الرئيسية  اتصل بنا  خارطة الموقع   
 
 
  إرسل لنا كتاب | أخبرنا عن خطأ  
أ ب ت  ...




عبدالله بن سبا - السيد مرتضى العسكري ج 2

عبدالله بن سبا

السيد مرتضى العسكري ج 2


[1]

عبد الله بن سبأ واساطير اخرى

[3]

دراسات في سبيل تمحيص سنة الرسول (ص) عبد الله بن سبأ واساطير اخرى المجلد الثاني تأليف السيد مرتضى العسكري

[4]

الطبعة السادسة مصححة سنة 1413 ه‍ - 1992 م

[5]

أبواب الكتاب ص 7 أمام الكتاب: الاهداء، كتابان لعالم مصر الراحل. بحوث الكتاب. 17 المقدمة. 21 إنتشار الاسلام بالسيف في حديث سيف. 99 أساطير خرافة. 151 تصحيف وتحريف. 167 عبد الله بن سبأ في كتب أهل الحديث. 215 عبد الله بن سبأ في كتب أهل المقالات. 255 حقيفة ابن سبأ والسبئية. 323 حقيقة أكاذيب. 349 خلاصة وخاتمة. 377 خاتمة الكتاب. المستدرك على القسم الاول. 419 مصادر الكتاب. 435 الفهارس العلمية. * * *

[7]

الاهداء إلى الطليعة المؤمنة من شبابنا الصاعد، حاملي مشعل الامة، وأمل الغد المشرق. لكم أهدي هذه البحوث التي تتصل بعقيدتكم وأدعوه سبحانه أن يسدد خطاكم لمتابعة مسيرتنا الظافرة من أجل تطبيق حكم القرآن في وطننا الاسلامي الكبير. المؤلف

[9]

وفاء وذكرى تبودلت خلال عشر سنوات كتب كثيرة بيني وبين عالم مصر الباحث، وفقيدها الراحل الشيخ محمود أبو رية، نشر هو رحمه الله اثنين من رسائلي إليه في كتابه: (أضواء على السنة المحمدية) (1). وأسجل هنا أمام هذا الكتاب اثنين من رسائله إلي وفاء له، وذكرى لمرور عام على وفاته، تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته.


(1) في الطبعة الثانية منه.

[11]

بسم الله الرحمن الرحيم حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ مرتضى العسكري من كبار علماء النجف الاشرف - بالعراق سلام الله عليكم ورحمته وبركاته وبعد: فقد جرى حديث بين جمع من العلماء الاحرار وجاء ذكر العلماء المتحررين وتآليفهم التي تنفع المسلمين، فذكر بعضهم أن سيادتكم ألفتم كتابا قيما عن (عبد الله بن سبأ) ذكرتم فيه حقائق لم يهتد أحد قبلكم إليها، وصرحتم بآراء لا يستطيع مقلد جامد أن يجهر بها، فحبب لي ذلك أن أطلع على هذا المؤلف النفيس واستخرت الله أن أطلبه من سيادتكم ويقيني أنكم ستتفضلون بإرسال نسخة منه. ولسيادتكم أخلص الشكر سلفا. والسلام عليكم ورحمة الله. المخلص محمود أبو رية مصر الجيزة في 17 من المحرم سنة 1380 ه‍. الموافق 11 / يوليه / سنة 1960 م.

[12]

كان هذا أول كتاب تلقيته من المغفور له الشيخ أبو رية، وتلقيت منه الكتاب الآتي بعد تلبية طلبه وإرسال الجزء الاول من " عبد الله بن سبأ " إليه.

[13]

بسم الله الرحمن الرحيم سيدي الكريم العالم الجليل الاستاذ مرتضى العسكري حفظه الله. سلام عليكم ورحمته وبركاته.. وأدعوه تعالى أن تكونوا على خير ما أرجو لكم صحة وعافية - وبعد. فإني انتهز اليوم هذه الفرصة فأذكر لكم كلمة وجيزة عن مؤلفكم النفيس (عبد الله بن سبأ) بعد القراءة الاولى لاني سأعود إلى قراءته مرة أخرى فأقول لكم: إن بحثكم في هذا الكتاب كان بحثا أكاديميا لم يطرقه أحد قبلكم، وإني أهنئكم تهنئة صادقة على أن الله قد وفقكم للقيام بهذا البحث وهداكم إلى الوصول إلى هذه الحقائق التي لم يهتد إليها أحد في الاربعة عشر قرنا الماضية، وقد صدق بحثكم هذا ما قاله بعض علماء أوربا - وأظنه (ويلز) - من أن التاريخ كله أكاذيب ! ! وأن هذا لينطبق - واأسفاه - على التاريخ الاسلامي الذي أملته الاهواء والعصبيات في كل عصر.. حتى أصبح في حاجة إلى أن يدرس من جديد دراسة عميقة صحيحة، وإن كتابكم - (عبد الله بن سبأ) - (ليعد بحق) المدخل لهذه الدراسة فاحمدوا الله على أن ادخر ذلك إليكم، واستعينوا بالله وسيروا في طريقكم ملتزمين هذه السنن، ولا تبالوا أحدا أبدا.

[14]

وكل ما أرجوه أن تظهروا الحقائق كما تبدوا لكم بعد التمحيص، وأن تتلطفوا في استخراج النتائج من مقدماتها وتدعوا للقارئ أن يستزيد من فهمها وبخاصة فيما يتصل بأبي بكر وعمر، لان العقول ما زالت لا تحتمل الحقائق ظاهرة مكشوفة. أختم بأطيب التحية، والسلام عليكم ورحمة الله. المخلص محمود أبو رية الجيزة 9 شارع قرة بن شريك. 20 رجب سنة 1380 ه‍ في 7 يناير 1961 م.

[15]

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي علم بالقلم علم الانسان ما لم يعلم والصلاة على خاتم أنبيائه محمد وآله الطاهرين وأصحابه الميامين

[17]

المقدمة في دراساتي الاولى لاحاديث سيف، ظننت: أن سيف بن عمر يروم - في ما يضع من رواية، ويختلق من أسطورة - الدفاع عن ذوي السلطة والجاه من الصحابة، والحط من مناوئيهم فحسب. وأنه في سبيل ذلك قلب الحقائق، وجعل قسما كبيرا من أبرار الصحابة سخفاء جناة، والمطعونين في دينهم ذوي حجى ودين ! وأنه في سبيل ذلك شوه معالم التاريخ الاسلامي بما افترى واختلق ! وأنه استطاع أن يخفي هدفه وعمله تحت غطاء من نشر مناقب عامة الصحابة، وكذلك الدفاع عن عامتهم. وأن حيلته قد انطلت على العلماء مدى العصور، وظنوا أن سيف بن عمر - في ما يضع ويختلق - يدافع عن عامة الصحابة وينشر فضائلهم. فرجحوا رواياته على روايات غيره مع ما وصفوه بالكذب، ووصفوا رواياته بالوضع، واتهموه بالزندقة ! وأنه بسبب ذلك راجت رواياته وشاعت، ونسيت روايات أخرى صحيحة وأهملت حتى اختفت من مصادر الدراسات الاسلامية، وأن ذلك أضر بالاسلام والمسلمين ! فلما تبين لي كل ذلك خلال دراساتي الاولى

[18]

حاولت أن أكشف عن هذه الحقائق دفاعا عن أبرار الصحابة، ووضعا للامور في نصابها، وأوردت خلاصات عن بعض أبحاثي في كتاب (عبد الله ابن سبأ) وطبعته عام 1375 ه‍ بالنجف الاشرف. ثم تابعت دراساتي عن سيف وأحاديثه، فتبين لي بعد ذلك أن سيف ابن عمر لا يهدف الدفاع عن وجهاء الصحابة ويخفي هدفه وراء التظاهر بالدفاع عن عامة الصحابة كما يبديه وحسب، بل يدفعه إلى ذلك أمران آخران: أولا: يدفعه التعصب القبلي إلى تمجيد العدنانيين ونشر فضائلهم، ثم الوقيعة في القحطانيين من قبائل اليمن ونشر معايبهم، وبما أن السلطة كانت في قبائل عدنان مدى خلافة أبي بكر وعثمان (1) ثم الامويين إلى عصر سيف، وكانت الفئات المعارضة لهم من آل قحطان، لهذا يخيل للباحث أن سيفا يضع الرواية ويختلق الاسطورة للدفاع عن أصحاب السلطة والحط من مناوئيهم، بينما هو يعمل ما يعمل بدافع التعصب القبلي لعامة عدنان ضد عامة قحطان. ثانيا: تدفعه الزندقة إلى تشويش معالم التاريخ الاسلامي، وتشويه حقائقه، ولذلك صحف أسماء كثيرة وحرف أخبارها، وغير سني الحوادث التاريخية، واختلق الاساطير وقلب الحقائق، ودس الخرافات في عقائد


(1) اختلف حكم الامام علي عن حكم غيره من الخلفاء بأن مناوئي الامام كانوا من قريش العدنانية وحلفائهم وأن أنصاره كانوا من قبائل قحطان ومواليها. ولهذا يبدو سيف فاترا في نشر مناقب الامام، ونشيطا في نشر الاكاذيب ضده وضد أنصاره السبائيين من آل قحطان.

[19]

المسلمين إلى غير ذلك مما فعل ! ولعل الاهم من كل ذلك أن الزندقة دفعته إلى إبرازه الجيوش الاسلامية في فتوحها قاسية متوحشة، وإظهار حروبها حروب إبادة للبشرية، ومن هنا زعم بعضهم أن الاسلام انتشر بالسيف والدم. وعندما أدركت ذلك أخذت أشير إلى أهدافه في ما استدركته على كتاب (عبد الله بن سبأ) في طبعته الثالثة ببيروت، وفي ما نشرته من أبحاث في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). ثم جمعت من أبحاثي عن سيف ما يكشف عن واقعه المذكور آنفا، وجعلته قسما ثانيا لكتاب (عبد الله بن سبأ) وهو هذا الكتاب. وختمته ببحث واف عن (عبد الله بن سبأ) و (السبئية) و (ابن السوداء) وهي مما صحف فيها سيف وحرف، ومنه أخذ المؤرخون ما نقلوه في كتبهم، ثم تناقلت الالسن أخبارها فكثرتها وطورتها، ثم أخذ أهل الملل والنحل وغيرهم من أفواه الناس ما تقولوه في تلكم الاسماء على مر السنين، وخفي على الباحثين هذا التطور والتكاثر. وقد قصدت - في كل ما بحثت - إنارة السبيل أمام الباحثين عن حقائق التاريخ الاسلامي، وكشف ما وقع فيه، وما وقع في الاحاديث الشريفة من زيف وتضليل. ورجاء أن ينبه ذلك العلماء إلى ضرورة قيام جماعة منهم بتدارس روايات السيرة والتاريخ الاسلامي وعقد القواعد لذلك. وعسى أن يوفق الله بعض حماة الاسلام من علماء المسلمين إلى ذلك

[20]

ثم القيام بنشر نتيجة دراساتهم على المسلمين. دفعني كل ذلك إلى القيام بهذه الدراسات المضنية في سنوات طويلة، وتجشمت في سبيل ذلك مصاعب جمة من آلمها على القلب ازورار نفوس كريمة علي ظنا منهم أن ذلك غيرة منهم على وحدة الصف. وليتهم شعروا أن في إخفاء الحقائق وأدا للعلم والدين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والحمد لله الذي لا يحمد على مكروه سواه.

[21]

إنتشار الاسلام بالسيف والدم في حديث سيف

[23]

انتشار الاسلام بالسيف والدم في حديث سيف أ - تهويلات في حروب الردة: 1 - أبرق الربذة 2 - ردة طي. 3 - ردة أم زملى. 4 - ردة أهل عمان ومهرة. ب - فتوحات موهومة: 1 - وقعة ذات السلاسل. 2 - وقعة الثني أو المذار. 3 - يوم الولجة. 4 - وقعة أليس. 5 - وقعة أمغيشيا. 6 - يوم المقر وفم فرات بادقلى. 7 - ما بعد الحيرة. مناقشات ومقارنات: مناقشة أسانيد روايات سيف ومقارنة بين رواياته وروايات غيره. نتائج روايات سيف: أ - معارك حربية مختلقة. ب - صحابة مختلقون. ج - رواة مختلقون. د - أمكنة مختلقة. ه‍ - كتب عهود وصلح مختلقة. و - شعر مختلق. مصادر البحوث.

[25]

انتشر بين خصوم الاسلام أن الاسلام - شريعة خاتم الانبياء - انتشر بالسيف والدم، حتى اتخذ خصوم الاسلام من ذلك ذريعة للطعن عليه (1)، وإذا بحثنا في كتب السير والتواريخ لم نجد دليلا على هذا الزعم إلا في أحاديث سيف، فهو الذي روى في الحروب والغزوات الاسلامية أعدادا ضخمة من القتلى، وإبادة للجماعات الانسانية ما لا نظير لها إلا في حروب البرابرة المتوحشين أمثال جيوش التتر، بينما الواقع - الذي نجده في روايات غيره - أن الاسلام لم يشهر السيف إلا في وجه من تحداه بالسيف، ومن قابله من الحكام المتسلطين على الشعوب بالسيف والدم، وأن الشعوب كثيرا ما كانت تساعد المسلمين في حروبهم على حكامها المستبدين (2).


(1) شاهدت بمكتبة الآثار في بغداد نسخة من تاريخ الطبري، كان قبل ذلك ملكا للحبر الكبير الاب أنستاس ماري الكرملي، وكان قد علم حول سطور ورد فيها ذكر أعداد هائلة من قتلى الجيوس الاسلامية في فتوحها، ولما دققت النظر وجدت تلك السطور كلها ضمن روايات سيف. وراجع أجناس جولت تسيهر ص: 43 حيث يقول: " وجدت أمام أعيينا رقعة فسيحة كبيرة للاسلام جاوزت حدود الوطن وقد فتحت بقوة السيف ". (2) مثل ما وقع في بعض حروب المسلمين مع الروم في بلاد الشام. راجع فتوح البلدان للبلاذري، ما فعله أهل حمص يوم اليرموك.

[26]

وكثيرا ما نجد في روايات سيف ذكر حروب للمسلمين أبادوا فيها عددا ضخما من الناس، وهدموا دورهم، وتركوا الارض يبابا بعدهم، في حين أن تلك المعارك لم تقع بتاتا، وكل ما ذكره فيها - من قادة الفتح الاسلامي (1) وأشعارهم وقتلاهم وهدم مساكن الشعوب - اختلاق في اختلاق. من ذلك: ما ذكره من تهويلات في حروب الردة والتي لم يصدق في شئ منها، ونذكر أمثلة منها في ما يلي:


(1) ذكرنا عددا كبيرا منهم في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[27]

1 - تهويلات في أخبار حروب الردة: مهد سيف لما أراد أن يذكر في حروب الردة من تهويلات بما روى في روايات قصيرة له أوردها الطبري في أول أخبار الردة، قال سيف فيها: كفرت الارض بعد خروج اسامة لغزوة مؤتة، وتضرمت نارا، وارتدت العرب من كل قبيلة خاصتها أو عامتها إلا قريشا وثقيفا، ثم ذكر ارتدادا في غطفان، وامتناع هوازن من دفع الصدقة، واجتماع عوام طي وأسد على طليحة، وارتداد خواص بني سليم، وقال: " وكذلك سائر الناس بكل مكان " وقال: وقدمت كتب أمراء النبي من كل مكان بانتقاض القبائل خاصتها، أو عامتها. ثم ذكر في أحاديث أخرى له معارك أبي بكر ضد المرتدين قبل رجوع أسامة من الغزو (1) نذكر منها ما يلي:


(1) ذكرنا غزوة أسامة لنواحي الشام في أوائل الجزء الاول من هذا الكتاب. وثقيف وغطفان وهوازن قبائل عدنانية من قيس عيلان. وأسد: اسم عدة قبائل في العرب، وأراد هنا أسد بن خزيمة من مضر التي كان منها طليحة المتنبي الكذاب، وطي: قبيلة من قحطان كان منهم حاتم الشهير بالجود ويأتي ذكر ابنه عدي في أخبار الردة، وبنو سليم يقال لعدة عشائر في العرب منهم بنو سليم بن منصور من - >

[28]

أبرق الربذة: في رواية الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف أن قبائل ثعلبة بن سعد، ومن يليهم من مرة، وعبس (1) تجمعت بالابرق من الربذة، واجتمع إليهم ناس من بني كنانة فلم تحملهم البلاد، فافترقوا فرقتين، أقامت فرقة بالابرق، وسارت الاخرى إلى ذي القصة، وأمدهم طليحة الاسدي بأخيه حبال، فكان عليهم وعلى من معهم من القبائل: الدئل، وليث، ومدلج، وكان على قبيلة مرة بالابرق عوف ابن فلان بن سنان، وعلى ثعلبة وعبس، الحارث بن فلان أحد بني سبيع، فبعثوا وفودا إلى المدينة، فنزلوا على وجوه الناس ما عدا عباسا، فتحملوا بهم على أبي بكر يبذلون الصلاة، ويمنعون الزكاة، فقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالا لجاهدتهم عليه (2)


< - قيس عيلان العدنانيين، ومنهم بنو سليم بن نهم من الازد القحطانيين، ومنهم بنو سليم ابن حلوان من قضاعة - راجع تراجمهم في جمهرة أنساب ابن حزم، ولباب ابن الاثير. قصد بأمراء النبي الولاة الذين بعثهم النبي في حياته إلى القبائل العربية. (1) قصد بهم قبائل قيس عيلان العدنانيين ذكر نسبهم في جمهرة ابن حزم (ص: 233 - 240). (2) ذكر سيف في رواية اخرى له قبلها في الطبري خبر ارتداد عيينة، وغطفان، ومن ارتد من طي، قال: " قدمت عليه وفود أسد، وغطفان، وهوازن، وطي، وقضاعة، واجتمعوا بالمدينة، فنزلوا على المسلمين لعاشرة من متوفى رسول الله (ص)، يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، واجتمع ملا من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون، فلم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلا إلا العباس، ثم أتوا أبا بكر، فأخبروه خبرهم، وما أجمع عليه ملاهم، فأبي أبو بكر إلا أن يأخذ ما كان رسول الله يأخذ، وأبوا فردهم، وأجلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم ".

[29]

وكان عقل الصدقة على أهل الصدقة مع الصدقة فردهم، فرجع وفد من يلي المدينة من المرتدة إلى عشائرهم، وأخبروهم بقلة من في المدينة، وأطمعوهم فيها، وجعل أبو بكر - بعد مسير الوفد - على أنقاب المدينة عليا، وطلحة، والزبير، وابن مسعود، وألزم أهل المدينة بحضور المسجد، وقال لهم: إن الارض كافرة، وقد رأى وفدهم منكم قلة، وأدناهم منكم على بريد (1)، وأبينا عليهم ما طلبوا، ولا ندري أيأتونا ليلا أم نهارا، فاستعدوا، فما لبثوا إلا ثلاثا حتى اغاروا على المدينة ليلا، وخلفوا بعضهم بذي حسى ليكونوا لهم ردءا، فوافوا الانقاب وعليها المقاتلة، فمنعوهم وارسلوا إلى أبي بكر بالخبر، فأرسل إليهم أبو بكر أن الزموا مكانكم، وخرج في أهل المسجد على النواضح، فردوا العدو حتى بلغوا ذا حسى، فخرج عليهم الردء بأنحاء قد نفخوها، وجعلوا فيها الحبال، فدهدهوها في وجوه الابل، فنفرت إبل المسلمين، وهم عليها لا يملكونها، ورجعت بهم حتى أدخلتهم المدينة، ولم يصب أحد منهم فقال الخطيل بن أوس: فدى لبني ذبيان رحلي وناقتي * عشية يحدي بالرماح أبو بكر الابيات (2) قال: وظنوا بالمسلمين الوهن، وبعثوا إلى ذي القصة بالخبر، وكان بها من العشائر المرتدة بنو ذبيان، وأسد، فقدموا عليهم، وبات أبو بكر ليلته


(1) البريد: إثنا عشر ميلا من المسافة. (2) الردء، العون. وأنحاء جمع نحي: الزق. والنواضح جمع الناضحة: ناقة يستقى عليها، والانقاب، الطرق في الجبل، وأراد بها هنا الطرق المؤدية إلى المدينة و (ذا حسى) لم أجد ترجمتها. وذو القصة منزل كان على طريق الربذة، ويبعد عن المدينة اثنى عشر ميلا.

[30]

يعبئ الناس، وخرج على تعبية آخر الليل، على ميمنته النعمان بن مقرن، وعلى ميسرته عبد الله بن مقرن، وعلى أهل الساقة سويد بن مقرن، معه الركائب، فما طلع الفجر إلا وهم والعدو على صعيد واحد، فما شعروا بالمسلمين حتى وضعوا فيهم السيوف، فاقتتلوا أعجاز ليلتهم، فما ذر قرن الشمس حتى ولوهم الادبار، وغلبوهم على عامة ظهرهم، وقتل حبال (1)، واتبعهم أبو بكر حتى نزل بذي القصة، وكان أول الفتح، ووضع بها النعمان ابن مقرن في عدد، ورجع إلى المدينة، فذل لها المشركون. ووثب بنو عبس، وذبيان على من فيهم من المسلمين، فقتلوهم كل قتلة، وفعل من وراءهم من العشائر مثل فعلهم، فحلف أبو بكر ليقتلن في المشركين كل قتلة، وليقتلن في كل قبيلة بمن قتلوا من المسلمين وزيادة، وقال في ذلك زياد بن حنظلة: غداة سعى أبو بكر إليهم * كما يسعى لموتته جلال (2) أراح على نواهقها عليا * ومهج لهن مهجته حبال وقال أيضا: أقمنا لهم عرض الشمال فكبكبوا... الابيات. ولم يصنع - أبو بكر - إلا ما قال، فازداد لها المسلمون ثباتا، والمشركون في كل قبيلة انعكاسا من أمرهم - إلى قوله -: ثم خرج من خرج إلى ذي القصة مع الذين كانوا على الانقاب فقال له المسلمون: ننشدك الله


(1) لم يقتل حبال هنا، وإنما قتله عكاشة وثابت يوم بعثهما خالد طليعة في حرب بزاخة راجع في ما يأتي: موقف طي في غير روايات سيف. (2) الجلال: البعير العظيم.

[31]

يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك فإنك إن تصب لم يكن للمسلمين نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر، فقال: لا والله لا أفعل، ولاواسينكم بنفسي، فخرج في تعبيته إلى ذي حسى وذوى القصة، والنعمان، وعبد الله، وسويد على ما كانوا عليه حتى نزل على أهل الربذة بالابرق، فاقتتلوا، فهزم الله الحارث وعوفا، وأخذ الحطيئة أسيرا، فطارت بنو عبس وبنو بكر، وأقام أبو بكر أياما، وغلب على بني ذبيان وبلادهم، وقال: حرام على بني ذبيان أن يتملكوا هذه البلاد إذ غنمناها الله، وحمى الابرق لخيول المسلمين، وأرعى الناس سائر بلاد الربذة. وقال في يوم الابارق زياد بن حنظلة: ويوم الابارق قد شهدنا - الابيات إلى آخر الحديث. أوردنا في ما سبق موجزا مما رواه الطبري عن سيف في خبر أبرق الربذة وما يتصل بها من وقائع، ولم يصح منها شئ إطلاقا، ولكنها انتشرت في كتب التاريخ الاسلامي زهاء اثني عشر قرنا، فقد اختلق أخبارها سيف في أوائل القرن الثاني الهجري ونقل عنه الطبري - في تاريخه، ونقل عن تاريخ الطبري المؤرخون بعده كابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم. كما أخذ الحموي عن سيف ترجمة أبرق الربذة في معجم البلدان، وأخذ عنه صاحب مراصد الاطلاع، وهكذا انتشر خبر أبرق الربذة في مصادر التاريخ الاسلامي حتى اليوم ! ! !

[32]

ويتصل بالخبر السابق خبر آخر في حروب الردة، رواه - أيضا - الطبري عن سيف، عن سهل بن يوسف: أن أسامة لما قدم، واستراح جنده، وجائت صدقات كثيرة تفضل عنهم، خرج أبو بكر إلى ذي القصة، وقطع البعوث، وعقد الالوية، فعقد أحد عشر لواء: 1 - لخالد بن الوليد، وأمره بطليحة بن خويلد، فإذا فرغ سار إلى مالك بن نويرة بالبطاح إن أقام له. 2 - ولعكرمة بن أبي جهل، وأمره بمسيلمة. 3 - وللمهاجر بن أبي أمية، وأمره بجنود العنسي، ومعونة الابناء على قيس بن المكشوح ومن أعانه من أهل اليمن، ثم يمضي إلى كندة بحضر موت. 4 - ولخالد بن سعيد بن العاص - وكان قد ترك عمله في اليمن تقية منهم - وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام. 5 - ولعمرو بن العاص إلى جماع قضاعة، ووديعة، والحارث. 6 - ولحذيفة بن محصن الغلفاني، وأمره بأهل دبا. 7 - ولعرفجة بن هرثمة، وأمره بمهرة، وأمر حذيفة وعرفجة أن يجتمعا وكل واحد منهما في عمله على صاحبه. 8 - وبعث شرحبيل بن حسنة في أثر عكرمة بن أبي جهل، وقال: إذا فرغ من اليمامة، فالحق بقضاعة وأنت على خيلك تقاتل أهل الردة. 9 - وعقد لمعن بن حاجز - ويقال لطريفة بن حاجز - وأمر ببني سليم ومن معهم من هوازن. 10 - ولسويد بن مقرن، وأمره بتهامة اليمن.

[33]

11 - وللعلاء بن الحضرمي، وأمره بالبحرين. ففصلت الامراء من ذي القصة، وقد عهد إليهم عهده. وكتب - أيضا - إلى جميع القبائل المرتدة التي وجه إليها الجيوش. وأتم سيف هذا الخبر في رواية أخرى جائت بعدها، رواها عن عبد الله بن سعيد، قال: فكانت الكتب إلى قبائل العرب المرتدة كتابا واحدا كما يلي: بسم الله الرحمن الرحيم من أبي بكر خليفة رسول الله (ص) إلى من بلغه كتابي هذا من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه، سلام على من اتبع الهدى... إلى تمام صفحتين ثم قال: وإني بعثت إليكم فلانا في جيش من المهاجرين والانصار، والتابعين بإحسان (1)، وأمرته أن لا يقاتل أحدا ولا يقتله حتى يدعوه إلى داعية الله، فمن استجاب له وأقر وكف وعمل صالحا، قبل منه وأعانه عليه، ومن أبى أمرته أن يقاتله على ذلك، ثم لا يبقي على أحد منهم قدر عليه، وأن يحرقهم بالنار ويقتلهم كل قتلة، وأن يسبي النساء والذراري، ولا يقبل من أحد إلا الاسلام... إلى آخر الكتاب. ثم قال سيف: " فنفذت الرسل بالكتب أمام الجنود، وخرجت الامراء، ومعهم العهود: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا عهد من أبي بكر خليفة رسول الله


(1) التابعون: يقال لمن أدرك الصحابة وأصله ما ورد في القرآن الكريم (والتابعون بإحسان) واشتهر هذا الوصف بعد عصر الصحابة.

[34]

لفلان حين بعثه في من بعثه لقتال من رجع عن الاسلام، وعهد إليه أن يتقي الله ما استطاع، وأمره بالجد في أمر الله، ومجاهدة من تولى عنه ورجع عن الاسلام، فيدعوهم بداعية الاسلام، ومن لم يجب داعية الله، قتل وقوتل حيث كان وحيث بلغ، مراغمة لا يقبل من أحد شيئا أعطاه إلا الاسلام، فمن أجابه وأقر، قبل منه، وعلمه، ومن أبى قاتله، فإن أظهره الله عليه قتل منهم كل قتلة بالسلاح والنيران... " إلى آخر الكتاب. كان ما أوردناه خاصة مما روى الطبري عن سيف في خبر خروج أبي بكر إلى ذي القصة وتأميره الامراء لحروب الردة. وأخذ من الطبري كل من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون وغيرهم، ما ذكروا من هذه الاخبار في تواريخهم. وأخذ من سيف - أيضا - ياقوت الحموي، ما ذكره بترجمة الحمقتين من معجم البلدان قال: " الحمقتان، قال سيف: عقد أبو بكر (رض) لخالد ابن سعيد بن العاص - وكان قدم من اليمن، وترك عمله - وبعثه إلى الحمقتين من مشارف الشام ". وأخذ منه صاحب مراصد الاطلاع ما ذكر بترجمة الحمقتين. ونقل مؤلفو الاستيعاب، وأسد الغابة، والاصابة بترجمة حذيفة بن محصن، وعرفجة بن هرثمة ما يخصهما من هذه الرواية. وهكذا تنتشر روايات سيف وتمتد أغصانها إلى مصادر الدراسات الاسلامية ! ! !

[35]

مناقشة السند: في سند رواية سيف عن خبر أبرق الربذة، وخبر تأمير الامراء بذي القصة سهل بن يوسف، وسبق قولنا فيه إنه من مخترعات سيف من الرواة ! وفى سند رواية سيف نص كتب أبي بكر للمرتدين وعهده لامرائه، عبد الله بن سعيد وهو في سند روايات سيف: عبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري، روى عنه سيف في تاريخ الطبري ست عشرة رواية، واعتبرناه - أيضا - من مخترعات سيف من الرواة لما لم نجد له ذكرا عند غير سيف ! ذكرنا بإيجاز ما رواه سيف في الخبرين السابقين، أما غير سيف، فقد روى الطبري عن هشام بن الكلبي قال: لما رجع أسامة ومن معه من الجيش جد أبو بكر في حرب أهل الردة، وخرج بالناس حتى نزل بذي القصة (منزل به من المدينة على بريد من نحو نجد) فعبأ هنالك جنوده، ثم بعث خالد بن الوليد على الناس، وجعل ثابت بن قيس بن شماس (1) على الانصار، وأمره إلى خالد، وأمره أن يصعد لطليحة وعيينة بن حصن، وهما على بزاخة (ماء من مياه بني أسد) وأظهر أني ألاقيك بمن معي نحو خيبر. قال ذلك مكيدة فقد كان أوعب مع خالد الناس، لكنه أراد أن يبلغ ذلك عدوه، فيرعبهم، ثم رجع إلى المدينة.


(1) ثابت بن قيس الخزرجي، وأمه امرأة من طي، وكان خطيب النبي والانصار، شهد أحدا، وما بعدها، وقتل يوم اليمامة، وقتل أولاده محمد، ويحيى، وعبد الله، يوم الحرة - أسد الغابة (1 / 229).

[36]

وذكر - أيضا - ذهاب أبي بكر إلى ذي القصة، وتأميره خالدا على الجيش هنالك، كل من: اليعقوبي في تاريخه، غير أنه ذكر أن تعيين ثابت على الانصار كان بعد عتبهم عليه عدم تأميره أحدا من الانصار. والبلاذري والمقدسي ذكرا إغارة بني فزارة عليهم هناك، قال المقدسي - بعد ذكر ما سبق -: فسار خالد، ورأى خارجة بن حصن الفزاري (1) قلتهم مع أبي بكر بذي القصة، فحمل عليهم في الفوارس، فانهزموا، ولاذ أبو بكر بشجرة (2) فأرقي طلحة بن عبيد الله على شرف، فنادى: أيها الناس ! هذه الخيل ! فتراجع الناس، وانكشف خارجة، ورجع أبو بكر إلى المدينة. وقال البلاذري: فخرج أبو بكر إلى ذي القصة من أرض محارب لتوجيه الزحوف إلى أهل الردة، ومعه المسلمون، فصار إليه خارجة ومنصور ابن زيان الفزاريان، فقاتلوهم قتالا شديدا، فانهزم المشركون، وأتبعهم


(1) خارجة أخو عيينة بن حصن، يقال: إنه وفد على النبي، وشكا الجدب، فدعا لهم الرسول، وأسلم، ورجع إلى قومه. روى الواقدي أنه كان ممن منع صدقة قومه، وأنه لقي نوفل بن معاوية الديلي واستعاد الصدقة منه وأعادها على قومه، وقدم على أبي بكر حين فرغ خالد من قتال بني أسد، فقال أبو بكر: اختاروا سلما مخزية، أو حربا مجلية. وفسر له أبو بكر السلم المخزية، فقال: رضيت (الاصابة 1 / 399) رقم 2133. (2) رجحت هذه الرواية عندي على رواية الطبري (1 / 1870) عن ابن إسحاق وغيره. التي قالوا فيها: إن أبا بكر (استتر بأجمة) يومذاك، لان طبيعة تلك الاراضي لا تتناسب وتكون أجمة فيها.

[37]

طلحة، فقتل منهم رجلا، وفاته الباقون - إلى قوله -: ثم عقد لخالد وهو بالقصة، وجعل على الانصار ثابت بن قيس، وأمره أن يصمد لطلحة، وهو يومئذ ببزاخة. وقال البلنسي (ت: 734 ه‍) في الاكتفاء ما ملخصه: لما توفي رسول الله (ص) واستخلف أبو بكر وكفر من العرب من كفروا ومنعوا الصدقة وقال قائلهم: أطعنا رسول الله ما عاش بيننا * فيا لعباد الله ما لابي بكر أيورثها بكرا إذا مات بعده * فتلك وبيت الله قاصمة الظهر وقال بعضهم: نؤمن بالله ونشهد أن محمدا رسول الله (ص) ونصلي ولكن لا نعطيكم أموالنا. فأبى أبو بكر إلا قتلهم. فقال له عمر: إنما شحت العرب على أموالها وأنت لا تصنع بتفريق العرب عنك شيئا، فلو تركت للناس صدقة هذه السنة. وقال: وكيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله (ص) أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ؟ فقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه. وقدم المدينة عيينة بن حصن الفزاري (1)


(1) أبو مالك عيينة الغطفاني الفزاري أسلم قبل الفتح أو بعده وكان من الاعراب الجفاة - >

[38]

والاقرع بن حابس في رجال معهم وقالوا للمهاجرين: ارتد من وراءنا وليس في أنفسهم أن يؤدوا إليكم من أموالهم ما كانوا يؤدونه إلى رسول الله (ص)، فإن تجعلوا لنا جعلا نرجع فنكفيكم ما وراءنا. فقال أبو بكر: والله لو منعوني عقالا رأيت أن أجاهدهم عليه حتى آخذه. وقال في شأن عيينة وأصحابه: لو رأوا ذباب السيف لعادوا إلى ما خرجوا منه، أو أفناهم السيف فإلى النار قتلاهم، على حق منعوه، وكفر. فقالوا له: رأينا لرأيك تبع، فأمر أبو بكر بالتجهز. وقال البلنسي في تعداد من تمسك بالاسلام بين المسجدين: أسلم غفار وجهينة ومزينة وكعب وثقيف. قال: وأقامت طي كلها على الاسلام وهذيل وأهل السراة (1) وبجيلة وخثعم ومن قارب تهامة من هوازن ونصر


< - من المؤلفة قلوبهم. تزوج عثمان بن عفان ابنته أم البنين. توفي أواخر خلافته - أسد الغابة (4 / 166) الاصابة (3 / 54 - 55). والاقرع بن حابس كان من فرسان تميم وأشرافهم ومن المؤلفة قلوبهم. أسلم قبل الفتح وشهد حنينا مع النبي واليمامة مع خالد وأصيب بجوزجان عام 32 وهو أمير الغزاة - ترجمته بالاصابة وفتح جوزجان من فتوح البلدان. (1) السراة: الارض الحاجزة بين تهامة واليمن ولها سعة، والجبال المطلة على تهامة مما يلي اليمن أولها لهذيل وهي تلي السهل من تهامة، ثم بجيلة وهي السراة الوسطى وقد شركتهم ثقيف في ناحية منها ثم سراة الازد، وأزد شنوءة، تهامة أرض منخفضة ساحلية بين اليمن ومكة - معجم البلدان.

[39]

وجشم وسعد بن بكر وعبد القيس، وقال: لم يرجع رجل واحد من أوس ولا من أهل السراة كلها ولا من تجيب ولا من الابناء بصنعاء، ولما جاءهم نبأ وفاة الرسول شق نساء الابناء الجيوب وضربن الخدود وشقت المرزبانة درعها من بين يديها وخلفها. وشرح البلنسي كيفية ارتداد من ارتد ومن بقي على إسلامه في ما روى وقال: وقد كان رسول الله (ص) لما حدر من الحج سنة 10 ه‍ وأقام بالمدينة حتى رأى هلال محرم سنة 11 ه‍ بعث المصدقين في العرب فبعث على عجز هوازن، عكرمة، وحامية بن سبيع الاسدي، على صدقات قومه، وعلى بني كلاب، الضحاك بن سفيان، وعلى أسد وطي، عدي بن حاتم، وعلى بني يربوع مالك بن نويرة، وعلى بني دارم وحنظلة، الاقرع بن حابس، وبعث كلا من الزبرقان بن بدر وقيس بن عاصم المنقري على صدقات قومهما (1).


(1) شرح ألفاظ الحديث: عجز هوازن: جشم وسعد بني بكر ونصر بن معاوية وثقيف ويقال هم أيضا عليا هوازن، أنساب الاشراف - مخطوطة الاستانة. والمزهر للسيوطي ط. مصر سنة 1325 ه‍ (1 / 127). وعكرمة هرب بعد الفتح إلى اليمن ثم أسلم وبعثه أبو بكر إلى عمان واليمن واشترك في الحروب الموسومة بالردة ثم وجهه إلى الشام فقتل في فتوحها سنة 13. ترجمته في الاستيعاب والاصابة (1 / 301). وأبو سعيد: الضحاك بن سفيان العامري الكلابي ولاه الرسول على قومه. ترجمته بأسد الغابة. وعدي كان نصرانيا وأسلم عام 9 ه‍ وشهد اليمامة والعراق وحضر مع الامام علي الجمل وصفين. مات بالكوفة أيام المختار سنة 67 ه‍ وهو ابن مائة وعشرين. - >

[40]

فلما بلغتهم وفاة النبي (ص) اختلفوا فمنهم من رجع ومنهم من أدى الصدقة إلى أبى بكر، وكان الذين فرقوا الصدقة بين قومهم مالك ابن نويرة وقيس بن عاصم والاقرع بن حابس من تميم، ودفعها الزبرقان إلى أبي بكر، أما بنو كلاب فتربصوا ولم يمنعوا منعا بينا ولم يعطفوا وكانوا بين ذلك. وبعث على فزارة نوفل بن معاوية الديلي فلقيه خارجة بن حصن بالشربة ومعه الفرائض وقال له: أما ترضى أن تغنم نفسك فهرب منه نوفل ورجع إلى أبي بكر بسوطه فردها خارجة على أربابها (1). وبعث على بني سليم عرباض بن سارية فلما بلغتهم وفاة النبي أبوا أن يعطوه شيئا واسترجعوا منه ما كان جمع. فانصرف من عندهم بسوطه (2).


< - ترجمته بالاستيعاب وأسد الغابة والاصابة. والزبرقان: البدر سمي به لجماله كان من سادات تميم. أسلم سنة 9 ه‍ وبقي على صدقات قومه حتى نهاية خلافة عمر وتوفي في خلافة معاوية - ترجمته في الاصابة. وقيس بن عاصم كان في وفد تميم وأسلم سنة 9 ه‍ وكان عاقلا حليما. ترجمته في الاصابة. (1) نوفل اسلم قبل الفتح وشهد الفتح ونزل المدينة وتوفي بها في خلافة يزيد. ترجمته بأسد الغابة. وخارجة أخو عيينة من سادات فزارة وفد على النبي وأسلم - ترجمته بأسد الغابة والشربة: مكان بوادي الرمة بين السليلة والربذة. (2) أبو نجيح عرباض بن سارية السلمي توفي سنة خمس وسبعين أو في فتنة ابن الزبير ترجمته بأسد الغابة.

[41]

وبعث كعب بن مالك الانصاري إلى أسلم وغفار ومزينة وجهينة ومنازلهم غربي المدينة فسلموا إليه صدقاتهم بعد وفاة النبي فاستعان بها أبو بكر على قتال أهل الردة (1). وكذلك فعل بنو كعب مع مصدقهم بسر بن سفيان الكعبي (2). واجتمع عند عدي ثلاثمائة بعير من صدقات قومه فطلبت طي أن يمنع الصدقة فأبى ودفعها إلى أبي بكر فأعطاه ثلاثين بعيرا فاستعان أبو بكر بهذه الصدقات وتجهز لقتال من امتنع من أداء الزكاة كما وصفه البلنسي وقال: خرج أبو بكر من المدينة في مائة من المهاجرين والانصار يحمل لواءه خالد بن الوليد، ووكل بالناس محمد بن مسلمة يستحثهم وسار حتى نزل ببقعاء (وهو ذو القصة) عند غروب الشمس فصلى بها المغرب وأمر بنار عظيمة فأوقدت، وأقبل خارجة بن حصن بن حذيفة في خيل من بني قومه فزارة يريد أن يخذل الناس عن الخروج من المدينة أو يصيب غرة فأغار على أبي بكر ومن معه وهم غافلون فاقتتلوا شيئا من قتال. وتحيز المسلمون ولاذ أبو بكر بشجرة، فأوفى طلحة على شرف فصاح بأعلى صوته: لا بأس ! هذه الخيل ! فتراجع الناس وجاء الامداد وتلاحق المسلمون فانكشف


(1) كعب بن مالك الخزرجي السلمي، شهد العقبة وتخلف عن بدر وتبوك قيل كان عثمانيا، توفي على عهد الامام علي أو معاوية - ترجمته بأسد الغابة. (2) بسر بن سفيان كان شريفا في قومه كتب إليه الرسول يدعوه إلى الاسلام. ترجمته بأسد الغابة.

[42]

خارجة وأصحابه وتبعه طلحة ومن خف معه فأدرك أخريات أصحابه فحمل على رجل منهم بالرمح وقتله وهرب من بقي. فأقام أبو بكر أياما وبعث إلى من كان حوله من أسلم وغفار ومزينة وأشجع وجهينة وكعب يأمرهم بالجهاد، فقدم إليه من جهينة أربعمائة معهم الظهر والخيل، وساق عمرو بن مرة الجهني مائة بعير فوزعها أبو بكر في الناس وتحبب إليهم الناس فأراد أن يولي على الناس زيد بن الخطاب فأبى وأبى أبو حذيفة ومولاه سالم من ذلك فأمر خالد بن الوليد على الناس وأخبرهم أنه سيلقاهم بخير مكيدة. وعهد إليه وكتب معه هذا الكتاب: هذا ما عهد به أبو بكر خليفة رسول الله (ص) إلى خالد بن الوليد حين بعثه فيمن بعثه من المهاجرين والانصار ومن معهم لقتال من رجع عن الاسلام بعد رسول الله (ص) عهد إليه. " قال: ويروى أن أبا بكر (رض) كتب مع هذا الكتاب كتابا آخر إلى عامة الناس ". وأمر خالدا أن يقرأه عليهم في كل مجمع وهو: من أبي بكر خليفة رسول الله (ص) إلى من بلغه كتابي هذا عامة أو خاصة تاما على إسلامه أو راجعا عنه. إلى قوله: وإني قد بعثت خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين الاولين من قريش وغيرهم. إنتهى بإيجاز من الاكتفاء للبلنسي (1).


(1) راجع تاريخ الردة (1 - 28)

[43]

نتيجة البحث: ذكر المؤرخون خرجة واحدة لابي بكر، خرج فيها إلى ذي القصة بعد رجوع أسامة من مؤتة وما خرج غيرها قط، عقد فيها لواء القيادة لخالد وأمر ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، وأمرهما بالمسير إلى بزاخة لحرب طليحة ومن معه من بني أسد وفزارة، وأضاف بعضهم إلى هذا: غارة بنى فزارة عليهم هناك بغتة، وقتل واحد منهم. كان هذا كل ما ذكره غير سيف من حرب وزحف وتوجيه جيوش في هذه الفترة، بعيد وفاة الرسول. أما سيف فقد ذكر تجمع قبائل كثيرة من أهل الردة في أبرق الربذة، منهم: ثعلبة بن سعد، وعبس وعليهم الحارث، ومرة وعليهم عوف، وناس من بني كنانة اجتمعوا إليهم، فلم تحملهم البلاد، فذهب نصفهم إلى ذي القصة، فأمدهم طليحة بأخيه حبال وأمره على من بذي القصة منهم، وعلى من معهم من قبائل الدئل، وليث، ومدلج، وأنهم بعثوا وفودا إلى المدينة يقرون الصلاة، ويأبون الزكاة، فردهم أبو بكر فأخبروا المرتدين في الابرق بقلة أهل المدينة، وأطمعوهم فيهم، فاستعد لهم أبو بكر، وعين على أنقاب أهل المدينة أربعة من كبار الصحابة ومعهم المقاتلة، وألزم سائر الناس حضور المسجد، وباغتت مرتدة الابرق أهل المدينة بغارة بعد ثلاث، وخلفوا ردءا لهم بذي حسى، فمنعهم المقاتلة على الانقاب، وأخبروا أبا بكر فخرج على

[44]

النواضح، وردوا العدو حتى بلغ ذا حسى، فباغتهم ردء المرتدة هناك بأنحاء دهدهوها في وجوه إبل المسلمين، فنفرت بهم حتى أرجعتهم إلى المدينة لا يملكون زمامها. فأرسل هؤلاء إلى من بذي القصة يخبرونهم ضعف أهل المدينة، فقدموا عليهم وفيهم بنو ذبيان وبنو أسد، وانضموا إلى من في الابرق، فعبأ أبو بكر جيشه، وعين أمراء على الميمنة والميسرة، والساقة جميعا، وبيتهم ليلا، فوضع المسلمون فيهم السيوف، وولوهم الادبار، وغلبوا على عامة ظهرهم (1)، وقتل في هذه المعركة حبال أخو طليحة، وتبعهم أبو بكر حتى بلغ ذا القصة، ووضع فيها مسلحة وأمر النعمان بن مقرن، ثم رجع إلى المدينة. وخرج أبو بكر من المدينة الخرجة الثالثة لما وثب بنو عبس، وبنو ذبيان على من في قبائلهم من المسلمين، وقتلوهم كل قتلة، فخرج أبو بكر على تعبئته حتى نزل الابرق، وقاتلهم حتى هزمهم، وأسر منهم، وغلب على بلادهم الربذة، فحرمها عليهم، وحمى أبرق الربذة لخيول المسلمين، وأرعى الناس سائر الربذة، وأنشد الصحابي زياد بن حنظلة، وغيره أراجيز متعددة في تلك المعارك. تفرد سيف بذكر كل ما سبق، ولم يصح منه شئ إطلاقا ! لم يصح ارتداد أكثر تلك القبائل التي ذكرها، ولم يصح تجمعها بالابرق وذي القصة، ولا إرسالها الوفود إلى المدينة، ولا تأمير أبي بكر الامراء على أنقاب المدينة، ولا خرجاته الثلاث من المدينة، وما تبعها من تعبئته الجيش، وخروجه على النواضح، ونفور إبلهم


(1) أي عامة دوابهم.

[45]

من أنحاء دهدهوها، ولا غيرها مما ذكر من قتال، وأراجيز، واستيلاء على أراضيهم عنوة، بل لم يكن وجود لابرق الربذة، ولا لاشخاص ذكرهم في تلك الحوادث كالصحابي الشاعر زياد بن حنظلة، وخطيل بن أوس، والراوي سهل بن يوسف (1). لم يكن لهؤلاء وجود خارج خيال سيف القصاص العبقري، والمتهم بالزندقة ! وذكر سيف خرجة رابعة لابي بكر إلى ذي القصة، وعقده هناك أحد عشر لواء لاحد عشر أميرا لحرب المرتدين، وأنه زود كلا منهم بكتاب عهد، وكتاب آخر إلى القبائل المرتدة، ولم يصح هذا - أيضا - والذي كان أنه عقد لواء لخالد، وجعل ثابت بن قيس على الانصار، وجعل أمره إلى خالد، ووجههما لحرب من في البزاخة، ولم يعقد لغيرهما هناك لواء، ولم يكتب كتاب عهد أو غيره هناك، ولم يرسل خالد بن سعيد لحرب المرتدين في الحمقتين بمشارف الشام أميرا. وإنما ذهب هذا مع الجيش الغازي سورية، بعد حروب الردة، وهكذا لم يصح سائر ما ذكره عن هذه الواقعة. ولم يصح - أيضا - سند الرواية لورود اسم سهل بن يوسف، وعبد الله بن سعيد فيها، وذكرنا أنهما من مختلقات سيف من الرواة ! ! !


(1) ذكرنا في ما سبق أن سهل بن يوسف من مختلقات سيف من الرواة، وبسطنا القول في ترجمة زياد بن حنظلة بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) أمر (أبرق الربذة) و (زياد ابن حنظلة). أما خطيل بن أوس فقد بحث في القسم المخطوط من (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[46]

حصيلة الاحاديث السابقة: اختلق سيف في الاحاديث السابقة ونظائرها: أ - كتب عهود، وكتبا سياسية تسجل في الوثائق السياسية. ب - أراجيز تضاف إلى تراثنا الادبي التالد. ج - مكانين ترجما في الكتب البلدانية. د - صحابيا يترجم في عداد الصحابة. ه‍ - راويين للحديث ترجم أحدهما في كتب معرفة الرواة. و - تأمير أمراء، وتوجيه زحوف، ومعارك حربية تدل على عدم رسوخ الاسلام في نفوس تابعيه، وعلى انتشار الاسلام بحد السيف ! ! سلسلة رواة الحديث: أ - من روى سيف عنه: في سند رواية سيف في الخبرين اسم سهل بن يوسف، وعبد الله بن سعيد، وهما من مختلقات سيف من الرواة. ب - من روى عن سيف: 1 - روى الاخبار السابقة جميعها الطبري عن سيف في تاريخه. 2 و 3 و 4 - أخذها من الطبري كل من ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم. 5 و 6 و 7 و 8 - أورد بعض تلك الاخبار أصحاب الاستيعاب، وأسد الغابة، والتجريد والاصابة في كتبهم. 9 - أورد قسما منها ياقوت في معجم البلدان. 10 - نقلها عن معجم البلدان صاحب مراصد الاطلاع بإيجاز.

[47]

وكل هذه البركة من أحاديث سيف المتهم بالزندقة. مصادر البحث - عن خبر أبرق الربذة: تمهيد سيف لذكر أخبار الردة - الطبري (1 / 1871 - 72) وسبب ارتداد غطفان (1 / 1891 - 4). ط. اوروبا. خبر أبرق الربذة عند سيف في الطبري (1 / 1873 - 85) وابن الاثير (2 / 232 - 34) وابن كثير (6 / 311 - 16) وابن خلدون (2 / 273 - 4) وترجمة زياد بن حنظلة من (خمسون ومائة صحابي مختلق) وتراجم القبائل من جمهرة ابن حزم ولباب ابن الاثير، وترجمة أبرق الربذة من معجم البلدان ومراصد الاطلاع. خبر توجيه الزحوف من ذي القصة، روايات سيف: في الطبري (1 / 1880 - 85) وابن الاثير وابن كثير وابن خلدون الصفحات المذكورة في خبر أبرق الربذة، وترجمة الحمقتين من معجم البلدان ومراصد الاطلاع. في غير روايات سيف: في الطبري (1 / 1870) واليعقوبي ط - الغري - النجف عام 1385 ه‍ والبلاذري ط - السعادة - مصر عام 1959 م (ص 104) والبدء والتاريخ (5 / 157).

[48]

ردة طي: ورد خبر ردة طي في سبع من روايات سيف بتاريخ الطبري. في واحدة منها خبر ارتداد غطفان، وعوام طي، وأسد، واجتماعهم على طليحة. وفي أخرى تجمع أسد بسميراء، وغطفان بجنوب المدينة، وطي في حدود أرضهم. وذكر في رواية طويلة ثالثة سبب ارتداد القبائل الثلاث، وفي آخرها ذهابهم إلى المدينة، ونزولهم على وجوه المسلمين يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، وإجماع ملا المسلمين على قبول ذلك منهم حاشا أبا بكر، فإنه رد وجهاء المسلمين وأبى أن يقبل من المرتدين وأجلهم يوما وليلة، فتطايروا إلى عشائرهم (1). وذكر في رابعة: أن أبا بكر لما دحر القبائل المتجمعة من أتباع طليحة بأبرق الربذة، أرسل طليحة إلى جديلة، والغوث - فرعي قبيلة طي - أن يلتحقوا به، فتعجل إليه ناس من الحيين، وأمروا من تأخر منهم باللحاق بهم، قال: وبعث أبو بكر عدي بن حاتم إليهم قبل توجيه خالد من ذي القصة، وقال له: أدركهم لا يؤكلوا، وأن خالدا خرج في أثره، وأمره أبو بكر أن يبدأ بطي على الاكناف فتوجه خالد إليهم، فمنع ذلك من بقي من طي أن يلتحقوا بطليحة، وقدم عليهم عدي،


(1) ذكر سيف في هذه الرواية التي استوعبت أكثر من صفحتين من تاريخ الطبري: أسماء عدد من مختلقاته، كثمامة بن أوس بن لام، ومهلهل بن زيد الطائيين، وقضاعى من الصحابة. والقردودة من الاماكن، ويأتي البحث في شأنهم في محله إن شاء الله تعالى.

[49]

فدعاهم، فقالوا: لا نبايع أبا الفصيل أبدا فقال لهم عدي: لقد أتاكم قوم ليبيحن حريمكم، ولتكننه أبا الفحل الاكبر. فقالوا: فاستقبل الجيش، وامنعه عنا حتى نسترجع من لحق منا بطليحة، فإن خالفناه وهم في يديه قتلهم. فاستقبل عدي خالدا وهو بالسنح فقال: أمسك عني ثلاثا يجتمع لك خمسمائة مقاتل تضرب بهم عدوك، وذلك خير لك من أن تعجلهم إلى النار، وتشاغل بهم، ففعل، فأرسلوا إلى إخوانهم في بزاخة فأتوهم كالمدد لهم، ولولا ذلك لم يتركوا، وهكذا أنقذ عدي الغوث وهو الفرع الذي ينتمي إليهم من طي. وأراد خالد أن يسير إلى جديلة (فرع طي الآخر) فاستمهله عدي، لعله أن ينقذهم - أيضا - وكما أنقذ الغوث، ففعل خالد، فأتاهم عدي، ولم يزل بهم حتى بايعوه، وجاء بإسلامهم، ولحق بالمسلمين من طي ألف راكب، فكان عدي خير مولود ولد في أرض طي، وأعظم بركة عليهم. وقال سيف في رواية خامسة بعد ذكره هزيمة أهل بزاخة الذين كانوا مع طليحة: " ولم يقبل من أحد من أسد، وغطفان، وهوازن، وسليم، وطي إلا أن يأتوه بالذين حرقوا، ومثلوا، وعدوا على المسلمين ". وقال في سادسة في ذكر ردة أم زمل بعد معركة بزاخة: " تأشب إليها الشرداء من كل جانب، وتجمع إليها كل فل، ومضيق عليه من غطفان، وهوازن، وسليم، وطي... " الحديث (1).


(1) نذكر تتمة الحديث في ردة أم زمل إن شاء الله تعالى.

[50]

وذكر في سابعة في خبر البطاح: أن خالدا سار إلى البطاح بعد أن استبرأ أسدا، وغطفان، وطيا وهوازن... الحديث. مناقشة السند: ورد في سند روايات سيف السابقة: أ - اسم حبيب بن ربيعة الاسدي، عن عمارة بن فلان الاسدي في خبر ذهابهم إلى المدينة، يعرضون الصلاة ويأبون الزكاة، ولم نجد ذكرا لهذين الروايين الاسديين في غير هذه الرواية، ولذلك اعتبرناهما من مختلقات سيف من الرواة. ب - اسم سهل بن يوسف في: 1 - 2 خبر اجتماع أسد، وغطفان، وطي على طليحة - وطي بحدود أرضهم. 3 - خبر التحاق طي بطليحة، ونجاح عدي في إرجاعهم. 4 - خبر تجمعهم على أم زمل بعد اندحار طليحة. 5 - خبر انصراف خالدا إلى البطاح بعد استبرائهم. وتكرر في ما سبق قولنا في سهل إنه من مختلقات سيف من الرواة. كان هذا خبر ردة طي في روايات سيف بمتونها وأسانيدها. نقلها الطبري في تاريخه مع ذكر سنده إلى سيف. وأخذ منها كل من:

[51]

صاحب الاصابة: ترجمتي ثمامة ومهلهل الطائيين مع ذكر مصدره. وصاحب معجم البلدان: ترجمة (سنح) الذي ذكره سيف في بلاد طي، وترجمة غيره. وأخذ من الطبري: ابن الاثير، وابن كثير في تاريخيهما. وأخذ من الحموي صاحب مراصد الاطلاع. خبر قبائل طي في غير روايات سيف: أما غير سيف، فقد روى الطبري - أيضا - مواقف قبائل طي في تلك الحوادث، عن ابن الكلبي، قال: قال أبو مخنف: إن خيل طي كانت تلقى خيل أسد، وفزارة، فيتشاتمون ولا يقتتلون، فتقول أسد وفزارة: لا والله ! لا نبايع أبا الفصيل أبدا، فتقول لهم خيل طي: أشهد ليقاتلنكم حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر. وروى الطبري عن ابن الكلبي أن خالد بن الوليد لما سار إلى بزاخة بعث عكاشة بن محصن (1) وثابت بن أقرم طليعة لجيشه، فلما دنوا من القوم خرج طليحة وأخوه يتحسسان الاخبار، فالتقيا بهما، فقتلاهما. وقال البلاذري: قدم خالد أمامه عكاشة، وثابتا، فلقيهما حبال بن خويلد - أخو طليحة - فقتلاه، وخرج طليحة وسلمه أخواه، وقد بلغهما


(1) أبو محصن عكاشة اسدي حليف لبني عبد شمس، هاجر إلى المدينة، وشهد المشاهد مع الرسول كلها، أسد الغابة (4 / 2 - 3). وثابت بن أقرم البلوي، حليف للانصار، شهد المشاهد كلها مع رسول الله (ص) وشهد مؤتة مع جعفر بن ابي طالب، ولما أصيب جعفر دفعت الراية إليه: فسلمها إلى خالد، وقال: أنت أعلم بالقتال مني - أسد الغابة - (1 / 220) والاصابة (2 / 88).

[52]

الخبر فلقيا عكاشة، وثابتا فقتلاهما، فقال طليحة: ذكرت أخي لما عرفت وجوههم * وأيقنت أني ثائر بحبال عشية غادرت ابن أقرم ثاويا * وعكاشة الغنمي عند مجال (1) قال الطبري في روايته عن ابن الكلبي: وأقبل خالد بالناس حتى مروا بثابت قتيلا لم يفطنوا له حتى وطئته الخيل، فكبر ذلك على المسلمين، ثم رأوا عكاشة صريعا، فجزع لذلك المسلمون، وقالوا: قتل سيدان من سادات المسلمين، وفارسان من فرسانهم. وقال: لما رأى خالد ما بأصحابه من الجزع، قال لهم: هل لكم أن أميل بكم إلى حي من العرب كثير عددهم، شديدة شوكتهم، لم يرتد منهم عن الاسلام أحد ؟ فقال له الناس: ومن هذا الحي ؟ فنعم والله الحي ! قال: إنهم طي. فقالوا: وفقك الله، نعم الرأي رأيت، فانصرف بهم حتى نزل بهم في طي. وفي رواية أخرى للطبري قال: إن عديا كان قد بعث إلى خالد أن


(1) شرح الفاظ الخبر = طي: من قبائل قحطان وينقسمون إلى فرعين: الغوث نسبة إلى الغوث بن طي، وجديلة وهم بنو سعد بن خارجة بن فطرة بن طي، نسبوا إلى أمهم جديلة، هاجروا من اليمن وسكنوا جبلي طي: أجا وسلمى، و (الاكناف) قصد به سيف جبلي طي. و (السنح) من أطراف المدينة. والسنح المذكور في الخبر تخيله سيف مكانا بالقرب من جبلي طي وأخذ صاحب معجم البلدان ترجمة السنح المذكور والاكناف من حديث سيف. قارن الترجمتين بحديث سيف في الطبري. وأخذها من معجم البلدان غيره. (أبا الفصيل): كانوا يكنون أبا بكر أبا الفصيل استهزاء به فإن البكر والفصيل اسمان لولد الناقة، وكان يقابلهم من أراد تفخيمه بتكنيته: أبا الفحل الاكبر

[53]

يسير إليه، ويقيم عنده أياما حتى يبعث إلى قبائل طي ويجمع له منهم أكثر ممن معه، ويسير معه إلى عدوه، ففعل. كان هذا ما ذكروا عن مواقف قبائل طي في تلك الحوادث أما ردة طليحة ومعركة بزاخة التي أفاض سيف فيها الحديث، فقد ذكر المؤرخون حيين من العرب كانا مع طليحة، وهما قومه من بني أسد، وبنو فزارة حي من غطفان من قبائل قيس عيلان، ولم يرد اسم غيرهما معه في تجمع من اجتمع عليه، وحرب من حارب معه (1) وكان تجمعهم، وحربهم في أرض بزاخة ماء لبني أسد، فسار إليه خالد من ذي القصة في ألفين وسبعمائة إلى الثلاثة آلاف، وكان مع طليحة عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر في سبعمائة من بني فزارة (2)، قالوا، فلما استلحمت سيوف المسلمين المشركين جاء عيينة إلى طليحة، وقال له: أما ترى ما يصنع جيش أبي الفصيل، فهل جاءك جبريل بشئ ؟ قال: لا، فرجع فقاتل حتى إذا هزته الحرب كر عليه فقال: أجاءك جبريل بعد ؟ قال: لا والله، فقال عيينة: حتى متى ؟ قد بلغ والله منا ! ثم رجع، فقاتل حتى إذا بلغ منه كر عليه، فقال: هل جاءك جبريل بعد ؟ قال: نعم، جاءني، فقال: إن لك رحا كرحاه، ويوما لا تنساه !


(1) كما في لغة بزاخة من معجم البلدان عن أبي عمرو الشيباني وفتوح ابن أعثم ويستفاد ذلك من غيرهما مثل ما روى الطبري عن ابن الكلبي أن خيل طي كانت تلقى خيل أسد وفزارة.

[54]

فقال عيينة: أرى والله أن لك يوما لا تنساه ! يا بني فزارة ! هذا كذاب ! وولى من عسكره، فانهزم الناس، وظهر المسلمون وأسروا عيينة، وقدموا به المدينة، فحقن أبو بكر دمه وخلى سبيله، ووثب طليحة على فرس كان قد أعده، وهرب إلى الشام، فأخذه غزاة المسلمين، وبعثوا به إلى المدينة، فأسلم، وأبلى في الفتوح. وقال اليعقوبي: بعث من الشام بشعر إلى أبي بكر يعتذر إليه، يقول فيه: فهل يقبل الصديق أني مراجع... البيتين. قال: فرق له أبو بكر وأرجعه. نتيجة المقارنة وحصيلة الحديث: وجدنا سيفا يورد خبر ردة طي إتقانا للصنعة، وتأكيدا للفرية في سبع من رواياته، يذكر في الاوليين منها: ارتداد عوام طي، واجتماعهم على طليحة. وذكر في ثالثة: سبب ارتدادهم، وذهابهم مع غيرهم إلى المدينة يعرضون الصلاة. على أن يعفوا من الزكاة، وإجماع ملا المسلمين على قبول ما عرضوا، وطلبهم من أبي بكر أن يقبل ذلك منهم، وأن أبا بكر أبى وردهم، وأجلهم يوما وليلة فتطايروا إلى عشائرهم. وذكر في رابعة: التحاق من تعجل منهم بطليحة، وحثهم من تأخر منهم باللحاق بهم، وأن أبا بكر أمر خالدا أن يبدأ بهم، وأن ذلك هو الذي منع المتخلفين باللحاق بإخوانهم، وأنه بعث عديا قبل توجيه خالد إليهم لعله يرجعهم إلى الاسلام، فقالوا لعدي: " لا نبايع أبا الفصيل أبدا "، فقال: " ليبيحن حريمكم حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر " فدعاهم الخوف أن

[55]

يستمهلوا خالدا ريثما يستعيدوا من لحق منهم بطليحة، ففعل. وذكر في خامسة: هزيمة جيش طليحة وأن خالدا لم يقبل بعد الهزيمة من أحد منهم من أسد ولا طي إلا أن يأتوه بالذين حرقوا، ومثلوا، وعدوا على المسلمين. وذكر في سادسة: طيا في من تأشب إلى أم زمل بعد بزاخة من الشرداء من كل فل ومضيق عليه. وذكر في سابعة: طيا في القبائل التي استبرأهم خالد قبل ذهابه إلى البطاح. هكذا وصف سيف ردة طي بينما كان الواقع خلاف ذلك، فإن طيا هي التي قالت لجماعة طليحة: ليقاتلنكم أبو بكر حتى تكنوه أبا الفحل الاكبر. وأن خالدا التجأ إليهم لانهم كانوا أقوياء كثيرين، ولم يرتدوا، واستعان بهم في حرب طليحة. استطاع سيف في ما حرف ووضع، أن يسجل قبيلة طي في سجل القبائل المرتدة، وأظهر أن رجوعهم إلى الاسلام لم يكن إيمانا بالاسلام، وإنما تخوفا من القتل والاسر ! كما استطاع أن يسجل قبائل أخرى غير طي في المرتدين مع طليحة، بينما لم يكن مع طليحة غير جماعة من قومه أسد، وجماعة من فزارة مع رئيسهم عيينة بن حصن. وانتشرت مفترياته في مصادر التاريخ الاسلامي وشاعت حتى اليوم ! كما أدرجت أسماء الاماكن التي أختلقها بتلك الاحاديث في الكتب البلدانية !، والصحابة الذين اختلقهم في كتب تراجم الصحابة !

[56]

سلسلة رواة الخبر: أ - من روى سيف عنه: ورد اسم سهل بن يوسف في سند خمس من تلك الروايات، واسما الاسديين حبيب وعمارة في سند واحدة منها، وقد اعتبرنا الرواة الثلاثة من مختلقات سيف من الرواة. ب - من روى عن سيف: 1 - الطبري في تاريخه مع ذكر مصدره. 2 - صاحب الاصابة مع ذكر مصدره. 3 - صاحب معجم البلدان دونما ذكر لمصدره. 4 - 5 - أخذ من الطبري كل من ابن الاثير وابن كثير في تاريخيهما. 6 - ومن معجم البلدان أخذ صاحب مراصد الاطلاع. مصادر خبر ردة طي: أ - روايات سيف: في الطبري: (1) روايته اجتماع عوام طي على طليحة (1 / 1871). (2) تجمع طي بحدود أرضها (1 / 1873). (3) ذهابهم إلى المدينة يعرضون الصلاة على أن يعفوا من الزكاة (1 / 1891 - 92). (4) إلتحاقهم بطليحة ونجاح عدي في إرجاعهم (1 / 1885 - 87). (5) - عدم قبول خالد من طي وغيرها من القبائل المرتدة إلا أن يأتوا

[57]

بمن حرق المسلمين وقتل من أفراد قبائلهم (1 / 1900). 6 - تجمع الشرداء من فلول جيش طليحة من طي وغيرها على أم زمل (1 / 1902). 7 - إنصراف خالد عن طي - وغيرها بعد استبرائها - (1 / 1922). في ابن الاثير ط. المنيرية (2 / 234)، وابن كثير (6 / 317)، وفي معجم البلدان ومراصد الاطلاع بمادة (سنح) و (القردودة). ب - روايات غير سيف: 1 - مواقف قبائل طي في روايات ابن الكلبي عند الطبري (1 / 1900). 2 - قتل حبال، وعكاشة، وثابت من فتوح البلاذري ط. دار النشر (ص 133). 3 - معركة بزاخة، وهرب طليحة، وأسر عيينة في فتوح البلاذري (ص 134). وتاريخ ابن خياط (1 / 67)، وفتوح ابن أعثم (13 - 16) والطبري (1 / 1890)، ولغة (بزاخة) و (قطن) و (الغمر) من معجم البلدان، وتاريخ الاسلام للذهبي (1 / 350)، واليعقوبي (2 / 108) والبدء والتاريخ (5 / 159).

[58]

ردة أم زمل: روى الطبري عن سيف في ردة أم زمل ما ملخصه: إجتمعت طوائف كثيرة من فلال يوم بزاخة من أصحاب طليحة على أم زمل سلمى، وكانت تشبه بأمها أم قرفة بنت ربيعة بن بدر في عزها. فتجمع إليها كل فل ومضيق عليه من أحياء غطفان، وهوازن، وسليم، وأسد، وطي، فذمرتهم وأمرتهم بالحرب، وصعدت سائرة فيهم، وصوبت تدعوهم إلى حرب خالد حتى اجتمعوا لها، وتشجعوا على ذلك، وتأشب إليها الشرداء من كل جانب، فلما بلغ ذلك خالدا سار إلى المرأة، واقتتلوا قتالا شديدا، وهى واقفة على جمل أمها وفي مثل عزها، وكان يقال: " من نخس جملها فله مائة من الابل " لعزها، وأبيدت يومئذ بيوتات من خاسئ، وهاربة، وغنم، وأصيب أناس من كاهل، وقتل حول جملها مائة رجل، وقتلوها، وبعثوا بالفتح إلى المدينة. هذه المعركة من حروب الردة التي قال سيف فيها: أبيدت فيها بيوتات من خاسئ، وهاربة، وغنم، وناس من كاهل، وقتل فيها حول جمل أم زمل مائة رجل.

[59]

هذه المعركة بكل ما فيها اختلقها سيف، فقد اختلق المعركة، واختلق القائدة أم زمل، واختلق الراوي سهلا الذي روى عنه الخبر ! وأخذ منه الطبري، والحموي، وابن حجر. وأخذ من هؤلاء من أخذ (1).


(1) راجع تمام البحث، ومصادره في القسم الاول فصل (نباح كلاب الحوأب)

[60]

ردة أهل عمان ومهرة: في ما رواه الطبري عن سيف أن المسلمين التقوا بالمشركين في دبا فاقتتلوا بها قتالا شديدا حتى انتصر المسلمون وقتلوا من المشركين في المعركة عشرة آلاف، وركبوهم حتى أثخنوا فيهم، وسبوا الذراري، وقسموا الاموال على المسلمين وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر وكان الخمس ثماني مائة رأس. وقال: ثم ساروا إلى مهرة وكان المشركون بها على فرقتين يتنازعان الرئاسة، إحداهما مع شخريت رجل من بني شخراة، وهم في جيروت، وقد امتلا ذلك الحيز بهم إلى نضدون. وقال: جيروت ونضدون قاعان من قيعان مهرة. قال سيف: فاتفق شخريت مع المسلمين وساروا جميعا إلى المشركين، واقتتلوا أشد من قتال دبا، فقتل رئيس المشركين، وركبهم المسلمون، فقتلوا منهم ما شاءوا وأصابوا ما شاءوا وفي ما أصابوا ألفي نجيبة، وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر وأجاب أهل تلك النواحي إلى الاسلام، وفي من أجاب: أهل رياضة الروضة، وأهل المر، واللبان، وأهل جيروت، وظهور الشجر، والصبرات، وينعب، وذات الخيم، وبعثوا بذلك إلى أبي بكر مع البشير. كان هذا ما رواه سيف في فتوحه، ونقل عنه الطبري في

[61]

تاريخه، وياقوت في معجم البلدان بترجمة الاماكن التي ذكرت في حديث سيف، وابن حجر في ترجمة شخراة من الاصابة. ومن الطبري أخذ ابن الاثير، وابن كثير، وابن خلدون في تواريخهم. ومن الحموي أخذ عبد المؤمن في مراصد الاطلاع تراجم الاماكن المذكورة في الحديث. مناقشة السند: وضع سيف توثيقا لاسطورته في ردة عمان ومهرة سندين لها، ورد في أحدهما اسم سهل بن يوسف، وفي الآخر اسم الغصن بن قاسم، وقد سبق قولنا فيهما إنهما من مختلقات سيف من الرواة ! ! !. كان ما ذكرنا، حديث سيف وسنده في ردة عمان، ومهرة، أما غير سيف فقد قال ابن أعثم في فتوحه: سار عكرمة (1) في جيشه إلى دبا، ودنا بعضهم من بعض، فاقتتلوا حتى انتصر عليهم المسلمون، فهزموهم حتى بلغوا إلى أدنى


(1) عكرمة بن أبي جهل القرشي المخزومي، أمه أم مجالد من بني هلال بن عامر. أمر النبي بقتله يوم فتح مكة، ففر إلى اليمن، فاستأمنت له من النبي زوجته أم حكيم ابنة عمه الحارث بن هشام، فسارت إليه بأمان رسول الله، وردته إلى مكة، فأسلم، وقال: يا رسول الله لا أدع مالا انفقت عليك إلا انفقت في سبيل الله مثله. ولاه أبو بكر في حروب الردة. استشهد بأجنادين، أو اليرموك، أو يوم الصفر عام 13 ه‍ - أسد الغابة. (64) وتاريخ الاسلام للذهبي (1 / 380).

[62]

بلادهم، وقتل منهم زهاء مائة رجل، فتحصنوا هناك، فنزل عليهم المسلمون وحاصروهم، فلما اشتد عليهم الحصار نزلوا على حكم المسلمين، فقتلوا رؤساءهم، وأرسلوا الباقين منهم إلى أبي بكر، وهم ثلاثمائة من المقاتلة، وأربعمائة من النساء والذرية، فهم أبو بكر بقتل المقاتلة، وقسمة النساء والذرية، فقال له عمر: إنهم على دين الاسلام، وإنهم يحلفون بالله مجتهدين ما كنا رجعنا عن دين الاسلام، ولكنهم شحوا على أموالهم، فحبسهم في المدينة، ولما صار الامر إلى عمر أطلق سراحهم. وفي شأن مهرة، قال البلاذري: جمع قوم من مهرة بن حيدان جمعا فأتاهم عكرمة، فلم يقاتلوه، وأدوا الصدقة. نتيجة البحث والمقارنة: روى سيف أن المسلمين قتلوا من أهل عمان في المعركة عشرة آلاف، وأسروا منهم ما بلغ خمسه ثماني مائة رأس، بينما أحصى غيره عدد القتلى والاسرى منهم ثماني مائة رأس مضافا إليهم من قتل من رؤسائهم. وعن مهرة قال سيف: إنهم كانوا على رئيسين، انضم أحدهما إلى المسلمين فقاتلوا جميعا المشركين، واقتتلوا أشد من قتال دبا، وقتل رئيس المشركين، وقتل المسلمون منهم ما شاءوا، وأصابوا ما شاءوا، وفي ما أصابوا ألفي نجيبة وبعثوا بالخمس إلى أبي بكر ثم أجاب أهل تلك النواحي إلى الاسلام. بينما ذكر غيره أن مهرة جمعوا جمعا فلما أتاهم عكرمة لم يقاتلوه، وأدوا إليه الصدقة.

[63]

حصيلة الحديث: أ - إختلاق صحابي يترجم في عداد الصحابة. ب - إختلاق ثمانية أماكن تترجم في الكتب البلدانية. ج - اسطورة تؤكد انتشار الاسلام بحد السيف. سلسلة رواة الحديث: أ - من روى عنه سيف ردة عمان ومهرة. روى سيف اسطورته بسندين. في أحدهما اسم سهل بن يوسف. وفي الآخر اسم الغصن بن قاسم وكلاهما من مختلقاته من الرواة. ب - من روى عن سيف: 1 - الطبري في تاريخه وذكر سنده إلى سيف. 2 - ياقوت في معجم البلدان ولم يذكر مستنده في ما نقل. 3 - ابن حجر في الاصابة وذكر أنه أخذها من سيف. 4 - و 5 - و 6 - ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في تواريخهم عن الطبري. 7 - عبد المؤمن في مراصد الاطلاع عن معجم البلدان. مصادر البحث عن ردة عمان ومهرة: 1 - الطبري 1 / 1976 - 1982، ط. أوروبا.

[64]

2 - ابن الاثير 2 / 142 - 143. 3 - ابن كثير 6 / 329 - 331. 4 - ابن خلدون 2 / 294 - 295. 5 - 6 - معجم البلدان ومراصد الاطلاع تراجم جيروت، خيم، رياض الروضة، الصبرات، اللبان، مر، نضدون، ينعب. 7 - فتوح ابن أعثم (1 / 74). 8 - فتوح البلدان للبلاذري (1 / 93). 9 - 10 - أسد الغابة وتاريخ الاسلام للذهبي ترجمة عكرمة بن أبي جهل.

[65]

ردة اليمن الاولى والثانية، وردة الاخابث. أ - ردة اليمن الاولى: قال سيف: توفي رسول الله (ص) وعلى عك والاشعريين الطاهر ابن أبي هالة، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص، فلما أهلك الله الاسود المتنبئ الكذاب بقيت طائفة من أصحابه يترددون بين صنعاء ونجران، فبعث عثمان بن أبي العاص سرية مع عثمان بن ربيعة إلى شنوءة وبها جماعة من الازد وبجيلة وخثعم وعليهم حميضة بن النعمان، فالتقوا بشنوءة فانهزم الكفار وتفرقوا وهرب حميضة في البلاد. ب - ردة الاخابث: قال سيف: كان أول منتقض بتهامة بعد النبي (ص) عك، والاشعرون تجمعوا على الاعلاب - طريق الساحل - فسار إليهم طاهر بن أبي هالة ومعه من لم يرتد من عك فالتقوا على الاعلاب فانهزمت عك ومن معها، وقتلوهم كل قتلة، وأنتنت السبل لقتلهم وكان مقتلهم فتحا عظيما، وورده كتاب أبي بكر يأمره بقتالهم وسماهم الاخابث في كتابه، وسمي طريقهم طريق الاخابث فبقي الاسم عليهم إلى الآن.

[66]

ج - ردة اليمن الثانية: قال سيف: لما توفي النبي (ص) كتب أبو بكر إلى رؤوس اليمن بالتمسك بدينهم وإعانة الابناء والسمع لفيروز رئيس الابناء فلما بلغ قيس ابن عبد يغوث ذلك، انتكث وعمل في قتل رؤوس الابناء، وتسيير عامتهم، وكاتب سرا الفالة السيارة من أصحاب الاسود التي كانت تتردد في البلاد وتحارب من خالفها، وطلب أن يسيروا إليه ليكون أمره وأمرهم واحدا، فاستجابوا له، وساروا إليه فلما دنوا من صنعاء. أراد قيس أن يقتل رؤوس الابناء غيلة، ودعاهم إلى طعامه واحدا بعد الآخر وبدأ بداذويه فلما دخل داره قتله. ولما علم الباقون بذلك هربوا منه إلى الجبال، فسير قيس عيالات الابناء إلى بلادهم، وأتته خيول الاسود، فثار بصنعاء وما حولها. واستمد فيروز بعض القبائل فركبت وقابلت خيل قيس وقتلتهم واسترجعت عيالات الابناء، ثم تقابل الجيشان دون صنعاء، واقتتلوا قتالا شديدا، وانهزم قيس وأصحابه، ثم أخذ قيس وأرسل إلى أبي بكر... الحديث. مناقشة السند: ورد في أسانيد أحاديث سيف السابقة أسماء: أ - سهل، وهو عنده سهل بن يوسف السلمي، ب - المستنير بن يزيد وهو عنده نخعي، ج - عروة بن غزية الدثيني. وسبق قولنا فيهم إنهم من مختلقات سيف من الرواة. روى سيف الاحاديث السابقة في ردتي اليمن والاخابث، وأخذ منه الطبري في ذكر حوادث السنة الحادية عشرة من تاريخه.

[67]

وأخذها من الطبري ابن الاثير في تاريخه. ونقل موجزها ابن كثير في تاريخه كذلك. واعتمدها صاحب الاصابة بترجمة طاهر بن أبي هالة، وعثمان بن ربيعة. وحميضة بن النعمان. واعتمدها ياقوت في ترجمة الاعلاب، والاخابث بمعجم البلدان. وأخذ صاحب مراصد الاطلاع ترجمتهما من معجم البلدان. ولما قال سيف في حديثه عن الاخابث: " فسميت تلك الجموع من عك ومن تأشب إليهم إلى اليوم: الاخابث، وسمي ذلك الطريق طريق الاخابث ". وأورد الالفاظ عينها صاحب معجم البلدان بترجمة الاخابث. وأورد موجزها ابن الاثير في تاريخه، وقال: " وسماهم الاخابث، وسمى - أي سمى أبو بكر - طريقهم طريق الاخابث، فبقي الاسم عليهم إلى الآن ". لما ورد في قولهما: " فسميت.. إلى اليوم " و " بقي الاسم عليهم إلى الآن). ولم يذكرا مصدر الخبر، أوهم ذلك أن القول قولهما، وأن الاخابث الطريق والاخابث الناس كانتا موجودتين في عصرهما، ثم نسيتا بعد ذلك في العصور المتأخرة ولذلك لا نجد لهما اسما ولا رسما في عصرنا، بينما لم يكن لهما وجود في عصرهما ولا في عصر الطبري، ولا في عصر سيف، بل اختلقهما سيف بن عمر مضافا إلى غيرهما من مختلقاته، ونقل خبرهما عن سيف بتعابيره من جاء

[68]

بعده فسبب هذا الوهم ! حديث غير سيف: لم نجد شيئا مما أوردناه من حديث سيف في ردتي اليمن، وردة الاخابث عند غيره سوى ما ذكره البلاذري من أمر قيس وداذويه، قال: أتهم قيس بقتل داذويه: وبلغ أبا بكر أنه على إجلاء الابناء من صنعاء، فأغضبه ذلك، وكتب إلى عامله على صنعاء أن يحمله إليه، فلما قدم عليه أحلفه خمسين يمينا عند منبر رسول الله (ص) أنه ما قتل داذويه، فخلى سبيله، ووجهه إلى الشام مع من انتدب لغزو الروم. نتيجة البحث وحصيلة الحديث: لم نجد ما ذكره سيف من تجمع تلك القبائل، وارتدادها، وحروبها عند غير سيف، بل لم يصح وجود القائدين الصحابيين حميضة، وعثمان بن ربيعة لتصح حروبهما في ردة اليمن الاولى أو لا تصح !. كما لم يخلق الله الصحابي طاهر بن أبي هالة ربيب رسول الله (ص) ليقاتل المرتدين الاخابث، ولم يكن وجود للاعلاب، والاخابث. أجل لم يوجد القائد ولا أرض المعركة بتلك الصفة، ولا المعركة، وإنما اختلق جميعها سيف بن عمر ! ! كما اختلق رواة روى عنهم تلك الاساطير، كسهل بن يوسف، وعروة بن غزية الدثيني، والمستنير، وغيرهم.

[69]

مصادر البحث عن ردتي اليمن والاخابث: الطبري (1 / 1980 - 1999). ابن الاثير (2 / 142 - 143). ابن كثير (6 / 329 - 332). فتوح البلدان (ص 127). معجم البلدان ومراصد الاطلاع ترجمة الاعلاب والاخابث، والاصابة تراجم طاهر وحميضة وعثمان بن ربيعة.

[70]

نتيجة البحوث في الردة: وجدنا سيفا يبدأ أحاديثه في ما سماها بحروب الردة بقوله: كفرت الارض بعد رسول الله، وتضرمت نارا، وارتدت العرب من كل قبيلة خاصتها أو عامتها إلا قريشا وثقيفا ! ثم ذكر حروبا لابي بكر في ما سماها بأبرق الربذة، وعقده أحد عشر لواء في ذي القصة لحروب المرتدين، وذكر عهدا من أبي بكر لامرائه، وكتبا إلى القبائل، وذكر أخبارا عن ردة طي، وأم زمل، وردة الاخابث في الاعلاب وردتين لليمن وذكر غيرها مما سماها بحروب الردة، ذكر فيها قتالا شديدا وكثيرا من القتلى والاسرى، وذكر أراجيز قيلت في وقائعها. اختلق جميعها، كما اختلق أبطالا لمعاركها، وشعراء وصفوا حوادثها، مثل: زياد بن حنظلة، وخطيل بن أوس، وحميضة بن النعمان، وعثمان بن ربيعة، وطاهر بن أبي هالة. واختلق أراضي ذكر وقوع الحوادث عليها مثل: أبرق الربذة، والحمقتين وجيروت، وخيم، ورياضة الروضات، والصبرات، واللبان، والمر، ونضدون وينعب. واختلق رواة روى عنهم تلك الاساطير كسهل بن يوسف، وعروة ابن عزية والمستنير، وغيرهم.

[71]

وأكد بتلكم الموضوعات فريته الكبرى في أول الباب، وقوله: تضرمت الارض نارا بعد رسول الله (ص) وارتدت العرب من كل قبيلة. وترينا النتف التي أوردناها من أحاديث سيف كيف أظهر سيف الجزيرة العربية بعد النبي، وكأنها تغلي بالمرتدين في كل صقع، وأن الاسلام لم يكن راسخا في نفوس تابعيه، وأنهم رجعوا إلى الاسلام بحد السيف، فقد قتلوا منهم حتى أنتنت السبل من جيفهم، وأسروا من بقي، وسيروهم قوافل أسرى إلى مدينة الرسول ! لم يستثن سيف من تهمة الارتداد قبيلة من قحطان أو عدنان عدا قريشا وثقيفا، ويبدو أنه احتفظ بهما لتقاتلا من عداهم من قبائل الجزيرة العربية. وما أوردنا من أحاديثه في الردة في ما سبق غيض من فيض، قصدنا بها إلمامة قصيرة فإن مناقشة جميعها باستيعاب تحتاج إلى مؤلف ضخم يخرج بنا عن موضوع البحث. وراجت أكاذيب سيف، وشاعت في مصادر التاريخ الاسلامي زهاء ثلاثة عشر قرنا، ولم ينتبه العلماء إلى أكاذيبه كل هذه المدة، بل استطابوها لانه زينها بإطار من الثناء، على أبي بكر، نظير قوله: " لما مات رسول الله (ص) وتوجه أسامة لغزو تبوك ارتدت العرب عوام أو خواص بكل مكان، وقدمت رسل النبي من اليمن واليمامة وبلاد بني أسد بأخبار المرتدين هناك، فقال أبو بكر: لا تبرحوا حتى تجئ رسل الامراء والولاة بأدهى مما وصفتم وأمر، فلم يلبثوا أن قدمت كتب أمراء النبي من كل مكان بانتقاض العامة أو الخاصة

[72]

وتمثيلهم بالمسلمين، فحاربهم أبو بكر بالرسل وإرسال الكتب إليهم كما كان يفعل رسول الله، وانتظر قدوم أسامة لمصادمتهم ". وقوله: إن الولاة هربوا من المرتدين إلى المدينة وأخبروا أبا بكر بارتداد القبائل، وأمروه بالحذر، وجعلوا يخبرونه وكأنما يخبرونه بما له وما عليه فقالوا فيه: لم نر أحدا ليس رسول الله أملا بحرب شعواء من أبي بكر، ثم قال سيف: قدمت عليه وفود أسد، وغطفان، وهوازن، وطي، وقضاعة، ونزلوا على وجوه المسلمين لعاشرة من متوفى رسول الله، ولم يبق من وجوه المسلمين أحد إلا أنزل منهم نازلا إلا العباس، وعرضوا الصلاة على أن يعفوا من الزكاة، واجتمع ملا من أنزلهم على قبول ذلك حتى يبلغوا ما يريدون، ثم أتوا أبا بكر وأخبروه خبر الوفود وما أجمع عليه ملا الصحابة فأبى أبو بكر وأجلهم يوما وليلة فتطايروا إلى عشائرهم. وقوله في خروج أبي بكر إلى ذي القصة: " قال له المسلمون ننشدك الله يا خليفة رسول الله أن تعرض نفسك، فإنك إن تصب، لم يكن للناس نظام، ومقامك أشد على العدو، فابعث رجلا فإن أصيب أمرت آخر، فقال: لا والله لا أفعل لاواسينكم بنفسي... ". وهكذا عرف سيف من أين تؤكل الكتف. فإن نظائر هذه الاحاديث هي التي حببت إلى العلماء روايات سيف المتهم عندهم بالزندقة، فراجت، ونسي غيرها من الروايات التي ذكرت حوادث عهد أبي بكر وأهملت. مصادر البحث: (1) الطبري (1 / 1871 - 1872). ط. أوروبا.

[73]

(2) راجع الطبري (1 / 1873) وقد ذكر ذلك سيف في أكثر من حديث. (3) الطبري (1 / 1878).

[75]

2 - فتوحات موهومة: ذكرنا في ما سبق أمثلة من تهويلات سيف في ما سماها بحروب الردة. وفي ما يلي نذكر أمثلة من فتوح موهومة وردت في روايات سيف، ذكر فيها أعدادا ضخمة من قتلى الجيوش الاسلامية وتهديمهم مساكن الشعوب، إلى ما شابهها من أعمال وحشية لم يقع شئ منها بتاتا. فتوح خالد بالعراق وقعة ذات السلاسل: قال سيف: كتب أبو بكر إلى خالد أن يسير بعد اليمامة إلى العراق، وأن يبدأ بثغر أهل السند والهند، والثغر يومئذ الابلة. فكتب خالد قبل خروجه مع آزاذبه أبي الزباذبة - الذين باليمامة - إلى هرمز صاحب الثغر: " أما بعد، فاسلم تسلم، أو اعتقد لنفسك وقومك الذمة، وأقرر بالجزية، وإلا فلا تلومن إلا نفسك، فقد جئتك بقوم يحبون الموت كما تحبون الحياة ".

[76]

قال سيف: وكان ثغر الهند أعظم ثغور فارس شأنا، وأشدها شوكة، وكان صاحبه يحارب العرب في البر والهند في البحر، وكان هرمز من أسوأ أمراء ذلك الثغر جوارا للعرب، فكل العرب عليه مغيظ، وقد كانوا ضربوه مثلا في الخبث حتى قالوا: أخبث من هرمز، وأكفر من هرمز، قال: فلما قدم كتاب خالد عليه كتب إلى شيرى بن كسرى، وأردشير بن شيرى بالخبر وعبأ أصحابه، وجعل على مجنبتيه قباذ، وأنوشجان أخوين يلاقيان أردشير وشيرى في أردشير الاكبر. قال سيف: ونزل بجيشه في كاظمة واقترنوا في السلاسل لئلا يفروا والماء في أيديهم. قال: وجاء خالد حتى نزل على غير ماء، فلما قال له أصحابه في الماء أمرهم أن يحطوا أثقالهم، وقال: لعمري ليصيرن الماء لاصبر الفريقين، ثم لم يمهلهم بل زحف إليهم، ولاقاهم، فأرسل الله سحابة أغدرت ما وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم. فبرز هرمز ونادى: رجل ورجل، أين خالد ؟ وكان قد واطأ أصحابه على الغدر بخالد، فبرز إليه خالد راجلا، فترجل هرمز، وتضاربا، فاحتضنه خالد وحملت حامية هرمز، وغدرت، واستلحموا خالدا، فما شغله ذلك عن قتله، وحمل القعقاع بن عمرو فأزاحهم، وانهزم أهل فارس، وركب المسلمون أكتافهم إلى الليل. قال سيف في رواية أخرى: ما ارتفع النهار وفي الغائط (1) مقترن.


(1) الغائط أرض واسعة.

[77]

وقال: لما تراجع الطلب من ذلك اليوم رحل خالد بالناس حتى نزل بموضع الجسر الاعظم من البصرة اليوم، ثم بعث المثنى في آثار القوم، وأرسل مع‍ ؟ ل بن مقرن إلى الابلة فجمع بها الاموال والسبايا. وقال: سميت الواقعة ب‍ " ذات السلاسل " ونجا قباذ وأنو شجان، وبعث خالد بالفتح والاخماس وبالفيل مع زر بن كليب، فطيف به في المدينة ليراه الناس، فجعل ضعيفات النساء يقلن: أمن خلق الله ما نرى ؟ ورأينه مصنوعا، فرده أبو بكر مع زر. قال: ونفل أبو بكر خالدا قلنسوة هرمز وكانت بمائة ألف مفصصة بالجوهر، قال: وكان أهل فارس يجعلون قلانسهم على قدر أحسابهم، وكان هرمز ممن تم شرفه من البيوتات السبعة. مناقشة السند: أورد سيف هذا الخبر في سبع من رواياته، ورد في إسنادها أسماء خمسة رواة من مختلقاته، وهم كل من: محمد بن نويرة، والمقطع بن هيثم البكائي، وحنظلة بن زياد بن حنظلة. مرة مرة. واسمي: عبد الرحمن بن سياه الاحمري، والمهلب بن عقبة، مرتين. كان هذا خبر فتح الابلة عند سيف، وأخذ منه الطبري مفصلا، والذهبي موجزا. وأخذ من الطبري كل من ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في

[78]

تواريخهم، وأورد الاخير موجزه. المقارنة: كان ما ذكرناه في روايات سيف. أما غير سيف فقد روى البيهقي في سننه الكبرى وقال: (لقي خالد بن الوليد هرمز بكاظمة ودعاه للبراز فبرز هرمز فقتله خالد) وكاظمة كما في ترجمته بمعجم البلدان: جو (1) على سيف البحر في طريق البحرين من البصرة بينها وبين البصرة مرحلتان. وفي فتح الابلة قال الطبري بعد إيراد روايات سيف السابقة: " وهذه القصة في أمر الابلة وفتحها خلاف ما يعرفه أهل السير، وخلاف ما جاءت به الآثار الصحاح، وإنما كان فتح الابلة أيام عمر (رحه) وعلى يدي عتبة بن غزوان في سنة 14 من الهجرة، وسنذكر أمرها وقصة فتحها إذا انتهينا إلى ذلك إن شاء الله ". وردد هذا القول بإيجاز - أيضا - كل من ابن الاثير وابن خلدون في تاريخيهما. ثم أورد الطبري الاثار الصحاح في فتح الابلة - التي وعد بها - ضمن أخبار العام الرابع عشر، وتبعه ابن الاثير كذلك، وليس في ما أورداه هناك شئ مما رواه سيف في ذلك. نتيجة البحث: كتاب من خالد مع آزاذبه أبي الزباذبة الذين في اليمن إلى هرمز


(1) الجو: ما اتسع من الاودية.

[79]

صاحب الثغر وكان ذلك الثغر أعظم ثغور فارس شأنا، وصاحبه أشد أمرائهم شوكة يحارب العرب في البر والهند في البحر، وكان هرمز من أسوئهم جوارا للعرب يضربون به المثل لخبثه وسوء صنيعه. ثم كتاب من هرمز إلى شيرى، وأردشير، وتعبئة، وتأمير أميرين من بيت الملك، واقتران في السلاسل، وامتلاك الفرس للماء. ونزول مطر قوى المسلمين - كنزوله في غزوة بدر - وتواطؤ على الغدر بخالد، ومبارزة هرمز لخالد، وغدر حماة أصحابه بخالد، وقتل خالد لهرمز وتفويت القعقاع الفرصة عليهم. ثم بعث الاخماس إلى المدينة وفيها فيل رأينه ضعيفات النساء مصنوعا، ونفل خالد قلنسوة هرمز المفصصة بالجوهر التي قيمتها مائة ألف، وأن فارسا كانت تجعل قلانسها على قدر أحسابها، وكان هرمز ممن تم شرفه من البيوتات السبعة عندهم، ثم امتلاك الابلة. كل هذه الاخبار تفرد بها سيف القاص العبقري، ورواها في سبع من رواياته يؤكد بتعددها فريته، ورد في أسانيدها أسماء خمسة من مختلقاته. كتابان، وتعبئة جيش، واقتران في السلاسل، ومعركة، وقدر، وكرامة وبطولات، وفتح، وأخماس الغنائم، وفيل يرسل إلى المدينة، لم يصدق شئ منها ! كما لم يوجد الصحابيان زر والقعقاع، ولا الرواة الذين روى عنهم الخبر ! ! ! وأخيرا فإن أهم ما أنتجت فريته هو إضافة معركة حربية إلى المعارك التي انتشر بسببها الاسلام ! معركة أباد فيها المسلمون جميع المقاتلين المقترنين بالسلاسل وركبوا أكتاف المنهزمين يقتلونهم إلى الليل ! ! !.

[80]

مصادر البحث في فتح الابلة أحاديث سيف: الطبري 1 / 2020 - 2026. ط. أوروبا. ابن الاثير 2 / 294 - 296. الذهبي 1 / 374. ابن كثير 6 / 344. ابن خلدون 2 / 296. الاصابة ترجمة: زر. أحاديث غير سيف: الطبري 1 / 2016 - 2019 و 1 / 2377 و 2382 - 2386. ط. أوروبا. ابن الاثير 2 / 377 - 387. البيهقي، السنن الكبرى (6 / 313) باب النفل بعد الخمس.

[81]

وقعة الثني أو المذار: ذكر سيف وقعة الثني أو المذار بعد وقعة ذات السلاسل السابقة وقال: كان سببها أن هرمز كان قد كتب إلى أردشير وشيرى بقدوم خالد من اليمامة، فبعث إليه بمدد مع أمير اسمه قارن بن قريانس، فلما وصل إلى المذار بلغه مقتل هرمز، ولقيه المنهزمون: فلال الاهواز، وفارس، والسواد والجبل، فتذامروا، واتفقوا على العود لحرب خالد، وعسكروا بالمذار وعبأ قارن جيشه وجعل على مجنبتيه قباذ وأنو شجان، فأسرع المثنى وأخوه المعنى بالخبر إلى خالد، فسار إليهم، فلقيهم بالثني، واقتتلوا على حنق وحفيظة، فقتل أبيض الركبان معقل بن الاعشى النباش قارنا، وكان قد انتهى شرف قارن، وقتل عدي قباذ، وعاصم أنو شجان، وقتل من الفرس مقتلة عظيمة بلغت ثلاثين ألفا سوى من غرق، ومنعت المياه المسلمين من طلبهم فقسم خالد الغنائم، وبعث بالاخماس إلى المدينة، وكانت الغنائم فيها أعظم من يوم ذات السلاسل، وسبى عيالات المقاتلة ومن أعانهم. الولجة: قال سيف: لما انتهى الخبر إلى أردشير ملك الفرس بأمر

[82]

المذار وقتل قارن، بعث أميرا اسمه الاندرزغر من مولدي السواد، وحشر إليه ما بين الحيرة وكسكر، وعرب الضاحية، والدهاقين، وأمده بجيش آخر مع بهمن جاذويه. فسار الانذرزغر حتى نزل الولجة في صفر سنة 12 - قال سيف: الولجة مما يلي كسكر من البر - قال: فسمع بهم خالد، فسار من الثني إلى الولجة واقتتلوا بها قتالا شديدا أشد من يوم الثني حتى ظن الفريقان أن الصبر قد أفرغ، وكان خالد قد أرصد كمينين أحدهما بقيادة الصحابي سعيد ابن مرة العجلي، فخرجوا من ناحيتين، فانهزمت صفوف الاعاجم، وولوا، فأخذهم خالد من بين أيديهم، والكمين من خلفهم، فلم ير رجل منهم مقتل صاحبه، ومضى الاندرزغر منهزما، فمات عطشا. وبارز خالد رجلا من أهل فارس يعدل بألف رجل، فقتله فلما فرغ اتكأ عليه، ودعا بغدائه... الحديث. أليس: قال سيف: لما أصاب خالد يوم الولجة طائفة من بكر بن وائل (من نصارى العرب، ممن أعان الفرس) غضبت عشائرهم، فكاتبوا الفرس، واجتمعوا إلى أليس، وعليهم عبد الاسود العجلي، فكتب أردشير إلى بهمن جاذويه وكان قد أقام بعد الهزيمة بقسياثا، فقدم بهمن جاذويه جابان إليهم، وأمره بالتوقف عن المحاربة حتى يقدم عليه، ثم سار بهمن إلى أردشير ليشاوره في ما يفعل وكان لاهل فارس في كل يوم من أيام الشهر رافد

[83]

يرفدهم عند الملك وكان بهمن أحدهم. أما جابان فقد سار حتى أتى أليس في صفر، واجتمعت إليه المسالح التي كانت بأزاء العرب، وعبد الاسود في نصارى العرب من بني عجل وتيم اللات، وضبيعة، وعرب الضاحية من أهل الحيرة، وسار إليهم خالد حين بلغه خبرهم - وهو لا يعلم بدنو جابان - فلما طلع جابان بأليس قالت له العجم: أنعاجلهم، أم نغدي الناس ولا نريهم أنا نحفل بهم ثم نقاتلهم ؟ فقال جابان: إن تركوكم فتهاونوا بهم. فعصوه، وبسطوا البسط، ووضعوا الاطعمة، وتداعوا إليها، وتوافوا إليها، وإذا بخالد ينتهي إليهم، فحط الاثقال، وتوجه إليهم، وأعجلهم عن طعامهم، فقال لهم جابان: ألم أقل لكم، وحيث لم تقدروا على الاكل، فسموا الطعام فإن ظفرتم فأيسرها لك، وإن كانت لهم هلكوا بأكله، فلم يفعلوا، واقتتلوا قتالا شديدا، والمشركون يزيدهم كلبا وشدة ما يتوقعون من قدوم بهمن جاذويه، فصابروا المسلمين، وقال خالد: اللهم ! إن لك علي إن منحتنا أكتافهم ألا أستبقي منهم أحدا قدرنا عليه حتى أجري نهرهم بدمائهم. ثم إن الله نصرهم، فنادى منادي خالد: الاسر، الاسر، لا تقتلوا إلا من امتنع. فأقبلت الخيول بهم أفواجا مستأسرين، يساقون سوقا، وقد وكل بهم رجالا يضربون أعناقهم في النهر، ففعل ذلك بهم يوما وليلة وطلبوهم الغد، وبعد الغد، حتى انتهوا إلى النهرين، ومقدار ذلك من كل جوانب أليس، فضرب أعناقهم. فقال لهم القعقاع وأشباه له: لو أنك قتلت أهل الارض لم تجر دماؤهم، فإن الدم - بعد قتل ابن آدم - قد نهي عن السيلان إلا مقدار بردة، فأرسل عليها

[84]

الماء تبر بيمينك، وكان قد صد الماء عن النهر، فأعاده، فجرى دما عبيطا، فسمى (نهر الدم) لذلك الشأن إلى اليوم، وكانت على النهر أرحاء فطحنت بالماء - وهو أحمر - قوت العسكر (ثمانية عشر ألفا أو يزيدون) ثلاثة أيام، وبلغ قتلاهم من أليس سبعين ألفا جلهم من أمغيشيا. أمغيشيا (1): قال سيف: لما فرغ خالد من أليس سار إلى أمغيشيا، وأعجلهم من أن ينقلوا ما فيها، وجلا أهلها، وتفرقوا في السواد، فأمر خالد بهدم أمغيشيا وكل شئ كان حيزها، قال: وكانت أمغيشيا مصرا كالحيرة، وكانت أليس من مسالحها، فأصابوا فيها ما لم يصيبوا مثلها قط. بلغ سهم الفارس ألفا وخمسمائة سوى النفل الذي نفله أهل البلاء، فقال أبو بكر لما بلغه الخبر: " يا معشر قريش ! عدأ اسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد ". يوم المقر وفم فرات بادقلى: قال سيف: ثم سار خالد من أمغيشيا إلى الحيرة، وحمل الرجال والاثقال في السفن، فخرج آزاذبه مرزبان الحيرة وتهيأ لقتاله - وكان قد بلغ نصف الشرف، وقيمة قلنسوته خمسون ألفا - وعسكر عند الغريين


(1) يظهر من رواية ذكرها الطبري هنا أن رواية سيف كان قد سأل أهل الحيرة عن أمغيشيا فلم يعرفها احد بل كانوا سمعوا بموضع يقال له " منيشيا " فذكر ذلك لسيف فأجابه " هذان اسمان ".

[85]

وارسل ابنه فقطع الماء عن السفن، فجنحت إلى الارض فسار خالد في خيل نحو ابن الآزاذبه، فلقيه على فرات بادقلى، فقتله وجميع من معه، وفجر الفرات فسلك الماء سبيله، فجرت سفنه، وسار نحو الحيرة، فهرب الآزاذبه بغير قتال، فنزل خالد بالغريين وحاصر قصور الحيرة. مناقشة السند: وزع سيف الاخبار السابقة على خمس عشرة من رواياته، ورد في أسانيدها: اسم محمد بن عبد الله بن نويرة ست مرات. واسم كل من بحر بن فرات العجلي، عن أبيه، وزياد بن سرجس الاحمري، وعبد الرحمن بن سياه الاحمري، والمهلب بن عقبة الاسدي، مرتين. والغصن بن قاسم، عن رجل من بني كنانة، مرة واحدة، وهم جميعا من مختلقات سيف من الرواة. أوردنا في ما سبق موجز روايات لسيف عن أخبار فتوح خالد قبل الحيرة. أما غير سيف فكل ما ذكروا عنها هو ما يلي: إن خالدا قاتل جمعا بالمذار، وقيل: إن جريرا واقع صاحب المذار بأمره، قالوا: ومر خالد بزندورد من كسكر فافتتحها بعد ساعة من مراماة للمسلمين. وافتتح درنى وذواتها بأمان. وأتى هرمز جرد فآمن أهلها - أيضا - وفتحها.

[86]

وأتى أليس فخرج إليه جابان صاحبها، فقدم إليه المثنى، فلقيه بنهر الدم فقاتله وهزمه وقيل دعي النهر لتلك الواقعة نهر الدم وصالح خالد أهل أليس على أن يكونوا عيونا للمسلمين على الفرس وأدلاء وأعوانا. قالوا: ثم سار خالد حتى دنا من الحيرة فخرجت إليه خيول آزاذبه فلقوهم بمجتمع الانهار فهزمهم المثنى، فلما رأى ذلك أهل الحيرة خرجوا يستقبلونه... الحديث. نتيجة البحث وحصيلة الحديث: تفرد سيف بذكر الصحابيين معقل بن الاعشى وسعيد بن مرة، وأخذ منه صاحب الاصابة ترجمتهما، والصحابي عاصم وأخذ منه صاحب الاصابة وغيره ترجمته. كما تفرد بذكر أمغيشيا والثني وقسياثا وأخذ منه تراجمها صاحب معجم البلدان ومراصد الاطلاع. وتفرد بذكر التابعي المعنى أخو المثنى وبذكر قادة الفرس قارن ابن قريانس وقباذ وأنوشجان وغيرهم. وتفرد بذكر يمين خالد وقتله الاسرى إلى جانب نهر الدم وهدمه أمغيشيا. وتفرد بذكر معركة الولجة. وتفرد برواية غيرها من الاخبار التي رواها عن رواة مختلقين سبق ذكرهم. تفرد سيف بذكر كل ما ذكرنا، وأخذ منه الطبري، ومن الطبري

[87]

أخذ كل من ابن الاثير وابن كثير وابن خلدون في تواريخهم. فذاعت وشاعت كل تلك الاخبار المختلقة بوقائعها وأماكنها ورواتها إلى يومنا هذا. وكلها بمجموعها تدل على انتشار الاسلام بحد السيف. مصادر البحث عن الثني والولجة وأليس وأمغيشيا والمقر وفم فرات بادقلى: الطبري 1 / 2026 - 2047 ط. أوروبا. ابن الاثير 2 / 296 - 298. ابن كثير 6 / 344 - 346. ابن خلدون 2 / 297 - 298. فتوح البلدان للبلاذري 296 - 298. الاصابة: تراجم معقل بن الاعشى وسعيد بن مرة وعاصم بن عمرو. معجم البلدان ومراصد الاطلاع: تراجم أمغيشيا، الثني، قسياثا، الولجة.

[88]

خبر ما بعد الحيرة: قال سيف: اجتمع الفرس وعرب ربيعة بالحصيد لحرب المسلمين فاستغاثوا بالقعقاع فسار إليهم واقتتلوا بها وقتل الله من العجم مقتلة، وقتل قائدا الفرس: " رزمهر " وقتله القعقاع و " روزبه " وقتله عصمة بن عبد الله أحد بني الحارث بن طريف الظبي. وعصمة من البررة، والبررة كل فخذ هاجرت بأسرها، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن، وغنم المسلمون غنائم كثيرة وهرب فلال الحصيد إلى الخنافس. فلما سار المسلمون إليها هرب القائد الفارسي المهبوذان بجيشه إلى المصيخ. فكتب خالد إلى قواده كالقعقاع وأعبد بن فدكي، وواعدهم ليلة وساعة يجتمعون فيها إلى المصيخ، فاجتمعوا بها في الموعد وأغاروا عليهم من ثلاثة أوجه، وهم نائمون، فقتلوهم حتى امتلا الفضاء من قتلاهم، فلما شبهوهم إلا بغنم مصرعة ! قال سيف: ولما أصاب أهل المصيخ، تجمعت قبائل تغلب بالثني والزميل فاتفق خالد مع قواده أن يفعلوا بأهليهما فعلهم بأهل المصيخ فبدأ بالثني، واجتمع هو وأصحابه فبيته من ثلاثة أوجه فجردوا فيهم السيوف فلم يفلت من ذلك الجيش مخبر، واستبى

[89]

الشرخ (1) وبعث بالخمس إلى أبي بكر. ثم بيت أهل الزميل غارة شعواء من ثلاث أوجه فقتل منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها، وأصابوا منهم ما شاءوا وكانت على خالد يمين ليبغتن تغلب في دارها (2) ثم قسم فيأها وبعث بالاخماس إلى أبي بكر. قال سيف: ثم سار خالد إلى الفراض، واغتاظ االروم من المسلمين واستعانوا بمن يليهم من مسالح الفرس، واستمدوا بقبائل تغلب وأياد والنمر من العرب فأمدوهم، واقتتلوا مع المسلمين قتالا شديدا طويلا، وأخيرا انهزم الروم ومن معهم. وقال خالد للمسلمين: ألحوا عليهم ولا ترفهوا عنهم. فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتل يوم الفراض في المعركة والطلب مائة ألف. مناقشة السند: في أسانيد الاخبار السابقة من روايات سيف، محمد والمهلب وزياد والغصن بن قاسم الكناني من مختلقات سيف من الرواة. وظفر بن دهي من مختلقاته من الصحابة الرواة. ورجل من بني سعد، ورجل من بني كنانة، ولا ندري ماذا تخيل اسميهما لنتجشم البحث عنهما ؟


(1) شرخ الشباب: ريعانه، وشرخ الرجل: نجله. (2) لست أدري كم يمينا كانت على خالد في إبادة الناس.

[90]

نتيجة البحث: تفرد سيف بذكر حرب الحصيد وقتل العجم بها مقتلة عظيمة، وقتل قائدي الفرس روزبه ورزمهر، وتفرد بذكر الصحابي عصمة ابن عبد الله الضبي وما ذكر من أنه كان من البررة وأن البررة كل فخذ هاجرت بأسرها، والخيرة كل قوم هاجروا من بطن. وتفرد بذكر مصيخ بني البرشاء وقتل أهلها حتى امتلا الفضاء بهم كالغنم المصرعة. وتفرد بذكر الصحابي أعبد بن فدكي. وتفرد بذكر الثني وقتل أهلها قتل إبادة، وذكر الزميل وقتل أهلها مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها. وتفرد بذكر قتال الفراض، وقتل مائة ألف منهم في المعركة، وفي الاسر صبرا. تفرد بذكر الاماكن المذكورة، وأخذ منه ياقوت في معجمه، وأخذ من ياقوت صاحب مراصد الاطلاع. كما نقل عنه الطبري، ومن الطبري أخذ ابن الاثير وابن كثير في تاريخهما. وأخذ منه صاحب الاصابة تراجم الصحابة المذكورين. مقارنة بين روايات سيف وغيرها: أوردنا فيما سبق موجزا من روايات سيف عن غزوات خالد بعد الحيرة. ولمعرفة مدى تطابقها مع الواقع نبحث أولا في سواد

[91]

العراق يومذاك، فنجد فيه قرى صغيرة منتشرة على شواطئ الانهر يسكنها المزارعون من العرب والفرس، وكبراها الحيرة وكان يسكنها ملوكهم المناذرة. وكان عدد رجالها ستة آلاف عندما أحصاهم خالد وألزم كل واحد منهم بدفع أربعة عشر درهما سنويا حسب رواية البلاذري. فإذا كان عدد رجال حاضرتهم ستة آلاف فكم يكون عدد رجال سائر قراها ؟ ثانيا: لمعرفة طبيعة المعارك التي دارت رحاها في السواد يومذاك نرجع إلى الدينوري فنجده يقول في الاخبار الطوال ما موجزه: لما أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى شاع أنه لا ملك لارض فارس وإنما يلوذون بباب امرأة. فأقبل رجلان من بكر بن وائل يغيران على الدهاقين فيأخذان ما قدرا عليه فإذا طلبا أمعنا في البر فلا يتبعهما أحد، يقال لاحدهما المثنى وكان يغير من ناحية الحيرة، وللآخر سويد وكان يغير من ناحية الابلة. وكان ذلك في خلافة أبي بكر، فكتب المثنى إلى أبي بكر يعلمه ضراوته بفارس ويعرفه وهنهم ويسأله أن يمده بجيش، فكتب أبو بكر إلى خالد - وكان فرغ من أهل الردة - أن يسير إلى الحيرة ويضم إليه المثنى ففعل، وكره المثنى ورود خالد عليه. ونرجع إلى البلاذري فنجد عنده وصفا رائعا لغزوات خالد في الحيرة تعرفنا طبيعة تلك المعارك، وقد سبق ذكر بعضها، ونذكر في ما يلي موجزا لبعض ما وقع منها بعد الحيرة، قال:

[92]

وبعث خالد بشير بن سعد الانصاري إلى بانقيا فلقيته خيل للاعاجم عليها فرخبنداذ فرشقوا من معه بالسهام، وحمل عليهم فهزمهم وقتل فرخبنداذ، ثم انصرف وبه جراحة انتفضت بعين التمر فمات منها. وقيل إن خالدا هو الذي قتل فرخبنداذ، وبعث جرير بن عبد الله البجلي إليهم فخرج إليه بصبهري بن صلوبا فاعتذر إليه من القتال وعرض عليه الصلح، فصالحه جرير على ألف درهم وطيلسان. وقيل إن ابن صلوبا أتى خالدا فاعتذر إليه وصالحه هذا الصلح. وقالوا: إن خالدا أتى بعدها الفلاليج وبها جمع للعجم فتفرقوا ولم يلقوا كيدا فرجع إلى الحيرة، فبلغه أن جابان في جمع بتستر فوجه إليه المثنى وحنظلة بن الربيع فلما انتهيا إليه هرب وسار إلى الانبار فتحصن أهلها، وبعث المثنى إلى السوق العتيق ببغداد فأغار عليهم فملاوا أيديهم من الذهب والفضة وما خف حمله، ثم أتوا الانبار - وخالد بها - فحصروا أهلها وحرقوا نواحيها فصالحو ؟ بشئ رضي به، وقيل بل صالحه جرير في عصر عمر. هكذا كانت طبيعة غزوات خالد في العراق، يبعث جريدة خيل إلى تلك القرية أو هذه فيستقبلوهم بالصلح ودفع الجزية أو بالمراماة ساعة من نهار ثم ينهزمون، أو يباغت تجمعا في سوق

[93]

فيستولي على ما فيها بعد فرار أهلها، وأحيانا يهاجم قرية فيقاتل خفراءها أو حصنا أو مسلحة فيقتل منهم أفرادا ثم يستولى على بعض السبي والغنائم. ويتناسب هذا النوع من الغزو وعدد جيش خالد كما رواه البلاذري عند ما ذكر خبر انصرافهم من العراق إلى الشام لامداد المسلمين هناك قال: " وسار في شهر ربيع الاخر سنة ثلاث عشرة في ثماني مائة، ويقال: في ست مائة، ويقال: في خمس مائة ". وليس بمقدور هذا العدد أن يبيد مئات الالوف كما ذكرته روايات سيف. نتيجة البحوث: وجدنا خالدا في وقعة ذات السلاسل يبيد جيش الفرس المقترنين بالسلاسل حسب رواية سيف ! وفي الثني يقتل منهم مقتلة عظيمة يبلغ قتلاهم ثلاثين ألفا سوى من قد غرق ! وفي الولجة يقتل منهم مقتلة لا يرى أحد منهم مقتل صاحبه ويقتل فارسا يعد بألف فيتكئ عليه في ساحة المعركة ويتغدى ! وفي أليس يحلف أن يجري نهرهم بدمائهم فيجلب الناس من جوانبها مدة ثلاثة أيام ويضرب أعناقهم على النهر حتى يبلغ قتلاهم سبعين ألفا ويهدم مدينة أمغيشيا بعدها ! وفي معركة الحيرة يبيد جيش ابن الآزاذبه !

[94]

وفي الحصيد يقتل القعقاع منهم مقتلة عظيمة ! وفي المصيخ يغيرون عليهم من ثلاثة أوجه وهم نائمون فيقتلونهم حتى يمتلئ الفضاء بهم ويشبهونهم بالغنم المصرعة. وفي الثني - أيضا - بيتوهم من ثلاثة أوجه وأعملوا فيهم السيف فلم يفلت منهم مخبر. وفي الزميل بيتوهم غارة شعواء من ثلاثة أوجه فقتلوا منهم مقتلة عظيمة لم يقتلوا قبلها مثلها فقد كانت على خالد يمين أن يبغتهم. وفي الفراض أمر خالد أن يلحوا عليهم بعد هزيمتهم، فجعل صاحب الخيل يحشر منهم الزمرة برماح أصحابه فإذا جمعوهم قتلوهم، فقتلوا منهم في المعركة والطلب مائة ألف. أي إنسان لا يقشعر جلده من قراءة تاريخ الفتوح الاسلامية هذه ! ؟ وهل فعلت جيوش التتر أكثر من هذا ؟ ! ! ! ألا يحق لخصوم الاسلام مع هذا التاريخ المزيف أن يقولوا: " إن الاسلام انتشر بحد السيف " ؟ ! ! وهل يشك أحد بعد هذا من هدف سيف في وضع هذا التاريخ وما نواه من سوء للاسلام ؟ ! وما الدافع لسيف إلى كل هذا الدس والوضع إن لم تكن الزندقة التي وصفه العلماء بها ؟ ! وأخيرا هل خفي كل هذا الكذب والافتراء على إمام المؤرخين الطبري ؟ وعلامتهم ابن الاثير ؟ ومكثرهم ابن كثير ؟ وفيلسوفهم ابن خلدون ؟ وعلى عشرات من أمثالهم ؟ كابن عبد البر

[95]

وابن عساكر والذهبي وابن حجر ؟ كلا فإنهم هم الذين وصفوه بالكذب ورموه بالزندقة ! وقد مر علينا في وقعة ذات السلاسل قول الطبري وابن الاثير وابن خلدون في تواريخهم: أن ما ذكره سيف فيها خلاف ما يعرفه أهل السير ! إذا فما الذي دعاهم إلى اعتماد روايات سيف دون غيرها مع علمهم بكذبه وزندقته، إن هو إلا أن سيفا حلى مفترياته بإطار من نشر مناقب الصحابة فبذل العلماء وسعهم في نشرها وترويجها مع علمهم بكذبها. ففي فتوح العراق - مثلا - أورد مفترياته تحت شعار مناقب خالد بن الوليد، فقد وضع على لسان أبي بكر أنه قال - بعد معركة أليس وهدم مدينة أمغيشيا -: " يا معشر قريش ! عدا أسدكم على الاسد فغلبه على خراذيله، أعجزت النساء أن ينشئن مثل خالد ". كما زين ما اختلق في معارك الردة بإطار من مناقب الخليفة أبي بكر، وكذلك فعل في ما روى واختلق عن فتوح الشام وإيران على عهد عمر، والفتن في عصر عثمان، ووقعة الجمل في عصر علي، فإنه زينها جميعا بإطار من مناقب الصحابة، فراجت وشاعت ونسيت الروايات الصحيحة - عدا روايات سيف - وأهملت على أنه ليس في ما وضعه سيف واختلق - على الاغلب - فضيلة للصحابة، بل فيه مذمة لهم، ولست أدري كيف خفي على هؤلاء أن جلب خالد عشرات الالوف من البشر وذبحهم على النهر ليجري نهرهم بدمائهم ليست فضيلة له، ولا هدمه مدينة أمغيشيا ولا نظائرها إلا على رأي الزنادقة في الحياة من أنها سجن للنور وأنه ينبغي السعي في إنهاء الحياة لانقاذ النور من سجنه (1). - >

[96]

ومهما يكن من أمر فإن بضاعة سيف المزجاة إنما راجت لانه طلاها بطلاء من مناقب الصحابة وإن حرص هؤلاء على نشر فضائل الصحابة أدى بهم إلى نشر ما في ظاهره فضيلة للصحابة وإن لم تكن لهم في واقعه فضيلة ! والانكى من ذلك أن سيفا لم يكتف باختلاق روايات في ظاهرها مناقب للصحابة الحقيقيين ويدس فيها ما شاء لهدم الاسلام، بل اختلق صحابة للرسول لم يخلقهم الله ! ووضع لهم ما شاء من كرامات وفتوح وشعر ومناقب كما شاء ! معرفة منه بأن هؤلاء يتمسكون بكل ما فيه مناقب للصحابة كيف ما كان، فوضع واختلق ما شاء لهدم الاسلام ! اعتمادا منه على هذا الخلق عند هؤلاء ! وضحكا منه على ذقون المسلمين ! ولم يخيب هؤلاء ظن سيف، وإنما روجوا مفترياته زهاء ثلاثة عشر قرنا ! وقدمنا - بإذن الله تعالى - إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا. نكتفي بما قدمناه من روايات سيف الموضوعة في الفتوح والردة والتي دلت على انتشار الاسلام بحد السيف، ولو أردنا أن نتابعه في كل ما اختلقه ورواه عن فتوح المسلمين في عصر الصحابة لطال بنا البحث واحتجنا إلى تفصيل ممل. وفي ما أوردنا الكفاية لمعرفة قيمة روايات سيف في الفتوح. ولندرس في الفصل الآتي رواياته التي قصد بوضعها نشر الخرافات في عقائد المسلمين.


< - (1) راجع بحث الزندقة والزنادقة من البحوث التمهيدية بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) للمؤلف.

[97]

مصادر البحث عن الفتوح بعد الحيرة: الطبري 1 / 2047 - 2059 ط. أوروبا. ابن الاثير 2 / 301 - 306. ابن كثير 2 / 350 - 352. ابن خلدون 2 / 299 - 302. البلاذري 298 و 299 و 131. الاخبار الطوال للدينوري 111. معجم البلدان ومراصد الاطلاع تراجم: مصيخ بني البرشاء، الثني، الزميل. الاصابة، ترجمة: عصمة بن عبد الله وأعبد بن فدكي.

[99]

أ - سيف يختلق أساطير للدس في عقائد المسلمين والتشويش عليهم. ب - سيف يشارك غيره في اختلاق ألوان أخرى من الاساطير.

[101]

أ - سيف يختلق أساطير للدس في عقائد المسلمين والتشويش عليهم مثل: 1 - عدم تأثير السم في خالد. - 2 بشارات الانبياء بعمر. 3 - تهدم دور حمص من تكبير المسلمين. 4 - فتح الدجال السوس. 5 - وحي الشيطان - الملك - إلى الاسود المتنبئ الكذاب، وإنبائه بالغيب ومعجزات أخرى. ب - سيف يشارك غيره في اختلاق ألوان أخرى من الاساطير مثل: طلب الخليفة عمر من زوجه أن تجالس الرجل الاجنبي وتؤاكله. مناقشات لاسانيد روايات سيف: مقارنة بين روايات سيف وغيرها: مصادر البحوث:

[102]

يكثر في أساطير سيف ما لا يحقق شيئا من أهدافه التي بسطنا القول عنها، مثل: الدفاع عن الصحابة العدنانيين ذوي السلطة والجاه، أو نشر فضيلة لهم، أو لبني عمر والفخذ الذي ينتمي إليه سيف من بطن أسيد، ولا لاسيد البطن الذي ينتمي إليه من تميم، ولا لسائر بطون تميم، ولا لقبيلة أخرى من قبائل عدنان. كما لا تنشر الذم لقبائل قحطان - السبائية - وإنما تدس الخرافات في عقائد المسلمين، وتشوش عليهم معالم دينهم، وبذلك تحقق هذا الهدف الخطير له بدافع الزندقة التي اتهم بها، وهى تنقسم إلى قسمين: منها ما تفرد سيف في وضعها واختلاقها، وأخرى شارك غيره في وضعها، وفيما يلي نعرض أمثلة منها على سبيل المثال لا الاستقصاء فإن الاستقصاء بحاجة إلى بحوث كبيرة كثيرة ويكفينا منها ما نعرضه في ما يلي: القسم الاول أساطير خرافة تفرد سيف باختلاقها ودسها في عقائد المسلمين: 1 - خالد لا يؤثر فيه سم ساعة: روى الطبري عن سيف في خبر فتح الحيرة في حوادث سنة 12: أن خالد

[104]

ابن الوليد حاصر بعض حصون الحيرة فخرج عمرو بن عبد المسيح بن قيس بن حيان بن بقيلة يفاوض خالدا في أمر الصلح ومعه كيس معلق بحقوه فتناول خالد الكيس ونثر ما فيه في راحته، وقال: ما هذا يا عمرو ؟ ! قال: هذا وأمانة الله سم ساعة ! قال: ولم تحتقب السم ؟ قال: خشيت أن تكونوا على غير ما رأيت والموت أحب إلي من مكروه أدخله على قومي ! فقال خالد: " إنها لن تموت نفس حتى يأتي على أجلها " وقال: " بسم الله خير الاسماء رب الارض ورب السماء الذي ليس يضر مع اسمه داء، الرحمن الرحيم " فأهووا إليه ليمنعوه منه فبادرهم فابتلعه ! فقال عمرو: " والله يا معشر العرب لتملكن ما أردتم ما دام منكم أحد أيها القرن " (1). ثم ذكر كيف جرى الصلح بينهما. ذكر سيف في هذا الخبر اسم مفاوض خالد (عمرو بن عبد المسيح " ودس في الخبر أسطورة تناول خالد السم وعدم تأثير السم به. بينما أورد البلاذري (2) خبر صلح الحيرة في فتوحه وذكر اسم المفاوض (عبد المسيح بن عمرو) ولم يذكر قصة سم ساعة. وروى الطبري (3) - أيضا - خبر الصلح عن ابن الكلبي وليس فيه خبر الاسطورة، واسم المفاوض عنده - أيضا - (عبد المسيح بن عمرو). وورد أيضا في أنساب ابن الكلبي وفي جمهرة أنساب العرب (4) اسمه (عبد المسيح بن عمرو) مع ذكر نسبه. روى سيف هذه الاسطورة مع تحريف اسم المفاوض وأخذ منه

[105]

الطبري، ومن الطبري أخذ كل من ابن الاثير في تاريخه (5) وابن كثير وحذف أسطورة تناول السم (6) مناقشة السند: ورد في أسانيد أحاديث سيف عن صلح الحيرة. 1 - الغصن بن قاسم عن رجل من بني كنانة. وورد هذا الاسم في أسانيد 13 حديثا لسيف في تاريخ الطبري ولما لم نجد له ذكرا في ما بحثنا من كتب الحديث والتاريخ ومعرفة الرواة، فقد اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة. 2 - رجل من بني كنانة. ولا ندري ماذا تخيل سيف اسم هذا الرجل الكناني لنبحث عنه في مصادر علم معرفة الرواة والتاريخ. 3 - محمد، ومحمد في أسانيد أحاديث سيف هو ابن عبد الله بن سواد ابن نويرة. وقد ذكرنا في فصل استلحاق زياد، أنه من مخترعات سيف من الرواة. نتيجة البحث: حرف سيف اسم المفاوض من (عبد المسيح بن عمرو) إلى (عمرو بن عبد المسيح) وكرر ذكره محرفا في 16 مكانا من أحاديثه في تاريخ الطبري (7) بينما ورد اسمه في فتوح البلاذري وجمهرة ابن حزم وحديث ابن الكلبي عند الطبري: " عبد المسيح بن عمرو " ودس في خبر الصلح أسطورة تناول خالد سم ساعة، وتفرد بذكره !

[106]

نرى أن سيف بن عمر دس هذه الاسطورة في هذا الخبر لان الناس في عصره كانوا يرغبون في أن يسمعوا أمثال هذه المناقب عن السلف الصالح وحقق بذلك - أيضا - هذه في دس السخف في عقائد المسلمين، كما شوش عليهم بتحريف الاسم ! فعل ذلك وغيره بدافع الزندقة التي اتهم بها ! ! سلسلة رواة الحديث أ - من روى عنه سيف. 1 - الغصن بن القاسم، وهو من مختلقاته من الروة ! 2 - رجل من بني كنانة، ولا ندري ماذا تخيل سيف اسم هذا الراوي ! 3 - محمد بن عبد الله بن سواد بن نويرة، من مختلقاته من الرواة ! ب - من أخذ عن سيف: 1 - الطبري في تاريخه، وذكر سنده إلى سيف. 2 - ابن الاثير في تاريخه، وقد نقلها عن تاريخ الطبري. 3 - ابن كثير في تاريخه، وقد نقلها عن تاريخ الطبري. مصادر تناول خالد سم ساعة: (1) الطبري (1 / 2040 - 2044) ط. أوروبا. (2) فتوح البلدان للبلاذري ص (252). (3) الطبري (1 / 2019) وص (19) من جمهرة نسب قحطان من

[107]

أنساب ابن الكلبي. (4) جمهرة أنساب العرب لابن حزم: ص (354). (5) ابن الاثير في تاريخه ط. المنيرية (2 / 266). (6) ابن كثير في تاريخه (6 / 346) وحذف أسطورة السم. (7) الطبري (1 / 2039 - 2044 و 2197 و 255 - و 2256 و 2389). ط. أوروبا.

[109]

2 - بشارات الانبياء بعمر: روى الطبري عن سيف - في حوادث سنة 15 ه‍ - خبر فتح بلاد فلسطين قال: كتب عمر إلى عمرو بن العاص يأمره بصدم الارطبون، قائد الروم بفلسطين، قال: وكان الارطبون أدهى الروم، وأبعدها غورا، وأنكاها فعلا، وقد كان وضع بالرملة (1) جندا عظيما، وبإيلياء (2) جندا عظيما، قال سيف: وكتب عمرو إلى عمر بالخبر فلما جاءه كتاب عمرو، قال: " قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب فانظروا عم تنفرج ؟ " قال سيف: فأقام عمرو على أجنادين (3) لا يقدر من الارطبون على سقطة ولا تشفيه الرسل، فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول فأبلغه ما يريد وسمع كلامه وتأمل حصونه، حتى عرف ما أراد، وقال أرطبون في نفسه: إن هذا لعمرو أو من يأخذ عمرو برأيه، فأمر إنسانا يقعد على طريقه ليقتله إذا مر به، وفطن له عمرو، فقال له: قد سمعت مني وسمعت منك، وقد وقع قولك مني موقعا،


(1) الرملة: من مدن فلسطين القديمة. (2) إيلياء: بيت المقدس. (3) أجنادين: كانت من نواحي فلسطين.

[110]

وأنا واحد من عشرة بعثنا عمر إلى هذا الوالي لنكانفه، فأرجع فأتيك بهم الآن ! فإن رأوا في الذي عرضت مثل الذي أرى، فقد رآه أهل العسكر والامير، وإن لم يروه رددتهم إلى مأمنهم، فقال: نعم، ورد الرجل الذي أمره بقتل عمرو، فخرج عمرو من عنده، وعلم الرومي بأنه خدعه فقال: لله عمرو ! وناهده عمرو، وقد عرف مأخذه، والتقوا بأجنادين فاقتتلوا قتالا شديدا كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم، وانهزم أرطبون إلى إيليا - بيت المقدس - ونزل عمرو أجنادين، وأفرج المسلمون الذين يحصرون بيت المقدس لارطبون فدخل إيلياء وأزاح المسلمين عنه إلى عمرو بأجنادين، وكتب أرطبون إلى عمرو بإنك صديقي ونظيري. إنك في قومك مثلي في قومي، والله لا تفتح من فلسطين شيئا بعد أجنادين فارجع ولا تغر فتلقى ما لقي الذين قبلك من الهزيمة. فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية، فأرسله إلى أرطبون وأمره أن يغرب ويتنكر، وقال: استمع ما يقول حتى تخبرني به إذا رجعت إن شاء الله، وكتب إليه: " جاءني كتابك وأنت نظيري ومثلي في قومك لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي، وقد علمت أني صاحب فتح هذه البلاد، وأستعدي عليك فلانا وفلانا وفلانا - لوزرائه - فأقرئهم كتابي ولينظروا في ما بيني وبينك ". فخرج الرسول على ما أمره به حتى أتى أرطبون فدفع إليه الكتاب بمشهد من النفر، فاقترأه، فضحكوا وتعجبوا وأقبلوا على أرطبون فقالوا: من أين علمت ليس بصاحبها ؟ قال:

[111]

" صاحبها رجل اسمه عمر ثلاثة أحرف " (1) فرجع الرسول إلى عمرو فعرف عمرو أن الذي تفتح إيلياء على يده هو الخليفة عمر فكتب إلى عمر يستمده، وقال: " إني أعالج حربا كؤودا صدوما، وبلادا ادخرت لك، فرأيك ! " ولما كتب عمرو إلى عمر بذلك، عرف عمر أن عمرا لم يقل ذلك إلا بعلم، فنادى في الناس ثم خرج فيهم حتى نزل الجابية (2). وقال سيف: لما دخل عمر إلى الشام تلقاه رجل من يهود دمشق فقال: " السلام عليك يا فاروق ! أنت صاحب إيلياء، لا والله لا ترجع حتى يفتح الله عليك ". قال سيف: وكانوا قد أشجوا عمرا وأشجاهم ولم يقدر عليها ولا على الرملة. فبينا عمر معسكرا بالجابية فزع الناس إلى السلاح، فقال عمر: " ما شأنكم ؟ " فقالوا: " ألا ترى الخيل والسيوف ؟ " فنظر فإذا كردوس يلمعون بالسيوف فقال عمر: " مستأمنة ! ولا تراعوا وأمنوهم ! " فأمنوهم وإذا هم أهل إيلياء، فأعطوه - أي أعطوا عمر - ما أراد، واكتتبوا منها على إيلياء وحيزها، والرملة وحيزها فصارت فلسطين نصفين، نصف مع أهل إيلياء ونصف مع أهل الرملة


(1) وفي تاريخ ابن الاثير: " فقال: صاحبها رجل صفته كذا وكذا وذكر صفة عمر ". (2) الجابية كانت من أعمال دمشق.

[112]

وهم عشر كور، قال سيف: وفلسطين تعدل الشام كله، وشهد ذلك اليهودي الصلح فسأله عمر عن الدجال، فقال: " هو من بني بنيامين، وأنتم والله يا معشر العرب تقتلونه على بضع عشرة ذراعا من باب لد ". وقال سيف: ولحق أرطبون بمصر مقدم عمر الجابية ولحق به من أحب ممن أبى الصلح ثم لحق بالروم عند صلح أهل مصر وغلبهم الروم في البحر وبقي بعد ذلك، فكان يكون على صوائف الروم والتقى هو وصاحب صائفة المسلمين (1). فيختلف هو ورجل من قيس يقال له، ضريس فقطع يد القيسي وقتله القيسي فقال: فإن يكن أرطبون الروم أفسدها * فإن فيها بحمد الله منتفعا بنانتان وجرموز أقيم به * صدر القناة إذا ما آنسوا فزعا وإن يكن أرطبون الروم قطعها * فقد تركت بها أوصاله قطعا وقال زياد بن حنظلة: تذكرت حرب الروم لما تطاولت * وإذ نحن في عام كثير نوازله وإذ نحن في أرض الحجاز وبيننا * مسيرة شهر بينهن بلابله وإذ أرطبون الروم يحمي بلاده * يحاوله قرم هناك يساجله


(1) الصائفة: الغزوة في الصيف وبها سميت غزوة الروم لانهم كانوا يغزون صيفا لمكان البرد والثلج وصاحب الصائفة يكون امير الغزوة، ورواية سيف هذه تخالف رواية أخرى له بالسند نفسه أوردها الطبري في ذكر حوادث سنة 20 ه‍ من تاريخه ذكر سيف فيها أن أرطبون قتل في أول حملة على عمرو بن العاص أيام فتحه مصر.

[113]

وروى سيف بسنده (عمن شهد) قال: لما شخص عمر من الجابية إلى إيلياء دخل المسجد - بيت المقدس - وصلى فيه ثم قام من مصلاه إلى كناسة كانت الروم قد دفنت بها بيت المقدس في زمان بني إسرائيل فلما صار إليهم أبرزوا بعضها وتركوا سائرها، وقال عمر: " يا أيها الناس اصنعوا كما أصنع " وجثا في أصلها وحثا في فرج من فروج قبائه وسمع التكبير من خلفه وكان يكره سوء الرعة في كل شئ فقال: " ما هذا ؟ " فقالوا: كبر كعب وكبر الناس معه. فقال: " علي به " فأتى به، فقال: " يا أمير المؤمنين ! إنه قد تنبا على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة " فقال: " وكيف ؟ " فقال: " إن الروم أغاروا على بني إسرائيل فأديلوا عليهم فدفنوه، ثم أديلوا فلم يفرغوا له، فبعث الله نبيا على الكناسة، فقال: أبشري أوري شلم عليك الفاروق ينقيك مما فيك... ". وزاد في رواية أخرى: " أتاك الفاروق في جندي المطيع ويدركون لاهلك بثارك في الروم... " الحديث. في هذا الخبر هيأ سيف القارئ لتلقي نبأ بشارة الانبياء بعمر حين ذكر أولا: أن القائد الرومي أرطبون كان يعلم أن فاتح إيلياء وغيرها من بلاد فلسطين رجل اسمه عمر ثلاثة أحرف. فإن القارئ لابد أن يفهم من ذلك أن أرطبون اطلع على هذا العلم

[114]

من أهله. ومن هم أهله غير الذين تلقوه من الانبياء ؟ ! ثم أردفه بمبادرة اليهودي إلى عمر يبشره بأنه صاحب إيلياء ويحلف بالله إنه لا يرجع حتى يفتح الله عليه، ويلقبه بالفاروق. يشعر سيف في ذلك أن اليهودي كان قد وجد لقب عمر في الكتب: (الفاروق) فخاطبه به، وأنه كان ذا علم بالكتب السابقة فقد سأله عمر عن الدجال، فأخبره اليهودي عن نسبه، وعمن يقتله وحدد مكان قتله بضبط عجيب. ثم أتم سيف ما أراد حبكه في خبر حمل عمر الكناسة بقبائه، وأمره الناس باتباعه، ثم تكبير كعب المباغت، وتكبير الناس معه، ثم جلب عمر إياه، وسؤاله منه، عن سبب تكبيره. تمهيد بعد تمهيد، ثم يأتي الخبر بعد كل تلك التمهيدات عن لسان كعب في جواب الخليفة: " يا أمير المؤمنين ! إنه قد تنبأ على ما صنعت اليوم نبي منذ خمسمائة سنة ". ثم يحكم أكذوبته بسؤال عمر عنه ثانية: " وكيف ؟ ". فيخبره أن الروم غلبوا بني إسرائيل فدفنوا بيت المقدس بالكناسة فبعث الله نبيا على الكناسة، فقال: " أبشري أوري شلم عليك الفاروق ينقيك مما فيك... ". وعزز سيف فريته برواية أخرى زاد فيها وصف جنده، قال: " أتاك الفاروق في جندي المطيع، ويدركون لاهلك بثارك في الروم... ".

[115]

أرطبون النصراني أخبر من ذي قبل أن اسم فاتح إيلياء عمر ! والرجل اليهودي بشر، وكعب كشف في ما قال عن منشأ هذه الاخبار أنها بشارات الانبياء ! ! ومزيدا للاتقان وزع سيف الخبر على روايات متعددة. أبعد كل هذا يبقي شك لاحد أن الخليفة عمر بشرت الانبياء به كما بشرت بنبي يأتي من بعدهم اسمه أحمد ؟ ! وخاصة بعد ما نقل إمام المؤرخين الطبري الخبر بتاريخه ! مناقشة السند: ورد في سند رواية سيف خبر ما دار بين عمر وأرطبون: اسم (أبي عثمان) وهو - عند سيف - يزيد بن أسيد الغساني، وقد ورد اسمه في سند بضع عشرة رواية لسيف في تاريخ الطبري وتاريخ ابن عساكر، وقد اعتبرناه من مختلقات سيف من الرواة ومكان البحث عنه كتابنا (رواة مختلقون). وورد في سند رواية بشارة النبي أوري شلم بالفاروق: (عمن شهده) ولا ندري ماذا تخيل سيف اسمه لنبحث عنه. مقارنة الخبر: اشتملت روايات سيف في خبر فتح بيت المقدس على الاخبار التالية: أ - أخبار عمرو بن العاص مع أرطبون الروم، وهذه ما لم نجدها عند غير سيف ورواته.

[116]

ب - أخبار بشارات الانبياء بعمر وهذه - أيضا - لم نجدها عند غير سيف ورواته. ج - خبر فتح بيت المقدس - إيلياء -. ورد هذا الخبر في تاريخ ابن خياط (ت: 240 ه‍) كما يلي: عن ابن الكلبي: " إن أبا عبيدة صالح أهل حلب، وكتب لهم كتابا ثم شخص أبو عبيدة وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر أهل إيلياء، فسألوه الصلح ". في فتوح البلدان بعد هذا: على مثل ما صولح عليه أهل مدن الشام من أداء الجزية والخراج والدخول في ما دخل فيه نظراؤهم. على أن يكون عمر هو يعطيهم ذلك ويكتب لهم أمانا. فكتب أبو عبيدة إلى عمر، فقدم عمر فصالحهم فأقام أياما ثم شخص إلى المدينة. انتهى. ووافقه على ذلك البلاذري (ت: 279 ه‍) في فتوح البلدان. واليعقوبي (ت: 292 ه‍) في تاريخه بإيجاز. وابن أعثم (ت: 314 ه‍) في فتوحه بتفصيل أوفى. وياقوت (ت: 626 ه‍) في مادة (المقدس) من معجم البلدان بإيجاز. د - خبر الكردوس الذي كان يلمع بالسيوف. ورد هذا الخبر في كتابي الاموال لابي عبيدة وفتوح البلدان

[117]

للبلاذري كما يلي واللفظ للاول: تلقى أبو عبيدة عمر بن الخطاب مقدمه من الشام، فبينما عمر يسير إذ لقيه المقلسون (1) من أهل أذرعات بالسيوف والريحان، فقال عمر: - مه، ردوهم وامنعوهم. فقال أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين ! هذه سنة العجم، أو كلمة نحوها، وإنك إن تمنعهم منها يروا أن في نفسك نقضا لعهدهم. فقال عمر: دعوهم، عمر وآل عمر في طاعة أبي عبيدة. ه‍ - خبر كنس بيت المقدس. ورد هذا الخبر - أيضا - في كتاب الاموال لابي عبيدة قال: تسخر عمر ابن الخطاب أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس وكانت فيه مزبلة عظيمة. نتيجة المقارنة: خبر فتح إيلياء: كان قائد المسلمين - في روايات غير سيف - أبا عبيدة، وطلب أهل إيلياء أن يتولى الخليفة بنفسه عقد الصلح، فكتب أبو عبيدة إليه، فجاء، وتم الصلح على يده وعاد. وفي حديث سيف كان قائد المسلمين عمرو بن العاص، ويقابله قائد الروم أرطبون وكان أرطبون - في حديث سيف - نظير عمرو في الدهاء كما


(1) قال أبو عبيد: المقلسون: قوم يلعبون بلعبة لهم بين أيدي الامراء.

[118]

عرفه الخليفة وابن العاص وأرطبون نفسه. وذكر أنه جرت بينهما مساجلات ومكاتبات وتحايل، وأن ابن العاص غلبه بمكره واستدرجه، فذكر اسم فاتح إيلياء وأنه عمر، فأخبر عمرو الخليفة فجاء الخليفة واستقبله يهودي وبشره بأن إيلياء تفتح على يده، وعقد الخليفة الصلح وهرب أرطبون مع من كره الصلح إلى مصر، وبعد فتح مصر ولي صوائف الروم فقتله ضريس القيسي في إحدى معاركها. خبر الالماع بالسيوف: وفي رواية سيف: جاء أهل إيلياء يلمعون بالسيوف ففزع الناس إلى السلاح. فقال عمر: - مستأمنة ولا تراعوا وآمنوهم. وكانوا قد جاءوا يطلبون عقد الصلح. وفي رواية غيره: إنهم كانوا من أهل الصلح وأهل أذرعات واستقبلوا عمر بالريحان واللعب بالسيوف. حرف سيف هذا الخبر وجعل أهل أذرعات أهل إيلياء، وجعلهم مستأمنة يطلبون الصلح، بينما كانوا أهل صلح جاءوا يستقبلون الخليفة بالريحان واللعب. وجعل المسلمين هم الذين فزعوا منهم وعمر هو الذي عرف قصدهم وأخبر المسلمين بقصدهم، بينما الخبر عكس هذا وأبو عبيدة هو الذي أخبر عمر عن قصدهم.

[119]

خبر كنس بيت المقدس: في رواية سيف: حمل عمر الكناسة في قبائه وأمر جنده بذلك فكبر كعب وأخبره بأن نبيا كان قد بشر قبل خمسمائة سنة (أوري شلم) بذلك. وفي رواية غيره تسخر عمر أنباط أهل فلسطين في كنس بيت المقدس والانباط، أخلاط الناس وعوامهم أي تسخر ضعفة أهل فلسطين في الكنس. هكذا حرف سيف في هذه الاخبار ما حرف واختلق منها ما اختلق وتفرد في ما حرف واختلق. وحصل من كل ذلك ما يلي: اختلق سيف في هذا الخبر: أ - قائدا للروم سماه الارطبون ! ب - راويا للحديث كناه أبا عثمان ! ج - صحابيين شاعرين سمى أحدهما ضريس القيسي والآخر زياد ابن حنظلة. وحرف في هذا الخبر: اسم قائد المسلمين من أبي عبيدة إلى عمرو بن العاص ! إلى غير ذلك من الدس، والاختلاق، والتحريف ! ! فما الذي حدا بسيف أن يبدل اسم قائد عدناني باسم قائد عدناني آخر وكلاهما عدنانيان، وليس فيه نقل فخر من عدنان إلى قحطان بدافع التعصب القبلي ؟ ! وما الذي حدا بسيف أن يدرج كل ذلك السخف في تاريخ المسلمين

[120]

- كسؤال عمر من اليهودي عن الدجال وجوابه - إن لم يكن قصده التشويش على تاريخ المسلمين في الاول، ودس خرافات في عقائد المسلمين في الثاني وما شابهه ! ؟ وقد نجح في كل ذلك حين غطاها بغطاء من نشر مناقب الصحابي الخليفة عمر فراجت وشاعت في كتب التاريخ. ورواها عنه الطبري في تاريخه بالتفصيل ! ومن الطبري أخذ كل من: 1 - 2 - ابن الاثير وابن كثير في تاريخيهما، وحذفا خبر كعب. 3 - ابن خلدون في تاريخه وأوجزها وحذف منها الانباء بالغيب وخاتمة أمر أرطبون. واعتمد ابن حجر على فتوح سيف فترجم للقيسي في الاصابة ضمن تراجم الصحابة ! ! مصادر البحث أ - روايات سيف: 1 - تاريخ الطبري (1 / 2397 - 2411) في ذكر حوادث السنة الخامسة عشرة و (1 / 2586) في ذكر حوادث سنة عشرين ه‍. 2 - تاريخ ابن الاثير (2 / 387 - 389) (في ذكر حوادث سنة: 15 ه‍). 3 - تاريخ ابن كثير (7 / 54 - 57). (في ذكر حوادث سنة: 15 ه‍).

[121]

4 - تاريخ ابن خلدون (2 / 336). (في ذكر حوادث سنة 15 ه‍). 5 - الاصابة لابن حجر (/ 2 / 208). ب - روايات غير سيف: خبر فتح بيت المقدس إيلياء. 1 - تاريخ خليفة بن خياط (1 / 105) في ذكر حوادث سنة 16 ه‍. 2 - فتوح البلدان للبلاذري (1 / 164) في ذكر أمر فلسطين. 3 - تاريخ اليعقوبي (2 / 147) في ذكر أيام عمر. 4 - فتوح ابن أعثم (1 / 289 - 296). 5 - تراجم البلاد من معجم البلدان. خبر الذين كانوا يلمعون بالسيوف. الاموال لابي عبيد ص 152 باب (أهل الصلح يتركون على ما كانوا عليه قبل ذلك من أمورهم). وفتوح البلدان للبلاذري ص 156 في ذكر (أمر فلسطين) خبر كنس بيت المقدس. وكتاب الاموال لابي عبيد ص 148 باب (ما يحل للمسلمين من مال أهل الذمة فوق ما صولحوا عليه). وص 154 باب أهل الصلح يتركون على ما كانوا عليه قبل ذلك من أمورهم.

[123]

3 - تهدم دور حمص (1) من تكبير المسلمين: حكى الطبري في حوادث سنة 15 ه‍ ثلاث روايات عن كتاب سيف في فتح حمص، قال في أولاها: لما نزل المسلمون عليها لفتحها أوصى هرقل (2) أهلها: أن يقاتلوا المسلمين في كل يوم بارد وقال: لا يبقى منهم إلى الصيف أحد فكان أهل حمص يقاتلون المسلمين في كل يوم بارد. وروى في الثانية عن أبي الزهراء القشيري أن أهل حمص تواصوا فيما بينهم وقالوا: تمسكوا بمدينتكم إلى الشتاء فإنهم حفاة فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون ويشربون، فكانت الروم تراجع وقد سقط أقدام بعضهم في خفافهم وأن المسلمين في النعال ما اصيب أصبع أحد منهم. حتى إذا انخنس الشتاء قام شيخ منهم ودعاهم إلى مصالحة المسلمين فلم يجيبوه، ثم دعاهم شيخ آخر منهم إلى الصلح فلم يجيبوه. وروى في الثالثة عن أشياخ من غسان وبلقين أن المسلمين


(1) حمص من مدن الشام. (2) هرقل بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف وبكسر الهاء والقاف وسكون الراء كان حاكم بلاد الشام يوم ذاك.

[124]

ناهدوهم (1) بعد الشتاء وكبروا تكبيرا زلزلت معها الروم في المدينة وتصدعت حيطانهم ففزعوا إلى من كانوا يدعونهم إلى المسالمة فلم يجيبوهم وأذلوهم بذلك. قال: ثم كبر المسلمون ثانية فتهافتت (2) دور كثيرة وحيطان ففزعوا إلى رؤسائهم وذوي رأيهم فقالوا: ألا ترون إلى عذاب الله ! ؟ فأجابوهم: لا يطلب الصلح غيركم ! فاشرفوا فنادوا: الصلح، الصلح، ولا يشعر المسلمون بما حدث فيهم، فأجابوهم، وقبلوا منهم على مثل صلح دمشق (أ). رواية غير سيف: هذا ما حكاه سيف في ثلاث روايات عن فتح حمص. أما غيره فقد قال البلاذري (ب) في كيفية فتحها: إن المسلمون جاءوا إليها بعد فتح دمشق فلما توافوا بحمص قاتلهم أهلها ثم لجأوا إلى المدينة وطلبوا الامان والصلح وكانوا منخوبين (3) لهرب هرقل عنهم وما يبلغهم من قوة كيد المسلمين وبأسهم وظفرهم. نتيجة المقارنة: كان سبب صلح أهل حمص عند غير سيف فرار حاكمهم هرقل مع ما بلغهم من قوة المسلمين وبأسهم وظفرهم، وسيف


(1) ناهد عدوه: ناهضه في الحرب. وبلقين مخفف بنو القين بن جسر بن شيع. راجع تاريخ الطبري (1 / 754). (2) التهافت: التساقط قطعة قطعة. (3) المنخوب: الجبان لا فؤاد له.

[125]

يزعم أن سبب طلبهم الصلح - بعد أن حاربوا طوال الشتاء حتى تقطعت أقدامهم من البرد - تصدع حيطانهم وتهدم دورهم على أثر تكبيرتين للمسلمين. هذا ما كان في متن روايات سيف وفي سندها ما يأتي: مناقشة السند: أ - روى سيف حديث تقطع أقدام أهل حمص عن (أبي الزهراء القشيري) (ج). ويروي عنه سيف خمس روايات في الطبري، واستنادا إلى تلك الروايات ترجم له في عداد الصحابة ابن عساكر في تاريخ دمشق، وابن حجر في الاصابة، واعتبرناه من مختلقات سيف من الصحابة. ب - روى حديث تصدع حيطانهم وتهدم دورهم من أثر تكبير المسلمين عن شيوخ من غسان وبلقين، وكيف السبيل إلى معرفة أسماء من تخيلهم سيف من شيوخ غسان وبلقين رواة لحديثه لنبحث عنهم ؟ سلسلة رواة الحديث أ - من روى عنه سيف: ورد في أسانيد حديث سيف في هذه الاسطورة: 1 - ذكر شيوخ من غسان وبلقين ولم يذكر أسماء من تخيلهم رواة لحديثه. 2 - اسم أبي الزهراء القشيري أحد مختلقاته من الصحابة. ب - من أخذ عن سيف: 1 - الطبري في تاريخه مع ذكر سنده إلى سيف.

[126]

2 - ابن الاثير في تاريخه نقلا عن الطبري (د). 3 - ابن كثير في تاريخه نقلا عن الطبري (د). مصادر تهدم دور حمص: (أ) روايات سيف الثلاث في فتح حمص أوردها الطبري في حوادث سنة 15 ه‍ من تاريخه تسلسل (1 / 2391). (ب) البلاذري: ذكر صلح أهل حمص في فتوحه ص 137. (ج) روايات أبي الزهراء القشيري في تاريخ الطبري (1 / 2154) و 2391 و 2395 و 2396 و 2573). ط. أوروبا. (د) ذكر قصة تصدع حيطان حمص في حوادث سنة 15 ه‍ بالاضافة إلى الطبري كل من ابن الاثير في تاريخه ط. المنيرية (2 / 341) وابن كثير (7 / 52).

[127]

4 - الدجال (أ) يفتح السوس (ب): روى الطبري (1) عن سيف - في حوادث السنة السابعة عشرة - أن القائد أبا سبرة (ج) نزل على مدينة سوس وأحاط بها المسلمون وناوشوهم القتال مرات ويصيب أهل السوس في المسلمين كل مرة، فأشرف الرهبان والقسيسون فقالوا: " يا معشر العرب ! إن مما عهد إلينا علماؤنا أنه لا يفتح السوس إلا (الدجال) أو قوم فيهم (الدجال) فإن كان (الدجال) فيكم فستفتحونها وإن لم يكن فيكم فلا تعنوا بحصارنا ! " وناوشوهم مرة أخرى فأشرف عليهم الرهبان والقسيسون وأعادوا القول وصاحوا بالمسلمين وغاضوهم، وكان (صاف بن صياد) (أ) يومئذ معهم، فأتى (صاف) باب السوس ودقه


(أ) ورد في بعض الاحاديث من كتب الصحاح أن (صاف بن صياد) ولد بالمدينة في عصر الرسول وأنهم كانوا يرون أنه (الدجال) ويظهر أن قصة الدجال كانت مشهورة في عصر سيف فاستفاد منها ووضع هذه الاسطورة متناسبة مع ما يروي من غرائبه. راجع صحيح البخاري (3 / 163) و (/ 2 / 179) ومسند أحمد (3 / 79 و 97) وبقية مصادر قصة الدجال تذكر مع مصادر البحث. (ب) السوس تعريب الشوش: من بلاد خوزستان بإيران. (ج) أبو سبرة: ابن أبي رهم العامري القرشي قديم الاسلام شهد مشاهد الرسول كلها ورجع إلى مكة بعد النبي وسكنها حتى توفي بها في خلافة عثمان. راجع ترجمته في الاستيعاب بهامش الاصابة (4 / 82) وأسد الغابة (5 / 207) والاصابة (4 / 84) وله ترجمة مختصرة في طبقات ابن سعد (3 ق 1 / 293) وأخرى مفصلة بها (5 / 328 بباب من نزل مكة).

[128]

برجله وقال: " إنفتح بظار " (د) فتقطعت السلاسل ! وتكسرت الاغلاق ! وتفتحت الابواب ! ودخل المسلمون فألقى المشركون بأيديهم، وتنادوا: " الصلح ! الصلح ! " وأمسكوا بأيديهم فأجابهم المسلمون إلى الصلح بعد أن دخلوها عنوة ! هذا ما رواه الطبري عن سيف في فتح السوس، ونقله عنه ابن الاثير (2) وابن كثير (3) في تاريخيهما. رواية غير سيف: أما غير سيف فقد روى الطبري (4) - أيضا - عن المدائني أنه قال: كان أبو موسى محاصرا للسوس حين جاءهم خبر فتح جلولاء من قبل المسلمين وفرار ملكهم يزدجرد فسألوا أبا موسى الامان فصالحهم. وقال البلاذري (5) في فتوح البلدان: إن أبا موسى قاتل أهلها ثم حاصرهم حتى نفد ما عندهم من الطعام فضرعوا إلى الامان، فقتل أبو موسى من المقاتلة من لم يدخل في الامان وأسر وغنم. وذكر ذلك - أيضا - الدينوري (6) في الاخبار الطوال بإيجاز وقال ابن خياط (7) في تاريخه: إن أبا موسى فتحها صلحا في السنة الثامنة عشرة. مناقشة السند: ورد في سند حديث سيف عن السوس اسم محمد، وقد ذكرنا غير


(د) البظر: بفتح فسكون: ما بين الاسكتين من المرأة و (البظارة) طرف حياء المواشي من أسفله.

[129]

مرة أنه من مختلقاته من الرواة. وفي سنده مجهولون آخرون كطلحة وعمر ولا نطيل الكلام في مناقشتنا حولهم. نتيجة المقارنة: كانت سبب فتح السوس عند سيف وجود (الدجال) في جيش المسلمين كما أخبر بذلك رهبان السوس وقسيسوهم، أو بدقه باب السوس برجله وقوله: " إنفتح بظار " ولما فعل ذلك إذا بالسلاسل تتقطع، والاغلاق تتكسر ! والابواب تتفتح ! ويمسك أهل السوس بأيديهم ! ويتنادون: " الصلح ! الصلح ! " وكان القائد العام أبا سبرة القرشي العدناني. بينما ذكر غيره: أن سبب الفتح وصول نبأ فتح جلولاء، وفرار ملكهم، ونفاد ما عندهم من الطعام، ولذلك ضرعوا إلى المصالحة. وكان قائد المسلمين أبا موسى الاشعري اليماني، وليس بأبي سبرة العدناني ! وتتضح استجابة سيف لنداء العصبية العدنانية في سلبه مكرمة الفتح عن أبي موسى القحطاني وإسنادها إلى أبي سبرة العدناني، ولكن ما الداعي لسيف لان يضع اسطورة فتح السوس بقول (الدجال): " إنفتح بظار " وبدق بابها برجله، وليس فيها موضع فخر لتميم قبيلته ولا لعدنان التي يتعصب لها، وليس فيها - أيضا - منقبة للسلف الصالح ! ؟ ما الدافع لسيف في وضع هذه الاسطورة غير ما رمي به من الزندقة ؟ ! وما الدافع له - أيضا - في تغيير سنة الفتح إن لم يكن قصده

[130]

التشويش بدافع الزندقة ؟ ! سلسلة رواة الحديث أ - من روى سيف عنه: روى سيف حديثه في فتح السوس عن محمد من مختلقاته من الرواة وعن مجهولين آخرين. ب - من روى عن سيف: 1 - روى الطبري حديث فتح السوس عن سيف في تاريخه وذكر سنده. 2 - نقل ابن الاثير أسطورة سيف في فتح السوس بتاريخه عن الطبري. 3 - نقل ابن كثير أسطورة فتح الدجال السوس في تاريخه عن الطبري. مصادر البحث: 1 - الطبري (تسلسل 1 / 2564 - 2565). 2 - ابن الاثير في تاريخه (2 / 386). 3 - ابن كثير في تاريخه (7 / 88). 4 - الطبري (تسلسل 1 / 2562). 5 - البلاذري في فتوح البلدان (ص 386). 6 - الدينوري في الاخبار الطوال (ص 132). 7 - ابن خياط في تاريخه (1 / 111).

[131]

ووردت أخبار الدجال في ما يلي من المصادر: ورد ذكر ابن صائد أو ابن صياد عبد الله عند البخاري 1 / 163 باب إذا أسلم الصبي ثم مات، من كتاب الجنائز، و 2 / 67 باب شهادة المختبئ، من كتاب الشهادات، وج 3 باب كيف يعرض الاسلام على الصبي من كتاب الجهاد والسير، و 4 / 53 باب قول الرجل للرجل: إخسأ، من كتاب الادب. وعند مسلم 8 / 189 - 194 باب ذكر ابن صياد من كتاب الفتن. وفي سنن أبي داود 2 / 218 باب ابن صائد من كتاب الفتن. وفي سنن الترمذي 9 / 91 باب ذكر ابن صائد من كتاب الفتن. ومسند الطيالسي، الحديث 865. ومسند أحمد 1 / 380 و 457 و 2 / 148 و 149 و 3 / 26، و 43 و 66 و 79 و 82 و 97 و 368 و 388، و 4 / 283 و 284 و 5 / 40 و 49 و 148

[133]

5 - قصة الاسود العنسي: روى الطبري في قصة الاسود العنسي (أ) عدة روايات عن سيف تتلخص في ما يلي: إن الاسود لما ادعى النبوة وتغلب على اليمن وقتل ملكها شهر بن باذان وتزوج امرأته وأسند أمر الجيش إلى قيس عن عبد يغوث وأسند أمر الابناء - وهم أبناء الفرس باليمن - إلى فيروز وداذويه، كتب النبي إلى هؤلاء بقتال الاسود إما مصادمة أو غيلة، فاتفقوا على اغتياله فأخبره شيطانه، فأرسل إلى قيس وقال: يا قيس ! ما يقول الملك ؟ قال قيس: " وما يقول " قال: يقول: " عمدت إلى قيس فأكرمته حتى إذا دخل منك كل مدخل، وصار في العز مثلك، مال ميل عدوك، وحاول ملكك، وأضمر على الغدر ! إنه يقول: يا أسود، يا أسود يا سوءة ! يا سوءة ! إقطف قنته (ب)، وخذ من قيس أعلاه وإلا سلبك أو أخذ قنتك ! " فقال قيس وحلف به وكذب: " وذي الخمار (ج) لانت أعظم في نفسي وأجل عندي من أن أحدث بك نفسي ". قال الاسود: " ما أجفاك ! أتكذب


(أ) نسبة إلى عنس بن مذحج وهم حي من زيد بن كهلان بن سبأ ترجمتهم في أنساب ابن حزم (381). (ب) اقطف قنته أي اقطع رأسه، وقنة كل شئ أعلاه مثل القلة. (ج) كان الاسود يلقب ذا الخمار أو ذا الحمار ويأتي بيان سببه.

[134]

الملك ؟ ! وعرفت الآن أنك تائب مما اطلع عليه منك " يعني ما اطلع عليه شيطانه الذي يسميه الملك. وقال سيف: ثم خرج قيس وأخبر جماعته بما جرى له مع الاسود وتواطؤوا على إنفاذ ما اتفقوا عليه من قتله، فدعا الاسود قيسا ثانية، وقال له: " ألم أخبرك الحق وتخبرني الكذابة ؟ إنه يقول - يعني شيطانه الذي يسميه الملك -: يا سوءة ! يا سوءة ! إلا تقطع من قيس يده يقطع قنتك العليا " فقال له قيس: " ليس من الحق أن أقتلك وأنت رسول الله، فمر بي بما أحببت فأما الخوف والفزع فأنا فيهما مخافة ! أقتلني ! فموتة أهون علي من موتات أموتها كل يوم " قال سيف: فرق له فأخرجه ! وقال: دعا الاسود بمائة جزور بين بقرة وبعير، وخط خطا فاقيمت من وراء الخط، وقام من دونها، فنحرها غير محبسة ولا معقلة، ما يقتحم الخط منها شئ، ثم خلاها فجالت إلى أن زهقت، ونقل سيف عن الراوي أنه قال: " ما رأيت أمرا كان أفظع منه، ولا يوما أوحش منه ". قال سيف: وتواطؤوا مع زوجته على اغتياله ليلا. فلما دخلوا عليه ليقتلوه بادره فيروز فأنذره شيطانه بمكان فيروز وأيقظه، فلما أبطأ تكلم الشيطان على لسانه وهو يغط في نومه وينظر إلى فيروز، قال له: " مالي ولك يا فيروز " فدق فيروز رقبته وقتله. قال: ثم دخل الباقون ليحتزوا رأسه فحركه شيطانه فاضطرب فلم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره وأخذت المرأة شعره، فجعل يبربر بلسانه فاحتز الآخر رقبته فخار كأشد خوار ثور سمع قط، فابتدر الحرس الباب، وقالوا: ما هذا ؟ فقالت المرأة: النبي يوحى

[135]

إليه فخمد... الحديث. روى الطبري هذه القصة عن سيف في إحدى عشرة رواية من رواياته، وأورد الذهبي روايتين منهما في كتابه تاريخ الاسلام الكبير. مناقشة السند: ورد في أسانيد روايات سيف في هذه القصة اسم سهل بن يوسف عن عبيد بن صخر في روايتين. والمستنير بن يزيد عن عروة بن غزية في روايتين. وفى رواية واحدة أخرى ورد اسم عروة بن غزية دون المستنير. وما أوردناه سابقا خلاصة مما رواه سيف عن هؤلاء الرواة وهم كل من: أ - سهل وتخيله سيف: ابن يوسف السلمي، ورد اسمه في سند سبع وثلاثين رواية لسيف في تاريخ الطبري. والسلمي نسبة إلى عدة أحياء في العرب ونرى سيفا تخيله من بني سلمة بن سعد من الخزرج وله ترجمة في كتابنا (رواة مختلقون). ب - عبيد بن صخر بن لوذان السلمي من مختلقات سيف من الصحابة، وله ترجمة خاصة بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). ج - عروة بن غزية الدثيني، هكذا تخيله سيف. وجدنا اسمه في ست روايات لسيف بتاريخ الطبري، في أربعة منها يروي عروة عن الضحاك بن فيروز، ولم نجد له ذكرا عدا ما ذكره السمعاني والحموي، قال السمعاني: " الدثيني هذه النسبة إلى الدثينة. وظني أنها من قرى اليمن، منها عروة بن

[136]

غزية الدثيني يروي عن الضحاك ابن فيروز، ذكره سيف بن عمر في الفتوح ". وأورد ابن الاثير في اللباب مختصر قول السمعاني. وقال الحموي بترجمة دثينة: (وقد نسبوا إليها عروة بن غزية الدثيني يروي عن الضحاك ابن فيروز). وهذان الخبران مصدرهما روايات سيف كما صرح السمعاني بذلك وأهمل الحموي تعيين مصدره. د - المستنير بن يزيد. تخيله سيف نخعيا. ورد اسمه في سند ثماني عشرة رواية لسيف في تاريخ الطبري ولم نجد له ذكرا في غيرها، ولذلك اعتبرناه مع من سبق ذكرهم من مختلقات سيف من الرواة. هذا ما كان في أسانيد خبر سيف عن الاسود العنسي. ولمعرفة متن خبر سيف نرجع إلى غيره لنرى كيف ورد الخبر عنده ثم نقارن بين الروايتين. خبر الاسود في روايات غير سيف. قال البلاذري في فتوح البلدان ما ملخصه: " كان الاسود بن كعب بن عوف قد تكهن وادعى النبوة فاتبعه عنس واتبعه - أيضا - قوم غير عنس، وسمى نفسه رحمان اليمن وكان له حمار معلم يقول له: أسجد لربك ! فيسجد، ويقول له: أبرك ! فيبرك، وقال بعضهم: هو ذو الخمار لانه كان متخمرا (د) معتما أبدا، وقيل: كان أسود الوجه


(د) متخمر: لابس الخمار، والخمار ما تغطي به المرأة رأسها. ومعتم، لابس العمامة.

[137]

فسمى الاسود لسواد لونه، وأن اسمه: عبهلة. قال: وأتى صنعاء فغلب عليها وأخرج عامل رسول الله منها، واستذل الابناء - وهم أولاد الفرس الذين كانوا بها - وتزوج المرزبانة امرأة باذام ملكهم. فوجه رسول الله (ص) قيس ابن هبيرة ابن المكشوح المرادي لقتاله، وأمره باستمالة الابناء. فلما صار إلى اليمن أظهر للاسود أنه على رأيه حتى خلى بينه وبين دخول صنعاء، فدخلها في جماعة من مذحج وهمدان وغيرهم، ثم استمال فيروز أحد الابناء وداذويه رأس الابناء، وأسلم الابناء، فتطابق هؤلاء جميعا على قتل الاسود واغتياله، ودسوا إلى المرزبانة امرأته من أعلمها بأمرهم - وكانت شانئة له - فدلتهم على جدول يدخل إليه منه، وقيل: بل نقبوا جدار بيته ثم دخلوا عليه في السحر وهو سكران نائم فقتله فيروز وأجهز عليه قيس ورحتز رأسه وعلا سور المدينة حين أصبح وقال: الله أكبر الله أكبر، أشهد ألا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وأن الاسود كذاب عدو الله. فاجتمع أصحاب الاسود فألقى إليهم قيس رأس الاسود فتفرقوا إلا قليلا منهم، فقتلوهم إلا من أسلم منهم ". وذكر قريبا منه في البدء والتاريخ (5 / 154 - 155) وأورد موجزه اليعقوبي في تاريخه (2 / 108). نتيجة البحث والمقارنة: ذكر سيف في روايات اسم ملك اليمن الفارسي الذي تزوج الاسود امرأته (شهر بن باذان) وذكر غيره أنه (باذان) نفسه وذكر سيف اسم والد قيس (عبد يغوث) وقال غيره: (هبيرة بن المكشوح المرادي) (ه‍). - >

[138]

وذكر أن الاسود كان قد أسند إلى قيس أمر الجند، وأن الرسول كتب إليه وإلى غيره من الابناء بقتل الاسود، وذكر غيره أن الرسول وجه قيسا لقتال الاسود، وأمره باستمالة الابناء، وأنه لما صار إلى اليمن أظهر أنه على رأي الاسود حتى سمح له بدخول اليمن. كان ما ذكرنا ما حرف سيف من هذا الخبر، أما ما دس فيه وتفرد بذكره فما روى: أن الاسود كان له شيطان يوحي إليه ويخبره بالغيب، وأن الاسود كان يسميه " الملك " وأن شيطانه هذا أخبره مرة بعد أخرى بأن قيسا الذي جعله في العز مثل نفسه سيقتله. وما ذكر أن الاسود خط خطا أقيمت وراءه مائة جزور بين بقرة وبعير، وأنه قام من دونها ينحرها وهي غير محبسة ولا معقلة وما يقتحم الخط منها شئ ! ثم خلاها، فجالت حتى زهقت ! ثم أيد وقوع هذه المعجزة من الاسود بما نقل عن الراوي أنه قال: ما رأيت أمرا أفظع منه ولا يوما أوحش منه ! ! وما ذكر أن الشيطان الذي كان يسميه الاسود (الملك) تكلم على لسانه عندما اقتحموا مخدعه وهو يغط في نومه ! وما ذكر أن شيطانه حركه بعد قتله فاضطرب ولم يضبطوا أمره حتى جلس اثنان على ظهره وأخذت المرأة شعره، فأخذ يبربر بلسانه، فاحتز الآخر رقبته !


< - (ه‍) هو: قيس بن المكشوح على ما ذكره ابن حزم في نسب مراد بالجمهرة (ص 382). واسم المكشوح: هبيرة بن عبد يغوث وأوهم قول سيف بعض المؤرخين فترجم لقيس مرتين راجع أسد الغابة (4 / 222) و (4 / 227) والاصابة (7315). (*)

[139]

ذكر سيف للاسود هذه المعجزات الخارقة لطبيعة الاشياء ! فما الذي دعاه إلى ذلك، وهو الذي رأيناه لا يحرف ولا يختلق إلا لتحقيق غاية ؟ فهل أراد أن يختلق بذلك للاسود مناقب، والاسود عنسي من قحطان، وسيف يختلق لبني قحطان المعايب لا المناقب ! ؟ ثم إنه لم يذكر ما ذكر للاسود على صورة فضيلة، فإن الذي كان يخبره بالغيب كان شيطانا، ولكن الاسود كان يسميه الملك !. فهذا الملك الشيطان هو الذي أنبأه بالغيب في أمر قيس، وهو الذي تكلم على لسانه وهو يغط في النوم، وهو الذي جعله يضطرب بعد قتله فلم يستطيعوا ضبط أمره حتى اجتمع عليه أربعة ! ! إذن فهذا المتنبئ الكاذب يخبره الشيطان بالغيب، ويقوم بأعمال خارقة للنظام الطبيعي على لسانه، وبدنه، إنه شيطان في حقيقته والمتنبئ يسميه الملك ويدين له جمع كثير من الناس. لعل سيفا أراد أن يضرب مثلا في ما دس في هذا الخبر للوحي والملك والانباء بالغيب وتدين الناس بالنبي، دفعه إلى هذا الدس والاختلاق ما اتهم به من الزندقة ليشوش على المسلمين دينهم، فما الفرق بين هذا المتنبئ الكاذب وملكه الشيطان وما ينبئه بالغيب وتدين الناس به، والنبي الصادق وملكه وإنبائه بالغيب وتدين الناس به ! ؟ ومهما يكن قصد سيف فإنه استطاع أن يدس الخرافات في عقائد المسلمين بما دس واختلق ! ؟

[140]

سلسلة رواة الخبر أ - من روى عنه سيف: حرف سيف خبر الاسود العنسي ودس فيه ما اختلق ثم ذكر خبره على صورة أحاديث ووضع لها أسانيد وجدنا فيها ممن اختلقهم من الرواة: 1 - سهل بن يوسف السلمي. 2 - عبيد بن صخر بن لوذان السلمي الانصاري. 3 - عروة بن غزية الدثيني. 4 - المستنير بن يزيد النخعي. ب - من أخذ عن سيف: 1 - الطبري في تاريخه وذكر أسانيده إلى سيف. 2 - الذهبي في تاريخه وذكر أسانيد سيف. 3 - 4 - ابن الاثير وابن كثير في تاريخيهما عن الطبري. 5 - السمعاني في الانساب أخذ شيئا من هذا الخبر وذكر أنه أخذه من سيف. 6 - ابن الاثير في اللباب. 7 - الحموي في معجم البلدان ولم يذكر سنده. مصادر البحث: 1 - الطبري (1 / 1853 - 1867) في ذكر حوادث عام 11 ه‍.

[141]

2 - الذهبي في تاريخ الاسلام الكبير (1 / 341 - 342). 3 - ابن الاثير في تاريخه (2 / 229) وأسد الغابة (4 / 22 و 227). 4 - ابن كثير في تاريخه (6 / 307 - 310). 5 - ابن حزم في جمهرة الانساب (ص 382). 6 - ابن حجر في لسان الميزان (3 / 122) بترجمة سهل بن يوسف. 7 - السمعاني في الانساب. ورقة (223 / 1). 8 - الحموي في معجم البلدان بلغة (دثينة). 9 - البلاذري في فتوح البلدان. ط السعادة بمصر عام 1959 (ص 113 - 115). 10 - البدء والتاريخ المنسوب للمقدسي (5 / 154 - 155). 11 - اليعقوبي في تاريخه ط. النجف (2 / 108). 12 - ابن حجر في الاصابة، الترجمة رقم (7315).

[143]

القسم الثاني أساطير شارك سيف غيره في روايتها: ذكرنا في ما سبق أساطير تفرد بروايتها سيف، وفي المدونات التاريخية أساطير اشترك في روايتها سيف وغيره كالاسطورة التالية: روى سيف: أن الخليفة عمر بعث سارية بن زنيم الدئلي (أ) إلى فسا ودارابجرد فحاصرهم سارية، ثم أن الفرس تداعوا وكثروا وأصحروا له وأتوه من كل جانب، فنادى عمر وهو يخطب يوم جمعة: " يا سارية بن زنيم ! الجبل ! الجبل ! " فسمع جيش المسلمين نداء عمر (ب) وكان إلى جنبهم جبل إن لجؤوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فلجأوا إليه وقاتلوا الفرس فهزموهم فأصاب سارية مغانمهم، وفي المغانم سفط فيه جوهر فاستوهبه المسلمين لعمر فوهبوه له، فبعث به وبالفتح مع رجل، فقدم على عمر وهو يطعم


(أ) الدئلي: نسبة إلى الدئل بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، ذكر ابن حزم نسبهم في جمهرته (ص 174) ومنهم سارية بن زنيم وترجمته في الاصابة (2 / 2) و (فسا) من مدن دارابجرد بفارس قريبا من مدينة شيراز. (ب) وردت هذه الجملة في آخر رواية سيف واقتضى سياق الخبر أن نذكرها هنا، وفي ألفاظ سيف وجمله في هذا الخبر ركة تعبير وعدم انسجام.

[144]

الناس فأمره عمر فجلس وأكل، فلما انصرف عمر إلى بيته تبعه الرسول، فلما جلس عمر أتي بغدائه خبز وزيت وملح جريش فوضع، فقال عمر - لزوجته أم كلثوم -: " ألا تخرجين يا هذه ! فتأكلين ؟ ". قالت: " إني لاسمع حس رجل ". فقال: " أجل ". فقالت: " لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة ". فقال: " أو ما ترضين أن يقال: أم كلثوم بنت علي وامرأة عمر ! ". فقالت: " ما أقل غناء ذلك عني ". فقال عمر للرجل: " أدن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى ! " قال سيف: فأكلا، فلما فرغا قال الرجل: أنا رسول سارية، فقال عمر: " مرحبا وأهلا " ثم أدناه حتى مس ركبته وسأله عن المسلمين، فبشره بالفتح وأخبره بقصة السفط، فصاح به ونهره وأمره أن يرده إلى الجند ويقسمه بينهم... الحديث. روى سيف هذا الخبر بسندين في فتح فسا ودارابجرد من أرض فارس، ونسب فيهما بعث السفط إلى سارية، وروى خبر السفط وحده بسند آخر في ذكر حرب سلمة بن قيس الاشجعي (أ) مع الاكراد ونسب هناك إرسال السفطين من الجواهر إلى سلمة وأنه كان قد غنمهما من الاكراد.


(أ) الاشجعي: نسبة إلى أشجع بن ريث بن غطفان بن قيس عيلان من عدنان. نسبهم في جمهرة (ابن حزم) (ص 238). وترجمة سلمة في أسد الغابة (2 / 339) والاصابة (2 / 65).

[145]

روى سيف هذا الخبر وأخذ منه الطبري ومن الطبري أخذ ابن كثير في (7 / 130 - 131). هذا ما وجدنا من روايات سيف في هذا الخبر، وروى الخبر غير سيف بأسانيد أخرى. ولا ندري هل وضع سيف هذا الخبر واقتبسه غيره منه وركب عليه أسانيد غير أسانيد سيف، أم وضعه غير سيف واقتبسه سيف منه ووضع له عدة أسانيد ! ؟ ومهما يكن الامر فإنا لا نريد أن نناقش أسانيد هذا الخبر ونبحث عن منشئه، ولا نريد أن نبحث عن مدى انتشاره في كتب الحديث والتاريخ، فإنه يطول ويمل، بل نريد أن نناقش قليلا ما متن الخبر الذي رواه سيف وغير سيف، ونقول: إن كان الله قد ألهم الخليفة في هذه المعركة كيف يوجه قائد جيشه ليتحرز من العدو، وسخر الهواء ليبلغ نداءه إلى مسامع الجيش كى يسلموا من التهلكة ! فلم لم يلهمه في واقعة جسر أبي عبيد ليوجه جيشه ألا يعبروا الجسر فيمنوا بتلك الهزيمة المنكرة ! ؟ ولم لم يسدد نبيه في غزوة أحد لينادي الرماة ألا يتركوا أماكنهم في أصل الجبل رغبة في الغنائم، كي لا يباغت خيل المشركين المسلمين من خلفهم فتقع الهزيمة في جيشه، ويستشهد منهم من استشهد ؟ ! ونقول: كيف أجل الرسول بشارة الخليفة بالفتح حتى أكمل أمر الاطعام ؟ وكذلك لم يخبره بشئ وهما يسيران إلى بيت الخليفة ؟ ! ولم يخبره في البيت حتى فرغا من الاكل ! ؟ كيف أجل الرسول البشارة بالفتح كل هذه المدة ؟ وأين كان جمله وعليه سفط الجواهر، أو سفطا الجواهر كل تلك المدة ؟.

[146]

ونقول: من هو القائد المرسل للجواهر عند سيف ؟ أهو سارية الدئلي، أم سلمة الاشجعي ؟ ضد من كانت الحرب ؟: أضد الفرس في فسا ؟ أم ضد الاكراد ؟ وأين وقعت الحرب ضد الاكراد ؟ ! ونقول: كيف طلب الخليفة من زوجه أم كلثوم أن تخرج وتجلس مع الرجل الاجنبي وتؤاكله ؟ ! وهل صح أنها هي التي أبت ذلك لان كسوتها كانت غير لائقة للبروز للرجال، وفي كتاب الله: * (ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آباء بعولتهن أو آبائهن أو أبنائهن...) * ؟ الآية: 31 من سورة النور. وهل كانت مدينة الرسول في ذلك العصر كبلادنا في هذا العصر ؟ وكان الخليفة كرجال عصرنا ممن يصحبون نساءهم إلى نواديهم ويبرزونهن للرجال ويخالطن الرجال ؟ وهل كان يفعل ذلك أي رجل غير الخليفة في مدينة الرسول ! ؟ لست أدري: ماذا قصد واضع هذا الخبر إن لم يقصد التشويش على عقائد المسلمين من طريق التحدث عن سيرة الصحابة والخلفاء بما يروق العامة سماعه، كالحديث عن زهد الخليفة وكرامته ! والخليفة غني عن هذه المنقبة المزيفة ! ؟ ويبدو أن بعض العلماء السابقين قد فطن إلى زيف هذا الخبر، كابن الاثير في تاريخه فإنه حذف محاورة الخليفة مع زوجته في أمر مؤاكلة الرجل الاجنبي من خبر سارية بن زنيم وخبر سلمة الاشجعي مع أن هذه (الفضيلة) هي بيت القصيد لواضع الخبر ! ومثل ابن حزم في جمهرته، فقد قال في ذكر نسب بني الدئل: " وسارية

[147]

ابن زنيم... الذي يذكر قوم أن عمر ناداه، وهو بعيد وهذا لا يصح ". هذا ما ورد في خبر السفط عند هؤلاء ومن أخذ منهم. أما غيرهم، فقد قال البلاذري في فتوحه ما خلاصته: " إن الخليفة عمر ولى السائب بن الاقرع (أ) الغنائم في حرب نهاوند فجمعها وقسمها ثم أصاب - بعد تقسيم الغنائم - كنزا فيه سفطان فأخذهما إلى عمر مع خمس الغنائم وذكر له شأن السفطين، فقال: اذهب بهما فبعهما ثم اقسم ثمنهما بين المسلمين - يقصد جند المسلمين - فذهب بهما إلى الكوفة وباعهما من عمرو بن حريث " الحديث. وقال مثل هذا - أيضا - الدينوري في الاخبار الطوال، وأبو عبيد في الاموال وابن أعثم في فتوحه (ب). ويظهر من فحوى هذا الخبر أن السائب اعتبر السفطين مما لم يوجف عليهما بخيل ولا ركاب، فحملهما مع الخمس إلى الخليفة، واعتبرهما الخليفة من غنائم الحرب فردهما إلى الجيش. هذا ما كان من خبر السفط. أما فتح دارابجرد فقد ذكر البلاذري - أيضا - في فتوحه: أن عثمان بن أبي العاص الثقفي هو الذي فتحها صلحا وكان القائد العام في الحرب أبا موسى الاشعري.


(أ) من ثقيف، دخل مع أمه مليكة على النبي (ص) وهو غلام فمسح برأسه ودعا له، ولي أصبهان ومات بها، أسد الغابة (2 / 249) والاصابة (2 / 8). (ب) إن راوي الخبر عند ابن أعثم قد زين الخبر - أيضا - بإطار أسطوري.

[148]

نتيجة البحث والمقارنة: لم يفتح (فسا) و (دارابجرد) سارية بن زنيم، بل فتحها عثمان بن أبي العاص، وكان القائد العام أبا موسى الاشعري، ولم يبعث السفط سارية ولا سلمة الاشجعي، بل حمله السائب بن الاقرع بنفسه، ولم يستوهب السفط من الجند أحد بل كان كنزا حسبه السائب من الخمس، ورده عمر إلى الغنائم. إذن لم يبعث سلمة رسولا مع السفط إلى المدينة، كما لم يذهب سارية لفتح (فسا) و (دارابجرد) ليبعث هو - أيضا - رسولا فيرغب الخليفة أن تؤاكل زوجه أم كلثوم رسول هذا أو ذاك. وكذلك شأن باقي الاسطورة، وقد فطن بعض السابقين لبعض هذا الزيف فحذف أحدهم بعض الخبر. واستبعد الآخر بعضه الآخر، غير أن الاسطورة انتشرت بذيولها في كتب التاريخ والحديث انتشارا واسعا حتى اليوم، وذلك لان واضع القصة أوردها على صورة فضيلة للخليفة في زهده، ومنقبة له في غيره، فأعجب بها الاسطوريون والمنقبيون وغضوا النظر عما في أسانيدها من ضعف وفي متنها من مخالفة لنص القرآن الكريم ! ! خاتمة البحث: رأينا فيما سبق من أساطير سيف أن خالد بن الوليد لا يؤثر فيه سم ساعة، ودور حمص تتهدم بتكبيرتين من المسلمين، ويرى المنقبيون في أمثالها منقبة للسلف الصالح فيذيعون أخبارها، ويغيب عنهم دس سيف المتهم بالزندقة، فإنه أراد أن يسفه عقول المسلمين، ويسخر بمعجزات الانبياء ! وإلا فما الذي دعاه إلى أن ينسب للدجال معجزة تكسر أغلاق مدينة سوس وفتح بابها بقوله: " انفتح بظار "،

[149]

وينسب للاسود المتنبئ الكذاب: أن الملك الشيطان يوحي إليه، وينبئه بالغيب وتصدر منه المعجزات ؟ ! ! ! وما الفرق إذن بين هذا المتنبئ الذي ينبئه شيطانه - الذي يسميه الملك - والنبي الذي ينبئه الملك ! ؟ كلاهما يسمي من ينبئه بالغيب ملكا ! وما القصد من نسبة رغبة بروز الزوجة للرجل الاجنبي إلى عمر إن لم يكن التشويش على عقائد المسلمين وإدخال ما ليس من دينهم في عقائدهم ! ؟ وما القصد من اختراع المؤتمر الثلاثي الذي عقده بين الله ونبيه وكسرى (أ) وما القصد في ذكر نطق الحيوانات بلسان عربي مبين مثل ما ذكر عن نطق أطلال (فرس بكير) عندما قال لها: " ثبي أطلال " فنطقت وقالت: " وثبا وسورة البقرة " (ب)، ونطق الابقار وقولها لعاصم ابن عمرو وعندما أنكر راعيها علمه بوجود أنعام هناك: " كذب والله عدو الله وها نحن أولاء " (ج). ما القصد منها ومن عشرات أساطير خرافة غيرها بثها سيف في أحاديثه ونسبها إلى عقائد المسلمين إن لم يكن قصده تشويه عقائد المسلمين وتخريف عقولهم بدافع الزندقة ؟ ! وحرف سيف كذلك أسماء ورد ذكرها في حوادث التاريخ الاسلامي فغم أمرها على العلماء والتبست حقيقتها مدى القرون، نورد


(أ) البحث التمهيدي الاول بكتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). (ب) راجع " ليلة الهرير " بترجمة القعقاع في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). (ج) المصدر السابق في ترجمة عاصم، فصل: (مع سعد بن أبي وقاص).

[150]

أمثلة منها في الفصل الآتي. مصادر البحث: 1 - الطبري تسلسل (1 / 2701 و 2714 - 2721). 2 - جمهرة ابن حزم (ص 174) و (238). وفي ط. دار المعارف بمصر عام 382 ص 184 - 180 و 389 و 465. 3 - معجم البلدان لغة (فسا) و (دارابجرد). 4 - ابن الاثير. ط المنيرية، القاهرة عام 1349 (3 / 21 و 25) 5 - فتوح البلدان للبلاذري. ط. بيروت دار النشر للجامعيين، 1377 ه‍، (ص 302 و 380). 6 - الاخبار الطوال للدينوري. ط. الاولى، القاهرة ص 138. الاموال لابي عبيد (ص 252) فصل (ما بين الغنيمة والفئ ومن أيهما تكون اعطية المقاتلة). 7 - فتوح ابن أعثم. ط. حيدر آباد (2 / 59 - 62).

[151]

تصحيف وتحريف

[153]

تصحيف وتحريف تحريف سيف اسم عبد الرحمن بن ملجم قاتل الامام علي إلى خالد بن ملجم. إختلاقه صحابيا باسم خزيمة بن ثابت غير ذي الشهادتين مقابل اسم خزيمة ذي الشهادتين. واختلاق الانصاري سماك بن خرشة مقابل سماك بن خرشة المكنى ابا دجانة. ووبرة بن يحنس الخزاعي مرادف وبر بن يحنس الكلبي. واختلاق الفرقة (السبئية) مرادفا للسبئية القبيلة اليمانية. وتصحيف كلمة (عبد الله بن وهب السبائي) اسم رئيس الخوارج إلى عبد الله بن سبأ واختراع أسطورة ضخمة له. وقلب اسم (عبدالمسيح بن عمرو) مفاوض خالد في صلح الحيرة إلى (عمرو بن عبدالمسيح).

[155]

لقد أجرى سيف عملية مسخ وتشويه على كل جوانب معالم التاريخ الاسلامي حتى استطاع أن يغير الاشياء إلى أضدادها، إلى أشياء تغايرها تماما بحيث يصعب على الباحث اليوم معرفة حقيقة ما غير وبدل وشوه ومسخ، ومن ذلك ما حرف وصحف من أسماء أعلام الاسلام والمسلمين، مثل تحريفه اسم قاتل الامام علي من عبد الرحمن بن ملجم إلى خالد بن ملجم. فقد روى عند ذكره استعراض الخليفة عمر بصرار للجيوش التي أرسلها لحرب القادسية، وقال: مرت السكون في أربعمائة فاعترضهم (فإذا فيهم فتية دلم سباط فأعرض عنهم: ثم أعرض، ثم أعرض، حتى قيل له مالك ولهؤلاء ؟ قال: " إني عنهم لمتردد، وما مر بي قوم من العرب أكره إلي منهم " ثم أمضاهم، فكان بعد يكثر أن يتذكرهم بالكراهية، وتعجب الناس من رأي عمر، وكان منهم رجل يقال له " خالد بن ملجم " قتل علي بن أبي طالب رحمه الله). (وإذا منهم قوم يقرون قتله عثمان) (أ). (1)


(أ) صرار ماء بالقرب من المدينة على طريق العراق، السكون: بطن من كندة من - >

[156]

وروى في ذكر أحداث سنة 35 ه‍ أن الخليفة عثمان لما وصلته الشكاوي من الامصار بدسيسة السبئيين، فرق رجالا إلى الامصار حتى يرجعوا إليه بالاخبار، وكان منهم عمار بن ياسر أرسله إلى مصر، فرجعوا جميعا قبل عمار وقالوا: ما أنكرنا شيئا، ولا أنكر أعلام المسلمين ولا عوامهم شيئا، وإن امراءهم يقسطون بينهم، واستبطأ الناس عمارا حتى ظنوا أنه اغتيل فلم يفجأهم إلا كتاب والي مصر يخبرهم أن عمارا قد استماله قوم بمصر وقد انقطعوا إليه، منهم عبد الله بن السوداء وخالد بن ملجم. (2) وروى في ذكر أحداث سنة 36 ه‍ أن القعقاع بن عمرو سفر قبل وقوع حرب الجمل بالصلح بين الامام وعائشة وطلحة والزبير، وتم عزمهم على الصلح، فاجتمع السبئيون، ابن السوداء وخالد بن ملجم سرا وقرروا أن ينشبوا القتال بين الجيشين دون علم الجانبين، ونفذوا ما قرروا (3) (ب) هذا ما رواه سيف. في حين أن قاتل الامام كان اسمه عبد الرحمن ابن ملجم المرادي التدؤلي، شهد ممصر واختط بها وكتب الخليفة عمر إلى والي مصر عمرو بن العاص أن: " قرب دار عبد الرحمن بن ملجم من المسجد ليعلم الناس القرآن


< - القحطانية ينتهي نسبهم إلى سبأ بن يشجب، وسيف ينسب جميع الآثام والشرور إليهم، ودلم: جمع الادلم: الشديد السواد من الناس، والسباط: جمع السبط، الشعر المسترسل. (ب) القعقاع بن عمرو من مختلقات سيف من الصحابة أفردنا له ترجمة في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وقد فصلنا القول عن واقعة الجمل بكتابنا (أحاديث أم المؤمنين عائشة).

[157]

والفقه ". ولما دعا علي بن أبي طالب الناس إلى البيعة جاءه ابن ملجم فرده، ثم جاءه فرده، ثم جاءه فبايعه، ثم قال: " ما يحبس أشقاها ؟ ! أما والذي نفسي بيده لتخضبن هذه - وأخذ بلحيته - من هذه " وأخذ برأسه (4) وكان علي إذا رأى ابن ملجم يقرأ: أريد حياته ويريد قتلي * عذيرك من خليلك من مراد (5) (ج) في الخبر السابق حرف سيف اسم (عبد الرحمن) إلى (خالد) وغطاه بغطاء مهلهل من نشر مناقب الصحابة ليضمن لتحريفه الرواج والانتشار. فقد روى في الاولى: أن عمر بن الخطاب كره خالد بن ملجم، وتردد في قبوله في جيشه وتعجب الناس من فعله، ثم ظهر صدق فراسة عمر بعد قتل الامام. وروى في الثانية: أن الخليفة عثمان - لحسن سيرته - أرسل رجالا إلى الامصار ليحققوا في صدق ما بلغه من شكوى الناس، فرجعوا بثناء الناس على ولاته، عدا عمار الذي مال إلى ابن السوداء، وخالد ابن ملجم وسائر السبئيين الذين انتشرت الشكاوي بين المسلمين من دسائسهم. وروى في الثالثة: أن أمر الصلح تم بين رؤساء الجيشين من الصحابة ثم وقعت الحرب بدسيسة السبئيين الذين كان خالد بن ملجم أحدهم.


(ج) في الاغاني " أريد حباءه " أي عطاءه بدل حياته في تاريخ ابن الاثير.

[158]

قلب سيف في الروايات الثلاث الحقائق، واختلق الاكاذيب ! فإن الخليفة عمر لم يخرج من المدينة إلى صرار لاستعراض جيشه، ولا كره ابن ملجم لصدق فراسته فيه، بل وصى والي مصر بتكريمه وتقريب داره من المسجد ليقرئ الناس القرآن، وإنما كان ذاك الامام علي الذي جاء إليه ابن ملجم للبيعة فرده ثم جاءه فرده، وأنشد فيه " أريد حياته ويريد قتلي "، كما أن الخليفة عثمان لم يرسل أحدا للتحقيق في شكاوى الناس ! ولم تكن شكاوى الناس مفتعلة من قبل السبئيين !، ولم يذهب عمار إلى مصر، ولم ينخدع بالسبئيين في مصر ! كما أن أمر الصلح لم يتم بين رؤساء الجيشين قبل واقعة الجمل، ولم ينشب السبئيون القتال دون علم الرؤساء ! ولم توجد الفرقة السبئية بتاتا ! ولم يوجد الصحابي القعقاع سفير الصلح ! ولم يكن اسم قاتل الامام خالد بن ملجم، وإنما اختلق كل ذلك ! وحرف ما حرف سيف بن عمر المتهم بالزندقة للتشويش على معالم التاريخ الاسلامي، وتشويه حقائقه ! وغطى جميع ذلك بغطاء مهلهل من نشر مناقب الصحابة والدفاع عنهم ! ! ! وفي سبيل الدفاع عن الصحابيين معاوية وعمرو بن العاص - أيضا - حرف اسميهما في الخبر الذي رواه أبوبرزة الاسلمي (د)، قال:


(د) أبوبرزة الاسلمي اسمه نضلة بن عبيد، أسلم قديما وشهد فتح خيبر ومكة وحنينا مع رسول الله، وشهد صفين ونهروان مع علي وسكن البصرة وغزا خراسان ومات بها بين الستين والسبعين. - >

[159]

كنا مع رسول الله (ص) في سفر رجلين يتغنيان وأحدهما يجيب الآخر وهو يقول: يزال حواري تلوح عظامه * زوى الحرب عنه أن يجن فيقبرا (ه‍) فقال النبي " أنظروا من هما ؟ ". فقالوا: معاوية وعمرو بن العاص، فرفع رسول الله يديه، فقال: " اللهم أركسهما في الفتنة ركسا ! ودعهما إلى النار دعا " (و) (6). حرف سيف هذا الخبر ورواه عن شقران وقال: قال: (بينما نحن ليلة في سفر إذ سمع النبي (ص) صوتا، فقال: " ما هذا ؟ " فذهبت أنظر فإذا معاوية بن رافع، وعمرو بن رفاعة بن تابوت، يقول: " لا يزال حواري... " البيت قال:


< - وكان عند يزيد لما أتي برأس الحسين ونكت يزيد ثغر الحسين بقضيب في يده ! فقال: لقد أخذ قضيبك من ثغره ماخذا ربما رأيت رسول الله (ص) يرشفه !، أما أنك يا يزيد ! تجئ يوم القيامة وابن زياد شفيعك ! ويجئ هذا ومحمد شفيعه، ثم قام فولى - طبقات ابن سعد (7 / 2 / 100) والاصابة (3 / 526) الترجمة المرقمة (8718) والتذهيب (10 / 446) الترجمة المرقمة 815 وذكر قصته مع يزيد صاحب أسد الغابة في ترجمته (5 / 190 - 20). (ه‍) (يزال) حذف منه (لا) كما يقال: " زلت أفعل " والحواري: الصاحب الناصح، وزوي عنه: منع عنه، ويجن: يكفن ويدفن والمعنى في البيت: لا يزال الناصر الناصح تلوح عظامه منع الحرب عن كفنه ودفنه. (و) أركسه: أعاده إلى الحالة السيئة ونكسه. وفي القرآن الكريم: * (كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها) * النساء / الآية 91، والدع: الدفع الشديد العنيف.

[160]

فأتيت النبي (ص) فأخبرته، فقال: " اللهم اركسهما ودعهما إلى نار جهنم دعا " فمات عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبي (ص) عن السفر (7) (ز). وقال ابن قانع بعد إيراد رواية سيف السالفة: " وهذه الرواية أزالت الاشكال، وبينت أن الوهم في الحديث الاول في لفظة واحدة، وهي قوله: " ابن العاص " وإنما هو رفاعة أحد المنافقين، وكذلك معاوية بن رافع أحد المنافقين والله أعلم ". يبدو أن سيفا حرف اسمين وخبرين وخلط بعضهما ببعض وأوردهما في صورة خبر واحد ثم ركب له سندا من عنده فأصبحت هذه الرواية ! وقد ذكرنا الخبر الاول آنفا، أما الخبر الثاني فهو خبر موت رفاعة بن زيد بن تابوت، وقد رواه ابن هشام في خبر رجوع رسول الله من غزوة بني المصطلق وقال: (... راح رسول الله (ص) بالناس، وسلك الحجاز حتى نزل على ماء بالحجاز فويق البقيع، يقال له: البقعاء، فلما راح رسول الله (ص) هبت على الناس ريح شديدة آذتهم وتخوفوها، فقال رسول الله (ص): " لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار "، فلما قدموا المدينة وجدوا رفاعة بن زيد التابوت أحد بني قينقاع - وكان من عظماء اليهود وكهفا للمنافقين - مات في ذلك اليوم) (8).


(ز) لست أدري كيف سمع النبي " صوت عمرو بن رفاعة في السفر " ومات " عمرو بن رفاعة قبل أن يقدم النبي من السفر ".

[161]

حرف سيف في الخبر الاول اسم معاوية إلى (معاوية بن رافع) وعمرو بن العاص إلى (عمرو بن رفاعة بن تابوت) كما حرف خبره من (سمع رجلين يتغنيان) إلى (سمع صوتا) ! وحرف في الخبر الثاني (رفاعة بن زيد بن تابوت) إلى (عمرو ابن رفاعة) وخلط خبر موت رفاعة بخبر تغني الصحابيين ! وجعل من كل ذلك خبرا واحدا في رواية واحدة ! وأعجب ابن قانع برواية سيف هذه ! لانها على حد زعمه: " أزالت الاشكال وبينت أن الوهم وقع في الحديث الاول في (ابن العاص) ". نعم يا ابن قانع ! إن رواية سيف هذه أزالت الاشكال بما دفعت عن الصحابيين (معاوية وابن العاص) دعاء الرسول عليهما بعد أن سمعهما يتغنيان ! ولكنكم مع هذه الرواية تقعون في أكثر من إشكال ! فإنه يسئل منكم عن المنافقين معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة بن تابوت في رواية سيف من هما ؟ وهل وجدا في غير رواية سيف هذه ؟ ! وكيف كان المنافق المزعوم رفاعة مع النبي في السفر وسمعه النبي يتغنى ومات في المدينة قبل أن يرجع النبي ! ! ! ؟ هكذا حرف سيف وصحف ! وهكذا راج تحريفه وتصحيفه لدى العلماء مدى القرون لانه أطر كل ذلك بإطار نشر مناقب الصحابة ! ! ! ومن أنواع التحريف - عند سيف - القلب. مثل: قلبه اسم مفاوض خالد في صلح الحيرة من (عبد المسيح بن عمرو) إلى (عمرو بن عبد المسيح) حيث جعل الابن أبا والاب ابنا، وكرر ذكر

[162]

الاسم مقلوبا ست عشرة مرة في رواياته بتاريخ الطبري (9). وقلبه اسم باذان ملك اليمن الفارسي الذي تزوج امرأته الاسود العنسي إلى شهر بن باذان كما مر ذكره في قصة الاسود العنسي. وكذلك حرف سيف في القصة نفسها اسم والد قيس من (هبيرة بن المكشوح المرادي) إلى (عبد يغوث). ومن أنواع التحريف عند سيف اختلاقه أشخاصا أسطوريين وتسميتهم بأسماء أشخاص وجدوا حقيقة ! مثل بعض مختلقاته من الصحابة الذين وضع أسماءهم مرادفة لاسماء صحابة حقيقين، ووضع لهم أساطير من مخترعاته، فغم أمرهم والتبس على العلماء مدى العصور مثل: خزيمة بن ثابت. فقد كان في الانصار صحابي اسمه خزيمة بن ثابت الاوسي شهد بدرا، أو أحدا وما بعدها من غزوات النبي، ولقبه النبي بذي الشهادتين لقصة له، فأصبحت شهادته تعدل شهادة اثنين، وكان ذلك مدعاة فخر لقبيلته، واستشهد تحت راية علي بصفين، وكان في استشهاد ذى الشهادتين مع الامام مثلبة على بني أمية، فاختلق سيف صحابيا باسم (خزيمة بن ثابت غير ذي الشهادتين) وقال: هو الذي قتل مع الامام، وأن ذا الشهادتين مات زمان عثمان (10). وسماك بن خرشة، فقد كان في الانصار صحابي بهذا الاسم. أشتهر بأبي دجانة، له موافق شهيرة في غزوات رسول الله (ص)، واستشهد يوم اليمامة. واختلق سيف صحابيا آخر بهذا الاسم، وقال: إنه ليس بأبي دجانة، ونسب إليه أعمالا في الفتوح ! وإمارة على بعض البلاد المفتوحة (11).

[163]

ووبرة بن يحنس الخزاعي الذي اختلقه سيف قبال الصحابي وبر بن يحنس الكلبي (12) (ح) ! ومن هذا القبيل في مختلقاته: وضعه لفظة (السبئية) للفرقة المذهبية التي اختلقها ونسب إليها أعمالا مدهشة خطيرة، قبال (السبئية) التي كانت تدل على الانتساب إلى القبيلة اليمانية الكبيرة والمنسوبة إلى جدها الاعلى سبأ بن يشجب (13) ومن أمثلة التصحيف عند سيف تصحيفه كلمة (عبد الله بن وهب السبائي) رأس الخوارج إلى (عبد الله بن سبأ) واختلاق أسطورة ضخمة له ! ! ! (14). هكذا استطاع سيف أن يحرف ويصحف ويقلب ويختلق أمة من الصحابة والتابعين ورواة الحديث وقادة الفتوح والشعراء، وعددا كبيرا من أماكن وكتبا سياسية وأراجيز وخطبا إلى غيرها ! استطاع بكل ذلك أن يشوه معالم التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة ! والاهم من كل ذلك أنه استطاع أن يخفي أهدافه تحت شعار الدفاع عن الصحابة، ونشر مناقبهم، وبذلك ضمن لاساطيره الرواج والبقاء ثلاثة عشر قرنا، وانتشرت أساطيره في المجتمع الاسلامي، واشتهرت من بينها الاسطورة السبئية على الالسن وتناقلتها مع التحريف،


(ح) وردت تراجم هؤلاء الصحابة وكيفية اختلاق سيف أساطير بتفصيل واف في كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[164]

ومن ألسن الناس أخذ أصحاب الملل والنحل ما أوردوه في كتبهم كما نشرح ذلك في الفصل الآتي. مصادر - تصحيف وتحريف: 1 - الطبري (1 / 2220 - 2221). 2 - الطبري (1 / 2944) وابن الاثير (3 / 192) 3 - الطبري (1 / 3136) وابن الاثير (3 / 192). 4 - الانساب للسمعاني، ورقة 104، ولسان الميزان (3 / 439). 5 - الاغاني (14 / 33) وابن الاثير (3 / 326) وممن ذكر أن اسم قاتل الامام كان عبد الرحمن كل من: أ - اليعقوبي في تاريخه (2 / 212 و 214). ب - ابن سعد في طبقاته (616). ج - ابن حزم في جمهرة أنساب العرب ص 200. 6 - روى هذه الرواية بألفاظها أحمد في مسنده (4 / 421) غير أنه قال: " فقالوا: فلان وفلان " ولم يصرح باسميهما، ووردت كاملة في صفين لنصر بن مزاحم ص 219، ورواها أبو يعلى في مسنده كذلك حسب رواية السيوطي عنه في اللآلي المصنوعة. 7 - السيوطي في اللآلي المصنوعة (1 / 327) عن معجم الصحابة لابن قانع. 8 - سيرة ابن هشام 3 / 336 وراجع بقية أخباره فيها في (2 / 137 150 و 188 و 198).

[165]

9 - راجع قبله فصل (خالد لا يؤثر فيه سم ساعة). 10 و 11 و 12 - راجع فصول (خزيمة غير ذي الشهادتين) و (سماك ابن خرشة) و (وبرة بن يحنس) من كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق). 13 و 14 - راجع فصل (عبد الله بن سبأ) وفصل (حقيقة ابن سبأ والسبئية) في ما يأتي.

[167]

عبد الله بن سبأ في كتب أهل الحديث

[169]

روايات الكشي في ابن سبأ: ابن سبأ يزعم أن الامام هو الله فيحرقه الامام. مشابهة روايات الكشي لاقوال أهل الملل والنحل في عصره وقبله. من أخذها عن الكشي. روايتان تناقضان روايات الكشي: 1 - ابن سبأ اعترض على الامام رفع اليدين إلى السماء في الدعاء. 2 - الامام يصحح تكهن ابن سبأ. روايات في غلاة أحرقهم الامام: تناقض الروايات بعضها مع بعض. مخالفتها روايات تعين القتل حدا للمرتد. عدم توافقها مع الحالة الاجتماعية يومذاك. إهمال المؤرخين لها وعدم نقلها. الروايات غير مدروسة من قبل العلماء.

[170]

إهمال العلماء روايات غير الاحكام. ضياع التراث العلمي بسبب الاهمال والفتن. تسرب روايات غير صحيحة إلى الكتب بسبب التسامح. الخلاصة: لم يكن يومذاك غلاة ولا عباد صنم في الجزيرة العربية ولم يحرق الامام أحدا، ويجوز وجود زنادقة أو من ارتد إلى النصرانية قتلهم الامام ثم أحرق جثثهم خشية أن يتخذ قبورهم أوثانا.

[171]

أشرنا إلى موجز أسطورة ابن سبأ عند المؤرخين في فصل (منشأ الاسطورة) في الجزء الاول من هذا الكتاب. وفى ما يأتي نناقش أخبارا وردت في كتب أهل المقالات عن ابن سبأ وما يتصل به ونبين زيفها إن شاء الله تعالى. وندرس في هذا الفصل روايات وردت في كتب الحديث عن ابن سبأ ونقول: ورد ذكر ابن سبأ في عدة روايات بكتب الحديث ومعرفة الرجال ومنها الروايات الآتية: 1 - روى الكشي: " عن أبي جعفر: إن عبد الله بن سبأ كان يدعي النبوة، ويزعم أن أمير المؤمنين عليه السلام هو الله (تعالى الله عن ذلك) فبلغ ذلك أمير المؤمنين عليه السلام فدعاه وسأله، فأقر بذلك وقال: نعم أنت هو ! وقد كان ألقي في روعي أنك أنت الله وأني نبي ". فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: " ويلك ! قد سخر منك الشيطان فارجع عن هذا، ثكلتك أمك،

[172]

وتب ! ". فأبى، فحبسه واستتابه ثلاثة أيام، فلم يتب، فأحرقه بالنار وقال: " إن الشيطان استهواه فكان يأتيه ويلقي في روعه ذلك " (أ). 2 - وروى - أيضا - عن هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول وهو يحدث أصحابه بحديث عبد الله بن سبأ وما ادعى من الربوبية في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، فقال: " إنه لما ادعى ذلك فيه استتابه أمير المؤمنين فأبى أن يتوب فأحرقه بالنار ". 3 - وروى - أيضا - عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: " لعن الله عبد الله بن سبأ ! إنه ادعى الربوبية في أمير المؤمنين عليه السلام وكان والله أمير المؤمنين عليه السلام عبدا لله طائعا، الويل لمن كذب علينا، وإن قوما يقولون فينا مالا نقوله في أنفسنا، نبرأ إلى الله منهم، نبرأ إلى الله منهم ! ". 4 - وروى - أيضا - عن علي بن الحسين (ع) أنه قال: " لعن الله من كذب علينا، إنى ذكرت عبد الله بن سبأ، فقامت كل شعرة في جسدي، لقد ادعى أمرا عظيما ! ماله لعنه


(أ) الروع بضم الراء القلب.

[173]

الله ؟ ! كان علي عليه السلام والله عبدا لله صالحا، أخو رسول الله، ما نال الكرامة من الله إلا بطاعته لله ولرسوله، وما نال رسول الله (ص) الكرامة من الله إلا بطاعته لله " (ب). 5 - وروى - أيضا - عن أبي عبد الله أنه قال: " إنا أهل بيت صديقون لا نخل من كذاب يكذب علينا، ويسقط صدقنا بكذبه علينا عند الناس ! كان رسول الله (ص) أصدق الناس لهجة، وأصدق البرية كلها، وكان مسيلمة يكذب عليه، وكان أمير المؤمنين عليه السلام أصدق من برأ الله بعد رسول الله وكان الذي يكذب عليه ويعمل في تكذيب صدقه ويفتري على الله عبد الله بن سبأ ". (وكان أبو عبد الله الحسين أبتلي بالمختار...) الحديث (ج). ثم قال الكشي بعدها: " ذكر بعض أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا (ع) وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بالغلو، فقال في إسلامه بعد وفاة رسول الله (ص) في علي عليه السلام مثل ذلك (*)، وكان أول من شهر بالقول بفرض


(ب) لفظة (الله) في آخر الحديث لم ترد في اختيار رجال الكشي ووردت في نسخة مجمع الرجال للقهبائي. (ج) هذه الزيادة جاءت في الرواية نفسها بترجمة مقلاص بن أبي الخطاب من اختيار رجال الكشي ص 305.إنما عنى الكشي بقوله: " ذكر بعض اهل العلم... " الطبري الذي نقل الاسطورة - >

[174]

إمامة علي وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وأكفرهم. فمن هاهنا قال من خالف الشيعة: أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية " (1). يحوي القسم الاخير من هذه الاخبار موجز روايات سيف عن ابن سبأ الواردة في تاريخ الطبري. أما الروايات الخمس التي قبله فقد وجدنا مضامينها في كتب أهل الملل والنحل ممن سبق عصر الشيخ الكشي أو عاصره، فقد كان الكشي معاصرا لابن قولويه المتوفى (369 ه‍) (2)، ووردت مضامين رواياته في: كتاب المقالات: لسعد بن عبد الله الاشعري المتوفى (301 ه‍). وفرق الشيعة، للنوبختي المتوفى (310 ه‍). ومقالات الاسلاميين، لعلي بن إسماعيل المتوفى 330 ه‍) (د). غير أن هؤلاء أوردوها بسياق واحد وبلا سند، ووردت في رجال الكشي موزعة على روايات مسندة. ومن رجال الكشي المسمى بمعرفة الناقلين انتشرت هذه الروايات في كتب الشيعة، فقد لخص الشيخ الطوسي المتوفى (460 ه‍) رجال الكشي وسماه (اختيار معرفة الرجال) وهو المتداول بأيدينا اليوم.


< - السبئية عن سيف بن عمر الزنديق والتي بينا زيفها في فصل: " عبد الله بن سبأ والاسطورة السبئية " في الجزء الاول من هذا الكتاب. (د) درسنا أقوالهم في فصل: " عبد الله بن سبأ في كتب أهل المقالات ".

[175]

وألف أحمد بن طاووس المتوفى (673 ه‍) كتابه: (حل الاشكال) سنة (644 ه‍) وجمع فيه عبارات الكتب الرجالية الخمسة، وهي: (رجال الشيخ الطوسي) و (فهرسته) و (اختيار رجال الكشي) له، و (رجال النجاشي) المتوفى (450 ه‍) وكتاب (الضعفاء) المنسوب لابن الغضائري المتوفى بعد الاربعمائة. وتبع ابن طاووس تلميذاه العلامة الحلي المتوفى (726 ه‍) في كتابه: (الخلاصة) وابن داود في (رجاله) المؤلف في سنة (707 ه‍) وأوردا في كتابيهما عين ما أدرجه أستاذهما في كتابه (3). واستخرج الشيخ حسن بن زين الدين العاملي المتوفى (1011 ه‍) اختيار رجال الكشي من كتاب (حل الاشكال) لابن طاووس وسماه (التحرير الطاووسي) (4). وجمع القهبائي الكتب الخمسة مع الاحتفاظ بعباراتها عينها في كتابه (مجمع الرجال) الذي ألفه سنة (1016 ه‍). هكذا أصبحت الكتب الخمسة مصادر للدراسات الرجالية عند الشيعة، وإليها ينتهون في بحوثهم الرجالية، وإن أخذ بعضهم من بعض. ومن ثم انتشرت روايات رجال الكشي عن ابن سبأ في كتب الرجال، ورمزوا إليه ب (كش) (ه‍)، ومنه أخذ ترجمة ابن سبأ كل من جاء بعده من علماء الرجال، مثل:


(ه‍) وضع رموز كتب الرجال الاربعة ابن داود وهو من علماء القرن السابع. راجع ترجمته في الذريعة.

[176]

1 - التفرشي الذي نقل إحدى رواياته بترجمة عبد الله بن سبأ من كتابه (نقد الرجال) الذي ألفه سنة (1015 ه‍) ورمز إليه ب (كش). 2 - والاردبيلي الذي نقل عنه، وعمن أخذ عنه في ترجمة عبد الله بن سبأ من كتابه (جامع الرواة) الذي تم تأليفه سنة (1100 ه‍) وسجل رموزهم، وكذلك فعل غيرهما من المصنفين في علم الرجال. ومن أهل الحديث، أخرج المجلسي المتوفى (1110 أو 1111 ه‍) الروايات الخمس، والخبر الاخير عن الكشي في موسوعته الحديثية (البحار) (5). وأخرج الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المتوفى (1104 ه‍) في كتابه (تفصيل الوسائل) المشهور بالوسائل الرواية الاولى والثانية عن الكشي (6). وأورد ابن شهر آشوب المتوفى (588 ه‍) الرواية الاولى في كتابه (المناقب) دونما إشارة إلى مصدرها (7) (و). وعلى ما ذكرنا رجع الجميع في نقل هذه الرواية إلى الكشي كما يلاحظ في الجدول التالي:


(و) وأسقط من آخر الرواية: " وقال: إن الشيطان استهواه... ".

[177]

" المناقب " لابن شهر آشوب (ت: 588). " حل الاشكال " لاحمد بن طاووس (ت: 673 ه‍). " الرجال " لابن داود (ت: 707 ه‍). " الخلاصة " للعلامة الحلي (ت: 726). " التحرير الطاووسي " للشيخ حسن العاملي (ت: 1011 ه‍). " نقد الرجال " للتفرشي (ت: 1015 ه‍). " مجمع الرجال " للقهبائي (ت: 1016 ه‍). " جامع الرواة " للاردبيلي (ت: 1100 ه‍). " الوسائل " للشيخ الحر العاملي (ت: 1104 ه‍). " بحار الانوار " للعلامة المجلسي (ت: 1110 أو 1111 ه‍). " معرفة الناقلين " المشهور ب‍ " رجال الكشي " للكشي (ت حدود: 340 ه‍). " إختيار رجال الكشي " للشيخ الطوسي (ت: 460 ه‍). هكذا لم نجد في كتب الشيعة غير رجال الكشي طريقا لهذه الروايات. ومن الغريب أن أصحاب المجاميع الحديثية المعتبرة عند الشيعة لم يخرجوا الروايات الخمس المذكورة، فلا نجدها في الكافي للكليني المتوفى (329 ه‍)، وكتاب من لا يحضره الفقيه للصدوق المتوفى (381 ه‍)، والتهذيب والاستبصار للشيخ الطوسي. ويدل هذا على أنهم لم يعتمدوا تلك الروايات مع شهرة رجال الكشي عندهم. كانت الروايات الخمس السابقة مصدر تأليه ابن سبأ للامام علي في كتب رجال الشيعة وكتب حديثهم، وكان ذلك مبلغ الاعتماد على الخبر مدى القرون لدى العلماء خريتي الفن. أضف إلى ذلك تصريح العلماء مدى القرون بعدم اعتمادهم على

[178]

رجال الكشي وتضعيفهم لهذا الكتاب كما يأتي: عدم اعتماد العلماء على رجال الكشي وتضعيفهم لهذا الكتاب: قال النجاشي بترجمة الكشي من رجاله (8). " الكشي أبو عمرو كان ثقة عينا. وروى عن الضعفاء كثيرا، وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه، له كتاب الرجال كثير العلم وفيه أغلاط كثيرة ". وقال الشيخ أبو علي الحائري المتوفى (1216 ه‍) في منتهى المقال: " محمد بن عمر أقول: ذكر جملة من مشايخنا أن كتاب رجاله المذكور كان جامعا لرواة العامة والخاصة، خالطا بعضهم ببعض، فعمد إليه شيخ الطائفة طاب مضجعه فلخصه، وأسقط منه الفضلات... " (9). وقال النجاشي في ترجمة أستاذه العياشي: " كان يروي عن الضعفاء كثيرا: وكان في أول أمره عامي المذهب، وسمع حديث العامة فأكثر منه... " (10). وقال النوري في الفائدة الثالثة من خاتمة المستدرك، عن اختيار رجال الكشي: " قد ظهر لنا من بعض القرائن أنه قد وقع في اختيار الشيخ - أيضا - تصرف من بعض العلماء أو النساخ " (*). وقال صاحب قاموس الرجال: " وأما رجال الكشي فلم تصل نسخته صحيحة إلى أحد حتى الشيخ


المستدرك (3 / 530) وأورد بعد هذا أدلته على ما قال.

[179]

والنجاشي، وقال فيه النجاشي:... فيه أغلاط كثيرة ". وتصحيفاته أكثر من أن تحصى وإنما السالم منه معدود، كأحمد بن عائذ، وأحمد بن الفضل، وأسامة بن حفص، وإسماعيل بن الفضل، والاشاعثة، والحسين بن منذر، ودرست بن أبي منصور، وأبي جرير القمي، وعبد الواحد بن المختار، وعلي بن حديد، وعلي بن وهبان، وعمر بن عبد العزيز زحل، وعنبسة بن بجاد، ومنذر بن قابوس. فإني لم أقف فيها على تحريف وإن كان محتملا، وقد تصدينا في سوى ذلك في كل ترجمة على تحريفاته، وقل ما سلمت رواية من رواياته عن التصحيف بل وقع في كثير من عناوينه، بل وقع فيه خلط أخبار ترجمة بأخبار ترجمة أخرى. وخلط طبقة بأخرى. فخلط فيه أخبار أبي بصير ليث المرادي بأخبار أبي بصير الاسدي، وحرف عنوان أبي بصير (أبي يحيى) مع علباء الاسدي بأبي بصير عبد الله بن محمد الاسدي. وخلط الخبر الاول من عنوان عبد الله بن عباس بعنوان خزيمة قبله. وخلط في علي بن يقطين بين خبرين بإسقاط ذيل أحدهما وصدر الآخر. ونقل في محمد بن أبي زينب وهو أبو الخطاب ثلاثة وعشرين خبرا غير مرتبطة به، ولذا نقلها القهبائي في ترتيبه بترجمته كما وجدها، ثم ضرب بالخط عليها.

[180]

ونقل الحميري الذي من أصحاب العسكري، في أصحاب الرضا. وعد لوط بن يحيى في أصحاب علي بن أبى طالب مع أنه من أصحاب الباقر أو الصادق، وإنما جد أبيه مخنف بن سليم من أصحاب علي ابن أبي طالب. ثم إن الشيخ اختار مقدارا من رجال الكشي مع ما فيه من الخلط والتصحيف وأسقط منه أبوابه. والقهبائي الذي رتب الاخبار أراد إصلاح بعض ما فيه فزاد في إفساده وتحكم بتحكمات باطلة. وبعد كل ما قلنا من وقوع التحريفات في أصل الكشي بتلك المرتبة لا يمكن الاعتماد على ما فيه إذا لم تقم قرينة على صحته، فإن اتفاق المتأخرين - مثلا - على كون أبان بن عثمان ناوسيا - كما في نسخة رجال الكشي أنه (كان من الناوسية) - في غير محله، إذ من المحتمل أن يكون محرفا من (كان من القادسية). ثم إنه حدث في اختيار الشيخ لرجال الكشي أيضا تحريفات إضافة إلى ما كان في أصله، ولهذا نرى نسخ الاختيار أيضا مختلفة، لا سيما نسخة القهبائي فإنها تختلف عن النسخة المطبوعة، والظاهر أن نسخته كانت مخلطة الحواشي بالمتن. ثم إن الخلاصة وإن كان وقع فيه أيضا تحريفات، إلا أنها قليلة مع أنه يمكن أن يقال: ليس ما فيها من تصحيف النساخ بل من أوهام المصنف. وأما كتاب ابن داود فتحريفاته أكثر من أن تحصى، وهو في كتب المتأخرين ككتاب الكشي في كتب المتقدمين.

[181]

كما أن السبب في كثرة تحريفات نسخة رجال الكشي أيضا رداءة خطه، وعدم إقبال معاصريه على كتابه... " (*). روايتان تناقضان الروايات الخمس السابقة: كان هذا شأن الروايات الخمس في كتب رجال الشيعة وكتب حديثهم، ومنها انتشر خبر تأليه ابن سبأ للامام علي وغلوه فيه في كتب الشيعة. وفي كتب الشيعة روايتان أخريان تناقضان هذه الروايات وردت الاولى منهما في (من لا يحضره الفقيه) و (الخصال) و (التهذيب) و (الحدائق) و (الوسائل) و (الوافي) وهي: (11). 6 - عن أبي عبد الله (ع) عن آبائه (ع) أن أمير المؤمنين (ع) قال: " إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء ". فقال ابن سبأ: " يا أمير المؤمنين أليس الله في كل مكان " فقال: " بلى " قال: " فلم يرفع يديه إلى السماء ؟ " قال:


أوردتها ملخصة من قاموس الرجال طبعة المصطفوي بطهران عام 1379 ه‍ (1 / 42 - 48).

[182]

أما تقرأ في القرآن " وفي السماء رزقكم وما توعدون " فمن اين يطلب الرزق إلا من موضعه، وموضع الرزق وما وعد الله السماء (و). 7 - والرواية الثانية في أمالي ابن الشيخ الطوسي: أن المسيب بن نجبة (ز) جاء إلى أمير المؤمنين متلببا (ح) بعبد الله بن سبأ، فقال: " ما شأنك ؟ " فقال: " يكذب على الله وعلى رسوله " فقال: " ما يقول ؟ " قال الراوي: فلم أسمع مقالة المسيب، وسمعت أمير المؤمنين يقول: " هيهات ! هيهات ! العصب، ولكن يأتيكم راكب الذعلبة يشد حقوها بوضينها لم يقض تفثا من حج ولا عمرة فيقتلوه ". يريد بذلك الحسين بن علي (12) (ط).


(و) لابد للجسد في توجه النفس إلى الله من الاتجاه إلى جهة خاصة بكيفية خاصة يعينهما الله بواسطة أوليائه، وإلا فما معنى استقبالنا الكعبة في الصلاة بالكيفية الخاصة مع قوله: " فأينما تولوا فثم وجه الله "، البقرة: 115. (ز) المسيب بن نجبة الفزاري كان من اصحاب علي واحد أمراء التوابين يوم عين الوردة (جمهرة ابن حزم 258) وقتل بها سنة 65 ه‍ سفينة البحار (1 / 677) روى عنه الترمذي - التقريب (2 / 250). (ح) لببه: جمع ثيابه عند صدره ونحره في الخصومة ثم جره. و (المتلبب): المتحزم بالسلاح وغيره، وكل مجمع بثيابه. (ط) (العصب) لعلها (العضب): الرجل الحديد الكلام، والغلام الخفيف الرأس، والسيف - >

[183]

انتهى. ووردت الرواية في غيبة النعماني هكذا: عن المسيب بن نجبة قال: قد جاء رجل إلى أمير المؤمنين (ع) ومعه رجل، يقال له: (ابن السوداء) فقال: " إن هذا يكذب على الله وعلى رسوله ويستشهدك ! ". فقال (ع): " لقد أعرض وأطول، يقول ماذا ؟ " فقال: " يذكر جيش الغضب " فقال: " خل سبيل الرجل، أولئك قوم يأتون في آخر الزمان... " الحديث (13). تناقض هاتان الروايتان الروايات الخمس السابقة والتي كانت تدل على تأليه ابن سبأ لبشر له جسد يمشي أمامه ويغيب عنه، بينما تدل الرواية السادسة على أن ابن سبأ كان ينزه الله عن أن يكون في مكان دون مكان كسائر الاجسام. وتدل الرواية السابعة على أن ابن سبأ أو ابن السوداء قد تكهن بالغيب فاستعظم المسيب - أو رجل آخر - ذلك منه وعده كذبا على الله وعلى رسوله وجلبه إلى الامام، فصحح الامام تكهنه، وأمر بإخلاء سبيله، وليس


< - القاطع. و (الذعلبة): الناقة السريعة، و (الحقو) الخصر و (الوضين): بطان عريض من جلد يشد به الهودج. و (لم يقض تفثا) لم يزل وسخه بعد الحج والعمرة من قوله تعالى: * (وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا... ثم ليقضوا تفثهم) *.

[184]

إنسان كهذا من قبيل من يؤله بشرا ويكابر عليه حتى يحرق عليه ! ! تناقض روايات الاحراق: 8 - وفي كتب الحديث والرجال روايات اخرى تحكي عن غلاة ألهوا الامام فأحرقهم الامام، أو أحرق أجسامهم - وليس فيها اسم ابن سبأ - مثل الروايات الآتية: روى الكشي أنه: بينا علي (ع) عند امرأة له من عنزة، وهي أم عمرو، إذ أتاه قنبر، فقال: إن عشرة بالباب يزعمون أنك ربهم، فقال: " أدخلهم " قال: فدخلوا عليه، فقال: " ما تقولون ؟ " فقالوا: " إنك ربنا ! وأنت الذي خلقتنا، وأنت الذي ترزقنا " فقال لهم: " ويلكم ! لا تفعلوا، إنما أنا مخلوق مثلكم " فأبوا أن يقلعوا، فقال لهم: " ويلكم ! ربي وربكم الله ! ويلكم ! توبوا وارجعوا " فقالوا: " لا نرجع عن مقالتنا، وأنت ربنا ! وترزقنا، وأنت خلقتنا " فقال: " يا قنبر ! آتني بالفعلة " فخرج قنبر فأتاه بعشرة رجال مع الزبل والمرور، فأمرهم أن يحفروا لهم في الارض، فلما حفروا خدا، أمر بالحطب والنار فطرح فيه حتى صارا نارا تتوقد، قال لهم: " ويلكم ! توبوا وارجعوا ! " فأبوا وقالوا: " لا نرجع ". فقذف علي (ع) بعضهم، ثم قذف بقيتهم في النار ثم قال علي:

[185]

" إني إذا أبصرت أمرا منكرا * أوقدت ناري ودعوت قنبرا " (ي) أخرج الكشي هذه الرواية مفصلة بترجمة المقلاص وبترجمة قنبر باختصار، ونقلها عنه المجلسي في البحار (14). 9 - وأخرج الكشي - أيضا - والكليني والصدوق والفيض والشيخ الحر العاملي والمجلسي الرواية الآتية: عن رجل عن أبي جعفر وأبي عبد الله: أن أمير المؤمنين لما فرغ من [قتال] أهل البصرة أتاه سبعون من الزط فسلموا عليه، وكلموه بلسانهم، فرد عليهم بلسانهم، ثم قال لهم: " إني لست كما قلتم ! أنا عبد الله، مخلوق " فأبوا عليه، وقالوا: " أنت هو " فقال لهم: " لئن لم تنتهوا وترجعوا عما قلتم في، وتتوبوا إلى الله عزوجل لاقتلنكم " فأبوا أن يرجعوا ويتوبوا ! فأمر أن تحفر لهم آبار فحفرت، ثم خرق بعضها إلى بعض !، ثم قذفهم فيها. ثم خمر رؤوسها، ثم ألهبت النار في بئر ليس فيها أحد منهم فدخل الدخان عليهم فماتوا ! ! ! (15). روى هؤلاء الاجلة من العلماء هذه الرواية عن (رجل) ولا ندري من هو الرجل الذي رواها عن الامامين ورووها عنه ؟ ! ! وأوردها ابن شهر آشوب في المناقب كما يلي: " روي أن سبعين رجلا من الزط أتوه بعد قتال أهل البصرة يدعونه


(ي) (الخد) الحفرة المستطيلة في الارض و (الزبل) ككتب جمع الزبيل كأمير وعاء كالقفة والجراب. و (المرور) جمع المر المسحاة.

[186]

إلها بلسانهم وسجدوا له قال لهم: ويلكم لا تفعلوا إنما أنا مخلوق مثلكم. فأبوا عليه فقال: فإن لم ترجعوا عما قلتم في وتتوبوا إلى الله لاقتلنكم، قال: فأبوا فخد لهم أخاديد وأوقد نارا فكان قنبر يحمل الرجل بعد الرجل على منكبه فيقذفه في النار ثم قال: إني إذا أبصرت أمرا منكرا * أوقدت نارا ودعوت قنبرا ثم احتفرت حفرا فحفرا * وقنبر يحطم حطما منكرا " ورواها عن المناقب كل من المجلسي في البحار والنوري في المستدرك (16). 10 - وأخرج الكليني والطوسي الرواية الآتية عن أبي عبد الله قال: أتى قوم أمير المؤمنين (ع) فقالوا: " السلام عليك يا ربنا " فاستتابهم فلم يتوبوا، فحفر لهم حفيرة وأوقد فيها نارا وحفر حفيرة أخرى إلى جانبها وأفضى بينهما فلما لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة وأوقد في الحفيرة الاخرى نارا حتى ماتوا (17). 11 - وروى الصدوق والطوسي: عن أبي عبد الله (ع): أن رجلين من المسلمين كانا بالكوفة فأتى رجل أمير المؤمنين (ع) فشهد أنه رآهما يصليان لصنم فقال له: " ويحك لعله بعض من تشبه عليك " فأرسل رجلا فنظر إليهما وهما يصليان لصنم فأتى بهما فقال لهما: " ارجعا " فأبيا، فخد لهما في الارض خدا فأجج نارا فطرحهما فيه (18).

[187]

12 - وروى الذهبي، قال: جاء أناس إلى علي، فقالوا: " أنت هو ! ". قال: " ويلكم ! من أنا ". قالوا: " أنت ربنا ! ". قال: " ارجعوا " فأبوا، فضرب أعناقهم، ثم خد لهم في الارض ثم قال: " يا قنبر ! ائتني بحزم الحطب " فحرقهم بالنار وقال: لما رأيت الامر أمرا منكرا * أوقدت ناري ودعوت قنبرا (19) 13 - وروى أحمد بن حنبل عن عكرمة: أن عليا حرق ناسا ارتدوا عن الاسلام فبلغ ذلك ابن عباس، فقال: (لم أكن لاحرقهم بالنار، وإن رسول الله (ص) قال: " لا تعذبوا بعذاب الله " وكنت قاتلهم لقول رسول الله (ص): " من بدل دينه فاقتلوه " فبلغ ذلك عليا كرم الله وجهه فقال: " ويح ابن ام ابن عباس (20) إنه لغواص على الهنات " (21). وفي رواية: " فبلغ ذلك عليا، فقال: صدق ابن عباس " (22). 14 - ونختم هذه الروايات برواية واضحة السخف رواها ابن شاذان في الفضائل، وعنه المجلسي في البحار، ورواها النوري: في المستدرك عن عيون المعجزات، موجزها: إن أمير المؤمنين نزل أيوان كسرى ومعه منجم كسرى، فنظر أمير المؤمنين إلى جمجمة نخرة مطروحة، فدعا بطست وأمر أن يصبوا فيه الماء

[188]

ووضع الجمجمة فيه ثم قال: " أقسمت عليك يا جمجمة ! أخبريني من أنا ؟ ومن أنت ؟ " فنطقت الجمجمة بلسان فصيح، فقالت: " أما أنت فأمير المؤمنين وسيد الوصيين، وأما أنا فعبد الله وابن أمة الله كسرى أنو شروان ! ". فانصرف الذين كانوا معه من أهل ساباط إلى أهاليهم وأخبروهم بما كانوا سمعوه من الجمجمة، فاضطربوا واختلفوا في معنى أمير المؤمنين، وقال بعضهم فيه مثل ما قال النصارى في المسيح، ومثل قول عبد الله بن سبأ وأصحابه، فقال له أصحابه: " إن تركتهم على مثل هذا كفر الناس " فلما سمع ذلك منهم قال لهم: " ما تحبون أن أصنع بهم ؟ " قالوا: " تحرقهم بالنار كما أحرقت عبد الله بن سبأ وأصحابه " فأحضرهم وقال: " ما حملكم على ما قلتم ؟ " قالوا: " سمعنا كلام الجمجمة النخرة ومخاطبتها إياك ولا يجوز ذلك إلا لله تعالى ! فمن ذلك قلنا ما قلنا ". فقال: " ارجعوا عنكلامكم وتوبوا إلى الله " فقالوا: " ما كنا نرجع عن قولنا فاصنع ما أنت صانع " فأمر أن تضرم لهم النار وحرقهم فلما احترقوا، قال: " اسحقوهم واذروهم في الريح " فسحقوهم وذروهم في


في النص " إلى " خطأ.

[189]

الريح، فلما كان اليوم الثالث من إحراقهم دخل إليه أهل ساباط وقالوا: " الله الله ! في دين محمد (ص) ! إن الذين أحرقتهم بالنار قد رجعوا إلى منازلهم أحسن ؟ ؟ كانوا " فقال (ع): " أليس قد أحرقتموهم بالنار وسحقتموهم وذريتموهم في الريح ؟ ". قالوا: " بلى " قال: " أحرقتهم أنا، والله أحياهم " فانصرف أهل ساباط متحيرين (23). وفي رواية أخرى: فأحرقهم بالنار وتفرق قوم منهم في البلاد وقالوا: " لولا أن فيه الربوبية ما كان أحرقنا " (24). وأورد ابن أبي الحديد هذه القصة في شرح النهج كما يلي: (وروى أبو العباس، عن محمد بن سليمان بن حبيب المصيصي (1) عن علي بن محمد النوفلي، عن أبيه ومشيخته، أن عليا مر بهم وهم يأكلون في شهر رمضان نهارا، فقال: أسفر أم مرضى ؟ قالوا: ولا واحدة منهما، قال: أفمن أهل الكتاب أنتم ؟ قالوا: لا، قال: فما بال الاكل في شهر رمضان نهارا ! قالوا: أنت أنت ! لم يزيدوه على ذلك، ففهم مرادهم، فنزل عن فرسه، فألصق خده بالتراب، ثم قال: ويلكم ! إنما أنا عبد من عبيد الله، فاتقوا الله، وارجعوا إلى الاسلام، فأبوا، فدعاهم مرارا، فأقاموا


(1) المصيصي، بكسر الميم والصاد المشددة وسكون الياء: منسوب إلى المصيصة: مدينة على ساحل البحر.

[190]

على أمرهم، فنهض عنهم، ثم قال: شدوهم وثاقا، وعلي بالفعلة والنار والحطب، ثم أمر بحفر بئرين، فحفرتا، فجعل إحداهما سربا (1)، والاخرى مكشوفة، وألقى الحطب في المكشوفة، وفتح بينهما فتحا، وألقى النار في الحطب، فدخن عليهم، وجعل يهتف بهم، ويناشدهم: إرجعوا إلى الاسلام، فأبوا، فأمر بالحطب والنار، وألقى عليهم، فاحترقوا، فقال الشاعر: لترم بي المنية حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين إذا ما حشتا حطبا بنار (2) * فذاك الموت نقدا غير دين قال: فلم يبرح واقفا عليهم حتى صاروا حمما. قال أبو العباس: ثم إن جماعة من أصحاب علي، منهم عبد الله بن عباس، شفعوا في عبد الله بن سبأ خاصة، وقالوا: يا أمير المؤمنين، إنه قد تاب فاعف عنه، فأطلقه بعد أن اشترط عليه ألا يقيم بالكوفة، فقال: أين أذهب ؟ قال: المدائن، فنفاه إلى المدائن، فلما قتل أمير المؤمنين عليه السلام أظهر مقالته، وصارت له طائفة وفرقة يصدقونه ويتبعونه، وقال لما بلغه قتل علي: والله لو جئتمونا بدماغه في سبعين صرة، لعلمنا أنه لم يمت، ولا يموت حتى يسوق العرب بعصاه. فلما بلغ ابن عباس ذلك، قال: لو علمنا أنه يرجع لما تزوجنا نساءه، ولا قسمنا ميراثه. قال أصحاب المقالات: واجتمع إلى عبد الله بن سبأ بالمدائن جماعة


(1) السرب، بفتحتين: الحفير تحت الارض. (2) حش النار، أي أوقدها. (*)

[191]

على هذا القول، منهم عبد الله بن صبرة الهمداني، وعبد الله بن عمرو بن حرب الكندي، وآخرون غيرهما، وتفاقم أمرهم. وشاع بين الناس قولهم، وصار لهم دعوة يدعون إليها، وشبهة يرجعون إليها، وهي ما ظهر وشاع بين الناس، من إخباره بالمغيبات حالا بعد حال...) (1). ثم استعرض ابن أبي الحديد على زعمه أدلتهم على قولهم. عدم اعتماد عامة علماء المسلمين على الروايات السابقة: من الغريب أن أحدا من فقهاء المسلمين لم يعتمد هذه الروايات ويفتي بأن حكم المرتد الحرق. بل أفتوا جميعا: أن حكم المرتد القتل استنادا إلى الروايات المعارضة لها والمروية عن رسول الله (ص) والائمة من أهل بيته. أما علماء أهل السنة فقد قال أبو يوسف في فصل حكم المرتد من كتاب الخراج: اختلفوا في المرتد عن الاسلام إلى الكفر، وكذلك الزنادقة الذين يلحدون بعد أن أظهروا الاسلام، واليهودي والنصراني والمجوسي أن من أسلم ثم ارتد فمنهم من يرى استتابته ومنهم من لا يرى ذلك. ثم أورد أدلة الطرفين من حديث رسول الله، وذكر في أدلة من يرى استتابة المرتدين ما روي عن عمر في فتح تستر أنهم أخبروه أن رجلا من


(1) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (1 / 425).

[192]

المسلمين لحق بالمشركين فأخذوه فقال لهم: - " فما صنعتم به ؟ " قالوا: - " قتلناه " قال: - " أفلا أدخلتموه بيتا وأغلقتم عليه بابا وأطعمتموه كل يوم رغيفا واستتبتموه ثلاثا، فإن تاب وإلا قتلتموه... ". وروى أن معاذا دخل على أبي موسى وعنده يهودي، فقال: ما هذا ؟ قال: يهودي أسلم ثم ارتد، وقد استتبناه منذ شهرين فلم يتب. فقال معاذ: لا أجلس حتى أضرب عنقه، قضاء الله وقضاء رسوله. وقال أبو يوسف: وأحسن ما سمعناه في ذلك والله أعلم: أن يستتابوا، فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم على ما جاء في الاحاديث المشهورة وما كان عليه من أدركناه من الفقهاء. قال: فأما المرأة إذا ارتدت عن الاسلام فنأخذ فيها بقول ابن عباس: " لا يقتل النساء إذا هن ارتددن عن الاسلام، ولكن يحبسن ويدعين إلى الاسلام ويجبرن عليه ". وجدنا في ما ذكر أبو يوسف اتفاقا من العلماء على أن حد المرتد القتل، وأوضح أن كيفيته أن يضرب عنقه، وكان خلافهم في أنه يجري عليه الحد قبل استتابته أم بعدها مع إصراره على الارتداد. وقال ابن رشد في حكم المرتد من كتابه بداية المجتهد: " والمرتد إذا ظفر به قبل أن يحارب، فاتفقوا على أنه يقتل الرجل لقوله عليه الصلاة والسلام: من بدل دينه فاقتلوه " (25).

[193]

وأما علماء الشيعة فقد رووا في ذلك ما رواه الكليني والصدوق والشيخ الطوسي عن أبي عبد الله أن أمير المؤمنين قال: " المرتد تعزل عنه امرأته، ولا تؤكل ذبيحته، ويستتاب ثلاثة أيام فإن تاب وإلا قتل يوم الرابع " (26). وبعده في الفقيه: " إذا كان صحيح العقل " (27). وعن أبي جعفر وأبي عبد الله - أنهما قالا - في المرتد: يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، والمرأة إذا ارتدت عن الاسلام استتيبت فإن تابت ورجعت وإلا خلدت في السجن وضيق عليها في حبسها (28). وعن أبي الحسن الرضا في جواب من سأل عن رجل ولد في الاسلام ثم كفر وأشرك وخرج عن الاسلام، هل يستتاب، أو يقتل ولا يستتاب ؟ فكتب: " يقتل " (29). وكتب أمير المؤمنين في جواب عامل له كتب إليه: وإني أصبت قوما من المسلمين زنادقة، وقوما من النصارى زنادقة. فكتب إليه: " أما من كان من المسلمين ولد على الفطرة ثم تزندق فاضرب عنقه ولا تستتبه. ومن لم يولد على الفطرة فاستتبه، فإن تاب وإلا فاضرب عنقه، وأما النصارى فما هم عليه أعظم من الزندقة " (30). وكتب في جواب محمد بن أبي بكر حين سأله: وعن زنادقة فيهم من يعبد الشمس والقمر، وفيهم من يعبد غير ذلك وفيهم مرتد عن الاسلام.

[194]

فكتب الامام إليه: " وأمره في الزنادقة أن يقتل من كان يدعي الاسلام ويترك سائرهم يعبدون ما شاءوا " (30). وبالاضافة إلى الروايات التي صرح الائمة فيها أن حد المرتد القتل نجد رواية بتنفيذ الامام هذا الحد في المرتد. روى الكليني عن أبي عبد الله قال: أتي أمير المؤمنين عليه السلام بزنديق فضرب علاوته (ك)، فقيل له: إن له مالا كثيرا، فلمن تجعل ماله ؟ قال: لولده ولورثته ولزوجته (31). وروى أن شيخا تنصر فقال له علي (ع): (ارتددت ؟). فقال: نعم. فقال له: لعلك أردت أن تصيب مالا ثم ترجع. قال: لا. قال: لعلك ارتددت بسبب امرأة خطبتها فأبت عليك فأردت أن تتزوج بها. قال: لا. قال: فارجع. قال: لا حتى ألقى المسيح. فقتله. (مبسوط الشيخ، كتاب المرتد). وهذه الروايات إلى كثير غيرها تعارض الروايات السابقة التي


(ك) علاوته بالكسر: رأسه.

[195]

صرحت بأن الامام حرق ناسا من المرتدين لانها تنص على أن حد المرتد القتل، وتصرح بأن الامام نفذ حد القتل في المرتد. والقتل إماتة بآلة كالسيف أو الرمح أو الصخر أو الخشب أو بالسم. في مقابل الاحراق الذي هو إماتة بالنار. والصلب الذي هو إهلاك الشخص برفعه على خشبة الصليب. لنقف قليلا عند هذه الروايات ونناقش محتوياتها، ونر: هل تثبت للنقد ! ؟ لنتسأل: متى ابتلي الحسين بالمختار وقد استشهد قبل أن يظهر المختار ؟ ! وكيف يكون قتل المختار لقتلة الحسين، ابتلاء للحسين ! ؟ وكيف يكون ذلك من المختار عملا منه في تكذيب الحسين ؟ ! وهل وضع هذا الحديث انتصارا لقتلة الحسين ؟ ! ثم كيف تكون عقيدة ابن سبأ في علي عملا منه في تكذيب علي ؟ ! وهل روى أحد عنه أنه قال: أمرني على أن أعبده، ليكون ذلك منه افتراء على علي وعملا في تكذيب صدقه ؟ ! ومن هي أم عمرو العنزية زوجة الامام ؟ وكيف لم يعرفها أحد غير هذا الراوي ؟ ! وفي ما روي عن قتل علي للقائلين بألوهيته، هل قتلهم موتا بالدخان بإلقائهم في آبار خرق بعضها إلى بعض ثم طم رؤوسها وألقى النار في واحدة ليسوا فيها، فماتوا جميعا بالدخان ؟ ! أم ضرب أعناقهم ثم حرق أجسادهم بالنار ؟ ؟

[196]

أم خد في الارض خدا ألقى فيه حطبا ونارا حتى صار نارا تتوقد ثم أمر قنبرا فحملهم رجلا رجلا وألقاهم في النار حتى أحرقهم بالنار جميعا ! ! وهل ألهه ابن سبأ وحده فأحرقه وحده ؟ أم كانوا عشرة فأحرقهم جميعا ؟ أم كانوا سبعين فأحرق السبعين ؟ ! أم أنه أحرق مرة شخصا واحدا وهو ابن سبأ وحده، وأخرى عشرة ! وأخرى سبعين ! وأخرى اثنين ؟ ! وهل أحرق من قال بألوهيته ! ؟ أم أحرق اثنين سجدا لصنم ! ؟ وهل حرق من حرق عندما كان في البصرة وبعد فراغه من القتال ؟ أم عندما كان في الكوفة عندما أخبر وهو في دار زوجته العنزية ؟ ! وهل صح أن ابن عباس لما بلغه ذلك قال: لم أكن أحرقهم بالنار لقول رسول الله: " لا تعذبوا بعذاب الله " وكنت قتلتهم لقوله (ص): " من بدل دينه فاقتلوه " فبلغ قوله عليا، فقال: " ويح ابن أم الفضل ! إنه لغواص على الهنات " (ل) ! أكان الامام غافلا عن هذه الهنات حتى عرفه ابن أم الفضل ؟ ! أم إن هذه الروايات وضعت (م) لتري فعل الامام في هذه


(ل) الهنات: خصلات من الشر. (م) قد كان في الزنادقة من يغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أنه من حديثه - راجع آخر فصل الزنادقة من البحوث التمهيدية من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) ص 50 - 51 ط. بيروت / 1400 ه‍. ويأتي - أيضا - بعد هذا مزيد توضيح له.

[197]

الهنات نظير فعل الخليفة أبي بكر حين حرق الفجاءة السلمي وغيره (ن) وانتقد عليه، وكي لا يكون أبو بكر وحيدا في ما انتقد عليه من إحراق الناس، بل يكون على شريكه في ذلك ! ويكون نظيرا لفعل خالد حين حرق جمعا من مانعي الزكاة (س). وكيف أحرق الامام المرتدين مع تصريحه بأن حد المرتد القتل وتنفيذه ذلك ؟ ! والشعر الذي ذكروه للامام: لما رأيت الامر أمرا منكرا * أوقدت ناري ودعوت قنبرا هل أنشده الامام هكذا وفي هذه الحوادث ؟ ! أم قاله ضمن قصيدة بصفين وأنشده كما يلي:


(ن) الفجاءة السلمي هو إياس بن عبد الله بن عبد ياليل السلمي، أخذ من ابي بكر سلاحا وظهر ليحارب المرتدين، فخرج يستعرض الناس يقتل ويسلب، فجلبه أبو بكر وأمر فأوقدوا نارا في البقيع فقذفه فيها. وقال أبو بكر في مرض موته: " إني لا آسي على شئ في الدنيا إلا على ثلاث فعلتهن، وددت أني تركتهن... وددت أني لم أكن حرقت الفجاءة السلمى، وأني كنت قتلته سريحا أو خليته نجيحا " - راجع القسم الاول من هذا الكتاب، فصل التحصن بدار فاطمة. (س) وفي الرياض النضرة (1 / 110): " كان في بني سلمة ردة فبعث إليهم أبو بكر خالد ابن الوليد، فجمع رجالا منهم في الحضائر ثم أحرقها عليهم بالنار، فقال عمر لابي بكر: تدع رجلا يعذب بعذاب الله... ". وقد أكثروا من القول في ما ذكرنا من إحراق أبي بكر والدفاع عنه كقول القوشجي في شرح التجريد: " إحراقه فجاءة بالنار من غلطة في اجتهاده فكم مثله - >

[198]

يا عجبا لقد سمعت منكرا * كذبا على الله يشيب الشعرا إلى أربعة أبيات ثم قال بعدها: إني إذا الموت دنا وحضرا * شمرت ثوبي ودعوت قنبرا لما رأيت الموت موتا أحمرا * عبأت همدان وعبوا حميرا ! ؟ (32) ثم هل كان عبد الله بن سبأ مغاليا في الامام ومؤلها إياه كما قالت الروايات السابقة ؟ ! أم كان مغاليا في تنزيه الباري - إن صح التعبير - ويمتنع من رفع يديه إلى السماء في الدعاء ؟ ! ويخالف أمر الامام لما أرشده إلى ذلك، لانه يرى أن الله في كل مكان، كما ورد في الحديث السادس. أهو مؤله للبشر، أم مغال في التوحيد ؟ ! أو إنه كان قد تنبأ بالغيب فجلب إلى الامام فصحح الامام تكهنه، وأمر بإخلاء سبيله ؟ ! وهل كان عبد الله بن سبأ هذا من الزط أم من العرب ؟ فإن كان من الزط فكيف تكون اسمه واسم أبيه من أربعة ألفاظ عربية: (عبد) (الله) (ابن) (سبأ). وإن كان من العرب، فهل سمع في العرب منذ الجاهلية البعيدة في


< - للمجتهدين ". وما رووا في الاحاديث السابقة من إحراق الامام لجماعات من الناس أعظم مما روي عن أبي بكر وخير دفاع عنه فإن عليا - أيضا - اجتهد وأخطأ أو قالوا: " كره ذلك عمر وابن عباس وغيرهما مطلقا)، (وأجازه علي وخالد بن الوليد) راجع: فتح الباري (6 / 491) باب لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد.

[199]

القدم حتى عصر الامام عربيا يؤله بشرا معاصرا له ؟ بل إن عادة تأليه البشر المعاصر تنتشر في الامم العريقة في التمدن كالروم والفرس والصين واليابان، أما العربي الذي لم يألف الخضوع والخنوع في شبه الجزيرة العربية، فإنه كان يسجد للصنم ويؤله الجن والملائكة لكنه يتمرد على الركوع والسجود أمام بشر مثله. ثم إن هذا المؤله للبشر، إما أنه يريد من وراء قوله غاية دنيوية، فكيف يثبت على قوله حين يرى زوال نفسه من الدنيا لهذا القول ! ؟ كيف يصر على رأيه، ولا يقبل النكول عن قوله حتى يحرق ويخسر الدنيا بما فيها ! ! ؟ وإما أنه يقول به عن عقيدة، وإذا كان قوله عقيدة بشخص معبوده البشري فكيف يبقى متمسكا بعقيدته بعد قوله لالهه: أنت ربي ! وأنت خلقتني ! وأنت ترزقني ! ومجابهة الاله له بالتكذيب والبراءة من قوله ! ؟ كيف يصدق عاقل بهذا ! ومرده أن هذا المؤله يقول لالهه: إنك يا إلهي مخطئ في إنكارك الالوهية لنفسك ! ! فأنت إله ولست تدري ! إنك إله رغم أنفك ! ! ! أي عاقل يصدق هذا ؟ ! وهل سمع في البشر نظيره مدى التاريخ ؟ ! بلى قد يؤله الناس إنسانا لا يرضى بنسبة الالوهية لنفسه غير أن ذلك يكون بعد عصره كما هو الشأن في عيسى بن مريم وعلي بن أبي طالب. أما أن يؤله إنسان ويعبد في عصره وبمحضر منه مع عدم رضاه فلم يكن ذلك ولن يكون ! ! !

[200]

ولست أدري - إن صح ما قالوه - كيف خفيت تلك الحوادث الخطيرة على المؤرخين ؟ ! كيف خفي كل ذلك على مؤرخين أمثال: 1 - ابن خياط المتوفى (240 ه‍). 2 - اليعقوبي المتوفى (284 ه‍). 3 - الطبري المتوفى (310 ه‍). 4 - المسعودي المتوفى (346 ه‍). 5 - ابن الاثير المتوفى (630 ه‍). 6 - ابن كثير المتوفى (774 ه‍). 7 - ابن خلدون المتوفى (808 ه‍). كيف خفي عليهم ذلك ولم يوردوا شيئا منها في تواريخهم، مع ذكرهم إحراق أبي بكر الفجاءة السلمي بكل تفاصيله بلا خلاف من أحد منهم فيه ! ! ! ولا بد لنا في سبيل معرفة الحقيقة الضائعة خلال الروايات السابقة من بيان شأن الرواية في كتب الشيعة الامامية في ما يلي: شأن الرواية في كتب الامامية: دون أصحاب أئمة أهل البيت مؤلفات متنوعة في مختلف العلوم، منها ما سمي بالاصول (والاصل هو الكتاب الذي جمع فيه مصنف الاحاديث التي رواها عن المعصوم، أو عن الراوي

[201]

عنه) (33)، ولا تكون أحاديثه منقولة عن كتاب آخر. وقد بلغ عدد الاصول أربعمائة أصل أو أكثر، ووصلت تلك الاصول - يدا بيد - إلى علمائنا في القرن الرابع الهجري، ونقل منها الكليني في موسوعته الحديثية المسماة بالكافي. وجمع ما كان منها في الاحكام، الصدوق في كتاب (من لا يحضره الفقيه). والشيخ الطوسي في كل من كتابيه: الاستبصار في ما اختلف من الاخبار، وتهذيب الاحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد المتوفى (413 ه‍). كما أخذ منها ابن بابويه المتوفى (329 ه‍) وابنه الصدوق (ع) وغيرهما مواد كتبهم الحديثية. وبقيت المجاميع الحديثية الاربعة السابقة الذكر مرجعا للعلماء حتى اليوم. وبقي من عصرهم - أيضا - الكتب الرجالية الاربعة: اختيار رجال الكشي للشيخ الطوسي، ورجال الشيخ الطوسي وفهرسته، وفهرست النجاشي. وكان لاصحاب الائمة عدا ما ذكرنا من الاصول الاربعائة آلاف من الكتب في مختلف العلوم. فقد ألفوا في أخبار الاوائل: كأخبار ولد آدم، وأصحاب الكهف وتفرق عاد.


(ع) صنف ابن بابويه مئتي كتاب - الفهرست للنديم ص 277، والصدوق ثلاثمائة مصنف - معاني الاخبار 72.

[202]

وفي أخبار الجاهلية مثل كتاب الخيل والسيوف والاصنام وأيام العرب وأنسابها، ونواقل القبائل (ف) ومنافراتها. وفي أخبار البلدان وأسماء الارضين والجبال والمياه. وفي أخبار ما قارب الاسلام كأخبار الاحلاف ومناكح العرب... إلخ. وأخبار الاسلام كيوم السقيفة والردة والجمل وصفين ووقعة الطف والمختار والتوابين وما قبلها وما بعدها. آلاف من الكتب في هذه الاخبار وأمثالها وفي أنواع أخرى من العلوم من أصحاب الائمة ذهبت مع الايام، وأصبحنا لا نجد غير أسمائها وأسماء مؤلفيها في كتب الفهارس كفهرست النديم والنجاشي والشيخ الطوسي والذريعة ! وكان سبب هذا الضياع أمرين: أولهما أرهاب الحكام ومن سار في ركابهم مدى العصور لاتباع مدرسة أئمة أهل البيت - علماء الشيعة - إلى حد قتل النفوس وإحراق المكتبات بما فيها من آلاف الكتب مثل خزانة كتب (بين السورين) ببغداد، قال الحموي: " لم يكن في الدنيا أحسن كتبا منها كانت كلها بخطوط الائمة المعتبرة واصولهم المحررة واحترقت في ما أحرق من محال الكرخ عند ورود طغرل بك أول ملوك السلجوقية إلى بغداد سنة 447 " (34). ذهبت من كتب الشيعة في أمثال هذه الفتن ما لا يحصيها إلا الله.


(ف) النواقل: هي الجماعة التي تنتقل من قبيلة عربية إلى أخرى وتلتحق بالثانية وتنسب إليها وقد كتب فيهم علماء الانساب وأحصوهم في كتب سميت باسم النواقل.

[203]

والامر الثاني: إنصراف علماء الشيعة في جانب التخصص العلمي إلى تحصيل العلوم الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، ومن ثم عنوا بتدارس آيات الاحكام، وروايات الاحكام دراسة وافية مستوعبة جيلا بعد جيل حتى عصرنا الحاضر، إلى حد يحصل معه الاطمئنان عند الباحث المتتبع أن الاحكام الاسلامية - مع كل تلك العناية الشديدة على مر العصور في المحافظة عليها وتدارس رواياتها - وصلت إلينا سليمة في هذا العصر. وفي مقابل هذه العناية الشديدة بروايات الاحكام ورواتها وكتبها جيلا بعد جيل، نجد تقصيرا معيبا في تدارس روايات السيرة والتاريخ والتفسير والآداب الاسلامية، وغيرها من صنوف العلوم الاسلامية. وكان نتيجة ذلك: أولا - ضياع مصادر الدراسات الاسلامية من مصنفات أصحاب أئمة أهل البيت كما ذكرناه. ثانيا - تسامح علماء الشيعة لدى رجوعهم إلى روايات التواريخ والسير والتفسير ومعرفة البلاد وفنون أخرى، واعتمادهم - أحيانا - على كتب مثل تاريخ الطبري (ص) وروايات كعب الاحبار، ووهب بن منبه (ق) ونظائرهما في التفسير.


(ص) مر علينا في قسمي هذا الكتاب قيمة روايات الطبري. (ق) تفاصيله في كتابنا من تاريخ الحديث.

[204]

ومتابعة أهل كتب الملل والنحل في رجوعهم إلى ما يتقوله الناس في ما ألفوا في هذا الباب ! وهكذا تسربت بعض أخبار الزنادقة المنتشرة في أمثال تاريخ الطبري إلى كتب تاريخهم (ر). وتسربت بعض الاسرائيليات عن طريق بعض التفاسير التي أخذت من كعب الاحبار ونظائره إلى تفاسيرهم. وتسربت أساطير الخرافة إلى تآليفهم في الملل والنحل. منوا بكل ذلك بسبب تسامحهم في ما يرجعون إليه من أخبار هذه العلوم خلاف دأبهم في ما يرجعون إليه من روايات الاحكام لشدة تثبتهم وفحصهم صحيحها من سقيمها، وتدارس ما يعمل لدى تعارض بعضها مع بعض، أو مع آي من القرآن، وتوضيحهم قواعد العمل في عامها وخاصها، ومجملها ومبينها إلى غير ذلك من بحوث واسعة في هذا الفن. وكان من نتيجة هذا التسامح انتشار روايات غير صحيحة في بعض كتب التراجم مثل رجال الكشي، والمقالات للاشعري. فقد روى الكشي في ترجمة المغيرة بن سعيد عن يونس، عن هشام بن الحكم أنه سمع أبا عبد الله يقول: (كان المغيرة بن سعيد يتعمد الكذب على أبي، ويأخذ كتب أصحابه،


(ر) نقل الشيخ المفيد في كتابه: (الجمل) ص 47 عن كتاب أبي مخنف في حرب البصرة انه روى عن سيف بن عمر قال: " بقيت المدينة بعد قتل عثمان خمسة أيام وأميرها الغافقي يلتمسون من يجيبهم... " والرواية بسندها ومتنها نقلها الطبري في تاريخه (1 / 3073).

[205]

وكان أصحابه المستترون بأصحاب أبي يأخذون الكتب من أصحاب أبي فيدفعونها إلى المغيرة، فكان يدس فيها الكفر والزندقة، ويسندها إلى أبي ! ثم يدفعها إلى أصحابه فيأمرهم بأن يبثوها في الشيعة... " الحديث. وقال يونس: (وافيت العراق فوجدت بها قطعة من أصحاب أبي جعفر عليه السلام ووجدت أصحاب أبي عبد الله عليه السلام متوافرين فسمعت منهم، وأخذت كتبهم، فعرضتها من بعد على أبي الحسن الرضا عليه السلام فأنكر منها أحاديث كثيرة أن تكون من أحاديث أبي عبد الله عليه السلام وقال لي: لعن الله أبا الخطاب ! وكذلك أصحاب أبي الخطاب يدسون هذه الاحاديث إلى يومنا هذا في كتب أصحاب أبي عبد الله... " الحديث (35). أمثال هذه الروايات سواء أصحت وثبت أن الزنادقة دسوها في أمثال كتب الكشي، أو أن الكشي وهم في إيراد أمثال هذه الروايات الكاذبة في كتابه - على كلا التقديرين - تثبت انتشار روايات غير صحيحة في أمثال كتاب رجال الكشي (ش). هذا وبالاضافة إلى ما ذكرنا فإن أخبار غير الاحكام مثل أخبار السيرة والتاريخ، لم تدرس دراسة وافية ليعرف صحيحها من سقيمها. وأخبار إحراق أمير المؤمنين الغلاة من ضمن الاخبار التي لم تدرس، وهي معارضة بالاخبار التي تصرح بأنهم كانوا زنادقة كما وردت في رواية عن


(ش) لا نقصد من هذا القول ترك روايات كتب أمثال كتاب رجال الكشي، بل نقول بلزوم الفحص عن هذه الروايات والبحث فيها ونقدها ومقارنتها بغيرها.

[206]

الامام الصادق: (أنه أتي بالزنادقة من البصرة فعرض عليهم الاسلام فأبوا...) الحديث (36). وفي صحيح البخاري: (أتي علي (رض) بزنادقة فأحرقهم (37)...) الحديث. وفي فتح الباري: " إن عليا أحرق المرتدين يعني الزنادقة " (38). وعن أحمد: أن عليا أتي بقوم من هؤلاء الزنادقة ومعهم كتب فأمر بنار فاججت ثم أحرقهم وكتبهم (39). وكذلك نرى أن روايات الاحراق - أيضا - جانبت الصواب، والصواب ما ذكرته أمثال الرواية الآتية: عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده علي بن الحسين: أن عليا عليه السلام رفع إليه رجل نصراني أسلم، ثم تنصر، فقال علي (ع): " اعرضوا عليه الهوان ثلاثة أيام، وفي كل ذلك [يطعمه] من طعامه، ويسقيه من شرابه " فأخرجه يوم الرابع فأبى أن يسلم فأخرجه إلى رحبة المسجد فقتله، وطلب النصارى جثته بمائة ألف فيه فأبى (ع) فأمر به فأحرق بالنار، وقال: " لا أكون عونا للشيطان عليهم " (40). وفي رواية أخرى بعده: " ولا ممن يبيع جثة كافر " (41). وفي بعض أحاديث الاحراق غير هذا - أيضا - أن الامام أحرق أجسادهم بعد القتل، والحديث الاخير يبين حكمة فعل الامام وهي خشية أن يتخذ قبره وثنا. ويبدو أن الوضاعين حرفوا هذه الاخبار حتى انقلبت

[207]

إلى أساطير لا يتقبلها العقل. خلاصة البحث: إن أحاديث عبد الله بن سبأ في كتب الشيعة تنقسم إلى قسمين، وعبد الله بن سبأ فيهما ذو شخصيتين متغايرتين: في إحداهما مغال في حق الامام وتأليهه. وفي ثانيتهما مغال في ما زعم من تنزيه الباري ونفي ما لا يليق به عنه، مثل الخوارج. والقسمان يناقض أحدهما الآخر. وتنحصر أحاديث الشخصية الاولى برجال الكشي ومن أخذ عنه من علماء الرجال والحديث، وقد مر علينا رأي العلماء في كتاب رجال الكشي. وخلاصة رأينا في الشخصية الاولى أنها لم توجد بتاتا ! وإنما اختلقتها جناية الزنادقة على التاريخ الاسلامي أولا، وتقولات العامة ثانيا. ومن هذين المعنيين أخذ من ذكر خبره في تأليفه ! أما الشخصية الثانية فسنكشف عن حقيقتها مع مزيد البيان عن الشخصية الاولى في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى. أما أحاديث الغلاة - ولا تصريح فيها باسم ابن سبأ - فمنها ما وردت - أيضا - في رجال الكشي، وفيها: إن الامام كان في دار زوجته العنزية حين جئ بالغلاة عنده ! ولم

[208]

يعرف أحد للامام زوجة عنزية ليجيئوا بالغلاة عنده وهو في دارها. وأخرى مروية عن رجل لم يذكر اسمه، ومن هو الراوي لهذه الرواية. وهذه الاحاديث - أيضا - يناقض بعضها بعضا إلى حد ينكشف زيفها وبطلانها بأدنى تنبه ونظر ! وبالاضافة إلى ذلك فهي بمجموعها - أيضا - تخالف الروايات التي عينت القتل حدا للمرتد. ولست أدري كيف خفيت تلك الحوادث الجسام على المؤرخين فلم يشيروا إليها مع ذكرهم إحراق الخليفة أبي بكر للفجاءة السلمي ؟ ! وأخيرا فإنا نرى أن تلك الاحاديث مدسوسة في كتبنا، وقد مر علينا أن الزنادقة كانت تدس في كتب الشيوخ روايات تبثها بواسطتها بين المسلمين، ولم يعن العلماء بتحقيق غير روايات الاحكام والمحافظة عليها، وذهب بسبب الفتن والاهمال كثير من تراثنا العلمي في السير والتواريخ والتراجم ونظائرها، وحل محلها الزائف من غيرها. ولنا أن نقول - بكل تأكيد - إن الذي يدرس حالة المجتمع المسلم العربي في بلاد شبه الجزيرة يومذاك، يدرك بوضوح أن امتداد التيار القوي الذي أولده الاسلام ضد الوثنية وتأليه المخلوقين، كان يمنع يومذاك أن يعبد إنسان ما صنما أو يؤله بشرا، ووقوعه من قبيل اجتماع النقيضين الذي لا يصدقه عاقل. وجائز أن يكون المبحوث عنه زنديقا جلب من البصرة - كما نصت عليه بعض الروايات - لان الزندقة وجدت قبل الاسلام وكانت موجودة في

[209]

البلاد التي احتلها المسلمون في المناطق المجاورة للبصرة (42)، فلا يستبعد أن ينزح بعضهم إلى البصرة على عهد الامام ثم يفتضح أمرهم ويجلبوا إليه ويجري عليهم حكم الاسلام، كما يجوز الارتداد من إنسان كان نصرانيا ثم أسلم ثم ارتد إلى النصرانية كما تشير إليه بعض الروايات. والاحراق - أيضا - لا يناسب عصر الامام بعد أن أحرق الخليفة أبو بكر الفجاءة واستنكر عليه، وأظهر هو ندمه عليه. ومن الجائز أن يحرق الامام جثة مرتد أقيم عليه حد القتل خشية أن يتخذ قبره وثنا يعبد من دون الله، كما أشارت إليه بعض الروايات. هذا ما نجوز وقوعه، وهذا ما نراه، وإن بقي بعد كل ما ذكرناه من لم يكتف به فإلى جولة أخرى بعد إيراد أقوال العلماء في ابن سبأ والسبئية من كتب أهل الملل والنحل في الفصل الآتي إن شاء الله تعالى. مصادر عبد الله بن سبأ في كتب أهل الحديث: 1 - الروايات الخمس في اختيار رجال الكشي ص (106 - 108). 2 - ترجمة الكشي بمصفى المقال عامود (375). 3 - راجع هامش الذريعة (4 / 288). 4 - الذريعة (3 / 385). 5 - راجع البحار ط. الكمباني (7 / 249 - 251) باب نفي الغلو في النبي والائمة. 6 - راجع الوسائل (3 / 456) باب حكم الغلاة والقدرية.

[210]

7 - راجع المناقب (1 / 264) باب الرد على الغلاة والقدرية. 8 - رجال النجاشي هو فهرسته، وترجمة الكشي في ص 288 منه. 9 - راجع ترجمة الحائري في مصفى المقال (394) وقوله في الكشي بمقدمة اختيار الرجال ص 18. 10 - رجال النجاشي ص 270. 11 - أورد الرواية السادسة الصدوق مرسلة عن أمير المؤمنين في: من لا يحضره الفقيه (1 / 213) الحديث الثامن من باب التعقيب، وفي حديث الاربعمائة من الخصال ص 628، وأخرجها الطوسي بسنده في التهذيب (2 / 322) الحديث 171 من (باب كيفية الصلاة وصفتها...). ونقلها صاحب الوسائل عنهما، وعن العلل في باب 28 من أبواب التعقيب (1 / 408) وفي الوافي باب فضل التعقيب (5 / 118) وفي الحدائق (8 / 511). 12 - في البحار ط. الكمباني (9 / 635) عن أمالي الشيخ أبي علي ابن الشيخ الطوسي. وأورده ابن حجر بترجمة عبد الله بن سبأ من اللسان إلى قول المسيب: " يكذب على الله وعلى رسوله " وبتر باقي الحديث. وأشار إليه القمي في سفينة البحار. 13 - غيبة النعماني (باب ذكر جيش الغضب) ص 167 - 168. 14 - اختيار معرفة الرجال ص 307 - 308 الحديث 556 ومختصرا في ص 72 الحديث 127. والبحار ط. الكمباني 7 / 253 و 21 / 23.

[211]

15 - اختيار معرفة الرجال ص 109 والكافي (7 / 259 - 260) الحديث 23 من باب حد المرتد، وكتاب من لا يحضره الفقيه (3 / 90) والوافي (9 / 70) في باب حد المرتد، والبحار (7 / 250) في باب نفي الغلو ولفظة قتال في الكشي. 16 - الكافي باب حد المرتد (7 / 257) الحديث 8 وص 259 منه الحديث 18، والتهذيب (1 / 138) والاستبصار (4 / 254). 17 - المناقب لابن شهر آشوب (1 / 265) والبحار ط. الكمباني (7 / 249) ومستدرك الوسائل (3 / 244). 18 - الفقيه (3 / 91) والطوسي في التهذيب (10 / 140) الحديث 13 من باب حد المرتد. وفي أماليه (2 / 275) وفي البحار 79 / 226. 19 - تاريخ الاسلام للذهبي (2 / 202). 20 - مسند أحمد (1 / 217) و (282) الحديث 2552، وسنن أبي داود (2 / 221) الحديث الاول من باب (الحكم في من ارتد) من كتاب الحدود. 21 - بترجمة ابن عباس من سير النبلاء للذهبي (3 / 232). 22 - صحيح الترمذي (6 / 242) باب (ما جاء في المرتد من كتاب الحدود)، ومبسوط الشيخ، كتاب المرتد. 23 - مستدرك الوسائل، باب حكم الغلاة والقدرية، عن كتاب عيون المعجزات (3 / 243). والفضائل لابن شاذان ص 74 و 75 والبحار 41 / 215. 24 - مستدرك الوسائل (3 / 244) عن كتاب الفضائل لابن

[212]

شاذان. 25 - بداية المجتهد (2 / 295)، والرواية في صحيح البخاري (2 / 115) باب: لا يعذب بعذاب الله من كتاب الجهاد، و (4 / 130) منه، باب حكم المرتد، من كتاب استتابة المرتدين، وابن ماجة (2 / 848) الحديث 2535 من باب: المرتد عن دينه من كتاب الحدود، والترمذي (6 / 242). 26 - الكافي (7 / 258) الحديث 17 من باب حد المرتد، والتهذيب (10 / 138) الحديث 7 من باب حد المرتد، والاستبصار (4 / 255) الحديث 6. 27 - الفقيه (3 / 548). 28 - الكافي (7 / 256) الحديث 3 من باب حد المرتد والتهذيب (10 / 137) الحديث 4 من باب حد المرتد، والاستبصار (4 / 253) الحديث 4 من باب حد المرتد، والوافي (9 / 70) أبواب حد المرتد. 29 - الكافي (7 / 256) باب حد المرتد، والتهذيب (10 / 139) الحديث 10، والاستبصار (4 / 254) والوافي (9 / 70). 30 - الفقيه (3 / 91) والتهذيب (10 / 139) الحديث 11 من باب حد المرتد، والوافي (9 / 70). 30 / 1 - الغارات للثقفي (1 / 230 - 231) والوسائل (18 / 415 - 416). 31 - الكافي (7 / 258) الحديث 5 من باب حد المرتد، وفي ص 257 الحديث 6 باختصار، والوافي (9 / 70).

[213]

32 - راجع صفين ص 43 ط. مصر. 33 - التعريف، للوحيد البهبهاني المتوفى 1205 نقلا عن كتاب الذريعة (2 / 126). 34 - معجم البلدان بلغة (بين السورين) كانت هذه المكتبة تحت تصرف الشيخ الطوسي وبعد هذه الفتنة هاجر الشيخ إلى النجف وأسس فيها الحوزة العلمية التي استمرت حتى اليوم. 35 - الروايتان في اختيار معرفة الرجال 224 - 225 برقم 401 و 402. 36 - مستدرك الوسائل (3 / 243) عن دعائم الاسلام والجعفريات. 37 - صحيح البخاري 4 / 130 باب حكم المرتد، من كتاب استتابة المرتدين. 38 - فتح الباري (6 / 491) شرح (باب لا يعذب بعذاب الله) من كتاب الجهاد. 39 - فتح الباري (6 / 492) والحديث في مسند أحمد (1 / 282) برقم 2551، وفي مسند أحمد (1 / 322): أتي بأناس من الزط يعبدون وثنا فأحرقهم. 40 - مستدرك الوسائل (4 / 243) الحديث الثاني من باب (إن المرتد يستتاب ثلاثة أيام) عن الجعفريات. 41 - مستدرك الوسائل (3 / 243) الحديث الرابع من باب (حكم الزنديق والناصب) عن دعائم الاسلام.

[214]

42 - راجع فصل الزندقة من البحوث التمهيدية لكتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[215]

عبد الله بن سبأ في كتب أهل المقالات

[217]

قال أهل المقالات: إن ابن سبأ والسبئية قالوا للامام: أنت الله، فألقاهم في النار، فقالوا: الآن صح أنك أنت الله. وإنه نفاه إلى المدائن لطعنه على الصحابة. وإنه قال: لا يموت الامام، والمقتول شيطان، والامام في السحاب، وأعانه ابن السوداء على قوله. وقالوا: إن السبئية قالت بالرجعة، وغيبة الامام، ونبوة الامام، وإنه المهدي، وقالت بالتناسخ، وحلول الله في الائمة، و... إلخ. وقالوا: إن من فرق السبئية: الحارثية، والناووسية، والممطورة، والطيارة، والمعلومية، والمجهولية، و... إلخ. مؤلفو الفرق يأخذون من أفواه الناس بلا سند، تشابه أسطورة ابن سبأ وأسطورة النسناس ! مصادر.

[219]

أوردنا في صدر الجزء الاول من هذا الكتاب موجز أسطورة ابن سبأ المختلق الذي زعم مختلقه سيف: أنه كان يهوديا من اليمن، وأنه أظهر الاسلام رياء لالقاء الفتنة بين المسلمين، وجاء بعقيدة الوصاية والرجعة، وأثار الفتن في البلاد الاسلامية، وسبب مقتل عثمان، وحرب الجمل ! وأرجأنا إيراد تفاصيل الاسطورة ومناقشتها إلى الانتهاء من بحوثنا عن سائر مختلقات سيف، كما أرجأنا البحث عن ابن سبأ الوارد ذكره في كتب أهل المقالات وكتب الحديث - أيضا - إلى هناك، غير أن الاسئلة الكثيرة التي وجهت إلينا عن رأينا في ابن سبأ المذكور في تلكم الكتب ألجأتنا إلى الخوض في هذا البحث قبل أوانه، وبدأنا في هذا الفصل بإيراد خلاصات عما ورد في كتب أهل الملل والنحل عن 1 - عبد الله بن سبأ، 2 - ابن السوداء، 3 - السبئية، ثم مقارنة ورود تلك الاخبار في الكتب بورود أساطير فيها مشابهة لها خلال أربعة عشر قرنا، ثم الختام بتحقيق عن تطور مدلولات الالفاظ الثلاثة على مدى القرون.

[220]

عبد الله بن سبأ أو ابن السوداء في كتب أهل المقالات قال سعد بن عبد الله الاشعري القمي المتوفى (301 ه‍) في كتابه: (المقالات والفرق) عن عبد الله بن سبأ: "... كان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة وتبرأ منهم، وادعى أن عليا (ع) أمره بذلك، وأن التقية لا تجوز ولا تحل، فأخذه علي فسأله عن ذلك فأقر به، فأمر بقتله، فصاح الناس إليه من كل ناحية: يا أمير المؤمنين ! أتقتل رجلا يدعو إلى حبكم أهل البيت وإلى ولايتك والبراءة من أعدائك ؟ ! فسيره علي إلى المدائن. وحكى جماعة من أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا، وكان يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى بعد موسى. (أ) ولما بلغ ابن سبأ وأصحابه نعي علي وهو بالمدائن قالوا للذي نعاه: كذبت يا عدو الله ! لو جئتنا والله بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك، ولعلمنا أنه لم يمت ولم يقتل، وأنه لا يموت حتى يسوق العرب بعصاه ويملك الارض، ثم مضوا من


(أ) يقصد قول المؤرخين الذين أخذوه من سيف بن عمر (المتوفى 170 ه‍) والذي أوردناه في صدر الجزء الاول من كتابنا عبد الله بن سبأ. وهذه أسطورة ابن سبأ الاول. (*)

[221]

يومهم حتى أناخوا بباب علي، فاستأذنوا عليه استئذان الواثق بحياته الطامع في الوصول إليه، فقال لهم من حضره من أهله وأصحابه: سبحان الله ! أما علمتم أن أمير المؤمنين قد استشهد ! قالوا: إنا نعلم أنه لم يقتل ولا يموت حتى يسوق العرب بسيفه وسوطه كما قادهم بحجته، وأنه ليسمع النجوى ويعرف تحت الديار المغفل، ويلمع في الظلام كما يلمع السيف الصقيل الحسام، وهذا مذهب السبئية ومذهب الحربية وهم أصحاب عبد الله ابن عمر بن الحرب الكندي في علي (ع)، وقالوا بعد ذلك في علي: إنه إله العالمين، وإنه توارى عن خلقه سخطا منه عليهم وسيظهر... " (1). وإلى هذا أشار ابن أبي الحديد في شرح النهج (1 / 425) حيث قال: " قال أصحاب المقالات... ". هكذا سرد الاشعري في كتابه عن السبائية دون أن يذكر سند ما أورده ولا مصدر ما نقله ! وقد قال النجاشي في ترجمته: " وقد سمع من حديث العامة شيئا كثيرا، وسافر في طلب الحديث ولقي من وجوههم... ". ولم يذكر الاشعري سند ما ذكره عن ابن سبأ في كتاب المقالات، وكذلك دأب المؤلفين في أخبار أهل الملل والنحل، يرسلون الكلام على عواهنه، وليسوا مسؤولين بعد ذلك عن سند أقوالهم ! وزاد الاشعري على الفرقة السبئية: الحربية أو الحرثية نسبة إلى عبد الله بن الحرث الكندي الذي قال عنه ابن حزم: " وإليه ينسب الحارثية (2) من الروافض. وكان غاليا كافرا، أوجب على أصحابه سبع عشرة صلاة كل يوم وليلة، في كل صلاة خمس عشره

[222]

ركعة، ثم تاب باختياره ورجع إلى قول الصفرية من الخوارج... " (ب) وأورد النوبختي المتوفى (310 ه‍) في كتابه: (فرق الشيعة) أقوال الاشعري السابقة، غير أنه لم يذكر مسير السبئيين إلى دار الامام للتحقيق عن خبر وفاته، كما لم يذكر من أين أخذ ما أورده (2). وقال علي بن إسماعيل المتوفى (330 ه‍) في كتابه (مقالات الاسلاميين): " السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ يزعمون أن عليا لم يمت وأنه يرجع إلى الدنيا قبل يوم القيامة فيملا الارض عدلا كما ملئت جورا، وذكروا عنه أنه قال لعلي: أنت أنت، والسبئية يقولون بالرجعة ". ونقل عن السيد الحميري أنه في ذلك يقول: إلى يوم يؤوب الناس فيه * إلى دنياهم قبل الحساب ثم قال: " وهؤلاء يقولون عند سماع الرعد: السلام عليك يا أمير المؤمنين " (3). وقال أبو الحسين الملطي (377 ه‍) في باب ذكر الرافضة وأصناف اعتقادهم من كتابه: (التنبيه والرد): فأولهم الفرقة الغالية من السبئية وغيرهم: وهم أصحاب عبد الله بن سبأ، قالوا لعلي (ع): أنت. أنت. قال: ومن


(ب) جمهرة أنساب ابن حزم ص (247). وقال عبد السلام في تعليقه عليه " في نسخة مكتبة الشنقيطية: " الحرثية ".

[223]

أنا ؟ قالوا: الخالق البارئ. فاستتابهم فلم يرجعوا، فأوقد لهم نارا ضخما وأحرقهم، وقال مرتجزا. لما رأيت الامر أمرا منكرا * أججت ناري ودعوت قنبرا في أبيات له (ع). وقد بقي منهم إلى اليوم طوائف يقول ولن ذلك ويتلون من القرآن: " إن علينا جمعه وقرآنه * فإذا قرأناه فاتبع قرآنه " (ج) وهم يقولون: إن عليا ما مات ولا يجوز عليه الموت وهو حي لا يموت، ويقال: لما جاءهم نعي علي إلى الكوفة رحمه الله قالوا: لو أتيتمونا بدماغه في سبعين قارورة لم نصدق بموته. فبلغ ذلك الحسن بن علي (رضي الله عنهما) فقال: فلم ورثنا ماله وتزوج نساؤه ؟ والفرقة الثانية من السبئية: يقولون: إن عليا لم يمت وإنه في السحاب. وإذا نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة (د) مبرقة مرعدة قاموا إليها يبتهلون ويتضرعون ويقولون: قد مر بنا في السحاب. والفرقة الثالثة من السبئية: هم الذين يقولون: إن عليا قد مات، ولكن يبعث قبل يوم القيامة


(ج) سورة القيامة: 17 - 18. (د) السحابة البيضاء الصافية المنيرة. لا تكون مبرقة مرعدة وإنما السحابة السوداء هي التي تبرق وترعد.

[224]

ويبعث معه أهل القبور حتى يقاتل الدجال، ويقيم العدل والقسط في العباد والبلاد، وهؤلاء يقولون: إن عليا هو الله ولكن يقولون بالرجعة. والفرقة الرابعة من السبئية: يقولون بإمامة محمد بن علي، ويقولون هو في جبال رضوى حي لم يمت، ويحرسه على باب الغار الذي هو فيه تنين وأسد، وإنه صاحب الزمان يخرج ويقتل الدجال ويهدي الناس من الضلالة ويصلح الارض بعد فسادها. وهؤلاء الفرق كلهم يقولون بالبداء، وبأن الله تبدو له البداوات، وكلاما لا أستجيز شرحه في كتاب، ولا أقدر على النطق به، وهؤلاء كلهم أحزاب الكفر. وعاد إلى القول عنهم في (باب ذكر الروافض وأجناسهم ومذاهبهم) ونقل عن أبي عاصم أنه قال: الرافضة خمسة عشر صنفا، ثم تفترق على ما يمقتهم الله فروعا كثيرة، فمنهم صنفا زعموا أن عليا إله من دون الله تعالى - إلى قوله -: فمنهم عبد الله بن سبأ من بلاد صنعاء نفاه إلى ساباط. والصنف الذي يقال لهم السبائية يزعمون أن عليا شريك النبي (ص) في النبوة وأن النبي (ص) مقدم عليه إذا كان حيا فلما مات ورث النبوة فكان نبيا يوحى إليه ويأتيه جبريل (ع) بالرسالة، كذب أعداء الله، محمد (ص) خاتم النبيين. والصنف الذي يقال لهم المنصورية يزعمون: أن عليا في السحاب

[225]

وأنه لم يمت... " (4) انتهى. وقال عبد القاهر البغدادي المتوفى (429 ه‍) في كتابه (الفرق بين الفرق): (ه‍). " الفصل الاول في ذكر قول السبئية وبيان خروجها عن ملة الاسلام " السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي غلا في علي بن أبي طالب، وزعم أنه كان نبيا ثم غلا فزعم أنه إله، ودعى إلى ذلك قوما من غواة الكوفة، ورفع خبرهم إلى علي (رض) وأمر علي بإحراق قوم منهم في حفرتين حتى قال بعض الشعراء في ذلك: لترم بي الحوادث حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين ثم إن عليا (رض) خاف من إحراق الباقين منهم اختلاف أصحابه عليه، فنفى ابن سبأ إلى ساباط المدائن، فلما قتل علي زعم ابن سبأ أن المقتول لم يكن عليا بل كان شيطانا تصور للناس في صورة علي، وأن عليا صعد إلى السماء كما صعد إليها عيسى بن مريم عليه السلام. " وكما كذبت اليهود والنصارى في دعواهما قتل عيسى كذلك كذبت النواصب (و) والخوارج في دعواهما قتل علي (ع) وإنما رأت اليهود والنصارى شخصا مصلوبا شبهوه بعيسى، وكذلك القائلون بقتل علي (رض) رأوا قتيلا


(ه‍) قد أوردنا أقواله بإيجاز. (و) من المفروض أن هذا الكلام قاله ابن سبأ زمان وفاة الامام في حين أن إطلاق (النواصب) على أعداء الامام متأخر عن عصره بدهر.

[226]

يشبه عليا فظنوا أنه علي، وعلي قد صعد إلى السماء وأنه سينزل إلى الدنيا وينتقم من أعدائه ". قال: " وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه " ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: " عليك السلام يا أمير المؤمنين ". قال: " وقد وري عن عامر بن الشراحيل الشعبي (ز) أن ابن سبأ قيل له: إن عليا قد قتل، فقال: إن جئتمونا بدماغه في صرة لم نصدق بموته، لا يموت حتى ينزل من السماء ويملك الارض بحذافيرها ". قال: " وهذه الطائفة تزعم أن المهدي المنتظر هو علي دون غيره ". قال: وفي هذه الطائفة قال إسحاق بن سويد العدوي (ح): برئت من الخوارج لست منهم * من الغزال منهم وابن باب


(ز) أبو عمرو عامر بن الشراحيل الشعبي - من شعب همدان - الحميري الكوفي ولد في النصف الثاني من خلافة عمر وتوفي بعد المائة. روى عن جماعة من الصحابة مثل الامام علي في حين أنهم صرحوا بأنه لم يسمعهم وإنما رآهم رؤية - راجع ترجمته في التهذيب (5 / 65 - 69). ومما يضعف الرواية أن الشعبي هذا كان قد توفي على أكثر تقدير في السنة التاسعة بعد المائة من الهجرة، والبغدادي توفي سنة (429 ه‍) وبينهما ثلاثمائة سنة فكيف روى البغدادي عنه ؟ وإن كان البغدادي قد رواه عن الشعبي بوسائط فمن هم الوسائط ؟ !. (ح) إسحاق بن سويد بن هبيرة العدوي التميمي البصري، مات بالطاعون سنة (131 ه‍) كان يتحامل على علي تحاملا شديدا. وقال: لا أحب عليا - التهذيب (1 / 236) والعدوي نسبة إلى بني العدوية وهي أمهم وكانت من بني عدي الرباب وأبوهم تميمي - راجع لغة العدوي من أنساب السمعاني.

[227]

ومن قوم إذا ذكروا عليا * يردون السلام على السحاب ولكني أحب بكل قلبي * وأعلم أن ذاك من الصواب رسول الله والصديق حقا * به أرجو غدا حسن الثواب إلى هنا كان البغدادي يتحدث عن عبد الله بن سبأ والسبئيين ثم تحدث بعد ذلك عن عبد الله بن السوداء وقال: " إن عبد الله بن السوداء كان يعين السبئية على قولها، وكان أصله من يهود الحيرة فأظهر الاسلام " وأراد أن يكون له عند أهل الكوفة سوق ورياسة فذكر لهم: " إنه وجد في التوراة أن لكل نبي وصيا وأن عليا وصي محمد... " (ط) (5). ثم قال البغدادي: " فلما سمع منه ذلك شيعة علي قالوا لعلي: " إنه من محبيك " فرفع قدره وأجلسه تحت درجة منبره، ثم بلغه عنه غلوه فيه فهم بقتله، فنهاه ابن عباس عن ذلك، وقال: إن قتلته اختلف عليك أصحابك وأنت عازم على قتال أهل الشام وتحتاج إلى مداراة أصحابك، فلما خشي من قتله وقتل عبد الله بن


(ط) هذا مفاد رواية سيف عن عبد الله بن سبأ أورده البغدادي محرفا مشوشا، وزعم أن ابن سبأ غير ابن السوداء وأنهما اثنان وأن ابن السوداء كان من يهود الحيرة بينما ذكر سيف أن ابن سبأ كان من صنعاء اليمن ونعته بابن السوداء ! وقد علق فيليب حتى المسيحي - ناشر مختصر الفرق - على هذا الخبر هنا وقال: " وهذا يدل على تأثير اليهودية في نشوء الفرق الاسلامية " وقال: " وربما كان بحث البغدادي في السبئية أو في بحث وأدقه في الكتب العربية " !

[228]

سبأ الفتنة التي خافها ابن عباس نفاهما إلى المدائن. فافتتن بهما رعاع الناس بعد قتل علي (رض) وقال لهم ابن السوداء: والله لينبعن لعلي (ع) في مسجد الكوفة عينان تفيض إحداهما عسلا والاخرى سمنا يغترف منهما شيعته ". وقال: " قال المحققون من أهل السنة: إن ابن السوداء كان على هوى دين اليهود وأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي وأولاده لكي يعتقدوا فيه ما اعتقدت النصارى في عيسى، فانتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر ". وقال في المختار: " خدعته السبئية الغلاة من الرافضة، فقالوا له: أنت حجة هذا الزمان وحملوه على ادعاء النبوة فادعاها عند خواصه... ". وقال في الناووسية: " وانظم إلى هذه الفرقة قوم من السبئية، فزعموا جميعا أن جعفرا (ي) كان عالما بجميع معالم الدين في العقليات والشرعيات... ". كانت هذه أقوال البغدادي في كتابه الفرق عن السبئية (6) وآرائها


(ي) يقصد به سادس أئمة أهل البيت أبا عبد الله جعفر الصادق المتوفى (148 ه‍).

[229]

وانبرى بعد إيرادها لتنفيد الآراء التي نسبها إلى السبئية وأطنب القول في ردهم ! وكان مثله في ذلك مثل من تخيل شبحا في الظلام فجرد سيفه ليضربه به ويقطعه إربا إربا ! ! ! ومن أهل الملل والنحل ابن حزم المتوفى (456 ه‍) قال في كتابه (الفصل في الملل والاهواء والنحل): " من الفرق الغالية الذين يقولون بالالهية لغير الله عزوجل أولهم فرقة من أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري لعنه الله أتوا إلى علي بن أبي طالب فقالوا مشافهة: " أنت هو " فقال: " ومن هو ! " قالوا: " أنت الله " فاستعظم الامر، وأمر بنار فاججت، وأحرقهم بالنار، فجعلهم يقولون وهم يرمون في النار: " الآن صح عندنا أنه الله تعالى، لانه لا يعذب بالنار إلا رب النار " وفي ذلك يقول: لما رأيت الامر أمرا منكرا * أججت ناري ودعوت قنبرا " (7) وقال في بيان الفرقة الكيسانية: " وقال بعض الروافض الامامية - وهي الفرقة التي تدعى (الممطورة) - أن موسى بن جعفر حي لم يمت، ولا يموت حتى يملا الارض عدلا كما ملئت جورا ". قال: " وقال طائفة منهم - الناووسية أصحاب ناووس المصري - مثل ذلك في أبيه جعفر بن محمد " قال: " وقالت طائفة منهم مثل ذلك في أخيه إسماعيل بن جعفر ".

[230]

قال: " وقالت السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي مثل ذلك في علي وزادوا أنه في السحاب - إلى قوله -: وقال عبد الله بن سبأ لما بلغه قتل علي: لو جئتمونا بدماغه... ". وجاء بعد عبد القاهر البغدادي، أبو المظفر الاسفرائيني المتوفى سنة (471 ه‍) وأورد في (التبصير) مختصر ما ذكره البغدادي في تعريف (السبئية أتباع عبد الله بن سبأ). وأوردها - أيضا - بإيجاز السيد الشريف الجرجاني المتوفى سنة (816 ه‍) في كتابه (التعريفات). وأوردها بنصها فريد وجدي المتوفى سنة (1373 ه‍) في لغة عبد الله ابن سبأ من دائرة معارفه. وقال أبو سعيد نشوان الحميري المتوفى سنة (573 ه‍) في الحور العين ص 154: " السبئية: عبد الله بن سبأ، ومن قال بقوله... " ثم ذكر خبر إنكارهم موت الامام، ثم قال: " فقال ابن عباس - وقد ذكر له قول ابن سبأ -: لو علمنا ذلك ما زوجنا نساءه ولا اقتسمنا ميراثه ! ". وقال الشهرستاني المتوفى سنة (548 ه‍) في الملل والنحل بعد إيراده

[231]

موجز روايات المحدثين والمؤرخين في ابن سبأ والسبئية: " وهو - أي عبد الله بن سبأ - أول من فرض القول بإمامة علي، ومنه انشعبت أصناف الغلاة، زعموا أن عليا حي لم يقتل وفيه الجزء الآلهي ولا يجوز أن يستولي عليه، وهو الذي يجئ في السحاب - إلى قوله -: وإنما أظهر ابن سبأ هذه المقالة بعد انتقال علي (رض) واجتمعت عليه جماعة وهم أول فرقة قالت بالتوقف، والغيبة، والرجعة، وقالت بتناسخ الجزء الالهي في الائمة بعد علي، وقالت هذا المعنى مما كان يعرفه الصحابة، وإن كانوا على خلاف مراده، هذا عمر كان يقول فيه حين فقأ عين واحد ألحد في الحرم، فرفعت القصة إليه: " ماذا أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله تعالى ". فأطلق عمر اسم الالهية عليه لما عرف منه ذلك " (ك). كانت تلك أقوال أهل الملل والنحل، ونسج على منوالهم في الهذر آخرون مثل صاحب البدء والتاريخ (8) فقد قال فيهم: " وأما السبئية فإنهم يقال لهم الطيارة يزعمون أنهم لا يموتون، وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغلس، وأن عليا لم يمت، وأنه في السحاب وإذا


(ك) بناء على هذه الرواية كان الخليفة عمر أول من أسس عقيدة المغالاة في الامام علي كما كان أول من أظهر القول بالرجعة عندما قال يوم وفاة الرسول: " والله ليرجعن رسول الله " - راجع فصل السقيفة في القسم الاول من هذا الكتاب. والحق أن الشهرستاني - أيضا - شأنه في ما روى شأن غيره من أهل الملل يأخذ من أفواه الناس من معاصريه ما يتقولونه دونما بحث عن سند ما ينقل ! ! !

[232]

سمعوا صوت الرعد، قالوا غضب علي... ". قال: " ومن الطيارة من يزعمون أن روح القدس كانت في النبي كما كانت في عيسى، ثم انتقلت إلى علي، ثم إلى الحسن، ثم إلى الحسين، ثم الائمة من ولده، وعامة هؤلاء يقولون بالتناسخ والرجعة، ومنهم من يزعم أن الائمة أنوار من نور الله، وأبعاض من بعضه، وهذا مذهب الحلاجية. وأنشدني أبو طالب الصوفي لنفسه: كادوا يكونون... * لولا ربوبية لم تكن فيالها أعينا بالغيب ناظرة * ليست كأعين ذات المأق والجفن أنوار قدس لها بالله متصل * كما شاء بلا وهم ولا فطن هم الاظلة والاشباح إن بعثوا * لا ظل كالظل من فئ ولا سكن " (ل) وأورد ابن عساكر المتوفى سنة (571 ه‍) في ترجمة عبد الله بن سبأ من تاريخه رواية سيف فيه والتي أوردنا محتواها في فصل منشأ الاسطورة السبئية من الجزء الاول منه (م) وبعضا من الروايات التي أوردناها في ما سبق، وأضاف إليها الروايات التالية:


(ل) الحلاجية: نسبة إلى أبي عبد الله الحسين بن منصور الحلاج تجول في البلاد وقيل إنه أظهر أنواعا من السحر والشعبذة وإذا علم أن أهل بلد يرون الاعتزال صار معتزليا أو يرون التشيع تشيع أو التسنن تسنن ودعا الناس إلى نفسه فأخذ وقتل ببغداد سنة تسع وثلاثمائة - ترجمته بالعبر (2 / 138) - والشطر الاول من الابيات ورد كما سجلناه. (م) وأورد رواية أخرى عن سيف ينبغي ذكرها عندما نناقش الاسطورة السبئية إن شاء الله تعالى.

[233]

1 - عن أبي الطفيل قال: رأيت المسيب بن نجبة أتى به - ابن السوداء - متلببا وعلي على المنبر، فقال علي: " ما شأنه ؟ ". فقال: " يكذب على الله وعلى رسوله ". 2 - وفي رواية قال علي بن أبي طالب: " مالي ولهذا الحميت (ن) الاسود " يغني: عبد الله بن سبأ، وكان يقع في أبي بكر وعمر. 3 - وفي رواية: رأيت عليا وهو على المنبر يقول: " من يعذرني من هذا الحميت الاسود الذي يكذب على الله وعلى رسوله ؟ - يعني ابن السوداء - لولا أن لا يخرج علي عصابة تنعى دمه كما ادعت علي دماء أهل النهر لجعلت منه ركاما ". 4 - وفي رواية: سمعت عليا يقول لعبدالله السبائي (س): " ويلك ! والله ما أفضى رسول الله (ع) إلي بشئ كتمه أحدا من الناس ". 5 - وفي رواية: بلغ عليا أن ابن السوداء انتقص أبا بكر وعمر فدعا به وبالسيف، أو قال، فهم بقتله فكلم فيه، فقال: " لا يساكنني ببلد أنا فيه " قال: فسيره إلى المدائن. 6 - وفي رواية: عن الصادق عن آبائه الطاهرين عن جابر، قال: لما بويع علي خطب الناس، فقام إليه عبد الله بن سبأ فقال له: " أنت دابة الارض " قال: فقال له:


(ن) الحميت: الزق الذي لا شعر فيه أو المشعر، وفي رواية: الخبيث الاسود بدل الحميت الاسود. (س) في الرواية (الشيباني) بدل السبائي ونراه من غلط الناسخ. (ع) (رسول الله) ساقط من الرواية ويقتضيه السياق.

[234]

" أتق الله " فقال: " أنت خلقت الخلق وبسطت الرزق " فأمر بقتله، فاجتمعت الرافضة فقالت: " دعه وانفه إلى ساباط المدائن، فإنك إن قتلته بالمدينة خرجت أصحابه علينا وشيعته " فنفاه إلى ساباط المدائن فثم القرامطة والرافضة، قال: ثم قامت إليه طائفة وهم السبئية وكانوا أحد عشر رجلا، فقال: " ارجعوا، فإني علي بن أبي طالب، أبي مشهور، وأمي مشهورة، وأنا ابن عم محمد (ص). فقالوا: " لا نرجع، دع داعيك " فأحرقهم بالنار وقبورهم في صحراء، أحد عشر مشهورة. فقال من بقي ممن لم يكشف رأسه منهم علينا: " إنه إله " واحتجوا بقول ابن عباس: " لا يعذب بالنار إلا خالقها " قال: فقال ابن عباس: " قد عذب أبو بكر بالنار فاعبدوه أيضا ". وقال الذهبي المتوفى (748 ه‍) في ترجمة عبد الله بن سبأ من ميزان الاعتدال: " عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة. ضال مضل، أحسب أن عليا حرقه بالنار. وقد قال الجوزجاني: زعم أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي، فنهاه علي بعد ما هم به " (ف) (9).


(ف) الجوزجاني هو أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق السعدي، ولد بجوزجان - > (*)

[235]

أورد ابن حجر المتوفى (852 ه‍) في لسان الميزان كلام الذهبي السابق وبعض روايات ابن عساكر ثم روى أن الامام قال لعبد الله بن سبأ: " والله ما أفضى - رسول الله - بشئ أكتمه أحدا من الناس ". ولقد سمعته يقول: إن بين يدي الساعة ثلاثين كذابا وإنك لاحدهم. وقال: " إن سويد بن غفلة دخل على علي في إمارته فقال: إني مررت بنفر يذكرون أبا بكر وعمر يرون أنك تضمر لهما مثل ذلك، منهم عبد الله بن سبأ ". وكان عبد الله بن سبأ أول من أظهر ذلك، فقال علي: " مالي ولهذا الخبيث الاسود " ثم قال: " معاذ الله أن أضمر لهما إلا الحسن الجميل، ثم أرسل إلى عبد الله بن سبأ فسيره إلى المدائن وقال: لا يساكنني في بلدة أبدا " ثم نهض إلى المنبر حتى اجتمع الناس، فذكر القصة في ثنائه عليهما بطولها وفي آخرها: " ألا، ولا يبلغني عن أحد يفضلني عليهما إلا جلدته حد المفتري " (ص).


< - من كور بلخ خراسان ورحل إلى عدة بلاد ثم نزل دمشق الشام وحدث بها، من مؤلفاته (الجرح والتعديل) و (الضعفاء) و (المترجم) قال الذهبي بترجمته من تذكرة الحفاظ: " وفيه انحراف عن علي " وقال: " كان يتحامل على علي (رض) "، وفي لغة الجوزجان من معجم البلدان: إلتمس من يذبح له دجاجة فتعذر عليه فقال: يا قوم ! يتعذر علي من يذبح لي دجاجة وعلي بن أبي طالب قتل سبعين ألفا في وقت واحد ! توفي سنة 259. تذكرة الحفاظ الترجمة (569) وتاريخ ابن عساكر وابن كثير (11 / 31). (ص) لقد نسي واضع هذا الخبر شكاوى الامام في خطبه منهم مثل قوله في الشقشقية - >

[236]

قال وأخبار عبد الله بن سبأ شهيرة في التواريخ، وليست له رواية ولله الحمد، وله أتباع يقال لهم: السبائية، معتقدون الالهية لعلي بن أبي طالب وقد أحرقهم علي بالنار (10). وقال المقريزي المتوفى (848 ه‍) في (ذكر الحال في عقائد أهل الاسلام) من خططه عن ابن سبأ: إنه قام في زمان الامام علي، وإنه أحدث القول بوصية رسول الله (ص) لعلي بالامامة من بعده فهو وصي رسول الله (ص) وخليفته على أمته من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي بعد موته إلى الدنيا (ق) وبرجعة رسول الله (ص) - أيضا - وزعم أن عليا لم يقتل، وأنه حي (ق)، وأن فيه الجزء الالهي، وأنه الذي يجئ في


< - الخطبة الثالثة في النهج: " أما والله لقد تقمصها فلان - ابن أبي قحافة - وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى، ينحدر عني السيل ولا يرقى إلي الطير - إلى قوله -: فصبرت وفي العين قذى وفي الحلق شجا، أرى تراثي نهبا، حتى إذا مضى الاول لسبيله فأدلى بها إلى فلان بعده... فيا عجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد وفاته، لشد ما تشطرا ضرعيها... الخ ". وقوله في ما أجاب به بعض أصحابه لما سأله: " كيف دفعكم قومكم عن هذا المقام وأنتم أحق به ": " أما الاستبداد علينا بهذا المقام ونحن الاعلون نسبا والاشدون برسول الله (ص) نوطا فإنها كانت أثرة شحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس قوم آخرين والحكم الله والمعود إليه القيامة، ودع عنك نهبا صيح في حجراته... الخ " الخطبة 157 من النهج ج 2. (ق) لم ينتبه المقريزي إلى التناقض بين قول‍ ؟ برجعة علي بعد موته " وقوله: " إن عليا لم يقتل - >

[237]

السحاب - إلى قوله -: ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة وصاروا يقولون بالوقف بعنوان أن الامامة موقوفة على أناس معينين - إلى قوله -: وعنه - أيضا - أخذوا القول بفيئة الامام، والقول برجعته بعد الموت إلى الدنيا - كما تعتقده الامامية إلى اليوم في صاحب السرداب - وهو القول بتناسخ الارواح. وعنه أخذوا - أيضا - القول بأن الجزء الالهي يحل في الائمة بعد علي ابن أبي طالب، وأنهم بذلك استحقوا الامامة بطريق الوجوب كما استحق آدم (ع) سجود الملائكة، وعلى هذا الرأي كان اعتقاد دعاة الخلفاء الفاطميين ببلاد مصر. وابن سبأ هذا هو الذي أثار فتنة أمير المؤمنين عثمان بن عفان (رض) حتى قتل، كما ذكر في ترجمة ابن سبأ من كتاب التاريخ الكبير المقفى، وقال في تعريف السبئية: " والفرقة الخامسة: السبئية أتباع عبد الله بن سبأ الذي قال شفاها لعلي بن أبي طالب: أنت الاله... " (11). أوردنا في ما سبق أقوال العلماء في ابن سبأ والسبائية جاهدين في إيصال الاقوال إلى أوائل القائلين بها، وردد - أيضا - تلكم الاقوال غير أولئك كل من: 1 - ابن أبي الحديد المتوفى سنة 655 ه‍ في شرح الخطبة المرقمة


< - وإنه حي... ".

[238]

27 من شرح النهج (8 / 120). 2 - ابن كثير المتوفى سنة 774 ه‍ في تاريخه. 3 - البستاني المتوفى (1300 ه‍) أخذ من المقريزي وابن كثير ما أورده في لغة عبد الله بن سبأ من دائرة معارفه. وكذلك فعل غيرهم - أيضا - مثل ابن خلدون في مقدمته (11 / 2). نهل هؤلاء وغير هؤلاء من معين سيف تارة (ر) ومن معين مؤلفي الفرق والملل والنحل تارة أخرى، وقد بينا شأن سيف وأحاديثه في الجزء الاول من هذا الكتاب وفي كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق). أما مؤلفو كتب الملل والفرق فإنهم تنافسوا في تكثير عدد الفرق في الاسلام، مثل فرقة الناووسية، والطيارة، والممطورة، والسبائية، والغرابية، والمعلومية، والمجهوليةوأمثالها، ويبدو أنهم كتبوا من عند أنفسهم شروحا عن تلك الفرق توضح عقائدها وأراد كل مؤلف أن يبز الآخرين في غريب ما يورد ويشرح، وبذلك جنوا على الاسلام جناية لا تغتفر في نسبتهم إلى المسلمين ما لم يكن فيهم ! ! ولو قدر لنا أن نكتب في الفرق لاضفنا إلى ما ذكروا: (فرقة المبتكرية في الاسلام) ثم نشرح هذا القول ونقول: إنهم أصحاب كتب الفرق والملل والنحل الذين يخترعون الفرق للمسلمين، ويبتكرون لهم من عند أنفسهم أخبارا، وكان يكفينا دليلا على ذلك إيراد بعض الفصول من


(ر) كما فعل المقريزي فإنه أخذ من أحاديث سيف، ومن أصحاب الفرق، وأخذ البستاني اقوال أهل الفرق من المقريزي وقول سيف من ابن كثير وكذلك فعل غيرهم. (*) المعلومية والمجهولية ذكرهما المقريزي في خططه 4 / 179.

[239]

الملل والنحل للشهرستاني، والفرق بين الفرق للبغدادي، والفصل لابن حزم، ثم البحث عن أسانيد ما أوردوا، ليثبت أن أكثر ما ذكروا لم يوجد بتاتا، ولنا أن نقول بعد ذلك - إن أحسنا الظن بمؤلفي كتب الملل والنحل أجمعين -: إنهم كانوا يدونون كل ما يدور على ألسنة أهل عصرهم من خرافة، وكنا نرى في مؤلفاتهم مرآة صادقة تعكس أفكار أهل عصرهم، وآراءهم عن تلكم الفرق - فإنه يدور على ألسنة أفراد من العامة في كل عصر وأحيانا على ألسنة الكثير منهم أساطير لا تمت إلى الواقع بصلة، كما شاهدنا مثال ذلك في عصرنا: أن بعض العوام من الشيعة، ومن السنة يعتقدون أن للطائفة الاخرى ذنبا يوارونه تحت الثياب، وعلى هذا جاز لنا، لو رمنا مجاراة أهل المقالات في أسلوبهم، أن نستدرك عليهم - أيضا - ما فاتهم من ذكر هذه الفرقة ونقول: الفرقة الذنبية في الاسلام: فرقة لها ذنب كذنب بعض الحيوان يوارونه تحت الثياب (ش). يورد أهل المقالات والملل والنحل في تآليفهم كل هذر من القول - نظير ما ذكرنا - دونما حاجة إلى بيان السند، على أن إيراد السند في كثير من تلكم الكتب إنما هو إضافة ابتكار على ابتكار، وإذا كان إيراد الروايات السابقة بأسانيدها من كتب أهل الفرق - مع ما في متونها من تناقض وتهافت وسخف - لا يكفي دليلا على ما نقول، فلنستشهد بروايات أخرى


(ش) لم يكن لنا بد من الاسفاف في القول إلى هذا الحد لان البحث كان يدور حول هذر من القول وهراء لم نجد سبيلا إلى كشفه دونما تمثيل له. (*)

[240]

نظيرها وهي معنعنة موصولة الاسناد إلى صاحب الخبر لترى - أيضا - قيمة الاسناد في نظائر تلكم الاساطير. روى المسعودي (12) عن عبد الله بن سعد بن كثير بن عفير المصري، عن أبيه، عن يعقوب بن الحارث بن نجيم، عن شبيب بن شيبة التميمي، قال: قدمت الشحر (ت)، فنزلت على رأسها، فتذاكرنا النسناس، فقال: " صيدوا لنا منها " فلما أن رجعت إليه مع بعض أعوانه المهريين (ث) إذ أنا بنسناس منها، فقال لي النسناس: " أنا بالله وبك " فقلت لهم: خلوه، فخلوه، فلما حضر الغداء قال: هل اصطدتم منها شيئا ؟ قالوا: نعم، ولكن خلاه ضيفك ! قال: استعدوا فإنا خارجون في قنصه، فلما خرجنا إلى ذلك في السحر، خرج واحد منها يعدو وله وجه كوجه الانسان، وشعرات في ذقنه ومثل الثدي في صدره، ومثل رجلي الانسان رجلاه، وقد ألظ به كلبان وهو يقول: الويل لي مما به دهاني * دهري من الهموم والاحزان قفا قليلا أيها الكلبان * واستمعا قولي وصدقاني


(ت) الشحر: صقع على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن - معجم البلدان. (ث) والمهريون: نسبة إلى مهرة بن حيدان بن عمرو تنسب إليهم الابل المهرية، لهم مخلاف باليمن بينه وبين عمان نحو شهر - معجم البلدان. والمخلاف - واحد المخاليف كور اليمن وكل مخلاف يعرف باسم القبيلة التي أقامت به - معجم البدان (1 / 39).

[241]

إنكما حين تحارباني * ألفيتماني حضرا عناني (خ) لولا سباتي ما ملكتماني * حتى تموتا أو تفارقاني لست بخوار ولا جبان * ولا بنكس رعش الجنان لكن قضاء الملك الرحمان * يذل ذا القوة والسلطان قال: فالتقيا به فأخذاه. وأورد الحموي هذا الخبر في معجم البلدان بتفصيل أوفى، قال: قدمت الشحر، فنزلت على رجل من مهرة له رياسة وخطر، فأقمت عنده أياما، فذكرت عنده النسناس، فقال: إنا لنصيده ونأكله، وهو دابة له يد واحدة، ورجل واحدة، وكذلك جميع ما فيه من الاعضاء، فقلت له: أنا والله أحب أن أراه، فقال لغلمانه: صيدوا لنا شيئا منه، فلما كان من الغد إذا هم قد جاءوا بشئ له وجه كوجه الانسان إلا أنه نصف الوجه، وله يد واحدة في صدره، وكذلك رجل واحدة، فلما نظر إلي، قال: " أنا بالله وبك " فقلت للغلمان: خلوا عنه، فقالوا: يا هذا ! لا تغتر بكلامه فهو أكلنا ! فلم أزل بهم حتى أطلقوه، فمر مسرعا كالريح، فلما حضر غداء الرجل الذي كنت عنده قال لغلمانه: أما كنت قد تقدمت إليكم أن تصيدوا لنا شيئا ؟ ! فقالوا: قد فعلنا ولكن ضيفك قد خلا عنه، فضحك وقال: خدعك والله، ثم أمرهم بالغد إلى الصيد، فقلت: وأنا معهم ! فقال: إفعل ! ثم غدونا بالكلاب، فصرنا إلى غيضة عظيمة وذلك


(خ) حضرا: الذي لا يريد السفر. ورعش: الجبان. وفي رواية الحموي الآتية (واسمعا) بدل (واستمعا) و (خضلا) بدل (خضرا) و (لوبي شبابي) بدل (لولا سباتي) و (تخلياني) بدل (تفارقاني).

[242]

في آخر الليل، فإذا واحد يقول: " يا أبا مجمر ! إن الصبح قد أسفر، والليل قد أدبر، والقنيص قد حضر، فعليك بالوزر ! " فقال الآخر: " كلي ولا تراعي " قال: فأرسلوا الكلاب عليهم، فرأيت أبا مجمر وقد اعتوره كلبان وهو يقول: " الويل لي مما به دهاني... " الابيات (ذ). قال: فالتقيا عليه وأخذاه فلما حضر غداء الرجل أتوا بأبي مجمر بعد الطعام مشويا (13). وروى الحموي (14) - أيضا - عن الحسام بن قدامة، عن أبيه، عن جده قال: كان لي أخ فقل ما بيده وانقضى حتى لم يبق له شئ، فكان لنا بنو عم بالشحر، فخرج إليهم يلتمس برهم، فأحسنوا قراه، وأكثروا بره، وقالوا له يوما: لو خرجت معنا إلى متصيد لنا لتفرجت، قال: ذاك إليكم. وخرج معهم، فلما أصحروا ساروا إلى غيضة عظيمة، فأوقفوه على موضع منها ودخلوها يطلبون الصيد، قال: فبينا أنا واقف إذ خرج من الغيضة شخص في صورة الانسان، له يد واحدة، ورجل واحدة ونصف لحية، وفرد عين وهو يقول: " الغوث ! الغوث ! الطريق الطريق ! عافاك الله ! " ففزعت منه ووليت هاربا، ولم أدر أنه الصيد الذي يذكرونه، فلما جازني سمعته يقول وهو يعدو: غدا القنيص فابتكر * بكلب وقت السحر لك النجا وقت الذكر * ووزر ولا وزر أين من الموت المفر ؟ * حذرت لو يغني الحذر


(ذ) الابيات المذكورة في رواية المسعودي السابقة.

[243]

هيهات لن يخطي القدر ! * من القضا أين المفر ! فلما مضى إذا أنا بأصحابي قد جاءوا فقالوا: ما فعل الصيد الذي احتشناه إليك ؟ فقلت لهم: أما الصيد فلم أره ! ووصفت لهم صفة الآدمي الذي مر بي فضحكوا، وقالوا: ذهبت بصيدنا، فقلت: يا سبحان الله ! أتأكلون الناس ؟ ! هذا إنسان ينطق ويقول الشعر ! فقالوا: وهل أطعمناك منذ جئتنا إلا من لحمه قديدا وشواء، فقلت: ويحكم ! أيحل هذا ؟ ! قالوا: نعم ! أن له كرشا وهو يجتر، فلهذا يحل لنا. وروى - أيضا - الحموي (15) عن دغفل (ض) أنه قال: أخبرني بعض العرب أنه كان في رفقة يسير في رمل عالج (ظ)، قال: فأضللنا الطريق، ووقفنا إلى غيضة عظيمة على شاطئ البحر، فإذا نحن بشيخ طويل له نصف رأس، وعين واحدة، وكذلك جميع أعضائه، فلما نظر إلينا مر بحضر الفرس الجواد، وهو يقول: فررت من جور الشراة شدا * إذ لم أجد من الفرار بدا


(ض) دغفل بن حنظلة بن زيد، قال النديم: اسمه حجر ودغفل لقبه. أدرك الرسول، واختلفوا في إدراكه صحبة الرسول، والاصح أنه لم يدرك صحبته. وفد على معاوية أيام خلافته، فسأله عن العربية وعن أنساب الناس، وعن النجوم فأعجبه علمه، فقال له: انطلق إلى يزيد فعلمه أنساب الناس والنجوم والعربية. غرق دغفل يوم دولاب بفارس في وقعة الازارقة قبل سنة ستين هجرية - راجع فهرست النديم ص 131، والمحبر ص 478، وأسد الغابة (2 / 132)، والاصابة (1 / 464) الترجمة المرقمة (2399) وتقريب التهذيب (1 / 236). (ظ) رمل عالج متصل بوبار - معجم البلدان.

[244]

قد كنت دهرا في شبابي جلدا * فها أنا اليوم ضعيف جدا وروى - أيضا - من أحاديث أهل اليمن: إن قوما خرجوا لاقتناص النسناس، فرأوا ثلاثة منهم، فأدركوا واحدا فأخذوه وذبحوه، وتوارى اثنان في الشجر، فلم يقفوا لهما على خبر، فقال الذي ذبحه: " والله إن هذا لسمين أحمر الدم " فقال أحد المستترين في الشجر: " إنه قد أكل حب الصرو - وهو البطم (غ) - وسمن " فلما سمعوا صوته تبادروا إليه، وأخذوه، فقال الذي ذبح الاول: " والله ما أحسن الصمت ! هذا لو لم يتكلم ما عرفنا مكانه "، فقال الثالث: " فها أنا صامت لم أتكلم " فلما سمعوا صوته أخذوه وذبحوه وأكلوا لحومهم (16). وروى - أيضا - عن كتاب أحمد بن محمد الهمداني (آ) أن وبار بنت أرم كانت تنزل ما بين الشجر إلى تخوم صنعاء، وكانت أرض وبار أكثر الارضين خيرا وأخصبها ضياعا، وأكثرها مياها وشجرا وثمرا، فكثرت فيها القبائل حتى شحنت بها أرضهم وعظمت أموالهم، فأشروا وبطروا وطغوا وكانوا قوما جبابرة ذوي أجسام فلم يعرفوا حق نعم الله تعالى. فبدل الله خلقهم، وجعلهم نسناسا: للرجل والمرأة منهم نصف رأس، ونصف وجه، وعين واحدة، ويد واحدة، ورجل واحدة، فخرجوا على وجوههم يهيمون في تلك


(غ) والبطم بضمتين شجر سبط الاوراق له حب مفرطح في عناقيد كالفلفل. (آ) أحمد بن محمد بن إسحاق المعروف بابن الفقيه الهمداني له كتاب البلدان نحو ألف ورقة. توفي سنة (340 ه‍) - فهرست النديم ص 219 وهدية العارفين.

[245]

الغياظ إلى شاطئ البحر يرعون كما ترعى البهائم (17). وروى الطبري (با) نسبهم عن ابن إسحاق، قال: كان بنو أميم بن لاوذ بن سام بن نوح أهل وبار بأرض رمل عالج وكانوا قد كثروا بها وربلوا، فأصابتهم من الله عزوجل نقمة من معصية أصابوها فهلكوا وبقيت منهم بقية وهم الذين يقال لهم النسناس (18). وروى - أيضا - عن ابن الكلبي (جا): أن الملك عبد بن إبرهة بن الرائش بن قيس بن صيفي بن سبأ بن يشجب، غزا ناحية من أقاصي بلاد المغرب فغنم وأصاب مالا وقدم بالنسناس، لهم خلق كثيرة وحشية منكرة، فذعر الناس منه فسمي ذا الاذعار (19). وقال كراع (دا): النسناس، والنسناس في ما يقال: دابة في عداد الوحش تصاد وتؤكل وهي على شكل الانسان بعين واحدة، ورجل، ويد، تتكلم مثل الانسان (20). وعرفه الازهري (ها) وقال: خلق على صورة بني آدم، أشبهوهم في


(با) ورواه عن أهل اليمن - أيضا - محمد بن إسحاق إمام أهل المغازي المتوفى (151 ه‍) كما في ترجمة وبار من معجم البلدان (4 / 899). (جا) ابن الكلبي هو هشام بن محمد الكلبي النسابة المتوفى (204 أو 206 ه‍). (دا) كراع النمل هو أبو الحسن علي بن الحسن الهنائي الازدي المصري. ولقب " كراع النمل " لقصره، عالم بالعربية، له عدة مؤلفات. توفى بعد سنة 309 ه‍. راجع ترجمته بإرشاد الاريب للحموي (5 / 112) وإنباه الرواة للقفطي (2 / 240). (ها) الازهري هو أبو منصور محمد بن أحمد بن الازهر اللغوي، طاف أرض العرب في طلب - >

[246]

شئ وخالفوهم في شئ، وليسوا من بني آدم (21). وعرفه الجوهري (وا) في الصحاح وقال: جنس من الخلق يثب أحدهم على رجل واحدة. وروى الزبيدي في التاج، عن أبي الدقيش (زا) أنه قال: " إنهم من ولد سام بن سام، إخوة عاد وثمود، وليس لهم عقول، يعيشون في الآجام على شاطئ بحر الهند، والعرب يصطادونهم ويكلمونهم، وهم يتكلمون بالعربية ويتناسلون ويقولون الاشعار ويتسمون بأسماء العرب ". وعن المسعودي أنه قال: " له عين واحدة يخرج من الماء ويتكلم، وإذا ظفر بالانسان قتله ". وروى أصحاب نهاية اللغة واللسان، والقاموس، والتاج في لغة النسناس أن في الحديث: " إن حيا من قوم عاد عصوا رسولهم فمسخهم الله نسناسا، لكل


< - اللغة. توفي سنة (370 ه‍) ترجمته في اللباب (1 / 38). (وا) الجوهري: أبو نصر إسماعيل بن حماد أصله من فاراب من بلاد الترك، ارتحل إلى العراق والحجاز وطاف البادية ثم رجع وأقام بنيسابور، صنع جناحين من خشب وربطهما بحبل وصعد سطحا ونادى في الناس: لقد صنعت ما لم أسبق إليه وسأطير الساعة. فازدحم أهل نيسابور ينظرون إليه فتأبط الجناحين ونهض بهما، فخانه اختراعه وسقط قتيلا سنة 343 ه‍. راجع - معجم الادباء (2 / 269)، ولسان الميزان (1 / 400). (زا) أبو الدقيش القناني الغنوي، ذكره النديم في الفهرست (ص 70 ط. مصر ص 47 ط. ليبسك): في الاعراب الفصحاء الذين روى عنهم العلماء. وينظر من هامش الاشتقاق لابن دريد، أنه كان معاصرا للخليل الفراهيدي.

[247]

إنسان منهم يد ورجل من شق واحد ينقزون كما ينقز الطائر، ويرعون كما ترعى البهائم ". وفي القاموس وشرحه التاج: " وقيل: أولئك انقرضوا لان الممسوخ لا يعيش أكثر من ثلاثة أيام كما حققه العلماء، والموجود على تلك الخلقة خلق على حدة، أو هم ثلاثة أجناس: ناس، ونسناس ونسانس (حا) أو النسانس الاناث منهم. وروى في التاج عن العباب أن النسانس أرفع قدرا من النسناس. وروى حديثا عن أبي هريرة: " ذهب الناس وبقي النسناس " (22). ونقل عن السيوطي أنه قال: أما الحيوان الذي يسميه العامة نسناسا فهو نوع من القردة لا يعيش في الماء ويحرم أكله، وأما الحيوان البحري ففيه وجهان، واختار الروياني (طا) وغيره الحل. وعن الشيخ أبي حامد (يا) أنه لا يحل أكل النسناس وأنه على خلقة


(حا) يشبه مثلث السبئية وابن سبأ وابن السوداء. (طا) الروياني نسبة إلى رويان أكبر مدينة بجبال طبرستان وكورة واسعة قال الحموي في ترجمة رويان: نسب إليها طائفة من العلماء منهم أبو المحاسن عبد الواحد بن إسماعيل ابن محمد الروياني الطبري القاضي أحد أئمة الشافعية صنف كتبا كثيرة وصنف في الفقه كتابا كبيرا سماه البحر، قتل بسبب التعصب في مسجد الجامع بآمل سنة (501 أو 502 ه‍). (يا) أبو حامد - محمد بن محمد الغزالي نسبة إلى قرية كانت تسمى غزالة أو نسبة إلى الغزل، - > (*)

[248]

بني آدم. انتهى نقلا عن لغة النسناس في تاج العروس للزبيدي. وروى المسعودي في مروجه وقال: وقد كان المتوكل (كا) في بدء خلافته سأل حنين بن إسحاق أن يتأتى له في حمل أشخاص من النسناس والعربد، فلم يسلم منهم إلى سر من رأى إلا اثنان من النسناس. وقال: " وقد أتينا على شرح هذا الخبر في من أرسل إلى اليمامة في حمل العربد، وإلى بلاد الشحر في حمل النسناس في كتابنا أخبار الزمان " (23). هذه الروايات بإسنادها إلى من رأوا النسناس وسمعوا حديثه، وشعره ويمينه، وقد رأوه بيد واحدة، ورجل واحدة، وعين واحدة، ونصف وجه، رأوه يقفز أشد من عدو الفرس الجواد ! وإلى من شارك في اقتناصه وأكل لحمه شواء وقديدا !


< - لقب بحجة الاسلام، فيلسوف متصوف، له نحو مائتي مصنف. رحل إلى نيسابور وبغداد والحجاز والشام ومصر ثم عاد إلى بلدته طابران وتوفي بها سنة 505 ه‍. (كا) المتوكل على الله: جعفر بن المعتصم بالله بن هارون الرشيد، عاشر الخلفاء العباسيين. اغتيل عام 247 ه‍. وحنين بن إسحاق أبو زيد العبادي، كان أبوه من أهل الحيرة بالعراق: انتهت إليه رياسة العلماء ببغداد. توفي سنة 260 ه‍ - وفيات الاعيان لابن خلكان. والعربد قال المسعودي في (1 / 222): نوع كالحيات تكون ببلاد حجر اليمامة. وسر من رأى تسمى سامراء كانت عاصمة المتوكل في العراق.

[249]

وإلى من استشكل من أكل لحمه لانه إنسان ينطق، ويقول الشعر فقالوا له: إن له كرشا ويجتر، فلهذا يحل أكله ! وإلى من روى أن الخليفة المتوكل أرسل من حكماء عصره من أتى بالنسناس والعربد إليه ! وإلى من ذكر نسب النسناس، وأنه من بني أميم بن لاوذ بن سام بن نوح، وأن الله مسخهم لما تجبروا، وطغوا ! هذه الروايات رواها ونقلها كل من: 1 - نسابة العرب الاقدم دغفل، المتوفى (68 ه‍). 2 - إمام أهل المغازي والسير ابن إسحاق، المتوفى (151 ه‍). 3 - إمام النسابين ابن الكلبي، المتوفى (204 ه‍). 4 - إمام المؤرخين الطبري، المتوفى (310). 5 - مقدم البلدانيين ابن الفقيه الهمداني، المتوفى (340 ه‍). 6 - علامة المؤرخين المسعودي، المتوفى (346 ه‍). 7 - موسوعي البلدانيين الحموي، المتوفى (626 ه‍). 8 - العلامة المشارك في علوم كثيرة علي بن الاثير، المتوفى (630 ه‍). رواها هؤلاء وكثير غير هؤلاء من العلماء الموسوعيين واللغويين في معاجمهم. ورووا غير ما ذكرنا مثل روايتهم في الحديث: " إنهم كانوا من قوم عاد عصوا رسولهم فمسخهم الله نسناسا لكل إنسان منهم يد ورجل من شق واحد، ينقزون كما ينقز الطائر، ويرعون كما

[250]

ترعى البهائم ". وما رووا بأنهم من إخوة عاد يعيشون في الآجام على شاطئ بحر الهند، يتكلمون بالعربية، ويتناسلون، ويقولون الاشعار، ويتسمون بأسماء العرب ! ثم اختلف العلماء في أكل لحمهم فأحله قوم وحرمه آخرون، وفصل السيوطي القول فحرم البري منه وأحل البحري - على قول -. هذه الروايات والآراء وردت من علماء كبار أمثال من ذكرناهم ومثل: 1 - كراع، المتوفى بعد سنة (309 ه‍)، حسب نقل صاحب التاج عنه. 2 - الازهري، المتوفى (370 ه‍)، في التهذيب. 3 - الجوهري، المتوفى (393 ه‍)، في الصحاح. 4 - الروياني، المتوفى (502 ه‍)، حسب نقل التاج عنه. 5 - الغزالي، المتوفى (505 ه‍)، حسب نقل التاج عنه. 6 - ابن الاثير، المتوفى (606 ه‍)، في نهاية اللغة. 7 - ابن منظور، المتوفى (711 ه‍)، في لسان العرب. 8 - الفيروز آبادي، المتوفى (818 ه‍)، في القاموس. 9 - السيوطي، المتوفى (911 ه‍)، حسب نقل التاج عنه. 10 - الزبيدي، المتوفى (1205 ه‍)، في تاج العروس. 11 - فريد وجدي، المتوفى (1373 ه‍)، في دائرة معارفه.

[251]

وهل يشك أحد في النسناس (ذكره وأنثاه) بعد كل ما أورد العلماء فيهم من روايات مرسلة ومسندة، وبعد كل تلك التحقيقات الرشيقة والتأكيدات البليغة ! هل يشك أحد في النسناس، وعنقاء المغرب، وسعلاة البر، وإنسان البحر مع ورود أسمائها وقصصها مرسلة ومسندة في كتب العلماء (لا). وبعد كل ما ذكر العلماء عن الناووسية والغرابية والممطورة والطيارة والسبئية هل يشك أحد في وجود تلكم الفرق في الاسلام ؟ إنا نرى أساطير السبائية شبيهة بأساطير النسناس (ما) في تناقل


(لا) قالوا عن عنقاء المغرب إنها " كان لها أربعة أجنحة من كل جانب، ووجه كوجه الانسان وفيها شبه من كل طائر، وفيها شبه كثير من سائر الحيوانات، وربما اختطفت بعض أولاد الناس " - ابن كثير (13 / 85) وروى المسعودي في مروجه (2 / 212) رواية مسندة فيها تفصيل أكثر عنها. والسعلاة أنثى الغول عند العرب - راجع تاج العروس. لغة الغول (8 / 51) وهما عندهم مخلوقان تخيلوا وجودهما في البراري ورووا عنهما أشعارا وقصصا راجع (مروج الذهب 2 / 134 - 137 باب ذكر أقاويل العرب في الغيلان...) عن عمر بن الخطاب أنه شاهد الغول في بعض أسفاره إلى الشام وكانت تتغول له - أي تتلون وتضلل - فضربها بسيفه. وإنسان البحر ورد ذكره - أيضا - في أساطير العرب وغير العرب. (ما) قد ذكرنا أساطير النسناس وبينا كيفية انتشارها في الكتب زهاء أربعة عشر قرنا، وأوضحنا كيف تناقلها رجال العلم وأساطين الفلسفة ورواد اللغة وأئمة الفقه والتاريخ والسير والانساب. وإن ذلك التواتر في النقل قد يوجب اليقين عند البعض، ضربنا بانتشارها مثلا أسطورة ابن سبأ والسبائية عندهم.

[252]

العلماء أخبارها مدى القرون، مسندة تارة، ومرسلة أخرى. ونرى أن النظر في ما ذكروا فيهما مجردا عن أي رد ونقض كاف لادراك اللبيب زيفهما وسخفهما، مضافا إلى ما في أساطير السبئية من تناقض وتهافت مما يسقط بعضه بعضا ويدحضه ! أما إذا كنا بحاجة إلى مزيد من الكشف عن حقيقة السبائية وابن السوداء وابن سبأ وكيف تطورت الاساطير حولها على مر الزمن، فإلى البحث عنها مفصلا في الفصل الآتي. مصادر عبد الله بن سبأ في كتب أهل المقالات: 1 - الاشعري سعد بن عبد الله، في المقالات والفرق، صفحة (20 - 21). 2 - النوبختي، في فرق الشيعة، صفحة (22 - 23). 3 - الاشعري علي بن إسماعيل، في مقالات الاسلاميين 1 / 85. 4 - الملطي، التنبيه والرد، ص 25 - 26 وص 148. 5 - البغدادي، الفرق، ص 143. 6 - البغدادي، الفرق، ص 123، 138 و 18 و 39، واختصار الفرق لعبد الرزاق، ص 133 و 142 - 144 و 22 و 45 و 57. 7 - ابن حزم، الفصل، ط. محمد علي صبيح (4 / 142 وط. التمدن 4 / 186) و (4 / 138). 8 - البدء والتاريخ (5 / 129 - 130).

[253]

9 - الذهبي، في ميزان الاعتدال، ترجمة عبد الله بن سبأ المرقمة (4342). 10 - ابن حجر، في لسان الميزان (3 / 289) الترجمة المرقمة (1225). 11 - المقريزي، في الخطط (4 / 182) و (4 / 175) في الفرقة الخامسة من الفرقة التاسعة من الروافض. قال ابن خلدون في مقدمته ص 198 ط. 3 بيروت: ومنهم - الامامية - طوائف يسمون الغلاة تجاوزوا حد العقل والايمان في القول بألوهية هؤلاء الائمة، إما على أنهم بشر اتصفوا بصفات الالوهية، أو أن الاله حل في ذاته البشرية، وهو قول بالحلول يوافق مذهب النصارى في عيسى (ع)، ولقد حرق علي (رض) بالنار من ذهب فيه إلى ذلك منهم. 12 - مروج الذهب 2 / 208 - 210. 13 - معجم البلدان (3 / 263) بترجمة شحر. 14 - معجم البلدان (4 / 899 - 900) بترجمة وبار. 15 - معجم البلدان بترجمة وبار. 16 - معجم البلدان بترجمة وبار، ورواه المسعودي مع اختلاف يسير في مروجه (2 / 208 - 210). 17 - ترجمة وبار من معجم البلدان، وورد مختصره في مختصر البلدان لابن الفقيه ص 38. 18 - الطبري (1 / 214) وابن الاثير (1 / 58). 19 - الطبري (1 / 441 - 442).

[254]

20 - راجع لغة النسناس من لسان العرب لابن منظور، وتاج العروس للزبيدي. 21 - راجع لغة النسناس من لسان العرب، والقاموس المحيط للفيروز آبادي. 22 - راجع ابن الاثير في نهاية اللغة. 23 - مروج الذهب (1 / 222). 24 - مروج الذهب (2 / 211) أورد هنا أخبار النسناس وشك في صحتها.

[255]

حقيقة ابن سبأ والسبئية

[257]

كانت السبئية تدل على الانتساب إلى قبائل اليمن من سلالة سبأ ابن يشجب. ولقب بالسبئية عدد كبير من رواة الحديث في الصحاح واشتهروا بها في بلاد المغرب واليمن إلى أواسط القرن الثالث، ثم تطورت وأصبحت نبزا ينبز بها بعض شيعة علي وأصحاب المختار من أفراد القبائل السبائية، ثم أطلق على عامة شيعة علي من أفراد تلك القبائل. ثم اختلق سيف الاسطورة السبئية ورواها عنه الطبري ومن الطبري أخذ المؤرخون. ثم تطورت الاسطورة على أفواه الناس وتكثرت، ومن أفواه الناس أخذ أصحاب كتب الملل والنحل. وأخيرا اشتهرت السبئية في الفرقة المذهبية ونسيت دلالتها على المنسوبين إلى قبائل سبأ. أما ابن سبأ فهو عبد الله بن وهب السبائي رأس الخوارج في نهروان. وابن السوداء نبز ينبز به من كانت أمه سوداء.

[259]

نسجت تلك الاساطير التي ذكرناها في ما سبق والروايات معها حول ثلاثة أسماء وهي: أ - عبد الله بن سبأ. ب - عبد الله بن السوداء. ج - السبئية والسبائية. ولابد لنا - لمعرفة الحقيقة - من البحث عن كل واحد من تلكم الاسماء على حدة بما يتسع له المجال. أولا: السبائية والسبئية: السبائية والسبئية (أ) مثل اليمانية واليمنية وزنا ومعنى. روى الترمذي في تفسير سورة سبأ من سننه، وأبو داود في كتاب الحروف من سننه واللفظ للاول: "... قال رجل: يا رسول الله وما سبأ ؟ أرض أو امرأة ؟ قال: ليس بأرض ولا امرأة، ولكنه رجل ولد عشرة من العرب فتيامن منهم ستة، وتشاءم منهم أربعة، فأما الذين تشاءموا فلخم وجذام وغسان وعاملة، وأما الذين تيامنوا فالازد والاشعريون وحمير ومذحج وإنمار وكندة ".


(أ) راجع معاجم اللغة.

[260]

وقال ابن حزم (ت: 456 ه‍) في ذكر نسب اليمانية (جمهرة أنساب العرب): " اليمانية كلها راجعة إلى ولد قحطان " ثم عد فروع سبأ وقال عن بعضهم: " هم السبائيون ليس لهم نسب يذكر دون سبأ ". قال ابن ماكولا (ت: 475 ه‍) في الاكمال: " أما السبئي بسين مهملة مفتوحة وباء معجمة مفتوحة وهمزة مكسورة فهو عدد كثير عامتهم بمصر... ". قال السمعاني (ت: 562 ه‍) في مادة (السبئي) من أنسابه: " السبئي - هذه النسبة بفتح السين المهملة والباء المنقوطة من تحتها بنقطة واحدة وفتحها إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان ". وفي مادة السبئي من كتاب عجالة المبتدي، لابي بكر الحازمي الهمداني (ت: 584 ه‍): " السبئي منسوب إلى سبأ واسمه عامر بن يشجب ابن يعرب بن قحطان ". وفي نسخة منه: قد نظم ذلك من قال: " لسبأ بن يشجب بن يعرب * سليل قحطان قريع العرب نسب خير مرسل، بنينا * عشرة: الازد الاشعرينا وحميرا ومذحجا وكندة * أنمار سادسا لهم في العدة وقد تيامنوا ومن أشأم له * غسان لخم وجذام عاملة " وقال ياقوت الحموي (ت: 626 ه‍) في مادة (سبأ) من معجم البلدان: " سبأ بفتح أوله وثانيه وهمز آخره وقصره أرض باليمن مدينتها مأرب " وقال: " وسميت هذه الارض بهذا الاسم لانها كانت منازل ولد سبأ ابن يشجب بن يعرب ".

[261]

وقال ابن منظور (ت: 711 ه‍) في مادة (سبأ) من لسان العرب: " سبأ اسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن يصرف على إرادة الحي ويترك صرفه على إرادة القبيلة... وهو سبأ بن يشجب... ويمد ولا يمد ". وقال ابن خلدون (ت: 808 ه‍) في تاريخه: " أما أهل اليمن فإنهم من ولد سبأ " وقال في ذكر الطبقة الثانية من العرب: " واعلم أن أهل هذا الجيل من العرب يعرفون باليمنية والسبئية ". وقال بعد ذكر من سار من قبائل قحطان إلى الشام والعراق: " هذا شأن من أوطن العراق من قبائل سبأ، تشاءم منهم أربعة وبقي باليمن ستة، وهم: مذحج وكندة والاشعريون، وحمير، وأنمار وهو أبو خثعم وبجيلة " وقال: " والانصار من ولد سبأ " " وخزاعة من سبأ، والاوس والخزرج منهم ". وقال الذهبي (ت: 748 ه‍) في مادة السبائي من المشتبه: " السبائي - طائفة بمصر منهم:... وعبد الله بن هبيرة السبائي وآخرون ". وقال ابن حجر (ت: 852 ه‍) في مادة " سبأ " من تبصير المنتبه: " سبأ والد القبيلة ". وفي مادة " السبئي ": " السبئي " بالفتح وفتح الموحدة الخفيفة بلا مد ثم همزة مكسورة، منهم... وعبد الله بن هبيرة السبئي وآخرون ". وفيما يلي ترجمة رواة الحديث السبائيين.

[262]

رواة الحديث السبائيين: 1 - أبو هبيرة عبد الله بن هبيرة السبائي: وردت ترجمته في الجمع بين رجال الصحيحين لابن القيسراني (ت: 507 ه‍) قال في باب أفراد مسلم من ترجمة عبد الله: " عبد الله بن هبيرة السبائي المصري سمع أبا تميم ". وله ترجمة واسعة في تهذيب التهذيب ذكر شيوخه وتلاميذه وإجماع العلماء على توثيقه وقال: ولد سنة الجماعة (أي عام 40 من الهجرة) ومات سنة ست وعشرين ومائة، وقال في تقريب التهذيب: " عبد الله بن هبيرة بن أسعد السبائي الحضرمي أبو هبيرة المصري، ثقة من الثالثة، مات وله خمس وثمانون سنة ". وعد في الكتابين ممن روى عنه من أصحاب الصحاح والسنن كلا من: مسلم في صحيحه، والترمذي، وأبي داود والنسائي، وابن ماجة في سننهم، وروى عنه أحمد في مسند أبي بصرة الغفاري (ب). وذكره الذهبي في تاريخ الاسلام ممن روى عن عبد الله بن زوير (ج). 2 - عمارة بن شبيب السبائي: ترجم في عداد الصحابة بكل من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة.


(ب) رجعنا إلى تهذيب التهذيب وتقريبه لمعرفة من روى من أصحاب الصحاح عن الرواة السبائيين. (ج) الذهبي في تاريخ الاسلام (3 / 175) وأخطأ في تاريخ وفاته وقال: " توفي سنة ثمانين ".

[263]

قال في الاستيعاب: " عمارة بن شبيب السبائي - مذكور في الصحابة روى عنه أبو عبد الرحمن الحبلي، يعد في أهل مصر ". وزاد في أسد الغابة روايته عن رسول الله (ص) وختم ترجمته بقوله: " السبائي بالسين المهملة والباء الموحدة نسبة إلى سبأ ". وروى بترجمته في الاصابة أنه مات سنة خمسين. وذكره البخاري صاحب الصحيح في تاريخه الكبير وذكر روايته وعلله، وترجمه ابن حجر في تهذيب التهذيب وتقريبه وذكر أنه قد روى عنه كل من الترمذي والنسائي في سننه. 3 - أبورشدين حنش السبائي: قال ابن حجر في تهذيب التهذيب وتقريبه: حنش بن عبد الله عمرو بن حنظلة السبائي أبورشدين الصنعاني من صنعاء دمشق، ثقة، روى عنه كل من: مسلم في صحيحه، والنسائي في المجتبى، والترمذي وابن ماجة وأبي داود في سننهم. وزاد عليه الذهبي في تاريخه: غزا المغرب وسكن إفريقية ولهذا عامة الصحابة مصريون وتوفي غازيا إفريقيا سنة مائة. وقال ابن عبد الحكم (ت: 257 ه‍) في كتاب فتوح إفريقيا: إن المسلمين لما فتحوا سردانية (د) غلوا يومئذ غلولا (ه‍) كثيرا فلما


(د) سردانية: مدينة كانت في جزيرة صقلية أو غيرها من جزر البحر الابيض المتوسط الذي - >

[264]

ركبوا السفن غرقوا جميعا إلا عبد الرحمن الحبلي وحنش بن عبد الله السبائي فإنهما لم يكونا نديا من الغلول بشئ (ه‍). 4 - أبو عثمان الحبشاني، مات سنة 261 ه‍. 5 - أزهر بن عبد الله السبائي، مصري توفي سنة 205 ه‍. 6 - أسد بن عبد الرحمن السبائي الاندلسي، ولي قضاء كورة البيرة (و). كان حيا بعد سنة خمسين ومائة. 7 - سليمان بن بكار السبائي، من أهل اليمن. 8 - جبلة بن زهير السبائي، من أهل اليمن. هؤلاء إلى بضعة عشر راويا غيرهم ذكرهم السمعاني وابن ماكولا في مادة السبائي، وذكرا شيوخهم وتلاميذهم. وقد لقب كل منهم بالسبائي لانتسابه إلى سبأ بن يشجب، وكان فيهم من عاش بمصر، ومنهم من كان بالاندلس، وفي اليمن ومدن أخرى، واستمر ذلك إلى أواسط القرن الثالث الهجري. وروى عنهم أصحاب الصحاح والسنن ومسانيد الحديث دونما توقف في أمرهم أو تضعيفهم بل وثقوهم، في حين كان الانتساب إلى شيعة الامام علي تضعيف للراوي وموجبا لسقوط روايته عن الاعتبار، ويدل ذلك على أن الاشتهار بالسبائي لم يكن يدل على غير الانتساب إلى القبيلة السبائية


< - يسميها ياقوت ببحر المغرب قال: فتحت سنة 92 ه‍ - راجع مادة سردانية بمعجم البلدان. (ه‍) ماندي بشئ منه أي ما نال منه، وغل غلولا: أخذ من الغنائم سرا وخيانة. (و) البيرة: عدة مواضع في بلاد الشرق والغرب.

[265]

القحطانية عندهم وفي زمانهم. ولا يقتصر الامر على رواة الحديث الذين وردت أسمائهم عند ابن ماكولا والسمعاني، بل يجد الباحث المتتبع كثيرا من أعلام السبائيين في كتب تراجم الصحابة ورواة الحديث مثل سعد السبائي، فقد قال ابن حجر بترجمته في الاصابة: " سعد السبائي - ذكره الواقدي في من أسلم على عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل سبأ ". كل ذلك يدل على أن السبائية دلت على الانتساب إلى الفرقة المذهبية بعد القرون الاولى. يبقى بعد هذا أن نبحث عن منشأ تغيير مدلول لفظ السبائي في ما يلي: منشأ تغيير مدلول " السبائي ": ولو بحثنا عن منشأ تغيير مدلول لفظ (السبائي) من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان اليمانية، إلى المدلول المذهبي الجديد لوجدناه ينتهي إلى زمان تجمع القبائل السبئية، من شيعة علي في الكوفة بعد نصرتها إياه في الجمل وصفين وغيرهما بقيادة رؤوسهم وأشرافهم أمثال: 1 - عمار بن ياسر العنسي السبائي. 2 - مالك بن الاشتر وكميل بن زياد النخعيين السبائيين وأفراد قبيلتهما. 3 - حجر بن عدي الكندي السبائي وأفراد قبيلته وجماعته وتلاميذه.

[266]

4 - عدي بن حاتم الطائي السبائي وأفراد قبيلته. 5 - قيس بن سعد بن عبادة الخزرجي السبائي والخزرجيين من الانصار معه. 6 - ذي الشهادتين خزيمة بن ثابت، وسهل بن حنيف، وعثمان بن حنيف السبائيين وسائر الاوسيين من الانصار معهم. 7 - عبد الله بن بديل، وعمرو بن الحمق، وسليمان بن صرد الخزاعيين السبائيين وأفراد قبيلتهم. هؤلاء إلى عشرات الالوف من قبائلهم السبائية كانوا من ألد الخصوم للسلطة الاموية القرشية العدنانية منذ عصر عثمان وحتى آخر يوم من عصر الدولة الاموية، وإلى آخر ساعة من حياة كل فرد من أولئك الشيعة. كان كل أولئك سبائيين بالنسب، وقيل لهم: (السبئيون) تعييرا ونبزا بالالقاب ابتداء من عصر زياد بن أبيه في الكوفة. كما ورد في كتاب زياد الآتي إلى معاوية: " بسم الله الرحمن الرحيم: لعبدالله معاوية أمير المؤمنين. أما بعد، فإن الله قد أحسن عند أمير المؤمنين البلاء فكاد له عدوه وكفاه مؤونة من بغى عليه، إن طواغيت من هذه الترابية السبائية رأسهم حجر بن عدي، خالفوا أمير المؤمنين، وفارقوا جماعة المسلمين، ونصبوا لنا الحرب، فأظهرنا الله عليهم وأمكننا منهم، وقد دعوت خيار أهل المصر وأشرافهم وذوي السن والدين منهم، فشهدوا عليهم بما رأوا وعملوا، وقد بعثت بهم إلى أمير المؤمنين، وكتبت شهادة صلحاء أهل المصر وخيارهم في

[267]

أسفل كتابي هذا ". لما وصف زياد حجرا وجماعته ب‍ (الترابية السبائية) استشهد أهل مصرهم عليهم فشهدوا عليهم بما يلي استجابة لرغبته: روى الطبري قال: " بعث زياد إلى أصحاب حجر حتى جمع منهم اثني عشر رجلا في السجن، ثم إنه دعا رؤوس الارباع فقال: اشهدوا على حجر بما رأيتم منه. وكان رؤوس الارباع يومئذ: عمرو بن حريث على ربع أهل المدينة. وخالد بن عرفطة على ربع تميم وهمدان. وقيس بن الوليد بن عبد شمس بن المغيرة على ربع ربيعة وكندة. وأبو بردة بن أبي موسى - الاشعري - على مذحج وأسد. فشهد هؤلاء الاربعة بما يلي: إن حجرا جمع إليه الجموع وأظهر شتم الخليفة ودعا إلى حرب أمير المؤمنين، وزعم أن هذا الامر لا يصلح إلا في آل أبي طالب، ووثب بالمصر وأخرج عامل أمير المؤمنين، وأظهر عذر أبي تراب والترحم عليه والبراءة من عدوه وأهل حربه. وإن هؤلاء النفر الذين معه هم رؤوس أصحابه وعلى مثل رأيه وأمره ". قال الطبري: " ونظر زياد في شهادة الشهود فقال: ما أظن هذه الشهادة قاطعة، وإني لاحب أن تكون الشهود أكثر من أربعة ". ثم روى الطبري الشهادة التي نظمها زياد كما يلي:

[268]

" بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما شهد عليه أبو بردة بن أبي موسى لله رب العالمين، شهد أن حجر بن عدي خلع الطاعة وفارق الجماعة ولعن الخليفة ودعا إلى الحرب والفتنة وجمع إليه الجموع يدعوهم إلى نكث البيعة وخلع أمير المؤمنين معاوية وكفر بالله عزوجل كفرة صلعاء " (و). فقال زياد: على مثل هذه الشهادة فاشهدوا. أما والله لاجهدن على قطع خيط عنق الخائن الاحمق، فشهد رؤوس الارباع على مثل شهادته، وكانوا أربعة. ثم إن زيادا دعا الناس فقال اشهدوا على مثل شهادة رؤوس الارباع. قال الطبري: قال زياد: " ابدأوا بقريش ثم اكتبوا اسم من نعرفه ويعرفه أمير المؤمنين بالنصيحة والاستقامة. فشهد عليه سبعون رجلا، فقال زياد: القوهم إلا من عرف... ". ثم ذكر الطبري أسماء من أثبت من الشهود وفيهم عمر بن سعد،


(و) الصلعاء كل خطة مشهورة، والداهية، ويقصد بكفرة حجر نكثه البيعة وخلعه معاوية على حد زعم أبي موسى الاشعري ربيب نعمة الامويين. ونظير هذا قول الحجاج في ابن الزبير بعد قتله فإنه قال في خطبته لاهل مكة: " أيها الناس ! أن عبد الله بن الزبير كان من خيار هذه الامة حتى رغب في الخلافة ونازعها أهلها وألحد في الحرم فأذاقه الله حر الحديد... " تاريخ ابن كثير 8 / 331 - وقال لامه: " إن ابنك ألحد في هذا البيت.. " تاريخ الاسلام للذهبي 3 / 136 وكان يقصد من إلحاد ابن الزبير في البيت والحرم منازعته بني أمية الخلافة وهو في البيت والحرم كما هو ظاهر من قوله.

[269]

وشمر بن ذي الجوشن، وشبث بن ربعي، وزجر بن قيس (ز). قال الطبري: وشهد شداد بن المنذر بن الحارث بن وعلة الذهلي، وكان يدعى ابن بزيعة (ح). فقال زياد: أما لهذا أب ينسب إليه ؟ ألغوه من الشهود، فقيل له: إنه أخو الحصين بن المنذر، فقال: انسبوه إلى أبيه. فنسب، فبلغ ذلك شدادا، فقال: والهفاه على ابن الزانية ! أو ليست أمه أعرف من أبيه ؟ فهو والله ما ينسب إلا إلى أمه سمية. قال الطبري: وكتب في الشهود شريح بن الحارث، وشريح بن هاني (ط) فأما شريح بن الحارث فقال: سألني عنه فقلت: أما إنه كان صواما قواما. وأما شريح بن هانئ فقال: بلغني أن شهادتي كتبت فأكذبته ولمته. كتب كتابا إلى معاوية وبعث به إليه بيد وائل بن حجر، وفي الكتاب:


(ز) عمر بن سعد القرشي الزهري قائد الجيش الذي أرسله ابن زياد لقتال الحسين في كربلاء، قتله المختار. وشبث بن ربعي تأتي ترجمته وزجر بن قيس كلاهما كانا في ذلك الجيش وشمر ابن ذي الجوشن قاتل الامام الحسين (ع). (ح) شداد بن المنذر من بني عامر بن ذهل بن ثعلبة من قبائل بكر بن وائل العدنانية. (ط) القاضي شريح بن الحارث الكندي أبو أمية نسبه في جمهرة ابن حزم (ص 425) وترجمته في طبقات ابن سعد. وشريح بن هانئ بن يزيد من بني الحارث من قبائل مالك بن أدد القحطاني من أصحاب علي. له رواية (أنساب ابن حزم ص 417).

[270]

بلغني أن زيادا كتب شهادتي، وإن شهادتي على حجر أنه ممن يقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويديم الحج والعمرة، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، حرام الدم والمال، فإن شئت فاقتله، وإن شئت فدعه. فلما قرأ معاوية الكتاب، قال: ما أرى هذا إلا قد أخرج نفسه من شهادتكم. وكتب شهادة السري بن وقاص الحارثي وهو غائب في عمله. وصف زياد حجرا وجماعته ب‍ (الترابية السبائية) واستشهد عليهم من شهد عليه بما مر ! فمن هو حجر ؟ وما هي قصة سبائيته ؟ هو حجر بن عدي بن معاوية من بني معاوية بن كندة من قبائل سبأ بن يشجب. قالوا في ترجمته ما يلي: في طبقات ابن سعد وأسد الغابة والاصابة: وفد على النبي هو وأخوه هانئ وشهد القادسية، وهو الذي افتتح مرج عذراء (ي). * في طبقات ابن سعد: كان جاهليا إسلاميا وكان في ألفين وخمسمائة من العطاء. وكان ثقة


(ي) القادسية وقعة للمسلمين مع الفرس في العراق في عصر الخليفة عمر بقيادة سعد بن أبي وقاص. ومرج عذراء قرية بغوطة دمشق.

[271]

عينا ولم يرو عن غير علي شيئا. * في المستدرك للحاكم: أحد الصحابة العدول، راهب أصحاب محمد. * في الاستيعاب: كان من فضلاء أصحاب محمد، وكان مستجاب الدعوة. * في أسد الغابة: وكان من فضلاء الصحابة، وكان على كندة بصفين، وعلى الميسرة يوم النهروان، وشهد الجمل - أيضا - مع علي، وكان من أعيان الصحابة. وقال: وهو المعروف بحجر الخير. * في سير النبلاء: كان شريفا مطاعا أمارا بالمعروف مقدما على الانكار، من شيعة علي (رض) شهد صفين أميرا وكان ذا صلاح وتعبد. * في تاريخ الاسلام للذهبي: لحجر صحبة ووفادة، وكان صالحا عابدا. يلازم الوضوء ويكثر الامر بالمعروف والنهي عن المنكر. * في تاريخ ابن كثير: وفد إلى رسول الله وكان من عباد الله وزهادهم، وكان بارا بأمه. وكان كثير الصلاة والصيام، وما أحدث إلا توضأ (ك)، وما توضأ إلا


(ك) في ترجمته بطبقات ابن سعد حدث غلام لحجر قال: قلت لحجر: إني رأيت ابنك دخل الخلاء ولم يتوضأ، قال: ناولني الصحيفة من الكوة، فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما سمعت علي بن أبي طالب يذكر: أن الطهور نصف الايمان.

[272]

صلى. * وفي الاصابة: صحب عليا فكان من شيعته، وشهد موت أبي ذر بالربذة. وروى: أنه أصابته جنابة، فقال للموكل به: أعطني شرابي أتطهر به، ولا تعطني غدا شيئا. فقال: أخاف أن تموت عطشا فيقتلني معاوية. قال: فدعا الله فانسكبت له سحابة بالماء، فأخذ منها الذي احتاج إليه. فقال له أصحابه: أدع الله أن يخلصنا ! فقال: اللهم خر لنا. هذا هو حجر. وأما قصة سبائيته، فقد روى الطبري في أول باب أحداث سنة إحدى وخمسين وقال في (حديث حجر وأصحابه): أن معاوية بن أبي سفيان لما ولى المغيرة بن شعبة الكوفة في جمادى سنة 41 دعاه وقال له: قد أردت إيصاءك بأشياء كثيرة فأنا تاركها اعتمادا على بصرك بما يرضيني ويسعد سلطاني ويصلح به رعيتي، ولست تاركا إيصاءك بخصلة: لا تتحم (ل) عن شتم علي وذمه، والترحم على عثمان والاستغفار له، والعيب على أصحاب علي والاقصاء لهم وترك الاستماع منهم، وبإطراء شيعة عثمان رضوان الله عليه والادناء لهم والاستماع منهم. فقال المغيرة:


(ل) لا تتحم، تحمى: امتنع.

[273]

قد جربت وجديت، وعملت قبلك لغيرك فلم يذمم بي دفع ولا رفع ولا وضع، فستبلو فتحمد أو تذم. قال معاوية: بل نحمد إن شاء الله. قال الطبري (م): وأقام المغيرة عاملا لمعاوية سبع سنين وأشهرا وهو من أحسن شئ سيرة وأشده حبا للعافية غير أنه لا يدع ذم علي والوقوع فيه، والعيب لقتلة عثمان واللعن لهم، والدعاء لعثمان بالرحمة، والاستغفار له، والتزكية لاصحابه، فكان حجر بن عدي إذا سمع ذلك، قال: بل إياكم فذمم الله ولعن، ثم قام، فقال: إن الله عزوجل يقول: كونوا قوامين بالقسط شهداء لله، وأنا أشهد أن من تذمون وتعيرون لاحق بالفضل، وأن من تزكون وتطرون أولى بالذم. فيقول المغيرة: يا حجر، لقد رمي بسهمك إذ كنت أنا الوالي عليك ! يا حجر ويحك ! اتق السلطان ! اتق غضبه وسطوته ! فإن غضبة السلطان أحيانا مما يهلك أمثالك كثيرا، ثم يكف عنه ويصفح، فلم يزل حتى كان في آخر إمارته، قام المغيرة فقال في علي وعثمان كما كان يقول، وكانت مقالته: اللهم ارحم عثمان بن عفان، وتجاوز عنه، واجزه بأحسن عمله فإنه عمل بكتابك، واتبع سنة نبيك (ص)، وجمع كلمتنا، وحقن دماءنا وقتل مظلوما، اللهم فارحم أنصاره وأولياءه ومحبيه والطالبين بدمه. ويدعو على قتلته (ن) فقام حجر بن عدي فنعر نعرة بالمغيرة سمعها كل من كان في المسجد وخارجا منه وقال:


(م) نقصد ب‍ (قال) في ما يلي ما ورد في روايته. (ن) حذف الطبري من الخبر شتمه ولعنه وكتب محلهما جملة (ويدعو على قتلته).

[274]

إنك لا تدري بمن تولع من هرمك ! أيها الانسان ! مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنك قد حبستها عنا وليس ذلك لك، ولم يكن يطمع في ذلك من كان قبلك، وقد أصبحت مولعا بذم أمير المؤمنين وتقريض المجرمين. قال: فقام معه أكثر من ثلثي الناس يقولون: صدق والله حجر وبر، مر لنا بأرزاقنا وأعطياتنا، فإنا لا ننتفع بقولك هذا، ولا يجدي علينا شيئا. وأكثروا في مثل هذا القول ونحوه. فنزل المغيرة واستأذن عليه قومه فأذن لهم، فقالوا: علام تترك هذا الرجل يقول هذه المقالة، ويجترئ عليك في سلطانك هذه الجرأة ؟ ! إنك تجمع على نفسك بهذا خصلتين: أما أولهمافتهوين سلطانك !، وأما الاخرى: فإن ذلك إن بلغ معاوية كان أسخط له عليك. قال: فقال لهم المغيرة بن شعبة: إني قد قتلته، إنه سيأتي أمير بعدي فيحسبه مثلي فيصنع به شبيها بما ترونه يصنع بي، فيأخذه عند أول وهلة فيقتله شر قتلة، إنه قد اقترب أجلي وضعف عملي، ولا أحب أن ابتدئ أهل هذا المصر بقتل خيارهم وسفك دمائهم، فيسعدوا بذلك وأشقى، ويعز في الدنيا معاوية، ويذل يوم القيامة المغيرة، ولكني قابل من محسنهم وعاف عن مسيئهم، وحامد حليمهم وواعظ سفيههم حتى يفرق بيني وبينهم الموت، وسيذكرونني لو قد جربوا العمال بعدي. روى الطبري وقال:


كذا ورد في تاريخ الطبري، والاصح أن يقال: (أولاهما) لان الخصلة مؤنثة. (م)

[275]

" فولي المغيرة الكوفة سنة 41 في جمادى وهلك سنة 51 فجمعت الكوفة والبصرة لزياد بن أبي سفيان فأقبل زياد حتى دخل القصر بالكوفة ". في طبقات ابن سعد والنبلاء للذهبي: ولما قدم زياد واليا دعا بحجر فقال: تعلم أني أعرفك، وقد كنت أنا وإياك على ما قد علمت من حب علي بن أبي طالب، وإنه قد جاء غير ذلك. وإني أنشدك الله أن تقطر لي من دمك قطرة فأستفرغه كله، إملك عليك لسانك وليسعك منزلك، وهذا سريري فهو مجلسك، وحوائجك مقضية لدي، فاكفني نفسك فإني أعرف عجلتك. فأنشدك الله يا أبا عبد الرحمن في نفسك، وإياك وهذه السفلة وهؤلاء السفهاء أن يستزلوك عن رأيك، فإنك لو هنت علي أو استخففت بحقك، لم أخصك بهذا من نفسي. فقال حجر: قد فهمت. ثم انصرف إلى منزله فأتاه إخوانه من الشيعة فقالوا: ما قال لك الامير ؟: قال: قال لي كذا وكذا، قالوا: ما نصح لك. فأقام وفيه بعض الاعتراض (س) وكانت الشيعة يختلفون إليه ويقولون: إنك شيخنا وأحق الناس بإنكار هذا الامر، وكان إذا جاء إلى المسجد مشوا معه. فأرسل إليه عمرو بن حريث - وهو يومئذ خليفة زياد على الكوفة وزياد بالبصرة -: أبا عبد الرحمن ! ما هذه الجماعة وقد أعطيت الامير من نفسك ما قد


(س) يقصد فأقام وفيه بعض الاعتراض على لعنهم الامام عليا وهذا هو المقصود في قول الشيعة له: (وأحق الناس بإنكار هذا الامر) وقول حجر لرسول عمرو بن حريث: (تنكرون ما أنتم فيه).

[276]

علمت ؟ ! فقال للرسول: تنكرون ما أنتم فيه، إليك ! وراءك أوسع لك ! فكتب عمرو بن حريث بذلك إلى زياد. وكتب إليه: إن كانت لك حاجة في الكوفة فالعجل ! فأغذ زياد السير حتى قدم الكوفة. وروى الطبري وقال: فشخص إلى الكوفة حتى دخلها فأتى القصر فدخله ثم خرج فصعد المنبر وعليه قباء سندس ومطرف خز أخضر قد فرق شعره، وحجر جالس في المسجد حوله أصحابه أكثر ما كانوا. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: فإن غب البغي والغي وخيم، إن هؤلاء جموا فأشروا وأمنوني فاجترأوا علي، وأيم الله لئن لم تستقيموا لاداوينكم بدوائكم ! وقال: ما أنا بشئ إن لم أمنع باحة الكوفة من حجر، وأدعه نكالا لمن بعده ! ويل أمك يا حجر ! سقط العشاء بك على سرحان. وفي رواية أخرى بعدها قال: خطب زياد يوما في الجمعة فأطال الخطبة وأخر الصلاة فقال له حجر ابن عدي: الصلاة، فمضى في خطبته، ثم قال: الصلاة، فمضى في خطبته. فلما خشي حجر فوت الصلاة (ع) ضرب بيده إلى كف من الحصا وثار إلى


(ع) قال ابن عبد البر في الاستيعاب: " ولما ولى معاوية زيادا العراق وما وراءها وأظهر من الغلظة وسوء السيرة ما أظهر - >

[277]

الصلاة وثار الناس معه، فلما رأى ذلك زياد نزل فصلى بالناس، فلما فرغ من صلاته كتب إلى معاوية في أمره وكثر عليه، فكتب إليه معاوية أن شده في الحديد واحمله إلي. وقال في رواية أخرى بعدها ما ملخصها أن زيادا أرسل إليه الشرطة ليأتوه به. فقال أصحابه: لا يأتيه ولا كرامة. فأمر صاحب الشرطة نفرا فأتوه فقالوا: أجب الامير، فسبوهم، قال: فوثب زياد بأشراف أهل الكوفة، فقال: يا أهل الكوفة ! أتشجعون بيد وتأسون بأخرى ؟ ! أبدانكم معي وأهواؤكم مع حجر ! هذا الهجهاجة الاحمق المذبوب (ف) ! أنتم معي وإخوانكم وأبناؤكم وعشائركم مع حجر ! هذا والله من دحسكم وغشكم ! والله لتظهرن لي برأتكم أو لآتينكم بقوم أقيم بهم أودكم وصعركم ! فوثبوا إلى زياد، فقالوا: معاذ الله سبحانه أن يكون لنا في ما ها هنا رأي إلا طاعتك وطاعة أمير المؤمنين ! وكل ما ظننا أن فيه رضاك وما يستبين به طاعتنا وخلافنا لحجر، فمرنا به ! قال: فليقم كل امرئ منكم إلى هذه الجماعة حول حجر فليدع كل


< - خلعه حجر ولم يخلع معاوية، وتابعه جماعة من أصحاب علي وشيعته، وحصبه يوما في تأخير الصلاة... ". وأكد ذلك - أيضا - كل من ابن الاثير في أسد الغابة، وابن حجر في الاصابة. (ف) تشجون بيد: تحزون بيد. وتأسون بيد وتداوون الجرح بيد، والهجهاجة: الكثير الشر الخفيف العقل، والمذبوب: المجنون.

[278]

رجل منكم أخاه وابنه وذا قرابته ومن يطيعه من عشيرته حتى تقيموا عنه كل من استطعتم أن تقيموه. ففعلوا ذلك فأقاموا جل من كان مع حجر بن عدي، فلما رأى زياد أن جل من كان مع حجر أقيم عنه قال لامير شرطته: انطلق إلى حجر فإن تبعك فأتني به، وإلا فمر من معك فلينتزعوا عمد السوق ثم يشدوا بها عليهم حتى يأتوني به ويضربوا من حال دونه. فأتاه رئيس الشرطة فقال: أجب الامير. فقال أصحاب حجر: لا، ولا نعمة عين، لا نجيبه ! فقال لاصحابه: شدوا على عمد السوق ! فاشتدوا إليها، فأقبلوا بها قد انتزعوها. فقال عمير بن يزيد الكندي من بني هند وهو أبوالعمرطة: إنه ليس معك رجل معه سيف غيري وما يغني عنك ! قال: فما ترى ؟ قال: قم من هذا المكان فالحق بأهلك يمنعك قومك. فقام زياد ينظر إليهم وهو على المنبر، فغشوا بالعمد فضرب رجل من الحمراء - يقال له: بكر بن عبيد - رأس عمرو بن الحمق بعمود (ص) فوقع


(ص) روى الطبري عن عبد الله بن عوف الاحمر: أنه بينما كان يدخل بالكوفة بعد مقتل مصعب بعام، قال: " فإذا أنا بأحمري يسايرني ووالله ما رأيته من ذلك اليوم الذي ضرب فيه عمرو بن الحمق وما كنت أرى لو رأيته أن أعرفه فلما رأيته ظننت أنه هو، وذاك حين نظرنا إلى أبيات الكوفة فكرهت أن أسأله: أنت الضارب عمرو بن الحمق بالعمود في المسجد فيكابرني، فقلت له: ما رأيتك من اليوم الذي ضربت فيه رأس عمرو بن الحمق في المسجد إلى يومي هذا، ولقد عرفتك الآن حين رأيتك. فقال لي: - >

[279]

فحمله رجلان من الازد وأتيا به دار رجل من الازد فخبأه بها فلم يزل بها متواريا حتى خرج منها. قال الطبري: وانحاز أصحاب حجر إلى أبواب كندة، وضرب رجل من الشرطة عبد الله بن خليفة الطائي بعمود فصرعه وهو يرتجز: قد علمت يوم الهياج خلتي * أني إذا ما فئتي تولت وكثرت عداتها أو قلت * أني قتال غداة بلت وخرج أصحاب حجر من تلقاء أبواب كندة فركب حجر وانتهى إلى داره واجتمع ناس كثير من أصحابه ولم يأته من كندة كثير أحد، وقاتلوا دون حجر فقال لهم حجر: لا أبالكم، تفرقوا لا تقاتلوا فإني آخذ في بعض السكك ثم آخذ طريقا نحو بني حرب، فسار حتى انتهى إلى دار رجل منهم يقال له سليم بن يزيد فدخل داره، وجاء القوم في طلبه حتى انتهوا إلى تلك الدار فأخذ سليم سيفه ثم ذهب ليخرج إليهم، فبكت بناته.


- > لا تعدم بصرك ! ما أثبت نظرك ! كان ذلك أمر الشيطان. أما إنه قد بلغني أنه كان امرءا صالحا، ولقد ندمت على تلك الضربة فأستغفر الله. فقلت له: ألا ترى، لا والله لا أفترق أنا وأنت حتى أضربك على رأسك مثل الضربة التي ضربتها عمرو بن الحمق أو أموت أو تموت، فناشدني الله وسألني الله فأبيت عليه، ودعوت غلاما لي يدعى رشيدا من سبي أصبهان، معه قناة له صلبة فأخذتها منه ثم أحمل عليه بها فنزل عن دابته وألحقه حين استوت قدماه بالارض فأصفع بها هامته فخر لوجهه ومضيت وتركته فبرأ بعد فلقيته مرتين من الدهر كل ذلك يقول: الله بيني وبينك. وأقول: الله عزوجل بينك وبين عمرو بن الحمق ".

[280]

فقال له حجر: ما تريد ؟ ! قال: أريد والله [أن] أسألهم أن ينصرفوا عنك، فإن فعلوا وإلا ضاربتهم بسيفي هذا ما ثبت قائمه في يدي دونك ! قال حجر: لا أبا لغيرك، بئس ما دخلت به إذا على بناتك. قال: إني والله ما أمونهن ولا أرزقهن، إن هو إلا على الحي الذي لا يموت، ولا أشتري العار بشئ أبدا، ولا تخرج من داري أسيرا أبدا وأنا حي أملك قائم سيفي، فإن قتلت دونك، فاصنع ما بدا لك ! قال حجر: أما في دارك هذه حائط أقتحمه، أو خوخة أخرج منها عسى أن يسلمني الله عزوجل منهم، ويسلمك، فإذا القوم لم يقدروا علي عندك لم يضروك. قال: بلى ! هذه خوخة تخرجك إلى دور بني العنبر وإلى غيرهم من قومك، فخرج حتى انتهى إلى النخع، وأقبل إلى دار عبد الله بن الحارث أخي الاشتر، فأحسن لقاءه، فبينما هو عنده إذ أتي فقيل له: إن الشرط تسأل عنك في النخع، وذلك أن أمه سوداء لقيتهم فقالت: من تطلبون ؟ فقالوا: حجر بن عدي، فقالت: هو في النخع، فانصرفوا نحو النخع. فخرج من عند عبد الله متنكرا، وركب معه عبد الله بن الحارث ليلا حتى أتى دار ربيعة بن ناجد الازدي في الازد، فنزلها يوما وليلة، فلما أعجزهم أن يقدروا عليه، دعا زياد بمحمد بن الاشعث فقال له: يا أبا ميثاء ! أما والله لتأتيني بحجر أو لا أدع لك نخلة إلا قطعتها، ولا دارا إلا هدمتها، ثم لا تسلم مني حتى أقطعك إربا إربا ! قال: أمهلني حتى أطلبه. قال: قد أمهلتك ثلاثا، فإن جئت به، وإلا عد نفسك مع الهلكى.

[281]

وأخرج محمد نحو السجن منتقع اللون يتل تلا عنيفا، فقال حجر ابن يزيد الكندي لزياد: ضمنيه وخل سبيله يطلب صاحبه فإنه مخلى سربه أحرى أن يقدر عليه منه إذا كان محبوسا ! فقال: أتضمنه ؟ ! قال: نعم. قال: أما والله لئن حاص عنك لازيرنك شعوب (ق) وإن كنت الآن علي كريما. قال: إنه لا يفعل. فخلى سبيله، وأحضر قيس بن يزيد أسيرا، فقال له: إني قد علمت أنك لم تقاتل مع حجر الا حمية، قد غفرتها لك لما أعلم من حسن رأيك وحسن بلائك - كان مع معاوية في صفين - ولكن لن أدعك حتى تأتيني بأخيك عمير. قال: أجيئك به إن شاء الله. قال: فهات من يضمنه لي معك. قال: هذا حجر بن يزيد يضمنه لك معي. قال حجر بن يزيد: نعم أضمنه لك على أن تؤمنه على ماله ودمه. قال: ذلك لك. فانطلقا فأتيا به وهو جريح، فأمر به فأوقر حديدا ثم أخذته الرجال ترفعه حتى إذا بلغ سورها ألقوه فوقع على الارض، ثم رفعوه وألقوه ففعلوا به ذلك مرارا، فقام إليه حجر بن يزيد، فقال: ألم تؤمنه على ماله ودمه


(ق) شعوب: اسم علم للمنية.

[282]

أصلحك الله ؟ ! قال: بلى قد آمنته على ماله ودمه، ولست أهريق له دما ولا آخذ له مالا ! قال: أصلحك الله ! يشفى به على الموت، ودنا منه، وقام من كان عنده من أهل اليمن (ر) فدنوا منه وكلموه. فقال: أتضمنونه لي بنفسه فمتى ما أحدث حدثا أتيتموني به ؟ ! قالوا: نعم. فخلى سبيله. ومكث حجر بن عدى في منزل ربيعة الازدي يوما وليلة ثم بعث إلى محمد بن الاشعث: إنه قد بلغني ما استقبلك به هذا الجبار العنيد، فلا يهولنك شئ من أمره، فإني خارج إليك، إجمع نفرا من قومك ثم ادخل عليه فاسأله أن يؤمنني حتى يبعث بي إلى معاوية فيرى في رأيه. فخرج ابن الاشعث إلى حجر بن يزيد وإلى جرير بن عبد الله وإلى عبد الله بن الحارث أخي الاشتر فأتاهم فدخلوا إلى زياد فكلموه وطلبوا منه أن يؤمنه حتى يبعث به إلى معاوية فيرى فيه رأيه ففعل، فبعثوا إليه يعلمونه أن قد أخذنا الذي تسأل، وأمروه أن يأتي. فأقبل حتى دخل على زياد. فقال زياد: مرحبا بك أبا عبد الرحمن ! حرب في أيام الحرب، وحرب وقد سالم الناس، على أهلها تجني براقش ! (ش).


(ر) يقصد القبائل السبائية من أهل اليمن. (ش) يضرب في المثل قيل اسم كلبه سمعت وقع حوافر دواب فنبحت فاستدلوا بنباحها على القبيلة فاستباحوهم، وقيل غير ذلك. راجع لغة برقش من التاج.

[283]

قال: ما خالعت طاعة، ولا فارقت جماعة، وإني لعلى بيعتي ! فقال: هيهات ! هيهات يا حجر ! تشج بيد وتأسو بأخرى وتريد إذا أمكن الله منك أن نرضى، كلا والله. قال: ألم تؤمني حتى آتي معاوية فيرى في رأيه ؟ ! قال: بلى ! قد فعلنا، انطلقوا به إلى السجن، فلما قفي به من عنده، قال زياد: أما والله لولا أمانة ما برح أو يلفظ مهجة نفسه. وقال زياد: والله لاحرصن على قطع خيط رقبته. ولما قفي بحجر من عند زياد نادى بأعلى صوته: اللهم ! إني على بيعتي ! لا أقيلها ولا أستقيلها ! سماع الله والناس، وكان عليه برنس في غداة باردة، فحبس عشر ليال وزياد ليس له عمل إلا طلب رؤساء أصحاب حجر. وخرج عمرو بن الحمق ورفاعة بن شداد حتى أتيا أرض الموصل فأتيا جبلا فكمنا فيه، وبلغ عامل الرستاق أن رجلين قد كمنا في جانب الجبل، فاستنكر شأنهما، فسار إليهما في الخيل فلما انتهى إليهما خرجا. فأما عمرو بن الحمق فكان قد استسقى بطنه (ت) ولم يكن عنده امتناع، وأما رفاعة فكان شابا قويا فركب فرسه ليقاتل عن عمرو، فقال له عمرو: ما ينفعني قتالك، أنج بنفسك. فحمل عليهم فأفرجوا له فنجا، وأخذ عمرو أسيرا، فسألوا: من أنت ؟ فقال: من إن تركتموه كان أسلم لكم. وإن قتلتموه كان أضر


(ت) ماء يجتمع في البطن من علة معروفة يعرف بالاستسقاء.

[284]

عليكم. ولم يخبرهم، فبعثوا به إلى عامل الموصل وهو عبد الرحمن بن عبد الله ابن عثمان الثقفي الذي يعرف بابن أم الحكم وهو ابن أخت معاوية، فعرفه، فكتب فيه إلى معاوية. فكتب إليه: إنه زعم أنه طعن عثمان تسع طعنات بمشاقص (ث) كانت معه وإنا لا نريد أن نعتدي عليه، فاطعنه تسع طعنات كما طعن عثمان (خ) فمات في الاولى منهن أو في الثانية. وعمرو بن الحمق (ذ) هذا كان قد هاجر إلى النبي بعد الحديبية وصحبه وحفظ عنه أحاديث، وسقى النبي فقال: " اللهم أمتعه بشبابه " فمرت عليه ثمانون سنة لا ترى في لحيته شعرة بيضاء. وكان ممن سار إلى عثمان وهو أحد الاربعة الذين دخلوا عليه


(ث) المشاقص: جمع المشقص بالكسر نصل عريض يرمى به الوحش. (خ) في الاستيعاب (2 / 478) بترجمة عثمان بن عفان: " واختلف في من باشر قتله بنفسه - أي قتل عثمان - فقيل: محمد بن أبي بكر ضربه بمشقص، وقيل: بل حبسه محمد بن أبي بكر وأسعده غيره وكان الذي قتله سودان بن حمران، وقيل: بل إن محمد بن أبي بكر أخذ بلحيته فهزها، وقال: ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن أبي سرح، وما أغنى عنك ابن عامر، فقال له: يا ابن أخي ! أرسل لحيتي فوالله إنك لتجبذ لحية كانت تعز على أبيك، وما كان أبوك يرضى مجلسك هذا مني. فيقال: إنه حينئذ تركه وخرج عنه. ويقال: إنه حينئذ أشار إلى من كان معه فطعنه أحدهم وقتلوه ". (ذ) أخذنا هذه الترجمة من الاستيعاب وأسد الغابة والاصابة، وقصة بعث رأس عمرو إلى زوجته من أسد الغابة خاصة.

[285]

الدار، وصار بعد ذلك من شيعة علي وشهد مشاهده كلها: الجمل وصفين والنهروان. وأعان حجر بن عدي وكان من أصحابه وخاف من زياد فهرب منه إلى الموصل. وقطع عامل الموصل رأسه فبعث به زياد إلى معاوية، وكان أول رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد. فبعث به معاوية إلى زوجته آمنة بن الشريد في السجن وكان قد حبسها معاوية في سجن دمشق زمانا حتى وجه إليها رأس عمرو بن الحمق فألقي في حجرها فارتاعت لذلك ثم وضعته في حجرها ووضعت كفها على جبينه ثم لثمت فاه، ثم قالت: " غيبتموه عني طويلا ثم أهديتموه إلي قتيلا، فأهلا به من هدية غير قالية ولا مقلية " وكان قتله سنة خمسين. وروى الطبري وقال: وجه زياد في طلب أصحاب حجر فأخذوا يهربون منه ويأخد من قدر عليه منهم. قال: وجاء قيس بن عباد الشيباني إلى زياد فقال له: إن امرءا منا من بني همام يقال له صيفي بن فسيل من رؤوس أصحاب حجر وهو أشد الناس عليك ! فبعث إليه زياد فأتي به. فقال له زياد: يا عدو الله ! ما تقول في أبي تراب ؟ ! قال: ما أعرف أبا تراب ! قال: ما أعرفك به !

[286]

قال: ما أعرفه ! قال: أما تعرف علي بن أبي طالب ؟ ! قال: بلى ! قال: فذاك أبو تراب ! قال: كلا ! ذاك أبو الحسن والحسين عليه السلام ! فقال له صاحب الشرطة: يقول لك الامير: " هو أبو تراب " وتقول أنت: لا ! قال: وإن كذب الامير، أتريد أن أكذب وأشهد له على باطل كما شهد ؟ ! قال له زياد: وهذا - أيضا - مع ذنبك ! علي بالعصا، فأتي بها. فقال: ما قولك ؟ ! قال: أحسن قول أنا قائله في عبد من عباد الله المؤمنين ! قال: اضربوا. عاتقه بالعصا حتى يلصق بالارض. فضرب حتى لزم الارض. ثم قال: أقلعوا عنه، إيه ! ما قولك في علي ؟ ! قال: والله لو شرحتني بالمواسي والمدى، ما قلت إلا ما سمعته مني ! قال: لتلعننه أو لاضربن عنقك ! قال: إذا تضربها والله قبل ذلك ! فإن أبيت إلا أن تضربها رضيت بالله وشقيت أنت ! قال: ادفعوا في رقبته ! ثم قال: أوقروه حديدا وألقوه في السجن ! ثم بعث إلى عبد الله بن خليفة الطائي - وكان شهد مع حجر

[287]

وقاتلهم قتالا شديدا - فبعث إليه زياد بكير بن حمران الاحمري (ض) - وكان تبيع العمال - فبعثه في أناس من أصحابه فأقبلوا في طلبه فوجدوه في مسجد عدي بن حاتم فأخرجوه، فلما أرادوا أن يذهبوا به - وكان عزيز النفس - امتنع منهم، فحاربهم وقاتلهم فشجوه ورموه بالحجارة حتى سقط، فنادت ميثاء أخته: يا معشر طئ ! أتسلمون ابن خليفة لسانكم وسنانكم ؟ ! فلما سمع الاحمري نداءها خشي أن تجتمع طئ، فيهلك فهرب، وخرج نسوة من طئ فأدخلنه دارا، وانطلق الاحمري حتى أتى زيادا فقال: إن طيئا اجتمعت إلي فلم أطقهم فأتيتك، فبعث زياد إلى عدي وكان في المسجد فحبسه، وقال: جئني به. فقال عدي: كيف آتيك برجل قد قتله القوم ؟ ! قال: جئني به حتى أرى أن قد قتلوه. فاعتل له وقال: لا أدري أين هو، ولا ما فعل. فحبسه، فلم يبق رجل من أهل المصر ومن أهل اليمن وربيعة ومضر إلا فزع لعدي، فأتوا زيادا فكلموه فيه. فأرسل عبد الله بن خليفة إلى عدي: إن شئت أن أخرج حتى أضع يدي في يدك فعلت، فبعث إليه عدي: والله إن كنت تحت قدمي ما رفعتهما عنك. فدعا زياد عديا، فقال له: إني أخلي سبيلك على أن تنفيه إلى جبلي طئ قال: نعم. فأرسل عدي إلى عبد الله أن اخرج فإذا سكن غضبه كلمته فيك.


(ض) الاحمري والحمراء: العجم يقال لهم ذلك لبياض لونهم.

[288]

فخرج. وأتي زياد بكريم بن عفيف الخثعمي (ظ) فقال: ما اسمك ؟ قال: أنا كريم بن عفيف. قال: ويحك ! أو ويلك ! ما أحسن اسمك واسم أبيك، وأسوأ عملك ورأيك ! قال: أما والله إن عهدي برأيك لمنذ قريب. وهكذا جمع زياد أصحاب حجر في السجن حتى بلغوا اثني عشر رجلا، ثم دعا رؤوس الارباع ونظم شهادة عليهم كما مر ذكرها ثم سيرهم إلى الشام وأتبعهم باثنين آخرين فتموا أربعة عشر رجلا، فلما بلغوا بهم جبانة عرزم (غ) نظر قبيصة بن ضبيعة العبسي إلى داره وهي في جبانة عرزم فإذا بناته مشرفات، فاستأذن الحرس أن يوصي أهله، فأذنوا له. فلما دنا منهن وهن يبكين سكت عنهن ساعة ثم قال: أسكتن، فسكتن فقال: إتقين الله عزوجل واصبرن، فإني أرجو من ربي في وجهي هذا إحدى الحسنيين: إما الشهادة وهي السعادة، وإما الانصراف إليكن في عافية، وإن


(ظ) بنو خثعم بن أنمار من قبائل قحطان السبائية ونسب كريم في جمهرة أنساب ابن حزم (ص 391) وقتل هذا مع حجر في مرج عذراء. (غ) في معجم البلدان: الجبان: الصحراء وأهل الكوفة يسمون المقابر جبانة، وبالكوفة محال تسمى بهذا الاسم وتضاف إلى القبائل منها جبانة عرزم.

[289]

الذي كان يرزقكن ويكفيني مؤونتكن هو الله تعالى وهو حي لا يموت أرجو أن لا يضيعكن وأن يحفظني فيكن. ثم انصرف فمر بقومه فجعل القوم يدعون الله له بالعافية. فقال: إن لمما يعدل عندي خطر ما أنا فيه، هلاك قومي حيث لا ينصرونني. وكان رجا أن يخلصوه ! ومروا بهم على عبيد الله بن الحر الجعفي فقال: ألا عشرة رهط أستنقذ بهم هؤلاء ؟ ! ألا خمسة ! ؟ فجعل يتلهف فلم يجبه أحد من الناس ! فمضوا بهم حتى انتهوا بهم إلى مرج عذراء وبينها وبين دمشق اثنا عشر ميلا ! فحبسوا هناك. فلما هم رسول زياد أن ينصرف منهم إلى معاوية قام إليه حجر يرسف في قيوده فقال: أبلغ معاوية أن دماءنا عليه حرام، وأخبره أنا قد أومنا وصالحناه فليتق الله ولينظر في أمرنا، واستشفع فيهم جماعة عند معاوية، فأمر بتخلية سبيل ستة منهم وأرسل إليهم بأمره فأتوهم عند المساء ورأى الخثعمي أحدهم أعور فقال: يقتل نصفنا وينجو نصفنا. فقال سعد بن نمران: اللهم اجعلني ممن ينجو وأنت عني راض. فقال عبد الرحمان بن حسان العنزي: اللهم اجعلني ممن تكرم بهوانهم وأنت عني راض، فطالما عرضت نفسي للقتل فأبى الله إلا ما أراد. فجاء رسول معاوية إليهم بتخلية ستة ويقتل ثمانية. فقال لهم رسول معاوية:

[290]

أنا قد امرنا أن نعرض عليكم البراءة من علي واللعن له، فإن فعلتم تركناكم وإن أبيتم قتلناكم، وأن أمير المؤمنين يزعم أن دماءكم قد حلت له بشهادة أهل مصركم عليكم، غير أنه قد عفا عن ذلك فابرأوا من هذا الرجل نخل سبيلكم ! قالوا: اللهم إنا لسنا فاعلي ذلك ! فأمر بقبورهم فحفرت، وأدنيت أكفانهم، وقاموا الليل كله يصلون. فلما أصبحوا، قال أصحاب معاوية: يا هؤلاء ! لقد رأيناكم البارحة قد أطلتم الصلاة، وأحسنتم الدعاء، فاخبرونا ما قولكم في عثمان ؟ ! قالوا: هو أول من جار في الحكم، وعمل بغير الحق ! فقال أصحاب معاوية: أمير المؤمنين كان أعلم بكم ! ثم قاموا إليهم فقالوا: تبرأون من هذا الرجل ؟ ! قالوا: بل نتولاه ونتبرأ ممن تبرأ منه. فأخذ كل رجل منهم رجلا ليقتله، ووقع قبيصة في يدي أبي شريف البدي. فقال له قبيصة: إن الشر بين قومي وقومك آمن، فليقتلني سواك ! فقال له: برتك رحم ! فأخذ الحضرمي فقتله، وقتل القضاعي قبيصة ثم إن حجرا قال لهم: دعوني أتوضأ. قالوا له: توضأ: فلما أن توضأ، قال لهم: دعوني أصل ركعتين. فأيمن الله ما توضأت قط إلا صليت ركعتين. قالوا: ليصل، فصلى ثم انصرف.

[291]

فقال: والله ما صليت صلاة قط أقصر منها، ولولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لاحببت أن أستكثر منها. ثم قال: اللهم إنا نستعديك على أمتنا، فإن أهل الكوفة شهدوا علينا، وإن أهل الشام يقتلوننا ! أما والله لئن قتلتموني بها إني لاول فارس من المسلمين هلك في واديها، وأول رجل من المسلمين نبحته كلابها (آ). فمشى إليه الاعور هدبة بن فياض بالسيف فأرعدت خصائله. فقال: كلا ! زعمت أنك لا تجزع من الموت، فأنا أدعك فابرأ من صاحبك ! فقال: ما لي لا أجزع وأنا أرى قبرا محفورا وكفنا منشورا وسيفا مشهورا، وإني والله إن جزعت من القتل لا أقول ما يسخط الرب. فقتله، وأقبلوا يقتلونهم واحدا واحدا حتى قتلوا ستة. فقال عبد الرحمن بن حسان العنزي وكريم بن عفيف الخثعمي: ابعثوا بنا إلى أمير المؤمنين فنحن نقول في هذا الرجل مثل مقالته. فبعثوا إلى معاوية يخبرونه بمقالتهما، فبعث إليهم أن ائتوني بهما. فلما دخلا عليه قال الخثعمي: الله الله ! يا معاوية ! فإنك منقول من هذه الدار الزائلة إلى الدار الآخرة الدائمة ثم مسؤول عما أردت بقتلنا، وفيم سفكت دماءنا.


(آ) يقصد تقتلون بسيفكم في هذه الارض من فتحها لكم بسيفه وكان أول مسلم وطأتها قدماه ! ! ! وهلك في واديها: مشى فيها.

[292]

فقال معاوية: ما تقول في علي ؟ قال: أقول فيه قولك ! قال: أتبرأ من دين علي الذي كان يدين الله به، فسكت وكره معاوية أن يجيبه، فقال ابن عم له فاستوهبه من معاوية. فحبسه شهرا ثم خلى سبيله على أن لا يدخل الكوفة. ثم أقبل على عبد الرحمن العنزي فقال: إيه يا أخا ربيعة ما قولك في علي ؟ ! قال: دعني ولا تسألني فإنه خير لك قال: والله لا أدعك حتى تخبرني عنه ! قال: أشهد أنه كان من الذاكرين الله كثيرا، ومن الآمرين بالحق والقائمين بالقسط والعافين عن الناس ! قال: فما قولك في عثمان ؟ ! قال: هو أول من فتح باب الظلم وأرتج أبواب الحق ! قال: قتلت نفسك. قال: بل إياك قتلت ولا ربيعة بالوادي (با) ! فبعث به معاوية إلى زياد وكتب إليه: أما بعد، فإن هذا العنزي شر من بعثت، فعاقبه عقوبته التي هو أهلها واقتله شر قتلة.


(با) قال ذلك لما رأى الخثعمي كلم معاوية في شأن ابن عمه ولم يكن له أحد يكلم معاوية في شأنه.

[293]

فلما قدم به على زياد بعث زياد به إلى قيس الناطف فدفن به حيا (جا). آراء المسلمين في حجر وقتله: قال الطبري: ولما حمل العنزي والخثعمي إلى معاوية قال العنزي لحجر: يا حجر ! لا يبعدنك الله، فنعم أخو الاسلام كنت ! وقال الخثعمي: لا تبعد ولا تفقد ! فقد كنت تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر. فأتبعهما حجر بصره وقال: كفى بالموت قطاعا لحبل القرائن ! وفي ترجمة حجر من الاستيعاب: لما بلغ ما صنع بهم زياد إلى عائشة أم المؤمنين (رض) بعثت إلى معاوية عبد الرحمن بن الحارث بن هشام تقول: الله الله في حجر وأصحابه، فوجده عبد الرحمن قد قتل هو وخمسة من أصحابه. فقال لمعاوية: أين عزب عنك حلم أبي سفيان في حجر وأصحابه، ألا حبستهم في السجون وعرضتهم للطاعون ! ؟ قال: حين غاب عني مثلك من قومي. قال: والله لا تعد لك العرب حلما بعدها أبدا ولا رأيا، قتلت قوما بعث بهم إليك أسارى من المسلمين.


(جا) ما أوردناه إلى هنا من أمر حجر وأصحابه ملخص مما أورده الطبري في حوادث سنة 51 ه‍ (2 / 111 - 143) وقد أشرنا إلى مصدرنا في كل ما أخذنا من غيره.

[294]

قال: فما أصنع ؟ ! كتب إلي فيهم زياد، يشدد أمرهم ويذكر أنهم سيفتقون علي فتقا لا يرقع. وقال: كانت عائشة أم المؤمنين تقول: أما والله لو علم معاوية أن عند أهل الكوفة منعة ما اجترأ على أن يأخذ حجرا وأصحابه من بينهم حتى يقتلهم بالشام، ولكن ابن آكلة الاكباد علم أنه قد ذهب الناس ! أما والله إن كانوا لجمجمة العرب عدا ومنعة وفقها، ولله در لبيد حيث يقول: ذهب الذين يعاش في أكفانهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب لا ينفعون ولا يرجى خيرهم * ويعاب قائلهم وإن لم يشغب وقال: لما حج معاوية جاء إلى المدينة زائرا فاستأذن على عائشة (رض) فأذنت له، فلما قعد قالت له: يا معاوية ! أمنت أن أخبئ لك من يقتلك بأخي محمد بن أبي بكر ! ؟ فقال: بيت الامان دخلت ! وقالت: يا معاوية ! أما خشيت الله في قتل حجر وأصحابه ؟ ! قال: إنما قتلهم من شهد عليهم ! وفي مسند أحمد (دا) أنه قال في جوابها: ما كنت لتفعليه وأنا في بيت أمان ! وقد سمعت النبي (ص) يقول: الايمان قيد الفتك، كيف أنا في الذي بيني وبينك وفي حوائجك ؟ ! قالت: صالح.


(دا) 4 / 92.

[295]

قال: فدعينا وإياهم حتى نلتقي عند ربنا عزوجل. وفي الاستيعاب: أن ابن عمر كان في السوق فنعي إليه حجر، فأطلق حبوته وقام وقد غلب عليه النحيب. قال: " ولما بلغ الربيع بن زياد الحارثي من بني الحارث بن كعب، وكان فاضلا جليلا، وكان عاملا لمعاوية على خراسان، فلما بلغه قتل معاوية حجر بن عدي دعا الله عزوجل فقال: اللهم إن كان للربيع عندك خير فاقبضه إليك وعجل، فلم يبرح من مجلسه حتى مات رحمه الله ". وجعل معاوية لما حضرته الوفاة يغرغر بالصوت ويقول: " يومي منك يا حجر طويل " (ها). هذا هو حجر وأولئك أصحابه وتلك سبئيتهم ! ! ! عباد الامة وزهادها، من أفاضل أصحاب النبي الابرار وتابعيهم بإحسان، أنكروا على الولاة (أمثال المغيرة بن شعبة، وزياد بن أبيه) لعنهم الامام عليا على المنابر، ولم يرتضوا تأخيرهم الصلاة عن وقتها، أمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر، فحوربوا حتى أسروا وزورت عليهم شهادة الشهود، ثم صفدوا بالاغلال وحملوا من بلد إلى بلد، ثم عرض عليهم لعن الامام والبراءة من دينه، فأبوا لعن أخي الرسول وأول القوم إسلاما، وأبوا أن يتبرأوا من دينه دين الاسلام، فحفرت أمامهم القبور ونشرت أكفانهم.


(ها) الطبري.

[296]

فمكث هؤلاء حتى الصباح يصلون لربهم ويدعون، وفي الصباح عرض عليهم لعن علي والبراءة من دينه أو القتل فاستقبلوا الشهادة واحدا بعد الآخر. وكان من جملتهم عمرو بن الحمق الخزاعي الذي فر من ابن زياد والتجأ إلى كهف بالقرب من الموصل، فأدركوه وقطعوا رأسه وأبردوا به من بلد إلى بلد، ثم ألقوه إلى زوجته المسجونة في ولاء علي يرعبونها. ومنهم من دفنوه حيا في حب علي وولائه. وكان وقع فعل جبابرة آل أمية عظيما على أعيان المسلمين، فتلك أم المؤمنين تبادر بإرسال من يقول لمعاوية: الله الله في حجر وأصحابه، ثم تقول فيهم: " والله إن كانوا لجمجمة العرب ". وتستشهد فيهم بقول لبيد: ذهب الذين يعاش في أكنافهم * وبقيت في خلف كجلد الاجرب وذلك عبد الله بن عمر يقوم ويطلق حبوته في السوق وينتحب باكيا، ويدعو فاضل المسلمين الجليل الربيع بن زياد الحارثي أن يقبضه الله إليه فيستجيب الله دعاءه. ويغرغر معاوية عند موته بقوله: " يومي منك يا حجر طويل ". هؤلاء هم السبئية، وهذه أول مرة في التاريخ تطلق السبئية (وا) في نص رسمي ويقصد منها التعيير للقبائل السبئية ومن والاها، فما الذي دعا زيادا


(وا) أي قول زياد في كتابه إلى معاوية بشأن حجر وأصحابه (الترابية السبئية).

[297]

إلى ذلك ؟ ! كانت والدة زياد سمية أمة لدهقان من دهاقين الفرس، ثم وهبها للحارث بن كلدة الثقفي وزوجها هذا من عبد رومي له اسمه عبيد، وعلى فراش عبيد ولدت سمية زيادا، وكان زياد ينسب إلى عبيد الرومي هذا، وزياد بنفسه اشترى والديه وأعتقهما. ثم دار الزمان دورته وإذا بمعاوية الخليفة يلحقه بأبيه أبي سفيان استنادا إلى ادعاء أبي سفيان أنه زنى في الجاهلية بأمه سمية زوجة عبيد الرومي فولدت زيادا من مائه وبشهادة أبي مريم الخمار السلولي حيث شهد بمحضر معاوية وزياد وغيرهما: أن أبا سفيان حضر عنده وطلب منه بغيا، وأنه قال له: ليس عنده إلا سمية. فقال له أبو سفيان: ائتني بها على قذرها ووضرها. قال: فأتيته بها فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها ليقطران منيا. فقال زياد: مهلا أبا مريم ! إنما بعثت شاهدا ولم تبعث شاتما (زا). هكذا ألحق معاوية زيادا بنسبه، وتحرج أبرار المسلمين من نسبة زياد إلى أبي سفيان وقالوا إنه رد لحكم الرسول: " الولد للفراش وللعاهر الحجر ". وكانوا يقولون فيه: زياد بن أبيه، وعارض معاوية وزيادا جماعات على عهدهما، ونظم الشعراء في الاستهزاء بذلك، الاشعار !


(زا) راجع تاريخ ابن الاثير (3 / 370 - 372) في ذكر حوادث سنة 44 ه‍ والجزء الاول من هذا الكتاب فصل (استلحاق زياد). (*)

[298]

مثل قول عبد الرحمن بن الحكم بن أبي العاص: ألا أبلغ معاوية بن حرب * مغلغة من الرجل الهجان أتغضب أن يقال أبوك عف * وترضى أن يقال أبوك زان فأشهد أن رحمك من زياد * كرحم الفيل من ولد الاتان وأشهد أنها ولدت زيادا * وصخر من سمية غير داني فبلغ ذلك معاوية بن حرب، فحلف ألا يرضى عن عبد الرحمن حتى يرضى عنه زياد، فخرج عبد الرحمن إلى زياد وأرضاه بأبيات قال فيها: لانت زيادة في آل حرب * أحب إلي من وسطى بناني سررت بقربه وفرحت لما * أتاني الله منه بالبيان وقلت له أخو ثقة وعم * بعون الله في هذا الزمان (1) كل ذلك أوجد في زياد عقدة النقص، ودفعته هذه العقدة إلى أن يسرف في الشموخ بانتسابه إلى أمية ويبالغ في رفع شأنهم وشأن حلفائهم، ويقع في مناوئيهم من قبائل قحطان وحلفائها. وكانت ربيعة من حلفاء السبائية، وذلك لانهم - أيضا - كانوا من شيعة علي وأنصاره. ولهم مواقف كريمة في نصرته في واقعة الجمل وغيرها. وعقد الامام بين قبائل اليمن وربيعة حلفا وكتب بينهما ما يلي: هذا ما اجتمع عليه أهل اليمن حاضرها (2) وباديها، وربيعة حاضرها


(1) الاغاني: 13 / 266 ط، بيروت، أخبار عبد الرحمن. (2) الحاضر: ساكن المدينة، والبادي: المتردد في البادية.

[299]

وباديها أنهم على كتاب الله، يدعون إليه ويأمرون به، ويجيبون من دعا إليه وأمر به، لا يشترون به ثمنا ولا يرضون به بدلا، وأنهم يد واحدة على من خالف ذلك وتركه، أنصار بعضهم لبعض، دعوتهم واحدة، لا ينقضون عهدهم لمعتبة (1) عاتب، ولا لغضب غاضب، ولا لاستذلال قوم قوما، ولا لمسبة قوم قوما. على ذلك شاهدهم وغائبهم، وسفيههم وعالمهم، وحليمهم وجاهلهم. ثم إن عليهم بذلك عهد الله وميثاقه إن عهد الله كان مسؤولا. وكتب علي بن أبي طالب (2). دخلت ربيعة بعد هذا الحلف في عداد قبائل اليمن السبئية في العراق وما تابعها، وأصبحوا يدا واحدة على من ناوأهم (حا). ودفعت عقدة النقص دعي بني أمية زيادا إلى أن يعير القبائل السبائية كما مر علينا في كتابه إلى معاوية، وأطلق اللقب - أيضا - على الافراد الذين أعانوهم من غير قبائلهم تغليبا كما يقال للشمس والقمر: الشمسان والقمران بتغليب أحدهما على الآخر، ولم يكن زياد يقصد من


(1) المعتبة: الغيظ والعاتب المغتاظ. أي لا ينقضون هذا العهد عند غضب بعضهم من بعض، أو استذلال بعضهم لبعض، أو سب بعضهم لبعض. (2) الرابعة والخمسون من كتاب الرسائل من النهج (3 / 148). (حا) بعد هذا الحلف يرد اسم ربيعة في الحوادث مع قبائل اليمن في العراق، وقد يقال: قبائل اليمن، ويقصد بها القبائل السبئية وحلفاؤهم. ويقال: " قبائل اليمن وحلفاؤهم من ربيعة وغيرها " راجع تاريخ ابن الاثير (5 / 311).

[300]

السبئية غير تعيير القبائل اليمانية ومن أعانها، شيئا آخر، ويشهد على ذلك، الشهادة المزورة التي نظمها ضدهم يصف فيها عقائدهم وجرائم أعمالهم ليقتلهم بها، فإن كل ما فيه من الغمز بهم والطعن عليهم أنهم: (أظهروا شتم الخليفة ودعوا إلى حربه) ذكر هذا في تعداد جرائم أعمالهم. وفي مقام ذكر عقيدتهم قال: " وزعموا أن الخلافة لآل أبي طالب وأظهروا عذر أبي تراب والترحم عليه " يقصد عذره في قتل عثمان الذي يتهمونه به. ولما لم ترض هذه الشهادة زيادا نظم غيرها وذكر فيها جرائم أعمالهم كما يلي: " إنهم خلعوا الطاعة وفارقوا الجماعة ودعوا إلى حرب الخليفة وجمعوا الجموع ونكثوا البيعة وخلعوا أمير المؤمنين معاوية ". وبخلعهم معاوية كفروا كفرة صلعاء في حساب دعي بني أمية. وكان ما ذكره في شهاداته المزورة كل ما استطاع أن يتهمهم به من انحراف في العقيدة وجريمة في القول والفعل. وكان ذلك من زياد الذي كان مخالطا للشيعة في عصر الامام، وأميرا عليهم بعده، وممن يعرفهم ويعرف آراءهم، وقد آلى على أن يحرص على قطع خيط رقبة حجر - وكان ذلك في سنة خمسين أو إحدى وخمسين أي بعد عشر سنوات من حكم الامام - فلو علم زياد المخالط للشيعة قبل ذلك، والامير عليهم في يومه ومن ألد أعدائهم، لو علم هذا بوجود جماعة كانت تدعي الالوهية للامام، أو برجعة الرسول، أو غيرهما مما ورد في رواية سيف، وكتب أهل الملل والنحل، لما تورع زياد عن نسبتها إلى حجر وجماعته وهو في صدد

[301]

تعداد جرائمهم ليقتلهم بها. وكذلك كانت حجة لمعاوية يدافع بها عن نفسه في ما ارتكب من جريمة قتلهم فإنه كان باستطاعته أن يرميهم بها فيقول: كانوا من السبائية. وعدم رمي زياد ومعاوية أولئك بها أعظم دليل على أن أحدا لم يكن يعرف إلى ذلك التاريخ بوجود فرقة مذهبية دانت بما ذكرها أهل الملل والنحل بعدهم بقرون ! كانت هذه أول مرة أطلقت السبئية في نص رسمي وقصد بها تعيير القبائل السبائية ومن شاركها في ولاء علي. ثم وجدنا بعد ذلك في عصر المختار، وبعد تغلبه على الكوفة بنصرة القبائل السبائية بقيادة إبراهيم بن الاشتر الهمداني السبائي، ثم قتله قتلة الحسين أمثال. عمر بن سعد القرشي، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي، وحرملة بن كاهل الاسدي، ومنقذ بن مرة العبدي (طا) ونظرائهم من مشاهير العدنانيين. ثم قتال إبراهيم السبائي لابن زياد - ابن دعي بني أمية - وقتله. بعد قتل المختار أمثال هؤلاء بالسيف استنادا إلى أنهم قتلة ذرية الرسول وإعلان ذلك ونشر الدعاية ضدهم. بعد كل ذلك وجدنا خصوم المختار يتكتلون ضده ويقابلونه حربا


(طا) هؤلاء قتلة الحسين وأهل بيته، قتل حرملة عبد الله بن الحسين الرضيع في حجر أبيه بسهم، وقتل منقذ بن مرة ابنه عليا المشهور بالاكبر وكانوا جميعا من العدنانيين.

[302]

بالسيف ونشرا للاراجيف. فنسبوا إليه أدعاء النبوة ونزول الوحي عليه، ونبزوا أنصاره بالسبئية وقصدوا بها أنهم يمانية آمنوا بالمختار وصدقوا أقواله كما تدل عليه الرواية الآتية: روى الطبري: أن شبث بن ربعي عندما كان يقاتل جيش المختار أسر منهم سعر بن أبي سعر الحنفي، وخليد مولى حسان بن يخدج. فقال شبث لخليد: من أنت ؟ فقال: مولى حسان بن يخدج الذهلي. فقال له شبث: يا ابن المتكاء ! تركت بيع الصحناة بالكناسة، وكان جزاء من أعتقك أن تعدو عليه بسيفك تضرب رقابه ! اضربوا عنقه بسيفه. فقتل (يا). ورأى سعر الحنفي فعرفه، فقال: أخو بني حنفية ؟ ! فقال له: نعم ! قال: ويحك ! ما أردت إلى اتباع هذه السبئية ؟ قبح الله رأيك ! دعوا ذا.


(يا) كان شبث بن ربعي مع سجاح التميمية حين ادعت النبوة، قيل: كان مؤذنا لها، ثم كان في جيش ابن زياد الذي قتل الحسين - جمهرة أنساب العرب ص (227). و (المتكاء) المرأة العظيمة البطن، والبظراء، المفضاة التي لا تمسك البول، و (الصحناة) السمك الصغير المملوح، و (الكناسة) موضع الزبالة محلة بالكوفة.

[303]

هذا النص يدلنا على أن التعيير كان على حساب متابعة قبائل اليمن السبائية لا أكثر من ذلك. فإن شبث بن ربعي كان تميميا من بني يربوع، وسعر بن أبي سعر بكريا من بني حنيفة بن لجيم، وكلاهما عدنانيان، وشبث يعير سعر على اتباعه السبئية اليمانية من أتباع المختار حين هو من العدنانية. وبعد أن قضوا على المختار وثورته، وحكم البلد خصومه العدنانيون، جالوا في العراق وصالوا، غير أنهم لم يستأصلوا شأفة أنصار المختار السبائيين، بل ظهر هؤلاء قبل ذلك في جيش التوابين بقيادة سليمان بن صرد الخزاعي السبائي. وقاتلوا خصومهم حتى قتلوا، وبعده في ثورات العلويين. وقع كل هذا في مجتمع أهل الكوفة وامتد بامتداد احتكاك الجانبين. حتى إذا كان أوائل القرن الثاني الهجري نجد لفظة السبئية في نص رسمي آخر كما يلي. قال الطبري: لما بويع أبو العباس بالخلافة صعد المنبر وخطب وقال في خطبته: " وخصنا برحم رسول الله وقرابته، وأنشأنا من آبائه - إلى قوله - بعد إيراد الآيات التي وردت في أهل البيت: فأعلمهم - جل ثناؤه - فضلنا، وأوجب عليهم حقنا ومودتنا، وأجزل من الفئ والغنيمة نصيبنا، تكرمة لنا وفضلا علينا والله ذو الفضل العظيم، وزعمت السبائية الضلال: أن غيرنا أحق بالرئاسة والسياسة والخلافة

[304]

فشاهت وجوههم، بم ؟ ولم أيها الناس ؟ ! وبنا هدى الله الناس بعد ضلالتهم، وبصرهم بعد جهالتهم، وأنقذهم بعد هلكتهم، وأظهر بنا الحق وأدحض بنا الباطل... الخ ". ولماذا افتتح أبو العباس السفاح خلافته بهذا الهجوم ؟ نجد الجواب - أيضا - عند الطبري في ذكر حوادث سنة 132 ه‍ من تاريخه حيث قال ما ملخصه: وصل الجيش الذي أرسله أبو مسلم إلى العراق وغلبوا على جيش بني أمية، ثم توجهوا إلى الكوفة، وبايعوا أبا سلمة حفص بن سليمان مولى السبيع وكان يقال له وزير آل محمد. وكانت الدعوة لابراهيم بن محمد، فلما قتله مروان وبلغ الخبر أبا سلمة أراد أن يحول الامر إلى آل أبي طالب، وكان إبراهيم بن محمد قد أوصى إلى أخيه أبي العباس السفاح، فسار هذا مع أهل بيته إلى الكوفة فحال دونهم أبو سلمة وأنزلهم خارج الكوفة وحجر عليهم وكتم أمرهم عن القواد أربعين ليلة، وكان إذا سئل عنهم يقول: لا تعجلوا ! ليس هذا وقته، ومدينة واسط (كا) لم تفتح بعد. كان هذا دأبه حتى علم القواد بمكان بني العباس، فدخلوا عليهم دون علم أبي سلمة وبايعوا السفاح بالخلافة، ثم أخرجوهم وساروا بهم إلى دار الامارة ثم إلى المسجد، وبويع السفاح في المسجد بالخلافة، ثم خطب وقال في خطبته ما أوردناه. وأراد في ما قال أن يدمغ خصومه الذين كادوا أن يحولوا الخلافة إلى


(كا) مدينة واسط كانت تقع في وسط الطريق بين البصرة والكوقة وفتحها بنو العباس بعد ذلك.

[305]

بيت أبناء عمومته فوصفهم بأنهم سبائية ضلال (لا) ثم شرح عقيدتهم بقوله: " زعمت أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة منا ". لم يستطع السفاح أن يدمغ خصومه بأكثر مما وصفهم بأنهم يرون غيرهم أحق بالرياسة والخلافة، ولو أمكنه أن يدمغهم بأكثر من ذلك لما تورع عنه، ولقال: إنهم ضلال مرقوا عن الاسلام وقالوا بألوهية البشر، في حين أنه لم يتورع عن قتل أبي سلمة غيلة (ما). هذه النصوص كلها تتفق في الدلالة على أن السبئية كانت نبزا بالالقاب، ولم تكن اللفظة يومذاك تدل على المعنى المذهبي الذي اشتهرت به بعد ذلك، كما لم نجد السبئية استعملت في النبز في غير الكوفة وما والاها إلى ذلك التاريخ. هكذا كان الامر منذ عصر ابن زياد حتى أوائل القرن الثاني الهجري حيت اختلق سيف بن عمر التميمي العدناني - الذي كان يسكن الكوفة - الاسطورة السبئية، وطور في ما اختلق مدلول السبئية من الانتساب إلى سبأ بن يشجب إلى الانتساب إلى عبد الله بن سبأ الذي زعمه يهوديا يمانيا قد أظهر الاسلام زمن عثمان وجاء بعقيدة الوصاية والرجعة، وزعم أنه تبعه جماعات، وأنهم الذين سموا بالسبئية، وأن الذين


(لا) ورد هذا النص في تاريخ ابن الاثير (شامية ضلال) بدل (سبائية ضلال) في تاريخ الطبري ورجحنا صحة نص الطبري لان السفاح ذكر بعد ذلك خصومه من بني أمية بأشد وأقسى من هذا. (ما) ذكر الطبري وغيره أنهم اغتالوا أبا سلمة لموقفه ذاك.

[306]

سبق ذكرهم من خاصة علي وشيعته، كانوا من أعلام السبئيين، أي من أتباع عبد الله بن سبأ، وقال: إن السبئيين أتباع عبد الله بن سبأ هم الذين قتلوا عثمان وبايعوا عليا، وهم الذين أقاموا حرب الجمل بعد أن تم أمر الطرفين على الصلح. أدرج كل ذلك في كتابه: (الجمل ومسير علي وعائشة). اختلق سيف هذه الاسطورة في أوائل القرن الثاني الهجري، وتتفرد بروايتها، ولم تنتشر إلا بعد أن نقلها عن سيف علماء كبار مثل الطبري المتوفى 310 ه‍ في تاريخه. وبينما كانت السبئية قبل ذلك تدل على الانتساب إلى القبائل السبائية كما شاهدنا ذلك في الرواة الذين سبق ذكرهم ممن روى أصحاب الصحاح عنهم الحديث. وكانت تذكر أحيانا في محيط الكوفة بصورة نبز القبائل السبائية من شيعة علي، وإذا بها - بعد اشتهار أسطورة سيف - تدل على الانتساب إلى الفرقة التي اتبعت عبد الله بن سبأ اليهودي اليماني الذي جاء بعقيدة الوصاية والرجعة، وبعد أن اشتهرت السبئية في الفرقة المذهبية التي اختلقها سيف، أهمل استعمالها بالنسبة إلى قبائل قحطان اليمنية ونسيت. ثم تطور مدلول السبئية متدرجا بما حيكت حوله من أساطير شعبية حتى دلت على الفرقة القائلة بألوهية علي بعد أن كانت عند سيف تدل على القائلين بأنه وصي النبي فحسب. وتفصيل القول في ذلك: أن سيف بن عمر كان يعيش في الكوفة ووضع أساطيره أوائل القرن الثاني الهجري، وكان يدفعه إلى اختلاق أساطيره أمران:

[307]

أ - تعصبه للعدنانية ضد القبائل القحطانية اليمانية. ب - قصده التشويش على التاريخ الاسلامي بدافع الزندقة ! ولما كان أنصار الامام وشيعته من القبائل السبائية اليمانية هم الذين كانوا يشكلون الحزب المعارض للحكم العدناني القائم منذ عصر الامام علي حتى الخلافة الاموية التي كان يعيش سيف في كنفها، وكان هؤلاء يعتقدون بأن النبي عين الامام عليا وصيا من بعده. أراد سيف - استجابة منه لدوافعه التي ذكرنا - أن يشكك في منشأ عقيدتهم بوصية النبي للامام، ويشوش في نسبتهم إلى السبئية فاخترع أسطورة عبد الله بن سبأ وجعله من صنعاء اليمن وقال: إنه هو الذي أسس هذه العقيدة دون النبي، وإن السبئية هم الذين اتبعوه على هذا الرأي، ثم ذكر في عداد هؤلاء السبئية رؤساء القبائل السبئية اليمنية كما ذكرناه سابقا. ولو كانت لفظة السبئية في عصر سيف تدل في أوساط الكوفة على الاعتقاد بألوهية الامام لما فات سيفا روايتها، ولا احتاج إلى اختلاق أسطورة تدل على عقيدة السبئيين بوصية النبي لعلي وهي دون الاولى في التنكيل بهم. أضف إليه أنا لم نجد إلى أخريات القرن الثالث الهجري مؤلفا يذكر للسبئية معنى غير ما قصده سيف. وإنما وجدنا في أخريات القرن الثالث وأوائل القرن الرابع مؤلفات لاصحاب كتب الملل والنحل والفرق وغيرهم تذكر بأن عبد الله بن سبأ كان يعتقد بأن عليا لم يقتل ولن يقتل ! وأنه إله وأن الامام أحرقه أو أحرق بعض جماعته بالنار ! إذا فقد تطور مدلول السبئية متدرجا من الدلالة على الانتساب إلى

[308]

قبائل عربية إلى الدلالة على الانتساب إلى فرقة مذهبية تعتقد بأن عليا وصي النبي، ثم إلى الدلالة على فرقة مذهبية تدين بألوهيته. ثم حيكت حول السبئية وابن سبأ أساطير لا تكاد تقف عند حد ! أما كيف وقع ذلك ؟ ولم ؟ فنقول: إنا نرى أن سيف بن عمر إنما وضع أسطورة السبئية موافقة لرغبة قبائل عدنان بما نسب جميع الشرور والآثام إلى أفراد من قبائل قحطان السبائية ودافع عن سادة عدنان، وكانت السلطة في قبائل عدنان مدى عصور الخلافة الاسلامية إلى آخر خليفة عباسي. وموافقة - أيضا - لرغبة عامة في كل عصر بما موه ذلك بزينة الدفاع عن الصحابة - الولاة - في كل ما أوخذوا عليه. فمن ثم ضمن لاسطورته الرواج على مر العصور. ولهذا ما أن انتشر تأليف سيف كتاب (الجمل) الذي يحوي هذه الاسطورة، حتى تداولته الايدي وتناقلت الالسن أساطيره، ونقلت الاقلام عنه في الكتب. ثم بقي ما نقلته أقلام علماء - كالطبري - من أسطورة السبئية على حالها كما اختلقها سيف دونما زيادة. وما تناقلته الالسن من الاسطورة قد نما في أوساط الناس وتطور حتى أصبحت أسطورة ابن سبأ أسطورتين: الاولى: أسطورة سيف. والثانية: الاسطورة التي تطورت على أفواه الناس. ولما بدأ العلماء يحررون في الملل والنحل، وتكاثروا في بيان عدد

[309]

الفرق، أخذوا من أفواه الناس ما يعتقدون ويتقولون، كما ظهر كتاب آخرون - كابن قتيبة وابن عبد ربه - يكتبون في مختلف فنون الادب دونما عناية بالبحث عن أسانيد أخبارهم بل نقلها بعضهم عن بعض، فأخذ قسم من هؤلاء الاسطورة السبئية من أفواه الناس ودونوها في كتبهم مع غيرها من الاساطير الشعبية. ونقل آخرون عن هؤلاء. هكذا انتقلت تلك الاساطير من أفواه الناس إلى الكتب. وهكذا أصبحت أسطورة ابن سبأ أسطورتين: أسطورة سيف الباقية على حالها. وأسطورة أفواه الناس المتطورة المتنامية. وكذلك تعدد - أيضا - ابن سبأ تبعا لتعدد أسطورته كما سنذكره في ما يلي: ثانيا: عبد الله بن سبأ: كلمة عبد الله بن سبأ، اسم مركب من أربعة ألفاظ: (عبد) و (الله) و (ابن) و (سبأ) والالفاظ الاربعة خاصة باللغة العربية (أ) ويدل هذا على أن الاب والابن والمزعومين كليهما كانا عربيين، أضف إليه بأن المختلق الاول لاسطورة ابن سبأ - وهو سيف أيضا - صرح بأن (ابن سبأ) كان من صنعاء اليمن. وحدد الجميع زمن نشاط ابن سبأ بعهدي الخليفة عثمان والامام علي


(أ) خلافا لابراهيم وإسماعيل من الكلمات العجمية التي تسمى العرب بها.

[310]

ولا يتعدى الزمن الذي ذكروا لنشاطه العقد الرابع من القرن الاول الهجري، ثم إن مجموع ما حيك حوله من أساطير يدل على إنه كان من مشاهير عصره. إذا فهو عربي ابن عربي، ومن سكان الجزيرة العربية، ومن مشاهير الرجال في العقد الرابع من القرن الاول الهجري، ولا نجد عربيا في الجزيرة العربية في العصر الاسلامي الاول وإلى العصر الاموي، يعرف اسمه واسم أبيه ومحل نشاطه، ولا يعرف اسم جده ولا سلسلة آبائه ! في حين أن العرب قد غالوا في حفظ أنسابهم، وألفوا في الانساب عشرات المؤلفات، حتى أنهم عنوا بحفظ أنساب خيولهم، وألف العلماء فيها، مثل ابن الكلبي المتوفى (204 ه‍) (ب) ! وفي متناول أيدينا آلاف الكتب المخطوطة والمطبوعة في التاريخ الاسلامي العام والخاص، وكتب التراجم والانساب، وسائر فنون الادب، ولا نجد في أحدها نسب عبد الله بن سبأ ؟ ! إذا فمن هو عبد الله بن سبأ ؟ وما اسم جده ؟ ومن هم سلسلة آبائه ؟ ومن هم قبيلته ؟ ولم لم يذكر أحد من العلماء في تآليفه شيئا من ذلك على شدة اهتمامهم بذكر الاساطير التي حيكت حوله ؟ ! بحثنا عشرات السنوات في مختلف مصادر الدراسات الاسلامية فلم نجد عن نسبه حرفا واحدا.


(ب) ألف أنساب الخيل كل من ابن الكلبي وأبو عبيد القاسم بن سلام المتوفى (224 ه‍) وألف ابن الاعرابي المتوفى (231 ه‍) أسماء الخيل وكذلك غيرهم.

[311]

نعم وجدنا في بعض الكتب ما يلي: في باب ما كتب علي لاهل العراق من كتاب الامامة والسياسة لابن قتيبة (ت: 276 ه‍): فقام حجر بن عدي وعمرو بن الحمق وعبد الله بن وهب الراسبي على علي فسألوه عن أبي بكر وعمر. (1) وفي أنساب الاشراف للبلاذري (ت: 279 ه‍): وأما حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي وحبة بن جوين البجلي ثم العرني وعبد الله بن وهب الهمداني - وهو ابن سبأ - فإنهم أتوا عليا فسألوه عن أبي بكر وعمر (2). وفي الغارات للثقفي (ت: 283 ه‍): دخل عمرو بن الحمق وحجر بن عدي وحبة العرني والحارث الاعور وعبد الله بن سبأ على أمير المؤمنين بعد ما افتتحت مصر وهو مغموم حزين، فقالوا له: بين لنا ما قولك في أبي بكر وعمر (3)... ؟ قد ورد في هذا الخبر عبد الله بن وهب الراسبي في الامامة والسياسة، وعبد الله بن سبأ في الغارات، وقال البلاذري: عبد الله بن وهب هو ابن سبأ. وقال سعد بن عبد الله الاشعري (ت: 300 أو 301 ه‍) في ذكر الفرق الغالية من كتاب المقالات والفرق: " وأول من قال منها بالغلو، وهذه الفرقة تسمى بالسبئية أصحاب عبد الله بن سبأ وهو عبد الله بن وهب الراسبي... ".


(1) الامامة والسياسة (1 / 142). (2) أنساب الاشراف (2 / 383) ط / مؤسسة الاعلمي، بيروت سنة: 1394 ه‍. (3) الغارات " منشورات " انجمن آثار ملي 114: 1 / 302.

[312]

وقال - أيضا -: " فأضاف الغلاة المتقدمة: السبئية وهم أصحاب عبد الله بن سبأ الراسبي ". ووجدنا بمادة السبئي من: الاكمال لابن ماكولا (ت: 475 ه‍) يقول ضمن تعداده السبائيين: " وعبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج ". وقال المؤرخ الكبير السمعاني (ت: 562 ه‍) في كتابه الانساب: " السبئي: هذه النسبة بفتح السين المهملة والباء المنقوطة من تحتها بنقطة واحدة وفتحها، هذه النسبة إلى سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان وهم رهط ينسبون إليه، عامتهم مصريون: أبو هبيرة عبد الله بن هبيرة بن أسعد بن سهل السبائي، ثم عد السبائيين إلى قوله: وعبد الله بن وهب رئيس الخوارج وهو الذي قال لعلي أنت الاله حتى نفاه إلى المدائن، وتزعم أصحابه أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه... ". وقال الذهبي (ت: 748 ه‍) في المشتبه: " وعبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج ". وقال الذهبي - أيضا - في ذكر حوادث سنة 38 ه‍ من العبر: " وفيها كانت وقعة النهروان بين علي والخوارج، فقتل رأس الخوارج عبد الله بن وهب السبائي " (ج). وقال المقريزي المتوفى (848 ه‍) في خططه:


(ج) كان عبد الله هذا مشهورا عندهم بالسبئي كما ورد عند هؤلاء وعند غيرهم. قال المعلماني بهامش الاكمال (4 / 536): " ذكره عبد الغني، وذكر في الانساب وفي المشتبه والتوضيح والتبصير ".

[313]

وقام في زمانه - أي زمان الامام علي (رض) - عبد الله بن وهب بن سبأ المعروف بابن السوداء السبئي، وأحدث القول بوصية رسول الله (ص) لعلي بالامامة من بعده بالنص، وأحدث القول برجعة علي والنبي، وأنه حي، وأن فيه الجزء الالهي، ومن ابن سبأ هذا تشعبت أصناف الغلاة من الرافضة (د). وقال ابن حجر المتوفى (852 ه‍) في تبصير المنتبه: " السبئي طائفة منهم عبد الله بن وهب السبئي رأس الخوارج ". فمن هو عبد الله السبئي هذا ؟ وما هو نسبه ؟ وما هي قصته ؟ هو عبد الله بن وهب بن راسب بن مالك بن ميدعان بن مالك بن نصر بن الازد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ. فهو لذلك سبائي، أزدي، راسبي. قيل له: عبد الله بن وهب نسبة إلى أبيه، وعبد الله بن سبأ نسبة إلى من ينتمي إليه، كما قيل في صبيغ: صبيغ بن شريك نسبة إلى أبيه، وصبيغ ابن عسل نسبة إلى من ينتمي إليه. فإنه صبيغ بن شريك بن المنذر بن قطن ابن قشع بن عسل بن عمرو بن يربوع التميمي. قال ابن حجر: القولان صحيحان. راجع: مادة عسل من تبصير المنتبه (3 / 954). لقب عبد الله السبائي هذا بذي الثفنات لما صار على كفيه وركبتيه


(د) أوردنا هنا ملخص أقواله وقد مر تفصيلها في الفصل السابق.

[314]

كثفنات البعير لكثرة سجوده. كان مع علي في حروبه، ولما وقع التحكيم بعد معركة صفين وأنكره الخوارج، أصبح عبد الله منهم، وكان في بغضه عليا ما يسميه إلا الجاحد. واجتمع الخوارج في منزله، فخطب فيهم وزهدهم في الدنيا، ورغبهم في الآخرة، ثم قال: " أخرجوا بنا - إخواننا - من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كور الجبال، أو إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدع المظلة " (ه‍). فبايعوه لعشر خلون من شوال سنة 37 ه‍ وسموه بالخلافة، ثم خرجوا متسللين من الكوفة ولحقهم الامام بجيشه دون النهروان وقاتلهم، وقتل عبد الله بن وهب السبائي الراسبي في المعركة. قتله هاني بن زياد الخصفي وزياد ابن خصفة، وقتل من كان معه ولم يفلت منهم إلا أقل من العشرة. هذا هو عبد الله السبائي الذي كان في عصر الامام ولم يوجد غيره بهذا الاسم، ولم يعرف التاريخ الصحيح أحدا آخر بهذا الاسم (و). وعلى هذا فأي خبر جاز أن يصدق على عبد الله بن وهب السبائي وينسب إليه، جاز وقوعه، وأي خبر لا يصح صدوره من هذا، لم يقع ولم يكن بتاتا.


(ه‍) قال ابن حزم: " عبد الله بن وهب ذو الثفنات أول من قدم الخوارج على أنفسهم يوم النهروان وكان من خيار التابعين فقتل يومئذ - نعوذ بالله من الخذلان " جمهرة الانساب ص 386. (و) سيأتي في الخاتمة - إن شاء الله - كيف جاز تصحيف الكلمة من عبد الله السبائي إلى عبد الله بن سبأ.

[315]

ولم يكن عبد الله هذا مؤسس فكرة الوصاية للامام علي، ولا مؤسس عقيدة الالوهية فيه، وإنما كان رأس الخوارج الذين حاربوا عليا (ز). وعلى هذا لا يصدق جميع ما رواه سيف في شأنه وأخذ منه المؤرخون ! كما لا يصح جميع ما ذكره أهل الملل والنحل فيه. بينما يصدق في شأنه بعض روايات كتب حديث الشيعة مثل الرواية التي ذكرت أن ابن سبأ اعترض على الامام رفع اليدين إلى السماء في الدعاء، والاخرى التي ذكرت جلبه إلى الامام لمقال له وتصحيح الامام قول‍ ؟ وأمره بإخلاء سبيله. هذا ما توصلنا إليه في أمر عبد الله بن سبأ نتيجة للبحوث المقارنة ثالثا: عبد الله بن السوداء: إن " ابن السوداء " ليس اسما وعلما لشخص واحد وإنما هو نبز كا ؟ يلمزون به من كانت أمه أمة سوداء. وذكر ابن حبيب المتوفى (245 ه‍) في فصل (أبناء الحبشيات) م‍ ؟ كتابه المحبر تسعة وخمسين رجلا من أبناء الحبشيات، وقال عن الخطاب وا ؟


(ز) مثل عبد الله السبائي هذا في روايات سيف كمثل ابن ملجم فإن ابن ملجم كان القراء ومن رؤوس الخوارج، وهو الذي قتل الامام عليا ولكن سيفا جعله من رؤو ؟ السبئية القائلين بأن عليا وصي النبي، واختلق له أسطورة مع السبائية جعل عمار تلك الاسطورة ينضم إليه وإلى جماعته في مصر، وحرف - أيضا - اسمه كما حرف الله بن وهب السبائي - راجع قبله فصل (تحريف وتصحيف).

[316]

الخليفة عمر: " الخطاب بن نفيل وأمه حية كانت - جارية - لجابر بن أبي حبيب الفهمي " وذكروا أن ثابت بن قيس بن شماس الانصاري (ح) عير عمر بن الخطاب فقال له: " يا ابن السوداء " فأنزل الله تبارك وتعالى: * (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالالقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان...) *. الحجرات / 11. كان ما ذكرناه مدلول لفظة (ابن السوداء) في التاريخ القديم وكذلك استعملها سيف في بطل الاسطورة السبئية (عبد الله بن سبأ). قال في ذكر مسير الناس لقتل عثمان: " كان عبد الله بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء، فأسلم زمن عثمان... ". ووصفه في بعض رواياته ب‍ (عبد الله بن السوداء)، وفي أخرى (ابن السوداء). وعلى مر الزمن تطورت الاسطورة ونمت حتى إذا كان أوائل القرن الخامس الهجري حسبهما عبد القاهر البغدادي اثنين، وذكر لكل منهما نشاطا خاصا به، وذكر أنهما كانا يتعاونان. هكذا نمت أسطورة ابن سبأ وتعددت شخوصها على مر الزمن، ومزيدا للتوضيح نلخص البحوث السابقة مع بعض الاضافات اللازمة بعد


(ح) ثابت بن قيس من بني كعب بن الخزرج وأمه امرأة من طئ كان خطيب الانصار وخطيب النبي - قتل يوم اليمامة - أسد الغابة (1 / 229).

[317]

ايراد تتمة البحث في فصل (حقيقة أكاذيب) الآتي. إن شاء الله تعالى. مصادر حقيقة ابن سبأ والسبئية. أولا: السبائي نسبة إلى سبأ بن يشجب في: أ - سنن الترمذي، كتاب التفسير (12 / 99 - 100). ب - سنن أبي داود، كتاب الحروف (3 / 125). ج - جمهرة أنساب العرب، لابن حزم (ص: 329 - 330). د - الاكمال، لابن ماكولا، مادة السبائي (40 / 532). ه‍ - الانساب، للسمعاني (الورقة: 288 ب). و - عجالة المبتدي، للحازم الهمداني (ص: 71 و 72). ز - معجم البلدان، لياقوت الحموي، مادة (سبأ). ح - لسان العرب - لابن منظور، والقاموس - للفيروز آبادي، وتاج العروس - للزبيدي / مادة (سبأ). ط - تاريخ ابن خلدون (1 / 5 - 6 و 18 و 70 و 71) و (2 / 10 و 15). ي - المشتبه، للذهبي (1 / 346). ك - تبصير المنتبه، لابن حجر (2 / 673 و 715). تراجم رواة الحديث السبائيين: 1 - ترجمة عبد الله بن هبيرة في:

[318]

أ - الجمع بين رجال الصحيحين، لابن القيسراني (1 / 280). ب - تاريخ الاسلام، للذهبي (3 / 175). ج - أنساب السمعاني / مادة (السبائي). د - الاكمال لابن ماكولا مادة (السبائي). ه‍ - الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي (2 / 2 / 194). و - تهذيب التهذيب، لابن حجر (6 / 61 - 62). ز - تقريب التهذيب، لابن حجر (1 / 458). ح - تبصير المنتبه، لابن حجر (2 / 715). ط - مسند أحمد (6 / 7). 2 - ترجمة عمارة بن شبيب السبائي في: أ - الاستيعاب بهامش الاصابة (3 / 21). ب - أسد الغابة (4 / 50). ج - الاصابة (2 / 508) الرقم: 5720. د - تاريخ البخاري (3 / ق 2 / 495) الرقم: 679. ه‍ - تهذيب التهذيب (7 / 417) الرقم: 370. و - تقريب التهذيب (2 / 50) الرقم: 370. 3 - ترجمة حنش السبائي في: أ - تهذيب التهذيب (3 / 57) الرقم: 102. ب - تقريب التهذيب (1 / 205) الرقم: 630. ج - تاريخ الاسلام، للذهبي (3 / 361).

[319]

د - فتوح إفريقيا، لابن عبد الحكم (ص: 100). وترجمة سعد السبائي في الاصابة (2 / 111). 4 - ترجمة أبي عثمان الحبشاني. 5 - ترجمة أزهر بن عبد الله السبائي. 6 - ترجمة أسد بن عبد الرحمن السبائي الاندلسي. 7 - ترجمة سليمان بن بكار السبائي في: الانساب - للسمعاني، والاكمال - لابن ماكولا - مادة (السبائي). ثانيا: منشأ تغيير مدلول السبائي: 1 - كتاب زياد وشهادة الشهود على حجر في: أ - تاريخ الطبري (2 / 131 - 136). ب - تاريخ ابن الاثير (3 / 403 - 404). 2 - ترجمة حجر بن عدي في: أ - طبقات ابن سعد (6 / 151 - 154) في باب من روى عن علي ابن أبي طالب ممن نزل الكوفة من أصحاب رسول الله. ب - مستدرك الحاكم (3 / 468). ج - الاستيعاب، ط. حيدر آباد (1 / 134 - 135) الترجمة المرقمة (548). د - أسد الغابة (1 / 385 - 386).

[320]

ه‍ - سير النبلاء، للذهبي (3 / 305 - 308) الترجمة المرقمة (314). و - تاريخ الاسلام، للذهبي (2 / 276). ز - تاريخ ابن كثير (8 / 50). ح - الاصابة (1 / 315). 3 - قصة حجر في: أ - تاريخ الطبري (2 / 111 - 149). ط. أوروبا. ب - تاريخ ابن الاثير (3 / 403 - 404) وترجمته بطبقات ابن سعد وسير النبلاء. 4 - ترجمة عمرو بن الحمق من الاستيعاب (2 / 440) الترجمة المرقمة 1923، وأسد الغابة (4 / 100 - 101)، والاصابة (2 / 526) الترجمة المرقمة - 5820، وطبقات ابن سعد (6 / 15). 5 - السبئية في زمن المختار - محاورة شبث وسعر في الطبري 2 / 623، ط. أوروبا. 6 - السبئية في العهد العباسي - خطبة السفاح في الطبري (3 / 29 - 30 وابن الاثير (5 / 312 - 316). وكيفية بيعة السفاح واغتيال أبي سلمة. 7 - أسطورة سيف، راجع فصل منشأ الاسطورة من الجزء الاول. 8 - عبد الله بن سبأ هو عبد الله بن وهب.

[321]

أ - سعد الاشعري، المقالات ص 20. ب - ابن ماكولا، الاكمال بلغة السبئي. ج - السمعاني، في الانساب بلغة السبئي. د - الذهبي، في المشتبه (346) والعبر (2 / 183)، وابن حجر، في تبصير المنتبه ص 715. ه‍ - المقريزي، في خططه. و - نسبه، بجمهرة أنساب ابن حزم (386). ز - لقب بذي الثفنات، كما في الطبري (1 / 3382) وجمهرة ابن حزم (3 / 385). ح - كثرة سجوده، في ترجمته المرقمة (6361) من الاصابة (ج 3 / 91). ط - مع الخوارج بعد التحكيم، تاريخ ابن كثير (7 / 289). ي - بغضه عليا في الطبري (1 / 3382) وما بعدها وابن الاثير (3 / 286) وما بعدها. ك - استخلافه، جمهرة أنساب ابن حزم (386) في ذكر نسب بني ميدعان. ل - قتله، ابن الاثير (3 / 191). م - عدد من قتل منهم، تاريخ اليعقوبي (2 / 291) وغيره من كتب التاريخ. 9 - عبد الله بن السوداء.

[322]

أ - ابن السوداء من أمه حبشية. المحبر، لان حبيب ص (306) وما بعدها، والآية الحادية عشرة من سورة الحجرات. ب - رواية سيف في ابن السوداء في ذكر أحداث سنة خمس وثلاثين من تاريخ الطبري (1 / 2942) (فصل ذكر مسير من سار إلى ذي خشب...). ج - تسميته في روايات سيف بعبد الله بن السوداء، في تاريخ الطبري (1 / 2944 و 3161 و 3180). د - تسميته في روايات سيف بابن السوداء، في تاريخ الطبري (1 / 2858 و 2859 و 2922 و 2928 و 2954 و 3027 و 3163 و 3165).

[323]

حقيقة أكاذيب

[325]

تناقض أقوال أهل الملل والنحل: " السبئيون يزعمون أن عليا في السحاب، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ". وقولهم: " السبئيون يعتقدون بألوهية علي ". والحقيقة: أن النبي كانت له عمامة تسمى السحاب، فتوج بها عليا وربما جاء علي فيها فيقال: أتى علي في السحاب. وحرف عوام الناس هذه الحقيقة إلى اسطورة صدقها أهل الملل ونقلوها عنهم في كتبهم. مصادر البحث.

[327]

ذكرنا في بحوثنا السابقة بهذا الكتاب وغيره كثيرا من الاكاذيب الشائعة لدى العلماء (أ) وجماهير المسلمين خلال أحقاب طويلة من الدهر، وبينا زيفها وكشفنا واقعها بفضله تعالى، وفي ما يلي - أيضا - نستعرض شيئا من أكاذيب انتشرت في كتب أهل الملل والنحل وغيرها تحت عنوان (جاء علي في السحاب) ونبين زيف ما كتبوا ونكشف عن حقيقة الخبر بحوله تعالى، وبه نختم بحوث هذا الكتاب. قال مسلم (- 261 ه‍) في رواية رواها في صحيحه: " إن الرافضة تقول: إن عليا في السحاب، فلا نخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي مناد من السماء - يريد عليا أنه ينادي - اخرجوا مع فلان... ". وقال الاشعري (- 301 ه‍) في المقالات: " وزعمت فرقة من الكيسانية: أن عليا في السحاب... ".


(أ) مثل ما مر في تهاويل انتشرت عن حروب الردة، وأكاذيب في الفتوح، وأساطير من خرافة وغيرها في هذا الكتاب وكذلك ما مر في فصول كتبنا الاخرى ب‍ (خمسون ومائة صحابي مختلق) و (عبد الله بن سبأ - ج 1).

[328]

وقال أبو الحسن الاشعري (- 330 ه‍) في ذكر السبئية من مقالات الاسلاميين: " وهؤلاء - السبئية - يقولون عند سماع الرعد: السلام عليك يا أمير المؤمنين ". وقال أبو الحسين الملطي (- 377 ه‍): " والفرقة الثانية من السبئية يقولون: إن عليا لم يمت، وإنه في السحاب، وإذا نشأت سحابة بيضاء صافية منيرة مبرقة مرعدة قاموا إليها يبتهلون ويتضرعون ويقولون: قد مر بنا في السحاب " ! وقال البغدادي (- 419 ه‍) في الفرق بين الفرق: " وزعم بعض السبئية أن عليا في السحاب، وأن الرعد صوته والبرق سوطه، ومن سمع من هؤلاء صوت الرعد قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين، وروى عن الشاعر أنه تبرأ منهم وقال: ومن قوم إذا ذكروا عليا * يردون السلام على السحاب " وقال ابن حزم (- 454 ه‍) في الفصل: " وقالت السبائية أصحاب عبد الله بن سبأ الحميري اليهودي في علي... وإنه في السحاب ". وقال صاحب البدء والتاريخ: " وأما السبئية فإنهم يقال لهم الطيارة، يزعمون أنهم لا يموتون وإنما موتهم طيران نفوسهم في الغلس، وأن عليا لم يمت وأنه في السحاب، وإذا سمعوا صوت الرعد، قالوا: غضب علي ". وقال الاسفرائيني (- 471 ه‍) عن السبئية:

[329]

" وقال بعضهم هو في الغيم، والرعد صوته والبرق سوطه، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ". ثم ذكر البيت " ومن قوم إذا سمعوا... ". وقال أبو محمد عثمان العراقي (ت: نحو 500 ه‍): " وأما السحابية: فهم طائفة يزعمون أن عليا، رضي الله عنه، مع كل سحاب، والرعد صوت علي، وما من نكاح إلا ويحضره علي، وإنما تنعقد الانكحة بشهادته، وبعض هذه الطائفة يزعمون بأن شهادة الله ورسوله كافية في الانكحة، ولا افتقار إلى شهادة الآدميين. ويزعمون أيضا أن عليا لم يمت، وأنه سيرجع عن قريب وينتقم من أعدائه ". وقال بعد هذا في تعريف السبائية: " وأما السبائية: هم طائفة ينسبون إلى عبد الله بن سبأ، وهم يزعمون بأن عليا حي لم يمت، وهو مع كل سحاب يدور، والرعد صوته، وسيرجع عن قريب فينتقم من أعدائه. وابن سبأ، هذا كان يدعي أن عليا إله العالمين ". وقال في جواب من تخيلهم بالسبائية بعد هذا: " روي أنه لما قتل علي، رضي الله عنه، قال ابن سبأ: إن عليا حي وهو مع كل سحاب، والرعد صوته. فقيل له: فمن الذي قتله الملعون ابن ملجم ؟ قال: كان ذلك شيطانا في صورة علي،

[330]

فقيل له: لو كان ابن ملجم قتل شيطانا لكان يستحق المدح، فلماذا تلعنونه وتذمونه ؟ فتحير ابن سبأ ولم يبد جوابا، وبالله التوفيق ". وقال الشهرستاني (- 548 ه‍) في تعريف السبائية من الغلاة: إنهم أصحاب عبد الله بن سبأ الذي... زعم أن عليا حي لم يمت ففيه الجزء الالهي ولا يجوز أن يستولي عليه الموت، وهو الذي يجئ في السحاب، والرعد صوته والبرق تبسمه، وأنه سينزل إلى الارض بعد ذلك فيملا الارض عدلا كما ملئت جورا. وقال السمعاني (- 562 ه‍) في ترجمة السبائي من أنسابه: و [عبد الله بن] (أ) سبأ هو الذي قال لعلي: أنت الاله حتى نفاه إلى المدائن، وزعم أصحابه أن عليا في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه. ومن هنا قال قائلهم: ومن قوم إذا ذكروا عليا * يردون السلام على السحاب وقال ابن أبي الحديد (- 655 ه‍) في شرح الخطبة (27) من نهج البلاغة بعد كلام عن السبائية: " وقالوا: إن عليا لم يمت، وإنه في السماء، والرعد صوته، والبرق سوطه، وإذا سمعوا صوت الرعد قالوا: السلام عليك يا أمير المؤمنين ". وقال ابن خلدون (- 808 ه‍): بعضهم يقول: هو حي لم يمت إلا أنه غائب عن أعين الناس - إلى قوله -: وأنه في السحاب


(أ) ما بين المعقوفين ساقط من الاصل.

[331]

والرعد صوته والبرق سوطه. ونقل الجرجاني (- 816 ه‍) في (التعريفات) عن ابن سبأ أنه قال: " وعلي في السحاب والرعد صوته والبرق سوطه، وأنه ينزل بعد هذا إلى الارض ويملاها عدلا، وهؤلاء يقولون عند سماع الرعد: وعليك السلام يا أمير المؤمنين ". وقال المقريزي (845 ه‍) في ذكر الروافض من خططه: " والفرقة الخامسة السبائية أتباع عبد الله بن سبأ الذي قال شفاها لعلي بن أبي طالب: أنت الاله... وزعم أن عليا لم يقتل، وأنه حي لم يمت، وأنه في السحاب وأن الرعد صوته والبرق سوطه وأنه ينزل بعد حين، قبحه الله ". وأعاد القول كذلك في (ذكر الحال في عقائد أهل الاسلام...). ونقل غير هؤلاء - أيضا - أقوال هؤلاء مثل: فريد وجدي (- 1373 ه‍) الذي نقل في لغة عبد الله بن سبأ من دائرة معارفه ألفاظ البغدادي بعينها في الفرق. والبستاني (- 1300 ه‍) الذي نقل أقوال بعض من سبق ذكر أقوالهم في دائرة معارفه. لست أدري ألم يفكر هؤلاء العلماء الاجلة الاثبات بعقولهم فيما يكتبون بأقلامهم ؟ ! ألم ينتبهوا إلى أن الامام عليا إذا كان عند السبئية إله العالمين

[332]

كما قاله سعد الاشعري (ب) ! ؟ وكان ابن سبأ يقول: " هو الاله في الحقيقة " كما قال الجرجاني والمقريزي ! أو قال له: " أنت الله " كما قال ابن أبي الحديد ! وأنهم أصروا على هذا القول حتى أحرقهم الامام، أو أحرق بعضهم كما ذكرته الروايات ! إذا كانت هذه عقيدتهم في الامام فكيف كانوا يسلمون عليه وهو - بزعمهم - في السحاب بقولهم: " السلام عليك يا أمير المؤمنين ". أكان علي عندهم إله العالمين أم أمير المؤمنين ! ؟ لست أدري كيف لم ينتبه هؤلاء العلماء المحققون إلى التناقض الواضح في ما ينقلون ؟ ! وصدقوا هذه الاكاذيب ! وتصدى بعضهم للرد عليها ! مثل البغدادي الذي قال في الفرق: " وقلنا لهم كيف يصح دعواكم أن الرعد صوت علي والبرق سوطه وكان صوت الرعد مسموعا والبرق محسوسا في زمن الفلاسفة قبل زمان الاسلام، ولهذا ذكروا الرعد والبرق في كتبهم واختلفوا في علتها ؟ ". ومثل ابن حزم الذي قال في الفصل: " فليت شعرى في أية سحابة هو من السحاب ؟ ! والسحاب


(ب) قد أشرنا إلى أقوال قبل هذا في فصل (عبد الله بن سبأ في كتب أهل المقالات).

[333]

كثير في أقطار الهواء المسخر بين السماء والارض، كما قال تعالى ؟ ! ". هكذا حرر هؤلاء العلماء الاجلاء هذه الاكاذيب السخيفة في كتبهم مصدقين إياها ! وفي ما يلي نكشف عن حقيقة تلك الاكاذيب بحوله تعالى. كان للرسول عمامة سوداء اسمها السحاب. في كنز العمال: " كان من خلق النبي أن يسمي سلاحه ودوابه ومتاعه " (1). وفي نهاية اللغة لابن الاثير: " كان اسم عمامة النبي (ص) السحاب ". وفي لسان العرب وتاج العروس: " وفي الحديث كان اسم عمامته السحاب، سميت به تشبيها بسحاب المطر... ". وفي تاريخ الاسلام للذهبي، والمواهب اللدنية للقسطلاني، والانوار المحمدية للنبهاني: " وكان له (ص) عمامة تسمى السحاب يلبس تحتها القلانس اللاطئة " (2).


(1) كنز العمال ط / حيدر آباد الثانية (7 / 72 - 73). (2) في المصدر السابق " كان يلبس القلانس تحت العمائم ويلبس العمائم بغير قلانس " وفي باب لباس رسول الله من أنساب الاشراف (1 / 507) ؟ رك رسول الله (ص) قلانس لاطئة صغارا ثلاثا " واللاطئة: اللاصقة.

[334]

كان لون عمامته السحاب أسود: " كان لرسول الله عمامة سوداء تسمى السحاب ". وفي باب لبس العمائم السود من سنن النسائي، وفي باب العمائم من سنن أبي داود، وفي مسند أحمد، وطبقات ابن سعد: " أن النبي دخل مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء ". وقد عمم النبي (ص) علي بن أبي طالب بعمامته المسماة بالسحاب، كما زاد في المعاد لابن قيم الجوزية (ت: 751 ه‍) قال: " كانت له عمامة تسمى السحاب كساها عليا وكان يلبسها ويلبس تحتها القلنسوة ". وفي كنز العمال عن ابن عباس قال: لما عمم رسول الله عليا بالسحاب قال له: " يا علي ! العمائم تيجان العرب... ". وتذكر الروايات أن ذلك كان يوم غدير خم، وبمثابة تتويج للامام ! وفي الرياض النضرة: " أن رسول الله دعا عليا يوم غدير خم فعممه، وأرخى عذبة العمامة من خلفة " (1). وفي فرائد السمطين للحمويني المتوفى (722 ه‍): " إن رسول الله (ص) عمم علي بن أبي طالب (رض) عمامته


(1) العذبة: طرف العمامة.

[335]

السحاب فأرخى من بين يديه ومن خلفه، ثم قال: أقبل ! فأقبل، ثم قال: أدبر ! فأدبر قال: هكذا جاءتني الملائكة (1) ". وفي كنز العمال عن علي، قال: عممني رسول الله (ص) يوم غدير خم بعمامة فسدلها خلفي - وفي رواية - فسدل طرفيها على منكبي، ثم قال: " إن الله أمدني يوم بدر وحنين بملائكة يعتمون هذه العمة... ". وفي رواية أخرى في الكنز: عممه بيده فذنب العمامة من ورائة ومن بين يديه، ثم قال له النبي (ص): " أدبر ! فأدبر، ثم قال له: أقبل ! فأقبل " وأقبل على أصحابه فقال: " هكذا تكون تيجان الملائكة ". وكان علي يلبس عمة رسول الله المسماة بالسحاب ويأتي فيها فيقال: أتى علي في السحاب.


(1) ابراهيم بن محمد بن المؤيد أبي بكر بن حمويه الحمويني من أهل جوين خراسان. صدر الدين، أبو المجامع شيخ خراسان في وقته، رحل في طلب الحديث، فسمع بالعراق والشام والحجاز والقدس وغيرها، وتوفي بالعراق، عرفه ابن حجر في الدرر الكامنة (1 / 67) بالشافعي الصوفي. اسلم على يده غازان - الاعلام للزركلي (1 / 61). وفي ايضاح المكنون (187): " فرائد السمطين... لابي عبد الله ابراهيم.. فرغ منه سنة 716 ه‍ ". وروى الحمويني عدة روايات اخرى في الباب.

[336]

قال الصفدي (ت: 764 ه‍): " وكان له كساء أسود وعمامة يقال لها السحاب فوهبها عليا فكان، ربما قال إذا رآه مقبلا وهي عليه: أتاكم علي في السحاب " (*). قال علي بن برهان الدين الشافعي الحلبي (- 1044 ه‍) في السيرة الحلبية: " وكان له (ص) عمامة تسمى السحاب كساها علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، وكان ربما طلع عليه فيقول (ص): أتاكم علي في السحاب - يعني عمامته التي وهبها له ". وقال النبهاني في وسائل الوصول إلى شمائل الرسول: " وكان له (ص) عمامة تسمى السحاب فوهبها لعلي فربما طلع على فيها فيقول (ص): أتاكم علي في السحاب ". وفي ترجمة مسعدة بن اليسع الباهلي بميزان الاعتدال (4 / 98 - 99) ولسان الميزان (6 / 23): عن جعفر بن محمد عن أبيه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسا عليا بردة يقال لها السحاب، فأقبل وهي عليه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: هذا علي قد أقبل في السحاب، قال جعفر: قال أبي: فحرفها هؤلاء وقالوا علي في السحاب. هذه الاحاديث وردت في كتب الحديث والسيرة والادب لعلماء السنة، ووردت نظائرها في كتب علماء شيعة أهل البيت كما يلي:


الوافي بالوفيات للصفدي 1 / 93 باب (اثوابه واثاثه).

[337]

كانت للنبي عمامة اسمها السحاب: روى إسماعيل (ج) بن الامام موسى بن جعفر المتوفى بعد (210 ه‍) في كتاب الجعفريات عن أبيه عن جده الامام جعفر بن محمد عن أبيه عن جده علي بن الحسين عن أبيه عن علي بن أبي طالب عليهم السلام، قال: " كانت له - لرسول الله - صلى الله عليه وآله عمامة تسمى السحاب " ورواها عنه النوري المتوفى (1320 ه‍) في كتابه المستدرك باب (استحباب التعميم وكيفيته) من كتاب الصلاة. وروى الكليني المتوفى (329 ه‍) في كتاب الكافي باب القلانس من كتاب الزي والتجمل عن أبي عبد الله - الصادق - قال: " كان رسول الله (ص) يلبس من القلانس اليمنية والبيضاء والمضرية وكانت عمامته السحاب ".


(ج) اسماعيل بن الامام موسى بن جعفر (ع) قال النجاشي في ص 21 من رجاله والطوسي في ص (33 - 34) من فهرسته: سكن مصر وولده بها وله كتب يرويها عن أبيه عن آبائه منها... الخ. كان حيا سنة (210 ه‍) - راجع اختيار رجال الكشي ص 502 ويقصد النجاشي والطوسي من الكتب التي يرويها عن أبيه عن آبائه ما يسميه علماء الحديث بالجعفريات وقد يسمى الاشعثيات نسبة إلى راوي الكتاب أبي علي محمد بن محمد بن الاشعث الكوفي، وترجمه النوري في الفائدة الثانية من خاتمة المستدرك (3 / 291) وصاحب الذريعة في (2 / 109 - 111) من الذريعة، و (5 / 112) والحديث المذكور في المتن عن الجعفريات نقلناه من المستدرك (1 / 213).

[338]

ورواها عنه كل من الفيض المتوفى (1091 ه‍) في باب القلانس من أبواب الملابس من الوافي: والشيخ محمد بن الحسن الحر (- 1094 ه‍) في باب ما يستحب من القلانس من كتاب الصلاة من الوسائل. النبي يعمم عليا بالسحاب يوم الخندق: روى الفضل بن الحسن الطبرسي (- 548 ه‍) في ذكر غزوة الخندق من تفسير سورة الاحزاب بمجمع البيان وقال: " إن الامام عليا لما أراد أن يبرز لعمرو بن عبدود يوم الخندق ألبسه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) درعه ذات الفضول وأعطاه سيفه ذا الفقار، وعممه عمامته السحاب على رأسه تسعة أكوار... " الحديث. ورواه عن الطبرسي كل من المجلسي (- 1110 أو 1111 ه‍) في الجزء السادس من البحار. والنوري في باب استحباب التعمم من أبواب أحكام الملابس في غير الصلاة من المستدرك. والقمي (- 1359 ه‍) في لغة عمم من سفينة البحار. يقول النبي: أتاكم علي في السحاب: روى الحسن بن الفضل الطبرسي في باب مكارم أخلاق النبي في فصل (ذكر عمامته) وقال:

[339]

وكانت له - أي لرسول الله - (صلى الله عليه وآله) عمامة يعتم بها، يقال لها: السحاب. فكساها عليا وكان ربما طلع علي فيها فيقول: " أتاكم علي في السحاب " يعني عمامته التي وهبها له. ورواه عنه كل من المجلسي في الجزء السادس من البحار. والقمي في سفينة البحار بمادة السحاب. كيف توجه النبي بعمامته ؟ روى الكليني في باب العمائم من كتاب الزي والتجمل في الكافي عن أبي عبد الله قال: عمم رسول الله صلى الله عليه وآله عليا (ع) بيده فسدلها من بين يديه وقصرها من خلفه قدر أربع أصابع، ثم قال: أدبر ! فأدبر، ثم قال: أقبل ! فأقبل، ثم قال: (هكذا تكون تيجان الملائكة). ورواه عنه كل من الفيض في باب العمائم من كتاب الوافي. والحر العاملي في باب استحباب التعمم من الوسائل. والمجلسي في الجزء التاسع من البحار ط. الحجرية ص 623. وفي طبعة دار الكتب الاسلامية عام 1383 ج 42 ص 69 - 70. توج النبي عليا أكثر من مرة: أولا - توجه يوم الخندق كما مر.

[340]

ثانيا - توجه يوم الغدير كما يأتي: روى علي بن طاووس (- 664 ه‍) في أمان الاخطار عن عبد الله بن بشر صاحب رسول الله (ص) قال: " بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يوم غدير خم إلى علي فعممه وأسدل العمامة بين كتفيه، وقال: هكذا أمدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين وقد أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين المسلمين وبين المشركين " (د). ورواها عنه الشيخ الحر العاملي في باب استحباب التعمم من الوسائل. ونقل البحراني (- 1197 ه‍) في الحديث الرابع والسبعين من الباب السادس عشر من كتابه (غاية المرام) رواية شيخ الاسلام الحمويني التي سبق ذكرها ضمن روايات علماء السنة في الباب.


(د) في الاصابة (2 / 274) الترجمة المرقمة 4566: عبد الله بن بشر الحمصي ذكره البغوي في معجم الصحابة وأورد له من طريق يحيى ابن أبي حمزة عن أبي عبيدة الحمصي قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على بن أبي طالب فعممه بعمامة سوداء ثم أرسلها من ورائه أو على كتفه... الحديث. وروى عنه عن علي قال: عممني رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم بعمامة سوداء... الحديث.

[341]

النبي سلمه السحاب في مرض وفاته: روى الكليني في باب ما عند الائمة من سلاح رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومتاعه، من كتاب الحجة: سلم النبي عليا (... المغفر والدرع والراية والقميص وذا الفقار والسحاب والبرد...) الحديث. وفي علل الشرايع قريب منه. كانت هذه حقيقة كل تلك الاكاذيب، وخلاصتها: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت له عمامة تسمى السحاب عمم بها عليا يوم الاحزاب، ويوم غدير خم، ووهبه إياها مع غيرها مما وهبه في مرض وفاته. وكان الامام يتعمم بها - أحيانا - فيقال: جاء علي في السحاب. هذه الحقيقة الواضحة حرفها عوام الناس، وحاكوا حولها أساطير تناقلوها كغيرها من الاساطير الشعبية، ثم جاء علماء أهل المقالات والملل والنحل واخذوا من العوام ما تقولوه، وأدرجوه في كتبهم دونما إشارة لمصدر خبرهم، وكذلك نقل بعضهم عن بعض وتصدى بعضهم للرد على من اعتقد بها. هكذا انتشرت هذه الاكاذيب، بينما لم يوجد إنسان يزعم أن الامام عليا في السحاب ويسلم عليه ويقول: " السلام عليك يا أمير المؤمنين " بتاتا !

[342]

بل روى علماء الشيعة بطرقهم الخاصة عن رسول الله (ص) والائمة من اهل بيته (ع) حتى عصرنا الحاضر جيلا بعد جيل ما سبق ذكره. كما رووا من طريق رواة الحديث عند أهل السنة كذلك، وكان الخبر مذكورا مشهورا في كتب الفريقين مدى العصور. فمن أين جاء المفترون بكل ما افتروه من زور وبهتان ؟ ولا ينحصر التحريف في مصادر الدراسات الاسلامية بهذه الخرافة وحدها، بل لها نظائر كبيرة، وخاصة في كتب أهل الملل والنحل، مثل القصة التالية: تحريف آخر: لهذا التحريف نظائر كثيرة في كتب أهل الملل والنحل كما مر علينا، منها ما نقله الشهرستاني في كتابه الملل والنحل: " وقالت - أي السبائية - بتناسخ الجزء الالهي في الائمة بعد علي (ع)، وقالت هذا المعنى مما كان يعرفه الصحابة، وإن كانوا على خلاف مراده، هذا عمر كان يقول فيه حين فقأ عين واحد ألحد في الحرم فرفعت القصة إليه: ماذا أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله تعالى ". وقال ابن أبي الحديد في شرح النهج: " وتعلق بعضهم بشبهة ضعيفة نحو قول عمر، وقد فقأ علي عين إنسان ألحد في الحرم: ما أقول في يد الله فقأت عينا في حرم الله " (1).


(1) شرح نهج البلاغة 1 / 426.

[343]

هكذا ردد ابن أبي الحديد قول الشهرستاني، وحقيقة القصة ما رواها محب الدين الطبري وقال: " كان عمر يطوف بالبيت وعلي يطوف أمامه، إذ عرض رجل لعمر فقال: يا أمير المؤمنين ! خذ لي حقي من علي بن أبي طالب. قال: وما باله ؟ قال: لطم عيني. قال: فوقف عمر حتى مر به علي، فقال: ألطمت عين هذا يا أبا الحسن ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين ! قال: ولم ؟ قال: لاني رأيته يتأمل حرم المؤمنين في الطواف. فقال عمر: أحسنت يا أبا الحسن ". بعد هذه البحوث آن لنا أن ندرس خبر الاسطوري عبد الله بن سبأ في كتب الحديث. مصادر حقيقة أكاذيب 1 - علي في السحاب: أ - مسلم، في صحيحه ط محمد علي صبيح بالقاهرة (لم أجد تاريخ طبعه) 1 / 16.

[344]

ب - الاشعري سعد بن عبد الله، في (المقالات والفرق) ص 27. ج - الاشعري أبو الحسن، في (المقالات الاسلاميين) 1 / 85. د - أبو الحسين الملطي في (التنبيه والرد) ص 25. ه‍ - البغدادي، في (الفرق بين الفرق) تحقيق محمد محيي الدين ط. المدني بالقاهرة. (ص 233). و - ابن حزم، في الفصل ط. الاولى (4 / 186). ز - البدء والتاريخ (5 / 129). ح - الاسفرائيني في التبصير في الدين (ص 108). ط - أبو محمد عثمان بن عبد الله بن الحسن العراقي الحنفي، في ص 37 - 40 من كتابه (الفرق المفترقة بين أهل الزيغ والزندقة) تحقيق الدكتور بشار قوتلو آ ي، ط. النور بانقرة سنة 1961 ه‍ من منشورات جامعة الالهيات بانقرة. ي - الشهرستاني، في الملل والنحل تحقيق عبد العزيز. دار الاتحاد العربي بمصر سنة 1387 ه‍ (1 / 174) في تعريف السبئية. ك - السمعاني، في (الانساب) بلغة السبئي. ل - ابن أبي الحديد، في شرح الخطبة 27 من نهج البلاغة. م - الجرجاني، في (التعريفات) (ص 103). ن - ابن خلدون، في (المقدمة) ط. الادبية بيروت (ص 198). س - المقريزي، في (الخطط) ط. النيل بمصر سنة 1324 (4 /

[345]

175 و 172). ع - فريد وجدي، في دائرة معارفه بلغة (السبئية). ف - البستاني، في دائرة معارفه بلغة (عبد الله بن سبأ). 2 - السحاب اسم عمامة النبي: أ - ابن الاثير، في (نهاية اللغة) بلغة السحاب. ب - ابن منظور، في (لسان العرب) بلغة السحاب. ج - الزبيدي، في (تاج العروس) بلغة السحاب. د - تاريخ الاسلام، للذهبي (1 / 282) والقسطلاني في المواهب اللدنية (1 / 428 - 427). ه‍ - النبهاني، في (الانوار المحمدية) (ص 251). 3 - كان لون عمامته السحاب اسود. اليعقوبي - تاريخه 2 / 88. 4 - دخل النبي يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء. سنن ابن ماجة باب العمامة السوداء من كتاب اللباس، الحديث 3586. و 3585 (2 / 1186) وكتاب الزينة من سنن النسائي (2 / 300) وسنن أبي داود (2 / 184) ومسند أحمد (3 / 363 و 367) وابن سعد (1 / 2 / 150) وأنساب الاشراف للبلاذري (1 / 507) وتاريخ الاسلام للذهبي (1 / 281) وابن كثير (6 / 6 و 8). 5 - عمم النبي عليا بالسحاب: أ - المتقي في كنز العمال (8 / 60) الطبعة القديمة.

[346]

ب - ابن قيم الجوزية في زاد المعاد ط. الحلبي 1390 (1 / 50) فصل في ملابسه. ج - المحب الطبري، في (لرياض النضرة) ط. دار التأليف بمصر سنة 1372 ه‍ (2 / 289). 6 - كان علي يأتي في تلك العمة فيقول الرسول: أتاكم علي في السحاب: أ - النبهاني، في (وسائل الوصول إلى شمائل الرسول) (ص 70). ب - برهان الدين الحلبي، في السيرة ط. مصطفى محمد القاهرة (3 / 379). مصادر الخبر من كتب الشيعة: 1 - كانت له (ص) عمامة تسمى السحاب: أ - النوري، (المستدرك) (1 / 213). ب - الكليني، في (الكافي) (461 - 462). ج - الفيض، في (الوافي) الجزء الحادي عشر (ص 101). د - الشيخ الحر العاملي، في الوسائل (1 / 285). 2 - النبي عمم عليا عمامته السحاب يوم الخندق: أ - الطبرسي، في مجمع البيان ط. صيدا (7 / 343). ب - المجلسي، في البحار (6 / 529). ج - النوري، في (المستدرك) (1 / 213).

[347]

د - القمي، في (سفينة البحار) (2 / 279) بلغة عمم. 3 - ربما كان يلبسها فيقول النبي: جاءكم علي في السحاب: أ - الطبرسي، في (مكارم الاخلاق) (ص 21). ب - المجلسي في (البحار) (6 / 155). ج - القمي في (سفينته) (1 / 604) بلغة السحاب. 4 - كيف توجه النبي بالعمامة: أ - الكليني، في (الكافي). ب - الفيض، في (باب العمائم من كتاب الوافي). ج - الحر العاملي، في (باب استحباب التعميم من الوسائل). د - المجلسي، في (البحار) 9 / 623 ط. الحجرية. ه‍ - القمي، في (سفينة البحار) (2 / 279). 5 - توج النبي عليا اكثر من مرة: أ - علي بن طاووس في أمان الاخطار. ب - الشيخ الحر العاملي، في (باب التعمم من الوسائل). 6 - النبي سلمه السحاب في مرض موته: أ - الكليني، في (الكافي) (1 / 236) و (علل الشرايع) حسب رواية المجلسي، في (البحار) 22 / 456، عنه. ب - البحراني السيد هاشم في (غاية المرام) (ص 87). ج - ابن خلدون: في مقدمة تاريخه ط. ثالثة بيروت سنة 1900 م، ص 198. 7 - خبر لطم علي عين رجل:

[348]

أ - الشهرستاني، في (الملل والنحل). ب - ابن أبي الحديد، في (شرح نهج البلاغة) 1 / 426. ج - محب الدين الطبري، في (ذخائر العقبى) ص 82.

[349]

خلاصة وخاتمة السبائية نسبة إلى سبأ بن يشجب ومرادفة لليمانية والقحطانية ويقابلها العدنانية، اجتماع القبيلتين في المدينة، تنافرهما على ماء المريسيع وفي السقيفة، إبعاد اليمانية من الحكم، تقريب الامام إياهم، نقمة قريش من الامام بسببهم، شكوى الامام من قريش، تجمع السبئية على الامام، رئيس الخوارج سبئي، قتل الامام وتغلب العدنانية، السبئيون ينصرون المختار على العدنانية، قتل المختار رؤوس العدنانية، غلبة العدنانية عليه ونبزه بادعاء النبوة ونبز جماعته بالسبائية، انقسام العرب إلى عدنانية وقحطانية، سيف يضع أساطير في ذم قحطان ومدح عدنان ويختلق الاسطورة السبئية، تطور مدلول السبئية وتعدد ابن سبأ، تصحيف عبد الله السبائي إلى عبد الله بن سبأ، اختلاق الصحابة مصادر، خلاصة البحث.

[351]

السبئية وابن سبأ في التاريخ: إن السبئية وجدت منذ العصر الجاهلي، وكانت تدل على الانتساب إلى سبأ ين يشجب بن يعرب بن قحطان، ومرادفة للقحطانية، وكذلك كانت مرادفة لليمانية نسبة إلى بلدهم الاول اليمن. والسبائية والقحطانية واليمانية تقابل العدنانية والنزارية والمضرية اللاتي كانت تدل على الانتساب إلى مضر بن نزار من عدنان من أولاد إسماعيل بن إبراهيم الخليل، وانتمى إلى كل قبيلة حلفاؤها ومواليها، ونسبوا إليهم أحيانا (أ). اجتمع فرعا القبيلتين في المدينة وكونا المجتمع الاسلامي الاول بزعامة النبي (ص)، وسمي المنسوبون إلى قحطان بالانصار وكانوا هم أهل البلد - المدينة - قبل ذلك، كما سمي المنسوبون إلى عدنان والذين هاجروا إلى المدينة مع حلفائهم بالمهاجرين. وقع أول تنافر بين فرعي القبيلتين في الاسلام على ماء المريسيع في غزوة بني المصطلق حيت نادى أجير المهاجرين: يا


(أ) مثل ربيعة التي ذكرت - أحيانا - ضمن السبئية كما اشرنا إلى ذلك سابقا.

[352]

للمهاجرين ! ونادى الانصاري: يا للانصار ! وكادت أن تقع الفتنة، وقال أحد رؤوس المنافقين (عبد الله بن أبي): " لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل " وأخمد النبي الفتنة بحكمته (1). ثم وقعت الفتنة بين القبيلتين في سقيفة بني ساعدة يوم وفاة الرسول (ص) حيث اجتمع الانصار فيها ليولوا سعد بن عبادة على المسلمين، وقابلهم المهاجرون الذين التحقوا بهم فيها بترشيح أبي بكر وتغلبوا عليهم وكونوا خلافة قرشية (2) ابعد فيها الانصار عن الحكم، فلم يؤمروهم على جيش، ولم يولوهم على بلد (ب) إلا نادرا. ثم أصبحت الخلافة بعد ذلك دولة أموية في عصر عثمان واستولى بنو أمية على مصر والشام والكوفة والبصرة والمدينة، واستولى حلفائهم على غيرها، وعاملوا المسلمين بقسوة فثاروا عليهم وجاءوا إلى المدينة، وقتلوا الخليفة الاموي في داره، وعادت أمور المسلمين إلى أنفسهم فبايعوا الامام علي بن أبي طالب بالاجماع، فحكم بالسوية، وعدل في الرعية، وساوى في العطاء (3) وولى الانصار على الولايات. فقد ولى على البصرة عثمان ابن خنيف، وعلى المدينة سهل بن حنيف (ج) وعلى مصر قيس بن


(ب) يظهر ذلك من ملاحظة اسماء الولاة على البلاد وامراء الاجناد في عصر أبي بكر وعمر وعثمان. (ج) قال ابن الاثير في (3 / 334) من تاريخه في ذكر عمال الامام سنة 40 ه‍: " وكان على المدينة أبو ايوب وقيل سهل بن حنيف ".

[353]

سعد بن عبادة (4)، وعلى الكوفة عند مسيره إلى الشام أبا مسعود الانصاري، وعلى الجزيرة وما والاها الاشتر السبائي (5). فكرهت قريش سياسته وثارت عليه في الجمل وصفين، وكان الامام يشكو قريشا كثيرا، قال في نهج البلاغة: " اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، فإنهم قطعوا رحمي وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم قالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه وفي الحق أن تتركه " (6). وقال: " مالي ولقريش ! والله لقد قاتلتهم كافرين ولاقاتلنهم مفتونين، وإني لصاحبهم بالامس، كما إني صاحبهم اليوم " (7). وقال في كتابه لعقيل: " فدع عنك قريشا وتركاضهم في الضلال، وتجوالهم في الشقاق، وجماحهم في التيه، فإنهم قد أجمعوا على حربي كإجماعهم على حرب رسول الله صلى الله عليه وآله قبلي، فجزت عني قريشا الجوازي ! فقد قطعوا رحمي، وسلبوني سلطان ابن أمي " (8). وكان ينصره في وقائعه ضد قريش العدنانية رؤوس السبئيين أمثال عدي بن حاتم الطائي السبائي، ومالك الاشتر الهمداني السبائي (د)، وعبد الله بن بديل الخزاعي السبائي، وحجر بن عدي


(د) قال ابن خلدون في تاريخه (2 / 29): " ولما جاء الله بالاسلام افترق كثير من - >

[354]

الكندي السبائي، وقيس بن سعد بن عبادة الانصاري السبائي، إلى غير هؤلاء من رؤوس قبائل اليمن السبائية (ه‍). ثم تجمع بعد صفين شذاذ من القبائل العربية القاطنة في الكوفة والبصرة - وكان جلهم من شيعة الامام - وخرجوا على جميع المسلمين، وكونوا فرقة (الخوارج) ورأسوا عليهم عبد الله بن وهب السبائي فقاتلهم الامام في نهروان، وقتل في المعركة رئيسهم عبد الله السبائي. ثم سقط الامام في محرابه شهيدا بسيف أحد هؤلاء الخوارج، وتغلبت - قريش - العدنانية على الحكم، وأبعد الانصار السبائيون، ولاقوا جفوة شديدة، وقطعت رؤوس رؤساء القبائل السبائية من شيعة علي بالكوفة وممن والاهم من الموالي من قبل دعيي قريش (زياد وابنه)، وصلبوا على جذوع النخل وهدمت دورهم، فاستغاثوا بالحسين بعد الحسن فجاء لينقذهم والاسلام والمسلمين


< - همدان في ممالكه، وبقي منهم من باليمن، وكانوا شيعة لعلي كرم الله وجهه ورضي عنه لما شجر بين الصحابة ما شجر وهو المنشد فيهم متمثلا: " فلو كنت بوابا على باب جنة * لقلت لهمدان ادخلي بسلام " ولم يزل التشيع دينهم ايام الاسلام كلها ". (ه‍) استطاع معاوية ان يستميل بعض فروع القحطانيين الموجودين في الشام إلى جانبه باسم الطلب بدم الخليفة عثمان فلقي اولئك بصورة استثنائية من بين قبائل اليمن الحظوة لدى الحكام إلى عصر بني مروان، حيث وقعت المنافرة في كل مكان بين العدنانية والقحطانية حتى سقطت الدولة المروانية وتكونت على انقاضها الخلافة العباسية - راجع صفين لنصر بن مزاحم، والبحث التمهيدي الثالث من كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق).

[355]

من ظلم بني امية القرشية العدنانية، ولكن الدعي ابن زياد كان قد تغلب على الكوفة وقتل سفير الحسين مسلم بن عقيل ورئيس القبائل السبائية هاني بن عروة المرادي، وجمع حوله رؤوس العدنانية: عمر ابن سعد القرشي، وشبث بن ربعي التميمي العدناني، وشمر بن ذي الجوشن الضبابي العدناني، وجهز جيشا جرارا عبأ فيه كل المقاتلين من أجناد الكوفة بعد أن خدر أحاسيس حثالات رؤساء القبائل المناوئة له بالاغراء والتهديد، وسقط آل الرسول وخاصتهم شهداء صرعى بكربلاء. وهلك يزيد، واستيقظ ضمير أهل الكوفة من سباته العميق، فثاروا على أنفسهم بقيادة المختار، والتف حوله القبائل السبئية بقيادة إبراهيم بن الاشتر السبائي، فأخذ يقطف رؤوس رؤساء العدنانية من قتلة الحسين أمثال عمر بن سعد وابن زياد وشمر بن ذي الجوشن، ونظرائهم. والتفت العدنانية حول أحد أبنائها (مصعب بن الزبير) وحاربت السبئية وأحلافها الموالى حتى قضوا على المختار وثورته، واغمد السيف، وبقي السلاح الاراجيف التي حاربوا بها المختار مشهورا تتناقلها الالسن جيلا بعد جيل، وتسجله أقلام الكتاب في المؤلفات حتى زعموا أنه ادعى تلقي الوحي والنبوة. ولم يكن أنصاره من أفراد القبائل السبئية بمنأى عن الغمز واللمز (و).


(و) كما مر علينا في حديث شبث بن ربعي مع سعر الحنفي. وكانت السبئية تطلق قبل ذاك - >

[356]

بدأ الامر هكذا في المدينة (ز) وفي الكوفة، ثم انتشر الشر بين قبائل عدنان وقحطان وتوسع حتى شملهما في كل مكان. اريقت فيه دماء، وازهقت فيه نفوس، ونظمت على أثره قصائد في المدح والهجاء، ثم اشتدت الخصومة بينهما في اخريات العهد الاموي. في هذا الجو الملتهب بالتنافر والتناحر ظهر سيف بن عمر التميمي العدناني في الكوفة، وقدم مؤلفين كبيرين في التاريخ: أولهما في (الردة والفتوح)، والثاني في (الجمل ومسير علي وعائشة) وقد حشاهما بأنواع من التحريف والتصحيف والاختلاق والدس والتزييف، اختلق فيهما امة من الشعراء واخرى من رواة الاحاديث، وكذلك من الصحابة والتابعين وقادة الفتوح، جعل فيهما كل صاحب منقبة مما اختلق من قبيلته تميم خاصة، ومن قبائل عدنان عامة، ونسب كل منقصة للسبائيين واختلق لهم المعايب، ومن أهم ما اختلق في معايب قحطان: الاسطورة السبئية، حيث جعلهم فيها أتباع عبد الله بن سبأ، ابن الامة السوداء، وحرف بذلك مدلول كلمة (السبئية) من الدلالة على


< - ويقصد منها تعيير القبائل السبئية على انهم ترابية اي شيعة علي بن ابي طالب الذي كانوا يطلبون لعنه والبراءة من دينه كما رأينا ذلك في قصة حجر مع زياد. غير انها بعد القضاء على ثورة المختار اخذت تدل على معنى من اللمز يساوي ما رمي به المختار من ادعاء النبوة. فالسبائية بعد ذاك يمانية حاربوا العدنانية وآمنوا بالمختار ! (ز) في تنافرهما في غزوة بني المصطلق ثم في سقيفة بني ساعدة.

[357]

الانتساب إلى قبيلة قحطان، إلى المدلول المذهبي الجديد الذي اخترعه هو، أي الانتساب إلى عبد الله بن سبأ وأنهم من أتباعه. ونسب إلى السبئية جميع آثام عصر عثمان، فهم الذين نشروا الاكاذيب على الولاة من بني أمية العدنانيين، وأثاروا المسلمين عليهم في كل مكان، ثم تجمعوا في المدينة وقتلوا عثمان. وهم الذين أنشبوا حرب الجمل دون علم رؤساء الجانبين من العدنانيين. وبذلك نزه العدنانيين (مروان وسعيدا والوليد ومعاوية وعبد الله ابن سعد بن أبي سرح وطلحة والزبير وعائشة، وعشرات غيرهم) مما انتقدوا عليه، ونسب كل ذلك إلى السبائية. وفي عمله هذا فاق سيف جميع أدباء عصره من أفراد القبائل السبائية والعدنانية الذين نظموا القصائد في مدح قبيلتهم وذم المنافسة لها، فإنه غير وجه التاريخ الاسلامي على حساب قبيلته، وأربى على ذلك حين اختلق أمة من الشعراء روى عنهم الشعر في الحرب والسلم في مدح عدنان وعيب قحطان. حرف سيف مدلول كلمة السبئية إلى المدلول المذهبي الجديد، وصحف كذلك (عبد الله السبائي) إلى (عبد الله ابن سبأ) ليجعله مؤسس السبئية. هكذا اختلق الاسطورة واختلق بطلها ! ! ! وراجت الاسطورة وشاعت، واشتهر عبد الله بن سبأ في مقابل عبد الله بن وهب

[358]

السبائي، بينما كانت السبئية في عصر الامام تدل على الانتساب إلى القبائل السبئية، وكان أحد أفرادها عبد الله السبائي رأس الخوارج أصبحت اللفظة - بعد انتشار اسطورة سيف - تدل على الفرقة المذهبية التي أسسها عبد الله بن سبأ، والتي تؤمن بالرجعة والوصاية للامام. ثم أهمل استعمال السبئية في المنسوبين إلى قبائل قحطان وخاصة في بلاد العراق موطن اختلاف الاسطورة، فلا نجد فيه - بعد هذا - من يلقب بالسبائي لانتمائه إلى سبأ بن يشجب بن يعرب، كما نجد ذلك في اليمن ومصر والاندلس حيث نجد فيها - خلال القرنين الثاني والثالث الهجري - جمعا من رواة الحديث ممن روى عنهم أصحاب الصحاح من يلقب بالسبئي لانتسابهم إلى سبأ ابن يشجب وليس إلى عبد الله بن سبأ اليهودي الذي ألقى الفتنة في البلاد وبين العباد، على حد زعم سيف. ثم بعد أن نقل علماء - كالطبري - الاسطورة السبئية عن سيف في كتبهم وانتشرت كتبهم في البلاد، اهمل استعمال السبئية في المنسوبين إلى قبائل قحطان في كل مكان ونسي هذا المدلول، ودلت السبئية - في الكتب - على أتباع عبد الله بن سبأ فحسب، وإن لم يكن لهم - يوما ما - وجود في الخارج. ثم تطور مدلول كلمة السبئية بعد ذلك وتعدد مؤسسها، فبينما كانت السبئية في أوائل القرن الثاني تدل - عند مختلقها سيف - على من يؤمن بالوصاية لعلي، إذا بها في أخريات القرن الثالث تدل

[359]

على من يعتقد بألوهيته ! وبينما كان عبد الله بن سبأ هو ابن السوداء عند مختلق الاسطورة، وإذا بهما يصبحان شخصين في أوائل القرن الخامس، وتعددت - أيضا - أخبارهما. ونستطيع أن نحدد مداليل تلك الالفاظ في القرن الخامس فما بعد بما يلي: 1 - عبد الله بن وهب السبائي رأس الخوارج، وهو غير مشهور إلا عند بعض العلماء. 2 - عبد الله بن سبأ والمنعوت بابن السوداء، وهو عند رواة سيف مؤسس الفرقة السبئية التي تؤمن بالرجعة وبالوصاية لعلي والتي أثارت البلاد على الولاة حتى قتل عثمان، ثم أنشبوا القتال في حرب الجمل. وقد احتفظ هذان المفهومان بحدودهما في الكتب منذ وجود الاول في عصر الامام واختلاق الثاني من قبل سيف. 3 - عبد الله بن سبأ مؤسس الفرقة السبئية التي تعتقد الالوهية لعلي. وخبر هذا لم يقف عند حد منذ تدوينه في الكتب في اخريات القرن الثالث حتى أوائل القرن التاسع للهجرة. * فهو الذي قال للامام في أول خطبة له بعد بيعته: " أنت خلقت الخلق وأنت بسطت الرزق ". فأبعده من المدينة إلى المدائن، ثم عرف أحد عشر رجلا من السبئية فأحرقهم بالنار

[360]

وقبورهم هناك في الصحراء مشهورة. وهو الذي غلا في الامام وزعم أنه إله ودعا قوما من غواة الكوفة، فأحرق الامام قوما منهم في حفرتين، فأنشد في ذلك: لترم بي الحوادث حيث شاءت * إذا لم ترم بي في الحفرتين ونفي ابن سبأ إلى المدائن. فلما قتل الامام زعم أن المقتول لم يكن عليا بل كان شيطانا تصور للناس بصورته، وأن عليا (ع) قد صعد إلى السماء كعيسى وسينزل وينتقم من أعدائه. * وهو الذي ادعى النبوة لنفسه، وأن أمير المؤمنين هو الله تعالى، فحبسه الامام واستتابه ثلاثة أيام فلم يتب، فأحرقه بالنار وأنشد فيه " لما رأيت الامر أمرا منكرا... ". * وهو الذي جاء به المسيب بن نجمة على الامام متلببا به لتكهنه بالغيب فصحح الامام تكهنه. * وهو الذي قال للامام لما وصى برفع اليدين في الدعاء إلى السماء: " أليس الله بكل مكان ؟ ". * وهو الذي جاء إلى الامام مع جماعته وقال له مشافهة: " أنت الله " فأحرقهم بالنار، فجعلوا يقولون وهو يرمون بالنار: " الآن صح عندنا أنه الله لانه لا يعذب بالنار إلا رب النار ". * وهو الذي كان أول من أظهر الطعن على أبي بكر وعمر وعثمان والصحابة، وتبرأ منهم، فجاء به المسيب بن نجبة متلببا به، فأثنى الامام على أبي بكر وعمر وقال: " لا يفضلني أحد عليهما إلا جلدته حد المفتري " وسيره إلى المدائن.

[361]

* وهو الذي لما بلغه نعي علي وهو بالمدائن قال للذي نعاه: " كذبت يا عدو الله لو جئتنا والله بدماغه في صرة فأقمت على قتله سبعين عدلا ما صدقناك ولعلمنا أنه لم يقتل ولا يموت حتى يملك الارض " ثم ذهب مع جماعته من يومه إلى باب دار الامام يستأذن عليه استئذان الواثق بحياته، وأنكر على أهل بيته قولهم بوفاته. * وهو - أي عبد الله بن سبأ - بنفسه عبد الله بن السوداء وهو - أيضا - غير ابن السوداء بل هما اثنان وأن الاخير كان من يهود الحيرة فأراد أن يفسد على المسلمين دينهم بتأويلاته في علي واولاده ليعتقدوا فيهم عقيدة النصارى في عيسى، وأراد أن يترأس على أهل الكوفة فذكر لهم أنه مكتوب في التوراة " لكل نبي وصي، وأن عليا وصي محمد... " فقالوا للامام: إنه من محبيك، فرفع قدره وأجلسه تحت منبره، فلما بلغه غلوه وخاف من قتله اختلاف أصحابه عليه نفاه إلى المدائن مع ابن سبأ، وأنه انتسب إلى الرافضة السبئية حين وجدهم أعرق أهل الاهواء في الكفر. والفرقة السبئية التي أسسها عبد الله بن سبأ الاخير هي التي كانت تقول: أن عليا في السحاب وان الرعد صوته والبرق سوطه. وهم الذين يقولون عند سماع الرعد: " السلام عليك يا أمير المؤمنين ". وهم الذين يزعمون أن الامام علي بن أبي طالب هو المهدي. وهم الذين يقولون بالتناسخ وان الائمة أبعاض من أبعاض الله

[362]

تعالى. وهم الذين يزعمون أن في علي الجزء الالهي. وهم الذين يقولون أن القرآن جزء من تسعة أجزاء وعلمه عند علي. وهم الذين يزعمون مع الناووسية أن الامام جعفر بن محمد كان عالما بجميع معالم الدين. وهم الذين حملوا المختار على ادعاء النبوة. وهم الطيارة الذين يزعمون أن موتهم طيران نفوسهم وأن روح القدس انتقلت من عيسى إلى محمد، ومنه إلى علي، ثم إلى الحسن ثم الحسين، ثم إلى أولاده من الائمة. وهم أصحاب عمر بن الحارث الكندي الذي أمر أصحابه بسبع عشرة صلاة في كل يوم وليلة، في كل صلاة خمس عشرة ركعة، وقالوا بان عليا توارى عن خلقه سخطا عليهم، وأنه سيظهر. وهم الخشبية أصحاب المختار ! وهم الممطورة ! وهم... وهم.... ! رأينا في استعراضنا أخبار السبئية وابن سبأ أن عبد الله السبائي رئيس الخوارج والذي ذكرناه أولا لم ينم خبره ولم يزدد. كما لم ينم ولم يتطور خبر عبد الله بن سبأ، مؤسس فرقة السبئية، القائلة بوصاية علي، والذي ذكرناه ثانيا. بينما ازداد وتطور خبر عبد الله بن سبأ الثالث مؤسس

[363]

عقيدة الالوهية على مر الزمان وتكاثر، وكذلك تعدد شخصه ! فما السبب في ذلك ؟ ! نرى أن السبب في ذلك أن الاول كان موجودا حقيقة ودون خبره في الكتب كما وجد. والثاني دون مختلقه - سيف - خبره في تأليفه كما تخيله وتخيل خبره، ونقل العلماء أخبارهما كما وجدوها فلم يزدد خبراهما على مر القرون عما دون في أول يوم. بينما أخذ العلماء أخبار الثالث من أفواه الناس على مر العصور، فنمت وتطورت على قدر تقول الناس فيها، ومدى أخذ العلماء عنهم. ويبدو أن بعضهم قد تبرع لوضع سند لبعض تلك الاخبار المختلفة، كما وضع الآخرون سندا لقصة النسناس ونظائرها من الاساطير. وإن قيل: كيف أمكن تصحيف عبد الله السبائي إلى عبد الله ابن سبأ، وكيف خفي تحريف خبره على العلماء مدى العصور ؟ أو بالاحرى كيف خفي عليهم هذا التحريف والدس والاختلاق ؟ فنقول: إن التصحيف والتحريف لم يقتصرا على هذه الاسماء وأخبارها حتى يستبعد ذلك، بل كثر وشاع حتى ألف في بيانها جماعة من العلماء، مثل: أبي أحمد العسكري، المتوفى (382 ه‍) الذي ألف " شرح ما

[364]

يقع فيه التصحيف والتحريف " (ح) وقال في مقدمته: " شرحت في كتابي هذا الالفاظ المشكلة التي تتشابه في صورة الخط فيقع فيها التصحيف ويدخلها التحريف ". وقال أيضا: " وكنت عملت في شرح ما يشكل ويقع فيه التصحيف كتابا كبيرا جامعا لما يحتاج إليه أصحاب الحديث... من أسماء الرواة والصحابة والتابعين ومن بعدهم... ثم إني سئلت إفراد ما يحتاج إليه أصحاب الحديث مما يحتاج إليه أهل الادب فجعلته كتابين... ". ثم بوب فيه لذكر أوهام كبار العلماء أمثال الخليل والجاحظ والسجستاني وذكر ما يصحف في الانساب، و... الخ. كما ألف قبله ابن حبيب، المتوفى (245 ه‍) في مختلف أسماء القبائل وأنسابها. وكذلك ابن التركماني، المتوفى (749 ه‍). وألف الآمدي، المتوفى (370 ه‍) المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء. والدارقطني المتوفى (385 ه‍) في أسماء الرواة. وألف في المؤتلف والمختلف في الاسماء والكنى والالقاب ابن الفرضي، المتوفى (403 ه‍)، وعبد الغني، المتوفى (409 ه‍) وابن الطحان الحضرمي، المتوفى (414 ه‍).


(ح) لدينا نسخة منه بتحقيق عبد العزيز أحمد وط. مصطفى الحلبي عام 1383 ه‍.

[365]

وأشهرها وأجمعها الاكمال، لابن ماكولا، المتوفى (487 ه‍) (ط). كما ألف في مشتبه النسبة كل من: الماليني، المتوفى (412 ه‍). والزمخشري، المتوفى (548 ه‍). ولحازمي، المتوفى (584 ه‍). وابن باطيش، المتوفى (640 ه‍). والفرضي، المتوفى (700 ه‍). والذهبي، المتوفى (748 ه‍) (ي). وابن حجر، المتوفى (852 ه‍). وجاء بعد هؤلاء علماء استدركوا عليهم ما فاتهم من موارد وأخطاء فيما ذكروا، مثل ما استدرك على عبد الغني كل من: المستغفري، المتوفى (436 ه‍) في كتابه (الزيادات). والخطيب، المتوفى (463) في كتابه (المؤتنف). كما أستدرك على الاكمال ابن نقطة المتوفى (629 ه‍) في كتابه (المستدرك). وذيل على ابن نقطة كل من: الحافظ منصور، المتوفى (677 ه‍).


(ط) لدينا ستة أجزاء منه ط. حيدر آباد عام 1381 - 1386 ه‍ بلغ إلى حرف العين. (ي) لدينا منه نسخة بتحقيق علي محمد البجاوي، وط. الحلبي عام 1962 ه‍.

[366]

وابن الصابوني، المتوفى (680 ه‍). ومغلطاي، المتوفى (762 ه‍). واستدرك على الذهبي ابن ناصر الدين، المتوفى (842 ه‍) في كتابه (الاعلام بما في مشتبه الذهبي من الاوهام). ومع كل ما بذل هؤلاء الاعلام وغيرهم (ك) من جهد مشكور في البحث والتحقيق لو أراد باحث أن يستدرك اليوم ما فاتهم لجاء بمؤلف ضخم ! وكم ترك الاول للاخر ؟ لو بحثنا في جل ما ذكره هؤلاء العلماء في تألفيهم من التحريف والتصحيف لوجدناها قد وقعت خطأ من أهلها، ولم يكن لهم - على الاغلب - دافع ما في نشرها وإذاعتها، مثل ما كان لهم في نشر اسطورة ابن سبأ والسبائية من دافع. فقد كان للناس والسلطات على مر العصور أكثر من دافع قوي في نشرها وإذاعتها، لانها كانت تدافع عن الصحابة في ما انتقدوا عليه. وهذا ما يرغب فيه السلطات والناس بمختلف طبقاتهم على مر العصور. كما كانت تنسب العيوب والآثام إلى قبائل قحطان، وتنشر في بعض أخبارها فضائل عدنان، وكانت السلطات من قريش العدنانية


(ك) مثل موضح اوهام الجمع والتفريق للخطيب ولدينا نسخة منه في 3 اجزاء، ولابن ناصر الدين شرح مشتبه الذهبي، وكذلك لغيرهم. راجع مقدمة مصحح الاكمال. ط. حيدر آباد.

[367]

حتى آخر الخلافة العباسية. والاهم من ذلك كله أنها كانت تدمغ معارضي حكومة الخلفاء - شيعة ائمة أهل البيت - في جميع العصور حتى الخلفاء العباسيين، بل وحتى اليوم، بسمات من الكفر والالحاد والمروق عن الدين مما كان يسهل على الحكومات - في ما مضى - الاجهاز عليهم والتخلص من مضايقاتهم. وواضح كم ترغب السلطات في مثل تلك الوسيلة وتثيب على تأييدها وتدعيمها. ولهذا كله لم يكلف أحد نفسه عناء البحث عن واقعها، وكشف زيفها، كما وفق الله في هذا العصر ولله الحمد والمنة. ولم ينحصر ما اختلقه سيف في ابن سبأ واسطورته لتكون مثارا للتعجب والاستغراب، وإنما اختلق من الرواة والصحابة وقادة الفتوح ما عقدنا لبيانه مؤلفات، مثل (خمسون ومائة صحابي مختلق) و (رواة مختلقون) و (عبد الله بن سبأ) - هذا الكتاب بقسميه - وفي ما ذكرناه، جواب عن التساؤل عن سبب وقوع التحريف والتصحيف في هذه الاسماء وأخبارها، وعن سبب سكوت العلماء عنها على مر العصور. وقد رأينا في فصل (تحريف وتصحيف) أن سيف بن عمر استطاع أن يحرف اسم ابن ملجم قاتل الامام من عبد الرحمن إلى خالد، وأن يجعله من رؤوس السبائيين المغالين في حق الامام، وأن يجعل خزيمة بن ثابت الانصاري اثنين: أحدهما ذو الشهادتين، والآخر غير ذي الشهادتين، وأن يجعل من سماك بن خرشة الانصاري - ايضا - اثنين: أحدهما

[368]

أبو دجانة والآخر ليس بأبي دجانة، وأن يجعل من عبد الله السبائي - أيضا - اثنين: أحدهما ابن وهب الذي كان موجودا، وابن سبأ الذي اختلقه هو. وليس غريبا من سيف هذا الدس والتحريف والاختلاق وليس بمستغرب من العلماء السكوت عنه. ويكفي مثلا لوقوع نظائره - ايضا - اسطورة الصحابي القائد الشاعر الملهم القعقاع بن عمرو بن مالك التميمي الاسيدي العمري الذي بلغت ترجمته ثمانيا وسبعين صفحة، في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) وترجم له أعلام السنة والشيعة في كتبهم. ومثل ابن عمه نافع بن الاسود بن قطبة بن مالك التميمي الاسيدي العمري. وزياد بن حنظلة التميمي العمري. وطاهر بن أبي هالة ابن خديجة ربيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. مثل هؤلاء الصحابة الذين وردت أخبارهم وتراجمهم في كتب أعلام الشيعة والسنة، أمثال: 1 - سيف بن عمر التميمي المتوفى حدود (170 ه‍) (ل) في كتابيه (الفتوح) و (الجمل).


(ل) حسب ما ارتآه الذهبي، ولم نر ذلك على ما ذكرناه في البحوث التمهيدية من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق)

[369]

2 - الطبري، المتوفى (310 ه‍) في تاريخه الكبير. 3 - البغوي، المتوفى (317 ه‍) في معجم الصحابة. 4 - الرازي، المتوفى (327 ه‍) في الجرح والتعديل. 5 - ابن السكن، المتوفى (353 ه‍) في حروف الصحابة. 6 - الاصبهاني، المتوفى (356 ه‍) في الاغاني. 7 - المرزباني، المتوفى (374 ه‍) في معجم الشعراء. 8 - الدارقطني، المتوفى (385 ه‍) في المؤتلف والمختلف. 9 - أبو نعيم، المتوفى (430 ه‍) في تاريخ اصبهان. 10 - ابن عبد البر، المتوفى (463 ه‍) في الاستيعاب. 11 - ابن ماكولا، المتوفى (475 ه‍) في الاكمال. 12 - ابن بدرون، المتوفى (560 ه‍) في شرح قصيدة ابن عبدون. 13 - ابن عساكر، المتوفى (571 ه‍) في تاريخ مدينة دمشق. 14 - الحموي، المتوفى (626 ه‍) في معجم البلدان. 15 - 16 - ابن الاثير، المتوفى (630 ه‍) في: أ - تاريخه الكامل. ب - أسد الغابة. 17 - 18 - الذهبي، المتوفى (748 ه‍) في: أ - النبلاء. ب - تجريد أسماء الصحابة.

[370]

19 - ابن كثير، المتوفى (770 ه‍) في تاريخه. 20 - ابن خلدون، المتوفى (808 ه‍) في تاريخه. 21 - ابن حجر، المتوفى (852 ه‍) في الاصابة. 22 - الحميري، في الروض المعطار. تاريخ التأليف 900 ه‍. 23 - ابن بدران المتوفى (1346 ه‍) في تهذيب تاريخ ابن عساكر. ومن الكتب المذكورة آنفا أخذ (م) علماء الشيعة الآتية أسماؤهم تراجم الصحابة المذكورين وما ذكروه عنهم في كتبهم (ن) وهم: 1 - نصر بن مزاحم، المتوفى (212 ه‍) في كتابه وقعة صفين. روى نصر عن سيف بن عمر ما أورده في كتابه. 2 - الشيخ الطوسي، المتوفى (460 ه‍) في رجاله. 3 - القهبائي، في مجمع الرجال فرغ منه (1016 ه‍). 4 - الاردبيلي، المتوفى (1101 ه‍) في جامع الرواة. 5 - المامقاني، المتوفى (1352 ه‍) في تنقيح المقال. 6 - السيد شرف الدين، المتوفى (1377 ه‍) في الفصول المهمة. 7 - التستري المعاصر في قاموس الرجال.


(م) ينقل علماء الشيعة من كتب علماء السنة في غير الفقه كثيرا مثل تفسير القرآن والسير والتراجم والتاريخ العام. (ن) راجع تراجم الصحابة الاربعة في كتابنا (خمسون ومائة صحابي مختلق) نجد شرح ما ذكرناه وتفصيله.

[371]

خفي على علماء الشيعة والسنة على مدى العصور تحريف سيف في ابن سبأ والسبئية واختلاقه أخبارهما، كما خفي عليهم اولئك الصحابة الاربعة واختلاق أخبارهم. خلاصة البحث: إن لفظة السبئية كانت تدل منذ الجاهلية على المنسوبين إلى سبأ بن يشجب، كان أحدهم عبد الله بن وهب السبائي أول رئيس للخوارج، وبعد وقوع الفتن بين فرعي قبيلتي عدنان وقحطان في المدينة والكوفة، أخذت العدنانية تنبزهم بالسبئية ابتداء من عصر بني امية بالكوفة، وكان النبز بالسبئية غامضا غير محدد المعنى حتى ظهور تأليف سيف بن عمر في أوائل القرن الثاني الهجري بالكوفة حيث اختلق - بدافع من زندقته وتعصبه للعدنانية - الاسطورة السبئية، وحرف فيها لفظة السبئية من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان إلى الانتساب إلى الفرقة المذهبية التي أسسها عبد الله بن سبأ على حد زعمه. أما اسم (عبد الله بن سبأ) المؤسس المزعوم للفرقة المذهبية، فإما أن يكون سيف قد صحف لفظة (عبد الله السبائي) إلى (عبد الله بن سبأ) كما يظهر ذلك من قول الاشعري، والسمعاني، والمقريزي، أو أنه اختلق اسطورته وارتجل اسمه، أي أنه اختلقهما معا. وعلى أي حال فإنه لم يكن لعبد الله بن سبأ غير عبد الله بن وهب السبائي وجود في عصري عثمان وعلي بتاتا كما بيناه في محله.

[372]

انتشرت اسطورة سيف خلال القرن الثاني وأوائل الثالث في بلاد العراق (أ) الكوفة والبصرة وبغداد وما والاها، ونسي فيها، مدلول السبئي الاول (الانتساب إلى قبائل قحطان) وأصبحت السبئية لا تدل فيها على غير الفرقة المذهبية التي اختلقها سيف. بينما بقيت في الزمن نفسه محتفظة - في بلاد اليمن ومصر والاندلس - بدلالتها على الانتساب إلى قبائل قحطان. إذا كانت لفظة السبئية خلال القرن الثاني الهجري وأوائل القرن الثالث تدل على معنيين متغايرين، فهي في بلاد الشرق المسلم تدل على الفرقة المذهبية، وفي غيرها على الانتساب إلى قبائل قحطان. ثم نمت الاسطورة المذهبية وتطورت على أفواه الناس حتى دلت في القرن الثالث على من يعتقد الالوهية للامام علي بن أبي طالب (ع). وأخيرا نسي المدلول النسبي للسبئية في كل مكان، ولم يتبادر إلى ذهن السامع من لفظة السبئية غير المدلول المذهبي، أي المعتقد بوصاية علي أو الوهيته. وكذلك الامر في ابن سبأ، فقد نسي (عبد الله السبائي) رئيس الخوارج واشتهر عبد الله بن سبأ الذي اخترع المذهب المزعوم الاول أو الثاني على حد زعمهم والتبس الامر على العلماء - أحيانا - وأخطأوا في فهم بعض الاخبار التي تخص الاول وظنوا انها تخص الثاني واستمر هذا اللبس


(أ) وجدنا عند ابي مخنف العالم الكوفي المتوفى 157 ه‍ رواية من روايات سيف عن الاسطورة السبئية. راجع البحث التمهيدي الاول من كتاب (خمسون ومائة صحابي مختلق) ص 10. (*)

[373]

طوال القرون الماضية. على أن اللبس لم ينحصر بهما، بل مثلهما في ذلك مثل التحريف والتصحيف اللذين وقعا في آلاف الكلمات مما أحصاها العلماء في مؤلفاتهم، وما فاتهم التنبيه عليها حتى اليوم أكثر. وكذلك الامر بالنسبة إلى سيف، فإنه لم ينحصر تحريفه وتصحيفه بهذين اللفظين فحسب، بل مثلهما عنده مثل فعله في غيرهما مما ذكرنا بعضها في مؤلفاتنا. ويختلف تحريف سيف وتصحيفه عن غيره في أنه من الجائز أن يكون التحريف من غيره وقع خطأ وعلى غير عمد، بينما هو عامد في فعله، ويقصد الدس والتشويش بدافع الزندقة، بالاضافة إلى تعصبه لقبيلته. ويختلف - أيضا - تحريفه واختلاقه عن غيره في أنه دس واختلق وحرف وصحف وفقا لهوى السلطات ورغبة مختلف طبقات الناس، وبذلك ضمن لما اختلق ودس وحرف الرواج والانتشار المدهش على مدى العصور. وخفي على العلماء أمرها كما خفي عليهم اختلاق سيف عشرات الصحابة والرواة والشعراء، وكذلك اختلاق أخبارهم. إذا فليس أمر التحريف والاختلاق في ابن سبأ والسبئية بمستغرب من سيف، وليس بمستغرب خفاء أمرهما على العلماء على مدى العصور، بل هما موافقان للقواعد المألوفة في نظائرهما. أما الروايات التي رويت في الكتب عن أئمة أهل البيت وفيها ذكر ابن سبأ فنقول فيها:

[374]

إن الرواية لا تصير غير الموجود موجودا، وقد مر علينا في البحث عن كلمة عبد الله بن سبأ أنه لم يوجد شخص باسم عبد الله بن سبأ في عصري عثمان وعلي بتاتا، اللهم إلا عبد الله السبائي ابن وهب، فما أمكن صدقها من تلكم الروايات على عبد الله السبائي جاز صدقها وصحة صدورها منهم مثل رواية: اعتراضه على الامام في رفع اليدين للدعاء. أو رواية جلب المسيب إياه إلى الامام لتكهنه بالغيب. أو رواية ابتلاء الامام به. وما لم يمكن صدقها على عبد الله السبائي ابن وهب فموضوع على الائمة، ومدسوس على علماء الحديث (ب)، فإنه لا يصح أي خبر أو أية رواية عن شخص مختلق مثل عبد الله بن سبأ أو القعقاع بن عمرو، حين لم يوجد أحدهما بتاتا. وكذلك الامر بالنسبة إلى السبئية، فإن كل خبر أو رواية جاز صدقها على المنسوبين إلى قحطان، جاز صدقها وصحتها، وكل خبر لم يجز صدقه عليهم، مفترى ومختلق.


(ب) نقل ابن الجوزي في كتابه الموضوعات (1 / 37 - 38): (ان ابن أبي العوجاء كان ربيب حماد بن سلمة، وكان يدس الاحاديث في كتب حماد فلما اخذه محمد بن سليمان - والي الكوفة - وامر بضرب عنقه وايقن بالقتل، قال: والله لقد وضعت فيكم أربعة آلاف حديث...). وقال: " وقد كان في هؤلاء الزنادقة من يغفل الشيخ فيدس في كتابه ما ليس من حديثه فيرويه ذلك الشيخ ظنا منه أن ذلك من حديثه " الموضوعات (1 / 38).

[375]

بعد كل ما سبق من شرح وبيان، إن كان هناك من لم يقبل بما ذكرناه، فليؤمن بكل تلك الاساطير إيمان العجائز بخرافاتها التقليدية.

[376]

مصادر خلاصة وخاتمة: 1 - البحث التمهيدي الثالث كمن (خمسون ومائة صحابي مختلق) ط. بغداد. 2 - فصل السقيفة من الجزء الاول من هذا الكتاب. 3 - فصل حكومة الامام من باب " على عهد الصهرين " من كتاب (أحاديث أم المؤمنين عائشة). 4 - تاريخ ابن الاثير (3 / 153 - 353) في ذكر حوادث سنوات حكم الامام. 5 - صفين، لنصر بن مزاحم (ص 12). 6 - نهج البلاغة (1 / 103) الخطبة المرقمة (167). 7 - الخطبة المرقمة (33). 8 - الكتاب المرقم (36) في (2 / 68) من نهج البلاغة.

[377]

خلاصة بحوث الكتاب وخاتمتها

[379]

تنقسم روايات سيف عن حروب الردة إلى ثلاثة أقسام: منها ما لم تقع بتاتا، واخرى كانت مع الكفرة والمتنبئين وليس مع المرتدين، وثالثة مع مسلمين امتنعوا عن بيعة أبي بكر وأداء الزكاة إليه، أو بسبب قسوة الولاة معهم. ودلت تلك الاخبار الكاذبة على أن القبائل المسلمة في الجزيرة خرجت من الاسلام أفواجا وأعيدت إليه بالسيف. وهي مع روايات سيف في الفتوح تدل على انتشار الاسلام بالسيف خلافا للواقع الذي كان. ونشر سيف - بالاضافة إليها - الخرافات في عقائد المسلمين، وحرف الاسماء واختلق الاشخاص والاماكن، مثل تحريفه عبد الله ابن وهب السبائي إلى عبد الله بن سبأ، وتحريفه السبئية من الدلالة على الانتساب إلى قبائل قحطان إلى الدلالة على الفرقة المذهبية التي اختلق اسطورتها. ثم تطور مدلول اللفظ على أفواه الناس، ومنهم أخذ أصحاب الملل والفرق ما كتبوا عنها. مصادر.

[381]

بدأنا الكتاب بإيراد روايات سيف في حروب الردة، ووجدناه يقول في ما وضع من روايات لبيان حروب الردة واختلق: كفرت الارض وتضرمت نارا، وارتدت القبائل العربية عدا قريش وثقيف. ثم ذكر تجمع القبائل المرتدة في (أبرق الربذة) وإيفادها إلى أبي بكر يقرون بالصلاة ويمتنعون عن الزكاة، وأن أبا بكر امتنع عن قبول ذلك منهم، وأعد المدينة لمقابلتهم، ثم ردهم على أعقابهم لما باغتوه الهجوم على المدينة. ثم ذكر لابي بكر ثلاث خرجات لحربهم، وذكر كيف قاتلهم وقتلهم واستولى على أراضيهم، وجعل الابرق خاصة حمى لخيول المسلمين. تفرد سيف بذكر كل ذلك ولم يصدق في شئ منه ! وذكر خروجا رابعا لابي بكر إلى ذي القصة، وعقده أحد عشر لواء هناك لامراء حروب الردة، وكتب عهدا لهم، وكتبا للقبائل المرتدة، ولم يصدق في شئ مما ذكر عدا إرسال خالد من ذي القصة. وذكر ردة أم زمل، وقتل إبادة فيها، بينما لم يصح شئ منها،

[382]

ولم توجد أم زمل ! وذكر ردة الاخابث في الاعلاب، وقتل طاهر ربيب رسول الله منهم مقتلة عظيمة حتى أنتنت السبل من جيفهم، بينما لم توجد أرض الاعلاب، ولا الناس الاخابث، ولا الصحابي القائد ربيب رسول الله ! لم يصح كل ذلك، ولم يصح كثير غيره مما قاله سيف في حروب الردة، غير أن سيفا استطاع في ما وضع واختلق أن يشهر خبر انتشار الارتداد في القبائل العربية المسلمة بعد رسول الله، وأنهم رجعوا إلى الاسلام بقوة السيف. وجميع ما ذكره سيف عن حروب الردة ينقسم إلى قسمين: منها ما وضع أخبارها واختلق شخوصها وأماكنها، ولم يصدق في شئ منها، ويشكل هذا: القسم الاكبر من أساطيره في حروب الردة. ومنها حرب وقعت في حينه غير أن سيفا حرف أخبارها ورواها على غير وجهها الصحيح. وهذا - أيضا - ينقسم إلى قسمين: الاول ما كان مع كفار موجودين منذ عصر الرسول مثل حربهم مع مسيلمة وطليحة، وليس من الصحيح وصف هؤلاء بالمرتدين، وإنما كانوا كفرة، والحروب معهم حروب مع الكفرة وليس مع المرتدين. والثاني: حروب وقعت مع قبائل عربية مسلمة أنكرت بيعة أبي بكر، ولم تؤد الزكاة إليه، وغالبا ما وقعت تلك الحروب بسبب

[383]

قسوة قادة أبي بكر من غير مسوغ، نظير ما قع بينهم وبين قبائل كندة من حرب من أجل قلوص كما رواها ابن أعثم والبلاذري والحموي. قال الحموي في مادة حضرموت من معجم البلدان: كان زياد بن لبيد البياضي (أ) على حضرموت وكندة لما بويع أبو بكر، فكتب إليه أبو بكر يخبره بوفاة النبي (ص) ويأمره بأخذ البيعة على من قبله من أهل حضرموت، فقام زياد فيهم خطيبا، وعرفهم موت النبي، ودعاهم إلى بيعة أبي بكر، فامتنع الاشعث ابن قيس من البيعة، واعتزل في كثير من كندة. وبايع زيادا خلق آخرون، وانصرف زياد إلى منزله، وبكر لاخذ الصدقة كما كان يفعل. وفي رواية اخرى: كتب أبو بكر إلى زياد بن لبيد والمهاجرين أبي أمية المخزومي - وهو يومئذ على كندة - يأمرهما أن يجتمعا فتكون أيديهما يدا وأمرهما واحدا، فيأخذا له البيعة، ويقاتلا من امتنع من أداء الصدقة، وأن يستعينا بالمؤمنين على الكافرين، وبالمطيعين على العاصين والمخالفين. قال ابن أعثم: " فجعل قوم يعطونه الزكاة وهو طائعون، وقوم يعطونه إياها


(أ) أبو عبد الله زياد بن لبيد بن سنان الانصاري الخزرجي البياضي، استعمله رسول الله (ص) على حضرموت، وكتب إليه أبو بكر وأقره، توفي زياد في أول أيام معاوية. راجع أسد الغابة (2 / 217) ونسبه في جمهرة ابن حزم (ص 356).

[384]

كارهين وزياد بن لبيد يجمع الصدقات، ولا يريهم من نفسه إلا الصرامة، غير أنه أخذ يوما من الايام ناقة من إبل الصدقة، فوسمها وسرحها مع الابل التي يريد أن يوجه بها إلى أبي بكر (رض)، وكانت هذه الناقة لفتى من كندة يقال له زيد بن معاوية القشيري من بني قشير (ب). فأقبل ذلك الفتى إلى رجل من سادات كندة يقال له: حارثة بن سراقة، فقال يا ابن عم ! إن زياد بن لبيد قد أخذ لي ناقة فوسمها وجعلها مع إبل الصدقة وأنا مشغوف بها، فإن رأيت أن تكلمه فيها فلعله أن يطلقها ويأخذ غيرها من إبلي، فإني لست أمتنع عليه. قال: فأقبل حارثة بن سراقة إلى زياد بن لبيد وقال له: إن رأيت أن ترد ناقة هذا الفتى عليه وتأخذ غيرها فعلت منعما ! فقال له زياد بن لبيد: إنها دخلت في حق الله وقد وضع عليها ميسم الصدقة ولا احب أن آخذ غيرها (ج). فغضب حارثة بن سراقة من ذلك، ثم


(ب) بنو قشير قبيلة من سعد العشيرة بنواحي حضرموت. تاج العروس (3 / 493). (ج) قال البلاذري: " وكان زياد بن لبيد رجلا حازما صلبا فأخذ في الصدقة من بعض كندة قلوصا فسأله الكندي ردها عليه وأخذ غيرها، وكان قد وسمها بميسم الصدقة، فأبى ذلك، وكلمه الاشعث بن قيس فيه فلم يجبه وقال: لست براد شيئا قد وضع الميسم عليه، فانتقضت عليه كندة كلها إلا السكون فإنهم كانوا معه. وقال في رواية اخرى: إن زيادا وأبا أمية أخذا من رجل من كندة في الصدقة بكرة من الابل فسألهما اخذ غيرها فسامحه المهاجر وأبى زياد إلا اخذها.

[385]

قال: أطلقها وأنت كريم وإلا أطلقتها وأنت لئيم. قال: فغضب زياد من ذلك ثم قال: لا اطلقها حتى أنظر من يحول بيني وبينها أو يمنعها. وقال: فتبسم حارثة بن سراقة، ثم قال أبياتا من جملتها: يمنعها شيخ بخديه الشيب * ملمع كما يلمع الثوب قال: ثم أقبل حارثة بن سراقة إلى إبل الصدقة، فأخرج الناقة بعينها، ثم قال لصاحبها: خذ ناقتك إليك، فإن كلمك أحد فاحطم أنفه بالسيف ! نحن إنما أطعنا رسول الله (ص) إذ كان حيا، ولو قام رجل من أهل بيته لاطعناه، وأما ابن أبي قحافة فلا والله ما له في رقابنا طاعة ولا بيعة. ثم أنشأ حارثة بن سراقة يقول أبياتا من جملتها: أطعنا رسول الله إذ كان بيننا * فيا عجبا ممن يطيع أبا بكر وفي معجم البلدان: أطعنا رسول الله ما دام وسطنا * فيا قوم ما شأني وشأن أبي بكر أيورثها بكرا إذا كان بعده * فتلك لعمر الله قاصمة الظهر قال ابن أعثم: فلما سمع زياد بن لبيد هذه الابيات كأنه اتقى على ما جمع من إبل الصدقة أن تؤخذ، فخرج ليلته يريد المسير إلى أبي بكر الصديق (رض) ومعه نفر من أصحابه، فلما سار على مسيرة يومين من القوم، كتب إلى حارثة بن سراقة وأصحابه بهذه الابيات، من

[386]

جملتها: نقاتلهم في الله والله غالب * على أمره حتى تطيعواأبا بكر قال: فغضب أحياء كندة لذلك وأتت الاشعث بن قيس. فقال الاشعث: خبروني يا معشر كندة ! إن كان هذا رأيكم فلم دفعتم إليه زكاتكم، فرحل عنكم يهددكم بالقتل ؟ ! فقال رجل من بني عمه: صدقت والله يا أشعث، والله ما نحن إلا كعبيد لقريش، مرة يوجهون إلينا أمية (د)، ومرة يولون علينا مثل زياد يأخذ من أموالنا ويهددنا بالقتل (ه‍). فقال الاشعث: يا معشر كندة ! إن كنتم على ما أرى فلتكن كلمتكم واحدة والزموا بلادكم، وحوطوا حريمكم، وامنعوا زكاة أموالكم، فإني أعلم أن العرب لا تقر بطاعة تيم بن مرة (و) وتدع سادات البطحاء من بني هاشم إلى غيره فإنها لنا أجود، ونحن لها أجرى وأصلح من غيرنا، لانا ملوك من قبل أن يكون على وجه


كذا في كتاب الفتوح لابن أعثم، والسياق يقتضي أن يكون الفعل " يطيعوا " ليناسب الفعل المذكور في أول البيت " نقاتلهم " (المصحح). (د) نرى الصواب (أبا أمية). (ه‍) أوردنا محاورتهما بإيجاز. (و) ورد في النسخة (تميم بن مرة) ونراها من تحريف النساخ والصواب (تيم بن مرة) وهم قبيلة أبي بكر: وقال الراجز في وقعة الجمل: " أطعنا بني تيم بن مرة شقوة * وهل تيم إلا اعبد وإماء "، ويقصد متابعتهم لام المؤمنين عائشة بنت أبي بكر. راجع احاديث أم المؤمنين عائشة ص 172 ونسبهم في الجمهرة (ص: 135).

[387]

الارض قريشي ولا أبطحي (ز) ! قال: ثم إن زيادا رأى أن لا يعجل بالمسير إلى أبي بكر فأرسل إبل الصدقة إلى المدينة مع ثقة، وأمره أن لا يخبر أبا بكر بشئ من أمره. وسار زياد إلى بني ذهل بن معاوية (ح) من أحياء كندة وأخبرهم بما كان، ودعاهم إلى السمع والطاعة، فأقبل إليه رجل من ساداتهم (ط) يقال له الحارث بن معاوية (ي). فقال لزياد: إنك لتدعو إلى طاعة رجل لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد. فقال له زياد بن لبيد: يا هذا صدقت ! فإنه لم يعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكنا اخترناه لهذا الامر. فقال له الحارث: أخبرني لم نحيتم عنها أهل بيته، وهم أحق الناس بها لان الله عزوجل يقول: * (وأولوا الارحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) *. فقال له زياد: إن المهاجرين والانصار أنظر لانفسهم منك.


(ز) لعله يشير إلى سلسلة ملوك السبئية من حمير وغيرهم الذين سبقوا قريشا بدهر. (ح) في صفة جزيرة العرب للهمداني (ص 85): ذهل بن معاوية، بطن كان يقيم بحضرموت - راجع معجم قبائل العرب لعمر رضا كحالة. (ط) ورد في النسخة (من سادات بني تميم) ونراه من تحريف النساخ والصواب ما اثبتناه لان الحي كان من احياء كندة. ومن الجائز أن تكون تميم بطنا من كندة. (ي) ورد ذكر الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتع بن كندة في جمهرة ابن حزم (ص 477).

[388]

فقال له الحارث: لا والله ! ما أزلتموها عن أهلها إلا حسدا منكم لهم، وما يستقر في قلبي أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علما يتبعونه، فارحل عنها أيها الرجل فإنك تدعو إلى غير رضا، ثم أنشأ الحارث بن معاوية يقول: كان الرسول هو المطاع فقد مضى * صلى عليه الله لم يستخلف ! ! قال: فوثب عرفجة بن عبد الله الذهلي، فقال: صدق والله الحارث بن معاوية ! أخرجوا هذا الرجل عنكم، فما صاحبه بأهل للخلافة ولا يستحقها بوجه من الوجوه، وما المهاجرون والانصار بأنظر لهذه الامة من نبيها محمد (صلى الله عليه وآله) ؟. قال ثم وثب رجل من كندة يقال له عدي فقال: يا قوم ! لا تسمعوا قول عرفجة ولا تطيعوا أمره، فإنه يدعوكم إلى الكفر (ك) ويصدكم عن الحق، اقبلوا من زياد ما يدعوكم إليه، وارضوا بما رضي به المهاجرون والانصار، فإنهم أنظر لانفسهم منكم. قال: فوثب إليه نفر من بني عمه فضربوه حتى أدموه وشتموه أقبح الشتم، ثم وثبوا إلى زياد فأخرجوه من ديارهم وهموا بقتله ! قال: فجعل زياد لا يأتي قبيلة من قبائل كندة، فيدعوهم إلى


(ك) يقصد بالكفر مخالفتهم ما رضي به المهاجرون والانصار من طاعة أبي بكر على حد زعمه !

[389]

الطاعة (ل) إلا ردوا عليه بما يكره، فلما رأى ذلك سار إلى المدينة إلى أبي بكر (رض) فخبره بما كان من القوم، وأعلمه أن قبائل كندة قد أزمعت على الارتداد، فجمع أبو بكر جيشا ضمه إلى زياد فسار في أربعة آلاف يريد حضرموت. واتصل الخبر بقبائل كندة فكأنهم ندموا على ما كان منهم. ووثب أبضعة بن مالك وكان من أبناء ملوكهم فقال: يا معشر كندة ! إنا أضرمنا على أنفسنا نارا لا أظن أنها تطفأ، أو تحرق منا بشرا كثيرا. والرأي عندي أن نتدارك ما فعلنا ونسكن هذه الثائرة التي هاجت علينا، ونكتب إلى أبي بكر الصديق فنخبره بطاعتنا، وأن نؤدي إليه زكاتنا طائعين غير مكرهين، وأنا قد رضينا به خليفة وإماما (م) مع إني أقول هذه المقالة ولست بخارج عن رأيكم غير أني أعلم إلى ما يؤول أمركم. ثم ذكر ابن أعثم كيف وقع الخلاف بينهم، وكيف خالفهم الاشعث وترك نصرهم، إلى قوله: وسار زياد إلى حي من أحياء كندة يقال لهم بنو هند وكبسهم وقاتلهم ووقعت الهزيمة عليهم، فقتل منهم جماعة وولوا الادبار


(ل) كان زياد يدعوهم إلى طاعة أبي بكر وأداء الزكاة إليه كما تصرح هذه النصوص ولم يكن اولئك إلا مسلمين يقرون بالصلاة والزكاة ويستنكرون خلافة أبي بكر ولا يؤدون الزكاة إليه وكان الخلاف بينهم على ذلك. (م) تدل كل النصوص على أن الخلاف كان على خلافة أبي بكر وإمامته !

[390]

واحتوى المسلمون (ن) على نسائهم وذراريهم وأموالهم. قال: ثم سار إلى حي منهم يقال لهم بنو العاقل، فوافاهم غافلين فلما أشرفت الخيل عليهم تصايحت النساء وخرج الرجال إلى الحرب فاقتتلوا ساعة ووقعت الهزيمة عليهم فانهزموا وأسلموا ديارهم ونساءهم وأموالهم واحتوى المسلمون (ن) على جميع ذلك. ثم سار إلى حي بني حجر - وهم يومئذ جمرات كندة وفرسانهم - فلم يشعروا إلا والخيل قد كبستهم في جوف الليل (س) فاقتتل القوم ساعة، وقتل منهم مائتا رجل، وأسر خمسون وولى الباقون الادبار، واحتوى المسلمون على قليلهم وكثيرهم. ثم سار إلى حي بني حمير فالتقوا للقتال، فقتل من المسلمين عشرون ومنهم قريبا من ذلك، ووقعت الهزيمة عليهم فولوا الادبار واحتوى المسلمون على النساء والاولاد ! وبلغ الاشعث ما فعله زياد فغضب فقال: يقتل - زياد - قومي وبني عمي ويسبي النساء والذراري ويحوي الاموال وأقعد عنه ؟ ! فنادى الاشعث في بني عمه وسار بهم إلى زياد والتقى به


(ن) اعتاد المؤرخون تبعا لحكومة الخلفاء أن يسموا جيوش أبي بكر بالمسلمين، ومن قابلهم بالخارجين عن الاسلام، وبقيت الحالة كذلك حتى اليوم ! ! ! (س) هكذا كانت معارك جيش أبي بكر مع أحياء كندة غارة ليلية على أناس غافلين ثم قتلهم وأسرهم.

[391]

قريبا من مدينة تريم (ع). وقاتله حتى هزمه وقتل منهم نيفا وثلاثمائة رجل، فدخل زياد ومن معه مدينة تريم، وتحصنوا بها، واحتوى الاشعث على تلك الاموال والذراري فردها إلى أهلها. واجتمع على الاشعث خلق كثير من كندة، وحاصروا زيادا ومن معه بها، فكتب زياد إلى أبي بكر يخبره بذلك، فاغتم أبو بكر ولم يجد بدا من الكتابة إلى الاشعث بن قيس بالرضا، فكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله بن عثمان خليفة رسول الله (ص) إلى الاشعث بن قيس ومن معه من قبائل كندة، أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى يقول في كتابه المنزل على نبيه (ص): * (اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) * (ف). وأنا آمركم بتقوى الله وحده، وأنهاكم أن لا تنقضوا عهده، وأن لا ترجعوا عن دينه إلى غيره (ص) فلا تتبعوا الهوى فيضلكم عن سبيل الله، وإن كان، إنما حملكم عن الرجوع عن دين الاسلام، ومنع الزكاة ما فعله بكم عاملي زياد بن لبيد (ق) فإني أعزله


(ع) تريم: اسم احدى مدينتي حضرموت، وهما شبام وتريم سميتا باسمي القبيلتين. معجم البلدان. (ف) سورة آل عمران (آية 102). (ص) لست ادري إلى اي دين نسبهم أبو بكر وهم يشهدون الشهادتين ويصلون إلى الكعبة. (ق) يعترف أبو بكر بخطأ عامله في ما فعل !

[392]

عنكم، واولي عليكم من تحبون، وقد امرت حامل كتابي هذا إن انتم قبلتم الحق أن يأمر زيادا بالانصراف عنكم، فراجعوا، وتوبوا من قريب وفقنا الله وإياكم لكل ما فيه رضا ! والسلام. وكتب حسان بن ثابت الانصاري إليهم في آخر الكتاب. ما البكر إلا كالفصيل وقد ترى * أن الفصيل عليه ليس بعار إنا وما حج الحجيج لبيته * ركبان مكة معشر الانصار نفري جماجمكم بكل مهند * ضرب القدار مبادي الايسار حتى تكنوه بفحل هنيدة * يحمي الطروقة بازل هدارفلما وصل الكتاب إلى الاشعث وقرأه، قال للرسول: إن صاحبك أبا بكر يلزمنا الكفر بمخالفتنا له، ولا يلزم صاحبه الكفر بقتله قومي وبني عمي ! فقال له الرسول: نعم يا أشعث ! يلزمك الكفر لان الله تبارك وتعالى قد أوجب عليك الكفر بمخالفتك لجماعة المسلمين (ر) ! فوثب إليه غلام من بني عم الاشعث، فضربه بسيفه ضربة فلق هامته فسقط ميتا ! فقال له الاشعث: أحسنت ! لله أبوك لقد قصرت العتاب وأسرعت الجواب !


ديوان حسان بن ثابت ص 120. ط. دار صادر - بيروت 1381 ه‍. (ر) ومرة اخرى نجد التصريح بأن كفرهم مخالفتهم لمن يسمونهم بجماعة المسلمين ومرة اخرى نجد الغلظة من جماعة أبي بكر بينما كان المقام يقتضي الملاينة لجمع الكلمة !

[393]

فوثب أبو قرة الكندي مغضبا: فقال: يا أشعث ! لا والله ما يوافقك أحد منا على مثل هذا الامر أبدا ! تقتل الرسول بلا ذنب كان منه، ولا سبيل لك عليه، ثم انصرف مع قومه. ثم وثب أبو الشمر الكندي، فقال: يا أشعث ! لقد ركبت عظيما من الامر بقتلك من لا ذنب له، وذلك أنا نقاتل من يقاتلنا، فأما قتل الرسول فلا. فقال الاشعث: يا هؤلاء ! لا تعجلوا فإنه قد شهد علي وعليكم بالكفر وبعد ! فلم آمر بقتله، ولا ساءني ذلك. ثم قام الآخر، فقال: إنا رجونا أنك تعتذر إلينا بعذر نقبله منك، فاجبتنا بما قد انفرنا عنك، وأيم الله لو كنت ذا أرب، لغيرت هذا ولم تركب العدوان والظلم بقتلك رسولا لا جرم له ! وقال الاخر: ارحلوا عن هذا الظالم حتى يعلم الله عزوجل انكم لم ترضوا بما فعل. فتفرق عن الاشعث عامة أصحابه حتى بقي في قريب من الفي رجل. وكتب زياد إلى أبي بكر (رض) يخبره بقتل الرسول وأنه وأصحابه محاصرون في مدينة تريم أشد الحصار، فاستشار أبو بكر المسلمين في ما يصنع في أمر كندة، فأشار عليه أبو أيوب الانصاري وقال: إن القوم كثر عددهم وفيهم نخوة الملك ومنعه وإذا هموا

[394]

بالجمع جمعوا خلقا كثيرا، فلو صرفت عنهم الخيل في عامك هذا، وصفحت عن اموالهم لرجوت أن ينيبوا إلى الحق، وأن يحملوا الزكاة إليك بعد هذا العام طائعين. قال: فقال أبو بكر: والله يا أبا أيوب ! لو منعوني عقالا واحدا مما كان النبي (ص) وظفه عليهم لقاتلتهم عليه أبدا (ش)، أو ينيبوا إلى الحق صغرة وقمأة ! ثم كتب إلى عكرمة بن أبي جهل (ت) أن يسير بمن أجابه من أهل مكة إلى زياد، ويستنهض معه من مر عليه من أحياء العرب فخرج في ألفي فارس من قريش ومواليهم وأحلافهم ثم سار حتى صار إلى نجران وبها يومئذ جرير بن عبد الله البجلي (ث) في بني عمه فدعاه إلى حرب الاشعث فأبى. ثم سار إلى مأرب فنزلها وبلغ ذلك أهل دبا فغضبوا من مسير عكرمة، وقالوا: نشغله عن محاربة بني عمنا من كندة وغيرهم من


(ش) هذا هو سبب الخلاف ليس غيره هل يدفعون الزكاة إلى أبي بكر كما كانوا يدفعونه إلى النبي أم لا، وليس الخلاف على اسلامهم ولا على قبولهم الزكاة. (ت) أبو عثمان عكرمة بن أبي جهل بن هشام القرشي المخزومي وأمه أم مجالد الهلالية واسم أبي جهل عمرو كان عكرمة كأبيه شديد العداوة لرسول الله في الجاهلية واسلم بعد فتح مكة بقليل وقتل في وقعة فحل، أسد الغابة (4 / 4 - 7). (ث) جرير بن عبد الله بن جابر البجلي واختلفوا في بجيلة أهم من يمن أم من نزار أمره عمر على بجيلة في الفتوح بالعراق وتوفي سنة احدى أو اربع وخمسين، أسد الغابة (1 / 279 - 280).

[395]

قبائل اليمن، فطردوا حذيفة بن محصن - عامل أبي بكر - عن بلدهم فالتجأ إلى عكرمة وكتب إلى أبي بكر (رض) بخبره فاغتاظ أبو بكر وكتب إلى عكرمة: " أما بعد فإني كنت كتبت إليك، وأمرتك بالمسير إلى حضرموت، فإذا قرأت كتابي هذا فسر إلى أهل دبا على بركة الله عز وجل، فأنزل بهم ما هم له أهل، ولا تقصرن في ما كتبت به إليك، فإذا فرغت من أمرهم فابعث بهم إلي اسراء، وسر إلى زياد بن لبيد فعسى الله عزوجل أن يفتح على يديك بلاد حضرموت إن شاء الله تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ". فسار إليهم عكرمة وقاتلهم وحاصرهم، فلما اشتد عليهم الحصار أرسلوا إلى عاملهم حذيفة بن محصن يسألونه الصلح على أنهم يؤدون الزكاة ويرجعون إلى محبته. فأرسل إليهم عاملهم أن لا صلح بيننا وبينكم إلا على إقرار منكم بأنا على حق وأنتم على باطل، وأن قتيلنا في الجنة وقتيلكم في النار (خ)، وعلى أن نحكم فيكم بما رأيناه ! فأجابوه إلى ذلك فارسل إليهم أن اخرجوا عن مدينتكم بلا سلاح، ففعلوا. فدخل عكرمة حصنهم وقتل أشرافهم صبرا، وسبي نساءهم وأولادهم، وأخذ أموالهم، ووجه بالباقين إلى أبي بكر فهم ان يقتل


(خ) كأن الله ينفذ يوم القيامة ما يقرره ولاة أبي بكر ! ومرة اخرى قسوة من ولاة أبي بكر وفظاظة !.

[396]

الرجال ويقسم النساء والذرية فقال له عمر: يا خليفة رسول الله: ان القوم على دين الاسلام وذلك أني اراهم يحلفون بالله مجتهدين ما كنا رجعنا عن دين الاسلام فحبسهم أبو بكر إلى أن توفي واطلق عمر سراحهم على عهده. ثم سار عكرمة إلى زياد فبلغ خبره الاشعث فانحاز إلى حصن النجير وجمع فيه نساءه ونساء قومه. ثم وقعت بينه وبين زياد وقعات (ذ)، وسمعت بذلك قبائل كندة ممن كان تفرق عن الاشعث لما قتل رسول أبي بكر، فقال بعضهم لبعض: يا قومنا ! إن بني عمنا قد حصروا في حصن النجير وهذا عار علينا أن نسلمهم فسيروا بنا إليهم، فسارت قبائل كندة تريد محاربتهم فبلغ زيادا مسيرهم فجزع لذلك، فقال له عكرمة: أرى أن تقيم محاصرا لمن في الحصن وأمضي أنا فألقى هؤلاء القوم. فقال زياد: نعم ما رأيت: ولكن إن ظفر الله بهم فلا ترفع السيف عنهم حتى تبيدهم عن آخرهم (ض). فقال عكرمة: لست آلو جهدا في ما أقدر عليه ! فسار عكرمة حتى وافى القوم فاقتتلوا ووقعت الهزيمة على أصحاب عكرمة وجاء الليل فحجز بين الفريقين، فلما كان من


(ذ) اوردها ابن أعثم مفصلا. (ض) هكذا ولاة أبي بكر ينصح بعضهم بعضا ان يبيدوا عباد الله المسلمين.

[397]

الغد دنا بعضهم من بعض فاقتتلوا حتى أمسوا، والاشعث بن قيس في خلال ذلك لا يعلم شيئا من ذلك وطال عليهم الحصار واشتد بهم الجوع والعطش فأرسل إلى زياد أن يعطيه الامان ولاهل بيته ولعشرة من وجوه أصحابه فأجابه زياد إلى ذلك، وكتب بينهم فظن أهل الحصن أن الاشعث قد أخذ لهم الامان بأجمعهم، فسكتوا ولم يقولوا شيئا وكتب زياد إلى عكرمة يخبره، فقال عكرمة للذين يقاتلونه: على ماذا تقاتلون ؟ قالوا: نقاتلكم على صاحبنا الاشعث بن قيس. فقال: فإن صاحبكم قد طلب الامان، ورمى الكتاب إليهم، فلما قرأوه. قالوا: يا هذا ! انصرف لا حاجة لنا في قتالك بعد هذا. ثم انصرفوا عن محاربة عكرمة وهم يسبون الاشعث ويلعنونه ! وقال عكرمة لاصحابه: أسرعوا السير إلى إخوانكم فإن الاشعث قد طلب الامان، ولعله إن غنم زياد وأصحابه ما في الحصن لا يشركونكم في شئ من ذلك لانهم قد سبقوكم إلى فتح الحصن، فلما قدموا إليه والاشعث بعد لم ينزل من الحصن وهو يستوثق لنفسه ولمن معه، فقال له زياد: ما صنعت مع قبائل كندة ؟ فقال له: صنعت والله: إني لقيت قوما لهم أقدار وأخطار، وصبر على الموت، فلم أزل أحاربهم حتى علمت أن انتصافهم مني أكثر من انتصافي منهم، وأتاني كتابك يخبر أن الاشعث يطلب

[398]

الامان، فكففت عن حرب القوم وانصرفت اليك. فقال زياد: لا والله: ولكنك جبنت فضعفت وكععت عن الحروب، ألم آمرك ان تضع سيفك فيهم ثم لا ترفعه عنهم وفيهم عين تطرف، فانصرفت إلي باصحابك خوفا من أن تفوتك الغنيمة قبح الله من يزعم أنك شجاع القلب بعد هذا. فغضب عكرمة وقال: أما والله يا زياد ! لو لقيتهم وقد أزمعوا على حربك لرأيت اسودا تحمي أشبالا وتكافح أبطالا ذات أنياب حداد ومخاليب شداد، ولتمنيت انهم ينصرفون عنك ويخلونك، وبعد ! فانك أظلم وأغشم وأجبن قلبا وأشح نفسا وأيبس، إذ قاتلت هؤلاء القوم وشننت هذه الحروب بينك وبينهم بسبب ناقة واحدة لا أقل ولا أكثر، ولو لم أغثك بجنودي هؤلاء لعلمت أنك تكون رهين سيوفهم وأسير أوامعهم. ثم نادى عكرمة في أصحابه وهم بالرحيل، فاعتذر إليه زياد مما تكلم به، وقبل عكرمة عذره. ونزل الاشعث من الحصن في أهل بيته وعشيرته من رؤساء بني عمه مع أهاليهم وأموالهم وأولادهم، ولم يكن أخذ الاشعث لنفسه الامان، فقال زياد: لم تسألني الامان لنفسك، والله لاقتلنك. فقال الاشعث: انا كنت الطالب لقومي الامان فلم اكن اثبت نفسي مع غيري، وأما قولك: إنك تقتلني، فوالله لئن قتلتني لتجلبن عليك وعلى صاحبك اليمن بأجمعها، فينسيك ما قد مضى.

[399]

فدخل زياد الحصن وجعل يأخذ المقاتلة ويضرب أعناقهم صبرا، فقالوا له: إنما فتحنا باب الحصن لان الاشعث خبرنا أنك أعطيت الامان، فلم تقتلنا ؟ ! فقال زياد: كذب الاشعث، ما أثبت في الكتاب غيره وغير أهل بيته وعشرة من بني عمه، فسكتوا وعلموا أن الاشعث هو الذي أسلمهم للقتل ! وبينما زياد يضرب أعناقهم إذ ورد عليه كتاب أبي بكر وفيه: أنه بلغني أن الاشعث قد سأل الامان ونزل على حكمي، فاحمله إلي ولا تقتلن أحدا من أشراف كندة. فقال زياد: لو سبق هذا الكتاب قتلي هؤلاء ما قتلت منهم أحدا. ثم جمع من بقي منهم فصفدهم بالحديد وكانوا ثمانين رجلا ووجههم إلى أبي بكر، فلما دخلوا عليه واوقفوا بين يديه قال للاشعث: الحمد لله الذي أمكن منك. فقال الاشعث: لعمري لقد أمكنك الله مني وقد كان مني ما كان من غيري، وذلك أن صاحبك زيادا قتل قومي ظلما وعدوانا، فكان مني ما قد علمت. فوثب عمر بن الخطاب وقال: يا خليفة رسول الله ! هذا الاشعث قد كان مسلما آمن بالنبي (ص) وقرأ القرآن وحج البيت ثم رجع عن دينه وغير وبدل منع الزكاة وقد قال النبي (ص): من بدل دينه فاقتلوه، وقد وسع الله عليك فاقتله فدمه حلال !

[400]

فقال الاشعث: يا خليفة رسول الله ! اني ما غيرت ولا بدلت ولا شححت على مالي، ولكن عاملك زياد بن لبيد جار على قومي، فقتل منهم من لا ذنب له فأنفت لذلك، وانتصرت لقومي فقاتلته. وقد كان مني ما كان واني أفدي نفسي وهؤلاء الملوك وأطلق كل أسير في بلاد اليمن وأكون عونا لك وناصرا ما بقيت على أن تزوجني أختك أم فروة بنت أبي قحافة، فإني لك نعم الصهر. فقال أبو بكر: قد فعلت. وزوجه أخته، وأحسن إليه غاية الاحسان، وكان عنده بأفضل المنازل وأرفعها ". إنتهى. أجمع المؤرخون على أن تلك الحروب كافة وقعت من أجل قلوص نفس بها صاحبها وتضرع إلى زياد أن يأخذ غيرها مكانها فأبى، فتشفع له رئيس من قومه فرده زياد. وكرهوا ذكر تفاصيلها لما تستوجب نقد الصحابة الكبار عدا ابن أعثم الذي أخذنا بعض الشرح منه. ومن الغريب أنهم أثنوا على زياد في ما فعل ووصفوه بالحازم الصلب في حين أن رسول الله (ص) نهى عن مثل هذه القسوة في حديث رواة من أصحاب الصحاح: البخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، والدارمي ومالك، كما رواه أحمد - أيضا - في مسنده ونحن نرويه عن البخاري، قال: قال

[401]

رسول الله (ص) لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قوما أهل كتاب فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم. فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب. قال ابن حجر في شرح الحديث بفتح الباري: " والكرائم جمع الكريمة أي نفيسة " ففيه ترك أخذ خيار المال والنكتة فيه أن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك، الاجحاف بمال الاغنياء. " واتق دعوة المظلوم: أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم ". " والنكتة في ذكره عقب المنع من أخذ الكرائم الاشارة إلى أن أخذها ظلم ". أخذ هؤلاء الزكاة لا ليردوها على فقرائهم في الحي، بل ليبعثوا بها إلى سادة قريش في المدينة، وعصوا أمر الرسول بأخذهم كرائم أموالهم ولم يتقوا دعوة المظلوم، وأعلنوا - بسبب قلوص - حربا دونها حرب البسوس في الجاهلية (ذ).


(ذ) قيل: إنها حرب وقعت بين بني بكر وبني تغلب من آل وائل بسبب ناقة قتلت ويضرب - >

[402]

وأعظم من كل ما فعلوا، رميهم المسلمين بالردة، وشاركهم المؤرخون في ذلك حتى اليوم. ونظير هذه الوقائع وأقسى منها، وقيعة خالد بمالك بن نويرة (ض). قال ابن أعثم: ضرب خالد عسكره بأرض بني تميم، وبث السرايا في البلاد يمنة ويسرة فوقعت سرية من تلك السرايا على مالك بن نويرة فإذا هو في حائط له ومعه امرأته وجماعة من بني عمه، فلم يرع مالك إلا والخيل أحدقت به فأخذوه أسيرا، وأخذوا امرأته معه - وكانت بها مسحة من جمال - وأخذوا كل من كان من بني عمه فأتوا بهم إلى خالد بن الوليد حتى اوقفوا بين يديه، فأمر خالد بضرب أعناق بني عمه بديا. فقال القوم: إنا مسلمون فعلى ماذا تأمر بقتلنا ؟ ! قال خالد: والله لاقتلنكم ! فقال له شيخ منهم: أليس قد نهاكم أبو بكر أن تقتلوا من صلى للقبلة ؟ ! فقال خالد بلى ! قد أمرنا بذلك، ولكنكم لم تصلوا ساعة قط !


< - بها المثل - راجع نهاية الارب (413) الحرب الاولى من حروب أيام العرب، والاغاني 1 / 139. (ض) أوردنا في الجزء الاول من هذا الكتاب تفصيل قصته، وكيف حرفها سيف. غير أنا لم نورد هناك رواية ابن أعثم ولهذا أوردناها هنا.

[403]

قال: فوثب أبو قتادة إلى خالد فقال: أشهد أنك لا سبيل لك عليهم. قال خالد: وكيف ذلك ؟ ! قال: لاني كنت في السرية التي قد وافتهم فلما نظروا إلينا، قالوا: " من أين انتم ؟ " قلنا: نحن المسلمون، فقالوا: " ونحن المسلمون " ثم أذنا وصلينا فصلوا معنا. فقال خالد: صدقت يا أبا قتادة، إن كانوا قد صلوا معكم فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم، ولابد من قتلهم. قال: فرفع شيخ منهم صوته وتكلم فلم يلتفت خالد إليه، وإلى مقالته فقدمهم وضرب أعناقهم عن آخرهم. قال: وكان أبو قتادة قد عاهد الله أنه لا يشهد مع خالد بن الوليد مشهدا أبدا بعد ذلك اليوم. قال: ثم قدم خالد مالك بن نويرة ليضرب عنقه، فقال مالك: أتقتلني وأنا مسلم اصلي إلى القبلة ! فقال له خالد: لو كنت مسلما لما منعت الزكاة، ولا أمرت قومك بمنعها. والله ما نلت ما في مثابتك حتى أقتلك. قال: فالتفت مالك بن نويرة إلى امرأته فنظر إليها ثم قال: يا خالد ! بهذه قتلتني ! فقال خالد: بل الله قتلك برجوعك عن دين الاسلام، وجفلك لابل الصدقة، وأمرك لقومك بحبس ما يجب عليهم من زكاة أموالهم.

[404]

ثم قدمه فضرب عنقه صبرا. فيقال إن خالد بن الوليد: تزوج بامرأة مالك ودخل بها وعلى ذلك أجمع أهل العلم ! يبغت جيش أبي بكر جمعا من المسلمين الذين لم يشهروا سيفا ولم يعلنوا حربا ! بل أعلنوا إسلامهم مرة بعد أخرى، وصلوا معهم، أخذوهم اسارى وضربوا أعناقهم صبرا بتهمة امتناعهم من دفع الزكاة ليروا هل يدفعونها أم يمتنعون ! ويتهم مالك خالدا بأنه يقتله من أجل زوجته ويصدق خالد قوله بزواجه من امرأة مالك بعد قتله ! أهذه حروب من أجل إرتداد هؤلاء عن الاسلام، أم من أجل زوجة مالك ؟ ! أم من أجل قلوص لم يرض المصدق تبديلها ؟ ! أم من أجل توقفهم عن بيعة أبي بكر، وامتناعهم من دفع الزكاة إليه ؟ ! وكيف ما كان الامر، فإن وصف هذه الحروب بالردة منذ عصر الصحابة وإلى اليوم، بالاضافة إلى ما رواه سيف واختلق باسم حروب الردة. كل ذلك بمجموعه يدل على أن الاسلام لم يكن متمكنا في قلوب المسلمين، وأن القبائل المسلمة في الجزيرة العربية خرجت من الاسلام أفواجا، وأنها اعيدت إلى الاسلام بقوة السيف ! كما أن ما رواه سيف عن الفتح يري أن الجيوش الاسلامية

[405]

قتلت مئات الالوف من أبناء الامم المجاورة حتى خضعت للاسلام في حين أن الواقع كان خلاف ذلك وأن الامم كانت تساعد المسلمين على حكامهم، كما وقع ذلك من أهل حمص وغيرهم من أهالي المدن الشامية مع الروم. قال البلاذري: إنه لما جمع هرقل للمسلمين الجموع، وبلغ المسلمين إقبالهم إليهم لوقعة اليرموك، ردوا على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج وقالوا: شغلنا عن نصرتكم والدفع عنكم فأنتم على أمركم. فقال أهل حمص: لولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما كنا فيه من الظلم والغشم، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم ! ونهض اليهود فقالوا: والتوراة ! لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نغلب ونجهد. فأغلقوا الابواب وحرسوها، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى واليهود. قال: فلما هزم الله الكفرة وأظهر المسلمين، فتحوا مدنهم وأخرجوا المقلسين (ظ) فلعبوا وأدوا الخراج. ووقع نظير ذلك في سواد العراق من قبل الدهاقين (غ) مع الفرس


(ظ) قلس القوم بتشديد اللام: استقبلوا الولاة عند قدومهم بضرب الدفوف والغناء واصناف اللهو. (غ) الدهقان: التاجر ورئيس الاقليم.

[406]

قال الحموي: وكان الدهاقين ناصحوا المسلمين ودلوهم على عورات فارس وأهدوا لهم وأقاموا لهم الاسواق، ثم توجه سعد نحو المدائن إلى يزدجرد - إلى قوله - فلم يجد معابر، فدلوه على مخاضة عند قرية الصيادين أسفل المدائن فأخاضوها الخيل حتى عبروا وهرب يزدجرد. هكذا يجد الباحث خلال النصوص التاريخية الصحيحة أدلة على استقبال الامم للمسلمين وإعانتهم على حكامهم، وأن القتال كان بين المسلمين والحكام المتسلطين على الشعوب، غير ان المدونات التاريخية بعد سيف رجعت جلها إلى روايات سيف، وفي روايات سيف يجد القارئ أن الجيوش الاسلامية أبادت بشرا كثيرا، وهدمت مدنا، خلافا للواقع الذي كان، مثل ما ذكر في فتوح العراق. قال سيف: إن المسلمين أبادوا الجيش الفارسي في غزوة ذات السلاسل. في حين أن هذه المعركة لم تقع بتاتا، ولم تقع معركة الثني في العراق، ولا معركة المذار فيها، ولا الولجة، ولا أليس، ولا أمغيشيا، بل لم توجد مدينة أمغيشيا التي قال سيف: إن المسلمين هدموها، وكذلك لم تقع معركة يوم المقر، وفم فرات بادقلي. ولم يقع كثير غيرهن من معارك مع الفرس والروم والتي ذكرها سيف في فتوحه.

[407]

تفرد سيف بذكر جميعها، وكذب في كل ما ذكر عنها، وخاصة في ما وصف من قتل المسلمين مئات الالوف من أبناء سائر الامم في تلك الحروب. وكان نتيجة انتشار رواياته أن ينتشر الاعتقاد بأن الاسلام انتشر بالسيف، فيقول أمثال المستشرق (اجناس جولت تسهير): " وجدت أمام أعيننا رقعة فسيحة كبيرة للاسلام، جاوزت الوطن (آ) وقد فتحت بقوة السيف ". ويقول عن الحاكمين: " هؤلاء الحاكمون المتجهون إلى الدنيا كانوا أكثر اهتماما بالانظمة القانونية الدينية التي تقوي من شأن الدولة والتي تدعو إلى الاستيلاء على ما فتحوه بالسيف من أجل الجنس العربي " (با). وقال بوليدور فيرجيل: إن الاسلام انتشر بحد السيف وشيوعية المرأة (*). لم يقتصر ضرر روايات سيف على هذا فحسب، بل نشر أساطير كثيرة دس بواسطتها الخرافات في عقائد المسلمين، مثل: اسطورة تناول خالد سم ساعة دون أن يؤثر فيه. واسطورة تهدم دور حمص بتكبيرتين من المسلمين.


(آ) يقصد الوطن العربي. (با) وهذا الفهم الخاطئ عن الفتوح - أيضا - انتشر من روايات سيف، فإنه صور تلك الحروب على شكل حروب من أجل غلبة العنصر العربي. (*). 283. 279.) * (danial. norman. or. cit. pp

[408]

وأسطورة فتح السوس بدق الدجال بابها برجله وقوله: إنفتح بظار. واسطورة إخبار شيطان الاسود المتنبي الكذاب الاسود بالغيب، وقيامه بأعمال خارقة شبيهة بمعجزات الانبياء. وكذلك شوش على المسلمين تاريخهم في ما حرف من أسماء وصحف مثل: تصحيفه اسم (عبد المسيح بن عمرو) مفاوض خالد في صلح الحيرة إلى (عمرو بن عبد المسيح). واسمي (معاوية وعمرو بن العاص) في حديث لعن النبي إياهما إلى (معاوية بن رافع وعمرو بن رفاعة). واسم (عبد الرحمن بن ملجم) - قاتل الامام - في رواياته عن السبئيين إلى (خالد بن ملجم). ومن أنواع التحريف عند سيف اختلاق أشخاص اسطوريين وتسميتهم بأسماء أشخاص وجدوا حقيقة مثل: إختلاقه (خزيمة بن ثابت الانصاري) الذي زعمه غير ذي الشهادتين، مرادفا لاسم (خزيمة بن ثابت ذي الشهادتين). و (سماك بن خرشة) الذي زعمه غير أبي دجانة مرادفا لاسم (سماك بن خرشة أبي دجانة). و (وبرة بن يحنس الخزاعي) مرادفا لاسم الصحابي (وبر بن يحنس الكلبي). هذا بالاضافة إلى اختلاقه كثيرا من الاسماء ارتجالا ليجعلهم

[409]

أبطالا لاساطيره، وقد مر في هذا الكتاب من مختلقاته من الصحابة: الاسود بن قطبة، وأعبد بن فدكي، وحميضة بن النعمان، وثمامة بن أوس بن لام الطائي، وشخريت، وطاهر بن أبي هالة، وعاصم بن عمرو الاسيدي، وعثمان بن ربيعة الثقفي، وعصمة بن عبد الله، والقعقاع بن عمرو بن مالك العمري، ونافع بن الاسود التميمي، ومهلهل بن زيد بن لام الطائي. ومن الصحابة الرواة: ظفر بن دهي، وعبيد بن صخر بن لوذان الانصاري السلمي، وأبو الزهراء القشيري. ومن الصحابة الشعراء: زياد بن حنظلة التميمي، وضريس القيسي. ومن الرواة غير الصحابة: بحر بن فرات العجلي، وحبيب بن ربيعة الاسدي، وحنظلة ابن زياد بن حنظلة، وزياد بن سرجس الاحمري، وسهل بن يوسف بن سهل الانصاري السلمي، وعبد الرحمن بن سياه الاحمري، وعبد الله بن سعيد بن ثابت بن الجذع الانصاري، وعروة بن غزية الدثيني، وعمارة بن فلان الاسدي، والغصن بن القاسم الكناني، ومحمد بن نويرة بن عبد الله، والمستنير بن يزيد والمقطع بن هيثم البكائي، والمهلب بن عقبة، ويزيد بن اسيد الغساني.

[410]

ومن الشعراء غير الصحابة: الخطيل بن أوس. ومن الاماكن: أبرق الربذة، والاخابث، والاعلاب، وجيروت، والحمقتين، ورياضة الروضات، وذات الخيم، وسنح في بلاد طي، والصبرات، وظهور الشحر، واللبان، والمر، ونضدون، وينعب. ومن قادة الفرس: الاندرزغر، وأنو شجان، ويهمن جاذويه، وقارن بن قريانس، وقباذ وكثير غيرهم. ومن قادة الروم: أرطبون - أدهى الروم، وغير هؤلاء. ومن أمثلة التحريف عنده تحريف اسم عبد الله بن وهب السبائي رئيس الخوارج إلى عبد الله بن سبأ الذي زعمه رئيسا للسبئيين. ومن أمثلة وضعه أسماء مرادفة لاسماء، وضعه (السبئية) للفرقة التي اختلق اسطورتها مرادفا (للسبئية) الدالة على الانتساب إلى القبائل اليمنية. ثم تطورت دلالة السبئية في التاريخ كما يلي: كانت السبئية تدل على الانتساب إلى القبائل اليمانية من سلالة سبأ بن يشجب مدى القرون في كل مكان. حتى إذا كان أوائل الحكم الاموي استعملت السبئية في الكوفة نبزا لتلك القبائل على ولائها لعلي بن أبي طالب (ع) كما وجدنا ذلك في النص الرسمي الذي كتبه زياد إلى معاوية حيث

[411]

نبزهم بالترابية (جا) تعييرا لهم كذلك. وكلما تقدم الزمن وقويت شوكة خصومهم العدنانيين في مقابل ضعف هؤلاء ازدادت الكلمة دلالة على ذم القبائل المنتسبة إليها وخاصة بعد إخمادهم ثورة المختار، فإن سلاح الاراجيف بقي مشهورا ضده وضد أنصاره من القبائل السبائية حتى اليوم. وفي أوائل العهد العباسي وجدنا السبائية استعملت في نص رسمي أقرب ما يكون إلى الواقع من أي نص آخر من قبل خصومهم في أي وقت آخر، فقد وجدنا الخليفة السفاح يقول في خطبته: " وزعمت السبائية الضلال أن غيرنا أحق بالرياسة والسياسة والخلافة ". إذا فكل ذنب هؤلاء أنهم كانوا يرون غير الخلفاء أحق بالرياسة والسياسة والخلافة من الخلفاء. وهذا هو منشأ الخلاف بينهم وبين غيرهم. وفي هذا العصر بالذات أو قبله بقليل، وضع سيف اسطورته السبئية ليقول: إن هذه العقيدة إنما نشأت من قبل يهودي اسمه عبد الله بن سبأ وسمي هؤلاء بالسبئية لانتسابهم إليه (دا).


(جا) يتضح ذلك بجلاء من تصريح زياد بأسمائهم وتعيين جرائمهم كما مر بيانه في فصل (حقيقة ابن سبأ والسبائية). (دا) ولا تفوتنا الاشارة إلى ان سيفا كان من ألد خصوم القبائل السبائية، وانه يرميهم في جل رواياته بأبشع التهم كما ذكرنا ذلك في اكثر من مرة، وقد اشتفى منهم في ما رماهم به في هذه الاسطورة.

[412]

وكان ذلك مبدأ تطور دلالة اللفظ من الدلالة على المنسوبين إلى القبائل السبائية مع النبز بعقيدتها إلى الدلالة على المنسوبين إلى يهودي جاء بمذهب جديد. ولكن هذا المذهب لم يكن عند سيف أكثر من عقيدة بأن عليا وصي النبي، وأن غيره قد غصب حقه. وقد وضعت الاسطورة تفسيرا للاحداث التي وقعت في عصر عثمان، وضد من ناوأه. ولو عرف سيف للسبئية عقيدة اخرى - كما قيل عنها بعد ذلك بقرنين - لما تورع عن نبز السبئيين بها. جرى في الكوفة خاصة كل ما ذكرنا من تطور مدلول السبئية، وفي الوقت نفسه كانت السبئية تدل في بلاد بعيدة عن الكوفة - مثل اليمن ومصر والاندلس - على الانتساب إلى القبائل اليمانية، واستمرت في الدلالة عليها إلى أواسط القرن الثالث الهجري. وفي بلاد الشرق المسلم نقل علماء كبار (مثل الطبري) الاسطورة السبئية عن سيف فانتشرت في كل مكان واشتهرت حتى نسيت دلالة السبئية على المنسوبين إلى قبائل قحطان ودلت في كل مكان على المنسوبين إلى عبد الله بن سبأ. وحدث تطور آخر في مدلول اللفظ، فبينما كانت السبئية في النصوص الصحيحة وفي ما وضعه سيف واختلق، تدل على من يعتقد بأن عليا أحق بالخلافة، أو أنه وأولاده أحق بها، وإذا بها في أوائل القرن الرابع تدل على من يعتقد بألوهية علي بن أبي طالب، فكيف حدث هذا التطور ؟ !

[413]

الجواب: إنه بعد اشتهار اسطورة سيف في كل مكان، أصبح عبد الله بن سبأ من قبيل الابطال الاسطوريين الذين تحوك الشعوب حولهم من خيالها أساطير لا تقف عند حد، ولما كان أهل الملل والنحل يسجلون العقائد السائدة في المجتمع كان يلزمهم الرجوع إلى المجتمع لتسجيل ما يعتقدون، وإلى الكتب لنقل المدون فيها عنهم. لهذا رجعوا إلى الناس وأخذوا منهم ما كانوا يعتقدونه عن السبئية في عصر الامام، ولما كان الناس لا يقفون عند حد في ما يتخيلون عن السبئية فقد تنامت الاسطورة وتكثرت في كتب اهل الملل والنحل تبعا لتناميها وتكثرها عند الناس، وكان من عادة القصاصين الشعبيين في المجتمع الاسلامي يومذاك وضع أسانيد لاساطيرهم تقليدا للرواة والمحدثين - كما شاهدنا ذلك في ما رووا من قصص النسناس - وذلك اخترعوا أسانيد لبعض تلك الاساطير. ومن كتب أهل الملل والنحل انتقلت الاسطورة بأسانيدها إلى سائر الكتب، ومن الجائز تسرب بعضها إلى رجال الكشي الذي قالوا فيه وفي كتابه. " كان ثقة عينا روى الضعفاء كثيرا وصحب العياشي وأخذ عنه وتخرج عليه، له كتاب الرجال. كثير العلم. وفيه أغلاط كثيرة ". وقالوا عن استاذه العياشي: " كان يروي عن الضعفاء كثيرا، وكان أول أمره عامي المذهب، وسمع حديث العامة فأكثر منه. ".

[414]

من الجائز تسرب بعض تلك الاساطير إلى رجال الكشي، ثم تسربت منه إلى سائر الكتب كما شاهدنا ذلك في ما سبق. ولم يقتصر الامر في ذلك على عبد الله بن سبأ وحده، ولا على كتاب رجال الكشي وحده، كما لم ينحصر هدفنا في نشر هذه البحوث في البرهنة على أن عبد الله بن سبأ شخصية اسطورية أو أن من بحثنا عنهم من صحابة مختلقين هم شخوص اسطورية أو أن بعض الاماكن المترجمة في الكتب البلدانية مختلقة، أو نثبت أن بعض الشعر أو الكتب السياسية أو الخرافات الاسطورية التي يتمسك بها المنقبون مدسوسة، أو أن بعض رواة الاخبار مختلقون لم يوجدوا ليرووا لنا رواية أو خبرا. لم يكن هدفنا من هذه البحوث المضنية ما ذكرناه آنفا فحسب. بل لانا وجدنا انصرافا معيبا عن تدارس سيرة النبي وأهل بيته وأصحابه. ولما كانت روايات السيرة والتاريخ وكتبهما لم يعن بتدراسها والمحافظة عليها منذ احقاب طويلة. فقد ضاعت مع الاسف الشديد آلاف الكتب الموثوقة في الباب، أمثال كتب أصحاب الائمة، ثم حل محلها أمثال تاريخ الطبري الذي يحوي من دس الزنادقة الشئ الكثير. وبما أن عقائد المسلمين تنشأ بصورة عفوية من تدارس سيرة النبي وأهل بيته وأصحابه، ومنه ينشأ تصورهم للاسلام وفهمهم له، وعلى ضوء ذلك الفهم يفسرون القرآن والحديث ويؤولونهما.

[415]

أضف إليه أن أمثال تلك الاحاديث قد تسربت من تلكم الكتب إلى كثير من كتبنا الاخرى أمثال كتب التفسير. ومن ثم فإنا نرى أن أثر تلك الروايات لم يقتصر على تشويش أفكار عامة الناس دون الخاصة بل يوشك أن يكون الجميع فيه على حد سواء ! ومن أجل ما ذكرنا لم ينحصر هدفنا من نشر بحوثنا في بيان عدد المختلقات في كتب السير والتاريخ، ولا في بيان كيف أن أخبارها تسربت إليها وحسب، بل استهدفنا - بالاضافة إلى ذلك - التنبيه على مدى ضرورة قيام امة من العلماء بتدارس كتب السير والتاريخ، وتدارس حال رواة أخبارها، وتدارس متون الاحاديث فيها، وعقد القواعد لتلك الدراسات، كما عملوا مع أحاديث الاحكام. وأن يقدموا للمجتمع الاسلامي بعد ذلك نتائج بحوثهم في السيرة تباعا، كما يفعلون ذلك في أبواب الفقه. كان هذا أهم ما استهدفناه من نشر بحوثنا في الحديث والتاريخ. والله من وراء القصد. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. تم تحريره صبيحة يوم الخميس 18 / ع 2 / 1392 ه‍ بقلم مرتضى العسكري ابن السيد محمد آل شيخ الاسلام ابن السيد إسماعيل بن محمد بن رضي الدين بن احمد بن رضي الدين بن أحمد الحسيني. حشرهم الله مع أجدادهم محمد وأهل بيته

[416]

صلوات الله عليهم أجمعين. مصادر خاتمة الكتاب: 1 - ردة كندة: أ - ابن أعثم، الفتوح 1 / 56 - 87. ب - البلاذري، فتوح البلدان (120 - 124) باب ردة بني وليعة والاشعث. ج - معجم البلدان بمادة (النجير) (4 / 762 - 764)، وفي مادة حضرموت (2 / 284 - 287) بتفصيل اوفى. 2 - حديث " إتقوا كرائم اموالهم ". أ - البخاري، باب اخذ الصدقة من الاغنياء وترد في الفقراء (1 / 181)، وباب: لا تؤخذ كرائم اموال الناس، من كتاب الزكاة (1 / 176)، وفتح الباري (4 / 65 و 99). ب - مسند احمد (1 / 233) في مسند ابن عباس، وفي كتاب الزكاة من كل من سنن أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجة والدارمي وموطأ مالك، وراجع طبقات ابن سعد (4 ق / 2 ص 76)، وكنز العمال الحديث 1194 من كتاب الزكاة. 3 - قصة مالك بن نويرة، في الفتوح لابن أعثم (1 / 20 - 23). 4 - إعانة اهل حمص المسلمين ضد هرقل - البلاذري في الحديث 367 من باب فتح حمص ص 162.

[417]

5 - إعانة الدهاقين للمسلمين في العراق، معجم البلدان (4 / 323) بمادة الكوفة. 6 - اقوال المستشرق - اجناس جولد تسيهر في كتابه (العقيدة والشريعة) ط 2، مطابع دار الكتاب العربي بمصر - (د. ت) (ص 43 و 48).

[419]

مصادر الكتاب

[421]

المصادر والمؤلفون حسب التسلسل الزمني: نسجل في ما يلي مصادر القسم الثاني من الكتاب ومراجعه بالاضافة إلى ما سجلناه في اخر القسم الاول. 1 - أبو يوسف يعقوب بن ابراهيم بن حبيب الانصاري الكوفي (1820 ه‍). كتاب الخراج، ط المطبعة السلفية بالقاهرة سنة 1346 ه‍. 2 - ابن الكلبي - أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب - (ت: 204 ه‍). جمهرة النسب ورجعنا إلى مختصرها مصورة في مكتبة آية الله المرعشي النجفي بقم، ويقع المختصر في مجلدين. الاول في نسب عدنان في 178 صفحة، والثاني في نسب قحطان صفحاتها (179 - 331). وعلى الكتاب تعليقات مصدرها نيف وعشرون كتابا بعضها غير موجود اليوم كالنواقل لابن الكلبي وتدل على ان المعلق (ويبدو انه هو الناسخ) كان علامة في النسب والتاريخ وكتب في اخر المجلدين: " وتم الكتاب المعروف بجمهرة النسب عن ابن الكلبي رواية ابن حبيب عنه، رواية السكري عنه وذلك بالمنزل المعروف

[422]

بالزعقة من طريق ديار مصر في العشرين من ذي الحجة سنة عشر وستمائة وانا متوجه إلى مصر، وكتب ياقوت بن عبد الله مولى عسكر الحموي، والحمد لله رب العالمين وصلواته على سيدنا محمد وآله الطاهرين ". فرغ من هذا المختصر في المجلدين في اوائل سنة ثمان واربعين وستمائة ببغداد المحروسة والحمد لله وحده والصلاة على محمد وآله. آخر الجزء الثاني من مختصر اختصر من كتاب الجمهرة لابن الكلبي وهو أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب الكلبي، رواية أبي جعفر محمد بن حبيب مولى بني هاشم، عنه رواية أبي سعيد السكري عنه، نقلت الجزء من خط المختصر في مدة آخرها يوم الجمعة لست بقين من ذي الحجة سنة خمس وستين وستمائة ه‍. الحمد لله رب العالمين وصلاته وسلامه على سيدنا محمد خاتم النبيين وآله وصحبه أجمعين. قابلته بأصل المختصر (رحمه الله) حرفا بحرف. 3 - ابن خياط خليفة أبو عمر وشباب العصفري المتوفى (240 ه‍). تاريخ ابن خياط تحقيق اكرم ضياء العمري ط. الاداب في النجف سنة 1386 ه‍. 4 - ابن حبيب أبو جعفر محمد بن حبيب البغدادي المتوفى (245 ه‍). أ - المحبر. تحقيق إيلزة ليختن شتيتر، ط. دائرة المعارف بحيدر

[423]

آباد سنة 1361 ه‍. ب - المنمق في اخبار قريش، تصحيح خورشيد احمد فاروق ط. حيدر آباد سنة 1348 ه‍. 5 - ابن عبد الحكم، أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الله القرشي (ت: 257 ه‍). فتوح افريقيا. 6 - البلاذري - احمد بن يحيى بن جابر البغدادي (ت: 279 ه‍). انساب الاشراف، مخطوطة مكتبة عاشر افندي بالاستانة الموجودة ببناء المكاتب المسمى سليمانية رقم (597 - 598) ولدينا مصور منها رجعنا إليه. 7 - ابن أبي طيفور، أبو الفضل احمد بن أبي طاهر المروزي الخراساني البغدادي المتوفى (280 ه‍). بلاغات النساء ط. الحيدرية في النجف سنة 1361 ه‍. 8 - الثقفي أبو اسحاق ابراهيم بن محمد الكوفي (ت: 283) الغارات. 9 - الاشعري، سعد بن عبد الله القمي المتوفى (301 ه‍). المقالات والفرق، تصحيح محمد جواد مشكور ط. الحيدري طهران سنة 1963 م. 10 - النسائي، أبو عبد الرحمن - احمد بن شعيب بن علي (ت: 303 ه‍). المجتبى من السنن الكبرى، ط. الميمنة في القاهرة سنة 1312 ه‍.

[424]

11 - النوبختي، الحسن بن موسى بن محمد، المتوفى (310 ه‍). فرق الشيعة ط. الحيدرية في النجف سنة 1355 ه‍. 12 - ابن أعثم، أبو محمد احمد بن أعثم الكوفي، المتوفى حدود سنة 314 ه‍. الفتوح ط. حيدر آباد سنة 1388 ه‍. 13 - الكليني أبو جعفر محمد بن يعقوب بن اسحاق الكليني الرازي المتوفى (38 ؟ / 339 ه‍). فروع الكافي تصحيح علي اكبر الغفاري، نشر دار الكتب الاسلامية بطهران سنة 1380 ه‍ الطبعة الثالثة. 14 - الاشعري أبو الحسن علي بن اسماعيل المتوفى (330 ه‍). مقالات الاسلاميين واختلاف المصلين. تحقيق محمد محيي الدين ونشر مكتبة النهضة بمصر سنة 1369 ه‍. 15 - ابن الفقيه أبو بكر محمد بن احمد الهمداني (ت: 340 ه‍). البلدان. ط. ليدن (1302 م). 16 - النعماني أبو زينب محمد بن ابراهيم بن جعفر توفي بعد سنة 342 ه‍ (1). الغيبة. نشر مكتبة صابري بتبريز سنة 1382 ه‍. 17 - أبو الحسين الملطي - محمد بن احمد بن عبد الرحمن


(1) راجع ترجمة المؤلف بمقدمة الكتاب.

[425]

الشافعي (- 377 ه‍). التنبيه والرد على اهل الاهواء والبدع. تعليق الكوثري ونشر السيد عزت العطار. ط. الاولى بمصر سنة 1369 ه‍. 18 - الصدوق أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي المتوفى (381 ه‍). أ - من لا يحضره الفقيه، تحقيق السيد حسن الخرسان ط. الخامسة نشر الشيخ علي الاخوندي. ب - الخصال. تصحيح الغفاري. نشر مكتبة الصدوق. وط الحيدري بطهران سنة 1389 ه‍. ج - معاني الاخبار. تصحيح الغفاري. ط. الحيدري بطهران سنة 1379 ه‍. 19 - العسكري أبو احمد الحسن بن عبد الله بن سعيد المتوفى (382 ه‍). التصحيف والتحريف، تحقيق عبد العزيز احمد ط. الاولى بمطبعة مصطفى البابي الحلبي سنة 1383 ه‍. 20 - ابن السكن أبو علي سعيد بن عثمان بن سعيد بن السكن البغدادي (ت 353). المنتقى. 21 - النجاشي أبو العباس احمد بن علي بن احمد بن العباس المتوفى (405 ه‍). الفهرست المشهور برجال النجاشي، تصحيح جلال الدين الغروي. ط. المصطفوي، نشر (مركز كتاب) بطهران.

[426]

22 - البغدادي عبد القاهر المتوفى (429 ه‍). الفرق بين الفرق. نشر عزت العطار بمصر سنة 1367 ه‍ وط. المدني بالقاهرة. 23 - ابن حزم أبو محمد بن احمد بن سعيد بن حزم الاندلسي المتوفى (456 ه‍). أ - جمهرة انساب العرب تحقيق عبد السلام ط. دار المعارف بمصر سنة 1382، واحيانا راجعنا طبعة ذخائر العرب تحقيق أليفي برونسال. ب - الفصل في الملل والاهواء والنحل. ط. الاولى مطبعة التمدن سنة 1321 ه‍. وطبعة محمد علي صبيح بمصر سنة 1347 ه‍. 24 - الشيخ الطوسي - أبو جعفر محمد بن الحسن المتوفى (460 ه‍). أ - الاستبصار في ما اختلف من الاخبار. تحقيق السيد حسن الخرسان ط. الثالثة بمطبعة النجف سنة 1375 ه‍. ب - تهذيب الاحكام في شرح المقنعة للشيخ المفيد. تحقيق السيد حسن الخرسان. ط. الثالثة نشر الشيخ علي الاخوندي سنة 1379 ه‍. ج - الفهرست، تصحيح السيد محمد صادق بحر العلوم. ط. الثانية الحيدرية في النجف 1380 ه‍. د - اختيار معرفة رجال الكشي، أبو عمرو محمد بن عمر بن

[427]

عبد العزيز، المعاصر لابن قولويه. المتوفى (369 ه‍) تصحيح المصطفوي. ط. (دانشكاه مشهد) سنة 1348 ه‍. ش. 25 - الخطيب أبو بكر احمد بن علي بن ثابت البغدادي المتوفى (463 ه‍). موضح اوهام الجمع والتفريق ج 1 و 2 ط. حيدر آباد سنة 1378 ه‍. 26 - الاسفرائيني أبو المظفر. المتوفى (471 ه‍). التبصير في الدين. ط. الخانجي بمصر سنة 1374 ه‍. 27 - العلوي محمد بن الحسين. توفى بعد سنة (485 ه‍). بيان الاديان (ألفه سنه 485 ه‍) تصحيح هاشم رضي ط. سبهر بطهران سنة 1342 ه‍. ش. 28 - الطبرسي امين الدين أو امين الاسلام، أبو علي الفضل ابن الحسن بن الفضل الطبرسي السبزواري (- 548 ه‍). مجمع البيان ط. العرفان بصيدا سنة 1355 ه‍. 29 - الطبرسي أبو نصر الحسن بن الفضل المتوفى في القرن السابع الهجري. مكارم الاخلاق. ط. طهران سنة 1314 ه‍. 30 - الحميري، أبو سعيد نشوان. المتوفى (573 ه‍) الحور العين ط. السعادة بمصر سنة 1948 م. 31 - أبو بكر محمد بن عثمان الحازمي الهمداني (548 أو 549 - ج 1 / 584 ه‍). (عجالة المبتدي وفضالة المنتهي في النسب). تحقيق عبد

[428]

الله كنون. ط. الهيئة العامة لشؤون المطابع الاميرية بالقاهرة. سنة 1384 ه‍. 32 - ابن شهر آشوب أبو جعفر رشيد الدين محمد بن علي السروي المازندراني، المتوفى (588 ه‍). مناقب آل أبي طالب، ط. العلمية بقم. 33 - ابن رشد، أبو الوليد محمد بن احمد بن محمد القرطبي، المتوفى (595 ه‍). بداية المجتهد ونهاية المقتصد. ط. النهضة الجديدة ونشر مكتبات الكليات الازهرية بالقاهرة سنة 1389 ه‍. 34 - ابن الجوزي، أبو الفرج عبد الرحمن بن علي، المتوفى (597 ه‍). الموضوعات. تحقيق عبد الرحمن محمد عثمان. ط الاولى القاهرة. مطبعة المجد سنة 1386 ه‍. 35 - الرسعني (1) عبد الرزاق بن رزق الله بن ابي بكر، توفي بعد سنة 647 ه‍. مختصر الفرق للبغدادي. اختصر الكتاب سنة 648. تصحيح فيليب حتى. ط. دار الهلال بمصر سنة 1934 م. 36 - ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ابن علي، المتوفى (711 ه‍). لسان العرب ط. بيروت.


(1) الرسعين نسبة إلى مدينة رأس عين بديار بكر يخرج منها ماء الخابور، ونسبة إلى رأس عين قرية بفلسطين. راجع الرسعين في اللباب ورأس عين بمعجم البلدان.

[429]

37 - الذهبي، أبو عبد الله محمد بن احمد بن عثمان بن قايماز، المتوفى (748 ه‍). أ - تذكرة الحفاظ ط. حيدر آباد سنة 1375 ه‍. ب - المشتبه في الرجال واسمائهم وانسابهم. تحقيق علي محمد البجاوي. ط. الاولى. مطبعة عيسى البابي الحلبي سنة 1962 م. ج - العبر في خبر من غبر (1 - 4) ط. الكويت. الجزء الاول والرابع. تحقيق صلاح الدين المنجد سنة 1960 و 1963 م. والجزء الثاني والثالث تحقيق فؤاد السيد. سنة 1961 م. 38 - الجرجاني، السيد شريف المتوفى (816 ه‍). التعريفات. ط، الحلبي سنة 1375 ه‍. 39 - ابن حجر احمد بن علي العسقلاني. المتوفى (852 ه‍). أ - لسان الميزان، ط. الاولى. حيدر آباد سنة 1329 ه‍. ب - تقريب التهذيب، تحقيق عبد الوهاب عبد اللطيف ط. الاولى، دار الكتاب العربي في القاهرة سنة 1380 ه‍. ج - فتح الباري بشرح صحيح البخاري. ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر سنة 1378 ه‍. د - تبصير المنتبه بتحرير المشتبه. تحقيق البجاوي، وط. الدار المصرية للتأليف والترجمة سنة 1386 -. 40 - القوشجي، الشيخ علاء الدين علي بن محمد. المتوفى (870 ه‍).

[430]

" شرح التجريد " الذي شرح فيه " تجريد الكلام في تحرير عقائد الاسلام " لنصر الدين الطوسي المتوفى (672) ط. حجر 1285 ه‍. 41 - القسطلاني - احمد بن محمد بن ابي بكر الخطيب - (ت: 923 ه‍). المواهب اللدنية. ط. مصر سنة 1281 ه‍. 42 - القهبائي، المولى عناية الله بن علي. توفي بعد سنة (1016 ه‍). مجمع الرجال، تصحيح ضياء الدين. ط. روشن باصبهان سنة 1387 ه‍. 43 - الفيض، ملا محسن بن محمد بن مرتضى المتوفى (1091 ه‍). الوافي. تصحيح محمد رضا الخونساري ط. الحجرية سنة 1323 و 1344. 44 - الحر العاملي، الشيخ محمد بن الحسن، المتوفى (1104 ه‍). الوسائل ط. امير بهادر سنة 1323 - 1324 ه‍. 45 - البحراني، السيد هاشم بن سليمان بن اسماعيل التوبلي الكتكتاني، المتوفى 1107 ه‍. غاية المرام وحجة الخصام في تعيين الامام من طريق الخاص والعام. فرغ منه سنة 1100 ه‍ وطبع بطهران سنة 1272 ه‍. 46 - المجلسي، محمد باقر بن محمد تقي، المتوفى (1111

[431]

ه‍) باصبهان. البحار ط الكمباني سنة (1303 - 1314 ه‍). 47 - الاردبيلي محمد بن علي الغروي توفي بعد سنة (1100 ه‍). جامع الرواة وازاحة الاشتباهات عن الطرق والاسناد. ط. الاولى (شركة جاب رنكين) سنة 1334 ه‍. ش بطهران. 48 - التفرشي، المير مصطفى المتوفى بعد سنة (1044 ه‍) (1). نقد الرجال ط. طهران سنة 1318 ه‍. 49 - البحراني، الشيخ يوسف الدرازي. المتوفى (1186 ه‍) الحدائق الناظرة في احكام العترة الطاهرة. ط. الاولى. النجف الاشرف. 50 - البستاني، بطرس بولس بن عبد الله. المتوفى (1300 ه‍). دائرة المعارف ط. الهلال بمصر سنة 1900 م. 51 - النوري ميرزا حسين. المتوفى (1320 ه‍). مستدرك الوسائل. ط. الاولى ايران 1318 - 1333 ه‍. 52 - النبهاني يوسف بن اسماعيل (- 1350 ه‍). أ - الانوار المحمدية. اختصار المواهب اللدنية للقسطلاني


(1) راجع ترجمته في مصفى المقال (460).

[432]

(- 923 ه‍) ط. بيروت سنة 1312 ه‍. ب - وسائل الوصول إلى شمائل الرسول. ألفها سنة 1209 ط. بيروت 1350 ه‍. 53 - المامقاني، الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد حسن المتوفى (1351 ه‍). تنقيح المقال في احوال الرجال. ط المرتضوية، النجف سنة 1350 ه‍. 54 - فريد وجدي. المتوفى (1373 ه‍). دائرة المعارف. ط. المعارف بمصر سنة 1356 ه‍. 55 - الطهراني، الشيخ آغا بزرك محمد محسن. المتوفى (1389 ه‍). مصفى المقال في مصنفي علم الرجال. تصحيح احمد المنزوي. ط. الاولى (جابخانة دولتي ايران) سنة 1378 ه‍. 56 - التستري، الشيخ محمد تقي المعاصر. قاموس الرجال، نشر مركز نشر الكتاب بطهران ط. الاولى. سنة 1350 ه‍. 54 - فريد وجدي. المتوفى (1373 ه‍). دائرة المعارف. ط. المعارف بمصر سنة 1356 ه‍. 55 - الطهراني، الشيخ آغا بزرك محمد محسن. المتوفى (1389 ه‍). مصفى المقال في مصنفي علم الرجال. تصحيح احمد المنزوي. ط. الاولى (جابخانة دولتي ايران) سنة 1378 ه‍. 56 - التستري، الشيخ محمد تقي المعاصر. قاموس الرجال، نشر مركز نشر الكتاب بطهران ط. الاولى. المصطفوي بطهران، والعلمية بقم سنة 1379 - 1391 ه‍. 57 - المؤلف. أ - احاديث ام المؤمنين عائشة، القسم الاول ط. طهران سنة 1380 ه‍. ب - عبد الله بن سبأ. ط، الثالثة بيروت سنة 1388 ه‍. ج - خمسون ومائة صحابي مختلق، ط. الثانية، بغداد سنة

[433]

1389 ه‍. 58 - اجناس جولد تسهير (1850 - 1921 م). تاريخ التطور العقدي والتشريعي في الدين الاسلامي. نقله إلى العربية وعلق عليه: محمد يوسف موسى، وعلي حسن عبد القادر، وعبد العزيز عبد الحق - الطبعة الثانية، دار الكتب الحديثة بمصر.

مكتبة يعسوب الدين عليه السلام الإلكترونية