد وبالعكس وبعد أن روض من نفوس بني أمية على أخذ البيعة ليزيد. أخرج القصة بتفصيلها في الاغاني ج 16 / 90 - 91، وراجع: ترجمة الحكم بن أبي العاص من الاستيعاب، وأسد الغابة، والاصابة، والمستدرك وغيرها. (2) (المقاعد): أي كان منهيا إلى موضع يسمى مقاعد، بقرب المسجد الشريف. اتخذ للقعود فيه للحوائج والوضوء. (3) صحيح مسلم ج 2 / 668 كتاب الجنائز، باب الصلاة على الجنازة في المسجد.

[349]

الباب السادس أقوال المستشرقين واستفادتهم من الروايات التي درسناها في أبواب الكتاب الماضية أ - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة. ب - ر. ف بودلي في كتابه حياة محمد. ج - كارل بروكلمن في تاريخ الشعوب. د - ف. بوهل في دائرة المعارف الاسلامية. ه‍ - يوسف شاخت في دائرة المعارف الاسلامية.

[351]

تمهيد درسنا بحمد الله تعالى في الباب الثالث والرابع من هذا الكتاب الروايات التي رويت عن أم المؤمنين عائشة وحدها وبينا زيفها. وفي الباب الرابع منه درسنا ما افتري عليها وعلى غيرها من الصحابة من روايات وكشفنا زيفها. وفي هذا الباب " السادس " نستعرض كيف استفاد المستشرقون من تلكم الروايات الزائفة في حربهم للاسلام باسلوبهم الماكر وبعنوان البحث العلمي الهادئ الرصين ولما كنا قد كشفنا في الابواب السابقة عن زيف كل تلكم الروايات التي اعتمدوها في بحوثهم الماكرة فلا حاجة بعد ذلك إلى مناقشة دراساتهم المنبعثة من حقدهم للاسلام وأهله لانهم بنوها (على شفا جرف هار) وإنما غايتنا الكشف عما استفاده المستشرقون ليعرف أهل العلم والبحث أن غايتنا من عرض تلكم الاحاديث ومناقشتها كانت للدفاع عن الاسلام وأهله، وبدون تلك الدراسات لم يكن يتيسر لنا كشف زيف ما استند إليه أعداء الاسلام في حربهم للاسلام والله من وراء القصد.

[352]

أ - في سورة البقرة: (وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين * قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل و إسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون) (الآيات / 135 - 136). ب - في سورة البقرة - أيضا -: (ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير) (الآية / 120). ج - في سورة النساء: (من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير مسمع وراعنا ليابألسنتهم وطعنا في الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا * يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم) (الآيات / 46 - 47). د - في سورة المائدة: (ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك يحرفون الكلم من بعد مواضعه يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم لهم في الدنيا خزى ولهم في الاخرة عذاب عظيم) (الآية / 41). * * * وفي ما يأتي نجد مصاديق لما قاله تعالى في كتابه الكريم:

[353]

أولا - مونتجومري وات في كتابه محمد في مكة (1) أ - رواية الزهري: تقول الروايات إن الله دعا محمدا لاداء رسالة النبوة في الأربعين من عمره، وأخذ يتلقى الوحي من الله. وأفضل نقطة للابتداء هي رواية الزهري مصحوبة بشروح نفس المؤرخ عن فترة انقطاع الوحي. وهذه الرواية ليست متصلة كرواية ابن هشام بل هي تجمع مقاطع وصلت إلى علم الزهري، والنص كما وصل إلينا لا يحتوي على تقسيمات. وقد أدخلنا بعض التقسيمات هنا للتسهيل، وهي تظهر في نص الزهري عند تغير الراوي. (أ) سمعت النعمان بن راشد يحدث عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت كان أول ما ابتدئ به رسول الله (ص) من الوحي الرؤيا الصادقة، كانت تجئ مثل فلق الصبح. (ب) ثم حبب إليه الخلاء فكان بغار حراء يتحنث فيه الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله، ثم يرجع إلى أهله قيتزود لمثلها حتى فجأه الحق فأتاه فقال: يا محمد أنت رسول الله. (ج) قال رسول الله (ص) فجثوت لركبتي وأنا قائم ثم زحفت ترجف


1 - تعريب شعبان بركات، نشر المكتبة العصرية بيروت، ص 75 وكان موتنجومري استاذ العلوم الاسلامية ورئيس قسم اللغة العربية بجامعة ادمبرغ في اسكوتلندا.

[354]

بوادي ثم دخلت على خديجة فقلت زملوني، زملوني ! حتى ذهب عني الروع، ثم أتاني فقال: يا محمد أنت رسول الله. (د) قال: فلقد هممت أن أطرح نفسي من حالق جبل، فتبدى لي حين هممت بذلك فقال: يا محمد أنا جبريل وأنت رسول الله. (ه‍) ثم قال: اقرأ، وقلت: ما أقرأ ؟ قال: فأخذني فغتني ثلاث مرات حتى بلغ مني الجهد ثم قال: اقرأ باسم ربك الذي خلق، فقرأت. (و) فأتيت خديجة فقلت: لقد أشفقت على نفسي فأخبرتها خبري. فقالت أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، ووالله انك لتصل الرحم. ب - رؤى محمد: لا نملك أي دليل قاطع للشك في الفكرة الأساسية للمقطع (أ) وهي أن دعوة محمد بدأت " برؤيا حقيقية " وهذا يختلف كليا عن الأحلام. كما نجد " الرؤى " في المقطع (ب) إذا وضعنا جانبا ظهور جبرائيل في (د). ويؤيد نص المقطع (أ) ما نعلم من سورة النجم، ولكنه مشتق بصورة مستقلة عن ملاحظات محمد. ويذكر لنا القرآن رؤيين: (والنجم إذا هوى... ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى، وهو بالافق الاعلى، ثم دنا فتدلى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى، ما كذب الفؤاد ما رأى، أفتمارونه على ما يرى، ولقد رآه نزلة أخرى، عند سدرة المنتهى، عندها جنة المأوى، إذ يغشى السدرة ما يغشى ما زاغ البصر وما طغى لقد رأى آيات ربه الكبرى) (النجم / 1 - 18). تفسير المسلمين لهذه الايات يهئ للاعتقاد بانها تتحدث عن رؤيا

[355]

جبرائيل ولكن هناك أسباب تحملنا على الاعتقاد بان محمدا قد فسرها على أنها رؤيا الله نفسه، فنحن لانجد أي ذكر لجبرائيل في القرآن حتى في الفترة المدنية وان الكلمات في (5 / 10) يجب أن تعني " عبد الله " كما يعترف به المسلمون. ولكن هذا يجعل الجملة غير مستقيمة إلا إذا كان الله فيها الفاعل الضمني للافعال. والجملة في نهاية المقطع (ب) " حتى فجأه الحق فقال " لها نفس القيمة لأن " الحق " وسيلة للاشارة إلى الله ويمكن تفسير المقطع (ج) بنفس الطريقة لأن النص هو " ثم أتاني فقال " وكذلك بعض الروايات المتعلقة بسورة المدثر عن جابر تقول عن محمد: " سمعت صوتا يناديني، فتلفت حولي فلم أر أحدا فرفعت رأسي فرأيته هناك جالسا على عرش ". وربماكان ذلك تفسير محمد نفسه، ولكنا لا نستطيع الادعاء بانه اتبع ذلك دائما لانه على عكس (6 / 103) " لا تدركه الابصار ". وإذا كانت سورة النجم يمكن أن تفسر بهذا الشكل فانها يمكن تفسيرها بشكل آخر، ولاشك ان القول: (لقد رأى من آيات ربه الكبرى)، لا يعني رؤيا الله. ولكن يبدو أنه يمكن تفسير ذلك بمعنى ان ما رآه محمد كان آية أو رمزا لجلالة الله. والآية (11) (ما زاغ البصر وما طغى) (وربما أضيفت فيما بعد) توحي بتطور لاحق لهذه النظرية، أي حينما كانت الانظار ترى الآية أو الرمز، كان القلب يدرك الشئ الذي يرمز إليه. ولو أن محمدا فسر، في الأصل، الرؤيا على أنها رؤيا مباشرة لله فان هذا يعنى إذن أنه لم يخطئ في الشئ الأساسي، وإن كان تفسيره لم يكن صحيحا تماما وربما كان يجب تفسير الآية هكذا: لا يخطئ القلب فيما رآه هو كانسان، وبهذه الطريقة، يمكن تجنب جعلها رؤيا جبرائيل. وقال:

[356]

ج - رؤيا حراء، التحنث ان زيارة محمد لحراء، وهو جبل قريب من مكة، بصحبة عائلته أو بدونها، ليست مستحيلة، ويمكن أن يكون ذلك للفرار من أتون المدينة خلال فصل الصيف للذين لا يستطيعون التوجه إلى الطائف، ويمكن للتأثير اليهودي المسيحي ولاسيما مثل الرهبان، أو تجربة شخصية لمحمد أن يكون قد أثار فيه الحاجة للخلوة والرغبة فيها. وليس المعنى الدقيق والمشتق " للتحنث " واضحا. وإن كنا بصورة بديهية بصدد بعض طقوس العبادة. ولربما كانت أفضل فرضية هي فرضية ه‍. هرشفلد (1) بالاعتماد على اللفظ العبري " تحنوث " () fehinnath أو " تحت " () fehinnath الذي يعني " الصلاة لله ". ويمكن لهذا المعنى أن يكون قد تأثر بالجذر العربي، حنث تعني نقض القسم والعهد، أو العجز عن تنفيذه، كما تعني بالمعنى العام الخطيئة، والتحنث يعني " القيام بعمل للفرار من خطيئة أو جريمة " واستعمال كلمة " التحنث " هنا ربما كان دليلا على أن المادة قديمة فهي بذلك صحيحة (2). وربما استطعنا أن نتم هذا العرض الموجز بما سبق الدعوة وأول ما نزل من الوحي، ولابد أن محمدا قد عرف منذ شبابه بعض المشاكل الاجتماعية والدينية في ا مكة. ولا شك أن وضعه كيتيم قد أطلعه على القلق السائد في المجتمع، وربما كانت أفكاره من وجهة المنظر الدينية ترجع إلى التوحيد الغامض الذي نلاحظه عند المكيين المثقفين، ولكن يضاف إلى ذلك أنه ولا شك فكر ببعض الاصلاح في مكة، وكان كل ما يحيط به يساعد على أن يوحي إليه بأن هذا الاصلاح يجب أن يكون


(1) أبحاث جديدة في تأليف القرآن وتفسيره، لندن 1902، ص 10. (2) قابل كايناني حوليات، 1 / 222 رقم 2

[357]

أولا اصلاحا دينيا. ولهذا نرى محمدا يصبو إلى الخلوة للتفكير في الامور الالهية والقيام ببعض العبادات، وربما كان ذلك للتكفير عن الخطايا، وربما سبق هذه " العزلة " بعض التجارب الدينية، ولكننا لا نعرف عنها شيئا. وتوحي الروايات بأن الرؤيا حدثت أثناء العزلة. ولكن تواريخ مختلف جوانب دعوة محمد غير أكيدة. تارة تقول بأن الرؤيا كانت غير منتظرة، وتارة يبدو أن خديجة كانت قريبة منها. د - أنت رسول الله: تتكرر هذه الكلمات أربع مرات في مقاطع الزهري في ب، ج، د وط، في المقطعين الاخيرين يتحدث جبرائيل وفي الاول " الحق " وفي الثاني " هو " وتختلف المناسبات في المقاطع الاولية. ومن خم أفلا يمكن لهذه الروايات الأربع أن تكون لها علاقة بمختلف جوانب الحادث الذي ترويه ؟ ان ذكر جبرائيل لا يستحق الثقة في البدء، لأننا لاننا نجد هذا الذكر كثيرا في القرآن. وتبدو الوقائع لاول وهلة، على نوعين على الاقل: النص (ب) مع النص (ج) يمكن أن يصورا الدعوة إلى النبوة، بينما (د) و (ط) يبدوان كتأكيد لهذا مع السعي لتطمينه وازالة قلقه. وإذا كان النص (ب) يرجع للدعوة الاولى فما هي علاقته بالرؤيا ؟ إن وصف الرؤيا الاولى في سورة " النجم " يأتي في مقطع يرد على بعض الاعتراضات التي أثارها المكيون حول حقيقة الوحي الذي نزل على محمد ولاشك أن محمدا كان قد أعلن هذا الوحي مرة أو أكثر. وحديث الرؤيا في هذا النص يدل على أن لها علاقة ما بالوحي. وليس هناك ما يدل على أن سماع المقاطع كان يصحب الرؤيا، وفي الحقيقة لو أن أكثر من هذين المقطعين كان موضع

[358]

التساؤل لأصبح ذلك مستحيلا. ويبدو أن النتيجة العملية للرؤيا هي شئ أكثر شمولا كالشعور بأن هذه المقاطع هي رسائل من عند الله وانه كان على محمد أن يعلنها أمام الناس، وهذا يفترض أن محمدا كان قد نزل عليه الوحي سابقا، ولكنه لم يكن واثقا من طبيعة الوحي الذي ينزل عليه، وقد أخبر الآن أو انه تلقى تأكيدا بصدده. ويمكن أن تكون الرؤيا، من ناحية ثانية، دعوة لطلب الوحي، كما يمكن أن يكون محمدا قد عرف شيئا ما عن الوسائل الخاصة لاثارته والافتراض الاخير هو الأقرب. ويجب أن نلاحظ بصدد هذا أن ما (1) كان يوحى إليه كان " مسلكه العملي " الذي يسير عليه. ومعنى الرويا، في هذه الحالة، معنى عام، يتفق تماما مع النص (ب) ويمكن أن لا تكون كلمات " رسول الله " تعبيرا خارجيا كما يمكن أن لا تكون تعبيرا خياليا بل تعبيرا فكريا، أي انه لم يسمع ولم يخيل إليه أنه يسمع، إذ أن هاتين الكلمتين كانتا تعلنان عن رسالة وصلته بدون كلمات. فصورة الكلمتين لاحقة للرؤيا. هل يمكن لمغامرة من هذا النوع أن تتكرر ؟ ليس هذا مستحيلا تماما، ويتضمن جمع الرؤيين في سورة النجم بعض الشبه في محتواهما. ولا نجد من ناحية ثانية، أي ذكر للوحي في وصف الرؤيا الثانية، ومن المتفق عليه عادة أننا بصدد اشارة إلى الجنة ولا تساعدنا المقاطع (ج) و (د) و (ط) بأى شكل. وليس المقطعان الأخيران نداءا لمحمد أكثر منهما تأكيدا وتذكيرا بالنداء الأول. ومن الطبيعي الافتراض أن محمدا قد تذكر رؤياه الأولى في ساعات الشقاء. وربما ساورته الفكرة في ساعة الشدة فنسب ذلك لتدخل خارق. ومهما كانت الوقائع بصدد ذكريات من هذا النوع، فانه ليس لها أهمية التجربة الأصلية.


(1) ر. بل، " رؤى محمد " في 1934 MW، ص 145 - 54.

[359]

ه‍ - " اقرأ " تتضمن الرواية المتعلقة بوحي سورة العلق (96) عدة أشكال، ويظهر أحد هذه الاشكال من خلال المقطع (ه‍) للزهري. ويجب تفسير قول محمد " ما أقرأ " في رده على قول الملك " اقرأ " ب‍ " لا أستطيع القراءة " أو " التلاوة ". يتضح لنا ذلك من وجود رواية تقول: " ما أنا بقارئ ". وفي اتميز عند ابن هشام " ما أقرأ " و " ماذا أقرأ " حيث التعبير الثاني لا يمكن أن يعني إلا: " ما أتلو " وهذا هو المعنى الطبيعي لقوله: " ما أقرأ "، ويبدو من المؤكد، تقريبا، ان المفسرين التقليديين اللاحقين تجنبوا المعنى الطبيعي لهذه الكلمات ليجدوا أساسا للعقيدة التي تريد أن محمدا لم يكن يرف الكتابة، وهذا عنصر رئيسي للتدليل على طبيعة القرآن المعجزة، ومحتوى رواية عبد الله بن شداد في تفسير الطبري يفترض، إذا كان النص صحيحا ان " ما " بمعنى " ماذا " لانها مسبوقة بالواو. إن كلمتي " قرأ " و " قرآن " هما من الكلمات الدينية التي أدخلتها المسيحية إلى شبه الجزيرة العربية وتعني قرأ مثلا نصوصا مقدسة، بينما " قرآن " هي " كريانا " السورية استعملت للدلالة على " القراءة " ودرس من الكتابات المقدسة. وبينما أصبح معنى اللفظ الثاني " قرأ " فإن له في هذه السورة، كما يبدو، معنى " تلا عن ظهر قلب " أي من الذاكرة التي وصلته بصورة خارقة. علا من كان على محمد أن يتلو، وفي أية مناسبة ؟ لانجد مناقشة واضحة لهذه المسألة عند القدماء والتفسير الطبيعي أن محمدا كان عليه أن يتلو ما يتبع ذلك كجزء من عبادة الله الشكلية. وهذا يتفق مع استعمال الكلمة في اللغة السريانية وأن المسلمين يسمون تلاوة سورة أو عدة سور في صلاتهم " قراءة " كما يجب أن

[360]

نلاحظ ان في رواية عبد الله بن شداد المشار إليها سابقا، الجواب على السؤال: ما أقرأ ؟ ليس " اقرأ باسم من " بل " باسم من ". فهل كان ذلك بداية ل‍ " بسم الله ". وليس هناك من اعتراض فعلي على رأي فقهاء الاسلام القائل بأن هذه السورة هي أول ما أوحي من القرآن. ولا يعارض أي مقطع آخر قول سورة العلق، فالأمر بالعبادة هو أول ما يمكن انتظار صدوره بالنسبة لمحتوى رسالة القرآن الرئيسية. وكلمة " اقرأ " موجهة إلى محمد بمفرده، وان لم يكن صعبا جعلها موجهة إلى أتباعه، لان فكرة الاتباع لم ترد على فكره ساعة الوحي، أي انها ترجع إلى فترة سابقة على الفترة التي بدأ فيها بدعوة الآخرين، وليس من المستبعد، طبعا، ان محمدا كان قد تلقى دعوات أخرى لم يعتبرها جزءا من القرآن. نجد مثالا على ذلك في الكلمات " أنت رسول الله ". و - سورة المدثر، الفترة: هناك رواية عن جابر بن عبد الله الأنصاري تقول إن الايات في مقدمة سورة " المدثر " هي أول ما نزل من الوحي وهي الآيات التي تقول: " قم فأنذر " وتبدو كامر للعمل كنبي أو رسول، ولكنها لا يمكن أن تكون أول ما نزل من الوحي إلا إذا كان محمد قد نهض بدعوته العامة دون أية فترة في الاعداد. أما إذا كان هناك، على العكس، فترة اعداد نزل فيها الوحي، فإن هذه الكلمات لا يمكن أن تكون أول الوحي. وقد رأينا ان " اقرأ " لا تتضمن بالضرورة رسالة عامة. واستمرار هذه الرواية بالرغم من الرأي العام القائل بأن أول الوحي هو سورة " العلق " يوحي بأنها تتضمن شيئا من الحقيقة. والأقرب أن تكون تعبيرا عن بداية دعوته للناس.

[361]

و - أيضا - قال مونتجومري في كتابه محمد في مكة (1): يحق لنا الاعتقاد بأن محمدا، في أول دعوته، قد لقى بعض النجاح. ولكن المعارضة مع ذلك لم تعتم أن ظهرت ثم أصبحت ضخمة. ويعترضنا هنا سؤالان: متى وكيف ظهرت هذه المعارضة، وعلى أي أسباب رئيسية اعتمدت ؟ والسؤال الثاني هو الأهم. ومن ذلك علينا أن نحاول الاجابة أولا على السؤال الأول. أ - رسالة عروة: حفظ لنا الطبري نسخة عن وثيقة كتبت منذ زمن بعيد وتبدو عليها مظاهر الصحة: تد حدثنا هشام بن عروة عن عروة انه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد فانه - يعني رسول الله (ص) - لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذي نزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال لهم وأغروا به من أطاعهم فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه إلا من حفظ الله منهم، وهم قليل فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم واخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول (ص) من أهل الاسلام، فافتتن من اففتق وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله (ص) أن يخرجوا إلى أرض الحبشة. وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشي، لا يظلم أحد بأرضه، وكان يثني عليه، مع ذلك صلاح، وكانت


(1) محمد في مكة، ص 166. () الطبري تاريخ 1180، راجع كايتاني تاريخ 1 / 267.

[362]

أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، مجدون فيها رفاغا من الرزق وأمنا ومتجرا حسنا فأمرهم بها رسول الله (ص)، فذهب إليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات يشتدون على من أسلم منهم. ثم أنه فشا الاسلام فيها ودخل فيه رجال من أشرافهم ". وتشبه رواية أبي العالية تقريبا الرواية السابقة، ولكنها لا تحتوي على بيت الشعر الثالث. ولكنها مع ذلك تذكرنا، كبعض الروايات الأخرى، كيف امتنع كبار القرشيين، بسبب أعمارهم، عن السجود فمسحوا جباههم بالتراب عرضا عن ذلك، وهي على عكس الروايات الأخرى، تضيف ان أبا أهيهة، سعيد بن العاص، لاحظ قائلا: بأن ابن أبي كبشة أشاد بآلهتهم. يمكن أن تكون الملاحظة صحيحة ونجد اشارة مشابهة لمحمد في ملاحظة أخرى تنسب لهذا الرجل. وإذا قارنا مختلف الروايات وحاولنا أن نميز بين الوقائع الخارجية التي تتفق معها والدوافع التي يستخدمها المؤرخ لتفسير الوقائع، نلاحظ واقعتين نستطيع أن نعتبرهما أكيدتين. أولا رتل محمد في وقت من الأوقات الآيات التي أوحى بها الشيطان على أنها جزء من القرآن لانه لا يمكن أن تكون القصة قد اخترعها مسلمون فيما بعد أو دسها غير المسلمين. ثم أعلن محمد فيما بعد أن هذه الايات لا يجب أن تعتبر جزءا من القرآن ويجب استبدالها بآيات تختلف عنها كثيرا في مضمونها. والروايات الاولى لا تحدد الوقت الذي حدث فيه ذلك. والأقرب أن يكون ذلك قد وقع بعد بضعة أسابيع أو أشهر. وهناك واقعة ثالثة أو مجموعة وقائع نستطيع أن نكون واثقين منها. وهي أنه كان يجب على محمد ومعاصريه المكيين أن يشير في القرآن للآلهة اللات التي كانت معبودة في الطائف والعزى المعبودة في نخلة بالقرب من مكة، ومناة التي كان معبدها بين مكة والمدينة. كانت العزى معبودة عند القرشيين أولا، ولكن

[363]

العائلة الكهنوتية كانت تنتمي لبني سليم وكنانة وخزاعة وثقيف. يذكر بعض أفراد من هوازن على أنهم كانوا يعبدونها. ونسمع عن أشراف المدينة الذين كانوا يملكون في بيوتهم تماثيل من الخشب تمثل مناة، ولكن العرب في مجموعهم في ذلك العصر ربما لم يفكروا بأية عبادة سوى المراسيم التي تقام على معابد خاصة. وهذا موقف يختلف تماما مثلا عن تقديس المسيحيين الكاثوليك لمريم العذراء ويمكن للمسيحي أن يقول: " السلام عليك يا مريم " في أي مكان. بينما مناة، حسب الرأى السائد عند العرب، لا يمكن أن تفيد إلا في معبدها. ما تعنيه إذن الايات الابليسية ان الاحتفالات مقبولة في المعابد الثلاثة حول مكة. وأما معنى الآيات التي تقول بأن العبادة في هذه المعابد غير مقبولة فهي لا تحرم العبادة في الكعبة. ويجب أن نعترف بأن الآيات التي صححت سورة النجم تمجد الكعبة على حساب المعابد الأخرى، إلا إذا افترضنا وجود آيات أخرى كانت تحرم ذلك ثم رفعت فيما بعد من القرآن. ولكن ليس لدينا أي سبب يمكن الأخذ به. ومن المهم أن نتذكر بهذا الصدد ان هذه المعابد قد هدمت عند صعود نجم محمد. ب - الايات الابليسية، الأسباب، التفاسير: اعتبر الفقهاء المسلمون، الذين ظلوا بعيدين عن المفهوم الغربي الحديث للنمو التدريجي، محمدا على أنه قد أخبر مغذ البدء بالمضمون الكامل لعقيدة الاسلام، فكان من الصعب عليهم أن لم ير محمد خروج الآيات الابليسية على عقيدة الاسلام. والحقيقة هي أن توحيده كان في الاصل، كما كان توحيد معاصريه المثقفين، غامضا ولم ير بعد أن قبول هذه الخلوقات الالهية كان يتعارض مع هذا التوحيد، لا شك أنه يعتبر اللات والعزى ومناة على أنها كائنات سماوية أقل من الله، كما اعترفت اليهودية والمسيحية بوجود الملائكة.

[364]

ويتحدث القرآن عنها في الفترة الاخيرة المكية باسم الجن. وإن كان يتحدث عنها في الفترة المدنية على أنها مجرد أسماء، إذا كان ذلك فليس من الضروري اكتشاف سبب خاص للآيات الابليسية فهي لا تدل على أي تقهقر واع للتوحيد بل هي تعبير عن النظريات التي دافع عنها دائما محمد. وهكذا فإن قيمة الايات السياسية مهمة. فهل اعترف محمد بصحتها لانه كان يهمه كسب الأنصار في المدينة والطائف وبين القبائل المجاورة ؟ هل كان يحاول التخفيف من تأثير الزعماء القرشيين المعارضين له باكتساب عدد كبير من الأتباع ؟ ذكر هذه المعابد دليل على أن نظرته أخذت في الاتساع. تشير الرواية عن أبي العالية، المذكورة آنفا، أن القرشيين عرضوا على محمد إدخاله في دائرتهم إذا رضى بذكر آلهتهم. ونجد روايات أخرى بهذا الصدد. ويقولون أنهم قدموا إليه الثروة والزواج من غنية، ومكانة عالية. كما عرضوا عليه أن يشركوه في عبادتهم ومصالحهم. ويبقى علينا أن نرف ما إذا كانت كل هذه القصص قد اخترعت للتعظيم من شان محمد في هذه الفترة. فهل عظم شأنه ليعامله زعاء مكة معاملة الند للند ؟ إن وصف مكانة محمد، على الا جهال، كما نجده في الاخبار قريب من الحقيقة. ويجب أن نتذكر أن هناك من حاول التقليل من أهمية الانتصارات الأولية التي حازها محمد لأن أحقاد الذين تبعوه لفترة من الزمن ثم تركوه كانوا لا يودون تذكر هذه الامور. نرى محمدا في رواية أبي العالية شخصية كبيرة بين زائري مكة، وإن لم يستقبله زعاء مكة استقبالا حسنا، فلو أن الامر كان مجرد اختراع لما لو حظ هذا التناقض بشكل قوي. فلنفترض إذن ان زعماء قريش عرضوا على محمد عرضا من هذا النوع وذلك بأن ينال بعض الامتيازات المادية مقابل أن يعترف بآلهتهم.

[365]

ويؤكد القرآن ذلك كما سنرى. ولا نستطيع أن نكون مطمئنين إلى التفاصيل. واعلان الآيات القرآنية مرتبط بهذه القصة. وتبعا لهذا الرأى فإن نسخ الايات مرتبط أيضا بفشل هذه التسوية. ولا شئ يسمح لنا بالاعتقاد أن محمدا قد استسلم لخداع المكيين. ولكنه انتهى به الأمر إلى إدراك أن الاعتراف ببنات الله (كما كانت تسمى الالهة الثلاث وغيرها) يعني انزال الله إلى مستواها. وعبادة الله في الكعبة، لم تكن في الظاهر تختلف عن عبادتها في نخلة والطائف وقديد، وهذا يعني ان رسول الله لم يكن يختلف كثيرا عن كهانهم وأنه لم يكن يرى نفسه مدعوا لان يكون تأثيره أعظم من تأثيرهم. ينتج عن ذلك أن الاصلاح الذي عمل له من كل قلبه لن يتحقق. وهكذا لم يرفض محمد عروض المكيين لاسباب زمنية بل لسبب ديني حقيقي. ليس لانه لم يكن يثق بهم، مثلا، أو لانه لم يبق شئ من مطامحه الشخصية بل لأن الاعتراف بآطهتهم يؤدي إلى فشل قضيته والمهمة التي تلقاها من الله. ولاشك ان الوحي قد نبهه إلى ذلك، كما انه من الممكن أن يكون قد شعر بخطئه بهذا الصدد قبل نزول الوحي. وإذا نظرنا إلى الوضع بصورة مجردة يبدو أن هناك قليلا من الأسباب للاعتراض على الاعتراف باللات والالهة الاخرى على أنها مخلوقات سماوية ثانوية. ولا يتعارض الاعتراف بالملائكة مع التوحيد، ليس فقط في اليهودية والمسيحية بل في الاسلام. وهناك مع ذلك عاملان حالا دون الاعتراف بذلك في مكة. أولا كانت العبادة في الكعبة، التي كانت في السابق متعددة الالهة، آخذة بالطهارة، وكانت في نظر المسلمين تسير في طريق التوحيد. فإذا كانت عبادة مماثلة تمارس في معابد عديدة، فلسوف يخيل لشعب الحجاز أن آلهة متساوية تقريبا تعبد فيها. ثم ان جملة " بنات الله " تتضمن نتائج

[366]

خطيرة حتى ولو لم نفرض تفسيرا حرفيا (1). تستعمل كلمة " بنات " وغيرها من الكلمات غالبا مجازا في اللغة العربية. وهكذا " بنت الشفة " أي: الكلمة و " بنت العين " أي: الدمعة، و " بنات الدهر "، أي: المصائب. يمكن عندئذ أن تكون هذه الجملة " بنات الله " لم تكن تعني في الأصل سوى " مخلوقات سماوية أو خارقة " لان " الله " هو مجرد " إله " وليس الاله الواحد العلي، أي الله. ولما كانت كلمة " الله " أو كلمة " الاله " لم تعد تستعمل إلا للتدليل على " الله " يجب تفسير الجملة على أنها تعني وجود مخلوقات مساوية لله تقريبا فلا يتفق ذلك مطلقا مع التوحيد. ويتفق الرأي القائل بأن قطع العلاقات بين محمد والمكيين نتيجة لنسخ الآيات الابليسية (مع رفض العروض التي قدمت إليه)، يتفق مع النقطة الثانية المشار إليها سابقا في رسالة عروة أي: يتفق مع القول بأن القرشيين الموسرين في الطائف هم الذين تزعموا المعارضة الفعالة ضد محمد. وهناك تفسيرات متعددة ممكنة لهذا الأمر، وسوف نرى بسهولة التفسير الأقرب. وهو ان بعض القادة المكيين المهتمين بتجارة الطائف نجحوا في جعل النشاط التجاري في الطائف يصبح خاضعا لنفوذ مكة المالي، ولا شك ان رفض الاعتراف بمعبد اللات قد هدد بشكل ما مشاريعهم وأثار غضبهم على محمد. وقال في كتابه محمد، الرسول والسياسي: " كانت عقيدة التوحيد مبهمة في أذهان أهل مكة وكانوا يرونها مخالفة للشرك بصورة تامة وقد بان هذا الأمر بشكل واضح في الايات الشيطانية، فانه في الوقت الذى كان محمد يننظر الوحي كي يزيل تشكيكات رؤساء مكة، حيث كان منهكا من شدة مشاكساتهم، هذه الحالة نزل الوحي بما لا يزيد على


(1) فلوزن 24) * (. reste

[367]

الايتين أو الثلاث آيات، وأجازت الشفاعة لبعض الأوثان الموجودة في معابد أطراف مكة ! ثم أدرك محمد ان هذه الايات ما أوحيت إليه من الله وما هي إلا من الوساوس الشيطانية، فكان يريد قبولها في الوهلة الاولى، وهذا يدل على أنه في هذه المرحلة من ايمانه بالتوحيد ما كان يمتنع من الاحترام والدعاء لبعض الموجودات (الميتافيزيقية) ما فوق الطبيعة التي كان يعتقدها نوعا من الملائكة " (1). وتقرأ في مكان آخر من كتابه المذكور ما يلي: " بما ان الروايات اختلفت في بيان جزئيات هذه الواقعة يجدر بنا أن نبدأ بذكر ما هو موثوق في هذه القصة. يبدو أنها كانت في وقت كان محمد قد جاء ببعض الآيات القرآنية التي يستشف منها جواز الاستشفاع بالأوثان ومضمون إحدى هذه الآيات هو: " أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى تلك الغرانيق العلى وان شفاعتهن لترتجي ". ولم تمض مدة حتى نزل الوحي بآيات تنسخ الآيات المذكورة أعلاه في حين أن الايات: الأولى والثانية منها قد انتشرت في كل مكان، وبيان هذا الاصلاح والنسخ هو ان الشيطان قد انزلق بالآيات دون أن يشعر محمد بذلك. هذه القصة عجيبة ومحيرة، ان النبي الذى يبلغ أعظم الأديان في التوحيد هو بنفسه مجيز الشرك، وحقيقة هذه القصة عجيبة إلى حد تدل على أن أساسها صحيح. ؟ لا يتصور أن أحدا اخترعها ثم طلب من المسلمين أن يصدقوا بها وان أحد الأوجه الملفتة للنظر في هذه القصة أنها توضح لنا نظرة وعقيدة محمد في زمن القصة وان محمدا كان مؤمنأ بأنه لم يقل بهذه الايات بل انها تنزل إليه ولم يكن


(1) نفس الكتاب، الترجمة الفارسية لاسماعيل والي زادة، ص 33.

[368]

منتبها في بداية الأمر ان هذه الآيات مخالفة للدين الذي يبلغه هو، وهل هذا يعني أنه كان في ذلك الزمان مشركا ". وقال في كتابه محمد في المدينة: وكانت الخطوة الأولى لتميزهن عن سائر النساء فرض الحجاب عليهن، وكانت كلمة الحجاب تعني في الاصل " الستار " (1). وهاك الآية القرآنية بصدد ذلك: (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم.. ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا ولا مستأنسين لحديث ان ذلكم كان يؤذي النبي.. وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب، ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن) (الاحزاب / 53). وربما ترجع هذه الآية الاخرى إلى نفس الوقت: (يا أيها النبي قل لازواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن ذلك أدفى أن يعرفن فلا يؤذين) (الاحزاب / 59). تفسر لنا عدة روايات أسباب هذه التشريعات. فقد بقي بعض المدعوين أثناء حفلة زفاف زينب بنت جحش وقتا طويلا. وكذلك لامست أيدي بعض الرجال أيدي نساء محمد، وكانت نساء النبي يخرجن في الليل لقضاء حاجاتهن فيهينهن بعض المنافقين، وكان ذلك مقصودا غير أن المنافقين كانوا يعتذرون بأنهم حسبوا نساء النبي جواري. والسبب الرئيسي لفرض الحجاب، هو أن منزل محمدا أصبح بسبب ازدياد أهمية النبي شيئا فشيئا، مكانا عاما وكان الناس يجتمعون باستمرار في الساحة التي تطل عليها مساكن النساء. وكانت إحدى الوسائل لنيل رضى النبي اقناع احدى نسائه بتقديم الطلب إليه. وكان ينظر بجذر إلى كل لقاء خاص بين امرأة


(1) محمد في المدينة، تعريب شعبان بركات، نشر المكتبة العصرية بيروت، ص 435.

[369]

ورجل ليس قريبا لها، وكان لابد من حماية النساء تجنبا للفضيحة. وتدل حادثة " حديث الافك " التي لاكت فيها ألسنة السوء اسم عائشة في المدينة وهي حادثة وقعت بعد وقت قصير من فرض الحجاب، تدل هذه الحادثة على مدى حاجة محمد إلى الحذر، ومن بين الشائعات التي انتشرت لتشويه سمعة عائشة، شائعة تقول بانها قبل فرض الحجاب، تحدثت عدة مرات مع الشاب الذي عاد بها إلى المدينة.

[370]

ثانيا - المستشرق ر. ف. بودلى قال في حديث الافك بكتابه " حياة محمد " (1): للنساء العربيأت ضلع كببره في شئون اليبت على عكس الاعتقاد السائد، فقد يتصور المرء أنهن إن هن إلا متاع لأزواجهن لحبسهن في الحريم أو لعزلهن في خيامهن، ومن المحتمل أن الرجال يتصورون ذلك، ولكن لما كان الأمر يتعلق بالنساء فالرجا مخطئون كالعادة. فالنساء العربيات، على الرغم من أنهن لا يتمتعن بالحرية النسوية كأخواتهن الغربيات، وعلى الرغم من أن فرص اثارة الغيرة، والهروب وارتداء الثياب المثيرة لا تتاح لهن، فانهن يحكمن أزواجهن ويستولين عليهم، ويخدعنهم بطريقة ليست أقل من السحر. والعرب يهتمون بسيدات النقاب، ويحافظون على شعورهن أكثر من أغلبية الغربيين، فن الواجب أن يكونوا أكثر تعقلا في مراقبة قطيع نسائهن. ولا يستثنى محمد من ذلك، فقد كانت له غريزته الاسرية، وأظهر وأعظم الحدب على أزواجه اللاتي يقطن أكوأخا حول المسجد. وكان يعلن أن النساء أنصاف الرجال التوائم ويقول: (لا يفرك مؤمن


(1) حياة محمد، تأليف ر. ف بودلى R. V. E، bodley، ترجمة عبد الحميد خوده السحار، محمد محمد فرج ط. دار الكتاب العربي بمصرص 261.

[371]

مؤمنة إن كره منها خلقا رضي منها آخر ". ولم يسجل أبدا ما إذا كان أزواج المدينة قد استغللن محمدا وخدعنه، وقد افتريت حادثة واحدة، ولما كانت عائشة هي موضوع الافتراء، فقد كان الشك يحتمل الوجهين، فقد كان في رأس هذه الفتاة من الأفكار أكثر مما في رأس ألف نابه، وكان لها قدرة الحصول على ما تبغي، فقد كانت متمتعة بكل ما يخلب الالباب، وكانت غانية أيضا، ففي زمن الحادث الذي نحن بصدده لم تكن تقدر زينب أو أم سلمة حق قدرهما، ولطبيعتها المستقلة وطفولتها كانت قادرة على إتيان أي شئ دون تحمل مسئوليته وهاك ما حدث. كان محمد يأخذ دائما معه زوجة أو زوجتبن إذا ما قام برحلة أو خرج في إغارة، وكن يرحلن في هودج فوقه مظلة مشدودة على اطار من الاغصان، وكان الهودج يشد إلى سنام البعير، فكان النازل فيه يختني عن الأنظار كلية، فكان من المحال معرفة ما إذا كان قي الهودج أحد أو كان فارغا، ما لم ترفع المظلة. كان محمد قد أتم غزوته القصاصية الناجحة ضد قبيلة بني المصطلق، حيث تزوج من جويرية زوجه التامنة، وكان في طريق عودته إلى المدينة بجنده وبعيره وغنائمه، وكانت المرحلة الأخيرة لبلوغ المدينة طويلة، فكان على المسلمين أن يحملوا خيامهم في الفجر، فلما استيقظت عائشة خرجت إلى الخلاء لبعض حاجتها، فلما عادت كانت خيمتها قد رفعت، وكان جملها منتظرا، فلما همت بدخول هودجها اكتشفت أن قلادتها قد انسلت من عنقها، فعادت أدراجها دون أن تخطر أحدا للبحث عنها، وكان من الصعب رؤية قلادة منسلة في عماية الصبح بين الحصى والأعشاب ولاح نور الصباح قبل أن تعثر عليها، ثم ثبتتها حول عنقها وعادت لتلحق بالقافلة، ولكن لم تجد هناك قافلة، وكانت نيران العسكر هي الدليل على أن أناسا كانوا هناك. لقد حسب المكلفون بنقل عائشة أن السيدة

[372]

في هودجها فشدوه إلى بعيره، فقد كانت عائشة صغيرة خفيفة جدا حتى انه ما كان أحد ليلحظ وجودها في الهودج من غيابها، فلما تحرك الركب، انطلق الرجال وهم يقودون بعيرا غير محمل. وقفت عائشة لحظة تحدق في فضاء الصحراء العريض، وقد انسحب الفجر ليفسح لحرارة الصباح، وكانت الشمس ترسل أشعتها الحامية إلى الفضاء الصخري، فلم تجد أثرا لقومها أو قافلتها، فهزت منكبيها وجلست، فما كان يجدي الذعر، وما كان هناك من فائدة في محاولتها اللحاق بقافلتها، وإنه لمن الأفضل أن تبقى في المكان الذي رؤيت فيه آخر مرة. وإنها لتأمل أن يعود القوم إليها إذ اما افتقدوها فلم يجدوها في الهودج. فلما ارتفعت حرارة النهار استولى عليها خمول، فالتفت في جلبابها، واستظلت تحت شجرة ثم نامت، فلما استيقظت كانت الشمس مرتفعة في السماء ولم تكن وحيدة. كان ينظر إليها من فوق هجين مرتفع شاب وسيم، ففركت عائشة عينيها، فابتسم الشاب، ثم أناخ بعيره وقال انه صفوان بن المعطل، ولم تقدم عائشة نفسها له، تبعا لما قالته عائشة لما روت القصة، وكان صفوان يعرفها بالنظر فقد خاطبها بعائشة بنت أبي بكر. سألها صفوان: ما تفعله بجلوسها منفردة في وسط صحراء العرب ؟ فشرحت له عائشة الأمر، فضحك صفوان ثم عرض عليها بعيره ليقودها إلى المدينة، فقبلت عائشة، فساعدها صفوان على الركوب ثم انطلقا. وفي نفس الوقت استمرت قافلة المسلمين في طريقها دون أن يفطن أحد إلى أن عائشة ليست فيها، ولم يكتشف اختفاؤها قبل أن يناخ الجمل بالهودج الفارغ أمام مساكن النبي، ثم ابتدأت الدهشة. إن قواد الجمل الذين كانوا مقتنعين بأنهم رحلوا من المعسكر بعائشة قد

[373]

عزوا اختفاءها إلى الجن، وكان هذا هو الشرح الوحيد المقبول ما دام أنهم لم يقفوا في الطريق أبدا، وما كان محمد ليوافق على خرافات كهذه، فراح ينظم جماعة للخروج للبحث عنها لما أقبل بعير من طرقات المدينة الضيقة يقوده شاب وسيم جميل، وكانت عائشة جالسة على ظهر البعير حلوة كالفجر، وأنيخ البعير أمام مدخل دارها، فنزلت عائشة، وابتسمت لصفوان ودلفت إلى الدار دون أن تحس أنها عرضة للانتقاد كأنما اعتادت السفر في الصحراء مع شبان أغراب. وكان محمد مسرورا برؤية زوجه الأثيرة عنده سالمة، فرحب بها، ولما كان الأمر يتعلق به فقد انتهت المحادثة، وكان من الواجب أن تنتهي ما لم يتدخل في الأمر عبد الله بن أبي. لم يقل لي أحد من أصدقائي العرب كيف كان يبدو عبد الله بن أبي، ولم يوصف في أي كتاب من الكتب التي قرأتها، ولكن من الواجب أن يكون شخصية غير محببة، شخصية خائنة شريرة، فظة جبانة، ويلوح أن يكون له خصال مفيستو فيليز وياجو ويورياهيب والشخصيات الشريرة الأخرى المعروفة في تاريخ القصص. ويلوح أن أمنية حياته كانت مضايقة محمد، فما إن سمع بعودة عائشة منفردة إلى المدينة حتى راح يوسع الأرض اذاعة، فقال دون أن يحاول معرفة الظروف الملابسة للحادث، ان صفوان عشيق عائشة، وأضاف إلى ذلك أنه لا يلوم عائشة، وإن الشئ الوحيد الذي كان يدهشه هو إخلاص هذه الفتاة الفاتنة التي كانت في السادسة عشرة، هذه المدة الطويلة لهذا الشيخ المرتجف الذي يقرب من الستين، فإذا كان الجميع لا يوافقون، فالجميع منافقون. ولم يشارك عبد الله في فريته إلا القليلون، منهم حمنة أخت زينب بنت جحش، وكانت زينب تعتقد أن الله نفسه زوجها من محمد فكانت تحس أنه من الواجب أن تحتل مكان عائشة الاثيرة عنده، ولقد فشلت حتى ذلك الوقت في أن

[374]

تنال بغيتها، وقد هيأت لها هذه الفضيحة المفتراة فرصة، وما كانت تود أن تضر عائشة، وما كانت تعتقد في حديث الافك، كما أشارت إلى ذلك فيما بعد، ولكن لما كان عبد الله يذكي نار الشائعات وكانت حمنه متأهبة لنشرها، فانها تركت الأمور تجري في أعنتها، وانتشر اللغط في دور النبي، وانتشر اللغط في الخارج، فكان لكل انسان في المدينة روايته عن مسألة عائشة وصفوان، وما كان يتأخر عن سردها وزيادة على ذلك وكما هي العادة فقد كان الزوج آخر من عرف، فلما بلغه الخبر لم يكن يدري ما يفعل. إن محمدا يحب عائشة، وانه ليحبها أحب خديجة، ولكن بطريقة أخرى، فإنه أحبها أكثر مما أحب أية امرأة أخرى كانت في حياته، وما كان يستطيع أن يصدق أن هذه الفتاة الصغيرة ألتي كانت له دائما صديقة كما كانت حبيبة، قادرة على أن تخونه متعمدة، وإن ما بلغه قد أزعجه حتى انه لم يقدر على أن يتهم عائشة مباشرة، ولكنه أعرض عنها. وقد لاحظت عائشة التي كانت تحب محمدا أيضا حبا جما إعراضه عنها، ولكنها لم تفطن إلى السبب فورا، ولما فطنت امتلات حنقا، فأقسمت وهي تذرف الدمع السخين أنها بريئة، واندفعت إلى بيت أبويها، راحت أمها وأختها تواسيانها، وقالتا لها لتخففا عنها لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن وكثر الناس عليها، فلو أنها انتظرت دون محاولة مقابلة المثل بالمثل لعاد كل شئ إلى أصله. ولم يقل أبو بكر شيئا، ولم يفاتحه النبي في شئ، فأغلق بابه عليه وراح يقرأ القرآن، ولم يستشر محمد عمر، ومن المحتمل أنه فكر في صرامته فخشى أن ينصح بالطلاق، وعلى كل حال فقد أفضى إلى علي بالأمر. لم يكن علي رجل نساء، وكان محاربا مسلما لا يعتقد في جميع هؤلاء النسوة اللاتي يخلطن حياتهن بحياة قائده الأعلى، وكان يعكس كره فاطمة لزوجة أبيها

[375]

الشابة، فأجاب على استشارة محمد بان جميع النساء سواء، وان عائشة لا تختلف عن الأخريات، وقد بلغ هذا القول عائشة فلم تنسه أبدا، فلما بويع لعلي بالخلافة بعد ثلاثين سنة عارضته بشدة حتى انها أثارت حربا أهلية دموية بين المسلمين، ولا زال ترجيع هذه الملاحظة والغضبة التي أثارتها في عائشة ظاهرة حتى اليوم في بعفى الشقاق الاسلامي. وفي هذا الوقت كان صفوان يطوف بالمدينة ويقسم أنه لم يكن بينه وبين عائشة أدنى شئ، وأنه لم يرها أبدا إلا في هذه المناسبة في الصحراء، وكان هدف غضبه الرئيسي حسان بن ثابت، شاعر النبي الذى ندين له كثيرا بالأدب المعاصر لهذه الحقبة، وكان حسان صديقا شخصيا لمحمد، ولكنه لم يستطع أن يقاوم إغراء نظم بعض الشعر اللاذع عن الحادثة، وقد كلفه ذلك أن ضربه صفوان، والظاهر أنه كان يستحق ذلك، وفي الحقيقة ما كان أحد بقادر على أن يقاوم إغراء تحليل القصة ثم إعادة سردها، فقد احتلت مكانة أعظم من المجادلات السياسية الاسلامية. وعرف محمد أخيرا أنه الوحيد الذي يلام، فإن الفضيحة ستستمر ما دام مترددا، فإن من واجبه أن يحكم ببراءة عائشة أو إدانتها، فقام بعمل حاسم كما هي عادته في المعارك. ففي الاجتماع التالي للصلاة، قام في الناس يخطبهم فقال: " يا أيها الناس. ما بال رجال يؤذونني في أهلي ويقولون عليهن غير الحق ! والله ما علمت منهن إلا خيرا، ويقولون ذلك لرجل والله ما علمت منه إلا خيرا ". ولما انتهى من ذلك ذهب إلى عائشة، فوجدها مع والديها وقد جلسا بجوارها على حصير، فقال: - يا عائشة، إنه قد كان ما بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قد

[376]

قارفت سوءا مما يقولون، فتوبي إلى الله فان اله يقبل التوبة من عباده. وانتظرت عائشة لحظة لعل أبويها يجيبان رسول الله عنها، ولكنهما ظلا صامتين فانفجرت وأخبرت محمدا أنه ليس هناك ما تعترف به، فقد كانت تعرف ذلك أكثر من أي فرد آخر، فكانت تتكلم في قوة وفي حدة، ثم انفجرت باكية. استمع محمد إليها ولكنه لم يفعل شيئا ليهون على زوجه المنتحبة، وحدق فيها فاحصا ثم ابتدأ يتنهد، وأغلقت عيناه بعد قليل، ثم تمدد على الحصير، فسجاه أبو بكر بثوبه، وراح في غيبوبة مدة، فتوقفت عائشة عن البكاء، وراحت ترقب محمدا الذي كان يتنفس تنفسا عميقا في قلق، وفجأة ألقى محمد بالثوب عنه وانتصب واقفا وكانت عيناه تشعان سرورا فقال: أبشري يا عائشة، قد أنزل الله براءتك. وخرج من الدار في خطى سريعة واسعة، ووقف أمام المسجد وقرأ الآيات التي أوحيت إليه: (والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة، ولا تقبلوا لم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون). واستمر في التلاوة لدقائق قليلة مبينا أحكام الزنا، وهذه الاحكام مفصلة في السورة الرابعة والخامسة من القرآن. فلما انتهى أمر بتنفيذ العقوبة التى شرعها الان في حسان وحمنة ومسطح وكان صديقا لأبي بكر، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة، ولم يحمل أحدا منهم حقدا بسبب ذلك، ولا يتبدل إخلاص حسان لمحمد، وقد وضع شرا بعد ذلك يمتدح فيه فضائل عائشة. وقد تجاهل محمد عبد الله بن أبي الذى كان السبب الحقيقي لكل هذه المتاعب فما كان مسلما وعلى ذلك لم يكن خاضعا للأحكام الاسلامية، وزيادة على ذلك، وعلى الرغم من نمو قوة محمد، فانه لم يشعر بعد بقدرته على عداء هذا

[377]

الشخص البغيض عداء مكشوفا، ومات عبد الله قبله، وكان في موته كما كان في حياته شوكة في جنب محمد. وإن السؤال الذي يظهر أنه لم يجد الجواب العملي المعقول بعد هو ما إذا كانت عائشة بريئة أو غير بيئة. كانت حمنة تصر دائما على أن مقابلة عائشة لصفوان كانت مدبرة، فلعلها كانت تتألم من " الثمانين جلدة "، وحتى لو كان الأمر كذلك فإن في رواية عائشة نقطا ضعيفة. كيف تنطلق عائشة دون أن تخبر أحدا وهي تعلم أن القافلة وشيكة الرحيل ثم تضيع وقتا طويلا قي البحث عن قلادتها ؟ إن عنصر الوقت هنا هام. إن المعسكر العربي يحتاج إلى وقت لرفعه وعلى الأخص معسكرا كبيرا كمعسكر قوة مغيرة، وحتى إذا ما سارت المجموعة الرئيسية من الجمال في طريقها فهناك المتخلفون، وقلما يتحرك قطار الابل سريعا، فانه ليقطع ميلين في الساعة، وعلى ذلك فمعنى عودة عائشة إلى المعسكر ولم تجد أثرا للقافلة، ولا أثرا للمتخلفين، ولا أثرا لمئات الرجال والدواب في بلاد مكشوفة حتى الأفق، معنى ذلك أن عائشة قد استغرقت ساعتين على الأقل في البحث عن قلادتها، ولقد نامت بعد ذلك كما قالت، فلنفرض أن غفوتها لم تزد عن ساعة حيث ظهر صفوان بعد ثلاث ساعات من مسيرة محمد وجنوده، فكيف عرف صفوان عائشة بالنظر، وعلى الاخص حسب ما جاء في قوله في المدينة بعد ذلك، أنه لم تقع عيناه عليها من قبل ؟ إن رواية عائشة إما أنها بسيطة وصادقة حتى إنها لتبدو غير محتملة، وإما أن صفوان والقلادة شئ واحد ونفس الشئ. وهناك بعض الاعتراضات على هذا الفرض الاخير،... فهل كانا يبلغان المدينة معا ويعرضان مسألتهما في الطرقات ؟ وهلا كان صفوان يركب بعيره السريع لينذر القافلة بأن عائشة ليست فيها ؟ إن الأمر جميعه غير واضح، وإننا لن

[378]

نعرف الصواب أبدا، كما كان صديقي مدني يقول عندما كنا نناقش البراهين التى تؤيد وتدحض الوسائل الاسلامية المعارضة للوسائل المسيحية في تناول المرأة " فهناك ثلاثة أشياء لا يراها إلا الله وحده هي أثر السمك في الماء، وأثر الطير في الهواء وأثر الرجل في المرأة ". وكانت عائشة تقول بعد ذلك بسنين، إن صفوان قد ظهر أنه كان حصورا لا يأتي النساء، أفهذه ملاحظة شريكة بريئة أم شريكة مذنبة ؟ أم هذه روح دعابة طروب ؟ وقد فقدت منها قلادتها في مناسبة أخرى فأوقفت جيش محمد جميعه وجعلت الجنود يبحثون عنها حتى وجدوها. ويقال إن هذا اللهو قد تسبب في رخصة استعمال الرمل في الاغتسال بدل الماء، لان الجيش قد أمضى وقتا طويلا في البحث عن هذه الحلية حتى حان أوان الصلاة قبل أن يصل الجيش إلى الآبار التي سينزل عندها، وكان محمد يهتم بالوضوء، وينبغي أن يسبق الوضوء كل صلاة من الصلوات الخمس، فكان لذلك يحمل معه ماء أكثر من الضروري، فلما ضيع جيش المسلمين ساعات كثيرة في البحث عن القلادة، نفد الماء فاستعمل محمد الرمل في التيمم، فأصبح أغلب العرب الرحل يغتسلون بالرمل كثيرا، فسواء أكانت القلادة هي التي جاءت بهذا أم لم تكن، فإن هذا التشريع جعل العرب من أكثر الناس اغتسالا في العالم.

[379]

ثالثا - كارل بروكلمن في كتابه تاريخ الشعوب الاسلامية قال: وأغلب الظن أن محمدا قد انصرف إلى التفكير في المسائل الدينية في فترة مبكرة جدا. وهو أمر لم يكن مستغربا عند أصحاب النفوس الصافية من معاصريه الذين قصرت العبادة الوثينة عن إرواء ظمأهم الروحي. وتذهب الروايات إلى انه اتصل في رحلاته ببعض اليهود والنصارى، أما في مكة نفسها فلعله اتصل بجماعات من النصارى كانت معرفتهم بالتوراة والانجيل هزيلة إلى حد بعيد. ومع الايام أخذ الايمان بالله يعمر قلبه ويملك عليه نفسه، فيتجلى له فراغ الآلهة الأخرى. ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الاولى من بعتته بالهة الكعبة الثلاث اللواتي كان مواطنوه يعتبرونها بنات الله ولقد أشار اليهن في إحدى الايات الموحاة إليه بقوله: " تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن ترتضي ". أما بعد ذلك حين قوي شعور النبي بالوحدانية فلم يعترف بغير الملائكة شفعاء عند الله، وجاءت السورة الثالثة والخمسون وفيها انكار لان تكون الالهة بنات الله. ولم يستطع التقليد المتأخر أن يعتبر ذلك التسليم إلا تحولا أغراه به الشيطان، ولذلك أرجئت حوادثه إلى أشد أوقات النبي ضيقا في مكة، ثم ما لبث أن أنكره وتبرأ منه في اليوم التالي (1).


(1) تاريخ الشعوب الاسلامية، كارل بروكلمن، تعريب نبيه أمين فارس ومنير البعلبكي، الطبعة السابعة 1977، بيروت، دار العلم للملايين.

[380]

رابعا - ف. بوهل في دائره المعارف الاسلامية قال: ويشير المستشرق الدنماركي ف. بوهل (1260 - 1351) الاستاذ في جامعة لايبزك، إلى هذه القصة الخرافية المختلقة في دائرة المعارف الاسلامية بعد تقديم ما يلزمه من مقدمة ويقول كان النبي مستعدا لتفهم الكلمات التي كانت تلقي إليه من ايحاءاته اللاشعورية، وكان عليه أن يحارب همسات الشيطان، كما تشير إليه الآية 200 من سورة الاعراف، والاية 97 من سورة المؤمنون، ولكنه بين حين وآخر يحاول أن يمزج بين الوحي، وهذه النداءت الشيطانية الخفية، وان هذا ملحوظ تماما في الآية 98 من سورة النحل، ولكى يصون نفسه من هذه النداءات، كان يدعو الله ليصونه من ذلك. لكن تشير الروايات الموثوقة المعتمد عليها انه سمح لنفسه أن تغوي بواسطة الشيطان لمدح اللات والعزى ومناة إلى حد ما لكنه اكتشف زلته فيما بعد ثم أوحيت إليه الآية 19 من سورة النجم.

[381]

خامسا - يوسف شاخت في دائرة المعارف الاسلامية قال: ويشير أيضا إلى اسطورة الغرانيق الخرافية المختلقة وتدخل الشيطان في القرآن (على ما يزعم) المستشرق الهولندي يوسف شاخت. استاذ اللغة العربية في جامعة ليدن واستاذ جامعة القاهرة واكسفورد في لندن واستاذ جامعة في يبرك السويسرية وكولومبيا في أميركا في مادة " اصول " من (دائرة المعارف الاسلامية). ويقول في القرآن: وليس هناك من شك في قطعية ثبوته وتنزيهه عن الخطأ على الرغم من امكان سعي الشيطان لتخليطه. * * * انتجت الروايات السابقة ما قاله الاستاذ جارودي روجيه مرشح الحزب الشيوعي - سابقا - لمنصب رئس الجمهورية الفرنسية بعد أن أسلم في حوار له مع الاستاذ سعد الدين كالآتي: قرأت القرآن الكريم وأعدت قراءته مرات كثيرة ولا أدرى ان كنت قد فهمته جيدا بالطريقة التي يجب على الانسان أن يفهمه بها أم لا فقد بدا لي ان الرسول عليه الصلاة والسلام جاء بدين عظيم هو أساس الأديان، لم ينكر فيه الأنبياء السابقين بل جاءت رسالته متممة ومكملة للرسالات السابقة، ثم شرعت

[382]

في قراءة الأحاديث النبوية وعندما اتيح لي السفر إلى المدينة المنورة قمت بشراء واقتناء مجموعة الأحاديث في كتب البخاري ومسلم فرأيت شيئا آخر أعبر عنه بهذه العبارة الصريحة رأيتني وكأنني أمام دين آخر ونشأ في نفسي انطباع من قراءاتي للحديث الشريف انني أمام دين تقليدي. فكل ما وجدته في كتب الاحاديث وكل ما رأيت للرسول عليه الصلاة والسلام يتحدث عنه أو يشير إلى فعله يتعلق بلبس الثياب أو كيفية الدخول للمكان والخروج منه وأشياء أخرى من هذا القبيل. لا كما رأيت في القرآن الكريم عن الاساسيات التي تدل على كمال الدين الاسلامي. عدنان سعد الدين هذا الذى استخلصته من دراسة الأحاديث بعدما قرأتها في صحيحي البخاري ومسلم. المترجم: بدا للاستاذ جارودي بعد دراسة الأحاديث الشريفة وكأنه ليس أمام الدين الاسلامي الحنيف الذي قرأ عنه وتعرف عليه في القرآن الكريم. والذي هو كامل ومكمل للاديان. بل كأنه من خلال الأحاديث يقرأ عن دين خاص يعطي صورة عن حياة الرسول (ص) عليه الصلاة والسلام وأموره الخاصة. فهي ذات طابع شخصي وهذا لا يثير اهتمام الغربيين ولا يعنيهم أن يعرفوا كيف كان الرسول يلبس ثيابه أو نعاله وكيف كان يأكل ويجلس ويدخل ويخرج بل يعنيهم ويشد من انتباههم القضايا الكلية والمصيرية والاساسية في حياة الانسان، مثل النظرة إلى الكون والطبيعة والحياة والتوحيد والايمان بالله والرسالات (1).


(1) حوار مع الاستاذ رجاء جارودي لعدنان سعد الدين، القاهرة مكتبة وهبة، مطبعة دار التضامن، ط الاولى سنة 1408 ه‍، ص 19.

[383]

خلاصة وخاتمة: وأنتجت الروايات التي درسناها في أبواب الكتاب ما تقوله المستشرقون كالآتي بيانه: أولا - المستشرق مونتجومري وات: وجد مونتجومري وات بغيته في الروايات المختلقة المنسوبة إلى أم المؤمنين عائشة وسائر الصحابة في بدء الوحي وقال في كتابه " محمد في مكة ": (لم يكن محمد واثقا من طبيعة الوحي الذى ينزل عليه و...). وقال عن اسطورة الغرانيق، في هذا الكتاب وفي كتابه الاخر " محمد الرسول والسياسى ": (رتل محمد في وقت من الاوقات الآيات التي أوحي بها الشيطان على انها جزء من القرآن... ثم أعلن محمد فيما بعد ان هذه الايات لا يجب أن تعتبر جزءا من القرآن... وقال: وكان يريد قبولها في الوهلة الأولى، وهذا يدل على أنه في هذه المرحلة من ايمانه بالتوحيد ما كان يمتنع من الاحترام والدعاء لبعض الموجودات التي كان يعتقدها نوعا من الملائكة... وقال: وهل هذا يعني انه كان في ذلك الزمان مشركا). وقال في كتابه الآخر: " محمد في المدينة " في سبب فرض الحجاب: (وكان لابد من حماية النساء تجنبا للفضيحة. وتدل حادتة (حديث الافك التي لاكت فيها ألسنة السوء اسم عائشة في المدينة... إلى قوله: ومن بين الشائعات التي انتشرت

[384]

... شائعة تقول بانها قبل فرض الحجاب، تحدثت عدة مرات مع الشاب الذي عاد بها إلى المدينة). ثانيا - المستشرق كارل بروكلمن قال بروكلمن في كتابه " تاريخ الشعوب الاسلامية " عن اسطورة الغرانيق: (ولكنه على ما يظهر اعترف في السنوات الاولى بآلهة الكعبة... ولقد أشار اليهن في احدى الآيات الموحاة إليه بقوله: تلك الغرانيق العلى.. - إلى قوله - أما بعد ذلك حين قوى شعور النبي بالوحدانية... ما لبث أن أنكره وتبرء منه في اليوم التالي). ثالثا - المستشرق ف. بوهل: قال بوهل في مادة " قرآن " عن دائرة المعارف الاسلامية: (كان النبي مستعدا لتفهم الكلمات... من ايحاءاته اللاشعورية وكان عليه أن يحارب همسات الشيطان... ولكنه بين حين وآخر يحاول أن يمزج بين الوحي وهذه النداءات الشيطانية الخفية... إلى قوله: وتشير الروايات الموثوقة انه سمح لنفسه أن تغوى بواسطة الشيطان لمدح اللات والعزى ومناة إلى حد ولكنه اكتشف زلته فيما بعد). رابعا - المستشرق يوسف شاخت قال شاخت في مادة " اصول " عن دائرة المعارف الاسلامية: (وليس هناك من شك في قطعية ثبوت القرآن وتنزيهه عن الخطأ على الرغم من امكان سعي الشيطان لتخليطه).

[385]

دراسة موجزة في ما تقوله المستشرقون في ما سبق 1 - عن بدء الوحي: ان أقوال المستشرقين في بدء الوحي نتيجة للروايات التى درسناها سابقا في الباب الرابع من الكتاب وعرفنا انها مخالفة للواقع التاريخي. 2 - عن اسطورة الغرانيق: كذلك قد بينا في الباب الخامس انها من مختلقات الزنادقة واستفاد المستشرقون منها. وقد قال سبحانه وتعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها هن قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (ابراهيم / 26). وقد قال سبحانه وتعالى: (ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الارض ما لها هن قرار يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الاخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء) (ابراهيم / 26). خامسا - المستشرق ر. ف. بودلى قال ر. ف. بودلى في كتابه " حياة محمد " عن حديث الافك: (كان محمد يأخذ دائما معه زوجة أو زوجتين إذا ما قام برحلة أو خرج في اغارة... إلى قوله: فلما استيقظت عائشة خرجت إلى الخلاء لبعض حاجتها... فلما همت بدخول هودجها اكتشفت ان قلادتها قد انسلت من عنقها فعادت أدراجها... وعادت لتلحق بالقافلة، ولكن لم تجد هناك قافلة... فالتفت في جلبابها... فلما استيقظت كانت الشمس مرتفعة في السماء ولم تكن وحيدة... ففركت عائشة عينيها، فابتسم الشاب، ثم أناخ بعيره... وان السؤال الذي لم يجد الجواب... كيف تنطلق عائشة دون أن تخبر أحدا...

[386]

دراسة موجزة فيما تقوله المستشرقون في أخبار الافك قد درسنا في الباب الثاني في أخبار الافك وبينا انها لاواقع لها بهذه الكيفية بل الافك كان في شأن مارية القبطية، والذين جاؤا بالافك عصبة غير هؤلاء، ولكن المستشرقين قد وجدوا في أخبار الافك ما يريدون وأخذوا بها وعلقوا عليها وفق أهوائهم. وصدق الله سبحانه حيث يقول: (أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين) (التوبة / 109). * * *

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية